المحلى بالآثار
ابن حزم
خطبة المؤلف وموضوع الكتاب
[خِطْبَة المؤلف وَمَوْضُوع الْكتاب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُصْحِبَنَا الْعِصْمَةَ مِنْ كُلِّ خَطَإٍ وَزَلَلٍ، وَيُوَفِّقَنَا لِلصَّوَابِ فِي كُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ. آمِينَ آمِينَ. (أَمَّا بَعْدُ) وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ لِطَاعَتِهِ، فَإِنَّكُمْ رَغِبْتُمْ أَنْ نَعْمَلَ لِلْمَسَائِلِ الْمُخْتَصَرَةِ الَّتِي جَمَعْنَاهَا فِي كِتَابِنَا الْمَوْسُومِ " بِالْمُحَلَّى " شَرْحًا مُخْتَصَرًا أَيْضًا، نَقْتَصِرُ فِيهِ عَلَى قَوَاعِدِ الْبَرَاهِينِ بِغَيْرِ إكْثَارٍ، لِيَكُونَ مَأْخَذُهُ سَهْلًا عَلَى الطَّالِبِ وَالْمُبْتَدِئِ، وَدَرَجًا لَهُ إلَى التَّبَحُّرِ فِي الْحِجَاجِ وَمَعْرِفَةِ الِاخْتِلَافِ وَتَصْحِيحِ الدَّلَائِلِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ مِمَّا تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهِ وَالْإِشْرَافِ عَلَى أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَالْوُقُوفِ عَلَى جَمْهَرَةِ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَمْيِيزِهَا مِمَّا لَمْ يَصِحَّ، وَالْوُقُوفِ عَلَى الثِّقَاتِ مِنْ رُوَاةِ الْأَخْبَارِ وَتَمْيِيزِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى فَسَادِ الْقِيَاسِ وَتَنَاقُضِهِ وَتَنَاقُضِ الْقَائِلِينَ بِهِ، فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَمَلِ ذَلِكَ، وَاسْتَعَنْته تَعَالَى عَلَى الْهِدَايَةِ إلَى نَصْرِ الْحَقِّ، وَسَأَلْته التَّأْيِيدَ عَلَى بَيَانِ ذَلِكَ وَتَقْرِيبِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ لِوَجْهِهِ خَالِصًا وَفِيهِ مَحْضًا آمِينَ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. وَلْيَعْلَمْ مَنْ قَرَأَ كِتَابَنَا هَذَا أَنَّنَا لَمْ نَحْتَجَّ إلَّا بِخَبَرٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ مُسْنَدٍ وَلَا خَالَفْنَا إلَّا خَبَرًا ضَعِيفًا فَبَيَّنَّا ضَعْفَهُ، أَوْ مَنْسُوخًا فَأَوْضَحْنَا نَسْخَهُ. وَمَا تَوْفِيقُنَا إلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى.
كتاب التوحيد
[كِتَابُ التَّوْحِيدِ] [مَسْأَلَة بَيَان أَوَّل مَا يَلْزَم كُلّ أَحَد وَلَا يَصِحّ الْإِسْلَام إلَّا بِهِ] ِ 1 - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَوَّلُ مَا يَلْزَمُ كُلَّ أَحَدٍ وَلَا يَصِحُّ الْإِسْلَامُ إلَّا بِهِ أَنْ يَعْلَمَ الْمَرْءُ بِقَلْبِهِ عِلْمَ يَقِينٍ وَإِخْلَاصٍ لَا يَكُونُ لِشَيْءٍ مِنْ الشَّكِّ فِيهِ أَثَرٌ وَيَنْطِقَ بِلِسَانِهِ وَلَا بُدَّ بِأَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نا رَوْحٌ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» . وَقَدْ رَوَى مَعْنَى هَذَا مُسْنَدًا مُعَاذٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ وَجَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا وُجُوبُ عَقْدِ ذَلِكَ بِالْقَلْبِ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] . وَالْإِخْلَاصُ فِعْلُ النَّفْسِ. وَأَمَّا وُجُوبُ النُّطْقِ بِاللِّسَانِ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ بِذَلِكَ الْمُخْرِجَةُ لِلدَّمِ وَالْمَالِ مِنْ التَّحْلِيلِ إلَى التَّحْرِيمِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَكُونُ إلَّا بِاللِّسَانِ ضَرُورَةً. 2 - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَتَفْسِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ: هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إلَهُ كُلِّ شَيْءٍ دُونَهُ، وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ دُونَهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الْعَالَمَ بِكُلِّ مَا فِيهِ ذُو زَمَانٍ لَمْ يَنْفَكَّ عَنْهُ قَطُّ، وَلَا يُتَوَهَّمُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْلُوَ الْعَالَمُ عَنْ زَمَانٍ. وَمَعْنَى الزَّمَانِ هُوَ مُدَّةُ
مسألة في بيان أن الله تعالى واحد لم يزل ولا يزال
بَقَاءِ الْجِسْمِ مُتَحَرِّكًا أَوْ سَاكِنًا وَمُدَّةُ وُجُودِ الْعَرَضِ فِي الْجِسْمِ، وَإِذْ الزَّمَانُ مُدَّةٌ كَمَا ذَكَرْنَا فَهُوَ عَدَدٌ مَعْدُودٌ، وَيَزِيدُ بِمُرُورِهِ وَدَوَامِهِ، وَالزِّيَادَةُ لَا تَكُونُ أَلْبَتَّةَ إلَّا فِي ذِي مَبْدَأٍ وَنِهَايَةٍ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى مَا زَادَ فِيهِ. وَالْعَدَدُ أَيْضًا ذُو مَبْدَأٍ وَلَا بُدَّ، وَالزَّمَانُ مُرَكَّبٌ بِلَا شَكٍّ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ فَهُوَ بِيَقِينٍ ذُو نِهَايَةٍ مِنْ أَوَّلِهِ وَمُنْتَهَاهُ وَالْكُلُّ لَيْسَ هُوَ شَيْئًا غَيْرَ أَجْزَائِهِ، وَأَجْزَاؤُهُ كُلُّهَا ذَاتُ مَبْدَأٍ، فَهُوَ كُلُّهُ ذُو مَبْدَأٍ ضَرُورَةً، فَلَمَّا كَانَ الزَّمَانُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَبْدَأٍ ضَرُورَةً، وَكَانَ الْعَالَمُ كُلُّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ زَمَانٍ وَالزَّمَانُ ذُو مَبْدَأٍ، فَمَا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذَا الْمَبْدَأِ فَهُوَ ذُو مَبْدَأٍ وَلَا بُدَّ، فَالْعَالَمُ كُلُّهُ جَوْهَرُهُ وَعَرَضُهُ ذُو مَبْدَأٍ وَإِذْ هُوَ ذُو مَبْدَأٍ فَهُوَ مُحْدَثٌ، وَالْمُحْدَثُ يَقْتَضِي مُحْدِثًا ضَرُورَةً إذْ لَا يُتَوَهَّمُ أَصْلًا وَلَا يُمْكِنُ مُحْدَثٌ إلَّا وَلَهُ مُحْدِثٌ، فَالْعَالَمُ كُلُّهُ مَخْلُوقٌ وَلَهُ خَالِقٌ لَمْ يَزَلْ، وَهُوَ مَلِكُ كُلِّ مَا خَلَقَ، فَهُوَ إلَهُ كُلِّ مَا خَلَقَ وَمُخْتَرِعُهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ. [مَسْأَلَة فِي بَيَان أَنْ اللَّه تَعَالَى وَاحِد لَمْ يزل وَلَا يزال] 3 - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هُوَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَأَنَّهُ تَعَالَى وَاحِدٌ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَمَّا صَحَّ ضَرُورَةً أَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ مَخْلُوقٌ وَأَنَّ لَهُ خَالِقًا وَجَبَ أَنْ لَوْ كَانَ الْخَالِقُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَصَرَهُمَا الْعَدَدُ، وَكُلُّ مَعْدُودٍ فَذُو نِهَايَةٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَكُلُّ ذِي نِهَايَةٍ فَمُحْدَثٌ. وَأَيْضًا فَكُلُّ اثْنَيْنِ فَهُمَا غَيْرَانِ، وَكُلُّ غِيَرَيْنِ فَفِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا مَعْنًى مَا صَارَ بِهِ غَيْرَ الْآخَرِ، فَعَلَى هَذَا كَانَ يَكُونُ أَحَدُهُمَا وَلَا بُدَّ مُرَكَّبًا مِنْ ذَاتِهِ وَمِمَّا غَايَرَ بِهِ الْآخَرَ، وَإِذَا كَانَ مُرَكَّبًا فَهُوَ مَخْلُوقٌ مُدَبَّرٌ فَبَطَلَ كُلُّ ذَلِكَ وَعَادَ الْأَمْرُ إلَى وُجُوبِ أَنَّهُ وَاحِدٌ وَلَا بُدَّ، وَأَنَّهُ بِخِلَافِ خَلْقِهِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَالْخَلْقُ كَثِيرٌ مُحْدَثٌ، فَصَحَّ أَنَّهُ تَعَالَى بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ وَاحِدٌ لَمْ يَزَلْ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْعَالَمِ - تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ - قَالَ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] . [مَسْأَلَة فِي بَيَان أَنْ اللَّه خلق كُلّ شَيْء لِغَيْرِ عِلَّة وبرهان ذَلِكَ] 4 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ لِغَيْرِ عِلَّةٍ أَوْجَبَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْلُقَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا فَعَلَ لِعِلَّةٍ لَكَانَتْ تِلْكَ الْعِلَّةُ إمَّا لَمْ تَزَلْ مَعَهُ وَإِمَّا مَخْلُوقَةً مُحْدَثَةً وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ، فَلَوْ كَانَتْ لَمْ تَزَلْ مَعَهُ لَوَجَبَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئَانِ مُمْتَنِعَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مَعَهُ تَعَالَى غَيْرَهُ لَمْ يَزَلْ، فَكَانَ يُبْطِلُ التَّوْحِيدَ الَّذِي قَدْ أَبَنَّا بُرْهَانَهُ آنِفًا؛ وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ إذْ كَانَتْ عِلَّةُ الْخَلْقِ لَمْ تَزَلْ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ لَمْ يَزَلْ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا تُفَارِقُ الْمَعْلُولَ، وَلَوْ فَارَقَتْهُ لَمْ تَكُنْ عِلَّةً لَهُ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا آنِفًا بُرْهَانَ وُجُوبِ حُدُوثِ الْعَالَمِ كُلِّهِ. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَتْ هَهُنَا عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ عَلَيْهِ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ مَا فَعَلَ لَكَانَ مُضْطَرًّا
مسألة في أن النفس مخلوقة وأن الروح نفس الجسد وبرهان ذلك
مَطْبُوعًا أَوْ مُدَبِّرًا مَقْهُورًا لِتِلْكَ الْعِلَّةِ، وَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مُحْدَثَةً لَكَانَتْ وَلَا بُدَّ إمَّا مَخْلُوقَةً لَهُ تَعَالَى وَإِمَّا غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ فَقَدْ أَوْضَحْنَا آنِفًا وُجُوبَ كَوْنِ كُلِّ شَيْءٍ مُحْدَثٍ مَخْلُوقًا، فَبَطَلَ هَذَا الْقِسْمُ. وَإِنْ كَانَتْ مَخْلُوقَةً وَجَبَ وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَخْلُوقَةً لِعِلَّةٍ أُخْرَى أَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، فَإِنْ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَخْلُوقَةً لِعِلَّةٍ أُخْرَى وَجَبَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْعِلَّةِ الثَّانِيَةِ وَهَكَذَا أَبَدًا، وَهَذَا يُوجِبُ وُجُوبَ مُحْدِثِينَ لَا نِهَايَةَ لِعَدَدِهِمْ. وَهَذَا بَاطِلٌ لِمَا ذَكَرْنَا آنِفًا وَبِأَنَّ كُلَّ مَا خَرَجَ إلَى الْفِعْلِ فَقَدْ حَصَرَهُ الْعَدَدُ ضَرُورَةً بِمِسَاحَتِهِ أَوْ بِزَمَانِهِ وَلَا بُدَّ، وَكُلُّ مَا حَصَرَهُ الْعَدَدُ فَهُوَ مُتَنَاهٍ. فَبَطَلَ هَذَا الْقِسْمُ أَيْضًا وَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. وَإِنْ قَالُوا: بَلْ خُلِقَتْ الْعِلَّةُ لَا لِعِلَّةٍ. سَأَلُوا: مِنْ أَيْنَ وَجَبَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَشْيَاءَ لِعِلَّةٍ وَيَخْلُقَ الْعِلَّةَ لَا لِعِلَّةٍ؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى دَلِيلٍ. [مَسْأَلَة فِي أَنْ النَّفْس مخلوقة وَأَن الرُّوح نَفْس الجسد وبرهان ذَلِكَ] 5 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ النَّفْسَ مَخْلُوقَةٌ. بُرْهَانُ هَذَا: أَنَّنَا نَجِدُ الْجِسْمَ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ لَا يَحُسُّ شَيْئًا وَأَنَّ الْمَرْءَ إذَا فَكَّرَ فِي شَيْءٍ مَا فَإِنَّهُ كُلَّمَا تَخَلَّى عَنْ الْجَسَدِ كَانَ أَصَحَّ لِفَهْمِهِ وَأَقْوَى لِإِدْرَاكِهِ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْحَسَّاسَ الْعَالِمَ الذَّاكِرَ هُوَ شَيْءٌ غَيْرُ الْجَسَدِ وَنَجِدُ الْجَسَدَ إذَا تَخَلَّى مِنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَوْجُودًا بِكُلِّ أَعْضَائِهِ وَلَا حِسَّ لَهُ وَلَا فَهْمَ إمَّا بِمَوْتٍ وَإِمَّا بِإِغْمَاءٍ وَإِمَّا بِنَوْمٍ، فَصَحَّ أَنَّ الْحَسَّاسَ الذَّاكِرَ هُوَ غَيْرُ الْجَسَدِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى فِي اللُّغَةِ نَفْسًا وَرُوحًا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر: 42] فَكَانَتْ النُّفُوسُ كَمَا نَصَّ تَعَالَى كَثِيرَةً، وَكَذَلِكَ وَجَدْنَاهَا نَفْسًا خَبِيثَةً وَأُخْرَى طَيِّبَةً، وَنَفْسًا ذَاتَ شَجَاعَةٍ وَأُخْرَى ذَاتَ جُبْنٍ، وَأُخْرَى عَالِمَةً وَأُخْرَى جَاهِلَةً، فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ لِكُلِّ حَيٍّ نَفْسًا غَيْرَ نَفْسِ غَيْرِهِ، فَإِذَا تَيَقَّنَ ذَلِكَ وَكَانَتْ النُّفُوسُ كَثِيرَةً مُرَكَّبَةً مِنْ جَوْهَرِهَا وَصِفَاتِهَا، فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْعَالَمِ، وَهِيَ مَا لَمْ يَنْفَكَّ قَطُّ مِنْ زَمَانٍ وَعَدَدٍ فَهِيَ مُحْدَثَةٌ مُرَكَّبَةٌ، وَكُلُّ مُحْدَثٍ مُرَكَّبٍ مَخْلُوقٌ. وَمَنْ جَعَلَ شَيْئًا مِمَّا دُونَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مَخْلُوقٍ فَقَدْ خَالَفَ اللَّهَ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [الأنعام: 101] وَخَالَفَ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّبُوَّةُ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَمَا قَامَ بِهِ الْبُرْهَانُ الْعَقْلِيُّ. 6 - مَسْأَلَةٌ: وَهِيَ الرُّوحُ نَفْسُهُ، بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّهُ قَدْ قَامَ الْبُرْهَانُ كَمَا ذَكَرْنَا بِأَنَّ هَهُنَا شَيْئًا مُدَبِّرًا لِلْجَسَدِ هِيَ الْحَيُّ الْحَسَّاسُ الْمُخَاطَبُ، وَلَمْ يَقُمْ بُرْهَانٌ قَطُّ بِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ، فَكَانَ مَنْ زَعَمَ بِأَنَّ الرُّوحَ غَيْرُ النَّفْسِ قَدْ زَعَمَ بِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ وَقَالَ مَا لَا بُرْهَانَ لَهُ
بِصِحَّتِهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ. قَالَ تَعَالَى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] فَمَنْ لَا بُرْهَانَ لَهُ فَلَيْسَ صَادِقًا، فَصَحَّ أَنَّ النَّفْسَ وَالرُّوحَ اسْمَانِ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ نا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلَالٍ: اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمْ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلَهُمْ اسْتِيقَاظًا فَقَالَ: يَا بِلَالُ فَقَالَ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر: 42] إلَى قَوْلِهِ {أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر: 42] . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ نا أَبُو دَاوُد نا عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ هُوَ الْجَهْضَمِيُّ ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ نا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ نا خَالِدُ بْنُ سَمِيرٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ حَدَّثَنِي أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَ فِيهِ نَوْمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَلَا إنَّا نَحْمَدُ اللَّهَ أَنَّا لَمْ نَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا يَشْغَلُنَا عَنْ صَلَاتِنَا، وَلَكِنَّ أَرْوَاحَنَا كَانَتْ بِيَدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَرْسَلَهَا أَنَّى شَاءَ» فَعَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَنْفُسِ وَبِالْأَرْوَاحِ عَنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَثْبُتُ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
مسألة في برهان أن العرش مخلوق
فِي هَذَا الْبَابِ خِلَافٌ لِهَذَا أَصْلًا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ. [مَسْأَلَة فِي برهان أَنْ العرش مَخْلُوق] 7 - مَسْأَلَةٌ: وَالْعَرْشُ مَخْلُوقٌ؛ بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 26] وَكُلُّ مَا كَانَ مَرْبُوبًا فَهُوَ مَخْلُوقٌ. [مَسْأَلَة الدليل عَلَى أَنْ اللَّه لَيْسَ كمثله شَيْء] 8 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَلَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ شَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ. قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا، وَلَوْ تَمَثَّلَ تَعَالَى فِي صُورَةِ شَيْءٍ لَكَانَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ مِثْلًا لَهُ وَهُوَ تَعَالَى يَقُولُ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] . [مَسْأَلَة فِي بَيَان أَنْ النُّبُوَّة حَقّ وبرهان ذَلِكَ] 9 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ النُّبُوَّةَ حَقٌّ؛ بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ مَا غَابَ عَنَّا أَوْ كَانَ قَبْلَنَا فَلَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْخَبَرِ عَنْهُ. وَخَبَرُ التَّوَاتُرِ يُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ وَلَا بُدَّ، وَلَوْ دَخَلَتْ فِي نَقْلِ التَّوَاتُرِ دَاخِلَةٌ أَوْ شَكٌّ لَوَجَبَ أَنْ يَدْخُلَ الشَّكُّ هَلْ كَانَ قَبْلَنَا خَلْقٌ أَمْ لَا؛ إذْ لَمْ نَعْرِفْ كَوْنَ الْخَلْقِ مَوْجُودًا قَبْلَنَا إلَّا بِالْخَبَرِ، وَمَنْ بَلَغَ هَهُنَا فَقَدْ فَارَقَ الْمَعْقُولَ وَبِنَقْلِ التَّوَاتُرِ الْمَذْكُورِ صَحَّ أَنَّ قَوْمًا مِنْ النَّاسِ أَتَوْا أَهْلَ زَمَانِهِمْ يَذْكُرُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ الْخَلْقِ أَوْحَى إلَيْهِمْ يَأْمُرُهُمْ بِإِنْذَارِ قَوْمِهِمْ بِأَوَامِرَ أَلْزَمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إيَّاهَا، فَسَأَلُوا بُرْهَانًا عَلَى صِحَّةِ مَا قَالُوا: فَأَتَوْا بِأَعْمَالٍ هِيَ خِلَافٌ لِطَبَائِعِ مَا فِي الْعَالَمِ لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهَا مَخْلُوقٌ، حَاشَا خَالِقَهَا الَّذِي ابْتَدَعَهَا كَمَا شَاءَ، كَقَلْبِ عَصًا حَيَّةً تَسْعَى، وَشَقِّ الْبَحْرِ لِعَسْكَرٍ جَازُوا فِيهِ وَغَرِقَ مَنْ اتَّبَعَهُمْ؛ وَكَإِحْيَاءِ مَيِّتٍ قَدْ صَحَّ مَوْتُهُ، وَكَإِبْرَاءِ أَكْمَهٍ وُلِدَ أَعْمَى، وَكَنَاقَةٍ خَرَجَتْ مِنْ ` `` صَخْرَةٍ، وَكَإِنْسَانٍ رُمِيَ فِي النَّارِ فَلَمْ يَحْتَرِقْ، وَكَإِشْبَاعِ عَشَرَاتٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ صَاعِ شَعِيرٍ، وَكَنَبَعَانِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ إنْسَانٍ حَتَّى رُوِيَ الْعَسْكَرُ كُلُّهُ. فَصَحَّ ضَرُورَةً أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَهِدَ لَهُمْ بِمَا أَظْهَرَ عَلَى أَيْدِيهِمْ فَصِحْ مَا أَتَوْا بِهِ عَنْهُ وَأَنَّهُ تَعَالَى صَدَّقَهُمْ فِيمَا قَالُوهُ. [مَسْأَلَة بَيَان أَنْ مُحَمَّدًا أَرْسَلَ إلَى جَمِيع الْجِنّ والإنس والدليل عَلَى ذَلِكَ] 10 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولُ اللَّهِ إلَى جَمِيعِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، كَافِرِهِمْ وَمُؤْمِنِهِمْ، بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَتَى بِهَذَا الْقُرْآنِ الْمَنْقُولِ إلَيْنَا بِأَتَمِّ مَا يَكُونُ مِنْ نَقْلِ التَّوَاتُرِ، وَأَنَّهُ دَعَا مَنْ خَالَفَهُ إلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ
مسألة الدليل على أن ملة الإسلام نسخت كل ملة تقدمتها
فَعَجَزُوا كُلُّهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ شُقَّ لَهُ الْقَمَرُ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: 1] {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 2] {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ} [القمر: 3] {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} [القمر: 4] {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} [القمر: 5] . وَحَنَّ الْجِذْعُ إذْ فَقَدَهُ حَنِينًا سَمِعَهُ كُلُّ مَنْ حَضَرَهُ، وَهُمْ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ؛ وَدَعَا الْيَهُودَ إلَى تَمَنِّي الْمَوْتِ إنْ كَانُوا صَادِقِينَ؛ وَأَخْبَر هُمْ أَنَّهُمْ لَا يَتَمَنَّوْنَهُ فَعَجَزُوا كُلُّهُمْ عَنْ تَمَنِّيهِ جِهَارًا. وَدَعَا النَّصَارَى إلَى مُبَاهَلَتِهِ فَأَبَوَا كُلُّهُمْ. وَهَذَانِ الْبُرْهَانَانِ مَذْكُورَانِ جَمِيعًا فِي نَصِّ الْقُرْآنِ، كَمَا ذُكِرَ فِيهِ تَعْجِيزَهُ جَمِيعَ الْعَرَبِ عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أَوَّلَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ؛ وَنَبَعَ لَهُمْ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَأَطْعَمَ مِئِينَ مِنْ النَّاسِ مِنْ صَاعِ شَعِيرٍ وَجَدْيٍ، وَأَذْعَنَ مُلُوكُ الْيَمَنِ وَالْبَحْرَيْنِ وَعُمَانَ لِأَمْرِهِ لِلْآيَاتِ الَّتِي صَحَّتْ عِنْدَهُمْ عَنْهُ، فَنَزَلُوا عَنْ مُلْكِهِمْ كُلِّهِمْ طَوْعًا دُونَ رَهْبَةٍ أَصْلًا، وَلَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَغْزُوَهُمْ وَلَا بِرَغْبَةٍ رَغَّبَهُمْ بِهَا، بَلْ كَانَ يَتِيمًا فَقِيرًا. وَهُنَاكَ قَوْمٌ يَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ كَصَاحِبِ صَنْعَاءَ وَكَصَاحِبِ الْيَمَامَةِ، كِلَاهُمَا أَقْوَى جَيْشًا وَأَوْسَعُ مِنْهُ بِلَادًا، فَمَا الْتَفَتَ لَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُ قَوْمِهِمَا، وَكَانَ هُوَ أَضْعَفَهُمْ جُنْدًا وَأَضْعَفَهُمْ بَلَدًا وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ بِلَادِ الْمُلُوكِ دَارًا، فَدَعَا الْمُلُوكَ وَالْفُرْسَانَ الَّذِينَ قَدْ مَلَئُوا جَزِيرَةَ الْعَرَبِ - وَهِيَ نَحْوُ شَهْرَيْنِ فِي نَحْوِ ذَلِكَ - إلَى إقَامَةِ الصَّلَاةِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ وَإِسْقَاطِ الْفَخْرِ وَالتَّجَبُّرِ، وَالْتِزَامِ التَّوَاضُعِ وَالصَّبْرِ لِلْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فَمَا دُونَهَا مِنْ كُلِّ حَقِيرٍ أَوْ رَفِيعٍ دُونَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَالٌ وَلَا عَشِيرَةٌ تَنْصُرُهُ، بَلْ اتَّبَعَهُ كُلُّ مَنْ اتَّبَعَهُ مُذْعِنًا لِمَا بَهَرَهُمْ مِنْ آيَاتِهِ؛ وَلَمْ يَأْخُذْ قَطُّ بَلْدَةً عَنْوَةً وَغَلَبَةً إلَّا خَيْبَرَ وَمَكَّةَ فَقَطْ وَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] وَقَالَ تَعَالَى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} [الأنعام: 130] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجن: 1] {يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} [الجن: 2] إلَى قَوْلِهِ {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا} [الجن: 14] {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن: 15] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] . [مَسْأَلَة الدليل عَلَى أَنْ ملة الْإِسْلَام نسخت كُلّ ملة تقدمتها] 11 - مَسْأَلَةٌ: نَسَخَ عَزَّ وَجَلَّ بِمِلَّتِهِ كُلَّ مِلَّةٍ وَأَلْزَمَ أَهْلَ الْأَرْضِ جِنَّهُمْ وَإِنْسَهُمْ اتِّبَاعَ شَرِيعَتِهِ الَّتِي بَعَثَهُ بِهَا وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ سِوَاهَا؛ وَأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا
مسألة بيان أن عيسى بن مريم سينزل آخر الزمان
نَبِيَّ بَعْدَهُ؛ بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ عَنْ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ قَدْ انْقَطَعَتْ، فَجَزَعَ النَّاسُ فَقَالَ: قَدْ بَقِيَتْ مُبَشِّرَاتٌ وَهُنَّ جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ» . [مَسْأَلَة بَيَان أَنْ عِيسَى بْن مريم سينزل آخِر الزمان] 12 - مَسْأَلَةٌ: إلَّا أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَيَنْزِلُ وَقَدْ كَانَ قَبْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْبِيَاءُ كَثِيرَةٌ مِمَّنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْهُمْ لَمْ يُسَمِّ؛ وَالْإِيمَانُ بِجَمِيعِهِمْ فَرْضٌ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ؛ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ: لَا، إنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةُ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةِ» .
مسألة أن جميع النبيين وعيسى ومحمد عبيد لله ومخلوقون لله تعالى
وَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ آدَمَ وَنُوحًا وَإِدْرِيسَ وَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَدَاوُد وَسُلَيْمَانَ وَيُونُسَ وَاَلْيَسَع وَإِلْيَاسَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَأَيُّوبَ وَعِيسَى وَهُودًا وَصَالِحًا وَشُعَيْبًا وَلُوطًا. وَقَالَ تَعَالَى: {وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} [النساء: 164] وَقَالَ تَعَالَى: {وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا} [النساء: 150] {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [النساء: 151] . [مَسْأَلَة أَنْ جَمِيع النبيين وعيسى وَمُحَمَّد عَبِيد لِلَّهِ ومخلوقون لِلَّهِ تَعَالَى] 13 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ جَمِيعَ النَّبِيِّينَ وَعِيسَى وَمُحَمَّدًا - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - عَبِيدًا لِلَّهِ تَعَالَى مَخْلُوقُونَ؛ نَاسٌ كَسَائِرِ النَّاسِ؛ مَوْلُودُونَ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى؛ إلَّا آدَمَ وَعِيسَى؛ فَإِنَّ آدَمَ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ تُرَابٍ بِيَدِهِ؛ لَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا مِنْ أُنْثَى؛ وَعِيسَى خُلِقَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - أَنَّهُمْ قَالُوا: {إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: 11] . وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} [الحجرات: 13] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} [آل عمران: 59] وَقَالَ تَعَالَى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] وَقَالَ تَعَالَى عَنْ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ لِمَرْيَمَ - عَلَيْهَا السَّلَامُ -: {إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا} [مريم: 19] {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} [مريم: 20] {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [مريم: 21] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} [التحريم: 12] . [مَسْأَلَة الْجَنَّة حَقّ مخلوقة للمؤمنين] 14 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ دَارٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَدْخُلُهَا كَافِرٌ أَبَدًا؛ قَالَ تَعَالَى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] وَقَالَ تَعَالَى: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 50] . [مَسْأَلَة النَّار حَقّ لَا يخلد فِيهَا مؤمن] 15 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ دَارٌ مَخْلُوقَةٌ لَا يَخْلُدُ فِيهَا مُؤْمِنٌ. قَالَ تَعَالَى:
مسألة يدخل النار من المسلمين الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم
{لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى} [الليل: 15] {الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [الليل: 16] {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى} [الليل: 17] . [مَسْأَلَة يَدْخُل النَّار مِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ رجحت سيئاتهم عَلَى حَسنَاتهمْ] 16 - مَسْأَلَةٌ: يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ رَجَحَتْ كَبَائِرُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ عَلَى حَسَنَاتِهِمْ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا بِالشَّفَاعَةِ وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا} [النساء: 31] وَقَالَ تَعَالَى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] . وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [القارعة: 6] {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [القارعة: 7] {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} [القارعة: 8] {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة: 9] {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} [القارعة: 10] {نَارٌ حَامِيَةٌ} [القارعة: 11] . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو غَسَّانِ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا ثنا مُعَاذٌ هُوَ ابْنُ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيُّ - ثنا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ ثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً» . [مَسْأَلَة بَيَان أَنْ الْجَنَّة وَالنَّار لَا يفنيان وَلَا أَحَد ممن فِيهِمَا] 17 - مَسْأَلَةٌ: لَا تَفْنَى الْجَنَّةُ وَلَا النَّارُ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ فِيهِمَا أَبَدًا. بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُخْبِرًا عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ وَمَنْ فِيهِمَا: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [البينة: 8] وَ {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108] . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ نَامِي ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ الْجُلُودِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ. ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
مسألة بيان أن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يرون بؤسا أبدا
{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39] وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَهْلِ الدُّنْيَا» زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ كَبْشٍ أَمْلَحَ «فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ» . وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ: {لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى} [الدخان: 56] وَقَالَ فِي أَهْلِ النَّارِ {لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا} [فاطر: 36] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة بَيَان أَنْ أَهْل الْجَنَّة يَأْكُلُونَ ويشربون وَلَا يرون بؤسا أبدا] 18 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَطَئُونَ وَيَلْبَسُونَ وَيَتَلَذَّذُونَ وَلَا يَرَوْنَ بُؤْسًا أَبَدًا؛ وَكُلُّ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا فِي الدُّنْيَا؛ لَكِنْ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ؛ وَحُورُ الْعِينِ حَقٌّ نِسَاءٌ مُطَهَّرَاتٌ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ. قَالَ تَعَالَى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} [الواقعة: 17] {بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} [الواقعة: 18] {لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ} [الواقعة: 19] {وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ} [الواقعة: 20] {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} [الواقعة: 21] {وَحُورٌ عِينٌ} [الواقعة: 22] {كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} [الواقعة: 23] {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الواقعة: 24] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23] وَقَالَ تَعَالَى: {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ مِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] » . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ ثنا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَأْكُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ وَلَا يَبُولُونَ، وَلَكِنَّ طَعَامَهُمْ ذَلِكَ جُشَاءٌ كَرَشْحِ
مسألة أهل النار يعذبون بالسلاسل والأغلال وأكلهم الزقوم وشربهم الحميم
الْمِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالْحَمْدَ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ» وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ خِلَافُ مَا فِي الدُّنْيَا. [مَسْأَلَة أَهْل النَّار يعذبون بالسلاسل والأغلال وأكلهم الزقوم وشربهم الحميم] 19 - مَسْأَلَةٌ: وَأَهْلُ النَّارِ يُعَذَّبُونَ بِالسَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ وَالْقَطِرَانِ وَأَطْبَاقِ النِّيرَانِ؛ أَكْلُهُمْ الزَّقُّومُ وَشُرْبُهُمْ مَاءٌ كَالْمُهْلِ وَالْحَمِيمِ؛ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ تَعَالَى: {سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ} [إبراهيم: 50] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالا وَسَعِيرًا} [الإنسان: 4] وَقَالَ تَعَالَى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} [المائدة: 37] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ - طَعَامُ الأَثِيمِ} [الدخان: 43 - 44] وَقَالَ تَعَالَى: {فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ} [الواقعة: 42] وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ} [الكهف: 29] . [مَسْأَلَة كُفْر بِمَا بلغه وصح عِنْده عَنْ النَّبِيّ أَوْ أجمع عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ] 20 - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَنْ كَفَرَ بِمَا بَلَغَهُ وَصَحَّ عِنْدَهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ مِمَّا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَهُوَ كَافِرٌ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} [النساء: 115] . [مَسْأَلَة الْقُرْآن كَلَام اللَّه ووحيه أنزله عَلَى قَلْب نبيه مُحَمَّد] 21 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي فِي الْمَصَاحِفِ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا فَمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ أُمِّ الْقُرْآنِ إلَى آخِرِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَوَحْيُهُ أَنْزَلَهُ عَلَى قَلْبِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنْهُ فَهُوَ كَافِرٌ. قَالَ تَعَالَى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] وَقَالَ تَعَالَى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} [الشعراء: 193] {عَلَى قَلْبِكَ} [الشعراء: 194] وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الشورى: 7] . وَكُلُّ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ أَنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَأُمَّ الْقُرْآنِ لَمْ تَكُنْ فِي مُصْحَفِهِ فَكَذِبٌ مَوْضُوعٌ لَا يَصِحُّ؛ وَإِنَّمَا صَحَّتْ عَنْهُ قِرَاءَةُ عَاصِمٍ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِيهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ [كل ما فيه من خبر عن نبي من الأنبياء أو مسخ أو عذاب أو نعيم] 22 - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنْ خَبَرٍ عَنْ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ مَسْخٍ أَوْ عَذَابٍ أَوْ نَعِيمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ حَقٌّ عَلَى ظَاهِرِهِ لَا رَمْزَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، قَالَ تَعَالَى {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزمر: 28] وَقَالَ تَعَالَى {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] وَأَنْكَرَ تَعَالَى عَلَى قَوْمٍ خَالَفُوا هَذَا فَقَالَ تَعَالَى {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46] . [مَسْأَلَة لَا سُرّ فِي الدِّين عِنْد أَحَد يختص بِهِ] 23 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا سِرَّ فِي الدِّينِ عِنْدَ أَحَدٍ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
مسألة الملائكة حق وهم مخلوقون مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ} [البقرة: 159] {إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} [البقرة: 160] وَقَالَ تَعَالَى {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] . [مَسْأَلَة الْمَلَائِكَة حَقّ وهم مخلوقون مكرمون لَا يعصون اللَّه مَا أمرهم] 24 - مَسْأَلَةٌ: وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ حَقٌّ؛ وَهُمْ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُكْرَمُونَ كُلُّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} [الرعد: 23] وَقَالَ تَعَالَى: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26] وَقَالَ تَعَالَى: {جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ} [فاطر: 1] . [مَسْأَلَة الْمَلَائِكَة خلقوا مِنْ نور وَآدَم مِنْ مَاء وتراب والجن مِنْ نار] 25 - مَسْأَلَةٌ: خُلِقُوا كُلُّهُمْ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ آدَم مِنْ مَاءٍ وَتُرَابٍ وَخُلِقَ الْجِنُّ مِنْ نَارٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَم مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ» وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} [المؤمنون: 12] . [مَسْأَلَة الْمَلَائِكَة أَفْضَل خلق اللَّه وَلَا يعصون اللَّه] 26 - مَسْأَلَةٌ: وَالْمَلَائِكَةُ أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لَا يَعْصِي أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي صَغِيرَةٍ وَلَا كَبِيرَةٍ وَهُمْ سُكَّانُ السَّمَاوَاتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] وَقَالَ تَعَالَى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172] فَهَذَا تَفْضِيلٌ لَهُمْ عَلَى الْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا} [الإسراء: 70] وَلَمْ يَقُلْ تَعَالَى عَلَى كُلِّ مَنْ خَلَقْنَا. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ بَنِي آدَمَ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ خَلْقٍ سِوَى الْمَلَائِكَةِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْمَلَائِكَةُ، وَإِسْجَادُهُ تَعَالَى الْمَلَائِكَةَ لِآدَمَ - عَلَى جَمِيعِهِمْ السَّلَامُ - سُجُودُ تَحِيَّةٍ؛ فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضِيلَةٌ فِي أَنْ يُكَرَّمَ بِأَنْ يُحَيُّوهُ. وَقَدْ تَقَصَّيْنَا هَذَا الْبَابَ فِي كِتَابِ الْفِصَلِ غَايَةَ التَّقَصِّي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} [الزمر: 75] . [مَسْأَلَة الْجِنّ حَقّ مخلوقون فِيهِمْ الْكَافِر والمؤمن يروننا وَلَا نراهم] 27 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ الْجِنَّ حَقٌّ وَهُمْ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فِيهِمْ الْكَافِرُ
وَالْمُؤْمِنُ؛ يَرَوْنَنَا وَلَا نَرَاهُمْ؛ يَأْكُلُونَ وَيَنْسِلُونَ وَيَمُوتُونَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} [الأنعام: 130] وَقَالَ تَعَالَى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [الحجر: 27] وَقَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا} [الجن: 14] {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن: 15] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي} [الكهف: 50] وَقَالَ تَعَالَى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26] وَقَالَ تَعَالَى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ؛ قَالَ أَحْمَدُ أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ؛ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ؛ ثُمَّ اتَّفَقَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهَنَّادٌ قَالَا: نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ دَاوُد الطَّائِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَسْتَنْجُوا بِالْعِظَامِ وَلَا بِالرَّوْثِ فَإِنَّهُمَا زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» .
مسألة البعث حق
[مَسْأَلَة الْبَعْث حَقّ] مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ؛ وَهُوَ وَقْتٌ يَنْقَضِي فِيهِ بَقَاءُ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا فَيَمُوتُ كُلُّ مَنْ فِيهَا؛ ثُمَّ يُحْيِي الْمَوْتَى؛ يُحْيِي عِظَامَهُمْ الَّتِي فِي الْقُبُورِ وَهِيَ رَمِيمٌ وَيُعِيدُ الْأَجْسَامَ كَمَا كَانَتْ وَيَرُدُّ إلَيْهَا الْأَرْوَاحَ كَمَا كَانَتْ؛ وَيَجْمَعُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ يُحَاسَبُ فِيهِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ فَيُوَفَّى كُلُّ أَحَدٍ قَدْرَ عَمَلِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحج: 6] {وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج: 7] وَقَالَ تَعَالَى: {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 79] وَقَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور: 24] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ} [الواقعة: 49] {لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الواقعة: 50] وَقَالَ تَعَالَى: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 4] وَقَالَ تَعَالَى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 17] . [مَسْأَلَة الوحوش تحشر يَوْم الْقِيَامَة] 29 - مَسْأَلَةٌ: وَإِنَّ الْوُحُوشَ تُحْشَرُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [التكوير: 5] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38] . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» .
مسألة الصراط حق وهو طريق بين ظهراني جهنم يمر عليه الخلق
[مَسْأَلَة الصراط حَقّ وَهُوَ طَرِيق بَيْن ظهراني جهنم يَمُرّ عَلَيْهِ الخلق] مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ الصِّرَاطَ حَقٌّ وَهُوَ طَرِيقٌ يُوضَعُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ فَيَنْجُو مَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَيَهْلِكُ مَنْ شَاءَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ثنا أَبِي عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي حَدِيثٍ «وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ» وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا: «وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إلَّا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ، يَعْنِي الْمُوبَقَ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ الْمُخَرْدَلُ حَتَّى يُنَجَّى» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ. [مَسْأَلَة الموازين حَقّ تُوزَن فِيهَا أَعْمَال الْعِبَاد نؤمن بِهَا وَلَا نَدْرِي كيف هِيَ] 31 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ الْمَوَازِينَ حَقٌّ تُوزَنُ فِيهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ؛ نُؤْمِنُ بِهَا وَلَا نَدْرِي كَيْفَ هِيَ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] وَقَالَ تَعَالَى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} [الأعراف: 8] وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [القارعة: 6] {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [القارعة: 7] {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} [القارعة: 8] {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة: 9] {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} [القارعة: 10] {نَارٌ حَامِيَةٌ} [القارعة: 11] . [مَسْأَلَة الحوض حَقّ مِنْ شَرب مِنْهُ لَمْ يظمأ أبدا] 32 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ الْحَوْضَ حَقٌّ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا. ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ؟ قَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ؛ آنِيَةُ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عَلَيْهِ يَشْخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ مَا بَيْنَ عَمَّانَ إلَى أَيْلَةَ؛ مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ» .
مسألة شفاعة رسول الله في أهل الكبائر من أمته حق
[مَسْأَلَة شَفَاعَة رَسُول اللَّه فِي أَهْل الْكَبَائِر مِنْ أمته حَقّ] مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ شَفَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ حَقٌّ فَيَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ ثنا مُعَاذٌ يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيَّ - ثنا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ ثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ دَعَاهَا لِأُمَّتِهِ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا بِشْرٌ يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ - عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ - عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمْ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ، أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ، فَأَمَاتَهُمْ اللَّهُ إمَاتَةً حَتَّى إذَا كَانُوا فَحْمًا أَذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» . [مَسْأَلَة الصحف الَّتِي تكتب فِيهَا أَعْمَال الْعِبَاد والملائكة حَقّ] 34 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ الصُّحُفَ تَكْتُبُ فِيهَا أَعْمَالَ الْعِبَادِ الْمَلَائِكَةُ حَقٌّ نُؤْمِنُ بِهَا وَلَا نَدْرِي كَيْفَ هِيَ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق: 17] {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29] وَقَالَ تَعَالَى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا} [الإسراء: 13] {اقْرَأْ كِتَابَكَ} [الإسراء: 14] . [مَسْأَلَة الْمُؤْمِنُونَ يعطون كتبهم يَوْم الْقِيَامَة بأيمانهم والكفار بشمائلهم] 35 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ النَّاسَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَالْمُؤْمِنُونَ الْفَائِزُونَ الَّذِينَ لَا يُعَذَّبُونَ يُعْطَوْنَهَا بِأَيْمَانِهِمْ؛ وَالْكُفَّارُ بِأَشْمَلِهِمْ وَالْمُؤْمِنُونَ أَهْلُ الْكَبَائِرِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} [الانشقاق: 7] {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 8] {وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} [الانشقاق: 9] {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ} [الانشقاق: 10] {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا} [الانشقاق: 11] {وَيَصْلَى سَعِيرًا} [الانشقاق: 12] {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا} [الانشقاق: 13] {إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ} [الانشقاق: 14]
مسألة على كل إنسان حافظان من الملائكة يحصيان أقواله وأعماله
وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 25] {وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ} [الحاقة: 26] {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} [الحاقة: 27] {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ} [الحاقة: 28] {هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} [الحاقة: 29] {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ} [الحاقة: 30] {ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} [الحاقة: 31] {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} [الحاقة: 32] {إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ} [الحاقة: 33] {وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الحاقة: 34] . [مَسْأَلَة عَلَى كُلّ إنْسَان حافظان مِنْ الْمَلَائِكَة يحصيان أقواله وأعماله] 36 - مَسْأَلَةٌ: وَإِنَّ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ حَافِظَيْنِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ يُحْصِيَانِ أَقْوَالَهُ وَأَعْمَالَهُ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق: 17] {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] . [مَسْأَلَة هُمْ بِحَسنَة فَلَمْ يعملها] 37 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً؛ فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا. وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَإِنْ تَرَكَهَا لِلَّهِ تَعَالَى كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً؛ فَإِنْ تَرَكَهَا بِغَلَبَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: إذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا» . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً - وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ - فَقَالَ اُرْقُبُوهُ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً إنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ -» .
مسألة من عمل في كفره عملا سيئا ثم أسلم
[مَسْأَلَة مِنْ عَمَل فِي كفره عملا سيئا ثُمَّ أسلم] مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ عَمِلَ فِي كُفْرِهِ عَمَلًا سَيِّئًا ثُمَّ أَسْلَمَ؛ فَإِنْ تَمَادَى عَلَى تِلْكَ الْإِسَاءَةِ حُوسِبَ وَجُوزِيَ فِي الْآخِرَةِ بِمَا عَمِلَ مِنْ ذَلِكَ فِي شِرْكِهِ وَإِسْلَامِهِ؛ وَإِنْ تَابَ عَنْ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ مَا عَمِلَ فِي شِرْكِهِ. وَمَنْ عَمِلَ فِي كُفْرِهِ أَعْمَالًا صَالِحَةً ثُمَّ أَسْلَمَ جُوزِيَ فِي الْجَنَّةِ بِمَا عَمِلَ مِنْ ذَلِكَ فِي شِرْكِهِ وَإِسْلَامِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ جُوزِيَ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَا ثنا حَجَّاجٌ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: إنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ، وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً فَنَزَلَتْ: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 68] {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: 69] {إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا} [الفرقان: 70] » فَلَمْ يُسْقِطْ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - تِلْكَ الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ إلَّا بِالْإِيمَانِ مَعَ التَّوْبَةِ مَعَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «قَالَ أُنَاسٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ - أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا وَمَنْ أَسَاءَ أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ» .
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ ثنا يَعْقُوبُ هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ثنا عَنْ صَالِحٍ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيْ رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْت أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَسْلَمْت عَلَى مَا أَسْلَفْت مِنْ خَيْرٍ» . فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] . وَقَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «إنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا وَإِنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» . قُلْنَا: إنَّ كَلَامَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يُعَارِضُ كَلَامَهُ وَلَا كَلَامَ رَبِّهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ - وَقَدْ أَعَاذَ اللَّهُ مِنْ هَذَا - لَمَا كَانَ بَعْضُهُ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ وَلَبَطَلَتْ حُجَّةُ كُلِّ أَحَدٍ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ لَا يُعَارِضُ الْقُرْآنَ وَلَا السُّنَّةَ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] فَنَعَمْ هَذَا هُوَ نَفْسُ قَوْلِنَا: إنَّ مَنْ انْتَهَى غُفِرَ لَهُ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْهُ فَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَغْفِرُهُ لَهُ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِالْآيَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» فَحَقٌّ وَهُوَ قَوْلُنَا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى جَمِيعِ الطَّاعَاتِ، وَالتَّوْبَةُ مِنْ عَمَلِ السُّوءِ مِنْ الطَّاعَاتِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْهِجْرَةِ إنَّمَا هِيَ التَّوْبَةُ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، كَمَا صَحَّ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا آدَم بْنُ أَبِي إيَاسٍ ثنا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَر
مسألة عذاب القبر ومساءلة الأرواح بعد الموت حق
وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ دَاوُد عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنَ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَلِكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: لَا يَنْفَعُهُ إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا مُسْلِمٌ ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُعْطَى بِحِسَابِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إذَا أَفْضَى إلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» . [مَسْأَلَة عَذَاب الْقَبْر ومساءلة الأرواح بَعْد الْمَوْت حَقّ] 39 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ وَمُسَاءَلَةَ الْأَرْوَاحِ بَعْدَ الْمَوْتِ حَقٌّ وَلَا يَحْيَا أَحَدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَبْدِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ هُوَ غُنْدَرٌ - ثنا شُعْبَةُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ
مسألة الحسنات تذهب السيئات والتوبة تسقطها
عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: « {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم: 27] . قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، يُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ رَبِّي اللَّهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ثنا بُدَيْلٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «إذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا، وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، فَيَنْطَلِقُوا بِهِ إلَى رَبِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا بِهِ إلَى آخِرِ الْأَجَلِ. قَالَ: وَإِنَّ الْكَافِرَ إذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ يَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ فَيُقَالُ انْطَلِقُوا بِهِ إلَى آخِرِ الْأَجَلِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ» وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] فَصَحَّ أَنَّهُمَا حَيَاتَانِ وَمَوْتَانِ فَقَطْ، وَلَا تُرَدُّ الرُّوحُ إلَّا لِمَنْ كَانَ ذَلِكَ آيَةً، كَمَنْ أَحْيَاهُ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَكُلُّ مَنْ جَاءَ فِيهِ بِذَلِكَ نَصٌّ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا عِيسَى بْنُ حَبِيبٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ثنا جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ " دَخَلَ ابْنُ عُمَرَ الْمَسْجِدَ فَأَبْصَرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ مَطْرُوحًا قَبْلَ أَنْ يُصْلَبَ، فَقِيلَ لَهُ هَذِهِ أَسْمَاءُ، فَمَالَ إلَيْهَا وَعَزَّاهَا وَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْجُثَثَ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ وَإِنَّ الْأَرْوَاحَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَتْ لَهُ أَسْمَاءُ: وَمَا يَمْنَعُنِي وَقَدْ أُهْدِيَ رَأْسُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا إلَى بَغِيٍّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ أَنَّ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ رَدَّ الرُّوحِ إلَى الْجَسَدِ إلَّا الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ. [مَسْأَلَة الْحَسنَات تذهب السيئات والتوبة تسقطها] 40 - مَسْأَلَةٌ: وَالْحَسَنَاتُ تُذْهِبُ السَّيِّئَاتِ بِالْمُوَازَنَةِ، وَالتَّوْبَةُ تُسْقِطُ السَّيِّئَاتِ
مسألة نبي الله عيسى لم يقتل ولم يصلب
وَالْقِصَاصُ مِنْ الْحَسَنَاتِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ} [طه: 82] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا إسْمَاعِيلُ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [غافر: 17] . [مَسْأَلَة نبي اللَّه عِيسَى لَمْ يقتل وَلَمْ يصلب] 41 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُقْتَلْ وَلَمْ يُصْلَبْ وَلَكِنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ رَفَعَهُ إلَيْهِ. وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ} [النساء: 157] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55] وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 117] وَقَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42] فَالْوَفَاةُ قِسْمَانِ: نَوْمٌ وَمَوْتٌ فَقَطْ وَلَمْ يُرِدْ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِقَوْلِهِ {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} [المائدة: 117] وَفَاةَ النَّوْمِ، فَصَحَّ أَنَّهُ إنَّمَا عَنَى وَفَاةَ الْمَوْتِ، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قُتِلَ أَوْ صُلِبَ فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ حَلَالٌ دَمُهُ وَمَالُهُ لِتَكْذِيبِهِ الْقُرْآنَ وَخِلَافِهِ الْإِجْمَاعَ. [مَسْأَلَة لَا يرجع مُحَمَّد وَلَا أَحَد مِنْ أصحابه إلَّا يَوْم الْقِيَامَة] 42 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إلَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذَا رَجَّعَ (اللَّهُ) الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ. هَذَا إجْمَاعُ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الْمُتَّقِينَ قَبْلَ حُدُوثِ الرَّوَافِضِ الْمُخَالِفِينَ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الْمُبَدِّلِينَ لِلْقُرْآنِ الْمُكَذِّبِينَ بِصَحِيحِ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُجَاهِرِينَ بِتَوْلِيدِ الْكَذِبِ الْمُتَنَاقِضِينَ فِي كَذِبِهِمْ أَيْضًا، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28]
مسألة الأنفس التي رآها رسول الله ليلة الإسراء
وَقَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 31] فَادَّعَوْا مِنْ رُجُوعِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا لَا يَعْجِزُ أَحَدٌ عَنْ أَنْ يَدَّعِيَ مِثْلَهُ لِعُمَرَ أَوْ لِعُثْمَانَ أَوْ لِمُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَوْ لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ: إذَا لَمْ يُبَالِ بِالْكَذِبِ وَالدَّعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ وَلَا مِنْ مَعْقُولٍ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة الأنفس الَّتِي رَآهَا رَسُول اللَّه لَيْلَة الإسراء] 43 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ الْأَنْفُسَ حَيْثُ رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ أَرْوَاحُ أَهْلِ السَّعَادَةِ عَنْ يَمِينِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَأَرْوَاحُ أَهْلِ الشَّقَاءِ عَنْ شِمَالِهِ عِنْدَ سَمَاءِ الدُّنْيَا، لَا تَفْنَى وَلَا تَنْتَقِلُ إلَى أَجْسَامٍ أُخَرَ، لَكِنَّهَا بَاقِيَةٌ حَيَّةٌ حَسَّاسَةٌ عَاقِلَةٌ فِي نَعِيمٍ أَوْ نَكَدٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَتُرَدُّ إلَى أَجْسَادِهَا لِلْحِسَابِ وَلِلْجَزَاءِ بِالْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ، حَاشَا أَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - وَأَرْوَاحِ الشُّهَدَاءِ فَإِنَّهَا الْآنَ تُرْزَقُ وَتُنَعَّمُ. وَمَنْ قَالَ بِانْتِقَالِ الْأَنْفُسِ إلَى أَجْسَامٍ أُخَرَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا هَذِهِ الْأَجْسَادَ فَقَدْ كَفَرَ. بُرْهَانُ هَذَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَا يُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا. قَالَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا افْتَحْ، قَالَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ، قَالَ هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَعِي مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فَأُرْسِلَ إلَيْهِ؟ قَالَ نَعَمْ فَفَتَحَ فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، قَالَ: فَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ، فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ هَذَا آدَم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، قَالَ ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ.
قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَعِيسَى وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَلَمْ يَثْبُتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ.» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَفِي هَذَا الْخَبَرِ مَكَانُ الْأَرْوَاحِ، وَأَنَّ أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْجَنَّةِ. وَأَمَّا الشُّهَدَاءُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [آل عمران: 170] وَلَا خِلَافَ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ فِي أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - أَرْفَعُ قَدْرًا وَدَرَجَةً وَأَتَمُّ فَضِيلَةً عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَعْلَى كَرَامَةً مِنْ كُلِّ مَنْ دُونَهُمْ، وَمَنْ خَالَفَ فِي هَذَا فَلَيْسَ مُسْلِمًا. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا مَاتَ الرَّجُلُ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَالْجَنَّةُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَالنَّارُ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ الَّذِي تُبْعَثُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَرْوَاحَ حَسَّاسَةٌ عَالِمَةٌ مُمَيِّزَةٌ بَعْدَ فِرَاقِهَا الْأَجْسَادَ. وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ تُنْقَلُ إلَى أَجْسَادٍ أُخَرَ فَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ التَّنَاسُخِ، وَهُوَ كُفْرٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
مسألة انقطاع الوحي بموت النبي
[مَسْأَلَة انْقِطَاع الوحي بموت النَّبِيّ] مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ مُذْ مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَحْيَ لَا يَكُونُ إلَّا إلَى نَبِيٍّ، وَقَدْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] . [مَسْأَلَة الدِّين تَمَّ فَلَا يزاد فِيهِ وَلَا يَنْقُص مِنْهُ وَلَا يبدل] 45 - مَسْأَلَةٌ: وَالدِّينُ قَدْ تَمَّ فَلَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ وَلَا يُبَدَّلُ. قَالَ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] وَقَالَ تَعَالَى: {لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [يونس: 64] وَالنَّقْصُ وَالزِّيَادَةُ تَبْدِيلٌ. [مَسْأَلَة بلغ رَسُول اللَّه الدِّين كله كَمَا أمره اللَّه] 46 - مَسْأَلَةٌ: قَدْ بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدِّينَ كُلَّهُ وَبَيَّنَ جَمِيعَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ تَعَالَى {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] {صِرَاطِ اللَّهِ} [الشورى: 53] وَقَالَ تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] . [مَسْأَلَة حَجَّة اللَّه قَدْ قامت لِكُلِّ مِنْ بلغته النذارة] 47 - مَسْأَلَةٌ: وَحُجَّةُ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ قَامَتْ وَاسْتَبَانَتْ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَتْهُ النِّذَارَةُ مِنْ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَبَرٍّ وَفَاجِرٍ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256] وَقَالَ تَعَالَى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42] . [مَسْأَلَة الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر فرضان كُلّ عَلَى حسب الطاقة] 48 - مَسْأَلَةٌ: وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَرْضَانِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ - عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ - بِالْيَدِ، فَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ فَبِلِسَانِهِ، فَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ شَيْءٌ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9] . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ، ثُمَّ اتَّفَقَ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ
مسألة عجز لجهله عن معرفة أمور دينه
مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ثنا أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ الْحَارِثِ هُوَ ابْنُ الْفُضَيْلِ الْخِطْمِيُّ - عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ هُوَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إنَّهَا تَخَلَّفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» . قَالَ عَلِيٌّ: لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ مُحْكَمَتَانِ غَيْرُ مَنْسُوخَتَيْنِ، فَصَحَّ أَنَّ مَا عَارَضَهُمَا أَوْ عَارَضَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِي مَعْنَاهُمَا هُوَ الْمَنْسُوخُ بِلَا شَكٍّ. [مَسْأَلَة عجز لجهله عَنْ معرفة أُمُور دِينه] 49 - مَسْأَلَةٌ: فَمَنْ عَجَزَ لِجَهْلِهِ أَوْ عَتَمَتِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ كُلِّ هَذَا فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَعْتَقِدَ بِقَلْبِهِ وَيَقُولَ بِلِسَانِهِ - حَسَبَ طَاقَتِهِ بَعْدَ أَنْ يُفَسَّرَ لَهُ - لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ كُلُّ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ وَكُلُّ دِينٍ سِوَاهُ بَاطِلٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ثنا رَوْحٌ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» .
مسألة أفضل الجن والإنس الرسل ثم الأنبياء ثم الصحابة ثم الصالحون
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] . [مَسْأَلَة أَفْضَل الْجِنّ والإنس الرُّسُل ثُمَّ الْأَنْبِيَاء ثُمَّ الصَّحَابَة ثُمَّ الصالحون] 50 - مَسْأَلَةٌ: وَبَعْدَ هَذَا فَإِنَّ أَفْضَلَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ الرُّسُلُ ثُمَّ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَى جَمِيعِهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ مِنَّا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ - ثُمَّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ الصَّالِحُونَ. قَالَ تَعَالَى: {جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا} [فاطر: 1] وَقَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75] وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ الضَّرِيرُ - ثنا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَحْرُبُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَفْشُو فِيهِمْ السِّمَنُ» هَكَذَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ " يَحْرُبُونَ " بِحَاءٍ غَيْرِ مَنْقُوطَةٍ وَرَاءٍ مَرْفُوعَةٍ وَبَاءٍ مَنْقُوطَةٍ وَاحِدَةٌ مِنْ أَسْفَلُ وَرُوِّينَاهُ
مسألة الله خالق كل شيء لا خالق سواه
مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ " يَخُونُونَ " بِالْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ مِنْ فَوْقُ وَوَاوٍ بَعْدَهَا نُونٌ، وَمَنْ خَانَ فَقَدْ حَرَبَ. [مَسْأَلَة اللَّه خالق كُلّ شَيْء لَا خالق سواه] 51 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ سِوَاهُ لَا خَالِقَ سِوَاهُ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102] وَقَالَ تَعَالَى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [لقمان: 11] وَقَالَ تَعَالَى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} [الفرقان: 59] . [مَسْأَلَة لَا يُشْبِه اللَّه عَزَّ وَجَلّ مِنْ خَلْقه شَيْء] 52 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُشْبِهُهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] . [مَسْأَلَة اعتقاد أَنْ اللَّه لَا فِي مَكَان وَلَا فِي زمان بَلْ هُوَ خالقهما] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا فِي مَكَان وَلَا فِي زَمَانٍ، بَلْ هُوَ تَعَالَى خَالِقُ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ. قَالَ تَعَالَى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2] وَقَالَ تَعَالَى {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} [الفرقان: 59] وَالزَّمَانُ وَالْمَكَانُ فَهُمَا مَخْلُوقَانِ، قَدْ كَانَ تَعَالَى دُونَهُمَا، وَالْمَكَانُ إنَّمَا هُوَ لِلْأَجْسَامِ، وَالزَّمَانُ إنَّمَا هُوَ مُدَّةُ كُلِّ سَاكِنٍ أَوْ مُتَحَرِّكٍ أَوْ مَحْمُولٍ فِي سَاكِنٍ أَوْ مُتَحَرِّكٍ، وَكُلُّ هَذَا مُبْعَدٌ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. [مَسْأَلَة لَا يَحِلّ لِأَحَدِ أَنْ يسمي اللَّه بِغَيْرِ مَا سَمَّى بِهِ نَفْسه] 54 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِغَيْرِ مَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ وَلَا أَنْ يَصِفَهُ بِغَيْرِ مَا أَخْبَرَ بِهِ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} [الأعراف: 180]
مسألة لله تسعا وتسعين اسما من زاد عليها فقد ألحد
فَمَنَعَ تَعَالَى أَنْ يُسَمَّى إلَّا بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ سَمَّاهُ بِغَيْرِهَا فَقَدْ أَلْحَدَ. وَالْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ لَا تَكُونُ إلَّا مَعْهُودَةً وَلَا مَعْرُوفٌ فِي ذَلِكَ إلَّا مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَمَنْ ادَّعَى زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ كُلِّفَ الْبُرْهَانَ عَلَى مَا ادَّعَى وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ، وَمَنْ لَا بُرْهَانَ لَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي قَوْلِهِ وَدَعْوَاهُ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] . [مَسْأَلَة لِلَّهِ تِسْعًا وتسعين اسما مِنْ زَادَ عَلَيْهَا فَقَدْ ألحد] 55 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً غَيْرَ وَاحِدٍ، وَهِيَ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى، مَنْ زَادَ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ فَقَدْ أَلْحَدَ فِي أَسْمَائِهِ، وَهِيَ الْأَسْمَاءُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ وَهَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ أَيُّوبُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ هَمَّامٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ثُمَّ اتَّفَقَا - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ زَادَ هَمَّامٌ فِي حَدِيثِهِ إنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» . وَقَدْ صَحَّ أَنَّهَا تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا فَقَطْ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُجِيزَ أَنْ يَكُونَ لَهُ اسْمٌ زَائِدٌ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: «مِائَةً غَيْرَ وَاحِدٍ» فَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَعَالَى اسْمٌ زَائِدٌ
مسألة لا يحل لأحد أن يشتق لله تعالى اسما لم يسم به نفسه
لَكَانَتْ مِائَةَ اسْمٍ، وَلَوْ كَانَ هَذَا لَكَانَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مِائَةً غَيْرَ وَاحِدٍ» كَذِبًا وَمَنْ أَجَازَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ وَقَالَ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الحشر: 23] {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الحشر: 24] وَقَدْ تَقَصَّيْنَا كَثِيرًا مِنْهَا بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ فِي كِتَابِ " الْإِيصَالِ " وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. [مَسْأَلَة لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى اسْمًا لَمْ يُسَمِّ بِهِ نَفْسَهُ] 56 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى اسْمًا لَمْ يُسَمِّ بِهِ نَفْسَهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5] وَقَالَ: {وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: 16] وَقَالَ تَعَالَى: {خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54] {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54] وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُسَمِّيَهُ الْبَنَّاءَ وَلَا الْكَيَّادَ وَلَا الْمَاكِرَ وَلَا الْمُتَجَبِّرَ وَلَا الْمُسْتَكْبِرَ، لَا عَلَى أَنَّهُ الْمُجَازِي بِذَلِكَ وَلَا عَلَى وَجْهٍ أَصْلًا، وَمَنْ ادَّعَى غَيْرَ هَذَا فَقَدْ أَلْحَدَ فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَتَنَاقَضَ وَقَالَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الْكَذِبَ وَمَا لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة اللَّه يَتَنَزَّلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا] 57 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَنَزَّلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَهُوَ فِعْلٌ يَفْعَلُهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ حَرَكَةً وَلَا نَقْلَةً. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَرَأْت عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَتَنَزَّلُ اللَّهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» قَالَ مُسْلِمٌ وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا يَعْقُوبُ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيّ - عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يَنْزِلُ اللَّهُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ: فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي
مسألة القرآن كلام الله غير مخلوق
فَأُعْطِيَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ» قَالَ مُسْلِمٌ وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ثنا أَبُو الْمُغِيرَةِ ثنا الْأَوْزَاعِيُّ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - ثنا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثنا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَاهُ يَنْزِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى، هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ، حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَالرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ " إذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ " وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ " إذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَاهُ " وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " إذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ إلَى أَنْ يُضِيءَ الْفَجْرُ " وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ رَاهْوَيْهِ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ الْأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَوْقَاتُ اللَّيْلِ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ تَقَدُّمِ غُرُوبِ الشَّمْسِ عَنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَأَهْلِ الْمَغْرِبِ، فَصَحَّ أَنَّهُ فِعْلٌ يَفْعَلُهُ الْبَارِي عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَبُولِ الدُّعَاءِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، لَا حَرَكَةَ، وَالْحَرَكَةُ وَالنَّقْلَةُ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، حَاشَا اللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا. [مَسْأَلَة الْقُرْآن كَلَام اللَّه غَيْر مَخْلُوق] 58 - مَسْأَلَةٌ: وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَعِلْمُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [يونس: 19] فَأَخْبَرَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ كَلَامَهُ هُوَ عِلْمُهُ، وَعِلْمُهُ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ غَيْرَ مَخْلُوقٍ. 59 - مَسْأَلَةٌ: وَهُوَ الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ وَالْمَسْمُوعُ مِنْ الْقَارِئِ وَالْمَحْفُوظُ فِي الصُّدُورِ، وَاَلَّذِي نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كُلُّ ذَلِكَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامُهُ الْقُرْآنُ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، مَنْ قَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْقُرْآنَ وَلَا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ كَفَرَ، لِخِلَافِهِ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِجْمَاعَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75] وَقَالَ تَعَالَى {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} [البروج: 21] {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 22] وَقَالَ تَعَالَى: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} [الواقعة: 78] {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الواقعة: 80] وَقَالَ
مسألة علم الله حق بكل ما كان أو يكون مما دق أو خفي
تَعَالَى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49] وَقَالَ تَعَالَى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} [الشعراء: 193] {عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 194] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَصْرِفَ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمَجَازِ عَنْ الْحَقِيقَةِ بِدَعْوَاهُ الْكَاذِبَةِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة عِلْم اللَّه حَقّ بِكُلِّ مَا كَانَ أَوْ يَكُون مِمَّا دق أَوْ خفي] 60 - مَسْأَلَةٌ: وَعِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى حَقٌّ لَمْ يَزَلْ عَزَّ وَجَلَّ عَلِيمًا بِكُلِّ مَا كَانَ أَوْ يَكُونُ مِمَّا دَقَّ أَوْ جَلَّ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29] وَهَذَا عُمُومٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ شَيْءٌ، وَقَالَ تَعَالَى: {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7] وَالْأَخْفَى مِنْ السِّرِّ هُوَ مِمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ. [مَسْأَلَة قدرة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَقُوَّتُهُ حَقٌّ لَا يَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ] 61 - مَسْأَلَةٌ: وَقُدْرَتُهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقُوَّتُهُ حَقٌّ لَا يَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ، وَلَا عَنْ كُلِّ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ السَّائِلُ مِنْ مُحَالٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يَكُونُ أَبَدًا. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [فصلت: 15] حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ ثنا مَعْنُ بْنُ عِيسَى ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِ سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الِاسْتِخَارَةَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ - اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ» وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ:
{لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 17] وَقَالَ تَعَالَى: {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} [الزمر: 4] وَقَدْ أَخْبَرَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَا لَا يَكُونُ أَبَدًا. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} [التحريم: 5] وَقَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] وَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَعَالَى كَذَلِكَ لَكَانَ مُتَنَاهِيَ الْقُدْرَةِ، وَلَوْ كَانَ مُتَنَاهِيَ الْقُدْرَةِ لَكَانَ مُحْدَثًا، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ تَعَالَى مُرَتِّبُ كُلَّ مَا خَلَقَ، وَهُوَ الَّذِي أَوْجَبَ
مسألة اعتقاد أن لله عزا وجلالا ويدا ووجها وكل ذلك حق
الْوَاجِبَ وَأَمْكَنَ الْمُمْكِنَ وَأَحَالَ الْمُحَالَ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ مَا فَعَلَهُ، لَمَا أَعْجَزَهُ ذَلِكَ، وَلَكَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكَانَ مُضْطَرًّا لَا مُخْتَارًا. وَهَذَا كُفْرٌ مِمَّنْ قَالَهُ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68] . [مَسْأَلَة اعتقاد أَنَّ لِلَّهِ عِزًّا وَجَلَالًا وَيَدًا وَوَجْهًا وَكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ] 62 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِزًّا وَعِزَّةً، وَجَلَالًا وَإِكْرَامًا، وَيَدًا وَيَدَيْنِ وَأَيْدٍ، وَوَجْهًا وَعَيْنًا وَأَعْيُنًا وَكِبْرِيَاءَ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ لَا يُرْجَعُ مِنْهُ وَلَا مِنْ عِلْمِهِ تَعَالَى وَقَدْرِهِ وَقُوَّتِهِ إلَّا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَا إلَى شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَصْلًا، مُقِرٌّ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا فِي الْقُرْآنِ، وَمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُزَادَ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن: 27] وَقَالَ تَعَالَى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] وَ {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] وَ {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} [يس: 71] {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [الإنسان: 9] {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39] {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48] . وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُقَالَ (عَيْنَيْنِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ، وَلَا أَنْ يُقَالَ " سَمْعٌ وَبَصَرٌ وَلَا حَيَاةٌ " لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ، لَكِنَّهُ تَعَالَى سَمِيعٌ بَصِيرٌ حَيٌّ قَيُّومٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ ثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثَ ثنا أَبِي ثنا الْأَعْمَشُ ثنا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيُّ - عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَغَرِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعِزُّ إزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ» يَعْنِي اللَّهَ تَعَالَى. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيم أَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ثنا أَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ: خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ «أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِلَّهِ تَعَالَى: وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ» وَلَوْ كَانَ
مسألة الله تعالى يراه المسلمون يوم القيامة
شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى لَكَانَ إمَّا لَمْ يَزَلْ وَإِمَّا مُحْدَثًا، فَلَوْ كَانَ لَمْ يَزَلْ لَكَانَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى أَشْيَاءُ غَيْرُهُ لَمْ تَزَلْ، وَهَذَا شِرْكٌ مُجَرَّدٌ، وَلَوْ كَانَ مُحْدَثًا لَكَانَ تَعَالَى بِلَا عِلْمٍ وَلَا قُوَّةٍ، وَلَا قُدْرَةٍ وَلَا عِزٍّ وَلَا كِبْرِيَاءَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ كُلَّ ذَلِكَ وَهَذَا كُفْرٌ، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78] وَقَالَ تَعَالَى: {وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151] وَقَالَ تَعَالَى: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} [الأعراف: 180] فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ تَعَالَى شَيْءٌ، وَلَا أَنْ يُخْبَرَ عَنْهُ بِشَيْءٍ، وَلَا أَنْ يُسَمَّى بِشَيْءٍ إلَّا مَا جَاءَ بِهِ النَّصُّ. وَنَقُولُ: إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَكْرًا وَكَيْدًا. وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ} [الأعراف: 99] وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: 16] وَكُلُّ ذَلِكَ خَلْقٌ لَهُ تَعَالَى. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة اللَّه تَعَالَى يَرَاهُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] 63 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَاهُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُوَّةٍ غَيْرِ هَذِهِ الْقُوَّةِ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} [القيامة: 22] {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23] . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ هُوَ أَبُو بَكْرٍ - ثنا جَرِيرٌ وَوَكِيعٌ وَأَبُو أُسَامَةَ كُلُّهُمْ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ «سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ - وَنَظَرَ إلَى الْقَمَرِ - إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ» وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْقُوَّةُ لَكَانَتْ لَا تَقَعُ إلَّا عَلَى الْأَلْوَانِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: {إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] . [مَسْأَلَة اعتقاد أَنْ اللَّه تَعَالَى كلم مُوسَى وَمنْ شَاءَ مِنْ رسله] 64 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّمَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمَنْ شَاءَ مِنْ رُسُلِهِ. قَالَ تَعَالَى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي} [الأعراف: 144] {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} [البقرة: 253] . [مَسْأَلَة اعتقاد أَنْ اللَّه اتخذ إبْرَاهِيم وَمُحَمَّدًا خليلين] 65 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلِيلَيْنِ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا} [النساء: 125] . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ
مسألة اعتقاد أن محمدا أسري به بروحه وجسده
ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارَ الْعَبْدِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي الْهُذَيْلِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاِتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدْ اتَّخَذَ اللَّهُ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا» . [مَسْأَلَة اعتقاد أَنْ مُحَمَّدًا أسري بِهِ بروحه وجسده] 66 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْرَى بِهِ رَبُّهُ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ، وَطَافَ فِي السَّمَاوَاتِ سَمَاءٍ سَمَاءٍ، وَرَأَى أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - هُنَالِكَ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء: 1] وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ رُؤْيَا مَنَامٍ مَا كَذَّبَهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ، كَمَا لَا نُكَذِّبُ نَحْنُ كَافِرًا فِي رُؤْيَا يَذْكُرُهَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا رُؤْيَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - قَبْلُ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ. [مَسْأَلَة اعتقاد أَنْ المعجزات لَا يَأْتِي بِهَا إلَّا الْأَنْبِيَاء] 67 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ الْمُعْجِزَاتِ لَا يَأْتِي بِهَا أَحَدٌ إلَّا الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ} [الرعد: 38] وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 2] وَقَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ - قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ - فَأَلْقَى عَصَاهُ} [الشعراء: 30 - 32] وَقَالَ تَعَالَى: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} [القصص: 32] فَصَحَّ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدٌ - سَاحِرٌ أَوْ غَيْرُهُ - بِمَا يُحِيلُ طَبِيعَةً أَوْ يَقْلِبُ نَوْعًا، لَمَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى مَا يَأْتِي بِهِ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - بُرْهَانًا لَهُمْ وَلَا آيَةً لَهُمْ، وَلَا أَنْكَرَ عَلَى مَنْ سَمَّى ذَلِكَ سِحْرًا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ آيَةً لَهُمْ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -. وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ إحَالَةَ الطَّبِيعَةِ لَا تَكُونُ آيَةً إلَّا حَتَّى يَتَحَدَّى فِيهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
مسألة السحر حيل وتخييل
النَّاسَ فَقَدْ كَذَبَ وَادَّعَى مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَصْلًا، لَا مِنْ عَقْلٍ وَلَا مِنْ نَصِّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ، وَيَجِبُ مِنْ هَذَا أَنَّ حُنَيْنَ الْجِذْعِ وَإِطْعَامَ النَّفَرِ الْكَثِيرِ مِنْ الطَّعَامِ الْيَسِيرِ حَتَّى شَبِعُوا وَهُمْ مِئُونَ مِنْ صَاعِ شَعِيرٍ. وَنَبَعَانَ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِرْوَاءَ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ قَدَحٍ صَغِيرٍ تَضِيقُ سِعَتُهُ عَنْ شِبْرٍ - لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ آيَةً لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَتَّحِدَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَحَدًا. [مَسْأَلَة السِّحْرُ حِيَلٌ وَتَخْيِيلٌ] 68 - مَسْأَلَةٌ: وَالسِّحْرُ حِيَلٌ وَتَخْيِيلٌ لَا يُحِيلُ طَبِيعَةً أَصْلًا. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66] فَصَحَّ أَنَّهَا تَخْيِيلَاتٌ لَا حَقِيقَةَ لَهَا، وَلَوْ أَحَالَ السَّاحِرُ طَبِيعَةً لَكَانَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا كُفْرٌ مِمَّنْ أَجَازَهُ. [مَسْأَلَة الْقَدَر حَقٌّ] 69 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ الْقَدَرَ حَقٌّ، مَا أَصَابَنَا لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَنَا، وَمَا أَخْطَأَنَا لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَنَا. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد: 22] . [مَسْأَلَة اعتقاد أَنْ أحدا لَا يموت قَبْل أجله] 70 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَمُوتُ أَحَدٌ قَبْلَ أَجَلِهِ، مَقْتُولًا أَوْ غَيْرَ مَقْتُولٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا} [آل عمران: 145] وَقَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران: 154] . [مَسْأَلَة لَا يموت أَحَد حَتَّى يستوفي رزقه ويعمل مَا يسر لَهُ] 71 - مَسْأَلَةٌ: وَحَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ وَيَعْمَلَ بِمَا يُسِّرَ لَهُ، السَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ثنا أَبِي وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ قَالُوا: ثنا الْأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ
مسألة أعمال العباد خيرها وشرها كل ذلك مخلوق
أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ تَعَالَى الْمَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» . [مَسْأَلَة أَعْمَال الْعِبَادِ خَيْرهَا وَشَرّهَا كُلُّ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ] 72 - مَسْأَلَةٌ: وَجَمِيعُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ - خَيْرِهَا وَشَرِّهَا - كُلُّ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ تَعَالَى خَالِقُ الِاخْتِيَارِ وَالْإِرَادَةِ وَالْمَعْرِفَةِ فِي نُفُوسِ عِبَادِهِ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] وَقَالَ تَعَالَى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} [السجدة: 4] . [مَسْأَلَة لَا حُجَّةَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْقَائِمَةُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ] 73 - مَسْأَلَةٌ: لَا حُجَّةَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْقَائِمَةُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ. قَالَ تَعَالَى: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149] . 74 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ بِمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ، لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، وَكُلُّ أَفْعَالِهِ تَعَالَى عَدْلٌ وَحِكْمَةٌ. لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاضِعُ كُلِّ مَوْجُودٍ فِي مَوْضِعِهِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ الَّذِي لَا حَاكِمَ عَلَيْهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. قَالَ تَعَالَى: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 107] . [مَسْأَلَةٌ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وكل ذَلِكَ عَقْدِ بِالْقَلْبِ] 75 - مَسْأَلَةٌ: الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ شَيْءٌ وَاحِدٌ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 35] {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 36] وَقَالَ تَعَالَى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: 17] . 76 - مَسْأَلَةٌ: كُلُّ ذَلِكَ عَقْدٌ بِالْقَلْبِ وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ. وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [التوبة: 124] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ ثنا أَبِي ثنا كَهْمَسٌ التَّمِيمِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إنْ اسْتَطَعْتَ إلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: صَدَقْتَ، فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ - وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ؟ قُلْت: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ» . وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا قُتَيْبَةُ ثنا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ ثنا اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ الْهَادِ
مسألة اعتقد الإيمان بقلبه ولم ينطق به بلسانه دون تقية
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لِلنِّسَاءِ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ دِينٍ وَعَقْلٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ، قَالَتْ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ. وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ، فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ» . قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران: 19] فَصَحَّ أَنَّ الدِّينَ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْإِيمَانُ، فَالدِّينُ هُوَ الْإِيمَانُ، وَالدِّينُ يَنْقُصُ بِنَقْصِ الْإِيمَانِ وَيَزِيدُ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ اعْتَقَدَ الْإِيمَانَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِهِ بِلِسَانِهِ دُونَ تَقِيَّةٍ] 77 - مَسْأَلَةٌ: مَنْ اعْتَقَدَ الْإِيمَانَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِهِ بِلِسَانِهِ دُونَ تَقِيَّةٍ فَهُوَ كَافِرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ نَطَقَ بِهِ دُونَ أَنْ يَعْتَقِدَهُ بِقَلْبِهِ فَهُوَ كَافِرٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: إنَّهُمْ يَعْلَمُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يَعْلَمُونَ أَبْنَاءَهُمْ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] وَقَالَ تَعَالَى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] [مَسْأَلَةٌ اعْتَقَدَ الْإِيمَانَ بِقَلْبِهِ وَنَطَقَ بِهِ بِلِسَانِهِ] 78 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اعْتَقَدَ الْإِيمَانَ بِقَلْبِهِ وَنَطَقَ بِهِ بِلِسَانِهِ فَقَدْ وُفِّقَ، سَوَاءٌ اسْتَدَلَّ أَوْ لَمْ يَسْتَدِلَّ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ اسْتِدْلَالًا وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُذْ بَعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَى أَنْ قَبَضَهُ يُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يُقِرُّوا بِالْإِسْلَامِ وَيَلْتَزِمُوهُ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ قَطُّ اسْتِدْلَالًا، وَلَا سَأَلَهُمْ هَلْ اسْتَدَلُّوا أَمْ لَا،
مسألة من ضيع الأعمال كلها
وَعَلَى هَذَا جَرَى جَمِيعُ الْإِسْلَامِ إلَى الْيَوْمِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَنْ ضَيَّعَ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا] 79 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ ضَيَّعَ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا فَهُوَ مُؤْمِنٌ عَاصٍ نَاقِصُ الْإِيمَانِ لَا يَكْفُرُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ثنا أَبِي عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ «حَتَّى إذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ قَضَائِهِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا، مِمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَّنْ يَقُولُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.» [مَسْأَلَةٌ الْيَقِينُ لَا يَتَفَاضَلُ] 80 - مَسْأَلَةٌ: وَالْيَقِينُ لَا يَتَفَاضَلُ، لَكِنْ إنْ دَخَلَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ شَكٍّ أَوْ جَحْدٍ بَطَلَ كُلُّهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْيَقِينَ هُوَ إثْبَاتُ الشَّيْءِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إثْبَاتٌ أَكْثَرَ مِنْ إثْبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يُحَقِّقْ الْإِثْبَاتَ صَارَ شَكًّا. [مَسْأَلَةٌ الْمَعَاصِي كَبَائِرُ فَوَاحِشُ وَسَيِّئَاتٌ صَغَائِرُ وَلَمَمٌ] 81 - مَسْأَلَةٌ: وَالْمَعَاصِي كَبَائِرُ فَوَاحِشُ، وَسَيِّئَاتٌ صَغَائِرُ وَلَمَمٌ، وَاللَّمَمُ مَغْفُورٌ جُمْلَةً، فَالْكَبَائِرُ الْفَوَاحِشُ هِيَ مَا تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِالنَّارِ فِي الْقُرْآنِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنْ اجْتَنَبَهَا غُفِرَتْ لَهُ جَمِيعُ سَيِّئَاتِهِ الصَّغَائِرِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم: 32] وَاللَّمَمُ هُوَ الْهَمُّ بِالشَّيْءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا الْأَثَرَ فِي أَنَّ مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ» وَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] وَبِالضَّرُورَةِ نَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَبِيرًا إلَّا بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ، لَا يُمْكِنُ غَيْرُ هَذَا أَصْلًا، فَإِذَا كَانَ
مسألة من لم يجتنب الكبائر
الْعِقَابُ بَالِغًا أَشَدَّ مَا يُتَخَوَّفُ فَالْمُوجِبُ لَهُ هُوَ كَبِيرٌ بِلَا شَكٍّ، وَمَا لَا تَوَعُّدَ فِيهِ بِالنَّارِ فَلَا يَلْحَقُ فِي الْعِظَمِ مَا تُوُعِّدَ فِيهِ بِالنَّارِ، فَهُوَ الصَّغِيرُ بِلَا شَكٍّ، إذْ لَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ. [مَسْأَلَةٌ مَنْ لَمْ يَجْتَنِبْ الْكَبَائِرَ] 82 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَمْ يَجْتَنِبْ الْكَبَائِرَ حُوسِبَ عَلَى كُلِّ مَا عَمِلَ، وَوَازَنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ أَعْمَالِهِ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَبَيْنَ جَمِيعِ مَعَاصِيهِ الَّتِي لَمْ يَتُبْ مِنْهَا وَلَا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّهَا، فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ سَاوَتْ حَسَنَاتُهُ سَيِّئَاتِهِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [القارعة: 6] {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [القارعة: 7] وَمَنْ تَسَاوَتْ فَهُمْ أَهْلُ الْأَعْرَافِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ الذُّنُوبَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنِي هُشَيْمٌ ثنا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ «أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ: أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا نَسْرِقَ وَلَا نَزْنِيَ وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا وَلَا يَعْضَهَ بَعْضُنَا بَعْضًا، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» . [مَسْأَلَةٌ مَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ بِحَسَنَاتِهِ] 83 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ بِحَسَنَاتِهِ فَهُمْ الْخَارِجُونَ مِنْ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} [القارعة: 8] {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة: 9] {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} [القارعة: 10] {نَارٌ حَامِيَةٌ} [القارعة: 11] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 8] وَقَالَ تَعَالَى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [غافر: 17] . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ
مسألة الناس في الجنة على قدر فضلهم عند الله
إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ثنا أَبِي عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ: «وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إلَّا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ يَعْنِي الْمُوبَقَ بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمْ الْمُخَرْدَلُ حَتَّى يُنَجَّى» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ ثنا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا ثنا مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيُّ - أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ ثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً» . قَالَ عَلِيٌّ: وَلَيْسَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا «إنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» بِمُعَارِضٍ لِمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ إلَّا أَنَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ مَا دُونَ الشِّرْكِ لِمَنْ يَشَاءُ، وَهَذَا صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ، كَمَا أَنَّ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] وقَوْله تَعَالَى فِي النَّصَارَى حَاكِيًا عَنْ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] قَالَ اللَّهُ: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة: 119] لَيْسَ بِمُعَارِضٍ لِهَذَيْنِ النَّصَّيْنِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا أَنَّهُ قَدْ يَغْفِرُ وَلَا يُعَذِّبُ مَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ، وَالْمُبَيِّنُ لِأَحْكَامِ هَؤُلَاءِ مِمَّا ذَكَرْنَا هُوَ الْحَاكِمُ عَلَى سَائِرِ النُّصُوصِ الْمُجْمَلَةِ. وَكَذَلِكَ تَقْضِي هَذِهِ النُّصُوصُ عَلَى كُلِّ نَصٍّ فِيهِ: مَنْ فَعَلَ كَذَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ، وَعَلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93] وَمَعْنَى كُلِّ هَذَا أَنَّ اللَّهَ يُحَرِّمُ الْجَنَّةَ عَلَيْهِ حَتَّى يُقْتَصَّ مِنْهُ، وَيُحَرِّمُ النَّارَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْلُدَ فِيهَا أَبَدًا، وَخَالِدًا فِيهَا مُدَّةً حَتَّى تُخْرِجَهُ الشَّفَاعَةُ، إذْ لَا بُدَّ مِنْ جَمْعِ النُّصُوصِ كُلِّهَا. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ النَّاسُ فِي الْجَنَّةِ عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ] 84 - مَسْأَلَةٌ: وَالنَّاسُ فِي الْجَنَّةِ عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَفْضَلُ النَّاسِ
مسألة الخلافة في قريش
أَعْلَاهُمْ فِي الْجَنَّةِ دَرَجَةً، بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة: 10] {أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 11] {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [الواقعة: 12] وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْأَفْضَلُ أَنْقَصَ دَرَجَةً لَبَطَلَ الْفَضْلُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى وَلَا رَغِبَ فِيهِ رَاغِبٌ، وَلَيْسَ لِلْفَضْلِ مَعْنًى إلَّا أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِتَعْظِيمِ الْأَرْفَعِ فِي الدُّنْيَا وَتَرْفِيعِ مَنْزِلَتِهِ فِي الْجَنَّةِ. 85 - مَسْأَلَةٌ: وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ أَزْوَاجُهُمْ ثُمَّ سَائِرُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَمِيعُهُمْ فِي الْجَنَّةِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «لَوْ كَانَ لِأَحَدِنَا مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ أَعْلَاهُمْ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ، وَلَا مَنْزِلَةَ أَعْلَى مِنْ دَرَجَةِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -، فَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ فِي دَرَجَتِهِمْ فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ دُونَهُمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِنِسَائِهِمْ فَقَطْ. وَقَالَ تَعَالَى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ - لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ - لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ} [الأنبياء: 101 - 103] فَجَاءَ النَّصُّ أَنَّ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ وَعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْحُسْنَى. وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9] وَصَحَّ بِالنَّصِّ كُلُّ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْحُسْنَى، فَإِنَّهُ مُبْعَدٌ عَنْ النَّارِ لَا يَسْمَعُ حَسِيسَهَا، وَهُوَ فِيمَا اشْتَهَى خَالِدٌ لَا يَحْزُنُهُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ. وَهَذَا نَصُّ مَا قُلْنَا، وَلَيْسَ الْمُنَافِقُونَ وَلَا سَائِرُ الْكُفَّارِ، مِنْ أَصْحَابِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا مِنْ الْمُضَافِينَ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. [مَسْأَلَةٌ الْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ] 86 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الْخِلَافَةُ إلَّا فِي قُرَيْشٍ، وَهُمْ وَلَدُ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، الَّذِينَ يَرْجِعُونَ بِأَنْسَابِ آبَائِهِمْ إلَيْهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ ثنا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْ النَّاسِ اثْنَانِ» .
مسألة لا يجوز الأمر لغير بالغ ولا لمجنون ولا امرأة
قَالَ عَلِيٌّ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَفْظَةُ الْخَبَرِ، فَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْأَمْرَ فَحَرَامٌ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي غَيْرِهِمْ أَبَدًا، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الْخَبَرِ كَلَفْظِهِ، فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَا أَمْرَ لَهُ وَإِنْ ادَّعَاهُ، فَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهَذَا خَبَرٌ يُوجِبُ مَنْعَ الْأَمْرِ عَمَّنْ سِوَاهُمْ. [مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ الْأَمْرُ لِغَيْرِ بَالِغٍ وَلَا لِمَجْنُونٍ وَلَا امْرَأَةٍ] 87 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ الْأَمْرُ لِغَيْرِ بَالِغٍ وَلَا لِمَجْنُونٍ وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الدُّنْيَا إلَّا إمَامٌ وَاحِدٌ فَقَطْ، وَمَنْ بَاتَ لَيْلَةً وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَلَا يَجُوزُ التَّرَدُّدُ بَعْدَ مَوْتِ الْإِمَامِ فِي اخْتِيَارِ الْإِمَامِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا جَرِيرٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَعْقِلَ» .
قَالَ عَلِيٌّ: الْإِمَامُ إنَّمَا جُعِلَ لِيُقِيمَ النَّاسُ الصَّلَاةَ وَيَأْخُذَ صَدَقَاتِهِمْ وَيُقِيمَ حُدُودَهُمْ وَيُمْضِيَ أَحْكَامَهُمْ وَيُجَاهِدَ عَدُوَّهُمْ، وَهَذِهِ كُلُّهَا عُقُودٌ، وَلَا يُخَاطَبُ بِهَا مَنْ لَمْ يَبْلُغْ أَوْ مَنْ لَا يَعْقِلُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا قُتَيْبَةُ ثنا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ ثنا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ الْوَاسِطِيُّ ثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ عَنْ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِرَ مِنْهُمَا» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ ثنا أَبِي ثنا عَاصِمٌ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - عَنْ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» .
مسألة التوبة من الكفر والزنى وفعل قوم لوط والخمر
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَسُورِيُّ ثنا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ أَسْنَدُوا أَمْرَهُمْ إلَى امْرَأَةٍ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا قُتَيْبَةُ ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» . فَصَحَّ أَنَّ أَهْلَ كُلِّ عَصْرٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوا مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ قَائِلٌ بِالْحَقِّ، فَإِذَا صَحَّ إجْمَاعُهُمْ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ حَقٌّ مَقْطُوعٌ بِذَلِكَ، إذَا تُيُقِّنَ أَنَّهُ لَا مُخَالِفَ فِي ذَلِكَ وَقُطِعَ بِهِ وَقَدْ صَحَّ يَقِينًا أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ رَضُوا بَقَاءَ السِّتَّةِ - إذْ مَاتَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ - ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَرْتَئُونَ فِي إمَامٍ، فَصَحَّ هَذَا وَبَطَلَ مَا زَادَ عَلَيْهِ، إذْ لَمْ تُبِحْهُ سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ثُمَّ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْقِصَّةَ فَوَجَدْنَا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ وَلَّى الْأَمْرَ أَحَدَ السِّتَّةِ الْمُعَيَّنِينَ أَيَّهُمْ اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ الْإِمَامَ سَاعَةَ مَوْتِ عُمَرَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، بِإِسْنَادِ عُمَرَ الْأَمْرَ إلَيْهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِيهِ مِنْ اخْتِيَارِهِمْ إيَّاهُ، فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ وَصَحَّ أَنَّهُمْ لَمْ يَبْقُوا سَاعَةً، فَكَيْفَ لَيْلَةً دُونَ إمَامٍ؟ بَلْ كَانَ لَهُمْ إمَامٌ مُعَيَّنٌ مَحْدُودٌ مَوْصُوفٌ مَعْهُودٌ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ لَمْ تَعْرِفْهُ النَّاسُ بِعَيْنِهِ مُدَّةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. [مَسْأَلَةٌ التَّوْبَةُ مِنْ الْكُفْرِ وَالزِّنَى وَفِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ وَالْخَمْرِ] 88 - مَسْأَلَةٌ: وَالتَّوْبَةُ مِنْ الْكُفْرِ وَالزِّنَى وَفِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ وَالْخَمْرِ وَأَكْلِ الْأَشْيَاءِ
الْمُحَرَّمَةِ كَالْخِنْزِيرِ وَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: تَكُونُ بِالنَّدَمِ وَالْإِقْلَاعِ وَالْعَزِيمَةِ، عَلَى أَنْ لَا عَوْدَةَ أَبَدًا، وَاسْتِغْفَارِ اللَّهِ تَعَالَى. هَذَا إجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ. وَالتَّوْبَةُ مِنْ ظُلْمِ النَّاسِ فِي أَعْرَاضِهِمْ وَأَبْشَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ لَا تَكُونُ إلَّا بِرَدِّ أَمْوَالِهِمْ إلَيْهِمْ، وَرَدِّ كُلِّ مَا تَوَلَّدَ مِنْهَا مَعَهَا أَوْ مِثْلِ ذَلِكَ إنْ فَاتَ، فَإِنْ جَهِلُوا فَفِي الْمَسَاكِينِ وَوُجُوهِ الْبِرِّ مَعَ النَّدَمِ وَالْإِقْلَاعِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَتَحَلُّلِهِمْ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ وَأَبْشَارِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَالْأَمْرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا بُدَّ لِلْمَظْلُومِ مِنْ الِانْتِصَافِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوْمَ يُقْتَصُّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنْ الْقَرْنَاءِ. وَالتَّوْبَةُ مِنْ الْقَتْلِ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَلَا تَكُونُ إلَّا بِالْقِصَاصِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَلْيُكْثِرْ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ لِيُرَجِّحَ مِيزَانَ الْحَسَنَاتِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ الدَّارِمِيِّ ثنا مَرْوَانُ يَعْنِي بْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ - ثنا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ «يَا عِبَادِي إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» ، وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا
مسألة اعتقاد أن الدجال سيأتي وهو كافر اعور
وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ، لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» . قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا كُلُّهُ خَبَرٌ مُفَسَّرٌ مُخَصَّصٌ لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ وَلَا تَخْصِيصُهُ بِعُمُومِ خَبَرٍ آخَرَ. [مَسْأَلَةٌ اعتقاد أَنْ الدجال سيأتي وَهُوَ كَافِر اعَوَرَّ] 89 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ الدَّجَّالَ سَيَأْتِي وَهُوَ كَافِرٌ أَعْوَرُ مُمَخْرَقٌ ذُو حِيَلٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلَا إنَّهُ أَعْوَرُ. وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كُفْر» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ ثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ ثنا هُشَيْمٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ «مَا سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْته عَنْهُ، قَالَ وَمَا سُؤَالُكَ عَنْهُ؟ قَالَ: قُلْت: إنَّهُمْ يَقُولُونَ مَعَهُ جِبَالٌ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ وَنَهْرٌ مِنْ مَاءٍ قَالَ: هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نا جَرِيرٌ نا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ أَبِي الدَّهْمَاءِ قَالَ: سَمِعْت عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاَللَّهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ أَوْ لِمَا يَبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ، قَالَ هَكَذَا، قَالَ نَعَمْ»
مسألة النبوة هي الوحي من الله تعالى
[مَسْأَلَةٌ النُّبُوَّةُ هِيَ الْوَحْيُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى] مَسْأَلَةٌ: وَالنُّبُوَّةُ هِيَ الْوَحْيُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ يَعْلَمَ الْمُوحَى إلَيْهِ بِأَمْرٍ مَا يَعْلَمُهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ قَبْلُ. وَالرِّسَالَةُ هِيَ النُّبُوَّةُ وَزِيَادَةٌ، وَهِيَ بَعْثَتُهُ إلَى خَلْقٍ مَا بِأَمْرٍ مَا - هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ - وَالْخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَبِيٌّ قَدْ مَاتَ، وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَاكِيًا عَنْ الْخَضِرِ {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82] فَصَحَّتْ نُبُوَّتُهُ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] . [اعتقاد أَنْ إبْلِيس بَاقٍ حي قَدْ خاطب اللَّه عَزَّ وَجَلّ معترفا بذنبه مصرا عَلَيْهِ] 91 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ إبْلِيسَ بَاقٍ حَيٌّ قَدْ خَاطَبَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُعْتَرِفًا بِذَنْبِهِ مُصِرًّا عَلَيْهِ مُوقِنًا بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَهُ مِنْ نَارٍ، وَأَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، وَأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَامْتَنَعَ وَاسْتَخَفَّ بِآدَمَ فَكَفَرَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] وَأَنَّهُ قَالَ: {أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الأعراف: 14] وَأَنَّهُ قَالَ: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف: 16] وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] . [مَسَائِلُ مِنْ الْأُصُولِ] [مَسْأَلَةٌ دِينُ الْإِسْلَامِ يُؤْخَذُ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ مِنْ السُّنَّةِ] .
مسألة الحديث الموقوف والمرسل لا تقوم بهما حجة
مَسْأَلَةٌ: دِينُ الْإِسْلَامِ اللَّازِمُ لِكُلِّ أَحَدٍ لَا يُؤْخَذُ إلَّا مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ مِمَّا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إمَّا بِرِوَايَةِ جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ الْإِجْمَاعُ، وَإِمَّا بِنَقْلِ جَمَاعَةٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ نَقْلُ الْكَافَّةِ. وَإِمَّا بِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ وَاحِدًا عَنْ وَاحِدٍ حَتَّى يَبْلُغَ إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلَا مَزِيدَ. قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3] {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] وَقَالَ تَعَالَى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف: 3] وَقَالَ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] فَإِنْ تَعَارَضَ فِيمَا يَرَى الْمَرْءُ آيَتَانِ أَوْ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ، أَوْ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَآيَةٌ، فَالْوَاجِبُ اسْتِعْمَالُهُمَا جَمِيعًا، لِأَنَّ طَاعَتَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْوُجُوبِ، فَلَا يَحِلُّ تَرْكُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ مَا دُمْنَا نَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ هَذَا إلَّا بِأَنْ يَسْتَثْنِيَ الْأَقَلُّ مَعَانِيَ مِنْ الْأَكْثَرِ، فَإِنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَ الْأَخْذُ بِالزَّائِدِ حُكْمًا لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ وُجُوبُهُ، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ الْيَقِينِ بِالظُّنُونِ، وَلَا إشْكَالَ فِي الدِّينِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى دِينَهُ. قَالَ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] وَقَالَ تَعَالَى: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] . [مَسْأَلَةٌ الْحَدِيث الْمَوْقُوفُ وَالْمُرْسَلُ لَا تَقُومُ بِهِمَا حُجَّةٌ] 93 - مَسْأَلَةٌ: الْمَوْقُوفُ وَالْمُرْسَلُ لَا تَقُومُ بِهِمَا حُجَّةٌ، وَكَذَلِكَ مَا لَمْ يَرْوِهِ إلَّا مَنْ لَا يُوثَقُ بِدِينِهِ وَبِحِفْظِهِ، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِ صَاحِبٍ أَوْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ هُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَالْمُرْسَلُ هُوَ مَا كَانَ بَيْنَ
أَحَدِ رُوَاتِهِ أَوْ بَيْنَ الرَّاوِي وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ لَا يُعْرَفُ، وَالْمَوْقُوفُ هُوَ مَا لَمْ يَبْلُغْ بِهِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. بُرْهَانُ بُطْلَانِ الْمَوْقُوفِ: قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] فَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُضِيفَ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ ظَنٌّ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] وَأَمَّا الْمُرْسَلُ وَمَنْ فِي رُوَاتِهِ مَنْ لَا يُوثَقُ بِدِينِهِ وَحِفْظِهِ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} [التوبة: 122] فَأَوْجَبَ عَزَّ وَجَلَّ قَبُولَ نِذَارَةِ النَّافِرِ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] وَلَيْسَ فِي الْعَالِمِ إلَّا عَدْلٌ أَوْ فَاسِقٌ، فَحَرَّمَ تَعَالَى عَلَيْنَا قَبُولَ خَبَرِ الْفَاسِقِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْعَدْلُ، وَصَحَّ أَنَّهُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِقَبُولِ نِذَارَتِهِ. وَأَمَّا الْمَجْهُولُ فَلَسْنَا عَلَى ثِقَةٍ مِنْ أَنَّهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَعَهَا بِقَبُولِ نِذَارَتِهِ، وَهِيَ التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ، فَلَا يَحِلُّ لَنَا قَبُولُ نِذَارَتِهِ حَتَّى يَصِحَّ عِنْدَنَا فِقْهُهُ فِي الدِّينِ وَحِفْظُهُ لِمَا ضَبَطَ عَنْ ذَلِكَ وَبَرَاءَتُهُ مِنْ الْفِسْقِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
مسألة القرآن ينسخ القرآن والسنة تنسخ السنة
وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَمِ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ إلَى الْمُلُوكِ رَسُولًا - رَسُولًا وَاحِدًا - إلَى كُلِّ مَمْلَكَةٍ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَاحِدًا وَاحِدًا، إلَى كُلِّ مَدِينَةٍ وَإِلَى كُلِّ قَبِيلَةٍ كَصَنْعَاءَ وَالْجُنْدِ وَحَضْرَمَوْتَ وَتَيْمَاءَ وَنَجْرَانَ وَالْبَحْرَيْنِ وَعُمَانَ وَغَيْرِهَا، يُعَلِّمُهُمْ أَحْكَامَ الدِّينِ كُلَّهَا، وَافْتَرَضَ عَلَى كُلِّ جِهَةٍ قَبُولَ رِوَايَةِ أَمِيرِهِمْ وَمُعَلِّمِهِمْ، فَصَحَّ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ عَنْ مِثْلِهِ مُبَلِّغًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمَنْ تَرَكَ الْقُرْآنَ أَوْ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِ صَاحِبٍ أَوْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ رَاوِيَ ذَلِكَ الْخَبَرِ أَوْ غَيْرَهُ، فَقَدْ تَرَكَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِ لِقَوْلِ مَنْ لَمْ يَأْمُرْهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ بِطَاعَتِهِ وَلَا بِاتِّبَاعِهِ. وَهَذَا خِلَافٌ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَيْسَ فَضْلُ الصَّاحِبِ عِنْدَ اللَّهِ بِمُوجِبِ تَقْلِيدِ قَوْلِهِ وَتَأْوِيلِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ، لَكِنْ مُوجِبُ تَعْظِيمِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَقَبُولِ رِوَايَتِهِ فَقَطْ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَةٌ الْقُرْآنُ يَنْسَخُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةُ تَنْسَخُ السُّنَّةَ] - 94 مَسْأَلَةٌ: وَالْقُرْآنُ يَنْسَخُ الْقُرْآنَ، وَالسُّنَّةُ تَنْسَخُ السُّنَّةَ وَالْقُرْآنَ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] قَالَ تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3] {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] وَأَمَرَهُ تَعَالَى أَنْ يَقُولَ: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: 50] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ} [الحاقة: 44] {لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} [الحاقة: 45] {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 46] {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47] وَصَحَّ أَنَّ كُلَّ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَنْ اللَّهِ تَعَالَى قَالَهُ، وَالنَّسْخُ بَعْضٌ مِنْ أَبْعَاضِ الْبَيَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى. . [مَسْأَلَةٌ النَّسْخ والتخصيص فِي الْقُرْآن وَالسَّنَة] - 95 مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي آيَةٍ أَوْ فِي خَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَابِتٍ: هَذَا مَنْسُوخٌ وَهَذَا مَخْصُوصٌ فِي بَعْضِ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ لَفْظِهِ، وَلَا أَنَّ لِهَذَا النَّصِّ تَأْوِيلًا غَيْرَ مُقْتَضٍ ظَاهِرَ لَفْظِهِ، وَلَا أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْنَا مِنْ حِينِ وُرُودِهِ إلَّا بِنَصٍّ آخَرَ وَارِدٍ بِأَنَّ هَذَا النَّصَّ كَمَا ذُكِرَ، أَوْ بِإِجْمَاعٍ مُتَيَقِّنٍ بِأَنَّهُ كَمَا ذُكِرَ، أَوْ بِضَرُورَةِ حِسٍّ مُوجِبَةٍ أَنَّهُ كَمَا ذُكِرَ وَإِلَّا فَهُوَ كَاذِبٌ.
مسألة الإجماع هو ما تيقن أن جميع أصحاب رسول الله عرفوه
بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] وَقَالَ تَعَالَى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195] وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} [البقرة: 75] وَقَالَ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ} [النساء: 64] مُوجِبٌ طَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ، وقَوْله تَعَالَى: {أَطِيعُوا اللَّهَ} [آل عمران: 32] مُوجِبٌ طَاعَةَ الْقُرْآنِ، وَمَنْ ادَّعَى فِي آيَةٍ أَوْ خَبَرٍ نَسْخًا فَقَدْ أَسْقَطَ وُجُوبَ طَاعَتِهِمَا، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِأَمْرِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ. قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] مُوجِبٌ أَخْذَ كُلِّ نَصٍّ فِي الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَمُقْتَضَاهُ. وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى غَيْرِ مُقْتَضَاهُ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فَقَدْ خَالَفَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمَهُ، وَقَالَ عَلَيْهِ عَزَّ وَجَلَّ الْبَاطِلَ وَخِلَافَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّصِّ بَعْضُ مَا يَقْتَضِيهِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَا كُلُّ مَا يَقْتَضِيهِ فَقَدْ أَسْقَطَ بَيَانَ النَّصِّ وَأَسْقَطَ وُجُوبَ الطَّاعَةِ لَهُ بِدَعْوَاهُ الْكَاذِبَةِ. وَهَذَا قَوْلٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْبَاطِلِ، وَلَيْسَ بَعْضُ مَا يَقْتَضِيهِ النَّصُّ بِأَوْلَى بِالِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ مِنْ سَائِرِ مَا يَقْتَضِيهِ. قَوْله تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63] مُوجِبٌ لِلْوَعِيدِ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا تَجِبُ عَلَيَّ مُوَافَقَةُ أَمْرِهِ، وَمُوجِبٌ أَنَّ جَمِيعَ النُّصُوصِ عَلَى الْوُجُوبِ، وَمَنْ ادَّعَى تَأْخِيرَ الْوُجُوبِ مُدَّةً مَا فَقَدْ أَسْقَطَ وُجُوبَ طَاعَةِ اللَّهِ وَوُجُوبَ مَا أَوْجَبَ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ طَاعَةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ. وَهَذَا خِلَافٌ لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَإِذَا شَهِدَ لِدَعْوَى مَنْ ادَّعَى بَعْضَ مَا ذَكَرْنَا قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ، إمَّا بِإِجْمَاعٍ أَوْ نَقْلٍ صَحِيحٍ، فَقَدْ صَحَّ قَوْلُهُ وَوَجَبَ طَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَتْ لَهُ ضَرُورَةُ الْحِسِّ؛ لِأَنَّهَا فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي النُّفُوسِ، وَإِلَّا فَهِيَ أَقْوَالٌ مُؤَدِّيَةٌ إلَى إبْطَالِ الْإِسْلَامِ وَإِبْطَالِ جَمِيعِ الْعُلُومِ وَإِبْطَالِ جَمِيعِ اللُّغَاتِ كُلِّهَا، وَكَفَى بِهَذَا فَسَادًا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْإِجْمَاعُ هُوَ مَا تُيُقِّنَ أَنَّ جَمِيعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ عَرَفُوهُ] - 96 مَسْأَلَةٌ: وَالْإِجْمَاعُ هُوَ مَا تُيُقِّنَ أَنَّ جَمِيعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَفُوهُ
مسألة لا يجوز أن يجمع أهل عصر ولو طرفة عين على خطإ
وَقَالُوا بِهِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، كَتَيَقُّنِنَا أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - صَلَّوْا مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ كَمَا هِيَ فِي عَدَدِ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، أَوْ عَلِمُوا أَنَّهُ صَلَّاهَا مَعَ النَّاسِ كَذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ كُلُّهُمْ صَامُوا مَعَهُ، أَوْ عَلِمُوا أَنَّهُ صَامَ مَعَ النَّاسِ رَمَضَانَ فِي الْحَضَرِ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ الشَّرَائِعِ الَّتِي تَيَقَّنَتْ مِثْلَ هَذَا الْيَقِينِ. وَاَلَّتِي مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِهَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَهَذَا مَا لَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ إجْمَاعٌ. وَهُمْ كَانُوا حِينَئِذٍ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ لَا مُؤْمِنَ فِي الْأَرْضِ غَيْرُهُمْ. وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ غَيْرَ هَذَا هُوَ إجْمَاعٌ كُلِّفَ الْبُرْهَانَ عَلَى مَا يَدَّعِي وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ. 97 - مَسْأَلَةٌ: وَمَا صَحَّ فِيهِ خِلَافٌ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ لَمْ يُتَيَقَّنْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَرَفَهُ وَدَانَ بِهِ فَلَيْسَ إجْمَاعًا، لِأَنَّ مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ هَهُنَا فَقَدْ كَذَبَ وَقَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] . [مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ أَهْلَ عَصْرٍ وَلَوْ طَرْفَةَ عَيْنٍ عَلَى خَطَإٍ] - 98 مَسْأَلَةٌ إجْمَاعُ أَهْلِ عَصْرٍ بَعْدَهُمْ أَوَّلِهِمْ عَنْ آخِرِهِمْ عَلَى حُكْمِ نَصٍّ لَا يُقْطَعُ فِيهِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُتَيَقَّنَ إجْمَاعُ أَهْلِ عَصْرٍ بَعْدَهُمْ أَوَّلِهِمْ عَنْ آخِرِهِمْ عَلَى حُكْمِ نَصٍّ لَا يُقْطَعُ فِيهِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَوَجَبَ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ حَقٌّ وَحُجَّةٌ وَلَيْسَ كَانَ يَكُونُ إجْمَاعًا.
مسألة اختلف الناس أو نازع واحد في مسألة ما
أَمَّا الْقَطْعُ بِأَنَّهُ حَقٌّ وَحُجَّةٌ فَلِمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ بِإِسْنَادِهِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَنْ تَزَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرَةً عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» فَصَحَّ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَجْمَعَ أَهْلَ عَصْرٍ وَلَوْ طَرْفَةَ عَيْنٍ عَلَى خَطَإٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَائِلٍ بِالْحَقِّ فِيهِمْ. وَأَمَّا أَنَّهُ لَيْسَ إجْمَاعًا، فَلِأَنَّ أَهْلَ كُلِّ عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَيْسَ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّمَا هُمْ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْإِجْمَاعُ إنَّمَا هُوَ إجْمَاعُ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ لَا إجْمَاعُ بَعْضِهِمْ. وَلَوْ جَازَ أَنْ يُسَمَّى إجْمَاعًا مَا خَرَجَ عَنْ الْجُمْلَةِ وَاحِدٌ لَا يُعْرَفُ أَيُوَافِقُ سَائِرَهُمْ أَمْ يُخَالِفُهُمْ لَجَازَ أَنْ يُسَمَّى إجْمَاعًا مَا خَرَجَ عَنْهُمْ فِيهِ اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ. وَهَكَذَا أَبَدًا إلَى أَنْ يَرْجِعَ الْأَمْرُ إلَى أَنْ يُسَمَّى إجْمَاعًا مَا قَالَهُ وَاحِدٌ. وَهَذَا بَاطِلٌ. وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إلَى تَيَقُّنِ إجْمَاعِ أَهْلِ عَصْرٍ بَعْدَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَذَلِكَ. بَلْ كَانُوا عَدَدًا مُمْكِنًا حَصْرُهُ وَضَبْطُهُ وَضَبْطُ أَقْوَالِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ يُعْلَمُ رِضَا أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِأَقْوَالِ هَؤُلَاءِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ أَنْ يَكُونَ مَسْأَلَةً قَالَ بِهَا أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءِ إلَّا وَفِي أَصْحَابِهِ مَنْ يُمْكِنُ أَنْ يُخَالِفَهُ فِيهَا وَإِنْ وَافَقَهُ فِي سَائِرِ أَقْوَالِهِ. [مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ أَوْ نَازَعَ وَاحِدٌ فِي مَسْأَلَةٍ مَا] - 99 مَسْأَلَةٌ: وَالْوَاجِبُ إذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ أَوْ نَازَعَ وَاحِدٌ فِي مَسْأَلَةٍ مَا أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْقُرْآنِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا إلَى شَيْءٍ غَيْرِهِمَا. وَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ إلَى عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النساء: 59] فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الرَّدُّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَى شَيْءٍ غَيْرِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي هَذَا تَحْرِيمُ الرُّجُوعِ إلَى قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لِأَنَّ مَنْ رَجَعَ إلَى قَوْلِ إنْسَانٍ دُونَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَدْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِالرَّدِّ إلَيْهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، لَا سِيَّمَا مَعَ تَعْلِيقِهِ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النساء: 59] وَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِالرُّجُوعِ إلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ دُونَ جَمِيعِهِمْ. وَقَدْ كَانَ الْخُلَفَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ بِالْمَدِينَةِ
مسألة القول بالقياس
وَعُمَّالُهُمْ بِالْيَمَنِ وَمَكَّةَ وَسَائِرِ الْبِلَادِ وَعُمَّالُ عُمَرَ بِالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَمِصْرَ وَالشَّامِ. وَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُتَيَقَّنِ الْمُمْتَنِعِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - طَوَوْا عِلْمَ الْوَاجِبِ وَالْحَلَالَ وَالْحَرَامَ عَنْ سَائِرِ الْأَمْصَارِ وَاخْتَصُّوا بِهِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، فَهَذِهِ صِفَةُ سُوءٍ قَدْ أَعَاذَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا، وَقَدْ عَمِلَ مُلُوكُ بَنِي أُمَيَّةَ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ التَّكْبِيرِ مِنْ الصَّلَاةِ وَبِتَقْدِيمِ الْخُطْبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْعِيدَيْنِ، حَتَّى فَشَا ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ، فَصَحَّ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي عَمَلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [مَسْأَلَة الْقَوْلُ بِالْقِيَاسِ] 100 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِالْقِيَاسِ فِي الدِّينِ وَلَا بِالرَّأْيِ لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ التَّنَازُعِ بِالرَّدِّ إلَى كِتَابِهِ وَإِلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ صَحَّ، فَمَنْ رَدَّ إلَى قِيَاسٍ وَإِلَى تَعْلِيلٍ يَدَّعِيه أَوْ إلَى رَأْيٍ فَقَدْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى الْمُعَلَّقَ بِالْإِيمَانِ وَرَدَّ إلَى غَيْرِ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالرَّدِّ إلَيْهِ، وَفِي هَذَا مَا فِيهِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] وقَوْله تَعَالَى: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] وقَوْله تَعَالَى {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] قَوْله تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] إبْطَالٌ لِلْقِيَاسِ وَلِلرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُمَا مَا دَامَ يُوجَدُ نَصٌّ، وَقَدْ شَهِدَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يُفَرِّطْ فِيهِ شَيْئًا، وَأَنَّ رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدْ بَيَّنَ لِلنَّاسِ كُلَّ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ، وَأَنَّ الدِّينَ قَدْ كَمُلَ فَصَحَّ أَنَّ النَّصَّ قَدْ اسْتَوْفَى جَمِيعَ الدِّينِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ بِأَحَدٍ إلَى قِيَاسٍ وَلَا إلَى رَأْيِهِ وَلَا إلَى رَأْيِ غَيْرِهِ. وَنَسْأَلُ مَنْ قَالَ بِالْقِيَاسِ: هَلْ كُلُّ قِيَاسٍ قَاسَهُ قَائِسٌ حَقٌّ، أَمْ مِنْهُ حَقٌّ وَمِنْهُ بَاطِلٌ
فَإِنْ قَالَ كُلُّ قِيَاسٍ حَقٌّ أَحَالَ، لِأَنَّ الْمَقَايِيسَ تَتَعَارَضُ وَيُبْطِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ وَضِدُّهُ مِنْ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ حَقًّا مَعًا، وَلَيْسَ هَذَا مَكَانَ نَسْخٍ وَلَا تَخْصِيصٍ، كَالْأَخْبَارِ الْمُتَعَارِضَةِ الَّتِي يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيُخَصِّصُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَإِنْ قَالَ مِنْهَا حَقٌّ وَمِنْهَا بَاطِلٌ، قِيلَ لَهُ فَعَرِّفْنَا بِمَاذَا تَعْرِفُ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ مِنْ الْفَاسِدِ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى وُجُودِ ذَلِكَ أَبَدًا، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ عَلَى تَصْحِيحِ الصَّحِيحِ مِنْ الْقِيَاسِ مِنْ الْبَاطِلِ مِنْهُ، فَقَدْ بَطَلَ كُلُّهُ وَصَارَ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، فَإِنْ ادَّعَوْا أَنَّ الْقِيَاسَ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ سَأَلُوا أَيْنَ وَجَدُوا ذَلِكَ، فَإِنْ قَالُوا: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2] قِيلَ لَهُمْ: إنَّ الِاعْتِبَارَ لَيْسَ هُوَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ إلَّا التَّعَجُّبَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} [النحل: 66] أَيْ لَعَجَبًا. وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ} [يوسف: 111] أَيْ عَجَبٌ، وَمِنْ الْعَجِيبِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الِاعْتِبَارِ الْقِيَاسَ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا قِيسُوا، ثُمَّ لَا يُبَيِّنُ لَنَا مَاذَا نَقِيسُ وَلَا كَيْفَ نَقِيسُ وَلَا عَلَى مَاذَا نَقِيسُ. هَذَا مَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِ أَحَدٍ أَنْ يَعْلَمَ شَيْئًا مِنْ الدِّينِ إلَّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ إيَّاهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] فَإِنْ ذَكَرُوا أَحَادِيثَ وَآيَاتٍ فِيهَا تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، وَأَنَّ اللَّهَ قَضَى وَحَكَمَ بِأَمْرِ كَذَا مِنْ أَجْلِ أَمْرِ كَذَا، قُلْنَا لَهُمْ: كُلُّ مَا قَالَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ حَقٌّ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ خِلَافُهُ، وَهُوَ نَصٌّ بِهِ نَقُولُ: وَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ تُشَبِّهُوهُ فِي الدِّينِ وَأَنْ تُعَلِّلُوهُ مِمَّا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَا بُدَّ وَشَرْعٌ لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَهَذَا يُبْطِلُ عَلَيْهِمْ تَهْوِيلَهُمْ بِذِكْرِ آيَةِ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَ «أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ» وَ {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [المائدة: 32] . وَكُلُّ آيَةٍ وَحَدِيثٍ مَوَّهُوا بِإِيرَادِهِ هُوَ مَعَ ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَاهُ فِي كِتَابِ (الْإِحْكَامِ لِأُصُولِ الْأَحْكَامِ) وَفِي كِتَابِ النُّكَتِ وَفِي كِتَابِ الدُّرَّةِ وَفِي كِتَابِ النُّبْذَةِ قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ عَارَضْنَاهُمْ فِي كُلِّ قِيَاسٍ قَاسُوهُ بِقِيَاسٍ مِثْلِهِ وَأَوْضَحَ مِنْهُ عَلَى أُصُولِهِمْ لِنُرِيَهُمْ فَسَادَ الْقِيَاسِ جُمْلَةً، فَمَوَّهَ مِنْهُمْ مُمَوِّهُونَ بِأَنْ قَالُوا: أَنْتُمْ دَأَبًا تُبْطِلُونَ الْقِيَاسَ بِالْقِيَاسِ، وَهَذَا مِنْكُمْ رُجُوعٌ إلَى الْقِيَاسِ وَاحْتِجَاجٌ بِهِ، وَأَنْتُمْ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْتَجِّ عَلَى غَيْرِهِ بِحُجَّةِ الْعَقْلِ لِيُبْطِلَ حُجَّةَ الْعَقْلِ وَبِدَلِيلٍ مِنْ النَّظَرِ لِيُبْطِلَ بِهِ النَّظَرَ قَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْنَا هَذَا شَغَبٌ سَهْلٌ إفْسَادُهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَنَحْنُ لَمْ نَحْتَجَّ بِالْقِيَاسِ
فِي إبْطَالِ الْقِيَاسِ، وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا، لَكِنْ أَرَيْنَاكُمْ أَنَّ أَصْلَكُمْ الَّذِي أَثْبَتُّمُوهُ مِنْ تَصْحِيحِ الْقِيَاسِ يَشْهَدُ بِفَسَادِ جَمِيعِ قِيَاسَاتِكُمْ. وَلَا قَوْلَ أَظْهَرُ بَاطِلًا مِنْ قَوْلٍ أَكْذَبَ نَفْسَهُ. وَقَدْ نَصَّ تَعَالَى عَلَى هَذَا. فَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} [المائدة: 18] فَلَيْسَ هَذَا تَصْحِيحًا لِقَوْلِهِمْ إنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ. وَلَكِنْ إلْزَامٌ لَهُمْ مَا يَفْسُدُ بِهِ قَوْلُهُمْ وَلَسْنَا فِي ذَلِكَ كَمَنْ ذَكَرْتُمْ مِمَّنْ يَحْتَجُّ فِي إبْطَالِ حُجَّةِ الْعَقْلِ بِحُجَّةِ الْعَقْلِ. لَكِنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ مُصَحِّحٌ لِقَضِيَّتِهِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا فَظَهَرَ تَنَاقُضُهُ مِنْ قَرِيبٍ. وَلَا حُجَّةَ لَهُ غَيْرُهَا فَقَدْ ظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِهِ. وَأَمَّا نَحْنُ فَلَمْ نَحْتَجَّ قَطُّ فِي إبْطَالِ الْقِيَاسِ بِقِيَاسٍ نُصَحِّحُهُ. لَكِنْ نُبْطِلُ الْقِيَاسَ بِالنُّصُوصِ وَبِبَرَاهِينِ الْعَقْلِ. ثُمَّ نَزِيدُ بَيَانًا فِي فَسَادِهِ مِنْهُ نَفْسِهِ بِأَنْ نُرِيَ تَنَاقُضَهُ جُمْلَةً فَقَطْ وَالْقِيَاسَ الَّذِي نُعَارِضُ بِهِ قِيَاسَكُمْ. نَحْنُ نُقِرُّ بِفَسَادِهِ وَفَسَادِ قِيَاسِكُمْ الَّذِي هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَضْعَفُ مِنْهُ. كَمَا نَحْتَجُّ عَلَى أَهْلِ كُلِّ مَقَالَةٍ مِنْ مُعْتَزِلَةٍ وَرَافِضَةٍ وَمُرْجِئَةٍ وَخَوَارِج وَيَهُودٍ وَنَصَارَى وَدَهْرِيَّةٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ الَّتِي يَشْهَدُونَ بِصِحَّتِهَا. فَنُرِيهِمْ تَفَاسُدَهَا وَتَنَاقُضَهَا. وَأَنْتُمْ تَحْتَجُّونَ عَلَيْهِمْ مَعَنَا بِذَلِكَ. وَلَسْنَا نَحْنُ وَلَا أَنْتُمْ مِمَّنْ يُقِرُّ بِتِلْكَ الْأَقْوَالِ الَّتِي نَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِهَا، بَلْ هِيَ عِنْدَنَا فِي غَايَةِ الْبُطْلَانِ وَالْفَسَاد. وَكَاحْتِجَاجِنَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ كُتُبِهِمْ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ. وَنَحْنُ لَا نُصَحِّحُهَا. بَلْ نَقُولُ إنَّهَا لَمُحَرَّفَةٌ مُبَدَّلَةٌ. لَكِنْ لِنُرِيَهُمْ تَنَاقُضَ أُصُولِهِمْ وَفُرُوعِهِمْ. لَا سِيَّمَا وَجَمِيعُ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ مُخْتَلِفُونَ فِي قِيَاسَاتِهِمْ. لَا تَكَادُ تُوجَدُ مَسْأَلَةٌ إلَّا وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَأْتِي بِقِيَاسٍ تَدَّعِي صِحَّتَهُ تُعَارِضُ بِهِ قِيَاسَ الْأُخْرَى. وَهُمْ كُلُّهُمْ مُقِرُّونَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ قِيَاسٍ صَحِيحًا وَلَا كُلُّ رَأْيٍ حَقًّا. فَقُلْنَا لَهُمْ: فَهَاتُوا حَدَّ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ وَالرَّأْيَ الصَّحِيحَ الَّذِي يَتَمَيَّزَانِ بِهِ مِنْ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ وَالرَّأْيِ الْفَاسِدِ. وَهَاتُوا حَدَّ الْعِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لَا تَقِيسُونَ إلَّا عَلَيْهَا مِنْ الْعِلَّةِ الْفَاسِدَةِ فَلَجْلَجُوا. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا مَكَانٌ إنْ زُمَّ عَلَيْهِمْ فِيهِ ظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ جُمْلَةً. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ إلَى جَوَابٍ يُفْهَمُ سَبِيلٌ أَبَدًا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ أَتَوْا فِي ذَلِكَ بِنَصٍّ قُلْنَا النَّصُّ حَقٌّ وَاَلَّذِي تُرِيدُونَ أَنْتُمْ إضَافَتَهُ إلَى النَّصِّ بِآرَائِكُمْ بَاطِلٌ وَفِي هَذَا خُولِفْتُمْ. وَهَكَذَا أَبَدًا. فَإِنْ ادَّعَوْا أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعُوا عَلَى الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ قِيلَ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ بَلْ الْحَقُّ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى إبْطَالِهِ.
بُرْهَانُ كَذِبِهِمْ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى وُجُودِ حَدِيثٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُ أَطْلَقَ الْأَمْرَ بِالْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ أَبَدًا إلَّا فِي الرِّسَالَةِ الْمَكْذُوبَةِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّ فِيهَا: وَاعْرِفْ الْأَشْبَاهَ وَالْأَمْثَالَ وَقِسْ الْأُمُورَ وَهَذِهِ رِسَالَةٌ لَمْ يَرْوِهَا إلَّا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ سَاقِطٌ بِلَا خِلَافٍ وَأَبُوهُ أَسَقْطُ مِنْهُ أَوْ هُوَ مِثْلُهُ فِي السُّقُوطِ، فَكَيْفَ وَفِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ نَفْسِهَا أَشْيَاءُ خَالَفُوا فِيهَا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِيهَا: وَالْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ نَسَبٍ. وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا - يَعْنِي جَمِيعَ الْحَاضِرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ - حَنَفِيَّهُمْ وَشَافِعِيَّهُمْ وَمَالِكِيَّهُمْ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُ عُمَرَ - لَوْ صَحَّ فِي تِلْكَ الرِّسَالَةِ - فِي الْقِيَاسِ حُجَّةً، فَقَوْلُهُ فِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ عُدُولٌ كُلُّهُمْ إلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ حُجَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حُجَّةً، فَلَيْسَ قَوْلُهُ فِي الْقِيَاسِ حُجَّةً، لَوْ صَحَّ فَكَيْفَ وَلَمْ يَصِحَّ. وَأَمَّا بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا فِي إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَى إبْطَالِ الْقِيَاسِ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ فِي أَنَّ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ مُصَدِّقُونَ بِالْقُرْآنِ وَفِيهِ {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] وَفِيهِ: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النساء: 59] فَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يَعْلَمُونَ هَذَا وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، ثُمَّ يَرُدُّونَ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَى قِيَاسٍ أَوْ رَأْيٍ. هَذَا مَا لَا يَظُنُّهُ بِهِمْ ذُو عَقْلٍ، فَكَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي أَوْ أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي إنْ قُلْتَ فِي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ بِرَأْيِي أَوْ بِمَا لَا أَعْلَمُ، وَصَحَّ عَنْ الْفَارُوقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: اتَّهِمُوا الرَّأْيَ عَلَى الدِّينِ وَإِنَّ الرَّأْيَ مِنَّا هُوَ الظَّنُّ وَالتَّكَلُّفُ، وَعَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي فُتْيَا أَفْتَى بِهَا إنَّمَا كَانَ
رَأْيًا رَأَيْته فَمَنْ شَاءَ أَخَذَ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ. وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: سَأَقُولُ فِيهَا بِجَهْدِ رَأْيِي، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنْ الشَّيْطَانِ، وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ. وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فِي حَدِيثِ: يُبْتَدَعُ كَلَامًا لَيْسَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ كُلُّ رَأْيٍ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَا عَلَى أَنَّهُ إلْزَامٌ وَلَا أَنَّهُ حَقٌّ، لَكِنَّهُ إشَارَةٌ بِعَفْوٍ أَوْ صُلْحٍ أَوْ تَوَرُّعٍ فَقَطْ لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ. وَحَدِيثُ مُعَاذٍ الَّذِي فِيهِ أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو، لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ إلَّا الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا نَدْرِي مَنْ هُوَ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ لَمْ يُسَمِّهِمْ عَنْ مُعَاذٍ. وَقَدْ تَقَصَّيْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلَّهَا فِي كِتَابِنَا الْمَذْكُورِ وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو قَاسِمِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَنْ حُرَيْزِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً عَلَى أُمَّتِي قَوْمٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِآرَائِهِمْ فَيُحِلُّونَ الْحَرَامَ وَيُحَرِّمُونَ الْحَلَالَ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَالشَّرِيعَةُ كُلُّهَا إمَّا فَرْضٌ يَعْصِي مَنْ تَرَكَهُ. وَإِمَّا حَرَامٌ يَعْصِي مَنْ فَعَلَهُ وَإِمَّا مُبَاحٌ لَا يَعْصِي مَنْ فَعَلَهُ وَلَا مَنْ تَرَكَهُ. وَهَذَا الْمُبَاحُ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: إمَّا مَنْدُوبٌ إلَيْهِ يُؤْجَرُ مَنْ فَعَلَهُ وَلَا يَعْصِي مَنْ تَرَكَهُ. وَإِمَّا مَكْرُوهٌ يُؤْجَرُ مَنْ تَرَكَهُ وَلَا يَعْصِي مَنْ
فَعَلَهُ. وَإِمَّا مُطْلَقٌ لَا يُؤْجَرُ مَنْ فَعَلَهُ وَلَا مَنْ تَرَكَهُ وَلَا يَعْصِي مَنْ فَعَلَهُ وَلَا مَنْ تَرَكَهُ. وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ حَلَالٌ إلَّا مَا فَصَّلَ تَحْرِيمَهُ فِي الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَخْبَرَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ فَقَالَ «أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى أَعَادَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» قَالَ عَلِيٌّ: فَجَمَعَ هَذَا الْحَدِيثُ جَمِيعَ أَحْكَامِ الدِّينِ، أَوَّلِهَا عَنْ آخِرِهَا، فَفِيهِ أَنَّ مَا سَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَلَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ مُبَاحٌ وَلَيْسَ حَرَامًا وَلَا فَرْضًا، وَأَنَّ مَا أَمَرَ بِهِ فَهُوَ فَرْضٌ، وَمَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ حَرَامٌ، وَأَنَّ مَا أَمَرَنَا بِهِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُنَا مِنْهُ مَا نَسْتَطِيعُ فَقَطْ، وَأَنْ نَفْعَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً تُؤَدِّي مَا أَلْزَمَنَا، وَلَا يَلْزَمُنَا تَكْرَارُهُ، فَأَيُّ حَاجَةٍ بِأَحَدٍ إلَى قِيَاسٍ أَوْ رَأْيٍ مَعَ هَذَا الْبَيَانِ الْوَاضِحِ، وَنَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَا يَجُوزُ إبْطَالُ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ إلَّا حَتَّى تُوجِدُونَا تَحْرِيمَ الْقَوْلِ بِهِ نَصًّا فِي الْقُرْآنِ. قُلْنَا لَهُمْ: قَدْ أَوْجَدْنَا لَكُمْ الْبُرْهَانَ نَصًّا بِذَلِكَ وَبِأَنْ لَا يَرِدَ التَّنَازُعُ إلَّا إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَقَطْ، وَقَالَ تَعَالَى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف: 3] وَقَالَ تَعَالَى: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 74] وَالْقِيَاسُ ضَرْبُ أَمْثَالٍ فِي الدِّينِ لِلَّهِ تَعَالَى. ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: إنْ
مسألة أفعال النبي ليست فرضا إلا ما كان منها بيانا لأمر
عَارَضَكُمْ الرَّوَافِضُ بِمِثْلِ هَذَا فَقَالُوا لَكُمْ: لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِإِبْطَالِ الْإِلْهَامِ وَلَا بِإِبْطَالِ اتِّبَاعِ الْإِمَامِ إلَّا حَتَّى تُوجِدُوا لَنَا تَحْرِيمَ ذَلِكَ نَصًّا، أَوْ قَالَ لَكُمْ ذَلِكَ أَهْلُ كُلِّ مَقَالَةٍ فِي تَقْلِيدِ كُلِّ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ. بِمَاذَا تَنْفَصِلُونَ؟ بَلْ الْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُقَالَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ حَرَّمَ أَوْ حَلَّلَ أَوْ أَوْجَبَ إلَّا بِنَصٍّ فَقَطْ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ أَفْعَالُ النَّبِيِّ لَيْسَتْ فَرْضًا إلَّا مَا كَانَ مِنْهَا بَيَانًا لِأَمْرٍ] - 101 مَسْأَلَةٌ: وَأَفْعَالُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَتْ فَرْضًا إلَّا مَا كَانَ مِنْهَا بَيَانًا لِأَمْرٍ فَهُوَ حِينَئِذٍ أَمْرٌ، لَكِنَّ الِائْتِسَاءَ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيهَا حَسَنٌ. وَبُرْهَانُ ذَلِكَ هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُنَا شَيْءٌ إلَّا مَا أَمَرَنَا بِهِ أَوْ نَهَانَا عَنْهُ، وَأَنَّ مَا سَكَتَ عَنْهُ فَعَفْوٌ سَاقِطٌ عَنَّا، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] . [مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لَنَا اتِّبَاعُ شَرِيعَةِ نَبِيٍّ قَبْلَ نَبِيِّنَا] - 102 مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لَنَا اتِّبَاعُ شَرِيعَةِ نَبِيٍّ قَبْلَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً» فَإِذَا صَحَّ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - لَمْ يُبْعَثْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَّا إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ شَرَائِعَهُمْ لَمْ تَلْزَمْ إلَّا مَنْ بُعِثُوا إلَيْهِ فَقَطْ، وَإِذَا لَمْ يُبْعَثُوا إلَيْنَا فَلَمْ يُخَاطِبُونَا قَطُّ بِشَيْءٍ وَلَا أَمَرُونَا وَلَا نَهَوْنَا وَلَوْ أَمَرُونَا وَنَهَوْنَا وَخَاطَبُونَا لَمَا كَانَ لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضِيلَةٌ عَلَيْهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ. وَمَنْ قَالَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَّبَ هَذَا الْحَدِيثَ وَأَبْطَلَ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، فَإِذَا قَدْ صَحَّ أَنَّهُمْ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - لَمْ يُخَاطِبُونَا بِشَيْءٍ، فَقَدْ صَحَّ يَقِينًا أَنَّ شَرَائِعَهُمْ لَا تَلْزَمُنَا أَصْلًا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
مسألة لا يحل لأحد أن يقلد أحدا لا حيا ولا ميتا
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَلِّدَ أَحَدًا لَا حَيًّا وَلَا مَيِّتًا] مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَلِّدَ أَحَدًا، لَا حَيًّا وَلَا مَيِّتًا، وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ الِاجْتِهَادِ حَسَبَ طَاقَتِهِ، فَمَنْ سَأَلَ عَنْ دِينِهِ فَإِنَّمَا يُرِيدُ مَعْرِفَةَ مَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذَا الدِّينِ، فَفُرِضَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ أَجْهَلَ الْبَرِيَّةِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ مَوْضِعِهِ بِالدِّينِ الَّذِي جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِذَا دُلَّ عَلَيْهِ سَأَلَهُ، فَإِذَا أَفْتَاهُ قَالَ لَهُ هَكَذَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ؟ فَإِنْ قَالَ لَهُ نَعَمْ أَخَذَ بِذَلِكَ وَعَمِلَ بِهِ أَبَدًا، وَإِنْ قَالَ لَهُ هَذَا رَأْيِي، أَوْ هَذَا قِيَاسٌ، أَوْ هَذَا قَوْلُ فُلَانٍ، وَذَكَرَ لَهُ صَاحِبًا أَوْ تَابِعًا أَوْ فَقِيهًا قَدِيمًا أَوْ حَدِيثًا، أَوْ سَكَتَ أَوْ انْتَهَرَهُ أَوْ قَالَ لَهُ لَا أَدْرِي، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِهِ، وَلَكِنَّهُ يَسْأَلُ غَيْرَهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] فَلَمْ يَأْمُرْنَا عَزَّ وَجَلَّ قَطُّ بِطَاعَةِ بَعْضِ أُولِي الْأَمْرِ، فَمَنْ قَلَّدَ عَالِمًا أَوْ جَمَاعَةَ عُلَمَاءَ فَلَمْ يُطِعْ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أُولِي الْأَمْرِ، وَإِذَا لَمْ يَرُدَّ إلَى مَنْ ذَكَرْنَا فَقَدْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَطُّ بِطَاعَةِ بَعْضِ أُولِي الْأَمْرِ دُونَ بَعْضٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] وَقَالَ تَعَالَى: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} [التوبة: 122] قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ النَّافِرِ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ رَأْيُهُ، وَلَا أَنْ يُطَاعَ أَهْلُ الذِّكْرِ فِي رَأْيِهِمْ وَلَا فِي دِينٍ يَشْرَعُونَهُ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّمَا أَمَرَ تَعَالَى بِأَنْ يَسْأَلَ أَهْلَ الذِّكْرِ عَمَّا يَعْلَمُونَهُ فِي الذِّكْرِ الْوَارِدِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ، لَا عَمَّنْ قَالَهُ مَنْ لَا سَمْعَ لَهُ وَلَا طَاعَةَ، وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَبُولِ نِذَارَةِ النَّافِرِ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ فِيمَا تَفَقَّهَ فِيهِ مِنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي أَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا فِي دِينٍ لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَمَنْ ادَّعَى وُجُوبَ تَقْلِيدِ الْعَامِّيِّ لِلْمُفْتِي فَقَدْ ادَّعَى الْبَاطِلَ وَقَالَ قَوْلًا لَمْ يَأْتِ بِهِ قَطُّ نَصُّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ، بَلْ الْبُرْهَانُ قَدْ جَاءَ بِإِبْطَالِهِ، قَالَ تَعَالَى ذَامًّا لِقَوْمٍ قَالُوا: {إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا} [الأحزاب: 67] وَالِاجْتِهَادُ إنَّمَا مَعْنَاهُ بُلُوغُ الْجَهْدِ فِي طَلَبِ دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
مسألة سأل عن أعلم أهل بلده بالدين
الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا إلَّا حَتَّى يُقِرَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إلَهُهُ لَا إلَهَ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا الدِّينِ إلَيْهِ وَإِلَى غَيْرِهِ، فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا فَكُلُّ سَائِلٍ فِي الْأَرْضِ عَنْ نَازِلَةٍ فِي دِينِهِ، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ عَمَّا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ، فَإِذًا لَا شَكَّ فِي هَذَا فَفُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ إذَا سَمِعَ فُتْيَا: أَهَذَا حُكْمُ اللَّهِ وَحُكْمُ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ وَهَذَا لَا يَعْجِزُ عَنْهُ مَنْ يَدْرِي مَا الْإِسْلَامُ، وَلَوْ أَنَّهُ كَمَا جُلِبَ مِنْ قوقوا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. . [مَسْأَلَةٌ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ بَلَدِهِ بِالدِّينِ] 104 - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا قِيلَ لَهُ - إذَا سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ بَلَدِهِ بِالدِّينِ: هَذَا صَاحِبُ حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَهَذَا صَاحِبُ رَأْيٍ وَقِيَاسٍ: فَلْيَسْأَلْ صَاحِبَ الْحَدِيثِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ صَاحِبَ الرَّأْيِ أَصْلًا. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] وقَوْله تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] فَهَذَا هُوَ الدِّينُ، لَا دِينَ سِوَى ذَلِكَ، وَالرَّأْيُ وَالْقِيَاسُ ظَنٌّ وَالظَّنُّ بَاطِلٌ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَالِكِ بْنِ عَائِذٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الطَّحَاوِيَّ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ الْقَرَاطِيسِيُّ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: السُّنَّةُ لَمْ تُوضَعْ بِالْمَقَايِيسِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ أَخْبَرَنَا
مسألة لا حكم للخطإ ولا النسيان
إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَصْرِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ حَيْوَنٍ الْحِجَازِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الرَّأْيِ. حَدَّثَنَا حَمَامُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ بِبَلَدٍ لَا يَجِدُ فِيهِ إلَّا صَاحِبَ حَدِيثٍ لَا يَعْرِفُ صَحِيحَهُ مِنْ سَقِيمِهِ وَأَصْحَابَ رَأْيٍ، فَتَنْزِلُ بِهِ النَّازِلَةُ مَنْ يَسْأَلُ؟ فَقَالَ أَبِي: يَسْأَلُ صَاحِبَ الْحَدِيثِ وَلَا يَسْأَلُ صَاحِبَ الرَّأْيِ، ضَعِيفُ الْحَدِيثِ أَقْوَى مِنْ رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ. . [مَسْأَلَةٌ لَا حُكْمَ لِلْخَطَإِ وَلَا النِّسْيَانِ] 105 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا حُكْمَ لِلْخَطَإِ وَلَا النِّسْيَانِ إلَّا حَيْثُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ لَهُمَا حُكْمٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] . [مَسْأَلَةٌ كُلُّ فَرْضٍ كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْإِنْسَانَ] 106 - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ فَرْضٍ كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْإِنْسَانَ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ جَمِيعِهِ سَقَطَ عَنْهُ، وَإِنْ قَوِيَ عَلَى بَعْضِهِ وَعَجَزَ عَنْ بَعْضِهِ سَقَطَ عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ وَلَزِمَهُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُ، سَوَاءٌ أَقَلُّهُ أَوْ أَكْثَرُهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ بِإِسْنَادِهِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ الدِّينِ مُؤَقَّتًا بِوَقْتٍ قَبْلَ وَقْتِهِ] 107 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ الدِّينِ مُؤَقَّتًا بِوَقْتٍ قَبْلَ وَقْتِهِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مِنْ وَقْتِهِ وَالْآخَرُ مِنْ وَقْتِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْمَلَ قَبْلَ وَقْتِهِ وَلَا بَعْدَ وَقْتِهِ. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1] وَقَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] وَالْأَوْقَاتُ حُدُودٌ، فَمَنْ تَعَدَّى بِالْعَمَلِ وَقْتَهُ الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، فَقَدْ تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَأَلْت الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ
مسألة المجتهد المخطئ أفضل عند الله تعالى من المقلد المصيب
فَقَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» قَالَ عَلِيٌّ: وَمَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا فِي وَقْتٍ سَمَّاهُ لَهُ فَعَمِلَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ - إمَّا قَبْلَ الْوَقْتِ وَإِمَّا بَعْدَ الْوَقْتِ - فَقَدْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا أَمْرُ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مَرْدُودٌ بَاطِلٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَهُوَ غَيْرُ الْعَمَلِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَإِنْ جَاءَ نَصٌّ بِأَنَّهُ يُجْزِئُ فِي وَقْتٍ آخَرَ فَهُوَ وَقْتُهُ أَيْضًا حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَكُونُ وَقْتًا لِلْعَمَلِ فَهُوَ مَا لَا نَصَّ فِيهِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْمُجْتَهِدُ الْمُخْطِئُ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْمُقَلِّدِ الْمُصِيبِ] 108 - مَسْأَلَةٌ: وَالْمُجْتَهِدُ الْمُخْطِئُ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْمُقَلِّدِ الْمُصِيبِ. هَذَا فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ خَاصَّةً، وَأَمَّا غَيْرُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلَا عُذْرَ لِلْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَدِلِّ وَلَا لِلْمُقَلِّدِ، وَكِلَاهُمَا هَالِكٌ. بُرْهَانُ هَذَا مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا بِإِسْنَادِهِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» وَذَمَّ اللَّهُ التَّقْلِيدَ جُمْلَةً، فَالْمُقَلِّدُ عَاصٍ وَالْمُجْتَهِدُ مَأْجُورٌ، وَلَيْسَ مَنْ اتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقَلِّدًا لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. وَإِنَّمَا الْمُقَلِّدُ مَنْ اتَّبَعَ مَنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَمْ يَأْمُرْهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَأَمَّا غَيْرُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] . [مَسْأَلَةٌ الْحَقُّ مِنْ الْأَقْوَالِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا] 109 - مَسْأَلَةٌ: وَالْحَقُّ مِنْ الْأَقْوَالِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا وَسَائِرُهَا خَطَأٌ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ} [يونس: 32] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] وَذَمَّ اللَّهُ الِاخْتِلَافَ فَقَالَ {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} [آل عمران: 105] وَقَالَ: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} [الأنفال: 46] وَقَالَ: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] فَصَحَّ أَنَّ الْحَقَّ فِي الْأَقْوَالِ مَا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِ، وَهُوَ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ، وَأَنَّ
الْخَطَأَ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا حَقٌّ وَأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، فَقَدْ قَالَ قَوْلًا لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا مَعْقُولٌ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ، وَيُبْطِلُهُ أَيْضًا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» فَنَصَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّ الْمُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ النَّاسَ لَمْ يُكَلَّفُوا إلَّا اجْتِهَادَهُمْ فَقَدْ أَخْطَأَ، بَلْ مَا كُلِّفُوا إلَّا إصَابَةَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف: 3] فَافْتَرَضَ عَزَّ وَجَلَّ اتِّبَاعَ مَا أُنْزِلَ إلَيْنَا وَأَنْ لَا نَتَّبِعَ غَيْرَهُ وَأَنْ لَا نَتَعَدَّى حُدُودَهُ، وَإِنَّمَا أُجِرَ الْمُجْتَهِدُ الْمُخْطِئُ أَجْرًا وَاحِدًا عَلَى نِيَّتِهِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ فَقَطْ، وَلَمْ يَأْثَمْ إذَا حُرِمَ الْإِصَابَةَ، فَلَوْ أَصَابَ الْحَقَّ أُجِرَ أَجْرًا آخَرَ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَنَّهُ إذَا أَصَابَ أُجِرَ أَجْرًا ثَانِيًا» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَرَبْرِيُّ حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِي حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» . وَلَا يَحِلُّ الْحُكْمُ بِالظَّنِّ أَصْلًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28] وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
كتاب الطهارة
[كِتَابُ الطَّهَارَةِ] [مَسْأَلَةٌ الْوُضُوءُ لِلصَّلَاةِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كِتَابُ الطَّهَارَةِ 110 - مَسْأَلَةٌ: الْوُضُوءُ لِلصَّلَاةِ فَرْضٌ لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ لِمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ. هَذَا إجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ، وَأَصْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] . [مَسْأَلَةٌ لَا يُجْزِئُ الْوُضُوءُ إلَّا بِنِيَّةِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ] 111 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُجْزِئُ الْوُضُوءُ إلَّا بِنِيَّةِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ فَرْضًا وَتَطَوُّعًا لَا يُجْزِئُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ وَلَا صَلَاةٌ دُونَ صَلَاةٍ. بُرْهَانُ ذَلِكَ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ. لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ فِيهَا بِالْوُضُوءِ إلَّا لِلصَّلَاةِ عَلَى عُمُومِهَا، لَمْ يَخُصَّ تَعَالَى صَلَاةً مِنْ صَلَاةٍ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا، وَلَا يُجْزِئُ لِغَيْرِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ بِلَا نِيَّةٍ وَبِنِيَّةِ التَّبَرُّدِ وَالتَّنَظُّفِ. كَانَ حُجَّتَهُمْ أَنْ قَالُوا: إنَّمَا أُمِرَ بِغَسْلِ جِسْمِهِ أَوْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ فَقَدْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَقَالُوا: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ بِلَا نِيَّةٍ، وَمِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ التَّيَمُّمَ لَا يُجْزِئُ إلَّا بِنِيَّةٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ يُجْزِئُ كُلُّ ذَلِكَ بِلَا نِيَّةٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ انْغَمَسَ جُنُبٌ فِي بِئْرٍ لِيُخْرِجَ دَلْوًا مِنْهَا لَمْ يَجْزِهِ ذَلِكَ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَجْزِيهِ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِأَنَّهُ إنَّمَا أُمِرَ بِغَسْلِ جِسْمِهِ أَوْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَقَدْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، فَكَذَّبَ بَلْ مَا أُمِرَ إلَّا بِغَسْلِهَا بِنِيَّةِ الْقَصْدِ إلَى الْعَمَلِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]
فَنَفَى عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ أَمَرَنَا بِشَيْءٍ إلَّا بِعِبَادَتِهِ مُفْرَدِينَ لَهُ نِيَّاتِنَا بِدِينِهِ الَّذِي أَمَرَنَا بِهِ فَعَمَّ بِهَذَا جَمِيعَ أَعْمَالِ الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا. حَدَّثَنَا حَمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثنا أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوِيُّ ثنا الْفَرَبْرِيٌّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا الْحُمَيْدِيُّ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ، سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» فَهَذَا أَيْضًا عُمُومٌ لِكُلِّ عَمَلٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِهِ بَعْضُ الْأَعْمَالِ دُونَ بَعْضٍ بِالدَّعْوَى. وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ ذَلِكَ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَبَاطِلٌ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ، لِوُجُوهٍ: مِنْهَا أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: لَيْسَ قِيَاسُكُمْ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِأَوْلَى مِنْ قِيَاسِكُمْ ذَلِكَ عَلَى التَّيَمُّمِ الَّذِي هُوَ وُضُوءٌ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَيْضًا، وَكَمَا قِسْتُمْ التَّيَمُّمَ عَلَى الْوُضُوءِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ بُلُوغُ الْمَسْحِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، فَهَلَّا قِسْتُمْ الْوُضُوءَ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا بِنِيَّةٍ، لِأَنَّ كِلَيْهِمَا طُهْرٌ لِلصَّلَاةِ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ قُلْنَا نَعَمْ فَكَانَ مَاذَا؟ وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة: 6] فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ ذَلِكَ الْغُسْلُ إلَّا لِلصَّلَاةِ بِنَصِّ الْآيَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ دَعْوَاهُمْ أَنَّ غَسْلَ النَّجَاسَةِ يُجْزِئُ بِلَا نِيَّةٍ بَاطِلٌ لَيْسَ كَمَا قَالُوا، بَلْ كُلُّ تَطْهِيرٍ لِنَجَاسَةٍ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى صِفَةٍ مَا فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا بِنِيَّةٍ وَعَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ قَبْلُ، وَكُلُّ نَجَاسَةٍ لَيْسَ فِيهَا أَمْرٌ بِصِفَةٍ مَا فَإِنَّمَا عَلَى النَّاسِ أَنْ يُصَلُّوا بِغَيْرِ نَجَاسَةٍ فِي أَجْسَامِهِمْ وَلَا فِي ثِيَابِهِمْ وَلَا فِي مَوْضِعِ صَلَاتِهِمْ، فَإِذَا صَلَّوْا كَذَلِكَ
مسألة الوضوء قبل الوقت وبعده
فَقَدْ فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، فَظَهَرَ فَسَادُ احْتِجَاجِهِمْ وَعِظَمُ تَنَاقُضِهِمْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَالِ بِلَا بُرْهَانٍ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الْجُنُبِ يَنْغَمِسُ فِي الْبِئْرِ كَمَا ذَكَرْنَا بِلَا دَلِيلٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ احْتَاجَ الْوُضُوءُ إلَى نِيَّةٍ لَاحْتَاجَتْ النِّيَّةُ إلَى نِيَّةٍ وَهَكَذَا أَبَدًا، قُلْنَا لَهُمْ: هَذَا لَازِمٌ لَكُمْ فِيمَا أَوْجَبْتُمْ مِنْ النِّيَّةِ لِلتَّيَمُّمِ وَلِلصَّلَاةِ وَهَذَا مُحَالٌ، لِأَنَّ النِّيَّةَ الْمَأْمُورَ بِهَا هِيَ مَأْمُورٌ بِهَا لِنَفْسِهَا، لِأَنَّهَا الْقَصْدُ إلَى مَا أُمِرَ بِهِ فَقَطْ، وَأَمَّا الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ قَوْلُهُ بِالْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَالْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ، وَقَوْلُنَا فِي هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُد وَغَيْرِهِمْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. . [مَسْأَلَةٌ الْوُضُوءُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ] 112 - مَسْأَلَةٌ: وَيُجْزِئُ الْوُضُوءُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ، لَا يُجْزِئُ الْوُضُوءُ وَلَا التَّيَمُّمُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُجْزِئُ الْوُضُوءُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَلَا يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ، وَقَالَ آخَرُونَ: الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ يَجْزِيَانِ قَبْلَ الْوَقْتِ. وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى كُلَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ كَافِيَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ: إذَا قُمْتُمْ إلَى صَلَاةِ فَرْضٍ، وَلَا إذَا دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةِ فَرْضٍ فَقُمْتُمْ إلَيْهَا، بَلْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] فَعَمَّ تَعَالَى وَلَمْ يَخُصَّ، وَالصَّلَاةُ تَكُونُ فَرْضًا وَتَكُونُ تَطَوُّعًا بِلَا خِلَافٍ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْأَرْضِ قَاطِبَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ لَا تُجْزِئُ إلَّا بِطَهَارَةٍ مِنْ وُضُوءٍ أَوْ تَيَمُّمٍ أَوْ غُسْلٍ وَلَا بُدَّ، فَوَجَبَ بِنَصِّ الْآيَةِ ضَرُورَةُ أَنَّ الْمَرْءَ إذَا أَرَادَ صَلَاةَ فَرْضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ وَقَامَ إلَيْهَا أَنْ يَتَوَضَّأَ أَوْ يَغْتَسِلَ إنْ كَانَ جُنُبًا أَوْ يَتَيَمَّمَ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ التَّيَمُّمِ ثُمَّ لِيُصَلِّ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصُّ الْآيَةِ بِيَقِينٍ فَإِذَا أَتَمَّ الْمَرْءُ غُسْلَهُ أَوْ وُضُوءَهُ أَوْ تَيَمُّمَهُ فَقَدْ طَهُرَ بِلَا شَكٍّ. وَإِذْ قَدْ صَحَّتْ طَهَارَتُهُ فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَ طَهَارَتِهِ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي قَامَ إلَيْهَا مُهْلَةً مِنْ مَشْيٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ عَمَلٍ.
لِأَنَّ الْآيَةَ لَمْ تُوجِبْ اتِّصَالَ الصَّلَاةِ بِالطَّهَارَةِ لَا بِنَصِّهَا وَلَا بِدَلِيلٍ فِيهَا. وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ طَهَارَتِهِ وَبَيْنَ صَلَاتِهِ مُهْلَةٌ فَجَائِزٌ أَنْ تَمْتَدَّ الْمُهْلَةُ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ تَمَادِيهَا قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةٌ. وَذَلِكَ يَمْتَدُّ إلَى آخِرِ أَوْقَاتِ الْفَرْضِ. وَأَمَّا فِي التَّطَوُّعِ فَمَا شَاءَ. فَصَحَّ بِنَصِّ الْآيَةِ جَوَازُ التَّطَهُّرِ بِالْغُسْلِ وَبِالْوُضُوءِ وَبِالتَّيَمُّمِ قَبْلَ وَقْتِ صَلَاةِ الْفَرْضِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِنَصِّ الْآيَةِ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِنِيَّةِ التَّطَهُّرِ لِلصَّلَاةِ فَقَطْ وَلَا مَزِيدَ. وَدَلِيلٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ الصَّلَاةَ جَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، فَإِذَا ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ إلَّا وَقَدْ صَحَّتْ الطَّهَارَةُ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَهَذَا يُنْتِجُ وَلَا بُدَّ جَوَازَ التَّطَهُّرِ بِكُلِّ ذَلِكَ قَبْلَ أَوَّلِ الْوَقْتِ. بُرْهَانٌ آخَرُ، وَهُوَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَرَاحَ فَكَأَنَّمَا قَدَّمَ بَدَنَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» . فَهَذَا نَصٌّ جَلِيٌّ عَلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ وَالتَّيَمُّمِ لَهَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا، لِأَنَّ الْإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا بُدَّ ضَرُورَةً مِنْ أَنْ يَخْرُجَ قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ فَتَطَهُّرُ هَذَا الرَّائِحِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ كَانَ قَبْلَ وَقْتِ الْجُمُعَةِ بِلَا شَكٍّ، وَقَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ فِي الرَّائِحِينَ إلَى الْجُمُعَةِ الْمُتَيَمِّمَ فِي السَّفَرِ وَالْمُتَوَضِّئَ. وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ جَوَازِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْوَقْتِ وَجَوَازِ التَّيَمُّمِ قَبْلَ الْوَقْتِ فَمَنَعَ مِنْهُ، فَإِنَّهُمْ ادَّعَوْا أَنَّ حُكْمَ الْآيَةِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ ذَلِكَ بَعْدَ الْوَقْتِ، وَادَّعَوْا أَنَّ الْوُضُوءَ خَرَجَ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَلَعَلَّهُ تَوَضَّأَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ ثُمَّ بَقِيَ يُصَلِّي بِطَهَارَتِهِ مَا لَمْ تُنْتَقَضْ، فَإِذَا هَذَا مُمْكِنٌ فَلَا دَلِيلَ فِي هَذَا الْخَبَرِ عَلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
حكم خلط نية الطهارة بنية التبرد
[حُكْم خلط نِيَّة الطَّهَارَة بِنْيَة التبرد] مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ خَلَطَ بِنِيَّةِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ نِيَّةً لِتَبَرُّدٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5] فَمَنْ مَزَجَ بِالنِّيَّةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا نِيَّةً لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا، فَلَمْ يُخْلِصْ لِلَّهِ تَعَالَى الْعِبَادَةَ بِدِينِهِ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يُخْلِصْ فَلَمْ يَأْتِ بِالْوُضُوءِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَلَوْ نَوَى مَعَ وُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ أَنْ يُعَلِّمَ الْوُضُوءَ مَنْ بِحَضْرَتِهِ أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ بِهِ، لِأَنَّ تَعْلِيمَ النَّاسِ الدِّينَ مَأْمُورٌ بِهِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [لَا تُجْزِئُ النِّيَّة إلَّا قَبْل الابتداء بالوضوء أَوْ غَيْره] 114 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تُجْزِئُ النِّيَّةُ فِي ذَلِكَ وَلَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ إلَّا قَبْلَ الِابْتِدَاءِ بِالْوُضُوءِ أَوْ بِأَيِّ عَمَلٍ كَانَ مُتَّصِلَةً بِالِابْتِدَاءِ بِهِ لَا يَحُولُ بَيْنَهُمَا وَقْتٌ قَلَّ أَمْ كَثُرَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ النِّيَّةَ لَمَّا صَحَّ أَنَّهَا فَرْضٌ فِي الْعَمَلِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ لَا يَخْلُو مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ الْعَمَلِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ كَمَا ذَكَرْنَا فَهِيَ إمَّا أَنْ يَحُولَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَمَلِ زَمَانٌ فَيَصِيرُ الْعَمَلُ بِلَا نِيَّةٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ النِّيَّةِ وَبَيْنَ الْعَمَلِ دَقِيقَةٌ لَجَازَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمَا دَقِيقَتَانِ وَثَلَاثٌ وَأَرْبَعٌ، وَمَا زَادَ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْأَمْرُ إلَى عَشَرَاتِ أَعْوَامٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لِلنِّيَّةِ فَيَكُونُ أَوَّلُ الْعَمَلِ خَالِيًا مِنْ نِيَّةٍ دَخَلَ فِيهِ بِهَا، لِأَنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْقَصْدُ بِالْعَمَلِ وَالْإِرَادَةُ بِهِ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا مُعْتَقَدًا قَبْلَ الْعَمَلِ وَمَعَهُ كَمَا ذَكَرْنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مِنْ غَمَسَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ فِي الْمَاءِ وَنَوَى] 115 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ غَمَسَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ فِي الْمَاءِ وَنَوَى بِهِ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ، أَوْ وَقَفَ تَحْتَ مِيزَابٍ حَتَّى عَمَّهَا الْمَاءُ وَنَوَى بِذَلِكَ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ، أَوْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ، أَوْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ غَيْرُهُ وَنَوَى هُوَ بِذَلِكَ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ اسْمَ " غُسْلٌ " يَقَعُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ اسْمَ الْغُسْلِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى التَّدَلُّكِ بِالْيَدِ فَقَدْ ادَّعَى مَا لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ وَقَوْلُنَا هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَدَاوُد. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. . [مَسْأَلَةٌ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالسُّجُودُ فِيهِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ] 116 - مَسْأَلَةٌ: وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالسُّجُودُ فِيهِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى جَائِزٌ، كُلُّ ذَلِكَ بِوُضُوءٍ وَبِغَيْرِ وُضُوءٍ وَلِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَالسُّجُودَ فِيهِ وَمَسَّ الْمُصْحَفِ وَذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى
أَفْعَالُ خَيْرٍ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا مَأْجُورٌ فَاعِلُهَا، فَمَنْ ادَّعَى الْمَنْعَ فِيهَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كُلِّفَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْبُرْهَانِ. فَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَإِنَّ الْحَاضِرِينَ مِنْ الْمُخَالِفِينَ مُوَافِقُونَ لَنَا فِي هَذَا لِمَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَعَنْ غَيْرِهِمَا رُوِيَ أَيْضًا كَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَمَّا الْحَائِضُ فَتَقْرَأُ مَا شَاءَتْ مِنْ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا الْجُنُبُ فَيَقْرَأُ الْآيَتَيْنِ وَنَحْوَهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُتِمُّ الْآيَةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. فَأَمَّا مَنْ مَنَعَ الْجُنُبَ مِنْ قِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ، فَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَحْجِزُهُ عَنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةُ» وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ أَنْ يَقْرَأَ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِعْلٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يُلْزِمُ، وَلَا بَيَّنَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ إنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مِنْ أَجْلِ الْجَنَابَةِ. وَقَدْ يُتَّفَقُ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَرْكُ الْقِرَاءَةِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَيْسَ مِنْ أَجْلِ الْجَنَابَةِ، وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَصُمْ قَطُّ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَزِدْ قَطُّ فِي قِيَامِهِ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَكَلَ قَطُّ عَلَى خِوَانٍ، وَلَا أَكَلَ مُتَّكِئًا. أَفَيَحْرُمُ أَنْ يُصَامَ شَهْرٌ كَامِلٌ غَيْرُ رَمَضَانَ أَوْ أَنْ يَتَهَجَّدَ الْمَرْءُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، أَوْ أَنْ يَأْكُلَ عَلَى خِوَانٍ، أَوْ أَنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا؟ هَذَا لَا يَقُولُونَهُ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا. وَقَدْ جَاءَتْ آثَارٌ فِي نَهْيِ الْجُنُبِ وَمَنْ لَيْسَ عَلَى طُهْرٍ عَنْ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَ أَسَانِيدِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَتْ حُجَّةً عَلَى مَنْ يُبِيحُ لَهُ قِرَاءَةَ الْآيَةِ التَّامَّةِ أَوْ بَعْضَ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا نَهْيٌ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْجُنُبِ جُمْلَةً. وَأَمَّا مَنْ قَالَ يَقْرَأُ الْجُنُبُ الْآيَةَ أَوْ نَحْوَهَا، أَوْ قَالَ لَا يُتِمُّ الْآيَةَ، أَوْ أَبَاحَ لِلْحَائِضِ وَمَنَعَ الْجُنُبَ فَأَقْوَالٌ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا دَعَاوَى لَا يُعَضِّدُهَا دَلِيلٌ لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ. وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا مِنْ قِيَاسٍ وَلَا مِنْ رَأْيٍ سَدِيدٍ، لِأَنَّ بَعْضَ الْآيَةِ وَالْآيَةَ قُرْآنٌ بِلَا شَكٍّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُبَاحَ لَهُ آيَةٌ أَوْ أَنْ يُبَاحَ لَهُ أُخْرَى، أَوْ بَيْنَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ آيَةٍ أَوْ يُمْنَعَ مِنْ أُخْرَى، وَأَهْلُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ
يُشَنِّعُونَ مُخَالَفَةَ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ، وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا هَهُنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ. - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَأَيْضًا فَإِنَّ مِنْ الْآيَاتِ مَا هُوَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مِثْلُ {وَالضُّحَى} [الضحى: 1] وَ {مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 64] وَ {وَالْعَصْرِ} [العصر: 1] وَ {وَالْفَجْرِ} [الفجر: 1] وَمِنْهَا كَلِمَاتٌ كَثِيرَةٌ كَآيَةِ الدَّيْنِ، فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا. فَإِنَّ فِي إبَاحَتِهِمْ لَهُ قِرَاءَةَ آيَةِ الدَّيْنِ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا أَوْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ أَوْ بَعْضَهَا وَلَا يُتِمُّهَا، وَمَنْعِهِمْ إيَّاهُ مِنْ قِرَاءَةِ {وَالْفَجْرِ} [الفجر: 1] {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 2] {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر: 3] أَوْ مَنْعِهِمْ لَهُ مِنْ إتْمَامِ (مُدْهَامَّتَانِ) لَعَجَبًا. وَكَذَلِكَ تَفْرِيقُهُمْ بَيْنَ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ بِأَنَّ أَمَدَ الْحَائِضِ يَطُولُ، فَهُوَ مُحَالٌ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهَا لِلْقُرْآنِ حَرَامًا فَلَا يُبِيحُهُ لَهَا طُولُ أَمَدِهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَهَا حَلَالًا فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِجَاجِ بِطُولِ أَمَدِهَا. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ عَنْ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَضَّاحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ ثنا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ وَبِهِ إلَى مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ ثنا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ ثنا إدْرِيسُ عَنْ حَمَّادٍ قَالَ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الْجُنُبِ هَلْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ: وَكَيْفَ لَا يَقْرَؤُهُ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ وَبِهِ إلَى يُوسُفَ السَّمْتِيِّ عَنْ نَصْرٍ الْبَاهِلِيِّ. قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ الْبَقَرَةَ وَهُوَ جُنُبٌ. أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ الْجُنُبِ يَقْرَأُ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا وَقَالَ: أَلَيْسَ فِي جَوْفِهِ الْقُرْآنُ؟ وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا. وَأَمَّا سُجُودُ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ صَلَاةً أَصْلًا، لِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنُ بْنُ مَهْدِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا ثنا شُعْبَةُ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا الْأَزْدِيَّ - وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِقِيُّ ثِقَةٌ - أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ»
فَصَحَّ أَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ رَكْعَةً تَامَّةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ فَصَاعِدًا فَلَيْسَ صَلَاةً. وَالسُّجُودُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لَيْسَ رَكْعَةً وَلَا رَكْعَتَيْنِ فَلَيْسَ صَلَاةً، وَإِذْ لَيْسَ هُوَ صَلَاةً فَهُوَ جَائِزٌ بِلَا وُضُوءٍ، وَلِلْجُنُبِ وَلِلْحَائِضِ وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ كَسَائِرِ الذِّكْرِ وَلَا فَرْقَ، إذْ لَا يَلْزَمُ الْوُضُوءُ إلَّا لِلصَّلَاةِ فَقَطْ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِإِيجَابِهِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ السُّجُودَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَبَعْضَ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ. قُلْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: هَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بَعْضُ الصَّلَاةِ صَلَاةً إلَّا إذَا تَمَّتْ كَمَا أُمِرَ بِهَا الْمُصَلِّي، وَلَوْ أَنَّ امْرَأً كَبَّرَ وَرَكَعَ ثُمَّ قَطَعَ عَمْدًا لَمَا قَالَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إنَّهُ صَلَّى شَيْئًا، بَلْ يَقُولُونَ كُلُّهُمْ إنَّهُ لَمْ يُصَلِّ، فَلَوْ أَتَمَّهَا رَكْعَةً فِي الْوِتْرِ أَوْ رَكْعَتَيْنِ فِي الْجُمُعَةِ وَالصُّبْحِ وَالسَّفَرِ وَالتَّطَوُّعِ لَكَانَ قَدْ صَلَّى بِلَا خِلَافٍ. ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: إنَّ الْقِيَامَ بَعْضُ الصَّلَاةِ وَالتَّكْبِيرَ بَعْضُ الصَّلَاةِ وَقِرَاءَةَ أُمِّ الْقُرْآنِ بَعْضُ الصَّلَاةِ وَالْجُلُوسَ بَعْضُ الصَّلَاةِ، وَالسَّلَامَ بَعْضُ الصَّلَاةِ، فَيَلْزَمُكُمْ عَلَى هَذَا أَنْ لَا تُجِيزُوا لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ وَلَا أَنْ يُكَبِّرَ وَلَا أَنْ يَقْرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ وَلَا يَجْلِسَ وَلَا يُسَلِّمَ إلَّا عَلَى وُضُوءٍ، فَهَذَا مَا لَا يَقُولُونَهُ، فَبَطَلَ احْتِجَاجُهُمْ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قَالُوا هَذَا إجْمَاعٌ، قُلْنَا لَهُمْ: قَدْ أَقْرَرْتُمْ بِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى بُطْلَانِ حُجَّتِكُمْ وَإِفْسَادِ عِلَّتِكُمْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا مَسُّ الْمُصْحَفِ فَإِنَّ الْآثَارَ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَنْ لَمْ يُجِزْ لِلْجُنُبِ مَسَّهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا إمَّا مُرْسَلَةٌ وَإِمَّا صَحِيفَةٌ لَا تُسْنَدُ وَإِمَّا عَنْ مَجْهُولٍ وَإِمَّا عَنْ ضَعِيفٍ، وَقَدْ تَقَصَّيْنَاهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ. وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ قَالَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُفَرِّجٍ نا سَعِيدُ بْنُ السَّكَنِ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ثنا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ هِرَقْلَ فَدَعَا هِرَقْلُ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةَ إلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى (أَمَّا بَعْدُ) فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْك إثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَ
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] . فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ بَعَثَ كِتَابًا وَفِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ إلَى النَّصَارَى وَقَدْ أَيْقَنَ أَنَّهُمْ يَمَسُّونَ ذَلِكَ الْكِتَابَ. فَإِنْ ذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «كَانَ يَنْهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ يَخَافُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ» فَهَذَا حَقٌّ يَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ وَلَيْسَ فِيهِ أَنْ لَا يَمَسَّ الْمُصْحَفَ جُنُبٌ وَلَا كَافِرٌ. وَإِنَّمَا فِيهِ أَنْ لَا يَنَالَ أَهْلُ أَرْضِ الْحَرْبِ الْقُرْآنَ فَقَطْ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى هِرَقْلَ آيَةً وَاحِدَةً. قِيلَ لَهُمْ: وَلَمْ يَمْنَعْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِهَا وَأَنْتُمْ أَهْلُ قِيَاسٍ فَإِنْ لَمْ تَقِيسُوا عَلَى الْآيَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهَا فَلَا تَقِيسُوا عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرَهَا. فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} [الواقعة: 78] {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] فَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ. وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ لَفْظُ الْخَبَرِ إلَى مَعْنَى الْأَمْرِ إلَّا بِنَصٍّ جَلِيٍّ أَوْ إجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ. فَلَمَّا رَأَيْنَا الْمُصْحَفَ يَمَسُّهُ الطَّاهِرُ وَغَيْرُ الطَّاهِرِ عَلِمْنَا أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَعْنِ الْمُصْحَفَ وَإِنَّمَا عَنَى كِتَابًا آخَرَ. كَمَا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيِّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] قَالَ: الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ حَدَّثَنَا حَمَامُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا يَحْيَى بْنُ الْعَلَاءِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ:
مسألة يجزئ الآذان والإقامة بلا طهارة وفي حال الجنابة
أَتَيْنَا سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ فَخَرَجَ عَلَيْنَا مِنْ كَنِيفٍ لَهُ فَقُلْنَا لَهُ: لَوْ تَوَضَّأْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ قَرَأْتَ عَلَيْنَا سُورَةَ كَذَا؟ فَقَالَ سَلْمَانُ: إنَّمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} [الواقعة: 78] {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] وَهُوَ الذِّكْرُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمَلَائِكَةُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ ثنا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ: إنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ مُصْحَفًا أَمَرَ نَصْرَانِيًّا فَنَسَخَهُ لَهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ الْجُنُبُ الْمُصْحَفَ بِعِلَاقَتِهِ وَلَا يَحْمِلُهُ بِغَيْرِ عِلَاقَةٍ. وَغَيْرُ الْمُتَوَضِّئِ عِنْدَهُمْ كَذَلِكَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْمِلُ الْجُنُبُ وَلَا غَيْرُ الْمُتَوَضِّئِ الْمُصْحَفَ لَا بِعِلَاقَةٍ وَلَا عَلَى وِسَادَةٍ. فَإِنْ كَانَ فِي خُرْجٍ أَوْ تَابُوتٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَهُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالْجُنُبُ وَغَيْرُ الطَّاهِرِ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذِهِ تَفَارِيقُ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهَا لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ - لَا صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ - وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ وَلَا مِنْ قِيَاسٍ وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ. وَلَئِنْ كَانَ الْخُرْجُ حَاجِزًا بَيْنَ الْحَامِلِ وَبَيْنَ الْقُرْآنِ فَإِنَّ اللَّوْحَ وَظَهْرَ الْوَرَقَةِ حَاجِزٌ أَيْضًا بَيْنَ الْمَاسِّ وَبَيْنَ الْقُرْآنِ وَلَا فَرْقَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة يُجْزِئ الآذان وَالْإِقَامَة بِلَا طَهَارَة وَفِي حَال الْجَنَابَة] 117 - مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ الْآذَانُ وَالْإِقَامَةُ يُجْزِئَانِ أَيْضًا بِلَا طَهَارَةٍ وَفِي حَالِ الْجَنَابَةِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَقَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ ذَلِكَ وَيُجْزِئُ إنْ وَقَعَ. وَقَالَ عَطَاءُ: لَا يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئًا. وَقَالَ مَالِكٌ: يُؤَذِّنُ مَنْ لَيْسَ عَلَى وُضُوءٍ وَلَا يُقِيمُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا فَرْقٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٍ، فَإِنْ قَالُوا إنَّ الْإِقَامَةَ مُتَّصِلَةٌ بِالصَّلَاةِ، قِيلَ لَهُمْ: وَقَدْ لَا تَتَّصِلُ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا مُهْلَةٌ مِنْ حَدِيثٍ بَدَأَ فِيهِ الْإِمَامُ مَعَ إنْسَانٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ، وَقَدْ يَكُونُ الْآذَانُ مُتَّصِلًا بِالْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ، كَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا وَلَا فَرْقَ وَإِذَا لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِإِيجَابٍ أَنْ لَا يَكُونَ الْآذَانُ وَالْإِقَامَةُ إلَّا بِطَهَارَةٍ مِنْ الْجَنَابَةِ وَغَيْرِهَا، فَقَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ خَطَأٌ، لِأَنَّهُ إحْدَاثُ شَرْعٍ مِنْ غَيْرِ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ وَهَذَا بَاطِلٌ.
مسألة يستحب الوضوء للجنب إذا أراد الأكل والنوم
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إلَّا عَلَى طُهْرٍ» قِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ كَرَاهَةٌ لَا مَنْعٌ، وَهُوَ عَلَيْكُمْ لَا لَكُمْ لِأَنَّكُمْ تُجِيزُونَ الْآذَانَ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَى كَرَاهَتِهِ فِي الْخَبَرِ وَأَنْتُمْ لَا تَكْرَهُونَهُ أَصْلًا، فَهَذَا الْخَبَرُ أَعْظَمُ حُجَّةً عَلَيْكُمْ، وَأَمَّا نَحْنُ فَهُوَ قَوْلُنَا، وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا فَهُوَ عِنْدَنَا عَلَى طَهَارَةٍ أَفْضَلُ وَلَا نَكْرَهُهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، لِأَنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ مَنْسُوخَةٌ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَة يُسْتَحَبّ الْوُضُوء لِلْجَنْبِ إذَا أَرَادَ الْأَكْل والنوم] 118 - مَسْأَلَةٌ: وَيُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِلْجُنُبِ إذَا أَرَادَ الْأَكْلَ أَوْ النَّوْمَ وَلِرَدِّ السَّلَامِ وَلِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا أَوْجَبْتُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إلَّا عَلَى طُهْرٍ» وَلِقَوْلِهِ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذْ ذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنْ اللَّيْلِ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ» وَلِمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» . قُلْنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: أَمَّا الْحَدِيثُ فِي كَرَاهَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا عَلَى طُهْرٍ فَإِنَّهُ مَنْسُوخٌ بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا صَدَقَةٌ ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ثنا الْأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ ثنا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ
فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا اُسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذِهِ إبَاحَةٌ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ الِانْتِبَاهِ مِنْ النَّوْمِ فِي اللَّيْلِ وَقَبْلَ الْوُضُوءِ نَصًّا، وَهِيَ فَضِيلَةٌ، وَالْفَضَائِلُ لَا تُنْسَخُ لِأَنَّهَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] وَهَذَا أَمْرٌ بَاقٍ غَيْرُ مَنْسُوخٍ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ. وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] فَهَذَا عُمُومُ ضَمَانٍ لَا يَخِيسُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9] وَقَدْ أَيْقَنَّا بِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ إخْبَارِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ» أَنَّ جَمِيعَ الْأُمَّةِ لَا تُغَيِّرُ أَصْلًا. وَإِذَا صَحَّ أَنَّ الْأُمَّةَ كُلَّهَا لَا تُغَيِّرُ أَبَدًا، فَقَدْ أَيْقَنَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُغَيِّرُ نِعَمَهُ عِنْدَ الْأُمَّةِ أَبَدًا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا أَمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْوُضُوءِ فَهُوَ نَدْبٌ، لِمَا حَدَّثَنَاهُ حَمَامٌ قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ مُفَرِّجٍ قَالَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنَامُ جُنُبًا وَلَا يَمَسُّ مَاءً» وَهَذَا لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى مُدَاوَمَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِذَلِكَ وَهِيَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَحْدَثُ النَّاسِ عَهْدًا بِمَبِيتِهِ وَنَوْمِهِ جُنُبًا وَطَاهِرًا. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَخْطَأَ فِيهِ سُفْيَانُ؛ لِأَنَّ زُهَيْرَ بْنَ مُعَاوِيَةَ خَالَفَهُ فِيهِ قُلْنَا: بَلْ أَخْطَأَ بِلَا شَكٍّ مِنْ خَطَأِ سُفْيَانَ بِالدَّعْوَى بِلَا دَلِيلٍ، وَسُفْيَانُ أَحْفَظُ مِنْ زُهَيْرٍ بِلَا شَكٍّ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَكَانَ اللَّازِمُ لِلْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ أَنْ يَقُولُوا: لَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ وَهِيَ ذِكْرٌ
مسألة الشرائع لا تلزم إلا بالاحتلام أو بالإنبات للرجل والمرأة
لَا تُجْزِئُ إلَّا بِوُضُوءٍ، أَنْ يَكُونَ سَائِرُ الذِّكْرِ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ هَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ هَهُنَا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ، لِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ وَلَا يَذْكُرُ اللَّهَ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ.» إلَّا مُعَاوَدَةَ الْجُنُبِ لِلْجِمَاعِ فَالْوُضُوءُ عَلَيْهِ فَرْضٌ بَيْنَهُمَا. لِلْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعَاوِدَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا» هَذَا لَفْظُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ وَلَفْظُ ابْنِ عُيَيْنَةَ «إذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلَا يَعُودَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» وَلَمْ نَجِدْ لِهَذَا الْخَبَرِ مَا يُخَصِّصُهُ وَلَا مَا يُخْرِجُهُ إلَى النَّدْبِ إلَّا خَبَرًا ضَعِيفًا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، وَبِإِيجَابِ الْوُضُوءِ فِي ذَلِكَ يَقُولُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَإِبْرَاهِيمُ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ. [مَسْأَلَة الشرائع لَا تلزم إلَّا بالاحتلام أَوْ بالإنبات لِلرّجلِ وَالْمَرْأَة] 119 - مَسْأَلَةٌ: وَالشَّرَائِعُ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالِاحْتِلَامِ أَوْ بِالْإِنْبَاتِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَوْ بِإِنْزَالِ الْمَاءِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ احْتِلَامٌ، أَوْ بِتَمَامِ تِسْعَةَ عَشَرَ عَامًا، كُلُّ ذَلِكَ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَوْ بِالْحَيْضِ لِلْمَرْأَةِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ - هُوَ الْأَعْمَشُ - عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَوَمَا تَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ؛ عَنْ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» وَالصَّبِيُّ لَفْظٌ يَعُمُّ الصِّنْفَ كُلَّهُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا خُوطِبْنَا. حَدَّثَنَا حَمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ
ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ «لَمَّا كَانَ يَوْمُ قُرَيْظَةَ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَنْبَتَ ضُرِبَ عُنُقُهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فَعُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَلَّى عَنِّي» . قَالَ عَلِيٌّ: لَا مَعْنَى لِمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ أَحْكَامِ الْإِنْبَاتِ، فَأَبَاحَ سَفْكَ الدَّمِ بِهِ فِي الْأُسَارَى خَاصَّةً، جَعَلَهُ هُنَالِكَ بُلُوغًا، وَلَمْ يَجْعَلْهُ بُلُوغًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَحِلُّ دَمَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الرِّجَالِ، وَيَخْرُجُ عَنْ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ قَدْ صَحَّ نَهْيُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ. وَمِنْ الْمُمْتَنِعِ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ إنْسَانٌ وَاحِدٌ رَجُلًا بَالِغًا غَيْرَ رَجُلٍ وَلَا بَالِغٍ مَعًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وَأَمَّا ظُهُورُ الْمَاءِ فِي الْيَقَظَةِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْحَمْلُ فَيَصِيرُ بِهِ الذَّكَرُ أَبًا وَالْأُنْثَى أُمًّا فَبُلُوغٌ لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ. وَأَمَّا اسْتِكْمَالُ التِّسْعَةَ عَشَرَ عَامًا فَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ، وَأَصْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَدَ الْمَدِينَةَ وَفِيهَا صِبْيَانٌ وَشُبَّانٌ وَكُهُولٌ، فَأَلْزَمَ الْأَحْكَامَ مَنْ خَرَجَ عَنْ الصِّبَا إلَى الرُّجُولَةِ، وَلَمْ يُلْزِمْهَا الصِّبْيَانَ، وَلَمْ يَكْشِفْ أَحَدًا مِنْ كُلِّ مَنْ حَوَالَيْهِ مِنْ الرِّجَالِ: هَلْ احْتَلَمْتَ يَا فُلَانُ؟ وَهَلْ أَشْعَرْت؟ وَهَلْ أَنْزَلْت؟ وَهَلْ حِضْتِ يَا فُلَانَةُ؟ هَذَا أَمْرٌ مُتَيَقَّنٌ لَا شَكَّ فِيهِ، فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ هَهُنَا سِنًّا إذَا بَلَغَهَا الرَّجُلُ أَوْ الْمَرْأَةُ فَهُمَا مِمَّنْ يُنْزِلُ أَوْ يُنْبِتُ أَوْ يَحِيضُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا آفَةٌ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا بِالْأَطْلَسِ آفَةٌ مَنَعَتْهُ مِنْ اللِّحْيَةِ، لَوْلَاهَا لَكَانَ مِنْ أَهْلِ اللِّحَى بِلَا شَكٍّ، هَذَا أَمْرٌ يُعْرَفُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّوَقُّفِ وَبِضَرُورَةِ الطَّبِيعَةِ الْجَارِيَةِ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ أَكْمَلَ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَدَخَلَ فِي عِشْرِينَ سَنَةً فَقَدْ فَارَقَ الصِّبَا وَلَحِقَ بِالرِّجَالِ - لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ وَبَلْدَةٍ فِي ذَلِكَ - وَإِنْ كَانَتْ بِهِ آفَةٌ مَنَعَتْهُ مِنْ إنْزَالِ الْمَنِيِّ فِي نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ، وَمِنْ إنْبَاتِ الشَّعْرِ وَمِنْ الْحَيْضِ. وَأَمَّا الْحَيْضُ فَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَارُودِ الْقَطَّانُ ثنا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ
ثنا قَتَادَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» فَأَخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ الْحَائِضَ تَلْزَمُهَا الْأَحْكَامُ وَأَنَّ صَلَاتَهَا تُقْبَلُ عَلَى صِفَةٍ مَا وَلَا تُقْبَلُ عَلَى غَيْرِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَهُوَ بَالِغٌ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُرِضَ عَلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْهُ وَعُرِضَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ هُوَ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَهُمَا ابْنَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَهُمَا قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا
مسألة إزالة النجاسة وكل ما أمر الله تعالى بإزالته فرض
حُجَّةَ لَهُ فِيهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ إنِّي أَجَزْتهمَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا ابْنَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُجِيزَهُمَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ حِصَارٍ فِي الْمَدِينَةِ نَفْسِهَا، يَنْتَفِعُ فِيهِ بِالصِّبْيَانِ فِي رَمْيِ الْحِجَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُجِزْهُ يَوْمَ أُحُدٍ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ قِتَالٍ بَعُدُوا فِيهِ عَنْ الْمَدِينَةِ فَلَا يَحْضُرُهُ إلَّا أَهْلُ الْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُمَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ أَكْمَلَا مَعًا خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا لَا بِنَصٍّ وَلَا بِدَلِيلٍ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُقَالُ فِي اللُّغَةِ لِمَنْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ عَامًا الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ: هَذَا ابْنُ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِهَذَا الْخَبَرِ جُمْلَةً. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة إزَالَة النَّجَاسَة وكل مَا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بإزالته فرض] 120 - مَسْأَلَةٌ: وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ وَكُلِّ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِزَالَتِهِ فَهُوَ فَرْضٌ. هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَنْقَسِمُ أَقْسَامًا كَثِيرَةً، يَجْمَعُهَا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاجْتِنَابِهِ أَوْ جَاءَ نَصٌّ بِتَحْرِيمِهِ، أَوْ أَمَرَ كَذَلِكَ بِغَسْلِهِ أَوْ مَسْحِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ فَرْضٌ يَعْصِي مَنْ خَالَفَهُ، لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ أَنَّ طَاعَتَهُ تَعَالَى وَطَاعَةَ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرْضٌ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة كَيْفِيَّة تَطْهِير النَّجَاسَة الَّتِي فِي الْخَفّ أَوْ النَّعْل] 121 - مَسْأَلَةٌ: فَمَا كَانَ فِي الْخُفِّ أَوْ النَّعْلِ مِنْ دَمٍ أَوْ خَمْرٍ أَوْ عَذِرَةٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَتَطْهِيرُهُمَا بِأَنْ يُمْسَحَا بِالتُّرَابِ حَتَّى يَزُولَ الْأَثَرُ ثُمَّ يُصَلَّى فِيهِمَا، فَإِنْ غَسَلَهُمَا أَجْزَأَهُ إذَا مَسَّهُمَا بِالتُّرَابِ قَبْلَ ذَلِكَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّمِ وَالْخَمْرِ وَالْعَذِرَةِ وَالْبَوْلِ حَرَامٌ، وَالْحَرَامُ فَرْضٌ اجْتِنَابُهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ الْوَاشِحِيُّ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي نَعَامَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَخَلَعَ الْقَوْمُ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا، فَقَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا» قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَلْيَنْظُرْ إلَى نَعْلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا قَذَرٌ أَوْ
أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلِيُصَلِّ فِيهِمَا» أَبُو نَعَامَةَ هُوَ عَبْدُ رَبِّهِ السَّعْدِيُّ، وَأَبُو نَضْرَةَ هُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكٍ الْعَبْدِيُّ، كِلَاهُمَا ثِقَةٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فَمَنْ وَطِئَ الْأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ» قَالَ عَلِيٌّ: وَرُوِّينَا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فِيمَنْ أَصَابَ نَعْلَيْهِ الرَّوْثُ، قَالَ يَمْسَحُهُمَا وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ نَعْلَيْهِ مَسْحًا شَدِيدًا وَيُصَلِّي فِيهِمَا وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِنَا. قَالَ عَلِيٌّ: الْغَسْلُ بِالْمَاءِ وَغَيْرِهِ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَسْحٍ، تَقُولُ: مَسَحْتُ الشَّيْءَ بِالْمَاءِ وَبِالدُّهْنِ، فَكُلُّ غُسْلٍ مَسْحٌ وَلَيْسَ كُلُّ مَسْحٍ غُسْلًا، وَلَكِنَّ الْخَبَرَ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد ثنا أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ الْأَذَى بِخُفِّهِ أَوْ نَعْلِهِ فَلْيُمِسَّهُمَا التُّرَابَ» وَهَذَا زَائِدٌ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
فِي الْمَسْحِ بَيَانًا وَحُكْمًا، فَوَاجِبٌ أَنْ يُضَافَ الزَّائِدُ إلَى الْأَنْقَصِ حُكْمًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْتِعْمَالًا لِجَمِيعِ الْآثَارِ؛ لِأَنَّ مَنْ اسْتَعْمَلَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يُخَالِفْ خَبَرَ أَبِي سَعِيدٍ، وَمَنْ اسْتَعْمَلَ خَبَرَ أَبِي سَعِيدٍ خَالَفَ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا تُجْزِئُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ حَيْثُ كَانَتْ إلَّا بِالْمَاءِ حَاشَا الْعَذِرَةِ فِي الْمَقْعَدَةِ خَاصَّةً، وَالْبَوْلِ فِي الْإِحْلِيلِ خَاصَّةً فَيُزَالَانِ بِغَيْرِ الْمَاءِ. وَهَذَا مَكَانٌ تَرَكُوا فِي أَكْثَرِهِ النُّصُوصَ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَقِيسُوا سَائِرَ النَّجَاسَاتِ عَلَى النَّجَاسَةِ فِي الْمَقْعَدَةِ وَالْإِحْلِيلِ وَهُمَا أَصْلُ النَّجَاسَاتِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خِلَافٌ لِهَذِهِ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ وَلِلْقِيَاسِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا أَصَابَ الْخُفَّ أَوْ النَّعْلَ رَوْثُ فَرَسٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ أَيُّ رَوْثٍ كَانَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلَّى بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَهُمَا عَذِرَةُ إنْسَانٍ أَوْ دَمٌ أَوْ مَنِيٌّ، فَإِنْ كَانَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ فَأَقَلَّ أَجْزَأَتْ الصَّلَاةُ
مسألة تطهير القبل والدبر من البول والغائط والدم
بِهِ، فَإِنْ كَانَ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا يَابِسًا أَجْزَأَهُ أَنْ يَحُكَّهُ فَقَطْ ثُمَّ يُصَلِّيَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ رَطْبًا لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ بِهِ إلَّا أَنْ يَغْسِلَهُ بِالْمَاءِ، فَإِنْ أَصَابَ الْخُفَّ بَوْلُ إنْسَانٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ بِهِ وَلَمْ يُجْزِهِ فِيهِ مَسْحٌ أَصْلًا، وَلَا بُدَّ مِنْ الْغَسْلِ بِالْمَاءِ كَانَ يَابِسًا أَوْ رَطْبًا، فَإِنْ كَانَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ فَأَقَلَّ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْهُ وَلَا مَسَحَهُ. قَالَ: وَأَمَّا بَوْلُ الْفَرَسِ فَالصَّلَاةُ بِهِ جَائِزَةٌ مَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا فَاحِشًا. وَكَذَلِكَ بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَلَمْ يَحُدَّ فِي الْكَثِيرِ الْفَاحِشِ مِنْ ذَلِكَ حَدًّا، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا خُرْءُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطَّيْرِ، أَوْ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْهَا وَكَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، فَالصَّلَاةُ بِهِ جَائِزَةٌ مَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا فَاحِشًا، فَإِنْ كَانَ كُلُّ ذَلِكَ فِي الْجَسَدِ لَمْ تَجُزْ إزَالَتُهُ إلَّا بِالْمَاءِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فِي الثَّوْبِ فَتُجْزِئُ إزَالَتُهُ بِالْمَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ كُلِّهَا وَهَذِهِ أَقْوَالٌ يَنْبَغِي حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى السَّلَامَةِ عِنْدَ سَمَاعِهَا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّقُوا بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ، وَلَا قَاسُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ النُّصُوصِ فِي ذَلِكَ، وَلَا قَاسُوا النَّجَاسَةَ فِي الْجَسَدِ عَلَى النَّجَاسَةِ فِي الْجَسَدِ وَهِيَ الْعَذِرَةُ فِي الْمَخْرَجِ وَالْبَوْلُ فِي الْإِحْلِيلِ، وَلَا قَاسُوا النَّجَاسَةَ فِي الثِّيَابِ عَلَى الْجَسَدِ وَلَا تَعَلَّقُوا فِي أَقْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ قَبْلَهُمْ وَيُسْأَلُونَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ أَيْنَ وَجَدُوا تَغْلِيظَ بَعْضِ النَّجَاسَاتِ وَتَخْفِيفَ بَعْضِهَا؟ أَفِي قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ قِيَاسٍ؟ اللَّهُمَّ إلَّا إنَّ الَّذِي قَدْ جَاءَ فِي إزَالَتِهِ التَّغْلِيظُ قَدْ خَالَفُوهُ، كَالْإِنَاءِ يَلَغُ فِيهِ الْكَلْبُ، وَكَالْعَذِرَةِ فِيمَا يُسْتَنْجَى فِيهِ فَقَطْ. . [مَسْأَلَة تَطْهِير القبل والدبر مِنْ الْبَوْل والغائط وَالدَّم] 122 - مَسْأَلَةٌ: وَتَطْهِيرُ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالدَّمِ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْمَاءِ حَتَّى يَزُولَ الْأَثَرُ أَوْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ مُتَغَايِرَةٍ - فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ فَعَلَى الْوِتْرِ أَبَدًا يَزِيدُ كَذَلِكَ حَتَّى يُنَقَّى، لَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا غَائِطٌ - أَوْ بِالتُّرَابِ أَوْ الرَّمْلِ بِلَا عَدَدٍ، وَلَكِنْ مَا أَزَالَ الْأَثَرَ فَقَطْ عَلَى الْوِتْرِ وَلَا بُدَّ وَلَا يُجْزِئُ أَحَدًا أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِيَمِينِهِ وَلَا وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ، فَإِنْ بَدَأَ بِمَخْرَجِ الْبَوْلِ أَجْزَأَتْ تِلْكَ الْأَحْجَارُ بِأَعْيَانِهَا لِمَخْرَجِ الْغَائِطِ، وَإِنْ بَدَأَ بِمَخْرَجِ الْغَائِطِ لَمْ يُجْزِهِ مِنْ تِلْكَ الْأَحْجَارِ لِمَخْرَجِ الْبَوْلِ إلَّا مَا كَانَ لَا رَجِيعَ عَلَيْهِ فَقَطْ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ
ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ الْأَعْمَشِ وَمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، كِلَاهُمَا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ «قَالَ لَنَا الْمُشْرِكُونَ: إنِّي أَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى يُعَلِّمَكُمْ الْخِرَاءَةَ، فَقَالَ سَلْمَانُ: أَجَلْ، إنَّهُ نَهَانَا أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِهِ أَوْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَنَهَانَا عَنْ الرَّوْثِ وَالْعِظَامِ، وَقَالَ: لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ «أَنَّ بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ قَالَ لَهُ: إنِّي لَأَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ حَتَّى الْخِرَاءَةَ قَالَ: أَجَلْ، أُمِرْنَا أَنْ لَا نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَلَا نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا، وَلَا نَكْتَفِيَ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهِنَّ رَجِيعٌ وَلَا عَظْمٌ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ ثنا الْأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا أَوْ نَكْتَفِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ثنا أَبِي ثنا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ»
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةٍ يَسْتَنْجِي» ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا إسْمَاعِيلُ - هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا» وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ مُسْنَدًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: بِأَيِّ شَيْءٍ اسْتَنْجَى دُونَ عَدَدٍ فَأَنْقَى أَجْزَأَهُ، وَهَذَا خِلَافُ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ نَهَى أَنْ يَكْتَفِيَ أَحَدٌ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَأَمَرَ بِالْوِتْرِ فِي الِاسْتِجْمَارِ وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُتَعَلِّقًا إلَّا أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَثَرًا فِيهِ: أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ لَهُ عَظْمٌ أَوْ حَجَرٌ يَسْتَنْجِي بِهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي، وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ شَكٌّ. إمَّا حَجَرٌ وَإِمَّا عَظْمٌ، وَقَدْ خَالَفُوا عُمَرَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا سِيَّمَا وَقَدْ خَالَفَهُ سَلْمَانُ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَأَخْبَرُوا أَنَّ حُكْمَ الِاسْتِنْجَاءِ هُوَ مَا عَلَّمَهُمْ إيَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَلَّا يُكْتَفَى بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ " فَإِنْ قِيلَ: أَمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ هُوَ لِلْغَائِطِ وَالْبَوْلِ مَعًا، فَوَقَعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ. قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ النَّصَّ قَدْ وَرَدَ بِأَنْ لَا نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَمَسْحُ الْبَوْلِ لَا يُسَمَّى اسْتِنْجَاءً، فَحَصَلَ النَّصُّ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَالْخِرَاءَةِ أَنْ لَا يُجْزِئَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَحَصَلَ النَّصُّ مُجْمَلًا فِي أَنْ لَا يُجْزِئَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ عَلَى الْبَوْلِ نَفْسِهِ وَعَلَى النَّجْوِ فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ. وَمَسْحُ الْبَوْلِ بِالْيَمِينِ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْبَوْلِ وَإِنَّمَا نَهَى فِي الِاسْتِنْجَاءِ فَقَطْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ثَلَاثُ مَسَحَاتٍ بِحَجَرٍ وَاحِدٍ، وَأَجَازَ الِاسْتِنْجَاءَ بِكُلِّ شَيْءٍ حَاشَا الْعَظْمِ وَالرَّوْثِ وَالْحُمَمَةِ وَالْقَصَبِ وَالْجُلُودِ الَّتِي لَمْ تُدْبَغْ، وَهَذَا أَيْضًا خِلَافٌ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَلَّا يُكْتَفَى بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ. فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا عَلَى الْأَحْجَارِ، قُلْنَا لَهُمْ: فَقِيسُوا عَلَى التُّرَابِ فِي التَّيَمُّمِ وَلَا فَرْقَ فَإِنْ ذَكَرُوا حَدِيثًا رَوَاهُ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ مُسْنَدًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا تَغَوَّطَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَمَسَّحْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» قِيلَ: ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ضَعِيفٌ، وَاَلَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكِنَانِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَلَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَنَّ تِلْكَ الْمَسَحَاتِ تَكُونُ بِحَجَرٍ وَاحِدٍ، فَزِيَادَةُ هَذَا لَا تَحِلُّ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ إنَّ حَدِيثَ «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ الثَّلَاثَةِ الْأَحْجَارِ قُلْنَا هَذَا خَطَأٌ، بَلْ كُلُّ حَدِيثٍ مِنْهَا قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، فَلَا يُجْزِئُ مِنْ الْأَحْجَارِ إلَّا ثَلَاثَةٌ لَا رَجِيعَ فِيهَا، وَيُجْزِئُ مِنْ التُّرَابِ الْوِتْرُ، وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا لَا يُسَمَّى أَرْضًا إلَّا الْمَاءُ. فَإِنْ كَانَ عَلَى حَجَرٍ نَجَاسَةٌ غَيْرُ الرَّجِيعِ أَجْزَأَ مَا لَمْ يَأْتِ عَنْهُ نَهْيٌ. وَمِمَّنْ جَاءَ عَنْهُ أَلَّا يُجْزِئَ إلَّا ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمَا. فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ حَدِيثًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْحُصَيْنِ الْحُبْرَانِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَوْ أَبِي سَعْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» فَإِنَّ ابْنَ الْحُصَيْنِ مَجْهُولٌ وَأَبُو سَعِيدٍ أَوْ أَبُو سَعْدٍ الْخَيْرُ كَذَلِكَ.
فَإِنْ ذَكَرُوا حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: «ابْغِنِي أَحْجَارًا، فَأَتَيْته بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: إنَّهَا رِكْسٌ» فَهَذَا لَا حُجَّةَ
مسألة تطهير بول الذكر برش الماء عليه رشا
فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اكْتَفَى بِالْحَجَرَيْنِ، وَقَدْ صَحَّ أَمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَهُ بِأَنْ يَأْتِيَهُ بِأَحْجَارٍ، فَالْأَمْرُ بَاقٍ لَازِمٌ لَا بُدَّ مِنْ إبْقَائِهِ، وَعَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّ أَبَا إِسْحَاقَ دَلَّسَهُ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَفِيهِ " أَبْغِنِي ثَالِثًا " فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا نَهَى عَنْ الْعَظْمِ وَالرَّوْثِ لِأَنَّهُمَا زَادُ إخْوَانِنَا مِنْ الْجِنِّ. قُلْنَا: نَعَمْ فَكَانَ مَاذَا؟ بَلْ هَذَا مُوجِبٌ أَنَّ الْمُسْتَنْجِيَ بِأَحَدِهِمَا عَاصٍ مَرَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا خِلَافُهُ نَصَّ الْخَبَرِ، وَالثَّانِي تَقْذِيرُهُ زَادَ مَنْ نُهِيَ عَنْ تَقْذِيرِ زَادِهِ، وَالْمَعْصِيَةُ لَا تُجْزِئُ بَدَلَ الطَّاعَةِ، وَمِمَّنْ قَالَ لَا يُجْزِئُ بِالْعَظْمِ وَلَا بِالْيَمِينِ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو سُلَيْمَانَ وَغَيْرُهُمَا. [مَسْأَلَة تَطْهِير بَوْل الذَّكَرَ برش الْمَاء عَلَيْهِ رشا] 123 - مَسْأَلَةٌ: وَتَطْهِيرُ بَوْلِ الذَّكَرِ - أَيِّ ذَكَرٍ كَانَ فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ - فَبِأَنْ يَرُشَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ رَشًّا يُزِيلُ أَثَرَهُ، وَبَوْلُ الْأُنْثَى يُغْسَلُ، فَإِنْ كَانَ الْبَوْلُ فِي الْأَرْضِ - أَيُّ بَوْلٍ كَانَ - فَبِأَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ صَبًّا يُزِيلُ أَثَرَهُ فَقَطْ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الدِّينَوَرِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثنا يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ الطَّائِيِّ ثنا أَبُو السَّمْحِ قَالَ «كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُتِيَ بِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ فَبَالَ
عَلَى صَدْرِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: هَكَذَا يُصْنَعُ، يُرَشُّ مِنْ الذَّكَرِ وَيُغْسَلُ مِنْ الْأُنْثَى» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ «أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ» حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا هَمَّامٌ - هُوَ ابْنُ يَحْيَى - ثنا إِسْحَاقُ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى أَعْرَابِيًّا يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ» قَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ تَحْدِيدُ ذَلِكَ بِأَكْلِ الصَّبِيِّ الطَّعَامَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمِمَّنْ فَرَّقَ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَبَوْلِ الْجَارِيَةِ أُمُّ سَلَمَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَبِهِ يَقُولُ قَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَقَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ بِذَلِكَ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد بْنُ عَلِيٍّ وَابْنُ وَهْبٍ
مسألة تطهير دم الحيض أو أي دم كان
وَغَيْرُهُمْ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَسُفْيَانَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ فِي الرَّشِّ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: يُغْسَلُ بَوْلُ الصَّبِيِّ كَبَوْلِ الصَّبِيَّةِ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُتَعَلَّقًا لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ. نَعَمْ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: الرَّشُّ مِنْ الرَّشِّ وَالصَّبُّ مِنْ الصَّبِّ مِنْ الْأَبْوَالِ كُلِّهَا، وَهَذَا نَصٌّ خِلَافُ قَوْلِهِمْ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ تَطْهِيرُ دَمِ الْحَيْضِ أَوْ أَيِّ دَمٍ كَانَ] 124 - مَسْأَلَةٌ: وَتَطْهِيرُ دَمِ الْحَيْضِ أَوْ أَيِّ دَمٍ كَانَ، سَوَاءٌ دَمَ سَمَكٍ كَانَ أَوْ غَيْرَهُ إذَا كَانَ فِي الثَّوْبِ أَوْ الْجَسَدِ فَلَا يَكُونُ إلَّا بِالْمَاءِ، حَاشَا دَمَ الْبَرَاغِيثِ وَدَمَ الْجَسَدِ فَلَا يَلْزَمُ تَطْهِيرُهُمَا إلَّا مَا لَا حَرَجَ فِي غُسْلِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ، فَيُطَهِّرُ الْمَرْءُ ذَلِكَ حَسَبَ مَا لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِيهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا جَمِيعًا: ثنا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ لَا، إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» وَهَذَا عُمُومٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنَوْعِ الدَّمِ وَلَا نُبَالِي بِالسُّؤَالِ إذَا كَانَ جَوَابُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَائِمًا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مَرْدُودٍ بِضَمِيرٍ إلَى السُّؤَالِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ - هِيَ بِنْتُ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ - عَنْ أَسْمَاءَ - هِيَ ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - قَالَتْ «أَتَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: أَرَأَيْت إحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ»
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَسْتَعْمِلَ فِي غُسْلِ الْمَحِيضِ شَيْئًا مِنْ مِسْكٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا يَحْيَى ثنا بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ. قَالَ: خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، تَطَهَّرِي فَاجْتَبَذْتُهَا إلَيَّ فَقُلْتُ: تَتَّبِعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ الدَّارِمِيُّ ثنا حِبَّانُ - هُوَ ابْنُ هِلَالٍ - ثنا وُهَيْبٍ ثنا مَنْصُورٌ - هُوَ ابْنُ صَفِيَّةَ - عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ أَغْتَسِلُ عِنْدَ الطُّهْرِ؟ فَقَالَ: خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِي بِهَا» ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ تَتَطَهَّرَ بِالْفِرْصَةِ الْمَذْكُورَةِ - وَهِيَ الْقِطْعَةُ - وَأَنْ تَتَوَضَّأَ بِهَا، وَإِنَّمَا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى مُبَيِّنًا وَمُعَلِّمًا، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فَرْضًا لَعَلَّمَهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَيْفَ تَتَوَضَّأُ بِهَا أَوْ كَيْفَ تَتَطَهَّرُ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ وَاجِبٍ مَعَ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ وَاجِبًا، فَلَمْ تَزَلْ النِّسَاءُ فِي كُلِّ بَيْتٍ وَدَارٍ عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى يَوْمِنَا هَذَا يَتَطَهَّرْنَ مِنْ الْحَيْضِ، فَمَا قَالَ أَحَدٌ إنَّ هَذَا فَرْضٌ، وَيَكْفِي مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ لَمْ تُسْنَدْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ إلَّا مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ وَقَدْ ضُعِّفَ، وَلَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ، فَسَقَطَ هَذَا الْحُكْمُ جُمْلَةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَكُلُّ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ بِالتَّطْهِيرِ أَوْ الْغُسْلِ فَلَا يَكُونُ إلَّا بِالْمَاءِ، أَوْ بِالتُّرَابِ إنْ عُدِمَ الْمَاءُ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِأَنَّهُ بِغَيْرِ الْمَاءِ فَنَقِفُ عِنْدَهُ، لِمَا حَدَّثَنَاهُ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ ثنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - هُوَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا - عَنْ أَبِي مَالِكٍ - هُوَ سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ - عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ» فَذَكَرَ فِيهَا - «وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ» وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ كُلَّ غُسْلٍ مَأْمُورٍ بِهِ فِي الدِّينِ فَهُوَ تَطَهُّرٌ وَلَيْسَ كُلُّ تَطَهُّرٍ غُسْلًا، فَصَحَّ أَنَّهُ لَا طُهْرَ إلَّا بِالْمَاءِ أَوْ بِالتُّرَابِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: دَمُ السَّمَكِ كَثُرَ أَوْ قَلَّ لَا يُنَجِّسُ الثَّوْبَ وَلَا الْجَسَدَ وَلَا الْمَاءَ وَدَمُ الْبَرَاغِيثِ وَالْبَقِّ كَذَلِكَ، وَأَمَّا سَائِرُ الدِّمَاءِ كُلِّهَا فَإِنَّ قَلِيلَهَا وَكَثِيرَهَا يُفْسِدُ الْمَاءَ، وَأَمَّا فِي الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ: فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا مِنْهُ مِقْدَارُ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ فَأَقَلُّ فَلَا يُنَجِّسُ وَيُصَلَّى بِهِ، وَمَا كَانَ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ فَإِنَّهُ يُنَجِّسُ وَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَسَدِ فَلَا يُزَالُ إلَّا بِالْمَاءِ، وَإِذَا كَانَ فِي الثَّوْبِ فَإِنَّهُ يُزَالُ بِالْمَاءِ وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَزَالَهُ مِنْ غَيْرِ الْمَاءِ، فَإِنْ كَانَ فِي خُفٍّ أَوْ نَعْلٍ، فَإِنْ كَانَ يَابِسًا أَجْزَأَ فِيهِ الْحَكُّ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ رَطْبًا لَمْ يُجْزِئْ إلَّا الْغَسْلُ بِأَيِّ شَيْءٍ غُسِلَ. وَقَالَ مَالِكٌ: إزَالَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ لَيْسَ فَرْضًا، وَلَا يُزَالُ إلَّا بِالْمَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إزَالَتُهُ فَرْضٌ وَلَا يُزَالُ إلَّا بِالْمَاءِ. قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وَقَالَ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وَقَالَ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وَبِالضَّرُورَةِ نَدْرِي أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِانْفِكَاكُ مِنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَلَا مِنْ دَمِ الْجَسَدِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ غُسْلِهِ إلَّا مَا لَا حَرَجَ فِيهِ وَلَا عُسْرَ مِمَّا هُوَ فِي الْوُسْعِ. وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ دَمِ مَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَدَمِ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ قَوْلٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٌ. وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ وَغَيْرِ الْمَسْفُوحِ، وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145] وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]
مسألة تطهير المذي بالماء
فَعَمَّ تَعَالَى كُلَّ دَمٍ وَكُلَّ مَيْتَةٍ، فَكَانَ هَذَا شَرْعًا زَائِدًا عَلَى الْآيَةِ الْأُخْرَى، وَلَمْ يَخُصَّ تَعَالَى مِنْ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ مَا لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ مِمَّا لَا نَفْسَ لَهَا. وَتَعَلَّقَ بَعْضُهُمْ فِي الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ بِحَدِيثٍ سَاقِطٍ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْإِعَادَةَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قِيسَ عَلَى الدُّبُرِ، فَقِيلَ لَهُمْ فَهَلَّا قِسْتُمُوهُ عَلَى حَرْفِ الْإِحْلِيلِ وَمَخْرَجِ الْبَوْلِ، وَحُكْمُهُمَا فِي الِاسْتِنْجَاءِ سَوَاءٌ، وَقَدْ تَرَكُوا قِيَاسَهُمْ هَذَا إذْ لَمْ يَرَوْا إزَالَةَ ذَلِكَ مِنْ الْجَسَدِ بِمَا يُزَالُ بِهِ مِنْ الدُّبُرِ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَ غُسْلَ ذَلِكَ فَرْضًا، فَالسُّنَنُ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا مُخَالِفَةٌ لِقَوْلِهِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ تَطْهِيرُ الْمَذْيِ بِالْمَاءِ] 125 - مَسْأَلَةٌ: وَالْمَذْيُ تَطْهِيرُهُ بِالْمَاءِ، يُغْسَلُ مَخْرَجُهُ مِنْ الذَّكَرِ وَيُنْضَحُ بِالْمَاءِ مَا مَسَّ مِنْهُ الثَّوْبَ. قَالَ مَالِكٌ يُغْسَلُ الذَّكَرُ كُلُّهُ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دُلَيْمٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ثنا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ " أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الرَّجُلِ إذَا دَنَا مِنْ امْرَأَتِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ، قَالَ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ بِالْمَاءِ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ السَّكَنِ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو الْوَلِيدِ هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - ثنا زَائِدَةُ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ «كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ رَجُلًا يَسْأَلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَسَأَلَ فَقَالَ: تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ» حَدَّثَنَا حَمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ بَكْرٌ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ
مسألة تطهير الإناء إذا كان لكتابي
ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ ثنا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، ثُمَّ اتَّفَقَ حَمَّادٌ وَإِسْمَاعِيلُ وَيَزِيدُ كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ثنا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ حَمَّادٌ فِي حَدِيثِهِ «كُنْتُ أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ شِدَّةً فَكُنْتُ أُكْثِرُ الْغُسْلَ مِنْهُ ثُمَّ اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمَذْيِ فَقَالَ: يَكْفِيكَ مِنْهُ الْوُضُوءُ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا يُصِيبُ ثَوْبِي مِنْهُ؟ قَالَ: تَأْخُذُ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحُ ثَوْبَكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ» قَالَ عَلِيٌّ: غَسْلُ مَخْرَجِ الْمَذْيِ مِنْ الذَّكَرِ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ غُسْلِ الذَّكَرِ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ إذَا غَسَلَهُ: غَسَلْتُ ذَكَرِي مِنْ الْبَوْلِ، فَزِيَادَةُ إيجَابِ غُسْلٍ كُلُّهُ شَرْعٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ تَقْلِيصٌ فَيُقَالُ لَهُ: فَعَانُوا ذَلِكَ بِالْقَوَابِضِ مِنْ الْعَقَاقِيرِ إذَنْ فَهُوَ أَبْلَغُ. وَهَذَا الْخَبَرُ يَرُدُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلَهُ: إنَّ النَّجَاسَاتِ لَا تُزَالُ مِنْ الْجَسَدِ إلَّا بِالْمَاءِ وَتُزَالُ مِنْ الثِّيَابِ بِغَيْرِ الْمَاءِ. فَإِنْ تَعَلَّقُوا بِأَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَانَتْ تُجِيزُ إزَالَةَ دَمِ الْحَيْضِ مِنْ الثَّوْبِ بِالرِّيقِ، قِيلَ لَهُمْ فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُجِيزُ مَسْحَ الدَّمِ مِنْ الْمَحَاجِمِ بِالْحَصَاةِ دُونَ غُسْلٍ، وَلَا حُجَّةَ إلَّا فِيمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [مَسْأَلَةٌ تَطْهِيرُ الْإِنَاءِ إذَا كَانَ لِكِتَابِيٍّ] 126 - مَسْأَلَةٌ: وَتَطْهِيرُ الْإِنَاءِ إذَا كَانَ لِكِتَابِيٍّ مِنْ كُلِّ مَا يَجِبُ تَطْهِيرُهُ مِنْهُ بِالْمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا - سَوَاءٌ عَلِمْنَا فِيهِ نَجَاسَةً أَوْ لَمْ نَعْلَمْ - بِالْمَاءِ، فَإِنْ كَانَ إنَاءَ مُسْلِمٍ فَهُوَ طَاهِرٌ، فَإِنْ تَيَقَّنَ فِيهِ مَا يَلْزَمُ اجْتِنَابُهُ فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَزَالَهُ كَائِنًا مَا كَانَ مِنْ الطَّاهِرَاتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَحْمَ حِمَارٍ أَهْلِيٍّ أَوْ وَدَكَهُ أَوْ شَحْمَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطَهَّرَ إلَّا بِالْمَاءِ وَلَا بُدَّ. حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغِيثٍ ثنا أَبُو عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ «يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّا بِأَرْضٍ أَهْلُهَا أَهْلُ كِتَابٍ نَحْتَاجُ فِيهَا إلَى قُدُورِهِمْ وَآنِيَتِهِمْ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: لَا تَقْرَبُوهَا مَا وَجَدْتُمْ بُدًّا، فَإِذَا لَمْ تَجِدُوا بُدًّا فَاغْسِلُوهَا بِالْمَاءِ وَاطْبُخُوا وَاشْرَبُوا» .
مسألة ولوغ الكلب في الإناء
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَقُتَيْبَةُ قَالَا ثنا حَاتِمٌ - هُوَ ابْنُ إسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى خَيْبَرَ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ مَسَاءَ الْيَوْمِ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا هَذِهِ النِّيرَانُ، عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟ قَالُوا: عَلَى لَحْمٍ، قَالَ: عَلَى أَيِّ لَحْمٍ؟ قَالُوا: عَلَى لَحْمِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوهَا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ نُهْرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: أَوْ ذَاكَ» قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ كُلَّ غُسْلٍ أُمِرَ بِهِ فِي الدِّينِ فَهُوَ تَطْهِيرٌ، وَكُلُّ تَطْهِيرٍ فَلَا يَكُونُ إلَّا بِالْمَاءِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ تَطْهِيرُ الْإِنَاءِ مِنْ غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ عَلَى تَطْهِيرِهِ مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ اخْتَلَفَتْ فِي تَطْهِيرِ الْآنِيَةِ مِنْ الْكَلْبِ وَمِنْ لَحْمِ الْحِمَارِ فَلَيْسَ الْقِيَاسُ عَلَى بَعْضِهَا أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى بَعْضٍ، لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَى مَا حَكَمَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ يَحْكُمْ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَوْلًا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، أَوْ شَرْعًا فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْوُقُوفُ عِنْدَ أَوَامِرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْلَى مِنْ الْوُقُوفِ عِنْدَ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ، وَتِلْكَ الْفُرُوقِ الْفَاسِدَةِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ وُلُوغُ الْكَلْبِ فِي الْإِنَاءِ] 127 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ وَلَغَ فِي الْإِنَاءِ كَلْبٌ، أَيَّ إنَاءٍ كَانَ وَأَيَّ كَلْبٍ كَانَ - كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ غَيْرَهُ، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا - فَالْفَرْضُ إهْرَاقُ مَا فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ كَائِنًا مَا كَانَ ثُمَّ يُغْسَلُ بِالْمَاءِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَلَا بُدَّ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ مَعَ الْمَاءِ وَلَا بُدَّ، وَذَلِكَ الْمَاءُ الَّذِي يُطَهَّرُ بِهِ الْإِنَاءُ طَاهِرٌ حَلَالٌ، فَإِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ وَلَمْ يَلَغْ فِيهِ أَوْ أَدْخَلَ رِجْلَهُ أَوْ ذَنَبَهُ أَوْ وَقَعَ بِكُلِّهِ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْ غَسْلُ الْإِنَاءِ وَلَا هَرْقُ مَا فِيهِ أَلْبَتَّةَ وَهُوَ حَلَالٌ طَاهِرٌ كُلُّهُ كَمَا كَانَ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَلَغَ الْكَلْبُ فِي بُقْعَةٍ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي يَدِ إنْسَانٍ أَوْ فِي مَا لَا يُسَمَّى إنَاءً فَلَا يَلْزَمُ غَسْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا هَرْقُ مَا فِيهِ. وَالْوُلُوغُ هُوَ الشُّرْبُ فَقَطْ، فَلَوْ مَسَّ لُعَابُ الْكَلْبِ أَوْ عَرَقُهُ الْجَسَدَ أَوْ الثَّوْبَ أَوْ الْإِنَاءَ أَوْ مَتَاعًا مَا أَوْ الصَّيْدَ، فَفُرِضَ إزَالَةُ
ذَلِكَ بِمَا أَزَالَهُ مَاءً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا إلَّا مِنْ الثَّوْبِ فَلَا يُزَالُ إلَّا بِالْمَاءِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ السَّعْدِيُّ ثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ أَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ وَأَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السَّلِيمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ثنا شُعْبَةُ ثنا أَبُو التَّيَّاحِ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ ابْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ الْكِلَابِ ثُمَّ قَالَ: مَا لَهُمْ وَلَهَا؟ فَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَفِي كَلْبِ الْغَنَمِ» . وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَالثَّامِنَةُ عَفِّرُوهُ بِالتُّرَابِ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِهَرْقِ مَا فِي الْإِنَاءِ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، وَلَمْ يَخُصَّ شَيْئًا مِنْ شَيْءٍ، وَلَمْ يَأْمُرْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِاجْتِنَابِ مَا وَلَغَ فِيهِ فِي غَيْرِ الْإِنَاءِ، بَلْ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ. وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْخَبَرُ بِرِوَايَاتٍ شَتَّى، فِي بَعْضِهَا «وَالسَّابِعَةُ بِالتُّرَابِ» وَفِي بَعْضِهَا «إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ مَعْنَاهُ، لِأَنَّ الْأُولَى هِيَ بِلَا شَكٍّ إحْدَى الْغَسَلَاتِ. وَفِي لَفْظَةِ " الْأُولَى " بَيَانُ أَيَّتِهِنَّ هِيَ، فَمَنْ جَعَلَ التُّرَابَ فِي أُولَاهُنَّ فَقَدْ
جَعَلَهُ فِي إحْدَاهُنَّ بِلَا شَكٍّ وَاسْتَعْمَلَ اللَّفْظَتَيْنِ مَعًا، وَمَنْ جَعَلَهُ فِي غَيْرِ أُولَاهُنَّ فَقَدْ خَالَفَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي أُولَاهُنَّ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ، وَلَا شَكَّ نَدْرِي أَنَّ تَعْفِيرَهُ بِالتُّرَابِ فِي أُولَاهُنَّ تَطْهِيرٌ ثَامِنٌ إلَى السَّبْعِ غَسَلَاتٍ، وَأَنَّ تِلْكَ الْغَسْلَةَ سَابِقَةٌ لِسَائِرِهِنَّ إذَا جُمِعْنَ، وَبِهَذَا تَصِحُّ الطَّاعَةُ لِجَمِيعِ أَلْفَاظِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْمَأْثُورَةِ فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَلَا يُجْزِئُ بَدَلَ التُّرَابِ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ تَعَدٍّ لَحَدِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَالْمَاءُ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ الْإِنَاءُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِاجْتِنَابِهِ، وَلَا شَرِيعَةَ إلَّا مَا أَخْبَرَنَا بِهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ مِمَّا لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَالْمَاءُ حَلَالٌ شُرْبُهُ طَاهِرٌ، فَلَا يَحْرُمُ إلَّا بِأَمْرٍ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَأَمَّا مَا أَكَلَ فِيهِ الْكَلْبُ أَوْ وَقَعَ فِيهِ أَوْ دَخَلَ فِيهِ بَعْضُ أَعْضَائِهِ فَلَا غَسْلَ فِي ذَلِكَ وَلَا هَرْقَ؛ لِأَنَّهُ حَلَالٌ طَاهِرٌ قَبْلَ ذَلِكَ بِيَقِينٍ - إنْ كَانَ مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ - فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى التَّحْرِيمِ وَالتَّنْجِيسِ إلَّا بِنَصٍّ لَا بِدَعْوَى. وَأَمَّا وُجُوبُ إزَالَةِ لُعَابِ الْكَلْبِ وَعَرَقِهِ فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَالْكَلْبُ ذُو نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، فَهُوَ حَرَامٌ، وَبَعْضُ الْحَرَامِ حَرَامٌ بِلَا شَكٍّ، وَلُعَابُهُ وَعَرَقُهُ بَعْضُهُ فَهُمَا حَرَامٌ، وَالْحَرَامُ فُرِضَ إزَالَتُهُ وَاجْتِنَابُهُ، وَلَمْ يُجْزِ أَنْ يُزَالَ مِنْ الثَّوْبِ إلَّا بِالْمَاءِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] وَقَدْ قُلْنَا إنَّ التَّطْهِيرَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْمَاءِ، وَبِالتُّرَابِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ. وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِنَا فِي غَسْلِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ سَبْعًا أَبُو هُرَيْرَةَ، كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ ثنا أَبِي ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ثنا إسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ " إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ غُسِلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ أَوْ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَالْهِرُّ مَرَّةً. وَرُوِّينَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ " إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ أَهْرِقْهُ وَاغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَطَاوُسٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ " إنْ وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءٍ فِيهِ عَشَرَةُ أَقْسَاطِ لَبَنٍ يُهْرَقُ كُلُّهُ وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ سَبْعَ مَرَّاتٍ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، فَإِنْ وَلَغَ فِي مَاءٍ فِي بُقْعَةٍ صَغِيرَةٍ مِقْدَارِ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ إنْسَانٌ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَيُتَوَضَّأُ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَيُغْسَلُ لُعَابُ الْكَلْبِ مِنْ الثَّوْبِ وَمِنْ الصَّيْدِ.
قَالَ عَلِيٌّ: قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ هُوَ نَفْسُ قَوْلِنَا، وَبِهَذَا يَقُولُ - يَعْنِي غَسْلَ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ - أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَجُمْلَةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ " إنْ كَانَ الْمَاءُ فِي الْإِنَاءِ خَمْسَمِائَةِ رَطْلٍ لَمْ يُهْرَقْ لِوُلُوغِ الْكَلْبِ فِيهِ، وَرَأَى هَرْقَ مَا عَدَا الْمَاءَ وَإِنْ كَثُرَ، وَرَأَى أَنْ يُغْسَلَ مِنْ وُلُوغِ الْخِنْزِيرِ فِي الْإِنَاءِ سَبْعًا كَمَا يُغْسَلُ مِنْ الْكَلْبِ، وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ فِي وُلُوغِ شَيْءٍ مِنْ السِّبَاعِ وَلَا غَيْرِ الْخِنْزِيرِ أَصْلًا. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ عُمُومَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَمْرِ بِهَرْقِهِ أَوْلَى أَنْ يُتَّبَعَ وَأَمَّا قِيَاسُ الْخِنْزِيرِ عَلَى الْكَلْبِ فَخَطَأٌ ظَاهِرٌ - لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا - لِأَنَّ الْكَلْبَ بَعْضَ السِّبَاعِ لَمْ يُحَرَّمْ إلَّا بِعُمُومِ تَحْرِيمِ لُحُومِ السِّبَاعِ فَقَطْ، فَكَانَ قِيَاسُ السِّبَاعِ وَمَا وَلَغَتْ فِيهِ عَلَى الْكَلْبِ الَّذِي هُوَ بَعْضُهَا وَاَلَّتِي يَجُوزُ أَكْلُ صَيْدِهَا إذَا عُلِمَتْ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِ الْخِنْزِيرِ عَلَى الْكَلْبِ، وَكَمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاسَ الْخِنْزِيرُ عَلَى الْكَلْبِ فِي جَوَازِ اتِّخَاذِهِ وَأَكْلِ صَيْدِهِ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ الْخِنْزِيرُ عَلَى الْكَلْبِ فِي عَدَدِ غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهِ، فَكَيْفَ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي بَعْضِ أَقْوَالِهِ: يُتَوَضَّأُ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَتَرَدَّدَ فِي غَسْلِ الْإِنَاءِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَمَرَّةً لَمْ يَرَهُ وَمَرَّةً رَآهُ، وَقَالَ فِي قَوْلٍ لَهُ آخَرَ: يُهْرَقُ الْمَاءُ وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَإِنْ كَانَ لَبَنًا لَمْ يُهْرَقْ وَلَكِنْ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيُؤْكَلُ مَا فِيهِ، وَمَرَّةً قَالَ: يُهْرَقُ كُلُّ ذَلِكَ وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ سَبْعَ مَرَّاتٍ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذِهِ تَفَارِيقُ ظَاهِرَةُ الْخَطَإِ؛ لَا النَّصُّ اُتُّبِعَ فِي بَعْضِهَا، وَلَا الْقِيَاسُ اطَّرَدَ فِيهَا، وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ التَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قُلِّدَ فِيهَا. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إنِّي لِأَرَاهُ عَظِيمًا أَنْ يُعْمَدَ إلَى رِزْقٍ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ فَيُهْرَقَ مِنْ أَجْلِ كَلْبٍ وَلَغَ فِيهِ. قَالَ عَلِيٌّ: فَيُقَالُ لِمَنْ احْتَجَّ بِهَذَا الْقَوْلِ: أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تُخَالِفَ أَمْرَ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَرْقِهِ. وَأَعْظَمُ مِمَّا اسْتَعْظَمْتُمُوهُ أَنْ يُعْمَدَ إلَى رِزْقٍ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ فَيُهْرَقَ مِنْ أَجْلِ عُصْفُورٍ مَاتَ فِيهِ بِغَيْرِ أَمْرٍ مِنْ اللَّهِ بِهَرْقِهِ. فَإِنْ قَالُوا: الْعُصْفُورُ الْمَيِّتُ حَرَامٌ،
قُلْنَا: نَعَمْ لَمْ نُخَالِفْكُمْ فِي هَذَا، وَلَكِنَّ الْمَائِعَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ حَلَالٌ، فَتَحْرِيمُكُمْ الْحَلَالَ مِنْ أَجْلِ مُمَاسَّتِهِ الْحَرَامَ هُوَ الْبَاطِلُ، إلَّا أَنْ يَأْمُرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُطَاعُ أَمْرُهُ، وَلَا يُتَعَدَّى حَدُّهُ، وَلَا يُضَافُ إلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُهْرَقُ كُلُّ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ كَثُرَ أَمْ قَلَّ، وَمَنْ تَوَضَّأَ بِذَلِكَ الْمَاءِ أَعَادَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَوَاتِ أَبَدًا، وَلَا يَغْسِلُ الْإِنَاءَ مِنْهُ إلَّا مَرَّةً. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا قَوْلٌ لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ - إلَّا أَنَّنَا رُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ فِيمَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ " اغْسِلْهُ " وَقَالَ مَرَّةً " اغْسِلْهُ حَتَّى تُنْقِيَهُ " وَلَمْ يَذْكُرْ تَحْدِيدًا. وَهُوَ قَوْلٌ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي أَوْرَدْنَا. وَكَفَى بِهَذَا خَطَأً. وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ مُقَلِّدِيهِ بِأَنْ قَالَ " إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - وَهُوَ أَحَدُ مَنْ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ - قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ خَالَفَهُ. قَالَ عَلِيٌّ: فَيُقَالُ لَهُ هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ إنَّمَا رَوَى ذَلِكَ الْخَبَرَ السَّاقِطَ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَا مُجَاهَرَةَ أَقْبَحُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ - النُّجُوم الثَّوَاقِب - بِمِثْلِ رِوَايَةِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ. وَثَانِيهَا أَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ السَّلَامِ - عَلَى تَحْسِينِهَا إنَّمَا فِيهَا أَنَّهُ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يَحْصُلُوا إلَّا عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ وَخِلَافِ مَا اعْتَرَضُوا بِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَلَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتَّبَعُوا وَلَا أَبَا هُرَيْرَةَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ قَلَّدُوا. وَثَالِثُهَا أَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمَا حَلَّ أَنْ يُعْتَرَضَ بِذَلِكَ عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ إنَّمَا هِيَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ سِوَاهُ، لِأَنَّ الصَّاحِبَ قَدْ يَنْسَى مَا رَوَى وَقَدْ يَتَأَوَّلُ فِيهِ، وَالْوَاجِبُ إذَا وُجِدَ مِثْلُ هَذَا أَنْ يُضَعَّفَ مَا رُوِيَ عَنْ الصَّاحِبِ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَنْ يُغَلَّبَ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا أَنْ نُضَعِّفَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنُغَلِّبَ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ الصَّاحِبِ، فَهَذَا هُوَ الْبَاطِلُ الَّذِي لَا يَحِلُّ. وَرَابِعُهَا أَنَّهُ حَتَّى لَوْ صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ خِلَافُ مَا رَوَى - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ - فَقَدْ رَوَاهُ مِنْ الصَّحَابَةِ غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ ابْنُ مُغَفَّلٍ، وَلَمْ يُخَالِفْ مَا رَوَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا كَانَ هَذَا إذْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، فَلَمَّا نَهَى عَنْ قَتْلِهَا نُسِخَ ذَلِكَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا كَذِبٌ بَحْتٌ لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى فَاضِحَةٌ بِلَا دَلِيلٍ،
وَقَفْو مَا لَا عِلْمَ لِقَائِلِهِ بِهِ، هَذَا حَرَامٌ. وَالثَّانِي أَنَّ ابْنَ مُغَفَّلٍ رَوَى النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ الْكِلَابِ وَالْأَمْرَ بِغَسْلِ الْإِنَاء مِنْهَا سَبْعًا فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ مَعًا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ كَانَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ، وَإِنَّمَا رَوَى غَسْلَ الْإِنَاءِ مِنْهَا سَبْعًا أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ مُغَفَّلٍ، وَإِسْلَامُهُمَا مُتَأَخِّرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الْأَمْرُ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ سَبْعًا عَلَى وَجْهِ التَّغْلِيظِ. قَالَ عَلِيٌّ: يُقَالُ لَهُمْ أَبِحَقٍّ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ وَبِمَا تَلْزَمُ طَاعَتُهُ فِيهِ؟ أَمْ أَمَرَ بِبَاطِلٍ وَبِمَا لَا مَئُونَةَ فِي مَعْصِيَتِهِ فِي ذَلِكَ؟ فَإِنْ قَالُوا بِحَقٍّ وَبِمَا تَلْزَمُ طَاعَتُهُ فِيهِ، فَقَدْ أَسْقَطُوا شَغَبَهُمْ بِذِكْرِ التَّغْلِيظِ. وَأَمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ فَالْقَوْلُ بِهِ كُفْرٌ مُجَرَّدٌ لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ جَاءَ أَثَرٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِهَا، لِأَنَّهَا كَانَتْ تُرَوِّعُ الْمُؤْمِنِينَ قِيلَ لَهُ: لَسْنَا فِي قَتْلِهَا، إنَّمَا نَحْنُ فِي غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهَا، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْأَثَرَ لَيْسَ فِيهِ إلَّا ذِكْرُ قَتْلِهَا فَقَطْ، وَهُوَ أَيْضًا مَوْضُوعٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيِّ وَهُوَ سَاقِطٌ. وَشَغَبَ بَعْضُهُمْ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ الْمَغْفِرَةُ لِلْبَغِيِّ الَّتِي سَقَتْ الْكَلْبَ بِخُفِّهَا. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْخَبَرَ كَانَ فِي غَيْرِنَا، وَلَا تَلْزَمُنَا شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا. وَأَيْضًا فَمَنْ لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ الْخُفَّ شُرِبَ فِيهِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَمْ يُغْسَلْ، وَأَنَّ تِلْكَ الْبَغِيَّ عَرَفَتْ سُنَّةَ غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ؟ وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْبَغِيُّ نَبِيَّةً فَيُحْتَجُّ بِفِعْلِهَا، وَهَذَا كُلُّهُ دَفْعٌ بِالرَّاحِ وَخَبْطٌ يَجِبُ أَنْ يُسْتَحَى مِنْهُ. وَيُجْزِئُ غَسْلُ مَنْ غَسَلَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ صَاحِبِهِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فَاغْسِلُوهُ» فَهُوَ أَمْرٌ عَامٌّ. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ أَنْكَرُوا عَلَيْنَا التَّفْرِيقَ بَيْنَ مَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ وَبَيْنَ مَا أَكَلَ فِيهِ أَوْ وَقَعَ فِيهِ أَوْ أَدْخَلَ فِيهِ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ غَيْرَ لِسَانِهِ. قُلْنَا لَهُمْ: لَا نَكَرَةَ عَلَى مَنْ قَالَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَقُلْ مَا لَمْ يَقُلْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَمْ يُخَالِفْ مَا أَمَرَهُ بِهِ نَبِيُّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا شَرْعَ مَا لَمْ يُشَرِّعْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا النَّكَرَةُ عَلَى مَنْ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِمَا زَادَ عَلَى الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ فِي الثَّوْبِ مِنْ دَمِ الدَّجَاجِ فَأَبْطَلَ بِهِ الصَّلَاةَ، وَلَمْ
مسألة حكم الإناء إذا ولغ فيه الهر
يُبْطِلْ الصَّلَاةَ بِثَوْبٍ غُمِسَ فِي دَمِ السَّمَكِ، وَمَنْ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ فِي الثَّوْبِ مِنْ خُرْءِ الدَّجَاجِ وَرَوْثِ الْخَيْلِ، وَلَمْ يُبْطِلْهَا بِأَقَلَّ مِنْ رُبُعِ الثَّوْبِ مِنْ بَوْلِ الْخَيْلِ وَخُرْءِ الْغُرَابِ. وَعَلَى مَنْ أَرَاقَ الْمَاءَ يَلَغُ فِيهِ الْكَلْبُ، وَلَمْ يُرِقْ اللَّبَنَ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، وَعَلَى مَنْ أَمَرَ بِهَرْقِ خَمْسِمِائَةِ رَطْلٍ غَيْرَ أُوقِيَّةٍ مِنْ مَاءٍ وَقَعَ فِيهِ دِرْهَمٌ مِنْ لُعَابِ كَلْبٍ، فَإِنْ كَانَ خَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ وَوَقَعَ فِيهِ رَطْلٌ مِنْ لُعَابِ الْكَلْبِ كَانَ طَاهِرًا لَا يُرَاقُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَهَذِهِ هِيَ النَّكَرَاتُ حَقًّا لَا مَا قُلْنَا. وَبِاَللَّهِ نَتَأَيَّدُ. [مَسْأَلَة حُكْم الْإِنَاء إذَا وَلَغَ فِيهِ الْهِرّ] 128 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ وَلَغَ فِي الْإِنَاءِ الْهِرُّ لَمْ يُهْرَقْ مَا فِيهِ، لَكِنْ يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ أَوْ يُسْتَعْمَلُ، ثُمَّ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ بِالْمَاءِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ، وَلَا يَلْزَمُ إزَالَةُ لُعَابِهِ مِمَّا عَدَا الْإِنَاءَ وَالثَّوْبَ بِالْمَاءِ لَكِنْ بِمَا أَزَالَهُ وَمِنْ الثَّوْبِ بِالْمَاءِ فَقَطْ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّلْمَنْكِيُّ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ ثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ ثنا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَالْهِرُّ مَرَّةً» .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ثنا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رَافِعٍ «عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَتْ تَحْتَ وَلَدِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهَا صَبَّتْ لِأَبِي قَتَادَةَ مَاءً يَتَوَضَّأُ بِهِ، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوْ الطَّوَّافَاتِ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَوَجَبَ غَسْلُ الْإِنَاءِ وَلَمْ يَجِبْ إهْرَاقُ مَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنَجَّسْ، وَوَجَبَ غَسْلُ لُعَابِهِ مِنْ الثَّوْبِ، لِأَنَّ الْهِرَّ ذُو نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَبَعْضُ الْحَرَامِ حَرَامٌ، وَلَيْسَ كُلُّ حَرَامٍ نَجِسًا، وَلَا نَجِسَ إلَّا مَا سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ نَجِسًا، وَالْحَرِيرُ وَالذَّهَبُ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ وَلَيْسَا بِنَجِسَيْنِ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُهْرَقُ مَا وَلَغَ فِيهِ الْهِرُّ وَلَا يُجْزِئُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ مَرَّةً. وَهَذَا خِلَافُ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يَتَوَضَّأُ بِمَا وَلَغَ فِيهِ الْهِرُّ وَلَا يَغْسِلُ مِنْهُ الْإِنَاءَ، وَهَذَا خِلَافُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رِوَايَةِ
مسألة تطهير جلد الميتة
أَبِي هُرَيْرَةَ. وَمِمَّنْ أَمَرَ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْهِرِّ أَبُو هُرَيْرَةَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ. إلَّا أَنَّ طَاوُسًا وَعَطَاءً جَعَلَاهُ بِمَنْزِلَةِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ. وَمِمَّنْ أَبَاحَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ مَا وَلَغَ فِيهِ الْهِرُّ أَبُو قَتَادَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ - بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ - فَصَحَّ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَقَوْلِنَا نَصًّا. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. [مَسْأَلَةٌ تَطْهِيرُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ] . 129 - مَسْأَلَةٌ: وَتَطْهِيرُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ، أَيَّ مَيْتَةٍ كَانَتْ - وَلَوْ أَنَّهَا جِلْدُ خِنْزِيرٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - فَإِنَّهُ بِالدِّبَاغِ - بِأَيِّ شَيْءٍ دُبِغَ - طَاهِرٌ، فَإِذَا دُبِغَ حَلَّ بَيْعُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَكَانَ كَجِلْدِ مَا ذُكِّيَ مِمَّا يَحِلُّ أَكْلُهُ، إلَّا أَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ الْمَذْكُورَ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ بِحَالٍ، حَاشَا جِلْدَ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُدْبَغَ وَلَا أَنْ يُسْلَخَ، وَلَا بُدَّ مِنْ دَفْنِهِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا. وَصُوفُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُهَا وَرِيشُهَا وَوَبَرُهَا حَرَامٌ قَبْلَ الدِّبَاغِ حَلَالٌ بَعْدَهُ، وَعَظْمُهَا وَقَرْنُهَا مُبَاحٌ كُلُّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الْمَيْتَةِ وَلَا الِانْتِفَاعُ بِعَصَبِهَا وَلَا شَحْمِهَا. حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ثنا أَبِي قَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ ثنا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ثنا الْحُمَيْدِيُّ ثنا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - ثنا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ وَعْلَةَ الْمِصْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» . حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيِّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى شَاةٍ لِمَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ مَيْتَةٍ فَقَالَ: أَفَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا قَالُوا: وَكَيْفَ وَهِيَ مَيْتَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إنَّمَا حُرِّمَ لَحْمُهَا» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى شَاةٍ مُلْقَاةٍ، فَقَالَ لِمَنْ هَذِهِ، قَالُوا لِمَيْمُونَةَ، قَالَ: مَا عَلَيْهَا لَوْ انْتَفَعَتْ بِإِهَابِهَا قَالُوا إنَّهَا مَيْتَةٌ. قَالَ: إنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ أَكْلَهَا» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ: فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟ فَقَالُوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ: إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا» . حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيِّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ أَنَّ شَاةً مَاتَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَلَا دَبَغْتُمْ إهَابَهَا» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ الْجَوْنِ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءٍ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ فَقَالَتْ: مَا عِنْدِي إلَّا فِي قِرْبَةٍ لِي مَيْتَةٍ. قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا» . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَسُورِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الدِّينَوَرِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ثنا هُشَيْمٌ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ عَنْ الْحَسَنِ ثنا جَوْنُ بْنُ قَتَادَةَ التَّمِيمِيُّ قَالَ " كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ - فَإِنَّ «دِبَاغَ
الْمَيْتَةِ طَهُورُهَا» قَالَ عَلِيٌّ: جَوْنٌ وَسَلَمَةُ لَهُمَا صُحْبَةٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ قَالَ لَا. هُوَ حَرَامٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الشُّحُومَ جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» . قَالَ عَلِيٌّ: ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ وَإِنْ دُبِغَ، وَذَكَرَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ ثنا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ «كَتَبَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَلَّا تَسْتَنْفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» . قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ وَلَا يُخَالِفُ مَا قَبْلَهُ. بَلْ هُوَ حَقٌّ، لَا يَحِلُّ أَنْ يُنْتَفَعَ مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ إلَّا حَتَّى يُدْبَغَ، كَمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ، إذْ ضَمُّ أَقْوَالِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْضِهَا لِبَعْضٍ فَرْضٌ، وَلَا يَحِلُّ ضَرْبُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، لِأَنَّهَا كُلَّهَا حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3] {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِإِسْنَادٍ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ «دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ» وَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ أَدِيمٍ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةَ: أَنَّهَا دَبَغَتْ
جِلْدَ شَاةٍ مَيِّتَةٍ فَلَمْ تَزَلْ تَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى بَلِيَ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ - فِي جُلُودِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ تَمُوتُ فَتُدْبَغُ: إنَّهَا تُبَاعُ وَتُلْبَسُ. وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ إبَاحَةُ بَيْعِهَا. وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ إبَاحَةُ الصَّلَاةِ فِيهَا. وَعَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ إبَاحَةُ بَيْعِهَا. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي الْمَيْتَةِ: دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا، وَأَبَاحَ الزُّهْرِيُّ جُلُودَ النُّمُورِ، وَاحْتَجَّ بِمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ سِيرِينَ مِثْلُ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: جِلْدُ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَ وَعِظَامُهَا وَعَصَبُهَا وَعَقِبُهَا وَصُوفُهَا وَشَعْرُهَا وَوَبَرُهَا وَقَرْنُهَا لَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِكُلِّ ذَلِكَ، وَبَيْعُهُ جَائِزٌ، وَالصَّلَاةُ فِي جِلْدِهَا إذَا دُبِغَ جَائِزٌ، أَيَّ جِلْدٍ كَانَ حَاشَا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي عِظَامِ الْمَيْتَةِ وَهِيَ مَيْتَةٌ، وَلَا يُصَلَّى فِي شَيْءٍ مِنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ وَإِنْ دُبِغَتْ، وَلَا يَحِلُّ بَيْعُهَا، أَيَّ جِلْدٍ كَانَ، وَلَا يُسْتَقَى فِيهَا، لَكِنَّ جُلُودَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إذَا دُبِغَتْ جَازَ الْقُعُودُ عَلَيْهَا وَأَنْ يُغَرْبَلَ عَلَيْهَا، وَكَرِهَ الِاسْتِقَاءَ فِيهَا بِآخِرَةٍ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَمْنَعْ عَنْ ذَلِكَ غَيْرَهُ. وَرَأَى جُلُودَ السِّبَاعِ إذَا دُبِغَتْ مُبَاحَةً لِلْجُلُوسِ وَالْغَرْبَلَةِ. وَلَمْ يَرَ جِلْدَ الْحِمَارِ وَإِنْ دُبِغَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ، وَلَمْ يَرَ اسْتِعْمَالَ قَرْنِ الْمَيْتَةِ وَلَا سِنَّهَا وَلَا ظِلْفِهَا وَلَا رِيشِهَا. وَأَبَاحَ صُوفَ الْمَيْتَةِ وَشَعْرَهَا وَوَبَرَهَا. وَكَذَلِكَ إنْ أُخِذَتْ مِنْ حَيٍّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُتَوَضَّأُ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ أَيَّ جِلْدٍ كَانَ. إلَّا جِلْدَ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ. وَلَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ لَا صُوفٌ وَلَا شَعْرٌ وَلَا وَبَرٌ وَلَا عَظْمٌ وَلَا قَرْنٌ وَلَا - سِنٌّ وَلَا رِيشٌ. إلَّا الْجِلْدَ وَحْدَهُ فَقَطْ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا إبَاحَةُ أَبِي حَنِيفَةَ الْعَظْمَ وَالْعَقِبَ مِنْ الْمَيْتَةِ فَخَطَأٌ، لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَثَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي أَوْرَدْنَا «أَلَّا نَنْتَفِعَ مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» وَجَاءَ الْخَبَرُ بِإِبَاحَةِ الْإِهَابِ إذَا دُبِغَ، فَبَقِيَ الْعَصَبُ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَالْعَقِبُ عَصَبٌ بِلَا شَكٍّ، وَكَذَلِكَ تَفْرِيقُهُ بَيْنَ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالْمَيْتَاتِ وَجِلْدِ الْخِنْزِيرِ خَطَأٌ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَيْتَةٌ مُحَرَّمٌ، وَلَا نَعْلَمُ هَذِهِ التَّفَارِيقَ وَلَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ. وَأَمَّا تَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ جِلْدِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَبَيْنَ جِلْدِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَخَطَأٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْمَيْتَةَ كَمَا حَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَلَا فَرْقَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَبْشٍ مَيِّتٍ وَبَيْنَ خِنْزِيرٍ مَيِّتٍ عِنْدَهُ وَلَا عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي التَّحْرِيمِ. وَكَذَلِكَ فَرْقُهُ بَيْنَ جِلْدِ الْحِمَارِ وَجِلْدِ السِّبَاعِ خَطَأٌ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ جَاءَ فِي السِّبَاعِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَمِيرِ وَلَا فَرْقَ، وَالْعَجَبُ أَنَّ أَصْحَابَهُ لَا يُجِيزُونَ الِانْتِفَاعَ بِجِلْدِ الْفَرَسِ إذَا دُبِغَ، وَلَحْمُهُ إذَا ذُكِّيَ حَلَالٌ بِالنَّصِّ، وَيُجِيزُونَ الِانْتِفَاعَ بِجِلْدِ السَّبُعِ إذَا دُبِغَ، وَهُوَ حَرَامٌ لَا تُعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ بِالنَّصِّ، وَكَذَلِكَ مَنْعُهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا إذَا دُبِغَتْ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ بَيْنَ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ بِلَا نَصِّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا تَابِعٍ وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا نَعْلَمُ هَذَا التَّفْرِيقَ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ. وَأَمَّا تَفْرِيقُ الشَّافِعِيِّ بَيْنَ جُلُودِ السِّبَاعِ وَجِلْدِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ فَخَطَأٌ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَيْتَةٌ حَرَامٌ سَوَاءٌ، وَدَعْوَاهُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» أَنَّ مَعْنَاهُ عَادَ إلَى طَهَارَتِهِ خَطَأٌ، وَقَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ، بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ طَهُرَ، وَلَا نَعْلَمُ هَذَا التَّفْرِيقَ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا كُلُّ مَا كَانَ عَلَى الْجِلْدِ مِنْ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ وَبَرٍ فَهُوَ بَعْدَ الدِّبَاغِ طَاهِرٌ كُلُّهُ لَا قَبْلَ الدِّبَاغِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَلِمَ أَنَّ عَلَى جُلُودِ الْمَيْتَةِ الشَّعْرَ وَالرِّيشَ وَالْوَبَرَ وَالصُّوفَ، فَلَمْ يَأْمُرْ بِإِزَالَةِ ذَلِكَ وَلَا أَبَاحَ اسْتِعْمَالَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَبْلَ الدِّبَاغِ بَعْضُ الْمَيْتَةِ حَرَامٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ بَعْدَ الدِّبَاغِ طَاهِرٌ لَيْسَ مَيْتَةً، فَهُوَ حَلَالٌ حَاشَا أَكْلَهُ، وَإِذْ هُوَ حَلَالٌ فَلِبَاسُهُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَبَيْعُ كُلِّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الِانْتِفَاعِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ أُزِيلَ ذَلِكَ عَنْ الْجِلْدِ قَبْلَ الدِّبَاغِ لَمْ يَجُزْ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَهُوَ حَرَامٌ، إذْ لَا يَدْخُلُ الدِّبَاغُ فِيهِ، وَإِنْ أُزِيلَ بَعْدَ الدِّبَاغِ فَقَدْ طَهُرَ، فَهُوَ حَلَالٌ بَعْدُ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ حَاشَا أَكْلَهُ فَقَطْ. وَأَمَّا الْعَظْمُ وَالرِّيشُ وَالْقَرْنُ فَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْحَيِّ بَعْضُ الْحَيِّ، وَالْحَيُّ مُبَاحٌ مِلْكُهُ وَبَيْعُهُ إلَّا مَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ نَصٌّ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْمَيْتَةِ مَيْتَةٌ، وَقَدْ صَحَّ تَحْرِيمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْعَ الْمَيْتَةِ، وَبَعْضُ الْمَيْتَةِ مَيْتَةٌ، فَلَا يَحِلُّ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَالِانْتِفَاعُ بِكُلِّ ذَلِكَ جَائِزٌ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا» فَأَبَاحَ مَا عَدَا ذَلِكَ إلَّا مَا حُرِّمَ بِاسْمِهِ مِنْ بَيْعِهَا وَالِادِّهَانِ بِشُحُومِهَا، وَمِنْ عَصَبِهَا وَلَحْمِهَا. وَأَمَّا شَعْرُ الْخِنْزِيرِ وَعَظْمُهُ فَحَرَامٌ كُلُّهُ، لَا يَحِلُّ أَنْ يُتَمَلَّكَ وَلَا أَنْ يُنْتَفَعَ بِشَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ
مسألة إناء الخمر إن تخللت الخمر فيه
إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، فَالْخِنْزِيرُ كُلُّهُ رِجْسٌ، وَالرِّجْسُ وَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] حَاشَا الْجِلْدَ فَإِنَّهُ بِالدِّبَاغِ طَاهِرٌ بِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَأَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا جِلْدُ الْإِنْسَانِ فَقَدْ صَحَّ «نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُثْلَةِ» ، وَالسَّلْخُ أَعْظَمُ الْمُثْلَةِ، فَلَا يَحِلُّ التَّمْثِيلُ بِكَافِرٍ وَلَا مُؤْمِنٍ، وَصَحَّ أَمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِإِلْقَاءِ قَتْلَى كُفَّارِ بَدْرٍ فِي الْقَلِيبِ، فَوَجَبَ دَفْنُ كُلِّ مَيِّتٍ كَافِرٍ وَمُؤْمِنٍ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ إنَاءُ الْخَمْرِ إنْ تَخَلَّلَتْ الْخَمْرُ فِيهِ] 130 - مَسْأَلَةٌ: وَإِنَاءُ الْخَمْرِ إنْ تَخَلَّلَتْ الْخَمْرُ فِيهِ فَقَدْ صَارَ طَاهِرًا يُتَوَضَّأُ فِيهِ وَيُشْرَبُ وَإِنْ لَمْ يُغْسَلْ، فَإِنْ أُهْرِقَتْ أُزِيلَ أَثَرُ الْخَمْرِ - وَلَا بُدَّ - بِأَيِّ شَيْءٍ مِنْ الطَّاهِرَاتِ أُزِيلَ، وَيَطْهُرُ الْإِنَاءُ حِينَئِذٍ سَوَاءٌ كَانَ فَخَّارًا أَوْ عُودًا أَوْ خَشَبًا أَوْ نُحَاسًا أَوْ حَجَرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. أَمَّا الْخَمْرُ فَمُحَرَّمَةٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ، فَوَاجِبٌ اجْتِنَابُهَا. قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] فَإِذَا تَخَلَّلَتْ الْخَمْرُ أَوْ خُلِّلَتْ فَالْخَلُّ حَلَالٌ بِالنَّصِّ طَاهِرٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ثنا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» فَعَمَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَمْ يَخُصَّ، وَالْخَلُّ لَيْسَ خَمْرًا، لِأَنَّ الْحَلَالَ الطَّاهِرَ غَيْرُ الْحَرَامِ الرِّجْسِ بِلَا شَكٍّ، فَإِذَنْ لَا
مسألة المني طاهر
خَمْرَ هُنَالِكَ أَصْلًا، وَلَا أَثَرَ لَهَا فِي الْإِنَاءِ، فَلَيْسَ هُنَالِكَ شَيْءٌ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ وَإِزَالَتُهُ. وَأَمَّا إذَا ظَهَرَ أَثَرُ الْخَمْرِ فِي الْإِنَاءِ فَهِيَ هُنَالِكَ بِلَا شَكٍّ. وَإِزَالَتُهَا وَاجْتِنَابُهَا فَرْضٌ. وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ فِي شَيْءٍ مَا بِعَيْنِهِ تُزَالُ بِهِ. فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أُزِيلَتْ بِهِ فَقَدْ أَدَّيْنَا مَا عَلَيْنَا مِنْ وَاجِبِ إزَالَتِهَا. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَإِذَا أُزِيلَتْ فَالْإِنَاءُ طَاهِرٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَالِكَ شَيْءٌ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ مِنْ أَجْلِهِ. [مَسْأَلَةٌ الْمَنِيُّ طَاهِرٌ] 131 - مَسْأَلَةٌ: وَالْمَنِيُّ طَاهِرٌ فِي الْمَاءِ كَانَ أَوْ فِي الْجَسَدِ أَوْ فِي الثَّوْبِ وَلَا تَجِبُ إزَالَتُهُ، وَالْبُصَاقُ مِثْلُهُ وَلَا فَرْقَ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ «أَرْسَلَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ إلَى ضَيْفٍ لَهَا تَدْعُوهُ فَقَالُوا: هُوَ يَغْسِلُ جَنَابَةً فِي ثَوْبِهِ، قَالَتْ وَلِمَ يَغْسِلُهُ؟ لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَأَنْكَرَتْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - غَسْلَ الْمَنِيِّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ أَبُو عَاصِمٍ ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ «كُنْتُ نَازِلًا عَلَى عَائِشَةَ فَاحْتَلَمْتُ فِي ثَوْبَيَّ فَغَمَسْتُهُمَا فِي الْمَاءِ، فَرَأَتْنِي جَارِيَةٌ لِعَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا، فَبَعَثَتْ إلَيَّ عَائِشَةُ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْتَ بِثَوْبَيْكَ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُ مَا يَرَى النَّائِمُ فِي مَنَامِهِ: قَالَتْ: هَلْ رَأَيْتَ فِيهِمَا شَيْئًا؟ قُلْتُ لَا، قَالَتْ: فَلَوْ رَأَيْتَ شَيْئًا غَسَلْتَهُ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَأَحُكُّهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَابِسًا بِظُفُرِي» فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُبَيِّنُ كَذِبَ مَنْ تَخَرَّصَ بِلَا عِلْمٍ وَقَالَ: كَانَتْ تَفْرُكُهُ بِالْمَاءِ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ثنا حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ «أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُصَلِّي فِيهِ» وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ وَالْحَارِثُ بْنُ نَوْفَلٍ عَنْ عَائِشَةَ مُسْنَدًا، وَهَذَا تَوَاتُرٌ، وَصَحَّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ كَانَ يَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ، وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ، هُوَ بِمَنْزِلَةِ النُّخَامِ وَالْبُزَاقِ امْسَحْهُ بِإِذْخِرَةٍ أَوْ بِخِرْقَةٍ،
وَلَا تَغْسِلْهُ إنْ شِئْت إلَّا أَنْ تُقَذِّرَهُ أَوْ تَكْرَهَ أَنْ يُرَى فِي ثَوْبِك، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمْ. وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ نَجِسٌ وَلَا يُجْزِئُ إلَّا غَسْلُهُ بِالْمَاءِ. وَرُوِّينَا غَسْلَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ نَجِسٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَسَدِ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ لَمْ يُجْزِئْ فِي إزَالَتِهِ غَيْرُ الْمَاءِ، فَإِنْ كَانَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ فَأَقَلَّ أَجْزَأَتْ إزَالَتُهُ بِغَيْرِ الْمَاءِ، فَإِنْ كَانَ فِي الثَّوْبِ أَوْ النَّعْلِ أَوْ الْخُفِّ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ، فَإِنْ كَانَ رَطْبًا لَمْ يَجُزْ إلَّا غَسْلُهُ بِأَيِّ مَائِعٍ كَانَ، فَإِنْ كَانَ يَابِسًا أَوْ كَانَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ فَأَقَلَّ وَإِنْ كَانَ رَطْبًا أَجْزَأَ مَسْحُهُ فَقَطْ، وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ رَطْبًا فَاغْسِلْهُ وَإِنْ كَانَ يَابِسًا فَحُتَّهُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى نَجَاسَةَ الْمَنِيِّ بِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْسِلُ الْمَنِيَّ وَكُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَقَالُوا: هُوَ خَارِجٌ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ فَيَنْجَسُ لِذَلِكَ وَذَكَرُوا حَدِيثًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حُذَيْفَةَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ مَرَّةً قَالَ: عَنْ الْأَعْمَشِ، وَمَرَّةً قَالَ: عَنْ مَنْصُورٍ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ، عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَائِشَةَ فِي الْمَنِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ بِحَتِّهِ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ. أَمَّا الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَائِشَةَ وَسَعْدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ قَوْلِنَا، وَإِذَا تَنَازَعَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَلَيْسَ بَعْضُهُمْ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، بَلْ الرَّدُّ حِينَئِذٍ وَاجِبٌ إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. وَأَمَّا حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ فَلَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَسْلِهِ وَلَا بِإِزَالَتِهِ وَلَا بِأَنَّهُ نَجِسٌ. وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْسِلُهُ. وَأَنَّ عَائِشَةَ تَغْسِلُهُ، وَأَفْعَالُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَتْ عَلَى الْوُجُوبِ، وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مَالِكُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا زُهَيْرٌ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ - ثنا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ وَرُئِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ» فَلَمْ يَكُنْ هَذَا دَلِيلًا عِنْدَ خُصُومِنَا عَلَى نَجَاسَةِ النُّخَامَةِ، وَقَدْ يَغْسِلُ الْمَرْءُ ثَوْبَهُ مِمَّا لَيْسَ نَجِسًا. وَأَمَّا حَدِيثُ سُفْيَانَ فَإِنَّمَا انْفَرَدَ بِهِ أَبُو حُذَيْفَة مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ النَّهْدِيُّ، بَصْرِيٌّ ضَعِيفٌ مُصَحِّفٌ
مسألة إذا أحرقت العذرة أو الميتة أو تغيرت فصارت رمادا أو ترابا
كَثِيرُ الْخَطَإِ، رَوَى عَنْ سُفْيَانَ الْبَوَاطِلَ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِيهِ: هُوَ شِبْهُ لَا شَيْءَ، كَأَنَّ سُفْيَانَ الَّذِي يُحَدِّثُ عَنْهُ أَبُو حُذَيْفَةَ لَيْسَ سُفْيَانَ الَّذِي يُحَدِّثُ عَنْهُ النَّاسَ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ، فَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا، لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلْبَوْلِ مَا لَمْ يَظْهَرْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا} [النحل: 66] فَلَمْ يَكُنْ خُرُوجُ اللَّبَنِ مِنْ بَيْنِ الْفَرْثِ وَالدَّمِ مُنَجِّسًا لَهُ، فَسَقَطَ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَغْسِلُهُ رَطْبًا عَلَى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَيَحُكُّهُ يَابِسًا عَلَى سَائِرِ الْأَحَادِيثِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ كَانَ رَطْبًا، وَلَا فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ كَانَ يَابِسًا، إلَّا فِي حَدِيثِ الْخَوْلَانِيِّ وَحْدَهُ، فَحَصَلَ هَذَا الْقَائِلُ عَلَى الْكَذِبِ وَالتَّحَكُّمِ، إذْ زَادَ فِي الْأَخْبَارِ مَا لَيْسَ فِيهَا. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى «كُنْتُ أَفْرُكُهُ» أَيْ بِالْمَاءِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا كَذِبٌ آخَرُ وَزِيَادَةٌ فِي الْخَبَرِ، فَكَيْفَ وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ - كَمَا أَوْرَدْنَا - «يَابِسًا بِظُفُرِي.» قَالَ عَلِيٌّ: وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا تَرَكَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِهِ، وَلَأَخْبَرَهُ كَمَا أَخْبَرَهُ إذْ صَلَّى بِنَعْلَيْهِ وَفِيهِمَا قَذَرٌ فَخَلَعَهُمَا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا بِإِسْنَادِهِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ إذَا أُحْرِقَتْ الْعَذِرَةُ أَوْ الْمَيْتَةُ أَوْ تَغَيَّرَتْ فَصَارَتْ رَمَادًا أَوْ تُرَابًا] 132 - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا أُحْرِقَتْ الْعَذِرَةُ أَوْ الْمَيْتَةُ أَوْ تَغَيَّرَتْ فَصَارَتْ رَمَادًا أَوْ تُرَابًا، فَكُلُّ ذَلِكَ طَاهِرٌ، وَيُتَيَمَّمُ بِذَلِكَ التُّرَابِ، بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا هِيَ عَلَى مَا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فِيهِ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الِاسْمُ الَّذِي بِهِ خَاطَبَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا سَقَطَ ذَلِكَ الِاسْمُ فَقَدْ سَقَطَ ذَلِكَ الْحُكْمُ، وَأَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ. وَالْعَذِرَةُ غَيْرُ التُّرَابِ وَغَيْرُ الرَّمَادِ، وَكَذَلِكَ الْخَمْرُ غَيْرُ الْخَلِّ، وَالْإِنْسَانُ غَيْرُ الدَّمِ الَّذِي مِنْهُ خُلِقَ، وَالْمَيْتَةُ غَيْرُ التُّرَابِ. [مَسْأَلَةٌ لُعَابُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ] 133 - مَسْأَلَةٌ: وَلُعَابُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ - الْجُنُبِ مِنْهُمْ وَالْحَائِضِ وَغَيْرِهِمَا - وَلُعَابُ الْخَيْلِ وَكُلِّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَعَرَقُ كُلِّ ذَلِكَ وَدَمْعُهُ، وَسُؤْرُ كُلِّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ - طَاهِرٌ مُبَاحٌ الصَّلَاةُ بِهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - ثنا حُمَيْدٌ ثنا بَكْرٌ عَنْ أَبِي رَافِعٍ
مسألة لعاب الكفار من الرجال والنساء الكتابيين وغيرهم
«عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جُنُبٌ، قَالَ: فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ فَذَهَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ، فَقَالَ: أَيْنَ كُنْت يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: كُنْت جُنُبًا فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَكُلُّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ طَاهِرٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] فَكُلُّ حَلَالٍ هُوَ طَيِّبٌ، وَالطَّيِّبُ لَا يَكُونُ نَجِسًا بَلْ هُوَ طَاهِرٌ، وَبَعْضُ الطَّاهِرِ طَاهِرٌ بِلَا شَكٍّ، لِأَنَّ الْكُلَّ لَيْسَ هُوَ شَيْئًا غَيْرَ أَبْعَاضِهِ إلَى أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِتَحْرِيمِ بَعْضِ الطَّاهِرِ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ، كَالدَّمِ وَالْبَوْلِ وَالرَّجِيعِ، وَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ جُمْلَةِ الطَّاهِرِ، وَيَبْقَى سَائِرُهَا عَلَى الطَّهَارَةِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لُعَابُ الْكُفَّارِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْكِتَابِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ] 134 - مَسْأَلَةٌ: وَلُعَابُ الْكُفَّارِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ - الْكِتَابِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ - نَجِسٌ كُلُّهُ، وَكَذَلِكَ الْعَرَقُ مِنْهُمْ وَالدَّمْعُ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْهُمْ، وَلُعَابُ كُلِّ مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُ لَحْمِهِ مِنْ طَائِرٍ أَوْ غَيْرِهِ، مِنْ خِنْزِيرٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ هِرٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ فَأْرٍ، حَاشَا الضَّبُعَ فَقَطْ، وَعَرَقُ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا وَدَمْعُهُ - حَرَامٌ وَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] وَبِيَقِينٍ يَجِبُ أَنَّ بَعْضَ النَّجَسِ نَجَسٌ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ لَيْسَ هُوَ شَيْئًا غَيْرَ أَبْعَاضِهِ، فَإِنْ قِيلَ: إنَّ مَعْنَاهُ نَجَسُ الدِّينِ، قِيلَ: هَبْكُمْ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ. أَيَجِبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ طَاهِرُونَ؟ حَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا وَمَا فُهِمَ قَطُّ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] مَعَ قَوْلِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» أَنَّ الْمُشْرِكِينَ طَاهِرُونَ، وَلَا عَجَبَ فِي الدُّنْيَا أَعْجَبُ مِمَّنْ يَقُولُ فِيمَنْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ نَجَسٌ إنَّهُمْ طَاهِرُونَ، ثُمَّ يَقُولُ فِي الْمَنِيِّ الَّذِي لَمْ يَأْتِ قَطُّ بِنَجَاسَتِهِ نَصٌّ إنَّهُ نَجِسٌ، وَيَكْفِي مِنْ هَذَا الْقَوْلِ سَمَاعُهُ. وَنَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى السَّلَامَةِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أُبِيحَ لَنَا نِكَاحُ الْكِتَابِيَّاتِ وَوَطْؤُهُنَّ، قُلْنَا نَعَمْ، فَأَيُّ دَلِيلٍ فِي هَذَا عَلَى أَنَّ لُعَابَهَا وَعَرَقَهَا وَدَمْعَهَا طَاهِرٌ؟ فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحَفُّظِ مِنْ ذَلِكَ. قُلْنَا: هَذَا خَطَأٌ، بَلْ يَفْعَلُ فِيمَا مَسَّهُ مِنْ لُعَابِهَا وَعَرَقِهَا مِثْلَ الَّذِي يَفْعَلُ إذَا مَسَّهُ بَوْلُهَا أَوْ دَمُهَا أَوْ مَائِيَّةُ فَرْجِهَا وَلَا فَرْقَ، وَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ هَبْكَ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَهُمْ ذَلِكَ فِي
مسألة سؤر كل كافر أو كافرة وسؤر كل ما يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه
نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، مِنْ أَيْنَ لَهُمْ طَهَارَةُ رِجَالِهِمْ أَوْ طَهَارَةُ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ؟ فَإِنْ قَالُوا: قُلْنَا ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ. قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ، لِأَنَّ أَوَّلَ بُطْلَانِهِ أَنَّ عِلَّتَهُمْ فِي طَهَارَةِ الْكِتَابِيَّاتِ جَوَازُ نِكَاحِهِنَّ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَعْدُومَةٌ بِإِقْرَارِهِمْ فِي غَيْرِ الْكِتَابِيَّاتِ. وَالْقِيَاسُ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ إلَّا بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ، وَهَذِهِ عِلَّةٌ مُفَرِّقَةٌ لَا جَامِعَةٌ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا كُلُّ مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ فَهُوَ حَرَامٌ بِالنَّصِّ، وَالْحَرَامُ وَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ، وَبَعْضُ الْحَرَامِ حَرَامٌ. وَبَعْضُ الْوَاجِبِ اجْتِنَابُهُ وَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ، وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ سَمِعْت حُذَيْفَةَ بْنَ أُسَيْدَ يَقُولُ عَنْ الدَّجَّالِ " وَلَا يُسَخَّرُ لَهُ مِنْ الْمَطَايَا إلَّا الْحِمَارُ فَهُوَ رِجْسٌ عَلَى رِجْسٍ " وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: عَرَقُ الْحِمَارِ نَجِسٌ. وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الضَّبُعِ فَلِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُسَدَّدٌ ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» . وَبِهِ إلَى أَبِي دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ ثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الضَّبُعِ، فَقَالَ: هُوَ صَيْدٌ وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ» . [مَسْأَلَةٌ سُؤْرُ كُلِّ كَافِرٍ أَوْ كَافِرَةٍ وَسُؤْرُ كُلِّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ] 135 - مَسْأَلَةٌ: وَسُؤْرُ كُلِّ كَافِرٍ أَوْ كَافِرَةٍ وَسُؤْرُ كُلِّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ خِنْزِيرٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ حِمَارٍ أَهْلِيٍّ أَوْ دَجَاجٍ مُخَلًّى أَوْ غَيْرِ مُخَلًّى - إذَا لَمْ يَظْهَرْ هُنَالِكَ لِلُّعَابِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَثَرٌ - فَهُوَ طَاهِرٌ حَلَالٌ، حَاشَا مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ فَقَطْ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ، حَاشَا مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ وَالْهِرُّ فَقَطْ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِطَهَارَةِ الطَّاهِرِ وَتَنَجُّسِ النَّجِسِ وَتَحْرِيمِ الْحَرَامِ وَتَحْلِيلِ الْحَلَالِ، وَذَمَّ أَنْ تُتَعَدَّى حُدُودُهُ، فَكُلُّ مَا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ طَاهِرٌ فَهُوَ طَاهِرٌ،
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَجَّسَ بِمُلَاقَاةِ النَّجِسِ لَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ وَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُلُّ مَا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ نَجِسٌ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِمُلَاقَاةِ الطَّاهِرِ لَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَكُلُّ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ بِمُلَاقَاةِ الْحَرَامِ لَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ، وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَكُلُّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ بِمُلَاقَاةِ الْحَلَالِ لَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ ادَّعَى أَنَّ الطَّاهِرَ يَتَنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجِسِ. وَأَنَّ الْحَلَالَ يَحْرُمُ بِمُلَاقَاةِ الْحَرَامِ، وَبَيْنَ مَنْ عَكَسَ الْأَمْرَ فَقَالَ: بَلْ النَّجِسُ يَطْهُرُ بِمُلَاقَاةِ الطَّاهِرِ، وَالْحَرَامُ يَحِلُّ بِمُلَاقَاةِ الْحَلَالِ، كِلَا الْقَوْلَيْنِ بَاطِلٌ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِخِلَافِ هَذَا فِي شَيْءٍ مَا فَيُوقَفُ عِنْدَهُ وَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ. فَإِذَا شَرِبَ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا فِي إنَاءٍ أَوْ أَكَلَ أَوْ أَدْخَلَ فِيهِ عُضْوًا مِنْهُ أَوْ وَقَعَ فِيهِ فَسُؤْرُهُ حَلَالٌ طَاهِرٌ وَلَا يَتَنَجَّسُ بِشَيْءٍ مِمَّا مَاسَّهُ مِنْ الْحَرَامِ أَوْ النَّجَسِ، إلَّا أَنْ يَظْهَرَ بَعْضُ الْحَرَامِ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَبَعْضُ الْحَرَامِ حَرَامٌ كَمَا قَدَّمْنَا. حَاشَا الْكَلْبَ وَالْهِرَّ، فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ شَرِبَ فِي الْإِنَاءِ شَيْءٌ مِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَالْوُضُوءُ بِذَلِكَ الْمَاءِ جَائِزٌ: الْفَرَسُ وَالْبَقَرُ وَالضَّأْنُ وَغَيْرُ ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ أَسْآرُ جَمِيعِ الطَّيْرِ، وَمَا أُكِلَ لَحْمُهُ وَمَا لَمْ يُؤْكَلْ لَحْمُهُ مِنْهَا، وَالدَّجَاجِ الْمُخَلَّى وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ بِذَلِكَ الْمَاءِ جَائِزٌ وَأَكْرَهُهُ، وَأَكْلُ أَسْآرِهَا حَلَالٌ، قَالَ فَإِنْ شَرِبَ فِي الْإِنَاءِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ هِرٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَهُوَ نَجِسٌ: وَلَا يُجْزِئُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ بِهِ أَعَادَ أَبَدًا. وَكَذَلِكَ إنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ لُعَابِهَا فِي مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ: وَهَذَا وَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطَّيْرِ سَوَاءٌ فِي الْقِيَاسِ، وَلَكِنِّي أَدَعُ الْقِيَاسَ وَأَسْتَحْسِنُ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا فَرْقٌ فَاسِدٌ. وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَهُ فَرَّقَ هَذَا الْفَرْقَ: وَلَئِنْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا فَلَقَدْ أَخْطَأَ فِي تَرْكِهِ الْحَقَّ، وَفِي اسْتِحْسَانِ خِلَافِ الْحَقِّ، وَلَئِنْ كَانَ الْقِيَاسُ بَاطِلًا، فَلَقَدْ أَخْطَأَ فِي اسْتِعْمَالِ الْبَاطِلِ حَيْثُ اسْتَعْمَلَهُ وَدَانَ بِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ: حُكْمُ الْمَائِعِ حُكْمُ اللَّحْمِ الْمُمَاسِّ لَهُ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذِهِ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ، وَأَيْضًا فَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ
الْحُكْمَ لَهُمَا وَاحِدٌ فِي التَّحْرِيمِ فَقَدْ كَذَبَ، لِأَنَّ لَحْمَ ابْنِ آدَمَ حَرَامٌ، وَهُمْ لَا يُحَرِّمُونَ مَا شَرِبَ فِيهِ أَوْ أَدْخَلَ فِيهِ لِسَانَهُ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ فِي النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ، فَمَنْ لَهُ بِنَجَاسَةِ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مَا دَامَ حَيًّا؟ وَلَا دَلِيلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ نَجِسًا إلَّا مَا جَاءَ النَّصُّ بِأَنَّهُ نَجِسٌ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ كُلُّ حَرَامٍ نَجِسًا لَكَانَ ابْنُ آدَمَ نَجِسًا. وَقَالَ مَالِكٌ: سُؤْرُ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَكُلِّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ كَسُؤْرِ غَيْرِهِ وَلَا فَرْقَ. قَالَ: وَأَمَّا مَا أَكَلَ الْجِيَفَ - مِنْ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ - فَإِنْ شَرِبَ مِنْ مَاءٍ لَمْ يُتَوَضَّأْ بِهِ وَكَذَلِكَ الدَّجَاجُ الَّتِي تَأْكُلُ النَّتِنَ، فَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ لَمْ يُعِدْ إلَّا فِي الْوَقْتِ، فَإِنْ شَرِبَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي لَبَنٍ، فَإِنْ تَبَيَّنَ فِي مِنْقَارِهِ قَذَرٌ لَمْ يُؤْكَلْ، وَأَمَّا مَا لَمْ يُرَ فِي مِنْقَارِهِ فَلَا بَأْسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُهُ: يَتَوَضَّأُ بِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَيَتَيَمَّمُ، إذَا عَلِمَ أَنَّهَا تَأْكُلُ النَّتِنَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِلُعَابِ الْكَلْبِ. قَالَ عَلِيٌّ: إيجَابُهُ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ خَطَأٌ عَلَى أَصْلِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَدَّى الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ كَمَا أُمِرَ، أَوْ لَمْ يُؤَدِّهِمَا كَمَا أُمِرَ، فَإِنْ كَانَ أَدَّى الصَّلَاةَ وَالطَّهَارَةَ كَمَا أُمِرَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ ظُهْرَيْنِ لِيَوْمٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤَدِّهِمَا كَمَا أُمِرَ فَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَبَدًا، وَهِيَ تُؤَدَّى عِنْدَهُ بَعْدَ الْوَقْتِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَعَصِّبِينَ لَهُ - إذْ سُئِلَ بِهَذَا السُّؤَالِ - فَقَالَ: صَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ، فَلَمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ هَذَا ذَكَرَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيٌّ: وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ بِالْآيَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا أَقْبَحُ مِنْ الْقَوْلِ الْمُمَوَّهِ لَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَرْمِ إذْ رَمَى، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى هُوَ رَمَاهَا. فَهَذَا الْبَائِسُ الَّذِي صَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ، مَنْ صَلَّاهَا عَنْهُ؟ فَلَا بُدَّ لِلصَّلَاةِ - إنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً مِنْهُ - مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا فَاعِلٌ، كَمَا كَانَ لِلرَّمْيَةِ رَامٍ، وَهُوَ الْخَلَّاقُ عَزَّ وَجَلَّ إذْ وُجُودُ فِعْلٍ لَا فَاعِلَ لَهُ مُحَالٌ وَضَلَالٌ، وَلَيْسَ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي أُمِرَ بِهَا غَيْرَ مَوْجُودَةٍ مِنْهُ فَلْيُصَلِّهَا عَلَى أَصْلِهِمْ أَبَدًا. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا تَأْكُلُ النَّتِنَ فَمُتَنَاقِضٌ، لِأَنَّهُ إمَّا مَاءٌ وَإِمَّا لَيْسَ مَاءً، فَإِنْ كَانَ مَاءً فَإِنَّهُ لَئِنْ كَانَ يُجْزِئُ الْوُضُوءُ بِهِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ مَاءٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يُجْزِئُ إذَا
مسألة حكم المائع إذا وقعت فيه نجاسة
وَجَدَ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ إنْ كَانَ لَيْسَ مَاءً؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَوِّضُ مِنْ الْمَاءِ إلَّا التُّرَابُ، وَإِدْخَالُ التَّيَمُّمِ فِي ذَلِكَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَحِلُّ مَا دَامَ يُوجَدُ مَاءٌ يُجْزِئُ بِهِ الْوُضُوءُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: سُؤْرُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ - الْحَلَالِ أَكْلُهُ وَالْحَرَامِ أَكْلُهُ - طَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ لُعَابُهُ حَاشَا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ، وَاحْتَجَّ لِقَوْلِهِ هَذَا بَعْضُ أَحْكَامِهِ بِأَنَّهُ قَاسَ ذَلِكَ عَلَى أَسْآرِ بَنِي آدَمَ وَلُعَابِهِمْ، فَإِنَّ لُحُومَهُمْ حَرَامٌ، وَلُعَابَهُمْ وَأَسْآرَهُمْ كُلَّ ذَلِكَ طَاهِرٌ. قَالَ عَلِيٌّ: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ، لِأَنَّ قِيَاسَ سَائِرِ السِّبَاعِ عَلَى الْكَلْبِ - الَّذِي لَمْ يُحَرَّمْ إلَّا أَنَّهُ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَبِعُمُومِ تَحْرِيمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَحْمَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ فَقَطْ، فَدَخَلَ الْكَلْبُ فِي جُمْلَتِهَا بِهَذَا النَّصِّ، وَلَوْلَاهُ لَكَانَ حَلَالًا - أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى ابْنِ آدَمَ الَّذِي لَا عِلَّةَ تَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا؛ لِأَنَّ بَنِي آدَمَ مُتَعَبِّدُونَ، وَالسِّبَاعُ وَسَائِرُ الْحَيَوَانِ غَيْرُ مُتَعَبِّدَةٍ، وَإِنَاثُ بَنِي آدَمَ حَلَالٌ لِذُكُورِهِمْ بِالتَّزْوِيجِ الْمُبَاحِ وَبِمِلْكِ الْيَمِينِ الْمُبِيحِ لِلْوَطْءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَاثُ سَائِرِ الْحَيَوَانِ، وَأَلْبَانُ نِسَاءِ بَنِي آدَمَ حَلَالٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَلْبَانُ إنَاثِ السِّبَاعِ وَالْأُتُنِ، فَظَهَرَ خَطَأُ هَذَا الْقِيَاسِ بِيَقِينٍ. فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَاهَا عَلَى الْهِرِّ، قِيلَ لَهُمْ: وَمَا الَّذِي أَوْجَبَ أَنْ تَقِيسُوهَا عَلَى الْهِرِّ دُونَ أَنْ تَقِيسُوهَا عَلَى الْكَلْبِ؟ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قِسْتُمْ الْخِنْزِيرَ عَلَى الْكَلْبِ وَلَمْ تَقِيسُوهُ عَلَى الْهِرِّ، كَمَا قِسْتُمْ السِّبَاعَ عَلَى الْهِرِّ، هَذَا لَوْ سُلِّمَ لَكُمْ أَمْرُ الْهِرِّ، فَكَيْفَ وَالنَّصُّ الثَّابِتُ - الَّذِي هُوَ أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدَةَ عَنْ كَبْشَةَ - وَقَدْ وَرَدَ مُبَيِّنًا لِوُجُوبِ غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْهِرِّ، فَهَذِهِ مَقَايِيسُ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ كَمَا تَرَى. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى عَظِيمِ نِعَمِهِ. [مَسْأَلَة حُكْم الْمَائِع إذَا وقعت فِيهِ نَجَاسَة] 136 - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ شَيْءٍ مَائِعٍ - مِنْ مَاءٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ سَمْنٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ مَاءِ وَرْدٍ أَوْ عَسَلٍ أَوْ مَرَقٍ أَوْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَيَّ شَيْءٍ كَانَ، إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ أَوْ شَيْءٌ حَرَامٌ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ أَوْ مَيْتَةٌ، فَإِنْ غَيَّرَ ذَلِكَ لَوْنَ مَا وَقَعَ فِيهِ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ فَقَدْ فَسَدَ كُلُّهُ وَحُرِّمَ أَكْلُهُ، وَلَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهُ وَلَا بَيْعُهُ، فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ لَوْنِ مَا وَقَعَ فِيهِ وَلَا مِنْ طَعْمِهِ وَلَا مِنْ رِيحِهِ، فَذَلِكَ الْمَائِعُ حَلَالٌ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ - إنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ - وَالْوُضُوءُ حَلَالٌ بِذَلِكَ الْمَاءِ، وَالتَّطَهُّرُ بِهِ فِي الْغُسْلِ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَبَيْعُ مَا كَانَ
جَائِزًا بَيْعُهُ قَبْلَ ذَلِكَ حَلَالٌ، وَلَا مَعْنَى لِتَبَيُّنِ أَمْرِهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا وَقَعَ فِيهِ مُخَاطٌ أَوْ بُصَاقٌ إلَّا أَنَّ الْبَائِلَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ الَّذِي لَا يَجْرِي حَرَامٌ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَالِاغْتِسَالُ بِهِ لِفَرْضٍ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَحُكْمُهُ التَّيَمُّمُ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ. وَذَلِكَ الْمَاءُ طَاهِرٌ حَلَالٌ شُرْبُهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، إنْ لَمْ يُغَيِّرْ الْبَوْلُ شَيْئًا مِنْ أَوْصَافِهِ. وَحَلَالٌ الْوُضُوءُ بِهِ وَالْغُسْلُ بِهِ لِغَيْرِهِ. فَلَوْ أَحْدَثَ فِي الْمَاءِ أَوْ بَالَ خَارِجًا مِنْهُ ثُمَّ جَرَى الْبَوْلُ فِيهِ فَهُوَ طَاهِرٌ، يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهُ وَالْغُسْلُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، إلَّا أَنْ يُغَيِّرَ ذَلِكَ الْبَوْلُ أَوْ الْحَدَثُ شَيْئًا مِنْ أَوْصَافِ الْمَاءِ، فَلَا يُجْزِئُ حِينَئِذٍ اسْتِعْمَالُهُ أَصْلًا لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ. وَحَاشَا مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ فَإِنَّهُ يُهْرَقُ وَلَا بُدَّ كَمَا قَدَّمْنَا فِي بَابِهِ، وَحَاشَا السَّمْنَ يَقَعُ فِيهِ الْفَأْرُ مَيِّتًا أَوْ يَمُوتُ فِيهِ أَوْ يَخْرُجُ مِنْهُ حَيًّا ذَكَرًا كَانَ الْفَأْرُ أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا - فَإِنَّهُ إنْ كَانَ ذَائِبًا حِينَ مَوْتِ الْفَأْرِ فِيهِ، أَوْ حِينَ وُقُوعِهِ فِيهِ مَيِّتًا أَوْ خَرَجَ مِنْهُ حَيًّا أُهْرِقَ كُلُّهُ - وَلَوْ أَنَّهُ أَلْفُ أَلْفِ قِنْطَارٍ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ - وَلَمْ يَحِلَّ الِانْتِفَاعُ بِهِ جَمَدَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَجْمُدْ وَإِنْ كَانَ حِينَ مَوْتِ الْفَأْرِ فِيهِ أَوْ وُقُوعِهِ فِيهِ مَيِّتًا جَامِدًا وَاتَّصَلَ جُمُودُهُ، فَإِنَّ الْفَأْرَ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَمَا حَوْلَهُ وَيُرْمَى، وَالْبَاقِي حَلَالٌ أَكْلُهُ وَبَيْعُهُ وَالِادِّهَانُ بِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَحَاشَا الْمَاءَ فَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُ فِي الْبُيُوعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى وَحَكَمَ فِيهِ بِأَنَّهُ طَاهِرٌ فَهُوَ كَذَلِكَ أَبَدًا مَا لَمْ يَأْتِ نَصٌّ آخَرُ بِتَحْرِيمِهِ أَوْ نَجَاسَتِهِ. وَكُلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ نَجَّسَهُ فَهُوَ كَذَلِكَ أَبَدًا مَا لَمْ يَأْتِ نَصٌّ آخَرُ بِإِبَاحَتِهِ أَوْ تَطْهِيرِهِ، وَمَا عَدَا هَذَا فَهُوَ تَعَدٍّ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} [النحل: 116] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] وَصَحَّ بِهَذَا يَقِينًا أَنَّ الطَّاهِرَ لَا يَنْجَسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجِسِ، وَأَنَّ النَّجِسَ لَا يَطْهُرُ بِمُلَاقَاةِ الطَّاهِرِ. وَأَنَّ الْحَلَالَ لَا يُحَرَّمُ بِمُلَاقَاةِ الْحَرَامِ وَالْحَرَامَ لَا يَحِلُّ بِمُلَاقَاةِ الْحَلَالِ بَلْ الْحَلَالُ حَلَالٌ كَمَا كَانَ وَالْحَرَامُ حَرَامٌ كَمَا كَانَ، وَالطَّاهِرُ طَاهِرٌ كَمَا كَانَ وَالنَّجِسُ نَجِسٌ كَمَا كَانَ، إلَّا أَنْ يَرِدَ نَصٌّ بِإِحَالَةِ حُكْمٍ مِنْ ذَلِكَ فَسَمْعًا وَطَاعَةً. وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ تَنَجَّسَ الْمَاءُ بِمَا يُلَاقِيهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ مَا طَهُرَ شَيْءٌ أَبَدًا، لِأَنَّهُ كَانَ إذَا صُبَّ عَلَى النَّجَاسَةِ لِغَسْلِهَا يَنْجَسُ عَلَى قَوْلِهِمْ وَلَا بُدَّ، وَإِذَا تَنَجَّسَ وَجَبَ تَطْهِيرُهُ، وَهَكَذَا
أَبَدًا، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَتَنَجَّسَ الْبَحْرُ وَالْأَنْهَارُ الْجَارِيَةُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا تَنَجَّسَ الْمَاءُ الَّذِي خَالَطَتْهُ النَّجَاسَةُ وَجَبَ أَنْ يَتَنَجَّسَ الْمَاءُ الَّذِي يُمَاسُّهُ أَيْضًا، ثُمَّ يَجِبُ أَنْ يَتَنَجَّسَ مَا مَسَّهُ أَيْضًا كَذَلِكَ أَبَدًا، وَهَذَا لَا مَخْلَصَ مِنْهُ. فَإِنْ قَالُوا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: لَا يَتَنَجَّسُ. تَرَكُوا قَوْلَهُمْ وَرَجَعُوا إلَى الْحَقِّ وَتَنَاقَضُوا، وَفِي إجْمَاعِهِمْ مَعَنَا عَلَى بُطْلَانِ ذَلِكَ وَعَلَى تَطْهِيرِ الْمَخْرَجِ وَالدَّمِ فِي الْفَمِ وَالثَّوْبِ وَالْجِسْمِ إقْرَارٌ بِأَنَّهُ لَا نَجَاسَةَ إلَّا مَا ظَهَرَتْ فِيهِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، وَلَا يُحَرَّمُ إلَّا مَا ظَهَرَ فِيهِ عَيْنُ الْمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهِ فَقَطْ، وَسَائِرُ قَوْلِهِمْ فَاسِدٌ. فَإِنْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْمَاءِ الْوَارِدِ وَبَيْنَ الَّذِي تَرِدُهُ النَّجَاسَةُ. زَادُوا فِي التَّخْلِيطِ بِلَا دَلِيلٍ. وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ لَوْنُ الْحَلَالِ الطَّاهِرِ - بِمَا مَازَجَهُ مِنْ نَجِسٍ أَوْ حَرَامٍ - أَوْ تَغَيَّرَ طَعْمُهُ بِذَلِكَ، أَوْ تَغَيَّرَ - رِيحُهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّنَا حِينَئِذٍ لَا نَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْحَلَالِ إلَّا بِاسْتِعْمَالِ الْحَرَامِ، وَاسْتِعْمَالُ الْحَرَامِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَفِي الصَّلَاةِ حَرَامٌ كَمَا قُلْنَا، وَلِذَلِكَ وَجَبَ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ، لَا لِأَنَّ الْحَلَالَ الطَّاهِرَ حُرِّمَ وَلَا تَنَجَّسَتْ عَيْنُهُ، وَلَوْ قَدَرْنَا عَلَى تَخْلِيصِ الْحَلَالِ الطَّاهِرِ مِنْ الْحَرَامِ وَالنَّجَسِ، لَكَانَ حَلَالًا بِحَسَبِهِ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ أَوْ الْحَرَامُ عَلَى جِرْمٍ طَاهِرٍ فَأَزَلْنَاهَا، فَإِنَّ النَّجِسَ لَمْ يَطْهُرْ وَالْحَرَامُ لَمْ يَحِلَّ، لَكِنَّهُ زَايَلَ الْحَلَالَ الطَّاهِرَ، فَقَدَرْنَا عَلَى أَنْ نَسْتَعْمِلَهُ حِينَئِذٍ حَلَالًا طَاهِرًا كَمَا كَانَ. وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَحَالَتْ صِفَاتُ عَيْنِ النَّجِسِ أَوْ الْحَرَامِ، فَبَطَلَ عَنْهُ الِاسْمُ الَّذِي بِهِ وَرَدَ ذَلِكَ الْحُكْمُ فِيهِ، وَانْتَقَلَ إلَى اسْمٍ آخَرَ وَارِدٍ عَلَى حَلَالٍ طَاهِرٍ، فَلَيْسَ هُوَ ذَلِكَ النَّجِسَ وَلَا الْحَرَامَ، بَلْ قَدْ صَارَ شَيْئًا آخَرَ ذَا حُكْمٍ آخَرَ. وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَحَالَتْ صِفَاتُ عَيْنِ الْحَلَالِ الطَّاهِرِ، فَبَطَلَ عَنْهُ الِاسْمُ الَّذِي بِهِ وَرَدَ ذَلِكَ الْحُكْمُ فِيهِ، وَانْتَقَلَ إلَى اسْمٍ آخَرَ وَارِدٍ عَلَى حَرَامٍ أَوْ نَجِسٍ، فَلَيْسَ هُوَ ذَلِكَ الْحَلَالَ الطَّاهِرَ، بَلْ قَدْ صَارَ شَيْئًا آخَرَ ذَا حُكْمٍ آخَرَ كَالْعَصِيرِ يَصِيرُ خَمْرًا، أَوْ الْخَمْرِ يَصِيرُ خَلًّا، أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ تَأْكُلُهُ دَجَاجَةٌ يَسْتَحِيلُ فِيهَا لَحْمَ دَجَاجٍ حَلَالًا وَكَالْمَاءِ يَصِيرُ بَوْلًا، وَالطَّعَامِ يَصِيرُ عَذِرَةً، وَالْعَذِرَةُ وَالْبَوْلُ تُدْهَنُ بِهِمَا الْأَرْضُ فَيَعُودَانِ ثَمَرَةً حَلَالًا، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ، وَكَنُقْطَةِ مَاءٍ تَقَعُ فِي خَمْرٍ أَوْ نُقْطَةِ خَمْرٍ تَقَعُ فِي مَاءٍ، فَلَا يَظْهَرُ لِشَيْءٍ
مِنْ ذَلِكَ أَثَرٌ، وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ، وَالْأَحْكَامُ لِلْأَسْمَاءِ وَالْأَسْمَاءُ تَابِعَةٌ لِلصِّفَاتِ الَّتِي هِيَ حَدُّ مَا هِيَ فِيهِ الْمُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْوَاعِهِ. وَأَمَّا إبَاحَةُ بَيْعِهِ وَالِاسْتِصْبَاحِ بِهِ، فَإِنَّمَا بَيْعُ الْجِرْمِ الْحَلَالِ لَا مَا مَازَجَهُ مِنْ الْحَرَامِ، وَبَيْعُ الْحَلَالِ حَلَالٌ كَمَا كَانَ قَبْلُ. وَمَنْ ادَّعَى خِلَافَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ. وَمِمَّنْ أَجَازَ بَيْعَ الْمَائِعَاتِ تَقَعُ فِيهَا النَّجَاسَةُ وَالِانْتِفَاعَ بِهَا: عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَعَطَاءٌ وَاللَّيْثُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمْ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ يُحَرِّمُ ذَلِكَ وَلَا يَسْتَجِيزُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلَوْ أُعْطِيَهُ بِلَا ثَمَنٍ، فَكِتْمَانُهُ ذَلِكَ غِشٌّ، وَالْغِشُّ حَرَامٌ، وَالدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنَا نَعَمْ، كَمَا أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَسْتَسْهِلُ أَنْ يَأْخُذَ مَائِعًا وَقَعَتْ فِيهِ مَخْطَةُ مَجْذُومٍ، أَوْ أَدْخَلَ فِيهِ يَدَهُ، وَلَوْ أُعْطِيَهُ بِلَا ثَمَنٍ، وَهَذَا عِنْدَ الْجَامِدِينَ مِنْ خُصُومِنَا لَا مَعْنَى لَهُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا غِشًّا، إنَّمَا الْغِشُّ مَا كَانَ فِي الدِّينِ، وَالنَّصِيحَةُ كَذَلِكَ، لَا فِي الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ الْمُخَالِفَةِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. عَلَى أَنَّ فِي الْقَائِلِينَ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْبُصَاقَ نَجِسٌ مِمَّنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَرْضِ مَمْلُوءَةً مِنْ مِثْلِ مَنْ قَلَّدَهُ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ، كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ نَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ سَلْمَانَ هُوَ الْفَارِسِيُّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إذَا بَصَقْتَ عَلَى جِلْدِك وَأَنْتَ مُتَوَضِّئٌ فَإِنَّ الْبُصَاقَ لَيْسَ بِطَاهِرٍ فَلَا تُصَلِّ حَتَّى تَغْسِلَهُ ". قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَرَّانِيُّ عَنْ التَّيْمِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: الْبُصَاقُ بِمَنْزِلَةِ الْعَذِرَةِ، وَلَكِنْ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَأَمَّا حُكْمُ الْبَائِلِ فَلِمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنِي أَبِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ ثنا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ مُحَمَّدٍ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» . حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثنا أَبِي ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» . حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثنا أَبِي ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ» . فَلَوْ أَرَادَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ غَيْرَ الْبَائِلِ لَمَا سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ عَجْزًا وَلَا نِسْيَانًا وَلَا تَعْنِيتًا لَنَا بِأَنْ يُكَلِّفَنَا عِلْمَ مَا لَمْ يُبْدِهِ لَنَا مِنْ الْغَيْبِ، فَأَمَّا أَمْرُ الْكَلْبِ فَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ. وَأَمَّا السَّمْنُ فَإِنَّ حُمَامَ بْنَ أَحْمَدَ قَالَ: ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ قَالَ: إذَا كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَقَدْ كَانَ مَعْمَرٌ يَذْكُرُهُ أَيْضًا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَ: وَكَذَلِكَ حَدَّثَنَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ. قَالَ عَلِيٌّ: الْفَأْرَةُ وَالْحَيَّةُ وَالدَّجَاجَةُ وَالْحَمَامَةُ وَالْعِرْسُ أَسْمَاءٌ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وُقُوعَهُ عَلَى الْأُنْثَى، وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا» . بُرْهَانٌ بِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا مَيِّتَةً، إذْ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنْ الْحَيَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ زِيَادٍ رَوَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا الْخَبَرَ فَقَالَ: «وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا أَوْ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ أَوْ قَالَ: انْتَفِعُوا بِهِ» قُلْنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: عَبْدُ الْوَاحِدِ قَدْ شَكَّ فِي لَفْظَةِ الْحَدِيثِ فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَضْبِطْهُ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ أَحْفَظُ لِحَدِيثِ مَعْمَرٍ. وَأَيْضًا فَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ. وَمَنْ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ أَحَقُّ بِالضَّبْطِ مِمَّنْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الَّذِي نَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي هَذَا فَهُوَ أَنَّ كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ حَقٌّ، فَأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ الْوَاحِدِ فَمُوَافِقَةٌ لِمَا كُنَّا نَكُونُ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِالسَّمْنِ وَغَيْرِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] . وَأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَشَرْعٌ وَارِدٌ وَحُكْمٌ زَائِدٌ نَاسِخٌ لِلْإِبَاحَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ، وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ أَعَادَ حُكْمَ الْمَنْسُوخِ وَأَبْطَلَ حُكْمَ النَّاسِخِ لَبَيَّنَ ذَلِكَ بَيَانًا يَرْفَعُ بِهِ الْإِشْكَالَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] فَبَطَلَ حُكْمُ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ثنا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ مَيْسَرَةَ النَّهْدِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْفَأْرَةِ إذَا وَقَعَتْ فِي السَّمْنِ فَمَاتَتْ فِيهِ - قَالَ: إنْ كَانَ جَامِدًا فَاطْرَحْهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلْ بَقِيَّتَهُ، وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا فَأَهْرِقْهُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَالْمَأْخُوذُ مِمَّا حَوْلَهَا هُوَ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ وَأَرَقُّهُ غِلَظًا، لِأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَا حَوْلَهَا، وَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَمِنْ الْمَأْمُورِ بِأَكْلِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْ تَضْيِيعِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ: «خُذُوا مِمَّا حَوْلَهَا قَدْرَ الْكَفِّ.» قِيلَ: هَذَا إنَّمَا جَاءَ مُرْسَلًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي جَابِرٍ الْبَيَاضِيِّ - وَهُوَ كَذَّابٌ - عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ فَقَطْ، وَمِنْ رِوَايَةِ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَشَرِيكٌ ضَعِيفٌ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ وَلَوْ رَوَاهُ الثِّقَاتُ، فَكَيْفَ مِنْ رِوَايَةِ الضُّعَفَاءِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ لِغَيْرِ الْفَأْرِ فِي غَيْرِ السَّمْنِ، وَلَا لِلْفَأْرِ فِي غَيْرِ السَّمْنِ وَلَا لِغَيْرِ الْفَأْرَةِ فِي السَّمْنِ بِحُكْمِ الْفَأْرِ فِي السَّمْنِ، لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي غَيْرِ الْفَأْرِ فِي السَّمْنِ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُرِيدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُكْمًا فِي غَيْرِ الْفَأْرِ فِي غَيْرِ السَّمْنِ ثُمَّ يَسْكُتَ عَنْهُ وَلَا يُخْبِرَنَا بِهِ، وَيَكِلَنَا إلَى عِلْمِ الْغَيْبِ وَالْقَوْلِ بِمَا لَا نَعْلَمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا يَعْجَزُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَطُّ عَنْ أَنْ يَقُولَ لَوْ أَرَادَ: إذَا وَقَعَ النَّجِسُ أَوْ الْحَرَامُ فِي الْمَائِعِ فَافْعَلُوا كَذَا، حَاشَا لِلَّهِ مِنْ أَنْ يَدَعَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَيَانَ مَا أَمَرَهُ رَبُّهُ تَعَالَى بِتَبْلِيغِهِ. هَذَا هُوَ الْبَاطِلُ الْمَقْطُوعُ عَلَى بُطْلَانِهِ بِلَا شَكٍّ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي وَدَكٍ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: اطْرَحُوهَا وَمَا حَوْلَهَا إنْ كَانَ جَامِدًا، قِيلَ: وَإِنْ كَانَ مَائِعًا؟ قَالَ: فَانْتَفِعُوا بِهِ وَلَا تَأْكُلُوهُ» . قُلْنَا: هَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ إلَّا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ، وَهُوَ لَا شَيْءَ، ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْفَأْرُ فِي الْوَدَكِ فَقَطْ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْوَدَكَ فِي اللُّغَةِ لِلسَّمْنِ وَالْمَرَقِ خَاصَّةً وَالدَّسَمَ لِلشَّحْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ وَقَعَتْ خَمْرٌ أَوْ مَيْتَةٌ أَوْ بَوْلٌ أَوْ عَذِرَةٌ أَوْ نَجَاسَةٌ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ نُجِّسَ كُلُّهُ قَلَّتْ النَّجَاسَةُ أَوْ كَثُرَتْ، وَوَجَبَ هَرْقُهُ كُلِّهِ وَلَمْ تَجُزْ صَلَاةُ مَنْ تَوَضَّأَ مِنْهُ أَوْ اغْتَسَلَ مِنْهُ، وَلَمْ يَحِلَّ شُرْبُهُ كَثُرَ ذَلِكَ الْمَاءُ أَوْ قَلَّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ إذَا حَرَّكَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ لَمْ يَتَحَرَّكْ الْآخَرُ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ حِينَئِذٍ، وَجَائِزٌ التَّطَهُّرُ بِهِ وَشُرْبُهُ، فَإِنْ وَقَعَتْ كَذَلِكَ فِي مَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ حُرِّمَ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَجَازَ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ وَبَيْعُهُ، فَإِنْ وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ أَوْ الْحَرَامُ فِي بِئْرٍ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عُصْفُورًا فَمَاتَ، أَوْ فَأْرَةً فَمَاتَتْ، فَأُخْرِجَا، فَإِنَّ الْبِئْرَ قَدْ تَنَجَّسَتْ، وَطَهُورُهَا أَنْ يُسْتَقَى مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا وَالْبَاقِي طَاهِرٌ. فَإِنْ كَانَتْ دَجَاجَةً أَوْ سِنَّوْرًا فَأُخْرِجَا حِينَ مَاتَا فَطَهُورُهَا أَرْبَعُونَ دَلْوًا وَالْبَاقِي طَاهِرٌ، فَإِنْ كَانَتْ شَاةً فَأُخْرِجَتْ حِينَ مَاتَتْ أَوْ بَعْدَمَا انْتَفَخَتْ أَوْ تَفَسَّخَتْ، أَوْ لَمْ تُخْرَجْ الْفَأْرَةُ وَلَا الْعُصْفُورُ وَلَا
الدَّجَاجَةُ أَوْ السِّنَّوْرُ إلَّا بَعْدَ الِانْتِفَاخِ أَوْ الِانْفِسَاخِ، فَطَهُورُ الْبِئْرِ أَنْ تُنْزَحَ، وَحَدُّ النَّزْحِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنْ يَغْلِبَهُ الْمَاءُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِائَتَا دَلْوٍ، فَلَوْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ سِنَّوْرٌ أَوْ فَأْرٌ أَوْ حَنَشٌ فَأُخْرِجَ ذَلِكَ وَهِيَ أَحْيَاءٌ، فَالْمَاءُ طَاهِرٌ يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُنْزَحَ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا، فَلَوْ وَقَعَ فِيهَا كَلْبٌ أَوْ حِمَارٌ فَأُخْرِجَا حَيَّيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ نَزْحِ الْبِئْرِ حَتَّى يَغْلِبَهُمْ الْمَاءُ، فَلَوْ بَالَتْ شَاةٌ فِي الْبِئْرِ وَجَبَ نَزْحُهَا حَتَّى يَغْلِبَهُمْ، قَلَّ الْبَوْلُ أَوْ كَثُرَ. وَكَذَلِكَ لَوْ بَالَ فِيهَا بَعِيرٌ عِنْدَهُمْ، فَلَوْ وَقَعَ فِيهَا بَعْرَتَانِ مِنْ بَعْرِ الْإِبِلِ أَوْ بَعْرِ الْغَنَمِ لَمْ يَضُرَّهَا ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ خُرْءُ حَمَامٍ أَوْ خُرْءُ عُصْفُورٍ لَمْ يَضُرَّهُ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرٍ ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْهَا مَيْتَةً: فَأْرَةً أَوْ دَجَاجَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَنْفَسِخْ أَعَادَ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ انْفَسَخَتْ أَعَادَ صَلَاةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا، فَإِنْ كَانَ طَائِرًا رَأَوْهُ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ، فَإِنْ أُخْرِجَ وَلَمْ يَتَفَسَّخْ لَمْ يُعِيدُوا شَيْئًا وَإِنْ أُخْرِجَ مُتَفَسِّخًا أَعَادُوا صَلَاةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا. فَإِنْ رُمِيَ شَيْءٌ مِنْ خَمْرٍ أَوْ دَمٍ فِي بِئْرٍ نُزِحَتْ كُلُّهَا، فَلَوْ رُمِيَ فِي بِئْرٍ عَظْمُ مَيْتَةٍ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ لَحْمٌ أَوْ دَمٌ تَنَجَّسَتْ الْبِئْرُ كُلُّهَا وَوَجَبَ نَزْحُهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمٌ أَوْ لَحْمٌ لَمْ تَتَنَجَّسْ الْبِئْرُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَظْمُ خِنْزِيرٍ أَوْ شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ خِنْزِيرٍ، فَإِنَّ الْبِئْرَ كُلَّهَا تَتَنَجَّسُ وَيَجِبُ نَزْحُهَا، كَانَ عَلَيْهِمَا لَحْمٌ أَوْ دَسَمٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَوْ مَاتَتْ فَأْرَةٌ فِي مَاءٍ فِي طَسْتٍ وَصُبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ فِي بِئْرٍ فَإِنَّهُ يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا فَقَطْ، فَلَوْ تَوَضَّأَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ طَاهِرٌ فِي طَسْتٍ طَاهِرٍ بِمَاءٍ طَاهِرٍ وَصَبَّ ذَلِكَ الْمَاءَ فِي الْبِئْرِ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: قَدْ تَنَجَّسَتْ الْبِئْرُ وَتُنْزَحُ كُلُّهَا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا كَمَا يُنْزَحُ مِنْ الْفَأْرَةِ الْمَيِّتَةِ، فَلَوْ وَقَعَتْ فَأْرَةٌ فِي خَابِيَةِ مَاءٍ فَمَاتَتْ، فَصُبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ فِي بِئْرٍ، فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: يُنْزَحُ مِنْهَا مِثْلُ الْمَاءِ الَّذِي رُمِيَ فِيهَا فَقَطْ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يُنْزَحُ الْأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ أَوْ مِنْ عِشْرِينَ دَلْوًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَوْ مَاتَتْ فَأْرَةٌ فِي خَابِيَةٍ فَرُمِيَتْ الْفَأْرَةُ فِي بِئْرٍ وَرُمِيَ الْمَاءُ فِي بِئْرٍ أُخْرَى، فَإِنَّ الْفَأْرَةَ تُخْرَجُ وَيُخْرَجُ مَعَهَا عِشْرُونَ دَلْوًا فَقَطْ وَيُخْرَجُ مِنْ الْمَاءِ مِنْ الْبِئْرِ الْأُخْرَى مِثْلُ الْمَاءِ الَّذِي رُمِيَ فِيهَا وَعِشْرُونَ دَلْوًا زِيَادَةً فَقَطْ، فَلَوْ أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي بِئْرٍ فَأُخْرِجَتْ وَأُخْرِجَ مَعَهَا عِشْرُونَ دَلْوًا، ثُمَّ رُمِيَتْ الْفَأْرَةُ وَتِلْكَ الْعِشْرُونَ دَلْوًا مَعَهَا فِي بِئْرٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ يُخْرَجُ الْفَأْرَةُ وَعِشْرُونَ دَلْوًا فَقَطْ. قَالُوا: فَلَوْ مَاتَ فِي الْمَاءِ ضُفْدَعٌ أَوْ ذُبَابٌ أَوْ زُنْبُورٌ أَوْ
عَقْرَبٌ أَوْ خُنْفُسَاءُ أَوْ جَرَادٌ أَوْ نَمْلٌ أَوْ صَرَّارٌ أَوْ سَمَكٌ فَطَفَا أَوْ كُلُّ مَا لَا دَمَ لَهُ، فَإِنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ جَائِزٌ الْوُضُوءُ بِهِ وَالْغُسْلُ، وَالسَّمَكُ الطَّافِي عِنْدَهُمْ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ. وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ كُلُّ ذَلِكَ فِي مَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ فَهُوَ طَاهِرٌ حَلَالٌ أَكْلُهُ، قَالُوا: فَإِنْ مَاتَتْ فِي الْمَاءِ أَوْ فِي مَائِعٍ غَيْرِهِ حَيَّةٌ فَقَدْ تَنَجَّسَ ذَلِكَ الْمَاءُ وَذَلِكَ الْمَائِعُ، لِأَنَّ لَهَا دَمًا، فَإِنْ ذُبِحَ كَلْبٌ أَوْ حِمَارٌ أَوْ سَبُعٌ ثُمَّ رُمِيَ كُلُّ ذَلِكَ فِي رَاكِدٍ لَمْ يَتَنَجَّسْ ذَلِكَ الْمَاءُ، وَإِنَّ ذَلِكَ اللَّحْمَ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْخِنْزِيرَ وَابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُمَا وَإِنْ ذُبِحَا يُنَجِّسَانِ الْمَاءَ. قَالَ عَلِيٌّ: فَمَنْ يَقُولُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ - الَّتِي كَثِيرٌ مِمَّا يَأْتِي بِهِ الْمُبَرْسَمُ أَشْبَهُ مِنْهَا - أَلَا يَسْتَحِي مِنْ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ أَوَامِرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُوجِبَاتِ الْعُقُولِ فِي فَهْمِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَلَكِنْ مَا رَأَيْنَا سُنَّةً مُضَاعَةً، إلَّا وَمَعَهَا بِدْعَةٌ مُذَاعَةٌ. وَهَذِهِ أَقْوَالٌ لَوْ تُتُبِّعَ مَا فِيهَا مِنْ التَّخْلِيطِ لَقَامَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ سِفْرٌ ضَخْمٌ، إذْ كُلُّ فَصْلٍ مِنْهَا مُصِيبَةٌ فِي التَّحَكُّمِ وَالْفَسَادِ وَالتَّنَاقُضِ، وَإِنَّهَا أَقْوَالٌ لَمْ يَقُلْهَا قَطُّ أَحَدٌ قَبْلَهُمْ، وَلَا لَهَا حَظٌّ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ يُعْقَلُ، وَلَا مِنْ رَأْيٍ سَدِيدٍ، وَلَا مِنْ بَاطِلٍ مُطَّرِدٍ، وَلَكِنْ مِنْ بَاطِلٍ مُتَخَاذِلٍ فِي غَايَةِ السَّخَافَةِ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ مَوَّهُوا بِرِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُمَا نَزَحَا زَمْزَمَ مِنْ زِنْجِيٍّ مَاتَ فِيهَا، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالْحَسَنِ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ: وَكُلُّ مَا رُوِيَ عَنْ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ وَهَؤُلَاءِ التَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَمُخَالِفٌ لِأَقْوَالِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. أَمَّا عَلِيٌّ فَإِنَّنَا رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي بِئْرٍ فَمَاتَتْ: إنَّهُ يُنْزَحُ مَاؤُهَا، وَأَنَّهُ قَالَ فِي فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي بِئْرٍ فَقُطِّعَتْ: يُخْرَجُ مِنْهَا سَبْعُ دِلَاءٍ، فَإِنْ كَانَتْ الْفَأْرَةُ كَهَيْئَتِهَا لَمْ تَتَقَطَّعْ يُنْزَحُ مِنْهَا دَلْوٌ أَوْ دَلْوَانِ، فَإِنْ كَانَتْ مُنْتِنَةً يُنْزَحُ مِنْ الْبِئْرِ مَا يُذْهِبُ الرِّيحَ، وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ لَيْسَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ أَصْلًا. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَجِبْ بِذَلِكَ فَرْضُ نَزْحِ الْبِئْرِ مِمَّا يَقَعُ فِيهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ، فَكَيْفَ عَمَّنْ دُونَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمَا أَوْجَبَا نَزْحَهَا وَلَا أَمَرَا بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِعْلٌ مِنْهُمَا قَدْ يَفْعَلَانِهِ عَنْ طِيبِ النَّفْسِ، لَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِفِعْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ
وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي الْخَبَرِ نَفْسِهِ أَنَّهُ قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: قَدْ غَلَبَتْنَا عَيْنٌ مِنْ جِهَةِ الْحَجَرِ، فَأَعْطَاهُمْ كِسَاءَ خَزٍّ فَحَشَوْهُ فِيهَا حَتَّى نَزَحُوهَا، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، لِأَنَّ حَدَّ النَّزْحِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَغْلِبَهُمْ الْمَاءُ فَقَطْ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ مِائَتَا دَلْوٍ فَقَطْ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِخَبَرٍ - يَقْضِي بِأَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَا يَرَاهُ حُجَّةً - ثُمَّ يَكُونُ الْمُحْتَجُّ بِهِ أَوَّلَ مُخَالِفٍ لِمَا احْتَجَّ فَكَيْفَ وَلَوْ صَحَّ أَنَّهُمَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَمَرَا بِنَزْحِهَا لَمَا كَانَ لِلْحَنَفِيِّينَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ، إلَّا أَنَّ زَمْزَمَ تَغَيَّرَتْ بِمَوْتِ الزِّنْجِيِّ. وَهَذَا قَوْلُنَا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا صِحَّةُ الْخَبَرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَرْبَعٌ لَا تُنَجَّسُ، الْمَاءُ وَالثَّوْبُ وَالْإِنْسَانُ وَالْأَرْضُ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْمَاءَ طَهُورًا. وَأَمَّا التَّابِعُونَ الْمَذْكُورُونَ، فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ قَالَ: فِي الْفَأْرَةِ أَرْبَعُونَ دَلْوًا وَفِي السِّنَّوْرِ أَرْبَعُونَ دَلْوًا، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ فِي الدَّجَاجَةِ سَبْعُونَ دَلْوًا، وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ فِي السِّنَّوْرِ ثَلَاثُونَ دَلْوًا، وَفِي الدَّجَاجَةِ ثَلَاثُونَ دَلْوًا. وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ فِي الدَّجَاجَةِ أَرْبَعُونَ دَلْوًا، وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الْفَأْرَةِ أَرْبَعُونَ دَلْوًا، وَقَالَ عَطَاءٌ فِي الْفَأْرَةِ عِشْرُونَ دَلْوًا، وَفِي الشَّاةِ تَمُوتُ فِي الْبِئْرِ أَرْبَعُونَ دَلْوًا، فَإِنْ تَفَسَّخَتْ فَمِائَةُ دَلْوٍ أَوْ تُنْزَحُ، وَفِي الْكَلْبِ يَقَعُ فِي الْبِئْرِ، إنْ أُخْرِجَ مِنْهَا حَيًّا عِشْرُونَ دَلْوًا، فَإِنْ مَاتَ فَأُخْرِجَ حِينَ مَوْتِهِ فَسِتُّونَ دَلْوًا، فَإِنْ تَفَسَّخَ فَمِائَةُ دَلْوٍ أَوْ تُنْزَحُ، فَهَلْ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَوْلٌ يُوَافِقُ أَقْوَالَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ إلَّا قَوْلَ عَطَاءٍ فِي الْفَأْرَةِ دُونَ أَنْ يُقَسِّمَ تَقْسِيمَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلَ إبْرَاهِيمَ فِي السِّنَّوْرِ دُونَ أَنْ يُقَسِّمَ أَيْضًا تَقْسِيمَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَلَمْ يَحْصُلُوا إلَّا عَلَى خِلَافِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كُلِّهِمْ فَلَا تَعَلُّقَ بِشَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ أَوْ الْمَقَايِيسِ. وَمِنْ عَجِيبِ مَا أَوْرَدْنَا عَنْهُمْ قَوْلُهُمْ فِي بَعْضِ أَقْوَالِهِمْ: إنَّ مَاءَ وُضُوءِ الْمُسْلِمِ الطَّاهِرِ النَّظِيفِ أَنْجَسُ مِنْ الْفَأْرَةِ الْمَيِّتَةِ وَلَوْ أَوْرَدْنَا التَّشْنِيعَ عَلَيْهِمْ بِالْحَقِّ لَأَلْزَمْنَاهُمْ ذَلِكَ فِي وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِمَّا أَنْ يَتْرُكُوا قَوْلَهُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَخْرُجُوا عَنْ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي وُضُوءِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَقَوْلُهُمْ: إنْ حُرِّكَ طَرَفُهُ لَمْ يَتَحَرَّكْ الطَّرَفُ الْآخَرُ، فَلَيْتَ شِعْرِي هَذِهِ الْحَرَكَةُ بِمَاذَا تَكُونُ أَبِإِصْبَعِ طِفْلٍ، أَمْ بِتَبِنَةٍ، أَوْ بِعُودِ مِغْزَلٍ، أَوْ بِعَوْمِ عَائِمٍ، أَوْ بِوُقُوعِ فِيلٍ، أَوْ بِحَصَاةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ بِحَجَرِ مَنْجَنِيقٍ، أَوْ بِانْهِدَامِ جُرْفٍ؟ نَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى السَّلَامَةِ مِنْ هَذِهِ التَّخَالِيطِ، لَا سِيَّمَا فَرْقُهُمْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ
الْمَاءِ وَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ، فَإِنْ ادَّعَوْا فِيهِ إجْمَاعًا، قُلْنَا لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، هَذَا ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَقُولُ: إنَّ كُلَّ مَاءٍ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ فَقَدْ تَنَجَّسَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ غَدِيرًا إذَا حُرِّكَ وَسَطُهُ لَمْ تَتَحَرَّكْ أَطْرَافُهُ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْبِئْرِ تَقَعُ فِيهَا الدَّجَاجَةُ فَتَمُوتُ فِيهَا: إنَّهُ يُنْزَفُ إلَّا أَنْ تَغْلِبَهُمْ كَثْرَةُ الْمَاءِ، وَلَا يُؤْكَلُ طَعَامٌ عُجِنَ بِهِ، وَيُغْسَلُ مِنْ الثِّيَابِ مَا غُسِلَ بِهِ، وَيُعِيدُ كُلُّ مَنْ تَوَضَّأَ بِذَلِكَ الْمَاءِ أَوْ اغْتَسَلَ بِهِ صَلَاةً صَلَّاهَا مَا كَانَ فِي الْوَقْتِ. قَالَ فَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ الْوَزَغَةُ أَوْ الْفَأْرَةُ فَمَاتَتَا إنَّهُ يُسْتَقَى مِنْهَا حَتَّى تَطِيبَ، يَنْزِفُونَ مِنْهَا مَا اسْتَطَاعُوا، فَلَوْ وَقَعَ خَمْرٌ فِي مَاءٍ فَإِنَّ مَنْ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ فَقَطْ، فَلَوْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي مَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ، تَغَيَّرَ أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَإِنْ بُلَّ فِي الْمَاءِ خُبْزٌ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ مِنْهُ، وَأَعَادَ مَنْ تَوَضَّأَ بِهِ أَبَدًا، فَلَوْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ مِنْ النَّجَاسَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ طَاهِرٍ، أَعَادَ مَنْ تَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى أَبَدًا، فَلَوْ مَاتَ شَيْءٌ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ فِي مَاءٍ أَوْ فِي طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ، وَيُؤْكَلُ كُلُّ ذَلِكَ وَيُشْرَبُ، وَذَلِكَ نَحْوُ الزُّنْبُورِ وَالْعَقْرَبِ وَالصَّرَّارِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَالسَّرَطَانِ وَالضُّفْدَعِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُهُ: قَلِيلُ الْمَاءِ يُفْسِدُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ، وَيَتَيَمَّمُ مَنْ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى بِهِ لَمْ يُعِدْ إلَّا فِي الْوَقْتِ. قَالَ عَلِيٌّ: إنْ كَانَ فَرَّقَ بِهَذَا الْقَوْلِ بَيْنَ مَا مَاتَتْ فِيهِ الْوَزَغَةُ وَالْفَأْرَةُ وَبَيْنَ مَا مَاتَتْ فِيهِ الدَّجَاجَةُ فَهُوَ خَطَأٌ، لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَإِنْ كَانَ سَاوَى بَيْنَ كُلِّ ذَلِكَ فَقَدْ تَنَاقَضَ قَوْلُهُ، إذْ مَنَعَ مِنْ أَكْلِ الطَّعَامِ الْمَعْمُولِ بِذَلِكَ الْمَاءِ، وَإِذْ أَمَرَ بِغَسْلِ مَا مَسَّهُ مِنْ الثِّيَابِ، ثُمَّ لَمْ يَأْمُرْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ إلَّا فِي الْوَقْتِ، وَهَذَا عِنْدَهُ اخْتِيَارٌ لَا إيجَابٌ، فَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِي الْوَقْتِ تَطَوُّعًا عِنْدَهُ، فَأَيُّ مَعْنًى لِلتَّطَوُّعِ فِي إصْلَاحِ مَا فَسَدَ مِنْ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ؟ فَإِنْ قَالَ إنَّ لِذَلِكَ مَعْنًى، قِيلَ لَهُ: فَمَا الَّذِي يُفْسِدُ ذَلِكَ الْمَعْنَى إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ؟ وَمَا الْوَجْهُ الَّذِي رَغَّبْتُمُوهُ مِنْ أَجْلِهِ فِي أَنْ يَتَطَوَّعَ فِي الْوَقْتِ، وَلَمْ تُرَغِّبُوهُ فِي التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْوَقْتِ؟ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي يَأْمُرُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِي الْوَقْتِ فَرْضًا، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ ظُهْرَيْنِ لِيَوْمٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؟ وَمَا الَّذِي أَسْقَطَهَا عَنْهُ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ؟ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْفَرْضَ يُؤَدِّيهَا التَّارِكُ لَهَا فَرْضًا وَلَا بُدَّ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ.
ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْ تَفْرِيقِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ بَيْنَ مَا لَا دَمَ لَهُ يَمُوتُ فِي الْمَاءِ وَفِي. الْمَائِعَاتِ وَبَيْنَ مَا لَهُ دَمٌ يَمُوتُ فِيهَا وَهَذَا فَرْقٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ قَطُّ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا مَعْقُولٌ، وَالْعَجَبُ مِنْ تَحْدِيدِهِمْ ذَلِكَ بِمَا لَهُ دَمٌ وَبِالْعِيَانِ نَدْرِي أَنَّ الْبُرْغُوثَ لَهُ دَمٌ وَالذُّبَابَ لَهُ دَمٌ. فَإِنْ قَالُوا: أَرَدْنَا مَا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ، قِيلَ: وَهَذَا زَائِدٌ فِي الْعَجَبِ وَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا التَّقْسِيمُ بَيْنَ الدِّمَاءِ فِي الْمَيْتَاتِ؟ وَأَنْتُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا وَمَعَ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَيْتَةٍ فَهِيَ حَرَامٌ، وَبِذَلِكَ جَاءَ الْقُرْآنُ، وَالْبُرْغُوثُ الْمَيِّتُ وَالذُّبَابُ الْمَيِّتُ وَالْعَقْرَبُ الْمَيِّتُ وَالْخُنْفُسَاءُ الْمَيِّتُ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَكُمْ هَذَا التَّفْرِيقُ بَيْنَ أَصْنَافِ الْمَيْتَاتِ الْمُحَرَّمَاتِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَكْلِ الْبَاقِلَاءِ الْمَطْبُوخِ وَفِيهِ الدَّقْشُ الْمَيِّتُ، وَعَلَى أَكْلِ الْعَسَلِ وَفِيهِ النَّحْلُ الْمَيِّتُ وَعَلَى أَكْلِ الْخَلِّ وَفِيهِ الدُّودُ الْمَيِّتُ، وَعَلَى أَكْلِ الْجُبْنِ وَالتِّينِ كَذَلِكَ، وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَقْلِ الذُّبَابِ فِي الطَّعَامِ. قِيلَ لَهُمْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: إنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ صَحَّ بِذَلِكَ كَمَا ادَّعَيْتُمْ، وَكَانَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الطَّعَامِ يَمُوتُ فِيهِ الذُّبَابُ كَمَا زَعَمْتُمْ، فَإِنَّ وَجْهَ الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ تَقْتَصِرُوا عَلَى مَا صَحَّ بِهِ الْإِجْمَاعُ مِنْ ذَلِكَ وَجَاءَ بِهِ الْخَبَرُ خَاصَّةً. وَيَكُونُ مَا عَدَا ذَلِكَ بِخِلَافِهِ، إذْ أَصْلُكُمْ أَنَّ مَا لَاقَى الطَّاهِرَاتِ مِنْ الْأَنْجَاسِ فَإِنَّهُ يُنَجِّسُهَا، وَمَا خَرَجَ عَنْ أَصْلِهِ عِنْدَكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَرَوْنَ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ سَائِغًا أَوْ تَقِيسُوا عَلَى الذُّبَابِ كُلَّ طَائِرٍ، وَعَلَى الدَّقْشِ كُلَّ حَيَوَانٍ ذِي أَرْجُلٍ، وَعَلَى الدُّودِ كُلَّ مُنْسَابٍ. وَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَكُمْ أَنْ تَقِيسُوا عَلَى ذَلِكَ مَا لَا دَمَ لَهُ؟ فَأَخْطَأْتُمْ مَرَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنَّ الذُّبَابَ لَهُ دَمٌ، وَالثَّانِيَةُ اقْتِصَارُكُمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَا دَمَ لَهُ، دُونَ أَنْ تَقِيسُوا عَلَى الذُّبَابِ كُلَّ ذِي جَنَاحَيْنِ أَوْ كُلَّ ذِي رُوحٍ. فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى حَدِيثِ الْفَأْرِ فِي السَّمْنِ. قِيلَ لَهُمْ: وَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ عُمُومُ الْقِيَاسِ عَلَى ذَلِكَ الْخَبَرِ؟ فَهَلَّا قِسْتُمْ عَلَى الْفَأْرِ كُلَّ ذِي ذَنَبٍ طَوِيلٍ، أَوْ كُلَّ
حَشَرَةٍ مِنْ غَيْرِ السِّبَاعِ وَهَذَا مَا لَا انْفِصَالَ لَهُمْ مِنْهُ أَصْلًا وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِنْ حُكْمِهِمْ أَنَّ مَا كَانَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ فَهُوَ النَّجَسُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ تَحْرِيمِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَيْتَةَ وَبَيْنَ تَحْرِيمِ اللَّهِ تَعَالَى الدَّمَ؟ فَمِنْ أَيْنَ جَعَلْتُمْ النَّجَاسَةَ لِلدَّمِ دُونَ الْمَيْتَةِ؟ وَأَغْرَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَيْتَةَ لَا دَمَ لَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ بِكُلِّ وَجْهٍ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَظَاهِرُ الْخَطَأِ، لِأَنَّهُ رَأَى التَّيَمُّمَ أَوْلَى مِنْ الْمَاءِ النَّجِسِ. فَوَجَبَ أَنَّ الْمُسْتَعْمِلَ لَهُ لَيْسَ مُتَوَضِّئًا، ثُمَّ لَمْ يَرَ الْإِعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى كَذَلِكَ إلَّا فِي الْوَقْتِ، وَهُوَ عِنْدَهُ مُصَلٍّ بِغَيْرِ وُضُوءٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا كَانَ الْمَاءُ غَيْرَ جَارٍ، فَسَوَاءٌ الْبِئْرُ وَالْإِنَاءُ وَالْبُقْعَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِمِائَةِ رَطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ، بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، فَإِنَّهُ يُنَجِّسُهُ كُلُّ نَجَسٍ وَقَعَ فِيهِ وَكُلُّ مَيْتَةٍ، سَوَاءٌ مَا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ وَمَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ، كُلُّ ذَلِكَ مَيْتَةٌ نَجِسٌ يُفْسِدُ مَا وَقَعَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ خَمْسَمِائَةِ رَطْلٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ نُجِّسَ كُلُّهُ وَحُرِّمَ اسْتِعْمَالُهُ، كَثِيرًا كَانَ أَوْ قَلِيلًا. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ صَاحِبُهُ: جَمِيعُ الْمَائِعَاتِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ، إذَا كَانَ الْمَائِعُ خَمْسَمِائَةِ رَطْلٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ، إلَّا أَنْ يُغَيِّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِمِائَةِ رَطْلٍ يُنَجَّسُ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ - وَهُوَ الْوَاجِبُ وَلَا بُدَّ عَلَى أَصْلِهِ - فِي أَنَّ إنَاءً فِيهِ خَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ مِنْ مَاءٍ غَيْرَ أُوقِيَّةٍ فَوَقَعَ فِيهِ نُقْطَةُ بَوْلٍ أَوْ خَمْرٍ أَوْ نَجَاسَةٍ مَا فَإِنَّهُ كُلَّهُ نَجِسٌ حَرَامٌ وَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِذَلِكَ فِيهِ أَثَرٌ، فَلَوْ وَقَعَ فِيهِ رَطْلُ بَوْلٍ أَوْ خَمْرٍ أَوْ نَجَاسَةٍ مَا فَلَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِيهِ أَثَرٌ، فَالْمَاءُ طَاهِرٌ يُجْزِئُ الْوُضُوءُ بِهِ وَيَجُوزُ شُرْبُهُ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِمْ هَذَا بِالْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي «غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ وَهَرْقِهِ» ، «وَبِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ بِغَسْلِ يَدِهِ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» ، «وَبِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَائِلَ فِي الْمَاءِ أَلَّا يَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَلَا يَغْتَسِلَ» ، وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ وَلَمْ يَقْبَلْ الْخَبَثَ» .
قَالُوا: فَدَلَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ يَقْبَلُ النَّجَاسَةَ مَا لَمْ يَبْلُغْ حَدًّا مَا. قَالُوا فَكَانَتْ الْقُلَّتَانِ حَدًّا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِيمَا لَا يَقْبَلُ النَّجَاسَةَ مِنْهُ، وَاحْتَجَّ بِهَذَا أَيْضًا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِمْ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ الْقُلَّتَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: الْقُلَّةُ أَعْلَى الشَّيْءِ فَمَعْنَى الْقُلَّتَيْنِ هَهُنَا الْقَامَتَانِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - بِمَا رَوَى عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ: إنَّ الْقُلَّتَيْنِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ، وَإِنَّ قِلَالَ هَجَرَ الْقُلَّةُ الْوَاحِدَةُ قِرْبَتَانِ أَوْ قِرْبَتَانِ وَشَيْءٌ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقِرْبَةُ مِائَةُ رَطْلٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَحُدَّ فِي الْقُلَّتَيْنِ حَدًّا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ قَالَ مَرَّةً: الْقُلَّتَانِ أَرْبَعُ قِرَبٍ، وَمَرَّةً قَالَ: خَمْسُ قِرَبٍ، وَلَمْ يَحُدَّهَا بِأَرْطَالٍ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: الْقُلَّتَانِ سِتُّ قِرَبٍ، وَقَالَ وَكِيعٌ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ: الْقُلَّةُ الْجَرَّةُ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَيَّ جَرَّةٍ كَانَتْ فَهِيَ قُلَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ الْقُلَّةُ الْجَرَّةُ، وَلَمْ يَحُدَّ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْقُلَّةِ حَدًّا. وَأَظْرَفُ شَيْءٍ تَفْرِيقُهُمْ بَيْنَ الْمَاءِ الْجَارِي وَغَيْرِ الْجَارِي فَإِنْ احْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ إذَا خَالَطَتْهُ النَّجَاسَةُ مَضَى وَخَلْفَهُ طَاهِرٌ: فَقَدْ عَلِمُوا يَقِينًا أَنَّ الَّذِي خَالَطَتْهُ النَّجَاسَةُ إذَا انْحَدَرَ فَإِنَّمَا يَنْحَدِرُ كَمَا هُوَ، وَهُمْ يُبِيحُونَ لِمَنْ تَنَاوَلَهُ فِي انْحِدَارِهِ فَتَطَهَّرَ بِهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَيَغْتَسِلَ وَيَشْرَبَ، وَالنَّجَاسَةُ قَدْ خَالَطَتْهُ بِلَا شَكٍّ، فَوَقَعُوا فِي نَفْسِ مَا شَنَّعُوا وَأَنْكَرُوا. فَإِنْ قَالُوا: لَمْ نَحْتَجَّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَاءِ الْجَارِي وَغَيْرِ الْجَارِي إلَّا بِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا وَرَدَ عَنْ الْمَاءِ الرَّاكِدِ الَّذِي يُبَالُ فِيهِ. قُلْنَا: صَدَقْتُمْ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَبِذَلِكَ الْأَمْرِ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ نَفْسِهِ فَرَّقْنَا نَحْنُ بَيْنَ مَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ النَّهْيُ وَهُوَ الْبَائِلُ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ النَّهْيُ وَهُوَ غَيْرُ الْبَائِلِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى دَلِيلٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا أَخَذُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْخَبَرِ وَبَيْنَ مَا تَرَكُوا مِنْهُ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الْفَأْرَةِ فِي السَّمْنِ فِيمَا ادَّعَوْهُ مِنْ قَبُولِ مَا عَدَا الْمَاءَ لِلنَّجَاسَةِ
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ، مَا لَهُمْ حُجَّةٌ أَصْلًا غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ صِحَاحٌ ثَابِتَةُ لَا مَغْمَزَ فِيهَا. وَكُلُّهَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا. وَكُلُّهَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَنَا، عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَبِهِ تَعَالَى نَسْتَعِينُ. فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أَقْوَالُهُمْ مُخَالِفَةٌ لِمَا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهَا كُلِّهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ. أَمَّا حَدِيثُ وُلُوغِ الْكَلْبِ فِي الْإِنَاءِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ خَالَفُوهُ جِهَارًا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَسْلِهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، فَقَالُوا هُمْ: لَا بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ. فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِقَوْلٍ هُمْ أَوَّلُ مَنْ عَصَاهُ وَخَالَفَهُ فَتَرَكُوا مَا فِيهِ وَادَّعَوْا فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ وَأَخْطَئُوا مَرَّتَيْنِ. أَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ: لَا يُهْرَقُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَاءً - فَخَالَفَ الْحَدِيثَ أَيْضًا عَلَانِيَةً - وَهُوَ وَأَصْحَابُهُ مُوَافِقُونَ لَنَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَا يُتَعَدَّى بِهِ إلَى سِوَاهُ وَأَنَّهُ لَا يُقَاسُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِوُلُوغِ الْكَلْبِ، وَصَدَقُوا فِي ذَلِكَ إذْ مَنْ ادَّعَى خِلَافَ هَذَا فَقَدْ زَادَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ يَقُلْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَطُّ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ مَا فِي الْإِنَاءِ مِنْ الْمَاءِ خَمْسَمِائَةِ رَطْلٍ فَلَا يُهْرَقُ وَلَا يُغْسَلُ الْإِنَاءُ. وَإِنْ كَانَ فِيهِ غَيْرَ الْمَاءِ أُهْرِقَ بَالِغًا مَا بَلَغَ. هَذَا لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَصْلًا لَا بِنَصٍّ وَلَا بِدَلِيلٍ، فَقَدْ خَالَفَ هَذَا الْخَبَرَ وَزَادَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ مِنْ أَنَّهُ إنْ أَدْخَلَ فِيهِ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ أَوْ ذَنَبَهُ أُهْرِقَ وَغُسِلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَهَذِهِ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي كَلَامِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَصْلًا، وَقَالَ: إنْ وَلَغَ فِي الْإِنَاءِ خِنْزِيرٌ كَانَ فِي حُكْمِهِ حُكْمَ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ: يُغْسَلُ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ. قَالَ فَإِنْ وَلَغَ فِيهِ سَبُعٌ لَمْ يُغْسَلْ أَصْلًا وَلَا أُهْرِقَ. فَقَاسَ الْخِنْزِيرَ عَلَى الْكَلْبِ، وَلَمْ يَقِسْ السِّبَاعَ عَلَى الْكَلْبِ - وَهُوَ بَعْضُهَا - وَإِنَّمَا حُرِّمَ الْكَلْبُ بِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ. فَقَدْ ظَهَرَ خِلَافُ أَقْوَالِهِمْ لِهَذَا الْخَبَرِ وَمُوَافَقَتُنَا نَحْنُ لِمَا فِيهِ، فَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا عَلَيْهِمْ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا، وَظَهَرَ فَسَادُ قِيَاسِهِمْ وَبُطْلَانُهُ، وَأَنَّهُ دَعَاوَى لَا دَلِيلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا. وَأَمَّا الْخَبَرُ فِيمَنْ «اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ فَيَغْسِلُ يَدَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهٍ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ» ، فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ، وَقَائِلُونَ إنَّ هَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ نَوْمِهِ. وَقُلْنَا نَحْنُ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ. وَقَالُوا كُلُّهُمْ إنَّ النَّجَاسَاتِ
الَّتِي احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ فِي قَبُولِ الْمَاءِ لَهَا وَفَرَّقُوا بِهَا بَيْنَ وُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ وَبَيْنَ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ فَإِنَّهَا تُزَالُ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ. وَهَذَا خِلَافُ مَا فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ جِهَارًا، لِأَنَّ فِي أَحَدِهِمَا تَطْهِيرَ الْإِنَاءِ بِسَبْعِ غَسَلَاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ وَفِي الْآخَرِ تَطْهِيرَ الْيَدِ بِثَلَاثِ غَسَلَاتٍ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا فِي النَّجَاسَاتِ، وَلَوْ كَانَ هَذَانِ الْخَبَرَانِ دَلِيلَيْنِ عَلَى قَبُولِ الْمَاءِ لِلنَّجَاسَةِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمَا مُسْتَعْمَلًا فِي إزَالَةِ النَّجَاسَاتِ، فَبَطَلَ احْتِجَاجُهُمْ بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ جُمْلَةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُتَيَقَّنِ أَنْ يَكُونَ مَا ظُنَّتْ بِهِ النَّجَاسَةُ مِنْ الْيَدِ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِثَلَاثِ غَسَلَاتٍ، وَإِذَا تُيُقِّنَتْ النَّجَاسَةُ فِيهَا اُكْتُفِيَ فِي إزَالَتِهَا بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَهَذَا قَوْلُهُمْ الَّذِي لَا شُنْعَةَ أَشْنَعُ مِنْهُ، وَهُمْ يَدَّعُونَ إنْفَاذَ حُكْمِ الْعُقُولِ فِي قِيَاسَاتِهِمْ، وَلَا حُكْمَ أَشَدُّ مُنَافَرَةً لِلْعَقْلِ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ، وَلَوْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَقُلْنَا: هُوَ الْحَقُّ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَبَ إطْرَاحُهُ وَالرَّغْبَةُ عَنْهُ، وَأَنْ نُوقِنَ بِأَنَّهُ الْبَاطِلُ وَمِنْ الْمُحَالِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلْمُتَنَبِّهِ بِغَسْلِ الْيَدِ ثَلَاثًا خَوْفَ أَنْ تَقَعَ عَلَى نَجَاسَةٍ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتْ رِجْلُهُ فِي ذَلِكَ كَيَدِهِ وَلَكَانَ بَاطِنُ فَخْذَيْهِ وَبَاطِنُ أَلْيَتَيْهِ أَحَقَّ بِذَلِكَ مِنْ يَدِهِ. وَأَمَّا مَالِكٌ فَمُوَافِقٌ لَنَا فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى قَبُولِ الْمَاءِ لِلنَّجَاسَةِ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ أَيْضًا بِهَذَا الْخَبَرِ جُمْلَةً، وَصَحَّ أَنَّهُ حُجَّةٌ لَنَا عَلَيْهِمْ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَصَحَّ اتِّفَاقُ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ لَا يُجْعَلَانِ أَصْلًا لِسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، وَأَلَّا يُقَاسَ سَائِرُ النَّجَاسَاتِ عَلَى حُكْمِهِمَا، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهِمَا. وَأَمَّا حَدِيثُ نَهْيِ الْبَائِلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ عَنْ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ أَوْ يَغْتَسِلَ، فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ أَيْضًا. أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ الْمَاءُ بِرْكَةً إذَا حُرِّكَ طَرَفُهَا الْوَاحِدُ لَمْ يَتَحَرَّكْ طَرَفُهَا الْآخَرُ. فَإِنَّهُ لَوْ بَالَ فِيهَا مَا شَاءَ أَنْ يَبُولَ فَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهَا وَيَغْتَسِلَ، فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهَا وَلَا أَنْ يَغْتَسِلَ فَزَادَ فِي الْحَدِيثِ مَا لَيْسَ فِيهِ مِنْ تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْبَائِلِ، وَخَالَفَ الْحَدِيثَ فِيمَا فِيهِ بِإِبَاحَتِهِ - فِي بَعْضِ أَحْوَالِ كَثْرَةِ الْمَاءِ وَقِلَّتِهِ - لِلْبَائِلِ فِيهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَيَغْتَسِلَ وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَاءِ إذَا كَانَ خَمْسَمِائَةِ رَطْلٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِمِائَةِ رَطْلٍ فَخَالَفَ الْحَدِيثَ كَمَا خَالَفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَزَادَ فِيهِ كَمَا زَادَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَخَالَفَهُ
كُلَّهُ. قَالَ: إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَاءُ بِبَوْلِهِ فَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَيَغْتَسِلَ، وَقَالَ فِي بَعْضِ أَقْوَالِهِ إذَا كَانَ كَثِيرًا. فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ جُمْلَةً لِمُخَالَفَتِهِمْ لَهُ. وَأَمَّا نَحْنُ فَأَخَذْنَا بِهِ كَمَا وَرَدَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ كَثِيرًا. وَأَمَّا حَدِيثُ الْفَأْرِ فِي السَّمْنِ فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ خَالَفُوهُ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ أَبَاحُوا الِاسْتِصْبَاحَ بِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ «لَا تَقْرَبُوهُ» وَأَبَاحَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْعَهُ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْآثَارِ وَصَحَّ خِلَافُهُمْ لَهَا، وَأَنَّهَا حُجَّةٌ لَنَا عَلَيْهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى هَذِهِ الْآثَارِ إنْ كَانَتْ لَا تَدُلُّ عَلَى قَبُولِ الْمَاءِ النَّجَاسَةَ وَمَا فَائِدَتُهَا؟ قُلْنَا: مَعْنَاهَا مَا اقْتَضَاهُ لَفْظُهَا، لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَوِّلَ إنْسَانًا مِنْ النَّاسِ مَا لَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُ، فَكَيْفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي جَاءَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى مَنْ قَوَّلَهُ مَا لَمْ يَقُلْ. وَأَمَّا فَائِدَتُهَا فَهِيَ أَعْظَمُ فَائِدَةٍ، وَهِيَ دُخُولُ الْجَنَّةِ بِالطَّاعَةِ لَهَا، وَلِيَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا. أُوِّلَ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحُدَّ مِقْدَارَ الْقُلَّتَيْنِ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُمَا - حَدًّا بَيْنَ مَا يَقْبَلُ النَّجَاسَةَ وَبَيْنَ مَا لَا يَقْبَلُهَا لَمَا أَهْمَلَ أَنْ يَحُدَّهَا لَنَا بِحَدٍّ ظَاهِرٍ لَا يُحِيلُ، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُوجَبُ عَلَى الْمَرْءِ وَيُوَكَّلُ فِيهِ إلَى اخْتِيَارِهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَتْ كُلُّ قُلَّتَيْنِ - صَغُرَتَا أَوْ كَبِرَتَا - حَدًّا فِي ذَلِكَ. فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا: الْقُلَّةُ الْقَامَةُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفُوا هَذَا الْخَبَرَ - عَلَى أَنْ نُسَلِّمَ لَهُمْ تَأْوِيلَهُمْ الْفَاسِدَ - لِأَنَّ الْبِئْرَ وَإِنْ كَانَ فِيهَا قَامَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ فَإِنَّهَا عِنْدَهُمْ تُنَجَّسُ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَيْسَ حَدُّهُ فِي الْقُلَّتَيْنِ بِأَوْلَى مِنْ حَدِّ غَيْرِهِ مِمَّنْ فَسَّرَ الْقُلَّتَيْنِ بِغَيْرِ تَفْسِيرِهِ وَكُلُّ قَوْلٍ لَا بُرْهَانَ لَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ بِهَذَا الْخَبَرِ حَقًّا وَنَقُولُ: إنَّ الْمَاءَ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجَّسْ وَلَمْ يَقْبَلْ الْخَبَثَ وَالْقُلَّتَانِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ اسْمُ قُلَّتَيْنِ، صَغُرَتَا أَوْ كَبِرَتَا، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْقُلَّةَ الَّتِي تَسَعُ عَشَرَةَ أَرْطَالِ مَاءٍ تُسَمَّى عِنْدَ الْعَرَبِ قُلَّةً. وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ ذِكْرٌ لِقِلَالِ هَجَرَ أَصْلًا، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ بِهَجَرَ قِلَالًا صِغَارًا وَكِبَارًا. فَإِنْ قِيلَ إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ ذَكَرَ قِلَالَ هَجَرَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَتَى مَا ذَكَرَ قُلَّةً فَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ، وَلَيْسَ تَفْسِيرُ ابْنِ جُرَيْجٍ
لِلْقُلَّتَيْنِ بِأَوْلَى مِنْ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ الَّذِي قَالَ: هُمَا جَرَّتَانِ، وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ كَذَلِكَ: إنَّهَا أَيَّ جَرَّةٍ كَانَتْ. وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا دَلِيلٌ وَلَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يُنَجَّسُ وَيَحْمِلُ الْخَبَثَ وَمَنْ زَادَ هَذَا فِي الْخَبَرِ فَقَدْ قَوَّلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ يَقُلْ فَوَجَبَ طَلَبُ حُكْمِ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْخَبَرِ، فَنَظَرْنَا فَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ قَالَ: ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو عَلِيٍّ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ أَبِي سُكَيْنَةَ - وَهُوَ ثِقَةٌ - ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ أَبُو تَمَّامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ «قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَفِيهَا مَا يُنْجِي النَّاسُ وَالْحَائِضُ وَالْجِيَفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ - وَذَكَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا - وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ» فَعَمَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كُلَّ مَاءٍ وَلَمْ يَخُصَّ مَاءً مِنْ مَاءٍ. فَقَالُوا: فَإِنَّكُمْ تَقُولُونَ إنَّ الْمَاءَ إذَا ظَهَرَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ فَغَيَّرَتْ لَوْنَهُ وَطَعْمَهُ وَرِيحَهُ فَإِنَّهُ يُنَجَّسُ، فَقَدْ خَالَفْتُمْ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ. قُلْنَا: مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا أَنْ نَقُولَهُ، بَلْ الْمَاءُ لَا يُنَجَّسُ أَصْلًا، وَلَكِنَّهُ طَاهِرٌ بِحَسَبِهِ، لَوْ أَمْكَنَنَا تَخْلِيصُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْنَا لَاسْتَعْمَلْنَاهُ، وَلَكِنَّا لَمَّا لَمْ نَقْدِرْ عَلَى الْوُصُولِ إلَى اسْتِعْمَالِهِ كَمَا أُمِرْنَا سَقَطَ عَنَّا حُكْمُهُ، وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ كَثَوْبٍ طَاهِرٍ صُبَّ عَلَيْهِ خَمْرٌ أَوْ دَمٌ أَوْ بَوْلٌ، فَالثَّوْبُ طَاهِرٌ كَمَا كَانَ، إنْ أَمْكَنَنَا إزَالَةُ النَّجَسِ عَنْهُ صَلَّيْنَا فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنَّا الصَّلَاةُ فِيهِ إلَّا بِاسْتِعْمَالِ النَّجَسِ الْمُحَرَّمِ سَقَطَ عَنَّا حُكْمُهُ، وَلَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ لِلِبَاسِ ذَلِكَ الثَّوْبِ، لَكِنْ لِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ الَّتِي فِيهِ، وَكَذَلِكَ خُبْزٌ دُهِنَ بِوَدَكِ خِنْزِيرٍ، وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ حَاشَا مَا جَاءَ
النَّصُّ بِتَحْرِيمِهِ بِعَيْنِهِ فَتَجِبُ الطَّاعَةُ لَهُ، كَالْمَائِعِ يَلَغُ فِيهِ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ، وَكَالْمَاءِ الرَّاكِدِ لِلْبَائِلِ، وَكَالسَّمْنِ الذَّائِبِ يَقَعُ فِيهِ الْفَأْرُ الْمَيِّتُ، وَلَا مَزِيدَ. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: لَوْ اخْتَلَطَ الْمَاءُ بِالدَّمِ لَكَانَ الْمَاءُ طَهُورًا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ يَنْجَسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ لَلَزِمَ إذَا بَالَ إنْسَانٌ فِي سَاقِيَةٍ مَا أَلَّا يَحِلَّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِمَا هُوَ أَسْفَلُ مِنْ مَوْضِعِ الْبَائِلِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ الَّذِي فِيهِ الْبَوْلُ أَوْ الْعَذِرَةُ مِنْهُ يَتَوَضَّأُ بِلَا شَكٍّ، وَلَمَا تَطَهَّرَ فَمُ أَحَدٍ مِنْ دَمٍ أَوْ قَيْءٍ فِيهِ، لِأَنَّ الْمَاءَ إذَا دَخَلَ فِي الْفَمِ النَّجِسِ تَنَجَّسَ وَهَكَذَا أَبَدًا، وَالْمُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَاءِ وَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ فِي ذَلِكَ مُبْطِلٌ مُتَحَكِّمٌ قَائِلٌ بِلَا بُرْهَانٍ. وَهَذَا بَاطِلٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيٌّ: وَأَمَّا تَشْنِيعُهُمْ عَلَيْنَا بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْبَائِلِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ وَغَيْرِ الْبَائِلِ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ، وَبَيْنَ الْفَأْرِ يَقَعُ فِي السَّمْنِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ وَبَيْنَ وُقُوعِهِ فِي الزَّيْتِ أَوْ وُقُوعِ حَرَامٍ مَا فِي السَّمْنِ إذْ لَمْ يُذْكَرْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ فَتَشَنُّعٌ فَاسِدٌ عَائِدٌ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ تَدَبَّرُوا كَلَامَهُمْ لَعَلِمُوا أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْبَائِلِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ وَغَيْرِ الْبَائِلِ الَّذِي لَا نَصَّ فِيهِ، وَهَلْ فَرْقُنَا بَيْنَ الْبَائِلِ وَغَيْرِ الْبَائِلِ إلَّا كَفَرْقِهِمْ مَعَنَا بَيْنَ الْمَاءِ الرَّاكِدِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ وَغَيْرِ الرَّاكِدِ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ؟ وَإِلَّا فَلْيَقُولُوا لَنَا مَا الَّذِي أَوْجَبَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَغَيْرِ الرَّاكِدِ وَلَمْ يُوجِبْ الْفَرْقَ بَيْنَ الْبَائِلِ وَغَيْرِ الْبَائِلِ؟ إلَّا أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ لَا يَتَعَدَّى بِحُكْمِهِ إلَى مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ بِغَيْرِ نَصٍّ، وَكَفَرْقِهِمْ بَيْنَ الْغَاصِبِ لِلْمَاءِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ شُرْبُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ، وَهُوَ حَلَالٌ لِغَيْرِ الْغَاصِبِ لَهُ، وَهَلْ الْبَائِلُ وَغَيْرُ الْبَائِلِ إلَّا كَالزَّانِي وَغَيْرِ الزَّانِي وَالسَّارِقِ وَغَيْرِ السَّارِقِ وَالْمُصَلِّي وَغَيْرِ الْمُصَلِّي؟ لِكُلِّ ذِي اسْمٍ مِنْهَا حُكْمُهُ، وَهَلْ الشُّنْعَةُ وَالْخَطَأُ الظَّاهِرُ إلَّا أَنْ يَرِدَ نَصٌّ فِي الْبَائِلِ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَى غَيْرِ الْبَائِلِ وَهَلْ هَذَا إلَّا كَمَنْ حَمَلَ حُكْمَ السَّارِقِ عَلَى غَيْرِ السَّارِقِ، وَحُكْمَ الزَّانِي عَلَى غَيْرِ الزَّانِي، وَحُكْمَ الْمُصَلِّي عَلَى غَيْرِ الْمُصَلِّي، وَهَكَذَا فِي جَمِيعِ الشَّرِيعَةِ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ هَذَا. وَلَوْ أَنْصَفُوا أَنْفُسَهُمْ لَأَنْكَرَ الْمَالِكِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ تَفْرِيقَهُمْ بَيْنَ مَسِّ الذَّكَرِ بِبَاطِنِ الْكَفِّ فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَبَيْنَ مَسٍّ بِظَاهِرِ الْكَفِّ فَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلَأَنْكَرَ الْمَالِكِيُّونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ تَفْرِيقَهُمْ بَيْنَ حُكْمِ الشَّرِيفَةِ وَحُكْمِ الدَّنِيَّةِ فِي النِّكَاحِ،
وَمَا فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ فَرْجَيْهِمَا فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَالصَّدَاقِ وَالْحَدِّ، وَلَأَنْكَرَ الْمَالِكِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ تَفْرِيقَهُمْ بَيْنَ حُكْمِ التَّمْرِ وَحُكْمِ الْبُسْرِ فِي الْعَرَايَا. وَهَؤُلَاءِ الْمَالِكِيُّونَ يُفَرِّقُونَ مَعَنَا بَيْنَ مَا أَدْخَلَ فِيهِ الْكَلْبُ لِسَانَهُ وَبَيْنَ مَا أَدْخَلَ فِيهِ ذَنَبَهُ الْمَبْلُولَ مِنْ الْمَاءِ، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ بَوْلِ الْبَقَرَةِ وَبَوْلِ الْفَرَسِ، وَلَا نَصَّ فِي ذَلِكَ، بَلْ أَشْنَعُ مِنْ ذَلِكَ تَفْرِيقُهُمْ بَيْنَ خُرْءِ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ وَخُرْئِهَا إذَا كَانَتْ مَقْصُورَةً وَبَيْنَ بَوْلِ الشَّاةِ إذَا شَرِبَتْ مَاءً نَجِسًا وَبَيْنَ بَوْلِهَا إذَا شَرِبَتْ مَاءً طَاهِرًا، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْفُولِ وَبَيْنَ نَفْسِهِ، فَجَعَلُوهُ فِي الزَّكَاةِ مَعَ الْجُلُبَّانِ صِنْفًا وَاحِدًا، وَجَعَلُوهُمَا فِي الْبُيُوعِ صِنْفَيْنِ، وَكُلُّ ذِي عَقْلٍ يَدْرِي أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْبَائِلِ وَالْمُتَغَوِّطِ بِنَصٍّ جَاءَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ أَوْضَحُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفُولِ أَمْسِ وَالْفُولِ الْيَوْمَ، وَبَيْنَ الْفُولِ وَنَفْسِهِ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا دَلِيلٍ أَصْلًا. وَهَؤُلَاءِ الشَّافِعِيُّونَ فَرَّقُوا بَيْنَ الْبَوْلِ فِي مَخْرَجِهِ مِنْ الْإِحْلِيلِ، فَجَعَلُوهُ يَطْهُرُ بِالْحِجَارَةِ، وَبَيْنَ ذَلِكَ الْبَوْلِ نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ إذَا بَلَغَ أَعْلَى الْحَشَفَةَ - فَجَعَلُوهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْمَاءِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ بَوْلِ الرَّضِيعِ وَبَيْنَ غَائِطِهِ فِي الصَّبِّ وَالْغَسْلِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَنْكَرُوا عَلَيْنَا هَهُنَا بِعَيْنِهِ. وَهَؤُلَاءِ الْحَنَفِيُّونَ فَرَّقُوا بَيْنَ بَوْلِ الشَّاةِ فِي الْبِئْرِ فَيُفْسِدُهَا، وَبَيْنَ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ نَفْسِهِ مِنْ بَوْلِهَا بِعَيْنِهَا فِي الثَّوْبِ فَلَا يُفْسِدُهُ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ بَوْلِ الْبَعِيرِ فِي الْبِئْرِ فَيُفْسِدُهُ وَلَوْ أَنَّهُ نُقْطَةً، فَإِنْ وَقَعَتْ بَعْرَتَانِ مِنْ بَعْرِ ذَلِكَ الْجَمَلِ فِي مَاءِ الْبِئْرِ لَمْ يَفْسُدْ الْمَاءُ، وَهَذَا نَفْسُ مَا أَنْكَرُوهُ عَلَيْنَا، وَفَرَّقُوا بَيْنَ رَوْثِ الْفَرَسِ يَكُونُ فِي الثَّوْبِ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ فَيُفْسِدُ الصَّلَاةَ، وَبَيْنَ بَوْلِ ذَلِكَ الْفَرَسِ نَفْسِهِ يَكُونُ فِي الثَّوْبِ فَلَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رُبُعَ الثَّوْبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَشِبْرًا فِي شِبْرٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَيُفْسِدُهَا حِينَئِذٍ، وَزُفَرُ مِنْهُمْ يَقُولُ: بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ كُلُّهُ وَرَجِيعُهُ نَجَسٌ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَنْكَرُوا عَلَيْنَا. وَفَرَّقُوا بَيْنَ مَا يَمْلَأُ الْفَمَ مِنْ الْقَلْسِ وَبَيْنَ مَا لَا يَمْلَأُ الْفَمَ مِنْهُ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْبَوْلِ فِي الْجَسَدِ فَلَا يُزِيلُهُ إلَّا الْمَاءُ، وَبَيْنَ الْبَوْلِ فِي الثَّوْبِ فَيُزِيلُهُ غَيْرُ الْمَاءِ. وَلَوْ تَتَبَّعْنَا سَقَطَاتِهِمْ لَقَامَ مِنْهَا دِيوَانٌ. فَإِنْ قَالُوا: مَنْ قَالَ بِقَوْلِكُمْ هَذَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَائِلِ وَالْمُتَغَوِّطِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ
قَبْلَكُمْ؟ قُلْنَا: قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ - إذْ بَيَّنَ لَنَا حُكْمَ الْبَائِلِ وَسَكَتَ عَنْ الْمُتَغَوِّطِ وَالْمُتَنَخِّمِ وَالْمُتَمَخِّطِ، وَلَكِنْ أَخْبِرُونَا: مَنْ قَالَ مِنْ وَلَدِ آدَمَ بِفُرُوقِكُمْ هَذِهِ قَبْلَكُمْ؟ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ بَوْلِ الشَّاةِ فِي الْبِئْرِ وَبَوْلِهَا فِي الثَّوْبِ، وَبَيْنَ بَوْلِهَا فِي الْجَسَدِ وَبَوْلِهَا فِي الثَّوْبِ؟ وَبَيْنَ بَوْلِ الشَّاةِ تَشْرَبُ مَاءً نَجِسًا وَبَوْلِهَا إذَا شَرِبَتْ مَاءً طَاهِرًا؟ وَبَيْنَ الْبَوْلِ فِي رَأْسِ الْحَشَفَةِ وَبَيْنَهُ فَوْقَ ذَلِكَ؟ فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُمْ وَلَيْتَهُمْ إذْ قَالُوهُ مُبْتَدِئِينَ قَالُوهُ بِوَجْهٍ يُفْهَمُ أَوْ يُعْقَلُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ فُرُوقِهِمْ الْمَذْكُورَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ الْقَوْلَ بِمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، وَإِنْ لَمْ نَعْرِفْ قَائِلًا مُسَمًّى بِهِ وَهُمْ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وَيَفْعَلُونَهُ، فَاللَّوَائِمُ لَهُمْ لَازِمَةٌ لَا لَنَا، وَإِنَّمَا نُنْكِرُ غَايَةَ الْإِنْكَارِ الْقَوْلَ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ تَعَالَى قَطُّ وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَذَا وَاَللَّهِ هُوَ الْمُنْكَرُ حَقًّا، وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْأَرْضِ. وَكَذَلِكَ إنْ قَالُوا لَنَا: مَنْ فَرَّقَ قَبْلَكُمْ بَيْنَ السَّمْنِ يَقَعُ فِيهِ الْفَأْرُ وَبَيْنَ غَيْرِ السَّمْنِ فَجَوَابُنَا هُوَ الَّذِي ذَكَرْنَا بِعَيْنِهِ، فَكَيْفَ وَقَدْ رُوِّينَا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ رِفَاعَةَ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ثنا هُشَيْمٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبَانَ عَنْ رَاشِدٍ مَوْلَى قُرَيْشٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ: إنْ كَانَ مَائِعًا فَأَلْقِهِ كُلَّهُ، وَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقِ الْفَأْرَةَ وَمَا حَوْلَهَا وَكُلَّ مَا بَقِيَ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي عِشْرِينَ فَرْقًا مِنْ زَيْتٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: اسْتَسْرِجُوا بِهِ وَادْهُنُوا بِهِ الْأُدْمَ. وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ: الْفَأْرَةُ تَقَعُ فِي السَّمْنِ الذَّائِبِ فَتَمُوتُ فِيهِ أَوْ فِي الدُّهْنِ، فَتُؤْخَذُ قَدْ تَسَلَّخَتْ أَوْ قَدْ مَاتَتْ وَهِيَ شَدِيدَةٌ لَمْ تَتَسَلَّخْ؟ فَقَالَ سَوَاءٌ إذَا مَاتَتْ فِيهِ، فَأَمَّا الدُّهْنُ فَيُنَشُّ فَيُدْهَنُ بِهِ إنْ لَمْ تُقَذِّرْهُ، قُلْت: فَالسَّمْنُ أَيُنَشُّ فَيُؤْكَلُ؟ قَالَ لَا، لَيْسَ مَا يُؤْكَلُ، كَهَيْئَةِ شَيْءٍ فِي الرَّأْسِ يُدْهَنُ بِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالزَّيْتُ دُهْنٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ: قَالَ تَعَالَى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ} [المؤمنون: 20] وَقَدْ رَأَى مَالِكٌ غَسْلَ الزَّيْتِ تَقَعُ فِيهِ النَّجَاسَةُ، ثُمَّ يُؤْكَلُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي النُّقْطَةِ مِنْ الْخَمْرِ تَقَعُ فِي الْمَاءِ وَالطَّعَامِ: أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ يُشْرَبُ وَذَلِكَ الطَّعَامَ يُؤْكَلُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَيُقَالُ لِلْحَنَفِيِّينَ: أَنْتُمْ تُخَالِفُونَ بَيْنَ أَحْكَامِ النَّجَاسَاتِ فِي الشِّدَّةِ وَالْخِفَّةِ بِآرَائِكُمْ بِغَيْرِ نَصٍّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مِنْ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ، فَبَعْضُهَا عِنْدَكُمْ لَا يُنَجِّسُ الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ وَالْخُفَّ وَالنَّعْلَ مِنْهُ إلَّا مِقْدَارٌ أَكْبَرُ مِنْ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ وَرُبَّمَا قَلَّ، وَبَعْضُهَا لَا يُنَجِّسُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إلَّا مَا كَانَ رُبُعَ الثَّوْبِ، وَلَا نَدْرِي مَا قَوْلُكُمْ فِي الْجَسَدِ وَالنَّعْلِ وَالْخُفِّ وَالْأَرْضِ، وَبَعْضُهَا تُفَرِّقُونَ بَيْنَ حُكْمِهَا فِي نَفْسِهَا فِي الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ وَبَيْنَ حُكْمِهَا فِي نَفْسِهَا فِي الْبِئْرِ، فَتَقُولُونَ: إنَّ قَطْرَةَ خَمْرٍ أَوْ بَوْلٍ تُنَجِّسُ الْبِئْرَ وَلَا تُنَجِّسُ الثَّوْبَ وَلَا الْجَسَدَ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ، فَأَخْبِرُونَا عَنْ غَدِيرٍ إذَا حُرِّكَ طَرَفُهُ الْوَاحِدُ لَمْ يَتَحَرَّكْ الْآخَرُ وَقَعَتْ فِيهِ نُقْطَةُ بَوْلِ كَلْبٍ أَوْ نُقْطَةُ بَوْلِ شَاةٍ أَوْ حَلَمَةٌ مَيِّتَةٌ أَوْ فِيلٌ مَيِّتٌ مُتَفَسِّخٌ، هَلْ كُلُّ هَذَا سَوَاءٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ سَاوَوْا بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ نَقَضُوا أَصْلَهُمْ فِي تَغْلِيظِ بَعْضِ النَّجَاسَاتِ دُونَ بَعْضٍ، وَتَرَكُوا قَوْلَهُمْ إنَّ بَعْرَتَيْنِ مِنْ بَعْرِ الْإِبِلِ أَوْ بَعْرَتَيْنِ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ لَا تُنَجِّسُ الْبِئْرَ، وَإِنْ فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذَلِكَ سَأَلْنَاهُمْ تَفْصِيلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي السُّخْرِيَةِ وَالتَّخْلِيطِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالُوا لَنَا: مَا قَوْلُكُمْ فِي خَمْرٍ أَوْ دَمٍ أَوْ بَوْلٍ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْمَاءِ فَلَمْ يَظْهَرْ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَاءِ طَعْمٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا رِيحٌ، هَلْ صَارَ الْخَمْرُ وَالْبَوْلُ وَالدَّمُ مَاءً؟ أَمْ بَقِيَ كُلُّ ذَلِكَ بِحَسَبِهِ؟ فَإِنْ كَانَ صَارَ كُلُّ ذَلِكَ مَاءً فَكَيْفَ هَذَا؟ وَإِنْ كَانَ بَقِيَ كُلُّ ذَلِكَ بِحَسَبِهِ فَقَدْ أَبَحْتُمْ الْخَمْرَ وَالْبَوْلَ وَالدَّمَ، وَهَذَا عَظِيمٌ وَخِلَافٌ لِلْإِسْلَامِ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: جَوَابُنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: إنَّ الْعَالَمِ كُلَّهُ جَوْهَرَةٌ وَاحِدَةٌ تَخْتَلِفُ أَبْعَاضُهَا بِأَعْرَاضِهَا وَبِصِفَاتِهَا فَقَطْ. وَبِحَسَبِ اخْتِلَافِ صِفَاتِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْعَالَمَ تَخْتَلِفُ أَسْمَاءُ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ الَّتِي عَلَيْهَا تَقَعُ أَحْكَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الدِّيَانَةِ. وَعَلَيْهَا يَقَعُ التَّخَاطُبُ وَالتَّفَاهُمُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ، فَالْعِنَبُ عِنَبٌ وَلَيْسَ زَبِيبًا، وَالزَّبِيبُ لَيْسَ عِنَبًا، وَعَصِيرُ الْعِنَبِ لَيْسَ عِنَبًا وَلَا خَمْرًا، وَالْخَمْرُ لَيْسَ عَصِيرًا، وَالْخَلُّ لَيْسَ خَمْرًا، وَأَحْكَامُ كُلِّ ذَلِكَ فِي الدِّيَانَةِ تَخْتَلِفُ وَالْعَيْنُ الْحَامِلَةُ وَاحِدَةٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَهُ صِفَاتٌ، مِنْهَا يَقُومُ حَدُّهُ، فَمَا دَامَتْ تِلْكَ الصِّفَاتُ فِي تِلْكَ الْعَيْنِ فَهِيَ مَاءٌ وَلَهُ حُكْمُ الْمَاءِ. فَإِذَا زَالَتْ تِلْكَ الصِّفَاتُ عَنْ تِلْكَ الْعَيْنِ لَمْ تَكُنْ مَاءً وَلَمْ يَكُنْ لَهَا حُكْمُ الْمَاءِ وَكَذَلِكَ الدَّمُ وَالْخَمْرُ وَالْبَوْلُ وَكُلُّ مَا فِي الْعَالَمِ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ صِفَاتٌ مَا دَامَتْ فِيهِ فَهُوَ خَمْرٌ لَهُ حُكْمُ الْخَمْرِ، أَوْ دَمٌ لَهُ حُكْمُ الدَّمِ، أَوْ بَوْلٌ لَهُ حُكْمُ الْبَوْلِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِذَا زَالَتْ عَنْهُ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْعَيْنُ خَمْرًا وَلَا مَاءً وَلَا دَمًا وَلَا بَوْلًا وَلَا الشَّيْءَ الَّذِي كَانَ ذَلِكَ الِاسْمُ وَاقِعًا مِنْ أَجْلِ تِلْكَ الصِّفَاتِ عَلَيْهِ، فَإِذَا سَقَطَ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْخَمْرِ أَوْ الْبَوْلِ أَوْ الدَّمِ فِي الْمَاءِ أَوْ فِي الْخَلِّ أَوْ فِي اللَّبَنِ أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ بَطَلَتْ الصِّفَاتُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا سُمِّيَ الدَّمُ دَمًا وَالْخَمْرُ خَمْرًا وَالْبَوْلُ بَوْلًا، وَبَقِيَتْ صِفَاتُ الشَّيْءِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا بِحَسَبِهَا، فَلَيْسَ ذَلِكَ الْجِرْمُ الْوَاقِعُ يُعَدُّ خَمْرًا وَلَا دَمًا وَلَا بَوْلًا، بَلْ هُوَ مَاءٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ لَبَنٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ. فَإِنْ غَلَبَ الْوَاقِعُ مِمَّا ذَكَرْنَا وَبَقِيَتْ صِفَاتُهُ بِحَسَبِهَا وَبَطَلَتْ صِفَاتُ الْمَاءِ أَوْ اللَّبَنِ أَوْ الْخَلِّ، فَلَيْسَ هُوَ مَاءً بَعْدُ وَلَا خَلًّا وَلَا لَبَنًا، بَلْ هُوَ بَوْلٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ خَمْرٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ دَمٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَإِنْ بَقِيَتْ صِفَاتُ الْوَاقِعِ وَلَمْ تَبْطُلْ صِفَاتُ مَا وَقَعَ فَهُوَ فِيهِ مَاءٌ وَخَمْرٌ، أَوْ مَاءٌ وَبَوْلٌ، أَوْ مَاءٌ وَدَمٌ، أَوْ لَبَنٌ وَبَوْلٌ، أَوْ دَمٌ وَخَلٌّ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَلَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْنَا اسْتِعْمَالُ الْحَلَالِ مِنْ ذَلِكَ لَوْ أَمْكَنَنَا تَخْلِيصُهُ مِنْ الْحَرَامِ، لَكِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ إلَّا بِاسْتِعْمَالِ الْحَرَامِ فَعَجَزْنَا عَنْهُ فَقَطْ، وَإِلَّا فَهُوَ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ حَلَالٌ بِحَسَبِهِ كَمَا كَانَ. وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ فِي الْعَالَمِ فَالدَّمُ يَسْتَحِيلُ لَحْمًا، فَهُوَ حِينَئِذٍ لَحْمٌ وَلَيْسَ دَمًا، وَالْعَيْنُ وَاحِدَةٌ، وَاللَّحْمُ يَسْتَحِيلُ شَحْمًا فَلَيْسَ لَحْمًا بَعْدُ بَلْ هُوَ شَحْمٌ وَالْعَيْنُ وَاحِدَةٌ. وَالزِّبْلُ وَالْبِرَازُ وَالْبَوْلُ وَالْمَاءُ وَالتُّرَابُ يَسْتَحِيلُ كُلُّ ذَلِكَ فِي النَّخْلَةِ وَرَقًا وَرُطَبًا، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حِينَئِذٍ زِبْلًا وَلَا تُرَابًا وَلَا مَاءً، بَلْ هُوَ رُطَبٌ حَلَالٌ طَيِّبٌ،
وَالْعَيْنُ وَاحِدَةٌ، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ النَّبَاتِ كُلِّهِ، وَالْمَاءُ يَسْتَحِيلُ هَوَاءً مُتَصَعِّدًا وَمِلْحًا جَامِدًا، فَلَيْسَ هُوَ مَاءً بَلْ وَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَالْعَيْنُ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يَعُودُ ذَلِكَ الْهَوَاءُ وَذَلِكَ الْمِلْحُ مَاءً. فَلَيْسَ حِينَئِذٍ هَوَاءً وَلَا مِلْحًا، بَلْ هُوَ مَاءٌ حَلَالٌ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَالْغُسْلُ فَإِنْ أَنْكَرْتُمْ هَذَا وَقُلْتُمْ: إنَّهُ وَإِنْ ذَهَبَتْ صِفَاتُهُ فَهُوَ الَّذِي كَانَ نَفْسَهُ لَزِمَكُمْ وَلَا بُدَّ إبَاحَةُ الْوُضُوءِ بِالْبَوْلِ، لِأَنَّهُ مَاءٌ مُسْتَحِيلٌ، بِلَا شَكٍّ، وَبِالْعَرَقِ، لِأَنَّهُ مَاءٌ مُسْتَحِيلٌ. وَلَزِمَكُمْ تَحْرِيمُ الثِّمَارِ الْمُغَذَّاةِ بِالزِّبْلِ وَبِالْعَذِرَةِ، وَتَحْرِيمُ لُحُومِ الدَّجَاجِ، لِأَنَّهَا مُسْتَحِيلَةٌ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ. فَإِنْ قَالُوا: فَنَحْنُ نَجِدُ الدَّمَ يُلْقَى فِي الْمَاءِ أَوْ الْخَمْرِ أَوْ الْبَوْلِ فَلَا يَظْهَرُ لَهُ لَوْنٌ وَلَا رِيحٌ وَلَا طَعْمٌ فَيُوَاتَرُ طَرْحُهُ فَتَظْهَرُ صِفَاتُهُ فِيهِ. فَهَلَّا صَارَ الثَّانِي مَاءً كَمَا صَارَ الْأَوَّلُ؟ قُلْنَا لَهُمْ: هَذَا السُّؤَالُ لَسْنَا نَحْنُ الْمَسْئُولِينَ بِهِ لَكِنْ جَرَيْتُمْ فِيهِ عَلَى عَادَتِكُمْ الذَّمِيمَةِ فِي التَّعَقُّبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِاسْتِدْرَاكِ عَلَيْهِ فِي أَحْكَامِهِ تَعَالَى وَأَفْعَالِهِ، وَإِيَّاهُ تَعَالَى تَسْأَلُونَ عَنْ هَذَا لَا نَحْنُ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَحَلَّ الْأَوَّلَ وَلَمْ يُحِلَّ الثَّانِيَ كَمَا شَاءَ لَا نَحْنُ وَجَوَابُهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكُمْ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ يَأْتِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا تَطُولُ عَلَيْهِ نَدَامَةُ السَّائِلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ هَذَا السُّؤَالَ إذْ يَقُولُ تَعَالَى: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] ثُمَّ نَحْنُ نُجِيبُكُمْ قَائِمِينَ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا افْتَرَضَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا إذْ يَقُولُ: {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ} [المائدة: 8] فَنَقُولُ لَكُمْ: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ تَعَالَى مَا خَلَقَ كُلَّهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَمَا شَاءَ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ. وَنَحْنُ نَجِدُ الْمَاءَ يُصَعِّدُهُ الْهَوَاءُ بِالتَّجْفِيفِ فَيَصِيرُ الْمَاءُ هَوَاءً مُصَعَّدًا وَلَيْسَ مَاءً أَصْلًا. حَتَّى إذَا كَثُرَ الْمَاءُ الْمُسْتَحِيلُ هَوَاءً فِي الْجَوِّ عَادَ مَاءً كَمَا كَانَ وَأَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ السَّحَابِ مَاءً. وَهَذَا نَفْسُ مَا احْتَجَجْتُمْ بِهِ عَلَيْنَا مِنْ أَنَّ الدَّمَ يَخْفَى فِي الْمَاءِ وَالْفِضَّةَ تَخْفَى فِي النُّحَاسِ. فَإِذَا تُوبِعَ بِهِمَا ظَهَرَا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا السُّؤَالِ الْأَحْمَقِ وَبَيْنَ مَنْ سَأَلَ: لِمَ خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ يُتَوَضَّأُ بِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ مَاءَ الْوَرْدِ يُتَوَضَّأُ بِهِ؟ وَلِمَ جَعَلَ الصَّلَاةَ إلَى الْكَعْبَةِ وَالْحَجَّ وَلَمْ يَجْعَلْهُمَا إلَى
كَسْكَرَ أَوْ إلَى الْفَرَمَا أَوْ الطُّورِ؟ وَلِمَ جَعَلَ الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَالصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ. وَالظُّهْرَ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا؟ وَلِمَ جَعَلَ الْحِمَارَ طَوِيلَ الْأُذُنَيْنِ وَالْجَمَلَ صَغِيرَهُمَا وَالْفَأْرَ طَوِيلَ الذَّنَبَ وَالثَّعْلَبَ كَذَلِكَ وَالْمِعْزَى قَصِيرَةَ الذَّنَبِ وَالْأَرْنَبَ كَذَلِكَ؟ وَلِمَ صَارَ الْإِنْسَانُ يُحْدِثُ مِنْ أَسْفَلُ رِيحًا فَيَلْزَمُهُ غَسْلُ وَجْهِهِ وَذِرَاعَيْهِ وَمَسْحُ رَأْسِهِ وَغَسْلُ رِجْلَيْهِ، وَلَا يَغْسِلُ مَخْرَجَ تِلْكَ الرِّيحِ؟ وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ مِنْ سُؤَالِ الْعُقَلَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُشْبِهُ اعْتِرَاضَاتِ الْعُلَمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ هُوَ سُؤَالُ نَوْكَى الْمُلْحِدِينَ وَحَمْقَى الدَّهْرِيِّينَ الْمُتَحَيِّرِينَ الْجُهَّالِ. وَإِذَا أَحَلْنَاكُمْ وَسَائِرَ خُصُومِنَا عَلَى الْعِيَانِ وَمُشَاهَدَةِ الْحَوَاسِّ فِي انْتِقَالِ الْأَسْمَاءِ بِانْتِقَالِ الصِّفَاتِ الَّتِي فِيهَا تَقُومُ الْحُدُودُ، ثُمَّ أَرَيْنَاكُمْ بُطْلَانَ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا تَجِبُ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ - عِنْدَكُمْ وَعِنْدَنَا وَعِنْدَ كُلِّ مَنْ عَلَى أَدِيمِ الْأَرْضِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا - عَلَى تِلْكَ الْأَعْيَانِ إلَّا بِوُجُودِهَا، ثُمَّ أَحَلْنَاكُمْ عَلَى الْبَرَاهِينِ الضَّرُورِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ ذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ كَمَا شَاءَ، فَاعْتِرَاضُكُمْ كُلُّهُ هَوَسٌ وَبَاطِلٌ يُؤَدِّي إلَى الْإِلْحَادِ. فَقَالُوا: فَمَا تَقُولُونَ فِي فِضَّةٍ خَالَطَهَا نُحَاسٌ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ فِيهَا أَثَرٌ وَلَا غَيْرِهَا، أَتُزَكَّى بِوَزْنِهَا وَتُبَاعُ بِوَزْنِهَا فِضَّةً مَحْضَةً أَمْ لَا؟ قُلْنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: الْقَوْلُ فِي هَذَا كَالْقَوْلِ فِي الْمَاءِ سَوَاءٌ سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ، إنْ بَقِيَتْ صِفَاتُ الْفِضَّةِ بِحَسَبِهَا وَلَمْ يَظْهَرْ لِلنُّحَاسِ فِيهَا أَثَرٌ، فَإِنَّهَا تُزَكَّى بِوَزْنِهَا وَتُبَاعُ بِوَزْنِهَا مِنْ الْفِضَّةِ، لَا بِأَقَلَّ وَلَا بِأَكْثَرَ وَلَا نَسِيئَةً، وَإِنْ غَلَبَتْ صِفَاتُ النُّحَاسِ حَتَّى لَا يَبْقَى لِلْفِضَّةِ أَثَرٌ، فَهُوَ كُلُّهُ نُحَاسٌ مَحْضٌ لَا زَكَاةَ فِيهِ أَصْلًا سَوَاءٌ كَثُرَتْ تِلْكَ الْفِضَّةُ الَّتِي اسْتَحَالَتْ فِيهِ أَوْ لَمْ تَكْثُرْ، وَجَائِزٌ بَيْعُهُ بِالْفِضَّةِ نَقْدًا وَنَسِيئَةً بِأَقَلَّ مِمَّا خَالَطَهُ مِنْ الْفِضَّةِ وَبِمِثْلِ ذَلِكَ وَبِأَكْثَرَ، وَإِنْ ظَهَرَتْ صِفَاتُ النُّحَاسِ وَصِفَاتُ الْفِضَّةِ مَعًا فَهُوَ نُحَاسٌ وَفِضَّةٌ، تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا فِيهِ مِنْ الْفِضَّةِ، خَاصَّةً إنْ بَلَغَتْ خَمْسَ أَوَاقٍ وَإِلَّا فَلَا، كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ، وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ تِلْكَ الْجُمْلَةِ بِفِضَّةٍ مَحْضَةٍ
أَصْلًا لَا بِمِقْدَارِ مَا فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ وَلَا بِأَقَلَّ وَلَا بِأَكْثَرَ، لَا نَقْدًا وَلَا نَسِيئَةً، لِأَنَّنَا لَا نَقْدِرُ فِيهَا عَلَى الْمُمَاثَلَةِ بِالْوَزْنِ، وَتُبَاعُ تِلْكَ الْجُمْلَةُ بِالذَّهَبِ نَقْدًا لَا نَسِيئَةً. فَسَأَلُوا عَنْ قِدْرٍ طُبِخَتْ بِالْخَمْرِ أَوْ طُرِحَ فِيهَا بَوْلٌ أَوْ دَمٌ أَوْ عَذِرَةٌ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ هُنَالِكَ أَثَرٌ أَصْلًا، فَقُلْنَا: مَنْ طَرَحَ فِي الْقِدْرِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَمْدًا فَهُوَ فَاسِقٌ عَاصٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْحَرَامَ الْمُفْتَرَضَ اجْتِنَابُهُ، وَأَمَّا إذَا بَطَلَ كُلُّ ذَلِكَ فَمَا فِي الْقِدْرِ حَلَالٌ أَكْلُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ أَصْلًا، وَقَدْ أَبْطَلَ اللَّهُ تَعَالَى تِلْكَ الْمُحَرَّمَاتِ وَأَحَالَهَا إلَى الْحَلَالِ. ثُمَّ نَقْلِبُ عَلَيْهِمْ هَذَا السُّؤَالَ فِي دَنِّ خَلٍّ رُمِيَ فِيهِ خَمْرٌ فَلَمْ يَظْهَرْ لِلْخَمْرِ أَثَرٌ، فَقَوْلُهُمْ إنَّ ذَلِكَ الَّذِي فِي الدَّنِّ كُلَّهُ حَلَالٌ فَهَذَا تَنَاقُضٌ مِنْهُمْ وَقَوْلٌ مِنْهُمْ بِاَلَّذِي شَنَّعُوا بِهِ فَلَزِمَهُمْ التَّشْنِيعُ، لِأَنَّهُمْ عَظَّمُوهُ وَرَأَوْهُ حُجَّةً، وَلَمْ يَلْزَمْنَا، لِأَنَّنَا لَمْ نُعَظِّمْهُ وَلَا رَأَيْنَاهُ حُجَّةً. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا مُتَأَخِّرُوهُمْ فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ضَبْطِ هَذَا الْمَذْهَبِ لِفَسَادِهِ وَسَخَافَتِهِ فَرُّوا إلَى أَنْ قَالُوا: إنَّنَا لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ غَدِيرٍ كَبِيرٍ وَلَا بَحْرٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنَّ الْحُكْمَ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَالرَّأْيِ فِي الْمَاءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ مِنْهُ وَيُغْتَسَلُ مِنْهُ، فَإِنْ تَيَقَّنَّا أَوْ غَلَبَ فِي ظُنُونِنَا أَنَّ النَّجَاسَةَ خَالَطَتْهُ حُرِّمَ اسْتِعْمَالُهُ وَلَوْ أَنَّهُ مَاءُ الْبَحْرِ، وَإِنْ لَمْ نَتَيَقَّنْ وَلَا غَلَبَ فِي ظُنُونِنَا أَنْ خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ تَوَضَّأْنَا بِهِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ أَشَدُّ فَسَادًا مِنْ الَّذِي رَغِبُوا عَنْهُ لِوُجُوهٍ أَوَّلُهَا: أَنَّهُمْ مُقِرُّونَ بِأَنَّهُ حُكْمٌ بِالظَّنِّ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» . وَلَا أَسْوَأُ حَالًا مِمَّنْ يَحْكُمُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ الْحَقُّ الْمَحْضُ بِالظَّنِّ الَّذِي هُوَ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ لَا يُحَقِّقُهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: كَمَا تَظُنُّونَ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَمْ تُخَالِطْهُ فَظُنُّوا أَنَّهَا خَالَطَتْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالظَّنِّ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِكُمْ، فَمَا الَّذِي جَعَلَ إحْدَى جَنْبَتَيْ الظَّنِّ أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى؟ وَالثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَكُمْ هَذَا تَحَكُّمٌ مِنْكُمْ بِلَا دَلِيلٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ. وَالرَّابِعُ: أَنْ نَقُولَ لَهُمْ: عَرِّفُونَا مَا مَعْنَى هَذِهِ الْمُخَالَطَةِ مِنْ النَّجَاسَةِ لِلْمَاءِ؟ فَلَسْنَا نَفْهَمُهَا وَلَا أَنْتُمْ وَلَا أَحَدٌ فِي الْعَالَمِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، فَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَاءِ قَدْ جَاوَرَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ
النَّجَاسَةِ فَهَذِهِ مُجَاوَرَةٌ لَا مُخَالَطَةٌ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ النَّجَاسَةِ كَمِقْدَارِ الْمَاءِ سَوَاءٌ سَوَاءٌ وَإِلَّا فَقَدْ فُضِّلَتْ أَجْزَاءٌ مِنْ الْمَاءِ لَمْ يُجَاوِرْهَا شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ. فَإِنْ قَالُوا: فَقَدْ تَنَجَّسَ كُلُّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُجَاوِرْهُ مِنْ النَّجَاسَةِ شَيْءٌ، قُلْنَا لَهُمْ: هَذَا لَازِمٌ لَكُمْ فِي الْبَحْرِ بِنُقْطَةِ بَوْلٍ تَقَعُ فِيهِ وَلَا فَرْقَ، فَإِنْ أَبَوْا مِنْ هَذَا قُلْنَا لَهُمْ: فَعَرِّفُونَا بِالْمِقْدَارِ مِنْ النَّجَاسَةِ الَّذِي إذَا جَاوَزَ مِقْدَارًا مَحْدُودًا أَيْضًا مِنْ الْمَاءِ وَلَا بُدَّ نَجَّسَهُ، فَإِنْ أَقْدَمُوا عَلَى تَحْدِيدِ ذَلِكَ زَادُوا فِي الضَّلَالِ وَالْهَوَسِ، وَإِنْ لَمْ يُقْدِمُوا عَلَى ذَلِكَ تَرَكُوا قَوْلَهُمْ، كَالْمَيْتَةِ فَسَادًا وَمَجْهُولًا لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ فِي الدِّينِ. وَأَيْضًا فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عِنْدَكُمْ لِغَالِبِ الظَّنِّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُكُمْ أَنْ تَقُولُوا فِي قَدَحٍ فِيهِ أُوقِيَّتَانِ مِنْ مَاءٍ فَوَقَعَتْ فِيهِ مِقْدَارُ الصُّآبَةِ مِنْ بَوْلِ كَلْبٍ، إنَّهُ لَمْ يَنْجَسْ مِنْ الْمَاءِ إلَّا مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُ أَنْ تُخَالِطَهُ تِلْكَ النَّجَاسَةُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِمِقْدَارِهَا مِنْ الْمَاءِ فَقَطْ وَيَبْقَى سَائِرُ مَاءِ الْقَدَحِ طَاهِرًا حَلَالًا شُرْبُهُ وَالْوُضُوءُ بِهِ. وَهَكَذَا فِي جُبٍّ فِيهِ كَرُّ مَاءٍ وَقَعَتْ فِيهِ أُوقِيَّةُ بَوْلٍ، فَإِنَّهُ عَلَى أَصْلِكُمْ لَا يَنْجَسُ إلَّا مِقْدَارُ مَا مَازَجَتْهُ تِلْكَ الْأُوقِيَّةُ، وَبَقِيَ سَائِرُ ذَلِكَ طَاهِرًا مُطَهِّرًا حَلَالًا، نَحْنُ مُوقِنُونَ وَأَنْتُمْ أَنَّهَا لَمْ تُمَازِجْ عُشْرَ الْكَرِّ وَلَا عُشْرَ عُشْرِهِ، فَإِنْ الْتَزَمْتُمْ هَذَا فَارَقْتُمْ جَمِيعَ مَذَاهِبِكُمْ الْقَدِيمَةِ وَالْحَدِيثَةِ الَّتِي هِيَ أَفْكَارُ سُوءٍ مُفْسِدَةٌ لِلدِّمَاغِ، فَإِنْ رَجَعْتُمْ إلَى أَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ النَّجَاسَةِ يَنْجَسُ، لَزِمَكُمْ ذَلِكَ كَمَا قَدْ أَلْزَمْنَاكُمْ فِي النِّيلِ وَالْجَيْحُونِ، وَفِي كُلِّ مَاءٍ جَارٍ، لِأَنَّهُ يَتَّصِلُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَيَنْجَسُ جَمِيعُهُ لِمُلَاقَاتِهِ الَّذِي قَدْ تَنَجَّسَ وَلَا بُدَّ - نَعَمْ - وَفِي الْبَحْرِ مِنْ نُقْطَةِ بَوْلٍ تَقَعُ فِي كُلِّ ذَلِكَ، فَاخْتَارُوا مَا شِئْتُمْ فَإِنْ قَالُوا: لَسْنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ النَّهْرَ الْكَبِيرَ أَوْ الْبَحْرَ تَنَجَّسَ، وَلَا مِنْ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ بِهِ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ خَالَطَتْهُ النَّجَاسَةُ مِنْهُ. قُلْنَا لَهُمْ: هَذَا نَفْسُهُ مَوْجُودٌ فِي الْجُبِّ وَالْبِئْرِ وَفِي الْقُلَّةِ وَفِي قَدَحٍ فِيهِ عَشَرَةُ أَرْطَالِ مَاءٍ إذَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ
ذَلِكَ وَلَا فَرْقَ، وَلَا يَقِينَ فِي أَنَّ كُلَّ مَاءٍ فِيمَا ذَكَرْنَا تَنَجَّسَ، وَلَا فِي أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ مِنْ ذَلِكَ وَالشَّارِبَ تَوَضَّأَ بِنَجِسٍ أَوْ شَرِبَ نَجِسًا، ثُمَّ حَتَّى لَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرُوا لَمَا وَجَبَ أَنْ يَتَنَجَّسَ الْمَاءُ الطَّاهِرُ الْحَلَالُ أَوْ الْمَائِعُ لِذَلِكَ لِمُجَاوَرَةِ النَّجِسِ أَوْ الْحَرَامِ لَهُ، مَا لَمْ يَحْمِلْ صِفَاتِ الْحَرَامِ أَوْ النَّجِسِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ عَلِيٌّ: رَأَيْت بَعْضَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْفِقْهِ وَيَمِيلُ إلَى النَّظَرِ يَقُولُ: إنَّ كُلَّ مَاءٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِيهِ أَثَرٌ فَسَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، الْحُكْمُ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ بِذَلِكَ الْمَاءِ كُلِّهِ أَوْ شَرِبَهُ حَاشَا مِقْدَارَ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ النَّجَاسَةِ، فَوُضُوءُهُ جَائِزٌ وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَشُرْبُهُ حَلَالٌ، وَكَذَلِكَ غُسْلُهُ مِنْهُ، إذْ لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ نَجَاسَةً وَلَا أَنَّهُ شَرِبَ حَرَامًا، فَإِنْ اسْتَوْعَبَ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ فَلَا وُضُوءَ لَهُ وَلَا طُهْرَ وَهُوَ عَاصٍ فِي شُرْبِهِ؛ لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ نَجَاسَةً وَشَرِبَ حَرَامًا قَالَ: وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْبَحْرِ فَمَا دُونَهُ وَلَا فَرْقَ، قَالَ: فَإِنْ تَوَضَّأَ بِذَلِكَ الْمَاءِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فَاسْتَوْعَبَاهُ أَوْ اسْتَوْعَبُوهُ كُلَّهُ بِالْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ أَوْ الشُّرْبِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ مِنْهُمْ وُضُوءُهُ جَائِزٌ فِي الظَّاهِرِ، وَكَذَلِكَ غُسْلُهُ أَوْ شُرْبُهُ، إلَّا أَنَّ فِيهِمَا أَوْ فِيهِمْ مَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ وَلَا غُسْلَ، وَلَا أَعْرِفُ بِعَيْنِهِ، فَلَا أُلْزِمُ أَحَدًا مِنْهُمْ إعَادَةَ وُضُوءٍ وَلَا إعَادَةَ صَلَاةٍ بِالظَّنِّ. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ نَاظَرْت صَاحِبَ هَذَا الْقَوْلِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَلْزَمْتُهُ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ لَهُ كَانَ يَذْهَبُ إلَيْهِ، أَنْ يَكُونَ يَأْمُرُ جَمِيعَهُمْ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الطَّهَارَةِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، بَلْ عَلَى أَصْلِنَا وَأَصْلِ كُلِّ مُسْلِمٍ مِنْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْحَدَثِ وَعَلَى شَكٍّ مِنْ الطَّهَارَةِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِيَقِينِ الطَّهَارَةِ، وَأَرَيْته أَيْضًا بُطْلَانَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِمَا قَدَّمْنَا مِنْ اسْتِحَالَةِ الْأَحْكَامِ بِاسْتِحَالَةِ الْأَسْمَاءِ، وَإِنَّ اسْتِحَالَةَ الْأَسْمَاءِ بِاسْتِحَالَةِ الصِّفَاتِ الَّتِي مِنْهَا تَقُومُ الْحُدُودُ، وَقُلْت لَهُ: فَرِّقْ بَيْنَ مَا أَجَزْت مِنْ هَذَا وَبَيْنَ إنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا مَاءٌ وَفِي الْآخَرِ عَصِيرُ بَعْضِ الشَّجَرِ، وَبَيْنَ بِضْعَتَيْ لَحْمٍ إحْدَاهُمَا مِنْ خِنْزِيرٍ وَالثَّانِيَةُ مِنْ كَبْشٍ، وَبَيْنَ شَاتَيْنِ إحْدَاهُمَا مُذَكَّاةٌ وَالْأُخْرَى عَقِيرَةُ سَبُعٍ مَيْتَةٌ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا. قَالَ عَلِيٌّ: وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُ هَذَا الْقَوْلَ بِمِثْلِ قَوْلِنَا - إنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ - عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
مسألة البول كله من كل حيوان حرام أكله
وَمَيْمُونَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ أَخُوهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَغَيْرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ التَّقْلِيدُ جَائِزًا، فَتَقْلِيدُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. [مَسْأَلَة الْبَوْل كله مِنْ كُلّ حَيَوَان حرام أَكْلُهُ] 137 - مَسْأَلَةٌ: وَالْبَوْلُ كُلُّهُ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ - إنْسَانٍ أَوْ غَيْرِ إنْسَانٍ، مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ نَحْوُ مَا ذَكَرْنَا كَذَلِكَ، أَوْ مِنْ طَائِرٍ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ إلَّا لِضَرُورَةِ تَدَاوٍ أَوْ إكْرَاهٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ فَقَطْ وَفُرِضَ اجْتِنَابُهُ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ إلَّا مَا لَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ إلَّا بِحَرَجٍ فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَوَنِيمِ الذُّبَابِ وَنَجْوِ الْبَرَاغِيثِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَمَّا الْبَوْلُ فَكُلُّهُ نَجِسٌ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، إلَّا أَنَّ بَعْضَهُ أَغْلَظُ نَجَاسَةً مِنْ بَعْضٍ، فَبَوْلُ كُلِّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ - مِنْ فَرَسٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ بَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - لَا يُنَجِّسُ الثَّوْبَ وَلَا تُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا فَاحِشًا فَيُنَجِّسُ حِينَئِذٍ وَتُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ أَبَدًا. وَلَمْ يَحُدَّ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ فِي الْكَثِيرِ حَدًّا. وَحَدَّهُ أَبُو يُوسُفَ بِأَنْ يَكُونَ شِبْرًا فِي شِبْرٍ. قَالَ: فَلَوْ بَالَتْ شَاةٌ فِي بِئْرٍ فَقَدْ تَنَجَّسَتْ وَتُنْزَحُ كُلُّهَا. قَالُوا: وَأَمَّا بَوْلُ الْإِنْسَانِ وَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا تُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ وَلَا يُنَجِّسُ الثَّوْبَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ نَجَّسَ الثَّوْبَ وَأُعِيدَتْ مِنْهُ الصَّلَاةُ أَبَدًا - فَإِنْ كَانَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ فَأَقَلَّ لَمْ يُنَجِّسْ الثَّوْبَ وَلَمْ تُعَدْ مِنْهُ الصَّلَاةُ، وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا - قَبْلُ وَبَعْدُ - فَالْعَمْدُ عِنْدَهُمْ وَالنِّسْيَانُ سَوَاءٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ. قَالَ: وَأَمَّا الرَّوْثُ فَإِنَّهُ سَوَاءٌ كُلَّهُ كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ بَقَرٍ كَانَ أَوْ مِنْ فَرَسٍ أَوْ مِنْ حِمَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، إنْ كَانَ فِي الثَّوْبِ مِنْهُ أَوْ النَّعْلِ أَوْ الْخُفِّ أَوْ الْجَسَدِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ: بَطَلَتْ الصَّلَاةُ وَأَعَادَهَا أَبَدًا. وَإِنْ كَانَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ فَأَقَلَّ لَمْ يَضُرَّ شَيْئًا، فَإِنْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ بَعْرَتَانِ فَأَقَلُّ مِنْ أَبْعَارِ الْإِبِلِ أَوْ
الْغَنَمِ لَمْ يَضُرَّ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ مِنْ الرَّوْثِ الْمَذْكُورِ فِي الْخُفِّ وَالنَّعْلِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، فَإِنْ كَانَ يَابِسًا أَجْزَأَ فِيهِ الْحَكُّ، وَإِنْ كَانَ رَطْبًا لَمْ يُجْزِ فِيهِ إلَّا الْغَسْلُ، فَإِنْ كَانَ مَكَانَ الرَّوْثِ بَوْلٌ لَمْ يُجْزِ فِيهِ إلَّا الْغَسْلُ يَبِسَ أَوْ لَمْ يَيْبَسْ. قَالَ فَإِنْ صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ مِنْ خُرْءِ الطَّيْرِ الَّذِي يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ يَضُرَّ شَيْئًا وَلَا أُعِيدَتْ مِنْهُ الصَّلَاةُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا فَاحِشًا فَتُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ خُرْءَ دَجَاجٍ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ أَعَادَ الصَّلَاةَ أَبَدًا، فَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ خُرْءُ حَمَامٍ أَوْ عُصْفُورٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْئًا. وَقَالَ زُفَرُ: بَوْلُ كُلِّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ كَثُرَ أَمْ قَلَّ. وَأَمَّا بَوْلُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَنَجْوُهُ وَنَجْوُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَكُلُّ ذَلِكَ نَجَسٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: بَوْلُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَنَجْوُهُ نَجِسٌ، وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَنَجْوُهُ طَاهِرَانِ إلَّا أَنْ يَشْرَبَ مَاءً نَجِسًا فَبَوْلُهُ حِينَئِذٍ نَجِسٌ، وَكَذَلِكَ مَا يَأْكُلُ الدَّجَاجُ مِنْ نَجَاسَاتٍ فَخُرْؤُهَا نَجِسٌ. وَقَالَ دَاوُد: بَوْلُ كُلِّ حَيَوَانٍ وَنَجْوُهُ - أُكِلَ لَحْمُهُ أَوْ لَمْ يُؤْكَلْ - فَهُوَ طَاهِرٌ، حَاشَا بَوْلَ الْإِنْسَانِ وَنَجْوَهُ فَقَطْ فَهُمَا نَجَسَانِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِثْلَ قَوْلِنَا الَّذِي صَدَّرْنَا بِهِ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَفِي غَايَةِ التَّخْلِيطِ وَالتَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ، لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِسُنَّةٍ لَا صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا بِقُرْآنٍ وَلَا بِقِيَاسٍ وَلَا بِدَلِيلِ إجْمَاعٍ وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا بِرَأْيٍ سَدِيدٍ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَسَّمَ النَّجَاسَاتِ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ هَذَا التَّقْسِيمَ بَلْ نَقْطَعُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهَذَا التَّرْتِيبِ فِيهَا أَحَدٌ قَبْلَهُ، فَوَجَبَ إطْرَاحُ هَذَا الْقَوْلِ بِيَقِينٍ. وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْأَشْيَاءُ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى يَأْتِيَ نَصٌّ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ أَوْ تَنْجِيسِهِ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ. قَالُوا: وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ فِي تَنْجِيسِ بَوْلِ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ وَنَجْوِهِ، حَاشَا بَوْلَ الْإِنْسَانِ وَنَجْوَهُ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُقَالَ بِتَنْجِيسِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ «أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ، وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَوْدٍ وَرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهَا فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي فِي الْمَدِينَةِ
حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ وَفِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ» وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَمَلَأٌ مِنْ قُرَيْشٍ جُلُوسٌ وَقَدْ نَحَرُوا جَزُورًا لَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيُّكُمْ يَأْخُذُ هَذَا الْفَرْثَ بِدَمِهِ ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى يَضَعَ وَجْهَهُ سَاجِدًا فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَانْبَعَثَ أَشْقَاهَا فَأَخَذَ الْفَرْثَ، فَأَمْهَلَهُ، فَلَمَّا خَرَّ سَاجِدًا وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَأُخْبِرَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ جَارِيَةٌ فَجَاءَتْ تَسْعَى فَأَخَذَتْهُ مِنْ ظَهْرِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ «ابْنِ عُمَرَ كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُنْتُ شَابًّا عَزَبًا، وَكَانَتْ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ» . ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ " صَلَّى بِنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ عَلَى مَكَان فِيهِ سِرْقِينٌ هَذَا لَفْظُ سُفْيَانَ، وَقَالَ شُعْبَةُ " رَوْثُ الدَّوَابِّ " وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِمَا " وَالصَّحْرَاءُ أَمَامَهُ، وَقَالَ: هُنَا وَهُنَاكَ سَوَاءٌ " وَعَنْ أَنَسٍ " لَا بَأْسَ بِبَوْلِ كُلِّ ذَاتِ كِرْشٍ " وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ. قَالَ مَنْصُورٌ: سَأَلْته عَنْ السِّرْقِينِ يُصِيبُ خُفَّ الْإِنْسَانِ أَوْ نَعْلَهُ أَوْ قَدَمَهُ؟ قَالَ لَا بَأْسَ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا قَدْ تَنَحَّى عَنْ بَغْلٍ يَبُولُ، فَقَالَ لَهُ إبْرَاهِيمُ: مَا عَلَيْك لَوْ أَصَابَك. وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُجِيزُ أَكْلَ الْبَغْلِ. وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: لَا بَأْسَ بِأَبْوَالِ الْغَنَمِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ فِيمَنْ أَصَابَ عِمَامَتَهُ بَوْلُ بَعِيرٍ قَالَا جَمِيعًا: لَا يَغْسِلُهُ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَعَلَى رِجْلَيْهِ أَثَرُ السِّرْقِينِ. وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: إنَّ لِي عُنَيْقًا تَبْعَرُ فِي مَسْجِدِي. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الْآثَارُ الَّتِي ذَكَرْنَا فَكُلُّهَا صَحِيحٌ، إلَّا أَنَّهَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا:
أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَغَيْرُ مُسْنَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَفَ بِبَوْلِ الْكِلَابِ فِي الْمَسْجِدِ فَأَقَرَّهُ، وَإِذْ لَيْسَ هَذَا فِي الْخَبَرِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، إذْ لَا حُجَّةَ إلَّا فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْ فِي عَمَلِهِ أَوْ فِيمَا صَحَّ أَنَّهُ عَرَفَهُ فَأَقَرَّهُ، فَسَقَطَ هَذَا الِاحْتِجَاجُ بِهَذَا الْخَبَرِ، لَكِنْ يَلْزَمُ مَنْ احْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «كُنَّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ» أَنْ يَحْتَجَّ بِهَذَا الْخَبَرِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى أَنْ يَعْرِفَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ إلَى أَنْ يَعْرِفَ عَمَلَ بَنِي خُدْرَةَ فِي جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْمَدِينَةِ، وَيَلْزَمُ مَنْ شَنَّعَ لِعَمَلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنْ يَأْخُذَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا، فَلَا يَرَى أَبْوَالَ الْكِلَابِ وَلَا غَيْرَهَا نَجَسًا، وَلَكِنَّ هَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ الْفَرْثَ كَانَ مَعَهُ دَمٌ، وَلَيْسَ هَذَا دَلِيلًا عِنْدَهُمْ، عَلَى طَهَارَةِ الدَّمِ، فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى طَهَارَةِ الْفَرْثِ دُونَ طَهَارَةِ الدَّمِ، وَكِلَاهُمَا مَذْكُورَانِ مَعًا. وَأَيْضًا فَإِنَّ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ وَزَكَرِيَّا بْنَ أَبِي زَائِدَةَ رَوَوْا كُلُّهُمْ هَذَا الْخَبَرَ عَنْ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ وَهُوَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَذَكَرُوا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَلَى جَزُورٍ، وَهُمْ أَوْثَقُ وَأَحْفَظُ مِنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، وَرِوَايَتُهُمْ زَائِدَةٌ عَلَى رِوَايَتِهِ، فَإِذَا كَانَ الْفَرْثُ وَالدَّمُ فِي السَّلَى فَهُمَا غَيْرُ طَاهِرَيْنِ، فَلَا حُكْمَ لَهُمَا، وَالْقَاطِعُ هَهُنَا أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ وُرُودِ الْحُكْمِ بِتَحْرِيمِ النَّجْوِ وَالدَّمِ، فَصَارَ مَنْسُوخًا بِلَا شَكٍّ وَبَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ بِكُلِّ حَالٍ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ مَرَابِضَ الْغَنَمِ لَا تَخْلُو مِنْ أَبْوَالِهَا وَلَا مِنْ أَبْعَارِهَا. فَقُلْنَا لَهُمْ: أَمَّا قَوْلُكُمْ إنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ أَبْوَالِهَا وَلَا مِنْ أَبْعَارِهَا فَقَدْ يَبُولُ الرَّاعِي أَيْضًا بَيْنَهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى طَهَارَةِ بَوْلِ الْإِنْسَانِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعٍ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كُرَيْبٍ ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُطَيَّبَ وَتُنَظَّفَ» .
قَالَ عَلِيٌّ: الدُّورُ هِيَ دُورُ السُّكْنَى وَهِيَ أَيْضًا الْمَحَلَّاتِ. تَقُولُ: دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ، وَدَارُ بَنِي النَّجَّارِ، دَارُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ. هَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ كَذَلِكَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، فَقَدْ صَحَّ أَمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِتَنْظِيفِ الْمَسَاجِدِ وَتَطْيِيبِهَا، وَهَذَا يُوجِبُ الْكَنْسَ لَهَا مِنْ كُلِّ بَوْلٍ وَبَعْرٍ وَغَيْرِهِ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، فَرُبَّمَا رَأَيْته تَحْضُرُ الصَّلَاةُ فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ ثُمَّ يَؤُمُّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا» فَهَذَا أَمْرٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَنْسِ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَنَضْحِهِ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ - عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ عَنْ «أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ صَنَعَ بَعْضُ عُمُومَتِي لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامًا وَقَالَ: إنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْكُلَ فِي بَيْتِي وَتُصَلِّيَ فِيهِ فَأَتَاهُ وَفِي الْبَيْتِ فَحْلٌ مِنْ تِلْكَ الْفُحُولِ - يَعْنِي حَصِيرًا - فَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِجَانِبٍ مِنْهُ فَكُنِسَ وَرُشَّ فَصَلَّى وَصَلَّيْنَا مَعَهُ» فَهَذَا أَمْرٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِكَنْسِ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَرَشِّهِ بِالْمَاءِ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ مَرَابِضُ الْغَنَمِ وَغَيْرُهَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ نَفْسَهُ إنَّمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ» فَصَحَّ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ قَبْلَ وُرُودِ الْأَخْبَارِ بِاجْتِنَابِ كُلِّ نَجْوٍ وَبَوْلٍ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ يُونُسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ثنا أَبُو عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا لَمْ تَجِدُوا إلَّا مَرَابِضَ الْغَنَمِ وَأَعْطَانَ الْإِبِلِ، فَصَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ» . حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ: أَنُصَلِّي فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ؟ فَقَالَ لَا، قَالَ: أَنُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ نَعَمْ» . قَالَ عَلِيٌّ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثِقَةٌ كُوفِيٌّ وَلِيَ قَضَاءَ الرَّيِّ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ ثنا أَبُو مَعْمَرٍ ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ثنا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذَا أَتَيْتُمْ عَلَى مَرَابِضِ الْغَنَمِ فَصَلُّوا فِيهَا، وَإِذَا أَتَيْتُمْ عَلَى مَبَارِكِ الْإِبِلِ فَلَا تُصَلُّوا فِيهَا، فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَوْ كَانَ أَمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ دَلِيلًا عَلَى طَهَارَةِ أَبْوَالِهَا وَأَبْعَارِهَا، كَانَ نَهْيُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ دَلِيلًا عَلَى نَجَاسَةِ أَبْوَالِهَا وَأَبْعَارِهَا، وَإِنْ كَانَ نَهْيُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى نَجَاسَةِ أَبْوَالِهَا، فَلَيْسَ أَمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ دَلِيلًا عَلَى طَهَارَةِ أَبْوَالِهَا وَأَبْعَارِهَا، وَالْمُفَرِّقُ بَيْنَ ذَلِكَ مُتَحَكِّمٌ بِالْبَاطِلِ، لَا يَعْجَزُ مَنْ لَا وَرَعَ لَهُ عَنْ أَنْ يَأْخُذَ بِالطَّرَفِ الثَّانِي بِدَعْوَى كَدَعْوَاهُ. فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ، لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ قِيلَ لَهُ: وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ لِأَنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ كَمَا قَدْ صَحَّ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْحَدِيثِ، فَخَرَجَتْ الطَّهَارَةُ وَالنَّجَاسَةُ مِنْ كِلَا الْخَبَرَيْنِ، فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهَذَا الْخَبَرِ جُمْلَةً. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فِي أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَبَاحَ لِلْعُرَنِيِّينَ شُرْبَ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِ الْإِبِلِ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاوِي مِنْ الْمَرَضِ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ حَدَّثَنِي أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ «أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَاسْتَوْخَمُوا الْأَرْضَ وَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَصَحُّوا، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَطَرَدُوا الْإِبِلَ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَاءِ مِنْ السَّقَمِ الَّذِي كَانَ أَصَابَهُمْ، وَأَنَّهُمْ صَحَّتْ أَجْسَامُهُمْ بِذَلِكَ، وَالتَّدَاوِي بِمَنْزِلَةِ ضَرُورَةٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] فَمَا اُضْطُرَّ الْمَرْءُ إلَيْهِ فَهُوَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ مِنْ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا رَوَيْتُمُوهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «ذَكَرَ طَارِقُ بْنُ سُوَيْد أَوْ سُوَيْد بْنُ طَارِقٍ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّهَا دَوَاءٌ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ» وَحَدِيثَ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ» . وَمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ الْمُخَارِقِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» . فَهَذَا كُلُّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ إنَّمَا جَاءَ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ وَهُوَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ، شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ دَوَاءً، وَإِذْ لَيْسَتْ دَوَاءً فَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا فِي أَنَّ مَا لَيْسَ دَوَاءً فَلَا يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ إذَا كَانَ حَرَامًا، وَإِنَّمَا خَالَفْنَاهُمْ فِي الدَّوَاءِ، وَجَمِيعُ الْحَاضِرِينَ لَا
يَقُولُونَ بِهَذَا، بَلْ أَصْحَابُنَا وَالْمَالِكِيُّونَ يُبِيحُونَ لِلْمُخْتَنِقِ شُرْبَ الْخَمْرِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يُسِيغُ أَكْلَهُ بِهِ غَيْرَهَا، وَالْحَنَفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ يُبِيحُونَهَا عِنْدَ شِدَّةِ الْعَطَشِ. وَأَمَّا حَدِيثُ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ فَنَعَمْ وَمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَلَيْسَ فِي تِلْكَ الْحَالِ خَبِيثًا، بَلْ هُوَ حَلَالٌ طَيِّبٌ؛ لِأَنَّ الْحَلَالَ لَيْسَ خَبِيثًا، فَصَحَّ أَنَّ الدَّوَاءَ الْخَبِيثَ هُوَ الْقَتَّالُ الْمَخُوفُ، عَلَى أَنَّ يُونُسَ بْنَ أَبِي إِسْحَاقَ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَأَمَّا حَدِيثُ «لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» فَبَاطِلٌ لِأَنَّ رَاوِيَهُ سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَقَدْ جَاءَ الْيَقِينُ بِإِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ عِنْدَ خَوْفِ الْهَلَاكِ مِنْ الْجُوعِ فَقَدْ جَعَلَ تَعَالَى شِفَاءَنَا مِنْ الْجُوعِ الْمُهْلِكِ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالِ وَنَقُولُ: نَعَمْ إنَّ الشَّيْءَ مَا دَامَ حَرَامًا عَلَيْنَا فَلَا شِفَاءَ لَنَا فِيهِ، فَإِذَا اُضْطُرِرْنَا إلَيْهِ فَلَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْنَا حِينَئِذٍ بَلْ هُوَ حَلَالٌ، فَهُوَ لَنَا حِينَئِذٍ شِفَاءٌ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْخَبَرِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] وَصَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْحَرِيرُ وَالذَّهَبُ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حَلَالٌ لِإِنَاثِهَا» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» مِنْ الطُّرُقِ الثَّابِتَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ. رَوَى تَحْرِيمَ الْحَرِيرِ عُمَرُ وَابْنُهُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو مُوسَى وَغَيْرُهُمْ، ثُمَّ صَحَّ يَقِينًا «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَبَاحَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ لِبَاسَ الْحَرِيرِ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاوِي مِنْ الْحَكَّةِ وَالْقَمْلِ وَالْوَجَعِ» ، فَسَقَطَ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] فَصَحِيحٌ، وَهَكَذَا نَقُولُ: إنَّنَا إنْ لَمْ نَجِدْ نَصًّا عَلَى تَحْرِيمِ الْأَبْوَالِ جُمْلَةً وَالْأَنْجَاءِ جُمْلَةً، وَإِلَّا فَلَا يَحْرُمُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إلَّا مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ مِنْ بَوْلِ ابْنِ آدَمَ وَنَجْوِهِ. كَمَا قَالُوا: فَإِنْ وَجَدْنَا نَصًّا فِي تَحْرِيمِ كُلِّ ذَلِكَ وَوُجُوبِ اجْتِنَابِهِ، فَالْقَوْلُ بِذَلِكَ وَاجِبٌ، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا ابْنُ سَلَّامٍ
أَخْبَرَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ صَوْتَ إنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ، وَكَانَ الْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ كَبِيرٍ فَهُوَ صَغِيرٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ مِنْ الشِّرْكِ أَوْ الْقَتْلِ. وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ ثنا الْأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ، وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الْأَعْمَشِ، وَمِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ وَشُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ. حَدَّثَنَا يُونُسُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغِيثٍ ثنا أَبُو عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْبَوْلِ» وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَوْلَانِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ أَبِي حَزْرَةَ هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ الْقَاصُّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَخُو الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا يُصَلَّى بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ يَعْنِي الْبَوْلَ وَالنَّجْوَ» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ
طَرِيقِ مُسَدَّدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِإِسْنَادِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ حَاتِمِ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي حَزْرَةَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَافْتَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّاسِ اجْتِنَابَ الْبَوْلِ جُمْلَةً، وَتَوَعَّدَ عَلَى ذَلِكَ بِالْعَذَابِ، وَهَذَا عُمُومٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ بَوْلٌ دُونَ بَوْلٍ، فَيَكُونُ فَاعِلُ ذَلِكَ مُدَّعِيًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ بِالْبَاطِلِ إلَّا بِنَصٍّ ثَابِتٍ جَلِيٍّ، وَوَجَدْنَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ سَمَّى الْبَوْلَ جُمْلَةً وَالنَّجْوَ جُمْلَةً " الْأَخْبَثَيْنِ " وَالْخَبِيثُ مُحَرَّمٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ أَخْبَثَ وَخَبِيثٍ فَهُوَ حَرَامٌ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا خَاطَبَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - النَّاسَ فَإِنَّمَا أَرَادَ نَجْوَهُمْ وَبَوْلَهُمْ فَقَطْ. قُلْنَا: نَعَمْ إنَّمَا خَاطَبَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - النَّاسَ وَلَكِنْ أَتَى بِالِاسْمِ الْأَعَمِّ الَّذِي يَدْخُلُ تَحْتَهُ جِنْسُ الْبَوْلِ وَالنَّجْوِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ قَالَ: إنَّمَا أَرَادَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَجْوَ النَّاسِ خَاصَّةً وَبَوْلَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: بَلْ إنَّمَا أَرَادَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَوْلَ كُلِّ إنْسَانٍ عَلَيْهِ خَاصَّةً لَا بَوْلَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ فِي النَّجْوِ فَصَحَّ أَنَّ الْوَاجِبَ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى مَا تَحْتَ الِاسْمِ الْجَامِعِ لِلْجِنْسِ كُلِّهِ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ هَذَا الْخَبَرَ الَّذِي فِيهِ الْعَذَابُ فِي الْبَوْلِ إنَّمَا هُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهَا، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مَرَّةً رَوَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَرَّةً عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّ ابْنَ رَاهْوَيْهِ وَمُحَمَّدَ بْنَ الْعَلَاءِ وَيَحْيَى وَأَبَا سَعِيدٍ الْأَشَجَّ رَوَوْهُ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ الْأَعْمَشِ فَقَالُوا فِيهِ «كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» وَهَكَذَا رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ لَا شَيْءَ. أَمَّا رِوَايَةُ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ فَإِنَّ الْإِمَامَيْنِ شُعْبَةَ وَوَكِيعًا ذَكَرَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَمَاعَ الْأَعْمَشِ لَهُ مِنْ مُجَاهِدٍ فَسَقَطَ هَذَا
الِاعْتِرَاضُ، وَأَيْضًا فَقَدْ رُوِّينَاهُ آنِفًا مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ لَكِنْ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَسَقَطَ التَّعَلُّلُ جُمْلَةً. وَأَمَّا رِوَايَةُ هَذَا الْخَبَرِ مَرَّةً عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَرَّةً عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهَذَا قُوَّةٌ لِلْحَدِيثِ، وَلَا يَتَعَلَّلُ بِهَذَا إلَّا جَاهِلٌ مُكَابِرٌ لِلْحَقَائِقِ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا إمَامٌ، وَكِلَاهُمَا صَحِبَ ابْنَ عَبَّاسٍ الصُّحْبَةَ الطَّوِيلَةَ، فَسَمِعَهُ مُجَاهِدٌ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَسَمِعَهُ أَيْضًا مِنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَأَيُّ شَيْءٍ فِي هَذَا مِمَّا يَقْدَحُ فِي الرِّوَايَةِ؟ وَدِدْنَا أَنْ تُبَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ إلَّا بِدَعْوَى فَاسِدَةٍ لَهِجَ بِهَا قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَهُمْ فِيهَا مُخْطِئُونَ عَيْنَ الْخَطَأِ، وَمَنْ قَلَّدَهُمْ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهُمْ. وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى " مِنْ بَوْلِهِ " فَقَدْ عَارَضَهُمْ مَنْ هُوَ فَوْقَهُمْ، فَرَوَى هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ كُلُّهُمْ عَنْ وَكِيعٍ فَقَالُوا " مِنْ الْبَوْلِ " وَرَوَاهُ ابْنُ عَوْنٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فَقَالَا: " مِنْ الْبَوْلِ " وَرَوَاهُ شُعْبَةُ وَعُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فَقَالَا: " مِنْ الْبَوْلِ " وَرَوَاهُ شُعْبَةُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ كُلُّهُمْ عَنْ الْأَعْمَشِ فَقَالُوا " مِنْ الْبَوْلِ " فَكِلَا الرِّوَايَتَيْنِ حَقٌّ، وَرِوَايَةُ هَؤُلَاءِ تَزِيدُ عَلَى رِوَايَةِ الْآخَرِينَ وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ وَاجِبٌ قَبُولُهَا، فَسَقَطَ كُلُّ مَا تَعَلَّلُوا بِهِ، وَصَحَّ فَرْضًا وُجُوبُ اجْتِنَابِ كُلِّ بَوْلٍ وَنَجْوٍ. وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا جُمْلَةٌ مِنْ السَّلَفِ، كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ الْقَاضِي ثنا أَبُو مَعْمَرٍ ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ثنا عُمَارَةُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ حَدَّثَنِي أَبُو مِجْلَزٍ قَالَ: - سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ عَنْ بَوْلِ نَاقَتِي قَالَ اغْسِلْ مَا أَصَابَك مِنْهُ. وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ سَلْمِ بْنِ أَبِي الذَّيَّالِ عَنْ صَالِحٍ الدَّهَّانِ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: الْأَبْوَالُ كُلُّهَا أَنْجَاسٌ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ " الْبَوْلُ كُلُّهُ يُغْسَلُ " وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ " الرَّشُّ بِالرَّشِّ وَالصَّبُّ بِالصَّبِّ مِنْ الْأَبْوَالِ كُلِّهَا " وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِيمَا يُصِيبُ الرَّاعِيَ مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ قَالَ " يُنْضَحُ " وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى إسْرَائِيلَ قَالَ " كُنْت مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَسَقَطَ عَلَيْهِ بَوْلُ خُفَّاشٍ فَنَضَحَهُ، وَقَالَ مَا كُنْت أَرَى النَّضْحَ شَيْئًا حَتَّى بَلَغَنِي عَنْ سَبْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ " سَأَلْت حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ بَوْلِ الشَّاةِ، فَقَالَ اغْسِلْهُ. وَعَنْ حَمَّادٍ أَيْضًا فِي بَوْلِ الْبَعِيرِ مِثْلُ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ " وَأَمَّا قَوْلُ زُفَرَ فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، لِمَا نَذْكُرُهُ فِي إفْسَادِ قَوْلِ مَالِكٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - لَكِنَّ تَعَلُّقَ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ أَبِي حَرْبٍ الصَّفَّارُ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ سَوَّارِ بْنِ مُصْعَبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِي الْجَهْمِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَلَا بَأْسَ بِبَوْلِهِ» . قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا خَبَرٌ بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ؛ لِأَنَّ سَوَّارَ بْنَ مُصْعَبٍ مَتْرُوكٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ النَّقْلِ، مُتَّفَقٌ عَلَى تَرْكِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، يَرْوِي الْمَوْضُوعَاتِ. فَإِذَا سَقَطَ هَذَا فَإِنَّ زُفَرَ قَاسَ بَعْضَ الْأَبْوَالِ عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يَقِسْ النَّجْوَ عَلَى الْبَوْلِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَنْكَرَهُ أَصْحَابُهُ عَلَيْنَا فِي تَفْرِيقِنَا بَيْنَ حُكْمِ الْبَائِلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَبَيْنَ الْمُتَغَوِّطِ فِيهِ، إلَّا أَنَّنَا نَحْنُ قُلْنَاهُ اتِّبَاعًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ زُفَرُ بِرَأْيِهِ الْفَاسِدِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَظَاهِرُ الْخَطَإِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ إلَّا أَبْوَالُ الْإِبِلِ فَقَطْ، وَاسْتِدْلَالٌ عَلَى بَوْلِ الْغَنَمِ وَبَعْرِهَا فَقَطْ، فَأَدْخَلَ هُوَ فِي حُكْمِ الطَّهَارَةِ أَبْوَالَ الْبَقَرِ وَأَخْثَاءَهَا وَأَبْعَارَ الْإِبِلِ وَبَعْرَ كُلِّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَبَوْلُهُ. فَإِنْ قَالُوا فَعَلْنَا ذَلِكَ قِيَاسًا لِمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ عَلَى مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، قُلْنَا لَهُمْ فَهَلَّا قِسْتُمْ عَلَى الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ كُلَّ ذِي أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّهَا ذَوَاتُ أَرْبَعٍ وَذَوَاتُ أَرْبَعٍ؟ أَوْ كُلَّ حَيَوَانٍ، لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ وَحَيَوَانٌ؟ أَوْ هَلَّا قِسْتُمْ كُلَّ مَا عَدَا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْخَبَرِ عَلَى بَوْلِ الْإِنْسَانِ وَنَجْوِهِ الْمُحَرَّمَيْنِ؟ فَهَذِهِ عِلَّةٌ أَعَمُّ مِنْ عِلَّتِكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ بِالْأَعَمِّ فِي الْعِلَلِ، فَإِنْ لَجَأْتُمْ هَهُنَا إلَى الْقَوْلِ بِالْأَخَصِّ فِي الْعِلَلِ قُلْنَا لَكُمْ، فَهَلَّا قِسْتُمْ مِنْ الْأَنْعَامِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا عَلَى الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، وَهِيَ مَا تَكُونُ أُضْحِيَّةً مِنْ الْبَقَرِ فَقَطْ، كَمَا الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ تَكُونُ أُضْحِيَّةً، أَوْ مَا يَكُونُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ الْبَقَرِ فَقَطْ، كَمَا يَكُونُ فِي الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، أَوْ مَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ لِلْمُحْرِمِ مِنْ الْبَقَرِ خَاصَّةً، كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، دُونَ أَنْ تَقِيسُوا عَلَى الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالصَّيْدِ وَالطَّيْرِ فَهَذَا أَخَصُّ مِنْ عِلَّتِكُمْ، فَظَهَرَ فَسَادُ قِيَاسِهِمْ جُمْلَةً يَقِينًا. فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا أَبْوَالَ كُلِّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَأَنْجَاءَهَا عَلَى أَلْبَانِهَا. قُلْنَا لَهُمْ: فَهَلَّا قِسْتُمْ أَبْوَالَهَا عَلَى دِمَائِهَا فَأَوْجَبْتُمْ نَجَاسَةَ كُلِّ ذَلِكَ؟ وَأَيْضًا فَلَيْسَ لِلذُّكُورِ مِنْهَا وَلَا لِلطَّيْرِ أَلْبَانٌ فَتُقَاسُ أَبْوَالُهَا وَأَنْجَاؤُهَا عَلَيْهَا. وَأَيْضًا فَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ الْمُتَيَقَّنُ بِإِفْسَادِ عِلَّتِكُمْ هَذِهِ وَإِبْطَالِ قِيَاسِكُمْ هَذَا، لِصِحَّةِ كُلِّ ذَلِكَ بِأَنْ لَا تُقَاسَ أَبْوَالُ النِّسَاءِ وَنَجْوُهُنَّ عَلَى أَلْبَانِهِنَّ فِي الطَّهَارَةِ وَالِاسْتِحْلَالِ. وَهَذَا لَا مَخْلَصَ
مسألة حكم الصوف والوبر والقرن والسن يؤخذ من حي
مِنْهُ أَلْبَتَّةَ. وَهَلَّا قَاسُوا كُلَّ ذِي رِجْلَيْنِ مِنْ الطَّيْرِ فِي نَجْوِهِ عَلَى نَجْوِ الْإِنْسَانِ فَهُوَ ذُو رِجْلَيْنِ؟ فَكُلُّ هَذِهِ قِيَاسَاتٌ كَقِيَاسِكُمْ أَوْ أَظْهَرُ، وَهَذَا يَرَى مَنْ نَصَحَ نَفْسَهُ إبْطَالَ الْقِيَاسِ جُمْلَةً، وَصَحَّ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَاطِلٌ بِيَقِينٍ، لِأَنَّهُمْ لَا شَيْئًا مِنْ النُّصُوصِ اتَّبَعُوا وَلَا شَيْئًا مِنْ الْقِيَاسِ ضَبَطُوا، وَلَا بِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ تَعَلَّقُوا، لَا سِيَّمَا تَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ بَوْلِ مَا شَرِبَ مَاءً نَجِسًا فَقَالَ بِنَجَاسَةِ بَوْلِهِ، وَبَيْنَ بَوْلِ مَا شَرِبَ مَاءً طَاهِرًا فَقَالَ بِطَهَارَةِ بَوْلِهِ، وَهُوَ يَرَى لَحْمَ الدَّجَاجِ حَلَالًا طَيِّبًا، هَذَا وَهُوَ يَرَاهُ مُتَوَلِّدًا عَنْ الْمَيْتَاتِ وَالْعَذِرَةِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ لَا خَفَاءَ بِهِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ حُكْمُ الصُّوفُ وَالْوَبَرُ وَالْقَرْنُ وَالسِّنُّ يُؤْخَذُ مِنْ حَيٍّ] 138 - مَسْأَلَةٌ: وَالصُّوفُ وَالْوَبَرُ وَالْقَرْنُ وَالسِّنُّ يُؤْخَذُ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ طَاهِرٌ وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَيَّ طَاهِرٌ وَبَعْضُ الطَّاهِرِ طَاهِرٌ، وَالْحَيُّ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَبَعْضُ مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ. 139 - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْكَافِرِ نَجِسٌ وَمِنْ الْمُؤْمِنِ طَاهِرٌ، وَالْقَيْحُ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْقَلْسُ وَالْقَصَّةُ الْبَيْضَاءُ وَكُلُّ مَا قُطِعَ مِنْهُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا وَلَبَنُ الْمُؤْمِنَةِ، كُلُّ ذَلِكَ طَاهِرٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْكَافِرِ وَالْكَافِرَةِ نَجِسٌ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ قَبْلُ، وَبَعْضُ النَّجَسِ نَجَسٌ، وَبَعْضُ الطُّهْرِ طَاهِرٌ، لِأَنَّ الْكُلَّ لَيْسَ هُوَ شَيْئًا غَيْرَ أَبْعَاضِهِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ حُكْمُ أَلْبَانُ الْجَلَّالَةِ] 140 - مَسْأَلَةٌ: وَأَلْبَانُ الْجَلَّالَةِ حَرَامٌ، وَهِيَ الْإِبِلُ الَّتِي تَأْكُلُ الْجُلَّةَ - وَهِيَ الْعَذِرَةُ - وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ كَذَلِكَ، فَإِنْ مُنِعَتْ مِنْ أَكْلِهَا حَتَّى سَقَطَ عَنْهَا اسْمُ جَلَّالَةٍ، فَأَلْبَانُهَا حَلَالٌ طَاهِرَةٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَوْلَانِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى ثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ثنا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لَبَنِ
مسألة الوضوء بالماء المستعمل
الْجَلَّالَةِ» وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا» . [مَسْأَلَةٌ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ] 141 - مَسْأَلَةٌ: وَالْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الْغُسْلُ بِهِ لِلْجَنَابَةِ، وَسَوَاءٌ وُجِدَ مَاءٌ آخَرُ غَيْرُهُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ بِعَيْنِهِ لِفَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ أَوْ اغْتَسَلَ بِهِ بِعَيْنِهِ لِجَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُتَوَضِّئُ بِهِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] فَعَمَّ تَعَالَى كُلَّ مَاءٍ وَلَمْ يَخُصَّهُ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الْمَاءَ فِي وُضُوئِهِ وَغُسْلِهِ الْوَاجِبِ وَهُوَ يَجِدُهُ إلَّا مَا مَنَعَهُ مِنْهُ نَصٌّ ثَابِتٌ أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ» فَعَمَّ أَيْضًا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَمْ يَخُصَّ، فَلَا يَحِلُّ تَخْصِيصُ مَاءٍ بِالْمَنْعِ لَمْ يَخُصُّهُ نَصٌّ آخَرُ أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُسَدَّدٌ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُد وَهُوَ الْخُرَيْبِيُّ - عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِرَأْسِهِ مِنْ فَضْلِ مَاءٍ كَانَ بِيَدِهِ» . وَأَمَّا مِنْ الْإِجْمَاعِ فَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي أَنَّ كُلَّ مُتَوَضِّئٍ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيَغْسِلُ بِهِ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ إلَى مِرْفَقِهِ، وَهَكَذَا كُلُّ عُضْوٍ فِي الْوُضُوءِ وَفِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَبِالضَّرُورَةِ وَالْحِسِّ يَدْرِي كُلُّ مُشَاهِدٍ لِذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ قَدْ وُضِّئَتْ بِهِ الْكَفُّ وَغُسِلَتْ، ثُمَّ غُسِلَ بِهِ أَوَّلُ الذِّرَاعِ ثُمَّ آخِرُهُ، وَهَذَا مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ بِيَقِينٍ، ثُمَّ إنَّهُ يَرُدُّ يَدَهُ إلَى الْإِنَاءِ وَهِيَ تَقْطُرُ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي طَهَّرَ بِهِ الْعُضْوَ، فَيَأْخُذُ مَاءً آخَرَ لِلْعُضْوِ الْآخَرِ، فَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ أَنَّهُ لَمْ يُطَهِّرْ الْعُضْوَ الثَّانِي إلَّا بِمَاءٍ جَدِيدٍ قَدْ مَازَجَهُ مَاءٌ آخَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي تَطْهِيرِ عُضْوٍ آخَرَ وَهَذَا مَا لَا مَخْلَصَ مِنْهُ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُد وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَتَوَضَّأُ بِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَلَا يَتَيَمَّمُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الْغُسْلُ وَلَا الْوُضُوءُ بِمَاءٍ قَدْ تَوَضَّأَ بِهِ أَوْ اغْتَسَلَ بِهِ، وَيُكْرَهُ شُرْبُهُ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ، وَالْأَظْهَرُ عَنْهُ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَهُوَ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ نَصَّا، وَأَنَّهُ لَا يَنْجَسُ الثَّوْبُ إذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا فَاحِشًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْهُ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ فَقَدْ نَجَّسَهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَمْ يُنَجِّسْهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إنْ كَانَ رَجُلٌ طَاهِرٌ قَدْ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ أَوْ لَمْ يَتَوَضَّأْ لَهَا فَتَوَضَّأَ فِي بِئْرٍ فَقَدْ تَنَجَّسَ مَاؤُهَا كُلُّهُ وَتُنْزَحُ كُلُّهَا، وَلَا يَجْزِيه ذَلِكَ الْوُضُوءُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ، فَإِنْ اغْتَسَلَ فِيهَا أَرْضًا أَنْجَسَهَا كُلَّهَا. وَكَذَلِكَ لَوْ اغْتَسَلَ وَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ جُنُبٍ فِي سَبْعَةِ آبَارٍ نَجَّسَهَا كُلَّهَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُنَجِّسُهَا كُلَّهَا وَلَوْ أَنَّهَا عِشْرُونَ بِئْرًا، وَقَالَا جَمِيعًا: لَا يَجْزِيه ذَلِكَ الْغُسْلُ، فَإِنْ طَهَّرَ فِيهَا يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ فَقَدْ تَنَجَّسَتْ كُلُّهَا، فَإِنْ كَانَ عَلَى ذِرَاعَيْهِ جَبَائِرُ أَوْ عَلَى أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ جَبَائِرُ فَغَمَسَهَا فِي الْبِئْرِ يَنْوِي بِذَلِكَ الْمَسْحَ عَلَيْهَا لَمْ يُجِزْهُ وَتَنَجَّسَ مَاؤُهَا كُلُّهُ، فَلَوْ كَانَ عَلَى أَصَابِعِ يَدِهِ جَبَائِرُ فَغَمَسَهَا فِي الْبِئْرِ يَنْوِي بِذَلِكَ الْمَسْحَ عَلَيْهَا أَجْزَأَهُ وَلَمْ يُنَجِّسْ مَاؤُهَا الْيَدَ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ، فَلَوْ انْغَمَسَ فِيهَا وَلَمْ يَنْوِ غُسْلًا وَلَا وُضُوءًا وَلَا تَدَلَّكَ فِيهَا لَمْ يُنَجِّسْ الْمَاءَ حَتَّى يَنْوِيَ الْغُسْلَ أَوْ الْوُضُوءَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَطْهُرُ بِذَلِكَ الِانْغِمَاسُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَطْهُرُ بِهِ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: فَإِنْ غَمَسَ رَأْسه يَنْوِي الْمَسْحَ عَلَيْهِ لَمْ يُنَجِّسْ الْمَاءَ، وَإِنَّمَا يُنَجِّسُهُ نِيَّةُ تَطْهِيرِ عُضْوٍ يَلْزَمُ فِيهِ الْغُسْلُ، قَالَ فَلَوْ غَسَلَ بَعْضَ يَدِهِ بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ لَمْ يُنَجِّسْ الْمَاءَ حَتَّى يَغْسِلَ الْعُضْوَ بِكَمَالِهِ، فَلَوْ غَمَسَ رَأْسَهُ أَوْ خُفَّهُ يَنْوِي بِذَلِكَ الْمَسْحَ أَجْزَأَهُ وَلَمْ يُفْسِدْ الْمَاءَ، وَإِنَّمَا يُفْسِدُهُ نِيَّةُ الْغُسْلِ لَا نِيَّةُ الْمَسْحِ. وَهَذِهِ أَقُولُ هِيَ إلَى الْهَوَسِ أَقْرَبُ مِنْهَا إلَى مَا يُعْقَلُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُجْزِئُ الْوُضُوءُ وَلَا الْغُسْلُ بِمَاءٍ قَدْ اغْتَسَلَ بِهِ أَوْ تَوَضَّأَ بِهِ وَهُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ، وَأَصْفَقَ أَصْحَابُهُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ لِيَتَوَضَّأَ فَأَخَذَ الْمَاءَ
فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَقَدْ حَرُمَ الْوُضُوءُ بِذَلِكَ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَاء مُسْتَعْمَلًا، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَصُبَّ مِنْهُ عَلَى يَدِهِ، فَإِذَا وَضَّأَهَا أَدْخَلَهَا حِينَئِذٍ فِي الْإِنَاءِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِالْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنْ «رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَهْيِهِ الْجُنُبَ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالُوا: إنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَاءَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَقَالَ بَعْضُ مَنْ خَالَفَهُمْ: بَلْ مَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَّا خَوْفَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ إحْلِيلِهِ شَيْءٌ يُنَجِّسُ الْمَاءَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ بَاطِلٌ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مِثْلِهِ، وَمِنْ أَنْ نُقَوِّلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ يَقُلْ، وَأَنْ نُخْبِرَ عَنْهُ مَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا فَعَلَهُ، فَهَذَا هُوَ الْكَذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ مِمَّنْ قَطَعَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ بِهِ فَإِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ، وَقَدْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» وَلَا بُدَّ لِمَنْ قَالَ بِأَحَدِ هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ مِنْ إحْدَى هَاتَيْنِ الْمَنْزِلَتَيْنِ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ جُمْلَةً. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ لِلْمُتَوَضِّئِ وَلَا لِلْمُغْتَسَلِ أَنْ يُرَدِّدَ ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَى أَعْضَائِهِ، بَلْ أَوْجَبُوا عَلَيْهِ أَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ، وَبِذَلِكَ جَاءَ عَمَلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ عَنْ تَرْدِيدِ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَلَا نَهَى عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَطَّ. وَيُقَالُ لِلْحَنَفِيِّينَ: قَدْ أَجَزْتُمْ تَنْكِيسَ الْوُضُوءِ، وَلَمْ يَأْتِ قَطُّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَكَّسَ وُضُوءُهُ، وَلَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَ ذَلِكَ، فَأَخْذُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَاءً جَدِيدًا لِكُلِّ عُضْوٍ إنَّمَا هُوَ فِعْلٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَأَفْعَالُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا تُلْزَمُ. وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ مَسَحُ رَأْسِهِ الْمُقَدَّسِ بِفَضْلِ مَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ يُؤْخَذُ لِلرَّأْسِ مَاءٌ جَدِيدٌ. قُلْنَا: إنَّمَا رَوَاهُ دَهْثَمُ بْنُ قِرَانٍ - وَهُوَ سَاقِطُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ - عَنْ نِمْرَانَ بْنِ جَارِيَةَ وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فَكَيْف وَقَدْ أَبَاحَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - غُسْلَ الْجَنَابَةِ بِغَيْرِ تَجْدِيدِ مَاءٍ. كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيم وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ إنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِيَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو نُعَيْمٍ هُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ - ثنا مَعْمَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَامٍ حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ «قَالَ لِي جَابِرٌ سَأَلَنِي ابْنُ عَمِّكَ فَقَالَ: كَيْفَ الْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ؟ فَقُلْت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ وَيُفِيضُهَا عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَلَوْ كَانَ مَا قَالَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ تَنَجُّسِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لَمَا صَحَّ طُهْرٌ وَلَا وُضُوءٌ وَلَا صَلَاةٌ لِأَحَدٍ أَبَدًا، لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يُفِيضُهُ الْمُغْتَسِلُ عَلَى جَسَدِهِ يُطَهِّرُ مَنْكِبَيْهِ وَصَدْرَهُ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ إلَى ظَهْرِهِ وَبَطْنِهِ، فَكَانَ يَكُونُ كُلُّ أَحَدٍ مُغْتَسِلًا بِمَاءٍ نَجِسٍ، وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا، وَهَكَذَا فِي غَسْلِهِ ذِرَاعَهُ وَوَجْهَهُ وَرِجْلَهُ فِي الْوُضُوءِ، لِأَنَّهُ لَا يَغْسِلُ ذِرَاعَهُ إلَّا بِالْمَاءِ الَّذِي غَسَلَ بِهِ كَفَّهُ، وَلَا يَغْسِلُ أَسْفَلَ وَجْهِهِ إلَّا بِالْمَاءِ الَّذِي قَدْ غَسَلَ بِهِ أَعْلَاهُ وَكَذَلِكَ رِجْلُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَصْحَبَهُ مِنْ عَرَقِ الْجِسْمِ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ شَيْءٌ فَهُوَ مَاءٌ مُضَافٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا غَثٌّ جِدًّا، وَحَتَّى لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا فَكَانَ مَاذَا؟ وَمَتَى حَرُمَ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ بِمَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ طَاهِرٌ لَا يَظْهَرُ لَهُ فِي الْمَاءِ رَسْمٌ فَكَيْفَ وَهُمْ يُجِيزُونَ الْوُضُوءَ بِمَاءٍ قَدْ تَبَرَّدَ فِيهِ مِنْ الْحَرِّ وَهَذَا أَكْثَرُ فِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْعَرَقُ مِنْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ جَاءَ أَثَرٌ بِأَنَّ الْخَطَايَا تَخْرُجُ مَعَ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ. قُلْنَا: نَعَمْ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - فَكَانَ مَاذَا؟ وَإِنَّ هَذَا لَمِمَّا يَغِيطُ بِاسْتِعْمَالِهِ مِرَارًا إنْ أَمْكَنَ لِفَضْلِهِ، وَمَا عَلِمْنَا لِلْخَطَايَا أَجْرَامًا تَحِلُّ فِي الْمَاءِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ كَحَصَى الْجِمَارِ الَّذِي رَمَى بِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ بِهِ ثَانِيَةً. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ، بَلْ حَصَى الْجِمَارِ إذَا رَمَى بِهَا فَجَائِزٌ أَخْذُهَا وَالرَّمْيُ بِهَا ثَانِيَةٌ، وَمَا نَدْرِي شَيْئًا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ التُّرَابُ الَّذِي تَيَمَّمَ بِهِ فَالتَّيَمُّمُ بِهِ جَائِزٌ وَالثَّوْبُ الَّذِي سُتِرَتْ بِهِ الْعَوْرَةُ فِي الصَّلَاةِ جَائِزٌ أَنْ تُسْتَرَ بِهِ أَيْضًا الْعَوْرَةُ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، فَإِنْ كَانُوا أَهْلَ قِيَاسٍ فَهَذَا كُلُّهُ بَابٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الَّذِي طُبِخَ فِيهِ فُولٌ أَوْ حِمَّصٌ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا هَوَسٌ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ، وَمَا نَدْرِي شَيْئًا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ بِمَاءٍ طُبِخَ فِيهِ فُولٌ أَوْ حِمَّصٌ أَوْ تُرْمُسٌ أَوْ لُوبْيَا، مَا دَامَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا لَمْ يُطْلَقْ عَلَى الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ اسْمُ الْمَاءِ مُفْرَدًا دُونَ أَنْ يُتْبَعَ بِاسْمٍ آخَرَ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي حُكْمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ حَمَاقَةٌ، بَلْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ فَقَطْ، ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِنَا مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ فَيُوصَفُ بِذَلِكَ، وَبَيْنَ قَوْلِنَا مَاءٌ مُطْلَقٌ فَيُوصَفُ بِذَلِكَ، وَقَوْلِنَا مَاءٌ مِلْحٌ أَوْ مَاءٌ عَذْبٌ، أَوْ مَاءٌ مُرٌّ، أَوْ مَاءٌ سُخْنٌ أَوْ مَاءُ مَطَرٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الْوُضُوءِ بِهِ وَالْغُسْلِ. وَلَوْ صَحَّ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُتَوَضَّأِ بِهِ وَالْمُغْتَسَلِ بِهِ لَبَطَلَ أَكْثَرُ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ الْإِنْسَانُ إذَا اغْتَسَلَ أَوْ تَوَضَّأَ ثُمَّ لَبِسَ ثَوْبَهُ لَا يُصَلِّي إلَّا بِثَوْبٍ نَجِسٍ كُلِّهِ، وَلَلَزِمَهُ أَنْ يُطَهِّرَ أَعْضَاءَهُ مِنْهُ بِمَاءٍ آخَرَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَنْجَسُ إلَّا إذَا فَارَقَ الْأَعْضَاءَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ جُرْأَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالْبَاطِلِ فِي الدِّينِ بِالدَّعْوَى، وَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ تَنَجَّسَ عِنْدَكُمْ إلَّا بِالِاسْتِعْمَالِ؟ فَلَا بُدَّ مِنْ نَعَمْ، فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ لَا يَنْجَسَ فِي الْحَالِ الْمُنَجَّسَةِ لَهُ ثُمَّ يَنْجَسَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا جُرْأَةَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُقَالَ: هَذَا مَاءٌ طَاهِرٌ تُؤَدَّى بِهِ الْفَرَائِضُ، فَإِذَا تَقَرَّبَ بِهِ إلَى اللَّهِ فِي أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ مِنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ تَنَجَّسَ أَوْ حَرُمَ أَنْ يَتَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِ، وَمَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ هَذَا التَّخْلِيطُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا اغْتَسَلَ فِي الْحَوْضِ أَفْسَدَ مَاءَهُ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّونَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا نَعْلَمُ مَنْ هُوَ قَبْلَ حَمَّادٍ، وَلَا نَعْرِفُ لِإِبْرَاهِيمَ سَمَاعًا مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالصَّحِيحُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُ هَذَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَبْلُ خِلَافَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: أَرْبَعٌ لَا تَنْجَسُ الْمَاءُ وَالْأَرْضُ وَالْإِنْسَانُ، وَذَكَرَ رَابِعًا. وَذَكَرُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَحْرِيمِهِ الصَّدَقَةَ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ «إنَّمَا هِيَ غُسَالَةُ أَيْدِي النَّاسِ» . وَعَنْ عُمَرَ مِثْلُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ أَصْلًا، لِأَنَّ اللَّازِمَ لَهُمْ فِي احْتِجَاجِهِمْ بِهَذَا الْخَبَرِ أَنْ لَا يُحَرَّمَ ذَلِكَ إلَّا عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ وَلَا مَنَعَهُ أَحَدًا غَيْرَهُمْ، بَلْ أَبَاحَهُ لِسَائِرِ النَّاسِ. وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِ عُمَرَ فَإِنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ لِأَنَّهُمْ يُجِيزُونَ فِي أَصْلِ أَقْوَالِهِمْ شُرْبَ ذَلِكَ الْمَاءِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ غُسَالَةَ أَيْدِي النَّاسِ غَيْرُ وُضُوئِهِمْ الَّذِي يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا عَجَبَ أَكْثَرُ مِنْ إبَاحَتِهِمْ غُسَالَةَ أَيْدِي النَّاسِ وَفِيهَا جَاءَ مَا احْتَجُّوا بِهِ. وَقَوْلُهُمْ إنَّهَا طَاهِرَةٌ، وَتَحْرِيمُهُمْ الْمَاءَ الَّذِي قَدْ تَوَضَّأَ بِهِ قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ نَهْيٌ عَنْهُ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الضَّلَالِ وَتَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ. وَنَسْأَلُ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ عَمَّنْ وَضَّأَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ فَقَطْ يَنْوِي بِهِ
مسألة حكم ونيم الذباب والبراغيث والنحل وبول الخفاش
الْوُضُوءَ فِي مَاءٍ دَائِمٍ أَوْ غَسَلَهُ كَذَلِكَ وَهُوَ جُنُبٌ، أَوْ بَعْضَ عُضْوٍ أَوْ بَعْضَ أُصْبُعٍ أَوْ شَعْرَةً وَاحِدَةً أَوْ مَسَحَ شَعْرَةً مِنْ رَأْسِهِ أَوْ خُفِّهِ أَوْ بَعْضَ خُفِّهِ -: حَتَّى نَعْرِفَ أَقْوَالَهُمْ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ وَسَقَى إنْسَانًا ذَلِكَ الْوَضُوءَ» ، وَأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «تَوَضَّأَ وَصَبَّ وَضُوءَهُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ» ، وَأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كَانَ إذَا تَوَضَّأَ تَمَسَّحَ النَّاسُ بِوَضُوئِهِ» ، فَقَالُوا بِآرَائِهِمْ الْمَلْعُونَةِ: إنَّ الْمُسْلِمَ الطَّاهِرَ النَّظِيفَ إذَا تَوَضَّأَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ ثُمَّ صَبَّ ذَلِكَ الْمَاءَ فِي بِئْرٍ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ لَوْ صُبَّ فِيهَا فَأْرٌ مَيِّتٌ أَوْ نَجِسٌ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ. [مَسْأَلَةٌ حُكْمُ وَنِيمُ الذُّبَابِ وَالْبَرَاغِيثِ وَالنَّحْلِ وَبَوْلُ الْخُفَّاشِ] 142 - مَسْأَلَةٌ: وَوَنِيمُ الذُّبَابِ وَالْبَرَاغِيثِ وَالنَّحْلِ وَبَوْلُ الْخُفَّاشِ إنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ وَكَانَ فِي غَسْلِهِ حَرَجٌ أَوْ عُسْرٌ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ غَسْلِهِ إلَّا مَا لَا حَرَجَ فِيهِ وَلَا عُسْرَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ قَدَّمْنَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وَقَوْلَهُ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] فَالْحَرَجُ وَالْعُسْرُ مَرْفُوعَانِ عَنَّا، وَمَا كَانَ لَا حَرَجَ فِي غَسْلِهِ وَلَا عُسْرَ فَهُوَ لَازِمٌ غَسْلُهُ، لِأَنَّهُ بَوْلٌ وَرَجِيعٌ. [مَسْأَلَةٌ حُكْمُ الْقَيْءُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ] 143 - مَسْأَلَةٌ: وَالْقَيْءُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ حَرَامٌ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» وَإِنَّمَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذَلِكَ عَلَى مَنْعِ الْعَوْدَةِ فِي الْهِبَةِ. [مَسْأَلَةٌ حُكْمُ طَهَارَةِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْأَنْصَابِ وَالْأَزْلَامِ] 144 - مَسْأَلَةٌ: وَالْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ حَرَامٌ وَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ، فَمَنْ صَلَّى حَامِلًا شَيْئًا مِنْهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] فَمَنْ لَمْ
مسألة نبيذ البسر والتمر والزهو والرطب والزبيب إذا جمع نبيذ واحد من هذه إلى نبيذ غيره
يَجْتَنِبْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ، وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ فَلَمْ يُصَلِّ. [مَسْأَلَة نَبِيذُ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّهْوِ وَالرُّطَبِ وَالزَّبِيبِ إذَا جُمِعَ نَبِيذُ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ إلَى نَبِيذِ غَيْرِهِ] 145 - مَسْأَلَةٌ: وَنَبِيذُ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّهْوِ وَالرُّطَبِ وَالزَّبِيبِ إذَا جُمِعَ نَبِيذُ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ إلَى نَبِيذِ غَيْرِهِ فَهُوَ حَرَامٌ وَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا أَبَانُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ - ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ خَلِيطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ الزَّهْوِ وَالرُّطَبِ، وَقَالَ: انْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ» وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْخَلِيطَانِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ بَلْ هُوَ طَاهِرٌ حَلَالٌ مَا لَمْ يُسْكِرْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ إلَّا عَمَّا ذَكَرْنَا. [مَسْأَلَةٌ تَحْرِيم اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بالغائط والبول مُطْلَقًا] 146 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا لِلْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، لَا فِي بُنْيَانٍ وَلَا فِي صَحْرَاءَ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَقَطْ كَذَلِكَ فِي حَالِ الِاسْتِنْجَاءِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ قُلْت لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: سَمِعْت الزُّهْرِيَّ يَذْكُرُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» ؟ قَالَ سُفْيَانُ نَعَمْ. وَقَدْ رَوَى أَيْضًا النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ حَدِيثَ سَلْمَانَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَلَّا يَسْتَنْجِيَ أَحَدٌ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ» ، فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ. وَمِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ - كَمَا ذَكَرْنَا - فِي الْبُيُوتِ نَصَّا عَنْهُ، وَكَذَلِكَ
أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ أَلَّا تَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِذَلِكَ، وَعَنْ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - جُمْلَةً، وَعَنْ عَطَاءٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَبِقَوْلِنَا فِي ذَلِكَ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ اسْتِقْبَالِهَا لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الصَّحَارِي وَالْبِنَاءِ فِي ذَلِكَ، وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ تُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَتَانِ بِالْفُرُوجِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا نَرَى ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ. وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَدَاوُد بْنُ عَلِيٍّ: يَجُوزُ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَرُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بَيْنَك وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُك فَلَا بَأْسَ، وَرُوِّينَا أَيْضًا هَذَا عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. فَأَمَّا مَنْ أَبَاحَ ذَلِكَ جُمْلَةً فَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ «رَقَيْتُ عَلَى بَيْتِ أُخْتِي حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ» وَفِي بَعْضِهَا «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبُولُ حِيَالَ الْقِبْلَةِ» وَفِي بَعْضِهَا: «اطَّلَعْتُ يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِلَبِنٍ فَرَأَيْتُهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ» . وَبِحَدِيثٍ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا» وَبِحَدِيثٍ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذُكِرَ عِنْدَهُ أَنَّ
نَاسًا يَكْرَهُونَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِفُرُوجِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ فَعَلُوهَا؟ اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي الْقِبْلَةَ» . قَالَ عَلِيٌّ: لَا حُجَّةَ لَهُمْ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ النَّهْيِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِيهِ فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مُوَافِقٌ لِمَا كَانَ النَّاسُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ، فَإِذًا لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ فَحُكْمُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَنْسُوخٌ قَطْعًا بِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، هَذَا يُعْلَمُ ضَرُورَةً وَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُحَرَّمِ تَرْكُ الْيَقِينِ بِالظُّنُونِ، وَأَخْذُ الْمُتَيَقَّنِ نَسْخُهُ وَتَرْكُ الْمُتَيَقَّنِ أَنَّهُ نَاسِخٌ. وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ أَنَّ كُلَّ مَا صَحَّ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِحُكْمٍ مَنْسُوخٍ فَمِنْ الْمُحَالِ الْبَاطِلِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى يُعِيدُ النَّاسِخَ مَنْسُوخًا وَالْمَنْسُوخَ نَاسِخًا وَلَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ تِبْيَانًا لَا إشْكَالَ فِيهِ، إذْ لَوْ كَانَ هَذَا لَكَانَ الدِّينُ مُشْكِلًا غَيْرَ بَيِّنٍ، نَاقِصًا غَيْرَ كَامِلٍ، وَهَذَا بَاطِلٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] وَقَالَ تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]
وَأَيْضًا فَإِنَّمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ذِكْرُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فَقَطْ، فَلَوْ صَحَّ أَنَّهُ نَاسِخٌ لَمَا كَانَ فِيهِ نَسْخُ تَحْرِيمِ اسْتِدْبَارِهَا، وَلَكَانَ مَنْ أَقْحَمَ فِي ذَلِكَ إبَاحَةَ اسْتِدْبَارِهَا كَاذِبًا مُبْطِلًا لِشَرِيعَةٍ ثَابِتَةٍ، وَهَذَا حَرَامٌ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَهُوَ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ رِوَايَةُ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ - وَهُوَ ثِقَةٌ - عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ، وَأَخْطَأَ فِيهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَرَوَاهُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، وَهَذَا أَبْطَلُ وَأَبْطَلُ؛ لِأَنَّ خَالِدًا الْحَذَّاءَ لَمْ يُدْرِكْ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّ نَصَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْبَاطِلِ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَاهُمْ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ ثُمَّ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ طَاعَتَهُ فِي ذَلِكَ، هَذَا مَا لَا يَظُنُّهُ مُسْلِمٌ وَلَا ذُو عَقْلٍ، وَفِي هَذَا الْخَبَرِ إنْكَارُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَنْسُوخًا بِلَا شَكٍّ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ إلَّا إبَاحَةُ الِاسْتِقْبَالِ فَقَطْ، لَا إبَاحَةُ الِاسْتِدْبَارِ أَصْلًا، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ جُمْلَةً. وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَإِنَّهُ رِوَايَةُ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ وَلَيْسَ بِالْمَشْهُورِ، وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ اسْتِقْبَالَهُ الْقِبْلَةَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ بَعْدَ نَهْيِهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَقَالَ جَابِرٌ، ثُمَّ رَأَيْته، وَأَيْضًا فَلَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ إلَّا النَّسْخُ لِلِاسْتِقْبَالِ فَقَطْ، وَأَمَّا الِاسْتِدْبَارُ فَلَا أَصْلًا، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُزَادَ فِي الْأَخْبَارِ مَا لَيْسَ فِيهَا، فَيَكُونُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَاذِبًا، وَلَيْسَ إذَا نَهَى عَنْ شَيْئَيْنِ ثُمَّ نُسِخَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ نَسْخُ الْآخَرِ، فَبَطَلَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، وَسَقَطَ قَوْلُهُمْ لِتَعَرِّيه عَنْ الْبُرْهَانِ. وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّحَارِي وَالْبِنَاءِ فِي ذَلِكَ فَقَوْلٌ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ أَصْلًا، إذْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ فَرْقٌ بَيْنَ صَحْرَاءَ وَبُنْيَانٍ، فَالْقَوْلُ بِذَلِكَ ظَنٌّ، وَالظَّنُّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا يُغْنِي عَنْ الْحَقِّ شَيْئًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى الصَّحَارِي دُونَ الْبُنْيَانِ، وَبَيْنَ آخَرَ قَالَ بَلْ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ فِي الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ خَاصَّةً، وَبَيْنَ آخَرَ قَالَ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ خَاصَّةً، وَكُلُّ هَذَا تَخْلِيطٌ لَا وَجْهَ لَهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا كَانَ فِي الصَّحَارِي، لِأَنَّ هُنَالِكَ قَوْمًا يُصَلُّونَ فَيُؤْذَوْنَ بِذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الْغَائِطِ كَيْفَمَا وَقَعَ فِي الصَّحْرَاءِ فَمَوْضِعُهُ
مسألة جواز الوضوء والغسل للجنابة بالماء الذي اختلط بطاهر
لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قِبْلَةً لِجِهَةٍ مَا، وَغَيْرَ قِبْلَةٍ لِجِهَةٍ أُخْرَى، فَخَرَجَ قَوْلُ مَالِكٍ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ بِسُنَّةٍ أَوْ بِدَلِيلٍ أَصْلًا، وَهُوَ قَوْلٌ خَالَفَ جَمِيعَ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إلَّا رِوَايَةً عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهَا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة جَوَازِ الْوُضُوء وَالْغُسْل للجنابة بِالْمَاءِ الَّذِي اخْتَلَطَ بطاهر] 147 - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَاءٍ خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ مُبَاحٌ فَظَهَرَ فِيهِ لَوْنُهُ وَرِيحُهُ وَطَعْمُهُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ، فَالْوُضُوءُ بِهِ جَائِزٌ وَالْغُسْلُ بِهِ لِلْجَنَابَةِ جَائِزٌ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43] وَهَذَا مَاءٌ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَاقِعُ فِيهِ مِسْكًا أَوْ عَسَلًا أَوْ زَعْفَرَانًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهَا قَالَتْ: «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ اغْتَسَلَ بِمَاءٍ كَانَ فِي صَحْفَةٍ، إنِّي لَأَرَى فِيهَا أَثَرَ الْعَجِينِ، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي الضُّحَى» . وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ «نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ بِأَعْلَى مَكَّةَ فَأَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فِي جَفْنَةٍ إنِّي لَأَرَى أَثَرَ الْعَجِينِ فِيهَا، فَسَتَرَهُ أَبُو ذَرٍّ فَاغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ سَتَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَبَا ذَرٍّ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ وَذَلِكَ فِي الضُّحَى» . حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا أَبُو عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ الْعُكْلِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ «أَنَّ مَيْمُونَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَرَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَا مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا قَوْلُ ثَابِتٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إذَا غَسَلَ الْجُنُبُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ أَجْزَأَهُ، وَكَذَلِكَ نَصًّا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرُوِيَ أَيْضًا هَذَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَثَبَتَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَعَنْ صَوَاحِبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ وَالتَّابِعَاتِ مِنْهُنَّ: أَنَّ الْمَرْأَةَ الْجُنُبَ
وَالْحَائِضَ إذَا امْتَشَطَتْ بِحِنَّاءٍ رَقِيقٍ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهَا مِنْ غَسْلِ رَأْسِهَا لِلْحَيْضَةِ وَالْجَنَابَةِ وَلَا تُعِيدُ غَسْلَهُ، وَثَبَتَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْجُنُبِ: يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالسِّدْرِ وَالْخِطْمِيِّ: إنَّهُ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ مِنْ غَسْلِ رَأْسِهِ لِلْجَنَابَةِ. وَقَوْلُنَا فِي هَذَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَدَاوُد. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ نَحْوُ هَذَا أَيْضًا. وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ سَأَلَ مَالِكًا عَنْ الْغَدِيرِ تَرِدُهُ الْمَوَاشِي فَتَبُولُ فِيهِ وَتُبْعِرُ حَتَّى يَتَغَيَّرَ لَوْنُ الْمَاءِ وَرِيحُهُ: أَيُتَوَضَّأُ مِنْهُ لِلصَّلَاةِ؟ قَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ، كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَجْعَلَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَرَامِ سُتْرَةً مِنْ الْحَلَالِ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِخِلَافِ هَذَا، وَهُوَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ فِي الْمَاءِ يُبَلُّ فِيهِ الْخُبْزُ أَوْ يَقَعُ فِيهِ الدُّهُنُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَكَذَلِكَ الْمَاءُ يُنْقَعُ فِيهِ الْجِلْدُ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ الْقَوْلِ، لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٍ، بَلْ خَالَفُوا فِيهِ ثَلَاثَةً مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ، وَخَالَفُوا فِيهِ فُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَمَا نَعْلَمُهُمْ احْتَجُّوا بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ قَالُوا: لَيْسَ هُوَ مَاءٌ مُطْلَقًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ، بَلْ هُوَ مَاءٌ مُطْلَقٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ آخَرُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ الَّذِي فِيهِ وَبَيْنَ حَجَرٍ يَكُونُ فِيهِ، وَهُمْ يُجِيزُونَ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الَّذِي تَغَيَّرَ مِنْ طِينِ مَوْضِعِهِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ. وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا حُكْمَ الْمَاءِ لِلْمَاءِ الَّذِي مَازَجَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ لَمْ يُزِلْ عَنْهُ اسْمَ الْمَاءِ، وَجَعَلُوا لِلْفِضَّةِ الْمَخْلُوطَةِ بِالنُّحَاسِ - خَلْطًا يُغَيِّرُهَا - حُكْمَ الْفِضَّةِ الْمُحْصَنَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الذَّهَبِ الْمَمْزُوجِ فَجَعَلُوهُ كَالذَّهَبِ الصِّرْفِ فِي الزَّكَاةِ وَالصَّرْفِ، وَهَذَا هُوَ الْخَطَأُ وَعَكْسُ الْحَقَائِقِ، لِأَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الزَّكَاةَ فِي الصُّفْرِ الْمُمَازِجِ لِلْفِضَّةِ، وَهَذَا بَاطِلٌ وَأَبَاحُوا صَرْفَ فِضَّةٍ وَصُفْرٍ بِمِثْلِ وَزْنِ الْجَمِيعِ مِنْ فِضَّةٍ مَحْضَةٍ، وَهَذَا هُوَ الرِّبَا بِعَيْنِهِ وَأَمَّا الْوُضُوءُ بِمَاءٍ قَدْ مَازَجَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فَإِنَّمَا يَتَوَضَّأُ وَيَغْتَسِلُ بِالْمَاءِ، وَلَا يَضُرُّهُ مُرُورُ شَيْءٍ طَاهِرٍ عَلَى أَعْضَائِهِ مَعَ الْمَاءِ.
مسألة حكم الوضوء والغسل إذا لم يوجد شرط الجواز وهو زوال اسم الماء عنه
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ كَمَاءِ الْوَرْدِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ مَاءَ الْوَرْدِ لَيْسَ مَاءً أَصْلًا، وَهَذَا مَاءٌ وَشَيْءٌ آخَرُ مَعَهُ فَقَطْ. [مَسْأَلَة حُكْم الْوُضُوء وَالْغُسْل إذَا لَمْ يُوجَد شَرْط الْجَوَاز وَهُوَ زَوَال اسْم الْمَاء عَنْهُ] 148 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ سَقَطَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ جُمْلَةً، كَالنَّبِيذِ وَغَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ وَلَا الْغُسْلُ، وَالْحُكْمُ حِينَئِذٍ التَّيَمُّمُ، وَسَوَاءٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وُجِدَ مَاءٌ آخَرُ أَمْ لَمْ يُوجَدْ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ» . وَلَمَّا كَانَ اسْمُ الْمَاءِ لَا يَقَعُ عَلَى مَا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْمَاءِ حَتَّى تَزُولَ عَنْهُ جَمِيعُ صِفَاتِ الْمَاءِ الَّتِي مِنْهَا يُؤْخَذُ حَدُّهُ، صَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ مَاءً، وَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِغَيْرِ الْمَاءِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ بِهِ الْحَسَنُ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمْ. وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ النَّبِيذَ وَضُوءٌ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْمَاءُ وَلَا يَتَيَمَّمُ مَعَ وُجُودِهِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَتَيَمَّمُ إذَا عَدِمَ الْمَاءَ مَا دَامَ يُوجَدُ نَبِيذٌ غَيْرُ مُسْكِرٍ، فَإِنْ كَانَ مُسْكِرًا فَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ. وَقَالَ حُمَيْدٌ صَاحِبُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ: نَبِيذُ التَّمْرِ خَاصَّةً يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَالْغُسْلُ الْمُفْتَرَضُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وُجِدَ الْمَاءُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِغَيْرِ نَبِيذِ التَّمْرِ، وُجِدَ الْمَاءُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَشْهَرِ قَوْلَيْهِ: إنَّ نَبِيذَ التَّمْرِ خَاصَّةً إذَا لَمْ يُسْكِرْ فَإِنَّهُ يُتَوَضَّأُ بِهِ وَيُغْتَسَلُ - فِيمَا كَانَ خَارِجَ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى خَاصَّةً - عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، فَإِنْ أَسْكَرَ، فَإِنْ كَانَ مَطْبُوخًا جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ وَالْغُسْلُ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ نِيئًا لَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهُ أَصْلًا فِي ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، لَا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَلَا فِي الْأَمْصَارِ وَلَا فِي الْقُرَى أَصْلًا - وَإِنْ عَدِمَ الْمَاءَ - وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ الْأَنْبِذَةِ غَيْرَ نَبِيذِ التَّمْرِ لَا فِي الْقُرَى وَلَا فِي غَيْرِ الْقُرَى، وَلَا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْهُ أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِذَةِ يُتَوَضَّأُ بِهَا وَيُغْتَسَلُ، كَمَا قَالَ فِي نَبِيذِ التَّمْرِ سَوَاءً سَوَاءً.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يُتَوَضَّأُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَيُتَيَمَّمُ مَعًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ طُرُقٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ لَيْلَةَ الْجِنِّ: مَعَكَ مَاءٌ؟ قَالَ لَيْسَ مَعِي مَاءٌ، وَلَكِنْ مَعِي إدَاوَةً فِيهَا نَبِيذٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ» وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ بِنَبِيذٍ وَقَالَ: تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - رَكِبُوا الْبَحْرَ فَلَمْ يَجِدُوا إلَّا مَاءَ الْبَحْرِ وَنَبِيذًا، فَتَوَضَّئُوا بِالنَّبِيذِ وَلَمْ يَتَوَضَّئُوا بِمَاءِ الْبَحْرِ. وَذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مَزِيدَةَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: إذَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ فَلْتَتَوَضَّأْ بِالنَّبِيذِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: وَحَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدُ بْنِ خَازِمٍ الضَّرِيرُ ثنا
الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ. قَالُوا: وَلَا مُخَالِفَ لِمَنْ ذَكَرْنَا يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَهُوَ إجْمَاعٌ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ مُخَالِفِينَا. وَقَالُوا: النَّبِيذُ مَاءٌ بِلَا شَكٍّ خَالَطَهُ غَيْرُهُ، فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَالْوُضُوءُ بِهِ جَائِزٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَشْغَبُوا بِهِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. أَمَّا الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ فَلَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ أَوْ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ كَلَامًا مُسْتَقْصًى فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ بِنَقْلِ التَّوَاتُرِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّ لَيْلَةَ الْجِنِّ كَانَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَلَمْ تَنْزِلْ آيَةُ الْوُضُوءِ إلَّا بِالْمَدِينَةِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَفِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَلَمْ يَأْتِ قَطُّ أَثَرٌ بِأَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ فَرْضًا بِمَكَّةَ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ كَلَا وُضُوءٍ، فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهِ لَوْ صَحَّ. وَأَمَّا الَّذِي رَوَوْهُ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَهُوَ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ وَالْحَسَنَ بْنَ حَيٍّ وَأَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ كُلَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ، مُجِيزُونَ لِلْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ، وَلَا يُجِيزُونَ الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ، مَا دَامَ يُوجَدُ مَاءُ الْبَحْرِ، وَكُلُّهُمْ - حَاشَا حُمَيْدًا صَاحِبَ الْحَسَنِ بْنُ حَيٍّ - لَا يُجِيزُ الْوُضُوءَ أَلْبَتَّةَ بِالنَّبِيذِ مَا دَامَ يُوجَدُ مَاءُ الْبَحْرِ، وَحُمَيْدٌ صَاحِبُ الْحَسَنِ يُجِيزُ الْوُضُوءَ بِمَاءِ الْبَحْرِ مَعَ وُجُودِ النَّبِيذِ، فَكُلُّهُمْ مُخَالِفٌ لِمَا ادَّعَوْهُ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي ذَلِكَ، وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَرَى الْمَرْءُ حُجَّةً عَلَى خَصْمِهِ مَا لَا يَرَاهُ حُجَّةً عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَيْضًا فَإِنَّ حُمَيْدًا صَاحِبَ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ يُخَالِفُ الرِّوَايَةَ عَنْ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَرَى الْوُضُوءَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ عَلِيٍّ، وَيَرَى أَنَّ سَائِرَ الْأَنْبِذَةِ لَا يَحِلُّ بِهَا الْوُضُوءُ أَصْلًا، وَهَذَا خِلَافُ الرِّوَايَةِ عَنْ عَلِيٍّ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ فِي النَّبِيذِ مَاءً خَالَطَهُ غَيْرُهُ، فَهُوَ لَازِمٌ لَهُمْ فِي لَبَنٍ مُزِجَ بِمَاءٍ،
وَفِي الْحِبْرِ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ مَعَ عَفْصٍ وَزَاجٍ، وَفِي الْأَمْرَاقِ؛ لِأَنَّهَا مَاءٌ وَزَيْتٌ وَخَلٌّ، أَوْ مَاءٌ وَزَيْتٌ وَمَرِيٌّ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، فَظَهَرَ تَنَاقُضُهُمْ فِي كُلِّ مَا احْتَجُّوا بِهِ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَهُوَ أَبْعَدُهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا حُجَّةٌ. أَمَّا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ حِينَ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ خَارِجَ مَكَّةَ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُ بِتَخْصِيصِ جَوَازِ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ خَارِجَ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى؟ وَهَذَا خِلَافٌ لِمَا فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ لَا يَرَى التَّيَمُّمَ فِيمَا يَقْرَبُ مِنْ الْقَرْيَةِ، وَلَا قَصْرَ الصَّلَاةِ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَحَدَ وَعِشْرِينَ فَرْسَخًا فَصَاعِدًا، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى دَلِيلٍ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا وَدَلِيلُهُ فِي ذَلِكَ جَارٍ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ الثَّانِي الَّذِي قَاسَ فِيهِ جَمِيعَ الْأَنْبِذَةِ عَلَى نَبِيذِ التَّمْرِ، فَهَلَّا قَاسَ أَيْضًا دَاخِلَ الْقَرْيَةِ عَلَى خَارِجِهَا وَمَا الْمُجِيزُ لَهُ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ وَالْمَانِعُ لَهُ مِنْ الْآخَرِ؟ لَا سِيَّمَا مَعَ مَا فِي الْخَبَرِ مِنْ قَوْلِهِ «تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» فَإِذْ هُوَ مَاءٌ طَهُورٌ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ مَعَ وُجُودِ مَاءٍ غَيْرِهِ، وَكِلَاهُمَا مَاءٌ طَهُورٌ؟ وَهَذَا مَا لَا انْفِكَاكَ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ لَا يُجِيزُهُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فَلْيُجِزْهُ لِلْمَرِيضِ فِي الْحَضَرِ مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ. وَأَمَّا فِعْلُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَقَوْلُ عَلِيٍّ فَهُوَ مُخَالِفٌ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يُجِيزُ الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ مَعَ وُجُودِ مَاءِ الْبَحْرِ، وَلَا يُجِيزُ الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ وَإِنْ عَدِمَ الْمَاءَ فِي الْقُرَى، وَلَيْسَ هَذَا فِي قَوْلِ عَلِيٍّ، وَلَمْ يَخُصَّ عَلِيٌّ نَبِيذَ تَمْرٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَخُصُّهُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَلَا أَمْقُتُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِمَّنْ يُنْكِرُ عَلَى مُخَالِفِهِ تَرْكَ قَوْلٍ هُوَ أَوَّلُ تَارِكٍ لَهُ وَلَا سِيَّمَا وَمُخَالِفُهُ لَا يَرَى ذَلِكَ الَّذِي تَرَكَ حُجَّةً. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2] {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3] . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ النَّبِيذَ مَاءٌ وَتَمْرٌ فَيَلْزَمُهُمْ هَذَا كَمَا قُلْنَا فِي الْأَمْرَاقِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَنْبِذَةِ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ. فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلَيْ أَبِي حَنِيفَةَ مَعًا. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فَفَاسِدٌ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ جَائِزًا فَالتَّيَمُّمُ مَعَهُ فُضُولٌ. أَوْ لَا يَكُونَ الْوُضُوءُ بِهِ جَائِزًا فَاسْتِعْمَالُهُ فُضُولٌ. لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ:
مسألة عدم جواز غمس المستيقظ يديه في وضوئه
إنَّهُ إذَا كَانَ فِي ثَوْبِ الْمَرْءِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ مِنْ نَبِيذٍ مُسْكِرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُجْتَمِعَ عَلَى جَسَدِ الْمُتَوَضِّئِ بِالنَّبِيذِ أَوْ الْمُغْتَسِلِ بِهِ وَفِي ثَوْبِهِ أَكْثَرُ مِنْ دَرَاهِمَ بَغْلِيَّةٍ كَثِيرَةٍ. فَإِنْ قَالَ مَنْ يَنْتَصِرُ لَهُ: إنَّا لَا نَدْرِي أَيَلْزَمُ الْوُضُوءُ بِهِ فَلَا يُجْزِئُ تَرْكُهُ أَوْ لَا يَحِلُّ الْوُضُوءُ بِهِ فَلَا يُجْزِئُ فِعْلُهُ. فَجَمَعَنَا الْأَمْرَيْنِ. قِيلَ لَهُمْ: الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ فَرْضٌ مُتَيَقَّنٌ عِنْدَ وُجُودِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ، وَالْوُضُوءُ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ مَا يُجْزِئُ الْوُضُوءُ بِهِ فَرْضٌ مُتَيَقَّنٌ، وَالْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ عِنْدَكُمْ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مُتَيَقَّنًا فَاسْتِعْمَالُهُ لَا يَلْزَمُ، وَمَا لَا يَلْزَمُ فَلَا مَعْنَى لِفِعْلِهِ، وَلَوْ جِئْتُمْ إلَى اسْتِعْمَالِ كُلِّ مَا تَشُكُّونَ فِي وُجُوبِهِ لَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْكُمْ، لَا سِيَّمَا وَأَنْتُمْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ نَجِسٌ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ كَوْنُهُ فِي الثَّوْبِ، وَأَنْتُمْ مُقِرُّونَ أَنَّ الْوُضُوءَ بِالنَّجِسِ الْمُتَيَقَّنِ لَا يَحِلُّ. وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ فَإِنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يَقُولُونَ فِي أُصُولِهِمْ وَفُرُوعِهِمْ: إنَّ خِلَافَ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ لَا يَحِلُّ. وَهَذَا مَكَانٌ نَقَضُوا فِيهِ هَذَا الْأَصْلَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ بِالْقِيَاسِ، وَقَدْ نَقَضَ هَهُنَا أَصْلَهُ فِي الْقَوْلِ بِهِ، فَلَمْ يَقِسْ الْأَمْرَاقَ وَلَا سَائِرَ الْأَنْبِذَةِ عَلَى نَبِيذِ التَّمْرِ، وَخَالَفَ أَيْضًا أَقْوَالَ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَمَا ذَكَرْنَا دُونَ مُخَالِفٍ يُعْرَفُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا أَيْضًا هَادِمٌ لِأَصْلِهِ، فَلْيَقِفْ عَلَى ذَلِكَ مَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى تَنَاقُضِ أَقْوَالِهِمْ، وَهَدْمِ فُرُوعِهِمْ لِأُصُولِهِمْ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة عدم جَوَازِ غمس المستيقظ يديه فِي وُضُوئِهِ] 149 - مَسْأَلَةٌ: وَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْتَيْقِظٍ مِنْ نَوْمٍ - قَلَّ النَّوْمُ أَوْ كَثُرَ، نَهَارًا كَانَ أَوْ لَيْلًا، قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ قَائِمًا. فِي صَلَاةٍ أَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، كَيْفَمَا نَامَ - أَلَا يُدْخِلَ يَدَهُ فِي وُضُوئِهِ - فِي إنَاءٍ كَانَ وُضُوءَهُ أَوْ مِنْ نَهْرٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ - حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَسْتَنْشِقَ وَيَسْتَنْثِرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يُجِزْهُ الْوُضُوءُ وَلَا تِلْكَ الصَّلَاةُ. نَاسِيًا تَرَكَ ذَلِكَ أَوْ عَامِدًا. وَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَسْتَنْشِقَ كَذَلِكَ ثُمَّ يَبْتَدِيَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، وَالْمَاءُ طَاهِرٌ بِحَسَبِهِ. فَإِنْ صَبَّ عَلَى يَدَيْهِ وَتَوَضَّأَ دُونَ أَنْ يَغْمِسَ يَدَيْهِ فَوُضُوءُهُ غَيْرُ تَامٍّ وَصَلَاتُهُ غَيْرُ تَامَّةٍ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا أَبُو عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِ فَلَا يَغْمِسُ - يَعْنِي يَدَهُ - حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا الْغُسْلَ خَوْفُ نَجَاسَةٍ تَكُونُ فِي الْيَدِ، وَهَذَا بَاطِلٌ لَا شَكَّ فِيهِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَمَا عَجَزَ عَنْ أَنْ يُبَيِّنَهُ، وَلَمَا كَتَمَهُ عَنْ أُمَّتِهِ، وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ خَوْفَ نَجَاسَةٍ لَكَانَتْ الرِّجْلُ كَالْيَدِ فِي ذَلِكَ، وَلَكَانَ بَاطِنُ الْفَخِذَيْنِ وَمَا بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ أَوْلَى بِذَلِكَ. وَمِنْ الْعَجَبِ عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ يَكُونَ ظَنُّ كَوْنِ النَّجَاسَةِ فِي الْيَدِ يُوجِبُ غَسْلَهَا ثَلَاثًا، فَإِذَا تَيَقَّنَ كَوْنَ النَّجَاسَةِ فِيهَا أَجْزَأَهُ إزَالَتُهَا بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ وَجَبَ غَسْلُ الْيَدِ هُوَ مَا نَصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ مَغِيبِ النَّائِمِ عَنْ دِرَايَتِهِ أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ فَقَطْ، وَيَجْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى مَا شَاءَ سَبَبًا لِمَا شَاءَ، كَمَا جَعَلَ تَعَالَى الرِّيحَ الْخَارِجَ مِنْ أَسْفَلَ سَبَبًا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَغَسْلَ الْوَجْهِ وَمَسْحَ الرَّأْسِ وَغَسْلَ الذِّرَاعَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. وَادَّعَى قَوْمٌ أَنَّ هَذَا فِي نَوْمِ اللَّيْلِ خَاصَّةً لِقَوْلِهِ «أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» وَادَّعَوْا أَنَّ الْمَبِيتَ لَا يَكُونُ إلَّا بِاللَّيْلِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ، بَلْ يُقَالُ: بَاتَ الْقَوْمُ يُدَبِّرُونَ أَمْرَ كَذَا، وَإِنْ كَانَ نَهَارًا. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ الْهَمْدَانِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ هُوَ الزُّبَيْرِيُّ - عَنْ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ» . كَتَبَ إلَيَّ سَالِمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فَتْحٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الشَّنْتَجَالِيُّ قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ الْجُلُودِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ ابْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ الْمَكِّيُّ ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ثنا يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْفَرْضِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] وَمَنْ تَوَضَّأَ بِغَيْرِ أَنْ يَفْعَلَ مَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَفْعَلَهُ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ الْوُضُوءَ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ كَذَلِكَ فَلَا صَلَاةَ لَهُ، لَا سِيَّمَا طَرْدُ الشَّيْطَانِ عَنْ خَيْشُومِ الْمَرْءِ، فَمَا نَعْلَمُ مُسْلِمًا يَسْتَسْهِلُ الْأُنْسَ بِكَوْنِ الشَّيْطَانِ هُنَاكَ. وَقَدْ أَوْجَبَ الْمَالِكِيُّونَ مُتَابَعَةَ الْوُضُوءِ فَرْضًا لَا يَتِمُّ الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ إلَّا بِهِ، وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرْضًا لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ، وَأَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ الِاسْتِنْشَاقَ وَالْمَضْمَضَةَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ فَرْضًا لَا يَتِمُّ الْغُسْلُ وَالصَّلَاةُ إلَّا بِهِ. وَكُلُّ هَذَا لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَهَذَا الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُنْكَرَ لَا فِعْلَ مَنْ أَوْجَبَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَمْ يَقُلْ فِيمَا قَالَ لَهُ نَبِيُّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: افْعَلْ كَذَا، فَقَالَ
مسألة عدم جواز الغسل من الماء الراكد للجنب
هُوَ: لَا أَفْعَلُ إلَّا أَنْ أَشَاءَ، وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ بِغَيْرِ يَقِينٍ كَذِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ كُلِّهَا. نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ: أَحَقٌّ عَلَيَّ أَنْ أَسْتَنْشِقَ؟ قَالَ نَعَمْ، قُلْت كَمْ؟ قَالَ ثَلَاثًا، قُلْت عَمَّنْ؟ قَالَ عَنْ عُثْمَانَ. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: ثنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ: إنْ كَانَ جُنُبًا فَثَلَاثًا، وَإِنْ كَانَ جَاءَ مِنْ الْغَائِطِ فَاثْنَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ جَاءَ مِنْ الْبَوْلِ فَوَاحِدَةً. وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَغْسِلْ يَدَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي الْوَضُوءِ، وَبِهِ يَقُولُ دَاوُد وَأَصْحَابُنَا. [مَسْأَلَة عدم جَوَازِ الْغُسْل مِنْ الْمَاء الراكد لِلْجَنْبِ] 150 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُجْزِئُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ، فَإِنْ اغْتَسَلَ فِيهِ فَلَمْ يَغْتَسِلْ، وَالْمَاءُ طَاهِرٌ بِحَسَبِهِ، وَلَهُ أَنْ يُعِيدَ الْغُسْلَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَا يُجْزِئُ الْجُنُبُ أَنْ يَغْتَسِلَ لِفَرْضٍ غَيْرِ الْجَنَابَةِ فِي مَاءٍ رَكَادٍ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ جُنُبٍ أَجْزَأَهُ الِاغْتِسَالُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَالْوُضُوءُ جَائِزٌ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، فَمَنْ اغْتَسَلَ وَهُوَ جُنُبٌ فِي جَوْنٍ مِنْ أَجْوَانِ النَّهْرِ وَالنَّهْرُ رَاكِدٌ لَمْ يُجْزِهِ، وَأَمَّا الْبَحْرُ فَهُوَ جَارٍ أَبَدًا مُضْطَرِبٌ مُتَحَرِّكٌ غَيْرُ رَاكِدٍ، هَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ عِيَانًا، وَكَذَلِكَ مَنْ بَالَ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ ثُمَّ سَرَحَ لِذَلِكَ الْمَاءِ فَجَرَى فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْوُضُوءُ مِنْهُ وَلَا الِاغْتِسَالُ، لِأَنَّهُ قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ وَالْوُضُوءُ مِنْ عَيْنِ ذَلِكَ الْمَاءِ بِالنَّصِّ، وَلَوْ بَالَ فِي مَاءٍ جَارٍ ثُمَّ أُغْلِقَ صَبَبُهُ فَرَكَدَ جَازَ لَهُ الْوُضُوءُ مِنْهُ وَالِاغْتِسَالُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبُلْ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ، وَالِاغْتِسَالُ لِلْجَنَابَةِ وَغَيْرِهَا فِي الْمَاءِ الْجَارِي مُبَاحٌ، وَإِنْ بَالَ فِيهِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْوُضُوءُ مِنْهُ وَفِيهِ وَالْغُسْلُ مِنْهُ وَفِيهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو الطَّاهِرِ وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الْأَيْلِيُّ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» ، فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا ".
مسالة عدم صحة وضوء الرجل وغسله من فضل المرأة الحائض
فَهَذَا أَبُو هُرَيْرَةَ لَا يَرَى أَنْ يَغْتَسِلَ الْجُنُبُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إنْ فَعَلَ تَنَجَّسَ الْمَاءُ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ هَذَا الْقَوْلِ قَبْلُ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ، وَأَجَازَ غُسْلَهُ إنْ اغْتَسَلَ كَذَلِكَ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِخِلَافِهِ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ الرَّاكِدُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَلَوْ أَنَّهُ فَرَاسِخُ فِي فَرَاسِخَ، لَا يُجْزِئُ الْجُنُبُ أَنْ يَغْتَسِلَ فِيهِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَخُصَّ مَاءً مِنْ مَاءٍ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الْوُضُوءِ فِيهِ وَلَا عَنْ الْغُسْلِ لِغَيْرِ الْجُنُبِ فِيهِ، فَهُوَ مُبَاحٌ {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1] . [مسالة عدم صِحَّة وضوء الرَّجُل وَغَسَلَهُ مِنْ فَضْل الْمَرْأَة الْحَائِض] 151 - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَاء تَوَضَّأَتْ مِنْهُ امْرَأَةٌ - حَائِضٌ أَوْ غَيْرُ حَائِضٍ - أَوْ اغْتَسَلَتْ مِنْهُ فَأَفْضَلَتْ مِنْهُ فَضْلًا، لَمْ يَحِلَّ لِرَجُلٍ الْوُضُوءُ مِنْ ذَلِكَ الْفَضْلِ وَلَا الْغُسْلُ مِنْهُ، سَوَاءٌ وَجَدُوا مَاءً آخَرَ أَوْ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَهُ، وَفَرْضُهُمْ التَّيَمُّمُ حِينَئِذٍ، وَحَلَالٌ شُرْبُهُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَجَائِزٌ الْوُضُوءُ بِهِ وَالْغُسْلُ لِلنِّسَاءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَلَا يَكُونُ فَضْلًا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِمَّا اسْتَعْمَلَتْهُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ فَلَيْسَ فَضْلًا، وَالْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ بِهِ جَائِزٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَأَمَّا فَضْلُ الرِّجَالِ فَالْوُضُوءُ بِهِ وَالْغُسْلُ جَائِزٌ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، إلَّا أَنْ يَصِحَّ خَبَرٌ فِي نَهْيِ الْمَرْأَةِ عَنْهُ فَنَقِفَ عِنْدَهُ، وَلَمْ نَجِدْهُ صَحِيحًا فَإِنْ تَوَضَّأَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ أَوْ اغْتَسَلَا مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ يَغْتَرِفَانِ مَعًا فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا نُبَالِي أَيُّهُمَا بَدَأَ قَبْلُ، أَوْ أَيُّهُمَا أَتَمَّ قَبْلُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ قَالَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد هُوَ السِّجِسْتَانِيُّ - ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا أَبُو دَاوُد هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - ثنا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي حَاجِبٍ هُوَ سَوَادَةُ بْنُ عَاصِمٍ - عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرو الْغِفَارِيِّ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ»
أَخْبَرَنِي أَصْبَغُ قَالَ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْعُقَيْلِيِّ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا مَعْلِيُّ بْنُ أَسَدٍ ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ» . وَلَمْ يُخْبِرْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ، وَلَا أَمَرَ غَيْرَ الرِّجَالِ بِاجْتِنَابِهِ، وَبِهَذَا يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ وَالْحَكَمُ بْنِ عَمْرٍو، وَهُمَا صَاحِبَانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِهِ تَقُولُ جُوَيْرِيَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَأُمُّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ ضَرَبَ بِالدِّرَّةِ مَنْ خَالَفَ هَذَا الْقَوْلَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيِّ عَنْ الْوُضُوءِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، فَكِلَاهُمَا نَهَانِي عَنْهُ. وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ مَا لَمْ تَكُنْ حَائِضًا أَوْ جُنُبًا. وَقَدْ صَحَّ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ مَعَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ مَعًا حَتَّى يَقُولَ أَبْقِي لِي وَتَقُولَ لَهُ أَبْقِ لِي» وَهَذَا حَقٌّ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَضْلًا حَتَّى يَتْرُكَهُ. هَذَا حُكْمُ اللُّغَةِ بِلَا خِلَافٍ. وَاحْتَجَّ مَنْ خَالَفَ هَذَا بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَحَمَّتْ مِنْ جَنَابَةٍ
فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَوَضَّأَ مِنْ فَضْلِهَا فَقَالَتْ لَهُ: إنِّي اغْتَسَلْت فَقَالَ: إنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَبِحَدِيثٍ آخَرَ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الطَّهْرَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ، مُخْتَصَرٌ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَكَذَا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ مُخْتَصَرٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَانِ حَدِيثَانِ لَا يَصِحَّانِ، فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَرِوَايَةُ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، وَهُوَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ، شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ، وَهَذِهِ جُرْحَةٌ ظَاهِرَةٌ (وَالثَّانِي) أَخْطَأَ فِيهِ الطَّهْرَانِيُّ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ هَذَا أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ وَقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ وَهُوَ الْبُرْسَانِيُّ ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ ثنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَكْبَرُ عِلْمِي وَاَلَّذِي يَخْطُرُ عَلَى بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أَخْبَرَنِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ شَكَّ فِيهِ وَلَمْ يَقْطَعْ بِإِسْنَادِهِ، وَهَؤُلَاءِ أَوْثَقُ مِنْ الطَّهْرَانِيِّ وَأَحْفَظُ بِلَا شَكٍّ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ هَذَانِ الْخَبَرَانِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمَا مَغْمَزٌ لَمَا كَانَتْ فِيهِمَا حُجَّةٌ، لِأَنَّ حُكْمَهُمَا هُوَ الَّذِي كَانَ قَبْلَ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ أَوْ أَنْ يَغْتَسِلَ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ، بِلَا شَكٍّ فِي هَذَا، فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ حُكْمَ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ مَنْسُوخٌ قَطْعًا، حِينَ نَطَقَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالنَّهْيِ عَمَّا فِيهِمَا، لَا مِرْيَةَ فِي هَذَا، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ الْأَخْذُ بِالْمَنْسُوخِ وَتَرْكُ النَّاسِخِ، وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْمَنْسُوخَ قَدْ عَادَ حُكْمُهُ، وَالنَّاسِخُ قَدْ بَطَلَ رَسْمُهُ، فَقَدْ أَبْطَلَ وَادَّعَى غَيْرَ الْحَقِّ، وَمِنْ الْمُحَالِ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَلَا يُبَيِّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الْمُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. عَلَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ - الْمُحْتَجَّيْنِ بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ - مُخَالِفَانِ لِمَا فِي أَحَدِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمَاءُ لَا يَنْجُسُ» وَمِنْ الْقَبِيحِ احْتِجَاجُ قَوْمٍ بِمَا يُقِرُّونَ أَنَّهُ حُجَّةٌ ثُمَّ يُخَالِفُونَهُ وَيُنْكِرُونَ خِلَافَهُ عَلَى مَنْ لَا يَرَاهُ حُجَّةً. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
مسألة عدم صحة وضوء وصلاة من توضأ بماء لاحق له فيه
وَرُوِّينَا إبَاحَةَ وُضُوءِ الرَّجُلِ مِنْ فَضْلِ الْمَرْأَةِ عَنْ عَائِشَةَ وَعَلِيٍّ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فَأَمَّا الطَّرِيقُ عَنْ عَائِشَةَ فَفِيهَا الْعَرْزَمِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ لَا يُدْرَى مَنْ هِيَ. وَأَمَّا الطَّرِيقُ عَنْ عَلِيٍّ فَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ ضُمَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَهِيَ صَحِيفَةٌ مَوْضُوعَةٌ مَكْذُوبَةٌ لَا يَحْتَجُّ بِهَا إلَّا جَاهِلٌ، فَبَقِيَ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سَرْجِسَ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْهُمْ، يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْهُ أَصْلًا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة عدم صِحَّة وضوء وَصَلَاة مِنْ تَوَضَّأَ بِمَاء لاحق لَهُ فِيهِ] 152 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ الْوُضُوءُ بِمَاءٍ أُخِذَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَا مِنْ إنَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ مَأْخُوذٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَا الْغُسْلُ، إلَّا لِصَاحِبِهِ أَوْ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَا صَلَاةَ لَهُ، وَعَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدُ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا بِشْرٌ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ «قَعَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَعِيرٍ فَقَالَ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ -: إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ عُمَرَ مُسْنَدًا صَحِيحًا. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ» . فَكَانَ مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ أُخِذَ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ اغْتَسَلَ بِهِ أَوْ مِنْ إنَاءٍ كَذَلِكَ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ ذَلِكَ الْمَاءَ وَذَلِكَ الْإِنَاءَ فِي غُسْلِهِ وَوُضُوئِهِ حَرَامٌ، وَبِضَرُورَةٍ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ أَنَّ الْحَرَامَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ غَيْرُ الْوَاجِبِ الْمُفْتَرَضِ عَمَلُهُ، فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا فَلَمْ يَتَوَضَّأْ الْوُضُوءَ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَاَلَّذِي لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ، بَلْ هُوَ وُضُوءٌ مُحَرَّمٌ، هُوَ فِيهِ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ الْغُسْلُ، وَالصَّلَاةُ بِغَيْرِ الْوُضُوءِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَبِغَيْرِ الْغُسْلِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ لَا تُجْزِئُ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ. وَنَسْأَلُ الْمُخَالِفِينَ لَنَا عَمَّنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ إطْعَامِ مَسَاكِينَ، فَأَطْعَمَهُمْ مَالَ غَيْرِهِ، أَوْ مَنْ عَلَيْهِ صِيَامُ أَيَّامٍ، فَصَامَ أَيَّامَ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ وَالتَّشْرِيقِ، وَمَنْ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ فَأَعْتَقَ أَمَةَ غَيْرِهِ: أَيُجْزِيهِ ذَلِكَ مِمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ؟ فَمَنْ قَوْلُهُمْ: لَا، فَيُقَالُ لَهُمْ: فَمِنْ أَيْنَ
مسألة عدم صحة الوضوء والغسل من آنية الذهب والفضة للرجال والنساء
مَنَعْتُمْ هَذَا وَأَجَزْتُمْ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ وَإِنَاءٍ مَغْصُوبٍ؟ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ مُفْتَرَضٌ عَلَيْهِ عَمَلٌ مَوْصُوفٌ فِي مَالِ نَفْسِهِ، مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ بِإِقْرَارِكُمْ سَوَاءً سَوَاءٌ. وَهَذَا لَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى الِانْفِكَاكِ مِنْهُ. وَلَيْسَ هَذَا قِيَاسًا بَلْ هُوَ حُكْمٌ وَاحِدٌ دَاخِلٌ تَحْتَ تَحْرِيمِ الْأَمْوَالِ، وَتَحْتَ الْعَمَلِ بِخِلَافِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَكُلُّ هَؤُلَاءِ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مَرْدُودٌ بِحُكْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ فِي هَذَا وَمَنْ قَالَ إنَّمَا يَحْرُمُ مِنْ الْأَمْوَالِ الْبُرُّ وَالتَّمْرُ، وَأَمَّا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ فَلَا، وَهَذَا تَحَكُّمٌ فَاسِدٌ. وَالْعَجَبُ أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ يُبْطِلُونَ طَهَارَةَ مَنْ تَطَهَّرَ بِمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّونَ وَأَنَّ الْمَالِكِيِّينَ يُبْطِلُونَ طَهَارَةَ مَنْ تَطَهَّرَ بِمَاءٍ بُلَّ فِيهِ خُبْزٌ، دُونَ نَصٍّ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَلَا حُجَّةَ بِأَيْدِيهِمْ إلَّا تَشْغِيبٌ يَدَّعُونَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ هَذَيْنِ الْمَاءَيْنِ ثُمَّ يُجِيزُونَ الطَّهَارَةَ بِمَاءٍ وَإِنَاءٍ، يُقِرُّونَ كُلُّهُمْ بِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ، وَثَبَتَ تَحْرِيمُهُ وَتَحْرِيمُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ عَلَيْهِ، وَهَذَا عَجَبٌ لَا يَكَادُ يُوجَدُ مِثْلُهُ وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ الْمُتَيَقَّنَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمَانِعِينَ مِنْهُ فِي الْأَصْلِ، وَخَالَفُوا أَيْضًا الْقِيَاسَ وَمَا تَعَلَّقُوا فِي جَوَازِهِ بِشَيْءٍ أَصْلًا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة عدم صِحَّة الْوُضُوء وَالْغُسْل مِنْ آنِيَة الذَّهَب وَالْفِضَّة لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاء] 153 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَلَا الْغُسْلُ مِنْ إنَاءِ ذَهَبٍ وَلَا مِنْ إنَاءِ فِضَّةٍ لَا لِرَجُلٍ وَلَا لِامْرَأَةٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ ثنا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَآنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقَالَ: هُوَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» وَقَدْ رُوِّينَا أَيْضًا عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّهْيَ عَنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ» . فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا نَهَى عَنْ الْأَكْلِ فِيهَا وَالشُّرْبِ. قُلْنَا: هَذَانِ الْخَبَرَانِ نَهْيٌ عَامٌّ عَنْهُمَا جُمْلَةً، فَهُمَا زَائِدَانِ حُكْمًا وَشَرْعًا عَلَى الْأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا النَّهْيُ عَنْ الشُّرْبِ فَقَطْ أَوْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَقَطْ، وَالزِّيَادَةُ فِي الْحُكْمِ لَا يَحِلُّ خِلَافُهَا.
مسألة عدم صحة الوضوء والشرب من الماء الذي بأرض ثمود
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَاءَ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْحَرِيرَ «حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهَا» قُلْنَا: نَعَمْ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مُسْتَثْنًى مِنْ إبَاحَةِ الذَّهَبِ لِلنِّسَاءِ، لِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِعْمَالِ جَمِيعِ الْأَخْبَارِ، وَلَا يُوصَلُ إلَى اسْتِعْمَالِهَا إلَّا هَكَذَا، وَهُمْ قَدْ فَعَلُوا هَذَا فِي الشُّرْبِ فِي إنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَإِنَّهُمْ مَنَعُوا النِّسَاءَ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَثْنَوْهُ مِنْ إبَاحَةِ الذَّهَبِ لَهُنَّ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ ظَرْفًا لَا يَحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُ شَيْئًا» قُلْنَا نَعَمْ، هَذَا حَقٌّ وَبِهِ نَقُولُ، وَالْمَاءُ الَّذِي فِي إنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ شُرْبُهُ حَلَالٌ، وَالتَّطَهُّرُ بِهِ حَلَالٌ، وَإِنَّمَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُ الْإِنَاءِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ فِي الشُّرْبِ مِنْهُ وَفِي التَّطَهُّرِ مِنْهُ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى - الَّتِي هِيَ اسْتِعْمَالُ الْإِنَاءِ الْمُحَرَّمِ - صَارَ فَاعِلُ ذَلِكَ مُجَرْجِرًا فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ بِالنَّصِّ، وَكَانَ فِي حَالِ وُضُوئِهِ وَغُسْلِهِ عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ التَّطَهُّرِ نَفْسِهِ، وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ تَنُوبَ الْمَعْصِيَةُ عَنْ الطَّاعَةِ، وَأَنْ يُجْزِئَ تَطْهِيرٌ مُحَرَّمٌ عَنْ تَطْهِيرٍ مُفْتَرَضٍ. ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: إنَّ مِنْ الْعَجَبِ احْتِجَاجَكُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ وَأَنْتُمْ تُخَالِفُونَهُ، فَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يُحَرِّمُونَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ بِمَاءٍ فِي إنَاءٍ كَانَ فِيهِ خَمْرٌ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا فِي الْمَاءِ أَثَرٌ، فَقَدْ جَعَلُوا هَذَا الْإِنَاءَ يُحَرِّمُ هَذَا الْمَاءَ، خِلَافًا لِلْخَبَرِ الثَّابِتِ وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ النَّبِيذَ الَّذِي فِي الدَّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ، وَهُوَ الَّذِي أَبْطَلَ هَذَا الْخَبَرَ وَفِيهِ وَرَدَ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - إبَاحَةُ الْحُلِيِّ لِلنِّسَاءِ، وَتَحْرِيمُ الْإِنَاءِ مِنْ الْفِضَّةِ أَوْ الْإِنَاءِ الْمُفَضَّضِ عَلَيْهِنَّ. وَهُوَ قَوْلُنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة عدم صِحَّة الْوُضُوء وَالشُّرْب مِنْ الْمَاء الَّذِي بِأَرْضِ ثَمُود] 154 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ الْوُضُوءُ مِنْ مَاءِ بِئَارِ الْحِجْرِ - وَهِيَ أَرْضُ ثَمُودَ - وَلَا الشُّرْبُ، حَاشَا بِئْرَ النَّاقَةِ فَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ مِنْهَا. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ ثنا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ بْنِ حَيَّانَ ثنا سُلَيْمَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحِجْرَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا، قَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا وَاسْتَقَيْنَا فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِينَ وَيُهَرِيقُوا ذَلِكَ الْمَاءَ» . وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ ثنا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ
مسألة عدم صحة الوضوء والغسل بماء العصير مطلقا
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ «أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْضَ ثَمُودَ الْحِجْرَ وَاسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا وَاعْتَجَنُوا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئَارِهَا، وَأَنْ يَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هِيَ مَعْرُوفَةٌ بِتَبُوكَ. [مَسْأَلَة عدم صِحَّة الْوُضُوء وَالْغُسْل بِمَاء الْعَصِير مُطْلَقًا] 155 - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَاءٍ اُعْتُصِرَ مِنْ شَجَرٍ، كَمَاءِ الْوَرْدِ وَغَيْرِهِ، فَلَا يَحِلُّ الْوُضُوءُ بِهِ لِلصَّلَاةِ، وَلَا الْغُسْلُ بِهِ لِشَيْءٍ مِنْ الْفَرَائِضِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَاءً، وَلَا طَهَارَةَ إلَّا بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ أَوْ الصَّعِيدِ عِنْدَ عَدَمِهِ. [مَسْأَلَة بَيَان الْمِيَاه الْجَائِز التَّطْهِير بِهَا] 156 - مَسْأَلَةٌ: وَالْوُضُوءُ لِلصَّلَاةِ وَالْغُسْلُ لِلْفُرُوضِ جَائِزٌ بِمَاءِ الْبَحْرِ وَبِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ وَالْمُشَمَّسِ وَبِمَاءٍ أُذِيبَ مِنْ الثَّلْجِ أَوْ الْبَرَدِ أَوْ الْجَلِيدِ أَوْ مِنْ الْمِلْحِ الَّذِي كَانَ أَصْلُهُ مَاءً وَلَمْ يَكُنْ أَصْلُهُ مَعْدِنًا. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ، وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] وَالْمِلْحُ كَانَ مَاءً ثُمَّ جَمَدَ كَمَا يَجْمُدُ الثَّلْجُ، فَسَقَطَ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ اسْمُ الْمَاءِ، فَحَرُمَ الْوُضُوءُ لِلصَّلَاةِ بِهِ وَالْغُسْلُ لِلْفُرُوضِ، فَإِذَا صَارَ مَاءً عَادَ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ، فَعَادَ حُكْمُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ بِهِ كَمَا كَانَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمِلْحُ الْمَعْدِنِيُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مَاءً. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَفِي بَعْضِ هَذَا خِلَافٌ قَدِيمٌ: رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ وَالْغُسْلَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ لَا يَجُوزُ وَلَا يُجْزِئُ، وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ يَقُولُ بِتَقْلِيدِ الصَّاحِبِ وَيَقُولُ إذَا وَافَقَهُ قَوْلُهُ: " مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ " أَنْ يَقُولَ بِقَوْلِهِمْ هَهُنَا. وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْعُمُومِ، لِأَنَّ الْخَبَرَ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» لَا يَصِحُّ. وَلِذَلِكَ لَمْ نَحْتَجَّ بِهِ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ الْكَرَاهَةُ لِلْمَاءِ الْمُسَخَّنِ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ الْكَرَاهَةُ لِلْمَاءِ الْمُشَمَّسِ، وَكُلُّ هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ، وَلَا حُجَّةَ لَا فِي قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ أَوْ إجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
مسألة من موجبات الوضوء ذهاب العقل
[مَسْأَلَة مِنْ مُوجِبَات الْوُضُوء ذَهَاب الْعَقْل] مَسْأَلَةٌ: الْأَشْيَاءُ الْمُوجِبَةُ لِلْوُضُوءِ وَلَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ غَيْرُهَا. قَالَ قَوْمٌ: ذَهَابُ الْعَقْلِ بِأَيِّ شَيْءٍ ذَهَبَ، مِنْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ سَكِرَ. وَقَالُوا هَذَا إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ. وَبُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ سَقَطَ عَنْهُ الْخِطَابُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ بَطَلَتْ حَالُ طَهَارَتِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا، وَلَوْلَا صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ أَنَّ حُكْمَ جَنَابَتِهِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ لَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا، أَمَّا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فَبَاطِلٌ، وَمَا وَجَدْنَا فِي هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَلِمَةً وَلَا عَنْ أَحَدِ التَّابِعِينَ، إلَّا عَنْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ: إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ - عَلَى أَنَّ الطَّرِيقَ إلَيْهِ وَاهِيَةٌ وَحَمَّادٌ وَالْحَسَنُ فَقَطْ، عَنْ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ الْوُضُوءُ وَعَنْ الثَّالِثِ إيجَابُ الْغُسْلِ، رُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ سَعِيدِ الْحَدَثَانِيِّ وَهُشَيْمٍ، قَالَ سُوَيْد أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ فِي الْمَجْنُونِ إذَا أَفَاقَ: يَتَوَضَّأُ، وَقَالَ هُشَيْمٌ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: إذَا أَفَاقَ الْمَجْنُونُ تَوَضَّأَ وَضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: إذْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ اغْتَسَلَ. فَأَيْنَ الْإِجْمَاعُ؟ لَيْتَ شِعْرِي؟ فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَاهُ عَلَى النَّوْمِ، قُلْنَا: الْقِيَاسُ بَاطِلٌ، لَكِنْ قَدْ وَافَقْتُمُونَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُوجِبُ إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ وَهِيَ الْغُسْلُ، فَقِيسُوا عَلَى سُقُوطِهَا سُقُوطَ الْأُخْرَى وَهِيَ الْوُضُوءُ، فَهَذَا قِيَاسٌ، يُعَارِضُ قِيَاسَكُمْ، وَالنَّوْمُ لَا يُشْبِهُ الْإِغْمَاءَ وَلَا الْجُنُونَ وَلَا السُّكْرَ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ إحْرَامُهُ وَلَا صِيَامُهُ وَلَا شَيْءَ مِنْ عُقُودِهِ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ إبْطَالُ وُضُوئِهِ بِغَيْرِ نَصٍّ فِي ذَلِكَ؟ وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَبَرُ الْمَشْهُورُ الثَّابِتُ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي عِلَّتِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا أَرَادَ الْخُرُوجَ لِلصَّلَاةِ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ اغْتَسَلَ، وَلَمْ تَذْكُرْ وُضُوءًا وَإِنَّمَا كَانَ غُسْلُهُ لِيَقْوَى عَلَى الْخُرُوجِ فَقَطْ» .
مسألة من موجبات الوضوء النوم مطلقا
[مَسْأَلَة مِنْ مُوجِبَات الْوُضُوء النوم مُطْلَقًا] مَسْأَلَةٌ: وَالنَّوْمُ فِي ذَاتِهِ حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا، فِي صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ رَاكِعًا كَذَلِكَ أَوْ سَاجِدًا كَذَلِكَ أَوْ مُتَّكِئًا أَوْ مُضْطَجِعًا، أَيْقَنَ مَنْ حَوَالَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ أَوْ لَمْ يُوقِنُوا. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ قَالَا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ مُحَمَّدٌ ثنا شُعْبَةُ وَقَالَ قُتَيْبَةُ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَقَالَ يَحْيَى ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَزُهَيْرُ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ - وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، ثُمَّ اتَّفَقَ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ وَزُهَيْرٌ وَابْنُ مِغْوَلٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ «زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: سَأَلْت صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ أَنْ نَمْسَحَ عَلَى خِفَافِنَا وَلَا نَنْزِعَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ» . وَلَفْظُ شُعْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ أَلَا نَنْزِعَهُ ثَلَاثًا إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ» فَعَمَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كُلَّ نَوْمٍ، وَلَمْ يَخُصَّ قَلِيلَهُ مِنْ كَثِيرِهِ، وَلَا حَالًا مِنْ حَالٍ، وَسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي رَافِعٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعِكْرِمَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَالْمُزَنِيِّ وَغَيْرُهُمْ كَثِيرٌ. وَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ إلَى أَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَيْف كَانَ. وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَنْ مَكْحُولٍ وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ نَذْكُرُ بَعْضَ ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاضِرِينَ مِنْ خُصُومِنَا لَا يَعْرِفُونَهُ، وَلَقَدْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ جَهْلًا وَجُرْأَةً.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ثنا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ " كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ فَيَضَعُونَ جُنُوبَهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يَنَامُ ثُمَّ يَقُومُونَ إلَى الصَّلَاةِ ". حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ ثنا خَالِدٌ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - ثنا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْت أَنَسًا يَقُولُ " كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ " فَقُلْت لِقَتَادَةَ: سَمِعْته مِنْ أَنَسٍ؟ قَالَ إي وَاَللَّهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَوْ جَازَ الْقَطْعُ بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا لَا يُتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَشِذَّ عَنْهُ أَحَدٌ لَكَانَ هَذَا يَجِبُ أَنْ يُقْطَعَ فِيهِ بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ، لَا لِتِلْكَ الْأَكَاذِيبِ الَّتِي لَا يُبَالِي مَنْ لَا دِينَ لَهُ بِإِطْلَاقِ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِيهَا. وَذَهَبَ دَاوُد بْنُ عَلِيٍّ إلَى أَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إلَّا نَوْمَ الْمُضْطَجِعِ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُمَا، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ صَحَّ عَنْهُ، وَصَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعَنْ عَطَاءٍ وَاللَّيْثِ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ النَّوْمُ الْوُضُوءَ إلَّا أَنْ يَضْطَجِعَ أَوْ يَتَّكِئَ أَوْ مُتَوَكِّئًا عَلَى إحْدَى أَلْيَتَيْهِ أَوْ إحْدَى وَرِكَيْهِ فَقَطْ، وَلَا يَنْقُضُهُ سَاجِدًا أَوْ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ رَاكِعًا، طَالَ ذَلِكَ أَوْ قَصُرَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ نَامَ سَاجِدًا غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ فَوُضُوءُهُ بَاقٍ، وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ بَطَلَ وُضُوءُهُ، وَهُوَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْغَلَبَةِ فِيمَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ مِنْ غَيْرِ هَذَا، وَهُوَ قَوْلٌ لَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالْحَكَمِ، وَلَا نَعْلَمُ كَيْفَ قَالَا. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَنْ نَامَ نَوْمًا يَسِيرًا وَهُوَ قَاعِدٌ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ وَكَذَلِكَ النَّوْمُ الْقَلِيلُ لِلرَّاكِبِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ نَحْوَ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ أَيْضًا، وَرَأْيِ أَيْضًا فِيمَا عَدَا هَذِهِ الْأَحْوَالِ أَنَّ قَلِيلَ النَّوْمِ وَكَثِيرَهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ، وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَصِحَّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: جَمِيعُ النَّوْمِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ إلَّا مِنْ نَامَ جَالِسًا غَيْرَ
زَائِلٍ عَنْ مُسْتَوَى الْجُلُوسِ، فَهَذَا لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، طَالَ نَوْمُهُ أَوْ قَصُرَ، وَمَا نَعْلَمُ هَذَا التَّقْسِيمَ يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَلَا نُحَقِّقُهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ النَّوْمَ حَدَثًا بِالثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ «أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَلَا يُعِيدُ وُضُوءًا ثُمَّ يُصَلِّي» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ، لِأَنَّ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ذَكَرَتْ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» فَصَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِخِلَافِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، وَصَحَّ أَنَّ نَوْمَ الْقَلْبِ الْمَوْجُودِ مِنْ كُلِّ مَنْ دُونَهُ هُوَ النَّوْمُ الْمُوجِبُ لِلْوُضُوءِ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَوَجَدْنَا مِنْ حُجَّةِ مَنْ لَا يَرَى الْوُضُوءَ مِنْ النَّوْمِ إلَّا مِنْ الِاضْطِجَاعِ حَدِيثًا رُوِيَ فِيهِ «إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا فَإِنَّهُ إذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ» وَحَدِيثًا آخَرَ فِيهِ «أَعَلَيَّ فِي هَذَا وُضُوءٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَضَعَ جَنْبَك» وَحَدِيثًا آخَرَ فِيهِ «مَنْ وَضَعَ جَنْبَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كُلُّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ. أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ السَّلَامِ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، ضَعَّفَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ، وَالدَّالَانِيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، رُوِّينَا عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَسْمَعْ قَتَادَةُ مِنْ أَبِي الْعَالِيَةِ إلَّا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ، لَيْسَ هَذَا مِنْهَا، فَسَقَطَ جُمْلَةً وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَالثَّانِي لَا تَحِلُّ رِوَايَتُهُ إلَّا عَلَى بَيَانِ سُقُوطِهِ؛ لِأَنَّهُ رِوَايَةُ بَحْرِ بْنِ كُنَيْزٍ السَّقَّاءِ، وَهُوَ لَا خَيْرَ فِيهِ مُتَّفَقٌ عَلَى إطْرَاحِهِ، فَسَقَطَ جُمْلَةً.
وَالثَّالِثُ رَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى وَهُوَ ضَعِيفٌ يُحَدِّثُ بِالْمَنَاكِيرِ فَسَقَطَ هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ. وَذَكَرُوا أَيْضًا حَدِيثًا فِيهِ «إذَا نَامَ الْعَبْدُ سَاجِدًا بَاهَى اللَّهُ بِهِ الْمَلَائِكَةَ» وَهَذَا لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ لَمْ يُخْبِرْ الْحَسَنَ مِمَّنْ سَمِعَهُ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إسْقَاطُ الْوُضُوءِ عَنْهُ. وَذَكَرُوا أَيْضًا حَدِيثَيْنِ صَحِيحَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْآخَرُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِيهِمَا: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى نَامَ النَّاسُ ثُمَّ اسْتَيْقَظُوا ثُمَّ نَامُوا، ثُمَّ اسْتَيْقَظُوا، فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّوْا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُمْ تَوَضَّئُوا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالثَّانِي مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ: «أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَاجِي رَجُلًا، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاجِيه حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى بِهِمْ» وَحَدِيثًا ثَابِتًا مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَعْتَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعِشَاءِ، حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ لِمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ أَحْوَالِ النَّائِمِ وَلَا بَيْنَ أَحْوَالِ النَّوْمِ، لِأَنَّهَا لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ذِكْرُ حَالِ مَنْ نَامَ كَيْف نَامَ، مِنْ جُلُوسٍ أَوْ اضْطِجَاعٍ أَوْ اتِّكَاءٍ أَوْ تَوَرُّكٍ أَوْ اسْتِنَادٍ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْتَجَّ بِهَا مَنْ لَا يَرَى الْوُضُوءَ مِنْ النَّوْمِ أَصْلًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ بِنَوْمِ مَنْ نَامَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْوُضُوءِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ إلَّا فِيمَا عَلِمَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقَرَّهُ، أَوْ فِيمَا أَمَرَ بِهِ، أَوْ فِيمَا فَعَلَهُ، فَكَيْفَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ «أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إسْلَامٌ يَوْمئِذٍ إلَّا بِالْمَدِينَةِ» ، فَلَوْ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلِمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ لَكَانَ حَدِيثُ صَفْوَانَ نَاسِخًا لَهُ؛ لِأَنَّ إسْلَامَ صَفْوَانَ مُتَأَخِّرٌ فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ جُمْلَةً، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فَلَا مُتَعَلَّقَ لِمَنْ ذَهَبَ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا لَا بِقُرْآنٍ وَلَا بِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا بِعَمَلِ صَحَابَةٍ وَلَا بِقَوْلٍ صَحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلَا بِقِيَاسٍ وَلَا بِاحْتِيَاطٍ، وَهِيَ أَقْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ كَمَا تَرَى لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ مُقَلِّدِيهِمْ أَنْ يَدَّعِيَ عَمَلًا إلَّا كَانَ لِخُصُومِهِ أَنْ يَدَّعِيَ لِنَفْسِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَدْ لَاحَ أَنَّ كُلَّ مَا شَغَبُوا بِهِ مِنْ أَفْعَالِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَإِنَّمَا هُوَ إيهَامٌ مُفْتَضَحٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمْ نَامُوا عَلَى الْحَالِ الَّتِي يُسْقِطُونَ الْوُضُوءَ عَمَّنْ نَامَ كَذَلِكَ، فَسَقَطَتْ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا مِنْ طَرِيقِ السُّنَنِ إلَّا قَوْلَنَا. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو النَّوْمُ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إمَّا أَنْ يَكُونَ النَّوْمُ حَدَثًا وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ حَدَثًا، فَإِنْ كَانَ لَيْسَ حَدَثًا فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، كَيْفَ كَانَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ، وَإِنْ كَانَ حَدَثًا فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ - كَيْف كَانَ - يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَهَذَا قَوْلُنَا فَصَحَّ أَنَّ الْحُكْمَ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ أَحْوَالِ النَّوْمِ خَطَأٌ وَتَحَكُّمٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَدَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ النَّوْمَ لَيْسَ حَدَثًا، وَإِنَّمَا يُخَافُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ الْمَرْءُ، قُلْنَا لَهُمْ: هَذَا لَا مُتَعَلِّقَ لَكُمْ بِشَيْءٍ مِنْهُ، لِأَنَّ الْحَدَثَ مُمْكِنٌ كَوْنُهُ مِنْ الْمَرْءِ فِي أَخَفِّ مَا يَكُونُ مِنْ النَّوْمِ، كَمَا هُوَ مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ فِي النَّوْمِ الثَّقِيلِ وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْجَالِسِ كَمَا هُوَ مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُضْطَجِعِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحَدَثُ مِنْ الْيَقْظَانِ، وَلَيْسَ الْحَدَثُ عَمَلًا يَطُولُ، بَلْ هُوَ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ النَّوْمُ الْكَثِيرُ مِنْ الْمُضْطَجِعِ لَا حَدَثَ فِيهِ، وَيَكُونُ الْحَدَثُ فِي أَقَلِّ مَا يَكُونُ مِنْ نَوْمِ الْجَالِسِ، فَهَذَا لَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا، وَأَيْضًا فَإِنَّ خَوْفَ الْحَدَثِ لَيْسَ حَدَثًا وَلَا يَنْتَقِضُ بِهِ الْوُضُوءُ، وَإِنَّمَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ يَقِينُ الْحَدَثِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَإِذْ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَيْسَ إلَّا أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ خَوْفَ كَوْنِ الْحَدَثِ حَدَثًا، فَقَلِيلُ النَّوْمِ وَكَثِيرُهُ يُوجِبُ نَقْضَ الْوُضُوءِ، لِأَنَّ خَوْفَ الْحَدَثِ جَارٍ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ
يَكُونَ خَوْفَ الْحَدَثِ لَيْسَ حَدَثًا، فَالنَّوْمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَبَطَلَتْ أَقْوَالُ هَؤُلَاءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ. وَقَدْ ذَكَرَ قَوْمٌ أَحَادِيثَ مِنْهَا مَا يَصِحُّ وَمِنْهَا مَا لَا يَصِحُّ، يَجِبُ أَنْ نُنَبِّهَ عَلَيْهَا بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى. مِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ؛ لِأَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ» ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ «لَعَلَّهُ يَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَدْرِي» وَحَدِيثُ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنَمْ حَتَّى يَدْرِيَ مَا يَقْرَأُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَانِ صَحِيحَانِ، وَهُمَا حُجَّةٌ لَنَا، لِأَنَّ فِيهِمَا أَنَّ النَّاعِسَ لَا يَدْرِي مَا يَقْرَأُ وَلَا مَا يَقُولُ، وَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ جُمْلَةً، فَإِذْ النَّاعِسُ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ فَهُوَ فِي حَالِ ذَهَابِ الْعَقْلِ بِلَا شَكٍّ، وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ مَنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ، فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ النَّوْمُ كَذَلِكَ. وَالْآخَرُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ فَإِذَا نَامَتْ الْعَيْنُ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ» وَالثَّانِي مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» . قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ: لَوْ صَحَّا لَكَانَا أَعْظَمَ حُجَّةً لِقَوْلِنَا، لِأَنَّ فِيهِمَا إيجَابَ
مسألة المذي والبول والغائط من أي موضع خرجا من الدبر والأحليل
الْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ جُمْلَةً، دُونَ تَخْصِيصِ حَالٍ مِنْ حَالٍ، وَلَا كَثِيرَ نَوْمٍ مِنْ قَلِيلِهِ، بَلْ مِنْ كُلِّ نَوْمٍ نَصًّا، وَلَكِنَّا لَسْنَا مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِمَا لَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ نَصْرًا لِقَوْلِهِ، وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَانِ أَثَرَانِ سَاقِطَانِ لَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِمَا. أَمَّا حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ فَمِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ وَهُوَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَرَاوِيهِ أَيْضًا بَقِيَّةُ عَنْ الْوَضِينِ بْنِ عَطَاءٍ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة الْمَذْي والبول والغائط مِنْ أَيْ مَوْضِع خرجا مِنْ الدبر والأحليل] 159 - مَسْأَلَةٌ: وَالْمَذْيُ وَالْبَوْلُ وَالْغَائِطُ مِنْ أَيْ مَوْضِعٍ خَرَجَ مِنْ الدُّبُرِ وَالْإِحْلِيلِ أَوْ مِنْ جُرْحٍ فِي الْمَثَانَةِ أَوْ الْبَطْنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْجَسَدِ أَوْ مِنْ الْفَمِ. فَأَمَّا الْمَذْيُ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ تَطْهِيرِ الْمَذْيِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَنْ وَجَدَهُ «وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» وَأَمَّا الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ فَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ، وَأَمَّا قَوْلُنَا مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ خَرَجَ فَلِعُمُومِ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْوُضُوءِ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَخُصَّ خُرُوجَهُمَا مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَهَذَانِ الِاسْمَانِ وَاقِعَانِ عَلَيْهِمَا فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا خَاطَبَنَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ حَيْثُ مَا خَرَجَا، وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِنَا هَهُنَا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ أَسْقَطَ الْوُضُوءَ مِنْهُمَا إذَا خَرَجَا مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجَيْنِ لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٍ، بَلْ الْقُرْآنُ جَاءَ بِمَا قُلْنَاهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43] وَقَدْ يَكُونُ خُرُوجُ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجَيْنِ، فَلَمْ يَخُصَّ تَعَالَى بِالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ مِنْ ذَلِكَ حَالًا دُونَ حَالٍ، وَلَا الْمَخْرَجَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة الرِّيح الخارجة مِنْ الدبر تَنْقَضِ الْوُضُوء] 160 - مَسْأَلَةٌ: وَالرِّيحُ الْخَارِجَةُ مِنْ الدُّبُرِ - خَاصَّةً لَا مِنْ غَيْرِهِ - بِصَوْتٍ خَرَجَتْ أَمْ بِغَيْرِ صَوْتٍ. وَهَذَا أَيْضًا إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ الْفَسْوِ وَالضُّرَاطِ، وَهَذَانِ الِاسْمَانِ لَا يَقَعَانِ عَلَى الرِّيحِ أَلْبَتَّةَ إلَّا إنْ خَرَجَتْ مِنْ الدُّبُرِ، وَإِلَّا فَإِنَّمَا يُسَمَّى جُشَاءً أَوْ عُطَاسًا فَقَطْ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة يَجِب الْوُضُوء عَلَى المستنكح بِشَيْءِ لِكُلِّ صَلَاة فرضا أَوْ نافله] 161 - مَسْأَلَةٌ: فَمَنْ كَانَ مُسْتَنْكِحًا بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا تَوَضَّأَ - وَلَا بُدَّ - لِكُلِّ صَلَاةٍ فَرْضًا أَوْ نَافِلَةً، ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا خَرَجَ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِيمَا بَيْنَ وُضُوئِهِ
وَصَلَاتِهِ، وَلَا يُجْزِيه الْوُضُوءُ إلَّا فِي أَقْرَبِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وُضُوءُهُ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَا بُدَّ لِلْمُسْتَنْكِحِ أَيْضًا أَنْ يَغْسِلَ مَا خَرَجَ مِنْهُ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَذْيِ حَسْبَ طَاقَتِهِ، مِمَّا لَا حَرَج عَلَيْهِ فِيهِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ عَلَيْهِ الْحَرَجُ مِنْهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ إبْطَالِ الْقِيَاسِ مِنْ صَدْرِ كِتَابِنَا هَذَا، مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وقَوْله تَعَالَى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] فَصَحَّ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ مِنْ الْحَدَثِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَدَثٌ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَسْتَطِيعُ، وَمَا لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا عُسْرَ، وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ عَلَى الصَّلَاةِ وَعَلَى الْوُضُوءِ لَهَا، وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِمَا، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لِلِامْتِنَاعِ مِمَّا يَخْرُجُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، وَفِيمَا بَيْنَ وُضُوئِهِ وَصَلَاتِهِ، فَسَقَطَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي غَسْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الظَّاهِرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَتَوَضَّأُ هَؤُلَاءِ لِكُلِّ وَقْتِ صَلَاةٍ، وَيُبْقُونَ عَلَى وُضُوئِهِمْ إلَى دُخُولِ وَقْتِ صَلَاةٍ آخَرَ فَيَتَوَضَّئُونَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ فَيُصَلِّي بِذَلِكَ الْوُضُوءِ مَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ خَاصَّةً. قَالَ عَلِيٌّ: إنَّمَا قَالُوا كُلَّ هَذَا قِيَاسًا عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ، عَلَى حَسْبِ قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهَا، وَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ. ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ بَاطِلًا، لِأَنَّ الثَّابِتَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ هُوَ غَيْرُ مَا قَالُوهُ لَكِنَّ مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي بَابِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ، أَوْ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ثُمَّ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَتَمَةِ. ثُمَّ لِلصُّبْحِ. وَدُخُولُ وَقْتِ صَلَاةٍ مَا لَيْسَ حَدَثًا بِلَا شَكٍّ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا فَلَا يَنْقُضُ طَهَارَةً قَدْ صَحَّتْ بِلَا نَصٍّ وَارِدٍ فِي ذَلِكَ، وَإِسْقَاطُ مَالِكٍ الْوُضُوءَ مِمَّا قَدْ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ وَبِالنُّصُوصِ الثَّابِتَةِ خَطَأٌ لَا يَحِلُّ. وَقَدْ شَغَبَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا بِمَا رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الْمَذْيِ. قَالَ عُمَرُ: إنِّي لَأَجِدُهُ يَنْحَدِرُ عَلَى فَخِذِي عَلَى الْمِنْبَرِ فَمَا أُبَالِيه وَقَالَ سَعِيدٌ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ فِي الصَّلَاةِ: فَأَوْهَمُوا أَنَّهُمَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَا مُسْتَنْكِحَيْنِ بِذَلِكَ.
مسألة مس الرجل ذكر نفسه خاصة عمدا
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كَذِبٌ مُجَرَّدٌ، لَا نَدْرِي كَيْفَ اسْتَحَلَّهُ مَنْ أَطْلَقَ بِهِ لِسَانَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْأَثَرِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ بِذَلِكَ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى مِثْلِ هَذَا، وَإِنَّمَا الْحَقُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يَرَى الْوُضُوءَ مِنْهُ وَكَذَلِكَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ لَمْ تَبْلُغْ عُمَرَ ثُمَّ بَلَغَتْهُ فَرَجَعَ إلَى إيجَابِ الْوُضُوءِ مِنْهُ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي دُلَيْمٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ ثنا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ أَبِي حَبِيبِ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَيَا إلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَخَرَجَ إلَيْهِمَا أُبَيّ وَقَالَ: إنِّي وَجَدْت مَذْيًا فَغَسَلْت ذَكَرِي وَتَوَضَّأْت، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَوَ يُجْزِئُ ذَلِكَ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ عُمَرُ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ نَعَمْ» . حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّحٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: إنَّهُ لَيَخْرُجُ مِنْ أَحَدِنَا مِثْلُ الْجُمَانَةِ فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ، وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَذْيِ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، فَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ عَنْ عُمَرَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا خَطَأٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمُحَالِ الظَّاهِرِ أَنْ يَكُونَ إنْسَانٌ مُتَوَضِّئًا طَاهِرًا لِنَافِلَةٍ إنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَهَا غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ وَلَا طَاهِرٍ لِفَرِيضَةِ إنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَهَا، فَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ قَطُّ نَصُّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا وَجَدُوا لَهُ فِي الْأُصُولِ نَظِيرًا، وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ نَظَرٍ وَقِيَاسٍ، وَهَذَا مِقْدَارُ نَظَرِهِمْ وَقِيَاسِهِمْ، وَبَقِيَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ عَارِيًّا مِنْ أَنْ تَكُونُ لَهُ حُجَّةٌ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ أَوْ سَقِيمَةٍ أَوْ مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ أَوْ مِنْ قِيَاسٍ أَصْلًا 162 - مَسْأَلَةٌ: فَهَذِهِ الْوُجُوهُ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ عَمْدًا كَانَ أَوْ نِسْيَانًا أَوْ بِغَلَبَةٍ، وَهَذَا إجْمَاعٌ إلَّا مَا ذَكَرْنَا مِمَّا فِيهِ الْخِلَافُ، وَقَامَ الْبُرْهَانُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَسُّ الرَّجُلِ ذَكَرَ نَفْسِهِ خَاصَّةً عَمْدًا] 163 - مَسْأَلَةٌ: وَمَسُّ الرَّجُلِ ذَكَرَ نَفْسِهِ خَاصَّةً عَمْدًا بِأَيِّ شَيْءٍ مَسَّهُ مِنْ بَاطِنِ يَدِهِ أَوْ مِنْ ظَاهِرِهَا أَوْ بِذِرَاعِهِ - حَاشَا مَسِّهِ بِالْفَخِذِ أَوْ السَّاقِ أَوْ الرِّجْلِ مِنْ نَفْسِهِ فَلَا يُوجِبُ
وُضُوءًا - وَمَسُّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا عَمْدًا كَذَلِكَ أَيْضًا سَوَاءً سَوَاءً، وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالنِّسْيَانِ، وَمَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَ غَيْرِهِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ مَيِّتٍ أَوْ حَيٍّ بِأَيِّ عُضْوٍ مَسَّهُ عَمْدًا مِنْ جَمِيعِ جَسَدِهِ مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَمَسُّ الْمَرْأَةِ فَرْجَ غَيْرِهَا عَمْدًا أَيْضًا كَذَلِكَ سَوَاءً سَوَاءً، لَا مَعْنَى لِلَّذَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى ثَوْبٍ رَقِيقٍ أَوْ كَثِيفٍ، لِلَذَّةٍ أَوْ لِغَيْرِ لَذَّةٍ، بِالْيَدِ أَوْ بِغَيْرِ الْيَدِ، عَمْدًا أَوْ غَيْرَ عَمْدٍ، لَمْ يَنْقُضْ الْوُضُوءَ، وَكَذَلِكَ إنْ مَسَّهُ بِغَلَبَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ فَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ حَمَامُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ «تَذَاكَرَ هُوَ وَمَرْوَانُ الْوُضُوءَ، فَقَالَ مَرْوَانُ حَدَّثَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ قِيلَ: إنَّ هَذَا خَبَرٌ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عُرْوَةَ، قُلْنَا: مَرْحَبًا بِهَذَا، وَعَبْدُ اللَّهِ ثِقَةٌ، وَالزُّهْرِيُّ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ عُرْوَةَ وَجَالَسَهُ، فَرَوَاهُ عَنْ عُرْوَةَ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عُرْوَةَ، فَهَذَا قُوَّةٌ لِلْخَبَرِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ عَلِيٌّ: مَرْوَانُ مَا نَعْلَمُ لَهُ جُرْحَةً قَبْلَ خُرُوجِهِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَلَمْ يَلْقَهُ عُرْوَةُ قَطُّ إلَّا قَبْلَ خُرُوجِهِ عَلَى أَخِيهِ لَا بَعْدَ خُرُوجِهِ هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَبُسْرَةُ مَشْهُورَةٌ مِنْ صَوَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُبَايِعَاتِ الْمُهَاجِرَاتِ - هِيَ بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بِنْتُ أَخِي وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَأَبُوهَا ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ لَحًّا. وَلَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ عَامٌّ يَقْتَضِي كُلَّ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا مَسُّ الرَّجُلِ فَرْجَ نَفْسِهِ بِسَاقِهِ وَرِجْلِهِ وَفَخِذِهِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمَرْءَ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ فِي قَمِيصٍ كَثِيفٍ وَفِي مِئْزَرٍ وَقَمِيصٍ، وَلَا بُدَّ لَهُ ضَرُورَةً فِي صَلَاتِهِ كَذَلِكَ مِنْ وُقُوعِ فَرْجِهِ عَلَى سَاقِهِ وَرِجْلِهِ وَفَخِذِهِ، فَخَرَجَ هَذَا بِهَذَا الْإِجْمَاعُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عَنْ جُمْلَةِ هَذَا الْخَبَرِ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَعَطَاءٌ وَعُرْوَةُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَدَاوُد وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَغَيْرُهُمْ، إلَّا أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ وَالشَّافِعِيَّ لَمْ يَرَيَا الْوُضُوءَ يَنْقُضُ ذَلِكَ إلَّا بِمَسِّهِ بِبَاطِنِ الْكَفِّ فَقَطْ لَا بِظَاهِرِهَا. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَسُّ الْفَرْجِ بِالْفَخِذِ وَالسَّاقِ وَيَنْقُضُ مَسُّهُ بِالذِّرَاعِ. وَقَالَ مَالِكٌ: مَسُّ الْفَرْجِ مِنْ الرَّجُلِ فَرْجِ نَفْسِهِ الذَّكَرِ فَقَطْ بِبَاطِنِ الْكَفِّ لَا بِظَاهِرِهَا وَلَا بِالذِّرَاعِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ، فَإِنْ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ لَمْ يُعِدْ الصَّلَاةَ إلَّا فِي الْوَقْتِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَسُّ الذَّكَرِ كَيْفَ كَانَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَسُّ الدُّبُرِ وَمَسُّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا، وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَسُّ الدُّبُرِ وَلَا مَسُّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا إلَّا أَنْ تَقْبِضَ وَتُلَطِّفَ، أَيْ تُدْخِلَ أُصْبُعَهَا بَيْنَ شَفْرَيْهَا، وَنَحَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ نَحْوَ اللَّذَّةِ. فَأَمَّا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ فِي مُرَاعَاةِ بَاطِنِ الْكَفِّ دُونَ ظَاهِرِهَا فَقَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا مِنْ قِيَاسٍ وَلَا مِنْ رَأْيٍ صَحِيحٍ. وَشَغِبَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ قَالَ: فِي بَعْضِ الْآثَارِ «مَنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إلَى فَرْجِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا يَصِحُّ أَصْلًا، وَلَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا يَقُولُونَ؛ لِأَنَّ الْإِفْضَاءَ بِالْيَدِ يَكُونُ بِظَاهِرِ الْيَدِ كَمَا يَكُونُ بِبَاطِنِهَا، وَحَتَّى لَوْ كَانَ الْإِفْضَاءُ بِبَاطِنِ الْيَدِ لَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَا يُسْقِطُ الْوُضُوءَ عَنْ غَيْرِ الْإِفْضَاءِ، إذَا جَاءَ أَثَرٌ بِزِيَادَةٍ عَلَى لَفْظِ الْإِفْضَاءِ، فَكَيْفَ وَالْإِفْضَاءُ يَكُونُ بِجَمِيعِ الْجَسَدِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [النساء: 21] . وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ مِنْهُ ثُمَّ لَمْ يَرَ الْإِعَادَةَ إلَّا فِي الْوَقْتِ، فَقَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ أَوْ لَمْ يَنْتَقِضْ، فَإِنْ كَانَ انْتَقَضَ فَعَلَى أَصْلِهِ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَ أَبَدًا، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْتَقِضْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ فَرْضٍ وَاحِدَةٍ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، وَكَذَلِكَ فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ مَسِّ الرَّجُلِ فَرْجَهُ وَبَيْنَ مَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا فَهُوَ قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَهُوَ سَاقِطٌ.
وَأَمَّا إيجَابُ الشَّافِعِيِّ الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الدُّبُرِ فَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّ الدُّبُرَ لَا يُسَمَّى فَرْجًا، فَإِنْ قَالَ: قِسْته عَلَى الذَّكَرِ قِيلَ لَهُ: الْقِيَاسُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى عِلَّةٍ جَامِعَةٍ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ، وَلَا عِلَّةَ جَامِعَةَ بَيْنَ مَسِّ الذَّكَرِ وَمَسِّ الدُّبُرِ، فَإِنْ قَالَ: كِلَاهُمَا مَخْرَجٌ لِلنَّجَاسَةِ، قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَوْنُ الذَّكَرِ مَخْرَجًا لِلنَّجَاسَةِ هُوَ عِلَّةُ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّهِ، وَمِنْ قَوْلِهِ إنَّ مَسَّ النَّجَاسَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَكَيْفَ مَسُّ مَخْرَجِهَا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الرَّجُلِ يَمَسُّ ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ يَتَوَضَّأَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ هُوَ إلَّا بِضْعَةٌ مِنْك» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ، إلَّا أَنَّهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ مُوَافِقٌ لِمَا كَانَ النَّاسُ عَلَيْهِ قَبْلَ وُرُودِ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ، هَذَا لَا شَكَّ فِيهِ، فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَحُكْمُهُ مَنْسُوخٌ يَقِينًا حِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ مَا تُيُقِّنَ أَنَّهُ نَاسِخٌ وَالْأَخْذُ بِمَا تُيُقِّنَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَثَانِيهَا أَنَّ كَلَامَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «هَلْ هُوَ إلَّا بِضْعَةٌ مِنْك» دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يَقُلْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هَذَا الْكَلَامَ بَلْ كَانَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ قَدْ نُسِخَ، وَقَوْلُهُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَلَفَ فِيهِ حُكْمٌ أَصْلًا وَأَنَّهُ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَكُونُ الْوُضُوءُ مِنْ ذَلِكَ غُسْلُ الْيَدِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ، لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ غُسْلَ الْيَدِ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ، لَا الْمُتَأَوِّلُونَ لِهَذَا التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ وَلَا غَيْرُهُمْ، وَيُقَالُ لَهُمْ: إنْ كَانَ كَمَا تَقُولُونَ فَأَنْتُمْ مِنْ أَوَّلِ مَنْ خَالَفَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا تَأَوَّلْتُمُوهُ فِي أَمْرِهِ، وَهَذَا اسْتِخْفَافٌ ظَاهِرٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يُطْلَقُ الْوُضُوءُ فِي الشَّرِيعَةِ إلَّا لِوُضُوءِ الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَقَدْ أَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيقَاعَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَلَى غَيْرِ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ، كَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ مِنْ الْغَائِطِ وَأُتِيَ بِطَعَامٍ فَقِيلَ: أَلَا تَتَوَضَّأُ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَمْ
أُصَلِّ فَأَتَوَضَّأَ» فَكَيْفَ وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: إنَّ مَرْوَانَ قَالَ لَهُ: أَخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءُهُ لِلصَّلَاةِ» وَرَوَاهُ أَيْضًا غَيْرُ مَالِكٍ عَنْ الثِّقَاتِ كَذَلِكَ. كَمَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنُ أَيْمَنَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثنا أَبُو صَالِحٍ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى ثنا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَهُ عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ - وَكَانَتْ قَدْ صَحِبَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عُرْوَةُ، وَسَأَلَ بُسْرَةَ فَصَدَّقَتْهُ بِمَا قَالَ. قَالَ عَلِيٌّ: أَبُو صَالِحٍ وَشُعَيْبٌ ثِقَتَانِ مَشْهُورَانِ، فَبَطَلَ التَّعَلُّلُ بِمَرْوَانَ، وَصَحَّ أَنَّ بُسْرَةَ مَشْهُورَةٌ صَاحِبَةٌ، وَلَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُنْكِرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَرْعَ الدَّيْنِ وَإِبْطَالَ السُّنَنِ بِرِوَايَةِ أَبِي نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ وَعُمَيْرٍ وَالْعَالِيَةِ زَوْجَةِ أَبِي إِسْحَاقَ وَشَيْخٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ لَا يَدْرِي أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ مَنْ هُمْ؟
مسألة من نواقض الوضوء أكل لحوم الأبل نيئه ومطبوخه
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا مِمَّا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى، فَلَوْ كَانَ لَمَا جَهِلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَهَذَا حَمَاقَةٌ، وَقَدْ غَابَ عَنْ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - الْغُسْلُ مِنْ الْإِيلَاجِ الَّذِي لَا إنْزَالَ مَعَهُ، وَهُوَ مِمَّا تَكْثُرُ بِهِ الْبَلْوَى، وَرَأَى أَبُو حَنِيفَةَ الْوُضُوءَ مِنْ الرُّعَافِ وَهُوَ مِمَّا تَكْثُرُ بِهِ الْبَلْوَى وَلَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَرَأَى الْوُضُوءَ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ مِنْ الْقَلْسِ وَلَمْ يَرَهُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى، وَلَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ قَبْلَهُ، وَمِثْلُ هَذَا لَهُمْ كَثِيرٌ جِدًّا، وَمِثْلُ هَذَا مِنْ التَّخْلِيطِ لَا يُعَارِضُ بِهِ سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا مَخْذُولٌ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْمَاسُّ عَلَى الثَّوْبِ لَيْسَ مَاسًّا، وَلَا مَعْنَى لِلَّذَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ، وَإِنَّمَا هِيَ دَعْوَى بِظَنٍّ كَاذِبٍ، وَأَمَّا النِّسْيَانُ فِي هَذَا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَسُّ الذَّكَرِ عَمْدًا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَا يَنْقُضُهُ بِالنِّسْيَانِ. [مَسْأَلَة مِنْ نَوَاقِض الْوُضُوء أَكُلّ لحوم الأبل نيئه ومطبوخه] . 164 - مَسْأَلَةٌ: وَأَكْلُ لُحُومِ الْإِبِلِ نِيئَةً وَمَطْبُوخَةً أَوْ مَشْوِيَّةً عَمْدًا وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهُ لَحْمُ جَمَلٍ أَوْ نَاقَةٍ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَكْلُ شُحُومِهَا مَحْضَةً وَلَا أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهَا غَيْرَ لَحْمِهَا، فَإِنْ كَانَ يَقَعُ عَلَى بُطُونِهَا أَوْ رُءُوسِهَا أَوْ أَرْجُلِهَا اسْمُ لَحْمٍ عِنْدَ الْعَرَبِ نَقَضَ أَكْلُهَا الْوُضُوءَ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كُلُّ شَيْءٍ مَسَّتْهُ النَّارُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَبِهَذَا يَقُولُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، وَمِنْ الْفُقَهَاءِ أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو كَامِلٍ الْفُضَيْلِ بْنِ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ الْفُضَيْلُ ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ وَقَالَ الْقَاسِمُ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ وَأَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ كِلَاهُمَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: إنْ شِئْت فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْت فَلَا تَتَوَضَّأْ، قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ» .
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنُ أَيْمَنَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثنا أَبِي ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، قَالَ: نَعَمْ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيّ أَبُو جَعْفَرٍ قَاضِي الرَّيِّ ثِقَةٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا فِي إبْطَالِ قَوْلِ مَنْ تَعَلَّلَ فِي رَدِّ السُّنَنِ بِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى، وَإِبْطَالِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَعَلَّ هَذَا الْوُضُوءَ غَسْلُ الْيَدِ، فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ، وَلَوْ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ بِهَذَا يُنْكِرُ عَلَى نَفْسِهِ الْقَوْلَ بِالْوُضُوءِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَرَى فِيهَا الْوُضُوءَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ -: لَكَانَ أَوْلَى بِهِ. وَأَمَّا الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ، فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّتْ فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ مِنْهُ أَحَادِيثُ ثَابِتَةٌ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ وَأَبِي أَيُّوبَ وَأَبِي طَلْحَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَقَالَ بِهِ كُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو مَسْعُودٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ جُمْلَةً وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو مَيْسَرَةَ وَأَبُو مِجْلَزٍ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ وَالزُّهْرِيُّ وَسِتَّةٌ مِنْ أَبْنَاءِ النُّقَبَاءِ مِنْ الْأَنْصَارِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَعْمَرٌ وَأَبُو قِلَابَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَلَوْلَا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ. كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ ثنا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ» فَصَحَّ نَسْخُ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ ادَّعَى قَوْمٌ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُخْتَصَرٌ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْخَثْعَمِيُّ ثنا حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ «قُرِّبَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُبْزٌ وَلَحْمٌ فَأَكَلَ ثُمَّ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ
مسألة من نواقض الوضوء مس الرجل المرأة والمرأة الرجل لأي عضو
ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ طَعَامِهِ فَأَكَلَ ثُمَّ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْقَطْعُ بِأَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرٌ مِنْ هَذَا قَوْلٌ بِالظَّنِّ، وَالظَّنُّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ بَلْ هُمَا حَدِيثَانِ كَمَا وَرَدَا. قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا كُلُّ حَدِيثٍ احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ مِنْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» وَنَحْوُ ذَلِكَ -: فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّ أَحَادِيثَ إيجَابِ الْوُضُوءِ هِيَ الْوَارِدَةُ بِالْحُكْمِ الزَّائِدَةِ عَلَى هَذِهِ الَّتِي هِيَ مُوَافِقَةٌ لِمَا كَانَ النَّاسُ عَلَيْهِ قَبْلَ وُرُودِ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ، وَلَوْلَا حَدِيثُ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا لَمَا حَلَّ لِأَحَدٍ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّصْتُمْ لُحُومَ الْإِبِلِ خَاصَّةً مِنْ جُمْلَةِ مَا نُسِخَ مِنْ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْأَمْرَ الْوَارِدَ بِالْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ فِيهَا خَاصَّةً، سَوَاءٌ مَسَّتْهَا النَّارُ أَوْ لَمْ تَمَسَّهَا النَّارُ، فَلَيْسَ مَسُّ النَّارِ إيَّاهَا - إنْ طُبِخَتْ - يُوجِبُ الْوُضُوءَ مِنْهَا، بَلْ الْوُضُوءُ وَاجِبٌ مِنْهَا كَمَا هِيَ، فَحُكْمُهَا خَارِجٌ عَنْ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ، وَبِنَسْخِ الْوُضُوءِ مِنْهُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا أَكْلُهَا بِنِسْيَانٍ أَوْ بِغَيْرِ عِلْمِ أَنَّهُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ فَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} [الأحزاب: 5] فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَسَوَاءٌ ذَلِكَ وَتَرْكُهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ فِي إيجَابِ حُكْمِ النِّسْيَانِ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة مِنْ نَوَاقِض الْوُضُوء مس الرَّجُل الْمَرْأَة وَالْمَرْأَة الرَّجُل لأي عُضْو] 165 - مَسْأَلَةٌ: وَمَسُّ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ وَالْمَرْأَةِ الرَّجُلَ بِأَيِّ عُضْوٍ مَسَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، إذَا كَانَ عَمْدًا، دُونَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمَا ثَوْبٌ أَوْ غَيْرُهُ، سَوَاءٌ أُمُّهُ كَانَتْ أَوْ ابْنَتُهُ، أَوْ مَسَّتْ ابْنَهَا أَوْ أَبَاهَا، الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ سَوَاءٌ، لَا مَعْنَى لِلَّذَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ مَسَّهَا عَلَى ثَوْبٍ لِلَّذَّةِ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ، وَبِهَذَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الظَّاهِرِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْمُلَامَسَةُ فِعْلٌ مِنْ فَاعِلَيْنِ، وَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ مُخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي هَذَا لِأَنَّ أَوَّلَ الْآيَةِ وَآخِرَهَا عُمُومٌ لِلْجَمِيعِ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا، فَصَحَّ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَازِمٌ لِلرِّجَالِ إذَا لَامَسُوا النِّسَاءَ،
وَالنِّسَاءِ إذَا لَامَسْنَ الرِّجَالَ، وَلَمْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعَالَى امْرَأَةً مِنْ امْرَأَةٍ، وَلَا لَذَّةً مِنْ غَيْرِ لَذَّةٍ، فَتَخْصِيصُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ. وَادَّعَى قَوْمٌ أَنَّ اللَّمْسَ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ الْجِمَاعُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا تَخْصِيصٌ لَا بُرْهَانَ عَلَيْهِ، وَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَاسًا مِنْ لِمَاسٍ فَلَا يُبَيِّنُهُ. نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ هَذَا. قَالَ عَلِيٌّ: وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى اللِّمَاسَ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ الْجِمَاعُ بِحَدِيثٍ فِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقَبِّلُ وَلَا يَتَوَضَّأُ» وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو رَوْقٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمِنْ طَرِيقِ رَجُلٍ اسْمُهُ عُرْوَةُ الْمُزَنِيّ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَصْحَابٍ لَهُ لَمْ يُسَمِّهِمْ عَنْ عُرْوَةَ الْمُزَنِيِّ، وَهُوَ مَجْهُولٌ وَلَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ مَعْنَى هَذَا الْخَبَرِ مَنْسُوخٌ بِيَقِينٍ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا كَانَ النَّاسُ عَلَيْهِ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَوَرَدَتْ الْآيَةُ بِشَرْعٍ زَائِدٍ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَلَا تَخْصِيصُهُ. وَذَكَرُوا أَيْضًا حَدِيثَيْنِ صَحِيحَيْنِ: أَحَدُهُمَا مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «الْتَمَسْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اللَّيْلِ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَوَقَعَتْ يَدَيْ عَلَى بَاطِنِ قَدَمِهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّ الْوُضُوءَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْقَاصِدِ إلَى اللَّمْسِ، لَا عَلَى الْمَلْمُوسِ دُونَ أَنْ يَقْصِدَ هُوَ إلَى فِعْلِ الْمُلَامَسَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُلَامِسْ، وَدَلِيلٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ فِي صَلَاةٍ، وَقَدْ يَسْجُدُ
الْمُسْلِمُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، لِأَنَّ السُّجُودَ فِعْلُ خَيْرٍ، وَحَتَّى لَوْ صَحَّ لَهُمْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ فِي صَلَاةٍ - وَهَذَا مَا لَا يَصِحُّ - فَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ، وَلَا أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً مُسْتَأْنَفَةً دُونَ تَجْدِيدِ وُضُوءٍ، فَإِذًا لَيْسَ فِي الْخَبَرِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهِ أَصْلًا. ثُمَّ لَوْ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ فِي صَلَاةٍ، وَصَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَمَادَى عَلَيْهَا أَوْ صَلَّى غَيْرَهَا دُونَ تَجْدِيدِ وُضُوءٍ - وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَصِحُّ أَبَدًا - فَإِنَّهُ كَانَ يَكُونُ هَذَا الْخَبَرُ مُوَافِقًا لِلْحَالِ الَّتِي كَانَ النَّاسُ عَلَيْهَا قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ بِلَا شَكٍّ، وَهِيَ حَالٌ لَا مِرْيَةَ فِي نَسْخِهَا وَارْتِفَاعِ حُكْمِهِ بِنُزُولِ الْآيَةِ، وَمِنْ الْبَاطِلِ الْأَخْذُ بِمَا قَدْ تُيُقِّنَ نَسْخُهُ وَتَرْكُ النَّاسِخِ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مُتَعَلِّقٌ بِهَذَا الْخَبَرِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَالْخَبَرُ الثَّانِي مِنْ طَرِيقِ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَلَ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ - وَأُمَّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَاتِقِهِ يَضَعُهَا، إذَا سَجَدَ، وَيَرْفَعُهَا إذَا قَامَ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ أَنَّ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا لَمَسَتْ شَيْئًا مِنْ بَشَرَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، إذْ قَدْ تَكُونُ مُوَشَّحَةً بِرِدَاءٍ أَوْ بِقُفَّازَيْنِ وَجَوْرَبَيْنِ، أَوْ يَكُونُ ثَوْبُهَا سَابِغًا يُوَارِي يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا، وَهَذَا الْأَوْلَى أَنْ يُظَنَّ بِمِثْلِهَا بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَا ذَكَرْنَا فِي الْحَدِيثِ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ، فَيَكُونَ كَاذِبًا، وَإِذَا كَانَ مَا ظَنُّوا لَيْسَ فِي الْخَبَرِ وَمَا قُلْنَا مُمْكِنًا، وَاَلَّذِي لَا يُمْكِنُ غَيْرُهُ، فَقَدْ بَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهِ، وَلَمْ يَحِلَّ تَرْكُ الْآيَةِ الْمُتَيَقَّنِ وُجُوبُ حُكْمِهَا لِظَنٍّ كَاذِبٍ، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36] . وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الْخَبَرَ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ لَيْسَ فِيهِمَا أَيَّهُمَا كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَالْآيَةُ مُتَأَخِّرَةُ النُّزُولِ، فَلَوْ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسَّ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا فِي الصَّلَاةِ لَكَانَ مُوَافِقًا لِلْحَالِ الَّتِي كَانَ النَّاسُ عَلَيْهَا قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ مَعْنَى هَذَا الْخَبَرِ - لَوْ صَحَّ لَهُمْ كَمَا يُرِيدُونَ - فَإِنَّهُ مَنْسُوخٌ بِلَا شَكٍّ وَلَا يَحِلُّ الرُّجُوعُ إلَى الْمُتَيَقَّنِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَتَرْكُ النَّاسِخِ. فَصَحَّ أَنَّهُمْ يُوهَمُونَ بِأَخْبَارٍ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْهَا، يَرُومُونَ بِهَا تَرْكَ الْيَقِينِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ قُبْلَةٌ وَلَا مُلَامَسَةٌ لِلَذَّةٍ كَانَتْ أَوْ لِغَيْرِ لَذَّةٍ، وَلَا
أَنْ يَقْبِضَ بِيَدِهِ عَلَى فَرْجِهَا كَذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُبَاشِرَهَا بِجَسَدِهِ دُونَ حَائِلٍ وَيَنْعَظُ فَهَذَا وَحْدَهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا وُضُوءَ مِنْ مُلَامَسَةِ الْمَرْأَةِ الرَّجُلَ، وَلَا الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ، إذَا كَانَتْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، تَحْتَ الثِّيَابِ أَوْ فَوْقَهَا، فَإِنْ كَانَتْ الْمُلَامَسَةُ لِلَّذَّةِ فَعَلَى الْمُلْتَذِّ مِنْهُمَا الْوُضُوءُ سَوَاءٌ كَانَ فَوْقَ الثِّيَابِ أَوْ تَحْتَهَا، أَنْعَظَ أَوْ لَمْ يُنْعِظْ، وَالْقُبْلَةُ كَالْمُلَامَسَةِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ كَقَوْلِنَا، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ مَسَّ شَعْرِ الْمَرْأَةِ خَاصَّةً لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَظَاهِرُ التَّنَاقُضِ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّعَلُّقُ بِالتَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ قَوْمٌ فِي الْآيَةِ: إنَّ الْمُلَامَسَةَ الْمَذْكُورَةَ فِيهَا هُوَ الْجِمَاعُ فَقَطْ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ إذَا كَانَ مَعَهَا إنْعَاظٌ، وَأَمَّا مُنَاقَضَتُهُ فَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ الْقُبْلَةِ يَكُونُ مَعَهَا إنْعَاظٌ فَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. وَبَيْنَ الْمُبَاشَرَةِ يَكُونُ مَعَهَا إنْعَاظٌ فَتَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَهَذَا فَرْقٌ لَمْ يُؤَيِّدْهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٌ، بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِكُلِّ ذَلِكَ، وَمِنْ مُنَاقَضَاتِهِ أَيْضًا أَنَّهُ جَعَلَ الْقُبْلَةَ لِشَهْوَةٍ وَاللَّمْسَ لِشَهْوَةٍ بِمَنْزِلَةِ الْقُبْلَةِ لِغَيْرِ الشَّهْوَةِ، وَاللَّمْسِ لِغَيْرِ الشَّهْوَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَى أَنَّ الْقُبْلَةَ لِشَهْوَةٍ وَاللَّمْسَ لِشَهْوَةٍ رَجْعَةٌ فِي الطَّلَاقِ، بِخِلَافِ الْقُبْلَةِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَاللَّمْسِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَهَذَا كَمَا تَرَى لَا اتِّبَاعَ الْقُرْآنِ، وَلَا التَّعَلُّقَ بِالسُّنَّةِ وَلَا طَرْدَ قِيَاسٍ وَلَا سَدَادَ رَأْيٍ وَلَا تَقْلِيدَ صَاحِبٍ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي مُرَاعَاةِ الشَّهْوَةِ وَاللَّذَّةِ، فَقَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا ضَبْطِ قِيَاسٍ وَلَا احْتِيَاطٍ، وَكَذَلِكَ تَفْرِيقُ الشَّافِعِيِّ بَيْنَ الشَّعْرِ وَغَيْرِهِ، فَقَوْلٌ لَا يُعَضِّدُهُ أَيْضًا قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٌ، بَلْ هُوَ خِلَافُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ كَمَا أَوْرَدْنَاهَا لَمْ نَعْرِفْ أَنَّهُ قَالَ بِهَا أَحَدٌ قَبْلَهُمْ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ: إذَا قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ لِشَهْوَةٍ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَعَنْ حَمَّادٍ: أَيُّ الزَّوْجَيْنِ قَبَّلَ صَاحِبَهُ وَالْآخَرُ لَا يُرِيدُ ذَلِكَ، فَلَا وُضُوءَ عَلَى الَّذِي لَا يُرِيدُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَجِدَ لَذَّةً، وَعَلَى الْقَاصِدِ لِذَلِكَ الْوُضُوءُ. قُلْنَا: قَدْ صَحَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَحَمَّادٍ إيجَابُ الْوُضُوءِ مِنْ الْقُبْلَةِ عَلَى الْقَاصِدِ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ
مسألة إيلاج الذكر في الفرج أنزل أو لم ينزل يوجب الوضوء
فَاللَّذَّةُ دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْقَوْلِ، وَبِهِ نَقُولُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ قَوْلَ مَالِكٍ. وَالْعَجَبُ أَنَّ مَالِكًا لَا يَرَى الْوُضُوءَ مِنْ الْمُلَامَسَةِ إلَّا حَتَّى يَكُونَ مَعَهَا شَهْوَةٌ، ثُمَّ لَا يَرَى الْوُضُوءَ يَجِبُ مِنْ الشَّهْوَةِ دُونَ مُلَامَسَةٍ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى انْفِرَادِهِ فَمِنْ أَيْنَ لَهُ إيجَابُ الْوُضُوءِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا؟ [مَسْأَلَة إيلَاجُ الذَّكَرِ فِي الْفَرْجِ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِل يُوجِبُ الْوُضُوءَ] . 166 - مَسْأَلَةٌ: وَإِيلَاجُ الذَّكَرِ فِي الْفَرْجِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ، كَانَ مَعَهُ إنْزَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ ثنا هِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ - عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنْ الْمَرْأَةِ ثُمَّ يَكْسَلُ، قَالَ: يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَرْأَةِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْوُضُوءُ لَا بُدَّ مِنْهُ مَعَ الْغُسْلِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَة حمل الْمَيِّت فِي نعش أَوْ فِي غَيْره] . 167 - مَسْأَلَةٌ: وَحَمْلُ الْمَيِّتِ فِي نَعْشٍ أَوْ فِي غَيْرِهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْأَسَدِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ حَمَلَهَا فَلْيَتَوَضَّأْ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَعْنِي الْجِنَازَةَ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْحَاقَ مَوْلَى زَائِدَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِسْحَاقُ مَوْلَى زَائِدَةَ ثِقَةٌ مَدَنِيٌّ وَتَابِعِيٌّ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْكُوفِيُّ وَغَيْرُهُ، وَرَوَى عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَرُوِّينَاهُ
مسألة ظهور دم الاستحاضة أو العرق السائل من الفرج
بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كُنْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ فِي جِنَازَةٍ، فَلَمَّا جِئْنَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بَيْتَهُ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ فَقَالَ لِي: أَمَا تَوَضَّأْتَ؟ قُلْت: لَا، فَقَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَمَنْ دُونَهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ إذَا صَلَّى أَحَدُهُمْ عَلَى الْجِنَازَةِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ تَوَضَّأَ، حَتَّى إنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ فَيَدْعُو بِالطَّشْتِ فَيَتَوَضَّأُ فِيهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وُضُوءُهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ حَدَثٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ إلَّا إتْبَاعُ السُّنَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَالسُّنَّةُ تَكْفِي. وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ أَقْوَالِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ الَّتِي لَمْ يَقُلْهَا أَحَدٌ قَبْلَهُمْ كَثِيرًا، كَالْأَبْوَابِ الَّتِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ بِبَابَيْنِ، وَكَنَقْضِ الْوُضُوءِ بِمِلْءِ الْفَمِ مِنْ الْقَلْسِ دُونَ مَا لَا يَمْلَؤُهُ مِنْهُ، وَسَائِرُ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَنْهُمْ، لَمْ يَتَعَلَّقُوا فِيهَا بِقُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا بِقِيَاسٍ وَلَا بِقَوْلِ قَائِلٍ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ ظُهُورُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ أَوْ الْعِرْقِ السَّائِلِ مِنْ الْفَرْجِ] . 168 - مَسْأَلَةٌ: وَظُهُورُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ أَوْ الْعِرْقِ السَّائِلِ مِنْ الْفَرْجِ إذَا كَانَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَلَا بُدَّ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَلِي ظُهُورَ ذَلِكَ الدَّمِ سَوَاءٌ تَمَيَّزَ دَمُهَا أَوْ لَمْ يَتَمَيَّزْ، عَرَفَتْ أَيَّامَهَا أَوْ لَمْ تَعْرِفْ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «اُسْتُحِيضَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، فَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك أَثَرَ الدَّمِ وَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ مِنْ كِتَابِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ «عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذَا كَانَ الْحَيْضُ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي فَإِنَّهُ عِرْقٌ» .
قَالَ عَلِيٌّ: فَعَمَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كُلَّ دَمٍ خَرَجَ مِنْ الْفَرْجِ بَعْدَ دَمِ الْحَيْضَةِ وَلَمْ يَخُصَّ وَأَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ عِرْقٌ. وَمِمَّنْ قَالَ بِإِيجَابِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَلَى الَّتِي يَتَمَادَى بِهَا الدَّمُ مِنْ فَرْجِهَا مُتَّصِلًا بِدَمِ الْمَحِيضِ: عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ. قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ امْرَأَةِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي الَّتِي يَتَمَادَى بِهَا الدَّمُ إنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمُتَّصِلَةِ الدَّمِ كَمَا ذَكَرْنَا: إنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِدُخُولِ كُلِّ وَقْتِ صَلَاةٍ، فَتَكُونُ طَاهِرًا بِذَلِكَ الْوُضُوءِ، حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى فَيَنْتَقِضُ وُضُوءُهَا وَيَلْزَمُهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لَهَا. وَرَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ: إذَا تَوَضَّأَتْ إثْرَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِلصَّلَاةِ أَنَّهَا تَكُونُ طَاهِرًا إلَى خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ، وَحَكَى أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنَّهَا تَكُونُ طَاهِرًا إلَى دُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ. وَغَلَّبَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ رِوَايَةَ مُحَمَّدٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. بَلْ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَشْبَهُ بِأَقْوَالِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا وُضُوءَ عَلَيْهَا مِنْ هَذَا الدَّمِ إلَّا اسْتِحْبَابًا لَا إيجَابًا، وَهِيَ طَاهِرٌ مَا لَمْ تُحْدِثْ حَدَثًا آخَرَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: عَلَيْهَا فَرْضًا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ وَتُصَلِّيَ بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ النَّوَافِلِ مَا أَحَبَّتْ، قَبْلَ الْفَرْضِ وَبَعْدَهُ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَخَطَأٌ، لِأَنَّهُ خِلَافٌ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالْمُنْقَطِعِ مِنْ الْخَبَرِ إذَا وَافَقَهُمْ، وَهَهُنَا مُنْقَطِعٌ أَحْسَنُ مِنْ كُلِّ مَا أَخَذُوا بِهِ، وَهُوَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَمُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَتْ: إنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ لَا، إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَاجْتَنِبِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ وَصَلِّي، وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» . قَالَ: قَالُوا هَذَا عَلَى النَّدْبِ، قِيلَ لَهُمْ: وَكُلُّ مَا أَوْجَبْتُمُوهُ مِنَّا لِاسْتِطْهَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَعَلَّهُ نَدْبٌ، وَلَا فَرْقَ، وَهَذَا قَوْلٌ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ الشَّرَائِعِ كُلِّهَا مَعَ خِلَافِهِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُتَعَلَّقًا فِي قَوْلِهِمْ هَذَا، لَا بِقُرْآنٍ وَلَا بِسُنَّةٍ وَلَا بِدَلِيلٍ وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا بِقِيَاسٍ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَفَاسِدٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْخَبَرِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ، وَمُخَالِفٌ لِلْمَعْقُولِ وَلِلْقِيَاسِ، وَمَا وَجَدْنَا قَطُّ طَهَارَةً تَنْتَقِضُ بِخُرُوجِ وَقْتٍ وَتَصِحُّ بِكَوْنِ الْوَقْتِ قَائِمًا، وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا بِأَنْ قَالُوا: قَدْ وَجَدْنَا الْمَاسِحَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُمَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ الْمَحْدُودِ لَهُمَا فَنَقِيسُ عَلَيْهِمَا الْمُسْتَحَاضَةَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ خَطَأٌ وَعَلَى خَطَإٍ، وَمَا انْتَقَضَتْ قَطُّ طَهَارَةُ الْمَاسِحِ بِانْقِضَاءِ الْأَمَدِ الْمَذْكُورِ بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كَمَا كَانَ، وَيُصَلِّي مَا لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ بِحَدَثٍ مِنْ الْأَحْدَاثِ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ السُّنَّةُ بِمَنْعِهِ مِنْ الِابْتِدَاءِ لِلْمَسْحِ فَقَطْ، لَا بِانْتِقَاضِ طَهَارَتِهِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَهُمْ مَا ذَكَرُوا فِي الْمَاسِحِ - وَهُوَ لَا يَصِحُّ - لَكَانَ قِيَاسُهُمْ هَذَا بَاطِلًا لِأَنَّهُمْ قَاسُوا خُرُوجَ وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ عَلَى انْقِضَاءِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الْحَضَرِ، وَعَلَى انْقِضَاءِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ فِي السَّفَرِ. وَهَذَا قِيَاسٌ سَخِيفٌ جِدًّا، وَإِنَّمَا كَانُوا يَكُونُونَ قَائِسِينَ عَلَى مَا ذَكَرُوا لَوْ جَعَلُوا الْمُسْتَحَاضَةَ تَبْقَى بِوُضُوئِهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي الْحَضَرِ، وَثَلَاثَةً فِي السَّفَرِ، وَلَوْ فَعَلُوا هَذَا لَوَجَدُوا فِيمَا يُشْبِهُ بَعْضَ ذَلِكَ سَلَفًا، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُمْ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ مِنْ الظُّهْرِ إلَى الظُّهْرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ هَذَا
مسألة الوضوء لا ينتقض بالرعاف ولا بالدم السائل من الجسد
فَعَارٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِيهِ سَلَفٌ، وَمَا نَعْلَمُ لِقَوْلِهِمْ حُجَّةً، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا مِنْ قِيَاسٍ وَلَا مِنْ مَعْقُولٍ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الَّتِي اُخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ أَشْبَهُ بِأُصُولِهِمْ؛ لِأَنَّ أَثَرَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَيْسَ هُوَ وَقْتُ صَلَاةِ فَرْضٍ مَارًّا إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ، وَهُوَ وَقْتُ تَطَوُّعٍ، فَالْمُتَوَضِّئَةُ فِيهِ لِلصَّلَاةِ كَالْمُتَوَضِّئَةِ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَلَا يُجْزِيهَا ذَلِكَ عِنْدَهُمْ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فَخَطَأٌ وَمِنْ الْمُحَالِ الْمُمْتَنِعِ فِي الدِّينِ الَّذِي لَمْ يَأْتِ بِهِ قَطُّ نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ أَنْ يَكُونَ إنْسَانٌ طَاهِرًا إنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ تَطَوُّعًا وَمُحْدِثًا غَيْرَ طَاهِرٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِعَيْنِهِ إنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فَرِيضَةً، هَذَا مَا لَا خَفَاءَ بِهِ وَلَيْسَ إلَّا طَاهِرًا أَوْ مُحْدِثًا، فَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا فَإِنَّهَا تُصَلِّي مَا شَاءَتْ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، وَإِنْ كَانَتْ مُحْدِثَةً فَمَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ لَا فَرْضًا وَلَا نَافِلَةً. وَأَقْبَحُ مِنْ هَذَا يَدْخُلُ عَلَى الْمَالِكِيِّينَ فِي قَوْلِهِمْ: مَنْ تَيَمَّمَ لِفَرِيضَةٍ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرِيضَةَ مَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ نَافِلَةً قَبْلَ تِلْكَ الْفَرِيضَةِ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ، وَلَا أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ صَلَاتَيْ فَرْضٍ، فَهَذَا هُوَ نَظَرُهُمْ وَقِيَاسُهُمْ وَأَمَّا تَعَلُّقٌ بِأَثَرٍ، فَالْآثَارُ حَاضِرَةٌ وَأَقْوَالُهُ حَاضِرَةٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَهُمْ كُلُّهُمْ يَشْغَبُونَ بِخِلَافِ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ وَجَمِيعُ الْحَنَفِيِّينَ وَالْمَالِكِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ قَدْ خَالَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَائِشَةَ وَعَلِيًّا وَابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ الْمَالِكِيُّونَ فِي ذَلِكَ فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ كَمَا أَوْرَدْنَا، فَصَارَتْ أَقْوَالُهُمْ مُبْتَدَأَةً مِمَّنْ قَالَهَا بِلَا بُرْهَانٍ أَصْلًا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة الْوُضُوء لَا يُنْتَقَض بالرعاف وَلَا بَالدَّم السائل مِنْ الجسد] 169 - مَسْأَلَةٌ: قَالَ عَلِيٌّ: لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ شَيْءٌ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، لَا رُعَافٌ وَلَا دَمٌ سَائِلٌ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْجَسَدِ أَوْ مِنْ الْحَلْقِ أَوْ مِنْ الْأَسْنَانِ أَوْ مِنْ الْإِحْلِيلِ أَوْ مِنْ الدُّبُرِ، وَلَا حِجَامَةٌ وَلَا فَصْدٌ، وَلَا قَيْءٌ كَثُرَ أَوْ قَلَّ، وَلَا قَلْسٌ وَلَا قَيْحٌ وَلَا مَاءٌ وَلَا دَمٌ تَرَاهُ الْحَامِلُ مِنْ فَرْجِهَا، وَلَا أَذَى الْمُسْلِمِ وَلَا ظُلْمُهُ، وَلَا مَسُّ الصَّلِيبِ وَالْوَثَنِ وَلَا الرِّدَّةُ وَلَا الْإِنْعَاظُ لِلَذَّةٍ أَوْ لِغَيْرِ لَذَّةٍ، وَلَا الْمَعَاصِي مِنْ غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا، وَلَا شَيْءَ يَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ لَا عُذْرَةَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الدُّودُ وَالْحَجَرُ وَالْحَيَّاتُ، وَلَا حُقْنَةٌ وَلَا تَقْطِيرُ دَوَاءٍ فِي الْمَخْرَجَيْنِ
وَلَا مَسُّ حَيَا بَهِيمَةٍ وَلَا قُبُلَهَا، وَلَا حَلْقُ الشَّعْرَ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَلَا قَصُّ الظُّفْرِ وَلَا شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ مِنْ قَصَّةٍ بَيْضَاءَ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ أَوْ كَغُسَالَةِ اللَّحْمِ أَوْ دَمٍ أَحْمَرَ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حَيْضٌ، وَلَا الضَّحِكُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: بُرْهَانُ إسْقَاطِنَا الْوُضُوءَ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا، هُوَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ بِإِيجَابِ وُضُوءٍ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا شَرَّعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ إلَّا مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَمَا عَدَاهَا فَبَاطِلٌ، وَلَا شَرْعَ إلَّا مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَأَتَانَا بِهِ رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا خِلَافٌ نَذْكُرُ مِنْهُ مَا كَانَ الْمُخَالِفُونَ فِيهِ حَاضِرِينَ، وَنَضْرِبُ عَمَّا قَدْ دَرَسَ الْقَوْلَ بِهِ إلَّا ذِكْرًا خَفِيفًا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كُلُّ دَمٍ سَائِلٍ أَوْ قَيْحٍ سَائِلٍ أَوْ مَاءٍ سَائِلٍ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ سَالَ مِنْ الْجَسَدِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَإِنْ لَمْ يَسِلْ لَمْ يُنْقَضْ الْوُضُوءُ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ خَرَجَ ذَلِكَ مِنْ الْأَنْفِ أَوْ الْأُذُنِ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْأَنْفِ أَوْ الْأُذُنِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ دَمًا أَوْ قَيْحًا فَبَلَغَ إلَى مَوْضِعِ الِاسْتِنْشَاقِ مِنْ الْأَنْفِ أَوْ إلَى مَا يَلْحَقُهُ الْغُسْلُ مِنْ دَاخِلِ الْأُذُنِ فَالْوُضُوءُ مُنْتَقِضٌ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ إلَى مَا ذَكَرْنَا لَمْ يَنْتَقِضْ الْوُضُوءُ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْأَنْفِ مُخَاطٌ أَوْ مَاءٌ فَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ، وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَ مِنْ الْأُذُنِ مَاءٌ فَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ. قَالَ: فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْجَوْفِ إلَى الْفَمِ أَوْ مِنْ اللِّثَاتِ دَمٌ فَإِنْ كَانَ غَالِبًا عَلَى الْبُزَاقِ فَفِيهِ الْوُضُوءُ وَإِنْ لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ، وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الْبُزَاقِ فَلَا وُضُوءَ فِيهِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا فَيُسْتَحْسَنُ فَيَأْمُرُ فِيهِ بِالْوُضُوءِ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْجُرْحِ دَمٌ فَظَهَرَ وَلَمْ يَسِلْ فَلَا وُضُوءَ فِيهِ، فَإِنْ سَالَ فَفِيهِ الْوُضُوءُ، فَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْجُرْحِ دُودٌ أَوْ لَحْمٌ فَلَا وُضُوءَ فِيهِ، فَإِنْ خَرَجَ الدُّودُ مِنْ الدُّبُرِ فَفِيهِ الْوُضُوءُ، فَإِنْ عَصَبَ الْجُرْحَ نَظَرَ، فَإِنْ كَانَ لَوْ تُرِكَ سَالَ فَفِيهِ الْوُضُوءُ، وَإِنْ كَانَ لَوْ تُرِكَ لَمْ يَسِلْ فَلَا وُضُوءَ. قَالَ وَأَمَّا الْقَيْءُ وَالْقَلْسُ وَكُلُّ شَيْءٍ خَرَجَ مِنْ الْجَوْفِ إلَى الْفَمِ، فَإِنْ مَلَأَ الْفَمَ نَقَضَ الْوُضُوءَ وَإِنْ لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ لَمْ يَنْقُضْ الْوُضُوءَ، وَحَدَّ بَعْضُهُمْ مَا يَمْلَأُ الْفَمَ بِمِقْدَارِ اللُّقْمَةِ - عَلَى أَنَّ اللُّقْمَةَ تَخْتَلِفُ - وَحَدَّ بَعْضُهُمْ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إمْسَاكِهِ فِي الْفَمِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ حَاشَا الْبَلْغَمَ فَلَا وُضُوءَ فِيهِ وَإِنْ مَلَأَ الْفَمَ وَكَثُرَ جِدًّا، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: بَلْ فِيهِ الْوُضُوءُ إذَا مَلَأَ الْفَمَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كُلِّ ذَلِكَ إلَّا الدَّمَ،
فَإِنَّ قَوْلَهُ فِيهِ: إنْ خَرَجَ مِنْ اللَّثَاةِ أَوْ فِي الْجَسَدِ أَوْ مِنْ الْفَمِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْجَوْفِ لَمْ يَنْقُضْ الْوُضُوءَ إلَّا أَنْ يَمْلَأَ الْفَمَ فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ حِينَئِذٍ، وَقَالَ زُفَرُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا الْقَلْسُ، فَإِنَّهُ قَالَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ. قَالَ عَلِيٌّ: مِثْلُ هَذَا لَا يُقْبَلُ - وَلَا كَرَامَةَ - إلَّا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُبَلِّغِ عَنْ خَالِقِنَا وَرَازِقِنَا تَعَالَى أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَأَمَّا مِنْ أَحَدٍ دُونَهُ فَهُوَ هَذَيَانٌ وَتَخْلِيطٌ كَتَخْلِيطِ الْمُبَرْسَمِ وَأَقْوَالٍ مَقْطُوعٍ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهَا أَحَدٌ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يُؤَيِّدُهَا مَعْقُولٌ وَلَا نَصٌّ وَلَا قِيَاسٌ، أَفَيَسُوغُ لِمَنْ يَأْتِي بِهَذِهِ الْوَسَاوِسِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبَائِلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَفِي الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ مَا مِثْلُهُ عَجَبٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِيهِ يَرْفَعُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْوُضُوءُ مِنْ الْقَيْءِ وَإِنْ كَانَ قَلْسًا يَقْلِسُهُ فَلْيَتَوَضَّأْ إذَا رَعَفَ أَحَدٌ فِي الصَّلَاةِ أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ، وَإِنْ كَانَ قَلْسًا يَقْلِسُهُ، أَوْ وَجَدَ مَذْيًا فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ يَرْجِعْ فَيُتِمَّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَا يَسْتَقْبِلُهَا جَدِيدًا» وَخَبَرٌ آخَرُ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إذَا قَاءَ أَحَدُكُمْ أَوْ قَلَسَ فَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى مَا مَضَى مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَانِ الْأَثَرَانِ سَاقِطَانِ؛ لِأَنَّ وَالِدَ ابْنِ جُرَيْجٍ لَا صُحْبَةَ لَهُ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَالْآخَرُ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ وَهُوَ سَاقِطٌ، لَا سِيَّمَا فِيمَا رُوِيَ عَنْ الْحِجَازِيِّينَ، ثُمَّ لَوْ صَحَّا لَكَانَا حُجَّةً عَلَى الْحَنَفِيِّينَ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ يُفَرِّقُ بَيْنَ مِلْءِ الْفَمِ مِنْ الْقَيْءِ وَالْقَلْسِ وَمَا دُونَ مِلْءِ الْفَمِ مِنْ الْقَيْءِ وَالْقَلْسِ، وَلَا بَيْنَ مَا يَخْرُجُ مِنْ نَفَّاطَةٍ فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَمَا يَسِيلُ مِنْ الْأَنْفِ فَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَا فِيهِ ذِكْرُ دَمٍ خَارِجٍ مِنْ الْجَوْفِ وَلَا مِنْ الْجَسَدِ وَلَا مِنْ اللَّثَاةِ وَلَا مِنْ الْجُرْحِ، وَإِنَّمَا فِيهِمَا الْقَيْءُ وَالْقَلْسُ وَالرُّعَافُ فَقَطْ فَلَا عَلَى الْخَبَرَيْنِ اقْتَصَرُوا، كَمَا فَعَلُوا
بِزَعْمِهِمْ فِي خَبَرِ الْوُضُوءِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ وَالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ، وَلَا قَاسُوا عَلَيْهِمَا فَطَرَدُوا قِيَاسَهُمْ، لَكِنْ خَلَّطُوا تَخْلِيطًا خَرَجُوا بِهِ إلَى الْهَوَسِ الْمَحْضِ فَقَطْ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ - لَوْ صَحَّ - وَقَدْ خَالَفُوهُ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَعِيشَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ «عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاءَ فَتَوَضَّأَ، فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: صَدَقْتَ، أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ يَعِيشَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ «اسْتَقَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَفْطَرَ وَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فِيهِ يَعِيشُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ وَلَيْسَا مَشْهُورَيْنِ وَالثَّانِي مُدَلِّسٌ لَمْ يَسْمَعْهُ يَحْيَى مِنْ يَعِيشَ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مَنْ تَقَيَّأَ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلَا أَنَّ وُضُوءَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مِنْ أَجْلِ الْقَيْءِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - التَّيَمُّمُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا فَرْقٌ بَيْنَ مَا يَمْلَأُ الْفَمَ مِنْ الْقَيْءِ وَبَيْنَ مَا لَا يَمْلَؤُهُ، وَلَا فِيهِمَا شَيْءٌ غَيْرَ الْقَيْءِ، فَلَا عَلَى مَا فِيهِمَا اقْتَصَرُوا، وَلَا قَاسُوا عَلَيْهِمَا قِيَاسًا مُطَّرِدًا. وَذَكَرُوا أَيْضًا الْحَدِيثَ الثَّابِتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ - وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ» وَأَوْجَبَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيهِ الْوُضُوءَ، قَالُوا: فَوَجَبَ ذَلِكَ فِي كُلِّ عِرْقٍ سَائِلٍ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُجِزْ أَنْ يَقِيسُوا دَمَ الْعِرْقِ الْخَارِجِ مِنْ الْفَرْجِ عَلَى دَمِ الْحَيْضِ الْخَارِجِ مِنْ الْفَرْجِ، وَكِلَاهُمَا دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ، وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ حُكْمَيْهِمَا فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُقَاسَ دَمٌ خَارِجٌ مِنْ غَيْرِ الْفَرْجِ عَلَى دَمٍ خَارِجٍ مِنْ الْفَرْجِ، وَأَبْطَلُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَاسَ الْقَيْحُ عَلَى الدَّمِ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى ادِّعَاءِ إجْمَاعٍ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ الْحَسَنِ وَأَبِي مِجْلَزٍ الْفَرْقُ بَيْنَ الدَّمِ وَالْقَيْحِ، وَأَبْطَلُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَاسَ الْمَاءُ الْخَارِجُ مِنْ النَّفَّاطَةِ عَلَى الدَّمِ وَالْقَيْحِ، وَلَا يُقَاسُ الْمَاءُ الْخَارِجُ مِنْ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ عَلَى الْمَاءِ الْخَارِجِ مِنْ النَّفَّاطَةِ، وَأَبْطَلُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ دَمُ الْعِرْقِ الْخَارِجُ مِنْ الْفَرْجِ
يُوجِبُ الْوُضُوءَ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَيَكُونَ الْقَيْءُ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إلَّا حَتَّى يَمْلَأَ الْفَمَ، ثُمَّ لَمْ يَقِيسُوا الدُّودَ الْخَارِجَ مِنْ الْجُرْحِ عَلَى الدُّودِ الْخَارِجِ مِنْ الدُّبُرِ، وَهَذَا مِنْ التَّخْلِيطِ فِي الْغَايَةِ الْقُصْوَى. فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا كُلَّ ذَلِكَ عَلَى الْغَائِطِ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ نَجَاسَةٌ قُلْنَا لَهُمْ: قَدْ وَجَدْنَا الرِّيحَ تَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ فَتَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَيْسَتْ نَجَاسَةً، فَهَلَّا قِسْتُمْ عَلَيْهَا الْجَشْوَةَ وَالْعَطْسَةَ، لِأَنَّهَا رِيحٌ خَارِجَةٌ مِنْ الْجَوْفِ كَذَلِكَ وَلَا فَرْقَ؟ وَأَنْتُمْ قَدْ أَبْطَلْتُمْ قِيَاسَكُمْ هَذَا فَنَقَضْتُمْ الْوُضُوءَ بِقَلِيلِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَكَثِيرِهِ، وَلَمْ تَنْقُضُوا الْوُضُوءَ مِنْ الْقَيْحِ وَالْقَيْءِ وَالدَّمِ وَالْمَاءِ إلَّا بِمِقْدَارِ مِلْءِ الْفَمِ أَوْ بِمَا سَالَ أَوْ بِمَا غَلَبَ، وَهَذَا تَخْلِيطٌ وَتَرْكٌ لِلْقِيَاسِ. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ رُوِيَ الْوُضُوءُ مِنْ الرُّعَافِ وَمِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ عَنْ عَطَاءٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَابْنِ سِيرِينَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَفِي الرُّعَافِ عَنْ الزُّهْرِيِّ، نَعَمْ. وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَعَنْ عَطَاءٍ الْوُضُوءُ مِنْ الْقَلْسِ وَالْقَيْءِ وَالْقَيْحِ، وَعَنْ قَتَادَةَ فِي الْقَيْحِ، وَعَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ فِي الْقَلْسِ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الْقَيْءِ، قُلْنَا: نَعَمْ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ أَحَدٌ حَدَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِمِلْءِ الْفَمِ، وَلَوْ كَانَ فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ خَالَفَ هَؤُلَاءِ نُظَرَاؤُهُمْ، فَصَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ أَدْخَلَ إصْبَعَهُ فِي أَنْفِهِ فَخَرَجَ فِيهَا دَمٌ فَفَتَّهُ بِأُصْبُعِهِ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ عَصَرَ بَثْرَةً بِوَجْهِهِ فَخَرَجَ مِنْهَا دَمٌ فَفَتَّهُ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ وَقَامَ فَصَلَّى، وَعَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى فِي الرُّعَافِ وُضُوءًا وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى فِي الرُّعَافِ وُضُوءًا، وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى فِي الْقَلْسِ وُضُوءًا، وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى فِي الْقَلْسِ وُضُوءًا. وَالْعَجَبُ كُلُّهُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ لَا يَرَوْنَ الْغُسْلَ مِنْ الْمَنِيِّ إذَا خَرَجَ مِنْ الذَّكَرِ لِغَيْرِ لَذَّةٍ، وَهُوَ الْمَنِيُّ نَفْسُهُ الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيهِ الْغُسْلَ ثُمَّ يُوجِبُونَ الْوُضُوءَ مِنْ الْقَيْحِ يَخْرُجُ مِنْ الْوَجْهِ قِيَاسًا عَلَى الدَّمِ يَخْرُجُ مِنْ الْفَرْجِ وَالْعَجَبُ كُلُّهُ أَنَّهُمْ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَهْيِهِ عَنْ الذَّكِيَّةِ بِالسِّنِّ فَإِنَّهُ عَظْمٌ، فَرَأَوْا الذَّكَاةَ غَيْرَ جَائِزَةٍ بِكُلِّ عَظْمٍ، ثُمَّ أَتَوْا إلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي وُضُوءِ الْمُسْتَحَاضَةِ «فَإِنَّهُ عِرْقٌ» فَقَاسُوا عَلَى دَمِ الرُّعَافِ وَاللَّثَاةِ وَالْقَيْحِ فَهَذَا مِقْدَارُ عِلْمِهِمْ بِالْقِيَاسِ، وَمِقْدَارُ اتِّبَاعِهِمْ لِلْآثَارِ، وَمِقْدَارُ تَقْلِيدِهِمْ مَنْ سَلَفَ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ لِلْمَخْرَجِ وَجَعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِلْخَارِجِ وَعَظُمَ تَنَاقُضُهُ فِي ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَتَعْلِيلُ كِلَا الرَّجُلَيْنِ مُضَادٌّ لِتَعْلِيلِ الْآخَرِ وَمُعَارِضٌ لَهُ، وَكِلَاهُمَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَدَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَيُقَالُ لِلشَّافِعِيَّيْنِ وَالْحَنَفِيِّينَ مَعًا: قَدْ وَجَدْنَا الْخَارِجَ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ مُخْتَلِفَ الْحُكْمِ، فَمِنْهُ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ كَالْحَيْضِ وَالْمَنِيِّ وَدَمِ النِّفَاسِ، وَمِنْهُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَقَطْ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالرِّيحِ وَالْمَذْيِ، وَمِنْهُ مَا لَا يُوجِبُ شَيْئًا كَالْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ، فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنْ تَقِيسُوا مَا اشْتَهَيْتُمْ فَأَوْجَبْتُمْ فِيهِ الْوُضُوءَ قِيَاسًا عَلَى مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ، دُونَ أَنْ تُوجِبُوا فِيهِ الْغُسْلَ قِيَاسًا عَلَى مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ دُونَ أَنْ لَا تُوجِبُوا فِيهِ شَيْئًا قِيَاسًا عَلَى مَا لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا التَّحَكُّمُ بِالْهَوَى الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْحُكْمَ بِهِ وَبِالظَّنِّ الَّذِي أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا، وَمَعَ فَسَادِ الْقِيَاسِ وَمُعَارَضَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا. وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ فَلَمْ يَقِيسُوا هَهُنَا فَوُفِّقُوا، وَلَا عَلَّلُوا هَهُنَا بِخَارِجٍ وَلَا بِمَخْرَجٍ وَلَا بِنَجَاسَةٍ فَأَصَابُوا، وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي تَعْلِيلِهِمْ الْمُلَامَسَةَ بِالشَّهْوَةِ، وَفِي تَعْلِيلِهِمْ النَّهْيَ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَالْفَأْرَةُ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ، لَوُفِّقُوا وَلَكِنْ لَمْ يُطَرِّدُوا أَقْوَالَهُمْ. فَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ عَلَيْنَا. وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالْمُرْسَلِ، وَقَدْ أَوْرَدْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مُرْسَلَاتٍ لَمْ يَأْخُذُوا بِهَا، وَهَذَا أَيْضًا تَنَاقُضٌ. وَأَمَّا الْوُضُوءُ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِ فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: يَتَوَضَّأُ أَحَدُكُمْ مِنْ الطَّعَامِ الطَّيِّبِ، وَلَا يَتَوَضَّأُ مِنْ الْكَلِمَةِ الْعَوْرَاءِ يَقُولُهَا لِأَخِيهِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَأَنْ أَتَوَضَّأَ مِنْ الْكَلِمَةِ الْخَبِيثَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَوَضَّأَ مِنْ الطَّعَامِ الطَّيِّبِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْحَدَثُ حَدَثَانِ، حَدَثُ الْفَرْجِ وَحَدَثُ اللِّسَانِ وَأَشَدُّهُمَا حَدَثُ اللِّسَانِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: إنِّي لَأُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، إلَّا أَنْ أُحْدِثَ أَوْ أَقُولَ مُنْكَرًا، الْوُضُوءُ مِنْ الْحَدَثِ وَأَذَى الْمُسْلِمِ. وَعَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ: الْوُضُوءُ يَجِبُ مِنْ الْحَدَثِ وَأَذَى الْمُسْلِمِ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ دَاوُد بْنِ الْمُحَبَّرِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ الْحَدَثِ وَأَذَى الْمُسْلِمِ» .
قَالَ عَلِيٌّ: دَاوُد بْنُ الْمُحَبَّرِ كَذَّابٌ، مَشْهُورٌ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَقْلِيدِ مَنْ ذَكَرْنَا قَبْلُ فِي الْوُضُوءِ مِنْ الرُّعَافِ وَالْقَيْءِ وَالْقَلْسِ، وَالْأَخْذِ بِذَلِكَ الْأَثَرِ السَّاقِطِ، وَبَيْنَ تَقْلِيدِ مَنْ ذَكَرْنَا هَهُنَا فِي الْوُضُوءِ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِ، وَالْأَخْذِ بِهَذَا الْأَثَرِ السَّاقِطِ، بَلْ هَذَا عَلَى أُصُولِهِمْ أَوْكَدُ لِأَنَّ الْخِلَافَ هُنَالِكَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَوْجُودٌ، وَلَا مُخَالِفَ يُعْرَفُ هَهُنَا لِعَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَهُمْ يُشَنِّعُونَ مِثْلَ هَذَا إذَا وَافَقَهُمْ. وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا إلَّا فِيمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قُرْآنٍ أَوْ خَبَرٍ. وَأَمَّا مَسُّ الصَّلِيبِ وَالْوَثَنِ فَإِنَّنَا رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ " أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَتَابَ الْمُسْتَوْرِدَ الْعِجْلِيَّ، وَأَنَّ عَلِيًّا مَسَّ بِيَدِهِ صَلِيبًا كَانَتْ فِي عُنُقِ الْمُسْتَوْرِدِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلِيٌّ فِي الصَّلَاةِ قَدَّمَ رَجُلًا وَذَهَبَ، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّاسَ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِحَدَثٍ أَحْدَثَهُ، وَلَكِنَّهُ مَسَّ هَذِهِ الْأَنْجَاسَ فَأَحَبَّ أَنْ يُحْدِثَ مِنْهَا وُضُوءًا " وَرُوِّينَا أَثَرًا مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بُرَيْدَةَ وَقَدْ مَسَّ صَنَمًا فَتَوَضَّأَ» . قَالَ عَلِيٌّ: صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَلَقَدْ كَانَ يُلْزِمُ مَنْ يُعَظِّمُ خِلَافَ الصَّاحِبِ وَيَرَى الْأَخْذَ بِالْآثَارِ الْوَاهِيَةِ مِثْلَ الَّذِي قَدَّمْنَا أَنْ يَأْخُذَ بِهَذَا الْأَثَرِ، فَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَأْخُذُونَ بِهِ قَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَلَا يُعْرَفُ لِعَلِيٍّ هَهُنَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ. وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا إلَّا فِي خَبَرٍ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ الْقُرْآنِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا سِيَّمَا وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ قَطَعَ صَلَاةَ الْفَرْضِ بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَمَا كَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِيَقْطَعَهَا فِيمَا لَا يَرَاهُ وَاجِبًا. فَإِنْ قَالُوا: لَعَلَّ هَذَا اسْتِحْبَابٌ قُلْنَا: وَلَعَلَّ كُلَّ مَا أَوْجَبْتُمْ فِيهِ الْوُضُوءَ مِنْ الرُّعَافِ وَغَيْرِهِ تَقْلِيدًا لِمَنْ سَلَفَ إنَّمَا هُوَ اسْتِحْبَابٌ وَكَذَلِكَ الْمَذْيُ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا مَعْنَى لَهُ وَإِنَّمَا هِيَ دَعَاوٍ مُخَالِفَةٌ لِلْحَقَائِقِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الرِّدَّةُ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ أَوْ كَانَتْ امْرَأَةً فَاغْتَسَلَتْ مِنْ الْحَيْضِ ثُمَّ ارْتَدَّا ثُمَّ رَاجَعَا - الْإِسْلَامَ دُونَ حَدَثٍ يَكُونُ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ
صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ بِأَنَّ الرِّدَّةَ حَدَثٌ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ، وَهُمْ يُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تَنْقُضُ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَلَا غُسْلَ الْحَيْضِ وَلَا أَحْبَاسَهُ السَّالِفَةَ وَلَا عِتْقَهُ السَّالِفَ وَلَا حُرْمَةَ الرَّجُلِ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ أَنَّهَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ، فَهَلَّا قَاسُوا الْوُضُوءَ عَلَى الْغُسْلِ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ يَكُونُ أَصَحَّ قِيَاسٍ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْقِيَاسِ صَحِيحًا، فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] قُلْنَا هَذَا عَلَى مَنْ مَاتَ كَافِرًا لَا عَلَى مَنْ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [البقرة: 217] وقَوْله تَعَالَى {وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] شَهَادَةٌ صَحِيحَةٌ قَاطِعَةٌ لِقَوْلِنَا، لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ مَنْ ارْتَدَّ ثُمَّ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ وَمَاتَ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْخَاسِرِينَ، بَلْ مِنْ الرَّابِحِينَ الْمُفْلِحِينَ، وَإِنَّمَا الْخَاسِرُ مَنْ مَاتَ كَافِرًا، وَهَذَا بَيِّنٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَأَمَّا الدَّمُ الظَّاهِرُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ، فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أُمِّ عَلْقَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الْحَامِلَ تَحِيضُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ وَرَبِيعَةَ وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ، وَرُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ لَا حَائِضٌ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ أَنَّهَا لَا تُصَلِّي إلَّا أَنْ يَطُولَ ذَلِكَ بِهَا فَحِينَئِذٍ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، وَلَمْ يَحِدَّ فِي الطُّولِ حَدًّا، وَقَالَ أَيْضًا لَيْسَ أَوَّلُ الْحَمْلِ كَآخِرِهِ، وَيَجْتَهِدُ لَهَا وَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ الْحَامِلَ وَإِنْ رَأَتْ الدَّمَ فَإِنَّهَا تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَدَاوُد وَأَصْحَابِهِمْ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: صَحَّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ طَلَاقِ الْحَائِضِ وَأَمَرَ بِالطَّلَاقِ فِي حَالِ الْحَمْلِ» ، وَإِذَا كَانَتْ حَائِلًا فَصَحَّ أَنَّ حَالَ الْحَائِضِ وَالْحَائِلِ غَيْرُ حَالِ الْحَامِلِ وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُخَالِفُونَ لَنَا عَلَى أَنَّ ظُهُورَ الْحَيْضِ اسْتِبْرَاءٌ وَبَرَاءَةٌ مِنْ الْحَمْلِ، فَلَوْ جَازَ أَنْ تَحِيضَ - الْحَامِلُ لَمَا كَانَ الْحَيْضُ بَرَاءَةً مِنْ الْحَمْلِ، وَهَذَا بَيِّنٌ جِدًّا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِذَا كَانَ لَيْسَ - حَيْضًا وَلَا عِرْقَ اسْتِحَاضَةٍ فَهُوَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْغُسْلِ وَلَا لِلْوُضُوءِ إذْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ
وَكَذَلِكَ دَمُ النِّفَاسِ فَإِنَّمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، لِأَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا بَعْدَ هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الذَّبْحِ وَالْقَتْلِ وَإِنْ كَانَ مَعْصِيَةً، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ مَسَّ الْمَرْأَةَ عَلَى ثَوْبٍ، لِأَنَّهُ إنَّمَا لَامَسَ الثَّوْبَ لَا الْمَرْأَةَ، وَكَذَلِكَ مَسُّ الرَّجُلِ الرَّجُلَ بِغَيْرِ الْفَرْجِ وَمَسُّ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ وَبِغَيْرِ الْفَرْجِ وَالْإِنْعَاظُ وَالتَّذَكُّرُ وَقَرْقَرَةُ الْبَطْنِ فِي الصَّلَاةِ وَمَسُّ الْإِبْطِ وَنَتْفُهُ وَمَسُّ الْأُنْثَيَيْنِ وَالرُّفْغَيْنِ وَقَصُّ الشَّعْرِ وَالْأَظْفَارِ لِأَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا لَمْ يَأْتِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ بِإِيجَابِ الْوُضُوءِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. وَقَدْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ فِي بَعْضِ مَا ذَكَرْنَا بَلْ فِي أَكْثَرِهِ بَلْ فِي كُلِّهِ، طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ، فَأَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْ قَرْقَرَةِ الْبَطْنِ فِي الصَّلَاةِ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَأَوْجَبَ الْوُضُوءَ فِي الْإِنْعَاظِ وَالتَّذَكُّرِ وَالْمَسِّ عَلَى الثَّوْبِ لِشَهْوَةٍ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَرُوِّينَا إيجَابَ الْوُضُوءِ فِي مَسِّ الْإِبْطِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمُجَاهِدٍ، وَإِيجَابَ الْغُسْلِ مِنْ نَتْفِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. وَعَنْ مُجَاهِدٍ الْوُضُوءُ مِنْ تَنْقِيَةِ الْأَنْفِ. وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُجَاهِدٍ وَذَرٍّ وَالِدِ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ إيجَابَ الْوُضُوءِ مِنْ قَصِّ الْأَظْفَارِ وَقَصِّ الشَّعْرِ، وَأَمَّا الدُّودُ وَالْحَجَرُ يَخْرُجَانِ مِنْ الدُّبُرِ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُوجِبْهُ مَالِكٌ وَلَا أَصْحَابُنَا، وَقَدْ رُوِّينَا «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ مَسَّ أُنْثَيَيْهِ أَوْ رُفْغَيْهِ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَلَكِنَّهُ مُرْسَلٌ لَا يُسْنَدُ. وَأَمَّا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ وَالدَّمُ الْأَحْمَرُ فَسَيُذْكَرُ فِي الْكَلَامِ فِي الْحَيْضِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - حُكْمُهُ وَإِنَّهُ لَيْسَ - حَيْضًا وَلَا عِرْقًا، فَإِذًا لَيْسَ حَيْضًا وَلَا عِرْقًا فَلَا وُضُوءَ فِيهِ. إذْ لَمْ يُوجِبْ فِي ذَلِكَ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ. وَأَمَّا الضَّحِكُ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّا رُوِّينَا فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ مِنْهُ أَثَرًا وَاهِيًا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ إمَّا مُرْسَلٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيِّ وَعَنْ الْحَسَنِ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ صُبَيْحٍ وَمَعْبَدِ الْجُهَنِيِّ، وَإِمَّا مُسْنَدٌ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ وَأَبِي مُوسَى وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَجَابِرٍ وَأَبِي الْمَلِيحِ، وَرُوِّينَا إيجَابَ الْوُضُوءِ مِنْهُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ.
الأشياء الموجبة غسل الجسد كله
فَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَإِنَّهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادَةَ التَّتَرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي حَيْلَةَ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَفِيهِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ وَهُوَ غَيْرُ ثِقَةٍ وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَفِيهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ، وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَفِيهِ أَبُو سُفْيَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الْمَلِيحِ فَفِيهِ الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ وَهُوَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ. وَلَا حُجَّةَ إلَّا فِي الْقُرْآنِ أَوْ - أَثَرٍ صَحِيحٍ مُسْنَدٍ. وَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْمَالِكِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ الْقَائِلِينَ بِالْمُتَوَاتِرِ مِنْ الْأَخْبَارِ حَتَّى ادَّعَوْا التَّوَاتُرَ لِحَدِيثِ مُعَاذٍ «أَجْتَهِدُ رَأْيِي» وَالْقَائِلِينَ بِمُرْسَلِ سَعِيدٍ وَطَاوُسٍ أَنْ يَقُولُوا بِهَذِهِ الْآثَارِ، فَإِنَّهَا أَشَدُّ تَوَاتُرًا مِمَّا ادَّعَوْا لَهُ التَّوَاتُرَ، وَأَكْثَرُ ظُهُورًا فِي عَدَدِ مَنْ أَرْسَلَهُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ وَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ، وَسَائِرُ مَا قَالُوا بِهِ مِنْ الْمَرَاسِيلِ. وَكَذَلِكَ كَانَ يَلْزَمُ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ الْمُخَالِفِينَ الْخَبَرُ الصَّحِيحَ - فِي الْمُصَرَّاةِ وَفِي حَجِّ الْمَرْأَةِ عَنْ الْهَرِمِ الْحَيِّ وَفِي سَائِرِ مَا تَرَكُوا فِيهِ السُّنَنَ الثَّابِتَةَ لِلْقِيَاسِ - أَنْ يَرْفُضُوا هَذَا الْخَبَرَ الْفَاسِدَ قِيَاسًا عَلَى مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الضَّحِكَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ أَنْ يَنْقُضَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَطَّرِدُونَ الْقِيَاسَ وَلَا يَتَّبِعُونَ السُّنَنَ وَلَا يَلْتَزِمُونَ مَا أَحَلُّوا مِنْ قَبُولِ الْمُرْسَلِ وَالْمُتَوَاتِرِ، إلَّا رَيْثَمَا يَأْتِي مُوَافِقًا لِآرَائِهِمْ أَوْ تَقْلِيدِهِمْ، ثُمَّ هُمْ أَوَّلُ رَافِضِينَ لَهُ إذَا خَالَفَ تَقْلِيدَهُمْ وَآرَاءَهُمْ. وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَيُقَالُ لَهُمْ: فِي أَيِّ قُرْآنٍ أَوْ فِي أَيِّ سُنَّةٍ أَوْ فِي أَيِّ قِيَاسٍ وَجَدْتُمْ تَغْلِيظَ بَعْضِ الْأَحْدَاثِ فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، وَتَخْفِيفُ بَعْضِهَا قَدْ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إلَّا مِقْدَارًا حَدَّدْتُمُوهُ مِنْهَا؟ وَالنَّصُّ فِيهَا كُلِّهَا جَاءَ مَجِيئًا وَاحِدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي عَقْلٍ أَنَّ بَعْضَ الْحَدَثِ حَدَثٌ، فَإِذَا هُوَ كَذَلِكَ فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ، وَمَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا فَكَثِيرُهُ وَقَلِيلُهُ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [الْأَشْيَاءُ الْمُوجِبَةُ غَسْلَ الْجَسَدِ كُلِّهِ] [مَسْأَلَةٌ إيلَاجُ الْحَشَفَةِ أَوْ مِقْدَارِهَا فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْأَشْيَاءُ الْمُوجِبَةُ غَسْلَ الْجَسَدِ كُلِّهِ 170 - مَسْأَلَةٌ: إيلَاجُ الْحَشَفَةِ أَوْ إيلَاجُ مِقْدَارِهَا مِنْ الذَّكَرِ الذَّاهِبِ الْحَشَفَةِ وَالذَّاهِبِ أَكْثَرَ مِنْ الْحَشَفَةِ - فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ الَّذِي هُوَ مَخْرَجُ الْوَلَدِ مِنْهَا بِحَرَامٍ أَوْ حَلَالٍ، إذَا كَانَ بِعَمْدٍ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ، فَإِنْ عَمَدَتْ هِيَ أَيْضًا لِذَلِكَ، فَكَذَلِكَ أَنْزَلَتْ أَوْ لَمْ تُنْزِلْ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَجْنُونًا أَوْ سَكْرَانًا أَوْ نَائِمًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مُكْرَهًا، فَلَيْسَ عَلَى مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ مِنْهُمَا إلَّا الْوُضُوءُ فَقَطْ إذَا أَفَاقَ أَوْ اسْتَيْقَظَ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ بَالِغٍ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ وَلَا وُضُوءَ، فَإِذَا بَلَغَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ فِيمَا يَحْدُثُ لَا فِيمَا سَلَفَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ وَالْوُضُوءُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ الطَّلْمَنْكِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ثنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» . وَحَدَّثَنَا حَمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ثنا مُسْلَمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثنا شُعْبَةُ وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَأَلْزَقَ الْخِتَانَ بِالْخِتَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ: وَحَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى وَأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ قَالَا جَمِيعًا ثنا قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَأَجْهَدَ نَفْسَهُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا فِيهِ زِيَادَةٌ ثَابِتَةٌ عَنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا إسْقَاطُ الْغُسْلِ، وَالزِّيَادَةُ شَرِيعَةٌ وَارِدَةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا. وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي مَخْرَجِ الْوَلَدِ، لِأَنَّهُ لَا خِتَانَ إلَّا هُنَالِكَ، فَسَوَاءٌ كَانَ مَخْتُونًا أَوْ غَيْرَ مَخْتُونٍ لِأَنَّ لَفْظَةَ «أَجْهَدَ نَفْسَهُ» تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَخُصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَرَامًا مِنْ حَلَالٍ. وَإِنَّمَا قُلْنَا بِذَلِكَ فِي الْعَمْدِ دُونَ الْأَحْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَا لِأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا قَعَدَ ثُمَّ أَجْهَدَ» وَهَذَا الْإِطْلَاقُ لَيْسَ إلَّا لِلْمُخْتَارِ الْقَاصِدِ، وَلَا يُسَمَّى الْمَغْلُوبُ أَنَّهُ قَعَدَ وَلَا النَّائِمُ وَلَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» فَذَكَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
مسألة يجب على الجنب غسل الرأس وجميع الجسد
«الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَالصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ» فَإِذَا زَالَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ كُلُّهَا مِنْ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَالنَّوْمِ وَالصِّبَا فَالْوُضُوءُ لَازِمٌ لَهُمْ فَقَطْ لِأَنَّهُمْ يَصِيرُونَ مُخَاطَبِينَ بِالصَّلَاةِ وَبِالْوُضُوءِ لَهَا جُمْلَةً، وَبِالْغُسْلِ إنْ كَانُوا مُجْنِبِينَ، وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا بِمُجْنِبِينَ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا أَوْجَبْتُمْ الْغُسْلَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» ؟ قُلْنَا: هَذَا الْخَبَرُ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا أَقَحَطْتَ أَوْ أَكْسَلْتَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْكَ» . فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَثْنَى الْأَقَلُّ مِنْ الْأَعَمِّ وَلَا بُدَّ، لَيُؤْخَذَ بِهِمَا مَعًا، ثُمَّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ زَائِدٌ حُكْمًا عَلَى حَدِيثِ الْإِكْسَالِ فَوَجَبَ إعْمَالُهُ أَيْضًا. وَأَمَّا كُلُّ مَوْضِعٍ لَا خِتَانَ فِيهِ وَلَا يُمْكِنُ فِيهِ الْخِتَانُ فَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ وَلَا سُنَّةٌ بِإِيجَابِ الْغُسْلِ مِنْ الْإِيلَاجِ فِيهِ، وَمِمَّنْ رَأَى أَنْ لَا غُسْلَ مِنْ الْإِيلَاجِ فِي الْفَرْجِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَنْزَلَ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَجُمْهُورُ الْأَنْصَارِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَالْأَعْمَشُ وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ. وَرُوِيَ الْغُسْلُ فِي ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالْمُهَاجِرِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الظَّاهِرِ. [مَسْأَلَةٌ يَجِبُ عَلَى الْجُنُبِ غُسْلُ الرَّأْسِ وَجَمِيعِ الْجَسَدِ] . 171 - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ أَجْنَبَ كُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا وَجَبَ عَلَيْهِ غُسْلُ الرَّأْسِ وَجَمِيعِ
مسألة الجنابة هي الماء الذي يكون من نوعه الولد
الْجَسَدِ إذَا أَفَاقَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونُ وَانْتَبَهَ النَّائِمُ وَصَحَا السَّكْرَانُ وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَبِالْإِجْنَابِ يَجِبُ الْغُسْلُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] فَلَوْ اغْتَسَلَ الْكَافِرُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَالْمَجْنُونُ قَبْلَ أَنْ يُفِيقَ أَوْ غَسَلَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُفِيقَ وَالسَّكْرَانُ لَمْ يُجْزِهِمْ ذَلِكَ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَعَلَيْهِمْ إعَادَةُ الْغُسْلِ، لِأَنَّهُمْ بِخُرُوجِ الْجَنَابَةِ مِنْهُمْ صَارُوا جُنُبًا وَوَجَبَ الْغُسْلُ بِهِ، وَلَا يَجْزِي الْفَرْضَ الْمَأْمُورَ بِهِ إلَّا بِنِيَّةِ أَدَائِهِ قَصْدًا إلَى تَأْدِيَةِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] وَكَذَلِكَ لَوْ تَوَضَّئُوا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ لِلْحَدَثِ لَمْ يُجْزِهِمْ وَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهِ بَعْدَ زَوَالِهَا لِمَا ذَكَرْنَا. [مَسْأَلَة الْجَنَابَة هِيَ الْمَاء الَّذِي يَكُون مِنْ نَوْعه الْوَلَد] . 172 - مَسْأَلَةٌ: وَالْجَنَابَةُ هِيَ الْمَاءُ الَّذِي يَكُونُ مِنْ نَوْعِهِ الْوَلَدُ، وَهُوَ مِنْ الرَّجُلِ أَبْيَضُ غَلِيظٌ رَائِحَتُهُ رَائِحَةُ الطَّلْعُ، وَهُوَ مِنْ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ، وَمَاءُ الْعَقِيمِ وَالْعَاقِرِ يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَمَاءُ الْخَصِيِّ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَأَمَّا الْمَجْبُوبُ الذَّكَرِ السَّالِمُ الْأُنْثَيَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا فَمَاؤُهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ ثنا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعٍ ثنا سَعِيدُ هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ - عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ حَدَّثَتْ «أَنَّهَا سَأَلَتْ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، قِيلَ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ إنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ، فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا أَوْ سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا هُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُوجِبُ الْغُسْلَ وَمَاءُ الْعَقِيمِ وَالْعَاقِرِ وَالسَّالِمِ الْخُصْيَةِ، وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا، فَهَذِهِ صِفَتُهُ وَقَدْ يُولَدُ لِهَذَا، وَأَمَّا مَاءُ الْخَصِيِّ فَإِنَّمَا هُوَ أَصْفَرُ، فَلَيْسَ هُوَ الْمَاءُ الَّذِي جَاءَ النَّصُّ بِإِيجَابِ الْغُسْلِ فِيهِ فَلَا غُسْلَ فِيهِ، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً
مسألة إذا خرجت الجنابة وجب الغسل
شُفِرَتْ وَهِيَ بَالِغٌ أَوْ غَيْرُ بَالِغٍ، فَدَخَلَ الْمَنِيُّ فَرْجَهَا فَحَمَلَتْ فَالْغُسْلُ عَلَيْهَا وَلَا بُدَّ لِأَنَّهَا قَدْ أَنْزَلَتْ الْمَاءَ يَقِينًا. [مَسْأَلَة إذَا خَرَجَتْ الْجَنَابَة وَجَبَ الْغُسْل] . 173 - مَسْأَلَةٌ: وَكَيْفَمَا خَرَجَتْ الْجَنَابَةُ الْمَذْكُورَةُ بِضَرْبَةٍ أَوْ عِلَّةٍ أَوْ لِغَيْرِ لَذَّةٍ أَوْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ حَتَّى وَجَدَهُ أَوْ بِاسْتِنْكَاحٍ فَالْغُسْلُ وَاجِبٌ فِي ذَلِكَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] وَأَمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إذَا فَضَخَ الْمَاءَ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ مَنْ خَرَجَتْ مِنْهُ الْجَنَابَةُ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا رَسُولُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَالًا مِنْ حَالٍ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَخُصَّ النَّصَّ بِرَأْيِهِ بِغَيْرِ نَصٍّ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: مَنْ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ - لِعِلَّةٍ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَوْ ضُرِبَ عَلَى اسْتِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلٌ خِلَافٌ لِلْقُرْآنِ وَلِلسُّنَنِ الثَّابِتَةِ وَلِلْقِيَاسِ، وَمَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ إلَّا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَنْهُ لَا غُسْلَ إلَّا مِنْ شَهْوَةٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا خِلَافُهُمْ لِلْقِيَاسِ فَإِنَّ الْغَائِطَ وَالْبَوْلَ وَالرِّيحَ مُوجِبَةٌ لِلْوُضُوءِ وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ كَيْفَمَا خَرَجَ ذَلِكَ فَالْوُضُوءُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْحَيْضُ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ، وَكَيْفَمَا خَرَجَ فَالْغُسْلُ فِيهِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَنِيُّ كَذَلِكَ، فَلَا بِالْقُرْآنِ أَخَذُوا وَلَا بِالسُّنَّةِ عَمِلُوا وَلَا الْقِيَاسُ طَرَدُوا. وَالْعَجَبُ أَنَّ بَعْضَهُمْ احْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْغَائِطَ وَالْبَوْلَ لَيْسَ فِي خُرُوجِهِمَا حَالٌ
مسألة امرأة وطئت ثم اغتسلت ثم خرج ماء الرجل من فرجها
تُحِيلُ الْجَسَدَ. قَالَ: وَالْمَنِيُّ إذَا خَرَجَ لِشَهْوَةٍ أَذْهَبَ الشَّهْوَةَ وَأَحْدَثَ فِي الْجَسَدِ أَثَرًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِخِلَافِهِمَا. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا تَخْلِيطٌ، بَلْ اللَّذَّةُ فِي خُرُوجِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالرِّيحِ أَشَدُّ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى خُرُوجِهَا مِنْهَا فِي خُرُوجِ الْمَنِيِّ، وَضَرَرُ أَلَمِ امْتِنَاعِ خُرُوجِهَا أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ امْتِنَاعِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ فَقَدْ اسْتَوَى الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، فَإِنْ تَأَذَّى الْمُسْتَنْكِحُ بِالْغُسْلِ فَلْيَتَيَمَّمْ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ مَا يَقْدِرُ عَلَى الْغُسْلِ بِهِ، فَحُكْمُهُ التَّيَمُّمُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة امْرَأَة وطئت ثُمَّ اغْتَسَلَتْ ثُمَّ خَرَجَ مَاء الرَّجُل مِنْ فرجها] . 174 - مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً وُطِئَتْ ثُمَّ اغْتَسَلَتْ ثُمَّ خَرَجَ مَاءُ الرَّجُلِ مِنْ فَرْجِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، لَا غُسْلَ وَلَا وُضُوءَ، لِأَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنْ إنْزَالِهَا لَا مِنْ إنْزَالِ غَيْرِهَا، وَالْوُضُوءُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنْ حَدَثِهَا لَا مِنْ حَدَثِ غَيْرِهَا وَخُرُوجُ مَاءِ الرَّجُلِ مِنْ فَرْجِهَا لَيْسَ إنْزَالًا مِنْهَا وَلَا حَدَثًا مِنْهَا، فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا وَلَا وُضُوءَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهَا تَغْسِلُ، وَعَنْ قَتَادَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ تَتَوَضَّأُ. قَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ قَوْلُ أَحَدٍ حُجَّةً دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [مَسْأَلَة امْرَأَة شفرها رَجُل فدخل ماؤه فرجها] . 175 - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً شَفَرَهَا رَجُلٌ فَدَخَلَ مَاؤُهُ فَرْجَهَا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا إذَا لَمْ تُنْزِلْ هِيَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ: عَلَيْهَا الْغُسْلُ. قَالَ عَلِيٌّ: إيجَابُ الْغُسْلِ لَا يَلْزَمُ إلَّا بِنَصِّ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [مَسْأَلَة رَجُل وَامْرَأَةٌ أجنبا وَكَانَ مِنْهُمَا وَطْء دُون إنْزَال] . 176 - مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً أَجْنَبَا وَكَانَ مِنْهُمَا وَطْءٌ دُونَ إنْزَالٍ فَاغْتَسَلَا وَبَالَا أَوْ لَمْ يَبُولَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا بَقِيَّةٌ مِنْ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ أَوْ كُلُّهُ فَالْغُسْلُ وَاجِبٌ فِي ذَلِكَ وَلَا بُدَّ، فَلَوْ صَلَّيَا قَبْلَ ذَلِكَ أَجْزَأَتْهُمَا صَلَاتُهُمَا، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ الْغُسْلِ، فَلَوْ خَرَجَ فِي نَفْسِ الْغُسْلِ وَقَدْ بَقِيَ أَقَلُّهُ أَوْ أَكْثَرُهُ لَزِمَهُمَا أَوْ الَّذِي خَرَجَ ذَلِكَ مِنْهُ ابْتِدَاءَ الْغُسْلِ وَلَا بُدَّ. بُرْهَانُ ذَلِكَ عُمُومُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] وَالْجُنُبُ هُوَ مَنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ الْجَنَابَةُ. وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا فَضَخَ الْمَاءَ فَلْيَغْتَسِلْ» وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ هَذَا الْعُمُومِ بِالرَّأْيِ.
مسألة أولج في الفرج وأجنب
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ قَدْ بَالَ قَبْلَ ذَلِكَ فَالْغُسْلُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَبُلْ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ بَالَ أَوْ لَمْ يَبُلْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ كَقَوْلِنَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ الْغُسْلَ بِأَنَّهُ قَدْ اغْتَسَلَ وَالْغُسْلُ إنَّمَا هُوَ لِنُزُولِ الْجَنَابَةِ مِنْ الْجَسَدِ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَيْسَ كَمَا قَالُوا بَلْ مَا الْغُسْلُ إلَّا مِنْ ظُهُورِ الْجَنَابَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» وَلَوْ أَنَّ امْرَأً الْتَذَّ بِالتَّذَكُّرِ حَتَّى أَيْقَنَ أَنَّ الْمَنِيَّ قَدْ صَارَ فِي الْمَثَانَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ غُسْلٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ جُنُبًا بَعْدُ، وَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ وُجُوبَ الْغُسْلِ فَعَلَيْهِ الْبُرْهَانُ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ. قُلْنَا: لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ إيجَابُ الْغُسْلِ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمْ يَأْخُذْ بِذَلِكَ مَالِكٌ وَلَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حُجَّةً فِي مَسْأَلَةٍ غَيْرَ حُجَّةٍ فِي أُخْرَى. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَة أولج فِي الفرج وأجنب] . 177 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَوْلَجَ فِي الْفَرْجِ وَأَجْنَبَ فَعَلَيْهِ النِّيَّةُ فِي غُسْلِهِ ذَلِكَ لَهُمَا مَعًا، وَعَلَيْهِ أَيْضًا الْوُضُوءُ وَلَا بُدَّ، وَيُجْزِيهِ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ غُسْلٌ وَاحِدٌ يَنْوِي بِهِ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ مِنْ الْإِيلَاجِ وَمِنْ الْجَنَابَةِ، فَإِنْ نَوَى بَعْضَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَلَمْ يَنْوِ سَائِرَهَا أَجْزَأَهُ لِمَا نَوَى، وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ لِمَا لَمْ يَنْوِ، فَإِنْ كَانَ مُجْنِبًا بِاحْتِلَامٍ أَوْ يَقِظَةٍ مِنْ غَيْرِ إيلَاجٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لِلْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ فَقَطْ. بُرْهَانُ ذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْجَبَ الْغُسْلَ مِنْ الْإِيلَاجِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إنْزَالٌ وَمِنْ الْإِنْزَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إيلَاجٌ، وَأَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْ الْإِيلَاجِ» ، فَهِيَ أَعْمَالٌ مُتَغَايِرَةٌ وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» فَلَا بُدَّ لِكُلِّ عَمَلٍ مَأْمُورٍ
مسألة غسل يوم الجمعة فرض لازم لكل بالغ وكذلك الطيب والسواك
بِهِ مِنْ الْقَصْدِ إلَى تَأْدِيَتِهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُجْزِئُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ عَمَلٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ غُسْلًا وَاحِدًا مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، فَأَجْزَأَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ، وَوَجَبَتْ النِّيَّاتُ بِالنَّصِّ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِأَنَّ نِيَّةً لِبَعْضِ ذَلِكَ تُجْزِئُ عَنْ نِيَّةِ الْجَمِيعِ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة غَسَلَ يَوْم الْجُمُعَةَ فرض لَازِم لِكُلِّ بالغ وَكَذَلِكَ الطَّيِّب والسواك] . 178 - مَسْأَلَةٌ: وَغُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَرْضٌ لَازِمٌ لِكُلِّ بَالِغٍ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَكَذَلِكَ الطِّيبُ وَالسِّوَاكُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ ثنا أَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَلِيٌّ هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ - ثنا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ ثنا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ وَأَنْ يَسْتَنَّ وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا» قَالَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ: أَمَّا الْغُسْلُ فَأَشْهَدُ أَنَّهُ
وَاجِبٌ، وَأَمَّا الِاسْتِنَانُ وَالطِّيبُ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لَا، وَلَكِنْ هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ. وَرُوِّينَا إيجَابَ الْغُسْلِ أَيْضًا مُسْنَدًا مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ كُلُّهَا فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، فَصَارَ خَبَرًا مُتَوَاتِرًا يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَمِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِ فَرْضِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَمْ يُخَالِفْهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ وَعَطَاءٌ وَكَعْبٌ وَالْمُسَيِّبُ بْنُ رَافِعٍ. أَمَّا عُمَرُ فَإِنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ لِعُثْمَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - وَقَدْ قَالَ عُثْمَانُ: مَا هُوَ إلَّا أَنْ سَمِعْت الْأَذَانَ الْأَوَّلَ فَتَوَضَّأْت وَخَرَجْت فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمْت مَا هُوَ بِالْوُضُوءِ، وَالْوُضُوءُ أَيْضًا «وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ» . وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْ كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا فَيَغْسِلُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ وَيَمَسُّ طِيبًا إنْ كَانَ لِأَهْلِهِ، وَالْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ. فَأَمَّا اللَّفْظُ الْأَوَّلُ فَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاللَّفْظُ الثَّانِي عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: مَا كُنْت أَرَى مُسْلِمًا يَدْعُ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي شَيْءٍ ظَنَّ بِهِ: لَأَنَا أَحْمَقُ مِنْ الَّذِي لَا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يُحَمَّقُ مَنْ تَرَكَ مَا لَيْسَ فَرْضًا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِيهِ: «أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ، دَخَلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ» وَالْمُفْلِحُ الْمَضْمُونُ لَهُ الْجَنَّةُ لَيْسَ أَحْمَقَ.
وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِي شَيْءٍ ظَنَّ بِهِ: أَنَا إذَنْ كَمَنْ لَا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَوْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - وَسُئِلَ عَنْ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: «أَمَرَنَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَعَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مَرَّةً فَيَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا أَرَى أَنْ يَتَطَيَّبَ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ إنْ كَانَ لَهُمْ. وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: اغْتَسِلْ. وَرُوِّينَا أَمْرَهُ بِالطِّيبِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَمْرَهُ بِالْغُسْلِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّ غُسْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يُوجِبُ الطِّيبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: الْغُسْلُ وَالسِّوَاكُ وَيَمَسُّ مِنْ طِيبٍ إنْ وَجَدَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ أَنَّهُ يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إسْقَاطُ فَرْضِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «كَانَ النَّاسُ يَأْتُونَ الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَمِنْ الْعَوَالِي فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ وَيُصِيبُهُمْ الْغُبَارُ فَيَخْرُجُ مِنْهُمْ الرِّيحُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا»
وَعَنْهَا أَيْضًا «كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ، فَكَانَ يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ فَقِيلَ لَهُمْ لَوْ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» ، وَبِحَدِيثٍ عَنْ الْحَسَنِ «أَنْبَأَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَكِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ يَغْتَسِلُونَ» . وَبِحَدِيثٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُبَّمَا اغْتَسَلَ وَرُبَّمَا لَمْ يَغْتَسِلْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» . وَبِحَدِيثٍ آخَرَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ «أَنَّهُ خَيْرٌ لِمَنْ اغْتَسَلَ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ بَدَأَ الْغُسْلُ، كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقًا مُقَارِبَ السَّقْفِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمٍ حَارٍّ وَعِرَقَ النَّاسُ فِي الصُّوفِ حَتَّى ثَارَتْ مِنْهُمْ رِيَاحٌ آذَى بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرِّيحَ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ فَاغْتَسِلُوا وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ طِيبًا، أَفْضَلَ مَا يَجِدُ مِنْ دُهْنِهِ وَطِيبِهِ» . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ، وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ، وَكُفُوا الْعَمَلَ، وَوَسَّعُوا مَسْجِدَهُمْ، وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ الْعَرَقِ ". وَبِحَدِيثٍ عَنْ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» .
وَمَثَلُهُ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَصًّا. وَكَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، وَمِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَمَثَلُهُ نَصًّا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَثَلُهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبِي الْعَلَاءِ.
وَهَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ، وَكُلُّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْآثَارِ لَا خَيْرَ فِيهَا، حَاشَا حَدِيثِ عَائِشَةَ وَعُمَرَ فَهُمَا صَحِيحَانِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِمَا عَلَى مَا سَنُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أَمَّا حَدِيثُ الْحَسَنِ وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَمُرْسَلَانِ، وَكَمْ مِنْ مُرْسَلٍ لِلْحَسَنِ لَا يَأْخُذُونَ بِهِ، كَمُرْسَلِهِ فِي الْوُضُوءِ مِنْ الضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ، لَا يَأْخُذُ بِهِ الْمَالِكِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ، وَكَمُرْسَلِهِ «إنَّ الْأَرْضَ لَا تَنْجُسُ» لَا يَأْخُذُ بِهِ الْحَنَفِيُّونَ، وَكَذَلِكَ لِيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمِمَّا يُوجِبُ الْمَقْتَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلُوا الْمُرْسَلَ حُجَّةً، ثُمَّ لَا يَأْخُذُونَ بِهِ، أَوْ أَنْ لَا يَرَوْهُ حُجَّةً ثُمَّ يَحْتَجُّونَ بِهِ، فَيَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ} [غافر: 35] . وَأَمَّا حَدِيثَا ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَحَدُهُمَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ النَّيْسَابُورِيِّ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِوَضْعِ الْأَحَادِيثِ وَالْكَذِبِ وَالثَّانِي مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو - هَذِهِ نَفْسَهَا - عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ» فَإِنْ كَانَ خَبَرُ عَمْرٍو حُجَّةً فَلْيَأْخُذُوا بِهَذَا، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي رَدِّ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ، وَأَمَّا عَمْرٌو فَضَعِيفٌ لَا نَحْتَجُّ بِهِ لَنَا، وَلَا نَقْبَلُهُ حُجَّةً عَلَيْنَا، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ، وَلَوْ احْتَجَجْنَا بِهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لَأَخَذْنَا بِخَبَرِهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُ مَا رَوَى عَنْهُ عَمْرٌو فِي قَتْلِ الْبَهِيمَةِ
وَمَنْ أَتَاهَا، قُلْنَا لَهُمْ: وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُ مَا رَوَى عَنْهُ عَمْرٌو فِي إسْقَاطِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَلَا فَرْقَ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ حَدِيثُ عَمْرٍو هَذَا لِمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، بَلْ لَكَانَ لَنَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا الْأَمْرَ بِالْغُسْلِ وَإِيجَابَهُ، وَأَمَّا كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ إسْقَاطِ وُجُوبِ الْغُسْلِ فَلَيْسَ مِنْ كَلَامِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَظَنِّهِ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ، وَلَا يَصِحُّ لِلْحَسَنِ سَمَاعٌ مِنْ سَمُرَةَ إلَّا حَدِيثُ الْعَقِيقَةِ وَحْدَهُ، فَإِنْ أَبَوْا إلَّا الِاحْتِجَاجَ بِهِ، قُلْنَا لَهُمْ: قَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ» وَالْحَنَفِيُّونَ وَالْمَالِكِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ لَا يَأْخُذُونَ بِهَذَا، وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنْهُ عَنْ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُهْدَةُ الرَّقِيقِ أَرْبَعٌ» وَهُمْ لَا يَأْخُذُونَ بِهَذَا. وَمِنْ الْبَاطِلِ وَالْعَارِ احْتِجَاجُهُمْ فِي الدِّينِ بِرِوَايَةِ مَا إذَا وَافَقَتْ تَقْلِيدَهُمْ، وَمُخَالَفَتُهُمْ لَهَا بِعَيْنِهَا إذَا خَالَفَتْ تَقْلِيدَهُمْ، مَا نَرَى دِينًا يَبْقَى مَعَ هَذَا لِأَنَّهُ اتِّبَاعُ الْهَوَى فِي الدِّينِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، صَحَّ عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَقْطَعَ الطَّرِيقَ وَأَزْنِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَرْوِيَ عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، وَرُبَّ حَدِيثٍ لِيَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ تَرَكُوهُ لَمْ يَحْتَجُّوا فِيهِ إلَّا بِضَعْفِهِ فَقَطْ، وَمِنْ رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ بْنِ حَمْزَةَ، وَهُوَ هَالِكٌ، عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، وَهُوَ سَاقِطٌ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فَوَجَدْنَاهُ سَاقِطًا لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ إلَّا مِنْ طُرُقٍ فِي أَحَدِهَا رَجُلٌ مَسْكُوتٌ عَنْ اسْمِهِ لَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ، وَفِي ثَانِيهمَا أَبُو سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَفِي الثَّالِثِ مِنْهَا الْحَسَنُ عَنْ جَابِرٍ وَلَا يَصِحُّ سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ جَابِرٍ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُمْرَةَ فَهُوَ مِنْ طَرِيقِ سَلَمِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَبِي هِشَامٍ الْبَصْرِيِّ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا
فَسَقَطَتْ هَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا، ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّ الْوُضُوءَ نِعْمَ الْعَمَلُ، وَأَنَّ الْغُسْلَ أَفْضَلُ وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [آل عمران: 110] فَهَلْ دَلَّ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالتَّقْوَى لَيْسَ فَرْضًا؟ حَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا، ثُمَّ لَوْ كَانَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ فَرْضًا لَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَكُونُ مُوَافِقًا لِمَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ قَبْلَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَرْعٌ وَارِدٌ وَحُكْمٌ زَائِدٌ نَاسِخٌ لِلْحَالَةِ الْأُولَى بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ النَّاسِخِ بِيَقِينٍ، وَالْأَخْذُ بِالْمَنْسُوخِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «كَانُوا عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ وَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ وَالْغُبَارِ مِنْ الْعَوَالِي فَتَثُورُ لَهُمْ رَوَائِحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا» أَوْ «أَوَلَا تَغْتَسِلُونَ» . فَهُوَ خَبَرٌ صَحِيحٌ، إلَّا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو هَذَا مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى الْمِنْبَرِ فَأَمَرَ النَّاسَ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يُخْبِرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِأَنَّ غُسْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَكُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَالطِّيبَ وَالسِّوَاكَ، وَقَبْلَ أَنْ يُخْبِرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَوْ يَكُونَ بَعْدَ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ، فَإِنْ كَانَ خَبَرُ عَائِشَةَ قَبْلَ مَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُهُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَجَابِرٌ، فَلَا يَشُكُّ ذُو حِسٍّ سَلِيمٍ فِي أَنَّ الْحُكْمَ لِلْمُتَأَخِّرِ، وَإِنْ كَانَ خَبَرُ عَائِشَةَ بَعْدَ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ إيجَابِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالسِّوَاكِ وَالطِّيبِ وَأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِ الْإِيجَابِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَا عَلَى إسْقَاطِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الْمَنْصُوصِ عَلَى إثْبَاتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَبْكِيتٌ لِمَنْ تَرَكَ الْغُسْلَ الْمَأْمُورَ بِهِ الْمُوجِبَ فَقَطْ، وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِلْأَمْرِ الْمُتَيَقَّنِ لَا إسْقَاطٌ لَهُ، فَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْوِصَالِ فَلَمْ يَنْتَهُوا فَوَاصَلَ بِهِمْ» تَنْكِيلًا لَهُمْ، أَفَيَسُوغُ فِي عَقْلِ أَحَدٍ أَنَّ ذَلِكَ نَسْخٌ لِلنَّهْيِ عَنْ الْوِصَالِ؟ وَكُلُّ مَا أَخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، فَلَا يَحِلُّ تَرْكُهُ وَلَا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ أَنَّهُ نَدْبٌ، إلَّا بِنَصٍّ جَلِيٍّ بِذَلِكَ، مَقْطُوعٌ عَلَى أَنَّهُ وَارِدٌ بَعْدَهُ، مُبَيِّنٌ أَنَّهُ - نَدْبٌ أَوْ أَنَّهُ قَدْ نُسِخَ، لَا بِالظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ الْمَتْرُوكِ لَهَا الْيَقِينُ.
هَذَا لَوْ صَحَّ أَنَّ خَبَرَ عَائِشَةَ كَانَ بَعْدَ الْإِيجَابِ لِلْغُسْلِ. وَهَذَا لَا يَصِحُّ أَبَدًا، بَلْ فِي خَبَرِ عَائِشَةَ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْإِيجَابِ لِأَنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَالنَّاسُ عُمَّالُ أَنْفُسِهِمْ، وَفِي ضِيقٍ مِنْ الْحَالِ وَقِلَّةٍ مِنْ الْمَالِ، وَهَذِهِ صِفَةُ أَوَّلِ الْهِجْرَةِ بِلَا شَكٍّ، وَالرَّاوِي لِإِيجَابِ الْغُسْلِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَكِلَاهُمَا مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ وَالصُّحْبَةِ. أَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ فَإِسْلَامُهُ إثْرَ فَتْحِ خَيْبَرَ، حَيْثُ اتَّسَعَتْ أَحْوَالُ الْمُسْلِمِينَ، وَارْتَفَعَ الْجَهْدُ وَالضِّيقُ عَنْهُمْ. وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَبَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ قَبْلَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَامَيْنِ وَنِصْفٍ فَقَطْ، فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ كَانَ غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا عِنْدَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمَنْ حَضَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَمَا تَرَكَهُ عُثْمَانُ وَلَا أَقَرَّ عُمَرُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ عُثْمَانَ عَلَى تَرْكِهِ وَقَالُوا: فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ فَرْضٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا قَوْلٌ لَا نَدْرِي كَيْفَ اُسْتُطْلِقَتْ بِهِ أَلْسِنَتُهُمْ لِأَنَّهُ كُلَّهُ قَوْلٌ بِمَا لَيْسَ فِي الْخَبَرِ مِنْهُ شَيْءٌ لَا نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ، بَلْ نَصُّهُ وَدَلِيلُهُ بِخِلَافِ مَا قَالُوهُ. أَوَّلُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: مَنْ لَكُمْ بِأَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يَكُنْ اغْتَسَلَ فِي صَدْرِ يَوْمِهِ ذَلِكَ؟ وَمَنْ لَكُمْ بِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالرُّجُوعِ لِلْغُسْلِ؟ فَإِنْ قَالُوا: وَمَنْ لَكُمْ بِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ اغْتَسَلَ فِي صَدْرِ يَوْمِهِ؟ وَمَنْ لَكُمْ بِأَنَّ عُمَرَ أَمَرَهُ بِالرُّجُوعِ إلَى الْغُسْلِ قُلْنَا: هَبْكُمْ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عِنْدَنَا بِهَذَا، وَلَا دَلِيلَ عِنْدَكُمْ بِخِلَافِهِ. فَمَنْ جَعَلَ دَعْوَاكُمْ فِي الْخَبَرِ، وَتَكَهُّنَكُمْ مَا لَيْسَ فِيهِ، وَقَفْوُكُمْ مَا لَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ، أَوْلَى مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِكُمْ؟ وَإِنَّمَا الْحَقُّ فِي هَذَا - إذْ دَعَوَاكُمْ وَدَعَوَانَا مُمْكِنَةٌ - أَنْ يَبْقَى الْخَبَرُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لَكُمْ وَلَا عَلَيْكُمْ، وَلَا لَنَا وَلَا عَلَيْنَا، هَذَا مَا لَا مَخْلَصَ مِنْهُ، فَكَيْفَ وَمَعَنَا الدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ؟ . وَأَمَّا عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يُوسُفَ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - كِلَاهُمَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْت حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ قَالَ:
كُنْت أَضَعُ لِعُثْمَانَ طَهُورَهُ فَمَا أَتَى عَلَيْهِ يَوْمٌ إلَّا وَهُوَ يَفِيضُ عَلَيْهِ نُطْفَةً. فَقَدْ ثَبَتَ بِأَصَحِّ إسْنَادٍ أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ، فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمٌ مِنْ الْأَيَّامِ بِلَا شَكٍّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْخَبَرُ عِنْدَنَا، لَوَجَبَ أَنْ لَا يُظَنَّ بِمِثْلِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خِلَافُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ لَا يُقْطَعُ عَلَيْهِ إلَّا بِطَاعَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ ذَلِكَ فِي خَبَرٍ، كَمَا يُقْطَعُ بِأَنَّهُ صَلَّى الصُّبْحَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَسَائِرِ اللَّوَازِمِ لَهُ بِلَا شَكٍّ وَإِنْ لَمْ يُرْوَ لَنَا ذَلِكَ. وَأَمَّا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَهَذَا الْخَبَرُ عَنْهُمْ حُجَّةٌ لَنَا ظَاهِرَةٌ بِلَا شَكٍّ لِأَنَّ عُمَرَ قَطَعَ الْخُطْبَةَ مُنْكِرًا عَلَى عُثْمَانَ أَنْ لَمْ يَصِلْ الْغُسْلَ بِالرَّوَاحِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَرْضًا عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمْ لَمَا قَطَعَ لَهُ الْخُطْبَةَ، وَعُمَرُ قَدْ حَلَفَ " وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِالْوُضُوءِ " فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْغُسْلُ عِنْدَهُ فَرْضًا لَمَا كَانَتْ - يَمِينُهُ صَادِقَةً وَاَلَّذِي حَصَلَ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمِنْ الصَّحَابَةِ بِلَا شَكٍّ فَهُوَ إنْكَارُ تَرْكِ الْغُسْلِ، وَالْإِعْلَانُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ نَظُنَّ بِأَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنْ يَسْتَجِيزَ خِلَافَ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] فَصَحَّ ذَلِكَ الْخَبَرُ حُجَّةً لَنَا وَإِجْمَاعًا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ آخَرُ يَقُولُ لِعُمَرَ: لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَاجِبًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ أَجَابَ عُمَرَ فِي إنْكَارِهِ عَلَيْهِ وَتَعْظِيمِهِ أَمْرَ الْغُسْلِ بِأَحَدِ أَجْوِبَةٍ لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهَا: إمَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ قَدْ كُنْت اغْتَسَلْت قَبْلَ خُرُوجِي إلَى السُّوقِ، وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ: بِي عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ الْغُسْلِ، أَوْ يَقُولَ لَهُ: أُنْسِيتُ وَهَا أَنَا ذَا رَاجِعٌ فَأَغْتَسِلُ، فَدَارُهُ كَانَتْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ مَشْهُورَةٌ إلَى الْآنِ أَوْ يَقُولُ لَهُ: سَأَغْتَسِلُ، فَإِنَّ الْغُسْلَ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَجْوِبَةٍ كُلُّهَا مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِنَا. أَوْ يَقُولُ لَهُ: هَذَا أَمْرُ نَدْبٍ وَلَيْسَ فَرْضًا، وَهَذَا الْجَوَابُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ خُصُومِنَا. فَلَيْتَ شِعْرِي مَنْ الَّذِي جَعَلَ لَهُمْ التَّعَلُّقَ بِجَوَابٍ وَاحِدٍ مِنْ جُمْلَةِ خَمْسَةِ أَجْوِبَةٍ كُلُّهَا مُمْكِنٌ، وَكُلُّهَا لَيْسَ فِي الْخَبَرِ شَيْءٌ مِنْهَا أَصْلًا؟ دُونَ أَنْ يُحَاسِبُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْأَجْوِبَةِ الْأُخَرِ الَّتِي هِيَ أَدْخَلُ فِي الْإِمْكَانِ مِنْ الَّذِي تَعَلَّقُوا بِهِ، لِأَنَّهَا كُلُّهَا مُوَافِقَةٌ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِمَا خَاطَبَهُ بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَاَلَّذِي تَعَلَّقُوا هُمْ بِهِ تَكَهُّنٌ مُخَالِفٌ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَهُمْ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ الْبَاطِلِ مِنْ أَنَّ عُمَرَ وَمَنْ بِحَضْرَتِهِ رَأَوْا الْأَمْرَ بِالْغُسْلِ
نَدْبًا، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، بَلْ الصَّحِيحُ خِلَافُهُ بِنَصِّ الْخَبَرِ، فَقَدْ أَوْرَدْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَعْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ الْقَطْعَ بِإِيجَابِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ بِدَهْرٍ فَصَحَّ وُجُودُ خِلَافِ مَا يَدَّعُونَهُ بِالدَّعْوَى الْكَاذِبَةِ إجْمَاعًا، وَإِذَا وُجِدَ التَّنَازُعُ فَلَيْسَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضٍ بَلْ الْوَاجِبُ حِينَئِذٍ الرَّدُّ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسُنَّتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدْ جَاءَتْ بِإِيجَابِ الْغُسْلِ وَالسِّوَاكِ وَالطِّيبِ، إلَّا أَنْ يَدَّعُوا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَعْدًا وَأَبَا سَعِيدٍ وَابْنَ مَسْعُودٍ وَابْنَ عَبَّاسٍ خَالَفُوا الْإِجْمَاعَ، فَحَسْبُهُمْ بِهَذَا ضَلَالًا. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَهُمْ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَالَا بِأَنَّ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ نَدْبٌ - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يَصِحَّ هَذَا عَنْهُمَا - فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ تَعْظِيمُ خِلَافِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ فِي هَذَا الْبَاطِلِ الْمُتَكَهَّنِ؟ وَلَمْ يُعَظِّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ خِلَافَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي هَذَا الْخَبَرِ نَفْسِهِ، فِي تَرْكِ عُمَرَ الْخُطْبَةَ، وَأَخْذِهِ فِي الْكَلَامِ مَعَ عُثْمَانَ، وَمُجَاوَبَةِ عُثْمَانَ لَهُ بَعْدَ شُرُوعِ عُمَرَ فِي الْخُطْبَةِ، وَهُمْ لَا يُجِيزُونَ هَذَا. وَكَذَلِكَ الْخَبَرُ الثَّابِتُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ السَّجْدَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَنَزَلَ وَسَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأَهَا فِي الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَتَهَيَّئُوا لِلسُّجُودِ، فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: عَلَى رِسْلِكُمْ، إنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إلَّا أَنْ نَشَاءَ. فَقَالَ الْمَالِكِيُّونَ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا، وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ: السُّجُودُ وَاجِبٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَفَيَكُونُ أَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَوْ أَدْخَلُ فِي الْبَاطِلِ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ عُمَرَ مَعَ عُثْمَانَ فِي الْخُطْبَةِ بِمَا لَا يَجِدُونَهُ فِيهِ مِنْ إسْقَاطِ فَرْضِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ حُجَّةً عِنْدَهُمْ، ثُمَّ لَا يُبَالُونَ مُخَالَفَةَ عُمَرَ فِي عَمَلِهِ وَقَوْلِهِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّ السُّجُودَ لَيْسَ مَكْتُوبًا عَلَيْنَا عِنْدَ قِرَاءَةِ السَّجْدَةِ، وَفِي نُزُولِهِ عَنْ الْمِنْبَرِ لِلسُّجُودِ إذَا قَرَأَ السَّجْدَةَ؟ أَفَيَكُونُ فِي الْعَجَبِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا؟ وَإِنْ هَذَا إلَّا تَلَاعُبٌ أَقْرَبُ إلَى الْجَدِّ. وَكَمْ قِصَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا عُمَرَ وَعُثْمَانَ تَقْلِيدًا لِآرَاءِ مَنْ لَا يُضْمَنُ لَهُ الصَّوَابُ فِي كُلِّ أَقْوَالِهِ، كَقَوْلِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ: أَنْ لَا غُسْلَ مِنْ الْإِيلَاجِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ إمْنَاءٌ، وَكَقَوْلِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ أَجْنَبَ وَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَلَا الصَّلَاةُ، وَلَوْ بَقِيَ كَذَلِكَ شَهْرًا، وَكَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ بِالْقَضَاءِ بِأَوْلَادِ الْغَارَّةِ رَقِيقًا لِسَيِّدِهَا، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا.
مسألة غسل يوم الجمعة إنما هو لليوم لا للصلاة
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا مِمَّا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى، فَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَمَا خَفِيَ عَلَى الْعُلَمَاءِ. قُلْنَا نَعَمْ مَا خَفِيَ، قَدْ عَرَفَهُ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَقَالُوا بِهِ. وَهَؤُلَاءِ الْحَنَفِيُّونَ قَدْ أَوْجَبُوا الْوُضُوءَ مِنْ كُلِّ دَمٍ خَارِجٍ مِنْ اللِّثَاتِ أَوْ الْجَسَدِ أَوْ مِنْ الْقَلْسِ، وَهُوَ أَمْرٌ تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى، وَلَا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُمْ، فَلَمْ يَرَوْا ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَالْمَالِكِيُّونَ يُوجِبُونَ التَّدَلُّكَ فِي الْغُسْلِ فَرْضًا، وَالْفَوْرُ فِي الْوُضُوءِ فَرْضًا، تَبْطُلُ الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى، وَلَا يَعْرِفُ ذَلِكَ غَيْرُهُمْ، فَلَمْ يَرَوْا ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَالشَّافِعِيُّونَ يَرَوْنَ الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الدُّبُرِ، وَمِنْ مَسِّ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ وَأُمَّهُ، وَهُوَ أَمْرٌ تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى، وَلَا يَعْرِفُ ذَلِكَ غَيْرُهُمْ، فَلَمْ يَرَوْا ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ يَرَوْنَهُ حُجَّةً إذَا خَالَفَ أَهْوَاءَهُمْ وَتَقْلِيدَهُمْ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْعَمَلِ فِي الدِّينِ وَمِنْ أَنْ يَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَيْءٍ: إنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَعَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَإِنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُحْتَلِمٍ. ثُمَّ نَقُولُ نَحْنُ: لَيْسَ هُوَ وَاجِبًا وَلَا هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى. هَذَا أَمْرٌ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْجُلُودُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ. [مَسْأَلَة غَسَلَ يَوْم الْجُمُعَةَ إنَّمَا هُوَ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ] . 179 - مَسْأَلَةٌ: وَغُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إنَّمَا هُوَ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ، فَإِنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ وَالْعَصْرَ ثُمَّ اغْتَسَلَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، وَأَوَّلُ أَوْقَاتِ الْغُسْلِ الْمَذْكُورِ إثْرَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ قُرْصِ الشَّمْسِ مِقْدَارُ مَا يُتِمُّ غُسْلَهُ قَبْلَ غُرُوبِ آخِرِهِ، وَأَفْضَلُهُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالرَّوَاحِ إلَى الْجُمُعَةِ، وَهُوَ لَازِمٌ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ كَلُزُومِهِ لِغَيْرِهِمَا. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنِ نَافِعٍ ثنا شُعَيْبٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ طَاوُسٌ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا وَأَصِيبُوا مِنْ الطِّيبِ» قَالَ: أَمَّا الْغُسْلُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الطِّيبُ فَلَا أَدْرِي.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ثنا بَهْزٌ ثنا وُهَيْبٍ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «حَقُّ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ» . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ ثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ ثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ثنا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ قَالَ «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ غُسْلٌ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» . وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ وَالْبَرَاءِ مُسْنَدًا، فَصَحَّ بِهَذَا أَنَّهُ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ وَرُوِّينَا عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيَجْتَزِئُ بِهِ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَعَنْ شُعْبَةَ - عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: إذَا اغْتَسَلَ الرَّجُلُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ. وَعَنْ الْحَسَنِ: إذَا اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ لِلْجُمُعَةِ، فَإِذَنْ هُوَ لِلْيَوْمِ، فَفِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ الْيَوْمِ اغْتَسَلَ أَجْزَأَهُ، وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ كَذَلِكَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّكُمْ قَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ» . وَرَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» وَعَنْ اللَّيْثِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» . قُلْنَا نَعَمْ، وَهَذِهِ - آثَارٌ صِحَاحٌ، وَكُلُّهَا لَا خِلَافَ فِيهَا لِمَا قُلْنَا. أَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» فَهُوَ نَصُّ قَوْلِنَا، وَإِنَّمَا فِيهِ أَمْرٌ لِمَنْ جَاءَ الْجُمُعَةَ بِالْغُسْلِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَيُّ وَقْتٍ يَغْتَسِلُ، لَا بِنَصٍّ وَلَا بِدَلِيلٍ، وَإِنَّمَا فِيهِ بَعْضُ مَا فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ لِأَنَّ فِي هَذَا إيجَابَ الْغُسْلِ عَلَى كُلِّ مَنْ جَاءَ إلَى الْجُمُعَةِ، فَلَيْسَ فِيهِ إسْقَاطُ الْغُسْلِ عَمَّنْ لَا يَأْتِي الْجُمُعَةَ، وَفِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ الَّتِي مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ إيجَابُ الْغُسْلِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَعَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، فَهِيَ زَائِدَةٌ حُكْمًا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَالْأَخْذُ بِهَا وَاجِبٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» فَكَذَلِكَ أَيْضًا سَوَاءً سَوَاءً، وَقَدْ يُرِيدُ الرَّجُلُ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ وَلَا فِي غَيْرِهِ إلْزَامُهُ أَنْ يَكُونَ إتْيَانُهُ الْجُمُعَةَ لَا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ وَلَا فِي غَيْرِهِ إلْزَامُهُ أَنْ يَكُونَ أَتَى مُتَّصِلًا بِإِرَادَتِهِ لِإِتْيَانِهَا، بَلْ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا سَاعَاتٌ، فَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ أَيْضًا دَلِيلٌ وَلَا نَصٌّ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْغُسْلُ مُتَّصِلًا بِالرَّوَاحِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ» فَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ الْغُسْلَ بَعْدَ الرَّوَاحِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [النساء: 103] وَمَعَ الرَّوَاحِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] أَوْ قَبْلَ الرَّوَاحِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة: 12] فَلَمَّا كَانَ كُلُّ ذَلِكَ مُمْكِنًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا اللَّفْظِ نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ اتِّصَالِ الْغُسْلِ بِالرَّوَاحِ أَصْلًا صَحَّ قَوْلُنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَأَيْضًا فَإِنَّنَا إذَا حَقَّقْنَا مُقْتَضَى أَلْفَاظِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى قَوْلِنَا
مسألة غسل كل ميت من المسلمين فرض
لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهَا «إذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ» «أَوْ أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ إلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ» . «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» وَهَذِهِ أَلْفَاظٌ لَيْسَ يُفْهَمُ مِنْهَا إلَّا أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الرَّوَاحِ إلَى الْجُمُعَةِ، وَمِمَّنْ يَجِيءُ إلَى الْجُمُعَةِ، وَمِنْ أَهْلِ الْإِرَادَةِ لِلْإِتْيَانِ إلَى الْجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَلَا مَزِيدَ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا وَقْتُ الْغُسْلِ، فَصَارَتْ أَلْفَاظُ خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِنَا. وَعَهْدُنَا بِخُصُومِنَا يَقُولُونَ: إنَّ مَنْ رَوَى حَدِيثًا فَهُوَ أَعْرَفُ بِتَأْوِيلِهِ، وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ رَاوِي هَذَا الْخَبَرِ قَدْ رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إثْرَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِهَا. وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا يُجْزِئُ غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إلَّا مُتَّصِلًا بِالرَّوَاحِ، إلَّا أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ قَالَ: إنْ اغْتَسَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَنَهَضَ إلَى الْجُمُعَةِ أَجْزَأَهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ بَالَ أَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ الْغُسْلِ لَمْ يَنْتَقِضْ غُسْلُهُ وَيَتَوَضَّأُ فَقَطْ، فَإِنْ أَكَلَ أَوْ نَامَ انْتَقَضَ غُسْلُهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّيْثُ وَسُفْيَانُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَدَاوُد كَقَوْلِنَا، وَقَالَ طَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: مَنْ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعِيدَ غُسْلَهُ. قَالَ عَلِيٌّ: مَا نَعْلَمُ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ التَّابِعِينَ، وَلَا لَهُ حُجَّةٌ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَكَثِيرًا مَا يَقُولُونَ فِي مِثْلِ هَذَا بِتَشْنِيعٍ خِلَافَ قَوْلِ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَهَذَا مَكَانٌ خَالَفُوا فِيهِ ابْنُ عُمَرَ، وَمَا يُعْلَمُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ. فَإِنْ قَالُوا: مَنْ قَالَ قَبْلَكُمْ إنَّ الْغُسْلَ لِلْيَوْمِ؟ قُلْنَا: كُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلًا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ نَصًّا وَغَيْرِهِ، وَأَعْجَبُ شَيْءٍ أَنْ يَكُونُوا مُبِيحِينَ لِلْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَمُبِيحِينَ لِتَرْكِهِ فِي الْيَوْمِ كُلِّهِ، ثُمَّ يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ قَالَ بِالْغُسْلِ فِي وَقْتٍ هُمْ يُبِيحُونَهُ فِيهِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَة غَسَلَ كُلّ مَيِّت مِنْ الْمُسْلِمِينَ فرض] . 180 - مَسْأَلَةٌ: وَغُسْلُ كُلِّ مَيِّتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَرْضٌ وَلَا بُدَّ، فَإِنْ دُفِنَ بِغَيْرِ غُسْلٍ أُخْرِجَ وَلَا بُدَّ، مَا دَامَ يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ شَيْءٌ وَيُغَسَّلُ إلَّا الشَّهِيدَ الَّذِي قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ فِي الْمَعْرَكَةِ فَمَاتَ فِيهَا، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ غُسْلُهُ.
مسألة غسل ميتا متوليا ذلك بنفسه بصب أو عرك
بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ - حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهِنَّ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» فَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْغُسْلِ ثَلَاثًا، وَأَمْرُهُ فَرْضٌ وَخَيْرٌ فِي أَكْثَرَ عَلَى الْوِتْرِ، وَأَمَّا الشَّهِيدُ فَمَذْكُورٌ فِي الْجَنَائِزِ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. [مَسْأَلَة غَسَلَ ميتا متوليا ذَلِكَ بِنَفْسِهِ بصب أَوْ عرك] 181 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا مُتَوَلِّيًا ذَلِكَ بِنَفْسِهِ - بِصَبٍّ أَوْ عَرْكٍ - فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْتَسِلَ فَرْضًا. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» قَالَ أَبُو دَاوُد: وَحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ
سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْحَاقَ مَوْلَى زَائِدَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَعْنَاهُ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْأَسَدِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ حَمَلَهَا فَلْيَتَوَضَّأْ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَعْنِي مَنْ حَمَلَ الْجِنَازَةَ. وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرُهُ، رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيِّ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّ حُذَيْفَةَ سَأَلَهُ رَجُلٌ مَاتَ أَبُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: اغْسِلْهُ فَإِذَا فَرَغْت فَاغْتَسِلْ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ يَغْتَسِلُونَ مِنْهُ. يَعْنِي مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَدَاوُد: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ بِالْأَثَرِ الَّذِي فِيهِ «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَمِنْ الْإِيلَاجِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إنْزَالٌ - هُمَا شَرْعَانِ زَائِدَانِ عَلَى خَبَرِ «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» وَالزِّيَادَةُ وَارِدَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرْضٌ الْأَخْذُ بِهَا. وَاحْتَجَّ غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ بِأَثَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَتَنَجَّسُوا مِنْ مَوْتَاكُمْ» وَكَرِهَ ذَلِكَ لَهُمْ. وَعَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ سَعِيدٍ وَجَابِرٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا غُسْلَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ، وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، فَلَمَّا فَرَغَتْ قَالَتْ لِمَنْ حَضَرَهَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إنِّي صَائِمَةٌ وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ شَدِيدُ الْبُرْدِ فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ غُسْلٍ؟ قَالُوا: لَا، وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابُهُ لَا يَغْتَسِلُونَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ، وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ: سُئِلَتْ
مسألة أصب على مغتسل ونوى ذلك المغتسل الغسل
عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أَيُغْتَسَلُ مِنْ غُسْلِ الْمُتَوَفَّيْنَ؟ قَالَتْ لَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، أَمَّا الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفِي غَايَةِ السُّقُوطِ لِأَنَّ ابْنَ وَهْبٍ لَمْ يُسَمِّ مَنْ أَخْبَرَهُ، وَالْمَسَافَةُ بَيْنَ ابْنِ وَهْبٍ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعِيدَةٌ جِدًّا، ثُمَّ لَوْ صَحَّ بِنَقْلِ الْكَافَّةِ مَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنْ لَا نَتَنَجَّسَ مِنْ مَوْتَانَا فَقَطْ، وَهَذَا نَصُّ قَوْلِنَا، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَكُونَ نَتَنَجَّسُ مِنْ مَيِّتٍ مُسْلِمٍ، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ نَجِسًا، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَلَيْسَ الْغُسْلُ الْوَاجِبُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ لِنَجَاسَتِهِ أَصْلًا، لَكِنْ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ الْوَاجِبِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ، كَمَا غُسِّلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَطْهَرُ وَلَدِ آدَمَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَغُسِّلَ أَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إذْ مَاتُوا، وَهُمْ الطَّاهِرُونَ الطَّيِّبُونَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَكَغُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَلَا نَجَاسَةَ هُنَالِكَ، فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ وُلِدَ يَوْمَ مَاتَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ نَعَمْ وَلَا أَبُوهُ أَيْضًا، ثُمَّ لَوْ صَحَّ كُلُّ مَا ذَكَرُوا عَنْ الصَّحَابَةِ لَكَانَ قَدْ عَارَضَهُ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ خِلَافِ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَحُذَيْفَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِذَا وَقَعَ التَّنَازُعُ وَجَبَ الرَّدُّ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّدَّ إلَيْهِ، مِنْ كَلَامِهِ وَكَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالسُّنَّةُ قَدْ ذَكَرْنَاهَا بِالْإِسْنَادِ الثَّابِتِ بِإِيجَابِ الْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ، وَكَمْ قِصَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا الْجُمْهُورَ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ، وَقَدْ أَفْرَدْنَا لِذَلِكَ كِتَابًا ضَخْمًا، وَالْعَجَبُ مِنْ احْتِجَاجِهِمْ بِقَوْلِ عَائِشَةَ وَهُمْ قَدْ خَالَفُوهَا فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ وَخَالَفُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ فِي إيجَابِ الْغُسْلِ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَوْ لِلْجَمْعِ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ، وَعَائِشَةَ فِي قَوْلِهَا: تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَلَا مُخَالِفَ يُعْرَفُ لِهَؤُلَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا [مَسْأَلَة أصب عَلَى مغتسل وَنَوَى ذَلِكَ المغتسل الْغُسْل] . 182 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ صَبَّ عَلَى مُغْتَسِلٍ وَنَوَى ذَلِكَ الْمُغْتَسِلُ الْغُسْلَ أَجْزَأَهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْغُسْلَ هُوَ إمْسَاسُ الْمَاءِ الْبَشَرَةَ بِالْقَصْدِ إلَى تَأْدِيَةِ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ لِمَرْءٍ فَقَدْ فَعَلَ الْغُسْلَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ بِأَنْ يَتَوَلَّى هُوَ ذَلِكَ بِيَدِهِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَة انْقِطَاع دَم الْحَيْض فِي مُدَّة الْحَيْض] 183 - مَسْأَلَةٌ: وَانْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ - وَمِنْ جُمْلَتِهِ دَمُ النِّفَاسِ - يُوجِبُ الْغُسْلَ لِجَمِيعِ الْجَسَدِ وَالرَّأْسِ
مسألة النفساء والحائض شيء واحد إذا أرادتا الحج أو العمرة
وَهَذَا إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ، مَنْ خَالَفَهُ كَفَرَ عَنْ نُصُوصٍ ثَابِتَةٍ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ، وَدَمُ النِّفَاسِ هُوَ الْخَارِجُ إثْرَ وَضْعِ الْمَرْأَةِ آخِرَ وَلَدٍ فِي بَطْنِهَا؛ لِأَنَّهُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْخَارِجُ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَيْسَتْ نُفَسَاءَ، وَلَيْسَ دَمَ نِفَاسٍ، وَلَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ، وَسَنَذْكُرُ فِي الْكَلَامِ فِي الْحَيْضِ مُدَّةَ الْحَيْضِ وَمُدَّةَ النِّفَاسِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَةٌ النُّفَسَاءُ وَالْحَائِضُ شَيْءٌ وَاحِدٌ إذَا أَرَادَتَا الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ] 184 - مَسْأَلَةٌ: وَالنُّفَسَاءُ وَالْحَائِضُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَأَيَّتُهُمَا أَرَادَتْ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ فَفُرِضَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ ثُمَّ تُهِلَّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ» . وَجَاءَ فِي الْخَبَرِ الصَّرِيحِ: «نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِالشَّجَرَةِ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» «وَحَاضَتْ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ أُمَّا الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا: أَنُفِسْتِ؟ قَالَتْ نَعَمْ» . فَصَحَّ أَنَّ الْحَيْضَ يُسَمَّى نِفَاسًا، فَصَحَّ أَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَحُكْمٌ وَاحِدٌ وَلَا فَرْقَ. وَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الَّتِي تَرَى الدَّمَ الْأَسْوَدَ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَحَكَمَ بِأَنَّهُ حَيْضٌ وَأَنَّهَا حَائِضٌ، وَأَنَّ الدَّمَ الْآخَرَ لَيْسَ حَيْضًا وَلَا هِيَ بِهِ حَائِضٌ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْحَيْضَ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَكُلُّ دَمٍ أَسْوَدَ ظَهَرَ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَكَانِ خُرُوجِ الْوَلَدِ فَهُوَ حَيْضٌ، إلَّا مَا وَرَدَ النَّصُّ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهِيَ الْحَامِلُ وَاَلَّتِي لَا يَتَمَيَّزُ دَمُهَا وَلَا يَنْقَطِعُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
مسألة المرأة تهل بعمرة ثم تحيض
[مَسْأَلَة الْمَرْأَة تهل بِعَمْرَةَ ثُمَّ تَحِيض] مَسْأَلَةٌ: وَالْمَرْأَةُ تُهِلُّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ تَحِيضُ فَفُرِضَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ ثُمَّ تَعْمَلَ فِي حَجِّهَا، مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْحَجِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُهَلِّينَ بِحَجٍّ مُفْرَدًا وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بِعُمْرَةٍ حَتَّى إذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ» ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: قَدْ حِضْتُ وَحَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحْلِلْ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إلَى الْحَجِّ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ هَذَا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ فَفَعَلَتْ» . [مَسْأَلَةٌ الْمُتَّصِلَةُ الدَّمُ الْأَسْوَدُ الَّذِي لَا يَتَمَيَّزُ وَلَا تَعْرِفُ أَيَّامَهَا] 186 - مَسْأَلَةٌ: وَالْمُتَّصِلَةُ الدَّمُ الْأَسْوَدُ الَّذِي لَا يَتَمَيَّزُ وَلَا تَعْرِفُ أَيَّامَهَا فَإِنَّ الْغُسْلَ فَرْضٌ عَلَيْهَا إنْ شَاءَتْ لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ، وَإِنْ شَاءَتْ إذَا كَانَ قُرْبَ آخَرِ وَقْتَ الظُّهْرِ اغْتَسَلَتْ وَتَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ الظُّهْرَ بِقَدْرِ مَا تَسْلَمُ مِنْهَا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ إذَا كَانَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّفَقِ اغْتَسَلَتْ وَتَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ الْمَغْرِبَ بِقَدْرِ مَا تَفْرُغُ مِنْهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي الْعَتَمَةَ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَإِنْ شَاءَتْ حِينَئِذٍ أَنْ تَتَنَفَّلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ وَتَتَوَضَّأَ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ أَوْ قَبْلَهَا فَلَهَا ذَلِكَ، وَسَنَذْكُرُ الْبُرْهَانَ عَلَى ذَلِكَ فِي كَلَامِنَا فِي الْحَيْضِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَةٌ الْغُسْلِ مِنْ مُوَارَةِ الْكَافِرِ] 187 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُوجِبُ الْغُسْلَ شَيْءٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا أَصْلًا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ أَثَرٌ يَصِحُّ أَلْبَتَّةَ، وَقَدْ جَاءَ أَثَرٌ فِي الْغُسْلِ مِنْ مُوَارَةِ الْكَافِرِ، فِيهِ نَاجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَالشَّرَائِعُ لَا تُؤْخَذُ إلَّا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ مِنْ كَلَامِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمِمَّنْ لَا يَرَى الْغُسْلَ مِنْ الْإِيلَاجِ فِي حَيَاءِ الْبَهِيمَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ إنْزَالُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ: لَا غُسْلَ فِيهِ إنْ لَمْ يَكُنْ إنْزَالٌ، فَمَنْ قَاسَ ذَلِكَ عَلَى الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ قِيلَ لَهُ: بَلْ هُوَ مَعْصِيَةٌ، فَقِيَاسُهَا عَلَى سَائِرِ الْمَعَاصِي مِنْ الْقَتْلِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ أَوْلَى، وَلَا غُسْلَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِإِجْمَاعٍ، فَكَيْفَ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ.
صفة الغسل الواجب
[صِفَةُ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ] [مَسْأَلَةٌ غُسْلُ الْجَنَابَةِ] ِ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا 188 - مَسْأَلَةٌ: أَمَّا غُسْلُ الْجَنَابَةِ فَيَخْتَارُ - دُونَ أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ فَرْضًا - أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِ فَرْجِهِ إنْ كَانَ مِنْ جِمَاعٍ، وَأَنْ يَمْسَحَ بِيَدِهِ الْجِدَارَ أَوْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ غَسْلِهِ ثُمَّ يُمَضْمِضَ وَيَسْتَنْشِقَ وَيَسْتَنْثِرَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ يَغْمِسَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ أَنْ يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَرْضًا وَلَا بُدَّ، إنْ قَامَ مِنْ نَوْمٍ وَإِلَّا فَلَا، فَيُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِهِ حَتَّى يُوقِنَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّ الْجِلْدَ، ثُمَّ يُفِيضَ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا بِيَدِهِ وَأَنْ يَبْدَأَ بِمَيَامِنِهِ، وَأَمَّا الْفَرْضُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ فَأَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي الْمَاءِ إنْ كَانَ قَامَ مِنْ نَوْمٍ وَإِلَّا فَلَا، وَيَغْسِلُ فَرْجَهُ إنْ كَانَ مِنْ جِمَاعٍ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ جَسَدِهِ بَعْدَ رَأْسِهِ وَلَا بُدَّ إفَاضَةً يُوقِنُ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ الْمَاءُ إلَى بَشَرَةِ رَأْسِهِ وَجَمِيعِ شَعْرِهِ وَجَمِيعَ جَسَدِهِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] فَكَيْفَمَا أَتَى بِالطُّهُورِ فَقَدْ أَدَّى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسَدَّدٌ، ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ، ثنا عَوْفٌ هُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ هُوَ ابْنُ حُصَيْنٍ قَالَ «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إنَاءً مِنْ مَاءٍ وَقَالَ: اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» . وَإِنَّمَا اسْتَحْبَبْنَا مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ لِمَا رُوِّينَاهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى الْبُخَارِيِّ ثنا الْحُمَيْدِيُّ ثنا سُفْيَانُ ثنا الْأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الْحَائِطَ ثُمَّ غَسَلَهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» .
مسألة ليس على المغتسل أن يتدلك
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ثنا الْأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ قَالَتْ: «أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُسْلَهُ مِنْ الْجَنَابَةِ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الْأَرْضَ فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِلْءَ كَفِّهِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ» وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأُمِّ سَلَمَةَ: «إنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِيَ عَلَى رَأْسِكِ ثُمَّ تُفِيضِي الْمَاءَ عَلَيْكِ فَإِذَا بِكِ قَدْ طَهُرْتِ» . فَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ غَسْلَ فَرْجِهِ وَأَعْضَاءِ وُضُوئِهِ قَبْلَ رَأْسِهِ فَقَطْ إنْ شَاءَ، فَإِنْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ جَارٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ تَقْدِيمَ رَأْسِهِ عَلَى جَسَدِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَغْسَالِ الْوَاجِبَةِ إذْ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ، إلَّا أَنْ يَصِحَّ أَنَّ هَكَذَا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَيْضِ فَنَقِفُ عِنْدَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَلَمْ يَأْتِ ذَلِكَ فِي الْحَيْضِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنَ الْمُهَاجِرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَلَيْسَ ذِكْرُ الْحَيْضِ مَحْفُوظًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَصْلًا فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فِي الْحَيْضِ قُلْنَا بِهِ، وَلَمْ نَسْتَجِزْ مُخَالَفَتَهُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ثنا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» . [مَسْأَلَةٌ لَيْسَ عَلَى المغتسل أَنْ يَتَدَلَّكَ] 189 - مَسْأَلَةٌ: - وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَدَلَّكَ: وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَدَاوُد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ بِوُجُوبِ التَّدَلُّكِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا
عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: لَا إنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِيَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِي عَلَيْكِ فَتَطْهُرِينَ» . وَبِهَذَا جَاءَتْ الْآثَارُ كُلُّهَا فِي صِفَةِ غُسْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، لَا ذِكْرَ لِلتَّدَلُّكِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ: فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اغْسِلْ رَأْسَكَ ثَلَاثًا ثُمَّ أَفْضِ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِكَ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ فِي الْجُنُبِ يَنْغَمِسُ فِي الْمَاءِ إنَّهُ يَجْزِيهِ مِنْ الْغُسْلِ. وَاحْتَجَّ مِنْ رَأَى التَّدَلُّكَ فَرْضًا بِأَنْ قَالَ: قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ إذَا تَدَلَّكَ فِيهِ فَإِنَّهُ قَدْ تَمَّ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ إذَا لَمْ يَتَدَلَّكْ، فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يُجْزِئَ زَوَالُ الْجَنَابَةِ إلَّا بِالْإِجْمَاعِ. وَذَكَرُوا حَدِيثًا فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَ عَائِشَةَ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَقَالَ لَهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: يَا عَائِشَةُ اغْسِلِي يَدَيْكِ ثُمَّ قَالَ لَهَا تَمَضْمَضِي ثُمَّ اسْتَنْشِقِي وَانْتَثِرِي ثُمَّ اغْسِلِي وَجْهَكِ ثُمَّ قَالَ: اغْسِلِي يَدَيْكِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ قَالَ: أَفْرِغِي عَلَى رَأْسَكِ ثُمَّ قَالَ: أَفْرِغِي عَلَى جِلْدِكِ ثُمَّ أَمَرَهَا تَدْلُكُ وَتَتَّبِعُ بِيَدِهَا كُلَّ شَيْءٍ لَمْ يَمَسَّهُ الْمَاءُ مِنْ جَسَدِهَا ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَفْرِغِي عَلَى رَأْسِكِ الَّذِي بَقِيَ ثُمَّ اُدْلُكِي جِلْدَكِ وَتَتَّبِعِي» . وَبِحَدِيثٍ آخَرَ فِيهِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ «إنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ» . وَبِحَدِيثٍ آخَرَ فِيهِ: «خَلِّلْ أُصُولَ الشَّعْرِ وَأَنْقِ الْبَشَرَ» وَبِحَدِيثٍ آخَرَ فِيهِ: «أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ. فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ مَاءَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ أَوْ تَبْلُغُ فِي الطَّهُورِ ثُمَّ تَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُ حَتَّى يَبْلُغَ شُئُونَ رَأْسِهَا ثُمَّ تُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهَا» وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى غَسْلِ النَّجَاسَةِ لَا يُجْزِئُ إلَّا بِعَرْكٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْله تَعَالَى: {فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] دَلِيلٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ، وَكُلُّهُ إيهَامٌ وَبَاطِلٌ.
أَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْغُسْلَ إذَا كَانَ بِتَدَلُّكٍ فَقَدْ أُجْمِعَ عَلَى تَمَامِهِ وَلَمْ يُجْمَعْ عَلَى تَمَامِهِ دُونَ تَدَلُّكٍ فَقَوْلٌ فَاسِدٌ، أَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُرَاعَى فِي الدِّينِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْإِجْمَاعِ فِيمَا صَحَّ وُجُوبُهُ مِنْ طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ أَوْ صَحَّ تَحْرِيمُهُ مِنْ طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ أَوْ صَحَّ تَحْلِيلُهُ مِنْ طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ، فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ: وَأَمَّا الْعَمَلُ الَّذِي ذَكَرُوا فَإِنَّمَا هُوَ إيجَابُ اتِّبَاعِ الِاخْتِلَافِ لَا وُجُوبُ اتِّبَاعِ الْإِجْمَاعِ. وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ التَّدَلُّكَ لَمْ يُتَّفَقْ عَلَى وُجُوبِهِ وَلَا جَاءَ بِهِ نَصٌّ. وَفِي الْعَمَلِ الَّذِي ذَكَرُوا إيجَابُ الْقَوْلِ بِمَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ، وَهَذَا بَاطِلٌ، ثُمَّ هُمْ أَوَّلُ مَنْ نَقَضَ هَذَا الْأَصْلَ، وَإِنْ اتَّبَعُوهُ بَطَلَ عَلَيْهِمْ أَكْثَرُ مِنْ تِسْعَةِ أَعْشَارِ مَذَاهِبِهِمْ، أَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ إنْ اغْتَسَلَ وَلَمْ يُمَضْمِضْ وَلَا اسْتَنْشَقَ فَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ لَا غُسْلَ لَهُ وَلَا تَحِلُّ لَهُ الصَّلَاةُ بِهَذَا الِاغْتِسَالِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فَيَلْزَمُكُمْ إيجَابُ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْلِ فَرْضًا لِأَنَّهُمَا إنْ أَتَى بِهِمَا الْمُغْتَسِلُ فَقَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ اغْتَسَلَ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِمَا فَلَمْ يَصِحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ اغْتَسَلَ، فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يَزُولَ حُكْمُ الْجَنَابَةِ إلَّا بِالْإِجْمَاعِ. وَهَكَذَا فِيمَنْ اغْتَسَلَ بِمَاءٍ مِنْ بِئْرٍ قَدْ بَالَتْ فِيهِ شَاةٌ فَلَمْ يَظْهَرْ فِيهَا لِلْبَوْلِ أَثَرٌ، وَهَكَذَا فِيمَنْ نَكَسَ وُضُوءَهُ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ، بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي أَكْثَرِ مَسَائِلِهِمْ، وَمَا يَكَادُ يَخْلُصُ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ مَسْأَلَةٌ مِنْ هَذَا الْإِلْزَامِ، وَيَكْفِي مِنْ هَذَا أَنَّهُ حُكْمٌ فَاسِدٌ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْنَا بِالرَّدِّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَّا إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَقَطْ، وَحُكْمُ التَّدَلُّكِ مَكَانُ تَنَازُعٍ فَلَا يُرَاعَى فِيهِ الْإِجْمَاعُ أَصْلًا. وَأَمَّا خَبَرُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَسَاقِطٌ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ عَائِشَةَ، وَعِكْرِمَةُ سَاقِطٌ، وَقَدْ وَجَدْنَا عَنْهُ حَدِيثًا مَوْضُوعًا فِي نِكَاحِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّ حَبِيبَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ هُوَ مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ، وَأَبْعَدَ ذِكْرَهُ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ أَيَّامَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَسَقَطَ هَذَا الْخَبَرُ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ جَاءَ فِيهِ الْأَمْرُ بِالتَّدَلُّكِ، كَمَا جَاءَ فِيهِ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْثَارِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَلَا فَرْقَ، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَرْضًا، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَرَى كُلَّ ذَلِكَ فَرْضًا، وَلَا يَرَى التَّدَلُّكَ فَرْضًا، فَكُلُّهُمْ إنْ احْتَجَّ بِهَذَا الْخَبَرِ فَقَدْ خَالَفُوا حُجَّتَهُمْ وَأَسْقَطُوهَا، وَعَصَوْا مَا أَقَرُّوا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ عِصْيَانُهُ، وَلَيْسَ لِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ أَنْ تَحْمِلَ مَا وَافَقَهَا عَلَى الْفَرْضِ وَمَا خَالَفَهَا عَلَى النَّدْبِ، إلَّا مِثْلَ مَا لِلْأُخْرَى مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّهُ لَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِكُلِّ مَا فِيهِ، فَإِذْ لَمْ يَصِحَّ فَكُلُّهُ مَتْرُوكٌ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ «إنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ» فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِسِ بْنِ وَجِيهٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا غَسْلُ الشَّعْرِ وَإِنْقَاءُ الْبَشَرِ، وَهَذَا صَحِيحٌ وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالتَّدَلُّكِ، بَلْ هُوَ تَامٌّ دُونَ تَدَلُّكٍ. وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ «خَلِّلْ أُصُولَ الشَّعْرِ وَأَنْقِ الْبَشَرَ» فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَنْبَسَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ، وَيَحْيَى بْنِ عَنْبَسَةَ مَشْهُورٌ بِرِوَايَةِ الْكَذِبِ، فَسَقَطَ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ إلَّا إيجَابُ التَّخْلِيلِ فَقَطْ لَا التَّدَلُّكِ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَمَعَكَ بِيَدَيْهِ دُونَ أَنْ يُخَلِّلَهُ أَنْ يُجْزِيَهُ، فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
مسألة لا معنى لتخليل اللحية في الغسل ولا في الوضوء
وَأَمَّا حَدِيثُ «تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ مَاءَهَا» فَإِنَّهُ مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ هَذَا ضَعِيفٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ إلَّا عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا دَلْكُ شُئُونِ رَأْسِهَا فَقَطْ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ، فَسَقَطَ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ الْأَخْبَارِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى غَسْلِ النَّجَاسَةِ، فَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنُ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّجَاسَةِ يَخْتَلِفُ، فَمِنْهَا مَا يُزَالُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ دُونَ مَاءٍ. وَمِنْهَا مَا يُزَالُ بِصَبِّ الْمَاءِ فَقَطْ دُونَ عَرْكٍ. وَمِنْهَا مَا لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ وَإِزَالَةِ عَيْنِهِ فَمَا الَّذِي جَعَلَ غُسْلَ الْجَنَابَةِ أَنْ يُقَاسَ عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ؟ فَكَيْفَ وَهُوَ فَاسِدٌ عَلَى أُصُولِ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ عَيْنٌ تَجِبُ إزَالَتُهَا، وَلَيْسَ فِي جِلْدِ الْجُنُبِ عَيْنٌ تَجِبُ إزَالَتُهَا، فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ جُمْلَةً، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ عَيْنَ النَّجَاسَةِ إذَا زَالَ بِصَبِّ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى عَرْكٍ وَلَا دَلْكٍ، بَلْ يُجْزِئُ الصَّبُّ، فَهَلَّا قَاسُوا غُسْلَ الْجَنَابَةِ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَهُوَ أَشْبَهُ بِهِ؟ إذْ كِلَاهُمَا لَا عَيْنَ هُنَاكَ تُزَالُ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ قَوْله تَعَالَى: (فَاطَّهَّرُوا) دَلِيلٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، فَتَخْلِيطٌ لَا يُعْقَلُ، وَلَا نَدْرِي فِي أَيِّ شَرِيعَةٍ وَجَدُوا هَذَا، أَوْ فِي أَيِّ لُغَةٍ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي التَّيَمُّمِ {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6] وَهُوَ مَسْحٌ خَفِيفٌ بِإِجْمَاعٍ مِنَّا وَمِنْهُمْ، فَسَقَطَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ، وَوَضَحَ أَنَّ التَّدَلُّكَ لَا مَعْنَى لَهُ فِي الْغُسْلِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ سَلَفًا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي الْقَوْلِ بِذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ لَا مَعْنًى لِتَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ فِي الْغُسْلِ وَلَا فِي الْوُضُوءِ] 190 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا مَعْنًى لِتَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ فِي الْغُسْلِ وَلَا فِي الْوُضُوءِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَدَاوُد. وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ثنا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِوُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً» . قَالَ عَلِيٌّ: وَغَسْلُ الْوَجْهِ مَرَّةً لَا يُمْكِنُ مَعَهُ بُلُوغُ الْمَاءِ إلَى أُصُولِ الشَّعْرِ، وَلَا يَتِمُّ
ذَلِكَ إلَّا بِتَرْدَادِ الْغُسْلِ وَالْعَرْكِ، وَقَالَ - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] وَالْوَجْهُ هُوَ مَا وَاجَهَ مَا قَابَلَهُ بِظَاهِرِهِ، وَلَيْسَ الْبَاطِنُ وَجْهًا وَذَهَبَ إلَى إيجَابِ التَّخْلِيلِ قَوْمٌ، كَمَا رُوِّينَا عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى قَوْمًا يَتَوَضَّئُونَ، فَقَالَ خَلِّلُوا وَعَنْ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ أَيْضًا مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: اغْسِلْ أُصُولَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَيَحِقُّ عَلَيَّ أَنْ أَبُلَّ أَصْلَ كُلِّ شَعْرَةٍ فِي الْوَجْهِ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَنْ أَزِيدَ مَعَ اللِّحْيَةِ الشَّارِبَيْنِ وَالْحَاجِبَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَعَنْ ابْنِ سَابِطٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إيجَابُ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَرُوِّينَا عَنْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ فِعْلَ التَّخْلِيلِ دُونَ أَنْ يَأْمُرُوا بِذَلِكَ، فَرُوِّينَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلُ ذَلِكَ، وَإِلَى هَذَا كَانَ يَذْهَبُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ وَأَبِي مَيْسَرَةَ وَابْنِ سِيرِينَ وَالْحَسَنِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ وَغَيْرِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجَّ مِنْ رَأَى إيجَابَ ذَلِكَ بِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ وَقَالَ: بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي» . وَبِحَدِيثٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرَكَ بِغَسْلِ الْفَنِيكِ وَالْفَنِيكُ الذَّقَنُ خَلِّلْ لِحْيَتَكَ عِنْدَ الطُّهُورِ» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَطَهَّرُ وَيُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ، وَيَقُولُ: هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي وَمِنْ طَرِيقِ وَهْبٍ هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكُلُّ هَذَا لَا يَصِحُّ، وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ: أَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَإِنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ زَوَرَانَ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ فِيهَا عُمَرُ بْنُ ذُؤَيْبٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَالطَّرِيقُ الثَّالِثَةُ مِنْ طَرِيقِ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَهُوَ مَغْمُوزٌ بِالْكَذِبِ، وَالطَّرِيقُ الرَّابِعَةُ فِيهَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمَّازٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ وَهُوَ لَا شَيْءَ، فَسَقَطَتْ كُلُّهَا. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَجَدْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ مَوْلَى يُوسُفَ وَهُوَ ضَعِيفٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَالْأُخْرَى فِيهَا مَجْهُولُونَ لَا يُعْرَفُونَ، وَاَلَّذِي مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ لَمْ يُسَمَّ فِيهِ مِمَّنْ بَيْنَ ابْنِ وَهْبٍ وَرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدٌ، فَسَقَطَ كُلُّ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَنْ اسْتَحَبَّ التَّخْلِيلَ فَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ» وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ مِثْلُ ذَلِكَ. وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْفَى مِثْلُ ذَلِكَ. وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُ ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَعَنْ أَنَسٍ مِثْلُ ذَلِكَ. وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ جَابِرٍ مِثْلُ ذَلِكَ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ: أَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ فَمِنْ طَرِيقِ إسْرَائِيلَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ، وَلَيْسَ مَشْهُورًا بِقُوَّةِ النَّقْلِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ فَمِنْ طَرِيقِ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ الْمُزَنِيِّ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَأَيْضًا فَلَا يُعْرَفُ لَهُ لِقَاءٌ لِعَمَّارٍ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَإِنَّهُ مِنْ طَرِيقِ رَجُلٍ مَجْهُولٍ لَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ؟ شُعْبَةُ يُسَمِّيهِ عَمْرَو بْنَ أَبِي وَهْبٍ. وَأُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ يُسَمِّيهِ عِمْرَانَ بْنَ أَبِي وَهْبٍ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فَهُوَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَرْقَاءِ فَائِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارِ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَسْقَطَهُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فَمِنْ طَرِيقِ وَاصِلِ بْنِ السَّائِبِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَبُو أَيُّوبَ الْمَذْكُورُ فِيهِ لَيْسَ هُوَ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ صَاحِبَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ ابْنُ مَعِينٍ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَهُوَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَهُوَ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ إلْيَاسِ الْمَدِينِيِّ، مِنْ وَلَدِ أَبِي الْجَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيِّ وَهُوَ سَاقِطٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ هُوَ خَالِدُ بْنُ إلْيَاسِ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ شُعْبَةُ، ذَا بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَهُوَ مِنْ طَرِيقِ أَصْرَمَ بْنِ غِيَاثٍ، وَهُوَ سَاقِطٌ أَلْبَتَّةَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْحَسَنِ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ فَمُرْسَلَانِ، فَسَقَطَ كُلُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ " أَجْتَهِدُ رَأْيِي " وَيَجْعَلُهُ أَصْلًا فِي الدِّينِ
مسألة تخليل المرأة شعر ناصيتها أو ضفائرها في غسل الجنابة
وَبِأَحَادِيثِ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَبِالْوُضُوءِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَبِحَدِيثِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ، وَيَدَّعِي فِيهَا الظُّهُورَ وَالتَّوَاتُرَ - أَنْ يُحْتَجَّ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ فَهِيَ أَشَدُّ ظُهُورًا وَأَكْثَرُ تَوَاتُرًا - مِنْ تِلْكَ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ إنَّمَا هَمَّهُمْ نَصْرُ مَا هُمْ فِيهِ فِي الْوَقْتِ فَقَطْ. وَاحْتَجَّ أَيْضًا مِنْ رَأَى التَّخْلِيلَ بِأَنْ قَالُوا: وَجَدْنَا الْوَجْهَ يَلْزَمُ غَسْلُهُ بِلَا خِلَافٍ قَبْلَ نَبَاتِ اللِّحْيَةِ، فَلِمَا نَبَتَتْ ادَّعَى قَوْمٌ سُقُوطَ ذَلِكَ وَثَبَتَ عَلَيْهِ آخَرُونَ، فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يَسْقُطَ مَا اتَّفَقْنَا عَلَيْهِ إلَّا بِنَصٍّ آخَرَ أَوْ إجْمَاعٍ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا حَقٌّ، وَقَدْ سَقَطَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ غَسْلَهُ مَا دَامَ يُسَمَّى وَجْهًا، فَلَمَّا خَفِيَ بِنَبَاتِ الشَّعْرِ سَقَطَ عَنْهُ اسْمُ الْوَجْهِ، وَانْتَقَلَ هَذَا الِاسْمُ إلَى مَا ظَهَرَ عَلَى الْوَجْهِ مِنْ الشَّعْرِ، وَإِذْ سَقَطَ اسْمُهُ سَقَطَ حُكْمُهُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ تَخْلِيل الْمَرْأَة شَعْر نَاصِيَتِهَا أَوْ ضَفَائِرِهَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ] 191 - مَسْأَلَةٌ: وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُخَلِّلَ شَعْرَ نَاصِيَتِهَا أَوْ ضَفَائِرِهَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ فَقَطْ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا بِبَابَيْنِ فِي بَابِ التَّدَلُّكِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَاضِرِينَ مِنْ الْمُخَالِفِينَ لَنَا. [مَسْأَلَةٌ حَلُّ ضَفَائِر الْمَرْأَةَ وَنَاصِيَتِهَا فِي الْغُسْلِ] 192 - مَسْأَلَةٌ: وَيَلْزَمُ الْمَرْأَةَ حَلُّ ضَفَائِرِهَا وَنَاصِيَتِهَا فِي غُسْلِ الْحَيْضِ وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَمِنْ النِّفَاسِ. لِمَا حَدَّثَنَاهُ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَغِيثٍ ثنا أَبُو عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا فِي الْحَيْضِ «اُنْقُضِي رَأْسَكِ وَاغْتَسِلِي» . قَالَ عَلِيٌّ: وَالْأَصْلُ فِي الْغُسْلِ الِاسْتِيعَابُ لِجَمِيعِ الشَّعْرِ، وَإِيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ بِيَقِينٍ، بِخِلَافِ الْمَسْحِ، فَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ إلَّا حَيْثُ أَسْقَطَهُ النَّصُّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا فِي الْجَنَابَةِ فَقَطْ، وَقَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ بِأَنَّ غُسْلَ النِّفَاسِ كَغُسْلِ الْحَيْضِ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يُوسُفَ حَدَّثَكُمْ قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضَةِ وَالْجَنَابَةِ؟ قَالَ: لَا» . قَالَ عَلِيٌّ: قَوْلُهُ هَهُنَا رَاجِعٌ إلَى الْجَنَابَةِ لَا غَيْرُ، وَأَمَّا النَّقْضُ فِي الْحَيْضِ فَالنَّصُّ قَدْ وَرَدَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْأَخْذُ بِهِ وَاجِبٌ إلَّا أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا فِي غُسْلِ الْحَيْضِ «اُنْقُضِي رَأْسَكِ وَاغْتَسِلِي» فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ عَلِيٌّ: قُلْنَا نَعَمْ، إلَّا أَنَّ حَدِيثَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ الْوَارِدَ بِنَقْضِ ضَفْرِهَا فِي غُسْلِ الْحَيْضَةِ - هُوَ زَائِدٌ حُكْمًا وَمُثْبَتٌ شَرْعًا عَلَى حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَالزِّيَادَةُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ رُوِّينَا حَدِيثًا سَاقِطًا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَرْأَةِ تَغْتَسِلُ مِنْ حَيْضَةٍ أَوْ جَنَابَةٍ «لَا تَنْقُضُ شَعْرَهَا» وَهَذَا حَدِيثٌ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا ابْنُ لَهِيعَةَ لَكَفَى سُقُوطًا، فَكَيْفَ وَفِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ وَحَسْبُكَ بِهِ، ثُمَّ لَمْ يَقُلْ فِيهِ أَبُو الزُّبَيْرِ " حَدَّثَنَا " وَهُوَ مُدَلِّسٌ فِي جَابِرٍ مَا لَمْ يَقُلْهُ. فَإِنْ قِيلَ: قِسْنَا غُسْلَ الْحَيْضِ عَلَى غُسْلِ الْجَنَابَةِ، قُلْنَا الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ يَقِينُ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ الشَّعْرِ، وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ مَا خَرَجَ عَنْ أَصْلِهِ لَمْ يُقَسْ عَلَيْهِ، وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُ: لَا يُؤْخَذُ بِهِ كَمَا فَعَلُوا فِي حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ، وَخَبَرِ جُعْلِ الْآبِقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ عَائِشَةَ قَدْ أَنْكَرَتْ نَقْضَ الضَّفَائِرِ، كَمَا حَدَّثَكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ثنا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ «بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَأْمُرُ
مسألة انغمس من عليه غسل واجب في ماء جار
النِّسَاءَ إذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ فَقَالَتْ: يَا عَجَبًا لِابْنِ عَمْرٍو هَذَا يَأْمُرُ النِّسَاءَ إذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ. أَوَلَا يَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُءُوسَهُنَّ؟ لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، وَمَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ إفْرَاغَاتٍ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا لَا حُجَّةَ عَلَيْنَا فِيهِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَمْ تَعْنِ بِهَذَا إلَّا غُسْلَ الْجَنَابَةِ فَقَطْ وَهَكَذَا نَقُولُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ إحَالَتُهَا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ عَلَى غُسْلِهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ بِلَا شَكٍّ لِلْجَنَابَةِ لَا لِلْحَيْضِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ صَحَّ فِيهِ أَنَّهَا أَرَادَتْ الْحَيْضَ لَمَا كَانَ عَلَيْنَا فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّنَا لَمْ نُؤْمَرْ بِقَبُولِ رَأْيِهَا، إنَّمَا أُمِرْنَا بِقَبُولِ رِوَايَتِهَا، فَهَذَا هُوَ الْفَرْضُ اللَّازِمُ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ قَدْ خَالَفَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَهُوَ صَاحِبٌ، وَإِذَا وَقَعَ التَّنَازُعُ، وَجَبَ الرَّدُّ إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، لَا إلَى قَوْلِ أَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَفِي السُّنَّةِ مَا ذَكَرْنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. [مَسْأَلَةٌ انْغَمَسَ مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ وَاجِبٌ فِي مَاءٍ جَارٍ] 193 - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ انْغَمَسَ مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ وَاجِبٌ - أَيُّ غُسْلٍ كَانَ - فِي مَاءٍ جَارٍ أَجْزَأَهُ إذَا نَوَى بِهِ ذَلِكَ الْغُسْلَ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَفَ تَحْتَ مِيزَابٍ وَنَوَى بِهِ ذَلِكَ الْغُسْلَ أَجْزَأَهُ، إذَا عَمَّ جَمِيعَ جَسَدِهِ، لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ التَّدَلُّكَ لَا مَعْنًى لَهُ، وَهُوَ قَدْ تَطَهَّرَ وَاغْتَسَلَ كَمَا أُمِرَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد وَغَيْرِهِمْ. [مَسْأَلَةٌ انْغَمَسَ مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ وَاجِبٌ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ وَنَوَى الْغُسْلَ] 194 - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ انْغَمَسَ مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ وَاجِبٌ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ، وَنَوَى الْغُسْلَ أَجْزَأَهُ مِنْ الْحَيْضِ وَمِنْ النِّفَاسِ وَمِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَمِنْ الْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَلَمْ يُجْزِهِ لِلْجَنَابَةِ، فَإِنْ كَانَ جُنُبًا وَنَوَى بِانْغِمَاسِهِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ غُسْلًا مِنْ هَذِهِ الْأَغْسَالِ وَلَمْ يَنْوِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ أَوْ نَوَاهُ، لَمْ يُجْزِهِ أَصْلًا لَا لِلْجَنَابَةِ وَلَا لِسَائِرِ الْأَغْسَالِ، وَالْمَاءُ فِي كُلِّ ذَلِكَ طَاهِرٌ بِحَسَبِهِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، مُطَهِّرٌ لَهُ إذَا تَنَاوَلَهُ، وَلِغَيْرِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَسَوَاءٌ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا كَانَ مَاءً قَلِيلًا فِي مَطْهَرَةٍ أَوْ جُبٍّ أَوْ بِئْرٍ، أَوْ كَانَ غَدِيرًا رَاكِدًا فَرَاسِخُ فِي فَرَاسِخَ، كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى
ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو الطَّاهِرِ وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الْأَيْلِيُّ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ ثنا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» فَقِيلَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا ". حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيُّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي دُلَيْمٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ " كُنَّا نَسْتَحِبُّ أَنْ نَأْخُذَ مِنْ مَاءِ الْغَدِيرِ وَنَغْتَسِلَ بِهِ فِي نَاحِيَةٍ ". قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُنُبَ عَنْ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ - فِي رِوَايَةِ أَبِي السَّائِبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - جُمْلَةُ فَوَجَبَ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ اغْتَسَلَ وَهُوَ جُنُبٌ فِي مَاءٍ دَائِمٍ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى إنْ كَانَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ، وَلَا يُجْزِيهِ لِأَيِّ غُسْلٍ نَوَاهُ، لِأَنَّهُ خَالَفَ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُمْلَةً. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَعَمُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا حَدِيثُ ابْنِ عَجْلَانَ لَأَجْزَأَ الْجُنُبَ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ لِغَيْرِ الْجَنَابَةِ، لَكِنَّ الْعُمُومَ وَزِيَادَةَ الْعَدْلِ لَا يَحِلُّ خِلَافَهَا. وَمِمَّنْ رَأَى أَنَّ اغْتِسَالَ الْجُنُبِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ لَا يُجْزِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ، إلَّا أَنَّهُ عَمَّ بِذَلِكَ كُلَّ غُسْلٍ وَكُلَّ وُضُوءٍ، وَخَصَّ بِذَلِكَ مَا كَانَ دُونَ الْغَدِيرِ الَّذِي إذَا حُرِّكَ طَرْفُهُ لَمْ يَتَحَرَّكْ الْآخَرُ، وَرَأَى الْمَاءَ يَفْسُدُ بِذَلِكَ، فَكَانَ مَا زَادَ بِذَلِكَ عَلَى أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عُمُومِ كُلِّ غُسْلٍ - خَطَأً، وَمِنْ تَنْجِيسِ الْمَاءِ وَكَانَ مَا نَقَصَ بِذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
مسألة أجنب يوم الجمعة
مِنْ تَخْصِيصِهِ بَعْضَ الْمِيَاهِ الرَّوَاكِدِ دُونَ بَعْضٍ - خَطَأٌ وَكَانَ مَا وَافَقَ فِيهِ أَمْرَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَوَابًا، وَقَالَهُ أَيْضًا الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، إلَّا أَنَّهُ خَصَّ بِهِ مَا دُونَ الْكُرِّ مِنْ الْمَاءِ، فَكَانَ هَذَا التَّخْصِيصُ خَطَأً. وَقَالَ بِهِ أَيْضًا الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّهُ خَصَّ بِهِ مَا دُونَ خَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ، فَكَانَ هَذَا التَّخْصِيصُ خَطَأً، وَعَمَّ بِهِ كُلَّ غُسْلٍ، فَكَانَ هَذَا الَّذِي زَادَهُ خَطَأٌ، وَرَأَى الْمَاءَ لَا يَفْسُدُ، فَأَصَابَ، وَكَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ. وَأَجَازَهُ إذَا وَقَعَ، فَكَانَ هَذَا مِنْهُ خَطَأٌ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُجْزِئَ غُسْلٌ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ غُسْلٍ أَمَرَ بِهِ، أَبَى اللَّهُ أَنْ تَنُوبَ الْمَعْصِيَةُ عَنْ الطَّاعَةِ وَأَنْ يُجْزِئَ الْحَرَامُ مَكَانَ الْفَرْضِ. وَقَوْلُنَا هُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمَا فِي ذَلِكَ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. قَالَ عَلِيٌّ: فَلَوْ غَسَلَ الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ جَسَدِهِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ لَمْ يَجْزِهِ، وَلَوْ أَنَّهُ شَعْرَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّ بَعْضَ الْغُسْلِ غُسْلٌ، وَلَمْ يَنْهَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ أَنْ يَغْتَسِلَ غَيْرُ الْجُنُبِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3] {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] فَصَحَّ أَنَّ غَيْرَ الْجُنُبِ يُجْزِيهِ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ لِكُلِّ غُسْلٍ وَاجِبٍ أَوْ غَيْرِ وَاجِبٍ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ أَجْنَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] 195 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَجْنَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ - فَلَا يُجْزِيهِ إلَّا غُسْلَانِ غُسْلٌ يَنْوِي بِهِ الْجَنَابَةَ وَلَا بُدَّ، وَغُسْلٌ آخَرُ يَنْوِي بِهِ الْجُمُعَةَ وَلَا بُدَّ، فَلَوْ غَسَّلَ مَيِّتًا أَيْضًا لَمْ يُجْزِهِ إلَّا غُسْلٌ ثَالِثٌ يَنْوِي بِهِ وَلَا بُدَّ، فَلَوْ حَاضَتْ امْرَأَةٌ بَعْدَ أَنْ وُطِئَتْ فَهِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَتْ عَجَّلَتْ الْغُسْلَ لِلْجَنَابَةِ وَإِنْ شَاءَتْ أَخَّرَتْهُ حَتَّى تَطْهُرَ، فَإِذَا طَهُرَتْ لَمْ يُجْزِهَا إلَّا غُسْلَانِ، غُسْلٌ تَنْوِي بِهِ الْجَنَابَةَ وَغُسْلٌ آخَرُ تَنْوِي بِهِ الْحَيْضَ، فَلَوْ صَادَفَتْ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَغَسَّلَتْ مَيِّتًا لَمْ يُجْزِهَا إلَّا أَرْبَعَةُ أَغْسَالٍ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَوْ نَوَى بِغُسْلٍ وَاحِدٍ غُسْلَيْنِ مِمَّا ذَكَرْنَا فَأَكْثَرَ، لَمْ يُجْزِهِ وَلَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُمَا، وَكَذَلِكَ إنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ غُسْلَيْنِ، وَلَوْ أَنَّ كُلَّ مَنْ ذَكَرْنَا يَغْسِلُ كُلَّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ مَرَّتَيْنِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ غُسْلَانِ - أَوْ ثَلَاثًا - إنْ كَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَغْسَالٍ - أَوْ أَرْبَعًا - إنْ كَانَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَغْسَالٍ - وَنَوَى فِي كُلِّ غَسْلَةٍ الْوَجْهَ الَّذِي غَسَلَهُ لَهُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا، فَلَوْ أَرَادَ مَنْ ذَكَرْنَا: الْوُضُوءَ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا الْمَجِيءُ بِالْوُضُوءِ بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ مُفْرَدًا عَنْ كُلِّ غُسْلٍ ذَكَرْنَا، حَاشَا
غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَحْدَهُ فَقَطْ فَإِنَّهُ إنْ نَوَى بِغَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءِ مَعًا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ إلَّا الْغُسْلَ فَقَطْ لَمْ يُجْزِهِ لِلْوُضُوءِ وَلَوْ نَوَاهُ لِلْوُضُوءِ فَقَطْ لَمْ يُجْزِهِ لِلْغُسْلِ، وَلَا يُجْزِئُ لِلْوُضُوءِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا مُرَتَّبًا عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِكُلٍّ غُسْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَغْسَالِ، فَإِذْ قَدْ صَحَّ ذَلِكَ فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُجْزِئَ عَمَلُ وَاحِدٍ عَنْ عَمَلَيْنِ أَوْ عَنْ أَكْثَرَ، وَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ إنْ نَوَى أَحَدَ مَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا لَهُ - بِشَهَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّادِقَةِ - الَّذِي نَوَاهُ فَقَطْ وَلَيْسَ لَهُ مَا لَمْ يَنْوِهِ، فَإِنْ نَوَى بِعَمَلِهِ ذَلِكَ غُسْلَيْنِ فَصَاعِدًا فَقَدْ خَالَفَ مَا أُمِرَ بِهِ، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِغُسْلٍ تَامٍّ لِكُلِّ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا، فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَالْغُسْلُ لَا يَنْقَسِمُ، فَبَطَلَ عَمَلُهُ كُلُّهُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَأَمَّا غُسْلُ الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءِ فَإِنَّهُ أَجْزَأَ فِيهِمَا عَمَلٌ وَاحِدٌ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لَهُمَا جَمِيعًا لِلنَّصِّ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ» . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ
ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ثنا الْأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ قَالَتْ «أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُسْلَهُ مِنْ الْجَنَابَةِ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الْأَرْضَ فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِلْءَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ» فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَعُدَّ غَسْلَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي غُسْلِهِ لِلْجَنَابَةِ، وَنَحْنُ نُشْهِدُ اللَّهَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا ضَيَّعَ نِيَّةَ كُلِّ عَمَلٍ افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ ذَلِكَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ خَاصَّةً وَبَقِيَتْ سَائِرُ الْأَغْسَالِ عَلَى حُكْمِهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يُجْزِئُ غُسْلٌ وَاحِدٌ لِلْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: يُجْزِئُ غُسْلٌ وَاحِدٌ لِلْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ نَوَى الْجَنَابَةَ يُجْزِهِ مِنْ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ نَوَى الْجُمُعَةَ أَجْزَأَهُ، مِنْ الْجَنَابَةِ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، لِأَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ عِنْدَهُمْ تَطَوُّعٌ، فَكَيْفَ يُجْزِئُ تَطَوُّعٌ عَنْ فَرْضٍ؟ أَمْ كَيْفَ تُجْزِئُ نِيَّةٌ فِي فَرْضٍ لَمْ تَخْلُصْ وَأُضِيفَ إلَيْهَا نِيَّةُ تَطَوُّعٍ؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ قَالَ عَلِيٌّ: وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالُوا: وَجَدْنَا وُضُوءًا وَاحِدًا وَتَيَمُّمًا وَاحِدًا يُجْزِئُ عَنْ جَمِيعِ الْأَحْدَاثِ النَّاقِضَةِ لِلْوُضُوءِ، وَغُسْلًا وَاحِدًا يُجْزِئُ عَنْ جَنَابَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَغُسْلًا وَاحِدًا يُجْزِئُ عَنْ حَيْضِ أَيَّامٍ، وَطَوَافًا وَاحِدًا يُجْزِئُ عَنْ عُمْرَةٍ وَحَجٍّ فِي الْقُرْآنِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ كُلُّ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ لَمْ يَكُنْ الْقِيَاسُ لَأَنْ يُجْزِئَ غُسْلٌ وَاحِدٌ عَنْ غُسْلَيْنِ
مَأْمُورٍ بِهِمَا عَلَى مَا ذَكَرُوا فِي الْوُضُوءِ: بِأَوْلَى مِنْ أَنْ يُقَاسَ حُكْمُ مَنْ عَلَيْهِ غُسْلَانِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ يَوْمَانِ مِنْ - شَهْرِ رَمَضَانَ، أَوْ رَقَبَتَانِ عَنْ ظِهَارَيْنِ، أَوْ كَفَّارَتَانِ عَنْ يَمِينَيْنِ، أَوْ هَدْيَانِ عَنْ مُتْعَتَيْنِ، أَوْ صَلَاتَا ظُهْرٍ مِنْ يَوْمَيْنِ، أَوْ دِرْهَمَانِ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَنْ مَالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يُجْزِئَ فِي كُلِّ ذَلِكَ صِيَامُ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَرَقَبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَدْيٌ وَاحِدٌ، وَصَلَاةٌ وَاحِدَةٌ وَدِرْهَمٌ وَاحِدٌ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَهَذَا مَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ، فَبَطَلَ قِيَاسُهُمْ الْفَاسِدُ. ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: أَمَّا الْوُضُوءُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِسْنَادِهِ فِي بَابِ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ، فَصَحَّ بِهَذَا الْخَبَرِ أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ الْحَدَثِ جُمْلَةً، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ كُلُّ حَدَثٍ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ كُلُّ جَنَابَةٍ. وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُضُوءٌ وَاحِدٌ لِلصَّلَاةِ مِنْ كُلِّ حَدَثٍ سَلَفَ، مِنْ نَوْمٍ وَبَوْلٍ وَحَاجَةِ الْمَرْءِ وَمُلَامَسَةٍ، وَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا هُشَيْمٌ ثنا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ» . وَأَمَّا - طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ فِي الْقِرَانِ عَنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «طَوَافٌ وَاحِدٌ يَكْفِيكَ لِحَجِّكَ وَعُمْرَتِكَ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذْ يُجْزِئُ عِنْدَهُ غُسْلٌ وَاحِدٌ عَنْ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ وَالتَّبَرُّدِ، وَلَا يُجْزِئُ عِنْدَهُ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي الْقِرَانِ إلَّا طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ. وَهَذَا عَكْسُ الْحَقَائِقِ وَإِبْطَالُ السُّنَنِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ " وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِنَا جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ كَمَا رُوِّينَا عَنْ
مسألة يكره للمغتسل أن يتنشف في ثوب غير ثوبه الذي يلبس
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ: ثنا حَبِيبٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الْأَعْلَى وَبِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ. قَالَ حَبِيبٌ عَمْرُو بْنُ هَرِمٍ قَالَ: سُئِلَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ هُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ - عَنْ الْمَرْأَة تُجَامَعُ ثُمَّ تَحِيضُ؟ قَالَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ - يَعْنِي لِلْجَنَابَةِ - وَقَالَ سُفْيَانُ عَنْ لَيْثٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ مَقْسَمٍ وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ. قَالَ لَيْثٌ: عَنْ طَاوُسٍ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ. وَقَالَ هِشَامٌ عَنْ الْحَسَنِ. قَالُوا كُلُّهُمْ فِي الْمَرْأَةِ تُجْنِبُ ثُمَّ تَحِيضُ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ - يَعْنُونَ لِلْجَنَابَةِ - وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكُ عَنْ الْحَجَّاجِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ جُنُبًا ثُمَّ تَحِيضُ، قَالَا جَمِيعًا: تَغْتَسِلُ، يَعْنِيَانِ لِلْجَنَابَةِ، قَالَ وَسَأَلْتُ عَنْهَا الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ قَالَ: تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، غَسْلَةً دُونَ غَسْلَةٍ وَقَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى ثنا مَعْمَرٌ وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَمْرَوَيْهِ، قَالَ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالُوا كُلُّهُمْ فِي الْمَرْأَةِ تُجَامَعُ ثُمَّ تَحِيضُ، أَنَّهَا تَغْتَسِلُ لِجَنَابَتِهَا، وَقَالَ بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي الْمَرْأَةِ تُجَامَعُ ثُمَّ تَحِيضُ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ، فَإِنْ أَخَّرَتْ فَغُسْلَانِ عِنْدَ طُهْرِهَا. فَهَؤُلَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْحَكَمُ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ وَالزُّهْرِيُّ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد وَأَصْحَابِنَا. [مَسْأَلَةٌ يُكْرَهُ لِلْمُغْتَسِلِ أَنْ يَتَنَشَّفَ فِي ثَوْبٍ غَيْرِ ثَوْبِهِ الَّذِي يَلْبَسُ] 196 - مَسْأَلَةٌ: وَيُكْرَهُ لِلْمُغْتَسِلِ أَنَّ يَتَنَشَّفَ فِي ثَوْبٍ غَيْرِ ثَوْبِهِ الَّذِي يَلْبَسُ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا حَرَجَ، وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ السَّكَنِ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُوسَى ثنا أَبُو عَوَانَةَ ثنا الْأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ «وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُسْلًا وَسَتَرْتُهُ - فَذَكَرْتُ صِفَةَ غُسْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَتْ - وَغَسَلَ رَأْسَهُ ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ خِرْقَةً، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَلَمْ يَرُدَّهَا» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا هِشَامٌ ثنا أَبُو مَرْوَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ثنا الْأَوْزَاعِيُّ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «زَارَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَنْزِلِنَا - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
مسألة المغتسل إذا انغمس في ماء
أَمَرَ لَهُ سَعْدٌ بِغُسْلٍ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ نَاوَلَهُ مِلْحَفَةً مَصْبُوغَةً بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ فَاشْتَمَلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا لَا يُضَادُّ الْأَوَّلَ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اشْتَمَلَ فِيهَا فَصَارَتْ لِبَاسُهُ حِينَئِذٍ، وَقَالَ بِهَذَا بَعْضُ السَّلَفِ، كَمَا رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمِنْدِيلِ الْمُهَذَّبِ أَيَمْسَحُ بِهِ الرَّجُلُ الْمَاءَ؟ فَأَبَى أَنْ يُرَخِّصَ فِيهِ، وَقَالَ هُوَ شَيْءٌ أُحْدِثَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ يُذْهِبَ عَنِّي الْمِنْدِيلُ بَرْدَ الْمَاءِ قَالَ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَنْ، وَلَمْ يَنْهَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ فَهُوَ مُبَاحٌ فِيهِ. [مَسْأَلَةٌ المغتسل إذَا انْغَمِسْ فِي مَاءٍ] 197 - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ غُسْلٍ ذَكَرْنَا فَلِلْمَرْءِ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ مِنْ رِجْلَيْهِ أَوْ مِنْ أَيِّ أَعْضَائِهِ شَاءَ، حَاشَا غُسْلَ الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ، فَلَا يُجْزِئُ فِيهِمَا إلَّا الْبُدَاءَةُ بِغَسْلِ الرَّأْسِ أَوَّلًا ثُمَّ الْجَسَدِ، فَإِنْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الْبُدَاءَةَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ بِجَسَدِهِ وَلَا بُدَّ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ «حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ» وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» وَسَنَذْكُرُهُ فِي تَرْتِيبِ الْوُضُوءِ بِإِسْنَادِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ بَدَأَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالرَّأْسِ قَبْلَ الْجَسَدِ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3] {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] فَصَحَّ أَنَّ مَا ابْتَدَأَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نُطْقِهِ فَعَنْ وَحْيٍ أَتَاهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، فَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي بَدَأَ بِاَلَّذِي بَدَأَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [مَسْأَلَةٌ صِفَةُ الْوُضُوءِ] 198 - مَسْأَلَةٌ: وَصِفَةُ الْوُضُوءِ أَنَّهُ إنْ كَانَ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ، وَأَنْ يَسْتَنْشِقَ وَأَنْ يَسْتَنْثِرَ ثَلَاثًا لِيَطْرُدَ الشَّيْطَانَ عَنْ خَيْشُومِهِ كَمَا قَدْ وَصَفْنَا، وَسَوَاءٌ تَبَاعَدَ مَا بَيْنَ نَوْمِهِ وَوُضُوئِهِ أَوْ لَمْ يَتَبَاعَدْ، فَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ ذَلِكَ الْوُضُوءَ مِنْ حَدَثِ غَيْرِ النَّوْمِ، فَلَوْ صَبَّ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إنَاءٍ دُونَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِيهِ لَزِمَهُ غُسْلُ يَدِهِ أَيْضًا ثَلَاثًا إنْ قَامَ مِنْ نَوْمِهِ، ثُمَّ نَخْتَارُ لَهُ أَنْ يَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَلَيْسَتْ الْمَضْمَضَةُ فَرْضًا، وَإِنْ تَرَكَهَا فَوُضُوءُهُ تَامٌّ وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، عَمْدًا تَرَكَهَا أَوْ
نِسْيَانًا، ثُمَّ يَنْوِي وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ كَمَا قَدَّمْنَا، ثُمَّ يَضَعُ الْمَاءَ فِي أَنْفِهِ وَيَجْبِذُهُ بِنَفْسِهِ وَلَا بُدَّ، ثُمَّ يَنْثُرُهُ بِأَصَابِعِهِ وَلَا بُدَّ مَرَّةً فَإِنْ فَعَلَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فَحَسَنٌ، وَهُمَا فَرْضَانِ لَا يُجْزِئُ الْوُضُوءُ وَلَا الصَّلَاةُ دُونَهُمَا، لَا عَمْدًا وَلَا نِسْيَانًا، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ مِنْ حَدِّ مَنَابِتِ الشَّعْرِ فِي أَعْلَى الْجَبْهَةِ إلَى أُصُولِ الْأُذُنَيْنِ مَعًا إلَى مُنْقَطِعِ الذَّقَنِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْسِلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا أَوْ ثِنْتَيْنِ وَتُجْزِئُ مَرَّةً، لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ الْمَاءَ مَا انْحَدَرَ مِنْ لِحْيَتِهِ تَحْتَ ذَقَنِهِ، وَلَا أَنْ يُخَلِّلَ لِحْيَتَهُ، ثُمَّ يَغْسِلَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ مُنْقَطَعِ الْأَظْفَارِ إلَى أَوَّلِ الْمَرَافِقِ مِمَّا يَلِي الذِّرَاعَيْنِ، فَإِنْ غَسَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا فَحَسَنٌ، وَمَرَّتَيْنِ حَسَنٌ، وَتُجْزِئُ مَرَّةً، وَلَا بُدَّ ضَرُورَةٌ مِنْ إيصَالِ الْمَاءِ بِيَقِينٍ إلَى مَا تَحْتَ الْخَاتَمِ بِتَحْرِيكِهِ عَنْ مَكَانِهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ كَيْفَمَا مَسَحَهُ أَجْزَأَهُ، وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يَعُمَّ رَأْسَهُ بِالْمَسْحِ، فَكَيْفَمَا مَسَحَهُ بِيَدَيْهِ أَوْ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ أَوْ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَهُ. فَلَوْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ قَلَّ، وَنَسْتَحِبُّ أَنْ يَمْسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ وَوَاحِدَةٌ تُجْزِئُ، وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ مَسُّ مَا انْحَدَرَ مِنْ الشَّعْرِ عَنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ عَلَى الْقَفَا وَالْجَبْهَةِ ثُمَّ يُسْتَحَبُّ لَهُ مَسْحُ أُذُنَيْهِ، إنْ شَاءَ بِمَا مَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ وَإِنْ شَاءَ بِمَاءٍ جَدِيدٍ، وَيُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُ الْمَاءَ لِكُلِّ عُضْوٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ مِنْ مُبْتَدَإِ مُنْقَطَعِ الْأَظْفَارِ إلَى آخِرِ الْكَعْبَيْنِ مِمَّا يَلِي السَّاقَ، فَإِنْ غَسَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا فَحَسَنٌ، وَمَرَّتَيْنِ حَسَنٌ وَمَرَّةٌ تُجْزِئُ، وَتُسْتَحَبُّ تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْوُضُوءِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَوُضُوءُهُ تَامٌّ. أَمَّا قَوْلُنَا فِي الْمَضْمَضَةِ فَلَمْ يَصِحَّ بِهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْرٌ، وَإِنَّمَا هِيَ فِعْلٌ فَعَلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ أَفْعَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَتْ فَرْضًا، وَإِنَّمَا فِيهَا الْإِيتَارُ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَنَا بِطَاعَةِ أَمْرِ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَمْ يَأْمُرْنَا بِأَنْ نَفْعَلَ أَفْعَالَهُ. قَالَ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] وَقَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] وَأَمَّا الِاسْتِنْشَاقُ وَالِاسْتِنْثَارُ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعٍ حَدَّثَنَا قَالَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ ثنا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لْيَسْتَنْثِرْ» وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا، وَمِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَيْسَ الِاسْتِنْشَاقُ وَالِاسْتِنْثَارُ فَرْضًا فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُمَا فَرْضٌ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَلَيْسَا فَرْضًا فِي الْوُضُوءِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُد: الِاسْتِنْشَاقُ وَالِاسْتِنْثَارُ فَرْضَانِ فِي الْوُضُوءِ وَلَيْسَا فَرْضَيْنِ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَلَيْسَتْ الْمَضْمَضَةُ فَرْضًا لَا فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ. وَمِمَّنْ صَحَّ عَنْهُ الْأَمْرُ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ. رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إذَا تَوَضَّأْتَ فَانْثُرْ فَأَذْهِبْ مَا فِي الْمَنْخَرَيْنِ مِنْ الْخُبْثِ، وَعَنْ شُعْبَةَ: قَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ فِيمَنْ نَسِيَ أَنْ يُمَضْمِضَ وَيَسْتَنْشِقَ قَالَ: يَسْتَقْبِلُ. وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ فِيمَنْ صَلَّى وَقَدْ نَسِيَ أَنْ يُمَضْمِضَ وَيَسْتَنْشِقَ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ يَعْنِي الصَّلَاةَ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ: الِاسْتِنْشَاقُ شَطْرُ الْوُضُوءِ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَا جَمِيعًا " إذَا نَسِيَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فِي الْوُضُوءِ أَعَادَ " يَعْنُونَ الصَّلَاةَ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ مَنْ نَسِيَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فِي الْوُضُوءِ أَعَادَ - يَعْنِي الصَّلَاةَ - وَعَنْ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ الْحَسَنِ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالِاسْتِنْثَارِ وَغَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ: ثِنْتَانِ تَجْزِيَانِ وَثَلَاثٌ أَفْضَلُ. قَالَ عَلِيٌّ وَشَغَبَ قَوْمٌ بِأَنَّ الِاسْتِنْشَاقَ وَالِاسْتِنْثَارَ لَيْسَا مَذْكُورَيْنِ فِي الْقُرْآنِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَتَوَضَّأَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] فَكُلُّ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاَللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُنَا فِي الْوَجْهِ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الَّذِي قُلْنَا فَرْضُ غَسْلِهِ قَبْلَ خُرُوجِ اللِّحْيَةِ، فَإِذَا خَرَجَتْ اللِّحْيَةُ فَهِيَ مَكَانُ مَا سَتَرَتْ، وَلَا يَسْقُطُ غَسْلُ شَيْءٍ يَقَعُ عَلَيْهِ
اسْمُ الْوَجْهِ بِالدَّعْوَى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ بِالرَّأْيِ فَرْقٌ بَيْنَ مَا يَغْسِلُ الْأَمْرَدُ مِنْ وَجْهِهِ وَالْكَوْسَجُ وَالْأَلْحَى. وَأَمَّا مَا انْحَدَرَ عَنْ الذَّقَنِ مِنْ اللِّحْيَةِ وَمَا انْحَدَرَ عَنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ مِنْ الْقَفَا وَالْجَبْهَةِ، فَإِنَّمَا أَمَرَنَا عَزَّ وَجَلَّ بِغَسْلِ الْوَجْهِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ وَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ رَأْسَ الْإِنْسَانِ لَيْسَ فِي قَفَاهُ، وَأَنَّ الْجَبْهَةَ مِنْ الْوَجْهِ الْمَغْسُولِ، لَا حَظَّ فِيهَا لِلرَّأْسِ الْمَمْسُوحِ، وَأَنَّ الْوَجْهَ لَيْسَ فِي الْعُنُقِ وَلَا فِي الصَّدْرِ فَلَا يَلْزَمُ فِي كُلِّ ذَلِكَ شَيْءٌ، إذْ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ. وَأَمَّا قَوْلُنَا فِي غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ وَمَا تَحْتَ الْخَاتَمِ وَالْمِرْفَقَيْنِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] فَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا وَلَوْ قَدْرَ شَعْرَةٍ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِغُسْلِهِ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمْ يَتَوَضَّأْ أَصْلًا، وَلَا صَلَاةَ لَهُ فَوَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ بِيَقِينٍ إلَى مَا سَتَرَ الْخَاتَمَ مِنْ الْأُصْبُعِ، وَأَمَّا الْمَرَافِقُ فَإِنَّ " إلَى " فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ تَقَعُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ، تَكُونُ بِمَعْنَى الْغَايَةِ، وَتَكُونُ بِمَعْنَى مَعَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] بِمَعْنَى مَعَ أَمْوَالِكُمْ، فَلَمَّا كَانَتْ تَقَعُ " إلَى " عَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ وُقُوعًا صَحِيحًا مُسْتَوِيًا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتَصِرَ بِهَا عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لِمَا تَقَعُ عَلَيْهِ بِلَا بُرْهَانٍ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَ غَسْلُ الذِّرَاعَيْنِ إلَى أَوَّلِ الْمِرْفَقَيْنِ بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، فَيُجْزِئُ، فَإِنْ غَسَلَ الْمَرَافِقَ فَلَا بَأْسَ أَيْضًا. وَأَمَّا قَوْلُنَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ مَالِكٌ بِعُمُومِ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَمْسَحُ مِنْ الرَّأْسِ فَرْضًا مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَذُكِرَ عَنْهُ تَحْدِيدُ الْفَرْضِ مِمَّا يُمْسَحُ مِنْ الرَّأْسِ بِأَنَّهُ رُبْعُ الرَّأْسِ، وَإِنَّهُ إنْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِأُصْبُعَيْنِ أَوْ بِأُصْبُعٍ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ، فَإِنْ مَسَحَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ أَجْزَأَهُ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يُجْزِئُ مِنْ الرَّأْسِ مَسْحُ بَعْضِهِ وَلَوْ شَعْرَةً وَاحِدَةً، وَيُجْزِئُ مَسْحُهُ بِأُصْبُعٍ وَبِبَعْضِ أُصْبُعٍ، وَحَدَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ مَا يُجْزِئُ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ بِشَعْرَتَيْنِ، وَيُجْزِئُ بِأُصْبُعٍ وَبِبَعْضِ أُصْبُعٍ، وَأَحَبُّ ذَلِكَ إلَى الشَّافِعِيِّ الْعُمُومُ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُجْزِئُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَمْسَحَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهَا، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ: يُجْزِئُ مَسْحُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ فَقَطْ وَمَسْحُ بَعْضِهِ كَذَلِكَ، وَقَالَ دَاوُد:
يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ مَسْحٍ. وَكَذَلِكَ بِمَا مَسَحَ مِنْ أُصْبُعٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَأَحَبُّ إلَيْهِ الْعُمُومُ ثَلَاثًا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَأَمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِ الرَّأْسِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] وَالْمَسْحُ فِي اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ هُوَ غَيْرُ الْغُسْلِ بِلَا خِلَافٍ، وَالْغُسْلُ يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ وَالْمَسْحُ لَا يَقْتَضِيهِ حَدَّثَنَا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثنا أَبِي ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ الْقَطَّانُ ثنا التَّيْمِيُّ هُوَ سُلَيْمَانُ - عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عَنْ الْحَسَنِ هُوَ الْبَصْرِيُّ - عَنْ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ هُوَ حَمْزَةُ - عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد ثنا مُسَدَّدٌ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَعَلَى نَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ» قَالَ بَكْرٌ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ ابْنِ الْمُغِيرَةِ. وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ. رُوِّينَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْوُضُوءِ فَيَمْسَحُ بِهِ مَسْحَةً وَاحِدَةً الْيَافُوخَ فَقَطْ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: إنَّهَا كَانَتْ تَمْسَحُ عَارِضَهَا الْأَيْمَنَ بِيَدِهَا الْيُمْنَى، وَعَارِضَهَا الْأَيْسَرَ بِيَدِهَا الْيُسْرَى مِنْ تَحْتِ الْخِمَارِ وَفَاطِمَةُ هَذِهِ أَدْرَكَتْ جَدَّتَهَا أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَرَوَتْ عَنْهَا.
وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ النَّخَعِيِّ قَالَ: إنْ أَصَابَ هَذَا - يَعْنِي مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَصُدْغَيْهِ - أَجْزَأَهُ - يَعْنِي فِي الْوُضُوءِ - وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ الْأَزْرَقِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: إنْ مَسَحَ جَانِبَ رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ وَصَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - خِلَافٌ لِمَا رُوِّينَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ خَالَفَنَا فِيمَنْ رَوَى عَنْهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ مَسْحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ؛ لِأَنَّنَا لَا نُنْكِرُ ذَلِكَ بَلْ نَسْتَحِبُّهُ، وَإِنَّمَا نُطَالِبُهُمْ بِمَنْ أَنْكَرَ الِاقْتِصَارَ عَلَى بَعْضِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ فَلَا يَجِدُونَهُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَمَنْ خَالَفَنَا فِي هَذَا فَإِنَّهُمْ يَتَنَاقَضُونَ، فَيَقُولُونَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ: إنَّهُ خُطُوطٌ لَا يَعُمُّ الْخُفَّيْنِ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ؟ وَأُخْرَى وَهِيَ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: إنْ كَانَ الْمَسْحُ عِنْدَكُمْ يَقْتَضِي الْعُمُومَ فَهُوَ وَالْغُسْلُ سَوَاءٌ، وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُسْلِ؟ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلِمَ تُنْكِرُونَ مَسْحَ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ وَتَأْبَوْنَ إلَّا غُسْلَهُمَا إنْ كَانَ كِلَاهُمَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّكُمْ لَا تَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ يَلْزَمُ تَقَصِّي الرَّأْسِ بِالْمَاءِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ فِي الْوُضُوءِ، فَقَدْ أَقْرَرْتُمْ بِأَنَّ الْمَسْحَ بِالرَّأْسِ خِلَافُ الْغُسْلِ، وَلَيْسَ هُنَا فَرْقٌ إلَّا أَنَّ الْمَسْحَ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ فَقَطْ، وَهَذَا تَرْكٌ لِقَوْلِكُمْ. وَأَيْضًا فَمَا تَقُولُونَ فِيمَنْ تَرَكَ بَعْضَ شَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْوُضُوءِ فَلَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهَا؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ يُجْزِيهِ، وَهَذَا تَرْكٌ مِنْهُمْ لِقَوْلِهِمْ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا نَقُولُ بِالْأَغْلَبِ، قِيلَ لَهُمْ: فَتَرْكُ شَعْرَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؟ وَهَكَذَا أَبَدًا، فَإِنْ حَدُّوا حَدًّا قَالُوا بِبَاطِلٍ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَمَادَوْا صَارُوا إلَى قَوْلِنَا، وَهُوَ الْحَقُّ. فَإِنْ قَالُوا: مَنْ عَمَّ رَأْسَهُ فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، وَمَنْ لَمْ يَعُمَّهُ فَلَمْ يُتَّفَقْ عَلَى أَنَّهُ تَوَضَّأَ قُلْنَا لَهُمْ فَأَوْجِبُوا بِهَذَا الدَّلِيلِ نَفْسِهِ الِاسْتِنْشَاقَ فَرْضًا وَالتَّرْتِيبَ فَرْضًا، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ تَرْكٌ لِجُمْهُورِ مَذْهَبِهِمْ. إنْ قَالُوا: مَسْحُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَعَ نَاصِيَتِهِ عَلَى عِمَامَتِهِ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ، قُلْنَا: هَذَا أَعْجَبُ شَيْءٍ لِأَنَّكُمْ لَا تُجِيزُونَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ مَنْ فَعَلَهُ، فَكَيْفَ تَحْتَجُّونَ بِمَا لَا يَجُوزُ عِنْدَكُمْ وَأَيْضًا فَمَنْ لَكُمْ بِأَنَّهُ فِعْلٌ وَاحِدٌ؟ بَلْ هُمَا فِعْلَانِ مُتَغَايِرَانِ عَلَى ظَاهِرِ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ.
مسألة مسح الأذنين
وَأَمَّا تَخْصِيصُ أَبِي حَنِيفَةَ لِرُبْعِ الرَّأْسِ أَوْ لِمِقْدَارِ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَالُوا: هُوَ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ، قُلْنَا لَهُمْ: وَمَنْ لَكُمْ بِأَنَّ هَذَا هُوَ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ؟ وَالْأَصَابِعُ تَخْتَلِفُ، وَتَحْدِيدُ رُبْعِ الرَّأْسِ يَحْتَاجُ إلَى تَكْسِيرٍ وَمِسَاحَةٍ وَهَذَا بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي مَنْعِ الْمَسْحِ بِأُصْبُعٍ أَوْ بِأُصْبُعَيْنِ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا أَرَدْنَا أَكْثَرَ الْيَدِ، قُلْنَا لَهُمْ: أَنْتُمْ لَا تُوجِبُونَ الْمَسْحَ بِالْيَدِ فَرْضًا، بَلْ تَقُولُونَ إنَّهُ لَوْ وَقَفَ تَحْتَ مِيزَابٍ فَمَسَّ الْمَاءُ مِنْهُ مِقْدَارَ رُبْعِ رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ، فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ. وَيُسْأَلُونَ أَيْضًا عَنْ قَوْلِهِمْ بِأَكْثَرِ الْيَدِ؟ فَإِنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ دَلِيلًا عَلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَذَلِكَ يُسْأَلُونَ عَنْ اقْتِصَارِهِمْ عَلَى مِقْدَارِ النَّاصِيَةِ؟ فَإِنْ قَالُوا: اتِّبَاعًا لِلْخَبَرِ فِي ذَلِكَ، قِيلَ لَهُمْ: فَلِمَ تَعَدَّيْتُمْ النَّاصِيَةَ إلَى مُؤَخَّرِ الرَّأْسَ؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ تَعَدِّيكُمْ النَّاصِيَةَ إلَى غَيْرِهَا وَبَيْنَ تَعَدِّي مِقْدَارِهَا إلَى غَيْرِ مِقْدَارِهَا؟ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ النَّصَّ لَمْ يَأْتِ بِمَسْحِ الشَّعْرِ فَيَكُونُ مَا قَالَ مِنْ مُرَاعَاةِ عَدَدِ الشَّعْرِ، وَإِنَّمَا جَاءَ الْقُرْآنُ بِمَسْحِ الرَّأْسِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُرَاعَى إلَّا مَا يُسَمَّى مَسْحَ الرَّأْسِ فَقَطْ، وَالْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ هُوَ بَعْضُ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ فَالْآيَةُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ الْخَبَرِ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَنْعٌ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْآيَةِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى النَّاصِيَةِ فَقَطْ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ] 199 - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ فَلَيْسَا فَرْضًا، وَلَا هُمَا مِنْ الرَّأْسِ لِأَنَّ الْآثَارَ فِي ذَلِكَ وَاهِيَةٌ كُلُّهَا، قَدْ ذَكَرْنَا فَسَادَهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ، وَلَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ فِي أَنَّ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ مَنَابِتِ الشَّعْرِ مِنْ الرَّأْسِ وَبَيْنَ الْأُذُنَيْنِ لَيْسَ هُوَ مِنْ الرَّأْسِ فِي حُكْمِ الْوُضُوءِ، فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ يَحُولُ بَيْنَ أَجْزَاءِ رَأْسِ الْحَيِّ عُضْوٌ لَيْسَ مِنْ الرَّأْسِ، وَأَنْ يَكُونَ بَعْضُ رَأْسِ الْحَيِّ مُبَايِنًا لِسَائِرِ رَأْسِهِ، وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ لَوَجَبَ حَلْقُ شَعْرِهِمَا فِي الْحَجِّ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ هَذَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا الْبُرْهَانَ عَلَى صِحَّةِ الِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ، فَلَوْ كَانَ الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ لَأَجْزَأَ أَنْ يُمْسَحَا عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ. وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ، وَيُقَالُ لَهُمْ: إنْ كَانَتَا مِنْ الرَّأْسِ فَمَا بَالُكُمْ تَأْخُذُونَ لَهُمَا مَاءً جَدِيدًا وَهُمَا بَعْضُ الرَّأْسِ؟ وَأَيْنَ رَأَيْتُمْ عُضْوًا يُجَدِّدُ لِبَعْضِهِ مَاءً غَيْرَ الْمَاءِ الَّذِي مَسَحَ بِهِ سَائِرَهُ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ الْأَثَرُ أَنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ لَمَا كَانَ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ نَقْضٌ لِشَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِنَا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
مسألة الرجلان في الوضوء
[مَسْأَلَةٌ الرِّجْلَانِ فِي الْوُضُوءِ] مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا قَوْلُنَا فِي الرِّجْلَيْنِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِالْمَسْحِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] وَسَوَاءٌ قُرِئَ بِخَفْضِ اللَّامِ أَوْ بِفَتْحِهَا هِيَ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَطْفٌ عَلَى الرُّءُوسِ: إمَّا عَلَى اللَّفْظِ وَإِمَّا عَلَى الْمَوْضِعِ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِقَضِيَّةٍ مُبْتَدَأَةٍ. وَهَكَذَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالْمَسْحِ - يَعْنِي فِي الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ - وَقَدْ قَالَ بِالْمَسْحِ عَلَى الرِّجْلَيْنِ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَالشَّعْبِيُّ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ، وَرُوِيَتْ فِي ذَلِكَ آثَارٌ. مِنْهَا أَثَرٌ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ثنا عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنُ خَلَّادٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمِّهِ - هُوَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّهَا «لَا تَجُوزُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيَمْسَحَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ» . وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ " كُنْتُ أَرَى بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ أَحَقَّ بِالْمَسْحِ حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ ظَاهِرَهُمَا ". قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ: وَإِنَّمَا قُلْنَا بِالْغُسْلِ فِيهِمَا لِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ «تَخَلَّفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَنَا الْعَصْرُ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» . كَتَبَ إلَيَّ سَالِمُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الشَّنْتَجَالِيُّ ثنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّجِسْتَانِيُّ
ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ثنا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ مَنْصُورٍ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - عَنْ هِلَالِ بْنِ إسَافٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى هُوَ مُصَدِّعُ الْأَعْرَجُ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى إذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَتَوَضَّئُوا وَهُمْ عِجَالٌ، فَانْتَهَيْنَا إلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ» فَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِإِسْبَاغِ الْوُضُوءِ فِي الرِّجْلَيْنِ، وَتَوَعَّدَ بِالنَّارِ عَلَى تَرْكِ الْأَعْقَابِ. فَكَانَ هَذَا الْخَبَرُ زَائِدًا عَلَى مَا فِي الْآيَةِ، وَعَلَى الْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَنَاسِخًا لِمَا فِيهَا، وَلِمَا فِي الْآيَةِ وَالْأَخْذُ بِالزَّائِدِ وَاجِبٌ، وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ يَقُولُ بِتَرْكِ الْأَخْبَارِ لِلْقُرْآنِ أَنْ يَتْرُكَ هَذَا الْخَبَرَ لِلْآيَةِ، وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ يَتْرُكُ الْأَخْبَارَ الصِّحَاحَ لِلْقِيَاسِ أَنْ يَتْرُكَ هَذَا الْخَبَرَ: لِأَنَّنَا وَجَدْنَا الرِّجْلَيْنِ يَسْقُطُ حُكْمُهُمَا فِي التَّيَمُّمِ، كَمَا يَسْقُطُ الرَّأْسُ فَكَانَ حَمْلُهُمَا عَلَى مَا يَسْقُطَانِ بِسُقُوطِهِ وَيُثْبَتَانِ بِثَبَاتِهِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِمَا عَلَى مَا لَا يُثْبَتَانِ بِثَبَاتِهِ. وَأَيْضًا فَالرِّجْلَانِ مَذْكُورَانِ مَعَ الرَّأْسِ، فَكَانَ حَمْلُهُمَا عَلَى مَا ذُكِرَا مَعَهُ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِمَا عَلَى مَا لَمْ يُذْكَرَا مَعَهُ. وَأَيْضًا فَالرَّأْسُ طَرَفٌ وَالرِّجْلَانِ طَرَفٌ، فَكَانَ قِيَاسُ الطَّرَفِ عَلَى الطَّرَفِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِ الطَّرَفِ عَلَى الْوَسَطِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَكَانَ تَعْوِيضُ الْمَسْحِ مِنْ الْمَسْحِ أَوْلَى مِنْ تَعْوِيضِ الْمَسْحِ مِنْ الْغُسْلِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمَّا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى سَاتِرٍ لِلرِّجْلَيْنِ وَلَمْ يَجُزْ عَلَى سَاتِرٍ دُونَ الْوَجْهِ وَالذِّرَاعَيْنِ دَلَّ - عَلَى أُصُولِ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ - أَنَّ أَمْرَ الرِّجْلَيْنِ أَخَفُّ مِنْ أَمْرِ الْوَجْهِ وَالذِّرَاعَيْنِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ إلَّا الْمَسْحُ وَلَا بُدَّ. فَهَذَا أَصَحُّ قِيَاسٍ فِي الْأَرْضِ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا.
مسألة ما لبس على الرأس من عمامة أو خمار أجزأ المسح عليه
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ سَقَطَ حُكْمُ الْجَسَدِ فِي التَّيَمُّمِ وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ الْمَسْحُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَنَقُولُ صَدَقْتَ وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَكُمْ بِالْقِيَاسِ، وَيُرِيكُمْ تَفَاسُدَهُ كُلَّهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَهَكَذَا كُلُّ مَا رُمْتُمْ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِالْقِيَاسِ، لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ صِفَةٍ يَفْتَرِقَانِ فِيهَا. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرِّجْلَيْنِ {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] كَمَا قَالَ فِي الْأَيْدِي {إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] دَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الرِّجْلَيْنِ حُكْمُ الذِّرَاعَيْنِ، قِيلَ لَهُ: لَيْسَ ذِكْرُ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ الْوَجْهَ وَلَمْ يَذْكُرَ فِي مَبْلَغِهِ حَدًّا وَكَانَ حُكْمُهُ الْغَسْلَ، لَكِنْ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الذِّرَاعَيْنِ بِالْغُسْلِ كَانَ حُكْمُهُمَا الْغُسْلَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي الرِّجْلَيْنِ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُهُمَا مَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِمَا إلَّا أَنْ يُوجِبَهُ نَصٌّ آخَرُ قَالَ عَلِيٌّ: وَالْحُكْمُ لِلنُّصُوصِ لَا لِلدَّعَاوَى وَالظُّنُونِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَا لُبِسَ عَلَى الرَّأْسِ مِنْ عِمَامَةٍ أَوْ خِمَارٍ أَجْزَأَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ] 201 - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَا لُبِسَ عَلَى الرَّأْسِ مِنْ عِمَامَةٍ أَوْ خِمَارٍ أَوْ قَلَنْسُوَةٍ أَوْ بَيْضَةٍ أَوْ مِغْفَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ: أَجْزَأَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا، الْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ، لِعِلَّةٍ أَوْ غَيْرِ عِلَّةٍ. بُرْهَانُ ذَلِكَ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى ثنا بِشْرُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ» . وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُد الْخُرَيْبِيِّ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ. وَهَذَا قُوَّةٌ لِلْخَبَرِ لِأَنَّ أَبَا سَلَمَةَ سَمِعَهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ
سَمَاعًا، وَسَمِعَهُ أَيْضًا مِنْ جَعْفَرٍ ابْنُهُ عَنْهُ كَمَا فَعَلَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ الَّذِي سَمِعَ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ مِنْ حَمْزَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَسَمِعَهُ أَيْضًا مِنْ الْحَسَنِ عَنْ حَمْزَةَ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ: ثنا مُعَاوِيَةُ وَقَالَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ، ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَعِيسَى كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ بِلَالٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي
إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ عَنْ بِلَالٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْمُوقَيْنِ» وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ سَلْمَانَ وَمِنْ طَرِيقِ مَخْلَدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْمُوقَيْنِ وَالْخِمَارِ» . فَهَؤُلَاءِ سِتَّةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَبِلَالٌ وَسَلْمَانُ وَعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ وَكَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ وَأَبُو ذَرٍّ، كُلُّهُمْ يَرْوِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَسَانِيدَ لَا مُعَارِضَ لَهَا وَلَا مَطْعَنَ فِيهَا. وَبِهَذَا الْقَوْلِ يَقُولُ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُسَيْلَةَ الصُّنَابِحِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ يَمْسَحُ عَلَى الْخِمَارِ، يَعْنِي فِي الْوُضُوءِ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنَ مُسْلِمٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: سَأَلَ نُبَاتَةُ الْجُعْفِيُّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إنْ شِئْتَ فَامْسَحْ عَلَى الْعِمَامَةِ وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ، وَهَذِهِ أَسَانِيدُ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ.
وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ أُمِّهِ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى الْخِمَارِ وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: امْسَحْ عَلَى خُفَّيْكَ وَعَلَى خِمَارِكَ، وَامْسَحْ بِنَاصِيَتِكَ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ حَدَثٍ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَقَلَنْسُوَتِهِ وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ فَقَالَ نَعَمْ، وَعَلَى النَّعْلَيْنِ وَالْخِمَارِ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، رُوِّينَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ قَالَ: الْقَلَنْسُوَةُ بِمَنْزِلَةِ الْعِمَامَةِ - يَعْنِي فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُد بْنِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ صَحَّ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبِهِ أَقُولُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَالْخَبَرُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - قَدْ صَحَّ فَهُوَ قَوْلُهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: لَا يُمْسَحُ عَلَى عِمَامَةٍ وَلَا خِمَارٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: إلَّا أَنْ يَصِحَّ الْخَبَرُ. قَالَ عَلِيٌّ: مَا نَعْلَمُ لِلْمَانِعِينَ مِنْ ذَلِكَ حُجَّةً أَصْلًا، فَإِنْ قَالُوا جَاءَ الْقُرْآنُ بِمَسْحِ الرُّءُوسِ، قُلْنَا نَعَمْ، وَبِالْمَسْحِ عَلَى الرِّجْلَيْنِ، فَأَجَزْتُمْ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَلَيْسَ بِأَثْبَتَ مِنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَالْمَانِعُونَ مِنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَكْثَرُ مِنْ الْمَانِعِينَ مِنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ، فَمَا رُوِيَ الْمَنْعُ مِنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ إلَّا عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ جَاءَ الْمَنْعُ مِنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبْطَلْتُمْ مَسْحَ الرِّجْلَيْنِ - وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ - بِخَبَرٍ يَدَّعِي مُخَالِفُنَا وَمُخَالِفُكُمْ أَنَّنَا سَامَحْنَا أَنْفُسَنَا وَسَامَحْتُمْ أَنْفُسَكُمْ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ مَسْحِهَا، وَقَدْ قَالَ بِمَسْحِهَا طَائِفَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَقُلْتُمْ بِالْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ وَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ أَثَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا تَخْلِيطٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِيهِ «إنَّهُ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ» فَأَمَّا مَنْ لَا يَرَى الْمَسْحَ عَلَى النَّاصِيَةِ يُجْزِئُ فَقَدْ جَاهَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَالنَّاسَ فِي احْتِجَاجِهِ بِهَذَا الْخَبَرِ، وَهُوَ عَاصٍ لِكُلِّ مَا فِيهِ. وَأَمَّا مَنْ يَرَى الْمَسْحَ عَلَى بَعْضِ الرَّأْسِ يُجْزِئُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ الَّذِي أَجْزَأَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَهُوَ مَسْحُ النَّاصِيَةِ فَقَطْ وَكَانَ مَسْحُ الْعِمَامَةِ فَضْلًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رَامَ هَؤُلَاءِ أَنْ يَجْعَلُوا كُلَّ مَا فِي خَبَرِ الْمُغِيرَةِ حِكَايَةً عَنْ وُضُوءِ وَاحِدٍ وَهَذَا كَذِبٌ وَجَرْأَةٌ عَلَى الْبَاطِلِ، بَلْ هُوَ خَبَرٌ عَنْ عَمَلَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ، هَذَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَمُقْتَضَاهُ، وَكَيْفَ قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ غَيْرُ الْمُغِيرَةِ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَخْطَأَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، لِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ رَوَاهُ - عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ شَيْبَانُ وَحَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ وَبَكْرُ بْنُ نَضْرٍ وَأَبَانُ الْعَطَّارُ وَعَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ. قَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْنَا لَهُمْ فَكَانَ مَاذَا؟ قَدْ عَلِمَ كُلُّ ذِي عِلْمٍ بِالْحَدِيثِ أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ أَحْفَظُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَلَيْسُوا حُجَّةً عَلَيْهِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ثِقَةٌ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ لَا يَحِلُّ رَدُّهَا، وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ فِي كُلِّ خَبَرٍ احْتَجَجْتُمْ بِهِ: إنَّ رَاوِيَهُ أَخْطَأَ فِيهِ، لِأَنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا لَمْ يَرْوِ هَذَا الْخَبَرَ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ كَمَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْقُفَّازَيْنِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ، لِأَنَّهُمْ يُعَارَضُونَ فِيهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ إنْ كَانَ هَذَا الْقِيَاسُ عِنْدَكُمْ صَحِيحًا فَأَبْطِلُوا بِهِ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ لِأَنَّ الرِّجْلَيْنِ بِالْيَدَيْنِ أَشْبَهُ مِنْهُمَا بِالرَّأْسِ، فَقُولُوا: كَمَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْقُفَّازَيْنِ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلَا فَرْقَ. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ صَحَّ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قِيلَ لَهُمْ: وَقَدْ صَحَّ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَيُعَارَضُونَ أَيْضًا بِأَنْ يُقَالَ لَهُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَرَنَ الرُّءُوسَ بِالْأَرْجُلِ فِي الْوُضُوءِ وَأَنْتُمْ تُجِيزُونَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَأَجِيزُوا الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ، لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا عُضْوَانِ يَسْقُطَانِ فِي التَّيَمُّمِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ تَعْوِيضُ الْمَسْحِ عِنْدَكُمْ مِنْ غَسْلِ الرَّجُلَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ يَجُوزُ تَعْوِيضُ الْمَسْحِ مِنْ الْمَسْحِ فِي الْعِمَامَةِ عَلَى الرَّأْسِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الرَّأْسَ طَرَفٌ، وَالرِّجْلَانِ طَرَفٌ، وَأَيْضًا فَقَدْ صَحَّ تَعْوِيضُ الْمَسْحِ مِنْ جَمِيعِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَعُوِّضَ الْمَسْحُ بِالتُّرَابِ فِي الْوَجْهِ وَالذِّرَاعَيْنِ مِنْ غَسْلِ كُلِّ ذَلِكَ، وَعُوِّضَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ مِنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، فَوَجَبَ أَيْضًا أَنْ يَجُوزَ تَعْوِيضُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ مِنْ الْمَسْحِ عَلَى الرَّأْسِ، لِتَتَّفِقَ أَحْكَامُ جَمِيعِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي ذَلِكَ.
قَالَ عَلِيٌّ: كُلُّ هَذَا إنَّمَا أَوْرَدْنَاهُ مُعَارَضَةً لِقِيَاسِهِمْ الْفَاسِدِ وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ الْأَحْكَامِ قَالُوا فِيهِ بِالْقِيَاسِ إلَّا وَلِمَنْ خَالَفَهُمْ - مِنْ التَّعَلُّقِ بِالْقِيَاسِ - كَاَلَّذِي لَهُمْ أَوْ أَكْثَرَ فَيَظْهَرُ بِذَلِكَ بُطْلَانُ الْقِيَاسِ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَوْفِيقَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا مَسَحَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ لِمَرَضٍ كَانَ فِي رَأْسِهِ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا كَلَامُ مَنْ لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِ مِنْ الْكَذِبِ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ مُكَالَمَةِ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَمِّدٌ لِلْكَذِبِ وَالْإِفْكِ بِقَوْلٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ قَطُّ لَا نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ، وَقَدْ عَجَّلَ اللَّهُ الْعُقُوبَةَ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، بِأَنْ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، لِكَذِبِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: قُولُوا مِثْلَ هَذَا فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، إنَّهُ كَانَ لِعِلَّةٍ بِقَدَمَيْهِ وَلَا فَرْقَ عَلَى أَنَّ امْرَأً لَوْ قَالَ هَذَا لَكَانَ أَعْذَرَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّنَا قَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ: لَوْ قُلْتُمْ ذَلِكَ فِي الْبَرْدِ الشَّدِيدِ أَوْ السَّفَرِ الطَّوِيلِ، وَلَمْ يُرْوَ قَطُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ، فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ مَنَعَ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ، وَصَحَّ خِلَافُهُ لِلسُّنَنِ الثَّابِتَةِ، وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَنَسٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي أُمَامَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَلِلْقِيَاسِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِيَاسِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى غَيْرِ الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ لِغَيْرِ مَا صَحَّ النَّصُّ بِهِ، وَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ، وَلَيْسَ فِعْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عُمُومَ لَفْظٍ فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ. قُلْنَا: هَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَقُلْ إنَّهُ لَا يَمْسَحْ إلَّا عَلَى عِمَامَةٍ أَوْ خِمَارٍ، لَكِنْ عَلِمْنَا بِمَسْحِهِ عَلَيْهَا أَنَّ مُبَاشَرَةَ الرَّأْسِ بِالْمَاءِ لَيْسَ فَرْضًا، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَأَيُّ شَيْءٍ لُبِسَ عَلَى الرَّأْسِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: قُولُوا لَنَا لَوْ أَنَّ الرَّاوِيَ قَالَ مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عِمَامَةٍ صَفْرَاءَ مِنْ كَتَّانٍ مَطْوِيَّةٍ ثَلَاثَ طَيَّاتٍ، أَكَانَ يَجُوزُ عِنْدَكُمْ الْمَسْحُ عَلَى حَمْرَاءَ مِنْ قُطْنٍ مَلْوِيَّةٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ مَسَحَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ، أَكَانَ
مسألة لا يمسح على العمامة والخمار إلا من لبسهما على طهارة
يَجُوزُ عَلَى أَبْيَضَيْنِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ لَزِمُوا قَوْلَ الرَّاوِي أَحْدَثُوا دِينًا جَدِيدًا، وَإِنْ لَمْ يُرَاعُوهُ رَجَعُوا إلَى قَوْلِنَا. [مَسْأَلَة لَا يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ إلَّا مَنْ لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ] 202 - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَسَوَاءٌ لُبِسَ مَا ذَكَرْنَا عَلَى طَهَارَةٍ أَوْ غَيْرِ طَهَارَةٍ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ إلَّا مَنْ لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ، قِيَاسًا عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا كَمَا قُلْنَا قَالَ عَلِيٌّ: الْقِيَاسُ بَاطِلٌ، وَلَيْسَ هُنَا عِلَّةٌ جَامِعَةٌ بَيْنَ حُكْمِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَإِنَّمَا نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اللِّبَاسِ عَلَى الطَّهَارَةِ، عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَلَمْ يَنُصَّ ذَلِكَ فِي الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] فَلَوْ وَجَبَ هَذَا فِي الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ لَبَيَّنَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي الْخُفَّيْنِ، وَمُدَّعِي الْمُسَاوَاةِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ وَبَيْنَ الْخُفَّيْنِ، مُدَّعٍ بِلَا دَلِيلٍ، وَيُكَلَّفُ الْبُرْهَانُ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ فِي ذَلِكَ، فَيُقَالُ لَهُ مِنْ أَيْنَ وَجَبَ، إذْ نَصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنَّهُ لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ، أَنْ يَجِبَ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ أَصْلًا بِأَكْثَرَ مِنْ قَضِيَّةٍ مِنْ رَأْيِهِ، وَهَذَا لَا مَعْنًى لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] . [مَسْأَلَةٌ يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَة والخمار والخفين بِلَا تَوْقِيتٍ وَلَا تَحْدِيد] 203 - مَسْأَلَةٌ: وَيَمْسَحُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ أَبَدًا بِلَا تَوْقِيتٍ وَلَا تَحْدِيدَ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - التَّوْقِيتُ فِي ذَلِكَ ثَابِتًا عَنْهُ، كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا كَمَا قُلْنَا. وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: لَمَّا كَانَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ مُوَقَّتًا بِوَقْتٍ مَحْدُودٍ فِي السَّفَرِ وَوَقْتٍ فِي الْحَضَرِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ كَذَلِكَ، دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ عَلَى صِحَّتِهَا وَقَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَى وُجُوبِهِ، وَيُقَالُ لَهُ مَا دَلِيلُكَ عَلَى صِحَّةِ مَا تَذْكُرُ مِنْ أَنْ يُحْكَمَ لِلْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ بِمِثْلِ الْوَقْتَيْنِ الْمَنْصُوصَيْنِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ وَهَذَا لَا سَبِيلَ إلَى وُجُودِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ الدَّعْوَى، وَقَدْ «مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ، وَلَمْ يُوَقِّتْ فِي ذَلِكَ وَقْتًا وَوَقَّتَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ» ، فَيَلْزَمُنَا أَنْ نَقُولَ مَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَنْ لَا نَقُولَ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَقُلْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] .
مسألة كان تحت ما لبس على الرأس خضاب أو دواء
[مَسْأَلَةٌ كَانَ تَحْتَ مَا لَبِسَ عَلَى الرَّأْسِ خِضَابٌ أَوْ دَوَاءٌ] مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ كَانَ تَحْتَ مَا لَبِسَ عَلَى الرَّأْسِ خِضَابٌ أَوْ دَوَاءٌ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا كَمَا قُلْنَا وَلَا فَرْقَ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَعَمَّدَ لِبَاسَ ذَلِكَ لِيَمْسَحَ عَلَيْهِ جَازَ الْمَسْحُ أَيْضًا، وَإِنَّمَا الْمَسْحُ الْمَذْكُورُ فِي الْوُضُوءِ خَاصَّةً، وَأَمَّا فِي كُلِّ غِسْلٍ وَاجِبٍ فَلَا، وَلَا بُدَّ مِنْ خَلْعِ كُلِّ ذَلِكَ وَغَسْلُ الرَّأْسِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى الْخِمَارِ» ، وَلَمْ يَخُصَّ لَنَا حَالًا مِنْ حَالٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصُّ بِالْمَسْحِ حَالٌ دُونَ حَالٍ، وَإِذَا كَانَ الْمَسْحُ جَائِزًا فَالْقَصْدُ إلَى الْجَائِزِ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا مَسَحَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْوُضُوءِ خَاصَّةً، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَى ذَلِكَ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ فِي السُّنَنِ مَا لَمْ يَأْتِ فِيهَا، وَلَا أَنْ يُنْقَصَ مِنْهَا مَا اقْتَضَاهُ لَفْظُ الْخَبَرِ بِهَا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَهَكَذَا يَقُولُ خُصُومُنَا فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ سَوَاءٌ سَوَاءٌ. [مَسْأَلَةٌ تَرَكَ مِمَّا يَلْزَمُهُ غَسْلُهُ فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ] 205 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَرَكَ مِمَّا يَلْزَمُهُ غَسْلُهُ فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ وَلَوْ قَدْرَ شَعْرَةٍ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا، لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ حَتَّى يُوعِبَهُ كُلَّهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ بِالطَّهَارَةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . [مَسْأَلَةٌ نَكَسَ وُضُوءَهُ أَوْ قَدَّمَ عُضْوًا عَلَى الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ فِي الْقُرْآنِ] 206 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ نَكَسَ وُضُوءَهُ أَوْ قَدَّمَ عُضْوًا عَلَى الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ فِي الْقُرْآنِ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ أَصْلًا، وَفُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِوَجْهِهِ ثُمَّ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ رَأْسِهِ ثُمَّ رِجْلَيْهِ، وَلَا بُدَّ فِي الذِّرَاعَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ مِنْ الِابْتِدَاءِ بِالْيَمِينِ قَبْلَ الْيَسَارِ كَمَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ، فَإِنْ جَعَلَ الِاسْتِنْشَاقَ وَالِاسْتِنْثَارَ فِي آخِرِ وُضُوئِهِ أَوْ بَعْدَ عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يُجْزِ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا لَزِمَهُ أَنْ يَعُودَ إلَى الَّذِي بَدَأَ بِهِ قَبْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَهُ فَيَعْمَلُهُ إلَى أَنْ يُتِمَّ وُضُوءَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ مِنْ أَوَّلِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ، فَإِنْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ جَارٍ وَهُوَ جُنُبٌ وَنَوَى الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ مَعًا لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ مِنْ الْوُضُوءِ وَلَا مِنْ الْغُسْلِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مُرَتَّبًا، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ الْبَلْخِيُّ ثنا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ جَابِرٌ خَرَجْنَا
مَعَهُ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مِنْ الْبَابِ إلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا إلَى الصَّفَا قَالَ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا عُمُومٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصُّ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا يُجْزِئُ فِي الْأَعْضَاءِ الْمَغْمُوسَةِ مَعًا لَا الْوُضُوءُ وَلَا الْغُسْلُ إذَا نَوَى بِذَلِكَ الْغَمْسِ كِلَا الْأَمْرَيْنِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْوُضُوءِ كَمَا أُمِرَ، وَلَمْ يَخْلُصْ الْغُسْلُ فَيُجْزِيهِ، لَكِنْ خَلَطَهُ بِعَمَلٍ فَاسِدٍ فَبَطَلَ أَيْضًا الْغُسْلُ فِي تِلْكَ الْأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ بِخِلَافِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَأَمَّا الِاسْتِنْشَاقُ وَالِاسْتِنْثَارُ فَلَمْ يَأْتِ فِيهِمَا فِي الْوُضُوءِ ذِكْرٌ بِتَقْدِيمٍ وَلَا تَأْخِيرٍ، فَكَيْفَمَا أَتَى بِهِمَا فِي وُضُوئِهِ أَوْ بَعْدَ وُضُوئِهِ، وَقَبْلَ صَلَاتِهِ أَوْ قَبْلَ وُضُوئِهِ: أَجْزَأَهُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: جَائِزٌ تَنْكِيسُ الْوُضُوءِ وَالْأَذَانِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْإِقَامَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ تَنْكِيسُ الْوُضُوءِ وَلَا يَجُوزُ تَنْكِيسُ الطَّوَافِ وَلَا السَّعْيِ وَلَا الْأَذَانِ وَلَا الْإِقَامَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَجُوزُ تَنْكِيسُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَا يُجْزِئُ شَيْءٌ مِنْهُ مُنَكَّسًا فَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَظَاهِرُ التَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَا لَا فَرْقَ بَيْنَهُ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ أَطَرْدُ قَوْلًا، وَأَكْثَرُ خَطَأً، وَالْقَوْمُ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، فَهَلَّا قَاسُوا ذَلِكَ عَلَى مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ تَنْكِيسِ الصَّلَاةِ؟ عَلَى أَنَّهُ قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عَلَى تَنْكِيسِ الصَّلَاةِ، وَهِيَ حَالُ مَنْ وَجَدَ الْإِمَامَ جَالِسًا أَوْ سَاجِدًا، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِذَلِكَ وَهُوَ آخِرُ الصَّلَاةِ، وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ فِي قِيَاسِهِمْ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ جَوَازَ تَنْكِيسِ الْوُضُوءِ، وَلَكِنْ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ الْقُرْآنِ إلَّا فِي الَّذِي أُمِرَ بِبَيَانِهِ وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضَ فِيهِ الشَّافِعِيُّونَ فَتَرَكُوا فِيهِ قَوْلَ صَاحِبَيْنِ لَا يُعْرَفُ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَالْعَجَبُ كُلُّهُ أَنَّ الْمَالِكِيِّينَ أَجَازُوا تَنْكِيسَ الْوُضُوءِ الَّذِي لَمْ يَأْتِ نَصٌّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مِنْ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ، ثُمَّ أَتَوْا إلَى مَا أَجَازَ اللَّهُ تَعَالَى تَنْكِيسَهُ فَمَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ،
مسألة من فرق وضوءه أو غسله
وَهُوَ الرَّمْيُ وَالْحَلْقُ وَالنَّحْرُ وَالذَّبْحُ وَالطَّوَافُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَازَ تَقْدِيمَ بَعْضِ ذَلِكَ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا سَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْحَجِّ، فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الطَّوَافِ عَلَى الرَّمْيِ، وَلَا تَقْدِيمُ الْحَلْقِ عَلَى الرَّمْيِ، وَهَذَا كَمَا تَرَى. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ثنا أَبِي حَدَّثَنِي جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ ثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا تَوَضَّأْتُمْ وَلَبِسْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ» . وَأَمَّا وُجُوبُ تَقْدِيمِ الِاسْتِنْشَاقِ وَالِاسْتِنْثَارِ وَلَا بُدَّ، فَلِحَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ» فَصَحَّ أَنَّ هَهُنَا إسْبَاغًا عُطِفَ عَلَيْهِ غَسْلُ الْوَجْهِ، وَلَيْسَ إلَّا الِاسْتِنْشَاقَ وَالِاسْتِنْثَارَ. [مَسْأَلَةٌ مَنْ فَرَّقَ وُضُوءَهُ أَوْ غُسْلَهُ] 207 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ فَرَّقَ وُضُوءَهُ أَوْ غُسْلَهُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ فِي خِلَالِ ذَلِكَ أَوْ قَصُرَتْ، مَا لَمْ يَحْدُثْ فِي خِلَالِ وُضُوئِهِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَمَا لَمْ يَحْدُثْ فِي خِلَالِ غُسْلِهِ مَا يَنْقُضُ الْغُسْلَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ بِالتَّطَهُّرِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ، وَبِالْوُضُوءِ مِنْ الْأَحْدَاثِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مُتَابَعَةً، فَكَيْفَمَا أَتَى بِهِ الْمَرْءُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَخْبَارِ بِأَنَّهُ تَطَهَّرَ، وَبِأَنَّهُ غَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا
أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَأْخُذُ بِيَمِينِهِ فَيَصُبُّ عَلَى يَسَارِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ حَتَّى يُنَقِّيَهُ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ غَسْلًا حَسَنًا، ثُمَّ يُمَضْمِضُ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ثَلَاثًا وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا ثُمَّ يَغْسِلُ جَسَدَهُ غَسْلًا، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ مُغْتَسَلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» . قَالَ عَلِيٌّ: إذَا جَازَ أَنْ يَجْعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ وُضُوئِهِ وَغُسْلِهِ وَبَيْنَ تَمَامِهِمَا بِغَسْلِ رِجْلَيْهِ مُهْلَةَ خُرُوجِهِ مِنْ مُغْتَسَلِهِ، فَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُدَدِ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا بُرْهَانَ، وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ بَالَ بِالسُّوقِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ دُعِيَ لِجِنَازَةٍ حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. - وَرُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ أَحَدُهُمْ يَغْسِلُ رَأْسَهُ مِنْ الْجَنَابَةِ بِالسِّدْرِ ثُمَّ يَمْكُثُ سَاعَةً ثُمَّ يَغْسِلُ سَائِرَ جَسَدِهِ، وَإِبْرَاهِيمُ تَابِعٌ أَدْرَكَ أَكَابِرَ التَّابِعِينَ وَصِغَارَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، قَالَ إبْرَاهِيمُ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ وَالْجَارِيَةُ فَيُرَافِثُ امْرَأَتَهُ بِالْغُسْلِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ ثُمَّ يَمْكُثُ ثُمَّ يَغْسِلُ سَائِرَ جَسَدِهِ بَعْدُ وَلَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: إنْ غَسَلَ الْجُنُبُ رَأْسَهُ بِالسِّدْرِ أَوْ بِالْخِطْمِيِّ ثُمَّ يَجْلِسُ حَتَّى يَجِفَّ رَأْسَهُ فَحَسْبُهُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَطَاوُسٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ طَالَ الْأَمَدُ ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ بَنَى عَلَى وُضُوئِهِ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ قَتَادَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِمْ نَحْوُ هَذَا. وَحَدَّ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِالْجُفُوفِ، وَحَدَّ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ فِي طَلَبِ الْمَاءِ فَيَبْنِيَ أَوْ يَتْرُكَ وُضُوءَهُ وَيَبْتَدِئَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا تَحْدِيدُ مَالِكٍ بِالطُّولِ فَإِنَّهُ يُكَلِّفُ الْمُنْتَصَرَ لَهُ بَيَانَ مَا ذَلِكَ الطُّولُ الَّذِي تَجِبُ بِهِ شَرِيعَةٌ ابْتِدَاءَ الْوُضُوءَ، وَالْقَصْرُ الَّذِي لَا تَجِبُ بِهِ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ، فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِالدَّعْوَى الَّتِي لَا يَعْجِزُ عَنْهَا أَحَدٌ، وَمَا كَانَ مِنْ الْأَقْوَالِ لَا
بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، إذْ الشَّرَائِعُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يُوجِبَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَمَّا مَنْ حَدَّ ذَلِكَ بِجُفُوفِ الْمَاءِ فَخَطَأٌ ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي الصَّيْفِ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ لَا يُتِمُّ أَحَدٌ وُضُوءَهُ حَتَّى يَجِفَّ وَجْهُهُ، وَلَا يَصِحُّ وُضُوءٌ عَلَى هَذَا. وَأَمَّا مَنْ حَدَّ فِي ذَلِكَ بِمَا دَامَ فِي طَلَبِ الْمَاءِ، فَقَوْلٌ أَيْضًا لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، وَالدَّعْوَى لَا يَعْجِزُ عَنْهَا أَحَدٌ، وَالْعَجَبُ أَنَّ مَالِكًا يُجِيزُ أَنْ يَجْعَلَ الْمَرْءُ إذَا رَعَفَ بَيْنَ أَجْزَاءِ صَلَاتِهِ مُدَّةً وَعَمَلًا لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ تَعَلَّقَ بَعْضُهُمْ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ عَنْ بَحِيرٍ عَنْ خَالِدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَفِي قَدِمَهُ لُمْعَةٌ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» فَإِنَّ هَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ رَاوِيَهُ بَقِيَّةُ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَفِي السَّنَدِ مَنْ لَا يَدْرِي مَنْ هُوَ، وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَقَدْ تَرَكَ مِنْ رِجْلِهِ مَوْضِعَ ظُفْرٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا فَلَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ أَبَا قِلَابَةَ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ، وَأَبُو سُفْيَانَ ضَعِيفٌ. وَقَدْ جَاءَ أَثَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا، رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ ثنا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى ثنا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَاهُ وَقَدْ تَوَضَّأَ وَتَرَكَ مَوْضِعَ الظُّفْرِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ» وَعَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عُمَرَ مِثْلُ هَذَا أَيْضًا. قَالَ عَلِيٌّ: لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُ فِعْلِ عُمَرَ هَذَا، فَقَدْ خَالَفُوا
مسألة الإكثار من الماء في الغسل والوضوء
هَهُنَا صَاحِبًا لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَبِيَقِينٍ يَدْرِي كُلُّ ذِي عِلْمٍ أَنَّ مُرُورَ الْأَوْقَاتِ لَيْسَ مِنْ الْأَحْدَاثِ النَّاقِضَةِ لِلْوُضُوءِ، وَقَدْ تَنَاقَضَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْمَكَانِ فَرَأَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ فَإِنْ غَسَلَهُ أَجْزَأَهُ، وَرَأَى فِيمَنْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَبَقِيَ كَذَلِكَ نَهَارَهُ ثُمَّ خَلَعَ خُفَّيْهِ فَإِنَّ وُضُوءَ رِجْلَيْهِ عِنْدَهُ قَدْ انْتَقَضَ وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا غَسْلُ رِجْلَيْهِ فَقَطْ، وَهَذَا تَبْعِيضُ الْوُضُوءِ الَّذِي مُنِعَ مِنْهُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْإِكْثَارُ مِنْ الْمَاءِ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ] 208 - مَسْأَلَةٌ: وَيُكْرَهُ الْإِكْثَارُ مِنْ الْمَاءِ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ فِي غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي حَيَّةَ بْنِ قَيْسٍ «أَنَّ عَلِيًّا تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَعَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا، يُسْنِدُ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَعَنْ عُثْمَانَ أَيْضًا مِثْلُ ذَلِكَ فَلَمْ يَخُصَّ فِي هَذِهِ الْآثَارِ رَأْسًا مِنْ غَيْرِهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ ثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الَّذِي أُرِيَ النِّدَاءَ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ» . وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَنَسٍ مَسْحَ رَأْسَهُ فِي الْوُضُوءِ ثَلَاثًا وَاثْنَتَيْنِ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: أَكْثَرُ مَا أَمْسَحُ بِرَأْسِي ثَلَاثُ مَرَّاتٍ لَا أَزِيدُ بِكَفٍّ وَاحِدَةٍ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَسْحَتَيْنِ إحْدَاهُمَا بِبَلَلِ يَدَيْهِ وَالْأُخْرَى بِمَاءٍ جَدِيدٍ، وَعَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ثنا هُشَيْمٌ ثنا الْعَوَّامُ: أَنَّ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ كَانَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَدَاوُد وَغَيْرِهِمْ، وَأَمَّا الْإِكْثَارُ مِنْ الْمَاءِ فَمَذْمُومٌ مِنْ الْجَمِيعِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ ثنا شَبَابَةُ ثنا لَيْثٌ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ - وَكَانَتْ تَحْتَ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ - قَالَتْ «إنَّ عَائِشَةَ أُمَّ
مسألة كان على ذراعيه أو أصابعه أو رجليه جبائر أو دواء ملصق لضرورة
الْمُؤْمِنِينَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيُّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ عَنْ جَدَّتِي - وَهِيَ أُمُّ عُمَارَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ فِيهِ قَدْرُ ثُلُثَيْ الْمُدِّ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ ثنا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيِّ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْقُرَشِيِّ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ مِنْ النَّوْمِ فَعَمَدَ إلَى شَجْبٍ مِنْ مَاءٍ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ وَلَمْ يُهْرِقْ مِنْ الْمَاءِ إلَّا قَلِيلًا» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ جَاءَتْ آثَار أَنَّهُ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَوَضَّأَ بِالْمُدِّ وَاغْتَسَلَ بِالصَّاعِ» ، وَأَنَّهُ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَوَضَّأَ بِمَكُّوكٍ وَاغْتَسَلَ بِخَمْسِ مَكَاكِيَّ» ، وَأَنَّهُ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ إنَاءٍ فِيهِ مُدٌّ وَرُبْعٌ» ، وَكُلُّ هَذَا صَحِيحٌ لَا يَخْتَلِفُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَا أَجْزَأَ فَقَطْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ عَلَى ذِرَاعَيْهِ أَوْ أَصَابِعِهِ أَوْ رِجْلَيْهِ جَبَائِرُ أَوْ دَوَاءٌ مُلْصَقٌ لِضَرُورَةٍ] 209 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ عَلَى ذِرَاعَيْهِ أَوْ أَصَابِعِهِ أَوْ رِجْلَيْهِ جَبَائِرُ أَوْ دَوَاءٌ مُلْصَقٌ لِضَرُورَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ سَقَطَ حُكْمُ ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَإِنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إمْسَاسُ ذَلِكَ الْمَكَانِ بِالْمَاءِ، وَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَسَقَطَ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كُلُّ مَا عَجَزَ عَنْهُ الْمَرْءُ، وَكَانَ التَّعْوِيضُ مِنْهُ شَرْعًا، وَالشَّرْعُ لَا يُلْزَمْ إلَّا بِقُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَلَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ بِتَعْوِيضِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ وَالدَّوَاءِ مِنْ غَسْلِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى غَسْلِهِ، فَسَقَطَ الْقَوْلُ بِذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْسَحُ عَلَى الْجَبَائِرِ؟ قَالَ نَعَمْ امْسَحْ عَلَيْهَا» قُلْنَا: هَذَا خَبَرٌ لَا
تَحِلُّ رِوَايَتُهُ إلَّا عَلَى بَيَانِ سُقُوطِهِ؛ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ أَبُو خَالِدٍ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ وَهُوَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ» قُلْنَا: هَذَا لَا يَصِحُّ مِنْ طَرِيقِ الْإِسْنَادِ، وَلَوْ كَانَ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّ الْعَصَائِبَ هِيَ الْعَمَائِمُ، قَالَ الْفَرَزْدَقُ: وَرَكْبٍ كَأَنَّ الرِّيحَ تُطْلَبُ عِنْدَهُمْ ... لَهَا تِرَةٌ مِنْ جَذْبِهَا بِالْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينُ هِيَ الْخِفَافُ. وَإِنَّمَا أَوْجَبَ مَنْ أَوْجَبَ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ قِيَاسًا عَلَى الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ بَاطِلًا، لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِيهِ تَوْقِيتٌ، وَلَا تَوْقِيتَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ، مَعَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: لَمَّا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَجَبَ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ، دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ، وَقَضِيَّةُ مَنْ عِنْدَهُ، ثُمَّ هِيَ أَيْضًا مَوْضُوعَةٌ وَضْعًا فَاسِدًا لِأَنَّهُ إيجَابُ فَرْضٍ قِيسَ عَلَى إبَاحَةٍ وَتَخْيِيرٍ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ الْقِيَاسِ فِي شَيْءٍ. وَقَدْ رُوِّينَا مِثْلُ قَوْلِنَا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيق ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْجِرَاحَةِ: اغْسِلْ مَا حَوْلَهَا، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَلْقَمَ أُصْبُعَ رِجْلِهِ مَرَارَةً فَكَانَ يَمْسَحُ عَلَيْهَا. قُلْنَا: هَذَا فِعْلٌ مِنْهُ، وَلَيْسَ إيجَابًا لِلْمَسْحِ عَلَيْهَا، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ «- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
مسألة حكم مس الذكر باليمين
أَنَّهُ كَانَ يُدْخِلُ الْمَاءَ فِي بَاطِنِ عَيْنَيْهِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ» ، وَأَنْتُمْ لَا تَرَوْنَ ذَلِكَ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تُوجِبُوهُ فَرْضًا، وَصَحَّ أَنْ كَانَ يُجِيزُ بَيْعَ الْحَامِلِ وَاسْتِثْنَاءَ مَا فِي بَطْنِهَا، وَهَذَا عِنْدَكُمْ حَرَامٌ، وَمِنْ الْمَقْتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تَحْتَجُّوا بِهِ فِيمَا اشْتَهَيْتُمْ وَتُسْقِطُوا الْحُجَّةَ بِهِ حَيْثُ لَمْ تَشْتَهُوا، وَهَذَا عَظِيمٌ فِي الدِّينِ جِدًّا. وَإِذْ قَدْ صَحَّ مَا ذَكَرْنَا فَالْوُضُوءُ إذَا تَمَّ وَجَازَتْ بِهِ الصَّلَاةُ فَلَا يَنْقُضُهُ إلَّا حَدَثٌ أَوْ نَصٌّ جَلِيٌّ وَارِدٌ بِانْتِقَاضِهِ، وَلَيْسَ سُقُوطُ اللَّصْقَةِ أَوْ الْجَبِيرَةِ أَوْ الرِّبَاطِ حَدَثًا، وَلَا جَاءَ نَصٌّ بِإِيجَابِ الْوُضُوءِ مِنْ ذَلِكَ، وَالشَّرَائِعُ لَا تُؤْخَذُ إلَّا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِمَّنْ رَأَى الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ دَاوُد وَأَصْحَابُنَا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ حُكْمُ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ] 210 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مَسُّ ذَكَرِهِ بِيَمِينِهِ جُمْلَةً إلَّا عِنْدَ ضَرُورَةٍ لَا يُمْكِنُهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمَسَّ بِيَمِينِهِ ثَوْبًا عَلَى ذَكَرِهِ، وَمَسُّ الذَّكَرِ بِالشِّمَالِ مُبَاحٌ، وَمَسْحُ سَائِرِ أَعْضَائِهِ بِيَمِينِهِ وَبِشِمَالِهِ مُبَاحٌ، وَمَسُّ الرَّجُلِ ذَكَرَ صَغِيرٍ لِمُدَاوَاةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ كَالْخِتَانِ وَنَحْوِهِ، جَائِزٌ بِالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ، وَمَسُّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا بِيَمِينِهَا وَشِمَالِهَا جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ مَسُّهَا ذَكَرَ زَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا بِيَمِينِهَا أَوْ بِشِمَالِهَا جَائِزٌ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا فَلَا نَصَّ فِي النَّهْيِ عَنْهُ، وَكُلُّ مَا لَا نَصَّ فِي تَحْرِيمِهِ فَهُوَ مُبَاحٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ جُرْمًا فِي الْإِسْلَامِ مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» . وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ» أَوْ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَنَصَّ تَعَالَى عَلَى أَنَّ كُلَّ مُحَرَّمٍ قَدْ فُصِّلَ لَنَا بِاسْمِهِ، فَصَحَّ أَنَّ مَا لَمْ يُفَصَّلْ تَحْرِيمُهُ فَلَمْ يُحَرَّمْ، وَكَذَلِكَ بِالْخَبَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ. وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، كَمَا حَدَّثَنَا حَمَامٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا
مسألة أيقن بالوضوء والغسل ثم شك
أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ثنا الثَّقَفِيُّ هُوَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَقَالَ حَمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ قَاضِي بَغْدَادَ ثنا أَبُو نُعَيْمٍ هُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ - ثنا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَمَعْمَرٌ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ» هَذَا لَفْظُ مَعْمَرٍ. وَلَفْظُ أَيُّوبَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ وَأَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَأَنْ يَسْتَطِيبَ بِيَمِينِهِ» . وَبِهَذَا الْخَبَرِ حَرُمَ أَنْ يُزِيلَ أَحَدٌ أَثَرَ الْبَوْلِ بِيَمِينِهِ بِغَسْلٍ أَوْ مَسْحٍ، لِأَنَّهُ اسْتِطَابَةٌ. قَالَ عَلِيٌّ: رِوَايَةُ مَعْمَرٍ وَأَيُّوبَ زَائِدَةٌ عَلَى كُلِّ مَا رَوَاهُ غَيْرُهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ مِنْ الِاقْتِصَارُ بِالنَّهْيِ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ فِي حَالِ الْبَوْلِ، وَعِنْدَ دُخُولِ الْخَلَاءِ، وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ لَا يَجُوزُ رَدُّهَا، لَا سِيَّمَا وَأَيُّوبُ وَمَعْمَرٌ أَحْفَظُ مِمَّنْ رَوَى بَعْضَ مَا رَوَيَاهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ، وَأَخْذُ كُلِّ ذَلِكَ فَرْضٌ لَا يَحِلُّ رَدُّ شَيْءٍ مِمَّا رَوَاهُ الثِّقَاتُ، فَمَنْ أَخَذَ بِرِوَايَةِ أَيُّوبَ وَمَعْمَرٍ فَقَدْ أَخَذَ بِرِوَايَةِ هَمَّامٍ وَهِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي إسْمَاعِيلَ، وَمَنْ أَخَذَ بِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ وَخَالَفَ رِوَايَةَ أَيُّوبَ وَمَعْمَرٍ فَقَدْ عَصَى. وَقَدْ رُوِّينَا مِثْلَ قَوْلِنَا هَذَا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الصَّلْتِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ صَهْبَانَ: سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: مَا مَسِسْتُ ذَكَرِي بِيَمِينِي مُذْ بَايَعْتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَبِهِ إلَى وَكِيعٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ يَقُولُ: مَا مَسِسْتُ ذَكَرِي بِيَمِينِي مُذْ سِتِّينَ سَنَةً أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً. وَرُوِّينَا عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ - وَكَانَ مِنْ خِيَارِ التَّابِعِينَ - أَنَّهُ قَالَ: لَا أَمَسُّ ذَكَرِي بِيَمِينِي وَأَنَا أَرْجُو أَنْ آخُذَ بِهَا كِتَابِي. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ ثُمَّ شَكَّ] 211 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَوْ كَانَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ أَمْ لَا فَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُجَدِّدَ غُسْلًا وَلَا وُضُوءًا، فَلَوْ اغْتَسَلَ وَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَيْقَنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ مُجْنِبًا، أَوْ أَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ لَمْ يُجْزِهِ الْغُسْلُ وَلَا الْوُضُوءُ اللَّذَانِ أَحْدَثَا بِالشَّكِّ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِغُسْلٍ آخَرَ وَوُضُوءٍ آخَرَ، وَمَنْ أَيْقَنَ بِالْحَدَثِ وَشَكَّ فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا شَكَّ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ،
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَصَلَّى بِشَكِّهِ ثُمَّ أَيْقَنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَدَثًا وَلَا كَانَ عَلَيْهِ غُسْلٌ لَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ تِلْكَ أَصْلًا. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28] ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا حَمَّادٌ ثنا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ حَرَكَةً فِي دُبُرِهِ أَحْدَثَ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ، فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَدَاوُد، وَقَالَ مَالِكٌ: يَتَوَضَّأُ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ مُقَلِّدِيهِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ مَنْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى بِأَنْ يُلْغِيَ الشَّكَّ وَيَبْنِيَ عَلَى الْيَقِينِ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا تَرْكُهُمْ لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ فِي الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا وَمُخَالَفَتُهُمْ لَهُ، وَأَنْ يَجْعَلُوا هَذَا الْأَمْرَ حَدَثًا يُوجِبُ الْوُضُوءَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَلَا يُوجِبُهُ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ قَدْ أَنْكَرُوا مِثْلَهُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْوُضُوءِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ دُونَ غَيْرِهَا وَأَخْذُهُمْ بِخَبَرٍ جَاءَ فِي حُكْمٍ آخَرَ. وَالثَّانِي أَنَّهُمْ احْتَجُّوا بِخَبَرٍ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَجْعَلْ لِلشَّكِّ حُكْمًا، وَأَبْقَاهُ عَلَى الْيَقِينِ عِنْدَهُ بِلَا شَكٍّ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَّ - هَذَا - إلَى تَنَاقُضِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَنْ شَكَّ أَطَلَّقَ أَمْ لَمْ يُطَلِّقْ، وَأَيْقَنَ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ فَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ، وَمَنْ أَيْقَنَ بِصِحَّةِ الْمِلْكِ فَشَكَّ أَنَّهُ أَعْتَقَ أَمْ لَمْ يُعْتِقْ فَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقٌ، وَمَنْ تُيُقِّنَتْ حَيَاتُهُ وَشُكَّ فِي مَوْتِهِ فَهُوَ عَلَى الْحَيَاةِ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِذَا هُوَ كَمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ تَوَضَّأَ كَمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ شَاكٌّ فِي الْحَدَثِ ثُمَّ أَيْقَنَ بِأَنَّهُ كَانَ أَحْدَثَ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ الْوُضُوءُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ الْوُضُوءَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَوَضَّأَ وُضُوءًا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، وَلَا يَنُوبُ وُضُوءٌ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ عَنْ وُضُوءٍ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
مسألة المسح على ما لبس في الرجلين مما يبلغ فوق الكعبين
[مَسْأَلَةٌ الْمَسْحُ عَلَى مَا لُبِسَ فِي الرِّجْلَيْنِ مِمَّا يَبْلُغُ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ] مَسْأَلَةٌ: وَالْمَسْحُ عَلَى كُلِّ مَا لُبِسَ فِي الرِّجْلَيْنِ - مِمَّا يَحِلُّ لِبَاسُهُ مِمَّا يَبْلُغُ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ سُنَّةٌ، سَوَاءٌ كَانَا خُفَّيْنِ مِنْ جُلُودٍ أَوْ لُبُودٍ أَوْ عُودٍ أَوْ حَلْفَاءَ أَوْ جَوْرَبَيْنِ مِنْ كَتَّانٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ وَبَرٍ أَوْ شَعْرٍ - كَانَ عَلَيْهِمَا جِلْدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ - أَوْ جُرْمُوقَيْنِ أَوْ خُفَّيْنِ عَلَى خُفَّيْنِ أَوْ جَوْرَبَيْنِ عَلَى جَوْرَبَيْنِ أَوْ مَا كَثُرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ هَرَاكِسَ. وَكَذَلِكَ إنْ لَبِسَتْ الْمَرْأَةُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَرِيرِ، فَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا إذَا لُبِسَ عَلَى وُضُوءٍ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ لَهُ الْمَسْحُ، فَإِذَا انْقَضَى هَذَانِ الْأَمَدَانِ - يَعْنِي أَحَدُهُمَا - لِمَنْ وُقِّتَ لَهُ صَلَّى بِذَلِكَ الْمَسْحِ مَا لَمْ تُنْتَقَضْ طَهَارَتُهُ، فَإِنْ انْتَقَضَتْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَمْسَحُ، لَكِنْ يَخْلَعُ مَا عَلَى رِجْلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ وَلَا بُدَّ، فَإِنْ أَصَابَهُ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ خَلَعَهُمَا وَلَا بُدَّ، ثُمَّ مَسَحَ كَمَا ذَكَرْنَا إنْ شَاءَ، وَهَكَذَا أَبَدًا كَمَا وَصَفْنَا. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ثنا أَبِي ثنا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَامِرٍ - هُوَ الشَّعْبِيُّ - ثنا عُرْوَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ وُضُوءَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، قَالَ الْمُغِيرَةُ ثُمَّ أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ الْخُفَّيْنِ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا» . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فِرَاسٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ ثنا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ «حُذَيْفَةَ قَالَ كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ فَانْتَهَى إلَى سُبَاطَةِ نَاسٍ فَبَالَ عَلَيْهَا قَائِمًا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ - ثنا
مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْقُرَشِيُّ الْهِشَامِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - وَقَالَ يَحْيَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثنا أَبِي، ثُمَّ اتَّفَقَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ قَالَا: ثنا وَكِيعٌ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي قَيْسٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ» . حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ الْحَكَمِ - هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ - عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ عَنْ «شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ: ائْتِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّي، فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْمَسْحِ؟ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا أَنْ يَمْسَحَ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثًا» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا كَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَزَكَرِيَّا بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ - وَكَانَ سُفْيَانُ إذَا ذَكَرَهُ أَثْنَى عَلَيْهِ -. وَقَالَ زَكَرِيَّا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الرَّقِّيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، ثُمَّ اتَّفَقَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ الْحَكَمِ وَإِسْنَادُهُ. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعِيدِ الْخَيْرِ ثنا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِي ثنا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ النَّجِيرَمِيُّ ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَصْبَهَانِيُّ ثنا يُونُسُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الْقَاهِرِ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَهَمَّامُ بْنُ يَحْيَى وَشُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ «زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ فَقُلْتُ: إنَّهُ حَكَّ فِي نَفْسِي مِنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ شَيْءٌ، فَهَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ شَيْئًا؟ فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَأَمَرَنَا أَنْ نَمْسَحَ عَلَيْهِمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِهِ. وَهَذَا نَقْلُ تَوَاتُرٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ، فَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ الْمَسْحَ إنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ
أَدْخَلَ الرِّجْلَيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ. وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ الْمَسْحُ فِي الْحَضَرِ، وَفِي حَدِيثِ هُزَيْلٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عُمُومُ الْمَسْحِ عَلَى كُلِّ مَا لُبِسَ فِي الرِّجْلَيْنِ يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ وَثَلَاثًا لِلْمُسَافِرِ، وَأَنْ لَا يَخْلَعَ إلَّا لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ. وَأَمَّا قَوْلُنَا إنَّهُ إذَا انْقَضَى أَحَدُ الْأَمَدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ صَلَّى الْمَاسِحُ بِذَلِكَ الْمَسْحِ مَا لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ إلَّا حَتَّى يَنْزِعَهُمَا وَيَتَوَضَّأَ، فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يَمْسَحَ إنْ كَانَ مُسَافِرًا ثَلَاثًا فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا يَوْمًا وَلَيْلَةً فَقَطْ، وَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالصَّلَاةِ بِذَلِكَ الْمَسْحِ، وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ الصَّلَاةِ بِهِ بَعْدَ أَمَدِهِ الْمُؤَقَّتِ لَهُ، وَإِنَّمَا نَهَاهُ عَنْ الْمَسْحِ فَقَطْ، وَهَذَا نَصُّ الْخَبَرِ فِي ذَلِكَ. وَمِمَّنْ قَالَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ، كَمَا رُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الزِّبْرِقَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدِيِّ وَيَحْيَى بْنِ أَبِي حَيَّةَ وَالْأَعْمَشِ، قَالَ الزِّبْرِقَانُ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَالَ فَمَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ، وَقَالَ يَحْيَى عَنْ أَبِي الْجُلَاسِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضِرَارٍ قَالَ إسْمَاعِيلُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَمْسَحُ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَتَى الْخَلَاءَ ثُمَّ خَرَجَ وَعَلَيْهِ قَلَنْسُوَةٌ بَيْضَاءُ مَزْرُورَةٌ فَمَسَحَ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ وَعَلَى جَوْرَبَيْنِ لَهُ مِنْ خَزٍّ عَرَبِيٍّ أَسْوَدَ ثُمَّ صَلَّى. وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ مَخْلَدٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ حَدَّثَنِي عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَا جَمِيعًا: كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي غَالِبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي جَنَابٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمَ جُمُعَةٍ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ وَصَلَّى بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْنِ لَهُ مِنْ شَعْرٍ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ يَحْيَى الْبَكَّاءِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: الْجَوْرَبَانِ بِمَنْزِلَةِ الْخُفَّيْنِ فِي الْمَسْحِ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: نَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ؟ قَالَ نَعَمْ امْسَحُوا عَلَيْهِمَا مِثْلَ الْخُفَّيْنِ. وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ بَأْسًا. وَعَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ سُئِلَ عَنْ الْجَوْرَبَيْنِ أَيَمْسَحُ عَلَيْهِمَا مَنْ بَاتَ فِيهِمَا؟ قَالَ نَعَمْ. وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُمَا كَانَا يَرَيَانِ الْجَوْرَبَيْنِ فِي الْمَسْحِ بِمَنْزِلَةِ الْخُفَّيْنِ. وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَعَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ - فَهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهُ بْنُ عَمْرٍو وَأَبُو مَسْعُودٍ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو أُمَامَةَ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَسَعْدٌ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِمَّنْ يُجِيزُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مُخَالِفٌ. وَمِنْ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْأَعْمَشُ وَخِلَاسُ بْنُ عَمْرٍو وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَدَاوُد بْنِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَسْفَلَهُمَا قَدْ خُرِزَ عَلَيْهِ جِلْدٌ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا إلَّا أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ. قَالَ عَلِيٌّ: اشْتِرَاطُ التَّجْلِيدِ خَطَأٌ لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا صَاحِبٌ، وَالْمَنْعُ مِنْ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ خَطَأٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَخِلَافُ الْآثَارِ، وَلَمْ يَخُصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَا خُفَّيْنِ مِنْ غَيْرِهِمَا. وَالْعَجَبُ أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ وَالْمَالِكِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ يُشَنِّعُونَ وَيُعَظِّمُونَ مُخَالَفَةَ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا هَهُنَا أَحَدَ عَشَرَ صَاحِبًا، لَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ يُجِيزُ الْمَسْحَ، فِيهِمْ عُمَرُ وَابْنُهُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَخَالَفُوا أَيْضًا مَنْ
لَا يُجِيزُ الْمَسْحَ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَحَصَلُوا عَلَى خِلَافِ كُلِّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شَيْءٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَخَالَفُوا السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقِيَاسَ بِلَا مَعْنًى. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالتَّوْقِيتِ فِي الْمَسْحِ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اخْتَلَفَا فِي الْمَسْحِ، فَمَسَحَ سَعْدٌ وَلَمْ يَمْسَحْ ابْنُ عُمَرَ، فَسَأَلُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَأَنَا شَاهِدٌ فَقَالَ عُمَرُ: امْسَحْ يَوْمَكَ وَلَيْلَتَكَ إلَى الْغَدِ سَاعَتَكَ. وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ سَمِعْتُ سُوَيْد بْنَ غَفَلَةَ قَالَ بَعَثَنَا نُبَاتَةُ الْجُعْفِيُّ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْأَلُهُ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، قَالَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ عُمَرُ: لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ، وَهَذَانِ إسْنَادَانِ لَا نَظِيرَ لَهُمَا فِي الصِّحَّةِ وَالْجَلَالَةِ. وَقَدْ رُوِّينَا ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَزَيْدِ بْنِ الصَّلْتِ كِلَاهُمَا عَنْ عُمَرَ. وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لِمُسَافِرٍ وَيَوْمٌ لِلْمُقِيمِ يَعْنِي فِي الْمَسْحِ. وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهَذَا أَيْضًا إسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ الْحَارِثِيِّ: سَأَلْتُ عَلِيًّا عَنْ الْمَسْحِ فَقَالَ: لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثًا وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً. وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ، وَهَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَارَتْ سُنَّةً لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي الْمَسْحِ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ قَطَنٍ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ وَالْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ وَيَحْيَى بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ شُرَيْحٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ شَرِيكًا الْقَاضِيَ كَانَ يَقُولُ: لِلْمُقِيمِ يَوْمٌ إلَى اللَّيْلِ وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي رَاشِدٍ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى أَهْلِ الْمِصِّيصَةِ: أَنْ اخْلَعُوا الْخِفَافَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ رَبِيعَةَ: سَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ: ثَلَاثٌ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمٌ لِلْمُقِيمِ، وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ الشَّعْبِيِّ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَدَاوُد بْنِ عَلِيٍّ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَجُمْلَةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَالرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ مُخْتَلِفَةٌ، فَالْأَظْهَرُ عَنْهُ كَرَاهَةُ الْمَسْحِ لِلْمُقِيمِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ إجَازَةُ الْمَسْحِ لِلْمُقِيمِ، وَأَنَّهُ لَا يَرَى التَّوْقِيتَ لَا لِلْمُقِيمِ وَلَا لِلْمُسَافِرِ وَأَنَّهُمَا يَمْسَحَانِ أَبَدًا مَا لَمْ يَجْنُبَا. وَتَعَلَّقَ مُقَلِّدُوهُ فِي ذَلِكَ بِأَخْبَارٍ سَاقِطَةٍ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ، أَرْفَعُهَا مِنْ طَرِيقِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيُّ صَاحِبُ رَايَةِ الْكَافِرِ الْمُخْتَارِ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى رِوَايَتِهِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَ الْمَسْحَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَلَكِنْ فِي آخِرِ الْخَبَرِ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي: وَلَوْ تَمَادَى السَّائِلُ لَزَادَنَا. وَهَذَا ظَنٌّ وَغَيْبٌ لَا يَحِلُّ الْقَطْعُ بِهِ فِي أَخْبَارِ النَّاسِ، فَكَيْفَ فِي الدِّينِ إلَّا أَنَّهُ صَحَّ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ السَّائِلَ لَمْ يَتَمَادَ فَلَمْ يَزِدْهُمْ شَيْئًا، فَصَارَ هَذَا الْخَبَرُ لَوْ صَحَّ - حُجَّةً لَنَا عَلَيْهِمْ، وَمُبْطِلًا لِقَوْلِهِمْ، وَمُبَيِّنًا لِتَوْقِيتِ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي السَّفَرِ وَالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فِي الْحَضَرِ. وَآخَرُ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، رَوَاهُ أَسَدُ بْنُ مُوسَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَأَسَدٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْخَبَرَ أَحَدٌ مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ. وَآخَرُ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ مُنْقَطِعٌ، لَيْسَ فِيهِ إلَّا «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَلْيُصَلِّ فِيهِمَا وَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا مَا لَمْ يَخْلَعْهُمَا إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ» . ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَتْ أَحَادِيثُ التَّوْقِيتِ زَائِدَةً عَلَيْهِ، وَالزِّيَادَةُ لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا.
وَآخَرُ مِنْ طَرِيقِ أُبَيِّ بْنِ عُمَارَةَ، فِيهِ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْكُوفِيُّ وَأُخَرُ مَجْهُولُونَ. وَآخَرُ فِيهِ: قَالَ عُمَرُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ - أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ: قَرَأْتُ فِي كِتَابٍ لِعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مَعَ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: «سَأَلْتُ مَيْمُونَةَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكُلَّ سَاعَةٍ يَمْسَحُ الْإِنْسَانُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلَا يَنْزِعُهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ» . قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ لَمْ يَذْكُرْ لِعُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ هُوَ السَّائِلُ مَيْمُونَةَ، وَلَعَلَّ السَّائِلَ غَيْرُهُ، وَلَا يَجُوزُ الْقَطْعُ فِي الدِّينِ بِالشَّكِّ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ تَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ لَهُمْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا إبَاحَةُ الْمَسْحِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ، وَهَكَذَا نَقُولُ: إذَا أَتَى بِشُرُوطِ الْمَسْحِ مِنْ إتْمَامِ الْوُضُوءِ وَلِبَاسِهِمَا عَلَى طَهَارَةٍ وَإِتْمَامِ الْوَقْتِ الْمَحْدُودِ وَخَلْعِهِمَا لِلْجَنَابَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ مَذْكُورًا مِنْهُ شَيْءٌ فِي هَذَا الْخَبَرِ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهِ. وَذَكَرُوا آثَارًا عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَا تَصِحُّ. مِنْهَا أَثَرٌ عَنْ أَسَدِ بْنِ مُوسَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ زُبَيْدِ بْنِ الصَّلْتِ، سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا مَا لَمْ يَخْلَعْهُمَا إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ. وَهَذَا مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ أَسَدُ بْنُ مُوسَى عَنْ حَمَّادٍ، وَأَسَدٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَقَدْ أَحَالَهُ، وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ هُوَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ زُبَيْدَ بْنَ الصَّلْتِ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَأَدْخَلَ خُفَّيْهِ فِي رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا إنْ شَاءَ وَلَا يَخْلَعْهُمَا إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ " مَا لَمْ يَخْلَعْهُمَا " كَمَا رَوَى أَسَدٌ، وَالثَّابِتُ عَنْ عُمَرَ فِي التَّوْقِيتِ - بِرِوَايَةِ نَبَاتَةَ الْجُعْفِيِّ وَأَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، وَهُمَا مِنْ أَوْثَقِ التَّابِعِينَ - هُوَ الزَّائِدُ عَلَى مَا فِي هَذَا الْخَبَرِ. وَآخَرُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ لَا يَجْعَلُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقْتًا، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يُدْرِكْ أَحَدًا أَدْرَكَ عُمَرَ، فَكَيْفَ عُمَرُ. وَآخَرُ مِنْ طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ شِنْظِيرٍ عَنْ الْحَسَنِ: سَافَرْنَا مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانُوا يَمْسَحُونَ عَلَى خِفَافِهِمْ مِنْ غَيْرِ وَقْتٍ وَلَا عُذْرٍ، وَكَثِيرٌ ضَعِيفٌ جِدًّا.
وَخَبَرٌ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَشُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ بَعَثَاهُ بَرِيدًا إلَى أَبِي بَكْرٍ بِرَأْسِ سَانٍ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عُقْبَةَ وَقَالَ: مُذْ كَمْ لَمْ تَنْزِعْ خُفَّيْكَ؟ قَالَ مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ، قَالَ أَصَبْتَ. وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَرَّةً عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا أَقْرَبُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَغْلَطَ فِيهِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ، وَهَذَا خَبَرٌ مَعْلُولٌ؛ لِأَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ وَلَا مِنْ أَبِي الْخَيْرِ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ الْبَلَوِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ مَجْهُولٌ، هَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ رَبَاحٍ اللَّخْمِيَّ يُخْبِرُ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بِفَتْحِ الشَّامِ وَعَلَيَّ خُفَّانِ لِي جُرْمُوقَانِ غَلِيظَانِ، فَقَالَ لِي عُمَرُ: كَمْ لَكَ مُذْ لَمْ تَنْزِعْهُمَا؟ قُلْتُ لَبِسْتُهُمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْيَوْمُ الْجُمُعَةُ، قَالَ أَصَبْتَ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ الْحُبَابِ يَذْكُرُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ لَبِسْتُ الْخُفَّيْنِ وَرِجْلَايَ طَاهِرَتَانِ وَأَنَا عَلَى وُضُوءٍ لَمْ أُبَالِ أَنْ لَا أَنْزِعَهُمَا حَتَّى أَبْلُغَ الْعِرَاقَ. قَالَ عَلِيٌّ: فَهَكَذَا هُوَ الْحَدِيثُ، فَسَقَطَ جُمْلَةً - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - وَزَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ لَمْ يَلْقَ أَحَدًا رَأَى عُمَرُ فَكَيْفَ عُمَرُ. وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا هَذَا الْخَبَرُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عِيَاضٍ الْقُرَشِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عُقْبَةَ وَهَذَا أَسْقَطُ وَأَخْبَثُ؛ لِأَنَّ يَزِيدَ لَمْ يُدْرِكْ عُقْبَةَ وَفِيهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، فَبَطَلَ كُلُّ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ. وَلَا يَصِحُّ خِلَافُ التَّوْقِيتِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَّا عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَقَطْ، فَإِنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُوَقِّتُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ شَيْئًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْمَسْحُ وَلَا عَرَفَهُ، بَلْ أَنْكَرَهُ حَتَّى أَعْلَمَهُ بِهِ سَعْدٌ بِالْكُوفَةِ، ثُمَّ أَبُوهُ بِالْمَدِينَةِ فِي خِلَافَتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي عِلْمِ الْمَسْحِ كَغَيْرِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ التَّوْقِيتُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُونَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثًا وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً. ثُمَّ لَوْ صَحَّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُقْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ قَدْ خَالَفَ ذَلِكَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُمَا، لَوَجَبَ عِنْدَ التَّنَازُعِ الرَّدُّ إلَى بَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيَانُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدْ صَحَّ بِالتَّوْقِيتِ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ أَصْلًا، فَكَيْفَ وَلَمْ يَصِحَّ قَطُّ عَنْ عُمَرَ إلَّا التَّوْقِيتُ. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِذَا انْقَضَى الْأَمَدَانِ الْمَذْكُورَانِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّ وَبَعْضَ أَصْحَابِنَا قَالُوا: يَخْلَعُهُمَا وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ وَلَا بُدَّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا قَعَدَ الْإِنْسَانُ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ ثُمَّ أَحْدَثَ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا بِبَوْلٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَوْ تَكَلَّمَ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، وَلَيْسَ السَّلَامُ مِنْ الصَّلَاةِ فَرْضًا. قَالَ: فَإِنْ قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ وَانْقَضَى وَقْتُ الْمَسْحِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَبَطَلَتْ طَهَارَتُهُ مَا لَمْ يُسَلِّمْ، وَفِي هَذَا مِنْ التَّنَاقُضِ وَالْخَطَأِ مَا لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَّا تَكْلِيفِ رَدٍّ عَلَيْهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى السَّلَامَةِ. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَرَّةً: يَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَدَاوُد: يُصَلِّي مَا لَمْ تَنْتَقِضْ طَهَارَتُهُ بِحَدَثٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ أَنَّ الطَّهَارَةَ تَنْتَقِضُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَلَا عَنْ بَعْضِهَا بِانْقِضَاءِ وَقْتِ الْمَسْحِ، وَإِنَّمَا نُهِيَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ أَنْ يَمْسَحَ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ لِلْمُسَافِرِ أَوْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِلْمُقِيمِ. فَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَقَدْ أَقْحَمَ فِي الْخَبَرِ مَا لَيْسَ فِيهِ، وَقَوَّلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ يَقُلْ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَاهِمًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَامِدًا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ فَقَدْ أَتَى كَبِيرَةً مِنْ الْكَبَائِرِ، وَالطَّهَارَةُ لَا يَنْقُضُهَا إلَّا الْحَدَثُ، وَهَذَا قَدْ صَحَّتْ طَهَارَتُهُ وَلَمْ يُحْدِثْ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَالطَّاهِرُ يُصَلِّي مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ مَا لَمْ يَأْتِ نَصٌّ جَلِيٌّ فِي أَنَّ
طَهَارَتَهُ انْتَقَضَتْ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ، وَهَذَا الَّذِي انْقَضَى وَقْتُ مَسْحِهِ لَمْ يُحْدِثْ وَلَا جَاءَ نَصٌّ فِي أَنَّ طَهَارَتَهُ انْتَقَضَتْ لَا عَنْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ وَلَا عَنْ جَمِيعِهَا، فَهُوَ طَاهِرٌ يُصَلِّي حَتَّى يُحْدِثَ، فَيَخْلَعُ خُفَّيْهِ حِينَئِذٍ وَمَا عَلَى قَدَمَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْمَسْحَ تَوْقِيتًا آخَرَ، وَهَكَذَا أَبَدًا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ إنَّ الطَّهَارَةَ تَنْتَقِضُ عَنْ قَدَمَيْهِ خَاصَّةً، فَقَوْلٌ فَاسِدٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ خَبَرٍ وَاهٍ، وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ أَصْلًا، وَمَا عُلِمَ فِي الدِّينِ قَطُّ حَدَثٌ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ - بَعْدَ تَمَامِهَا وَبَعْدَ جَوَازِ الصَّلَاةِ بِهَا - عَنْ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ دُونَ بَعْضٍ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا تَقْسِيمُ أَبِي حَنِيفَةَ فَمَا رُوِيَ قَطُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ قَبْلَهُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ. 213 - مَسْأَلَةٌ: وَيَبْدَأُ بَعْدَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ الْمُقِيمُ وَبَعْدَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا الْمُسَافِرُ مِنْ حِينِ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ إثْرَ حَدَثِهِ، سَوَاءٌ مَسَحَ وَتَوَضَّأَ أَوْ لَمْ يَمْسَحْ وَلَا تَوَضَّأَ، عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا، فَإِنْ أَحْدَثَ يَوْمَهُ بَعْدَ مَا مَضَى أَكْثَرُ هَذَيْنِ الْأَمَدَيْنِ أَوْ أَقَلُّهُمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ بَاقِيَ الْأَمَدَيْنِ فَقَطْ، وَلَوْ مَسَحَ قَبْلَ انْقِضَاءِ أَحَدِ الْأَمَدَيْنِ بِدَقِيقَةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ. قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ: يَبْتَدِئُ بَعْدَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ مِنْ حِينِ يُحْدِثُ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَبْدَأُ بَعْدَهُمَا مِنْ حِينِ يَمْسَحُ، وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ يَمْسَحُ لِخَمْسِ صَلَوَاتٍ فَقَطْ إنْ كَانَ مُقِيمًا، وَلَا يَمْسَحُ لِأَكْثَرَ، وَيَمْسَحُ لِخَمْسَ عَشْرَةَ صَلَاةً فَقَطْ، إنْ كَانَ مُسَافِرًا، وَلَا يَمْسَحُ لِأَكْثَرَ وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْهَاشِمِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ. قَالَ عَلِيٌّ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَنَرُدَّهَا إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا أَنْ نَرُدَّهَا عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَعَلْنَا، فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ يَبْدَأُ بَعْدَ الْوَقْتَيْنِ مِنْ حِينِ يُحْدِثُ، فَوَجَدْنَاهُ ظَاهِرَ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي بِهِ تَعَلَّقُوا كُلُّهُمْ وَبِهِ أَخَذُوا أَوْ وَقَفُوا فِي أَخْذِهِمْ بِهِ - إنَّمَا جَاءَنَا بِالْمَسْحِ مُدَّةَ أَحَدِ الْأَمَدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَهُمْ يُقِرُّونَ بِهَذَا، وَمِنْ الْمُحَالِ الْبَاطِلِ أَنْ يَجُوزَ لَهُ الْمَسْحُ فِي الْوُضُوءِ فِي حَالِ الْحَدَثِ، هَذَا مَا لَا يَقُولُونَ بِهِ هُمْ وَلَا غَيْرُهُمْ، وَوَجَدْنَا بَعْضَ الْأَحْدَاثِ قَدْ تَطُولُ جِدًّا السَّاعَةَ وَالسَّاعَتَيْنِ وَالْأَكْثَرُ كَالْغَائِطِ. وَمِنْهَا مَا يَدُومُ أَقَلَّ كَالْبَوْلِ،
فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ وَهُوَ أَيْضًا مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْخَبَرِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ حَدَّ ذَلِكَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَوْ الْخَمْسَ عَشْرَةَ، فَوَجَدْنَاهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ إلَّا مُرَاعَاةُ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَفِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ بِلَيَالِيِهِنَّ وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّهُ إذَا مَسَحَ الْمَرْءُ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ ثُمَّ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الضُّحَى بِالْمَسْحِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا إلَى الظُّهْرِ وَكَذَلِكَ مَنْ مَسَحَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي آخِرِ وَقْتِهَا فَإِنَّهُ يَمْسَحُ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ الْعَتَمَةَ، ثُمَّ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُوتِرَ وَلَا أَنْ يَتَهَجَّدَ وَلَا أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بِمَسْحٍ، وَهَذَا خِلَافٌ لِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَسَّحَ لِلْمُقِيمِ فِي مَسْحِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَهُمْ مَنَعُوهُ مِنْ الْمَسْحِ إلَّا يَوْمًا وَبَعْضَ لَيْلَةٍ، أَوْ لَيْلَةً وَأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ، وَهَذَا خَطَأٌ بَيِّنٌ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُمْ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ نَامَ عَنْهُنَّ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ - وَكَانَ قَدْ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ نَامَ - أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا، فَإِذَا أَتَمَّهُنَّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْسَحَ بَعْدَهُنَّ بَاقِيَ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، وَهَذَا خِلَافُ الْخَبَرِ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ بِمُخَالَفَتِهِ لِلْخَبَرِ وَتَعَرِّيه مِنْ أَنْ يَكُونَ لِصِحَّتِهِ بُرْهَانٌ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ أَحْمَدَ فَوَجَدْنَاهُ يُلْزِمُهُ إنْ كَانَ إنْسَانٌ فَاسِقٌ قَدْ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ بَقِيَ شَهْرًا لَا يُصَلِّي عَامِدًا ثُمَّ تَابَ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ مِنْ حِينِ تَوْبَتِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ ثَلَاثًا إنْ كَانَ مُسَافِرًا. وَكَذَلِكَ إنْ مَسَحَ يَوْمًا ثُمَّ تَعَمَّدَ تَرْكَ الصَّلَاةِ أَيَّامًا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ لَيْلَةً، وَهَكَذَا فِي الْمُسَافِرِ، فَعَلَى هَذَا يَتَمَادَى مَاسِحًا عَامًا وَأَكْثَرَ، وَهَذَا خِلَافُ نَصِّ الْخَبَرِ، فَسَقَطَ أَيْضًا هَذَا الْقَوْلُ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُنَا. فَنَظَرْنَا فِيهِ فَوَجَدْنَاهُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّذِي صَحَّ عَنْهُ وَمُوَافِقًا لِنَصِّ الْخَبَرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِأَنْ يَمْسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ إنْ شَاءَ، وَأَنْ يَخْلَعَ مَا عَلَى رِجْلَيْهِ، لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَلَا يُجْزِيهِ غَيْرُهُمَا، وَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَاسِقٌ إنْ لَمْ يَأْتِ بِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ مَسَحَ فَلَهُ ذَلِكَ وَقَدْ أَحْسَنَ، وَإِنْ لَمْ يَمْسَحْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، أَوْ أَخْطَأَ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَاسِيًا وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، وَقَدْ مَضَى مِنْ الْأَمَدِ الَّذِي وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُدَّةٌ، وَبَقِيَ بَاقِيهَا فَقَطْ، وَهَكَذَا إنْ تَعَمَّدَ أَوْ نَسِيَ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ لِلْمُقِيمِ وَالثَّلَاثَةُ الْأَيَّامُ بِلَيَالِيِهِنَّ
لِلْمُسَافِرِ، فَقَدْ مَضَى الْوَقْتُ الَّذِي وَقَّتَهُ لَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَسْحِ فِيهِ. فَلَوْ كَانَ فَرْضُهُ التَّيَمُّمَ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً فَتَيَمَّمَ ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ، فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ تَامَّةٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ ذَكَرَ التَّيَمُّمَ: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6] وَمَنْ جَازَتْ لَهُ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ فَهُوَ طَاهِرٌ بِلَا شَكٍّ، وَإِذَا كَانَ طَاهِرًا كُلَّهُ فَقَدَمَاهُ طَاهِرَتَانِ بِلَا شَكٍّ، فَقَدْ أَدْخَلَ خُفَّيْهِ الْقَدَمَيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ، فَجَائِزٌ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا الْأَمَدَ الْمَذْكُورَ لِلْمُسَافِرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الثَّلَاثِ بِأَيَّامِهَا - مِنْ حِينِ أَحْدَثَ بَعْدَ لِبَاسِ خُفَّيْهِ عَلَى طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ - لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ، لِأَنَّ الْأَمَدَ قَدْ تَمَّ، وَقَدْ كَانَ مُمْكِنًا لَهُ أَنْ يَمْسَحَ بِنُزُولِ مَطَرٍ أَوْ وُجُودِ مَنْ مَعَهُ مَاءٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ الْأَمَدِ الْمَذْكُورِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ إلَّا بَاقِيَ الْأَمَدِ فَقَطْ. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِذَا تَمَّ حَدَثُهُ فَحِينَئِذٍ جَازَ لَهُ الْوُضُوءُ وَالْمَسْحُ وَلَا يُبَالِي بِالِاسْتِنْجَاءِ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بَعْدَ الْوُضُوءِ جَائِزٌ، وَلَيْسَ فَرْضُهُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْوُضُوءِ وَلَا بُدَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ أَمْرٌ فِي قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ عَيْنٌ أُمِرْنَا بِإِزَالَتِهَا بِصِفَةٍ مَا لِلصَّلَاةِ فَقَطْ، فَمَتَى أُزِيلَتْ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ الْوُضُوءِ أَوْ قَبْلَ الْوُضُوءِ، فَقَدْ أَدَّى مُزِيلُهَا مَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ بَقَاءُ الْبَوْلِ فِي ظَاهِرِ الْخُرْتِ وَبَقَاءُ النَّجْوِ فِي ظَاهِرِ الْمَخْرَجِ حَدَثًا، إنَّمَا الْحَدَثُ خُرُوجُهُمَا مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ فَقَطْ، فَإِذَا ظَهَرَا فَإِنَّمَا خَبَثَانِ فِي الْجِلْدِ تَجِبُ إزَالَتُهُمَا لِلصَّلَاةِ فَقَطْ، فَمِنْ حِينَئِذٍ يُعَدُّ، سَوَاءٌ كَانَ وَقْتَ صَلَاةٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ التَّطَهُّرَ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا جَائِزٌ، وَقَدْ يُصَلِّي بِذَلِكَ الْوُضُوءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ صَلَاةً فَائِتَةً، أَوْ رَكْعَتَيْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، فَإِنْ كَانَ مُقِيمًا فَإِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ الْغَدِ إنْ كَانَ ذَلِكَ نَهَارًا، وَإِلَى مِثْلِهِ مِنْ اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ إنْ كَانَ ذَلِكَ لَيْلًا، فَإِنْ انْقَضَى لَهُ الْأَمَدُ الْمَذْكُورُ وَقَدْ مَسَحَ أَحَدَ خُفَّيْهِ وَلَمْ يَمْسَحْ شَيْئًا مِنْ الْآخَرِ بَطَلَ الْمَسْحُ، وَلَزِمَهُ خَلْعُهُمَا وَغَسْلُهُمَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ لَهُ مَسْحُهُ إلَّا فِي وَقْتٍ قَدْ حَرُمَ عَلَيْهِ فِيهِ الْمَسْحُ، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَإِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ إنْ كَانَ حَدَثُهُ نَهَارًا أَوْ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ إنْ كَانَ ذَلِكَ لَيْلًا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
مسألة الرجال والنساء في أحكام المسح على الخفين وتوقيت المدة
[مَسْأَلَة الرجال وَالنِّسَاء فِي أَحْكَام الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ وتوقيت الْمُدَّة] مَسْأَلَةٌ: وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ، وَسَفَرُ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ فِي كُلِّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ مَا لَيْسَ طَاعَةً وَلَا مَعْصِيَةً، وَقَلِيلُ السَّفَرِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ. بُرْهَانُ ذَلِكَ عُمُومُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحُكْمِهِ، وَلَوْ أَرَادَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَخْصِيصَ سَفَرٍ مِنْ سَفَرٍ، وَمَعْصِيَةٍ مِنْ طَاعَةٍ، لَمَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ، وَوَاهِبُ الرِّزْقِ وَالصِّحَّةِ وَعُلُوُّ الْيَدِ لِلْعَاصِي وَالْمَرْجُوُّ لِلْمَغْفِرَةِ لَهُ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ مَنْ فُسَحِ الدِّينِ بِمَا شَاءَ، وَقَوْلُنَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَلَا مَعْنَى لِتَفْرِيقِ مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ سَفَرِ الطَّاعَةِ وَسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ - لَا مِنْ طَرِيقِ الْخَبَرِ وَلَا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ. أَمَّا الْخَبَرُ فَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] فَلَوْ كَانَ هَهُنَا فَرْقٌ لَمَا أَهْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا كَلَّفَنَا عِلْمَ مَا لَمْ يُخْبِرْنَا بِهِ، وَلَا أَلْزَمَنَا الْعَمَلَ بِمَا لَمْ يُعَرِّفْنَا بِهِ، هَذَا أَمْرٌ قَدْ أَمِنَّاهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ فَإِنَّ الْمُقِيمَ قَدْ تَكُونُ إقَامَتُهُ إقَامَةَ مَعْصِيَةٍ وَظُلْمٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَعُدْوَانًا عَلَى الْإِسْلَامِ أَشَدَّ مِنْ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَقَدْ يُطِيعُ الْمُسَافِرُ فِي الْمَعْصِيَةِ فِي بَعْضِ أَعْمَالِهِ، وَأَوَّلُهَا الْوُضُوءُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْمَسْحُ الْمَذْكُورُ الَّذِي مَنَعُوهُ مِنْهُ، فَمَنَعُوهُ مِنْ الْمَسْحِ الَّذِي هُوَ طَاعَةٌ، وَأَمَرُوهُ بِالْغُسْلِ الَّذِي هُوَ طَاعَةٌ أَيْضًا، وَهَذَا فَسَادٌ مِنْ الْقَوْلِ جِدًّا، وَأَطْلَقُوا الْمَسْحَ لِلْمُقِيمِ الْعَاصِي فِي إقَامَتِهِ. فَإِنْ قَالُوا الْمَسْحُ رُخْصَةٌ وَرَحْمَةٌ، قُلْنَا مَا حَجَرَ عَلَى اللَّهِ التَّرْخِيصَ لِلْعَاصِي فِي بَعْضِ أَعْمَالِ طَاعَتِهِ، وَلَا رَحْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ إلَّا جَاهِلٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى، قَائِلٌ بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَكُلُّ سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَيَمْسَحُ فِيهِ مَسْحَ سَفَرٍ، وَمَا لَا قَصْرَ فِيهِ فَهُوَ حَضَرٌ وَإِقَامَةٌ، لَا يَمْسَحُ فِيهِ إلَّا مَسْحَ الْمُقِيمِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ تَوَضَّأَ فَلَبِسَ أَحَدَ خُفَّيْهِ بَعْدَ أَنْ غَسَلَ تِلْكَ الرِّجْلَ] 215 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَوَضَّأَ فَلَبِسَ أَحَدَ خُفَّيْهِ بَعْدَ أَنْ غَسَلَ تِلْكَ الرِّجْلَ ثُمَّ إنَّهُ غَسَلَ الْأُخْرَى بَعْدَ لِبَاسِهِ الْخُفَّ عَلَى الْمَغْسُولَةِ، ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ الْآخَرَ ثُمَّ أَحْدَثَ فَالْمَسْحُ لَهُ جَائِزٌ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ لِبَاسَهُمَا بَعْدَ غَسْلِ كِلْتَيْ رِجْلَيْهِ، وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد وَأَصْحَابُهُمَا. وَهُوَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ آدَمَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا يَمْسَحُ لَكِنْ إنْ خَلَعَ الَّتِي لَبِسَ أَوَّلًا ثُمَّ أَعَادَهَا مِنْ حِينِهِ فَإِنَّ لَهُ الْمَسْحَ.
مسألة كان في الخفين أو فيما لبس على الرجلين خرق صغير أو كبير
قَالَ عَلِيٌّ: كِلَا الْقَوْلَيْنِ عُمْدَةُ أَهْلِهِ عَلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» ، فَوَجَبَ النَّظَرُ فِي أَيِّ الْقَوْلَيْنِ هُوَ أَسْعَدُ بِهَذَا الْقَوْلِ، فَوَجَدْنَا مَنْ طَهَّرَ إحْدَى رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَلْبَسَهَا الْخُفَّ فَلَمْ يَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَإِنَّمَا لَبِسَ الْوَاحِدَ وَلَا أَدْخَلَ الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ، إنَّمَا أَدْخَلَ الْقَدَمَ الْوَاحِدَةَ، فَلَمَّا طَهَّرَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ أَلْبَسَهَا الْخُفَّ الثَّانِيَ صَارَ حِينَئِذٍ مُسْتَحِقًّا لَأَنْ يُخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ أَدْخَلَهُمَا طَاهِرَتَيْنِ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ هَذَا الْوَصْفَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصَحَّ أَنَّ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ، وَلَوْ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَمَا قَالَ هَذَا اللَّفْظَ، وَإِنَّمَا كَانَ يَقُولُ: دَعْهُمَا فَإِنِّي ابْتَدَأْتُ إدْخَالَهُمَا فِي الْخُفَّيْنِ بَعْدَ تَمَامِ طَهَارَتِهِمَا جَمِيعًا، فَإِذْ لَمْ يَقُلْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هَذَا الْقَوْلَ فَكُلُّ مَنْ صَدَقَ الْخَبَرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ أَدْخَلَ قَدَمَيْهِ جَمِيعًا فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ الْإِدْخَالِ، وَمَا عَلِمْنَا خَلْعَ خُفٍّ وَإِعَادَتَهُ فِي الْوَقْتِ يُحْدِثُ طَهَارَةً لَمْ تَكُنْ، وَلَا حُكْمًا فِي الشَّرْعِ لَمْ يَكُنْ، فَالْمُوجِبُ لَهُ مُدَّعٍ بِلَا بُرْهَانٍ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ فِي الْخُفَّيْنِ أَوْ فِيمَا لَبِسَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ خَرْقٌ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ] 216 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ فِي الْخُفَّيْنِ أَوْ فِيمَا لَبِسَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ خَرْقٌ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ، طُولًا أَوْ عَرْضًا، فَظَهَرَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْقَدَمِ، أَقَلُّ الْقَدَمِ أَوْ أَكْثَرُهَا أَوْ كِلَاهُمَا فَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَالْمَسْحُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ جَائِزٌ، مَا دَامَ يَتَعَلَّقُ بِالرِّجْلَيْنِ مِنْهُمَا شَيْءٌ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَدَاوُد وَأَبِي ثَوْرٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخُفَّيْنِ خَرْقٌ عَرْضًا يَبْرُزُ مِنْ كُلِّ خَرْقٍ أُصْبُعَانِ فَأَقَلُّ أَوْ مِقْدَارُ أُصْبُعَيْنِ فَأَقَلُّ: جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ ظَهَرَ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ أَوْ مِقْدَارُهَا فَأَكْثَرُ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ طَوِيلًا مِمَّا لَوْ فُتِحَ ظَهَرَ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ جَازَ الْمَسْحُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الْخَرْقُ يَسِيرًا لَا يَظْهَرُ مِنْهُ الْقَدَمُ جَازَ الْمَسْحُ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فَاحِشًا لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، فِيهِمَا كَانَ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: إنْ ظَهَرَ مِنْ الْقَدَمِ شَيْءٌ مِنْ الْخَرْقِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ الْخَرْقِ شَيْءٌ مِنْ الْقَدَمِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا. قَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: فَإِنْ كَانَ مِنْ تَحْتِ الْخَرْقِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ جَوْرَبٌ يَسْتُرُ الْقَدَمَ جَازَ الْمَسْحُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إنْ انْكَشَفَ مِنْ الْخَرْقِ فِي الْخُفِّ شَيْءٌ مِنْ الْقَدَمِ مَسَحَ عَلَى
الْخُفَّيْنِ وَغَسَلَ مَا انْكَشَفَ مِنْ الْقَدَمِ أَوْ الْقَدَمَيْنِ وَصَلَّى، فَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ مَا ظَهَرَ أَعَادَ الصَّلَاةَ. قَالَ عَلِيٌّ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ مَا احْتَجَّتْ بِهِ كُلُّ طَائِفَةٍ لِقَوْلِهَا، فَوَجَدْنَا قَوْلَ مَالِكٍ لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ الْمَسْحِ فِي حَالٍ مَا وَأَبَاحَهُ فِي حَالٍ أُخْرَى، وَلَمْ يُبَيِّنْ لِمُقَلَّدِيهِ وَلَا لِمُرِيدِي مَعْرِفَةِ قَوْلِهِ وَلَا لِمَنْ اسْتَفْتَاهُ، مَا هِيَ الْحَالُ الَّتِي يَحِلُّ فِيهَا الْمَسْحُ، وَلَا مَا الْحَالُ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهَا الْمَسْحُ فَهَذَا إنْشَابٌ لِلْمُسْتَفْتِي فِيمَا لَا يَعْرِفُ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، وَدَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَكَانَ تَحَكُّمًا بِلَا دَلِيلٍ، وَفَرْقًا بِلَا بُرْهَانٍ، لَا يَعْجِزُ عَنْ مِثْلِهِ أَحَدٌ، وَلَا يَحِلُّ الْقَوْلُ فِي الدِّينِ بِمِثْلِ هَذَا، وَأَيْضًا فَالْأَصَابِعُ تَخْتَلِفُ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ تَفَاوُتًا شَدِيدًا، فَلَيْتَ شِعْرِي أَيَّ الْأَصَابِعِ أَرَادَ وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَهُ إلَى هَذَا الْقَوْلِ مَعَ فَسَادِهِ، فَسَقَطَ أَيْضًا هَذَا الْقَوْلُ بِيَقِينٍ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فَوَجَدْنَا حُجَّتَهُمْ أَنَّ فَرْضَ الرِّجْلَيْنِ الْغُسْلُ إنْ كَانَتَا مَكْشُوفَتَيْنِ أَوْ الْمَسْحُ إنْ كَانَتَا مَسْتُورَتَيْنِ، فَإِذَا انْكَشَفَ شَيْءٌ مِنْهُمَا وَإِنْ قَلَّ فَقَدْ انْكَشَفَ شَيْءٌ فَرْضُهُ الْغُسْلُ، قَالُوا: وَلَا يَجْتَمِعُ غُسْلٌ وَمَسْحٌ فِي رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا. قَالَ عَلِيٌّ: كُلُّ مَا قَالُوهُ صَحِيحٌ، إلَّا قَوْلَهُمْ إذَا انْكَشَفَ مِنْ الْقَدَمِ شَيْءٌ فَقَدْ انْكَشَفَ شَيْءٌ فَرْضُهُ الْغُسْلُ، فَإِنَّهُ قَوْلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَا يُوَافَقُونَ عَلَيْهِ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ، لَكِنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ الْمُبَيِّنَةُ لِلْقُرْآنِ مِنْ أَنَّ حُكْمَ الْقَدَمَيْنِ اللَّتَيْنِ لَيْسَ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ مَلْبُوسٌ يُمْسَحُ عَلَيْهِ أَنْ يُغْسَلَا، وَحُكْمُهُمَا إذَا كَانَ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ مَلْبُوسٌ أَنْ يُمْسَحَ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ، بِهَذَا جَاءَتْ السُّنَّةُ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] . وَقَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ أَمَرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَمَا يُلْبَسُ فِي الرِّجْلَيْنِ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ - أَنَّ مِنْ الْخِفَافِ وَالْجَوَارِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُلْبَسُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ الْمُخَرَّقَ خَرْقًا فَاحِشًا أَوْ غَيْرَ فَاحِشٍ، وَغَيْرَ الْمُخَرَّقِ، وَالْأَحْمَرَ وَالْأَسْوَدَ وَالْأَبْيَضَ، وَالْجَدِيدَ وَالْبَالِيَ، فَمَا خَصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْضَ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ، وَلَوْ كَانَ حُكْمُ ذَلِكَ فِي الدِّينِ يَخْتَلِفُ لَمَا أَغْفَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِهِ، وَلَا أَهْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُفْتَرَضُ
مسألة كان الخفان مقطوعين تحت الكعبين
عَلَيْهِ الْبَيَانُ، حَاشَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ فَصَحَّ أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الْمَسْحُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالْمَسْحُ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا خُوطِبْنَا، وَهَكَذَا رُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: امْسَحْ مَا دَامَ يُسَمَّى خُفًّا، وَهَلْ كَانَتْ خِفَافُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إلَّا مُشَقَّقَةً مُخَرَّقَةً مُمَزَّقَةً؟ وَأَمَّا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ فَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْمَسْأَلَةِ التَّالِيَةِ لِهَذِهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة كَانَ الْخُفَّانِ مَقْطُوعَيْنِ تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ] 217 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ الْخُفَّانِ مَقْطُوعَيْنِ تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ فَالْمَسْحُ جَائِزٌ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَمْسَحُ الْمُحْرِمُ عَلَى الْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ. قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ «صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَمْرُ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَأَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ» ، وَلَوْ كَانَ هَهُنَا حَدٌّ مَحْدُودٌ لَمَا أَهْمَلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَا أَغْفَلَهُ فَوَجَبَ أَنَّ كُلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ خُفٍّ أَوْ جَوْرَبٍ أَوْ لُبِسَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فَالْمَسْحُ عَلَيْهِ جَائِزٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بُطْلَانَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْمَسْحَ لَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى مَا يَسْتُرُ جَمِيعَ الرِّجْلَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ. وَبِذَلِكَ الدَّلِيلِ يَبْطُلُ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي لَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، لَا سِيَّمَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْمُجِيزُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ اللَّذَيْنِ يَظْهَرُ مِنْهُمَا مِقْدَارُ أُصْبُعَيْنِ مِنْ كُلِّ خُفٍّ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إنْ ظَهَرَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ كُلِّ قَدَمٍ فَوْقَ الْخُفِّ مِقْدَارُ أُصْبُعَيْنِ فَالْمَسْحُ جَائِزٌ وَإِلَّا فَلَا. وَكَذَلِكَ يُلْزِمُ الْمَالِكِيِّينَ أَنْ يَقُولُوا: إنْ كَانَ الظَّاهِرُ مِنْ الْكَعْبَيْنِ فَوْقَ الْخُفِّ يَسِيرًا جَازَ الْمَسْحُ، وَإِنْ كَانَ فَاحِشًا لَمْ يَجُزْ، وَمَا نَدْرِي عَلَامَ بَنَوْا هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فَإِنَّهُمَا لَا نَصَّ وَلَا قِيَاسَ وَلَا اتِّبَاعَ. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالْمَسْحِ فِي رِجْلٍ وَاحِدَةٍ فَقَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، لَا مِنْ نَصٍّ وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَحُكْمُ الرِّجْلَيْنِ الْمَلْبُوسِ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ الْمَسْحُ فَقَطْ بِالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ، فَلَا مَعْنَى لِزِيَادَةِ الْغُسْلِ عَلَى ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ لَبِسَ خُفَّيْهِ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ خَلَعَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ] 218 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَبِسَ خُفَّيْهِ أَوْ جَوْرَبَيْهِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ خَلَعَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ، فَإِنَّ فَرْضَهُ أَنْ يَخْلَعَ الْآخَرَ إنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ وَلَا بُدَّ، وَيَغْسِلَ قَدَمَيْهِ. وَقَدْ رَوَى الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ يَغْسِلُ الرِّجْلَ الْمَكْشُوفَةَ وَيَمْسَحُ عَلَى الْأُخْرَى الْمَسْتُورَةِ. وَرَوَى الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْهُ،
مسألة مسح على ما في رجليه ثم خلعهما
أَنَّهُ يَنْزِعُ مَا عَلَى الرِّجْلِ الْأُخْرَى وَيَغْسِلُهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. قَالَ عَلِيٌّ: فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا نَصَّ حُكْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ مَسَحَ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُمَا طَاهِرَتَيْنِ. وَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِغَسْلِ الْقَدَمَيْنِ الْمَكْشُوفَتَيْنِ فَكَانَ هَذَانِ النَّصَّانِ لَا يَحِلُّ الْخُرُوجُ عَنْهُمَا. وَوَجَدْنَا مَنْ غَسَلَ رِجْلًا وَمَسَحَ عَلَى الْأُخْرَى قَدْ عَمِلَ عَمَلًا لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا دَلِيلَ مِنْ لَفْظَيْهِمَا. وَلَا يَجُوزُ فِي الدِّينِ إلَّا مَا وُجِدَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ كَلَامِ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ غَسْلُ رِجْلٍ وَمَسْحٌ عَلَى الْأُخْرَى. وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ غُسْلِهِمَا أَوْ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا. سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا. وَقَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغِيثٍ قَالَ: ثنا أَبُو عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إدْرِيسَ - هُوَ الْأَوْدِيُّ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ - هُوَ الْمَقْبُرِيُّ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا لَبِسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى وَإِذَا خَلَعَهُ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُسْرَى، وَلَا يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَلَا خُفٍّ وَاحِدَةٍ، لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَمْشِ فِيهِمَا جَمِيعًا» . فَأَوْجَبَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خَلْعَهُمَا وَلَا بُدَّ أَوْ تَرْكَهُمَا جَمِيعًا، فَإِنْ خَلَعَ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى فَقَدْ عَصَى اللَّهَ فِي إبْقَائِهِ الَّذِي أَبْقَى، وَإِذَا كَانَ بِإِبْقَائِهِ عَاصِيًا فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ فَرْضُهُ نَزْعُهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِعِلَّةٍ بِرِجْلِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي تِلْكَ الرِّجْلِ شَيْءٌ أَصْلًا، لَا مَسْحٌ وَلَا غَسْلٌ، لِأَنَّ فَرْضَهُ قَدْ سَقَطَ. وَوَجَدْنَا بَعْضَ الْمُوَافِقِينَ لَنَا قَدْ احْتَجَّ فِي هَذَا بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَحَدٍ ابْتِدَاءُ الْوُضُوءِ بِغَسْلِ رِجْلٍ وَمَسْحٍ عَلَى خُفٍّ عَلَى أُخْرَى لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ بَعْدَ نَزْعِ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْوُضُوءِ يَرِدُ عَلَى رِجْلَيْنِ غَيْرِ طَاهِرَتَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَمْرُ بَعْدَ صِحَّةِ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا بَعْدَ إدْخَالِهِمَا طَاهِرَتَيْنِ. فَبَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَعْظَمُ فَرْقٍ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَسَحَ عَلَى مَا فِي رِجْلَيْهِ ثُمَّ خَلَعَهُمَا] 219 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ مَسَحَ كَمَا ذَكَرْنَا عَلَى مَا فِي رِجْلَيْهِ ثُمَّ خَلَعَهُمَا لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ وُضُوءٍ وَلَا غَسْلُ رِجْلَيْهِ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كَمَا كَانَ وَيُصَلِّي كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ مَسَحَ عَلَى عِمَامَةٍ أَوْ خِمَارٍ ثُمَّ نَزَعَهُمَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ وُضُوءٍ وَلَا مَسْحُ رَأْسِهِ بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كَمَا كَانَ وَيُصَلِّي كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَسَحَ عَلَى خُفٍّ عَلَى خُفٍّ ثُمَّ نَزَعَ
الْأَعْلَى فَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ شَيْئًا، وَيُصَلِّي كَمَا هُوَ دُونَ أَنْ يُعِيدَ مَسْحًا. وَكَذَلِكَ مَنْ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ ثُمَّ حَلَقَ شَعْرَهُ أَوْ تَقَصَّصَ أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ، فَهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى وُضُوئِهِ وَطَهَارَتِهِ وَيُصَلِّي كَمَا هُوَ دُونَ أَنْ يَمْسَحَ مَوَاضِعَ الْقَصِّ. وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ، كَمَا رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وَرُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يُحْدِثُ ثُمَّ يَمْسَحُ عَلَى جُرْمُوقَيْنِ لَهُ مِنْ لُبُودٍ ثُمَّ يَنْزِعُهُمَا، فَإِذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ لَبِسَهُمَا وَصَلَّى. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ أَخْرَجَ قَدَمَهُ الْوَاحِدَةَ مِنْ مَوْضِعِهَا إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ، أَوْ أَخْرَجَ كِلْتَيْهِمَا كَذَلِكَ فَقَدْ بَطَلَ مَسْحُهُ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ قَدَمَيْهِ جَمِيعًا وَيَغْسِلَهُمَا، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ لَوْ أَخْرَجَهُمَا بِالْكُلِّ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَكَذَلِكَ إذَا أَخْرَجَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ. قَالَ فَلَوْ لَبِسَ جُرْمُوقَيْنِ عَلَى خُفَّيْنِ ثُمَّ مَسَحَ عَلَيْهِمَا ثُمَّ خَلَعَ أَحَدَ الْجُرْمُوقَيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفِّ الَّذِي كَانَ تَحْتَ الْجُرْمُوقِ وَيَمْسَحَ أَيْضًا عَلَى الْجُرْمُوقِ الثَّانِي وَلَا بُدَّ، لِأَنَّ بَعْضَ الْمَسْحِ إذَا انْتَقَضَ انْتَقَضَ كُلُّهُ. قَالَ: فَلَوْ تَوَضَّأَ ثُمَّ جَزَّ شَعْرَهُ وَقَصَّ شَارِبَهُ وَأَظْفَارَهُ فَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ الْمَاءُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ خَلَعَ أَحَدَهُمَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَخْلَعَ الثَّانِيَ وَيَغْسِلَ رِجْلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ خَلَعَهُمَا جَمِيعًا. وَكَذَلِكَ مَنْ أَخْرَجَ إحْدَى رِجْلَيْهِ أَوْ كِلْتَيْهِمَا مِنْ مَوْضِعِ الْقَدَمِ إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ فَإِنَّهُ يَخْلَعُهُمَا جَمِيعًا وَلَا بُدَّ وَيَغْسِلُ قَدَمَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ قَدَمَيْهِ فِي فَوْرِهِ ذَلِكَ لَزِمَهُ ابْتِدَاءُ الْوُضُوءِ، فَلَوْ تَوَضَّأَ وَجَزَّ بَعْدَ ذَلِكَ شَعْرَهُ أَوْ قَصَّ أَظْفَارَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، قَالَ فَلَوْ أَخْرَجَ عَقِبَيْهِ أَوْ إحْدَاهُمَا مِنْ مَوْضِعِ الْقَدَمِ إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ إلَّا أَنَّ سَائِرَ قَدَمَيْهِ فِي مَوْضِعِ الْقَدَمِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ رِجْلَيْهِ لِذَلِكَ وَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ خَلَعَ أَحَدَ خُفَّيْهِ لَزِمَهُ خَلْعُ الثَّانِي وَغَسْلُ قَدَمَيْهِ، فَإِنْ خَلَعَهُمَا جَمِيعًا فَكَذَلِكَ، فَلَوْ أَخْرَجَ رِجْلَيْهِ كِلَيْهِمَا عَنْ مَوْضِعِهِمَا وَلَمْ يُخْرِجْهُمَا وَلَا شَيْئًا مِنْهُمَا عَنْ مَوْضِعِ سَاقِ الْخُفِّ فَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يُخْرِجَ شَيْئًا مِمَّا يَجِبُ
غَسْلُهُ عَنْ جَمِيعِ الْخُفِّ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَخْلَعَهُمَا حِينَئِذٍ وَيَغْسِلَهُمَا، فَإِنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ جَزَّ شَعْرَهُ أَوْ قَصَّ أَظْفَارَهُ فَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ الْمَاءُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إنْ خَلَعَ خُفَّيْهِ أَوْ جَزَّ شَعْرَهُ أَوْ قَصَّ أَظْفَارَهُ لَزِمَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْوُضُوءَ فِي خَلْعِ الْخُفَّيْنِ وَأَنْ يَمْسَحَ عَلَى رَأْسِهِ وَيُمِسَّ الْمَاءَ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مِنْ أَظْفَارِهِ فِي الْجَزِّ وَالْقَصِّ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِيمَنْ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ ثُمَّ نَزَعَهَا فَإِنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي مُرَاعَاةِ إخْرَاجِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ عَنْ مَوْضِعِهَا فَيَلْزَمُهُ الْغَسْلُ فِي رِجْلَيْهِ مَعًا أَوْ إخْرَاجُ نِصْفِهَا فَأَقَلَّ فَلَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ، فَتَحَكُّمٌ فِي الدِّينِ ظَاهِرٌ وَشَرْعٌ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا أَوْجَبَهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا قِيَاسٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا رَأْيٌ مُطَّرِدٌ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَرَّةً الْكَثِيرَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، وَمَرَّةً الثُّلُثَ، وَمَرَّةً الرُّبُعَ، وَمَرَّةً شِبْرًا فِي شِبْرٍ، وَمَرَّةً أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَكُلُّ هَذَا تَخْلِيطٌ. وَأَمَّا فَرْقُ مَالِكٍ بَيْنَ إخْرَاجِ الْعَقِبِ إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ فَلَا يَنْتَقِضُ الْمَسْحُ، وَبَيْنَ إخْرَاجِ الْقَدَمِ كُلِّهَا إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ فَيَنْتَقِضُ الْمَسْحُ، فَتَحَكُّمٌ أَيْضًا لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ وَلَا يُوجِبُهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا رَأْيٌ مُطَّرِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ بَقَاءَ الْعَقِبِ فِي الْوُضُوءِ لَا يَطْهُرُ، إنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَا وُضُوءَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْحُ قَدْ انْتَقَضَ عَنْ الرِّجْلِ بِخُرُوجِهَا عَنْ مَوْضِعِ الْقَدَمِ، فَلَا بُدَّ مِنْ انْتِقَاضِ الْمَسْحِ عَنْ الْعَقِبِ بِخُرُوجِهَا عَنْ مَوْضِعِهَا إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمَسْحُ لَا يَنْتَقِضُ عَنْ الْعَقِبِ بِخُرُوجِهَا إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ أَيْضًا بِخُرُوجِ الْقَدَمِ إلَى مَوْضِعِ السَّاقِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَأَمَّا تَفْرِيقُهُمْ جَمِيعُهُمْ بَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثُمَّ يُخْلَعَانِ فَيَنْتَقِضُ الْمَسْحُ وَيَلْزَمُ إتْمَامُ الْوُضُوءِ، وَبَيْنَ الْوُضُوءِ ثُمَّ يُجَزُّ الشَّعْرُ وَتُقَصُّ الْأَظْفَارُ فَلَا يَنْتَقِضُ الْغَسْلُ عَنْ مِقَصِّ الْأَظْفَارِ وَلَا الْمَسْحُ عَلَى الرَّأْسِ فَفَرْقٌ فَاسِدٌ ظَاهِرُ التَّنَاقُضِ وَلَوْ عَكَسَ إنْسَانٌ هَذَا الْقَوْلَ فَأَوْجَبَ مَسْحَ الرَّأْسِ عَلَى مَنْ حَلَقَ شَعْرَهُ وَمَسَّ مِجَزَّ الْأَظْفَارِ بِالْمَاءِ وَلَمْ يَرَ الْمَسْحَ عَلَى مَنْ خَلَعَ خُفَّيْهِ، لَمَا كَانَ بَيْنَهَا فَرْقٌ. قَالَ عَلِيٌّ: وَمَا وَجَدْنَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مُتَعَلَّقًا أَصْلًا إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: وَجَدْنَا مَسْحَ الرَّأْسِ وَغَسْلَ الْقَدَمَيْنِ فِي الْوُضُوءِ إنَّمَا قُصِدَ بِهِ الرَّأْسُ لَا الشَّعْرُ، وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهِ
الْأَصَابِعُ لَا الْأَظَافِرُ، فَلَمَّا جُزَّ الشَّعْرُ وَقُطِعَتْ الْأَظْفَارُ بَقِيَ الْوُضُوءُ بِحَسَبِهِ، وَأَمَّا الْمَسْحُ فَإِنَّمَا قُصِدَ بِهِ الْخُفَّانِ لَا الرِّجْلَانِ، فَلَمَّا نُزِعَا بَقِيَتْ الرِّجْلَانِ لَمْ تُوَضَّآ، فَهُوَ يُصَلِّي بِرِجْلَيْنِ لَا مَغْسُولَتَيْنِ وَلَا مَمْسُوحٍ عَلَيْهِمَا فَهُوَ نَاقِصُ الْوُضُوءِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا شَيْءَ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ وَتَحَكُّمٌ بِالْبَاطِلِ، فَلَوْ عُكِسَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَقِيلَ لَهُ: بَلْ الْمَسْحُ عَلَى الرَّأْسِ وَغَسْلُ الْأَظْفَارِ إنَّمَا قُصِدَ بِهِ الشَّعْرُ وَالْأَظْفَارُ فَقَطْ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى الشَّعْرِ حِنَّاءٌ وَعَلَى الْأَظْفَارِ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ، وَأَمَّا الْخُفَّانِ فَالْمَقْصُودُ بِالْمَسْحِ الْقَدَمَانِ لَا الْخُفَّانِ، لِأَنَّ الْخُفَّيْنِ لَوْلَا الْقَدَمَانِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا فَصَحَّ أَنَّ حُكْمَ الْقَدَمَيْنِ الْغَسْلُ، إنْ كَانَتَا مَكْشُوفَتَيْنِ، وَالْمَسْحُ إنْ كَانَتَا فِي خُفَّيْنِ لَمَا كَانَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فَرْقٌ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: هَبْكُمْ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قُلْتُمْ فِي أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمَسْحِ الْخُفَّانِ، وَبِالْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ الرَّأْسُ، وَبِغَسْلِ الْيَدَيْنِ لِلْأَصَابِعِ لَا لِلْأَظْفَارِ. فَكَانَ مَاذَا؟ أَوْ مِنْ أَيْنَ وَجَبَ مِنْ هَذَا أَنْ يُعَادَ الْمَسْحُ بِخَلْعِ الْخُفَّيْنِ وَلَا يُعَادَ بِحَلْقِ الشَّعْرِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ يُصَلِّي بِقَدَمَيْنِ لَا مَغْسُولَتَيْنِ وَلَا مَمْسُوحٍ عَلَيْهِمَا - فَبَاطِلٌ، بَلْ مَا يُصَلِّي - إلَّا عَلَى قَدَمَيْنِ مَمْسُوحٍ عَلَى خُفَّيْنِ عَلَيْهِمَا. قَالَ عَلِيٌّ: فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ كَمَا بَيَّنَّا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ فَقَطْ، فَهُوَ بَاطِلٌ مُتَيَقَّنٌ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ بِإِقْرَارِهِمْ قَدْ تَمَّ وُضُوءُهُ وَجَازَتْ لَهُ الصَّلَاةُ بِهِ ثُمَّ أَمَرْتُمُوهُ بِغَسْلِ رِجْلَيْهِ فَقَطْ، وَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْوُضُوءُ الَّذِي قَدْ كَانَ تَمَّ قَدْ بَطَلَ أَوْ يَكُونَ لَمْ يَبْطُلْ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَبْطُلْ فَهَذَا قَوْلُنَا وَإِنْ كَانَ قَدْ بَطَلَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْوُضُوءَ، وَإِلَّا فَمِنْ الْمُحَالِ الْبَاطِلِ الَّذِي لَا يُخَيَّلُ أَنْ يَكُونَ وُضُوءٌ قَدْ تَمَّ ثُمَّ يُنْقَضُ بَعْضُهُ وَلَا يُنْقَضُ بَعْضُهُ، هَذَا أَمْرٌ لَا يُوجِبُهُ نَصٌّ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا رَأْيٌ يَصِحُّ. فَبَطَلَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا وَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُنَا أَوْ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ. فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا الْبُرْهَانَ قَدْ صَحَّ بِنَصِّ السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ فَإِنَّهُ قَدْ تَمَّ وُضُوءُهُ وَارْتَفَعَ حَدَثُهُ وَجَازَتْ لَهُ الصَّلَاةُ. وَأَجْمَعَ هَؤُلَاءِ الْمُخَالِفُونَ لَنَا عَلَى ذَلِكَ فِيمَنْ مَسَحَ رَأْسَهُ وَخُفَّيْهِ ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا خَلَعَ
مسألة تعمد لباس الخفين على طهارة ليمسح عليهما
خُفَّيْهِ وَعِمَامَتَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ تَقَصَّصَ وَقَطَعَ أَظْفَارَهُ: قَالَ قَوْمٌ: قَدْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَقَالَ آخَرُونَ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا الْحَلْقَ وَقَصَّ الشَّعْرِ وَقَصَّ الْأَظْفَارِ وَخَلْعَ الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ حَدَثًا، وَالطَّهَارَةُ لَا يَنْقُضُهَا إلَّا الْأَحْدَاثُ، أَوْ نَصٌّ وَارِدٌ بِانْتِقَاضِهَا وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَدَثٌ وَلَا نَصٌّ هَهُنَا عَلَى انْتِقَاضِ طَهَارَتِهِ وَلَا عَلَى انْتِقَاضِ بَعْضِهَا فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ، وَصَحَّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَأَنَّهُ يُصَلِّي مَا لَمْ يُحْدِثْ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَسْحُ رَأْسِهِ وَلَا أَظْفَارِهِ وَلَا غَسْلُ رِجْلَيْهِ وَلَا إعَادَةُ وُضُوئِهِ، وَكَانَ مَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ كَمَنْ أَوْجَبَهُ مِنْ الْمَشْيِ أَوْ مِنْ الْكَلَامِ أَوْ مِنْ خَلْعِ قَمِيصِهِ وَلَا فَرْقَ. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ تَعَمَّدَ لِبَاسَ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ لِيَمْسَحَ عَلَيْهِمَا] 220 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَعَمَّدَ لِبَاسَ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ لِيَمْسَحَ عَلَيْهِمَا أَوْ خَضَبَ رِجْلَيْهِ أَوْ حَمَلَ عَلَيْهِمَا دَوَاءً ثُمَّ لَبِسَهُمَا لِيَمْسَحَ عَلَى ذَلِكَ. أَوْ خَضَبَ رَأْسَهُ أَوْ حَمَلَ عَلَيْهِ دَوَاءً ثُمَّ لَبِسَ الْعِمَامَةَ أَوْ الْخِمَارَ لِيَمْسَحَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ أَحْسَنَ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ النَّصُّ بِإِبَاحَةِ الْمَسْحِ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ مُطْلَقًا. وَلَمْ يَحْظُرْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ هَذَا كُلِّهِ نَصٌّ: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] وَبَلَغَنَا عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ لِيَبِيتَ فِيهَا لِيَمْسَحَ عَلَيْهِمَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ. وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ وَتَخْصِيصٌ لِلسُّنَّةِ بِلَا دَلِيلٍ. وَكُلُّ قَوْلٍ لَمْ يُصَحِّحْهُ النَّصُّ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهِمَا] 221 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ - قَبْلَ انْقِضَاءِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهِمَا - مَسَحَ أَيْضًا حَتَّى يَتِمَّ لِمَسْحِهِ فِي كُلِّ مَا مَسَحَ فِي حَضَرِهِ وَسَفَرِهِ مَعًا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا. ثُمَّ لَا يَحِلُّ لَهُ الْمَسْحُ، فَإِنْ مَسَحَ فِي سَفَرٍ ثُمَّ أَقَامَ أَوْ دَخَلَ مَوْضِعَهُ ابْتَدَأَ مَسْحَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إنْ كَانَ قَدْ مَسَحَ فِي السَّفَرِ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ فَأَقَلَّ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ لَهُ الْمَسْحُ، فَإِنْ كَانَ مَسَحَ فِي سَفَرِهِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا وَأَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ مَسَحَ بَاقِيَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَلَيْلَتِهِ فَقَطْ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ لَهُ الْمَسْحُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَتَمَّ فِي السَّفَرِ مَسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا خَلَعَ وَلَا بُدَّ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْمَسْحُ حَتَّى يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُبِحْ الْمَسْحَ إلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِلْمُسَافِرِ بِلَيَالِيِهَا وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ، فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ لَمْ يُبِحْ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْسَحَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا، لَا مُقِيمًا وَلَا مُسَافِرًا، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ ابْتِدَاءِ الْمَسْحِ - لَا عَنْ الصَّلَاةِ بِالْمَسْحِ الْمُتَقَدِّمِ - فَوَجَبَ مَا قُلْنَا، فَلَوْ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ يَوْمًا وَلَيْلَةً ثُمَّ سَافَرَ ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي السَّفَرِ
مسألة المسح على الخفين وما لبس على الرجلين على ظاهرهما فقط
أَوْ بَعْدَ أَنْ أَتَمَّهُمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ أَصْلًا، لِأَنَّهُ لَوْ مَسَحَ لَكَانَ قَدْ مَسَحَ وَهُوَ فِي الْحَضَرِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ أَلْبَتَّةَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ: مَنْ مَسَحَ وَهُوَ مُقِيمٌ فَإِنْ كَانَ لَمْ يُتِمَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً حَتَّى سَافَرَ مَسَحَ حَتَّى يُتِمَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا مِنْ حِينِ أَحْدَثَ وَهُوَ مُقِيمٌ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَتَمَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي حَضَرِهِ ثُمَّ سَافَرَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ غَسْلِ رِجْلَيْهِ. قَالَ: فَإِنْ سَافَرَ فَمَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَأَكْثَرَ ثُمَّ قَدِمَ أَوْ أَقَامَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ حَتَّى يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ فَلَوْ مَسَحَ فِي سَفَرِهِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ قَدِمَ أَوْ أَقَامَ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ تَمَامَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَقَطْ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ مَسْحَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَتَمَّ الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ خَلَعَ وَلَا بُدَّ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُتِمَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً مَسَحَ بَاقِيَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَقَطْ ثُمَّ يَخْلَعُ. وَكَذَلِكَ لَوْ مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ قَدِمَ سَوَاءٌ سَوَاءٌ، إنْ كَانَ مَسَحَ فِي سَفَرِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَقَدِمَ أَوْ أَقَامَ فَإِنَّهُ يَخْلَعُ وَلَا بُدَّ، وَإِنْ كَانَ مَسَحَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَفَرِهِ أَتَمَّ بَاقِيَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بِالْمَسْحِ فَقَطْ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ كَمَا قُلْنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا مَسَحَ فِي سَفَرِهِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا، أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا لَا أَكْثَرَ وَقَدِمَ اسْتَأْنَفَ مَسْحَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى سَافَرَ اسْتَأْنَفَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا، وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِظَاهِرِ لَفْظِ الْخَبَرِ فِي ذَلِكَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَظَاهِرُ لَفْظِهِ يُوجِبُ صِحَّةَ قَوْلِنَا، لِأَنَّ النَّاسَ قِسْمَانِ: مُقِيمٌ وَمُسَافِرٌ، وَلَمْ يُبِحْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْمُسَافِرِ إلَّا ثَلَاثًا، وَلَا أَبَاحَ لِلْمُقِيمِ إلَّا بَعْضَ الثَّلَاثِ فَلَمْ يُبِحْ لِأَحَدٍ - لَا مُقِيمٍ وَلَا مُسَافِرٍ - أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَمَنْ خَرَجَ إلَى سَفَرٍ تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ مَسَحَ مَسْحَ مُسَافِرٌ، ثَلَاثًا بِلَيَالِيِهِنَّ، وَمَنْ خَرَجَ دُونَ ذَلِكَ مَسَحَ مَسْحَ مُقِيمٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَ هَذَا الْبُرُوزِ حُكْمُ الْحَضَرِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَمَا لُبِسَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا فَقَطْ] 222 - مَسْأَلَةٌ: وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَمَا لُبِسَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ إنَّمَا هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِمَا فَقَطْ، وَلَا يَصِحُّ مَعْنًى لِمَسْحِ بَاطِنِهِمَا الْأَسْفَلِ تَحْتَ الْقَدَمِ، وَلَا لِاسْتِيعَابِ ظَاهِرِهِمَا، وَمَا مُسِحَ مِنْ ظَاهِرِهِمَا بِأُصْبُعٍ أَوْ أَكْثَرَ أَجْزَأَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السَّلِيمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ثنا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ
عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ «عَلِيٍّ قَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ» . وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَدَاوُد، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَمَا ذَكَرْنَا وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ثنا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ: رَأَيْتُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ بَالَ ثُمَّ أَتَى رَحْلَهُ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ عَلَى أَعْلَاهُمَا حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ عَلَى خُفَّيْهِ. وَرُوِّينَا عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ الْحَسَنَ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا مَسْحَةً وَاحِدَةً، فَرَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَمْسَحُ عَلَى بُطُونِ الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ لَا إلَّا بِظُهُورِهِمَا. قَالَ عَلِيٌّ: وَالْمَسْحُ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ، فَمَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ مَسْحٍ فَقَدْ أَدَّى فَرْضَهُ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ إلَّا بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ لَا بِأَقَلَّ، وَقَالَ سُفْيَانُ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ وَدَاوُد: إنْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَهُ، قَالَ زُفَرُ: إذَا مَسَحَ عَلَى أَكْثَرِ الْخُفَّيْنِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: تَحْدِيدُ الثَّلَاثِ أَصَابِعَ وَأَكْثَرِ الْخُفَّيْنِ كَلَامٌ فَاسِدٌ وَشَرْعٌ فِي الدِّينِ بَارِدٌ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُمْ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إنْ مَسَحَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ مَسَحَ بِأَقَلَّ فَقَدْ اخْتَلَفُوا. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا يَهْدِمُ عَلَيْهِمْ أَكْثَرَ مَذَاهِبِهِمْ، وَيُقَالُ لَهُمْ مِثْلُ هَذَا فِي فَوْرِ الْوُضُوءِ وَفِي الِاسْتِنْشَاقِ وَالِاسْتِنْثَارِ وَفِي الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَيْفَ وَلَا تَحِلُّ مُرَاعَاةُ إجْمَاعٍ إذَا وُجِدَ النَّصُّ يَشْهَدُ لِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ جَاءَ النَّصُّ بِالْمَسْحِ دُونَ تَحْدِيدِ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ أَوْ أَقَلَّ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] بَلْ هَذَا الَّذِي قَالُوا هُوَ إيجَابُ الْفَرَائِضِ بِالدَّعْوَى الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بِلَا نَصٍّ، وَهَذَا الْبَاطِلُ الْمُجْمَعُ عَلَى أَنَّهُ بَاطِلٌ. وَيُعَارِضُونَ بِأَنْ يُقَالَ لَهُمْ: قَدْ صَحَّ إجْمَاعُهُمْ عَلَى وُجُوبِ الْمَسْحِ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْمَسْحِ بِمَا زَادَ، فَلَا يَجِبُ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَصَحُّ فِي الِاسْتِدْلَالِ إذَا لَمْ يُوجَدْ لَفْظٌ مَرْوِيٌّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُسْتَحَبُّ مَسْحُ ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ وَبَاطِنِهِمَا، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ظَاهِرِهِمَا دُونَ الْبَاطِنِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ لَمْ يُجْزِهِ.
مسألة لبس على رجليه شيئا مما يجوز المسح عليه على غير طهارة ثم أحدث
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَسْحُ الْأَسْفَلِ لَيْسَ فَرْضًا وَلَا جَاءَ نَدْبٌ إلَيْهِ: فَلَا مَعْنَى لَهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَمْسَحُ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُهُ: إنْ مَسَحَ الظَّاهِرَ دُونَ الْبَاطِنِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ مَسَحَ الْبَاطِنَ دُونَ الظَّاهِرِ أَعَادَ أَبَدًا. وَقَدْ رُوِّينَا مَسْحَ ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ وَبَاطِنِهِمَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ. قَالَ عَلِيٌّ: الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ عَلَى أُصُولِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا مَعْنَى لَهَا، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أَدَّى فَرْضَ طَهَارَتِهِ وَصَلَاتِهِ فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤَدِّهِمَا فَيَلْزَمُهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُصَلِّيَ أَبَدًا. وَاحْتَجَّ مَنْ رَأْي مَسْحَ بَاطِنِ الْخُفَّيْنِ مَعَ ظَاهِرِهِمَا بِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ أَعْلَى الْخُفَّيْنِ وَأَسْفَلَهُمَا» وَحَدِيثٍ آخَرَ رُوِّينَاهُ عَنْ بْنِ وَهْبٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَزِيدَ الْكَعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ أَعْلَى الْخُفَّيْنِ وَأَسْفَلَهُمَا» وَآخَرُ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ بْنِ وَهْبٍ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَعَيْنَ عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُمْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «أَنَّهُمْ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ أَعْلَى الْخُفَّيْنِ وَأَسْفَلَهُمَا» . قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا كُلُّهُ لَا شَيْءَ، أَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ وَعُبَادَةَ فَأَسْقَطُ مِنْ أَنْ يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ؛ لِأَنَّهُ عَمَّنْ لَا يُسَمَّى عَمَّنْ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ عَمَّنْ لَا يُعْرَفُ، وَهَذَا فَضِيحَةٌ. وَأَمَّا حَدِيثَا الْمُغِيرَةِ فَأَحَدُهُمَا عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ، وَلَمْ يُولَدْ ابْنُ شِهَابٍ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُغِيرَةِ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، وَالثَّانِي مُدَلِّسٌ أَخْطَأَ فِيهِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَهَذَا خَبَرٌ حَدَّثَنَاهُ حَمَامٌ قَالَ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثنا أَبِي قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ أَعْلَى الْخُفَّيْنِ وَأَسْفَلَهُمَا» فَصَحَّ أَنَّ ثَوْرًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، وَأَنَّهُ مُرْسَلٌ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْمُغِيرَةُ، وَعِلَّةٌ ثَالِثَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ فِيهِ كَاتِبَ الْمُغِيرَةِ، فَسَقَطَ كُلُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لَبِسَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِمَّا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ] 223 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَبِسَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِمَّا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى غَيْرِ
طَهَارَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ، فَلَمَّا أَرَادَ الْوُضُوءَ وَتَوَضَّأَ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ غَيْرُ رِجْلَيْهِ فَجَاءَهُ خَوْفٌ شَدِيدٌ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ بَعْدَ نَزْعِ خُفَّيْهِ، فَإِنَّهُ يَنْهَضُ وَلَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا، وَيُصَلِّي كَمَا هُوَ، وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ نَزْعُ خُفَّيْهِ وَوَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ تَمَامِ صَلَاتِهِ فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: يَلْزَمُهُ نَزْعُهُمَا وَغَسْلُ رِجْلَيْهِ فَرْضًا وَلَا يُعِيدُ مَا صَلَّى، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَنَزَعَ مَا عَلَى رِجْلَيْهِ وَغَسَلَهُمَا وَابْتَدَأَ الصَّلَاةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: قَدْ تَمَّ وُضُوءُهُ وَيُصَلِّي بِذَلِكَ الْوُضُوءِ مَا لَمْ يُنْتَقَضْ بِحَدَثٍ لَا بِوُجُودِ الْمَاءِ، وَهَذَا أَصَحُّ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] فَلَمَّا عَجَزَ هَذَا عَنْ غَسْلِ رِجْلَيْهِ سَقَطَ حُكْمُهُمَا، وَبَقِيَ عَلَيْهِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ وُضُوءِ سَائِرِ أَعْضَائِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ تَوَضَّأَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ تَوَضَّأَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ لَزِمَهُ إتْمَامُ وُضُوئِهِ فَرْضًا وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، فَلَوْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ فَقَدْ لَزِمَهُ فَرْضًا أَنْ لَا يُتِمَّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ إلَّا بِوُضُوءٍ تَامٍّ، وَالصَّلَاةُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَعْمَالِهَا بِمَا لَيْسَ مِنْهَا، فَقَوْلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ وَدَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، بَلْ قَدْ قَامَ الْبُرْهَانُ مِنْ النَّصِّ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ تَوَضَّأَ كَمَا أُمِرَ، وَقَدْ تَمَّتْ طَهَارَتُهُ وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ، فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَعُودَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْحَدَثِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْدِثَ، إلَّا أَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ نَصٌّ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ، وَلَا نَصَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُوجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةَ الْوُضُوءِ، فَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ وَلَا غَسْلُ رِجْلَيْهِ، لِأَنَّهُ عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ، لَكِنْ يُصَلِّي بِذَلِكَ الْوُضُوءِ مَا لَمْ يُحْدِثْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. فَإِنْ قِيلَ: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى التَّيَمُّمِ. قُلْنَا: الْقِيَاسُ بَاطِلٌ كُلُّهُ، وَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ إذَا وَجَبَ ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ أَنْ يَجِبَ فِي الْعَاجِزِ عَنْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ؟ فَلَيْسَ بِأَيْدِيكُمْ غَيْرُ دَعْوَاكُمْ أَنَّ هَذَا وَجَبَ فِي الْعَاجِزِ كَمَا وَجَبَ فِي التَّيَمُّمِ، وَهَذِهِ دَعْوَى مُفْتَقِرَةٌ إلَى بُرْهَانٍ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ بِدَعْوَاهُ فَقَدْ أَرَادَ الْبَاطِلَ، ثُمَّ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ بَاطِلًا، لِأَنَّهُمْ مُوَافِقُونَ لَنَا عَلَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ - كَمَنْ ذَهَبَتْ رِجْلَاهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ - لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَأَنَّ حُكْمَهُ إنَّمَا هُوَ غَسْلُ مَا بَقِيَ مِنْ وَجْهِهِ وَذِرَاعَيْهِ وَمَسْحُ رَأْسِهِ فَقَطْ، وَأَنَّ وُضُوءَهُ بِذَلِكَ تَامٌّ وَصَلَاتَهُ جَائِزَةٌ، فَلَمَّا لَمْ يَجْعَلُوا لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ لَهُ حُكْمُ التَّيَمُّمِ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ قِيَاسِهِمْ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. -
كتاب التيمم
[كِتَابُ التَّيَمُّمِ] [مَسْأَلَةٌ يَتَيَمَّمُ مِنْ الْمَرْضَى مَنْ لَا يَجِدُ الْمَاءَ] ِ 224 - مَسْأَلَةٌ: لَا يَتَيَمَّمُ مِنْ الْمَرْضَى إلَّا مَنْ لَا يَجِدُ الْمَاءَ، أَوْ مَنْ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ وَحَرَجٌ فِي الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ أَوْ فِي الْغُسْلِ بِهِ أَوْ الْمُسَافِرُ الَّذِي لَا يَجِدُ الْمَاءَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْوُضُوءِ بِهِ أَوْ الْغُسْلِ بِهِ بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] فَهَذَا نَصُّ مَا قُلْنَاهُ وَإِسْقَاطُ الْحَرَجِ، وَقَالَ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] فَالْحَرَجُ وَالْعُسْرُ سَاقِطَانِ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ - سَوَاءٌ زَادَتْ عِلَّتُهُ أَوْ لَمْ تَزِدْ، وَكَذَلِكَ إنْ خَشِيَ زِيَادَةَ عِلَّتِهِ فَهُوَ أَيْضًا عُسْرٌ وَحَرَجٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ: الْمَرِيضُ لَا يَتَيَمَّمُ أَصْلًا مَا دَامَ يَجِدُ الْمَاءَ، وَلَا يُجْزِيهِ إلَّا الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ، الْمَجْدُورُ وَغَيْرُ الْمَجْدُورِ سَوَاءٌ. 225 - مَسْأَلَةٌ: وَسَوَاءٌ كَانَ السَّفَرُ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا، سَفَرَ طَاعَةٍ كَانَ أَوْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ أَوْ مُبَاحًا، هَذَا مِمَّا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ ذَكَرَ قَوْلًا لَمْ يَنْسِبْهُ إلَى أَحَدٍ، وَهُوَ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ حَدَّ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ وَالْفِطْرِ سَفَرًا دُونَ سَفَرٍ، فِي بَعْضِ الْمَسَافَاتِ دُونَ بَعْضٍ، وَفِي بَعْضِ الْأَسْفَارِ دُونَ بَعْضٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَ سَفَرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ فِي ذَلِكَ: أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ، وَلَكِنَّ هَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ أَقْبَحَ تَنَاقُضٍ، فَإِنْ ادَّعَوْا هَهُنَا إجْمَاعًا لَزِمَهُمْ، إذْ هُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ أَنْ يَقِيسُوا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ صِفَةِ السَّفَرِ فِي الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ وَالْمَسْحِ عَلَى مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ مِنْ صِفَةِ السَّفَرِ فِي التَّيَمُّمِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ، وَخَالَفُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
مسألة يتيمم من كان في الحضر صحيحا إذا كان لا يقدر على الماء
مَسْأَلَةٌ: وَالْمَرَضُ هُوَ كُلُّ مَا أَحَالَ الْإِنْسَانَ عَنْ الْقُوَّةِ وَالتَّصَرُّفِ، هَذَا حُكْمُ اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ يَتَيَمَّمُ مَنْ كَانَ فِي الْحَضَرِ صَحِيحًا إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ] 227 - مَسْأَلَةٌ: قَالَ عَلِيٌّ: وَيَتَيَمَّمُ مَنْ كَانَ فِي الْحَضَرِ صَحِيحًا إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ أَنَّهُ عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ وَالدَّلْوُ فِي يَدِهِ أَوْ عَلَى شَفِيرِ النَّهْرِ وَالسَّاقِيَّةِ وَالْعَيْنِ، إلَّا أَنَّهُ يُوقِنُ أَنَّهُ لَا يُتِمُّ وُضُوءَهُ أَوْ غُسْلَهُ حَتَّى يَطْلُعَ أَوَّلُ قَرْنِ الشَّمْسِ، وَكَذَلِكَ الْمَسْجُونُ وَالْخَائِفُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ» ، فَذَكَرَ فِيهَا: «وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا إسْمَاعِيلُ - هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ» . فَهَذَا عُمُومٌ دَخَلَ فِيهِ الْحَاضِرُ وَالْبَادِي. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» فَلَمْ يُبِحْ عَزَّ وَجَلَّ لِلْجُنُبِ أَنْ يَقْرَبَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ إلَّا مُسَافِرًا. قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا ذَكَرْتُمْ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ زَائِدَةً حُكْمًا وَوَارِدَةً بِشَرْعٍ لَيْسَ فِي الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمْ بَلْ فِيهَا إبَاحَةٌ أَنْ يَقْرَبَ الصَّلَاةَ الْجُنُبُ دُونَ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَهُوَ غَيْرُ عَابِرِ سَبِيلٍ، لَكِنْ إذَا كَانَ مَرِيضًا لَا يَجِدُ الْمَاءَ أَوْ عَلَيْهِ حَرَجٌ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَيْضًا زَائِدَةً حُكْمًا
مسألة السفر الذي يتيمم فيه
عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي لَفْظُهُ «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» ثُمَّ جَاءَ الْخَبَرَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَا بِزِيَادَةٍ وَعُمُومٍ عَلَى الْآيَتَيْنِ وَالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، فَدَخَلَ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ الصَّحِيحُ الْمُقِيمُ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ، وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامُ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرْضٌ جَمْعُ بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ وَكُلُّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَوْلُنَا هَذَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ وَاللَّيْثِ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَتَيَمَّمُ الْحَاضِرُ، لَكِنْ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَاءِ إلَّا حَتَّى يَفُوتَ الْوَقْتُ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَعَادَ وَلَا بُدَّ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ، وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَتَيَمَّمُ الصَّحِيحُ فِي الْحَضَرِ أَلْبَتَّةَ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ، لَكِنْ يَصْبِرُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ وَيَجِدَ الْمَاءَ فَيُصَلِّي حِينَئِذٍ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فَظَاهِرُ الْفَسَادِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَمْرُهُمَا لَهُ بِالتَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ مِنْ أَنْ يَكُونَا أَمَرَاهُ بِصَلَاةٍ هِيَ فَرْضُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ أَوْ بِصَلَاةٍ لَمْ يَفْرِضْهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ، فَإِنْ قَالَ مُقَلِّدُهُمَا أَمَرَاهُ بِصَلَاةٍ: هِيَ فَرْضٌ عَلَيْهِ، قُلْنَا فَلِمَ يُعِيدُهَا بَعْدَ الْوَقْتِ إنْ كَانَ قَدْ أَدَّى فَرْضَهُ؟ وَإِنْ قَالُوا: بَلْ أَمَرَاهُ بِصَلَاةٍ لَيْسَتْ فَرْضًا عَلَيْهِ، أَقَرَّا بِأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ مَا لَا يَلْزَمُهُ، وَهَذَا خَطَأٌ، وَأَمَّا قَوْلُ زُفَرَ فَخَطَأٌ، لِأَنَّهُ أَسْقَطَ فَرْضَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَدَائِهَا فِيهِ، وَأَلْزَمَهُ إيَّاهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى تَأْخِيرَهَا إلَيْهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالصَّلَاةُ فَرْضٌ مُعَلَّقٌ بِوَقْتٍ مَحْدُودٍ، وَالتَّأْكِيدُ فِيهَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَجْهَلَهُ مُسْلِمٌ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَوَجَدْنَا هَذَا الَّذِي حَضَرَتْهُ الصَّلَاةُ هُوَ مَأْمُورٌ بِالْوُضُوءِ وَبِالْغُسْلِ إنْ كَانَ جُنُبًا وَبِالصَّلَاةِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ سَقَطَا عَنْهُ، وَقَدْ نَصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ طَهُورٌ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَهُوَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَيْهِ، فَهُوَ غَيْرُ بَاقٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الصَّلَاةِ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا بَيِّنٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. [مَسْأَلَةٌ السَّفَرُ الَّذِي يُتَيَمَّمُ فِيهِ] 228 - مَسْأَلَةٌ: وَالسَّفَرُ الَّذِي يُتَيَمَّمُ فِيهِ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى عِنْدَ الْعَرَبِ سَفَرًا سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَوْ مِمَّا لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَمَا كَانَ دُونَ ذَلِكَ - مِمَّا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ مِنْ الْبُرُوزِ عَنْ الْمَنَازِلِ - فَهُوَ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، فَأَمَّا الْمُسَافِرُ سَفَرًا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ سَفَرٍ وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَهُ التَّيَمُّمُ فَالْأَفْضَلُ لَهُمَا أَنْ يَتَيَمَّمَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ،
سَوَاءٌ رَجَوْا الْمَاءَ أَوْ أَيْقَنَا بِوُجُودِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، أَوْ أَيْقَنَا أَنَّهُ لَا يُوجَدُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، وَكَذَلِكَ رَجَاءُ الصِّحَّةِ وَلَا فَرْقَ، وَأَمَّا الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ وَمَنْ لَهُ حُكْمُ الْحَاضِرِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ التَّيَمُّمُ إلَّا حَتَّى يُوقِنَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ قَبْلَ إمْكَانِ الْمَاءِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْمُسَافِرِ الَّذِي لَا يَجِدُ الْمَاءَ، وَفِي الْمَرِيضِ كَذَلِكَ وَفِي الْمَرِيضِ ذِي الْحَرَجِ، وَكَانَ الْبِدَارُ إلَى الصَّلَاةِ أَفْضَلَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133] وَأَمَّا الْحَاضِرُ فَلَا خِلَافَ مِنْ أَحَدٍ فِي أَنَّهُ مَا دَامَ يَرْجُو بِوُجُودِ الْمَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَمَا أُبِيحَ لَهُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ تَيَقُّنِ خُرُوجِ الْوَقْتِ إلَّا بِاخْتِلَافٍ، وَلَوْلَا النَّصُّ مَا حُلَّ لَهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ: لَا يَتَيَمَّمُ الْمُسَافِرُ إلَّا فِي آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ مَا دَامَ يَطْمَعُ فِي الْمَاءِ فَإِنْ لَمْ يَرْجُ بِهِ فَلْيَتَيَمَّمْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: يُؤَخِّرُ الْمُسَافِرُ التَّيَمُّمَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ لَعَلَّهُ يَجِدُ الْمَاءَ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ وَعَطَاءٍ، وَقَالَ مَالِكٌ مَرَّةً: لَا يُعَجِّلُ وَلَا يُؤَخِّرُ، وَلَكِنْ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ. وَقَالَ مَرَّةً: إنْ أَيْقَنَ بِوُجُودِ الْمَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ التَّيَمُّمَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ وَإِلَّا تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَإِنْ كَانَ طَامِعًا فِي وُجُودِ الْمَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَخَّرَ التَّيَمُّمَ إلَى وَسَطِ الْوَقْتِ، فَيَتَيَمَّمُ فِي وَسَطِهِ وَيُصَلِّي، وَإِنْ كَانَ مُوقِنًا أَنَّهُ لَا يَجِدُ الْمَاءَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ فَيَتَيَمَّمُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَيُصَلِّي. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ. قَالَ عَلِيٌّ: التَّعَلُّقُ بِتَأْخِيرِ التَّيَمُّمِ لَعَلَّهُ يَجِدُ الْمَاءَ لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ عَلَى أَنَّ عَمَلَ الْمُتَوَضِّئِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْمُتَيَمِّمِ، وَلَا عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمُتَوَضِّئِ أَفْضَلُ وَلَا أَتَمُّ مِنْ صَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ طَهَارَةٌ تَامَّةٌ وَصَلَاةٌ تَامَّةٌ، وَفَرْضٌ فِي حَالَةٍ فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَتَأْخِيرُ الصَّلَاةِ رَجَاءَ وُجُودِ الْمَاءِ تَرْكٌ لِلْفَضْلِ فِي الْبِدَارِ إلَى أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ بِلَا مَعْنَى، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ الْأَعْرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ
مسألة كان الماء منه قريبا إلا أنه يخاف ضياع رحله أو فوت الرفقة
النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأَنْصَارِيِّ. قَالَ «أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -» . وَرُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَيَمَّمَ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ مِيلٌ أَوْ مِيلَانِ ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ. وَعَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّهُ أَقْبَلَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ الْجُرْفِ، فَلَمَّا أَتَى الْمِرْبَدَ لَمْ يَجِدْ مَاءً، فَنَزَلَ فَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ وَصَلَّى ثُمَّ لَمْ يُعِدْ تِلْكَ الصَّلَاةَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد وَأَصْحَابِنَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: أَمَّا الْمُسَافِرُ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مِنْهُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ مِيلٍ طَلَبَهُ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مِيلٍ لَمْ يَلْزَمْهُ طَلَبُهُ وَتَيَمَّمَ. قَالَ: وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ غَيْرَ مُسَافِرٍ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ حِسَّ النَّاسِ وَأَصْوَاتَهُمْ تَيَمَّمَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذِهِ أَقْوَالٌ نَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى السَّلَامَةِ مِنْهَا وَمِنْ مِثْلِهَا [مَسْأَلَةٌ كَانَ الْمَاءُ مِنْهُ قَرِيبًا إلَّا أَنَّهُ يَخَافُ ضَيَاعَ رَحْلِهِ أَوْ فَوْتَ الرُّفْقَةِ] . 229 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ الْمَاءُ مِنْهُ قَرِيبًا إلَّا أَنَّهُ يَخَافُ ضَيَاعَ رَحْلِهِ أَوْ فَوْتَ الرُّفْقَةِ أَوْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ عَدُوٌّ ظَالِمٌ أَوْ نَارٌ أَوْ أَيُّ خَوْفٍ كَانَ فِي الْقَصْدِ إلَيْهِ مَشَقَّةٌ فَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] وَكُلُّ هَؤُلَاءِ لَا يَجِدُونَ مَاءً يَقْدِرُونَ عَلَى الطَّهَارَةِ بِهِ. 230 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ طَلَبَ بِحَقٍّ فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا يُجْزِيهِ التَّيَمُّمُ، لِأَنَّ فَرْضًا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ مِنْ كُلِّ حَقٍّ قَبِلَهُ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِعِبَادِهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ فَهُوَ عَاصٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ عَلَى بِئْرٍ يَرَاهَا وَيَعْرِفُهَا فِي سَفَرٍ وَخَافَ فَوَاتَ أَصْحَابِهِ] 231 - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ كَانَ عَلَى بِئْرٍ يَرَاهَا وَيَعْرِفُهَا فِي سَفَرٍ وَخَافَ فَوَاتَ أَصْحَابِهِ أَوْ فَوْتَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَوْ خُرُوجَ الْوَقْتِ: تَيَمَّمَ وَأَجْزَأَهُ، لَكِنْ يَتَوَضَّأُ لِمَا يَسْتَأْنِفُ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ الْمَاءَ، فَهُوَ غَيْرُ وَاجِدٍ الْمَاءَ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ بِلَا حَرَجٍ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ الْمَاءُ فِي رَحْلِهِ فَنَسِيَهُ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى] 232 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ الْمَاءُ فِي رَحْلِهِ فَنَسِيَهُ أَوْ كَانَ بِقُرْبِهِ بِئْرٌ أَوْ عَيْنٌ لَا يَدْرِي بِهَا فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى أَجْزَأَهُ، لِأَنَّ هَذَيْنِ غَيْرُ وَاجِدَيْنِ لِلْمَاءِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ تَيَمَّمَ بِنَصِّ
مسألة كل حدث ينقض الوضوء فإنه ينقض التيمم
كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَدَاوُد. وَقَالَ مَالِكٌ: يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَلَا يُعِيدُ إنْ خَرَجَ الْوَقْتُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ: يُعِيدُ أَبَدًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ كَانَتْ الْبِئْرُ مِنْهُ عَلَى رَمْيَةِ سَهْمٍ أَوْ نَحْوِهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهَا أَجْزَأَهُ التَّيَمُّمُ، فَإِنْ كَانَ عَلَى شَفِيرِهَا أَوْ بِقُرْبِهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهَا لَمْ يُجْزِهِ التَّيَمُّمُ. [مَسْأَلَةٌ كُلُّ حَدَثٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ] 233 - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ حَدَثٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ، هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. [مَسْأَلَةٌ يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ وُجُودُ الْمَاءِ] 234 - مَسْأَلَةٌ: وَيَنْقُضُ التَّيَمُّمَ أَيْضًا وُجُودُ الْمَاءِ، سَوَاءٌ وَجَدَهُ فِي صَلَاةٍ أَوْ بَعْدَ أَنْ صَلَّى أَوْ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ الَّتِي هُوَ فِيهَا تُنْتَقَضُ لِانْتِقَاضِ طَهَارَتِهِ وَيَتَوَضَّأُ أَوْ يَغْتَسِلُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِيمَا قَدْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ. وَلَوْ وَجَدَ الْمَاءَ إثْرَ سَلَامِهِ مِنْهَا، الْخِلَافُ فِي هَذَا فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا خِلَافٌ قَدِيمٌ فِي أَنَّ الْمَاءَ إذَا وُجِدَ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ الْوُضُوءُ بِهِ وَلَا الْغُسْلُ مَا لَمْ يَحْدُثْ مِنْهُ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ أَوْ الْوُضُوءَ. وَرُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: إذَا كُنْتَ جُنُبًا فِي سَفَرٍ فَتَمْسَحُ ثُمَّ إذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَلَا تَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ إنْ شِئْتَ، قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ: مَا يُدْرِيهِ؟ إذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ. وَبِإِحْدَاثِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ يَقُولُ جُمْهُورُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَكَانَ مِنْ حُجَّةِ مَنْ لَا يَرَى تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ أَنْ قَالَ: التَّيَمُّمُ طَهَارَةٌ صَحِيحَةٌ فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَنْقُضُهَا إلَّا مَا يَنْقُضُ الطَّهَارَاتِ، وَلَيْسَ وُجُودُ الْمَاءِ حَدَثًا، فَوُجُودُ الْمَاءِ لَا يَنْقُضُ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَكَانَ هَذَا قَوْلًا صَحِيحًا لَوْلَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ - هُوَ الْقَطَّانُ - ثنا عَوْفٌ - هُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ - ثنا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ صَلَاتِهِ إذْ هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: مَا
مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟ قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» ثُمَّ ذَكَرَ فِي حَدِيثِهِ ذَلِكَ أَمْرَ الْمَاءِ الَّذِي أَحْدَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى آيَةً لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: " وَكَانَ آخِرُ ذَلِكَ أَنْ «أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إنَاءً مِنْ مَاءٍ، وَقَالَ: اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» . حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ النَّيْسَابُورِيُّ بِبَغْدَادَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ثنا أَبِي ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ ثنا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ عَنْ «عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الْقَوْمِ جُنُبٌ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى، ثُمَّ وَجَدْنَا الْمَاءَ بَعْدُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَغْتَسِلَ وَلَا يُعِيدَ الصَّلَاةَ» وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ حُذَيْفَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ» . فَصَحَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الطَّهُورَ بِالتُّرَابِ إنَّمَا هُوَ مَا لَمْ يُوجَدْ الْمَاءُ، وَهَذَا لَفْظٌ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجُوزَ التَّطَهُّرُ بِالتُّرَابِ إلَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ الْمَاءُ، وَيَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ طَهُورٌ بِالتُّرَابِ إلَّا أَنْ لَا نَجِدَ الْمَاءَ إلَّا لِمَنْ أَبَاحَ لَهُ ذَلِكَ نَصٌّ آخَرُ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ بِالْقَبُولِ أَحَدَ الْمَعْنَيَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، بَلْ فَرَضَ الْعَمَلَ بِهِمَا مَعًا، وَصَحَّحَ هَذَا أَيْضًا أَمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْمُجْنِبَ بِالتَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ وَالصَّلَاةِ، ثُمَّ أَمْرُهُ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ بِالْغُسْلِ، فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ نَصًّا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي: إنْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَيُعِيدُهَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إنَّهُ يُعِيدُ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ. رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ طَاوُسٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ وَالْخَائِفُ يَتَيَمَّمُونَ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ، فَإِنْ تَيَمَّمُوا وَصَلَّوْا ثُمَّ وَجَدُوا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ لَا يُعِيدُ، وَأَمَّا الْمَرِيضُ وَالْخَائِفُ فَيُعِيدَانِ الصَّلَاةَ.
قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَظَاهِرُ الْخَطَأِ فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ الْمَرِيضِ وَالْخَائِفِ وَبَيْنَ الْمُسَافِرِ، لِأَنَّ الْمَرِيضَ الَّذِي لَا يَجِدُ الْمَاءَ مَأْمُورٌ بِالتَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ، كَمَا أُمِرَ بِهِ الْمُسَافِرُ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا فَرْقَ. وَأَمَّا الْمَرِيضُ وَالْخَائِفُ الْمُبَاحُ لَهُمَا التَّيَمُّمُ لِرَفْعِ الْحَرَجِ وَالْعُسْرِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا، فَلَمْ يَأْتِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ، نَعَمْ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ قَبْلَ مَالِكٍ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ جُمْلَةً وَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: يُعِيدُ الْكُلَّ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ لَا يُعِيدُ فَنَظَرْنَا، فَوَجَدْنَا كُلَّ مَنْ ذَكَرْنَا مَأْمُورًا بِالتَّيَمُّمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا صَلَّوْا كَانُوا لَا يَخْلُونَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونُوا صَلَّوْا كَمَا أُمِرُوا أَوْ لَمْ يُصَلُّوا كَمَا أُمِرُوا. فَإِنْ قَالُوا لَمْ يُصَلُّوا كَمَا أُمِرُوا قُلْنَا لَهُمْ: فَهُمْ إذًا مَنْهِيُّونَ عَنْ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ ابْتِدَاءً لَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ، وَلَوْ قَالَهُ لَكَانَ مُخْطِئًا مُخَالِفًا لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ وَالْإِجْمَاعِ، فَإِذْ قَدْ سَقَطَ هَذَا الْقِسْمُ بِيَقِينٍ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْقِسْمُ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّهُمْ قَدْ صَلَّوْا كَمَا أُمِرُوا، فَإِذْ قَدْ صَلَّوْا كَمَا أُمِرُوا فَلَا تَحِلُّ لَهُمْ إعَادَةُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا أَبُو كَامِلٍ ثنا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ - ثنا حُسَيْنٌ - هُوَ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ قَالَ: «أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلَاطِ وَهُمْ يُصَلُّونَ فَقَالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» فَسَقَطَ الْأَمْرُ بِالْإِعَادَةِ جُمْلَةً. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَالثَّالِثُ مَنْ رَأَى الْمَاءَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَأَبَا ثَوْرٍ وَدَاوُد. قَالُوا: إنْ رَأَى الْمَاءَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَتَمَادَ عَلَى صَلَاتِهِ وَلَا يُعِيدُهَا وَلَا تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ رَآهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيَغْتَسِلْ وَلَا بُدَّ، لَا تُجْزِيهِ صَلَاةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ إلَّا بِذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ: سَوَاءٌ وَجَدَ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَ الصَّلَاةِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَلَا بُدَّ، وَيَتَوَضَّأُ أَوْ يَغْتَسِلُ وَيَبْتَدِيهَا، وَأَمَّا إنْ رَآهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ تِلْكَ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ لِمَا يَسْتَأْنِفُ لَا تُجْزِيهِ صَلَاةٌ يَسْتَأْنِفُهَا إلَّا بِذَلِكَ.
قَالَ عَلِيٌّ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ، فَوَجَدْنَا حُجَّةَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وُجُودِ الْمَاءِ فِي الصَّلَاةِ وَوُجُودِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ - إنْ قَالُوا قَدْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَمَا أُمِرَ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهَا إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذِهِ، وَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ بِهَا، لِأَنَّهُ - وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا يَخْلُو وُجُودُ الْمَاءِ مِنْ أَنْ يَكُونَ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَيُعِيدُهُ فِي حُكْمِ الْمُحْدِثِ أَوْ الْمُجْنِبِ، أَوْ يَكُونَ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَلَا يُعِيدُهُ فِي حُكْمِ الْمُجْنِبِ أَوْ الْمُحْدِثِ. فَإِنْ قَالُوا لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَلَا يُعِيدُهُ مُجْنِبًا وَلَا مُحْدِثًا، فَهَذَا جَوَابُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِنَا، قُلْنَا فَلَا عَلَيْكُمْ، أَنْتُمْ مُقِرُّونَ بِأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُفْتَرَضٌ عَلَيْهِ الْغُسْلُ أَوْ الْوُضُوءُ مَتَى وَجَدَ الْمَاءَ بِلَا خِلَافٍ مِنْكُمْ، فَمِنْ قَوْلِهِمْ نَعَمْ، فَقُلْنَا لَهُمْ: فَهُوَ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ فِي حِينِ وُجُودِهِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ الصَّلَاةِ بِنَصِّ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِكُمْ فِي الْبِدَارِ إلَى مَا أُمِرْنَا بِهِ فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ مَأْمُورًا بِذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ لِشُغْلِهِ بِهَا، قُلْنَا: هَذَا فَرْقٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَدَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، فَإِذْ هُوَ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ الصَّلَاةِ فَقَدْ صَحَّ إذْ هُوَ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ أَمْرَكُمْ بِالتَّمَادِي عَلَى تَرْكِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى أَصْلِكُمْ لَا تُنْتَقَضُ بِذَلِكَ صَلَاتُهُ، فَكَانَ اللَّازِمُ عَلَى أُصُولِكُمْ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْمَاءَ وَيَبْنِيَ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ كَمَا تَقُولُونَ فِي الْمُحْدِثِ وَلَا فَرْقَ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ هَذَا فَسَقَطَ قَوْلُهُمْ. وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ فَجَوَابُهُمْ أَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَيُعِيدُ التَّيَمُّمَ مُجْنِبًا وَمُحْدِثًا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَلَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ عَلِيٌّ: فَكَانَ هَذَا قَوْلًا ظَاهِرَ الْفَسَادِ وَدَعْوَى عَارِيَّةً عَنْ الدَّلِيلِ، وَمَا جَاءَ قَطُّ فِي قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا فِي قِيَاسٍ وَلَا فِي رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ أَنَّ شَيْئًا يَكُونُ حَدَثًا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَلَا يَكُونُ حَدَثًا فِي الصَّلَاةِ وَالدَّعْوَى لَا يَعْجِزُ عَنْهَا أَحَدٌ، وَهِيَ بَاطِلٌ مَا لَمْ يُصَحِّحْهَا بُرْهَانٌ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ، لَا سِيَّمَا قَوْلُهُمْ: إنَّ وُجُودَ الْمُصَلِّي الْمَاءَ فِي حَالِ صَلَاتِهِ لَا يَنْقُضُ صَلَاتَهُ، فَإِذَا سَلَّمَ اُنْتُقِضَتْ طَهَارَتُهُ بِالْوُجُودِ الَّذِي كَانَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَادَ ذَلِكَ الْوُجُودُ إلَى بَعْدِ الصَّلَاةِ، فَهَذَا أَطْرَفُ مَا يَكُونُ شَيْءٌ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ إذَا عُدِمَ وَلَا يَنْقُضُهَا إذَا وُجِدَ وَهُمْ قَدْ أَنْكَرُوا هَذَا بِعَيْنِهِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: إنَّ الْقَهْقَهَةَ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا تَنْقُضُهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ.
مسألة المريض المباح له التيمم مع وجود الماء
قَالَ عَلِيٌّ: فَإِذْ قَدْ ظَهَرَ أَيْضًا فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ فَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ التُّرَابَ طَهُورٌ مَا لَمْ يُوجَدْ الْمَاءُ» فَصَحَّ أَنْ لَا طَهَارَةَ تَصِحُّ بِتُرَابٍ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ إلَّا لِمَنْ أَجَازَهُ لَهُ النَّصُّ مِنْ الْمَرِيضِ الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ حَرَجٌ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ صَحَّ بُطْلَانُ طَهَارَةِ الْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ فِي صَلَاةٍ كَانَ أَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَصَحَّ قَوْلُ سُفْيَانَ وَمَنْ وَافَقَهُ. إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ تَنَاقَضَ هَهُنَا فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَرَى لِمَنْ أَحْدَثَ مَغْلُوبًا أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَبْنِيَ، وَهَذَا أَحْدَثَ مَغْلُوبًا، فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى أَصْلِهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِأَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَبْنِيَ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَرَى السَّلَامَ مِنْ الصَّلَاةِ لَيْسَ فَرْضًا: وَأَنَّ مَنْ قَعَدَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، وَأَنَّهُ إنْ أَحْدَثَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا فَقَدْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَأَى هَهُنَا أَنَّهُ وَإِنْ قَعَدَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تِلْكَ قَدْ بَطَلَتْ وَكَذَلِكَ طَهَارَتُهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَطَهَّرَ وَيُعِيدَهَا أَبَدًا، وَهَذَا تَنَاقُضٌ فِي غَايَةِ الْقُبْحِ وَالْبُعْدِ عَنْ النُّصُوصِ وَالْقِيَاسِ وَسَدَادِ الرَّأْيِ، وَمَا عَلِمْنَا هَذِهِ التَّفَارِيقَ لِأَحَدٍ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ. [مَسْأَلَةٌ الْمَرِيضُ الْمُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ] 235 - مَسْأَلَةٌ: وَالْمَرِيضُ الْمُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا، فَإِنَّ صِحَّتَهُ لَا تَنْقُضُ طَهَارَتَهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي أَتْبَعْنَا إنَّمَا جَاءَ فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ، فَهُوَ الَّذِي تُنْتَقَضُ طَهَارَتُهُ بِوُجُودِ الْمَاءِ، وَأَمَّا مَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فَإِنَّ وُجُودَ الْمَاءِ قَدْ صَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ طَهَارَتَهُ، بَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، فَإِذْ ذَاكَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الصِّحَّةَ لَيْسَتْ حَدَثًا أَصْلًا، إذْ لَمْ يَأْتِ بِأَنَّهَا حَدَثٌ لَا قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا الْمَرِيضَ عَلَى الْمُسَافِرِ، قُلْنَا الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسُ الشَّيْءِ عَلَى ضِدِّهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ عِنْدَ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ وَهُوَ قِيَاسُ وَاجِدِ الْمَاءِ عَلَى عَادِمِهِ، وَقِيَاسُ مَرِيضٍ عَلَى صَحِيحٍ، وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ أَحْكَامَهُمَا فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا تَخْتَلِفُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْمُتَيَمِّمُ يُصَلِّي بِتَيَمُّمِهِ مَا شَاءَ مِنْ الصَّلَوَاتِ] 236 - مَسْأَلَةٌ: وَالْمُتَيَمِّمُ يُصَلِّي بِتَيَمُّمِهِ مَا شَاءَ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْفَرْضَ وَالنَّوَافِلَ مَا لَمْ يُنْتَقَضْ تَيَمُّمُهُ بِحَدَثٍ أَوْ بِوُجُودِ الْمَاءِ، وَأَمَّا الْمَرِيضُ فَلَا يَنْقُضُ طَهَارَتَهُ بِالتَّيَمُّمِ إلَّا مَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ مِنْ الْأَحْدَاثِ فَقَطْ. وَبِهَذَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَدَاوُد.
وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مِثْلِ الْوُضُوءِ مَا لَمْ يُحْدِثْ. وَعَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: التَّيَمُّمُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ. يَقُولُ يُصَلِّي بِهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ. وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: صَلِّ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا مَا لَمْ تُحْدِثْ، هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ وَهُوَ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُصَلَّى صَلَاتَا فَرْضٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَإِنْ تَيَمَّمَ وَتَطَوَّعَ بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَوْ غَيْرِهِمَا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَيَمَّمَ تَيَمُّمًا آخَرَ لِلْفَرِيضَةِ فَلَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ صَلَّى الْفَرِيضَةَ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَهَا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ وَلَا بُدَّ، وَلَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ. وَقَالَ شَرِيكٌ: يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ شَرِيكٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَرَبِيعَةَ وَقَتَادَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ وَقْتِ صَلَاةِ فَرْضٍ إلَّا أَنَّهُ يُصَلِّي الْفَوَائِتَ مِنْ الْفُرُوضِ كُلِّهَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُ بِحُجَّةٍ أَصْلًا، لَا بِقُرْآنٍ وَلَا بِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ وَلَا بِقِيَاسٍ، وَلَا يَخْلُو التَّيَمُّمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَهَارَةً أَوْ لَا طَهَارَةَ، فَإِنْ كَانَ طَهَارَةً فَيُصَلِّي بِطَهَارَتِهِ مَا لَمْ يُوجِبْ نَقْضَهَا قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةٌ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ طَهَارَةً فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ طَهَارَةً تَامَّةً وَلَكِنَّهُ اسْتِبَاحَةٌ لِلصَّلَاةِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ. وَالثَّانِي أَنَّهُ قَوْلٌ يُكَذِّبُهُ الْقُرْآنُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6] فَنَصَّ تَعَالَى عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَنَاقُضٌ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ طَهَارَةً تَامَّةً - وَلَكِنَّهُ اسْتِبَاحَةٌ لِلصَّلَاةِ،
وَهَذَا كَلَامٌ يَنْقُضُ أَوَّلُهُ آخِرَهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبَاحَةَ لِلصَّلَاةِ لَا تَكُونُ إلَّا بِطَهَارَةٍ، فَهُوَ إذَنْ طَهَارَةٌ لَا طَهَارَةٌ. وَالرَّابِعُ أَنَّهُ هَبْكَ أَنَّهُ كَمَا قَالُوا اسْتِبَاحَةً لِلصَّلَاةِ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ أَنْ لَا يَسْتَبِيحُوا بِهَذِهِ الِاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ كَمَا اسْتَبَاحُوا بِهِ الصَّلَاةَ الْأُولَى؟ وَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اسْتِبَاحَةً لِلصَّلَاةِ الْأُولَى دُونَ أَنْ يَكُونَ اسْتِبَاحَةً لِلثَّانِيَةِ؟ وَقَالُوا: إنَّ طَلَبَ الْمَاءِ يَنْقُضُ طَهَارَةَ الْمُتَيَمِّمِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ الْمَاءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ. قُلْنَا لَهُمْ: هَذَا بَاطِلٌ، أَوَّلُ ذَلِكَ إنَّ قَوْلَكُمْ، إنَّ طَلَبَ الْمَاءِ يَنْقُضُ طَهَارَةَ الْمُتَيَمِّمِ دَعْوَى كَاذِبَةٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَثَانِيهِ أَنَّ قَوْلَكُمْ: أَنَّ عَلَيْهِ طَلَبُ الْمَاءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَاطِلٌ وَأَيَّ مَاءٍ يَطْلُبُ؟ وَهُوَ قَدْ طَلَبَهُ وَأَيْقَنَ أَنَّهُ لَا يَجِدُهُ؟ ثُمَّ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، فَأَيَّ مَاءٍ يَطْلُبُهُ الْمَرِيضُ الْوَاجِدُ الْمَاءَ؟ فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ جُمْلَةً، لَا سِيَّمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي بَقَاءِ الطَّهَارَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ لِلنَّوَافِلِ وَانْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ بَعْدَ النَّافِلَةِ لِلْفَرِيضَةِ، وَبَعْدَ الْفَرِيضَةِ لِلْفَرِيضَةِ، وَطَلَبُ الْمَاءِ عَلَى قَوْلِهِمْ يَلْزَمُ لِلنَّافِلَةِ وَلَا بُدَّ، كَمَا يَلْزَمُ لِلْفَرِيضَةِ، إذْ لَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلنَّافِلَةِ كَمَا تَجِبُ لِلْفَرِيضَةِ وَلَا فَرْقَ، بِلَا خِلَافٍ بِهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَحْكَامُهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، لَا سِيَّمَا وَشَيْخُهُمْ الَّذِي قَلَّدُوهُ - مَالِكٌ - يَقُولُ فِي الْمُوَطَّأِ: لَيْسَ الْمُتَوَضِّئُ بِأَطْهَرَ مِنْ الْمُتَيَمِّمِ، وَمَنْ تَيَمَّمَ فَقَدْ فَعَلَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَظَاهِرُ الْخَطَأِ أَيْضًا، لِأَنَّهُ أَوْجَبَ تَجْدِيدَ التَّيَمُّمِ لِلْفَرِيضَةِ وَلَمْ يُوجِبْهُ لِلنَّافِلَةِ، وَهَذَا خَطَأٌ بِكُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فَظَاهِرُ الْخَطَأِ أَيْضًا، لِأَنَّهُ جَعَلَ الطَّهَارَةَ بِالتَّيَمُّمِ تَصِحُّ بِبَقَاءِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَتُنْتَقَضُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَمَا عَلِمْنَا فِي الْأَحْدَاثِ خُرُوجَ وَقْتٍ أَصْلًا، لَا فِي قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ الْأَمْرُ بِالْغُسْلِ فِي كُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ، وَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ بَاطِلًا، لِأَنَّ قِيَاسَ الْمُتَيَمِّمِ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ لَمْ يُوجِبْهُ شَبَهٌ بَيْنَهُمَا وَلَا عِلَّةٌ جَامِعَةٌ، فَهُوَ بَاطِلٌ بِكُلِّ حَالٍ، فَحَصَلَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ دَعْوَى كُلَّهَا بِلَا بُرْهَانٍ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قَالُوا إنَّ قَوْلَنَا هَذَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ
قُلْنَا أَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَاقِطَةٌ لِأَنَّهَا مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ وَهُوَ هَالِكٌ وَعَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَإِنَّمَا هِيَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَقَتَادَةُ لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَالرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ أَيْضًا لَا تَصِحُّ، وَلَوْ صَحَّتْ لَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ، إذْ لَيْسَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ حُجَّةٌ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَيْضًا فَإِنَّ تَقْسِيمَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ لَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا، فَهُمْ مُخَالِفُونَ الصَّحَابَةَ الْمَذْكُورِينَ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، فَصَحَّ قَوْلُنَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: 6] إلَى قَوْلِهِ: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] قَالَ فَأَوْجَبَ عَزَّ وَجَلَّ الْوُضُوءَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ خَرَجَ الْوُضُوءُ بِذَلِكَ عَنْ حُكْمِ الْآيَةِ، وَبَقِيَ التَّيَمُّمُ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ لِلصَّلَاةِ. قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَهَذَا لَيْسَ كَمَا قَالُوا، لَا سِيَّمَا الْمَالِكِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ الْمُبِيحِينَ لِلْقِيَامِ إلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ بِغَيْرِ إحْدَاثِ تَيَمُّمٍ وَلَا إحْدَاثِ طَلَبٍ لِلْمَاءِ، فَلَا مُتَعَلَّقَ لِهَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ شَرِيكٍ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنَّ الْآيَةَ لَا تُوجِبُ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْتُمْ، وَلَوْ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ لَأَوْجَبَتْ غُسْلَ الْجَنَابَةِ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ أَبَدًا، وَإِنَّمَا حُكْمُ الْآيَةِ فِي إيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمَ وَالْغُسْلَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُجْنِبِينَ وَالْمُحْدِثِينَ فَقَطْ، بِنَصِّ آخِرِ الْآيَةِ الْمُبَيِّنِ لِأَوَّلِهَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ هَهُنَا حَذْفًا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَطْفُ وَإِنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَأَحْدَثْتُمْ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ، فَبَطَلَ مَا شَغَبُوا بِهِ. بَلْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ إنَّ حُكْمَ تَجْدِيدِ الطَّهَارَةِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ إنَّمَا هُوَ بِنَصِّ الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ حُكْمُهُ الْوُضُوءُ لَا عَلَى مَنْ حُكْمُهُ التَّيَمُّمُ، لَكَانَ أَحَقَّ بِظَاهِرِ الْآيَةِ
مسألة التيمم جائز قبل الوقت وفي الوقت
مِنْهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ قَطُّ بِالتَّيَمُّمِ فِي الْآيَةِ إلَّا مَنْ كَانَ مُحْدِثًا فَقَطْ، لَا كُلَّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ أَصْلًا، وَهَذَا لَا مَخْلَصَ لَهُمْ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ فِي إيجَابِ تَجْدِيدِ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ بِالْآيَةِ وَصَارَتْ الْآيَةُ مُوجِبَةً لِقَوْلِنَا، وَمُسْقِطَةً لِلتَّيَمُّمِ إلَّا عَمَّنْ كَانَ مُحْدِثًا فَقَطْ، وَأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ صَحِيحَةٌ بِنَصِّ الْآيَةِ، فَإِذْ الْآيَةُ مُوجِبَةٌ لِذَلِكَ فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ يُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مَا شَاءَ الْمُصَلِّي مِنْ صَلَوَاتِ الْفَرْضِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَفِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ النَّافِلَةِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ يَجْنُبْ أَوْ يَجِدْ الْمَاءَ بِنَصِّ الْآيَةِ نَفْسِهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. [مَسْأَلَةٌ التَّيَمُّمُ جَائِزٌ قَبْلَ الْوَقْتِ وَفِي الْوَقْتِ] 237 - مَسْأَلَةٌ: وَالتَّيَمُّمُ جَائِزٌ قَبْلَ الْوَقْتِ وَفِي الْوَقْتِ إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ نَافِلَةً أَوْ فَرْضًا كَالْوُضُوءِ وَلَا فَرْقَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَقُلْ تَعَالَى إلَى صَلَاةِ فَرْضٍ دُونَ النَّافِلَةِ، فَكُلُّ مُرِيدٍ صَلَاةً فَالْفَرْضُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَطَهَّرَ لَهَا بِالْغُسْلِ إنْ كَانَ جُنُبًا، وَبِالْوُضُوءِ أَوْ التَّيَمُّم إنْ كَانَ مُحْدِثًا، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ لِمُرِيدِ الصَّلَاةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ تَطَهُّرِهِ وَبَيْنَ صَلَاتِهِ مُهْلَةٌ مِنْ الزَّمَانِ، فَإِذْ لَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ فَمَنْ حَدَّ فِي قَدْرِ تِلْكَ الْمُهْلَةِ حَدًّا فَهُوَ مُبْطِلٌ، لِأَنَّهُ يَقُولُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، فَإِذْ هَذَا كَمَا ذَكَرْنَا فَلَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ بِالْوُضُوءِ وَلَا بِالتَّيَمُّمِ طُولُ تِلْكَ الْمُهْلَةِ وَلَا قِصَرُهَا وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ فِي رَحْلِهِ مَاءٌ فَنَسِيَهُ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى] 238 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ فِي رَحْلِهِ مَاءٌ فَنَسِيَهُ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، لِأَنَّ النَّاسِيَ غَيْرُ وَاجِدٍ لِلْمَاءِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ فِي الْبَحْرِ وَالسَّفِينَةُ تَجْرِي وَأَرَادَ الصَّلَاة] 239 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ فِي الْبَحْرِ وَالسَّفِينَةُ تَجْرِي فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَخْذِ مَاءِ الْبَحْرِ وَالتَّطَهُّرِ بِهِ لَمْ يُجْزِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ تَيَمَّمَ وَأَجْزَأَهُ. رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّ مَاءَ الْبَحْرِ لَا يُجْزِئُ الْوُضُوءَ بِهِ، وَأَنَّ حُكْمَ مَنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ التَّيَمُّمُ. وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْوُضُوءَ بِمَاءِ الْبَحْرِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ» وَمَاءُ الْبَحْرِ مَاءٌ مُطْلَقٌ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِ الْمَاءِ مِنْهُ فَهُوَ لَا يَجِدُ مَاءً يَقْدِرُ عَلَى التَّطَهُّرِ بِهِ، فَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ.
مسألة لم يجد إلا ماء يخاف على نفسه منه
[مَسْأَلَةٌ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَاءً يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ] مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ وَهُوَ صَحِيحٌ أَوْ مَرِيضٌ فَلَمْ يَجِدْ إلَّا مَاءً يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ الْمَوْتَ أَوْ الْمَرَضَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْخِينِهِ إلَّا حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ مَاءً يَقْدِرُ عَلَى التَّطَهُّرِ بِهِ. [مَسْأَلَةٌ لَيْسَ عَلَى مَنْ لَا مَاءَ مَعَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِلْوُضُوءِ وَلَا لِلْغُسْلِ] 241 - مَسْأَلَةٌ: وَلَيْسَ عَلَى مَنْ لَا مَاءَ مَعَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِلْوُضُوءِ وَلَا لِلْغُسْلِ، لَا بِمَا قَلَّ وَلَا بِمَا كَثُرَ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ لَمْ يُجْزِهِ الْوُضُوءُ بِهِ وَلَا الْغُسْلُ وَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ، وَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِلشُّرْبِ إنْ لَمْ يُعْطَهُ بِلَا ثَمَنٍ، وَأَنْ يَطْلُبَهُ لِلْوُضُوءِ فَذَلِكَ لَهُ. وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَإِنْ وُهِبَ لَهُ تَوَضَّأَ بِهِ وَلَا بُدَّ، وَلَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ «نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ» . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ ثنا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ أُسَامَةَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُبَاعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُبَاعَ بِهِ الْكَلَأُ» . حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثنا عِيسَى بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ثنا أَبِي عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَخْبَرَهُ أَبُو الْمِنْهَالِ أَنَّ إيَاسَ بْنَ عَبْدٍ قَالَ لِرَجُلٍ: لَا تَبِعْ الْمَاءَ، فَإِنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ» وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ «عَنْ إيَاسِ بْنِ عَبْدٍ الْمُزَنِيِّ - وَرَأَى نَاسًا يَبِيعُونَ الْمَاءَ - فَقَالَ لَا تَبِيعُوا الْمَاءَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُبَاعَ» . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ثنا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَمْنَعَ نَقْعَ الْبِئْرِ يَعْنِي فَضْلَ الْمَاءِ» هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ تَفْسِيرُهُ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مُسْنَدًا مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ، فَهَؤُلَاءِ أَرْبَعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَهُوَ نَقْلُ تَوَاتُرٍ لَا تَحِلُّ مُخَالَفَتُهُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ تَقَصَّيْتُ الْكَلَامَ فِي هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الْمَاءِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِهِ فَبَيْعُهُ حَرَامٌ، وَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَأَخْذُهُ بِالْبَيْعِ أَخْذٌ بِالْبَاطِلِ، وَإِذْ هُوَ مَأْخُوذٌ بِالْبَاطِلِ فَهُوَ غَيْرُ مُتَمَلِّكَ لَهُ، وَإِذْ هُوَ غَيْرُ
مسألة معه ماء يسير يكفيه لشربه فقط وأراد الصلاة
مُتَمَلِّكٍ لَهُ فَلَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ لَهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188] وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَإِذَا لَمْ يَجِدْهُ إلَّا بِوَجْهٍ حَرَامٍ - مِنْ غَصْبٍ أَوْ بَيْعٍ مُحَرَّمٍ - فَهُوَ غَيْرُ وَاجِدٍ الْمَاءَ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ فَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ. وَأَمَّا ابْتِيَاعُهُ لِلشُّرْبِ فَهُوَ مُضْطَرٌّ إلَى ذَلِكَ، وَالثَّمَنُ حَرَامٌ عَلَى الْبَائِعِ، لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمَنْعُ فَضْلِ الْمَاءِ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَأَمَّا اسْتِيهَابُهُ الْمَاءَ فَلَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ إيجَابٌ وَلَا جَاءَ عَنْهُ مَنْعٌ فَهُوَ مُبَاحٌ، قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» أَوْ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَإِذَا مَلَكَهُ بِهِبَةٍ فَقَدْ مَلَكَهُ بِحَقٍّ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّهَارَةِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ: عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَاءَ لِلْوُضُوءِ بِثَمَنِهِ، فَإِنْ طُلِبَ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِهِ، تَيَمَّمَ وَلَمْ يَشْتَرِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَشْتَرِيهِ بِثَمَنٍ كَثِيرٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ قَلِيلَ الدَّرَاهِمِ وَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بِثَمَنٍ غَالٍ تَيَمَّمَ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرَ الْمَالِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَشِطُّوا عَلَيْهِ فِي الثَّمَنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَشْتَرِيهِ وَلَوْ بِمَالِهِ كُلِّهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ كَانَ وَاجِدُهُ بِالثَّمَنِ - وَاجِدًا لِلْمَاءِ - فَالْحُكْمُ مَا قَالَهُ الْحَسَنُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَاجِدٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُنَا، وَأَمَّا التَّقْسِيمُ فِي ابْتِيَاعِهِ مَا لَمْ يَغْلِ عَلَيْهِ فِيهِ، وَتَرَكَهُ إنْ غُولِي بِهِ، فَلَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ، وَكُلُّ مَا دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ فَلَيْسَ غَالِيًا بِشَيْءٍ أَصْلًا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَعَهُ مَاءٌ يَسِيرٌ يَكْفِيهِ لِشُرْبِهِ فَقَطْ وَأَرَادَ الصَّلَاة] 242 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ يَسِيرٌ يَكْفِيهِ لِشُرْبِهِ فَقَطْ فَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] . [مَسْأَلَةٌ مَعَهُ مَاءٌ يَسِيرٌ يَكْفِيهِ لِلْوُضُوءِ وَهُوَ جُنُبٌ] 243 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ يَسِيرٌ يَكْفِيهِ لِلْوُضُوءِ وَهُوَ جُنُبٌ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ وَتَوَضَّأَ بِالْمَاءِ، لَا يُبَالِي أَيَّهُمَا قَدَّمَ، لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمَا فَرْضَانِ مُتَغَايِرَانِ، وَإِذْ هُمَا كَذَلِكَ فَلَا يَنُوبُ أَحَدٌ عَنْ الْآخَرِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ أَحَدَهُمَا بِكَمَالِهِ بِالْمَاءِ، فَلَا يُجْزِيهِ إلَّا ذَلِكَ، وَيُؤَدِّي الْآخَرَ بِالتَّيَمُّمِ أَيْضًا كَمَا أُمِرَ. 244 - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ فَضَلَ لَهُ مِنْ الْمَاءِ يَسِيرٌ فَلَوْ اسْتَعْمَلَهُ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ ذَهَبَ
مسألة أجنب ولا ماء معه
وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَعُمَّ بِهِ سَائِرَ أَعْضَائِهِ، فَفَرْضُهُ غَسْلُ مَا أَمْكَنَهُ وَالتَّيَمُّمُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَغْسِلُ بِهِ أَيَّ أَعْضَائِهِ شَاءَ وَيَتَيَمَّمُ. قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّهُ غَيْرُ عَاجِزٍ عَنْ سَائِرِ أَعْضَائِهِ. بِمَنْعٍ مِنْهَا فَيُجْزِيهِ تَطْهِيرُ بَعْضِهَا: وَلَكِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ تَطْهِيرِ مَا أُمِرَ بِتَطْهِيرِهِ بِالْمَاءِ، وَمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَالْفَرْضُ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ وَلَا بُدَّ، بِتَعْوِيضِ اللَّهِ تَعَالَى الصَّعِيدَ مِنْ الْمَاءِ إذَا لَمْ يُوجَدْ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَهَذَا مُسْتَطِيعٌ لَأَنْ يَأْتِيَ بِبَعْضِ وُضُوئِهِ أَوْ بِبَعْضِ غُسْلِهِ، غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ عَلَى بَاقِيهِ، فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ الْغُسْلِ بِمَا يَسْتَطِيعُ فِي الْأَوَّلِ، فَالْأَوَّلُ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَأَعْضَاءِ الْغُسْلِ حَيْثُ بَلَغَ، فَإِذَا نَفِدَ لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ لِبَاقِي أَعْضَائِهِ وَلَا بُدَّ، لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ لِلْمَاءِ فِي تَطْهِيرِهَا، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَعْوِيضُ التُّرَابِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَوْ كَانَ بَعْضُ أَعْضَائِهِ ذَاهِبًا أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَسِّهِ الْمَاءَ لِجُرْحٍ أَوْ كَسْرٍ سَقَطَ حُكْمُهُ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَأَجْزَأَهُ غَسْلُ مَا بَقِيَ، لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ عَاجِزٌ عَنْ تَطْهِيرِ الْأَعْضَاءِ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّيَمُّمِ لِوُجُودِهِ الْمَاءَ وَسَقَطَ عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ أَجْنَبَ وَلَا مَاءَ مَعَهُ] 245 - مَسْأَلَةٌ: فَمَنْ أَجْنَبَ وَلَا مَاءَ مَعَهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَيَمَّمَ تَيَمُّمَيْنِ، يَنْوِي بِأَحَدِهِمَا تَطْهِيرَ الْجَنَابَةِ وَبِالْآخِرِ الْوُضُوءَ، وَلَا يُبَالِي أَيَّهُمَا قَدَّمَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا عَمَلَانِ مُتَغَايِرَانِ كَمَا قَدَّمْنَا، فَلَا يُجْزِئُ عَمَلٌ وَاحِدٌ عَنْ عَمَلَيْنِ مُفْتَرَضَيْنِ إلَّا بِأَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِأَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُمَا، وَالنَّصُّ قَدْ جَاءَ بِأَنَّ غَسْلَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ يُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ غَسْلِهَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ فَصِرْنَا إلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْتِ هَهُنَا نَصٌّ بِأَنَّ تَيَمُّمًا وَاحِدًا يُجْزِئُ عَنْ الْجَنَابَةِ وَعَنْ الْوُضُوءِ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَجْنَبَتْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَهِيَ مُسَافِرَةٌ وَلَا مَاءَ مَعَهَا فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ أَرْبَعِ تَيَمُّمَاتٍ: تَيَمُّمٌ لِلْحَيْضِ وَتَيَمُّمٌ لِلْجَنَابَةِ وَتَيَمُّمٌ لِلْوُضُوءِ وَتَيَمُّمٌ لِلْجُمُعَةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ غَسَّلَتْ مَيِّتًا فَتَيَمُّمٌ خَامِسٌ، وَالْبُرْهَانُ فِي ذَلِكَ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْغُسْلِ وَاجْتِمَاعِ وُجُوهِهِ الْمُوجِبَةِ لَهُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ مَحْبُوسًا أَوْ مَصْلُوبًا بِحَيْثُ لَا يَجِدُ تُرَابًا وَلَا مَاءً وَجَاءَتْ الصَّلَاةُ] 246 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ بِحَيْثُ لَا يَجِدُ تُرَابًا وَلَا مَاءً أَوْ
كَانَ مَصْلُوبًا وَجَاءَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ كَمَا هُوَ وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَلَا يُعِيدُهَا، سَوَاءٌ وَجَدَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ أَوْ لَمْ يَجِدْهُ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] وقَوْله تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وقَوْله تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] فَصَحَّ بِهَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُنَا مِنْ الشَّرَائِعِ إلَّا مَا اسْتَطَعْنَا، وَأَنَّ مَا لَمْ نَسْتَطِعْهُ فَسَاقِطٌ عَنَّا، وَصَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْنَا تَرْكَ الْوُضُوءِ أَوْ التَّيَمُّمِ لِلصَّلَاةِ إلَّا أَنْ نُضْطَرَّ إلَيْهِ، وَالْمَمْنُوعُ مِنْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ مُضْطَرٌّ إلَى مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِ التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ أَوْ التُّرَابِ، فَسَقَطَ عَنَّا تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الصَّلَاةِ بِتَوْفِيَتِهَا أَحْكَامَهَا وَبِالْإِيمَانِ، فَبَقِيَ عَلَيْهِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ، فَإِذَا صَلَّى كَمَا ذَكَرْنَا فَقَدْ صَلَّى كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنْ صَلَّى كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالْمُبَادَرَةُ إلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِيمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ: لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ مَتَى وَجَدَهُ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فَإِنْ قَدَرَ عَلَى التَّيَمُّمِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، ثُمَّ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَعَادَ وَلَا بُدَّ مَتَى وَجَدَهُ، وَإِنْ خَشِيَ الْمَوْتَ مِنْ الْبَرْدِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَأَجْزَأَهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيُّ: يُصَلِّي كَمَا هُوَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَعَادَ مَتَى وَجَدَهُ، فَإِنْ قَدَرَ فِي الْمِصْرِ عَلَى التُّرَابِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَأَعَادَ أَيْضًا وَلَا بُدَّ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ. وَقَالَ زُفَرُ فِي الْمَحْبُوسِ فِي الْمِصْرِ بِحَيْثُ لَا يَجِدُ مَاءً وَلَا تُرَابًا أَوْ بِحَيْثُ يَجِدُ التُّرَابَ: إنَّهُ لَا يُصَلِّي أَصْلًا حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ، لَا بِتَيَمُّمٍ وَلَا بِلَا تَيَمُّمٍ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ تَوَضَّأَ وَصَلَّى تِلْكَ الصَّلَوَاتِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُصَلِّي وَلَا يُعِيدُ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُصَلِّي كَمَا هُوَ وَلَا يُعِيدُ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَظَاهِرُ التَّنَاقُضِ، لِأَنَّهُ لَا يُجِيزُ الصَّلَاةَ بِالتَّيَمُّمِ فِي الْمِصْرِ لِغَيْرِ الْمَرِيضِ وَخَائِفِ الْمَوْتِ، كَمَا لَا يُجِيزُ لَهُ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ وَلَا فَرْقَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا - وَكِلَاهُمَا عِنْدَهُ لَا تُجْزِيهِ صَلَاتُهُ - فَأَمَرَ أَحَدَهُمَا بِأَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً
لَا تُجْزِيهِ، وَأَمَرَ الْآخَرَ بِأَنْ لَا يُصَلِّيَهَا، وَهَذَا خَطَأٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ سُقُوطًا لَا خَفَاءَ بِهِ، وَمَا لَهُ حُجَّةٌ أَصْلًا يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَخَطَأٌ، لِأَنَّهُمَا أَمَرَاهُ بِصَلَاةٍ لَا تُجْزِيهِ وَلَا لَهَا مَعْنَى، فَهِيَ بَاطِلٌ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وَأَمَّا قَوْلُ زُفَرَ فَخَطَأٌ أَيْضًا، لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِأَنْ لَا يُصَلِّيَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ فِيهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي نَهَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ تَأْخِيرِهِ الصَّلَاةَ إلَيْهِ، وَقَدْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا أَوْكَدَ أَمْرٍ وَأَشَدَّهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] فَلَمْ يَأْمُرْ تَعَالَى بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِ الْكَافِرِ حَتَّى يَتُوبَ مِنْ الْكُفْرِ وَيُقِيمَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، فَلَا يَحِلُّ تَرْكُ مَا هَذِهِ صِفَتُهُ عَنْ الْوَقْتِ الَّذِي لَمْ يُفْسِحْ تَعَالَى فِي تَأْخِيرِهِ عَنْهُ، فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِ زُفَرَ وَكُلِّ مَنْ أَمَرَهُ بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا يُصَلِّي أَصْلًا فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» قَالُوا: فَلَا نَأْمُرُهُ بِمَا لَمْ يَقْبَلْهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ، لِأَنَّهُ فِي وَقْتِهَا غَيْرُ مُتَوَضِّئٍ وَلَا مُتَطَهِّرٍ، وَهُوَ بَعْدَ الْوَقْتِ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا كَانَ أَصَحَّ الْأَقْوَالِ، لَوْلَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْقَطَ عَنَّا مَا لَا نَسْتَطِيعُ مِمَّا أَمَرَنَا بِهِ، وَأَبْقَى عَلَيْنَا مَا نَسْتَطِيعُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَسْقَطَ عَنَّا مَا لَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَأَبْقَى عَلَيْنَا مَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] فَصَحَّ أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» وَ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً إلَّا بِطَهُورِ» إنَّمَا كَلَّفَ ذَلِكَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْوُضُوءِ أَوْ الطَّهُورِ بِوُجُودِ الْمَاءِ أَوْ التُّرَابِ، لَا مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ، هَذَا هُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ، فَلَمَّا صَحَّ ذَلِكَ سَقَطَ عَنَّا تَكْلِيفُ مَا لَا نُطِيقُ مِنْ ذَلِكَ، وَبَقِيَ عَلَيْنَا تَكْلِيفُ مَا نُطِيقُهُ، وَهُوَ الصَّلَاةُ فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْمُصَلِّي كَذَلِكَ مُؤَدٍّ مَا أُمِرَ بِهِ، وَمَنْ أَدَّى مَا أُمِرَ بِهِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَكَيْفَ وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا نَصٌّ كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ السَّلِيمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا النُّفَيْلِيُّ ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
مسألة كان في سفر ولا ماء معه أو كان مريضا
قَالَتْ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُسَيْدَ بْنَ الْحُضَيْرِ وَأُنَاسًا مَعَهُ فِي طَلَبِ قِلَادَةٍ أَضَلَّتْهَا عَائِشَةُ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى ثنا ابْنُ نُمَيْرٍ - هُوَ عَبْدُ اللَّهِ - ثنا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا فَوَجَدَهَا، فَأَدْرَكَتْهُمْ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّيَمُّمِ» فَهَذَا أُسَيْدٌ وَطَائِفَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مَعَ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَرِضَاءِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ فِي سَفَرٍ وَلَا مَاءَ مَعَهُ أَوْ كَانَ مَرِيضًا] 247 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ فِي سَفَرٍ وَلَا مَاءَ مَعَهُ أَوْ كَانَ مَرِيضًا يَشُقُّ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فَلَهُ أَنْ يُقَبِّلَ زَوْجَتَهُ وَأَنْ يَطَأَهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَقَتَادَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُد، وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عُمَرَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ عَطَاءٌ إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ ثَلَاثُ لَيَالٍ فَأَقَلَّ فَلَا يَطَؤُهَا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ أَرْبَعُ لَيَالٍ فَلَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَقَالَ الزُّهْرِيُّ إنْ كَانَ مُسَافِرًا فَلَا يَطَؤُهَا لَهُ وَإِنْ كَانَ مَغْرِبًا رَحَّالًا فَلَهُ أَنْ يَطَأَهَا، وَإِنْ كَانَ لَا مَاءَ مَعَهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ مُسَافِرًا فَلَا يَطَؤُهَا وَلَا يُقَبِّلُهَا إنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ، فَإِنْ كَانَ بِهِ جِرَاحٌ يَكُونُ حُكْمُهُ مَعَهَا التَّيَمُّمَ فَلَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَيُقَبِّلَهَا، لِأَنَّ أَمْرَ هَذَا يَطُولُ. قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا فَطَهُرَتْ فَتَيَمَّمَتْ وَصَلَّتْ فَلَيْسَ لِزَوْجِهَا أَنْ يَطَأَهَا. قَالَ: وَكَذَلِكَ لَا يَطَؤُهَا وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا مُتَيَمِّمَةً. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا تَقْسِيمُ عَطَاءٍ فَلَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ الْحَدَّ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَكَذَلِكَ تَقْسِيمُ الزُّهْرِيِّ، وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ لَمْ يُخَالَفْ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا احْتِيَاطٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى التَّيَمُّمَ طُهْرًا، وَالصَّلَاةُ بِهِ جَائِزَةٌ، وَقَدْ حَضَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى
مسألة يؤم المتيمم المتوضئين والمتوضئ المتيممين
مُبَاضَعَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَصَحَّ أَنَّهُ مَأْجُورٌ فِي ذَلِكَ، وَمَا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ مَنْ حُكْمُهُ التَّيَمُّمُ مِمَّنْ حُكْمُهُ الْغُسْلُ أَوْ الْوُضُوءُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْعَجَبُ أَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ يُجْزِئُ لِلْجَنَابَةِ وَلِلْوُضُوءِ وَلِلْحَيْضِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ يَمْنَعُ الْمُحْدِثَةَ وَالْمُتَطَهِّرَةَ مِنْ الْحَيْضِ بِالتَّيَمُّمِ وَالْمُحْدِثَ أَنْ يَطَأَ امْرَأَتَهُ فَقَدْ أَوْجَبَ أَنَّهُمَا عَمَلَانِ مُتَغَايِرَانِ، فَكَيْفَ يُجْزِئُ عِنْدَهُ عَنْهُمَا عَمَلٌ وَاحِدٌ قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا حُجَّةَ لِلْمَانِعِ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ نِسَاءَنَا حَرْثًا لَنَا وَلِبَاسًا لَنَا، وَأَمَرَنَا بِالْوَطْءِ فِي الزَّوْجَاتِ وَذَوَاتِ الْأَيْمَانِ، حَتَّى أَوْجَبَ تَعَالَى عَلَى الْحَالِفِ أَنْ يَطَأَ امْرَأَتَهُ أَجَلًا مَحْدُودًا - إمَّا أَنْ يَطَأَ وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ، وَجَعَلَ حُكْمَ الْوَاطِئِ وَالْمُحْدِثِ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ إنْ وَجَدَ الْمَاءَ، وَالتَّيَمُّمَ إنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ، لَا فَضْلَ لِأَحَدِ الْعَمَلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَطْهَرَ مِنْ الْآخَرِ وَلَا بِأَتَمَّ صَلَاةً، فَصَحَّ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمَهُ، فَلَا مَعْنَى لِمَنْعِ مَنْ حُكْمُهُ التَّيَمُّمُ مِنْ الْوَطْءِ، كَمَا لَا مَعْنَى لِمَنْعِ مَنْ حُكْمُهُ الْغُسْلُ مِنْ الْوَطْءِ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي النَّصِّ سَوَاءٌ، لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَصْلًا وَالثَّانِي فَرْعًا، بَلْ هُمَا فِي الْقُرْآنِ سَوَاءٌ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ يَؤُمّ الْمُتَيَمِّمُ الْمُتَوَضِّئِينَ وَالْمُتَوَضِّئُ الْمُتَيَمِّمِينَ] 248 - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ أَنْ يَؤُمَّ الْمُتَيَمِّمُ الْمُتَوَضِّئِينَ، وَالْمُتَوَضِّئُ الْمُتَيَمِّمِينَ، وَالْمَاسِحُ الْغَاسِلِينَ وَالْغَاسِلُ الْمَاسِحِينَ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا قَدْ أَدَّى فَرْضَهُ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَطْهَرَ مِنْ الْآخَرِ، وَلَا أَحَدُهُمَا أَتَمَّ صَلَاةً مِنْ الْآخَرِ، وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ، وَلَمْ يَخُصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ هَهُنَا وَاجِبٌ غَيْرُ مَا ذَكَرَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَبَيَّنَهُ وَلَا أَهْمَلَهُ، حَاشَا لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ وَسُفْيَانَ وَالشَّافِعِيِّ وَدَاوُد وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ. وَرُوِيَ الْمَنْعُ فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: لَا يَؤُمُّ الْمُتَيَمِّمُ الْمُتَوَضِّئِينَ وَلَا الْمُقَيَّدُ الْمُطْلَقِينَ، وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَؤُمُّ الْمُتَيَمِّمُ مِنْ جَنَابَةٍ إلَّا مَنْ هُوَ مِثْلُهُ، وَبِهِ يَقُولُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: لَا يَؤُمُّهُمْ. وَكَرِهَ مَالِكٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ أَنْ يَؤُمَّهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَؤُمُّهُمْ إلَّا إنْ كَانَ أَمِيرًا.
مسألة يتيمم الجنب والحائض وكل من عليه غسل واجب
قَالَ عَلِيٌّ: النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ أَوْ كَرَاهَتُهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَكَذَلِكَ تَقْسِيمُ مَنْ قَسَّمَ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ يَتَيَمَّمُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَكُلُّ مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ وَاجِبٌ] 249 - مَسْأَلَةٌ: وَيَتَيَمَّمُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَكُلُّ مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ وَاجِبٌ كَمَا يَتَيَمَّمُ الْمُحْدِثُ وَلَا فَرْقَ. وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَتَيَمَّمُ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ، وَعَنْ الْأَسْوَدِ وَإِبْرَاهِيمَ مِثْلُ ذَلِكَ. كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، قَالَ وَاصِلٌ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - وَهُمَا خَيْرٌ مِنِّي - يَقُولَانِ: إنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ لَمْ يُصَلِّ - يَعْنِي الْجُنُبَ - قَالَ: وَأَنَا لَوْ لَمْ أَجِدْ الْمَاءَ لَتَيَمَّمْتُ وَصَلَّيْتُ. وَقَالَ الْحَكَمُ: سَأَلْتُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ إذَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ قَالَ لَا أُصَلِّي قَالَ شُعْبَةُ: وَقُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ: أَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إنْ لَمْ أَجِدْ الْمَاءَ شَهْرًا لَمْ أُصَلِّ؟ - يَعْنِي الْجُنُبَ - فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: قَالَ نَعَمْ وَالْأَسْوَدُ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ يَتَيَمَّمُ الْجُنُبُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ثنا عَوْفٌ - هُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ - ثنا أَبُو رَجَاءٍ - هُوَ الْعُطَارِدِيُّ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْفَتَلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ صَلَاتِهِ إذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟ قَالَ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» . وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] قَالَ فَلَمْ يَجْعَلْ لِلْجُنُبِ إلَّا الْغُسْلَ، قُلْنَا لَهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] وَقَالَ تَعَالَى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3] {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْجُنُبَ حُكْمُهُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ.
مسألة صفة التيمم للجنابة وللحيض ولكل غسل واجب وللوضوء صفة عمل واحد
فَإِنْ ذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ثنا شُعْبَةُ عَنْ الْمُخَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصَلِّ، فَقَالَ أَحْسَنْتَ. وَجَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ: إنِّي أَجْنَبْتُ فَتَيَمَّمْتُ فَصَلَّيْتُ، قَالَ أَحْسَنْتَ» قُلْنَا: هَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ، وَالْمُخَارِقُ ثِقَةٌ، تَابِعٌ، وَطَارِقٌ صَاحِبٌ، صَحِيحُ الصُّحْبَةِ مَشْهُورٌ وَالْخَبَرُ بِهِ نَقُولُ، وَهَذَا الَّذِي أَجْنَبَ فَلَمْ يُصَلِّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حُكْمُ التَّيَمُّمِ، فَأَصَابَ إذْ لَمْ يُصَلِّ بِمَا لَا يَدْرِي، وَإِنَّمَا تَلْزَمُ الشَّرَائِعُ بَعْدَ الْبُلُوغِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19] وَاَلَّذِي تَيَمَّمَ عَلِمَ فَرْضَ التَّيَمُّمِ فَفَعَلَهُ، لَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ هَذَا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّيَمُّمُ فَرْضَ الْمُجْنِبِ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ، فَيُخْطِئُ مَنْ تَرَكَ الْفَرْضَ مِمَّنْ عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونَ التَّيَمُّمُ لَيْسَ فَرْضَ الْمُجْنِبِ الْمَذْكُورِ فَيُخْطِئُ مَنْ فَعَلَهُ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ فَرْضُهُ بِمَا ذَكَرْنَا فِي خَبَرِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَعْلَمْهُ وَالْآخَرَ عَلِمَهُ، فَأَتَى بِهِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الْحَائِضُ وَكُلُّ مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ وَاجِبٌ، فَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ» وَكُلُّ مَأْمُورٍ بِالطَّهُورِ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ فَالتُّرَابُ بِنَصِّ عُمُومِ هَذَا الْخَبَرِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ صِفَةُ التَّيَمُّمِ لِلْجَنَابَةِ وَلِلْحَيْضِ وَلِكُلِّ غُسْلٍ وَاجِبٍ وَلِلْوُضُوءِ صِفَةُ عَمَلٍ وَاحِدٍ] 250 - مَسْأَلَةٌ: وَصِفَةُ التَّيَمُّمِ لِلْجَنَابَةِ وَلِلْحَيْضِ وَلِكُلِّ غُسْلٍ وَاجِبٍ وَلِلْوُضُوءِ صِفَةُ عَمَلٍ وَاحِدٍ، إنَّمَا يَجِبُ فِي كُلِّ ذَلِكَ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْوَجْهَ الَّذِي تَيَمَّمَ لَهُ، مِنْ طَهَارَةٍ لِلصَّلَاةِ أَوْ جَنَابَةٍ أَوْ إيلَاجٍ فِي الْفَرْجِ أَوْ طَهَارَةٍ مِنْ حَيْضٍ أَوْ مِنْ نِفَاسٍ أَوْ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ، ثُمَّ يَضْرِبُ الْأَرْضَ بِكَفَّيْهِ مُتَّصِلًا بِهَذِهِ النِّيَّةِ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِمَا وَيَمْسَحُ وَجْهَهُ وَظَهْرَ كَفَّيْهِ إلَى الْكُوعَيْنِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِيعَابُ الْوَجْهِ وَلَا الْكَفَّيْنِ وَلَا يَمْسَحُ فِي شَيْءٍ مِنْ التَّيَمُّمِ ذِرَاعَيْهِ وَلَا رَأْسَهُ وَلَا رِجْلَيْهِ وَلَا شَيْئًا مِنْ جِسْمِهِ. أَمَّا النِّيَّةُ فَقَدْ ذَكَرْنَا وُجُوبَهَا قَبْلُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْزِئُ الْوُضُوءُ وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ بِلَا نِيَّةٍ، وَلَا يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ فِيهِمَا إلَّا بِنِيَّةٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: كُلُّ ذَلِكَ يُجْزِئُ بِلَا نِيَّةٍ، وَأَمَّا كَوْنُ عَمَلِ التَّيَمُّمِ لِلْجَنَابَةِ وَلِلْحَيْضِ وَلِلنِّفَاسِ وَلِسَائِرِ مَا ذَكَرْنَا - كَصِفَتِهِ لِرَفْعِ الْحَدَثِ فَإِجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ كُلِّ مَنْ يَقُولُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَغْسَالِ وَبِالتَّيَمُّمِ لَهَا.
وَأَمَّا سُقُوطُ مَسْحِ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ وَسَائِرِ الْجَسَدِ فِي التَّيَمُّمِ فَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ، إلَّا شَيْئًا فَعَلَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَاهُ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَفِي سَائِرِ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ، وَهُوَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا بِأَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَتَانِ وَلَا بُدَّ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ عَلَيْهِ اسْتِيعَابُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ عَلَيْهِ اسْتِيعَابُ ذِرَاعَيْهِ إلَى الْآبَاطِ، وَقَالَ آخَرُونَ إلَى الْمَرَافِقِ. فَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَتَانِ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْأُخْرَى لِلْيَدَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ إلَى الْمَرَافِقِ، فَإِنَّهُ احْتَجُّوا بِحَدِيثٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي التَّيَمُّمِ «ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَأُخْرَى لِلذِّرَاعَيْنِ» وَبِحَدِيثٍ مِنْ طَرِيقِ عَمَّارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إلَى الْمِرْفَقَيْنِ " وَبِحَدِيثٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «سَلَّمَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سِكَّةٍ مِنْ السِّكَكِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى الْحَائِطِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ» . ثُمَّ بِحَدِيثِ الْأَسْلَعِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الْأَعْرَجِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ. فَسَكَتَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَتَّى جَاءَهُ جِبْرِيلُ بِالصَّعِيدِ، فَقَالَ: قُمْ يَا أَسْلَعُ فَارْحَلْ، قَالَ: ثُمَّ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّيَمُّمَ، فَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ ثُمَّ نَفَضَهُمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ حَتَّى أَمَرَّ عَلَى لِحْيَتِهِ، ثُمَّ أَعَادَهَا إلَى الْأَرْضِ فَمَسَحَ كَفَّيْهِ الْأَرْضَ فَدَلَّكَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ثُمَّ نَفَضَهُمَا ثُمَّ مَسَحَ ذِرَاعَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا» . وَبِحَدِيثٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ «وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ» لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ إلَّا ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ وَبِحَدِيثٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّيَمُّمِ «ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ» وَبِحَدِيثٍ عَنْ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ» .
وَقَالُوا: قَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، مِنْ فُتْيَاهُمْ وَفِعْلِهِمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَتَانِ، ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ وَالْيَدَيْنِ، قَالُوا وَالتَّيَمُّمُ بَدَلٌ مِنْ الْوُضُوءِ، فَلَمَّا كَانَ يُجَدِّدُ الْمَاءَ لِلْوَجْهِ وَمَاءً آخَرَ لِلذِّرَاعَيْنِ وَجَبَ كَذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ، وَلَمَّا كَانَ الْوُضُوءُ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّيَمُّمُ الَّذِي هُوَ بَدَلُهُ كَذَلِكَ. هَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ، وَكُلُّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ. أَمَّا الْأَخْبَارُ فَكُلُّهَا سَاقِطَةٌ، لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِشَيْءٍ مِنْهَا. أَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فَإِنَّنَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْيَافِعِيِّ عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، فَفِيهِ عِلَّتَانِ: إحْدَاهُمَا الْقَاسِمُ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو لَمْ يُسَمِّ مَنْ أَخْبَرَهُ بِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَقَدْ دَلَّسَهُ بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ جَعْفَرٍ. وَمُحَمَّدٌ لَمْ يُدْرِكْ جَعْفَرَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَسَقَطَ هَذَا الْخَبَرُ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ فَإِنَّنَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ الْعَطَّارِ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَدِّثٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ عَمَّارٍ، فَلَمْ يُسَمِّ قَتَادَةَ مَنْ حَدَّثَهُ. وَالْأَخْبَارُ الثَّابِتَةُ كُلُّهَا عَنْ عَمَّارٍ بِخِلَافِ هَذَا، فَسَقَطَ هَذَا الْخَبَرُ أَيْضًا. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّنَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنِ ثَابِتٍ الْعَبْدِيُّ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ فِيهِ التَّيَمُّمَ فِي الْحَضَرِ لِلصَّحِيحِ، وَالتَّيَمُّمَ لِرَدِّ السَّلَامِ، وَتَرْكَ رَدِّ السَّلَامِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَمِنْ الْمَقْتِ احْتِجَاجُ امْرِئٍ بِمَا لَا يَرَاهُ لَا هُوَ وَلَا خَصْمُهُ حُجَّةً وَاحْتِجَاجُهُ بِشَيْءٍ هُوَ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لَهُ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ حُجَّةً فِي التَّيَمُّمِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، فَهُوَ حُجَّةٌ فِي تَرْكِ رَدِّ السَّلَامِ إلَّا عَلَى طُهْرٍ، وَفِي التَّيَمُّمِ بَيْنَ الْحِيطَانِ فِي الْمَدِينَةِ لِرَدِّ السَّلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي هَذَا فَلَيْسَ حُجَّةً فِيمَا احْتَجُّوا بِهِ. فَإِنْ قَالُوا: هُوَ عَلَى النَّدْبِ، قُلْنَا: وَكَذَلِكَ قُولُوا فِي صِفَةِ التَّيَمُّمِ فِيهِ مَرَّتَيْنِ وَإِلَى الْمِرْفَقَيْنِ أَنَّهُ عَلَى النَّدْبِ وَلَا فَرْقَ، فَسَقَطَ هَذَا الْخَبَرُ أَيْضًا. وَأَمَّا حَدِيثُ الْأَسْلَعِ فَفِي غَايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأَنَّنَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ
يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ عَنْ عَلِيلَةَ - هُوَ الرَّبِيعُ - عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ الْأَسْلَعِ، وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا فَلَيْسُوا بِشَيْءٍ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِمْ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فَإِنَّا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ، وَهَذَا كَمَا تَرَى، لَا نَدْرِي مَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَسَقَطَ هَذَا الْخَبَرُ أَيْضًا. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الثَّانِي فَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد الْحَرَّانِيِّ عَنْ سَالِمٍ وَنَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَسُلَيْمَانُ بْنِ دَاوُد الْحَرَّانِيُّ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْوَاقِدِيِّ فَأَسْقَطُ مِنْ أَنْ يُشْتَغَلَ بِهِ، لِأَنَّهُ عَنْ الْوَاقِدِيِّ وَهُوَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ ثُمَّ مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِهِ، فَسَقَطَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ مِنْ الْآثَارِ وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِمَا صَحَّ مِنْ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ: لَا يَتَيَمَّمُ الْجُنُبُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ شَهْرًا، وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِمْ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى ذَلِكَ، فَمَا الَّذِي جَعَلَهُمْ حُجَّةً حَيْثُ يَشْتَهِي هَؤُلَاءِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ حُجَّةً حَيْثُ لَا يَشْتَهُونَ؟ هَذَا مُوجِبٌ لِلنَّارِ فِي الْآخِرَةِ وَلِلْعَارِ فِي الدُّنْيَا، فَكَيْفَ وَقَدْ خَالَفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عُمَرَ وَابْنَهُ وَجَابِرًا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَعَمَّارٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ، عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِالصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ مِنْ الْوُضُوءِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فَكَانَ مَاذَا؟ وَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْبَدَلُ عَلَى صِفَةِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ؟ وَإِنْ كَانَ هَذَا فَأَنْتُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِهَذَا الْحُكْمِ الَّذِي قَضَيْتُمْ أَنَّهُ حَقٌّ، فَأَسْقَطْتُمْ فِي التَّيَمُّمِ الرَّأْسَ وَالرِّجْلَيْنِ، وَهُمَا فَرْضَانِ فِي الْوُضُوءِ وَأَسْقَطْتُمْ جَمِيعَ الْجَسَدِ فِي التَّيَمُّمِ لِلْجَنَابَةِ وَهُوَ فَرْضٌ فِي الْغُسْلِ، وَأَوْجَبْتُمْ أَنْ يُحْمَلَ الْمَاءُ إلَى الْأَعْضَاءِ فِي الْوُضُوءِ، وَلَمْ تُوجِبُوا حَمْلَ شَيْءٍ مِنْ التُّرَابِ إلَى الْوَجْهِ وَالذِّرَاعَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ، وَأَسْقَطَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْهُمْ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَأَوْجَبَهَا فِي التَّيَمُّمِ، ثُمَّ أَيْنَ وَجَدْتُمْ فِي الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ أَنَّ الْبَدَلَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى صِفَةِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا دَعْوَى فَاسِدَةٌ كَاذِبَةٌ؟ وَقَدْ وَجَدْنَا الرَّقَبَةَ وَاجِبَةً فِي الظِّهَارِ وَفِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَأِ وَكَفَّارَةِ الْمُجَامِعِ عَمْدًا نَهَارًا فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ عَوَّضَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَأَبْدَلَ مِنْ رَقَبَةِ الْكَفَّارَةِ صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَمِنْ رِقَابِ الْقَتْلِ وَالْجِمَاعِ وَالظِّهَارِ صِيَامَ
شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وَعَوَّضَ مِنْ ذَلِكَ إطْعَامًا فِي الظِّهَارِ وَالْجِمَاعِ، وَلَمْ يُعَوِّضْهُ فِي الْقَتْلِ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ. فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا التَّيَمُّمَ عَلَى الْوُضُوءِ، قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ، وَهَلَّا قِسْتُمْ مَا يُتَيَمَّمُ مِنْ الْيَدَيْنِ عَلَى مَا يُقْطَعُ مِنْ الْيَدَيْنِ فِي السَّرِقَةِ كَمَا تَرَكْتُمْ أَنْ تَقِيسُوا مَا يُسْتَبَاحُ بِهِ فَرْجُ الْحُرَّةِ فِي النِّكَاحِ عَلَى مَا يُسْتَبَاحُ بِهِ فَرْجُ الْأَمَةِ فِي الْبَيْعِ، وَقِسْتُمُوهُ عَلَى مَا تُقْطَعُ فِيهِ يَدُ السَّارِقِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ فَرَّقْتُمْ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ بَيْنَ حُكْمِ التَّيَمُّمِ وَبَيْنَ الْوُضُوءِ فِي سُقُوطِ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ دُونَ الْوُضُوءِ، وَسُقُوطِ الْجَسَدِ كُلِّهِ فِي التَّيَمُّمِ دُونَ الْغُسْلِ. وَيُقَالُ لَهُمْ كَمَا جَعَلْتُمْ سُكُوتَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ ذِكْرِ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ دَلِيلًا عَلَى سُقُوطِ ذَلِكَ فِيهِ وَلَمْ تَقِيسُوهُ عَلَى الْوُضُوءِ، فَهَلَّا جَعَلْتُمْ سُكُوتَهُ تَعَالَى عَنْ ذِكْرِ التَّحْدِيدِ إلَى الْمَرَافِقِ فِي التَّيَمُّمِ دَلِيلًا عَلَى سُقُوطِ ذَلِكَ، وَلَا تَقِيسُوهُ عَلَى الْوُضُوءِ؟ كَمَا فَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي سُكُوتِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ دَيْنِ الرَّقَبَةِ فِي الظِّهَارِ، وَلَمْ يَقِيسُوهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي رَقَبَةِ الْقَتْلِ، وَإِذَا قِسْتُمْ التَّيَمُّمَ لِلْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ فَقِيسُوا التَّيَمُّمَ لِلْجَنَابَةِ عَلَى الْجَنَابَةِ، فَعُمُّوا بِهِ الْجَسَدَ وَهَذَا مَا لَا مَخْلَصَ مِنْهُ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَتَانِ، ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْكَفَّيْنِ فَقَطْ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَرَمِيِّ بْنِ عُمَارَةَ ثنا الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ أَخُو الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَرْبَةً وَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى الْأَرْضِ أُخْرَى فَمَسَحَ بِهَا كَفَّيْهِ» . وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد الْحَرَّانِيِّ عَنْ سَالِمٍ وَنَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي التَّيَمُّمِ «ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْكَفَّيْنِ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْحَرِيشِ بْنِ الْخِرِّيتِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالثَّانِي مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد الْحَرَّانِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَمِمَّنْ رَأَى أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْأُخْرَى لِلْيَدَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ إلَى
الْمِرْفَقَيْنِ: الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ. وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ قَالَا: إلَّا أَنْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُ ذَلِكَ فَنَقُولَ بِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَلَمْ يُرَ عَلَى مَنْ تَيَمَّمَ إلَى الْكُوعَيْنِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ إلَّا فِي الْوَقْتِ. وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ إلَى الْمَنَاكِبِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْعَظِيمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ عَمِّهِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: «تَيَمَّمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَسَحْنَا بِوُجُوهِنَا وَأَيْدِينَا إلَى الْمَنَاكِبِ» وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ: ثنا أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ - فَذَكَرَ نُزُولَ آيَةِ التَّيَمُّمِ قَالَ: فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضَرَبُوا أَيْدِيَهُمْ إلَى الْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنْ التُّرَابِ شَيْئًا، فَمَسَحُوا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إلَى الْمَنَاكِبِ، وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إلَى الْآبَاطِ» . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمَّارٍ، وَبِهِ كَانَ يَقُولُ عَمَّارٌ وَالزُّهْرِيُّ، رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ الْوَاشِحِيِّ، ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: التَّيَمُّمُ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ بِبَيَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِذَلِكَ فَيَكُونُ ذَلِكَ حُكْمَ التَّيَمُّمِ وَفَرْضَهُ، وَلَا نَصُّ بَيَانٍ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلِمَ بِذَلِكَ فَأَقَرَّهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نَدْبًا مُسْتَحَبًّا، وَلَا حُجَّةَ فِي فِعْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّ الْعَجَبَ لَيَطُولُ مِمَّنْ يَرَى إنْكَارَ عُمَرَ عَلَى عُثْمَانَ إنْ لَمْ يُصَلِّ الْغُسْلَ بِالرَّوَاحِ إلَى
الْجُمُعَةِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: حُجَّةً فِي إبْطَالِ وُجُوبِ الْغُسْلِ، وَهَذَا الْخَبَرُ مُؤَكِّدٌ لِوُجُوبِهِ مُنْكِرٌ لِتَرْكِهِ، ثُمَّ لَا يَرَى عَمَلَ الْمُسْلِمِينَ فِي التَّيَمُّمِ إلَى الْمَنَاكِبِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُجَّةً فِي وُجُوبِ ذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ: فَإِذْ لَا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ - وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ كَمَا ذَكَرْنَا - فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ الرُّجُوعَ إلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عِنْدَ التَّنَازُعِ، فَفَعَلْنَا فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] فَلَمْ يَحُدَّ اللَّهُ تَعَالَى غَيْرَ الْيَدَيْنِ، وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ إلَى الْمَرَافِقِ وَالرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ لَبَيَّنَهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ كَمَا فَعَلَ فِي الْوُضُوءِ، وَلَوْ أَرَادَ جَمِيعَ الْجَسَدِ لَبَيَّنَهُ كَمَا فَعَلَ فِي الْغُسْلِ، فَإِذْ لَمْ يُرِدْ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى ذِكْرِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ تَعَالَى. مِنْ الذِّرَاعَيْنِ وَالرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ وَسَائِرِ الْجَسَدِ، وَلَمْ يَلْزَمْ فِي التَّيَمُّمِ إلَّا الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ، وَهُمَا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ يَدَيْنِ، وَوَجَدْنَا السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ قَدْ جَاءَتْ بِذَلِكَ لَا الْأَكَاذِيبُ الْمُلَفَّقَةُ. كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ ذَرٍّ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْهَبِيُّ - عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى - هُوَ سَعِيدٌ - عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " تَمَعَّكْتُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «يَكْفِيكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ - فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِابْنِ مَسْعُودٍ " أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ إنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ؟»
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ شُعْبَةَ ثنا الْحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً، قَالَ عُمَرُ لَا تُصَلِّ، فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إذَا أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ مَاءً، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ الْأَرْضَ بِيَدَيْكَ ثُمَّ تَنْفُخَ ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. قَالَ عَلِيٌّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ إبْطَالُ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ عَمَّارًا قَدَّرَ أَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ مِنْ التَّيَمُّمِ لِلْجَنَابَةِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْغُسْلِ لِلْجَنَابَةِ، إذْ هُوَ بَدَلٌ مِنْهُ، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حُكْمَهُ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فَقَطْ، وَفِيهِ أَنَّ الصَّاحِبَ قَدْ يَهِمُ وَيَنْسَى، وَفِيهِ نَصُّ حُكْمِ التَّيَمُّمِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ «أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ السَّلَامَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا هُوَ الثَّابِتُ لَا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ. وَهَذَا فِعْلٌ مُسْتَحَبٌّ يَعْنِي التَّيَمُّمَ لِرَدِّ السَّلَامِ فِي الْحَضَرِ. وَبِهَذَا يَقُولُ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ، كَمَا رُوِّينَا عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى الرُّسْغَيْنِ. وَرُوِّينَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ثنا شُعْبَةُ ثنا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَقُولُ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَرُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَدِيٍّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ
حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: التَّيَمُّمُ هَكَذَا وَضَرَبَ ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ فِي الْخُطْبَةِ، فَلَمْ يُخَالِفْهُ مِمَّنْ حَضَرَ أَحَدٌ. وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ حَدَّثَنِي مِسْكِينُ بْنُ بُكَيْرٍ ثنا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ مَسْعُودٍ كَانَا يَقُولَانِ: التَّيَمُّمُ لِلْكَفَّيْنِ وَالْوَجْهِ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَبِهَذَا كَانَ يَقُولُ عَطَاءٌ وَمَكْحُولٌ، وَهُوَ الثَّابِتُ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَبِهِ يَقُولُ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد. قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا اسْتِيعَابُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَمَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ لِمَنْ أَوْجَبَهُ حُجَّةً إلَّا قِيَاسَ ذَلِكَ عَلَى اسْتِيعَابِهِمَا بِالْمَاءِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرِّجْلَيْنِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ فِي الْوُضُوءِ الْغُسْلُ، فَلَمَّا عَوَّضَ مِنْهُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ سَقَطَ الِاسْتِيعَابُ عِنْدَهُمْ، فَيَلْزَمُهُمْ - إنْ كَانُوا يَدْرُونَ مَا الْقِيَاسُ - أَنَّ كَذَلِكَ لَمَّا كَانَ حُكْمُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي الْوُضُوءِ الْغُسْلَ، ثُمَّ عَوَّضَ مِنْهُ الْمَسْحَ فِي التَّيَمُّمِ، أَنْ يَسْقُطَ الِاسْتِيعَابُ كَمَا سَقَطَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، لَا سِيَّمَا وَمِنْ أُصُولِ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِالشَّيْءِ لَا يَقْوَى قُوَّةَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ لَا شَيْءَ، وَإِنَّمَا نُورِدُهُ لِنُرِيَهُمْ تَنَاقُضَهُمْ وَفَسَادَ أُصُولِهِمْ، وَهَدْمَ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ، كَمَا نَحْتَجُّ عَلَى كُلِّ مِلَّةٍ وَكُلِّ نِحْلَةٍ وَكُلِّ قَوْلَةٍ بِأَقْوَالِهَا الْهَادِمِ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ، لِأَنَّهُمْ يُصَحِّحُونَهَا كُلَّهَا، لَا عَلَى أَنَّنَا نُصَحِّحُ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِنَّمَا عُمْدَتُنَا هَهُنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] وَالْمَسْحُ فِي اللُّغَةِ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ، فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْتِ بِالِاسْتِيعَابِ فِي التَّيَمُّمِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، نَعَمْ وَلَا قِيَاسٌ، فَبَطَلَ الْقَوْلُ بِهِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِنَا فِي هَذَا، وَأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ مَسْحٍ فَقَطْ: أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْهَاشِمِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْعَجَبُ أَنَّ لَفْظَةَ الْمَسْحِ لَمْ تَأْتِ فِي الشَّرِيعَةِ إلَّا فِي أَرْبَعَةِ
مسألة لو عدم الميت الماء
مَوَاضِعَ وَلَا مَزِيدَ: مَسْحُ الرَّأْسِ وَمَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ وَمَسْحٌ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ، وَمَسْحُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي الطَّوَافِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ خُصُومِنَا الْمُخَالِفِينَ لَنَا فِي أَنَّ مَسْحَ الْخُفَّيْنِ وَمَسْحَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِالْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ، ثُمَّ نَقَضُوا ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ، فَأَوْجَبُوا فِيهِ الِاسْتِيعَابَ تَحَكُّمًا بِلَا بُرْهَانٍ، وَاضْطَرَبُوا فِي الرَّأْسِ، فَلَمْ يُوجِبْ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا الشَّافِعِيُّ فِيهِ الِاسْتِيعَابَ، وَهَمَّ مَالِكٌ بِأَنْ يُوجِبَهُ، وَكَادَ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ تَخْصِيصُ الْمَسْحِ فِي التَّيَمُّمِ بِالِاسْتِيعَابِ بِلَا حُجَّةٍ، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ وَلَا مِنْ لُغَةٍ وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا مِنْ قِيَاسٍ؟ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لَوْ عَدِمَ الْمَيِّتُ الْمَاءَ] 251 - مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ عَدِمَ الْمَيِّتُ الْمَاءَ يُمِّمَ كَمَا يَتَيَمَّمُ الْحَيُّ؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ فَرْضٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ التُّرَابَ طَهُورٌ إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ، فَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ طَهُورٍ وَاجِبٍ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ كُلَّ غُسْلٍ طَهُورٌ. [مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلَّا بِالْأَرْضِ] 252 - مَسْأَلَةٌ وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلَّا بِالْأَرْضِ، ثُمَّ تَنْقَسِمُ الْأَرْضُ إلَى قِسْمَيْنِ: تُرَابٌ وَغَيْرُ تُرَابٍ، فَأَمَّا التُّرَابُ فَالتَّيَمُّمُ بِهِ جَائِزٌ، كَانَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ مَنْزُوعًا مَجْعُولًا فِي إنَاءٍ أَوْ فِي ثَوْبٍ أَوْ عَلَى يَدِ إنْسَانٍ أَوْ حَيَوَانٍ، أَوْ نُفِضَ غُبَارٌ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، فَاجْتُمِعَ مِنْهُ مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الْكَفُّ، أَوْ كَانَ فِي بِنَاءِ لَبِنٍ أَوْ طَابِيَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا عَدَا التُّرَابَ مِنْ الْحَصَى أَوْ الْحَصْبَاءِ أَوْ الصَّحْرَاءِ أَوْ الرَّضْرَاضِ أَوْ الْهِضَابِ أَوْ الصَّفَا أَوْ الرُّخَامِ أَوْ الرَّمْلِ أَوْ مَعْدِنِ كُحْلٍ أَوْ مَعْدِنِ زِرْنِيخٍ أَوْ جَيَّار أَوْ جِصٍّ أَوْ مَعْدِنِ ذَهَبٍ أَوْ تُوتِيَاءَ أَوْ كِبْرِيتٍ أَوْ لَازَوَرْدَ أَوْ مَعْدِنِ مِلْحٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ غَيْرَ مُزَالٍ عَنْهَا إلَى شَيْءٍ آخَرَ فَالتَّيَمُّمُ بِكُلِّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مُزَالٌ إلَى إنَاءٍ أَوْ إلَى ثَوْبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالْآجُرِّ، فَإِنْ رُضَّ حَتَّى يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ تُرَابٍ جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الطِّينُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، فَإِنْ جَفَّ حَتَّى يُسَمَّى تُرَابًا جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِمِلْحٍ انْعَقَدَ مِنْ الْمَاءِ كَانَ فِي مَوْضِعِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا بِثَلْجٍ وَلَا بِوَرَقٍ وَلَا بِحَشِيشٍ وَلَا بِخَشَبٍ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحُولُ بَيْنَ الْمُتَيَمِّمِ وَبَيْنَ الْأَرْضِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ» وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَقَدْ ذَكَرْنَا كُلَّ ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ قَبْلُ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ، فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلَّا بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَأْتِ النَّصُّ إلَّا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الصَّعِيدِ، وَهُوَ وَجْهُ الْأَرْضِ فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ وَبِالْأَرْضِ - وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ - وَبِالتُّرَابِ فَقَطْ فَوَجَدْنَا التُّرَابَ سَوَاءٌ كَانَ مَنْزُوعًا عَنْ الْأَرْضِ، مَحْمُولًا فِي ثَوْبٍ أَوْ فِي إنَاءٍ أَوْ عَلَى وَجْهِ إنْسَانٍ أَوْ عَرَقِ فَرَسٍ أَوْ لَبَدٍ أَوْ كَانَ لَبِنًا أَوْ طَابِيَةً أَوْ رُضَاضَ آجُرٍّ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ تُرَابٌ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ هَذَا الِاسْمُ، فَكَانَ التَّيَمُّمُ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ جَائِزًا، وَوَجَدْنَا الْآجُرَّ وَالطِّينَ قَدْ سَقَطَ عَنْهُمَا اسْمُ تُرَابٍ وَاسْمُ أَرْضٍ وَاسْمُ صَعِيدٍ فَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ، فَإِذَا رُضَّ أَوْ جُفِّفَ عَادَ عَلَيْهِ اسْمُ تُرَابٍ فَجَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ، وَوَجَدْنَا سَائِرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الصَّخْرِ وَمِنْ الرَّمْلِ، وَمِنْ الْمَعَادِنِ مَا دَامَتْ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّ اسْمَ الصَّعِيدِ وَاسْمَ الْأَرْضِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ، فَكَانَ التَّيَمُّمُ بِكُلِّ ذَلِكَ جَائِزًا، وَوَجَدْنَا كُلَّ ذَلِكَ إذَا أُزِيلَ عَنْ الْأَرْضِ سَقَطَ عَنْهُ اسْمُ الْأَرْضِ وَاسْمُ الصَّعِيدِ وَلَمْ يُسَمَّ تُرَابًا، فَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَوَجَدْنَا الْمِلْحَ الْمُنْعَقِدَ مِنْ الْمَاءِ، وَالثَّلْجَ وَالْحَشِيشَ وَالْوَرَقَ لَا يُسَمَّى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ صَعِيدًا وَلَا أَرْضًا وَلَا تُرَابًا، فَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، وَفِي هَذَا خِلَافٌ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ زِيَادٍ قَالَ: إنْ وُضِعَ التُّرَابُ فِي ثَوْبٍ لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ، وَهَذَا تَفْرِيقٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَتَيَمَّمُ عَلَى الثَّلْجِ، وَرُوِيَ أَيْضًا ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ. فَإِنْ قِيلَ: مَا حَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْأَرْضِ فَهُوَ أَرْضٌ. قِيلَ لَهُمْ فَإِنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ قَتْلَى أَوْ غَنَمٌ أَوْ ثِيَابٌ أَوْ خَشَبٌ أَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الْأَرْضِ فَيُتَيَمَّمُ عَلَيْهِ؟ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ مَا حَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْأَرْضِ فَهُوَ أَرْضٌ أَوْ مِنْ الْأَرْضِ - فَقَوْلٌ فَاسِدٌ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا لُغَةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٌ ". قَالَ عَلِيٌّ: وَالثَّلْجُ وَالطِّينُ وَالْمِلْحُ لَا يُتَوَضَّأُ بِشَيْءٍ مِنْهَا وَلَا يُتَيَمَّمُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يُسَمَّى مَاءً وَلَا تُرَابًا وَلَا أَرْضًا وَلَا صَعِيدًا، فَإِذَا ذَابَ الْمِلْحُ وَالثَّلْجُ فَصَارَا مَاءً جَازَ الْوُضُوءُ بِهِمَا، لِأَنَّهُمَا مَاءٌ، وَإِذَا جَفَّ الطِّينُ جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ لِأَنَّهُ تُرَابٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ: لَا يَتَيَمَّمُ إلَّا بِالتُّرَابِ خَاصَّةً، لَا بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ،
مسألة يقدم في التيمم اليدان قبل الوجه
فَادَّعَوْا أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا» بَيَانٌ لِمُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّعِيدِ، وَلِمُرَادِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِقَوْلِهِ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] بَلْ كُلُّ مَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَهُوَ حَقٌّ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْأَرْضُ مَسْجِدٌ وَطَهُورٌ» وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْأَرْضُ مَسْجِدٌ وَتُرْبَتُهَا طَهُورٌ» فَكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ بِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْهُ لِشَيْءٍ آخَرَ فَالتُّرَابُ كُلُّهُ طَهُورٌ وَالْأَرْضُ كُلُّهَا طَهُورٌ وَالصَّعِيدُ كُلُّهُ طَهُورٌ، وَالْآيَةُ وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي عُمُومِ الْأَرْضِ زَائِدٌ حُكْمًا عَلَى حَدِيثِ حُذَيْفَةَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى التُّرْبَةِ، فَالْأَخْذُ بِالزَّائِدِ وَاجِبٌ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ الْأَخْذِ بِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَفِي الِاقْتِصَارِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مُخَالَفَةٌ لِلْقُرْآنِ وَلِمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الصَّعِيدُ كُلُّهُ يُتَيَمَّمُ بِهِ، كَالتُّرَابِ وَالطِّينِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْجِيرِ وَالْكُحْلِ والمرادسنج وَكُلُّ تُرَابٍ نُفِّضَ مِنْ وِسَادَةٍ أَوْ فِرَاشٍ أَوْ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ: فَالتَّيَمُّمُ بِهِ جَائِزٌ وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إنْ كَانَ فِي ثَوْبِكَ أَوْ سَرْجِكَ أَوْ بَرْدَعَتِكَ تُرَابٌ أَوْ عَلَى شَجَرٍ فَتَيَمَّمْ بِهِ، وَهَذَا قَوْلُنَا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ يُقَدَّمُ فِي التَّيَمُّمِ الْيَدَانِ قَبْلَ الْوَجْهِ] 253 - مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْأَعْمَشُ: يُقَدَّمُ فِي التَّيَمُّمِ الْيَدَانِ قَبْلَ الْوَجْهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُقَدَّمُ الْوَجْهُ عَلَى الْكَفَّيْنِ وَلَا بُدَّ، وَأَبَاحَ أَبُو حَنِيفَةَ تَقْدِيمَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَبِهَذَا نَقُولُ؛ لِأَنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُ التَّيَمُّمَ فَضَرَبَ ضَرْبَةً بِكَفَّيْهِ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا ثُمَّ مَسَحَ بِهَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ ثُمَّ مَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ» فَكَانَ هَذَا حُكْمًا زَائِدًا، وَبَيَانًا أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَمَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ فَبَدَأَ بِالْوَجْهِ فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَخَذَ بِحَدِيثِ عَمَّارٍ فَبَدَأَ بِالْيَدَيْنِ قَبْلَ الْوَجْهِ فَحَسَنٌ، ثُمَّ اسْتَدْرَكْنَا قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ إلَّا الِابْتِدَاءُ بِالْوَجْهِ ثُمَّ الْيَدَيْنِ.
كتاب الحيض والاستحاضة
[كِتَابُ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ] [مَسْأَلَةٌ الْحَيْضُ هُوَ الدَّمُ الْأَسْوَدُ الْخَاثِرُ الْكَرِيهُ الرَّائِحَةِ خَاصَّةً] ِ 254 - مَسْأَلَةٌ: الْحَيْضُ هُوَ الدَّمُ الْأَسْوَدُ الْخَاثِرُ الْكَرِيهُ الرَّائِحَةِ خَاصَّةً، فَمَتَى ظَهَرَ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ لَمْ يَحِلَّ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ وَلَا أَنْ تَصُومَ وَلَا أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَلَا أَنْ يَطَأَهَا زَوْجُهَا وَلَا سَيِّدُهَا فِي الْفَرْجِ، إلَّا حَتَّى تَرَى الطُّهْرَ، فَإِذَا رَأَتْ أَحْمَرَ أَوْ كَغُسَالَةِ اللَّحْمِ أَوْ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةٍ أَوْ بَيَاضًا أَوْ جُفُوفًا فَقَدْ طَهُرَتْ وَفُرِضَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْسِلَ جَمِيعَ رَأْسِهَا وَجَسَدِهَا بِالْمَاءِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ فَلْتَتَيَمَّمْ ثُمَّ تُصَلِّي وَتَصُومُ وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا أَوْ سَيِّدُهَا، وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا فَهُوَ قَبْلَ الْحَيْضِ وَبَعْدَهُ طُهْرٌ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ حَيْضًا أَصْلًا. أَمَّا امْتِنَاعُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالطَّوَافِ وَالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ فِي حَالِ الْحَيْضِ فَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ مَقْطُوعٌ بِهِ، لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِيهِ، وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ الْأَزَارِقَةِ حَقُّهُمْ أَلَّا يُعَدُّوا فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا مَا هُوَ الْحَيْضُ؟ فَإِنَّ يُونُسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغِيثٍ حَدَّثَنَا قَالَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ثنا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ أَبِي حُبَيْشٍ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِالْحَيْضِ، إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٍ وَزُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ وَجَرِيرٍ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ. وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيِّ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا ذَهَبَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» وَفِي بَعْضِهَا «فَتَوَضَّئِي» . وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ ثنا أَبِي ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ
الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «اُسْتُحِيضَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إنَّهَا لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ وَلَكِنَّهُ عِرْقٌ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» . حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْجَعْفَرِيُّ ثنا أَبُو بَكْرٍ الْأَذْفُونِيُّ الْمُقِرُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةَ «عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَتَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَكَتْ إلَيْهِ الدَّمَ، فَقَالَ إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، فَانْظُرِي إذَا أَتَاكِ قُرْؤُكِ فَلَا تُصَلِّي، فَإِذَا مَرَّ الْقُرْءُ فَتَطَهَّرِي ثُمَّ صَلِّي مِنْ الْقُرْءِ إلَى الْقُرْءِ» . فَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِاجْتِنَابِ الصَّلَاةِ لِإِقْبَالِ الْحَيْضَةِ وَبِالْغُسْلِ لِإِدْبَارِهَا، وَخَاطَبَ بِذَلِكَ نِسَاءَ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبَ الْعَارِفَاتِ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَيْضَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُطْلَبَ بَيَانُ ذَلِكَ وَمَا هِيَ الْحَيْضَةُ فِي الشَّرِيعَةِ وَاللُّغَةِ، فَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ حَمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثنا أَبِي ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو هُوَ ابْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ - عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ " كَانَتْ اُسْتُحِيضَتْ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الصُّفْرَةَ وَالدَّمَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ أَمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ حُبَيْشٍ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ اُسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، وَلَكِنْ هَذَا عِرْقٌ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي. قَالَتْ عَائِشَةُ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ فِي حُجْرَةِ أُخْتِهَا زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حَتَّى تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ» . فَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَيْضَ إنَّمَا هُوَ الدَّمُ الْأَسْوَدُ وَحْدَهُ وَإِنَّ الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ عِرْقٌ وَلَيْسَ حَيْضًا، وَلَا يَمْنَعُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةَ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا هَذَا لِلَّتِي يَتَّصِلُ بِهَا الدَّمُ أَبَدًا، قُلْنَا فَإِنْ اتَّصَلَ بِهَا الدَّمُ بَعْضَ دَهْرِهَا وَانْقَطَعَ بَعْضُهُ فَمَا قَوْلُكُمْ؟ أَلَهَا هَذَا الْحُكْمُ أَمْ لَا؟ فَكُلُّهُمْ مُجْمِعٌ عَلَى أَنَّ هَذَا
الْحُكْمَ لَهَا. فَقُلْنَا لَهُمْ: حُدُّوا لَنَا الْمُدَّةَ الَّتِي إذَا اتَّصَلَ بِهَا الدَّمُ وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ كَانَ لَهَا هَذَا الْحُكْمُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُدَّةَ الَّتِي إذَا اتَّصَلَ بِهَا هَذَا كُلُّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ الْحُكْمُ، فَكَانَ الَّذِي وَقَفُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ قَالَتْ طَائِفَةٌ: تِلْكَ الْمُدَّةُ هِيَ أَيَّامُهَا الْمُعْتَادَةُ لَهَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: بَلْ تِلْكَ الْمُدَّةُ هِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَيَّامِهَا الْمُعْتَادَةِ لَهَا، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ رَاعَوْا فِي أَيَّامِ عَادَتِهَا تَكَوُّنَ الدَّمِ وَإِلَّا فَلَا، فَقُلْتُ لَهُمْ: هَاتَانِ دَعْوَيَانِ قَدْ سَمِعْنَاهُمَا، وَالدَّعْوَةُ مَرْدُودَةٌ سَاقِطَةٌ إلَّا بِبُرْهَانٍ، فَهَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «اُقْعُدِي أَيَّامَ أَقْرَائِكِ وَدَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا» . قُلْنَا نَعَمْ هَذَا صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا أَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِهَذَا الَّتِي لَا تُمَيِّزُ دَمَهَا وَاَلَّذِي هُوَ كُلُّهُ أَسْوَدُ مُتَّصِلٌ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُهُ لِلَّتِي تُمَيِّزُ دَمَهَا «إنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا جَاءَ الْآخَرُ فَصَلِّي، وَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي وَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» عَلَى مَا نُبَيِّنُ فِي بَابِ الْمُسْتَحَاضَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا مَخْلَصَ لَهُمْ مِنْهُ، فَإِنْ تَعَلَّقُوا بِمَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِهِمْ، مِثْلُ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ: كُنْتُ أَرَى النِّسَاءَ يُرْسِلْنَ إلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهَا الصُّفْرَةُ يَسْأَلْنَهَا عَنْ الصَّلَاةِ، فَسَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: لَا تُصَلِّينَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مُتَعَلَّقًا إلَّا هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَحْدَهَا، وَقَدْ خُولِفَتْ أُمُّ عَلْقَمَةَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ، وَخَالَفَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ غَيْرُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ. فَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَإِنَّ أَحْمَدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ بْنُ أَحْمَدَ الْهَرَوِيُّ أَبُو ذَرٍّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَانَ الْحَافِظُ بِنَيْسَابُورَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِئُ الْبَصْرِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ - هُوَ جَامِعُ الصَّحِيحِ - قَالَ: قَالَ لَنَا عَلِيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الشِّمَالِ الْعُطَارِدِيُّ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَتْنِي أُمُّ طَلْحَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ: دَمُ الْحَيْضِ بَحْرَانِيٌّ أَسْوَدُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كُنَّا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ حَيْضًا. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيق أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثنا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ ثنا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: اُسْتُحِيضَتْ امْرَأَةٌ مِنْ آلِ أَنَسٍ فَأَمَرُونِي فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَمَّا مَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَلَا تُصَلِّي، فَإِذَا رَأَتْ الطُّهْرَ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَلْتَغْتَسِلْ وَتُصَلِّي. فَلَمْ يَلْتَفِتْ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى اتِّصَالِ الدَّمِ، بَلْ رَأَى وَأَفْتَى أَنَّ مَا عَدَا الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَهُوَ طُهْرٌ، تُصَلِّي مَعَ وُجُودِهِ وَلَوْ لَمْ تَرَ إلَّا سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ، وَأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ إلَّا الدَّمُ الْبَحْرَانِيُّ، وَهَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الْجَلَالَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ثنا إسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ
شَيْئًا " وَأُمُّ عَطِيَّةَ مِنْ الْمُبَايِعَاتِ مِنْ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ قَدِيمَةُ الصُّحْبَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ وَأُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ هَذَا نَفْسَهُ، وَكُلُّ هَذَا هُوَ الثَّابِتُ بِالْأَسَانِيدِ الْعَالِيَةِ الصَّحِيحَةِ. وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: إذَا رَأَتْ بَعْدَ الظُّهْرِ مِثْلَ غُسَالَةِ اللَّحْمِ أَوْ مِثْلَ قَطْرَةِ الدَّمِ مِنْ الرُّعَافِ، فَإِنَّمَا تِلْكَ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ فَلْتَنْضَحْ بِالْمَاءِ وَلْتَتَوَضَّأْ وَلْتُصَلِّ، فَإِنْ كَانَ عَبِيطًا لَا خَفَاءَ بِهِ فَلْتَدَعْ الصَّلَاةَ. وَعَنْ ثَوْبَانَ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى الْبَرِيَّةَ قَالَ: تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي. قِيلَ: أَشَيْءٌ تَقُولُهُ أَمْ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ: بَلْ سَمِعْتُهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا أَقْوَى مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ عَلْقَمَةَ وَأَوْلَى، وَقَدْ رَوَى مَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ أُمِّ عَلْقَمَةَ عَنْ عَمْرَةَ مِنْ رَأْيِهَا. وَعَنْ رَبِيعَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَدْ خَالَفَ
هَؤُلَاءِ مِنْ التَّابِعِينَ مَنْ هُوَ أَجَلُّ مِنْهُمْ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْهُ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، وَرُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْقَعْقَاعِ: سَأَلْنَا إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى الصُّفْرَةَ؟ قَالَ: تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، وَعَنْ مَكْحُولٍ مِثْلُ ذَلِكَ. فَإِنْ ذَكَرُوا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ إنْ كَانَ الدَّمُ عَبِيطًا فَدِينَارٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ صُفْرَةٌ فَنِصْفُ دِينَارٍ» قُلْنَا: هَذَا حَدِيثٌ لَوْ صَحَّ لَكَانُوا قَدْ خَالَفُوا مَا فِيهِ، وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْخَبَرِ حُجَّةً وَبَعْضُهُ لَيْسَ حَجَّةً، فَكَيْفَ وَهُوَ بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ رَاوِيهِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ وَلَيْسَ بِثِقَةٍ، جَرَّحَهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا. فَإِنْ قَالُوا: إنَّ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ اضْطَرَبَ فِيهِ، فَمَرَّةً حَدَّثَ بِهِ مَنْ حِفْظِهِ فَقَالَ: عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَمَرَّةً حَدَّثَ بِهِ مِنْ كِتَابِهِ فَقَالَ: عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْكَلَامَ أَحَدٌ غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَدِيٍّ. قُلْنَا: هَذَا كُلُّهُ قُوَّةٌ لِلْخَبَرِ، وَلَيْسَ هَذَا اضْطِرَابًا؛ لِأَنَّ عُرْوَةَ رَوَاهُ عَنْ فَاطِمَةَ وَعَائِشَةَ مَعًا وَأَدْرَكَهُمَا مَعًا، فَعَائِشَةُ خَالَتُهُ أُخْتُ أُمِّهِ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ ابْنَةُ عَمِّهِ، وَهُوَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ الثِّقَةُ الْحَافِظُ الْمَأْمُونُ، وَلَا يَعْتَرِضُ بِهَذَا إلَّا الْمُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ لَا يَقُولُونَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، تَعَلُّلًا عَلَى إبْطَالِ السُّنَنِ فَسَقَطَ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَقَوْلُنَا هَذَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ، وَلَيْسَتْ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضًا، وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: الدَّمُ وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ. وَقَالَ مَالِكٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ: الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ حَيْضٌ، سَوَاءٌ كَانَ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ أَوْ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: الصُّفْرَةُ وَالدَّمُ فَكُلُّ ذَلِكَ
فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ وَأَمَّا الْكُدْرَةُ فَهِيَ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ قَبْلَ الْحَيْضِ لَيْسَتْ حَيْضًا، وَأَمَّا بَعْدَ الْحَيْضِ فَهِيَ حَيْضٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضًا، عَلَى عَظِيمِ اضْطِرَابِهِمْ فِي الدَّمِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الدَّمَ قَبْلَ أَيَّامِ حَيْضِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ وَانْقَطَعَ فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا أَوْ اتَّصَلَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْهَا فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا وَلَا تَمْتَنِعُ بِذَلِكَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْوَطْءِ، إلَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا مَرَّتَيْنِ، وَيَتَّصِلَ كَذَلِكَ فَهُوَ حَيْضٌ مُتَّصِلٌ. قَالَ: فَإِنْ رَأَتْ الدَّمَ قَبْلَ أَيَّامِ حَيْضِهَا بِيَوْمَيْنِ فَأَقَلَّ وَاتَّصَلَ بِهَا فِي أَيَّامِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ فَهُوَ كُلُّهُ حَيْضٌ، مَا لَمْ تُجَاوِزْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: فَإِنْ رَأَتْ الدَّمَ قَبْلَ أَيَّامِ حَيْضِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا وَفِي أَيَّامِ الْحَيْضِ مُتَّصِلًا بِذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، فَمَرَّةً قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ حَيْضٌ، وَمَرَّةً قَالَ: أَمَّا مَا رَأَتْ قَبْلَ أَيَّامِهَا فَلَيْسَ حَيْضًا، وَأَمَّا مَا رَأَتْ فِي أَيَّامِهَا فَهُوَ حَيْضٌ، وَهَذِهِ تَخَالِيطُ نَاهِيكَ بِهَا وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ لَيْسَتَا حَيْضًا، وَفِي أَيَّامِ الْحَيْضِ قَبْلَ الدَّمِ لَيْسَتَا حَيْضًا، وَأَمَّا بَعْدَ الدَّمِ مُتَّصِلًا بِهِ فَهُمَا حَيْضٌ. قَالَ عَلِيٌّ: وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِأَنْ قَالُوا: مَا لَمْ يُتَيَقَّنْ الْحَيْضُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ الْمُتَيَقَّنَ وُجُوبُهُمَا، وَلَا أَنْ تُمْنَعَ مِنْ الْوَطْءِ الْمُتَيَقَّنِ تَحْلِيلُهُ حَتَّى إذَا تُيُقِّنَ الْحَيْضُ وَحَرُمَتْ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْوَطْءُ بِيَقِينٍ لَمْ يَسْقُطْ تَحْرِيمُ ذَلِكَ إلَّا بِيَقِينٍ آخَرَ. قَالَ عَلِيٌّ وَهَذَا عَمَلٌ غَيْرُ صَحِيحِ الْبَيَانِ، بَلْ هُوَ مُمَوَّهٌ، وَذَلِكَ أَنَّ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ حَقٌّ، إلَّا أَنَّ الْيَقِينَ الَّذِي ذَكَرُوا هُوَ النَّصُّ، وَقَدْ صَحَّ النَّصُّ، بِأَنَّ مَا عَدَا الدَّمَ الْأَسْوَدَ لَيْسَ حَيْضًا، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا مِنْ صَوْمٍ وَلَا مِنْ وَطْءٍ، فَصَارَتْ حُجَّتُهُمْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وَأَيْضًا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَهُنَا هَذَا النَّصُّ لَمَا وَجَبَ مَا قَالُوهُ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فَرْضَانِ قَدْ تُيُقِّنَ وُجُوبُهُمَا، وَالْوَطْءُ حَقٌّ قَدْ تُيُقِّنَتْ إبَاحَتُهُ فِي الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ الْمُبَاحَةِ، وَالْحَيْضُ قَدْ تُيُقِّنَ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ بِهِ كُلُّ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ عَلَى شَيْءٍ بِأَنَّهُ حَيْضٌ مُحَرِّمٌ لِلصَّلَاةِ وَلِلصَّوْمِ وَلِلْوَطْءِ إلَّا بِنَصٍّ وَارِدٍ أَوْ بِإِجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ، وَأَمَّا بِدَعْوَى مُخْتَلَفٍ فِيهَا فَلَا، فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ، وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ وَلَا لُغَةَ فِي أَنَّ مَا عَدَا الدَّمَ الْأَسْوَدَ حَيْضٌ أَصْلًا. وَقَدْ صَحَّ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ وَاللُّغَةُ عَلَى أَنَّ الدَّمَ الْأَسْوَدَ
حَيْضٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى حَيْضًا إلَّا مَا صَحَّ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ بِأَنَّهُ حَيْضٌ، لَا مَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ. وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى بِأَنْ قَالَ: لَمَّا كَانَ السَّوَادُ حَيْضًا وَكَانَتْ الْحُمْرَةُ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ السَّوَادِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ حَيْضًا، وَلَمَّا كَانَتْ الصُّفْرَةُ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْحُمْرَةِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ حَيْضًا، وَلَمَّا كَانَتْ الْكُدْرَةُ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الصُّفْرَةِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ حَيْضًا، وَلَمَّا كَانَ كُلُّ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ حَيْضًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ حَيْضًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنُ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُ يُعَارَضُ بِأَنْ يُقَالَ لَهُ: لَمَّا كَانَتْ الْقَصَّةُ الْبَيْضَاءُ طُهْرًا وَلَيْسَتْ
مسألة الحائض إذا رأت الطهر
حَيْضًا بِإِجْمَاعٍ، ثُمَّ كَانَتْ الْكُدْرَةُ بَيَاضًا غَيْرَ نَاصِعٍ، وَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ حَيْضًا، ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ الصُّفْرَةُ كُدْرَةً مُشْبَعَةً وَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ حَيْضًا، ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ الْحُمْرَةُ صُفْرَةً مُشْبَعَةً وَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ حَيْضًا، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ - وَهُوَ مَا كَانَ بَعْدَ أَكْثَرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ - لَيْسَ حَيْضًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ لَيْسَ حَيْضًا، فَهَذَا أَصَحُّ مِنْ قِيَاسِهِمْ؛ لِأَنَّنَا لَمْ نُسَاعِدْهُمْ قَطُّ عَلَى أَنَّ الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ حَيْضٌ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ وَلَا فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ، وَلَا جَاءَ بِذَلِكَ قَطُّ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ غَيْرُ مُعَارَضٍ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ لَمْ يُعَارَضْ وَهُمْ كُلُّهُمْ قَدْ وَافَقُونَا عَلَى أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَيْسَ حَيْضًا إذَا رُئِيَ فِيمَا زَادَ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ، فَبَطَلَ قِيَاسُهُمْ، وَكَانَ مَا جِئْنَاهُمْ بِهِ - لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ. وَكَذَلِكَ لَا يُوَافِقُونَ عَلَى أَنَّ الْحُمْرَةَ جُزْءٌ مِنْ السَّوَادِ، وَلَا أَنَّ الصُّفْرَةَ جُزْءٌ مِنْ الْحُمْرَةِ، وَلَا أَنَّ الْكُدْرَةَ جُزْءٌ مِنْ الصُّفْرَةِ، بَلْ هِيَ دَعْوَى عَارَضْنَاهُمْ بِدَعْوَى مِثْلِهَا فَسَقَطَ كُلُّ مَا قَالُوهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَثَبَتَ قَوْلُنَا بِشَهَادَةِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ لَهُ. [مَسْأَلَةٌ الْحَائِض إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ] 255 - مَسْأَلَةٌ فَإِذَا رَأَتْ الطُّهْرَ كَمَا ذَكَرْنَا لَمْ تَحِلَّ لَهَا الصَّلَاةُ وَلَا الطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ حَتَّى تَغْسِلَ جَمِيعَ رَأْسِهَا وَجَسَدِهَا بِالْمَاءِ، أَوْ تَتَيَمَّمَ إنْ عَدِمَتْ الْمَاءَ أَوْ كَانَتْ مَرِيضَةً عَلَيْهَا فِي الْغُسْلِ حَرَجٌ، وَإِنْ أَصْبَحَتْ صَائِمَةً وَلَمْ تَغْتَسِلْ فَاغْتَسَلَتْ أَوْ تَيَمَّمَتْ - إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ التَّيَمُّمِ - بِمِقْدَارِ مَا تَدْخُلُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ صَحَّ صِيَامُهَا، وَهَذَا كُلُّهُ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ، وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِذَا أَدْبَرَتْ الْحَيْضَةُ فَتَطَهَّرِي» وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: 222] وَقَدْ أَخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ الْأَرْضَ طَهُورٌ إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ، فَوَجَبَ التَّيَمُّمُ لِلْحَائِضِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَفِي تَأْخِيرِهَا الْغُسْلَ وَالتَّيَمُّمَ عَنْ هَذَا الْمِقْدَارِ خِلَافٌ نَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. [مَسْأَلَة الْحَائِض إذَا وَطِئَهَا زَوْجهَا أَوْ سيدها لَهَا إذَا رَأَتْ الطُّهْرِ] 256 - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا وَطْءُ زَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا لَهَا إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ فَلَا يَحِلُّ إلَّا بِأَنْ تَغْسِلَ جَمِيعَ رَأْسِهَا وَجَسَدَهَا بِالْمَاءِ أَوْ بِأَنْ تَتَيَمَّمَ إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ التَّيَمُّمِ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَبِأَنْ تَتَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ أَوْ تَتَيَمَّمَ إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ التَّيَمُّمِ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَبِأَنْ تَغْسِلَ فَرْجَهَا بِالْمَاءِ وَلَا بُدَّ، أَيَّ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ فَعَلَتْ حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222]
فَقَوْلُهُ: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] مَعْنَاهُ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُنَّ الطُّهْرُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْحَيْضِ وقَوْله تَعَالَى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222] هُوَ صِفَةُ فِعْلِهِنَّ وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا يُسَمَّى فِي الشَّرِيعَةِ وَفِي اللُّغَةِ تَطَهُّرًا وَطَهُورًا وَطُهْرًا، فَأَيَّ ذَلِكَ فَعَلَتْ فَقَدْ تَطَهَّرَتْ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108] فَجَاءَ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ بِأَنَّهُ غَسْلُ الْفَرْجِ وَالدُّبُرِ بِالْمَاءِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» فَصَحَّ أَنَّ التَّيَمُّمَ لِلْجَنَابَةِ وَلِلْحَدَثِ طَهُورٌ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» يَعْنِي الْوُضُوءَ. وَمَنْ اقْتَصَرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222] عَلَى غَسْلِ الرَّأْسِ وَالْجَسَدِ كُلِّهِ دُونَ الْوُضُوءِ وَدُونَ التَّيَمُّمِ وَدُونَ غَسْلِ الْفَرْجِ بِالْمَاءِ، فَقَدْ قَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَادَّعَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بَعْضَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ كَلَامُهُ بِلَا بُرْهَانٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُقَالُ لَهُمْ: هَلَّا فَعَلْتُمْ هَذَا فِي الشَّفَقِ؟ إذْ قُلْتُمْ أَيُّ شَيْءٍ تَوَقَّعَ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّفَقِ فَبِغُرُوبِهِ تَدْخُلُ صَلَاةُ الْعَتَمَةِ، فَمَرَّةً تَحْمِلُونَ اللَّفْظَ عَلَى كُلِّ مَا يَقْتَضِيهِ، وَمَرَّةً عَلَى بَعْضِ مَا يَقْتَضِيهِ بِالدَّعْوَى وَالْهَوَسِ. فَإِنْ قَالَ: إذَا حَاضَتْ حَرُمَتْ بِإِجْمَاعٍ فَلَا تَحِلُّ إلَّا بِإِجْمَاعٍ آخَرَ، قُلْنَا هَذَا بَاطِلٌ، وَدَعْوَى كَاذِبَةٌ، لَمْ يُوجِبْهَا لَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ، بَلْ إذَا حَرُمَ الشَّيْءُ بِإِجْمَاعٍ ثُمَّ جَاءَ نَصٌّ يُبِيحُهُ فَهُوَ مُبَاحٌ، مَا نُبَالِي أُجْمِعَ عَلَى إبَاحَتِهِ أَمْ اُخْتُلِفَ فِيهَا، وَلَوْ كَانَتْ قَضِيَّتُكُمْ هَذِهِ صَحِيحَةً لَبَطَلَ بِهَا عَلَيْكُمْ أَكْثَرُ أَقْوَالِكُمْ، فَيُقَالُ لَكُمْ: قَدْ حَرَّمْتُمْ الصَّلَاةَ عَلَى الْمُحْدِثِ وَالْمُجْنِبِ بِإِجْمَاعٍ، فَلَا تَحِلُّ لَهُمَا إلَّا بِإِجْمَاعٍ وَلَا تُجِيزُوا لِلْجُنُبِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالتَّيَمُّمِ وَلَوْ عَدِمَ الْمَاءَ شَهْرًا فَلَا إجْمَاعَ فِي ذَلِكَ، بَلْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَالْأَسْوَدُ لَا يُجِيزُونَ لَهُ الصَّلَاةَ بِالتَّيَمُّمِ، وَأَبْطَلُوا صَلَاةَ مَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَسْتَنْشِقْ، لِأَنَّهُ لَا إجْمَاعَ فِي صِحَّتِهَا، وَأَبْطَلُوا صَلَاةَ مَنْ تَوَضَّأَ بِفَضْلِ امْرَأَةٍ وَمَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ، وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَجَمِيعِ الشَّرَائِعِ، فَصَحَّ أَنَّ قَضِيَّتَهُمْ هَذِهِ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ فِي ذَاتِهَا، وَفِي غَايَةِ الْإِفْسَادِ لِقَوْلِهِمْ. قَالَ عَلِيٌّ: وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: إنْ كَانَتْ أَيَّامُهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَبِانْقِطَاعِ الْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ يَحِلُّ
لَهُ وَطْؤُهَا، اغْتَسَلَتْ أَوْ لَمْ تَغْتَسِلْ، مَضَى لَهَا وَقْتُ صَلَاةٍ أَوْ لَمْ يَمْضِ، تَوَضَّأَتْ أَوْ لَمْ تَتَوَضَّأْ، تَيَمَّمَتْ أَوْ لَمْ تَتَيَمَّمْ، غَسَلَتْ فَرْجَهَا أَوْ لَمْ تَغْسِلْهُ، فَإِنْ كَانَتْ أَيَّامُ حَيْضِهَا أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا إلَّا بِأَنْ تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ لَهَا وَقْتُ أَدْنَى صَلَاةٍ مِنْ طُهْرِهَا، فَإِنْ مَضَى لَهَا وَقْتُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ طَهُرَتْ فِيهِ أَوْ قَبْلَهُ وَلَمْ تَغْتَسِلْ فِيهِ فَلَهُ وَطْؤُهَا، وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ وَلَا تَيَمَّمَتْ وَلَا تَوَضَّأَتْ وَلَا غَسَلَتْ فَرْجَهَا، فَإِنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةٍ حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَهَذِهِ أَقْوَالٌ نَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى السَّلَامَةِ مِنْهَا، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شَيْءٌ، وَلَا نَعْلَمُ أَيْضًا عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ إلَّا عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ الْمَنْعَ مِنْ وَطْئِهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِهِمْ لَوْ انْفَرَدُوا، فَكَيْفَ وَقَدْ عَارَضَهُمْ مَنْ هُوَ مِثْلُهُمْ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَكَمْ مِنْ مَسْأَلَةٍ خَالَفُوا فِيهَا أَكْثَرَ عَدَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِيهَا مُخَالِفٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا كَثِيرًا قَبْلُ، وَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ الرِّوَايَةَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي مَقْبَرَةٍ وَلَا إلَى قَبْرٍ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَخَالَفُوهُمْ بِآرَائِهِمْ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَأَنَسٍ: الْفَخِذُ لَيْسَتْ عَوْرَةً وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَخَالَفُوهُمْ، وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ جِدًّا. وَلَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بِقَوْلِهِ: {تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222] بَعْضَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ دُونَ بَعْضٍ لَمَا أَغْفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانَ ذَلِكَ، فَلَمَّا لَمْ يَخُصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذَلِكَ وَأَحَالَنَا عَلَى الْقُرْآنِ أَيْقَنَّا قَطْعًا بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُرِدْ بَعْضَ مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ دُونَ بَعْضٍ، فَإِنْ قَالُوا قَوْلُنَا أَحْوَطُ، قُلْنَا حَاشَا لِلَّهِ، بَلْ الْأَحْوَطُ أَنْ لَا يُحَرِّمَ عَلَيْهِ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْوَطْءِ بِغَيْرِ يَقِينٍ. فَإِنْ قَالُوا: لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا إلَّا بِمَا يَحِلُّ لَهَا الصَّلَاةُ، قُلْنَا هَذِهِ دَعْوَى بَاطِلٍ مُنْتَقِضَةٌ، أَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهَا لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهَا. وَالثَّانِي أَنَّهُ قَدْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَيْثُ لَا تَحِلُّ لَهَا الصَّلَاةُ، وَهُوَ كَوْنُهَا مُجْنِبَةً وَمُحْدِثَةً. وَالثَّالِثُ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: هَلَّا قُلْتُمْ لَا يَحِلُّ
مسألة قضاء الحائض للصلاة
لَهُ وَطْؤُهَا إلَّا بِمَا يَحِلُّ لَهَا بِهِ الصَّوْمُ وَهُوَ يَحِلُّ لَهَا عِنْدَهُمْ بِرُؤْيَةِ الطُّهْرِ فَقَطْ فَهَذِهِ دَعْوَى بِدَعْوَى فَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَجَدْنَا التَّحْرِيمَ يَدْخُلُ بِأَدَقِّ الْأَشْيَاءِ، وَلَا يَدْخُلُ التَّحْلِيلُ إلَّا بِأَغْلَظِ الْأَشْيَاءِ، كَنِكَاحِ مَا نَكَحَ الْآبَاءُ، يَحْرُمُ بِالْعَقْدِ، وَتَحْلِيلُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لَا يَحِلُّ لَهَا إلَّا بِالْعَقْدِ وَالْوَطْءِ. قُلْنَا لَيْسَ كَمَا قُلْتُمْ، بَلْ قَدْ خَالَفْتُمْ قَضِيَّتَكُمْ هَذِهِ عَلَى فَسَادِهَا وَبُطْلَانِهَا، فَتَرَكْتُمْ أَغْلَظَ الْأَشْيَاءِ مِمَّا قَالَهُ غَيْرُكُمْ وَهُوَ الْإِجْنَابُ، فَإِنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ لَا يَرَى الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا تَحِلُّ إلَّا بِالْعَقْدِ وَالْوَطْءِ وَالْإِنْزَالِ وَلَا بُدَّ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَرَى أَنَّهَا تَحِلُّ بِالْعَقْدِ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَطْءٌ وَلَا دُخُولٌ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: قَدْ وَجَدْنَا التَّحْلِيلَ يَدْخُلُ بِأَدَقِّ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ فَرْجُ الْأَجْنَبِيَّةِ الَّذِي فِي وَطْئِهِ دُخُولُ النَّارِ وَإِبَاحَةُ الدَّمِ بِالرَّجْمِ وَالشُّهْرَةِ بِالسِّيَاطِ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ بِثَلَاثِ كَلِمَاتٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ: أَنْكِحْنِي ابْنَتَكَ. قَالَ قَدْ أَنْكَحْتُهَا. أَوْ تَلْفِظُ هِيَ بِالرِّضَا وَالْوَلِيُّ بِالْإِذْنِ. وَبِأَنْ يَقُولَ سَيِّدُ الْأَمَةِ: هِيَ لَكَ هِبَةً. وَوَجَدْنَا التَّحْرِيمَ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِأَغْلَظِ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ أَوْ انْقِضَاءُ أَمَدِ الْعِدَّةِ، وَوَجَدْنَا تَحْرِيمَ الرَّبِيبَةِ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِالْعَقْدِ وَالدُّخُولِ وَإِلَّا فَلَا، فَظَهَرَ أَنَّ الَّذِي قَالُوهُ تَخْلِيطٌ وَقَوْلٌ بِالْبَاطِلِ فِي الدِّينِ، وَالْحَقُّ مِنْ هَذَا هُوَ أَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِمَا يَدْخُلُ بِهِ التَّحْلِيلُ، وَهُوَ الْقُرْآنُ أَوْ السُّنَّةُ وَلَا مَزِيدَ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ قَضَاء الْحَائِض لِلصَّلَاةِ] 257 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَقْضِي الْحَائِضُ إذَا طَهُرَتْ شَيْئًا مِنْ الصَّلَاةِ الَّتِي مَرَّتْ فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا. وَتَقْضِي صَوْمَ الْأَيَّامِ الَّتِي مَرَّتْ لَهَا فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا. وَهَذَا نَصٌّ مُجْمَعٌ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَحَدٌ. 258 - مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ حَاضَتْ امْرَأَةٌ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَلَمْ تَكُنْ صَلَّتْ تِلْكَ الصَّلَاةَ سَقَطَتْ عَنْهَا، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهَا فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِنَا. وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ وَإِسْحَاقُ: عَلَيْهَا الْقَضَاءُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ أَمْكَنَهَا أَنْ تُصَلِّيَهَا فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ. قَالَ عَلِيٌّ: بُرْهَانُ قَوْلِنَا هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلصَّلَاةِ وَقْتًا مَحْدُودًا أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ وَصَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَفِي آخِرِ وَقْتِهَا، فَصَحَّ أَنَّ الْمُؤَخِّرَ
مسألة للرجل أن يتلذذ من امرأته الحائض بكل شيء حاشا الإيلاج في الفرج
لَهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا لَيْسَ عَاصِيًا. لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يَفْعَلُ الْمَعْصِيَةَ فَإِذًا هِيَ لَيْسَتْ عَاصِيَةً فَلَمْ تَتَعَيَّنْ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا بِعُدُولِهَا تَأْخِيرَهَا، فَإِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهَا حَتَّى حَاضَتْ فَقَدْ سَقَطَتْ عَنْهَا، وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ لَكَانَ مَنْ صَلَّاهَا بَعْدَ مُضِيِّ مِقْدَارِ تَأْدِيَتِهَا مِنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا قَاضِيًا لَهَا لَا مُصَلِّيًا، وَفَاسِقًا بِتَأْخِيرِهَا عَنْ وَقْتِهَا، وَمُؤَخِّرًا لَهَا عَنْ وَقْتِهَا، وَهَذَا بَاطِلٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ. 259 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ طَهُرَتْ فِي آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِمِقْدَارِ مَا لَا يُمْكِنُهَا الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، فَلَا تَلْزَمُهَا تِلْكَ الصَّلَاةُ وَلَا قَضَاؤُهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: عَلَيْهَا أَنْ تُصَلِّيَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُبِحْ الصَّلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ، وَقَدْ حَدَّ اللَّهُ تَعَالَى لِلصَّلَوَاتِ أَوْقَاتَهَا، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهَا الطَّهُورُ وَفِي الْوَقْتِ بَقِيَّةٌ فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهَا لَمْ تُكَلَّفْ تِلْكَ الصَّلَاةَ الَّتِي لَمْ يَحِلَّ لَهَا أَنْ تُؤَدِّيَهَا فِي وَقْتِهَا. [مَسْأَلَةٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَلَذَّذَ مِنْ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ بِكُلِّ شَيْءٍ حَاشَا الْإِيلَاجَ فِي الْفَرْجِ] 260 - مَسْأَلَةٌ: وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَتَلَذَّذَ مِنْ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ بِكُلِّ شَيْءٍ، حَاشَا الْإِيلَاجَ فِي الْفَرْجِ، وَلَهُ أَنْ يُشَفِّرَ وَلَا يُولِجَ، وَأَمَّا الدُّبُرُ فَحَرَامٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ. وَفِي هَذَا خِلَافٌ فَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَزِلُ فِرَاشَ امْرَأَتِهِ إذَا حَاضَتْ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ - إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْ عُمَرَ - وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَهُ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ مِنْ السُّرَّةِ فَصَاعِدًا إلَى أَعْلَاهَا، وَلَيْسَ لَهُ مَا دُونَ ذَلِكَ. فَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] ، وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ عَنْ أُمِّ ذَرَّةٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ " كُنْتُ إذَا حِضْتُ نَزَلْتُ عَنْ الْمِثَالِ عَلَى الْحَصِيرِ فَلَمْ نَقْرَبْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ نَدْنُ مِنْهُ حَتَّى نَطْهُرَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا هَذَا الْخَبَرُ فَإِنَّهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْيَمَانِ كَثِيرِ بْنِ الْيَمَانِ الرَّحَّالِ وَلَيْسَ بِالْمَشْهُورِ، عَنْ أُمِّ ذَرَّةٍ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ فَسَقَطَ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَهِيَ مُوجِبَةٌ لِفِعْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ
إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بَيَانٌ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَيُوقَفُ عِنْدَهُ، فَأَرْجَأْنَا أَمْرَ الْآيَةِ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إلَى مَا قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضْطَجِعُ مَعِي وَأَنَا حَائِضٌ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ» . وَبِحَدِيثٍ آخَرَ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ عَنْ نُدْبَةَ مَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُبَاشِرُ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَائِهِ وَهِيَ حَائِضٌ إذَا كَانَ عَلَيْهَا إزَارٌ يَبْلُغُ أَنْصَافَ الْفَخِذَيْنِ أَوْ الرُّكْبَتَيْنِ وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ» . وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَلِيفَةَ عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَنَامُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ حَائِضٌ وَبَيْنَهُمَا ثَوْبٌ» . وَبِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو الْعِجْلِيِّ «أَنَّ نَفَرًا سَأَلُوا عُمَرَ فَقَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ حَائِضًا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ، لَا تَطَّلِعَنَّ إلَى مَا تَحْتَهُ حَتَّى تَطْهُرَ» . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عُمَرَ مِثْلُهُ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو: عَنْ عُمَرَ مِثْلُهُ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو. وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ هَارُونَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارٍ ثنا مَرْوَانُ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ - حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ ثنا الْعَلَاءُ بْنُ الْحَارِثِ «عَنْ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا يَحِلُّ لِي مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» . وَبِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْيَزَنِيِّ عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَغْطَشِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذِ الْأَزْدِيِّ هُوَ ابْنُ قُرْطٍ أَمِيرُ حِمْصَ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: مَا فَوْقَ الْإِزَارِ، وَالتَّعَفُّفُ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ» .
وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كُرَيْبٍ عَنْ كُرَيْبٍ «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا يَحِلُّ مِنْ الْمَرْأَةِ وَهِيَ حَائِضٌ لِزَوْجِهَا؟ قَالَ: سَمِعْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنْ كَانَ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ كَذَلِكَ: يَحِلُّ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» . وَبِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَجِ عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ ابْنِ النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ؟ قَالَ: مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» . فَنَظَرْنَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ فَوَجَدْنَاهَا لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ، أَمَّا حَدِيثَا مَيْمُونَةَ فَأَحَدُهُمَا عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ: مَخْرَمَةُ هُوَ ضَعِيفٌ لَيْسَ حَدِيثُهُ بِشَيْءٍ، وَالْآخَرُ مِنْ طَرِيقِ نَدَبَةَ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ لَا تُعْرَفُ، وَأَبُو دَاوُد يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ اللَّيْثِ فَقَالَ: قَالَ نَدَبَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَالدَّالِ وَمَعْمَرٌ يَرْوِيهِ وَيَقُولُ: نُدْبَةَ بِضَمِّ النُّونِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ، وَيُونُسُ يَقُولُ بُدَيَّةَ، بِالْبَاءِ الْمَضْمُومَةِ وَالدَّالِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، كُلُّهُمْ يَرْوِيهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ، فَسَقَطَ خَبَرَا مَيْمُونَةَ ". وَأَمَّا حَدِيثَا عَائِشَةَ فَأَحَدُهُمَا مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ شُعْبَةُ وَلَمْ يُوَثِّقْهُ أَحَدٌ فَسَقَطَ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَهُوَ الْعُمَرِيُّ الصَّغِيرُ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ، إنَّمَا الثِّقَةُ أَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَسَقَطَ حَدِيثَا عَائِشَةَ. وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَإِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عُمَرَ، هَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْجَزَرِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ نَصًّا، فَسَقَطَ إسْنَادُهُ لِأَنَّ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عُمَرَ بَلْ رَوَاهُ كَمَا ذَكَرْنَا مُنْقَطِعًا عَنْ عُمَيْرٍ، وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو الشَّامِيِّ عَنْ أَحَدِ النَّفَرِ الَّذِينَ أَتَوْا عُمَرَ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِنَصِّهِ، وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو الْبَجَلِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ سَأَلُوا عُمَرَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَفْسَهُ فَإِنَّمَا رَوَاهُ عَاصِمٌ عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ عَنْ مَجْهُولِينَ، فَسَقَطَ جُمْلَةً. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي حَدِيثِ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَمِّهِ فَوَجَدْنَاهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ حَرَامَ بْنَ حَكِيمٍ ضَعِيفٌ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى غَسْلَ الْأُنْثَيَيْنِ مِنْ الْمَذْيِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الْخَبَرَ رَوَاهُ
عَنْ حَرَامٍ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ فَوَجَدْنَاهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَنْ بَقِيَّةَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ الْأَغْطَشِ وَهُوَ مَجْهُولٌ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ أَنَّ التَّعَفُّفَ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَجَدْنَاهُ لَمْ يُحَقَّقْ إسْنَادُهُ، فَسَقَطَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا وَلَمْ يَجُزْ التَّعَلُّقُ بِشَيْءٍ مِنْهَا. ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا قُلْنَاهُ فَوَجَدْنَا الصَّحِيحَ عَنْ مَيْمُونَةَ وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - هُوَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الْإِزَارِ وَهُنَّ حُيَّضٌ» . وَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ الْأَسْوَدِ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَأْمُرُهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا، وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْلِكُ إرْبَهُ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ ثنا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ - حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ صُبْحٍ قَالَ: سَمِعْتُ خِلَاسَ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ سَمِعْتُ «عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ كُنْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشِّعَارِ الْوَاحِدِ وَأَنَا حَائِضٌ، فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شَيْءٌ غَسَلَهُ لَمْ يَعْدُهُ إلَى غَيْرِهِ وَصَلَّى فِيهِ ثُمَّ يَعُودُ مَعِي» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ - عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ مِنْ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ثنا ثَابِتٌ هُوَ الْبُنَانِيُّ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]
إلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» . فَكَانَ هَذَا الْخَبَرُ بِصِحَّتِهِ، وَبَيَانُ أَنَّهُ كَانَ إثْرَ نُزُولِ الْآيَةِ هُوَ الْبَيَانُ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ، وَأَيْضًا فَقَدْ يَكُونُ الْمَحِيضُ فِي اللُّغَةِ مَوْضِعَ الْحَيْضِ وَهُوَ الْفَرْجُ، وَهَذَا فَصِيحٌ مَعْرُوفٌ، فَتَكُونُ الْآيَةُ حِينَئِذٍ مُوَافِقَةٌ لِلْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَيَكُونُ مَعْنَاهَا: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي مَوْضِعِ الْحَيْضِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي صَحَّ عَمَّنْ جَاءَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، كَمَا رُوِّينَا عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا يَحِلُّ لِي مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَتْ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْفَرْجَ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] قَالَ: اعْتَزِلُوا نِكَاحَ فُرُوجِهِنَّ، وَهُوَ قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَمَسْرُوقٍ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَالصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ مَنْ لَا يُبَالِي بِمَا أَطْلَقَ بِهِ لِسَانَهُ: إنَّ حَدِيثَ عُمَرَ - الَّذِي لَا يَصِحُّ - نَاسِخٌ لِحَدِيثِ أَنَسٍ - الَّذِي لَا يَثْبُتُ غَيْرُهُ فِي مَعْنَاهُ - قَالَ: لِأَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ كَانَ مُتَّصِلًا بِنُزُولِ الْآيَةِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا هُوَ الْكَذِبُ بِعَيْنِهِ وَقَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَلَوْ صَحَّ حَدِيثُ عُمَرَ فَمَنْ لَهُ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ؟ وَلَعَلَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِهَا، فَإِذْ ذَلِكَ مُمْكِنٌ هَكَذَا فَلَا يَجُوزُ الْقَطْعُ بِأَحَدِهِمَا، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ يَقِينِ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إثْرَ نُزُولِ الْآيَةِ لِظَنٍّ كَاذِبٍ فِي حَدِيثٍ لَا يَصِحُّ، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ الثَّابِتَيْنِ اللَّذَيْنِ رُوِّينَاهُمَا: أَحَدُهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا: نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ قَالَتْ فَقُلْتُ: إنَّنِي حَائِضٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» .
مسألة دم النفاس يمنع ما يمنع منه دم الحيض حاشا الطواف بالبيت
وَرُوِّينَا الْآخَرَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ وَأَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ نَاوِلِينِي الثَّوْبَ، فَقَالَتْ إنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» فَهُمَا دَلِيلُ أَنْ لَا يُجْتَنَبَ إلَّا الْمَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الْحَيْضَةُ وَحْدَهُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ دَمُ النِّفَاسِ يَمْنَعُ مَا يَمْنَعُ مِنْهُ دَمُ الْحَيْضِ حَاشَا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ] 261 - مَسْأَلَةٌ: وَدَمُ النِّفَاسِ يَمْنَعُ مَا يَمْنَعُ مِنْهُ دَمُ الْحَيْضِ. هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ، حَاشَا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، فَإِنَّ النُّفَسَاءَ تَطُوفُ بِهِ، لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِي الْحَائِضِ وَلَمْ يَرِدْ فِي النُّفَسَاءِ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] ثُمَّ اسْتَدْرَكْنَا فَرَأَيْنَا أَنَّ النِّفَاسَ حَيْضٌ صَحِيحٌ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَيْضِ فِي كُلِّ شَيْءٍ «لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ أَنُفِسْتِ؟ قَالَتْ نَعَمْ» فَسَمَّى الْحَيْضَ نِفَاسًا. وَكَذَلِكَ الْغُسْلُ مِنْهُ وَاجِبٌ بِإِجْمَاعٍ. [مَسْأَلَةٌ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ أَنْ يَتَزَوَّجَا وَأَنْ يَدْخُلَا الْمَسْجِدَ وَكَذَلِكَ الْجُنُبُ] 262 - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ أَنْ يَتَزَوَّجَا وَأَنْ يَدْخُلَا الْمَسْجِدَ وَكَذَلِكَ الْجُنُبُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَهْيٌ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ يَبِيتُونَ فِي الْمَسْجِدِ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ فِيهِمْ مِنْ يَحْتَلِمُ، فَمَا نُهُوا قَطُّ عَنْ ذَلِكَ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ إلَّا مُجْتَازِينَ، هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] فَادَّعُوا أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ أَوْ غَيْرَهُ قَالَ مَعْنَاهُ لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ زَيْدٍ، وَلَوْ صَحَّ أَنَّهُ قَالَهُ لَكَانَ خَطَأً مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يَقُولَ لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ فَيَلْبِسُ عَلَيْنَا فَيَقُولُ: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ} [النساء: 43] وَرُوِيَ أَنَّ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ نَفْسِهَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَمُرَّا فِيهِ أَصْلًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ لَا يَمُرَّا فِيهِ، فَإِنْ اُضْطُرَّا إلَى ذَلِكَ تَيَمَّمَا ثُمَّ مَرَّا فِيهِ. وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ بِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَفْلَتَ بْنِ خَلِيفَةَ عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ
عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» ، وَآخَرُ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي غُنْيَةَ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ الْهَجَرِيِّ عَنْ مَحْدُوجٍ الْهُذَلِيِّ عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ حَدَّثَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَلَا إنَّ هَذَا الْمَسْجِدَ لَا يَحِلُّ لِجُنُبٍ وَلَا حَائِضٍ إلَّا لِلنَّبِيِّ وَأَزْوَاجِهِ وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ» . وَخَبَرٌ آخَرُ رُوِّينَاهُ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ عَطَاءٍ الْخَفَّافِ عَنْ ابْنِ أَبِي غُنْيَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هَذَا الْمَسْجِدُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ جُنُبٍ مِنْ الرِّجَالِ وَحَائِضٍ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مُحَمَّدًا وَأَزْوَاجَهُ وَعَلِيًّا وَفَاطِمَةَ» . وَخَبَرٌ آخَرُ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زُبَالَةَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَمُرَّ فِيهِ وَهُوَ جُنُبٌ إلَّا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ: أَمَّا أَفْلَتُ فَغَيْرُ مَشْهُورٍ وَلَا مَعْرُوفٍ بِالثِّقَةِ، وَأَمَّا مَحْدُوجٌ فَسَاقِطٌ يَرْوِي الْمُعْضِلَاتِ عَنْ جَسْرَةَ، وَأَبُو الْخَطَّابِ الْهَجَرِيُّ مَجْهُولٌ، وَأَمَّا عَطَاءٌ الْخَفَّافُ فَهُوَ عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَإِسْمَاعِيلُ مَجْهُولٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ، وَكَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ مِثْلُهُ، فَسَقَطَ كُلُّ مَا فِي هَذَا الْخَبَرِ جُمْلَةً. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عُبَيْدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ وَلِيدَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ لِحَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ فَأَعْتَقُوهَا فَجَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمَتْ فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ حِفْشٌ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذِهِ امْرَأَةٌ سَاكِنَةٌ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَعْهُودُ مِنْ النِّسَاءِ الْحَيْضُ فَمَا مَنَعَهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ ذَلِكَ وَلَا نَهَى عَنْهُ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَنْهَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْهُ فَمُبَاحٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَهُ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا» وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ
مسألة حكم وطء الحائض
الْحَائِضَ وَالْجُنُبَ مُبَاحٌ لَهُمَا جَمِيعُ الْأَرْضِ، وَهِيَ مَسْجِدٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِالْمَنْعِ مِنْ بَعْضِ الْمَسَاجِدِ دُونَ بَعْضٍ، وَلَوْ كَانَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ لِلْحَائِضِ لَأَخْبَرَ بِذَلِكَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَائِشَةَ، إذْ حَاضَتْ فَلَمْ يَنْهَهَا إلَّا عَنْ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَقَطْ، وَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُتَيَقَّنِ أَنْ يَكُونَ لَا يَحِلُّ لَهَا دُخُولُ الْمَسْجِدِ فَلَا يَنْهَاهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ وَيَقْتَصِرُ عَلَى مَنْعِهَا مِنْ الطَّوَافِ. وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ وَدَاوُد وَغَيْرِهِمَا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ حُكْمُ وَطْءِ الْحَائِضِ] 263 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَطِئَ حَائِضًا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَفَرْضٌ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنْ أَصَابَهَا فِي الدَّمِ فَيَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ فَنِصْفُ دِينَارٍ. وَرُوِّينَا عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: مَنْ وَطِئَ حَائِضًا فَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي يَطَأُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ. وَرُوِّينَا عَنْ قَتَادَةَ: إنْ كَانَ وَاجِدًا فَدِينَارٌ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَنِصْفُ دِينَارٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ وَإِنْ شَاءَ بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يُعْتِقُ رَقَبَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا. فَأَمَّا مَنْ قَالَ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ فَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ» وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذَا الْخَبَرِ «إنْ كَانَ الدَّمُ عَبِيطًا فَدِينَارٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ صُفْرَةٌ فَنِصْفُ دِينَارٍ» وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الَّذِي يَأْتِي أَهْلَهُ حَائِضًا يَتَصَدَّقُ بِنِصْفِ دِينَارٍ» وَبِحَدِيثٍ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ «عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ - يَعْنِي الَّذِي يَعْمِدُ وَطْءَ حَائِضٍ - أَنْ يَتَصَدَّقَ بِخُمُسَيْ دِينَارٍ» وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ ثنا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ عَنْ السَّبِيعِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَطِئَ جَارِيَتَهُ فَإِذَا بِهَا حَائِضٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ» وَآخَرُ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ الْمَكْفُوفِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَوْطٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ» وَبِحَدِيثٍ آخَرَ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ جَابِرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ رَجُلًا أَصَابَ حَائِضًا بِعِتْقِ نَسَمَةٍ» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَحْمُودِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِهِ نَصًّا، وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْعِتْقَ أَوْ الصِّيَامَ أَوْ الْإِطْعَامَ بِقِيَاسِهِ عَلَى الْوَطْءِ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ هَذَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ. أَمَّا حَدِيثُ مِقْسَمٍ فَمِقْسَمٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ عِكْرِمَةَ، فَرَوَاهُ شَرِيكٌ عَنْ خُصَيْفٍ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْأَوْزَاعِيِّ فَمُرْسَلٌ، وَأَمَّا حَدِيثَا عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ لَكَفَى بِهِ سُقُوطًا، فَكَيْفَ وَأَحَدُهُمَا عَنْ السَّبِيعِيِّ، وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ؟ وَمُرْسَلٌ مَعَ ذَلِكَ، وَالْآخَرُ مَعَ الْمَكْفُوفِ، وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ؟ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَوْطٍ وَهُوَ سَاقِطٌ. وَأَمَّا حَدِيثَا الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ فَمِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ، فَسَقَطَ جَمِيعُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ. وَأَمَّا قِيَاسُ الْوَاطِئِ حَائِضًا عَلَى الْوَاطِئِ فِي رَمَضَانَ فَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ. وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْآخِذِينَ بِالْآثَارِ الْوَاهِيَةِ كَحَدِيثِ حِزَامٍ فِي الِاسْتِظْهَارِ وَأَحَادِيثِ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ، وَأَحَادِيثِ الْجُعْلِ فِي الْأَنْفِ، وَحَدِيثِ الْوُضُوءِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ، وَأَحَادِيثِ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ وَغَيْرِهَا فِي أَنْ لَا يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ حَائِضٌ وَلَا جُنُبٌ، وَبِالْأَخْبَارِ الْوَاهِيَةِ فِي أَنْ لَا يَقْرَأَ الْقُرْآنَ الْجُنُبُ، أَنْ يَقُولُوا بِهَذِهِ الْآثَارِ فَهِيَ أَحْسَنُ عَلَى عِلَّاتِهَا مِنْ تِلْكَ الصُّلْعِ الدَّبِرَةِ الَّتِي أَخَذُوا بِهَا هَهُنَا، وَلَكِنْ هَذَا يُلِيحُ اضْطِرَابَهُمْ، وَأَنَّهُمْ لَا يَتَعَلَّقُونَ بِمُرْسَلٍ وَلَا مُسْنَدٍ وَلَا قَوِيٍّ وَلَا ضَعِيفٍ إلَّا مَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ قَاسَ الْأَكْلَ فِي رَمَضَانَ، عَلَى الْوَاطِئِ فِيهِ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ أَنْ يَقِيسَ وَاطِئَ الْحَائِضِ عَلَى الْوَاطِئِ فِي رَمَضَانَ، لِأَنَّ كِلَيْهِمَا وَطِئَ فَرْجًا حَلَالًا فِي الْأَصْلِ حَرَامًا بِصِفَةٍ تَدُورُ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ قِيَاسَاتِهِمْ الْفَاسِدَةِ، فَإِنَّ الْوَاطِئَ أَشْبَهُ بِالْوَاطِئِ مِنْ الْآكِلِ بِالْوَاطِئِ. نَعَمْ وَمِنْ الزَّيْتِ بِالسَّمْنِ وَمِنْ الْمُتَغَوِّطِ بِالْبَائِلِ، وَمِنْ الْخِنْزِيرِ بِالْكَلْبِ وَمِنْ
مسألة دم رأته الحامل ولم تضع آخر ولد في بطنها
فَرْجِ الزَّوْجَةِ الْمُسْلِمَةِ بِيَدِ السَّارِقِ الْمَلْعُونِ، وَسَائِرِ تِلْكَ الْمَقَايِيسِ الْفَاسِدَةِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ كُلُّ ذِي فَهْمٍ أَنَّهُمْ لَا النُّصُوصَ يَلْتَزِمُونَ، وَلَا الْقِيَاسَ يَتَّبِعُونَ، وَإِنَّمَا هُمْ مُقَلِّدُونَ أَوْ مُسْتَحْسِنُونَ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا نَحْنُ فَلَوْ صَحَّ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ لَأَخَذْنَا بِهِ، فَإِذْ لَمْ يَصِحَّ فِي إيجَابِ شَيْءٍ عَلَى وَاطِئِ الْحَائِضِ فَمَالُهُ حَرَامٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ حُكْمًا أَكْثَرَ مِمَّا أَلْزَمَهُ اللَّهُ مِنْ التَّوْبَةِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي عَمِلَ، وَالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّعْزِيرِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ، وَسَنَذْكُرُ مِقْدَارَ التَّعْزِيرِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَبِهِ نَتَأَيَّدُ. [مَسْأَلَةٌ دَمٌ رَأَتْهُ الْحَامِلُ وَلَمْ تَضَعْ آخِرَ وَلَدٍ فِي بَطْنِهَا] 264 - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ دَمٍ رَأَتْهُ الْحَامِلُ مَا لَمْ تَضَعْ آخِرَ وَلَدٍ فِي بَطْنِهَا، فَلَيْسَ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ شَيْءٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَيْسَ حَيْضًا قَبْلُ وَبُرْهَانُهُ، وَلَيْسَ أَيْضًا نِفَاسًا لِأَنَّهَا لَمْ تُنْفِسْ وَلَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدُ وَلَا حَائِضٌ، وَلَا إجْمَاعٌ بِأَنَّهُ حَيْضٌ أَوْ نِفَاسٌ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهَا مَا قَدْ صَحَّ وُجُوبُهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَإِبَاحَةِ الْجِمَاعِ إلَّا بِنَصٍّ ثَابِتٍ لَا بِالدَّعْوَى الْكَاذِبَةِ. [مَسْأَلَةٌ رَأَتْ الْعَجُوزُ الْمُسِنَّةُ دَمًا أَسْوَدَ] 265 - مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ رَأَتْ الْعَجُوزُ الْمُسِنَّةُ دَمًا أَسْوَدَ فَهُوَ حَيْضٌ مَانِعٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالطَّوَافِ وَالْوَطْءِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ بِإِسْنَادِهِ «إنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَأَتْهُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْحَيْضِ «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» فَهَذَا دَمٌ أَسْوَدُ وَهِيَ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ حَيْضًا، كَمَا جَاءَ بِهِ النَّصُّ فِي الْحَامِلِ، فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: 4] قُلْنَا: إنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُنَّ بِيَأْسِهِنَّ، وَلَمْ يُخْبِرْ تَعَالَى أَنْ يَأْسَهُنَّ حَقٌّ قَاطِعٌ لِحَيْضِهِنَّ، وَلَمْ نُنْكِرْ يَأْسَهُنَّ مِنْ الْحَيْضِ، لَكِنْ قُلْنَا: إنَّ يَأْسَهُنَّ مِنْ الْحَيْضِ، لَيْسَ مَانِعًا مِنْ أَنْ يُحْدِثَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُنَّ حَيْضًا، وَلَا أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ، وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا} [النور: 60] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُنَّ يَائِسَاتٌ مِنْ النِّكَاحِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ أَنْ يُنْكَحْنَ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وُرُودِ الْكَلَامَيْنِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي اللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ
مسألة أقل الحيض
وَاَللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا، وَكِلَاهُمَا حُكْمٌ وَارِدٌ فِي اللَّوَاتِي يَظْنُنَّ هَذَيْنِ الظَّنَّيْنِ، وَكِلَاهُمَا لَا يَمْنَعُ مِمَّا يَئِسْنَ مِنْهُ، مِنْ الْمَحِيضِ وَالنِّكَاحِ، وَبِقَوْلِنَا فِي الْعَجُوزِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ أَقَلُّ الْحَيْضِ] 266 - مَسْأَلَةٌ: وَأَقَلُّ الْحَيْضِ دَفْعَةً، فَإِذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الدَّمَ الْأَسْوَدَ مِنْ فَرْجِهَا أَمْسَكَتْ عَنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَحَرُمَ وَطْؤُهَا عَلَى بَعْلِهَا وَسَيِّدِهَا، فَإِنْ رَأَتْ أَثَرَ الدَّمِ الْأَحْمَرِ أَوْ كَغُسَالَةِ اللَّحْمِ أَوْ الصُّفْرَةَ أَوْ الْكُدْرَةَ أَوْ الْبَيَاضَ أَوْ الْجُفُوفَ التَّامَّ - فَقَدْ طَهُرَتْ وَتَغْتَسِلُ أَوْ تَتَيَمَّمُ إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ التَّيَمُّمِ، وَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَيَأْتِيهَا بَعْلُهَا أَوْ سَيِّدُهَا، وَهَكَذَا أَبَدًا مَتَى رَأَتْ الدَّمَ الْأَسْوَدَ فَهُوَ حَيْضٌ، وَمَتَى رَأَتْ غَيْرَهُ فَهُوَ طُهْرٌ، وَتَعْتَدُّ بِذَلِكَ مِنْ الطَّلَاقِ، فَإِنْ تَمَادَى الْأَسْوَدُ فَهُوَ حَيْضٌ إلَى تَمَامِ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنْ زَادَ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَلَيْسَ حَيْضًا، وَنَذْكُرُ حُكْمَ ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُرُودِ النَّصِّ بِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، وَمَا عَدَاهُ لَيْسَ حَيْضًا، وَلَمْ يَخُصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِذَلِكَ عَدَدَ أَوْقَاتٍ مِنْ عَدَدٍ، بَلْ أَوْجَبَ بِرُؤْيَتِهِ أَنْ لَا تُصَلِّيَ وَلَا تَصُومَ، وَحَرَّمَ تَعَالَى نِكَاحَهُنَّ فِيهِ، وَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالصَّلَاةِ عِنْدَ إدْبَارِهِ وَالصَّوْمَ، وَأَبَاحَ تَعَالَى الْوَطْءَ عِنْدَ الطُّهْرِ مِنْهُ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ بِذَلِكَ، وَمَا دَامَ يُوجَدُ الْحَيْضُ فَلَهُ حُكْمُهُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، حَتَّى يَأْتِيَ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ حَيْضًا، وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ فِي أَقَلِّ مِنْ سَبْعَةَ عَشْرَ يَوْمًا، فَمَا صَحَّ الْإِجْمَاعُ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ حَيْضًا وُقِفَ عِنْدَهُ، وَانْتَقَلَتْ عَنْ حُكْمِ الْحَائِضِ وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَمَرْدُودٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ لِلدَّمِ الْأَسْوَدِ حُكْمَ الْحَيْضِ، فَهُوَ حَيْضٌ مَانِعٌ مِمَّا ذَكَرْنَا، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الطُّهْرِ الْمُبِيحِ لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لَا يَكُونُ قُرْءًا فِي الْعِدَّةِ، فَالْمُفَرِّقُ بَيْنَ ذَلِكَ مُخْطِئٌ مُتَيَقِّنٌ الْخَطَأِ، قَائِلٌ مَا لَا قُرْآنَ جَاءَ بِهِ وَلَا سُنَّةَ، لَا صَحِيحَةً وَلَا سَقِيمَةً، وَلَا قِيَاسَ وَلَا إجْمَاعَ، بَلْ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ كِلَاهُمَا يُوجِبُ مَا قُلْنَا: مِنْ امْتِنَاعِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِالْحَيْضِ، وَوُجُودِهِمَا بِعَدَمِ الْحَيْضِ، وَوُجُودِ الطُّهْرِ وَكَوْنِ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ قُرْءًا يُحْتَسَبُ بِهِ فِي الْعِدَّةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] فَمَنْ حَدَّ فِي أَيَّامِ الْقُرْءِ حَدًّا فَهُوَ مُبْطِلٌ، وَقَافٍ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ. وَفِي هَذَا خِلَافٌ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَيْضِ، وَالثَّانِي أَكْثَرُ مُدَّةِ
الْحَيْضِ، وَالثَّالِثُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِدَّةِ فِي ذَلِكَ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، فَأَمَّا أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَيْضِ فَإِنَّ طَائِفَةً قَالَتْ: أَقَلُّ الْحَيْضِ دَفْعَةٌ تُتْرَكُ لَهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَيَحْرُمُ الْوَطْءُ وَأَمَّا فِي الْعِدَّةِ فَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: أَقَلُّهُ فِي الْعِدَّةِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَقَلُّ الْحَيْضِ دَفْعَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْوَطْءِ وَالْعِدَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَدَاوُد وَأَصْحَابِهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ وَلَيْسَ حَيْضًا وَلَا تُتْرَكُ لَهُ صَلَاةٌ وَلَا صَوْمٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَسُفْيَانَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: حَيْضُ النِّسَاءِ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ، وَهُوَ قَوْلٌ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَبَيْنَ الْعِدَّةِ، فَقَوْلٌ ظَاهِرُ الْخَطَأِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا مِنْ قِيَاسٍ وَلَا مِنْ احْتِيَاطٍ وَلَا مِنْ رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ، فَوَجَبَ تَرْكُهُ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: حَيْضُ النِّسَاءِ يَدُورُ عَلَى سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ، فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ حُجَّةً إلَّا أَنْ قَالُوا: هَذَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي النِّسَاءِ، وَذَكَرُوا حَدِيثًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ «عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أَنَّهَا اُسْتُحِيضَتْ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَلَ حَيْضَتِهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ زَكَرِيَّا بْنَ عَدِيٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الرَّقِّيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا: تَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً فِي عِلْمِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا اسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ وَأَيَّامَهَا وَصُومِي كَذَلِكَ، وَافْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» . وَقَدْ أَخَذَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبُو عُبَيْدٍ فَجَعَلَ هَذَا حُكْمَ الْمُبْتَدَأَةَ.
قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا هَذَانِ الْخَبَرَانِ فَلَا يَصِحَّانِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَإِنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ. كَذَلِكَ حَدَّثَنَاهُ حَمَامٌ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ أَيْمَنَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِيهِ - وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حَدَّثْتُ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ، قَالَ أَحْمَدُ: وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ أَحْمَدُ: وَالنُّعْمَانُ يُعْرَفُ فِيهِ الضَّعْفُ. وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا شَرِيكٌ وَزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَيْضًا فَعُمَرُ بْنُ طَلْحَةَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، لَا يُعْرَفُ لِطَلْحَةَ ابْنٌ اسْمُهُ عُمَرُ. وَأَمَّا الْآخَرُ فَمِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ، وَقَدْ تُرِكَ حَدِيثُهُ فَسَقَطَ الْخَبَرُ جُمْلَةً. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ هَذَا هُوَ الْمَعْهُودُ مِنْ حَيْضِ النِّسَاءِ فَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ مُرَاعَاةَ ذَلِكَ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ، وَقَدْ يُوجَدُ فِي النِّسَاءِ مَنْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا فَلَا يُجْعَلُ لَهَا حُكْمُ الْحَيْضِ، فَبَطَلَ حَمْلُهُنَّ عَلَى الْمَعْهُودِ، وَقَدْ يُوجَدُ مَنْ تَحِيضُ أَقَلَّ وَأَكْثَرَ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: أَقَلُّ الْحَيْضِ خَمْسٌ، فَوَجَدْنَاهُ قَوْلًا بِلَا دَلِيلٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ سَاقِطٌ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةً أَيَّامٍ فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُمَامَةَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ، وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ «عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا أَمَرَتْ أَسْمَاءَ، أَوْ أَسْمَاءُ حَدَّثَتْنِي أَنَّهَا أَمَرَتْهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ أَنْ تَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهَا أَنْ تَقْعُدَ الْأَيَّامَ الَّتِي كَانَتْ تَقْعُدُ ثُمَّ تَغْتَسِلَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالُوا: أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ أَيَّامٍ فَثَلَاثَةٌ، وَبِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بُرَيْقٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَافِعٍ درخت ثنا أَسَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَلْخِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّدَفِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا حَيْضَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ وَلَا فَوْقَ عَشْرٍ» قَالُوا: وَهُوَ
قَوْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ أَفْتَتْ بِذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَقِيلٍ عَنْ نَهْيِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا الْخَبَرُ الصَّحِيحُ فِي هَذَا مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ وَفَاطِمَةَ وَأَسْمَاءَ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِذَلِكَ مَنْ كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ مَعْهُودَةٌ، هَذَا نَصُّ ذَلِكَ الْخَبَرِ الَّذِي لَا يَحِلُّ أَنْ يُحَالَ عَنْهُ وَلَمْ يَأْمُرْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَلِكَ مَنْ لَا أَيَّامَ لَهَا. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ وَالْجَمُّ الْغَفِيرُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَسُفْيَانُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَجَرِيرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ والدّرَاوَرْدِيُّ وَوَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، كُلَّهُمْ رَوَوْا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ الْحَيْضَةُ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ كُلُّهُمْ رَوَوْا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَالْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ عُرْوَةَ كُلُّهُمْ «إذَا جَاءَتْ الْحَيْضَةُ وَإِذَا جَاءَ قُرْؤُكِ وَإذَا جَاءَ الدَّمُ الْأَسْوَدُ» دُونَ ذِكْرِ أَيَّامٍ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ وَقُتَيْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الدَّمِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلْآنُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» فَهَذَا أَمْرٌ لِمَنْ كَانَتْ حَيْضَتُهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمِنْ يَوْمٍ وَأَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ أَيَّامٍ أَيْضًا. وَهَذِهِ كُلُّهَا فَتَاوَى حَقٍّ لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا، وَلَا إحَالَةُ شَيْءٍ مِنْهَا عَنْ ظَاهِرِهَا، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ مُرَادَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِقَوْلِهِ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا: إنَّمَا أَرَادَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ مَقْدِمٌ كَانَ كَاذِبًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِالْحَدِيثِ. وَأَمَّا خَبَرُ مُعَاذٍ فَفِي غَايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّدَفِيِّ وَهُوَ
أكثر مدة الحيض
مَجْهُولٌ، فَهُوَ مَوْضُوعٌ بِلَا شَكٍّ، وَالْعَجَبُ مِنْ انْتِصَارِهِمْ هَهُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ اسْمُ الْأَيَّامِ إلَّا عَلَى ثَلَاثٍ لَا أَقَلَّ، وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى أَخَوَيْنِ فَقَطْ فَهَلَّا جَعَلُوا لَفْظَةَ الْأَيَّامِ تَقَعُ هَهُنَا عَلَى يَوْمَيْنِ؟ وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِ أَنَسٍ وَعَائِشَةَ فَلَا يَصِحُّ عَنْهُمَا، لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَقِيلٍ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ عَنْهُ وَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ قَدْ خَالَفَهُمَا غَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا أَفْتَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ مَنْ لَهَا أَيَّامٌ مَعْهُودَةٌ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ النُّصُوصِ، فَإِنْ ادَّعَى مُدَّعٍ إجْمَاعًا فِي ذَلِكَ فَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ: إنَّهُ يَعْرِفُ امْرَأَةً تَطْهُرُ عَشِيَّةً وَتَحِيضُ غُدْوَةً، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ قَدْ أَوْجَبَا بِرُؤْيَةِ دَفْعَةٍ مِنْ الدَّمِ تَرْكَ الصَّلَاةِ وَفِطْرَ الصَّائِمَةِ وَتَحْرِيمَ الْوَطْءِ، وَهَذِهِ أَحْكَامٌ الْحَيْضِ، فَسَقَطَ أَيْضًا هَذَا الْقَوْلُ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ عَلِيٌّ: ثُمَّ نَسْأَلُهُمْ عَمَّنْ رَأَتْ الدَّمَ فِي أَيَّامِ حَيْضَتِهَا: بِمَاذَا تُفْتُونَهَا؟ فَلَا يَخْتَلِفُ مِنْهُمْ أَحَدٌ فِي أَنَّهَا حَائِضٌ وَلَا تُصَلِّي وَلَا تَصُومُ، فَنَسْأَلُهُمْ: إنْ رَأَتْ الطُّهْرَ إثْرَهَا؟ فَكُلُّهُمْ يَقُولُ: تَغْتَسِلِي وَتُصَلِّي، فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ، وَكَانَ يَلْزَمُهُمْ إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي أَيَّامِ حَيْضَتِهَا أَلَّا تُفْطِرَ وَلَا تَدَعَ الصَّلَاةَ وَأَلَّا يَحْرُمَ وَطْؤُهَا إلَّا حَتَّى تُتِمَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي قَوْلِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ أَقَلَّ الْحَيْضِ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا فِي قَوْلِ مَنْ رَأَى ذَلِكَ أَقَلَّ الْحَيْضِ، فَإِذْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا وَلَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ ظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ، وَصَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْآثَارَ الصِّحَاحَ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا جَاءَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» دُونَ تَحْدِيدِ وَقْتٍ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُنَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ - بِأَصَحِّ إسْنَادٍ يَكُونُ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَفْتَى إذَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ، فَإِذَا رَأَتْ الطُّهْرَ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَلْتَغْتَسِلْ وَتُصَلِّي. [أَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَيْضِ] وَأَمَّا أَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَيْضِ فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ قَالَا: أَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يَكُونُ
مسألة لا حد لأقل الطهر ولا لأكثره
أَكْثَرَ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَكْثَرُ الْحَيْضِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ: أَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ. فَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَقَالَ: لَا يَقَعُ اسْمُ أَيَّامٍ إلَّا عَلَى عَشَرَةٍ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ الْحَيْضَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ اسْمَ أَيَّامٍ لَا يَقَعُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ فَكَذِبٌ لَا تُوجِبُهُ لُغَةٌ وَلَا شَرِيعَةٌ، وَقَدْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] وَهَذَا يَقَعُ عَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا بِلَا خِلَافٍ، وَحَدِيثُ مُعَاذٍ قَدْ ذَكَرْنَا بُطْلَانَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ أَيَّامَ الْحَيْضِ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةٍ فَهُوَ كَذِبٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّ أَيَّامَ الْحَيْضِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، وَقَوْلُ مَالِكٍ أَقَلُّ الْحَيْضِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ، فَحَصَلَ قَوْلُهُمْ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ وَهَذَا بَاطِلٌ. وَأَمَّا مَنْ حَدَّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَأَمَّا مَنْ قَالَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنَّهُمْ ادَّعَوْا الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَيْضٌ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا بَاطِلٌ، قَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ: أَنَّ الثِّقَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَحِيضُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَرُوِّينَاهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: أَكْثَرُ مَا سَمِعْنَا سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَعَنْ نِسَاءِ آلِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَحِضْنَ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ فَإِذَا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ لَمْ تُصَلِّ، فَوَجَبَ الِانْقِيَادُ لِذَلِكَ، وَصَحَّ أَنَّهَا مَا دَامَتْ تَرَاهُ فَهِيَ حَائِضٌ لَهَا حُكْمُ الْحَيْضِ مَا لَمْ يَأْتِ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ فِي دَمٍ أَسْوَدَ أَنَّهُ لَيْسَ حَيْضًا. وَقَدْ صَحَّ النَّصُّ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ دَمٌ أَسْوَدُ وَلَيْسَ حَيْضًا، وَلَمْ يُوَقِّتْ لَنَا فِي أَكْثَرِ عِدَّةِ الْحَيْضِ مِنْ شَيْءٍ، فَوَجَبَ أَنْ نُرَاعِيَ أَكْثَرَ مَا قِيلَ، فَلَمْ نَجِدْ إلَّا سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَقُلْنَا بِذَلِكَ، وَأَوْجَبْنَا تَرْكَ الصَّلَاةِ بِرُؤْيَةِ الدَّمِ الْأَسْوَدِ هَذِهِ الْمُدَّةَ - لَا مَزِيدَ - فَأَقَلَّ، وَكَانَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إجْمَاعًا مُتَيَقَّنًا أَنَّهُ لَيْسَ حَيْضًا. وَقَالُوا: إنْ كَانَ الْحَيْضُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْحَيْضُ أَكْثَرَ مِنْ الطُّهْرِ وَهَذَا مُحَالٌ، فَقُلْنَا لَهُمْ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّهُ مُحَالٌ؟ وَمَا الْمَانِعُ إنْ وَجَدْنَا ذَلِكَ أَلَا يُوقَفُ عِنْدَهُ؟ فَمَا نَعْلَمُ مَنَعَ مِنْ هَذَا قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ أَصْلًا وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لَا حَدَّ لِأَقَلِّ الطُّهْرِ وَلَا لِأَكْثَرِهِ] 267 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّ الطُّهْرِ وَلَا لِأَكْثَرِهِ، فَقَدْ يَتَّصِلُ الطُّهْرُ بَاقِي عُمُرِ
الْمَرْأَةِ فَلَا تَحِيضُ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مَعَ الْمُشَاهَدَةِ لِذَلِكَ، وَقَدْ تَرَى الطُّهْرَ سَاعَةً وَأَكْثَرَ بِالْمُشَاهَدَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَكُونُ طُهْرٌ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: لَا يَكُونُ طُهْرٌ أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَقَالَ مَالِكٌ: الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ وَالْأَرْبَعَةُ وَالْخَمْسَةُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ لَيْسَ طُهْرًا وَكُلُّ ذَلِكَ حَيْضٌ وَاحِدٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّ الطُّهْرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا أَوْرَدْنَا قَبْلُ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. فَأَمَّا مَنْ قَالَ لَا يَكُونُ طُهْرٌ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً يَشْتَغِلُ بِهَا أَصْلًا، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا يَكُونُ طُهْرٌ أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا فَقَالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْعِدَّةَ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ لِلَّتِي تَحِيضُ وَجَعَلَ لِلَّتِي لَا تَحِيضُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، قَالُوا: فَصَحَّ أَنَّ بِإِزَاءِ كُلِّ حَيْضٍ وَطُهْرٍ شَهْرًا، فَلَا يَكُونُ حَيْضٌ وَطُهْرٌ فِي أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ قَوْلٌ لَمْ يَقُلْهُ اللَّهُ تَعَالَى فَنَاسِبُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَاذِبٌ، نَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ قَطُّ إنِّي جَعَلْتُ بِإِزَاءِ كُلِّ حَيْضَةٍ وَطُهْرٍ شَهْرًا، بَلْ لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّنَا وَهُمْ لَا نَخْتَلِفُ فِي امْرَأَةٍ تَحِيضُ فِي كُلِّ شَهْرَيْنِ مَرَّةً أَوْ فِي كُلِّ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ مَرَّةً، فَإِنَّهَا تَتَرَبَّصُ حَتَّى تَتِمَّ لَهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، وَلَا بُدَّ، فَظَهَرَ كَذِبُ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بَدَلَ كُلِّ حَيْضَةٍ وَطُهْرٍ شَهْرًا، بَلْ قَدْ وَجَدْنَا الْعِدَّةَ تَنْقَضِي فِي سَاعَةٍ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، فَبَطَلَ كُلُّ هَذَرٍ أَتَوْا بِهِ وَكُلُّ ظَنٍّ كَاذِبٍ شَرَعُوا بِهِ الدِّينَ. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَظَاهِرُ الْخَطَأِ أَيْضًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ طُهْرًا وَهُوَ يَأْمُرُهَا فِيهِ بِالصَّلَاةِ وَبِالصَّوْمِ وَيُبِيحُ وَطْأَهَا لِزَوْجِهَا، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ طُهْرًا مَا هَذِهِ صِفَتُهُ؟ وَكَيْفَ لَا يَعُدُّ الْيَوْمُ وَأَقَلُّ مِنْهُ حَيْضًا وَهُوَ يَأْمُرُهَا فِيهِ بِالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ وَبِتَرْكِ الصَّلَاةِ؟ وَهَذِهِ أَقْوَالٌ يُغْنِي ذِكْرُهَا عَنْ تَكَلُّفِ فَسَادِهَا، وَلَا يُعْرَفُ لِشَيْءٍ مِنْهَا قَائِلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. فَإِنْ قَالُوا: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي فِي يَوْمٍ أَوْ فِي يَوْمَيْنِ عَلَى قَوْلِكُمْ؟ قُلْنَا نَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا؟ وَأَيْنَ مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى وَنَبِيُّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ هَذَا؟ وَأَنْتُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِكُمْ وَقَدْ أَرَيْنَاكُمْ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي فِي أَقَلِّ مِنْ سَاعَةٍ فَمَا أَنْكَرْتُمْ مِنْ ذَلِكَ؟
فَإِنْ قَالُوا: إنَّ هَذَا لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، قُلْنَا لَهُمْ: لَيْسَتْ الْعِدَّةُ لِلْبَرَاءَةِ مِنْ الْحَمْلِ، لِبَرَاهِينَ: أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ مِنْكُمْ دَعْوَى كَاذِبَةٌ لَمْ يَأْتِ بِهَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِدَّةَ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ تَلْزَمُ الْعَجُوزَ ابْنَةَ الْمِائَةِ عَامٍ، وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهَا لَا حَمَلَ بِهَا، وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْعِدَّةَ تَلْزَمُ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَا تَحْمِلُ، وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا تَلْزَمُ مِنْ الْعَقِيمِ، وَالْخَامِسُ: أَنَّهَا تَلْزَمُ مِنْ الْخَصِيِّ مَا بَقِيَ لَهُ مَا يُولِجُهُ، وَالسَّادِسُ: أَنَّهَا تَلْزَمُ الْعَاقِرَ، وَالسَّابِعُ: أَنَّهَا تَلْزَمُ مَنْ وَطِئَ مَرَّةً ثُمَّ غَابَ إلَى الْهِنْدِ وَأَقَامَ هُنَالِكَ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ نَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهَا لَا حَمْلَ بِهَا، وَالثَّامِنُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ لَكَانَتْ حَيْضَةً وَاحِدَةً تُبْرِئُ مِنْ ذَلِكَ، وَالتَّاسِعُ: أَنَّهَا تَلْزَمُ الْمُطَلَّقَةَ إثْرَ نِفَاسِهَا وَلَا حَمْلَ بِهَا، وَالْعَاشِرُ: أَنَّ الْمَكِّيِّينَ بِالضِّدِّ مِنْهُمْ، قَالُوا: لَا تُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ فِي أَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَتُصَدَّق فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ فِي أَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ فِي أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ يَوْمًا، وَتُصَدَّقُ فِي السِّتِّينَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: تُصَدَّقُ فِي أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا لَا فِي أَقَلَّ، وَقَالَ مَالِكٌ: تُصَدَّقُ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا فِي أَقَلَّ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تُصَدَّقُ فِي تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا لَا أَقَلَّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُصَدَّقُ فِي ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا لَا أَقَلَّ. قَالَ عَلِيٌّ: وَكُلُّ هَذِهِ الْمُدَدِ الَّتِي بَنَوْهَا عَلَى أُصُولِهِمْ لَا يُؤْمَنُ مَعَ انْقِضَاءِ وُجُودِ الْحَمْلِ، فَهُمْ أَوَّلُ مَنْ أَبْطَلَ عِلَّتَهُمْ، وَكَذَّبَ دَلِيلَهُمْ، وَلَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يُؤْمَنَ الْحَمْلُ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ أَزْيَدَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَكَيْفَ وَهُمْ الْمُحْتَاطُونَ بِزَعْمِهِمْ لِلْحَمْلِ وَهُمْ يُصَدِّقُونَ قَوْلَهَا، وَلَوْ أَنَّهَا أَفْسَقُ الْبَرِيَّةِ وَأَكْذَبَهُمْ فِي هَذِهِ الْمُدَدِ، أَمَّا نَحْنُ فَلَا نُصَدِّقُهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ مِنْ أَرْبَعِ قَوَابِلَ عُدُولٍ عَالِمَاتٍ، فَظَهَرَ مِنْ الْمُحْتَاطِ لِلْحَمْلِ، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ: أَنَّ الْحَامِلَ تَحِيضُ، فَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إنَّ الْعِدَّةَ وُضِعَتْ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَمْلِ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أُتِيَ بِرَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَحَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ أَوْ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ لَيْلَةً، فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ اقْضِ فِيهَا؟ قَالَ إنْ جَاءَتْ بِالْبَيِّنَةِ مِنْ النِّسَاءِ الْعُدُولِ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى صِدْقُهُ وَعَدْلُهُ أَنَّهَا رَأَتْ مَا يُحَرِّمُ عَلَيْهَا الصَّلَاةَ مِنْ الطَّمْثِ الَّذِي هُوَ الطَّمْثُ وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ وَتُصَلِّي فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ " قالون " مَعْنَاهَا أَصَبْتُ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ: وَهَذَا نَصُّ قَوْلِنَا، وَرَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَنَّهُ سُئِلَ:
مسألة لا حد لأقل النفاس
أَيَكُونُ طُهْرًا خَمْسَةُ أَيَّامٍ؟ قَالَ: النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ. قَالَ عَلِيٌّ: لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - خِلَافُ قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَالنِّفَاسُ وَالْحَيْضُ سَوَاءٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لَا حَدَّ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ] 268 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ، وَأَمَّا أَكْثَرُهُ فَسَبْعَةُ أَيَّامٍ لَا مَزِيدَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ فِي أَنَّ دَمَ النِّفَاسِ إنْ كَانَ دَفْعَةً ثُمَّ انْقَطَعَ الدَّمُ وَلَمْ يُعَاوِدْهَا فَإِنَّهَا تَصُومُ وَتُصَلِّي وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ عَاوَدَهَا دَمٌ فِي الْأَرْبَعِينَ يَوْمًا فَهُوَ دَمُ نِفَاسٍ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ. إنْ عَاوَدَهَا بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَلَيْسَ دَمَ نِفَاسٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ حُدُودٌ لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ بَاطِلٌ. وَأَمَّا أَكْثَرُ النِّفَاسِ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ مَرَّةً: سِتُّونَ يَوْمًا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ: النِّسَاءُ أَعْلَمُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَكْثَرُ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا. فَأَمَّا مَنْ حَدَّ سِتِّينَ يَوْمًا فَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً، وَأَمَّا مَنْ قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا رِوَايَاتٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ طَرِيقِ مَسَّةَ الْأَزْدِيَّةِ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ، وَرِوَايَةً عَنْ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، وَهُوَ كَذَّابٌ، وَرِوَايَةً عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ امْرَأَتَهُ رَأَتْ الطُّهْرَ بَعْدَ عِشْرِينَ يَوْمًا، فَاغْتَسَلَتْ وَدَخَلَتْ مَعَهُ فِي لِحَافِهِ، فَضَرَبَهَا بِرِجْلِهِ وَقَالَ: لَا تَغُضِّي مِنْ دِينِي حَتَّى تَمْضِيَ الْأَرْبَعُونَ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا، وَلَا أَسْوَأَ حَالًا مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِمَا لَا يَرَاهُ حُجَّةً، وَهُوَ أَيْضًا عَنْ الْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَعَنْ الْحَسَنِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ مِثْلُهُ، وَعَنْ جَابِرٍ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إيَاسٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَنْتَظِرُ النُّفَسَاءُ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ذَكَرْنَا وَنَذْكُرُ مَا خَالَفُوا فِيهِ الصَّاحِبَ، وَالصَّحَابَةُ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفُونَ، وَأَقْرَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِهَذِهِ مِنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ، فَإِنَّهُمْ خَالَفُوا فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ أَصْلًا وَلَقَدْ يَلْزَمُ الْمَالِكِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ الْمُشَنِّعِينَ بِخِلَافِ الصَّاحِبِ الَّذِي
لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، أَنْ يَقُولُوا بِمَا رُوِيَ هَهُنَا عَمَّنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. قَالَ عَلِيٌّ: فَلَمَّا لَمْ يَأْتِ فِي أَكْثَرِ مُدَّةِ النِّفَاسِ نَصُّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ فَرَضَ عَلَيْهَا الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ بِيَقِينٍ وَأَبَاحَ وَطْأَهَا لِزَوْجِهَا، لَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا حَيْثُ تَمْتَنِعُ بِدَمِ الْحَيْضِ لِأَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ. وَقَدْ حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: تَنْتَظِرُ إذَا وَلَدَتْ سَبْعَ لَيَالٍ أَوْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي. قَالَهُ جَابِرٌ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تَنْتَظِرُ أَقْصَى مَا تَنْتَظِرُ امْرَأَةٌ وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ. قَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ ثُمَّ اتَّفَقَ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ: تَنْتَظِرُ الْبِكْرُ إذَا وَلَدَتْ كَامْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهَا، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَبِهَذَا يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ أَهْلِ دِمَشْقَ: تَنْتَظِرُ النُّفَسَاءُ مِنْ الْغُلَامِ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَمِنْ الْجَارِيَةِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. قَالَ عَلِيٌّ: إنْ كَانَ خِلَافَ الطَّائِفَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ - خِلَافًا لِلْإِجْمَاعِ، فَقَدْ حَصَلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي خِلَافِ الْإِجْمَاعِ الشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، إلَّا أَنَّهُمْ حَدُّوا حُدُودًا لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَقُولُ إلَّا بِمَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ، مِنْ أَنَّهُ دَمٌ يَمْنَعُ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْهُ الْحَيْضُ، فَهُوَ حَيْضٌ. وَقَدْ حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثنا يَحْيَى بْنُ مَالِكِ بْنِ عَائِذٍ ثنا أَبُو الْحَسَنِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي غَسَّانَ ثنا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ ثنا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ عَنْ سَلَّامِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَكْثَرُ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمَانَ ضَعِيفٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَقَلُّ أَمَدِ النِّفَاسِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَقَلُّ أَمَدِ النِّفَاسِ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا.
مسألة أول ما ترى الجارية الدم تراه أسود
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَانِ حَدَّانِ لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمَا، وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَحُدُّ مِثْلَ هَذَا بِرَأْيِهِ وَلَا يُنْكِرُهُ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ يُنْكِرُ عَلَى مَنْ وَقَفَ عِنْدَمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ إجْمَاعًا مُتَيَقَّنًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ رَجَعْنَا إلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ أَنَّ دَمَ النِّفَاسِ هُوَ حَيْضٌ صَحِيحٌ، وَأَمَدُهُ أَمَدُ الْحَيْضِ وَحُكْمُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حُكْمُ الْحَيْضِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنُفِسْتِ» بِمَعْنَى حِضْتِ فَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الدَّمِ الْأَسْوَدِ مَا قَالَ مِنْ اجْتِنَابِ الصَّلَاةِ إذَا جَاءَ، وَهُمْ يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ، وَقَدْ حَكَمُوا لَهُمَا بِحُكْمٍ وَاحِدٍ فِي تَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا أَمَدَهُمَا وَاحِدًا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ أَوَّلَ مَا تَرَى الْجَارِيَةُ الدَّمَ تَرَاهُ أَسْوَدَ] 269 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ رَأَتْ الْجَارِيَةُ الدَّمَ أَوَّلَ مَا تَرَاهُ أَسْوَدَ فَهُوَ دَمُ حَيْضٍ كَمَا قَدَّمْنَا تَدَعُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَلَا يَطَؤُهَا بَعْلُهَا أَوْ سَيِّدُهَا، فَإِنْ تَلَوَّنَّ أَوْ انْقَطَعَ إلَى سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَقَلَّ فَهُوَ طُهْرٌ صَحِيحٌ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا وَإِنْ تَمَادَى أَسْوَدَ تَمَادَتْ عَلَى أَنَّهَا حَائِضٌ إلَى سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، فَإِنْ تَمَادَى بَعْدَ ذَلِكَ أَسْوَدَ فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ ثُمَّ تُصَلِّي وَتَصُومُ وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا، وَهِيَ طَاهِرٌ أَبَدًا لَا تَرْجِعُ إلَى حُكْمِ الْحَائِضَةِ إلَّا أَنْ يَنْقَطِعَ أَوْ يَتَلَوَّنَ كَمَا ذَكَرْنَا، فَيَكُونُ حُكْمُهَا إذَا كَانَ أَسْوَدَ حُكْمَ الْحَيْضِ وَإِذَا تَلَوَّنَ أَوْ انْقَطَعَ أَوْ زَادَ عَلَى السَّبْعَ عَشْرَةَ حُكْمَ الطُّهْرِ. فَأَمَّا الَّتِي قَدْ حَاضَتْ وَطَهُرَتْ فَتَمَادَى بِهَا الدَّمُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا فِي كُلِّ شَيْءٍ، إلَّا فِي تَمَادِي الدَّمِ الْأَسْوَدِ مُتَّصِلًا فَإِنَّهَا إذَا جَاءَتْ الْأَيَّامُ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهَا أَوْ الْوَقْتُ الَّذِي كَانَتْ تَحِيضُهُ إمَّا مِرَارًا فِي الشَّهْرِ أَوْ مَرَّةً فِي الشَّهْرِ أَوْ مَرَّةً فِي أَشْهُرٍ أَوْ فِي عَامٍ، فَإِذَا جَاءَ ذَلِكَ الْأَمَدُ أَمْسَكَتْ عَمَّا تُمْسِكُ بِهِ الْحَائِضُ، فَإِذَا انْقَضَى ذَلِكَ الْوَقْتُ اغْتَسَلَتْ وَصَارَتْ فِي حُكْمِ الطَّاهِرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهَكَذَا أَبَدًا مَا لَمْ يَتَلَوَّنْ الدَّمُ أَوْ يَنْقَطِعُ، فَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةَ الْأَيَّامِ بَنَتْ عَلَى آخِرِ أَيَّامِهَا قَبْلَ أَنْ يَتَمَادَى بِهَا الدَّمُ، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ وَقْتَ حَيْضِهَا لَزِمَهَا فَرْضًا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، أَوْ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي الظُّهْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي الْمَغْرِبَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي الْعَتَمَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَإِنْ شَاءَتْ أَنْ تَغْتَسِلَ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ
لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَذَلِكَ لَهَا، وَفِي أَوَّلِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ لِلْمَغْرِبِ وَالْعَتَمَةِ، فَذَلِكَ لَهَا، وَتُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا وَلَا بُدَّ، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ وَنَافِلَةٍ فِي يَوْمِهَا وَلَيْلَتِهَا، فَإِنْ عَجَزَتْ عَنْ ذَلِكَ وَكَانَ عَلَيْهَا فِيهِ حَرَجٌ تَيَمَّمَتْ كَمَا ذَكَرْنَا. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَا بِإِسْنَادِهِ فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ الْحَيْضِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا - «إنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي» وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» وَفِي بَعْضِهَا «فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَتَوَضَّئِي» وَفِي بَعْضِهَا «فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَتَوَضَّئِي وَصَلِّي» وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ إيجَابُ مُرَاعَاةِ تَلَوُّنِ الدَّمِ. وَمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ ثنا أَبُو أُسَامَةَ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: إنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: لَا، إنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَمَدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ وَقُتَيْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الدَّمِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلْآنُ دَمًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَفِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ إيجَابُ مُرَاعَاةِ الْقَدْرِ. الَّذِي كَانَتْ تَحِيضُهُ قَبْلَ أَنْ يَمْتَدَّ بِهَا الدَّمُ. وَأَمَّا الْمُبْتَدَأَةُ الَّتِي لَا يَتَلَوَّنُ دَمُهَا عَنْ السَّوَادِ وَلَا مِقْدَارَ عِنْدَهَا لِحَيْضٍ مُتَقَدِّمٍ،
فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ عَلَيْهَا، وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ الدَّمَ الْأَسْوَدَ مِنْهُ حَيْضٌ وَمِنْهُ مَا لَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَ بِرَأْيِهِ بَعْضَ ذَلِكَ الدَّمِ حَيْضًا وَبَعْضَهُ غَيْرَ حَيْضٍ، لِأَنَّهُ يَكُونُ شَارِعًا فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، أَوْ قَائِلًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا عِلْمَ لَدَيْهِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ لَهَا تَرْكُ يَقِينِ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ لِظَنٍّ فِي بَعْضِ دَمِهَا أَنَّهُ حَيْضٌ، وَلَعَلَّهُ لَيْسَ حَيْضًا، وَالظَّنُّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ. وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَدَاوُد، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: تَجْعَلُ لِنَفْسِهَا مِقْدَارَ حَيْضِ أُمِّهَا وَخَالَتِهَا وَعَمَّتِهَا وَتَكُونُ فِيمَا زَادَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَحَاضَةِ، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ جَعَلَتْ حَيْضَهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَتَكُونُ فِي بَاقِي الشَّهْرِ مُسْتَحَاضَةً تَصُومُ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَعَطَاءٌ: تَجْعَلُ لِنَفْسِهَا قَدْرَ حَيْضِ نِسَائِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَقْعُدُ يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ تَكُونُ فِيهِ حَائِضًا، وَبَاقِي الشَّهْرِ مُسْتَحَاضَةً تُصَلِّي وَتَصُومُ، وَإِلَى هَذَا مَال أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَقْعُدُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ حَائِضًا وَبَاقِي الشَّهْرِ مُسْتَحَاضَةٌ تُصَلِّي وَتَصُومُ. قَالَ عَلِيٌّ: يُقَالُ لِجَمِيعِهِمْ: مِنْ أَيْنَ قَطَعْتُمْ بِأَنَّهَا تَحِيضُ كُلَّ شَهْرٍ وَلَا بُدَّ؟ وَفِي الْمُمَكَّنِ أَنْ تَكُونَ ضَهْيَاءَ لَا تَحِيضُ فَتَرَكْتُمْ بِالظَّنِّ فَرْضَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، ثُمَّ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ: اُقْتُصِرَ بِهَا عَلَى أَقَلِّ مَا يَكُونُ مِنْ الْحَيْضِ لِئَلَّا تَتْرُكَ الصَّلَاةَ إلَّا بِيَقِينٍ: إلَّا كَانَ لِلْآخَرِ أَنْ يَقُولَ. بَلْ اُقْتُصِرَ بِهَا عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ لِئَلَّا تُصَلِّيَ وَتَصُومَ وَيَطَأَهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَائِضٌ، وَكُلُّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يُفْسِدُ صَاحِبَهُ، وَهُمَا جَمِيعًا فَاسِدَانِ لِأَنَّهُمَا قَوْلٌ بِالظَّنِّ، وَالْحُكْمُ بِالظَّنِّ فِي دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَجُوزُ، وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْمُبْتَدَأَةَ لَمْ تَحِضْ قَطُّ، وَأَنَّ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ فَرْضَانِ عَلَيْهَا، وَأَنَّ زَوْجَهَا مَأْمُورٌ وَمَنْدُوبٌ إلَى وَطْئِهَا، ثُمَّ لَا نَدْرِي وَلَا نَقْطَعُ إنَّ شَيْئًا مِنْ هَذَا الدَّمِ الظَّاهِرِ عَلَيْهَا دَمُ حَيْضٍ، فَلَا يَحِلُّ تَرْكُ الْيَقِينِ وَالْفَرَائِضِ اللَّازِمَةِ بِظَنٍّ كَاذِبٍ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا وُضُوءُهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ فَقَدْ ذَكَرْنَا بُرْهَانَ ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا هَذَا فِي الْوُضُوءِ وَمَا يُوجِبُهُ.
وَأَمَّا غُسْلُهَا لِكُلِّ صَلَاتَيْنِ أَوْ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَلِمَا حَدَّثَنَاهُ حَمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ حَدَّثَنَا عَلَّانُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ثنا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - «عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُهْرَاقُ الدَّمَ وَأَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ» . وَبِهِ إلَى ابْنِ أَيْمَنَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيِّ الْقَاضِي ثنا أَبُو مَعْمَرٍ ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ عَنْ الْحُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيِّ «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدَّمَ، وَكَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّيَ» . قَالَ عَلِيٌّ: زَيْنَبُ هَذِهِ رَبِيبَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَشَأَتْ فِي حِجْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَهَا صُحْبَةٌ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَبِهِ إلَى ابْنِ أَيْمَنَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ «أَنَّهَا اُسْتُحِيضَتْ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْغُسْلِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اُسْتُحِضَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَوْلَانِيِّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ ثنا خَالِدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ «عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ اُسْتُحِيضَتْ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لِتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ» . فَهَذِهِ آثَارٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ رَوَاهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعُ صَوَاحِبَ: عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ
وَزَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ. وَرَوَاهَا عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ عُرْوَةُ وَأَبُو سَلَمَةَ وَرَوَاهُ أَبُو سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ. وَرَوَاهُ عُرْوَةَ عَنْ أَسْمَاءَ، وَهَذَا نَقْلُ تَوَاتُرٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ. وَقَالَ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَهَذِهِ أُمُّ حَبِيبَةَ تَرَى ذَلِكَ وَعَائِشَةُ تَذْكُرُ ذَلِكَ لَا تُنْكِرُهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَتَاهُ كِتَابُ امْرَأَةٍ. قَالَ سَعِيدٌ: فَدَفَعَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَيَّ، فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ: إنِّي امْرَأَةٌ مُسْتَحَاضَةٌ أَصَابَنِي بَلَاءٌ وَضُرٌّ، وَإِنِّي أَدَعُ الصَّلَاةَ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ، وَإِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَفْتَانِي أَنْ أَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اللَّهُمَّ لَا أَجِدُ لَهَا إلَّا مَا قَالَ عَلِيٌّ، غَيْرَ أَنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ وَتَغْتَسِلُ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّ الْكُوفَةَ أَرْضٌ بَارِدَةٌ وَأَنَّهَا يَشُقُّ عَلَيْهَا، قَالَ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَابْتَلَاهَا بِأَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ يَذْكُرُ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةٍ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ ثنا أَبِي حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: أَرْسَلَتْ امْرَأَةٌ مُسْتَحَاضَةٌ إلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ: إنِّي أُفْتِيتُ أَنْ أَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَا أَجِدُ لَهَا إلَّا ذَلِكَ، ثُمَّ أَرْسَلَتْ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ فَقَالَا جَمِيعًا: مَا نَجِدُ إلَّا ذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ قَالَ: تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ عَنْهُ: تُؤَخِّرُ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلُ الْعَصْرَ وَتَغْتَسِلُ لَهُمَا غُسْلًا وَاحِدًا، وَتُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلُ الْعِشَاءَ وَتَغْتَسِلُ لَهُمَا غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلُ لِلْفَجْرِ غُسْلًا.
وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: تَنْتَظِرُ الْمُسْتَحَاضَةُ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ غُسْلًا وَاحِدًا لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، تُؤَخِّرُ الظُّهْرَ قَلِيلًا وَتُعَجِّلُ الْعَصْرَ قَلِيلًا، وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَتَغْتَسِلُ لِلصُّبْحِ غُسْلًا. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيُّ مِثْلَ قَوْلِ عَطَاءٍ سَوَاءٌ سَوَاءٌ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: الْمُسْتَحَاضَةُ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي. فَهَؤُلَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ أُمُّ حَبِيبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ لَا مُخَالِفَ لَهُمْ يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، إلَّا رِوَايَةٌ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ. وَرُوِّينَاهُ هَكَذَا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ هَكَذَا مُبَيِّنًا، كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ. وَمِنْ التَّابِعِينَ عَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالنَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُمْ، كُلُّ ذَلِكَ بِأَسَانِيدَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، فَأَيْنَ الْمُشَنِّعُونَ بِمُخَالَفَةِ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ وَتَقْلِيدَهُمْ مِنْ الْحَنَفِيِّينَ وَالْمَالِكِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ عَنْ هَذَا وَمَنْعُهُمْ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَجَاءَتْ السُّنَّةُ فِي الَّتِي تُمَيِّزُ دَمَهَا أَنَّ الْأَسْوَدَ حَيْضٌ، وَأَنَّ مَا عَدَاهُ طُهْرٌ، فَوَضَحَ أَمْرُ هَذِهِ، وَجَاءَتْ السُّنَّةُ فِي الَّتِي لَا تُمَيِّزُ دَمَهَا - وَهُوَ كُلُّهُ أَسْوَدُ لِأَنَّ مَا عَدَاهُ طُهْرٌ لَا حَيْضٌ وَلَهَا وَقْتٌ مَحْدُودٌ مُمَيَّزٌ كَانَتْ تَحِيضُ فِيهِ: أَنْ تُرَاعِيَ أَمَدَ حَيْضِهَا فَتَكُونُ فِيهِ حَائِضًا، وَيَكُونُ مَا عَدَاهُ طُهْرًا، فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ حُكْمُ الَّتِي كَانَتْ أَيَّامُهَا مُخْتَلِفَةً مُنْتَقِلَةً أَنْ تَبْنِيَ عَلَى آخِرِ حَيْضٍ حَاضَتْهُ قَبْلَ اتِّصَالِ دَمِهَا، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حُكْمُهَا وَبَطَلَ مَا قَبْلَهُ بِالْيَقِينِ وَالْمُشَاهَدَةِ، فَخَرَجَتْ هَاتَانِ بِحُكْمِهِمَا، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا الَّتِي لَا تُمَيِّزُ دَمَهَا وَلَا لَهَا أَيَّامٌ مَعْهُودَةٌ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْمَأْمُورَةُ بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَوْ لِكُلِّ صَلَاتَيْنِ، فَوَجَبَ ضَرُورَةً أَنْ تَكُونَ هِيَ، إذْ لَيْسَتْ إلَّا ثَلَاثَ صِفَاتٍ وَثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ فَلِلصِّفَتَيْنِ حُكْمَانِ مَنْصُوصَانِ عَلَيْهِمَا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الثَّالِثُ لِلصِّفَةِ الثَّالِثَةِ ضَرُورَةً وَلَا بُدَّ. قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ غَلَّبَ حُكْمَ تَلَوُّنِ الدَّمِ وَلَمْ يُرَاعِ الْأَيَّامَ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَغَلَّبَ الْأَيَّامَ وَلَمْ يُرَاعِ حُكْمَ تَلَوُّنِ الدَّمِ، وَكِلَا الْعَمَلَيْنِ خَطَأٌ، لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِسُنَّةٍ لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَدَاوُد فَأَخَذُوا بِالْحُكْمَيْنِ مَعًا، إلَّا أَنَّ
أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَأَبَا عُبَيْدٍ غَلَّبَا الْأَيَّامَ وَلَمْ يَجْعَلَا لِتَلَوُّنِ الدَّمِ حُكْمًا إلَّا فِي الَّتِي لَا تَعْرِفُ أَيَّامَهَا، وَجَعَلَا لِلَّتِي تَعْرِفُ أَيَّامَهَا حُكْمَ الْأَيَّامِ وَإِنْ تَلَوَّنَ دَمُهَا، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَدَاوُد فَغَلَّبَا حُكْمَ تَلَوُّنِ الدَّمِ، سَوَاءٌ عَرَفَتْ أَيَّامَهَا أَوْ لَمْ تَعْرِفْهَا، وَلَمْ يَجْعَلَا حُكْمَ مُرَاعَاةِ وَقْتِ الْحَيْضِ إلَّا لِلَّتِي لَا يَتَلَوَّنُ دَمُهَا. قَالَ عَلِيٌّ: فَبَقِيَ النَّظَرُ فِي أَيِّ الْعَمَلَيْنِ هُوَ الْحَقُّ؟ فَفَعَلْنَا، فَوَجَدْنَا النَّصَّ قَدْ ثَبَتَ وَصَحَّ بِأَنَّهُ لَا حَيْضَ إلَّا الدَّمُ الْأَسْوَدُ، وَمَا عَدَاهُ لَيْسَ حَيْضًا، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ» فَصَحَّ أَنَّ الْمُتَلَوِّنَةَ الدَّمِ طَاهِرَةٌ تَامَّةُ الطَّهَارَةِ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي حُكْمِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الدَّمِ الْأَحْمَرِ وَبَيْنَ الْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ، وَوَجَبَ أَنَّ الدَّمَ إذَا تَلَوَّنَ قَبْلَ انْقِضَاءِ أَيَّامِهَا الْمَعْهُودَةِ أَنَّهُ طُهْرٌ صَحِيحٌ، فَبَقِيَ الْإِشْكَالُ فِي الدَّمِ الْأَسْوَدِ الْمُتَّصِلِ فَقَطْ، فَجَاءَ النَّصُّ بِمُرَاعَاةِ الْوَقْتِ لِمَنْ تَعْرِفُ وَقْتَهَا، وَبِالْغُسْلِ الْمُرَدَّدِ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَوْ لِصَلَاتَيْنِ فِي الَّتِي نَسِيَتْ وَقْتَهَا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ سَبَبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ، لَا مِنْ قِيَاسٍ وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي بَعْضِ أَقْوَالِهِ: إنَّ الَّتِي يَتَّصِلُ بِهَا الدَّمُ تَسْتَظْهِرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إنْ كَانَتْ حَيْضَتُهَا اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا فَأَقَلَّ، أَوْ بِيَوْمَيْنِ إنْ كَانَتْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ بِيَوْمٍ إنْ كَانَتْ حَيْضَتُهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَا تَسْتَظْهِرُ بِشَيْءٍ إنْ كَانَتْ حَيْضَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ وَهَذَا قَوْلٌ لَا يُعَضِّدُهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ، لَا صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ وَلَا احْتِيَاطٌ، بَلْ فِيهِ إيجَابُ تَرْكِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالصَّوْمِ اللَّازِمِ بِلَا مَعْنًى. وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ مُقَلِّدِيهِ بِحَدِيثِ سُوءٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيق إبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدٍ ابْنَيْ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِمَا قَالَ «جَاءَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ مُرْشِدٍ الْحَارِثِيَّةُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدَثَتْ لِي حَيْضَةٌ أُنْكِرُهَا، أَمْكُثُ بَعْدَ الطُّهْرِ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، ثُمَّ تُرَاجِعُنِي فَتُحَرِّمُ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَقَالَ: إذَا رَأَيْتِ ذَلِكَ فَامْكُثِي ثَلَاثًا ثُمَّ تَطَهَّرِي الْيَوْمَ الرَّابِعَ فَصَلِّي إلَّا أَنْ تَرَيْ دَفْعَةً مِنْ دَمٍ قَاتِمَةً» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَكَانَ هَذَا الِاحْتِجَاجُ أَقْبَحَ مِنْ الْقَوْلِ الْمُحْتَجِّ لَهُ بِهِ، لِأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ بَاطِلٌ إذْ هُوَ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ حَرَامُ بْنُ عُثْمَانَ، وَمَالِكٌ نَفْسُهُ يَقُولُ: هُوَ غَيْرُ ثِقَةٍ.
فَالْعَجَبُ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَلِلْحَنَفِيِّينَ، وَقَدْ جَرَّحَ أَبُو حَنِيفَةَ جَابِرًا الْجُعْفِيَّ وَقَالَ مَا رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ، وَمَالِكٌ جَرَّحَ حَرَامَ بْنَ عُثْمَانَ وَصَالِحًا مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، ثُمَّ لَا مُؤْنَةَ عَلَى الْمَالِكِيِّينَ وَالْحَنَفِيِّينَ إذَا جَاءَ هَؤُلَاءِ خَبَرٌ مِنْ رِوَايَةِ حَرَامٍ وَصَالِحٍ يُمْكِنُ أَنْ يُوهِمُوا بِهِ أَنَّهُ حُجَّةٌ لِتَقْلِيدِهِمْ إلَّا احْتَجُّوا بِهِ وَأَكْذَبُوا تَجْرِيحَ مَالِكٍ لَهُمْ وَلَا مُؤْنَةَ عَلَى الْحَنَفِيِّينَ إذَا جَاءَهُمْ خَبَرٌ يُمْكِنُ أَنْ يُوهِمُوا بِهِ أَنَّهُ حُجَّةٌ لِتَقْلِيدِهِمْ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ إلَّا احْتَجُّوا بِهِ، وَيُكَذِّبُوا تَجْرِيحَ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ، وَنَحْنُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - أَحْسَنُ مُجَامَلَةً لِشُيُوخِهِمْ مِنْهُمْ، فَلَا نَرُدُّ تَجْرِيحَ مَالِكٍ فِيمَنْ لَمْ تُشْتَهَرْ إمَامَتُهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ لَمَا كَانَ لَهُمْ بِهِ مُتَعَلَّقٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ قَوْلِ مَالِكٌ، وَلَا مِنْ تِلْكَ التَّقَاسِيمِ، بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ، وَمُوجِبٌ لِلصَّلَاةِ إلَّا أَنْ تَرَى دَمًا، فَظَهَرَ فَسَادُ احْتِجَاجِهِمْ بِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قِسْنَاهُ عَلَى حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ، وَعَلَى أَجَلِ اللَّهِ تَعَالَى لِثَمُودَ، فَكَانَ هَذَا إلَى الْهَزْلِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى الْعِلْمِ. وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَرُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَصُومُ وَتُصَلِّي وَلَا يَطَؤُهَا زَوْجُهَا. قَالَ عَلِيٌّ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهَا إمَّا حَائِضٌ وَإِمَّا طَاهِرٌ غَيْرُ حَائِضٍ، وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ فِي غَيْرِ النُّفَسَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا فَلَا تَحِلُّ لَهَا الصَّلَاةُ وَلَا الصَّوْمُ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ نُفَسَاءَ وَلَا حَائِضٍ فَوَطْءُ زَوْجِهَا لَهَا حَلَالٌ مَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا صَائِمًا أَوْ مُحْرِمًا أَوْ مُعْتَكِفًا أَوْ كَانَ مُظَاهِرًا مِنْهَا، فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
الفطرة
[الْفِطْرَةُ] مَسْأَلَةٌ: السِّوَاكُ مُسْتَحَبٌّ، وَلَوْ أَمْكَنَ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَكَانَ أَفْضَلَ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَالْخِتَانُ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَأَمَّا قَصُّ الشَّارِبِ فَفَرْضٌ وَلَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ نَتْفُ الشَّعْرِ مِنْ وَجْهِهَا، وَيُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ إنْ أَرَادَ الْأَكْلَ أَوْ النَّوْمَ أَوْ الشُّرْبَ أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَلَيْسَ فَرْضًا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُعَاوَدَةَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ أَيْضًا، وَإِنْ وَطِئَ زَوْجَتَيْنِ لَهُ أَوْ زَوْجَاتٍ أَوْ إمَاءً وَزَوْجَاتٍ فَيَغْتَسِلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَتَيْنِ فَحَسَنٌ، وَإِنْ لَمْ يَغْتَسِلْ إلَّا فِي آخِرِ ذَلِكَ فَحَسَنٌ. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ أَوْ خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» قَالَ عَلِيٌّ: فَإِذْ لَمْ يَأْمُرْهُمْ فَلَيْسَ فَرْضًا. وَبِهِ إلَى مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ. ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ كِلَاهُمَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيِّ
عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَلَّا تُتْرَكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» . وَأَمَّا فَرْضُ قَصِّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يُوسُفَ ثنا قَالَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ ثنا نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى» . حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ قَالَ: قَالَ لِي عُثْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ رَأَيْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُبَيِّضُونَ شَوَارِبَهُمْ شِبْهَ الْحَلْقِ، قُلْتُ: مَنْ؟ قَالَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبَا أُسَيْدَ وَسَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَرَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَوْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» . حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ أرنا عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - عَنْ يُونُسَ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ غَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ» . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ صَحَّ أَنَّ «عُمَرَ ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنْ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ» . قُلْنَا فَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ كَهَيْئَتِهِ وَلَا يَمَسُّ مَاءً» .
وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا أَبُو عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ هُوَ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْحَنَفِيُّ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَجَعَ مِنْ الْمَسْجِدِ صَلَّى مَا قَضَى اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ مَال إلَى فِرَاشِهِ أَوْ إلَى أَهْلِهِ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى أَهْلِهِ قَضَاهَا ثُمَّ نَامَ كَهَيْئَتِهِ لَا يَمَسُّ مَاءً، فَإِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ وَثَبَ فَإِنْ كَانَ جُنُبًا أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا تَوَضَّأَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ» . فَهَذَا عُمُومٌ يَدْخُلُ فِيهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ مَعًا وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ سُفْيَانَ أَخْطَأَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَهُوَ الْمُخْطِئُ، بِدَعْوَاهُ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ خَالَفَهُ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ. قُلْنَا: سُفْيَانُ أَحْفَظُ مِنْ زُهَيْرٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَمَا كَانَ فِي خِلَافِ بَعْضِ الرُّوَاةِ لِبَعْضٍ دَلِيلٌ عَلَى خَطَأِ أَحَدِهِمْ، بَلْ الثِّقَةُ مُصَدَّقٌ فِي كُلِّ مَا يَرْوِي. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَوْلُ عَائِشَةَ هَذَا إخْبَارٌ عَنْ مُدَاوَمَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى ذَلِكَ، وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ إبَاحَةَ النَّوْمِ لِلْمُجَامِعِ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَرَبِيعَةَ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ الشَّافِعِي وَأَبُو ثَوْرٍ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَهُشَيْمٍ وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ. قَالَ يَزِيدُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَمَّته سَلْمَى عَنْ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَاغْتَسَلَ عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُسْلًا» . وَقَالَ هُشَيْمٌ: ثنا حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَطُوفُ عَلَى جَمِيعِ نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ» وَقَالَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعَاوِدَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا» .
الآنية
[الْآنِيَةُ] مَسْأَلَةٌ: لَا يَحِلُّ الْوُضُوءُ وَلَا الْغُسْلُ وَلَا الشُّرْبُ وَلَا الْأَكْلُ لَا لِرَجُلٍ وَلَا لِامْرَأَةٍ فِي إنَاءٍ عُمِلَ مِنْ عَظْمِ ابْنِ آدَمَ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِنَا هَذَا فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ مِنْ وُجُوبِ دَفْنِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَتَحْرِيمِ الْمُثْلَةِ، وَلَا فِي إنَاءٍ عُمِلَ مِنْ عَظْمِ خِنْزِيرٍ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ كُلَّهُ رِجْسٌ، وَلَا فِي إنَاءٍ مِنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ قَبْلَ أَنْ يُدْبَغَ. وَلَا فِي إنَاءِ فِضَّةٍ أَوْ إنَاءِ ذَهَبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ قَالَا: ثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ ثنا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَعَنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقَالَ: هُوَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ لَنَا فِي الْآخِرَةِ» . وَلَا فِي إنَاءٍ مَأْخُوذٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
مسألة الأكل والوضوء والغسل في إناء من صفر أو نحاس أو ياقوت
[مَسْأَلَةٌ الْأَكْلُ وَالْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ فِي إنَاء مِنْ صُفْرٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ يَاقُوتٍ] مَسْأَلَةٌ: ثُمَّ كُلُّ إنَاءٍ بَعْدَ هَذَا مِنْ صُفْرٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ قَزْدِيرٍ أَوْ بَلُّورٍ أَوْ زُمُرُّدٍ أَوْ يَاقُوتٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَمُبَاحٌ الْأَكْلُ فِيهِ وَالشُّرْبُ وَالْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ فِيهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] وقَوْله تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِكَثْرَةِ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ» فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ مَسْكُوتٍ عَنْ ذِكْرِهِ بِتَحْرِيمٍ أَوْ أَمْرٍ فَمُبَاحٌ. وَالْمُذَهَّبُ وَالْمُضَبَّبُ بِالذَّهَبِ حَلَالٌ لِلنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ لِأَنَّهُ لَيْسَ إنَاءً، وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحَرِيرُ وَالذَّهَبُ حَلَالٌ لِإِنَاثِ أُمَّتِي حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِهَا» أَوْ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " وَلَيْسَ الْمُذَهَّبُ إنَاءَ ذَهَبٍ، وَالْمُفَضَّضُ وَالْمُضَبَّبُ بِالْفِضَّةِ حَلَالٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ إنَاءً، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ". [مَسْأَلَةٌ مَنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ فِي الطَّهَارَةِ] 273 - مَسْأَلَةٌ: مَنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ فِي الطَّهَارَةِ: مَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ أَوْ رِجْلَاهُ أَوْ بَعْضُ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ حُكْمُهُ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا بَقِيَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَإِنْ كَانَ فِي الْجَسَدِ جُرْحٌ سَقَطَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ فَرْضُ غَسْلِ سَائِرِ الْجَسَدِ أَوْ الْأَعْضَاءِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنْ عَمَّتْ الْقُرُوحُ يَدَيْهِ أَوْ يَدَهُ أَوْ رِجْلَيْهِ أَوْ وَجْهَهُ أَوْ بَعْضَ جَسَدِهِ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ ذَلِكَ إلَى اسْمِ الْمَرَضِ وَكَانَ عَلَيْهِ مِنْ إمْسَاسِهِ الْمَاءَ حَرَجٌ تَيَمَّمَ فَقَطْ، لِأَنَّ هَذَا حُكْمُ الْمَرِيضِ، وَإِنْ كَانَ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي الْمَاءِ غَمَسَهُ فَقَطْ وَأَجْزَأَهُ، أَوْ صَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَأَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُخْرِجْهُ إلَى اسْمِ الْمَرَضِ غَسَلَ مَا أَمْكَنَهُ وَسَقَطَ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ فِيهِ حَرَجٌ فَقَطْ كَثُرَ أَوْ قَلَّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ فِي وُضُوءٍ تَيَمُّمٌ وَغُسْلٌ، وَلَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ أَيْضًا إذْ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ، إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ وَهُوَ: مَنْ مَعَهُ مَاءٌ لَا يَعُمُّ بِهِ جَمِيعَ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ أَوْ جَمِيعَ جَسَدِهِ فَقَطْ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَنْ شَكَّ فِي الْمَاءِ] ِ 274 - مَسْأَلَةٌ: مَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَاءٌ وَشَكَّ أَوَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَمْ لَا؟ أَمْ هُوَ فَضْلُ امْرَأَةٍ أَمْ لَا، فَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَأَنْ يَغْتَسِلَ بِهِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِهِ فِي أَصْلِهِ، وَجَوَازِ التَّطْهِيرِ بِهِ، ثُمَّ شَكَّ هَلْ حُرِّمَ ذَلِكَ فِيهِ أَمْ لَا، وَالْحَقُّ الْيَقِينُ
لَا يُسْقِطُهُ الظَّنُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36] فَإِنْ شَكَّ أَهُوَ مَاءٌ أَمْ هُوَ مُعْتَصَرٌ مِنْ بَعْضِ النَّبَاتِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْوُضُوءُ بِهِ وَلَا الْغُسْلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ جَازَ بِهِ التَّطَهُّرُ يَوْمًا مَا، وَالْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ فَرْضَانِ، فَلَا يُرْفَعُ الْفَرْضُ بِالشَّكِّ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ إنَاءَانِ فَصَاعِدًا فِي أَحَدِهِمَا مَاءٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ وَسَائِرُهَا مِمَّا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، أَوْ فِيهَا وَاحِدٌ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ وَسَائِرُهَا طَاهِرٌ، وَلَا يُمَيِّزُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِأَيِّهَا شَاءَ، مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ قَدْ تَجَاوَزَ عَدَدَ الطَّاهِرَاتِ وَتَوَضَّأَ بِمَا لَا يَحِلُّ الْوُضُوءُ بِهِ، لِأَنَّ كُلَّ مَاءٍ مِنْهَا فَعَلَى أَصْلِ طَهَارَتِهِ عَلَى انْفِرَادِهِ، فَإِذَا حَصَلَ عَلَى يَقِينِ التَّطَهُّرِ فِيمَا لَا يَحِلُّ التَّطَهُّرُ بِهِ فَقَدْ حَصَلَ عَلَى يَقِينِ الْحَرَامِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُطَهِّرَ أَعْضَاءَهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَاءُ حَرَامًا اسْتِعْمَالُهُ جُمْلَةً، فَإِنْ كَانَ فِيهَا وَاحِدٌ مُعْتَصَرٌ لَا يَدْرِي، لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْوُضُوءُ بِشَيْءٍ مِنْهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ، وَالْيَقِينُ لَا يَرْتَفِعُ بِالظَّنِّ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
كتاب الصلاة
[كِتَابُ الصَّلَاةِ] [مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ قِسْمَانِ فَرْضٌ وَتَطَوُّعٌ] ِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلِّمْ الصَّلَاةُ 275 - مَسْأَلَةٌ: الصَّلَاةُ قِسْمَانِ: فَرْضٌ وَتَطَوُّعٌ؛ فَالْفَرْضُ هُوَ الَّذِي مَنْ تَرَكَهُ عَامِدًا، كَانَ عَاصِيًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ: الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ الْأَخِيرَةُ وَالْفَجْرُ. وَالْقَضَاءُ لِمَا نَسِيَ مِنْهَا أَوْ نَامَ عَنْهَا هُوَ هِيَ نَفْسُهَا، وَالْفَرْضُ قِسْمَانِ: فَرْضٌ مُتَعَيَّنٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ؛ وَفَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ يَلْزَمُ كُلَّ مَنْ حَضَرَ؛ فَإِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ سَقَطَ عَنْ سَائِرِهِمْ، وَهُوَ الصَّلَاةُ عَلَى جَنَائِزِ الْمُسْلِمِينَ. وَالتَّطَوُّعُ هُوَ مَا إنْ تَرَكَهُ الْمَرْءُ عَامِدًا لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ، وَهُوَ الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءُ وَالْكُسُوفُ وَالضُّحَى، وَمَا يَتَنَفَّلُ الْمَرْءُ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَرْضِ وَبَعْدَهَا، وَالْإِشْفَاعُ فِي رَمَضَانَ وَتَهَجُّدُ اللَّيْلِ وَكُلُّ مَا يَتَطَوَّعُ بِهِ الْمَرْءُ، وَيُكْرَهُ تَرْكُ كُلِّ ذَلِكَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ضَرُورَةِ الْعَقْلِ إلَّا الْقِسْمَانِ الْمَذْكُورَانِ، إمَّا شَيْءٌ يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى تَارِكُهُ؛ وَإِمَّا شَيْءٌ لَا يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى تَارِكُهُ؛ وَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا. وَقَوْلُنَا: الْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ وَالْحَتْمُ وَاللَّازِمُ وَالْمَكْتُوبُ؛ أَلْفَاظٌ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا. وَقَوْلُنَا: التَّطَوُّعُ وَالنَّافِلَةُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا، وَقَالَ قَوْمٌ: هَهُنَا قِسْمٌ ثَالِثٌ وَهُوَ الْوَاجِبُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَقَوْلٌ لَا يُفْهَمُ، وَلَا يَقْدِرُ قَائِلُهُ عَلَى أَنْ يُبَيِّنَ مُرَادَهُ فِيهِ.
فَإِنْ قَالُوا: إنَّ بَعْضَ ذَلِكَ أَوْكَدُ مِنْ بَعْضٍ، قُلْنَا: نَعَمْ، بَعْضُ التَّطَوُّعِ أَوْكَدُ مِنْ بَعْضٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُخْرِجِ شَيْءٍ مِنْهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا، لَكِنْ أَخْبِرُونَا عَنْ هَذَا الَّذِي قُلْتُمْ: هُوَ وَاجِبٌ لَا فَرْضٌ، وَلَا تَطَوُّعٌ، أَيَكُونُ تَارِكُهُ عَاصِيًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ أَمْ لَا يَكُونُ عَاصِيًا؟ وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ، فَإِنْ كَانَ تَارِكُهُ عَاصِيًا فَهُوَ فَرْضٌ؛ وَإِنْ كَانَ تَارِكُهُ لَيْسَ عَاصِيًا فَلَيْسَ فَرْضًا. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا حَمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَتَطَوَّعَ وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ، وَهُوَ يَقُولُ وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ» . وَهَذَا نَصٌّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَوْلِنَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ إلَّا وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا، فَإِنَّ مَا عَدَا الْخَمْسَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ، وَهَذَا لَا يَسَعُ أَحَدًا خِلَافُهُ. وَأَمَّا وُجُوبُ النَّذْرِ؛ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] ؛ وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» ، وَلَا خِلَافَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَرْضٌ، وَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَكَافِرٌ. وَأَمَّا كَوْنُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ؛ فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا قَامَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا قَوْمٌ فَقَدْ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْبَاقِينَ. وَأَمَّا كَوْنُ مَا عَدَا ذَلِكَ تَطَوُّعًا فَإِجْمَاعٌ مِنْ الْحَاضِرِينَ مِنْ الْمُخَالِفِينَ إلَّا فِي الْوِتْرِ؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إنَّهُ وَاجِبٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ: إنَّهُ فَرْضٌ. فَالْبُرْهَانُ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّهُ فَرْضٌ مَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ثنا ابْنُ وَهْبٍ ثنا يُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
فَذَكَرَ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ - وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " فَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً " ثُمَّ ذَكَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُرَاجَعَتَهُ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ؛ إلَى أَنْ قَالَ " فَرَاجَعْت رَبِّي " فَقَالَ: " هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق: 29] فَهَذَا خَبَرٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَأْمُونٌ تَبَدُّلُهُ، فَصَحَّ أَنَّ الصَّلَوَاتِ لَا تُبَدَّلُ أَبَدًا عَنْ خَمْسٍ وَأَمِنَّا النَّسْخَ فِي ذَلِكَ أَبَدًا بِهَذَا النَّصِّ، فَبَطَلَ بِهَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ الْوِتْرَ فَرْضٌ، وَإِنَّ تَهَجُّدَ اللَّيْلِ فَرْضٌ، وَهُوَ قَوْلٌ رُوِّينَاهُ عَنْ الْحَسَنِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ يُونُسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ الْجُعْفِيُّ - عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ قَالَ: أَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ رَمَضَانَ؟ قَالَ: شَهْرُ اللَّهِ الَّذِي يَدْعُونَهُ الْمُحَرَّمَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ أَنَّ تَهَجُّدَ اللَّيْلِ لَيْسَ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ؛ وَالْوِتْرُ مِنْ تَهَجُّدِ اللَّيْلِ؛ فَبِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ صَحَّ أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِحَفْصَةَ عَنْ أَخِيهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ» ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْقَطَّانِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ» وَ «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ أَوْتِرُوا» إنَّ هَذِهِ الْأَوَامِرَ كُلَّهَا نَدْبٌ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ «إنَّ الشَّيْطَانَ يَعْقِدُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ وَفِي آخِرِهِ فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إذْ ذُكِرَ لَهُ
رَجُلٌ لَمْ يَزَلْ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ مَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ» - إنَّمَا هُوَ عَلَى الْفَرْضِ وَنَوْمِهِ عَنْهُ لِمَا ذَكَرْنَا. وَالْبُرْهَانُ لَا يُعَارَضُ إلَّا بِبُرْهَانٍ، وَمَا كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلَا يَخْتَلِفُ، وَلَا يَتَكَاذَبُ، وَرُوِّينَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ وَلَكِنَّهُ سُنَّةٌ. وَرُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «الْوِتْرُ لَيْسَ فَرِيضَةً وَلَكِنَّهُ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ تَكْذِيبُ مَنْ قَالَ إنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ. وَرُوِّينَا عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَأَلْت نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ؟ قَالَ نَعَمْ وَهَلْ لِلْوَتْرِ فَضِيلَةٌ عَلَى سَائِرِ التَّطَوُّعِ؟ وَرُوِّينَا عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَنْ لَمْ يُوتِرْ حَتَّى أَصْبَحَ؟ قَالَ سَيُوتِرُ يَوْمًا آخَرَ. وَرُوِّينَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ الْوِتْرِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَوْتَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ تَرَكْتَ فَلَيْسَ عَلَيْك، وَصَلَّى الضُّحَى، وَإِنْ تَرَكْتَ فَلَيْسَ عَلَيْك؛ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَإِنْ تَرَكْتَ فَلَيْسَ عَلَيْك. وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قُلْت لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ الْوِتْرُ وَرَكْعَتَانِ أَمَامَ الصُّبْحِ أَوْ شَيْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ أَوْ بَعْدَهَا؟ قَالَ لَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَدَاوُد وَجُمْهُورِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنْ كَانَ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْوِتْرَ فَرْضٌ فَقَدْ ذَكَرْنَا بُطْلَانَ هَذَا الْقَوْلِ، وَإِنْ كَانَ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ لَا فَرْضٌ، وَلَا تَطَوُّعٌ؛ فَهُوَ قَوْلٌ فَاسِدٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا إبْطَالَهُ فِي صَدْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ فَرْضًا، وَلَكِنْ مَنْ تَرَكَهُ أُدِّبَ، وَكَانَتْ جُرْحَةً فِي شَهَادَتِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ بَيِّنٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو تَارِكُهُ أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ غَيْرَ عَاصٍ؛ فَإِنْ كَانَ عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَعْصِي أَحَدٌ بِتَرْكِ مَا لَا يَلْزَمُهُ وَلَيْسَ فَرْضًا؛ فَالْوِتْرُ إذَنْ فَرْضٌ، وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهَذَا، وَإِنْ قَالَ: بَلْ هُوَ غَيْرُ عَاصٍ - لِلَّهِ تَعَالَى. قِيلَ: فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُؤَدَّبَ مَنْ لَمْ يَعْصِ اللَّهَ تَعَالَى، أَوْ أَنْ تُجَرَّحَ شَهَادَةُ مَنْ لَيْسَ عَاصِيًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْصِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إلَّا أَنَّ الْوِتْرَ أَوْكَدُ التَّطَوُّعِ، لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ ثُمَّ أَوْكَدُهَا بَعْدَ الْوِتْرِ صَلَاةُ الضُّحَى وَرَكْعَتَانِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَصَلَاةُ مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ وَجَدَ جَمَاعَةً يُصَلُّونَ تِلْكَ الصَّلَاةَ؛ وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ وَأَرْبَعٌ بَعْدَ الْجُمُعَةِ «؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهَذِهِ» ، وَمَا أَمَرَ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَهُوَ أَوْكَدُ مِمَّا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ السُّلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» . وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدِ التَّنُّورِيِّ ثنا أَبُو التَّيَّاحِ حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «أَوْصَانِي خَلِيلِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى وَأَنْ أَوْتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ» . وَرُوِّينَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي نَعَامَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ إنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلِّ مَعَهُمْ فَإِنَّهَا زِيَادَةُ خَيْرٍ» . وَرُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُصَلِّيَ أَرْبَعًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ» . وَرُوِّينَا عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» . حَدَّثَنَا حُمَامٌ حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ أَيْمَنَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ثنا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُصَلِّيَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا» .
مسألة لا صلاة على من لم يبلغ من الرجال والنساء
ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ سَائِرَ الَّتِي ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا أَمْرٌ، لَكِنْ جَاءَ بِهَا عَمَلٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَتَرْغِيبٌ، وَأَمَّا كَرَاهَتُنَا تَرْكَ ذَلِكَ فَلِأَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج: 77] . [مَسْأَلَةٌ لَا صَلَاةَ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ] 276 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا صَلَاةَ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؛ وَيُسْتَحَبُّ لَوْ عُلِّمُوهَا إذَا عَقَلُوهَا؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ فَذَكَرَ فِيهِ الصَّبِيَّ حَتَّى يَبْلُغَ» ؛ وَقَدْ «عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ عَبَّاسٍ قَبْلَ بُلُوغِهِ بَعْضَ حُكْمِ الصَّلَاةِ وَأَمَّهُ فِيهَا» ، وَيُسْتَحَبُّ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ أَنْ يُدَرَّبَ عَلَيْهَا فَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ أُدِّبَ عَلَيْهَا. لِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، فَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا» . [لَا صَلَاة عَلَى مجنون وَلَا مغمى عَلَيْهِ وَلَا حائض وَلَا نفساء] 277 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا عَلَى مَجْنُونٍ، وَلَا مُغْمًى عَلَيْهِ، وَلَا حَائِضٍ، وَلَا نُفَسَاءَ، وَلَا قَضَاءَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا مَا أَفَاقَ الْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ؛ أَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فِي وَقْتٍ أَدْرَكُوا فِيهِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ فَذَكَرَ الْمَجْنُونَ حَتَّى يُفِيقَ» وَأَمَّا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، وَإِسْقَاطُ الْقَضَاءِ عَنْهَا فَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ، وَأَمَّا الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَإِنَّنَا رُوِّينَا عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَقَتَادَةَ أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ يَقْضِي، وَقَالَ سُفْيَانُ: يَقْضِي إنْ أَفَاقَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فَقَطْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ قَضَاهُنَّ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ لَمْ يَقْضِ شَيْئًا. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ أَتَى بِمَا قَالَ، وَلَا
مسألة سكر حتى خرج وقت الصلاة أو نام عنها حتى خرج وقتها
قِيَاسَ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ سِتَّ صَلَوَاتٍ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءَ شَيْءٍ مِنْهُنَّ. وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ أَنْ يَقْضِيَهُنَّ؛ فَلَمْ يَقِسْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي إسْقَاطِ الْقَضَاءِ، وَلَا قَاسَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ عَلَى النَّائِمِ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَا نَامَ عَنْهُ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ خِلَافُ قَوْلِ عَمَّارٍ عَلَى أَنَّ الَّذِي رُوِّينَا عَنْ عَمَّارٍ إنَّمَا هُوَ إنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ فَقَضَاهُنَّ، كَمَا رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اشْتَكَى مَرَّةً غُلِبَ فِيهَا عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى تَرَكَ الصَّلَاةَ ثُمَّ أَفَاقَ فَلَمْ يُصَلِّ مَا تَرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ؛ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ: أُغْمِيَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَلَمْ يَقْضِ مَا فَاتَهُ. وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُوسٍ عَنْ أَبِيهِ: إذَا أُغْمِيَ عَلَى الْمَرِيض ثُمَّ عَقَلَ لَمْ يُعِدْ الصَّلَاةَ. قَالَ مَعْمَرٌ: سَأَلْت الزُّهْرِيَّ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَقَالَ لَا يَقْضِي وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ: لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ الَّتِي أَفَاقَ عِنْدَهَا. قَالَ حَمَّادٌ قُلْت لِعَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ: أَعُدْتَ مَا كَانَ مُغْمًى عَلَيْك؟ قَالَ أَمَّا ذَاكَ فَلَا. قَالَ عَلِيٌّ: الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يَعْقِلُ، وَلَا يَفْهَمُ؛ فَالْخِطَابُ عَنْهُ مُرْتَفِعٌ، وَإِذَا كَانَ كُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا غَيْرَ مُخَاطَبٍ بِهَا فِي وَقْتِهَا الَّذِي أُلْزِمَ النَّاسُ أَنْ يُؤَدُّوهَا فِيهِ: فَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ، وَصَلَاةٌ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا لَا تَجِبُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ سَكِرَ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ أَوْ نَامَ عَنْهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا] 278 - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا مَنْ سَكِرَ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ أَوْ نَامَ عَنْهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا أَوْ نَسِيَهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا: فَفُرِضَ عَلَى هَؤُلَاءِ خَاصَّةً أَنْ يُصَلُّوهَا أَبَدًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] فَلَمْ يُبِحْ اللَّهُ تَعَالَى لِلسَّكْرَانِ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقُولُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ هُوَ الْبُنَانِيُّ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إنَّهُ «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ فَإِذَا نَسِيَ
مسألة تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها
أَحَدُكُمْ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» ، وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ مُسْنَدًا: وَهَذَا كُلُّهُ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ. [مَسْأَلَةٌ تَعَمَّدَ تَرْكَ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا] 279 - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا فَهَذَا لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهَا أَبَدًا، فَلْيُكْثِرْ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ وَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ؛ لِيُثْقِلَ مِيزَانَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ وَلْيَتُبْ وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يَقْضِيهَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، حَتَّى أَنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ قَالَا: مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ صَلَاةٍ أَوْ صَلَوَاتٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الَّتِي حَضَرَ وَقْتُهَا - إنْ كَانَتْ الَّتِي تَعَمَّدَ تَرْكَهَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَأَقَلَّ - سَوَاءٌ خَرَجَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ؛ فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ بَدَأَ بِالْحَاضِرَةِ. بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} [الماعون: 4] {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 5] وقَوْله تَعَالَى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] فَلَوْ كَانَ الْعَامِدُ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ مُدْرِكًا لَهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا لَمَا كَانَ لَهُ الْوَيْلُ، وَلَا لَقِيَ الْغَيَّ؛ كَمَا لَا وَيْلَ، وَلَا غَيَّ؛ لِمَنْ أَخَّرَهَا إلَى آخَرِ وَقْتِهَا الَّذِي يَكُونُ مُدْرِكًا لَهَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ وَقْتًا مَحْدُودَ الطَّرَفَيْنِ، يَدْخُلُ فِي حِينٍ مَحْدُودٍ؛ وَيَبْطُلُ فِي وَقْتٍ مَحْدُودٍ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ صَلَّاهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَبَيْنَ مَنْ صَلَّاهَا بَعْدَ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا صَلَّى فِي غَيْرِ الْوَقْتِ؛ وَلَيْسَ هَذَا قِيَاسًا لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، بَلْ هُمَا سَوَاءٌ فِي تَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1] . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَضَاءَ إيجَابُ شَرْعٍ، وَالشَّرْعُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ. فَنَسْأَلُ مَنْ أَوْجَبَ عَلَى الْعَامِدِ قَضَاءَ مَا تَعَمَّدَ تَرْكَهُ مِنْ الصَّلَاةِ: أَخْبِرْنَا عَنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَأْمُرُهُ بِفِعْلِهَا، أَهِيَ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا؟ أَمْ هِيَ غَيْرُهَا؟ فَإِنْ قَالُوا: هِيَ هِيَ؛ قُلْنَا لَهُمْ: فَالْعَامِدُ؛ لِتَرْكِهَا لَيْسَ عَاصِيًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا إثْمَ
عَلَى قَوْلِكُمْ، وَلَا مَلَامَةَ عَلَى مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ. وَإِنْ قَالُوا: لَيْسَتْ هِيَ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، قُلْنَا صَدَقْتُمْ؛ وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ إذْ أَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ أَمَرُوهُ بِمَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ نَسْأَلُهُمْ عَمَّنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ الصَّلَاةِ إلَى بَعْدِ الْوَقْتِ: أَطَاعَةٌ هِيَ أَمْ مَعْصِيَةٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: طَاعَةٌ، خَالَفُوا إجْمَاعَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ كُلِّهِمْ الْمُتَيَقَّنَ، وَخَالَفُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ الثَّابِتَةَ: وَإِنْ قَالُوا: هُوَ مَعْصِيَةٌ صَدَقُوا، وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ تَنُوبَ الْمَعْصِيَةُ عَنْ الطَّاعَةِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَدَّ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعَلَ لِكُلِّ وَقْتِ صَلَاةٍ مِنْهَا أَوَّلًا لَيْسَ مَا قَبْلَهُ وَقْتًا لِتَأْدِيَتِهَا، وَآخِرًا لَيْسَ مَا بَعْدَهُ وَقْتًا؛ لِتَأْدِيَتِهَا، هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ؛ فَلَوْ جَازَ أَدَاؤُهَا بَعْدَ الْوَقْتِ لَمَا كَانَ لِتَحْدِيدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - آخِرَ وَقْتِهَا مَعْنًى؛ وَلَكَانَ لَغْوًا مِنْ الْكَلَامِ وَحَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ كُلَّ عَمَلٍ عُلِّقَ بِوَقْتٍ مَحْدُودٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، وَلَوْ صَحَّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمَا كَانَ ذَلِكَ الْوَقْتُ وَقْتًا لَهُ، وَهَذَا بَيِّنٌ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَنَسْأَلُهُمْ: لِمَ أَجَزْتُمْ الصَّلَاةَ، بَعْدَ الْوَقْتِ، وَلَمْ تُجِيزُوهَا قَبْلَهُ؟ فَإِنْ ادَّعُوا الْإِجْمَاعَ كَذَبُوا؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ يُجِيزَانِ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْوَقْتِ، لَا سِيَّمَا وَالْحَنَفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ وَالْمَالِكِيُّونَ يُجِيزُونَ الزَّكَاةَ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَيَدَّعُونَ أَنَّ قِتَالَ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ، إنَّمَا كَانَ قِيَاسًا لِلزَّكَاةِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ قَالَ: لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَهُمْ قَدْ فَرَّقُوا هَهُنَا بَيْنَ حُكْمِ الزَّكَاةِ وَالصَّلَاةِ فَلْيَعْجَبْ الْمُتَعَجِّبُونَ، وَإِنْ ادَّعُوا فَرْقًا مِنْ جِهَةِ نَصٍّ أَوْ نَظَرٍ لَمْ يَجِدُوهُ. فَإِنْ قَالُوا: فَإِنَّكُمْ تُجِيزُونَ النَّاسِيَ وَالنَّائِمَ وَالسَّكْرَانَ عَلَى قَضَائِهَا أَبَدًا. وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِكُمْ بِالْوَقْتِ؟ قُلْنَا: لَا بَلْ وَقْتُ الصَّلَاةِ لِلنَّاسِي وَالسَّكْرَانِ وَالنَّائِمِ مُمْتَدٌّ غَيْرُ مُنْقَضٍ. وَبُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا عُصَاةً فِي تَأْخِيرِهَا إلَى أَيِّ وَقْتٍ صَلُّوهَا فِيهِ، وَكُلُّ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهُ مُنْقَسِمٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ لَا رَابِعَ لَهَا إمَّا أَمْرٌ غَيْرُ مُعَلَّقٍ بِوَقْتٍ؛ فَهَذَا يُجْزِئُ أَبَدًا مَتَى أُدِّيَ، كَالْجِهَادِ وَالْعُمْرَةِ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَالدُّعَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَهَذَا يُجْزِئُ مَتَى أُدِّيَ؛ وَالْمُسَارَعَةُ إلَيْهِ أَفْضَلُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:
{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا} [آل عمران: 133] ، وَإِمَّا أَمْرٌ مُعَلَّقٌ بِوَقْتٍ مَحْدُودِ الْأَوَّلِ غَيْرُ مَحْدُودِ الْآخِرِ كَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا، فَهَذَا لَا يُجْزِئُ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَلَا يَسْقُطُ بَعْدَ وُجُوبِهِ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِ، وَالْمُبَادَرَةُ إلَيْهِ أَفْضَلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَإِمَّا أَمْرٌ مُعَلَّقٌ بِوَقْتٍ مَحْدُودٍ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ فَهَذَا لَا يُجْزِئُ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَلَا بَعْدَ وَقْتِهِ؛ وَيُجْزِئُ فِي جَمِيعِ وَقْتِهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَوَسَطِهِ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَنَقُولُ لِمَنْ خَالَفَنَا: قَدْ وَافَقْتُمُونَا عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يُجْزِئُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، وَأَنَّ الصَّوْمَ لَا يُجْزِئُ فِي غَيْرِ النَّهَارِ؛ فَمِنْ أَيْنَ أَجَزْتُمْ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ؟ وَكُلُّ ذَلِكَ ذُو وَقْتٍ مَحْدُودٍ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ؟ وَهَذَا مَا لَا انْفِكَاكَ مِنْهُ. فَإِنْ قَالُوا قِسْنَا الْعَامِدَ عَلَى النَّاسِي. قُلْنَا الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ ثُمَّ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ إنَّمَا هُوَ قِيَاسُ الشَّيْءِ عَلَى نَظِيرِهِ، لَا عَلَى ضِدِّهِ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِيَاسِ، وَقَدْ وَافَقَهُمْ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْقِيَاسِ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِيَاسُ الشَّيْءِ عَلَى ضِدِّهِ، فَصَارَ إجْمَاعًا مُتَيَقَّنًا وَبَاطِلًا لَا شَكَّ فِيهِ. وَالْعَمْدُ ضِدُّ النِّسْيَانِ، وَالْمَعْصِيَةُ ضِدُّ الطَّاعَةِ، بَلْ قِيَاسُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَجِّ؛ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا، لَا سِيَّمَا، وَالْحَنَفِيُّونَ وَالْمَالِكِيُّونَ لَا يَقِيسُونَ الْحَالِفَ عَامِدًا؛ لِلْكَذِبِ عَلَى الْحَالِفِ فَيَحْنَثُ غَيْرُ عَامِدٍ لِلْكَذِبِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، بَلْ يُسْقِطُونَ الْكَفَّارَةَ عَنْ الْعَامِدِ، وَيُوجِبُونَهَا عَلَى غَيْرِ الْعَامِدِ، وَلَا يَقِيسُونَ قَاتِلَ الْعَمْدِ عَلَى قَاتِلِ الْخَطَأِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ، بَلْ يُسْقِطُونَهَا عَنْ قَاتِلِ الْعَمْدِ، وَلَا يَرُونَ قَضَاءَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُرْتَدِّ؛ فَهَذَا تَنَاقُضٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، وَتَحَكُّمٌ بِالدَّعْوَى وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَلَوْ كَانَ الْقَضَاءُ وَاجِبًا عَلَى الْعَامِدِ؛ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا لَمَا أَغْفَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ، وَلَا نَسِيَاهُ، وَلَا تَعَمَّدَا إعْنَاتَنَا بِتَرْكِ بَيَانِهِ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] وَكُلُّ شَرِيعَةٍ لَمْ يَأْتِ بِهَا الْقُرْآنُ، وَلَا السُّنَّةُ فَهِيَ بَاطِلٌ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» فَصَحَّ أَنَّ مَا فَاتَ فَلَا سَبِيلَ إلَى إدْرَاكِهِ، وَلَوْ أُدْرِكَ أَوْ أَمْكَنَ أَنْ يُدْرِكَ؛ لَمَا فَاتَ، كَمَا لَا تَفُوتُ الْمَنْسِيَّةُ أَبَدًا، وَهَذَا لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَالْأُمَّةُ أَيْضًا كُلُّهَا مُجْمِعَةٌ عَلَى الْقَوْلِ وَالْحُكْمِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ فَاتَتْ إذَا خَرَجَ وَقْتُهَا، فَصَحَّ فَوْتُهَا بِإِجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ، وَلَوْ أَمْكَنَ قَضَاؤُهَا وَتَأْدِيَتُهَا لَكَانَ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا فَاتَتْ كَذِبًا وَبَاطِلًا. فَثَبَتَ يَقِينًا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ فِيهَا أَبَدًا.
وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِنَا فِي هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَسُلَيْمَانُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَبَدِيلٌ الْعُقَيْلِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرُهُمْ. فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حِرَاشٍ قَالَ: رَأَى ابْنُ عُمَرَ رَجُلًا يَقْرَأُ صَحِيفَةً، فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا الْقَارِئُ؛ إنَّهُ لَا صَلَاةَ؛ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَصَلِّ ثُمَّ اقْرَأْ مَا بَدَا لَك. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيِّ عَنْ عَمِّهِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ بِالْجَابِيَةِ: أَلَا، وَإِنَّ الصَّلَاةَ لَهَا وَقْتٌ شَرَطَهُ اللَّهُ لَا تَصْلُحُ إلَّا بِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ الْجَعْدِ قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ - هُوَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الصَّلَاةُ مِكْيَالٌ؛ فَمَنْ وَفَّى وُفِّيَ لَهُ؛ وَمَنْ طَفَّفَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا قِيلَ فِي الْمُطَفِّفِينَ. قَالَ عَلِيٌّ: مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا فَقَدْ طَفَّفَ، وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 5] قَالَ: السَّهْوُ التَّرْكُ عَنْ الْوَقْتِ. قَالَ عَلِيٌّ: لَوْ أَجْزَأَتْ عِنْدَهُ بَعْدَ الْوَقْتِ لَمَا كَانَ لَهُ الْوَيْلُ عَنْ شَيْءٍ قَدْ أَدَّاهُ. وَبِهِ إلَى وَكِيعٍ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَالْحَسَنُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: 23] {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج: 34] فَقَالَ: ذَلِكَ عَلَى مَوَاقِيتِهَا. قَالُوا: مَا كُنَّا نَرَى ذَلِكَ إلَّا عَلَى تَرْكِهَا، قَالَ تَرْكُهَا هُوَ الْكُفْرُ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: إنَّ لِلصَّلَاةِ وَقْتًا كَوَقْتِ الْحَجِّ؛ فَصَلُّوا الصَّلَاةَ؛ لِمِيقَاتِهَا. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ
يَحْيَى بْنُ عَتِيقٍ قَالَ: سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنَّ لِلصَّلَاةِ وَقْتًا وَاحِدًا، فَإِنَّ الَّذِي يُصَلِّي قَبْلَ الْوَقْتِ مِثْلُ الَّذِي يُصَلِّي بَعْدَ الْوَقْتِ. وَمِنْ طَرِيقِ سَحْنُونَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَخْبَرَنِي مَالِكٌ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حِينَ كَانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ يُصَلِّي مَعَهُمْ، فَكُلِّمَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ أُصَلِّي مَرَّتَيْنِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ لَا أُصَلِّيَ شَيْئًا. قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذَا يُوَضِّحُ أَنَّ الصَّلَاةَ الْأُولَى كَانَتْ فَرْضَهُ وَالْأُخْرَى تَطَوُّعٌ، فَهُمَا صَلَاتَانِ صَحِيحَتَانِ، وَإِنَّ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْوَقْتِ لَيْسَتْ صَلَاةً أَصْلًا، وَلَا هِيَ شَيْءٌ. وَعَنْ أَسَدِ بْنِ مُوسَى بْنِ مَرْوَانِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَمِعْت اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ أَقْوَامًا فَعَابَهُمْ فَقَالَ: {أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] وَلَمْ تَكُنْ إضَاعَتُهُمْ إيَّاهَا، أَنْ تَرَكُوهَا؛ وَلَوْ تَرَكُوهَا لَكَانُوا بِتَرْكِهَا كُفَّارًا، وَلَكِنْ أَخَّرُوهَا عَنْ وَقْتِهَا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ بُدَيْلِ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْعَبْدَ إذَا صَلَّى الصَّلَاةَ؛ لِوَقْتِهَا صَعِدَتْ وَلَهَا نُورٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ، وَقَالَتْ: حَفِظْتَنِي حَفِظَك اللَّهُ، وَإِذَا صَلَّاهَا لِغَيْرِ وَقْتِهَا طُوِيَتْ كَمَا يُطْوَى الثَّوْبُ الْخَلَقُ فَضُرِبَ بِهَا وَجْهُهُ. وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا أَيْ لَا صَلَاةَ كَامِلَةً؛ وَكَذَلِكَ قَالَ آخَرُونَ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» وَفِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَيُقَالُ؛ لِهَؤُلَاءِ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى مَا ادَّعَيْتُمْ؟ فَإِنْ قَالُوا: هُوَ مَعْهُودُ كَلَامِ الْعَرَبِ؛ قُلْنَا: مَا هُوَ كَذَلِكَ؛ بَلْ مَعْهُودُ كَلَامِ الْعَرَبِ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ - أَنَّ " لَا " لِلنَّفْيِ وَالتَّبْرِئَةِ جُمْلَةً إلَّا أَنْ يَأْتِيَ دَلِيلٌ مِنْ نَصٍّ آخَرَ أَوْ ضَرُورَةُ حِسٍّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، ثُمَّ هَبْكُمْ أَنَّهُ كَمَا قُلْتُمْ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ لَنَا، وَهُوَ قَوْلُنَا؛ لِأَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ لَمْ تَكْمُلْ وَلَمْ تَتِمَّ فَهِيَ بَاطِلٌ كُلُّهَا، بِلَا خِلَافٍ مِنَّا وَمِنْكُمْ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا هَذَا فِيمَا نَقَصَ مِنْ فَرَائِضِهَا؛ قُلْنَا: نَعَمْ؛ وَالْوَقْتُ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ بِإِجْمَاعٍ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَمِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ صَلَاةٌ تَعَمَّدَ تَرْكَ فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِهَا.
قَالَ عَلِيٌّ: مَا نَعْلَمُ؛ لِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مُخَالِفًا مِنْهُمْ، وَهُمْ يُشَنِّعُونَ بِخِلَافِ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ فَرْضٍ وَاحِدَةٍ مُتَعَمِّدًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ. وَهَؤُلَاءِ الْحَنَفِيُّونَ وَالْمَالِكِيُّونَ لَا يَرَوْنَ عَلَى الْمُرْتَدِّ قَضَاءَ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ. فَهَؤُلَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَيْضًا لَا يَرَوْنَ عَلَى مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا قَضَاءً. قَالَ عَلِيٌّ: وَمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عُذْرًا لِمَنْ خُوطِبَ بِالصَّلَاةِ فِي تَأْخِيرِهَا عَنْ وَقْتِهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، لَا فِي حَالِ الْمُطَاعَنَةِ وَالْقِتَالِ وَالْخَوْفِ وَشِدَّةِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء: 102] ، وَقَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] وَلَمْ يَفْسَحْ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَرْكِهَا عَنْ وَقْتِهَا حَتَّى صَلَّاهَا بِطَائِفَتَيْنِ وُجُوهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، عَلَى مَا نَذْكُرُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَلَمْ يَفْسَحْ تَعَالَى فِي تَأْخِيرِهَا عَنْ وَقْتِهَا لِلْمَرِيضِ الْمُدْنَفِ، بَلْ أُمِرَ إنْ عَجَزَ عَنْ الصَّلَاةِ قَائِمًا أَنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقُعُودِ فَعَلَى جَنْبٍ؛ وَبِالتَّيَمُّمِ إنْ عَجَزَ عَنْ الْمَاءِ، وَبِغَيْرِ تَيَمُّمٍ إنْ عَجَزَ عَنْ التُّرَابِ فَمِنْ أَيْنَ أَجَازَ مَنْ أَجَازَ تَعَمُّدَ تَرْكِهَا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا؟ ثُمَّ أَمَرَهُ بِأَنْ يُصَلِّيَهَا بَعْدَ الْوَقْتِ، وَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهَا تُجْزِئُهُ كَذَلِكَ؛ مِنْ غَيْرِ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، لَا صَحِيحَةٍ، وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلٍ لِصَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ. وَقَدْ أَقْدَمَ بَعْضُهُمْ فَذَكَرَ «صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ» ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا ذَاكِرًا لَهَا. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا كُفْرٌ مُجَرَّدٌ مِمَّنْ أَجَازَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُمْ مُقِرُّونَ مَعَنَا بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدِهِمْ، وَلَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ - فِي أَنَّ مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ صَلَاةِ فَرْضٍ ذَاكِرًا لَهَا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا، فَإِنَّهُ فَاسِقٌ مُجَرَّحُ الشَّهَادَةِ، مُسْتَحِقٌّ؛ لِلضَّرْبِ وَالنَّكَالِ، وَمَنْ أَوْجَبَ شَيْئًا مِنْ النَّكَالِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ وَصَفَهُ وَقَطَعَ عَلَيْهِ بِالْفِسْقِ أَوْ بِجَرْحِهِ فِي شَهَادَتِهِ، فَهُوَ كَافِرٌ مُشْرِكٌ مُرْتَدٌّ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ حَلَالُ الدَّمِ وَالْمَالِ؛ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] وَقَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -:
مسألة تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها ويستغفر الله تعالى ويكثر من التطوع
«خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى» وَقَالَ قَدْ صَحَّ وُجُوبُ الصَّلَاةِ، فَلَا يَجُوزُ سُقُوطُهَا إلَّا بِبُرْهَانِ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ. قَالَ عَلِيٌّ، وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ صَحَّ الْبُرْهَانُ بِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْجَبَ كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتٍ مَحْدُودٍ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ» ، وَلَمْ يُوجِبْهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَا بَعْدَهُ، فَمَنْ أَخَذَ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ وَهَذَا الْخَبَرِ لَزِمَهُ إقَامَةُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ، وَهَذَا خِلَافٌ لِتَوْقِيتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ بِوَقْتِهَا. وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ؛ إنَّهُمْ اشْتَدَّتْ الْحَرْبُ غَدَاةَ فَتْحِ تُسْتَرَ فَلَمْ يُصَلُّوا إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ وَهَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَوَاهُ مَكْحُولٌ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: وَمَكْحُولٌ لَمْ يُدْرِكْ أَنَسًا؛ ثُمَّ لَوْ صَحَّ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ تَرَكُوهَا عَارِفِينَ بِخُرُوجِ وَقْتِهَا، بَلْ كَانُوا نَاسِينَ لَهَا بِلَا شَكٍّ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِفَاضِلٍ مِنْ عَرْضِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ هَذَا، فَكَيْفَ بِصَاحِبٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلَوْ كَانُوا ذَاكِرِينَ لَهَا لَصَلَّوْهَا صَلَاةَ الْخَوْفِ كَمَا أُمِرُوا، أَوْ رِجَالًا وَرُكْبَانًا كَمَا أَلْزَمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى؛ لَا يَجُوزُ غَيْرُ هَذَا، فَلَاحَ يَقِينًا كَذِبُ مَنْ ظَنَّ غَيْرَ هَذَا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ تَعَمَّدَ تَرْكَ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا وَيَسْتَغْفِرَ اللَّهَ تَعَالَى وَيُكْثِرَ مِنْ التَّطَوُّعِ] 280 - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا قَوْلُنَا: أَنْ يَتُوبَ مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا وَيَسْتَغْفِرَ اللَّهَ تَعَالَى وَيُكْثِرَ مِنْ التَّطَوُّعِ؛ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] {إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} [مريم: 60] وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 135] وَقَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 8] وَقَالَ تَعَالَى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} [الأنبياء: 47] وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ - وَبِهِ وَرَدَتْ النُّصُوصُ كُلُّهَا - عَلَى أَنَّ لِلتَّطَوُّعِ جُزْءًا مِنْ الْخَيْرِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِقَدْرِهِ، وَلِلْفَرِيضَةِ أَيْضًا جُزْءٌ مِنْ الْخَيْرِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِقَدْرِهِ، فَلَا بُدَّ ضَرُورَةً مِنْ أَنْ يَجْتَمِعَ مِنْ جُزْءِ التَّطَوُّعِ إذَا كَثُرَ مَا يُوَازِي جُزْءَ الْفَرِيضَةِ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِ؛ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ، وَأَنَّ {الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] ، وَأَنَّ {مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [القارعة: 6] {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [القارعة: 7] ، وَ {مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} [القارعة: 8] {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة: 9] .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثنا إسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - ثنا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ حَكِيمٍ الضَّبِّيِّ أَنَّهُ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ الصَّلَاةُ، يَقُولُ رَبُّنَا - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لِلْمَلَائِكَةِ وَهُوَ أَعْلَمُ: اُنْظُرُوا فِي صَلَاةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةٌ وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ: اُنْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ: أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَلِكُمْ» . قَالَ أَبُو دَاوُد: وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ - عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا الْمَعْنَى، قَالَ «ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ حَسَبَ ذَلِكَ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ني عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا جَمِيعًا ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيِّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ - ثنا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْمَسْجِدَ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقَعَدَ وَحْدَهُ فَقَعَدْت إلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ» . فَهَذَا بَيَانُ مِقْدَارِ أَجْرِ التَّطَوُّعِ وَأَجْرِ الْفَرِيضَةِ، وَإِنَّمَا هَذَا لِمَنْ تَابَ وَنَدِمَ وَأَقْلَعَ وَاسْتَدْرَكَ مَا فَرَّطَ. وَأَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ الْمَفْرُوضَاتِ وَاقْتَصَرَ عَلَى التَّطَوُّعِ؛ لِيَجْبُرَ بِذَلِكَ مَا عَصَى فِي تَرْكِهِ مُصِرًّا عَلَى ذَلِكَ، فَهَذَا عَاصٍ فِي تَطَوُّعِهِ؛ لِأَنَّهُ وَضَعَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَضَعْهُ؛ لِتُتْرَكَ الْفَرِيضَةَ، بَلْ؛ لِيَكُونَ زِيَادَةَ خَيْرٍ وَنَافِلَةً، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُجْبَرُ بِهِ
الصلوات المفروضات الخمس
الْفَرْضُ الْمُضَيَّعُ. وَإِذَا عَصَى فِي تَطَوُّعِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يُقْبَلُ مِمَّنْ لَا يُؤَدِّي الْفَرِيضَةَ كَالتَّاجِرِ لَا يَصِحُّ لَهُ رِبْحٌ حَتَّى يَخْلُصَ رَأْسُ مَالِهِ؛ فَبَاطِلٌ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ الْأَنْدَلُسِيِّ عَنْ الْمَكْفُوفِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَوْطٍ، وَهَذِهِ بَلَايَا فِي نَسَقٍ إحْدَاهَا يَكْفِي؛ وَمُرْسَلٌ أَيْضًا، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ. وَعَبْدُ الْمَلِكِ سَاقِطٌ؛ وَهَذَا أَيْضًا مُنْقَطِعٌ، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ قَصَدَ التَّطَوُّعَ؛ لِيُعَوِّضَهُ عَنْ الْفَرِيضَةِ مُصِرًّا عَلَى ذَلِكَ غَيْرَ نَادِمٍ، وَلَا تَائِبٍ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [الصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ الْخَمْسُ] ُ 281 - مَسْأَلَةٌ الْمَفْرُوضُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى خَمْسٌ وَهِيَ: الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ الْآخِرَةُ، وَهِيَ الْعَتَمَةُ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ. فَالصُّبْحُ رَكْعَتَانِ أَبَدًا، عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، مِنْ صَحِيحٍ أَوْ مَرِيضٍ أَوْ مُسَافِرٍ أَوْ مُقِيمٍ؛ خَائِفٍ أَوْ آمِنٍ؛ وَالْمَغْرِبُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ أَبَدًا؛ كَمَا قُلْنَا فِي الصُّبْحِ سَوَاءٌ سَوَاءٌ. وَأَمَّا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ الْآخِرَةُ - فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَى الْمُقِيمِ - مَرِيضًا كَانَ أَوْ صَحِيحًا، خَائِفًا أَوْ آمِنًا - أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ؛ وَكُلُّ هَذَا إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ مَقْطُوعٌ بِهِ، لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ قَدِيمًا، وَلَا حَدِيثًا، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ؛ وَكُلُّ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ عَلَى الْمُسَافِرِ الْآمِنِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، وَأَمَّا الْمُسَافِرُ الْخَائِفُ فَإِنْ شَاءَ صَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ صَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَكْعَةً وَاحِدَةً، وَالْخِلَافُ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ هَذَا فِيمَا ذَلِكَ السَّفَرُ؛ وَفِي مِقْدَارِ ذَلِكَ السَّفَرِ مِنْ الزَّمَانِ وَمِنْ الْمَسَافَةِ؛ وَفِي هَلْ ذَلِكَ الْقَصْرُ عَلَيْهِ فَرْضٌ أَمْ هُوَ فِيهِ مُخَيَّرٌ، وَفِي هَلْ تُجْزِئُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ أَمْ لَا. وَسَنَذْكُرُ الْبُرْهَانَ عَلَى الْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ، وَبُطْلَانَ الْخَطَأِ فِيهِ، فِي أَبْوَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا حَوْلَ، وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَبِهِ تَعَالَى نَسْتَعِينَ وَبِهِ نَتَأَيَّدُ.
أقسام التطوع
[أَقْسَامُ التَّطَوُّعِ] مَسْأَلَةٌ: أَقْسَامُ التَّطَوُّعِ أَوْكَدُ التَّطَوُّعِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا، مِنْ الْأَقْسَامِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَخْصُوصَةً بِأَسْمَائِهَا، وَبَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَرِدْ بِهِ أَمْرٌ، وَلَكِنْ جَاءَ النَّدْبُ إلَيْهِ. أَوْكَدُ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ الثَّانِي وَقَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحَ، ثُمَّ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ؛ ثُمَّ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ وَقِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَرْبَعُ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَأَرْبَعُ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعُ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْعَصْرِ، إنْ شَاءَ لَمْ يُسَلِّمْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ؛ وَرَكْعَتَانِ عِنْدَ الْقُدُومِ مِنْ السَّفَرِ فِي الْمَسْجِدِ؛ وَمَا تَطَوَّعَ بِهِ الْمَرْءُ إذَا تَوَضَّأَ ثُمَّ مَا تَطَوَّعَ بِهِ الْمَرْءُ فِي نَهَارِهِ وَلَيْلِهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ، أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبَرِيِّ ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنُ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . وَقَدْ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ» عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ، «وَحَضَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَيْضًا عَلَى قِيَامِ رَمَضَانَ» عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ ثنا هُشَيْمٌ عَنْ خَالِدٍ هُوَ الْحَذَّاءُ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلْت عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَطَوُّعِهِ؟ فَقَالَتْ: «كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا؛ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؛ وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ، وَيَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ هُوَ الْحَوْضِيُّ - ثنا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ثنا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ: سَأَلْنَا عَلِيًّا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَوَصَفَ، قَالَ: «كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا ثِنْتَيْنِ، وَيُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا، يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمٍ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالنَّبِيِّينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ» . وَبِهِ إلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثنا حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ قَالَ: سَأَلْنَا عَلِيًّا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَصَفَ قَالَ: «كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ؛ يَجْعَلُ التَّسْلِيمَ فِي آخِرِ رَكْعَةٍ، وَبَعْدَهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَجْعَلُ التَّسْلِيمَ فِي آخِرِ رَكْعَةٍ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا تَعَارُضَ بَيْنَ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ مُبَاحٌ؛ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيِّ ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ هُوَ إسْمَاعِيلُ - عَنْ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ لِمَنْ شَاءَ» .
فصل في الركعتين قبل المغرب
قَالَ عَلِيٌّ: دَخَلَ فِي هَذَا الْعُمُومِ مَا بَيْنَ أَذَانِ الْعَتَمَةِ، وَإِقَامَتِهَا، وَمَا بَيْنَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ، وَإِقَامَتِهَا؛ وَمَا بَيْنَ أَذَانِ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَإِقَامَتِهَا. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا الضَّحَّاكُ يَعْنِي أَبَا عَاصِمٍ - ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ وَعَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ ابْنَيْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِمَا: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَقْدُمُ مِنْ سَفَرٍ إلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ثنا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ أَبِي حَيَّانِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ؛ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: يَا بِلَالُ؛ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ؟ فَإِنِّي سَمِعْتُ دُفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ قَالَ بِلَالٌ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، إلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطَّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ» . [فَصْلٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ] [مَسْأَلَة منع قَوْم مِنْ التَّطَوُّع بَعْد غروب الشَّمْس وَقَبْل صَلَاة الْمَغْرِب] فَصْلٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ 283 - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنَعَ قَوْمٌ مِنْ التَّطَوُّعِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّلْمَنْكِيَّ قَالَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُفَرِّجٍ ثنا الصَّمُوتُ ثنا الْبَزَّارُ ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ ثنا حَيَّانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ إلَّا الْمَغْرِبَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ انْفَرَدَ بِهَا حَيَّانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ - وَهُوَ مَجْهُولٌ - وَالصَّحِيحُ هُوَ مَا رَوَاهُ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ آنِفًا. وَذَكَرُوا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَهَا وَهَذَا لَا شَيْءَ؛ أَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ لَمْ يُدْرِكْ أَحَدًا مِمَّنْ ذَكَرْنَاهُ، وَلَا وُلِدَ إلَّا بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِسِنِينَ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - نَهُوا عَنْهُمَا، وَلَا أَنَّهُمْ كَرِهُوهُمَا، وَنَحْنُ لَا نُخَالِفُهُمْ فِي أَنَّ تَرْكَ جَمِيعِ التَّطَوُّعِ مُبَاحٌ، مَا لَمْ يَتْرُكْهُ الْمَرْءُ رَغْبَةً عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَذَا هُوَ الْهَالِكُ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ نَهْيُهُمْ عَنْهُمَا - وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَصِحَّ - لَمَا كَانَتْ فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ حُجَّةً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَلَى مَنْ صَلَّاهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَقَدْ خَالَفُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَجَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَمَعَهُمْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا عَجَبَ أَعْجَبُ مِنْ إقْدَامِهِمْ عَلَى مُخَالَفَةِ الصَّحَابَةِ إذَا اشْتَهُوا وَتَعْظِيمِهِمْ مُخَالَفَتِهِمَا إذَا اشْتَهُوا وَهَذَا تَلَاعُبٌ بِالدِّينِ لَا خَفَاءَ بِهِ نَعْنِي هَؤُلَاءِ الْمُقَلِّدِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَذَكَرُوا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَا رَأَيْت أَحَدًا يُصَلِّيهِمَا، وَهَذَا لَا شَيْءَ أَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ أَوْ شُعَيْبٍ، وَلَا نَدْرِي مَنْ هُوَ؟ وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي هَذَا لَوْ صَحَّ نَهْيٌ عَنْهُمَا، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ تَرْكَ التَّطَوُّعِ مَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ ثُمَّ لَوْ صَحَّ عَنْهُ النَّهْيُ عَنْهُمَا؛ وَهُوَ لَا يَصِحُّ أَبَدًا؛ بَلْ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ جَوَازُ صَلَاتِهِمَا؛ لَمَّا كَانَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ النَّادِبِينَ إلَيْهِمَا؛ وَمِنْ الْعَجَائِبِ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ حُجَّةَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ يَقْنُتْ أَحَدٌ مِنْهُمْ» إذْ لَمْ يُوَافِقْ تَقْلِيدَهُمْ، وَقَدْ صَحَّ هَذَا عَنْهُ ثُمَّ يَجْعَلُونَ مَا لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ، حُجَّةً إذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا. قَالَ عَلِيٌّ: وَالْحُجَّةُ فِيهَا هُوَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ هُوَ الْمُقْرِي - ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ثنا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ سَمِعْت مَرْثَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ هُوَ أَبُو الْخَيْرِ قَالَ: «أَتَيْت عُقْبَةَ بْنَ عَامِرِ الْجُهَنِيِّ فَقُلْت: أَلَا أُعْجِبُكَ مِنْ أَبِي تَمِيمٍ؛ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ
قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقَالَ عُقْبَةُ إنَّا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْت فَمَا يَمْنَعُك الْآنَ؟ قَالَ: الشُّغْلُ» . وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ غُنْدَرٍ ثنا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْت عَمْرَو بْنَ عَامِرِ الْأَنْصَارِيَّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «كَانَ الْمُؤَذِّنُ إذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ فُضَيْلٍ عَنْ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «كُنَّا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَسَأَلْت: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهِمَا؟ فَقَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا» . قَالَ عَلِيٌّ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُقِرُّ إلَّا عَلَى الْحَقِّ الْحَسَنِ، وَلَا يَرَى مَكْرُوهًا إلَّا كَرِهَهُ، وَلَا خَطَأً إلَّا نَهَى عَنْهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] . قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ بِهَذَا جُمْهُورُ النَّاسِ، وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ " كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ فَرَكَعُوا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ فَيَحْسَبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ لِكَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا " فَهَذَا عُمُومٌ لِلصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ؛ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يُصَلِّيَانِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأُبَيٍّ مِثْلَ ذَلِكَ، وَزَادَ: لَا يَدَعَانِهِمَا. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ
مسألة إعادة من صلى إذا وجد جماعة تصلي تلك الصلاة
عَنْ رَغْبَانَ مَوْلَى حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ: رَأَيْت أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَهُبُّونَ إلَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ كَمَا يَهُبُّونَ إلَى الْفَرِيضَةِ. وَرُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: مَا رَأَيْت فَقِيهًا يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ إلَّا سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ، يَعْنِي سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد الْوَرَّاقِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانِ بْنِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَنْ رَاشِدِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى خَمْسَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى فَكَانَ يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ إبْرَاهِيمَ: سَمِعْت الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ يَسْأَلُ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ؟ فَقَالَ: حَسَنَتَيْنِ جَمِيلَتَيْنِ؛ لِمَنْ أَرَادَ بِهِمَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُنَا. [مَسْأَلَةٌ إعَادَةُ مَنْ صَلَّى إذَا وَجَدَ جَمَاعَةً تُصَلِّي تِلْكَ الصَّلَاةَ] 284 - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا إعَادَةُ مَنْ صَلَّى إذَا وَجَدَ جَمَاعَةً تُصَلِّي تِلْكَ الصَّلَاةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ - مَكْرُوهٌ تَرْكُهُ - فِي كُلِّ صَلَاةٍ، سَوَاءٌ كَانَ صَلَّى مُنْفَرِدًا؛ لِعُذْرٍ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ، وَلْيُصَلِّهَا وَلَوْ مَرَّاتٍ كُلَّمَا وَجَدَ جَمَاعَةً تُصَلِّيهَا، وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: لَا يُصَلِّيهَا ثَانِيَةً أَصْلًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُصَلِّي ثَانِيَةً إلَّا الظُّهْرَ وَالْعَتَمَةَ فَقَطْ، سَوَاءٌ كَانَ صَلَّاهُمَا فِي جَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا، وَالْأُولَى هِيَ صَلَاتُهُ؛ حَاشَا صَلَاةَ الْجُمُعَةِ؛ فَإِنَّهُ إنْ صَلَّاهَا فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا أَجْزَأَتْهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَنْهَضَ إلَى الْجَامِعِ، فَإِنْ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ لَمْ يُسَلِّمْ بَعْدُ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ؛ فَحِينَ خُرُوجِهِ لِذَلِكَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ الَّتِي كَانَ صَلَّى فِي بَيْتِهِ، وَكَانَتْ الَّتِي تُصَلَّى مَعَ الْإِمَامِ فَرْضَهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ الَّتِي صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِخُرُوجِهِ إلَى الْجَامِعِ، لَكِنْ بِدُخُولِهِ مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ تَبْطُلُ الَّتِي صَلَّى فِي
مَنْزِلِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُعِيدُ مَنْ صَلَّى فِي مَنْزِلِهِ صَلَاةَ فَرْضٍ مَعَ الْجَمَاعَةِ إذَا وَجَدَهَا تُصَلِّي تِلْكَ الصَّلَاةَ جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ حَاشَا الْمَغْرِبَ فَلَا يُعِيدُهَا، قَالَ: وَالْأَمْرُ فِي أَيِّ الصَّلَاتَيْنِ فَرْضُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: فَإِنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ لَمْ يُعِدْ فِي أُخْرَى. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا مَنْ مَنَعَ مِنْ الْإِعَادَةِ جُمْلَةً فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: ثنا أَبُو كَامِلٍ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ثنا حُسَيْنٌ هُوَ الْمُعَلِّمُ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: أَتَيْت ابْنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلَاطِ وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَقُلْت: أَلَا تُصَلِّي مَعَهُمْ؟ قَالَ قَدْ صَلَّيْت، وَسَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ وَلَمْ نَقُلْ قَطُّ، وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا؛ إنَّهُ يُصَلِّي عَلَى نِيَّةِ أَنَّهَا الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى، فَيَجْعَلُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ظُهْرَيْنِ أَوْ عَصْرَيْنِ أَوْ صُبْحَيْنِ أَوْ مَغْرِبَيْنِ أَوْ عَتَمَتَيْنِ؛ هَذَا كُفْرٌ لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ؛ لِأَحَدٍ لَكِنَّهُ يُصَلِّي نَافِلَةً كَمَا نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِأَنَّ التَّطَوُّعَ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ لَا يَجُوزُ وَاحْتَجَّ بِالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَغَلَّبَهَا عَلَى أَحَادِيثِ الْأَمْرِ؛ وَغَلَّبْنَا نَحْنُ أَحَادِيثَ الْأَمْرِ، وَسَنَذْكُرُ الْبُرْهَانَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْعَمَلَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، بَعْدَ تَمَامِ كَلَامِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي الَّتِي بَعْدَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا فِي الْمَنْعِ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْجَمَاعَةِ الَّتِي تُصَلِّي الْمَغْرِبَ خَاصَّةً بِأَنْ قَالُوا: إنَّ الْمَغْرِبَ وِتْرُ النَّهَارِ، فَلَوْ صَلَّاهَا ثَانِيَةً لَشَفَعَهَا، فَبَطَلَ كَوْنُهَا وِتْرًا. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا نَافِلَةٌ وَالْأُخْرَى فَرِيضَةٌ، بِإِجْمَاعٍ مِنَّا وَمِنْهُمْ وَالنَّافِلَةُ لَا تَشْفَعُ الْفَرِيضَةَ، بِإِجْمَاعٍ مِنَّا وَمِنْهُمْ. وَقَالُوا: لَا تَطَوُّعَ بِثَلَاثٍ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي وَجَبَتْ طَاعَتُهُ فِي إخْبَارِهِ بِأَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى، هُوَ الَّذِي أَمَرَ مَنْ صَلَّى وَوَجَدَ جَمَاعَةً تُصَلِّي أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُمْ وَلَمْ يَخُصَّ صَلَاةً بَعْدَ صَلَاةٍ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يُتَنَفَّلَ فِي الْوِتْرِ بِوَاحِدَةٍ أَوْ بِثَلَاثٍ، وَالْعَجَبُ مِنْ
احْتِجَاجِهِمْ بِهَذَا الْخَبَرِ، وَنَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الْوَقْتِ فَقَالُوا: يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْعَتَمَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ؛ فَأَجَازُوا لَهُ التَّطَوُّعَ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لَا يُسَلِّمُ بَيْنَهَا؛ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَثْنَى مَثْنَى، وَهَذَا تَنَاقُضٌ مِنْهُمْ. وَالْحَقُّ فِي هَذَا هُوَ أَنَّ جَمِيعَ أَوَامِرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَقٌّ لَا يُضْرَبُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، بَلْ يُؤْخَذُ بِجَمِيعِهَا كَمَا هِيَ. وَقَالُوا: إنَّ وَقْتَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ضَيِّقٌ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّتِي وَجَدَهَا تُصَلِّي، لَا شَكَّ فِي أَنَّهَا تُصَلِّي فِي وَقْتِ تِلْكَ الصَّلَاةِ بِلَا خِلَافٍ، فَمَا ضَاقَ وَقْتُهَا بَعْدُ، فَبَطَلَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ فِي تَخْصِيصِ الْمَغْرِبِ هُمْ وَالْحَنَفِيُّونَ مَعًا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْمَالِكِيِّينَ بِأَنْ يُصَلِّيَ مَنْ صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا فَخَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِتَخْصِيصِ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا رَأْيٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَضْلًا لِمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا فَإِنَّهَا أَفْضَلُ لِمَنْ يُصَلِّي فِي جَمَاعَةٍ، وَلَا فَرْقَ، وَفَضْلُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ قَائِمٌ فِي كُلِّ جَمَاعَةٍ يَجِدُهَا، وَلَا فَرْقَ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ لَا يَدْرِي أَيُّهُمَا صَلَاتُهُ فَخَطَأٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْجَمَاعَةِ الَّتِي وَجَدَهَا تُصَلِّي - غَيْرُ رَاغِبٍ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، فَإِذْ لَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ، وَلَا بُدَّ؛ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهَا نَافِلَةٌ إنْ صَلَّاهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ صِفَةُ النَّافِلَةِ؛ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إنْ شَاءَ صَلَّاهَا، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُصَلِّهَا. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو إذَا صَلَّى مَعَ الْجَمَاعَةِ وَقَدْ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ قَبْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَوَى صَلَاتَهُ إيَّاهَا أَنَّهُ فَرْضُهُ، وَنَوَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي الَّتِي صَلَّى فِي مَنْزِلِهِ، فَإِنْ كَانَ فَعَلَ هَذَا، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَرَقَ الْإِجْمَاعَ؛ فِي أَنْ صَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ؛ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَرْضُهُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، أَوْ يَكُونَ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي كِلْتَيْهِمَا؛ فَهَذَا لَمْ يُصَلِّ أَصْلًا. وَلَا تَجْزِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَهُوَ عَابِثٌ عَاصٍ؛ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ يَكُونَ نَوَى فِي الْأُولَى أَنَّهَا فَرْضُهُ وَفِي الثَّانِيَةِ أَنَّهَا نَافِلَةٌ أَوْ فِي الْأُولَى أَنَّهَا نَافِلَةٌ وَفِي الثَّانِيَةِ أَنَّهَا فَرْضُهُ، فَهُوَ كَمَا نَوَى، وَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ هَذَا أَصْلًا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: الثَّانِيَةُ هِيَ فَرْضُهُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَالْحَقُّ فِي هَذَا: أَنَّهُ إنْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجَمَاعَةِ فَصَلَّى وَحْدُهُ، أَوْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ، فَالْأُولَى فَرْضُهُ بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي
أَدَّى عَلَى أَنَّهَا فَرْضُهُ، وَنَوَى ذَلِكَ فِيهَا. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا؛ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا عُذْرَ لَهُ فِي التَّأَخُّرِ عَنْ الْجَمَاعَةِ؛ فَالْأُولَى إنْ صَلَّاهَا وَحْدَهُ بَاطِلٌ: وَالثَّانِيَةُ فَرْضُهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ، وَلَا بُدَّ عَلَى مَا نَذْكُرُ فِي وُجُوبِ فَرْضِ الْجَمَاعَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْجُمُعَةُ وَغَيْرُهَا فِي كُلِّ ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ فِي مَنْزِلِهِ؛ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَبَاطِلٌ لِوُجُوهٍ: أَوَّلُهَا: تَفْرِيقُهُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا بِلَا بُرْهَانٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا فَقَدْ أَخْطَأَ فِي قَوْلِهِ: إنَّهَا تُجْزِئُهُ إذَا صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا؛ لِغَيْرِ عُذْرٍ فِي مَنْزِلِهِ. وَالثَّالِثُ: إبْطَالُهُ تِلْكَ الصَّلَاةَ بَعْدَ أَنْ جَوَّزَهَا: إمَّا بِخُرُوجِهِ إلَى الْجَامِعِ، وَإِمَّا بِدُخُولِهِ مَعَ الْإِمَامِ، وَكُلُّ ذَلِكَ آرَاءٌ فَاسِدَةٌ مَدْخُولَةٌ، وَقَوْلٌ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِذْ قَدْ بَطَلَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلُّهَا فَلْنَذْكُرْ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيِّ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيِّ قَالَا: ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَكَيْفَ أَنْتَ إذَا كَانَتْ عَلَيْك أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا فِيهِمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا إسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَاءِ قَالَ: أَخَّرَ ابْنُ زِيَادٍ الصَّلَاةَ، فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ فَذَكَرْت لَهُ صَنِيعَ ابْنِ زِيَادٍ فَقَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ «إنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَأَلْتَنِي فَضَرَبَ فَخِذِي وَقَالَ: صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ فَصَلِّ وَلَا تَقُلْ إنِّي قَدْ صَلَّيْتُ فَلَا أُصَلِّي» . فَهَذَا عُمُومٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَلِمَنْ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِالدَّعْوَى بِلَا دَلِيلٍ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَخَذَ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ كَمَا رُوِّينَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ؛ وَكَمَا
رُوِّينَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ وَالنُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ اتَّعَدَا مَوْعِدًا فَجَاءَ أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ وَقَدْ صَلَّى، فَصَلَّى الْفَجْرَ مَعَ صَاحِبِهِ. وَبِهِ إلَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَحُمَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَصَلَّى بِنَا الْفَجْرَ فِي الْمِرْبَدِ، ثُمَّ جِئْنَا إلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فَإِذَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ مُخْتَلِطُونَ، فَصَلَّيْنَا مَعَهُمْ. فَهَذَا فِعْلُ الصَّحَابَةِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ بِخِلَافِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ وَبَعْدَ أَنْ صَلَّوْا جَمَاعَةً بِخِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ يَخُصُّ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ دُونَ غَيْرِهِ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرِ الْعَبْسِيِّ: خَرَجْت مَعَ حُذَيْفَةَ فَمَرَّ بِمَسْجِدٍ فَصَلَّى مَعَهُمْ الظُّهْرَ وَقَدْ كَانَ صَلَّى؛ ثُمَّ مَرَّ بِمَسْجِدٍ فَصَلَّى مَعَهُمْ الْعَصْرَ وَقَدْ كَانَ صَلَّى، ثُمَّ مَرَّ بِمَسْجِدٍ فَصَلَّى مَعَهُمْ الْمَغْرِبَ وَشَفَعَ بِرَكْعَةٍ وَكَانَ قَدْ صَلَّى، وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يُعِيدُ الْعَصْرَ إذَا جَاءَ الْجَمَاعَةَ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: صَلِّ مَعَ الْقَوْمِ فَإِنَّ صَلَاتَك مَعَهُمْ تَفْضُلُ صَلَاتَك وَحْدَك بِضْعًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً. وَعَنْ سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ: لَا بَأْسَ أَنْ تُعَادَ الصَّلَاةُ كُلُّهَا. وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: إذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ فِي الْبَيْتِ ثُمَّ أَدْرَكْتُهَا مَعَ النَّاسِ فَإِنِّي أَجْعَلُ الَّتِي صَلَّيْتُهَا فِي بَيْتِي نَافِلَةً، وَأَجْعَلُ الَّتِي صَلَّيْت مَعَ النَّاسِ الْمَكْتُوبَةَ وَلَوْ لَمْ أُدْرِكْ إلَّا رَكْعَةً وَاحِدَةً مِنْهَا. قَالَ: وَسُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ الْمَغْرِبِ يُصَلِّيهَا الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ يَجِدُ النَّاسَ فِيهَا؟ قَالَ: أَشْفَعُ الَّتِي صَلَّيْت فِي بَيْتِي بِرَكْعَةٍ ثُمَّ أُسَلِّمُ ثُمَّ أَلْحَقُ بِالنَّاسِ، فَأَجْعَلُ الَّتِي هُمْ فِيهَا الْمَكْتُوبَةَ. وَرُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَسَّانٍ عَنْ وَبَرَةَ قَالَ: صَلَّيْت أَنَا وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ جِئْنَا إلَى النَّاسِ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَدَخَلْنَا مَعَهُمْ فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ إبْرَاهِيمُ فَشَفَعَ بِرَكْعَةٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَشْفَعْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ لَمْ يَأْتِ نَهْيٌ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ.
مسألة الركعتان بعد العصر
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ عَنْ أَبِي الضُّحَى أَنَّ مَسْرُوقًا صَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ مَعَهُمْ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ شَفَعَ الْمَغْرِبَ بِرَكْعَةٍ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ قَالَ: تُعَادُ الصَّلَاةُ إلَّا الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ؛ وَلَكِنْ إذَا أَذَّنَ فِي الْمَسْجِدِ فَالْفِرَارُ أَقْبَحُ مِنْ الصَّلَاةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ ذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: إنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ فِي أَهْلِكَ ثُمَّ أَدْرَكْت الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْإِمَامِ فَصَلِّ مَعَهُ؛ غَيْرَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ، فَإِنَّهُمَا لَا يُصَلَّيَانِ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ خَالَفُوهُ فَخَالَفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي زِيَادَتِهِ الْعَصْرَ فِيمَا لَا يُعَادُ؛ وَخَالَفَهُ مَالِكٌ فِي إعَادَةِ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَمَنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْحَقِّ وَالْحُجَّةِ، فَقَدْ كَفَى خَصْمَهُ مُؤْنَتَهُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ] 285 - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ: فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا نَهَيَا عَنْهُمَا؟ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ فَاتَتْهُ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ [أَوْ بَعْدَهُ] فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ؛ فَإِنْ صَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ فَلَهُ أَنْ يُثْبِتَهُمَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَا يَدَعُهُمَا أَبَدًا وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا أُصَلِّيهِمَا، وَلَا أُنْكِرُ عَلَى مَنْ صَلَّاهُمَا، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: هُمَا مُسْتَحْسَنَتَانِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا قُتَيْبَةُ عَنْ إسْمَاعِيلِ بْنِ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ أَنَا «أَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ، ثُمَّ إنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا أَوْ نَسِيَهُمَا فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا» .
قَالَ عَلِيٌّ: بِهَذَا تَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ -، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ: إنَّهُمَا لَا تَجُوزَانِ إلَّا لِمَنْ نَسِيَهُمَا أَوْ شُغِلَ عَنْهُمَا، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُمَا حِينَئِذٍ جَائِزَةً حَسَنَةً مَا أَثْبَتَهُمَا فِي وَقْتٍ لَا تَجُوزَانِ فِيهِ. ؟ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ - فَاحْتُجَّ لَهُمَا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ثنا عَمِّي - هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - ثنا أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ - يَعْنِي رَكْعَتَيْنِ - وَيَنْهَى عَنْهَا وَيُوَاصِلُ وَيَنْهَى عَنْ الْوِصَالِ» ؟ وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ: ثنا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «إنَّمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّهُ جَاءَهُ مَالٌ فَقَسَّمَهُ شَغَلَهُ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ، بَعْدَ الظُّهْرِ، فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَلَمْ يَعُدْ لَهُمَا» ؟ وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَيْمَنَ: ثنا قَاسِمُ بْنُ يُونُسَ ثنا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ ثنا اللَّيْثُ ثنا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابِيٍّ مَوْلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
أَنَّ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حَجَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَسَأَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ اللَّتَيْنِ صَلَّاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَخْبَرَتْنِيهِ عَائِشَةُ؛ فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ إلَى عَائِشَةَ: هَلْ صَلَّاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[عِنْدَك] ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ أَخْبَرَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّهُ صَلَّاهُمَا عِنْدَهَا؟ فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ الْمِسْوَرَ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا فَقَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْعَصْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُكَ الْيَوْمَ صَلَّيْتَ صَلَاةً مَا رَأَيْتُكَ تُصَلِّيهَا؟ فَقَالَ: شَغَلَنِي خَصْمٌ فَكَانَتْ رَكْعَتَيْنِ وَكُنْتُ أُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُصَلِّيَهُمَا الْآنَ؟ قَالَتْ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَا بَعْدَهُ» .
وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ: ثنا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ - ثنا أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ رَكْعَتَيْنِ إلَّا الْعَصْرَ وَالصُّبْحَ» . وَبِمَا رَوَاهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ بَيْتِي فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ؟ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّيْتَ صَلَاةً لَمْ تُصَلِّهَا؟ قَالَ: قَدِمَ عَلَيَّ مَالٌ فَشَغَلَنِي عَنْ رَكْعَتَيْنِ كُنْتُ أَرْكَعُهُمَا بَعْدَ الظُّهْرِ فَصَلَّيْتُهُمَا الْآنَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَنَقْضِيهِمَا إذَا فَاتَتَا؟ قَالَ: لَا» . وَبِمَا رَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَرْسَلَ إلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ
السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ؟ فَقَالَتْ: لَيْسَ عِنْدِي صَلَّاهُمَا لَكِنْ أُمُّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْنِي أَنَّهُ صَلَّاهُمَا عِنْدَهَا؟ فَأَرْسَلَ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ؟ فَقَالَتْ: «صَلَّاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدِي، لَمْ أَرَهُ صَلَّاهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ؟ قَالَ: هُمَا سَجْدَتَانِ كُنْتُ أُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ فَقَدِمَ عَلَيَّ قَلَائِصُ مِنْ الصَّدَقَةِ فَنَسِيتُهُمَا حَتَّى صَلَّيْتُ الْعَصْرَ؛ ثُمَّ ذَكَرْتُهُمَا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُصَلِّيَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ يَرَوْنِي فَصَلَّيْتُهُمَا عِنْدَكِ» ؟ وَذَكَرُوا الْأَخْبَارَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ؛ وَسَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - وَبِهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ -: أَمَّا حَدِيثُ ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَةَ؛ فَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْهُمَا، وَإِنَّمَا فِيهِ نَهْيٌ عَنْهَا يَعْنِي عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ جُمْلَةً، وَهَذَا صَحِيحٌ، وَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْوَاجِبُ اسْتِعْمَالُ فِعْلِهِ وَنَهْيِهِ؛ فَنَنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَنُصَلِّي مَا صَلَّى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَنَخُصُّ الْأَقَلَّ مِنْ الْأَكْثَرِ، وَنَسْتَعْمِلُهُمَا جَمِيعًا، وَلَا نَخَافُ وَاحِدًا مِنْهُمَا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ تَرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَنَهَى عَنْهُمَا مِنْ أَجْلِ نَهْيِهِ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ -: وَبَيْنَ مَنْ تَرَكَ نَهْيَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ أَجْلِ صَلَاتِهِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ. وَلَوْ قَالَتْ: وَكَانَ يَنْهَى عَنْهُمَا؛ لَكَانَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَهُ خَاصَّةً؛ وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ بِالْكَذِبِ، وَلَا الزِّيَادَةِ فِي الرِّوَايَةِ؛ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ - فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ جُمْلَةً. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمَعْلُولٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أَوَّلُهَا: - أَنَّ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ إلَّا بَعْدَ اخْتِلَاطِ عَطَاءٍ، وَتَفَلُّتِ عَقْلِهِ، هَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَثَانِيهَا: - أَنَّهُ لَوْ صَحَّ وَسَمِعْنَا نَحْنُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ ذَلِكَ -: لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَخْبَرَ بِمَا عَرَفَ، وَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ بِمَا كَانَ عِنْدَهَا، مِمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَدَعْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى أَنْ مَاتَ» ؟ فَهَذَا الْعِلْمُ الزَّائِدُ الَّذِي لَا يَحِلُّ تَرْكُهُ، وَمَنْ أَيْقَنَ وَقَالَ: عَلِمْت أَوْلَى مِمَّنْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ؟ وَثَالِثُهَا - أَنَّهُ حَتَّى لَوْ صَحَّ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ - لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشَّيْءَ مَرَّةً وَاحِدَةً حُجَّةٌ بَاقِيَةٌ؛ وَحَقٌّ ثَابِتٌ أَبَدًا، مَا لَمْ يَنْهَ عَمَّا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ وَمَنْ قَالَ: لَا يَكُونُ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشَّيْءَ حَقًّا إلَّا حَتَّى يُكَرِّرَ فِعْلَهُ فَهُوَ كَافِرٌ مُشْرِكٌ وَسَخِيفٌ [مَعَ ذَلِكَ] ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا فُعِلَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَلْفَ مَرَّةٍ، وَلَا فَرْقَ؛ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ، وَلَا ذُو عَقْلٍ؟ وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الصَّاحِبَ إذَا رَوَى خَبَرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ خَالَفَهُ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عِنْدَهُمْ عَلَى وَهْنِ الْخَبَرِ؛ وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الصَّلَاةُ بَعْدَ الْعَصْرِ كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا فَهَلَّا عَلَّلُوا هَذَا الْخَبَرَ بِمُخَالَفَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِمَا رَوَى فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ لَا مَئُونَةَ عَلَيْهِمْ مِنْ التَّنَاقُضِ - فَسَقَطَ هَذَا الْخَبَرُ جُمْلَةً، - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟
وَأَمَّا خَبَرُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِوُجُوهٍ: أَوَّلُهَا - ضَعْفُ سَنَدِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَفِيهِ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ سَمَاعًا مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَلَا مِنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَالثَّانِي: - أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ صَلَاتِهِمَا وَالثَّالِثُ: - أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً لَنَا؛ لِأَنَّ فِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ» وَلَوْ كَانَتَا لَا تَجُوزَانِ، أَوْ مَكْرُوهَتَيْنِ مَا فَعَلَهُمَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَفِعْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَقٌّ وَهُدًى، سَوَاءٌ فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ أَلْفَ مَرَّةٍ؛ وَمَنْ قَالَ: إنَّ فِعْلَهُ ضَلَالٌ؛ فَهُوَ كَافِرٌ؟ . وَالرَّابِعُ: - أَنَّهُ قَدْ صَحَّ خِلَافُ هَذَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْخَامِسُ: - أَنَّهُ مَوْضُوعٌ بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّ فِيهِ إنْكَارَ عَائِشَةَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّاهُمَا عِنْدَهَا، وَنَقْلُ التَّوَاتُرِ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ: أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُصَلِّيهِمَا عِنْدَهَا؛ مِثْلُ: عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَسْرُوقٍ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وَطَاوُسٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَيْمَنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهَذَا الْقَوْلُ سَوَاءٌ سَوَاءٌ أَيْضًا - فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا مَجْهُولٌ - وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا: أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ
وَهُوَ خَبَرٌ مَوْضُوعٌ لَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ كَذِبًا ظَاهِرًا لَا شَكَّ فِيهِ؟ وَهُوَ مَا نُسِبَ إلَى عَائِشَةَ مِنْ قَوْلِهَا " لَيْسَ عِنْدِي صَلَّاهُمَا " وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ رَوَى تَكْذِيبَ هَذَا آنِفًا. وَلِأَنَّ فِيهِ أَيْضًا لَفْظًا لَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَقُولَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ وَهُوَ «فَكَرِهْت أَنْ أُصَلِّيَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيَّ فَصَلَّيْتُهُمَا عِنْدَكِ» . إذْ لَا يَخْلُو فِعْلُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا أَوْ حَرَامًا؛ أَوْ مُبَاحًا حَسَنًا؟ فَإِنْ كَانَ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا؛ فَمَنْ نَسَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّسَتُّرَ لِمُحَرَّمَاتٍ فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِتَفْسِيقِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ أُمِرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88] . وَمِنْ الْمُحَالِ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَتَعَنَّى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِتَكَلُّفِ صَلَاةٍ مَكْرُوهَةٍ لَا أَجْرَ فِيهَا؟ فَهَذَا هُوَ التَّكَلُّفُ الَّذِي أَمَرَهُ تَعَالَى أَنْ يَقُولَ فِيهِ: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86] وَحَاشَا لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَاصِدًا إلَى فِعْلِهِ - إلَّا مَا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى وَيُنْسِيهِ تَعَالَى الشَّيْءَ [لَيْسَ] لَنَا فِيهِ مَا يُقَرِّبُنَا مِنْ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ؟ ، وَلَا مَزِيدَ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا إخْبَارُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِمَا عَلِمَ؛ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهُمَا، وَهُوَ الصَّادِقُ فِي قَوْلِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا نَهْيٌ عَنْهُمَا، وَلَا كَرَاهَةٌ لَهُمَا؛ [وَمَا] صَامَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَطُّ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ؛ وَلَيْسَ هَذَا بِمُوجِبٍ كَرَاهِيَةَ صَوْمِ [شَهْرٍ كَامِلٍ تَطَوُّعًا] . ثُمَّ قَدْ رَوَى غَيْرُ عَلِيٍّ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّاهُمَا - فَكُلٌّ أَخْبَرَ بِعِلْمِهِ، وَكُلُّهُمْ صَادِقٌ
ثُمَّ قَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ خِلَافُ ذَلِكَ؛ كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الصَّاحِبَ إذَا رَوَى حَدِيثًا وَخَالَفَهُ فَهَذَا دَلِيلٌ عِنْدَهُمْ عَلَى سُقُوطِ ذَلِكَ الْخَبَرِ؛ فَهَلَّا قَالُوا هَذَا هَهُنَا؟ ، وَأَمَّا حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ؟ فَحَدِيثٌ مُنْكَرٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ فِي كُتُبِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ ذَكْوَانُ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ أَبَا الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي بَيْتِهَا رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقُلْت: مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ؟ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ، وَجَاءَنِي مَالٌ فَشَغَلَنِي فَصَلَّيْتُهُمَا الْآنَ» . فَهَذِهِ هِيَ الرِّوَايَةُ الْمُتَّصِلَةُ: وَلَيْسَ فِيهَا «أَفَنَقْضِيهِمَا نَحْنُ؟ قَالَ: لَا» فَصَحَّ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ يَسْمَعْهَا ذَكْوَانُ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَلَا نَدْرِي عَمَّنْ أَخَذَهَا؟ فَسَقَطَتْ. ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهَا حُجَّةٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا نَهْيٌ عَنْ صَلَاتِهِمَا [أَصْلًا] ، وَإِنَّمَا فِيهَا: النَّهْيُ عَنْ قَضَائِهِمَا فَقَطْ، فَلَا يَحِلُّ تَوْثِيبُ كَلَامِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
إلَى مَا لَمْ يَقُلْهُ تَلْبِيسًا مِنْ فَاعِلِ ذَلِكَ فِي الدِّينِ - فَسَقَطَ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَأَمَّا أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ؛ فَسَنَذْكُرُهَا - إنْ شَاءَ اللَّهَ تَعَالَى - إثْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا؛ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ؟ وَأَمَّا تَعَلُّقُ الشَّافِعِيِّ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كَانَ إذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا» فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا مَنْ لَمْ يَنْسَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ؛ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا [الْإِبَاحَةُ؛ لِلصَّلَاةِ] حِينَئِذٍ؛ إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ جَائِزَةً لَمَا صَلَّاهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، قَاضِيًا، وَلَا مُثْبِتًا، وَفِي إثْبَاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إيَّاهَا أَصَحُّ بَيَانٍ بِأَنَّهَا حِينَئِذٍ جَائِزَةٌ حَسَنَةٌ؛ وَلَمْ يَقُلْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إنَّهُ لَا يُصَلِّيهِمَا إلَّا مَنْ نَسِيَهُمَا - فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُ بِهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَإِذْ سَقَطَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ فَلْنَذْكُرْ - إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - الْآثَارَ الْوَارِدَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ؛ قَالَ زُهَيْرٌ: ثنا جَرِيرٌ، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: ثنا أَبِي، ثُمَّ اتَّفَقَا جَمِيعًا: عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ أَنَا عَلِيُّ بْنُ مِسْهَرٍ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «صَلَاتَانِ مَا تَرَكَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِي قَطُّ سِرًّا، وَلَا عَلَانِيَةً: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ» .
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ ثنا حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعَ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «لَمْ يَدَعْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو نُعَيْمٍ هُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ - ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «وَاَلَّذِي ذَهَبَ بِهِ تَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى - تَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ - قَالَتْ: وَمَا لَقِيَ اللَّهَ حَتَّى ثَقُلَ عَنْ الصَّلَاةِ» فَهَذَا غَايَةُ التَّأْكِيدِ فِيهِمَا. وَقَدْ رَوَتْهُمَا أَيْضًا أُمُّ سَلَمَةَ وَمَيْمُونَةُ أَمَّا الْمُؤْمِنِينَ وَتَمِيمٌ الدَّارِيِّ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَزَيْدُ بْنُ خَالِدِ الْجُهَنِيُّ، وَغَيْرُهُمْ - فَصَارَ نَقْلَ تَوَاتُرٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ الْقَاضِي ثنا أَبُو مَعْمَرٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ - ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدِ التَّنُّورِيُّ ثنا حَنْظَلَةُ هُوَ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ: قَالَ: صَلَّى بِنَا مُعَاوِيَةُ الْعَصْرَ فَرَأَى نَاسًا يُصَلُّونَ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ؟ فَقَالُوا: هَذِهِ فُتْيَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؟ فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَعَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا هَذِهِ الْفُتْيَا الَّتِي تُفْتِي: أَنْ يُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ؟
فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: حَدَّثَتْنِي زَوْجُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ» . فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ إلَى عَائِشَةَ؟ فَقَالَتْ: هَذَا حَدِيثُ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ؟ فَأَرْسَلَ إلَى مَيْمُونَةَ رَسُولَيْنِ؟ فَقَالَتْ: إنَّمَا حَدَّثْت «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُجَهِّزُ جَيْشًا فَحَبَسُوهُ حَتَّى أَرْهَقَ الْعَصْرُ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى مَا كَانَ يُصَلِّي قَبْلَهَا؟ قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَلَّى صَلَاةً أَوْ فَعَلَ شَيْئًا -: يُحِبُّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهِ» . فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: أَلَيْسَ قَدْ صَلَّى؟ وَاَللَّهِ لَأُصَلِّيَنَّهُ قَالَ عَلِيٌّ: ظَهَرَتْ حُجَّةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَلَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ الِاعْتِرَاضُ قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالُوا: قَدْ كَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَابْنُ عَبَّاسٍ مَعَهُ؟ قُلْنَا: لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا فِي عُمَرَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ؛ بَلْ هُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْحُجَّةُ عَلَى عُمَرَ وَغَيْرِهِ - وَقَدْ خَالَفَ عُمَرُ فِي ذَلِكَ طَوَائِفَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إبَاحَةُ الرُّكُوعِ وَالتَّطَوُّعِ؛ وَالْوَجْهُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ ضَرَبَ عُمَرُ عَلَيْهَا - فَقَدْ خَالَفُوا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ذَلِكَ؟ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُفَرِّجٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ ثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ بْنِ بَادِي الْعَلَّافِ ثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ يَتِيمِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ «أَخْبَرَنِي تَمِيمٌ الدَّارِيِّ، أَوْ أُخْبِرْتُ أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَأَتَاهُ عُمَرُ فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، فَأَشَارَ إلَيْهِ تَمِيمٌ: أَنْ اجْلِسْ؟ فَجَلَسَ عُمَرُ حَتَّى فَرَغَ تَمِيمٌ، فَقَالَ لِعُمَرَ: لِمَ ضَرَبْتَنِي؟
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لِأَنَّكَ رَكَعْتَ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَدْ نَهَيْتُ عَنْهُمَا؟ قَالَ لَهُ تَمِيمٌ إنِّي صَلَّيْتُهُمَا مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ: رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إنِّي لَيْسَ بِي إيَّاكُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ؟ وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَكُمْ قَوْمٌ يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إلَى الْمَغْرِبِ، حَتَّى يَمُرُّونَ بِالسَّاعَةِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلَّى فِيهَا كَمَا صَلَّوْا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؛ ثُمَّ يَقُولُونَ: قَدْ رَأَيْنَا فُلَانًا وَفُلَانًا يُصَلُّونَ بَعْدَ الْعَصْرِ» . حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ سَمِعْت أَبَا سَعِيدٍ الْأَعْمَى يُحَدِّثُ عَنْ السَّائِبِ مَوْلَى الْفَارِسِيِّينَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ «أَنَّ عُمَرَ رَآهُ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ - وَعُمَرُ خَلِيفَةٌ - فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ وَهُوَ يُصَلِّي كَمَا هُوَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُ زَيْدٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَوَاَللَّهِ لَا أَدَعُهُمَا أَبَدًا بَعْدَ إذْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهِمَا؛» فَجَلَسَ إلَيْهِ عُمَرُ، وَقَالَ: يَا زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ، لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّخِذَهُمَا النَّاسُ سُلَّمًا إلَى الصَّلَاةِ حَتَّى اللَّيْلِ لَمْ أَضْرِبْ فِيهِمَا " فَهَذَا نَصٌّ جَلِيٌّ ثَابِتٌ عَنْ عُمَرَ بِإِجَازَتِهِ التَّطَوُّعَ بَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَتُقَارِبَ الْغُرُوبَ؟ وَرُوِّينَا بِالْإِسْنَادِ الثَّابِتِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضُّبَعِيِّ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَضْرِبُ النَّاسَ عَلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ؟ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَلِّ إنْ شِئْت مَا بَيْنَك وَبَيْنَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ؟ .
قَالَ عَلِيٌّ: هُمْ يَقُولُونَ فِي الصَّاحِبِ يَرْوِي الْحَدِيثَ ثُمَّ يُخَالِفُهُ: لَوْلَا أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِنَسْخِهِ مَا خَالَفَهُ؟ فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا هَهُنَا: لَوْلَا أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ عِلْمٌ أَثْبَتَ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ مَا خَالَفَ مَا كَانَ عَلَيْهِ [مَعَ] عُمَرُ. وَبِمِثْلِهِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ عَنْ طَاوُسٍ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ: فَرَخَّصَ فِيهِمَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: هَلَّا قَالُوا: إنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ؛ لِيُخَالِفَ أَبَاهُ، لَوْلَا فَضْلُ عِلْمٍ كَانَ عِنْدَهُ بِأَثْبَتِ مِنْ فِعْلِ أَبِيهِ؟ وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتَا تَرْكَعَانِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ. وَرُوِّينَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ حَمَّادٌ: عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَهِيَ قَائِمَةٌ: وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تُصَلِّي أَرْبَعًا وَهِيَ قَاعِدَةٌ، فَسُئِلَتْ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ عَنْ عَائِشَةَ: إنَّهَا شَابَّةٌ وَأَنَا عَجُوزٌ فَأُصَلِّي أَرْبَعًا بَدَلَ رَكْعَتَيْهَا. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا يُبْطِلُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَقْضِيهَا نَحْنُ؟ قَالَ: لَا» . وَقَالَ هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ: كَانَ الزُّبَيْرُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يُصَلِّيَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ
الْعَصْرَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَكَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَكُنَّا نُصَلِّيهِمَا مَعَهُ، نَقُومُ صَفًّا خَلْفَهُ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَبَّحَ الْمُنْكَدِرُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَضَرَبَهُ عُمَرُ قَالَ عَلِيٌّ: الْمُنْكَدِرُ وَالسَّائِبُ صَاحِبَانِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ خِلَافَةِ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ؛ فَلَمَّا اُسْتُخْلِفَ عُمَرُ تَرَكَهُمَا: فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ رَكَعَهُمَا؛ فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: إنَّ عُمَرَ كَانَ يَضْرِبُ النَّاسَ عَلَيْهِمَا قَالَ عَلِيٌّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَا يُجِيزَانِ الرُّكُوعَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ثنا شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ جَمِيعًا قَالَا: ثنا أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ فِي سَفَرٍ فَصَلَّى الْعَصْرَ؛ ثُمَّ دَخَلَ فُسْطَاطَهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ؟ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ: سَأَلْت أَبَا جُحَيْفَةَ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ؟ فَقَالَ: إنْ لَمْ يَنْفَعَاك لَمْ يَضُرَّاك وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْقَطَّانِ عَنْ شُعْبَةَ ثنا يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إلَى عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ يَنْهَاهُ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ؛ فَقَالَ
أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَتْرُكُهُمَا؛ فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَنْحَضِجَ فَلْيَنْحَضِجْ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ثنا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ: خَرَجْت مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إلَى أَرْضِهِ بِبَذَّ سِيرِينَ، وَهِيَ خَمْسَةُ فَرَاسِخَ فَحَضَرْت صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَأَمَّنَا قَاعِدًا عَلَى بِسَاطٍ فِي السَّفِينَةِ، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي مُعَاوِيَةَ الذُّهَنِيِّ عَنْ أَبِي شُعْبَةَ التَّمِيمِيِّ قَالَ: رَأَيْت الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَطُوفُ بَعْدَ الْعَصْرِ وَيُصَلِّي؟ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ بِلَالٍ مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَمْ يَنْهَ عَنْ الصَّلَاةِ إلَّا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ» وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ
فِي حَدِيثٍ: «سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ كَثِيرٌ خُطَبَاؤُهُ، قَلِيلٌ عُلَمَاؤُهُ، يُطِيلُونَ الْخُطْبَةَ وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا شَرَقُ الْمَوْتَى قُلْت: وَمَا شَرَقُ الْمَوْتَى؟ قَالَ: إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ جِدًّا فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيُصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ احْتَبَسَ فَلْيُصَلِّ مَعَهُمْ، وَلْيَجْعَلْ صَلَاتَهُ وَحْدَهُ الْفَرِيضَةَ، وَصَلَاتَهُ مَعَهُمْ تَطَوُّعًا» . قَالَ عَلِيٌّ: فَهَؤُلَاءِ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَمَيْمُونَةُ: أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَمَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَتَمِيمٌ الدَّارِيِّ، وَالْمُنْكَدِرُ، وَزَيْدُ بْنُ خَالِدِ الْجُهَنِيُّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو جُحَيْفَةَ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، [وَأَنَسٌ] وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَبِلَالٌ، وَطَارِقُ بْنُ شِهَابٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِمْ، فَمَنْ بَقِيَ؟ ؟ وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُتَعَلِّقًا بِأَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إلَّا رِوَايَةً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، جَعَلَهَا خَاصَّةً؛ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَإِذَا قَالَ صَاحِبٌ: هِيَ خَاصَّةٌ، وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: هِيَ عَامَّةٌ، فَالسَّيْرُ عَلَى الْعُمُومِ حَتَّى يَأْتِيَ نَصٌّ صَحِيحٌ بِأَنَّهَا خُصُوصٌ، وَلَا سَبِيلَ إلَى وُجُودِهِ، وَأُخْرَى عَنْ
مُعَاوِيَةَ، لَيْسَ فِيهَا نَهْيٌ عَنْهُمَا، بَلْ فِيهَا: إنَّ النَّاسَ كَانُوا يُصَلُّونَهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأُخْرَى مُرْسَلَةٌ لَا تَصِحُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لَيْسَ فِيهَا أَيْضًا إلَّا: وَأَنَا أَكْرَهُ مَا كَرِهَ عُمَرُ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: إبَاحَةُ ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ: الْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ جُمْلَةً مِنْ حِينِ صُفْرَةِ الشَّمْسِ. وَالْحَنَفِيُّونَ وَالْمَالِكِيُّونَ مُخَالِفُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ، كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا التَّابِعُونَ فَكَثِيرٌ، مِنْهُمْ: هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ؛ وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ؛ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ طَلَقٍ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْبَيْلَمَانِيِّ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ؟ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ أَنَّ طَاوُسًا صَلَّى بِحَضْرَتِهِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَتُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ؟ قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: أُكْرِمْت وَاَللَّهِ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْقَطَّانِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ هُوَ أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: سَافَرْت مَعَ أَبِي، وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وَالْأَسْوَدِ، وَمَسْرُوقٍ، وَأَبِي وَائِلٍ فَكَانُوا يُصَلُّونَ بَعْدَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ؟ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ غُنْدَرٍ: ثنا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ: رَأَيْت شُرَيْحًا الْقَاضِي يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ؟ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيِّ ثنا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ؟ .
مسألة تعمد تأخير ما نسي أو نام عنه من الفرض
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى: ثنا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: رَأَيْت الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ يَطُوفُ بَعْدَ الْعَصْرِ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ -، وَكَذَلِكَ أَيْضًا عَنْ الْحَسَنِ فَهَؤُلَاءِ: هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، وَطَاوُسٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَأَبُو الشَّعْثَاءِ، وَأَشْعَثُ ابْنُهُ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وَمَسْرُوقٌ، وَالْأَسْوَدُ، وَأَبُو وَائِلٍ، وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ؛ وَغَيْرُهُمْ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ، وَأَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَالْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَبِهِمَا يَقُولُ أَبُو خَيْثَمَةَ وَأَبُو أَيُّوبَ الْهَاشِمِيُّ، وَبِهِ نَأْخُذُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَةٌ تَعَمُّدُ تَأْخِيرِ مَا نَسِيَ أَوْ نَامَ عَنْهُ مِنْ الْفَرْضِ] 286 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَأْخِيرِ مَا نَسِيَ أَوْ نَامَ عَنْهُ مِنْ الْفَرْضِ. وَلَا تَعَمُّدَ التَّطَوُّعِ عِنْدَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ حَتَّى يَتِمَّ غُرُوبُهَا؛ وَعِنْدَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ، حَتَّى تَأْخُذَ فِي الزَّوَالِ. وَلَا بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَصْفُوَ الشَّمْسُ وَتَبْيَضَّ. وَيَقْضِي فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كُلَّ مَا لَمْ يَذْكُرْ إلَّا فِيهَا؛ مِنْ صَلَاةٍ مَنْسِيَّةٍ أَوْ نِيمَ عَنْهَا؛ [مِنْ فَرْضٍ] أَوْ تَطَوُّعٍ، وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ؛ وَالِاسْتِسْقَاءِ؛ وَالْكُسُوفِ، وَالرَّكْعَتَانِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ.
وَمَنْ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ فِي أَحَدِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فَلَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ حِينَئِذٍ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ الْمَرْءُ تَرْكَ كُلِّ ذَلِكَ - وَهُوَ ذَاكِرٌ لَهُ - حَتَّى تَدْخُلَ الْأَوْقَاتُ الْمَذْكُورَةُ فَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَلَا تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ تِلْكَ أَصْلًا؟ وَهَذَا نَصُّ نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَحَرِّي الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ. وَأَمَّا بَعْدَ الْفَجْرِ مَا لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ فَالتَّطَوُّعُ حِينَئِذٍ جَائِزٌ حَسَنٌ مَا أَحَبَّ الْمَرْءُ، وَكَذَلِكَ إثْرَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَبِنَحْوِ هَذَا يَقُولُ دَاوُد فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا؛ حَاشَا التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُ جَائِزٌ إلَى بَعْدِ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ وَرَأَى النَّهْيَ - عَنْ ذَلِكَ - مَنْسُوخًا؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ لَا يُصَلَّى فِيهَا فَرْضٌ فَائِتٌ أَوْ غَيْرُ فَائِتٍ، وَلَا نَفْلٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ وَهِيَ: عِنْدَ أَوَّلِ طُلُوعِ قُرْصِ الشَّمْسِ، إلَّا أَنْ تَبْيَضَّ وَتَصْفُوَ. أَوْ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ حَتَّى تَأْخُذَ فِي الزَّوَالِ، حَاشَا يَوْمِ الْجُمُعَةِ خَاصَّةً؛ فَإِنَّهَا يُصَلِّي فِيهَا مَنْ جَاءَ إلَى الْجَامِعِ وَقْتَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ. وَعِنْدَ أَخْذِ أَوَّلِ الشَّمْسِ فِي الْغُرُوبِ حَتَّى يَتِمَّ غُرُوبُهَا؛ حَاشَا عَصْرِ يَوْمِهِ خَاصَّةً؛ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عِنْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَهُ وَبَعْدَهُ. وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَائِزِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ؛ فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهَا فِيهِنَّ أَجْزَأَ ذَلِكَ؟ وَثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ يُصَلِّي فِيهِنَّ الْفُرُوضَ كُلَّهَا؛ وَعَلَى الْجِنَازَةِ؛ وَيَسْجُدُ سُجُودَ التِّلَاوَةِ،
وَلَا يُصَلِّي فِيهَا التَّطَوُّعَ؛ وَلَا الرَّكْعَتَانِ إثْرَ الطَّوَافِ؛ وَلَا الصَّلَاةَ الْمَنْذُورَةَ؛ وَهِيَ: إثْرَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ؛ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَقَطْ. وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَأْخُذَ الشَّمْسُ فِي الْغُرُوبِ، [إلَّا أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ] . وَكَذَلِكَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ؛ وَبَعْدَ تَمَامِ غُرُوبِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ. وَمَنْ جَاءَ عِنْدَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ: وَقْتٌ رَابِعٌ لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا آخِرًا. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فَمَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَطَلَعَتْ لَهُ الشَّمْسُ وَقَدْ صَلَّى أَقَلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ تِلْكَ. وَلَوْ أَنَّهُ قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ وَتَشَهَّدَ ثُمَّ طَلَعَ أَوَّلُ قُرْصِ الشَّمْسِ إثْرَ [ذَلِكَ] كُلِّهِ وَقَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَلَوْ قَهْقَهَ حِينَئِذٍ لَا يُنْقَضُ وُضُوءُهُ. وَلَوْ أَنَّهُ أَحْدَثَ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ تَكَلَّمَ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا بَعْدَ أَنْ قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ وَقَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ: فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ كَامِلَةٌ - وَلَوْ قَهْقَهَ حِينَئِذٍ لَمْ يُنْقَضْ وُضُوءُهُ؟ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: إذَا قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ قَبْلَ طُلُوعِ أَوَّلِ الشَّمْسِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، فَلَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ فَصَلَّى أَوَّلَهَا وَلَوْ تَكْبِيرَةً أَوْ أَكْثَرَهَا فَغَرَبَتْ لَهُ الشَّمْسُ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا فَلْيَتَمَادَ فِي صَلَاتِهِ، وَلَا يَضُرُّهَا ذَلِكَ شَيْئًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. قَالُوا: فَإِنْ صَلَّى فِي مَنْزِلِهِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ثُمَّ جَاءَ إلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَجْلِسْ وَلَا يَرْكَعْ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فَإِنْ جَاءَ إلَى الْمَسْجِدِ بَعْدَ تَمَامِ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلْيَقِفْ حَتَّى تُقَامَ الصَّلَاةُ وَلَا يَجْلِسْ وَلَا يَرْكَعْ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجْلِسُ وَلَا يَرْكَعُ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُصَلِّي الْفُرُوضَ كُلَّهَا الْمَنْسِيَّةَ وَغَيْرَهَا فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَلَا يَتَطَوَّعُ [بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ] حَتَّى تَبْيَضَّ الشَّمْسُ وَتَصْفُوَ وَلَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ غُرُوبِهَا حَتَّى تُصَلَّى الْمَغْرِبُ. وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ [حِينَئِذٍ] قَعَدَ وَلَا يَرْكَعُ، وَلَا يَتَطَوَّعُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، حَاشَا مَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَنَامَ عَنْ حِزْبِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَلِّيَهُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ. وَمَنْ رَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَإِنْ شَاءَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ جَلَسَ، وَلَمْ يَرْكَعْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ: [إنْ] كَانَ مُصْبِحًا فَلْيَجْلِسْ وَلَا يَرْكَعْ. وَالتَّطَوُّعُ عِنْدَهُ جَائِزٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ، وَلَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ وَأَجَازَ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ جِدًّا، وَبَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. وَعَنْهُ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَسْجُدُ لَهَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَصْفُوَ الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ. وَالْآخَرُ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالسُّجُودِ لَهَا مَا لَمْ يُسْفِرْ، وَمَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَقَالَ: مَنْ قَرَأَهَا فِي الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ فِيهِ عَنْ السُّجُودِ فَلْيُسْقِطْ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ
وَيَصِلْ الَّتِي قَبْلَهَا بِاَلَّتِي بَعْدَهَا؟ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقْضِي الْفَائِتَاتِ مِنْ الْفُرُوضِ وَيُصَلِّي كُلَّ تَطَوُّعٍ مَأْمُورٍ بِهِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَإِنَّمَا الْمَمْنُوعُ: هُوَ ابْتِدَاءُ التَّطَوُّعِ فِيهَا فَقَطْ، إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَبِمَكَّةَ، فَإِنَّهُ يَتَطَوَّعُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَغَيْرِهَا. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا تَقَاسِيمُ أَبِي حَنِيفَةَ فَدَعَاوٍ فَاسِدَةٌ مُتَنَاقِضَةٌ، لَا دَلِيلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ، وَأَقْوَالُ مَالِكٍ: لَا دَلِيلَ عَلَى تَقْسِيمِهَا؛ لَا سِيَّمَا قَوْلُهُ بِإِسْقَاطِ الْآيَةِ فِي التِّلَاوَةِ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ، فَهُوَ إفْسَادُ نَظْمِ الْقُرْآنِ، وَقَوْلٌ مَا سَبَقَهُ إلَيْهِ أَحَدٌ. وَكَذَاك إسْقَاطُهُ وَقْتَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، فَهُوَ خِلَافُ الثَّابِتِ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَا مُعَارِضٍ لَهُ؟ وَأَمَّا تَفْرِيقُ الشَّافِعِيِّ بَيْنَ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا، وَبَيْنَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِ: فَلِأَثَرَيْنِ سَاقِطَيْنِ رُوِّينَاهُمَا: فِي أَحَدِهِمَا - النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ إلَّا بِمَكَّةَ.
وَفِي الْآخَرِ «يَوْمُ الْجُمُعَةِ صَلَاةٌ كُلُّهُ» ، وَلَيْسَا مِمَّا يُشْتَغَلُ بِهِ، وَلَا أَوْرَدَهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ فَوَجَبَ الْإِضْرَابُ عَنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ جُمْلَةً، وَالْإِقْبَالُ عَلَى السُّنَنِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَالنَّظَرِ فِي اسْتِعْمَالِهَا كُلِّهَا [وَفِي] تَغْلِيبِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، عَلَى مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَعَنْ التَّابِعِينَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -. قَالَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا حُمَامُ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثنا أَبِي ثنا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ثنا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» . وَرُوِّينَاهُ هَكَذَا مِنْ طُرُقٍ، اكْتَفَيْنَا بِهَذَا لِصِحَّتِهِ وَكُلُّهَا صِحَاحٌ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ يَقُولُ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفَ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» . وَرُوِّينَا أَيْضًا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ عَنْ الصُّنَابِحِيِّ وَغَيْرِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَوْلَانِيِّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ ثنا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ هُوَ أَبُو تَوْبَةَ - ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ عَنْ «عَمْرِو بْنِ عَنْبَسَةَ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَصَلِّ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ الصُّبْحَ، ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَتَرْتَفِعَ قِيسَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ، فَإِنَّهَا بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَيُصَلِّي لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ حَتَّى يَعْدِلَ الرُّمْحُ ظِلَّهُ، وَأَقْصِرْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ وَتُفْتَحُ أَبْوَابُهَا فَإِذَا زَاغَتْ فَصَلِّ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ
ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَيُصَلِّي لَهَا الْكُفَّارُ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَرُوِّينَا مِنْ طُرُقٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الشَّمْسُ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا. فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ» ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: وَالْعَجَبُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمَالِكِيِّينَ لِهَذَا الْخَبَرِ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ شَيْخِهِمْ. قَالَ عَلِيٌّ: فَذَهَبَ إلَى هَذِهِ الْآثَارِ قَوْمٌ، فَلَمْ يَرَوْا الصَّلَاةَ أَصْلًا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرَةَ فِي بُسْتَانٍ لَهُ فَنَامَ عَنْ الْعَصْرِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ حَتَّى اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ، فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى غَرُبَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ أَتَاهُمْ فِي بُسْتَانٍ لَهُمْ فَنَامَ عَنْ الْعَصْرِ فَقَامَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ. وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ وَلَدِ
كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّهُ نَامَ عَنْ الْفَجْرِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، قَالَ: فَقُمْت أُصَلِّي فَدَعَانِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَأَجْلَسَنِي حَتَّى ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ وَابْيَضَّتْ، ثُمَّ قَالَ: قُمْ فَصَلِّ؟ . وَرُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَأَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَضْرِبُ عَلَى الصَّلَاةِ بِنِصْفِ النَّهَارِ. أَبُو الْبَخْتَرِيِّ هَذَا هُوَ صَاحِبُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلِيٍّ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَاتِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَإِلَى التَّمَادِي فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ، وَهُوَ فِيهَا، أَوْ إذَا غَرُبَتْ لَهُ وَهُوَ فِيهَا، وَإِلَى تَأْدِيَةِ كُلِّ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ جَاءَ بِهَا أَمْرٌ، وَاحْتَجُّوا بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَة عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ حَدَّثَنِي حَجَّاجُ الْأَحْوَلُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الرَّجُلِ يَرْقُدُ عَنْ الصَّلَاةِ أَوْ يَغْفُلُ عَنْهَا؟ فَقَالَ: كَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا» . وَبِهِ إلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِبَاحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إنَّهُ «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» ، وَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَرْضٍ أَوْ نَافِلَةٍ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَبِالرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَبِالصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ، وَسَائِرَ مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ التَّطَوُّعِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَأَخَذَ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ. كَمَا رُوِّينَا عَنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ دَخَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَحَدَّثَهُ، فَنَامَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَانْسَلَّ الْمِسْوَرُ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ حَتَّى أَصْبَحَ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ: أَتَرَانِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أُصَلِّيَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ الشَّمْسُ أَرْبَعًا - يَعْنِي الْعِشَاءَ - وَثَلَاثًا - يَعْنِي الْوِتْرَ - وَرَكْعَتَيْنِ - يَعْنِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ - وَوَاحِدَةً - يَعْنِي رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ؟ - قَالَ: نَعَمْ فَصَلَّاهُنَّ. وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يُحَنَّسَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إنْ خَشِيتَ مِنْ الصُّبْحِ فَوَاتًا فَبَادَرْت بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى الشَّمْسَ، فَإِنْ سَبَقْت بِهَا الشَّمْسَ فَلَا تُعَجِّلْ بِالْآخِرَةِ أَنْ تُكْمِلَهَا. وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ: أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّيْت خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ الْفَجْرَ فَاسْتَفْتَحَ الْبَقَرَةَ فَقَرَأَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ: فَقَالَ عُمَرُ حِينَ فَرَغَ قَالَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَك لَقَدْ كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ قَبْلَ أَنْ تُسَلِّمَ؟ قَالَ: لَوْ طَلَعَتْ لَأَلْفَتْنَا غَيْرَ غَافِلِينَ. وَبِهِ إلَى مَعْمَرٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا عُمَرُ صَلَاةَ الْغَدَاةِ فَمَا انْصَرَفَ حَتَّى عَرَفَ كُلُّ ذِي بَالٍ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ؛ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَرَغَتْ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ؟ فَقَالَ: لَوْ طَلَعَتْ لَأَلْفَتْنَا غَيْرَ غَافِلِينَ. قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذَا نَصٌّ جَلِيٌّ بِأَصَحِّ إسْنَادٍ يَكُونُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -
وَكُلَّ مَنْ مَعَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَا يَرَوْنَ طُلُوعَ الشَّمْسِ يَقْطَعُ صَلَاةَ مَنْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُصَلِّي الصُّبْحَ. وَالْعَجَبُ مِنْ الْحَنَفِيِّينَ الَّذِينَ يَرَوْنَ إنْكَارَ عُمَرَ عَلَى عُثْمَانَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ تَرَكَ غُسْلِ الْجُمُعَةِ حُجَّةً فِي سُقُوطِ وُجُوبِ الْغُسْلِ لَهَا - وَهَذَا ضِدُّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إنْكَارُ عُمَرَ -: ثُمَّ لَا يَرَوْنَ تَجْوِيزَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَإِنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ: حُجَّةً فِي ذَلِكَ. بَلْ خَالَفُوا جَمِيعَ مَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ مِنْ مُبِيحٍ وَمَانِعٍ وَخَالَفُوا أَبَا بَكْرَةَ فِي تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ قَالَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِالتَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَمَنْ أَمَرَ بِالْإِعَادَةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَإِلَى صُفْرَةِ الشَّمْسِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ هَذِهِ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ؟ . وَرُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي تُنْسَى، قَالَ: يُصَلِّيهَا حِينَ يَذْكُرُهَا، وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ تُكْرَهُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَمِثْلُهُ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَغَيْرِهِمْ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ: ثنا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: سَمِعْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: إنَّ أَبَاهُ كَانَ يَطُوفُ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَبَعْدَ الْغَدَاةِ ثُمَّ يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. قَالَ مُوسَى: وَكَانَ نَافِعٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ، فَحَدَّثْته عَنْ سَالِمٍ فَقَالَ لِي نَافِعٌ: سَالِمٌ أَقْدَمُ مِنِّي وَأَعْلَمُ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِ نَافِعٍ إلَى الْقَوْلِ بِهَذَا؛ وَعَلَى أَنَّهُ قَوْلُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ -: قَالَ عَلِيٌّ: فَغَلَّبَ هَؤُلَاءِ أَحَادِيثَ الْأَوَامِرِ عَلَى أَحَادِيثِ النَّهْيِ، وَقَالُوا: إنَّ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، أَيْ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَلَاةً أُمِرْتُمْ بِهَا، فَصَلَّوْهَا فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا.
وَقَالَ الْآخَرُونَ: مَعْنَى الْأَمْرِ بِهَذِهِ الصَّلَوَاتِ، أَيْ إلَّا أَنْ تَكُونَ وَقْتًا نَهَى فِيهِ عَنْ الصَّلَاةِ فَلَا تُصَلُّوهَا فِيهِ. قَالَ عَلِيٌّ: فَلَمَّا كَانَ كِلَا الْعَمَلَيْنِ مُمْكِنًا، لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ إلَّا بِبُرْهَانٍ، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ: فَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: قَرَأْت عَلَى مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَبُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ حَدَّثُوهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» ؟ . فَكَانَ هَذَا مُبَيِّنًا غَايَةَ الْبَيَانِ أَنَّ قَضَاءَ الصَّلَوَاتِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فَرْضٌ؛ وَأَنَّ الْأَمْرَ مُسْتَثْنًى مِنْ النَّهْيِ بِلَا شَكٍّ؟ . فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ مَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ مِنْ الْعَصْرِ وَمِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَإِنَّهُ يُصَلِّيهِمَا؟ . قُلْنَا: لِمَا نَذْكُرُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ - مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مَا لَمْ يَطْلُعْ قَرْنُ الشَّمْسِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ» . فَكَانَ هَذَا اللَّفْظُ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُمْكِنًا أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَقْتَ الْخُرُوجِ مِنْ هَاتَيْنِ
الصَّلَاتَيْنِ، وَمُمْكِنًا أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَقْتَ الدُّخُولِ فِيهَا؟ . فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ؛ فَكَانَ هَذَا الْخَبَرُ مُبَيِّنًا أَنَّ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ غُرُوبِهَا وَقْتٌ لِبَعْضِ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَلِبَعْضِ صَلَاةِ الْعَصْرِ بِيَقِينٍ؛ فَصَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إنَّمَا أَرَادَ وَقْتَ الدُّخُولِ فِيهِمَا، وَكَانَ هَذَا الْخَبَرُ هُوَ الزَّائِدَ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً» وَالزِّيَادَةُ وَاجِبٌ قَبُولُهَا؟ فَوَضَحَ أَنَّ الْأَمْرَ مُغَلَّبٌ عَلَى النَّهْيِ. فَوَجَدْنَا الْآخَرِينَ قَدْ احْتَجُّوا بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِي حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ ثنا خَالِدُ بْنُ شُمَيْرٍ قَالَ قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رِبَاحٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ تُفَقِّهُهُ، فَحَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَيْشَ الْأُمَرَاءِ فَلَمْ يُوقِظْنَا إلَّا الشَّمْسُ طَالِعَةً فَقُمْنَا وَهِلِينَ لِصَلَاتِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُوَيْدًا رُوَيْدًا، حَتَّى تَعَالَتْ الشَّمْسُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَلْيَرْكَعْهُمَا؟ فَقَامَ مَنْ كَانَ يَرْكَعُهُمَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَرْكَعُهُمَا، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُنَادَى بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ بِهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى بِنَا؛ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إنَّا بِحَمْدِ اللَّهِ لَمْ نَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا شَغَلَنَا عَنْ صَلَاتِنَا» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: «أَسْرَيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ عَرَّسَ بِنَا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَاسْتَيْقَظْنَا وَقَدْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ الرَّجُلَ مِنَّا يَثُورُ إلَى طَهُورِهِ دَهِشًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ارْتَحِلُوا؟ قَالَ: فَارْتَحَلْنَا، حَتَّى إذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ نَزَلْنَا، فَقَضَيْنَا مِنْ حَوَائِجِنَا، ثُمَّ تَوَضَّأْنَا؛ ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقَامَ بِلَالٌ فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
حَدَّثَنَا حَمَّامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَبِيهِ قَالَ: «سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ فِي سَفَرٍ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا؟ قَالَ: إنِّي أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنْ الصَّلَاةِ، فَمَنْ يُوقِظُنَا بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ بِلَالٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَرَّسَ الْقَوْمُ، وَاسْتَنَدَ بِلَالٌ إلَى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، وَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَالَ: يَا بِلَالُ، أَيْنَ مَا قُلْتَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ؛ ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْتَشَرُوا لِحَاجَاتِهِمْ وَتَوَضَّئُوا، وَارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ، فَصَلَّى بِهِمْ الْفَجْرَ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ أَنَا إسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - ثنا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
فِي دَارِهِ بِالْبَصْرَةِ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ الظُّهْرِ، قَالَ: وَدَارُهُ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ؛ فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ قَالَ: صَلَّيْتُمْ الْعَصْرَ؟ قُلْنَا: لَا، إنَّمَا انْصَرَفْنَا السَّاعَةَ مِنْ الظُّهْرِ؛ قَالَ: فَصَلُّوا الْعَصْرَ، فَقُمْنَا فَصَلَّيْنَا، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ جَلَسَ يَرْقُبُ الْعَصْرَ حَتَّى إذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا» . وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ فَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ أَوْ عَلَى قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا» . وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ فِي مَسْأَلَةِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: يُطِيلُونَ الْخُطْبَةَ وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا شَرَقُ الْمَوْتَى، فَقِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: وَمَا شَرَقُ الْمَوْتَى؟ قَالَ: إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ جِدًّا، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيُصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ احْتَبَسَ فَلْيُصَلِّ مَعَهُمْ، وَلْيَجْعَلْ صَلَاتَهُ وَحْدَهُ: الْفَرِيضَةَ، وَصَلَاتَهُ مَعَهُمْ: تَطَوُّعًا. وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَيْفَ أَنْتَ إذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ قُلْت: فَمَا
تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» . وَقَالُوا: صَحَّ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ جُمْلَةً فِي الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَنَهْيُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ الصِّيَامِ جُمْلَةً فِي يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَصَحَّ أَمْرُهُ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ مَنْ نَامَ عَنْهَا أَوْ نَسِيَهَا، وَبِالنَّذْرِ، وَبِمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ النَّوَافِلِ، وَبِقَضَاءِ الصَّوْمِ لِلْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَالنَّذْرِ وَالْكَفَّارَاتِ -: فَلَمْ تَخْتَلِفُوا مَعَنَا فِي أَنْ لَا يُصَامَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْهِيِّ عَنْ صِيَامِهَا، وَغَلَّبْتُمْ: النَّهْيَ عَلَى الْأَمْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي نَهْيِهِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ، مَعَ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَقَضَائِهَا، وَإِلَّا فَلِمَ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ النَّهْيَيْنِ وَالْأَمْرَيْنِ؟ فَغَلَّبْتُمْ فِي الصَّوْمِ: النَّهْيَ عَلَى الْأَمْرِ، وَغَلَّبْتُمْ فِي الصَّلَاةِ: الْأَمْرَ عَلَى النَّهْيِ؟ وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا يَجُوزُ؟ . وَقَالُوا: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَمِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ طُلُوعِ [الشَّمْسِ] ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ: قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا كُلُّ مَا اعْتَرَضُوا بِهِ، مَا لَهُمْ اعْتِرَاضٌ غَيْرُهُ أَصْلًا، وَلَسْنَا نَعْنِي أَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُمْ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا، إذْ لَيْسَ مِنْهَا خَبَرٌ إلَّا وَقَدْ خَالَفُوهُ، وَتَحَكَّمُوا فِيهِ بِالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ، وَإِنَّمَا نَعْنِي مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي تَغْلِيبِ النَّهْيِ جُمْلَةً فَقَطْ. قَالَ عَلِيٌّ: وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَا مُتَعَلِّقَ لِلْمَالِكِينَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ الْآثَارِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ إلَّا وَقَدْ خَالَفُوهُ، وَتَحَكَّمُوا فِيهِ، وَحَمَلُوا بَعْضَهُ عَلَى الْفَرْضِ، وَبَعْضَهُ عَلَى التَّطَوُّعِ بِلَا بُرْهَانٍ، وَإِنَّمَا نَعْنِي مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي تَغْلِيبِ الْأَمْرِ جُمْلَةً
وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ فَقَطْ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: كُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ. أَمَّا حَدِيثَا أَبِي قَتَادَةَ وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ فَإِنَّهُمَا قَدْ جَاءَا بِبَيَانٍ زَائِدٍ، كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِبَاحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ -: «مَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِلْتُ مَعَهُ، فَقَالَ اُنْظُرْ؟ فَقُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ، هَذَانِ رَاكِبَانِ، هَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ؟ حَتَّى صِرْنَا سَبْعَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَضُرِبَ عَلَى آذَانِهِمْ، فَمَا أَيْقَظَهُمْ إلَّا حَرُّ الشَّمْسِ؛ فَقَامُوا فَسَارُوا هُنَيْهَةً ثُمَّ نَزَلُوا فَتَوَضَّئُوا وَأَذَّنَ بِلَالٌ فَصَلَّوْا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، ثُمَّ صَلَّوْا الْفَجْرَ وَرَكِبُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي صَلَاتِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّهُ لَا تَفْرِيطَ فِي النَّوْمِ، إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، فَمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَنَامُوا عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَاسْتَيْقَظُوا بِحَرِّ الشَّمْسِ، فَارْتَفَعُوا قَلِيلًا حَتَّى اسْتَقَلَّتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَ مُؤَذِّنًا فَأَذَّنَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ
أَقَامَ ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ» . فَهَذَا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ وَهُمَا أَحْفَظُ مِنْ خَالِدِ بْنِ شُمَيْرٍ، مِنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ يَذْكُرَانِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَيْقِظْ إلَّا بِحَرِّ الشَّمْسِ وَبِضَرُورَةِ الْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ يَدْرِي كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ حَرَّ الشَّمْسِ لَا يُوقِظُ النَّائِمَ إلَّا بَعْدَ صَفْوِهَا وَابْيِضَاضِهَا وَارْتِفَاعِهَا؛ وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَمَرَهُمْ بِالِانْتِظَارِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالِانْتِشَارِ لِلْحَاجَةِ، ثُمَّ الْوُضُوءُ، ثُمَّ الصَّلَاةُ فَقَطْ» . وَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ مَا الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ؟ ، وَحَتَّى لَوْ لَمْ يَذْكُرْ حَرَّ الشَّمْسِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ لَمَا كَانَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إنَّمَا أَخَّرَ الصَّلَاةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَكُنْ صَفَتْ وَلَا ابْيَضَّتْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ أَصْلًا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إنَّمَا أَخَّرْتُ الصَّلَاةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَبْيَضَّ وَلَا ارْتَفَعَتْ؛ وَلَا أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: أَمْهِلُوا حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ وَتَبْيَضَّ؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ ظَنٌّ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ؛ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36] . عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَطُّ أَبُو قَتَادَةَ وَلَا عِمْرَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: إنَّ تَأْخِيرَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الصَّلَاةَ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَكُنْ ابْيَضَّتْ، وَلَا ارْتَفَعَتْ؛ وَإِنَّمَا ذَكَرُوا صِفَةَ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَطْ؟ .
فَحَصَلَ مَنْ قَطَعَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمئِذٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَكُنْ ابْيَضَّتْ وَلَا ارْتَفَعَتْ: عَلَى قَفْوِ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، وَعَلَى الْحُكْمِ بِالظَّنِّ؛ وَكِلَاهُمَا مُحَرَّمٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ؛ وَعَلَى الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا فَوَجَبَ أَنْ نَطْلُبَ السَّبَبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَخَّرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ: فَفَعَلْنَا، فَوَجَدْنَا -: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ - ثنا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ ثنا أَبُو حَازِمٍ هُوَ سَلْمَانُ الْأَشْجَعِيُّ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «عَرَّسْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ؟ فَفَعَلْنَا، ثُمَّ دَعَا بِالْمَاءِ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْغَدَاةَ» . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا أَبَانُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارِ ثنا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - فِي هَذَا الْخَبَرِ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَحَوَّلُوا عَنْ مَكَانِكُمْ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ؟ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى» . قَالَ عَلِيٌّ: فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً وَالْحَمْدُ لِلَّهِ؛ وَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إنَّمَا أَخَّرَ
الصَّلَاةَ؛ لِيَزُولُوا عَنْ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَتْهُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ، وَحَضَرَهُمْ فِيهِ الشَّيْطَانُ فَقَطْ، لَا لِأَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَكُنْ ارْتَفَعَتْ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهَا حِينَئِذٍ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ؛ فَالْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا تَخْدِيشٌ فِي الرُّخَامِ وَلَمْ يَقُلْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ كَوْنِ الشَّمْسِ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ؛ وَإِنَّمَا قَالَ: «مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ» وَحُضُورُ الشَّيْطَانِ فِي مَنْزِلِ قَوْمٍ هُوَ - بِلَا شَكٍّ مِنْ كُلِّ ذِي فَهْمٍ - غَيْرُ كَوْنِ الشَّمْسِ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ فَظَهَرَ كَذِبُ هَذَا الْقَائِلِ يَقِينًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ . وَوَجْهٌ رَابِعٌ هُوَ: أَنَّهُ حَتَّى لَوْ صَحَّ لَهُمْ أَنَّ تَرَدُّدَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَكُنْ ابْيَضَّتْ بَعْدُ -، وَهَذَا لَا يَصِحُّ أَبَدًا - لَكَانَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ نَفْسِهِ بَعْدَ صَلَاتِهِ بِهِمْ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» . وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ «فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَذْكُرُهَا» نَاسِخًا لِفِعْلِهِ فِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَهُ؟ . فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا جَعَلْتُمُوهُ نَاسِخًا لِتَحَوُّلِهِمْ عَنْ الْمَكَانِ؟ . قُلْنَا: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا ذَكَرَهَا» وَ «حِينَ يَذْكُرُهَا» قَصْدٌ مِنْهُ إلَى زَمَانِ تَأْدِيَتِهَا؛ وَلَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ لِمَكَانِ تَأْدِيَتِهَا؛ فَلَا يَكُونُ لِمَا لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ بِحُكْمِهِ أَصْلًا، وَهَذَا غَايَةُ الْحَقِيقَةِ وَالْبَيَانِ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ؟ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ» فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا؛ لِوُجُوهٍ -:
أَحَدُهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذُمَّ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ فَقَطْ وَحْدَهُ؛ وَإِنَّمَا ذَمَّ التَّأْخِيرَ مَعَ كَوْنِهِ يَنْقُرُهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا؛ وَهَذَا بِلَا شَكٍّ مَذْمُومٌ - أَخَّرَ الصَّلَاةَ أَوْ لَمْ يُؤَخِّرْهَا - وَهَذَا مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا} [النساء: 142] . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ بِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصُّبْحِ رَكْعَةً وَمِنْ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاتَيْنِ؛ فَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُدْرِكُ لِلصَّلَاةِ عَاصِيًا بِهَا وَمُصَلِّيًا صَلَاةَ الْمُنَافِقِينَ. وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ فِي أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا فَقَدْ أَدَّى مَا أُمِرَ، وَلَيْسَ عَاصِيًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ؟ . وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ثنا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ سَمِعْت جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَمَا إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» - يَعْنِي الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ. وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، وَمِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا بَكْرِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» - يَعْنِي: الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ نَصًّا.
قَالَ عَلِيٌّ: فَإِذَا هَذَا كَذَلِكَ فَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنَى مَنْ أَخَّرَ صَلَاةً لَا يَحِلُّ تَأْخِيرُهَا إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْعَصْرِ بِلَا شَكٍّ [لَكِنْ فِي الظُّهْرِ الْمُتَعَيِّنُ تَحْرِيمُ تَأْخِيرِهَا إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ] كَمَا أَخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ التَّفْرِيطَ فِي الْيَقَظَةِ: أَنْ تُؤَخَّرَ صَلَاةٌ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ أُخْرَى؟ . فَإِنْ قَالُوا فِي خَبَرِ أَنَسٍ «جَلَسَ يَرْقُبُ وَقْتَ الْعَصْرِ» ، قُلْنَا: نَعَمْ، وَإِذَا أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ رَاقِبًا لِلْعَصْرِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى؛ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا أَيْضًا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَحُجَّةٌ لَنَا عَلَيْهِمْ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِيَقِينٍ إلَّا صَلَاةَ الْجُمُعَةِ تُؤَخَّرُ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ بِقَوْلِهِ: «يُطِيلُونَ الْخُطْبَةَ وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ» . وَأَيْضًا - فَإِنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَجَازَ التَّطَوُّعَ مَعَهُمْ إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ نَفْسِهِ؛ فَصَحَّ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مُوَافِقٌ لَنَا فِي هَذَا؟ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَهُوَ خَبَرٌ مُوَافِقٌ لَنَا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. لِأَنَّهُ نَصُّهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا» ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ فَهُوَ وَقْتٌ لِلدُّخُولِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَمَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ فَهُوَ وَقْتٌ لِلدُّخُولِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِجَمِيعِ الْآثَارِ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ؟ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَعَلَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ» كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ -: فَخَطَأٌ؛ لِأَنَّ " لَعَلَّ " لَا حُكْمَ لَهَا، وَإِنَّمَا هِيَ ظَنٌّ؟ .
وَأَيْضًا - فَالْبُرْهَانُ قَدْ صَحَّ أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً» مُتَأَخِّرٌ عَنْ أَخْبَارِ النَّهْيِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ هُوَ رَوَى «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً» وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الصُّحْبَةِ وَرَوَى أَخْبَارَ النَّهْيِ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبَسَةَ وَإِسْلَامُهُمَا قَدِيمٌ؟ . وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَقْدَحُ فِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ تَأَخُّرُهُ وَلَا تَقَدُّمُهُ، إذَا أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُهُمَا وَضَمُّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ؛ فَالْوَاجِبُ الْأَخْذُ بِجَمِيعِهَا كَمَا قَدَّمْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّنَا قَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى تَغْلِيبِ خَبَرِ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْ الْفِطْرِ، وَالنَّحْرِ، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، عَلَى أَحَادِيثِ الْأَمْرِ بِقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَالنَّذْرِ، وَالْكَفَّارَاتِ؛ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ نُغَلِّبَ أَخْبَارَ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَحَادِيثِ الْأَمْرِ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ الْمَنْسِيَّةِ وَالْمَنُومِ عَنْهَا وَالنَّذْرِ وَسَائِرِ مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ التَّطَوُّعِ -: فَهَذَا قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ؟ . وَلَعَلَّ هَذَا يَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِالْقِيَاسِ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ، إلَّا أَنَّهُمْ أَيْضًا يُعَارِضُونَ الْحَنَفِيِّينَ فِي هَذَا الْقِيَاسِ، بِأَنْ يَقُولُوا لَهُمْ: أَنْتُمْ أَوَّلُ مَنْ نَقَضَ هَذَا الْقِيَاسَ، وَلَمْ يَطْرُدْهُ؛ فَأَجَزْتُمْ صَلَاةَ عَصْرِ الْيَوْمِ فِي الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ. وَلَمْ تَقِيسُوا عَلَيْهِ الصُّبْحَ، وَلَا قِسْتُمُوهَا عَلَى الصُّبْحِ، ثُمَّ زِدْتُمْ إبْطَالًا لِهَذَا الْقِيَاسِ: فَجَعَلْتُمْ بَعْضَ الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ جُمْلَةً يُقْضَى فِيهِ الْفَرْضُ وَيُسْجَدُ فِيهِ لِلتِّلَاوَةِ وَيُصَلَّى فِيهِ عَلَى الْجِنَازَةِ؛ وَلَا يُصَلَّى فِيهِ صَلَاةً مَنْذُورَةً، وَجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ لَا يُصَلَّى فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَلَمْ تَقِيسُوا صَلَاةً فِي بَعْضِ
الْوَقْتِ عَلَى صَلَاةٍ فِي سَائِرِهِ؟ وَكَانَ هَذَا أَصَحَّ فِي الْقِيَاسِ وَأَوْلَى مِنْ قِيَاسِ حُكْمِ صَلَاةٍ عَلَى صَوْمٍ؟ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَنَا: لِمَ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَالنَّهْيَيْنِ؟ . [فَجَوَابُنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: أَنَّنَا فَعَلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ جَاءَتْ مُثْبِتَةً] لِتَغْلِيبِ أَحَادِيثِ الْأَمْرِ بِالصَّلَوَاتِ جُمْلَةً عَلَى أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ، وَبَعْضُهَا مُتَأَخِّرٌ نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ أَصْلًا بِتَغْلِيبِ الْأَمْرِ بِالصَّوْمِ عَلَى أَحَادِيثِ النَّهْيِ؛ بَلْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ الْمُتَيَقَّنُ عَلَى وُجُوبِ تَغْلِيبِ النَّهْيِ [عَنْ] صِيَامِ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَالنَّحْرِ عَلَى أَحَادِيثِ إيجَابِ الْقَضَاءِ، وَالنُّذُورِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَكَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: «إنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» مُوجِبًا لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيهَا؛ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُصَامَ بِغَيْرِ نَصٍّ جَلِيٍّ فِيهَا بِخِلَافِ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - فَسَقَطَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ؟ . وَأَمَّا جَوَازُ ابْتِدَاءِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَجَوَازُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْفَجْرِ مَا لَمْ تُصَلَّ صَلَاةُ الْفَجْرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؟ . فَلِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثنا شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ الْأَجْدَعِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَّا أَنْ تُصَلُّوا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ» . وَهْبُ بْنُ الْأَجْدَعِ تَابِعٌ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ - وَسَائِرُ الرُّوَاةِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُمْ؛ وَهَذِهِ
زِيَادَةُ عَدْلٍ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا؟ . وَأَمَّا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّذِي فِيهِ «فَصَلِّ مَا شِئْتَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الصُّبْحَ، ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» ؟ . وَبِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَخْبَرَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِي قَالَ: سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنْ اللَّيْلِ» ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: وَالرِّوَايَةُ فِي أَنْ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ»
سَاقِطَةٌ مَطْرُوحَةٌ مَكْذُوبَةٌ كُلُّهَا، لَمْ يَرْوِهَا أَحَدٌ إلَّا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمَ وَهُوَ مَالِكٌ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ، وَلَيْسَ هُوَ ابْنُ حَزْمٍ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، وَهُوَ سَاقِطٌ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ يَسَارٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ
وَهُوَ مَجْهُولٌ وَمُدَلِّسٌ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ مِمَّنْ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ. وَقَدْ قَالَ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: كُنَّا نَأْتِي عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ؟ فَأَتَيْنَاهَا يَوْمًا فَإِذَا هِيَ تُصَلِّي؛ فَقُلْنَا: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ؟ فَقَالَتْ: إنِّي نِمْت عَنْ حِزْبِي فَلَمْ أَكُنْ لِأَدَعَهُ؟ . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَرَّ ابْنُ مَسْعُودٍ بِرَجُلَيْنِ يَتَكَلَّمَانِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ،
فَقَالَ: يَا هَذَانِ إمَّا أَنْ تُصَلِّيَا وَإِمَّا أَنْ تَسْكُتَا؟ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ: أَنَّ طَاوُسًا قَالَ لِمُجَاهِدٍ: أَتَعْقِلُ؟ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلِّ مَا شِئْت؟ . وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: صَلِّ بَعْدَ الْفَجْرِ مَا شِئْت؟ . وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ [عَنْ أَبِيهِ] أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِأَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْفَجْرِ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ؟ ، وَرُوِّينَا ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرِهِ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِنْ تَعَلُّقِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ بِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، وَفِيهِ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَنْ نَقْبُرَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» ، وَلَمْ يَأْتِ قَطُّ خَبَرٌ يُعَارِضُ هَذَا النَّهْيَ أَصْلًا - ثُمَّ لَا يُبَالُونَ بِإِطْرَاحِهِ، فَيُجِيزُونَ أَنْ تُقْبَرَ الْمَوْتَى فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ دُونَ أَنْ يَكْرَهُوا ذَلِكَ، ثُمَّ يُحَرِّمُونَ قَضَاءَ التَّطَوُّعِ، وَبَعْضُهُمْ قَضَاءَ الْفَرْضِ، وَقَدْ جَاءَتْ النُّصُوصُ مُعَارِضَةً لِهَذَا النَّهْيِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا يَحِلُّ دَفْنُ الْمَوْتَى فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ أَلْبَتَّةَ -، وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ فَجَائِزَةٌ بِهَا، لِلْأَمْرِ بِذَلِكَ عُمُومًا؟ .
وَلِمَا حَدَّثَنَا حَمَّامُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ثنا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْت عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَمْ مَرَّةً يَقُولُ: سَمِعْت نَافِعًا يَقُولُ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: لَسْت أَنْهَى أَحَدًا صَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ؛ وَلَكِنِّي أَفْعَلُ كَمَا رَأَيْت أَصْحَابِي يَفْعَلُونَ؛ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَلَا غُرُوبَهَا» . قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنَّمَا نَهَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ تَحَرِّي الصَّلَاةَ وَالْقَصْدَ إلَيْهَا فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ، وَفِي وَقْتِ الِاسْتِوَاءِ فَقَطْ، وَصَحَّ بِهَذَا أَنَّ التَّطَوُّعَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَالْمَنْدُوبَ إلَيْهِ يُصَلَّى فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ: هُوَ عَمَلُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَ [أَنَّهُ] إنَّمَا يَفْعَلُ كَمَا رَأَى أَصْحَابُهُ يَفْعَلُونَ: وَهُوَ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ آنِفًا - يُصَلِّي إثْرَ الطَّوَافِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، [وَبَعْدَ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ] . وَأَمَّا مَنْ رَأَى مِنْ أَصْحَابِنَا النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ [صَلَاةِ] الْعَصْرِ مَنْسُوخًا بِصَلَاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الرَّكْعَتَيْنِ -: فَكَانَ يَصِحُّ هَذَا لَوْلَا حَدِيثُ وَهْبِ بْنِ الْأَجْدَعِ الَّذِي ذَكَرْنَا - مِنْ إبَاحَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: الصَّلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ مَا دَامَتْ الشَّمْسُ مُرْتَفِعَةً؛ فَبَطَلَ النَّسْخُ فِي ذَلِكَ؟ . وَصَحَّ أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ إلَّا عَنْ الْقَصْدِ بِالصَّلَاةِ إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ وَضَافَتْ
مسألة اختصاص ليلة الجمعة بصلاة زائدة على سائر الليالي
لِلْغُرُوبِ فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْت مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَابَاهُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: وَإِسْلَامُ جُبَيْرٍ مُتَأَخِّرٌ جِدًّا، إنَّمَا أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ: وَهَذَا بِلَا شَكٍّ بَعْدَ نَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَوَجَبَ اسْتِثْنَاءُ كُلِّ ذَلِكَ مِنْ النَّهْيِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ اخَتِصَاصُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِصَلَاةٍ زَائِدَةٍ عَلَى سَائِرِ اللَّيَالِيِ] 287 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُخَصَّ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ بِصَلَاةٍ زَائِدَةٍ عَلَى سَائِرِ اللَّيَالِيِ؟ . لِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو كُرَيْبٍ ثنا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِيِ» ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ.؟ [مَسْأَلَةٌ خَيْرُ الْأَعْمَالِ] 288 - مَسْأَلَةٌ: وَخَيْرُ الْأَعْمَالِ مَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمِلَهُ وَمَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ، وَذَلِكَ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ
مسألة صلاة التطوع في الجماعة
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] وَمَا كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِيَدَعَ الْأَفْضَلَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ الثَّقَفِيُّ - ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ» . [مَسْأَلَةٌ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ فِي الْجَمَاعَةِ] 289 - مَسْأَلَةٌ: وَصَلَاةُ التَّطَوُّعِ فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْهَا مُنْفَرِدًا؛ وَكُلُّ تَطَوُّعٍ فَهُوَ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْمَسَاجِدِ إلَّا مَا صَلَّى مِنْهُ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ أَفْضَلُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُسَدَّدٌ ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ، وَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَرْضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ «أَنَسٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَلْأُصَلِّي
لَكُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ وَانْصَرَفَ» . وَقَدْ صَلَّى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالنَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ تَطَوُّعًا إذْ أَمَّهُمْ عَلَى الْمِنْبَرِ وَفِي بَيْتِ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ. قَدْ صَلَّى ابْنُ الزُّبَيْرِ بِالنَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ جَمَاعَةً وَكَذَلِكَ أَنَسٌ أَيْضًا. وَبِهِ إلَى أَبِي دَاوُد: ثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدٍ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» ، وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ: ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ مَنْصُورٌ: عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ لِي أَبُو مَعْمَرٍ: إذَا صَلَّيْت الْمَكْتُوبَةَ فَارْجِعْ إلَى بَيْتِك. وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ قَيْسٍ مَا رَأَيْت عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيَّ مُتَطَوِّعًا فِي مَسْجِدِ الْحَيِّ قَطُّ؟ . وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ الْمُثَنَّى: ثنا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مُخْلِدٍ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ
مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: تَطَوُّعُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ يَزِيدُ عَلَى تَطَوُّعِهِ عِنْدَ النَّاسِ كَفَضْلِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ؟ . وَبِهِ إلَى ابْنِ الْمُثَنَّى: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثنا إسْرَائِيلُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: كَانَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ لَا يَتَطَوَّعُ فِي الْمَسْجِدِ. وَرُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ نُسَيْرُ بْنُ ذُعْلُوقٍ مَا رَأَيْت الرَّبِيعَ بْنَ خُثَيْمٍ مُتَطَوِّعَا فِي مَسْجِدِ الْحَيِّ قَطُّ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ سُئِلَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عَنْ التَّطَوُّعِ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ؟
فَقَالَ: إنِّي لَأَكْرَهُهُ؛ بَيْنَمَا هُمْ جَمِيعًا إذَا اخْتَلَفُوا. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَدْرَكْت النَّاسَ زَمَانَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَهُمْ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بُيُوتِهِمْ؟ . وَالتَّطَوُّعُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَبَعْدَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْمَسْجِدِ أَيْضًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: كُلُّ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ كَرِهَ التَّطَوُّعَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِأَنَّ هَذَا خَوْفُ الذَّرِيعَةِ فِي أَنْ يَقْضِيَهَا أَهْلُ الْبِدَعِ الَّذِينَ لَا يَعْتَدُّونَ بِالصَّلَاةِ مَعَ الْأَئِمَّةِ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا غَايَةٌ فِي الْفَسَادِ مِنْ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ بِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَا فَرْقَ. وَأَيْضًا: فَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يَنْصَرِفُوا إلَى بُيُوتِهِمْ فَيَقْضُونَهَا هُنَالِكَ؟ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ ثنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَيَنْمَازُ عَنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةَ قَلِيلًا غَيْرَ كَثِيرٍ، فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَمْشِي أَنْفَسَ مِنْ ذَلِكَ فَيُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ رَأَيْته يَصْنَعُ ذَلِكَ مِرَارًا. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى: ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ قَالَ سَمِعْت عَطَاءَ بْنَ السَّائِبِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُعَلِّمُنَا أَنْ نُصَلِّيَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا فَكُنَّا نُصَلِّي بَعْدَهَا أَرْبَعًا؛ حَتَّى جَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَأَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ بَعْدَهَا سِتًّا، فَنَحْنُ نُصَلِّي بَعْدَهَا سِتًّا؟ . وَقَدْ حَدَّثَنَا حَمَّامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ
مسألة أفضل الوتر
ثنا الْحُمَيْدِيُّ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ثنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَبْلَ أَنْ نَلْقَى الزُّهْرِيَّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ» . [مَسْأَلَةٌ أَفْضَلُ الْوِتْرِ] 290 - مَسْأَلَةٌ: وَأَفْضَلُ الْوِتْرِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، وَتُجْزِئُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ وَالْوِتْرُ وَتَهَجُّدُ اللَّيْلِ يَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَجْهًا، أَيُّهَا فَعَلَ أَجْزَأَهُ، وَأَحَبُّهَا إلَيْنَا، وَأَفْضَلُهَا: أَنْ نُصَلِّيَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، نُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نُصَلِّي رَكْعَةً وَاحِدَةً وَنُسَلِّمُ؟ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا الْقَعْنَبِيُّ ثنا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُصَلِّيَ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا، ثُمَّ يُصَلِّي خَمْسَ رَكَعَاتٍ مُتَّصِلَاتٍ لَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ؟ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ثنا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْهُنَّ بِخَمْسِ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْخَمْسِ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَيُسَلِّمُ» .
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُصَلِّيَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمُ مِنْ آخِرِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ؟ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - وَهِيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ - إلَى الْفَجْرِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» ؟ . وَالرَّابِعُ: أَنْ يُصَلِّيَ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ: - لِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ثنا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ: مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِرَكْعَةٍ» .
وَالْخَامِسُ: أَنْ يُصَلِّيَ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ جُلُوسَ تَشَهُّدٍ إلَّا فِي آخِرِهَا؛ فَإِذَا جَلَسَ فِي آخِرِهِنَّ وَتَشَهَّدَ: قَامَ دُونَ أَنْ يُسَلِّمَ؛ فَأَتَى بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ: - لِمَا رُوِّينَا عَنْ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى أَنَّ «سَعْدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أَدُلُّك عَلَى أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. فَذَكَرَ سَعْدٌ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَسَأَلَهَا عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: إنَّهُ كَانَ يُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فِيهَا إلَّا فِي الثَّامِنَةِ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ، وَهُوَ قَاعِدٌ، فَلَمَّا أَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ؛ وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الْأَوَّلِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا حَمَّادٌ عَنْ أَبِي حُرَّةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ، يَقْعُدُ فِي الثَّامِنَةِ؛ ثُمَّ يَقُومُ فَيَرْكَعُ رَكْعَةً» ؟ . وَالسَّادِسُ: أَنْ يُصَلِّيَ سِتَّ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمُ فِي آخِرِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا، وَيُوتِرُ بِسَابِعَةٍ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» ؟ . وَالسَّابِعُ: أَنْ يُصَلِّيَ سَبْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ وَلَا يَتَشَهَّدُ إلَّا فِي آخِرِ السَّادِسَةِ مِنْهُنَّ، ثُمَّ يَقُومُ دُونَ تَسْلِيمٍ فَيَأْتِي بِالسَّابِعَةِ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى ثنا إِسْحَاقُ أَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيُّ ثنا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا كَبِرَ وَضَعُفَ أَوْتَرَ بِسَبْعِ رَكَعَاتٍ، لَا يَقْعُدُ إلَّا فِي السَّادِسَةِ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ فَيُصَلِّي السَّابِعَةَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَالثَّامِنُ: أَنْ يُصَلِّيَ سَبْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ جُلُوسَ تَشَهُّدٍ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِهِنَّ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ - لِمَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ الْجَحْدَرِيُّ أَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ثنا قَتَادَةُ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «لَمَّا أَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ صَلَّى سَبْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَقْعُدُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ أَنْ يُسَلِّمَ» . وَالتَّاسِعُ: أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» . وَالْعَاشِرُ: أَنْ يُصَلِّيَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ مُتَّصِلَاتٍ؛ لَا يَجْلِسُ، وَلَا يَتَشَهَّدُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ -: لِمَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ» ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ قَالَ بِهَذَا بَعْضُ السَّلَفِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّهُ رَأَى عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ مَا جَلَسَ لِمَثْنَى -:
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: كَذَلِكَ يُوتِرُ أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ -: وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْوِتْرُ كَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْعُدُ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ: قَالَ عَلِيٌّ: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا لَمْ يَرْوِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا نَقُولُ بِهِ إذْ لَا حُجَّةَ إلَّا فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ أَوْ عَمَلُهُ أَوْ إقْرَارُهُ فَقَطْ؟ . وَالْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنْ يُصَلِّيَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، يَجْلِسُ فِي آخِرِ الثَّانِيَةِ مِنْهُنَّ،
وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، يَتَشَهَّدُ فِي آخِرِهَا وَيُسَلِّمُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» . وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ: وَقَدْ رَوَى بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا أَثَرًا مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ الْوِتْرِ؟ فَأَمَرَهُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ بِتَسْلِيمٍ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ الْبُتَيْرَاءُ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: أَتُرِيدُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ . وَالثَّانِيَ عَشَرَ: أَنْ يُصَلِّيَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، يَجْلِسُ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ يَقُومُ دُونَ تَسْلِيمٍ وَيَأْتِي بِالثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، كَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَنِيفَةَ -: لِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ ثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَتْهُ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ «لَا يُسَلِّمُ فِي رَكْعَتَيْ الْوِتْرِ» ؟ . وَالثَّالِثَ عَشَرَ: أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَةً وَاحِدَةً فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمَا -: لِمَا حَدَّثَنَاهُ حَمَّامُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - ثنا شُعْبَةُ ثنا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ عُمَرَ عَنْ الْوِتْرِ؟ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» .
وَرُوِّينَا عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَغَيْرِهِمْ: الْوِتْرُ بِوَاحِدَةٍ فَقَطْ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَحُذَيْفَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا كُلُّ مَا صَحَّ عِنْدَنَا؛ وَلَوْ صَحَّ عِنْدَنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زِيَادَةٌ عَلَى هَذَا لَقُلْنَا بِهِ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهْيٌ عَنْ الْبُتَيْرَاءِ، وَلَا فِي الْحَدِيثِ - عَلَى سُقُوطِهِ - بَيَانُ مَا هِيَ الْبُتَيْرَاءُ؟ ، وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الثَّلَاثُ بُتَيْرَاءُ - يَعْنِي فِي الْوِتْرِ؛ فَعَادَتْ الْبُتَيْرَاءُ عَلَى الْمُحْتَجِّ بِالْخَبَرِ الْكَاذِبِ فِيهَا. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وِتْرُ النَّهَارِ، فَأَوْتِرُوا صَلَاةَ اللَّيْلِ» ؟ . قِيلَ لَهُمْ: لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنْ يَكُونَ وِتْرُ اللَّيْلِ ثَلَاثًا كَوِتْرِ النَّهَارِ، وَهَذَا كَذِبٌ مِمَّنْ يَنْسُبُهُ إلَى إرَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ قَطَعْتُمْ بِذَلِكَ كَذَبْتُمْ وَكُنْتُمْ أَيْضًا خَالَفْتُمْ مَا قُلْتُمْ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُكُمْ أَنْ تَجْهَرُوا فِي الْأُولَيَيْنِ وَتُسِرُّوا فِي الثَّالِثَةِ كَالْمَغْرِبِ؛ وَأَنْ تَقْنُتُوا فِي الْمَغْرِبِ كَمَا تَقْنُتُونَ فِي الْوِتْرِ؛ أَوْ أَنْ لَا تَقْنُتُوا فِي الْوِتْرِ كَمَا لَا تَقْنُتُوا فِي الْمَغْرِبِ؛ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ
مسألة الوتر آخر الليل أفضل
بَاطِلٌ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْوِتْرُ آخِرُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ] 291 - مَسْأَلَةٌ: وَالْوِتْرُ آخِرُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ. وَمَنْ أَوْتَرَ أَوَّلَهُ فَحَسَنٌ، وَالصَّلَاةُ بَعْدَ الْوِتْرِ جَائِزَةٌ، وَلَا يُعِيدُ وِتْرًا آخَرَ؛ وَلَا يَشْفَعُ بِرَكْعَةٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا ابْنُ أَبِي خَلَفٍ ثنا أَبُو زَكَرِيَّاءَ السَّيْلَحِينِيُّ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: مَتَى تُوتِرُ؟ قَالَ: أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَقَالَ لِعُمَرَ: مَتَى تُوتِرُ؟ قَالَ: آخِرَ اللَّيْلِ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَبِي بَكْرٍ: أَخَذَ هَذَا بِالْحَذَرِ، وَقَالَ لِعُمَرَ: أَخَذَ هَذَا بِالْقُوَّةِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ حَمْزَةَ قَاضِي دِمَشْقَ - عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِيهِمَا - وَهُوَ جَالِسٌ - فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ، ثُمَّ رَكَعَ بَعْدَ ذَلِكَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا»
وَ «بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ» فَنَدْبٌ؛ لِمَا قَدْ بَيَّنَّا: مِنْ أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ فَرْضًا؛ وَمِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إذْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ غَيْرَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ؛ «وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنْ لَا يَنَامَ إلَّا عَلَى وِتْرٍ» . فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ بَعْضِ كَلَامِهِ لِبَعْضٍ، وَلَيْسَ هَذَا مَكَانَ نَسْخٍ لَكِنَّهُ إبَاحَةٌ كُلُّهُ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُسَدَّدٌ ثنا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ عَنْ «قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ قَالَ: زَارَنَا طَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ فِي رَمَضَانَ، وَأَمْسَى عِنْدَنَا فَأَفْطَرَ ثُمَّ قَامَ بِنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَأَوْتَرَ بِنَا ثُمَّ انْحَدَرَ إلَى مَسْجِدِهِ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ، حَتَّى إذَا بَقِيَ الْوِتْرُ قَدَّمَ رَجُلًا، فَقَالَ: أَوْتِرْ بِأَصْحَابِكَ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ»
مسألة يقرأ في الوتر بما تيسر من القرآن مع أم القرآن
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَغَيْرِهِ شَفْعُ الْوِتْرِ بِرَكْعَةٍ، إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَمَا يُوتِرُ - وَلَا حُجَّةَ إلَّا فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [مَسْأَلَةٌ يُقْرَأُ فِي الْوِتْرِ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ] 292 - مَسْأَلَةٌ: وَيُقْرَأُ فِي الْوِتْرِ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ مَعَ " أُمِّ الْقُرْآنِ: "، وَإِنْ قَرَأَ فِي الثَّلَاثِ رَكَعَاتٍ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَحَسَنٌ. وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى (أُمِّ الْقُرْآنِ) فَحَسَنٌ، وَإِنْ قَرَأَ فِي رَكْعَةِ الْوِتْرِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ بِمِائَةِ آيَةٍ مِنْ النِّسَاءِ " فَحَسَنٌ؟ ، قَالَ تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ «أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ كَانَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ؛ فَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَةً أَوْتَرَهَا، وَقَرَأَ فِيهَا بِمِائَةِ آيَةٍ مِنْ النِّسَاءِ وَقَالَ: مَا أَلَوْتُ أَنْ وَضَعْت قَدَمِي حَيْثُ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْ أَقْرَأَ مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» .
مسألة يوتر المرء قائما وقاعدا لغير عذر إن شاء وعلى دابته
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى ثنا أَبُو أُسَامَةَ ثنا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ بِثَلَاثٍ يَقْرَأُ فِيهِنَّ فِي الْأُولَى بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَفِي الثَّانِيَةِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَفِي الثَّالِثَةِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» . [مَسْأَلَةٌ يُوتِرُ الْمَرْءُ قَائِمًا وَقَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ إنْ شَاءَ وَعَلَى دَابَّتِهِ] 293 - مَسْأَلَةٌ: وَيُوتِرُ الْمَرْءُ قَائِمًا وَقَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ إنْ شَاءَ، وَعَلَى دَابَّتِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ثنا مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ «سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: كُنْت أَسِيرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَخَشِيتُ الصُّبْحَ فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: خَشِيتُ الصُّبْحَ فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ قُلْت: بَلَى، وَاَللَّهِ قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ» .
وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ سَأَلْت نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ وَهَلْ لِلْوِتْرِ فَضْلٌ عَلَى سَائِرِ التَّطَوُّعِ؟ ، وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ:، وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ: أَيُوتِرُ الرَّجُلُ وَهُوَ جَالِسٌ؟ قَالَ: نَعَمْ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ: الْوِتْرُ لَا يُقْضَى، وَلَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ؛ وَهُوَ تَطَوُّعٌ، وَهُوَ أَشْرَفُ التَّطَوُّعِ.: وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: الْوِتْرُ وَالْأَضْحَى: تَطَوُّعٌ -: قَالَ عَلِيٌّ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ التَّطَوُّعَ يُصَلِّيهِ الْمَرْءُ جَالِسًا إنْ شَاءَ -: كَمَا رُوِّينَا عَنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ
مسألة يستحب أن يختم القرآن كله مرة في كل شهر
«عَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا حَتَّى كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ، فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا» ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ مَرَّةً فِي كُلِّ شَهْرٍ] 294 - مَسْأَلَةٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ مَرَّةً فِي كُلِّ شَهْرٍ؛ فَإِنْ خَتَمَهُ فِي أَقَلَّ: فَحَسَنٌ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَخْتِمَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَيَّامٍ؛ فَإِنْ فَعَلَ فَفِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ الْقُرْآنِ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ قُلْتُ: إنِّي أَجِدُ قُوَّةً؟
قَالَ: فَاقْرَأْهُ فِي عِشْرِينَ لَيْلَةً، قُلْتُ: إنِّي أَجِدُ قُوَّةً؟ قَالَ: فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ، لَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ الصَّمَدُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ - ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ثنا قَتَادَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الشِّخِّيرِ - «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كَمْ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: فِي شَهْرٍ» ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ لَهُ: «اقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ؟ قَالَ: إنِّي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ؛ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» . فَإِنْ قِيلَ: قَدْ كَانَ عُثْمَانُ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةٍ؟ قُلْنَا: قَدْ كَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النساء: 59] ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ كَمَا ذَكَرْنَا -: وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ثنا شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ كِلَاهُمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ فَهُوَ رَاجِزٌ؟ ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ ثنا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ؛ وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْرَهُ ذَلِكَ؟
فَإِنْ ذَكَرُوا حَدِيثًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: اقْرَأْهُ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لَا تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ؟» . فَإِنَّ رِوَايَةَ عَطَاءٍ لِهَذَا الْخَبَرِ مُضْطَرِبَةٌ مَعْلُولَةٌ، وَعَطَاءٌ قَدْ اخْتَلَطَ بِأَخَرَةٍ رُوِّينَا هَذَا الْخَبَرَ نَفْسَهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: اقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ، قَالَ: فَنَاقَصَنِي وَنَاقَصْتُهُ» . قَالَ عَطَاءٌ: فَاخْتَلَفْنَا عَنْ أَبِي؛ فَقَالَ بَعْضُنَا: سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَقَالَ بَعْضُنَا خَمْسَةٍ. قَالَ عَلِيٌّ: فَعَطَاءٌ يَعْتَرِفُ بِاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَبِيهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُحَقِّقْ مَا قَالَ أَبُوهُ فَإِنْ ذَكَرُوا: أَنَّ دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي سَاعَةٍ؟ قُلْنَا: قُرْآنُ دَاوُد هُوَ الزَّبُورُ، لَا هَذَا الْقُرْآنُ، وَشَرِيعَتُهُ غَيْرُ شَرِيعَتِنَا - وَدَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُبْعَثْ إلَّا إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، لَا إلَيْنَا؛ وَمُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ الَّذِي بُعِثَ إلَيْنَا، صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ تَعَالَى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] . وَأَمَّا قِيَامُ اللَّيْلِ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُمْ لَيْلَةً قَطُّ حَتَّى الصَّبَاحِ؟ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا
مسألة الجهر والإسرار في قراءة التطوع ليلا ونهارا
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى صَلَاةُ دَاوُد كَانَ يَرْقُدُ شَطْرَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَرْقُدُ آخِرَهُ ثُمَّ يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ بَعْدَ شَطْرِهِ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَإِذْ هَذَا أَحَبُّ الصَّلَاةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَمَا زَادَ عَلَى هَذَا فَهُوَ دُونَ هَذَا بِلَا شَكٍّ؛ فَإِذَا كَانَ دُونَ هَذَا فَهُوَ ضَائِعٌ لَا أَجْرَ فِيهِ؛ فَهُوَ تَكَلُّفٌ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّفِ - وَقَدْ مَنَعَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ: سَلْمَانُ، وَمُعَاذٌ، وَغَيْرُهُمَا؟ [مَسْأَلَةٌ الْجَهْرُ وَالْإِسْرَارُ فِي قِرَاءَةِ التَّطَوُّعِ لَيْلًا وَنَهَارًا] 295 - مَسْأَلَةٌ: وَالْجَهْرُ وَالْإِسْرَارُ فِي قِرَاءَةِ التَّطَوُّعِ لَيْلًا وَنَهَارًا: مُبَاحٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؟ إذْ لَمْ يَأْتِ مَنْعٌ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا إيجَابٌ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ؟ فَإِنْ قِيلَ: تَخْفِضُ النِّسَاءُ؟ قُلْنَا: وَلِمَ؟ وَلَمْ يَخْتَلِفْ مُسْلِمَانِ فِي أَنَّ سَمَاعَ النَّاسِ كَلَامَ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُبَاحٌ لِلرِّجَالِ، وَلَا جَاءَ نَصٌّ فِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ النِّسَاءِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ [مَسْأَلَةٌ الْجَمْعُ بَيْنَ السُّوَرِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ] 296 - مَسْأَلَةٌ: وَالْجَمْعُ بَيْنَ السُّوَرِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ أَيْضًا:
مسألة للمرء أن يتطوع مضطجعا بغير عذر إلى القبلة وراكبا
حَسَنٌ - وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ بَعْضِ السُّوَرِ فِي الرَّكْعَةِ فِي الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ أَيْضًا: حَسَنٌ لِلْإِمَامِ وَالْفَذِّ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قِرَاءَتَهُمَا " الْبَقَرَةَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ " وَآلَ عِمْرَانَ " كَذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؟ . [مَسْأَلَةٌ لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَطَوَّعَ مُضْطَجِعًا بِغَيْرِ عُذْرٍ إلَى الْقِبْلَةِ وَرَاكِبًا] 297 - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَطَوَّعَ مُضْطَجِعًا بِغَيْرِ عُذْرٍ إلَى الْقِبْلَةِ، وَرَاكِبًا حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ دَابَّتُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا؛ الْحَضَرُ وَالسَّفَرُ سَوَاءٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ثنا رُوحُ بْنُ عُبَادَةَ أَنَا حُسَيْنُ هُوَ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ «عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ: أَنَّهُ سَأَلَ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ» ؟ .
قَالَ عَلِيٌّ: لَا يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْإِبَاحَةِ إلَّا مُصَلِّي الْفَرْضَ الْقَادِرُ عَلَى الْقِيَامِ أَوْ عَلَى الْقُعُودِ فَقَطْ؟ ، وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا؛ فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ؛ فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا، وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا؛ فَإِذَا قَرَأَ قَائِمًا رَكَعَ قَائِمًا، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا؟» . قَالَ عَلِيٌّ: كُلُّ هَذَا سُنَّةٌ وَمُبَاحٌ؛ وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ثنا شَيْبَانُ هُوَ ابْنُ فَرُّوخَ - عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ
مسألة سجود الراكب وركوعه إذا صلى إيماء
مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وَهُوَ رَاكِبٌ فِي غَيْرِ الْقِبْلَةِ» . وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامُ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ حَدَّثَنِي جَابِرٌ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذَا عُمُومٌ لِلرَّاكِبِ أَيَّ شَيْءٍ رَكِبَ، وَفِي كُلِّ حَالٍ مِنْ سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ، وَهَذَا الْعُمُومُ زَائِدٌ عَلَى كُلِّ خَبَرٍ وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَغَيْرِهِ. وَلَمْ يَأْتِ فِي الرَّاجِلِ نَصٌّ أَنْ يَتَطَوَّعَ مَاشِيًا، وَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِ الرَّاكِبِ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى رِحَالِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِمْ. وَهَذِهِ حِكَايَةٌ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عُمُومًا فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ سُجُودُ الرَّاكِبِ وَرُكُوعُهُ إذَا صَلَّى إيمَاءً] 298 - مَسْأَلَةٌ: وَيَكُونُ سُجُودُ الرَّاكِبِ وَرُكُوعُهُ إذَا صَلَّى إيمَاءً -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ، يُومِئُ إيمَاءً، وَذَكَرَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ» .
مسألة صلاة الفرض لا يحل لأحد أن يصليها إلا واقفا إلا لعذر
[مَسْأَلَةٌ صَلَاةُ الْفَرْضِ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَهَا إلَّا وَاقِفًا إلَّا لِعُذْرٍ] مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا صَلَاةُ الْفَرْضِ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَهَا إلَّا وَاقِفًا إلَّا لِعُذْرٍ: مِنْ مَرَضٍ، أَوْ خَوْفٍ مِنْ عَدُوٍّ ظَالِمٍ؛ أَوْ مِنْ حَيَوَانٍ؛ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ أَوْ ضَعْفٍ عَنْ الْقِيَامِ كَمَنْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ؛ أَوْ مَنْ صَلَّى مُؤْتَمًّا بِإِمَامٍ مَرِيضٍ، أَوْ مَعْذُورٍ فَصَلَّى قَاعِدًا فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُصَلُّونَ قُعُودًا؛ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ الْإِمَامُ عَلَى الْقُعُودِ، وَلَا الْقِيَامِ: صَلَّى مُضْطَجِعًا وَصَلُّوا كُلُّهُمْ خَلْفَهُ مُضْطَجِعِينَ وَلَا بُدَّ، وَإِنْ كَانَ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ مُذَكِّرًا - يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ - صَلَّى إنْ شَاءَ قَائِمًا إلَى جَنْبِ الْإِمَامِ، وَإِنْ شَاءَ صَلَّى كَمَا يُصَلِّي إمَامُهُ. فَأَمَّا الْخَائِفُ، وَالْمَرِيضُ؛ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ؛ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ؛ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] فَأَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْقِيَامَ إلَّا عَمَّنْ أَسْقَطَهُ عَنْهُ بِالنَّصِّ؛ وَهَذَا فِي الْخَائِفِ وَالْمَرِيضِ: إجْمَاعٌ - مَعَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدْ صَلَّى الْفَرِيضَةَ قَاعِدًا لِمَرَضٍ كَانَ بِهِ وَلَوْثٍ بِرِجْلِهِ» . وَأَمَّا مَنْ صَلَّى خَلْفَ إمَامٍ يُصَلِّي قَاعِدًا لِعُذْرٍ، فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِيهِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَمَنْ قَلَّدَهُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ الْمَرِيضُ قَاعِدًا الْأَصِحَّاءَ - إلَّا رِوَايَةً رَوَاهَا عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ مُوَافِقَةً لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: يَؤُمُّ الْمَرِيضُ قَاعِدًا: الْأَصِحَّاءَ، إلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ وَرَاءَهُ قِيَامًا، وَلَا بُدَّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَلَا يَؤُمُّ الْمُصَلِّي مُضْطَجِعًا لِعُذْرٍ: الْأَصِحَّاءَ أَصْلًا وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابُنَا: يَؤُمُّ الْمَرِيضُ قَاعِدًا: الْأَصِحَّاءَ، وَلَا يُصَلُّونَ وَرَاءَهُ إلَّا قُعُودًا كُلُّهُمْ، وَلَا بُدَّ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ إلَّا فِيمَنْ يُصَلِّي إلَى جَنْبِ الْإِمَامِ يُذَكِّرُ النَّاسَ وَيُعْلِمُهُمْ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ؛ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا.
قَالَ عَلِيٌّ: فَنَظَرْنَا هَلْ جَاءَ فِي هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانٌ؟ فَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» وَذَكَرَ كَلَامَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَفِيهِ «، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؟ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّفْظُ لَهُ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانِ، وَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ؛ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ثنا أَبِي، ثُمَّ اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ: عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسًا فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ قِيَامًا؛ فَأَشَارَ إلَيْهِمْ: أَنْ اجْلِسُوا؟ فَجَلَسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا
صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا» . وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: «اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ، فَالْتَفَتَ إلَيْنَا فَرَآنَا قِيَامًا، فَأَشَارَ إلَيْنَا فَقَعَدْنَا فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُودًا فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: إنْ كِدْتُمْ آنِفًا تَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ؟ فَلَا تَفْعَلُوا وَائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ إنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» ، وَرَوَاهُ أَيْضًا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَهَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَأَبُو عَلْقَمَةَ وَأَبُو يُونُسَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ وَمِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ عَنْهَا فَصَارَ نَقْلَ تَوَاتُرٍ؛ فَوَجَبَ لِلْعِلْمِ؛ فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ خِلَافُ ذَلِكَ؟ . فَنَظَرْنَا فِيمَا اعْتَرَضَ بِهِ الْمَالِكِيُّونَ فِي مَنْعِهِمْ مِنْ صَلَاةِ الْجَالِسِ لِمَرَضٍ أَوْ عُذْرٍ لِلْأَصِحَّاءِ، فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ شَيْئًا أَصْلًا، إلَّا أَنَّ قَائِلَهُمْ قَالَ: هَذَا خُصُوصٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدُكُمْ بَعْدِي جَالِسًا» ؟
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا شَيْءَ. أَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ هَذَا خُصُوصٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّ نَصَّ الْحَدِيثِ يُكَذِّبُ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ فِيهِ: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا» فَصَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَمَّ بِذَلِكَ كُلَّ إمَامٍ بَعْدَهُ بِلَا إشْكَالٍ. وقَوْله تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] تَكْذِيبٌ لِكُلِّ مَنْ ادَّعَى الْخُصُوصَ فِي شَيْءٍ مِنْ سُنَنِهِ وَأَفْعَالِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ عَلَى دَعْوَاهُ بِنَصٍّ صَحِيحٍ أَوْ إجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ؟ . وَأَمَّا حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ رِوَايَةُ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ الْكَذَّابِ الْمَشْهُورِ بِالْقَوْلِ بِرَجْعَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؟ وَمُجَالِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهُوَ مُرْسَلٌ مَعَ ذَلِكَ. وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ الْمَالِكِيِّينَ يُوهِنُونَ رِوَايَاتِ أَهْلِ الْكُوفَةِ الَّتِي لَا نَظِيرَ لَهَا، وَلَا يَجِدُونَ فِي رِوَايَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَصَحَّ مِنْهَا أَصْلًا؛ فَمَا نَعْلَمُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَصَحَّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ، وَمَسْرُوقٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَابْنِ مَسْعُودٍ: ثُمَّ لَا يُبَالُونَ هَاهُنَا بِتَغْلِيبِ أَفَتْنِ رِوَايَةٍ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَخْبَثِهَا عَلَى أَصَحِّ رِوَايَةٍ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، كَالزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ، كُلِّهِمْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا بَعْدَ هَذَا عَجَبٌ وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ أَفْعَالَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَأَوَامِرِهِ، ثُمَّ لَمْ يُبَالُوا هَاهُنَا بِخِلَافِ آخِرِ فِعْلٍ فَعَلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنَّ آخِرَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالنَّاسِ قَاعِدًا، كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ نَاقِصَةُ الْفَضْلِ عَنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ، فَكَيْفَ يَؤُمُّ الصَّحِيحَ؟ قُلْنَا: إنَّمَا يَكُونُ نَاقِصَ الْفَضْلِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ، أَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ فَفُسِحَ لَهُ فِي الْقُعُودِ، وَأَمَّا إذَا اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ الْقُعُودُ فَلَا نُقْصَانَ لِفَضْلِ صَلَاتِهِ حِينَئِذٍ، ثُمَّ مَا فِي هَذَا مِمَّا يَمْنَعُ أَنْ يَؤُمَّ الْأَنْقَصُ فَضْلًا مَنْ هُوَ أَتَمُّ فَضْلًا فِي صَلَاتِهِ مِنْهُ؟ وَقَدْ عَلِمْنَا أَنْ لَا صَلَاةَ لِأَحَدٍ أَفْضَلَ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ائْتَمَّ بِأَبِي بَكْرٍ، وَبِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَهُمَا أَنْقُصُ صَلَاةً مِنْهُ بِلَا شَكٍّ؟ وَقَدْ يَؤُمُّ عِنْدَكُمْ الْمُسَافِرُ - وَصَلَاتُهُ رَكْعَتَانِ - هَذَا الْمُقِيمَ - وَفَرْضُهُ أَرْبَعٌ؛ فَلِمَ أَجَزْتُمْ ذَلِكَ وَمَنَعْتُمْ هَذَا؟ لَوْلَا التَّحَكُّمُ بِلَا بُرْهَانٍ فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ -، وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. ثُمَّ رَجَعْنَا إلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّلَاةِ جُلُوسًا خَلْفَ الْإِمَامِ الْجَالِسِ لِعُذْرٍ، أَوْ مَرَضٍ مَنْسُوخٌ، فَسَأَلْنَاهُمْ: بِمَاذَا؟ فَذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ
ثنا زَائِدَةُ ثنا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ «عُتْبَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَسَأَلْتُهَا عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ الْخَبَرَ؛ وَفِيهِ: عَهْدُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَبِي بَكْرٍ بِالصَّلَاةِ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّى بِالنَّاسِ تِلْكَ الْأَيَّامَ ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ، لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، وَقَالَ لَهُمَا: أَجْلِسَانِي إلَى جَنْبِهِ، فَأَجْلَسَاهُ إلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي، وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاعِدٌ» فَذَكَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ عَرَضَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَمْ يُنْكِرْ مِنْهُ شَيْئًا. وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ فَذَهَبَ يَتَأَخَّرُ فَأَوْمَأَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقِمْ مَكَانَك فَجَاءَ رَسُولُ
اللَّهِ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ» وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ أَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ - هُوَ عَلِيٌّ - عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، فَذَكَرَتْ هَذَا الْحَدِيثَ وَفِيهِ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمْ التَّكْبِيرَ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَنَظَرْنَا فِي هَذَا الْخَبَرِ، فَلَمْ نَجِدْ فِيهِ لَا نَصًّا، وَلَا دَلِيلًا عَلَى مَا ادَّعَوْهُ مِنْ نَسْخِ الْأَمْرِ بِأَنْ يُصَلِّيَ الْأَصِحَّاءُ قُعُودًا خَلْفَ الْإِمَامِ الْمُصَلِّي قَاعِدًا لِعُذْرٍ، إذْ لَيْسَ فِيهِ
بَيَانٌ وَلَا إشَارَةٌ بِأَنَّ النَّاسَ صَلَّوْا خَلْفَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قِيَامًا، حَاشَا أَبَا بَكْرٍ الْمُسْمِعَ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ فَقَطْ؛ فَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَةُ يَقِينِ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ بِأَنْ يُصَلِّيَ النَّاسُ جُلُوسًا -: لِظَنٍّ كَاذِبٍ لَا يَصِحُّ أَبَدًا، بَلْ لَا يَحِلُّ أَلْبَتَّةَ أَنْ يُظَنَّ بِالصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مُخَالَفَةُ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَيْفَ وَفِي نَصِّ لَفْظِ الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُصَلُّوا إلَّا قُعُودًا وَذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ: «أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ» ، وَبِالضَّرُورَةِ نَدْرِي أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا قِيَامًا وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمٌ لَمَا اقْتَدَى بِصَلَاتِهِ إلَّا الصَّفُّ الْأَوَّلُ فَقَطْ؛ وَأَمَّا سَائِرُ الصُّفُوفِ فَلَا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرَوْنَهُ؛ لِأَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ يَحْجُبُهُمْ عَنْهُ، وَالصُّفُوفُ خَلْفَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَتْ مَرْصُوصَةً، لَا مُتَنَابِذَةً، وَلَا مُتَقَطِّعَةً، فَإِذْ فِي نَصِّ الْخَبَرِ، وَلَفْظِهِ: «أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ» ، فَهَذَا خَبَرٌ عَنْ جَمِيعِهِمْ؛ فَصَحَّ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي حَالٍ يَرَوْنَهُ كُلُّهُمْ، فَيَصِحُّ لَهُمْ الِاقْتِدَاءُ بِصَلَاتِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ إلَّا فِي حَالِ قُعُودِهِمْ؛ وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ لَفْظِ الْخَبَرِ، وَلَا حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ إلَّا بِنَصٍّ جَلِيٍّ. ثُمَّ لَوْ كَانَ فِي الْحَدِيثِ نَصًّا: أَنَّهُمْ صَلَّوْا قِيَامًا - وَهَذَا لَا يُوجَدُ أَبَدًا - لَمَا كَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى النَّسْخِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ كَانَ يَكُونُ حِينَئِذٍ إبَاحَةً فَقَطْ، وَبَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ الْمُتَقَدَّمَ نَدْبٌ وَلَا مَزِيدَ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُذَكَّرِ: إنَّهُ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا، وَفِي الصَّفِّ إنْ شَاءَ أَوْ إلَى جَنْبِ الْإِمَامِ.
فَبَطَلَ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ جُمْلَةً، وَظَهَرَ تَنَاقُضُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إجَازَتِهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَرِيضُ قَاعِدًا بِالْأَصِحَّاءِ قِيَامًا -، وَمَنَعَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَرِيضُ مُضْطَجِعًا الْأَصِحَّاءَ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا؟ ، وَقَدْ اعْتَرَضَ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الْخَبَرِ بِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ هُوَ الْإِمَامَ. وَذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ ثنا حُمَيْدٍ عَنْ «أَنَسٍ قَالَ: آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ الْقَوْمِ: صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ» . وَبِهِ إلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عِيسَى قَالَ سَمِعْتُ شُعْبَةَ يَذْكُرُ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّى بِالنَّاسِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّفِّ» . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ ثني أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبِّرِ ثنا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّى بِالنَّاسِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَهُ» ، قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ بِلَا شَكٍّ. ؟ إحْدَاهُمَا: الَّتِي رَوَاهَا الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ عَنْهَا، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، صِفَتُهَا: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إمَامُ النَّاسِ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ، وَأَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ يَمِينِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فِي مَوْقِفِ الْمَأْمُومِ، يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَالصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ: الَّتِي رَوَاهَا مَسْرُوقٌ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَحُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ، صِفَتُهَا: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي الصَّفِّ مَعَ النَّاسِ؟» فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً. وَلَيْسَتْ صَلَاةً وَاحِدَةً فِي الدَّهْرِ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى التَّعَارُضِ، بَلْ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسُ
صَلَوَاتٍ، وَمَرَضُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مُدَّةَ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا مَرَّتْ فِيهَا سِتُّونَ صَلَاةً أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَدْ اعْتَرَضَ قَوْمٌ فِي هَذَا الْخَبَرِ بِرِوَايَةٍ سَاقِطَةٍ وَاهِيَةٍ، انْفَرَدَ بِهَا إسْرَائِيلُ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَرْقَمَ بْنِ شُرَحْبِيلَ - وَلَيْسَ بِمَشْهُورِ الْحَالِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَتَمَّ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ الْقِرَاءَةِ» ، قَالَ: وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهَذَا؟ . قَالَ عَلِيٌّ: وَالْجَوَابُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْمُطَّرَحَةَ لَا يُعَارَضُ بِهَا مَا رَوَاهُ مِثْلُ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَيْضًا: فَلَوْ صَحَّ هَذَا الْفِعْلُ لَقُلْنَا بِهِ وَلَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا وَاَلَّتِي لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ قَرَأَهَا كَمَا لَا بُدَّ مِنْ الطَّهَارَةِ وَمِنْ الْقِبْلَةِ؛ وَمِنْ التَّكْبِيرِ -، وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ - ثُمَّ بَدَأَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْقِرَاءَةِ فِي السُّورَةِ مِنْ حَيْثُ وَقَفَ أَبُو بَكْرٍ، وَهَذَا حَسَنٌ جِدًّا مُبَاحٌ جَيِّدٌ؟ . وَأَيْضًا: فَإِنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ذَكَرَتْ: أَنَّهَا كَانَتْ صَلَاةَ الظُّهْرِ، وَهِيَ سِرٌّ؛ فَبَطَلَ مَا رَوَاهُ إسْرَائِيلُ.
وَأَيْضًا: فَلَوْ بَطَلَ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ صَلَاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ -: لَخَلُصَ أَمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْمُصَلَّيْنَ خَلْفَهُ فِي مَرَضِهِ - إذْ سَقَطَ مِنْ فَرَسٍ فَوَثِئَتْ رِجْلُهُ الطَّاهِرَةُ بِالْقُعُودِ، وَبِالصَّلَاةِ خَلْفَ الْإِمَامِ الْجَالِسِ جُلُوسًا، الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، بَاقِيًا لَا مُعَارِضَ لَهُ، وَلَا مُعْتَرَضَ فِيهِ لِأَحَدٍ، وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَبِمِثْلِ قَوْلِنَا يَقُولُ جُمْهُورُ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ:
الْإِمَامُ أَمِينٌ، فَإِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا؟ ، وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: إنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ بِهِ وَجَعٌ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ قَاعِدًا وَأَصْحَابُهُ قُعُودًا؟ . وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ الْحُضَيْرِ اشْتَكَى فَكَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ جَالِسًا؟ . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَأَخْبَرَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ أَخْبَرَنِي قَيْسُ بْنُ قَهْدٍ الْأَنْصَارِيُّ «أَنَّ إمَامًا لَهُمْ اشْتَكَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ يَؤُمُّنَا جَالِسًا وَنَحْنُ جُلُوسٌ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَهَؤُلَاءِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٌ، وَأُسَيْدُ، وَكُلُّ مَنْ مَعَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَعَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَيْرِ مَسْجِدِهِ، لَا مُخَالِفَ لَهُمْ يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَصْلًا؛ كُلُّهُمْ يَرْوِي إمَامَةَ الْجَالِسِ لِلْأَصِحَّاءِ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ فِي أَنْ يُصَلِّيَ الْأَصِحَّاءُ وَرَاءَهُ جُلُوسًا؟ ، وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّهُ أَمَرَ الْأَصِحَّاءَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَ الْقَاعِدِ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: مَا رَأَيْت النَّاسَ إلَّا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَلَّى قَاعِدًا صَلَّى مَنْ خَلْفَهُ قُعُودًا؛ قَالَ: وَهِيَ السُّنَّةُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ؟ . وَرُوِّينَا عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَفَّانَ بْنَ مُسْلِمٍ قَالَ: «أَتَيْنَا حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ يَوْمًا، وَقَدْ صَلَّوْا الصُّبْحَ، فَقَالَ: إنَّا أَحْيَيْنَا الْيَوْمَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْنَا: مَا هِيَ يَا أَبَا إسْمَاعِيلَ؟ قَالَ: كَانَ إمَامُنَا مَرِيضًا، فَصَلَّى بِنَا جَالِسًا، فَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ جُلُوسًا» . وَبِإِمَامَةِ الْجَالِسِ لِلْأَصِحَّاءِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ،
وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَدَاوُد وَجُمْهُورُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ التَّابِعِينَ مَنَعَ مِنْ جَوَازِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ قَاعِدًا بِالْأَصِحَّاءِ؛ إلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ أَنَّهُ قَالَ: أَكْرَهُ ذَلِكَ؟ - وَلَيْسَ هَذَا مَنْعًا مِنْ جَوَازِهَا. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلُ: يُصَلِّي الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ وَلَا عَلَى الْقُعُودِ بِالْأَصِحَّاءِ مُضْطَجِعًا؛ إلَّا أَنَّهُ رَأَى أَنْ يُصَلُّوا وَرَاءَهُ قِيَامًا قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ بَلْ لَا يُصَلُّونَ وَرَاءَهُ إلَّا مُضْطَجِعِينَ مُومِئِينَ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» وَهَذَا عُمُومٌ مَانِعٌ لِلِاخْتِلَافِ عَلَى الْإِمَامِ جُمْلَةً؟ . وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا» بِمَانِعٍ مِنْ أَنْ يَأْتَمُّوا بِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْوُجُوهِ؛ فَوَجَبَ الِائْتِمَامُ بِهِ فِي كُلِّ حَالٍ، إلَّا حَالًا خَصَّهَا نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ فَقَطْ. وَأَمَّا الْمَرِيضُ خَلْفَ الصَّحِيحِ؛ فَإِنَّ الصَّحِيحَ يُصَلِّي قَائِمًا، وَالْمَرِيضُ يَأْتَمُّ بِهِ جَالِسًا أَوْ مُضْطَجِعًا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِ صَلَاةٍ صَلَّاهَا مَعَ النَّاسِ فِي جَمَاعَةٍ صَلَّى قَاعِدًا خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمٌ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِأَنْ لَا يَخْتَلِفَ عَلَى الْإِمَامِ؟ . وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ؛ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
مسألة ولا يحل لأحد أن يصلي الفرض راكبا ولا ماشيا إلا في حال الخوف فقط
[مَسْأَلَةٌ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ رَاكِبًا وَلَا مَاشِيًا إلَّا فِي حَالِ الْخَوْفِ فَقَطْ] ْ؛ وَسَوَاءٌ خَافَ طَالِبًا لَهُ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ أَوْ خَافَ نَارًا، أَوْ سَيْلًا، أَوْ حَيَوَانًا عَادِيًا، أَوْ مَطَرًا، أَوْ فَوْتَ رُفْقَةٍ، أَوْ تَأَخُّرًا عَنْ بُلُوغِ مَحَلِّهِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ -؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا - فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [النساء: 239 - 103] فَلَمْ يَفْسَحْ تَعَالَى فِي الصَّلَاةِ رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا مَاشِيًا إلَّا لِمَنْ خَافَ؛ وَلَمْ يَخُصَّ عَزَّ وَجَلَّ خَوْفًا مِنْ خَوْفٍ؛ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ أَصْلًا. وَالْعَجَبُ أَنَّ الْمَالِكِيِّينَ مَنَعُوا مِنْ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ إلَّا مَنْ خَافَ طَالِبًا، وَهُمْ يَقُولُونَ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْض: إنَّ مُبَاحًا لَهُمْ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَالْمُحَرَّمَاتِ فِي حَالِ تَمَادِيهِمْ عَلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ وَقَتْلِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا فَخَصُّوا مَا عَمَّ اللَّهُ تَعَالَى بِلَا دَلِيلٍ، وَأَتَوْا إلَى قَوْله تَعَالَى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} [المائدة: 3] ، وَإِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] فَقَالُوا: نَعَمْ، وَمَنْ اُضْطُرَّ مُتَجَانِفًا لِإِثْمٍ وَبَاغِيًا وَعَادِيًا، وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا؟ . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ أَجَازَ الْقَصْرَ لِلْمُسَافِرِ فِي مَعْصِيَةٍ؛ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِثْلَهُ؛ إذْ هُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ، وَأَمَّا نَحْنُ فَمَا اتَّبَعْنَا إلَّا النَّصَّ فَقَطْ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَا عَمِلَهُ الْمَرْءُ فِي صَلَاتِهِ مِمَّا أُبِيحَ لَهُ مِنْ الدِّفَاعِ عَنْهُ] 301 - مَسْأَلَةٌ: وَمَا عَمِلَهُ الْمَرْءُ فِي صَلَاتِهِ مِمَّا أُبِيحَ لَهُ مِنْ الدِّفَاعِ عَنْهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْمُحَارَبَةُ لِلظَّالِمِ، وَإِطْفَاءُ النَّارِ الْعَادِيَةِ، وَإِنْقَاذُ الْمُسْلِمِ، وَفَتْحُ الْبَابِ؛ قَلَّ ذَلِكَ الْعَمَلُ أَمْ كَثُرَ؟ . وَكُلُّ مَا تَعَمَّدَ الْمَرْءُ عَمَلَهُ فِي صَلَاتِهِ مِمَّا لَمْ يُبَحْ لَهُ عَمَلُهُ فِيهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ قَلَّ ذَلِكَ الْعَمَلُ أَمْ كَثُرَ؟ .
وَكُلُّ مَا فَعَلَهُ الْمَرْءُ نَاسِيًا فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يُبَحْ لَهُ فِعْلُهُ: فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا سُجُودُ السَّهْوِ فَقَطْ؛ قَلَّ ذَلِكَ الْعَمَلُ أَمْ كَثُرَ؟ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ يُقَاتِلُ؛ لَكِنْ يَدَعُونَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا، وَإِنْ ذَهَبَتْ صَلَاتَانِ أَوْ أَكْثَرُ؛ فَإِذَا ذَهَبَ الْقِتَالُ قَضَوْهَا؟ . وَرَأَى أَنَّ الْكَلَامَ نَاسِيًا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ؛ كَمَا يُبْطِلُهُ الْعَمْدُ، وَرَأَى السَّلَامَ مِنْ الصَّلَاةِ عَمْدًا يُبْطِلُهَا قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهِ، فَإِنْ كَانَ بِالنِّسْيَانِ لَمْ تَبْطُلْ بِهِ الصَّلَاةُ. قَالَ: فَلَوْ أَرَادَ مُرِيدٌ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فَقَالَ الْمُصَلِّي: سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ أَشَارَ بِيَدِهِ؛ لِيَرُدَّهُ كَرِهْت ذَلِكَ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ؛ فَلَوْ قَالَ لَهُ قَائِلٌ كَلَامًا؟ فَقَالَ لَهُ الْمُصَلِّي: سُبْحَانَ اللَّهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. فَلَوْ عَطَسَ الْمُصَلِّي فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَحَرَّكَ بِذَلِكَ لِسَانَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَمَنْ دَعَا لِإِنْسَانٍ أَوْ عَلَيْهِ فَسَمَّاهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؟ ، وَرَأَى الْحَدَثَ بِالْغَلَبَةِ - مِنْ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ - لَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَلَكِنْ تَبْطُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ فَقَطْ؟ . وَرَأَى مَنْ أَخْرَجَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ طَعَامًا بِلِسَانِهِ فَابْتَلَعَهُ عَامِدًا: أَنَّ صَلَاتَهُ تَامَّةٌ؛ وَحَدَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ ذَلِكَ بِمِقْدَارِ الْحِمَّصَةِ. قَالَ: وَإِنْ بَدَأَ الصَّلَاةَ رَاكِبًا ثُمَّ أَمِنَ فَنَزَلَ بَنَى، فَإِنْ بَدَأَهَا نَازِلًا ثُمَّ خَافَ فَرَكِبَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؟ .
وَرَأَى قَتْلَ الْقَمْلَةِ وَالْبُرْغُوثِ فِي الصَّلَاةِ لَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَرَأَى النَّفْخَ فِي الصَّلَاةِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ. وَرَأَى سَائِرَ الْأَعْمَالِ الَّتِي تُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِالْعَمْدِ تُبْطِلُهَا بِالنِّسْيَانِ؟ . وَرَأَى مَالِكٌ: الْكَلَامَ، وَالسَّلَامَ، وَالْعَمَلَ: كُلَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِالْعَمْدِ، بَعْضُ ذَلِكَ يَحُدُّ فِيهِ بُطْلَانَ الصَّلَاةِ بِالْكَثِيرِ مِنْ ذَلِكَ دُونَ الْقَلِيلِ، وَبَعْضُهُ بِالْقَلِيلِ وَبِالْكَثِيرِ. وَرَأَى أَيْضًا: الْكَلَامَ، وَالْعَمَلَ، وَالسَّلَامَ، بِالنِّسْيَانِ لَا يُبْطِلُ شَيْءٌ مِنْهُ الصَّلَاةَ؛ فَإِنْ كَثُرَ بِالنِّسْيَانِ بَطَلَتْ بِهِ الصَّلَاةُ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي النَّفْخِ هَلْ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ أَمْ لَا؟ . وَرَأَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا بَلَغَ فِي صَلَاتِهِ مِمَّا بَيْنَ أَسْنَانِهِ الْحَبَّةَ وَنَحْوَهَا عَمْدًا فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَلَمْ يَرَ التَّسْبِيحَ لِلْعَارِضِ بِغَرَضٍ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَكَرِهَ قَوْلَ الْمُصَلِّي إذَا عَطَسَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ " وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ؟ . وَكَرِهَ قَتْلَ الْبُرْغُوثِ وَالْقَمْلَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَرَهَا تَبْطُلُ، وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ. وَأَجَازَ لِلْمُصَلِّي رَمْيَ الْعُصْفُورِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَرَهَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ، وَأَمَرَ الْمُحَارَبَ أَنْ يُصَلِّيَ إيمَاءً، فَإِنْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ رَاكِبًا لِخَوْفٍ ثُمَّ أَمِنَ فَنَزَلَ، أَوْ ابْتَدَأَهَا نَازِلًا ثُمَّ خَافَ فَرَكِبَ -: بَنَى فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ اُضْطُرَّ الْمُحَارِبُ إلَى الْقِتَالِ، فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَ الضَّرْبَةَ وَيَطْعَنَ الطَّعْنَةَ، فَإِنْ تَابَعَ الضَّرْبَ وَالطَّعْنَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلَّى مُبْتَدِئًا لِلصَّلَاةِ وَهُوَ رَاكِبٌ ثُمَّ أَمِنَ فَنَزَلَ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ؛ إلَّا أَنْ يُحَوِّلَ وَجْهَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
فَإِنْ بَدَأَ الصَّلَاةَ نَازِلًا ثُمَّ حَدَثَ خَوْفٌ فَرَكِبَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَابْتَدَأَهَا؟ قَالَ: وَمَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ طَعَامٌ يَجْرِي مَجْرَى الرِّيقِ فَابْتَلَعَهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ غَيْرَ ذَلِكَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ فَإِنْ مَضَغَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَلَمْ يَرَ التَّسْبِيحَ وَلَا التَّصْفِيقَ يُنْقِصَانِ الصَّلَاةَ. وَرَأَى قَتْلَ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي الصَّلَاةِ مُبَاحًا، وَكُلَّ عَمَلٍ خَفِيفٍ جَاءَ بِمِثْلِهِ أَثَرٌ لَمْ يَقْطَعْهَا، وَرَأَى الْعَمَلَ الْكَثِيرَ وَالْمَشْيَ الْكَثِيرَ بِالنِّسْيَانِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذِهِ كُلُّهَا أَقْوَالٌ مُتَنَاقِضَةٌ مُتَخَاذِلَةٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَأَعْجَبُ ذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَمَلِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِلَا دَلِيلٍ. ثُمَّ مَا هُوَ الْقَلِيلُ، وَمَا هُوَ الْكَثِيرُ؟ وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا قَلِيلَ إلَّا، وَهُوَ كَثِيرٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ، وَلَا كَثِيرَ إلَّا، وَهُوَ قَلِيلٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ؛ وَكُلُّ ذَلِكَ رَأْيٌ فَاسِدٌ بِلَا بُرْهَانٍ، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، لَا صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا احْتِيَاطٍ وَلَا رَأْيٍ يَصِحُّ. فَمِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ فِي الصَّلَاةِ: الِالْتِفَاتُ لِمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ؟ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ وَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إلَى أَبِي بَكْرٍ قَالَ: أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ فَأُقِيمَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنْ اُمْكُثْ مَكَانَكَ؟ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إذْ أَمَرْتُكَ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ مِنْ التَّصْفِيحِ؟ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ؛ فَإِنَّهُ إذَا سَبَّحَ اُلْتُفِتَ إلَيْهِ» . وَبِهِ إلَى أَبِي دَاوُد: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ أَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ نَفْسَهُ، وَفِي آخِرِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُسَبِّحْ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّحْ النِّسَاءُ» . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: إبَاحَةُ التَّسْبِيحِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِبَاحَةُ حَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ حَالٍ: وَبُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ وَرَاءَهُ يَحْمَدُ اللَّهَ
تَعَالَى رَافِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ تَبْطُلْ بِذَلِكَ صَلَاتُهُ؟ . وَفِيهِ: أَنَّ التَّصْفِيقَ نَهَى عَنْهُ الرِّجَالَ، وَأَمَرَ بِهِ النِّسَاءَ فِيمَا نَابَهُنَّ فِي الصَّلَاةِ؛ فَإِنْ صَفَّقَ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ عَالِمًا بِالنَّهْيِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ فِي صَلَاتِهِ مَا نَهَى عَنْهُ؛ فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ. وَإِنْ سَبَّحَتْ الْمَرْأَةُ فَلَمْ تُنْهَ عَنْ التَّسْبِيحِ؛ بَلْ هُوَ ذِكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى حَسَنٌ، وَإِنْ صَفَّحَتْ فَحَسَنٌ؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَبَثًا وَلِغَيْرِ نَائِبٍ؛ فَهُوَ عَمَلٌ فِي الصَّلَاةِ نُهِينَا عَنْهُ، وَمَنْ فَعَلَ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يُبَحْ لَهُ فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ؟ . وَفِيهِ: إبَاحَةُ الِالْتِفَاتِ لِلنَّائِبِ يَنُوبُ فِي الصَّلَاةِ؛ فَمَنْ الْتَفَتَ عَبَثًا لِغَيْرِ نَائِبٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَمْ يُبَحْ لَهُ؟ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - عَنْ يُونُسَ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْت أَبَا الْأَحْوَصِ يُحَدِّثُنَا فِي مَجْلِسِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ جَالِسٌ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ انْصَرَفَ عَنْهُ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثنا زَائِدَةُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الصَّلَاةِ» . قَالَ عَلِيٌّ: مَنْ صَرَفَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ تَرَكَهُ وَلَمْ يَرْضَ عَمَلَهُ،
وَإِذَا لَمْ يَرْضَ عَمَلَهُ فَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ بِلَا شَكٍّ. وَقَدْ أَيْقَنَّا أَنَّ الِالْتِفَاتَ الَّذِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَسَخِطَهُ هُوَ غَيْرُ الِالْتِفَاتِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ؟ ، وَعَلِمْنَا أَنَّ مَنْ اخْتَلَسَ الشَّيْطَانُ بَعْضَ صَلَاتِهِ فَلَمْ يُتِمَّهَا، وَإِذَا لَمْ يُتِمَّهَا فَلَمْ يُصَلِّ. وَرُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ الْمُعَلَّى بْنِ عِرْفَانَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الِالْتِفَاتُ؟ . وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا يَزَالُ اللَّهُ تَعَالَى مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ بِوَجْهِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ أَوْ يُحْدِثْ - يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: يُدْعَى قَوْمٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " الْمَنْقُوصِينَ " الَّذِينَ يَنْقُصُ أَحَدُهُمْ صَلَاتَهُ، وَوُضُوءَهُ، وَالْتِفَاتَهُ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أَرْبَعٌ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِي صَلَاتِهِ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، فَذَكَرَ مِنْهَا: الِالْتِفَاتَ، وَالْإِشَارَةَ بِالْيَدِ، وَبِالرَّأْسِ لِلْحَاجَةِ، وَالِاسْتِمَاعَ إلَى مَا يَأْتِيهِ، وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ لِحَاجَةٍ فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ - فَكُلُّ هَذَا مُبَاحٌ فِي الصَّلَاةِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَمْرُو هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - عَنْ بُكَيْرٍ هُوَ ابْنُ الْأَشَجِّ - عَنْ كُرَيْبٍ هُوَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ
أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْهُمَا - يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ - ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا، فَأَرْسَلْتُ إلَيْهِ الْجَارِيَةَ فَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِهِ فَقُولِي: تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ، وَأَرَاك تُصَلِّيهِمَا، فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ؟ فَفَعَلَتْ الْجَارِيَةُ؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ؛ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، سَأَلْتِ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ؟» وَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ «إشَارَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِيَدِهِ إذْ صَلَّى وَهُوَ جَالِسٌ إلَى الْمُصَلِّينَ وَرَاءَهُ قِيَامًا يَنْهَاهُمْ عَنْ الْقِيَامِ» ، وَالْإِشَارَةُ بِرَدِّ السَّلَامِ بِالْيَدِ وَالرَّأْسِ فِي الصَّلَاةِ جَائِزَةٌ. كَمَا حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ» وَهَذَا عُمُومٌ فِي كُلِّ مَا نَابَ؟ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ ثنا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ «عَنْ جَابِرٍ: أَنَّهُ أَدْرَكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَأَشَارَ إلَيَّ؛ فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي وَقَالَ: إنَّكَ سَلَّمْتَ عَلَيَّ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي» . حَدَّثَنَا حَمَّامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ثنا الْحُمَيْدِيُّ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ثنا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مَسْجِدِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءَ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ؛ فَسَأَلْتُ صُهَيْبًا وَكَانَ مَعَهُ: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرُدُّ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: كَانَ يُشِيرُ إلَيْهِمْ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ السُّلَيْمِ ثنا الْأَعْرَابِيُّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا قُتَيْبَةُ: أَنَّ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ حَدَّثَهُمْ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ نَابِلٍ صَاحِبِ الْعَبَاءِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ «صُهَيْبٍ قَالَ: مَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ إشَارَةً؟» .
قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَعَلَّ هَذِهِ الْإِشَارَةَ نَهْيٌ لَهُمْ؟ ؛ قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا الْكَذِبُ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَنَهَاهُمْ إثْرَ فَرَاغِهِ -: وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: رَأَيْت أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَشْهَدَ عَلَى الشَّهَادَةِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي؟ . وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ تَأْمُرُ خَادِمَهَا أَنْ تُقَسِّمَ الْمَرَقَةَ، فَتَمُرُّ بِهَا، وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ فَتُشِيرُ إلَيْهَا: أَنْ زِيدِي؛ وَتَأْمُرُ بِالشَّيْءِ لِلْمِسْكِينِ تُومِئُ بِهِ، وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ؟ . وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يُشِيرُ إلَى أَوَّلِ رَجُلٍ فِي الصَّفِّ - وَرَأَى خَلَلًا: أَنْ تَقَدَّمَ؟ . وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَوْمَأَتْ وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ إلَى نِسْوَةٍ: أَنْ كُلْنَ؟ . وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: إنِّي لَأَعُدُّهَا لِلرَّجُلِ عِنْدِي يَدًا أَنْ يَعْدِلَنِي فِي الصَّلَاةِ. وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ: قُلْت لِعَطَاءٍ: يَمُرُّ بِي إنْسَانٌ فَأَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ ثَلَاثًا -: فَيُقْبِلُ؛ فَأَقُولُ لَهُ بِيَدِي: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ فَيَقُولُ: إلَى كَذَا كَذَا - وَأَنَا فِي الْمَكْتُوبَةِ، هَلْ انْقَطَعَتْ صَلَاتِي؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَكْرَهُهُ، قُلْت:
فَاسْجُدْ لِلسَّهْوِ؟ قَالَ: لَا. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّهَا قَامَتْ إلَى الصَّلَاةِ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ، فَأَشَارَتْ إلَى الْمِلْحَفَةِ فَنَاوَلْتهَا، وَكَانَ عِنْدَهَا نِسْوَةٌ فَأَوْمَأَتْ إلَيْهِنَّ بِشَيْءٍ مِنْ طَعَامٍ بِيَدِهَا - تَعْنِي وَهِيَ تُصَلِّي. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: «كَانَ يَجِيءُ الرَّجُلَانِ إلَى الرَّجُلِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَيُشْهِدَانِهِ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَيُصْغِي لَهَا سَمْعَهُ، فَإِذَا فَرَغَا يُومِئُ بِرَأْسِهِ أَيْ: نَعَمْ؟» . وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنْ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَسُلِّمَ عَلَيْهِ؟ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ، وَلْيُشِرْ إشَارَةً؟ فَإِنَّ ذَلِكَ رَدُّهُ؟ . فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيمَ» . قِيلَ: لَيْسَ هَذَا نَهْيًا عَنْ رَدِّ السَّلَامِ فِي الصَّلَاةِ بِالْإِشَارَةِ؛ وَلَا يُفْهَمُ هَذَا مِنْ هَذَا
اللَّفْظِ، وَالدَّعْوَى مَرْدُودَةٌ إلَّا بِبُرْهَانٍ؟ . وَالتَّرْوِيحُ لِمَنْ آذَاهُ الْحَرُّ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وقَوْله تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] فَلَوْ تَرَوَّحْ عَبَثًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؟ . وَرُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَدِيِّ عَنْ أَشْعَثَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيِّ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ لَا يَرَى بَأْسًا بِالتَّرْوِيحِ فِي الصَّلَاةِ؟ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ كَانَ يَتَرَوَّحُ فِي الصَّلَاةِ وَيَمْسَحُ الْعَرَقَ؟ . وَمِنْ ذَلِكَ إمَاطَتُهُ عَنْ كُلِّ مَا يُؤْذِيهِ وَيَشْغَلُهُ عَنْ تَوْفِيَةِ صَلَاتِهِ حَقَّهَا: لِمَا ذَكَرْنَا؟ ، وَكَذَلِكَ سُقُوطُ ثَوْبٍ، أَوْ حَكُّ بَدَنٍ، أَوْ قَلْعُ بَثْرَةٍ، أَوْ مَسُّ رِيقٍ، أَوْ وَضْعُ دَوَاءٍ، أَوْ رِبَاطُ مُنْحَلٍّ: إذَا كَانَ كُلُّ ذَلِكَ يُؤْذِيهِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ إصْلَاحُ شَأْنِهِ؛ لِيَتَفَرَّغَ لِصَلَاتِهِ؟ . رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا رَأَى الْإِنْسَانُ فِي ثَوْبِهِ دَمًا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَانْصَرَفَ يَغْسِلُهُ؟ أَتَمَّ، صَلَّى مَا بَقِيَ عَلَى مَا مَضَى مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: وَمَا لَمْ يَنْحَرِفْ عَنْ الْقِبْلَةِ عَامِدًا؟ ، وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَتَحَرَّكُ فِي صَلَاتِهِ إلَّا أَنْ يُصْلِحَ ثَوْبًا أَوْ يَحُكَّ جِلْدًا. وَأَمَّا مَنْ اسْتَرْخَى ثَوْبُهُ حَتَّى مَسَّ كَعْبَهُ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَهُ؛ لِئَلَّا يُصَلِّي مُسْبِلًا
عَامِدًا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ . وَحَتُّ النُّخَامَةِ مِنْ حَائِطِ الْمَسْجِدِ الَّذِي فِي قِبْلَتِهِ -: لِمَا حَدَّثَنَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعْدٍ ثنا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «رَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْ النَّاسِ فَحَتَّهَا ثُمَّ قَالَ حِينَ انْصَرَفَ: إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ وَجْهِهِ فِي الصَّلَاةِ» . وَقَتْلُ الْحَيَّةِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالْغُرَابِ، وَالْحِدَأَةِ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَالْفَأْرِ، وَالْوَزَغِ - صِغَارِهَا وَكِبَارِهَا -: مُبَاحٌ فِي الصَّلَاةِ؟ ؛ لِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُسْلِمٌ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثنا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اُقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ الْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ: مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنْ الدَّوَابِّ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: حَدَّثَتْنِي إحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَالْفَأْرَةِ،
وَالْعَقْرَبِ، وَالْحُدَيَّا وَالْغُرَابِ، وَالْحَيَّةِ قَالَ: وَفِي الصَّلَاةِ أَيْضًا؟» . قَالَ عَلِيٌّ: كُلُّ نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثِقَاتٌ فَوَاضِلُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُقَدَّسَاتٌ بِيَقِينٍ، وَلَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَغِيبَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ عِلْمُهُنَّ وَلَا عِلْمُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ. فَإِنْ تَأَذَّى بِوَزَغَةٍ، أَوْ بُرْغُوثٍ، أَوْ قَمْلٍ؟ فَوَجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُهُنَّ عَنْ نَفْسِهِ. فَإِنْ كَانَ فِي دَفْعِهِ قَتْلُهُنَّ دُونَ تَكَلُّفِ عَمَلٍ شَاغِلٍ عَنْ الصَّلَاةِ فَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّنَا قَدْ رُوِّينَا عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَمْرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَمِّ شَرِيكٍ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّفَلِّي فِي الصَّلَاةِ، وَلَا أَنْ يَشْتَغِلَ بِرَبْطِ بُرْغُوثٍ، أَوْ قَمْلَةٍ فِي ثَوْبِهِ؛ إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَى ذَلِكَ؛ وَلَا جَاءَ النَّصُّ بِإِبَاحَتِهِ، وَلَا طَلَبُ قَتْلِ مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهِ فِيهَا؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» ؟ . وَمَنْ خَطَرَ عَلَيْهِ مِسْكِينٌ فَخَشِيَ فَوْتَهُ فَلَهُ أَنْ يُنَاوِلَهُ صَدَقَةً وَهُوَ يُصَلِّي؟ وَلَوْ خَشِيَ عَلَى نَعْلَيْهِ أَوْ خُفَّيْهِ مَطَرًا أَوْ أَذًى أَوْ سَرِقَةً فَلَهُ أَنْ يُحَصِّنَهُمَا وَيُزِيلَهُمَا عَنْ مَكَانِ الْخَوْفِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ؟ . وَلَوْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ أَوْ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَطَلَبَهُ صَاحِبُهُ فَلْيُشِرْ لَهُ إلَيْهِ، أَوْ لِيُنَاوِلْهُ إيَّاهُ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ تُؤَدَّى إلَى أَهْلِهَا، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] ، وَإِنَّمَا هَذَا إذَا خَشِيَ ضَيَاعَ الشَّيْءِ أَوْ فَوْتَ صَاحِبِهِ؛ فَإِذَا لَمْ يَخْشَ ذَلِكَ فَلَا
يَفْعَلُ؛ إلَّا حَتَّى يُتِمَّ الصَّلَاةَ؟ . وَمَنْ صَفَّ قَدَمَيْهِ أَوْ رَاوَحَ بَيْنَهُمَا فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ كُلَّهُ قِيَامٌ، وَمَنْ أَنَّ فِي صَلَاتِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ شِدَّةِ مَرَضٍ غَالِبٍ لَا يَقْدِرُ مِنْهُ عَلَى أَكْثَرَ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] فَإِنْ تَعَمَّدَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ النَّصُّ بِإِبَاحَتِهِ؟ . وَمَنْ صَلَّى، وَفِي فَمِهِ -: دِينَارٌ، أَوْ دِرْهَمٌ، أَوْ لُؤْلُؤَةٌ، أَوْ فِي كُمِّهِ -: حَرِيرٌ، أَوْ ذَهَبٌ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا عَلَيْهِ حِفْظُهُ -: فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ. وَدَفْعُ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتُهُ وَمُقَاتَلَتُهُ إنْ أَبَى -: حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى الْمُصَلِّي، فَإِنْ وَافَقَ ذَلِكَ مَوْتَ الْمَارِّ دُونَ تَعَمُّدٍ مَنْ الْمُصَلِّي لِقَتْلِهِ: فَهُوَ هَدَرٌ، وَلَا دِيَةَ فِيهِ، وَلَا قَوَدَ، وَلَا كَفَّارَةَ؟ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ثنا ابْنُ هِلَالٍ يَعْنِي حُمَيْدًا - قَالَ: قَالَ لِي «أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ: بَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ إذْ جَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَرَادَ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ، فَنَظَرَ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إلَّا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي سَعِيدٍ؛ فَعَادَ فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ أَشَدَّ مِنْ الدَّفْعَةِ الْأُولَى، فَمَثَلَ قَائِمًا فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ ثُمَّ زَاحَمَ النَّاسَ فَخَرَجَ، فَدَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَشَكَا إلَيْهِ مَا لَقِيَ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ عَلَى مَرْوَانَ فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيكَ؟ جَاءَ يَشْكُوكَ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ
يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ؛ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» . فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ مَالِكٍ: بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِرَجُلٍ كُسِرَ أَنْفُهُ، فَقَالَ: مَرَّ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ بَلَغَنِي مَا سَمِعْت فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: فَمَا صَنَعْت أَشَدَّ يَا ابْنَ أَخِي ضَيَّعْت الصَّلَاةَ، وَكَسَرْت أَنْفَهُ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا بَلَاغٌ لَا يَصِحُّ؛ وَلَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ إلَّا عَلَى الْمُخَالِفِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَقَادَ مَنْ كُسِرَ أَنْفُهُ، وَحَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِيهِ لَمَا كَانَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ حُجَّةٌ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ رَأَى مُقَاتَلَتَهُ وَضَرْبَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَغَيْرُهُ؟ . وَحَمْلُ الْمُصَلِّي صَغِيرًا عَلَى عُنُقِهِ [أَوْالسُّجُودُ بِهِ] إذَا دَعَتْ إلَى حَمْلِهِ حَاجَةٌ جَائِزٌ؟ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ ثنا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ سَمِعَا عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيُّ عَنْ «أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَؤُمُّ النَّاسَ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ وَهِيَ بِنْتُ زَيْنَبَ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنْ السُّجُودِ أَعَادَهَا» ؟ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى ثنا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ، وَقَدْ دَعَاهُ بِلَالٌ لِلصَّلَاةِ إذْ خَرَجَ عَلَيْنَا وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ - بِنْتُ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَاتِقِهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مُصَلَّاهُ، فَقُمْنَا خَلْفَهُ، وَهِيَ فِي مَكَانِهَا الَّذِي هِيَ فِيهِ، فَكَبَّرَ؟ فَكَبَّرْنَا، حَتَّى إذَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرْكَعَ أَخَذَهَا فَوَضَعَهَا ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِهِ وَقَامَ أَخَذَهَا فَرَدَّهَا فِي مَكَانِهَا؛ فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ» . وَبِهَذَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ يُثْبِتَانِ كَذِبَ مَنْ خَالَفَهُمَا، وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ فِي نَافِلَةٍ، وَكُلُّ مَا
فَعَلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَهُوَ غَايَةُ الْخُشُوعِ، وَكُلُّ مَا خَالَفَهُ فَهُوَ الْبَاطِلُ، وَإِنْ ظَنَّهُ الْمُخْطِئُ خُشُوعًا. وَهَذَا الْخَبَرُ بِلَا شَكٍّ كَانَ بَعْدَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِ مَسْعُودٍ «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ قَبْلَ بَدْرٍ، إثْرَ مَجِيءِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ بِلَادِ الْحَبَشَةِ؛ لَمْ تَرِدْ زَيْنَبُ الْمَدِينَةَ وَابْنَتُهَا إلَّا بَعْدَ بَدْرٍ، بِالْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ فِي ذَلِكَ؟ ، وَمَنْ رَكِبَ عَلَى ظَهْرِهِ صَغِيرٌ وَهُوَ يُصَلِّي فَتَوَقَّفَ لِذَلِكَ فَحَسَنٌ؟ . وَمَنْ اسْتَرَابَ بِتَطْوِيلِ الْإِمَامِ سُجُودَهُ فَلْيَرْفَعْ رَأْسَهُ لِيَسْتَعْلِمَ: هَلْ خَفِيَ عَنْهُ تَكْبِيرُ الْإِمَامِ أَوْ لَا؟ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ الْإِمَامِ؛ فَإِنْ رَآهُ لَمْ يَرْفَعْ فَلْيَعُدْ إلَى السُّجُودِ؛ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ مُرَاعَاةِ حَالِ الْإِمَامِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عُبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ الطَّرَسُوسِيُّ ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الْبَصْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إحْدَى صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ سَاجِدٌ؛ فَرَجَعْتُ إلَى سُجُودِي فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ قَالَ أُنَاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» .
وَتَحْرِيكُ مَنْ خَشِيَ الْمُصَلِّي نَوْمَهُ، وَإِدَارَةُ مَنْ كَانَ عَلَى الْيَسَارِ إلَى الْيَمِينِ: مُبَاحٌ كُلُّ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَنَا الضَّحَّاكُ هُوَ ابْنُ عُثْمَانَ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، فَقُلْت لَهَا: إذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَيْقِظِينِي؛ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُمْتُ إلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَجَعَلَنِي مِنْ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، فَجَعَلْتُ إذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ؟ . وَيَدْعُو الْمُصَلِّي فِي صَلَاتِهِ فِي سُجُودِهِ وَقِيَامِهِ وَجُلُوسِهِ بِمَا أَحَبَّ، مِمَّا لَيْسَ مَعْصِيَةً، وَيُسَمِّي فِي دُعَائِهِ مَنْ أَحَبَّ، وَقَدْ «دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى: عُصَيَّةَ، وَرِعْلٍ، وَذَكْوَانَ» . «وَدَعَا لِلْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَعَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَسَلَمَةَ بْنِ هِشَامٍ، يُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ» ، وَمَا نُهِيَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَطُّ عَنْ هَذَا، وَلَا نَهَى هُوَ عَنْهُ. «وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي السُّجُودِ أَخْلِصُوا فِيهِ الدُّعَاءَ» أَوْ نَحْوَ هَذَا. وَقَالَ: «ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ أَحَدُكُمْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ» ، وَسَنَذْكُرُهَا بِأَسَانِيدِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ؟ . وَكُلُّ مُنْكَرٍ رَآهُ الْمَرْءُ فِي الصَّلَاةِ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ إنْكَارُهُ، وَلَا تَنْقَطِعُ بِذَلِكَ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ حَقٌّ، وَفَاعِلُ الْحَقِّ مُحْسِنٌ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] . وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ -: إطْفَاءُ النَّارِ الْمُشْتَعِلَةِ، وَإِنْقَاذُ الصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالْمُقْعَدِ، وَالنَّائِمِ: مِنْ نَارٍ، أَوْ مِنْ حَنَشٍ، أَوْ سَبُعٍ، أَوْ إنْسَانٍ عَادٍ؛ أَوْ مِنْ سَيْلٍ وَالْمُحَارَبَةُ لِمَنْ أَرَادَ الْمُصَلِّي أَوْ أَرَادَ مُسْلِمًا بِظُلْمٍ، وَشَدُّ الْأَسِيرِ الْكَافِرِ، أَوْ الظَّالِمِ - إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَقَالَ بِلَا بُرْهَانٍ؟ . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا آدَم ثنا شُعْبَةُ ثنا «الْأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: كُنَّا بِالْأَهْوَازِ نُقَاتِلُ الْحَرُورِيَّةَ؛ فَبَيْنَمَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهْرٍ إذَا رَجُلٌ يُصَلِّي وَلِجَامُ دَابَّتِهِ فِي يَدِهِ؛ فَجَعَلَتْ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا قَالَ شُعْبَةُ وَهُوَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ؛ فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنْ الْخَوَارِجِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ؛ فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ قَالَ: إنِّي سَمِعْت قَوْلَكُمْ، وَإِنِّي غَزَوْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِتَّ غَزَوَاتٍ أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَشَهِدْت تَيْسِيرَهُ، وَإِنِّي كُنْتُ أَرْجِعُ مَعَ دَابَّتِي أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا تَرْجِعُ إلَى مَأْلَفِهَا فَيَشُقُّ عَلَيَّ» . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ [عَنْ الزُّهْرِيِّ] عَنْ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ
أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ خَافَ عَلَى دَابَّتِهِ الْأَسَدَ فَمَشَى إلَيْهَا، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ. وَبِهِ إلَى مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ: تَدْخُلُ الشَّاةُ بَيْتِي وَأَنَا أُصَلِّي فَأُطَأْطِئُ رَأْسِي فَآخُذُ الْقَصَبَةَ فَأَضْرِبُهَا بِهَا؟ قَالَ قَتَادَةُ: لَا بَأْسَ بِهِ؟ . وَمِنْ طَرِيق يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ: ثنا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيِّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي الْقَمْلَةِ يَقْتُلُهَا الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَكَذَلِكَ مَنْ خَافَ عَلَى مَالِهِ أَوْ سُرِقَتْ نَعْلُهُ أَوْ خُفُّهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَتْبَعَ السَّارِقَ فَيَنْتَزِعَ مِنْهُ مَتَاعَهُ؟ . وَلَا يَضُرُّ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا مَا اُضْطُرَّ مِنْ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ وَكَثْرَةِ الْعَمَلِ وَقِلَّتِهِ؛ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ؛ فَإِنْ كَانَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا فَطَمِعَ بِشَيْءٍ مِنْ إدْرَاكِ الصَّلَاةِ بَعْدَ تَمَامِ حَاجَتِهِ، أَوْ بِانْتِظَارِ النَّاسِ لَهُ -: رَجَعَ وَلَا بُدَّ؛ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ «كَبَّرَ نَاسِيًا وَهُوَ جُنُبٌ فَذَكَرَ فَاغْتَسَلَ وَرَجَعَ فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ» ، وَكَمَا فَعَلَ يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ. فَإِنْ لَمْ يَرْجُ بِإِدْرَاكِ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ، أَوْ أَيْقَنَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَنْتَظِرُونَهُ [أَوْ كَانَ قَدْ] أَتَمَّ صَلَاتَهُ حِينَ تَمَامِ حَاجَتِهِ فِي أَوَّلِ مَكَان تَجُوزُ لَهُ فِيهِ الصَّلَاةُ. وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَخْطُوَ خُطْوَةً وَاحِدَةً لِغَيْرِ رُجُوعٍ إلَى الصَّلَاةِ؛ أَوْ لِزَوَالٍ عَنْ مَكَان لَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ؟ . فَلَوْ رَجَا بِصَلَاةٍ [فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى أَقْرَبَ مِنْهَا فَلْيُدْخَلْ فِيهَا؛ فَآخِرُ صَلَاةٍ] صَلَّاهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبِإِمَامَيْنِ: بَدَأَ أَبُو بَكْرٍ وَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[الَّتِي أَجْمَعَ عَلَيْهَا جَمِيعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، أَوَّلُهُمْ
عَنْ آخِرِهِمْ، مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -] وَقَلَّدَ رَأْيَ مَنْ يُخْطِئُ مَرَّةً وَيُصِيبُ أُخْرَى -: فَمَا خَيْرَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ وَالتَّوْفِيقَ لِمَا يُرْضِيهِ. آمِينَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكُلُّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْعَمَلِ وَكَثِيرِهِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا بُدَّ لَهُ ضَرُورَةً مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إمَّا أَنْ يَحِدَّ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِهِ حَدًّا فَاسِدًا لَيْسَ هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ التَّحْدِيدِ، فَيَحْصُلُ عَلَى التَّحَكُّمِ بِالْبَاطِلِ، وَأَنْ يُشَرِّعَ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَحِدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا، فَيَحْصُلُ عَلَى أَقْبَحِ الْحَيْرَةِ فِي أَهَمِّ أَعْمَالِ دِينِهِ، وَعَلَى أَنْ لَا يَدْرِيَ مَا تَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ مِمَّا لَا تَبْطُلُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْجَهْلُ الْمُتَعَوَّذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ؟ . وَنَسْأَلُهُ عَنْ عَمَلِ عَمَلٍ: أَهَذَا مِمَّا أُبِيحَ فِي الصَّلَاةِ؟ أَوْ مِمَّا لَمْ يُبَحْ فِيهَا؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى وَجْهٍ ثَالِثٍ؟ ، فَإِنْ قَالَ: هُوَ مِمَّا أُبِيحَ فِيهَا - لَزِمَهُ أَنَّ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ: مُبَاحٌ، وَهُوَ قَوْلُنَا فِيمَا جَاءَ الْبُرْهَانُ بِإِبَاحَتِهِ فِيهَا، وَإِنْ قَالَ: هُوَ مِمَّا لَمْ يُبَحْ فِيهَا - لَزِمَهُ أَنَّ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ: غَيْرُ مُبَاحٍ فِيهَا؛ وَهُوَ قَوْلُنَا فِيمَا لَمْ يَأْتِ الْبُرْهَانُ بِإِبَاحَتِهِ فِيهَا؟ . فَإِنْ قَالُوا: أُبِيحَ قَلِيلُهُ وَلَمْ يُبَحْ كَثِيرُهُ؟ . قُلْنَا: هَذِهِ دَعْوَى كَاذِبَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلَى دَلِيلٍ، فَهَاتُوا بُرْهَانَكُمْ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الدَّعْوَى أَوَّلًا، ثُمَّ عَلَى بَيَانِ حَدِّ الْقَلِيلِ الْمُبَاحِ مِنْ الْكَثِيرِ الْمَحْظُورِ؛ وَلَا سَبِيلَ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ .
قَالَ عَلِيٌّ: وَمَشْيُ الْمُصَلِّي إلَى فَتْحِ الْبَابِ لِلْمُسْتَفْتِحِ حَسَنٌ لَا يَضُرُّ الصَّلَاةَ شَيْئًا -: حَدَّثَنَا حَمَّامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَرْتَتِيُّ الْقَاضِي ثنا أَبُو مَعْمَرٍ ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ ثنا بُرْدٌ أَبُو الْعَلَاءِ هُوَ ابْنُ سِنَانٍ - عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي، فَأَسْتَفْتِحُ الْبَابَ، وَالْبَابُ فِي الْقِبْلَةِ، فَيَجِيءُ فَيَفْتَحُ الْبَابَ ثُمَّ يَعُودُ فِي صَلَاتِهِ» . قَالَ ابْنُ أَيْمَنَ: وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَمَّادٍ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ثنا بُرْدُ بْنُ سِنَانٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي وَعَلَيْهِ بَابٌ مُغْلَقٌ فَجِئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُهُ فَمَشَى فَفَتَحَ لِي ثُمَّ رَجَعَ إلَى مُصَلَّاهُ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ ثنا بُرْدٌ ثنا الزُّهْرِيُّ، يَذْكُرُهُ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: فَالْمَشْيُ لِمَا ذَكَرْنَا مُبَاحٌ، وَلَمْ يُوقَفْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى مَشْيِ مَنْ مَشَى؟ . وَمَسْحُ الْحَصَى فِي الصَّلَاةِ مَرَّةً وَاحِدَةً جَائِزٌ وَنَكْرَهُهُ، فَإِنْ زَادَ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؟ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُسَدَّدٌ ثنا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ يَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلَا يَمْسَحُ الْحَصَى» .
وَبِهِ إلَى أَبِي دَاوُد: ثنا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثنا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ كَثِيرٍ - عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ مُعَيْقِيبٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «لَا تَمْسَحْ - يَعْنِي الْحَصَى - وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً» . قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ احْتَجُّوا بِهَذَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؟ . قُلْنَا: هَذَا فِي مَسْحِ الْحَصَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ جُمْلَةً، الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْوَاحِدَةُ فَقَطْ؛ فَقُولُوا لَنَا: مَاذَا تَقِيسُونَ عَلَى هَذَا الْخَبَرِ؟ الْأَعْمَالَ الْمُبَاحَةَ جُمْلَةً بِالنُّصُوصِ؟ أَمْ الْأَعْمَالَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا جُمْلَةً؟ وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ؟ . فَإِنْ قَالُوا: بَلْ الْأَعْمَالَ الْمُبَاحَةَ جُمْلَةً؟ . قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ ثُمَّ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ قِيَاسُ الْمُبَاحِ عَلَى الْمَحْظُورِ، وَهَذَا بَاطِلٌ عِنْدَ صَاحِبِ كُلِّ قِيَاسٍ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسُ الشَّيْءِ عَلَى ضِدِّهِ، وَإِنَّمَا الْقِيَاسُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ: قِيَاسُ الشَّيْءِ عَلَى نَظِيرِهِ جُمْلَةً، أَوْ عَلَى نَظِيرِهِ فِي الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ عَلَامَةُ الْحُكْمِ بِزَعْمِهِمْ. وَأَيْضًا: فَأَنْتُمْ تُبِيحُونَ الْخُطْوَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ فِي الصَّلَاةِ وَالضَّرْبَةَ وَالضَّرْبَتَيْنِ، وَأَخْذَ الْمَاءِ بِإِنَاءٍ مِنْ الْجَابِيَةِ لِمَنْ عَلَيْهِ الْحَدَثُ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ؛ فَظَهَرَ بُطْلَانُ قِيَاسِكُمْ وَتُحَرِّمُونَ مَا زَادَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. ؟ وَاسْتِقَاءَ الْمَاءِ مِنْ الْبِئْرِ لِمَنْ عَلَيْهِ الْحَدَثُ فِي الصَّلَاةِ؛ فَلَاحَ أَنَّكُمْ لَمْ تَتَعَلَّقُوا بِقِيَاسٍ أَصْلًا؟ . فَإِنْ قَالُوا: بَلْ قِسْنَا الْأَعْمَالَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا عَلَى هَذَا الْخَبَرِ؟ . قُلْنَا لَهُمْ: فَأَبِيحُوا إدْخَالَ الْإِبْرَةِ فِي خِيَاطَةِ الثَّوْبِ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ وَقَدْحَ النَّارِ بِالزَّنْدِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ؛ وَأَبِيحُوا لَطْمَةً وَاحِدَةً لِلْخَادِمِ، وَرَدَّ مَرْمَى الْحَائِكِ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ وَقَدَّ
الْأَدِيمِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ؛ وَالتَّذْكِيَةَ بِجَرَّةٍ وَاحِدَةٍ - كُلُّ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ؛ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا؛ فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ ذَكَرُوا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الْأَخْنَسِ عَنْ أَبِي غَطَفَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَالَ «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ - يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ أَشَارَ فِي صَلَاتِهِ إشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِدْهَا - يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ» . قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا الْحَدِيثُ وَهْمٌ؛ وَلَوْ صَحَّ لَوَجَبَ ضَمُّهُ إلَى الْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا قَبْلُ؛ مِنْ إشَارَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ بِأَنْ يَرُدَّ السَّلَامَ، وَإِلَى الْخَادِمِ فِي أَنْ تَسْتَأْخِرَ عَنْهُ؛ وَكُلُّ مَا بِالْمَرْءِ إلَى الْإِشَارَةِ بِهِ، وَإِلَيْهِ ضَرُورَةٌ؛ فَتَخْرُجُ تِلْكَ الْإِشَارَاتُ بِالنُّصُوصِ الَّتِي فِيهَا، وَتَبْقَى كُلُّ إشَارَةٍ لَمْ يَأْتِ بِإِبَاحَتِهَا نَصٌّ عَلَى التَّحْرِيمِ، كَالْإِشَارَةِ بِالْبَيْعِ وَبِالْمُسَاوَمَةِ، وَبِمَاذَا عَمِلْت؛ وَالِاسْتِخْبَارِ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَهَذَا هُوَ الْعَمَلُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ لَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ -، وَهُوَ قَوْلُنَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ -؛ لِأَنَّ الْإِشَارَاتِ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ؛ فَمَا أُبِيحَ
مسألة خرج من صلاته وهو يظن أنه قد أتمها
مِنْهَا بِالنَّصِّ كَانَ مُبَاحًا، وَمَا لَمْ يُبَحْ مِنْهَا بِالنَّصِّ كَانَ مُحَرَّمًا؛ فَكَيْفَ وَالْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ؟ ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ خَرَجَ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّهَا] 302 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ خَرَجَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّهَا فَكُلُّ عَمَلٍ عَمِلَهُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ ابْتِيَاعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ -: فَهُوَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ ذَكَرَ لَعَادَ إلَيْهَا. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ كُلَّهَا مُحَرَّمَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَكُلُّ مَا وَقَعَ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ فَهُوَ غَيْرُ الْفِعْلِ الْجَائِزِ اللَّازِمِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوْ الْمُبَاحِ بِلَا شَكٍّ -، وَإِذْ هُوَ غَيْرُ الْجَائِزِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ بِلَا شَكٍّ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَهَذَا عَمَلٌ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ فَهُوَ مَرْدُودٌ بِلَا شَكٍّ. فَلَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ فَفَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّ بِذَكَرِهِ وَقَصْدِهِ إلَى عَمَلِ مَا ذَكَرْنَا خَرَجَ عَنْ الصَّلَاةِ؛ وَإِذَا خَرَجَ عَنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ حَصَلَ فِي حَالٍ تَنْفُذُ فِيهَا هَذِهِ الْأَفْعَالُ كُلُّهَا؛ وَهَكَذَا أَيْضًا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْد انْتِقَاضِ طَهَارَتِهِ فَهِيَ أَيْضًا نَافِذَةٌ لَازِمَةٌ؛ لِأَنَّهُ بِانْتِقَاضِ طَهَارَتِهِ خَرَجَ عَنْ الصَّلَاةِ؛ فَوَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ خَطَرَ عَلَى بَالِهِ شَيْءٌ دُنْيَوِيٌّ أَوْ صَلَّى مُصِرًّا عَلَى كَبِيرَةٍ] 303 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ خَطَرَ عَلَى بَالِهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا أَوْ غَيْرِهَا، مَعْصِيَةً أَوْ غَيْرَ مَعْصِيَةٍ، أَوْ صَلَّى مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ؛ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ -. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ
قَالَ: [حَدَّثَنِي أَبِي] عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ثنا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا نُودِيَ بِالْأَذَانِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْأَذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الْأَذَانُ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اُذْكُرْ كَذَا اُذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ» ؟ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثنا هِشَامُ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ وَتَعْمَلْ بِهِ، وَبِمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا» . وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ» . فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ إلَّا قَوْلٌ مَقْصُودٌ إلَيْهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَوْ عَمَلٌ كَذَلِكَ، أَوْ الْقَصْدُ إلَى تَبْدِيلِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي الصَّلَاةِ؛ الَّتِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهَا، وَهِيَ النِّيَّةُ لِأَدَاءِ تِلْكَ الصَّلَاةِ بِاسْمِهَا وَعَيْنِهَا؛ فَمَنْ لَمْ يَنْوِ كَذَلِكَ قَاصِدًا إلَى ذَلِكَ فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ؟ .
مسألة كان راكبا على محمل فقدر على الصلاة
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: - إنِّي لَأَحْسِبُ جِزْيَةَ الْبَحْرَيْنِ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ؟ . وَقَدْ افْتَرَضَ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْبَةَ عَلَى الْعَاصِينَ، وَأُمِرُوا بِالصَّلَاةِ مَعَ ذَلِكَ -: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] . وَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهُ تَعَالَى إنَّمَا خَاطَبَ بِهَذَا الْمُصِرِّينَ؛ لِأَنَّ التَّائِبَ لَا سَيِّئَةَ لَهُ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} [الأنبياء: 47] . وَهَذَا كُلُّهُ إجْمَاعٌ، إلَّا قَوْمًا خَالَفُوا الْإِجْمَاعَ - مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ - قَالُوا: لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ مَنْ عَمِلَ سُوءًا حَتَّى يَتُوبَ مِنْ كُلِّ عَمَلِ سُوءٍ، فَلَزِمَهُمْ أَنْ لَا تُقْبَلَ التَّوْبَةُ مِمَّنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ الصَّلَاةِ، وَتَرْكَ الزَّكَاةِ، وَتَرْكَ الصَّوْمِ؛ نَعَمْ وَلَا مَنْ تَرَكَ التَّوْحِيدَ إلَّا بِالتَّوْبَةِ مِنْ تَعَمُّدِ كُلِّ سَيِّئَةٍ - فَحَصَلُوا عَلَى الْأَمْرِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَجَمِيعَ أَعْمَالِ الْبِرِّ - وَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ الْإِسْلَامِ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ رَاكِبًا عَلَى مَحْمَلٍ فَقَدَرَ عَلَى الصَّلَاةِ] 304 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ رَاكِبًا عَلَى مَحْمَلٍ، أَوْ عَلَى فِيلٍ، أَوْ كَانَ فِي غُرْفَةٍ، أَوْ فِي أَعْلَى شَجَرَةٍ، أَوْ عَلَى سَقْفٍ، أَوْ فِي قَاعِ بِئْرٍ، أَوْ عَلَى نَهْرٍ جَامِدٍ، أَوْ عَلَى حَشِيشٍ، أَوْ عَلَى صُوفٍ أَوْ عَلَى جُلُودٍ، أَوْ خَشَبٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ -: فَقَدَرَ عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ حَيْثُ هُوَ قَائِمًا، يُوَفِّي رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وَجُلُوسَهُ حَقَّهَا؟ . لِأَنَّهُ إنَّمَا أُمِرَ بِالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالْجُلُوسِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالِاعْتِدَالِ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَلَا بُدَّ؛ فَإِذَا وَفَّى كُلِّ ذَلِكَ حَقَّهُ فَقَدْ صَلَّى كَمَا أُمِرَ؟ . وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ» وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ
مسألة تعمد ترك الوتر حتى طلع الفجر الثاني
الْمَوَاضِعِ مَنْهِيًّا عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا. [وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ يُحَرِّمُ الصَّلَاةَ كَمَا ذَكَرْنَا عَلَى الْمَحْمَلِ] وَلَمْ يَأْتِ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ نَصٌّ، وَهُوَ يُبِيحُهَا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ، وَالْحَمَّامِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَإِلَى الْقَبْرِ وَالنَّصُّ قَدْ صَحَّ بِالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إتْمَامِ الْقِيَامِ أَوْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ أَوْ الْجُلُوسِ أَوْ الْقِبْلَةِ - فِي الْأَحْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَا - فَفَرْضٌ عَلَيْهِ النُّزُولُ إلَى الْأَرْضِ وَالصَّلَاةُ كَمَا أُمِرَ؟ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ تَمْنَعُهُ مِنْ النُّزُولِ؛ مِنْ خَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ؛ فَلِيُصَلِّ كَمَا هُوَ يَقْدِرُ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، وَقَالَ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] . [مَسْأَلَةٌ تَعَمَّدَ تَرْكَ الْوِتْرِ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي] 305 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ الْوِتْرِ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي فَلَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ أَبَدًا، فَلَوْ نَسِيَهُ أَحْبَبْنَا لَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ أَبَدًا مَتَى مَا ذَكَرَهُ وَلَوْ بَعْدَ أَعْوَامٍ؟ . بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» . حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثنا ابْنُ الْمُفَرِّجِ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ الدَّبَرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَتْ كُلُّ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالْوِتْرُ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا» .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ الرَّقِّيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ ثنا صَالِحُ بْنُ مُعَاذٍ ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَهُ الصُّبْحُ وَلَمْ يُوتِرْ فَلَا وِتْرَ لَهُ» . وَأَمَّا مَنْ نَسِيَهُ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» وَهَذَا عُمُومٌ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ صَلَاةِ فَرْضٍ وَنَافِلَةٍ، فَهُوَ بِالْفَرْضِ أَمْرُ فَرْضٍ؛ وَهُوَ بِالنَّافِلَةِ أَمْرُ نَدْبٍ وَحَضٍّ؛ لِأَنَّ النَّافِلَةَ لَا تَكُونُ فَرْضًا.
مسألة صلى الوتر قبل صلاة العتمة
وَهَذِهِ الْآثَارُ تُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: [مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ صَلَاةِ الْوِتْرِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي الْوِتْرَ، وَقَوْلَ مَنْ قَالَ] إنْ ذَكَرَ الْوِتْرَ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلْيَتَمَادَ فِيهَا وَلْيَبْدَأْ بِهَا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ وَهُوَ مَعَ خِلَافِهِ لِلسُّنَّةِ قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، لَا مِنْ نَظَرٍ وَلَا مِنْ احْتِيَاطٍ، لِأَنَّهُ يُبْطِلُ الْفَرْضَ الْمَأْمُورَ بِإِتْمَامِهِ مِنْ أَجْلِ نَافِلَةٍ؛ وَقَدْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] . [مَسْأَلَةٌ صَلَّى الْوِتْرَ قَبْلَ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ] 306 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ صَلَّى الْوِتْرَ قَبْلَ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ أَوْ مُلْغَاةٌ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوِتْرِ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَالشَّرَائِعُ لَا تُجْزِئُ إلَّا فِي وَقْتِهَا، لَا قَبْلَ وَقْتِهَا، وَلَا بَعْدَهُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ . [مَسْأَلَةٌ وَقْتُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ] 307 - مَسْأَلَةٌ: وَوَقْتُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ مِنْ حِينِ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إلَى أَنْ تُقَامَ صَلَاةُ الصُّبْحِ - هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ. [مَسْأَلَةٌ سَمِعَ إقَامَةَ صَلَاةِ الصُّبْحِ] 308 - مَسْأَلَةٌ: فَمَنْ سَمِعَ إقَامَةَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ [إنْ] اشْتَغَلَ بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَاتَهُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَوْ التَّكْبِيرُ -: فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِهِمَا؛ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى. وَإِنْ دَخَلَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَأُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَقَدْ بَطَلَتْ الرَّكْعَتَانِ، وَلَا فَائِدَةَ لَهُ فِي أَنْ يُسَلِّمَ مِنْهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا إلَّا السَّلَامُ لَكِنْ يَدْخُلُ بِابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ كَمَا هُوَ.
فَإِذَا أَتَمَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ فَإِنْ شَاءَ رَكَعَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْكَعْهُمَا، وَهَكَذَا يَفْعَلُ كُلُّ مَنْ دَخَلَ فِي نَافِلَةٍ، وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْفَرِيضَةِ؟ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ لِلصُّبْحِ فَإِنْ طَمِعَ أَنْ يُدْرِكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ تَفُوتُهُ أُخْرَى فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ. وَإِنْ خَشِيَ أَلَا يُدْرِكَ مَعَ الْإِمَامِ وَلَا رَكْعَةً فَلْيَبْدَأْ بِالدُّخُولِ مَعَ الْإِمَامِ، وَلَا يَقْضِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَوْ وَجَدَ الْإِمَامَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَلَكِنْ يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ؛ فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَإِنْ شَاءَ فَلْيَقْضِهِمَا؟ . وَأَمَّا إنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَعَلِمَ بِالْإِقَامَةِ أَوْ بِأَنَّ الْإِمَامَ فِي الصَّلَاةِ: فَإِنْ رَجَا أَنْ يُدْرِكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ لِيَدْخُلْ مَعَ الْإِمَامِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجُ ذَلِكَ فَلْيَدْخُلْ مَعَ الْإِمَامِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو سُلَيْمَانَ كَمَا قُلْنَا؟ : قَالَ عَلِيٌّ: مَا نَعْلَمُ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ حُجَّةً، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ أَصْلًا. فَإِنْ شَغَبُوا بِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ؛ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَتَى الْمَسْجِدَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَوَجَدَ الْإِمَامَ يُصَلِّي فَدَخَلَ بَيْتَ حَفْصَةَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ؛ فَلَمْ يُقَسِّمْ ابْنُ مَسْعُودٍ
وَلَا ابْنُ عُمَرَ تَقْسِيمَهُمْ، مِنْ رَجَاءِ إدْرَاكِ رَكْعَةٍ أَوْ عَدَمِ رَجَاءِ ذَلِكَ، وَلَا يَجِدُونَ هَذَا عَنْ مُتَقَدِّمٍ أَبَدًا. وَالثَّابِتُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُ قَوْلِنَا؟ ؛ فَإِنْ قَالُوا: قَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» ؟ . قُلْنَا: نَعَمْ، هَذَا حَقٌّ، وَإِنَّمَا هَذَا فِيمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ، وَلَمْ يَأْتِ إلَّا، وَالْإِمَامُ فِيهَا. وَأَمَّا مَنْ كَانَ حَاضِرًا لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ فَتَرَكَ الدُّخُولَ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ اشْتَغَلَ بِقِرَاءَةِ قُرْآنٍ أَوْ بِذَكَرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِابْتِدَاءِ تَطَوُّعٍ -: فَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي أَنَّهُ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى مُتَلَاعِبٌ بِالصَّلَاةِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ اشْتِغَالِهِ بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَوْ أَنْصَفُوا؟ . فَإِنْ مَوَّهُوا بِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ؟ ، قِيلَ لَهُمْ: أَمَّا الْمَالِكِيُّونَ فَقَدْ خَالَفُوهُ فِي هَذَا الْفِعْلِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَرَوْا لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَالْإِمَامُ يُصَلِّي أَنْ يَشْتَغِلَ بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِابْنِ مَسْعُودٍ. وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ فَقَدْ خَالَفُوا فِعْلَهُ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَدْ قَسَّمُوا تَقْسِيمًا لَمْ يَأْتِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَابْنِ مَسْعُودٍ يَرَى التَّطْبِيقَ فِي الصَّلَاةِ، وَهُمْ لَا يَرَوْنَهُ. وَابْنُ مَسْعُودٍ يَرَى أَنْ لَا تُعْتَقَ أُمُّ الْوَلَدِ إلَّا مِنْ حِصَّةِ وَلَدِهَا مِنْ الْمِيرَاثِ، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ ذَلِكَ؟ ، وَقَدْ خَالَفُوا ابْنَ مَسْعُودٍ حَيْثُ وَافَقَ السُّنَّةَ، وَلَا يَحِلُّ خِلَافُهُ؛ وَحَيْثُ لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: فِي عَشَرَاتٍ مِنْ الْقَضَايَا؛ بَلْ لَعَلَّهُمْ خَالَفُوهُ كَذَلِكَ فِي مِئِينَ مِنْ الْقَضَايَا وَقَدْ خَالَفَ ابْنَ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَائِفَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
فَلَمَّا عَرِيَ قَوْلُهُمْ مِنْ حُجَّةٍ أَصْلًا رَجَعْنَا إلَى قَوْلِنَا؛ فَوَجَدْنَا الْبُرْهَانَ عَلَى وُجُوبِهِ وَصِحَّتِهِ -: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ: قَالَ (أَحْمَدُ) : ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ عَنْ وَرْقَاءَ وَقَالَ (مُسْلِمٌ) : ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَقَالَ (الْحَسَنُ) : ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،، وَأَبُو عَاصِمٍ قَالَ (يَزِيدُ) : عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ وَقَالَ (أَبُو عَاصِمٍ) : عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ (مُحَمَّدٌ) : ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ -: ثُمَّ اتَّفَقَ وَرْقَاءُ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَزَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةُ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا قُتَيْبَةُ ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ ابْنِ بُحَيْنَةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يُصَلِّي وَالْمُؤَذِّنُ يُقِيمُ فَقَالَ: أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: «دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ
الْغَدَاةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا فُلَانُ، بِأَيِّ الصَّلَاتَيْنِ اعْتَدَدْتَ؟ أَبِصَلَاتِكَ وَحْدَكَ أَمْ بِصَلَاتِكَ مَعَنَا؟» . وَرُوِّينَا أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ حَجَاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ بِمِثْلِهِ، وَفِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ خَلْفَ النَّاسِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ رُسْتُمَ هُوَ أَبُو عَامِرٍ الْخَزَّازُ - عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَلَمْ أَكُنْ صَلَّيْت الرَّكْعَتَيْنِ يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْت لِأُصْلِيَهُمَا فَجَبَذَنِي وَقَالَ: أَتُرِيدُ أَنْ تُصَلِّيَ الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟ قِيلَ لِأَبِي عَامِرٍ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ؟» . قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذِهِ نُصُوصٌ مَنْقُولَةٌ نَقْلَ الْوِتْرِ، لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ خِلَافُهَا، وَقَدْ حَمَلَ اتِّبَاعُ الْهَوَى بَعْضَهُمْ عَلَى أَنْ قَالَ: إنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ [قَدْ اُضْطُرِبَ] عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَرَوَاهُ عَنْهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ فَأَوْقَفُوهُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا مِمَّا كَانَ يَنْبَغِي لِقَائِلِهِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ تَعَالَى أَوَّلًا ثُمَّ يَسْتَحْيِ مِنْ النَّاسِ
ثَانِيَةً، وَلَا يَأْتِي بِهَذِهِ الْفَضِيحَةِ؛ لِأَنَّ الْمُحْتَجِّينَ بِهَذَا مُصَرِّحُونَ بِأَنَّ قَوْلَ الصَّاحِبِ حُجَّةٌ فَهَبْكَ لَوْ لَمْ يُسْنَدْ. أَمَا كَانَ يَجِبُ أَنْ تُرَجِّحَ إمَّا قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَوْ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ فَكَيْفَ وَلَيْسَ مَا ذُكِرَ مِمَّا يَضُرُّ الْحَدِيثَ شَيْئًا لِأَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ، وَأَيُّوبَ وَزَكَرِيَّا بْنَ إِسْحَاقَ لَيْسُوا بِدُونِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فَكَيْفَ وَاَلَّذِي أَسْنَدَهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَوْثَقُ، وَأَضْبَطُ مِنْ الَّذِي أَوْقَفَهُ عَنْهُ، وَأَيُّوبُ لَوْ انْفَرَدَ لَكَانَ حُجَّةً عَلَى جَمِيعِهِمْ؛ فَكَيْفَ وَكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ، وَهُوَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ رَوَاهُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ أَفْتَى بِهِ، فَحَدَّثَ بِهِ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ؟ . ثُمَّ لَوْ لَمْ يَأْتِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصْلًا لَكَانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ سَرْجِسَ وَابْنِ بُحَيْنَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ كِفَايَةٌ لِمَنْ نَصَحَ نَفْسَهُ، وَلَمْ يَتَّبِعْ هَوَاهُ فِي تَقْلِيدِ مَنْ لَا يُغْنِي عَنْهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، وَنَصْرِ الْبَاطِلِ بِمَا أَمْكَنَ مِنْ الْكَلَامِ الْغَثِّ؟ . فَكَيْفَ وَقَدْ رُوِّينَا بِأَصَحِّ طَرِيقٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَلَا تُسْرِعُوا فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» . فَهَذَا فَرْضٌ لِلدُّخُولِ مَعَ الْإِمَامِ كَيْفَمَا وُجِدَ، وَتَحْرِيمٌ لِلِاشْتِغَالِ بِشَيْءٍ عَنْ ذَلِكَ. وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ فِي حَدِيثِ ابْنِ سَرْجِسَ وَابْنِ بُحَيْنَةَ بِضَحِكَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنْ قَالَ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا مُخْتَلِطًا بِالنَّاسِ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا كَذِبٌ مُجَرَّدٌ، وَمُجَاهَرَةٌ سَمِجَةٌ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ [أَنَّهُ لَمْ]
يُصَلِّهِمَا إلَّا خَلْفَ النَّاسِ فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، كَمَا يَأْمُرُونَ مَنْ قَلَّدَهُمْ فِي بَاطِلِهِمْ فَكَيْفَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا لَكَانَ مِمَّا يُوَضِّحُ كَذِبَ هَذَا الْقَائِلِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بِأَيِّ الصَّلَاتَيْنِ اعْتَدَدْت؟ أَبِصَلَاتِك وَحْدَك أَمْ بِصَلَاتِك مَعَنَا؟» وَ «أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟» لِأَنَّ مِنْ الْبَاطِلِ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَقُولَ [لَهُ] النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْقَوْلَ، وَهُوَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ إلَّا صَلَاتَهُ الرَّكْعَتَيْنِ مُخْتَلِطًا بِالنَّاسِ [وَمُتَّصِلًا بِهِمْ] فَيَسْكُتُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَمَّا أَنْكَرَ مِنْ الْمُنْكَرِ وَيَهْتِفُ بِمَا لَمْ يَذْكَرْ مِنْ لَفْظِهِ، وَقَدْ أَعَاذَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ عَنْ هَذَا التَّخْلِيطِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِذِي مَسْكَةٍ إلَّا بِمِثْلِ مَنْ أَطْلَقَ هَذَا؟ . وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ ظَنٌّ مَكْذُوبٌ مُجَرَّدٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ قَالَ هَذَا، وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِلَا وُضُوءٍ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ ثَوْبَ حَرِيرٍ؟ وَمِثْلُ هَذِهِ الظُّنُونِ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَى مَنْ اسْتَسْهَلَ الْكَذِبَ فِي الدِّينِ، وَعَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَذْكُرْ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ قِيلَ: وَلَا ذَكَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اخْتِلَاطَهُ بِالنَّاسِ وَلَا اتِّصَالَهُ بِهِمْ، وَإِنَّمَا نَصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى إنْكَارِهِ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا، وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُصَلِّي الصُّبْحَ فَقَطْ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ مُنْكِرًا عَلَى مَنْ فَعَلَ مَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61] وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ فِي أَنَّ الْفَرِيضَةَ خَيْرٌ مِنْ النَّافِلَةِ، وَهُمْ يَأْمُرُونَهُ بِأَنْ يَسْتَبْدِلَ النَّافِلَةَ الَّتِي هِيَ أَدْنَى بِبَعْضِ الْفَرِيضَةِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْ النَّافِلَةِ، مَعَ مَعْصِيَتِهِمْ السُّنَنَ الَّتِي أَوْرَدْنَا وَبِمَا قُلْنَاهُ يَقُولُ جُمْهُورٌ مِنْ السَّلَفِ: كَمَا رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسَافِرٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَضْرِبُ النَّاسَ عَلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ الْإِقَامَةِ.
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَالْمُؤَذِّنُ يُقِيمُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ جَاءَ إلَى الْقَوْمِ وَهُمْ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ وَلَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَدَخَلَ مَعَهُمْ فَلَمَّا ضَحَّى قَامَ فَصَلَّاهُمَا. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ؟ . وَعَنْ مَعْمَرٍ: عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ أَنْ تُصَلَّى رَكْعَتَا الْفَجْرِ عِنْدَ إقَامَةِ صَلَاةِ الصُّبْحِ، قَالَ: أَتُصَلِّيهِمَا وَقَدْ فُرِضَتْ الصَّلَاةُ؟ . وَبِهِ إلَى مَعْمَرٍ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَلَمْ يَرْكَعْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ رَكَعَهُمَا بَعْدَ الصُّبْحِ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: فِي الَّذِي يَجِدُ الْإِمَامَ يُصَلِّي وَلَمْ يَرْكَعْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، قَالَ: يَبْدَأُ بِالْمَكْتُوبَةِ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ مَوْهَبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ مُسْلِمُ بْنُ عُقَيْلٍ يَقُولُ لِلنَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ: وَيْلَكُمْ، لَا صَلَاةَ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ فُضَيْلٍ [عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: اقْطَعْ صَلَاتَك عِنْدَ الْإِقَامَةِ؟ وَعَنْ عِمَادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ] بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: جَاءَ ابْنُ أَخٍ لِعُرْوَةِ فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْمُؤَذِّنُ يُقِيمُ؛ فَزَجَرَهُ عُرْوَةُ
فَصَحَّ أَنَّ مَنْ بَدَأَ فِي تَطَوُّعِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَوْ الْوِتْرِ أَوْ غَيْرِهِمَا فَأُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ أَوْ غَيْرُهَا فَقَدْ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي كَانَ فِيهَا، بِالنُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْنَا؟ . فَإِنْ قِيلَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] . قُلْنَا: نَعَمْ هَذَا حَقٌّ، وَمَا هُوَ أَبْطَلَهَا؛ وَلَوْ تَعَمَّدَ إبْطَالَهَا لَكَانَ مُسِيئًا؛ وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَبْطَلَهَا عَلَيْهِ كَمَا تَبْطُلُ بِالْحَدَثِ؛ وَبِمُرُورِ مَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ مُرُورُهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ . وَأَمَّا قَضَاءُ الرَّكْعَتَيْنِ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» ، وَهَذَا عُمُومٌ. حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ عَنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ مَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ» فَهَذَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَبْدَأْ بِهِمَا قَبْلَ الْفَرْضِ؟ . [وَبِهِ إلَى ابْنِ أَيْمَنَ] ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيِّ الْقَاضِي ثنا الْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يُصَلِّي بَعْدَ الْغَدَاةِ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَكُنْ صَلَّيْت رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَصَلَّيْتُهُمَا الْآنَ؟ فَلَمْ يَقُلْ [لَهُ]- عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَيْئًا.»
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقِ عَنْ عَطِيَّةَ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ [صَلَّاهُمَا -: صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ حِينَ صَلَّى الْإِمَامُ. وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: إذَا أَخْطَأْت] أَنْ تَرْكَعَهُمَا قَبْلَ الصُّبْحِ فَارْكَعْهُمَا بَعْدَ الصُّبْحِ. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: رَأَيْت ابْنَ جُرَيْجٍ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فِي مَسْجِدِ صَنْعَاءَ بَعْدَ مَا سَلَّمَ الْإِمَامُ. وَبِهِ يَقُولُ طَاوُسٍ وَغَيْرُهُ؛ فَلَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا إلَى أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى
مسألة نام عن صلاة الصبح أو نسيها حتى طلعت الشمس
قَضَائِهَا؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا قَدْ خَرَجَ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ نَسِيَهَا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ] 309 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ نَسِيَهَا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ثُمَّ صَلَاةِ الصُّبْحِ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ. وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي بَابِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَهُ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا. وَبِهَذَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَدَاوُد، وَأَصْحَابُهُمْ وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ - وَمَا نَعْلَمُ لِقَوْلِهِ حُجَّةً؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [مَسْأَلَةٌ الْكَلَامُ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مُبَاحٌ وَبَعْدَهَا] 310 - مَسْأَلَةٌ: وَالْكَلَامُ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مُبَاحٌ وَبَعْدَهَا: وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مُذْ يَطْلُعُ الْفَجْرُ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ -: قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ؛ فَهَذَانِ الْوَقْتَانِ فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ الْأَوْقَاتِ وَلَا فَرْقَ. وَإِنَّمَا مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ وَحِينَ حُضُورِ الْخُطْبَةِ فَقَطْ، وَأَبَاحَهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1] [مَسْأَلَةٌ دَخَلَ فِي مَسْجِدٍ فَظَنَّ أَنَّ أَهْلَهُ قَدْ صَلَّوْا صَلَاةَ الْفَرْضِ فِي وَقْتِهَا] 311 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ دَخَلَ فِي مَسْجِدٍ فَظَنَّ أَنَّ أَهْلَهُ قَدْ صَلَّوْا صَلَاةَ الْفَرْضِ الَّتِي هُوَ فِي وَقْتِهَا، أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُهُ فَرْضُ الْجَمَاعَةِ فَابْتَدَأَ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ -: فَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى تَكْبِيرِهِ وَيَدْخُلَ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً فَأَكْثَرَ فَكَذَلِكَ؛ فَإِذَا أَتَمَّ هُوَ صَلَاتَهُ جَلَسَ وَانْتَظَرَ سَلَامَ الْإِمَامِ فَسَلَّمَ مَعَهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّهُ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ كَمَا أُمِرَ، وَمَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَقَدْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91] فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ ثُمَّ وَجَدَ إمَامًا فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» ؛ وَلِإِنْكَارِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى مَنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ، وَالْإِمَامُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ؛ فَهَذَا لَا يَجُوزُ إلَّا حَيْثُ أَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَطْ. وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِمَنْ عُذِرَ فَطَوَّلَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ فَقَطْ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ إنْ
مسألة التسليم قبل الإمام
شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يُكَبِّرَ قَبْلَ إمَامِهِ إذَا كَانَ تَكْبِيرُهُ بِحَقٍّ، وَمُخَالِفُنَا يُجِيزُ لِمَنْ كَبَّرَ ثُمَّ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ مَنْ كَبَّرَ بَعْدَهُ أَنْ يَأْتَمَّ بِهَذَا الْمُسْتَخْلَفِ الَّذِي كَبَّرَ مَأْمُومُهُ قَبْلَهُ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ، وَالْأَعْمَشِ كِلَاهُمَا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ دَخَلَ فِي مَسْجِدٍ يَرَى أَنَّهُمْ قَدْ صَلَّوْا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ -: قَالَ إبْرَاهِيمُ: يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ ثُمَّ يَجْعَلُ الْبَاقِيَتَيْنِ تَطَوُّعًا فَقِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ: مَا شَعَرْت أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ: إنَّ هَذَا كَانَ يَفْعَلُهُ [مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ] . قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا خَبَرٌ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَعَنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ لِمَنْ افْتَتَحَ صَلَاةَ تَطَوُّعٍ فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْفَرِيضَةُ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْمَكْتُوبَةِ وَاصِلِينَ بِتَطَوُّعِهِمْ بِهَا، فَإِذَا رَأَوْا ذَلِكَ فِي التَّطَوُّعِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ فِي الْمَكْتُوبَةِ أَوْجَبُ بِلَا شَكٍّ: مِنْهُمْ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ. وَلَيْسَ هَذَا قِيَاسًا، بَلْ هُوَ بَابٌ وَاحِدٌ، وَنَتِيجَةُ بُرْهَانٍ وَاحِدٍ كَمَا ذَكَرْنَا - وَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا فِي التَّطَوُّعِ، لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ [مِنْ] انْقِطَاعِهَا إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ التَّسْلِيمُ قَبْلَ الْإِمَامِ] 312 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّمَ قَبْلَ الْإِمَامِ إلَّا لِعُذْرٍ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بَدَأَ فِي قَضَاءِ صَلَاةٍ فَائِتَةٍ أَوْ بَدَأَهَا فِي آخِرِ وَقْتِهَا ثُمَّ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الْفَرْضِ فِي وَقْتِهَا؛ فَإِنَّ هَذَا يَأْتَمُّ
مسألة كان ممن يلزمه فرض الجماعة ولم يكن يائسا عن إدراكها
بِالْإِمَامِ فِي صَلَاتِهِ الَّتِي هُوَ فِيهَا؛ فَإِذَا أَتَمَّهَا سَلَّمَ ثُمَّ دَخَلَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي الْإِمَامُ فِيهَا، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَقَضَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا؟ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا قَالَ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» وَاَلَّتِي دَخَلَ فِيهَا مَكْتُوبَةٌ؛ فَلَا يَجُوزُ لَهُ قَطْعُهَا. وَلَا يَجُوزُ لَهُ مُخَالَفَةُ الْإِمَامِ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «بِأَيِّ صَلَاتَيْكَ اعْتَدَدْتَ» مُنْكِرًا عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ الِائْتِمَامُ بِالْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي يُصَلِّيهَا الْإِمَامُ؛ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِالسَّلَامِ، فَيُسَلِّمُ وَلَا بُدَّ، أَوْ يَكُونُ مُسَافِرًا يَدْخُلُ فِي صَلَاةِ مُقِيمٍ، وَيَخَافُ مِمَّنْ لَا عِلْمَ لَهُ إنْ قَعَدَ مُنْتَظِرًا سَلَامَ الْإِمَامِ فَهَذَا يُسَلِّمُ وَلَا بُدَّ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يَأْتَمُّ بِالْإِمَامِ مُتَطَوِّعًا، وَنَحْوُ هَذَا -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ فَرْضُ الْجَمَاعَةِ وَلَمْ يَكُنْ يَائِسًا عَنْ إدْرَاكِهَا] 313 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ فَرْضُ الْجَمَاعَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يَائِسًا عَنْ إدْرَاكِهَا فَابْتَدَأَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ - فَاَلَّتِي بَدَأَ بِهَا بَاطِلَةٌ فَاسِدَةٌ، لَا تُجْزِئُهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ فِي الَّتِي أُقِيمَتْ، وَلَا مَعْنَى لَأَنْ يُسَلِّمَ مِنْ الَّتِي بَدَأَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . وَهَذَا كَانَ عَلَيْهِ فَرْضُ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ؛ لِمَا نَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَهُوَ مَرْدُودٌ؟ .
باب الأذان
[بَابُ الْأَذَانِ] [مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا إلَّا صَلَاةَ الصُّبْحِ فَقَطْ] ِ 314 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا إلَّا صَلَاةَ الصُّبْحِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤَذِّنَ لَهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي بِمِقْدَارِ مَا يُتِمُّ الْمُؤَذِّنُ أَذَانَهُ وَيَنْزِلُ مِنْ الْمَنَارِ أَوْ مِنْ الْعُلُوِّ وَيَصْعَدُ مُؤَذِّنٌ آخَرُ وَيَطْلُعُ الْفَجْرُ قَبْلَ ابْتِدَاءِ الثَّانِي فِي الْأَذَانِ، وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ أَذَانٍ ثَانٍ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَلَا يُجْزِئُ الْأَذَانُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ أَذَانُ سُحُورٍ، لَا أَذَانٌ لِلصَّلَاةِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَذِّنَ لَهَا قَبْلَ الْمِقْدَارِ الَّذِي ذَكَرْنَا، فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيِّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، قُلْتُ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، الرَّجُلُ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْفَجْرِ يُوقِظُ النَّاسَ؟ فَغَضِبَ، وَقَالَ عُلُوجٌ فِرَاغٌ لَوْ أَدْرَكَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَأَوْجَعَ جَنُوبَهُمْ مَنْ أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَإِنَّمَا صَلَّى أَهْلُ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ بِإِقَامَةٍ لَا أَذَانَ فِيهِ. وَبِهِ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ فُضَيْلٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُؤَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ.
وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: سَمِعَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ مُؤَذِّنًا بِلَيْلٍ فَقَالَ: لَقَدْ خَالَفَ هَذَا سُنَّةً مِنْ سُنَّةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ نَامَ عَلَى فِرَاشِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ؟ وَمِنْ طَرِيقِ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانُوا إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِلَيْلِ قَالُوا لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، وَأَعِدْ أَذَانَك قَالَ عَلِيٌّ: هَذِهِ حِكَايَةٌ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَأَكَابِرِ التَّابِعِينَ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: ثنا أَيُّوبُ بْنُ مَنْصُورٍ ثنا شُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَادٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ مُؤَذِّنٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُقَالُ لَهُ: مَسْرُوحٌ، أَذَّنَ قَبْلَ الصُّبْحِ فَأَمَرَهُ عُمَرُ بِأَنْ يُنَادِيَ: أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ قُلْت لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: مَتَى تُوتِرِينَ؟ قَالَتْ: بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَمَا كَانُوا يُؤَذِّنُونَ حَتَّى يُصْبِحُوا. وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْقَطَّانِ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنِي نَافِعٍ قَالَ: مَا كَانُوا يُؤَذِّنُونَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَهَذِهِ أَقْوَالُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَنَافِعٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُمْ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ فَوَجَدَ عَمَلًا لَا يُدْرَى أَصْلُهُ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ دَعْوَى نَقْلِ التَّوَاتُرِ عَنْ مِثْلِهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ عَنْ هَؤُلَاءِ الثِّقَاتِ مُبْطِلَةٌ لِهَذِهِ
الدَّعْوَى الَّتِي لَا تَصِحُّ؛ وَلَا يَعْجِزُ عَنْهَا أَحَدٌ؟ . وَاَلَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ: يُؤَذَّنُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ بِلَيْلٍ، وَلَا يُؤَذَّنُ لِغَيْرِهَا إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ. [قَالَ عَلِيٌّ: احْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِالْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ مِنْ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ] قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا حَقٌّ، إلَّا أَنَّهُ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَذَانَ الصَّلَاةِ، وَلَا قَبْلَ الْفَجْرِ بِلَيْلٍ طَوِيلٍ، وَكَانَ يُؤَذِّنُ آخَرُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثنا حَفْصٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ [الصِّدِّيقِ] عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فَكُلُوا
وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؟ قُلْتُ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَصْعَدَ هَذَا» . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «إنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ: أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ، أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ، فَرَجَعَ فَنَادَى: أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ» ؟ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا قُتَيْبَةُ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يُغِيرُ بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَصَحَّ أَنَّ الْأَذَانَ لِلصَّلَاةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ حَفْصَةَ، وَعَائِشَةَ: أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ، فَصَارَ نَقْلَ تَوَاتُرٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ. وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، وَسَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ مُسْنَدًا أَيْضًا، وَلَمْ يَأْتِ قَطُّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا، وَلَا غَيْرِهَا أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اكْتَفَى بِذَلِكَ الْأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ؛ بَلْ فِي كُلِّهَا، وَفِي غَيْرِهَا أَنَّهُ كَانَ هُنَالِكَ أَذَانٌ آخَرُ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَالْقَوْمُ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، وَمِنْ كِبَارِهِمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْقِيَاسَ أَوْلَى مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ. وَهَا هُنَا تَرَكُوا قِيَاسَ الْأَذَانِ لِلْفَجْرِ عَلَى الْأَذَانِ لِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقُوا بِخَبَرٍ
مسألة لا تجزئ صلاة فريضة في جماعة اثنين فصاعدا إلا بأذان وإقامة
أَصْلًا - لَا صَحِيحٍ وَلَا سَقِيمٍ - فِي أَنَّ ذَلِكَ الْأَذَانَ يُجْزِئُ عَنْ آخِرَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَيُقَالُ لِمَنْ رَأَى أَنَّ الْأَذَانَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ يُجْزِئُ قَبْلَ الْفَجْرِ: أَخْبِرْنَا عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي يُجْزِئُ فِيهِ الْأَذَانُ لَهَا مِنْ اللَّيْلِ؟ فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا حَدًّا فِي ذَلِكَ لَزِمَهُمْ أَنْ يُجْزِئَ إثْرَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّهُ لَيْلٌ بِلَا شَكٍّ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا؟ فَإِنْ قَالُوا: أَوَّلُ الْأَوْقَاتِ الَّتِي يُجْزِئُ فِيهَا الْأَذَانُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ اللَّيْلِ هُوَ إثْرَ نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ؟ أَوْ قَالُوا: [هُوَ] فِي أَوَّلِ الثُّلُثِ الْآخِرِ مِنْ اللَّيْلِ؟ . قُلْنَا لَهُمْ: هَذِهِ دَعْوَى مُفْتَقِرَةٌ إلَى دَلِيلٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي دِينِهِ وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ وَقْتَ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ يَمْتَدُّ إلَى وَقْتِ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَيَرَوْنَ لِلْحَائِضِ تَطْهُرُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَنْ تُصَلِّيَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ وَالْمَغْرِبَ، فَقَدْ أَجَازُوا الْأَذَانَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ أَنْ يَخُصُّوا بِذَلِكَ [بَعْضَ] وَقْتٍ [صَلَاةِ] الْعَتَمَةِ دُونَ جَمِيعِ وَقْتِهَا؟ نَعَمْ وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَيْضًا؟ . فَإِنْ قَالُوا: لَا نُجِيزُ ذَلِكَ إلَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ؟ قِيلَ لَهُمْ: وَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟ وَلَيْسَ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ إلَّا الْخَبَرَ الَّذِي أَخَذْنَا بِهِ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ تَحْدِيدُ وَقْتِ ذَلِكَ الْأَذَانِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ فَرِيضَةٍ فِي جَمَاعَةٍ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا إلَّا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ] 315 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تُجْزِئُ صَلَاةُ فَرِيضَةٍ فِي جَمَاعَةٍ - اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا - إلَّا بِأَذَانٍ
وَإِقَامَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي وَقْتِهَا، أَوْ كَانَتْ مَقْضِيَّةً لِنَوْمٍ عَنْهَا أَوْ لِنِسْيَانٍ، مَتَى قُضِيَتْ، السَّفَرُ وَالْحَضَرُ سَوَاءٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ، فَإِنْ صَلَّى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ فَلَا صَلَاةَ لَهُمْ، حَاشَا الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعَتَمَةِ بِمُزْدَلِفَةَ؛ فَإِنَّهُمَا يُجْمَعَانِ بِأَذَانٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَإِقَامَةٍ لِلصَّلَاتَيْنِ مَعًا لِلْأَثَرِ فِي ذَلِكَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ - ثنا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ثنا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ قَالَ «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ لَهُمْ: ارْجِعُوا إلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ الْجَرْمِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ وَافِدَ قَوْمِهِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: «صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا [فِي حِينِ كَذَا] وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» .
قَالَ عَلِيٌّ: فَصَحَّ بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ وُجُوبُ الْأَذَانِ وَلَا بُدَّ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، عُمُومًا لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَدَخَلَتْ الْإِقَامَةُ فِي هَذَا الْأَمْرِ. كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ هُوَ إسْمَاعِيلُ عَنْ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ لِمَنْ شَاءَ» . ، وَأَيْضًا فَقَدْ صَحَّ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِلَالًا بِأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ» كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؟ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ هُوَ الْفِرْيَابِيُّ ثنا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: «أَتَى رَجُلَانِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرِيدَانِ السَّفَرَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا خَرَجْتُمَا فَأَذِّنَا ثُمَّ أَقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» . فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا هَذَا فِي السَّفَرِ؟ قُلْنَا: لَا، بَلْ فِي الْخُرُوجِ، وَهَذَا يَقْتَضِي الْخُرُوجَ مِنْ عِنْدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِشَأْنِهِمَا، وَهَذَا كُلُّهُ عُمُومٌ لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ مَقْضِيَّةٍ - كَمَا ذَكَرْنَا - أَوْ غَيْرَ مَقْضِيَّةٍ. وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا أَيْضًا بَيَانٌ يَرْفَعُ التَّمْوِيهَ وَالْإِيهَامَ كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «شَغَلَنَا الْمُشْرِكُونَ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ حَتَّى غَرُبَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ،
مسألة لا يلزم المنفرد أذان ولا إقامة
قَالَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْقِتَالِ [مَا نَزَلَ] فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} [الأحزاب: 25] فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا فَأَذَّنَ لِلظُّهْرِ فَصَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا؛ ثُمَّ أَذَّنَ لِلْعَصْرِ فَصَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا ثُمَّ أَذَّنَ لِلْمَغْرِبِ فَصَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا؟» قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا الْخَبَرُ زَائِدٌ عَلَى كُلِّ خَبَرٍ وَرَدَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَالْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ وَاجِبٌ. وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ: قُلْت لِعَطَاءٍ: صَلَّيْتُ لِنَفْسِي الصَّلَاةَ فَنَسِيتُ أَنْ أُقِيمَ لَهَا؟ قَالَ: عُدْ لِصَلَاتِك أَقِمْ لَهَا ثُمَّ أَعِدْ، وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: إذَا نَسِيتَ الْإِقَامَةَ فِي السَّفَرِ فَأَعِدْ الصَّلَاةَ. وَمِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَرْضًا: أَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُ، وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ فَرْضًا حُجَّةً أَصْلًا " وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا اسْتِحْلَالُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِمَاءَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ عِنْدَهُمْ أَذَانًا، وَأَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ -: لَكَفَى فِي وُجُوبِ فَرْضِ ذَلِكَ -، وَهُوَ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ مِنْ جَمِيعِ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِلَا شَكٍّ؛ فَهَذَا هُوَ الْإِجْمَاعُ الْمَقْطُوعُ عَلَى صِحَّتِهِ لَا الدَّعَاوَى الْكَاذِبَةُ الَّتِي لَا يَعْجِزُ أَحَدٌ عَنْ ادِّعَائِهَا، إذَا لَمْ يَرْدَعْهُ عَنْ ذَلِكَ وَرَعٌ أَوْ حَيَاءٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لَا يَلْزَمُ الْمُنْفَرِدَ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ] 316 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَلْزَمُ الْمُنْفَرِدَ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ فَإِنْ أَذَّنَ، وَأَقَامَ فَحَسَنٌ؛ [لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ بِإِيجَابِ الْأَذَانِ إلَّا عَلَى الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ] ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَقَدْ يَدْعُو إلَى الصَّلَاةِ مَنْ
مسألة لا يلزم النساء فرضا حضور الصلاة المكتوبة في جماعة
لَعَلَّهُ يَسْمَعُهُ مِنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ؛ فَلَا يَجُوزُ إلَّا فِي الْوَقْتِ. [مَسْأَلَةٌ لَا يَلْزَمُ النِّسَاءَ فَرْضًا حُضُورُ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فِي جَمَاعَةٍ] 317 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَلْزَمُ النِّسَاءَ فَرْضًا حُضُورُ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فِي جَمَاعَةٍ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَؤُمَّ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ وَلَا الرِّجَالَ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّصَّ قَدْ جَاءَ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ إذَا فَاتَتْ أَمَامَهُ. عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْإِمَامُ جُنَّةٌ» وَحُكْمُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِأَنْ تَكُونَ وَرَاءَ الرَّجُلِ وَلَا بُدَّ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّ الْإِمَامَ يَقِفُ أَمَامَ الْمَأْمُومِينَ لَا بُدَّ أَوْ مَعَ الْمَأْمُومِ فِي صَفٍّ وَاحِدٍ عَلَى مَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعِهِ - وَمِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ يَثْبُتُ بُطْلَانُ إمَامَةِ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ، وَلِلرِّجَالِ يَقِينًا [مَسْأَلَةٌ حَضَرَتْ الْمَرْأَةُ الصَّلَاةَ مَعَ الرِّجَالِ] 318 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ حَضَرَتْ الْمَرْأَةُ الصَّلَاةَ مَعَ الرِّجَالِ فَحَسَنٌ؛ لِمَا قَدْ صَحَّ مِنْ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَشْهَدْنَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ صَلَّيْنَ جَمَاعَةً وَأَمَّتْهُنَّ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ] 319 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ صَلَّيْنَ جَمَاعَةً، وَأَمَّتْهُنَّ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ فَحَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ يَمْنَعُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَقْطَعُ بَعْضُهُنَّ صَلَاةَ بَعْضٍ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا» . [رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ] عَنْ مَيْسَرَةَ بْنِ حَبِيبٍ النَّهْدِيِّ هُوَ أَبُو خَازِمٍ - عَنْ رَيْطَةَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَمَّتْهُنَّ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْقَطَّانِ عَنْ زِيَادِ بْنِ لَاحِقٍ عَنْ تَمِيمَةَ بِنْتِ سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّهَا أَمَّتْ نِسَاءً فِي الْفَرِيضَةِ فِي الْمَغْرِبِ، وَقَامَتْ وَسَطَهُنَّ، وَجَهَرَتْ بِالْقِرَاءَةِ؟ وَعَنْ [عَبْدِ الرَّزَّاقِ] عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَمَّارِ الدُّهْنِيِّ عَنْ حُجَيْرَةَ بِنْتِ حُصَيْنٍ قَالَتْ: أَمَّتْنَا أُمُّ سَلَمَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَقَامَتْ بَيْنَنَا وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْقَطَّانِ عَنْ سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أُمِّ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ وَهِيَ خَيْرَةُ -، هُوَ اسْمُهَا، ثِقَةٌ مَشْهُورَةٌ - حَدَّثَتْهُمْ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ تَؤُمُّهُنَّ فِي رَمَضَانَ، وَتَقُومُ مَعَهُنَّ فِي الصَّفِّ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ تَؤُمُّ النِّسَاءَ [فِي التَّطَوُّعِ] وَتَقُومُ وَسْطَهُنَّ فِي الصَّفِّ؟ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَؤُمُّ الْمَرْأَةُ النِّسَاءَ فِي التَّطَوُّعِ تَقُومُ وَسْطَهُنَّ؟ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ جَارِيَةً لَهُ تَؤُمُّ [نِسَاءَهُ] فِي لَيَالِي رَمَضَانَ. وَمِنْ التَّابِعِينَ: [رُوِّينَا] عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَعَنْ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ،
مسألة لا أذان على النساء ولا إقامة على سبيل الوجوب
عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ، وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ الرُّبَيِّعِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - قَالُوا كُلُّهُمْ بِإِجَازَةِ إمَامَةِ الْمَرْأَةِ لِلنِّسَاءِ وَتَقُومُ وَسَطَهُنَّ. قَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: فِي الْفَرِيضَةِ وَالتَّطَوُّعِ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُهُمْ. وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَدَاوُد، وَأَصْحَابِهِمْ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: لَا تَؤُمُّ الْمَرْأَةُ النِّسَاءَ فِي فَرْضٍ وَلَا نَافِلَةٍ -، وَهَذَا قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، وَخِلَافٌ لِطَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْلَمُ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مُخَالِفٌ؛ وَهُمْ يُشَيِّعُونَ هَذَا إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، بَلْ صَلَاةُ الْمَرْأَةِ بِالنِّسَاءِ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» . فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا جَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَرْضًا، بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» ؟ قُلْنَا لَوْ كَانَ هَذَا لَكَانَ جَائِزًا أَنْ تَؤُمَّنَا، وَهَذَا مُحَالٌ؛ وَهَذَا خِطَابٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يَتَوَجَّهُ أَلْبَتَّةَ إلَى نِسَاءٍ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ، لِأَنَّهُ لَحْنٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ مُتَيَقَّنٌ، وَمِنْ الْمُحَالِ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَلْحَنُ؟ . [مَسْأَلَةٌ لَا أَذَانَ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا إقَامَةَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ] 320 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا أَذَانَ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا إقَامَةَ؛ فَإِنْ أَذَّنَّ، وَأَقَمْنَ فَحَسَنٌ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَذَانِ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» وَلَيْسَ النِّسَاءُ مِمَّنْ أُمِرْنَ بِذَلِكَ، فَإِذَا هُوَ قَدْ صَحَّ فَالْأَذَانُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِقَامَةُ كَذَلِكَ؛ فَهُمَا فِي وَقْتِهِمَا فِعْلٌ حَسَنٌ.
مسألة منع المرأة والأمة من حضور الصلاة في المسجد
وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: تُقِيمُ الْمَرْأَةُ لِنَفْسِهَا، وَقَالَ طَاوُسٍ: كَانَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تُؤَذِّنُ وَتُقِيمُ. [مَسْأَلَةٌ مَنْعُ الْمَرْأَةِ وَالْأَمَةِ مِنْ حُضُورِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ] 321 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِوَلِيِّ الْمَرْأَةِ، وَلَا لِسَيِّدِ الْأَمَةِ مَنْعُهُمَا مِنْ حُضُورِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، إذَا عَرَفَ أَنَّهُنَّ يُرِدْنَ الصَّلَاةَ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَخْرُجْنَ مُتَطَيِّبَاتٍ، وَلَا فِي ثِيَابٍ حِسَانٍ؛ فَإِنْ فَعَلَتْ فَلْيَمْنَعْهَا، وَصَلَاتُهُنَّ فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِنَّ مُنْفَرِدَاتٍ. -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ثنا أَبِي، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ قَالَا ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَا يُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ إذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إلَيْهَا فَقَالَ لَهُ بِلَالٌ ابْنُهُ؛ وَاَللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْته سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ: أُخْبِرُك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَقُولُ: وَاَللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ؟ .» وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا أَبُو كُرَيْبٍ ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنْ الْخُرُوجِ بِاللَّيْلِ إلَى الْمَسَاجِدِ» . حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا حَامِدٌ هُوَ ابْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ - ثنا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا وَهُنَّ تَفِلَاتٌ» .
قَالَ عَلِيٌّ: وَالتَّفِلَةُ السَّيِّئَةُ الرِّيحِ وَالْبِزَّةُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ثنا بُكَيْر بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا» . وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّفَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ» . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دُلَيْمٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ الْجُعْفِيُّ - عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ الْمُتَقَدِّمُ، وَشَرُّهَا الْمُؤَخَّرُ، وَشَرُّ صُفُوفِ النِّسَاءِ الْمُتَقَدِّمُ، وَخَيْرُهَا الْمُؤَخَّرُ؛ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ إذَا سَجَدَ الرِّجَالُ فَاغْضُضْنَ أَبْصَارَكُنَّ لَا تَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ مِنْ ضِيقِ الْأُزُرِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو هُوَ أَبُو مَعْمَرٍ - ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ التَّنُّورِيُّ - ثنا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ؟ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ.»
وَبِهِ إلَى أَبِي دَاوُد، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ثنا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرٍ هُوَ ابْنُ الْأَشَجِّ - عَنْ نَافِعٍ قَالَ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَنْهَى أَنْ يَدْخُلَ مِنْ بَابِ النِّسَاءِ قَالَ عَلِيٌّ: لَوْ كَانَتْ صَلَاتُهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَلُ لَمَا تَرَكَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَعَنَّيْنَ بِتَعَبٍ لَا يُجْدِي عَلَيْهِنَّ زِيَادَةُ فَضْلٍ أَوْ يَحُطُّهُنَّ مِنْ الْفَضْلِ، وَهَذَا لَيْسَ نُصْحًا، وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَقُولُ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» وَحَاشَا لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ ذَلِكَ؛ بَلْ هُوَ أَنْصَحُ الْخَلْقِ لِأُمَّتِهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمَا افْتَرَضَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ لَا يَمْنَعَهُنَّ؛ وَلَمَا أَمَرَهُنَّ بِالْخُرُوجِ تَفِلَاتٍ. وَأَقَلُّ هَذَا أَنْ يَكُونَ أَمْرَ نَدْبٍ وَحَضٍّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ: صَلَاتُهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَلُ، وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ خُرُوجَهُنَّ إلَى الْمَسَاجِدِ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَلِلْجُمُعَةِ، وَفِي الْعِيدَيْنِ، وَرَخَّصَ لِلْعَجُوزِ خَاصَّةً فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَالْفَجْرِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكْرَهْ خُرُوجَهُنَّ فِي الْعِيدَيْنِ -: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا نَمْنَعُهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ، وَأَبَاحَ لِلْمُتَجَالَّةِ شُهُودَ الْعِيدَيْنِ، وَالِاسْتِسْقَاءَ. وَقَالَ: تَخْرُجُ الشَّابَّةُ إلَى الْمَسْجِدِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ. قَالَ: وَالْمُتَجَالَّةُ تَخْرُجُ إلَى الْمَسْجِدِ، وَلَا تُكْثِرُ التَّرَدُّدَ -: قَالَ عَلِيٌّ: وَشَغَبَ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ بِرِوَايَةٍ رُوِّينَاهَا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ: لَوْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنَى إسْرَائِيلَ. وَبِحَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمَّتِهِ أَوْ جَدَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ
أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ صَلَاتَكِ فِي بَيْتِكِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِكِ مَعِي» ؟ ، وَبِحَدِيثٍ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ الْغُدَانِيِّ أَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَأَنْ تُصَلِّيَ الْمَرْأَةُ فِي مَخْدَعِهَا أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي بَيْتِهَا، وَأَنْ تُصَلِّيَ فِي بَيْتِهَا أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي دَارِهَا، وَأَنْ تُصَلِّيَ فِي دَارِهَا أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ قَوْمِهَا، وَأَنْ تُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ قَوْمِهَا أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ، وَأَنْ تُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ خَيْرٌ لَهَا مِنْ أَنْ تَخْرُجَ إلَى الصَّلَاةِ يَوْمَ الْعِيدِ.» وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَعَلَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخُرُوجِهِنَّ يَوْمَ الْعِيدِ إنَّمَا كَانَ إرْهَابًا لِلْعَدُوِّ لِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ لِيَكْثُرُوا فِي عَيْنِ مَنْ يَرَاهُمْ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذِهِ عَظِيمَةٌ؛ لِأَنَّهَا كِذْبَةٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلٌ بِلَا عِلْمٍ، وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدْ بَيَّنَ أَنَّ أَمْرَهُ بِخُرُوجِهِنَّ لِيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى؛ فَأُفٍّ لِمَنْ كَذَّبَ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَافْتَرَى كِذْبَةً بِرَأْيِهِ ثُمَّ إنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَعَ كَوْنِهِ كَذِبًا بَحْتًا فَهُوَ بَارِدٌ سَخِيفٌ جِدًّا. لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ عَسْكَرٍ فَيُرْهِبُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَدُوٌّ إلَّا الْمُنَافِقُونَ وَيَهُودُ الْمَدِينَةِ، الَّذِينَ يَدْرُونَ أَنَّهُنَّ نِسَاءٌ، فَاعْجَبُوا لِهَذَا التَّخْلِيطِ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا مَا حَدَّثَتْ بِهِ عَائِشَةُ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِوُجُوهٍ -: أَوَّلُهَا: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُدْرِكْ مَا أَحْدَثْنَ، فَلَمْ يَمْنَعْهُنَّ، فَإِذْ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ فَمَنْعُهُنَّ بِدْعَةٌ وَخَطَأٌ، وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30] فَمَا أَتَيْنَ قَطُّ بِفَاحِشَةٍ وَلَا ضُوعِفَ لَهُنَّ الْعَذَابُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف: 96] فَلَمْ يُؤْمِنُوا فَلَمْ يَفْتَحْ عَلَيْهِمْ وَمَا نَعْلَمُ احْتِجَاجًا أَسْخَفَ مِنْ احْتِجَاجِ مَنْ يَحْتَجُّ بِقَوْلِ قَائِلٍ: لَوْ كَانَ كَذَا: لَكَانَ كَذَا -: عَلَى إيجَابِ مَا لَمْ يَكُنْ، الشَّيْءُ الَّذِي لَوْ كَانَ لَكَانَ ذَلِكَ الْآخَرُ؟ وَوَجْهٌ ثَانٍ: وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَلِمَ مَا يُحْدِثُ النِّسَاءُ، وَمَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ،
فَلَمْ يُوحِ قَطُّ إلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَنْعِهِنَّ مِنْ أَجْلِ مَا اسْتَحْدَثْنَهُ، وَلَا أَوْحَى تَعَالَى قَطُّ إلَيْهِ: أَخْبِرْ النَّاسَ إذَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ فَامْنَعُوهُنَّ مِنْ الْمَسَاجِدِ؛ فَإِذْ لَمْ يَفْعَلْ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا فَالتَّعَلُّقُ بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ هُجْنَةٌ وَخَطَأٌ؟ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّنَا مَا نَدْرِي مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ، مِمَّا لَمْ يُحْدِثْنَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ فِي إحْدَاثِهِنَّ مِنْ الزِّنَى، فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَجَمَ فِيهِ وَجَلَدَ، فَمَا مَنَعَ النِّسَاءَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَطُّ، وَتَحْرِيمُ الزِّنَى عَلَى الرِّجَالِ كَتَحْرِيمِهِ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا فَرْقَ؛ فَمَا الَّذِي جَعَلَ الزِّنَى سَبَبًا يَمْنَعُهُنَّ مِنْ الْمَسَاجِدِ؟ وَلَمْ يَجْعَلْهُ سَبَبًا إلَى مَنْعِ الرِّجَالِ مِنْ الْمَسَاجِدِ؟ هَذَا تَعْلِيلٌ مَا رَضِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ، وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَوَجْهٌ رَابِعٌ: وَهُوَ أَنَّ الْإِحْدَاثَ إنَّمَا هُوَ لِبَعْضِ النِّسَاءِ بِلَا شَكٍّ دُونَ بَعْضٍ، وَمِنْ الْمُحَالِ مَنْعُ الْخَيْرِ عَمَّنْ لَمْ يُحْدِثْ مِنْ أَجْلِ مَنْ أَحْدَثَ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ نَصٌّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُسْمَعُ لَهُ وَيُطَاعُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] وَوَجْهٌ خَامِسٌ: وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْإِحْدَاثُ سَبَبًا إلَى مَنْعِهِنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ سَبَبًا إلَى مَنْعِهِنَّ مِنْ السُّوقِ، وَمِنْ كُلِّ طَرِيقٍ بِلَا شَكٍّ، فَلِمَ خَصَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ مَنْعَهُنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ مِنْ أَجْلِ إحْدَاثِهِنَّ، دُونَ مَنْعِهِنَّ مِنْ سَائِرِ الطُّرُقِ؟ بَلْ قَدْ أَبَاحَ لَهَا أَبُو حَنِيفَةَ السَّفَرَ وَحْدَهَا، وَالْمَسِيرَ فِي الْفَيَافِي وَالْفَلَوَاتِ مَسَافَةَ يَوْمَيْنِ وَنِصْفٍ، وَلَمْ يَكْرَهْ لَهَا ذَلِكَ، وَهَكَذَا فَلْيَكُنْ التَّخْلِيطُ. وَوَجْهٌ سَادِسٌ: وَهُوَ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَمْ تَرَ مَنْعَهُنَّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَلَا قَالَتْ: امْنَعُوهُنَّ لِمَا أَحْدَثْنَ؛ بَلْ أَخْبَرَتْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَوْ عَاشَ لَمَنَعَهُنَّ، وَهَذَا هُوَ نَصُّ قَوْلِنَا؟ وَنَحْنُ نَقُولُ: لَوْ مَنْعَهُنَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَنَعْنَاهُنَّ، فَإِذْ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ فَلَا نَمْنَعُهُنَّ، فَمَا حَصَلُوا إلَّا عَلَى خِلَافِ السُّنَنِ، وَخِلَافِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَالْكَذِبِ بِإِيهَامِهِمْ مَنْ يُقَلِّدُهُمْ: أَنَّهَا مَنَعَتْ مِنْ خُرُوجِ النِّسَاءِ بِكَلَامِهَا ذَلِكَ، وَهِيَ لَمْ تَفْعَلْ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ الْمُنْذِرِ فَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ؟ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُتْرَكَ رِوَايَاتُ الثِّقَاتِ الْمُتَوَاتِرَةُ بِرِوَايَةِ مِنْ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ؟ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ الْغُدَانِيِّ فَهُوَ كَثِيرُ التَّصْحِيفِ وَالْغَلَطِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ هَكَذَا قَالَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ الْفَلَّاسُ وَغَيْرُهُ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ، وَخَبَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ الْغُدَانِيِّ - وَهُمَا لَا يَصِحَّانِ - لَكَانَ عَلَى أُمُورِهِمَا مُعَارَضَةٌ لِلْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ الَّتِي أَوْرَدْنَا، وَلِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِخُرُوجِهِنَّ، حَتَّى ذَوَاتُ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضُ إلَى مُشَاهَدَةِ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَأَمَرَ مَنْ لَا جِلْبَابَ لَهَا أَنْ تَسْتَعِيرَ مِنْ غَيْرِهَا جِلْبَابًا لِذَلِكَ؟ . وَلِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَاصِمِ الْكِلَابِيَّ حَدَّثَهُمْ قَالَ ثنا هَمَّامُ هُوَ ابْنُ يَحْيَى - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَسْجِدِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا» . قَالَ عَلِيٌّ: يُرِيدُ بِلَا شَكٍّ مَسْجِدَ مُحَلَّتِهَا، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسْجِدَ بَيْتِهَا لَكَانَ قَائِلًا: صَلَاتُهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا، وَحَاشَا لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يَقُولَ الْمُحَالَ؛ فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ مَنْسُوخٌ؟ . أَمَّا قَوْلُهُ «إنَّ صَلَاتَهَا فِي مَسْجِدِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا» وَحَضُّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى خُرُوجِهِنَّ إلَى الْعِيدِ، وَإِلَى الْمَسْجِدِ -: مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: «إنَّ صَلَاتَهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ» وَمِنْ خُرُوجِهَا إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ ". وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّ صَلَاتَهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي مَسْجِدِهَا» ، وَصَلَاتَهَا فِي مَسْجِدِهَا أَفْضَلُ مِنْ خُرُوجِهَا إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -:
«إنَّ صَلَاتَهَا فِي مَسْجِدِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا» وَحَضِّهِ عَلَى خُرُوجِهَا إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ. لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ نَقْطَعَ عَلَى نَسْخِ خَبَرٍ صَحِيحٍ إلَّا بِحُجَّةٍ؟ . فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ: فَوَجَدْنَا خُرُوجَهُنَّ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْمُصَلَّى عَمَلًا زَائِدًا عَلَى الصَّلَاةِ؛ وَكُلْفَةً فِي الْأَسْحَارِ وَالظُّلْمَةِ وَالزَّحْمَةِ وَالْهَوَاجِرِ الْحَارَّةِ؛ وَفِي الْمَطَرِ وَالْبَرْدِ؛ فَلَوْ كَانَ فَضْلُ هَذَا الْعَمَلِ الزَّائِدِ مَنْسُوخًا لَمْ يَخْلُ ضَرُورَةً مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا -: إمَّا أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهَا فِي الْمَسْجِدِ وَالْمُصَلَّى مُسَاوِيَةً لِصَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا؛ فَيَكُونُ هَذَا الْعَمَلُ كُلُّهُ لَغْوًا وَبَاطِلًا، وَتَكَلُّفًا وَعَنَاءً، وَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ أَصْلًا؛ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا، أَوْ تَكُونَ صَلَاتُهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمُصَلَّى مُنْحَطَّةَ الْفَضْلِ عَنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا كَمَا يَقُولُ الْمُخَالِفُونَ، فَيَكُونُ الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ كُلُّهُ إثْمًا حَاطًّا مِنْ الْفَضْلِ، وَلَا بُدَّ؛ إذْ لَا يَحُطُّ مِنْ الْفَضْلِ فِي صَلَاةٍ مَا عَنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا عَمَلٌ زَائِدٌ إلَّا، وَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ هَذَا؟ . وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ تَرْكِ أَعْمَالٍ مُسْتَحَبَّةٍ فِي الصَّلَاةِ، فَيَحُطُّ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ لَوْ عَمِلَهَا؛ فَهَذَا لَمْ يَأْتِ بِإِثْمٍ لَكِنْ تَرْكُ أَعْمَالِ بِرٍّ، وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ عَمَلًا تَكَلَّفَهُ فِي صَلَاتِهِ فَأَتْلَفَ بَعْضَ أَجْرِهِ الَّذِي كَانَ يَتَحَصَّلُ لَهُ لَوْ لَمْ يَعْمَلْهُ، وَأَحْبَطَ بَعْضَ عَمَلِهِ -: فَهَذَا عَمَلٌ مُحَرَّمٌ بِلَا شَكٍّ لَا يُمْكِنُ غَيْرُ هَذَا. وَلَيْسَ فِي الْكَرَاهَةِ إثْمٌ أَصْلًا، وَلَا إحْبَاطُ عَمَلٍ؛ بَلْ فِيهِ عَدَمُ الْأَجْرِ وَالْوِزْرِ مَعًا، وَإِنَّمَا الْإِثْمُ إحْبَاطٌ عَلَى الْحَرَامِ فَقَطْ وَقَدْ اتَّفَقَ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَمْنَعْ النِّسَاءَ قَطُّ الصَّلَاةَ مَعَهُ فِي مَسْجِدِهِ إلَى أَنْ مَاتَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ وَلَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ، فَصَحَّ أَنَّهُ عَمَلٌ مَنْسُوخٌ؛ فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا فَهُوَ عَمَلُ بِرٍّ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا أَقَرَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَلَا تَرَكَهُنَّ يَتَكَلَّفْنَهُ بِلَا مَنْفَعَةٍ، بَلْ بِمَضَرَّةٍ، وَهَذَا الْعُسْرُ وَالْأَذَى، لَا النَّصِيحَةُ؛
وَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا فَهُوَ النَّاسِخُ، وَغَيْرُهُ الْمَنْسُوخُ؟ هَذَا لَوْ صَحَّ ذَانِكَ الْحَدِيثَانِ؛ فَكَيْفَ، وَهُمَا لَا يَصِحَّانِ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ أَنْ يَؤُمَّ النِّسَاءَ فِي مُؤَخِّرِ الْمَسْجِدِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ عَاتِكَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ كَانَتْ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَكَانَتْ تَشْهَدُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لَهَا: وَاَللَّهِ إنَّك لَتَعْلَمِينَ أَنِّي مَا أُحِبُّ هَذَا؟ فَقَالَتْ: وَاَللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى تَنْهَانِي قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي لَا أَنْهَاك؛ فَلَقَدْ طُعِنَ عُمَرُ يَوْمَ طُعِنَ، وَإِنَّهَا لَفِي الْمَسْجِدِ. قَالَ عَلِيٌّ: مَا كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَمْتَنِعُ مِنْ نَهْيِهَا عَنْ خُرُوجِهَا إلَى الْمَسْجِدِ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا أَجْرَ لَهَا فِيهِ؛ فَكَيْفَ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَحُطُّ مِنْ أَجْرِهَا وَيُحْبِطُ عَمَلَهَا وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ لَهَا: إنِّي لَا أُحِبُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَيْلَ النَّفْسِ لَا إثْمَ فِيهِ؛ وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ -: لَوْلَا خَوْفُ اللَّهِ تَعَالَى لَأَحَبَّ الْأَكْلَ إذَا جَاعَ فِي رَمَضَانَ، وَالشُّرْبَ فِيهِ إذَا عَطِشَ، وَالنَّوْمَ فِي الْغَدَوَاتِ الْبَارِدَةِ فِي اللَّيْلِ الْقَصِيرِ عَنْ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَوَاتِ، وَوَطْءَ كُلِّ جَارِيَةٍ حَسْنَاءَ يَرَاهَا الْمَرْءُ؟ فَيُحِبُّ الْمَرْءُ الشَّيْءَ الْمَحْظُورَ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى صَرْفِ قَلْبِهِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا الشَّأْنُ فِي صَبْرِهِ أَوْ عَمَلِهِ فَقَطْ. قَالَ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [البقرة: 216] ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ عَمْرِو الثَّقَفِيِّ عَنْ عَرْفَجَةَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْقِيَامِ فِي رَمَضَانَ؛ فَيَجْعَلُ لِلرِّجَالِ إمَامًا، وَلِلنِّسَاءِ إمَامًا؛ فَأَمَرَنِي فَأَمَمْتُ النِّسَاءَ؟ ،
مسألة لا يؤذن ولا يقام لشيء من النوافل
قَالَ عَلِيٌّ: وَالشَّوَابُّ وَغَيْرُهُنَّ سَوَاءٌ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لَا يُؤَذَّنُ وَلَا يُقَامُ لِشَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ] 322 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُؤَذَّنُ وَلَا يُقَامُ لِشَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ، كَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ -، وَإِنْ صَلَّى كُلَّ ذَلِكَ فِي جَمَاعَةٍ وَفِي الْمَسْجِدِ - وَلَا لِصَلَاةِ فَرْضٍ عَلَى الْكِفَايَةِ: كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ؟ ، وَيُسْتَحَبُّ إعْلَامُ النَّاسِ بِذَلِكَ، مِثْلَ النِّدَاءِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ؛ وَهَذَا مِمَّا لَا يُعْلَمُ فِيهِ خِلَافٌ إلَّا شَيْئًا كَانَ بَنُو أُمَيَّةَ قَدْ أَحْدَثُوهُ مِنْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، وَهُوَ بِدْعَةٌ وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِأَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؟ . قَالَ عَلِيٌّ: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ أَمْرٌ بِالْمَجِيءِ إلَى الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ يَجِبُ ذَلِكَ إلَّا فِي الْفَرَائِضِ الْمُتَعَيَّنَةِ؛ وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي النَّوَافِلِ؛ فَلَا أَذَانَ فِيهَا وَلَا إقَامَةَ، وَإِعْلَامُ النَّاسِ بِذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى خَيْرٍ - وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؟ [مَسْأَلَةٌ شُرُوط الْأَذَان] 323 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ إلَّا رَجُلٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ مُسْلِمٌ مُؤَدٍّ لِأَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ حَسْبَ طَاقَتِهِ، وَلَا يُجْزِئُ أَذَانُ مَنْ لَا يَعْقِلُ حِينَ أَذَانِهِ لِسُكْرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِذَا أَذَّنَ الْبَالِغُ لَمْ يُمْنَعْ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ الْأَذَانِ بَعْدَهُ؛ وَيُجْزِئُ أَذَانُ الْفَاسِقِ؛ وَالْعَدْلُ أَحَبُّ إلَيْنَا؛ وَالصَّيِّتُ أَفْضَلُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ النِّسَاءَ لَمْ يُخَاطَبْنَ بِالْأَذَانِ لِلرِّجَالِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ أَوْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» فَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْأَذَانِ مَنْ أُلْزِمَ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ وَهُمْ الرِّجَالُ فَقَطْ؛ لَا النِّسَاءُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ؟ وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَالذَّاهِبُ الْعَقْلَ بِسُكْرٍ: غَيْرُ مُخَاطَبِينَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ؛ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ فَذَكَرَ الصَّبِيَّ، وَالْمَجْنُونَ، وَالنَّائِمَ -» وَالْأَذَانُ مَأْمُورٌ بِهِ كَمَا ذَكَرْنَا؛ فَلَا يُجْزِئُ أَدَاؤُهُ إلَّا مِنْ مُخَاطَبٍ بِهِ بِنِيَّةِ أَدَائِهِ مَا أُمِرَ بِهِ، وَغَيْرُ الْفَرْضِ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّكُمْ تُجِيزُونَ لِمَنْ أَذَّنَ لِأَهْلِ مَسْجِدٍ أَنْ يُؤَذِّنَ لِأَهْلِ مَسْجِدٍ آخَرَ فِي تِلْكَ
مسألة لا يجوز أن يؤذن اثنان فصاعدا معا
الصَّلَاةِ نَفْسِهَا؛ وَهَذَا تَطَوُّعٌ مِنْهُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَهُوَ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا مِنْهُ، فَهُوَ مِنْ أَحَدِهِمْ الْمَأْمُورِينَ بِإِقَامَةِ الْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ وَالْإِقَامَةِ لِمَنْ مَعَهُ، فَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُؤَدِّي فَرْضٍ، وَإِذَا تَأَدَّى الْفَرْضُ؛ فَالْأَذَانُ: فِعْلُ خَيْرٍ لَا يُمْنَعُ الصِّبْيَانُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَتَطَوُّعٌ وَبِرٌّ؟ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَيْسَ أَحَدَنَا وَلَا مُؤْمِنًا، وَإِنَّمَا أَلْزَمْنَا أَنْ يُؤَذِّنَ لَنَا أَحَدُنَا. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُؤَدِّ أَلْفَاظَ الْأَذَانِ مُتَعَمِّدًا فَلَمْ يُؤَذِّنْ كَمَا أُمِرَ، وَلَا أَتَى بِأَلْفَاظِ الْأَذَانِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا؛ فَهَذَا لَمْ يُؤَذِّنْ أَصْلًا فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ لِلُثْغَةٍ أَوْ لُكْنَةٍ أَجْزَأَ أَذَانُهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] فَهَذَا غَيْرُ مُكَلَّفٍ إلَّا مَا قَدَرَ عَلَيْهِ فَقَطْ، وَسَوَاءٌ كَانَ هُنَالِكَ مَنْ يُؤَدِّي أَلْفَاظَ الْأَذَانِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَكَانَ أَفْضَلَ لَوْ أَذَّنَ الْمُحْسِنُ؟ . وَأَمَّا الْفَاسِقُ فَإِنَّهُ أَحَدُنَا بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» وَلَا خِلَافَ فِي اخْتِيَارِ الْعَدْلِ، وَأَمَّا الصَّيِّتُ؛ فَلِأَنَّ الْأَذَانَ أَمْرٌ بِالْمَجِيءِ إلَى الصَّلَاةِ؛ فَإِسْمَاعُ الْمَأْمُورِينَ أَوْلَى؛ وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي مَحْذُورَةَ «ارْجِعْ فَارْفَعْ صَوْتَكَ» وَهَذَا أَمْرٌ بِرَفْعِ الصَّوْتِ؛ فَلَوْ تَعَمَّدَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ لَا يَرْفَعَ صَوْتَهُ لَمْ يُجْزِهِ أَذَانُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَكْثَرَ إلَّا بِمَشَقَّةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا قَدْ ذَكَرْنَا بِإِسْنَادِهِ، «إذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ» فَالِاجْتِهَادُ فِي طَرْدِ الشَّيْطَانِ فِعْلٌ حَسَنٌ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ . وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ إنْسٌ وَلَا جَانٌّ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيِّ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مُسْنَدًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَذِّنَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا مَعًا] 324 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَذِّنَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا مَعًا؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَالْمُؤَذِّنُ هُوَ الْمُبْتَدِئُ، وَالدَّاخِلُ عَلَيْهِ مُسِيءٌ لَا أَجْرَ لَهُ، وَمَا يَبْعُدُ عَنْهُ الْإِثْمُ، وَالْوَاجِبُ مَنْعُهُ؛ فَإِنْ
مسألة الأذان والإقامة قاعدا وراكبا وجنبا وإلى غير القبلة
بَدَآ مَعًا فَالْأَذَانُ لِلصَّيِّتِ الْأَحْسَنِ تَأْدِيَةً. وَجَائِزٌ أَنْ يُؤَذِّنَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ لِلْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ: فَإِنْ تَشَاحُّوا، وَهُمْ سَوَاءٌ فِي التَّأْدِيَةِ وَالصَّوْتِ وَالْفَضْلِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْأَوْقَاتِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، سَوَاءٌ عَظُمَتْ أَقْطَارُ الْمَسْجِدِ أَوْ لَمْ تَعْظُمْ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا سَعِيدُ بْنُ السَّكَنِ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» . قَالَ عَلِيٌّ: لَوْ جَازَ أَنْ يُؤَذِّنَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا مَعًا لَكَانَ الِاسْتِهَامُ لَغْوًا لَا وَجْهَ لَهُ؛ وَحَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا، وَلَوْ كَانَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ لِمَنْ بَادَرَ بِالْمَجِيءِ لَكَانَ الِاسْتِهَامُ لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ الْبِدَارِ، وَإِنَّمَا الِاسْتِهَامُ فِيمَا يَضِيقُ فَلَا يَحْمِلُ إلَّا بَعْضَ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ غَيْرُ هَذَا. وَقَدْ أَقْرَعَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ بَيْنَ الْمُتَشَاحِّينَ فِي الْأَذَانِ؛ إذْ قُتِلَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ؛ وَلَوْ جَازَ أَذَانُ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا لَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقَّ النَّاسِ بِأَنْ لَا يُضَيِّعُوا فَضْلَهُ؛ فَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ وَمَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا مُؤَذِّنَانِ فَقَطْ؟ [مَسْأَلَةٌ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ قَاعِدًا وَرَاكِبًا وَجُنُبًا وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ] 325 - مَسْأَلَةٌ: وَيُجْزِئُ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ قَاعِدًا وَرَاكِبًا وَعَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَجُنُبًا، وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ -، وَأَفْضَلُ ذَلِكَ أَنْ لَا يُؤَذِّنَ إلَّا قَائِمًا إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى طَهَارَةٍ؟ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ، وَمَالِكٍ، فِي الْأَذَانِ خَاصَّةً وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد وَغَيْرِهِمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ هَذَا نَهْيٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] .
مسألة عطس في أذانه وإقامته
فَصَحَّ أَنَّ مَا لَمْ يُفَصَّلْ لَنَا تَحْرِيمُهُ فَهُوَ مُبَاحٌ، وَإِنَّمَا تَخَيَّرْنَا أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ عَلَى طَهَارَةٍ قَائِمًا إلَى الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا. [مَسْأَلَةٌ عَطَسَ فِي أَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ] 326 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ عَطَسَ فِي أَذَانِهِ، وَإِقَامَتِهِ: فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَإِنْ سَمِعَ عَاطِسًا يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى: فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يُشَمِّتَهُ فِي أَذَانِهِ، وَإِقَامَتِهِ، وَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ فِي أَذَانِهِ، وَإِمَامَتِهِ: فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ بِالْكَلَامِ ثُمَّ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ كُلُّهُ جَائِزٌ فِي نَفْسِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] فَلَمْ يَخُصَّ تَعَالَى حَالًا مِنْ حَالٍ؟ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلْيَقُلْ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ وَيَقُولُ هُوَ: يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» . فَلَمْ تَخُصَّ النُّصُوصُ حَالَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَلَا جَاءَ نَهْيٌ قَطُّ عَنْ الْكَلَامِ فِي نَفْسِ الْأَذَانِ، وَمَا نَعْلَمُ حُجَّةً لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ أَصْلًا؟ فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَاهُ عَلَى الصَّلَاةِ؟ قُلْنَا: فَأَنْتُمْ تُجِيزُونَ الْأَذَانَ بِلَا وُضُوءٍ؛ فَأَيْنَ قِيَاسُهُ عَلَى الصَّلَاةِ؟ . حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَأَيْت بِلَالًا يُؤَذِّنُ وَيَدُورُ، فَأَتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَأُصْبُعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ» .
مسألة الأجرة على الأذان
وَرُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ صَاحِب رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ لِلْعَسْكَرِ فَكَانَ يَأْمُرُ غُلَامَهُ فِي أَذَانِهِ بِالْحَاجَةِ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أَذَانِهِ لِلْحَاجَةِ؟ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ نُسَيْرِ بْنِ ذُعْلُوقٍ: رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يُؤَذِّنُ عَلَى بَعِيرِهِ. [مَسْأَلَةٌ الْأُجْرَةُ عَلَى الْأَذَانِ] 327 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الْأُجْرَةُ عَلَى الْأَذَانِ، فَإِنْ فَعَلَ وَلَمْ يُؤَذِّنْ إلَّا لِلْأُجْرَةِ لَمْ يَجُزْ أَذَانُهُ، وَلَا أَجْزَأَتْ الصَّلَاةُ بِهِ - وَجَائِزٌ أَنْ يُعْطَى عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ، وَأَنْ يَرْزُقَهُ الْإِمَامُ كَذَلِكَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دُلَيْمٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا حَفْصُ بْنُ غَيَّاثٍ عَنْ أَشْعَثَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيُّ - عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ «آخِرُ مَا عَهِدَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا أَتَّخِذَ مُؤَذِّنًا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ. رُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ هُوَ أَبُو عُمَيْسٍ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - قَالَ: أَرْبَعٌ لَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِنَّ أَجْرٌ: الْأَذَانُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالْمَقَاسِمِ وَالْقَضَاءِ؟ . وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيِّ عَنْ يَحْيَى الْبَكَّاءِ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ
مسألة الخروج من المسجد بعد الأذان
يَقُولُ لِرَجُلٍ: إنِّي لَأَبْغَضُك فِي اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إنَّهُ يَتَغَنَّى فِي أَذَانِهِ وَيَأْخُذُ عَلَيْهِ أَجْرًا. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» . فَحَرَّمَ تَعَالَى أَكْلَ الْأَمْوَالِ إلَّا لِتِجَارَةٍ، فَكُلُّ مَالٍ فَهُوَ حَرَامٌ إلَّا مَا أَبَاحَهُ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ؛ فَلَوْ لَمْ يَأْتِ النَّهْيُ عَنْ أَخْذِ الْأَجْرِ عَلَى الْأَذَانِ لَكَانَ حَرَامًا بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. لَا يُعْرَفُ لِابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَهُمْ يُشَنِّعُونَ هَذَا إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، وَأَمَّا إنْ أُعْطِي عَلَى سَبِيل الْبِرِّ فَهُوَ فَضْلٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237] . [مَسْأَلَةٌ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَان] 328 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَانْدَفَعَ الْأَذَانُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ لِضَرُورَةٍ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ ثنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْفٍ عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ أَنَا أَبُو صَخْرَةَ هُوَ جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ - عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ مَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ " أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ". حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا إِسْحَاقُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثنا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَقَدَّمَ وَهُوَ جُنُبٌ، ثُمَّ قَالَ: عَلَى مَكَانِكُمْ، فَرَجَعَ وَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ
مسألة جائز أن يقيم غير الذي أذن
مَاءً فَصَلَّى بِهِمْ» وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] . [مَسْأَلَةٌ جَائِزٌ أَنْ يُقِيمَ غَيْرُ الَّذِي أَذَّنَ] 329 - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ أَنْ يُقِيمَ غَيْرُ الَّذِي أَذَّنَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ ذَلِكَ نَهْيٌ يَصِحُّ، وَالْأَثَرُ الْمَرْوِيُّ «إنَّمَا يُقِيمُ مَنْ أَذَّنَ» إنَّمَا جَاءَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمَ، وَهُوَ هَالِكٌ؟ [مَسْأَلَةٌ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ فَلْيَقُلْ كَمَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ] 330 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ فَلْيَقُلْ كَمَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ سَوَاءً سَوَاءً، مِنْ أَوَّلِ الْأَذَانِ إلَى آخِرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ أَوْ فِي صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ نَافِلَةٍ، حَاشَا قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " فَإِنَّهُ لَا يَقُولُهُمَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُهُمَا فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، فَإِذَا أَتَمَّ الصَّلَاةَ فَلْيَقُلْ ذَلِكَ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ حَيْوَةُ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ» ؟ . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا -: مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَلَمْ يَخُصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَوْنَهُ فِي صَلَاةٍ مِنْ غَيْرِ كَوْنِهِ فِيهَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ "؟ لِأَنَّهُ
مسألة بيان صفة الأذان
تَكْلِيمٌ لِلنَّاسِ يُدْعَوْنَ بِهِ إلَى الصَّلَاةِ، وَسَائِرُ الْأَذَانِ ذِكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالصَّلَاةُ مَوْضِعُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ حَجَاجٍ الصَّوَّافِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ -: وَفِي آخِرِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» أَوْ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؟ فَإِنْ قَالَ سَامِعُ الْأَذَانِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ " مَكَانَ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " فَحَسَنٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنِي حَجَاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى أَنَّ عِيسَى بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «إنِّي عِنْدَ مُعَاوِيَةَ إذْ أَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ كَمَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ، حَتَّى إذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ فَلَمَّا قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ. ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ ذَلِكَ» . [مَسْأَلَةٌ بَيَانُ صِفَةُ الْأَذَانِ] 331 - مَسْأَلَةٌ: وَصِفَةُ الْأَذَانِ: مَعْرُوفَةٌ، وَأَحَبُّ ذَلِكَ إلَيْنَا أَذَانُ أَهْلِ مَكَّةَ وَهُوَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ؛ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ؛ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. ثُمَّ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؛ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ . وَأَذَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَا وَصَفْنَا سَوَاءً سَوَاءً؛ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقُولُ فِي أَوَّلِ أَذَانِهِ: " اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ " إلَّا مَرَّتَيْنِ فَقَطْ وَأَذَانُ أَهْلِ الْكُوفَةِ كَمَا وَصَفْنَا أَذَانَ أَهْلِ مَكَّةَ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ " أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " إلَّا مَرَّتَيْنِ فَقَطْ؟ وَإِنْ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بِأَذَانِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ بِأَذَانِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: فَحَسَنٌ وَإِنْ زَادَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ -: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ: فَحَسَنٌ؟ . وَإِنَّمَا تَخَيَّرْنَا أَذَانَ أَهْلِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ ذِكْرٍ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى أَذَانِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَذَانِ أَهْلِ الْكُوفَةِ؛ فَفِيهِ تَرْجِيعُ " اللَّهُ أَكْبَرُ " وَفِيهِ تَرْجِيعُ " أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ "، وَهَذِهِ زِيَادَةُ خَيْرٍ لَا تُحَقَّرُ. أَقَلُّ مَا يَجِبُ لَهَا سِتُّونَ حَسَنَةً؟ وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ قَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ، مِنْهَا -: مَا حَدَّثَنَاهُ حَمَامُ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُنْقِرِيُّ الْبَصْرِيُّ ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحَوْضِيُّ ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى أَنَّ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْأَحْوَلَ حَدَّثَهُ أَنَّ مَكْحُولًا الشَّامِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ ابْنَ مُحَيْرِيزٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ حَدَّثَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُ الْأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَالْإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً» ثُمَّ وَصَفَ الْأَذَانَ الَّذِي ذَكَرْنَا حَرْفًا حَرْفًا؟ . وَحَدَّثَنَاهُ أَيْضًا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ وَيُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا حَجَّاجُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّ ابْنَ مُحَيْرِيزٍ أَخْبَرَهُ -، وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي مَحْذُورَةَ - قَالَ: قُلْت لِأَبِي مَحْذُورَةَ: إنِّي خَارِجٌ إلَى الشَّامِ، وَأَخْشَى أَنْ أُسْأَلَ عَنْ تَأْذِينِكَ فَأَخْبِرْنِي؟ فَذَكَرَ لَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُ الْأَذَانَ» كَمَا ذَكَرْنَا نَصًّا. وَقَدْ جَاءَتْ أَيْضًا آثَارٌ مِثْلُ هَذِهِ بِمِثْلِ أَذَانِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَذَانِ أَهْلِ الْكُوفَةِ؛ إلَّا أَنَّ
هَذِهِ زَائِدَةٌ عَلَيْهَا تَرْبِيعًا وَتَرْجِيعًا؛ وَزِيَادَةُ الرُّوَاةِ الْعُدُولِ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا؛ إلَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى التَّخْيِيرِ؛ فَيَكُونُ الْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ ذِكْرٍ وَخَيْرٍ؟ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعُ بْنُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ: أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَى مُؤَذِّنٍ لَهُ: لَا تُثَوِّبُ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا الْفَجْرَ؛ فَإِذَا بَلَغْت " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " فَقُلْ " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ " فَإِنَّهُ أَذَانُ بِلَالٍ. قَالَ عَلِيٌّ: سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ مِنْ أَكْبَرِ التَّابِعِينَ، قَدِمَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَمْسِ لَيَالٍ أَوْ نَحْوِهَا؛ وَأَدْرَكَ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ الْبَاقِينَ بَعْدَ مَوْتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَبِهِ إلَى وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنِ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا بَلَغَ " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " فِي الْفَجْرِ قَالَ " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ ". قَالَ عَلِيٌّ: لَمْ يُؤَذِّنْ بِلَالٌ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً بِالشَّامِ لِلظُّهْرِ، أَوْ الْعَصْرِ فَقَطْ، وَلَمْ يَشْفَعْ الْأَذَانَ فِيهَا أَيْضًا. وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَهِيَ " اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ ". بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ حَدَّثَنَا قَالَ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ إلَّا الْإِقَامَةَ» .
حَدَّثَنَا حَمَامُ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: كَانَ بِلَالٌ يُوتِرُ الْإِقَامَةَ وَيُثَنِّي الْأَذَانَ؛ إلَّا قَوْلَهُ " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ "؟ . قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ ذَكَرْنَا مَا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ: أَنَّ بِلَالًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يُؤَذِّنْ قَطُّ لِأَحَدٍ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً بِالشَّامِ، وَلَمْ يُتِمَّ أَذَانَهُ فِيهَا؛ فَصَارَ هَذَا الْخَبَرُ مُسْنَدًا صَحِيحَ الْإِسْنَادِ، وَصَحَّ أَنَّ الْآمِرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا أَحَدَ غَيْرَهُ وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ: الْإِقَامَةُ مَثْنَى مَثْنَى، وَاخْتُلِفَ عَنْهُمْ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ؛ فَرَوَى زُفَرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِ " اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ " أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي ابْتِدَاءِ الْأَذَانِ، وَفِي ابْتِدَاءِ الْإِقَامَةِ كَذَلِكَ أَيْضًا؛ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ هُمْ الْحَنَفِيُّونَ الْيَوْمَ؟ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ " اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ " فِي ابْتِدَائِهِمَا مَرَّتَيْنِ فَقَطْ. وَقَدْ جَاءَ حَدِيثٌ بِمِثْلِ رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ فِي الْأَذَانِ، وَمَا نَعْلَمُ خَبَرًا قَطُّ رُوِيَ فِي قَوْلِ " اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ " أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَوَّلِ الْإِقَامَةِ وَلَوْلَا أَنَّهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى لَوَجَبَ إبْطَالُ الْإِقَامَةِ بِهَا؛ وَإِبْطَالُ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى بِتِلْكَ الْإِقَامَةِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ زَادَ فِي الْإِقَامَةِ " لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ " أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ مِنْ الْإِقَامَةِ فِي شَيْءٍ؟ . وَقَالَ الْمَالِكِيُّونَ: الْإِقَامَةُ كُلُّهَا وِتْرٌ؛ إلَّا " اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ " فَإِنَّهُ يُكَرَّرُ؛ وَلَا يُقَالُ " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً قَالَ عَلِيٌّ: الْأَذَانُ مَنْقُولٌ نَقْلَ الْكَافَّةِ بِمَكَّةَ وَبِالْمَدِينَةِ وَبِالْكُوفَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ بِأَهْلِ الْإِسْلَامِ - مُذْ نَزَلَ الْأَذَانُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى يَوْمِ مَاتَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: آخِرُ مَنْ شَاهَدَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَحْبَهُ - يَوْمٌ إلَّا وَهُمْ يُؤَذِّنُونَ فِيهِ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِهِمْ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَأَكْثَرَ؛ فَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَى وَلَا أَنْ يُحَرَّفَ؟ فَلَوْلَا أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْوُجُوهِ قَدْ كَانَ يُؤَذَّنُ بِهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَا شَكٍّ؛
وَكَانَ الْأَذَانُ بِمَكَّةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْمَعُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إذْ حَجَّ، ثُمَّ يَسْمَعُهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، بَعْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَسَكَنَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ابْنُ الزُّبَيْرِ تِسْعَ سِنِينَ، وَهُوَ بَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ، وَالْعُمَّالُ مِنْ قِبَلِهِ بِالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: فَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُمْتَنِعِ الْمُحَالِ الَّذِي لَا يَحِلُّ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ بَدَّلُوا الْأَذَانَ وَسَمِعَهُ أَحَدُ هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَوْ بَلَغَهُ وَالْخِلَافَةُ بِيَدِهِ -: فَلَمْ يُغَيِّرْ، هَذَا مَا لَا يَظُنُّهُ مُسْلِمٌ؛ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ بِحَضْرَتِهِمْ بِالْمَدِينَةِ وَلَا فَرْقَ؟ وَكَذَلِكَ فُتِحَتْ الْكُوفَةُ وَنَزَلَ بِهَا طَوَائِفُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَتَدَاوَلَهَا عُمَّالُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُمَّالُ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، كَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَمَّارٍ، وَالْمُغِيرَةِ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَلَمْ تَزَلْ الصَّحَابَةُ الْخَارِجُونَ عَنْ الْكُوفَةِ يُؤَذِّنُونَ فِي كُلِّ يَوْمِ سَفَرِهِمْ خَمْسَ مَرَّاتٍ، إلَى أَنْ بَنُوهَا وَسَكَنُوهَا؛ فَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُحَالِ أَنْ يُحَالَ الْأَذَانُ بِحَضْرَةِ مَنْ ذَكَرْنَا وَيَخْفَى ذَلِكَ عَلَى عُمَرَ وَعُثْمَانَ، أَوْ يَعْلَمُهُ أَحَدُهُمَا فَيُقِرُّهُ وَلَا يُنْكِرُهُ؟ ثُمَّ سَكَنَ الْكُوفَةَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إلَى أَنْ مَاتَ وَنَفَّذَ الْعُمَّالَ مِنْ قِبَلِهِ إلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، ثُمَّ الْحَسَنُ ابْنُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى أَنْ سَلَّمَ الْأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُغَيَّرَ الْأَذَانُ وَلَا يُنْكِرُ تَغَيُّرَهُ: عَلِيٌّ؛ وَالْحَسَنُ؛ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ عَلَى عَلِيٍّ؛ لَجَازَ مِثْلُهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَحَاشَا لَهُمْ مِنْ هَذَا؛ مَا يَظُنُّ هَذَا بِهِمْ، وَلَا بِأَحَدٍ مِنْهُمْ مُسْلِمٌ أَصْلًا؟ . فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ أَذَانُ مَكَّةَ وَلَا أَذَانُ الْكُوفَةِ نَقْلَ كَافَّةٍ؟ قِيلَ لَهُمْ: فَإِنْ قَالُوا لَكُمْ: بَلْ أَذَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَيْسَ هُوَ نَقْلُ كَافَّةٍ فَمَا الْفَرْقُ؟ فَإِنْ ادَّعُوا فِي هَذَا مُحَالًا اُدُّعِيَ عَلَيْهِمْ مِثْلُهُ؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ أَذَانَ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ يَرْجِعُ إلَى قَوْمٍ مَحْصُورٍ عَدَدُهُمْ؟ قِيلَ لَهُمْ: وَأَذَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَرْجِعُ إلَى ثَلَاثَةِ رِجَالٍ لَا أَكْثَرَ: مَالِكٍ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فَقَطْ؛ وَإِنَّمَا أَخَذَهُ أَصْحَابُ هَؤُلَاءِ عَنْ هَؤُلَاءِ فَقَطْ فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يُخْتَلَفْ فِي الْأَذَانِ بِالتَّثْنِيَةِ؟ قِيلَ لَهُمْ: هَذَا الْكَذِبُ الْبَحْتُ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ:
الْأَذَانُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا. وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُثَنِّي الْإِقَامَةَ؛ فَيَبْطُلُ بِهَذَا بِيَقِينِ الْبُطْلَانِ فِيمَا يَحْتَجُّ بِهِ الْمَالِكِيُّونَ لِاخْتِيَارِهِمْ فِي الْأَذَانِ بِأَنَّهُ نَقْلُ الْكَافَّةِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ لِأَذَانِ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ ذَلِكَ مَا لِأَذَانِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ سَوَاءً سَوَاءً - وَأَنَّ لِأَذَانِ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ ذَلِكَ مَا لِأَذَانِ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَذَانِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَا فَرْقَ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يُغَيِّرْ ذَلِكَ الصَّحَابَةُ لَكِنْ غُيِّرَ بَعْدَهُمْ؟ قُلْنَا: إنْ جَازَ ذَلِكَ عَلَى التَّابِعِينَ بِمَكَّةَ وَالْكُوفَةِ، فَهُوَ عَلَى التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ أَجْوَزُ؛ فَمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فِي التَّابِعِينَ كَعَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، وَسُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ؛ وَالرُّحَيْلِ وَمَسْرُوقٍ، وَنُبَاتَةَ وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ وَغَيْرِهِمْ؛ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ أَفْتَى فِي حَيَاةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ وَمَا يَرْتَفِعُ أَحَدٌ مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُظَنَّ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ تَبْدِيلُ عَمُودِ الدَّيْنِ؟ فَإِنْ هَبَطُوا إلَى تَابِعِي التَّابِعِينَ؛ فَمَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، إلَّا جَازَ مِثْلُهُ عَلَى مَالِكٍ؛ فَمَا لَهُ عَلَى هَذَيْنِ فَضْلٌ، لَا فِي عِلْمٍ وَلَا فِي وَرَعٍ؛ وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُظَنَّ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فَإِنْ رَجَعُوا إلَى الْوُلَاةِ؛ فَإِنَّ الْوُلَاةَ عَلَى مَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ، وَالْكُوفَةِ: إنَّمَا كَانُوا يَنْفُذُونَ مِنْ الشَّامِ مِنْ عَهْدِ مُعَاوِيَةَ إلَى صَدْرِ زَمَانِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ، وَمَالِكٍ؛ ثُمَّ مِنْ الْأَنْبَارِ وَبَغْدَادَ فِي بَاقِي أَيَّامِ هَؤُلَاءِ؛ فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَالِي مَكَّةَ، وَالْكُوفَةِ، إلَّا جَازَ مِثْلُهُ عَلَى وَالِي الْمَدِينَةِ؛ وَكُلُّهَا قَدْ وَلِيَهَا الصَّالِحُ وَالْفَاسِقُ، كَالْحَجَّاجِ، وَحُبَيْشِ بْنِ دُلْجَةَ، وَطَارِقٍ، وَخَالِدٍ الْقَسْرِيِّ وَمَا هُنَالِكَ مِنْ كُلِّ مَنْ لَا خَيْرَ؛ فَمَا جَازَ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِمَكَّةَ، وَالْكُوفَةِ، فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ بِالْمَدِينَةِ سَوَاءً سَوَاءً؟ بَلْ الْأَمْرُ أَقْرَبُ إلَى الِامْتِنَاعِ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّ وُفُودَ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَرِدُونَهَا كُلَّ سَنَةٍ؛ فَمَا كَانَ لِيَخْفَى ذَلِكَ أَصْلًا عَلَى النَّاسِ؛ وَمَا قَالَ هَذَا أَحَدٌ قَطُّ -، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
فَإِنْ رَجَعُوا إلَى الرِّوَايَاتِ؛ فَالرِّوَايَاتُ كَمَا ذَكَرْنَا مُتَقَارِبَةٌ إلَّا قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَشْهُورَ فِي الْإِقَامَةِ؛ فَمَا جَاءَتْ بِهِ قَطُّ رِوَايَةٌ؟ . وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْمُدِّ، وَالصَّاعِ، وَالْوَسْقِ، فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُدٍّ، أَوْ قَفِيزٍ أُحْدِثَ بِالْمَدِينَةِ وَبِالْكُوفَةِ فَقَدْ عُرِفَ؛ كَمَا عُرِفَ بِالْمَدِينَةِ مُدُّ هِشَامٍ الَّذِي أَحْدَثَ؛ وَالْمُدُّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ: أَنَّ الصَّاعَ هُوَ مُدٌّ وَثُلُثٌ بِالْمُدِّ الْآخَرِ، وَكَمُدِّ أَهْلِ الْكُوفَةِ الْحَجَّاجِي، وَكَصَاعِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَلَا حَرَجَ فِي إحْدَاثِ الْأَمِيرِ أَوْ غَيْرِهِ مُدًّا أَوْ صَاعًا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ؟ وَبَقِيَ مُدُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاعُهُ وَوَسْقُهُ مَنْقُولًا إلَيْهِ نَقْلَ الْكَافَّةِ إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَالْعَجَبُ أَنَّ مَالِكًا رَأَى كَفَّارَةَ الظِّهَارِ خَاصَّةً بِمُدِّ هِشَامٍ الْمُحْدَثِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِهِ فِيهِ؛ فَأَشْهَبُ، وَابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ الْقَاسِمِ، يَقُولُ أَحَدُهُمْ: وَهُوَ مُدٌّ وَنِصْفٌ، وَيَقُولُ الْآخَرُ: هُوَ مُدَّانِ غَيْرُ ثُلُثٍ - وَيَقُولُ غَيْرُهُمْ: هُوَ مُدَّانِ وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنْ قَالَ: أَذَانُ أَبِي مَحْذُورَةَ مُتَأَخِّرٌ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ؛ وَأَحْسَنُ طُرُقِهِ مُوَافِقٌ لِاخْتِيَارِنَا -، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّ فِيهِ تَثْنِيَةَ الْإِقَامَةِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَسْنَا نُنْكِرُ تَثْنِيَتَهَا كَانَ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ؛ وَإِفْرَادُهَا كَانَ الْأَمْرَ الْآخَرَ بِلَا شَكٍّ. لِمَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ رَأَى الْأَذَانَ فِي الْمَنَامِ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ؟ قَالَ: عَلِّمْهُ بِلَالًا؛ فَقَامَ بِلَالٌ فَأَذَّنَ مَثْنَى، وَأَقَامَ مَثْنَى» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ مِنْ إسْنَادِ الْكُوفِيِّينَ؟ فَصَحَّ أَنَّ تَثْنِيَةَ الْإِقَامَةِ قَدْ نُسِخَتْ؛ وَأَنَّهُ هُوَ كَانَ أَوَّلَ الْأَمْرِ؛ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى أَخَذَ عَنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ وَأَدْرَكَ بِلَالًا وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -؛ فَلَاحَ
بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ بِيَقِينٍ -، وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ؟ . إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ مَا صَحَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا بِأَنْ يُوتِرَهَا إلَّا الْإِقَامَةَ؛ وَالصَّحِيحُ الْآخَرُ أَوْلَى بِالْأَخْذِ مِمَّا لَا يَبْلُغُ دَرَجَتَهُ؟ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيِّينَ: مَعْنَى " إلَّا الْإِقَامَةَ " أَيْ إلَّا " اللَّهُ أَكْبَرُ " وَهَذَا جَرْيٌ مِنْهُمْ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي الْكَذِبِ " وَمَا سَمَّى أَحَدٌ قَطُّ قَوْلَ " اللَّهُ أَكْبَرُ " إقَامَةً، لَا فِي لُغَةٍ، وَلَا فِي شَرِيعَةٍ، فَكَيْفَ وَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا أَنَّهُ " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " كَمَا ذَكَرْنَاهُ؟ وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ: إنَّ الْأَمْرَ لِبِلَالٍ بِأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ هُوَ مِمَّنْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا لِحَاقٌ مِنْهُمْ بِالرَّوَافِضِ النَّاسِبِينَ إلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، تَبْدِيلَ دَيْنِ الْإِسْلَامِ؛ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ يَقُولُ هَذَا؛ فَمَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: قَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ حَيْوَةُ عَنْ الْأَسْوَدِ: أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُثَنِّي الْإِقَامَةَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ؛ وَأَنَسٌ رَوَى: أَنَّ بِلَالًا أَمَرَ بِوِتْرِهَا، وَأَنَسٌ سَمِعَ أَذَانَ بِلَالٍ بِلَا شَكٍّ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ الْأَسْوَدُ قَطُّ يُؤَذِّنُ، وَلَا يُقِيمُ -: فَصَحَّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْأَسْوَدِ: إنَّ بِلَالًا كَانَ يُثَنِّي الْإِقَامَةَ يُرِيدُ قَوْلَهُ " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " حَتَّى يَتَّفِقَ قَوْلُهُ مَعَ رِوَايَةِ أَنَسٍ فِي ذَلِكَ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيِّينَ: لَعَلَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا مَحْذُورَةَ أَنْ يَقُولَ " أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ أَنَّهُ كَانَ خَفَضَ بِهِ صَوْتَهُ، لَا لِأَنَّهُ مِنْ حُكْمِ الْأَذَانِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُجَرَّدٌ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَوْ عَلِمَ أَنَّ هَذَا التَّرْجِيعَ لَيْسَ مِنْ نَفْسِ الْأَذَانِ لَنَبَّأَهُ عَلَيْهِ، وَلَمَا تَرَكَهُ أَلْبَتَّةَ يَقُولُ ذَلِكَ خَافِضًا صَوْتَهُ فِي ابْتِدَاءِ الْأَذَانِ؛ فَلَيْسَ هُوَ كَلِمَةً وَاحِدَةً؛ بَلْ أَرْبَعَ قَضَايَا -: الِاثْنَتَانِ مِنْهَا -: سِتُّ كَلِمَاتٍ، سِتُّ كَلِمَاتٍ، وَالِاثْنَتَانِ -: خَمْسُ كَلِمَاتٍ، خَمْسُ كَلِمَاتٍ. فَمِنْ الْكَذِبِ الْبَحْتِ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ فِيهِ صَاحِبُهُ أَنْ يَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ - أَنْ يَدَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا مَحْذُورَةَ يَأْتِي بِكُلِّ ذَلِكَ خَافِضَ الصَّوْتِ؛ وَلَيْسَ خَفْضُهُ مِنْ حُكْمِ
الْأَذَانِ؛ فَإِذَا تَرَكَهُ عَلَى الْخَطَأِ، وَلَمْ يَنْهَهُ زَادَ فِي إضْلَالِهِ، بِأَنْ يَأْمُرَهُ بِأَنْ يُعِيدَ ذَلِكَ رَافِعًا صَوْتَهُ، وَلَا يُعْلِمُهُ أَنَّ تَكْرَارَ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْأَذَانِ وَمَا نَدْرِي كَيْفَ يَنْطَلِقُ بِهَذَا لِسَانُ مُسْلِمٍ أَوْ يَنْشَرِحُ لَهُ صَدْرُهُ؟ . فَكَيْفَ وَالْآثَارُ - الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ - جَاءَتْ مُبَيِّنَةً بِأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُ الْأَذَانَ كَذَلِكَ نَصًّا؛ كَلِمَةً كَلِمَةً، تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً فَوَضَحَ كَذِبُ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ جِهَارًا؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَا رَأَيْنَا مَا كَانَ فِي الْأَذَانِ فِي مَوْضِعَيْنِ كَانَ فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي عَلَى نِصْفِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ -: أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ " أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " مَرَّتَيْنِ، وَيُقَالُ فِي آخِرِهِ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " مَرَّةً وَكَانَ التَّكْبِيرُ مِمَّا يَتَكَرَّرُ فِي الْأَذَانِ، وَكَانَ التَّكْبِيرُ فِي آخَرِ الْأَذَانِ مَرَّتَيْنِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ أَرْبَعًا. قَالَ عَلِيٌّ: إذَا كَانَ هَذَا الْهَوَسُ عِنْدَكُمْ حَقًّا فَإِنَّ التَّكْبِيرَ مُرَبَّعٌ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ كَمَا تَقُولُ؛ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ " أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " مُرَبَّعًا أَيْضًا فِي التَّكْبِيرِ، وَأَنْ لَا يُثَنَّى مِنْ الْأَذَانِ إلَّا مَا اُتُّفِقَ عَلَى أَنْ يُثَنَّى، كَمَا لَا يُفْرَدُ مِنْهُ إلَّا مَا اُتُّفِقَ عَلَى إفْرَادِهِ، وَهُوَ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " فَقَطْ؛ فَيَكُونُ أَوَّلُ الْأَذَانِ ثَلَاثَ قَضَايَا مُرَبَّعَاتٍ، ثُمَّ يَتْلُوهَا ثَلَاثُ قَضَايَا مُثَنَّيَاتٍ؛ ثُمَّ تُوتِرُ ذَلِكَ قَضِيَّةٌ سَابِعَةٌ مُفْرَدَةٌ؛ فَهَذَا هَذْرٌ أَفْلَحُ مِنْ هَذْرِكُمْ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ تَلْتَزِمُوهُ وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ، فَإِنَّهُمْ إذَا قَاسُوا الْمُسْتَحَاضَةَ عَلَى الْمُصَرَّاةِ، وَالنَّفْخَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] وَالْمَرْأَةَ ذَاتَ الزَّوْجِ فِي مَالِهَا عَلَى الْمَرِيضِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ الْمَوْتَ؛ وَفَرْجَ الْمُتَزَوِّجَةِ عَلَى يَدِ السَّارِقِ؛ وَسَائِرَ تِلْكَ الْقِيَاسَاتِ الَّتِي لَا شَيْءَ أَسْقَطَ مِنْهَا وَلَا أَغَثَّ. فَهَذَانِ الْقِيَاسَانِ أَدْخَلُ فِي الْمَعْقُولِ عِنْدَ كُلِّ ذِي مَسْكَةِ عَقْلٍ؛ فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَلْتَزِمُوهَا إنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْقِيَاسِ؛ وَإِلَّا فَلْيَتْرُكُوا تِلْكَ الْمُقَايِسَ السَّخِيفَةَ؛ فَهُوَ أَحْظَى لَهُمْ فِي الدِّينِ وَأَدْخَلُ فِي الْمَعْقُولِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيِّينَ: لَمَّا كَانَتْ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " تُقَالُ فِي آخِرِ الْأَذَانِ مَرَّةً وَاحِدَةً -: وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْإِقَامَةُ كُلُّهَا كَذَلِكَ، إلَّا مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ مِنْ التَّكْبِيرِ فِيهَا؟
مسألة تنكيس الأذان والإقامة وتقديم المؤخر منها على ما قبله
فَقُلْنَا لَهُمْ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَا ذَكَرْتُمْ حُجَّةً فِي إفْرَادِ الْأَذَانِ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي إفْرَادِ الْإِقَامَةِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ التَّكْبِيرُ فِي الْإِقَامَةِ يُثَنَّى بِاتِّفَاقٍ مِنَّا وَمِنْكُمْ -: وَجَبَ أَنْ يُثَنَّى سَائِرُ الْإِقَامَةِ، إلَّا مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ، وَهُوَ التَّهْلِيلُ فِي آخِرِهَا فَقَطْ أَوْ لَمَّا كَانَ التَّكْبِيرُ فِي الْإِقَامَةِ يُقَالُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْإِقَامَةِ أَيْضًا يُقَالُ مَرَّتَيْنِ؛ لِيَكُونَ فِيهَا تَرْبِيعٌ يَخْرُجُ مِنْهُ إلَى تَثْنِيَةٍ إلَى إفْرَادٍ، وَكُلُّ هَذَا هَوَسٌ؛ إنَّمَا أَوْرَدْنَاهُ لِيَرَى أَهْلُ التَّصْحِيحِ فَسَادَ الْقِيَاسِ وَبُطْلَانَهُ؟ . وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي أَذَانِهِمْ " حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ " وَلَا نَقُولُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَهُ - وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ يَقُولُ فِي مِثْلِ هَذَا عَنْ الصَّاحِبِ: مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ -: أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا، فَهُوَ عَنْهُ ثَابِتٌ بِأَصَحِّ إسْنَادٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: يُقَالُ فِي الْعَتَمَةِ " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ " وَلَا نَقُولُ بِهَذَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [مَسْأَلَةٌ تَنْكِيسُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَتَقْدِيمُ الْمُؤَخَّرٍ مِنْهَا عَلَى مَا قَبْلَهُ] 332 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ تَنْكِيسُ الْأَذَانِ وَلَا الْإِقَامَةِ، وَلَا تَقْدِيمُ مُؤَخَّرٍ مِنْهَا عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَمْ يُؤَذِّنْ وَلَا أَقَامَ وَلَا صَلَّى بِأَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ قَالَ عَلِيٌّ: هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهَا -: الْوُضُوءُ، وَالْأَذَانُ، وَالْإِقَامَةُ، وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ تَنْكِيسُ كُلِّ ذَلِكَ؟ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ تَنْكِيسُ الْأَذَانِ، وَلَا الْإِقَامَةِ، وَلَا الطَّوَافِ - وَقَالَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَأَشْهَرِهِمَا: يَجُوزُ تَنْكِيسُ الْوُضُوءِ؟ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ تَنْكِيسُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ: لَا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَ النَّاسَ الْأَذَانَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا
مسألة قول المؤذن في أذانه ألا صلوا في رحالكم
تَكَهَّنُوهُمَا، وَلَا ابْتَدَعُوهُمَا. فَإِذْ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ فَإِنَّمَا عَلَّمَهُمَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُرَتَّبَيْنِ كَمَا هُمَا؛ أَوَّلًا فَأَوَّلًا، يَأْمُرُ الَّذِي يُعَلِّمُهُ بِأَنْ يَقُولَ مَا يُلَقِّنُهُ، ثُمَّ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ الْقَوْلِ، إلَى انْقِضَائِهِمَا. فَإِذْ هَذَا كَذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مُخَالَفَةُ أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَقْدِيمِ مَا أَخَّرَ أَوْ تَأْخِيرِ مَا قَدَّمَ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ قَوْلُ الْمُؤَذِّن فِي أَذَانِهِ أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ] 333 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ بَرْدٌ شَدِيدٌ أَوْ مَطَرُ رَشٍّ فَصَاعِدًا؛ فَيَجِبُ أَنْ يَزِيدَ الْمُؤَذِّنُ فِي أَذَانِهِ بَعْدَ " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ " أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ". وَهَذَا الْحُكْمُ وَاحِدٌ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ -: حَدَّثَنَا حَمَامُ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ أَذَّنَ بِضَجِنَانَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَقَالَ " صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ". ثُمَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ مُنَادِيَهُ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوْ الْمَطِيرَةِ أَوْ ذَاتِ الرِّيحِ أَنْ يَقُولَ: صَلُّوا فِي الرِّحَالِ» . حَدَّثَنَا حَمَامُ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ أَيْمَنَ ثنا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، وَعَبْدِ الْحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ، كُلِّهِمْ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: «خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ فَلَمَّا بَلَغَ الْمُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ؟ فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ. فَقَالَ لَهُمْ: كَأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ هَذَا قَدْ فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، وَإِنَّهَا لَعَزِيمَةٌ» وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا.
مسألة الكلام جائز بين الإقامة والصلاة
[مَسْأَلَةٌ الْكَلَامُ جَائِزٌ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ] مَسْأَلَةٌ: وَالْكَلَامُ جَائِزٌ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ - طَالَ الْكَلَامُ أَوْ قَصُرَ - وَلَا تُعَادُ الْإِقَامَةُ لِذَلِكَ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ الْهَمْدَانِيُّ ثنا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَلْخِيُّ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَاجِي رَجُلًا فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، فَمَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ النَّاسُ» . وَقَدْ ذَكَرْنَا إقَامَةَ الْمُسْلِمِينَ لِلصَّلَاةِ، وَتَذَكُّرَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ جُنُبٌ، وَرُجُوعَهُ وَاغْتِسَالَهُ، ثُمَّ مَجِيئَهُ وَصَلَاتَهُ بِالنَّاسِ؟ . وَلَا دَلِيلَ يُوجِبُ إعَادَةَ الْإِقَامَةِ أَصْلًا؛ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ: فِي أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ، أَوْ أَحْدَثَ؛ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَلَا تُعَادُ الْإِقَامَةُ لِذَلِكَ وَيُكَلَّفُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْعَمَلِ وَكَثِيرِهِ، وَقَلِيلِ الْكَلَامِ وَكَثِيرِهِ -: أَنْ يَأْتِيَ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِدَلِيلٍ، ثُمَّ عَلَى حَدِّ الْقَلِيلِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْكَثِيرِ؛ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى ذَلِكَ أَصْلًا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
أوقات الصلاة
[أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ] [مَسْأَلَةٌ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ: أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ أَخْذُ الشَّمْسِ فِي الزَّوَالِ وَالْمَيْلِ؛ فَلَا يَحِلُّ ابْتِدَاءُ الظُّهْرِ قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلًا، وَلَا يُجْزِئُ بِذَلِكَ، ثُمَّ يَتَمَادَى وَقْتُهَا إلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ؛ لَا يُعَدُّ فِي ذَلِكَ الظِّلُّ الَّذِي كَانَ لَهُ فِي أَوَّلِ زَوَالِ الشَّمْسِ؛ وَلَكِنْ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ؟ فَإِذَا كَبَّرَ الْإِنْسَانُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ حِينَ ذَلِكَ - فَمَا قَبْلَهُ - فَقَدْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الظُّهْرِ بِلَا ضَرُورَةٍ فَإِذَا زَادَ الظِّلُّ الْمَذْكُورُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا -: بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَقَدْ بَطَلَ وَقْتُ الدُّخُولِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ؛ إلَّا لِلْمُسَافِرِ الْمُجِدِّ فَقَطْ؛ وَدَخَلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ؛ فَمَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَجْزِهِ إلَّا يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ فَقَطْ، ثُمَّ يَتَمَادَى وَقْتُ الدُّخُولِ فِي الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ كُلُّهَا؛ إلَّا أَنَّنَا نَكْرَهُ تَأْخِيرَ الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ إلَّا لِعُذْرٍ -: وَمَنْ كَبَّرَ لِلْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْرُبَ جَمِيعُ الْقُرْصِ: فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ؟ فَإِذَا غَابَ جَمِيعُ الْقُرْصِ فَقَدْ بَطَلَ وَقْتُ الدُّخُولِ فِي الْعَصْرِ، وَدَخَلَ أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ؛ وَلَا يُجْزِئُ الدُّخُولُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَبْلَ غُرُوبِ جَمِيعِ الْقُرْصِ. ثُمَّ يَتَمَادَى وَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إلَى أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ الَّذِي هُوَ الْحُمْرَةُ -: فَمَنْ كَبَّرَ لِلْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ آخِرُ حُمْرَةِ الشَّفَقِ فَقَدْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ بِلَا
كَرَاهَةٍ وَلَا ضَرُورَةٍ؟ . فَإِذَا غَرُبَتْ حُمْرَةُ الشَّفَقِ كُلُّهَا فَقَدْ بَطَلَ وَقْتُ الدُّخُولِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ؛ إلَّا لِلْمُسَافِرِ الْمُجِدِّ، وَبِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ يَوْمِ النَّحْرِ فَقَطْ؛ وَدَخَلَ وَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَهِيَ الْعَتَمَةُ، وَمَنْ كَبَّرَ لَهَا وَمِنْ الْحُمْرَةِ فِي الْأُفُقِ شَيْءٌ لَمْ يَجْزِهِ. ثُمَّ يَتَمَادَى وَقْتُ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ إلَى انْقِضَاءِ نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، وَابْتِدَاءِ النِّصْفِ الثَّانِي -: فَمَنْ كَبَّرَ لَهَا فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ اللَّيْلِ فَقَدْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَلَا ضَرُورَةٍ فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُ الدُّخُولِ فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ؟ فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي فَقَدْ دَخَلَ أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ؛ فَلَوْ كَبَّرَ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَجْزِهِ، وَيَتَمَادَى وَقْتُهَا إلَى أَنْ يَطْلُعَ أَوَّلُ قُرْصِ الشَّمْسِ -: فَمَنْ كَبَّرَ لَهَا قَبْلَ طُلُوعِ أَوَّلِ الْقُرْصِ فَقَدْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الصُّبْحِ - إلَّا أَنَّنَا نَكْرَهُ تَأْخِيرَهَا عَنْ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْهَا قَبْلَ طُلُوعِ أَوَّلِ الْقُرْصِ إلَّا لِعُذْرٍ؛ فَإِذَا طَلَعَ أَوَّلُ الْقُرْصِ فَقَدْ بَطَلَ وَقْتُ الدُّخُولِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ؟ فَإِذَا خَرَجَ وَقْتُ كُلِّ صَلَاةٍ ذَكَرْنَاهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَهَا: لَا صَبِيٌّ يَبْلُغُ؛ وَلَا حَائِضٌ تَطْهُرُ؛ وَلَا كَافِرٌ يُسْلِمُ - وَلَا يُصَلِّي هَؤُلَاءِ إلَّا مَا أَدْرَكُوا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ؟ . وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَإِنَّهُ إنْ زَالَتْ لَهُ الشَّمْسُ، وَهُوَ نَازِلٌ أَوْ غَرُبَتْ لَهُ الشَّمْسُ، وَهُوَ نَازِلٌ -: فَهُوَ كَمَا ذَكَرْنَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ وَلَا فَرْقَ -: يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا وَلَا بُدَّ. فَإِنْ زَالَتْ لَهُ الشَّمْسُ وَهُوَ مَاشٍ فَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الظُّهْرَ إلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرْنَا لِلْعَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ. وَإِنْ غَابَتْ لَهُ الشَّمْسُ، وَهُوَ مَاشٍ فَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ إلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَتَمَةِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَتَمَةِ؟ ، وَأَمَّا بِعَرَفَةَ - يَوْمَ عَرَفَةَ خَاصَّةً - فَإِنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا؛ ثُمَّ يُصَلِّي الْعَصْرَ إذَا سَلَّمَ مِنْ الظُّهْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ؟ . وَأَمَّا بِمُزْدَلِفَةَ - لَيْلَةَ يَوْمِ النَّحْرِ خَاصَّةً - فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إلَّا بِمُزْدَلِفَةَ أَيَّ وَقْتٍ
جَاءَهَا؛ فَإِنْ جَاءَهَا فِي وَقْتِ الْعَتَمَةِ صَلَّاهَا، ثُمَّ صَلَّى الْعَتَمَةَ، وَأَمَّا النَّاسِي لِلصَّلَاةِ وَالنَّائِمُ عَنْهَا فَإِنَّ وَقْتَهَا مُتَمَادٍ أَبَدًا لَا بُدَّ؛ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةً عَنْ وَقْتِهَا الَّذِي ذَكَرْنَا؛ وَلَا يُجْزِئُهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ وَلَا أَنْ يُقَدِّمَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا الَّذِي ذَكَرْنَا، لَا يُجْزِئُهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ -: أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ؛ وَوَقْتُ الْعَتَمَةِ الْمُسْتَحَبُّ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَإِلَى نِصْفِهِ، وَيَمْتَدُّ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ - وَإِنْ كُرِهَ تَأْخِيرُهَا إلَيْهِ. وَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، وَلَا تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ إلَى وَقْتِ الْعَتَمَةِ -: لِلْمُسَافِرِ الْمُجِدِّ وَرَأَى مَالِكٌ لِلْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ ذَهَابَ عَقْلِهِ، وَلِلْمُسَافِرِ الَّذِي يُرِيدُ الرَّحِيلَ -: أَنْ يُقَدِّمَ الْعَصْرَ إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ؛ وَالْعَتَمَةَ إلَى وَقْتِ الْمَغْرِبِ. وَرَأَى لِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ - فِي الْمَطَرِ وَالظُّلْمَةِ - أَنْ تُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ قَلِيلًا وَتُقَدِّمَ الْعَتَمَةَ إلَى وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَلَا يُتَنَفَّلُ بَيْنَهُمَا؛ وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ لِخَوْفِ عَدُوٍّ، وَلَا رَأَى ذَلِكَ فِي نَهَارِ الْمَطَرِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. وَرَأَى وَقْتَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ يَمْتَدَّانِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِإِدْرَاكِ الظُّهْرِ وَرَكْعَةٍ مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ جَمِيعِهَا؟ وَرَأَى وَقْتَ الْمَغْرِبِ وَالْعَتَمَةِ يَمْتَدَّانِ إلَى أَنْ يُدْرِكَ الْمَغْرِبَ وَرَكْعَةً مِنْ الْعَتَمَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي وَرَأَى الشَّافِعِيُّ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَسَطِ وَقْتِ الظُّهْرِ؛ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَتَمَةِ فِي وَسَطِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ -: لِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ خَاصَّةً فِي الْمَطَرِ. وَرَأَى وَقْتَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مُشْتَرَكًا مُمْتَدًّا إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَوَقْتَ الْمَغْرِبِ وَالْعَتَمَةِ مُشْتَرَكًا مُمْتَدًّا إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ.
هَذَا مَعَ قَوْلِهِ وَقَوْلِ مَالِكٍ: إنَّهُ لَيْسَ لِلْمَغْرِبِ إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ، وَهَذِهِ أَقْوَالٌ ظَاهِرَةُ التَّنَاقُضِ بِلَا بُرْهَانٍ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْجُمَحِيُّ ثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ هُوَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ - أَنَا هَمَّامُ هُوَ ابْنُ يَحْيَى - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْمَرَاغِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ تَحْضُرْ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَوَقْتُ الْفَجْرِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلَمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ثنا أُبَيٌّ ثنا بَدْرُ بْنُ عُثْمَانَ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ - وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالظُّهْرِ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدْ انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ. ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالْعَصْرِ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ وَقَعَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنْ الْغَدِ حَتَّى
انْصَرَفَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَوْ كَادَتْ، ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدْ احْمَرَّتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ فَقَالَ: الْوَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ» . وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا الْخَبَرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُد الْخُرَيْبِيِّ عَنْ بَدْرِ بْنِ عُثْمَانَ بِإِسْنَادِهِ -: وَفِيهِ «فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ صَلَّى الْفَجْرَ فَانْصَرَفَ فَقُلْنَا: طَلَعَتْ الشَّمْسُ؟ وَأَقَامَ الظُّهْرَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، وَصَلَّى الْعَصْرَ وَقَدْ اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ أَوْ قَالَ: أَمْسَى» . حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ ابْنُ زُهَيْرٍ: حَدَّثَنِي أَبِي وَقَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ زُهَيْرٌ، وَأَبُو بَكْرٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا -: وَإِنَّ أَوَّلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ: حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَآخِرَ وَقْتِهَا: حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ: حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُهَا، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا: حِينَ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ
وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ: حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا: حِينَ يَغِيبُ الْأُفُقُ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ: حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا: حِينَ يَنْتَصِفُ اللَّيْلُ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْفَجْرِ: حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ» . قَالَ عَلِيٌّ: لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا اعْتِلَالُ مَنْ اعْتَلَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِأَنَّ قَتَادَةَ أَسْنَدَهُ مَرَّةً وَأَوْقَفَهُ أُخْرَى، وَهَذَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ، بَلْ هُوَ قُوَّةٌ لِلْحَدِيثِ، إذَا كَانَ الصَّاحِبُ يَرْوِيهِ مَرَّةً عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُفْتِي بِهِ أُخْرَى؟ وَهَذَا جَهْلٌ مِمَّنْ تَعَلَّلَ بِهَذَا، وَقَوْلٌ لَا بُرْهَانَ عَلَيْهِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ قَلَّدَ فِيهِ مَنْ ظَنَّهُ. ؟ وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا مَنْ تَعَلَّلَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ أَخْطَأَ فِيهِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى مُجَاهِدٍ - وَهَذَا أَيْضًا دَعْوَى كَاذِبَةٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَمَا يَضُرُّ إسْنَادُ مَنْ أَسْنَدَ إيقَافَ مَنْ أَوْقَفَ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ، بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ، مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ؛ فَوَاجِبٌ الْأَخْذُ بِالزَّائِدِ؛ وَاَلَّذِي فِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ الظُّهْرَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ» . لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ بِاشْتِرَاكِ وَقْتَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ «وَقْتَ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرْ الْعَصْرُ» . وَنَصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى بُطْلَانِ الِاشْتِرَاكِ، كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ
ثنا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ هُوَ الْبُنَانِيُّ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ: أَنْ تُؤَخِّرَ صَلَاةً حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ أُخْرَى» . فَلَا بُدَّ مِنْ جَمْعِهَا كُلِّهَا لِصِحَّتِهَا فَصَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَبَّرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لِلظُّهْرِ فِي آخِرِ وَقْتِهَا؛ فَصَارَ مُصَلِّيًا لَهَا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ، وَهَذَا حَسَنٌ؟ وَالْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ «وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغِبْ الشَّمْسُ» زَائِدٌ عَلَى سَائِرِ الْأَخْبَارِ؛ وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ وَاجِبٌ قَبُولُهَا؟ وَكَذَلِكَ هُوَ زَائِدٌ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ بِإِسْنَادِهِ. وَفِيهِ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» ؟ ، وَهَذَا الْخَبَرُ زَائِدٌ عَلَى الْآثَارِ الَّتِي فِيهَا «وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ زِيَادَةِ الْعَدْلِ وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الْأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّاهَا فِيهِ بِالْأَمْسِ وَقْتًا وَاحِدًا» . وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا مُبْطِلَةٌ قَوْلَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَغْرِبِ إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ؛ وَهُوَ قَوْلٌ يَبْطُلُ مِنْ جِهَاتٍ -: مِنْهَا: مَا قَدْ صَحَّ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ بِإِسْنَادِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ سُورَةَ الْأَعْرَافِ، وَسُورَةَ الطُّورِ، وَالْمُرْسَلَاتِ» . فَلَوْ كَانَ مَا قَالُوهُ لَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُصَلِّيًا لَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا؛ وَحَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا؟ وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ تَخْتَلِفُ؛ فَبَعْضُهَا لَا مَنَارَ لَهَا؛ وَهِيَ ضَيِّقَةُ السَّاحَةِ جِدًّا؛ فَيُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ مُسْرِعًا وَيُصَلِّي، وَبَعْضُهَا وَاسِعَةُ الصُّحُونِ: كَالْجَوَامِعِ الْكِبَارِ، وَعَالِيَةُ الْمَنَارِ؛ فَيُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ مُسْتَرْسِلًا ثُمَّ يَنْزِلُ؛ فَلَا سَبِيلَ أَنْ يُقِيمَ الصَّلَاةَ إلَّا وَأَئِمَّةُ الْمَسَاجِدِ قَدْ أَتَمُّوا؛ هَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ فِي جَمِيعِ الْمُدُنِ. فَعَلَى قَوْلِ الْمَالِكِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ: كَانَ يَجِبُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يُصَلُّوا الْمَغْرِبَ فِي وَقْتِهَا؟
وَأَيْضًا: فَيَسْأَلُونَ: مَتَى يَنْقَضِي وَقْتُهَا عِنْدَكُمْ؟ فَلَا يَأْتُونَ بِحَدٍّ أَصْلًا، وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ تَكُونَ شَرِيعَةٌ مَحْدُودَةٌ لَا يَدْرِي أَحَدٌ حَدَّهَا، حَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا؟ وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ أَيْضًا: تُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ قَالَ بِاشْتِرَاكِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؛ وَبِاشْتِرَاكِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ؛ وَلَمْ يَأْتِ خَبَرٌ يُعَارِضُهَا فِي هَذَا أَصْلًا؟ وَحُكْمُ عَرَفَةَ، وَالْمُزْدَلِفَةِ: حُكْمٌ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَتِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي ذَيْنِك الْمَوْضِعَيْنِ فَقَطْ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ - بِلَا خِلَافٍ - عَلَى أَنَّ إمَامًا لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ؛ ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، كَحُكْمِهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ؛ أَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي إثْرِ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ الْمُزْدَلِفَةِ -: لَكَانَ مُخْطِئًا مُسِيئًا؛ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ فَاسِدَ الصَّلَاةِ فَصَحَّ: أَنَّهُمْ خَالَفُوا الْقِيَاسَ وَالنُّصُوصَ: أَمَّا النُّصُوصُ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا؟ ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَإِنَّ وَجْهَ الْقِيَاسِ - لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا - أَنْ يَجُوزَ، وَأَنْ يَلْزَمَ فِي غَيْرِ عَرَفَةَ، وَمُزْدَلِفَةَ: مَا يَجُوزُ وَيَلْزَمُ فِي عَرَفَةَ، وَمُزْدَلِفَةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَتِلْكَ اللَّيْلَةِ؛ فَيَكُونُ الْحُكْمُ: أَنْ تُصَلِّيَ الْعَصْرَ أَبَدًا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ؛ وَأَنْ تُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ أَبَدًا إلَى بَعْدِ غُرُوبِ الشَّفَقِ، وَهُمْ كُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ هَذَا؛ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ فَظَهَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقِيسُوا قَوْلَهُمْ فِي اشْتِرَاكِ الْأَوْقَاتِ عَلَى حُكْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، وَلَيْلَةِ مُزْدَلِفَةَ بِمُزْدَلِفَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلَمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ إذَا عَجَّلَ عَلَيْهِ السَّفَرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ
فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا؛ وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ» ، وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا «إذَا جَدَّ بِهِ السَّفَرُ» . وَهَذَا الْخَبَرُ: يَقْضِي عَلَى كُلِّ خَبَرٍ جَاءَ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْ: الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؛ وَبَيْنَ صَلَاتَيْ: الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي السَّفَرِ؛ وَلَا سَبِيلَ إلَى وُجُودِ خَبَرٍ يُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَا؟ ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ السَّفَرِ: فَلَا سَبِيلَ أَلْبَتَّةَ إلَى وُجُودِ خَبَرٍ فِيهِ: الْجَمْعُ بِتَقْدِيمِ الْعَصْرِ إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ. وَلَا بِتَأْخِيرِ الظُّهْرِ إلَى أَنْ يُكَبِّرَ لَهَا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ؛ وَلَا بِتَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ إلَى أَنْ يُكَبِّرَ لَهَا بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ. وَلَا بِتَقْدِيمِ الْعَتَمَةِ إلَى قَبْلِ غُرُوبِ الشَّفَقِ، فَإِذْ لَا سَبِيلَ إلَى هَذَا؛ فَمَنْ قَطَعَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى تِلْكَ الْأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا الْجَمْعُ؛ فَقَدْ أَقْدَمَ عَلَى الْكَذِبِ وَمُخَالَفَةِ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ، وَنَحْنُ نَرَى الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؛ ثُمَّ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ أَبَدًا بِلَا ضَرُورَةٍ وَلَا عُذْرٍ، وَلَا مُخَالَفَةَ لِلسُّنَنِ؛ لَكِنْ بِأَنْ يُؤَخِّرَ الظُّهْرَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى آخِرِ وَقْتِهَا؛ فَيُبْتَدَأُ فِي وَقْتِهَا وَيُسَلِّمُ مِنْهَا وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ؛ فَيُؤَذَّنُ لِلْعَصْرِ، وَيُقَامُ وَتُصَلَّى فِي وَقْتِهَا؛ وَتُؤَخَّرُ الْمَغْرِبُ كَذَلِكَ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا؛ فَيُكَبِّرُ لَهَا فِي وَقْتِهَا وَيُسَلِّمُ مِنْهَا، وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ: فَيُؤَذَّنُ لَهَا وَيُقَامُ وَتُصَلَّى الْعِشَاءُ فِي وَقْتِهَا. فَقَدْ صَحَّ بِهَذَا الْعَمَلِ مُوَافَقَةُ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا؛ وَمُوَافَقَةُ يَقِينِ الْحَقِّ: فِي أَنْ تُؤَدَّى كُلُّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا -، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. فَإِنْ ادَّعُوا الْعَمَلَ بِالْجَمْعِ بِالْمَدِينَةِ؛ فَلَا حُجَّةَ فِي عَمَلِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ؟ وَلَا يَجِدُونَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: صِفَةَ الْجَمْعِ الَّذِي يَرَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ؛ وَقَدْ أَنْكَرَهُ اللَّيْثُ وَغَيْرُهُ وَالْعَجَبُ أَنَّ أَصَحَّ حَدِيثٍ فِي الْجَمْعِ: هُوَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ» . قَالَ مَالِكٌ: أَرَى ذَلِكَ فِي مَطَرٍ، وَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ - بِالْمَدِينَةِ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ؟ قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا أَرَادَ إلَى ذَلِكَ؟ . قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَالْمَالِكِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا؛ وَلَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ خِلَافٌ لِقَوْلِنَا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - وَلَا صِفَةُ الْجَمْعِ؛ فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِهِمَا عَلَيْنَا؟ فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ: حَدِيثَ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُمْ «أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ؛ فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا؛ ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا» . فَهَذَا أَيْضًا كَمَا قُلْنَا: لَيْسَ فِيهِ صِفَةُ الْجَمْعِ عَلَى مَا يَقُولُونَ؛ فَلَيْسُوا أَوْلَى بِظَاهِرِهِ مِنَّا، وَهَذَا أَيْضًا: خَبَرٌ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنْ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ، وَإِنْ غَابَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ
وَالْعِشَاءِ؛ وَإِنْ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ؛ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا» . فَهَذَا خَبَرٌ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَأَيْضًا: فَلَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ مُخَالِفًا لِقَوْلِنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَجَّلَ الْعَصْرَ قَبْلَ وَقْتِهَا؛ وَالْعَتَمَةَ قَبْلَ وَقْتِهَا؛ وَمَنْ تَأَمَّلَ لَفْظَ الْخَبَرِ رَأَى ذَلِكَ وَاضِحًا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ؛ وَإِنَّمَا هِيَ ظُنُونٌ أَعْمَلُوهَا؛ فَزَلَّ فِيهَا مَنْ زَلَّ بِغَيْرِ تَثَبُّتٍ وَهَكَذَا الْقَوْلُ سَوَاءً سَوَاءً فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إلَى الْعَصْرِ؛ فَيُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سَارَ، وَكَانَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ عَجَّلَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا مَعَ الْمَغْرِبِ.» -: فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَرْدَى حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ لِوُجُوهٍ -: أَوَّلُهَا: أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ هَكَذَا إلَّا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ لِيَزِيدَ سَمَاعًا مِنْ أَبِي الطُّفَيْلِ؟ وَالثَّانِي: أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ " صَاحِبُ رَايَةِ الْمُخْتَارِ " وَذُكِرَ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِالرَّجْعَةِ وَالثَّالِثُ: أَنَّنَا رُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ مُؤَلِّفِ الصَّحِيحِ - أَنَّهُ قَالَ: قُلْت لِقُتَيْبَةِ: مَعَ مَنْ كَتَبْت عَنْ اللَّيْثِ حَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ؟ يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرْنَا بِعَيْنِهِ؟ قَالَ: فَقَالَ لِي قُتَيْبَةُ: كَتَبْته مَعَ خَالِدٍ الْمَدَائِنِيِّ
قَالَ الْبُخَارِيُّ: كَانَ خَالِدٌ الْمَدَائِنِيُّ يُدْخِلُ الْأَحَادِيثَ عَلَى الشُّيُوخِ؟ يُرِيدُ: أَنَّهُ كَانَ يُدْخِلُ فِي رِوَايَتِهِمْ مَا لَيْسَ مِنْهَا. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ خِلَافٌ لِقَوْلِنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدَّمَ الْعَصْرَ إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ؛ وَلَا أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدَّمَ الْعَتَمَةَ إلَى وَقْتِ الْمَغْرِبِ، فَبَطَلَ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ فِي اشْتِرَاكِ الْوَقْتَيْنِ؛ وَفِي تَقْدِيمِ صَلَاةٍ إلَى وَقْتِ الَّتِي قَبْلَهَا؛ وَتَأْخِيرِهَا إلَى وَقْتِ غَيْرِهَا بِالرَّأْيِ وَالظَّنِّ؟ لَا سِيَّمَا مَعَ نَصِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى أَنَّ «وَقْتَ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرْ الْعَصْرُ» . وَأَنَّ «آخِرَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغْرُبْ الْأُفُقُ، وَأَوَّلَ وَقْتِ الْعِشَاءِ إذَا غَابَ الْأُفُقُ؟» فَهَذَا نَصٌّ يُبْطِلُ الِاشْتِرَاكَ جُمْلَةً، وَأَمَّا النَّاسِي وَالنَّائِمُ فَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» . فَصَحَّ أَنَّ وَقْتَهَا مُمْتَدٌّ لِلنَّاسِي وَلِلنَّائِمِ أَبَدًا، وَكَذَلِكَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ مُمْتَدٌّ لِلْمُجِدِّ فِي السَّيْرِ، وَفِي مُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ: مُنْتَقِلٌ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. وَانْتِقَالُ الْأَوْقَاتِ أَوْ تَمَادِيهَا أَوْ حَدُّهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَلْتَزِمُوا قِيَاسًا فِي شَيْءٍ مِمَّا قَالُوهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا؟ ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ يَمْتَدُّ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ -: فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِحَدِيثٍ ذَكَرَ: أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ رَوَاهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ «أَنَّ جَبْرَائِيلُ نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَأَمَرَهُ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ» .
قَالُوا: فَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُ يَدْرِي أَمْرَهُ بِابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظِّلَّ لَا يَسْتَقِرُّ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ -: أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ هَذَا لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ أَبِي مَسْعُودٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ جَرَوْا فِيهِ عَلَى عَادَةٍ لَهُمْ فِي تَوْثِيبِ أَحْكَامِ الْأَحَادِيثِ إلَى مَا لَيْسَ فِيهِ، وِتْرِكِ مَا فِيهَا، وَذَلِكَ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ لَا إشَارَةٌ، وَلَا دَلِيلٌ، وَلَا مَعْنَى يُوجِبُ امْتِدَادَ وَقْتِ الظُّهْرِ إلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ. وَلَا فِيهِ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ بَعْدَ زِيَادَةِ الظِّلِّ عَلَى الْمِثْلِ. وَلَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ لَمَا كَانَ فِيهِ إلَّا جَوَازُ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ حِينَ يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ؛ وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي أَمَرَهُ فِيهِ جِبْرِيلُ بِأَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ فِيهِ، لَا فِيمَا بَعْدَهُ؟ وَذَكَرَ بَعْضُ مُقَلِّدِيهِ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ الْمَشْهُورَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ ذَكَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْأُجَرَاءَ الَّذِينَ عَمِلُوا مِنْ غَدْوَةٍ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ، فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ، ثُمَّ الَّذِينَ عَمِلُوا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؛ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ الَّذِينَ عَمِلُوا مِنْ الْعَصْرِ إلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ، وَهُمْ نَحْنُ؟ فَغَضِبَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؛ فَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً؟ فَقَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا؛ قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ» . وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ أَيْضًا الْمَأْثُورُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِ هَذَا؛ وَفِيهِ «أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَهُمْ قَالَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا إلَى حِينِ صَلَاةِ الْعَصْرِ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ؛ فَإِنَّمَا بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ؟» . فَقَالَ الْمُحْتَجُّ بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ: لَوْ كَانَ وَقْتُ الظُّهْرِ يَخْرُجُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى ظِلِّ الْمِثْلِ، وَيَدْخُلُ حِينَئِذٍ وَقْتُ الْعَصْرِ -: لَكَانَ مِقْدَارُ وَقْتِ الْعَصْرِ مِثْلَ مِقْدَارِ وَقْتِ الظُّهْرِ؛
وَهَذَا خِلَافُ مَا فِي ذَيْنِك الْخَبَرَيْنِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مِمَّا قُلْنَا مِنْ تِلْكَ الْعَوَائِدِ الْمَلْعُونَةِ، وَالْإِيهَامِ بِتَوْثِيبِ الْأَحَادِيثِ عَمَّا فِيهَا إلَى مَا لَيْسَ فِيهَا. وَبَيَانُ ذَلِكَ -: أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ - لَا بِدَلِيلٍ وَلَا بِنَصٍّ - أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ أَوْسَعُ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ؛ وَإِنَّمَا فِيهِ: أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ أَجْرًا؛ فَمَنْ أَضَلُّ وَأَخْزَى فِي الْمَعَادِ مِمَّنْ جَعَلَ قَوْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِي لَمْ يُصَدِّقْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَيْضًا -: فَإِنَّهُ يُخَالِفُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُجَّةً يَرُدُّ بِهَا تَمْوِيهًا وَتَخَيُّلًا نَصُّ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ مَا دَامَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ تَحْضُرْ الْعَصْرُ» . فَكَيْفَ وَاَلَّذِي قَالَتْ الْيَهُودُ لَا يُخَالِفُ مَا حَدَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَنَّهُمْ عَمِلُوا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ؛ وَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً؟ وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي عَمِلُوهُ كُلُّهُمْ أَكْثَرُ مِمَّا عَمِلْنَاهُ نَحْنُ؛ بَلْ الَّذِي عَمِلَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ أَكْثَرُ مِنْ الَّذِي عَمِلْنَاهُ نَحْنُ وَاَلَّذِي مِنْ أَوَّلِ الزَّوَالِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ - فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ - أَكْثَرُ مِمَّا فِي حِينِ زِيَادَةِ الظِّلِّ عَلَى الْمِثْلِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَاَلَّذِي أَخَذَ بِهِ كُلُّ طَائِفَةٍ أَقَلُّ مِمَّا أَخَذْنَا وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «إنَّمَا بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ؟» . وَهَذَا حَقٌّ؛ لِأَنَّ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ إلَى آخِرِ النَّهَارِ يَسِيرًا بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ، مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، نَعَمْ وَبِالْإِضَافَةِ أَيْضًا إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ عَلَى قَوْلِنَا؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهُوَ بِلَا شَكٍّ يَسِيرٌ إذَا أُضِيفَ إلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ؛ فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ
قَالَ عَلِيٌّ: وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّهُ ' - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إنَّمَا عَنَى آخِرَ أَوْقَاتِ الْعَصْرِ، وَهُوَ مِقْدَارُ تَكْبِيرَةٍ قَبْلَ غُرُوبِ آخِرِ الْقُرْصِ -: لَصَدَقَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ بُعِثَ وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ، وَضَمَّ أُصْبُعَهُ إلَى الْأُخْرَى وَأَنَّنَا فِي الْأُمَمِ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ - فَهَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتَتَّفِقَ أَخْبَارُهُ كُلُّهَا؛ بَلْ لَا يَجُوزُ غَيْرُ هَذَا أَصْلًا -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ، وَقَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ: إنَّ وَقْتَ الْعَتَمَةِ يَمْتَدُّ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَزَادَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ امْتِدَادَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ؟ -: فَخَطَأٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ، وَخِلَافٌ لِجَمِيعِ الْأَحَادِيثِ، أَوَّلِهَا عَنْ آخِرِهَا؛ وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ سَاقِطٌ بِيَقِينٍ، وَقَدْ احْتَجَّ فِي هَذَا بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِنَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ أَنْ تُؤَخِّرَ صَلَاةً حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ أُخْرَى» وَرَامُوا بِهَذَا اتِّصَالَ وَقْتِ الْعَتَمَةِ بِوَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَالُوهُ أَصْلًا، وَهُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا - بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ - أَنَّ وَقْتَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَا يَمْتَدُّ إلَى وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ؟ فَصَحَّ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَا يَدُلُّ عَلَى اتِّصَالِ وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ بِوَقْتِ الَّتِي بَعْدَهَا، وَإِنَّمَا فِيهِ مَعْصِيَةُ مَنْ أَخَّرَ صَلَاةً إلَى وَقْتِ غَيْرِهَا فَقَطْ، سَوَاءٌ اتَّصَلَ آخِرُ وَقْتِهَا بِأَوَّلِ الثَّانِيَةِ لَهَا، أَمْ لَمْ يَتَّصِلْ؟ وَلَيْسَ فِيهِ: أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُفَرِّطًا أَيْضًا مَنْ أَخَّرَهَا إلَى خُرُوجِ وَقْتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ أُخْرَى، وَلَا أَنَّهُ يَكُونُ مُفَرِّطًا؛ بَلْ هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَلَكِنَّ بَيَانَهُ فِي سَائِرِ الْأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا نَصٌّ عَلَى خُرُوجِ وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ. وَالضَّرُورَةُ تُوجِبُ أَنَّ مَنْ تَعَدَّى بِكُلِّ عَمَلٍ وَقْتَهُ الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى لِذَلِكَ الْعَمَلِ فَقَدْ تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229] فَكُلُّ مَنْ قَدَّمَ صَلَاةً قَبْلَ وَقْتِهَا الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا وَعَلَّقَهَا بِهِ، وَأَمَرَ بِأَنْ تُقَامَ فِيهِ، وَنَهَى عَنْ التَّفْرِيطِ فِي ذَلِكَ؛ أَوْ أَخَّرَهَا عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ -: فَقَدْ تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَهُوَ ظَالِمٌ عَاصٍ. وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْحَاضِرِينَ مِنْ الْمُخَالِفِينَ
وَأَمَّا تَعَمُّدُ تَأْخِيرِهَا عَنْ وَقْتِهَا فَمَعْصِيَةٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ تَقَدَّمَ وَتَأَخَّرَ، مَقْطُوعٌ عَلَيْهِ مُتَيَقَّنٌ، وَمَنْ شَبَّهَ الصَّلَاةَ بِالدَّيْنِ، لَزِمَهُ إجَازَةُ تَقْدِيمِهَا قَبْلَ وَقْتِهَا؛ كَالدَّيْنِ يُقَدَّمُ قَبْلَ أَجَلِهِ فَهُوَ حَسَنٌ وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ بِعِصْيَانِ مَنْ أَخَّرَهَا عَامِدًا قَادِرًا عَنْ وَقْتِهَا، كَالدَّيْنِ يَمْطُلُ بِأَدَائِهِ عَنْ وَقْتِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ؟ . وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ خَالَفُوهُ فَإِنْ ادَّعُوا إجْمَاعًا عَلَى قَوْلِهِمْ؟ كَذَبُوا، فَقَدْ صَحَّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ جَوَازُ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا؛ وَمَا جَازَ قَطُّ عِنْدَ أَحَدٍ تَعَمُّدُ تَأْخِيرِهَا عَنْ وَقْتِهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ . وَأَمَّا إنْكَارُ أَبِي حَنِيفَةَ تَأْخِيرَ الْمُسَافِرِ الَّذِي جَدَّ بِهِ السَّيْرُ، وَلَمْ يَنْزِلْ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَلَا بَعْدَهُ صَلَاةَ الظُّهْرِ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ كَغَيْرِهِ وَتَأْخِيرَ الْمَغْرِبِ كَذَلِكَ إلَى وَقْتِ الْعَتَمَةِ كَغَيْرِهِ؟ -: فَهُوَ خِلَافٌ مُجَرَّدٌ لِلسُّنَنِ الثَّابِتَةِ فِي ذَلِكَ؟ رَوَاهَا أَنَسٌ وَابْنُ عُمَرَ بِأَصَحِّ طَرِيقٍ؛ وَقَدْ ذَكَرْنَا رِوَايَةَ أَنَسٍ؛ وَغَنِيّنَا بِهَا عَنْ ذِكْرِ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَلَا أَعْجَبَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمُقَلِّدِينَ لَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ نَزَلَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ الْعَتَمَةَ؟» . فَقَالَ هَذَا الْمَفْتُونُ: إنَّمَا أَرَادَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّفَقِ؛ فَقَالَ: بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ عَلَى الْمُقَارَبَةِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2] . وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذِهِ مُجَاهَرَةٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَسْهِلْهَا ذُو وَرَعٍ وَحَيَاءٍ أَنْ يَقُولَ الثِّقَةُ «بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ» فَيَقُولُ قَائِلٌ: إنَّمَا أَرَادَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّفَقِ وَمَنْ سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ دَخَلَ فِي طَرِيقِ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَيُفَسِّرُونَ الْجِبْتَ وَالطَّاغُوتَ وَأَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً عَلَى مَا هُمْ
أَوْلَى بِهِ وَفِي هَذَا بُطْلَانُ جَمِيعِ الشَّرِيعَةِ، وَبُطْلَانُ جَمِيعِ الْمَعْقُولِ، وَالسَّفْسَطَةُ الْمُجَرَّدَةُ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْبَلَاءِ؟ . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [البقرة: 234] فَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ، بَلْ هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَمُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى أَجَلُ الْكَوْنِ فِي الْعِدَّةِ، لَا أَجَلُ انْقِضَائِهَا، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ أَصْلًا، وَحَاشَا لِلَّهِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْبَاطِلِ وَكَذَلِكَ «قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ» أَيْضًا حَقِيقَةٌ عَلَى ظَاهِرِهِ - وَمَا أَذَانُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ إلَّا بَعْد الْفَجْرِ، وَأَمْرِ الْإِصْبَاحِ: لَا قَبْلَهُمَا؟ وَلَوْ كَانَ مَا ظَنُّوهُ: لَحَرُمَ الْأَكْلُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهَذَا مَا لَا يَقُولُونَهُ، وَلَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ؟ وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ بِتَقْدِيمِ الْمَرِيضِ - الَّذِي يُخْشَى ذَهَابُ عَقْلِهِ - الْعَصْرَ إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ، وَالْعَتَمَةَ إلَى وَقْتِ الْمَغْرِبِ -: خَطَأٌ ظَاهِرٌ. وَلَا يَخْلُو وَقْتُ الظُّهْرِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا وَقْتًا لِلْعَصْرِ، وَيَكُونُ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَقْتًا لِلْعَتَمَةِ، أَوْ لَا يَكُونُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؟ فَإِنْ كَانَ وَقْتُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ وَقْتًا لِلْعَصْرِ وَلِلْعَتَمَةِ أَيْضًا -: فَتَقْدِيمُ الْعَتَمَةِ إلَى وَقْتِ الْمَغْرِبِ - الَّذِي هُوَ وَقْتٌ لَهَا - وَتَقْدِيمُ وَقْتِ الْعَصْرِ إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ - الَّذِي هُوَ وَقْتٌ لَهَا أَيْضًا -: جَائِزٌ لِغَيْرِ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي الْعَتَمَةَ وَالْعَصْرَ أَيْضًا فِي وَقْتَيْهِمَا، وَهَذَا مَا لَا يَقُولُهُ؟ . وَإِنْ كَانَ وَقْتُ الظُّهْرِ لَيْسَ وَقْتًا لِلْعَصْرِ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ لَيْسَ وَقْتًا لِلْعَتَمَةِ -: فَقَدْ أَبَاحَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً قَبْلَ وَقْتِهَا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ؟ وَلَئِنْ جَازَ ذَلِكَ فِي هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ لَيَجُوزَنَّ ذَلِكَ لَهُ أَيْضًا فِي تَقْدِيمِ الظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَتَقْدِيمِ الْمَغْرِبِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَتَقْدِيمِ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَهَذَا مَا لَا يَقُولُهُ - فَقَدْ ظَهَرَ التَّنَاقُضُ فَإِنْ قَالَ: لَيْسَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَقْتًا لِلْعَصْرِ إلَّا لِلْمَرِيضِ الَّذِي يُخْشَى ذَهَابُ عَقْلِهِ: كُلِّفَ الدَّلِيلَ عَلَى هَذَا التَّخْصِيصِ الْمُدَّعَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَاَلَّذِي لَا يَعْجَزُ عَنْ مِثْلِهِ أَحَدٌ، وَلَا
مسألة تعجيل جميع الصلوات في أول أوقاتها أفضل على كل حال حاشا العتمة
سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بُطْلَانَ قَوْلِ جَمِيعِهِمْ فِي الْجَمْعِ وَفِي اشْتِرَاكِ الْوَقْتَيْنِ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَهَهُنَا حَدِيثٌ نُنَبِّهُ عَلَيْهِ؛ لِئَلَّا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّنَا أَغْفَلْنَاهُ، وَأَنَّ فِيهِ مَعْنًى زَائِدًا وَهُوَ حَدِيثٌ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ عَنْ بَشِيرِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ لِمَغِيبِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ ثَالِثَةٍ» . قَالَ عَلِيٌّ: بَشِيرُ بْنُ ثَابِتٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ إلَّا أَبُو بِشْرٍ، وَلَا رَوَى عَنْهُ أَبُو بِشْرٍ إلَّا هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَدْ وُثِّقَ وَتُكُلِّمَ فِيهِ، وَهُوَ إلَى الْجَهَالَةِ أَقْرَبُ؟ وَحَبِيبُ بْنُ سَالِمٍ مَوْلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَكَاتِبُهُ؛ وَلَيْسَ مَشْهُورَ الْحَالِ فِي الرُّوَاةِ. وَلَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ فِي أَنَّ هَذَا هُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَتَمَةِ؛ بَلْ قَدْ يَدْخُلُ وَقْتُهَا قَبْلَ ذَلِكَ؟ وَالْقَمَرُ يَغِيبُ لَيْلَةً ثَالِثَةً فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ بَعْدَ ذَهَابِ سَاعَتَيْنِ وَنِصْفِ سَاعَةٍ وَنِصْفِ سُبْعِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمُجَزَّأَةِ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَاعَةً، وَالشَّفَقُ الَّذِي هُوَ الْبَيَاضُ يَتَأَخَّرُ، وَالشَّفَقُ الَّذِي هُوَ الْحُمْرَةُ يَغِيبُ قَبْلَ سُقُوطِ الْقَمَرِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ بِحِينٍ كَبِيرٍ جِدًّا مُغَيَّبَةً بَعْدَ سُقُوطِ الْقَمَرِ لَيْلَةً ثَالِثَةً سَاعَةً وَنِصْفًا مِنْ السَّاعَاتِ الْمَذْكُورَةِ. فَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ - لَوْ صَحَّ - حُجَّةٌ فِي شَيْءٍ أَصْلًا مِمَّا يَخْتَلِفُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ تَعْجِيلُ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِهَا أَفْضَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ حَاشَا الْعَتَمَةِ] 336 - مَسْأَلَةٌ: وَتَعْجِيلُ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِهَا أَفْضَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ حَاشَا الْعَتَمَةِ؛ فَإِنَّ تَأْخِيرَهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا فِي كُلِّ حَالٍ وَكُلِّ زَمَانٍ أَفْضَلُ؛ إلَّا أَنْ يَشُقَّ ذَلِكَ
عَلَى النَّاسِ؛ فَالرِّفْقُ بِهِمْ أَوْلَى، وَحَاشَا الظُّهْرِ لِلْجَمَاعَةِ خَاصَّةً فِي شِدَّةِ الْحَرِّ خَاصَّةً، فَالْإِبْرَادُ بِهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا أَفْضَلُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة: 10] {أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 11] {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [الواقعة: 12] فَالْمُسَارَعَةُ إلَى الْخَيْرِ وَالْمُسَابَقَةُ إلَيْهِ أَفْضَلُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ؟ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْعُذْرِيُّ الْقَاضِي بِالثَّغْرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَاضِي طَرْطُوشَةَ قَالَا ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ الْمُطَّوِّعِيُّ الرَّازِيّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ بِنَيْسَابُورَ ثنا أَبُو عُمَرَ وَعُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَّاكُ ثنا الْحَسَنُ بْنُ مَكْرَمٍ ثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ثنا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ ثنا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ثنا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ قَالَ: سَمِعْت أَبِي يَسْأَلُ أَبَا بَرْزَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ «كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِهَا إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ - يَعْنِي الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ - وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا وَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ
تَزُولُ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ حِينَ يَذْهَبُ الرَّجُلُ إلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَنْظُرُ إلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعْرِفُ فَيَعْرِفُهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ» . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا؟ وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ مَنْصُورٍ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - عَنْ الْحَكَمِ هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَخَرَجَ إلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُهُ أَوْ بَعْدَهُ - يَعْنِي ثُلُثَ اللَّيْلِ فَقَالَ: إنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ، وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْت بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ، ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنُ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى» . وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ «أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ كَادَ يَذْهَبُ شَطْرُ اللَّيْلِ»
وَمِنْ طَرِيقِ أُمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أُخْتِهَا عَائِشَةَ «أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ» . قَالَ عَلِيٌّ: إذَا ذَهَبَ نِصْفُ اللَّيْلِ فَقَدْ ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ؛ وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ زَائِدَةٌ عَلَى كُلِّ خَبَرٍ؟ وَالسَّنَدُ الْمَذْكُورُ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ سَمِعْت مُهَاجِرًا أَبَا الْحَسَنِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ «أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالظُّهْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبْرِدْ أَبْرِدْ، أَوْ قَالَ: انْتَظِرْ انْتَظِرْ، إنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَإِنَّمَا لَمْ نَحْمِلْ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى الْوُجُوبِ لِمَا رُوِّينَاهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى مُسْلِمٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ثنا أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ خَبَّابٍ «شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شِدَّةَ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يَشْكُنَا» . قُلْت لِأَبِي إِسْحَاقَ: أَفِي الظُّهْرِ فِي تَعْجِيلِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ وَقَدْ جَاءَ نَحْوُ مَا تَخَيَّرْنَاهُ فِي الْأَوْقَاتِ عَنْ السَّلَفِ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَنْ صَلِّ الظُّهْرَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَأَبْرِدْ؟ . وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ
الْمُهَاجِرِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَنْ صَلِّ الظُّهْرَ حِينَ تَزِيغُ الشَّمْسُ أَوْ حِينَ تُدْرِكُ، وَصَلِّ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، وَصَلِّ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وَصَلِّ صَلَاةَ الْعِشَاءِ مِنْ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ -: أَيْ حِينَ تَبِيتُ، وَصَلِّ صَلَاةَ الْفَجْرِ بِغَلَسٍ، أَوْ بِسَوَادٍ؛ وَأَطِلْ الْقِرَاءَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ: ثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ ثنا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ: «خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَوْمًا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى غَرُبَتْ الشَّمْسُ وَبَدَتْ النُّجُومُ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ لَا يَفْتُرُ وَلَا يَنْثَنِي: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتُعَلِّمُنِي بِالسُّنَّةِ، لَا أُمَّ لَكَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.» وَمِنْ طَرِيق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ: ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلَ عَنْ تَفْرِيطِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: أَنْ تُؤَخِّرَهَا إلَى الَّتِي بَعْدَهَا؟ حَدَّثَنَا حَمَامُ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إنَّ الَّذِي تَفُوتُهُ
صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» ، فَقُلْت لِنَافِعٍ: حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا الْحَدِيثُ وَاَلَّذِي فِيهِ «إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، أَنْ تُؤَخِّرَ صَلَاةً حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ أُخْرَى» يُكَذِّبَانِ قَوْلَ مَنْ أَقْدَمَ بِالْعَظِيمَةِ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ذَاكِرًا لَهَا حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدْ تَعَمَّدَ حَالًا مِنْ الْحِرْمَانِ صَارَ فِيهَا كَمَا لَوْ وَتَرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، قَاصِدًا إلَى مَا ذَمَّهُ مِنْ التَّفْرِيطِ -، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ؟ . وَبِهِ إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ: قُلْت لِعَطَاءٍ: إمَامٌ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ؛ أُصَلِّيهَا مَعَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْجَمَاعَةُ أَحَبُّ إلَيَّ؟ قُلْت: وَإِنْ اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ وَلَحِقَتْ بِرُءُوسِ الْجِبَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا لَمْ تَغِبْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَكَانَ طَاوُسٍ يُعَجِّلُ الْعَصْرَ وَيُؤَخِّرُهَا؛ أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ حَتَّى تَصْفَرَّ الشَّمْسُ جِدًّا. وَأَمَّا الْآخَرُ: الَّذِي فِيهِ «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الصَّلَاةَ إلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ؟» فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ؛ لَمْ يُسْنَدْ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الصَّلْتِ بْنِ بَهْرَامُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ الْمُعْتَرِضُ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، يَعْنِي إثْرَ سَلَامِهِ مِنْهَا؟
قَالَ: وَتَأْخِيرُهَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ التَّغْلِيسِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ لِلْجَمَاعَةِ. وَوَقْتُ الظُّهْرِ مِنْ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ إلَى أَنْ يَكُونَ الظِّلُّ دُونَ الْقَامَتَيْنِ؛ وَالتَّهْجِيرُ بِهَا فِي الشِّتَاءِ أَحَبُّ إلَيَّ: وَأَنْ يُبْرِدَ بِهَا فِي الصَّيْفِ أَعْجَبُ إلَيَّ. وَوَقْتُ الْعَصْرِ إذَا كَانَ الظِّلُّ قَامَتَيْنِ إلَى قَبْلِ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، يُرِيدُ -: أَنْ يُكَبِّرَ لَهَا قَبْلَ تَمَامِ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ وَتَأْخِيرُهَا أَحَبُّ إلَيْهِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مُذْ تَغْرُبُ الشَّمْسُ إلَى أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَتَعْجِيلُهَا أَحَبُّ إلَيْهِ. وَوَقْتُ الْعَتَمَةِ مُذْ يَغِيبُ الشَّفَقُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَتَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ، وَوَقْتُهَا يَمْتَدُّ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ. قَالَ عَلِيٌّ: كُلُّ مَا قَالَ مِمَّا خَالَفْنَاهُ فِيهِ فَقَدْ أَبَدَيْنَا بِالْبُرْهَانِ سُقُوطَ قَوْلِهِ؛ إلَّا تَأْخِيرَ الصُّبْحِ، فَإِنَّهُ احْتَجَّ فِي ذَلِكَ [بِخَبَرٍ] مِنْ طَرِيقِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَسْفِرُوا بِصَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأَجْرِكُمْ» «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ، فَكُلَّمَا أَسْفَرْتُمْ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ أَوْ لِأَجْرِكُمْ» قَالَ عَلِيٌّ: مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ ثِقَةٌ، وَهُوَ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ لَبِيدٍ. وَالْخَبَرُ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ إذَا أُضِيفَ إلَى الثَّابِتِ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي التَّغْلِيسِ؛ حَتَّى إنَّهُ لَيَنْصَرِفُ وَالنِّسَاءُ لَا يُعْرَفْنَ، أَوْ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ وَجْهَ جَلِيسِهِ الَّذِي كَانَ يَعْرِفُهُ؛ وَأَنَّ هَذَا كَانَ الْمُدَاوَمُ عَلَيْهِ مِنْ عِلْمِهِ. - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
صَحَّ أَنَّ الْإِسْفَارَ الْمَأْمُورَ بِهِ إنَّمَا هُوَ بِأَنْ يَنْقَضِيَ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَلَا يُصَلِّيَ عَلَى شَكٍّ مِنْهُ فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ لَا أَجْرَ فِي غَيْرِ هَذَا، بَلْ مَا فِيهِ إلَّا الْإِثْمُ؟ قُلْنَا: هَذَا لَا يُنْكَرُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ} [النساء: 46] وَلَا خَيْرَ فِي خِلَافِ ذَلِكَ وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَلِّفُ أُمَّتَهُ وَأَصْحَابَهُ الْمَشَقَّةَ فِي تَرْكِ النَّوْمِ أَلَذَّ مَا يَكُونُ، وَخُرُوجُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ -: عَمَلًا فِيهِ مَشَقَّةٌ وَكُلْفَةٌ وَحَطِيطَةٌ مِنْ الْأَجْرِ؛ وَيَمْنَعُهُمْ الْفَضْلَ وَالْأَجْرَ مَعَ الرَّاحَةِ؛ حَاشَا لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذَا؛ فَهَذَا ضِدُّ النَّصِيحَةِ، وَعَيْنُ الْغِشِّ وَالْحَرَجِ وَالظُّلْمِ. وَمَا نَدْرِيهِمْ تَعَلَّقُوا فِي هَذَا إلَّا بِرِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَقَوْلُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّهَا صَلَاةٌ حُوِّلَتْ عَنْ وَقْتِهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَهَذَا خَبَرٌ مُسْقِطٌ لِقَوْلِهِمْ جُمْلَةً؛ لِأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ جُمْلَةً؛ إذْ قَوْلُهُمْ الَّذِي لَا خِلَافَ عَنْهُمْ فِيهِ: أَنَّ التَّغْلِيسَ بِهَا فِي أَوَّلِ الْفَجْرِ لَيْسَ صَلَاةً لَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا؛ بَلْ هُوَ وَقْتُهَا عِنْدَهُمْ؟ فَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يُمَوِّهُ بِحَدِيثٍ هُوَ مُخَالِفٌ لَهُ؛ وَيُوهِمُ خَصْمَهُ أَنَّهُ حُجَّةٌ لَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي اخْتِيَارِ تَأْخِيرِ الْعَصْرِ: فَقَوْلٌ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ فِي الْمُسَارَعَةِ إلَى الْخَيْرِ - وَلِجَمِيعِ السُّنَنِ، وَلِجَمِيعِ السَّلَفِ؛ وَلِلْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِهِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ؟ وَقَالَ مَالِكٌ: وَقْتُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالصُّبْحُ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ - وَأَحَبُّ إلَيْهِ فِي الصُّبْحِ: التَّغْلِيسُ. وَأَحَبُّ إلَيْهِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ: أَنْ تُصَلَّى فِي الْبَرْدِ وَالْحَرِّ إذَا فَاءَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا، وَأَحَبُّ إلَيْهِ: أَنْ تُصَلَّى الْعَصْرُ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ؟ وَتَعْجِيلُ الْمَغْرِبِ إلَّا لِلْمُسَافِرِ؛ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تُمَدَّ الْمِيلَيْنِ وَنَحْوِهِمَا.
مسألة وقت الظهر أطول من وقت العصر أبدا في كل زمان ومكان
وَالْعَتَمَةُ: إثْرَ مَغِيبِ الشَّفَقِ قَلِيلًا؟ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُهُ فِي اتِّصَالِ وَقْتِ الظُّهْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَوَقْتِ الْمَغْرِبِ إلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ؟ فَقَوْلٌ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ السُّنَنِ؛ وَلَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؛ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ - إلَّا عَنْ عَطَاءٍ وَحْدَهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي وَقْتِ الْعَتَمَةِ؟ فَلَا نَعْلَمُ اخْتِيَارَهُ أَيْضًا عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ؟ فَإِنَّهُ عَوَّلَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنْ صَلِّ الظُّهْرَ إذَا فَاءَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا. وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَاتِ الْمُتَرَادِفَةَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بِأَنْ تُصَلَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ وَأَنْ يُبْرَدَ بِهَا. رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ: عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُهَاجِرٌ أَبُو الْحَسَنِ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَمَالِكٌ جَدُّ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَرَوَتْهُ عَائِشَةُ مُسْنَدًا، وَمِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ أَيْضًا؟ وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ؟ وَإِنْ ذَكَرُوا: أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَقْتُ الْعَتَمَةِ إلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ؛ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْإِفْرَاطُ فِي الْعَتَمَةِ إلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ؟ -: فَإِنَّهُمْ قَدْ خَالَفُوا ذَلِكَ الْأَثَرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ: وَقْتَ الظُّهْرِ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ؛ وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ إلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ؟ وَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فَالرُّجُوعُ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الرُّجُوعَ إلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النساء: 59] . [مَسْأَلَةٌ وَقْتُ الظُّهْرِ أَطْوَلُ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ أَبَدًا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ] 337 - مَسْأَلَةٌ: قَالَ عَلِيٌّ: وَقْتُ الظُّهْرِ أَطْوَلُ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ أَبَدًا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ؛ لِأَنَّ الشَّمْسَ تَأْخُذُ فِي الزَّوَالِ فِي أَوَّلِ السَّاعَةِ السَّابِعَةِ، وَيَأْخُذُ ظِلُّ الْقَائِمِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى مِثْلِ
مسألة في بيان الشفق والفجر وتعريفهما وبيان أنواعهما
الْقَائِمِ - بَعْدَ طَرْحِ ظِلِّ الزَّوَالِ - فِي صَدْرِ السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ؛ أَمَّا فِي خُمُسِهَا الْأَوَّلِ إلَى ثُلُثِهَا الْأَوَّلِ: لَا يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ أَصْلًا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ؟ وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مُسَاوٍ لِوَقْتِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَبَدًا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إلَى أَوَّلِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، كَاَلَّذِي مِنْ آخِرِ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ - الَّذِي هُوَ الْحُمْرَةُ أَبَدًا - فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمَكَانٍ؛ يَتَّسِعُ فِي الصَّيْفِ، وَيَضِيقُ فِي الشِّتَاءِ؛ لِكِبَرِ الْقَوْسِ وَصِغَرِهِ. وَوَقْتُ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَبَدًا: هُوَ أَقَلُّ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ وَوَقْتِ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ هُوَ رُبُعُ النَّهَارِ وَزِيَادَةٌ؟ فَهُوَ أَبَدًا ثَلَاثُ سَاعَاتٍ، وَشَيْءٌ مِنْ السَّاعَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَوَقْتُ الْعَصْرِ رُبُعُ النَّهَارِ غَيْرَ شَيْءٍ فَهُوَ أَبَدًا ثَلَاثُ سَاعَاتٍ، غَيْرَ شَيْءٍ مِنْ السَّاعَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ. وَلَا يَبْلُغُ ذَلِكَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَلَا وَقْتُ الصُّبْحِ، وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ وَقْتُ كُلِّ صَلَاةٍ مِنْهُمَا سَاعَتَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ سَاعَةً وَاحِدَةً وَرُبُعَ سَاعَةٍ مِنْ السَّاعَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ؛ وَهِيَ الَّتِي يَكُونُ مِنْهَا فِي أَطْوَلِ يَوْمٍ مِنْ السَّنَةِ، وَأَقْصَرِ يَوْمٍ مِنْ السَّنَةِ -: اثْنَتَا عَشْرَةَ، فَهِيَ تَخْتَلِفُ لِذَلِكَ فِي طُولِهَا وَقِصَرِهَا؛ وَفِي الْهَيْئَةِ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ؟ وَأَوْسَعُهَا كُلُّهَا وَقْتُ الْعَتَمَةِ؛ لِأَنَّهُ أَزْيَدُ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَمِقْدَارِ تَكْبِيرَةٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ فِي بَيَان الشَّفَقِ وَالْفَجْرِ وتعريفهما وَبَيَان أنواعهما] 338 - مَسْأَلَةٌ: الشَّفَقُ، وَالْفَجْرُ. قَالَ عَلِيٌّ -: الْفَجْرُ: فَجْرَانِ - وَالشَّفَقُ: شَفَقَانِ. وَالْفَجْرُ الْأَوَّلُ: هُوَ الْمُسْتَطِيلُ الْمُسْتَدَقُّ صَاعِدًا فِي الْفَلَكِ كَذَنَبِ السِّرْحَانِ،
وَتَحْدُثُ بَعْدَهُ ظُلْمَةٌ فِي الْأُفُقِ -: لَا يَحْرُمُ الْأَكْلُ وَلَا الشُّرْبُ عَلَى الصَّائِمِ؛ وَلَا يَدْخُلُ بِهِ وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ -: هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ كُلِّهَا. وَالْآخَرُ: هُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي يَأْخُذُ فِي عَرْضِ السَّمَاءِ فِي أُفُقِ الْمَشْرِقِ فِي مَوْضِعِ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، يَنْتَقِلُ بِانْتِقَالِهَا، وَهُوَ مُقَدِّمَةُ ضَوْئِهَا، وَيَزْدَادُ بَيَاضُهُ؛ وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ تَوْرِيدٌ بِحُمْرَةِ بَدِيعَةٍ، وَبِتَبَيُّنِهِ يَدْخُلُ وَقْتُ الصَّوْمِ وَوَقْتُ الْأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَوَقْتُ صَلَاتِهَا. فَأَمَّا دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِتَبَيُّنِهِ؟ فَلَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ وَأَمَّا الشَّفَقَانِ: فَأَحَدُهُمَا الْحُمْرَةُ - وَالثَّانِي: الْبَيَاضُ، فَوَقْتُ الْمَغْرِبِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَدَاوُد وَغَيْرِهِمْ -: يَخْرُجُ وَيَدْخُلُ وَقْتُ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ بِمَغِيبِ الْحُمْرَةِ؟ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ. إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: يُسْتَحَبُّ - فِي الْحَضَرِ خَاصَّةً دُونَ السَّفَرِ -: أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا إذَا غَابَ الْبَيَاضُ؛ لِيَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ مَغِيبِ الْحُمْرَةِ فَقَدْ تُوَارِيهَا الْجُدْرَانُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَالْمُزَنِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يَخْرُجُ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَلَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَتَمَةِ إلَّا بِمَغِيبِ الْبَيَاضِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدَّ خُرُوجَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَدُخُولَ وَقْتِ الْعَتَمَةِ بِمَغِيبِ نُورِ الشَّفَقِ؛ وَالشَّفَقُ: يَقَعُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْحُمْرَةِ، وَعَلَى الْبَيَاضِ. فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ؛ فَوَجَبَ أَنَّهُ إذَا غَابَ مَا يُسَمَّى شَفَقًا فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ، وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَتَمَةِ وَلَمْ يَقُلْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَطُّ: حَتَّى يَغِيبَ كُلُّ مَا يُسَمَّى شَفَقًا؟ .
وَبُرْهَانٌ قَاطِعٌ؛ وَهُوَ: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدَّ وَقْتَ الْعَتَمَةِ بِأَنَّ: أَوَّلَهُ إذَا غَابَ الشَّفَقُ، وَآخِرَهُ: ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، وَرُوِيَ أَيْضًا: نِصْفُ اللَّيْلِ. وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِالْمَطَالِعِ، وَالْمَغَارِبِ، وَدَوَرَانِ الشَّمْسِ: أَنَّ الْبَيَاضَ لَا يَغِيبُ إلَّا عِنْدَ ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ؛ وَهُوَ الَّذِي حَدَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خُرُوجَ أَكْثَرِ الْوَقْتِ فِيهِ، فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ وَقْتَهَا دَاخِلٌ قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ بِيَقِينٍ، فَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّهُ دَاخِلٌ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، الَّذِي هُوَ الْبَيَاضُ بِلَا شَكٍّ فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا قَوْلَ أَصْلًا إلَّا أَنَّهُ: الْحُمْرَةُ بِيَقِينٍ؛ إذْ قَدْ بَطَلَ كَوْنُهُ: الْبَيَاضَ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَلَّدَ أَبَا حَنِيفَةَ بِأَنْ قَالَ: إذَا صَلَّيْنَا عِنْدَ غُرُوبِ الْبَيَاضِ فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ - بِإِجْمَاعٍ - أَنَّنَا قَدْ صَلَّيْنَا عِنْدَ الْوَقْتِ، وَإِنْ صَلَّيْنَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمْ نُصَلِّ بِيَقِينِ إجْمَاعٍ فِي الْوَقْتِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا لَيْسَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إنْ الْتَزَمُوهُ؟ أَبْطَلَ عَلَيْهِمْ جُمْهُورَ مَذْهَبِهِمْ فَيُقَالُ: مِثْلُ هَذَا فِي الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ، وَفِي الِاسْتِنْشَاقِ، وَالِاسْتِنْثَارِ، وَقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَكُلِّ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِمَّا يُبْطِلُ الصَّوْمَ وَالْحَجَّ، وَمِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ؟ فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ لَا يُؤَدُّوا عَمَلًا مِنْ الشَّرِيعَةِ إلَّا حَتَّى لَا يَخْتَلِفَ اثْنَانِ فِي أَنَّهُمْ قَدْ أَدُّوهُ كَمَا أُمِرُوا. وَمَعَ هَذَا لَا يَصِحُّ لَهُمْ مِنْ مَذْهَبِهِمْ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ بِلَا شَكٍّ وَذَكَرُوا حَدِيثَ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُصَلِّي الْعَتَمَةَ لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ ثَالِثَةٍ» . وَلَوْ كَانَ لَكَانَ أَعْظَمَ حُجَّةً لَنَا؛ لِأَنَّ الشَّفَقَ الْأَبْيَضَ يَبْقَى بَعْدَ هَذِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً بِلَا خِلَافٍ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِالْأَثَرِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ إذَا اسْوَدَّ اللَّيْلُ» وَبَقَاءُ الْبَيَاضِ يَمْنَعُ مِنْ سَوَادِ الْأُفُقِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي الْعَتَمَةَ مَعَ بَيَاضِ الْقَمَرِ، وَهُوَ أَمْنَعُ مِنْ سَوَادِ
الْأُفُقِ عَلَى أُصُولِهِمْ: مِنْ الْبَيَاضِ الْبَاقِي بَعْدَ الْحُمْرَةِ، الَّذِي لَا يَمْنَعُ مِنْ سَوَادِ الْأُفُقِ؛ لِقِلَّتِهِ وَدِقَّتِهِ؟ . وَذَكَرُوا حَدِيثَ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُصَلِّي الْعَتَمَةَ لِسُقُوطِ لَيْلَةِ ثَالِثَةٍ» ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّنَا لَا نَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا مِنْ تَأْخِيرِهَا إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ؛ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْمَنْعُ مِنْ دُخُولِ وَقْتِهَا قَبْلَ ذَلِكَ؟ وَذَكَرُوا حَدِيثًا سَاقِطًا مَوْضُوعًا، فِيهِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى الْعَتَمَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّفَقِ» . وَهَذَا لَوْ صَحَّ - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ - لَمَا كَانَ فِيهِ إلَّا جَوَازُ الصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا؛ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِمْ وَقَوْلِنَا وَذَكَرُوا عَنْ ثَعْلَبٍ: أَنَّ الشَّفَقَ: الْبَيَاضُ قَالَ عَلِيٌّ: لَسْنَا نُنْكِرُ أَنَّ الشَّفَقَ: الْبَيَاضُ، وَالشَّفَقُ: الْحُمْرَةُ؛ وَلَيْسَ ثَعْلَبٌ حُجَّةً فِي الشَّرِيعَةِ إلَّا فِي نَقْلِهِ؛ فَهُوَ ثِقَةٌ، وَأَمَّا فِي رَأْيِهِ فَلَا؟ وَأَظْرَفُ ذَلِكَ احْتِجَاجُ بَعْضِهِمْ: بِأَنَّ الشَّفَقَ: مُشْتَقٌّ مِنْ الشَّفَقَةِ، وَهِيَ الرِّقَّةُ؛ وَيُقَالُ: ثَوْبٌ شَفِيقٌ إذَا كَانَ رَقِيقًا. قَالُوا: وَالْبَيَاضُ أَحَقُّ بِهَذَا؛ لِأَنَّهَا أَجْزَاءٌ رَقِيقَةٌ تَبْقَى بَعْدَ الْحُمْرَةِ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا هَوَسٌ نَاهِيك بِهِ فَإِنْ قِيلَ لَهُمْ: بَلْ الْحُمْرَةُ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّهَا تَتَوَلَّدُ عَنْ الْإِشْفَاقِ وَالْحَيَاءِ، وَكُلُّ هَذَا تَخْلِيطٌ هُوَ فِي الْهَزْلِ أَدْخَلُ مِنْهُ فِي الْجَدِّ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا كَانَ وَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَدْخُلُ بِالْفَجْرِ الثَّانِي: وَجَبَ أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ بِالشَّفَقِ الثَّانِي؟ فَعُورِضُوا بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْفَجْرُ فَجْرَيْنِ، وَكَانَ دُخُولُ وَقْتِ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَدْخُلُ
مسألة كبر لصلاة فرض وهو شاك هل دخل وقتها أم لا
بِالْفَجْرِ الَّذِي مَعَهُ الْحُمْرَةُ: - وَجَبَ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ وَقْتِ الْعَتَمَةِ بِالشَّفَقِ الَّذِي مَعَهُ الْحُمْرَةُ. وَقَالُوا أَيْضًا: لَمَّا كَانَتْ الْحُمْرَةُ الَّتِي هِيَ مُقَدِّمَةُ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي خُرُوجِ وَقْتِ صَلَاةِ الْفَجْرِ -: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي خُرُوجِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ؟ فَعُورِضُوا بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الطَّوَالِعُ: ثَلَاثَةً، وَالْغَوَارِبُ ثَلَاثَةً، وَكَانَ الْحُكْمُ فِي دُخُولِ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ لِلْأَوْسَطِ مِنْ الطَّوَالِعِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي دُخُولِ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ لِلْأَوْسَطِ مِنْ الْغَوَارِبِ وَهَذِهِ كُلُّهَا تَخَالِيطُ وَدَعَاوَى فَاسِدَةٌ مُتَكَاذِبَةٌ؛ وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَاهَا لِيَعْلَمَ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِأَنْ هَدَاهُ لِإِبْطَالِ الْقِيَاسِ فِي الدِّينِ -: عَظِيمَ نِعْمَةٍ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ؛ وَلِيَتَبَصَّرَ مَنْ غَلِطَ فَقَالَ بِهِ - وَمَا تَوْفِيقُنَا إلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى. [مَسْأَلَةٌ كَبَّرَ لِصَلَاةِ فَرْضٍ وَهُوَ شَاكٌّ هَلْ دَخَلَ وَقْتُهَا أَمْ لَا] 339 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَبَّرَ لِصَلَاةِ فَرْضٍ، وَهُوَ شَاكٌّ هَلْ دَخَلَ وَقْتُهَا أَمْ لَا؟ لَمْ تُجْزِهِ: سَوَاءٌ وَافَقَ الْوَقْتَ أَمْ لَمْ يُوَافِقْهُ؛ لِأَنَّهُ صَلَّاهَا بِخِلَافِ مَا أُمِرَ؟ وَإِنَّمَا أُمِرَ أَنْ يَبْتَدِئَهَا فِي وَقْتِهَا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . [مَسْأَلَةٌ بَدَأَ الصَّلَاة وَهُوَ مُوقِنٌ بِأَنَّ وَقْتَهَا قَدْ دَخَلَ فَإِذَا بِالْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ] 340 - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ بَدَأَهَا وَهُوَ عِنْدَ نَفْسِهِ مُوقِنٌ بِأَنَّ وَقْتَهَا قَدْ دَخَلَ؟ فَإِذَا بِالْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ لَمْ تُجْزِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا كَمَا أُمِرَ؛ وَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا حَتَّى يُوقِنَ أَنَّهُ الْوَقْتُ؛ وَيَكُونُ الْوَقْتُ قَدْ دَخَلَ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مِنْ رَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ] 341 - مَسْأَلَةٌ: كُلُّ مَنْ رَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَمْ تُجْزِهِ صَلَاةُ الصُّبْحِ إلَّا بِأَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ بَيْنَ سَلَامِهِ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَبَيْنَ تَكْبِيرِهِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ. وَسَوَاءٌ - عِنْدَنَا - تَرْكُ الضَّجْعَةِ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا؛ وَسَوَاءٌ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا أَوْ صَلَّاهَا قَاضِيًا لَهَا مِنْ نِسْيَانٍ، أَوْ عَمْدِ نَوْمٍ. فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَضْطَجِعَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الضَّجْعَةِ عَلَى
الْيَمِينِ لِخَوْفٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ حَسْبَ طَاقَتِهِ فَقَطْ؟ . بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ - ثنا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ هُوَ السَّمَّانُ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ» ؟ . فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: مَا يُجْزِئُ أَحَدَنَا مَمْشَاهُ إلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَضْطَجِعَ عَلَى يَمِينِهِ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى نَفْسِهِ فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ عِنْدَهَا: تُنْكِرُ شَيْئًا مِمَّا يَقُولُ؟ قَالَ: لَا؛ وَلَكِنَّهُ اجْتَرَأَ وَجَبُنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: فَمَا ذَنْبِي إنْ كُنْت حَفِظْت وَنَسُوا؟ . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: مَرَّ بِي أَبُو الدَّرْدَاءِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَأَنَا أُصَلِّي؟ فَقَالَ: افْصِلْ بِضَجْعَةٍ بَيْنَ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَصَلَاةِ النَّهَارِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ أَوْضَحْنَا أَنَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّهُ عَلَى الْفَرْضِ، حَتَّى يَأْتِيَ نَصٌّ آخَرُ أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ غَيْرُ مُدَّعًى بِالْبَاطِلِ -: عَلَى أَنَّهُ نَدْبٌ، فَنَقِفُ عِنْدَهُ، وَإِذَا تَنَازَعَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فَالرَّدُّ إلَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ وَرَدَ إنْكَارُ الضَّجْعَةِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ؟ قُلْنَا: نَعَمْ؛ وَخَالَفَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ؛ وَمَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَمْرِهِ وَعَمَلِهِ. وَإِنْ كَانَ إنْكَارُ ابْنِ مَسْعُودٍ: حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -: فَقَدْ أَنْكَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَضْعَ الْأَيْدِي عَلَى الرُّكَبِ فِي الصَّلَاةِ، وَضَرَبَ الْيَدَيْنِ عَلَى ذَلِكَ؟ وَقَدْ أَنْكَرَ قَصْرَ الصَّلَاةِ إلَّا فِي حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ جِهَادٍ
وَأَنْكَرَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ؟ فَمَا الْتَفَتُّمْ إنْكَارَهُ فَالْآنَ اسْتَدْرَكْتُمْ هَذِهِ السُّنَّةَ؟ . وَقَالُوا: لَوْ كَانَتْ الضَّجْعَةُ فَرْضًا لَمَا خَفِيَتْ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ؟ فَقُلْنَا لَهُمْ: فَهَلَّا قُلْتُمْ مِثْلَ هَذَا فِي إتْمَامِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمِنًى؛ وَإِتْمَامِ عَائِشَةَ وَسَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -؟ فَقُولُوا: لَوْ كَانَ قَصْرُ الصَّلَاةِ سُنَّةً مَا خَفِيَ عَلَى هَؤُلَاءِ وَهَلَّا قُلْتُمْ: لَوْ كَانَ الْجُلُوسُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ فَرْضًا مَا خَفِيَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ يَقُولُ: إذَا رَفَعْت رَأْسَك مِنْ آخِرِ صَلَاتِك مِنْ السُّجُودِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك، فَإِنْ شِئْت فَقُمْ، وَإِنْ شِئْت فَاقْعُدْ؟ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا؛ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَفْزَعُونَ إلَيْهِ إذَا ضَاقَ بِهِمْ الْمَجَالُ ثُمَّ هُمْ أَوَّلُ تَارِكٍ لَهُ؟ ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قَالُوا: فَبَطَلَتْ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَضْطَجِعْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَغَيْرِهِمْ؟ قُلْنَا: إنَّ الْمُجْتَهِدَ مَأْجُورٌ يُصَلِّي، وَإِنْ خَفِيَ عَلَيْهِ النَّصُّ؛ وَإِنَّمَا الْحُكْمُ فِيمَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فَعَنَدَ. ثُمَّ نَعْكِسُ قَوْلَهُمْ عَلَيْهِمْ، فَنَقُولُ لِلْمَالِكِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ: أَتَرَى بَطَلَتْ صَلَاةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمَنْ وَافَقَهُ؛ إذَا كَانَ يُصَلِّي، وَلَا يَرَى الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ؟ وَنَقُولُ لِلْحَنَفِيِّينَ: أَتَرَى صَلَاةَ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَاسِدَةً، إذْ كَانَا يُصَلِّيَانِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَنْفِ أَحَدِهِمَا دَمٌ، وَمِنْ بَثْرَةٍ بِوَجْهِ الْآخَرِ دَمٌ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ لِذَلِكَ؟ . وَنَقُولُ لِجَمِيعِهِمْ: أَتَرَوْنَ صَلَاةَ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَزَيْدٍ، وَغَيْرِهِمْ -: كَانَتْ فَاسِدَةً إذَا كَانُوا يَرَوْنَ: أَنَّ مَنْ وَطِئَ وَلَمْ يُنْزِلْ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، وَيُفْتُونَ بِذَلِكَ؟ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا، يَعُودُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ حُجَّةٌ غَيْرُ التَّشْنِيعِ وَهُوَ عَائِدٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ خِلَافًا عَلَى الصَّحَابَةِ مِنَّا،
وَسُؤَالُهُمْ هَذَا لَازِمٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ كَلُزُومِهِ لَنَا وَلَا فَرْقَ؟ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ هُوَ الْمُقْرِي - ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ» ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ: أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا إذَا صَلَّوْا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعُوا وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: أُنْبِئْت: أَنَّ أَبَا رَافِعٍ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَأَبَا مُوسَى، كَانُوا يَضْطَجِعُونَ عَلَى أَيْمَانِهِمْ إذَا صَلَّوْا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ؟ . وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ غَيَّاثٍ هُوَ ابْنُ عُثْمَانَ - أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الصُّبْحَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ وَيَضَعُ جَنْبَهُ فِي الْأَرْضِ وَيَدْخُلُ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ. وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ فِي " كِتَابِ السَّبْعَةِ " أَنَّهُمْ - يَعْنِي: سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَخَارِجَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ -: كَانُوا يَضْطَجِعُونَ عَلَى أَيْمَانِهِمْ بَيْنَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ فَإِنْ عَجَزَ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ؟ . وَحُكْمُ النَّاسِي هَهُنَا كَحُكْمِ الْعَامِدِ؛ لِأَنَّ مَنْ نَسِيَ عَمَلًا مُفْتَرَضًا مِنْ الصَّلَاةِ
مسألة فاتته صلاة الصبح بنسيان أو بنوم
وَالطَّهَارَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالصَّلَاةِ كَمَا أُمِرَ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِسُقُوطِ ذَلِكَ عَنْهُ؟ وَإِنَّمَا يَكُونُ النِّسْيَانُ بِخِلَافِ الْعَمْدِ فِي حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا - سُقُوطُ الْإِثْمِ جُمْلَةً هُنَا، وَفِي كُلِّ مَكَان. وَالثَّانِي -: مَنْ زَادَ عَمَلًا لَا يَجُوزُ لَهُ نَاسِيًا، وَكَانَ قَدْ أَوْفَى جَمِيعَ عَمَلِهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَمِلَ مَا أُمِرَ، وَكَانَ مَا زَادَ بِالنِّسْيَانِ لَغْوًا لَا حُكْمَ لَهُ؟ فَإِنْ أَدْرَكَ إعَادَةَ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ لَزِمَهُ أَنْ يَضْطَجِعَ وَيُعِيدَ الْفَرِيضَةَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِعَادَةِ لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ؟ . وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالضَّجْعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ مَوْضِعَهَا؛ وَلَا يُجْزِئُ عَمَلُ شَيْءٍ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ، وَلَا فِي غَيْرِ زَمَانِهِ، وَلَا بِخِلَافِ مَا أُمِرَ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ هُوَ غَيْرُ الْعَمَلِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الصُّبْحِ بِنِسْيَانٍ أَوْ بِنَوْمٍ] 342 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الصُّبْحِ بِنِسْيَانٍ، أَوْ بِنَوْمٍ؟ فَنَخْتَارُ لَهُ إذَا ذَكَرَهَا - وَإِنْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِقَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ - أَنْ يَبْدَأَ بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ثُمَّ يَضْطَجِعُ، ثُمَّ يَأْتِي بِصَلَاةِ الصُّبْحِ؟
وَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مَنْ غَفَلَ عَنْ صَلَاةٍ بِنَوْمٍ، أَوْ بِنِسْيَانٍ؟ ثُمَّ ذَكَرَهَا أَنْ يَزُولَ عَنْ مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ بِجِسْمِهِ فِيهِ إلَى مَكَان آخَرَ؛ وَلَوْ الْمَكَانَ الْمُتَّصِلَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ فَمَا زَادَ؟ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا أَبَانُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ - ثنا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ نَوْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُمْ: «تَحَوَّلُوا عَنْ مَكَانِكُمْ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ؟ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِي ثنا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ ثنا خَالِدُ بْنُ سُمَيْرٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ ثنا أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَيْشَ الْأُمَرَاءِ؛ فَلَمْ تُوقِظْنَا إلَّا الشَّمْسُ طَالِعَةً، فَقُمْنَا وَهِلِينَ لِصَلَاتِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتَّى تَعَالَتْ الشَّمْسُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَلْيَرْكَعْهُمَا؟ فَقَامَ مَنْ يَرْكَعُهُمَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَرْكَعُهُمَا، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُنَادَى بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى بِنَا» ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ ذِكْرُ الضَّجْعَةِ؟ قُلْنَا: قَدْ يَسْكُتُ عَنْهَا الرَّاوِي، كَمَا يَسْكُتُ عَنْ الْوُضُوءِ، وَعَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ ذِكْرِ التَّكْبِيرِ لِلْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الْخَبَرُ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالضَّجْعَةِ؟ وَلَيْسَ جَمِيعُ السُّنَنِ مَذْكُورَةً فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَلَا فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا فِي سُورَةٍ وَاحِدَةٍ؛ وَالتَّعَلُّلُ بِهَا قَدَحٌ فِي جَمِيعِ الشَّرِيعَةِ: أَوَّلِهَا عَنْ آخِرِهَا؛ فَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ إلَّا، وَهُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ وَفِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ.
فَكُلُّ مَنْ تَعَلَّلَ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَذَانِ لِلصَّلَاةِ الْمَنْسِيَّةِ، وَفِي أَمْرِهِ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ، وَفِي أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالتَّأَنِّي [وَالِانْتِشَارِ] وَالتَّحَوُّلِ - بِمَا لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَقَدْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوَّلَهُ مَا لَمْ يَقُلْ، وَافْتَرَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ -. وَقَدْ ذَكَرَ الْأَذَانَ لَهَا وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَهُمَا -: حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ؟ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذَا الْخَبَرِ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ لَهُمْ حِينَئِذٍ «مَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ صَلَاةَ الْغَدَاةِ فَلْيَقْضِ مَعَهَا مِثْلَهَا» ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَدْ رُوِيَ هَذَا اللَّفْظُ، وَرُوِيَ «لِيُصَلِّهَا أَحَدُكُمْ مِنْ الْغَدَاةِ لِوَقْتِهَا» ؟ . وَرُوِيَ «فَإِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ عَنْ الصَّلَاةِ فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا وَمِنْ الْغَدِ لِلْوَقْتِ» ؟ ، وَرُوِيَ «أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَقْضِيهَا لِمِيقَاتِهَا مِنْ الْغَدِ؟ وَأَنَّهُمْ قَالُوا: أَلَا نُصَلِّي كَذَا وَكَذَا صَلَاةً قَالَ: لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الرِّبَا وَيَقْبَلُهُ مِنْكُمْ» . وَكُلُّ هَذَا صَحِيحٌ وَمُتَّفِقُ الْمَعْنَى؛ وَإِنَّمَا يُشْكِلُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ «مَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ
مسألة صفة الصلاة وما لا تجزئ إلا به
صَلَاةَ الْغَدَاةِ فَلْيَقْضِ مَعَهَا مِثْلَهَا» ؟ ، وَإِذَا تُؤُمِّلَ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ - فِي لُغَةِ الْعَرَبِ - رَاجِعٌ إلَى " الْغَدَاةِ " - لَا إلَى الصَّلَاةِ -: أَيْ فَلْيَقْضِ مَعَ الْغَدَاةِ مِثْلَ هَذِهِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُصَلِّي، بِلَا زِيَادَةٍ عَلَيْهَا -: أَيْ: فَلْيُؤَدِّ مَا عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَاةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ كُلَّ يَوْمٍ؛ فَتَتَّفِقُ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ صِفَةُ الصَّلَاةِ وَمَا لَا تُجْزِئُ إلَّا بِهِ] 343 - مَسْأَلَةٌ: صِفَةُ الصَّلَاةِ، وَمَا لَا تُجْزِئُ إلَّا بِهِ: لَا تُجْزِئُ أَحَدًا صَلَاةٌ إلَّا بِثِيَابٍ طَاهِرَةٍ، وَجَسَدٍ طَاهِرٍ، فِي مَكَان طَاهِرٍ؟ قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ ذَكَرْنَا الْأَشْيَاءَ الْمُفْتَرَضَ اجْتِنَابُهَا؛ فَمَنْ صَلَّى غَيْرَ مُجْتَنِبٍ لَهَا فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَنْسِ مَا كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهِ؛ وَبِأَنْ تُطَيَّبَ الْمَسَاجِدُ وَتُنَظَّفَ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِسْنَادِهِ «وَجُعِلَتْ لِي كُلُّ أَرْضٍ طَيِّبَةٍ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» ؟ ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] . وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ: الْقَلْبُ -: فَقَدْ خَصَّ الْآيَةَ بِدَعْوَاهُ بِلَا بُرْهَانٍ، وَالْأَصْلُ فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ: أَنَّ الثِّيَابَ هِيَ الْمَلْبُوسَةُ وَالْمُتَوَطَّأَةُ وَلَا يُنْقَلُ عَنْ ذَلِكَ إلَى الْقَلْبِ وَالْعَرَضِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَا حَالَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا حَالَانِ، لَا ثَالِثَ لَهُمَا: حَالُ الصَّلَاةِ، وَحَالُ غَيْرِ الصَّلَاةِ؟ . وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ فِي أَنَّهُ لَا يُحْرَجُ مَنْ فِي بَدَنِهِ شَيْءٌ وَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ وَفِي ثِيَابِهِ أَوْ فِي مَقْعَدِهِ فِي حَالِ غَيْرِ الصَّلَاةِ؛ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ: هَلْ ذَلِكَ مُبَاحٌ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟ فَإِذَا خَرَجَتْ حَالُ غَيْرِ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ لَمْ يَبْقَ حَيْثُ تُسْتَعْمَلُ أَوَامِرُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا لِلصَّلَاةِ؛ فَهَذَا فَرْضٌ فِيهَا -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
مسألة أصاب بدنه أو ثيابه أو مصلاه شيء فرض اجتنابه
[مَسْأَلَةٌ أَصَابَ بَدَنَهُ أَوْ ثِيَابَهُ أَوْ مُصَلَّاهُ شَيْءٌ فُرِضَ اجْتِنَابُهُ] مَسْأَلَةٌ: فَمَنْ أَصَابَ بَدَنَهُ أَوْ ثِيَابَهُ أَوْ مُصَلَّاهُ شَيْءٌ فُرِضَ اجْتِنَابُهُ بَعْدَ أَنْ كَبَّرَ سَالِمًا فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا مِمَّا أَصَابَهُ بَعْدَ ذَلِكَ -: فَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ: أَزَالَ الثَّوْبَ - وَإِنْ بَقِيَ عُرْيَانًا - مَا لَمْ يُؤْذِهِ الْبَرْدُ، وَزَالَ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ؛ وَأَزَالَهَا عَنْ بَدَنِهِ بِمَا أُمِرَ أَنْ يُزِيلَهَا بِهِ، وَتَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ وَأَجْزَأَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ. فَإِنْ نَسِيَ حَتَّى عَمِلَ عَمَلًا مُفْتَرَضًا عَلَيْهِ مِنْ صَلَاتِهِ أُلْغِيَ، وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ، وَأَتَى بِذَلِكَ الْعَمَلِ كَمَا أُمِرَ، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ، مَا لَمْ تُنْتَقَضْ طَهَارَتُهُ؛ فَإِنْ انْتَقَضَتْ أَعَادَ الصَّلَاةَ مَتَى ذَكَرَ. فَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ إلَّا فِي مَكَان مِنْ صَلَاتِهِ لَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ لَمْ تَبْطُلْ بِهِ صَلَاتُهُ مِثْلُ قِرَاءَةِ السُّورَةِ الَّتِي مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ، أَوْ مَا زَادَ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ، وَالْجُلُوسِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ -: فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا سُجُودُ السَّهْوِ فَقَطْ؟ فَإِنْ تَعَمَّدَ مَا ذَكَرْنَا: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ وَكَانَ كَمَنْ لَمْ يُصَلِّ، وَلَا فَرْقَ، لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ إلَّا فِي وَقْتِهَا؟ فَصَحَّ الْآنَ أَنَّ النَّاسِيَ يُعِيدُ أَبَدًا، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» ؟ . وَالنَّاسِي: هُوَ الَّذِي عَلِمَ الشَّيْءَ ثُمَّ نَسِيَهُ، وَبَعْضُ الصَّلَاةِ: صَلَاةٌ بِنَصِّ حُكْمِ اللُّغَةِ وَالضَّرُورَةِ. وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَنْ نَسِيَ الطَّهَارَةَ، أَوْ بَعْضَ أَعْضَائِهِ، أَوْ نَسِيَ سَتْرَ عَوْرَتِهِ؟ فَإِنْ ابْتَدَأَ صَلَاتَهُ كَذَلِكَ أَعَادَهَا أَبَدًا. وَصَحَّ: أَنَّ الْعَامِدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ إلَّا فِي وَقْتِهَا؛ وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَأَمَّا الْجَاهِلُ: وَهُوَ الَّذِي لَا يَعْلَمُ الشَّيْءَ إلَّا فِي صَلَاتِهِ أَوْ بَعْدَهَا؟ كَمَنْ كَانَ فِي ثِيَابِهِ، أَوْ بَدَنِهِ، أَوْ فِي مَكَانِهِ -: شَيْءٌ فُرِضَ اجْتِنَابُهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ؟ فَإِنَّهُ يُعِيدُ كُلَّ مَا صَلَّى كَذَلِكَ فِي الْوَقْتِ كَذَلِكَ
وَكَذَلِكَ مَنْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، وَهُوَ لَا يَرَى. وَكَذَلِكَ مَنْ جَهِلَ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ طَهَارَتِهِ، أَوْ صَلَاتِهِ ثُمَّ عَلِمَهَا -: فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ إلَّا فِي الْوَقْتِ فَقَطْ، لَا بَعْدَ الْوَقْتِ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا فِي أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْفَرَائِضُ تَنْزِلُ؛ كَتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، وَالزِّيَادَةِ فِي عَدَدِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ؟ فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِإِعَادَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ إذْ بَلَغَهُ ذَلِكَ، وَأَمَرَ الَّذِي رَآهُ لَمْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ أَنْ يُعِيدَهَا. فَصَحَّ بِذَلِكَ -: أَنْ يَأْتِيَ بِمَا جَهِلَ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا إذَا عَلِمَهُ؛ مَا دَامَ الْوَقْتُ قَائِمًا فَقَطْ؟ وَأَمَّا الْمُكْرَهُ، وَالْعَاجِزُ؛ لِعِلَّةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ؟ فَإِنَّهُ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا -: إنْ زَالَ الْإِكْرَاهُ، أَوْ الضَّرُورَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ -: فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ؟ . وَإِنْ زَالَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ؛ فَأَتَمَّهَا كَمَا يَقْدِرُ وَاعْتَدَّ بِمَا عَمِلَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَقْدِرَ، وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ فِي ذَلِكَ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ: إنْ كَانَ عَمَلٌ مَأْمُورٌ بِهِ، فَهُوَ فِيهَا جَائِزٌ - كَثُرَ أَوْ قَلَّ، وَإِزَالَةُ مَا اُفْتُرِضَ عَلَى الْمَرْءِ اجْتِنَابُهُ فِي الصَّلَاةِ مَأْمُورٌ بِهِ فِيهَا؛ فَهُوَ جَائِزٌ فِي الصَّلَاةِ؟ وَأَمَّا قَوْلُنَا: وَإِنْ بَقِيَ عُرْيَانًا؛ فَلِأَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَرْضَانِ -: أَحَدُهُمَا: سَتْرُ الْعَوْرَةِ؛ وَالثَّانِي: اجْتِنَابُ مَا أُمِرَ بِاجْتِنَابِهِ؟ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا. فَإِنْ صَلَّى غَيْرَ مُجْتَنِبٍ؛ لِمَا أُمِرَ بِاجْتِنَابِهِ؟ فَقَدْ تَعَمَّدَ فِي صَلَاتِهِ عَمَلًا مُحَرَّمًا عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ؛ فَلَا صَلَاةَ لَهُ؟ . وَإِذَا لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا أُمِرَ بِالِاسْتِتَارِ بِمِثْلِهِ؛ فَهُوَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الِاسْتِتَارِ؛ وَلَا حَرَجَ عَلَى الْمَرْءِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] ، وَلَيْسَ الْمَرْءُ مُضْطَرًّا إلَى لِبَاسِ ثَوْبٍ يَقْدِرُ عَلَى خَلْعِهِ، وَلَا إلَى الْبَقَاءِ فِي مَكَان يَقْدِرُ عَلَى مُفَارَقَتِهِ، وَهُوَ مُضْطَرٌّ إلَى التَّعَرِّي إذَا لَمْ يَجِدْ مَا أُبِيحَ لَهُ لِبَاسُهُ؛ فَإِنْ خَشِيَ الْبَرْدَ فَهُوَ حِينَئِذٍ مُضْطَرٌّ إلَى مَا يَطْرُدُ بِهِ الْبَرْدَ عَنْ نَفْسِهِ؛ فَيُصَلِّي بِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ حِينَئِذٍ؟ وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ نَسِيَ حَتَّى عَمِلَ عَمَلًا مُفْتَرَضًا عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ أَلْغَاهُ، وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ وَأَتَى بِذَلِكَ الْعَمَلِ كَمَا أُمِرَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ، مَا لَمْ تُنْتَقَضْ طَهَارَتُهُ؟ . فَلِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ سُقُوطِ مَا نَسِيَهُ الْمَرْءُ فِي صَلَاتِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ صَلَاتَهُ؟ ؛ وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] . وَلِمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ» بِأَنْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ؛ وَهَذَا قَدْ زَادَ فِي صَلَاتِهِ سَاهِيًا مَا لَوْ تَعَمَّدَهُ لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ أَعَادَهَا أَبَدًا مَتَى ذَكَرَ؟ فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» ، وَبَعْضُ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ عَلَيْهِ فَفَرْضٌ أَنْ يُصَلِّيَهَا، وَأَنْ يَأْتِيَ بِمَا نَسِيَ، وَبِمَا لَا يُجْزِئُ - إذَا مَا نَسِيَ - إلَّا بِهِ، مِنْ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ، أَوْ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى تَرْتِيبِهَا، إلَى أَنْ يُتِمَّ مَا نَسِيَ مِنْ صَلَاتِهِ إلَّا بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ إلَّا فِي مَكَان مِنْ صَلَاتِهِ لَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ، إلَى آخِرِ كَلَامِنَا؛ فَلِأَنَّهُ قَدْ وَفَّى جَمِيعَ أَعْمَالِ صَلَاتِهِ سَالِمَةً كَمَا أُمِرَ؛ وَكَانَتْ تِلْكَ الْأَعْمَالُ الزَّائِدَةَ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ جَائِزَةً دُونَهَا -: فَإِنَّهَا فِي جُمْلَةِ الصَّلَاةِ، وَفِي حَالٍ لَوْ تَعَمَّدَ فِيهَا مَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَكَانَ مِنْهُ فِيهَا مَا كَانَ نَاسِيًا فَزَادَ فِي صَلَاتِهِ
عَمَلًا بِالسَّهْوِ لَا يَجُوزُ لَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا سُجُودُ السَّهْوِ، كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَرُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْعَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ لِلْقَذَرِ الَّذِي كَانَ فِيهِمَا، وَعَنْ الْحَسَنِ إذَا رَأَيْت فِي ثَوْبِك قَذَرًا فَضَعْهُ عَنْك وَامْضِ فِي صَلَاتِك، وَقَدْ أَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: غَسْلَ الرُّعَافِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَأَمَّا الصَّلَاةُ بِالنَّجَاسَةِ: فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يُعِيدُ الْعَامِدُ لِذَلِكَ وَالنَّاسِي إلَّا فِي الْوَقْتِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَدَّى الصَّلَاةَ الَّتِي أُمِرَ بِهَا كَمَا أُمِرَ، أَوْ لَمْ يُؤَدِّهَا كَمَا أُمِرَ؛ فَإِنْ كَانَ أَدَّاهَا كَمَا أُمِرَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ظُهْرَيْنِ، وَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ صَلَاةً قَدْ صَلَّاهَا؟ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤَدِّهَا كَمَا أُمِرَ فَمِنْ قَوْلِهِ أَنْ يُصَلِّيَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ أَبَدًا؛ فَظَهَرَ بُطْلَانُ هَذَا الْقَوْلِ؟ . وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الَّتِي تَأْمُرُونَهُ بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِي الْوَقْتِ وَلَا تَأْمُرُونَهُ بِهَا بَعْدَ الْوَقْتِ: أَفَرْضٌ هِيَ عِنْدَكُمْ أَمْ نَافِلَةٌ؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ؟ وَبِأَيِّ نِيَّةٍ يُصَلِّيهَا؟ أَبِنِيَّةِ أَنَّهَا الْفَرْضُ اللَّازِمُ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَمْ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ؟ أَمْ بِلَا نِيَّةٍ، لَا لِفَرْضٍ وَلَا لِتَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: هِيَ فَرْضٌ وَلَا يُصَلِّيهَا إلَّا بِنِيَّةِ الْفَرْضِ؛ فَمِنْ أَصْلِكُمْ الَّذِي لَمْ تَخْتَلِفُوا فِيهِ: أَنَّ الْفَرْضَ يُصَلَّى أَبَدًا، وَلَا يَسْقُطُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فِيهِ، فَهَذَا تَنَاقُضٌ وَهَدْمٌ لِأَصْلِكُمْ. وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا وَتَأْمُرُونَهُ بِأَنْ يَدْخُلَ فِيهَا بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ فَإِنَّ التَّطَوُّعَ لَا يُجْزِئُ بَدَلَ الْفَرْضِ فِي الدُّنْيَا، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ تَرْكَ الْفَرْضِ وَيُصَلِّيَ التَّطَوُّعَ عِوَضًا مِنْ الْفَرْضِ؛ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَهُ بِذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ؛ بَلْ هُوَ خُرُوجُ الْكُفْرِ بِلَا شَكٍّ وَإِنْ قُلْتُمْ: لَا يُصَلِّيهَا بِنِيَّةِ فَرْضٍ وَلَا تَطَوُّعٍ؟ كَانَ هَذَا بَاطِلًا مُتَيَقَّنًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» فَهَذَا لَا عَمَلَ لَهُ، إذْ لَا نِيَّةَ لَهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ، فَقَدْ أَمَرْتُمُوهُ بِالْبَاطِلِ الَّذِي لَا يَحِلُّ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: يُعِيدُ أَبَدًا فِي الْعَمْدِ، وَالنِّسْيَانِ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا
اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ؛ وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَكَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ: - أَيْ نَجَاسَةٌ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَامِدًا كَانَ أَوْ نَاسِيًا؟ فَإِنْ كَانَتْ قَدْرَ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ فَأَقَلَّ؛ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ فِي الْعَمْدِ؛ وَالنِّسْيَانِ؟ فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ، وَكَانَتْ فِي مَوْضِعِ وَضْعِ يَدَيْهِ، أَوْ فِي مَوْضِعِ وَضْعِ رُكْبَتَيْهِ، أَوْ حِذَاءِ إبِطَيْهِ: فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ فِي الْعَمْدِ، وَالنِّسْيَانِ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ إذَا كَانَتْ فِي مَوْضِعِ وُقُوعِ جَبْهَتِهِ فِي السُّجُودِ. فَمَرَّةً قَالَ: صَلَاتُهُ تَامَّةٌ فِي الْعَمْدِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَرَّةً قَالَ: صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ فِي الْعَمْدِ، وَالنِّسْيَانِ؛ وَبِهِ يَقُولُ زُفَرُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ كَذَلِكَ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ: فَسَدَتْ تِلْكَ السَّجْدَةُ - وَحْدَهَا خَاصَّةً - وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْهَا؟ وَإِنْ سَجَدَهَا مَا دَامَ فِي صَلَاتِهِ تَمَّتْ صَلَاتُهُ - وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْهَا حَتَّى أَتَمَّ صَلَاتَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كُلُّهَا؟ وَكَانَتْ حُجَّتُهُمْ فِي هَذَا أَسْقَطَ مِنْ قَوْلِهِمْ؛ وَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ لَمْ يَضَعْ يَدَيْهِ وَلَا رُكْبَتَيْهِ فِي السُّجُودِ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ صَلَاتَهُ شَيْئًا بِخِلَافِ قَدَمَيْهِ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا احْتِجَاجٌ لِلْبَاطِلِ بِأَشْنَعَ مَا يَكُونُ مِنْ الْبَاطِلِ وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِخْفَافٌ بِالصَّلَاةِ، وَيَلْزَمُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِ أَنْ تَتِمَّ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْ جَبْهَتَهُ بِالْأَرْضِ لِغَيْرِ عُذْرٍ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَمَنْ صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ إلَّا أَنَّهَا فِي مَوْضِعٍ يُسَجِّيهِ، وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ جِسْمِهِ، فَإِنْ كَانَ إذَا تَحَرَّكَ فِي صَلَاتِهِ لِقِيَامٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ تَحَرَّكَتْ النَّجَاسَةُ -: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِلَّا فَلَا؟ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْمُصَلِّي الْمُبَطِّنُ بِمَنْزِلَةِ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، إنْ كَانَ فِي الْبَاطِنَةِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ غَيْرِ نَافِذَةٍ إلَى الْوَجْهِ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَبْطُلُ، وَهُمَا ثَوْبَانِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ أَقْوَالٌ يَنْبَغِي حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى السَّلَامَةِ مِنْهَا، وَلَا مَزِيدَ،
مسألة كان محبوسا في مكان فيه ما يلزمه اجتنابه لا يقدر على الزوال عنه
وَلَا سَلَفَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ثُمَّ الْعَجَبُ قَوْلُهُمْ لِمَنْ أَخَذَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِصِحَّةِ نَقْلِهِ وَبَيَانِهِ: قُولُوا لَنَا: مَنْ قَالَ بِهَذَا قَبْلَكُمْ؟ فَيَا لِلْمُسْلِمِينَ أَيُعَنَّفُ مَنْ أَخَذَ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، الَّتِي أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ طَاعَتِهِمَا، حَتَّى يَأْتِيَ بِاسْمِ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ؟ وَلَا يُعَنَّفُ مَنْ قَالَ بِرَأْيِهِ - مُبْتَدِئًا دُونَ مُوَافِقٍ مِنْ السَّلَفِ - مِثْلُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْفَاسِدَةِ الْمُتَنَاقِضَةِ؟ وَحَسْبُنَا اللَّهُ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ - وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى هِدَايَتِهِ لَنَا وَتَوْفِيقِهِ إيَّانَا؟ [مَسْأَلَةٌ كَانَ مَحْبُوسًا فِي مَكَان فِيهِ مَا يَلْزَمُهُ اجْتِنَابُهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الزَّوَالِ عَنْهُ] 345 - مَسْأَلَةٌ: فَمَنْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي مَكَان فِيهِ مَا يَلْزَمُهُ اجْتِنَابُهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الزَّوَالِ عَنْهُ، وَكَانَ مَغْلُوبًا لَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهِ عَنْ جَسَدِهِ، وَلَا عَنْ ثِيَابِهِ -: فَإِنَّهُ يُصَلِّي كَمَا هُوَ، وَتُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ. فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ أَوْ جُلُوسِهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى مَكَان غَيْرِهِ -: صَلَّى قَائِمًا وَجَلَسَ عَلَى أَقْرَبِ مَا يَقْدِرُ مِنْ الدُّنُوِّ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَلَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ يُقَرِّبُ: جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ أَكْثَرَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَضَعُهُمَا عَلَيْهِ، فَإِنْ جَلَسَ عَلَيْهِ، أَوْ سَجَدَ عَلَيْهِ مُتَعَمِّدًا - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ -: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَصَحَّ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ مَا لَا يَسْتَطِيعُ وَيَبْقَى عَلَيْهِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ عَنْ عَيْنِ النَّاظِرِ وَفِي الصَّلَاةِ جُمْلَةً] 346 - مَسْأَلَةٌ: وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ عَنْ عَيْنِ النَّاظِرِ، وَفِي الصَّلَاةِ جُمْلَةً، كَانَ هُنَالِكَ أَحَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30]- {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 31] . فَمَنْ أَبْدَى فَرْجَهُ لِغَيْرِ مَنْ أُبِيحَ لَهُ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى؟ وَقَالَ تَعَالَى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] فَاتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ؟ .
مسألة لم يجد ثوبا يستر عورته في الصلاة
[مَسْأَلَةٌ لَمْ يَجِدُ ثَوْبًا يستر عَوْرَته فِي الصَّلَاةِ] مَسْأَلَةٌ: وَإِنَّمَا هَذَا لِلْعَامِدِ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَجِدُ ثَوْبًا أُبِيحَ لَهُ الصَّلَاةُ بِهِ أَوْ أُكْرِهَ أَوْ نَسِيَ -: فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . وقَوْله تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] ؛ وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» إلَّا أَنَّ الْقَوْلَ فِي إلْغَاءِ مَا عَمِلَ مِنْ فَرَائِضِ صَلَاتِهِ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ نَاسِيًا، وَالْمَجِيءَ بِهَا كَمَا أُمِرَ، وَالْبِنَاءَ عَلَى مَا صَلَّى مُغَطَّى الْعَوْرَةِ، وَالسُّجُودَ لِلسَّهْوِ، وَجَوَازَ الصَّلَاةِ بِمَا صَلَّى كَذَلِكَ فِي حَالٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَوْ أَسْقَطَهَا تَمَّتْ صَلَاتُهُ، وَسُجُودَ السَّهْوِ لِذَلِكَ -: كَمَا قُلْنَا فِي الصَّلَاةِ: غَيْرُ مُجْتَنِبٍ لِمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْنَا اجْتِنَابُهُ، سَوَاءً سَوَاءً وَلَا فَرْقَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا هُنَالِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ ابْتَدَأَ التَّكْبِيرَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ أَوْ غَيْرَ مُجْتَنِبٍ لِمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ اجْتِنَابُهُ] 348 - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ ابْتَدَأَ التَّكْبِيرَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ أَوْ غَيْرَ مُجْتَنِبٍ لِمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ اجْتِنَابُهُ - عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا - فَلَا صَلَاةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّلَاةِ كَمَا أُمِرَ؛ وَلَا صَحَّ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ يَبْنِي عَلَيْهِ. وَلَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ تَقْدِيمُ مُؤَخَّرٍ قَبْلَ مَا هُوَ فِي الرُّتْبَةِ قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ؟ . [مَسْأَلَةٌ الْعَوْرَةُ الْمُفْتَرَضُ سَتْرُهَا عَلَى النَّاظِرِ وَفِي الصَّلَاةِ مِنْ الرَّجُلِ] 349 - مَسْأَلَةٌ: وَالْعَوْرَةُ الْمُفْتَرَضُ سَتْرُهَا عَلَى النَّاظِرِ وَفِي الصَّلَاةِ -: مِنْ الرَّجُلِ: الذَّكَرُ وَحَلْقَةُ الدُّبُرِ فَقَطْ؛ وَلَيْسَ الْفَخِذُ مِنْهُ عَوْرَةً وَهِيَ مِنْ الْمَرْأَةِ: جَمِيعُ جِسْمِهَا، حَاشَا الْوَجْهِ، وَالْكَفَّيْنِ فَقَطْ، الْحُرُّ، وَالْعَبْدُ، وَالْحُرَّةُ، وَالْأَمَةُ، سَوَاءٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَلَا فَرْقَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا ابْنُ الْحَجَّاجِ ثنا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ ثنا أَبِي ثنا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ ثنا أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ
الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: «أَقْبَلْتُ بِحَجَرٍ ثَقِيلٍ أَحْمِلُهُ وَعَلَيَّ إزَارٌ خَفِيفٌ، فَانْحَلَّ إزَارِي وَمَعِي الْحَجَرُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَمْنَعَهُ حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ إلَى مَوْضِعِهِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ارْجِعْ إلَى إزَارِكَ فَخُذْهُ، وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً» فَصَحَّ أَنَّ أَخْذَ الْإِزَارِ فَرْضٌ. وَأَمَّا الْفَخِذُ: فَإِنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ حَدَّثَنَا قَالَ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ هُوَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ. - ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ؛ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ؛ فَأَجْرَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ حَسَرَ الْإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ، حَتَّى إنِّي أَنْظُرُ إلَى بَيَاضِ فَخِذِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيثِ، قَالَ عَلِيٌّ: فَصَحَّ أَنَّ الْفَخِذَ لَيْسَتْ عَوْرَةً وَلَوْ كَانَتْ عَوْرَةً لَمَا كَشَفَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُطَهَّرِ الْمَعْصُومِ مِنْ النَّاسِ فِي حَالِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ؛ وَلَا أَرَاهَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَلَا غَيْرَهُ، وَهُوَ تَعَالَى قَدْ عَصَمَهُ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فِي حَالِ الصِّبَا وَقَبْلَ النُّبُوَّةِ كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرَبٍ ثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ثنا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ ثنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمْ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إزَارَكَ فَجَعَلْتَهُ عَلَى مَنْكِبِكَ دُونَ الْحِجَارَةِ قَالَ: فَحَلَّهُ وَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ؛ فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ عُرْيَانًا» . حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ
أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا بُنِيَتْ الْكَعْبَةُ - ذَهَبَ هُوَ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الْحِجَارَةَ فَقَالَ عَبَّاسٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْعَلْ إزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ مِنْ الْحِجَارَةِ فَفَعَلَ، فَخَرَّ إلَى الْأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ: إزَارِي إزَارِي فَشُدَّ عَلَيْهِ إزَارُهُ» . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَاجِ ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرَبٍ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - ثنا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَاءِ قَالَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الصَّامِتِ ضَرَبَ فَخِذِي وَقَالَ: إنِّي سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ فَضَرَبَ فَخِذِي كَمَا ضَرَبْت فَخِذَك، وَقَالَ: «إنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَأَلْتَنِي فَضَرَبَ فَخِذِي كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ، وَقَالَ: صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا؛ فَإِنْ أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ مَعَهُمْ فَصَلِّ، وَلَا تَقُلْ إنِّي قَدْ صَلَّيْتُ فَلَا أُصَلِّي» . فَلَوْ كَانَتْ الْفَخِذُ عَوْرَةً لَمَا مَسَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَبِي ذَرٍّ أَصْلًا بِيَدِهِ الْمُقَدَّسَةِ، وَلَوْ كَانَتْ الْفَخِذُ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ عَوْرَةً لَمَا ضَرَبَ عَلَيْهَا بِيَدِهِ: وَكَذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ. وَمَا يَسْتَحِلُّ مُسْلِمٌ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدِهِ عَلَى ذَكَرِ إنْسَانٍ عَلَى الثِّيَابِ، وَلَا عَلَى حَلْقَةِ دُبُرِ الْإِنْسَانِ عَلَى الثِّيَابِ، وَلَا عَلَى بَدَنِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عَلَى الثِّيَابِ أَلْبَتَّةَ وَقَدْ «مَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْقَوَدِ مِنْ الْكَسْعَةِ وَهِيَ ضَرْبُ الْأَلْيَتَيْنِ عَلَى الثِّيَابِ بِبَاطِنِ الْقَدَمِ، وَقَالَ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» . فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ الْحَجَرَ قَدْ جَمَحَ بِثِيَابِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَتَّى رَأَى بَنُو إسْرَائِيلَ أَنَّهُ لَيْسَ آدَرَ
قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي هَذَا، لِوَجْهَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنَا كَشْفُ الْعَوْرَاتِ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَفِي ذَلِكَ الْخَبَرِ نَفْسِهِ: أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانُوا يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، وَكَانَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَغْتَسِلُ فِي الْخَلَاءِ، وَلَمْ يَأْتِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَاهُمْ عَنْ الِاغْتِسَالِ عُرَاةً وَقَدْ يَسْتَتِرُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَيَاءً، كَمَا سَتَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاقَهُ حَيَاءً مِنْ عُثْمَانَ؛ وَلَيْسَتْ سَاقُ الرَّجُلِ عَوْرَةً عِنْدَ أَحَدٍ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّهُمْ رَأَوْا مِنْ مُوسَى: الذَّكَرَ - الَّذِي هُوَ عَوْرَةٌ - وَإِنَّمَا رَأَوْا مِنْهُ هَيْئَةً تَبَيَّنُوا بِهَا أَنَّهُ مُبَرَّأٌ مِمَّا قَالُوهُ مِنْ الْأُدْرَةِ؛ وَهَذَا يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ نَاظِرٍ بِلَا شَكٍّ بِغَيْرِ أَنْ يَرَى شَيْئًا مِنْ الذَّكَرِ، لَكِنْ بِأَنْ يَرَى مَا بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ خَالِيًا - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ فَإِنْ ذَكَرُوا الْأَخْبَارَ الْوَاهِيَةَ فِي أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ؛ فَهِيَ كُلُّهَا سَاقِطَةٌ. أَمَّا حَدِيثُ جُوَيْبِرٍ -: فَإِنَّهُ عَنْ ابْنِ جَوْهَرٍ؛ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَعَنْ مَجْهُولِينَ، وَمُنْقَطِعٌ وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - وَهُوَ صَحِيفَةٌ - قَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا لَا يَقُولُونَ بِهِ. مِثْلَ: رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَنَّ كُلَّ مُسْتَلْحَقٍ اُسْتُلْحِقَ بَعْدَ أَبِيهِ الَّذِي يُدْعَى لَهُ ادَّعَاهُ وَرَثَتُهُ: إنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ يَمْلِكُهَا يَوْمَ أَصَابَهَا: فَقَدْ لَحِقَ بِمَنْ اسْتَلْحَقَهُ؛ وَلَيْسَ لَهُ مِمَّا قُسِمَ قَبْلَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ، وَمَا أَدْرَكَ مِنْ مِيرَاثٍ لَمْ يُقْسَمْ فَلَهُ نَصِيبُهُ، وَلَا يَلْحَقُ إنْ كَانَ أَبُوهُ الَّذِي يُدْعَى لَهُ أَنْكَرَهُ» . وَمِثْلَ: رِوَايَتِهِ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ مُسْنَدًا وَذَكَرَ الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا «هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ» وَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَى عَنْ الْحِلَقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» .
وَلَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ أَمْرٌ فِي مَالِهَا إذَا هَلَكَ زَوْجُهَا فِي عِصْمَتِهَا وَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَضَى فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا بِثُلُثِ الدِّيَةِ» . وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا. وَفِي أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ مِنْ طَرِيقِ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ، فِيهِ: سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ، وَجَرِيرُ بْنُ قَطَنٍ؛ وَهُمْ مَجْهُولُونَ لَا يُعْرَفُ مَنْ هُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جَحْشٍ، فِيهِ أَبُو كَثِيرٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ، مُنْقَطِعٌ، رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، بَيْنَهُمَا مَنْ لَمْ يُسَمَّ وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ، وَرِوَايَةُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: بَيْنَهُمَا رَجُلٌ لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ إلَّا أَبُو خَالِدٍ، وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِيهَا أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِيهِ مَجْهُولُونَ لَا يُدْرَى مَنْ هُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا لَا شَيْءَ. وَحَتَّى لَوْ لَمْ يَأْتِ مِنْ الْآثَارِ الثَّابِتَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا شَيْءٌ لَمَا جَازَ أَنْ يَقْطَعَ عَلَى عُضْوٍ بِأَنَّهُ عَوْرَةٌ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ -: إلَّا بِبُرْهَانٍ، مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَاجِ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَنَّ أَبَاهُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: «كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنْ الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ أَنَّ حَمْزَةَ صَعَّدَ النَّظَرَ إلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ إلَى
سُرَّتِهِ.» وَذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيثِ. فَلَوْ كَانَتْ السُّرَّةُ عَوْرَةً لَمَا أَطْلَقَ اللَّهُ حَمْزَةَ وَلَا غَيْرَهُ عَلَى النَّظَرِ إلَيْهَا. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثنا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى وَرِكِهِ مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِهِ» . فَلَوْ كَانَ الْوَرِكُ عَوْرَةً مَا كَشَفَهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَى الْحَجَّامِ وَهَذَا إسْنَادٌ أَعْظَمُ آمَالِهِمْ أَنْ يَظْفَرُوا بِمِثْلِهِ لِأَنْفُسِهِمْ وَأَمَّا نَحْنُ فَغَانُونَ بِالصَّحِيحِ عَلَى مَا لَا نَرَاهُ حُجَّةً، وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ أَنْ نَحْتَجَّ فِي مَكَان بِمَا لَا نَرَاهُ حُجَّةً فِي كُلِّ مَكَان، تَعَصُّبًا لِلتَّقْلِيدِ؛ وَاسْتِهَانَةً بِالشَّرِيعَةِ، وَهَذَا الَّذِي قُلْنَا بِهِ هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ يُخْبِرُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: رَأَيْت أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَاقِفًا عَلَى قُزَحٍ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَصْبِحُوا، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إلَى فَخِذِهِ قَدْ انْكَشَفَ. وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ هُوَ الْحَجَبِيُّ ثنا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ثنا ابْنُ عَوْنٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنِسِ بْنِ مَالِكٍ: فَذَكَرَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فَقَالَ:
أَتَى أَنَسٌ إلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ وَقَدْ حَسَرَ عَنْ فَخِذَيْهِ وَهُوَ يَتَحَنَّطُ -: يَعْنِي مِنْ الْحَنُوطِ لِلْمَوْتِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَرَوَاهُ حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: دَخَلْت عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -: وَهُوَ مَحْمُومٌ وَقَدْ كَشَفَ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَذَكَرَ الْخَبَرَ فَهَؤُلَاءِ - أَبُو بَكْرٍ بِحَضْرَةِ أَهْلِ الْمَوْسِمِ -: وَثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، وَأَنَسٌ، وَغَيْرُهُمْ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ - وَبِهِ نَأْخُذُ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ} [النور: 31]- إلَى قَوْلِهِ -: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31] . فَأَمَرَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِالضَّرْبِ بِالْخِمَارِ عَلَى الْجُيُوبِ، وَهَذَا نَصٌّ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالْعُنُقِ، وَالصَّدْرِ. وَفِيهِ نَصٌّ عَلَى إبَاحَةِ كَشْفِ الْوَجْهِ؛ لَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ أَصْلًا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31] نَصٌّ عَلَى أَنَّ الرِّجْلَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ مِمَّا يُخْفَى وَلَا يَحِلُّ إبْدَاؤُهُ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ثنا هِشَامٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى: الْعَوَاتِقُ، وَالْحُيَّضُ، وَذَوَاتُ الْخُدُورِ. قَالَتْ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، إحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ قَالَ: لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا» .
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا أَمْرٌ بِلُبْسِهِنَّ الْجَلَابِيبَ لِلصَّلَاةِ وَالْجِلْبَابُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي خَاطَبْنَا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ مَا غَطَّى جَمِيعَ الْجِسْمِ، لَا بَعْضَهُ فَصَحَّ مَا قُلْنَا نَصًّا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ سُفْيَانَ هُوَ الثَّوْرِيُّ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ قَالَ: «سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَذْكُرُ أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خَطَبَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ؛ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَرَأَيْتُهُنَّ يُهَوِّينَ بِأَيْدِيهِنَّ يَقْذِفْنَهُ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ» . فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى أَيْدِيَهُنَّ؛ فَصَحَّ أَنَّ الْيَدَ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَالْوَجْهَ: لَيْسَا عَوْرَةً، وَمَا عَدَاهُمَا؛ فَفَرْضٌ عَلَيْهَا سَتْرُهُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ثنا أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ " فَأَخَذَ الْفَضْلُ يَلْتَفِتُ إلَيْهَا، وَكَانَتْ امْرَأَةً حَسْنَاءَ، وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَوِّلُ وَجْهَ الْفَضْلِ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ ". فَلَوْ كَانَ الْوَجْهُ عَوْرَةً يَلْزَمُ سَتْرُهُ لَمَا أَقَرَّهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى كَشْفِهِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَلَأَمَرَهَا أَنْ تُسْبِلَ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقٍ، وَلَوْ كَانَ وَجْهُهَا مُغَطًّى مَا عَرَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَحَسْنَاءُ هِيَ أَمْ شَوْهَاءُ فَصَحَّ كُلُّ مَا قُلْنَاهُ يَقِينًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فَدِينُ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدٌ، وَالْخِلْقَةُ وَالطَّبِيعَةُ وَاحِدَةٌ، كُلُّ
ذَلِكَ فِي الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ سَوَاءٌ، حَتَّى يَأْتِيَ نَصٌّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي شَيْءٍ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ، فَإِنْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ} [النور: 31] : يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى أَرَادَ الْحَرَائِرَ فَقُلْنَا: هَذَا هُوَ الْكَذِبُ بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّ الْبَعْلَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: السَّيِّدُ، وَالزَّوْجُ، وَأَيْضًا فَالْأَمَةُ قَدْ تَتَزَوَّجُ؛ وَمَا عَلِمْنَا قَطُّ أَنَّ الْإِمَاءَ لَا يَكُونُ لَهُنَّ: أَبْنَاءٌ، وَآبَاءٌ، وَأَخْوَالٌ، وَأَعْمَامٌ، كَمَا لِلْحَرَائِرِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ وَهَلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59] إلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ لِأَنَّ الْفُسَّاقَ كَانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِلنِّسَاءِ لِلْفِسْقِ؛ فَأَمَرَ الْحَرَائِرَ بِأَنْ يَلْبَسْنَ الْجَلَابِيبَ لِيَعْرِفَ الْفُسَّاقُ أَنَّهُنَّ حَرَائِرُ فَلَا يَعْتَرِضُوهُنَّ. قَالَ عَلِيٌّ: وَنَحْنُ نَبْرَأُ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ الْفَاسِدِ، الَّذِي هُوَ: إمَّا زَلَّةُ عَالِمٍ وَوَهْلَةُ فَاضِلٍ عَاقِلٍ؛ أَوْ افْتِرَاءُ كَاذِبٍ فَاسِقٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الْفُسَّاقَ عَلَى أَعْرَاضِ إمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذِهِ مُصِيبَةُ الْأَبَدِ، وَمَا اخْتَلَفَ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي أَنَّ تَحْرِيمَ الزِّنَى بِالْحُرَّةِ كَتَحْرِيمِهِ بِالْأَمَةِ؛ وَأَنَّ الْحَدَّ عَلَى الزَّانِي بِالْحُرَّةِ كَالْحَدِّ عَلَى الزَّانِي بِالْأَمَةِ وَلَا فَرْقَ، وَإِنَّ تَعَرُّضَ الْحُرَّةِ فِي التَّحْرِيمِ كَتَعَرُّضِ الْأَمَةِ وَلَا فَرْقَ، وَلِهَذَا وَشِبْهِهِ وَجَبَ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا بِأَنْ يُسْنِدَهُ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَارُودِ الْقَطَّانُ ثنا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ثنا قَتَادَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» .
قَالَ عَلِيٌّ: وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ: فِي كَمْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ. قَالَتْ: فِي الدِّرْعِ السَّابِغِ الَّذِي يُوَارِي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا وَفِي الْخِمَارِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أُمِّ ثَوْرٍ عَنْ زَوْجِهَا بِشْرٍ قَالَ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: فِي كَمْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ مِنْ الثِّيَابِ.؟ قَالَ: فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ مَكْحُولٍ عَمَّنْ سَأَلَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ: فِي كَمْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ مِنْ الثِّيَابِ؟ فَقَالَتْ لَهُ: سَلْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ثُمَّ ارْجِعْ إلَيَّ فَأَخْبِرْنِي فَأَتَى عَلِيًّا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: فِي الْخِمَارِ وَالدِّرْعِ السَّابِغِ، فَرَجَعَ إلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرَهَا. فَقَالَتْ: صَدَقَ. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ أَنَا قَابُوسُ بْنُ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ جَارِيَةً كَانَتْ تَخْرُجُ عَلَى عَهْدِ عَائِشَةَ بَعْدَمَا تَحَرَّكَ ثَدْيَاهَا؛ فَقِيلَ لِعَائِشَةَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَتْ: إنَّهَا لَمْ تَحِضْ بَعْدُ فَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَرَادُوا الْحَرَائِرَ دُونَ الْإِمَاءِ: كَانَ كَاذِبًا وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ فَرْقٌ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: بَلْ أَرَادُوا إلَّا الْقُرَشِيَّاتِ خَاصَّةً، أَوْ الْمُضَرِيَّاتِ خَاصَّةً؛ أَوْ الْعَرَبِيَّاتِ خَاصَّةً، وَكُلُّ ذَلِكَ كَذِبٌ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُثَنَّى ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ ثنا خُصَيْفٌ سَمِعْت مُجَاهِدًا يَقُولُ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ صَلَّتْ وَلَمْ تُغَطِّ شَعْرَهَا لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ لَهَا صَلَاةً.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُثَنَّى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: تنع الْأَمَةُ رَأْسَهَا فِي الصَّلَاةِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ: إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ تُقْبَلْ لَهَا صَلَاةٌ حَتَّى تَخْتَمِرَ، وَتُوَارِيَ رَأْسَهَا. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: إذَا صَلَّتْ الْأَمَةُ غَطَّتْ رَأْسَهَا وَغَيَّبَتْهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ خِمَارٍ، وَكَذَلِكَ كُنَّ يَضَعْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَكَانَ الْحَسَنُ يَأْمُرُ الْأَمَةَ إذْ تَزَوَّجَتْ عَبْدًا أَوْ حُرًّا أَنْ تَخْتَمِرَ: قَالَ عَلِيٌّ: لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي خِلَافِ هَذَا وَعَنْ غَيْرِهِ، وَلَكِنْ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِذَا تَنَازَعَ السَّلَفُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَجَبَ الرَّدُّ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّدَّ إلَيْهِ: مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ؛ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا فِي السُّنَّةِ: فَرْقٌ فِي الصَّلَاةِ بَيْنَ حُرَّةٍ وَلَا أَمَةٍ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ لَا يُبَالُونَ بِخِلَافِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: حَيْثُ لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ، وَحَيْثُ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَحَيْثُ مَعَهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ: إذَا خَالَفَهُ رَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ -: كَقَضَائِهِ فِي الْأَرْنَبِ يَقْتُلُهَا الْمُحْرِمُ بِعَنَاقٍ، وَفِي الضَّبِّ بِجَدْيٍ. وَكَقَوْلِهِ: كُلُّ نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَلَا صَدَاقَ فِيهِ. وَقَوْلِهِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ - إلَى مِئِينَ مِنْ الْقَضَايَا، فَإِذَا وَافَقَ مَا رُوِيَ عَنْهُ رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ: صَارَ حِينَئِذٍ حُجَّةً لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، وَإِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ وَإِنْ خَالَفُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الَّذِي عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي خُرُوجِهِنَّ لَا فِي الصَّلَاةِ؛ فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ بِعُمَرَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: إنْ صَلَّتْ أُمُّ الْوَلَدِ بِلَا خِمَارٍ أَعَادَتْ فِي الْوَقْتِ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31]
قَالَ: الْكَفُّ، وَالْخَاتَمُ، وَالْوَجْهُ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: الْوَجْهُ، وَالْكَفَّانِ، وَعَنْ أَنَسٍ: الْكَفُّ، وَالْخَاتَمُ وَكُلُّ هَذَا عَنْهُمْ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا مِنْ التَّابِعِينَ قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ قَالُوا: قَدْ جَاءَ الْفَرْقُ فِي الْحُدُودِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَبَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ؛ فَلِمَ سَاوَيْتُمْ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِيمَا هُوَ مِنْهُمَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ، وَفَرَّقْتُمْ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فِيمَا هُوَ مِنْهُمَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ وَالنَّصُّ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَمَةِ كَوُجُوبِهَا عَلَى الْحُرَّةِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهَا، مِنْ الطَّهَارَةِ، وَالْقِبْلَةِ، وَعَدَدِ الرُّكُوعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَكُمْ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْعَوْرَةِ وَهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، وَهَذَا مِقْدَارُ قِيَاسِهِمْ، الَّذِي لَا شَيْءَ أَسْقَطَ مِنْهُ وَلَا أَشَدَّ تَخَاذُلًا، فَلَا النَّصَّ اتَّبَعُوا وَلَا الْقِيَاسَ عَرَفُوا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ فَرَّقْتُمْ أَنْتُمْ بَيْنَ مَنْ اُضْطُرَّ الْمَرْءُ إلَيْهِ بِعَدَمٍ أَوْ إكْرَاهٍ فِي الصَّلَاةِ مَكْشُوفِ الْعَوْرَةِ، وَفِي مَكَان فِيهِ مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ اجْتِنَابُهُ، أَوْ فِي ثِيَابِهِ، أَوْ فِي جَسَدِهِ؛ فَأَجَزْتُمْ صَلَاتَهُ كَذَلِكَ -: وَبَيْنَ صَلَاتِهِ كَذَلِكَ نَاسِيًا فَلِمَ تُجِيزُوهَا. قُلْنَا: نَعَمْ، فَإِنَّ النُّصُوصَ قَدْ جَاءَتْ بِأَنَّ كُلَّ مَا نَسِيَهُ الْمَرْءُ مِنْ أَعْمَالِ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ لَا تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ دُونَهَا؛ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ إتْيَانِهَا؛ كَمَنْ نَسِيَ الطَّهَارَةَ، أَوْ التَّكْبِيرَ، أَوْ الْقِيَامَ؛ أَوْ السُّجُودَ، أَوْ الرُّكُوعَ، أَوْ الْجُلُوسَ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ نَسِيَ فَعَوَّضَ الْقُعُودَ مَكَانَ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ الْقِيَامَ مَكَانَ الْقُعُودِ، أَوْ الرُّكُوعَ مَكَانَ السُّجُودِ -: فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ. وَقَدْ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا» ؛ وَبَعْضُ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ بِلَا خِلَافٍ؛ فَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِمَا كَمَا أَمَرَ نَاسِيًا فَقَدْ نَسِيَ مِنْ صَلَاتِهِ جُزْءًا وَأَتَى بِمَا لَيْسَ صَلَاةً، إذْ صَلَّى بِخِلَافِ مَا أَمَرَ؛ فَمِنْ هَهُنَا أَوْجَبْنَا عَلَى النَّاسِي أَنْ يَأْتِيَ بِمَا نَسِيَ كَمَا أَمَرَ وَأَجَزْنَا صَلَاتَهُ كَذَلِكَ فِي الْإِكْرَاهِ بِغَلَبَةٍ أَوْ عَدَمٍ؛ لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ بِجَوَازِ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا فِي عَدَمِ الْقُوَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَأَعْلَمَهُ أَنَّ فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا؛ فَخَلَعَهُمَا وَتَمَادَى فِي صَلَاتِهِ» . قُلْنَا: نَعَمْ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ حِينَ أَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَكَانَ ابْتِدَاؤُهُ الصَّلَاةَ كَذَلِكَ جَائِزًا، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي آخِرِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ إذْ سَلِمَ كَلَامًا مَعْنَاهُ: «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَلْيَنْظُرْ نَعْلَيْهِ - أَوْ قَالَ خُفَّيْهِ - فَإِنْ رَأَى فِيهَا شَيْئًا فَلْيَحُكَّهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» وَكَانَ هَذَا الْحُكْمُ وَارِدًا بَعْدَ تِلْكَ الصَّلَاةِ. فَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يَتَأَمَّلْ نَعْلَيْهِ، أَوْ خُفَّيْهِ، وَكَانَ فِيهِمَا أَذًى فَقَدْ صَلَّى بِخِلَافِ مَا أَمَرَ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْعَوْرَةُ تَخْتَلِفُ؛ فَهِيَ مِنْ الرِّجَالِ: مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ وَالرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ، وَالسُّرَّةُ لَيْسَتْ عَوْرَةٌ. وَهِيَ مِنْ الْحُرَّةِ: جَمِيعُ جَسَدِهَا، حَاشَا الْوَجْهَ، وَالْكَفَّيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ. وَهِيَ مِنْ الْأَمَةِ كَالرَّجُلِ سَوَاءً سَوَاءً؛ فَتُصَلِّي الْأَمَةُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبَّرَةُ: عِنْدَهُمْ عُرْيَانَةَ الرَّأْسِ، وَالْجَسَدِ كُلِّهِ، حَاشَا مِئْزَرًا يَسْتُرُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا فَقَطْ، لَا كَرَاهَةَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَأَحْكَامُ الْعَوْرَاتِ تَخْتَلِفُ؛ فَإِذَا انْكَشَفَ مِنْ الرَّجُلِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ مِنْ ذَكَرِهِ؛ أَوْ مِنْ الْمَرْأَةِ مِنْ فَرْجِهَا، فِي حَالِ اسْتِقْبَالِهِمَا الِافْتِتَاحَ لِلصَّلَاةِ؛ أَوْ فِي حَالِ اسْتِقْبَالِهِمَا الرُّكُوعَ؛ أَوْ فِي حَالِ اسْتِقْبَالِهِمَا الْقِيَامَ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُمَا، فَإِنْ انْكَشَفَ هَذَا الْمِقْدَارُ مِنْ ذَكَرِهِ، أَوْ مِنْ فَرْجِهَا، فِي حَالِ الْقِيَامِ، أَوْ فِي حَالِ الرُّكُوعِ، أَوْ فِي حَالِ السُّجُودِ، فَسَتَرَا ذَلِكَ حِينَ انْكِشَافِهِ -: لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ صَلَاتَهُمَا شَيْئًا. فَإِنْ انْكَشَفَ مِنْ ذَكَرِهِ، أَوْ مِنْ فَرْجِهَا، فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا قَدْرُ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ فَأَقَلُّ: لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ صَلَاتَهُمَا شَيْئًا. طَالَ ذَلِكَ أَمْ قَصُرَ.
فَإِنْ انْكَشَفَ مِنْ فَخِذِ الرَّجُلِ، أَوْ الْأَمَةِ، أَوْ الْحُرَّةِ، أَوْ مَقَاعِدِهِمَا، أَوْ وَرِكَيْهِمَا، أَوْ مِنْ جَمِيعِ أَعْضَاءِ الْحُرَّةِ: الصَّدْرِ، أَوْ الْبَطْنِ، أَوْ الظَّهْرِ، أَوْ الشَّعْرِ، أَوْ الْعُنُقِ -: مِقْدَارُ رُبْعِ الْعُضْوِ فَأَكْثَرُ -: بَطَلَتْ الصَّلَاةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. فَإِنْ انْكَشَفَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ الرُّبْعِ لَمْ يَضُرَّ الصَّلَاةَ شَيْئًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ إلَّا أَنْ يَنْكَشِفَ مِمَّا عَدَا الْفَرْجِ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْعُضْوِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فَإِنْ أُعْتِقَتْ أَمَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَأْخُذُ قِنَاعَهَا وَتَسْتَتِرُ، وَتَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهَا، فَإِنْ بَدَأَ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ عُرْيَانًا لِضَرُورَةٍ ثُمَّ وَجَدَ ثَوْبًا فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ؛ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَبْتَدِئَهَا وَلَا بُدَّ، وَسَوَاءٌ كَانَ وُجُودُهُ الثَّوْبَ فِي أَوَّلِ صَلَاتِهِ أَوْ فِي آخِرِهَا، وَلَوْ قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ، مَا لَمْ يُسَلِّمْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ أَحْدَثَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَصَارَ وُجُوبُ الثَّوْبِ أَعْظَمَ عِنْدَهُ مِنْ الْبَوْلِ أَوْ الْغَائِطِ، قَالَ: فَلَوْ زَحَمَ الْمَأْمُومُ حَتَّى وَقَعَ إزَارُهُ وَبَدَا فَرْجُهُ كُلُّهُ فَبَقِيَ وَاقِفًا كَمَا هُوَ حَتَّى تَمَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ -: فَصَلَاةُ ذَلِكَ الْمَأْمُومِ تَامَّةٌ، فَلَوْ رَكَعَ بِرُكُوعِ الْإِمَامِ أَوْ سَجَدَ بِسُجُودِهِ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، قَالَ عَلِيٌّ: فَهَلْ لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ دَوَاءٌ أَوْ مُعَارَضَةٌ إلَّا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى السَّلَامَةِ مِنْهَا؟ وَهَلْ يُحْصَى مَا فِيهَا مِنْ التَّخْلِيطِ إلَّا بِكُلْفَةٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: الْأَمَةُ عَوْرَةٌ كَالْحُرَّةِ؛ حَاشَا شَعْرَهَا فَقَطْ؛ فَلَيْسَ عَوْرَةً؛ فَإِنْ انْكَشَفَ شَعْرُ الْحُرَّةِ أَوْ صَدْرُهَا أَوْ سَاقُهَا فِي الصَّلَاةِ لَمْ تُعِدْ إلَّا فِي الْوَقْتِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا نَدْرِي قَوْلَهُ فِي الْفَرْجِ؛ وَمَا نَرَاهُ يَرَى الْإِعَادَةَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا فِي الْوَقْتِ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ إفْسَادُنَا لِقَوْلِهِ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا؛ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ نِسْيَانٍ وَعَمْدٍ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ انْكَشَفَ مِنْ عَوْرَةِ الرَّجُلِ - وَهِيَ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ - أَوْ عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ - وَهُوَ جَمِيعُ جَسَدِ الْحُرَّةِ، وَالْأَمَةِ، حَاشَا شَعْرَ الْأَمَةِ وَوَجْهَهَا، وَوَجْهَ الْحُرَّةِ
مسألة صلاة العراة
وَكَفَّيْهَا، وَكَفَّيْ الْأَمَةِ -: شَيْءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ؛ فَإِنْ سُتِرَ فِي الْوَقْتِ لَمْ يَضُرَّ شَيْئًا وَالصَّلَاةُ تَامَّةٌ؛ وَإِنْ بَقِيَ مِقْدَارَ مَا - قَلَّ أَوْ كَثُرَ - وَلَمْ يُغَطِّ: بَطَلَتْ الصَّلَاةُ - النِّسْيَانُ وَالْعَمْدُ سَوَاءٌ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا تَقْسِيمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: النِّسْيَانُ فِي ذَلِكَ مَرْفُوعٌ؛ فَإِنْ انْكَشَفَ شَيْءٌ مِنْ الْعَوْرَةِ عَمْدًا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ. [مَسْأَلَةٌ صَلَاة الْعُرَاة] 350 - مَسْأَلَةٌ: وَالْعُرَاةُ بِعَطَبٍ، أَوْ سَلْبٍ، أَوْ فَقْرٍ: يُصَلُّونَ كَمَا هُمْ فِي جَمَاعَةٍ فِي صَفٍّ خَلْفَ إمَامِهِمْ، يَرْكَعُونَ، وَيَسْجُدُونَ، وَيَقُومُونَ، وَيَغُضُّونَ أَبْصَارَهُمْ. وَمَنْ تَعَمَّدَ فِي صَلَاتِهِ؛ تَأَمُّلَ عَوْرَةِ رَجُلٍ، أَوْ امْرَأَةٍ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ فَإِنْ تَأَمَّلَهَا نَاسِيًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَلَزِمَهُ سُجُودُ السَّهْوِ. فَإِنْ تَأَمَّلَ عَوْرَةَ امْرَأَتِهِ، فَإِنْ تَرَكَ الْإِقْبَالَ عَلَى صَلَاتِهِ عَامِدًا لِذَلِكَ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِسَائِرِ الْأَشْيَاءِ وَلَا فَرْقَ؛ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ لِذَلِكَ الْإِقْبَالَ عَلَى صَلَاتِهِ: فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وقَوْله تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] . فَإِذْ هُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ: فَهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالصَّلَاةِ كَمَا يَقْدِرُونَ، وَبِالْإِمَامَةِ فِيهَا فِي جَمَاعَةٍ؛ فَسَقَطَ عَنْهُمْ مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، وَمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ، وَبَقِيَ عَلَيْهِمْ مَا يَسْتَطِيعُونَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . وَأَمَّا مَنْ تَأَمَّلَ فِي صَلَاتِهِ عَوْرَةً - لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا -: فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِيهَا عَمَلًا لَا يَحِلُّ لَهُ؛ فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ، وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ فَلَمْ يَأْتِ بِالصَّلَاةِ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَاسِيًا فَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي صَلَاتِهِ نِسْيَانًا مَا لَوْ عَمَدَهُ لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَأَمَّا إذَا تَأَمَّلَ عَوْرَةً أُبِيحَ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وُقُوعِ النَّظَرِ عَلَى بَعْضِهَا فِي الصَّلَاةِ؛ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُبَاحٍ وَمُبَاحٍ. فَإِنْ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ صَلَاتِهِ عَمْدًا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُصَلِّي الْعُرَاةُ فُرَادَى قُعُودًا يُومِئُونَ لِلسُّجُودِ وَالرُّكُوعِ فَإِنْ صَلَّوْا جَمَاعَةً أَجْزَأَهُمْ إلَّا أَنَّهُمْ يَقْعُدُونَ وَيَقْعُدُ الْإِمَامُ فِي وَسَطِهِمْ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِقَوْلِهِ: أَنَّهُمْ إنْ صَلَّوْا قِيَامًا أَجْزَأَهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُصَلُّونَ فُرَادَى، يَتَبَاعَدُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ قِيَامًا، فَإِنْ كَانُوا فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ صَلَّوْا فِي جَمَاعَةٍ قِيَامًا، يَقِفُ إمَامُهُمْ أَمَامَهُمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصَلِّي الْعُرَاةُ فُرَادَى، أَوْ جَمَاعَةً قِيَامًا يَرْكَعُونَ وَيَسْجُدُونَ وَيَقُومُ إمَامُهُمْ وَسَطَهُمْ، وَيَغُضُّونَ أَبْصَارَهُمْ؛ وَيَصْرِفُ الرِّجَالُ وُجُوهَهُمْ عَنْ النِّسَاءِ، وَالنِّسَاءُ وُجُوهَهُنَّ عَنْ الرِّجَالِ، وَلَا إعَادَةَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ: يُصَلُّونَ قِيَامًا يَرْكَعُونَ وَيَسْجُدُونَ، وَلَا يُجْزِيهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ - وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ كَقَوْلِنَا. قَالَ عَلِيٌّ: قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَالٌ لَمْ تَخْلُ مِنْ إسْقَاطِ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً وَهَذَا لَا يَجُوزُ. أَوْ مِنْ إسْقَاطِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهَذَا بَاطِلٌ. أَوْ مِنْ إسْقَاطِ حَقِّ الْإِمَامِ فِي تَقَدُّمِهِ؛ وَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَغَضُّ الْبَصَرِ يَسْقُطُ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ فِي هَذِهِ الْفُتْيَا. وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَكْثَرُهَا تَنَاقُضًا. وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ بِكُلِّ ذَلِكَ لَا يُوَارُونَ جَمِيعَ عَوْرَاتِهِمْ مِنْ الْأَفْخَاذِ وَغَيْرِهَا، فَكَيْفَ وَالنَّصُّ قَدْ وَرَدَ بِمَا قُلْنَا.
مسألة استقبال جهة الكعبة بالوجه والجسد فرض على المصلي حاشا المتطوع
حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنَ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ ثنا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو هُوَ الرَّقِّيُّ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، إذَا سَجَدْتُنَّ فَاحْفَظُوا أَبْصَارَكُمْ، لَا تَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ؛ مِنْ ضِيقِ الْأُزُرِ» . قَالَ عَلِيٌّ: هَكَذَا فِي كِتَابِي عَنْ حُمَامٍ، وَبِاَللَّهِ مَا لَحَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْلَا أَنَّ مُمْكِنًا أَنْ يُخَاطِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النِّسَاءَ وَمَنْ مَعَهُنَّ مِنْ صِغَارِ أَوْلَادِهِنَّ لَمَا كَتَبْنَاهُ إلَّا " فَاخْفِضْنَ أَبْصَارَكُنَّ ". فَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْفُقَرَاءَ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا يُصَلُّونَ بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مِنْ اللِّبَاسِ مَا يُوَارِي عَوْرَتَهُمْ، وَلَا يَتْرُكُونَ الْقُعُودَ وَلَا الرُّكُوعَ وَلَا السُّجُودَ؛ إلَّا أَنَّ الْأَمْرَ بِغَضِّ الْبَصَرِ لَازِمٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ اسْتِقْبَالُ جِهَةِ الْكَعْبَةِ بِالْوَجْهِ وَالْجَسَدِ فَرْضٌ عَلَى الْمُصَلِّي حَاشَا الْمُتَطَوِّعَ] 351 - مَسْأَلَةٌ: وَاسْتِقْبَالُ جِهَةِ الْكَعْبَةِ بِالْوَجْهِ وَالْجَسَدِ فَرْضٌ عَلَى الْمُصَلِّي حَاشَا الْمُتَطَوِّعَ رَاكِبًا، فَمَنْ كَانَ مَغْلُوبًا بِمَرَضٍ أَوْ بِجَهْدٍ أَوْ بِخَوْفٍ أَوْ بِإِكْرَاهٍ فَتُجْزِيهِ صَلَاتُهُ كَمَا يَقْدِرُ؛ وَيَنْوِي فِي كُلِّ ذَلِكَ التَّوَجُّهَ إلَى الْكَعْبَةِ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْله تَعَالَى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] . وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فِي الْمَبْدَأِ: إنَّمَا هُوَ الْبَيْتُ فَقَطْ؛ ثُمَّ زِيدَ فِيهِ الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ امْرَءًا لَوْ كَانَ بِمَكَّةَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ فِي صَلَاتِهِ -: فَصَرَفَ وَجْهَهُ عَامِدًا عَنْهَا إلَى أَبْعَاضِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ خَارِجِهِ أَوْ مِنْ دَاخِلِهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلٌ، وَأَنَّهُ إنْ اسْتَجَازَ ذَلِكَ: كَافِرٌ - وَقَدْ ذَكَرْنَا التَّطَوُّعَ عَلَى الدَّابَّةِ قَبْلُ
مسألة الجاهل بالقبلة يصدق من أخبره من أهل المعرفة
وَأَمَّا الْمَرِيضُ وَالْجَاهِلُ وَالْخَائِفُ وَالْمُكْرَهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ.» [مَسْأَلَةٌ الْجَاهِل بِالْقِبْلَةِ يُصَدِّق مَنْ أَخْبَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ] 352 - مَسْأَلَةٌ: وَيَلْزَمُ الْجَاهِلَ أَنْ يُصَدِّقَ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ مَنْ أَخْبَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ إذَا كَانَ يَعْرِفُهُ بِالصِّدْقِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا سَبِيلَ لِمَنْ غَابَ عَنْ مَوْضِعِ الْقِبْلَةِ إلَى مَعْرِفَةِ جِهَتِهَا إلَّا بِالْخَبَرِ؛ وَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ. نَعَمْ، وَمَنْ كَانَ حَاضِرًا فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْكَعْبَةُ إلَّا بِالْخَبَرِ وَلَا بُدَّ؛ وَهَذَا مِنْ الشَّرِيعَةِ الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَا الْبُرْهَانَ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِيهَا. [مَسْأَلَةٌ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى مَعْرِفَةِ جِهَتِهَا] 353 - مَسْأَلَةٌ: فَمَنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى مَعْرِفَةِ جِهَتِهَا - عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا - بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَيُعِيدُ مَا كَانَ فِي الْوَقْتِ، إنْ كَانَ عَامِدًا، وَيُعِيدُ أَبَدًا إنْ كَانَ نَاسِيًا بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ هَذَيْنِ مُخَاطَبَانِ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الصَّلَاةِ؛ فَصَلَّيَا بِخِلَافِ مَا أُمِرَا بِهِ، وَلَا يُجْزِئُ مَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَمَّا أَمَرَ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا الْحُجَّةَ فِي أَمْرِ النَّاسِي قَبْلُ فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ: حَدِيثَ أَهْلِ قُبَاءَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَأَنَّهُمْ ابْتَدَءُوا الصَّلَاةَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَتَاهُمْ الْخَبَرُ: بِأَنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إلَى الْكَعْبَةِ فَاسْتَدَارُوا - كَمَا كَانُوا فِي صَلَاتِهِمْ - إلَى الْكَعْبَةِ، وَاجْتَزَءُوا بِمَا صَلَّوْا إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا. قُلْنَا: هَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَيْنَا؛ وَلَا نُخَالِفُهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ -: أَوَّلُ ذَلِكَ - أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ ذَلِكَ فَأَقَرَّهُ، وَلَا حُجَّةَ إلَّا فِي الْقُرْآنِ، أَوْ فِي كَلَامِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. أَوْ فِي عَمَلِهِ أَوْ فِيمَا عَلِمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ عَمَلِ غَيْرِهِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَإِنَّمَا الْعَجَبُ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ الَّذِينَ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ؛ ثُمَّ قَدْ خَالَفُوا هَهُنَا عَمَلَ طَائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ
قَالَ عَلِيٌّ: أَهْلُ قُبَاءَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانَ الْفَرْضُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ فَلَوْ أَنَّهُمْ صَلَّوْا إلَى الْكَعْبَةِ: لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ بِلَا خِلَافٍ. وَلَا تَلْزَمُ الشَّرِيعَةُ إلَّا مَنْ بَلَغَتْهُ، لَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19] . وَلَا شَكَّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَلَا الْمَلَائِكَةِ: أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، أَوْ بِمَكَّةَ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَإِنَّهُمْ تَمَادَوْا عَلَى الصَّلَاةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُدَّةً طَوِيلَةً -: أَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ فَأَيَّامًا كَثِيرَةً بَعْدَ نُزُولِ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ. وَأَمَّا مَنْ بِالْحَبَشَةِ: فَلَعَلَّهُمْ صَلَّوْا عَامًا أَوْ أَعْوَامًا حَتَّى بَلَغَهُمْ تَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ؛ فَحِينَئِذٍ لَزِمَهُمْ الْفَرْضُ، لَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا لَزِمَ أَهْلَ قُبَاءَ التَّحَوُّلُ حِينَ بَلَغَهُمْ لَا قَبْلَ ذَلِكَ فَانْتَقَلُوا عَنْ فَرْضِهِمْ إلَى فَرْضٍ نَاسِخٍ لَمَا كَانُوا عَلَيْهِ؛ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَنْ بَلَغَهُ فَرْضُ تَحْوِيلِ الْكَعْبَةِ وَعِلْمِهِ وَكَانَ مُخَاطَبًا بِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ تَكْلِيفُهُ عَنْهُ لِعُذْرٍ مَانِعٍ -: فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ فَلَمْ يُصَلِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ صَلَّى فِي غَيْرِ مَكَّةَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مُجْتَهِدًا وَلَمْ يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ. فَإِنْ صَلَّى فِي ظُلْمَةٍ مُتَحَرِّيًا وَلَمْ يَسْأَلْ مَنْ بِحَضْرَتِهِ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ: أَعَادَ - وَهُوَ فَرْقٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ نَوْعٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ، وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ؛ فَإِنْ كَانَ مُسْتَدْبِرًا لَهَا: أَعَادَ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ: قَطَعَ وَابْتَدَأَ. وَإِنْ كَانَ مُنْحَرِفًا إلَى شَرْقٍ أَوْ غَرْبٍ: لَمْ يُعِدْ، وَبَنَى عَلَى مَا صَلَّى وَانْحَرَفَ وَهَذَا فَرْقٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي تَعَمُّدِ الِانْحِرَافِ عَنْ الْقِبْلَةِ أَنَّهُ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ، وَكَبِيرَةٌ مِنْ الْكَبَائِرِ كَالِاسْتِدْبَارِ لَهَا وَلَا فَرْقَ، وَأَهْلُ قُبَاءَ كَانُوا مُسْتَدْبِرِينَ إلَى الْقِبْلَةِ.
وَلَا نَعْلَمُ هَذَا التَّفْرِيقَ - الَّذِي فَرَّقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ -: عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ وَالْمَحْبُوسُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالْأَعْمَى الَّذِي لَا دَلِيلَ لَهُ -: يُصَلُّونَ إلَى أَيِّ جِهَةٍ أَمْكَنَهُمْ، وَيُعِيدُونَ إذَا قَدَرُوا عَلَى مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُمْ بِصَلَاةٍ تُجْزِئُ عَنْهُمْ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِهَا أَوْ أَمَرَهُمْ بِصَلَاةٍ لَا تُجْزِئُ عَنْهُمْ، وَلَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ -: فَإِنْ كَانَ أَمَرَهُمْ بِصَلَاةِ تُجْزِئُ عَنْهُمْ، وَبِاَلَّتِي أَمَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا؛ فَلِأَيِّ مَعْنًى يُصَلُّونَهَا ثَانِيَةً، وَإِنْ كَانَ أَمَرَهُمْ بِصَلَاةٍ لَا تُجْزِئُ عَنْهُمْ، وَلَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا؛ فَهَذَا أَمْرٌ فَاسِدٌ، وَلَا يَحِلُّ لِآمِرِهِ الْأَمْرُ بِهِ، وَلَا لِلْمَأْمُورِ بِهِ الِائْتِمَارُ بِهِ، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: تُجْزِئُهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَيَبْنُونَ إذَا عَرَفُوا وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ آنِفًا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ، قَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةَ فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا حِيَالَهُ، فَأَصْبَحْنَا: فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] .» وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَصَابَتْنَا ظُلْمَةٌ فَلَمْ نَعْرِفْ الْقِبْلَةَ فَذَكَرَ: أَنَّهُمْ خَطُّوا خُطُوطَهُمْ فِي جِهَاتِ اخْتِلَافِهِمْ؛ فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَصَبْنَا تِلْكَ الْخُطُوطَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] » فَإِنَّ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ لَا يَصِحَّانِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ لَمْ يَرْوِهِ إلَّا عَاصِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ
مسألة النية في الصلاة
وَلَمْ يَرْوِ حَدِيثَ جَابِرٍ إلَّا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَرْزَمِيُّ عَنْ عَطَاءٍ -، وَعَاصِمٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ سَاقِطَانِ. ثُمَّ لَوْ صَحَّا لَكَانَا حُجَّةً لَنَا؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ جَهِلُوا، وَصَلَاةُ الْجَاهِلِ تَامَّةٌ؛ وَلَيْسَ النَّاسِي كَذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ النِّيَّةُ فِي الصَّلَاةِ] 354 - مَسْأَلَةٌ: وَالنِّيَّةُ فِي الصَّلَاةِ فَرْضٌ -: إنْ كَانَتْ فَرِيضَةً: نَوَاهَا بِاسْمِهَا وَإِلَى الْكَعْبَةِ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالتَّكْبِيرِ، مُتَّصِلَةً بِنِيَّةِ الْإِحْرَامِ، لَا فَصْلَ بَيْنَهُمَا أَصْلًا، وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا نَوَى كَذَلِكَ: أَنَّهَا تَطَوُّعٌ؛ فَمَنْ لَمْ يَنْوِ كَذَلِكَ فَلَا صَلَاةَ لَهُ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ قَبْلُ. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] . وَالصَّلَاةُ عِبَادَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى. لَوْ جَازَ أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَ النِّيَّةِ وَبَيْنَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ - وَلَوْ دَقِيقَةً أَوْ قَدْرَ اللَّحْظَةِ - لَجَازَ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَبِأَكْثَرَ، حَتَّى يَجُوزَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ، وَهَذَا بَاطِلٌ أَوْ يَحُدُّ الْمُخَالِفُ حَدًّا بِرَأْيِهِ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوْ جَازَ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مَعَ التَّكْبِيرِ غَيْرَ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَيْهِ لَكَانَ أَوَّلُ جُزْءٍ مِنْ الدُّخُولِ فِيهَا بِلَا نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى النِّيَّةِ: الْقَصْدُ إلَى الْعَمَلِ؛ وَالْقَصْدُ إلَى الْعَمَلِ بِالْإِرَادَةِ مُتَقَدِّمٌ لِلْعَمَلِ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا بُدَّ لِمَنْ قَالَ بِهَذَا مِنْ تَحْدِيدِ مِقْدَارِ مُدَّةِ التَّقَدُّمِ الَّذِي تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَاَلَّذِي تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَإِلَّا فَهُمْ عَلَى عَمًى فِي ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُجْزِئُ النِّيَّةُ إلَّا مُخَالِطَةً لِلتَّكْبِيرِ، لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ؛ وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ قَوْلُ دَاوُد، وَأَبِي حَنِيفَةَ. إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يُجِزْ الصَّلَاةَ إلَّا بِنِيَّةٍ لَهَا؛ وَأَجَازَ الْوُضُوءَ لَهَا بِلَا نِيَّةٍ؛ وَهَذَا تَنَاقُضٌ.
مسألة انصرفت نيته في الصلاة ناسيا إلى غيرها
[مَسْأَلَةٌ انْصَرَفَتْ نِيَّتُهُ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا إلَى غَيْرِهَا] مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ انْصَرَفَتْ نِيَّتُهُ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا إلَى غَيْرِهَا، أَوْ إلَى تَطَوُّعٍ، أَوْ إلَى خُرُوجٍ عَنْ الصَّلَاةِ: أَلْغَى مَا عَمِلَ مِنْ فُرُوضِ صَلَاتِهِ كَذَلِكَ وَبَنَى عَلَى مَا عَمِلَ بِالنِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ وَأَجْزَأَهُ، ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا فِي عَمَلٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَوْ تَرَكَهُ لَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ الصَّلَاةَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا سُجُودُ السَّهْوِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّى جَمِيعَ الْأَعْمَالِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ إلَّا أَنَّهُ زَادَ فِي صَلَاتِهِ نَاسِيًا عَمَلًا لَوْ زَادَهُ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ وَفِي هَذَا يَجِبُ سُجُودُ السَّهْوِ. [مَسْأَلَةٌ الْإِحْرَامُ بِالتَّكْبِيرِ فَرْضٌ لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ] 356 - مَسْأَلَةٌ: وَالْإِحْرَامُ بِالتَّكْبِيرِ: فَرْضٌ، لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ» . فَقَدْ أُمِرَ بِتَكْبِيرِ الْإِحْرَامِ، فَمَنْ تَرَكَهُ فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ، وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ فَلَمْ يُصَلِّ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِإِيجَابِ التَّكْبِيرِ لِلْإِحْرَامِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُ عَنْ التَّكْبِيرِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى كَيْفَ ذَكَرَ، مِثْلُ " اللَّهُ أَعْظَمُ " وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَأَجَازُوا ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْأَذَانِ.
مسألة التكبير في الصلاة
وَلَمْ يُجِيزُوا الصَّلَاةَ إذَا اُفْتُتِحَتْ بِ " اللَّهُ أَعْلَمُ ". وَهَذَا تَخْلِيطٌ وَهَدْمٌ لِلْإِسْلَامِ، وَشَرَائِعُ جَدِيدَةٌ فَاسِدَةٌ، قَالَ عَلِيٌّ: وَاحْتَجَّ مُقَلِّدُوهُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15] . قَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَمَلُ الصَّلَاةِ وَصِفَتُهَا وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ: فِيهِ عَمَلُ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا تُجْزِئُ إلَّا بِهِ، فَلَا يُعْتَرَضُ بِالْآيَةِ عَلَيْهِ؛ بَلْ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ أَنَّ ذَلِكَ الذِّكْرَ لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ غَيْرُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: {فَصَلَّى} [الأعلى: 15] فَعَطَفَ الصَّلَاةَ عَلَى ذِكْرِ اسْمِهِ؛ فَصَحَّ أَنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] فَهَذَا الذِّكْرُ لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْقَصْدُ إلَيْهِ تَعَالَى بِالنِّيَّةِ فِي أَدَائِهَا لَهُ عَزَّ وَجَلَّ [مَسْأَلَةٌ التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاة] 357 - مَسْأَلَةٌ: وَيُجْزِئُ فِي التَّكْبِيرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَاَللَّهُ الْأَكْبَرُ، وَالْأَكْبَرُ اللَّهُ، وَالْكَبِيرُ اللَّهُ، وَاَللَّهُ الْكَبِيرُ، وَالرَّحْمَنُ أَكْبَرُ - وَأَيُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ذَكَرْنَا بِالتَّكْبِيرِ. وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " فَكَبِّرْ ". وَكُلُّ هَذَا تَكْبِيرٌ، وَلَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَفْظُ: " التَّكْبِيرِ "؛ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَدَاوُد وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُ إلَّا " اللَّهُ أَكْبَرُ " وَهَذَا تَخْصِيصٌ لِلتَّكْبِيرِ بِلَا بُرْهَانٍ، وَقَدْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ: أَنَّ فِي الْحَدِيثِ: " إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَقُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ " قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا بَاطِلٌ مَا عُرِفَ قَطُّ؛ وَلَوْ وَجَدْنَاهُ صَحِيحًا لَقُلْنَا بِهِ. فَإِنْ قَالُوا: بِهَذَا جَرَى عَمَلُ النَّاسِ، قُلْنَا لَهُمْ: مَا جَرَى عَمَلُ النَّاسِ إلَّا بِتَرْتِيبِ الْوُضُوءِ كَمَا فِي الْآيَةِ، وَأَنْتُمْ تُجِيزُونَ تَنْكِيسَهُ، وَمَا جَرَى عَمَلُ النَّاسِ قَطُّ فِي الْوُضُوءِ إلَّا بِالِاسْتِنْشَاقِ وَالِاسْتِنْثَارِ مَعَ صِحَّتِهِ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: مَنْ تَرَكَهَا فَوُضُوءُهُ تَامٌّ وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ وَمَا جَرَى عَمَلُ النَّاسِ قَطُّ إلَّا بِقِرَاءَةِ سُورَةٍ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصُّبْحِ وَالْأُولَيَيْنِ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْبَوَاقِي، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنْ تَرَكَ السُّورَةَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ. وَمَا جَرَى عَمَلُ الْأُمَّةِ إلَّا بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ.
مسألة رفع اليدين للتكبير مع الإحرام في أول الصلاة
وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنْ لَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ فَتَرَى الْعَمَلَ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً إذَا شِئْتُمْ، لَا إذَا لَمْ تَشَاءُوا، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ رَفْعُ الْيَدَيْنِ لِلتَّكْبِيرِ مَعَ الْإِحْرَامِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ] 358 - مَسْأَلَةٌ: وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ لِلتَّكْبِيرِ مَعَ الْإِحْرَامِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ: فَرْضٌ، لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ - ثنا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ثنا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَى بِهِمَا أُذُنَيْهِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثنا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ» . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا أَوْجَبْتُمْ بِهَذَا الِاسْتِدْلَالِ نَفْسِهِ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ كُلِّ رَفْعٍ وَخَفْضٍ فَرْضًا؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، وَأَنَّهُ كَانَ لَا يَرْفَعُ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنَ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ أَبُو خَيْثَمَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ
مسألة قراءة أم القرآن في الصلاة
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «أَلَا أُرِيكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ لَمْ يَعُدْ» . فَلَمَّا صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَرْفَعُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَلَا يَرْفَعُ، كَانَ كُلُّ ذَلِكَ مُبَاحًا لَا فَرْضًا، وَكَانَ لَنَا أَنْ نُصَلِّيَ كَذَلِكَ، فَإِنْ رَفَعْنَا صَلَّيْنَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي، وَإِنْ لَمْ نَرْفَعْ فَقَدْ صَلَّيْنَا كَمَا كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُصَلِّي وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ سَمِعْت نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا رَأَى مُصَلِّيًا لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ حَصَبَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ قَالَ عَلِيٌّ: مَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ لِيُحَصِّبَ مَنْ تَرَكَ مَا لَهُ تَرْكُهُ، وَقَدْ رُوِيَ إيجَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْإِحْرَامِ لِلصَّلَاةِ فَرْضًا عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَصْحَابِنَا [مَسْأَلَةٌ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاة] 359 - مَسْأَلَةٌ: وَقِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ: فَرْضٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا - وَالْفَرْضُ وَالتَّطَوُّعُ سَوَاءٌ، وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ سَوَاءٌ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ثنا الزُّهْرِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» . فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ أَوَجَبْتُمُوهَا فَرْضًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. قُلْنَا: لِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - ثنا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الَّذِي أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ
مسألة قراءة المأموم خلف الإمام
مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا ". فَوَجَبَ بِهَذَا الْأَمْرِ فَرْضًا أَنْ يَفْعَلَ فِي بَاقِي صَلَاتِهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِثْلَ هَذَا. [مَسْأَلَةٌ قِرَاءَة الْمَأْمُومِ خَلْفَ الْإِمَامِ] 360 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقْرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ شَيْئًا غَيْرَ أُمِّ الْقُرْآنِ -: لِمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمٍ ثنا أَبُو ثَوْرِ إبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفَجْرَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: تَقْرَءُونَ خَلْفِي قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا، قَالَ: لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِأُمِّ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ إلَّا بِهَا» . وَمِمَّنْ قَالَ بِإِيجَابِ أُمِّ الْقُرْآنِ كَمَا ذَكَرْنَا جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ جَوَّابِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ؟ قَالَ لَهُ عُمَرُ: نَعَمْ، قَالَ: وَإِنْ قَرَأْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ قَرَأْت. وَعَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رَدَّادٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: لَا تَجُوزُ وَلَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَشَيْءٍ مَعَهَا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَأَيْت إنْ كُنْت خَلْفَ إمَامٍ أَوْ بَيْنَ يَدَيْ إمَامٍ قَالَ: اقْرَأْ فِي نَفْسِك وَعَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ، أَوْ لَا
تَجُوزُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةُ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: صَلَّيْت صَلَاةً وَإِلَى جَنْبِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْت: أَبَا الْوَلِيدِ، أَلَمْ أَسْمَعْك قَرَأْت فَاتِحَةَ الْكِتَابِ قَالَ: أَجَلْ، إنَّهُ لَا صَلَاةَ إلَّا بِهَا وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الْعَيْزَارِ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اقْرَأْ خَلْفَ الْإِمَامِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَقْرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ؛ جَهَرَ أَوْ لَمْ يَجْهَرْ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَدَعُ أَنْ يَقْرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ. وَعَنْ غَيْرِهِمْ أَيْضًا. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِك. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزٍ الْأَعْرَجِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ: اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، أَوْ يَقُولُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ. وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَيْضًا. وَعَنْ مُعَاذٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنْ كَانَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَجَهَرَ أَوْ لَمْ يَجْهَرْ فَلَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَعَنْ حَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ ثنا أَبُو هِلَالٍ الرَّاسِبِيُّ قَالَ: سَأَلَ جَارٌ لَنَا الْحَسَنَ قَالَ: أَكُونُ خَلْفَ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَا أَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ قَالَ: اقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، قَالَ الرَّجُلُ: وَسُورَةٍ قَالَ: يَكْفِيك ذَلِكَ الْإِمَامُ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ
قَالَ: لِلْإِمَامِ سَكْتَتَانِ فَاغْتَنَمُوا الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، حِينَ يُكَبِّرُ الْإِمَامُ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَحِينَ يَقُولُ: {وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] . وَالرِّوَايَاتُ هَهُنَا تَكْثُرُ جِدًّا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فَرْضًا، وَإِنْ قَرَأَ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ مِثْلَ: " آيَةِ الدَّيْنِ " وَنَحْوِهَا وَلَمْ يَقْرَأْ أُمَّ الْكِتَابِ أَجْزَأَهُ وَالْقِرَاءَةُ عِنْدَهُ فَرْضٌ فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ الصَّلَاةِ فَقَطْ إمَّا الْأُولَيَيْنِ أَوْ الْأُخْرَيَيْنِ، وَإِمَّا وَاحِدَةٌ فِي الْأُولَيَيْنِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَلَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ شَيْئًا أَصْلًا، أَجْهَرَ الْإِمَامُ أَوْ أَسَرَّ. وَقَالَ مَالِكٌ: قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فَرْضٌ فِي جُمْهُورِ الصَّلَاةِ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ فَإِنْ تَرَكَاهُ فِي رَكْعَةٍ، فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ، فَمَرَّةً رَأَى أَنْ يُلْغِيَ الرَّكْعَةَ وَيَأْتِيَ بِأُخْرَى وَمَرَّةً رَأَى أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ سُجُودُ السَّهْوِ. وَأَجَازَ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقْرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ أُمَّ الْقُرْآنِ وَسُورَةً إذَا أَسَرَّ الْإِمَامُ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبِأُمِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ يُسِرُّ فِيهَا مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ. وَاخْتَارَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرَ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ يَجْهَرُ فِيهَا الْإِمَامُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي آخِرِ قَوْلَيْهِ كَقَوْلِنَا - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا -: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فَرْضٌ عَلَى الْمَأْمُومِ أَنْ يَقْرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ - أَسَرَّ الْإِمَامُ أَوْ جَهَرَ - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هَذَا فَرْضٌ عَلَيْهِ فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ الْإِمَامُ خَاصَّةً؛ وَلَا يَقْرَأُ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ الْإِمَامُ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي وُجُوبِ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فَرْضًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ. قَالَ عَلِيٌّ: احْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ أُمَّ الْقُرْآنِ فَرْضًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وَبِتَعْلِيمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ فَقَالَ لَهُ: «اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» . قَالَ عَلِيٌّ: حَدِيثُ عُبَادَةَ يُبَيِّنُ هَذَا الْخَبَرَ الْآخَرَ؛ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِإِيجَابِ قِرَاءَتِهِ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ: هُوَ أُمُّ الْقُرْآنِ فَقَطْ.
وَكَأَنَّ مَنْ غَلَّبَ حَدِيثَ عُبَادَةَ قَدْ أَخَذَ بِالْآيَةِ وَبِالْأَخْبَارِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ أُمَّ الْقُرْآنِ مِمَّا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ. وَكَأَنَّ مَنْ غَلَّبَ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَاقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» قَدْ خَالَفَ حَدِيثَ عُبَادَةَ؛ وَأَجَازَ صَلَاةً أَبْطَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا لَا يَجُوزُ، لَا سِيَّمَا تَقْسِيمُ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ إجَازَتِهِ قِرَاءَةَ آيَةٍ طَوِيلَةٍ، أَوْ ثَلَاثِ آيَاتٍ، وَمَنْعِهِ مِمَّا دُونِهَا. فَهَذَا قَوْلٌ مَا حُفِظَ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَا عَلَى صِحَّتِهِ دَلِيلٌ؛ وَهُوَ خِلَافٌ لِلْقُرْآنِ، وَلِجَمِيعِ الْآثَارِ - وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّ مَا قَرَأَ مِنْ الْقُرْآنِ أَجْزَأَهُ وَاحْتَجَّ مِنْ رَأَى: أَنْ لَا يَقْرَأَ الْمَأْمُومُ خَلْفَ الْإِمَامِ الْجَاهِرِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] . قَالَ عَلِيٌّ: وَتَمَامُ الْآيَةِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205] قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ كَانَ أَوَّلُ الْآيَةِ فِي الصَّلَاةِ فَآخِرُهَا فِي الصَّلَاةِ؛ وَإِنْ كَانَ آخِرُهَا لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ فَأَوَّلُهَا لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ؛ وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الْأَمْرُ بِالذِّكْرِ سِرًّا وَتَرْكُ الْجَهْرِ فَقَطْ؛ وَهَكَذَا نَقُولُ وَذَكَرُوا حَدِيثَ ابْنِ أُكَيْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ» - وَفِيهِ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْقِرَاءَةِ. وَهَذَا حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ ابْنُ أُكَيْمَةَ وَقَالُوا: هُوَ مَجْهُولٌ؛ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ وَاجِبٌ أَنْ يُضَمَّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، وَحَرَامٌ أَنْ يُضْرَبَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ كُلُّهُ حَقٌّ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَلَا يُخَالِفُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَالْوَاجِبُ أَنْ يُؤْخَذَ كَلَامُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كُلُّهُ بِظَاهِرِهِ كَمَا هُوَ، كَمَا قَالَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ لَا يُزَادُ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَلَا يُنَازِعُ
الْقُرْآنَ، وَهَذَا نَصُّ قَوْلِنَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ؛ وَمَا عَدَا هَذَا فَزِيَادَةٌ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنُقْصَانٌ مِنْهُ، وَذَكَرُوا أَيْضًا: حَدِيثًا صَحِيحًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَجْلَانَ فِيهِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» . فَهَذَا خَبَرٌ أَوَّلُ مَنْ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ ذِكْرِهِ مِنْ مُخَالِفَةِ هَذَا الْحَدِيثِ: الْحَنَفِيُّونَ وَالْمَالِكِيُّونَ؛ لِأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِأَكْثَرَ مَا فِيهِ؛ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ التَّكْبِيرَ إثْرَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ: لَا مَعَهُ لِلْإِحْرَامِ خَاصَّةً. ثُمَّ يَرَوْنَ سَائِرَ التَّكْبِيرِ وَالرَّفْعِ وَالْخَفْضِ مَعَ الْإِمَامِ: لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ؛ وَهَذَا خِلَافُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَفِيهِ «إذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» فَخَالَفُوهُ إلَى خَبَرٍ كَاذِبٍ لَا يَصِحُّ، وَإِلَى ظَنٍّ غَيْرِ مَوْجُودٍ، فَمِنْ الْعَجَبِ أَنْ يَحْتَجُّوا بِقَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ قَضَايَاهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا وَيَتْرُكُوا سَائِرَ قَضَايَاهُ الَّتِي لَا يَحِلُّ خِلَافُهَا. قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّهُ عِنْدَنَا صَحِيحٌ، وَبِهِ كُلُّهُ نَأْخُذُ، لِأَنَّ تَأْلِيفَ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَمَّ بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ وَالْأَخْذَ بِجَمِيعِهِ -: فَرْضٌ لَا يَحِلُّ سِوَاهُ. وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " إذَا قَرَأَ الْإِمَامُ فَأَنْصِتُوا وَ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» فَلَا بُدَّ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَوَامِرِ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا -: إمَّا أَنْ يَكُونَ وَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: إذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا، إلَّا عَنْ أُمِّ الْقُرْآنِ - كَمَا قُلْنَا نَحْنُ
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، إلَّا إنْ قَرَأَ الْإِمَامُ - كَمَا يَقُولُ بَعْضُ الْقَائِلِينَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، إلَّا أَنْ يَجْهَرَ الْإِمَامُ - كَمَا يَقُولُ آخَرُونَ، قَالَ عَلِيٌّ: فَإِذْ لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ؛ فَلَيْسَ بَعْضُهَا أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ إلَّا بِبُرْهَانٍ، وَأَمَّا بِدَعْوَى فَلَا فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا الْحَدِيثَ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَهِيَ صَلَاةُ جَهْرٍ فَقَالَ: «أَتَقْرَءُونَ خَلْفِي؟ قَالُوا: نَعَمْ؛ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ قَالَ: لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ إلَّا بِهَا» فَكَانَ هَذَا كَافِيًا فِي تَأْلِيفِ أَوَامِرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ لَا يَسَعُ أَحَدًا الْخُرُوجُ عَنْهُ. وَقَدْ مَوَّهَ قَوْمٌ بِأَنْ قَالُوا: هَذَا خَبَرٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَرَوَاهُ مَكْحُولٌ مَرَّةً عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ؛ وَمَرَّةً عَنْ نَافِعَ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ، وَثَّقَهُ الزُّهْرِيُّ - وَفَضَّلَهُ عَلَى مَنْ بِالْمَدِينَةِ فِي عَصْرِهِ - وَشُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ، وَسُفْيَانُ وَحَمَّادٌ؛ وَحَمَّادٌ وَيَزِيدُ، وَيَزِيدُ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ فِيهِ شُعْبَةُ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَمِيرُ الْمُحَدِّثِينَ، هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ وَالْعَجَبُ أَنَّ الطَّاعِنِينَ عَلَيْهِ هَهُنَا هُمْ الَّذِينَ احْتَجُّوا بِرِوَايَتِهِ الَّتِي لَمْ يَرْوِهَا غَيْرُهُ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ بَعْدَ إسْلَامِهِ، فَإِذَا رَوَى مَا
يَظُنُّونَ أَنَّهُ يُوَافِقُ تَقْلِيدَهُمْ: صَارَ ثِقَةً، وَصَارَ حَدِيثُهُ حُجَّةً؛ وَإِذَا رَوَى مَا يُخَالِفُهُمْ: صَارَ مُجَرَّحًا وَ {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] وَأَمَّا رِوَايَةُ مَكْحُولٍ هَذَا الْخَبَرَ مَرَّةً عَنْ مَحْمُودٍ وَمَرَّةً عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودٍ فَهَذَا قُوَّةٌ لِلْحَدِيثِ لَا وَهْنٌ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا ثِقَةٌ. وَحَتَّى لَوْ لَمْ يَأْتِ هَذَا الْخَبَرُ لَمَا وَجَبَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» إلَّا تَرْكُ الْقِرَاءَةِ حِينَ قِرَاءَتِهِ، وَيَبْقَى وُجُوبُ قِرَاءَتِهَا فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ فَكَيْفَ وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ -: يَعْنِي «إذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» قَدْ أَنْكَرَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَقَالُوا: إنَّ مُحَمَّدَ بْنَ غَيْلَانَ أَخْطَأَ فِي إيرَادِهَا، وَلَيْسَتْ مِنْ الْحَدِيثِ، قَالَ ذَلِكَ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَقُولُ فِيمَا رَوَاهُ الثِّقَةُ: إنَّهُ خَطَأٌ؛ إلَّا بِبُرْهَانٍ وَاضِحٍ؛ لَكِنَّ وَجْهَ الْعَمَلِ هُوَ مَا أَرَدْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَ التَّوْفِيقُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» إنَّمَا مَعْنَاهُ لَا صَلَاةَ كَامِلَةً، كَمَا جَاءَ «لَا إيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ» قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا مُتَعَلَّقٌ لَهُمْ بِهِ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَتِمَّ صَلَاةٌ أَوْ لَمْ تَكْمُلْ: فَلَا صَلَاةَ لَهُ أَصْلًا؛ إذْ بَعْضُ الصَّلَاةِ لَا يَنُوبُ عَنْ جَمِيعِهَا. وَكَذَلِكَ مَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ؛ فَالْأَمَانَةُ: هِيَ الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا} [الأحزاب: 72] . فَنَعَمْ: مَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ فَلَا إيمَانَ لَهُ؛ وَمَنْ لَا شَرِيعَةَ لَهُ فَلَا دِينَ لَهُ - هَذَا ظَاهِرُ اللَّفْظَيْنِ الَّذِي لَا يَحِلُّ صَرْفُهُمَا عَنْهُ. وَقَدْ أَقْدَمَ آخَرُونَ فَقَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» إنَّمَا هُوَ عَلَى التَّغْلِيظِ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا تَكْذِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُجَرَّدٌ. وَمَنْ كَذَّبَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: فَقَدْ كَفَرَ؛ وَلَا أَعْظَمُ مِنْ كُفْرِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَلَّظَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَلَيْسَ هُوَ حَقًّا.
مسألة دخل خلف إمام فبدأ بقراءة أم القرآن فركع الإمام
قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ سَاقِطَةٌ كُلُّهَا فِيهَا «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامُ لَهُ قِرَاءَةٌ» وَفِي بَعْضِهَا " مَا أَرَى الْإِمَامُ إلَّا قَدْ كَفَّاهُ ". وَكُلُّهَا إمَّا مُرْسَلٌ؛ وَإِمَّا مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ الْكَذَّابِ، وَإِمَّا عَنْ مَجْهُولٍ - وَلَوْ صَحَّتْ كُلُّهَا لَكَانَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» كَافِيًا فِي تَأْلِيفِ جَمِيعِهَا، فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ: حَدِيثًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ ثنا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعْدٍ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَقْرَأَ فِي صَلَاتِنَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَمَا تَيَسَّرَ» فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَقُلْ: وَمَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ؛ فَإِذَا لَمْ يَقُلْهُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى سَائِرِ الذِّكْرِ. وَهَكَذَا نَقُولُ بِوُجُوبِ الذِّكْرِ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَوُجُوبِ التَّكْبِيرِ. عَلَى أَنَّنَا قَدْ رُوِّينَا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَثَلَاثِ آيَاتٍ فَصَاعِدًا، وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رَدَّادٍ سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ إلَّا بِآيَتَيْنِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنْ كُنْت خَلْفَ إمَامٍ فَاقْرَأْ فِي نَفْسِك. وَقَدْ رُوِّينَا خِلَافَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ - وَقَدْ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِالنَّاسِ وَلَمْ يَقْرَأْ شَيْئًا -: أَلَيْسَ قَدْ أَتْمَمْت الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ.؟ قَالُوا: بَلَى؛ فَلَمْ يُعِدْ الصَّلَاةَ وَمِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَقَالَ: إنِّي صَلَّيْت وَلَمْ أَقْرَأْ، قَالَ: أَتْمَمْت الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ؟ قَالَ لَهُ: نَعَمْ؛ قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: تَمَّتْ صَلَاتُك؛ مَا كُلُّ أَحَدٍ يُحْسِنُ أَنْ يَقْرَأَ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ: لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [مَسْأَلَةٌ دَخَلَ خَلْفَ إمَامٍ فَبَدَأَ بِقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فَرَكَعَ الْإِمَامُ] 361 - مَسْأَلَةٌ: فَمَنْ دَخَلَ خَلْفَ إمَامٍ فَبَدَأَ بِقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فَرَكَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ هَذَا الدَّاخِلُ أُمَّ الْقُرْآنِ فَلَا يَرْكَعُ حَتَّى يُتِمَّهَا.
مسألة جاء المأموم إلى الصلاة والإمام راكع
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؛ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَهْمَا أَسْبِقُكُمْ بِهِ إذَا رَكَعْتُ تُدْرِكُونِي بِهِ إذَا رَفَعْتُ» وَسَنَذْكُرُهُ بِإِسْنَادِهِ فِي بَابِ وُجُوبِ أَنْ لَا يَرْفَعَ الْمَأْمُومُ رَأْسَهُ قَبْلَ إمَامِهِ، وَلَا مَعَهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى [مَسْأَلَةٌ جَاءَ الْمَأْمُوم إلَى الصَّلَاة وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ] 362 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ جَاءَ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فَلْيَرْكَعْ مَعَهُ، وَلَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ الْقِيَامَ، وَلَا الْقِرَاءَةَ؛ وَلَكِنْ يَقْضِيهَا إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ، فَإِنْ خَافَ جَاهِلًا فَلْيَتَأَنَّ حَتَّى يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَيُكَبِّرْ حِينَئِذٍ. وَقَالَ قَائِلُونَ، إنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ مَعَ الْإِمَامِ اعْتَدَّ بِهَا. وَاحْتَجُّوا بِآثَارٍ ثَابِتَةٍ؛ إلَّا أَنَّهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا وَهِيَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» . وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ» . وَمِنْهَا - حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ: «أَنَّهُ جَاءَ وَالْقَوْمُ رُكُوعٌ، فَرَكَعَ ثُمَّ مَشَى إلَى الصَّفِّ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ قَالَ: أَيُّكُمْ الَّذِي رَكَعَ ثُمَّ جَاءَ إلَى الصَّفِّ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: أَنَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» . قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» فَحَقٌّ؛ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ - مَعَ ذَلِكَ - لَا يَسْقُطُ عَنْهُ قَضَاءُ مَا لَمْ يُدْرِكْ مِنْ الصَّلَاةِ - هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ؛ وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ: أَنَّهُ إنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ: فَقَدْ أَدْرَكَ الْوَقْفَةَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ: فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ» حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ؛ وَلَمْ يَقُلْ: إنَّهُ إنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْوَقْفَةَ الَّتِي قَبْلَ الرُّكُوعِ؛ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقْحِمَ فِي كَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَيْسَ فِيهِ، فَيَقُولُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: أَنَّهُ اجْتَزَأَ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقْضِهَا - فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِهِ جُمْلَةً، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. فَإِذْ قَدْ سَقَطَ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ الْآثَارِ فَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ثنا شُعْبَةُ عَنْ
سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ ثنا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ائْتُوا الصَّلَاةَ وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةَ، فَصَلُّوا مَا أَدْرَكْتُمْ، وَاقْضُوا مَا سَبَقَكُمْ» . وَصَحَّ عَنْهُ أَيْضًا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» وَبِيَقِينٍ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ -: أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي أَوَّلِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ: فَقَدْ فَاتَتْهُ الْأُولَى كُلُّهَا. وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ الْأُولَى: فَقَدْ فَاتَتْهُ وَقْفَةٌ، وَرُكُوعٌ، وَرَفْعٌ، وَسَجْدَةٌ، وَجُلُوسٌ، وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْجَلْسَةَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: فَقَدْ فَاتَهُ الْوَقْفَةُ، وَالرُّكُوعُ، وَالرَّفْعُ، وَسَجْدَةُ. وَأَنَّ مِنْ أَدْرَكَ الرَّفْعَ: فَقَدْ فَاتَتْهُ الْوَقْفَةُ، وَالرُّكُوعُ. وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ السَّجْدَتَيْنِ: فَقَدْ فَاتَتْهُ الْوَقْفَةُ، وَالرُّكُوعُ. وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ: فَقَدْ فَاتَتْهُ الْوَقْفَةُ، وَقِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ؛ وَكِلَاهُمَا فَرْضٌ، لَا تُتِمُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِنَصِّ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَضَاءِ مَا سَبَقَهُ وَإِتْمَامِ مَا فَاتَهُ؛ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ نَصٍّ آخَرَ؛ وَلَا سَبِيلَ إلَى وُجُودِهِ، وَالْقَوْمُ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ: فَكَيْفَ وَقَعَ لَهُمْ التَّفْرِيقُ بَيْنَ فَوْتِ إدْرَاكِ الْوَقْفَةِ، وَبَيْنَ فَوْتِ إدْرَاكِ الرُّكُوعِ وَالْوَقْفَةِ؛ فَلَمْ يَرَوْا عَلَى أَحَدِهِمَا قَضَاءً مَا سَبَقَهُ، وَرَأَوْهُ عَلَى الْآخَرِ. فَلَا الْقِيَاسَ طَرَدُوا، وَلَا النُّصُوصَ اتَّبَعُوا، وَقَدْ أَقْدَمَ بَعْضُهُمْ عَلَى دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى قَوْلِهِمْ، وَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: إذَا أَتَيْت الْقَوْمَ وَهُمْ رُكُوعٌ فَلَا تُكَبِّرْ حَتَّى تَأْخُذَ مَقَامَك مِنْ الصَّفِّ
وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنْ لَا يُعْتَدَّ بِالرَّكْعَةِ حَتَّى يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: دَخَلْت أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فَرَكَعْنَا ثُمَّ مَضَيْنَا حَتَّى اسْتَوَيْنَا بِالصَّفِّ؛ فَلَمَّا فَرَغَ الْإِمَامُ قُمْت أَقْضِي، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قَدْ أَدْرَكْتَهُ. قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذَا إيجَابُ الْقَضَاءِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ وَهُوَ صَاحِبٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِنْ قِيلَ: فَلَمْ يَرَ ابْنَ مَسْعُودٍ ذَلِكَ قُلْنَا: نَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا فَإِذَا تَنَازَعَ الصَّاحِبَانِ فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ إلَى مَا قَالَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا يَحِلُّ الرَّدُّ إلَى سِوَى ذَلِكَ؛ فَلَيْسَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ حُجَّةً عَلَى زَيْدٍ، وَلَا قَوْلُ زَيْدٍ حُجَّةً عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لَكِنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا وَعَلَى غَيْرِهِمَا مِنْ كُلِّ إنْسٍ وَجِنٍّ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ رُجُوعُ زَيْدٍ إلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَوْ رَجَعَ لَمَا كَانَ فِي رُجُوعِهِ حُجَّةٌ؛ وَالْخِلَافُ لِابْنِ مَسْعُودٍ مِنْهُ قَدْ حَصَلَ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إذَا انْتَهَيْت إلَى الْقَوْمِ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَأَدْرَكْت تَكْبِيرَةً تَدْخُلُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَتَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ: فَقَدْ أَدْرَكْت تِلْكَ الرَّكْعَةِ؛ وَإِلَّا فَارْكَعْ مَعَهُمْ وَاسْجُدْ، وَلَا تَحْتَسِبْ بِهَا قَالَ عَلِيٌّ: وَرُوِّينَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ كَلَامًا مَعْنَاهُ: مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فَقَدْ كَذَبَ؛ وَمَا يُدْرِيهِ وَالنَّاسُ قَدْ اخْتَلَفُوا، هَذِهِ أَخْبَارُ الْأَصَمِّ، وَبِشْرِ الْمَرِيسِيِّ
قَالَ عَلِيٌّ: صَدَقَ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فِيمَا لَا يَقِينَ عِنْدَهُ بِأَنَّهُ قَوْلُ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِلَا شَكٍّ فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ: قَدْ كَذَبَ عَلَى الْأُمَّةِ كُلِّهَا؛ وَقَطَعَ بِظَنِّهِ عَلَيْهِمْ؛ وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الظَّنُّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» فَإِنْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا لَا يُقَالُ مِثْلُهُ بِالرَّأْيِ. قِيلَ لَهُمْ: فَهَلَّا قُلْتُمْ هَذَا فِيمَا رُوِّينَاهُ آنِفًا - فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا - عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا صَلَاةَ إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَآيَتَيْنِ مَعَهَا، وَلَكِنَّ التَّحَكُّمَ سَهْلٌ عَلَى مَنْ لَمْ يُعَدَّ كَلَامُهُ مِنْ عَمَلِهِ فَإِنْ قِيلَ: هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، قُلْنَا: مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاتِّبَاعِ الْجُمْهُورِ؛ لَا فِي آيَةٍ وَلَا فِي خَبَرٍ صَحِيحٍ؛ وَأَمَّا الْمَوْضُوعَاتِ فَسَهْلٌ وُجُودُهَا فِي كُلِّ حِينٍ عَلَى مَنْ اسْتَحَلَّهَا. فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ يُكَبِّرُ قَائِمًا ثُمَّ يَرْكَعُ؛ فَقَدْ صَارَ مُدْرِكًا لِلْوُقُوفِ قُلْنَا: وَهَذِهِ مَعْصِيَةٌ أُخْرَى؛ وَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ قَطُّ وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ الْحَالِ الَّتِي يَجِدُ الْإِمَامَ عَلَيْهَا. وَأَيْضًا: فَلَا يُجْزِئُ قَضَاءُ شَيْءٍ سَبَقَ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ؛ لَا قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ: وَهُنَا أَقْوَالٌ، نَذْكُرُ مِنْهَا طَرَفًا لِيَلُوحَ كَذِبُ مِنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَمَشَى إلَى الصَّفِّ، فَإِنْ دَخَلَ فِي الصَّفِّ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ فَإِنَّهُ يُعْتَدُّ بِهَا، وَإِنْ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الصَّفِّ فَلَا يُعْتَدُّ بِهَا - قَالَ الْحَجَّاجُ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا، وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ
مسألة فرض على كل مصل أن يقول إذا قرأ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
إذَا جَاءَ وَالْقَوْمُ سُجُودٌ سَجَدَ مَعَهُمْ؛ فَإِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ سَجَدَ أُخْرَى وَلَا يَعْتَدُّ بِهَا قَالَ أَيُّوبُ: وَدَخَلْت مَعَ أَبِي قِلَابَةَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ سَجَدُوا سَجْدَةً فَسَجَدْنَا مَعَهُمْ الْأُخْرَى؛ فَلَمَّا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ سَجَدْنَا الْأُخْرَى؛ فَلَمَّا قَضَى أَبُو قِلَابَةَ الصَّلَاةَ سَجَدَ سَجْدَتَيْ الْوَهْمِ، وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ - عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: إذَا انْتَهَى إلَى الصَّفِّ الْآخَرِ وَلَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَقَدْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يَرْكَعُ وَقَدْ أَدْرَكَ؛ لِأَنَّ الصَّفَّ الَّذِي فِيهِ هُوَ إمَامُهُ، وَإِنْ جَاءَ وَالْقَوْمُ سُجُودٌ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ مَعَهُمْ وَلَا يَعْتَدُّ بِهَا وَبِهِ إلَى دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: إذَا جَاءَ وَهُمْ سُجُودٌ سَجَدَ مَعَهُمْ؛ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَةً وَلَا يَسْجُدُ وَيُعْتَدُّ بِهَا. وَبِهِ إلَى حَمَّادٍ عَنْ قَتَادَةَ، وَحُمَيْدٍ، وَأَصْحَابِ الْحَسَنِ: إذَا وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ فَقَدْ أَدْرَكَ؛ وَإِنْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهَا قَالَ حَمَّادٌ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ عَنْ الْحَسَنِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَزُفَرُ: إذَا كَبَّرَ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ فَقَدْ أَدْرَكَ، وَلْيَرْكَعْ بَعْدَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ. [مَسْأَلَةٌ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يَقُولَ إذَا قَرَأَ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ] 363 - مَسْأَلَةٌ: وَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يَقُولَ إذَا قَرَأَ " أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " لَا بُدَّ لَهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: يَتَعَوَّذُ قَبْلَ ابْتِدَائِهِ بِالْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؛ وَلَمْ يَرَيَا ذَلِكَ فَرْضًا وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَتَعَوَّذُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْفَرِيضَةِ، وَلَا التَّطَوُّعِ إلَّا فِي صَلَاةِ الْقِيَامِ فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ بِالتَّعَوُّذِ فَقَطْ ثُمَّ لَا يَعُودَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذِهِ قَوْلَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهَا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ؛ وَلَا أَثَرٍ أَلْبَتَّةَ؛ وَلَا مِنْ دَلِيلِ إجْمَاعٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ؛
وَلَا مِنْ رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ، فَإِنْ أَقْدَمَ مُقَدِّمٌ عَلَى ادِّعَاءِ عَمَلٍ فِي ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَوْلَى مِنْ آخَرَ ادَّعَى الْعَمَلَ عَلَى خِلَافِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: إنَّ التَّعَوُّذَ لَيْسَ فَرْضًا -: فَخَطَأٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] . وَمِنْ الْخَطَأِ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَمْرٍ ثُمَّ يَقُولُ قَائِلٌ - بِغَيْرِ بُرْهَانٍ مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ -: هَذَا الْأَمْرُ لَيْسَ فَرْضًا، لَا سِيَّمَا أَمْرُهُ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ فِي أَنْ يُعِيذُنَا مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ؛ فَهَذَا أَمْرٌ مُتَيَقَّنٌ: أَنَّهُ فَرْضٌ؛ لِأَنَّ اجْتِنَابَ الشَّيْطَانِ، وَالْفِرَارَ مِنْهُ؛ وَطَلَبَ النَّجَاةِ مِنْهُ: لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ فِي أَنَّهُ فَرْضٌ، ثُمَّ وَضَعَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَلَيْنَا عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كَانَ التَّعَوُّذُ: فَرْضًا؛ لَلَزِمَ كُلَّ مَنْ حَكَى عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ ذَكَرَ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ: أَنْ يَتَعَوَّذَ وَلَا بُدَّ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؛ وَلَا يَرَوْنَ التَّعَوُّذَ عِنْدَ حِكَايَةِ الْمَرْءِ قَوْلَ غَيْرِهِ؛ فَصَحَّ أَنَّ التَّعَوُّذَ الَّذِي اخْتَلَفْنَا فِيهِ فَأَوْجَبْنَاهُ نَحْنُ وَلَمْ يُوجِبُوهُ هُمْ - إنَّمَا هُوَ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، كَمَا جَاءَ فِي النَّصِّ، لَا عِنْدَ حِكَايَةٍ لَا يَقْصِدُ بِهَا الْمَرْءُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ. قَالَ عَلِيٌّ: فَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ التَّعَوُّذَ: فَرْضًا، فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ الصَّلَاةِ، عَلَى عُمُومِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنِ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَاصِمٍ الْعَنَزِيِّ عَنْ ابْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ دَخَلَ الصَّلَاةَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، ثَلَاثًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا - اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» .
حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ ثنا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَالَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ قِرَاءَتِي. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ذَلِكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خَنْزَبٌ؛ فَإِذَا حَسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا» . وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يُخْفِي الْإِمَامُ أَرْبَعًا -: التَّعَوُّذُ، وَبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَآمِينَ، وَرَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يُخْفِي الْإِمَامُ ثَلَاثًا -: الِاسْتِعَاذَةُ، وَبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَآمِينَ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قُلْت لِنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ: هَلْ تَدْرِي كَيْفَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْتَعِيذُ؟ قَالَ: كَانَ يَقُولُ؛ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: خَمْسٌ يُخْفَيْنَ -: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَالتَّعَوُّذُ، وَبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَآمِينَ، وَاَللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَعَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعِيذُ فِي الصَّلَاةِ مَرَّةً حِينَ يَسْتَفْتِحُ صَلَاتَهُ حِينَ يَقْرَأُ أُمَّ الْكِتَابِ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَسْتَعِيذُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعِيذُ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ. وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ
الشَّيْطَانِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ وَبَعْدَ أَنْ يَقْرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ. وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: الِاسْتِعَاذَةُ وَاجِبَةٌ لِكُلِّ قِرَاءَةٍ فِي الْأَرْضِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَيُجْزِئُ عَنْك، أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَقُلْت لَهُ: مِنْ أَجْلِ: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] قَالَ: نَعَمْ. وَبِالتَّعَوُّذِ فِي الصَّلَاةِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَدَاوُد وَغَيْرُهُمْ. قَالَ عَلِيٌّ: هَؤُلَاءِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا مِنْهُمْ، وَهُمْ يُشَنِّعُونَ بِمِثْلِ هَذَا إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، قَالَ عَلِيٌّ: وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ وَأَخَذَ بِهِ فَيَرَى التَّعَوُّذَ سُنَّةً قَبْلَ افْتِتَاحِ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَقْلِ الْقُرَّاءِ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وَفَرْضًا بَعْدَ أَنْ يَقْرَأَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْقُرْآنِ، وَلَوْ أَنَّهُ كَلِمَتَانِ، عَلَى نَصِّ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ التَّعَوُّذَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ بِظَاهِرِهَا. وَأَمَّا مَنْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فَفُرِضَ عَلَيْهِ التَّعَوُّذُ حِينَ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ إذَا قَرَأَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ عَلِيٌّ: إلَّا أَنَّهُ قَدْ صَحَّ إجْمَاعُ جَمِيعِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِالتَّعَوُّذِ مُتَّصِلًا بِالْقِرَاءَةِ قَبْلَ الْأَخْذِ فِي الْقِرَاءَةِ -: مُبَلَّغًا إلَيْنَا مِنْ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَذَا قَاضٍ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْثِرْ» . وَصَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اسْتَنْثَرَ فِي أَوَّلِ وُضُوئِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
مسألة نسي المصلي التعوذ أو شيئا من أم القرآن حتى ركع
[مَسْأَلَةٌ نَسِيَ المصلي التَّعَوُّذَ أَوْ شَيْئًا مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ حَتَّى رَكَعَ] مَسْأَلَةٌ: فَمَنْ نَسِيَ التَّعَوُّذَ أَوْ شَيْئًا مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ حَتَّى رَكَعَ أَعَادَ مَتَى ذَكَرَ فِيهَا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، إنْ كَانَ إمَامًا أَوْ فَذًّا فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا أَلْغَى مَا قَدْ نَسِيَ إلَى أَنْ ذَكَرَ، وَإِذَا أَتَمَّ الْإِمَامُ قَامَ يَقْضِي مَا كَانَ أَلْغَى ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَلَقَدْ ذَكَرْنَا بُرْهَانَ ذَلِكَ فِيمَنْ نَسِيَ فَرْضًا فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ مَا لَمْ يُصَلِّ كَمَا أَمَرَ؛ وَيُعِيدُ مَا صَلَّى كَمَا أُمِرَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ الْمُصَلِّي لَا يَحْفَظُ أُمَّ الْقُرْآنِ] 365 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ لَا يَحْفَظُ أُمَّ الْقُرْآنِ صَلَّى وَقَرَأَ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ الْقُرْآنِ إنْ كَانَ يَعْلَمُهُ، لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ، وَأَجْزَأَهُ، وَلْيَسْعَ فِي تَعَلُّمِ أُمِّ الْقُرْآنِ، فَإِنْ عَرَفَ بَعْضَهَا وَلَمْ يَعْرِفْ الْبَعْضَ: قَرَأَ مَا عَرَفَ مِنْهَا فَأَجْزَأَهُ، وَلْيَسْعَ فِي تَعَلُّمِ الْبَاقِي، فَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ صَلَّى كَمَا هُوَ؛ يَقُومُ وَيَذْكُرُ اللَّهَ كَمَا يُحْسِنُ بِلُغَتِهِ وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ حَتَّى يُتِمَّ صَلَاتَهُ؛ وَيُجْزِيهِ. وَلْيَسْعَ فِي تَعَلُّمِ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ: يَقْرَأُ مِقْدَارَ سَبْعِ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ، أَوْ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى مِقْدَارَ سَبْعِ آيَاتٍ قَالَ عَلِيٌّ: وَقُصِدَ بِذَلِكَ قَصْدُ التَّعْوِيضِ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَالتَّعْوِيضُ مِنْ الشَّرَائِعِ بَاطِلٌ، إلَّا أَنْ يُوجِبَهُ قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةٌ، وَلَا قُرْآنَ وَلَا سُنَّةَ فِيمَا ادَّعَى؛ وَلَوْ كَانَ قِيَاسُ هَذَا الْقَائِلِ صَحِيحًا لَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ مَنْ عَلَيْهِ يَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَ إلَّا يَوْمٌ بِطُولِ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرَهُ؛ وَهَذَا بَاطِلٌ. وَبُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . فَصَحَّ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ، وَيَلْزَمُهُ مَا اسْتَطَاعَ عَلَيْهِ. وَقَالَ تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وَعَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُصَلِّيَ فَقَالَ: «اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ.
مسألة من عد بسم الله الرحمن الرحيم آية من القرآن
فَمَنْ عَجَزَ عَنْ أُمِّ الْقُرْآنِ وَقَدَرَ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْقُرْآنِ سَقَطَتْ عَنْهُ، وَلَزِمَهُ مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ قُرْآنٍ مِنْ كَلِمَتَيْنِ - مَعْرُوفٌ أَنَّهُمَا مِنْ الْقُرْآنِ - فَصَاعِدًا، وَإِنْ وُجِدَ هَذَا الْمَعْنَى فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَتْهُ؛ لِأَنَّ عُمُومَ " مَا تَيَسَّرَ " يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَنْ عَدَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ] 366 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ يَقْرَأُ بِرِوَايَةِ مَنْ عَدَّ مِنْ الْقُرَّاءِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ إلَّا بِالْبَسْمَلَةِ، وَهُمْ: عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَمَنْ كَانَ يَقْرَأُ بِرِوَايَةِ مَنْ لَا يَعُدُّهَا آيَةً مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ: فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُبَسْمِلَ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يُبَسْمِلَ. وَهُمْ: ابْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ نَافِعٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُبَسْمِلُ الْمُصَلِّي إلَّا فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ إلَّا بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَأَكْثَرُوا مِنْ الِاحْتِجَاجِ بِمَا لَا حُجَّةَ لِأَيٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فِيهِ. مِثْلُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَنَسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُ هَذَا. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا كُلُّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ نَهْيٌ مِنْ رَسُولِ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قِرَاءَةِ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَإِنَّمَا فِيهَا: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ لَا يَقْرَؤُهَا وَقَدْ عَارَضَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ أَخْبَارَ أُخَرَ مِنْهَا -: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ثنا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا " فَلَمْ يَجْهَرُوا بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " فَهَذَا يُوجِبُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَهَا وَيَسُرُّونَ بِهَا، وَهَذَا أَيْضًا الْإِيجَابُ فِيهِ لِقِرَاءَتِهَا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَخْبَارِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَالْحَقُّ مِنْ هَذَا أَنَّ النَّصَّ قَدْ صَحَّ بِوُجُوبِ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فَرْضًا، وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ حَقٌّ كُلُّهَا مَقْطُوعٌ بِهِ، مُبَلَّغَةٌ كُلُّهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِنَقْلِ الْمَلَوَانِ فَقَدْ وَجَبَ إذْ كُلُّهَا حَقٌّ أَنْ يَفْعَلَ الْإِنْسَانُ فِي قِرَاءَتِهِ أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ؛ وَصَارَتْ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " فِي قِرَاءَةٍ صَحِيحَةٍ آيَةً مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَفِي قِرَاءَةٍ صَحِيحَةٍ لَيْسَتْ آيَةً مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ -: مِثْلُ لَفْظَةِ " هُوَ " فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: {هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [لقمان: 26] . وَكَلَفْظَةِ " مِنْ " فِي قَوْله تَعَالَى: {مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [التوبة: 89] فِي سُورَةِ (بَرَاءَةٌ) عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ آيَةٍ - هُمَا مِنْ السُّورَتَيْنِ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِهِمَا، وَلَيْسَتَا مِنْ السُّورَتَيْنِ فِي قِرَاءَةِ مَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهِمَا. وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ وَارِدٌ فِي ثَمَانِيَةِ مَوَاضِعَ، ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الْقِرَاءَاتِ وَآيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَسَائِرُ ذَلِكَ مِنْ الْحُرُوفِ يَطُولُ ذِكْرُهَا. كَزِيَادَةِ مِيمِ " مِنْهَا " فِي سُورَةِ الْكَهْفِ. وَفِي {حم} [الشورى: 1] {عسق} [الشورى: 2] : {فَبِمَا كَسَبَتْ} [الشورى: 30] . وَهَاءَاتٍ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ فِي {يس} [يس: 1] : {وَمَا عَلَّمْنَاهُ} [يس: 69] .
مسألة قرأ أم القرآن في صلاته مترجما بغير العربية
وَفِي الزُّخْرُفِ {تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ} [الزخرف: 71] وَ {لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة: 259] وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَالْقُرْآنُ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كُلُّهَا حَقٌّ، وَهَذَا كُلُّهُ حَقٌّ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ تِلْكَ الْأَحْرُفِ بِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ عَلَى ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ قَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ فِي صَلَاتِهِ مُتَرْجَمًا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ] 367 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ قَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ أَوْ شَيْئًا مِنْهَا، أَوْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ فِي صَلَاتِهِ مُتَرْجَمًا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، أَوْ بِأَلْفَاظٍ عَرَبِيَّةٍ غَيْرِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى، عَامِدًا لِذَلِكَ، أَوْ قَدَّمَ كَلِمَةً أَوْ أَخَّرَهَا عَامِدًا لِذَلِكَ -: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَهُوَ فَاسِقٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: 2] ، وَغَيْرُ الْعَرَبِيِّ لَيْسَ عَرَبِيًّا، فَلَيْسَ قُرْآنًا. وَإِحَالَةُ رُتْبَةِ الْقُرْآنِ تَحْرِيفُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى قَوْمًا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَالَ: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46] . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُجْزِيهِ صَلَاتُهُ، وَاحْتَجَّ لَهُ مَنْ قَلَّدَهُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ} [الشعراء: 196] . قَالَ عَلِيٌّ: لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ الْمُنَزَّلَ عَلَيْنَا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْزِلْ عَلَى الْأَوَّلِينَ، وَإِنَّمَا فِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ذِكْرُهُ وَالْإِقْرَارُ بِهِ فَقَطْ؛ وَلَوْ أُنْزِلَ عَلَى غَيْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَا كَانَ آيَةً لَهُ، وَلَا فَضِيلَةً لَهُ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ، وَمَنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ فَلْيَذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى بِلُغَتِهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ مُتَرْجَمًا عَلَى أَنَّهُ الَّذِي افْتَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي افْتَرَضَ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا؛ فَيَكُونُ مُفْتَرِيًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. [مَسْأَلَةٌ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ أَنْ يَتَعَوَّزَا لِلسُّورَةِ الَّتِي مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ] 368 - مَسْأَلَةٌ: وَلَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ أَنْ يَتَعَوَّذَا لِلسُّورَةِ الَّتِي مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ تَعَوَّذَا إذْ قَرَآ. وَمَنْ اتَّصَلَتْ قِرَاءَتُهُ فَقَدْ تَعَوَّذَ كَمَا أُمِرَ، وَلَوْ لَزِمَهُ تَكْرَارُ التَّعَوُّذِ لَمَا كَانَ لِذَلِكَ غَايَةٌ إلَّا بِدَعْوَى كَاذِبَةٍ، فَإِنْ قَطَعَ الْقِرَاءَةَ قَطْعَ تَرْكٍ أَوْ أَرَادَ أَنْ يَبْتَدِئَ قِرَاءَةً فِي
مسألة الركوع في الصلاة والطمأنينة فيه
رَكْعَةٍ أُخْرَى تَعَوَّذَ - كَمَا أُمِرَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الرُّكُوعُ فِي الصَّلَاةِ وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ] 369 - مَسْأَلَةٌ: وَالرُّكُوعُ فِي الصَّلَاةِ فَرْضٌ، وَالطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ حَتَّى تَعْتَدِلَ جَمِيعُ أَعْضَائِهِ وَيَضَعَ فِيهِ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ -: فَرْضٌ، لَا صَلَاةَ لِمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَامِدًا. وَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ نَاسِيًا أَلْغَاهُ وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ كَمَا أُمِرَ، ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الطُّمَأْنِينَةِ وَالِاعْتِدَالِ لِعُذْرٍ بِصُلْبِهِ أَجْزَأَهُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَسَقَطَ عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ وَالتَّكْبِيرُ لِلرُّكُوعِ فَرْضٌ، وَقَوْلُهُ " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ " فِي الرُّكُوعِ فَرْضٌ وَالْقِيَامُ إثْرَ الرُّكُوعِ فَرْضٌ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْتَدِلَ قَائِمًا وَقَوْلُ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ الرُّكُوعِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ، مِنْ إمَامٍ أَوْ مُنْفَرِدٍ أَوْ مَأْمُومٍ لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ، فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ ذَلِكَ " رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ " أَوْ " وَلَك الْحَمْدُ " وَلَيْسَ هَذَا فَرْضًا عَلَى إمَامٍ وَلَا فَذٍّ. وَإِنْ قَالَاهُ كَانَ حَسَنًا وَسُنَّةً وَقَوْلُ الْمَأْمُومِ " آمِينَ " إذَا قَالَ الْإِمَامُ {وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] فَرْضٌ؛ وَإِنْ قَالَهُ الْإِمَامُ فَهُوَ حَسَنٌ وَسُنَّةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَرْكَعَ، وَلَا أَنْ يَرْفَعَ، وَلَا أَنْ يَسْجُدَ مَعَ إمَامِهِ وَلَا قَبْلَهُ؛ لَكِنْ بَعْدَهُ وَلَا بُدَّ، وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ؛ فَإِنْ نَسِيَ أَلْغَى تِلْكَ الْمُدَّةَ مِنْ سُجُودِهِ ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَسَجْدَتَانِ إثْرَ الْقِيَامِ الْمَذْكُورِ فَرْضٌ؛ وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِمَا فَرْضٌ؛ وَالتَّكْبِيرُ لِكُلِّ سَجْدَةٍ مِنْهُمَا فَرْضٌ وَقَوْلُ " سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " فِي كُلِّ سَجْدَةٍ فَرْضٌ، وَوَضْعُ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَصُدُورِ الْقَدَمَيْنِ عَلَى مَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِ - مِمَّا أُبِيحَ لَهُ التَّصَرُّفُ عَلَيْهِ -: فَرْضٌ كُلُّ ذَلِكَ وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَرْضٌ؛ وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ فَرْضٌ؛ وَالتَّكْبِيرُ لَهُ فَرْضٌ لَا
تُجْزِئُ صَلَاةٌ لِأَحَدٍ بِأَنْ يَدَعَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ عَامِدًا شَيْئًا؛ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَاسِيًا أَلْغَى ذَلِكَ وَأَتَى بِهِ كَمَا أُمِرَ، ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ؛ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ لِجَهْلٍ أَوْ عُذْرٍ مَانِعٍ سَقَطَ عَنْهُ وَتَمَّتْ صَلَاتُهُ، وَلَا يُجْزِئُ السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَالْأَنْفِ: إلَّا مَكْشُوفَيْنِ؛ وَيُجْزِئُ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ مُغَطَّاةٍ، وَيَفْعَلُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاتِهِ مَا ذَكَرْنَا بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى؛ ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلَاثًا؛ فَقَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ثنا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ «كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ جَاءَ رَجُلٌ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ جَاءَ فَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَعَلَيْكَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَرَجَعَ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ جَاءَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْكَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَا أَدْرِي مَا عِبْتَ عَلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّهُ لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ
حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، وَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُكَبِّرَ اللَّهَ وَيَحْمَدَهُ وَيُمَجِّدَهُ، وَيَقْرَأَ مِنْ الْقُرْآنِ مَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ وَتَيَسَّرَ، ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَرْكَعَ فَيَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِيَ، ثُمَّ يَقُولَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَسْتَوِيَ قَائِمًا حَتَّى يَأْخُذَ كُلُّ عُضْوٍ مَأْخَذَهُ، وَيُقِيمَ صُلْبَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَسْجُدَ وَيُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِيَ، ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَرْفَعَ رَأْسَهُ وَيَسْتَوِيَ قَاعِدًا عَلَى مَقْعَدَتِهِ وَيُقِيمَ صُلْبَهُ. فَوَصَفَ الصَّلَاةَ هَكَذَا حَتَّى فَرَغَ. ثُمَّ قَالَ: لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ» . قَالَ عَلِيٌّ: التَّحْمِيدُ الْمَذْكُورُ وَالتَّمْجِيدُ الْمَذْكُورُ هُوَ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا قَالَ الْعَبْدُ فِي صَلَاتِهِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] يَقُولُ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] قَالَ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ثنا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ الْأَعْمَشُ - عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُجْزِئُ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ ظَهْرَهُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ - قِرَاءَةُ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لَهُ - كُلُّهُمْ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ -: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعٍ وَلَا أَكْفِتَ الشَّعْرَ وَلَا الثِّيَابَ: الْجَبْهَةِ، وَالْأَنْفِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ» . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ فِي السُّجُودِ وَلَمْ يَضَعْ أَنْفَهُ وَلَا يَدَيْهِ وَلَا رُكْبَتَيْهِ أَجْزَأَهُ
ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يُجْزِئُهُ أَنْ يَضَعَ فِي السُّجُودِ أَنْفَهُ وَلَا يَضَعَ جَبْهَتَهُ وَلَا يَدَيْهِ وَلَا رُكْبَتَيْهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ثنا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ قَالَ لَنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَنَا فَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا فَقَالَ: إذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَالَ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] فَقُولُوا: آمِينَ، يُحِبُّكُمْ اللَّهُ وَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ؛ فَتِلْكَ بِتِلْكَ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. قَالَ عَلِيٌّ: مِنْ الْعَظَائِمِ الَّتِي نَعُوذُ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهَا أَنْ يَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ كَذَا أَوْ كَذَا، وَافْعَلُوا كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ قَائِلٌ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ: إنَّ الصَّلَاةَ تَتِمُّ دُونَ ذَلِكَ، مُقَلِّدًا لِمَنْ أَخْطَأَ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْخَبَرُ، أَوْ بَلَغَهُ فَتَأَوَّلَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِخِلَافِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَلِكَ مِنْ الْبَاطِلِ وَالتَّلَعُّبِ بِالسُّنَنِ أَنْ يَنُصَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أُمُورٍ ذَكَرَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِهَا -: فَيَقُولُ قَائِلٌ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ؛ بَعْضُ هَذِهِ الْأُمُورِ هُوَ كَذَلِكَ، وَبَعْضُهَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنْ أَقْدَمَ كَاذِبٌ عَلَى دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ. وَادَّعَى مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ. وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ خِلَافُ الْيَقِينِ الصَّادِقِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لِظَنٍّ كَاذِبٍ افْتَرَى فِيهِ الَّذِي ظَنَّهُ عَلَى الْأُمَّةِ كُلِّهَا؛ إذْ نَسَبَ إلَيْهَا مُخَالَفَةَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ". وَالْعَجَبُ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا يُجْزِئُ تَكْبِيرُ الْمَأْمُومِ إلَّا بَعْدَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ وَلَا يُجْزِئُ سَلَامُهُ إلَّا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ -: أَمَّا رُكُوعُهُ وَرَفْعُهُ وَسُجُودُهُ فَمَعَ الْإِمَامِ، وَهَذَا تَحَكُّمٌ عَجِيبٌ، وَكُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ هَهُنَا فَهُوَ لَازِمٌ لَهُمْ فِي التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مَنْعٌ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَلَا مَنْعُ الْمَأْمُومِ مِنْ قَوْلِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. وَإِيجَابُ هَذَا مَذْكُورٌ فِي الْخَبَرِ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ. وَلَا سَبِيلَ إلَى أَنْ تُوجَدَ جَمِيعُ الشَّرَائِعِ فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ، وَلَا فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا فِي سُورَةٍ وَاحِدَةٍ. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعِيدِ الْخَيْرِ كِتَابًا إلَيَّ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَغْرِبِيُّ الطَّرَسُوسِيُّ ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ النَّجِيرَمِيُّ ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَصْبَهَانِيّ بسيراف ثَنَا أَبُو بِشْرٍ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ الزُّبَيْرِيُّ ثَنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ عَنْ عَمِّهِ إيَاسِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْعَلُوهَا فِي الرُّكُوعِ فَلَمَّا نَزَلَتْ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] . قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَبِإِيجَابِ فَرْضِ هَذَا يَقُولُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ وَغَيْرُهُمَا. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ جَاءَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» وَأَنَّهُ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُسَدَّدٌ ثنا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَشَفَ السِّتَارَةَ عَنْ وَجْهِهِ، وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِيهِ الدُّعَاءَ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ.» قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا كُلِّهِ سُقُوطُ مَا أَوْجَبَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ بَلْ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " فَعَظِّمُوا الرَّبَّ " مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ".
وَأَمَّا اجْتِهَادُ الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ وَقَوْلُ «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» فَزِيَادَةُ خَيْرٍ، وَحَسَنَةٌ لِمَنْ فَعَلَهَا مَعَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَفَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ مَنْ أَسْقَطَ تَكْبِيرَتَيْنِ وَبَيْنَ مَنْ أَسْقَطَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ. وَهَذَا قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ أَصْلًا. وَقَدْ ذَكَرْنَا بُطْلَانَ قَوْلِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْعَمَلِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي الصَّلَاةِ بِرَأْيِهِ وَبَيَّنَّا أَنَّهُ قَوْلٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ لَا كَثِيرَ إلَّا وَهُوَ قَلِيلٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَلَا قَلِيلَ إلَّا وَهُوَ كَثِيرٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ، وَإِنَّ الْعَمَلَ الْوَاجِبَ فَتَرْكُ قَلِيلِهِ وَتَرْكُ كَثِيرِهِ سَوَاءٌ فِي مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّ الْعَمَلَ الْمُحَرَّمَ فَكَثِيرُهُ وَقَلِيلُهُ سَوَاءٌ فِي ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ، وَإِنَّ الْمُبَاحَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ مُبَاحٌ وَمَا عَدَا هَذَا فَبَاطِلٌ لَا خَفَاءَ بِهِ؛ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقَادِيرِ فِي الْأَعْمَالِ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا أَيْضًا كَذَلِكَ وَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» . وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَيْضًا مُسْنَدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو الْيَمَانِ أَنَا شُعَيْبٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ " أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا، فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ -: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ " وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنِّي لَأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلَاتُهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا ".
فَهَذَا آخِرُ عَمَلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَهُ الْمَالِكِيُّونَ بِرَأْيٍ لَا بِخَبَرٍ أَصْلًا، وَمَا لَهُمْ مُتَعَلِّقٌ إلَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَمْنَعْ الْإِمَامَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مِنْ أَنْ يَقُولَ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَلَا مَنَعَ الْمَأْمُومَ مِنْ أَنْ يَقُولَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْخَبَرِ فِي قَوْلِهِمَا لِذَلِكَ، وَلَا فِي تَرْكِهِمَا لِقَوْلِ ذَلِكَ، فَوَجَبَ طَلَبُ حُكْمِ ذَلِكَ مِنْ أَحَادِيثَ أُخَرَ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ وَهُوَ إمَامٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَأَنَّهُ عَمَلُهُ إلَى أَنْ مَاتَ؛ فَبَطَلَ قَوْلُ كُلِّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ؛ وَهُوَ أَيْضًا عَمَلُ السَّلَفِ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا كَانَ إمَامًا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ كَثِيرًا، ثُمَّ يَسْجُدُ لَا يُخْطِئُهُ. وَبِهِ إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ. أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَهُوَ إمَامٌ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ كَثِيرًا، يَرْفَعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ وَنُتَابِعُهُ مَعًا. وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَ ذَلِكَ. وَبِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: إنْ كُنْت مَعَ الْإِمَامِ فَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَإِنْ قُلْتَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَحَسَنٌ؛ وَإِنْ لَمْ تَقُلْهَا فَقَدْ أَجْزَأَ عَنْكَ، وَإِنْ تَجْمَعْهُمَا مَعَ الْإِمَامِ أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ عَلِيٌّ: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ يَقُولُ الْإِمَامُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَلَا يَقُولُ الْمَأْمُومُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. قَالَ عَلِيٌّ: فَفَرَّقَ بِلَا دَلِيلٍ؛ فَإِنْ كَانَ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» فَقَدْ تَنَاقَضَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ قَوْلُ الْإِمَامِ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ
فَإِنْ قَالَ: قَدْ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقُولُهَا وَهُوَ إمَامٌ، قُلْنَا: وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَ الصَّلَاةَ. وَفِيهَا أَنْ يُقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَلَمْ يَخُصَّ بِذَلِكَ مَأْمُومًا مِنْ إمَامٍ، مِنْ مُنْفَرِدٍ. قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا قَوْلُ: آمِينَ فَإِنَّهُ كَمَا ذَكَرْنَا يَقُولُهُ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ نَدْبًا وَسُنَّةً، وَيَقُولُهَا الْمَأْمُومُ فَرْضًا وَلَا بُدَّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَاجِ أَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: آمِينَ ". حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ الْجَهْضَمِيُّ - ثنا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى عَنْ بِشْرِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَلَا عَلَيْهِمْ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] قَالَ: آمِينَ، حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيَهُ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ» . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ «أَنَّ بِلَالًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ» . وَبِهِ إلَى وَكِيعٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ حُجْرِ بْنِ عَنْبَسٍ عَنْ
وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ: وَلَا الضَّالِّينَ فَقَالَ آمِينَ يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " آمِينَ " وَهُوَ إمَامٌ فِي الصَّلَاةِ، يَسْمَعُهَا مَنْ وَرَاءَهُ، وَهُوَ عَمَلُ السَّلَفِ كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ: أَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُؤَمِّنُ عَلَى إثْرِ أُمِّ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ وَرَاءَهُ، حَتَّى إنْ لِلْمَسْجِدِ لَلُجَّةً. قَالَ عَطَاءٌ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَقَدْ قَامَ الْإِمَامُ قَبْلَهُ فَيَقُولُ وَيُنَادِيه: لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ. قَالَ عَطَاءٌ: وَلَقَدْ كُنْت أَسْمَعُ الْأَئِمَّةَ يَقُولُونَ هُمْ أَنْفُسُهُمْ عَلَى إثْرِ أُمِّ الْقُرْآنِ " آمِينَ " هُمْ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ حَتَّى إنْ لِلْمَسْجِدِ لَلُجَّةً. قَالَ عَلِيٌّ: اللُّجَّةُ، الْجَلَبَةُ، وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ كَانَ مُؤَذِّنًا لِلْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ بِالْبَحْرَيْنِ فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسْبِقَهُ بِآمِينَ. وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: يُخْفِي الْإِمَامُ أَرْبَعًا: " التَّعَوُّذُ " " وَبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " " وَآمِينَ " " وَرَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ". وَعَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ كِلَيْهِمَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يُخْفِي الْإِمَامُ ثَلَاثًا: التَّعَوُّذُ، " وَبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " " وَآمِينَ ". وَعَنْ عِكْرِمَةَ: لَقَدْ أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَلَهُمْ ضَجَّةٌ بِآمِينَ. قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذَا عَمَلُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
فَأَمَّا أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَدَاوُد وَجُمْهُورُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَيَرَوْنَ الْجَهْرَ بِهَا لِلْإِمَامِ، وَالْمَأْمُومِ، وَبِهِ نَقُولُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْجَهْرُ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَقُولُهَا الْإِمَامُ سِرًّا - ذَهَبُوا إلَى تَقْلِيدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنْ يَقُولَ الْمَأْمُومُ " آمِينَ " وَلَا يَقُولُهَا الْإِمَامُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا قَوْلٌ لَا يُعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَطْعًا، نَعَمْ، وَلَا نَعْرِفُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ أَصْلًا فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ. إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْمُمْتَحِنِينَ بِتَقْلِيدِهِ قَالَ: إنَّ سُمَيًّا مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَسُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ رَوَيَا كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا قَالَ الْقَارِئُ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] فَقَالَ مَنْ خَلْفَهُ آمِينَ فَوَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . هَذَا لَفْظُ سُهَيْلٍ. وَأَمَّا لَفْظُ سُمَيٍّ فَإِنَّهُ قَالَ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] فَقُولُوا: آمِينَ» . قَالَ: فَلَيْسَ فِي هَذَا تَأْمِينُ الْإِمَامِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا غَايَةُ الْمَقْتِ فِي الِاحْتِجَاجِ، إذْ ذَكَرُوا حَدِيثًا لَيْسَ فِيهِ شَرِيعَةٌ قَدْ ذَكَرْت فِي حَدِيثٍ آخَرَ، فَرَامُوا إسْقَاطَهَا بِذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ فِي إسْقَاطِ جَمِيعِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ أَقْوَى مِنْ هَذَا الْعَمَلِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ تُذْكَرْ كُلُّ شَرِيعَةٍ فِي كُلِّ آيَةٍ، وَلَا فِي كُلِّ حَدِيثٍ، ثُمَّ مِنْ الْعَجَبِ احْتِجَاجُهُمْ بِأَبِي صَالِحٍ فِي أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَفْظًا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَلَوْ انْفَرَدَ سَعِيدٌ لَكَانَ يَعْدِلُ جَمَاعَةً مِثْلَ أَبِي صَالِحٍ فَكَيْفَ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ: أَنْ لَا يَقُولَ الْإِمَامُ " آمِينَ " فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» إنَّمَا مَعْنَاهُ إذَا قَالَ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] قَالَ عَلِيٌّ: فَيُقَالُ لَهُ: كَذَبْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُلْتَ عَلَيْهِ الْبَاطِلَ الَّذِي لَمْ يَقُلْهُ
- عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ نَفْسِهِ، وَأَخْبَرْت عَنْ مُرَادِهِ بِالْإِفْكِ، وَحَرَّفْت الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ بِلَا بُرْهَانٍ؛ وَمَا قَالَ قَطُّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ قَوْلَ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] يُسَمَّى تَأْمِينًا فَاحْتَجَّ لِقَوْلِهِ الْفَاسِدِ بِطَامَّةِ أُخْرَى وَهِيَ: أَنَّهُ قَالَ: قَدْ جَاءَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس: 89] أَنَّهُ كَانَ مُوسَى يَدْعُو وَهَارُونُ يُؤَمِّنُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا أَدْهَى وَأَمَرُّ لَيْتَ شَعْرِي أَيْنَ وَجَدَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، أَوْ مَنْ بَلَغَهُ إلَى مُوسَى، وَهَارُونَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ قَائِلٍ لَا يُدْرَى مِنْ أَيْنَ قَالَهُ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ يَقِينًا لَمَا كَانَ لَهُ فِيهِ حُجَّةٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْمُؤَمِّنَ فِي اللُّغَةِ دَاعٍ بِلَا شَكٍّ، لِأَنَّ مَعْنَى " آمِينَ " اللَّهُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فَالتَّأْمِينُ دُعَاءٌ صَحِيحٌ بِلَا شَكٍّ، وَلَا يُسَمَّى الدَّاعِي مُؤَمِّنًا أَصْلًا، وَلَا يُسَمَّى الدُّعَاءُ تَأْمِينًا حَتَّى يَلْفِظَ بِآمِينَ: فَكُلُّ تَأْمِينٍ دُعَاءٌ، وَلَيْسَ كُلُّ دُعَاءٍ تَأْمِينًا. فَكَيْفَ وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: آمِينَ، وَهُوَ الْإِمَامُ، وَهَذَا مِمَّا انْفَرَدُوا بِهِ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَجُمْهُورِ السَّلَفِ بِرَأْيِهِمْ بِلَا بُرْهَانٍ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا السُّجُودُ - فَإِنَّ مَنْ أَجَازَ السُّجُودَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ سَأَلْنَاهُ عَنْ عِمَامَةٍ غِلَظٌ كَوْرُهَا إصْبَعُ، ثُمَّ إصْبَعَانِ، إلَى أَنْ نُبْلِغَهُ إلَى ذِرَاعَيْنِ وَثَلَاثٍ وَأَكْثَرَ؛ فَيَخْرُجُ إلَى مَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ، ثُمَّ نَحُطُّهُ مِنْ الْإِصْبَعِ إلَى طَيَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عِمَامَةِ شَرِبَ وَكَلَّفْنَاهُ الْفَرْقَ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ. وَبِقَوْلِنَا يَقُولُ جُمْهُورُ السَّلَفِ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْت زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: رَأَى حُذَيْفَةُ رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلَا السُّجُودَ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْت، وَلَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهَا وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - أَنَّهُ رَأَى رَجُلَيْنِ يُصَلِّيَانِ أَحَدُهُمَا مُسَبِّلٌ إزَارَهُ، وَالْآخَرُ لَا يُتِمُّ
مسألة عجز المصلى عن الركوع أو عن السجود
رُكُوعَهُ وَلَا يُتِمُّ سُجُودَهُ؛ فَقَالَ: أَمَّا الْمُسَبِّلُ إزَارَهُ فَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاتَهُ. قَالَ عَلِيٌّ: مَنْ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ فِي عَمَلٍ مَا، فَذَلِكَ الْعَمَلُ بِلَا شَكٍّ غَيْرُ مَرَضِيٍّ؛ وَإِذْ هُوَ غَيْرُ مَرَضِيٍّ فَهُوَ يَقِينًا غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَعَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا سَارِقُ، أَعِدْ الصَّلَاةَ، وَاَللَّهِ لَتُعِيدَنَّ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى أَعَادَهَا، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إذَا سَجَدْت فَأَلْصِقْ أَنْفَك بِالْأَرْضِ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ لِمَنْ رَآهُ يُصَلِّي: أَمَسَّ أَنْفُكَ الْأَرْضَ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إذَا لَمْ تَضَعْ أَنْفَك مَعَ جَبْهَتِك لَمْ تُقْبَلْ مِنْك تِلْكَ السَّجْدَةُ وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَحْمَدُ، وَغَيْرُهُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّهُ كَرِهَ السُّجُودَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ. وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ حَسِرَ الْعِمَامَةَ عَنْ جَبْهَتِهِ. وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ حَتَّى يَكْشِفَهَا. وَعَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: أَصَابَتْنِي شَجَّةٌ فِي وَجْهِي فَعَصَبْتُ عَلَيْهَا وَسَأَلْتُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيَّ: أَسْجُدُ عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: انْزِعْ الْعِصَابَ وَعَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا إذَا سَجَدَ رَفَعَ رِجْلَيْهِ فِي السَّمَاءِ، فَقَالَ مَسْرُوقٌ: مَا تَمَّتْ صَلَاةُ هَذَا. [مَسْأَلَةٌ عَجَزَ الْمُصَلَّى عَنْ الرُّكُوعِ أَوْ عَنْ السُّجُودِ] 370 - مَسْأَلَةٌ: فَمَنْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ أَوْ عَنْ السُّجُودِ خَفَضَ لِذَلِكَ قَدْرَ طَاقَتِهِ فَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ الْإِيمَاءِ أَوْمَأَ. وَمَنْ لَمْ يَجِدْ لِلزِّحَامِ أَنْ يَضَعَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ لِلسُّجُودِ فَلْيَسْجُدْ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَمَامِهِ، أَوْ عَلَى ظَهْرِ مَنْ أَمَامَهُ وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَسْجُدُ عَلَى ظَهْرِ أَحَدٍ
مسألة كان بين يديه في الصلاة طين لا يفسد ثيابه ولا يلوث وجهه
بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . وَرُوِّينَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ آذَاهُ الْحَرُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيَبْسُطْ ثَوْبَهُ وَيَسْجُدْ عَلَيْهِ، وَمَنْ زَحَمَهُ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ فَلْيَسْجُدْ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ وَعَنْ الْحَسَنِ: إذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ فَإِنْ شِئْت فَاسْجُدْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيك، وَإِنْ شِئْت فَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ فَاسْجُدْ وَعَنْ طَاوُسٍ: إذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ فَأَوْمِ بِرَأْسِك مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ اُسْجُدْ عَلَى أَخِيك. وَعَنْ مُجَاهِدٍ سُئِلَ: أَيَسْجُدُ الرَّجُلُ فِي الزِّحَامِ عَلَى رِجْلِ الرَّجُلِ قَالَ: نَعَمْ وَعَنْ مَكْحُولٍ، وَالزُّهْرِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إذَا كَانَ الْمَرِيضُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوعِ وَلَا عَلَى السُّجُودِ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ. وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ أُمِّ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَتْ: رَأَيْت أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسْجُدُ عَلَى مِرْفَقَةٍ عَالِيَةٍ مِنْ رَمَدٍ كَانَ بِهَا. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَأَلَهُ أَبُو فَزَارَةَ عَنْ الْمَرِيضِ: أَيَسْجُدُ عَلَى الْمِرْفَقَةِ الطَّاهِرَةِ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: لَا بَأْسَ أَنْ يَلُفَّ الْمَرِيضُ الثَّوْبَ وَيَسْجُدَ عَلَيْهِ [مَسْأَلَةٌ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاة طِينٌ لَا يُفْسِدُ ثِيَابَهُ وَلَا يُلَوِّثُ وَجْهَهُ] 371 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ طِينٌ لَا يُفْسِدُ ثِيَابَهُ وَلَا يُلَوِّثُ وَجْهَهُ لَزِمَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَيْهِ، فَإِنْ آذَاهُ لَمْ يَلْزَمْهُ
مسألة الجلوس بعد رفع الرأس من آخر سجدة من الركعة الثانية
رُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ سَجَدَ عَلَى مَاءٍ وَطِينٍ وَانْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الطِّينِ» وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] [مَسْأَلَةٌ الْجُلُوسُ بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ آخِرِ سَجْدَةٍ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ] 372 - مَسْأَلَةٌ: وَالْجُلُوسُ بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ آخِرِ سَجْدَةٍ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَرْضٌ فِي كُلِّ صَلَاةٍ مُفْتَرَضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ، حَاشَا مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ أَنْوَاعِ الْوِتْرِ. فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ لَا تَكُونُ إلَّا رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّهُ يُفْضِي بِمَقَاعِدِهِ إلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ قَاعِدٌ وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَيَفْرِشُ الْيُسْرَى. وَإِذَا كَانَ فِي صَلَاةٍ تَكُونُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ أَوْ أَرْبَعًا جَلَسَ فِي هَذِهِ الْجِلْسَةِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى كَمَا قُلْنَا وَيَجْلِسُ فِي الْجِلْسَةِ الْآخِرَةِ الَّتِي تَلِي السَّلَامَ مُفْضِيًا بِمُقَاعِدَةِ إلَى الْأَرْضِ نَاصِبًا لِرِجْلِهِ الْيُمْنَى فَارِشًا لِلْيُسْرَى. وَفَرْضٌ عَلَيْهِ، أَنْ يَتَشَهَّدَ فِي كُلِّ جِلْسَةٍ مِنْ الْجِلْسَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَا -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عِيسَى بْنُ إبْرَاهِيمَ ثنا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَصَفُوا صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الصِّفَةِ -: فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى. فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَجَلَسَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ» وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: الْجُلُوسُ فِي كِلْتَيْ الْجِلْسَتَيْنِ سَوَاءٌ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا خِلَافُ الْأَثَرِ بِلَا بُرْهَانٍ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ مَنْصُورٍ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَحْمَةُ اللَّهِ
وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» . وَرَوَاهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَزَائِدَةٌ كُلُّهُمْ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرْفًا حَرْفًا وَرَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَالْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُد الْخُرَيْبِيِّ وَوَكِيعٌ كُلُّهُمْ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ بِإِسْنَادِهِ، وَلَفْظِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - بِإِسْنَادِهِ وَلَفْظِهِ - أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرةَ وَعَلْقَمَةُ، وَالْأَسْوَدُ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيُّ. فَإِنْ تَشَهَّدَ امْرُؤٌ بِمَا رَوَاهُ أَبُو مُوسَى، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، كُلُّهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَسَنٌ. وَاَلَّذِي تَخَيَّرْنَا هُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَدَاوُد وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَاخْتَارَ مَالِكٌ تَشَهُّدًا مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ ابْنُهُ وَسَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ: الْجُلُوسُ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ فَرْضًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْجُلُوسُ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فَرْضٌ وَلَيْسَ التَّشَهُّدُ فَرْضًا وَقَالَ مَالِكٌ: الْجُلُوسُ فَرْضٌ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ فَرْضٌ وَلَيْسَ التَّشَهُّدُ فَرْضًا وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ خَطَأٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالتَّشَهُّدِ فِي الْقُعُودِ فِي الصَّلَاةِ، فَصَارَ التَّشَهُّدُ فَرْضًا، وَصَارَ الْقُعُودُ الَّذِي لَا يَكُونُ التَّشَهُّدُ إلَّا فِيهِ فَرْضًا، إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ فَرْضٍ مَا لَا يَتِمُّ الْفَرْضُ إلَّا فِيهِ أَوْ بِهِ رُوِّينَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُسْلِمٍ أَبِي النَّضْرِ سَمِعْت حَمْلَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: لَا صَلَاةَ إلَّا بِتَشَهُّدٍ. وَعَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ: مَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالتَّشَهُّدِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ
مسألة المصلى إذا فرغ من التشهد
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كَانَ الْجُلُوسُ الْأَوَّلُ فَرْضًا لَمَا أَجْزَأَتْ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ إذَا نَسِيَهُ الْمَرْءُ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ السُّنَّةَ الَّتِي جَاءَتْ بِوُجُوبِهِ هِيَ الَّتِي جَاءَتْ بِأَنَّ الصَّلَاةَ تُجْزِئُ بِنِسْيَانِهِ. وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْجُلُوسَ عَمْدًا فِي مَوْضِعِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ حَرَامٌ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَعَمُّدِهِ، وَلَا تَبْطُلُ بِنِسْيَانِهِ، وَكَذَلِكَ السَّلَامُ قَبْلَ تَمَامِ الصَّلَاةِ وَلَا فَرْقَ فَعَادَ نَظَرُهُمْ ظَاهِرَ الْفَسَادِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْمُصَلَّى إذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ] 373 - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ: وَيَلْزَمُهُ فَرْضٌ " أَنْ يَقُولَ إذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ فِي كِلْتَيْ الْجِلْسَتَيْنِ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» وَهَذَا فَرْضٌ كَالتَّشَهُّدِ وَلَا فَرْقَ. لِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ ثنا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ حَسَّانُ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ. وَقَالَ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلِيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ رَوَيْتُمْ هَذَا الْخَبَرَ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ ثنا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَائِشَةَ
أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ» ثُمَّ ذَكَرَهَا نَصًّا كَمَا أَوْرَدْنَاهَا. قَالَ: فَهَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ، وَزِيَادَةُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ زِيَادَةُ عَدْلٍ، فَهِيَ مَقْبُولَةٌ، فَإِنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَقَطْ قُلْنَا: لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ وَحْدَهُ لَكَانَ مَا ذَكَرْتَ لَكِنَّهُمَا حَدِيثَانِ كَمَا أَوْرَدْنَا، أَحَدُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، وَالثَّانِي مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، فَإِنَّمَا زَادَ الْوَلِيدُ عَلَى وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَبَقِيَ خَبَرُ أَبِي سَلَمَةَ عَلَى عُمُومِهِ فِيمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ تَشَهُّدٍ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ هَذَا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ: أَنَّهُ صَلَّى ابْنُهُ بِحَضْرَتِهِ فَقَالَ لَهُ: أَذَكَرْت هَذِهِ الْكَلِمَاتِ قَالَ: لَا، فَأَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ 374 - مَسْأَلَةٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ إذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ - وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ - هُوَ الَّذِي أَرَى النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ - أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ» . وَمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ ثنا رَوْحٌ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ
أَنَا أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ «أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْف نُصَلِّي عَلَيْكَ. قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ لَمْ تَجْعَلُوا الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَثَرِ التَّشَهُّدِ فَرْضًا بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] كَمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ قُلْنَا: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ: إنَّ هَذَا الْقَوْلَ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ فِي كَلَامِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا لَمْ يَقُلْ، فَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ هَذَا الْقَوْلَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَهُ مَرَّةً فِي الدَّهْرِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ صَلَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا أُمِرَ ثُمَّ يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، فَهُوَ تَزَيُّدٌ مِنْ الْأَجْرِ؛ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» . فَإِنْ قِيلَ: مِنْ أَيْنَ اقْتَصَرْتُمْ عَلَى وُجُوبِ هَذَا مَرَّةً فِي الدَّهْرِ، وَلَمْ تُوجِبُوا تَكْرَارَ ذَلِكَ مَتَى ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْنَا: إنَّ قَوْلَ ذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَاجِبٌ بِالنَّصِّ، لَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ مَرَّةٍ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى الْمَرَّةِ فَنَحْنُ نَسْأَلُكُمْ: كَمْ مِنْ مَرَّةٍ تُوجِبُونَ ذَلِكَ فِي الدَّهْرِ، أَوْ فِي الْحَوْلِ، أَوْ فِي الشَّهْرِ، أَوْ فِي الْيَوْمِ، أَوْ فِي السَّاعَةِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْكُمْ تَحْدِيدُ عَدَدٍ دُونَ عَدَدٍ إلَّا بِبُرْهَانٍ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ؛ فَقَدْ امْتَنَعَ هَذَا بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ فَإِنْ قَالُوا: نُوجِبُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا مَوْجُودًا فِي الْآيَةِ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ فَهُوَ دَعْوَى مِنْكُمْ بِلَا بُرْهَانٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِنْ غَيْرِ الشَّافِعِيِّينَ: نَقُولُ بِإِيجَابِ ذَلِكَ مَتَى ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا قُلْنَا: أَيْضًا هَذَا لَا يُوجَدُ لَا فِي آيَةٍ وَلَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا فِي
مسألة التطبيق في الصلاة
حَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ كَعْبًا - وَهَذَا سَنَدٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ مُتَكَلِّمٌ فِيهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ مَجْهُولٌ؛ وَسَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ غَيْرُ مَشْهُورِ الْحَالِ. وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ رَأَى الصِّيَامَ فِي الِاعْتِكَافِ فَرْضًا - بِدَلِيلٍ ذَكَرَهُ بَيْنَ آيَتَيْ صِيَامٍ -: أَنْ يَجْعَلَ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ فَرْضًا لِلْأَمْرِ بِهَا مَعَ ذِكْرِ السَّلَامِ الَّذِي عَلِمُوهُ، وَهُوَ إمَّا السَّلَامُ الَّذِي فِي التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِمَّا السَّلَامُ مِنْ الصَّلَاةِ بِلَا شَكٍّ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَطَّرِدُونَ اسْتِدْلَالَهُمْ عَلَى ضَعْفِهِ، وَلَا يَلْتَزِمُونَ الْأَدِلَّةَ الْوَاجِبَ قَبُولُهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ التَّطْبِيقُ فِي الصَّلَاةِ] 375 - مَسْأَلَةٌ: وَالتَّطْبِيقُ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ. وَهُوَ وَضْعُ الْيَدَيْنِ بَيْنَ الرُّكْبَتَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَفْعَلُهُ، وَيَضْرِبُ الْأَيْدِيَ عَلَى تَرْكِهِ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ -: رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ نُوحِ بْنِ حَبِيبٍ الْقُومِسِيِّ: ثنا ابْنُ إدْرِيسَ هُوَ عَبْدَ اللَّهِ - عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ، فَقَامَ فَكَبَّرَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ طَبَّقَ يَدَيْهِ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ وَرَكَعَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ: صَدَقَ أَخِي قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا، ثُمَّ أُمِرْنَا بِهَذَا، يَعْنِي الْإِمْسَاكَ بِالرُّكَبِ» قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَضْعِ الْأَيْدِي عَلَى الرُّكَبِ فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، فَصَحَّ أَنَّهُ هُوَ الْأَمْرُ الْآخَرُ النَّاسِخُ لِلتَّطْبِيقِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ التَّسْلِيمُ فَرْضٌ لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ] 376 - مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا أَتَمَّ الْمَرْءُ صَلَاتَهُ فَلْيُسَلِّمْ، وَهُوَ فَرْضٌ لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ. وَيُجْزِئُهُ أَنْ يَقُولَ " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ " أَوْ " عَلَيْكُمْ السَّلَامُ " أَوْ " سَلَامٌ عَلَيْكُمْ " أَوْ " عَلَيْكُمْ سَلَامٌ " سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ فَذًّا؛ وَأَفْضَلُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ كُلَّ مَنْ ذَكَرْنَا
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " عَنْ يَمِينِهِ " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " عَنْ يَسَارِهِ. قَالَ عَلِيٌّ: بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ ثنا مُوسَى بْنُ دَاوُد ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ هُوَ الْخُدْرِيِّ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُجَالِدِيُّ ثنا فُضَيْلٌ هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ - عَنْ مَنْصُورٍ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَأَيُّكُمْ نَسِيَ شَيْئًا فِي صَلَاتِهِ فَلِيَتَحَرَّ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ صَوَابٌ ثُمَّ يُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ» . فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّسْلِيمِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ، وَأَوَامِرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَرْضٌ، وَلَفْظَةُ التَّسْلِيمِ تَقْتَضِي مَا ذَكَرْنَاهُ. حَدَّثَنَا حِمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَعْمَرٍ كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا نَسِيتُ فِيمَا نُسِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ أَيْضًا» . وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مُسْنَدًا أَبُو الْأَحْوَصِ، وَأَبُو مَعْمَرٍ. وَرَوَاهُ أَيْضًا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنُ عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَهُوَ فِعْلُ السَّلَفِ كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - ثنا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ثنا زُهَيْرٌ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ، وَعَلْقَمَةُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ وَيُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، وَرَأَيْت أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ يَفْعَلَانِهِ» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَعَنْ الصَّحَابَةِ جُمْلَةً - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِأَصَحِّ إسْنَادٍ يَكُونُ وَرُوِّينَاهُ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، وَخَيْثَمَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالنَّخَعِيِّ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: التَّسْلِيمَتَانِ مَعًا فَرْضٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: التَّسْلِيمَتَانِ اخْتِيَارٌ، وَلَيْسَ السَّلَامُ مِنْ الصَّلَاةِ فَرْضًا؛ بَلْ إذَا قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ. فَإِنْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ أَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ، أَوْ تَعَمَّدَ الْقِيَامَ، أَوْ الْكَلَامَ، أَوْ الْعَمَلَ فَذَلِكَ مُبَاحٌ، وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَالْأَمَةُ تُصَلِّي مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ ثُمَّ تُعْتَقُ فِي آخِرِ صَلَاتِهَا بَعْدَ أَنْ جَلَسَتْ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ وَقَبْلَ أَنْ تُسَلِّمَ فَإِنَّ صَلَاتَهَا قَدْ تَمَّتْ. وَمَنْ صَلَّى جَالِسًا لِمَرَضٍ ثُمَّ صَحَّ بَعْدَ أَنْ قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ وَقَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ. وَمَنْ صَلَّى مُتَحَرِّيًا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ثُمَّ عَرَفَ الْقِبْلَةَ بَعْدَ أَنْ قَعَدَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ وَلَمْ يُسَلِّمْ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ إلَّا فِي مَوَاضِعَ عَشْرَةٍ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ السَّلَامَ فِيهَا فَرْضًا، وَأَبْطَلَ صَلَاةَ مَنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنْهَا وَإِنْ قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ وَهِيَ -:
مَنْ صَلَّى بِتَيَمُّمٍ فَرَأَى الْمَاءَ بَعْدَ أَنْ قَعَدَ فِي آخِرِهَا مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ وَلَمْ يُسَلِّمْ وَمَنْ صَلَّى وَهُوَ عُرْيَانُ ثُمَّ وَجَدَ مَا يُغَطِّي بِهِ عَوْرَتَهُ بَعْدَ أَنْ قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ طَلَعَ أَوَّلُ قُرْصِ الشَّمْسِ بَعْدَ أَنْ قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ؛ فَلَوْ قَهْقَهَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاتُهُ قَدْ بَطَلَتْ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ: انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَمَنْ تَمَّ لَهُ وَقْتُ الْمَسْحِ بَعْدَ أَنْ قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ وَمَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ فَخَرَجَ وَقْتُهَا وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَقَدْ قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ وَمَنْ قَعَدَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ صَلَاةً فَاتَتْهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا خَمْسُ صَلَوَاتٍ فَأَقَلُّ وَالْمُسْتَحَاضَةُ خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ فِيهَا بَعْدَ أَنْ قَعَدَتْ فِي آخِرِهَا مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ إلَّا أَنَّهَا لَمْ تُسَلِّمْ وَمَنْ صَلَّى وَهُوَ لَا يُحْسِنُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ فَتَعَلَّمَ سُورَةً بَعْدَ أَنْ قَعَدَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ وَمَنْ مَسَحَ عَلَى جِرَاحَةٍ بِهِ فَبَرِئَتْ بَعْدَ أَنْ جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ، وَقَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ، وَيَلْزَمُهُمْ ابْتِدَاؤُهَا وَمَنْ صَلَّى وَهُوَ مُسَافِرٌ فَلَمَّا جَلَسَ فِي آخِرِ الرَّكْعَتَيْنِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ فَنَوَى الْإِقَامَةَ فَإِنَّ فَرْضًا عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا حَضَرِيَّةً؛ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيمَنْ صَلَّى وَهُوَ مَرِيضٌ نَائِمًا - لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ - ثُمَّ صَحَّ بَعْدَ أَنْ قَعَدَ فِي نِيَّتِهِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ
وَمَنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ مَرَضٌ نَقَلَهُ إلَى الْجُلُوسِ، أَوْ الْإِيمَاءِ بَعْدَ أَنْ قَعَدَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ وَلَمْ يُسَلِّمْ -: فَمَرَّةً قَالَ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ وَيَبْتَدِئُونَهَا - وَمَرَّةً قَالَ: قَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُمْ قَالَ عَلِيٌّ: وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَا هَذِهِ الْمَسَائِلَ لِنَرَى تَنَاقُضَ أَقْوَالِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّقُوا لَا بِإِيجَابِ السَّلَامِ فَرْضًا وَلَا بِتَرْكِ إيجَابِهِ، وَلَا ثَبَتُوا عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا وَهَذِهِ أَقْوَالٌ نَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى السَّلَامَةِ مِنْ مِثْلِهَا وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ أَصْحَابَهُ لَمْ يُخْرِجُوا هَذَا مِنْهُ عَلَى أَنَّهُمَا قَوْلَانِ لَهُ؛ بَلْ مَا زَالُوا يَشْغَبُونَ بِالْبَاطِلِ وَالْهَذْرِ فِي تَصْحِيحِ إسْقَاطِ فَرْضِ السَّلَامِ جُمْلَةً إلَّا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ؛ فَإِنَّهُمْ شَغَبُوا فِي إيجَابِ فَرْضِ السَّلَامِ فِيهَا فَقَطْ، لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ فَلَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ وَقَالَ مَالِكٌ: السَّلَامُ فَرْضٌ تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ عَرَضَ لَهُ مَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يُسَلِّمْ؛ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: الْإِمَامُ وَالْفَذُّ لَا يُسَلِّمَانِ إلَّا تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ شِمَالِهِ أَحَدٌ سَلَّمَ - تَسْلِيمَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْأُخْرَى يَرُدُّ بِهَا عَلَى الْإِمَامِ، فَإِنْ كَانَ عَنْ يَسَارِهِ أَحَدٌ سَلَّمَ ثَالِثَةً رَدًّا عَلَى الَّذِي عَنْ يَسَارِهِ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا أَيْضًا قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، وَتَقْسِيمٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ؛ وَالْإِمَامُ لَمْ يَقْصِدْ بِسَلَامِهِ أَحَدًا، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مَعَ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ، وَالْكَلَامُ مَعَ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَغَيْرِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ وَبُرْهَانُ هَذَا -: أَنَّ الْمُصَلِّيَ - كَانَ مَعَهُ أَحَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ - فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ كَمَا يُسَلِّمُ الْإِمَامُ، فَصَحَّ أَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ الصَّلَاةِ، لَا تَسْلِيمٌ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ. فَسَقَطَ هَذَانِ الْقَوْلَانِ سُقُوطًا بَيِّنًا دُونَ كُلْفَةٍ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ قَالَ عَلِيٌّ: وَبَقِيَ قَوْلُ مَنْ لَمْ يَرَ التَّسْلِيمَ مِنْ الصَّلَاةِ فَرْضًا، وَقَوْلُ مَنْ اخْتَارَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً، مِمَّنْ لَمْ يَضْطَرِبْ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ؛ فَوَجَدْنَا مَنْ لَا يَرَى التَّسْلِيمَ فَرْضًا يَحْتَجُّ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ: ثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ الْحُرِّ «عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ
أَخَذَ عَلْقَمَةُ بِيَدِي وَحَدَّثَنِي: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخَذَ بِيَدِهِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ فَعَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ فَذَكَرَ التَّشَهُّدَ، قَالَ: فَإِذَا قُلْتَ هَذَا فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ إنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ انْفَرَدَ بِهَا الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ، وَلَعَلَّهَا مِنْ رَأْيِهِ وَكَلَامِهِ، أَوْ مِنْ كَلَامِ عَلْقَمَةَ، أَوْ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَلْقَمَةَ: إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ - وَهُوَ أَضْبَطُ مِنْ الْقَاسِمِ - فَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ. كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَبَلَةَ قَالَ: ثنا الْعَلَاءُ بْنُ هِلَالٍ الرَّقِّيُّ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ عَنْ زَيْدٍ هُوَ ابْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ - عَنْ حَمَّادٍ هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ - عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «كُنَّا لَا نَدْرِي مَا نَقُولُ إذَا صَلَّيْنَا، فَعَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَامِعَ الْكَلِمِ، فَقَالَ لَنَا: قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ عَلْقَمَةُ: لَقَدْ رَأَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يُعَلِّمُنَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ» . ثُمَّ لَوْ صَحَّ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكَانَ مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - زِيَادَةَ حُكْمٍ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا
وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إيجَابُ التَّسْلِيمِ فَرْضًا كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ: ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدُّ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ وَانْقِضَاؤُهَا التَّسْلِيمُ فَوَضَحَ بِهَذَا أَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ إمَّا أَنَّهَا مِمَّنْ بَعْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِمَّا أَنَّهَا عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْسُوخَةٌ، وَالْحُجَّةُ كُلُّهَا فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالسَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ. وَأَمَّا مَنْ رَأَى تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً وَكَرِهَ مَا زَادَ، فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِأَخْبَارٍ -: مِنْهَا - مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمُصْعَبِ عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعْدٍ. وَالثَّابِتُ مِنْ طَرِيقِ سَعْدٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ» . وَبِآثَارٍ وَاهِيَةٍ -: مِنْهَا - مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَجِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ؛ وَكِلَاهُمَا مَجْهُولٌ أَوْ مُرْسَلٌ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ - أَوْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زُهَيْرٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَهُوَ سَاقِطٌ وَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَتْ أَحَادِيثُ التَّسْلِيمَتَيْنِ زِيَادَةً يَكُونُ الْفَضْلُ فِي الْأَخْذِ بِهَا فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ: حَدِيثَ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى الْجَانِبَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا تُومِئُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ إنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ» . قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا إنْ كَانَ فِي السَّلَامِ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِلَا شَكٍّ، بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» . وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّهُ مُحْكَمٌ؛ ثُمَّ ادَّعَى قَوْمٌ تَخْصِيصَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ النَّاسِخُ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلُ مِنْ إبَاحَةِ التَّسْلِيمِ وَرَدِّهِ فِي الصَّلَاةِ؛ فَصَحَّ أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
مسألة سها عن شيء من الصلاة
[مَسْأَلَةٌ سَهَا عَنْ شَيْء مِنْ الصَّلَاة] 377 - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَنْ سَهَا عَنْ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فَإِنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ حَتَّى رَكَعَ لَمْ يُعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَقَضَاهَا إذَا أَتَمَّ الْإِمَامُ إنْ كَانَ مَأْمُومًا، وَكَذَلِكَ يُلْغِيهَا الْفَذُّ وَالْإِمَامُ، وَيُتِمَّانِ صَلَاتَهُمَا، وَعَلَى جَمِيعِهِمْ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتُوا بِالرَّكْعَةِ كَمَا أُمِرُوا، وَكُلُّ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعْمَلَ فِي مَكَان مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْمَلَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1] [مَسْأَلَةٌ تَعَمُّدُ الْكَلَامِ مَعَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ] 378 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ تَعَمُّدُ الْكَلَامِ مَعَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ، لَا مَعَ الْإِمَامِ فِي إصْلَاحِ الصَّلَاةِ وَلَا مَعَ غَيْرِهِ، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَلَوْ قَالَ فِي صَلَاتِهِ: رَحِمَك اللَّهُ يَا فُلَانُ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا أَبَانُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ - ثنا عَاصِمُ هُوَ ابْنُ أَبِي النَّجُودِ - عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «كُنَّا نُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ وَنَأْمُرُ بِحَاجَاتِنَا، فَقَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَأَخَذَنِي مَا قَدُمَ وَمَا حَدَثَ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ قَالَ: إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ»
مسألة لا يجوز لأحد أن يفتي الإمام إلا في أم القرآن وحدها
[مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ الْإِمَامَ إلَّا فِي أُمِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهَا] 379 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ الْإِمَامَ إلَّا فِي أُمِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهَا. فَإِنْ الْتَبَسَتْ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْإِمَامِ فَلْيَرْكَعْ، أَوْ فَلْيَنْتَقِلْ إلَى سُورَةٍ أُخْرَى، فَمَنْ تَعَمَّدَ إفْتَاءَهُ وَهُوَ يَدْرِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَتَقْرَءُونَ خَلْفِي قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» فَوَجَبَ أَنَّ مَنْ أَفْتَى الْإِمَامَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ؛ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ.
فَإِنْ كَانَ قَصَدَ بِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَقْرَأَ الْمَأْمُومُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ حَاشَا أُمِّ الْقُرْآنِ. إنْ كَانَ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ كَلَامٌ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ أَخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ. وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ: فَإِنْ ذَكَرُوا خَبَرًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ يَزِيدَ الْأَسَدِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَسِيَ آيَةً فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ ذَكَّرَهُ رَجُلٌ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: أَفَلَا أَذْكَرْتَنِيهَا» . فَإِنَّ هَذَا مُوَافِقٌ لِمَعْهُودِ الْأَصْلِ مِنْ إبَاحَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّ نَهْيَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقْرَأَ خَلْفَهُ إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَنَاسِخٌ لِذَلِكَ وَمَانِعٌ مِنْهُ؛ وَلَا يَجُوزُ الْعَوْدُ إلَى حَالٍ مَنْسُوخَةٍ بِدَعْوَى كَاذِبَةٍ فِي عَوْدِيِّهَا
مسألة تكلم ساهيا في الصلاة
[مَسْأَلَةٌ تَكَلَّمَ سَاهِيًا فِي الصَّلَاةِ] 380 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا فِي الصَّلَاةِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ قَلَّ كَلَامُهُ أَوْ كَثُرَ، وَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ إنْ تَكَلَّمَ جَاهِلًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا وَسَهْوًا سَوَاءٌ: تَبْطُلُ بِكِلَيْهِمَا؛ وَرَأَى السَّلَامَ فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا يُبْطِلُهَا، وَلَا يُبْطِلُهَا إذَا كَانَ سَهْوًا - وَهَذَا تَنَاقُضٌ بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الشِّيرَازِيِّ أَخْبَرَتْنَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحَسَنِ بْنِ الرَّيَّانِ الْمَخْزُومِيِّ وَرَّاقِ بَكَّارِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْقَاضِي قَالَتْ: ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ ثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ «مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إلَيَّ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ،
فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاَللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي قَالَ: إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» ، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا الْحَدِيثُ يُبْطِلُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ بِيَقِينٍ، وَلَمْ يُبْطِلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ. فَإِنْ قِيلَ: وَلَا أَمَرَهُ بِسُجُودِ السَّهْوِ قُلْنَا: قَدْ صَحَّ الْأَمْرُ بِالسُّجُودِ مَنْ زَادَ فِي صَلَاتِهِ أَوْ نَقَصَ، فَوَاجِبٌ ضَمُّ هَذَا الْحُكْمِ إلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى ثنا شَيْبَانُ ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الظُّهْرِ فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَمْ تَقْصُرْ وَلَمْ أَنْسَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّمَا صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَغَلَط فِي هَذَا الْخَبَرِ صِنْفَانِ: أَحَدُهُمَا - أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي - ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ وَافَقَهُ
فَأَمَّا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَعَلَّ هَذَا الْخَبَرَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالُوا: الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، ذَكَرَ ذَلِكَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالزُّهْرِيُّ. وَعَمَدُوا إلَى لَفْظٍ ذَكَرَهُ بَعْضُ رُوَاةِ الْخَبَرِ وَهُوَ «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَقَالُوا: هَذَا إخْبَارٌ بِأَنَّهُ صَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ وَتَمْوِيهٌ وَظَنٌّ كَاذِبٌ -: أَمَّا قَوْلُهُمْ: لَعَلَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ قَبْلَ يَوْمِ بَدْرٍ بِيَقِينٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا ابْنُ نُمَيْرٍ ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ هُوَ مُحَمَّدٌ - ثنا الْأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا، وَقَالَ: إنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا» . وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ شَهِدَ بَدْرًا بَعْدَ إقْبَالِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ - وَكِلَاهُمَا مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ - يَذْكُرَانِ جَمِيعًا حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ، وَإِسْلَامُهُمَا بَعْدَ بَدْرٍ بِأَعْوَامٍ - وَكَذَلِكَ مُعَاوِيَةُ بْنُ خَدِيجٍ أَيْضًا. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَتَمْوِيهٌ بَارِدٌ، لِوُجُوهٍ -: أَحَدُهَا: أَنَّ أَعْلَى مَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ فَابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَلَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَ بَدْرٍ بِبِضْعَةِ عَشَرَ عَامًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَقْتُولَ يَوْمَ بَدْرٍ إنَّمَا هُوَ ذُو الشِّمَالَيْنِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ عَمْرٍو وَنَسَبُهُ الْخُزَاعِيُّ، وَالْمُكَلِّمُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ ذُو الْيَدَيْنِ وَاسْمُهُ الْخِرْبَاقُ وَنَسَبُهُ سُلَمِيٌّ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» إنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ صَلَاتِهِ بِالْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَعَهُمْ -: فَبَاطِلٌ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا «بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ. فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا السَّهْوَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعَمْدِ قِيلَ لَهُمْ: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يُقَاسُ عَلَى نَظِيرِهِ، لَا عَلَى ضِدِّهِ، وَالنِّسْيَانُ ضِدُّ الْعَمْدِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: فَهَلَّا قِسْتُمْ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ سَهْوًا عَلَى السَّلَامِ فِي الصَّلَاةِ سَهْوًا، فَهُوَ أَشْبَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُمَا مَعًا كَلَامٌ فَأَيُّ شَيْءٍ قَصَدُوا بِهِ إلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ سَهْوِ الْكَلَامِ وَعَمْدِهِ أَبْيَنُ وَأَوْضَحُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ وَافَقَهُ فَإِنَّهُمْ أَجَازُوا بِهَذَا الْخَبَرِ كَلَامَ النَّاسِ مَعَ الْإِمَامِ فِي إصْلَاحِ الصَّلَاةِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ النَّاسَ إنَّمَا كَلَّمُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَطْ، وَتَعَمُّدُ الْكَلَامِ مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يَضُرُّ الصَّلَاةَ شَيْئًا، وَكَلَّمَهُمْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ يُقَدِّرُ أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ، وَأَنَّ الْكَلَامَ لَهُ مُبَاحٌ؛ وَكَذَلِكَ تَكَلَّمَ النَّاسُ يَوْمئِذٍ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الصَّلَاةَ قَصُرَتْ وَتَمَّتْ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دُلَيْمٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ - عَنْ شُعْبَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ «أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ كُنْتُ أُصَلِّي فَرَآنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَانِي فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي قُلْتُ: كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24]
مسألة لا يحل للمصلي أن يضم ثيابه قاصدا بذلك الصلاة
» ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. فَصَحَّ أَنَّ هَذَا بَعْدَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، لِامْتِنَاعِ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ إجَابَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَتَمَّ الصَّلَاةَ، وَصَحَّ أَنَّ الْكَلَامَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُبَاحٌ فِي الصَّلَاةِ هَذَا خَاصٌّ لَهُ، وَفِيهِ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْعُمُومِ، وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الْمُتَيَقِّنِ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ " السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ ". وَلَا يَخْتَلِفُ الْحَاضِرُونَ مِنْ خُصُومِنَا عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ عَامِدًا فِي صَلَاتِهِ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا فُلَانُ، أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ بَطَلَتْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَضُمَّ ثِيَابَهُ قَاصِدًا بِذَلِكَ الصَّلَاةِ] 381 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَضُمَّ ثِيَابَهُ أَوْ يَجْمَعَ شَعْرَهُ قَاصِدًا بِذَلِكَ لِلصَّلَاةِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمَ وَأَنْ لَا أَكْفِتَ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا» . [مَسْأَلَةٌ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يَغُضَّ بَصَرَهُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ] 382 - مَسْأَلَةٌ: وَفُرِضَ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يَغُضَّ بَصَرَهُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30] {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 31] . مَنْ فَعَلَ فِي صَلَاتِهِ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِهَا فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِالصَّلَاةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: مَنْ تَأَمَّلَ عَوْرَةَ إنْسَانٍ فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
مسألة المصلي لا يضحك ولا يتبسم عمدا
[مَسْأَلَةٌ المصلي لَا يَضْحَكَ وَلَا يَتَبَسَّمَ عَمْدًا] 383 - مَسْأَلَةٌ: وَفُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَضْحَكَ وَلَا يَتَبَسَّمَ عَمْدًا، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ وَإِنْ سَهَا بِذَلِكَ فَسُجُودُ السَّهْوِ فَقَطْ. وَأَمَّا الْقَهْقَهَةُ فَإِجْمَاعٌ، وَأَمَّا التَّبَسُّمُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] وَالْقُنُوتُ الْخُشُوعُ، وَالتَّبَسُّمُ ضَحِكٌ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا} [النمل: 19] وَمَنْ ضَحِكَ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَخْشَعْ، وَمَنْ لَمْ يَخْشَعْ فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ. رُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ التَّبَسُّمِ فِي الصَّلَاةِ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ التَّبَسُّمَ إلَّا ضَحِكًا. وَمِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ مِنْ الضَّحِكِ. قَالَ عَلِيٌّ: إنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْقَهْقَهَةِ وَالتَّبَسُّمِ مَنْ يَقُولُ بِالِاسْتِحْسَانِ، فَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، وَهَذَا بَاطِلٌ، وَفَرْقٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إلَّا الدَّعْوَى وَلَا يَخْلُو الضَّحِكُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا فِي الصَّلَاةِ أَوْ مُحَرَّمًا فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ فِي التَّحْرِيمِ. وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ فِي الْإِبَاحَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ فرض عَلَى المصلي أَنْ لَا يَمْسَحَ الْحَصَا أَوْ مَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً] 384 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنْ لَا يَمْسَحَ الْحَصَا أَوْ مَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً؛ وَتَرْكُهَا أَفْضَلُ، لَكِنْ يُسَوِّي مَوْضِعَ سُجُودِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ هُوَ يَحْيَى - عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُعَيْقِيبٍ «أَنَّهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمَسْحِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: وَاحِدَةٌ» .
مسألة يقطع صلاة المصلي كون الكلب بين يديه مارا أو غير مار
قَالَ مُسْلِمٌ: وَثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى ثنا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ، قَالَ: إنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً» [مَسْأَلَةٌ يَقْطَعُ صَلَاةَ الْمُصَلِّي كَوْنُ الْكَلْبِ بَيْنَ يَدَيْهِ مَارًّا أَوْ غَيْرَ مَارٍّ] 385 - مَسْأَلَةٌ: وَيَقْطَعُ صَلَاةَ الْمُصَلِّي كَوْنُ الْكَلْبِ بَيْنَ يَدَيْهِ، مَارًّا أَوْ غَيْرَ مَارٍّ، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، أَوْ كَوْنُ الْحِمَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ كَذَلِكَ أَيْضًا، وَكَوْنُ الْمَرْأَةِ بَيْنَ يَدَيْ الرَّجُلِ، مَارَّةً أَوْ غَيْرَ مَارَّةٍ، صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً إلَّا أَنْ تَكُونَ مُضْطَجِعَةً مُعْتَرِضَةً فَقَطْ، فَلَا تَقْطَعُ الصَّلَاةَ حِينَئِذٍ، وَلَا يَقْطَعُ النِّسَاءُ بَعْضُهُنَّ صَلَاةَ بَعْضٍ فَإِنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي شَيْءٌ مُرْتَفِعٌ بِقَدْرِ الذِّرَاعِ - وَهُوَ قَدْرُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ الْمَعْهُودَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ وَلَا نُبَالِي بِغِلَظِهَا - لَمْ يَضُرَّ صَلَاتَهُ كُلُّ مَا كَانَ وَرَاءَ السُّتْرَةِ مِمَّا ذَكَرْنَا، وَلَا مَا كَانَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ فَوْقَ السُّتْرَةِ. وَمَنْ حَمَلَ صَبِيَّةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُصَلِّي بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - ثنا الْمَخْزُومِيُّ هُوَ أَبُو هِشَامٍ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ - ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ
ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَصَمِّ ثنا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُرْكَزُ لَهُ الْحَرْبَةُ فَيُصَلِّي إلَيْهَا» . وَقَدْ رُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ» . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فَصَلَّى فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ: الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ» قُلْنَا: نَعَمْ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ فِيهِمَا زِيَادَةٌ عَلَى حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَالزِّيَادَةُ
الْوَارِدَةُ فِي الدِّينِ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فُرِضَ قَبُولُهَا، وَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَخَذَ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَلَمْ يُخَالِفْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ إلَّا ذِكْرُ الْأَسْوَدِ فَقَطْ، وَمَنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فَقَدْ خَالَفَ رِوَايَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ. وَأَمَّا كَوْنُ الْمَرْأَةِ مُعْتَرِضَةً لَا تَقْطَعُ الصَّلَاةَ؛ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يُوسُفَ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمٌ الْحَجَّاجُ ثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ثنا أَبِي ثنا الْأَعْمَشُ ثنا إبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ - وَمُسْلِمٌ هُوَ أَبُو الضُّحَى - كِلَاهُمَا عَنْ مَسْرُوقٍ «عَنْ عَائِشَةَ وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي وَإِنِّي عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مُضْطَجِعَةً، فَتَبْدُو لِي الْحَاجَةُ فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ فَأُوذِيَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ» قَالَ عَلِيٌّ: فَقَدْ فَرَّقَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ بَيْنَ حَالِ جُلُوسِهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي، فَأَخْبَرَتْ بِأَنَّهُ أَذًى لَهُ، وَبَيْنَ اضْطِجَاعِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَمْ تَرَهُ أَذًى، وَهَذَا نَصُّ قَوْلِنَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَقَدْ ذَكَرْنَا صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَامِلًا أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عُنُقِهِ فَاسْتَثْنَيْنَا مَا اسْتَثْنَاهُ النَّصُّ، وَأَبْقَيْنَا مَا أَبْقَاهُ النَّصُّ.
وَقَدْ قَالَ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْكَلْبُ، وَالْمَرْأَةُ وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ثنا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ. وَهَذَانِ سَنَدَانِ لَا يُوجَدُ أَصَحُّ مِنْهُمَا وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: كُنْت أُصَلِّي إلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ فَدَخَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ - يُرِيدُ جَرْوًا - فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيَّ فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: أَمَّا أَنْتَ فَأَعِدْ الصَّلَاةَ؛ وَأَمَّا أَنَا فَلَا أُعِيدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ: أَنَّ جَرْوًا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ ابْنِ عُمَرَ فَقَطَعَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ وَهَذَا أَيْضًا أَصَحُّ إسْنَادٍ يَكُونُ وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيُّ ثنا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: صَلَّى الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ بِالنَّاسِ فِي سَفَرٍ وَبَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، فَمَرَّتْ حَمِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِهِ فَأَعَادَ بِهِمْ الصَّلَاةَ
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: جَعَلْتُمُونَا بِمَنْزِلَةِ الْكَلْبِ، وَالْحِمَارِ؛ وَإِنَّمَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ، وَالسِّنَّوْرُ وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، إلَّا أَنَّهُمَا خَصَّا: الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ، وَالْمَرْأَةَ الْحَائِضَ وَعَنْ عِكْرِمَةَ: يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْكَلْبُ، وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ فَيَّاضٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا الْأَحْوَصِ - هُوَ صَاحِبُ ابْنِ مَسْعُودٍ - يَقُولُ: يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْكَلْبُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ، وَالْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ إلَّا أَنْ تَكُونَ مُضْطَجِعَةً قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً إلَّا حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ كَمَا أَوْرَدْنَاهُ.
وَحَدِيثًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَقْبَلْت رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْت الِاحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ فَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلَتْ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِوُجُوهٍ: أَوَّلُهُمَا: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ نا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ - سَمِعْت أَبَا جُحَيْفَةَ قَالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْهَاجِرَةِ إلَى الْبَطْحَاءِ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ» . وَزَادَ فِيهِ عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ «وَكَانَ يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ ثنا أُبَيٌّ ثنا شُعْبَةُ عَنْ يَعْلَى هُوَ ابْنُ عَطَاءٍ - سَمِعَ أَبَا عَلْقَمَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» . قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا لَمْ يَحِلَّ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ مِمَّا ذَكَرْنَا فَلَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ سُتْرَةٌ لِجَمِيعِ الْمَأْمُومِينَ، وَلَوْ امْتَدَّ الصَّفُّ فَرَاسِخَ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: الْإِجْمَاعُ الْمُتَيَقَّنُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ فِي أَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ لَا يُكَلَّفُ أَحَدٌ مِنْ الْمَأْمُومِينَ اتِّخَاذَ سُتْرَةٍ أُخْرَى؛ بَلْ اكْتَفَى الْجَمِيعُ بِالْعَنَزَةِ الَّتِي كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُصَلِّي إلَيْهَا، فَلَمْ تَدْخُلْ أَتَانُ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ
وَأَيْضًا: فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - كَمَا أَوْرَدْنَا قَبْلُ - أَنَّ الْحِمَارَ، وَالْمَرْأَةَ وَالْكَلْبَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَعَهْدُنَا بِهِمْ يَقُولُونَ: إنَّ الرَّاوِيَ مِنْ الصَّحَابَةِ أَعْلَمُ بِمَا رَوَى ثُمَّ لَوْ صَحَّ غَيْرُ هَذَا - وَهُوَ لَا يَصِحُّ - لَكَانَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو ذَرٍّ - هُوَ النَّاسِخَ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ وُرُودِ مَا رَوَوْهُ وَذَكَرُوا خَبَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا - مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَارَ الْعَبَّاسَ فَصَلَّى وَبَيْنَ يَدَيْهِ حِمَارَةٌ وَكُلَيْبَةٌ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ لَمْ يُدْرِكْ عَمَّهُ الْفَضْلَ وَحَدِيثٌ مِنْ طَرِيقِ مُجَالِدٍ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ» . قَالَ عَلِيٌّ: أَبُو الْوَدَّاكِ ضَعِيفٌ، وَمُجَالِدٌ مِثْلُهُ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ كُلُّ هَذَا لَمَا وَجَبَ الْأَخْذُ بِإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى إلَّا بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ، لَا بِالْهَوَى وَالْمُطَارَفَةِ، فَلَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الْآثَارُ - وَهِيَ لَا تَصِحُّ - لَكَانَ حُكْمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ
الْكَلْبَ، وَالْحِمَارَ، وَالْمَرْأَةَ يَقْطَعُونَ الصَّلَاةَ - هُوَ النَّاسِخَ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلُ، مِنْ أَنْ لَا يَقْطَعَ الصَّلَاةَ شَيْءٌ مِنْ الْحَيَوَانِ، كَمَا لَا يَقْطَعُهَا: الْفَرَسُ، وَالسِّنَّوْرُ، وَالْخِنْزِيرُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ؛ فَمِنْ الْبَاطِلِ الَّذِي لَا يَخْفَى وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ النَّاسِخِ الْمُتَيَقَّنِ وَالْأَخْذُ بِالْمَنْسُوخِ الْمُتَيَقَّنِ. وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ تَعُودَ الْحَالَةُ الْمَنْسُوخَةُ ثُمَّ لَا يُبَيِّنُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَوْدَهَا. وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] قَالَ: فَمَا يَقْطَعُ هَذَا قَالَ عَلِيٌّ: يَقْطَعُهُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْمُشْغِبِينَ -:
مسألة لا يحل للمصلي أن يرفع بصره إلى السماء
قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَمَسُّهُ ذَكَرَهُ، وَأَكْثَرُ مِنْ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ مِنْ بَوْلٍ، وَيَقْطَعُهُ عِنْدَ الْكُلِّ: رُوَيْحَةٌ تَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ مُتَعَمَّدَةً وَأَمَّا النِّسَاءُ فَقَدْ أَخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أَنَّ خَيْرَ صُفُوفِهِنَّ آخِرُهَا، فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ بَعْضُهُنَّ صَلَاةَ بَعْضٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ] 386 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ، وَلَا عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَيْضًا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ
ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا ابْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو كُرَيْبٍ ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ» . وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ ثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ بْنِ بَادِي الْعَلَّافُ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ بُكَيْرٍ - ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ وَالْأَعْرَجِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أُنَاسٌ عَنْ رَفْعِ أَبْصَارِهِمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ إلَى السَّمَاءِ حَتَّى لَتُخْطَفَ» . قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ، وَالْوَعِيدُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى كَبِيرَةٍ مِنْ الْحَرَامِ، لَا عَلَى مُبَاحٍ مَكْرُوهٍ أَصْلًا، وَلَا عَلَى صَغِيرَةٍ مَغْفُورَةٍ وَقَالَ بِهَذَا طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ زِيَادٍ عَنْ فَيَّاضٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ رَأَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَوْمًا رَافِعِي أَبْصَارِهِمْ إلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا
مسألة صلت امرأة إلى جنب رجل لا تأتم به ولا بإمامه
تَرْجِعُ إلَيْهِمْ وَقَالَ أَيْضًا: أَوْ مَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ تَعَالَى رَأْسَهُ رَأْسَ كَلْبٍ وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ أَنْ يُخْتَلَسُ بَصَرُهُ "، أَلَا أَرَى أَنَّهُ كَانَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِلُ قَالَ عَلِيٌّ: مِنْ الْعَجَبِ أَنْ يَكُونَ الْحَنَفِيُّونَ يُبْطِلُونَ صَلَاةَ مَنْ صَلَّى خَلْفَ إمَامٍ وَإِلَى جَانِبِهِ امْرَأَةٌ تُصَلِّي بِصَلَاةِ ذَلِكَ الْإِمَامِ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهَا وَصَلَاةَ مَنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا فِي صَلَاتِهِ وَالْمَالِكِيُّونَ يُبْطِلُونَ صَلَاةَ مَنْ صَلَّى وَقَدْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ بُلَّ فِيهِ خُبْزٌ وَالشَّافِعِيُّونَ يُبْطِلُونَ صَلَاةَ مَنْ صَلَّى وَعَلَى ثِيَابِهِ شَعْرٌ مِنْ شَعْرِهِ نَفْسِهِ قَدْ سَقَطَ مِنْ لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ وَمَا جَاءَ قَطُّ نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ صَلَاةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ يُجِيزُونَ صَلَاةَ مَنْ تَعَمَّدَ فِي صَلَاتِهِ عَمَلًا صَحَّ النَّصُّ بِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ وَشِدَّةِ الْوَعِيدِ فِيهِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ صَلَّتْ امْرَأَةٌ إلَى جَنْبِ رَجُلٍ لَا تَأْتَمُّ بِهِ وَلَا بِإِمَامِهِ] 387 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ صَلَّتْ امْرَأَةٌ إلَى جَنْبِ رَجُلٍ لَا تَأْتَمُّ بِهِ وَلَا بِإِمَامِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ فَإِنْ كَانَ لَا يَنْوِي أَنْ يَؤُمَّهَا وَنَوَتْ هِيَ ذَلِكَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَصَلَاتُهَا بَاطِلَةٌ فَإِنْ نَوَى أَنْ يَؤُمَّهَا وَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَى التَّأَخُّرِ عَنْهُ فَصَلَاتُهُمَا جَمِيعًا فَاسِدَةٌ فَإِنْ كَانَا جَمِيعًا مُؤْتَمَّيْنِ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ وَلَا تَقْدِرُ هِيَ وَلَا هُوَ عَلَى مَكَان آخَرَ فَصَلَاتُهُمَا تَامَّةٌ
مسألة تعمد وضع يده على خاصرته في الصلاة
وَإِنْ كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى التَّأَخُّرِ وَهُوَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَأْخِيرِهَا فَصَلَاتُهَا بَاطِلَةٌ وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ فَلَوْ قَدَرَ عَلَى تَأْخِيرِهَا فَلَمْ يَفْعَلْ فَصَلَاتُهُمَا جَمِيعًا بَاطِلَةٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - ثنا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ «مُوسَى بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّى بِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِي، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَالْمَرْأَةُ خَلْفَنَا» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِمْ، قَالَ أَنَسٌ: فَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ وَانْصَرَفَ» . فَصَحَّ أَنَّ مَقَامَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَالْأَكْثَرِ - إنَّمَا هُوَ خَلْفَ الرِّجَالِ وَلَا بُدَّ لَا مَعَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَصْلًا، وَلَا أَمَامَهُ، وَأَنَّ مَوْقِفَ الرَّجُلِ وَالرَّجُلَيْنِ وَالْأَكْثَرِ إنَّمَا هُوَ أَمَامَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَالْأَكْثَرِ وَلَا بُدَّ. فَمَنْ تَعَدَّى مَوْضِعَهُ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَصَلَّى حَيْثُ مَنَعَهُ اللَّهُ كَذَلِكَ: فَقَدْ عَصَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي عَمَلِهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْتِ بِالصَّلَاةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا وَالْمَعْصِيَةُ لَا تُجْزِئُ عَنْ الطَّاعَةِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي سُلَيْمَانَ. وَأَمَّا مَنْ عَجَزَ عَنْ الْمَكَانِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَيْرِهِ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] . وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأُتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [مَسْأَلَةٌ تَعَمَّدَ وَضْعَ يَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ فِي الصَّلَاةِ] 388 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَعَمَّدَ فِي الصَّلَاةِ وَضْعَ يَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
وَكَذَلِكَ مَنْ جَلَسَ فِي صَلَاتِهِ مُتَعَمِّدًا أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدِهِ أَوْ يَدَيْهِ حَدَّثَنَا حِمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «نُهِيَ عَنْ التَّخَصُّرِ فِي الصَّلَاةِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا» . قَالَ عَلِيٌّ: فَصَحَّ أَنَّ النَّهْيَ الْأَوَّلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ فِي وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ فِي الصَّلَاةِ: فِعْلُ الْيَهُودِ، وَكَرِهَتْهُ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّهَا رَأَتْ رَجُلًا فِي الصَّلَاةِ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ فَقَالَتْ: هَكَذَا أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زِيَادِ بْنِ صُبَيْحٍ الْحَنَفِيّ قَالَ «صَلَّيْتُ إلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ
فَوَضَعْت يَدِي عَلَى خَاصِرَتِي؛ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: هَذَا الصَّلْبُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْهُ» . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَرِهَ وَضْعَ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ: الشَّيْطَانُ يَحْضُرُهُ وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ صَالِحِ بْنِ نَبْهَانَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَجْعَلْ يَدَهُ فِي خَاصِرَتِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ ذَلِكَ وَأَمَّا الِاعْتِمَادُ عَلَى الْيَدِ -: فَحَدَّثَنَا حِمَامٌ عَنْ ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ مُعْتَمِدًا عَلَى يَدِهِ» . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ الشَّرِيدِ يُخْبِرُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَانَ يَقُولُ فِي وَضْعِ الرَّجُلِ شِمَالَهُ إذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ: هِيَ قِعْدَةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» . قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ صَحَّ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا تَرَوْنِي أُصَلِّي» فَمَنْ صَلَّى بِخِلَافِ صَلَاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ؛ فَقَدْ صَلَّى غَيْرَ الصَّلَاةِ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، فَلَا تُجْزِئُهُ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْيَدِ فِي الصَّلَاةِ خِلَافُ صَلَاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِإِنْسَانٍ: مَا يُجْلِسُك فِي صَلَاتِك جِلْسَةَ
مسألة الإتيان بعدد الركعات والسجدات فرض لا تتم الصلاة إلا به
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَكَانَ رَآهُ مُعْتَمِدًا عَلَى يَدَيْهِ [مَسْأَلَةٌ الْإِتْيَانُ بِعَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَالسَّجَدَاتِ فَرْضٌ لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ] 389 - مَسْأَلَةٌ: وَالْإِتْيَانُ بِعَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَالسَّجَدَاتِ فَرْضٌ لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ، لِكُلِّ قِيَامٍ رُكُوعٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ رَفْعٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ سَجْدَتَانِ بَيْنَهُمَا جَلْسَةٌ - هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فَمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً وَاحِدَةً وَقَامَ عِنْدَ نَفْسِهِ إلَى رَكْعَةٍ ثَانِيَةٍ فَإِنَّ الرَّكْعَةَ الْأُولَى لَمْ تُتَمَّ، وَصَارَ قِيَامُهُ إلَى الثَّانِيَةِ لَغْوًا لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَلَوْ تَعَمَّدَهُ ذَاكِرًا لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ، حَتَّى إذَا رَكَعَ وَرَفَعَ فَكُلُّ ذَلِكَ لَغْوٌ، لِأَنَّهُ عَمِلَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ نِسْيَانًا، وَالنِّسْيَانُ مَرْفُوعٌ. فَإِذَا سَجَدَ تَمَّتْ لَهُ حِينَئِذٍ رَكْعَةٌ بِسَجْدَتَيْهَا. وَلَوْ نَسِيَ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً لَكَانَ - إنْ كَانَتْ: الصُّبْحَ، أَوْ الْجُمُعَةَ، أَوْ الظُّهْرَ، أَوْ الْعَصْرَ. أَوْ الْعَتَمَةَ فِي السَّفَرِ -: قَدْ صَحَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ. فَلْيَأْتِ بِأُخْرَى ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَةً وَاحِدَةً. ثُمَّ يَقُومُ إلَى الثَّانِيَةِ، فَإِذَا أَتَمَّهَا جَلَسَ، ثُمَّ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وَإِنْ كَانَتْ: الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ، أَوْ الْعَتَمَةَ فِي الْحَضَرِ -: فَقَدْ صَحَّتْ لَهُ رَكْعَتَانِ كَمَا ذَكَرْنَا؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} [آل عمران: 195] . وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ عَمِلَهُ الْمَرْءُ فِي مَوْضِعِهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مُعْتَدٌّ لَهُ بِهِ، وَكُلَّ عَمَلٍ عَمِلَهُ الْمَرْءُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الَّذِي أَمَرَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَهُوَ رَدٌّ - وَهَذَا نَصُّ قَوْلِنَا وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. وَقَالَ بِهَذَا الشَّافِعِيُّ، وَدَاوُد، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ مَالِكٌ: يُلْغَى قِيَامُهُ فِي الْأُولَى وَرُكُوعُهُ وَرَفْعُهُ وَالسَّجْدَةُ الَّتِي سَجَدَهَا وَيُعْتَدُّ بِالثَّانِيَةِ
وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ اعْتَدَّ لَهُ بِقِيَامٍ فَاسِدٍ وَرُكُوعٍ فَاسِدٍ وَرَفْعٍ فَاسِدٍ، وَضَعَ كُلَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَا يَحِلُّ لَهُ؛ وَحَيْثُ لَوْ وَضَعَهُ عَامِدًا لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ، وَأَلْغَى لَهُ قِيَامًا وَرُكُوعًا وَرَفْعًا وَسَجْدَةً أَدَّاهَا بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ مَعَهُمْ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ قِيلَ: أَرَدْنَا أَنْ لَا يَحُولَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِعَمَلٍ قُلْنَا: قَدْ أَجَزْتُمْ لَهُ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ الْإِحْرَامِ لِلصَّلَاةِ وَبَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ الْمُتَّصِلَيْنِ بِهَا بِعَمَلٍ أَبْطَلْتُمُوهُ، فَمَا الْفَرْقُ وَقَدْ حَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَعْمَالِ صَلَاتِهِ نَاسِيًا بِمَا لَيْسَ مِنْهَا، مِنْ سَلَامٍ وَكَلَامٍ وَمَشْيٍ وَاتِّكَاءٍ وَدُخُولِهِ مَنْزِلَهُ، وَلَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ مَا عَمِلَ مِنْ صَلَاتِهِ شَيْئًا؛ فَالْحَيْلُولَةُ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَتْ بِنِسْيَانٍ لَا تَضُرُّ فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِالسَّجْدَةِ أَنْ تَكُونَ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَإِنَّمَا نَوَاهَا مِنْ الثَّانِيَةِ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ قُلْنَا لَهُمْ: هَذَا لَا يَضُرُّ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ نَوَى بِالْجَلْسَةِ الَّتِي سَلَّمَ مِنْهَا أَنَّهَا مِنْ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ، وَهِيَ مِنْ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ اعْتَدَّ بِهَا لِلثَّانِيَةِ، وَكَذَلِكَ أَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ لَمْ يَدْرِ كَمْ رَكْعَةً صَلَّى أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ التَّمَامِ، وَعَلَى شَكٍّ مِنْ الزِّيَادَةِ، فَالْمُصَلِّي عَلَى هَذَا يَنْوِي بِالرَّكْعَةِ أَنَّهَا الثَّالِثَةُ وَلَعَلَّهَا رَابِعَةٌ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: هَذَا نَفْسُهُ لَازِمٌ لَكُمْ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِالتَّكْبِيرِ لِلْإِحْرَامِ [أَنْ] تَلِيَ الرَّكْعَةَ الَّتِي أَبْطَلْتُمْ عَلَيْهِ، لَا الرَّكْعَةَ الَّتِي جَعَلْتُمُوهَا أَوَّلًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْجُدُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ وَتَمَّتْ صَلَاتُهُ وَهَذَا كَلَامٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، لِأَنَّهُ اعْتَدَّ لَهُ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ لَمْ يُتِمَّ مِنْهَا وَلَا وَاحِدَةً؛ وَهَذَا بَاطِلٌ. ثُمَّ أَجَازَ لَهُ سَجَدَاتٍ مُتَتَابِعَاتٍ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ بِهَا، أَتَى بِهَا عَامِدًا مُخَالِفًا لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْقَصْدِ. وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» .
مسألة لا يحل للمصلي أن يفترش ذراعيه في السجود
وَلِتَعْلِيمِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْمُصَلِّيَ كَيْف يَعْمَلُ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كُلَّ ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ؛ وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ. وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُصَلِّي تَعَمُّدُ تَقْدِيمِ سَجْدَةٍ قَبْلَ الرَّكْعَةِ؛ وَلَا تَعَمُّدُ تَقْدِيمِ رُكُوعٍ قَبْلَ السَّجْدَةِ الَّتِي فِي الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ ثُمَّ أَجَازُوا هَذَا بِعَيْنِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَفْتَرِشَ ذِرَاعَيْهِ فِي السُّجُودِ] 390 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَفْتَرِشَ ذِرَاعَيْهِ فِي السُّجُودِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ سَمِعْت قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطُ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» . وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ: مَا صَلَّيْتَ. قَالَ عَلِيٌّ: مَنْ افْتَرَشَ ذِرَاعَيْهِ فِي السُّجُودِ فَلَمْ يُتِمَّ سُجُودَهُ، وَمَنْ لَمْ يُتِمَّ سُجُودَهُ فَلَا صَلَاةَ لَهُ عِنْدَ حُذَيْفَةَ؛ وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - [مَسْأَلَةٌ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ لَا يَبْصُقَ فِي الْمَسْجِد] 391 - مَسْأَلَةٌ: وَفُرِضَ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ لَا يَبْصُقَ أَمَامَهُ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فِي صَلَاةٍ كَانَ أَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ - وَحُكْمُهُ أَنْ يَبْصُقَ فِي الصَّلَاةِ فِي ثَوْبِهِ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ، أَوْ عَلَى بُعْدٍ عَلَى يَسَارِهِ، مَا لَمْ يُلْقِ الْبَصْقَةَ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ يَبْصُقْ خَلْفَهُ مَا لَمْ يُؤْذِ بِذَلِكَ أَحَدًا. وَلَا يَجُوزُ الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ أَلْبَتَّةَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، إلَّا أَنْ يَدْفِنَهُ.
حَدَّثَنَا حِمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا الثَّوْرِيُّ هُوَ سُفْيَانُ - عَنْ مَنْصُورٍ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ «طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذَا صَلَّيْتَ فَلَا تَبْصُقْ بَيْنَ يَدَيْكَ وَلَا عَنْ يَمِينِكَ، وَابْصُقْ تِلْقَاءَ شِمَالِكَ إنْ كَانَ فَارِغًا، وَإِلَّا فَتَحْتَ قَدَمِكَ، وَأَشَارَ بِرِجْلِهِ فَفَحَصَ الْأَرْضَ» وَرُوِّينَا أَيْضًا بِأَجَلِ إسْنَادٍ عَنْ شُعْبَةَ ثنا قَتَادَةُ سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَعَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرُوِّينَا النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا آدَم ثنا شُعْبَةُ ثنا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» . وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ثنا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَتْفِلَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ رِجْلِهِ» . فَهَذَا عُمُومٌ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَأَمْرُ الصَّلَاةِ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْخَبَرِ. وَإِلَى كُلِّ هَذَا ذَهَبَ السَّلَفُ الطَّيِّبُ: - رُوِّينَا عَنْ طَاوُسٍ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بَزَقَ فِي الْمَسْجِدِ وَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ وَمَعَهُ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ فَجَعَلَ يَتَّبِعُ الْبُزَاقَ حَتَّى دَفَنَهُ وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: كُنَّا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَأَرَادَ أَنْ يَبْصُقَ وَمَا عَنْ يَمِينِهِ فَارِغٌ؛ فَكَرِهَ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَيْسَ فِي صَلَاةٍ
مسألة الصلاة في عطن إبل
وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي نَصْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا فَقَالَ: مَا بَصَقْتُ عَنْ يَمِينِي مُذْ أَسْلَمْتُ وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ ابْنَ نُعَيْمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ لِابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَبَصَقَ عَنْ يَمِينِهِ وَهُوَ فِي مَسِيرٍ؛ فَنَهَاهُ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: إنَّك تُؤْذِي صَاحِبَك، اُبْصُقْ عَنْ شِمَالِك. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ثنا الْمُنْذِرُ بْنُ ثَعْلَبَةَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ خُنَاسٍ قَالَ: نَهَانِي ابْنُ عُمَرَ عَنْ أَنْ أَبْصُقَ عَنْ يَمِينِي فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ: رَأَيْت عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ يُصَلِّي فَأَرَادَ أَنْ يَبْصُقَ فَلَمْ يَجِدْ عَنْ يَسَارِهِ مَوْضِعًا فَالْتَفَتَ خَلْفَهُ فَبَزَقَ. وَعَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: دَخَلْت عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَرَأَيْته دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، فَأَرَادَ أَنْ يَبْزُقَ وَكَانَ الْحَائِطُ عَنْ يَسَارِهِ، فَالْتَفَتَ يَسَارَهُ حَتَّى أَخْرَجَ الْبُزَاقَ مِنْ الْمَسْجِدِ. قَالَ عَلِيٌّ: هَؤُلَاءِ طَائِفَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ فِي عَطَنِ إبِلٍ] 392 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ فِي عَطَنِ إبِلٍ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَقِفُ فِيهِ الْإِبِلُ عِنْدَ وُرُودِهَا الْمَاءَ وَتَبْرُكُ، وَفِي الْمَرَاحِ وَالْمَبِيتِ، فَإِنْ كَانَ لِرَأْسِ وَاحِدٍ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ لِرَأْسَيْنِ فَالصَّلَاةُ فِيهِ جَائِزَةٌ، وَإِنَّمَا تَحْرُمُ الصَّلَاةُ إذَا كَانَ لِثَلَاثَةٍ فَصَاعِدًا. [ثُمَّ اسْتَدْرَكْنَا فَقُلْنَا: إنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ أَلْبَتَّةَ فِي الْمَوْضِعِ الْمُتَّخَذِ لِبُرُوكِ جَمَلٍ وَاحِدٍ فَصَاعِدًا، وَلَا فِي الْمُتَّخَذِ عَطَنًا لِبَعِيرٍ وَاحِدٍ فَصَاعِدًا؛ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] . وَالصَّلَاةُ إلَى الْبَعِيرِ جَائِزَةٌ وَعَلَيْهِ، فَإِنْ انْقَطَعَ أَنْ تَأْوِيَ الْإِبِلُ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ حَتَّى
يَسْقُطَ عَنْهُ اسْمُ عَطَنٍ: جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ فَمَنْ صَلَّى فِي عَطَنِ إبِلٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَامِدًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ؛ قَالَ أَبُو كَامِلٍ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوهِبٍ؛ وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ كِلَاهُمَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ قَالَ: لَا» . حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا أَبُو عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى الْقَاضِي ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا لَمْ تَجِدُوا إلَّا مَرَابِضَ الْغَنَمِ وَأَعْطَانَ الْإِبِلِ فَصَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلَا تُصَلُّوا فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ» . وَرُوِّينَا ذَلِكَ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ كِلَاهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَهَذَا نَقْلُ تَوَاتُرٍ يُوجِبُ يَقِينَ الْعِلْمِ. وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ خَالَفَ هَذَا بِأَنْ قَالَ: قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ فَذَكَرَ فِيهَا وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ
الصَّلَاةُ فَصَلِّ» . وَقَالَ: وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ، وَالْفَضَائِلُ لَا تُنْسَخُ، وَذَكَرَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] . فَقُلْنَا: إنَّ هَذَا كُلَّهُ حَقٌّ، وَلَيْسَ لِلنَّسْخِ هَهُنَا مَدْخَلٌ، وَالْوَاجِبُ اسْتِعْمَالُ كُلِّ هَذِهِ النُّصُوصِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يُسْتَثْنَى الْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ، فَتُسْتَعْمَلَ جَمِيعًا حِينَئِذٍ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ مُخَالَفَةُ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا تَغْلِيبُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِهَوَاهُ ثُمَّ نَسْأَلُ الْمُخَالِفَ -: عَنْ الصَّلَاةِ فِي كَنِيفٍ أَوْ مَزْبَلَةٍ - إنْ كَانَ شَافِعِيًّا، أَوْ حَنَفِيًّا وَعَنْ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ إنْ كَانَ مَالِكِيًّا وَعَنْ الصَّلَاةِ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ إنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهُمْ يَمْنَعُونَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَيَخْتَصُّونَهَا مِنْ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمِنْ الْفَضِيلَةِ الْمَنْصُوصَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى وَذَكَرَ مَسْجِدَ الضِّرَارِ: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} [التوبة: 108] فَحَرَّمَ الصَّلَاةَ فِيهِ وَهُوَ مِنْ الْأَرْضِ فَصَحَّ أَنَّ الْفَضِيلَةَ بَاقِيَةٌ، وَأَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدٌ وَطَهُورٌ إلَّا مَكَانًا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَعِيرِهِ وَإِلَى بَعِيرِهِ قُلْنَا: نَعَمْ وَمَنْ مَنَعَ هَذَا فَهُوَ مُبْطِلٌ، وَمَنْ صَلَّى عَلَى بَعِيرِهِ أَوْ إلَى بَعِيرِهِ فَلَمْ يُصَلِّ فِي عَطَنِ إبِلٍ، وَعَنْ هَذَا جَاءَ النَّهْيُ لَا عَنْ الصَّلَاةِ إلَى الْبَعِيرِ. وَقَدْ زَادَ بَعْضُهُمْ كَذِبًا وَجُرْأَةً وَافْتِرَاءً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّمَا نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِهَا وَمَبَارِكِهَا لِنِفَارِهَا وَاخْتِلَاطِهَا، أَوْ لِأَنَّ الرَّاعِيَ يَبُولُ بَيْنَهَا قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا كَذِبٌ مُجَرَّدٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِخْبَارٌ عَنْهُ بِالْبَاطِلِ وَبِمَا لَمْ يَقُلْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَطُّ، وَلَوْ أُطْلِقَ مِثْلُ هَذَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ عَرَضَ النَّاسِ لَكَانَ إثْمًا وَفِسْقًا، فَكَيْفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَرَادَ مَا ذَكَرُوا لَبَيَّنَهُ ثُمَّ هَبْكَ أَنَّهُ كَمَا قَالُوا - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ - فَإِنَّ النَّهْيَ وَالتَّحْرِيمَ بِذَلِكَ بَاقٍ كَمَا
مسألة الصلاة في حمام ومقبرة
كَانَ، فَكَيْفَ يَسْتَحِلُّونَ أَنْ يُصَحِّحُوا النَّهْيَ وَيَدَّعُوا أَنَّهُ لِعِلَّةٍ يَذْكُرُونَهَا -: ثُمَّ يُبِيحُونَ مَا صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ هَذَا أَمْرٌ مَا نَدْرِي كَيْفَ هُوَ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْبَلَاءِ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: لَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ. وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا عَطَنَ إبِلٍ قَالَ: لَا يُصَلِّي فِيهِ، قَالَ: فَإِنْ بَسَطَ عَلَيْهِ ثَوْبًا قَالَ: لَا، أَيْضًا. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَنْ صَلَّى فِي عَطَنِ إبِلٍ أَعَادَ أَبَدًا، فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ» . قُلْنَا: نَعَمْ، هَذَا حَقّ، وَنَحْنُ نُقِرُّ بِهَذَا، وَلَا اعْتِرَاضَ فِي هَذَا عَلَى نَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِهَا قَالَ عَلِيٌّ: وَالْبَعِيرُ وَالْبَعِيرَانِ لَا يُشَكُّ فِي أَنَّ الْمَوْضِعَ الْمُتَّخَذَ لِمَبْرَكِهِمَا أَوْ لِمَبْرَكِ أَحَدِهِمَا دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ مَبَارِكِ الْإِبِلِ وَعَطَنِ الْإِبِلِ، وَكُلُّ عَطَنٍ فَهُوَ مَبْرَكٌ. وَلَيْسَ كُلُّ مَبْرَكٍ عَطَنًا؛ لِأَنَّ الْعَطَنَ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُنَاخُ فِيهِ عِنْدَ وُرُودِهَا الْمَاءَ فَقَطْ، وَالْمَبْرَكُ أَعَمُّ؛ لِأَنَّهُ الْمَوْضِعُ الْمُتَّخَذُ لِبُرُوكِهَا فِي كُلِّ حَالٍ. وَإِذَا سَقَطَ عَنْ الْعَطَنِ وَالْمَبْرَكِ اسْمُ عَطَنٍ وَمَبْرَكٍ فَلَيْسَ عَطَنًا وَلَا مَبْرَكًا؛ فَالصَّلَاةُ فِيهِ جَائِزَةٌ. فَأَمَّا قَوْلُنَا: عَالِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَالَمٍ؛ فَلِأَنَّهُ أَتَى بِالصَّلَاةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَمَكَانِهَا، وَالصَّلَاةُ لَا تَصِحُّ إلَّا فِي زَمَانٍ وَمَكَانٍ مَحْدُودَيْنِ، فَإِذَا لَمْ تُؤَدَّ فِي مَكَانِهَا وَزَمَانِهَا فَلَيْسَتْ هِيَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، بَلْ هِيَ غَيْرُهَا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ فِي حَمَّامٍ وَمَقْبَرَةٍ] 393 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ فِي حَمَّامٍ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَبْدَأُ بَابِهِ إلَى مُنْتَهَى جَمِيعِ حُدُودِهِ، وَلَا عَلَى سَطْحِهِ، وَمُسْتَوْقَدِهِ، وَسَقْفِهِ، وَأَعَالِي حِيطَانِهِ، خَرِبًا كَانَ أَوْ قَائِمًا: فَإِنْ سَقَطَ مِنْ بِنَائِهِ شَيْءٌ فَسَقَطَ عَنْهُ اسْمُ " حَمَّامٍ " جَازَتْ الصَّلَاةِ فِي أَرْضِهِ حِينَئِذٍ.
وَلَا فِي مَقْبَرَةٍ - مَقْبَرَةَ مُسْلِمِينَ كَانَتْ أَوْ مَقْبَرَةَ كُفَّارٍ -، فَإِنْ نُبِشَتْ وَأُخْرِجَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَوْتَى جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهَا. وَلَا إلَى قَبْرٍ، وَلَا عَلَيْهِ، وَلَوْ أَنَّهُ قَبْرُ نَبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَوْضِعَ قَبْرٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ عَطَنًا، أَوْ مَزْبَلَةً، أَوْ مَوْضِعًا فِيهِ شَيْءٌ أُمِرَ بِاجْتِنَابِهِ -: فَلْيَرْجِعْ وَلَا وَيُصَلِّي هُنَالِكَ جُمُعَةً، وَلَا جَمَاعَةَ، فَإِنْ حُبِسَ فِي مَوْضِعٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِيهِ، وَيَجْتَنِبُ مَا اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ اجْتِنَابُهُ بِسُجُودِهِ، لَكِنْ يُقَرِّبُ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا أَمْكَنَهُ، وَلَا يَضَعُ عَلَيْهِ جَبْهَةً، وَلَا أَنْفًا، وَلَا يَدَيْنِ وَلَا رُكْبَتَيْنِ، وَلَا يَجْلِسُ إلَّا الْقُرْفُصَاءَ؛ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى الْجُلُوسِ، أَوْ الِاضْطِجَاعِ؛ صَلَّى كَمَا يَقْدِرُ وَأَجْزَأَهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ» . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّقِّيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو الْبَزَّارُ ثنا أَبُو كَامِلٍ هُوَ الْجَحْدَرِيُّ - ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ثنا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الْمَازِنِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ» . قَالَ الْبَزَّارُ: أَسْنَدَهُ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى أَبُو طُوَالَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ
وَأَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ. قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ بَعْضُ مَنْ لَا يَتَّقِي عَاقِبَةَ كَلَامِهِ فِي الدَّيْنِ: هَذَا حَدِيثٌ أَرْسَلَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَشَكَّ فِي إسْنَادِهِ مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ.
قَالَ عَلِيٌّ: فَكَانَ مَاذَا لَا سِيَّمَا وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْمُسْنَدَ كَالْمُرْسَلِ وَلَا فَرْقَ ثُمَّ أَيُّ مَنْفَعَةٍ لَهُمْ فِي شَكِّ مُوسَى وَلَمْ يَشُكَّ حَجَّاجٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَوْقَ مُوسَى فَلَيْسَ دُونَهُ أَوْ فِي إرْسَالِ سُفْيَانَ - وَقَدْ أَسْنَدَهُ حَمَّادٌ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ، وَأَبُو طُوَالَةَ، وَابْنُ إِسْحَاقَ، وَكُلُّهُمْ عَدْلٌ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَسُورُ ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الدِّينَوَرِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بِنْدَارٌ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ سَمِعْت أَبَا إدْرِيسِ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا» . حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثِنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثِنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثِنَا الدُّبَيْرِيُّ ثِنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ وَابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَاهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَعَلَ يُلْقِي عَلَى وَجْهِهِ طَرَفَ خَمِيصَةٍ لَهُ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، وَهُوَ يَقُولُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، تَقُولُ
عَائِشَةُ يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيم وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ -: قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عُدَيٍّ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ثِنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عُدَيٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الرَّقِّيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ حَدَّثَنِي «جُنْدُبٌ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ: " وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. قَالَ عَلِيٌّ: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَرَادَ بِذَلِكَ قُبُورَ الْمُشْرِكِينَ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَمَّ بِالنَّهْيِ جَمِيعَ الْقُبُورِ، ثُمَّ أَكَّدَ بِذَمِّهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ تُوجِبُ مَا ذَكَرْنَاهُ حَرْفًا حَرْفًا، وَلَا يَسَعُ أَحَدًا تَرْكُهَا. وَبِهِ يَقُولُ طَوَائِفُ مِنْ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. رُوِّينَا عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ قَالَ: يَنْهَى أَنْ يُصَلَّى وَسَطَ الْقُبُورِ وَالْحَمَّامِ، وَالْحُشَّانِ. وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا تُصَلِّيَنَّ إلَى حُشٍّ، وَلَا فِي حَمَّامٍ، وَلَا فِي مَقْبَرَةٍ
قَالَ عَلِيٌّ: مَا نَعْلَمُ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ مِثْلَ هَذَا إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا ثَلَاثَ أَبْيَاتٍ قِبْلَةً: الْحُشُّ، وَالْحَمَّامُ، وَالْقَبْرُ وَعَنْ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا تُصَلِّ إلَى حَمَّامٍ، وَلَا إلَى حُشٍّ، وَلَا وَسَطَ مَقْبَرَةٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَنْ صَلَّى فِي حَمَّامٍ أَعَادَ أَبَدًا وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَآنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أُصَلِّي إلَى قَبْرٍ فَنَهَانِي، وَقَالَ: الْقَبْرُ أَمَامَك. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَآنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ لِي: الْقَبْرَ لَا تُصَلِّ إلَيْهِ قَالَ ثَابِتٌ: فَكَانَ أَنَسٌ يَأْخُذُ بِيَدِي إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فَيَتَنَحَّى عَنْ الْقُبُورِ. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: «لَا تُصَلُّوا إلَى قَبْرٍ، وَلَا عَلَى قَبْرٍ» وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْت لِعَطَاءٍ: أَتَكْرَهُ أَنْ تُصَلِّيَ وَسَطَ الْقُبُورِ أَوْ إلَى قَبْرٍ قَالَ: نَعَمْ - كَانَ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ - لَا تُصَلِّ وَبَيْنَك وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ قَبْرٌ؛ فَإِنْ كَانَ بَيْنَك وَبَيْنَهُ سُتْرَةُ ذِرَاعٍ فَصَلِّ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَسُئِلَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ الصَّلَاةِ وَسَطَ الْقُبُورِ فَقَالَ: ذَكَرُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ فَلَعَنَهُمْ اللَّهُ» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الصَّلَاةَ وَسَطَ الْقُبُورِ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانُوا إذَا خَرَجُوا فِي جِنَازَةٍ تَنَحَّوْا عَنْ الْقُبُورِ لِلصَّلَاةِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَنْ صَلَّى فِي مَقْبَرَةٍ أَوْ إلَى قَبْرٍ أَعَادَ أَبَدًا قَالَ عَلِيٌّ: فَهَؤُلَاءِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ؛ وَأَنَسٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَالَ عَلِيٌّ: وَكَرِهَ الصَّلَاةَ إلَى الْقَبْرِ، وَفِي الْمَقْبَرَةِ، وَعَلَى الْقَبْرِ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَسُفْيَانُ، وَلَمْ يَرَ مَالِكٌ بِذَلِكَ بَأْسًا، وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ مُقَلِّدِيهِ بِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَبْرِ الْمِسْكِينَةِ السَّوْدَاءِ» قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا عَجَبٌ نَاهِيك بِهِ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يُخَالِفُونَ هَذَا الْخَبَرَ فِيمَا جَاءَ فِيهِ، فَلَا يُجِيزُونَ أَنْ تُصَلَّى صَلَاةُ الْجِنَازَةِ عَلَى مَنْ قَدْ دُفِنَ ثُمَّ يَسْتَبِيحُونَ بِمَا لَيْسَ
مسألة الصلاة في أرض مغصوبة
فِيهِ مِنْ أَثَرٍ وَلَا إشَارَةٍ مُخَالَفَةَ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ قَالَ عَلِيٌّ: وَكُلُّ هَذِهِ الْآثَارِ حَقٌّ، فَلَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ حَيْثُ ذَكَرْنَا، إلَّا صَلَاةَ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا تُصَلَّى فِي الْمَقْبَرَةِ، وَعَلَى الْقَبْرِ الَّذِي قَدْ دُفِنَ فِيهِ صَاحِبُهُ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُحَرِّمُ مَا نَهَى عَنْهُ، وَنَعُدُّ مِنْ الْقُرْبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ؛ فَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ حَقٌّ، وَفِعْلُهُ حَقٌّ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَبَاطِلٌ؛ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَأَمَّا قَوْلُنَا: أَنْ يَرْجِعَ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا تَحِلُّ فِيهِ الصَّلَاةُ؛ وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَ زِحَامًا لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى رُكُوعٍ وَلَا سُجُودٍ وَأَمَّا الْمَحْبُوسُ فَلَيْسَ قَادِرًا عَلَى مُفَارَقَةِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَا عَلَى الصَّلَاةِ فِي غَيْرِهِ، فَلَهُ حُكْمُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ يَقُولُ: «إذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَهَذَا يُسْقِطُ عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ، وَيَلْزَمُهُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَيَجْتَنِبُ مَا قَدَرَ عَلَى اجْتِنَابِهِ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] [مَسْأَلَة الصَّلَاةُ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ] 394 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ وَلَا مُتَمَلَّكَةٍ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ بَيْعٍ فَاسِدٍ أَوْ هِبَةٍ فَاسِدَةٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْوُجُوهِ وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ مَغْصُوبَةٍ أَوْ فِيهَا لَوْحٌ مَغْصُوبٌ لَوْلَاهُ لَغَرَّقَهَا الْمَاءُ، فَإِنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ عَنْهَا فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ. وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى وِطَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ مَأْخُوذٍ بِغَيْرِ حَقٍّ. أَوْ عَلَى دَابَّةٍ مَأْخُوذَةٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ فِي ثَوْبٍ مَأْخُوذٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ فِي بِنَاءٍ مَأْخُوذٍ بِغَيْرِ حَقٍّ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَسَامِيرُ السَّفِينَةِ مَغْصُوبَةً، أَوْ خُيُوطُ الثَّوْبِ الَّذِي خِيطَ بِهَا مَغْصُوبَةً. أَوْ أُخِذَ كُلُّ ذَلِكَ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُفَارَقَةِ ذَلِكَ الْمَكَانِ أَصْلًا، وَلَا عَلَى الْخُرُوجِ عَنْ السَّفِينَةِ أَوْ كَانَ اللَّوْحُ لَا يَمْنَعُ الْمَاءَ مِنْ الدُّخُولِ، أَوْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَظِلٍّ بِذَلِكَ الْبِنَاءِ وَلَا مُسْتَتِرًا بِهِ، أَوْ
كَانَ قَدْ يَئِسَ [مِنْ] مَعْرِفَةِ مَنْ أُخِذَ مِنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ كَانَتْ سَفِينَةً أَوْ بِنَاءً لَمْ يُغْصَبْ شَيْءٌ مِنْ أَعْيَانِهَا لَكِنْ سَخَّرَ النَّاسَ فِيهَا ظُلْمًا: فَالصَّلَاةُ فِي كُلِّ ذَلِكَ جَائِزَةٌ، قَدَرَ عَلَى مُفَارَقَةِ ذَلِكَ الْمَكَانِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ. وَكَذَلِكَ إنْ خَشِيَ الْبَرْدَ وَأَذَاهُ، أَوْ الْحَرَّ وَأَذَاهُ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الْمَأْخُوذِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ وَعَلَيْهِ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ غَيْرَ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ؛ وَإِلَّا فَلَا؛ وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ الْمُبَاحَةُ الَّتِي لَمْ يَحْظُرْهَا صَاحِبُهَا وَلَا مَنَعَ مِنْهَا، فَالصَّلَاةُ فِيهَا جَائِزَةٌ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 27] {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} [النور: 28] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» صَحَّ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَنُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ الْأَشْجَعِيِّ. وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . فَإِذَا كَانَ مَنْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الدُّخُولَ إلَى مَكَان مَا، وَالْإِقَامَةَ فِيهِ، وَلِبَاسَ ثَوْبٍ مَا، وَالتَّصَرُّفَ فِيهِ، أَوْ اسْتِعْمَالَ شَيْءٍ مَا: فَفَعَلَ فِي صَلَاتِهِ كُلَّ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ؛ وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ فَلَمْ يُصَلِّ أَصْلًا، وَالصَّلَاةُ طَاعَةٌ وَفَرِيضَةٌ، قِيَامُهَا وَقُعُودُهَا وَالْإِقَامَةُ فِيهَا، وَبَعْضُ اللِّبَاسِ فِيهَا، فَإِذَا قَعَدَ حَيْثُ نُهِيَ عَنْهُ؛ أَوْ عَمِلَ مُتَصَرِّفًا فِيمَا حَرُمَ أَوْ اسْتَعْمَلَ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ: فَإِنَّمَا أَتَى بِعَمَلِ مَعْصِيَةٍ، وَقُعُودِ مَعْصِيَةٍ، مِنْ الْبَاطِلِ أَنْ تَنُوبَ الْمَعْصِيَةُ الْمُحَرَّمَةُ عَنْ الطَّاعَةِ الْمُفْتَرَضَةِ، وَأَنْ يُجْزِئَ الضَّلَالُ وَالْفُسُوقُ عَنْ الْهُدَى وَالْحَقِّ وَقَدْ عَارَضَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَعَسِّفِينَ فَقَالَ: يَلْزَمُكُمْ إذَا طَلَّقَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْتُمْ، أَوْ أَعْتَقَ فِيهِ، أَوْ نَكَحَ فِيهِ، أَوْ بَاعَ فِيهِ، أَوْ اشْتَرَى، أَوْ وَهَبَ؛ أَوْ تَصَدَّقَ -: أَنْ تَنْقُضُوا كُلَّ ذَلِكَ
وَكَذَلِكَ مَنْ صَبَغَ لِحْيَتَهُ بِحِنَّاءٍ مَغْصُوبَةٍ ثُمَّ صَلَّى وَمَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ مِنْ مُصْحَفٍ مَسْرُوقٍ أَنْ يَنْسَاهُ، أَوْ عَلَّمَهُ إيَّاهُ عَبْدٌ آبِقٌ، وَأَكْثَرُوا مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْحَمَاقَاتِ وَقَالُوا: كُلُّ مَنْ ذَكَرْتُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى مُصِرًّا عَلَى الزِّنَى، وَقَتْلِ النَّفْسِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةِ - وَلَا فَرْقَ قَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا قَالُوا مِنْ بَابِ مَا قُلْنَا، لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ إقَامَةٍ فِي مَكَان وَاحِدٍ، وَمِنْ جُلُوسٍ مُفْتَرَضٍ. وَمِنْ سَتْرِ عَوْرَةٍ، وَمِنْ تَرْكِ كُلِّ عَمَلٍ لَمْ يُبَحْ لَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْ زَمَانٍ مَحْدُودٍ مُؤَقَّتٍ لَهَا، وَمِنْ مَكَان مَوْصُوفٍ لَهَا، وَمِنْ مَاءٍ يَتَطَهَّرُ بِهِ أَوْ تُرَابٍ يَتَيَمَّمُ بِهِ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَلَا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَلَيْسَ الطَّلَاقُ، وَلَا النِّكَاحُ، وَلَا الْعَتَاقُ، وَلَا الْبَيْعُ، وَلَا الْهِبَةُ، وَلَا الصَّدَقَةُ، وَلَا تَعَلُّمُ الْقُرْآنِ -. مُعَلَّقًا بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا، وَلَا مَأْمُورًا فِيهِ بِهَيْئَةٍ مَا، وَلَا بِجُلُوسٍ وَلَا بُدَّ، وَلَا بِقِيَامٍ عَلَى صِفَةٍ، وَلَا بِمَكَانٍ مَوْصُوفٍ، لَكِنْ كُلُّ هَذِهِ الْأَعْمَالِ أَيْضًا مُحْتَاجَةٌ وَلَا بُدَّ إلَى أَلْفَاظٍ مَوْضُوعَةٍ، أَوْ أَعْمَالٍ مَحْدُودَةٍ، وَأَوْقَاتٍ مَحْدُودَةٍ، فَكُلُّ مَنْ أَتَى بِالصَّلَاةِ، أَوْ النِّكَاحِ، أَوْ الطَّلَاقِ، أَوْ الْبَيْعِ، أَوْ الْهِبَةِ، أَوْ الصَّدَقَةِ، عَلَى خِلَافِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ لَا طَلَاقٌ، وَلَا نِكَاحٌ، وَلَا عَتَاقٌ، وَلَا هِبَةٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الشَّرِيعَةِ - وَلَا فَرْقَ فَمَنْ صَلَّى فَجَعَلَ الْجُلُوسَ الْمُحَرَّمَ عَلَيْهِ بَدَلَ الْجُلُوسِ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ وَالْإِقَامَةَ الْمُحَرَّمَةَ عَلَيْهِ بَدَلَ الْإِقَامَةِ الْمُفْتَرَضَةِ عَلَيْهِ؛ وَسَتَرَ عَوْرَتَهُ بِمَا حَرُمَ عَلَيْهِ سَتْرُهَا بِهِ؛ وَأَتَى بِهَا فِي غَيْرِ الزَّمَانِ الَّذِي أُمِرَ بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِيهِ، أَوْ فِي غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي أُمِرَ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِيهِ، وَعَوَّضَ مِنْ ذَلِكَ زَمَانًا وَمَكَانًا حَرُمَا عَلَيْهِ؛ وَعَوَّضَ الْمَاءَ الْمُحَرَّمَ عَلَيْهِ، أَوْ التُّرَابَ الْمُحَرَّمَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ، أَوْ التُّرَابِ الْمَأْمُورِ بِهِ -: فَلَمْ يُصَلِّ قَطُّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا؛ وَهُوَ وَاَلَّذِي صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ عَمْدًا سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ؛ وَكِلَاهُمَا صَلَّى بِخِلَافِ مَا أُمِرَ بِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ طَلَّقَ أَجْنَبِيَّةً، أَوْ بِغَيْرِ الْكَلَامِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّلَاقَ بِهِ وَحَرُمَ بِهِ
مسألة الصلاة للرجل خاصة في ثوب فيه حرير
الْفَرْجُ الَّذِي كَانَ حَلَالًا، أَوْ نَكَحَ ذَاتَ زَوْجٍ؛ أَوْ فِي عِدَّةٍ، أَوْ بِغَيْرِ الْكَلَامِ الَّذِي أَبَاحَ بِهِ النِّكَاحَ وَحُلِّلَ بِهِ الْفَرْجُ الْحَرَامُ قَبْلَهُ؛ أَوْ بَاعَ بَيْعًا مُحَرَّمًا؛ أَوْ اشْتَرَى مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ؛ أَوْ وَهَبَ هِبَةً لَمْ يُطْلِقْ عَلَيْهَا، أَوْ أَعْتَقَ عِتْقًا حَرُمَ عَلَيْهِ؛ كَمَنْ أَعْتَقَ غُلَامَ غَيْرِهِ، أَوْ تَصَدَّقَ بِثَوْبٍ عَلَى الْأَوْثَانِ - فَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ، لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهُ، وَلَيْسَ تَبْطُلُ شَرِيعَةٌ بِمَا تَبْطُلُ بِهِ أُخْرَى؛ لَكِنْ بِأَنْ يَعْمَلَ بِخِلَافِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ تُعْمَلَ عَلَيْهِ وَاَلَّذِي صَبَغَ لِحْيَتَهُ بِحِنَّاءٍ مَغْصُوبَةٍ، فَإِنْ صَلَّى حَامِلًا لِتِلْكَ الْحِنَّاءِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ. وَأَمَّا إذَا نَزَعَهَا وَلَمْ يُصَلِّ بِهَا - فَاللَّوْنُ غَيْرُ مُتَمَلَّكٍ - فَلَمْ يُصَلِّ بِخِلَافِ مَا أُمِرَ وَأَمَّا الْمُصِرُّ عَلَى الْمَعَاصِي فَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ أُمَّتِهِ فَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ عَنْ كُلِّ مَا حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، فَهَذَا مَعْفُوٌّ لَهُ عَنْهُ، فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ تُبْطِلُونَ صَلَاةَ مَنْ نَوَى خُرُوجَهُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ وَلَا قَالَ قُلْنَا: بَلَى قَدْ عَمِلَ، لِأَنَّهُ بِنِيَّتِهِ تِلْكَ صَارَ وُقُوفُهُ - إنْ كَانَ وَاقِفًا؛ وَقُعُودُهُ - إنْ كَانَ قَاعِدًا؛ وَرُكُوعُهُ - إنْ كَانَ رَاكِعًا؛ وَسُجُودُهُ - إنْ كَانَ سَاجِدًا -: عَمَلًا يَعْمَلُهُ ظَاهِرًا لِغَيْرِ الصَّلَاةِ؛ فَقَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ إذْ حَالَ عَامِدًا بَيْنَ أَعْمَالِهَا بِمَا لَيْسَ مِنْهَا؛ لَكِنْ لَوْ نَوَى أَنْ يُبْطِلَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهِ ذَلِكَ لَمْ تَبْطُلْ بِذَلِكَ صَلَاتُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا مَنْ عَجَزَ عَنْ الْمُفَارَقَةِ لِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] وَأَخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أَنَّهُ عَفَا اللَّهُ عَنْ أُمَّتِهِ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ؛ فَهَذَا مُضْطَرٌّ مُكْرَهٌ؛ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إلَّا بِنَصٍّ جَلِيٍّ فِي إبْطَالِهَا بِذَلِكَ، كَالْحَدَثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ التَّمَادِي فِي الصَّلَاةِ إثْرَهُ إلَّا بِإِحْدَاثِ وُضُوءٍ وَأَمَّا السَّفِينَةُ، وَالْبِنَاءُ الَّذِي سُخِّرَ النَّاسُ ظُلْمًا فِيهِمَا فَلَيْسَ هُنَاكَ عَيْنٌ مُحَرَّمَةٌ كَانَ الْمُصَلِّي مُسْتَعْمِلًا لَهَا، وَالْآثَارُ لَا تُتَمَلَّكُ، فَإِنْ يَئِسَ مِنْ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهِ فَقَدْ صَارَ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ - وَهُوَ أَحَدُهُمْ - فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ حِينَئِذٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ لِلرَّجُلِ خَاصَّةً فِي ثَوْبٍ فِيهِ حَرِيرٌ] 395 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ - لِلرَّجُلِ خَاصَّةً - فِي ثَوْبٍ فِيهِ حَرِيرٌ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ
أَصَابِعَ عَرْضًا فِي طُولِ الثَّوْبِ، إلَّا اللَّبِنَةَ وَالتَّكْفِيفَ فَهُمَا مُبَاحَانِ وَلَا فِي ثَوْبٍ فِيهِ ذَهَبٌ، وَلَا لَابِسًا ذَهَبًا فِيهِ خَاتَمٌ وَلَا فِي غَيْرِهِ. فَإِنْ أُجْبِرَ عَلَى لِبَاسِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَوْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ خَوْفَ الْبَرْدِ: حَلَّ لَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ. أَوْ كَانَ بِهِ دَاءٌ يُتَدَاوَى مِنْ مِثْلِهِ بِلِبَاسِ الْحَرِيرِ: فَالصَّلَاةُ لَهُ فِيهِ جَائِزَةٌ وَكَذَلِكَ لَوْ حَمَلَ ذَهَبًا لَهُ فِي كُمِّهِ لِيُحْرِزَهُ، أَوْ حَرِيرًا أَوْ ثَوْبَ حَرِيرٍ كَذَلِكَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا: ثِنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثِنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ثِنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ثِنَا نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا عَلِيٌّ هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ - ثِنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ثِنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ
ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ - عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ» أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ ثِنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَسَدٍ الْكَازَرُونِيُّ ثِنَا الدُّبَيْرِيُّ ثِنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمٌ الْحَجَّاجُ ثِنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثِنَا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ ثِنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَكَا إلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: الْقَمْلَ، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثِنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ثِنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي الْقُمُصِ الْحَرِيرِ لِحَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا أَوْ وَجَعٍ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثِنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ثِنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الطَّحَّانُ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ " أَنَّ أَسْمَاءَ أَخْرَجَتْ إلَيْهِ جُبَّةً طَيَالِسِيَّةً كِسْرَوَانِيَّةً لَهَا لَبِنَةُ دِيبَاجٍ فَرْجَاهَا مَكْنُوفَانِ بِالدِّيبَاجِ، فَقَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ فَقَبَضْتُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا» . وَمَسُّ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَمِلْكُهُمَا وَحَمْلُهُمَا حَلَالٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ لِبَاسُ الْخَزِّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -
قُلْنَا: قَدْ جَاءَ تَحْرِيمُهُ عَنْ بَعْضِهِمْ -: كَمَا رُوِّينَا: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَهَّزَ جَيْشًا فَغَنِمُوا فَاسْتَقْبَلَهُمْ عُمَرُ فَرَآهُمْ قَدْ لَبِسُوا أَقْبِيَةَ الدِّيبَاجِ وَلِبَاسَ الْعَجَمِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ وَقَالَ: أَلْقُوا عَنْكُمْ ثِيَابَ أَهْلِ النَّارِ فَأَلْقَوْهَا. وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ سَمِعْت الشَّعْبِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: أَصَبْنَا فُتُوحًا بِالشَّامِ فَأَتَيْنَا الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا دَنَوْنَا لَبِسْنَا الدِّيبَاجَ وَالْحَرِيرَ، فَلَمَّا رَآنَا عُمَرُ رَمَانَا، فَنَزَعْنَاهَا، فَلَمَّا رَآنَا قَالَ: مَرْحَبًا بِالْمُهَاجِرِينَ إنَّ الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ بِهِ لِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَيَرْضَى بِهِ عَنْكُمْ؟ لَا يَصْلُحُ مِنْهُ إلَّا هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا قَالَ شُعْبَةُ: أُصْبُعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، أَوْ أَرْبَعًا. وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي الْخَيْرِ: أَنَّهُ سَأَلَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ عَنْ لَبِنَةٍ حَرِيرٍ فِي جُبَّتِهِ قَالَ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ: أَنَا هِشَامٌ هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي ذُبْيَانَ هُوَ خَلِيفَةُ بْنُ كَعْبٍ -: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَمِعَ الْخَبَرَ فِي أَنَّ " مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ " فَقَالَ: إذَنْ وَاَللَّهِ لَا يَدْخُلُهَا، قَالَ تَعَالَى: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23] »
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى: ثِنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثِنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اجْتَنِبُوا مِنْ الثِّيَابِ مَا خَالَطَهُ الْحَرِيرُ وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الرَّقِّيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ رِبْعِيٍّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ حَرِيرٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى ثَوْبًا مِنْ نَارٍ، لَيْسَ مِنْ أَيَّامِكُمْ وَلَكِنْ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ الطِّوَالِ. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا لَابِسًا جُبَّةً عَلَى صَدْرِهَا دِيبَاجٌ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: مَا هَذَا النَّتِنُ عَلَى صَدْرِك وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ سَمِعْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: كُنْت عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَجَاءَهُ ابْنٌ لَهُ عَلَيْهِ قَمِيصُ حَرِيرٍ فَشَقَّهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ: مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ فَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَالْفَرْضُ الرَّدُّ عِنْدَ تَنَازُعِهِمْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ بَاعَ سَمُرَةُ خَمْرًا، وَأَكَلَ أَبُو طَلْحَةَ الْبَرَدَ وَهُوَ صَائِمٌ وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَلَا يَصِحُّ فِي الرُّخْصَةِ فِي الثَّوْبِ سَدَاهُ حَرِيرٌ: خَبَرٌ أَصْلًا، لِأَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ انْفَرَدَ بِهَا خُصَيْفٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. فَكَيْفَ وَكُلُّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَبِسَ الْخَزَّ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّ سَدَاهَا حَرِيرٌ. رُوِّينَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَامِرِ بْنِ عُبَيْدَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: رَأَيْت عَلَى أَنَسٍ جُبَّةَ خَزٍّ فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ قَالَ: رَأَيْت عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ جُبَّةَ خَزٍّ وَكِسَاءَ خَزٍّ وَأَنَا أَطُوفُ بِالْبَيْتِ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَوْ أَدْرَكَهُ السَّلَفُ لَأَوْجَعُوهُ. فَهَذَا يُوَضِّحُ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُحَرِّمُونَ ذَلِكَ، إذْ لَا يُوجِعُونَ عَلَى مُبَاحٍ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ أَنَّهُ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْحَرِيرِ أَشَدَّ النَّهْيِ " فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَلَيْسَ هَذَا عَلَيْكَ حَرِيرًا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا خَزٌّ، قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ سَدَاهُ حَرِيرٌ، قَالَ: مَا شَعُرْتُ» . وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُتَّخَذَ لَهُ ثَوْبٌ مِنْ خَزٍّ سَدَاهُ كَتَّانٌ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى نَحْوُ ذَلِكَ. وَلَا يَخْلُو كُلُّ مَنْ رَوَى عَنْهُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُ لَبِسَ مِنْ أَحَدِ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ:
مسألة قراءة المصلي القرآن في ركوعه وسجوده
إمَّا أَنْ سَدَى تِلْكَ الثِّيَابِ كَانَ كَتَّانًا. وَإِمَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ حَرِيرٌ؛ وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ غَيْرُهُ. وَإِمَّا أَنَّهُمْ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ تَعَالَى مِنْ لِبَاسِهِ، فَأَقَلُّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُغَطِّي عَلَى أَضْعَافِ هَذَا، وَلَيْسَ غَيْرُهُمْ مِثْلَهُمْ، فَنِصْفُ مُدِّ شَعِيرٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ أَحَدُهُمْ يَفْضُلُ جَمِيعَ أَعْمَالِ أَحَدِنَا لَوْ عَمَّرَ مِائَةَ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ نِصْفَ مُدِّ أَحَدِهِمْ أَفْضَلُ مِنْ جَبَلِ أَحَدٍ ذَهَبًا نُنْفِقُهُ نَحْنُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ؛ وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا يُنْفِقُ فِي الْبِرِّ زِنَةَ حَجَرٍ ضَخْمٍ مِنْ حِجَارَةِ أَحَدٍ فَكَيْفَ الْجَبَلُ كُلُّهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا مَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ خَوْفَ الْبَرْدِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] [مَسْأَلَةٌ قِرَاءَة الْمُصَلِّي الْقُرْآنَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ] 396 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ فِي رُكُوعِهِ وَلَا فِي سُجُودِهِ، فَإِنْ تَعَمَّدَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَسِيَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ اطْمَأَنَّ وَسَبَّحَ كَمَا أُمِرَ أَجْزَأَهُ سُجُودُ السَّهْوِ وَتَمَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي صَلَاتِهِ سَاهِيًا مَا لَيْسَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ أَلْغَى تِلْكَ السَّجْدَةَ أَوْ الرَّكْعَةَ وَكَانَ كَأَنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا، وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ كَمَا أُمِرَ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا زُهَيْرِ بْنُ حَرْبٍ ثِنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سُحَيْمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ وَفِيهِ «نَهَانِي وَلَا أَقُولُ نَهَاكُمْ» قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ إلَّا نَهْيُ عَلِيٍّ، وَفِي الَّذِي ذَكَرْنَا نَهْيُ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ
مسألة قرأ المصلي القرآن في جلوسه بعد أن يتشهد وهو إمام أو فذ
كُلَّ مَا نَهَى عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَحُكْمُنَا حُكْمُهُ؛ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِتَخْصِيصِهِ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ «رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أَنَّهَا سَمِعَتْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي " يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ» قُلْنَا: نَعَمْ، وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا الْخَبَرَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ، يَعْنِي {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] » هَكَذَا، فِي الْخَبَرِ نَصًّا، فَصَحَّ أَنَّ مَعْنَى تَأَوُّلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْقُرْآنَ هُوَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ {وَاسْتَغْفِرْهُ} [النصر: 3] . وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: لَا تَقْرَأْ وَأَنْتَ رَاكِعٌ، وَلَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: لَا تَقْرَأْ فِي الرُّكُوعِ وَلَا السُّجُودِ، إنَّمَا جُعِلَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ لِلتَّسْبِيحِ [مَسْأَلَةٌ قَرَأَ الْمُصَلِّي الْقُرْآنَ فِي جُلُوسِهِ بَعْدَ أَنْ يَتَشَهَّدَ وَهُوَ إمَامٌ أَوْ فَذٌّ] 397 - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ قَرَأَ الْمُصَلِّي الْقُرْآنَ فِي جُلُوسِهِ بَعْدَ أَنْ يَتَشَهَّدَ وَهُوَ إمَامٌ أَوْ فَذٌّ أَوْ تَشَهَّدَ فِي قِيَامِهِ أَوْ رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ بَعْدَ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ قِرَاءَةٍ وَتَسْبِيحٍ: جَازَتْ صَلَاتُهُ - عَمْدًا فَعَلَ ذَلِكَ أَوْ نِسْيَانًا - وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ فِي ذَلِكَ. وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَحَبُّ إلَيْنَا فَأَمَّا جَوَازُ صَلَاتِهِ وَسُقُوطُ سُجُودِ السَّهْوِ عَنْهُ؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ نُهِيَ عَنْهُ، بَلْ قَرَأَ وَالْقِرَاءَةُ: فِعْلٌ حَسَنٌ مَا لَمْ يُنْهَ الْمَرْءُ عَنْهُ، وَالتَّشَهُّدُ أَيْضًا ذِكْرٌ حَسَنٌ. وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الذِّكْرِ أَحَبُّ إلَيْنَا؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ أَمْرٌ وَلَا حَضٌّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ] 398 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تُجْزِئُ أَحَدًا الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ الَّذِي بِقُرْبِ قُبَاءَ، لَا عَمْدًا وَلَا نِسْيَانًا. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 107] إلَى قَوْله تَعَالَى: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة: 108]
مسألة الصلاة في مسجد أحدث مباهاة أو ضرارا على مسجد آخر
فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ صَلَاةٍ [مَسْأَلَة الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدٍ أُحْدِثَ مُبَاهَاةً أَوْ ضِرَارًا عَلَى مَسْجِدٍ آخَرَ] 399 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدٍ أُحْدِثَ مُبَاهَاةً، أَوْ ضِرَارًا عَلَى مَسْجِدٍ آخَرَ. إذَا كَانَ أَهْلُهُ يَسْمَعُونَ نِدَاءَ الْمَسْجِدِ الْأَوَّلِ، وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي قَصْدِهِ، وَالْوَاجِبُ هَدْمُهُ، وَهَدْمُ كُلِّ مَسْجِدٍ أُحْدِثَ لِيَنْفَرِدَ فِيهِ النَّاسُ كَالرُّهْبَانِ، أَوْ يَقْصِدَهَا أَهْلُ الْجَهْلِ طَلَبًا لِفَضْلِهَا، وَلَيْسَتْ عِنْدَهَا آثَارٌ لِنَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - وَلَا يَحِلُّ قَصْدُ مَسْجِدٍ أَصْلًا يُظَنُّ فِيهِ فَضْلٌ زَائِدٌ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا مَسْجِدَ مَكَّةَ، وَمَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، وَمَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَطْ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَمَّ تَقَارُبَ الْمَسَاجِدِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثِنَا أَبُو دَاوُد ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي فَزَارَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ» . [قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى] قَالَ عَلِيٌّ: التَّشْيِيدُ: الْبِنَاءُ بِالشَّيْدِ. وَبِهِ إلَى أَبِي دَاوُد ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ثِنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُطَيَّبَ وَتُنَظَّفَ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَلَمْ يَأْمُرْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي كُلِّ مَكَان، وَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، فَصَحَّ أَنَّ الَّذِي نَهَى عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ غَيْرُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَحَقٌّ بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ هُوَ كَمَا بَيَّنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَمْرِهِ وَفِعْلِهِ، وَهُوَ بِنَاؤُهَا فِي الدُّورِ، كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَالدُّورُ هِيَ الْمَحَلَّاتُ» ، قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ» . وَعَلَى قَدْرِ مَا بَنَاهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْمَدِينَةِ، لِكُلِّ أَهْلِ مَحَلَّةٌ مَسْجِدُهُمْ الَّذِي لَا حَرَجَ
مسألة الصلاة في مكان يستهزأ فيه بالله عز وجل
عَلَيْهِمْ فِي إجَابَةِ مُؤَذِّنِهِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ نَقَصَ مِمَّا لَمْ يَفْعَلْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَبَاطِلٌ وَمُنْكَرٌ، وَالْمُنْكَرُ وَاجِبٌ تَغْيِيرُهُ. وَقَدْ افْتَرَضَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - النِّكَاحَ وَالتَّسَرِّيَ وَنَهَى عَنْ الرَّهْبَانِيَّةِ، فَكُلُّ مَا أُحْدِثَ بَعْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِمَّا لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِهِ وَعَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَبِدْعَةٌ وَبَاطِلٌ وَقَدْ هَدَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَسْجِدًا بَنَاهُ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ بِظَهْرِ الْكُوفَةِ وَرَدَّهُ إلَى مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ - وَلَا فَضْلَ لِجَامِعٍ عَلَى سَائِر الْمَسَاجِدِ. وَلَا يَحِلُّ السَّفَرُ إلَى مَسْجِدٍ، حَاشَا مَسْجِدِ مَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ، وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ ثِنَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ ثِنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ثِنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الرِّحْلَةُ إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَمَسْجِدِ إيلْيَاءَ» [مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ فِي مَكَان يُسْتَهْزَأُ فِيهِ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ] 400 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ فِي مَكَان يُسْتَهْزَأُ فِيهِ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ بِرَسُولِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الدِّينِ، أَوْ فِي مَكَان يُكْفَرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الزَّوَالُ وَلَا قَدَرَ صَلَّى وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140] وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68] .
مسألة القراءة في مصحف في الصلاة
فَمَنْ اسْتَجَازَ الْقُعُودَ فِي مَكَان هَذِهِ صِفَتُهُ فَهُوَ مِثْلُ الْمُسْتَهْزِئِ الْكَافِرِ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَنْ أَقَامَ حَيْثُ حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ الْقُعُودَ فَقُعُودُهُ وَإِقَامَتُهُ مَعْصِيَةٌ، وَقُعُودُ الصَّلَاةِ طَاعَةٌ. وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ تُجْزِئَ الْمَعَاصِي عَنْ الطَّاعَاتِ وَأَنْ تَنُوبَ الْمَحَارِمُ عَنْ الْفَرَائِضِ. وَأَمَّا مَنْ عَجَزَ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] [مَسْأَلَةٌ الْقِرَاءَةُ فِي مُصْحَفٍ فِي الصَّلَاة] 401 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ فِي مُصْحَفٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ لِمُصَلٍّ، إمَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَكَذَلِكَ عَدُّ الْآيِ؛ لِأَنَّ تَأَمُّلَ الْكِتَابِ عَمَلٌ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِإِبَاحَتِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ: مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ. وَقَدْ قَالَ بِإِبْطَالِ صَلَاةِ مَنْ أَمَّ بِالنَّاسِ فِي الْمُصْحَفِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَدْ أَبَاحَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْهُمْ، وَالْمَرْجُوعُ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَيْهِ هُوَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» فَصَحَّ أَنَّهَا شَاغِلَةٌ عَنْ كُلِّ عَمَلٍ لَمْ يَأْتِ فِيهِ نَصٌّ بِإِبَاحَتِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ السَّلَام عَلَى المصلي أتناء الصَّلَاة] 402 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرُدَّ إشَارَةً لَا كَلَامًا، بِيَدِهِ أَوْ بِرَأْسِهِ، فَإِنْ تَكَلَّمَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَمَنْ عَطَسَ فَلْيَقُلْ " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ". وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لَهُ أَحَدٌ " رَحِمَك اللَّهُ "، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْقَائِلِ لَهُ ذَلِكَ إنْ تَعَمَّدَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ فِي ذَلِكَ وَحَدِيثَ الرَّدِّ أَيْضًا فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
مسألة الصلاة بحضرة طعام المصلي أو وهو يدافع البول أو الغائط
[مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ بِحَضْرَةِ طَعَامِ الْمُصَلِّي أَوْ وَهُوَ يُدَافِعُ الْبَوْلَ أَوْ الْغَائِطَ] 403 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ بِحَضْرَةِ طَعَامِ الْمُصَلِّي غَدَاءً كَانَ أَوْ عَشَاءً، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُ الْبَوْلَ، أَوْ الْغَائِطَ. وَفُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَكْلِ، وَالْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا مُحَمَّدٌ عَبَّادٌ ثِنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ هُوَ أَبُو حَزْرَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ قَالَ: تَحَدَّثْت أَنَا وَالْقَاسِمُ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - عِنْدَ عَائِشَةَ فَأَتَى بِالْمَائِدَةِ فَقَامَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ: أَيْنَ قَالَ: أُصَلِّي، قَالَتْ: اجْلِسْ غُدَرَ، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» . حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثِنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثِنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثِنَا الدُّبَيْرِيُّ ثِنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ثُمَّ ذَهَبَ لِلْغَائِطِ وَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَبِأَحَدِكُمْ الْغَائِطُ فَلْيَبْدَأْ بِالْغَائِطِ» . وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عُثْمَانَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثِنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثِنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثِنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ
مسألة من أكل ثوما أو بصلا أو كراثا
قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَمَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: صَلُّوا، فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَبِأَحَدِكُمْ حَاجَةٌ فَلْيَقْضِ حَاجَتَهُ ثُمَّ يُصَلِّي فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى» . وَبِهِ قَالَ السَّلَفُ -: رُوِّينَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَحُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ: وُضِعَتْ الْمَائِدَةُ وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَقُمْت لِأُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ، فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِثَوْبِي وَقَالَ: اجْلِسْ وَكُلْ ثُمَّ صَلِّهِ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَا تُدَافِعُوا الْأَخْبَثَيْنِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ سَوَاءٌ عَلَيْهِ يُصَلِّي مَنْ شُكِيَ بِهِ، أَوْ كَانَ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ هَذَا. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ عَلَى الْجُمْلَةِ بِأَنْ يَبْتَدِئَ بِالْبَوْلِ أَوْ الْغَائِطِ وَالْأَكْلِ، فَصَحَّ أَنَّ الْوَقْتَ مُتَمَادًى لَهُ إذْ أُمِرَ بِتَأْخِيرِهَا حَتَّى يُتِمَّ شُغْلَهُ كَمَا ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ مِنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ كُرَّاثًا] 404 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ كُرَّاثًا فَفُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَذْهَبَ الرَّائِحَةُ، وَفُرِضَ إخْرَاجُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ إنْ دَخَلَهُ قَبْلَ انْقِطَاعِ الرَّائِحَةِ، فَإِنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ كَذَلِكَ فَلَا صَلَاةَ لَهُ وَلَا يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ الْمَسْجِدِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَا، وَلَا أَبْخَرُ، وَلَا مَجْذُومٌ، وَلَا ذُو عَاهَةٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا ابْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثِنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يَعْنِي الثُّومَ - فَلَا يَقْرَبَنَّ الْمَسَاجِدَ» . وَبِهِ إلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: ثِنَا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - ثِنَا قَتَادَةُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - فَذَكَرَ كَلَامًا كَثِيرًا -: وَفِيهِ " إنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لَا أَرَاهُمَا إلَّا خَبِيثَتَيْنِ، هَذَا الْبَصَلُ، وَالثُّومُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنْ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إلَى الْبَقِيعِ» .
مسألة تعمد فرقعة أصابعه أو تشبيكها في الصلاة
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ثِنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ، وَالْكُرَّاثَ؛ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» . قَالَ عَلِيٌّ: إذَا لَمْ يَقُلْ مَسْجِدَنَا هَذَا، أَوْ لَفْظًا يُبَيِّنُ تَخْصِيصَهُ بِمَسْجِدِهِ بِالْمَدِينَةِ -: فَكُلُّ مَسْجِدٍ فَهُوَ مَسْجِدُنَا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُخْبِرُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: «مَسْجِدَنَا» مَعَ مَا قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعِيدٍ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ الثُّومَ خَرَجَ إلَى الْبَرِّيَّةِ كَأَنَّهُ يَعْنِي إيَّاهُ وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَشُرَيْكِ بْنِ حَنْبَلٍ مِنْ التَّابِعِينَ تَحْرِيمَ الثُّومِ النِّيءِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ: لَيْسَ حَرَامًا لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَهُ فِي الْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَةِ. وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ مَنْعَ آكِلِ الثُّومِ مِنْ جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ. قَالَ عَلِيٌّ: لَمْ يَمْنَعْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ حُضُورِ الْمَسَاجِدِ أَحَدًا غَيْرَ مَنْ ذَكَرْنَا {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3] {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] [مَسْأَلَةٌ تَعَمَّدَ فَرْقَعَةَ أَصَابِعِهِ أَوْ تَشْبِيكَهَا فِي الصَّلَاةِ] 405 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَعَمَّدَ فَرْقَعَةَ أَصَابِعِهِ أَوْ تَشْبِيكَهَا فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» [مَسْأَلَةٌ صَلَّى مُعْتَمِدًا عَلَى عَصًا أَوْ عَلَى جِدَارٍ أَوْ عَلَى إنْسَانٍ أَوْ مُسْتَنِدًا] 406 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ صَلَّى مُعْتَمِدًا عَلَى عَصًا أَوْ عَلَى جِدَارٍ أَوْ عَلَى إنْسَانٍ أَوْ مُسْتَنِدًا فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَمُضْطَجِعًا وَكَانَ الِاتِّكَاءُ وَالِاسْتِنَادُ عَمَلًا لَمْ يَأْتِ بِهِ أَمْرٌ. وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» . قَالَ عَلِيٌّ: إلَّا أَنْ يَصِحَّ أَثَرٌ فِي إبَاحَةِ ذَلِكَ فَنَقُولُ بِهِ، وَلَا نَعْلَمُهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ إنَّمَا هِيَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَابِصِيِّ عَنْ أَبِيهِ، وَلَا يُعْلَمُ حَالُهُ وَلَا
مسألة تختم في غير الخنصر وتعمد الصلاة كذلك
حَالُ أَبِيهِ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ لَا إبَاحَةٌ فِيهِ لِلِاعْتِمَادِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا لِلِاسْتِنَادِ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ إنَّمَا هُوَ عَنْ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَسَنَّ وَحَمَلَ اللَّحْمَ اتَّخَذَ عَمُودًا فِي مُصَلَّاهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَلَيْسَ فِيهِ: أَنَّهُ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ، وَالْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا فَإِذَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ مِقْدَارُ مَا قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ» [مَسْأَلَةٌ تَخَتَّمَ فِي غَيْر الْخِنْصَرِ وَتَعَمَّدَ الصَّلَاةَ كَذَلِكَ] 407 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَخَتَّمَ فِي السَّبَّابَةِ أَوْ الْوُسْطَى، أَوْ الْإِبْهَامِ، أَوْ الْبِنْصِرِ - إلَّا الْخِنْصَرَ وَحْدَهُ - وَتَعَمَّدَ الصَّلَاةَ كَذَلِكَ فَلَا صَلَاةَ لَهُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثِنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ هُوَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ «نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْخَاتَمِ فِي السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى» . وَقَالَ هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ: عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ هُوَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: «نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَتَخَتَّمَ
مسألة صرف المصلي نيته في الصلاة متعمدا إلى صلاة أخرى
فِي أُصْبُعِي هَذِهِ، وَفِي الْوُسْطَى، أَوْ الَّتِي تَلِيهَا» . قَالَ عَلِيٌّ: حَدِيثُ شُعْبَةَ هَذَا يَقْضِي عَلَى كُلِّ خَبَرٍ شَكَّ فِيهِ مَنْ رَوَاهُ عَنْ عَاصِمٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ صَلَّى مُتَخَتِّمًا فِي إصْبَعٍ نُهِيَ عَنْ التَّخَتُّمِ فِيهَا وَبَيْنَ مَنْ صَلَّى لَابِسَ حَرِيرٍ أَوْ عَلَى حَالٍ مُحَرَّمَةٍ، لِأَنَّ كُلَّهُمْ قَدْ فَعَلَ فِي الصَّلَاةِ فِعْلًا نُهِيَ عَنْهُ؛ فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ [مَسْأَلَةٌ صَرَفَ المصلي نِيَّتَهُ فِي الصَّلَاةِ مُتَعَمِّدًا إلَى صَلَاةٍ أُخْرَى] 408 - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ صَرَفَ نِيَّتَهُ فِي الصَّلَاةِ مُتَعَمِّدًا إلَى صَلَاةٍ أُخْرَى، أَوْ إلَى تَطَوُّعٍ عَنْ فَرْضٍ، أَوْ إلَى فَرْضٍ عَنْ تَطَوُّعٍ -: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا كَمَا أُمِرَ؛ فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ سَاهِيًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ؛ وَلَكِنْ يُلْغَى مَا عَمِلَ بِخِلَافِ مَا أُمِرَ بِهِ، طَالَ أَمْ قَصُرَ، وَيَبْنِي عَلَى مَا صَلَّى كَمَا أُمِرَ، وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، ذَلِكَ مَا لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ، فَإِنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِهَا، لَمَّا قَدْ ذَكَرْنَا فِي الْكَلَامِ وَالْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا فَرْقَ [مَسْأَلَةٌ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ مُصَدِّقًا لَهُ وَهُوَ يَدْرِي أَنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ] 409 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَتَى عَرَّافًا - وَهُوَ الْكَاهِنُ - فَسَأَلَهُ مُصَدِّقًا لَهُ وَهُوَ يَدْرِي أَنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ -: لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً إلَّا أَنْ يَتُوبَ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ صَفِيَّةَ هِيَ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ - عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» . قَالَ عَلِيٌّ: أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهُنَّ فِي غَايَةِ الصِّدْقِ وَالْعَدَالَةِ وَالطَّهَارَةِ وَالثِّقَةِ؛ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُخْفِينَ، وَلَا أَنْ يَخْتَلِطَ بِهِنَّ مَنْ لَيْسَ مِنْهُنَّ؛ بِخِلَافِ مُدَّعِي الصُّحْبَةِ وَهُوَ لَا يُعْرَفُ وَمَنْ أَتَى الْعَرَّافَ فَسَأَلَهُ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لَهُ لَكِنْ لِيُكَذِّبَهُ فَلَيْسَ سَائِلًا لَهُ وَلَا آتِيًا إلَيْهِ، وَمَنْ تَابَ فَقَدْ اسْتَثْنَى اللَّهُ بِالتَّوْبَةِ سُقُوطَ جَمِيعِ الذُّنُوبِ إذَا صَحَّتْ التَّوْبَةُ وَكَانَتْ عَلَى وَجْهِهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ هَذَا عَلَى التَّغْلِيظِ فَقَدْ نَسَبَ تَعَمُّدَ الْكَذِبِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَفِي هَذَا مَا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ
مسألة ظن أن إمامه قد سلم فقام لقضاء ما لم يدرك
[مَسْأَلَةٌ ظَنَّ أَنَّ إمَامَهُ قَدْ سَلَّمَ فَقَامَ لِقَضَاءِ مَا لَمْ يُدْرِكْ] 410 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ إمَامَهُ قَدْ سَلَّمَ أَوْ نَسِيَ أَنَّهُ فِي إمَامَةِ الْإِمَامِ فَقَامَ لِقَضَاءِ مَا لَمْ يُدْرِكْ أَوْ لِتَطَوُّعٍ أَوْ لِحَاجَةٍ سَاهِيًا: فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ مَتَى مَا ذَكَرَ وَيَجْلِسَ وَيَتَشَهَّدَ إنْ كَانَ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ وَلَا يُسَلِّمُ إلَّا بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ وَجَالِسًا: وَلَا بُدَّ، فَإِنْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُلُوسِ: سَلَّمَ كَمَا يَقْدِرُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، فَإِنْ اُنْتُقِضَ وُضُوءُهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ مَا ذَكَرْنَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةِ وَلَا بُدَّ فَلَوْ تَعَمَّدَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا قَبْلُ ذَاكِرًا أَنَّهُ فِي إمَامَةِ الْإِمَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِكُلِّ عَمَلٍ تَعَمَّدَ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَلَا أُبِيحَ لَهُ، وَبِأَنَّ النِّسْيَانَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَالسَّلَامُ لَا يَكُونُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ إلَّا فِي آخِرِ الْجُلُوسِ الَّذِي فِيهِ التَّشَهُّدُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ يَدْرِي الْمَرْءُ أَنَّهُ كَافِرٌ] 411 - مَسْأَلَةٌ: وَالصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ يَدْرِي الْمَرْءُ أَنَّهُ كَافِرٌ بَاطِلٌ وَكَذَلِكَ خَلْفَ مَنْ يَدْرِي أَنَّهُ مُتَعَمِّدٌ لِلصَّلَاةِ بِلَا طَهَارَةٍ، أَوْ مُتَعَمِّدٌ لِلْعَبَثِ فِي صَلَاتِهِ - وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ مَعَ النَّصِّ الثَّابِتِ بِأَنْ يَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ» فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، وَالْكَافِرُ لَيْسَ أَحَدَنَا وَلَيْسَ الْكَافِرُ مِنْ الْمُصَلِّينَ وَلَا مُضَافًا إلَيْهِمْ، وَلَيْسَ الْعَابِثُ مُصَلِّيًا وَلَا فِي صَلَاةٍ فَالْمُؤْتَمُّ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ [مَسْأَلَةٌ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَافِرٌ] 412 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَافِرٌ، أَوْ أَنَّهُ عَابِثٌ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ؛ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعْرِفَةَ مَا فِي قُلُوبِ النَّاسِ وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَمْ أُبْعَثْ لِأَشُقَّ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَإِنَّمَا كُلِّفْنَا ظَاهِرَ أَمْرِهِمْ» فَأُمِرْنَا إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ أَنْ يَؤُمَّنَا بَعْضُنَا فِي ظَاهِرِ أَمْرِهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ
مسألة تأول في بعض ما يوجب الوضوء فلم ير الوضوء منه
صَلَّى كَمَا أُمِرَ، وَكَذَلِكَ الْعَابِثُ فِي نِيَّتِهِ أَيْضًا لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنْهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ تَأَوَّلَ فِي بَعْضِ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَلَمْ يَرَ الْوُضُوءَ مِنْهُ] 413 - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا مَنْ تَأَوَّلَ فِي بَعْضِ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَلَمْ يَرَ الْوُضُوءَ مِنْهُ -: فَالِائْتِمَامُ بِهِ جَائِزٌ؛ وَكَذَلِكَ مَنْ اعْتَقَدَ مُتَأَوِّلًا أَنَّ بَعْضَ فُرُوضِ صَلَاتِهِ تَطَوُّعٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِجَهْلِهِ، وَقَدْ أَجَازَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَاةَ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ، وَهُوَ قَدْ تَعَمَّدَ الْكَلَامَ فِي صَلَاتِهِ جَاهِلًا [مَسْأَلَةٌ مِنْ عَلِمَ أَنَّ إمَامَهُ قَدْ زَادَ رَكْعَةً أَوْ سَجْدَةً] 414 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ إمَامَهُ قَدْ زَادَ رَكْعَةً أَوْ سَجْدَةً فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ عَلَيْهَا، بَلْ يَبْقَى عَلَى الْحَالَةِ الْجَائِزَةِ، وَيُسَبِّحُ بِالْإِمَامِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ} [النساء: 84] [مَسْأَلَةٌ رَجُلٍ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ] 415 - مَسْأَلَةٌ: وَأَيُّمَا رَجُلٍ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ الْمَرْأَةَ شَيْئًا. وَفُرِضَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ تَعْدِيلُ الصُّفُوفِ - الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ - وَالتَّرَاصُّ فِيهَا، وَالْمُحَاذَاةُ بِالْمَنَاكِبِ، وَالْأَرْجُلِ، فَإِنْ كَانَ نَقْصٌ كَانَ فِي آخِرِهَا وَمَنْ صَلَّى وَأَمَامَهُ فِي الصَّفِّ فُرْجَةٌ يُمْكِنُهُ سَدُّهَا بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي الصَّفِّ مَدْخَلًا فَلْيَجْتَذِبْ إلَى نَفْسِهِ رَجُلًا يُصَلِّي مَعَهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيَرْجِعْ، وَلَا يُصَلِّ وَحْدَهُ خَلْفَ الصَّفِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا فَيُصَلِّي وَتُجْزِئُهُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَوْلَانِيُّ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثِنَا أَبُو دَاوُد ثِنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ثِنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ رَاشِدٍ عَنْ وَابِصَةَ هُوَ ابْنُ مَعْبَدِ الْأَسَدِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ أَخْبَرَهُ عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ رَجُلًا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» . فَقَالَ قَوْمٌ بِآرَائِهِمْ: لَعَلَّهُ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ لِأَمْرٍ غَيْرِ ذَلِكَ لَا نَعْرِفُهُ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ بَيَانَ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا ادَّعَوْا، وَإِذَا جَوَّزُوا مِثْلَ هَذَا لَمْ يَعْجِزْ أَحَدٌ لَا يَتَّقِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَقُولَ إذَا ذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ: لَعَلَّهُ نَقَصَ مِنْهُ شَيْءٌ يُبْطِلُ هَذَا الْحُكْمَ الْوَارِدَ فِيهِ فَكَيْفَ وَقَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنُ الْجَسُورِ ثِنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثِنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثِنَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرِو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ
عَنْ أَبِيهِ قَالَ «قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ، فَقَضَى الصَّلَاةَ فَرَأَى رَجُلًا فَرْدًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ فَوَقَفَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى انْصَرَفَ، فَقَالَ لَهُ: اسْتَقْبِلْ صَلَاتَك، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِلَّذِي خَلْفَ الصَّفِّ» . قَالَ عَلِيٌّ: مُلَازِمٌ ثِقَةٌ. وَثَّقَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ وَغَيْرُهُمَا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا عَابَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بِأَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ، وَهَذَا لَيْسَ جُرْحَةً. وَرِوَايَةُ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ حَدِيثُ وَابِصَةَ مَرَّةً عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، وَمَرَّةً عَنْ عَمْرٍو بْنِ رَاشِدٍ قُوَّةٌ لِلْخَبَرِ، وَعَمْرُو بْنُ رَاشِدٍ ثِقَةٌ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا أَبُو الْوَلِيدِ هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - ثِنَا شُعْبَةُ أَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْت سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ سَمِعْت النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» . قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ. وَالْوَعِيدُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي كَبِيرَةٍ مِنْ الْكَبَائِرِ. وَبِهِ نَصًّا إلَى شُعْبَةَ: عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ» .
قَالَ عَلِيٌّ: تَسْوِيَةُ الصَّفِّ إذَا كَانَ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ فَهُوَ فَرْضٌ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الصَّلَاةِ فَرْضٌ؛ وَمَا كَانَ مِنْ الْفَرْضِ فَهُوَ فَرْضٌ. وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ ثِنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو ثِنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ ثِنَا حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ ثِنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» . وَرُوِّينَا عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ " كَانَ أَحَدُنَا يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا إجْمَاعٌ مِنْهُمْ، وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا؛ وَالصَّفُّ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْوَاسِطِيُّ ثِنَا
عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو قَطَنٍ ثِنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَوْ تَعْلَمُونَ أَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَكَانَتْ قُرْعَةً» . قَالَ عَلِيٌّ: لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْقُرْعَةُ إلَّا فِيمَا لَا يَسَعُ الْجَمِيعَ فَيَقَعُ فِيهِ التَّغَايُرُ وَالْمُضَايَقَةُ وَلَوْ كَانَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ لِلْمُبَادِرِ بِالْمَجِيءِ - كَمَا يَقُولُ مَنْ لَا يُحَصِّلُ كَلَامَهُ - لَمَا كَانَتْ الْقُرْعَةُ فِيهِ إلَّا حَمَاقَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ الْمُبَادَرَةِ بِالْمَجِيءِ حَتَّى يَحْتَاجَ فِيهِ إلَى قُرْعَةٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبَ ثِنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ هُوَ الْجَحْدَرِيُّ - عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ ثِنَا سَعِيدُ هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَتِمُّوا الصَّفَّ الْأَوَّلَ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَإِنْ كَانَ نَقْصٌ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ» . قَالَ عَلِيٌّ: شَغَبَ مَنْ أَجَازَ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَسٍ، وَالْيَتِيمِ خَلْفَهُ، وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّ حُكْمَ النِّسَاءِ خَلْفَ الرِّجَالِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِنَّ مِنْ إقَامَةِ الصُّفُوفِ إذَا كَثُرْنَ مَا عَلَى الرِّجَالِ لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ حَدِيثُ مُصَلَّى الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ لِحَدِيثِ وَابِصَةَ، وَلَا حَدِيثُ وَابِصَةَ لِحَدِيثِ مُصَلَّى الْمَرْأَةِ، فَلَيْسَ مَنْ تَرَكَ هَذَا لِهَذَا بِأَوْلَى مِمَّنْ تَرَكَ مَا أَخَذَ هَذَا وَأَخَذَ بِمَا تَرَكَ، وَكُلُّ هَذَا لَا يَجُوزُ وَشَغَبُوا بِحَدِيثِ «ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ إذْ جَاءَ كُلٌّ مِنْهُمَا فَوَقَفَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُؤْتَمًّا بِهِ وَحْدَهُ فَأَدَارَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى جَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ» ، قَالُوا: فَقَدْ صَارَ جَابِرٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تِلْكَ الْإِدَارَةِ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لَهُمْ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ ضَرْبُ السُّنَنِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ. وَهَذَا تَلَاعُبٌ بِالدِّينِ وَلَيْتَ شِعْرِي مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ تَرَكَ حَدِيثَ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ لِحَدِيثِ وَابِصَةَ، وَعَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ وَبَيْنَ مَنْ تَرَكَ حَدِيثَ وَابِصَةَ، وَعَلِيٍّ لِحَدِيثِ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَهَلْ هَذَا كُلُّهُ إلَّا بَاطِلٌ بَحْتٌ، وَتَحَكُّمٌ بِلَا بُرْهَانٍ بَلْ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ الْأَخْذُ بِكُلِّ ذَلِكَ، فَكُلُّهُ حَقٌّ، وَلَا يَحِلُّ خِلَافُهُ، فَإِدَارَةُ الْإِمَامِ مَنْ صَلَّى عَنْ يَسَارِهِ إلَى يَمِينِهِ حَقٌّ، وَلَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ الصَّلَاةُ، وَبِخِلَافِ مَنْ صَلَّى عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ وَهُوَ عَالِمٌ بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ فَصَلَاةُ هَذَيْنِ بَاطِلٌ، بِخِلَافِ حُكْمِ الْمُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، وَمَا سُمِّيَ قَطُّ الْمُدَارُ عَنْ شِمَالٍ إلَى يَمِينٍ مُصَلِّيًا وَحْدَهُ خَلْفَ الصَّفِّ وَمَوَّهُوا أَيْضًا بِخَبَرِ أَبِي بَكْرَةَ إذَا أَتَى وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ دَخَلَ الصَّفَّ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا الْخَبَرُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَنَا؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعٍ حَدَّثَنَا قَالَ ثِنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثِنَا أَبُو دَاوُد ثِنَا حُمَيْدٍ بْنُ مَسْعَدَةَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ زُرَيْعٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: ثِنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ زِيَادٍ الْأَعْلَمِ ثِنَا الْحَسَنُ «أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ حَدَّثَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَنَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاكِعٌ، قَالَ: فَرَكَعْتُ دُونَ الصَّفِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثِنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثِنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثِنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ الْأَعْلَمِ هُوَ زِيَادٌ - عَنْ الْحَسَنِ عَنْ «أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي وَقَدْ رَكَعَ، فَرَكَعَ ثُمَّ دَخَلَ الصَّفَّ وَهُوَ رَاكِعٌ؛ فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَيُّكُمْ دَخَلَ الصَّفَّ وَهُوَ رَاكِعٌ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرَةَ: أَنَا، قَالَ: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» .
قَالَ عَلِيٌّ: فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الرُّكُوعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ دُخُولَ الصَّفِّ كَذَلِكَ لَا يَحِلُّ فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْإِعَادَةِ كَمَا أَمَرَ الَّذِي أَسَاءَ الصَّلَاةَ وَاَلَّذِي صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ قُلْنَا: نَحْنُ عَلَى يَقِينٍ - نَقْطَعُ بِهِ - أَنَّ الرُّكُوعَ دُونَ الصَّفِّ إنَّمَا حَرُمَ حِينَ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّهْيِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا قَبْلَ النَّهْيِ؛ لَمَا أَغْفَلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمْرَهُ بِالْإِعَادَةِ، كَمَا فَعَلَ مَعَ غَيْرِهِ. فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ أَجَازَ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ، وَصَلَاةُ مَنْ لَمْ يُقِمْ الصُّفُوفَ: حُجَّةٌ أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ وَبِقَوْلِنَا يَقُولُ السَّلَفُ الطَّيِّبُ -: رُوِّينَا بِأَصَحِّ إسْنَادٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: كُنْت فِيمَنْ ضَرَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدَمَهُ لِإِقَامَةِ الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ قَالَ عَلِيٌّ: مَا كَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِيَضْرِبَ أَحَدًا وَيَسْتَبِيحَ بَشَرَةً مُحَرَّمَةً عَلَى غَيْرِ فَرْضٍ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ثِنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَبْعَثُ رِجَالًا يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، فَإِذَا جَاءُوا: كَبَّرَ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ نَهْرٌ أَوْ حَائِطٌ أَوْ طَرِيقٌ فَلَيْسَ مَعَ الْإِمَامِ وَعَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ فِي خُطْبَتِهِ قَلَّمَا يَدَعُ ذَلِكَ كَلَامًا فِيهِ: إذَا قَامَتْ الصَّلَاةُ فَاعْدِلُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا
بِالْمَنَاكِبِ، فَإِنَّ اعْتِدَالَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَهُ رِجَالٌ قَدْ وَكَّلَهُمْ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فَيُخْبِرُونَهُ أَنَّهَا اسْتَوَتْ فَيُكَبِّرُ. هَذَا فِعْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، لَا يُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ. وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اعْدِلُوا الصُّفُوفَ وَصُفُّوا الْأَقْدَامَ وَحَاذُوا بِالْمَنَاكِبِ. وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عِمْرَانَ الْجُعْفِيِّ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: كَانَ بِلَالٌ - هُوَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضْرِبُ أَقْدَامَنَا فِي الصَّلَاةِ وَيُسَوِّي مَنَاكِبَنَا. فَهَذَا بِلَالٌ مَا كَانَ: لِيَضْرِبَ أَحَدًا عَلَى غَيْرِ الْفَرْضِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ اعْتِدَالُ الصَّفِّ. وَأَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ تَخِرَّ ثَنِيَّتَايَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَى خَلَلًا فِي الصَّفِّ فَلَا أَسُدَّهُ قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا لَا يُتَمَنَّى فِي تَرْكِ مُبَاحٍ أَصْلًا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إيَّاكُمْ وَمَا بَيْنَ السَّوَارِي، وَعَلَيْكُمْ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ. وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ: رَأَيْت الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ يَتَخَلَّلُ الصُّفُوفَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: وَاَللَّهِ لَتُقَيِّمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفْنَ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ. وَقِيلَ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَتُنْكِرُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا، إلَّا أَنَّكُمْ لَا تُقَيِّمُونَ الصُّفُوفَ. قَالَ عَلِيٌّ: الْمُبَاحُ لَا يَكُونُ مُنْكَرًا وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ الْأَمْرُ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ
مسألة ماذا يقول من دخل المسجد
وَعَنْ عَطَاءٍ: عَلَى النَّاسِ أَنْ يُسَوُّوا الصُّفُوفَ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: سَوُّوا الصُّفُوفَ، فَإِنَّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ إقَامَةَ الصَّفِّ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي الرَّجُلِ يَجِيءُ وَقَدْ تَمَّ الصَّفُّ: إنْ قَدَرَ فَلْيَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الصَّفِّ، أَوْ يَجْتَذِبُ رَجُلًا فَيُصَلِّي مَعَهُ، فَإِنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ. وَعَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْت الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ عَنْ الرَّجُلِ يُصَلِّي وَحْدَهُ خَلْفَ الصَّفِّ قَالَ: يُعِيدُ. وَبِبُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ مُنْفَرِدًا يَقُولُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ [مَسْأَلَةٌ مَاذَا يَقُول مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ] 416 - مَسْأَلَةٌ: وَوَاجِبٌ عَلَى مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَنْ يَقُولَ " اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك " فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ فَلْيَقُلْ: " اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ فَضْلِك ". وَهَذَا إنَّمَا هُوَ مِنْ شُرُوطِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ مَتَى دَخَلَهُ، لَا مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، فَصَلَاةُ مَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ جَائِزَةٌ، وَقَدْ عَصَى فِي تَرْكِهِ قَوْلَ مَا أُمِرَ بِهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ سُوَيْد الْأَنْصَارِيُّ - عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ أَوْ عَنْ أَبِي أُسَيْدَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ فَضْلِكَ» . قَالَ عَلِيٌّ: أَيُّهُمَا كَانَ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ مَنْ بَعْدَهُ [مَسْأَلَةٌ مُتَابَعَة الْمَأْمُوم لِإِمَامِهِ] 417 - مَسْأَلَةٌ: وَفُرِضَ عَلَى كُلِّ مَأْمُومٍ أَنْ لَا يَرْفَعَ وَلَا يَرْكَعَ وَلَا يَسْجُدَ وَلَا يُكَبِّرَ وَلَا يَقُومَ وَلَا يُسَلِّمَ قَبْلَ إمَامِهِ، وَلَا مَعَ إمَامِهِ؛ فَإِنْ فَعَلَ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لَكِنْ بَعْدَ تَمَامِ كُلِّ
ذَلِكَ مِنْ إمَامِهِ؛ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ سَاهِيًا فَلْيَرْجِعْ وَلَا بُدَّ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْهُ بَعْدَ كُلِّ ذَلِكَ مِنْ إمَامِهِ وَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ ثِنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ ثِنَا أَبُو مُوسَى قَالَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَنَا فَبَيَّنَ لَنَا سُنَّةَ الْخَيْرِ، وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا، فَقَالَ: إذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] فَقُولُوا آمِينَ يُجِبْكُمْ اللَّهُ فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَتِلْكَ بِتِلْكَ وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَتِلْكَ بِتِلْكَ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا مُسَدَّدٌ ثِنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيُّ - ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ ثِنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ» . وَقَدْ رُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ. وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثِنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثِنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ، أَوْ لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ؛ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» .
حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثِنَا ابْنُ أَصْبَغَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ثِنَا الْحُمَيْدِيُّ ثِنَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - ثِنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ سَمِعْت مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُبَادِرُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا السُّجُودِ فَإِنِّي قَدْ بَدَّنْتُ فَمَهْمَا أَسْبِقْكُمْ بِهِ إذَا رَكَعْتُ فَإِنَّكُمْ تُدْرِكُونِي بِهِ إذَا رَفَعْتُ، وَمَهْمَا أَسْبِقْكُمْ بِهِ إذَا سَجَدْتُ فَإِنَّكُمْ تُدْرِكُونِي بِهِ إذَا رَفَعْتُ» وَبِهِ قَالَ السَّلَفُ. رُوِّينَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ وَيَخْفِضُ قَبْلَهُ فَإِنَّ نَاصِيَتَهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: مَا يُؤْمِنُ الرَّجُلُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ تَعُودَ رَأْسُهُ رَأْسَ كَلْبٍ. قَالَ عَلِيٌّ: لَا وَعِيدَ أَشَدَّ مِنْ الْمَسْخِ فِي صُورَةِ كَلْبٍ أَوْ حِمَارٍ، وَلَا عُقُوبَةَ أَعْظَمَ مِنْ إسْلَامِ نَاصِيَةِ الْمَرْءِ إلَى يَدِ الشَّيْطَانِ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا تُبَادِرُوا أَئِمَّتَكُمْ بِالسُّجُودِ، فَإِنْ سَبَقَكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَلْيَضَعْ أَحَدُكُمْ رَأْسَهُ كَقَدْرِ مَا سَبَقَ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلُ هَذَا حَرْفًا حَرْفًا. قَالَ عَلِيٌّ: وَالْمَعْصِيَةُ الْمُحَرَّمَةُ الْمُبْعِدَةُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَنُوبُ عَنْ الطَّاعَةِ الْمُفْتَرَضَةِ
مسألة كان عليل البصر وخشي ضررا من طول الركوع أو السجود
الْمُقَرِّبَةِ مِنْهُ عَزَّ وَجَلَّ [مَسْأَلَةٌ كَانَ عَلِيلَ الْبَصَرِ وَخَشِيَ ضَرَرًا مِنْ طُولِ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ] 418 - مَسْأَلَةٌ: فَمَنْ كَانَ عَلِيلَ الْبَصَرِ وَخَشِيَ ضَرَرًا مِنْ طُولِ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ فَلْيُؤَخِّرْ ذَلِكَ إلَى قُرْبِ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ بِمِقْدَارِ مَا يَرْكَعُ وَيَطْمَئِنُّ وَيَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ ثُمَّ يَرْفَعُ بَعْدَ رَفْعِ الْإِمَامِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وَلِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ: لَا يَحِلُّ لِمَأْمُومٍ أَنْ يُكَبِّرَ لِلْإِحْرَامِ قَبْلَ إمَامِهِ، وَلَا مَعَ إمَامِهِ، وَلَا أَنْ يُسَلِّمَ قَبْلَ إمَامِهِ، وَلَا مَعَ إمَامِهِ: ثُمَّ أَجَازُوا لَهُ أَنْ يَفْعَلَ سَائِرَ ذَلِكَ مَعَ الْإِمَامِ وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» أَوْ «فَاقْضُوا» نَصٌّ جَلِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُفَارِقَ الْإِمَامَ حَتَّى تَتِمَّ صَلَاةُ الْإِمَامِ، وَلَا تَتِمُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ إلَّا بِتَمَامِ سَلَامِهِ [مَسْأَلَةٌ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُكَبِّرَ قَبْلَ إمَامِهِ إلَّا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ] 419 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُكَبِّرَ قَبْلَ إمَامِهِ إلَّا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ -: أَحَدُهَا: مَنْ دَخَلَ خَلْفَ إمَامٍ فَلَمَّا كَبَّرَ الْإِمَامُ وَكَبَّرَ النَّاسُ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَإِنَّهُ يُشِيرُ إلَى النَّاسِ أَنْ اُمْكُثُوا، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يَأْتِي فَيَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ لِلْإِحْرَامِ، وَهُمْ بَاقُونَ عَلَى مَا كَبَّرُوا؛ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَالثَّانِي: أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ وَيُكَبِّرَ النَّاسُ بَعْدَهُ ثُمَّ يُحْدِثُ، فَيَسْتَخْلِفُ مَنْ دَخَلَ حِينَئِذٍ، فَيَصِيرُ إمَامًا مَكَانَهُ، وَيَكُونُ الْمُؤْتَمُّونَ بِهِ قَدْ كَبَّرُوا قَبْلَهُ - وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ، وَالْحَنْبَلِيِّينَ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَغِيبَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ فَيَسْتَخْلِفَ النَّاسُ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ ثُمَّ يَأْتِي الْإِمَامُ الرَّاتِبُ فَيَتَأَخَّرُ الْمُقَدَّمُ، وَيَتَقَدَّمُ هُوَ، فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ وَقَدْ كَبَّرَ الْمَأْمُومُونَ قَبْلَهُ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ -: مَرَّةً «إذْ مَضَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَقَدَّمَ النَّاسُ
لِلصَّلَاةِ الَّتِي حَضَرَتْ أَبَا بَكْرٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى بِالنَّاسِ بَانِينَ عَلَى مَا صَلَّوْا مَعَ أَبِي بَكْرٍ» . وَكَمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِالْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالرَّابِعُ: مَنْ كَانَ مَعْذُورًا فِي تَرْكِ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ أَوْ يَئِسَ عَنْ أَنْ يَجِدَ جَمَاعَةً فَبَدَأَ الصَّلَاةَ فَلَمَّا دَخَلَ فِيهَا أَتَى الْإِمَامُ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ وَيَعْتَدُّ بِتَكْبِيرِهِ وَبِمَا صَلَّى، لِأَنَّهُ كَبَّرَ كَمَا أُمِرَ، وَصَلَّى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ كَمَا أُمِرَ، وَمَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ أَحْسَنَ فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ مَا عَمِلَ إلَّا بِنَصِّ: قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] . وَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُسَلِّمَ قَبْلَ إمَامِهِ إلَّا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ -: أَحَدُهَا: صَلَاةُ الْخَوْفِ، كَمَا نَذْكُرُ فِي أَبْوَابِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالثَّانِي: مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ أَوْ يَئِسَ عَنْ وُجُودِ جَمَاعَةٍ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ أَتَى الْإِمَامُ، فَصَارَ هَذَا مُؤْتَمًّا بِهِ وَتَمَّتْ صَلَاتُهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَهَذَا مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ سَلَّمَ وَنَهَضَ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِائْتِمَامُ بِالْإِمَامِ فِي أَحْوَالٍ يَفْعَلُهَا الْإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْتَمِّ أَنْ يَزِيدَهَا فِي صَلَاتِهِ؛ فَإِذْ لَا يَجُوزُ لَهُ الِائْتِمَامُ بِالْإِمَامِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ إمَامَتِهِ وَتَمَّتْ صَلَاتُهُ، فَلْيُسَلِّمْ، وَإِنْ شَاءَ يَتَمَادَى عَلَى تَشَهُّدِهِ وَدُعَائِهِ، حَتَّى إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ سَلَّمَ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ. وَالثَّالِثُ: مُسَافِرٌ دَخَلَ خَلْفَ مَنْ يُتِمُّ الصَّلَاةَ - إمَّا مُقِيمًا وَإِمَّا مُتَأَوِّلًا مَعْذُورًا بِخَطَئِهِ فَإِذَا تَمَّتْ لِلْمَأْمُومِ رَكْعَتَانِ بِسَجْدَتَيْهِمَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ؛ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ سَلَامٍ أَوْ تَمَادَى عَلَى الْجُلُوسِ وَالدُّعَاءِ، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَ سَلَامِهِ أَنْ يَنْهَضَ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ بَاقِيَ صَلَاتِهِ مُتَطَوِّعًا فَذَلِكَ لَهُ وَالرَّابِعُ: مَنْ طَوَّلَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ تَطْوِيلًا يَضُرُّ بِهِ فِي نَفْسِهِ، أَوْ فِي ضَيَاعِ مَالِهِ؛ فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ إمَامَتِهِ، وَيُتِمَّ صَلَاتَهُ لِنَفْسِهِ، وَيُسَلِّمَ وَيَنْهَضَ لِحَاجَتِهِ -: كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا
مسألة من سبق إلى مكان من المسجد لم
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ ثِنَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَمْرِو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ، فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ، وَلَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَأُخْبِرَنَّهُ؛ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَك الْعِشَاءَ ثُمَّ أَتَى فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا مُعَاذٌ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ اقْرَأْ بِكَذَا، وَاقْرَأْ بِكَذَا» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْكَلَامِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثِنَا غُنْدَرٍ ثِنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ فَيَؤُمُّهُمْ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ فَانْصَرَفَ رَجُلٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: فَتَّانٌ فَتَّانٌ فَتَّانٌ أَوْ قَالَ: فَاتِنًا فَاتِنًا فَاتِنًا وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ» . وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَعَ النَّصِّ وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ إسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: إذَا تَشَهَّدَ الرَّجُلُ وَخَافَ أَنْ يُحْدِثَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ فَلْيُسَلِّمْ وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي ذَلِكَ مُخَالِفًا. وَبِكُلِّ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا، قَدْ قَالَتْ طَوَائِفُ مِنْ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - [مَسْأَلَةٌ مَنْ سَبَقَ إلَى مَكَان مِنْ الْمَسْجِدِ لَمْ] 420 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ سَبَقَ إلَى مَكَان مِنْ الْمَسْجِدِ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ إخْرَاجُهُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ إنْ قَامَ عَنْهُ غَيْرَ تَارِكٍ لَهُ فَرَجَعَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقَامَ أَحَدٌ عَنْ مَكَانِهِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثِنَا أَبُو دَاوُد ثِنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثِنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» .
مسألة لا يحل لأحد أن يصلي أمام الإمام
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ أَمَامَ الْإِمَامِ] 421 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّي أَمَامَ الْإِمَامِ إلَّا لِضَرُورَةِ حَبْسٍ فَقَطْ، أَوْ فِي سَفِينَةٍ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ثِنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ أَبِي حَرَزَةَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَحَدَّثَنَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ، قَالَ جَابِرٌ: فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضَّأِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُصَلِّيَ، ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا جَمِيعًا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ» . فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاثْنَانِ فَصَاعِدًا خَلْفَ الْإِمَامِ وَلَا بُدَّ؛ وَيَكُونُ الْوَاحِدُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَلَا بُدَّ؛ لِأَنَّ دَفْعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَابِرًا وَجَبَّارًا إلَى مَا وَرَاءَهُ أَمْرٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ، وَإِدَارَتَهُ جَابِرًا إلَى يَمِينِهِ كَذَلِكَ؛ فَمَنْ صَلَّى بِخِلَافِ مَا أُمِرَ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَا صَلَاةَ لَهُ وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إنَّ الِاثْنَيْنِ يَكُونَانِ حِفَافَيْ الْإِمَامِ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِرِوَايَةٍ رُوِّينَاهَا عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ «عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ: أَنَّهُمَا صَلَّيَا مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَامَ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ. وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، وَقَامَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ رَكَعَ بِهِمَا، فَوَضَعَا أَيْدِيَهُمَا عَلَى رُكَبِهِمَا، فَضَرَبَ أَيْدِيَهُمَا ثُمَّ طَبَّقَ يَدَيْهِ فَجَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ وَأُخْرَى فِيهَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ -
مسألة من استخلفه الإمام
وَكِلَاهُمَا مَتْرُوكٌ -: أَنَّ هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا رِوَايَةُ الْأَعْمَشِ - وَهِيَ الثَّابِتَةُ - فَلَا بَيَانَ فِيهَا إلَى أَيِّ شَيْءٍ أَشَارَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِقَوْلِهِ: «هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» إلَى مَوْقِفِ الْإِمَامِ بَيْنَ الْمَأْمُومَيْنِ وَإِلَى التَّطْبِيقِ مَعًا أَمْ إلَى التَّطْبِيقِ وَحْدَهُ وَإِذْ لَا بَيَانَ فِي ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ الْيَقِينُ لِلظُّنُونِ. ثُمَّ حَتَّى لَوْ صَحَّ هَذَا مُسْنَدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكَانَ إبْعَادُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِجَابِرٍ، وَجَبَّارٍ، عَنْ كَوْنِهِمَا حِفَافَيْهِ وَإِيقَافُهُمَا خَلْفَهُ -: مُدْخِلًا لَنَا فِي يَقِينِ مَنْعِ الِاثْنَيْنِ مِنْ كَوْنِهِمَا حِفَافَيْ الْإِمَامِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَجَوَازُ كَوْنِ الِاثْنَيْنِ حِفَافَيْ الْإِمَامِ قَدْ حَرُمَ بِيَقِينٍ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إلَى الْجَوَازِ مَا قَدْ تُيُقِّنَ تَحْرِيمُهُ إلَّا بِنَصٍّ جَلِيٍّ بِعَوْدَتِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ مَنْ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ] 422 - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَنْ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ الْمُحْدِثُ فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّي إلَّا صَلَاةَ نَفْسِهِ لَا عَلَى صَلَاةِ إمَامِهِ الْمُسْتَخْلِفِ لَهُ، وَيَتْبَعُهُ الْمَأْمُومُونَ فِيمَا يَلْزَمُهُمْ، وَلَا يَتْبَعُونَهُ فِيمَا لَا يَلْزَمُهُمْ؛ بَلْ يَقِفُونَ عَلَى حَالِهِمْ، يَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى مَا هُمْ فِيهِ فَيَتْبَعُوهُ حِينَئِذٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: بَلْ يُصَلِّي الْإِمَامُ الْمُسْتَخْلِفُ كَمَا كَانَ يُصَلِّي لَوْ كَانَ مَأْمُومًا، وَعَلَى حُكْمِ صَلَاةِ إمَامِهِ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ قَالَ عَلِيٌّ: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً إلَّا أَنَّهُمْ وَنَحْنُ تَنَازَعْنَا فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» قَالَ عَلِيٌّ: وَالْإِمَامُ الَّذِي أَحْدَثَ وَاسْتَخْلَفَ وَخَرَجَ فَقَدْ بَطَلَتْ إمَامَتُهُ بِإِجْمَاعٍ مِنَّا وَمِنْهُمْ وَبِضَرُورَةِ الْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ؛ لِأَنَّهُ الْآنَ فِي دَارِهِ يُحْدِثُ أَوْ يَأْكُلُ أَوْ يَعْمَلُ مَا اللَّهُ
مسألة وأيما عبد أبق عن مولاه فلا تقبل له صلاة حتى يرجع
تَعَالَى أَعْلَمُ بِهِ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ لَكَانَ مُؤْتَمًّا عِنْدَكُمْ لَا إمَامًا، فَقَدْ أَيْقَنَّا: أَنَّ إمَامَتَهُ قَدْ بَطَلَتْ، فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا قُلْنَا: بَقِيَ حُكْمُ إمَامَتِهِ، لَا إمَامَتُهُ قُلْنَا فِي هَذَا نَازَعْنَاكُمْ، فَلَيْسَ دَعْوَاكُمْ حُجَّةً لِنَفْسِهَا، وَإِذْ قَدْ أَقْرَرْتُمْ أَنَّ إمَامَتَهُ قَدْ بَطَلَتْ، وَأَنَّهُ لَيْسَ إمَامًا - فَلَا يَجُوزُ بَقَاءُ حُكْمِ إمَامَةٍ قَدْ بَطَلَتْ أَصْلًا وَأَمَّا الثَّانِي - فَهُوَ بِإِجْمَاعٍ مِنَّا وَمِنْهُمْ - الْإِمَامُ الَّذِي أَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ نَأْتَمَّ بِهِ، وَأَنْ نُكَبِّرَ إذَا كَبَّرَ، وَنَرْفَعَ إذَا رَفَعَ، وَنَرْكَعَ إذَا رَكَعَ، وَنَسْجُدَ إذَا سَجَدَ؛ فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ الْإِمَامُ لَا الْمَأْمُومُ، وَالْإِمَامُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِأَنْ يَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ كَمَا أُمِرَ؛ وَالْمُؤْتَمُّونَ بِهِ هُمْ الْمَأْمُورُونَ بِالِائْتِمَامِ بِهِ، فَإِنْ قَالُوا: فَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الْمَأْمُومَ إذَا أَتَمَّ صَلَاتَهُ لَمْ يَنْتَظِرْ الْإِمَامَ قُلْنَا: نَعَمْ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ تَتِمَّ صَلَاتُهُمْ بَعْدُ. فَوَاجِبٌ عَلَيْهِمْ انْتِظَارُهُ، كَمَا فَعَلَ الْمُسْلِمُونَ فِي انْتِظَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ خَرَجَ ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ اغْتَسَلَ، وَكَمَا فَعَلُوا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ؛ لِأَنَّهُمْ بَعْدُ مُؤْتَمُّونَ بِهِ، وَهُوَ إمَامُهُمْ، وَصَلَاتُهُمْ لَمْ تَتِمَّ، فَلَا عُذْرَ لَهُمْ فِي الْخُرُوجِ عَنْ الِائْتِمَامِ بِهِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَتْبَعُوهُ فِيمَا لَيْسَ مِنْ صَلَاتِهِمْ فَيَزِيدُوا فِيهَا بِالْعَمْدِ مَا قَدْ صَلَّوْهُ، فَوَجَبَ انْتِظَارُهُمْ إيَّاهُ وَلَا بُدَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا مَنْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ مِنْهُمْ، فَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ أَطَالَ التَّشَهُّدَ؛ فَذَلِكَ لَهُ، حَتَّى يُسَلِّمَ مَعَ الْإِمَامِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ وَأَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ عَنْ مَوْلَاهُ فَلَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ حَتَّى يَرْجِعَ] 423 - مَسْأَلَةٌ: وَأَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ عَنْ مَوْلَاهُ فَلَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ حَتَّى يَرْجِعَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبَقَ لِضَرَرٍ مُحَرَّمٍ لَا يَجِدُ مَنْ يَنْصُرُهُ مِنْهُ، فَلَيْسَ آبِقًا حِينَئِذٍ إذَا نَوَى بِذَلِكَ الْبُعْدَ عَنْهُ فَقَطْ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ثِنَا جَرِيرٌ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ» وَبِهَذَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؛ كَمَا رُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثِنَا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي
مسألة ومن صلى من الرجال وهو لابس معصفرا
الْآبِقِ: لَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا صَاحِبٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مُخَالِفٌ، وَخُصُومُنَا يَشْغَبُونَ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ [مَسْأَلَةٌ وَمَنْ صَلَّى مِنْ الرِّجَالِ وَهُوَ لَابِسٌ مُعَصْفَرًا] 424 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ صَلَّى مِنْ الرِّجَالِ وَهُوَ لَابِسٌ مُعَصْفَرًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إذَا كَانَ ذَكَرًا عَالِمًا بِالنَّهْيِ وَإِلَّا فَلَا؛ فَإِنْ كَانَ مَصْبُوغًا بِعُصْفُرٍ لَا يَظْهَرُ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ " مُعَصْفَرٌ " فَصَلَاتُهُ فِيهِ جَائِزَةٌ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ جَائِزَةٌ لِلنِّسَاءِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثِنَا أَبُو دَاوُد ثِنَا الْقَعْنَبِيُّ ثِنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَعَنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ وَعَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ، وَعَنْ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ» . وَبِهَذَا يَقُولُ بَعْضُ السَّلَفِ الصَّالِحِ -: كَمَا رُوِّينَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى عَلَى رَجُلٍ ثَوْبًا مُعَصْفَرًا فَقَالَ: دَعُوا هَذِهِ الْبَرَّاقَاتِ لِلنِّسَاءِ. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ بُدَيْلِ الْعُقَيْلِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صَرْدِ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى رَجُلٍ ثَوْبَيْنِ مُمَصَّرَيْنِ فَقَالَ: أَلْقِ هَذَيْنِ عَنْك؛ لَعَلَّك أَنْ تُوهَمَ مِنْ عَمَلِك مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ جِدًّا وَرُوِّينَا أَنَّ أُمَّ الْفَضْلَ بِنْتَ غِيلَانَ: أَرْسَلَتْ إلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ تَسْأَلُهُ عَنْ الْعُصْفُرِ فَقَالَ أَنَسٌ: لَا بَأْسَ بِهِ لِلنِّسَاءِ. قَالَ عَلِيٌّ: صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إبَاحَتُهُ لِلنِّسَاءِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثِنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثِنَا أَبُو دَاوُد ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثِنَا يَعْقُوبَ هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - ثِنَا أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى النِّسَاءَ فِي إحْرَامِهِنَّ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنْ الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مِنْ مُعَصْفَرٍ، أَوْ خَزٍّ،
مسألة ومن صلى وهو يحمل شيئا مسروقا أو مغصوبا أو إناء فضة أو ذهب
أَوْ حُلِيٍّ، أَوْ سَرَاوِيلَ، أَوْ قَمِيصٍ، أَوْ خُفٍّ» . [مَسْأَلَةٌ وَمَنْ صَلَّى وَهُوَ يَحْمِلُ شَيْئًا مَسْرُوقًا أَوْ مَغْصُوبًا أَوْ إنَاءَ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ] 425 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ صَلَّى وَهُوَ يَحْمِلُ شَيْئًا مَسْرُوقًا أَوْ مَغْصُوبًا أَوْ إنَاءَ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَحْمِلَ الْمَأْخُوذَ بِغَيْرِ حَقِّهِ لِيَرُدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ، أَوْ يَحْمِلَ الْإِنَاءَ لِيَكْسِرَهُ -: فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، فَإِنْ صَلَّى وَفِي كَفِّهِ أَوْ حُجْزَتِهِ حُلِيٌّ ذَهَبٌ يَتَمَلَّكُهُ لِأَهْلِهِ، أَوْ لِيَبِيعَهُ، أَوْ ثَوْبٌ حَرِيرٌ كَذَلِكَ، أَوْ دَنَانِيرُ -: فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى وَفِي فِيهِ دِينَارٌ أَوْ لُؤْلُؤَةٌ يُحْرِزُهُمَا بِذَلِكَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّهُ عَمِلَ فِي صَلَاتِهِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَمَنْ عَمِلَ فِي صَلَاتِهِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ؛ فَلَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا؛ فَإِذَا حَمَلَ ذَلِكَ لِمَا أُمِرَ بِهِ؛ فَلَمْ يَعْمَلْ فِي صَلَاتِهِ إلَّا مَا أُمِرَ بِهِ؛ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ الرَّجُلِ إنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاسِعٍ] 426 - مَسْأَلَةٌ: وَفُرِضَ عَلَى الرَّجُلِ - إنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاسِعٍ - أَنْ يَطْرَحَ مِنْهُ عَلَى عَاتِقِهِ أَوْ عَاتِقَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا اتَّزَرَ بِهِ وَأَجْزَأَهُ، كَانَ مَعَهُ ثِيَابٌ غَيْرَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا أَبُو عَاصِمٍ هُوَ النَّبِيلُ - عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» . وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ» .
مسألة ولا يجوز لأحد أن يصلي وهو مشتمل الصماء الرجل والمرأة سواء
قَالَ عَلِيٌّ: الْمَعْنَى فِي كِلَا اللَّفْظَيْنِ وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ مَتَى أَلْقَى بَعْضَ الثَّوْبِ عَلَى عَاتِقِهِ فَلَمْ يُصَلِّ فِي ثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، بَلْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ثِنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ أَبِي حَزَرَةَ - عَنْ «عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَا وَأَبِي فَحَدَّثَنَا فِي حَدِيثٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ يَا جَابِرُ، إذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ» يَعْنِي ثَوْبَهُ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَقْضِي سَائِرَ الْأَخْبَارِ فِي الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَرُوِّينَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ فِي الثَّوْب: إذَا كَانَ وَاسِعًا فَتَوَشَّحَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قَصِيرًا فَاِتَّزَرَ بِهِ. وَعَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْك إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ، إنْ كَانَ وَاسِعًا فَتَوَشَّحْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَاِتَّزِرْ بِهِ وَعَنْ طَاوُسٍ بِنَحْوِ هَذَا وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُخَمِّرْ عَلَى عَاتِقَيْهِ فِي الصَّلَاةِ [مَسْأَلَةٌ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ مُشْتَمِلُ الصَّمَّاءَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ سَوَاءٌ] 427 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّي وَهُوَ مُشْتَمِلُ الصَّمَّاءَ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَمِلَ الْمَرْءُ وَيَدَاهُ تَحْتَهُ، الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ سَوَاءٌ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا عُبَيْدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَرَ عَنْ خَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ وَعَنْ لُبْسَتَيْنِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ» [مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ مِمَّنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ مِنْ الرِّجَالِ] 428 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ مِمَّنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ مِنْ الرِّجَالِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَهَا أَنْ تُسْبِلَ ذَيْلَ مَا تَلْبَسُ ذِرَاعًا لَا أَكْثَرَ، فَإِنْ زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ عَالِمَةً بِالنَّهْيِ بَطَلَتْ صَلَاتُهَا
وَحَقُّ كُلِّ ثَوْبٍ يَلْبَسُهُ الرَّجُلُ أَنْ يَكُونَ إلَى الْكَعْبَيْنِ لَا أَسْفَلَ أَلْبَتَّةَ؛ فَإِنْ أَسْبَلَهُ فَزَعًا أَوْ نِسْيَانًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثِنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ» . فَهَذَا عُمُومٌ لِلسَّرَاوِيلِ، وَالْإِزَارِ، وَالْقَمِيصِ وَسَائِرِ مَا يُلْبَسُ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مُسْنَدًا. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ مُسْنَدًا بِوَعِيدٍ شَدِيدٍ. وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمُسْبِلُ إزَارَهُ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي حِلٍّ وَلَا فِي حَرَامٍ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى مُسْبِلٍ وَعَنْ مُجَاهِدٍ: كَانَ يُقَالُ: مَنْ مَسَّ إزَارُهُ كَعْبَهُ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً فَهَذَا مُجَاهِدٌ يَحْكِي ذَلِكَ عَمَّنْ قَبْلَهُ، وَلَيْسُوا إلَّا الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ؛ بَلْ مِنْ أَوَاسِطِهِمْ وَعَنْ ذَرِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْهَبِيِّ - وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ -: كَانَ يُقَالُ: مَنْ جَرَّ ثِيَابَهُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ وَلَا نَعْلَمُ لِمَنْ ذَكَرْنَا مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. قَالَ عَلِيٌّ: فَمَنْ فَعَلَ فِي صَلَاتِهِ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ، وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ فَلَا صَلَاةَ لَهُ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثِنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثِنَا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ ثِنَا النُّفَيْلِيُّ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ - ثِنَا مُحَمَّدٌ ثِنَا زُهَيْرُ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ - ثِنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: إنَّ أَحَدَ جَانِبَيْ إزَارِي يَسْتَرْخِي إلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَسْت مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلَاءَ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ الْقُومِسِيُّ ثِنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ قَالَ: تُرْخِينَهُ شِبْرًا؛ قَالَتْ: إذَنْ تَنْكَشِفَ أَقْدَامُهُنَّ؛ قَالَ: تُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِي ثِنَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - ثِنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْت أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، وَمَا أَسْفَلُ ذَلِكَ فِي النَّارِ، لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا» .
مسألة الصلاة في ثوب الكافر والفاسق
[مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ فِي ثَوْبِ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ] مَسْأَلَةٌ: وَالصَّلَاةُ جَائِزَةٌ فِي ثَوْبِ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ، مَا لَمْ يُوقِنْ فِيهَا شَيْئًا يَجِبُ اجْتِنَابُهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] . وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي جُبَّةٍ رُومِيَّةٍ» ؛ وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَةِ الْقُطْنِ، وَالْكَتَّانِ، وَالصُّوفِ، وَالشَّعْرِ، وَالْوَبَرِ، وَالْجُلُودِ، وَالْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ؛ وَإِبَاحَةِ كُلِّ ذَلِكَ فَمَنْ ادَّعَى نَجَاسَةً أَوْ تَحْرِيمًا لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ نَصِّ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ. قَالَ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] . وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36] ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آنِيَتَهُمْ إلَّا بَعْدَ غَسْلِهَا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا قُلْنَا: نَعَمْ، وَالْآنِيَةُ غَيْرُ الثِّيَابِ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] . وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى تَحْرِيمَ ثِيَابِهِمْ لَبَيَّنَ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فَعَلَ بِالْآنِيَةِ وَالْعَجَبُ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي ثِيَابِهِمْ يُبِيحُ آنِيَتَهُمْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَهَذَا عَكْسُ الْحَقَائِقِ وَإِبَاحَةُ الصَّلَاةِ فِي ثِيَابِ الْمُشْرِكِينَ هُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَدَاوُد بْنِ عَلِيٍّ، وَبِهِ نَقُولُ [مَسْأَلَةٌ وَلَا يُجْزِئ أَحَدًا مِنْ الرِّجَالِ أَنْ يُصَلِّيَ وَقَدْ زَعْفَرَ جِلْدَهُ بِالزَّعْفَرَانِ] 430 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُجْزِئ أَحَدًا مِنْ الرِّجَالِ أَنْ يُصَلِّي وَقَدْ زَعْفَرَ جِلْدَهُ بِالزَّعْفَرَانِ، فَإِنْ صَبَغَ ثِيَابَهُ، أَوْ عِمَامَتَهُ، بِالزَّعْفَرَانِ، أَوْ زَعْفَرَ لِحْيَتَهُ، فَحَسَنٌ، وَصَلَاتُهُ بِكُلِّ ذَلِكَ جَائِزَةٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثِنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثِنَا أَبُو دَاوُد ثِنَا مُسَدَّدٌ ثِنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» . هَذَا لَفْظُ إسْمَاعِيلَ، وَلَفْظُ حَمَّادٍ، «عَنْ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ» .
مسألة ولا يحل للرجل أن يصفق بيديه في صلاته
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثِنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ ثِنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ ثِنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيّ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ جَدَّيْهِ قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ رَجُلٍ فِي جَسَدِهِ شَيْءٌ مِنْ خَلُوقٍ» . قَالَ عَلِيٌّ: الْخَلُوقُ الزَّعْفَرَانُ، وَأَوَّلُ مَرَاتِبِ هَذَا الْخَبَرِ كَوْنُهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي مُوسَى. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا النَّهْيُ نَاسِخٌ لِمَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ مِنْ إبَاحَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَأَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ، إذْ رَأَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ حِينَ تَزَوَّجَ وَعَلَيْهِ الْخَلُوقُ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ؛ إذْ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْإِبَاحَةُ، ثُمَّ طَرَأَ النَّهْيُ فَجَاءَ نَاسِخًا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثِنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْخَلُوقِ، فَقُلْت: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنَّك تُصَفِّرُ لِحْيَتَك بِالْخَلُوقِ قَالَ: [ «إنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَفِّرُ بِهَا لِحْيَتَهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ الصَّبْغِ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْهَا؛ وَلَقَدْ كَانَ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ» ] . قَالَ عَلِيٌّ: وَلَمْ يَنْهَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - النِّسَاءَ عَنْ التَّزَعْفُرِ، فَهُوَ مُبَاحٌ لَهُنَّ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] . [مَسْأَلَةٌ وَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَفِّقَ بِيَدَيْهِ فِي صَلَاتِهِ] 431 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَفِّقَ بِيَدَيْهِ فِي صَلَاتِهِ، فَإِنْ فَعَلَ وَهُوَ عَالِمٌ بِالنَّهْيِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لَكِنْ إنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَحُكْمُهَا إنْ نَابَهَا شَيْءٌ فِي صَلَاتِهَا أَنْ تُصَفِّقَ بِيَدَيْهَا، فَإِنْ سَبَّحَتْ: فَحَسَنٌ
مسألة ولا يحل للمرأة إذا شهدت المسجد أن تمس طيبا
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ سَبَّحَ الرَّجُلُ مُرِيدًا إفْهَامَ غَيْرِهِ بِأَمْرٍ مَا: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُصَفِّقُ الْمَرْأَةُ بَلْ تُسَبِّحُ. وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ، وَخِلَافٌ لِلثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا أَبُو النُّعْمَانِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَارِمٌ - ثِنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ثِنَا أَبُو حَازِمٍ الْمَدَنِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - فَذَكَرَ حَدِيثًا وَفِيهِ -: إنَّ النَّاسَ صَفَّحُوا إذْ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءُوهُمْ يُصَلُّونَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُمْ إذْ سَلَّمَ «إذَا رَابَكُمْ أَمْرٌ فَلْيُسَبِّحْ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّحْ النِّسَاءُ فِي الصَّلَاةِ» . قَالَ عَلِيٌّ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ التَّصْفِيقَ، وَالتَّصْفِيحَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الضَّرْبُ بِإِحْدَى صَفْحَتَيْ الْأَكُفِّ عَلَى الْأُخْرَى وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُمَا قَالَا: التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ - وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مُخَالِفٌ وَإِنَّمَا جَازَ التَّسْبِيحُ لِلنِّسَاءِ، لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةُ مَكَانٌ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ [مَسْأَلَةٌ وَلَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ إذَا شَهِدَتْ الْمَسْجِدَ أَنْ تَمَسَّ طِيبًا] 432 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ إذَا شَهِدَتْ الْمَسْجِدَ أَنْ تَمَسَّ طِيبًا، فَإِنْ فَعَلَتْ بَطَلَتْ صَلَاتُهَا؛ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْجُمُعَةُ، وَالْعَتَمَةُ، وَالْعِيدُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثِنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ثِنَا بُكَيْر بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا» .
مسألة صلاة الواصلة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُبَيْعٍ ثِنَا ابْنُ السُّلَيْمِ ثِنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثِنَا أَبُو دَاوُد ثِنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثِنَا حَمَّادُ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ يَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ» . قَالَ عَلِيٌّ: إنْ أَمْكَنَ الْمَرْأَةَ أَنْ تَتَطَيَّبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ طِيبًا تَذْهَبُ رِيحُهُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ فَذَلِكَ عَلَيْهَا؛ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَرْكِ الطِّيبِ أَوْ تَرْكِ الْجُمُعَةِ؛ أَيُّ ذَلِكَ فَعَلَتْ فَمُبَاحٌ لَهَا [مَسْأَلَةٌ صَلَاة الواصلة] 433 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُصَلِّيَ وَهِيَ وَاصِلَةٌ شَعْرَهَا بِشَعْرِ إنْسَانٍ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ بِصُوفٍ، أَوْ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ؛ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ أَيْضًا. وَأَمَّا الَّتِي تُضَفِّرُ غَدِيرَتَهَا أَوْ غَدَائِرَهَا بِخَيْطٍ مِنْ حَرِيرٍ، أَوْ صُوفٍ أَوْ كَتَّانٍ، أَوْ قُطْنٍ، أَوْ سَيْرٍ أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ ذَهَبٍ؛ فَلَيْسَتْ وَاصِلَةً، وَلَا إثْمَ عَلَيْهَا. وَلَا صَلَاةَ لِلَّتِي تُعَظِّمُ رَأْسَهَا بِشَيْءٍ تَخْتَمِرُ عَلَيْهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا الْحُمَيْدِيُّ ثِنَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - ثِنَا هِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ - أَنَّهُ سَمِعَ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْمُنْذِرِ تَقُولُ: إنَّهَا سَمِعَتْ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَقُولُ «سَأَلَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَتِي أَصَابَتْهَا الْحَصْبَةُ فَامَّرَقَ شَعْرُهَا وَإِنِّي زَوَّجْتُهَا، أَفَأَصِلُ فِيهِ قَالَ: لَعَنْ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمَوْصُولَةَ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنُ الْحَارِثِ الْحِمْصِيُّ ثِنَا مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى أَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَعْقُوبَ هُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ رَسُولَ
مسألة بيان أن من وصل شعره من النساء ملعون
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَاكُمْ عَنْ الزُّورِ، وَجَاءَ بِخِرْقَةٍ سَوْدَاءَ فَأَلْقَاهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قَالَ: هُوَ هَذَا تَجْعَلُهُ الْمَرْأَةُ فِي رَأْسِهَا ثُمَّ تَخْتَمِرُ عَلَيْهِ» . قَالَ عَلِيٌّ: قَوْلُ مُعَاوِيَةَ: «نَهَاكُمْ» خِطَابٌ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَمَنْ صَلَّى وَهُوَ عَامِلٌ فِي صَلَاتِهِ حَالًا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ؛ فَلَا صَلَاةَ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ بَيَان أَنْ مِنْ وَصَلّ شَعَره مِنْ النِّسَاء ملعون] 434 - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الَّتِي تَتَوَلَّى وَصْلَ شَعْرِ غَيْرِهَا، وَالْوَاشِمَةُ، وَالْمُسْتَوْشِمَةُ - وَالْوَشْمُ: النَّقْشُ فِي الْجِلْدِ ثُمَّ يُعْمَلُ بِالْكُحْلِ الْأَسْوَدِ - وَالْمُتَفَلِّجَةُ وَالنَّامِصَةُ وَالْمُتَنَمِّصَةُ - وَالنَّمْصُ هُوَ نَتْفُ الشَّعْرِ مِنْ الْوَجْهِ - فَكُلُّ مَنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ فِي نَفْسِهَا، أَوْ فِي غَيْرِهَا فَمَلْعُونَاتٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَلَوَاتُهُنَّ تَامَّةٌ أَمَّا اللَّعْنَةُ فَقَدْ صَحَّ لَعْنُ كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَمَّا تَمَامُ صَلَاتِهِنَّ فَإِنَّهُنَّ بَعْدَ حُصُولِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ فِيهِنَّ وَمِنْهُنَّ لَا يَقْدِرْنَ عَلَى التَّبَرُّؤِ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ، وَمَنْ عَجَزَ عَمَّا كُلِّفَ سَقَطَ عَنْهُ. قَالَ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . فَلَمْ يُكَلَّفْ أَحَدٌ إلَّا مَا يَسْتَطِيعُ؛ فَإِذَا عَجَزْنَ عَنْ إزَالَةِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُنَّ إزَالَتُهَا، وَهُنَّ مَأْمُورَاتٌ بِالصَّلَاةِ؛ فَيُؤَدِّينَهَا كَمَا يَقْدِرْنَ. وَأَمَّا الْوَاصِلَةُ فِي شَعْرِ نَفْسِهَا فَقَادِرَةٌ عَلَى إزَالَتِهِ، فَإِذَا لَمْ تُزِلْهُ فَقَدْ اسْتَصْحَبْت فِي صَلَاتِهَا عَمَلًا هِيَ فِيهِ عَاصِيَةٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمْ تُصَلِّ كَمَا أُمِرَتْ فَلَا صَلَاةَ لَهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [الصَّلَاةُ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ وَعَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَعَلَى كُلِّ سَقْفٍ بِمَكَّةَ] 435 - مَسْأَلَةٌ: وَالصَّلَاةُ جَائِزَةٌ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، وَعَلَى أَبِي قُبَيْسٍ، وَعَلَى كُلِّ سَقْفٍ بِمَكَّةَ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَى مِنْ الْكَعْبَةِ، وَفِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ أَيْنَمَا شِئْت مِنْهَا، الْفَرِيضَةُ وَالنَّافِلَةُ سَوَاءٌ
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، الْفَرْضَ خَاصَّةً، وَأَجَازَ فِيهَا التَّنَفُّلَ وَاَلَّذِي قُلْنَا نَحْنُ: هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ. وَاحْتَجَّ أَتْبَاعُ مَالِكٍ بِأَنْ قَالُوا: إنَّ مَنْ صَلَّى دَاخِلَ الْكَعْبَةِ فَقَدْ اسْتَدْبَرَ بَعْضَ الْكَعْبَةِ قَالَ عَلِيٌّ: إنَّمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150] . فَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ الْمَالِكِيُّونَ حُجَّةً لَمَا حَلَّ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْقِبْلَةُ بِنَصِّ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ، وَكُلُّ مَنْ يُصَلِّي فِيهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْتَدْبِرَ بَعْضَهُ - فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ وَأَيْضًا: فَإِنَّ كُلَّ مَنْ صَلَّى إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، أَوْ إلَى الْكَعْبَةِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَهَا عَنْ يَمِينِهِ وَبَعْضَهَا عَنْ شِمَالِهِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهَا عَلَى يَمِينِهِ أَوْ عَلَى شِمَالِهِ. فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَطُّ مُرَاعَاةَ هَذَا، وَإِنَّمَا كُلِّفْنَا أَنْ نُقَابِلَ بِأَوْجُهِنَا مَا قَابَلَنَا مِنْ جِدَارِ الْكَعْبَةِ أَوْ مِنْ جِدَارِ الْمَسْجِدِ قُبَالَةَ الْكَعْبَةِ حَيْثُمَا كُنَّا فَقَطْ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكَعْبَةَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ وَمَكَثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ مِنْ وَرَائِهِ ثُمَّ صَلَّى» . قَالَ عَلِيٌّ: مَا قَالَ أَحَدٌ قَطُّ إنَّ صَلَاتَهُ الْمَذْكُورَةَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَقَدْ نَصَّ
مسألة صلى وفي قبلته مصحف
- عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدٌ، وَبَاطِنَ الْكَعْبَةِ أَطْيَبُ الْأَرْضِ وَأَفْضَلُهَا، فَهِيَ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ وَأَوْلَاهَا بِصَلَاةِ الْفَرْضِ وَالنَّافِلَةِ. وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الرَّاكِبِ، أَوْ الْخَائِفِ، أَوْ الْمَرِيضِ أَنْ يُصَلِّي نَافِلَةً إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّافِلَةِ بِلَا قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ خَطَأٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَكُلُّ مَكَان أَعْلَى مِنْ الْكَعْبَةِ فَإِنَّمَا عَلَيْنَا مُقَابَلَةُ جِهَةَ الْكَعْبَةِ فَقَطْ؛ وَقَدْ هُدِمَتْ الْكَعْبَةُ لِتُجَدَّدَ فَمَا قَالَ أَحَدٌ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ [مَسْأَلَةٌ صَلَّى وَفِي قِبْلَتِهِ مُصْحَفٌ] 436 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ صَلَّى وَفِي قِبْلَتِهِ مُصْحَفٌ فَذَلِكَ جَائِزٌ، مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ عِبَادَةَ الْمُصْحَفِ؛ إذْ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعَ، بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ صَلَّى وَفِي قِبْلَتِهِ نَارٌ أَوْ كَنِيسَةٌ أَوْ بِيعَةٌ أَوْ بَيْتُ نَارٍ] 437 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ صَلَّى وَفِي قِبْلَتِهِ نَارٌ، أَوْ حَجَرٌ، أَوْ كَنِيسَةٌ، أَوْ بِيعَةٌ، أَوْ بَيْتُ نَارٍ، أَوْ إنْسَانٌ، مُسْلِمٌ، أَوْ كَافِرٌ، أَوْ حَائِضٌ، أَوْ أَيٌّ جِسْمٍ كَانَ - حَاشَا الْكَلْبِ، وَالْحِمَارِ، وَغَيْرِ الْمُضْطَجِعَةِ مِنْ النِّسَاء - فَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَجْسَامِ كُلِّهَا قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ. وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي جِسْمٌ مِنْ أَجْسَامِ الْعَالَمِ؛ فَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ فِي الْبَيْعَةِ وَالْكَنِيسَةِ وَبَيْتِ النَّارِ] 438 - مَسْأَلَةٌ: وَالصَّلَاةُ فِي الْبَيْعَةِ، وَالْكَنِيسَةِ، وَبَيْتِ النَّارِ وَالْمَجْزَرَةِ - مَا اجْتَنَبَ الْبَوْلَ وَالْفَرْثَ وَالدَّمَ - وَعَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَبَطْنِ الْوَادِي، وَمَوَاضِعِ الْخَسْفِ؛ وَإِلَى الْبَعِيرِ وَالنَّاقَةِ، وَلِلتَّحَدُّثِ، وَالنِّيَامِ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ -: جَائِزَةٌ، مَا لَمْ يَأْتِ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ فِي تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ فِي مَكَان مَا؛ فَيُوقَفُ عِنْدَ النَّهْيِ فِي ذَلِكَ حَدَّثَنَا حُمَامُ ثِنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثِنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثِنَا الدَّبَرِيُّ ثِنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، فَهُوَ مَسْجِدٌ» .
قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذَا نَصٌّ جَلِيٌّ أَنَّ الْكَعْبَةَ مَسْجِدٌ، مَعَ مَجِيءِ الْقُرْآنِ بِذَلِكَ، وَمَا عَلِمَ أَحَدٌ مَسْجِدًا تَحْرُمُ فِيهِ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَتَحِلُّ فِيهِ النَّافِلَةُ وَرُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَأَنَسٍ: «أَنَّ مِنْ فَضَائِلِنَا: أَنَّ الْأَرْضَ جُعِلَتْ لَنَا مَسْجِدًا» . وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَرْضِ، فَالصَّلَاةُ فِيهِ جَائِزَةٌ، حَاشَا مَا جَاءَ النَّصُّ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ كَعَطَنِ الْإِبِلِ، وَالْحَمَّامِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَإِلَى قَبْرٍ وَعَلَيْهِ، وَالْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ، وَالنَّجِسِ، وَمَسْجِدِ الضِّرَارِ فَقَطْ وَإِنَّمَا جَاءَ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَجْزَرَةِ، وَظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ جَبِيرَةَ، وَهُوَ لَا شَيْءَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَجَاءَ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَوْضِعِ الْخَسْفِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَهُوَ لَا شَيْءَ.
مسألة الصلاة على الجلود والصوف
وَجَاءَ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنْ جَابِرٍ، وَلَا يَصِحُّ سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ جَابِرٍ. [مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ عَلَى الْجُلُودِ وَالصُّوفِ] 439 - مَسْأَلَةٌ: وَالصَّلَاةُ جَائِزَةٌ عَلَى الْجُلُودِ، وَعَلَى الصُّوفِ، وَعَلَى كُلِّ مَا يَجُوزُ الْقُعُودُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ طَاهِرًا. وَجَائِزٌ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْحَرِيرِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ إلَّا عَلَى التُّرَابِ وَالْبَطْحَاءِ. وَقَالَ مَالِكٌ: تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِ الْأَرْضِ أَوْ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، وَالسُّجُودُ وَاجِبٌ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءَ: الرِّجْلَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ. وَهُوَ يُجِيزُ وَضْعَ جَمِيعِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ عَلَى كُلِّ مَا ذَكَرْنَا، حَاشَا الْجَبْهَةِ؛ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَعْضَاءِ السُّجُودِ وَلَا سَبِيلَ إلَى وُجُودِ فَرْقٍ بَيْنَهَا: لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا مِنْ رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ صَلَّى عَلَى مَسْحِ شَعْرٍ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ فِي صَلَاتِهِ عَلَى عَبْقَرِيٍّ وَهُوَ بِسَاطُ صُوفٍ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سَجَدَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى طُنْفُسَةٍ وَهِيَ بِسَاطُ صُوفٍ
مسألة زوحم يوم الجمعة أو غيرها فلم يقدر على السجود على ما بين يديه
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مِثْلُ ذَلِكَ. وَعَنْ شُرَيْحٍ وَالزُّهْرِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ الْحَسَنِ، وَلَا مُخَالِفُ لِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ زُوحِمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى السُّجُودِ عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ] 440 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ زُوحِمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى السُّجُودِ عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَسْجُدْ عَلَى رِجْلِ مَنْ يُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ وَيُجْزِئُهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالسُّجُودِ، وَلَمْ يَخُصَّ شَيْئًا نَسْجُدُ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] . حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثِنَا أَبِي ثِنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثِنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَلْيَسْجُدْ أَحَدُكُمْ عَلَى ثَوْبِهِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ فَلْيَسْجُدْ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ. وَرُوِّينَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَنْ طَاوُسٍ: إذَا كَثُرَ الزِّحَامُ فَاسْجُدْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيك؛ وَعَنْ مُجَاهِدٍ: اُسْجُدْ عَلَى رِجْلِ أَخِيك. وَلَا يُعْرَفُ فِي هَذَا لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مُخَالِفٌ. [مَسْأَلَةٌ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَكَان أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِ جَمِيعِ الْمَأْمُومِينَ، وَفِي أَخْفَضَ مِنْهُ] 441 - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَكَان أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِ جَمِيعِ الْمَأْمُومِينَ، وَفِي أَخْفَضَ مِنْهُ؛ سَوَاءٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ الْعَامَّةُ، وَالْأَكْثَرُ، وَالْأَقَلُّ فَإِنْ أَمْكَنَهُ السُّجُودُ فَحَسَنٌ؛ وَإِلَّا فَإِذَا أَرَادَ السُّجُودَ فَلْيَنْزِلْ حَتَّى يَسْجُدَ حَيْثُ يَقْدِرُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مَكَانِهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مِقْدَارِ قَامَةٍ فَأَقَلَّ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ فِي الِارْتِفَاعِ الْيَسِيرِ قَالَ عَلِيٌّ: هَذَانِ تَحْدِيدَانِ فَاسِدَانِ؛ لَمْ يَأْتِ بِهِمَا نَصُّ الْقُرْآنِ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ، وَمَا عُلِمَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَرْقٌ بَيْنَ قَلِيلِ الِارْتِفَاعِ وَكَثِيرِهِ، وَالتَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ وَالتَّحْدِيدُ بَيْنَهُمَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِقُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ. وَلَئِنْ كَانَ وُقُوفُ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ فِي مَكَان أَرْفَعَ مِنْ الْمَأْمُومِينَ بِمِقْدَارِ أُصْبُعٍ حَلَالًا، فَإِنَّهُ لَحَلَالٍ بِأُصْبُعٍ بَعْدَ أُصْبُعٍ، حَتَّى يَبْلُغَ أَلْفَ قَامَةٍ وَأَكْثَرَ، وَلَئِنْ كَانَتْ الْأَلْفُ قَامَةً حَرَامًا فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَحَرَامٌ كُلُّهُ إلَى قَدْرِ الْأُصْبُعِ فَأَقَلَّ وَإِنَّ الْمُتَحَكِّمَ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ لَقَائِلٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ يَقُلْهُ قَطُّ وَالْعَجَبُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَمَالِكًا قَالَا: إنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْعُلُوِّ طَائِفَةٌ جَازَتْ صَلَاتُهُ بِاَلَّذِينَ أَسْفَلُ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا عَجَبٌ وَزِيَادَةٌ فِي التَّحَكُّمِ وَأَجَازَا: أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ فِي مَكَان أَسْفَلَ مِنْ الْمَأْمُومِينَ، وَهَذَا تَحَكُّمٌ ثَالِثٌ كُلُّ ذَلِكَ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ قَالَ عَلِيٌّ: وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ صُفُوفًا صُفُوفًا، فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يُخِلُّوا بِهَذِهِ الرُّتْبَةِ، لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ وُجُوبِ تَرْتِيبِ الصُّفُوفِ، بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، فَإِنْ اتَّفَقَ مُصَلَّى الْإِمَامِ فِي دُكَّانٍ، أَوْ غَرْفَةٍ، أَوْ رَابِيَةٍ، لَا يَسَعُ فِيهَا مَعَهُ صَفٌّ خَلْفَهُ: صَلَّوْا تَحْتَهُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةَ بْنُ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ. أَنَّ نَفَرًا جَاءُوا إلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَ سَهْلٌ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ عَلَيْهِ - يَعْنِي عَلَى الْمِنْبَرِ - فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ، وَرَاءَهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ
صَلَاتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنِّي إنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي» . قَالَ عَلِيٌّ: لَا بَيَانَ أَبْيَنَ مِنْ هَذَا فِي جَوَازِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي مَكَان أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِ الْمَأْمُومِينَ وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُونَ بِخَبَرٍ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي مَكَان أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِ الْمَأْمُومِينَ وَهُوَ خَبَرٌ سَاقِطٌ، انْفَرَدَ بِهِ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبُكَائِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَالْخَبَرُ الَّذِي أَوْرَدْنَا إجْمَاعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَذَا هُوَ الْحُجَّةُ لَا الْبَاطِلُ الْمُلَفَّقُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ: هَذَا مِنْ الْكِبْرِ قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا بَاطِلٌ وَيُعْكَسُ عَلَيْهِمْ فِي إجَازَتِهِمْ صَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ فِي مَكَان أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِ الْإِمَامِ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا كِبْرٌ مِنْ الْمَأْمُومِينَ وَلَا فَرْقُ وَيَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا أَنْ يَمْنَعُوا أَيْضًا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا، وَلَابِسَ دِرْعٍ فَهَذَا أَدْخَلُ فِي الْكِبْرِ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَكَان عَالٍ وَبِمِثْلِ قَوْلِنَا يَقُولُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالْبُخَارِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
الأعمال المستحبة في الصلاة وليست فرضا
[الْأَعْمَالُ الْمُسْتَحَبَّةُ فِي الصَّلَاةِ وَلَيْسَتْ فَرْضًا] [مَسْأَلَةٌ رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ كُلِّ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَقِيَامٍ وَجُلُوسٍ، سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ] مَسْأَلَةٌ: رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ كُلِّ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَقِيَامٍ وَجُلُوسٍ، سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -: فَطَائِفَةٌ: لَمْ تَرْفَعْ الْيَدَيْنِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا فِي أَوَّلِهَا عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ عَلَى ظَلْعٍ أَيْضًا. وَرَأَوْهُ أَيْضًا - إنْ كَانَ - فَرَفْعٌ يَسِيرٌ - وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ لِلْإِحْرَامِ أَوَّلًا - سُنَّةً لَا فَرِيضَةً - وَمَنَعُوا مِنْهُ فِي بَاقِي الصَّلَاةِ وَرَأَتْ طَائِفَةٌ: رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَعِنْدَ الرُّكُوعِ، وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: وَأَحْمَدَ وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمْ. وَهُوَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ، وَابْنِ وَهْبٍ، وَأَبِي الْمُصْعَبِ، وَغَيْرِهِمْ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ وَيُفْتِي بِهِ؟ وَرَأَتْ طَائِفَةٌ: رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرٍ فِي الصَّلَاةِ، الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ، وَعِنْدَ كُلِّ قَوْلِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؟ فَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فَمَا نَعْلَمُ لَهَا وَجْهًا أَصْلًا، وَلَا تَعَلُّقًا بِشَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ، وَلَا قَائِلًا بِهَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ؟
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِمَا حَدَّثَنَاهُ حَمَامٌ ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاجِيَّ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ ثِنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثِنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «أَلَا أُرِيكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ لَمْ يَعُدْ» قَالُوا: وَكَانَ عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، لَا يَرْفَعَانِ أَيْدِيَهُمَا إلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَقَطْ. مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِمَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَنَقُولُ: وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: إنَّ هَذَا الْخَبَرَ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِيمَا عَدَا تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لَيْسَ فَرْضًا فَقَطْ، وَلَوْلَا هَذَا الْخَبَرُ لَكَانَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ - عِنْدَ كُلِّ رَفْعٍ وَخَفْضٍ وَتَكْبِيرٍ وَتَحْمِيدٍ فِي الصَّلَاةِ -: فَرْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ كُلِّ رَفْعٍ عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَصَحَّ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا تَرَوْنِي أُصَلِّي» وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابِنَا هَذَا فِي بَابِ وُجُوبِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. فَلَوْلَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا لَكَانَ فَرْضًا عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يُصَلِّيَ كَمَا كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُصَلِّي. وَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُصَلِّي رَافِعًا يَدَيْهِ عِنْدَ كُلِّ رَفْعٍ وَخَفْضٍ، لَكِنْ لَمَّا صَحَّ خَبَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلِمْنَا أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِيمَا عَدَا تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ: سُنَّةٌ وَنَدْبٌ فَقَطْ؟ وَإِنْ كَانَ عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَا يَرْفَعَانِ، فَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُونَ فَلَيْسَ فِعْلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى فِعْلِ بَعْضٍ، بَلْ الْحُجَّةُ عَلَى جَمِيعِهِمْ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَعَلِيٌّ: لَا يَرْفَعَانِ، فَمَا جَاءَ قَطُّ أَنَّهُمَا كَرِهَا الرَّفْعَ، وَلَا نَهَيَا عَنْهُ كَمَا يَفْعَلُ هَؤُلَاءِ وَأَمَّا مَنْ رَأَى رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَالرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ، فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِمَا
رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَابْنِ جُرَيْجِ، وَالزُّبَيْدِيِّ، وَمَعْمَرٍ، وَغَيْرِهِمْ، كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، رَفَعَهُمَا أَيْضًا كَذَلِكَ، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ» . وَرُوِّينَا هَذَا الْفِعْلَ فِي الصَّلَاةِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأُمِّ الدَّرْدَاءِ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَرُوِّينَا أَيْضًا هَذَا الْفِعْلَ فِي الصَّلَاةِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُ النَّاسَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، وَجُمْلَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ " كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إذَا أَحْرَمُوا وَإِذَا رَكَعُوا وَإِذَا رَفَعُوا كَأَنَّهَا الْمَرَاوِحُ ". وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، وَالْحَسَنِ، وَالْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَمَكْحُولٍ، وَمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيِّ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَالْحُمَيْدِيِّ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَابْنِ وَهْبٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ، وَالْمُزَنِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَالرَّبِيعِ
وَمُحَمَّدِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَغَيْرِهِمْ. وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إلَى رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ فَاحْتَجُّوا بِمَا حَدَّثَنَاهُ حَمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثِنَا أَبُو إسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ ثِنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا جَاءَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ. وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، وَإِذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا عَيَّاشٌ قَالَ: ثِنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ثِنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ» ، وَرَفَعَ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرَوَاهُ أَيْضًا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثِنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثِنَا أَبُو دَاوُد ثِنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ قَالَا: ثِنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا عُمَرُ بْنُ الْمَلِكِ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثِنَا أَبُو دَاوُد ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثِنَا أَبُو عَاصِمٍ هُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ - ثِنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ
رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ. فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالُوا: فَلِمَ؟ فَوَاَللَّهِ مَا كُنْتَ بِأَكْثَرِنَا تَبِعَةً وَلَا أَقْدَمِنَا لَهُ صُحْبَةً قَالَ: بَلَى قَالُوا: فَاعْرِضْ؟ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حَتَّى يَقِرَّ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا ثُمَّ يَقْرَأُ ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَضَعُ رَاحَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَعْتَدِلُ، فَلَا يَصُبُّ رَأْسَهُ وَلَا يُقْنِعُ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ «ثُمَّ إذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ - وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ - قَالُوا: صَدَقْتَ هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثِنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثِنَا أَبُو دَاوُد [حَدَّثَنَا] عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْسَرَةَ الْجُشَمِيُّ ثِنَا عَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلٍ [قَالَ: كُنْت غُلَامًا لَا أَعْقِلُ صَلَاةَ أَبِي فَحَدَّثَنِي
عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ] عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ إذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ الْتَحَفَ، ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ وَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي ثَوْبِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ سَجَدَ، وَوَضَعَ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ أَيْضًا رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ فَقَالَ: هِيَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ مَنْ فَعَلَهُ وَتَرَكَهُ مَنْ تَرَكَهُ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثِنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيُّ وَعَبْدُ الْأَعْلَى وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ. وَقَالَ مُعَاذٌ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ. ثُمَّ اتَّفَقُوا، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: «رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَفَعَ يَدَيْهِ فِي صَلَاتِهِ إذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِهِ وَإِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ» هَذَا لَفْظُ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، وَعَبْدِ الْأَعْلَى وَقَالَ مُعَاذٌ فِي حَدِيثَهُ: «كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ
فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ» . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثِنَا وَهْبُ بْنُ مَيْسَرَةَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثِنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَظَاهِرَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي حُمَيْدٍ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، وَأَنَسٍ، وَسِوَاهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا يُوجِبُ يَقِينَ الْعِلْمِ. قَالَ عَلِيٌّ: فَكَانَ مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ زَائِدًا عَلَى مَا رَوَاهُ عَلْقَمَةُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَوَجَبَ أَخْذُ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَكَى: أَنَّهُ رَأَى مَا لَمْ يَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنْ رَفْعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ، وَكِلَاهُمَا ثِقَةٌ، وَكِلَاهُمَا حَكَى مَا شَاهَدَ، وَقَدْ خَفِيَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَمْرُ وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ، فَكَيْفَ وَمَا تُحْمَلُ كِلَا رِوَايَتَيْهِمَا إلَّا عَلَى الْمُشَاهَدَةِ الصَّحِيحَةِ؟ وَكَانَ مَا رَوَاهُ نَافِعٌ وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَمَا رَوَاهُ أَبُو حُمَيْدٍ وَأَبُو قَتَادَةَ وَثَمَانِيَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الرَّكْعَتَيْنِ -: زِيَادَةٌ عَلَى مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَكُلٌّ ثِقَةٌ، وَكُلٌّ مُصَدَّقٌ فِيمَا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَهُ وَرَآهُ - وَأَخْذُ الزِّيَادَةِ وَاجِبٌ؟ . وَكَانَ مَا رَوَاهُ أَنَسٌ مِنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ السُّجُودِ -: زِيَادَةً عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ، وَالْكُلُّ ثِقَةٌ فِيمَا رَوَى وَمَا شَاهَدَ وَمَا رَوَاهُ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ مِنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي كُلِّ رُكُوعٍ وَرَفْعٍ مِنْ رُكُوعٍ، وَكُلِّ
سُجُودٍ وَرَفْعٍ مِنْ سُجُودٍ -: زَائِدًا عَلَى كُلِّ ذَلِكَ، وَالْكُلُّ ثِقَاتٌ فِيمَا رَوَوْهُ وَمَا سَمِعُوهُ وَأَخْذُ الزِّيَادَاتِ فَرْضٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ، لِأَنَّ الزِّيَادَاتِ حُكْمٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، رَوَاهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَلَا يَضُرُّهُ سُكُوتُ مَنْ لَمْ يَرَوْهُ عَنْ رِوَايَتِهِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ كُلِّهَا وَلَا فَرْقَ؟ وَمِمَّنْ قَالَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ: ابْنُ عُمَرَ، كَمَا أَوْرَدْنَا قَبْلُ مِنْ عَمَلِهِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالصَّحَابَةُ، جُمْلَةً كَمَا أَوْرَدْنَاهُ -: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَإِذَا سَجَدَ، وَبَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ، يَرْفَعُهُمَا إلَى ثَدْيَيْهِ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا إسْنَادٌ لَا دَاخِلَةَ فِيهِ، وَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ لِيَرْجِعَ إلَى خِلَافِ مَا رَوَى - مِنْ تَرْكِ الرَّفْعِ عِنْدَ السُّجُودِ - إلَّا وَقَدْ صَحَّ عِنْدَهُ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِذَلِكَ -: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ ثِنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثِنَا أَبُو سَهْلٍ النَّضْرُ بْنُ كَثِيرٍ السَّعْدِيُّ قَالَ: صَلَّى إلَى جَنْبِي ابْنُ طَاوُسٍ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ بِمِنًى، فَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى رَفَعَ يَدَيْهِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَأَنْكَرْت ذَلِكَ، وَقُلْت لِوُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ: إنَّ هَذَا يَصْنَعُ شَيْئًا لَمْ أَرَ أَحَدًا يَصْنَعُهُ؟ فَقَالَ ابْنُ طَاوُسٍ: رَأَيْت أَبِي يَصْنَعُهُ، وَقَالَ لِي: رَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَصْنَعُهُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثِنَا الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابٍ ثِنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ قَالَ: رَأَيْت طَاوُسًا وَنَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ يَرْفَعَانِ أَيْدِيَهُمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، قَالَ حَمَّادٌ: وَكَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُهُ حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثِنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثِنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثِنَا الدَّبَرِيُّ ثِنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجِ: قُلْت لِعَطَاءٍ: رَأَيْتُك تُكَبِّرُ بِيَدَيْك حِينَ تَسْتَفْتِحُ، وَحِينَ تَرْكَعُ وَحِينَ تَرْفَعُ رَأْسَك مِنْ الرَّكْعَةِ، وَحِينَ تَرْفَعُ رَأْسَك مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى، وَمِنْ الْآخِرَةِ، وَحِينَ تَسْتَوِي مِنْ مَثْنًى؟ قَالَ: أَجَلْ.
مسألة والتوجيه سنة حسنة
قُلْت: تَخْلُفُ بِالْيَدَيْنِ الْأُذُنَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ يَخْلُفُ بِيَدَيْهِ أُذُنَيْهِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجِ: قُلْت لِعَطَاءٍ: وَفِي التَّطَوُّعِ مِنْ التَّكْبِيرِ بِالْيَدَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فِي كُلِّ صَلَاةٍ. [مَسْأَلَةٌ وَالتَّوْجِيهُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ] 443 - مَسْأَلَةٌ: وَالتَّوْجِيهُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ لِكُلِّ صَلَاةٍ - فَرْضٌ أَوْ غَيْرُ فَرْضٍ، جَهْرًا أَوْ سِرًّا -: مَا حَدَّثَنَاهُ حَمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبِي. ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: ثِنَا أَبُو سَعِيدٍ ثِنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَاجِشُونِ ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ، وَأَبُو يُوسُفَ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا كَبَّرَ اسْتَفْتَحَ ثُمَّ قَالَ -:» . وَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ: ثِنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثِنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ - حَدَّثَنِي عَمِّي - هُوَ أَبُو يُوسُفَ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا كَبَّرَ اسْتَفْتَحَ ثُمَّ قَالَ -» : وَاتَّفَقَ أَحْمَدُ وَزُهَيْرٌ فِي رِوَايَتَيْهِمَا جَمِيعًا «وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْت نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا
إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ، وَأَبِي النَّضْرِ، وَمُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، كُلُّهُمْ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كَامِلٍ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ: ثِنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ: ثِنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، وَقَالَ زُهَيْرٌ: ثِنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ. ثُمَّ اتَّفَقَ عَبْدُ الْوَاحِدِ، وَابْنُ فُضَيْلٍ، وَجَرِيرٌ - وَاللَّفْظُ لَهُ - كُلُّهُمْ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيَّة قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْت بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ. وَإِنَّمَا نَذْكُرُ ذَلِكَ فَرْضًا، لِأَنَّهُ فِعْلٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِ فَكَانَ الِائْتِسَاءُ بِهِ حَسَنًا.
وَنَسْتَحِبُّ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ لِلْإِمَامِ سَكْتَةٌ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ قَبْلَ رُكُوعِهِ كَمَا حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثِنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ الْقَاضِي ثِنَا أَبُو مَعْمَرٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ ثِنَا يُونُسَ هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ «أَنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ صَلَّى فَكَبَّرَ، ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَرَأَ فَلَمَّا خَتَمَ السُّورَةَ سَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ؟ فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ سَمُرَةُ: حَفِظْتُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَصَدَّقَ سَمُرَةَ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَنَحْنُ نَخْتَارُ أَنْ يَفْعَلَ كُلُّ إمَامٍ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَعَلَهُ بَعْدَهُ سَمُرَةُ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَيَقْرَأُ الْمَأْمُومُ فِي السَّكْتَةِ الْأُولَى " أُمَّ الْقُرْآنِ " فَمَنْ فَاتَتْهُ قَرَأَ فِي السَّكْتَةِ الثَّانِيَةِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ فَعَلَ مَا قُلْنَا جُمْهُورُ السَّلَفِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك، وَلَا إلَهَ غَيْرُك، يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ، فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُعَلِّمَنَا؟ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمَرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ كَانَ إذَا كَبَّرَ قَالَ: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، تَبَارَكَ اسْمُك، وَتَعَالَى جَدُّك، وَلَا إلَهَ غَيْرُك فَهَذَا فِعْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْهُمْ؟ وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ، كُلُّهُمْ يَتَوَجَّهُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَدَاوُد وَأَصْحَابِهِمْ؟ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَعْرِفُ التَّوْجِيهَ قَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ مَنْ لَا يَعْرِفُ حُجَّةً عَلَى مَنْ عَرَفَ؟ وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ مُقَلِّدِيهِ فِي مُعَارَضَتِهِ مَا ذَكَرْنَا بِمَا «رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَنَّهُ
مسألة على الإمام التخفيف إذا أم جماعة
كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ بِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] » . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، بَلْ هُوَ قَوْلُنَا، لِأَنَّ اسْتِفْتَاحَ الْقِرَاءَةِ بِ " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ": لَا يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْجِيهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ التَّوْجِيهُ قِرَاءَةً، وَإِنَّمَا هُوَ ذِكْرٌ. فَصَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، ثُمَّ يَذْكُرُ مَا قَدْ صَحَّ عَنْهُ مِنْ الذِّكْرِ، ثُمَّ يَفْتَتِحُ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَزِيَادَةُ الْعُدُولِ لَا يَجُوزُ رَدُّهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَلَا يَقُولُهَا الْمَأْمُومُ، لِأَنَّ فِيهَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، وَقَدْ نَهَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يُقْرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ إلَّا " بِأُمِّ الْقُرْآنِ " فَقَطْ، فَإِنْ دَعَا بَعْدَ قِرَاءَةِ " أُمِّ الْقُرْآنِ " فِي حَالِ سَكْتَةِ الْإِمَامِ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَحَسَنٌ؟ . [مَسْأَلَةٌ عَلَى الْإِمَامِ التَّخْفِيفُ إذَا أَمَّ جَمَاعَةً] 444 - مَسْأَلَةٌ: وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ التَّخْفِيفُ إذَا أَمَّ جَمَاعَةً لَا يَدْرِي كَيْف طَاقَتُهُمْ وَيُطَوِّلُ الْمُنْفَرِدُ مَا شَاءَ، وَحَدُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِي الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَإِنْ خَفَّفَ الْمُنْفَرِدُ فَذَلِكَ لَهُ مُبَاحٌ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيّ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ثِنَا زُهَيْرٌ وَهُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ - ثِنَا إسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ - سَمِعْت قَيْسًا هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ - قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ «أَنَّ رَجُلًا
قَالَ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ؟» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ثِنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثِنَا أَبُو دَاوُد ثِنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثِنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الشِّخِّيرِ - «عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْنِي إمَامَ قَوْمِي، قَالَ: أَنْتَ إمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» . قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا حَدُّ التَّخْفِيفِ، وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ مَا يَحْتَمِلُ أَضْعَفُ مَنْ خَلْفَهُ وَأَمَسُّهُمْ حَاجَةً مِنْ الْوُقُوفِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ فَلْيُصَلِّ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ؟ وَرُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ الطَّيِّبِ -: رُوِّينَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَحُمَيْدٍ كِلَاهُمَا «عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ خَلْفَ أَحَدٍ أَوْجَزَ صَلَاةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَمَامٍ، كَانَتْ صَلَاتُهُ مُتَقَارِبَةً، وَصَلَاةُ أَبِي بَكْرٍ مُتَقَارِبَةً، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ مَدَّ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ» . وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ: قُلْت لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: مَا لَكُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلَاةً؟ قَالَ: نُبَادِرُ الْوَسْوَاسَ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجِ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إذَا كُنْت إمَامًا فَخَفِّفْ الصَّلَاةَ، فَإِنَّ فِي النَّاسِ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَالْمُعْتَلَّ وَذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صَلَّيْت وَحْدَك فَطَوِّلْ مَا بَدَا لَك.
مسألة الفرض في كل ركعة أن يقرأ (بأم القرآن)
وَأَبْرِدْ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ؟ وَعَنْ طَلْحَةَ التَّخْفِيفُ أَيْضًا، وَعَنْ عَمَّارٍ كَذَلِكَ؟ وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّهُ كَانَ يُطِيلُ الصَّلَاةَ فِي بَيْتِهِ، وَيُقَصِّرُ عِنْدَ النَّاسِ، وَيَحُضُّ عَلَى ذَلِكَ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ شَاةً عَزُوزًا لَمْ يَفْرُغْ مِنْ لَبَنِهَا حَتَّى أُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، أُتِمُّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَعَنْ عَلْقَمَةَ: لَوْ أُمِرَ بِذَبْحِ شَاةٍ فَأَخَذَ فِي سَلْخِهَا لَصَلَّيْت الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي تَمَامٍ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهَا وَأَمَّا الْحَدُّ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي التَّطْوِيلِ فَهُوَ: أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْعَصْرَ بِالْأَمْسِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَقْتُ الصُّبْحِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ. وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ. وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ نُورُ الشَّفَقِ. وَوَقْتُ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ.» فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ فِي آخِرِ وَقْتِهَا فَإِنَّمَا يُصَلِّي بَاقِيَهَا فِي وَقْتِ الْأُخْرَى، وَفِي وَقْتٍ لَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ إلَيْهِ أَصْلًا. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّ «التَّفْرِيطَ أَنْ تُؤَخِّرَ صَلَاةً حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ أُخْرَى» . فَصَحَّ أَنَّ لَهُ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا أَنَّ لَهُ أَنْ يُطَوِّلَ مَا شَاءَ، كَمَا أَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، إلَّا تَطْوِيلًا مَنَعَ مِنْهُ النَّصُّ، وَلَيْسَ إلَّا أَنْ يُطِيلَ حَتَّى تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ التَّالِيَةُ لَهَا فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ . [مَسْأَلَةٌ الْفَرْضَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَنْ يَقْرَأَ (بِأُمِّ الْقُرْآنِ) ] 445 - مَسْأَلَةٌ: قَدْ قُلْنَا: إنَّ الْفَرْضَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَنْ يَقْرَأَ (بِأُمِّ الْقُرْآنِ) فَقَطْ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ قُرْآنًا فَحَسَنٌ، قَلَّ أَمْ كَثُرَ، أَيُّ صَلَاةٍ كَانَتْ مِنْ فَرْضٍ
أَوْ غَيْرِ فَرْضٍ، لَا نُحَاشِ شَيْئًا. إلَّا أَنَّنَا نَسْتَحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ مَعَ (أُمِّ الْقُرْآنِ) فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ سِتِّينَ آيَةً إلَى مِائَةِ آيَةٍ مِنْ أَيِّ سُورَةٍ شَاءَ. وَفِي الظُّهْرِ فِي الْأُولَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَعَ " أُمِّ الْقُرْآنِ " نَحْوَ ثَلَاثِينَ آيَةً كَذَلِكَ، وَفِي الْآخِرَتَيْنِ مِنْهَا مَعَ " أُمِّ الْقُرْآنِ " فِي كُلِّ رَكْعَةٍ نَحْوَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً. وَفِي الْأُولَتَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ كَالْآخِرَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ، وَفِي الْآخِرَتَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ (أُمَّ الْقُرْآنِ) فَقَطْ. وَفِي الْمَغْرِبِ نَحْوَ الْعَصْرِ، وَلَوْ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْأَعْرَافِ أَوْ (الْمَائِدَةِ) أَوْ (الطُّورِ) أَوْ (الْمُرْسَلَاتِ) فَحَسَنٌ. وَفِي الْعَتَمَةِ فِي الْأُولَتَيْنِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ بِ (التِّينِ وَالزَّيْتُونِ) " وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا " وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَفِي صُبْحِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ " الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ ". وَ (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ. وَفِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ (سُورَةَ الْجُمُعَةِ) وَفِي الثَّانِيَةِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ مَرَّةً (سُورَةَ الْمُنَافِقِينَ) وَمَرَّةً (سُورَةَ الْغَاشِيَةِ) . وَلَوْ قَرَأَ فِي كُلِّ ذَلِكَ: سُورَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ فَحَسَنٌ. وَلَوْ قَدَّمَ السُّورَةَ قَبْلَ " أُمِّ الْقُرْآنِ " كَرِهْنَا ذَلِكَ وَأَجْزَأَهُ. وَمَنْ أَرَادَ مِنْ الْأَئِمَّةِ تَطْوِيلَ صَلَاةٍ ثُمَّ أَحَسَّ بِعُذْرٍ مِمَّنْ خَلْفَهُ فَلْيُوجِزْ فِي مَدِّهَا -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا آدَم - ثِنَا شُعْبَةُ ثِنَا سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ هُوَ أَبُو الْمِنْهَالِ - قَالَ: دَخَلْت عَلَى أَبِي بَرْزَةَ فَسَأَلْنَاهُ فَأَخْبَرَنَا «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ
جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ مَنْصُورٍ هُوَ ابْنُ زَاذَانَ - عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ هُوَ أَبُو بِشْرٍ الْعَنْبَرِيُّ - عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ هُوَ بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو النَّاجِي - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «كُنَّا نَحْزِرُ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ. وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ» ؟ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّالُ ثِنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ بُكَيْر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْأَشَجِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ فُلَانٍ، قَالَ سُلَيْمَانُ: كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ - الْأُخْرَيَيْنِ وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ» ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّ أُمَّ الْفَضْلِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا؟ ، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ وَاَللَّهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّهَا لَأَخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ
ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا عَمْرُو النَّاقِدُ ثِنَا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ثِنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، «وَأَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ قَالَتْ ثُمَّ مَا صَلَّى بَعْدُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؟» . فَهَذَا آخِرُ صَلَاةِ مَغْرِبٍ صَلَّاهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَآخِرُ عَمَلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. فَأَيْنَ الْمُدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ عَمَلَهُ وَآخِرَ عَمَلِهِ؟ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ عَنْ أَبِيهِ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ ثِنَا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ ثِنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ الْحُلْوَانِيُّ - ثِنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجِ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ «مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ؟ قُلْت: مَا طُولَى الطُّولَيَيْنِ؟ قَالَ: الْأَعْرَافُ» . قَالَ ابْنُ جُرَيْجِ: وَسَأَلْت ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ؟ فَقَالَ لِي مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ: الْمَائِدَةُ (وَالْأَعْرَافُ) . فَهَذَا زَيْدٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُنْكِرُ عَلَى أَمِيرِ الْمَدِينَةِ الِاقْتِصَارَ عَلَى صِغَارِ الْمُفَصَّلِ فِي الْمَغْرِبِ وَيَخُصُّهُ عَلَى مَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قِرَاءَةِ الْأَعْرَافِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ؟ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثِنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ
أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «صَلَّى مُعَاذٌ لِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَّا فَصَلَّى، فَأُخْبِرَ مُعَاذٌ عَنْهُ، فَقَالَ: إنَّهُ مُنَافِقٌ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ مُعَاذٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ فَتَّانًا يَا مُعَاذُ؟ إذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَأْ " بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا "، وَ (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى) وَ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) (وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى) » . قَالَ عَلِيٌّ: وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ رُوِيَ عَنْ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَمَّ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ قَرَأَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَيْضًا أَمَّهُمْ فِي الصُّبْحِ بِآلِ عِمْرَانَ وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ سَبْرَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ فِي الْفَجْرِ يُوسُفَ ثُمَّ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ وَالنَّجْمِ فَسَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ " إذَا زُلْزِلَتْ " وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ يَقُولُ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى الصُّبْحَ بِذِي الْحُلَيْفَةَ فَقَالَ:
سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك تَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك وَلَا إلَهَ غَيْرُك، وَقَرَأَ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " " وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " وَكَانَ يُتِمُّ التَّكْبِيرَ؟ وَعَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ قَرَأَ فِي الظُّهْرِ (ق) ، وَالذَّارِيَاتِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الظُّهْرِ كهيعص وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَاءِ: سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ أَوْ سَأَلَهُ رَجُلٌ: أَأَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ فَقَالَ: هُوَ إمَامُك، اقْرَأْ مِنْهُ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ قَلِيلٌ؟ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ، وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَحُمَيْدٍ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ " سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى " " وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ " وَيُسْمِعُنَا النَّغْمَةَ أَحْيَانًا؟ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ يس؟ وَعَنْ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ النَّوْفَلِيِّ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ سَمِعَ «أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ " قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَيْبَرَ، فَوَجَدْتُ رَجُلًا مِنْ غِفَارٍ يَؤُمُّ النَّاسَ فِي الْمَغْرِبِ، فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سُورَةَ مَرْيَمَ وَفِي الثَّانِيَةِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ» . وَبِكُلِّ مَا ذَكَرْنَا يَأْخُذُ: الشَّافِعِيُّ، وَدَاوُد، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثِنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثِنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، أَوْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ بِالْأَعْرَافِ فِي الْمَغْرِبِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ» .
وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَلَّى الصُّبْحَ بِالصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ مِائَةَ آيَةٍ مِنْ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ بَاقِيَ السُّورَةِ. وَصَحَّ مِثْلُ هَذَا أَيْضًا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ؟ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ ثِنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثِنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّيْرَفِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: لَقَدْ غَزَوْنَا غَزْوَةً إلَى خُرَاسَانَ مَعَنَا فِيهَا ثَلَاثُمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يُصَلِّي بِنَا، فَيَقْرَأُ بِالْآيَاتِ مِنْ السُّورَةِ ثُمَّ يَرْكَعُ؟ وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجِ عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّهُ إنْ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ آيَاتٍ مِنْ بَعْضِ السُّورَةِ، مِنْ أَوَّلِهَا أَوْ مِنْ وَسَطِهَا أَوْ مِنْ آخِرِهَا، قَالَ عَطَاءٌ: لَا يَضُرُّك، كُلُّهُ قُرْآنٌ؟ وَعَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ سُورَةَ الدُّخَانِ وَالطُّورِ وَسُورَةَ الْجِنِّ وَيَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ مِنْهَا آخِرَ الْبَقَرَةِ وَآخِرَ آلِ عِمْرَانَ وَالسُّورَةَ الْقَصِيرَةَ. وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ: أَنَّهُ قَرَأَ فِي إحْدَى رَكْعَتَيْ الصُّبْحِ " أُمَّ الْقُرْآنِ " وَآيَةً. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ نَحْوُ هَذَا؟ وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ أَحْيَانًا يَقْرَأُ بِالسُّورَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ " أَلَمْ تَرَ كَيْفَ " " وَلِإِيلَافِ قُرَيْشٍ " جَمَعَهُمَا. وَمِثْلُ هَذَا عَنْ طَاوُسٍ، وَالرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ؟
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ. قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: ثِنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ -: وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: ثِنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، ثُمَّ اتَّفَقَ يَحْيَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَا: ثِنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الم تَنْزِيلُ وَ (هَلْ أَتَى) » . وَقَدْ صَحَّ أَيْضًا - مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ -: وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ ثِنَا عَمْرُو النَّاقِدُ ثِنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيم هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - أَنَا ابْنُ جُرَيْجِ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فِي كُلِّ الصَّلَاةِ يَقْرَأُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إنْ لَمْ أَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: إنْ زِدْت عَلَيْهَا فَهُوَ خَيْرٌ، وَإِنْ انْتَهَيْت إلَيْهَا أَجْزَأَتْ عَنْك. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبَ ثِنَا سُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ - عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: «صَلَّى لَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْجُمُعَةَ فَقَرَأَ بَعْدَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ إذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ. قَالَ ابْنُ أَبِي رَافِعٍ فَأَدْرَكْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ حِينَ انْصَرَفَ، فَقُلْتُ لَهُ -: إنَّكَ قَرَأْتَ بِسُورَتَيْنِ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَقْرَأُ بِهِمَا بِالْكُوفَةِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ بِهِمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثِنَا عَمْرُو النَّاقِدُ ثِنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَتَبَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ إلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يَسْأَلُهُ " أَيُّ شَيْءٍ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ سِوَى سُورَةِ الْجُمُعَةِ قَالَ: كَانَ يَقْرَأُ: " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ثِنَا خَالِدٌ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - عَنْ شُعْبَةَ أَخْبَرَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ زَيْدٍ هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ " بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى " وَ (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) » وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ يَلْتَزِمُ فِي الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا سُورَةً بِعَيْنِهَا، أَوْ سُوَرًا بِعَيْنِهَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: كَرِهَ السُّنَّةَ، وَخَالَفَ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَذَلِكَ مَنْ كَرِهَ شَيْئًا مِمَّا صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَعَلَهُ؟ وَأَمَّا تَقْدِيمُ السُّورَةِ قَبْلَ " أُمِّ الْقُرْآنِ " فَلَمْ يَأْتِ أَمْرٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ، لَكِنَّ عَمَلَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هُوَ تَقْدِيمُ " أُمِّ الْقُرْآنِ " فَكَرِهْنَا خِلَافَ هَذَا، وَلَمْ نُبْطِلْ الصَّلَاةَ بِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ نَهْيٌ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] . وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يُشَنِّعُ هَذَا وَيُجِيزُ تَنْكِيسَ الْوُضُوءِ، وَتَنْكِيسَ الطَّوَافِ وَتَنْكِيسَ الْأَذَانِ. وَأَمَّا مَنْ بَدَأَ الصَّلَاةَ يُرِيدُ تَطْوِيلَهَا فَأَحَسَّ بِعُذْرٍ مِنْ بَعْضِ مَنْ خَلْفَهُ، فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا قَالَ: ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي مُوسَى الْفَرَّاءُ ثِنَا الْوَلِيدُ هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ - ثِنَا الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ
مسألة الجهر في الصلاة
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي، كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» . [مَسْأَلَةٌ الْجَهْرُ فِي الصَّلَاة] 446 - مَسْأَلَةٌ: وَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ فِي رَكْعَتَيْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَالْأُولَتَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ، وَالْأُولَتَيْنِ مِنْ الْعَتَمَةِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الْجُمُعَةِ، وَالْإِسْرَارُ فِي الظُّهْرِ كُلِّهَا، وَفِي الْعَصْرِ كُلِّهَا، وَفِي الثَّالِثَةِ مِنْ الْمَغْرِبِ، وَفِي الْآخِرَتَيْنِ مِنْ الْعَتَمَةِ، فَإِنْ فَعَلَ خِلَافَ ذَلِكَ كَرِهْنَاهُ، وَأَجْزَأَهُ؟ . وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ الْإِسْرَارُ بِ " أُمِّ الْقُرْآنِ " فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَلَا بُدَّ، فَلَوْ جَهَرَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ الْجَهْرَ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجْهَرُ فِيهِ، وَالْإِسْرَارُ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُسِرُّ فِيهِ إنَّمَا هُمَا فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَا أَمْرًا مِنْهُ، وَأَفْعَالُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى الِائْتِسَاءِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ، وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْإِمَامُ، وَحُكْمُ الْمُنْفَرِدِ كَحُكْمِ الْإِمَامِ؟ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ الْحَجَّاجِ يَعْنِي الصَّوَّافَ - عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِنَا، فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِ " فَاتِحَةِ الْكِتَابِ " وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا» .
فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْهَرُ بِبَعْضِ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ سَلَمِ بْنِ قُتَيْبَةَ ثِنَا هَاشِمُ بْنُ الْبَرِيدِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ فَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ بَعْدَ الْآيَاتِ مِنْ لُقْمَانَ وَالذَّارِيَاتِ» . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ: ثِنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ ثِنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ هُوَ عَلِيُّ بْنُ دَاوُد النَّاجِي - قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا، وَ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) يُعْلِنُ فِيهِمَا؟ وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يُصَلِّي بِنَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فَرُبَّمَا سَمِعْنَا مِنْ قِرَاءَتِهِ {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} [الانفطار: 1] وَ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] فَهَذَا فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَنَسٍ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ؟ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ فِي نَفْسِهِ فَأَسْمَعَ نَفْسَهُ أَجْزَأَ عَنْهُ؟ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدَ - عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ جَهَرَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ، فَمَضَى فِي جَهْرِهِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: إنِّي كَرِهْت أَنْ أُخْفِيَ الْقُرْآنَ بَعْدَمَا جَهَرْت بِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا مِنْهُ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَقَدْ رُوِّينَا أَيْضًا الْجَهْرَ فِي الْعَصْرِ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؟ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: إذَا جَهَرَ فِيمَا يُخَافَتُ بِهِ فَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ؟ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ
الْأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ أَنَّهُمَا كَانَا يَجْهَرَانِ فِيمَا يُخَافَتُ فِيهِ فَلَا يَسْجُدَانِ وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: ثِنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، ثُمَّ اتَّفَقَ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ كِلَاهُمَا عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: " صَلَّيْت خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جِنَازَةٍ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ " قَالَ عَلِيٌّ: وَإِنَّمَا كَرِهْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ الْجَهْرُ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجْهَرُ بِهِ وَالْإِسْرَارُ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُسِرُّ فِيهِ، وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ مَا أُبِيحَ تَعَمُّدُ فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ فَلَا سَهْوَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا هُوَ مُبَاحٌ لَهُ، وَإِنَّمَا السَّهْوُ الَّذِي يَسْجُدُ لَهُ فِيمَا لَوْ فَعَلَهُ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، مِنْ تَرْكٍ أَوْ فِعْلٍ؟ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ جَهَرَ فِيمَا يُسَرُّ فِيهِ أَوْ أَسَرَّ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ كَرِهْنَاهُ وَتَمَّتْ صَلَاتُهُ، وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ فِيهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا وَبِهِ نَقُولُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ جَهَرَ فِيمَا يُسَرُّ فِيهِ أَوْ أَسَرَّ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَثِيرًا سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا فَالْكَثِيرُ مِنْهُ وَالْقَلِيلُ سَوَاءٌ، أَوْ يَكُونَ مَحْظُورًا، فَالْقَلِيلُ مِنْهُ وَالْكَثِيرُ سَوَاءٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحِلَّ قَلِيلَ مَا حُرِّمَ كَثِيرُهُ إلَّا بِنَصٍّ وَارِدٍ فِي ذَلِكَ. وَأَيْضًا: فَيَسْأَلُ عَنْ حَدِّ الْكَثِيرِ الْمُوجِبِ لِسُجُودِ السَّهْوِ مِنْ الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يُوجِبُهُ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى تَحْدِيدِهِ إلَّا بِتَحَكُّمٍ لَا بُرْهَانَ عَلَيْهِ، وَلَا يَعْجِزُ عَنْ مِثْلِهِ أَحَدٌ وَمِنْ الْمُحَالِ إيجَابُ حُكْمٍ فِيمَا لَا يَبِينُ مِقْدَارُهُ الْمُوجِبُ لِذَلِكَ الْحُكْمِ؟ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ أَسَرَّ الْإِمَامُ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ أَوْ جَهَرَ فِيمَا يُسَرُّ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ سَهْوًا فَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ. وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَلَا سُجُودَ سَهْوٍ فِيهِ، وَالصَّلَاةُ تَامَّةٌ. فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ
مسألة تطويل الركعة الأولى من كل صلاة أكثر من الركعة الثانية منها
الْمُنْفَرِدُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ فِيهِ، [وَالصَّلَاةُ تَامَّةٌ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْمُنْفَرِدُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ فِيهِ] . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: إبَاحَتُهُ تَعَمُّدَ ذَلِكَ وَلَا سُجُودَ عِنْدَهُ عَلَى الْعَامِدِ، وَإِيجَابُهُ السُّجُودَ عَلَى السَّاهِي، وَهُوَ لَمْ يَسْهُ إلَّا عَمَّا أُبِيحَ لَهُ - عِنْدَهُ - تَرْكُهُ وَفِعْلُهُ، فَأَيُّ سُجُودٍ فِي هَذَا؟ وَالثَّانِي: تَفْرِيقُهُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ، وَهَذَا عَجَبٌ آخَرُ وَلَا نَعْرِفُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلَ مَالِكٍ هَهُنَا عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمَا، وَقَدْ خَالَفَا فِي ذَلِكَ كُلَّ رِوَايَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَإِنَّمَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ جَهَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ قِرَاءَتِهِ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} [الأعراف: 205] وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» . وَفِي الْحَدِيثِ: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» . فَمَنْ لَمْ يُنْصِتْ مِنْ الْمَأْمُومِينَ وَجَهَرَ فَقَدْ خَالَفَ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاتِهِ وَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ، فَلَمْ يُصَلِّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ [مَسْأَلَةٌ تَطْوِيلُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ أَكْثَرَ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْهَا] 447 - مَسْأَلَةٌ: وَيُسْتَحَبُّ تَطْوِيلُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ أَكْثَرَ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْهَا -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثِنَا هَمَّامٌ هُوَ ابْنُ يَحْيَى - عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَا لَا يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ، وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ» ؟
مسألة يضع المصلي يده اليمنى على كوع يده اليسرى في الصلاة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ ثِنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِمَاعَةَ ثِنَا الْأَوْزَاعِيِّ ثِنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ حَدَّثَنِي أَبِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا وَكَانَ يُطِيلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى» ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ، لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا -: وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ هُوَ النَّخَعِيُّ - قَالَ الْأُولَى مِنْ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا الطِّوَالُ فِي الْقِرَاءَةِ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي عَزَّةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ مِثْلُ قَوْلِ إبْرَاهِيمَ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجِ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يُطَوِّلَ الْإِمَامُ الْأُولَى مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَكْثُرَ النَّاسُ، فَإِذَا صَلَّيْت لِنَفْسِي فَإِنِّي أَحْرِصُ عَلَى أَنْ أَجْعَلَ الْأُولَتَيْنِ وَالْآخِرَتَيْنِ سَوَاءً [مَسْأَلَةٌ يَضَعَ الْمُصَلِّي يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ يَدِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ] 448 - مَسْأَلَةٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَ الْمُصَلِّي يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ يَدِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ، فِي وُقُوفِهِ كُلِّهِ فِيهَا -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثِنَا عَفَّانَ هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ - ثِنَا هَمَّامٌ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ ثِنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ؟ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ ثِنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثِنَا
مسألة لا يكبر الإمام حتى يستوي من وراءه
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثِنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَبِي زَيْنَبَ قَالَ: سَمِعْت أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «رَآنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ وَضَعْتُ شِمَالِي عَلَى يَمِينِي فِي الصَّلَاةِ فَأَخَذَ بِيَمِينِي فَوَضَعَهَا عَلَى شِمَالِي» . وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّهُ كَانَ إذَا طَوَّلَ قِيَامَهُ فِي الصَّلَاةِ يُمْسِكُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ذِرَاعَهُ الْيُسْرَى فِي أَصْلِ الْكَفِّ إلَّا أَنْ يُسَوِّيَ ثَوْبًا أَوْ يَحُكَّ جِلْدًا؟ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَضْعُ الْكَفِّ عَلَى الْكَفِّ فِي الصَّلَاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ. وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: ثَلَاثٌ مِنْ النُّبُوَّةِ: تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ، وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ، وَوَضْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيَدِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ وَعَنْ أَنَسٍ مِثْلُ هَذَا أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: مِنْ أَخْلَاقِ النُّبُوَّةِ، وَزَادَ: تَحْتَ السُّرَّةِ. وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: " كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ ". قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا رَاجِعٌ فِي أَقَلِّ أَحْوَالِهِ إلَى فِعْلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، إنْ لَمْ يَكُنْ مُسْنَدًا. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ثُمَّ وَصَفَ: أَنَّهُ كَبَّرَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ إلَى وَجْهِهِ ثُمَّ وَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ» . وَرُوِّينَا فِعْلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَدَاوُد؟ [مَسْأَلَةٌ لَا يُكَبِّر الْإِمَامُ حَتَّى يَسْتَوِيَ مَنْ وَرَاءَهُ] 449 - مَسْأَلَةٌ: وَنَسْتَحِبُّ أَنْ لَا يُكَبِّرَ الْإِمَامُ إلَّا حَتَّى يَسْتَوِيَ كُلُّ مَنْ وَرَاءَهُ فِي صَفٍّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ صَفٍّ، فَإِنْ كَبَّرَ قَبْلَ ذَلِكَ أَسَاءَ وَأَجْزَأَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا قَالَ الْمُقِيمُ " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " فَلْيُكَبِّرْ الْإِمَامُ؟ وَرُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ إجَازَةَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: ثِنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَقُمْنَا فَعَدَلْنَا الصُّفُوفَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ وَقَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ ذَكَرَ فَانْصَرَفَ، وَقَالَ لَنَا: مَكَانَكُمْ، فَلَمْ نَزَلَ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ إلَيْنَا وَقَدْ اغْتَسَلَ، يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، فَكَبَّرَ فَصَلَّى بِنَا؟» حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثِنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثِنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثِنَا الدَّبَرِيُّ ثِنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ «أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ الصَّلَاةُ تُقَامُ فَيُكَلِّمُ الرَّجُلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَاجَةِ تَكُونُ لَهُ، يَقُومُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ قَائِمًا يُكَلِّمُهُ، فَرُبَّمَا رَأَيْتُ بَعْضَ الْقَوْمِ يَنْعَسُ مِنْ طُولِ قِيَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَأَيْضًا - «فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمَأْمُومِينَ وَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» يَعْنِي الْإِمَامَ -: مُبْطِلٌ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ وَلَمْ يُتِمَّ الْمُقِيمُ الْإِقَامَةَ لَمْ يُمْكِنْ الْمُقِيمُ أَنْ يُكَبِّرَ إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ، فَأَبُو حَنِيفَةَ يَأْمُرُ بِخِلَافِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يُكَبِّرَ إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ؟ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَبْعَثُ رِجَالًا يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ فَإِذَا جَاءُوهُ كَبَّرَ وَعَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَهُ رِجَالٌ قَدْ وَكَّلَهُمْ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، فَيُخْبِرُونَهُ أَنَّهَا قَدْ اسْتَوَتْ فَيُكَبِّرُ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ بَعْدَ مَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ قَلِيلًا؟
وَرُوِّينَا عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - نَحْوَ هَذَا؟ . فَهَذَا فِعْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَإِجْمَاعُهُمْ مَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ وَرُوِّينَا عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُد الْخُرَيْبِيِّ قَالَ: أَذَّنَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي الْمَنَارِ وَأَقَامَ فِي الْمَنَارِ، ثُمَّ نَزَلَ فَأَمَّنَا. وَقَوْلُنَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَدَاوُد، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ أَبِي يُوسُفَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَاحْتَجَّ مُقَلِّدُ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَثَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمِ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ «أَنَّ بِلَالًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ» . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ كَانَ مُؤَذِّنًا لِلْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ بِالْبَحْرَيْنِ فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: لِتَنْتَظِرَنِّي بِآمِينَ أَوْ لَا أُؤَذِّنُ لَك. قَالَ عَلِيٌّ: وَاحْتِجَاجُهُمْ بِهَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ مِنْ أَقْبَحِ مَا يَكُونُ مِنْ التَّمْوِيهِ فِي الدِّينِ وَإِقْدَامٌ عَلَى الْفَضِيحَةِ بِالتَّدْلِيسِ عَلَى مَنْ اغْتَرَّ بِهِمْ وَدَلِيلٌ عَلَى قِلَّةِ الْوَرَعِ جُمْلَةً، لِأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقْرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ أَصْلًا بَلْ يَرَوْنَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} [الأنعام: 79] إلَى آخِرِ الْكَلَامِ الْمَرْوِيِّ فِي ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ " أُمَّ الْقُرْآنِ " وَبِالضَّرُورَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ يَدْرُونَ أَنَّ الْمُقِيمَ إذَا قَالَ: " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " فَكَبَّرَ الْإِمَامُ فَلَمْ يَبْقَ عَلَى الْمُقِيمِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ". فَمِنْ الْمُحَالِ الْمُمْتَنِعِ الَّذِي لَا يُشْكِلُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ يُتِمُّ قِرَاءَةَ " أُمِّ الْقُرْآنِ " قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الْمُقِيمُ قَوْلَ " اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " ثُمَّ يُكَبِّرَ. فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يُكَبِّرُ إذَا قَالَ الْمُقِيمُ " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ ". بَلْ لَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ مَعَ ابْتِدَاءِ الْمُقِيمِ الْإِقَامَةَ لَمَا أَتَمَّ " أُمَّ الْقُرْآنِ " أَصْلًا إلَّا بَعْدَ إتْمَامِ الْمُقِيمِ الْإِقَامَةَ، وَبَعْدَ أَنْ يُكَبِّرَ لِلْإِحْرَامِ، فَكَيْفَ بِثَلَاثِ كَلِمَاتٍ؟
مسألة ويستحب لكل مصل إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله
فَلَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَسْتَحْيُوا مِنْ التَّمْوِيهِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ بِمِثْلِ هَذَا الضَّعْفِ؟ فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِ بِلَالٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ؟ قُلْنَا: مَعْنَاهُ بَيِّنٌ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا قَالَ " آمِينَ " قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ " آمِينَ " فَإِنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ، فَأَرَادَ بِلَالٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَمَهَّلَ فِي قَوْلِ " آمِينَ " فَيَجْتَمِعَ مَعَهُ فِي قَوْلِهَا، رَجَاءً لِمُوَافَقَةِ تَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ، وَهَذَا الَّذِي أَرَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ الْعَلَاءِ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ؟ وَمَوَّهُوا أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ قَالَ: ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثِنَا الْحَجَّاجُ بْنُ فَرُّوخَ عَنْ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «كَانَ بِلَالٌ إذَا قَالَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ نَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّكْبِيرِ» . قَالَ الْبَزَّارُ: لَمْ يَرْوِ هَذَا أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ وَرَوَوْا نَحْوَ هَذَا أَيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَانِ أَثَرَانِ مَكْذُوبَانِ؟ أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ فَرُّوخَ، وَهُوَ مُتَّفِقٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَتَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَأَمَّا خَبَرُ عُمَرَ فَمِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ الْقَاضِي، وَهُوَ ضَعِيفٌ - فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِهِمَا؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الثَّابِتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ عُمَرَ خِلَافُ هَذَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا نَقْبَلُ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعْظُمُ الْبَلْوَى بِهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا مِمَّا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى، فَلَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُونَ مَا خَفِيَ عَلَى سَائِرِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ قَبِلُوا فِيهِ خَبَرًا وَاهِيًا، وَتَرَكُوا لَهُ الْآثَارَ الثَّابِتَةَ [مَسْأَلَةٌ وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ إذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ فَضْلِهِ] 450 - مَسْأَلَةٌ: وَنَسْتَحِبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ إذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ فَضْلِهِ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ النَّارِ؟ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
مسألة إذا قال المصلي سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد
بَشَّارٍ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ الْأَحْنَفِ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ «عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ صَلَّى إلَى جَنْبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً، فَكَانَ إذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ وَقَفَ فَتَعَوَّذَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ وَقَفَ فَدَعَا، وَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ، وَفِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى» . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَرَّتْ بِهَذِهِ الْآيَةِ {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور: 27] فَقَالَتْ: رَبِّ مُنَّ عَلَيَّ وَقِنِي عَذَابَ السَّمُومِ؟ وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ: عَنْ السُّدِّيَّ وَمِسْعَرٍ قَالَ السُّدِّيَّ: عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ: سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَرَأَ فِي صَلَاةٍ " سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى " فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى؟ وَقَالَ مِسْعَرٌ: عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَرَأَ فِي الْجُمُعَةِ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى؟ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ إذَا قَرَأَ {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] قَالَ: اللَّهُمَّ بَلَى وَإِذَا قَرَأَ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] قَالَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى؟ وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ. وَعَنْ عَلْقَمَةَ: أَنَّهُ قَرَأَ {رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] فَقَالَ: رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا؟ وَعَنْ حُجْرٌ الْمَدَرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي، فَإِذَا قَرَأَ {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ} [الواقعة: 58] {أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} [الواقعة: 59] قَالَ: بَلْ أَنْتَ رَبِّ [مَسْأَلَةٌ إذَا قَالَ المصلي سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبّنَا وَلَك الْحَمْدُ] 451 - مَسْأَلَةٌ: وَنَسْتَحِبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ إذَا قَالَ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبّنَا وَلَك الْحَمْدُ " أَنْ يَقُولَ " مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ " فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ " أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلّنَا لَك عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ " فَحَسَنٌ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ: فَحَسَنٌ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا حَدَّثَنَاهُ حَمَامٌ ثِنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ حَدَّثَنِي أَبِي ثِنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ثِنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ: اللَّهُمَّ رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» . حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثِنَا عَبَّاسٌ ثِنَا ابْنُ أَيْمَنَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ثِنَا أَبِي ثِنَا وَكِيعٌ ثِنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمُزَنِيّ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى يَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَبُو بَكْرٍ ثِنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ ثِنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ ثِنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ قَزَعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ - وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ - اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» .
مسألة من طول ركوعه وسجوده ووقوفه في رفعه من الركوع
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ ثِنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثِنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ أَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَظَاهِرَةٌ وَأَحَادِيثُ مُتَوَاتِرَةٌ، وَرِوَايَاتٌ مُتَنَاصِرَةٌ وَلَا يَسَعُ أَحَدًا الرَّغْبَةُ عَنْهَا؟ وَقَدْ قَالَ بِهَذَا طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ -: كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنُ عُثْمَانَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثِنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثِنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثِنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ثِنَا قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ ". حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ ثِنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَامَ قَدْرَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا أَيْضًا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ، وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَبِهِ نَأْخُذُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ مِنْ طَوَّلَ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وَوُقُوفَهُ فِي رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ] 452 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ طَوَّلَ الْإِنْسَانُ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وَوُقُوفَهُ فِي رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ وَجُلُوسِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، حَتَّى يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مُسَاوِيًا لِوُقُوفِهِ مُدَّةَ قِرَاءَتِهِ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَحَسَنٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ
مسألة: تحسين الركوع
ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلٍ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ «رَمَقْتُ الصَّلَاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ فَسَجْدَتَهُ فَجِلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَسَجْدَتَهُ فَجِلْسَتَهُ وَجِلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالِانْصِرَافِ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثِنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ ثِنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ ثِنَا حَمَّادٌ أَنَا ثَابِتٌ «عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا صَلَّيْتَ خَلْفَ أَحَدٍ أَوْجَزَ صَلَاةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَمَامٍ، كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَقَارِبَةً، وَكَانَتْ صَلَاةُ أَبِي بَكْرٍ مُتَقَارِبَةً، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَدَّ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ، ثُمَّ يَسْجُدُ وَيَقْعُدُ بَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ» . وَفَعَلَهُ السَّلَفُ الطَّيِّبُ -: كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ثِنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ «عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: إنِّي لَا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِنَا، قَالَ ثَابِتٌ: فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لَمْ أَرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ، وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ» . قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا يُوَضِّحُ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي عَمَلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يُطِيلُ الْقِيَامَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَكَانُوا يَعِيبُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: الْمَعِيبُ هُوَ مَنْ عَابَ عَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَوَّلَ عَلَى مَا لَا حُجَّةَ فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ: تَحْسِينُ الرُّكُوعِ] 453 - مَسْأَلَةٌ: وَتَحْسِينُ الرُّكُوعِ هُوَ أَنْ لَا يَرْفَعَ رَأْسَهُ إذَا رَكَعَ وَلَا يُمِيلَهُ، لَكِنْ مُعْتَدِلًا مَعَ ظَهْرِهِ، وَأَمَّا فِي السُّجُودِ فَيُقَنْطِرُ ظَهْرَهُ جِدًّا مَا أَمْكَنَهُ، وَيُفَرِّجُ ذِرَاعَيْهِ مَا أَمْكَنَهُ،
الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي كُلِّ ذَلِكَ سَوَاءٌ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْر ثِنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ ابْنِ هُرْمُزٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ بْنِ بُحَيْنَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَجَدَ لَوْ شَاءَتْ بَهْمَةٌ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّتْ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثِنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ثِنَا حُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ إذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ» . وَرُوِّينَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قُلْت لِعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيّ إذَا رَكَعْت أَنْصِبُ فِي رُكُوعِي؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ اعْتَدِلْ حَتَّى تَسْتَوِيَ أَطْبَاقُ صُلْبِك، قُلْت: إذَا سَجَدْت أَسْجُدُ عَلَى مِرْفَقَيَّ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ جَافِيهِمَا. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ طَلْحَةَ الْقَصَّابِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ إذَا رَكَعُوا أَنْ لَا يُقَنِّعُوا وَلَا يُصَوِّبُوا. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ شِهَابٍ الْبَارِقِيِّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ إذَا سَجَدَ خَوَى
مسألة يستحب لكل مصل إذا رفع رأسه من السجدة الثانية أن يجلس متمكنا
كَمَا يَخْوِي الْبَعِيرُ الضَّامِرُ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ: رَأَيْت مَسْرُوقًا سَاجِدًا كَأَنَّهُ أَحْدَبُ؟ وَعَنْ الْحَسَنِ: يَرْكَعُ الرَّجُلُ غَيْرَ شَاخِصٍ وَلَا مُنَكِّسٍ؟ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَنِّعَ أَوْ يُصَوِّبَ فِي الرُّكُوعِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ - فَلَوْ كَانَ لَهَا حُكْمٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ لَمَا أَغْفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانَ ذَلِكَ، وَاَلَّذِي يَبْدُو مِنْهَا فِي هَذَا الْعَمَلِ هُوَ بِعَيْنِهِ الَّذِي يَبْدُو مِنْهَا فِي خِلَافِهِ، وَلَا فَرْقَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَعْتَصِمُ؟ [مَسْأَلَةٌ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَجْلِسَ مُتَمَكِّنًا] 454 - مَسْأَلَةٌ: وَنَسْتَحِبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَجْلِسَ مُتَمَكِّنًا ثُمَّ يَقُومَ مِنْ ذَلِكَ الْجُلُوسِ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ؟ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا الْفَرَبْرِيُّ ثِنَا الْبُخَارِيُّ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ أَنَا هُشَيْمٌ أَنَا خَالِدٌ هُوَ الْحَذَّاءُ - عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ اللَّيْثِيُّ «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» . وَهُوَ عَمَلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثِنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثِنَا أَبُو دَاوُد ثِنَا مُسَدَّدٌ ثِنَا إسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ «ثِنَا أَبُو سُلَيْمَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فِي مَسْجِدِنَا قَالَ: إنِّي لَأُصَلِّي بِكُمْ مَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ أُرِيكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: كَانَ يُصَلِّي مِثْلَ صَلَاةِ شَيْخِنَا هَذَا، يَعْنِي عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ إمَامَكُمْ، وَذَكَر أَنَّهُ كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَعَدَ ثُمَّ قَامَ» . قَالَ عَلِيٌّ: عَمْرٌو هَذَا لَهُ صُحْبَةٌ، وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، فَهُوَ عَمَلُ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ مَعَهُمْ؟ وَرُوِّينَا - عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَنَّ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلَى حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَدَاوُد؟ وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا مِمَّا تَرَكُوا فِيهِ عَمَلَ صَاحِبَيْنِ لَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ؟ فَإِنْ احْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ - الَّذِي نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا الْفَصْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ هَذَا الْجُلُوسُ؟ قُلْنَا لَهُمْ: لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي هَذَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ تُذْكَرُ جَمِيعُ السُّنَنِ فِي كُلِّ حَدِيثٍ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو حُمَيْدٍ فَقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو حُمَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَمَنْ أَقْحَمَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى أَبِي حُمَيْدٍ، وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ قَالَ: لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَذَكَرَ أَبُو حُمَيْدٍ أَنَّهُ فَعَلَهُ -: وَبَيْنَ مَنْ عَارَضَهُ، فَقَالَ: لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَذَكَرَ أَبُو حُمَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَفْعَلُهُ؟ وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ خَالَفُوا حَدِيثَ أَبِي حُمَيْدٍ فِيمَا ذُكِرَ فِيهِ نَصًّا، كَمَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَمْ يَرَوْهُ حُجَّةً فِيمَا فِيهِ، وَاحْتَجُّوا بِهِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا مِمَّا تَرَكُوا فِيهِ السُّنَّةَ وَالْقِيَاسَ وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ؟ فَهَلَّا قَالُوا: كَمَا لَا يَقُومُ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ إلَّا مِنْ قُعُودٍ فَكَذَلِكَ لَا يَقُومُ إلَى الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ
مسألة في الصلاة أربع جلسات
إلَّا مِنْ قُعُودٍ، وَلَكِنَّهُمْ لَا السُّنَنَ يَتَّبِعُونَ، وَلَا الْقِيَاسَ يُحْسِنُونَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ [مَسْأَلَةٌ فِي الصَّلَاةِ أَرْبَعُ جَلْسَاتٍ] 455 - مَسْأَلَةٌ: فَفِي الصَّلَاةِ أَرْبَعُ جَلْسَاتٍ: جِلْسَةٌ بَيْنَ كُلِّ سَجْدَتَيْنِ، وَجَلْسَةٌ إثْرَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ، وَجَلْسَةٌ لِلتَّشَهُّدِ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، يَقُومُ مِنْهَا إلَى الثَّالِثَةِ فِي الْمَغْرِبِ، وَالْحَاضِرُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَجِلْسَةٌ لِلتَّشَهُّدِ فِي آخِرِ كُلِّ صَلَاةٍ، يُسَلِّمُ فِي آخِرِهَا. وَصِفَةُ جَمِيعِ الْجُلُوسِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَجْعَلَ أَلْيَتَهُ الْيُسْرَى عَلَى بَاطِنِ قَدَمِهِ الْيُسْرَى مُفْتَرِشًا لِقَدَمِهِ، وَيَنْصِبُ قَدَمَهُ الْيُمْنَى، رَافِعًا لِعَقِبِهَا، مُجْلِسًا لَهَا عَلَى بَاطِنِ أَصَابِعِهَا، إلَّا الْجُلُوسَ الَّذِي يَلِي السَّلَامَ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ، فَإِنَّ صِفَتَهُ: أَنْ يُفْضِيَ بِمَقَاعِدِهِ إلَى مَا هُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَقْعُدَ عَلَى بَاطِنِ قَدَمِهِ فَقَطْ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا ابْنُ السُّلَيْمِ ثِنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثِنَا أَبُو دَاوُد ثِنَا مُسَدَّدٌ ثِنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: قُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ إلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ يُصَلِّي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا بِأُذُنَيْهِ ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى» ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. فَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ جُلُوسٍ فِي الصَّلَاةِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيّ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفَرَبْرِيُّ
ثنا الْبُخَارِيُّ ثِنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْر ثِنَا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَيَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ «مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَيْتُهُ إذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ» . قَالَ الْبُخَارِيُّ: سَمِعَ اللَّيْثُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ، وَسَمِعَ يَزِيدَ بْنَ حَلْحَلَةَ وَابْنَ حَلْحَلَةَ عَنْ ابْنِ عَطَاءٍ، وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَطَاءٍ وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ فِي مَثْنَى فَيُجْلِسُ عَلَى الْيُسْرَى رِجْلَيْهِ، يَتَبَطَّنُهَا جَالِسًا عَلَيْهَا، وَيُقْعِي عَلَى أَصَابِعِ يُمْنَاهُ ثَانِيَهَا وَرَاءَهُ؟ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْجُلُوسُ كُلُّهُ - لَا نُحَاشِ شَيْئًا - مُفْتَرِشًا بِأَلْيَتِهِ الْيُسْرَى بَاطِنَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى؟ وَقَالَ مَالِكٌ: الْجُلُوسُ كُلُّهُ - لَا نُحَاشِ شَيْئًا - مُفْضِيًا بِمَقَاعِدِهِ إلَى الْأَرْضِ قَالَ عَلِيٌّ: وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ وَخِلَافٌ لِلسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ الَّتِي أَوْرَدْنَا؟ وَمِنْ الْعَجَبِ احْتِجَاجُ الطَّائِفَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا بِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ الْمَذْكُورِ فِي إسْقَاطِ الْجَلْسَةِ إثْرَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ لَهَا أَصْلًا، لَا بِإِثْبَاتٍ وَلَا بِإِسْقَاطٍ، ثُمَّ يُخَالِفُونَ حَدِيثَ أَبِي حُمَيْدٍ فِي نَصِّ مَا فِيهِ مِنْ صِفَةِ الْجُلُوسِ وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا
وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُعْتَرِضِينَ بِالْبَاطِلِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ هَذَا بِأَنَّ الْعَطَّافَ بْنَ خَالِدٍ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ السَّاعِدِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَلَيْسَ فِيهِ هَذَا التَّقْسِيمُ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا اعْتِرَاضُ مَنْ لَا يَتَّقِي اللَّهَ؛ لِأَنَّ عَطَّافَ بْنَ خَالِدٍ سَاقِطٌ لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ إلَّا عَلَى بَيَانِ ضَعْفِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ عَلَى رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ شَهِدَ الْأَمْرَ. وَأَمَّا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ فَهَذَا خَطَأٌ مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ. إنَّمَا رَوَاهُ عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ، أَوْ عَيَّاشٌ - هَكَذَا بِالشَّكِّ. وَرَوَاهُ أَيْضًا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ -: وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ أَيْضًا - عَلَى عِلَّاتِهِمَا - مُوَافَقَتَانِ لِرِوَايَتَيْ أَبِي حُمَيْدٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ: إنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ رَوَى حَدِيثَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ فَذَكَرَ فِيهِ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ شَهِدَ الْمَجْلِسَ وَأَبُو قَتَادَةَ قُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو. قَالَ عَلِيٌّ: وَاَلَّذِي ذُكِرَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ قُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ مِنْ أَحَادِيثِ السَّمُرِيِّينَ وَالرَّوَافِضِ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ، وَلَا يُعْتَرَضُ بِمِثْلِ هَذَا عَلَى رِوَايَةِ الثِّقَاتِ.
مسألة على كل مصل أن يضع إذا سجد يديه على الأرض قبل ركبتيه
وَأَيْضًا: فَإِنَّمَا ذَكَرَ أَبَا قَتَادَةَ: عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَلَعَلَّهُ وَهِمَ فِيهِ، فَبَطَلَ مَا شَغَبُوا بِهِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يَضَعَ إذَا سَجَدَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ] 456 - مَسْأَلَةٌ: وَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يَضَعَ - إذَا سَجَدَ - يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ وَلَا بُدَّ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَوْلَانِيِّ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ ثِنَا أَبُو دَاوُد ثِنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ثِنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ - ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكُ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» . فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ مَا حَدَّثَنَاهُ حَمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ثِنَا الْعَلَاءُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ثِنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ عَاصِمِ الْأَحْوَلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَإِذَا انْحَطَّ لِلسُّجُودِ سَبَقَتْ رُكْبَتَاهُ يَدَيْهِ» .
مسألة لكل مصل إماما كان أو مأموما رجلا كان أو امرأة أن يسلم تسليمتين
قُلْنَا: هَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِوَجْهَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ: سَبْقُ الرُّكْبَتَيْنِ الْيَدَيْنِ فَقَطْ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا السَّبْقُ فِي حَرَكَتِهِمَا لَا فِي وَضْعِهِمَا، فَيُتَّفَقُ الْخَبَرَانِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِ بَيَانُ وَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ، لَكَانَ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِمَعْهُودِ الْأَصْلِ فِي إبَاحَةِ كُلِّ ذَلِكَ، وَلَكَانَ خَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَارِدًا بِشَرْعٍ زَائِدٌ رَافِعٍ لِلْإِبَاحَةِ السَّالِفَةِ بِلَا شَكٍّ، نَاهِيَةٍ عَنْهَا بِيَقِينٍ، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ الْيَقِينِ لِظَنٍّ كَاذِبٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ وَرُكْبَتَا الْبَعِيرِ: هِيَ فِي ذِرَاعَيْهِ [مَسْأَلَةٌ لِكُلِّ مُصَلٍّ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةٍ أَنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ] 457 - مَسْأَلَةٌ: وَنَسْتَحِبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا فِي فَرْضٍ كَانَ أَوْ نَافِلَةٍ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةٍ -: أَنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ فَقَطْ: إحْدَاهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْأُخْرَى عَنْ يَسَارِهِ، يَقُولُ فِي كِلْتَيْهِمَا " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " لَا يَنْوِي بِشَيْءٍ مِنْهُمَا سَلَامًا عَلَى إنْسَانٍ لَا عَلَى الْمَأْمُومِينَ وَلَا عَلَى مَنْ عَلَى يَمِينِهِ، وَلَا رَدًّا عَلَى الْإِمَامِ، وَلَا عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ لَكِنْ يَنْوِي بِالْأُولَى - وَهِيَ الْفَرْضُ - الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَالثَّانِيَةُ: سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، لَا يَأْثَمُ تَارِكُهَا؟ أَمَّا وُجُوبُ فَرْضِ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ؟ وَأَمَّا التَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ: فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعٍ التَّمِيمِيِّ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمَرْوَانِيُّ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ
- قَالَ إِسْحَاقُ: ثِنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: ثِنَا ابْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ الْفَضْلُ وَيَحْيَى، وَمُعَاذٌ: ثِنَا زُهَيْرٌ هُوَ أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ الْأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ، وَرَفْعٍ، وَقِيَامٍ، وَقُعُودٍ، وَيُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ يَفْعَلَانِهِ» وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَلِكَ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَلِكَ؟ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ، «قُلْت لِابْنِ عُمَرَ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، عَنْ يَمِينِهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، عَنْ يَسَارِهِ» وَعَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ عَمِّهِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ» بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ مُتَوَاتِرَةٍ مُتَظَاهِرَةٍ وَهُوَ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا؟ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " وَعَنْ يَسَارِهِ " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ "؟ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي وَائِلٍ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ "؟ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: كَانَ مَسْجِدُ الْأَنْصَارِ يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَتَيْنِ عَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ، وَكَانَ مَسْجِدُ الْمُهَاجِرِينَ يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً؟ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُسَلِّمُ مِنْ الصَّلَاةِ تَسْلِيمَتَيْنِ؟ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَعَمَّارٌ، وَابْنُ مَسْعُودٍ: مِنْ أَكَابِرِ الْمُهَاجِرِينَ، وَهُوَ فِعْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَخَيْثَمَةَ وَالْأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَمَنْ أَدْرَكُوا مِنْ الصَّحَابَةِ وَبِهِ يَقُولُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيِّ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَدَاوُد، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُسَلِّمُ الْإِمَامُ وَالْفَذُّ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً، وَيُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ الَّذِي لَيْسَ عَلَى يَسَارِهِ أَحَدٌ تَسْلِيمَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا رَدٌّ عَلَى الْإِمَامِ وَيُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ الَّذِي عَلَى يَسَارِهِ غَيْرُهُ ثَلَاثَ تَسْلِيمَاتٍ، الثَّالِثَةُ رَدٌّ عَلَى الَّذِي عَنْ يَسَارِهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا يَصِحُّ فِيهَا شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ الْأَخْبَارَ فِي
ذَلِكَ إنَّمَا هِيَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُفَرِّجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ وَكِلَاهُمَا مَجْهُولٌ أَوْ مُرْسَلٌ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ أَوْ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَهُوَ سَاقِطٌ وَالثَّابِتُ عَنْ سَعْدٍ تَسْلِيمَتَانِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَهِيَ زِيَادَةُ عَدْلٍ، ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لَكَانَ مَنْ رَوَى تَسْلِيمَتَيْنِ قَدْ زَادَ حُكْمًا وَعِلْمًا عَلَى مَنْ لَمْ يَرْوِ إلَّا وَاحِدَةً، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ لَا يَجُوزُ
تَرْكُهَا، وَهِيَ زِيَادَةُ خَيْرٍ؟ وَإِنَّمَا لَمْ نَقُلْ بِوُجُوبِ التَّسْلِيمَتَيْنِ جَمِيعًا فَرْضًا كَمَا قَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: فَلِأَنَّ الثَّانِيَةَ إنَّمَا هِيَ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَيْسَتْ أَمْرًا مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَمْرُهُ لَا فِعْلُهُ؟ وَتَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ سَلَامِ الْمَأْمُومِ وَالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ -: قَوْلٌ لَا بُرْهَانَ لَهُ عَلَيْهِ، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قَوْلٍ لِصَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٍ؟ وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ التَّسْلِيمَ خُرُوجٌ عَنْ الصَّلَاةِ فَقَطْ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءَ سَلَامٍ وَلَا رَدًّا، لِبُرْهَانَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: الثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ اللَّهَ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» وَأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ وَالتَّسْلِيمُ الْمَقْصُودُ بِهِ الِابْتِدَاءُ أَوْ الرَّدُّ: كَلَامٌ مَعَ النَّاسِ، وَهَذَا مَنْسُوخٌ لَا يَحِلُّ، بَلْ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ إنْ وَقَعَ؟ وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الْفَذَّ يَقُولُ " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ إنْسَانٌ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ لَا يَكُونُ مَعَهُ إلَّا الْوَاحِدُ، فَإِنَّهُ يَقُولُ " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ " بِخِطَابِ الْجَمَاعَةِ فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ ابْتِدَاءَ سَلَامٍ عَلَى إنْسَانٍ وَلَا رَدًّا؟ فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: ثِنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٌ قَالَا: ثِنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَالِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ اُسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ» ؟
مسألة ونستحب إذا أكمل المصلي التشهد في كلتا الجلستين أن يصلي على رسول الله
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثِنَا أَبُو كُرَيْبٌ ثِنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ مِسْعَرٍ ثِنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ الْقِبْطِيَّةِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى الْجَانِبَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عَلَامَ تُومِئُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ إنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ» قَالَ عَلِيٌّ: لَا حُجَّةَ فِي هَذَا لِمَنْ ذَهَبَ إلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ فِيهِ تَسْلِيمَتَيْنِ كَمَا تَرَى؟ وَأَمَّا مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ فِي أَنَّ السَّلَامَ مِنْ الصَّلَاةِ ابْتِدَاءً: سَلَامٌ عَلَى مَنْ مَعَهُ، فَإِنَّ هَذَا بِلَا شَكٍّ كَانَ ثُمَّ نُسِخَ؛ لِأَنَّ نَصَّ الْخَبَرِ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، فَأُمِرُوا بِالسُّكُونِ فِيهَا، وَأَنَّ هَذَا كَانَ إذْ كَانَ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ مُبَاحًا ثُمَّ نُسِخَ، وَلَيْسَ فِيهِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ التَّسْلِيمُ، الَّذِي هُوَ التَّحْلِيلُ مِنْ الصَّلَاةِ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ [مَسْأَلَةٌ وَنَسْتَحِبُّ إذَا أَكْمَلَ المصلي التَّشَهُّدَ فِي كِلْتَا الْجِلْسَتَيْنِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ] 458 - مَسْأَلَةٌ: وَنَسْتَحِبُّ إذَا أَكْمَلَ التَّشَهُّدَ فِي كِلْتَا الْجِلْسَتَيْنِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقُولَ: " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ "؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ - وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ هُوَ الَّذِي أَرَى النِّدَاءَ لِلصَّلَاةِ - أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ
قَالَ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثِنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثِنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - ثِنَا رَوْحٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ أَنَا أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ " أَنَّهُمْ «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» ؟ وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثِنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ أَبِي لَيْلَى هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ - قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَك هَدِيَّةً؟ «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْنَا: قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» قَالَ عَلِيٌّ: جَمَعَنَا قَبْلَ جَمِيعِ أَلْفَاظِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ. وَإِنْ اقْتَصَرَ الْمُصَلِّي عَلَى بَعْضِ مَا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَصْلًا كَرِهْنَا ذَلِكَ، وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ
إلَّا أَنَّ فَرْضًا عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ مَا فِي خَبَرٍ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي دَهْرِهِ، لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِأَنْ يُقَالَ ذَلِكَ وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] وَالْمَرْءُ إذَا فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مَرَّةً فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْأَمْرُ بِتَرْدِيدِ ذَلِكَ مَقَادِيرَ مَعْلُومَةً، أَوْ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ، فَيَكُونَ ذَلِكَ لَازِمًا وَمَنْ قَالَ: إنَّ تَكْرَارَ مَا أُمِرَ بِهِ يَلْزَمُ -: كَانَ كَلَامُهُ بَاطِلًا، لِأَنَّهُ يُكَلَّفُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا حَدَّ لَهُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا لَأَدَّى إلَى بُطْلَانِ كُلِّ شُغْلٍ، وَبُطْلَانِ سَائِرِ الْأَوَامِرِ، وَهَذَا هُوَ الْإِصْرُ وَالْحَرَجُ اللَّذَانِ قَدْ آمَنَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمَا وَإِنَّمَا كَرِهْنَا تَرْكَهُ، لِأَنَّهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ لَا يَزْهَدُ فِيهِ إلَّا مَحْرُومٌ وَصَحَّ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» ؟ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ التَّسْلِيمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرْضٌ، وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ فَرْضٌ. قَالَ: وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أُمِرْنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ وَأَنْ نُسَلِّمَ، فَأَمَّا السَّلَامُ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَعَلَّمَهُمْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -» بَعْضَ مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ " وَفِي بَعْضِ مَا ذَكَرْنَا: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ لَهُمْ: «وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ» قَالُوا: فَالصَّلَاةُ فَرْضٌ حَيْثُ السَّلَامُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إنَّ الصَّلَاةَ حَيْثُ يَكُونُ السَّلَامُ: لَكَانَ مَا قَالُوهُ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَقُلْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ نَحْكُمَ بِمَا لَمْ يَقُلْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَيَكُونَ فَاعِلُ ذَلِكَ يُقَنِّت لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا لَمْ يَقُلْ، وَشَارِعًا مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ عَلِيٌّ: وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ قَالَ: إنَّ الصِّيَامَ فَرْضٌ فِي الِاعْتِكَافِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الِاعْتِكَافَ مَعَ ذِكْرِهِ لِلصَّوْمِ -: أَنْ يَجْعَلَ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ
صَلَاةٍ فَرْضًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ مَعَ التَّسْلِيمِ عَلَيْهِ فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ: حَدِيثَ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي هَانِئٍ أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْجَنْبِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ: «سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدْ (اللَّهَ) وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " عَجَّلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي ثُمَّ عَلَّمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَمِعَ رَجُلًا يُصَلِّي فَمَجَّدَ اللَّهَ تَعَالَى وَحَمِدَهُ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اُدْعُ تُجَبْ، وَسَلْ تُعْطَ» ؟ قَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ فِي هَذَا إيجَابُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمَا قَالَ لَهُ " عَجَّلْت " فَلَيْسَ مَنْ عَجَّلَ فِي صَلَاتِهِ بِمُبْطِلٍ لَهَا، بَلْ كَانَ يَقُولُ لَهُ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ، لَكِنْ فِي هَذَا الْخَبَرِ اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا فَقَطْ؟ فَإِنْ ذَكَرُوا حَدِيثَ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الَّذِي فِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَرَضَ لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ: بَعُدَ مَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: آمِينَ» ؟ قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَقَدْ غَمَزَ غَمْزًا شَدِيدًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَهُوَ مُضْطَرِبٌ فِي اسْمِهِ غَيْرُ مَشْهُورِ الْحَالِ وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ فِيهِ إيجَابُ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصًّا مَتَى ذُكِرَ فِي صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ تَخْصِيصُ مَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ بِذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ مَا يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، وَأَبِي أُسَيْدَ؟
مسألة والقنوت فعل حسن بعد الرفع من الركوع في آخر ركعة من كل صلاة فرض
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا لَازِمٌ لِمَنْ رَأَى تَقْلِيدَ الصَّاحِبِ، لَا لَنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ [مَسْأَلَةٌ وَالْقُنُوتُ فِعْلٌ حَسَنٌ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ فِي آخِرِ رَكْعَةٍ مِنْ كُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ] 459 - مَسْأَلَةٌ: وَالْقُنُوتُ فِعْلٌ حَسَنٌ، بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ فِي آخِرِ رَكْعَةٍ مِنْ كُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ - الصُّبْحِ وَغَيْرِ الصُّبْحِ، وَفِي الْوِتْرِ، فَمَنْ تَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ " رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ " " اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْت، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْت، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْت، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْت، إنَّك تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْك، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْت، تَبَارَكْت رَبَّنَا وَتَعَالَيْت " وَيَدْعُو لِمَنْ شَاءَ، وَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ إنْ أَحَبَّ - فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ الرُّكُوعِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَاَلَّذِي ذَكَرْنَا؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ثِنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ قَالَا: ثِنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ» حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثِنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْبِرْتِيُّ الْقَاضِي ثِنَا أَبُو مَعْمَرٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ - عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ «أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ " وَاَللَّهِ إنِّي لَأَقْرَبُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْنُتُ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، بَعْدَمَا يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ؟ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ قَنَتَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ نَجِّ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ»
حَدَّثَنَا حَمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثِنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثِنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكَابُلِيُّ ثِنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِي الْجَهْمِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً إلَّا قَنَتَ فِيهَا» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ «أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ سُئِلَ: هَلْ قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ لَهُ: قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ» قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذَا كُلُّهُ نَصُّ قَوْلِنَا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْقُنُوتِ: أَقْبَلَ الرُّكُوعِ أَمْ بَعْدَهُ؟ فَقَالَ: قَبْلَ الرُّكُوعِ قُلْنَا: إنَّمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ أَنَسٌ عَنْ أُمَرَاءِ عَصْرِهِ، لَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سُئِلَ عَنْ بَعْضِ أُمُورِ الْحَجِّ فَأَخْبَرَ بِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ: أَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُك - وَهَذَا مِنْ أَنَسٍ: إمَّا تَقِيَّةٌ، وَإِمَّا رَأْيٌ مِنْهُ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَّا عَمَّنْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرُوِّينَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ: ثنا الْعَوَّامُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: سَأَلْت أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ عَنْ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ؟ فَقَالَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ،
فَقُلْت: عَمَّنْ؟ قَالَ: عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ وَرَوَى أَيْضًا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمِ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَقَدْ شَاهَدَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ؟ وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ أَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَنَتَ فِي الْمَغْرِبِ بَعْدَ الرَّكْعَةِ فَدَعَا عَلَى أُنَاسٍ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَنَتَ فِي الْوِتْرِ بَعْدَ الرُّكُوعِ؟ وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يَقْنُتُ فِي الصَّلَاةِ؟ وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْقُنُوتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ؟ فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْهُدَى، أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَمُعَاوِيَةُ، وَمَعَهُمْ أُبَيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى الْمَنْعِ مِنْ الْقُنُوتِ كَمَا رُوِّينَا «عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَقْنُتْ، وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَقْنُتْ، وَخَلْفَ عُمَرَ فَلَمْ يَقْنُتْ، وَخَلْفَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَقْنُتْ، وَخَلْفَ عَلِيٍّ فَلَمْ يَقْنُتْ، يَا بُنَيَّ إنَّهَا بِدْعَةٌ» وَعَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ قَالَا: صَلَّى بِنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ زَمَانًا فَلَمْ يَقْنُتْ
وَعَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ وَعَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ عَنْ الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ؟ فَقَالَ: مَا شَعَرْت أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُهُ؟ وَعَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ؟ وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ لَمْ يَقْنُتْ؟ وَعَنْ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ: قَالَ سَأَلْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: هَلْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ؟ قَالَ: لَا، إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أَحْدَثَهُ النَّاسُ؟ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مِنْ أَيْنَ أَخَذَ النَّاسُ الْقُنُوتَ؟ وَيَعْجَبُ: إنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيَّامًا ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَكَانَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ، وَبَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ: لَا يَرَيَانِ الْقُنُوتَ وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى أَهْلُ مَسْجِدَيْهِمَا بِقُرْطُبَةَ إلَى الْآنَ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: بِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْنُتُوا فَلَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ النَّهْيِ عَنْ الْقُنُوتِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ جَمِيعِهِمْ أَنَّهُمْ قَنَتُوا، وَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ، قَنَتُوا وَتَرَكُوا، فَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُبَاحٌ، وَالْقُنُوتُ ذِكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى، فَفِعْلُهُ حَسَنٌ، وَتَرْكُهُ مُبَاحٌ، وَلَيْسَ فَرْضًا، وَلَكِنَّهُ فَضْلٌ؟ وَأَمَّا قَوْلُ وَالِدِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ: إنَّهُ بِدْعَةٌ - فَلَمْ يَعْرِفْهُ، وَمَنْ عَرَفَهُ أَثْبَتُ فِيهِ مِمَّنْ لَمْ يَعْرِفْهُ، وَالْحُجَّةُ فِيمَنْ عَلِمَ، لَا فِيمَنْ لَمْ يَعْلَمْ وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ كُرْهُهُ، وَلَا أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ، وَإِنَّمَا جَاءَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ فَقَطْ، وَهَذَا مُبَاحٌ، وَقَدْ قَنَتَ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَلَمْ يَعْرِفْهُ كَمَا لَمْ يَعْرِفْ الْمَسْحَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِحٍ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ عَرَفَهُ؟ وَأَمَّا الزُّهْرِيُّ فَجَهِلَ الْقُنُوتَ وَرَآهُ مَنْسُوخًا، كَمَا صَحَّ عَنْهُ مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ نَفْسِهَا:
أَنَّ كَوْنَ زَكَاةِ الْبَقَرِ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ: تَبِيعٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ: مُسِنَّةٌ - مَنْسُوخٌ، وَأَنَّ زَكَاتَهَا كَزَكَاةِ الْإِبِلِ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ فِي نَسْخِ الْقُنُوتِ حُجَّةً، فَهُوَ حُجَّةٌ فِي نَسْخِ زَكَاةِ الْبَقَرِ فِي ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ حُجَّةٌ فَلَيْسَ هُوَ هَهُنَا حُجَّةً؟ وَالْعَجَبُ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ الْمُحْتَجِّينَ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ ثُمَّ سَهُلَ عَلَيْهِمْ هَهُنَا خِلَافَ ابْنِ عُمَرَ، وَخِلَافَ سَالِمٍ ابْنِهِ، وَخِلَافَ الزُّهْرِيِّ، وَهُمَا عَالِمَا أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَحْتَجُّ فِي تَرْكِ الْقُنُوتِ بِقَوْلِ سَالِمٍ: أَحْدَثَهُ النَّاسُ، وَهُوَ يَرَى حُجَّةَ قَوْلِ الْقَائِلِ: فَعَدَلَ النَّاسُ مُدَّيْنِ مِنْ بُرٍّ بِصَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَهَذَا كُلُّهُ تَحَكُّمٌ فِي الدِّينِ بِالْبَاطِلِ وَقَالُوا: لَوْ كَانَ الْقُنُوتُ سُنَّةً مَا خَفِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ؟ فَقُلْنَا: قَدْ خَفِيَ وَضْعُ الْأَيْدِي عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، فَثَبَتَ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّطْبِيقِ إلَى أَنْ مَاتَ، وَخَفِيَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَلَمْ يَرَوْا ذَلِكَ حُجَّةً، فَمَا بَالُ خَفَاءِ الْقُنُوتِ عَنْهُمَا صَارَ حُجَّةً؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ وَتَلَاعُبٌ بِالدِّينِ، مَعَ أَنَّ الْقُنُوتَ مُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى، لِأَنَّهُ سُكُوتٌ مُتَّصِلٌ بِالْقِيَامِ مِنْ الرُّكُوعِ، لَا يَعْرِفُهُ إلَّا مَنْ سَأَلَ عَنْهُ، وَلَيْسَ فَرْضًا فَيَعْلَمُهُ النَّاسُ وَلَا بُدَّ، فَكَيْفَ وَقَدْ عَرَفَهُ ابْنُ عُمَرَ كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا، وَلَمْ يُنْكِرْهُ ابْنُ مَسْعُودٍ؟ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الدَّلِيلُ عَلَى نَسْخِ الْقُنُوتِ مَا رَوَيْتُمُوهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ أَلْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا، دَعَا عَلَى نَاسٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128] »
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا حُجَّةٌ فِي إثْبَاتِ الْقُنُوتِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْهُ، فَهَذَا حُجَّةٌ فِي بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ ابْنَ عُمَرَ جَهِلَ الْقُنُوتَ، وَلَعَلَّ ابْنَ عُمَرَ إنَّمَا أَنْكَرَ الْقُنُوتَ فِي الْفَجْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ، فَهُوَ مَوْضِعُ إنْكَارٍ، وَتَتَّفِقُ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ، فَهُوَ أَوْلَى، لِئَلَّا يَجْعَلَ كَلَامَهُ خِلَافًا لِلثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِنَّمَا فِي هَذَا الْخَبَرِ إخْبَارُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ الْأَمْرَ لَهُ، لَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ أُولَئِكَ الْمَلْعُونِينَ لَعَلَّهُ تَعَالَى يَتُوبُ عَلَيْهِمْ، أَوْ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ: أَنَّهُمْ سَيُؤْمِنُونَ فَقَطْ؟ وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ الْقُنُوتَ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَالِ الْمُحَارَبَةِ؟ : وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُجَالِدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ قَالَا " مَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ، إلَّا إذَا حَارَبَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهِنَّ، وَلَا قَنَتَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَا عُمَرُ، وَلَا عُثْمَانُ، حَتَّى مَاتُوا، وَلَا قَنَتَ عَلِيٌّ حَتَّى حَارَبَ أَهْلَ الشَّامِ، فَكَانَ يَقْنُتُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهِنَّ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَقْنُتُ أَيْضًا، يَدْعُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ " قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلٌ وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ وَفِيهِ: عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ: أَنَّهُمْ لَمْ يَقْنُتُوا وَقَدْ صَحَّ عَنْهُمْ بِأَثْبَتَ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْنُتُونَ وَالْمُثْبِتُ الْعَالِمُ أَوْلَى مِنْ النَّافِي الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ أَوْ نَقُولُ: كِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَكِلَاهُمَا مُبَاحٌ؟ وَفِيهِ - لَوْ انْسَنَدَ - إثْبَاتُ الْقُنُوتِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَالِ الْمُحَارَبَةِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ؟ وَعَنْ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ فِي غَيْرِ حَالِ الْمُحَارَبَةِ، فَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا - لَوْ ثَبَتَ - وَنَحْنُ غَانُونَ عَنْهُ بِالثَّابِتِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ، وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ؟
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ قَلَّدَهُ فَقَالُوا: لَا يَقْنُتُ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، إلَّا فِي الْوِتْرِ، فَإِنَّهُ يَقْنُتُ فِيهِ قَبْلَ الرُّكُوعِ: السَّنَةَ كُلَّهَا، فَمَنْ تَرَكَ الْقُنُوتَ فِيهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ؟ وَأَمَّا مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُمَا قَالَا: لَا يَقْنُتُ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ كُلِّهَا إلَّا فِي الصُّبْحِ خَاصَّةً وَقَالَ مَالِكٌ: قَبْلَ الرُّكُوعِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَعْدَ الرُّكُوعِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ قَنَتَ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَلَا يَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ إلَّا فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ رَمَضَانَ خَاصَّةً بَعْدَ الرُّكُوعِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: فَمَا وَجَدْنَاهُ كَمَا هُوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - نَعْنِي النَّهْيَ عَنْ الْقُنُوتِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ حَاشَا الْوِتْرِ فَإِنَّهُ يُقْنَتُ فِيهِ، وَعَلَى مَنْ تَرَكَهُ سُجُودُ السَّهْوِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي تَخْصِيصِهِ الصُّبْحَ خَاصَّةً بِالْقُنُوتِ، مَا وَجَدْنَاهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ؟ وَكَذَلِكَ تَفْرِيقُ الشَّافِعِيِّ بَيْنَ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ وَبَيْنَ الْقُنُوتِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ؟ وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ كُلَّ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، مَعَ تَشْنِيعِهِمْ عَلَى مَنْ خَالَفَ بَعْضَ الرِّوَايَةِ عَنْ صَاحِبٍ لِسُنَّةٍ صَحَّتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَقَوْلُنَا هُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ؟ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: مَا كُنْت لِأُصَلِّيَ خَلْفَ مَنْ لَا يَقْنُتُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَعَنْ اللَّيْثِ كَرَاهَةُ الْقُنُوتِ جُمْلَةً؟ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ؟ وَعَنْ أَشْهَبَ: تَرْكُ الْقُنُوتِ جُمْلَةً؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا مَنْ رَأَى الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَثَرًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَزْرَةَ عَنْ ابْنِ أَبْزَى؟
قَالَ عَلِيٌّ: وَعُزْرَةُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَبِأَثَرٍ آخَرَ فِي الْوِتْرِ مِنْ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قِيلَ: إنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ كَمَا ذَكَرْنَا؟ وَمَنْ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَلَمْ يَأْتِ بِالْمُخْتَارِ، وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى؟ وَأَمَّا الْقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ: فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعٍ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ قَالَا: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ هُوَ رَبِيعَةُ بْنُ شَيْبَانَ السَّعْدِيُّ - قَالَ: «قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ - قَالَ ابْنُ جَوَّاسٍ فِي رِوَايَتِهِ: فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ، ثُمَّ اتَّفَقَا: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ» قَالَ عَلِيٌّ: الْقُنُوتُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَدُعَاءٌ، فَنَحْنُ نُحِبُّهُ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ فَلَمْ نَجِدْ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَهُ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الرَّأْيِ، قَالَ عَلِيٌّ: وَبِهَذَا نَقُولُ؟ وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْقُنُوتُ بِغَيْرِ هَذَا وَالْمُسْنَدُ أَحَبُّ إلَيْنَا؟ فَإِنْ قِيلَ: لَا يَقُولُهُ عُمَرُ إلَّا وَهُوَ عِنْدَهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟
قُلْنَا لَهُمْ: الْمَقْطُوعُ فِي الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى مِنْ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالظَّنِّ الَّذِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَرَسُولُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَ ظَنًّا، فَأَدْخِلُوا فِي حَدِيثِكُمْ أَنَّهُ مُسْنَدٌ، فَقُولُوا: عَنْ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ فَعَلْتُمْ كَذَبْتُمْ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ حَقَّقْتُمْ أَنَّهُ مِنْكُمْ قَوْلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالظَّنِّ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: {إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36] وَأَمَّا تَسْمِيَةُ مَنْ يُدْعَى لَهُ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ كَمَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَيُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ - ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، اللَّهُمَّ الْعَنْ لِحْيَانَ، وَرِعْلًا، وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128] وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ الرَّازِيّ ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ثنا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ فِي صَلَاةٍ شَهْرًا، إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ يَقُولُ فِي قُنُوتِهِ: اللَّهُمَّ نَجِّ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ الدُّعَاءَ بَعْدُ، فَقُلْت: أَرَى رَسُولَ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ تَرَكَ الدُّعَاءَ؟ فَقِيلَ: وَمَا تَرَاهُمْ قَدِمُوا» قَالَ عَلِيٌّ: إنَّمَا تَرَكَ الدُّعَاءَ؛ لِأَنَّهُمْ قَدِمُوا قَالَ عَلِيٌّ: وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا، فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: احْمِلُوا حَوَائِجَكُمْ عَلَى الْمَكْتُوبَةِ؟ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَغَيْرِهِ مِنْ تَابِعِي أَهْلِ مَكَّةَ مَا مِنْ صَلَاةٍ أَدْعُو فِيهَا بِحَاجَتِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ؟ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: اُدْعُ فِي الْفَرِيضَةِ بِمَا شِئْت؟ وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ؟ وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَدَاوُد، وَغَيْرُهُمْ وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ: أَنْ لَا يُدْعَى فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ بِشَيْءٍ أَصْلًا وَعَنْ عَطَاءٍ: مَنْ دَعَا فِي صَلَاتِهِ لِإِنْسَانٍ سِمَاهُ بِاسْمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ: لَا يُدْعَى فِي الصَّلَاةِ إلَّا بِمَا فِي الْقُرْآنِ؟ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ مَنْ سَمَّى فِي صَلَاتِهِ إنْسَانًا يَدْعُو لَهُ بِاسْمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، ثُمَّ زَادَ غُلُوًّا فَقَالَ: مِنْ عَطَسَ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " وَحَرَّكَ بِهِ لِسَانَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَلَا يُدْعَى فِي الصَّلَاةِ إلَّا بِمَا يُشْبِهُ مَا فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خِلَافٌ لِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ دَعَا لِقَوْمٍ سِمَاهُمْ وَعَلَى قَوْمٍ سِمَاهُمْ، وَمَا نَهَى قَطُّ عَنْ ذَلِكَ، وَمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ فَقَدْ كَذَبَ؟ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ قَوْمٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» ؟ قَالَ عَلِيٌّ: لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا، لِأَنَّ هَذَا النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ عَنْ أَنْ يُكَلِّمَ الْمُصَلِّي
مسألة يشير المصلي إذا جلس للتشهد بأصبعه ولا يحركها
أَحَدًا مِنْ النَّاسِ؟ وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَالْقِرَاءَةُ كَلَامُ النَّاسِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَقْرَأَ الْمُصَلِّي الْقُرْآنَ سَاجِدًا، وَأَمَرَ بِالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ؟ فَصَحَّ بُطْلَانُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الدُّعَاءُ فِي السُّجُودِ بِمَا فِي الْقُرْآنِ إذَا قَصَدَ بِهِ الْقِرَاءَةَ؟ وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ «ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ أَحَدُكُمْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَلْيَدْعُ بِهِ» وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ: ابْنَ مَسْعُودٍ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - [مَسْأَلَةٌ يُشِيرَ الْمُصَلِّي إذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ بِأُصْبُعِهِ وَلَا يُحَرِّكَهَا] 460 - مَسْأَلَةٌ: وَنَسْتَحِبُّ أَنْ يُشِيرَ الْمُصَلِّي إذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ بِأُصْبُعِهِ وَلَا يُحَرِّكَهَا وَيَدُهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعَافِرِيِّ قَالَ: رَآنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَعْبَثُ بِالْحَصَى فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَهَانِي وَقَالَ: اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْنَعُ «إذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى» [مَسْأَلَةٌ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يَكُونَ أَخْذُهُ فِي التَّكْبِيرِ مَعَ ابْتِدَائِهِ لِلِانْحِدَارِ لِلرُّكُوعِ] 461 - مَسْأَلَةٌ: وَنَسْتَحِبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يَكُونَ أَخْذُهُ فِي التَّكْبِيرِ مَعَ ابْتِدَائِهِ لِلِانْحِدَارِ لِلرُّكُوعِ، وَمَعَ ابْتِدَائِهِ لِلِانْحِدَارِ لِلسُّجُودِ، وَمَعَ ابْتِدَائِهِ لِلرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ، وَمَعَ ابْتِدَائِهِ لِلْقِيَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ، وَيَكُونَ ابْتِدَاؤُهُ لِقَوْلِ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " مَعَ ابْتِدَائِهِ فِي الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ، وَلَا يَحِلُّ لِلْإِمَامِ أَلْبَتَّةَ أَنْ يُطِيلَ التَّكْبِيرَ، بَلْ يُسْرِعَ فِيهِ، فَلَا يَرْكَعُ وَلَا يَسْجُدُ وَلَا يَقُومُ وَلَا يَقْعُدُ إلَّا وَقَدْ أَتَمَّ التَّكْبِيرَ حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ
مسألة كل حدث ينقض الطهارة بعمد أو نسيان ينقض الصلاة
الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُصَلِّي فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، وَحِينَ يَرْكَعُ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ، وَإِذَا سَجَدَ بَعْدَمَا يَرْفَعُ مِنْ السُّجُودِ وَإِذَا جَلَسَ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا زَالَتْ هَذِهِ صَلَاتَهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ -: أَمَّا عَلِيٌّ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، فَمِنْ فِعْلِهِمَا وَعَنْ عِمْرَانَ مُسْنَدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ثنا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ. وَبِهَذَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَدَاوُد، وَأَصْحَابُهُمْ. وَقَالَ مَالِكٌ بِذَلِكَ، إلَّا فِي التَّكْبِيرِ لِلْقِيَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَرَاهُ إلَّا إذَا اسْتَوَى قَائِمًا - وَهَذَا قَوْلٌ لَا يُؤَيِّدُهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ طَائِفَةً مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ؟ وَأَمَّا قَوْلُنَا بِإِيجَابِ تَعْجِيلِ التَّكْبِيرِ لِلْإِمَامِ فَرْضًا: فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» فَأَوْجَبَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - التَّكْبِيرَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ فَرْضًا إثْرَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ وَبَعْدَهُ وَلَا بُدَّ، فَإِذَا مَدَّ الْإِمَامُ التَّكْبِيرَ أَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ فَكَبَّرُوا مَعَهُ وَقَبْلَ تَمَامِ تَكْبِيرِهِ، فَلَمْ يُكَبِّرُوا كَمَا أُمِرُوا، وَمَنْ لَمْ يُكَبِّرْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ، فَقَدْ أَفْسَدَ عَلَى النَّاسِ صَلَاتَهُمْ، وَأَعَانَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعَدُوَّانِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ كُلُّ حَدَثٍ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ بِعَمْدٍ أَوْ نِسْيَانٍ يَنْقُضُ الصَّلَاةَ] 462 - مَسْأَلَةٌ: كُلُّ حَدَثٍ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ - بِعَمْدٍ أَوْ نِسْيَانٍ - فَإِنَّهُ مَتَى وُجِدَ بِغَلَبَةٍ أَوْ بِإِكْرَاهٍ أَوْ بِنِسْيَانٍ فِي الصَّلَاةِ مَا بَيْنَ التَّكْبِيرِ لِلْإِحْرَامِ لَهَا إلَى أَنْ يَتِمَّ سَلَامُهُ مِنْهَا -: فَهُوَ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ مَعًا، وَيَلْزَمُهُ ابْتِدَاؤُهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ فِيهَا، سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ
مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا، فِي فَرْضٍ كَانَ أَوْ فِي تَطَوُّعٍ، إلَّا أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؟ وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا: يَبْنِي بَعْدَ أَنْ يَتَوَضَّأَ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: لَوْ نَامَ فِي صَلَاتِهِ فَاحْتَلَمَ فَإِنَّهُ يَغْتَسِلُ وَيَبْتَدِئُ وَلَا يَبْنِي، وَلَا نَدْرِي قَوْلَهُمْ فِيهِ إنْ كَانَ حُكْمُهُ التَّيَمُّمَ، فَإِنَّهُمْ إنْ كَانُوا رَاعُوا طُولَ الْعَمَلِ فِي الْغُسْلِ، فَلَيْسَ التَّيَمُّمُ كَذَلِكَ، لِأَنَّ حُكْمَ الْمُحْدِثِ، وَالْجُنُبِ فِيهِ سَوَاءٌ وَقَالُوا: إنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ بِغَلَبَةٍ وَهُوَ سَاجِدٌ -: فَإِنْ كَبَّرَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ وَرَاءَهُ وَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ وَلَمْ يُكَبِّرْ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَلَا صَلَاةُ مَنْ وَرَاءَهُ فَإِنْ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ أَوْ اسْتَخْلَفُوا قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ الْمَسْجِدِ: لَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَلَا صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ؟ فَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ عَلَيْهِمْ وَلَا اسْتَخْلَفُوا حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ وَالْأَشْهَرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ وَتَتِمُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ؟ فَإِنْ خَرَجَ فَأَخَذَ الْمَاءَ مِنْ خَابِيَةٍ بِإِنَاءٍ فَتَوَضَّأَ: رَجَعَ وَبَنَى -: فَإِنْ اسْتَقَى الْمَاءَ مِنْ بِئْرٍ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فَإِنْ تَكَلَّمَ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: هَذِهِ أَقْوَالٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالتَّنَاقُضِ وَالتَّحَكُّمِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا دَلِيلٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَأَكْثَرُهَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُمْ، وَإِنَّمَا كَلَامُنَا فِي إبْطَالِ الْبِنَاءِ وَإِثْبَاتِهِ قَالَ عَلِيٌّ: احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالْبِنَاءِ بِأَثَرَيْنِ ضَعِيفَيْنِ -: أَحَدُهُمَا - مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْجَهْمِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْمُطَّوِّعِيِّ عَنْ دَاوُد بْنِ رُشَيْدٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِيهِ، وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا قَاءَ أَحَدُكُمْ أَوْ قَلَسَ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلِيَبْنِ عَلَى مَا صَلَّى مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ»
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِيهِ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنْ قَاءَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ أَوْ رَعَفَ أَوْ قَلَسَ فَلْيَنْصَرِفْ وَيَتَوَضَّأْ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ» وَمِنْ طَرِيقِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا وَالثَّانِي - مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ وَكِلَاهُمَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ عَيَّاشٍ ضَعِيفٌ، لَا سِيَّمَا فِيمَا رَوَى عَنْ الْحِجَازِيِّينَ فَمُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ؟ وَأَثَرٌ سَاقِطٌ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ رِيَاحٍ الْبَصْرِيِّ - وَهُوَ سَاقِطٌ - عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَعَفَ فِي الصَّلَاةِ تَوَضَّأَ وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ» وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ فَإِنَّهُمْ تَنَاقَضُوا فَقَاسُوا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ جَمِيعَ الْأَحْدَاثِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ فِيهِمَا. وَلَمْ يَقِيسُوا الِاحْتِلَامَ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَمَا جَاءَ قَطُّ أَثَرٌ - صَحِيحٌ وَلَا سَقِيمٌ - فِي الْبِنَاءِ مِنْ الْأَحْدَاثِ، كَالْبَوْلِ وَالرَّجِيعِ وَالرِّيحِ وَالْمَذْيِ؟ وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ مَا صَلَّى فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ إلَّا بِنَصٍّ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا احْتِجَاجٌ صَحِيحٌ، وَلَوْلَا النَّصُّ الْوَارِدُ بِإِبْطَالِ مَا مَضَى مِنْهَا مَا أَبْطَلْنَاهُ وَلَكِنَّ الْبُرْهَانَ عَلَى بُطْلَانِ مَا صَلَّى: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعٍ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» قَالَ عَلِيٌّ: وَرُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ، فَإِذْ صَحَّ أَنَّ الصَّلَاةَ مِمَّنْ أَحْدَثَ لَا يَقْبَلُهَا اللَّهُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، وَقَدْ صَحَّ بِلَا خِلَافٍ وَبِالنَّصِّ: أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُجْزِئُ إلَّا مُتَّصِلَةً، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَجْزَائِهَا بِمَا لَيْسَ صَلَاةً: فَنَحْنُ نَسْأَلُ مَنْ يَرَى الْبِنَاءَ لِلْمُحْدِثِ فَنَقُولُ: أَخْبَرُونَا عَنْ الْمُحْدِثِ الَّذِي أَمَرْتُمُوهُ بِالْبِنَاءِ، مُذْ يُحْدِثُ فَيَخْرُجُ فَيَمْشِي فَيَأْخُذُ الْمَاءَ فَيَغْسِلُ حَدَثَهُ أَوْ يَسْتَنْجِي فَيَتَوَضَّأُ فَيَنْصَرِفُ إلَى أَنْ يَأْخُذَ فِي عَمَلِ الصَّلَاةِ، أَهُوَ عِنْدَكُمْ فِي صَلَاةٍ؟ أَمْ هُوَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ فَإِنْ قَالُوا: هُوَ فِي صَلَاةٍ أَكْذَبَهُمْ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»
وَمِنْ الْمُحَالِ الْبَاطِلِ أَنْ يُعْتَدَّ لَهُ بِصَلَاةٍ قَدْ أَيْقَنَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُهَا، فَصَحَّ أَنَّ عَمَلَ صَلَاتِهِ الَّذِي كَانَ قَبْلُ قَدْ انْقَطَعَ، وَأَمَّا أَجْرُهُ فَبَاقٍ لَهُ بِلَا شَكٍّ، إلَّا أَنَّهُ الْآنَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ بِلَا شَكٍّ، إذْ هُوَ فِي حَالٍ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَهَا صَلَاةً؟ وَإِنْ قَالُوا: بَلْ هُوَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ؟ قُلْنَا: صَدَقْتُمْ، فَإِذْ هُوَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ: فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ مُتَّصِلَةً، لَا يَحُولُ بَيْنَ أَجْزَائِهَا - وَهُوَ ذَاكِرٌ قَاصِدًا - بِمَا لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ وَبِوَقْتٍ هُوَ فِيهِ فِي صَلَاةٍ، وَهَذَا بُرْهَانٌ لَا مُخَلِّصَ مِنْهُ؟ وَلَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَحْتَجَّ مِنْ الْحَدِيثِ بِأَقْوَى مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ لَذَكَرْنَا مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ عَاصِمِ الْأَحْوَلِ عَنْ عِيسَى بْنِ حِطَّانَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ»
مسألة رعف المصلي في الصلاة
فَإِنْ ذَكَرُوا مَنْ بَنَى مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثنا أَبِي ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ الْمِسْوَرِ بْنَ مَخْرَمَةَ كَانَ إذَا رَعَفَ فِي الصَّلَاةِ يُعِيدُهَا وَلَا يَعْتَدُّ بِمَا مَضَى؟ وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ الصَّالِحُ فِي هَذَا: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّهُ قَالَ - فِي الَّذِي يُحْدِثُ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ -: صَلِّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِك وَإِنْ تَكَلَّمْت. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: فِي الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالرِّيحِ: يَتَوَضَّأُ وَيَسْتَقْبِلُ الصَّلَاةَ، وَفِي الْقَيْءِ وَالرُّعَافِ: يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ؟ وَعَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ فِيمَنْ أَحْدَثَ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، قَالَ: إنَّ صَلَاتَهُ لَمْ تَتِمَّ؟ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِيمَنْ أَحْدَثَ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ: أَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ؟ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَآخِرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ نَأْخُذُ [مَسْأَلَةٌ رَعَفَ المصلي فِي الصَّلَاةِ] 463 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ رَعَفَ أَحَدٌ مِمَّنْ ذَكَرْنَا فِي صَلَاةٍ - كَمَا ذَكَرْنَا - فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسُدَّ أَنْفَهُ وَأَنْ يَدَعَ الدَّمَ يَقْطُرُ عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ، بِحَيْثُ لَا يَمَسُّ لَهُ ثَوْبًا وَلَا شَيْئًا مِنْ ظَاهِرِ جَسَدِهِ، فَعَلَ وَتَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ الرُّعَافَ لَيْسَ حَدَثًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ، فَإِذْ لَيْسَ حَدَثًا، وَلَا مَسَّ لَهُ الدَّمُ ثَوْبًا، وَلَا ظَاهِرَ جَسَدٍ فَلَمْ يَعْرِضْ فِي طَهَارَتِهِ، وَلَا فِي صَلَاتِهِ شَيْءٌ؟ فَإِنْ مَسَّ الدَّمُ شَيْئًا مِنْ جَسَدِهِ أَوْ ثَوْبِهِ فَأَمْكَنَهُ غَسْلُ ذَلِكَ غَيْرَ مُسْتَدْبِرٍ الْقِبْلَةَ فَلْيَغْسِلْهُ
مسألة زوحم حتى فاته الركوع أو السجود أو ركعة أو ركعات
وَهُوَ مُتَمَادِي فِي صَلَاتِهِ، وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَسَوَاءٌ مَشَى إلَى الْمَاءِ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ - أَنَّ غَسْلَ النَّجَاسَةِ وَاجْتِنَابَ الْمُحَرَّمَاتِ فَرْضٌ بِلَا خِلَافٍ، فَهُوَ فِي مَشْيِهِ لِذَلِكَ وَفِي عَمَلِهِ لِذَلِكَ مُؤَدِّي فَرْضٍ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِأَنْ يُؤَدِّيَ فِيهَا مَا أُمِرَ بِأَدَائِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ، بَلْ صَلَّى كَمَا أُمِرَ، وَمَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ فَهُوَ مُحْسِنٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91] فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ: صَلَّى كَمَا هُوَ، وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ مَا لَا يَسْتَطِيعُ فَإِنْ تَعَمَّدَ اسْتِدْبَارَ الْقِبْلَةِ لِذَلِكَ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ قَاصِدًا إلَى ذَلِكَ؟ وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ أَصَابَهُ الرُّعَافُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا: قَطَعَ صَلَاتَهُ وَابْتَدَأَ، وَإِنْ أَصَابَهُ بَعْدَ أَنْ أَتَمَّ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا: فَلْيَخْرُجْ فَلْيَغْسِلْ الدَّمَ وَيَرْجِعْ فَيَبْنِي؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا تَقْسِيمٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ، لَا صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٌ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِغَالِ بِهِ [مَسْأَلَةٌ زُوحِمَ حَتَّى فَاتَهُ الرُّكُوعُ أَوْ السُّجُودُ أَوْ رَكْعَةٌ أَوْ رَكَعَاتٌ] 464 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ زُوحِمَ حَتَّى فَاتَهُ الرُّكُوعُ أَوْ السُّجُودُ أَوْ رَكْعَةٌ أَوْ رَكَعَاتٌ -: وَقَفَ كَمَا هُوَ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا فَاتَهُ فَعَلَ، ثُمَّ اتَّبَعَ الْإِمَامَ حَيْثُ يُدْرِكُهُ وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ بِمُدَّةٍ - قَصِيرَةٍ أَوْ طَوِيلَةٍ - فَعَلَ كَذَلِكَ أَيْضًا، وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَالْجُمُعَةُ وَغَيْرُهَا سَوَاءٌ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا؟ فَلَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً صَلَّاهَا وَأَضَافَهَا إلَى مَا كَانَ صَلَّى، ثُمَّ أَتَمَّ صَلَاتَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ؟ وَالْغَافِلُ سَهْوًا وَالْمَزْحُومُ سَوَاءٌ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا؟ فَإِنْ قَدَرَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى ظَهْرِ أَحَدٍ مِمَّنْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ عَلَى رِجْلِهِ، فَلْيَفْعَلْ وَيُجْزِئُهُ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] فَمَنْ صَحَّ لَهُ الْإِحْرَامُ فَمَا زَادَ فَقَدْ صَحَّ لَهُ عَمَلٌ مُفْتَرَضٌ أَدَاؤُهُ كَمَا أُمِرَ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ إبْطَالُهُ بِغَيْرِ نَصٍّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إبْطَالِهِ
مسألة لم يمس بالماء مما أمر بغسله في وضوئه وغسله ولو مقدار شعرة
وَقَالَ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا آدَم ثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُبَادِرُونِي بِرُكُوعٍ وَلَا بِسُجُودٍ فَإِنَّهُ مَهْمَا أَسْبِقْكُمْ بِهِ إذَا رَكَعْتُ تُدْرِكُونِي بِهِ إذَا رَفَعْتُ، إنِّي قَدْ بَدَّنْتُ» فَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِصَلَاةِ مَا أَدْرَكَ الْمَرْءُ، وَأَنْ لَا يَسْبِقَ الْإِمَامَ بِرُكُوعٍ وَلَا بِسُجُودٍ، وَأَنَّهُ مَهْمَا فَاتَ الْمَأْمُومَ مِنْ رُكُوعٍ أَدْرَكَهُ بَعْدَ رَفْعِ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَخُصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَكْعَةً أُولَى مِنْ ثَانِيَةٍ، وَلَا ثَالِثَةٍ وَلَا رَابِعَةٍ، وَأَمَرَ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ؟ وَقَدْ أَخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ رُفِعَ عَنْ أُمَّتِهِ الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ - وَهَذَا يُوجِبُ يَقِينَ مَا قُلْنَا: مِنْ أَنْ يَأْتِيَ الْمَرْءُ بِصَلَاتِهِ حَسَبَ مَا يَسْتَطِيعُ وَمَا عَدَا هَذَا فَهُوَ قَوْلٌ فَاسِدٌ؟ [مَسْأَلَةٌ لَمْ يَمَسَّ بِالْمَاءِ مِمَّا أُمِرَ بِغَسْلِهِ فِي وُضُوئِهِ وَغُسْلِهِ وَلَوْ مِقْدَارَ شَعْرَةٍ] 465 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَمْ يَمَسَّ بِالْمَاءِ - فِي وُضُوئِهِ وَغُسْلِهِ - وَلَوْ مِقْدَارَ شَعْرَةٍ مِمَّا أُمِرَ بِغَسْلِهِ فِي الْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» وَهَذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ بَعْدُ، إذْ لَمْ يُكْمِلْ طَهَارَتَهُ كَمَا أُمِرَ [مَسْأَلَةٌ أَحَالَ الْقُرْآنَ مُتَعَمِّدًا] 466 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَحَالَ الْقُرْآنَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ؟
وَمَنْ كَانَتْ لُغَتُهُ غَيْرَ الْعَرَبِيَّةِ: جَازَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَا فِي صَلَاتِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ بِهَا، وَمَنْ قَرَأَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ: فَلَا صَلَاةَ لَهُ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ قَرَأَ بِالْفَارِسِيَّةِ فِي صَلَاتِهِ: جَازَتْ صَلَاتُهُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: 2] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] فَصَحَّ أَنَّ غَيْرَ الْعَرَبِيَّةِ لَمْ يُرْسِلْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا أَنْزَلَ بِهِ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَمَنْ قَرَأَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ فَلَمْ يَقْرَأْ مَا أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا قَرَأَ الْقُرْآنَ، بَلْ لَعِبَ بِصَلَاتِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إذْ لَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ فَإِنْ ذَكَرُوا: قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ} [الشعراء: 196] ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، ذِكْرُ الْقُرْآنِ وَالْإِنْذَارُ بِهِ فِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَاطِلٌ وَكَذِبٌ مِمَّنْ ادَّعَى ذَلِكَ؟ وَلَوْ كَانَ هَذَا مَا كَانَ فَضِيلَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مُعْجِزَةً لَهُ وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ هَذَا قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ؟ وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ (أُمَّ الْقُرْآنِ) صَلَّى كَمَا هُوَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَهَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] فَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَفِظَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ غَيْرَهَا لَزِمَهُ فَرْضًا أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ، وَيَتَعَلَّمَ (أُمَّ الْقُرْآنِ) : لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ» وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20]
سجود السهو
[سُجُودُ السَّهْوِ] [مَسْأَلَةٌ حُكْم مَا يَعْمَلُهُ الْمَرْءُ فِي صَلَاتِهِ سَهْوًا] ِ 467 - مَسْأَلَةٌ: كُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الْمَرْءُ فِي صَلَاتِهِ سَهْوًا وَكَانَ - ذَلِكَ الْعَمَلُ مِمَّا لَوْ تَعَمَّدَهُ ذَاكِرًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ -: فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي السَّهْوِ سَجْدَتَا السَّهْوِ؟ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّهُ رَأَى السَّهْوَ فِي تَرْكِ الْجِلْسَةِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ فَرْضًا؟ وَقَالَ: مَنْ أَسْقَطَ شَيْئًا مِنْ صُلْبِ صَلَاتِهِ سَهْوًا فَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؟ وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابُنَا: لَا سُجُودَ سَهْوٍ إلَّا فِي مَوَاضِعَ، وَهِيَ -: مَنْ سَلَّمَ أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ مَشَى سَاهِيًا فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ. أَوْ مَنْ قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فِي صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ وَمَنْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ أَوْ مَنْ زَادَ فِي صَلَاتِهِ رَكْعَةً فَمَا فَوْقَهَا سَاهِيًا فِي صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا سُجُودَ سَهْوٍ إلَّا فِي عَشَرَةِ أَوْجُهٍ -: إمَّا قِيَامٌ مَكَانَ قُعُودٍ وَإِمَّا قُعُودٌ مَكَانَ قِيَامٍ - لِلْإِمَامِ أَوْ الْفَذِّ وَإِمَّا سَلَامٌ قَبْلَ تَمَامِ الصَّلَاةِ لِلْإِمَامِ أَوْ الْفَذِّ أَوْ نِسْيَانُ تَكْبِيرِ صَلَاةِ الْعِيدِ خَاصَّةً لِلْإِمَامِ أَوْ الْفَذِّ أَوْ نِسْيَانُ الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ لِلْإِمَامِ أَوْ الْفَذِّ أَوْ نِسْيَانُ التَّشَهُّدِ لِلْإِمَامِ أَوْ الْفَذِّ أَوْ نِسْيَانُ (أُمِّ الْقُرْآنِ) لِلْإِمَامِ أَوْ الْفَذِّ
أَوْ تَأْخِيرُهَا بَعْدَ قِرَاءَةِ السُّورَةِ لِلْإِمَامِ أَوْ لِلْفَذِّ أَوْ مَنْ جَهَرَ فِي قِرَاءَةِ سِرٍّ أَوْ أَسَرَّ فِي قِرَاءَةِ جَهْرٍ لِلْإِمَامِ خَاصَّةً، فَقَطْ؟ قَالَ: فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَإِنْ نَسِيَ سَجْدَةً أَوْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: أَعَادَ الصَّلَاةَ؟ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ مَرَّةً: سَجَدَ لِلسَّهْوِ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَأَعَادَهَا. وَأَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي سُجُودِهِ لِسَهْوٍ فَغَيْرُ مُنْضَبِطٍ، لِأَنَّهُ رَأَى فِيمَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ مِنْ الصَّلَاةِ فَصَاعِدًا غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ -: أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، أَوْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَأَعَادَهَا. وَرَأَى فِيمَنْ سَهَا عَنْ تَكْبِيرَتَيْنِ مِنْ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ: أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ؟ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى انْتَقَضَ وُضُوءُهُ أَوْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ عَلَيْهِ. وَرَأَى فِيمَنْ سَهَا عَنْ تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لَا سُجُودَ سَهْوٍ وَلَا غَيْرَهُ. وَرَأَى عَلَى مَنْ جَعَلَ " اللَّهُ أَكْبَرُ " مَكَانَ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " سُجُودَ السَّهْوِ. وَرَأَى عَلَى مَنْ جَهَرَ فِي قِرَاءَةِ سِرٍّ، أَوْ أَسَرَّ فِي قِرَاءَةِ جَهْرٍ، إنْ كَانَ ذَلِكَ قَلِيلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَرَأَى فِيمَنْ سَهَا عَنْ قِرَاءَةِ (أُمِّ الْقُرْآنِ) فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاتِهِ فَصَاعِدًا: أَنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ. فَإِنْ سَهَا عَنْهَا فِي رَكْعَةٍ -: فَمَرَّةً رَأَى سُجُودَ السَّهْوِ فَقَطْ وَمَرَّةً رَأَى عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَأَفْسَدُ مِنْ أَنْ يُشْتَغَلَ بِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ فِيهِ بِقُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا بِقِيَاسٍ، وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا بِرَأْيٍ سَدِيدٍ بَلْ لَا نَعْلَمُ
أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ سَوَاءً سَوَاءً، وَزِيَادَةُ أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ مُسْلِمَانِ فِي -: أَنَّ كُلَّ صَلَاةِ فَرْضٍ - تَكُونُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ - فَإِنَّ فِيهَا اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ؟ وَأَنَّ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ؟ وَأَنَّ كُلَّ صَلَاةِ فَرْضٍ تَكُونُ رَكْعَتَيْنِ فَفِيهَا عَشْرُ تَكْبِيرَاتٍ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ؟ فَتَسْوِيَتُهُمْ بَيْنَ مَنْ سَهَا عَنْ ثَلَاثِ تَكْبِيرَاتٍ وَبَيْنَ مَنْ سَهَا عَنْ تَكْبِيرَتَيْنِ، وَتَفْرِيقُهُمْ بَيْنَ مَنْ سَهَا عَنْ تَكْبِيرَتَيْنِ، وَبَيْنَ مَنْ سَهَا عَنْ تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ -: أَحَدُ عَجَائِبِ الدُّنْيَا وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَظَاهِرُ التَّنَاقُضِ -: إذْ رَأَى سُجُودَ السَّهْوِ فِي تَرْكِ الْجِلْسَةِ الْأُولَى، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ فَرْضًا وَلَمْ يَرَ سُجُودَ السَّهْوِ فِي تَرْكِ جَمِيعِ تَكْبِيرِ الصَّلَاةِ - حَاشَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ - وَلَا فِي الْعَمَلِ الْقَلِيلِ - الَّذِي تَفْسُدُ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ بِكَثِيرِهِ وَلَمْ يَجِدْ فِي الْقَلِيلِ الَّذِي أَسْقَطَ فِيهِ السُّجُودَ حَدًّا يَفْصِلُهُ بِهِ مِمَّا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ بِتَعَمُّدِهِ، وَيَجِبُ سُجُودُ السَّهْوِ فِي سَهْوِهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ جِدًّا وَمِنْ الْعَجَبِ قَوْلُهُ " صُلْبِ الصَّلَاةِ " وَمَا عَلِمَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ صُلْبًا وَلَا بَطْنًا وَلَا كَبِدًا وَلَا مَعْيًا وَمِثْلُ هَذَا قَدْ أَغْنَى ظَاهِرُ فَسَادِهِ عَنْ تَكَلُّفِ نَقْضِهِ وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَا سُجُودَ سَهْوٍ إلَّا حَيْثُ سَجَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَمَرَ بِسُجُودِهِ، وَلَمْ يَسْجُدْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَّا حَيْثُ ذَكَرْنَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ، إلَّا أَنَّنَا قَدْ وَجَدْنَا خَبَرًا صَحِيحًا يُوجِبُ صِحَّةَ قَوْلِنَا وَجَعَلُوهُ مُعَارِضًا لِغَيْرِهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ، بَلْ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا تُسْتَعْمَلُ، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ الْأَخْذُ بِالشَّرْعِ الزَّائِدِ الْوَارِدِ فِيهَا، لِأَنَّهُ حُكْمٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَحِلُّ تَرْكُهُ؟
قَالَ عَلِيٌّ: وَبُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا هُوَ أَنَّ أَعْمَالَ الصَّلَاةِ قِسْمَانِ - بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ - لَا ثَالِثَ لَهُمَا -: إمَّا فَرْضٌ، يَعْصِي مَنْ تَرَكَهُ، وَإِمَّا غَيْرُ فَرْضٍ، فَلَا يَعْصِي مَنْ تَرَكَهُ؟ فَمَا كَانَ غَيْرَ فَرْضٍ فَهُوَ مُبَاحٌ فِعْلُهُ، وَمُبَاحٌ تَرْكُهُ؟ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ مَنْدُوبًا إلَيْهِ مَكْرُوهًا تَرْكُهُ. فَمَا كَانَ مُبَاحًا تَرْكُهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ حُكْمًا فِي تَرْكِ أَمْرٍ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى تَرْكَهُ، فَيَكُونَ فَاعِلُ ذَلِكَ شَارِعًا مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى؟ وَأَمَّا الْفَرْضُ - وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي - وَهُوَ الَّذِي تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَعَمُّدِ تَرْكِهِ وَلَا تَبْطُلُ بِالسَّهْوِ فِيهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] . فَإِذْ الصَّلَاةُ لَا تَبْطُلُ بِالسَّهْوِ فِيهِ وَكَانَ سَهْوًا، فَفِيهِ سُجُودُ السَّهْوِ، إذْ لَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بَعْضُهُ بِالسُّجُودِ دُونَ بَعْضٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ جَاءَ مَا قُلْنَا نَصًّا -: كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِمَّا زَادَ أَوْ نَقَصَ - شَكَّ إبْرَاهِيمُ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا، فَقُلْنَا لَهُ الَّذِي صَنَعَ، فَقَالَ: إذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ الْجَحْدَرِيُّ ثنا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ثنا شُعْبَةُ قَالَ: قَرَأْت عَلَى مَنْصُورٍ، وَسَمِعْته يُحَدِّثُ، وَكَتَبَ بِهِ إلَيَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ
مسألة ما عمله المرء في صلاته سهوا من كلام أو إنشاد شعر
رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُمْ: «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، إذَا أَوْهَمَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ مِنْ الصَّوَابِ ثُمَّ لِيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذَا نَصُّ قَوْلِنَا فِي إيجَابِ السُّجُودِ فِي كُلِّ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ فِي الصَّلَاةِ، وَكُلِّ وَهْمٍ، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ أَدَّى صَلَاتَهُ بِجَمِيعِ فَرَائِضِهَا كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّهُ زَادَ فِي صَلَاتِهِ، وَلَا نَقَصَ مِنْهَا، وَلَا أَوْهَمَ فِيهَا، بَلْ قَدْ أَتَمَّهَا كَمَا أُمِرَ، وَإِنَّمَا الزَّائِدُ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ النَّاقِصُ مِنْهَا، وَالْوَاهِمُ: مَنْ زَادَ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا، أَوْ نَقَصَ مِنْهَا مَا لَا تَتِمُّ إلَّا بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْوَهْمِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِنَا طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: - كَمَا رُوِّينَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ قَطَنٍ: أَنَّ أَبَا زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: إذَا أَوْهَمَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْ الْوَهْمِ؟ وَعَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: لَا وَهْمَ إلَّا فِي قُعُودٍ، أَوْ قِيَامٍ، أَوْ زِيَادَةٍ، أَوْ نُقْصَانٍ، أَوْ تَسْلِيمٍ فِي رَكْعَتَيْنِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ نَسِيَ رَكْعَةً مِنْ الْفَرِيضَةِ حَتَّى دَخَلَ فِي التَّطَوُّعِ، ثُمَّ ذَكَرَ، فَصَلَّى بَقِيَّةَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ؟ قَالَ عَلِيٌّ: مَا نَعْلَمُ لِأَنَسٍ فِي هَذَا مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ - قُلْت لِعَطَاءٍ: فَإِنْ اسْتَيْقَنْت أَنِّي صَلَّيْت خَمْسَ رَكَعَاتٍ؟ قَالَ: فَلَا تُعِدْ وَلَوْ صَلَّيْت عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَاسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ؟ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ إذَا زِدْت أَوْ نَقَصْت: فَاسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ [مَسْأَلَةٌ مَا عَمِلَهُ الْمَرْءُ فِي صَلَاتِهِ سَهْوًا مِنْ كَلَامٍ أَوْ إنْشَادِ شَعْرٍ] ؟ 468 - مَسْأَلَةٌ: قَالَ عَلِيٌّ: وَكُلُّ مَا عَمِلَهُ الْمَرْءُ فِي صَلَاتِهِ سَهْوًا مِنْ كَلَامٍ أَوْ إنْشَادِ شَعْرٍ، أَوْ مَشْيٍ أَوْ اضْطِجَاعٍ، أَوْ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ أَوْ عَمَلِ أَيِّ عَمَلٍ كَانَ، أَوْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ، أَوْ زِيَادَةِ رَكْعَةٍ أَوْ رَكَعَاتٍ، أَوْ خُرُوجٍ إلَى تَطَوُّعٍ - كَثُرَ ذَلِكَ أَوْ قَلَّ - أَوْ تَسْلِيمٍ قَبْلَ تَمَامِهَا، فَإِنَّهُ مَتَى ذَكَرَ - طَالَ زَمَانُهُ أَوْ قَصُرَ، مَا لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ -: فَإِنَّهُ يُتِمُّ مَا تَرَكَ فَقَطْ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ، إلَّا انْتِقَاضَ الْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ مُتَّصِلَةً بِهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ سَاهِيًا: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. فَإِنْ سَلَّمَ مِنْهَا سَاهِيًا: لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ. فَإِنْ أَكَلَ سَاهِيًا - أَوْ زَادَ رَكْعَةً، وَلَمْ يَكُنْ جَلَسَ فِي آخِرِهَا مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ - فَإِنْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ بِغَلَبَةٍ: لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ. فَإِنْ عَطَسَ فَقَالَ " الْحَمْدُ لِلَّهِ " مُحَرِّكًا بِهَا لِسَانَهُ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا الْكَلَامُ فِيهِ مِنْ التَّخْلِيطِ وَالْقُبْحِ - مَعَ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ - مَا نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ مِنْ مِثْلِهِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ الْحَجَّاجِ الصَّوَّافِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ «بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُك اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْت مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ فَوَاَللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . حَدَّثَنَا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي قِلَابَةَ وَأَنَا أَسْمَعُ: حَدَّثَكُمْ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ حَدَّثَنِي رِفَاعَةُ بْنُ يَحْيَى إمَامُ مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ قَالَ: سَمِعْت مُعَاذَ بْنَ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْرِبَ فَعَطَسَ رَجُلٌ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا كُلُّهُمْ يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا وَيَصْعَدُ بِهَا إلَى السَّمَاءِ»
فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ غَبَطَ الَّذِي حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى إذَا عَطَسَ فِي الصَّلَاةِ جَاهِرًا بِذَلِكَ، وَلَمْ يُلْزِمْ الَّذِي تَكَلَّمَ نَاسِيًا بِإِعَادَةٍ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا خَلَا مِنْ هَذَا الدِّيوَانِ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْعَمَلِ وَكَثِيرِهِ، فَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِكَثِيرِهِ وَلَمْ يُبْطِلْهَا بِقَلِيلِهِ، أَوْ رَأَى سُجُودَ السَّهْوِ فِي كَثِيرِهِ وَلَمْ يَرَهُ فِي قَلِيلِهِ، أَوْ حَدَّ الْكَثِيرَ بِالْخُرُوجِ عَنْ الْمَسْجِدِ وَالْقَلِيلَ بِأَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْهُ -: فَكَلَامٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَنَسْأَلُهُمْ: عَمَّنْ رَمَى نَزْقًا لِنَسْجٍ مَرَّةً وَاحِدَةً عَامِدًا فِي الصَّلَاةِ. أَوْ أَخَذَ حَبَّةَ سِمْسِمَةٍ عَمْدًا ذَاكِرًا فَأَكَلَهَا. أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ذَاكِرًا. فَمِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ قَلِيلَ هَذَا وَكَثِيرَهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ. فَنَسْأَلُهُمْ: عَمَّنْ كَثُرَ حَكُّهُ لِجَسَدِهِ مُحْتَاجًا إلَى ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ صَلَاتِهِ إلَى آخِرِهَا، وَكَانَ عَلَيْهِ كِسَاءٌ فَلُوتٌ فَاضْطُرَّ إلَى جَمْعِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِهَا. فَمِنْ قَوْلِهِمْ: هَذَا كُلُّهُ مُبَاحٌ فِي الصَّلَاةِ؟ قُلْنَا: صَدَقْتُمْ، فَهَاتُوا نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا - غَيْرَ مُدَّعًى بِلَا عِلْمٍ - عَلَى أَنَّ هَهُنَا أَعْمَالًا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ كَثِيرُهَا وَلَا يُبْطِلُهَا قَلِيلُهَا. ثُمَّ هَاتُو نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا مُتَيَقَّنًا -: غَيْرَ مُدَّعًى بِالْكَذِبِ عَلَى تَحْدِيدِ الْقَلِيلِ مِنْ الْكَثِيرِ وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ أَبَدًا؟ فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ: مِنْ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ أُبِيحَ فِي الصَّلَاةِ بِالنَّصِّ -: فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ مُبَاحٌ فِيهَا، وَكُلُّ عَمَلٍ لَمْ يُبَحْ بِالنَّصِّ فِي الصَّلَاةِ: فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِالْعَمْدِ، وَيُوجِبُ سُجُودَ السَّهْوِ إذَا كَانَ سَهْوًا. وَأَمَّا الْخُرُوجُ عَنْ الْمَسْجِدِ فَرُبَّ مَسْجِدٍ يَكُونُ طُولُهُ أَزِيدَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ خُطْوَةٍ
مسألة سها الإمام فسجد للسهو
وَرُبَّ مَسْجِدٍ يَخْرُجُ مِنْهُ بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. «وَقَدْ سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاهِيًا وَتَكَلَّمَ وَرَاجَعَ وَخَرَجَ عَنْ الْمَسْجِدِ وَدَخَلَ بَيْتَهُ ثُمَّ عَرَفَ فَخَرَجَ فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ وَسَجَدَ لِسَهْوِهِ سَجْدَتَيْنِ فَقَطْ» . وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . وَبِهَذَا يَبْطُلُ أَيْضًا قَوْلُ مَنْ قَالَ " لِكُلِّ سَهْوٍ فِي الصَّلَاةِ سَجْدَتَانِ ". وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنْ تَطَاوَلَتْ الْمُدَّةُ عَلَى مَنْ تَرَكَ سُجُودَ السَّهْوِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَلَزِمَهُ إعَادَتُهَا، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنْ تَطَاوَلَتْ الْمُدَّةُ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ سُجُودُ السَّهْوِ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ -: فَقَوْلَانِ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؟ وَأَوَّلُ ذَلِكَ -: أَنَّهُمَا قَوْلَانِ بِلَا بُرْهَانٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ؟ وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ الْفَرْقُ بَيْنَ تَطَاوُلِ الْمُدَّةِ وَبَيْنَ قِصَرِهَا بِنَصٍّ صَحِيحٍ أَوْ إجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ غَيْرِ مُدَّعًى بِالْكَذِبِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ؟ وَالْحَقُّ فِي هَذَا: هُوَ أَنَّ مَنْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ فَقَدْ لَزِمَهُ أَدَاءُ مَا أَمَرَهُ بِهِ، وَلَا يُسْقِطُهُ عَنْهُ رَأْيُ ذِي رَأْيٍ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَبَدًا، وَلَا يُسْقِطُهُ عَنْهُ إلَّا تَحْدِيدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ الْعَمَلَ بِوَقْتٍ مَحْدُودِ الْآخِرِ؟ وَالْعَجَبُ مِنْ قَوْمٍ أَتَوْا إلَى أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتٍ مَحْدُودِ الطَّرَفَيْنِ، وَبِالصِّيَامِ فِي وَقْتٍ مَحْدُودِ الطَّرَفَيْنِ - فَقَالُوا: لَا يَسْقُطُ عَمَلُهُمَا؟ وَإِنْ بَطَلَ ذَلِكَ الْوَقْتَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقْتًا لَهُمَا وَلَمْ يَجْعَلْ مَا عَدَا ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقْتًا لَهُمَا ثُمَّ أَتَوْا إلَى سُجُودِ السَّهْوِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إصْلَاحًا لِمَا وُهِمَ فِيهِ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ، وَأَطْلَقَ بِالْأَمْرِ بِهِ وَلَمْ يَحُدَّهُ -: فَأَبْطَلُوهُ بِوَقْتٍ حَدُّوهُ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ وَقَوْلُنَا هَذَا هُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي أَوَّلِ قَوْلَيْهِ. [مَسْأَلَةٌ سَهَا الْإِمَامُ فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ] 469 - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ: فَفَرْضٌ عَلَى الْمُؤْتَمِّينَ أَنْ يَسْجُدُوا مَعَهُ، إلَّا مَنْ فَاتَتْهُ مَعَهُ رَكْعَةٌ فَصَاعِدًا، فَإِنَّهُ يَقُومُ إلَى قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ، فَإِذَا أَتَمَّهُ سَجَدَ هُوَ لِلسَّهْوِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ فَفَرْضٌ عَلَى الْمَأْمُومِ أَنْ يَسْجُدَهُمَا مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ بَقِيَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ، ثُمَّ لَا يُعِيدُ سُجُودَهُمَا إذَا - سَلَّمَ؟
مسألة سها المأموم ولم يسه الإمام
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهَا فَسَجَدَ وَسَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ بِعِلْمِهِ بِذَلِكَ» ؟ وَأَمَّا مَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَةٍ فَصَاعِدًا: فَإِنَّ الْإِمَامَ إذَا سَلَّمَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَزِمَ الْمَأْمُومَ الْقَضَاءُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» . وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَيْضًا: «فَأَتِمُّوا» فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِغَيْرِ الْإِتْمَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ مَوْصُولًا بِمَا أَدْرَكَ، فَلَمْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ بَعْدُ، وَالسُّجُودُ لِلسَّهْوِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي آخِرِ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ تَمَامِهَا، بِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا؟ وَأَمَّا إذَا سَجَدَهُمَا الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» فَفَرْضٌ عَلَيْهِ الِائْتِمَامُ بِهِ فِي كُلِّ مَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ فِي مَوْضِعِهِ وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُهُ لِلْمَأْمُومِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالسُّجُودِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ سَهَا الْمَأْمُومُ وَلَمْ يَسْهُ الْإِمَامُ] 470 - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا سَهَا الْمَأْمُومُ وَلَمْ يَسْهُ الْإِمَامُ فَفَرْضٌ عَلَى الْمَأْمُومِ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ، كَمَا كَانَ يَسْجُدُ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ إمَامًا وَلَا فَرْقَ؟ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ كَمَا أَوْرَدْنَا آنِفًا كُلَّ مَنْ أَوْهَمَ فِي صَلَاتِهِ بِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ، وَلَمْ يَخُصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَلِكَ إمَامًا وَلَا مُنْفَرِدًا مِنْ مَأْمُومٍ، فَلَا يَحِلُّ تَخْصِيصُهُمْ فِي ذَلِكَ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْإِمَامَ يَحْمِلُ السَّهْوَ عَنْ الْمَأْمُومِ -: فَقَدْ أَبْطَلَ، وَقَالَ مَا لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ، وَخَالَفَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَذْكُورَ بِرَأْيِهِ، وَلَا خِلَافَ مِنَّا وَمِنْهُمْ فِي أَنَّ مَنْ أَسْقَطَ رَكْعَةً أَوْ سَجْدَةً أَوْ أَحْدَثَ - سَهْوًا كَانَ كُلُّ ذَلِكَ أَوْ عَمْدًا - فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْمِلُهُ عَنْهُ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ أَنْ يَحْمِلَ عَنْهُ سَائِرَ مَا سَهَا فِيهِ مِنْ فَرْضٍ؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَبِهِ نَأْخُذُ؟ [مَسْأَلَةٌ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ] 471 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ أَجْزَأَتَا عَنْهُ وَنَكْرَهُ ذَلِكَ؟ . بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ مِمَّا حَدَّثَنَاهُ عَبِدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمَرْوَانِيُّ
مسألة الأفضل أن يكبر لكل سجدة من سجدتي السهو ويتشهد بعدهما
ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَا جَمِيعًا: ثنا شُعْبَةُ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيَّ هُوَ الْبَارِقِيُّ - أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» . قَالَ عَلِيٌّ: فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صَلَاةٌ غَيْرَ مَثْنَى، إلَّا مَا سِمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةً وَهُوَ غَيْرُ مَثْنَى: كَالْفُرُوضِ الَّتِي هِيَ أَرْبَعُ أَرْبَعُ، وَكَالْوِتْرِ وَكَالصَّلَاةِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا لَا تَسْلِيمَ بَيْنَهُنَّ، وَصَلَاةِ الْجَنَائِزِ. وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَلَيْسَ صَلَاةً، وَلَمْ يُسَمِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَجْدَتَيْ السَّهْوِ: صَلَاةً. وَلَا وُضُوءٌ يَجِبُ لَازِمًا إلَّا لِصَلَاةٍ -: كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ عَبَّادِ بْنُ جَبَلَةَ ثنا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ثنا سَعِيدُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى حَاجَتَهُ مِنْ الْخَلَاءِ فَقُرِّبَ إلَيْهِ طَعَامٌ فَأَكَلَ فَلَمْ يَمَسَّ مَاءً» . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ -: وَزَادَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ لَهُ: إنَّكَ لَمْ تَتَوَضَّأْ؟ قَالَ: مَا أَرَدْت صَلَاةً فَأَتَوَضَّأُ» قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْته مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ؟ وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ نَحْوَ ذَلِكَ [مَسْأَلَةٌ الْأَفْضَلُ أَنْ يُكَبِّرَ لِكُلِّ سَجْدَةٍ مِنْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَيَتَشَهَّدَ بَعْدَهُمَا] 472 - مَسْأَلَةٌ: وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُكَبِّرَ لِكُلِّ سَجْدَةٍ مِنْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَيَتَشَهَّدَ بَعْدَهُمَا وَيُسَلِّمَ مِنْهُمَا، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى السَّجْدَتَيْنِ دُونَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى السَّجْدَتَيْنِ فَقَطْ، فَلِمَا أَوْرَدْنَاهُ آنِفًا مِنْ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
مَنْ أَوْهَمَ فِي صَلَاتِهِ أَوْ زَادَ أَوْ نَقَصَ: بِسَجْدَتَيْنِ، وَلَمْ يَأْمُرْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيهِمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ؟ وَأَمَّا اخْتِيَارُنَا التَّكْبِيرَ لَهُمَا وَالتَّشَهُّدَ وَالسَّلَامَ -: فَلِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابٍ ثنا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ، الظُّهْرَ قَالَ أَوْ الْعَصْرَ، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهَا، إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ، ثُمَّ خَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ وَهُمْ يَقُولُونَ: قَصُرَتْ الصَّلَاةُ، قَصُرَتْ الصَّلَاةُ، وَفِي النَّاسِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ، فَقَامَ رَجُلٌ كَانَ يُسَمِّيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ الصَّلَاةُ؟ - قَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: بَلْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَأَوْمَئُوا إلَيْهِ: أَيْ نَعَمْ فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مَقَامِهِ فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ وَكَبَّرَ» . فَقِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: سَلَّمَ فِي السَّهْوِ؟ قَالَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نُبِّئْت أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ قَالَ: " ثُمَّ سَلَّمَ ". وَبِهِ إلَى أَبِي دَاوُد: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى حَدَّثَنِي أَشْعَثُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ» .
مسألة سجود السهو كله بعد السلام إلا في موضعين
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذِهِ أَعْمَالٌ لَا أَوَامِرُ، فَالِائْتِسَاءُ فِيهَا حَسَنٌ؟ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَيْسَ فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ قِرَاءَةٌ، وَلَا رُكُوعٌ، وَلَا تَشَهُّدٌ. وَعَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَالْحَسَنِ: أَنَّهُمَا لَا يَتَشَهَّدَانِ فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ. وَعَنْ الْحَسَنِ: لَيْسَ فِيهِمَا تَسْلِيمٌ -: قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا بُدَّ لَهُ فِيهِمَا مِنْ أَنْ يَقُولَ " سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» وَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ سُجُودٍ؟ . [مَسْأَلَةٌ سُجُودُ السَّهْوِ كُلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ] 473 - مَسْأَلَةٌ: وَسُجُودُ السَّهْوِ كُلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ، فَإِنَّ السَّاهِيَ فِيهِمَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَإِنْ شَاءَ قَبْلَ السَّلَامِ؟ أَحَدُهُمَا: مَنْ سَهَا فَقَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَجْلِسْ وَيَتَشَهَّدْ، فَهَذَا سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ فَذًّا فَإِنَّهُ إذَا اسْتَوَى قَائِمًا فَلَا يَحِلُّ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى الْجُلُوسِ، فَإِنْ رَجَعَ وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ذَاكِرٌ لِذَلِكَ -: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ سَاهِيًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَهُوَ سَهْوٌ يُوجِبُ السُّجُودَ، لَكِنْ يَتَمَادَى فِي صَلَاتِهِ فَإِذَا أَتَمَّ التَّشَهُّدَ الْآخِرَ فَإِنْ شَاءَ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ سَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ؟ وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَدْرِي فِي كُلِّ صَلَاةٍ تَكُونُ رَكْعَتَيْنِ أَصَلَّى رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ؟ وَفِي كُلّ صَلَاةِ تَكُونُ ثَلَاثًا أَصَلَّى رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؟ وَفِي كُلِّ صَلَاةٍ تَكُونُ أَرْبَعًا أَصَلَّى أَرْبَعًا أَمْ أَقَلَّ؟ فَهَذَا يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ وَيُصَلِّي أَبَدًا حَتَّى يَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ رَكَعَاتِ صَلَاتِهِ وَشَكَّ فِي الزِّيَادَةِ.
فَإِذَا تَشَهَّدَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ. وَإِنْ أَيْقَنَ مِنْ خِلَالِ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَتَمَّ جَلَسَ مِنْ حِينِهِ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ وَلَا بُدَّ، ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ وَسَجَدَ أَنَّهُ زَادَ يَقِينًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ. وَالسُّجُودُ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَاجِبٌ كَمَا هُوَ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، وَلَا فَرْقَ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: السُّجُودُ كُلُّهُ لِلسَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ؟ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ كُلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ؟ وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ فِي الزِّيَادَةِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَفِي النُّقْصَانِ قَبْلَ السَّلَامِ قَالَ عَلِيٌّ: تَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بِبَعْضِ الْآثَارِ وَتَرَكَ بَعْضًا وَهَذَا لَا يَجُوزُ؟ وَكَذَلِكَ فَعَلَ الشَّافِعِيُّ وَزَادَ حُجَّةً نَظَرِيَّةً وَهِيَ: أَنَّهُ قَالَ: إنَّ جَبْرَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ إلَّا فِيهِ لَا بَائِنًا عَنْهُ قَالَ عَلِيٌّ: وَالنَّظَرُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُعَارَضَ بِهِ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَيْتَ شِعْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُمْ بِأَنَّ جَبْرَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ إلَّا فِيهِ لَا بَائِنًا عَنْهُ؟ وَهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ، وَالصِّيَامَ: يَكُونَانِ جَبْرًا لِمَا نَقَصَ مِنْ الْحَجِّ، وَهُمَا بَعْدَ الْخُرُوجِ عَنْهُ وَأَنَّ عِتْقَ الرَّقَبَةِ أَوْ الصَّدَقَةَ، أَوْ صِيَامَ الشَّهْرَيْنِ جَبْرٌ لِنَقْصِ وَطْءِ التَّعَمُّدِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَبَعْضُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ تَمَامِهِ، وَسَائِرُ ذَلِكَ يَجُوزُ بَعْدَ تَمَامِهِ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْآرَاءِ الْمُقْحَمَةِ فِي الدِّينِ بِلَا بُرْهَانٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا مِنْ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ، فَرَأْيٌ مُجَرَّدٌ فَاسِدٌ بِلَا بُرْهَانٍ عَلَى صِحَّتِهِ، وَهُوَ أَيْضًا مُخَالِفٌ لِلثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَمْرِهِ بِسُجُودِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ مَنْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ وَهُوَ سَهْوُ زِيَادَةٍ فَبَطَلَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَبُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا الْحَسَنُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ سُلَيْمَانَ ثنا الْفُضَيْلُ هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ - عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُمْ: «فَأَيُّكُمْ مَا نَسِيَ شَيْئًا فَلْيَتَحَرَّ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ صَوَابٌ ثُمَّ يُسَلِّمُ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ -: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُمْ فِي حَدِيثِ «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» قَالَ عَلِيٌّ: وَرُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ جِيَادٍ غَايَةً فَلَوْ لَمْ يَرِدْ غَيْرُ هَذِهِ السُّنَّةِ لَمْ يَجُزْ سُجُودُ السَّهْوِ إلَّا بَعْدَ السَّلَامِ -: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغِيثٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ سَلَّمَ» . فَلَمْ يَرْجِعْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَى الْجُلُوسِ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «صَلُّوا كَمَا تَرَوْنِي أُصَلِّي» -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجُشَمِيُّ ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنَا الْمَسْعُودِيُّ هُوَ أَبُو الْعُمَيْسِ عُتْبَةُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ «صَلَّى بِنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَنَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَقُلْنَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَمَضَى، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْنَعُ كَمَا صَنَعْتُ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَكِلَا الْخَبَرَيْنِ صَحِيحٌ، فَكِلَاهُمَا الْأَخْذُ بِهِ سُنَّةٌ؟ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مُقَلِّدِي أَبِي حَنِيفَةَ: لَعَلَّ ابْنَ بُحَيْنَةَ لَمْ يَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ سَلَّمَ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا تَعَلُّلٌ بِدَعْوَى الْكَذِبِ، وَإِسْقَاطُ السُّنَنِ بِالظَّنِّ الْكَاذِبِ وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُقَالُ فِيمَا رَوَاهُ الثِّقَةُ - فَكَيْفَ الصَّاحِبُ -: لَعَلَّهُ وَهْمٌ، إلَّا بِيَقِينٍ وَارِدٍ بِأَنَّهُ وَهْمٌ، وَأَمَّا بِالظَّنِّ فَلَا. قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» . وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُسَلِّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ صَلَاتِهِ وَلَا يُسَلِّمَ الْمُؤْتَمُّونَ بِسَلَامِهِ، وَأَنْ يُسَلِّمُوا كَمَا سَلَّمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَا يَسْمَعَ ابْنُ بُحَيْنَةَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَدَّعِي هَذَا إلَّا قَلِيلُ الْحَيَاءِ، رَقِيقُ الدِّينِ مُسْتَهِينٌ بِالْكَذِبِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ ثنا مُوسَى بْنُ دَاوُد ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى، أَثْلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ ثنا أَبُو خَالِدٍ هُوَ الْأَحْمَرُ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ
أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُلْغِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ، فَإِذَا اسْتَيْقَنَ التَّمَامَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً كَانَتْ الرَّكْعَةُ نَافِلَةً وَالسَّجْدَتَانِ وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً كَانَتْ الرَّكْعَةُ تَمَامًا لِصَلَاتِهِ، وَكَانَتْ السَّجْدَتَانِ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ» . وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ مُرْسَلًا. فَهَذَا نَصُّ مَا قُلْنَا، وَهَذَا هُوَ بَيَانُ التَّحَرِّي الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَفِي هَذَا بُطْلَانُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: إنْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَتَحَرَّى أَغْلَبَ ظَنِّهِ - مَعَ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ بِلَا بُرْهَانٍ؟ حَدَّثَنَا عَبِدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ هُوَ الْحَوْضِيُّ - وَمُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثنا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ - عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ خَمْسًا؟ فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: وَمَا ذَلِكَ؟ قِيلَ: صَلَّيْت خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ» . فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ صَلَّى خَمْسًا سَاهِيًا فَصَلَاتُهُ بَاطِلٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَلَسَ فِي آخِرِ الرَّابِعَةِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا تَقْسِيمٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، خَارِجٌ عَنْ الْقِيَاسِ، بَعِيدٌ عَنْ سَدَادِ الرَّأْيِ وَرُوِّينَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ شِبْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَجْلِسْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَمَضَى، فَلَمَّا سَلَّمَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَتَشَهَّدَ مَرَّتَيْنِ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّمَرِيُّ ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ثنا أَبِي ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ «أَنَّهُ نَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَسَبَّحُوا لَهُ، فَاسْتَتَمَّ
مسألة أكره على السجود لوثن أو صليب
قَائِمًا، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ حِينَ انْصَرَفَ ثُمَّ قَالَ: كُنْتُمْ تَرَوْنِي أَجْلِسُ إنِّي صَنَعْتُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَنَعَ» . وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَوَخَّ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ. فَفَسَّرَ ابْنُ عُمَرَ التَّحَرِّيَ كَمَا قُلْنَاهُ؟ فَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «التَّسْلِيمُ بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ» ؟ قُلْنَا: لَمْ يَسْمَعْ ابْنُ سِيرِينَ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، فَهَذَا مُنْقَطِعٌ، ثُمَّ لَوْ أُسْنِدَ لَمَا كَانَ مُعَارِضًا لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِسُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ، بَلْ كَانَ يَكُونُ مُضَافًا إلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ فِيهِ أَنَّ بَعْدَ السَّجْدَتَيْنِ تَسْلِيمًا مِنْهُمَا فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ إيجَابَ سُجُودِ السَّهْوِ فِي التَّطَوُّعِ، وَعُمُومُ أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَوْهَمَ فِي صَلَاةٍ بِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ -: يَدْخُلُ فِيهِ التَّطَوُّعُ، وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْهُ بِالظَّنِّ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ. [مَسْأَلَةٌ أُكْرِهَ عَلَى السُّجُودِ لِوَثَنٍ أَوْ صَلِيبٍ] 474 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى السُّجُودِ لِوَثَنٍ أَوْ لِصَلِيبٍ أَوْ لِإِنْسَانٍ وَخَشِيَ الضَّرْبَ أَوْ الْأَذَى أَوْ الْقَتْلَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى مُسْلِمٍ غَيْرِهِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ -: فَلْيَسْجُدْ لِلَّهِ تَعَالَى قَبَالَةَ الصَّنَمِ، أَوْ الصَّلِيبِ، أَوْ الْإِنْسَانِ، وَلَا يُبَالِي إلَى الْقِبْلَةِ يَسْجُدُ أَوْ إلَى غَيْرِهَا؟ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنْ كَانَ الْمَأْمُورُ بِالسُّجُودِ لَهُ فِي الْقِبْلَةِ فَلْيَسْجُدْ لِلَّهِ وَإِلَّا فَلَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا تَقْسِيمٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعَالَى إلَى كُلِّ جِهَةٍ عَمْدًا قَصْدًا لَمْ يَأْتِ مِنْهُ مَنْعٌ.
مسألة عجز عن القيام أو عن شيء من فروض صلاته
قَالَ تَعَالَى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] . وَإِنَّمَا أُمِرْنَا بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً، وَالسُّجُودُ وَحْدَهُ لَيْسَ صَلَاةً، وَهُوَ جَائِزٌ بِلَا طَهَارَةٍ، وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَلِلْحَائِضِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِإِيجَابِ ذَلِكَ فِيهِ؟ وَقَالَ تَعَالَى: {إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل: 106] . [مَسْأَلَةٌ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ فُرُوضِ صَلَاتِهِ] 475 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ فُرُوضِ صَلَاتِهِ -: أَدَّاهَا قَاعِدًا فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَمُضْطَجِعًا بِإِيمَاءٍ وَسَقَطَ عَنْهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيُجْزِئُهُ وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ فِي ذَلِكَ؟ وَيَكُونُ فِي اضْطِجَاعِهِ كَمَا يَقْدِرُ، إمَّا عَلَى جَنْبِهِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَإِمَّا عَلَى ظَهْرِهِ بِمِقْدَارِ مَا لَوْ قَامَ لَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّ - كَمَا يَقْدِرُ - إلَى الْقِبْلَةِ وَإِلَى غَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ قَدَحَ عَيْنَيْهِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي كَمَا يَقْدِرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَأَمَرَ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّدَاوِي؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ هُوَ الْحَوْضِيُّ - ثنا شُعْبَةُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرُ، فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فَجَاءَتْ الْأَعْرَابُ مِنْ هَهُنَا وَهَهُنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَدَاوَى؟ قَالَ: تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الْهَرَمُ» . فَإِنْ ذَكَرُوا: أَنَّ عَائِشَةَ نَهَتْ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ
مسألة ابتدأ الصلاة مريضا مومئا أو قاعدا أو راكبا لخوف ثم أفاق أو أمن
قُلْنَا: كَمْ قِصَّةٍ لَهَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - خَالَفْتُمُوهَا؟ حَيْثُ لَا يُعْلَمُ لَهَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَحَيْثُ لَمْ تَأْتِ سُنَّةٌ بِخِلَافِهَا -: كَأَمْرِهَا الْمُسْتَحَاضَةَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ إيجَابًا وَمَعَهَا فِي ذَلِكَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّه عَنْ جَمِيعِهِمْ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَمَعَهَا السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ. وَكَإِمَامَتِهَا هِيَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: النِّسَاءَ فِي الْفَرِيضَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ يُعْرَفُ. وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ خِلَافُهَا فِي مَكَان لَمْ يَحِلَّ فِي كُلِّ مَكَان، وَإِنْ كَانَ خِلَافُهَا لِلسُّنَّةِ مُبَاحًا فِي مَوْضِعٍ فَهُوَ وَاجِبٌ بِالسُّنَّةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ [مَسْأَلَةٌ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ مَرِيضًا مُومِئًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ رَاكِبًا لِخَوْفٍ ثُمَّ أَفَاقَ أَوْ أَمِنَ] 476 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ مَرِيضًا مُومِئًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ رَاكِبًا لِخَوْفٍ ثُمَّ أَفَاقَ أَوْ أَمِنَ -: قَامَ الْمُفِيقُ وَنَزَلَ الْآمِنُ، وَبَنَيَا عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمَا، وَأَتَمَّا مَا بَقِيَ، وَصَلَاتُهُمَا تَامَّةٌ، سَوَاءٌ كَانَ مَا مَضَى مِنْهَا أَقَلُّهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا التَّكْبِيرُ، أَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلَّا السَّلَامُ فَمَا بَيْنَ ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ؟ . وَمَنْ ابْتَدَأَ صَلَاتَهُ صَحِيحًا قَائِمًا إلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ مَرِضَ مَرَضًا أَصَارَهُ إلَى الْقُعُودِ، أَوْ إلَى الْإِيمَاءِ، أَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ. أَوْ خَافَ فَاضْطُرَّ إلَى الرُّكُوبِ وَالرَّكْضِ وَالدِّفَاعِ -: فَلْيَبْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ، وَلْيُتِمَّ مَا بَقِيَ، كَمَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْله تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ؟» . وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَزُفَرَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ أَمِنَ بَعْدَ الْخَوْفِ فَنَزَلَ بَنَى وَتَمَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ خَافَ بَعْدَ الْأَمْنِ فَرَكِبَ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا تَقْسِيمٌ فَاسِدٌ، وَتَفْرِيقٌ - عَلَى أَصْلِهِ - بَيْنَ قَلِيلِ الْعَمَلِ وَكَثِيرِهِ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ.
مسألة اشتغل باله بشيء من أمور الدنيا في الصلاة
وَقَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] . وَقَدْ صَلَّى بَعْضُ الصَّحَابَةِ مَاشِيًا إلَى عَدُوِّهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ جَالِسًا لِمَرَضٍ بِهِ ثُمَّ صَحَّ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يَبْنِي، لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الَّذِي يَفْتَتِحُهَا مُومِئًا لِمَرَضٍ بِهِ ثُمَّ يَصِحُّ فِيهَا، وَفِي الَّذِي يَفْتَتِحُهَا صَحِيحًا قَائِمًا ثُمَّ يَمْرَضُ فِيهَا مَرَضًا يَنْقُلُهُ إلَى الْقُعُودِ أَوْ إلَى الْإِيمَاءُ مُضْطَجِعًا. فَمَرَّةً قَالَ: يَبْنِي، وَمَرَّةً قَالَ: يَبْتَدِئُهَا وَلَا بُدَّ، وَسَوَاءٌ أَصَابَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ وَقَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، أَوْ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، وَالتَّفْرِيقِ بِالْبَاطِلِ الَّذِي لَا يُدْرَى كَيْفَ يَتَهَيَّأُ فِي عَقْلِ ذِي عَقْلٍ قَبُولُهُ مِنْ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] مِنْ الْخَالِقِ الَّذِي {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ افْتَتَحَ صَحِيحًا قَائِمًا ثُمَّ مَرِضَ فَانْتَقَلَ إلَى الْإِيمَاءِ أَوْ إلَى الْجُلُوسِ، أَوْ افْتَتَحَهَا مَرِيضًا قَاعِدًا ثُمَّ صَحَّ -: فَإِنَّ هَؤُلَاءِ - مَا لَمْ يَنْتَقِلْ حَالُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدُوا مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ -: فَإِنَّهُمْ يَبْنُونَ. قَالَ: وَمَنْ افْتَتَحَهَا مَرِيضًا مُومِئًا ثُمَّ صَحَّ فِيهَا - قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ: - فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ وَلَا بُدَّ؟ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: مَنْ افْتَتَحَهَا مَرِيضًا قَاعِدًا، أَوْ مُومِئًا ثُمَّ صَحَّ فِيهَا فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ وَلَا بُدَّ. وَمَنْ افْتَتَحَهَا قَائِمًا ثُمَّ مَرِضَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فَصَارَ إلَى الْقُعُودِ أَوْ إلَى الْإِيمَاءِ فَإِنَّهُ يَبْنِي؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذِهِ أَقْوَالٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ بِلَا بُرْهَانٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا لِنُرِيَ أَهْلَ السُّنَّةِ مِقْدَارَ فِقْهِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَعِلْمِهِمْ [مَسْأَلَةٌ اشْتَغَلَ بَالُهُ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا فِي الصَّلَاةِ] 477 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اشْتَغَلَ بَالُهُ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا فِي الصَّلَاةِ كَرِهْنَاهُ، وَلَمْ
مسألة ذكر في صلاته أنه نسي صلاة فرض
تَبْطُلْ لِذَلِكَ صَلَاتُهُ، وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ فِي ذَلِكَ، إذَا عَرَفَ مَا صَلَّى وَلَمْ يَسْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تُخْرِجْهُ بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ» وَهَذَا نَفْسُ قَوْلِنَا. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّكُمْ تُبْطِلُونَ الصَّلَاةَ بِأَنْ يَنْوِيَ فِيهَا عَمْدًا الْخُرُوجَ عَنْ الصَّلَاةِ جُمْلَةً، أَوْ الْخُرُوجَ عَنْ إمَامَةِ الْإِمَامِ بِلَا سَبَبٍ يُوجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أَوْ الْخُرُوجَ عَنْ فَرْضٍ إلَى تَطَوُّعٍ، أَوْ مِنْ تَطَوُّعٍ إلَى فَرْضٍ، أَوْ مِنْ صَلَاةٍ إلَى صَلَاةٍ أُخْرَى، إذَا عَمَدَ كُلَّ ذَلِكَ ذَاكِرًا وَيُوجِبُونَ فِي سَهْوِهِ بِكُلِّ ذَلِكَ سُجُودَ السَّهْوِ، وَحُكْمُ السَّهْوِ فِي إلْغَاءِ مَا عَمِلَ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِنْ وَاجِبَاتِ صَلَاتِهِ؟ . قُلْنَا: نَعَمْ، لِأَنَّ هَذَا قَدْ أَخْرَجَ مَا حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ بِعَمَلٍ فَعَمِلَ شَيْئًا مَا، فِي صَلَاتِهِ عَمْدًا بِخِلَافِ مَا أُمِرَ بِهِ، فَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ، أَوْ سَهَا بِذَلِكَ الْعَمَلِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ثنا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا نُودِيَ بِالْأَذَانِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْأَذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الْأَذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ يَخْطِرُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اُذْكُرْ كَذَا وَكَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الْمَرْءُ إنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟ فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى؟ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ؟» . فَلَمْ يُبْطِلْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الصَّلَاةَ بِتَذْكِيرِ الشَّيْطَانِ لَهُ مَا يَشْغَلُهُ بِهِ عَنْ صَلَاتِهِ، وَلَا جَعَلَ فِي ذَلِكَ سُجُودَ سَهْوٍ، وَجَعَلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سُجُودَ السَّهْوِ فِي جَهْلِهِ كَمْ صَلَّى فَقَطْ؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إنِّي لِأَحْسِب جِزْيَةَ الْبَحْرَيْنِ فِي الصَّلَاةِ [مَسْأَلَةٌ ذَكَرَ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ نَسِيَ صَلَاةَ فَرْضٍ] 478 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ ذَكَرَ فِي نَفْسِ صَلَاتِهِ - أَيَّ صَلَاةٍ كَانَتْ: أَنَّهُ نَسِيَ صَلَاةَ فَرْضٍ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، أَوْ كَانَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَذَكَرَ أَنَّهُ نَسِيَ الْوِتْرَ -: تَمَادَى
فِي صَلَاتِهِ تِلْكَ حَتَّى يُتِمَّهَا، ثُمَّ يُصَلِّي الَّتِي ذَكَرَ فَقَطْ، لَا يَجُوزُ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَا يُعِيدُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِيهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] فَهَذَا فِي عَمَلٍ قَدْ نُهِيَ عَنْ إبْطَالِهِ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ الَّذِي ذَكَرَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَأَقَلَّ: قَطَعَ الَّتِي هُوَ فِيهَا وَصَلَّى الَّتِي ذَكَرَ، وَقَطَعَ صَلَاةَ الصُّبْحِ، وَأَوْتَرَ، ثُمَّ صَلَّى الَّتِي قَطَعَ، فَإِنْ خَشِيَ فَوْتَ الَّتِي هُوَ فِيهَا تَمَادَى فِيهَا ثُمَّ صَلَّى الَّتِي ذَكَرَ وَلَا مَزِيدَ. فَإِنْ كَانَتْ الَّتِي ذَكَرَ سِتَّ صَلَوَاتٍ فَصَاعِدًا تَمَادَى فِي صَلَاتِهِ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ قَضَى الَّتِي ذَكَرَ؟ وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتْ الَّتِي ذَكَرَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَأَقَلَّ أَتَمَّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ صَلَّى الَّتِي ذَكَرَ، ثُمَّ أَعَادَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِيهَا. وَإِنْ كَانَتْ سِتَّ صَلَوَاتٍ فَأَكْثَرَ أَتَمَّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ قَضَى الَّتِي ذَكَرَهَا وَلَا يُعِيدُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِيهَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَانِ قَوْلَانِ فَاسِدَانِ -: أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ تَقْسِيمٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذِكْرِ الْخَمْسِ وَذِكْرِ السِّتِّ، لَا بِقُرْآنٍ وَلَا بِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَبَيْنَ وُجُوبِهِ فِي تَرْتِيبِ صَلَاةِ أَمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْيَوْمِ، وَصَلَاةِ أَوَّلِ أَمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ أَمْسِ، وَهَكَذَا أَبَدًا؟ فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ» ؟ قُلْنَا: هَذَا حَقٌّ وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْآمِرُ بِهَذَا قَدْ ذَكَرَ صَلَاةَ الصُّبْحِ إذْ انْتَبَهَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالِاقْتِيَادِ، وَالْوُضُوءِ، وَالْأَذَانِ. ثُمَّ صَلَّى هُوَ وَهُمْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ. فَصَحَّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» كَمَا أُمِرَ، لَا كَمَا لَمْ يُؤْمَرْ
مسألة ذكر صلاة وهو في وقت أخرى
مَنْ قَطَعَ صَلَاةً قَدْ أَمَرَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالتَّمَادِي فِيهَا بِقَوْلِهِ: «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» . وَبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» . ثُمَّ هُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِهَذَا الْخَبَرِ لِتَفْرِيقِهِمْ بَيْنَ ذِكْرِ خَمْسٍ فَأَقَلَّ، وَبَيْنَ ذِكْرِهِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ ذَلِكَ؟ فَإِنْ ذَكَرُوا خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ: " مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً فِي صَلَاةٍ " انْهَدَمَتْ عَلَيْهِ؟ فَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ فِي تَفْرِيقِهِمْ بَيْنَ خَمْسٍ فَأَقَلَّ وَبَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ. فَإِنْ ادَّعَوْا إجْمَاعًا فِي ذَلِكَ كَانُوا كَاذِبِينَ عَلَى الْأُمَّةِ، لِقَوْلِهِمْ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَبِالظَّنِّ الَّذِي لَا يَحِلُّ وَأَكْذَبَهُمْ: أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَأَحَدَ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ -: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْفَائِتَةِ، وَلَوْ أَنَّهَا صَلَاةُ عِشْرِينَ سَنَةً؟ لَا سِيَّمَا أَمْرَ أَبِي حَنِيفَةَ بِإِبْطَالِ الصُّبْحِ - وَهِيَ فَرِيضَةٌ - لِلْوِتْرِ - وَهِيَ تَطَوُّعٌ - وَلَا يَأْثَمُ مَنْ تَرَكَهُ. وَأَمْرُ مَالِكٍ بِأَنْ يُتِمَّ صَلَاةً لَا يَعْتَدُّ لَهُ بِهَا، ثُمَّ يُعِيدَهَا؟ وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا أَنْ يَأْمُرَهُ بِعَمَلٍ لَا يَعْتَدُّ لَهُ بِهِ وَلَا يَخْلُو هَذَا الْمَأْمُورُ بِالتَّمَادِي فِي صَلَاتِهِ مِنْ أَنْ تَكُونَ هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا أَمْ هِيَ صَلَاةٌ لَمْ يَأْمُرْهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ. فَإِنْ كَانَ أَمَرَهُ بِالتَّمَادِي فِي الصَّلَاةِ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فَأَمْرُهُ بِإِعَادَتِهَا بَاطِلٌ. وَإِنْ كَانَ أَمَرَهُ بِالتَّمَادِي فِي صَلَاةٍ لَمْ يَأْمُرْهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فَقَدْ أَمَرَهُ بِمَا لَا يَجُوزُ؟ وَقَوْلُنَا: هُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذِكْرِهِ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ أَوْ نَامَ عَنْهَا فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، أَوْ بَعْدَ أَنْ أَتَمَّ صَلَاةً أُخْرَى، أَوْ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ بِهَا - مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ فِي وَقْتِ أُخْرَى] 479 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ فِي وَقْتِ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ فُسْحَةٌ
فَلْيَبْدَأْ بِاَلَّتِي ذَكَرَ، سَوَاءٌ كَانَتْ وَاحِدَةً أَوْ خَمْسًا أَوْ عَشْرًا أَوْ أَكْثَرَ، يُصَلِّي جَمِيعَهَا مَرْتَبَةً ثُمَّ يُصَلِّي الَّتِي هُوَ فِي وَقْتِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ فَذًّا، وَحُكْمُهُ - وَلَا بُدَّ - أَنْ يُصَلِّيَ تِلْكَ الصَّلَاةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ مِنْ الَّتِي نَسِيَ، فَإِنْ قَضَاهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ فَإِنْ كَانَ يَخْشَى فَوْتَ الَّتِي هُوَ فِي وَقْتِهَا بَدَأَ بِهَا وَلَا بُدَّ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَتْ الَّتِي ذَكَرَ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ، فَإِذَا أَتَمَّ الَّتِي هُوَ فِي وَقْتِهَا صَلَّى الَّتِي ذَكَرَ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنْ بَدَأَ بِاَلَّتِي ذَكَرَ وَفَاتَ وَقْتُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي وَقْتِهَا بَطَلَ كِلَاهُمَا، وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الَّتِي ذَكَرَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الَّتِي تَعَمَّدَ تَرْكَهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ؟ وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتْ الَّتِي ذَكَرَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَأَقَلَّ: بَدَأَ بِاَلَّتِي ذَكَرَ، وَإِنْ خَرَجَ وَقْتُ الَّتِي حَضَرَتْ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ بَدَأَ بِاَلَّتِي حَضَرَ وَقْتُهَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا قَوْلٌ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ، لَكِنَّهُ طَرَدَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ إذْ تَنَاقَضَ أَبُو حَنِيفَةَ؟ وَبُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَسِيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، فَأَمَرَ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ فِي وَقْتِهَا» . وَإِنَّمَا لَمْ نَجْعَلْ ذَلِكَ وَاجِبًا؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ لَا أَمْرٌ. وَأَمَّا إنْ فَاتَهُ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ فَإِنَّ الَّتِي ذَكَرَ مِنْ اللَّوَاتِي خَرَجَ وَقْتُهَا لِغَيْرِ النَّاسِي مُتَمَادِيَةُ الْوَقْتِ لِلنَّاسِي أَبَدًا لَا تَفُوتُهُ بَاقِي عُمْرِهِ، وَاَلَّتِي هُوَ فِي وَقْتِهَا تَفُوتُهُ بِتَعَمُّدِهِ تَرْكَهَا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا وَهُوَ ذَاكِرٌ لَهَا، فَهُوَ مَأْمُورٌ بِصَلَاتِهَا، كَمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِاَلَّتِي نَسِيَ وَلَا فَرْقَ. فَإِذًا حَرَامٌ عَلَيْهِ التَّفْرِيطُ فِي صَلَاةٍ يَذْكُرُهَا حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ أُخْرَى أَوْ يَخْرُجَ وَقْتُ هَذِهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ؟ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» ؟ قُلْنَا: أَنْتُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِهَذَا الْخَبَرِ، فِي تَفْرِيقِكُمْ بَيْنِ الْخَمْسِ وَبَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ الْخَمْسِ، وَأَمَّا نَحْنُ فَمَا خَالَفْنَاهُ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ إحْدَى الَّتِي ذَكَرَ قَبْلَ الْأُخْرَى،
مسألة أيقن أنه نسي صلاة لا يدري أي صلاة هي
فَاَلَّتِي يَكُونُ عَاصِيًا لِلَّهِ إنْ أَخَّرَهَا أَوْجَبُ مِنْ الَّتِي لَا يَكُونُ عَاصِيًا لَهُ تَعَالَى إنْ أَخَّرَهَا وَبِقَوْلِنَا هَذَا يَقُولُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ؟ [مَسْأَلَةٌ أَيْقَنَ أَنَّهُ نَسِيَ صَلَاةً لَا يَدْرِي أَيُّ صَلَاةٍ هِيَ] 480 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَيْقَنَ أَنَّهُ نَسِيَ صَلَاةً لَا يَدْرِي أَيُّ صَلَاةٍ هِيَ؟ فَإِنَّ مَالِكًا، وَأَبَا يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيَّ، وَأَبَا سُلَيْمَانَ قَالُوا: يُصَلِّي صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؟ وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إنْ لَمْ يَدْرِ أَمِنْ سَفَرٍ أَمْ مِنْ حَضَرٍ؟ أَنْ يُصَلِّيَ ثَمَانِيَ صَلَوَاتٍ؟ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يُصَلِّي ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ -: إحْدَاهَا - رَكْعَتَانِ، يَنْوِي بِهَا الصُّبْحَ. وَالثَّانِيَةُ - ثَلَاثٌ يَنْوِي بِهَا الْمَغْرِبَ. وَالثَّالِثَةُ - أَرْبَعٌ يَنْوِي بِهَا الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ؟ أَوْ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ؟ وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إنْ لَمْ يَدْرِ أَمِنْ سَفَرٍ هِيَ أَمْ مِنْ حَضَرٍ؟ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاتَيْنِ فَقَطْ -: إحْدَاهُمَا رَكْعَتَانِ، وَالْأُخْرَى ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ؟ وَقَالَ زُفَرُ، وَالْمُزَنِيُّ: يُصَلِّي صَلَاةً وَاحِدَةً أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَقْعُدُ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ فِي الثَّالِثَةِ، ثُمَّ فِي الرَّابِعَةِ، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. قَالَ زُفَرُ: بَعْدَ السَّلَامِ، وَقَالَ الْمُزَنِيّ: قَبْلَ السَّلَامِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُصَلِّي صَلَاةً وَاحِدَةً أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقَطْ، لَا يَقْعُدُ إلَّا فِي الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ يَنْوِي فِي ابْتِدَائِهِ إيَّاهَا أَنَّهَا الَّتِي فَاتَتْهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَبِهَذَا نَأْخُذُ، إلَّا أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ قَالَ: يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَقُلْنَا نَحْنُ: بَعْدِ السَّلَام؟ بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَمَّا فَرَضَ عَلَيْهِ - بِيَقِينٍ مَقْطُوعٍ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَا خِلَافَ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا مِنَّا -: صَلَاةً وَاحِدَةً، وَهِيَ الَّتِي فَاتَتْهُ، فَمَنْ أَمَرَهُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ، أَوْ ثَمَانِ صَلَوَاتٍ، أَوْ ثَلَاثِ صَلَوَاتٍ، أَوْ صَلَاتَيْنِ؟ فَقَدْ أَمَرَهُ - يَقِينًا - بِمَا لَمْ يَأْمُرْهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَرَضُوا عَلَيْهِ صَلَاةً أَوْ صَلَاتَيْنِ أَوْ صَلَوَاتٍ لَيْسَتْ
عَلَيْهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِيَقِينٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَلَّفَ إلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً كَمَا هِيَ عَلَيْهِ وَلَا مَزِيدَ. فَسَقَطَ قَوْلُ كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا، حَاشَا قَوْلِنَا، وَقَوْلِ زُفَرَ، وَالْمُزَنِيِّ؟ فَاعْتَرَضُوا عَلَيْنَا بِأَنْ قَالُوا: إنَّ النِّيَّةَ لِلصَّلَاةِ فَرْضٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ، وَأَنْتُمْ تَأْمُرُونَهُ بِنِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ لَا تَدْرُونَ أَنَّهَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ إنَّمَا هُوَ لِلَّذِينَ أَمَرُوهُ بِالْخَمْسِ، أَوْ الثَّمَانِ فَقَطْ؟ قُلْنَا لَهُمْ: نَعَمْ إنَّ النِّيَّةَ فَرْضٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ، وَأَنْتُمْ تَأْمُرُونَهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَمَرْتُمُوهُ بِهَا بِنِيَّةٍ مَشْكُوكٍ فِيهَا أَوْ كَاذِبَةٍ بِيَقِينٍ وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا. لِأَنَّكُمْ إنْ أَمَرْتُمُوهُ أَنْ يَنْوِيَ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَنَّهَا الَّتِي فَاتَتْهُ قَطْعًا فَقَدْ أَوْجَبْتُمْ عَلَيْهِ الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهَا الَّتِي فَاتَتْهُ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَقِينٍ مِنْهَا وَنَوَاهَا قَطْعًا فَقَدْ نَوَى الْبَاطِلَ، وَهَذَا حَرَامٌ. وَإِنْ أَمَرْتُمُوهُ أَنْ يَنْوِيَ فِي ابْتِدَاءِ كُلِّ صَلَاةٍ مِنْهَا أَنَّهَا الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهَا فَاتَتْهُ فَقَدْ أَمَرْتُمُوهُ بِمَا عِبْتُمْ عَلَيْنَا، سَوَاءً سَوَاءً، لَا بِمِثْلِهِ؟ وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الْمَلَامَةَ سَاقِطَةٌ عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهَا أَصْلًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ؟ فَقَدْ سَقَطَتْ عَنْهُ النِّيَّةُ الْمُعَيَّنَةُ، لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا، وَبَقِيَ عَلَيْهِ وُجُوبُ النِّيَّةِ الْمَرْجُوعِ فِيهَا إلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، إذْ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، فَسَقَطَ ذَلِكَ الْقَوْلُ أَيْضًا؟ . ثُمَّ قُلْنَا لِزُفَرَ، وَالْمُزَنِيِّ: إنَّكُمْ أَلْزَمْتُمُوهُ جِلْسَةً بَعْدَ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا قَطُّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْزَمَ أَحَدٌ إلَّا مَا نَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْزَمَهُ إيَّاهُ فَسَقَطَ أَيْضًا قَوْلُهُمَا، لِأَنَّهُمَا دَخَلَا فِي بَعْضِ مَا أَنْكَرَا عَلَى غَيْرِهِمَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَبُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ صَلَاةً وَاحِدَةً فَقَطْ، لَا يَدْرِي أَيُّ صَلَاةٍ هِيَ؟ فَلَا يَقْدِرُ أَلْبَتَّةَ عَلَى نِيَّةٍ لَهَا بِعَيْنِهَا، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ نِيَّةٍ مَشْكُوكٍ فِيهَا أَيُّ صَلَاةٍ هِيَ؟ فَيَنْوِي أَنَّهُ يُؤَدِّي الصَّلَاةَ الَّتِي فَاتَتْهُ الَّتِي يَعْلَمُهَا اللَّهُ تَعَالَى،
فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَيَتَشَهَّدُ، فَإِذَا أَتَمَّ تَشَهُّدَهُ فَقَدْ شَكَّ: أَتَمَّ صَلَاتَهُ الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ إنْ كَانَتْ الصُّبْحَ، أَوْ إنْ كَانَتْ صَلَاةً تُقْصَرُ فِي السَّفَرِ؟ أَمْ صَلَّى بَعْضَهَا كَمَا أُمِرَ وَلَمْ يُتِمَّهَا، إنْ كَانَتْ صَلَاةً تَتِمُّ فِي الْحَضَرِ؟ أَوْ كَانَتْ الْمَغْرِبَ؟ فَإِذَا كَانَ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَقَدْ دَخَلَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ التَّمَامِ، وَعَلَى شَكٍّ مِنْ الزِّيَادَةِ فَيَقُومَ إلَى رَكْعَةٍ ثَالِثَةٍ وَلَا بُدَّ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنْهَا فَقَدْ شَكَّ: هَلْ أَتَمَّ صَلَاتَهُ الَّتِي عَلَيْهِ - إنْ كَانَتْ الْمَغْرِبَ - فَيَقْعُدُ حِينَئِذٍ؟ أَمْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ رَكْعَةٌ، إنْ كَانَتْ الظُّهْرَ، أَوْ الْعَصْرَ، أَوْ الْعَتَمَةَ، فِي حَضَرٍ؟ فَإِذَا صَارَ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَقَدْ دَخَلَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ بِأَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ التَّمَامِ وَعَلَى شَكٍّ مِنْ الزِّيَادَةِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ إلَى رَابِعَةٍ، فَإِذَا أَتَمَّهَا وَجَلَسَ فِي آخِرِهَا وَتَشَهَّدَ فَقَدْ أَيْقَنَ بِالتَّمَامِ بِلَا شَكٍّ، وَحَصَلَ فِي شَكٍّ مِنْ الزِّيَادَةِ، فَلْيُسَلِّمْ حِينَئِذٍ، وَلْيَسْجُدْ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمَقْطُوعُ عَلَى وُجُوبِهِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ وَيَدْخُلُ عَلَى زُفَرَ، وَالْمُزَنِيِّ - فِي إلْزَامِهِمَا إيَّاهُ جِلْسَةً فِي الثَّالِثَةِ - أَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ إفْرَادَ النِّيَّةِ فِي تِلْكَ الْجِلْسَةِ أَنَّهَا لِلْمَغْرِبِ خَاصَّةً، وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّهُ إعْمَالُ يَقِينٍ فِيمَا لَا يَقِينَ فِيهِ؟ فَإِنْ أَيْقَنَ أَنَّهَا مِنْ سَفَرٍ صَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً كَمَا ذَكَرْنَا، يَقْعُدُ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ فِي الثَّالِثَةِ وَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ نَسِيَ ظُهْرًا وَعَصْرًا لَا يَدْرِي؟ أَمِنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ أَمْ مِنْ يَوْمَيْنِ، أَوْ يَدْرِي صَلَّاهُمَا فَقَطْ، وَلَا يُبَالِي أَيُّهُمَا قَدَّمَ؟ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ غَيْرَ ذَلِكَ نَصُّ سُنَّةٍ وَلَا قُرْآنٍ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ؟ وَقَالَ الْمَالِكِيُّونَ: إنْ لَمْ يَدْرِ أَهِيَ مِنْ يَوْمٍ أَمْ مِنْ يَوْمَيْنِ؟ فَلْيُصَلِّ ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ إمَّا ظُهْرًا بَيْنَ عَصْرَيْنِ، وَإِمَّا عَصْرًا بَيْنَ ظُهْرَيْنِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا تَخْلِيطٌ نَاهِيك بِهِ وَإِنَّمَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ مَا دَامَتْ الْأَوْقَاتُ قَائِمَةً
مسألة قوم في سفينة لا يمكنهم الخروج إلى البر إلا بمشقة أو بتضييع الصلاة
مُرَتَّبَةً بِتَرْتِيبِ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا، وَأَمَّا عِنْدَ خُرُوجِ بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَلَا؟ إذْ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصُّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ قَوْمٌ فِي سَفِينَةٍ لَا يُمْكِنُهُمْ الْخُرُوجُ إلَى الْبَرِّ إلَّا بِمَشَقَّةٍ أَوْ بِتَضْيِيعِ الصَّلَاة] 481 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ قَوْمٌ فِي سَفِينَةٍ لَا يُمْكِنُهُمْ الْخُرُوجُ إلَى الْبَرِّ إلَّا بِمَشَقَّةٍ أَوْ بِتَضْيِيعِهَا فَلْيُصَلُّوا فِيهَا كَمَا يَقْدِرُونَ، بِإِمَامٍ وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَلَا بُدَّ، فَإِنْ عَجَزُوا عَنْ إقَامَةِ الصُّفُوفِ وَعَنْ الْقِيَامِ لِمَيْدٍ أَوْ لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ تَحْتَ السَّطْحِ أَوْ لِتَرَجُّحِ السَّفِينَةِ -: صَلُّوا كَمَا يَقْدِرُونَ. وَسَوَاءٌ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ قُدَّامَ الْإِمَامِ أَوْ مَعَهُ أَوْ خَلْفَهُ، إذَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَكْثَرَ، وَصَلَّى مَنْ عَجَزَ مِنْ الْقِيَامِ قَاعِدًا وَلَا يُجْزِئُ الْقَادِرُ عَلَى الْقِيَامِ إلَّا الْقِيَامُ؟ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُصَلِّي قَاعِدًا مَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ - وَهَذَا خِلَافُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ أَنَسًا صَلَّى فِي سَفِينَةٍ قَاعِدًا؟ . فَقُلْنَا: وَمَا يَدْرِيكُمْ أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ؟ حَاشَا لِلَّهِ أَنْ يُظَنَّ بِأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ صَلَّى قَاعِدًا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ [مَسْأَلَةٌ الصَّلَاة فِي الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَالْهَبَّارَاتِ وَالْبَيْتِ مِنْ بُيُوتِ النِّيرَانِ] 482 - مَسْأَلَةٌ: وَالصَّلَاةُ جَائِزَةٌ فِي الْبِيَعِ، وَالْكَنَائِسِ، وَالْهَبَّارَاتِ وَالْبَيْتِ مِنْ بُيُوتِ النِّيرَانِ، وَبُيُوتِ الْبُدِّ وَالدُّيُورِ: إذَا لَمْ يَعْلَمْ هُنَالِكَ مَا يَجِبُ اجْتِنَابُهُ مِنْ دَمٍ، أَوْ خَمْرٍ أَوْ مَا
مسألة حد دنو المرء من سترته في الصلاة
أَشْبَهَ ذَلِكَ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ» . [مَسْأَلَةٌ حْدُ دُنُوِّ الْمَرْءِ مِنْ سُتْرَتِهِ فِي الصَّلَاة] 483 - مَسْأَلَةٌ: وَحْدُ دُنُوِّ الْمَرْءِ مِنْ سُتْرَتِهِ أَقْرَبُ ذَلِكَ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ، وَأَبْعَدُهُ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ بَعُدَ عَنْ سُتْرَتِهِ عَامِدًا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَهُوَ يَنْوِي أَنَّهَا سُتْرَتُهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ أَنَّهَا سُتْرَةٌ لَهُ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ. وَكُلُّ مَا مَرَّ أَمَامَهُ مِمَّا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَالسُّتْرَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَوْ مِقْدَارُهَا - نَوَى ذَلِكَ سُتْرَةً أَوْ لَمْ يَنْوِ -: فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَسَوَاءٌ مَرَّ ذَلِكَ عَلَى السُّتْرَةِ أَوْ خَلْفَهَا؟ وَحَدُّ مِقْدَارِ السُّتْرَةِ: ذِرَاعٌ فِي أَيِّ غِلَظٍ كَانَ وَمَنْ مَرَّ أَمَامَ الْمُصَلِّي وَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فَلَا إثْمَ عَلَى الْمَارِّ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُصَلِّي دَفْعُهُ، فَإِنْ مَرَّ أَمَامَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ فَهُوَ آثِمٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ سُتْرَةُ الْمُصَلِّي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، فَلَا حَرَجِ عَلَى الْمَارِّ فِي الْمُرُورِ وَرَاءَهَا أَوْ عَلَيْهَا. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: أَنَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ صَفْوَانِ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَصَارَ فَرْضًا عَلَى مَنْ صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ أَنْ يَدْنُوَ مِنْهَا، وَكَانَ مَنْ لَمْ يَدْنُ مِنْهَا - إذَا صَلَّى إلَيْهَا - غَيْرَ مُصَلٍّ كَمَا أُمِرَ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ؟ فَإِذْ الدُّنُوُّ مِنْهَا فَرْضٌ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مِقْدَارِ الدُّنُوِّ الْمُفْتَرَضِ مِنْ خِلَافِهِ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْمُرَنَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِأَمْرٍ يَلْزَمُنَا، ثُمَّ لَا يُبَيِّنَهُ عَلَيْنَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَرَهُ بِالْبَيَانِ عَلَيْنَا، وَالتَّبْلِيغِ إلَيْنَا، قَالَ تَعَالَى: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67] . وَقَالَ تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] .
فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا -: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يُوسُفَ بْنِ نَامِي حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ ثنا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ - ثنا أَبِي عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: «كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ» فَكَانَ هَذَا أَقَلَّ مَا يُمْكِنُ مِنْ الدُّنُوِّ، إذْ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ هَذَا فَمَانِعٌ مِنْ الرُّكُوعِ وَمِنْ السُّجُودِ إلَّا بِتَقَهْقُرٍ، وَلَا يَجُوزُ تَكَلُّفُ ذَلِكَ إلَّا لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ وَجَدْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعٍ حَدَّثَنَا، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْكَعْبَةَ، هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ: مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ - وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ - ثُمَّ صَلَّى، وَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ» . قَالَ عَلِيٌّ: لَمْ نَجِدْ فِي الْبُعْدِ عَنْ السُّتْرَةِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فَكَانَ هَذَا حَدَّ الْبَيَانِ فِي أَقْصَى الْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْبَرَاهِينَ فِيمَا خَلَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. وَقَدْ قَالَ بِهَذَا قَبْلَنَا طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ -: رُوِّينَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: يُقَالُ: أَدْنَى مَا يَكْفِيك فِيمَا بَيْنَك وَبَيْنَ السَّارِيَةِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ. وَقَدْ «صَلَّى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَى الْحَرْبَةِ، وَالْعَنَزَةِ، وَالْبَعِيرِ، وَحَدُّ السُّتْرَةِ فِي ارْتِفَاعِهَا بِمُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ» ، وَرُوِّينَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِمْ.
مسألة بكى في الصلاة من خشية الله ولم يمكنه رد البكاء
وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْخَطِّ شَيْءٌ، فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ بَكَى فِي الصَّلَاةِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ رَدُّ الْبُكَاءِ] 484 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ بَكَى فِي الصَّلَاةِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مِنْ هَمٍّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ رَدُّ الْبُكَاءِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ وَلَا غَيْرَهُ، فَلَوْ تَعَمَّدَ الْبُكَاءَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ مُطَرِّفٍ هُوَ ابْنُ الشِّخِّيرِ - عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي، وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ، يَعْنِي يَبْكِي» . قَالَ عَلِيٌّ: هَكَذَا هُوَ التَّفْسِيرُ نَصًّا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ؟ وَأَمَّا غَلَبَةُ الْبُكَاءِ فَقَالَ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . وَأَمَّا تَعَمُّدُ الْبُكَاءِ فَعَمَلٌ لَمْ يَأْتِ بِإِبَاحَتِهِ نَصٌّ؟ وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» . فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ فَهُوَ مُحَرَّمٌ فِي الصَّلَاةِ، إلَّا عَمَلًا جَاءَ بِإِبَاحَتِهِ نَصٌّ، أَوْ إجْمَاعٌ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
مسألة صلاة الجماعة
[مَسْأَلَةٌ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ] [مَسْأَلَةٌ لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ أَحَدٍ مِنْ الرِّجَالِ يَسْمَعُ الْأَذَانَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ] مَسْأَلَةٌ: وَلَا تُجْزِئُ صَلَاةُ فَرْضٍ أَحَدًا مِنْ الرِّجَالِ -: إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْأَذَانَ أَنْ يُصَلِّيَهَا إلَّا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْإِمَامِ، فَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ الْأَذَانَ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي جَمَاعَةٍ مَعَ وَاحِدٍ إلَيْهِ فَصَاعِدًا وَلَا بُدَّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ أَحَدًا يُصَلِّيهَا مَعَهُ فَيُجْزِئَهُ حِينَئِذٍ، إلَّا مَنْ لَهُ عُذْرٌ فَيُجْزِئَهُ حِينَئِذٍ التَّخَلُّفُ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فَرْضًا عَلَى النِّسَاءِ، فَإِنْ حَضَرْنَهَا حِينَئِذٍ فَقَدْ أَحْسَنَّ، وَهُوَ أَفْضَلُ لَهُنَّ؟ فَإِنْ اسْتَأْذَنَ الْحَرَائِرُ، أَوْ الْإِمَاءُ بُعُولَتَهُنَّ أَوْ سَادَاتِهِنَّ فِي حُضُورِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ: فَفَرْضٌ عَلَيْهِمْ الْإِذْنُ لَهُنَّ - وَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا تَفِلَاتٍ غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ وَلَا مُتَزَيِّنَاتٍ، فَإِنْ تَطَيَّبْنَ، أَوْ تَزَيَّنَّ لِذَلِكَ: فَلَا صَلَاةَ لَهُنَّ، وَمَنْعُهُنَّ حِينَئِذٍ فَرْضٌ؟ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - كُلُّهُمْ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ، فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ وَقَالَ لَهُ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَأَجِبْ؟» حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا
الْبُخَارِيُّ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ثنا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ اللَّيْثِيِّ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» ؟ وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ -: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثنا سُفْيَانُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلَيْنِ أَتَيَاهُ يُرِيدَانِ السَّفَرَ: «إذَا خَرَجْتُمَا فَأَذِّنَا ثُمَّ أَقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» ؟ . وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ -: حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ثنا وُهَيْبٍ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَنَا - وَقَدْ أَتَيْتُهُ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي -: إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ. فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ حَدَّثَنِي أَبِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ حَدَّثَنِي جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ثنا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ» .
حَدَّثَنَا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا ابْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ» . وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا - وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ كُلُّهُمْ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا. وَلَيْسَ فِي ذِكْرِ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا الْمُتَوَعَّدُ عَلَى تَرْكِهَا دُونَ غَيْرِهَا، بَلْ هِيَ قَضِيَّتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ؟ . وَأَيْضًا فَالْمُخَالِفُ مُوَافِقٌ لَنَا عَلَى أَنَّ حُكْمَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فِي وُجُوبِ حُضُورِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَا فَرْقَ. وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُهِمُّ بِبَاطِلٍ وَلَا يَتَوَعَّدُ إلَّا بِحَقٍّ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يُحَرِّقْهَا؟ قِيلَ: لِأَنَّهُمْ بَادَرُوا وَحَضَرُوا الْجَمَاعَةَ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ -:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا النُّفَيْلِيُّ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ - ثنا أَبُو الْمَلِيحِ هُوَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ الرَّقِّيُّ - حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ يَزِيدَ هُوَ ابْنُ جَابِرٍ - حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ قَالَ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَتِي فَتَجْمَعَ حُزَمًا مِنْ حَطَبٍ، ثُمَّ آتِيَ قَوْمًا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ لَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ فَأُحَرِّقَهَا عَلَيْهِمْ» . قَالَ يَزِيدُ: فَقُلْت لِيَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ: يَا أَبَا عَوْفٍ، الْجُمُعَةَ عَنَى أَوْ غَيْرَهَا؟ قَالَ: صُمَّتَا أُذُنَايَ إنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا ذَكَرَ جُمُعَةً وَلَا غَيْرَهَا ". قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ أَقْدَمَ قَوْمٌ عَلَى الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَهَارًا فَقَالَ: إنَّمَا عَنَى الْمُنَافِقِينَ وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ الْمُحَالِ الْبَحْتِ أَنْ يَكُونَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُرِيدُ الْمُنَافِقِينَ فَلَا يَذْكُرُهُمْ وَيَذْكُرُ تَارِكِي الصَّلَاةِ وَهُوَ لَا يُرِيدُهُمْ فَإِنْ ذَكَرُوا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» . قُلْنَا: هَذَانِ خَبَرَانِ صَحِيحَانِ، وَقَدْ صَحَّتْ الْأَخْبَارُ الَّتِي صَدَّرْنَاهَا، وَثَبَتَ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمُتَخَلِّفٍ عَنْ الْجَمَاعَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا، فَوَجَبَ اسْتِعْمَالُ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ عَلَى مَا قَدْ صَحَّ هُنَالِكَ، لَا عَلَى التَّعَارُضِ وَالتَّنَاقُضِ الْمُبْعَدَيْنِ عَنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَصَحَّ أَنَّ هَذَا التَّفَاضُلَ إنَّمَا هُوَ عَلَى صَلَاةِ الْمَعْذُورِ الَّتِي تَجُوزُ، وَهِيَ دُونَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْفَضْلِ كَمَا أَخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَمَنْ حَمَلَ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا حَصَلَ عَلَى خِلَافِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ، وَعَلَى تَكْذِيبِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي قَوْلِهِ: أَنْ لَا صَلَاةَ فِي غَيْرِ الْجَمَاعَةِ إلَّا لِمَعْذُورٍ، وَاسْتَخَفَّ بِوَعِيدِهِ، وَعَصَى أَمْرَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي إجَابَةِ النِّدَاءِ. وَبِأَنْ يَؤُمَّ الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا أَحَدُهُمَا، وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا؟ وَهَذَا الَّذِي قُلْنَا: هُوَ مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95] {دَرَجَاتٍ مِنْهُ} [النساء: 96] .
فَنَصَّ تَعَالَى عَلَى أَنَّ الْمُتَخَلِّفَ عَنْ الْجِهَادِ بِغَيْرِ عُذْرٍ مَذْمُومٌ أَشَدَّ الذَّمِّ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ الْقُرْآنِ -: مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ} [التوبة: 38] {إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [التوبة: 39] فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمُجَاهِدِينَ مُفَضَّلُونَ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَدَرَجَاتٍ، فَصَحَّ أَنَّهُ إنَّمَا عَنَى الْقَاعِدِينَ الْمَعْذُورِينَ الَّذِينَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ وَعْدِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَالْأَجْرُ، لَا الَّذِينَ تُوُعِّدُوا بِالْعَذَابِ؟ وَكَمَا أَخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا مَعَنَا فِي أَنَّ الْمُصَلِّيَ قَاعِدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ لَا أَجْرَ لَهُ، وَلَا نَصِيبَ مِنْ الصَّلَاةِ، فَصَحَّ أَنَّ النِّسْبَةَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ الْفَضْلِ إنَّمَا هِيَ بَيْنَ الْمُبَاحِ لَهُ الصَّلَاةُ قَاعِدًا لِعُذْرٍ مِنْ خَوْفٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ فِي نَافِلَةٍ؟ فَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَخُصُّوا بِذَلِكَ النَّافِلَةَ فَقَطْ، سَأَلْنَاهُمْ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ؟ وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَيْهِ، إلَّا بِدَعْوَى فِي أَنَّ الْمَعْذُورَ فِي الْفَرِيضَةِ صَلَاتُهُ كَصَلَاةِ الْقَائِمِ، وَهَذِهِ دَعْوَى كَاذِبَةٌ مُخَالِفَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ» دُونَ تَخْصِيصٍ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؟ وَأَيْضًا - فَإِنَّ حُمَامَ بْنَ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ، وَالْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ -: قَالَ الْقَاضِي الْبِرْتِيُّ: ثنا أَبُو مَعْمَرٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ -: وَقَالَ بَكْرٌ: ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ
ثُمَّ اتَّفَقَا عَنْ الْحُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ -: قَالَ الْقَاضِي الْبِرْتِيُّ فِي حَدِيثِهِ: إنَّ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ حَدَّثَهُ - وَكَانَ رَجُلًا مَبْسُورًا: «أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ» قَالَ عَلِيٌّ: وَخُصُومُنَا لَا يُجِيزُونَ التَّنَفُّلَ بِالْإِيمَاءِ لِلصَّحِيحِ، فَبَطَلَ تَأْوِيلُهُمْ جُمْلَةً - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ فَعَلَ الْخَيْرَ أَفْضَلُ مِنْ آخَرَ مَنَعَهُ الْعُذْرُ مِنْ فِعْلِهِ، وَهَذَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ -: إنَّ الْفُقَرَاءَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَصْحَابُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، فَعَلَّمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذِّكْرَ الَّذِي عَلَّمَهُمْ، فَبَلَغَ الْأَغْنِيَاءَ فَفَعَلُوهُ زَائِدًا عَلَى مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ، فَذَكَرَ الْفُقَرَاءُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» . وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ حَجَّ أَفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ مِمَّنْ أَقْعَدَهُ الْعُذْرُ، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْأَعْمَالِ - وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ الصَّحِيحِ: «مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا» . فَعَمَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ لَمْ يَعْمَلْهَا بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ؟ فَإِنْ ذَكَرُوا الْأَثَرَ الْوَارِدَ فِيمَنْ كَانَ لَهُ حِزْبٌ مِنْ اللَّيْلِ فَأَقْعَدَهُ عَنْهُ الْمَرَضُ أَوْ النَّوْمُ: كُتِبَ لَهُ؟ قُلْنَا: لَا نُنْكِرُ تَخْصِيصَ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَخْصِيصَهُ إذَا وَرَدَ النَّصُّ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا نُنْكِرُهُ بِالرَّأْيِ وَالظَّنِّ وَالدَّعْوَى، وَقَدْ يُكْتَبُ لَهُ الْقِيَامُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَيُضَاعَفُ الْأَجْرُ لِلْقَائِمِ عَشَرَةَ أَمْثَالِ قِيَامِهِ، فَهَذَا مُمْكِنٌ مُوَافِقٌ لِسَائِرِ النُّصُوصِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ ذَكَرُوا: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّ النَّاسَ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ مُنْفَكُّ الْقَدَمِ وَفِي مَنْزِلِ أَنَسٍ؟» قُلْنَا: نَعَمْ، وَهُوَ مَعْذُورٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِانْفِكَاكِ قَدَمِهِ، وَلَا يَخْلُو الَّذِينَ مَعَهُ مِنْ أَنْ
يَكُونُوا جَمِيعَ أَهْلِ الْمَسْجِدِ فَصَلَّوْا هُنَالِكَ، فَهُنَالِكَ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ، وَهَذَا لَا نُنْكِرُهُ، أَوْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ لَزِمَهُ الْكَوْنُ مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِضَرُورَةٍ، فَهَذَا عُذْرٌ، وَتَكُونُ إمَامَتُهُ فِي مَنْزِلِ أَنَسٍ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةِ فَرْضٍ، لَكِنْ تَطَوُّعًا؟ وَكُلُّ هَذَا لَا يُعَارَضُ بِهِ مَا ثَبَتَ مِنْ وُجُوبِ فَرْضِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ، وَوُجُوبِ إجَابَةِ دَاعِي اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ "؟ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذِهِ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَإِذْ أَقَرَّ بِأَنَّهَا فَرْضٌ، ثُمَّ ادَّعَى سُقُوطَ الْفَرْضِ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِنَصٍّ وَقَدْ قَالَ: بِمِثْلِ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ -: رُوِّينَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ رَأَى إنْسَانًا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ فَقَالَ " أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ". وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: " حَافِظُوا عَلَى هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُنَّ إلَّا مُنَافِقٌ بَيِّنُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ رَأَيْتنَا وَإِنَّ الرَّجُلَ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ وَمَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إلَّا لَهُ مَسْجِدٌ فِي بَيْتِهِ، وَلَوْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَتَرَكْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَكَفَرْتُمْ ". وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِيَ فَلَمْ يُجِبْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَا صَلَاةَ لَهُ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِيَ فَلَمْ يُجِبْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَا صَلَاةَ لَهُ؟ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ
الْمَكْتُوبَةِ فِي بَيْتِهِ فَسَمِعَ الْإِقَامَةَ فَخَرَجَ إلَيْهَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: لَوْ أَجْزَأَتْ ابْنَ عُمَرَ صَلَاتُهُ فِي مَنْزِلِهِ مَا قَطَعَهَا؟ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَأَنْ يَمْتَلِئَ أُذُنَا ابْنِ آدَمَ رَصَاصًا مُذَابًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ الْمُنَادِيَ فَلَا يُجِيبُهُ؟ وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلَمْ يُرِدْ خَيْرًا وَلَمْ يُرَدْ بِهِ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ: ثنا أَبُو حَيَّانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ التَّيْمِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ جَارُ الْمَسْجِدِ؟ قَالَ: مَنْ سَمِعَ الْأَذَانَ وَمِثْلُهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي حَيَّانَ الْمَذْكُورِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ، ثُمَّ لَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ. وَعَنْ عَطَاءٍ: لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَضَرِ وَالْقَرْيَةِ يَسْمَعُ النِّدَاءَ وَالْإِقَامَةَ -: رُخْصَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ الصَّلَاةَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَقُلْت لَهُ: وَإِنْ كَانَ عَلَى بَزٍّ يَبِيعُهُ يَفْرَقُ إنْ قَامَ عَنْهُ أَنْ يَضِيعَ؟ قَالَ: لَا، لَا رُخْصَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ قُلْت: إنْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ أَوْ رَمَدٌ غَيْرُ حَابِسٍ أَوْ تَشْتَكِي يَدُهُ؟ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَكَلَّفَ، قُلْت لَهُ: أَرَأَيْت مَنْ لَمْ يَسْمَعْ النِّدَاءَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِدِ؟ قَالَ: إنْ شَاءَ فَلْيَأْتِ، وَإِنْ شَاءَ فَلْيَجْلِسْ ؟ وَعَنْ عَطَاءٍ: كُنَّا نَسْمَعُ أَنَّهُ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ الْجَمَاعَةِ إلَّا مُنَافِقٌ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّهُ كَانَ لَا يُرَخِّصُ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ إلَّا لِمَرِيضٍ أَوْ خَائِفٍ؟
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: إذَا سَمِعَ الرَّجُلُ الْأَذَانَ فَقَدْ اُحْتُبِسَ؟ وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ قَالَ: كُنْت عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ بَعْضِ الْأَمْرِ وَنَادَى الْمُنَادِي فَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: قَدْ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إنَّ أَصْحَابِي قَدْ مَضَوْا وَهَذِهِ رَاحِلَتِي بِالْبَابِ، فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: لَا تَخْرُجْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ إلَّا مُنَافِقٌ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ وَهُوَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ إلَى الصَّلَاةِ» فَأَبَى الرَّجُلُ إلَّا الْخُرُوجَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: دُونَكُمْ الرَّجُلُ، قَالَ: فَإِنِّي عِنْدَهُ ذَاتَ يَوْمٍ إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَلَمْ تَرَ الرَّجُلَ؟ - يَعْنِي ذَلِكَ الَّذِي خَرَجَ - وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ قَالَ سَعِيدٌ: قَدْ ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُصِيبُهُ أَمْرٌ؟ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا؟ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ شُهُودَهُنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَ فَرْضًا؟ وَقَدْ صَحَّ فِي الْآثَارِ كَوْنُ نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حُجَرِهِنَّ لَا يَخْرُجْنَ إلَى الْمَسْجِدِ؟ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَيِّ الْأَمْرَيْنِ أَفْضَلُ لَهُنَّ؟ أَصَلَاتُهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ؟ أَمْ فِي الْمَسَاجِدِ فِي الْجَمَاعَاتِ -: وَبُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: هُوَ مَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» . وَهَذَا عُمُومٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ النِّسَاءُ مِنْ غَيْرِهِنَّ - : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى أَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَنَا يُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ إذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إلَيْهَا» . فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَاَللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا، مَا سَمِعْته سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ قَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَقُولُ: وَاَللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ سَمِعَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا
اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَتُهُ إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ثنا أَبِي، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ قَالَا: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ثنا بُكَيْر بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا» . حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا حَامِدٌ هُوَ ابْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ - ثنا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا وَهُنَّ تَفِلَاتٌ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا نَفْسُ قَوْلِنَا، فَإِذَا خَرَجْنَ مُتَزَيِّنَاتٍ أَوْ مُتَطَيِّبَاتٍ فَهُنَّ عَاصِيَاتٌ لِلَّهِ تَعَالَى، خَارِجَاتٌ بِخِلَافِ مَا أُمِرْنَ، فَلَا يَحِلُّ إرْسَالُهُنَّ حِينَئِذٍ أَصْلًا. وَالْآثَارُ فِي حُضُورِ النِّسَاءِ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَوَاتِرَةٌ فِي غَايَةِ
الصِّحَّةِ، لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلَّا جَاهِلٌ -: كَحَدِيثِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ» . وَحَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «لَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ عَاقِدِي أُزُرِهِمْ فِي أَعْنَاقِهِمْ مِنْ ضِيقِ الْأُزُرِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ قَائِلٌ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ» . وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطِيلَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي خَشْيَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ» . وَالْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ثنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ الْمُقَدَّمُ، وَشَرُّهَا الْمُؤَخَّرُ وَشَرُّ صُفُوفِ النِّسَاءِ الْمُقَدَّمُ، وَخَيْرُهَا الْمُؤَخَّرُ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، إذَا سَجَدَ الرِّجَالُ فَاغْضُضْنَ أَبْصَارَكُنَّ، لَا تَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ مِنْ ضِيقِ الْأُزُرِ» وَحَدِيثِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ» فَمَا دَخَلَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ. وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَنْهَى أَنْ يُدْخَلَ مِنْ بَابِ النِّسَاءِ وَحَدِيثِ أَسْمَاءَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَأَنَّهَا صَلَّتْ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ النِّسَاءِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَمَا كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِيَدَعَهُنَّ يَتَكَلَّفْنَ الْخُرُوجَ فِي اللَّيْلِ وَالْغَلَسِ يَحْمِلْنَ صِغَارَهُنَّ وَيُفْرِدَ لَهُنَّ بَابًا وَيَأْمُرَ بِخُرُوجِ الْأَبْكَارِ وَغَيْرِ الْأَبْكَارِ وَمَنْ لَا جِلْبَابَ لَهَا فَتَسْتَعِيرُ جِلْبَابًا إلَى الْمُصَلَّى، فَيَتْرُكُهُنَّ يَتَكَلَّفْنَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَحُطُّ أُجُورَهُنَّ، وَيَكُونُ الْفَضْلُ لَهُنَّ فِي تَرْكِهِ، هَذَا لَا يَظُنُّهُ بِنَاصِحٍ لِلْمُسْلِمِينَ إلَّا عَدِيمُ عَقْلٍ، فَكَيْفَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ الَّذِي أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ
مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثنا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبّ الْكَعْبَة: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرِو بْن العاص قَالَ: - اجْتَمَعْنَا إلَى رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ» ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَاحْتَجَّ مَنْ خَالَفَ الْحَقَّ فِي هَذَا بِخَبَرٍ مَوْضُوعٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمَّتِهِ أَوْ جَدَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ صَلَاتَكِ فِي بَيْتِكِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِكِ مَعِي» ؟ قَالَ عَلِيٌّ: عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ الْمُنْذِرِ مَجْهُولٌ لَا يَدْرِيهِ أَحَدٌ. وَذَكَرُوا أَيْضًا - مَا رُوِّينَاهُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مِنْ قَوْلِهَا: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ كَمَا مَنَعَهُ نِسَاءَ بَنِي إسْرَائِيلَ؟ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِوُجُوهٍ ثَمَانِيَةٍ -: أَوَّلُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَاعِثُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَقِّ مُوجِبٌ دِينَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْمُوحِي إلَيْهِ بِأَنْ لَا يَمْنَعَ النِّسَاءَ - حَرَائِرَهُنَّ وَإِمَاءَهُنَّ، ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ وَغَيْرَهُنَّ - مِنْ الْمَسَاجِدِ لَيْلًا وَنَهَارًا - قَدْ عَلِمَ مَا يُحْدِثُ النِّسَاءُ، فَلَمْ يُحْدِثْ تَعَالَى لِذَلِكَ مَنْعًا لَهُنَّ، وَلَا قَالَ لَهُ: إذَا أَحْدَثْنَ فَامْنَعُوهُنَّ؟ وَالثَّانِي: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، لَوْ صَحَّ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ أَحْدَاثَهُنَّ لَمَنَعَهُنَّ - لَمَا كَانَ ذَلِكَ مُبِيحًا مَنَعَهُنَّ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُدْرِكْ فَلَمْ يَمْنَعْ، فَلَا يَحِلُّ الْمَنْعُ، إذْ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالثَّالِثُ: أَنَّ مِنْ الْكَبَائِرِ نَسْخُ شَرِيعَةٍ مَاتَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَمْ يَنْسَخْهَا، بَلْ هُوَ كُفْرٌ مُجَرَّدٌ وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ بَعْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؟ وَالْخَامِسُ: أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَمْ تَقُلْ: إنَّ مَنَعَهُنَّ لَكُمْ مُبَاحٌ، بَلْ مَنَعَتْ مِنْهُ وَإِنَّمَا أَخْبَرَتْ ظَنًّا مِنْهَا بِأَمْرٍ لَمْ يَكُنْ وَلَا تَمَّ، فَهُمْ مُخَالِفُونَ لَهَا فِي ذَلِكَ؟ وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ لَا حَدَثَ مِنْهُنَّ أَعْظَمُ مِنْ الزِّنَى، وَقَدْ كَانَ فِيهِنَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ نَهَاهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى: عَنْ التَّبَرُّجِ، وَأَنْ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ {لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31] ، وَأَنْذَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِنِسَاءٍ كَاسِيَاتٍ عَارِيَّاتٍ مَائِلَاتٍ مُمِيلَاتٍ رُءُوسِهِنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ لَا يَرِحْنَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَعَلِمَ أَنَّهُنَّ سَيَكُنَّ بَعْدَهُ، فَمَا مَنَعَهُنَّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ؟ وَالسَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ عِقَابُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ مِنْ أَجْلِ مَنْ أَحْدَثَ، فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُمْنَعَ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ مِنْ أَجْلِ مَنْ أَحْدَثَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] . وَالثَّامِنُ: أَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَنْعُهُنَّ مِنْ التَّزَاوُرِ، وَمِنْ الصَّفْقِ فِي الْأَسْوَاقِ، وَالْخُرُوجِ فِي حَاجَاتِهِنَّ، وَلَيْسَ فِي الضَّلَالِ وَالْبَاطِلِ أَكْثَرُ مِنْ إطْلَاقِهِنَّ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ وَقَدْ أَحْدَثَ مِنْهُنَّ مَنْ أَحْدَثَ، وَتُخَصُّ صَلَاتُهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ بِالْمَنْعِ، حَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا، وَمَا نَدْرِي كَيْفَ يَنْطَلِقُ لِسَانُ مَنْ يَعْقِلُ بِالِاحْتِجَاجِ بِمِثْلِ هَذَا فِي خِلَافِ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذَا - هُوَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَاصِمٍ الْكِلَابِيَّ حَدَّثَهُمْ قَالَ: ثنا هَمَّامٌ هُوَ ابْنُ يَحْيَى - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَسْجِدِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا» . وَرُوِّينَا هَذَا الْخَبَرَ بِلَفْظٍ آخَرَ كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِيُّ ثنا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّمَا الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ، وَأَقْرَبُ مَا تَكُونُ مِنْ وَجْهِ رَبِّهَا وَهِيَ فِي قَعْرِ بَيْتِهَا صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا» قَالَ عَلِيٌّ: هَكَذَا بِذِكْرِ الْمَخْدَعِ لَيْسَ فِيهِ لِلْمَسْجِدِ ذِكْرٌ أَصْلًا، ثُمَّ لَوْ صَحَّ فِيهِ أَنَّ صَلَاتَهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي مَسْجِدِهَا - وَهَذَا لَا يُوجَدُ أَبَدًا مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا
خَيْرٌ - لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ مَنْسُوخًا بِلَا شَكٍّ، بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَرْكِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَهُنَّ يَتَكَلَّفْنَ التَّكَلُّفَ فِي الْغَبَشِ، رَاغِبَاتٍ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ مَعَهُ إلَى أَنْ مَاتَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَهَذَا آخِرُ الْأَمْرِ بِلَا شَكٍّ؟ قَالَ عَلِيٌّ: مَسْجِدُهَا هَهُنَا هُوَ مَسْجِدُ مَحَلَّتِهَا وَمَسْجِدُ قَوْمِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ مَسْجِدُ بَيْتِهَا، إذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَائِلًا: صَلَاتُك فِي بَيْتِك أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِك فِي بَيْتِك، وَهَذِهِ لُكْنَةٌ وَعِيٌّ، حَرَامٌ أَنْ يُنْسَبَا إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَبِقَوْلِنَا: قَالَ الْأَئِمَّةُ -: رُوِّينَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ عَاتِكَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ كَانَتْ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَكَانَتْ تَشْهَدُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لَهَا: وَاَللَّهِ إنَّك لَتَعْلَمِينَ مَا أُحِبُّ هَذَا، فَقَالَتْ: وَاَللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى تَنْهَانِي، فَقَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي لَا أَنْهَاك - قَالَ: فَلَقَدْ طُعِنَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ وَإِنَّهَا لَفِي الْمَسْجِدِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَلَوْ رَأَى عُمَرُ صَلَاتَهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلَ لَكَانَ أَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَجْبُرَهَا بِذَلِكَ وَيَقُولَ لَهَا: إنَّك تَدَعِينَ الْأَفْضَلَ وَتَخْتَارِينَ الْأَدْنَى، لَا سِيَّمَا مَعَ أَنِّي لَا أُحِبُّ لَك ذَلِكَ، فَمَا فَعَلَ، بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى إخْبَارِهَا بِهَوَاهُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى صَرْفِهِ، وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ تَخْتَارَ - وَهِيَ صَاحِبَةٌ، وَيَدَعَهَا هُوَ - أَنْ تَتَكَلَّفَ إسْخَاطَ زَوْجِهَا فِيمَا غَيْرُهُ أَفْضَلُ مِنْهُ؟ فَصَحَّ أَنَّهُمَا رَأَيَا الْفَضْلَ الْعَظِيمَ الَّذِي يَسْقُطُ فِيهِ مُوَافَقَةُ رِضَا الزَّوْجِ، وَأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَصَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خُرُوجِهَا إلَى الْمَسْجِدِ فِي الْغَلَسِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ لِمَنْ عَقَلَ؟ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ أَنْ يَؤُمَّ النِّسَاءَ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَرْفَجَةَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْقِيَامِ فِي رَمَضَانَ، فَيَجْعَلُ لِلرِّجَالِ إمَامًا، وَلِلنِّسَاءِ إمَامًا، قَالَ عَرْفَجَةُ: فَأَمَرَنِي فَأَمَمْت النِّسَاءَ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ شِدَّةِ غَضَبِ ابْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنِهِ إذْ قَالَ: إنَّهُ يَمْنَعُ النِّسَاءَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الصَّلَاةِ؟
مسألة العذر للرجال في التخلف عن الجماعة في المسجد
فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ عَلَى هَذَا عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْعُذْرِ لِلرِّجَالِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ] 486 - مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ الْعُذْرِ لِلرِّجَالِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ -: الْمَرَضُ، وَالْخَوْفُ، وَالْمَطَرُ، وَالْبَرْدُ، وَخَوْفُ ضَيَاعِ الْمَالِ، وَحُضُورُ الْأَكْلِ، وَخَوْفُ ضَيَاعِ الْمَرِيضِ، أَوْ الْمَيِّتِ، وَتَطْوِيلُ الْإِمَامِ حَتَّى يَضُرَّ بِمَنْ خَلْفَهُ، وَأَكْلُ الثُّومِ، أَوْ الْبَصَلِ، أَوْ الْكُرَّاثِ مَا دَامَتْ الرَّائِحَةُ بَاقِيَةً، وَيُمْنَعُ آكِلُوهَا مِنْ حُضُورِ الْمَسْجِدِ، وَيُؤْمَرُ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهُ وَلَا بُدَّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ الْمَسَاجِدِ أَحَدٌ غَيْرُ هَؤُلَاءِ، لَا مَجْذُومٌ، وَلَا أَبْخَرُ، وَلَا ذُو عَاهَةٍ، وَلَا امْرَأَةٌ بِصَغِيرٍ مَعَهَا فَأَمَّا الْمَرَضُ وَالْخَوْفُ فَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . وقَوْله تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] وَقَالَ تَعَالَى: {إِلا مَنْ أُكْرِهَ} [النحل: 106] . وَكَذَلِكَ إضَاعَةُ الْمَالِ، وَنَهَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ؟ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ ثنا حَاتِمٌ هُوَ ابْنُ إسْمَاعِيلَ - عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ أَبِي حَزْرَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ أَنَّهُ شَهِدَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ثنا عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، قَالَ أَوَّلَ يَوْمٍ: الثُّومِ، ثُمَّ قَالَ: الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسَاجِدِنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ثنا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - ثنا قَتَادَةُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: «إنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ
مِنْ شَجَرَتَيْنِ مَا أُرَاهُمَا إلَّا خَبِيثَتَيْنِ: هَذَا الْبَصَلُ، وَالثُّومُ، لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنْ الرَّجُلِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إلَى الْبَقِيعِ» -: وَلَا يَخْرُجُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى: لَوْ أَرَادَ مَنْعَ أَحَدٍ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمَسَاجِدِ لَبَيَّنَ ذَلِكَ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنْ الْأَسَدِ» ؟ فَإِنَّ مَعْنَاهُ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] أَيْ فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ، لَا عَدْوَى إنَّهُ لَا يُعْدِيك، وَلَا يَنْفَعُك فِرَارُك مِمَّا قُدِّرَ عَلَيْك، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ هَذَا لَكَانَ آخِرُ الْحَدِيثِ يَنْقُضُ أَوَّلَهُ، وَهَذَا مُحَالٌ وَأَيْضًا: فَلَوْ كَانَ عَلَى مَعْنَى الْفِرَارِ لَكَانَ الْأَمْرُ بِهِ عُمُومًا، فَوُجُوبُ أَنْ تَفِرَّ مِنْهُ امْرَأَتُهُ وَوَلَدُهُ وَكُلُّ أَحَدٍ حَتَّى يَمُوتَ جُوعًا وَجَهْدًا، وَلَوَجَبَ أَنْ تُقْفَلَ الْأَزِقَّةُ أَمَامَهُ، كَمَا يُفْعَلُ بِالْأَسَدِ وَهَذَا بَاطِلٌ بِيَقِينٍ، وَمَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي عَصْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَجْذُومُونَ فَمَا فَرَّ عَنْهُمْ أَحَدٌ. فَصَحَّ أَنَّ مُرَادَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا ذَكَرْنَاهُ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيُّ «أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ - مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْأَنْصَارِ - أَتَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي، فَإِذَا كَانَتْ الْأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ الْمَسْجِدَ وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّي فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سَأَفْعَلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ» . قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ؟ وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ: أَذِنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجِنَانَ ثُمَّ قَالَ: أَلَّا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إثْرِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ» ؟ حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ هُوَ أُسَامَةُ بْنُ عُمَيْرٍ الْهُذَلِيُّ - أَنَّهُ قَالَ لَهُ «رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَمُطِرْنَا مَطَرًا فَلَمْ تَبُلَّ السَّمَاءُ أَسْفَلَ نِعَالِنَا، فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنْ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» . وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ: ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ النَّحَّامِ قَالَ «أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً فِيهَا بَرْدٌ، وَأَنَا تَحْتَ اللِّحَافِ فَتَمَنَّيْتُ أَنْ يُلْقِيَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ وَلَا حَرَجَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: وَلَا حَرَجَ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُسَدَّدٌ ثنا إسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - ثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ابْنُ عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ: إذَا قُلْت " أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " فَلَا تَقُلْ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " قُلْ " صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ " وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْت أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالْمَطَرِ. حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّمَرِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ الْقَاضِي
مسألة الأفضل أن يؤم الجماعة في الصلاة أقرؤهم للقرآن
ثنا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْعُقَيْلِيُّ ثنا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ كَثِيرٍ مَوْلَى ابْنِ سَمُرَةَ قَالَ: مَرَرْت بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ وَهُوَ عَلَى بَابِهِ جَالِسٌ، فَقَالَ: مَا خَطْبُ أَمِيرِكُمْ؟ قُلْت: أَمَا جَمَعْت مَعَنَا؟ قَالَ: مَنَعَنَا هَذَا الرَّدْغُ. قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ يَتْرُكُونَ الْجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا لِلطِّينِ، وَيَأْمُرُونَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ: «أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ» وَلَا نَعْرِفُ لَهُمْ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -؟ وَأَمَّا التَّطْوِيلُ فَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ مُعَاذٍ وَاَلَّذِي خَرَجَ عَنْ إمَامَتِهِ فَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ عَلَى الْخَارِجِ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى ثنا هُشَيْمٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ، فَقَالَ يَوْمَئِذٍ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَذَا الْحَاجَةِ» . فَلَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَأَخُّرَهُ عَنْ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ مِنْ أَجْلِ إطَالَةِ الْإِمَامِ؟ وَأَمَّا الْمَجْذُومُ، وَالْأَبْخَرُ، وَآكِلُ الْفُجْلَ وَغَيْرُهُمْ -: فَلَوْ جَازَ مَنْعُهُمْ الْمَسْجِدَ لَمَا أَغْفَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] [مَسْأَلَةٌ الْأَفْضَلُ أَنْ يَؤُمَّ الْجَمَاعَةَ فِي الصَّلَاةِ أَقْرَؤُهُمْ لِلْقُرْآنِ] 487 - مَسْأَلَةٌ: وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَؤُمَّ الْجَمَاعَةَ فِي الصَّلَاةِ أَقْرَؤُهُمْ لِلْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ أَنْقَصَ فَضْلًا.
فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقِرَاءَةِ فَأَفْقَهُهُمْ. فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ فَأَقْدَمُهُمْ صَلَاحًا فَإِنْ حَضَرَ السُّلْطَانُ الْوَاجِبَةُ طَاعَتُهُ أَوْ أَمِيرُهُ عَلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنْ كَانُوا فِي مَنْزِلِ إنْسَانٍ فَصَاحِبُ الْمَنْزِلِ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إلَّا مِنْ السُّلْطَانِ. وَإِنْ اسْتَوَوْا فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا فَأَسَنُّهُمْ؟ فَإِنْ أَمَّ أَحَدٌ بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا أَجْزَأَ ذَلِكَ، إلَّا مَنْ تَقَدَّمَ بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ عَلَى السُّلْطَانِ، أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلِ، فَلَا يُجْزِئُ هَذَيْنِ وَلَا تُجْزِئُهُمْ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: «وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» وَكَانَا فِي الْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ وَالْهِجْرَةِ سَوَاءً؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ - ثنا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ» . وَرُوِّينَاهُ - أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالَ الْأَشَجُّ: عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ عَنْ الْأَعْمَشِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ. ثُمَّ اتَّفَقَ شُعْبَةُ وَالْأَعْمَشُ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَجٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ؟
قَالَ شُعْبَةُ: سَمِعْت أَوْسَ بْنَ ضَمْعَجٍ يَقُولُ: سَمِعْت أَبَا مَسْعُودٍ هُوَ الْبَدْرِيُّ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْهِجْرَةَ الْبَاقِيَةَ أَبَدًا كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا آدَم ثنا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ مَالِكٌ: يَؤُمُّ الْأَفْضَلُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ قِرَاءَةً - وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّهُ خِلَافُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَا نَافِعٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ " كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَنْصَارُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، فِيهِمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَبُو سَلَمَةَ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ". قَالَ عَلِيٌّ: وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ثنا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ " لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ الْعُصَبَةَ مَوْضِعًا بِقُبَاءَ قَبْلَ مَقْدِمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمُ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا ". قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذَا فِعْلُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ عُمَرَ قَدَّمَ صُهَيْبًا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَصَارَ صُهَيْبٌ أَمِيرًا مُسْتَخْلَفًا مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ، فَهُوَ أَحَقُّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ لِأَنَّهُ سُلْطَانٌ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فِي سَفَرٍ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ، وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَهُمْ سِنًّا، فَإِذَا أَمَّهُمْ فَهُوَ أَمِيرُهُمْ» . وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَذَاكَ أَمِيرٌ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا أَجَزْنَا إمَامَةَ مَنْ أَمَّ بِخِلَافِ ذَلِكَ -: لِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا بَكْرُ بْنُ عِيسَى قَالَ سَمِعْت شُعْبَةَ يَذْكُرُ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ صَلَّى لِلنَّاسِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّفِّ» . وَبِهِ إلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ -: أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ثنا إسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - ثنا حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ الْقَوْمِ: صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَحُسْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ - فَذَكَرَ حَدِيثًا وَفِيهِ
قَالَ «فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ - يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى نَجِدَ النَّاسَ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَصَلَّى لَهُمْ، فَأَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَعَ النَّاسِ الرَّكْعَةَ الْآخِرَةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُتِمُّ صَلَاتَهُ فَأَفْزَعَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: أَحْسَنْتُمْ، أَوْ قَدْ أَصَبْتُمْ، يَغْبِطُهُمْ أَنْ صَلَّوْا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا» . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ إلَى ابْنِ شِهَابٍ -: عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ نَحْوُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِيهِ قَالَ الْمُغِيرَةُ: «أَرَدْت تَأْخِيرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعْهُ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَبِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ عَلِمْنَا أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَفْقَهُهُمْ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ اسْتَوَوْا، فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا» : نَدْبٌ لَا فَرْضٌ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَقْرَأُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَفْقَهُ مِنْهُمَا، وَأَقْدَمُ هِجْرَةً، إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُمَا وَأَسَنُّ مِنْهُمَا؟ وَبِهَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ جَازَتْ الصَّلَاةُ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ، وَإِنْ كَانَ فِي غَايَةِ النُّقْصَانِ، لِأَنَّهُ لَا مُسْلِمَ إلَّا وَنِسْبَتُهُ فِي الْفَضْلِ وَالدِّينِ إلَى أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَقْرَبُ مِنْ نِسْبَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - وَهُمَا مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -
فِي الْفَضْلِ وَالدِّينِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَخَرَجَ هَذَا بِدَلِيلِهِ؟ وَلَمْ نَجِدْ فِي التَّقَدُّمِ عَلَى السُّلْطَانِ وَعَلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلِ أَثَرًا يُخْرِجُهُمَا عَنْ الْوُجُوبِ إلَى النَّدْبِ، فَبَقِيَ عَلَى الْوُجُوبِ. بَلْ وَجَدْنَا مَا يَشُدُّ وُجُوبَ ذَلِكَ -: كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: «لَمَّا اسْتَعَزَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا عِنْدَهُ فِي نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَعَاهُ بِلَالٌ إلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: مُرُوا مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ فَإِذَا عُمَرُ فِي النَّاسِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ غَائِبًا، فَقَالَ: قُمْ يَا عُمَرُ فَصَلِّ بِالنَّاسِ، فَتَقَدَّمَ وَكَبَّرَ، فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَوْتَهُ - وَكَانَ عُمَرُ رَجُلًا مُجْهِرًا - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ؟ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ، فَبَعَثَ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى عُمَرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عَبْدُ اللَّهَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ثنا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدَ قَالَ: تَزَوَّجْت امْرَأَةً فَكَانَ عِنْدِي لَيْلَةَ زِفَافِ امْرَأَتِي نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ أَرَادَ أَبُو ذَرٍّ أَنْ يَتَقَدَّمَ فَيُصَلِّيَ، فَجَذَبَهُ حُذَيْفَةُ وَقَالَ: رَبُّ الْبَيْتِ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَتَقَدَّمْت فَصَلَّيْت بِهِمْ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ عَبْدٌ؟ وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ - فِي الْقَوْمِ يَتَنَازَلُونَ فِيهِمْ الْقُرَشِيُّ وَالْعَرَبِيُّ وَالْمَوْلَى وَالْأَعْرَابِيُّ وَالْعَبْدُ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ فُسْطَاطٌ، فَانْطَلَقَ أَحَدُهُمْ إلَى فُسْطَاطِ أَحَدِهِمْ فَحَانَتْ الصَّلَاةُ، قَالَ -: صَاحِبُ الرَّحْلِ يَؤُمُّهُمْ هُوَ، حَقُّهُ يُعْطِيه مَنْ يَشَاءُ.
مسألة الأعمى والبصير والعبد والحر سواء في الإمامة في الصلاة
[مَسْأَلَةٌ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ سَوَاءٌ فِي الْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ] مَسْأَلَةٌ: وَالْأَعْمَى، وَالْبَصِيرُ، وَالْخَصِيُّ، وَالْفَحْلُ، وَالْعَبْدُ، وَالْحُرُّ، وَوَلَدُ الزِّنَى، وَالْقُرَشِيُّ -: سَوَاءٌ فِي الْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَكُلُّهُمْ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ إمَامًا رَاتِبًا، وَلَا تَفَاضُلَ بَيْنَهُمْ إلَّا بِالْقِرَاءَةِ، وَالْفِقْهِ، وَقِدَمِ الْخَيْرِ، وَالسِّنِّ، فَقَطْ؟ وَكَرِهَ مَالِكٌ إمَامَةَ وَلَدِ الزِّنَى، وَكَوْنَ الْعَبْدِ إمَامًا رَاتِبًا - وَلَا وَجْهَ لِهَذَا الْقَوْلِ، لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَعُيُوبُ النَّاسِ فِي أَدْيَانِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ، لَا فِي أَبْدَانِهِمْ وَلَا فِي أَعْرَاقِهِمْ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] . وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْمُقَلِّدِينَ لَهُ بِأَنْ قَالَ: يُفَكِّرُ مَنْ خَلْفَهُ فِيهِ فَيُلَهَّى عَنْ صَلَاتِهِ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا فِي غَايَةِ الْغَثَاثَةِ وَالسُّقُوطِ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ فِكْرَةَ الْمَأْمُومِ فِي أَمْرِ الْخَلِيفَةِ إذَا صَلَّى بِالنَّاسِ، أَوْ الْأَحْدَبِ إذَا أَمَّهُمْ - أَكْثَرُ مِنْ فِكْرَتِهِ فِي وَلَدِ الزِّنَى، وَلَوْ كَانَ لِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا حُكْمٌ فِي الدِّينِ لَمَا أَغْفَلَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] . وَالْعَجَبُ كُلُّهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ وَغَيْرِ الرَّاتِبِ وَتَجُوزُ إمَامَةُ الْفَاسِقِ كَذَلِكَ وَنَكْرَهُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَقْرَأُ، وَالْأَفْقَهُ، فَهُوَ أَوْلَى حِينَئِذٍ مِنْ الْأَفْضَلِ، إذَا كَانَ أَنْقَصَ مِنْهُ فِي الْقِرَاءَةِ، أَوْ الْفِقْهِ، وَلَا أَحَدَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا وَلَهُ ذُنُوبٌ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 5] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32] . فَنَصَّ تَعَالَى عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ: إخْوَانُنَا فِي الدِّينِ. وَأَخْبَرَ أَنَّ فِي الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ صَالِحِينَ؟ -: حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ
جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْتُونَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَعْلَى الْوَادِي، هُوَ وَأَبُوهُ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ، وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ وَنَاسٌ كَثِيرٌ، فَيَؤُمُّهُمْ أَبُو عَمْرٍو مَوْلَى عَائِشَةَ وَهُوَ غُلَامُهَا لَمْ يُعْتَقْ، فَكَانَ إمَامَ أَهْلِهَا بَنِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُرْوَةَ، وَأَهْلِهَا، إلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ يَسْتَأْخِرُ عَنْهُ أَبُو عَمْرٍو فَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: إذَا غَيَّبَنِي أَبُو عَمْرٍو وَدَلَّانِي فِي حُفْرَتِي فَهُوَ حُرٌّ؟ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: يَؤُمُّ الْعَبْدُ الْأَحْرَارَ وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: كَانَ يَؤُمُّنَا فِي مَسْجِدِنَا هَذَا عَبْدٌ، فَكَانَ شُرَيْحٌ يُصَلِّي فِيهِ؟ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: وَلَدُ الزِّنَى وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ؟ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: وَلَدُ الزِّنَى بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، يَؤُمُّ، وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا كَانَتْ إذَا سُئِلَتْ عَنْ وَلَدِ الزِّنَى: قَالَتْ لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةِ أَبَوَيْهِ شَيْءٌ {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] . وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ بُرْدِ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ أَئِمَّةٌ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي مِنْ الزِّنَى. وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: سَأَلْت إبْرَاهِيمَ عَنْ وَلَدِ الزِّنَى، وَالْأَعْرَابِيِّ، وَالْعَبْدِ، وَالْأَعْمَى: هَلْ يَؤُمُّونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَعَنْ الشَّعْبِيِّ: وَلَدُ الزِّنَى تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَيَؤُمُّ؟ وَعَنْ مَعْمَرٍ قَالَ سَأَلْت الزُّهْرِيَّ عَنْ وَلَدِ الزِّنَى: هَلْ يَؤُمُّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَا شَأْنُهُ؟
وَقَدْ كَانَ أَبُو زَيْدٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَؤُمُّ وَهُوَ مُقْعَدٌ ذَاهِبُ الرِّجْلِ وَقَدْ كَانَ طَلْحَةُ أَشَلَّ الْيَدِ، وَمَا اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ إمَامَتِهِ، وَقَدْ كَانَ فِي الشُّورَى. وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ لَهُ: إنَّك إمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِك مَا نَرَى وَيُصَلِّي لَنَا إمَامُ فِتْنَةٍ وَنَتَحَرَّجُ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: إنَّ الصَّلَاةَ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إسَاءَتَهُمْ؟ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ، وَنَجْدَةَ -: أَحَدُهُمَا خَارِجِيٌّ، وَالثَّانِي أَفْسَقُ الْبَرِيَّةِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: الصَّلَاةُ حَسَنَةٌ مَا أُبَالِي مَنْ شَرِكَنِي فِيهَا؟ وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ: أَرَأَيْت إمَامًا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مُفَرِّطًا فِيهَا؟ قَالَ: أُصَلِّي مَعَ الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إلَيَّ، قُلْت: وَإِنْ اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ وَلَحِقَتْ بِرُءُوسِ الْجِبَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا لَمْ تَغِبْ، قُلْت لِعَطَاءٍ: فَالْإِمَامُ لَا يُوفِي الصَّلَاةَ، أَعْتَزِلُ الصَّلَاةَ مَعَهُ؟ قَالَ: بَلْ صَلِّ مَعَهُ، وَأَوْفِ مَا اسْتَطَعْت، الْجَمَاعَةُ أَحَبُّ إلَيَّ، فَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَمْ يُوفِ الرَّكْعَةَ فَأَوْفِ أَنْتَ، فَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ وَلَمْ يُوفِ، فَأَوْفِ أَنْتَ، فَإِنْ قَامَ وَعَجَّلَ عَنْ التَّشَهُّدِ فَلَا تُعَجِّلْ أَنْتَ، وَأَوْفِ وَإِنْ قَامَ؟ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ: أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ مَعَ الْمُخْتَارِ الْكَذَّابِ. وَعَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ قَالَ: ظَهَرَتْ الْخَوَارِجُ عَلَيْنَا فَسَأَلْت يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ، فَقُلْت: يَا أَبَا نَصْرٍ، كَيْفَ تَرَى فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: الْقُرْآنُ إمَامُك، صَلِّ مَعَهُمْ مَا صَلُّوهَا؟ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قُلْت لِعَلْقَمَةَ: إمَامُنَا لَا يُتِمُّ الصَّلَاةَ؟ قَالَ عَلْقَمَةُ: لَكِنَّا نُتِمُّهَا، يَعْنِي نُصَلِّي مَعَهُ وَنُتِمُّهَا
وَعَنْ الْحَسَنِ: لَا تَضُرُّ الْمُؤْمِنَ صَلَاتُهُ خَلْفَ الْمُنَافِقِ، وَلَا تَنْفَعُ الْمُنَافِقَ صَلَاتُهُ خَلْفَ الْمُؤْمِنِ؟ وَعَنْ قَتَادَةَ قُلْت لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ؟ قَالَ: إنَّا لَنُصَلِّي خَلْفَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ قَالَ عَلِيٌّ: مَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - امْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُخْتَارِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، وَالْحَجَّاجِ، وَلَا فَاسِقَ أَفْسَقُ مِنْ هَؤُلَاءِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] . وَلَا بِرَّ أَبَرُّ مِنْ الصَّلَاةِ وَجَمْعِهَا فِي الْمَسَاجِدِ فَمَنْ دَعَا إلَيْهَا فَفَرْضُ إجَابَتِهِ وَعَوْنِهِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى الَّذِي دَعَا إلَيْهِمَا، وَلَا إثْمَ بَعْدَ الْكُفْرِ آثَمُ مِنْ تَعْطِيلِ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ، فَحَرَامٌ عَلَيْنَا أَنْ نُعِينَ عَلَى ذَلِكَ؟ وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ، وَالْحَجُّ، وَالْجِهَادُ، مَنْ عَمِلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَمِلْنَاهُ مَعَهُ، وَمَنْ دَعَانَا إلَى إثْمٍ لَمْ نُجِبْهُ، وَلَمْ نُعِنْهُ عَلَيْهِ وَكُلُّ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ؟
مسألة صلى جنبا أو على غير وضوء عمدا أو نسيانا
[مَسْأَلَةٌ صَلَّى جُنُبًا أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا] مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ صَلَّى جُنُبًا أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ - عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا - فَصَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ صَحِيحَةٌ تَامَّةٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ ذَلِكَ يَقِينًا فَلَا صَلَاةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُصَلِّيًا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُصَلِّيًا فَالْمُؤْتَمُّ بِمَنْ لَا يُصَلِّي عَابِثٌ عَاصٍ مُخَالِفٌ لِمَا أُمِرَ بِهِ، وَمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ فِي صَلَاتِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ عَلَى طَهَارَةٍ عَامِدًا كَانَ الْإِمَامُ أَوْ نَاسِيًا؟ وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ نَاسِيًا فَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ تَامَّةٌ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَلَا صَلَاةَ لِمَنْ خَلْفَهُ؟ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، كَمَا قُلْنَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]
وَلَيْسَ فِي وُسْعِنَا عِلْمُ الْغَيْبِ مِنْ طَهَارَتِهِ؟ وَكُلُّ إمَامٍ يُصَلَّى وَرَاءَهُ فِي الْعَالَمِ: فَفِي الْمُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا، فَصَحَّ أَنَّنَا لَمْ نُكَلَّفْ عِلْمَ يَقِينِ طَهَارَتِهِمْ؟ وَكُلُّ أَحَدٍ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، وَلَا يُبْطِلُ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ - إنْ صَحَّتْ - بُطْلَانُ صَلَاةِ الْإِمَامِ، وَلَا يُصِحُّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ - إنْ بَطَلَتْ - صِحَّةُ صَلَاةِ الْإِمَامِ. وَمَنْ تَعَدَّى هَذَا فَهُوَ مُنَاقِضٌ، لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ - نَعْنِي الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ - فِي أَنَّ الْإِمَامَ إنْ أَحْدَثَ مَغْلُوبًا فَإِنَّ طَهَارَتَهُ قَدْ انْتَقَضَتْ. قَالَ الْمَالِكِيُّونَ: وَصَلَاتُهُ أَيْضًا قَدْ بَطَلَتْ. ثُمَّ لَا يَخْتَلِفُونَ: أَنَّ صَلَاةَ مَنْ خَلْفَهُ لَمْ تُنْتَقَضْ وَلَا طَهَارَتَهُمْ، فَبَطَلَ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ مُتَعَلِّقَةً بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، وَأَنْ تَفْسُدَ بِفَسَادِهَا، وَهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ. وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ: فِي أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ إنْ فَسَدَتْ فَإِنَّهُ لَا يُصْلِحُهَا صَلَاحُ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَهَلَّا طَرَدُوا أَصْلَهُمْ فَقَالُوا: فَكَذَلِكَ إنْ صَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ لَمْ يُفْسِدْهَا فَسَادُ صَلَاةِ الْإِمَامِ؟ فَلَوْ صَحَّ قِيَاسٌ يَوْمًا، لَكَانَ هَذَا أَصَحَّ قِيَاسٍ فِي الْأَرْضِ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكَمْ وَعَلَيْهِمْ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَعُمْدَتُنَا فِي هَذَا هُوَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ
ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ ثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ زِيَادٍ الْأَعْلَمِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَكَبَّرَ فَأَوْمَأَ إلَيْهِمْ: أَنْ مَكَانَكُمْ ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَإِنِّي كُنْتُ جُنُبًا» . قَالَ عَلِيٌّ: فَقَدْ اعْتَدُّوا بِتَكْبِيرِهِمْ خَلْفَهُ وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جُنُبٌ قَالَ عَلِيٌّ: وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ فَأَعَادَ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّاسَ أَعَادُوا؟ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ أَبَاهُ صَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَعَادَ وَلَمْ يُعِدْ أَصْحَابُهُ؟ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: فِيمَنْ أَمَّ قَوْمًا وَهُوَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ؟ أَنَّهُ يُعِيدُ وَلَا يُعِيدُونَ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ نَاسٍ وَعَامِدٍ وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا يُعِيدُونَ خَلْفَ غَيْرِ الْمُتَوَضِّئِ، وَيُعِيدُونَ خَلْفَ الْجُنُبِ - وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: يُعِيدُ وَيُعِيدُونَ؟ وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ خَالَفَهُ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، هَذَا لَوْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ، فَكَيْفَ وَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ فِي الطَّرِيقِ إلَيْهِ عَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ، وَهُوَ مُطَّرَحٌ، وَغَالِبَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ؟ وَرَوَى الْمُخَالِفُونَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى - وَهُوَ كَذَّابٌ - عَمَّنْ لَمْ يُسَمِّهِ وَهُوَ مَجْهُولٌ - عَنْ أَبِي جَابِرٍ الْبَيَاضِيِّ - وَهُوَ كَذَّابٌ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: فِي الْقَوْمِ يُصَلُّونَ خَلْفَ مَنْ لَيْسَ عَلَى طَهَارَةٍ نَاسِيًا -: أَنَّهُمْ يُعِيدُونَ. وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مُرْسَلًا لَا حُجَّةَ فِيهِ، فَكَيْفَ وَفِيهِ: كَذَّابَانِ وَمَجْهُولٌ فَحَصَلَتْ
مسألة إمامة من لم يبلغ الحلم
الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ، لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - خِلَافُهَا، وَهِيَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا الْأَلْثَغُ، وَالْأَلْكَنُ، وَالْأَعْجَمِيُّ اللِّسَانِ، وَاللَّحَّانُ: فَصَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِمْ جَائِزَةٌ. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] فَلَمْ يُكَلَّفُوا إلَّا مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، لَا مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَقَدْ أَدَّوْا صَلَاتَهُمْ كَمَا أُمِرُوا، وَمَنْ أَدَّى صَلَاتَهُ كَمَا أُمِرَ فَهُوَ مُحْسِنٌ. قَالَ تَعَالَى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91] . وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِمَّنْ يُجِيزُ صَلَاةَ الْأَلْثَغِ وَاللَّحَّانِ وَالْأَلْكَنِ لِنَفْسِهِ - وَيُبْطِلُ صَلَاةَ مَنْ ائْتَمَّ بِهِمْ فِي الصَّلَاةِ، وَهُمْ - مَعَ ذَلِكَ - يُبْطِلُونَ صَلَاةَ مَنْ صَلَّى وَهُوَ جُنُبٌ نَاسِيًا، وَيُجِيزُونِ صَلَاةَ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ وَهُوَ لَا صَلَاةَ لَهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ إمَامَةُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ] 490 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ إمَامَةُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ، لَا فِي فَرِيضَةٍ، وَلَا نَافِلَةٍ، وَلَا أَذَانُهُ؟ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجُوزُ إمَامَتُهُ فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ، وَيَجُوزُ أَذَانُهُ؟ وَقَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ إمَامَتُهُ فِي النَّافِلَةِ وَلَا تَجُوزُ فِي الْفَرِيضَةِ قَالَ عَلِيٌّ: احْتَجَّ مَنْ أَجَازَ إمَامَتَهُ بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثنا حَمَّادُ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ - أَنَا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ «عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ قَالَ: كُنَّا بِحَاضِرٍ يَمُرُّ بِنَا النَّاسُ إذَا أَتَوْا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانُوا إذَا رَجَعُوا مَرُّوا بِنَا فَأَخْبَرُونَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ كَذَا وَقَالَ كَذَا، وَكُنْت غُلَامًا حَافِظًا، فَحَفِظْتُ مِنْ ذَلِكَ قُرْآنًا كَثِيرًا، فَانْطَلَقَ أَبِي وَافِدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ فَعَلَّمَهُمْ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ فَكُنْتُ أَقْرَأَهُمْ لِمَا كُنْتُ أَحْفَظُ، فَقَدَّمُونِي فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ، وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ لِي صَغِيرَةٌ، فَكُنْتُ إذَا سَجَدْتُ تَكَشَّفَتْ عَنِّي، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسَاءِ: وَارُوا عَنَّا عَوْرَةَ قَارِئِكُمْ؟ فَاشْتَرَوْا لِي قَمِيصًا عُمَانِيًّا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ بَعْدَ الْإِسْلَامِ مَا فَرِحْتُ بِهِ فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ؟»
مسألة صلاة المرأة بالنساء والرجال
قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذَا فِعْلُ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ، وَطَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مَعَهُ، لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، مُخَالِفٌ فَأَيْنَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ: الْمُشَنِّعُونَ بِخِلَافِ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ؟ وَهُمْ أَتْرَكُ النَّاسِ لَهُ. لَا سِيَّمَا مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إنَّ مَا لَا يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ: فَهُوَ إجْمَاعٌ، وَقَدْ وَجَدْنَا لِعَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ هَذَا: صُحْبَةً، وَوِفَادَةً عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَبِيهِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حَاجَةَ عِنْدَنَا فِي غَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إقْرَارٍ، أَوْ قَوْلٍ، أَوْ عَمَلٍ، وَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَفَ هَذَا وَأَقَرَّهُ لَقُلْنَا بِهِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ أَثَرٌ فَالْوَاجِبُ عِنْدَ التَّنَازُعِ أَنْ يُرَدَّ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا الرَّدَّ إلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ -: فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَالَ: «إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ» فَكَانَ الْمُؤَذِّنُ مَأْمُورًا بِالْأَذَانِ، وَالْإِمَامُ مَأْمُورًا بِالْإِمَامَةِ، بِنَصِّ هَذَا الْخَبَرِ. وَوَجَدْنَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَالَ: «إنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَحْتَلِمَ» . فَصَحَّ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ وَلَا مُكَلَّفٍ. فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ هُوَ الْمَأْمُورُ بِالْأَذَانِ، وَلَا بِالْإِمَامَةِ، وَإِذْ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِمَا فَلَا يُجْزِئَانِ إلَّا مِنْ مَأْمُورٍ بِهِمَا، لَا مِمَّنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِمَا، وَمَنْ ائْتَمَّ بِمَنْ لَمْ يُؤْمَرْ أَنْ يُؤْتَمَّ بِهِ - وَهُوَ عَالِمٌ بِحَالِهِ - فَصَلَاتُهُ بَاطِلٌ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ، وَظَنَّهُ رَجُلًا بَالِغًا -: فَصَلَاةُ الْمُؤْتَمِّ بِهِ تَامَّةٌ، كَمَنْ صَلَّى خَلْفَ جُنُبٍ، أَوْ كَافِرٍ - لَا يَعْلَمُ بِهِمَا - وَلَا فَرْقَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ؟ وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ إمَامَةِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ فِي الْفَرِيضَةِ وَبَيْنَ إمَامَتِهِ فِي النَّافِلَةِ -: فَكَلَامٌ لَا وَجْهَ لَهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ [مَسْأَلَةٌ صَلَاةُ الْمَرْأَةِ بِالنِّسَاءِ وَالرِّجَال] 491 - مَسْأَلَةٌ: وَصَلَاةُ الْمَرْأَةِ بِالنِّسَاءِ جَائِزَةٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَؤُمَّ الرِّجَالَ؟ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ - إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَرِهَ ذَلِكَ، وَأَجَازَ ذَلِكَ -: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَلْ هِيَ السُّنَّةُ - وَمَنَعَ مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا مَنْعُهُنَّ مِنْ إمَامَةِ الرِّجَالِ: فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ: أَنَّ الْمَرْأَةَ تَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ، وَأَنَّ مَوْقِفَهَا فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الرِّجَالِ، وَالْإِمَامُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ التَّقَدُّمِ أَمَامَ الْمُؤْتَمِّينَ، أَوْ مِنْ الْوُقُوفِ عَنْ يَسَارِ الْمَأْمُومِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ. فَلَوْ تَقَدَّمَتْ الْمَرْأَةُ أَمَامَ الرَّجُلِ لَقَطَعَتْ صَلَاتَهُ، وَصَلَاتَهَا. وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّتْ إلَى جَنْبِهِ، لِتَعَدِّيهَا الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَتْ بِهِ، فَقَدْ صَلَّتْ بِخِلَافِ مَا أُمِرَتْ؟ وَأَمَّا إمَامَتُهَا النِّسَاءَ: فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَقْطَعُ صَلَاةَ الْمَرْأَةِ إذَا صَلَّتْ أَمَامَهَا أَوْ إلَى جَنْبِهَا، وَلَمْ يَأْتِ بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ، وَهُوَ فِعْلُ خَيْرٍ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج: 77] وَهُوَ تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى. وَكَذَلِكَ: إنْ أَذَّنَّ وَأَقَمْنَ فَهُوَ حَسَنٌ لِمَا ذَكَرْنَا؟ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَيْسَرَةَ بْنَ حَبِيبٍ النَّهْدِيِّ هُوَ أَبُو حَازِمٍ - عَنْ رَيْطَةَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَمَّتَهُنَّ فِي الْفَرِيضَةِ؟ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ثنا زِيَادُ بْنُ لَاحِقٍ عَنْ تَمِيمَةَ بِنْتِ سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّهَا أَمَّتْ النِّسَاءَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقَامَتْ وَسَطُهُنَّ وَجَهَرَتْ بِالْقِرَاءَةِ وَبِهِ إلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أُمَّ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ حَدَّثَتْهُمْ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ تَؤُمُّهُنَّ فِي رَمَضَانَ وَتَقُومُ مَعَهُنَّ فِي الصَّفِّ؟ قَالَ عَلِيٌّ: هِيَ خِيرَةُ ثِقَةِ الثِّقَاتِ، وَهَذَا إسْنَادٌ كَالذَّهَبِ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: تُقِيمُ الْمَرْأَةُ لِنَفْسِهَا؟ وَقَالَ طَاوُسٍ: كَانَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تُؤَذِّنُ، وَتُقِيمُ؟ :
مسألة أحدث الإمام أو ذكر أنه غير طاهر فخرج
وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَمَّارِ الدُّهْنِيِّ عَنْ حُجَيْرَةَ بِنْتِ حُصَيْنٍ قَالَتْ أَمَّتْنَا أُمُّ سَلَمَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَقَامَتْ بَيْنَنَا. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ بِإِسْنَادِهِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَؤُمُّ الْمَرْأَةُ النِّسَاءَ، وَتَقُومُ وَسَطَهُنَّ؟ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ جَارِيَةً لَهُ تَؤُمُّ نِسَاءَهُ فِي رَمَضَانَ؟ وَعَنْ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، جَوَازُ إمَامَةِ الْمَرْأَةِ لِلنِّسَاءِ فِي الْفَرِيضَةِ، وَالتَّطَوُّعِ - وَتَقُومُ وَسَطَهُنَّ فِي الصَّفِّ وَعَنْ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ: لَا بَأْسَ بِأَنْ تُصَلِّيَ الْمَرْأَةُ بِالنِّسَاءِ فِي رَمَضَانَ، وَتَقُومُ وَسَطَهُنَّ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ: يُسْتَحَبُّ أَنْ تَؤُمَّ الْمَرْأَةُ النِّسَاءَ، وَتَقُومُ وَسَطَهُنَّ؟ قَالَ عَلِيٌّ: مَا نَعْلَمُ لِمَنْعِهَا مِنْ التَّقَدُّمِ حُجَّةً أَصْلًا، وَحُكْمُهَا عِنْدَنَا التَّقَدُّمُ أَمَامَ النِّسَاءِ، وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ مَنَعَ مِنْ إمَامَتَهَا النِّسَاءَ حُجَّةً أَصْلًا. لَا سِيَّمَا وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا أَوْرَدْنَا، لَا مُخَالِفَ لَهُمْ يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَصْلًا، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ هَذَا إذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ، وَيَرَوْنَهُ خِلَافًا لِلْإِجْمَاعِ، وَهُوَ سَهْلٌ عَلَيْهِمْ خِلَافُهُمْ، إذَا لَمْ يُوَافِقْ أَهْوَاءَهُمْ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ أَحْدَثَ الْإِمَامُ أَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ غَيْرُ طَاهِرٍ فَخَرَجَ] 492 - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا أَحْدَثَ الْإِمَامُ، أَوْ ذَكَرَ: أَنَّهُ غَيْرُ طَاهِرٍ، فَخَرَجَ، فَاسْتَخْلَفَ: فَحَسَنٌ - فَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ فَلْيَتَقَدَّمْ أَحَدُهُمْ يُتِمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ وَلَا بُدَّ، فَإِنْ أَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ يَنْتَظِرُوهُ؟ فَفَرْضٌ عَلَيْهِمْ انْتِظَارَهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُتِمَّ بِهِمْ صَلَاتَهُمْ، ثُمَّ يُتِمَّ لِنَفْسِهِ؟ أَمَّا انْتِظَارُهُ: فَلِمَا ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ «ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ جَنُبَ فَخَرَجَ وَأَوْمَأَ إلَيْهِمْ أَنْ مَكَانَكُمْ ثُمَّ عَادَ، وَقَدْ اغْتَسَلَ فَصَلَّى بِهِمْ» ؟ وَأَمَّا اسْتِخْلَافُهُمْ: فَلِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَضَى إلَى قُبَاءَ فَقَدَّمَ الْمُسْلِمُونَ أَبَا بَكْرٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَلَمَّا أَحَسَّ أَبُو بَكْرٍ بِهِ تَأَخَّرَ وَتَقَدَّمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَصَلَّى بِالنَّاسِ» ، وَلِأَنَّ فَرْضًا عَلَى النَّاسِ أَنْ يُصَلُّوا فِي جَمَاعَةٍ كَمَا قَدَّمْنَا، فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ إمَامٍ: إمَّا
بِاسْتِخْلَافِ إمَامِهِمْ، وَإِمَّا بِاسْتِخْلَافِهِمْ أَحَدَهُمْ، وَإِمَّا بِتَقَدُّمِ أَحَدِهِمْ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ وَهُوَ سَاجِدٌ فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَلَمْ يُكَبِّرْ وَاسْتَخْلَفَ: جَازَ ذَلِكَ. وَصَلَاتُهُمْ كُلُّهُمْ تَامَّةٌ. فَلَوْ كَبَّرَ ثُمَّ اسْتَخْلَفَ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ. فَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذِهِ أَقْوَالٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالتَّخْلِيطِ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا مِنْ بَهْجَةِ الْحَقِّ أَثَرٌ؟ وَلَيْتَ شِعْرِي إذَا أَحْدَثَ سَاجِدًا فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَلَمْ يُكَبِّرْ: فِي صَلَاةٍ هُوَ أَمْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ؟ وَهَلْ إمَامَتُهُ لَهُمْ بَاقِيَةٌ أَوْ لَا؟ وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ -: فَإِنْ قَالُوا: هُوَ فِي صَلَاةٍ وَإِمَامَتُهُ بَاقِيَةٌ، جَعَلُوهُ مُصَلِّيًا بِلَا وُضُوءٍ، وَإِمَامًا بِلَا وُضُوءٍ، وَهَذَا خِلَافُ أَصْلِهِمْ الْآخَر الْفَاسِدِ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ ائْتَمَّ بِإِمَامٍ هُوَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ نَاسِيًا أَوْ ذَاكِرًا؟ ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: إذْ هُوَ فِي صَلَاةٍ وَهُوَ بَعْدُ بَاقٍ عَلَى إمَامَتِهِ لَهُمْ؟ فَمَا ذَنْبُهُ إذْ كَبَّرَ فَأَبْطَلَ صَلَاةَ نَفْسِهِ وَصَلَاتَهُمْ؟ هَذِهِ عَدَاوَةٌ مِنْكُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَخِيَّةُ قَوْلِكُمْ: مَنْ عَطَسَ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ بِلِسَانِهِ " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؟ وَلَوْ قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فَقَذَفَ مُحْصَنَةً، أَوْ ضَرَطَ عَامِدًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ تَعَالَى اللَّهُ، مَا أَوْحَشَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الَّتِي لَا يَحِلُّ قَبُولُهَا؟ إلَّا لَوْ قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْدَهُ، الَّذِي لَمْ نَأْخُذْ الصَّلَاةَ، وَلَا الدِّينَ، وَلَا ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا عَنْهُ، فَلَا يَحِلُّ لَنَا إذَنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا كَمَا أَمَرَنَا وَإِنْ قَالُوا: بَلْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ، وَلَا هُمْ بَعْدُ فِي إمَامَتِهِ؟ قُلْنَا لَهُمْ: فَإِذْ قَدْ خَرَجَ بِالْحَدَثِ مِنْ إمَامَتِهِمْ وَعَنْ الطَّهَارَةِ الَّتِي لَا صَلَاةَ إلَّا بِهَا -: فَمَا الَّذِي وَلَّدَ عَلَيْهِ تَكْبِيرُهُ مِنْ الضَّرَرِ، حَتَّى أَحْدَثَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " اللَّهُ أَكْبَرُ ": بُطْلَانَ صَلَاتِهِ، وَكَذَلِكَ خُرُوجُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ؟
وَفِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْ السَّخَافَةِ غَيْرُ قَلِيلٍ وَهَذَا مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ طُولُهُ ثَمَانُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَنَيِّفٍ، وَرُبَّ مَسْجِدٍ لَيْسَ عَرْضُهُ إلَّا ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَطُولُهُ مِثْلُ ذَلِكَ فَقَطْ وَنَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى تَسْلِيمِهِ إيَّانَا مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْمُنَافِرَةِ لِصِحَّةِ الدِّمَاغِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ اسْتَخْلَفَ مَنْ دَخَلَ حِينَئِذٍ وَلَمْ يُكَبِّرْ بَعْدُ، أَوْ قَدْ كَبَّرَ، أَوْ مَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، أَوْ قَدَّمُوا لَهُمْ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، أَوْ تَقَدَّمَ هُوَ -: فَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ، إذْ اسْتِخْلَافُ إمَامٍ يُتِمُّ بِهِمْ فَرْضٌ كَمَا ذَكَرْنَا، لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ عَلَيْهِمْ، فَلْيَبْدَأْ الْمُسْتَخْلِفُ - إنْ كَانَ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةً وَاحِدَةً وَاسْتُخْلِفَ فِي الثَّانِيَةِ: فَيُتِمَّ تِلْكَ الرَّكْعَةِ بِهِمْ، ثُمَّ إذَا سَجَدَ سَجْدَتَيْهَا أَشَارَ إلَيْهِمْ فَجَلَسُوا، وَقَامَ هُوَ إلَى ثَانِيَتِهِ، فَإِذَا أَتَمَّهَا جَلَسَ وَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَامَ وَقَامُوا مَعَهُ فَأَتَمَّ بِهِمْ الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ الرَّكْعَةِ -: إنْ كَانَتْ الْمَغْرِبَ، فَإِنْ كَانَتْ الصُّبْحَ فَكَذَلِكَ سَوَاءٌ سَوَاءٌ، فَإِذَا أَتَمَّ تَشَهُّدَهُ سَلَّمَ وَسَلَّمُوا؟ فَإِنْ فَاتَتْهُ رَكْعَتَانِ وَاسْتُخْلِفَ فِي الْجُلُوسِ كَبَّرَ وَقَامُوا مَعَهُ بَعْدَ أَنْ يُتِمُّوا تَشَهُّدَهُمْ بِأَسْرَعَ مَا يُمْكِنُ، وَأَتَى بِالرَّكْعَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ وَهُمْ مَعَهُ، فَإِذَا جَلَسُوا قَامَ إلَى بَاقِي صَلَاتِهِ فَأَتَمَّهَا ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَيُسَلِّمُونَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي جُلُوسِ الصُّبْحِ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ وَسَلَّمُوا؟ فَإِنْ فَاتَتْهُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ وَاسْتُخْلِفَ فِي أَوَّلِ الرَّابِعَةِ صَلَّاهَا، فَإِذَا رَفَعَ مِنْ آخِرِ سُجُودِهِ قَامَ وَجَلَسُوا، ثُمَّ أَتَى بِرَكْعَةٍ وَجَلَسَ وَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَامَ وَأَتَى بِبَاقِي صَلَاتِهِ، ثُمَّ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ وَسَلَّمُوا؟ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يُصَلِّي إلَّا صَلَاةَ نَفْسِهِ، لَا كَمَا كَانَ يُصَلِّي لَوْ كَانَ مَأْمُومًا، لِأَنَّهُ إمَامٌ وَالْإِمَامُ لَا يَتْبَعُ أَحَدًا فِي صَلَاتِهِ لَكِنْ يُتْبَعُ فِيهَا، وَأَمَّا هُمْ فَيَتْبَعُونَهُ فِيمَا لَا يُرِيدُونَ بِهِ فِي صَلَاتِهِمْ وُقُوفًا وَلَا سَجْدَةً ثَالِثَةً، وَكُلُّ أَحَدٍ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ قَالَ تَعَالَى: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا} [الأنعام: 164] فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَخْلَفُ فِي مُؤَخَّرِ الصُّفُوفِ فَمَا بَيْنَ ذَلِكَ إلَى أَحَدِ جِهَاتِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ -: فَفَرْضٌ عَلَيْهِ الْمَشْيُ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ كَمَا هُوَ عَلَى أَحَدِ جَنْبَيْهِ إلَى مَوْقِفِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْإِمَامِ - لِغَيْرِ الضَّرُورَةِ - أَنْ يَقِفَ أَمَامَ الْمَأْمُومِينَ وَهُمْ وَرَاءَهُ وَلَا بُدَّ، فَفَرْضٌ عَلَيْهِ الْمَشْيُ إلَى مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَ عَنْ كَوْنِ وَجْهِهِ إلَى شَطْرِ
مسألة لا يحل لأحد أن يؤم وهو ينظر ما يقرأ به في المصحف
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، إلَّا لِضَرُورَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَعَهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَؤُمَّ وَهُوَ يَنْظُرُ مَا يَقْرَأُ بِهِ فِي الْمُصْحَفِ] 493 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَؤُمَّ وَهُوَ يَنْظُرُ مَا يَقْرَأُ بِهِ فِي الْمُصْحَفِ، لَا فِي فَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ عَالِمًا بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَصَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ عَالِمًا بِحَالِهِ، عَالِمًا بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: مَنْ لَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ فَلَمْ يُكَلِّفْهُ اللَّهُ تَعَالَى قِرَاءَةَ مَا لَا يَحْفَظُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ فِي وُسْعِهِ. قَالَ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا ذَلِكَ فَتَكَلَّفَهُ مَا سَقَطَ عَنْهُ: بَاطِلٌ، وَنَظَرُهُ فِي الْمُصْحَفِ عَمَلٌ لَمْ يَأْتِ بِإِبَاحَتِهِ فِي الصَّلَاةِ نَصٌّ. وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» ؟ وَكَذَلِكَ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى عَلَى عَصًا، أَوْ إلَى حَائِطٍ لِضَعْفِهِ عَنْ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ وَحُكْمُ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ أَنْ يُصَلِّي جَالِسًا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فَضْلًا لَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى بِذَلِكَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ، بَلْ صَلَّى جَالِسًا إذْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ، وَأَمَرَ بِذَلِكَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ، فَصَلَاةُ الْمُعْتَمِدِ: مُخَالِفَةٌ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَغَيْرِهِمَا [مَسْأَلَةٌ نَسِيَ صَلَاةَ فَرْضٍ فَوَجَدَ إمَامًا يُصَلِّي صَلَاةً أُخْرَى فِي جَمَاعَةٍ] 494 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ نَسِيَ صَلَاةَ فَرْضٍ - أَيَّ صَلَاةٍ كَانَتْ - فَوَجَدَ إمَامًا يُصَلِّي صَلَاةً أُخْرَى - أَيَّ صَلَاةٍ كَانَتْ - فِي جَمَاعَةٍ: فَفَرْضٌ عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ فَيُصَلِّي الَّتِي فَاتَتْهُ، وَتُجْزِئُهُ، وَلَا نُبَالِي بِاخْتِلَافِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَجَائِزٌ صَلَاةُ الْفَرْضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ: وَالْمُتَنَفِّلِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْفَرْضَ، وَصَلَاةُ فَرْضٍ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي صَلَاةَ فَرْضٍ أُخْرَى، كُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَسُنَّةٌ؟ وَلَوْ وَجَدَ الْمَرْءُ جَمَاعَةً تُصَلِّي التَّرَاوِيحَ فِي رَمَضَانَ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، فَلْيُصَلِّهَا مَعَهُمْ، يَنْوِي فَرْضَهُ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَكُنْ هُوَ أَتَمَّ صَلَاتَهُ فَلَا يُسَلِّمُ، بَلْ يَقُومُ، فَإِنْ قَامَ الْإِمَامُ إلَى الرَّكْعَتَيْنِ: قَامَ هُوَ أَيْضًا فَائْتَمَّ بِهِ فِيهِمَا، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِسَلَامِ
الْإِمَامِ - وَكَذَلِكَ لَوْ ذَكَرَ صَلَاةً فَائِتَةً؟ وَجَائِزٌ أَنْ يُصَلِّيَ إمَامٌ وَاحِدٌ بِجَمَاعَتَيْنِ فَصَاعِدًا فِي مَسَاجِدَ شَتَّى صَلَاةً وَاحِدَةً هِيَ لَهُمْ: فَرْضٌ، وَكُلُّهَا لَهُ: نَافِلَةٌ، سِوَى الَّتِي صَلَّى أَوَّلًا. وَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى صَلَاةَ فَرْضٍ فِي جَمَاعَةٍ فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَؤُمَّ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ جَمَاعَةً أُخْرَى وَجَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ.؟ وَمَنْ فَاتَتْهُ الصُّبْحُ فَوَجَدَ قَوْمًا يُصَلُّونَ الظُّهْرَ صَلَّى مَعَهُمْ رَكْعَتَيْنِ يَنْوِي بِهِمَا الصُّبْحَ، ثُمَّ سَلَّمَ، وَصَلَّى الْبَاقِيَتَيْنِ بِنِيَّةِ الظُّهْرَ، ثُمَّ أَتَمَّ ظُهْرَهُ، وَهَكَذَا يَعْمَلُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ عَلَى حَسْبِ مَا ذَكَرْنَا: وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَخْتَلِفَ نِيَّةُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ. قَالَ عَلِيٌّ: إنَّ مِنْ الْعَجَبِ أَنْ يَكُونَ الْحَنِيفِيُّونَ يُجِيزُونَ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ وَالْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، أَوْ بِنِيَّةِ التَّبَرُّدِ. وَفِيهِمْ مَنْ يُجِيزُ صَوْمَ رَمَضَانَ بِنِيَّةِ الْإِفْطَارِ، وَتَرْكَ الصَّوْمِ وَكُلُّهُمْ يُجِيزُهُ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ وَيُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضِهِ، وَبِنِيَّةِ الْفِطْرِ إلَى زَوَالِ الشَّمْسِ، فَيُبْطِلُونَ النِّيَّاتِ حَيْثُ أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يُوجِبُونَهَا هَهُنَا حَيْثُ لَمْ يُوجِبْهَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَفِي الْمَالِكِيِّينَ مَنْ يُجْزِئُ عِنْدَهُ غُسْلُ الْجُمُعَةِ، وَدُخُولُ الْحَمَّامِ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، فَيُسْقِطُونَ النِّيَّةَ حَيْثُ هِيَ فَرْضٌ، وَيُوجِبُونَهَا حَيْثُ لَمْ يُوجِبْهَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ عَلِيٌّ: وَإِنَّمَا يَجِبُ الْكَلَامُ فِي وُجُوبِ اتِّفَاقِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، أَوْ فِي سُقُوطِ وُجُوبِهِ، فَإِذَا سَقَطَ وُجُوبُهُ صَحَّتْ الْمَسَائِلُ الَّتِي ذَكَرْنَا كُلُّهَا، لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَمُنْتَجَةٌ مِنْهُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِ قَطُّ: قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قِيَاسٌ: يُوجِبُ اتِّفَاقَ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَكُلُّ شَرِيعَةٍ لَمْ يُوجِبْهَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، فَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَهَذِهِ شَرِيعَةٌ لَمْ يُوجِبْهَا شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا، فَهِيَ بَاطِلٌ؟
ثُمَّ الْبُرْهَانُ يَقُومُ عَلَى سُقُوطِ وُجُوبِ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ يَكْفِي مِنْ سُقُوطِهِ عَدَمُ الْبُرْهَانِ عَلَى وُجُوبِهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُكَلِّفَنَا اللَّهُ تَعَالَى مُوَافَقَةَ نِيَّةِ الْمَأْمُومِ مِنَّا لِنِيَّةِ الْإِمَامِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وَلَيْسَ فِي وُسْعِنَا عِلْمُ مَا غُيِّبَ عَنَّا مِنْ نِيَّةِ الْإِمَامِ حَتَّى نُوَافِقَهَا، وَإِنَّمَا عَلَيْنَا مَا يَسَعُنَا وَنَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الْقَصْدِ بِنِيَّاتِنَا تَأْدِيَةَ مَا أُمِرْنَا بِهِ كَمَا أُمِرْنَا، وَهَذَا بُرْهَانٌ ضَرُورِيٌّ سَمْعِيٌّ وَعَقْلِيٌّ وَبُرْهَانٌ آخَرُ: وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ} [النساء: 84] وَهَذَا نَصٌّ جَلِيٌّ كَافٍ فِي إبْطَالِ قَوْلِهِمْ فَإِنْ قَالُوا: قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَقَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْخَبَرِ نَفْسِهِ - الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَلْزَمُ الِائْتِمَامَ بِالْإِمَامِ فِيهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» فَهَاهُنَا أَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالِائْتِمَامِ فِيهِ، لَا فِي النِّيَّةِ الَّتِي لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهَا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ لِنَاوِيهَا وَحْدَهُ؟ وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ أَنَّ الْمُحْتَجِّينَ بِهَذَا الْخَبَرِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مِنْهُ أَثَرٌ - مِنْ إيجَابِ مُوَافَقَةِ نِيَّةِ الْمَأْمُومِ لِنِيَّةِ الْإِمَامِ -: أَوَّلُ عَاصِينَ لِهَذَا الْخَبَرِ -: فَيَقُولُونَ: لَا يَقْتَدِي الْمَأْمُومُ بِالْإِمَامِ فِي قَوْلِ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا؟ قَالُوا: لَمْ يَذْكُرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ؟ فَقِيلَ لَهُمْ: وَلَا نَهَى عَنْهُ، وَلَا ذَكَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَيْضًا مُوَافَقَةَ نِيَّةِ الْمَأْمُومِ لِلْإِمَامِ، لَا فِي هَذَا وَلَا فِي غَيْرِهِ. ثُمَّ خَالَفَهُ الْمَالِكِيُّونَ فِي أَمْرِهِ بِأَنْ نُصَلِّيَ قُعُودًا إذَا صَلَّى قَاعِدًا، فَأَيُّ عَجَبٍ أَعْجَبُ مِنْ احْتِجَاجِهِمْ بِخَبَرٍ يُخَالِفُونَ نَصَّ مَا فِيهِ وَيُوجِبُونَ بِهِ مَا لَيْسَ فِيهِ؟ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مِثْلِ هَذَا؟
وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» فَنَصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَصًّا جَلِيًّا عَلَى أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مَا نَوَى. فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ لِلْإِمَامِ نِيَّتَهُ، وَلِلْمَأْمُومِ نِيَّتَهُ، لَا تَعَلُّقَ لِإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، وَمَا عَدَا هَذَا فَبَاطِلٌ بَحْتٌ لَا شَكَّ فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ؟ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِشَاءَ الْآخِرَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ» وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ ثنا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ، فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ، وَلَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ ثُمَّ أَتَى فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ اقْرَأْ بِكَذَا وَاقْرَأْ بِكَذَا» . فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَلِمَ بِالْأَمْرِ وَأَقَرَّهُ عَلَى حَالِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهَا؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنُ مَيْسَرَةَ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ» . قَالَ عَلِيٌّ: إنَّمَا أَوْرَدْنَا هَذَا الْخَبَرَ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَنْ لَا يَرْدَعُهُ دِينٌ عَنْ الْكَذِبِ قَالَ: لَمْ
يَرْوِ أَحَدٌ هَذِهِ اللَّفْظَةَ إلَّا عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ؟ فَأَرَيْنَاهُ: أَنَّهُ قَدْ رَوَاهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ثِقَتِهِ، ثُمَّ حَتَّى لَوْ انْفَرَدَ بِهَا عَمْرٌو فَكَانَ مَاذَا؟ مَا يَخْتَلِفُ مُسْلِمَانِ فِي أَنَّ عَمْرًا هُوَ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ثِقَةً وَحِفْظًا وَإِمَامَةً، وَبِلَا شَكٍّ فَهُوَ فَوْقَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ اللَّذَيْنِ يُعَارِضُ هَؤُلَاءِ السُّنَنِ بِرَأْيِهِمَا الَّذِي أَخْطَآ فِيهِ؛ لِأَنَّ عَمْرًا لَقِيَ الصَّحَابَةَ وَأَخَذَ عَنْهُمْ. وَأَقَلُّ مَرَاتِبِ عَمْرٍو: أَنْ يَكُونَ فِي نِصَابِ شُيُوخِ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ: كَالزُّهْرِيِّ، وَنَافِعٍ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ رَوَى عَنْ عَمْرٍو مَنْ هُوَ أَجَلُّ مِنْ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمِثْلِهِمَا: كَأَيُّوبَ، وَمَنْصُورٍ، وَشُعْبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَسُفْيَانَ، وَابْنِ جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِمْ. فَكَيْفَ وَقَدْ صَحَّ فِي هَذَا مَا هُوَ أَجَلُّ مِنْ فِعْلِ مُعَاذٍ؟ كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيِّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ «عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ، وَاَلَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعًا، وَلِهَؤُلَاءِ رَكْعَتَيْنِ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ بْنِ الْعَنْبَرِيُّ ثنا أَبِي ثنا الْأَشْعَثُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَوْفٍ الظُّهْرَ، فَصَفَّ بَعْضَهُمْ خَلْفَهُ، وَبَعْضَهُمْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْطَلَقَ الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ فَوَقَفُوا مَوْقِفَ أَصْحَابِهِمْ، ثُمَّ جَاءَ أُولَئِكَ فَصَفُّوا خَلْفَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعًا وَلِأَصْحَابِهِ: رَكْعَتَيْنِ، رَكْعَتَيْنِ» وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الْحَسَنُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ صَحَّ سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ -: كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ ثنا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَنَا أَبُو مُوسَى هُوَ إسْرَائِيلُ بْنُ مُوسَى - قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُول: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى
الْمِنْبَرِ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مَعَهُ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَأَبُو مُوسَى هَذَا: ثِقَةٌ رَوَى عَنْهُ سُفْيَانُ وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا عَفَّانُ هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ - ثنا أَبَانُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارِ - ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ: «فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ. قَالَ جَابِرٌ: فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا حَدِيثٌ سَمِعَهُ يَحْيَى مِنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَمِعَهُ أَبُو سَلَمَةَ مِنْ جَابِرٍ، وَرُوِّينَاهُ كَذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ، اكْتَفَيْنَا بِهَذَا طَلَبَ الِاخْتِصَارِ. فَهَذَا آخِرُ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ شَهِدَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ إسْلَامُهُ يَوْمَ الطَّائِفِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَبَعْدَ حُنَيْنٍ وَقَدْ لَجَأَ بَعْضُهُمْ إلَى مَا يَلْجَأُ إلَيْهِ الْمَفْضُوحُ الْمُبْلِحُ الَّذِي لَا يَتَّقِي اللَّهَ تَعَالَى فِيمَا يَتَكَلَّمُ بِهِ فَقَالَ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: أَنَّهُ سَلَّمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَالرَّكْعَتَيْنِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَيُقَالُ لَهُ: كَذَبْت، قَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ الْيَشْكُرِيِّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَلَّمَ بَيْنَهُمَا» . فَقَالُوا: قَدْ تُكُلِّمَ فِي سَمَاعِ قُتَيْبَةَ مِنْ سُلَيْمَانَ؟ فَقُلْنَا: أَنْتُمْ تَقُولُونَ: الْمُرْسَلُ كَالْمُسْنَدِ، فَالْآنَ أَتَاكُمْ التَّعَلُّلُ بِالْبَاطِلِ فِي الْمُسْنَدِ بِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ - وَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ الْقَوْلُ -: أَنَّهُ مُرْسَلٌ، إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ لَا سِيَّمَا وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو بَكْرَةَ
فِي حَدِيثِهِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَلَّمَ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُسَلِّمْ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَتَيْنِ؟ وَلَوْ صَحَّ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُسَلِّمْ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَتَيْنِ لَكَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ عَلَى الْمُخَالِفِينَ، لِأَنَّهُمْ إنَّمَا هُمْ مُقَلِّدُو أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَرَى عَلَى مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَهُوَ مُسَافِرٌ: أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ، إلَّا أَنْ يَجْلِسَ فِي الِاثْنَتَيْنِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَتَكُونُ الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ يَقُومُ إلَيْهِمَا تَطَوُّعًا. فَإِنْ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَقْعُدْ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فَصَلَاتُهُ عِنْدَهُمْ فَاسِدَةٌ، فَإِنْ أَقْدَمُوا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَفَرُوا بِلَا مِرْيَةٍ. وَإِنْ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَعَدَ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ، فَقَدْ صَارَتْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ مُصَلِّيَةً فَرْضَهُمْ خَلْفَهُ، وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُتَنَفِّلٌ، وَهَذَا قَوْلُنَا لَا قَوْلُهُمْ؟ وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْمُسَافِرَ إنْ صَلَّى أَرْبَعًا: فَقَدْ أَسَاءَ فِي صَلَاتِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا فِي الْوَقْتِ. فَإِنْ قَالُوا: هَذَا فِي صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَفَرُوا بِلَا مِرْيَةٍ، وَإِنْ قَالُوا: بَلْ سَلَّمَ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَتَيْنِ: أَقَرُّوا بِأَنَّ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - صَلَّوْا فَرْضَهُمْ خَلْفَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ مُتَنَفِّلٌ وَهَذَا إجْمَاعٌ صَحِيحٌ مِنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّنْ حَضَرَ، وَلَا يَخْفَى مِثْلُ هَذَا عَلَى مَنْ غَابَ، وَكُلُّهُمْ مُسَلِّمٌ لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؟ وَقَدْ لَجَأَ بَعْضُ الْمَفْتُونِينَ مِنْ مُقَلِّدِي مَالِكٍ إلَى أَنْ قَالَ: هَذَا خَاصٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لِأَنَّ فِي الِائْتِمَامِ بِهِ مِنْ الْبَرَكَةِ فِي النَّافِلَةِ مَا لَيْسَ فِي الِائْتِمَامِ بِغَيْرِهِ فِي الْفَرِيضَةِ؟ -: قَالَ عَلِيٌّ: فَرَّ هَذَا الْبَائِسُ مِنْ الْإِذْعَانِ لِلْحَقِّ إلَى الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي دَعْوَاهُ الْخُصُوصَ فِيمَا لَمْ يَقُلْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَطُّ: إنَّهُ خُصُوصٌ لَهُ. بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ أَنَّهُ قَالَ «صَلُّوا كَمَا تَرَوْنِي أُصَلِّي» .
وَقَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] . وَمَا قَالَ قَطُّ أَحَدٌ: إنَّهُ يَجُوزُ مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الصَّلَاةِ مَا لَا يَجُوزُ مَعَ غَيْرِهِ، إلَّا هَؤُلَاءِ الْمُقَدِّمُونَ، نَصْرًا لِتَقْلِيدِهِمْ الْفَاسِدِ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَاعْتَرَضُوا فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ بِأَشْيَاءَ نَذْكُرُهَا، وَإِنْ كُنَّا غَانِينَ عَنْ ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَجَابِرٍ، لَكِنَّ نَصْرَ الْحَقِّ فَضِيلَةٌ، وَقَمْعَ الْبَاطِلِ وَسِيلَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى -: قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ اخْتِلَافُ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ لِمَا رَوَيْتُمُوهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَخْبَرَ الْجُرْجَانِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسِ الْقِتْبَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الَّتِي أُقِيمَتْ» : قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو صَالِحٍ وَهُوَ سَاقِطٌ. وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ -: فَهُوَ مَا رَوَاهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَابْنُ جُرَيْجِ بْنِ سَلَمَةَ وَوَرْقَاءُ بْنُ عَمْرٍو وَزَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَالَ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» .
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي صَدْرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَفْظُ صَالِحٍ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَالِكِيِّينَ، وَالْحَنَفِيِّينَ مَعًا مُتَّفِقُونَ -: عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ إذَا أُقِيمَتْ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَوْتَرَ، وَلَا رَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ -: يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الَّتِي أُقِيمَتْ فَسُبْحَانَ مَنْ يَسَّرَهُمْ لِلِاحْتِجَاجِ بِمَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْأَخْبَارِ فِي إبْطَالِ مَا صَحَّ مِنْهَا ثُمَّ لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِمْ مِنْ خِلَافِ مَا احْتَجُّوا بِهِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ؟ وَأَيْضًا: فَهُمْ مُصَفِّقُونَ عَلَى جَوَازِ التَّنَفُّلِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِمَا صَحَّحُوهُ مِنْ الْبَاطِلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ؟ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ لَقُلْنَا بِهِ، وَلَاسْتَعْمَلْنَا مَعَهُ مَا قَدْ صَحَّ مِنْ سَائِرِ الْأَخْبَارِ، مِنْ حَدِيثِ: مُعَاذٍ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَلَمْ نَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا لِشَيْءٍ آخَرَ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ خَبَرًا: - رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَالُ لَهُ سُلَيْمٌ «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا نَظَلُّ فِي أَعْمَالِنَا فَنَأْتِي حِينَ نُمْسِي فَيَأْتِي مُعَاذٌ فَيُطَوِّلُ عَلَيْنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا مُعَاذُ لَا تَكُنْ فَتَّانًا؟ إمَّا أَنْ تُخَفِّفَ لِقَوْمِكَ، أَوْ تَجْعَلَ صَلَاتَكَ مَعِي» . فَادَّعَوْا مِنْ هَذَا أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يَجْعَلُ الَّتِي يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَافِلَةً؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا تَأْوِيلٌ لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ، لِوُجُوهٍ سِتَّةٍ -: أَحَدُهَا - أَنَّهُ كَذِبٌ وَدَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ، وَهَذَا لَا يَعْجِزُ عَنْهُ مَنْ لَا يَحْجُزُهُ عَنْهُ تَقْوَى أَوْ حَيَاءٌ؟ وَالثَّانِي - أَنَّ هَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ مُعَاذَ بْنَ رِفَاعَةَ لَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَدْرَكَ هَذَا الَّذِي شَكَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمُعَاذٍ؟ -: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ
عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ثنا أَبُو بَكْرٍ هُوَ عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْت مُعَاذَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ قَالَ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ مُعَاذٌ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ: «أَنَّ سُلَيْمًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنِّي رَجُلٌ أَعْمَلُ نَهَارِي حَتَّى إذَا أَمْسَيْتُ أَمْسَيْتُ نَاعِسًا، فَيَأْتِينَا مُعَاذٌ وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا احْتَبَسَ صَلَّيْتُ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ: أَنَّ سُلَيْمًا صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ؟ وَالثَّالِثُ - أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» . وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133] ثُمَّ يَكُونُ مُعَاذٌ - وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالدِّينِ - يُضَيِّعُ فَرْضَ صَلَاتِهِ الَّذِي قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، فَيَتْرُكُ أَدَاءَهُ، وَيَشْتَغِلُ بِالتَّنَفُّلِ، وَصَلَاةُ الْفَرْضِ قَدْ أُقِيمَتْ، حَتَّى لَا يُدْرِكَ مِنْهَا شَيْئًا، لَا سِيَّمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَلَيْتَ شِعْرِي، إلَى مَنْ كَانَ يُؤَخِّرُ مُعَاذٌ صَلَاةَ فَرْضِهِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَهُ رَاغِبًا عَنْ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتِّبَاعًا لِرَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ؟ أَلَّا إنَّ هَذَا هُوَ الضَّلَالُ الْمُبِينُ، قَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعَالَى مُعَاذًا عَنْهُ عِنْدَ كُلِّ ذِي مُسْكَةِ عَقْلٍ؟ وَالرَّابِعُ - أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ السَّخِيفَ الَّذِي لَمْ يَسْتَحْيُوا مِنْ أَنْ يَنْسُبُوهُ إلَى مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا، وَهُوَ أَنْ تَحْضُرَ صَلَاةُ فَرْضٍ فَيَنْوِيَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى بَعْدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ - أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ لَا يَنْوِي بِهَا إلَّا التَّطَوُّعَ فَفِي كُلِّ حَالٍ قَدْ نَسَبُوا إلَى مُعَاذٍ مَا لَا يَحِلُّ عِنْدَهُمْ وَلَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ، وَهَذِهِ فِتْنَةُ سُوءٍ مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ وَالدِّينِ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ، فَأَيُّ رَاحَةٍ لَهُمْ فِي أَنْ يَنْسُبُوا إلَى مُعَاذٍ مَا لَا يَحِلُّ عِنْدَهُمْ بِلَا مَعْنًى؟ وَالْخَامِسُ - أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: إذْ جَوَّزْتُمْ لِمُعَاذٍ مَا لَا يَجُوزُ عِنْدَكُمْ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ نَافِلَةً خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُعَاذٌ لَمْ يُصَلِّ ذَلِكَ الْفَرْضَ بَعْدُ، وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُصَلِّي فَرْضَهُ -: فَأَيُّ فَرْقٍ فِي شَرِيعَةٍ، أَوْ فِي مَعْقُولٍ بَيْنَ صَلَاةِ نَافِلَةٍ خَلْفَ مُصَلِّي فَرِيضَةٍ، وَبَيْنَ مَا مَنَعْتُمْ
مِنْهُ مِنْ صَلَاةِ فَرْضٍ خَلْفَ الْمُصَلِّي نَافِلَةً، وَكِلَاهُمَا اخْتِلَافُ نِيَّةِ الْإِمَامِ مَعَ الْمَأْمُومِ، وَلَا فَرْقَ؟ فَهَلَّا قَاسُوا أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ؟ وَهَلَّا قَاسُوا جَوَازَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى جَوَازِ حَجِّ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ الْحَاجِّ تَطَوُّعًا مِنْ الْأَئِمَّةِ، يَقِفُ بِوُقُوفِهِ وَيَدْفَعُ بِدَفْعِهِ وَيَأْتَمُّ بِهِ فِي حَجِّهِ؟ فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْقِيَاسِ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْقِيَاسِ وَأَصَحِّهِ، وَهُمْ أَهْلُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، وَلَكِنْ هَذَا مِقْدَارُ عِلْمِهِمْ فِيمَا شَغَلُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَتَرَكُوا السُّنَنَ؟ فَكَيْفَ بِمَا لَا يَشْتَغِلُونَ بِهِ مِنْ طَلَبِ السُّنَنِ وَالِاعْتِنَاءِ بِهَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ هُنَا بِكَلَامٍ يُشْبِهُ كَلَامَ الْمَمْرُورِينَ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ بَعْضَ سَبَبِ التَّطَوُّعِ سَبَبُ الْفَرِيضَةِ، وَأَنَّ مَنْ ابْتَدَأَ صَلَاةً لَا يَنْوِي بِهَا شَيْئًا كَانَ دَاخِلًا فِي نَافِلَةٍ؟ قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا كَلَامٌ لَا يَفْهَمُهُ قَائِلُهُ فَكَيْفَ سَامِعُهُ وَحَقُّ قَائِلِهِ سُكْنَى الْمَارَسْتَانِ وَمُعَانَاةُ دِمَاغِهِ وَيُقَالُ لَهُ: اجْعَلْ هَذَا الْكَلَامَ حُجَّةً فِي الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ؟ وَأَيْضًا: فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ، بَلْ مَنْ ابْتَدَأَ صَلَاةً لَا يَنْوِي بِهَا شَيْئًا فَلَيْسَ مُصَلِّيًا وَلَا شَيْءَ لَهُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . فَنَحْنُ نَدِينُ بِأَنَّ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ مِنْ كَلَامِ هَذَا الْمُمَخْرِقِ بِالْهَذَيَانِ؟ ثُمَّ لَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ أَصْلًا، لِأَنَّهُ وَاضِحُ الْمَعْنَى، وَكَانَ يَكُونُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إمَّا أَنْ تُخَفِّفَ عَنْ قَوْمِكَ أَوْ اجْعَلْ صَلَاتَكَ مَعِي» أَيْ لَا تُصَلِّ بِهِمْ إذَا لَمْ تُخَفِّفْ بِهِمْ، وَاقْتَصِرْ عَلَى أَنْ تَكُونَ صَلَاتُك مَعِي فَقَطْ، هَذَا مُقْتَضَى ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ سِوَاهُ؟ وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَيْمَنَ الْمَعَافِرِيِّ قَالَ: «وَكَانَ أَهْلُ الْعَوَالِي يُصَلُّونَ فِي مَنَازِلِهِمْ وَيُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ.»
وَخَبَرٍ آخَرَ فِيمَا كَتَبَ بِهِ إلَى أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُد بْنُ شَاذِ بْنُ دَاوُد الْمِصْرِيُّ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْغَنِيّ بْنُ سَعِيدِ الْأَزْدِيُّ الْحَافِظُ ثنا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ الرُّعَيْنِيُّ ثنا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الطَّحَاوِيُّ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: سَمِعْت يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ يَقُولُ: أَنَا الْحُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ «سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلَاطِ وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَقُلْتُ: أَلَا تُصَلِّي مَعَهُمْ؟ قَالَ: قَدْ صَلَّيْتُ فِي رَحْلِي إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ تُصَلَّى فَرِيضَةٌ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» قَالَ: فَكَانَتْ صَلَاةُ مُعَاذٍ إذْ كَانَ مُبَاحًا أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَاةَ مَرَّتَيْنِ فِي الْيَوْمِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: فَصَحِيحٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ أَيْمَنَ: فَسَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ. ثُمَّ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا -: أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّ قَائِلَ هَذَا قَدْ كَذَبَ، وَمَا كَانَ قَطُّ مُبَاحًا أَنْ تُصَلِّيَ صَلَاةً وَاحِدَةً عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ مَرَّتَيْنِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَفْرِضْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ إلَّا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَقَطْ، حَاشَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْوِتْرِ فَقَطْ، وَصَحَّ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَخْبَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق: 29] » فَبَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهَ بِهِ هَذَا الْمُمَوِّهُ؟ وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَاحِدٌ، وَهُوَ حَقٌّ، وَمَا حَلَّ قَطُّ، وَلَا قُلْنَا نَحْنُ - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ: أَنْ تُصَلَّى صَلَاةٌ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ -: وَإِنَّمَا قُلْنَا: أَنْ تُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَتُصَلَّى النَّافِلَةُ خَلْفَ مُصَلِّي الْفَرْضِ، كَمَا أَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَكَمَا يُجِيزُونَ هُمْ أَيْضًا مَعَنَا. وَتُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ خَلْفَ مُؤَدِّي فَرِيضَةٍ أُخْرَى، كَمَا أَخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: بِأَنَّ «الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، وَلَمْ يَنْهَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ قَطُّ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى حَدَثَ مَا حَدَثَ وَإِنَّمَا الْمُجِيزُونَ أَنْ تُصَلَّى صَلَاةٌ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ: فَالْمَالِكِيُّونَ الْقَائِلُونَ: بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ، وَبِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً فِي أُخْرَى: صَلَّى الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ الَّتِي ذَكَرَ، ثُمَّ
يُصَلِّي الَّتِي صَلَّى، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا؟ وَالْعَجَبُ مِنْ احْتِجَاجِهِمْ بِابْنِ عُمَرَ، وَهُمْ يُخَالِفُونَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلًا يَجْرِي فِي الْقُبْحِ مَجْرَى مَا تَقَدَّمَ لَهُمْ وَيُرْبِي عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ مُعَاذٍ لِعَدَمِ مَنْ كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ حِينَئِذٍ؟ قَالَ عَلِيٌّ: لَوْ اتَّقَى اللَّهَ قَائِلُ هَذَا الْهَوَسِ أَوْ اسْتَحْيَا مِنْ الْكَذِبِ، لَمْ يَنْصُرْ الْبَاطِلَ بِمَا هُوَ أَبْطَلُ مِنْهُ. وَلَوْ عَرَفَ قَدْرَ الصَّحَابَةِ وَمَنْزِلَتَهُمْ فِي الْعِلْمِ: لَمْ يَقُلْ هَذَا؛ لِأَنَّنَا نَجِدُ، الزِّنْجِيَّ وَالتُّرْكِيَّ، وَالصَّقْلَبِيَّ وَالرُّومِيَّ وَالْيَهُودِيَّ: يُسَلِّمُونَ، فَلَا تَمْضِيَ لَهُمْ جُمُعَةٌ إلَّا وَقَدْ تَعَلَّمَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ، وَالرَّجُلُ (أُمَّ الْقُرْآنِ) وَ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وَمَا يُقِيمُونَ بِهِ صَلَاتَهُمْ. وَلَمْ يَسْتَحِ هَذَا الْجَاهِلُ الْوَقَّاحُ أَنْ يَنْسُبَ إلَى حَيٍّ عَظِيمٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْأَنْصَارِ، وَحَيٍّ آخَرَ صَغِيرٍ مِنْهُمْ، وَهُمْ بَنُو سَلَمَةَ، وَبَنُو أَدَى قَدْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ - قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِعَامَيْنِ وَأَشْهُرٍ - ثَلَاثَةُ رِجَالٍ، وَأَسْلَمَ جُمْهُورُهُمْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِدَهْرٍ -: أَنَّهُمْ بَقُوا الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ الَّتِي ذَكَرْنَا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ لَمْ يَهْتَبِلُوا بِصَلَاتِهِمْ، وَلَا تَعَلَّمُوا سُورَةً يُصَلُّونَ بِهَا، وَهُمْ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ وَالْبَصَائِرِ فِي الدِّينِ: اللَّهُمَّ الْعَنْ مَنْ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْمُجَاهَرَةِ بِالْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ الْمَفْضُوحِ؟ فَلْيَعْلَمْ أَهْلُ الْجَهْلِ: أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ بَنِي سَلَمَةَ الَّذِي كَانَ يَؤُمُّ فِيهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - ثَلَاثُونَ عَقَبِيًّا، وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ بَدْرِيًّا سِوَى غَيْرِهِمْ. أَفَمَا كَانَ فِي جَمِيعِ هَؤُلَاءِ الْفُضَلَاءِ أَحَدٌ يُحْسِنُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا يُصَلِّي بِهِ؟ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ. وَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَوَالِدُهُ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو الْيَسْرِ وَالْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَمُعَاذٌ، وَمُعَوِّذٌ، وَخَلَّادٌ بَنُو عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِئٍ وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ أَصَحِّ طَرِيقٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «مَا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى حَفِظْتُ سُوَرًا مِنْ الْقُرْآنِ» ؟ ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْكِذْبَةَ الَّتِي قَالَهَا هَذَا الْجَاهِلُ دَعْوَى افْتَرَاهَا لَمْ يَجِدْهَا قَطُّ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ السَّقِيمَةِ فَكَيْفَ الصَّحِيحَةِ؟ وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا وَجْهَ لِلشُّغْلِ بِهَا إلَّا فَضِيحَةُ قَائِلِهَا فَقَطْ، ثُمَّ تَحْذِيرُ الضُّعَفَاءِ مِنْهُ، وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ؟ وَالثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ لَهُ: هَبْكَ أَنَّ هَذِهِ الْكِذْبَةَ كَمَا ذَكَرْتَ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَكُمْ؟ وَهَلْ يَحِلُّ لَدَيْكُمْ أَنْ تُسْلِمَ طَائِفَةٌ فَلَا يَكُونُ فِيهِمْ مَنْ يَقْرَأُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا وَاحِدٌ فَيُصَلِّي ذَلِكَ الْوَاحِدُ مَعَ غَيْرِهِمْ ثُمَّ يَؤُمُّهُمْ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: لَا، فَيُقَالُ لَهُمْ: فَأَيُّ رَاحَةٍ لَكُمْ فِي اسْتِنْبَاطِ كَذِبٍ لَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي تَرْقِيعِ فَاسِدِ تَقْلِيدِكُمْ؟ ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: احْمِلُوهُ عَلَى مَا شِئْتُمْ، أَلَيْسَ قَدْ عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَقَرَّهُ؟ فَبِأَيِّ وَجْهٍ تُبْطِلُونَ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحُكْمَهُ؟ وَقَدْ تَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي بَكْرَةَ بِنَحْوِ هَذِهِ الْفَضَائِحِ فَقَالَ: لَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تُقْصَرَ الصَّلَاةُ، أَوْ فِي سَفَرٍ لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي مِثْلِهِ؟ فَقُلْنَا: هَذَا جَهْلٌ وَكَذِبٌ آخَرُ، أَبُو بَكْرَةَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَشْهَدْ بِالْمَدِينَةِ قَطُّ خَوْفًا، وَلَا صَلَاةَ خَوْفٍ، وَلَا فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهَا، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ - قَالَ جَابِرٌ -: بِنَخْلٍ، وَبِذَاتِ الرِّقَاعِ، فَكِلَا الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى أَزْيَدَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ الْمَدِينَةِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أَنَّ الصَّلَاةَ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ: رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ؟ فَبَطَلَ كُلُّ عَارٍ أَتَوْا بِهِ فِي إبْطَالِ الْحَقَائِقِ مِنْ السُّنَنِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا؟ ثُمَّ هُوَ فِعْلُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَمَّارِ الْعَنَزِيِّ: أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ بِكَسْكَرَ فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ؟ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرُ، فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ إنِّي رَأَيْتنِي شَاخِصًا عَنْ أَهْلِي وَلَمْ أَرَنِي بِحَضْرَةِ عَدُوٍّ فَرَأَيْت أَنْ أُصَلِّيَ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أُسَلِّمَ ثُمَّ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أُسَلِّمَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَنْ قَدْ أَحْسَنْت؟
مسألة أتى مسجدا قد صليت به صلاة فرض جماعة بإمام راتب وهو لم يكن صلاها
وَمِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ: كُنَّا مَعَ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ - هُوَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَيْشٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِنَا صَلَاةَ الصُّبْحِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ، فَمَرَّ حِمَارٌ بَيْنَ يَدَيْ الصُّفُوفِ فَأَعَادَ بِهِمْ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: قَدْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا يَسْتُرُنِي - يَعْنِي الْعَنَزَةَ - وَلَكِنِّي أَعَدْت لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا يَسْتُرُهُ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ: فَهَذَا صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى نَافِلَةً بِمَنْ يُؤَدِّي فَرِيضَةً؟ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ: أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ أَتَى مَسْجِدَ دِمَشْقَ وَهُمْ يُصَلُّونَ الْعِشَاءَ وَهُوَ يُرِيدُ الْمَغْرِبَ، فَصَلَّى مَعَهُمْ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَةً، فَجَعَلَ ثَلَاثًا لِلْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ هَذَا الْخَبَرَ، وَزَادَ فِيهِ: ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ؟ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: فِيمَنْ أَتَى التَّرَاوِيحَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَقَدْ بَقِيَ لِلنَّاسِ رَكْعَتَانِ قَالَ: اجْعَلْهُمَا مِنْ الْعِشَاءِ؟ وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: مَنْ صَلَّى مَعَ قَوْمٍ هُوَ يَنْوِي الظُّهْرَ وَهُمْ يُرِيدُونَ الْعَصْرَ، قَالَ: لَهُ مَا نَوَى، وَلَهُمْ مَا نَوَوْا، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ؟ وَعَنْ طَاوُسٍ: مِنْ وَجَدَ النَّاسَ يُصَلُّونَ الْقِيَامَ وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ الْعِشَاءَ فَلْيُصَلِّهَا مَعَهُمْ، وَلْيَعْتَدَّهَا الْمَكْتُوبَةَ؟ وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الثِّقَاتِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: مَا نَعْلَمُ لِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مُخَالِفًا أَصْلًا، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ هَذَا إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ وَقَوْلُنَا هَذَا: هُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ أَتَى مَسْجِدًا قَدْ صُلِّيَتْ بِهِ صَلَاةُ فَرْضٍ جَمَاعَةٌ بِإِمَامٍ رَاتِبٍ وَهُوَ لَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا] 495 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَتَى مَسْجِدًا قَدْ صُلِّيَتْ بِهِ صَلَاةُ فَرْضٍ جَمَاعَةٌ بِإِمَامٍ رَاتِبٍ وَهُوَ لَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا: فَلْيُصَلِّهَا فِي جَمَاعَةٍ، وَيُجْزِئُهُ الْأَذَانُ الَّذِي أُذِّنَ فِيهِ قَبْلُ، وَكَذَلِكَ الْإِقَامَةُ، وَلَوْ أَعَادُوا أَذَانًا وَإِقَامَةً: فَحَسَنٌ، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا الْأَذَانُ
وَالْإِقَامَةُ: فَإِنَّهُ لِكُلِّ مَنْ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ مِمَّنْ شَهِدَهُمَا أَوْ مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمَا؟ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمَا؟ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُصَلَّى فِيهِ جَمَاعَةٌ أُخْرَى إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ. وَاحْتَجَّ لَهُ مُقَلِّدُوهُ بِأَنَّهُ قَالَ هَذَا قَطْعًا لَأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ لَا يَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَ أَئِمَّتِنَا فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَهَا فِي مَنَازِلِهِمْ، وَلَا يَعْتَدُّونَ بِهَا فِي الْمَسْجِدِ مُبْتَدَأَةً أَوْ غَيْرَ مُبْتَدَأَةٍ مَعَ إمَامٍ مِنْ غَيْرِهِمْ. فَهَذَا الِاحْتِيَاطُ لَا وَجْهَ لَهُ، بَلْ مَا حَصَلُوا إلَّا عَلَى اسْتِعْجَالِ الْمَنْعِ مِمَّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ خَوْفًا مِنْ أَمْرٍ لَا يَكَادُ يُوجَدُ مِمَّنْ لَا يُبَالِي بِاحْتِيَاطِهِمْ؟ وَلَقَدْ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ بَقِيَ بْنِ زَرْبٍ الْقَاضِي إذَا دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ جَمَعَ فِيهِ إمَامُهُ الرَّاتِبُ - وَهُوَ لَمْ يَكُنْ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ بَعْدُ - جَمَعَ بِمَنْ مَعَهُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: الْقَصْدُ إلَى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ بِذَلِكَ عَجَبٌ آخَرُ قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لَكِنْ قِلَّةَ اهْتِبَالٍ، أَوْ لِهَوًى، أَوْ لِعَدَاوَةٍ مَعَ الْإِمَامِ -: فَإِنَّنَا نَنْهَاهُ، فَإِنْ انْتَهَى وَإِلَّا أَحْرَقْنَا مَنْزِلَهُ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَالْعَجَبُ أَنَّ الْمَالِكِيِّينَ يَقُولُونَ: فَإِنْ صَلَّوْهَا فِيهِ جَمَاعَةً أَجْزَأَتْهُمْ فَيَا لِلَّهِ وَيَا لِلْمُسْلِمِينَ أَيُّ رَاحَةٍ لَهُمْ فِي مَنْعِهِمْ مِنْ صَلَاةِ جَمَاعَةٍ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً؟ وَهِيَ عِنْدَهُمْ جَازِيَةٌ عَمَّنْ صَلَّاهَا فَأَيُّ اخْتِيَارٍ أَفْسَدُ مِنْ هَذَا؟ وَرُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: جَاءَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عِنْدَ الْفَجْرِ وَقَدْ صَلَّيْنَا فَأَقَامَ وَأَمَّ أَصْحَابَهُ؟ وَرُوِّينَا أَيْضًا: أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ نَحْوُ عَشْرَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ. وَرُوِّينَا أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَنَسٍ وَسَمَّاهُ حَمَّادُ فَقَالَ: فِي مَسْجِدِ بَنِي رِفَاعَةَ؟
مسألة دخل اثنان فصاعدا فوجدوا الإمام في بعض صلاته
وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ: نَفَرٌ دَخَلُوا مَسْجِدَ مَكَّةَ خِلَافَ الصَّلَاةِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، أَيَؤُمُّهُمْ أَحَدُهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَا بَأْسُ ذَلِكَ؟ وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ: أَمَّنِي إبْرَاهِيمُ فِي مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَعَنْ مَعْمَرٍ صَحِبْت أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيَّ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْبَصْرَةِ، فَأَتَيْنَا مَسْجِدَ أَهْلِ مَاءٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ، فَأَذَّنَ أَيُّوبُ وَأَقَامَ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى بِنَا؟ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ قَالَ: دَخَلْت مَعَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ مَسْجِدًا قَدْ صَلَّى فِيهِ أَهْلُهُ، فَأَذَّنَ ثَابِتٌ وَأَقَامَ، وَتَقَدَّمَ الْحَسَنُ فَصَلَّى بِنَا، فَقُلْت: يَا أَبَا سَعِيدٍ: أَمَا يُكْرَهُ هَذَا؟ قَالَ: وَمَا بَأْسُهُ قَالَ عَلِيٌّ هَذَا مِمَّا لَا يُعْرَفُ فِيهِ لِأَنَسٍ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ ابْنُ الْأَسْوَدِ النَّاجِي عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ هُوَ عَلِيُّ بْنُ دَاوُد النَّاجِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَتَّجِرُ عَلَى هَذَا، فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلَّى مَعَهُ» قَالَ عَلِيٌّ: لَوْ ظَفِرُوا بِمِثْلِ هَذَا لَطَارُوا بِهِ كُلَّ مَطَارٍ [مَسْأَلَةٌ دَخَلَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فَوَجَدُوا الْإِمَامَ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ] 496 - مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ دَخَلَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فَوَجَدُوا الْإِمَامَ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ مَعَهُ، فَإِذَا سَلَّمَ فَالْأَفْضَلُ لِلَّذِينَ يُتِمُّونَ مَا فَاتَهُمْ أَنْ يَقْضُوهُ بِإِمَامٍ يَؤُمُّهُمْ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالصَّلَاةِ جَمَاعَةً، وَلَوْلَا نَصٌّ وَرَدَ بِأَنْ يَقْضُوا فُرَادَى لَمَا أَجْزَأَ ذَلِكَ -: وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ لَيْثٍ قَالَ: دَخَلْت مَعَ ابْنِ سَابِطٍ فِي أُنَاسٍ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ سَاجِدٌ فَسَجَدَ بَعْضُنَا وَتَهَيَّأَ بَعْضُنَا لِلسُّجُودِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ ابْنُ سَابِطٍ بِأَصْحَابِهِ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَطَاءٍ؟ فَقَالَ: كَذَلِكَ يَنْبَغِي، فَقُلْت: إنَّ هَذَا لَا يُفْعَلُ عِنْدَنَا. قَالَ: يَفْرُقُونَ.
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ النَّاسَ مَضَوْا عَلَى أَعْمَالِ سَلَاطِينِ الْجَوْرِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: فِي الْقَوْمِ يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ فَيُدْرِكُونَ فِيهِ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً؟ قَالَ: يَقُومُونَ فَيَقْضُونَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ، يَؤُمُّهُمْ أَحَدُهُمْ وَهُوَ قَائِمٌ مَعَهُمْ فِي الصَّفِّ
حكم المساجد
[حُكْمُ الْمَسَاجِدِ] [مَسْأَلَةٌ الْمَحَارِيبُ فِي الْمَسَاجِدِ] مَسْأَلَةٌ حُكْمُ الْمَسَاجِدِ: وَتُكْرَهُ الْمَحَارِيبُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَوَاجِبٌ كَنْسُهَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُطَيِّبَ بِالطِّيبِ -: وَيُسْتَحَبُّ مُلَازَمَةُ الْمَسْجِدِ لِمَنْ هُوَ فِي غِنًى عَنْ الْكَسْبِ وَالتَّصَرُّفِ؟ وَقَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا الْمَحَارِيبُ فَمُحْدَثَةٌ، وَإِنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقِفُ وَحْدَهُ وَيَصُفُّ الصَّفُّ الْأَوَّلُ خَلْفَهُ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْهَمْدَانِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ثنا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - حَدَّثَنِي عُقَيْلُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ «أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَا هُمْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِهِمْ، لَمْ يَفْجَأْهُمْ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ كَشَفَ سَجْفَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَنَظَرَ إلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ تَبَسَّمَ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الصَّلَاةِ، وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ فَرَحًا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَشَارَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ: أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ» . قَالَ عَلِيٌّ: لَوْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ فِي مِحْرَابٍ لَمَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ كَشَفَ السِّتْرَ، وَكَانَ هَذَا يَوْمَ مَوْتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؟
وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْمِحْرَابَ فِي الْمَسْجِدِ؟ وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلَّى فِي طَاقِ الْإِمَامِ، قَالَ سُفْيَانُ وَنَحْنُ نَكْرَهُهُ؟ وَعَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْت الْحَسَنَ جَاءَ إلَى ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَقَالَ ثَابِتٌ: تَقَدَّمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَالَ الْحَسَنُ: بَلْ أَنْتَ أَحَقُّ، قَالَ ثَابِتٌ: وَاَللَّهِ لَا أَتَقَدَّمُك أَبَدًا فَتَقَدَّمَ الْحَسَنُ فَاعْتَزَلَ الطَّاقَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ قَالَ مُعْتَمِرٌ: وَرَأَيْت أَبِي، وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ يَعْتَزِلَانِهِ؟ وَعَنْ وَكِيعٍ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ تَنْقُصُ أَعْمَارُهُمْ، يُزَيِّنُونَ مَسَاجِدَهُمْ، وَيَتَّخِذُونَ لَهَا مَذَابِحَ كَمَذَابِحِ النَّصَارَى فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ صُبَّ عَلَيْهِمْ الْبَلَاءُ؟ [وَهُوَ قَوْلُ] مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا كَنْسُ الْمَسَاجِدِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور: 36] {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ} [النور: 37] وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يُجِيزُ الْمَجِيءَ إلَى الْمَسْجِدِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَقَبْلَ الزَّوَالِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ - ثُمَّ يَكْرَهُ الْمَجِيءَ إلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ قَبْلَ أَوْقَاتِهَا -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُطَيَّبَ وَتُنَظَّفَ» قَالَ عَلِيٌّ: الدُّورُ هِيَ الْمَحَلَّاتُ، وَالْأَرْبَاضُ، تَقُولُ: دَارُ بَنِي عَبْدَ الْأَشْهَلِ، وَدَارُ بَنِي النَّجَّارِ تُرِيدُ: مَحَلَّةَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ
مسألة التحدث في المسجد بما لا إثم فيه من أمور الدنيا
إبْرَاهِيم هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا عَائِذُ بْنُ حَبِيبٍ ثنا حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَامَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَحَكَّتْهَا وَجَعَلَتْ مَكَانَهَا خَلُوقًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَحْسَنَ هَذَا» [مَسْأَلَةٌ التَّحَدُّثُ فِي الْمَسْجِدِ بِمَا لَا إثْمَ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا] 498 - مَسْأَلَةٌ: وَالتَّحَدُّثُ فِي الْمَسْجِدِ بِمَا لَا إثْمَ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، مُبَاحٌ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ. وَإِنْشَادُ الشِّعْرِ فِيهِ مُبَاحٌ، وَالتَّعَلُّمُ فِيهِ لِلصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ مُبَاحٌ، وَالسَّكَنُ فِيهِ وَالْمَبِيتُ مُبَاحٌ، مَا لَمْ يَضِقْ عَلَى الْمُصَلِّينَ، وَإِدْخَالُ الدَّابَّةِ فِيهِ مُبَاحٌ إذَا كَانَ لِحَاجَةٍ، وَالْحُكْمُ فِيهِ وَالْخِصَامُ كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَالتَّطَرُّقُ فِيهِ جَائِزٌ، إلَّا أَنَّ مَنْ خَطَرَ فِيهِ بِنَبْلٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُمْسِكَ بِحَدَائِدِهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي كُلِّ مَا أَصَابَ مِنْهَا؟ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ثنا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «أُصِيبَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي الْأَكْحَلِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ - وَفِي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ لِقَوْمٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ - إلَّا الدَّمَ يَسِيلُ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ، مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ يَغْذُو جُرْحُهُ دَمًا، فَمَاتَ مِنْهَا» . وَحَدِيثُ السَّوْدَاءِ الَّتِي كَانَتْ تَسْكُنُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا. وَأَهْلُ الصُّفَّةِ كَانُوا سُكَّانًا فِي الْمَسْجِدِ؟ وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ شَابٌّ أَعْزَبُ فِي الْمَسْجِدِ. وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ
أَبِي سَلَمَةَ عَنْ «أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي أَشْتَكِي، قَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي الْحَدْرَدِ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إلَيْهِمَا فَنَادَى: يَا كَعْبُ ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا، وَأَوْمَأَ إلَيْهِ: أَيْ الشَّطْرَ، قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُمْ فَاقْضِهِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيم عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَرَّ بِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَحَظَ إلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ كُنْت أُنْشِدُ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ثنا الْوَلِيدُ هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ ثنا الْأَوْزَاعِيُّ ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ.
مسألة دخول المشركين في جميع المساجد حاشا حرم مكة كله
وَقَدْ «صَلَّى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَامِلًا أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ وَأُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ؟ وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ ثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ ثنا أَبُو بُرْدَةَ هُوَ بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بُرْدَةَ هُوَ جَدُّهُ عَامِرُ بْنُ أَبِي مُوسَى - عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ فَلْيَأْخُذْ عَلَى نِصَالِهَا بِكَفِّهِ لَا يَعْقِرْ مُسْلِمًا» . قَالَ عَلِيٌّ: وَالْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ النَّهْيُ عَنْ إنْشَادِ الشِّعْرِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ "، وَهِيَ صَحِيفَةٌ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ: إبَاحَةَ التَّطَرُّقِ فِي الْمَسْجِدِ؟ . [مَسْأَلَةٌ دُخُولُ الْمُشْرِكِينَ فِي جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ حَاشَا حَرَمَ مَكَّةَ كُلَّهُ] 499 - مَسْأَلَةٌ: وَدُخُولُ الْمُشْرِكِينَ فِي جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ: جَائِزٌ، حَاشَا حَرَمَ مَكَّةَ كُلَّهُ - الْمَسْجِدَ وَغَيْرَهُ - فَلَا يَحِلُّ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَدْخُلَهُ كَافِرٌ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَهُ الْيَهُودِيُّ، وَالنَّصْرَانِيُّ، وَمَنَعَ مِنْهُ سَائِرَ الْأَدْيَانِ وَكَرِهَ مَالِكٌ دُخُولَ أَحَدٍ مِنْ الْكُفَّارِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] قَالَ عَلِيٌّ: فَخَصَّ اللَّهُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَلَا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ نَصٍّ، وَقَدْ كَانَ الْحَرَمُ قَبْلَ بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ وَقَدْ زِيدَ فِيهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» . فَصَحَّ أَنَّ الْحَرَمَ كُلَّهُ هُوَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا اللَّيْثُ ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ قَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ، يَا مُحَمَّدُ إنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ؟ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِإِطْلَاقِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ: فَانْطَلَقَ إلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاَللَّهِ: مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إلَيَّ، وَاَللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إلَيَّ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَبَطَلَ قَوْلُ مَالِكٍ؟ وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَبَيْنَ سَائِرِ الْكُفَّارِ -: فَقَالَ تَعَالَى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ} [البينة: 1] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ} [الحج: 17] قَالَ: وَالْمُشْرِكُ: هُوَ مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا، لَا مَنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ شَرِيكًا؟ قَالَ عَلِيٌّ: لَا حُجَّةَ لَهُ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا فَأَمَّا تَعَلُّقُهُ بِالْآيَتَيْنِ فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68] وَالرُّمَّانُ مِنْ الْفَاكِهَةِ. وَقَالَ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98] وَهُمَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ؟
وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} [الأحزاب: 7] وَهَؤُلَاءِ مِنْ النَّبِيِّينَ؟ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ مَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ حُجَّةً: إنْ لَمْ يَأْتِ بُرْهَانٌ بِأَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى، وَالْمَجُوسَ، وَالصَّابِئِينَ: مُشْرِكُونَ، لِأَنَّهُ لَا يُحْمَلُ شَيْءٌ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُهُ، حَتَّى يَأْتِيَ بُرْهَانٌ بِأَنَّهُ هُوَ أَوْ بَعْضُهُ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: إنَّ أَوَّلَ مُخَالِفٍ لِنَصِّ الْآيَتَيْنِ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْمَجُوسَ عِنْدَهُ: مُشْرِكُونَ، وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الذِّكْرِ بَيْنَ الْمَجُوسِ، وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ - فَبَطَلَ تَعَلُّقَهُ بِعَطْفِ اللَّهِ تَعَالَى إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى؟ ثُمَّ وَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] فَلَوْ كَانَ هَاهُنَا كُفْرٌ لَيْسَ شِرْكًا لَكَانَ مَغْفُورًا لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِخِلَافِ الشِّرْكِ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ عَنْ جَرِيرٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهُ بْنُ مَسْعُودٍ «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ، قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: أَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ ثنا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ سَعِيدٍ
الْجُرَيْرِيِّ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ ثَلَاثًا؟ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ» وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» قَالَ عَلِيٌّ: فَلَوْ كَانَ هَاهُنَا كُفْرٌ لَيْسَ شِرْكًا لَكَانَ ذَلِكَ الْكُفْرُ خَارِجًا عَنْ الْكَبَائِرِ، وَلَكَانَ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَعْظَمُ مِنْهُ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ؟ فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ كُفْرٍ شِرْكٌ، وَكُلَّ شِرْكٍ كُفْرٌ، وَأَنَّهُمَا اسْمَانِ شَرْعِيَّانِ أَوْقَعَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ؟ ؟ وَأَمَّا حُجَّتُهُ بِأَنَّ الْمُشْرِكَ هُوَ مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا فَقَطْ: فَهِيَ مُنْتَقِضَةٌ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّصَارَى يَجْعَلُونَ لِلَّهِ تَعَالَى شَرِيكًا يَخْلُقُ كَخَلْقِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: إنَّهُمْ لَيْسُوا مُشْرِكِينَ وَهَذَا تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ؟ وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَرَاهِمَةَ، وَالْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَزَلْ، وَأَنَّ لَهُ خَالِقًا وَاحِدًا لَمْ يَزَلْ، وَالْقَائِلِينَ بِنُبُوَّةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْمُغِيرَةِ وَبُزَيْغٍ كُلُّهُمْ لَا يَجْعَلُونَ لِلَّهِ تَعَالَى
مسألة اللعب والزفن مباحان في المسجد
شَرِيكًا وَهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُشْرِكُونَ، وَهُوَ تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ؟ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْمُشْرِكُ إلَّا مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ التَّشْرِيكِ فِي اللُّغَةِ -: وَهُوَ مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ تَعَالَى شَرِيكًا فَقَطْ -: لَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ الْكُفْرُ إلَّا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَأَنْكَرَهُ جُمْلَةً، لَا مَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَجْحَدْهُ، فَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ لَا يَكُونَ الْكُفَّارُ إلَّا الدَّهْرِيَّةُ فَقَطْ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْيَهُودُ، وَلَا النَّصَارَى، وَلَا الْمَجُوسُ، وَلَا الْبَرَاهِمَةُ. كُفَّارًا؛ لِأَنَّهُمْ كُلُّهُمْ مُقِرُّونَ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهَذَا، وَلَا مُسْلِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ. أَوْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَنْ غَطَّى شَيْئًا: كَافِرًا، فَإِنَّ الْكُفْرَ فِي اللُّغَةِ: التَّغْطِيَةُ، فَإِذَا كُلُّ هَذَا بَاطِلٌ فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُمَا اسْمَانِ نَقَلَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مَوْضُوعِهِمَا فِي اللُّغَةِ إلَى كُلِّ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْ دِينِ اللَّهِ الْإِسْلَامِ يَكُونُ بِإِنْكَارِهِ مُعَانِدًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ بُلُوغِ النِّذَارَةِ إلَيْهِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ اللَّعِبُ وَالزَّفْنُ مُبَاحَانِ فِي الْمَسْجِدِ] 500 - مَسْأَلَةٌ: وَاللَّعِبُ، وَالزَّفْنُ مُبَاحَانِ فِي الْمَسْجِدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: جَاءَ حَبَشٌ يَزْفِنُونَ فِي الْمَسْجِدِ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَدَعَانِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى مَنْكِبِهِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إلَى لَعِبِهِمْ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِي انْصَرَفْتُ» . [مَسْأَلَةٌ إنْشَادُ الضَّوَالِّ فِي الْمَسَاجِدِ] 501 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ إنْشَادُ الضَّوَالِّ فِي الْمَسَاجِدِ: " فَمَنْ نَشَدَهَا فِيهِ قِيلَ لَهُ: لَا وَجَدْت: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك " -: حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ثنا الْحِجِّيُّ ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ - حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَنْشُدُ ضَالَّتَهُ - يَعْنِي فِي الْمَسْجِدِ - فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ.» .
مسألة البول في المسجد
وَقَدْ رُوِّينَا أَيْضًا " لَا وَجَدْت ". [مَسْأَلَةٌ الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ] 502 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ فَمَنْ بَالَ فِيهِ صُبَّ عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، وَلَا يَجُوزُ الْبُصَاقُ، فَمَنْ بَصَقَ فِيهِ فَلْيَدْفِنْ بَصْقَتَهُ. وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُبْنَى مَسْجِدٌ بِذَهَبٍ، وَلَا فِضَّةٍ، إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ خَاصَّةً؟ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» . وَرُوِّينَا الْقَوْلَ بِذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَمُعَاوِيَةَ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو الْيَمَانِ أَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» قَالَ عَلِيٌّ: «أَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَنْظِيفِ الْمَسَاجِدِ وَتَطْيِيبِهَا» كَمَا أَوْرَدْنَا قَبْلُ يَقْتَضِي كُلَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ تَنْظِيفٍ وَتَطْيِيبٍ، وَالتَّنْظِيفُ وَالتَّطْيِيبُ: يُوجِبَانِ إبْعَادَ كُلِّ مُحَرَّمٍ، وَكُلِّ قَذِرٍ، وَكُلِّ قُمَامَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ إذْهَابِ عَيْنِ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي
مسألة بناء مسجد عليه بيت متملك ليس من المسجد
فَزَارَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أَمَرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَمْرُو بْنُ الْعَبَّاسِ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ - ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَلَسْت إلَى شَيْبَةَ يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ الْحَجَبِيِّ - قَالَ: جَلَسَ إلَيَّ عُمَرُ فِي مَجْلِسِك هَذَا فَقَالَ: هَمَمْت أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إلَّا قَسَمْتهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْت: مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ، قَالَ: لِمَ؟ قُلْت: لَمْ يَفْعَلْهُ صَاحِبَاك، قَالَ: هُمَا الْمَرْءَانِ يُقْتَدَى بِهِمَا ". وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: إذَا حَلَّيْتُمْ مَصَاحِفَكُمْ، وَزَخْرَفْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ: فَالدَّمَارُ عَلَيْكُمْ؟ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الْقَوْمَ إذَا زَيَّنُوا مَسَاجِدَهُمْ: فَسَدَتْ أَعْمَالُهُمْ، وَأَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ عَلَى مَسْجِدٍ لِلتَّيْمِ مَشُوفٍ فَكَانَ يَقُولُ: هَذِهِ بِيعَةُ التَّيْمِ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا: لَا تُحَمِّرْ، وَلَا تُصَفِّرْ؟ [مَسْأَلَةٌ بِنَاءُ مَسْجِدٍ عَلَيْهِ بَيْتٌ مُتَمَلَّكٌ لَيْسَ مِنْ الْمَسْجِدِ] 503 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ بِنَاءُ مَسْجِدٍ عَلَيْهِ بَيْتٌ مُتَمَلَّكٌ لَيْسَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَلَا بِنَاءُ مَسْجِدٍ تَحْتَهُ بَيْتٌ مُتَمَلَّكٌ لَيْسَ مِنْهُ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَسْجِدًا، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ بَانِيهِ كَمَا كَانَ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ الْهَوَاءَ لَا يُتَمَلَّكُ، لِأَنَّهُ لَا يُضْبَطُ وَلَا يَسْتَقِرُّ؟ وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} [الجن: 18] فَلَا يَكُونُ مَسْجِدًا إلَّا خَارِجًا عَنْ مِلْكِ كُلِّ أَحَدٍ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى لَا شَرِيكَ لَهُ فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَكُلُّ بَيْتٍ مُتَمَلَّكٍ لِإِنْسَانٍ فَلَهُ أَنْ يُعَلِّيَهُ مَا شَاءَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِ الْهَوَاءِ الَّذِي عَلَيْهِ عَنْ مِلْكِهِ، وَحُكْمُهُ الْوَاجِبُ لَهُ، لَا إلَى إنْسَانٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ إذَا بَنِي عَلَى الْأَرْضِ مَسْجِدًا وَشَرَطَ الْهَوَاءَ لَهُ يَعْمَلُ فِيهِ مَا شَاءَ: فَلَمْ
مسألة البيع في المساجد
يُخْرِجْهُ عَنْ مِلْكِهِ إلَّا بِشَرْطٍ فَاسِدٍ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» . وَأَيْضًا: فَإِذَا عَمِلَ مَسْجِدًا عَلَى الْأَرْضِ وَأَبْقَى الْهَوَاءَ لِنَفْسِهِ: فَإِنْ كَانَ السَّقْفُ لَهُ؟ فَهَذَا مَسْجِدٌ لَا سَقْفَ لَهُ، وَلَا يَكُونُ بِنَاءٌ بِلَا سَقْفٍ أَصْلًا. وَإِنْ كَانَ السَّقْفُ لِلْمَسْجِدِ؟ فَلَا يَحِلُّ لَهُ التَّصَرُّفُ عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ. وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ فِي الْعُلْوِ وَالسَّقْفُ لِلْمَسْجِدِ: - فَهَذَا مَسْجِدٌ لَا أَرْضَ لَهُ، وَهَذَا بَاطِلٌ. فَإِنْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، فَإِنَّمَا أَبْقَى لِنَفْسِهِ بَيْتًا بِلَا سَقْفٍ، وَهَذَا مُحَالٌ؟ ؟ وَأَيْضًا: فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ سُفْلًا؟ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى رُءُوسِ حِيطَانِهِ شَيْئًا، وَاشْتِرَاطُ ذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ. وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ عُلْوًا، فَلَهُ هَدْمُ حِيطَانِهِ مَتَى شَاءَ، وَفِي ذَلِكَ هَدْمُ الْمَسْجِدِ وَانْكِفَاؤُهُ وَلَا يَحِلُّ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَنْعٌ لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ. [مَسْأَلَةٌ الْبَيْعُ فِي الْمَسَاجِدِ] 504 - مَسْأَلَةٌ: وَالْبَيْعُ جَائِزٌ فِي الْمَسَاجِدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] وَلَمْ يَأْتِ نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ إلَّا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَهِيَ صَحِيفَتُهُ. [مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى] 505 - مَسْأَلَةٌ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى؟ وَالصَّلَاةُ الْوُسْطَى: هِيَ الْعَصْرُ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ -: فَصَحَّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهَا الظُّهْرُ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُمْ؟ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ جُمْلَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَنَّهَا الصُّبْحُ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُمَا. وَعَنْ عَلِيٍّ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ؟
وَهُوَ قَوْل: طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَعَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهَا الْمَغْرِبُ. وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ الْعَتَمَةُ؟ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا الْعَصْرُ؟ وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا الظُّهْرُ -: بِمَا رُوِّينَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالنَّاسُ فِي قَائِلَتِهِمْ وَأَسْوَاقِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا الصَّفُّ وَالصَّفَّانِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ أَوْ لَأُحَرِّقَنَّ بُيُوتَهُمْ» ؟ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: قَبْلَهَا: صَلَاتَانِ وَبَعْدَهَا: صَلَاتَانِ. قَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ فِي هَذَا بَيَانٌ جَلِيٌّ بِأَنَّهَا الظُّهْرُ؟ وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا الْمَغْرِبُ بِأَنَّ أَوَّلَ الصَّلَوَاتِ فُرِضَتْ الظُّهْرُ، فَهِيَ الْأُولَى، وَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ الْأُولَى، وَبَعْدَهَا الْعَصْرُ، صَلَاتَانِ لِلنَّهَارِ، فَالْمَغْرِبُ هِيَ الْوُسْطَى، وَبِأَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا إلَّا وَقْتًا وَاحِدًا؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّهَا خَمْسٌ أَبَدًا بِالْعَدَدِ مِنْ حَيْثُ شِئْت، فَالثَّالِثَةُ الْوُسْطَى، وَمَنْ جَعَلَ لَهَا وَقْتًا وَاحِدًا فَقَدْ أَخْطَأَ، إذْ قَدْ صَحَّ النَّصُّ بِأَنَّ لَهَا وَقْتَيْنِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ؟ وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا: " الْعَتَمَةُ " حُجَّةً نَشْتَغِلُ بِهَا؟ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: إنَّهَا الصُّبْحُ بِأَنْ قَالَ: إنَّهَا تُصَلَّى فِي سَوَادٍ مِنْ اللَّيْلِ وَبَيَاضٍ مِنْ النَّهَارِ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا شَيْءَ، لِأَنَّ الْمَغْرِبَ تُشَارِكُهَا فِي هَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَيْسَ فِي كَوْنِهَا كَذَلِكَ بَيَانٌ بِأَنَّ إحْدَاهُمَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى.
وَقَالُوا: قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ لَيْلَةً، وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ لَيْلَةٍ» قَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ فِي هَذَا تَفْضِيلٌ لَهَا عَلَى الظُّهْرِ، وَلَا عَلَى الْعَصْرِ، وَلَا عَلَى الْمَغْرِبِ، وَإِنَّمَا فِيهِ تَفْضِيلُهَا عَلَى الْعَتَمَةِ فَقَطْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا بَيَانُ: أَنَّهَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ فَاتَهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» وَذَكَرُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَتَعَاقَبُ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، يَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ» قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ شَارَكَهَا فِي هَذَا صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا بَيَانٌ بِأَنَّ إحْدَاهُمَا هِيَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى. وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» . «وَمَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» وَلَا فَرْقَ.
وَذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] وَهَذَا لَا بَيَانَ فِيهِ بِأَنَّهَا الْوُسْطَى، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِغَيْرِ الصُّبْحِ كَمَا أَمَرَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَ تَعَالَى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] فَالْأَمْرُ بِجَمِيعِهَا سَوَاءٌ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَعَاقَبُ فِي الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، فَقُرْآنُ الْعَصْرِ مَشْهُودٌ كَقُرْآنِ الْفَجْرِ وَلَا فَرْقَ. وَلَيْسَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] دَلِيلٌ أَنَّ قُرْآنَ غَيْرِ الْفَجْرِ مِنْ الصَّلَوَاتِ لَيْسَ مَشْهُودًا، حَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا بَلْ كُلُّهَا مَشْهُودٌ بِلَا شَكٍّ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهَا أَصْعَبُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُصَلِّينَ، فِي الشِّتَاءِ: لِلْبَرْدِ، وَفِي الصَّيْفِ: لِلنَّوْمِ، وَقِصَرِ اللَّيَالِيِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا دَلِيلَ فِيهِ أَصْلًا عَلَى أَنَّهَا الْوُسْطَى، وَالظُّهْرُ يَشْتَدُّ فِيهَا الْحَرُّ حَتَّى تَكُونَ أَصْعَبَ الصَّلَوَاتِ، كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ، لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ حُجَّةٌ، وَإِنَّمَا هِيَ ظُنُونٌ كَاذِبَةٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28] وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» وَلَا يَحِلُّ الْإِخْبَارُ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالظَّنِّ الْكَاذِبِ، مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: نَجْعَلُ كُلَّ صَلَاةٍ هِيَ الْوُسْطَى قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ صَلَاةً وَاحِدَةً، فَلَا يَحِلُّ حَمْلُهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، وَلَا عَلَى غَيْرِ الَّتِي أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، فَيَكُونُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ كَاذِبًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ عَلِيٌّ: فَوَجَبَ طَلَبُ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ الْوُسْطَى مِنْ بَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا مِنْ غَيْرِهِ. قَالَ تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ -: فَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْمُسْنَدِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ. وَقَالَ الْمُسْنَدِيُّ: ثنا يَزِيدُ، ثُمَّ اتَّفَقَ يَزِيدُ وَيَحْيَى قَالَا: أَنَا هِشَامُ هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ: شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ - أَوْ أَجْوَافَهُمْ - نَارًا» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ قَالَا: ثنا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْت قَتَادَةَ عَنْ أَبِي حَسَّانَ هُوَ مُسْلِمٌ الْأَجْرَدُ - عَنْ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْأَحْزَابِ: شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى آبَتْ الشَّمْسُ، مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا» هَذَا لَفْظُ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَلَفْظُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ «قُبُورَهُمْ أَوْ بُيُوتَهُمْ أَوْ بُطُونَهُمْ نَارًا» . حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ «زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ:
قُلْتُ لِعُبَيْدَةَ: سَلْ عَلِيًّا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: كُنَّا نَرَاهَا صَلَاةَ الْفَجْرِ، حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، مَلَأَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَأَجْوَافَهُمْ أَوْ بُيُوتَهُمْ نَارًا» . قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ رُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ وَأَبِي كُرَيْبٍ قَالُوا: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَشُتَيْرٌ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، وَأَبُوهُ أَحَدُ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ سَمِعَهُ شُتَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طُرُقٍ. فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَظَاهِرَةٌ لَا يَسَعُ الْخُرُوجُ عَنْهَا، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ، كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -: قَالَ عَلِيٌّ: فَتَعَلَّلَ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ بِأَنْ ذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَتَبَتْ بِخَطِّ يَدِهَا فِي مُصْحَفِهَا حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ - وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ وَبِمَا رُوِّينَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ دَاوُد بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَتْهُ أَنْ يَنْسَخَ لَهَا مُصْحَفًا، وَأَمَرَتْهُ أَنْ يَكْتُبَ فِيهِ إذَا بَلَغَ إلَى هَذَا الْمَكَانِ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. وَعَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا أَمْلَتْ عَلَيْهِ فِي مُصْحَفٍ كَتَبَهُ لَهَا: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ - وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ
وَقَالَتْ: " سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ". وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: «كَانَ فِي مُصْحَفِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى - وَصَلَاةِ الْعَصْرِ - وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ» . وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: " حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ " وَعَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ يَقْرَؤُهَا: عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ. قَالُوا: فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ صَلَاةَ الْعَصْرِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا اعْتِرَاضٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، لِأَنَّهُ كُلَّهُ لَيْسَ مِنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى حَفْصَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَعَائِشَةَ: أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ - وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، حَاشَا رِوَايَةَ عَائِشَةَ فَقَطْ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَارَضَ نَصُّ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَلَامِ غَيْرِهِ؟ فَإِنْ وَهَّنُوا تِلْكَ الرِّوَايَاتِ قِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ الرِّوَايَاتُ هِيَ الْوَاهِيَةُ وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَجُوزُ؟ ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: مِنْ الْعَجَبِ احْتِجَاجُكُمْ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ الَّتِي أَنْتُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّهَا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ بِهَا، وَلَا أَنْ يَكْتُبَهَا فِي مُصْحَفِهِ، وَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّهَا رِوَايَاتٌ لَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ وَكُلُّ مَا كَانَ عَمَّنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ عِنْدَ
التَّنَازُعِ بِالرَّدِّ إلَى أَحَدٍ غَيْرِ كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا إلَى غَيْرِهِمَا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَخَالَفَ أَمْرَهُ، فَهَذَا بُرْهَانٌ كَافٍ ثُمَّ آخَرُ، وَهُوَ: أَنَّ الرِّوَايَةَ قَدْ تَعَارَضَتْ عَنْ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ الْمَذْكُورِينَ -: عَلَى أَنْ نُسَلِّمَ لَكُمْ كُلَّ مَا تُرِيدُونَ فِي مَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ الزَّائِدَةِ الَّتِي فِي هَذِهِ - الْآثَارِ - وَهِيَ أَنَّنَا رُوِّينَا خَبَرَ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ دَاوُد بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَتَبَتْ مُصْحَفًا فَقَالَتْ: اُكْتُبْ " حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ هَكَذَا بِلَا وَاوٍ؟ وَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ - هَكَذَا بِلَا وَاوٍ؟ فَاخْتَلَفَ وَكِيعٌ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَلَى دَاوُد بْنِ قَيْسٍ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ. وَاخْتَلَفَ وَكِيعٌ، وَيَحْيَى عَلَى شُعْبَةَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَيْسَ وَكِيعٌ دُونَ يَحْيَى وَلَا دُونَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ؟ وَأَمَّا خَبَرُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ مَجْلُوبِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ خَالِدِ الْحَذَّاءَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ فَلَيْسَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ دُونَ الْأُولَى، فَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَيْضًا؟ وَأَمَّا خَبَرُ عَائِشَةَ فَإِنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ أَبِي سَهْلٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ؟ فَهَذِهِ أَصَحُّ رِوَايَةٍ عَنْ عَائِشَةَ أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ ثِقَةٌ - رَوَى عَنْهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَوَكِيعٌ، وَمَعْمَرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَغَيْرُهُمْ. فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا قَبْلُ، إذْ لَيْسَ بَعْضُ مَا رُوِيَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ
بِأُولَى مِنْ بَعْضٍ، وَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ إلَى مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَّا أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى: صَلَاةُ الْعَصْرِ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي أُورِدَتْ عَنْ حَفْصَةَ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَأُبَيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ -: الَّتِي فِيهَا " وَصَلَاةُ الْعَصْرِ " وَاَلَّتِي فِيهَا " صَلَاةُ الْعَصْرِ " عَنْهُمْ " بِلَا وَاوٍ " حَاشَا حَفْصَةَ وَكَيْفَ تَقُولُونَ فِي الْقِرَاءَةِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَهِيَ لَا تَحِلُّ الْقِرَاءَةُ بِهَا الْيَوْمَ؟ فَجَوَابُنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: أَنَّ الَّذِي يُظَنُّ مِنْ اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ اخْتِلَافًا، بَلْ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ مَعَ " الْوَاوِ " وَمَعَ إسْقَاطِهَا سَوَاءٌ، وَهُوَ أَنَّهَا تَعْطِفُ الصِّفَةَ عَلَى الصِّفَةِ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ. كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] فَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ. وَكَمَا تَقُولُ: أَكْرِمْ إخْوَانَك، وَأَبَا زَيْدٍ الْكَرِيمِ وَالْحَسِيبِ أَخَا مُحَمَّدٍ فَأَبُو زَيْدٍ هُوَ الْحَسِيبُ، وَهُوَ أَخُو مُحَمَّدٍ. فَقَوْلُهُ " وَصَلَاةُ الْعَصْرِ " بَيَانٌ لِلصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَهِيَ الْوُسْطَى وَهِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ» فَلَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا أَصْلًا، فَوَجَبَ بِذَلِكَ حَمْلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ» عَلَى أَنَّهَا عَطْفُ صِفَةٍ عَلَى صِفَةٍ وَلَا بُدَّ وَيُبَيِّنُ أَيْضًا صِحَّةَ هَذَا التَّأْوِيلِ عَنْهُمْ مَا قَدْ أَوْرَدْنَاهُ عَنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ " وَالصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ ". وَصَحَّتْ الرِّوَايَةُ عَنْ عَائِشَةَ بِأَنَّهَا الْعَصْرُ، وَهِيَ الَّتِي رَوَتْ نُزُولَ الْآيَةِ فِيهَا " وَصَلَاةُ الْعَصْرِ " فَصَحَّ أَنَّهَا عَرَفَتْ أَنَّهَا صِفَةٌ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ، وَهِيَ سَمِعَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتْلُوهَا كَذَلِكَ، وَبِهَذَا ارْتَفَعَ الِاضْطِرَابُ عَنْهُمْ، وَتَتَّفِقُ أَقْوَالُهُمْ، وَيَصِحُّ كُلُّ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ، وَيَنْتَفِي عَنْهُ الِاخْتِلَافُ، وَحَاشَا لِلَّهِ أَنْ يَأْتِيَ اضْطِرَابٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَمَنْ أَبَى مِنْ هَذَا لَمْ يَحْصُلْ عَلَى مَا يُرِيدُ، وَوَجَبَ الِاضْطِرَابُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ وَلَمْ يَكُنْ بَعْضُ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَوَجَبَ سُقُوطُ الرِّوَايَتَيْنِ مَعًا، وَصَحَّ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَطَلَ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ بِرِوَايَاتٍ اضْطَرَبَ عَلَى أَصْحَابِهَا بِمَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ مِمَّا يَدَّعِيهِ الْمُخَالِفُ، وَبِمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ مِمَّا يُوَافِقُ قَوْلَنَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ فَلَا تَحِلُّ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ تَزِيدَ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأُبَيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ فِيهِ؟ وَالْقَوْلُ فِي هَذَا: هُوَ أَنَّ تِلْكَ اللَّفْظَةَ كَانَتْ مُنَزَّلَةً ثُمَّ نُسِخَ لَفْظُهَا -: كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبِدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ «أُمِّ حُمَيْدٍ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى؟ فَقَالَتْ: كُنَّا نَقْرَؤُهَا فِي الْحَرْفِ الْأَوَّلِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى - وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ثنا الْفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ " نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَنَزَلَتْ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ شَقِيقٍ لَهُ: هِيَ إذَنْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَقَالَ الْبَرَاءُ: قَدْ أَخْبَرْتُك كَيْفَ نَزَلَتْ؟ وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللَّهُ؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ " قَالَ عَلِيٌّ: فَصَحَّ نَسْخُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَبَقِيَ حُكْمُهَا كَآيَةِ الرَّجْمِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَدْ يُثْبِتُهَا مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَعْنَى التَّفْسِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ بِهَذَا مِنْ السَّلَفِ طَائِفَةٌ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ.
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَافِعٍ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَقَالَ لِلَّذِي سَأَلَهُ: أَلَسْت تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْك بِهَذَا الْقُرْآنِ حَتَّى تَفْهَمَهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 78] الْمَغْرِبُ. وَقَالَ: {وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ} [النور: 58] الْعَتَمَةُ. وَقَالَ: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] الْغَدَاةُ. ثُمَّ قَالَ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] هِيَ الْعَصْرُ، هِيَ الْعَصْرُ. وَعَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ يَرَى الصَّلَاةَ الْوُسْطَى: صَلَاةَ الْعَصْرِ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ هُوَ يَحْيَى بْنُ يَزِيدَ الْمَرَاغِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ. وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْهَا مِثْلُ ذَلِكَ؟ وَعَنْ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى؟ قَالَ: هِيَ الَّتِي فَرَّطَ فِيهَا ابْنُ دَاوُد يَعْنِي صَلَاةَ الْعَصْرِ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ أَبِي حَيَّانَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ التَّيْمِيِّ حَدَّثَنِي أَبِي: أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ عَلِيًّا: أَيُّ الصَّلَوَاتِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْوُسْطَى؟ وَقَدْ نَادَى مُنَادِيهِ الْعَصْرَ، فَقَالَ: هِيَ هَذِهِ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: لَا يَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ وَلَا عَنْ عَائِشَةَ: غَيْرُ هَذَا أَصْلًا. وَقَدْ رُوِّينَا قَبْلُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ.
مسألة رفع الصوت بالتكبير إثر كل صلاة
وَعَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى: صَلَاةُ الْعَصْرِ؟ وَعَنْ أَبِي هِلَالٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى: صَلَاةُ الْعَصْرِ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى: صَلَاةُ الْعَصْرِ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ قَالَ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى: صَلَاةُ الْعَصْرِ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَدَاوُد، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَقَدْ رُوِّينَاهُ أَيْضًا مُسْنَدًا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَمُرَةَ. [مَسْأَلَةٌ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ إثْرَ كُلِّ صَلَاةٍ] 506 - مَسْأَلَةٌ: وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ إثْرَ كُلِّ صَلَاةٍ: حَسَنٌ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ جَدُّ عَمْرٍو - قَالَ سَمِعْته يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا بِالتَّكْبِيرِ " قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ نَسِيَ أَبُو مَعْبَدٍ هَذَا الْحَدِيثَ وَأَنْكَرَهُ؟ قُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ عَمْرٌو أَوْثَقُ الثِّقَاتِ، وَالنِّسْيَانُ لَا يَعْرَى مِنْهُ آدَمِيٌّ. وَالْحُجَّةُ قَدْ قَامَتْ بِرِوَايَةِ الثِّقَةِ [مَسْأَلَةٌ جُلُوسُ الْإِمَامِ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ سَلَامِهِ] 507 - مَسْأَلَةٌ: وَجُلُوسُ الْإِمَامِ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ سَلَامِهِ: حَسَنٌ مُبَاحٌ لَا يُكْرَهُ، وَإِنْ قَامَ سَاعَةَ يُسَلِّمُ: فَحَسَنٌ؟ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ
مسألة وجد الإمام جالسا في آخر صلاته
عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ «الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ رَمَقْتُ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجَدْتَهُ، فَجِلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ، وَجِلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالِانْصِرَافِ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ.» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ثنا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَتْنِي هِنْدٌ الْفِرَاسِيَّةُ «أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ إذَا سَلَّمْنَ مِنْ الصَّلَاةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ صَلَّى مِنْ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ الرِّجَالُ» وَقَدْ صَحَّتْ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ مُسْنَدَةٌ تَدُلُّ عَلَى هَذَا وَبِهِ إلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ «عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصُّبْحَ، فَلَمَّا صَلَّى انْحَرَفَ» قَالَ عَلِيٌّ: وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَأْثُورٌ عَنْ السَّلَفِ -: رُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّهُ كَانَ إذَا سَلَّمَ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ وَرُوِّينَا خِلَافَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ: أَيَتَطَوَّعُ فِي مَكَانِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ إمَامٍ وَغَيْرِ إمَامٍ؟ . وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّهُمْ ثُمَّ يَتَطَوَّعُ فِي مَكَانِهِ وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: قَدْ كَانَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ؟ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، قِيلَ لِطَاوُسٍ: أَيَتَحَوَّلُ الرَّجُلُ إذَا صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ مِنْ مَكَانِهِ لِيَتَطَوَّعَ؟ فَقَالَ: {أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ} [الحجرات: 16] [مَسْأَلَةٌ وَجَدَ الْإِمَامَ جَالِسًا فِي آخِرِ صَلَاتِهِ] 508 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَجَدَ الْإِمَامَ جَالِسًا فِي آخِرِ صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ، سَوَاءٌ طَمِعَ بِإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا فِي مَسْجِدٍ آخَرَ أَوْ لَمْ يَطْمَعْ، فَإِنْ وَجَدَهُ قَدْ سَلَّمَ، فَإِنْ طَمِعَ بِإِدْرَاكِ شَيْءٍ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ لَا مَشَقَّةَ فِي
قَصْدِهِ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ النُّهُوضُ إلَيْهِ. وَلَا يَجُوزُ الْإِسْرَاعُ إلَى الصَّلَاةِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا قَدْ اُبْتُدِئَتْ؟ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو نُعَيْمٍ هُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ - ثنا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إلَى الصَّلَاةِ قَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا، إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» . وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا آدَم ثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» فَهَذَا عُمُومٌ لِمَا أَدْرَكَهُ الْمَرْءُ مِنْ الصَّلَاةِ، قَلَّ أَمْ كَثُرَ، وَهَذَانِ الْخَبَرَانِ زَائِدَانِ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ الْأَخْذِ بِالزِّيَادَةِ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ أَدْرَكَ قَوْمًا جُلُوسًا فِي آخِرِ صَلَاتِهِمْ فَقَالَ: أَدْرَكْتُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ؟ وَعَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ: مَنْ أَدْرَكَ التَّشَهُّدَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ: إذَا أَدْرَكَهُمْ سُجُودًا سَجَدَ مَعَهُمْ وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قُلْت لِعَطَاءٍ: إنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ أَوْ الْأَذَانَ وَهُوَ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ أَيَقْطَعُ صَلَاتَهُ وَيَأْتِي الْجَمَاعَةَ؟ قَالَ: إنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ شَيْئًا فَنَعَمْ؟ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُ جَاءَ قَوْمًا فَوَجَدَهُمْ قَدْ صَلَّوْا، فَسَمِعَ مُؤَذِّنًا فَخَرَجَ إلَيْهِ؟
مسألة يستحب لكل مصل أن ينصرف عن يمينه
وَرُوِّينَا: أَنَّ الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ فَعَلَهُ أَيْضًا وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ مُقْبِلًا إلَى صَلَاةٍ فَلْيَمْشِ عَلَى رِسْلِهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ، فَمَا أَدْرَكَ فَلْيُصَلِّ، وَمَا فَاتَهُ فَلْيَقْضِهِ بَعْدُ، قَالَ عَطَاءٌ وَإِنِّي لَأَصْنَعُهُ وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَاضِعٌ يَدَهُ عَلَيَّ فَجَعَلَ يُقَارِبُ بَيْنَ الْخُطَا، فَانْتَهَيْنَا إلَى الْمَسْجِدِ وَقَدْ سُبِقْنَا بِرَكْعَةٍ، فَصَلَّيْنَا مَعَ الْإِمَامِ وَقَضَيْنَا مَا فَاتَنَا، فَقَالَ لِي أَنَسٌ: يَا ثَابِتٌ أَغَمَّك مَا صَنَعْتُ بِك؟ قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: صَنَعَهُ بِي أَخِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ: مَنْ أَقْبَلَ لِيَشْهَدَ الصَّلَاةَ فَأُقِيمَتْ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ فَلَا يُسْرِعُ وَلَا يَزِدْ عَلَى مِشْيَتِهِ الْأُولَى، فَمَا أَدْرَكَ فَلْيُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ، وَمَا لَمْ يُدْرِكْ فَلْيُتِمَّهُ؟ . وَعَنْ سُفْيَانَ بْنَ زِيَادٍ أَنَّ الزُّبَيْرَ أَدْرَكَهُ وَهُوَ يُعَجِّلُ إلَى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ الزُّبَيْرُ: أَقْصِدْ، فَإِنَّك فِي صَلَاةٍ، لَا تَخْطُو خُطْوَةً إلَّا رَفَعَك اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً أَوْ حَطَّ عَنْك بِهَا خَطِيئَةً؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ " اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا ". وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ -: فِيهِمَا النَّهْيُ عَنْ الْإِسْرَاعِ أَيْضًا؟ [مَسْأَلَةٌ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ يَمِينِهِ] 509 - مَسْأَلَةٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ يَمِينِهِ فَإِنْ انْصَرَفَ عَنْ شِمَالِهِ: فَمُبَاحٌ، لَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ وَلَا كَرَاهَةَ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ، ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ثنا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ سَمِعْت أَبِي عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» . وَرُوِّينَا عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ السُّدِّيَّ: سَأَلْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: كَيْفَ أَنْصَرِفُ إذَا صَلَّيْت؟ قَالَ: «أَمَّا أَنَا فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْصَرِفُ عَلَى يَمِينِهِ»
مسألة وجد الإمام راكعا أو ساجدا
وَعَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ «عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مَا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ عُمَارَةُ: فَرَأَيْتُ حِجْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ.» [مَسْأَلَةٌ وَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا] 510 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا أَوْ جَالِسًا فَلَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يُكَبِّرَ قَائِمًا، لَكِنْ يُكَبِّرُ وَهُوَ فِي الْحَالِ الَّتِي يَجِدُ إمَامَهُ عَلَيْهَا وَلَا بُدَّ، تَكْبِيرَتَيْنِ وَلَا بُدَّ، إحْدَاهُمَا لِلْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ، وَالثَّانِيَةِ لِلْحَالِ الَّتِي هُوَ فِيهَا. لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» . وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا.» فَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالِائْتِمَامِ بِالْإِمَامِ، وَالِائْتِمَامُ بِهِ: هُوَ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ الْإِنْسَانُ فِي جَمِيعِ عَمَلِهِ، وَمَنْ كَبَّرَ قَائِمًا وَالْإِمَامُ غَيْرُ قَائِمٍ فَلَمْ يَأْتَمَّ بِهِ، فَقَدْ صَلَّى بِخِلَافِ مَا أُمِرَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ مَا فَاتَهُ مِنْ قِيَامٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ صَلَاةِ الْإِمَامِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
صلاة المسافر
[صَلَاةُ الْمُسَافِرِ] [مَسْأَلَةٌ صَلَاةُ الصُّبْحِ رَكْعَتَانِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ أَبَدًا] مَسْأَلَةٌ: صَلَاةُ الصُّبْحِ رَكْعَتَانِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ أَبَدًا، وَفِي الْخَوْفِ كَذَلِكَ. وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ فِي الْحَضَرِ، وَالسَّفَرِ، وَالْخَوْفِ أَبَدًا. وَلَا يَخْتَلِفُ عَدَدُ الرَّكَعَاتِ إلَّا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعَتَمَةِ، فَإِنَّهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي الْحَضَرِ لِلصَّحِيحِ، وَالْمَرِيضِ، وَرَكْعَتَانِ فِي السَّفَرِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةٌ. كُلُّ هَذَا إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ، إلَّا كَوْنُ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ رَكْعَةً فِي الْخَوْفِ فَفِيهِ خِلَافٌ. 512 - مَسْأَلَةٌ: وَكَوْنُ الصَّلَوَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ فَرْضٌ - سَوَاءٌ كَانَ سَفَرَ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، أَوْ لَا طَاعَةَ وَلَا مَعْصِيَةَ، أَمْنًا كَانَ أَوْ خَوْفًا - فَمَنْ أَتَمَّهَا أَرْبَعًا عَامِدًا، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا سَجَدَ لِلسَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ فَقَطْ وَأَمَّا قَصْرُ كُلِّ صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَذْكُورَةِ إلَى رَكْعَةٍ فِي الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ فَمُبَاحٌ، مَنْ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ: فَحَسَنٌ، وَمَنْ صَلَّاهَا رَكْعَةً: فَحَسَنٌ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ سَفَرِ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ فَرْضٌ، فَمَنْ أَتَمَّهَا فَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ بَعْدَ الِاثْنَتَيْنِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَأَعَادَ أَبَدًا؟ وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَتَمَّ فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ؟ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَصْرُ مُبَاحٌ، وَمَنْ شَاءَ أَتَمَّ؟ وَلَا قَصْرَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ إلَّا فِي سَفَرٍ مُبَاحٍ فَقَطْ
وَلَمْ يَرَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَا مَالِكٌ، وَلَا الشَّافِعِيُّ: الْقَصْرَ فِي الْخَوْفِ إلَى رَكْعَةٍ أَصْلًا، لَكِنْ رَكْعَتَانِ فَقَطْ؟ بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ثنا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْأُولَى» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ثنا يَزِيدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ «صَلَاةُ الْأَضْحَى رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْفِطْرِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى» . حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى النَّاقِدُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْجَرْجَرَائِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ثنا هِشَامُ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ مَنْ تَرَكَ السُّنَّةَ فَقَدْ كَفَرَ» .
وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا أَيْضًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إدْرِيسَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهُ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ «قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟ ، قَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَصَحَّ أَنَّ الصَّلَاةَ فَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ بَلَغَهَا فِي الْحَضَرِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَرْبَعًا، وَأَقَرَّ صَلَاةَ السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ. وَصَحَّ أَنَّ صَلَاةَ السَّفَرِ: رَكْعَتَانِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَإِذْ قَدْ صَحَّ هَذَا فَهِيَ رَكْعَتَانِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ، وَمَنْ تَعَدَّاهُ فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أَمَرَ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ. وَلَمْ يَخُصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَفَرًا مِنْ سَفَرٍ، بَلْ عَمَّ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَخْصِيصُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجُزْ رَدُّ صَدَقَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي أَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِقَبُولِهَا، فَيَكُونُ مَنْ لَا يَقْبَلُهَا عَاصِيًا وَاحْتَجَّ مَنْ خَصَّ بَعْضَ الْأَسْفَارِ بِذَلِكَ بِأَنَّ سَفَرَ الْمَعْصِيَةِ مُحَرَّمٌ، فَلَا حُكْمَ لَهُ؟ فَقُلْنَا: أَمَّا مُحَرَّمٌ فَنَعَمْ، هُوَ مُحَرَّمٌ، وَلَكِنَّهُ سَفَرٌ، فَلَهُ حُكْمُ السَّفَرِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّهُ مُحَرَّمٌ، ثُمَّ تَجْعَلُونَ فِيهِ التَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَتُجِيزُونَ الصَّلَاةَ فِيهِ، وَتَرَوْنَهَا فَرْضًا، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ مَا أَجَزْتُمْ - مِنْ الصَّلَاةِ وَالتَّيَمُّمِ لَهَا - وَبَيْنَ مَا مَنَعْتُمْ مِنْ تَأْدِيَتِهَا رَكْعَتَيْنِ كَمَا فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى فِي السَّفَرِ؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى فَرْقٍ؟ وَكَذَلِكَ الزِّنَى مُحَرَّمٌ، وَفِيهِ مِنْ الْغُسْلِ كَاَلَّذِي فِي الْحَلَالِ، لِأَنَّهُ إجْنَابٌ. وَمُجَاوَزَةُ
خِتَانٍ لِخِتَانٍ، فَوَجَبَ فِيهِ حُكْمُ عُمُومِ الْإِجْنَابِ وَمُجَاوَزَةِ الْخِتَانِ لِلْخِتَانِ؟ وَكَمَا قَالُوا فِيمَنْ قَاتَلَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ فَجُرِحَ جِرَاحَاتٍ مَنَعَتْهُ مِنْ الْقِيَامِ، فَإِنَّ لَهُ مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ جَالِسًا مَا لِمَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا فَرْقَ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «صَلُّوا قِيَامًا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» . فَإِنْ قِيلَ لَنَا: فَإِنَّكُمْ تَقُولُونَ: مَنْ صَلَّى فِي غَيْرِ سَبِيلِ الْحَقِّ رَاكِبًا أَوْ مُقَاتِلًا أَوْ مَاشِيًا فَلَا صَلَاةَ لَهُ فَمَا الْفَرْقُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، إنَّ هَؤُلَاءِ فَعَلُوا فِي صَلَاتِهِمْ حَرَكَاتٍ لَا يَحِلُّ لَهُمْ فِعْلُهَا، فَبِذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ وَلَمْ يَفْعَلْ الْمُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ أَوْ رَكْعَةً فِي صَلَاتِهِ شَيْئًا غَيْرَهَا، وَأَمَّا الَّذِينَ ذَكَرْتُمْ فَمَشَوْا مَشْيًا مُحَرَّمًا فِي الصَّلَاةِ، وَقَاتَلُوا فِيهَا قِتَالًا مُحَرَّمًا؟ وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ الَّذِينَ أَتَوْا إلَى عُمُومِ اللَّهِ تَعَالَى لِلسَّفَرِ، وَعُمُومِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلسَّفَرِ - {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64]- فَخَصُّوهُ بِآرَائِهِمْ وَلَمْ يَرَوْا قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ ثُمَّ أَتَوْا إلَى مَا خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَبْطَلَ فِيهِ الْعُمُومَ، مِنْ تَحْرِيمِهِ الْمَيْتَةَ جُمْلَةً، ثُمَّ قَالَ {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 145] . وَقَوْلُهُ: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 3] : فَقَالُوا بِآرَائِهِمْ: إنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ: حَلَالٌ لِلْمُضْطَرِّ، وَإِنْ كَانَ مُتَجَانِفًا لِإِثْمٍ، وَبَاغِيًا عَادِيًا قَاطِعًا لِلسَّبِيلِ، مُنْتَظِرًا لِرِفَاقِ الْمُسْلِمِينَ يُغِيرُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَيَسْفِكُ دِمَاءَهُمْ وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا بِأَنْ قَالُوا: حَرَامٌ عَلَيْهِ قَتْلُ نَفْسِهِ فَقُلْنَا لَهُمْ: وَلِمَ يَقْتُلْ نَفْسَهُ؟ بَلْ يَتُوبُ الْآنَ مِنْ نِيَّتِهِ الْفَاسِدَةِ، وَيَحِلُّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ مِنْ حِينِهِ، وَالتَّوْبَةُ فَرْضٌ عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ؟ وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُنَا: لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ، أَوْ عُمْرَةٍ. وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ -:
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَدِيٍّ ثنا شُعْبَةُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إلَّا حَاجٌّ، أَوْ مُجَاهِدٌ؟ وَعَنْ طَاوُسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ؟ فَيَقُولُ: إذَا خَرَجْنَا حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْقَصْرَ إلَّا فِي: حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ جِهَادٍ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] . وَقَالُوا: لَمْ يُصَلِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَكْعَتَيْنِ إلَّا فِي: حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ جِهَادٍ قَالَ عَلِيٌّ: لَوْ لَمْ يَرِدْ إلَّا هَذِهِ الْآيَةُ وَفَعَلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَكَانَ مَا قَالُوا، لَكِنْ لَمَّا وَرَدَ عَلَى لِسَانِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: رَكْعَتَانِ فِي السَّفَرِ، وَأَمَرَ بِقَبُولِ صَدَقَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ -: كَانَ هَذَا زَائِدًا عَلَى مَا فِي الْآيَةِ وَعَلَى عَمَلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ الْأَخْذِ بِالشَّرْعِ الزَّائِدِ؟ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّ الْمُسَافِرَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ -: بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَأَنَّهَا جَاءَتْ بِلَفْظِ لَا جُنَاحَ وَهَذَا يُوجِبُ الْإِبَاحَةَ لَا الْفَرْضَ؟ وَبِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اعْتَمَرَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا قَدِمَتْ مَكَّةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَصَرْتُ وَأَتْمَمْتُ، وَأَفْطَرْتُ وَصُمْتُ قَالَ: أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ» . وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَافِرُ فَيُتِمُّ الصَّلَاةَ وَيَقْصُرُ» . وَبِأَنَّ عُثْمَانَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِمِنًى بِحَضْرَةِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَأَتَمُّوهَا مَعَهُ؟ وَبِأَنَّ عَائِشَةَ - وَهِيَ رَوَتْ «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ» كَانَتْ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ، وَكُلُّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ -: أَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ فِي الْقَصْرِ الْمَذْكُورِ، بَلْ فِي غَيْرِهِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ بَعْدَ هَذَا، إنْ
شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ فَلَا خَيْرَ فِيهِمَا -: أَمَّا الَّذِي مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ فَانْفَرَدَ بِهِ الْعَلَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ الْأَزْدِيُّ، لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ، وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَطَاءٍ فَانْفَرَدَ بِهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ، لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ، وَقَالَ فِيهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هُوَ ضَعِيفٌ، كُلُّ حَدِيثٍ أَسْنَدَهُ فَهُوَ مُنْكَرٌ وَأَمَّا فِعْلُ عُثْمَانَ، وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَإِنَّهُمَا تَأَوَّلَا تَأْوِيلًا خَالَفَهُمَا فِيهِ غَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْغَدْرِيُّ ثنا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَوَيْهِ السَّرَخْسِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ خُزَيْمٍ ثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - فَذَكَرَ الْخَبَرَ، وَفِيهِ - قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْت لِعُرْوَةِ: فَمَا كَانَ عَمَلُ عَائِشَةَ - فَذَكَرَ الْخَبَرَ، وَفِيهِ - قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْت لِعُرْوَةِ: فَمَا كَانَ عَمَلُ عَائِشَةَ أَنْ تُتِمَّ فِي السَّفَرِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: تَأَوَّلَتْ مِنْ ذَلِكَ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ مِنْ إتْمَامِ الصَّلَاةِ بِمِنًى وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عُثْمَانَ إنَّمَا صَلَّاهَا أَرْبَعًا - يَعْنِي بِمِنًى - لِأَنَّهُ أَزْمَعَ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ الْحَجِّ. فَعَلَى هَذَا أَتَمَّ مَعَهُ مَنْ كَانَ يُتِمُّ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، لِأَنَّهُمْ أَقَامُوا بِإِقَامَتِهِ وَقَدْ خَالَفَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ طَوَائِفُ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ انْصَرَفَ إلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ أَعَادَهَا وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ يَسَارٍ حَدَّثَنِي دَاوُد بْنُ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ عَنْ صَلَاةِ السَّفَرِ بِمِنًى؟
فَقَالَ: " سَمِعْت «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ» فَصَلِّ إنْ شِئْت أَوْ دَعْ؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ التَّنُّورِيِّ: ثنا أَبُو التَّيَّاحِ عَنْ مُوَرِّقِ الْعِجْلِيّ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قُلْت لِابْنِ عُمَرَ: حَدِّثْنِي عَنْ صَلَاةِ السَّفَرِ، قَالَ: أَتَخْشَى أَنْ تَكْذِبَ عَلَيَّ، قُلْت: لَا، قَالَ: رَكْعَتَانِ، مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ؟ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ هُوَ الْفَزَارِيّ - ثنا حُمَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعُقَيْلِيُّ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا كَمَنْ صَلَّى فِي الْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ. وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: اعْتَلَّ عُثْمَانُ وَهُوَ بِمِنًى فَأَتَى عَلِيٌّ فَقِيلَ لَهُ: صَلِّ بِالنَّاسِ؟ فَقَالَ: إنْ شِئْتُمْ صَلَّيْت لَكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي رَكْعَتَيْنِ قَالُوا: لَا، إلَّا صَلَاةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَعْنُونَ عُثْمَانَ -: أَرْبَعًا فَأَبَى عُثْمَانُ. وَهَكَذَا عَمَّنْ بَعْدَهُمْ: رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ الْإِتْمَامُ فِي السَّفَرِ لِمَنْ شَاءَ، فَقَالَ: لَا، الصَّلَاةُ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَانِ حَتْمَانِ لَا يَصِحُّ غَيْرُهُمَا. فَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فَالْوَاجِبُ رَدُّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ؟ وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ، وَالْحَنَفِيُّونَ فَقَدْ تَنَاقَضُوا هَهُنَا أَقْبَحَ تَنَاقُضٍ، لِأَنَّهُمْ إذَا تَعَلَّقُوا بِقَوْلِ صَاحِبٍ وَخَالَفُوا رِوَايَتَهُ قَالُوا: هُوَ أَعْلَمُ بِمَا رَوَى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ أَنَّهُ خَالَفَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا لِعِلْمٍ كَانَ عِنْدَهُ رَآهُ أَوْلَى مِمَّا رَوَى. وَهَا هُنَا أَخَذُوا رِوَايَةَ عَائِشَةَ وَتَرَكُوا فِعْلَهَا، وَقَالُوا بِأَقْبَحَ مَا يُشَنِّعُونَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَرَأَوْا أَنَّ عُثْمَانَ، وَعَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهُمَا صَلَّوْا صَلَاةً فَاسِدَةً يَلْزَمُهُمْ إعَادَتُهَا، إمَّا أَبَدًا وَإِمَّا فِي الْوَقْتِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا قَوْلُنَا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ رَكْعَةٌ فَلِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً» .
مسألة خرج عن موضع سكناه فمشى ميلا فصاعدا
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا - مِنْ طَرِيقِ حُذَيْفَةَ، وَجَابِرٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ، كُلِّهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَسَانِيدَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ؟ وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] . كَتَبَ إلَى هِشَامِ بْنِ سَعِيدِ الْخَيْرِ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِئُ الطَّوِيلُ ثنا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدَوَيْهِ النَّجِيرَمِيُّ ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَصْفَهَانِيُّ ثنا أَبُو بِشْرٍ يُونُسُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الْقَادِرِ ثنا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ثنا الْمَسْعُودِيُّ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ هُوَ يَزِيدُ بْنُ صُهَيْبٍ - قَالَ: سَأَلْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ، أَقْصُرُهُمَا؟ قَالَ جَابِرٌ لَا: إنَّ الرَّكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ لَيْسَتَا بِقَصْرٍ، إنَّمَا الْقَصْرُ رَكْعَةٌ عِنْدَ الْقِتَالِ قَالَ عَلِيٌّ: وَبِهَذِهِ الْآيَةِ قُلْنَا: إنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ - إنْ شَاءَ - رَكْعَةً - وَإِنْ شَاءَ - رَكْعَتَانِ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ بِلَفْظَةِ لَا جُنَاحَ لَا بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَالْإِيجَابِ، وَصَلَّاهُمَا النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً رَكْعَةً وَمَرَّةً رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الِاخْتِيَارِ كَمَا قَالَ جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؟ [مَسْأَلَةٌ خَرَجَ عَنْ مَوْضِعِ سُكْنَاهُ فَمَشَى مِيلًا فَصَاعِدًا] 513 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ خَرَجَ عَنْ بُيُوتِ مَدِينَتِهِ، أَوْ قَرْيَتِهِ، أَوْ مَوْضِعِ سُكْنَاهُ فَمَشَى مِيلًا فَصَاعِدًا: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَلَا بُدَّ إذَا بَلَغَ الْمِيلَ، فَإِنْ مَشَى أَقَلَّ مِنْ مِيلٍ: صَلَّى أَرْبَعًا؟ قَالَ عَلِيٌّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -: كَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَتَبَ: إنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا يَخْرُجُونَ: إمَّا لِجِبَايَةٍ، وَإِمَّا لِتِجَارَةٍ، وَإِمَّا لِجَشَرٍ ثُمَّ لَا يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ، فَلَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّمَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ مَنْ كَانَ شَاخِصًا، أَوْ بِحَضْرَةِ عَدُوٍّ. وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ -:
لَا يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ: جَابٍ، وَلَا تَاجِرٌ، وَلَا تَانٍ، إنَّمَا يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ مَنْ كَانَ مَعَهُ الزَّادُ وَالْمَزَادُ. قَالَ عَلِيٌّ: الثَّانِي - هُوَ صَاحِبُ الضَّيْعَةِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: هَكَذَا فِي كِتَابِي وَصَوَابُهُ عِنْدِي: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا يَغُرَّنَّكُمْ سَوَادُكُمْ هَذَا مِنْ صَلَاتِكُمْ، فَإِنَّهُ مِنْ مِصْرِكُمْ؟ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْت مَعَ حُذَيْفَةَ بِالْمَدَائِنِ فَاسْتَأْذَنْته أَنْ آتِيَ أَهْلِي بِالْكُوفَةِ، فَأَذِنَ لِي وَشَرَطَ عَلَيَّ أَنْ لَا أُفْطِرَ وَلَا أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى أَرْجِعَ إلَيْهِ، وَبَيْنَهُمَا نَيِّفٌ وَسِتُّونَ مِيلًا؟ وَهَذِهِ أَسَانِيدُ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ وَعَنْ حُذَيْفَةَ: أَنْ لَا يَقْصُرَ إلَى السَّوَادِ، وَبَيْنَ الْكُوفَةِ وَالسَّوَادِ: سَبْعُونَ مِيلًا. وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: لَا يَطَأُ أَحَدُكُمْ بِمَاشِيَتِهِ أَحْدَابَ الْجِبَالِ، وَبُطُونَ الْأَوْدِيَةِ، وَتَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ سَفَرٌ، لَا وَلَا كَرَامَةَ، إنَّمَا التَّقْصِيرُ فِي السَّفَرِ الْبَاتُّ، مِنْ الْأُفُقِ إلَى الْأُفُقِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: السَّفَرُ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ: الَّذِي يُحْمَلُ فِيهِ الزَّادُ وَالْمَزَادُ؟ وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ شُقَيْقِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ مِنْ الْكُوفَةِ إلَى وَاسِطَ؟ فَقَالَ: لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي ذَلِكَ، وَبَيْنَهُمَا مِائَةُ مِيلٍ وَخَمْسُونَ مِيلًا؟ فَهُنَا قَوْلٌ -: وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ أَدْنَى مَا يُقْصِرُ الصَّلَاةَ إلَيْهِ: مَالٌ لَهُ بِخَيْبَرَ، وَهِيَ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ فَوَاصِلٌ لَمْ يَكُنْ يُقْصِرُ فِيمَا دُونَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَحُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُقْصِرُ الصَّلَاةَ فِيمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ، وَخَيْبَرَ، وَهِيَ كَقَدْرِ الْأَهْوَازِ مِنْ الْبَصْرَةِ، لَا يَقْصُرُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ؟
قَالَ عَلِيٌّ: بَيْنَ الْمَدِينَةِ، وَخَيْبَرَ كَمَا بَيْنَ الْبَصْرَةِ، وَالْأَهْوَازِ -: وَهُوَ مِائَةُ مِيلٍ وَاحِدَةٌ غَيْرُ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ وَهَذَا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، ثُمَّ عَنْ نَافِعٍ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَرُوِّينَا عَنْ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ: أَنَّهُ قَالَ: لَا قَصْرَ فِي أَقَلِّ مِنْ اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ مِيلًا، كَمَا بَيْنَ الْكُوفَةِ، وَبَغْدَادَ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّائِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْوَالِبِيِّ الْأَسَدِيِّ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ عَنْ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: حَاجٌّ، أَوْ مُعْتَمِرٌ، أَوْ غَازٍ؟ قُلْت: لَا، وَلَكِنَّ أَحَدَنَا تَكُونُ لَهُ الضَّيْعَةُ بِالسَّوَادِ، فَقَالَ: تَعْرِفُ السُّوَيْدَاءَ؟ قُلْت: سَمِعْت بِهَا وَلَمْ أَرَهَا، قَالَ: فَإِنَّهَا ثَلَاثٌ وَلَيْلَتَانِ وَلَيْلَةٌ لِلْمُسْرِعِ، إذَا خَرَجْنَا إلَيْهَا قَصَرْنَا قَالَ عَلِيٌّ: مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى السُّوَيْدَاءِ -: اثْنَانِ وَسَبْعُونَ مِيلًا، أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ فَرْسَخًا؟ فَهَذِهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى يَقُولُ: سَمِعْت سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ يَقُولُ: إذَا سَافَرْت ثَلَاثًا فَاقْصُرْ الصَّلَاةَ؟ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ -: أَنَّهُ قَالَ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَتِهِ: مَسِيرَةَ ثَلَاثٍ وَقَالَ سُفْيَانُ فِي رِوَايَتِهِ: إلَى نَحْوِ الْمَدَائِنِ يَعْنِي مِنْ الْكُوفَةِ، وَهُوَ نَحْوُ نَيِّفٍ وَسِتِّينَ مِيلًا، لَا يَتَجَاوَزُ ثَلَاثَةً وَسِتِّينَ وَلَا يَنْقُصُ عَنْ وَاحِدٍ وَسِتِّينَ؟ وَبِهَذَيْنِ التَّحْدِيدَيْنِ جَمِيعًا يَأْخُذُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ الثَّلَاثِ: سَيْرُ الْأَقْدَامِ وَالثِّقَلِ وَالْإِبِلِ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: لَا قَصْرَ فِي أَقَلَّ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ، وَلَمْ نَجِدْ عَنْهُ تَحْدِيدَ الثَّلَاثِ؟
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ: فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ؟ وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ: ثنا يَزِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْت الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ يَقُولُ: لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي أَقَلَّ مِنْ مَسِيرَةِ لَيْلَتَيْنِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ الْحَسَنِ: لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ إلَّا فِي لَيْلَتَيْنِ، وَلَمْ نَجِدْ عَنْهُ تَحْدِيدَ اللَّيْلَتَيْنِ؟ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ مِثْلُهُ، قَالَ: وَبِهِ يَأْخُذُ قَتَادَةُ وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ مِثْلُهُ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ؟ وَلَمْ نَجِدْ عَنْ قَتَادَةَ، وَلَا عَنْ الزُّهْرِيِّ: تَحْدِيدَ الْيَوْمَيْنِ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا سَافَرْت يَوْمًا إلَى الْعِشَاءِ فَأَتِمَّ، فَإِنْ زِدْت فَقَصْرٌ؟ وَعَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورٍ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ عَنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ إلَى الْعَتَمَةِ، إلَّا فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَقْصُرُ إلَى عَرَفَةَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ إلَى الطَّائِفِ وَعُسْفَانَ، فَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا وَعَنْ مَعْمَرٍ أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ مَسِيرَةَ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ؟ وَهَذَا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ كَمَا ذَكَرْنَا؟ وَبِهَذَا يَأْخُذُ اللَّيْثُ، وَمَالِكٌ فِي أَشْهَرِ أَقْوَالِهِ عَنْهُ.
وَقَالَ: فَإِنْ كَانَتْ أَرْضٌ لَا أَمْيَالَ فِيهَا فَلَا - قَصْرَ فِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِلثِّقَلِ قَالَ: وَهَذَا أَحَبُّ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ إلَيَّ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْهُ: لَا قَصْرَ إلَّا فِي خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا فَصَاعِدًا؟ وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ لَا قَصْرَ إلَّا فِي اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا فَصَاعِدًا. وَرُوِيَ عَنْهُ: لَا قَصْرَ إلَّا فِي أَرْبَعِينَ مِيلًا فَصَاعِدًا. وَرَوَى عَنْهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: لَا قَصْرَ إلَّا فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا فَصَاعِدًا - ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ: إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِالْمَبْسُوطِ. وَرَأَى لِأَهْلِ مَكَّةَ خَاصَّةً فِي الْحَجِّ خَاصَّةً -: أَنْ يَقْصُرُوا الصَّلَاةَ إلَى مِنًى فَمَا فَوْقَهَا، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ خَرَجَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ - كَالرِّعَاءِ وَغَيْرِهِمْ - فَتَأَوَّلَ فَأَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ؟ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الْقَضَاءُ فَقَطْ وَرُوِّينَا عَنْ الشَّافِعِيِّ: لَا قَصْرَ فِي أَقَلَّ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا بِالْهَاشِمِيِّ وَهَهُنَا أَقْوَالٌ أُخَرُ أَيْضًا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ شُبَيْلٍ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ قَالَ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَقْصُرُ إلَى الْأُبُلَّةِ؟ قَالَ: تَذْهَبُ وَتَجِيءُ فِي يَوْمٍ؟ قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: لَا، إلَّا يَوْمٌ مُتَاحٌ؟ وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ، قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَقْصُرُ إلَى مِنًى أَوْ عَرَفَةَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ إلَى الطَّائِفِ، أَوْ جُدَّةَ، أَوْ عُسْفَانَ، فَإِذَا وَرَدْت عَلَى مَاشِيَةٍ لَك، أَوْ أَهْلٍ: فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ قَالَ عَلِيٌّ: مِنْ عُسْفَانَ إلَى مَكَّةَ بِتَكْسِيرِ الْحُلَفَاءِ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مِيلًا. وَأَخْبَرَنَا الثِّقَاتُ أَنَّ مِنْ جُدَّةَ إلَى مَكَّةَ: أَرْبَعِينَ مِيلًا.
وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ إلَّا فِي يَوْمٍ تَامٍّ؟ وَعَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَافَرَ إلَى رِيمٍ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَهِيَ عَلَى ثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْ الْمَدِينَةِ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ: إذَا خَرَجْتَ فَبِتَّ فِي غَيْرِ أَهْلِكَ فَاقْصُرْ، فَإِنْ أَتَيْتَ أَهْلَكَ فَأَتْمِمْ؟ وَبِهِ يَقُولُ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا قَصْرَ إلَّا فِي يَوْمٍ تَامٍّ وَلَمْ نَجِدْ عَنْ هَؤُلَاءِ تَحْدِيدَ الْيَوْمِ وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ قَصَدَ إلَى ذَاتِ النُّصْبِ، وَكُنْت أُسَافِرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ الْبَرِيدَ فَلَا يَقْصُرُ؟ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: ذَاتُ النُّصْبِ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: ثنا شُعْبَةُ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: خَرَجْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إلَى ذَاتِ النُّصْبِ - وَهِيَ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا - فَلَمَّا أَتَاهَا قَصَرَ الصَّلَاةَ؟ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا هُشَيْمٌ أَنَا جُوَيْبِرٌ عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَرَجَ إلَى النُّخَيْلَةِ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ: رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْ يَوْمِهِ، وَقَالَ: أَرَدْت أَنْ أُعَلِّمَكُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ: ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ثنا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ: خَرَجْت مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إلَى أَرْضِهِ بِبَذْقِ سِيرِينَ - وَهِيَ عَلَى رَأْسِ خَمْسَةِ فَرَاسِخَ - فَصَلَّى بِنَا الْعَصْرَ فِي سَفِينَةٍ، وَهِيَ تَجْرِي بِنَا فِي دَجْلَةَ قَاعِدًا عَلَى بِسَاطٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ؟ وَمِنْ طَرِيقِ الْبَزَّازِ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثنا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ ابْنِ السِّمْطِ هُوَ شُرَحْبِيلُ -: أَنَّهُ
أَتَى أَرْضًا يُقَالُ لَهَا " دَوْمِينُ " - مِنْ حِمْصٍ عَلَى بِضْعَةَ عَشَرَ مِيلًا - فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْت لَهُ: أَتُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: «رَأَيْتُ عُمَرَ يُصَلِّي بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ أَفْعَلُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ» ". وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ثنا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: خَرَجَ ابْنُ السِّمْطِ هُوَ شُرَحْبِيلُ - إلَى أَرْضٍ يُقَالُ لَهَا " دَوْمِينُ " - مِنْ حِمْصٍ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِيلًا، فَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: «رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يُصَلِّي بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: أَفْعَلُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ» . وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ إلَى شُرَحْبِيلَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ عَلِيٌّ: لَوْ كَانَ هَذَا فِي طَرِيقِ الْحَجِّ لَمْ يَسْأَلْهُ وَلَا أُنْكِرُ ذَلِكَ؟ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْوَرْدِ بْنِ ثُمَامَةَ عَنْ اللَّجْلَاجِ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ فَيَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاةِ فَيُفْطِرُ وَيَقْصُرُ. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ: ثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ثنا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْت مُيَسَّرَ بْنَ عِمْرَانَ بْنِ عُمَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - وَهُوَ رَدِيفُهُ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ - مَسِيرَةَ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ شُعْبَةُ: أَخْبَرَنِي بِهَذَا مُيَسَّرُ بْنُ عِمْرَانَ، وَأَبُوهُ عِمْرَانُ بْنُ عُمَيْرٍ شَاهِدٌ قَالَ عَلِيٌّ: عُمَيْرٌ هَذَا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ فَيْرُوزَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ خَلْدَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي
مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ؟ قَالَ عَلِيٌّ: مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ هَذَا طَائِيٌّ وَلَّاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْقَضَاءَ بِالْكُوفَةِ، مَشْهُورٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا وَكِيعٌ ثنا مِسْعَرٌ هُوَ ابْنُ كِدَامٍ - عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إنِّي لَأُسَافِرُ السَّاعَةَ مِنْ النَّهَارِ فَأَقْصُرُ، يَعْنِي الصَّلَاةَ. مُحَارِبٌ هَذَا سُدُوسِيٌّ قَاضِي الْكُوفَةِ، مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، أَحَدُ الْأَئِمَّةِ، وَمِسْعَرٌ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ: سَمِعْت جَبَلَةَ بْنَ سُحَيْمٍ يَقُولُ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: لَوْ خَرَجْتُ مِيلًا قَصَرْت الصَّلَاةَ؟ جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ تَابِعٌ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ كِلَاهُمَا عَنْ غُنْدَرٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيِّ قَالَ: سَأَلْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ - شَكَّ شُعْبَةُ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» . قَالَ عَلِيٌّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُجِيبَ أَنَسٌ إذَا سُئِلَ إلَّا بِمَا يَقُولُ بِهِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ: أَنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ أَفْطَرَ فِي مَسِيرٍ لَهُ مِنْ الْفُسْطَاطِ إلَى قَرْيَةٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْهَا. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ: ثنا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ثنا شُعْبَةُ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لَقَدْ كَانَتْ لِي أَرْضٌ عَلَى رَأْسِ فَرْسَخَيْنِ فَلَمْ أَدْرِ أَأَقْصُرُ الصَّلَاةَ إلَيْهَا أَمْ أُتِمُّهَا؟
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ قَالَ: سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ: أَأَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَأُفْطِرُ فِي بَرِيدٍ مِنْ الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا إسْنَادٌ كَالشَّمْسِ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ زَمْعَةَ هُوَ ابْنُ صَالِحٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ هُوَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ - قَالَ: يُقْصَرُ فِي مَسِيرَةِ سِتَّةِ أَمْيَالٍ؟ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: لَوْ خَرَجْت إلَى دَيْرِ الثَّعَالِبِ لَقَصَرْت؟ وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمٍ: أَنَّهُمَا أَمَرَا رَجُلًا مَكِّيًّا بِالْقَصْرِ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى، وَلَمْ يَخُصَّا حَجًّا مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا مَكِّيًّا مِنْ غَيْرِهِ. وَصَحَّ عَنْ كُلْثُومِ بْنِ هَانِئٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ، وَقَبِيصَةِ بْنِ ذُؤَيْبٍ: الْقَصْرُ فِي بِضْعَةَ عَشَرَ مِيلًا. وَبِكُلِّ هَذَا نَقُولُ، وَبِهِ يَقُولُ أَصْحَابُنَا فِي السَّفَرِ: إذَا كَانَ عَلَى مِيلٍ فَصَاعِدًا فِي حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ جِهَادٍ، وَفِي الْفِطْرِ، فِي كُلِّ سَفَرٍ قَالَ عَلِيٌّ: فَهِمَ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا أَوْرَدْنَا: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَدِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ. وَمِنْ التَّابِعِينَ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ، وَكُلْثُومُ بْنُ هَانِئٍ، وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، وَغَيْرُهُمْ. وَتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَيَدْخُلُ فِيمَنْ قَالَ بِهَذَا: مَالِكٌ فِي بَعْضِ أَقْوَالِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ فِي الْمُفْطِرِ مُتَأَوِّلًا، وَفِي الْمَكِّيِّ يَقْصُرُ بِمِنًى وَعَرَفَةَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَإِنَّمَا تَقَصَّيْنَا الرِّوَايَاتِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ، لِأَنَّنَا وَجَدْنَا الْمَالِكِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ قَدْ أَخَذُوا يُجَرِّبُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى قَوْلِهِمْ
بَلْ قَدْ هَجَمَ عَلَى ذَلِكَ كَبِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَكَبِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ. فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لَمْ أَجِدْ أَحَدًا قَالَ بِأَقَلَّ مِنْ - الْقَصْرِ فِيمَا قُلْنَا بِهِ، فَهُوَ إجْمَاعٌ وَقَالَ الْآخَرُ: قَوْلُنَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ فَاحْتَسَبْنَا الْأَجْرَ فِي إزَالَةِ ظُلْمَةِ كَذِبِهِمَا عَنْ الْمُغْتَرِّ بِهِمَا، وَلَمْ نُورِدْ إلَّا رِوَايَةً مَشْهُورَةً ظَاهِرَةً عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِالنَّقْلِ، وَفِي الْكُتُبِ الْمُتَدَاوَلَةِ عِنْدَ صِبْيَانِ الْمُحَدِّثِينَ، فَكَيْفَ أَهْلُ الْعِلْمِ؟ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا مَنْ قَالَ بِتَحْدِيدِ مَا يُقْصَرُ فِيهِ بِالسَّفَرِ، مِنْ أُفُقٍ إلَى أُفُقٍ، وَحَيْثُ يُحْمَلُ الزَّادُ وَالْمَزَادُ وَفِي سِتَّةٍ وَتِسْعِينَ مِيلًا، وَفِي اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ مِيلًا، وَفِي اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مِيلًا، وَفِي ثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ مِيلًا، أَوْ فِي أَحَدٍ وَسِتِّينَ مِيلًا، أَوْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا، أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا، أَوْ أَرْبَعِينَ مِيلًا، أَوْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا: فَمَا لَهُمْ حُجَّةٌ أَصْلًا وَلَا مُتَعَلِّقَ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ لَا مُخَالِفٍ لَهُ مِنْهُمْ - وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا وَجْهَ لِلِاشْتِغَالِ بِهِ ثُمَّ نَسْأَلُ مَنْ حَدَّ مَا فِيهِ الْقَصْرُ، وَالْفِطْرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَنْ أَيِّ مِيلٍ هُوَ؟ ثُمَّ نَحُطُّهُ مِنْ الْمِيلِ عَقْدًا أَوْ فَتَرًا أَوْ شِبْرًا، وَلَا نَزَالُ نَحُطُّهُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ التَّحَكُّمِ فِي الدِّينِ، أَوْ تَرْكِ مَا هُوَ عَلَيْهِ؟ فَسَقَطَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ جُمْلَةً وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟
وَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ لِوُجُوهٍ -: أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَدْ خَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ التَّحْدِيدُ بِالْأَمْيَالِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ مَنْ دُونَهُمَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ عَنْهُمَا أَشَدُّ الِاخْتِلَافِ كَمَا أَوْرَدْنَا. فَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَحُمَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، وَوَافَقَهُمَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْصُرُ فِي أَقَلَّ مِنْ سِتَّةٍ وَتِسْعِينَ مِيلًا وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْصُرُ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ الْقَصْرِ فِي أَقَلَّ؟ وَرَوَى هِشَامُ بْنُ الْغَازِ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إلَّا فِي الْيَوْمِ التَّامِّ وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ: أَنَّهُ لَا يُقْصَرُ فِي الْبَرِيدِ. وَقَالَ مَالِكٌ: ذَاتُ النُّصْبِ، وَرِيمٌ: كِلْتَاهُمَا مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى نَحْوِ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَرَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ الْوَالِبِيُّ: لَا قَصْرَ فِي أَقَلَّ مِنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مِيلًا. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ أَجَلُّ مِنْ نَافِعٍ -: أَنَّهُ قَصَرَ إلَى ثَلَاثِينَ مِيلًا. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ أَخِيهِ حَفْصُ بْنُ عَاصِمٍ - وَهُوَ أَجَلُّ مِنْ نَافِعٍ وَأَعْلَمُ بِهِ: أَنَّهُ قَصَرَ إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا؟ وَرَوَى عَنْهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ خَلْدَةَ، وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، وَجَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ - وَكُلُّهُمْ أَئِمَّةٌ -: الْقَصْرَ فِي أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ، وَفِي ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَفِي مِيلٍ وَاحِدٍ، وَفِي سَفَرِ سَاعَةٍ. وَأَقْصَى مَا يَكُونُ سَفَرُ السَّاعَةِ مِنْ مِيلَيْنِ إلَى ثَلَاثَةٍ. وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَوَى عَنْهُ عَطَاءٌ: الْقَصْرَ إلَى عُسْفَانَ، وَهِيَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مِيلًا، وَإِذَا وَرَدْت عَلَى أَهْلٍ أَوْ مَاشِيَةٍ فَأَتِمَّ، وَلَا تَقْصُرْ إلَى عَرَفَةَ وَلَا مِنًى.
وَرَوَى عَنْهُ مُجَاهِدٌ: لَا قَصْرَ فِي يَوْمٍ إلَى الْعَتَمَةِ، لَكِنْ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَرَوَى عَنْهُ أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ: لَا قَصْرَ إلَّا فِي يَوْمٍ مُتَاحٍ. وَقَدْ خَالَفَهُ مَالِكٌ فِي أَمْرِهِ عَطَاءً: أَنْ لَا يَقْصُرَ إلَى مِنًى وَلَا إلَى عَرَفَةَ، وَعَطَاءٌ مَكِّيٌّ، فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ قَوْلِهِ حُجَّةً وَجُمْهُورُ قَوْلِهِ لَيْسَ حُجَّةً وَخَالَفَهُ أَيْضًا مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ: إذَا قَدِمْت عَلَى أَهْلٍ أَوْ مَاشِيَةٍ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ. فَحَصَلَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ: خَارِجًا عَنْ أَنْ يَقْطَعَ بِأَنَّهُ تَحْدِيدُ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلَا وُجِدَ بَيِّنًا عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّهُ حَدَّ مَا فِيهِ الْقَصْرُ بِذَلِكَ. وَلَعَلَّ التَّحْدِيدَ - الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - إنَّمَا هُوَ مِنْ دُونِ عَطَاءٍ، وَهُوَ هِشَامُ بْنُ رَبِيعَةَ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ مَنَعَ الْقَصْرَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَسَقَطَتْ أَقْوَالُ مَنْ حَدَّ ذَلِكَ بِالْأَمْيَالِ الْمَذْكُورَةِ سُقُوطًا مُتَيَقَّنًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ثُمَّ رَجَعْنَا إلَى قَوْلِ مَنْ حَدَّ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ، أَوْ يَوْمٍ وَشَيْءٍ زَائِدٍ، أَوْ يَوْمٍ تَامٍّ، أَوْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ -: فَلَمْ نَجِدْ لِمَنْ حَدَّ ذَلِكَ بِيَوْمٍ وَزِيَادَةِ شَيْءٍ مُتَعَلِّقًا أَصْلًا، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ فَنَظَرْنَا فِي الْأَقْوَالِ الْبَاقِيَةِ فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ مُتَعَلِّقًا إلَّا بِالْحَدِيثِ الَّذِي صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ فِي «نَهْيِ الْمَرْأَةِ عَنْ السَّفَرِ -: فِي بَعْضِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَفِي بَعْضِهَا لَيْلَتَيْنِ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَفِي بَعْضِهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَفِي بَعْضِهَا يَوْمًا إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» ".
فَتَعَلَّقَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِمَّا ذَكَرْنَا؟ فَأَمَّا مَنْ تَعَلَّقَ بِلَيْلَتَيْنِ، أَوْ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ: فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ بِيَوْمٍ، وَجَاءَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّعَلُّقِ بِالْيَوْمَيْنِ، وَلَا بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، دُونَ هَذَيْنِ الْعَدَدَيْنِ الْآخَرَيْنِ أَصْلًا. وَإِنَّمَا يُمْكِنُ أَنْ يُشْغَبَ هَاهُنَا بِالتَّعَلُّقِ بِالْأَكْثَرِ مِمَّا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، أَوْ بِالْأَقَلِّ مِمَّا ذُكِرَ فِيهِ - وَأَمَّا التَّعَلُّقُ بِعَدَدٍ قَدْ جَاءَ النَّصُّ بِأَقَلَّ مِنْهُ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، فَلَا وَجْهَ لَهُ أَصْلًا، فَسَقَطَ هَذَانِ الْقَوْلَانِ أَيْضًا؟ فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ تَعَلَّقَ بِالثَّلَاثِ، أَوْ بِالْيَوْمِ: فَكَانَ مِنْ شَغَبِ مَنْ تَعَلَّقَ بِالْيَوْمِ أَنْ قَالَ: هُوَ أَقَلُّ مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ حَدُّ السَّفَرِ الَّذِي مَا دُونَهُ بِخِلَافِهِ،
فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَدًّا لِمَا يُقْصَرُ فِيهِ قَالُوا: وَكَانَ مَنْ أَخَذَ بِحَدِّنَا قَدْ اسْتَعْمَلَ حُكْمَ اللَّيْلَتَيْنِ وَالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَالثَّلَاثِ، وَلَمْ يَسْقُطْ مِنْ حُكْمِ مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ شَيْئًا: وَهَذَا أَوْلَى مِمَّنْ أَسْقَطَ أَكْثَرَ مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْنَا لَهُمْ: تَأْتُوا بِشَيْءٍ فَإِنْ كُنْتُمْ إنَّمَا تَعَلَّقْتُمْ بِالْيَوْمِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ -: فَلَيْسَ كَمَا قُلْتُمْ، وَقَدْ جَهِلْتُمْ أَوْ تَعَمَّدْتُمْ فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ يَوْمًا وَلَيْلَةً إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا» ". وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ يَوْمًا وَلَيْلَةً إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا» ". وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ لَيْلَةً إلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا» . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» . وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ -: " أَنْ تُسَافِرَ بَرِيدًا " وَسَعِيدٌ أَدْرَكَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَمِعَ مِنْهُ؟ فَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، وَعَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ كَمَا أَوْرَدْنَا. وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَلَمْ يَضْطَرِبْ عَلَيْهِ وَلَا اُخْتُلِفَ عَنْهُ؟ كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ثنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، هُوَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» . فَعَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَتِهِ كُلَّ سَفَرٍ دُونَ الْيَوْمِ وَدُونَ الْبَرِيدِ وَأَكْثَرَ مِنْهُمَا، وَكُلُّ سَفَرٍ قَلَّ أَوْ طَالَ فَهُوَ عَامٌّ لِمَا فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ وَكُلُّ مَا فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ فَهُوَ بَعْضُ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا فَهُوَ الْمُحْتَوِي عَلَى جَمِيعِهَا، وَالْجَامِعُ لَهَا كُلِّهَا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَدَّى مَا فِيهِ إلَى غَيْرِهِ، فَسَقَطَ قَوْلُ مَنْ تَعَلَّقَ بِالْيَوْمِ أَيْضًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ حَدَّ ذَلِكَ بِالثَّلَاثِ فَوَجَدْنَاهُمْ يَتَعَلَّقُونَ بِذِكْرِ الثَّلَاثِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَبِمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمَسْحِ «لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثًا بِلَيَالِيِهِنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً» لَمْ نَجِدْهُمْ مَوَّهُوا بِغَيْرِ هَذَا أَصْلًا قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالُوا: مَنْ تَعَلَّقَ بِالثَّلَاثِ كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الصَّوَابِ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذَكَرَ نَهْيَهُ عَنْ سَفَرِهَا ثَلَاثًا قَبْلَ نَهْيِهِ عَنْ سَفَرِهَا يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ -: فَالْخَبَرُ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ الْيَوْمُ هُوَ الْوَاجِبُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ، وَيَبْقَى نَهْيُهُ عَنْ سَفَرِهَا ثَلَاثًا غَيْرَ مَنْسُوخٍ، بَلْ ثَابِتٌ كَمَا كَانَ. وَإِنْ كَانَ ذُكِرَ نَهْيُهُ عَنْ سَفَرِهَا ثَلَاثًا بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ سَفَرِهَا يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ -: فَنَهْيُهُ عَنْ السَّفَرِ ثَلَاثًا هُوَ النَّاسِخُ لِنَهْيِهِ إيَّاهَا عَنْ السَّفَرِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ؟ قَالُوا: فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ صِحَّةِ حُكْمِ النَّهْيِ عَنْ السَّفَرِ ثَلَاثًا إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَعَلَى شَكٍّ مِنْ صِحَّةِ النَّهْيِ لَهَا عَمَّا دُونَ الثَّلَاثِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ الْيَقِينُ لِلشَّكِّ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا تَمْوِيهٌ فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ -:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَدْ جَاءَ النَّهْيُ أَنْ تُسَافِرَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ. رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» . وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ قَزَعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا إلَّا وَمَعَهَا أَخُوهَا أَوْ أَبُوهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ ابْنُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا» . فَإِنْ كَانَ ذِكْرُ الثَّلَاثِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مُخْرِجًا لِمَا دُونَ الثَّلَاثِ، مِمَّا قَدْ ذُكِرَ أَيْضًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، عَنْ حُكْمِ الثَّلَاثِ -: فَإِنَّ ذِكْرَ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مُخْرِجٌ لِلثَّلَاثِ أَيْضًا، وَإِنْ ذُكِرَتْ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ حُكْمِ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِ، وَإِلَّا فَالْقَوْمُ مُتَلَاعِبُونَ مُتَحَكِّمُونَ بِالْبَاطِلِ؟ وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إنَّهُمْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ صِحَّةِ حُكْمِ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِ وَبَقَائِهِ غَيْرَ مَنْسُوخٍ، وَعَلَى شَكٍّ مِنْ صِحَّةِ بَقَاءِ النَّهْيِ عَنْ الثَّلَاثِ، كَمَا قَالُوا فِي الثَّلَاثِ وَفِيمَا دُونَهَا سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ وَلَا فَرْقَ فَقَالُوا: لَمْ يُفَرِّقْ أَحَدٌ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَبَيْنَ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِ؟ فَقِيلَ لَهُمْ: قُلْتُمْ بِالْبَاطِلِ، قَدْ صَحَّ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ حَدَّ مَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ لَا بِثَلَاثٍ. فَكَيْفَ؟ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلٌ قَالَهُ رَجُلَانِ مِنْ التَّابِعِينَ، وَرَجُلَانِ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ قَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ فَمَا يَعُدُّهُ إجْمَاعًا إلَّا
مَنْ لَا دِينَ لَهُ وَلَا حَيَاءَ فَكَيْفَ؟ وَإِذْ قَدْ جَاءَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عَدَّ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مِيلًا إلَى السُّوَيْدَاءِ مَسِيرَةَ ثَلَاثٍ، فَإِنَّ تَحْدِيدَهُ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ: أَنْ لَا قَصْرَ فِيمَا دُونَهُ لِسِتَّةٍ وَتِسْعِينَ مِيلًا -: مُوجِبٌ أَنَّ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثٍ، لِأَنَّ بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ مِيلًا، وَمُحَالٌ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْعَدَدَيْنِ ثَلَاثًا مُسْتَوِيَةً وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ عَارَضَ هَذَا الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ حَدَّ بِالْيَوْمِ الْوَاحِدِ، وَقَوْلُهُمْ: نَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ صِحَّةِ اسْتِعْمَالِنَا نَهْيَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ سَفَرِهَا يَوْمًا وَاحِدًا مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ وَنَهْيَهَا عَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ النَّهْيُ عَنْ سَفَرِهَا ثَلَاثًا هُوَ الْأَوَّلُ أَوْ هُوَ الْآخِرُ، فَإِنَّهَا مَنْهِيَّةٌ أَيْضًا عَنْ الْيَوْمِ، وَلَيْسَ تَأْخِيرُ نَهْيِهَا عَنْ الثَّلَاثِ بِنَاسِخٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَمَّا دُونَ الثَّلَاثِ، وَأَنْتُمْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ مُخَالَفَتِكُمْ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَهَا عَمَّا دُونَ الثَّلَاثِ، وَخِلَافُ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِغَيْرِ يَقِينٍ لِلنَّسْخِ لَا يَحِلُّ، فَتَعَارَضَ الْقَوْلَانِ وَالثَّالِثُ: أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي ذَكَرْنَا: قَاضٍ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَكُلُّهَا بَعْضُ مَا فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ مَا فِيهِ أَصْلًا؟ لِأَنَّ مَنْ عَمِلَ بِهِ فَقَدْ عَمِلَ بِجَمِيعِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَنْ عَمِلَ بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ - دُونَ سَائِرِهَا - فَقَدْ خَالَفَ نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهَذَا لَا يَجُوزُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: ثُمَّ لَوْ لَمْ تَتَعَارَضْ الرِّوَايَاتُ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ نَهْيُ الْمَرْأَةِ عَنْ سَفَرِ مُدَّةٍ مَا إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ مُدَّةُ مَسْحِ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ -: ذِكْرٌ أَصْلًا - لَا بِنَصٍّ وَلَا بِدَلِيلٍ - عَلَى الْمُدَّةِ الَّتِي يَقْصُرُ فِيهَا وَيُفْطِرُ، وَلَا يَقْصُرُ، وَلَا يُفْطِرُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا. وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى -: ذَكَرَ الْقَصْرَ فِي الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ مَعَ الْخَوْفِ. وَذَكَرَ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ وَالْمَرَضِ؟ وَذَكَرَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ فِي السَّفَرِ وَالْمَرَضِ -:
فَجَعَلَ هَؤُلَاءِ حُكْمَ نَهْيِ الْمَرْأَةِ عَنْ السَّفَرِ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَحُكْمُ مَسْحِ الْمُسَافِرِ -: دَلِيلٌ عَلَى مَا يَقْصُرُ فِيهِ وَيُفْطِرُ، دُونَ مَا لَا قَصْرَ فِيهِ وَلَا فِطْرَ، وَلَمْ يَجْعَلُوهُ دَلِيلًا عَلَى السَّفَرِ الَّذِي يَتَيَمَّمُ فِيهِ مِنْ السَّفَرِ الَّذِي لَا يُتَيَمَّمُ فِيهِ؟ فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَمَا لَا تُقْصَرُ فِيهِ عَلَى مَا تُسَافِرُ فِيهِ الْمَرْأَةُ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ، وَمَا لَا تُسَافِرُهُ، وَعَلَى مَا يَمْسَحُ فِيهِ الْمُقِيمُ، وَمَا لَا يَمْسَحُ؟ قُلْنَا لَهُمْ: وَلِمَ فَعَلْتُمْ هَذَا؟ وَمَا الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ؟ أَوْ مَا الشَّبَهُ بَيْنَهُمَا؟ وَهَلَّا قِسْتُمْ الْمُدَّةَ الَّتِي إذَا نَوَى إقَامَتَهَا الْمُسَافِرُ أَتَمَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا؟ وَمَا يَعْجِزُ أَحَدٌ أَنْ يَقِيسَ بِرَأْيِهِ حُكْمًا عَلَى حُكْمٍ آخَرَ وَهَلَّا قِسْتُمْ مَا يَقْصُرُ فِيهِ عَلَى مَا لَا يَتَيَمَّمُ فِيهِ؟ فَهُوَ أَوْلَى إنْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا، أَوْ عَلَى مَا أَبَحْتُمْ فِيهِ لِلرَّاكِبِ التَّنَفُّلَ عَلَى دَابَّتِهِ. ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا عَنْ قَوْلِكُمْ: إنْ سَافَرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَصَرَ وَأَفْطَرَ، وَإِنْ سَافَرَ أَقَلَّ لَمْ يَقْصُرْ وَلَمْ يُفْطِرْ -: مَا هَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَيَّامُ؟ أَمِنْ أَيَّامِ حُزَيْرَانَ؟ أَمْ مِنْ أَيَّامِ كَانُونَ الْأَوَّلِ فَمَا بَيْنَهُمَا؟ وَهَذِهِ الْأَيَّامُ الَّتِي قُلْتُمْ، أَسَيْرُ الْعَسَاكِرِ؟ أَمْ سَيْرُ الرِّفَاقِ عَلَى الْإِبِلِ، أَوْ عَلَى الْحَمِيرِ، أَوْ عَلَى الْبِغَالِ، أَمْ سَيْرُ الرَّاكِبِ الْمُجِدِّ؟ أَمْ سَيْرُ الْبَرِيدِ؟ أَمْ مَشْيُ الرَّجَّالَةِ. وَقَدْ عَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّ مَشْيَ الرَّاجِلِ الشَّيْخِ الضَّعِيفِ فِي وَحْلٍ وَوَعِرٍ، أَوْ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ -: خِلَافُ مَشْيِ الرَّاكِبِ عَلَى الْبَغْلِ الْمُطِيقِ فِي الرَّبِيعِ فِي السَّهْلِ، وَأَنَّ هَذَا يَمْشِي فِي يَوْمٍ مَا لَا يَمْشِيهِ الْآخَرُ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ؟ وَأَخْبِرُونَا عَنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ: كَيْفَ هِيَ؟ أَمَشْيًا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى آخِرِهِ؟ أَمْ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا، أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ قَلِيلًا؟ أَمْ النَّهَارُ وَاللَّيْلُ مَعًا؟ أَمْ كَيْفَ هَذَا وَأَخْبِرُونَا: كَيْفَ جَعَلْتُمْ هَذِهِ الْأَيَّامَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ مِيلًا عَلَى وَاحِدٍ وَعِشْرِينَ مِيلًا كُلَّ يَوْمٍ؟ وَلَمْ تَجْعَلُوهَا اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مِيلًا عَلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ مِيلًا كُلَّ يَوْمٍ؟ أَوْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِيلًا كُلَّ يَوْمٍ؟ أَوْ عِشْرِينَ مِيلًا كُلَّ يَوْمٍ؟ أَوْ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ مِيلًا كُلَّ يَوْمٍ فَمَا بَيْنَ ذَلِكَ
فَكُلُّ هَذِهِ الْمَسَافَاتِ تَمْشِيهَا الرِّفَاقُ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى تَحْدِيدِ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا - دُونَ سَائِرِهِ - إلَّا بِرَأْيٍ فَاسِدٍ. وَهَكَذَا يُقَالُ لِمَنْ قَدَّرَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ، أَوْ بِلَيْلَةٍ، أَوْ بِيَوْمٍ، أَوْ بِيَوْمَيْنِ، وَلَا فَرْقَ؟ فَإِنْ قَالُوا: هَذَا الِاعْتِرَاضُ يَلْزَمُكُمْ أَنْ تُدْخِلُوهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَمْرِهِ الْمَرْأَةَ أَنْ لَا تُسَافِرَ ثَلَاثًا أَوْ لَيْلَتَيْنِ، أَوْ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ يَوْمًا إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَفِي تَحْدِيدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسْحَ الْمُسَافِرِ ثَلَاثًا وَالْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً؟ قُلْنَا - وَلَا كَرَامَةَ لِقَائِلِ هَذَا مِنْكُمْ -: بَلْ بَيْنَ تَحْدِيدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَحْدِيدِكُمْ أَعْظَمُ الْفَرْقِ، وَهُوَ أَنَّكُمْ لَمْ تَكِلُوا الْأَيَّامَ الَّتِي جَعَلْتُمُوهَا - حَدًّا لِمَا يَقْصُرُ فِيهِ وَمَا يُفْطِرُ، أَوْ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ كَذَلِكَ، الَّتِي جَعَلَهَا مِنْكُمْ مَنْ جَعَلَهَا حَدًّا -: إلَى مَشْيِ الْمُسَافِرِ الْمَأْمُورِ بِالْقَصْرِ أَوْ الْفِطْرِ فِي ذَلِكَ الْمِقْدَارِ؟ بَلْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ جَعَلَتْ لِذَلِكَ حَدًّا مِنْ مِسَاحَةِ الْأَرْضِ لَا يَنْقُصُ مِنْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّكُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَشَى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كُلَّ يَوْمٍ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، أَوْ عِشْرِينَ مِيلًا لَا يَقْصُرُ، فَإِنْ مَشَى يَوْمًا وَلَيْلَةً ثَلَاثِينَ مِيلًا فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ. وَاتَّفَقْتُمْ أَنَّهُ مَنْ مَشَى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كُلَّ يَوْمٍ بَرِيدًا غَيْرُ شَيْءٍ أَوْ جَمَعَ ذَلِكَ الْمَشْيَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ؟ وَاتَّفَقْتُمْ مَعْشَرَ الْمُمَوِّهِينَ بِذِكْرِ الثَّلَاثِ لَيَالِي فِي الْحَدِيثَيْنِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ مَشَى مِنْ يَوْمِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ مِيلًا فَإِنَّهُ يَقْصُرُ وَيُفْطِرُ. وَلَوْ لَمْ يَمْشِ إلَّا بَعْضَ يَوْمٍ وَهَذَا مُمْكِنٌ جِدًّا، كَثِيرٌ فِي النَّاسِ؟ وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَرْأَةَ بِأَنْ لَا تُسَافِرَ ثَلَاثًا أَوْ يَوْمًا إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ. وَأَمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْمُسَافِرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ بِالْمَسْحِ ثُمَّ يَخْلَعُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ مَوْكُولَةٌ إلَى حَالَةِ الْمُسَافِرِ وَالْمُسَافِرَةِ، عَلَى عُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الَّذِي لَوْ أَرَادَ غَيْرَهُ لَبَيَّنَهُ لِأُمَّتِهِ. فَلَوْ أَنَّ مُسَافِرَةً خَرَجَتْ تُرِيدُ سَفَرَ مِيلٍ فَصَاعِدًا لَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تَخْرُجَهُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ؟
وَلَوْ أَنَّ مُسَافِرًا سَافَرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ يَمْشِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِيلًا لَكَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ؟ وَلَوْ سَافَرَ يَوْمًا وَأَقَامَ آخَرَ وَسَافَرَ ثَالِثًا لَكَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ كَمَا هِيَ. وَحَتَّى لَوْ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَّا خَبَرُ الثَّلَاثِ فَقَطْ لَكَانَ الْقَوْلُ: أَنَّ الْمَرْأَةَ إنْ خَرَجَتْ فِي سَفَرٍ مِقْدَارَ قُوَّتِهَا فِيهِ أَنْ لَا تَمْشِيَ إلَّا مِيلَيْنِ مِنْ نَهَارِهَا أَوْ ثَلَاثَةً -: لَمَا حَلَّ، لَهَا إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ. فَلَوْ كَانَ مِقْدَارُ قُوَّتِهَا أَنْ تَمْشِيَ خَمْسِينَ مِيلًا كُلَّ يَوْمٍ لَكَانَ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ مَسَافَةَ مِائَةِ مِيلٍ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ لَكِنْ وَحْدَهَا. وَاَلَّذِي حَدَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مَعْقُولٌ مَفْهُومٌ مَضْبُوطٌ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِمِسَاحَةٍ مِنْ الْأَرْضِ لَا تَتَعَدَّى، بَلْ بِمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ اسْمَ سَفَرِ ثَلَاثٍ أَوْ سَفَرِ يَوْمٍ، وَلَا مَزِيدَ؟ وَاَلَّذِي حَدَّدْتُمُوهُ أَنْتُمْ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَلَا مَفْهُومٍ وَلَا مَضْبُوطٍ أَصْلًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَظَهَرَ فَرْقُ مَا بَيْنَ قَوْلِكُمْ وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَتَبَيَّنَ فَسَادُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا بِيَقِينٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَأَنَّهَا لَا مُتَعَلِّقَ لَهَا وَلَا لِشَيْءٍ مِنْهَا لَا بِقُرْآنٍ وَلَا بِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا بِإِجْمَاعٍ وَلَا بِقِيَاسٍ وَلَا بِمَعْقُولٍ، وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ بِيَقِينٍ فَإِنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَخْبَارِ الْمَأْثُورَةِ عَنْهُ حَقٌّ كُلُّهَا عَلَى ظَاهِرِهَا وَمُقْتَضَاهَا، مَنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنْهَا خَالَفَ الْحَقَّ، لَا سِيَّمَا تَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ خُرُوجِ الْمَكِّيِّ إلَى مِنًى وَإِلَى عَرَفَةَ فِي الْحَجِّ فَيَقْصُرُ -: وَبَيْنَ سَائِرِ جَمِيعِ بِلَادِ الْأَرْضِ يَخْرُجُونَ هَذَا الْمِقْدَارَ فَلَا يَقْصُرُونَ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا التَّفْرِيقُ عَنْ صَاحِبٍ وَلَا تَابِعٍ قَبْلَهُ؟ وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ مُقَلِّدِيهِ بِأَنْ قَالَ: إنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ: بِمِنًى.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْلًا، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْفُوظٌ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؟ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ لَهُمْ، لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُهُمْ إذْ أَخْرَجُوا حُكْمَ أَهْلِ مَكَّةَ بِمِنًى عَنْ حُكْمِ سَائِرِ الْأَسْفَارِ مِنْ أَجْلِ مَا ذَكَرُوا -: أَنْ يَقْصُرَ أَهْلُ مِنًى بِمِنًى وَبِمَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَقُلْ لِأَهْلِ مِنًى: أَتِمُّوا؟ فَإِنْ قَالُوا: قَدْ عُرِفَ أَنَّ الْحَاضِرَ لَا يَقْصُرُ؟ قِيلَ لَهُمْ: صَدَقْتُمْ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْأَسْفَارِ لَهُ حُكْمُ الْإِقَامَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يَقْصُرُونَ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى مِنْ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَتِلْكَ الْمَسَافَةُ فِي جَمِيعِ بِلَادِ اللَّهِ تَعَالَى كَذَلِكَ وَلَا فَرْقَ، إذْ لَيْسَ إلَّا سَفَرٌ أَوْ إقَامَةٌ بِالنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ وَلَا فَرْقَ وَقَدْ حَدَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ الْمَشَقَّةُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْنَا هَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ تَخْتَلِفُ، فَنَجِدُ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشْيُ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ حَتَّى لَا يَبْلُغَهَا إلَّا بِشِقِّ النَّفْسِ، وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا، يَكَادُ أَنْ يَكُونَ الْأَغْلَبَ، وَنَجِدُ مَنْ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الرُّكُوبُ فِي عِمَارِيَّةٍ فِي أَيَّامِ الرَّبِيعِ مُرَفَّهًا مَخْدُومًا شَهْرًا وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ، فَبَطَلَ هَذَا التَّحْدِيدُ قَالَ عَلِيٌّ: فَلْنَقُلْ الْآنَ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ عَلَى بَيَانِ السَّفَرِ الَّذِي يَقْصُرُ فِيهِ وَيُفْطِرُ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] . وَقَالَ عُمَرُ، وَعَائِشَةُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ» وَلَمْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا الْمُسْلِمُونَ بِأَجْمَعِهِمْ سَفَرًا مِنْ سَفَرٍ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخُصَّهُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ؟ فَإِنْ قِيلَ: بَلْ لَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ إلَّا فِي سَفَرٍ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْقَصْرِ فِيهِ وَالْفِطْرِ؟
قُلْنَا لَهُمْ: فَلَا تَقْصُرُوا وَلَا تُفْطِرُوا إلَّا فِي حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ جِهَادٍ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلُكُمْ، وَلَوْ قُلْتُمُوهُ لَكُنْتُمْ قَدْ خَصَّصْتُمْ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ بِلَا بُرْهَانٍ، وَلَلَزِمَكُمْ فِي سَائِرِ الشَّرَائِعِ كُلِّهَا أَنْ لَا تَأْخُذَا فِي شَيْءٍ مِنْهَا لَا بِقُرْآنٍ، وَلَا بِسُنَّةٍ إلَّا حَتَّى يُجْمِعَ النَّاسُ عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْهَا، وَفِي هَذَا هَدْمُ مَذَاهِبِكُمْ كُلِّهَا، بَلْ فِيهِ الْخُرُوجُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِبَاحَةِ مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الدِّينِ كُلِّهِ، إلَّا حَتَّى يُجْمِعَ النَّاسُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا نَفْسُهُ خُرُوجٌ عَنْ الْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا الْحَقُّ فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ حَتَّى يَصِحَّ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ أَوْ مَنْسُوخٌ، فَيُوقَفُ عِنْدَ مَا صَحَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُطَاعَ. قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] وَلَمْ يَبْعَثْهُ اللَّهُ تَعَالَى لِيُعْصَى حَتَّى يُجْمِعَ النَّاسُ عَلَى طَاعَتِهِ، بَلْ طَاعَتُهُ وَاجِبَةٌ قَبْلَ أَنْ يُطِيعَهُ أَحَدٌ. وَقَبْلَ أَنْ يُخَالِفَهُ أَحَدٌ، لَكِنْ سَاعَةَ يَأْمُرُ بِالْأَمْرِ، هَذَا مَا لَا يَقُولُ مُسْلِمٌ خِلَافَهُ، حَتَّى نَقَضَ مَنْ نَقَضَ وَالسَّفَرُ: هُوَ الْبُرُوزُ عَنْ مَحَلَّةِ الْإِقَامَةِ، وَكَذَلِكَ الضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ، هَذَا الَّذِي لَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ - الَّتِي بِهَا خُوطِبْنَا وَبِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ - سِوَاهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ إلَّا مَا صَحَّ النَّصُّ بِإِخْرَاجِهِ؟ ثُمَّ وَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ خَرَجَ إلَى الْبَقِيعِ لِدَفْنِ الْمَوْتَى، وَخَرَجَ إلَى الْفَضَاءِ لِلْغَائِطِ وَالنَّاسُ مَعَهُ فَلَمْ يَقْصُرُوا وَلَا أَفْطَرُوا، وَلَا أَفْطَرَ وَلَا قَصَرَ فَخَرَجَ هَذَا عَنْ أَنْ يُسَمَّى سَفَرًا، وَعَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ، فَلَمْ يَجُزْ لَنَا أَنْ نُوقِعَ اسْمَ سَفَرٍ وَحُكْمَ سَفَرٍ إلَّا عَلَى مَنْ سِمَاهُ مَنْ هُوَ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ سَفَرًا، فَلَمْ نَجِدْ ذَلِكَ فِي أَقَلَّ مِنْ مِيلٍ. فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ خَرَجْت مِيلًا لَقَصَرْت الصَّلَاةَ، فَأَوْقَعْنَا اسْمَ السَّفَرِ وَحُكْمَ السَّفَرِ فِي الْفِطْرِ وَالْقَصْرِ عَلَى الْمِيلِ فَصَاعِدًا، إذْ لَمْ نَجِدْ عَرَبِيًّا وَلَا شَرِيعِيًّا عَالِمًا أَوْقَعَ عَلَى أَقَلَّ مِنْهُ اسْمَ سَفَرٍ، وَهَذَا بُرْهَانٌ صَحِيحٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا جَعَلْتُمْ الثَّلَاثَةَ الْأَمْيَالَ - كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَذِي الْحُلَيْفَةِ - حَدًّا لِلْقَصْرِ وَالْفِطْرِ، إذْ لَمْ تَجِدُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَصَرَ وَلَا أَفْطَرَ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ؟
قُلْنَا: وَلَا وَجَدْنَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْعًا مِنْ الْفِطْرِ وَالْقَصْرِ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ وَجَدْنَاهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْجَبَ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا، وَجَعَلَ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ مُطْلَقًا، فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. وَالْمِيلُ: هُوَ مَا سُمِّيَ عِنْدَ الْعَرَبِ مِيلًا، وَلَا يَقَعُ ذَلِكَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ أَلْفَيْ ذِرَاعٍ؟ فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ هَذَا مَا خَفِيَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا عَلَى عُثْمَانَ، وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ التَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ، فَهُوَ مِمَّا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى قُلْنَا: قَدْ عَرَفَهُ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَالتَّابِعِينَ. ثُمَّ نَعْكِسُ عَلَيْكُمْ قَوْلَكُمْ -: فَنَقُولُ لِلْحَنَفِيِّينَ: لَوْ كَانَ قَوْلُكُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَقًّا مَا خَفِيَ عَلَى عُثْمَانَ، وَلَا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ قَوْلَكُمْ، كَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ لَا يَقُولُ بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَهُوَ مِمَّا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى؟ وَنَقُولُ لِلْمَالِكِيِّينَ: لَوْ كَانَ قَوْلُكُمْ حَقًّا مَا خَفِيَ عَلَى كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَهُوَ مِمَّا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى؟ إلَّا أَنَّ هَذَا الْإِلْزَامَ لَازِمٌ لِلطَّوَائِفِ الْمَذْكُورَةِ لَا لَنَا؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ هَذَا الْإِلْزَامَ حَقًّا، وَمَنْ حَقَّقَ شَيْئًا لَزِمَهُ. وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نُحَقِّقُ هَذَا الْإِلْزَامَ الْفَاسِدَ بَلْ هُوَ عِنْدَنَا وَسْوَاسٌ وَضَلَالٌ، وَإِنَّمَا حَسْبُنَا اتِّبَاعُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، عَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، وَمَا مِنْ شَرِيعَةٍ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا إلَّا قَدْ عَلِمَهَا بَعْضُ السَّلَفِ وَقَالَ بِهَا، وَجَهِلَهَا بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ بِهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ مَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ قَالَ: إنَّ مِنْ الْعَجَبِ تَرْكَ سُؤَالِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ هَذِهِ الْعَظِيمَةِ، وَهِيَ حَدُّ السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَيُفْطَرُ فِيهِ فِي رَمَضَانَ؟
فَقُلْنَا: هَذَا أَعْظَمُ بُرْهَانٍ، وَأَجَلُّ دَلِيلٍ، وَأَوْضَحُ حُجَّةٍ لِكُلِّ مَنْ لَهُ أَدْنَى فَهْمٍ وَتَمْيِيزٍ -: عَلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِذَلِكَ أَصْلًا إلَّا مَا سُمِّيَ سَفَرًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي بِهَا خَاطَبَهُمْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، إذْ لَوْ كَانَ لِمِقْدَارِ السَّفَرِ حَدٌّ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا لَمَا أَغْفَلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَيَانَهُ أَلْبَتَّةَ، وَلَا أَغْفَلُوا هُمْ سُؤَالَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْهُ، وَلَا اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِ نَقْلِ تَحْدِيدِهِ فِي ذَلِكَ إلَيْنَا، فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَلَاحَ بِذَلِكَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْهُمْ قَنَعُوا بِالنَّصِّ الْجَلِيِّ، وَإِنَّ كُلَّ مَنْ حَدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا فَإِنَّمَا هُوَ وَهْمٌ أَخْطَأَ فِيهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ اتَّفَقَ الْفَرِيقَانِ عَلَى أَنَّهُ إذَا فَارَقَ بُيُوتَ الْقَرْيَةِ وَهُوَ يُرِيدُ: إمَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَإِمَّا أَرْبَعَةَ بُرُدٍ -: أَنَّهُ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. فَنَسْأَلُهُمْ: أَهُوَ فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ؟ أَمْ لَيْسَ فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ بَعْدُ، لَكِنَّهُ يُرِيدُ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ بَعْدُ، وَلَا يَدْرِي أَيَبْلُغُهُ أَمْ لَا؟ وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ بَعْدُ، وَلَكِنَّهُ يُرِيدُهُ، وَلَا يَدْرِي أَيَبْلُغُهُ أَمْ لَا، أَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ أَبَاحُوا لَهُ الْقَصْرَ، وَهُوَ فِي غَيْرِ سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، مِنْ أَجْلِ نِيَّتِهِ فِي إرَادَتِهِ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَلَزِمَهُمْ أَنْ يُبِيحُوا لَهُ الْقَصْرَ فِي مَنْزِلِهِ وَخَارِجِ مَنْزِلِهِ بَيْنَ بُيُوتِ قَرْيَتِهِ، مِنْ أَجْلِ نِيَّتِهِ فِي إرَادَتِهِ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَلَا فَرْقَ. وَقَدْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ: عَطَاءٌ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَغَيْرُهُمَا، إلَّا أَنَّ هَؤُلَاءِ يُقِرُّونَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي سَفَرٍ، ثُمَّ يَأْمُرُونَهُ بِالْقَصْرِ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ أَصْلًا وَإِنْ قَالُوا: بَلْ هُوَ فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ؟ هَدَمُوا كُلَّ مَا بَنَوْا، وَأَبْطَلُوا أَصْلَهُمْ وَمَذْهَبَهُمْ، وَأَقَرُّوا بِأَنَّ قَلِيلَ السَّفَرِ وَكَثِيرَهُ: تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَنْصَرِفُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْمِقْدَارَ الَّذِي فِيهِ الْقَصْرُ عِنْدَهُمْ؟ وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّ مَا دُونَ الْمِيلِ مِنْ آخِرِ بُيُوتِ قَرْيَتِهِ لَهُ حُكْمُ الْحَضَرِ، فَلَا يُقْصَرُ فِيهِ وَلَا يُفْطَرُ، فَإِذَا بَلَغَ الْمِيلَ فَحِينَئِذٍ صَارَ فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَيُفْطَرُ فِيهِ، فَمِنْ حِينَئِذٍ يَقْصُرُ وَيُفْطِرُ. وَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ فَكَانَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ مِيلٍ فَإِنَّهُ يُتِمُّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي سَفَرٍ - يَقْصُرُ فِيهِ بَعْدُ
مسألة سافر فأقام في مكان واحد عشرين يوما بلياليها هل يقصر الصلاة
مَسْأَلَةٌ: وَسَوَاءٌ سَافَرَ فِي بَرٍّ، أَوْ بَحْرٍ، أَوْ نَهْرٍ، كُلُّ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّهُ سَفَرٌ وَلَا فَرْقَ؟ [مَسْأَلَةٌ سَافَرَ فَأَقَامَ فِي مَكَان وَاحِدٍ عِشْرِينَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا هَلْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ] 515 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ سَافَرَ الْمَرْءُ فِي جِهَادٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْفَارِ -: فَأَقَامَ فِي مَكَان وَاحِدٍ عِشْرِينَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا: قَصَرَ، وَإِنْ أَقَامَ أَكْثَرَ: أَتَمَّ - وَلَوْ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ؟ ثُمَّ ثَبَتْنَا بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّ سَفَرَ الْجِهَادِ، وَسَفَرَ الْحَجِّ، وَسَفَرَ الْعُمْرَةِ، وَسَفَرَ الطَّاعَةِ، وَسَفَرَ الْمَعْصِيَةِ، وَسَفَرَ مَا لَيْسَ طَاعَةً وَلَا مَعْصِيَةً -: كُلُّ ذَلِكَ سَفَرٌ، حُكْمُهُ كُلُّهُ فِي الْقَصْرِ وَاحِدٌ. وَإِنَّ مَنْ أَقَامَ فِي شَيْءٍ عِشْرِينَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا فَأَقَلَّ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ وَلَا بُدَّ، سَوَاءٌ نَوَى إقَامَتَهَا أَوْ لَمْ يَنْوِ إقَامَتَهَا، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ إقَامَةَ مُدَّةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَأَكْثَرَ: أَتَمَّ وَلَا بُدَّ، هَذَا فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً وَأَمَّا فِي الصِّيَامِ فِي رَمَضَانَ فَبِخِلَافِ ذَلِكَ، بَلْ إنْ أَقَامَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي خِلَالِ السَّفَرِ لَمْ يُسَافِرْ فِيهِمَا -: فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ فِيمَا يَسْتَأْنِفُ وَكَذَلِكَ إنْ نَزَلَ وَنَوَى إقَامَةَ لَيْلَةٍ وَالْغَدِ، فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الصِّيَامَ وَيَصُومَ؟ فَإِنْ وَرَدَ عَلَى ضَيْعَةٍ لَهُ، أَوْ مَاشِيَةٍ، أَوْ دَارٍ، فَنَزَلَ هُنَالِكَ: أَتَمَّ، فَإِذَا رَحَلَ مِيلًا فَصَاعِدًا: قَصَرَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -: فَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا أَجْمَعَ عَلَى إقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا: أَتَمَّ الصَّلَاةَ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ثنا عَاصِمٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ بِمَكَّةَ سَبْعَ عَشَرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» ".
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ أَقَامَ سَبْعَ عَشَرَةَ بِمَكَّةَ: قَصَرَ، وَمَنْ أَقَامَ فَزَادَ: أَتَمَّ؟ وَرُوِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ: إذَا أَجْمَعَ إقَامَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً: أَتَمَّ، فَإِنْ نَوَى أَقَلَّ: قَصَرَ؟ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إذَا أَجْمَعْتَ إقَامَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ؟ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: إذَا أَقَمْت عَشْرًا فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ. وَبِهِ يَأْخُذُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَحُمَيْدُ الرُّؤَاسِيُّ صَاحِبُهُ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ: إذَا أَقَمْت أَرْبَعًا فَصَلِّ أَرْبَعًا. وَبِهِ يَأْخُذُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَاللَّيْثُ، إلَّا أَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ أَنْ يَنْوِيَ إقَامَةَ أَرْبَعٍ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا: قَصَرَ، وَإِنْ بَقِيَ حَوْلًا؟ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ: إذَا أَقَمْت ثَلَاثًا فَأَتِمَّ؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إذَا أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَ عَشَرَةَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلٌ آخَرُ: إذَا وَضَعْت رَحْلَك بِأَرْضٍ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ؟ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ مَسْرُوقٍ بِالسِّلْسِلَةِ سَنَتَيْنِ وَهُوَ عَامِلٌ عَلَيْهَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْصَرَفَ؟ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي شُعْبَةَ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ الضُّبَعِيِّ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ الْعَنَزِيِّ قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: إنِّي أُقِيمُ بِالْمَدِينَةِ حَوْلًا لَا أَشَدُّ عَلَى سَيْرٍ؟ قَالَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ أَقَامَ بِأَذَرْبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَرْتَجَ
عَلَيْهِمْ الثَّلْجُ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: الْوَالِي لَا يَنْوِي رَحِيلًا قَبْلَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بِلَا شَكٍّ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَرْتَجَ عَلَيْهِ الثَّلْجُ فَقَدْ أَيْقَنَ أَنَّهُ لَا يَنْحَلُّ إلَى أَوَّلِ الصَّيْفِ؟ وَقَدْ أَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ مُقِيمٌ سَنَةً لَا يَنْوِي سَيْرًا: بِالْقَصْرِ؟ وَعَنْ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ: يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ مَا لَمْ يَرْجِعْ إلَى مَنْزِلِهِ، إلَّا أَنْ يَدْخُلَ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ عَلِيٌّ: احْتَجَّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ أَكْثَرُ مَا قِيلَ، وَأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا نَوَى الْمُسَافِرُ إقَامَةَ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ أَتَمَّ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الْقَصْرِ إلَّا بِإِجْمَاعٍ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا بَاطِلٌ، قَدْ أَوْرَدْنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ يَقْصُرُ حِينَ يَنْوِيَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَفْسِهِ. وَخَالَفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ كَمَا أَوْرَدْنَا وَغَيْرُهُ فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ وَاحْتَجَّ لِمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ مُقَلِّدُوهُمَا بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ «يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ انْقِضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا» . قَالُوا: فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُهَاجِرِينَ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ الَّتِي كَانَتْ أَوْطَانَهُمْ فَأُخْرِجُوا عَنْهَا فِي اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَلْقَوْا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ غُرَبَاءَ عَنْ أَوْطَانِهِمْ لِوَجْهِهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ أَبَاحَ لَهُمْ الْمُقَامَ بِهَا ثَلَاثًا بَعْدَ تَمَامِ النُّسُكِ. قَالُوا: فَكَانَتْ الثَّلَاثُ خَارِجَةً عَنْ الْإِقَامَةِ الْمَكْرُوهَةِ لَهُمْ، وَكَانَ مَا زَادَ عَنْهَا دَاخِلًا فِي الْإِقَامَةِ الْمَكْرُوهَةِ؟ مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا أَصْلًا وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ نَصٌّ وَلَا إشَارَةٌ إلَى الْمُدَّةِ الَّتِي إذَا
أَقَامَهَا الْمُسَافِرُ أَتَمَّ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي حُكْمِ الْمُهَاجِرِ، فَمَا الَّذِي أَوْجَبَ أَنْ يُقَاسَ الْمُسَافِرُ يُقِيمُ عَلَى الْمُهَاجِرِ يُقِيمُ؟ هَذَا لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا، وَكَيْفَ وَكُلُّهُ بَاطِلٌ،؟ وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُسَافِرَ مُبَاحٌ لَهُ أَنْ يُقِيمَ ثَلَاثًا وَأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، لَا كَرَاهِيَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمُهَاجِرُ فَمَكْرُوهٌ لَهُ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ نُسُكِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، فَأَيُّ نِسْبَةٍ بَيْنَ إقَامَةٍ مَكْرُوهَةٍ وَإِقَامَةٍ مُبَاحَةٍ لَوْ أَنْصَفُوا أَنْفُسَهُمْ؟ وَأَيْضًا: فَإِنَّ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ لِلْمُهَاجِرِ دَاخِلٌ عِنْدَهُمْ فِي حُكْمِ أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا لَا مُقِيمًا، وَمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ لِلْمُسَافِرِ فَإِقَامَةٌ صَحِيحَةٌ، وَهَذَا مَانِعٌ مِنْ أَنْ يُقَاسَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَلَوْ قِيسَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ لَوَجَبَ أَنْ يَقْصُرَ الْمُسَافِرُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، لَا أَنْ يُتِمَّ، بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ؟ وَأَيْضًا: فَإِنَّ إقَامَةَ قَدْرِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الثَّلَاثَةِ مَكْرُوهَةٌ، فَيَنْبَغِي عِنْدَهُمْ - إذَا قَاسُوا عَلَيْهِ الْمُسَافِرَ - أَنْ يُتِمَّ وَلَوْ نَوَى زِيَادَةَ صَلَاةٍ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ؟ فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَعَرِيَتْ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا عَنْ حُجَّةٍ، فَوَجَبَ أَنْ نُبَيِّنَ الْبُرْهَانَ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا الْإِقَامَةُ فِي الْجِهَادِ، وَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ الْقَصْرَ إلَّا مَعَ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يَجْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَصْرَ إلَّا مَعَ السَّفَرِ، لَا مَعَ الْإِقَامَةِ، وَبِالضَّرُورَةِ نَدْرِي أَنَّ حَالَ السَّفَرِ غَيْرُ حَالِ الْإِقَامَةِ، وَأَنَّ السَّفَرَ إنَّمَا هُوَ التَّنَقُّلُ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِقَامَةِ وَأَنَّ الْإِقَامَةَ هِيَ السُّكُونُ وَتَرْكُ النُّقْلَةِ وَالتَّنَقُّلِ فِي دَارِ الْإِقَامَةِ، هَذَا حُكْمُ الشَّرِيعَةِ وَالطَّبِيعَةِ مَعًا. فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْمُقِيمُ فِي مَكَان وَاحِدٍ مُقِيمٌ غَيْرُ مُسَافِرٍ بِلَا شَكٍّ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ حَالِ الْإِقَامَةِ وَحُكْمِهَا فِي الصِّيَامِ وَالْإِتْمَامِ إلَّا بِنَصٍّ. وَقَدْ صَحَّ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ النَّقْلِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَزَلَ فِي حَالِ سَفَرِهِ فَأَقَامَ بَاقِيَ نَهَارِهِ وَلَيْلَتِهِ، ثُمَّ رَحَلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَصَرَ فِي بَاقِي يَوْمِهِ ذَلِكَ وَفِي لَيْلَتِهِ الَّتِي بَيْنَ يَوْمَيْ نُقْلَتِهِ، فَخَرَجَتْ هَذِهِ الْإِقَامَةُ عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ فِي الْإِتْمَامِ، وَالصِّيَامِ، وَلَوْلَا
ذَلِكَ لَكَانَ مُقِيمُ سَاعَةٍ لَهُ حُكْمُ الْإِقَامَةِ؟ وَكَذَلِكَ مَنْ وَرَدَ عَلَى ضَيْعَةٍ لَهُ، أَوْ مَاشِيَةٍ، أَوْ عَقَارٍ فَنَزَلَ هُنَالِكَ فَهُوَ مُقِيمٌ، فَلَهُ حُكْمُ الْإِقَامَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، إذْ لَمْ نَجِدْ نَصًّا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ يَنْقُلُهَا عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ. وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَلَمْ نَجِدْ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ أَقَامَ يَوْمًا وَلَيْلَةً لَمْ يَرْحَلْ فِيهِمَا فَقَصَرَ وَأَفْطَرَ إلَّا فِي الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، وَالْجِهَادِ فَقَطْ، فَوَجَبَ بِذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ مَنْ أَقَامَ فِي خِلَالِ سَفَرِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً لَمْ يَظْعَنْ فِي أَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ يُتِمُّ، وَيَصُومُ. وَكَذَلِكَ مَنْ مَشَى لَيْلًا وَيَنْزِلُ نَهَارًا فَإِنَّهُ يَقْصُرُ بَاقِيَ لَيْلَتِهِ وَيَوْمِهِ الَّذِي بَيْنَ لَيْلَتَيْ حَرَكَتِهِ. وَهَذَا قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ. وَنَسْأَلُ مَنْ أَبَى هَذَا عَنْ مَاشٍ فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ عِنْدَهُمْ نَوَى إقَامَةً وَهُوَ سَائِرٌ لَا يَنْزِلُ وَلَا يَثْبُتُ -: اُضْطُرَّ لِشِدَّةِ الْخَوْفِ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ فَرْضَهُ رَاكِبًا نَاهِضًا أَوْ يَنْزِلَ لِصَلَاةِ فَرْضِهِ ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى الْمَشْيِ: أَيَقْصُرُ أَوْ يُتِمُّ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: يَقْصُرُ -: فَصَحَّ أَنَّ السَّفَرَ: هُوَ الْمَشْيُ. ثُمَّ نَسْأَلُهُمْ عَمَّنْ نَوَى إقَامَةً وَهُوَ نَازِلٌ غَيْرُ مَاشٍ: أَيُتِمُّ أَمْ يَقْصُرُ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: يُتِمُّ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْإِقَامَةَ هِيَ السُّكُونُ لَا الْمَشْيُ مُتَنَقِّلًا. وَهَذَا نَفْسُ قَوْلِنَا - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ؟ وَأَمَّا الْجِهَادُ، وَالْحَجُّ -: فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعٍ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَبُوكِ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» .
قَالَ عَلِيٌّ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ثِقَةٌ، وَبَاقِي رُوَاةِ الْخَبَرِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُمْ؟ وَهَذَا أَكْثَرُ مَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي إقَامَتِهِ بِتَبُوك، فَخَرَجَ هَذَا الْمِقْدَارُ مِنْ الْإِقَامَةِ عَنْ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ بِهَذَا الْخَبَرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يَقْصُرُ مَا دَامَ مُقِيمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ وَلَا رَسُولُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الصَّلَاةَ رَكْعَتَيْنِ إلَّا فِي السَّفَرِ، وَأَنَّ الْإِقَامَةَ خِلَافُ السَّفَرِ لِمَا ذَكَرْنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: كَقَوْلِنَا فِي الْجِهَادِ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ قَوْلِنَا نَصًّا إلَّا أَنَّهُ خَالَفَ فِي الْمُدَّةِ. وَأَمَّا الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ: فَلِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ، قَالَ: كَمْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: عَشْرًا» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ: ثنا وُهَيْبٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَاءِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
قَالَ عَلِيٌّ: فَإِذْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَبِالضَّرُورَةِ نَعْلَمُ: أَنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ ذَلِكَ الْيَوْمَ الرَّابِعَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْخَامِسُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالثَّالِثُ وَهُوَ السَّادِسُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالرَّابِعُ وَهُوَ السَّابِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَأَنَّهُ خَرَجَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَى مِنًى قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ،
هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ، فَتَمَّتْ لَهُ بِمَكَّةَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ وَأَرْبَعُ لَيَالٍ كَمَلًا، أَقَامَهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ هَذِهِ الْمُدَّةَ بِهَا بِلَا شَكٍّ. ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِنًى فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا؟ وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنْ نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَتَمَّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَوَى بِلَا شَكٍّ إقَامَةَ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَلَمْ يُتِمَّ. ثُمَّ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِمِنًى الْيَوْمَ الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَبَاتَ بِهَا لَيْلَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ. ثُمَّ أَتَى إلَى عَرَفَةَ بِلَا شَكٍّ فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَبَقِيَ هُنَالِكَ إلَى أَوَّلِ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ، ثُمَّ نَهَضَ إلَى مُزْدَلِفَةَ فَبَاتَ بِهَا اللَّيْلَةَ الْعَاشِرَةَ. ثُمَّ نَهَضَ فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ إلَى مِنًى، فَكَانَ بِهَا، وَنَهَضَ إلَى مَكَّةَ فَطَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ إمَّا فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ وَإِمَّا فِي اللَّيْلَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ، بِلَا شَكٍّ فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ. ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَدَفَعَ مِنْهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ بَعْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَكَانَتْ إقَامَتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِمِنًى أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ غَيْرَ نِصْفِ يَوْمٍ. ثُمَّ أَتَى إلَى مَكَّةَ فَبَاتَ اللَّيْلَةَ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ بِالْأَبْطَحِ، وَطَافَ بِهَا طَوَافَ الْوَدَاعِ، ثُمَّ نَهَضَ فِي آخِرِ لَيْلَتِهِ تِلْكَ إلَى الْمَدِينَةِ، فَكَمُلَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِمَكَّةَ، وَمِنًى، وَعَرَفَةَ، وَمُزْدَلِفَةَ: عَشْرُ لَيَالٍ كَمَلًا كَمَا قَالَ أَنَسٌ، فَصَحَّ قَوْلُنَا، وَكَانَ مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُتَمَتِّعُونَ، وَكَانَ هُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَارِنًا. فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، فَخَرَجَتْ هَذِهِ الْإِقَامَةُ بِهَذَا الْأَثَرِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ حَيْثُ أَقَامَ عَنْ حُكْمِ سَائِرِ الْإِقَامَاتِ، وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةً -: فِي بَعْضِهَا «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَفِي بَعْضِهَا ثَمَانِ عَشْرَةَ وَفِي بَعْضِهَا سَبْعَ عَشْرَةَ.
وَفِي بَعْضِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ؟» قُلْنَا: نَعَمْ، وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي عَامِ الْفَتْحِ، وَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي جِهَادٍ، وَفِي دَارِ حَرْبٍ، لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ -: كَصَفْوَانَ وَغَيْرِهِمْ لَهُمْ مُدَّةُ مُوَادَعَةٍ لَمْ تَنْقَضِ بَعْدُ. وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ فِي هَوَازِنَ قَدْ جُمِعَتْ لَهُ الْعَسَاكِرُ بِحُنَيْنٍ عَلَى بِضْعَةَ عَشَرَ مِيلًا. وَخَالِدُ بْنُ سُفْيَانَ الْهُذَلِيُّ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ يَجْمَعُ هُذَيْلًا لِحَرْبِهِ. وَالْكُفَّارُ مُحِيطُونَ بِهِ مُحَارِبُونَ لَهُ -: فَالْقَصْرُ وَاجِبٌ بَعْدُ فِي أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الْإِقَامَةِ. وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَتَرَدَّدُ مِنْ مَكَّةَ إلَى حُنَيْنٍ. ثُمَّ إلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، ثُمَّ إلَى الطَّائِفِ. وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُوَجِّهُ السَّرَايَا إلَى مَنْ حَوْلَ مَكَّةَ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، كَبَنِي كِنَانَةَ، وَغَيْرِهِمْ. فَهَذَا قَوْلُنَا، وَمَا دَخَلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَكَّةَ قَطُّ مِنْ حِينِ خَرَجَ عَنْهَا مُهَاجِرًا إلَّا فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، أَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَطْ. ثُمَّ حِينَ فَتَحَهَا كَمَا ذَكَرْنَا مُحَارِبًا. ثُمَّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: أَقَامَ بِهَا كَمَا وَصَفْنَا، وَلَا مَزِيدَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّ هَذِهِ الْإِقَامَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ فِي أَوَّلِ دَارِ الْحَرْبِ وَبَعْدَ الْإِحْرَامِ -: فَلِأَنَّ الْقَاصِدَ إلَى الْجِهَادِ مَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ فِي حَالِ جِهَادٍ، وَلَكِنَّهُ مُرِيدٌ لِلْجِهَادِ وَقَاصِدٌ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسَافِرٌ كَسَائِرِ الْمُسَافِرِينَ، إلَّا أَجْرَ نِيَّتِهِ فَقَطْ، وَهُوَ مَا لَمْ يُحْرِمْ فَلَيْسَ بَعْدُ فِي عَمَلِ حَجٍّ وَلَا عَمَلِ عُمْرَةٍ، لَكِنَّهُ مُرِيدٌ لَأَنْ يَحُجَّ، أَوْ لَأَنْ يَعْتَمِرَ، فَهُوَ كَسَائِرِ مَنْ يُسَافِرُ وَلَا فَرْقَ؟ [قَالَ عَلِيٌّ: وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ - إذْ أَقَامَ
بِمَكَّةَ أَيَّامًا: إنِّي إنَّمَا قَصَرْت أَرْبَعًا؛ لِأَنِّي فِي حَجٍّ، وَلَا لِأَنِّي فِي مَكَّةَ.
وَلَا قَالَ - إذْ أَقَامَ بِتَبُوكِ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ: إنِّي إنَّمَا قَصَرْت لِأَنِّي فِي جِهَادٍ. فَمَنْ قَالَ: شَيْئًا مِنْ هَذَا فَقَدْ قَوَّلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا لَمْ يَقُلْ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ. فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ لَوْلَا مُقَامُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي تَبُوكِ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ، وَبِمَكَّةَ دُونَ ذَلِكَ يَقْصُرُ -: لَكَانَ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إلَّا فِي يَوْمٍ يَكُونُ فِيهِ الْمَرْءُ مُسَافِرًا، وَلَكَانَ مُقِيمُ يَوْمٍ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ. لَكِنْ لَمَّا أَقَامَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عِشْرِينَ يَوْمًا بِتَبُوكِ يَقْصُرُ صَحَّ بِذَلِكَ أَنَّ عِشْرِينَ يَوْمًا إذَا أَقَامَهَا الْمُسَافِرُ فَلَهُ فِيهَا حُكْمُ السَّفَرِ، فَإِنْ أَقَامَ أَكْثَرَ أَوْ نَوَى إقَامَةً أَكْثَرَ فَلَا بُرْهَانَ يُخْرِجُ ذَلِكَ عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ أَصْلًا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ خَصَّ الْإِقَامَةَ فِي الْجِهَادِ بِعِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ فِيهَا، وَبَيْنَ مَنْ خَصَّ بِذَلِكَ بِتَبُوكَ دُونَ سَائِرِ الْأَمَاكِنِ، وَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصُّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِيهِ نَصٌّ أَصْلًا، وَالْقِيَاسُ لَا يَجُوزُ، فَمَنْ نَوَى إقَامَةَ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَصُومُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ] . قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: إنْ أَقَامَ فِي مَكَان يَنْوِي خُرُوجًا غَدًا أَوْ الْيَوْمَ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ وَيُفْطِرُ وَلَوْ أَقَامَ كَذَلِكَ أَعْوَامًا. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَى خُرُوجًا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنَّهُ يُفْطِرُ وَيَقْصُرُ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَقْصُرُ وَيُفْطِرُ وَإِنْ نَوَى إقَامَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ وَيَقْصُرُ، وَإِنْ نَوَى: أَخْرُجُ الْيَوْمَ، أَخْرُجُ غَدًا: قَصَرَ، وَلَوْ بَقِيَ كَذَلِكَ أَعْوَامًا -؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَمِنْ الْعَجَبِ الْعَجِيبِ إسْقَاطُ أَبِي حَنِيفَةَ النِّيَّةَ حِينَ افْتَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ، وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَالْحَيْضِ وَبَقَائِهِ فِي رَمَضَانَ يَنْوِي الْفِطْرَ إلَى قَبْلِ زَوَالِ
الشَّمْسِ، وَيُجِيزُ كُلَّ ذَلِكَ بِلَا نِيَّةٍ -: ثُمَّ يُوجِبُ النِّيَّةَ فَرْضًا فِي الْإِقَامَةِ، حَيْثُ لَمْ يُوجِبْهَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَوْجَبَهَا بُرْهَانٌ نَظَرِيٌّ قَالَ عَلِيٌّ: وَبُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: أَنَّ الْحُكْمَ [لِلْإِقَامَةِ لِلْمُدَدِ] الَّتِي ذَكَرْنَا - كَانَتْ هُنَالِكَ نِيَّةٌ لِإِقَامَةٍ أَوْ لَمْ تَكُنْ - فَهُوَ أَنَّ النِّيَّاتِ إنَّمَا تَجِبُ فَرْضًا فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُؤَدَّى بِلَا نِيَّةٍ وَأَمَّا عَمَلٌ لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا مَعْنَى لِلنِّيَّةِ فِيهِ، إذْ لَمْ يُوجِبْهَا هُنَالِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا نَظَرٌ، وَلَا إجْمَاعٌ. وَالْإِقَامَةُ لَيْسَتْ عَمَلًا مَأْمُورًا بِهِ، وَكَذَلِكَ السَّفَرُ، وَإِنَّمَا هُمَا حَالَانِ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا الْعَمَلَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِمَا، فَذَلِكَ الْعَمَلُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ، لَا الْحَالُ. وَهُمْ مُوَافِقُونَ لَنَا: أَنَّ السَّفَرَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ. وَلَوْ أَنَّ امْرَأً خَرَجَ لَا يُرِيدُ سَفَرًا فَدَفَعَتْهُ ضَرُورَاتٌ لَمْ يَقْصِدْ لَهَا حَتَّى صَارَ مِنْ مَنْزِلِهِ عَلَى ثَلَاثِ لَيَالٍ، أَوْ سِيرَ بِهِ مَأْسُورًا أَوْ مُكْرَهًا مَحْمُولًا مُجْبَرًا فَإِنَّهُ يَقْصُرُ وَيُفْطِرُ. وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِيمَنْ أُقِيمَ بِهِ كُرْهًا فَطَالَتْ بِهِ مُدَّتُهُ فَإِنَّهُ يُتِمُّ وَيَصُومُ، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِيمَنْ اُضْطُرَّ لِلْخَوْفِ إلَى الصَّلَاةِ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا، فَذَلِكَ الْخَوْفُ وَتِلْكَ الضَّرُورَةُ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى نِيَّةٍ. وَكَذَلِكَ النَّوْمُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، وَلَهُ حُكْمٌ فِي إسْقَاطِ الْوُضُوءِ وَإِيجَابِ تَجْدِيدِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الْإِجْنَابُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، وَهُوَ يُوجِبُ الْغُسْلَ. وَكَذَلِكَ الْحَدَثُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، وَهُوَ يُوجِبُ حُكْمَ الْوُضُوءِ وَالِاسْتِنْجَاءِ، فَكُلُّ عَمَلٍ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ لَكِنْ أُمِرَ فِيهِ بِأَعْمَالٍ مَوْصُوفَةٍ فَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ.
مسألة ابتدأ صلاة وهو مقيم ثم نوى فيها السفر
وَمِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ هِيَ الْإِقَامَةُ وَالسَّفَرُ، فَلَا يُحْتَاجُ فِيهِمَا إلَى نِيَّةٍ أَصْلًا، لَكِنْ مَتَى وُجِدَا وَجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْحُكْمُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِ وَلَا مَزِيدَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِنَا. [مَسْأَلَةٌ ابْتَدَأَ صَلَاةً وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ نَوَى فِيهَا السَّفَرَ] 516 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ ابْتَدَأَ صَلَاةً وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ نَوَى فِيهَا السَّفَرَ، أَوْ ابْتَدَأَهَا وَهُوَ مُسَافِرٌ ثُمَّ نَوَى فِيهَا أَنْ يُقِيمَ -: أَتَمَّ فِي كِلَا الْحَالَيْنِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْإِقَامَةَ غَيْرُ السَّفَرِ وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ مِمَّا هُوَ إقَامَةٌ إلَّا مَا أَخْرَجَهُ نَصٌّ. فَهُوَ إذَا نَوَى فِي الصَّلَاةِ سَفَرًا فَلَمْ يُسَافِرْ بَعْدُ، بَلْ هُوَ مُقِيمٌ، فَلَهُ حُكْمُ الْإِقَامَةِ. وَإِذَا افْتَتَحَهَا وَهُوَ مُسَافِرٌ فَنَوَى فِيهَا الْإِقَامَةَ فَهُوَ مُقِيمٌ بَعْدُ لَا مُسَافِرٌ، فَلَهُ أَيْضًا حُكْمُ الْإِقَامَةِ. إذْ إنَّمَا كَانَ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ بِالنَّصِّ الْمُخْرِجِ لِتِلْكَ الْحَالِ عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ، فَإِذَا بَطَلَتْ تِلْكَ الْحَالُ بِبُطْلَانِ نِيَّتِهِ صَارَ فِي حَالِ الْإِقَامَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ ذَكَرَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ صَلَاةً نَسِيَهَا أَوْ نَامَ عَنْهَا فِي إقَامَتِهِ] 517 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ ذَكَرَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ صَلَاةً نَسِيَهَا أَوْ نَامَ عَنْهَا فِي إقَامَتِهِ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ وَلَا بُدَّ، فَإِنْ ذَكَرَ فِي الْحَضَرِ صَلَاةً نَسِيَهَا فِي سَفَرٍ صَلَّاهَا أَرْبَعًا وَلَا بُدَّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصَلِّيهَا فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ: أَرْبَعًا؟ وَقَالَ مَالِكٌ: يُصَلِّيهَا إذَا نَسِيَهَا فِي السَّفَرِ فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ: رَكْعَتَيْنِ وَإِذَا نَسِيَهَا فِي الْحَضَرِ فَذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ صَلَّاهَا: أَرْبَعًا. حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ - الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ، وَإِنَّمَا الْقَصْرُ رُخْصَةٌ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ، وَدَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَلَوْ أَرَدْنَا مُعَارَضَتَهُ لَقُلْنَا: بَلْ الْأَصْلُ الْقَصْرُ، كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - " فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْحَالَةِ الْأُولَى ". وَلَكِنَّا لَا نَرْضَى بِالشَّغَبِ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ صَلَاةَ السَّفَرِ أَصْلٌ، وَصَلَاةَ الْإِقَامَةِ أَصْلٌ، لَيْسَتْ إحْدَاهُمَا فَرْعًا لِلْأُخْرَى، فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ.
وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِأَنَّ الصَّلَاةَ إنَّمَا تُؤَدَّى كَمَا لَزِمَتْ إذَا فَاتَتْ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا أَيْضًا دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ خَطَأٌ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يُخَالِفُ هَذَا الْأَصْلَ وَيَهْدِمُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، إلَّا هُنَا فَإِنَّهُ تَنَاقُضٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَقُولُ: مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا إلَّا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ. وَمَنْ فَاتَتْهُ فِي حَالِ مَرَضِهِ صَلَوَاتٌ كَانَ حُكْمُهَا لَوْ صَلَّاهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُومِئًا فَذَكَرَهَا فِي صِحَّتِهِ -: فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا إلَّا قَائِمًا. وَمَنْ ذَكَرَ فِي حَالِ الْمَرَضِ الْمَذْكُورِ صَلَاةً فَاتَتْهُ فِي صِحَّتِهِ كَانَ حُكْمُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا قَائِمًا فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا إلَّا قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا. وَمَنْ صَلَّى فِي حَالِ خَوْفٍ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا صَلَاةً نَسِيَهَا فِي حَالِ الْأَمْنِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّيهَا رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا. وَمَنْ ذَكَرَ فِي حَالِ الْأَمْنِ صَلَاةً نَسِيَهَا فِي حَالِ الْخَوْفِ حَيْثُ لَوْ صَلَّاهَا لَصَلَّاهَا رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا إلَّا نَازِلًا قَائِمًا. وَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً لَوْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا لَمْ يُصَلِّهَا إلَّا مُتَوَضِّئًا فَذَكَرَهَا فِي حَالِ تَيَمُّمٍ: صَلَّاهَا مُتَيَمِّمًا. وَلَوْ نَسِيَ صَلَاةً لَوْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا لَمْ يُصَلِّهَا إلَّا مُتَيَمِّمًا فَذَكَرَهَا وَالْمَاءُ مَعَهُ فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا إلَّا مُتَوَضِّئًا. وَالْقَوْمُ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، وَهَذَا مِقْدَارُ قِيَاسِهِمْ وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّ حُجَّتَنَا فِي هَذَا إنَّمَا هُوَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» فَإِنَّمَا جَعَلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقْتَهَا وَقْتَ أَدَائِهَا لَا الْوَقْتَ الَّذِي نَسِيَهَا فِيهِ أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكُلُّ صَلَاةٍ تُؤَدَّى فِي سَفَرٍ فَهِيَ صَلَاةُ سَفَرٍ، وَكُلُّ صَلَاةٍ تُؤَدَّى فِي حَضَرٍ فَهِيَ صَلَاةُ حَضَرٍ وَلَا بُدَّ؟
مسألة مسافر صلى بصلاة إمام مقيم
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ فِي هَذَا الْخَبَرِ «كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا لِوَقْتِهَا» . قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ، وَهَذِهِ لَفْظَةٌ مَوْضُوعَةٌ لَمْ تَأْتِ قَطُّ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا خَيْرٌ قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ نَسِيَ صَلَاةً فِي سَفَرٍ فَذَكَرَهَا فِي حَضَرٍ فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا إلَّا أَرْبَعًا -: فَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا. وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ نَسِيَهَا فِي حَضَرٍ فَذَكَرَهَا فِي سَفَرٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا سَفَرِيَّةً -: فَهُوَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَقْصُرُ إلَّا مَنْ نَوَى الْقَصْرَ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ تَنَاقَضَ، فَلَمْ يَرَ النِّيَّةَ لِلْإِتْمَامِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي قَدْ بَيَّنَّا خَطَأَهُ فِيهِ، مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ الْإِتْمَامُ، وَالْقَصْرُ دَخِيلٌ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الظُّهْرَ، أَوْ الْعَصْرَ، أَوْ الْعَتَمَةَ فَقَطْ. ثُمَّ إنْ كَانَ مُقِيمًا فَهِيَ أَرْبَعٌ، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَهِيَ رَكْعَتَانِ وَلَا بُدَّ وَمِنْ الْبَاطِلِ إلْزَامُهُ النِّيَّةَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ دُونَ الْآخَرِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مُسَافِرٌ صَلَّى بِصَلَاةِ إمَامٍ مُقِيمٍ] 518 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ صَلَّى مُسَافِرٌ بِصَلَاةِ إمَامٍ مُقِيمٍ قَصَرَ وَلَا بُدَّ، وَإِنْ صَلَّى مُقِيمٌ بِصَلَاةِ مُسَافِرٍ أَتَمَّ وَلَا بُدَّ، وَكُلُّ أَحَدٍ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، وَإِمَامَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ جَائِزَةٌ وَلَا فَرْقَ؟ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ: «سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: رَكْعَتَانِ؟ قُلْتُ: كَيْفَ تَرَى وَنَحْنُ هَهُنَا بِمِنًى؟ قَالَ: وَيْحَك سَمِعْتَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآمَنْتَ بِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ؟ قَالَ فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ إنْ شِئْت أَوْ دَعْ -» وَهَذَا بَيَانٌ جَلِيٌّ بِأَمْرِ ابْنِ عُمَرَ الْمُسَافِرَ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْمُقِيمِ رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ.
قَالَ: كَانَ أَبِي إذَا أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِ رَكْعَةً - وَهُوَ مُسَافِرٌ - صَلَّى إلَيْهَا أُخْرَى، وَإِذَا أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ اجْتَزَأَ بِهِمَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَطَرِ بْنِ فِيلٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: إذَا كَانَ مُسَافِرًا فَأَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِ رَكْعَتَيْنِ اعْتَدَّ بِهِمَا؟ وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ قَالَ: سَمِعْت طَاوُسًا وَسَأَلْته عَنْ مُسَافِرٍ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِينَ رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: تُجْزِيَانِهِ قَالَ عَلِيٌّ: بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا مَا قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى لِسَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَصَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصِّيَامَ وَنِصْفَ الصَّلَاةِ» وَلَمْ يَخُصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَأْمُومًا مِنْ إمَامٍ مِنْ مُنْفَرِدٍ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] . قَالَ عَلِيٌّ: وَالْعَجَبُ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ، وَالْحَنَفِيِّينَ الْقَائِلِينَ: بِأَنَّ الْمُقِيمَ خَلْفَ الْمُسَافِرِ يُتِمُّ وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى حُكْمِ إمَامِهِ فِي التَّقْصِيرِ، وَإِنَّ الْمُسَافِرَ خَلْفَ الْمُقِيمِ يَنْتَقِلُ إلَى حُكْمِ إمَامِهِ فِي الْإِتْمَامِ. وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، وَلَوْ صَحَّ قِيَاسٌ فِي الْعَالَمِ لَكَانَ هَذَا
صلاة الخوف
أَصَحَّ قِيَاسٍ يُوجَدُ، وَلَكِنْ هَذَا مِمَّا تَرَكُوا فِيهِ الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ وَالْقِيَاسَ وَمَا وَجَدْت لَهُمْ حُجَّةً إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: إنَّ الْمُسَافِرَ إذَا نَوَى فِي صَلَاتِهِ الْإِقَامَةَ لَزِمَهُ إتْمَامُهَا، وَالْمُقِيمُ إذَا نَوَى فِي صَلَاتِهِ السَّفَرَ لَمْ يَقْصُرْهَا، قَالَ: فَإِذَا خَرَجَ بِنِيَّتِهِ إلَى الْإِتْمَامِ فَأَحْرَى أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْإِتْمَامِ بِحُكْمِ إمَامِهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا قِيَاسٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا نِسْبَةَ وَلَا شَبَهَ بَيْنَ صَرْفِ النِّيَّةِ مِنْ سَفَرٍ إلَى إقَامَةٍ وَبَيْنَ الِائْتِمَامِ بِإِمَامٍ مُقِيمٍ، بَلْ التَّشْبِيهُ بَيْنَهُمَا هَوَسٌ ظَاهِرٌ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» ؟ فَقُلْنَا لَهُمْ: فَقُولُوا لِلْمُقِيمِ خَلْفَ الْمُسَافِرِ: أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ إذَنْ؟ فَقَالَ قَائِلُهُمْ: قَدْ جَاءَ " أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ "؟ فَقُلْنَا: لَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يُتِمُّ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَأْمُومٍ وَلَا إمَامٍ، فَالْوَاجِبُ عَلَى هَذَا أَنَّ الْمُسَافِرَ جُمْلَةً يَقْصُرُ، وَالْمُقِيمَ جُمْلَةً يُتِمُّ، وَلَا يُرَاعِي أَحَدٌ مِنْهُمَا حَالَ إمَامِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ [صَلَاةُ الْخَوْفِ] [مَسْأَلَةٌ أَرَادَ الصَّلَاة فَحَضَرَهُ خَوْفٌ مِنْ عَدُوٍّ وَهُمْ ثَلَاثَة فَصَاعِدًا] 519 - مَسْأَلَةٌ: مَنْ حَضَرَهُ خَوْفٌ مِنْ عَدُوٍّ ظَالِمٍ كَافِرٍ، أَوْ بَاغٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ سَيْلٍ، أَوْ مِنْ نَارٍ، أَوْ مِنْ حَنَشٍ، أَوْ سَبُعٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَهُمْ فِي ثَلَاثَةٍ فَصَاعِدًا -: فَأَمِيرُهُمْ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَجْهًا، كُلُّهَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ بَيَّنَّاهَا غَايَةَ الْبَيَانِ وَالتَّقَصِّي فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ وَإِنَّمَا كَتَبْنَا كِتَابَنَا هَذَا لِلْعَامِّيِّ وَالْمُبْتَدِئِ وَتَذْكِرَةً لِلْعَالِمِ، فَنَذْكُرُ هَهُنَا بَعْضَ تِلْكَ الْوُجُوهِ، مِمَّا يَقْرُبُ حِفْظُهُ وَيَسْهُلُ فَهْمُهُ، وَلَا يَضْعُفُ فِعْلُهُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ فَإِنْ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَإِنْ شَاءَ صَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمُوا، ثُمَّ تَأْتِي طَائِفَةٌ أُخْرَى فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيُسَلِّمُونَ، وَإِنْ كَانَ فِي حَضَرٍ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَإِنْ كَانَتْ الصُّبْحُ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَغْرِبُ صَلَّى بِكُلِّ
طَائِفَةٍ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، الْأُولَى فَرْضُ الْإِمَامِ، وَالثَّانِيَةُ تَطَوُّعٌ لَهُ وَإِنْ شَاءَ فِي السَّفَرِ أَيْضًا صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ تُسَلِّمُ تِلْكَ الطَّائِفَةُ وَيُجْزِئُهُمَا، وَإِنْ شَاءَ هُوَ سَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُسَلِّمْ، وَيُصَلِّي بِالْأُخْرَى رَكْعَةً وَيُسَلِّمُ وَيُسَلِّمُونَ وَيُجْزِئُهُمْ. وَإِنْ شَاءَتْ الطَّائِفَةُ أَنْ تَقْضِيَ الرَّكْعَةَ وَالْإِمَامُ وَاقِفٌ فَعَلَتْ، ثُمَّ تَفْعَلُ الثَّانِيَةُ أَيْضًا كَذَلِكَ؟ فَإِنْ كَانَتْ الصُّبْحُ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً ثُمَّ وَقَفَ وَلَا بُدَّ وَقَضَوْا رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا، ثُمَّ تَأْتِي الثَّانِيَةُ فَيُصَلِّي بِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ قَامُوا فَقَضَوْا رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ وَيُسَلِّمُونَ؟ فَإِنْ كَانَتْ الْمَغْرِبُ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا جَلَسَ قَامُوا فَقَضَوْا رَكْعَةً وَسَلَّمُوا وَتَأْتِي الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهِمْ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ، فَإِذَا قَعَدَ صَلُّوا رَكْعَةً ثُمَّ جَلَسُوا وَتَشَهَّدُوا، ثُمَّ صَلَّوْا الثَّالِثَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيُسَلِّمُونَ؟ فَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ، أَوْ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَتُجْزِئُهُ وَأَمَّا الصُّبْحُ فَاثْنَتَانِ وَلَا بُدَّ، وَالْمَغْرِبُ ثَلَاثٌ وَلَا بُدَّ، وَفِي الْحَضَرِ أَرْبَعٌ وَلَا بُدَّ؟ سَوَاءٌ هَهُنَا الْخَائِفُ مِنْ طَلَبٍ بِحَقٍّ، أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [النساء: 101] {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] . فَهَذِهِ الْآيَةُ تَقْتَضِي بِعُمُومِهَا الصِّفَاتِ الَّتِي قُلْنَا نَصًّا ثُمَّ كُلُّ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْغَبَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى آمِرًا لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقُولَ: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] . وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مِنْ مِلَّتِهِ، وَمِلَّتُهُ هِيَ مِلَّةُ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا بِيَسِيرٍ فِي بَابِ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَوَجَدَ جَمَاعَةً يُصَلُّونَ يُصَلِّي صَلَاةً أُخْرَى فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَجَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ فِي الْخَوْفِ ثُمَّ سَلَّمَ، وَبِطَائِفَةٍ أُخْرَى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ» . وَذَكَرْنَا مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ السَّلَفِ، فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ، وَهَذَا آخِرُ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ أَبَا بَكَرَةَ شَهِدَهُ مَعَهُ وَلَمْ يُسْلِمْ إلَّا يَوْمَ الطَّائِفِ، وَلَمْ يَغْزُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ الطَّائِفِ غَيْرَ تَبُوكَ فَقَطْ. فَهَذِهِ أَفْضَلُ صِفَاتِ صَلَاةِ الْخَوْفِ لِمَا ذَكَرْنَا. وَقَالَ بِهَذَا الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَيْضًا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ " فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةٌ " -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُبَيْعٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ حَدَّثَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ هُوَ ابْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ - عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمَ قَالَ: " كُنَّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِطَبَرِسْتَانَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْخَوْفِ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا، فَقَامَ حُذَيْفَةُ وَصَفَّ النَّاسَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ صَفًّا خَلْفَهُ وَصَفًّا مُوَازِيَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَةً، وَانْصَرَفَ هَؤُلَاءِ إلَى مَكَانِ هَؤُلَاءِ، وَجَاءَ أُولَئِكَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً وَلَمْ يَقْضُوا ". قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنِي الرُّكَيْنُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ صَلَاةِ حُذَيْفَةَ. قَالَ عَلِيٌّ: الْأَسْوَدُ بْنُ هِلَالٍ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ زَهْدَمٍ أَحَدُ الصَّحَابَةِ حَنْظَلِيٌّ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَمِعَ مِنْهُ وَرَوَى عَنْهُ. وَصَحَّ هَذَا أَيْضًا مُسْنَدًا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَأَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَرَ جَابِرٌ أَنَّ الْقَصْرَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ عِنْدَ الْخَوْفِ هُوَ هَذَا؟ لَا كَوْنُ الصَّلَاةِ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ وَصَحَّ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ. فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَظَاهِرَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ، وَقَالَ بِهَذَا جُمْهُورٌ مِنْ السَّلَفِ. كَمَا رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَيَّامَ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ، لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَعَنْ جَابِرٍ، وَغَيْرِهِ؟ وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى بِمَنْ مَعَهُ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَلَّاهَا بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ وَلَا أَمَرَ بِالْقَضَاءِ؟ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُومِئُ بِرَكْعَةٍ عِنْدَ الْقِتَالِ؟ وَعَنْ الْحَسَنِ: أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ صَلَّى فِي الْخَوْفِ رَكْعَةً وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إذَا كَانَتْ الْمُسَايَفَةُ فَإِنَّمَا هِيَ رَكْعَةٌ يُومِئُ إيمَاءً حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، رَاكِبًا كَانَ أَوْ مَاشِيًا؟ وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ فِي صَلَاةِ الْمُطَارَدَةِ: رَكْعَةٌ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ مَكْحُولٍ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ: إذَا لَمْ يَقْدِرْ الْقَوْمُ عَلَى أَنْ يُصَلُّوا عَلَى الْأَرْضِ صَلُّوا عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ رَكْعَتَيْنِ فَإِذَا لَمْ يَقْدِرُوا فَرَكْعَةٌ وَسَجْدَتَانِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا أَخَّرُوا حَيْثُ يَأْمَنُوا؟ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا فَلَا يَحِلُّ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَحْ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَأْخِيرِهَا وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَجْلَانَ الْأَفْطَسُ سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ
يَقُولُ: كَيْف يَكُونُ قَصْرٌ وَهُمْ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ؟ وَإِنَّمَا هُوَ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ، يُومِئُ بِهَا حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ؟ وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ - عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ غُرَابٍ كُنَّا مَصَافِّي الْعَدُوِّ بِفَارِسَ، وَوُجُوهُنَا إلَى الْمَشْرِقِ، فَقَالَ هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ: لِيَرْكَعْ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْكُمْ رَكْعَةً تَحْتَ جُنَّتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْت الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَقَتَادَةَ عَنْ صَلَاةِ الْمُسَايَفَةِ؟ فَقَالُوا: رَكْعَةٌ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ مِثْلُ قَوْلِ الْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ، وَقَتَادَةَ. وَعَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] قَالَ: فِي الْعَدُوِّ يُصَلِّي رَاكِبًا وَرَاجِلًا يُومِئُ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، وَالرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ تُجْزِئُهُ. وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَانِ الْعَمَلَانِ أَحَبُّ الْعَمَلِ إلَيْنَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ نَرْغَبَ عَنْ سَائِرِ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ، وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا. لَكِنْ مِلْنَا إلَى هَذَيْنِ لِسُهُولَةِ الْعَمَلِ فِيهِمَا عَلَى كُلِّ جَاهِلٍ، وَعَالِمٍ، وَلِكَثْرَةِ مَنْ رَوَاهُمَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلِكَثْرَةِ مَنْ قَالَ بِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَلِتَوَاتُرِ الْخَبَرِ بِهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِمُوَافَقَتِهِمَا الْقُرْآنَ؟
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ لَا يُبَالِي بِالْكَذِبِ، عَصَبِيَّةً لِتَقْلِيدِهِ الْمُهْلِكِ لَهُ -: الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُمْ قَضَوْا قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا انْسِلَاخٌ مِنْ الْحَيَاءِ جُمْلَةً، وَقَصْدٌ إلَى الْكَذِبِ جِهَارًا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُمْ أَتَمُّوا أَرْبَعًا؟ وَقَالَ: لَمْ نَجِدْ فِي الْأُصُولِ صَلَاةً مِنْ رَكْعَةٍ؟ وَقُلْنَا لَهُمْ: وَلَا وَجَدْتُمْ فِي الْأُصُولِ صَلَاةَ الْإِمَامِ بِطَائِفَتَيْنِ، وَلَا صَلَاةً إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَلَا صَلَاةً يَقْضِي فِيهَا الْمَأْمُومُ مَا فَاتَهُ قَبْلَ تَمَامِ صَلَاةِ إمَامِهِ، وَلَا صَلَاةً يَقِفُ الْمَأْمُومُ فِيهَا لَا هُوَ يُصَلِّي مَعَ إمَامِهِ وَلَا هُوَ يَقْضِي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاتِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَكُمْ جَائِزٌ فِي الْخَوْفِ، وَلَا وَجَدْتُمْ شَيْئًا مِنْ الدِّيَانَةِ حَتَّى جَاءَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأُصُولُ لَيْسَتْ شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ؟ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ أَمَرَ بِقَضَاءِ رَكْعَةٍ قُلْنَا: هَذَا انْفَرَدَ بِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَهُوَ سَاقِطٌ لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا مُنِعَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْضُوا، بَلْ كَانَ يَكُونُ كُلُّ ذَلِكَ جَائِزًا؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ صَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ؟ قُلْنَا: هَذَا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَنْ شَرِيكٍ، وَهُوَ مُدَلِّسٌ، وَخَدِيجٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَكَانَ مَقْصُودًا بِهِ صَلَاةُ إمَامِهِمْ بِهِمْ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمِ بْنِ صُلَيْعٍ السَّلُولِيِّ - وَهُوَ مَجْهُولٌ - عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ قَالَ لِسَعِيدٍ: مُرْ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِك فَيُصَلُّونَ مَعَكَ، وَطَائِفَةً خَلْفَكُمْ، فَتُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ؟ وَهَكَذَا نَقُولُ: فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ بِهِمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، إلَّا مَا جَاءَ نَصٌّ فِيهِ أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ مَثْنَى، كَالْوِتْرِ، وَصَلَاةِ الْخَوْفِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ مَثْنَى، كَالظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، وَالْعِشَاءِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ نُهِيَ عَنْ " الْبُتَيْرَاءِ "؟
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذِهِ كِذْبَةٌ وَخَبَرٌ مَوْضُوعٌ. وَمَا نَدْرِي " الْبُتَيْرَاءَ " فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْتُمْ تُجِيزُونَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ إنْ شَاءَ رَكْعَةً وَيُسَلِّمَ، وَإِنْ شَاءَ وَصَلَهَا بِأُخْرَى بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ، وَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّ مَا كَانَ لِلْمَرْءِ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ فَهُوَ تَطَوُّعٌ لَا فَرْضٌ، وَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمُحَالٌ أَنْ يَصِلَ فَرْضَهُ بِتَطَوُّعٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا سَلَامٌ؟ قَالَ عَلِيٌّ: إنَّمَا يَكُونُ مَا ذَكَرُوا فِيمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ، وَأُمًّا إذَا جَاءَ النَّصُّ فَالنَّظَرُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، لَا يَحِلُّ بِهِ مُعَارِضَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: أَلَيْسَ مُصَلِّي الْفَرْضَ مِنْ إمَامٍ أَوْ مُنْفَرِدٍ - عِنْدَكُمْ وَعِنْدَنَا - مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَقْرَأَ مَعَ " أُمِّ الْقُرْآنِ " سُورَةً إنْ شَاءَ طَوِيلَةً وَإِنْ شَاءَ قَصِيرَةً وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى " أُمِّ الْقُرْآنِ " فَقَطْ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ تَسْبِيحَةً تَسْبِيحَةً وَإِنْ شَاءَ طَوَّلَهُمَا؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: نَعَمْ. فَقُلْنَا لَهُمْ: فَقَدْ أَبَحْتُمْ هَهُنَا مَا قَدْ حَكَمْتُمْ بِأَنَّهُ بَاطِلٌ وَمُحَالٌ مَنْ صِلَتُهُ فَرِيضَةٌ بِمَا هُوَ عِنْدَكُمْ تَطَوُّعٌ إنْ شَاءَ فَعَلَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا، بَلْ كُلُّ هَذَا خَيْرٌ فِيهِ الْبِرُّ، فَإِنَّ طَوَّلَ فَفَرْضٌ أَدَّاهُ، وَإِنْ لَمْ يُطَوِّلْ فَفَرْضٌ أَدَّاهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى رَكْعَةً فِي الْخَوْفِ فَهِيَ فَرْضُهُ، وَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَهُمَا فَرْضُهُ. كَمَا فَعَلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَكَمَا أَمَرَ {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3] {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] قَالَ عَلِيٌّ وَسَائِرُ الْوُجُوهِ الصِّحَاحِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرُ أَخَذَ بِبَعْضِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَهَهُنَا أَقْوَالٌ لَمْ تَصِحَّ قَطُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ تُرْوَ عَنْهُ أَصْلًا، وَلَكِنْ رُوِيَتْ عَمَّنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَالْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ.
وَمِنْ التَّابِعِينَ -: مَسْرُوقٌ، وَمِنْ الْفُقَهَاءِ -: الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَحُمَيْدُ الرُّؤَاسِيُّ صَاحِبُهُ. وَمِنْ جُمْلَتِهَا قَوْلٌ رُوِّينَاهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، رَجَعَ مَالِكٌ إلَى الْقَوْلِ بِهِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ يَقُولُ بِبَعْضِ الْوُجُوهِ الَّتِي صَحَّتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ: أَنْ يَصُفَّ الْإِمَامُ أَصْحَابَهُ طَائِفَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا خَلْفَهُ، وَالثَّانِيَةُ مُوَاجِهَةٌ الْعَدُوَّ، فَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِالطَّائِفَةِ الَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا، فَإِذَا قَامَ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ثَبَتَ وَاقِفًا وَأَتَمَّتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ لِأَنْفُسِهَا الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهَا، ثُمَّ سَلَّمَتْ وَنَهَضَتْ فَوَقَفَتْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، وَالْإِمَامُ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَاقِفٌ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ فَتَصُفَّ خَلْفَ الْإِمَامِ وَتُكَبِّرُ، فَيُصَلِّي بِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ بِسَجْدَتَيْهَا، هِيَ لَهُمْ أُولَى، وَهِيَ لِلْإِمَامِ ثَانِيَةٌ، ثُمَّ يَجْلِسُ الْإِمَامُ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، فَإِذَا سَلَّمَ قَامَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَقَضَتْ الرَّكْعَةَ الَّتِي لَهَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ - قَضَاءُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى وَالْإِمَامُ وَاقِفٌ، وَقَضَاءُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ - لَمْ يَأْتِ قَطُّ جَمْعُ هَذَيْنِ الْقَضَاءَيْنِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فِي شَيْءٍ مِمَّا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْلًا. وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء: 102] وَلِأَنَّ الطَّائِفَةَ لَمْ تُصَلِّ بَعْضَ صَلَاتِهَا مَعَهُ، وَمَا كَانَ خِلَافًا لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ دُونَ نَصٍّ مِنْ بَيَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ، وَلَيْسَ يُوجِبُ هَذَا الْقَوْلَ قِيَاسٌ، وَلَا نَظَرٌ ". وَلَيْسَ تَقْلِيدُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ، مِمَّنْ قَدْ ذَكَرْنَاهُ -: كَعَمْرٍو، وَابْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي مُوسَى، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو، وَحُذَيْفَةَ، وَثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ، وَأَنَسٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَغَيْرِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ رَوَى بَعْضَ تِلْكَ الْأَعْمَالِ وَخَالَفَهُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ أَنَّهُ خَالَفَ مَا حَضَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا لِأَمْرٍ عَلِمَهُ هُوَ نَاسِخٌ لِمَا رَوَاهُ؟ قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ، وَحُكْمٌ بِالظَّنِّ، وَتَرْكٌ لِلْيَقِينِ، وَإِضَافَةٌ إلَى الصَّاحِبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
مَا لَا يَحِلُّ أَنْ يُظَنَّ بِهِ، مِنْ أَنَّهُ رَوَى لَنَا الْمَنْسُوخَ وَكَتَمَ النَّاسِخَ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكُمْ هَذَا وَبَيْنَ مِنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ عَنْهُ أَنَّهُ يُخَالِفُ مَا رَوَى، فَالدَّاخِلَةُ إنَّمَا هِيَ فِيمَا رُوِيَ مِنْهُ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ، لَا فِيمَا رَوَاهُ هُوَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ عَلِيٌّ: وَلَسْنَا نَقُولُ: بِشَيْءٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ الْحَقَّ أَخْذُ رِوَايَةِ الرَّاوِي، لَا أَخْذُ رَأْيِهِ، إذْ قَدْ يَتَأَوَّلُ فِيهِمْ، وَقَدْ يَنْسَى، وَلَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَكْتُمَ النَّاسِخَ وَيَرْوِي الْمَنْسُوخَ؟ وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُوهَمُوا هَهُنَا بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَالزُّهْرِيَّ: مُخَالِفُونَ لِاخْتِيَارِ مَالِكٍ، وَمَا وَجَدْنَا مَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ إلَّا عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَحْدَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: وَمِنْهَا قَوْلٌ رُوِّينَاهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، أَخَذَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ رَجَعَ عَنْهُ -: وَهُوَ أَنْ يَصُفَّهُمْ الْإِمَامُ صَفَّيْنِ: طَائِفَةٌ خَلْفَهُ، وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ -: فَيُصَلِّي بِاَلَّتِي خَلْفَهُ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا، فَإِذَا قَامَ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَقَفَ، وَنَهَضَتْ الطَّائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَهُ فَوَقَفُوا بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، وَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ بَعْدُ. ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الَّتِي كَانَتْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ فَتُكَبِّرُ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَيُصَلِّي بِهِمْ الْإِمَامُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ لَهُ وَهِيَ لَهُمْ الْأُولَى، فَإِذَا جَلَسَ وَتَشَهَّدَ: سَلَّمَ، وَتَنْهَضُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، وَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ، فَتَقِفُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ. وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الَّتِي كَانَتْ صَلَّتْ مَعَ الْإِمَامِ الرَّكْعَةَ الْأُولَى فَتَرْجِعُ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّتْ فِيهِ مَعَ الْإِمَامِ، فَتَقْضِي فِيهِ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ لَهَا، وَتُسَلِّمُ، ثُمَّ تَأْتِي فَتَقِفُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ. وَتَرْجِعُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّتْ فِيهِ مَعَ الْإِمَامِ، فَتَقْضِي فِيهِ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ لَهَا. إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ زَادَ مِنْ قِبَلِ رَأْيِهِ زِيَادَةً لَا تُعْرَفُ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ قَبْلَهُ -: وَهِيَ أَنَّهُ
قَالَ: تَقْضِي الطَّائِفَةُ الْأُولَى الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهَا بِلَا قِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فِيهَا. وَتَقْضِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهَا بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِيهَا وَلَا بُدَّ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا عَمَلٌ لَمْ يَأْتِ قَطُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَذَلِكَ أَنَّ فِيهِ مِمَّا قَدْ يُخَالِفُ كُلَّ أَثَرٍ جَاءَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، تَأْخِيرُ الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا إتْمَامَ الرَّكْعَةِ الْبَاقِيَةِ لَهُمَا إلَى أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ، فَتَبْتَدِئُ أُولَاهُمَا بِالْقَضَاءِ، ثُمَّ لَا تَقْضِي الثَّانِيَةُ إلَّا حَتَّى تُسَلِّمَ الْأُولَى. وَفِيهِ أَيْضًا مِمَّا يُخَالِفُ كُلَّ أَثَرٍ رُوِيَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ -: مَجِيءُ كُلِّ طَائِفَةٍ لِلْقَضَاءِ خَاصَّةً إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّتْ فِيهِ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ أَنْ زَالَتْ عَنْهُ إلَى مُوَاجِهَةِ الْعَدُوِّ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ؟ قُلْنَا: قُلْتُمْ الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ، إنَّمَا جَاءَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - مِنْ طَرِيقٍ وَاهِيَةٍ - خَبَرٌ فِيهِ ابْتِدَاءُ الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا بِالصَّلَاةِ مَعًا مَعَ الْإِمَامِ، وَأَنَّ الطَّائِفَةَ الَّتِي صَلَّتْ آخِرًا هِيَ بَدَأَتْ بِالْقَضَاءِ قَبْلَ الثَّانِيَةِ، وَلَيْسَ هَذَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَنْتُمْ تُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ، لَا سِيَّمَا إذَا لَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا تَخَيَّرْنَا ابْتِدَاءَ طَائِفَةٍ بَعْدَ طَائِفَةٍ اتِّبَاعًا لِلْآيَةِ؟ قُلْنَا: فَقَدْ خَالَفْتُمْ الْآيَةَ فِي إيجَابِكُمْ صَلَاةَ كُلِّ طَائِفَةٍ مَا بَقِيَ عَلَيْهَا بَعْدَ تَمَامِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى: {فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء: 102] فَخَالَفْتُمْ الْقُرْآنَ، وَجَمِيعَ الْآثَارِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا، وَجَمِيعَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِلَا نَظَرٍ وَلَا قِيَاسٍ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِنَادِرَةٍ، وَهِيَ: أَنَّهُ قَالَ: يَلْزَمُ الْإِمَامُ الْعَدْلَ بَيْنَهُمْ، فَكَمَا صَلَّتْ الطَّائِفَةُ الْوَاحِدَةُ أَوَّلًا فَكَذَلِكَ تَقْضِي أَوَّلًا؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا بَاطِلٌ، بَلْ هُوَ الْجَوْرُ وَالْمُحَابَاةُ، بَلْ الْعَدْلُ وَالتَّسْوِيَةُ هُوَ أَنَّهُ إذَا صَلَّتْ الْوَاحِدَةُ أَوَّلًا أَنْ تَقْضِيَ الثَّانِيَةُ أَوَّلًا، فَتَأْخُذَ كُلُّ طَائِفَةٍ بِحَظِّهَا مِنْ التَّقَدُّمِ وَبِحَظِّهَا مِنْ التَّأَخُّرِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ نَرَ قَطُّ مَأْمُومًا بَدَأَ بِالْقَضَاءِ قَبْلَ تَمَامِ صَلَاةِ إمَامِهِ؟
فَقِيلَ لَهُمْ: وَلَا رَأَيْتُمْ قَطُّ مَأْمُومًا يَتْرُكُ صَلَاةَ إمَامِهِ وَيَمْضِي إلَى شُغْلِهِ وَيَقِفُ بُرْهَةً طَوِيلَةً بَعْدَ تَمَامِ صَلَاةِ إمَامِهِ لَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ مِنْهَا، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: بِهَذَا بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا قِيَاسٍ، ثُمَّ تَعِيبُونَ مِنْ اتَّبَعَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْمُبِينُ لَا سِيَّمَا تَقْسِيمُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَضَاءِ الطَّائِفَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا بِقِرَاءَةٍ وَالْأُخْرَى بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، فَمَا عُرِفَ هَذَا عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَا يُؤَيِّدُهُ رَأْيٌ سَدِيدٌ، وَلَا قِيَاسٌ؟ وَمِنْهَا قَوْلٌ ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ فِي آخِرِ قَوْلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ اللُّؤْلُؤِيِّ، وَهُوَ: أَنْ لَا تُصَلَّى صَلَاةُ الْخَوْفِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] . قَالَ عَلِيٌّ: إلَّا أَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ النِّكَاحَ بِسُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ خَاصٌّ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّلَاةَ جَالِسًا كَذَلِكَ -: لَا يَقْدِرُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى أَبِي يُوسُفَ قَوْلَهُ هَهُنَا؟ وَمِنْهَا قَوْلٌ رُوِّينَاهُ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَهُوَ: أَنَّ تَكْبِيرَتَيْنِ فَقَطْ تُجْزِئَانِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنْ الْحَكَمِ، وَمُجَاهِدٍ: تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْف تَقُولُونَ بِصَلَاةِ الْخَوْفُ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ مَرَّةً، لَمْ يُصَلِّ بِنَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» ؟ قُلْنَا: هَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ أَشَدَّ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ لَكُمْ: مِنْ أَيْنَ كَانَ لَكُمْ بِأَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي اخْتَرْتُمُوهُ هُوَ الْعَمَلُ الَّذِي عَمِلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ صَلَّاهَا؟ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمُعْتَرِضُ بِهَذَا حَنَفِيًّا أَوْ مَالِكِيًّا؟ لِأَنَّ اخْتِيَارَ هَاتَيْنِ الْفِرْقَتَيْنِ لَمْ يَأْتِ قَطُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَيْف وَهَذَا حَدِيثٌ سَاقِطٌ؟ لَمْ يَرْوِهِ إلَّا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَنْ شَرِيكٍ الْقَاضِي، وَهُوَ مُدَلِّسٌ لَا
مسألة من خاف من طالب له بحق لا يجوز له أن يصلي صلاة الخوف
يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، فَكَيْف يَسْتَحِلُّ ذُو دِينٍ أَنْ يُعَارِضَ بِهَذِهِ السَّوْءَةِ أَحَادِيثَ الْكَوَافِّ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ: إنَّهُمْ شَهِدُوا صَلَاةَ الْخَوْفِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّاتٍ: مَرَّةً بِذِي قَرَدٍ، وَمَرَّةً بِذَاتِ الرِّقَاعِ، وَمَرَّةً بِنَجْدٍ، وَمَرَّةً بَيْنَ ضَجَنَانَ وَعُسْفَانَ، وَمَرَّةً بِأَرْضِ جُهَيْنَةَ، وَمَرَّةً بِنَخْلٍ، وَمَرَّةً بِعُسْفَانَ، وَمَرَّةً يَوْمَ مُحَارَبٍ وَثَعْلَبَةَ، وَمَرَّةً إمَّا بِالطَّائِفِ وَإِمَّا بِتَبُوكَ. وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ أَكَابِرُ التَّابِعِينَ وَالثِّقَاتُ الْأَثْبَاتُ؟ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَإِنَّمَا قُلْنَا: بِالصَّلَاةِ رَكْعَةً وَاحِدَةً فِي كُلِّ خَوْفٍ لِعُمُومِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " فُرِضَتْ الصَّلَاةُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً " وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ حُكْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَنْ خَافَ مِنْ طَالِبٍ لَهُ بِحَقٍّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ] 520 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِطَائِفَتَيْنِ مَنْ خَافَ مِنْ طَالِبٍ لَهُ بِحَقٍّ، وَلَا أَنْ يُصَلِّيَ أَصْلًا بِثَلَاثِ طَوَائِفَ فَصَاعِدًا؟ لِأَنَّ فِي صَلَاتِهَا بِطَائِفَتَيْنِ عَمَلًا لِكُلِّ طَائِفَةٍ فِي صَلَاتِهَا هِيَ مَنْهِيَّةٌ عَنْهُ إنْ كَانَتْ بَاغِيَةً وَمَنْ عَمِلَ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إذْ لَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ؟ وَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى رَاكِبًا، أَوْ مَاشِيًا، أَوْ مُحَارَبًا، أَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، أَوْ قَاعِدًا خَوْفَ طَالِبٍ لَهُ بِحَقٍّ؛ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَمِلَ عَمَلًا قَدْ نُهِيَ عَنْهُ فِي صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي كَوْنِهِ مَطْلُوبًا بِبَاطِلٍ عَامِلٌ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ عَمَلًا أُبِيحَ لَهُ فِي صَلَاتِهِ تِلْكَ؟ وَلَمْ يُصَلِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَطُّ بِثَلَاثِ طَوَائِفَ، وَلَوْلَا صَلَاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِطَائِفَتَيْنِ لَمَا جَازَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَجُوزُ عَمَلٌ فِي الصَّلَاةِ، إلَّا مَا أَبَاحَهُ النَّصُّ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» . وَالْوَاحِدُ مَعَ الْإِمَامِ طَائِفَةٌ وَصَلَاةُ جَمَاعَةٍ وَمَنْ صَلَّى كَمَا ذَكَرْنَا هَارِبًا عَنْ كَافِرٍ أَوْ عَنْ بَاغٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَيْضًا، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ فِي مَشْيِهِ ذَلِكَ تَحَرُّفًا لِقِتَالٍ أَوْ تَحَيُّزًا إلَى فِئَةٍ فَتُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ حِينَئِذٍ.
صلاة الجمعة
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} [الأنفال: 15] {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} [الأنفال: 16] فَمَنْ وَلِيَ الْكُفَّارَ ظَهْرَهُ وَالْبُغَاةَ الْمُفْتَرَضُ قِتَالُهُمْ لَا يَنْوِي تَحَيُّزًا وَلَا تَحَرُّفًا -: فَقَدْ عَمِلَ فِي صَلَاتِهِ عَمَلًا مُحَرَّمًا عَلَيْهِ، فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الْفَارُّ عَنْ السِّبَاعِ، وَالنَّارِ، وَالْحَنَشِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالْحَيَوَانِ الْعَادِي، وَالسَّيْلِ وَخَوْفِ عَطَشٍ، وَخَوْفِ فَوْتِ الرُّفْقَةِ، أَوْ فَوْتِ مَتَاعِهِ، أَوْ ضَلَالِ الطَّرِيقِ -: فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِي ذَلِكَ إلَّا مَا أُمِرَ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [صَلَاة الْجُمُعَة] [مَسْأَلَةٌ وَقْت الْجُمُعَةَ] 521 - مَسْأَلَةٌ: الْجُمُعَةُ، هِيَ ظُهْرُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُصَلَّى إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا: آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ. وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيلَانَ قَالَ: شَهِدْت الْجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَضَى صَلَاتَهُ وَخُطْبَتَهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ ثُمَّ شَهِدْت الْجُمُعَةَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَضَى صَلَاتَهُ وَخُطْبَتَهُ مَعَ زَوَالِ الشَّمْسِ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا ابْنُ مَسْعُودٍ الْجُمُعَةَ ضُحًى، وَقَالَ: إنَّمَا عَجَّلْت بِكُمْ خَشْيَةَ الْحَرِّ عَلَيْكُمْ؟ وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْت أَرَى طَنْفَسَةً لِعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ تُطْرَحُ إلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ الْغَرْبِيِّ، فَإِذَا غَشَّى الطَّنْفَسَةَ كُلَّهَا ظِلُّ الْجِدَارِ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَصَلَّى، ثُمَّ نَرْجِعُ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَنُقِيلُ قَائِلَةَ الضُّحَى؟ قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا يُوجِبُ أَنَّ صَلَاةَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْجُمُعَةَ كَانَتْ قَبْلَ الزَّوَالِ، لِأَنَّ ظِلَّ الْجِدَارِ مَا دَامَ فِي الْغَرْبِ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ قَبْلَ الزَّوَالِ، فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ صَارَ الظِّلُّ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ وَلَا بُدَّ. وَعَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي سَلِيطٍ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ
صَلَّى الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ وَصَلَّى الْعَصْرَ بِمَلَلٍ قَالَ ابْنُ أَبِي سَلِيطٍ: وَكُنَّا نُصَلِّي الْجُمُعَةَ مَعَ عُثْمَانَ وَنَنْصَرِفُ وَمَا لِلْجِدَارِ ظِلٌّ؟ قَالَ عَلِيٌّ: بَيْنَ الْمَدِينَةِ، وَمَلَلٍ: اثْنَانِ وَعِشْرُونَ مِيلًا، وَلَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ ثُمَّ يَخْطُبَ وَيُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ ثُمَّ يَمْشِيَ هَذِهِ الْمَسَافَةَ قَبْلَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ إلَّا مَنْ طَرَقَ طَرْقَ السَّرَايَا أَوْ رَكَضَ رَكْضَ الْبَرِيدِ الْمُؤَجَّلِ وَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَكُونَ هَذَا؟ وَقَدْ رُوِّينَا أَيْضًا هَذَا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كُلُّ عِيدٍ حِينَ يَمْتَدُّ الضُّحَى: الْجُمُعَةُ، وَالْأَضْحَى، وَالْفِطْرُ، كَذَلِكَ بَلَغَنَا؟ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُلُّ عِيدٍ فَهُوَ نِصْفُ النَّهَارِ. قَالَ عَلِيٌّ: أَيْنَ الْمُمَوِّهُونَ إنَّهُمْ مُتَّبِعُونَ عَمَلَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ؟ الْمُشَنِّعُونَ بِخِلَافِ الصَّاحِبِ إذَا خَالَفَ تَقْلِيدَهُمْ؟ وَهَذَا عَمَلُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَطَائِفَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَلَكِنَّ الْقَوْمَ لَا يُبَالُونَ مَا قَالُوا فِي نَصْرِ تَقْلِيدِهِمْ وَأَمَّا نَحْنُ فَالْحُجَّةُ عِنْدَنَا فِيمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَا وَكِيعٌ عَنْ يَعْلَى بْنِ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيِّ عَنْ إيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُبَيْعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ثنا حَسَنُ بْنُ عَيَّاشِ ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُمُعَةَ ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا، قُلْتُ: أَيُّ سَاعَةٍ؟ قَالَ: زَوَالَ الشَّمْسِ» . وَبِهِ إلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ: ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَرَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» . حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَثَلُ الْمُهَجِّرِ إلَى الْجُمُعَةِ كَمَثَلِ مَنْ يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَمَنْ يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ مَثَلُ مَنْ يُهْدِي شَاةً، ثُمَّ مَثَلُ مَنْ يُهْدِي دَجَاجَةً، ثُمَّ كَمَثَلِ مَنْ يُهْدِي عُصْفُورًا، ثُمَّ كَمَثَلِ مَنْ يُهْدِي بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَجَلَسَ طُوِيَتْ الصُّحُفُ» . وَرُوِّينَا نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ عَلِيٌّ: فَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ -: فَضْلُ التَّبْكِيرِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى الْمَسْجِدِ لِانْتِظَارِ الْجُمُعَةِ؟ وَبُطْلَانُ قَوْلِ مِنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْفَضَائِلَ كُلَّهَا إنَّمَا هِيَ لِسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَهَا سَاعَاتٍ مُتَغَايِرَاتٍ ثَانِيَةً، وَثَالِثَةً، وَرَابِعَةً، وَخَامِسَةً، فَلَا يَحِلَّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّهَا سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ؟ وَأَيْضًا - فَإِنَّ دَرَجَ الْفَضْلِ يَنْقَطِعُ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ، وَخُرُوجُهُ إنَّمَا هُوَ قَبْلَ النِّدَاءِ، وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ تِلْكَ السَّاعَةَ مَعَ النِّدَاءِ، فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ؟
وَفِيهِمَا -: أَنَّ الْجُمُعَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا عَنْ سُمَيٍّ ذَكَرَ خَمْسَ سَاعَاتٍ. وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاللَّيْثِ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -: سَاعَةً سَادِسَةً وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ تُطْوَى الصُّحُفُ، فَصَحَّ أَنَّ خُرُوجَهُ بَعْدَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ الزَّوَالِ، وَوَقْتُ الظُّهْرِ؟ فَإِنْ قِيلَ: " قَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَرْجِعُ وَمَا نَجِدُ لِلْحِيطَانِ ظِلًّا نَسْتَظِلُّ بِهِ» ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَمْ يَنْفِ سَلَمَةُ الظِّلَّ جُمْلَةً، إنَّمَا نَفَى ظِلًّا يَسْتَظِلُّونَ بِهِ، وَهَذَا إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى قِصَرِ الْخُطْبَةِ، وَتَعْجِيلُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الزَّوَالِ؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ " وَمَا كُنَّا نُقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ " لَيْسَ، فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ؟ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: خَرَجَ عَلَيْنَا عُمَرُ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ يَعْنِي، لِلْجُمُعَةِ؟ وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ: شَهِدْت عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ إذَا زَالَتْ، الشَّمْسُ؟ وَفَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ آخِرِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ وَبَيْنَ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ، عَلَى أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَنَا فِي
مسألة الجمعة إذا صلاها اثنان فصاعدا ركعتان يجهر فيهما
أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا هُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَهَذَا قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، وَإِذْ هِيَ ظُهْرُ الْيَوْمِ فَلَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ آخِرِ وَقْتِهَا مِنْ أَجْلِ اخْتِلَافِ الْأَيَّامِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْجُمُعَةُ إذَا صَلَّاهَا اثْنَانِ فَصَاعِدًا رَكْعَتَانِ يَجْهَرُ فِيهِمَا] 522 - مَسْأَلَةٌ: وَالْجُمُعَةُ إذَا صَلَّاهَا اثْنَانِ فَصَاعِدًا رَكْعَتَانِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ. وَمِنْ صَلَّاهُمَا وَحْدَهُ صَلَّاهُمَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يُسِرُّ فِيهَا كُلَّهَا، لِأَنَّهَا الظُّهْرُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ وُجُوبِ قَصْرِ الصَّلَاةِ مِنْ كِتَابِنَا حَدِيثَ عُمَرَ «صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّهَا رَكْعَتَانِ لِلْفَذِّ وَلِلْجَمَاعَةِ بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّهُ الْجُمُعَةُ: اسْمٌ إسْلَامِيٌّ لِلْيَوْمِ، لَمْ يَكُنْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إنَّمَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ " الْعُرُوبَةُ " فَسُمِّيَ فِي الْإِسْلَامِ " يَوْمَ الْجُمُعَةِ "؛ لِأَنَّهُ يُجْتَمَعُ فِيهِ لِلصَّلَاةِ اسْمًا مَأْخُوذًا مِنْ الْجَمْعِ، فَلَا تَكُونُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ إلَّا فِي جَمَاعَةٍ وَإِلَّا فَلَيْسَتْ صَلَاةَ جُمُعَةٍ، إنَّمَا هُمَا ظُهْرٌ، وَالظُّهْرُ أَرْبَعٌ كَمَا قَدَّمْنَا. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ فِيهَا، وَهُوَ عَمَلُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، نَقْلُ كَوَافٍ مِنْ عَهْدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَى الْيَوْمِ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا؟ وَأَمَّا الْعَدَدُ الَّذِي يُصَلِّيه الْإِمَامُ فِيهِ جُمُعَةٍ رَكْعَتَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا -: فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ -: فَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: الْجُمُعَةُ تَكُونُ بِخَمْسِينَ رَجُلًا فَصَاعِدًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا جُمُعَةَ إلَّا بِأَرْبَعِينَ رَجُلًا: أَحْرَارًا، مُقِيمِينَ، عُقَلَاءَ، بَالِغِينَ - فَصَاعِدًا. وَرُوِّينَا عَنْ بَعْضِ النَّاسِ: ثَلَاثِينَ رَجُلًا. وَعَنْ غَيْرِهِ: عِشْرِينَ رَجُلًا. وَعَنْ عِكْرِمَةَ: سَبْعَةَ رِجَالٍ لَا أَقَلَّ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَزُفَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: إذَا كَانَ ثَلَاثَةُ
رِجَالٍ وَالْإِمَامُ رَابِعُهُمْ صَلَّوْا الْجُمُعَةَ بِخُطْبَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَلَا تَكُونُ بِأَقَلَّ؟ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: إذَا كَانَ رَجُلَانِ وَالْإِمَامُ ثَالِثُهُمَا صَلَّوْا الْجُمُعَةَ بِخُطْبَةِ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: إذَا كَانَ وَاحِدٌ مَعَ الْإِمَامِ صَلَّيَا الْجُمُعَةَ بِخُطْبَةِ رَكْعَتَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا، وَبِهِ نَقُولُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَأَمَّا مَنْ حَدَّ خَمْسِينَ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا حَدِيثًا فِيهِ «عَلَى الْخَمْسِينَ جُمُعَةٌ إذَا كَانَ عَلَيْهِمْ إمَامٌ» . وَهَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَالْقَاسِمُ هَذَا ضَعِيفٌ. وَأَمَّا مَنْ حَدَّ بِثَلَاثِينَ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا خَبَرًا مُرْسَلًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيِّ - وَهُوَ مَجْهُولٌ - «إذَا اجْتَمَعَ ثَلَاثُونَ رَجُلًا فَلْيُؤَمِّرُوا رَجُلًا يُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ» . وَأَمَّا مِنْ قَالَ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاللَّيْثِ: فَذَكَرُوا حَدِيثًا مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ الدَّوْسِيَّةِ وَقَدْ أَدْرَكَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ إلَّا أَرْبَعَةٌ؟» . وَهَذَا لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَحْيَى، وَمُعَاوِيَةَ بْنَ سَعِيدٍ: مَجْهُولَانِ وَأَيْضًا -: فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَوَّلُ مَنْ يُخَالِفُ هَذَا الْخَبَرَ، لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْجُمُعَةَ فِي الْقُرَى، لَكِنْ فِي الْأَمْصَارِ فَقَطْ
فَكُلُّ هَذِهِ آثَارٌ لَا تَصِحُّ، ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لَمَا كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إسْقَاطُ الْجُمُعَةِ عَنْ أَقَلَّ مِنْ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ؟ وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ سَاقِطٌ عَنْ رَوْحِ بْنِ غُطَيْفٍ - وَهُوَ مَجْهُولٌ «لَمَّا بَلَغُوا مِائَتَيْنِ جَمَّعَ بِهِمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَإِنْ أَخَذُوا بِالْأَكْثَرِ فَهَذَا الْخَبَرُ هُوَ الْأَكْثَرُ، وَإِنْ أَخَذُوا بِالْأَقَلِّ فَسَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَدِيثًا فِيهِ أَقَلُّ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِخَبَرٍ صَحِيحٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ إذَا سَمِعَ نِدَاءَ الْجُمُعَةِ تَرَحَّمَ عَلَى أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَسَأَلَهُ ابْنُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ بِنَا فِي هَزْمِ حُرَّةُ بَنِي بَيَاضَةَ، فِي نَقِيعٍ يُعْرَفُ بِنَقِيعِ الْخَضِمَاتِ وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا. قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ لَا تَجُوزُ الْجُمُعَةُ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ، نَعَمْ وَالْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ بِأَرْبَعِينَ رَجُلًا وَبِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ وَبِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ؟ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُبَيْعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ يَحْيَى هُوَ الْقَطَّانِ - عَنْ هِشَامٍ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - ثنا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ» . وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ ، إلَّا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ لَا تَكُونُ جَمَاعَةٌ وَلَا جُمُعَةٌ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ؟
وَأَمَّا حُجَّتُنَا فَهِيَ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ: قَالَ لَهُ: «إذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» فَجَعَلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلِاثْنَيْنِ حُكْمَ الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الِاثْنَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ثَالِثٌ فَإِنَّ حُكْمَ الْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ، فَإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَقَدْ قِيلَ: يَقِفَانِ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَيَسَارِهِ؟ وَقَدْ قِيلَ: بَلْ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الْأَرْبَعَةِ: أَنَّ الثَّلَاثَةَ يَقِفُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ، فَوَجَدْنَا حُكْمَ الْأَرْبَعَةِ غَيْرَ حُكْمِ الِاثْنَيْنِ؟ قُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ نَعَمْ، هُوَ كَمَا تَقُولُونَ: فِي مَوَاضِعِ الْوُقُوفِ، إلَّا أَنَّ حُكْمَ الْجَمَاعَةِ وَاجِبٌ لَهُمَا بِإِقْرَارِكُمْ، وَلَيْسَ فِي حُكْمِ اخْتِلَافِ مَوْقِفِ الْمَأْمُومِ دَلِيلٌ عَلَى حُكْمِ الْجُمُعَةِ أَصْلًا؟ وَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ. وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] . فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَعَنْ هَذَا الْحُكْمِ أَحَدٌ إلَّا مَنْ جَاءَ نَصٌّ جَلِيٌّ أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ عَلَى خُرُوجِهِ عَنْهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا الْفَذَّ وَحْدَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ ابْتَدَأَهَا إنْسَانٌ وَلَا أَحَدَ مَعَهُ ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ أَوْ أَكْثَرُ، فَسَوَاءٌ أَتَوْهُ إثْرَ تَكْبِيرِهِ فَمَا بَيْنَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَرْكَعَ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى -: يَجْعَلُهَا جُمُعَةً وَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ، لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ صَلَاةَ جُمُعَةٍ، فَحَقُّهَا أَنْ تَكُونَ رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَهَا رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ، وَهِيَ ظُهْرُ يَوْمِهِ. فَإِنْ جَاءَهُ بَعْدَ أَنْ رَكَعَ فَمَا بَيْنَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُسَلِّمَ -: فَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَيَبْتَدِئُهَا صَلَاةَ جُمُعَةٍ، لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ رَكْعَتَيْنِ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى أَدَاءِ مَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِقَطْعِ صَلَاتِهِ الَّتِي قَدْ بَطَلَ حُكْمُهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
مسألة المسافر والمقيم والعبد والحر سواء في وجوب الجمعة في سفره
[مَسْأَلَةٌ الْمُسَافِرُ وَالْمُقِيمُ وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ فِي سَفَرِهِ] مَسْأَلَةٌ: وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا - مِنْ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ - الْمُسَافِرُ فِي سَفَرِهِ، وَالْعَبْدُ، وَالْحُرُّ، وَالْمُقِيمُ، وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا يَكُونُ إمَامًا فِيهَا، رَاتِبًا وَغَيْرَ رَاتِبٍ، وَيُصَلِّيهَا الْمَسْجُونُونَ، وَالْمُخْتَفُونَ رَكْعَتَيْنِ فِي جَمَاعَةٍ بِخُطْبَةٍ كَسَائِرِ النَّاسِ، وَتُصَلَّى فِي كُلِّ قَرْيَةٍ صَغُرَتْ أَمْ كَبُرَتْ، كَانَ هُنَالِكَ سُلْطَانٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ صُلِّيَتْ الْجُمُعَةُ فِي مَسْجِدَيْنِ فِي الْقَرْيَةِ فَصَاعِدًا: جَازَ ذَلِكَ؟ وَرَأَى أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: أَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَى عَبْدٍ، وَلَا مُسَافِرٍ. وَاحْتَجَّ لَهُمْ مَنْ قَلَّدَهُمْ فِي ذَلِكَ بِآثَارٍ وَاهِيَةٍ لَا تَصِحُّ: أَحَدُهَا مُرْسَلٌ، وَالثَّانِي فِيهِ هُرَيْمٌ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَالثَّالِثُ فِيهِ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو، وَضِرَارُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُمَا مَجْهُولَانِ وَلَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِمِثْلِ هَذَا؟ وَلَوْ شِئْنَا لَعَارَضْنَاهُمْ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ «بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بِأَصْحَابِهِ فِي سَفَرٍ، وَخَطَبَهُمْ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا» وَلَكِنَّنَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فِي غِنًى بِالصَّحِيحِ عَمَّا لَا يَصِحُّ؟ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَجْهَرْ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ بِعَرَفَةَ، وَكَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ» قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذِهِ جُرْأَةٌ عَظِيمَةٌ وَمَا رَوَى قَطُّ أَحَدٌ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَجْهَرْ فِيهَا، وَالْقَاطِعُ بِذَلِكَ كَاذِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَفَا مَا لَا عِلْمَ بِهِ؟ وَقَدْ قَالَ عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ: إنْ وَافَقَ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ جُمُعَةٍ جَهَرَ الْإِمَامُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خَطَبَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهَذِهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ، وَحَتَّى لَوْ صَحَّ لَهُمْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَجْهَرْ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ أَصْلًا،
لِأَنَّ الْجَهْرَ لَيْسَ فَرْضًا، وَمَنْ أَسَرَّ فِي صَلَاةِ جَهْرٍ، أَوْ جَهَرَ فِي صَلَاةِ سِرٍّ، فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ؟ وَلَجَأَ بَعْضُهُمْ إلَى دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا مَكَانٌ هَانَ فِيهِ الْكَذِبُ عَلَى مُدَّعِيهِ. وَرُوِّينَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ كَذَبَ -: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ -: قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ: ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ -: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ -: ثُمَّ اتَّفَقَ وَكِيعٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُمْ كَتَبُوا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْأَلُونَهُ عَنْ الْجُمُعَةِ وَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِمْ: أَنْ جَمِّعُوا حَيْثُمَا كُنْتُمْ؟ وَقَالَ وَكِيعٌ: إنَّهُ كَتَبَ. وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَأَلْت
سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ: عَلَى مَنْ تَجِبُ الْجُمُعَةُ؟ قَالَ: عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ وَعَنْ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ دَاوُد بْنِ قَيْسٍ سَمِعْت عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ وَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا إبْرَاهِيمَ، عَلَى مَنْ تَجِبُ الْجُمُعَةُ؟ قَالَ: عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَعَمَّمَ سَعِيدُ، وَعَمْرٌو: كُلُّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ، وَلَمْ يَخُصَّا عَبْدًا، وَلَا مُسَافِرًا، مِنْ غَيْرِهِمَا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ يَسَارٍ ثنا صَالِحُ بْنُ سَعْدٍ الْمَكِّيُّ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ مُتَبَدٍّ بِالسُّوَيْدَاءِ فِي إمَارَتِهِ عَلَى الْحِجَازِ، فَحَضَرَتْ الْجُمُعَةُ، فَهَيَّئُوا لَهُ مَجْلِسًا مِنْ الْبَطْحَاءِ، ثُمَّ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَجَلَسَ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، ثُمَّ أَذَّنُوا أَذَانًا آخَرَ، ثُمَّ خَطَبَهُمْ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ وَأَعْلَنَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: إنَّ الْإِمَامَ يَجْمَعُ حَيْثُمَا كَانَ. وَعَنْ الزُّهْرِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ، وَقَالَ، إذَا سُئِلَ عَنْ الْمُسَافِرِ يَدْخُلُ قَرْيَةً يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيَنْزِلُ فِيهَا؟ قَالَ: إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ فَلْيَشْهَدْ الْجُمُعَةَ وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي مَكِينٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: إذَا كَانُوا سَبْعَةً فِي سَفَرٍ فَجَمَعُوا - يُحْمَدُ اللَّهُ وَيُثْنَى عَلَيْهِ وَيُخْطَبُ فِي الْجُمُعَةِ، وَالْأَضْحَى وَالْفِطْرِ
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: أَيُّمَا عَبْدٍ كَانَ يُؤَدِّي الْخَرَاجَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ الْجُمُعَةَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ خَرَاجٌ أَوْ شَغَلَهُ عَمَلُ سَيِّدِهِ فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ. قَالَ عَلِيٌّ: الْفَرْقُ بَيْنَ عَبْدٍ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ، وَبَيْنَ عَبْدٍ لَا خَرَاجَ عَلَيْهِ: دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ فَقَدْ ظَهَرَ كَذِبُهُمْ فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فَلَجَئُوا إلَى أَنْ قَالُوا: رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: لَا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ كَانَ بِنِيسَابُورَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ فَكَانَ لَا يَجْمَعُ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: أَنَّهُ كَانَ بِكَابُلَ شِتْوَةً أَوْ شِتْوَتَيْنِ فَكَانَ لَا يَجْمَعُ. قَالَ عَلِيٌّ: حَصَلْنَا مِنْ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى ثَلَاثَةٍ قَدْ خَالَفْتُمُوهُمْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَأَنَسًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَا لَا يَجْمَعَانِ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: يَجْمَعُ الْمُسَافِرُ مَعَ النَّاسِ وَيُجْزِئُهُ. وَرَأَى عَلِيٌّ أَنْ يَسْتَخْلِفَ بِالنَّاسِ مَنْ يُصَلِّي بِضُعَفَائِهِمْ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ: بِهَذَا. وَهَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَرَى الْجُمُعَةَ عُمُومًا قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]-: قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذَا خِطَابٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ مُسَافِرٌ وَلَا عَبْدٌ بِغَيْرِ نَصٍّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحُكْمُهُ وَفِعْلُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ رَكْعَةٌ؟ وَأَمَّا إمَامَةُ الْمُسَافِرِ، وَالْعَبْدِ فِي الْجُمُعَةِ -: فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيَّ، وَأَبَا سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابَهُمْ قَالُوا: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَمَنَعَ مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ -: وَهُوَ خَطَأٌ. أَوَّلُ ذَلِكَ - قَوْلُهُ: إنَّ الْمُسَافِرَ وَالْعَبْدَ إذَا حَضَرَا الْجُمُعَةَ كَانَتْ لَهُمَا جُمُعَةٌ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ جَوَازِ إمَامَتِهِمَا فِيهَا مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» وَ «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ» ؟ فَلَمْ يَخُصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جُمُعَةً مِنْ غَيْرِهَا، وَلَا مُسَافِرًا، وَلَا عَبْدًا مِنْ حُرٍّ مُقِيمٍ، وَلَا جَاءَ قَطُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مَنْعُ الْعَبْدِ مِنْ الْإِمَامَةِ فِيهِمَا، بَلْ قَدْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ عَبْدٌ لِعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَسْوَدُ مَمْلُوكٌ أَمِيرًا لَهُ عَلَى الرَّبَذَةَ يُصَلِّي خَلْفَهُ أَبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ الْجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا؛ لِأَنَّ الرَّبَذَةَ بِهَا جُمُعَةٌ؟ وَأَمَّا قَوْلُنَا: كَانَ هُنَالِكَ سُلْطَانٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ -: فَالْحَاضِرُونَ مِنْ مُخَالِفِينَا مُوَافِقُونَ لَنَا فِي ذَلِكَ إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ، وَفِي هَذَا خِلَافٌ قَدِيمٌ؟ وَقَدْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّجْمِيعِ بِغَيْرِ نَصٍّ جَلِيٍّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ فِيهَا وَبَيْنَ الْإِمَامِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَالْجَمَاعَةِ فِيهَا، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ رَدُّ الْجُمُعَةِ خَاصَّةً إلَى السُّلْطَانِ دُونَ غَيْرِهَا؟ وَأَمَّا قَوْلُنَا: تُصَلَّى الْجُمُعَةُ فِي أَيِّ قَرْيَةٍ صَغُرَتْ أَمْ كَبُرَتْ -: فَقَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا خِلَافَ عُمَرَ لِذَلِكَ، وَخِلَافَهُمْ لِعَلِيٍّ فِي غَيْرِ مَا قِصَّةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَكُونُ الْجُمُعَةُ إلَّا فِي قَرْيَةٍ مُتَّصِلَةِ الْبُنْيَانِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا تَحْدِيدٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَيْضًا فَاسِدٌ، لِأَنَّ ثَلَاثَةَ دُورٍ قَرْيَةٌ مُتَّصِلَةُ الْبُنْيَانِ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَحْدِيدِ الْعَدَدِ الَّذِي لَا يَقَعُ اسْمُ قَرْيَةٍ عَلَى أَقَلَّ مِنْهُ، وَهَذَا مَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيِّينَ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ النَّقْلُ بِهِ مُتَّصِلًا؟ فَيُقَالُ لَهُ: نَعَمْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ، حَتَّى قَطَعَهُ الْمُقَلِّدُونَ بِضَلَالِهِمْ عَنْ الْحَقِّ، وَقَدْ شَاهَدْنَا جَزِيرَةَ " مَيُورْقَةَ " يَجْمَعُونَ فِي قُرَاهَا، حَتَّى قَطَعَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُقَلِّدِينَ لِمَالِكٍ، وَبَاءَ بِإِثْمِ النَّهْيِ عَنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. وَرُوِّينَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَمُرُّ عَلَى أَهْلِ الْمِيَاهِ وَهُمْ يَجْمَعُونَ فَلَا يَنْهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَ الْمِيَاهِ أَنْ يَجْمَعُوا، وَيَأْمُرُ أَهْلَ كُلِّ
قَرْيَةٍ لَا يَنْتَقِلُونَ بِأَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ يَجْمَعُ بِهِمْ؟ وَيُقَالُ لَهُمْ: لَوْ كَانَ قَوْلُكُمْ حَقًّا وَصَوَابًا لَجَاءَ بِهِ النَّقْلُ الْمُتَوَاتِرُ، وَلَمَا جَازَ أَنْ يَجْهَلَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَقَبْلَهُ أَبُوهُ عُمَرُ، وَالزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ قَائِلٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّ الْجُمُعَةَ جَائِزَةٌ فِي مَسْجِدَيْنِ فَصَاعِدًا فِي الْقَرْيَةِ -: فَإِنَّ أَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ حَكَمُوا عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ الْجُمُعَةُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ الْمِصْرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَانِبَانِ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، فَيُجْزِئُ أَنْ يَجْمَعَ فِي كُلِّ جَانِبٍ مِنْهُمَا. وَرَوَوْا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي يُوسُفَ أَيْضًا: أَنَّ الْجُمُعَةَ تُجْزِئُ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي الْمِصْرِ، وَلَا تُجْزِئُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ؟ وَكِلَا هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ مِنْ السُّخْفِ حَيْثُ لَا نِهَايَةَ لَهُ لِأَنَّهُ لَا يُعَضِّدُهُمَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ وَقَدْ رَوَوْا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: أَنَّهَا تُجْزِئُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ الْمِصْرِ. فَإِنْ قَالُوا: صَلَّى عَلِيٌّ الْعِيدَ فِي الْمُصَلَّى وَاسْتَخْلَفَ مَنْ صَلَّى بِالضُّعَفَاءِ فِي الْمَسْجِدِ، فَهُمَا مَوْضِعَانِ وَهَذَا لَا يُقَالُ: رَأْيًا؟ قُلْنَا لَهُمْ: فَقُولُوا: إنَّهُ لَا تُجْزِئُ الْجُمُعَةُ إلَّا فِي الْمُصَلَّى. وَفِي الْجَامِعِ فَقَطْ، وَإِلَّا فَقَدْ خَالَفْتُمُوهُ، كَمَا خَالَفْتُمُوهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ نَفْسِهِ، إذْ أَمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّذِي اسْتَخْلَفَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ الْعِيدَ أَرْبَعًا -: فَقُلْتُمْ: هَذَا شَاذٌّ فَيُقَالُ لَكُمْ: بَلْ الشَّاذُّ هُوَ الَّذِي أَجَزْتُمْ، وَالْمَعْرُوفُ هُوَ الَّذِي أَنْكَرْتُمْ وَمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى آرَاءَكُمْ قِيَاسًا عَلَى الْأُمَّةِ، وَلَا عِيَارًا فِي دِينِهِ وَهَلَّا قُلْتُمْ، فِي هَذَا الْخَبَرِ كَمَا تَقُولُونَ فِي خَبَرِ الْمُصَرَّاةِ وَغَيْرِهِ: هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى الْآيَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَمَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِافْتِرَاضِ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ، فَصَارَ تَخْصِيصُهُ اعْتِرَاضًا عَلَى الْقُرْآنِ بِخَبَرٍ شَاذٍّ غَيْرِ قَوِيِّ النَّقْلِ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ؟ وَمَنَعَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: مِنْ التَّجْمِيعِ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي الْمِصْرِ. وَرَأَيْنَا الْمُنْتَسِبِينَ إلَى مَالِكٍ يَحُدُّونَ فِي أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الْجَامِعِينَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَهَذَا عَجَبٌ عَجِيبٌ، وَلَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ جَاءَ هَذَا التَّحْدِيدُ؟ وَلَا كَيْف دَخَلَ فِي
عَقْلِ ذِي عَقْلٍ حَتَّى يَجْعَلَهُ دِينًا؟ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} [الجمعة: 9] فَلَمْ يَقُلْ عَزَّ وَجَلَّ: فِي مَوْضِعٍ وَلَا مَوْضِعَيْنِ وَلَا أَقَلَّ، وَلَا أَكْثَرَ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] . فَإِنْ قَالُوا: قَدْ كَانَ أَهْلُ الْعَوَالِي يَشْهَدُونَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُمُعَةَ. قُلْنَا: نَعَمْ وَقَدْ كَانَ أَهْلُ ذِي الْحُلَيْفَةِ يَجْمَعُونَ مَعَهُ أَيْضًا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، وَلَا يَلْزَمُ هَذَا عِنْدَكُمْ، وَقَدْ كَانُوا يَشْهَدُونَ مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَائِرَ الصَّلَوَاتِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ سَائِرَ قَوْمِهِمْ لَا يُصَلُّونَ الْجَمَاعَاتِ فِي مَسَاجِدِهِمْ، وَلَمْ يَأْتِ قَطُّ نَصٌّ بِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَجْمَعُونَ سَائِرَ قَوْمِهِمْ فِي مَسَاجِدِهِمْ، وَلَا يَحُدُّونَ هَذَا أَبَدًا؟ وَمِنْ الْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا افْتَرَضَ فِي الْقُرْآنِ السَّعْيَ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إذَا نُودِيَ لَهَا، لَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَبِالضَّرُورَةِ أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى نَحْوِ نِصْفِ مِيلٍ، أَوْ ثُلُثَيْ مِيلٍ لَا يُدْرِكُ الصَّلَاةَ أَصْلًا إذَا رَاحَ إلَيْهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالرَّوَاحِ إلَيْهَا. فَصَحَّ ضَرُورَةً أَنَّهُ لَا بُدَّ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ مَسْجِدٍ يَجْمَعُونَ فِيهِ إذَا رَاحُوا إلَيْهِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أُمِرُوا بِالرَّوَاحِ إلَيْهِ فِيهِ أَدْرَكُوا الْخُطْبَةَ وَالصَّلَاةَ، وَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَقَدْ أَوْجَبَ الرَّوَاحَ حِينَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَإِيجَابُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ وَاجِبًا. وَمِنْ أَعْظَمِ الْبُرْهَانِ عَلَيْهِمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى الْمَدِينَةَ وَإِنَّمَا هِيَ قُرًى صِغَارٌ مُفَرَّقَةٌ، بَنُو مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ فِي قَرْيَتِهِمْ حَوَالِي دُورِهِمْ أَمْوَالُهُمْ وَنَخْلُهُمْ، وَبَنُو عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ فِي دَارِهِمْ كَذَلِكَ، وَبَنُو مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ كَذَلِكَ، وَبَنُو سَالِمٍ كَذَلِكَ، وَبَنُو سَاعِدَةَ كَذَلِكَ، وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ كَذَلِكَ، وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ كَذَلِكَ، وَبَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ كَذَلِكَ، وَسَائِرِ بُطُونِ الْأَنْصَارِ كَذَلِكَ، فَبَنَى مَسْجِدَهُ فِي بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَجَمَعَ فِيهِ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَتْ بِالْكَبِيرَةِ، وَلَا مِصْرَ هُنَالِكَ. فَبَطَل قَوْلُ مَنْ ادَّعَى أَنْ لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي مِصْرٍ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَجْهَلُهُ أَحَدٌ لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ، بَلْ هُوَ نَقْلُ الْكَوَافِّ مِنْ شَرْقِ الْأَرْضِ إلَى غَرْبِهَا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
مسألة ليس للسيد منع عبده من حضور الجمعة
وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، " حَيْثُمَا كُنْتُمْ " إبَاحَةٌ لِلتَّجْمِيعِ فِي جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ؟ وَرُوِّينَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ تُجْمَعُ فِيهِ لِلصَّلَاةِ فَلْتُصَلَّ فِيهِ الْجُمُعَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ: قُلْت لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَرَأَيْت أَهْلَ الْبَصْرَةِ لَا يَسَعُهُمْ الْمَسْجِدُ الْأَكْبَرُ كَيْفَ يَصْنَعُونَ؟ قَالَ: لِكُلِّ قَوْمٍ مَسْجِدٌ يَجْمَعُونَ فِيهِ ثُمَّ يُجْزِئُ ذَلِكَ عَنْهُمْ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَبِهِ نَأْخُذُ؟ [مَسْأَلَةٌ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُ عَبْدِهِ مِنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ] 524 - مَسْأَلَةٌ: وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُ عَبْدِهِ مِنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ، لِأَنَّهُ إذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ مَدْعُوٌّ إلَيْهَا فَسَعْيُهُ إلَيْهَا فَرْضٌ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ فَرْضٌ وَلَا فَرْقَ. وَلَا يَحِلُّ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ فَرَائِضِهِ، قَالَ تَعَالَى: {أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [هود: 19] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الطَّاعَةِ» . [مَسْأَلَةٌ لَا جُمُعَةَ عَلَى مَعْذُورٍ بِمَرَضٍ] 525 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا جُمُعَةَ عَلَى مَعْذُورٍ بِمَرَضٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ، وَلَا عَلَى النِّسَاءِ، فَإِنْ حَضَرَ هَؤُلَاءِ صَلُّوهَا رَكْعَتَيْنِ. لِأَنَّ الْجُمُعَةَ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ تَجِبُ عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ فِي الْجَمَاعَاتِ - وَيُسْقِطُ الْإِجَابَةَ مِنْ الْأَعْذَارِ مَا يُسْقِطُ الْإِجَابَةَ إلَى غَيْرِهَا وَلَا فَرْقَ فَإِنْ حَضَرَهَا الْمَعْذُورُ فَقَدْ سَقَطَ الْعُذْرُ، فَصَارَ مِنْ أَهْلِهَا وَهِيَ رَكْعَتَانِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ صَلَّاهَا الرَّجُلُ الْمَعْذُورُ بِامْرَأَتِهِ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّاهَا النِّسَاءُ فِي جَمَاعَةٍ. [مَسْأَلَةٌ الْمَجِيءُ إلَى الْجُمُعَةِ] 526 - مَسْأَلَةٌ: وَيَلْزَمُ الْمَجِيءُ إلَى الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ مِنْهَا بِحَيْثُ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَقَدْ تَوَضَّأَ قَبْلَ ذَلِكَ دَخَلَ الطَّرِيقَ إثْرَ أَوَّلِ الزَّوَالِ وَمَشَى مُتَرَسِّلًا وَيُدْرِكُ مِنْهَا وَلَوْ السَّلَامَ، سَوَاءٌ سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ، فَمَنْ كَانَ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَ مَا ذَكَرْنَا لَمْ يُدْرِكْ مِنْهَا وَلَا السَّلَامَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْمَجِيءُ إلَيْهَا، سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ، وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ. وَالْعُذْرُ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهَا كَالْعُذْرِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ سَائِرِ صَلَوَاتِ الْفَرْضِ، كَمَا ذَكَرْنَا
قَبْلُ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -: فَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى: أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يَأْمُرُ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي خُطْبَتِهِ أَهْلَ فَاءَيْنِ فَمَنْ دُونَهَا بِحُضُورِ الْجُمُعَةِ، وَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ مِيلًا مِنْ دِمَشْقَ. وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ مَنْ كَانَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا بِحُضُورِ الْجُمُعَةِ، وَعَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ: تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ مِنْ الْجَامِعِ بِمِقْدَارِ ذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: تُؤْتَى الْجُمُعَةُ مِنْ فَرْسَخَيْنِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَنَافِعٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَكَمِ، وَعَطَاءٍ، وَعَنْ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي ثَوْرٍ: تُؤْتَى الْجُمُعَةُ مِنْ حَيْثُ إذَا صَلَّاهَا ثُمَّ خَرَجَ أَدْرَكَهُ اللَّيْلُ فِي مَنْزِلِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَكُونُ مِنْ الطَّائِفِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَلَا يَأْتِي الْجُمُعَةَ. وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ: تُؤْتَى الْجُمُعَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ؟ وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ: تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ الْمِصْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ وَإِنْ عَظُمَ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ، فَمَنْ كَانَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ النِّدَاءَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَ وَمَنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ النِّدَاءَ لَمْ تَلْزَمْهُ الْجُمُعَةُ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: تَلْزَمُ الْجُمُعَةُ جَمِيعَ أَهْلِ الْمِصْرِ - سَمِعُوا النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعُوا - وَلَا تَلْزَمُ مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ، سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ؟
قَالَ عَلِيٌّ: كُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَا حُجَّةَ لِقَائِلِهَا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ لَا مُخَالِفٍ لَهُ، وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَا قِيَاسٍ لَا سِيَّمَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. فَإِنْ تَعَلَّقَ مِنْ يَحُدُّ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ بِأَنَّ أَهْلَ الْعَوَالِي كَانُوا يُجَمِّعُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قُلْنَا: وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَهْلَ ذِي الْحُلَيْفَةِ كَانُوا يُجَمِّعُونَ مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَهِيَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَرْضًا، بَلْ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أُذِنَ لَهُمْ فِي أَنْ لَا يُصَلُّوهَا مَعَهُ. وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ: شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: إنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ فَلْيَنْتَظِرْهَا، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَلْيَرْجِعْ، فَقَدْ أَذِنْت لَهُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ فَرْضًا عَلَيْهِمْ لَمَا أَذِنَ لَهُمْ فِي تَرْكِهَا. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: تَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ -: فَإِنَّ النِّدَاءَ قَدْ لَا يَسْمَعُهُ لِخَفَاءِ صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ - أَوْ لِحَمْلِ الرِّيحِ لَهُ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى، أَوْ لِحَوَالَةٍ رَابِيَةٍ مِنْ الْأَرْضِ دُونَهُ مَنْ كَانَ قَرِيبًا جِدًّا، وَقَدْ يَسْمَعُ عَلَى أَمْيَالٍ كَثِيرَةٍ إذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْمَنَارِ وَالْقَرْيَةُ فِي جَبَلٍ، وَالْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا وَالرِّيحُ تَحْمِلُ صَوْتَهُ؟ وَبِالضَّرُورَةِ نَدْرِي أَنَّ «قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَجِبْ» أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالْإِجَابَةِ لِحُضُورِ الصَّلَاةِ الْمَدْعُوِّ إلَيْهَا، لَا مَنْ يُوقِنُ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ مِنْهَا
مسألة يبتدئ الإمام بعد الأذان وتمامه بالخطبة يوم الجمعة
شَيْئًا، هَذَا مَعْلُومٌ يَقِينًا وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ إخْبَارُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِأَنَّهُ يَهُمُّ بِإِحْرَاقِ مَنَازِلِ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ. فَإِذْ قَدْ اخْتَلَفُوا هَذَا الِاخْتِلَافَ فَالْمَرْجُوعُ إلَيْهِ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ الرُّجُوعَ إلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ؟ -: فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] . فَافْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى السَّعْيَ إلَيْهَا إذَا نُودِيَ لَهَا، لَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ تَعَالَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْهُ، وَالنِّدَاءُ لَهَا إنَّمَا هُوَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، فَمَنْ أَمَرَ بِالرَّوَاحِ قَبْلَ ذَلِكَ فَرْضًا فَقَدْ افْتَرَضَ مَا لَمْ يَفْتَرِضْهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالرَّوَاحِ إلَيْهَا إثْرَ زَوَالِ الشَّمْسِ، لَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَصَحَّ أَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَضِيلَةٌ لَا فَرِيضَةٌ، كَمَنْ قَرَّبَ بَدَنَةً، أَوْ بَقَرَةً، أَوْ كَبْشًا، أَوْ مَا ذُكِرَ مَعَهَا وَقَدْ صَحَّ أَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ مَشَى إلَى الصَّلَاةِ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَالسَّعْيِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ إنَّمَا هُوَ الْمَشْيُ لَا الْجَرْيُ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ السَّعْيَ الْمَأْمُورَ بِهِ إنَّمَا هُوَ لِإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ لَا لِلْعَنَاءِ دُونَ إدْرَاكِهَا، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» . فَصَحَّ قَوْلُنَا بِيَقِينٍ لَا مِرْيَةَ فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ يَبْتَدِئُ الْإِمَامُ بَعْدَ الْأَذَانِ وَتَمَامِهِ بِالْخُطْبَةِ يَوْم الْجُمُعَةَ] 527 - مَسْأَلَةٌ: وَيَبْتَدِئُ الْإِمَامُ - بَعْدَ الْأَذَانِ وَتَمَامِهِ - بِالْخُطْبَةِ فَيَخْطُبُ وَاقِفًا خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا جِلْسَةً؟ وَلَيْسَتْ الْخُطْبَةُ فَرْضًا، فَلَوْ صَلَّاهَا إمَامٌ دُونَ خُطْبَةٍ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ جَهْرًا وَلَا بُدَّ وَنَسْتَحِبُّ لَهُ أَنْ يَخْطُبَهُمَا عَلَى أَعْلَى الْمِنْبَرِ مُقْبِلًا عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ، يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى، وَيُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُذَكِّرُ النَّاسَ بِالْآخِرَةِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِمَا يَلْزَمُهُمْ فِي دِينِهِمْ؟ وَمَا خَطَبَ بِهِ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ خُطْبَةٍ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ خَطَبَ بِسُورَةٍ يَقْرَؤُهَا: فَحَسَنٌ
فَإِنْ كَانَ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَى النَّاسِ إذْ دَخَلَ - فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ إذَا قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ؟ رُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ: أَنَّهُمَا كَانَا يُسَلِّمَانِ إذَا قَعَدَا عَلَى الْمِنْبَرِ؟ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ ثنا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ، كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ» . وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُثْمَانَ، وَمُعَاوِيَةَ، أَنَّهُمَا كَانَا يَخْطُبَانِ جَالِسَيْنِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] فَإِنَّمَا لَنَا الِائْتِسَاءُ بِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ فِعْلُهُ فَرْضًا؟ فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ فَقَالَا: الْخُطْبَةُ فَرْضٌ لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ إلَّا بِهَا، وَالْوُقُوفُ فِي الْخُطْبَةِ فَرْضٌ، وَاحْتَجَّا بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ثُمَّ تَنَاقَضَا فَقَالَا: إنْ خَطَبَ جَالِسًا أَجْزَأَهُ، وَإِنْ خَطَبَ خُطْبَةً وَاحِدَةً أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْطُبْ لَمْ يُجْزِهِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ " مَنْ أَخْبَرَك أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ ". قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَرْضًا وَبَعْضُهُ غَيْرَ فَرْضٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ خَطَبَ خُطْبَةً وَاحِدَةً لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ. ثُمَّ تَنَاقَضَ فَأَجَازَ الْجُمُعَةَ لِمَنْ خَطَبَ قَاعِدًا، وَالْقَوْلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كَالْقَوْلِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ فِي إجَازَتِهِمَا الْجُمُعَةَ بِخُطْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا فَرْقَ؟ وَقَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ: مَنْ لَمْ يُدْرِكْ الْخُطْبَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يُصَلِّهَا إلَّا
أَرْبَعًا، لِأَنَّ الْخُطْبَةَ أُقِيمَتْ مَقَامَ الرَّكْعَتَيْنِ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْخُشَنِيِّ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيِّ الْمَكِّيِّ قَالَ: سَمِعْت طَاوُسًا، وَعَطَاءً يَقُولَانِ: مَنْ لَمْ يُدْرِكْ الْخُطْبَةَ صَلَّى أَرْبَعًا وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ أَبِي يُونُسَ الْحَسَنِ بْنِ يَزِيدَ سَمِعْت مُجَاهِدًا يَقُولُ: إذَا لَمْ تُدْرِكْ الْخُطْبَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَصَلِّ أَرْبَعًا. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: الْخُطْبَةُ مَوْضِعُ الرَّكْعَتَيْنِ، فَمَنْ فَاتَتْهُ الْخُطْبَةُ صَلَّى أَرْبَعًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ يَقُولُونَ: الْمُرْسَلُ كَالْمُسْنَدِ وَأَقْوَى، فَيَلْزَمُهُمْ الْأَخْذُ بِقَوْلِ عُمَرَ هَهُنَا، وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضُوا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ احْتَجَّ فِي إيجَابِ فَرْضِ الْخُطْبَةِ بِأَنَّهَا جُعِلَتْ بَدَلًا عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضَ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي إيجَابِ الْخُطْبَةِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ لَا مَنْفَعَةَ لَهُمْ فِيهِ فِي تَصْوِيبِ قَوْلِهِمْ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُمْ تَرَكُوهُ قَائِمًا، وَهَكَذَا نَقُولُ، وَإِنَّمَا هُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّهُمْ تَرَكُوهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَاعِدًا، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ، وَلَيْسَ فِي إنْكَارِ اللَّهِ تَعَالَى لِتَرْكِهِمْ لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَائِمًا -: إيجَابٌ لِفَرْضِ الْقِيَامِ فِي الْخُطْبَةِ، وَلَا لِفَرْضِ الْخُطْبَةِ؟ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ كَمَا يَقُولُونَ فَيَلْزَمُهُمْ أَنَّ مَنْ خَطَبَ قَاعِدًا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ وَلَا لَهُمْ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَظَهَرَ أَنَّ احْتِجَاجَهُمْ بِالْآيَةِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهَا مُبْطِلَةٌ لِأَقْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ لَوْ كَانَتْ عَلَى إيجَابِ الْقِيَامِ، وَلَيْسَ فِيهَا أَثَرٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ عَلَى إيجَابِ الْخُطْبَةِ، إنَّمَا فِيهَا أَنَّ الْخُطْبَةَ تَكُونُ قِيَامًا فَقَطْ؟ فَإِنْ ادَّعَوْا إجْمَاعًا تُعْجَلُ مَا رُوِّينَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: مَنْ لَمْ يَخْطُبْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَقَدْ قَالَهُ أَيْضًا ابْنُ سِيرِينَ: وَقَدْ أَقْدَمَ بَعْضُهُمْ - بِجَارِي عَادَتِهِمْ فِي الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى - فَقَالَ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] إنَّمَا مُرَادُهُ إلَى الْخُطْبَةِ وَجَعَلَ هَذَا حُجَّةً فِي إيجَابِ فَرْضِهَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَنْ لِهَذَا الْمُقْدِمِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بِالذِّكْرِ الْمَذْكُورِ فِيهَا الْخُطْبَةَ؟ بَلْ أَوَّلُ الْآيَةِ وَآخِرُهَا يُكَذِّبَانِ ظَنَّهُ الْفَاسِدَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا قَالَ: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] . ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} [الجمعة: 10] . فَصَحَّ أَنَّ اللَّهَ إنَّمَا افْتَرَضَ السَّعْيَ إلَى الصَّلَاةِ إذَا نُودِيَ لَهَا، وَأَمَرَ إذَا قُضِيَتْ بِالِانْتِشَارِ وَذَكَرَهُ كَثِيرًا. فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ الذِّكْرَ الْمَأْمُورَ بِالسَّعْيِ لَهُ هُوَ الصَّلَاةُ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا بِالتَّكْبِيرِ، وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّمْجِيدِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَالتَّشَهُّدِ لَا غَيْرِ ذَلِكَ؟ وَلَوْ كَانَ مَا قَالَهُ هَذَا الْجَاهِلُ لَكَانَ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ الْخُطْبَةَ وَلَا شَيْئًا مِنْهَا وَأَدْرَكَ الصَّلَاةَ غَيْرَ مُؤَدٍّ لِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ السَّعْيِ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ هَذَا، وَقَدْ قَالَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ، فَلَا يَكْذِبُونَ ثَانِيَةً فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مُمَوِّهِينَ عَلَى الضُّعَفَاءِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يُصَلِّهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَطُّ إلَّا بِخُطْبَةٍ؟ قُلْنَا: وَلَا صَلَّاهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَطُّ إلَّا بِخُطْبَتَيْنِ قَائِمًا يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، فَاجْعَلُوا كُلَّ ذَلِكَ فَرْضًا لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إلَّا بِهِ، وَلَا صَلَّى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَطُّ إلَّا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، فَأَبْطِلُوا الصَّلَاةَ بِتَرْكِ ذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُنَا: مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ خُطْبَةٍ فَاقْتِدَاءٌ بِظَاهِرِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُجْزِئُ تَكْبِيرَةٌ، وَهَذَا نَقْضٌ مِنْهُ لِإِيجَابِهِ الْخُطْبَةَ فَرْضًا، لِأَنَّ التَّكْبِيرَةَ لَا تُسَمَّى خُطْبَةً، وَيُقَالُ لَهُمْ: إذَا جَازَ هَذَا عِنْدَكُمْ فَلِمَ لَا أَجْزَأَتْ عَنْ الْخُطْبَةِ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ فَهِيَ ذِكْرٌ؟
مسألة إطالة خطبة الجمعة
وَقَالَ مَالِكٌ -: الْخُطْبَةُ: كُلُّ كَلَامٍ ذِي بَالٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ هَذَا حَدًّا لِلْخُطْبَةِ، وَهُوَ يَرَاهَا فَرْضًا، وَمَنْ أَوْجَبَ فَرْضًا فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ تَحْدِيدُهُ، حَتَّى يَعْلَمَهُ مُتَّبِعُوهُ عِلْمًا لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَإِلَّا فَقَدْ جَهِلُوا فَرْضَهُمْ وَأَمَّا خُطْبَتُهَا عَلَى أَعْلَى الْمِنْبَرِ فَهَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَحَّتْ بِذَلِكَ الْآثَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ وَكَانَ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا هَذَا أَيْضًا فَرْضًا، لِأَنَّهُ مُذْ عُمِلَ الْمِنْبَرُ لَمْ يَخْطُبْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجُمُعَةِ إلَّا عَلَيْهِ؟ وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ خَطَبَ بِسُورَةٍ يَقْرَؤُهَا: فَحَسَنٌ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنَةٍ لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ " مَا حَفِظْت (ق) إلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاحِدًا ". [مَسْأَلَةٌ إطَالَةُ خُطْبَةِ الْجُمُعَةَ] 528 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ إطَالَةُ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ قَرَأَ فِيهَا بِسُورَةٍ فِيهَا سَجْدَةٌ أَوْ آيَةٍ فِيهَا سَجْدَةٌ فَنَسْتَحِبُّ لَهُ أَنْ يَنْزِلَ فَيَسْجُدَ وَالنَّاسُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا حَرَجَ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي شُرَيْحُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: قَالَ أَبُو وَائِلٍ: خَطَبَنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، لَقَدْ أَبْلَغْت وَأَوْجَزْت فَلَوْ كُنْت تَنَفَّسْت؟ فَقَالَ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرِ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، فَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا» . وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَحْسِنُوا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا هَذِهِ الْخُطَبَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: شَهِدْت ابْنَ مَعْدَان فِي جَامِعِ قُرْطُبَةَ قَدْ أَطَالَ الْخُطْبَةَ، حَتَّى أَخْبَرَنِي بَعْضُ وُجُوهِ النَّاسِ أَنَّهُ بَالَ فِي ثِيَابِهِ. وَكَانَ قَدْ نَشِبَ فِي الْمَقْصُورَةِ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُبَيْعٍ ثنا ابْنُ السَّلِيمِ الْقَاضِي ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ ص فَلِمَا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ» . وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ: أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَرَأَ سُورَةَ الْحَجِّ عَلَى الْمِنْبَرِ بِالْبَصْرَةِ فَسَجَدَ بِالنَّاسِ سَجْدَتَيْنِ. وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ السَّجْدَةَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ نَزَلَ فَسَجَدَ فَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَتَهَيَّئُوا لِلسُّجُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: عَلَى رِسْلِكُمْ، إنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إلَّا أَنْ نَشَاءَ؟ وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَدِيرِ - وَكَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ - أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ سُورَةَ النَّحْلِ، حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشِ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] ثُمَّ نَزَلَ فَسَجَدَ.
مسألة الكلام والإمام يخطب يوم الجمعة
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ: أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ كَانَ يَخْطُبُ فَقَرَأَ " ص وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ أَحَدٌ بِالْمَدِينَةِ، وَالْبَصْرَةِ، وَالْكُوفَةِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مُخَالِفٌ، وَقَدْ سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَجَدَاتِ الْقُرْآنِ الْمَشْهُورَةِ، فَأَيْنَ دَعْوَاهُمْ اتِّبَاعَ عَمَلِ الصَّحَابَةِ؟ [مَسْأَلَةٌ الْكَلَام وَالْإِمَام يخطب يَوْم الْجُمُعَةَ] 529 - مَسْأَلَةٌ: وَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مَنْ حَضَرَ الْجُمُعَةَ - سَمِعَ الْخُطْبَةَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ - أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ مُدَّةَ خُطْبَةِ الْإِمَامِ بِشَيْءٍ أَلْبَتَّةَ، إلَّا التَّسْلِيمَ إنْ دَخَلَ حِينَئِذٍ، وَرَدَّ السَّلَامَ عَلَى مَنْ سَلَّمَ مِمَّنْ دَخَلَ حِينَئِذٍ، وَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى إنْ عَطَسَ، وَتَشْمِيتَ الْعَاطِسِ إنْ حَمِدَ اللَّهَ، وَالرَّدَّ عَلَى الْمُشَمِّتِ، وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَمَرَ الْخَطِيبُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَالتَّأْمِينَ عَلَى دُعَائِهِ، وَابْتِدَاءَ مُخَاطَبَةِ الْإِمَامِ فِي الْحَاجَةِ تَعِنُّ، وَمُجَاوَبَةَ الْإِمَامِ مِمَّنْ ابْتَدَأَهُ الْإِمَامُ بِالْكَلَامِ فِي أَمْرٍ مَا فَقَطْ؟ وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ حِينَئِذٍ لِمَنْ يَتَكَلَّمُ -: انْصِتْ، وَلَكِنْ يُشِيرُ إلَيْهِ أَوْ يَغْمِزُهُ، أَوْ يَحْصِبُهُ؟ وَمَنْ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا ذَاكِرًا عَالِمًا بِالنَّهْيِ فَلَا جُمُعَةَ لَهُ؟ فَإِنْ أَدْخَلَ الْخَطِيبُ فِي خُطْبَتِهِ مَا لَيْسَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مِنْ الدُّعَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَالْكَلَامُ مُبَاحٌ حِينَئِذٍ، وَكَذَلِكَ إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ فَالْكَلَامُ حِينَئِذٍ مُبَاحٌ، وَبَيْنَ الْخُطْبَةِ وَابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَلَا يَجُوزُ الْمَسُّ لِلْحَصَى مُدَّةَ الْخُطْبَةِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُبَيْعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ أَنَا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ الْقَرْثَعِ الضَّبِّيِّ - وَكَانَ مِنْ الْقُرَّاءِ الْأَوَّلِينَ - عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا أُمِرَ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الْجُمُعَةِ فَيُنْصِتُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ إلَّا كَانَ كَفَّارَةً لِمَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الْجُمُعَةِ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو كُرَيْبٍ ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَا فَقَدْ لَغَا» حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72] . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُبَيْعٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ سُورَةً عَلَى الْمِنْبَرِ؟ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: مَتَى نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ أُبَيٌّ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ لِأَبِي ذَرٍّ: مَا لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ إلَّا مَا لَغَوْتَ، فَدَخَلَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ؟ فَقَالَ: صَدَقَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ» . وَبِهِ إلَى حَمَّادٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ: أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيَّ
كَانَ بِمَكَّةَ فَجَاءَ كريه وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ لَهُ: حَبَسْت الْقَوْمَ قَدْ ارْتَحَلُوا، فَقَالَ لَهُ: لَا تَعْجَلْ حَتَّى نَنْصَرِفَ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: أَمَّا صَاحِبُك فَحِمَارٌ، وَأَمَّا أَنْت فَلَا جُمُعَةَ لَك؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّ رَجُلًا اسْتَفْتَحَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ آيَةً وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: هَذَا حَظُّك مِنْ صَلَاتِك؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مُخَالِفٌ، كُلُّهُمْ يُبْطِلُ صَلَاةَ مَنْ تَكَلَّمَ عَامِدًا فِي الْخُطْبَةِ. وَبِهِ نَقُولُ، وَعَلَيْهِ إعَادَتُهَا فِي الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا وَالْعَجَبُ مِمَّنْ قَالَ: مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ بَطَلَ أَجْرُهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَإِذَا بَطَلَ أَجْرُهُ فَقَدْ بَطَلَ عَمَلُهُ بِلَا شَكٍّ؟ وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَصَبَ رَجُلَيْنِ كَانَا يَتَكَلَّمَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَنَّهُ رَأَى سَائِلًا يَسْأَلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَحَصَبَهُ، وَأَنَّهُ كَانَ يُومِئُ إلَى الرَّجُلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْ اُسْكُتْ؟ وَأَمَّا إذَا أَدْخَلَ الْإِمَامُ فِي خُطْبَتِهِ مَدْحَ مَنْ لَا حَاجَةَ بِالْمُسْلِمِينَ إلَى مَدْحِهِ، أَوْ دُعَاءً فِيهِ بَغْيٌ وَفُضُولٌ مِنْ الْقَوْلِ، أَوْ ذَمَّ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ -: فَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْخُطْبَةِ، فَلَا يَجُوزُ الْإِنْصَاتُ لِذَلِكَ، بَلْ تَغْيِيرُهُ وَاجِبٌ إنْ أَمْكَنَ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُجَالِدٍ قَالَ: رَأَيْت الشَّعْبِيَّ، وَأَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ يَتَكَلَّمَانِ وَالْحَجَّاجُ يَخْطُبُ حِينَ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ وَلَعَنَ اللَّهُ، فَقُلْت: أَتَتَكَلَّمَانِ فِي الْخُطْبَةِ؟ فَقَالَا: لَمْ نُؤْمَرْ بِأَنْ نُنْصِتَ لِهَذَا؟ وَعَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: رَأَيْت إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ يَتَكَلَّمُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ زَمَنَ الْحَجَّاجِ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كَانَ الْحَجَّاجُ وَخُطَبَاؤُهُ يَلْعَنُونَ عَلِيًّا، وَابْنَ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَلُعِنَ لَاعِنُهُمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ رُوِّينَا خِلَافًا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ لَا نَقُولُ بِهِ؟ -: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ ابْنِ نَائِلٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالْكَلَامِ إذَا لَمْ يَسْمَعْ الْخُطْبَةَ. وَأَمَّا ابْتِدَاءُ السَّلَامِ وَرَدُّهُ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رُبَيْعٍ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثنا بِشْرٌ هُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ هُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتْ الْأُولَى بِأَحَقَّ مِنْ الْآخِرَةِ» وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] . وَأَمَّا حَمْدُ الْعَاطِسِ وَتَشْمِيتُهُ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رُبَيْعٍ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: إنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ عِنْدَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَرُدَّ عَلَيْهِمْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ» . وَقَدْ قِيلَ: إنَّ بَيْنَ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ وَبَيْنَ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ: خَالِدَ بْنَ عَرْفَجَةَ وَبِهِ إلَى أَبِي دَاوُد: ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلْيَقُلْ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَيَقُولُ هُوَ: يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْ الْكَلَامِ وَالْأَمْرُ بِالْإِنْصَاتِ فِي الْخُطْبَةِ، وَصَحَّ الْأَمْرُ بِالسَّلَامِ وَرَدِّهِ، وَبِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْعُطَاسِ وَتَشْمِيتِهِ عِنْدَ ذَلِكَ وَرَدِّهِ، فَقَالَ قَوْمٌ: إلَّا فِي الْخُطْبَةِ، وَقُلْتُمْ أَنْتُمْ: بِالْإِنْصَاتِ فِي الْخُطْبَةِ إلَّا عَنْ السَّلَامِ وَرَدِّهِ وَالْحَمْدِ وَالتَّشْمِيتِ وَالرَّدِّ، فَمَنْ لَكُمْ بِتَرْجِيحِ اسْتِثْنَائِكُمْ وَتَغْلِيبِ اسْتِعْمَالِكُمْ لِلْأَخْبَارِ عَلَى اسْتِثْنَاءِ غَيْرِكُمْ وَاسْتِعْمَالِهِ لِلْأَخْبَارِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَجْمَعْتُمْ مَعَنَا عَلَى أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ؟ قُلْنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: قَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ «لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» وَالْقِيَاسُ لِلْخُطْبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ بَاطِلٌ، إذْ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ. فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا الْخُطْبَةَ يَجُوزُ فِيهَا ابْتِدَاءُ الْخَطِيبِ بِالْكَلَامِ وَمُجَاوَبَتِهِ، وَابْتِدَاءُ ذِي الْحَاجَةِ لِلَّهِ بِالْمُكَالَمَةِ وَجَوَابِ الْخَطِيبِ لَهُ، عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا، وَكُلُّ هَذَا لَيْسَ هُوَ فَرْضًا، بَلْ هُوَ مُبَاحٌ. وَيَجُوزُ فِيهَا ابْتِدَاءُ الدَّاخِلِ بِالصَّلَاةِ تَطَوُّعًا. فَصَحَّ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَأْمُورَ بِهِ مُغَلَّبٌ عَلَى الْإِنْصَاتِ فِيهَا، لِأَنَّهُ مِنْ الْمُحَالِ الْمُمْتَنِعِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ جَوَازُهُ -: أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ جَائِزًا فِيهَا وَيَكُونُ الْكَلَامُ الْفَرْضُ الْمَأْمُورُ بِهِ الَّذِي لَا يَحِلُّ تَرْكُهُ فِيهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ثنا أَبُو عَمْرٍو هُوَ الْأَوْزَاعِيُّ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «بَيْنَمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ
رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ثنا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ قَالَ: «قَالَ أَبُو رِفَاعَةَ: انْتَهَيْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إلَيَّ، وَأَتَى بِكُرْسِيٍّ حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - ثُمَّ أَتَى إلَى خُطْبَتِهِ فَأَتَمَّ آخِرَهَا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَبُو رِفَاعَةَ هَذَا تَمِيمُ الْعَدَوِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا الْبَابِ فِي الْمُتَّصِلِ بِهِ كَلَامَ عُمَرَ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي أَنَّ السُّجُودَ لَيْسَ فَرْضًا. وَذَكَرْنَا قَبْلُ كَلَامَ عُمَرَ مَعَ عُثْمَانَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَكَلَامَ عُثْمَانَ مَعَهُ وَعُمَرُ يَخْطُبُ فِي أَمْرِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَإِنْكَارِ تَرْكِهِ، لَا يُنْكِرُ الْكَلَامَ فِي كُلِّ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، حَتَّى نَشَأَ مَنْ لَا يَعْتَدُّ بِهِ مَعَ مَنْ ذَكَرْنَا. وَالْعَجِيبُ أَنَّ بَعْضَهُمْ - مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْعِلْمِ بِزَعْمِهِمْ - قَالَ: لَعَلَّ هَذَا قَبْلَ نَسْخِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ قَالَ: فِي الْخُطْبَةِ فَلَيْتَ شِعْرِي أَيْنَ وَجَدَ نَسْخَ الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْخُطْبَةِ؟ وَمَا الَّذِي أَدْخَلَ الصَّلَاةَ فِي الْخُطْبَةِ؟ وَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ فِي أَحْكَامِهَا. وَلَوْ خَطَبَ الْخَطِيبُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَمَا ضَرَّ ذَلِكَ خُطْبَتَهُ، وَهُوَ يَخْطُبُهَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَأَيْنَ الصَّلَاةُ مِنْ الْخُطْبَةِ لَوْ عَقَلُوا؟ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الضَّلَالِ - وَالدِّينُ لَا يُؤْخَذُ بِ " لَعَلَّ "
الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ دَلْهَمٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ يُسَلِّمُ، وَيَرُدُّ السَّلَامَ، وَيُشَمِّتُ الْعَاطِسَ - وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مِثْلُهُ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَا: رُدَّ السَّلَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاسْمَعْ. وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: يَرُدُّ فِي نَفْسِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْت حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ عَنْ رَجُلٍ جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ؟ فَقَالَا جَمِيعًا: يُسَلِّمُ وَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَطَسَ شَمَّتُوهُ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ؟ وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: إذَا عَطَسَ الرَّجُلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى، أَوْ سَلَّمَ وَأَنْت تَسْمَعُهُ وَتَسْمَعُ الْخُطْبَةَ فَشَمِّتْهُ فِي نَفْسِك، وَرُدَّ عَلَيْهِ فِي نَفْسِك، فَإِنْ كُنْت لَا تَسْمَعُ الْخُطْبَةَ فَشَمِّتْهُ وَأَسْمِعْهُ، وَرُدَّ عَلَيْهِ، وَأَسْمِعْهُ؟ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ قَالَا جَمِيعًا فِي الرَّجُلِ يُسَلِّمُ وَهُوَ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ: أَنَّهُ يَرُدُّ وَيُسْمِعُهُ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ زِيَادٍ الْأَعْلَمِ عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُسَلِّمَ الرَّجُلُ وَيَرُدَّ السَّلَامَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِهِمْ. [الِاحْتِبَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ] 530 - مَسْأَلَةٌ: وَالِاحْتِبَاءُ جَائِزٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، وَكَذَلِكَ شُرْبُ الْمَاءِ، وَإِعْطَاءُ الصَّدَقَةِ، وَمُنَاوَلَةُ الْمَرْءِ أَخَاهُ حَاجَتَهُ، لِأَنَّ كُلَّ هَذَا أَفْعَالُ خَيْرٍ لَمْ يَأْتِ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا نَهْيٌ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج: 77] وَلَوْ كُرِهَتْ أَوْ حَرُمَتْ لَبَيَّنَّ ذَلِكَ
مسألة دخل يوم الجمعة والإمام يخطب
تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] . وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ الِاحْتِبَاءِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَرْحُومٍ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ. وَأَبُو مَرْحُومٍ هَذَا مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ إلَّا سَعِيدَ بْنَ أَبِي أَيُّوبَ. رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَحْتَبِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، وَكَذَلِكَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَشُرَيْحٌ، وَصَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَنُعَيْمُ بْنُ سَلَامَةَ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّهُ كَرَّهَهُ، إلَّا عُبَادَةَ بْنَ نُسَيٍّ وَحْدَهُ، وَلَمْ تُرْوَ كَرَاهَةُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؟ وَرُوِّينَا عَنْ طَاوُسٍ إبَاحَةَ شُرْبِ الْمَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ. وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إنْ شَرِبَ الْمَاءَ فَسَدَتْ جُمُعَتُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ] 531 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا آدَم ثنا شُعْبَةُ ثنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَوْ قَدْ خَرَجَ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ
ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ فَقَالَ: «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا أَمْرٌ لَا حِيلَةَ لِمُمَوِّهٍ فِيهِ وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا قُتَيْبَةُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ «دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَلَّيْتَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: قُمْ فَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ» . هَذَا لَفْظُ إِسْحَاقَ. وَقَالَ قُتَيْبَةُ فِي حَدِيثِهِ " رَكْعَتَيْنِ ". وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ وَابْنِ جُرَيْجٍ كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُبَيْعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَا: ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أَصَلَّيْتَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: صَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ تَجَوَّزْ فِيهِمَا» . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فِرَاسٍ الْعَبْقَسِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ النَّيْسَابُورِيُّ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " أَنَّهُ جَاءَ وَمَرْوَانُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَامَ فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ، فَأَجْلَسُوهُ، فَأَبَى، وَقَالَ: أَبَعْدَ مَا صَلَّيْتُمُوهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ " فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَظَاهِرَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِأَصَحِّ أَسَانِيدَ تُوجِبُ الْعِلْمَ بِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ بِأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّاهُمَا أَبُو سَعِيدٍ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعْدَهُ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ، وَلَا عَلَيْهِ مُنْكِرٌ، إلَّا شُرَطُ مَرْوَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِالْبَاطِلِ وَعَمِلُوا الْبَاطِلَ فِي الْخُطْبَةِ، فَأَظْهَرُوا بِدْعَةً وَرَامُوا إمَاتَةَ سُنَّةٍ وَإِطْفَاءَ حَقٍّ، فَمَنْ أَعْجَبُ شَأْنًا مِمَّنْ يَقْتَدِي بِهِمْ وَيَدَعُ الصَّحَابَةَ؟ وَقَدْ رَوَى النَّاسُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» . فَعَمَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَمْ يَخُصَّ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَخُصَّ إلَّا مَا خَصَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّنْ يَجِدُ الْإِمَامَ يُقِيمُ لِصَلَاةِ الْفَرْضُ، أَوْ قَدْ دَخَلَ فِيهَا؟ وَسُبْحَانَ مَنْ يَسَّرَ هَؤُلَاءِ لِعَكْسِ الْحَقَائِقِ، فَقَالُوا: مَنْ جَاءَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلَا يَرْكَعْ، وَمَنْ جَاءَ وَالْإِمَامُ يُصَلِّي الْفَرْضَ وَلَمْ يَكُنْ أَوْتَرَ وَلَا رَكَعَ رَكْعَتِي الْفَجْرِ فَلْيَتْرُكْ الْفَرِيضَةَ وَلْيَشْتَغِلْ بِالنَّافِلَةِ فَعَكَسُوا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَكْسًا. وَلَوْلَا الْبُرْهَانُ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ بِأَنْ لَا فَرْضَ إلَّا الْخَمْسُ لَكَانَتْ هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ فَرْضًا، وَلَكِنَّهُمَا فِي غَايَةِ التَّأْكِيدِ، لَا شَيْءَ مِنْ السُّنَنِ أَوْكَدُ مِنْهُمَا، لِتَرَدُّدِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِمَا. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ: ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي نَهِيكٍ عَنْ
سِمَاكِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّلَاةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ؟ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ فَعَلُوهُ كَانَ حَسَنًا؟ وَعَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ: ثنا بَرِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ قَالَ: رَأَيْت الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَابْنُ هُبَيْرَةَ يَخْطُبُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ جَلَسَ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: إذَا جِئْت يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ فَإِنْ شِئْت صَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ؟ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمَكْحُولٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئِ، وَالْحُمَيْدِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمَا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إنْ كَانَ صَلَّاهُمَا فِي بَيْتِهِ جَلَسَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُصَلِّهِمَا فِي بَيْتِهِ رَكَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يُصَلِّ، قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ شَرَعَ فِيهِمَا فَلْيُتِمَّهُمَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ كَانَتَا حَقًّا فَلِمَ لَا يَبْتَدِئُ بِهِمَا؟ فَالْخَيْرُ يَنْبَغِي الْبِدَارُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَتَا خَطَأً وَغَيْرَ جَائِزَتَيْنِ فَمَا يَجُوزُ التَّمَادِي عَلَى الْخَطَأِ وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ. وَاحْتَجَّ مَنْ سَمِعَ مِنْهُمَا بِخَبَرٍ ضَعِيفٍ -: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ قَالَ: كُنَّا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ -: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؟ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ - لَوْ صَحَّ - أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَكَعَهُمَا، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَكَعَهُمَا ثُمَّ تَخَطَّى، وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ رَكَعَهُمَا، فَإِذْ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ لَا أَنَّهُ رَكَعَ، وَلَا أَنَّهُ لَمْ يَرْكَعْ -: فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ وَلَا عَلَيْهِمْ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ فِي الْخَبَرِ مَا لَيْسَ فِيهِ فَيَكُونُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدَ الْكَذَّابِينَ؟ وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ حَتَّى لَوْ صَحَّ الْخَبَرُ، وَكَانَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَكَعَ -: لَكَانَ مُمْكِنًا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ جَاءَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ بِالرُّكُوعِ، وَمُمْكِنًا أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ، فَإِذْ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لَهُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ؟ وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْخَبَرُ وَصَحَّ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَكَعَ. وَصَحَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ جَاءَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ بِأَنْ يَرْكَعَ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ -: لِمَا كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّنَا لَمْ نَقُلْ: إنَّهُمَا فَرْضٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُمَا سُنَّةٌ يُكْرَهُ تَرْكُهَا، وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ صَلَاتِهِمَا؟ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ الْفَاسِدِ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، وَبَقِيَ أَمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِصَلَاتِهِمَا لَا مُعَارِضَ لَهُ؟ وَتَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ " فَذَكَر الْحَدِيثَ. وَفِيهِ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي هَيْئَةٍ بَذَّةٍ فَأَمَرْتُهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَفْطُنَ لَهُ رَجُلٌ فَيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ» ؟ قَالُوا: فَإِنَّمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرَّكْعَتَيْنِ لِيُفْطَنَ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَعْظَمِ الْحُجَجِ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ فِيهِ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَلَاتِهِمَا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَيْسَ اعْتِرَاضٌ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَفِيهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مِنْ جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَوْ قَدْ خَرَجَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» . ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: قُولُوا لَنَا: هَلْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ بِحَقٍّ أُمّ بِبَاطِلٍ؟ فَإِنْ قَالُوا: بِبَاطِلٍ، كَفَرُوا. وَإِنْ قَالُوا: بِحَقٍّ أَبْطَلُوا مَذْهَبَهُمْ، وَلَزِمَهُمْ الْأَمْرُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَحَّ أَنَّهُمَا حَقٌّ عَلَى كُلِّ حَالٍ، إذْ لَا يَأْمُرُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ إلَّا بِحَقٍّ. ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: إذْ قُلْتُمْ هَذَا فَتَقُولُونَ أَنْتُمْ بِهِ فَتَأْمُرُونَ مَنْ دَخَلَ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِأَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ لِيُفْطَنَ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ؟ أَمْ لَا تَرَوْنَ ذَلِكَ؟ إنْ قَالُوا: نَأْمُرُهُ بِذَلِكَ تَرَكُوا مَذْهَبَهُمْ. وَإِنْ قَالُوا: لَسْنَا نَأْمُرُهُ بِذَلِكَ؟ قِيلَ لَهُمْ: فَأَيُّ رَاحَةٍ لَكُمْ فِي تَوْجِيهِكُمْ لِلْخَبَرِ الثَّابِتِ وُجُوهًا أَنْتُمْ مُخَالِفُونَ لَهَا، وَعَاصُونَ لِلْخَبَرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؟ وَهَلْ هَهُنَا إلَّا إيهَامُ الضُّعَفَاءِ الْمُغْتَرِّينَ الْمَحْرُومِينَ أَنَّكُمْ أَبْطَلْتُمْ حُكْمَ الْخَبَرِ وَصَحَّحْتُمْ بِذَلِكَ قَوْلَكُمْ؟ وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ بِالضِّدِّ، بَلْ هُوَ عَلَيْكُمْ - وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا لَمْ يَجُزْ ابْتِدَاءُ التَّطَوُّعِ لِمَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ دَعْوَى فَاسِدَةٌ لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، وَلَا قَضَاهَا رَسُولُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، بَلْ قَدْ فَرَّقَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَيْنَهُمَا، بِأَنْ أَمَرَ مَنْ حَضَرَ بِالْإِنْصَاتِ وَالِاسْتِمَاعِ، وَأَمَرَ الدَّاخِلَ بِالصَّلَاةِ، فَالْمُعْتَرِضُ عَلَى هَذَا مُخَالِفٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَالْمُتَطَوِّعُ جَائِزٌ لِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ مَا لَمْ يَبْدَأْ الْإِمَامُ بِالْخُطْبَةِ وَلِمَنْ دَخَلَ مَا لَمْ تَقُمْ الْإِقَامَةُ لِلصَّلَاةِ؟
مسألة الكلام والمؤذن يؤذن يوم الجمعة وبعد الخطبة
[مَسْأَلَةٌ الْكَلَامُ وَالْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَبَعْدَ الْخُطْبَةِ] مَسْأَلَةٌ: وَالْكَلَامُ مُبَاحٌ لِكُلِّ أَحَدٍ مَا دَامَ الْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَا لَمْ يَبْدَأْ الْخَطِيبُ بِالْخُطْبَةِ. وَالْكَلَامُ جَائِزٌ بَعْدَ الْخُطْبَةِ إلَى أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ. وَالْكَلَامُ جَائِزٌ فِي جِلْسَةِ الْإِمَامِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ بِالْمُبَاحِ مُبَاحٌ إلَّا حَيْثُ مَنَعَ مِنْهُ النَّصُّ، وَلَمْ يَمْنَعْ النَّصُّ إلَّا مِنْ الْكَلَامِ فِي خُطْبَةِ الْإِمَامِ كَمَا أَوْرَدْنَا قَبْلُ؟ -: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَسْلَمَ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْزِلُ مِنْ الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيُكَلِّمُهُ الرَّجُلُ فِي الْحَاجَةِ، فَيُكَلِّمُهُ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ إلَى الْمُصَلَّى فَيُصَلِّي» . وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ لَمَّا قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ لَهُ بِلَالٌ: يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: لَبَّيْكَ، قَالَ: أَعْتَقْتَنِي لِلَّهِ أَمْ لِنَفْسِك؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلْ لِلَّهِ تَعَالَى، قَالَ: فَأْذَنْ لِي أُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَذِنَ لَهُ، فَذَهَبَ إلَى الشَّامِ فَمَاتَ بِهَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ بُرْدِ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: كَلَامُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الْكَلَامَ -: فَلَمْ يَرَ عُمَرُ الْكَلَامَ يَقْطَعُهُ إلَّا كَلَامُ الْإِمَامِ؟ وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي الصَّعْبَةِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَجُلٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ: هَلْ اشْتَرَيْت لَنَا؟ وَهَلْ أَتَيْتنَا بِهَذَا؟ يَعْنِي الْحَبَّ؟
مسألة رعف والإمام يخطب واحتاج إلى الخروج
وَعَنْ هُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: رَأَيْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ جَالِسًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ وَعُثْمَانُ يَسْأَلُ النَّاسَ عَنْ أَسْعَارِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ. وَعَنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: كَلَامُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الْكَلَامَ؟ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ: قَالَ لِي حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: كَيْفَ أَصْبَحْت؟ وَعَنْ عَطَاءٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَبَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ. وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ مِثْلُهُ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مِثْلُهُ. وَعَنْ الْحَسَنِ: لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ فِي جُلُوسِ الْإِمَامِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ. [مَسْأَلَةٌ رَعَفَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَاحْتَاجَ إلَى الْخُرُوجِ] 533 - مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ رَعَفَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَاحْتَاجَ إلَى الْخُرُوجِ فَلْيَخْرُجْ وَكَذَلِكَ مَنْ عَرَضَ لَهُ مَا يَدْعُوهُ إلَى الْخُرُوجِ. وَلَا مَعْنَى لِاسْتِئْذَانِ الْإِمَامِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] . وَقَالَ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] . وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِإِيجَابِ اسْتِئْذَانِ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ؟ وَيُقَالُ لِمَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ: فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ، أَتَرَاهُ يَبْقَى بِلَا وُضُوءٍ؟ أَوْ هُوَ يُلَوِّثُ الْمَسْجِدَ بِالدَّمِ؟ أَوْ يُضَيِّعُ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ تَضْيِيعُهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ؟ وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا؟ [مَسْأَلَةٌ ذَكَرَ فِي الْخُطْبَةِ صَلَاةَ فَرْضٍ نَسِيَهَا أَوْ نَامَ عَنْهَا] 534 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ ذَكَرَ فِي الْخُطْبَةِ صَلَاةَ فَرْضٍ نَسِيَهَا أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيَقُمْ وَلْيُصَلِّهَا، سَوَاءٌ كَانَ فَقِيهًا أَوْ غَيْرَ فَقِيهٍ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرهَا»
مسألة لم يدرك من صلاة الجمعة إلا ركعة أو الجلوس فقط
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ قَبْلُ. وَقَدْ فَرَّقَ قَوْمٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْفَقِيهِ وَغَيْرِهِ - وَهَذَا خَطَأٌ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا نَظَرٌ، وَلَا مَعْقُولٌ، بَلْ الْحُجَّةُ أَلْزَمُ لِلْفَقِيهِ فِي أَنْ لَا يُضَيِّعَ دِينَهُ مِنْهَا لِغَيْرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: يَرَاهُ الْجَاهِلُ فَيَظُنُّ الصَّلَاةَ تَطَوُّعًا جَائِزَةً حِينَئِذٍ؟ قُلْنَا: لَا أَعْجَبُ مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ لِنَفْسِهِ مُخَالَفَةَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَضْيِيعَ فَرْضِهِ خَوْفَ أَنْ يُخْطِئَ غَيْرُهُ وَلَعَلَّ غَيْرَهُ لَا يَظُنُّ ذَلِكَ أَوْ يَظُنُّ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ} [النساء: 84] . وَقَالَ تَعَالَى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] . [مَسْأَلَةٌ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إلَّا رَكْعَةً أَوْ الْجُلُوسَ فَقَطْ] 535 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إلَّا رَكْعَةً وَاحِدَةً، أَوْ الْجُلُوسَ فَقَطْ فَلْيَدْخُلْ مَعَهُ وَلْيَقْضِ إذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً وَاحِدَةً وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ إلَّا الْجُلُوسَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: إنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً قَضَى إلَيْهَا أُخْرَى، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ إلَّا رَفْعَ الرَّأْسِ مِنْ الرَّكْعَةِ فَمَا بَعْدَهُ صَلَّى أَرْبَعًا. وَقَالَ عَطَاءُ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ - وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: مَنْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنْ الْخُطْبَةِ صَلَّى أَرْبَعًا. وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا بِأَنَّ الْخُطْبَةَ جُعِلَتْ بِإِزَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ، فَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِهَذَا: أَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ الْخُطْبَةُ الْأُولَى وَأَدْرَكَ الثَّانِيَةَ أَنْ يَقْضِيَ رَكْعَةً وَاحِدَةً، مَعَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصُّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ؟ وَاحْتَجَّ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً وَاحِدَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ فِيهِ: أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ لَمْ يُدْرِكْ الصَّلَاةَ؟ بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إسْمَاعِيلَ النَّضْرِيُّ ثنا عِيسَى بْنُ حَبِيبٍ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ثنا جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ، عَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو نُعَيْمٍ ثنا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةَ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» . فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ مَا أَدْرَكَ، وَعَمَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَمْ يَخُصَّ، وَسَمَّاهُ مُدْرِكًا لِمَا أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ، فَمَنْ وَجَدَ الْإِمَامَ جَالِسًا، أَوْ سَاجِدًا، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصِيرَ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَيَلْتَزِمَ إمَامَتَهُ، وَيَكُونَ بِذَلِكَ بِلَا شَكٍّ دَاخِلًا فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ وَيُتِمُّ تِلْكَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ تَفُتْهُ إلَّا رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ فَلَا تُصَلَّى إلَّا رَكْعَتَيْنِ. وَهَذَانِ الْخَبَرَانِ زَائِدَانِ عَلَى الَّذِي فِيهِ " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً " وَالزِّيَادَةُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْت الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ عَنْ الرَّجُلِ يُدْرِكُ الْإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُمْ جُلُوسٌ؟ قَالَ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْنَا لَهُ: مَا قَالَ هَذَا عَنْ إبْرَاهِيمَ
مسألة الغسل يوم الجمعة
إلَّا حَمَّادٌ؟ قَالَ الْحَكَمُ: وَمَنْ مِثْلُ حَمَّادٍ؟ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: إنْ أَدْرَكَهُمْ جُلُوسًا فِي آخِرِ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إلَّا أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ قَدْ تَنَاقَضُوا هَهُنَا، لِأَنَّ مِنْ أُصُولِهِمْ - الَّتِي جَعَلُوهَا دِينًا - أَنَّ قَوْلَ الصَّاحِبِ الَّذِي يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مُخَالِفٌ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ؟ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إذَا أَدْرَكَ الرَّجُلُ رَكْعَةً يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلَّى إلَيْهَا أُخْرَى، وَإِنْ وَجَدَ الْقَوْمَ جُلُوسًا صَلَّى أَرْبَعًا؟ وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا. وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مُخَالِفٌ. نَعَمْ، وَقَدْ رُوِيَتْ فِيهِ آثَارٌ - لَيْسَتْ بِأَضْعَفَ مِنْ حَدِيثِ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ، وَالْوُضُوءِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْوُضُوءِ وَالْبِنَاءِ مِنْ الرُّعَافِ وَالْقَيْءِ، فَخَالَفُوهَا إذْ خَالَفَهَا أَبُو حَنِيفَةَ - مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدَيْنِ وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ صَحَّ فِي هَذَا أَثَرٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقُلْنَا بِهِ وَلَمْ نَتَعَدَّهُ [مَسْأَلَةٌ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] 536 - مَسْأَلَةٌ: وَالْغُسْلُ وَاجِبٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ الطِّيبُ، وَالسِّوَاكُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كُلَّ ذَلِكَ فَأَغْنَى عَنْ تَرْدَادِهِ، إذْ قَدْ تَقَصَّيْنَاهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَلَا يَتَطَيَّبُ لَهَا الْمُحْرِمُ وَلَا الْمَرْأَةُ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِنَا هَذَا فِي النِّسَاءِ يَحْضُرُونَ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ، وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَنْهِيٌّ عَنْ إحْدَاثِ
مسألة ضاق المسجد واتصلت الصفوف يوم الجمعة
التَّطَيُّبِ، عَلَى مَا نَذْكُرُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيَلْزَمُ الْغُسْلُ، وَالسِّوَاكُ: الْمُحْرِمَ، وَالْمَرْأَةَ كَمَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ، فَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْمَاءِ تَيَمَّمَ، لِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّيَمُّمِ مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ [مَسْأَلَةٌ ضَاقَ الْمَسْجِدُ وَاتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ يَوْم الْجُمُعَةُ] 537 - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ أَوْ امْتَلَأَتْ الرِّحَابُ وَاتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ صُلِّيَتْ الْجُمُعَةُ وَغَيْرُهَا فِي الدُّورِ، وَالْبُيُوتِ، وَالدَّكَاكِينِ الْمُتَّصِلَةِ بِالصُّفُوفِ، وَعَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، بِحَيْثُ يَكُونُ مُسَامِتًا لِمَا خَلْفَ الْإِمَامِ، لَا لِلْإِمَامِ وَلَا لِمَا أَمَامَ الْإِمَامِ أَصْلًا وَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ وَالصُّفُوفِ نَهْرٌ عَظِيمٌ أَوْ صَغِيرٌ أَوْ خَنْدَقٌ أَوْ حَائِطٌ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، وَصَلَّى الْجُمُعَةَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ؟ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ - ثنا عَبْدَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: حُكْمُ الْإِمَامَةِ سَوَاءٌ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، وَالنَّافِلَةِ وَالْفَرِيضَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَحْوَالِ الْإِمَامَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَا جَاءَ نَصٌّ بِالْمَنْعِ مِنْ الِائْتِمَامِ بِالْإِمَامِ إذَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ، فَلَا يَجُوزُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ بِالرَّأْيِ الْفَاسِدِ؟ وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ» فَلَا يَحِلُّ أَنْ يُمْنَعَ أَحَدٌ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَوْضِعٍ إلَّا مَوْضِعًا جَاءَ النَّصُّ بِالْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ. رُوِّينَا عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي فِي بَيْتِهَا بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ؟
وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، إذْ صَلَّتْ فِي بَيْتِهَا بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاسِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَخْبَرَنِي جَبَلَةُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الشَّقَرِيُّ قَالَ: رَأَيْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي فِي دَارِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْبَابِ الصَّغِيرِ الَّذِي يُشْرِفُ عَلَى الْمَسْجِدِ يَرَى رُكُوعَهُمْ وَسُجُودَهُمْ؟ وَعَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: تُصَلِّي الْمَرْأَةُ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَوْ جِدَارٌ بَعْدَ أَنْ تَسْمَعَ التَّكْبِيرَ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَى الْمَسْجِدِ وَقَدْ امْتَلَأَ فَدَخَلَ دَارَ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالطَّرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى مَعَهُمْ وَهُوَ يَرَى رُكُوعَهُمْ وَسُجُودَهُمْ. وَعَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ صَلَّى فِي بَيْتِ الْخَيَّاطِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الرَّحْبَةِ الَّتِي تُبَاعُ فِيهَا الْقِبَابُ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: جِئْت أَنَا وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّاسُ عَلَى الْجُدُرِ وَالْكَنَفِ، فَقُلْت لَهُ: أَبَا سَعِيدٍ، أَتَرْجُو لِهَؤُلَاءِ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ يَكُونُوا فِي الْأَجْرِ سَوَاءً؟ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُصَلَّى الْجُمُعَةُ خَاصَّةً فِي مَكَان مَحْجُورٍ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا سَائِرُ صَلَوَاتِ الْفَرْضِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِيهَا. وَهَذَا لَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا يُعَضِّدُ هَذَا الْقَوْلَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا رَأْيٌ سَدِيدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ نَهْرٌ صَغِيرٌ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا لَمْ تُجْزِهِ. وَهَذَا كَلَامٌ سَاقِطٌ، لَا يُعَضِّدُهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ،
مسألة من زوحم يوم الجمعة
وَلَا رَأْيٌ سَدِيدٌ؟ وَحَدُّ النَّهْرِ الْكَبِيرِ بِمَا يُمْكِنُ أَنْ تَجْرِيَ فِيهِ السُّفُنُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْتَ شِعْرِي أَيْ السُّفُنُ؟ وَفِي السُّفُنِ مَا يَحْمِلُ أَلْفَ وَسْقٍ، وَفِيهَا زُوَيْرِقٌ صَغِيرٌ يَحْمِلُ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً فَقَطْ. وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ صَلَّى بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَبَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَوْ جُدُرٌ أَوْ نَهْرٌ فَلَا يَأْتَمُّ بِهِ - فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ نَهْرٍ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ: ثنا قَتَادَةُ قَالَ: قَالَ لِي زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَا جُمُعَةَ لِمَنْ صَلَّى فِي الرَّحْبَةِ - وَبِهِ يَقُولُ زُرَارَةُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَوْ كَانَ تَقْلِيدًا لَكَانَ هَذَا - لِصِحَّةِ إسْنَادِهِ - أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ صَهْبَانَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: لَا جُمُعَةَ لَهُمْ، قُلْت: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَدْخُلُوا فَلَا يَفْعَلُونَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَصِلَ الصَّفَّ فَلَمْ يَفْعَلْ وَإِنَّ الْعَجَبَ كُلَّهُ مِمَّنْ يُجِيزُ الصَّلَاةَ حَيْثُ صَحَّ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ كَالْمَقْبَرَةِ، وَمَعْطِنِ الْإِبِلِ، وَالْحَمَّامِ، ثُمَّ يَمْنَعُ مِنْهَا حَيْثُ لَا نَصَّ فِي الْمَنْعِ مِنْهَا، كَالْمَوْضِعِ الْمَحْجُورِ، أَوْ بَيْنَهَا نَهْرٌ كَبِيرٌ وَكُلُّ هَذَا كَمَا تَرَى وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ مِنْ زُوحِمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] 538 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ زُوحِمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى السُّجُودِ كَيْفَ أَمْكَنَهُ وَلَوْ إيمَاءً وَعَلَى الرُّكُوعِ كَذَلِكَ -: أَجْزَأَهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَصْلًا وَقَفَ كَمَا هُوَ، فَإِذَا خَفَّ الْأَمْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَأَجْزَأَهُ. لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَجْزِ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِمَرَضٍ أَوْ بِخَوْفٍ أَوْ بِمَنْعِ زِحَامٍ وَقَدْ صَلَّى السَّلَفُ الْجُمُعَةَ إيمَاءً فِي الْمَسْجِدِ، إذْ كَانَ بَنُو أُمَيَّةَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ إلَى قُرْبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ
مسألة جاء اثنان فصاعدا وقد فاتت الجمعة
[مَسْأَلَةٌ جَاءَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا وَقَدْ فَاتَتْ الْجُمُعَةُ] مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ جَاءَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا وَقَدْ فَاتَتْ الْجُمُعَةُ صَلَّوْهَا جُمُعَةً، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهَا رَكْعَتَانِ فِي الْجَمَاعَةِ [مَسْأَلَةٌ كَانَ بِالْمِصْرِ فَرَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ] 540 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ بِالْمِصْرِ فَرَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَحَسَنٌ، لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ أَوْ الْقَرْيَةِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ مِيلٍ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مِيلٍ فَصَاعِدًا صَلَّى فِي مَوْضِعِهِ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَجِيءُ إلَى الْمَسْجِدِ إلَّا مَسْجِدَ مَكَّةَ، وَمَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، وَمَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَاصَّةً، فَالْمَجِيءُ إلَيْهَا عَلَى بُعْدٍ: فَضِيلَةٌ -: لِمَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ثنا رَوْحٌ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ - ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّمَا الرِّحْلَةُ إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَمَسْجِدِ إيلْيَاءَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الرِّحْلَةُ هِيَ السَّفَرُ، وَقَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ أَنَّ السَّفَرَ مِيلٌ فَصَاعِدًا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
مسألة الصلاة في المقصورة
[مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ فِي الْمَقْصُورَةِ] مَسْأَلَةٌ: وَالصَّلَاةُ فِي الْمَقْصُورَةِ جَائِزَةٌ، وَالْإِثْمُ عَلَى الْمَانِعِ لَا عَلَى الْمُطْلَقِ لَهُ دُخُولُهَا، بَلْ الْفَرْضُ عَلَى مَنْ أَمْكَنَهُ دُخُولُهَا أَنْ يَصِلَ الصُّفُوفَ فِيهَا، لِأَنَّ إكْمَالَ الصُّفُوفِ فَرْضٌ كَمَا قَدَّمْنَا فَمَنْ أَطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ فَحَقُّهُ أَطْلَقَ لَهُ، وَحَقٌّ عَلَيْهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ، وَمَنْ مُنِعَ فَحَقُّهُ مُنِعَ مِنْهُ وَالْمَانِعُ مِنْ الْحَقِّ ظَالِمٌ، وَلَا إثْمَ عَلَى الْمَمْنُوعِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] [مَسْأَلَةٌ الْبَيْعُ وَقْت صَلَاة الْجُمُعَةِ] 542 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ الْبَيْعُ مِنْ أَثَرِ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ، وَمِنْ أَوَّلِ أَخْذِهَا فِي الزَّوَالِ وَالْمَيْلِ إلَى أَنْ تُقْضَى صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فَإِنْ كَانَتْ قَرْيَةٌ قَدْ مُنِعَ أَهْلُهَا الْجُمُعَةَ أَوْ كَانَ سَاكِنًا بَيْنَ الْكُفَّارِ، وَلَا مُسْلِمَ مَعَهُ: فَإِلَى أَنْ يُصَلِّيَ ظُهْرَ يَوْمِهِ، أَوْ يُصَلُّوا ذَلِكَ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ، فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ: فَإِلَى أَنْ يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ. وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ أَبَدًا إنْ وَقَعَ وَلَا يُصَحِّحُهُ خُرُوجُ الْوَقْتِ، سَوَاءٌ كَانَ التَّبَايُعُ مِنْ مُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، أَوْ مِنْ كَافِرِينَ. وَلَا يَحْرُمُ حِينَئِذٍ: نِكَاحٌ، وَلَا إجَازَةٌ، وَلَا سَلَمٌ، وَلَا مَا لَيْسَ بَيْعًا؟ وَقَالَ مَالِكٌ كَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ مُسْلِمٌ، وَفِي النِّكَاحِ، وَعَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَالسَّلَمِ، وَأَبَاحَ الْهِبَةَ، وَالْقَرْضَ، وَالصَّدَقَةَ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: الْبَيْعُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْإِجَارَةُ، وَالسَّلَمُ: جَائِزٌ كُلُّ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9] {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] وَوَقْتُ النِّدَاءِ: هُوَ أَوَّلُ الزَّوَالِ، فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَيْعَ إلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ وَأَبَاحَهُ بَعْدَهَا، فَهُوَ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يُحَرِّمْ تَعَالَى نِكَاحًا، وَلَا إجَارَةً، وَلَا سَلَمًا، وَلَا مَا لَيْسَ
بَيْعًا {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] . وَ {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] . وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ وَهُوَ نَاهِضٌ إلَى الصَّلَاةِ غَيْرَ مُتَشَاغِلٍ بِهَا فَجَازَ كُلُّ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَانِعًا مِنْ السَّعْيِ إلَى الصَّلَاةِ. فَظَهَرَ تَنَاقُضُ قَوْلِ مَالِكٍ وَفَسَادُهُ فَإِنْ كَانَ جَعَلَ عِلَّةَ كُلِّ ذَلِكَ: التَّشَاغُلَ، سَأَلْنَاهُمْ عَمَّنْ لَمْ يَتَشَاغَلْ؟ بَلْ بَاعَ أَوْ أَنْكَحَ، أَوْ أَجَرَ وَهُوَ نَاهِضٌ إلَى الْجُمُعَةِ، أَوْ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: يُفْسَخُ، فَبَطَلَ تَعْلِيلُهُمْ بِالتَّشَاغُلِ، فَإِنْ لَمْ يُعَلِّلُوا بِالتَّشَاغُلِ فَقَدْ قَاسُوا عَلَى غَيْرِ عِلَّةٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: بِالْقِيَاسِ، فَكَيْفَ عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِهِ؟ فَإِنْ قَالَ: النِّكَاحُ بَيْعٌ، قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ مَا سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ بَيْعًا وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَنَسْأَلُهُمْ عَمَّنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ: فَنَكَحَ أَوْ أَجَرَ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: لَا يَحْنَثُ وَاعْتَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِلتَّشَاغُلِ عَنْ الْجُمُعَةِ فَقَطْ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ دَعْوَى كَاذِبَةٌ، وَقَوْلٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ لَبَيَّنَهُ وَلَمْ يَكِلْنَا إلَى خَطَأِ رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ وَظَنِّهِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] . فَإِنْ قَالُوا: قَدْ عَلِمْنَا ذَلِكَ؟ قُلْنَا: وَمِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمُوهُ؟ فَإِنْ ادَّعَيْتُمْ ضَرُورَةً كَذَبْتُمْ، لِأَنَّنَا غَيْرُ مُضْطَرِّينَ إلَى عِلْمِ ذَلِكَ، وَالطَّبِيعَةُ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ ادَّعَوْا دَلِيلًا سُئِلُوهُ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَيْهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الظَّنُّ وَقَالُوا: نَحْنُ مَنْهِيُّونَ عَنْ الْبَيْعِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَوْ بَاعَ امْرُؤٌ فِي صَلَاتِهِ: نَفَذَ الْبَيْعُ؟ فَقُلْنَا لَهُمْ: إنَّ الْبَيْعَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ عَمْدًا
أَبْطَلَهَا، فَلَيْسَ حِينَئِذٍ فِي صَلَاةٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ فَبَاعَ، أَوْ نَكَحَ، أَوْ أَنْكَحَ، أَوْ عَمِلَ مَا لَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْحَالَ الَّتِي هُوَ فِيهَا مَانِعَةٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهِيَ حَالٌ ثَابِتَةٌ، فَمَا ضَادَّهَا فَبَاطِلٌ. وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ، أَوْ نَكَحَ، أَوْ طَلَّقَ، أَوْ أَعْتَقَ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ الْوَقْتِ إلَّا مِقْدَارُ إحْرَامِهِ بِالتَّكْبِيرِ - وَهُوَ ذَاكِرٌ لِذَلِكَ - فَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ. وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فَكُلُّ مَنْ عَمِلَ أَمْرًا بِخِلَافِ مَا أُمِرَ بِهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ بِنَصِّ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " لَا يَصْلُحُ الْبَيْعُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يُنَادَى بِالصَّلَاةِ فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَاشْتَرِ وَبِعْ ". وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ فَسَخَ بَيْعًا وَقَعَ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضَ فِيهِ الشَّافِعِيُّونَ، وَالْحَنَفِيُّونَ، لِأَنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَهَذَا مَكَانٌ لَا يُعْرَفُ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؟ وَتَنَاقَضَ الْمَالِكِيُّونَ أَيْضًا، لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا قَوْله تَعَالَى: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] : عَلَى التَّحْرِيمِ، وَلَمْ يَحْمِلُوا أَمْرَهُ تَعَالَى بِتَمْتِيعِ الْمُطَلَّقَةِ عَلَى الْإِيجَابِ وَقَالُوا: لَفْظَةُ " ذَرْ " لَا تَكُونُ إلَّا لِلتَّحْرِيمِ؟ فَقُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: 91] فَهَذِهِ لِلْوَعِيدِ لَا لِلتَّحْرِيمِ وَأَمَّا مَنْعُنَا أَهْلَ الْكُفْرِ مِنْ الْبَيْعِ حِينَئِذٍ: فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] فَوَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَ أَهْلِ الْكُفْرِ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَلَا بُدَّ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49]
صلاة العيدين
[صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ] [مَسْأَلَةٌ الْعَمَلُ وَالْبَيْعُ فِي الْعِيدَيْنِ] ِ 543 - مَسْأَلَةٌ: هُمَا عِيدُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ: أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ، وَيَوْمُ الْأَضْحَى: وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ عِيدٌ غَيْرُهُمَا، إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ الْأَضْحَى؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ عِيدًا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَحْرُمُ الْعَمَلُ، وَلَا الْبَيْعُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا خِلَافَ أَيْضًا بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا؟ وَسُنَّةُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ: أَنْ يَبْرُزَ أَهْلُ كُلِّ قَرْيَةٍ أَوْ مَدِينَةٍ إلَى فَضَاءٍ وَاسِعٍ بِحَضْرَةِ مَنَازِلِهِمْ ضَحْوَةً إثْرَ ابْيِضَاضِ الشَّمْسِ، وَحِينَ ابْتِدَاءِ جَوَازِ التَّطَوُّعِ. وَيَأْتِي الْإِمَامُ فَيَتَقَدَّمُ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ " أُمُّ الْقُرْآنِ " وَسُورَةٌ، وَتُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ السُّورَةُ فِي الْأُولَى " ق ". وَفِي الثَّانِيَةِ " اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ " أَوْ " سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ". وَ " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ". وَمَا قَرَأَ مِنْ الْقُرْآنِ مَعَ (أُمِّ الْقُرْآنِ) أَجْزَأَهُ. وَيُكَبِّرُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى إثْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ: سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ مُتَّصِلَةٍ قَبْلَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (أُمِّ الْقُرْآنِ) وَيُكَبِّرُ فِي أَوَّلِ الثَّانِيَةِ إثْرَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ: خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ. يَجْهَرُ بِجَمِيعِهِنَّ قَبْلَ قِرَاءَتِهِ (أُمَّ الْقُرْآنِ) . وَلَا يَرْفَعُ - يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا حَيْثُ يَرْفَعُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فَقَطْ. وَلَا يُكَبِّرُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ إلَّا تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ فَقَطْ. فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا جِلْسَةً، فَإِذَا أَتَمَّهُمَا افْتَرَقَ النَّاسُ. فَإِنْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَيْسَتْ خُطْبَةً، وَلَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهُ، كُلُّ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا فِي مَوَاضِعَ نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؟ -:
مِنْهَا -: مَا يُقْرَأُ مَعَ (أُمِّ الْقُرْآنِ) وَفِي صِفَةِ التَّكْبِيرِ وَأَحْدَثَ بَنُو أُمَيَّةَ: تَأْخِيرَ الْخُرُوجِ إلَى الْعِيدِ، وَتَقْدِيمَ الْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَأَمَّا الَّذِي يُقْرَأُ مَعَ " أُمِّ الْقُرْآنِ ": فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى سُورَةٍ بِعَيْنِهَا. وَشَاهَدْنَا الْمَالِكِيِّينَ لَا يَقْرَءُونَ مَعَ " أُمِّ الْقُرْآنِ " " إلَّا " " وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا "، وَ " سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ". وَهَذَانِ الِاخْتِيَارَانِ: فَاسِدَانِ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ جَائِزَةً. وَإِنَّمَا نُنْكِرُ اخْتِيَارَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمَا خِلَافُ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَرَأْت عَلَى مَالِكٍ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى؟ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وَاقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عُبَيْدُ اللَّهِ أَدْرَكَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ وَسَمِعَ مِنْهُ، وَاسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا؟ وَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مَحْمُودُ بْنُ غِيلَانَ ثنا وَكِيعٌ ثنا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ - كِلَاهُمَا عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدِ: سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» . وَاخْتِيَارُنَا هُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضَ ذَلِكَ؟ وَمِنْهَا - التَّكْبِيرُ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: يُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ يَتَعَوَّذُ ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ يَجْهَرُ بِهَا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، ثُمَّ يَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، فَإِذَا قَامَ بَعْدَ السُّجُودِ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ قَرَأَ، فَإِذَا أَتَمَّ السُّورَةَ مَعَ (أُمِّ الْقُرْآنِ) كَبَّرَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ جَهْرًا، يَرْفَعُ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ. وَقَالَ مَالِكٌ: سَبْعًا فِي الْأُولَى بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ سِوَى تَكْبِيرَةِ
الْقِيَامِ وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: فَرُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى، وَالِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ، وَيُصَلِّي قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ. وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ: كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، إلَّا أَنَّ فِي الطَّرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي يَحْيَى، وَهُوَ أَيْضًا مُنْقَطِعٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: أَنَّ عَلِيًّا؟ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ قَالَ: شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكَبَّرَ فِي الْأُولَى سَبْعًا، وَفِي الْأُخْرَى خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ. وَهَذَا سَنَدٌ كَالشَّمْسِ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ جَالِسًا وَعِنْدَهُ حُذَيْفَةُ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، فَسَأَلَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ عَنْ التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا ثُمَّ يَقْرَأُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ فِي الثَّانِيَةِ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا بَعْدَ الْقِرَاءَةِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، وَقَتَادَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ هُوَ ابْنُ نَوْفَلٍ - قَالَ: كَبَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَوْمَ الْعِيدِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ كَبَّرَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ سِوَى تَكْبِيرَةِ الصَّلَاةِ وَهَذَانِ إسْنَادَانِ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَبِهَذَا تَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَيْنَ وُجِدَ لِهَؤُلَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَوْ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَا قَالَهُ مِنْ أَنْ يَتَعَوَّذَ إثْرَ الْأُولَى ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَأَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَهُنَّ؟ فَبَطَلَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ بِصَاحِبٍ.
وَأَطْرَفُ ذَلِكَ أَمْرُهُ بِرَفْعِ الْأَيْدِي فِي التَّكْبِيرِ، الَّذِي لَمْ يَصِحَّ قَطُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَفَعَ فِيهِ يَدَيْهِ، وَنَهْيُهُ عَنْ رَفْعِ الْأَيْدِي فِي التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ حَيْثُ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَهَكَذَا فَلْيَكُنْ عَكْسَ الْحَقَائِقِ، وَخِلَافَ السُّنَنِ؟ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ؟ قَالَ: يُكَبِّرُ تِسْعًا أَوْ إحْدَى عَشَرَةَ، أَوْ ثَلَاثَ عَشَرَةَ - وَهَذَا سَنَدٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ؟ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: التَّكْبِيرُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَرْبَعًا، وَفِي الْآخِرَةِ ثَلَاثًا، وَالتَّكْبِيرُ سَبْعٌ سِوَى تَكْبِيرِ الصَّلَاةِ - إلَّا أَنَّ فِي الطَّرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنَ يَزِيدَ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَفِي هَذَا آثَارٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا -: مِنْهَا - مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى، فِي الْأُولَى: سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ: خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ» . وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ سَبْعٌ فِي الْأُولَى وَخَمْسٌ فِي الْآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَاهُمَا» . وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَصِحُّ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَحْتَجَّ بِمَا لَا يَصِحُّ كَمَنْ يَحْتَجُّ بِابْنِ لَهِيعَةَ
وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ إذَا وَافَقَا هَوَاهُ، كَفِعْلِهِ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيَرُدُّ رِوَايَتَهُمَا إذَا خَالَفَا هَوَاهُ هَذَا فِعْلُ مَنْ لَا دِينَ لَهُ، وَلَا يُبَالِي بِأَنْ يَضِلَّ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُضِلَّ وَمِنْهَا - خَبَرٌ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَكْحُولٍ أَخْبَرَنِي أَبُو عَائِشَةَ جَلِيسُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ حَضَرَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ «سَأَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، وَحُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُ فِي الْأَضْحَى، وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا، تَكْبِيرُهُ عَلَى الْجَنَائِزِ، قَالَ حُذَيْفَةُ: صَدَقَ، قَالَ أَبُو مُوسَى كَذَلِكَ كُنْت أُكَبِّرُ بِالْبَصْرَةِ حَيْثُ كُنْتُ عَلَيْهِمْ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَوْبَانَ ضَعِيفٌ وَأَبُو عَائِشَةَ مَجْهُولٌ، لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ وَلَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ وَلَا تَصِحُّ رِوَايَةٌ عَنْهُ لِأَحَدٍ، وَلَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ لِلْحَنَفِيِّينَ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقُولُونَ مِنْ أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ فِي الْأُولَى بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَأَرْبَعٌ فِي الثَّانِيَةِ بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ، وَلَا أَنَّ الْأُولَى يُكَبِّرُ فِيهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، بَلْ ظَاهِرُهُ أَرْبَعٌ فِي كِلْتَا الرَّكْعَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا، كَمَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ. وَهَذَا قِيَاسٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَ الْجِنَازَةِ أَرْبَعٌ فَقَطْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: بِسِتٍّ فِي كِلْتَا الرَّكْعَتَيْنِ دُونَ تَكْبِيرَتَيْ الْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ وَالْقِيَامِ، أَوْ بِعَشْرِ تَكْبِيرَاتٍ إنْ عَدُّوا فِيهَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ، وَالْقِيَامِ، وَالرُّكُوعِ، وَلَيْسَ فِيهِ رَفْعُ الْأَيْدِي كَمَا زَعَمُوا، فَظَهَرَ تَمْوِيهُهُمْ جُمْلَةً - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ جَعَلَ فِي الْأُولَى سَبْعًا بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ دُونَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ، وَهَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ. وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا قِيلَ، وَالتَّكْبِيرُ خَيْرٌ، وَلِكُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ،
فَلَا يُحَقِّرُهَا إلَّا مَحْرُومٌ، وَلَوْ وَجَدْنَا مَنْ يَقُولُ: بِأَكْثَرَ لَقُلْنَا بِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج: 77] وَالتَّكْبِيرُ خَيْرٌ بِلَا شَكٍّ. وَاخْتِيَارُنَا هُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَمِنْهَا - مَا أَحْدَثَ بَنُو أُمَيَّةَ مِنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ، وَإِحْدَاثِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَتَقْدِيمِ الْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، وَيَعْقُوبَ بْنِ إبْرَاهِيمَ. قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ يَعْقُوبُ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ هُوَ حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ - ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. ثُمَّ اتَّفَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ كِلَاهُمَا يَقُولُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانُ» . وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ: شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، كُلُّهُمْ يُصَلِّي ثُمَّ يَخْطُبُ. وَبِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ثنا هِشَامُ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا جَمِيعًا: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى؟
قَالَ عَلِيٌّ: لَا أَذَانَ وَلَا إقَامَةَ لِغَيْرِ الْفَرِيضَةِ، وَالْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ فِيهِمَا الدُّعَاءُ إلَى الصَّلَاةِ، فَلَوْ أُمِرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَلِكَ لَصَارَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ فَرِيضَةً بِدُعَائِهِ إلَيْهَا؟ وَاعْتَلُّوا: بِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا إذَا صَلُّوا تَرَكُوهُمْ وَلَمْ يَشْهَدُوا الْخُطْبَةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَلْعَنُونَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَفِرُّونَ، وَحُقَّ لَهُمْ، فَكَيْفَ وَلَيْسَ الْجُلُوسُ لِلْخُطْبَةِ وَاجِبًا؟ حَدَّثَنَا حَمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْكَرْمَانِيُّ ثنا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ - عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِيدَ فَصَلَّى، ثُمَّ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: قَدْ قَضَيْنَا الصَّلَاةَ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ قِيلَ: إنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الصَّبَّاحِ أَرْسَلَهُ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى؟ قُلْنَا: نَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا؟ الْمُسْنِدُ زَائِدٌ عِلْمًا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمُرْسِلِ، فَكَيْفَ وَخُصُومُنَا أَكْثَرُهُمْ يَقُولُ: إنَّ الْمُرْسَلَ وَالْمُسْنَدَ سَوَاءٌ؟
مسألة صلاة العيدين للعبد والحر والحاضر والمسافر والمرأة
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: لَيْسَ حَقًّا عَلَى النَّاسِ حُضُورُ الْخُطْبَةِ، يَعْنِي فِي الْعِيدَيْنِ وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا [مَسْأَلَةٌ صَلَاة الْعِيدَيْنِ لِلْعَبْدِ وَالْحُرّ وَالْحَاضِر وَالْمُسَافِر وَالْمَرْأَة] ؟ 544 - مَسْأَلَةٌ: وَيُصَلِّيهِمَا، الْعَبْدُ، وَالْحُرُّ، وَالْحَاضِرُ، وَالْمُسَافِرُ، وَالْمُنْفَرِدُ، وَالْمَرْأَةُ وَالنِّسَاءُ: وَفِي كُلِّ قَرْيَةٍ، صَغُرَتْ أَمْ كَبُرَتْ، كَمَا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَا يَخْطُبُ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ مَشَقَّةٌ فِي الْبُرُوزِ إلَى الْمُصَلَّى صَلُّوا جَمَاعَةً فِي الْجَامِعِ؟ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ ذَكَرْنَا عَنْهُ - فِي كَلَامِنَا فِي الْقَصْرِ فِي صَلَاةِ السَّفَرِ وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ - أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ رَكْعَتَانِ، فَكَانَ هَذَا عُمُومًا، لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ نَصٍّ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج: 77] وَالصَّلَاةُ خَيْرٌ -: وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، إلَّا قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ لَا تُصَلَّى إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ إلَّا شَيْئًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ: لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَإِنْ كَانَ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حُجَّةً فِي هَذَا فَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ
مسألة خروج النساء إلى المصلى في العيدين
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ عَنْ أَبِي قَيْسٍ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُصَلِّيَ بِضَعَفَةِ النَّاسِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْعِيدِ؟ فَإِنْ ضَعَّفُوا هَذِهِ الرِّوَايَةَ؟ قِيلَ لَهُمْ: هِيَ أَقْوَى مِنْ الَّتِي تَعَلَّقْتُمْ بِهَا عَنْهُ أَوْ مِثْلُهَا، وَلَا فَرْقَ، وَكُلُّهُمْ مُجْمِعٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ تُصَلَّى حَيْثُ تُصَلَّى الْجُمُعَةُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا - حُكْمَ الْجُمُعَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَصَلَاتِهَا فِي الْمَوَاطِنِ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أَنَّهُمَا صَلَّيَا الْعِيدَ بِالنَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ لِمَطَرٍ وَقَعَ يَوْمَ الْعِيدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْرُزُ إلَى الْمُصَلَّى لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، فَهَذَا أَفْضَلُ، وَغَيْرُهُ يُجْزِئُ، لِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا أَمْرٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ خُرُوجُ النِّسَاء إلَى الْمُصَلَّى فِي الْعِيدَيْنِ] 545 - مَسْأَلَةٌ: وَيَخْرُجُ إلَى الْمُصَلَّى: النِّسَاءُ حَتَّى الْأَبْكَارُ، وَالْحُيَّضُ وَغَيْرُ الْحُيَّضِ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى، وَأَمَّا الطَّوَاهِرُ فَيُصَلِّينَ مَعَ النَّاسِ، وَمَنْ لَا جِلْبَابَ لَهَا فَلْتَسْتَعِرْ جِلْبَابًا وَلْتَخْرُجْ، فَإِذَا أَتَمَّ الْإِمَامُ الْخُطْبَةَ فَنَخْتَارُ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُنَّ يَعِظُهُنَّ وَيَأْمُرْهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، وَتُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الصَّدَقَةُ يَوْمَئِذٍ بِمَا تَيَسَّرَ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو مَعْمَرٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ - ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ - ثنا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ «حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ جَوَارِينَا أَنْ يَخْرُجْنَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ أَتَيْتُهَا فَسَأَلْتُهَا؟ فَقَالَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: لِتَخْرُجْ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ - أَوْ قَالَ: وَذَوَاتُ الْخُدُورِ» - شَكَّ أَيُّوبُ - «وَالْحُيَّضُ، فَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى، وَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ثنا هِشَامُ هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ «أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى: الْعَوَاتِقَ وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتَ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ، وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا» . وَبِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ - ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ «قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ خَطَبَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ، تُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ صَدَقَةً» . وَقُلْت لِعَطَاءٍ: أَتَرَى حَقًّا عَلَى الْإِمَامِ ذَلِكَ، يَأْتِيَهُنَّ وَيُذَكِّرَهُنَّ؟ قَالَ: إنَّهُ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ؟ وَبِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَهِدْتُ صَلَاةَ الْفِطْرِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ يَخْطُبُ، فَنَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ حِينَ يَجْلِسُ الرِّجَالُ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ، حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَقَالَ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} [الممتحنة: 12] فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ - لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا مِنْهُنَّ -: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: فَتَصَدَّقْنَ، فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّ فِدًى لَكُنَّ أَبِي وَأُمِّي، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ» .
مسألة من آداب العيد مخالفة الطريق
فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَأَى حُضُورَ النِّسَاءِ الْمُصَلَّى، وَأَمَرَ بِهِ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ غَيْرِهِ إذَا خَالَفَهُ وَلَا مُتَعَلِّقَ لِلْمُخَالِفِ إلَّا رِوَايَةٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ مَنَعَهُنَّ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ خِلَافُهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِابْنِ عُمَرَ إلَّا أَنَّهُ إذْ مَنَعَهُنَّ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا بَلَغَهُ رَجَعَ إلَى الْحَقِّ كَمَا فَعَلَ إذْ سَبَّ ابْنَهُ أَشَدَّ السَّبِّ إذْ سَمِعَهُ يَقُولُ: نَمْنَعُ النِّسَاءَ الْمَسَاجِدَ لَيْلًا؟ وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ ادَّعَى امْرُؤٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى صِحَّةِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى الْعِيدَيْنِ، وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَنْعُهُنَّ -: لَصُدِّقَ، لِأَنَّنَا لَا نَشُكُّ فِي أَنَّ كُلَّ مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَوْ بَلَغَهُ مِمَّنْ لَمْ يَحْضُرْ -: فَقَدْ سَلَّمَ وَرَضِيَ وَأَطَاعَ، وَالْمَانِعُ مِنْ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ وَلِلسُّنَّةِ [مَسْأَلَةٌ مِنْ آدَاب الْعِيد مُخَالَفَةَ الطَّرِيق] ؟ 546 - مَسْأَلَةٌ: وَنَسْتَحِبُّ السَّيْرَ إلَى الْعِيدِ عَلَى طَرِيقٍ وَالرُّجُوعَ عَلَى آخَرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَلَا حَرَجَ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ بِالْقَوِيَّةِ؟ [مَسْأَلَةٌ اجْتَمَعَ عِيدٌ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ] 547 - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا اجْتَمَعَ عِيدٌ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ: صُلِّيَ لِلْعِيدِ، ثُمَّ لِلْجُمُعَةِ وَلَا بُدَّ، وَلَا يَصِحُّ أَثَرٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ؟ لِأَنَّ فِي رُوَاتِهِ: إسْرَائِيلَ، وَعَبْدَ الْحُمَيْدِ بْنَ جَعْفَرٍ، وَلَيْسَا بِالْقَوِيَّيْنِ، وَلَا مُؤْنَةَ عَلَى خُصُومِنَا مِنْ الِاحْتِجَاجِ بِهِمَا إذَا وَافَقَ مَا رَوَيَاهُ تَقْلِيدَهُمَا، وَهُنَا خَالَفَا رِوَايَتَهُمَا فَأَمَّا رِوَايَةُ إسْرَائِيلَ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ «عَنْ إيَاسِ بْنِ أَبِي رَمْلَةَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِيدَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ صَلَّى الْعِيدَ أَوَّلَ النَّهَارِ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ» .
مسألة التكبير ليلة عيد الفطر
وَرَوَى عَبْدُ الْحُمَيْدِ بْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ " اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَأَخَّرَ الْخُرُوجَ حَتَّى تَعَالَى النَّهَارُ، ثُمَّ خَرَجَ فَخَطَبَ فَأَطَالَ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ لِلنَّاسِ يَوْمَئِذٍ الْجُمُعَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَصَابَ السُّنَّةَ ". قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْجُمُعَةُ فَرْضٌ وَالْعِيدُ تَطَوُّعٌ، وَالتَّطَوُّعُ لَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ. [مَسْأَلَةٌ التَّكْبِيرُ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ] 548 - مَسْأَلَةٌ: وَالتَّكْبِيرُ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ: فَرْضٌ، وَهُوَ فِي لَيْلَةِ عِيدِ الْأَضْحَى: حَسَنٌ. قَالَ تَعَالَى وَقَدْ ذَكَرَ صَوْمَ رَمَضَانَ: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] . فَبِإِكْمَالِ عِدَّةِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَجَبَ التَّكْبِيرُ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ تَكْبِيرَةٌ. وَأَمَّا لَيْلَةُ الْأَضْحَى وَيَوْمُهُ، وَيَوْمُ الْفِطْرِ: فَلَمْ يَأْتِ بِهِ أَمْرٌ، لَكِنَّ التَّكْبِيرَ فِعْلُ خَيْرٍ وَأَجْرٍ [مَسْأَلَةٌ الْأَكْلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى] 549 - مَسْأَلَةٌ: وَيُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا حَرَجَ، مَا لَمْ يَرْغَبْ عَنْ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ أَكَلَ يَوْمَ الْأَضْحَى قَبْلَ غُدُوِّهِ إلَى الْمُصَلَّى فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ فَحَسَنٌ، وَلَا يَحِلُّ صِيَامُهَا أَصْلًا -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ
مسألة التنفل في المصلى قبل صلاة العيد وبعدها
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَلْزَمُ مَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ أَنْ يُوجِبَ: التَّمْرَ، دُونَ غَيْرِهِ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَلَا أَعْلَمُهُ أَكَلَ شَيْئًا. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا تَأْكُلُوا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجُوا يَوْمَ الْفِطْرِ إنْ شِئْتُمْ؟ وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إنْ شَاءَ طَعِمَ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَطْعَمْ؟ [مَسْأَلَةٌ التَّنَفُّل فِي الْمُصَلَّى قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا] 550 - مَسْأَلَةٌ: وَالتَّنَفُّلُ قَبْلَهُمَا فِي الْمُصَلَّى حَسَنٌ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا حَرَجَ، لِأَنَّ التَّنَفُّلَ فِعْلُ خَيْرٍ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا، وَلَا بَعْدَهُمَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ الْإِمَامَ، وَكَانَ مَجِيئُهُ إلَى التَّكْبِيرِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ بِلَا فَصْلٍ، وَلَمْ يَنْهَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَطُّ - لَا بِإِيجَابٍ وَلَا بِكَرَاهَةٍ - عَنْ التَّنَفُّلِ فِي الْمُصَلَّى قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا، وَلَوْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً لِبَيْنِهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَزِدْ قَطُّ فِي لَيْلَةٍ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، أَفَتَكْرَهُونَ الزِّيَادَةَ أَوْ تَمْنَعُونَ مِنْهَا؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: لَا، فَيُقَالُ لَهُمْ: فُرِّقُوا وَلَا سَبِيلَ إلَى فَرْقٍ وَرُوِّينَا عَنْ قَتَادَةَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَالْحَسَنُ، وَأَخُوهُ سَعِيدٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ يُصَلُّونَ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَبَعْدَهُ: يَعْنِي فِي الْعِيدَيْنِ؟ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ قَالَ: رَأَيْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَالْحَسَنَ يُصَلِّيَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ. وَعَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَالْحَسَنَ، وَأَخَاهُ
مسألة التكبير في الأضحى وأيام التشريق ويوم عرفة
سَعِيدًا، وَأَبَا الشَّعْثَاءِ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ: يُصَلُّونَ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ أَتَى الْمُصَلَّى فَرَأَى النَّاسَ يُصَلُّونَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَا أَكُونُ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إذَا صَلَّى [مَسْأَلَةٌ التَّكْبِيرُ فِي الْأَضْحَى وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ] 551 - مَسْأَلَةٌ: وَالتَّكْبِيرُ إثْرَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَفِي الْأَضْحَى، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ -: حَسَنٌ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِعْلُ خَيْرٍ، وَلَيْسَ هَهُنَا أَثَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَخْصِيصِ الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ دُونَ غَيْرِهَا. وَرُوِّينَا عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَأَبِي وَائِلٍ، وَأَبِي يُوسُفُ، وَمُحَمَّدٍ: اسْتِحْبَابَ التَّكْبِيرِ غَدَاةَ عَرَفَةَ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عِنْدَ الْعَصْرِ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ وَأَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُكَبِّرُ صَلَاةَ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ يَوْمَ النَّحْرِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي رِوَايَتِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَعَنْ عَلْقَمَةَ مِثْلُ هَذَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ قَاسَ ذَلِكَ عَلَى تَكْبِيرِ أَيَّامِ مِنًى فَقَدْ أَخْطَأَ، لِأَنَّهُ قَاسَ مَنْ لَيْسَ بِحَاجٍّ عَلَى الْحَاجِّ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُمْ لَا يَقِيسُونَهُمْ عَلَيْهِمْ فِي التَّلْبِيَةِ، فَيَلْزَمُهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي التَّكْبِيرِ. وَلَا مَعْنَى لِمَنْ قَالَ: إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28] . وَقَالَ: إنَّ يَوْمَ النَّحْرِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومَاتِ وَمَا بَعْدَهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ
مسألة لم يخرج يوم الفطر ولا يوم الأضحى لصلاة العيدين
دَعْوَى فَاسِدَةٌ، وَمَا حَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ ذِكْرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَيَّامِ؟ وَلَا مَعْنَى لِمَنْ اقْتَصَرَ بِالْمَعْلُومَاتِ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج: 28] وَقَدْ صَحَّ أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ لَيْسَ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَأَنَّ مَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ هُوَ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ لَمْ يَخْرُجْ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] 552 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَمْ يَخْرُجْ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ: خَرَجَ لِصَلَاتِهِمَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ غُدْوَةً خَرَجَ مَا لَمْ تَزُلْ الشَّمْسُ، لِأَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج: 77] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ هُوَ الْحَوْضِيُّ - ثنا شُعْبَةُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وَإِذَا أَصْبَحُوا يَغْدُوا إلَى مُصَلَّاهُمْ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مُسْنَدٌ صَحِيحٌ، وَأَبُو عُمَيْرٍ مَقْطُوعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَامِهِ مَنْ صَحَّتْ صُحْبَتُهُ مِمَّنْ لَمْ تَصِحَّ صُحْبَتُهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا عِلَّةً مِمَّنْ يُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ هَذَا، وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، لِثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ فَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ فِي الثَّانِي مِنْ الْأَضْحَى وَخَرَجَ فِي الثَّالِثِ فَقَدْ قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ فِعْلُ خَيْرٍ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ نَهْيٌ؟ [مَسْأَلَةٌ الْغِنَاءُ وَاللَّعِبُ وَالزَّفْنُ فِي أَيَّامِ الْعِيدَيْنِ] 553 - مَسْأَلَةٌ: وَالْغِنَاءُ وَاللَّعِبُ وَالزَّفْنُ فِي أَيَّامِ الْعِيدَيْنِ حَسَنٌ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا
أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ثنا ابْنُ وَهْبٍ وَأَنَا عَمْرٌو هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ يَتِيمُ عُرْوَةَ عَنْ «عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءٍ بُعَاثٍ فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: دَعْهَا فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ، يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِمَّا قَالَ: تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ حَتَّى إذَا مَلِلْتُ قَالَ: حَسْبُكِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَاذْهَبِي» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيِّ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُغَنِّيَانِ وَتَضْرِبَانِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسَجًّى بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ وَقَالَ: دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ - عَنْ هِشَامٍ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ - عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ حَبَشٌ يَزْفِنُونَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى مَنْكِبِهِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إلَى لَعِبِهِمْ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِي انْصَرَفْتُ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «بَيْنَمَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ
صلاة الاستسقاء
عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحِرَابِهِمْ إذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَأَهْوَى إلَيْهِمْ لِيَحْصِبَهُمْ بِالْحَصْبَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعْهُمْ يَا عُمَرُ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَيْنَ يَقَعُ إنْكَارُ مَنْ أَنْكَرَ مِنْ إنْكَارِ سَيِّدَيْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -؟ وَقَدْ أَنْكَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَيْهِمَا إنْكَارَهُمَا، فَرَجَعَا عَنْ رَأْيِهِمَا إلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - [صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ] [مَسْأَلَةٌ قَحَطَ النَّاسُ أَوْ أَشْتَدَّ الْمَطَرُ حَتَّى يُؤْذِيَ] صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ 554 - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ قَحَطَ النَّاسُ أَوْ أَشْتَدَّ الْمَطَرُ حَتَّى يُؤْذِيَ فَلْيَدْعُ الْمُسْلِمُونَ فِي إدْبَارِ صَلَوَاتِهِمْ وَسُجُودِهِمْ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، وَيَدْعُو الْإِمَامُ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] . قَالَ تَعَالَى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنعام: 43] . فَإِنْ أَرَادَ الْإِمَامُ الْبُرُوزَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ خَاصَّةً - لَا فِيمَا سِوَاهُ - فَلْيَخْرُجْ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا إلَى مَوْضِعِ الْمُصَلَّى وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَيَبْدَأُ فَيَخْطُبُ بِهِمْ خُطْبَةً يُكْثِرُ فِيهَا مِنْ الِاسْتِغْفَارِ، وَيَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ يُحَوِّلُ وَجْهَهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَظَهْرَهُ إلَى النَّاسِ، فَيَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى رَافِعًا يَدَيْهِ، ظُهُورُهُمَا إلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ يَقْلِبُ رِدَاءَهُ أَوْ ثَوْبَهُ الَّذِي يَتَغَطَّاهُ، فَيَجْعَلُ بَاطِنَهُ ظَاهِرَهُ، وَأَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وَمَا عَلَى مَنْكِبٍ مِنْ مَنْكِبَيْهِ عَلَى الْمَنْكِبِ الْآخَرِ، وَيَفْعَلُ النَّاسُ كَذَلِكَ. ثُمَّ يُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، كَمَا قُلْنَا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، إلَّا أَنَّ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ يَخْرُجُ فِيهَا الْمِنْبَرُ إلَى الْمُصَلَّى، وَلَا يَخْرُجُ فِي الْعِيدَيْنِ، فَإِذَا سَلَّمَ انْصَرَفَ وَانْصَرَفَ النَّاسُ؟ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا آدَم ثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ - هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ - قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي فَحَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ثنا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ هِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي كِنَانَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الِاسْتِسْقَاءِ؟ فَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا، فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ، لَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي التَّضَرُّعِ، وَالدُّعَاءِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الِاسْتِغْفَارُ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 11] {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 12] . وَتَحْوِيلُ الرِّدَاءِ يَقْتَضِي مَا قُلْنَاهُ - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ مَالِكٌ: بِتَقْدِيمِ الْخُطْبَةِ؟ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ؟ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ السَّلَفِ خِلَافَ هَذَا، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ: أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَعَثَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ هُوَ الْخِطْمِيُّ - أَنْ يَسْتَسْقِيَ بِالنَّاسِ، فَخَرَجَ فَاسْتَسْقَى بِالنَّاسِ، وَفِيهِمْ: الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ هَذَا صُحْبَةٌ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُكَبِّرُونَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَالْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ، وَيُصَلُّونَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَيَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ، وَلَكِنْ فِي الطَّرِيقِ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى، وَهُوَ أَيْضًا مُنْقَطِعٌ. وَرُوِّينَا: أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى فَدَعَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَلَمْ يُصَلِّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا يُمْنَعُ الْيَهُودُ، وَلَا الْمَجُوسُ، وَلَا النَّصَارَى: مِنْ الْخُرُوجِ إلَى
صلاة الكسوف
الِاسْتِسْقَاءِ لِلدُّعَاءِ فَقَطْ، وَلَا يُبَاحُ لَهُمْ إخْرَاجُ نَاقُوسٍ وَلَا شَيْءَ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [صَلَاةُ الْكُسُوفِ] 555 - مَسْأَلَةٌ: صَلَاةُ الْكُسُوفِ عَلَى وُجُوهٍ -: أَحَدُهَا - أَنْ تُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ التَّطَوُّعِ، وَهَذَا فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَفِي كُسُوفِ الْقَمَرِ أَيْضًا -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو مَعْمَرٍ ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ - ثنا يُونُسُ هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ - عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: «خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، حَتَّى انْتَهَى إلَى الْمَسْجِدِ، فَثَابَ النَّاسَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، فَانْجَلَتْ الشَّمْسُ، فَقَالَ: إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ، يُقَالُ لَهُ: إبْرَاهِيمُ، فَقَالَ نَاسٌ فِي ذَلِكَ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ثنا يَزِيدُ هُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ ثنا يُونُسُ هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ - عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْكَسَفَتْ الشَّمْسُ، فَقَامَ إلَى الْمَسْجِدِ يَجُرُّ رِدَاءَهُ مِنْ الْعَجَلَةِ، فَقَامَ إلَيْهِ النَّاسُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلُّونَ، فَلَمَّا انْجَلَتْ خَطَبَنَا، فَقَالَ: إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ
فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفَ أَحَدِهِمَا فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ» . وَرُوِّينَا نَحْوَ هَذَا أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا أَنَّ فِيهِ تَطْوِيلَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ. فَأَخَذَ بِهَذَا طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ -: مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: صَلَّى فِي الْكُسُوفِ رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ خَطَّأَهُ أَخُوهُ عُرْوَةُ؟ قُلْنَا: عُرْوَةُ أَحَقُّ بِالْخَطَأِ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ صَاحِبٌ، وَعُرْوَةَ لَيْسَ بِصَاحِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ عَمِلَ بِعِلْمٍ، وَأَنْكَرَ عُرْوَةُ مَا لَمْ يَعْلَمْ. وَبِهَذَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا الْوَجْهُ يُصَلَّى لِكُسُوفِ الشَّمْسِ، وَلِكُسُوفِ الْقَمَرِ فِي جَمَاعَةٍ، وَلَوْ صَلَّى ذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ تَظْهَرُ - مِنْ زَلْزَلَةٍ أَوْ نَحْوِهَا - لَكَانَ حَسَنًا، لِأَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ وَإِنْ شَاءَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ، هَكَذَا حَتَّى يَنْجَلِيَ الْكُسُوفُ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالْآيَاتُ كَمَا ذَكَرْنَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السَّلِيمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ ثنا الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ الْبَصْرِيُّ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: «كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَيَسْأَلُ عَنْهَا حَتَّى انْجَلَتْ» . وَرُوِّينَا أَيْضًا قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ» عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا. وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مَسْعُودٍ، بِأَسَانِيدَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي مَا ذَكَرْنَا. وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ. وَقَالَ سُفْيَانُ: عَنْ
الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَقَالَ الرَّبِيعُ: عَنْ الْحَسَنِ ثُمَّ اتَّفَقَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ قَالَا جَمِيعًا فِي الْكُسُوفِ: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَدَعَا بَعْدَ أَنْ يُكَبِّرَ قَائِمًا، فَإِذَا انْجَلَى الْكُسُوفُ قَرَأَ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ - هَذَا فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْآيَاتِ أَيْضًا -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ أَبِي الْعَلَاءِ «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: كُنْتُ أَرْمِي بِأَسْهُمٍ لِي فِي الْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ كَسَفَتْ الشَّمْسُ، فَنَبَذْتُهَا، وَقُلْتُ: وَاَللَّهِ لَأَنْظُرَنَّ إلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ رَافِعٌ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ وَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ، وَيُكَبِّرُ، وَيَدْعُو حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا، فَلَمَّا حُسِرَ عَنْهَا قَرَأَ سُورَتَيْنِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» . وَإِنْ شَاءَ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ خَاصَّةً إنْ كُسِفَتْ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ -: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَا. وَإِنْ كُسِفَتْ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَى أَخْذِهَا فِي الْغُرُوبِ: صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، كَصَلَاةِ الظُّهْرِ، أَوْ الْعَصْرِ وَفِي كُسُوفِ الْقَمَرِ خَاصَّةً: إنْ كُسِفَ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إلَى أَنْ تُصَلِّيَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ: صَلَّى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ كَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ.
وَإِنْ كُسِفَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ إلَى الصُّبْحِ: صَلَّى أَرْبَعًا: كَصَلَاةِ الْعَتَمَةِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ - ثنا خَالِدُ هُوَ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ فَزِعًا، حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي بِنَا حَتَّى انْجَلَتْ فَلَمَّا انْجَلَتْ قَالَ: إنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ إلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ الْعُظَمَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّ اللَّهَ إذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنْ الْمَكْتُوبَةِ» . فَإِنْ قِيلَ: إنَّ أَبَا قِلَابَةَ قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ قَبِيصَةَ الْعَامِرِيِّ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا؟ وَأَبُو قِلَابَةَ قَدْ أَدْرَكَ النُّعْمَانَ فَرَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَنْهُ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ آخَرَ فَحَدَّثَ بِكِلْتَا رِوَايَتَيْهِ، وَلَا وَجْهَ لِلتَّعَلُّلِ بِمِثْلِ هَذَا أَصْلًا وَلَا مَعْنًى لَهُ؟ وَإِنْ شَاءَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ خَاصَّةً: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَكْعَتَانِ، يَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَرْفَعُ، فَيَقْرَأُ. ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقُولُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ. ثُمَّ يَقُومُ فَيَرْكَعُ أُخْرَى، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَكْعَتَانِ، كَمَا وَصَفْنَا، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي ثَوْرٍ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
«انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ» . وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ؟ وَرُوِّينَا أَيْضًا مِثْلَهُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَإِنْ شَاءَ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ خَاصَّةً رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقُولُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ: ثُمَّ يَقُومُ فَيَرْكَعُ أَيْضًا رَكْعَةً فِيهَا ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ كَمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ يَرْفَعُ ثُمَّ يَسْجُدُ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ؟ . وَقَدْ رُوِّينَا مَا يُظَنُّ فِيهِ هَذَا الْفِعْلُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَا قَتَادَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ بِالْبَصْرَةِ، قَامَ بِالنَّاسِ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ كَبَّرَ وَرَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا، ثُمَّ قَرَأَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقْرَأَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ. وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ وَعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى بِالْبَصْرَةِ فِي الزَّلْزَلَةِ فَأَطَالَ الْقُنُوتَ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقُنُوتَ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقُنُوتَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ صَلَّى الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ، فَصَارَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ. وَقَالَ: هَكَذَا صَلَاةُ الْآيَاتِ؟ قَالَ قَتَادَةُ: صَلَّى حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ بِأَصْحَابِهِ مِثْلَ صَلَاةِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَاتِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَفَعَلَ فِي الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ؟
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: صَلَاةُ الْآيَاتِ سِتُّ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ وَإِنْ شَاءَ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ خَاصَّةً رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقُولُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الثَّانِيَةِ كَذَلِكَ أَيْضًا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبٍ هُوَ ابْنُ أَبِي ثَابِتٍ - عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ كَسَفَتْ الشَّمْسُ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِثْلُ ذَلِكَ وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ثنا حَبِيبُ هُوَ ابْنُ أَبِي ثَابِتٍ - عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفٍ، قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، قَالَ: وَالْأُخْرَى مِثْلُهَا» . وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ كَمَا ذَكَرْنَا؟ وَقَدْ فَعَلَهُ أَيْضًا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلَ أَخْبَرَهُ أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ - أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ: صَلَّى إذْ كَسَفَتْ الشَّمْسُ - عَلَى ظَهْرِ صِفَةِ زَمْزَمَ - رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ. وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ: أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، كَمَا رَوَى. وَإِنْ شَاءَ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ خَاصَّةً رَكْعَتَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسَ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ الثَّانِيَةُ كَذَلِكَ أَيْضًا ثُمَّ يَجْلِسُ
وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - ثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ فِي صَلَاةِ الْآيَاتِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مُبَيَّنًا فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ بِصِفَةِ الْعَمَلِ كَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الْمُبَارَكِ بْنِ فُضَالَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ صَلَّى فِي كُسُوفٍ عَشْرَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ هَذَا فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَمَّنْ عَمِلَ بِهِ مِنْ صَاحِبٍ أَوْ تَابِعٍ؟ وَرُوِيَ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ الْعَدَوِيِّ - وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ أَنَّ صِفَةَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ: أَنْ يَقْرَأَ ثُمَّ يَرْكَعَ فَإِنْ لَمْ تَنْجَلِ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ، فَقَرَأَ هَكَذَا أَبَدًا حَتَّى تَنْجَلِيَ، فَإِذَا انْجَلَتْ سَجَدَ ثُمَّ رَكَعَ الثَّانِيَةَ. وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ نَحْوَ هَذَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَحِلُّ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْآثَارِ دُونَ بَعْضٍ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا سُنَنٌ، وَلَا يَحِلُّ النَّهْيُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ؟ فَأَمَّا مَالِكٌ: فَإِنَّهُ فِي اخْتِيَارِهِ بَعْضِ مَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَتَقْلِيدُ أَصْحَابِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ -: هَادِمُونَ أَصْلًا لَهُمْ كَبِيرًا، وَهُوَ أَنَّ الثَّابِتَ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُ مَا رَوَيَا مِمَّا اخْتَارَهُ مَالِكٌ كَمَا أَوْرَدْنَا آنِفًا.
وَمِنْ أَصْلِهِمْ أَنَّ الصَّاحِبَ إذَا صَحَّ عَنْهُ خِلَافَ مَا رَوَى كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى نَسْخِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتْرُكُ مَا رَوَى إلَّا لِأَنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا بِسُنَّةٍ هِيَ أَوْلَى مِنْ الَّتِي تَرَكَ، وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ؟ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ قَلَّدَهُ: فَإِنَّهُمْ عَارَضُوا سَائِرَ مَا رُوِيَ بِأَنْ قَالُوا: لَمْ نَجِدْ فِي الْأُصُولِ صِفَةَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا ضَلَالٌ يُؤَدِّي إلَى الِانْسِلَاخِ مِنْ الْإِسْلَامِ؟ لِأَنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنْ لَا يُؤْخَذَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُنَّةٌ، وَلَا يُطَاعَ لَهُ أَمْرٌ -: إلَّا حَتَّى يُوجَدَ فِي سَائِرِ الدِّيَانَةِ حُكْمٌ آخَرُ مِثْلُ هَذَا الَّذِي خَالَفُوا، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ حُمْقٌ مِنْ الْقَوْلِ. وَلَيْتَ شِعْرِي مِنْ أَيْنَ وَجَبَ أَنْ لَا تُؤْخَذَ لِلَّهِ شَرِيعَةٌ إلَّا حَتَّى تُوجَدَ أُخْرَى مِثْلُهَا وَإِلَّا فَلَا؟ وَمَا نَدْرِي هَذَا يَجِبُ، لَا بِدَيْنٍ وَلَا بِعَقْلٍ، وَلَا بِرَأْيٍ سَدِيدٍ، وَلَا بِقَوْلٍ مُتَقَدِّمٍ، وَمَا هُمْ بِأَوْلَى مِنْ آخَرَ، قَالَ: بَلْ لَا آخُذُ بِهَا حَتَّى أَجِدَ لَهَا نَظِيرَيْنِ أَوْ مِنْ ثَالِثٍ قَالَ: لَا حَتَّى أَجِدَ لَهَا ثَلَاثَ نَظَائِرَ؟ وَالزِّيَادَةُ مُمْكِنَةٌ لِمَنْ لَا دِينَ لَهُ وَلَا عَقْلَ وَلَا حَيَاءَ ثُمَّ نَقَضُوا هَذَا فَجَوَّزُوا صَلَاةَ الْخَوْفِ كَمَا جَوَّزُوهَا، وَلَمْ يَجِدُوا لَهَا فِي الْأُصُولِ نَظِيرًا، فِي أَنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهَا مُخْتَارًا لِلْوُقُوفِ، لَا يُصَلِّي بِصَلَاةِ إمَامِهِ، وَلَا يُتِمُّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ؟ وَجَوَّزُوا الْبِنَاءَ فِي الْحَدَثِ، وَلَمْ يَجِدُوا فِي الْأُصُولِ لَهَا نَظِيرًا، أَنْ يَكُونَ فِي صَلَاتِهِ بِلَا طَهَارَةٍ، ثُمَّ لَا يَعْمَلُ عَمَلَ صَلَاتِهِ، وَلَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهَا، وَالْقَوْمُ لَا يُبَالُونَ بِمَا قَالُوا؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يَجْهَرُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَقَالَ مَنْ احْتَجَّ لَهُمْ: لَوْ جَهَرَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعُرِفَ بِمَا قَرَأَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا احْتِجَاجٌ فَاسِدٌ، وَقَدْ عُرِفَ مَا قَرَأَ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ هُوَ الرَّازِيّ - ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ثنا ابْنُ نِمْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ - سَمِعَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السَّلِيمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنُ يَزِيدَ أَخْبَرَنِي أَبِي ثنا الْأَوْزَاعِيُّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً فَجَهَرَ بِهَا» فِي صِفَتِهَا لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَطْعُ عَائِشَةَ، وَعُرْوَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَهَرَ فِيهَا -: أَوْلَى مِنْ ظُنُونِ هَؤُلَاءِ الْكَاذِبَةِ. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ سُورَةً مِنْ الطُّوَلِ» . فَإِنْ قِيلَ: إنَّ سَمُرَةَ رَوَى فَقَالَ: «إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى فِي الْكُسُوفِ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا» ؟
قُلْنَا: هَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ إلَّا ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبَّادٍ الْعَبْدِيُّ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَجْهَرْ وَإِنَّمَا فِيهِ «لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا» وَصَدَقَ سَمُرَةُ فِي أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ، وَلَوْ كَانَ بِحَيْثُ يَسْمَعْهُ لَسَمِعَهُ كَمَا سَمِعَتْهُ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - الَّتِي كَانَتْ قَرِيبًا مِنْ الْقِبْلَةِ فِي حُجْرَتِهَا، وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ ثُمَّ لَوْ كَانَ فِيهِ " لَمْ يَجْهَرْ " لَكَانَ خَبَرُ عَائِشَةَ زَائِدًا عَلَى مَا فِي خَبَرِ سَمُرَةَ، وَالزَّائِدُ أَوْلَى، أَوْ لَكَانَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ جَائِزًا لَا يُبْطِلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَكَيْفَ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا نَعْلَمُ اخْتِيَارَ الْمَالِكِيِّينَ رُوِيَ عَمَلُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِبَيَانِ اقْتِصَارِهِ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ؟ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ الْأَعْمَالُ صِحَاحًا كُلُّهَا وَإِنَّمَا صَلَّاهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَرَّةً وَاحِدَةً إذْ مَاتَ إبْرَاهِيمُ؟ قُلْنَا: هَذَا هُوَ الْكَذِبُ وَالْقَوْلُ بِالْجَهْلِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عُمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي كُسُوفٍ - فِي صِفَةِ زَمْزَمَ - أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ» . فَهَذِهِ صَلَاةُ كُسُوفٍ كَانَتْ بِمَكَّةَ سِوَى الَّتِي كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَمَا رَوَوْا قَطُّ عَنْ أَحَدٍ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ الْكُسُوفَ إلَّا مَرَّةً ".
وَكُسُوفُ الشَّمْسِ يَكُونُ مُتَوَاتِرًا، بَيْنَ كُلِّ كُسُوفَيْنِ خَمْسَةُ أَشْهُرٍ قَمَرِيَّةٍ، فَأَيُّ نَكِرَةٍ فِي أَنْ يُصَلِّيَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيهِ عَشْرَاتٍ مِنْ الْمَرَّاتِ فِي نُبُوَّتِهِ؟ صُورَةُ الْمَرَاصِدِ الْفَلَكِيَّةِ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ
سجود القرآن
وَأَمَّا اقْتِصَارُنَا عَلَى مَا وَصَفْنَا فِي صَلَاةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صَلَاةً إلَّا مَثْنَى مَثْنَى، إلَّا صَلَاةٌ جَاءَ نَصٌّ جَلِيٌّ صَحِيحٌ بِأَنَّهَا أَقَلُّ مِنْ مَثْنَى أَوْ أَكْثَرُ مِنْ مَثْنَى، كَمَا جَاءَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، فَيُوقَفُ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا تُضْرَبُ الشَّرَائِعُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، بَلْ كُلُّهَا حَقٌّ؟ وَإِنَّمَا قُلْنَا بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ الْقَمَرِيِّ، وَالْآيَاتِ فِي جَمَاعَةٍ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ» . وَيُصَلِّيهَا: النِّسَاءُ، وَالْمُنْفَرِدُ، وَالْمُسَافِرُونَ، كَمَا ذَكَرْنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [سُجُودُ الْقُرْآنِ] [مَسْأَلَةٌ فِي الْقُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً] سُجُودُ الْقُرْآنِ 556 - مَسْأَلَةٌ فِي الْقُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً - أَوَّلُهَا -: - فِي آخِرِ خَاتِمَةِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ - ثُمَّ فِي الرَّعْدِ
ثُمَّ فِي النَّحْلِ - ثُمَّ فِي " سُبْحَانَ " - ثُمَّ فِي " كهيعص " - ثُمَّ فِي الْحَجِّ فِي الْأُولَى - وَلَيْسَ قُرْبُ آخِرِهَا - سَجْدَةٌ - ثُمَّ فِي الْفُرْقَانِ - ثُمَّ فِي النَّمْلِ - ثُمَّ فِي " الم تَنْزِيلُ " - ثُمَّ فِي " ص " ثُمَّ فِي " حم " فُصِّلَتْ - ثُمَّ فِي " وَالنَّجْمِ " فِي آخِرِهَا. - ثُمَّ فِي " إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ " عِنْدَ قَوْله تَعَالَى {لا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 21] ثُمَّ فِي " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " فِي آخِرِهَا. وَلَيْسَ السُّجُودُ فَرْضًا لَكِنَّهُ فَضْلٌ وَيَسْجُدُ لَهَا فِي الصَّلَاةِ الْفَرِيضَةِ وَالتَّطَوُّعِ، وَفِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وَاسْتِوَائِهَا إلَى الْقِبْلَةِ وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَعَلَى طَهَارَةٍ وَعَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. فَأَمَّا السَّجَدَاتُ الْمُتَّصِلَةُ إلَى " الم تَنْزِيلُ " فَلَا خِلَافَ فِيهَا، وَلَا فِي مَوَاضِعِ السُّجُودِ مِنْهَا، إلَّا فِي سُورَةِ النَّمْلِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ قَالُوا: مَوْضِعُ السَّجْدَةِ فِيهَا عِنْدَ تَمَامِ قِرَاءَتِك {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 26] . وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، بَلْ فِي تَمَامِ قِرَاءَتِك {وَمَا تُعْلِنُونَ} [النمل: 25] وَبِهَذَا نَقُولُ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَوْضِعِ ذِكْرِ السُّجُودِ وَالْأَمْرِ بِهِ، وَالْمُبَادَرَةُ إلَى فِعْلِ الْخَيْرِ أَوْلَى. قَالَ تَعَالَى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133] . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فِي الْحَجِّ سَجْدَةٌ ثَانِيَةٌ قُرْبَ آخِرِهَا، عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] وَلَا نَقُولُ بِهَذَا فِي الصَّلَاةِ أَلْبَتَّةَ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ فِي الصَّلَاةِ سُجُودٌ لَمْ يَصِحَّ بِهِ نَصٌّ، وَالصَّلَاةُ تَبْطُلُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَسَنٌ، لِأَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ؟
وَإِنَّمَا لَمْ نُجِزْهُ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهَا سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَجْمَعَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهَا أَثَرٌ مُرْسَلٌ. وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ: السُّجُودُ فِيهَا - وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ: ثنا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَعْلَبَةَ يَقُولُ: صَلَّيْت خَلْفَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَجَدَ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ. وَعَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: رَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَجَدَ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ وَأَبَاهُ عُمَرَ كَانَا يَسْجُدَانِ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ سَجَدْت فِيهَا وَاحِدَةً لَكَانَتْ السَّجْدَةُ فِي الْآخِرَةِ أَحَبَّ إلَيَّ؟ وَقَالَ عُمَرُ: إنَّهَا فُضِّلَتْ بِسَجْدَتَيْنِ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ سَجَدَ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَيْنَ الْمُهَوِّلُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ بِتَعْظِيمِ خِلَافِ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ؟ وَقَدْ خَالَفُوا هَهُنَا فِعْلَ عُمَرَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ، وَمَعَهُ طَوَائِفُ مِمَّنْ ذَكَرْنَا، وَمَعَهُمْ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَطَوَائِفُ مِنْ التَّابِعِينَ وَمِنْ
بَعْدِهِمْ؟ وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ. وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا إلَّا فِيمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ قَالُوا: قَدْ جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا خِلَافٌ؟ قُلْنَا: لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ، إنَّمَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: السُّجُودُ عَشْرٌ، وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ: لَيْسَ فِي " ص " سَجْدَةٌ فَبَطَلَ أَنْ يَصِحَّ عَنْهُ خِلَافٌ فِي هَذَا. بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ السُّجُودُ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ عَلَى الْقُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ؟ وَاخْتُلِفَ: أَفِي " ص " سَجْدَةٌ أَمْ لَا؟ وَإِنَّمَا قُلْنَا: بِالسُّجُودِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّجُودُ فِيهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا فِي سُجُودِ الْخَطِيبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ. وَاخْتُلِفَ فِي السُّجُودِ فِي " حم ". فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: السَّجْدَةُ عِنْدَ تَمَامِ قَوْله تَعَالَى: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37] وَبِهِ نَأْخُذُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ عِنْدَ قَوْلِهِ: {وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38] وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا لِوَجْهَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي يَسْجُدُ عِنْدَهَا قَبْلَ الْأُخْرَى، وَالْمُسَارَعَةُ إلَى الطَّاعَةِ أَفْضَلُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ وَاتِّبَاعُ الْأَمْرِ أَوْلَى؟ وَقَالَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يُوَفَّقْ لِلصَّوَابِ: وَجَدْنَا السُّجُودَ فِي الْقُرْآنِ إنَّمَا هُوَ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ لَا فِي مَوْضِعِ الْأَمْرِ؟ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا هُوَ أَوَّلُ مَنْ خَالَفَهُ
لِأَنَّهُ وَسَائِرَ الْمُسْلِمِينَ يَسْجُدُونَ فِي الْفُرْقَانِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان: 60] وَهَذَا أَمْرٌ لَا خَبَرٌ؟ وَفِي قِرَاءَةِ الْكِسَائِيّ وَهِيَ إحْدَى الْقِرَاءَاتِ الثَّابِتَةِ: {أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [النمل: 25] إلَى آخِرِ الْآيَةِ، بِتَخْفِيفِ " أَلَّا " بِمَعْنَى: أَلَا يَا قَوْمُ اُسْجُدُوا، وَهَذَا أَمْرٌ؟ وَفِي النَّحْلِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50] . وَقَدْ وَجَدْنَا ذِكْرَ السُّجُودِ بِالْخَيْرِ لَا سُجُودَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ. وَهُوَ قَوْله تَعَالَى فِي آلِ عِمْرَانَ {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113] . وَفِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64] فَصَحَّ أَنَّ الْقَوْمَ فِي تَخْلِيطٍ لَا يُحَصِّلُونَ مَا يَقُولُونَ -: وَرُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَسْجُدُونَ بِالْأُولَى مِنْ الْآيَتَيْنِ. وَكَذَلِكَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ؟ وَصَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلِيٍّ: أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ عَزَائِمَ السُّجُودِ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ إلَّا " الم " وَ " حم " وَكَانَا يَرَيَانِهِمَا أَوْكَدُ مِنْ سِوَاهُمَا؟ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا سُجُودَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -: وَخَالَفَهُمَا آخَرُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ، كَمَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، بَعْدَ أَنْ نَقُولَ: صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّجُودُ فِيهَا، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَهُ وَلَا مَعَهُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ
ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ سَمِعْت الْأَسْوَدَ بْنَ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ: وَالنَّجْمِ فَسَجَدَ فِيهَا» . حَدَّثَنَا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ الْقَاضِي ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءٍ عَنْ «أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي: وَالنَّجْمِ وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» . وَبِهِ يَأْخُذُ جُمْهُورُ السَّلَفِ؟ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ لَهُمْ " وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى " فَسَجَدَ فِيهَا، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى، وَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ بِالْمُسْلِمِينَ؟ وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ بِ " وَالنَّجْمِ " فَسَجَدَ فِي آخِرِهَا، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ بِ " وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ " فَرَكَعَ وَسَجَدَ، فَقَرَأَ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: الْعَزَائِمُ أَرْبَعٌ -: " الم تَنْزِيلُ " " وحم السَّجْدَةُ " " وَالنَّجْمُ " " وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: عَزَائِمُ السُّجُودِ أَرْبَعٌ: (الم تَنْزِيلُ) " وَحُمَّ " " وَالنَّجْمُ " " وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا قَرَأَ بِ (النَّجْمِ) سَجَدَ. وَعَنْ «الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ قَالَ: سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّجْمِ وَلَمْ أَسْجُدْ - وَكَانَ مُشْرِكًا حِينَئِذٍ -.
قَالَ: فَلَنْ أَدَعَ السُّجُودَ فِيهَا أَبَدًا» أَسْلَمَ الْمُطَّلِبُ يَوْمَ الْفَتْحِ. فَهَذَا عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَهُمْ يُشَنِّعُونَ أَقَلَّ مِنْ هَذَا. وَبِالسُّجُودِ فِيهَا يَقُولُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَسُفْيَانُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَدَاوُد، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجَّ الْمُقَلِّدُونَ لِمَالِكٍ بِخَبَرٍ -: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ «زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا سُجُودَ فِيهَا، وَإِنَّمَا فِي هَذَا الْخَبَرِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ السُّجُودَ فَرْضٌ فَقَطْ. وَهَكَذَا نَقُولُ: إنَّ السُّجُودَ لَيْسَ فَرْضًا، لَكِنْ إنْ سَجَدَ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ تَرَكَ فَلَا حَرَجَ، مَا لَمْ يَرْغَبْ عَنْ السُّنَّةِ؟ وَأَيْضًا: فَإِنَّ رَاوِيَ هَذَا الْخَبَرِ قَدْ صَحَّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى رِوَايَتِهِ - وَهُوَ ابْنُ قُسَيْطٍ - فَالْآنَ صَارَتْ رِوَايَتُهُ حُجَّةً فِي إبْطَالِ السُّنَنِ؟ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا يَدَّعُونَهُ؟ وَمَوَّهُوا أَيْضًا بِخَبَرٍ -: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ - أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْجُدُ بِمَكَّةَ بِالنَّجْمِ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ رَأَى أَبُو سَعِيدٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّهُ يَكْتُبُ سُورَةَ ص، فَلَمَّا أَتَى عَلَى السَّجْدَةِ: سَجَدَتْ الدَّوَاةُ، وَالْقَلَمُ، وَالشَّجَرُ، وَمَا حَوْلَهُ مِنْ شَيْءٍ. قَالَ: فَأَخْبَرْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَجَدَ فِيهَا، وَتَرَكَ النَّجْمَ» فَهَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَكْرًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِمَّنْ سَمِعَهُ، إلَّا
أَنَّهُ قَدْ صَحَّ بُطْلَانُ هَذَا الْخَبَرِ بِلَا شَكٍّ لِمَا رُوِّينَاهُ آنِفًا مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ بِهِمْ فِي النَّجْمِ» وَأَبُو هُرَيْرَةَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَفِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ فِيهَا كَانَ إثْرَ قُدُومِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْمَدِينَةَ، وَهَذَا بَاطِلٌ وَمَوَّهُوا بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ يَذْكُرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْجُدْ فِي الْمُفَصَّلِ مُذْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ» . وَهَذَا بَاطِلٌ بَحْتٌ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِمَا نَذْكُرُهُ إثْرَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَعِلَّةُ هَذَا الْخَبَرِ هُوَ أَنَّ مَطَرًا سَيِّئُ الْحِفْظِ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْمُثْبِتُ أَوْلَى مِنْ النَّافِي، وَلَا عَمَلَ أَقْوَى مِنْ عَمَلِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَذَكَرُوا أَحَادِيثَ مُرْسَلَةً سَاقِطَةً، لَا وَجْهَ لِلِاشْتِغَالِ بِهَا لِمَا ذَكَرْنَا؟ وَأَمَّا إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، وَمُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَا: ثنا هِشَامُ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ «عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ سَجَدَ فِي إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَلَمْ أَرَكَ تَسْجُدُ؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ لَمْ أَسْجُدْ بِهَا» . وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِثْلِهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ «أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي: إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا يُكَذِّبُ رِوَايَةَ مَطَرٍ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا؟
وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» وَرُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ مُتَوَاتِرَةٍ كَالشَّمْسِ، اكْتَفَيْنَا مِنْهَا بِهَذَا. وَبِهَذَا يَأْخُذُ عَامَّةُ السَّلَفِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَالْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ كُلُّهُمْ قَالَ: ثنا قُرَّةُ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " سَجَدَ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فِي: " إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ " وَمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمَا " زَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَالْمُعْتَمِرُ " وَ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) وَهَذَا أَثَرٌ كَالشَّمْسِ صِحَّةً. وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ آنِفًا: عَزَائِمُ السُّجُودِ -: " الم " " وَحُمَّ " " وَالنَّجْمُ " " وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ". وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ: قَرَأَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: " إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ " وَهُوَ يَخْطُبُ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَعَنْ الثِّقَاتِ: أَيُّوبَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَسْجُدُ فِي: " إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ "، " وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ". وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَشُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَمَرَ النَّاسَ بِذَلِكَ وَالشَّعْبِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَدَاوُد، وَأَصْحَابِهِمْ، وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ؟ وَأَمَّا سُجُودُهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ كَيْفَ مَا يُمْكِنُ؟ فَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ صَلَاةً، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» فَمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَلَيْسَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِأَنَّهُ صَلَاةٌ، كَرَكْعَةِ الْخَوْفِ، وَالْوِتْرِ، وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلَا نَصَّ فِي
سجود الشكر
أَنَّ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ: صَلَاةٌ؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: تُومِئُ الْحَائِضُ بِالسُّجُودِ؟ قَالَ سَعِيدُ: وَتَقُولُ: رَبِّ لَك سَجَدْت. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ: جَوَازُهَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ [سُجُودُ الشُّكْرِ] ِ 557 - مَسْأَلَةٌ: سُجُودُ الشُّكْرِ حَسَنٌ، إذَا وَرَدَتْ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمَرْءِ نِعْمَةٌ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ السُّجُودُ، لِأَنَّ السُّجُودَ فِعْلُ خَيْرٍ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج: 77] . وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ نَهْيٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. بَلْ قَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ سَمِعْت الْأَوْزَاعِيَّ قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيُّ ثنا «مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيُّ قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ، أَوْ قُلْتُ: مَا أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ بِهَا - دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً قَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ لِي ثَوْبَانُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِفَضْلِهِ
وَعَمَلِهِ، وَبَاقِي الْإِسْنَادِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُمْ؟ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ هَذَا السُّجُودَ إنَّمَا هُوَ سُجُودُ الصَّلَاةِ خَاصَّةً، وَمَنْ أَقْدَمَ عَلَى هَذَا فَقَدْ قَالَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ يَقُلْهُ، بَلْ كَذَبَ عَلَيْهِ، إذْ أَخْبَرَ عَنْ مُرَادِهِ بِالْغَيْبِ وَالظَّنِّ الْكَاذِبِ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: أَنَّهُ لَمَّا جَاءَهُ فَتْحُ الْيَمَامَةِ: سَجَدَ؟ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ ذُو الثِّدْيَةِ فِي الْقَتْلَى: سَجَدَ، إذْ عَرَفَ أَنَّهُ فِي الْحِزْبِ الْمُبْطِلِ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمُحِقُّ؟ وَصَحَّ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ تَخَلُّفِهِ عَنْ تَبُوكَ: أَنَّهُ لَمَّا تِيبَ عَلَيْهِ: سَجَدَ؟ وَلَا مُخَالِفَ لِهَؤُلَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ أَصْلًا، وَلَا مَغْمَزَ فِي خَبَرِ كَعْبٍ أَلْبَتَّةَ؟ .
كتاب الجنائز صلاة الجنائز وحكم الموتى
[كِتَابُ الْجَنَائِزِ صَلَاةُ الْجَنَائِزِ وَحُكْمُ الْمَوْتَى] [مَسْأَلَةٌ غُسْلُ الْمُسْلِمِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَتَكْفِينُهُمَا] 558 - مَسْأَلَةٌ: غُسْلُ الْمُسْلِمِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَتَكْفِينُهُمَا: فَرْضٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَفَنُ إلَّا حَسَنًا عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا إسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ - ثنا مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ «عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِغُسْلِهَا، وَأَمْرُهُ فَرْضٌ، مَا لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ الْفَرْضِ نَصٌّ آخَرُ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ حُكْمَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَإِيجَابُ الْغُسْلِ: هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَدَاوُد -: وَالْعَجَبُ مِمَّنْ لَا يَرَى غُسْلَ الْمَيِّتِ فَرْضًا وَهُوَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمْرُهُ، وَعَمَلُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مُذْ أَوَّلِهِ إلَى الْآنَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ: «أَنَّ
مسألة لم يغسل ولم يكفن حتى دفن
النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ يَوْمًا فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، فَقَالَ: إذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ» . وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ أَوْصَى أَنْ يُكَفَّنَ فِي حُلَّةٍ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ: كَانَ يُقَالُ: مَنْ وَلِيَ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ، فَإِنَّهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فِي أَكْفَانِهِمْ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ: لَا تُغَالُوا فِي الْكَفَنِ، اشْتَرُوا لِي ثَوْبَيْنِ نَقِيَّيْنِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا تَحْسِينٌ لِلْكَفَنِ: وَإِنَّمَا كَرِهَ الْمُغَالَاةَ فَقَطْ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّهُ قَالَ لِأَنَسٍ، وَابْنِ عُمَرَ وَلِغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْمِلُونِي عَلَى قَطِيفَةٍ قَيْصُرَانِيَّةٍ، وَأَجْمِرُوا عَلَيَّ أُوقِيَّةَ مِجْمَرٍ وَكَفِّنُونِي فِي ثِيَابِي الَّتِي أُصَلِّي فِيهَا، وَفِي قُبْطِيَّةٍ فِي الْبَيْتِ مَعَهَا؟ وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي أَنْ يُغْسَلَ الثَّوْبُ الَّذِي عَلَيْهِ وَيُكَفَّنَ فِيهِ وَفِي ثَوْبَيْنِ آخَرَيْنِ -: تَحْسِينٌ لِلْكَفَنِ، وَحَتَّى لَوْ كَانَ خِلَافٌ لَوَجَبَ الرَّدُّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [مَسْأَلَةٌ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُكَفَّنْ حَتَّى دُفِنَ] 559 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَا كُفِّنَ حَتَّى دُفِنَ: وَجَبَ إخْرَاجُهُ حَتَّى يُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ وَلَا بُدَّ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَمَا أُدْخِلَ فِي حُفْرَتِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ،
مسألة الدفن ليلا
فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتِهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصًا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْغُسْلِ وَالْكَفَنِ لَيْسَ مَحْدُودًا بِوَقْتٍ، فَهُوَ فَرْضٌ أَبَدًا، وَإِنْ تَقَطَّعَ الْمَيِّتُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَقَطُّعِهِ بِالْبِلَى وَبَيْنَ تَقَطُّعِهِ بِالْجِرَاحِ، وَالْجُدَرِيِّ، لَا يَمْنَعُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ؟ [مَسْأَلَةٌ الدّفن لَيْلًا] 560 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُدْفَنَ أَحَدٌ لَيْلًا إلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ وَلَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَلَا حِينَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ حَتَّى تَأْخُذَ فِي الزَّوَالِ، وَلَا حِينَ ابْتِدَاءِ أَخْذِهَا فِي الْغُرُوبِ، وَيَتَّصِلُ ذَلِكَ بِاللَّيْلِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، وَالصَّلَاةُ جَائِزَةٌ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَزَجَرَ أَنْ يُقْبَرَ إنْسَانٌ لَيْلًا إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَى ذَلِكَ» ؟ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ مَنْ دُفِنَ لَيْلًا مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَمِنْ أَزْوَاجِهِ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ ، مِنْ خَوْفِ زِحَامٍ، أَوْ خَوْفِ الْحَرِّ عَلَى مَنْ حَضَرَ، وَحَرُّ الْمَدِينَةِ شَدِيدٌ، أَوْ خَوْفِ تَغَيُّرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُبِيحُ الدَّفْنَ لَيْلًا، لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَظُنَّ بِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - خِلَافَ ذَلِكَ؟ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ثنا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّهُ كَرِهَ الدَّفْنَ لَيْلًا؟ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْت عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ
مسألة الصلاة على موتى المسلمين
رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى أَنْ نُصَلِّيَ فِيهَا أَوْ أَنْ نُقْبِرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تُضَيِّفُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ إنَّمَا هِيَ التَّطَوُّعُ الْمُتَعَمَّدُ ابْتِدَاؤُهُ قَصْدًا إلَيْهِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ صَلَاةِ فَرْضٍ مَقْضِيَّةٍ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهُوَ يَذْكُرُهَا فَقَطْ، لَا كُلُّ صَلَاةٍ مَأْمُورٍ بِهَا أَوْ مَنْدُوبٍ إلَيْهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ عَلَى مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ] 561 - مَسْأَلَةٌ: وَالصَّلَاةُ عَلَى مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ: فَرْضٌ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ أَنَا أَبُو دَاوُد هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - ثنا شُعْبَةُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَإِنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ؟ فَهَذَا أَمْرٌ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ عُمُومًا. وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْغَالِّ؟ 562 - مَسْأَلَةٌ: حَاشَا الْمَقْتُولِ بِأَيْدِي الْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْمَعْرَكَةِ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُكَفَّنُ، لَكِنْ يُدْفَنُ بِدَمِهِ وَثِيَابِهِ، إلَّا أَنَّهُ يُنْزَعُ عَنْهُ السِّلَاحُ فَقَطْ، وَإِنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ: فَحَسَنٌ، وَإِنْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ: فَحَسَنٌ، فَإِنْ حُمِلَ عَنْ الْمَعْرَكَةِ وَهُوَ حَيٌّ فَمَاتَ: غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ ذَكَرَ قَتْلَى أُحُدٍ وَقَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ» . وَبِهِ أَيْضًا إلَى اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى
مسألة إعماق حفير القبر
الْمَيِّتِ، ثُمَّ أَنْصَرَفَ إلَى الْمِنْبَرِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَخَرَجَ هَؤُلَاءِ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْكَفَنِ، وَالْغُسْلِ، وَالصَّلَاةِ - وَبَقِيَ سَائِرُ مَنْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ، أَوْ بَاغٍ، أَوْ مُحَارِبٌ، أَوْ رُفِعَ عَنْ الْمَعْرَكَةِ حَيًّا - عَلَى حُكْمِ سَائِرِ الْمَوْتَى، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ أَحَدُ الْأَثَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِلْآخَرِ، بَلْ كِلَاهُمَا حَقٌّ مُبَاحٌ، وَلَيْسَ هَذَا مَكَانَ نَسْخٍ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُمَا مَعًا مُمْكِنٌ فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ الْمَبْطُونَ، وَالْمَطْعُونَ، وَالْغَرِيقَ، وَالْحَرِيقَ، وَصَاحِبَ ذَاتِ الْجَنْبِ، وَصَاحِبَ الْهَدَمِ، وَالْمَرْأَةَ تَمُوتُ بِجُمْعٍ -: شُهَدَاءُ كُلُّهُمْ» . وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَفَّنَ فِي حَيَاتِهِ، وَغَسَّلَ مَنْ مَاتَ فِيهِمْ مِنْ هَؤُلَاءِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَدْ كَانَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: شُهَدَاءَ، فَغُسِّلُوا، وَكُفِّنُوا وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ؟ وَلَا يَصِحُّ فِي تَرْكِ الْمَجْلُودِ أَثَرٌ؛ لِأَنَّ رَاوِيهِ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؟ [مَسْأَلَةٌ إعْمَاقُ حَفِيرِ الْقَبْرِ] 563 - مَسْأَلَةٌ: وَإِعْمَاقُ حَفِيرِ الْقَبْرِ: فَرْضٌ، وَدَفْنُ الْمُسْلِمِ: فَرْضٌ وَجَائِزٌ دَفْنُ الِاثْنَيْنِ، وَالثَّلَاثَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَيُقَدَّمُ أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ثنا أَبِي قَالَ: سَمِعْت حُمَيْدًا هُوَ ابْنُ هِلَالٍ - عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مَنْ أُصِيبَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَأَصَابَ النَّاسَ جِرَاحَاتٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ، وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا»
مسألة دفن الكافر
وَبِهِ إلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ ثنا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ «شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إنْسَانٍ: شَدِيدٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» فَلَمْ يَعْذُرْهُمْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْإِعْمَاقِ فِي الْحَفْرِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ» [مَسْأَلَةٌ دَفْنُ الْكَافِرِ] 564 - مَسْأَلَةٌ: وَدَفْنُ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ وَغَيْرِهِ: فَرْضٌ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ سَمِعَ رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ» . وَقَدْ صَحَّ نَهْيُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ الْمُثْلَةِ. وَتَرْكُ الْإِنْسَانِ لَا يُدْفَنُ: مُثْلَةٌ. وَصَحَّ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ إذْ قَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ بِأَنْ تُحْفَرَ خَنَادِقُ وَيُلْقَوْا فِيهَا» -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ الْقَطَّانِ - عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ عَمَّكَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ فَمَنْ يُوَارِيهِ؟ قَالَ: اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ -
مسألة أفضل الكفن للمسلم
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي سِنَانٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: رَجُلٌ فِينَا مَاتَ نَصْرَانِيًّا وَتَرَكَ ابْنَهُ؟ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ وَيَدْفِنَهُ قَالَ سُفْيَانُ: وَسَمِعْت حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يُحَدِّثُ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ أُمَّ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ مَاتَتْ وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ، فَشَيَّعَهَا أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [مَسْأَلَةٌ أَفْضَلُ الْكَفَنِ لِلْمُسْلِمِ] 565 - مَسْأَلَةٌ: وَأَفْضَلُ الْكَفَنِ لِلْمُسْلِمِ: ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ بِيضٍ لِلرَّجُلِ، يُلَفُّ فِيهَا، لَا يَكُونُ فِيهَا قَمِيصٌ، وَلَا عِمَامَةٌ، وَلَا سَرَاوِيلُ، وَلَا قُطْنٌ. وَالْمَرْأَةُ كَذَلِكَ، وَثَوْبَانِ زَائِدَانِ. فَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ لَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لِلِاثْنَيْنِ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ: أُدْرِجَا فِيهِ جَمِيعًا. وَإِنْ كُفِّنَ الرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا حَرَجَ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ، «كُفِّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا تَخَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ إلَّا أَفْضَلَ الْأَحْوَالِ؟ وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ؟ وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ، وَقَالَ لَهُ: آذِنِّي أُصَلِّ عَلَيْهِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ثنا أَبِي عَنْ الْأَعْمَشِ ثنا شَقِيقٌ ثنا خَبَّابٌ قَالَ «هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ
إلَّا بُرْدَةً، إذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِرِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَكَذَا يَجِبُ أَنْ يُكَفَّنَ مَنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ لَا يَعُمُّهُ كُلَّهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَهُنَا حَدِيثٌ وَهَمَ فِيهِ رَاوِيهِ -: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ هُوَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ - عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفِّنَ فِي سَبْعَةِ أَثْوَابٍ» . وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى، أَوْ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ -: فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ الْخَبَرَ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ قَالَ: سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ، وَكَفِّنُوا فِيهِ مَوْتَاكُمْ» . قُلْنَا: هَذَا لَيْسَ فَرْضًا، لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَبِسَ حُلَّةً حَمْرَاءَ وَشَمْلَةً سَوْدَاءَ -: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ هُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ - عَنْ زَيْدٍ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ - أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قِيلَ لَهُ «لِمَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ؟ قَالَ: إنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْبُغُ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْهَا، وَكَانَ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ قَالَ «قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَيُّ الثِّيَابِ كَانَ أَحَبَّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ الْحِبَرَةُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَحِلُّ أَنْ يُتْرَكَ حَدِيثٌ لِحَدِيثٍ، بَلْ كُلُّهَا حَقٌّ، فَصَحَّ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْبَيَاضِ نَدْبٌ؟ وَبِاخْتِيَارِنَا هَذَا يَقُولُ جُمْهُورُ السَّلَفِ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ لَهَا فِي حَدِيثٍ " فِيمَ كَفَّنْتُمُوهُ؟ - يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: اُنْظُرُوا ثَوْبِي هَذَا فَاغْسِلُوهُ، وَبِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ أَوْ مِشْقٍ وَاجْعَلُوا مَعَهُ ثَوْبَيْنِ آخَرَيْنِ ". وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُفِّنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ: ثَوْبَيْنِ سُحُولِيَّيْنِ، وَثَوْبٍ كَانَ يَلْبَسُهُ «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ لِأَهْلِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ لَا تُقَمِّصُونِي وَلَا تُعَمِّمُونِي فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُقَمَّصْ وَلَمْ يُعَمَّمْ» . وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: لَا يُعَمَّمُ الْمَيِّتُ وَلَا يُؤَزَّرُ وَلَا يُرَدَّى لَكِنْ يُلَفُّ فِيهَا لَفًّا. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ يُكَفِّنُ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِهِ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ لَيْسَ فِيهَا عِمَامَةٌ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَصْحَابِهِمْ. وَهَكَذَا كُفِّنَ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ، وَقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَفْتَى بِذَلِكَ الْخُشَنِيُّ، وَغَيْرُهُ مِمَّنْ حَضَرَ؟ وَأَمَّا كَفَنُ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «تُوُفِّيَتْ إحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجَ فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ
مسألة مات وعليه دين يستغرق كل ما ترك
كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي؟ قَالَتْ فَلَمَّا فَرَغْنَ آذَنَّاهُ فَأَلْقَى إلَيْنَا حِقْوَهُ وَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إيَّاهُ» . وَرُوِّينَا عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: تُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ: دِرْعٍ، وَخِمَارٍ، وَثَلَاثِ لَفَائِفَ وَعَنْ النَّخَعِيِّ: تُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ: دِرْعٍ، وَخِمَارٍ، وَلِفَافَةٍ، وَمِنْطَقَةٍ، وَرِدَاءٍ وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ: تُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ: دِرْعٍ، وَخِمَارٍ، وَلِفَافَتَيْنِ وَخِرْقَةٍ؟ وَعَنْ الشَّعْبِيِّ تُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، وَالرَّجُلُ فِي ثَلَاثَةٍ؟ [مَسْأَلَةٌ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ كُلَّ مَا تَرَكَ] 566 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ كُلَّ مَا تَرَكَ: فَكُلُّ مَا تَرَكَ لِلْغُرَمَاءِ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ كَفَنُهُ دُونَ سَائِرِ مَنْ حَضَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ مِيرَاثًا وَلَا وَصِيَّةً إلَّا فِيمَا يُخَلِّفُهُ الْمَرْءُ بَعْدَ دَيْنِهِ، فَصَحَّ أَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ، وَأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي مِقْدَارِ دَيْنِهِ مِمَّا يَتَخَلَّفُهُ، فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَحَقُّ تَكْفِينِهِ - إذَا لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا - وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ حَضَرَ مِنْ غَرِيمٍ، أَوْ غَيْرِ غَرِيمٍ. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ وَلِيَ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ» . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ بِإِسْنَادِهِ.
مسألة صفة غسل الميت
فَكُلُّ مَنْ وَلِيَهُ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِحْسَانِ كَفَنِهِ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُخَصَّ بِذَلِكَ الْغُرَمَاءُ دُونَ غَيْرِهِمْ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِهِ؟ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَالْكَفَنُ مُقَدَّمٌ فِيهِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ -: لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَفَّنَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي بُرْدَةٍ لَهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا غَيْرَهَا، فَلَمْ يَجْعَلْهَا لِوَارِثِهِ» 567 - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فَمَنْ قَامَ بِهِ سَقَطَ عَنْ سَائِرِ النَّاسِ، كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَلِأَنَّ تَكْلِيفَ مَا عَدَا هَذَا دَاخِلٌ فِي الْحَرَجِ وَالْمُمْتَنِعِ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] [مَسْأَلَةٌ صِفَةُ غُسْل الْمَيِّتِ] 568 - مَسْأَلَةٌ: وَصِفَةُ الْغُسْلِ أَنْ يَغْسِلَ جَمِيعَ جَسَدِ الْمَيِّتِ وَرَأْسَهُ بِمَاءٍ قَدْ رُمِيَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ سِدْرٍ وَلَا بُدَّ، إنْ وُجِدَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَبِالْمَاءِ وَحْدَهُ -: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَا بُدَّ، يُبْتَدَأُ بِالْمَيَامِنِ، وَيُوَضَّأُ -: فَإِنْ أَحَبُّوا الزِّيَادَةَ فَعَلَى الْوِتْرِ أَبَدًا: إمَّا ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، وَإِمَّا خَمْسُ مَرَّاتٍ، وَإِمَّا سَبْعُ مَرَّاتٍ وَيَجْعَلُ فِي آخِرِ غَسَلَاتِهِ - إنْ غُسِّلَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ - شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ وَلَا بُدَّ فَرْضًا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَلَا حَرَجَ، لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ كُلِّهِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ «دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ «أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ لَمَّا غَسَّلْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَنَا: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَبِمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ» . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . وَقَالَ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7] فَصَحَّ أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ تَعَالَى سِدْرًا وَلَا كَافُورًا فَلَمْ يُكَلِّفْهُ إيَّاهُمَا -: رُوِّينَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: يُغَسَّلُ الْمَيِّتُ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، كُلُّهُنَّ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، فِي كُلِّهِنَّ يُغْسَلُ رَأْسُهُ وَجَسَدُهُ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَقُلْت لَهُ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ سِدْرٌ فَخَطْمِيٌّ؟ قَالَ: لَا، سَيُوجَدُ السِّدْرُ. وَرَأَى الْوَاحِدَةَ تُجْزِئُ، وَهَذَا رَأْيٌ مِنْهُ؟ وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ: غُسْلُ الْمَيِّتِ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمَ: يُغَسَّلُ الْمَيِّتُ وِتْرًا. وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ: يُغَسَّلُ مَرَّتَيْنِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَالثَّالِثَةَ بِمَاءٍ فِيهِ كَافُورٌ. وَالْمَرْأَةُ أَيْضًا كَذَلِكَ. وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: الْمَيِّتُ يُغَسَّلُ بِمَاءٍ، ثُمَّ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، ثُمَّ بِمَاءٍ وَكَافُورٍ. وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ: الْمَيِّتُ يُوَضَّأُ كَمَا يُوَضَّأُ الْحَيُّ يُبْدَأُ بِمَيَامِنِهِ. وَعَنْ قَتَادَةَ يُبْدَأُ بِمَيَامِنِ الْمَيِّتِ، يَعْنِي فِي الْغُسْلِ؟
مسألة عدم الماء عند إرادة غسل الميت
[مَسْأَلَةٌ عُدِمَ الْمَاءُ عِنْد إرَادَة غَسَلَ الْمَيِّت] مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ عُدِمَ الْمَاءُ يُمِّمَ الْمَيِّتُ وَلَا بُدَّ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ» . [مَسْأَلَةٌ تَكْفِينُ الرَّجُلِ فِيمَا لَا يَحِلُّ لِبَاسُهُ] 570 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ تَكْفِينُ الرَّجُلِ فِيمَا لَا يَحِلُّ لِبَاسُهُ، مِنْ حَرِيرٍ، أَوْ مُذَهَّبٍ، أَوْ مُعَصْفَرٍ. وَجَائِزٌ تَكْفِينُ الْمَرْأَةِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، لِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ «قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَرِيرِ، وَالذَّهَبِ إنَّهُمَا حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهَا» . وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُعَصْفَرِ: إذْ نَهَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الرِّجَالَ عَنْهُ؟ [مَسْأَلَةٌ كَفَنُ الْمَرْأَةِ وَحَفْرُ قَبْرِهَا مِنْ رَأْسِ مَالِهَا] 571 - مَسْأَلَةٌ: وَكَفَنُ الْمَرْأَةِ وَحَفْرُ قَبْرِهَا مِنْ رَأْسِ مَالِهَا، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ زَوْجَهَا، لِأَنَّ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ مَحْظُورَةٌ إلَّا بِنَصِّ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» . وَإِنَّمَا أَوْجَبَ تَعَالَى عَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةَ، وَالْكِسْوَةَ، وَالْإِسْكَانَ، وَلَا يُسَمَّى فِي اللُّغَةِ الَّتِي خَاطَبَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهَا الْكَفَنُ: كِسْوَةً، وَلَا الْقَبْرُ: إسْكَانًا [مَسْأَلَةٌ الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّتِ] 572 - مَسْأَلَةٌ: وَيُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ بِإِمَامٍ يَقِفُ وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ صُفُوفٌ، وَيَقِفُ مِنْ الرَّجُلِ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَمِنْ الْمَرْأَةِ عِنْدَ وَسَطِهَا. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسَدَّدٌ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّجَاشِيِّ فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي، أَوْ الثَّالِثِ» . وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا صَلَاةُ قِيَامٍ، لَا رُكُوعَ فِيهَا، وَلَا سُجُودَ، وَلَا قُعُودَ، وَلَا تَشَهُّدَ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ «صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَلَّى عَلَى أُمِّ كَعْبٍ، مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي
الصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَسَطَهَا» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُسَدَّدٍ ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ بِإِسْنَادِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَالْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ كُلُّهُمْ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ بِإِسْنَادِهِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا دَاوُد بْنُ مُعَاذٍ ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ «عَنْ نَافِعٍ أَبِي غَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ عَلَى جِنَازَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ بِنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَنَا خَلْفَهُ، فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، لَمْ يُطِلْ وَلَمْ يُسْرِعْ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقْعُدُ فَقَالُوا: يَا أَبَا حَمْزَةَ، الْمَرْأَةُ الْأَنْصَارِيَّةُ؟ فَقَرَّبُوهَا وَعَلَيْهَا نَعْشٌ أَخْضَرُ، فَقَامَ عِنْدَ عَجِيزَتِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا نَحْوَ صَلَاتِهِ عَلَى الرَّجُلِ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ كَصَلَاتِكَ، يُكَبِّرُ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، وَيَقُومُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ، وَعَجِيزَةِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِي غَالِبٍ، فَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ هَذَا، وَفِي آخِرِهِ -: أَنَّ الْعَلَاءَ بْنَ زِيَادٍ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: احْفَظُوا؟ فَدَلَّ هَذَا عَلَى مُوَافَقَةِ كُلِّ مَنْ حَضَرَ لَهُ، وَهُمْ تَابِعُونَ كُلُّهُمْ. وَبِهَذَا يَأْخُذُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَدَاوُد، وَأَصْحَابُهُمْ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، بِخِلَافِ هَذَا، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً إلَّا دَعْوَى فَاسِدَةً، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ إذْ لَمْ تَكُنْ النُّعُوشُ وَهَذَا كَذِبٌ مِمَّنْ قَالَهُ؛ لِأَنَّ أَنَسًا صَلَّى كَذَلِكَ وَالْمَرْأَةُ فِي نَعْشٍ أَخْضَرَ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَمَا يَقُومُ الْإِمَامُ مُوَازٍ وَسَطَ الصَّفِّ خَلْفَهُ كَذَلِكَ يَقُومُ مُوَازٍ وَسَطَ الْجِنَازَةِ؟ فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا بَاطِلٌ، وَقِيَاسٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إمَامُ الصَّفِّ، وَلَيْسَ إمَامًا لِلْجِنَازَةِ، وَلَا مَأْمُومًا لَهَا، وَاَلَّذِي اقْتَدَيْنَا بِهِ فِي وُقُوفِهِ إزَاءَ وَسَطِ الصَّفِّ هُوَ الَّذِي اقْتَدَيْنَا بِهِ إزَاءَ وَسَطِ
مسألة التكبير على الجنازة
الْمَرْأَةِ، وَإِزَاءَ رَأْسِ الرَّجُلِ، وَهُوَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، الَّذِي لَا يَحِلُّ خِلَافُ حُكْمِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ التَّكْبِير عَلَى الْجِنَازَةِ] 573 - مَسْأَلَةٌ: وَيُكَبِّرُ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُونَ بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ عَلَى الْجِنَازَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ، لَا أَكْثَرَ، فَإِنْ كَبَّرُوا أَرْبَعًا فَحَسَنٌ، وَلَا أَقَلَّ، وَلَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ فَقَطْ، فَإِذَا انْقَضَى التَّكْبِيرُ الْمَذْكُورُ سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ وَسَلَّمُوا كَذَلِكَ، فَإِنْ كَبَّرَ سَبْعًا كَرِهْنَاهُ وَاتَّبَعْنَاهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَبَّرَ ثَلَاثًا، فَإِنْ كَبَّرَ أَكْثَرَ لَمْ نَتَّبِعْهُ، وَإِنْ كَبَّرَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَمْ نُسَلِّمْ بِسَلَامِهِ، بَلْ أَكْمَلْنَا التَّكْبِيرَ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ «عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَأَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُهَا» . وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَبَّرَ أَيْضًا أَرْبَعًا، كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ " «جَمَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فَاسْتَشَارَهُمْ فِي التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ، فَقَالُوا: كَبَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْعًا وَخَمْسًا وَأَرْبَعًا، فَجَمَعَهُمْ عُمَرُ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ كَأَطْوَلِ الصَّلَاةِ» . وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ فَذَكَرَهُ. قَالُوا: فَهَذَا إجْمَاعٌ، فَلَا يَجُوزُ خِلَافُهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، أَوَّلَ ذَلِكَ -: أَنَّ الْخَبَرَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا عُمَرُ بْنُ شَقِيقٍ فَلَا يُدْرَى فِي الْعَالَمِ مَنْ هُوَ وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَسْتَشِيرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي إحْدَاثِ فَرِيضَةٍ بِخِلَافِ مَا فَعَلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لِلْمَنْعِ مِنْ بَعْضِ مَا فَعَلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَمَاتَ وَهُوَ مُبَاحٌ، فَيُحَرِّمُ بَعْدَهُ، لَا يَظُنُّ هَذَا بِعُمَرَ إلَّا جَاهِلٌ بِمَحَلِّ عُمَرَ مِنْ الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ، طَاعِنٌ عَلَى السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؟ وَذَكَرُوا أَيْضًا مَا حَدَّثَنَاهُ حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ثنا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ، أَرْبَعًا وَخَمْسًا، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى أَرْبَعٍ، يَعْنِي التَّكْبِيرَ عَلَى الْجِنَازَةِ؟ وَبِهِ إلَى شُعْبَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، فَصَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، فَكَبَّرَ عَلَيْهَا خَمْسًا، فَضَحِكُوا مِنْهُ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، قَدْ كُنَّا نُكَبِّرُ أَرْبَعًا، وَخَمْسًا، وَسِتًّا، وَسَبْعًا، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى أَرْبَعٍ؟ وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ نَحْوَهُ -: وَمِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ: أَرْبَعٌ، وَخَمْسٌ يَعْنِي التَّكْبِيرَ عَلَى الْجِنَازَةِ. قَالَ سَعِيدٌ: فَأَمَرَ عُمَرُ النَّاسَ بِأَرْبَعٍ؟ قَالُوا: فَهَذَا إجْمَاعٌ؟ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا الْكَذِبُ؟ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ لَمْ يُدْرِكْ ابْنَ مَسْعُودٍ. وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَسَعِيدٌ لَمْ يَحْفَظْ مِنْ عُمَرَ إلَّا نَعْيَهُ النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَطْ، فَكُلُّ ذَلِكَ مُنْقَطِعٌ أَوْ ضَعِيفٌ؟
وَلَوْ صَحَّ، لَكَانَ مَا رَوَوْهُ مِنْ ذَلِكَ مُكَذِّبًا لِدَعْوَاهُمْ فِي الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ مُعَاذٍ الْمَذْكُورَ كَبَّرَ خَمْسًا، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ كَبَّرَ بَعْدَ عُمَرَ خَمْسًا -: حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ صَلَّى عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ سِتًّا، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَيْنَا فَقَالَ: إنَّهُ بَدْرِيٌّ؟ قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَقَدِمَ عَلْقَمَةُ مِنْ الشَّامِ فَقَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّ إخْوَانَك بِالشَّامِ يُكَبِّرُونَ عَلَى جَنَائِزِهِمْ خَمْسًا، فَلَوْ وَقَّتُّمْ لَنَا وَقْتًا نُتَابِعُكُمْ عَلَيْهِ؟ فَأَطْرَقَ عَبْدُ اللَّهِ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: اُنْظُرُوا جَنَائِزَكُمْ، فَكَبِّرُوا عَلَيْهَا مَا كَبَّرَ أَئِمَّتُكُمْ، لَا وَقْتَ وَلَا عَدَدَ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ابْنُ مَسْعُودٍ مَاتَ فِي حَيَاةِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فَإِنَّمَا ذَكَرَ لَهُ عَلْقَمَةُ مَا ذَكَرَ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - الَّذِينَ بِالشَّامِ، وَهَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّعْبِيَّ أَدْرَكَ عَلْقَمَةَ وَأَخَذَ عَنْهُ وَسَمِعَ مِنْهُ -: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَلْعَدَانَ - فَخْذٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ - فَكَبَّرَ عَلَيْهِ خَمْسًا؟ وَبِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّ عَلِيًّا كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ خَمْسًا؟ وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ عَلَى الْجِنَازَةِ ثَلَاثًا. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا مَعْبَدٍ يَقُولُ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُكَبِّرُ عَلَى الْجِنَازَةِ ثَلَاثًا. وَهَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَخْبَرَنِي شَيْبَةُ بْنُ أَيْمَنَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ ثَلَاثًا؟ وَبِهِ إلَى حَمَّادٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّهُ قِيلَ لِأَنَسٍ: إنَّ فُلَانًا كَبَّرَ ثَلَاثًا، يَعْنِي عَلَى جِنَازَةٍ؟ فَقَالَ أَنَسٌ: وَهَلْ التَّكْبِيرُ إلَّا ثَلَاثًا؟ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: إنَّمَا كَانَ التَّكْبِيرُ ثَلَاثًا فَزَادُوا وَاحِدَةً يَعْنِي عَلَى الْجِنَازَةِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَبِي الْحَلَالِ الْعَتَكِيِّ أَنَّ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ أَبَا الشَّعْثَاءِ أَمَرَ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ أَنْ يُكَبِّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ ثَلَاثًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أُفٍّ لِكُلِّ إجْمَاعٍ يُخْرَجُ عَنْهُ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَالصَّحَابَةُ بِالشَّامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ثُمَّ التَّابِعُونَ بِالشَّامِ، وَابْنُ سِيرِينَ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَيَدَّعِي الْإِجْمَاعَ بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ بِأَسَانِيدَ وَاهِيَةٍ، فَمَنْ أَجْهَلُ مِمَّنْ هَذِهِ سَبِيلُهُ؟ فَمَنْ أَخْسَرُ صَفْقَةً مِمَّنْ يَدْخُلُ فِي عَقْلِهِ أَنَّ إجْمَاعًا عَرَفَهُ -: أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَخَفِيَ عِلْمُهُ عَلَى -: عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، حَتَّى خَالَفُوا الْإِجْمَاعَ؟ حَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا؟ وَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ أَنَّ عُمَرَ كَبَّرَ أَرْبَعًا، وَعَلِيًّا كَبَّرَ عَلَى ابْنِ الْمُكَفِّفِ أَرْبَعًا، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَبَّرَ عَلَى أُمِّهِ أَرْبَعًا، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى كَبَّرَ عَلَى ابْنَتِهِ أَرْبَعًا، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ كَبَّرَ أَرْبَعًا، وَأَنَسًا كَبَّرَ أَرْبَعًا -: فَكُلُّ هَذَا حَقٌّ وَصَوَابٌ، وَلَيْسَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَحَدٌ صَحَّ عَنْهُ إنْكَارُ تَكْبِيرِ خَمْسٍ أَصْلًا،
وَحَتَّى لَوْ وُجِدَ لَكَانَ مُعَارِضًا لَهُ قَوْلُ مَنْ أَجَازَهَا، وَوَجَبَ الرُّجُوعُ حِينَئِذٍ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّدَّ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ، مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَبَّرَ خَمْسًا وَأَرْبَعًا، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ أَحَدِ عَمَلَيْهِ لِلْآخَرِ وَلَمْ نَجِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ تَكْبِيرًا أَكْثَرَ مِنْ سَبْعٍ، وَلَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، فَمَنْ زَادَ عَلَى خَمْسٍ وَبَلَغَ سِتًّا أَوْ سَبْعًا فَقَدْ عَمِلَ عَمَلًا لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطُّ، فَكَرِهْنَاهُ لِذَلِكَ، وَلَمْ يَنْهَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْهُ فَلَمْ نَقُلْ: بِتَحْرِيمِهِ لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ: فِيمَنْ كَبَّرَ ثَلَاثًا؟ وَأَمَّا مَا دُونَ الثَّلَاثِ وَفَوْقَ السَّبْعِ فَلَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَلِمْنَا أَحَدًا قَالَ بِهِ، فَهُوَ تَكَلُّفٌ، وَقَدْ نُهِينَا أَنْ نَكُونَ مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ، إلَّا حَدِيثًا سَاقِطًا وَجَبَ أَنْ نُنَبِّهَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ، وَهُوَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعِينَ صَلَاةً» وَهَذَا بَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ وَأَمَّا رَفْعُ الْأَيْدِي فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ رَفَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ تَكْبِيرِ الْجِنَازَةِ إلَّا فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ فَقَطْ، فَلَا يَجُوزُ فِعْلُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ عَمَلٌ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ، وَإِنَّمَا جَاءَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أَنَّهُ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، وَلَيْسَ فِيهَا رَفْعٌ وَلَا خَفْضٌ؟ وَالْعَجَبُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: بِرَفْعِ الْأَيْدِي فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلَمْ يَأْتِ قَطُّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْعِهِ مِنْ رَفْعِ الْأَيْدِي فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَّا التَّسْلِيمَتَانِ فَهِيَ صَلَاةٌ، وَتَحْلِيلُ الصَّلَاةِ: التَّسْلِيمُ، وَالتَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ ذِكْرٌ وَفِعْلُ خَيْرٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. 574 - مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا كَبَّرَ الْأُولَى قَرَأَ (أُمَّ الْقُرْآنِ) وَلَا بُدَّ، وَصَلَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ دَعَا لِلْمُسْلِمِينَ فَحَسَنٌ، ثُمَّ يَدْعُو لِلْمَيِّتِ فِي بَاقِي الصَّلَاةِ؟ أَمَّا قِرَاءَةُ (أُمِّ الْقُرْآنِ) فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمَّاهَا صَلَاةً بِقَوْلِهِ «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» .
وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ثنا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ سَعْدٍ هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ " صَلَّيْت خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جِنَازَةٍ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ ". وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ سُوَيْدٍ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ الضَّحَّاكُ، وَأَبُو أُمَامَةَ: السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّكْبِيرِ مُخَافَتَةً، ثُمَّ يُكَبِّرَ، وَالتَّسْلِيمُ عِنْدَ الْآخِرَةِ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ عَلَى الْجِنَازَةِ بِ أُمِّ الْكِتَابِ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: يَقْرَأُ مَا بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ: فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ: أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ فَقَرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً قَصِيرَةً، رَفَعَ بِهِمَا صَوْتَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: لَا أَجْهَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَّلَاةُ عَجْمَاءَ، وَلَكِنِّي أَرَدْت أَنْ أُعَلِّمَكُمْ أَنَّ فِيهَا قِرَاءَةً. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَرَأَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرُ: الْمُخَافَتَةَ لَيْسَتْ فَرْضًا. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَدْعُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ بَعْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ فِي الْجِنَازَةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُونَ وَيَنْصَرِفُونَ وَلَا يَقْرَءُونَ. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ: سَمِعْت أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ يُحَدِّثُ
سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ أَنْ تُكَبِّرَ، ثُمَّ تَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ تُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ تُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، وَلَا تَقْرَأُ إلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، ثُمَّ يُسَلِّمُ فِي نَفْسِهِ عَنْ يَمِينِهِ. وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ: قَالَ لِي ابْنُ شِهَابٍ: الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الصَّلَاةِ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى؟ وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ: يُكَبِّرُ ثُمَّ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ ذَكَرَ دُعَاءً. وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ؟ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِيهَا بِأَنْ قَالُوا: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا حَدِيثٌ سَاقِطٌ، مَا رُوِيَ قَطُّ مِنْ طَرِيقٍ يُشْتَغَلُ بِهَا ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا مَنَعَ مِنْ الْقِرَاءَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إخْلَاصِ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ نَهْيٌ عَنْ الْقِرَاءَةِ، وَنَحْنُ نُخْلِصُ لَهُ الدُّعَاءَ وَنَقْرَأُ كَمَا أُمِرْنَا؟ وَقَالُوا: قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ؟ فَذَكَرَ دُعَاءً وَلَمْ يَذْكُرْ قِرَاءَةً وَعَنْ فُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ: أَنَّهُ سُئِلَ: أَيَقْرَأُ فِي الْجِنَازَةِ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَا. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَقُلْنَا - لَيْسَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ
وَنَعَمْ، نَحْنُ نَقُولُ: لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَلَا يَصِحُّ خِلَافٌ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ مَنْ صَرَّحَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، كَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرِ، وَالضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ، لَا سِيَّمَا وَأَبُو هُرَيْرَةَ لَمْ يَذْكُرْ تَكْبِيرًا وَلَا تَسْلِيمًا. فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ بِهِ مُتَعَلَّقٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الْجِنَازَةِ، فَكَيْفَ وَلَوْ صَحَّ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ؟ لَوَجَبَ الرَّدُّ عِنْدَ تَنَازُعِهِمْ إلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالرَّدِّ إلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» وَقَالُوا: لَعَلَّ هَؤُلَاءِ قَرَءُوهَا عَلَى أَنَّهُ دُعَاءٌ فَقُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمْ ثَبَتَ عَنْهُمْ الْأَمْرُ بِقِرَاءَتِهَا، وَأَنَّهَا سُنَّتُهَا، فَقَوْلُ مَنْ قَالَ: لَعَلَّهُمْ قَرَءُوهَا عَلَى أَنَّهَا دُعَاءٌ -: كَذِبٌ بَحْتٌ؟ ثُمَّ لَا نَدْرِي مَا الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ قِرَاءَتِهَا حَتَّى يَتَقَحَّمُوا فِي الْكَذِبِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الضَّعِيفَةِ؟ وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ، وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهَا صَلَاةٌ، وَيُوجِبُونَ فِيهَا: التَّكْبِيرَ، وَاسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ، وَالْإِمَامَةَ لِلرِّجَالِ، وَالطَّهَارَةَ، وَالسَّلَامَ، ثُمَّ يُسْقِطُونَ الْقِرَاءَةَ فَإِنْ قَالُوا: لَمَّا سَقَطَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَالْجُلُوسُ: سَقَطَتْ الْقِرَاءَةُ؟ قُلْنَا: وَمِنْ أَيْنَ يُوجَبُ هَذَا الْقِيَاسُ دُونَ قِيَاسِ الْقِرَاءَةِ عَلَى التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ؟ بَلْ لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ لَكَانَ قِيَاسُ الْقِرَاءَةِ عَلَى التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ - لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ ذِكْرٌ بِاللِّسَانِ - أَوْلَى مِنْ قِيَاسِ الْقِرَاءَةِ عَلَى عَمَلِ الْجَسَدِ، وَلَكِنْ هَذَا عِلْمُهُمْ بِالْقِيَاسِ وَالسُّنَنِ؟ وَهُمْ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الْعَمَلِ بِالْمَدِينَةِ، وَهَهُنَا أَرَيْنَاهُمْ عَمَلَ الصَّحَابَةِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَخَالَفُوهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
مسألة الدعاء على الجنازة
[مَسْأَلَةٌ الدُّعَاء عَلَى الْجِنَازَةِ] مَسْأَلَةٌ: وَأَحَبُّ الدُّعَاءِ إلَيْنَا عَلَى الْجِنَازَةِ هُوَ مَا -: حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نَفِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَاعْفُ عَنْهُ وَعَافِهِ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ، وَثَلْجٍ، وَبَرَدٍ، وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَقِه فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَعَذَابَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ» . وَمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ الرَّقِّيُّ ثنا شُعَيْبٌ يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ - عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جِنَازَةٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا، وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا، وَأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا، وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ» . فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَلْيَقُلْ " اللَّهُمَّ أَلْحِقْهُ بِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِك " لِلْأَثَرِ الَّذِي صَحَّ أَنَّ الصِّغَارَ مَعَ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ. وَمَا دَعَا بِهِ فَحَسَنٌ؟ [مَسْأَلَةٌ اللَّحْد] 576 - مَسْأَلَةٌ: وَنَسْتَحِبُّ اللَّحْدَ، وَهُوَ الشَّقُّ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الْقَبْرِ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الضَّرِيحِ، وَهُوَ الشَّقُّ فِي وَسَطِ الْقَبْرِ. وَنَسْتَحِبُّ اللَّبِنَ أَنْ تُوضَعَ عَلَى فَتْحِ اللَّحْدِ، وَنَكْرَهُ الْخَشَبَ، وَالْقَصَبَ، وَالْحِجَارَةَ. وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ؟ -:
مسألة بناء القبر وتجصيصه
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمِسْوَرِيُّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ عَمِّهِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ أَبَاهُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ " أَلْحِدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " [مَسْأَلَةٌ بِنَاءُ الْقَبْرِ وَتَجْصِيصُهُ] 577 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُبْنَى الْقَبْرُ، وَلَا أَنْ يُجَصَّصَ، وَلَا أَنْ يُزَادَ عَلَى تُرَابِهِ شَيْءٌ، وَيُهْدَمُ كُلُّ ذَلِكَ، فَإِنْ بُنِيَ عَلَيْهِ بَيْتٌ أَوْ قَائِمٌ: لَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ نَقَشَ اسْمَهُ فِي حَجَرٍ: لَمْ نَكْرَهْ ذَلِكَ؟ -: رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ ثنا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ شُفَيٍّ حَدَّثَهُ قَالَ: «كُنَّا مَعَ فُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِأَرْضِ الرُّومِ بِرُودِسَ، فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَمَرَ فُضَالَةُ بِقَبْرِهِ فَسُوِّيَ، وَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا» -: وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ [ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ] عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ أَنْذَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِمَوْضِعِ قَبْرِهِ بِقَوْلِهِ «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» وَأَعْلَمَ أَنَّهُ فِي بَيْتِهِ بِذَلِكَ. وَلَمْ يُنْكِرْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَوْنَ الْقَبْرِ فِي بَيْتٍ، وَلَا نَهَى عَنْ بِنَاءٍ قَائِمٍ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ بِنَاءٍ عَلَى الْقَبْرِ: قُبَّةٍ فَقَطْ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْ الْحَسَنِ: كَانَ يَكْرَهُ أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ أَوْ تُطَيَّنَ أَوْ يُزَادَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ حَفِيرِهَا؟ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: تَسْوِيَةُ الْقُبُورِ مِنْ السُّنَّةِ؟ وَعَنْ عُثْمَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَمَرَ بِتَسْوِيَةِ الْقُبُورِ، وَأَنْ تُرْفَعَ مِنْ الْأَرْضِ شِبْرًا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ
مسألة الجلوس على القبر
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَقَطَ الْحَائِطُ الَّذِي عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسُتِرَ، ثُمَّ بُنِيَ، فَقُلْت لِلَّذِي سَتَرَهُ: ارْفَعْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ حَتَّى أَنْظُرَ إلَيْهِ، فَنَظَرْت إلَيْهِ، فَإِذَا عَلَيْهِ جَبُوبٌ وَرَمْلٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رَمْلِ الْعَرْصَةِ؟ حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ ثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ هَانِئٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: دَخَلْت عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْت: يَا أُمَّهُ، اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبَيْهِ فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ، لَا لَاطِئَةٍ وَلَا مُشْرِفَةٍ، مَبْطُوحَةً بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ، فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقَدَّمًا، وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَرِجْلَاهُ بَيْنَ كَتِفَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَأَيْت عُمَرَ عِنْدَ رِجْلَيْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. [مَسْأَلَةٌ الْجُلُوس عَلَى الْقَبْرِ] 578 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَيْنَ يَجْلِسُ: فَلْيَقِفْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ، وَلَوْ اسْتَوْفَزَ وَلَمْ يَقْعُدْ لَمْ يَبْنِ أَنَّهُ يُحْرَجُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» . وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، كِلَاهُمَا: عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّهْيَ عَنْ الْقُعُودِ عَلَى الْقَبْرِ: وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا بِيَسِيرٍ؟ وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا» .
مسألة المشي بين القبور
فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ سَالِمٍ الْبَرَّادِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَأَنْ أَطَأَ عَلَى رَضْفٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرٍ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ حَتَّى تَبْرُدَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَعَمَّدَ وَطْءَ قَبْرٍ لِي عَنْهُ مَنْدُوحَةٌ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ حَتَّى تَبْرُدَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرٍ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ. فَقَالَ قَائِلُونَ بِإِبَاحَةِ ذَلِكَ، وَحَمَلُوا الْجُلُوسَ الْمُتَوَعَّدَ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ لِلْغَائِطِ خَاصَّةً؟ وَهَذَا بَاطِلٌ بَحْتٌ لِوُجُوهٍ -: أَوَّلُهَا - أَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَصَرْفٌ لِكَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ وَجْهِهِ، وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا وَثَانِيهَا - أَنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ قَطْعًا، بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ: خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» . وَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ: أَنَّ الْقُعُودَ لِلْغَائِطِ لَا يَكُونُ هَكَذَا أَلْبَتَّةَ، وَمَا عَهِدْنَا قَطُّ أَحَدًا يَقْعُدُ عَلَى ثِيَابِهِ لِلْغَائِطِ إلَّا مَنْ لَا صِحَّةَ لِدِمَاغِهِ؟ وَثَالِثُهَا - أَنَّ الرُّوَاةَ لِهَذَا الْخَبَرِ لَمْ يَتَعَدَّوْا بِهِ وَجْهَهُ مِنْ الْجُلُوسِ الْمَعْهُودِ، وَمَا عَلِمْنَا قَطُّ فِي اللُّغَةِ - جَلَسَ فُلَانٌ - بِمَعْنَى تَغَوَّطَ، فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا تَحْرِيمَ الصَّلَاةِ إلَى الْقَبْرِ وَعَلَيْهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى مَحْمُودٌ؟ [مَسْأَلَةٌ الْمَشْي بَيْنَ الْقُبُورِ] 579 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْشِيَ بَيْنَ الْقُبُورِ بِنَعْلَيْنِ سِبْتِيَّتَيْنِ وَهُمَا اللَّتَانِ لَا شَعْرَ فِيهِمَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا شَعْرٌ: جَازَ ذَلِكَ؟ فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا بِشَعْرٍ، وَالْأُخْرَى بِلَا شَعْرٍ: جَازَ الْمَشْيُ فِيهِمَا؟ -:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ثنا وَكِيعٌ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ شَعْبَانَ - وَكَانَ ثِقَةً - عَنْ خَالِدِ بْنِ سَمِيرٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ «عَنْ بَشِيرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ابْنُ الْخَصَاصِيَةِ - قَالَ كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَى رَجُلًا يَمْشِي بَيْنَ الْقُبُورِ فِي نَعْلَيْهِ، فَقَالَ: يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ أَلْقِهِمَا» ؟ وَحَدَّثَنَاهُ حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَصْرِيُّ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ثنا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ سَمِيرٍ أَخْبَرَنِي بَشِيرُ بْنُ نَهِيكٍ أَخْبَرَنِي بَشِيرُ بْنُ الْخَصَاصِيَةِ - وَكَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ زَحْمٌ، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَشِيرًا - قَالَ: «بَيْنَا أَنَا أَمْشِي بَيْنَ الْمَقَابِرِ وَعَلَيَّ نَعْلَانِ، إذْ نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، إذَا كُنْت فِي مِثْلِ هَذَا الْمَكَانِ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ، قَالَ: فَخَلَعْتُهُمَا» ؟ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ قِيلَ - فَهَلَّا مَنَعْتُمْ مِنْ كُلِّ نَعْلٍ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ» ؟ قُلْنَا: مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَجْهَانِ -: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إنَّمَا دَعَا صَاحِبَ سِبْتِيَّتَيْنِ، بِنَصِّ كَلَامِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ؟ وَالثَّانِي مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ ثنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ ثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْعَبْدَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
مسألة الصلاة على أجزاء الميت
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا إخْبَارٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ، وَأَنَّ النَّاسَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سَيَلْبَسُونَ النِّعَالَ فِي مَدَافِنِ الْمَوْتَى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَلَى عُمُومِ إنْذَارِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَلِكَ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَالْأَخْبَارُ لَا تُنْسَخُ أَصْلًا. فَصَحَّ إبَاحَةُ لِبَاسِ النِّعَالِ فِي الْمَقَابِرِ، وَوَجَبَ اسْتِثْنَاءُ السِّبْتِيَّةِ مِنْهَا، لِنَصِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَيْهَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ بَعْضُ مَنْ لَا يُبَالِي بِمَا أَطْلَقَ بِهِ لِسَانَهُ فَقَالَ: لَعَلَّ تَيْنِكَ النَّعْلَيْنِ كَانَ فِيهِمَا قَذَرٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ قَطَعَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ قَوَّلَهُ مَا لَمْ يَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَقْطَعْ بِذَلِكَ فَقَدْ حَكَمَ بِالظَّنِّ، وَقَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَكِلَاهُمَا خُطَّتَا خَسْفٍ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُمَا؟ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: فَهَبْكَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؟ أَتَقُولُونَ: بِهَذَا أَنْتُمْ؟ فَتَمْنَعُونَ مِنْ الْمَشْيِ، بَيْنَ الْقُبُورِ بِنَعْلَيْنِ فِيهِمَا قَذَرٌ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: لَا؟ فَيُقَالُ لَهُمْ: فَأَيُّ رَاحَةٍ لَكُمْ فِي دَعْوَى كَاذِبَةٍ؟ ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لِمَ تَقُولُوا بِهَا، وَلَبَقِيتُمْ مُخَالِفِينَ لِلْخَبَرِ بِكُلِّ حَالٍ؟ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: وَلَعَلَّ الْبِنَاءَ فِي الرُّعَافِ إنَّمَا هُوَ فِي الدَّمِ الْأَسْوَدِ لِشَبَهِهِ بِدَمِ الْحَيْضِ، وَلَعَلَّ فَسَادَ صَلَاةِ الرَّجُلِ إلَى جَنْبِ الْمَرْأَةِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَتْ شَابَّةً خَوْفَ الْفِتْنَةِ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ [مَسْأَلَةٌ الصَّلَاة عَلَى أجزاء الْمَيِّت] 580 - مَسْأَلَةٌ: وَيُصَلَّى عَلَى مَا وُجِدَ مِنْ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ، وَلَوْ أَنَّهُ ظُفْرٌ أَوْ شَعْرٌ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ شَهِيدٍ فَلَا يُغَسَّلُ، لَكِنْ يُلَفُّ وَيُدْفَنُ؟ وَيُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَا يُوجَدُ مِنْهُ شَيْءٌ. فَإِنْ وُجِدَ مِنْ الْمَيِّتِ عُضْوٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا غُسِّلَ أَيْضًا، وَكُفِّنَ، وَدُفِنَ، وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ثَانِيَةً، وَهَكَذَا أَبَدًا؟
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ وُجُوبَ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَصَحَّ بِذَلِكَ غُسْلُ جَمِيعِ أَعْضَائِهِ - قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا - وَسَتْرُ جَمِيعِهَا بِالْكَفَنِ وَالدَّفْنِ، فَذَلِكَ بِلَا شَكٍّ وَاجِبٌ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ. فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَوَاجِبٌ عَمَلُهُ فِيمَا أَمْكَنَ عَمَلُهُ فِيهِ، بِالْوُجُودِ مَتَى وُجِدَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ ذَلِكَ فِي الْأَعْضَاءِ الْمُفَرَّقَةِ بِلَا بُرْهَانٍ وَيَنْوِي بِالصَّلَاةِ عَلَى مَا وُجِدَ مِنْهُ الصَّلَاةُ عَلَى جَمِيعِهِ: جَسَدِهِ، وَرُوحِهِ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: إنْ وُجِدَ نِصْفُ الْمَيِّتِ الَّذِي فِيهِ الرَّأْسُ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الرَّأْسُ -: غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ؟ وَإِنْ وُجِدَ النِّصْفُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ الرَّأْسُ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ الَّذِي فِيهِ الرَّأْسُ -: لَمْ يُغَسَّلْ، وَلَا كُفِّنَ، وَلَا صُلِّيَ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا تَخْلِيطٌ نَاهِيَك بِهِ وَقِيلَ لَهُمْ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى أَكْثَرِهِ وَاجِبَةٌ، وَعَلَى نِصْفِهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ؟ وَأَنْتُمْ قَدْ جَعَلْتُمْ الرُّبْعَ - فِيمَا أَنْكَشَفَ مِنْ بَطْنِ الْحُرَّةِ وَشَعْرِهَا - كَثِيرًا فِي حُكْمِ الْكُلِّ، وَجَعَلْتُمْ الْعُشْرَ - فِي بَعْضِ مَسَائِلِكُمْ أَيْضًا - فِي حُكْمِ الْكُلِّ؟ وَهُوَ مِنْ حَلْقِ عُشْرِ رَأْسِهِ، أَوْ عُشْرِ لِحْيَتِهِ مِنْ الْمُحْرِمِينَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، فَمِنْ أَيْنَ هَذِهِ الْأَحْكَامُ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا؟ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أَنَّهُمَا صَلَّيَا عَلَى رِجْلِ، إنْسَانٍ؟ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ صَلَّى عَلَى عِظَامٍ وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: أَنَّهُ صَلَّى عَلَى رَأْسٍ وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ فَقَدْ جَاءَ بِهِ نَصٌّ قَاطِعٌ، أَغْنَى عَنْ النَّظَرِ، وَإِنْ كَانَ النَّظَرُ
تَجِبُ بِهِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» عُمُومٌ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَائِبُ وَالْحَاضِرُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِهِ أَحَدُهُمَا، بَلْ فَرْضٌ فِي كُلِّ مُسْلِمٍ دُفِنَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ مَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَهِيَ فِيمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ نَدْبٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ؟ خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا» . وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ثنا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ " قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَدْ تُوُفِّيَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ الْحَبَشِ، فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ، فَصَفَفْنَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ» . وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا مُسَدَّدٌ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ. قَالَ جَابِرٌ: فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ قَوِيَّةٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَهَذَا أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَمَلُهُ وَعَمَلُ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ، فَلَا إجْمَاعَ أَصَحُّ مِنْ هَذَا، وَآثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَمَا أَوْرَدْنَا؟ وَمَنَعَ مِنْ هَذَا: مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَادَّعَى أَصْحَابُهُمَا الْخُصُوصَ لِلنَّجَاشِيِّ، وَهَذِهِ دَعْوَى كَاذِبَةٌ بِلَا بُرْهَانٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قَالُوا: هَلْ فَعَلَ هَذَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قُلْنَا لَهُمْ: وَهَلْ جَاءَ قَطُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ زَجَرَ عَنْ هَذَا أَوْ أَنْكَرَهُ؟ ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ تَعَالَى: {لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165]
مسألة الصلاة على القبر
[مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ] مَسْأَلَةٌ: وَالصَّلَاةُ جَائِزَةٌ عَلَى الْقَبْرِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صُلِّيَ عَلَى الْمَدْفُونِ فِيهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ: صُلِّيَ عَلَى الْقَبْرِ مَا بَيْنَ دَفْنِهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ دُفِنَ بَعْدَ أَنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ لَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ عَلَى قَبْرِهِ؟ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرٍ، وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ؟ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ وَإِنْ كَانَ قَدْ صُلِّيَ عَلَى الْمَدْفُونِ فِيهِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ؟ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُصَلَّى عَلَيْهِ إلَى شَهْرٍ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ؟ وَقَالَ إِسْحَاقُ: يُصَلِّي الْغَائِبُ عَلَى الْقَبْرِ إلَى شَهْرٍ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْحَاضِرُ إلَى ثَلَاثٍ؟ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ أَوْ شَابًّا، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، فَقَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ» . فَادَّعَى قَوْمٌ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ خُصُوصٌ لَهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا، وَإِنَّمَا فِي هَذَا الْكَلَامِ بَرَكَةُ صَلَاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَفَضِيلَتُهَا عَلَى صَلَاةِ غَيْرِهِ فَقَطْ، وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيُ غَيْرِهِ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ أَصْلًا، بَلْ قَدْ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ دَعْوَى الْخُصُوصِ هَهُنَا مَا رُوِّينَاهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ - عَنْ الشَّعْبِيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ «انْتَهَيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى قَبْرٍ رَطْبٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَفُّوا خَلْفَهُ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا» قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: قُلْت لِعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ: مَنْ حَدَّثَك؟ قَالَ: الثِّقَةُ، مَنْ شَهِدَهُ، ابْنُ عَبَّاسٍ. فَهَذَا أَبْطَلَ الْخُصُوصَ، لِأَنَّ أَصْحَابَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَعَلَيْهِمْ رِضْوَانُ اللَّهِ صَلَّوْا مَعَهُ عَلَى الْقَبْرِ، فَبَطَلَتْ دَعْوَى الْخُصُوصِ وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُرْعُرَةَ السَّامِيِّ ثنا غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ [عَنْ ثَابِتٍ] عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَبْرٍ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ لَا يَسَعُ الْخُرُوجُ عَنْهَا وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ الْمُسْلِمُونَ عَلَى قَبْرِهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَلَا رَسُولُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَالْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ بَاطِلٌ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِعْلُ خَيْرٍ، وَالدَّعْوَى بَاطِلٌ إلَّا بِبُرْهَانٍ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَهْيُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ إلَى الْقَبْرِ وَعَلَى الْقَبْرِ مَانِعٌ مِنْ هَذَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا عَجَبٌ مَا مِثْلُهُ عَجَبٌ وَهُوَ أَنَّ الْمُحْتَجَّ بِهَذَا عَكَسَ الْحَقَّ عَكْسًا؛ لِأَنَّهُ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ، أَوْ إلَيْهِ. أَوْ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَعَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ: كُلُّ هَذَا مُبَاحٌ وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَاحْتَجَّ بِالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا فِي مَنْعِهِ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى الْقَبْرِ،
وَاحْتَجَّ بِخَبَرِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ فِي إبَاحَتِهِ الْحَرَامَ مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَإِلَى الْقَبْرِ، وَعَلَيْهِ؟ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي عَلَى الْقَبْرِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، كَانَ لَا يُصَلِّي سَائِرَ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْقَبْرِ، وَيُصَلِّي صَلَاةَ الْجِنَازَةِ عَلَى الْقَبْرِ أَبَدًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ قَدْ صَحَّ مَا يُعَارِضُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَلَّى صَلَاةَ الْجِنَازَةِ عَلَى الْقَبْرِ، ثُمَّ لَوْ لَمْ يَأْتِ هَذَا عَنْهُ لَكَانَ قَدْ عَارَضَهُ مَا صَحَّ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ، فَكَيْفَ وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَا يَصِحُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ وَرُوِّينَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، فَحَمَلْنَاهُ فَجِئْنَا بِهِ مَكَّةَ فَدَفَنَّاهُ، فَقَدِمَتْ عَلَيْنَا عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ: أَيْنَ قَبْرُ أَخِي؟ فَدَلَلْنَاهَا عَلَيْهِ، فَوَضَعَتْ فِي هَوْدَجِهَا عِنْدَ قَبْرِهِ فَصَلَّتْ عَلَيْهِ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ قَدِمَ وَقَدْ مَاتَ أَخُوهُ عَاصِمٌ، فَقَالَ: أَيْنَ قَبْرُ أَخِي؟ فَدُلَّ عَلَيْهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، لَا الدُّعَاءُ فَقَطْ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ أَمَرَ قَرَظَةَ بْنَ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيَّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى قَبْرِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ بِقَوْمٍ جَاءُوا بَعْدَمَا دُفِنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ؟ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَيْضًا: أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ بَعْدَمَا صُلِّيَ عَلَيْهَا؟ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ثنا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ بَعْدَمَا صُلِّيَ عَلَيْهَا وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُ ذَلِكَ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ إبَاحَةُ ذَلِكَ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ بَعْدَمَا صُلِّيَ عَلَيْهَا
مسألة تزوج مسلم كافرة فحملت منه وماتت حاملا
وَعَنْ قَتَادَةَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ صَلَّى عَلَيْهَا. فَهَذِهِ طَوَائِفُ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ؟ وَأَمَّا أَمْرُ تَحْدِيدِ الصَّلَاةِ بِشَهْرٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَخَطَأٌ لَا يُشْكِلُ، لِأَنَّهُ تَحْدِيدٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ حَدَّ بِهَذَا، أَوْ مَنْ حَدَّ بِغَيْرِ ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ كَافِرَةً فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَمَاتَتْ حَامِلًا] 582 - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَزَوَّجَ كَافِرَةً فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَمَاتَتْ حَامِلًا -: فَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَلَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدُ: دُفِنَتْ مَعَ أَهْلِ دِينِهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَالرُّوحُ قَدْ نُفِخَ فِيهِ: دُفِنَتْ فِي طَرَفِ مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يُدْفَنَ مُسْلِمٌ مَعَ مُشْرِكٍ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ثنا وَكِيعٌ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ شَيْبَانَ - وَكَانَ ثِقَةً - عَنْ خَالِدِ بْنِ سَمِيرٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ بَشِيرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ابْنُ الْخَصَاصِيَةِ قَالَ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَرَّ عَلَى قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ شَرًّا كَثِيرًا، ثُمَّ مَرَّ عَلَى قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا» . فَصَحَّ بِهَذَا تَفْرِيقُ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ. وَالْحَمْلُ مَا لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ فَإِنَّمَا هُوَ بَعْضُ جِسْمِ أُمِّهِ، وَمِنْ حَشْوَةِ بَطْنِهَا، وَهِيَ مَدْفُونَةٌ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، فَإِذَا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَهُوَ خَلْقٌ آخَرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14] ، فَهُوَ حِينَئِذٍ إنْسَانٌ حَيٌّ غَيْرُ أُمِّهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ ذَكَرًا وَهِيَ أُنْثَى، وَهُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ فَلَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُدْفَنَ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ، وَهِيَ كَافِرَةٌ، فَلَا تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَوَجَبَ أَنْ تُدْفَنَ بِنَاحِيَةٍ لِأَجْلِ ذَلِكَ
مسألة الصغير يسبى مع أبويه أو أحدهما أو دونهما فيموت
رُوِّينَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى: أَنَّ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَفَنَ امْرَأَةً نَصْرَانِيَّةً مَاتَتْ حُبْلَى مِنْ مُسْلِمٍ -: فِي مَقْبَرَةٍ لَيْسَتْ بِمَقْبَرَةِ النَّصَارَى، وَلَا بِمَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ ذَلِكَ. وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهَا تُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَجْلِ وَلَدِهَا [مَسْأَلَةٌ الصَّغِيرُ يُسْبَى مَعَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ دُونَهُمَا فَيَمُوتُ] 583 - مَسْأَلَةٌ: وَالصَّغِيرُ يُسْبَى مَعَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ دُونَهُمَا فَيَمُوتُ -: فَإِنَّهُ يُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30] فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ فَهُوَ مُسْلِمٌ، إلَّا مَنْ أَقَرَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْكُفْرِ، وَلَيْسَ إلَّا مَنْ وُلِدَ بَيْنَ ذِمِّيَّيْنِ كَافِرَيْنِ، أَوْ حَرْبِيَّيْنِ كَافِرَيْنِ، وَلَمْ يُسْبَ حَتَّى بَلَغَ، وَمَا عَدَا هَذَيْنِ فَمُسْلِمٌ؟ [مَسْأَلَةٌ أَحَقُّ النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ] 584 - مَسْأَلَةٌ: وَأَحَقُّ النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَالْمَيِّتَةِ: الْأَوْلِيَاءُ -: وَهُمْ: الْأَبُ وَآبَاؤُهُ، وَالِابْنُ وَأَبْنَاؤُهُ، ثُمَّ الْإِخْوَةُ الْأَشِقَّاءُ، ثُمَّ الَّذِينَ لِلْأَبِ، ثُمَّ بَنُوهُمْ، ثُمَّ الْأَعْمَامُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، ثُمَّ لِلْأَبِ ثُمَّ بَنُوهُمْ، ثُمَّ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ، إلَّا أَنْ يُوصِيَ الْمَيِّتُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ، فَهُوَ أَوْلَى. ثُمَّ الزَّوْجُ، ثُمَّ الْأَمِيرُ أَوْ الْقَاضِي، فَإِنْ صَلَّى غَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَا أَجْزَأَ -: بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75] وَهَذَا عُمُومٌ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ» يَدْخُلُ فِيهِ: ذُو الرَّحِمِ، وَالزَّوْجُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْحَدِيثِ، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَذُو الرَّحِمِ أَوْلَى بِالْآيَةِ، ثُمَّ الزَّوْجُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ بِالْحَدِيثِ؟ رُوِّينَاهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّهُ قَالَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْأَةِ: أَبٌ، أَوْ
مسألة أحق الناس بإنزال المرأة في قبرها
ابْنٌ، أَوْ أَخٌ: أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا مِنْ الزَّوْجِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا مَاتَتْ -: الْوَلِيُّ دُونَ الزَّوْجِ؟ وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا مَاتَتْ: الْأَخُ أَحَقُّ مِنْ الزَّوْجِ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْ الْحَسَنِ: كَانُوا يُقَدِّمُونَ الْأَئِمَّةَ عَلَى جَنَائِزِهِمْ، فَإِنْ تَدَارَءُوا فَالْوَلِيُّ، ثُمَّ الزَّوْجُ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَدَّمَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ -: سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ عَلَى وَلِيٍّ لَهُ وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّهَا سُنَّةٌ مَا قَدَّمْتُك؟ وَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ لِإِخْوَةِ زَوْجَتِهِ: أَنَا أَحَقُّ مِنْكُمْ قُلْنَا: لَمْ نَدَّعِ لَكُمْ إجْمَاعًا فَتُعَارِضُونَا بِهَذَا، وَلَكِنْ إذَا تَنَازَعَ الْأَئِمَّةُ وَجَبَ الرَّدُّ إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَفِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مَا أَوْرَدْنَا، وَلَمْ يُبِحْ اللَّهُ تَعَالَى الرَّدَّ فِي التَّنَازُعِ إلَى غَيْرِ كَلَامِهِ وَحُكْمِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: الْأَوْلِيَاءُ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا مِنْ الزَّوْجِ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إنْ كَانَ وَلَدُهَا ابْنَ زَوْجِهَا الْحَاضِرُ فَالزَّوْجُ أَبُو الْوَلَدِ أَحَقُّ - وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ [مَسْأَلَةٌ أَحَقُّ النَّاسِ بِإِنْزَالِ الْمَرْأَةِ فِي قَبْرِهَا] 585 - مَسْأَلَةٌ: وَأَحَقُّ النَّاسِ بِإِنْزَالِ الْمَرْأَةِ فِي قَبْرِهَا مَنْ لَمْ يَطَأْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا، حَضَرَ زَوْجُهَا أَوْ أَوْلِيَاؤُهَا أَوْ لَمْ يَحْضُرُوا، وَأَحَقُّهُمْ بِإِنْزَالِ الرَّجُلِ أَوْلِيَاؤُهُ؟ أَمَّا الرَّجُلُ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75] وَهَذَا عُمُومٌ، لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إلَّا بِنَصٍّ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْمُسْنَدِيُّ - ثنا أَبُو عَامِرٍ هُوَ الْعَقَدِيُّ -
مسألة الوصية بأن يصلي على الموصي غير الولي وغير الزوج
ثنا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، فَرَأَيْت عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفْ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا، قَالَ: فَانْزِلْ؟ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا» . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ثنا رَوْحُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَمَّا مَاتَتْ رُقَيَّةُ ابْنَتُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: لَا يَدْخُلْ الْقَبْرَ رَجُلٌ قَارَفَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَدْخُلْ عُثْمَانُ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْمُقَارَفَةُ الْوَطْءُ، لَا مُقَارَفَةُ الذَّنْبِ. وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَزَكَّى أَبُو طَلْحَةَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ لَمْ يُقَارِفْ ذَنْبًا. فَصَحَّ أَنَّ مَنْ لَمْ يَطَأْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَوْلَى مِنْ الْأَبِ وَالزَّوْجِ وَغَيْرِهِمَا؟ [مَسْأَلَةٌ الْوَصِيَّة بِأَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْمُوصِي غَيْرُ الْوَلِيِّ وَغَيْرُ الزَّوْجِ] 586 - بَقِيَّةٌ مِنْ الْمَسْأَلَةِ: الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاسْتَدْرَكْنَا الْوَصِيَّةَ بِأَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْمُوصِي غَيْرُ الْوَلِيِّ وَغَيْرُ الزَّوْجِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى - وَقَدْ ذَكَرَ وَصِيَّةَ الْمُحْتَضَرِ - قَالَ {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} [البقرة: 181] وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَوْصَتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ غَيْرُ أَمِيرٍ وَلَا وَلِيٍّ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهَا وَلَا مِنْ قَوْمِهَا، وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ: أَنَّ أَبَا مَيْسَرَةَ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ شُرَيْحٌ وَلَيْسَ مِنْ قَوْمِهِ.
مسألة تقبيل الميت
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ: أَنَّ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيَّ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ. [مَسْأَلَةٌ تَقْبِيلُ الْمَيِّتِ] 587 - مَسْأَلَةٌ: وَتَقْبِيلُ الْمَيِّتِ جَائِزٌ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ أَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ وَيُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، - أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَتْهُ " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ - تَعْنِي إذْ مَاتَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَتْ: فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى وَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ". وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. [مَسْأَلَةٌ يُسَجَّى الْمَيِّتُ بِثَوْبٍ وَيُجْعَلُ عَلَى بَطْنِهِ مَا يَمْنَعُ انْتِفَاخَهُ] 588 - مَسْأَلَةٌ: وَيُسَجَّى الْمَيِّتُ بِثَوْبٍ وَيُجْعَلُ عَلَى بَطْنِهِ مَا يَمْنَعُ انْتِفَاخَهُ -: أَمَّا التَّسْجِيَةُ - فَلِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُلُّ مَا فُعِلَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ حَقٌّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] وَهَذَا عُمُومٌ، لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إلَّا بِنَصٍّ؟ وَأَمَّا قَوْلُنَا: يُوضَعُ عَلَى بَطْنِهِ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] وَكُلُّ مَا فِيهِ رِفْقٌ بِالْمُسْلِمِ وَدَفْعٌ لِلْمَثُلَةِ عَنْهُ، فَهُوَ بِرٌّ وَتَقْوَى؟ [مَسْأَلَةٌ الصِّيَاح وَضَرْب الْوَجْهِ وَالصَّدْرِ وَنَتْف الشَّعْرِ وَحَلْقُهُ لِلْمَيِّتِ] 589 - مَسْأَلَةٌ: وَالصَّبْرُ وَاجِبٌ، وَالْبُكَاءُ مُبَاحٌ، مَا لَمْ يَكُنْ نَوْحٌ، فَإِنَّ النَّوْحَ حَرَامٌ، وَالصِّيَاحَ، وَخَمْشَ الْوُجُوهِ وَضَرْبَهَا، وَضَرْبَ الصَّدْرِ، وَنَتْفَ الشَّعْرِ وَحَلْقَهُ لِلْمَيِّتِ -: كُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ الْمَكْرُوهُ الَّذِي هُوَ تَسَخُّطٌ لِأَقْدَارِ اللَّهِ تَعَالَى، وَشَقُّ الثِّيَابِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا آدَم ثنا شُعْبَةُ ثنا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ،
فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي؟» . وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى» . وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنِي قُرَيْشٌ هُوَ ابْنُ حَيَّانَ - عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إنَّهَا رَحْمَةٌ، الْعَيْنُ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبُ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِك يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ؟» . فَهَذَا إبَاحَةُ الْحُزْنِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى دَفْعِهِ، وَ {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وَفِيهِ إبَاحَةُ الْبُكَاءِ، وَتَحْرِيمُ الْكَلَامِ بِمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا سُفْيَانُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا حِبَّانُ بْنُ هِلَالٍ نا أَبَانُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ - نا يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - أَنَّ زَيْدًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَامٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ، النَّائِحَةُ إذَا مَاتَتْ وَلَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: أرنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ أَنَا أَبُو عُمَيْسٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا صَخْرَةَ يَذْكُرُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ وَأَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَا (جَمِيعًا) : أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ، فَأَفَاقَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمِي - وَكَانَ يُحَدِّثُهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَسَلَقَ وَخَرَقَ» وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: نَا أَصْبَغُ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَعَادَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَاشِيَتِهِ فَبَكَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَكَوْا، فَقَالَ: أَلَا
مسألة مات المحرم بعد الإحرام وقبل طلوع شمس يوم النحر
تَسْمَعُونَ؟ إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذَا الْخَبَرُ بِتَمَامِهِ يُبَيِّنُ مَعْنَى مَا وَهَلَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» . وَلَاحَ بِهَذَا أَنَّ هَذَا الْبُكَاءَ الَّذِي يُعَذَّبُ بِهِ الْمَيِّتُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي لَا يُعَذَّبُ بِهِ مِنْ دَمْعِ الْعَيْنِ، وَحُزْنِ الْقَلْبِ. فَصَحَّ أَنَّهُ الْبُكَاءُ بِاللِّسَانِ، إذْ يُعَذِّبُونَهُ بِرِيَاسَتِهِ الَّتِي جَارَ فِيهَا فَعُذِّبَ عَلَيْهَا، وَشَجَاعَتِهِ الَّتِي يُعَذَّبُ عَلَيْهَا، إذْ صَرَفَهَا فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِجُودِهِ الَّذِي أَخَذَ مَا جَادَ بِهِ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَوَضَعَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ فَأَهْلُهُ يَبْكُونَهُ بِهَذِهِ الْمَفَاخِرِ، وَهُوَ يُعَذَّبُ بِهَا بِعَيْنِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ لِمَنْ يَتَكَلَّفُ فِي ظَاهِرِ الْخَبَرِ مَا لَيْسَ فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْبُكَاءَ عَلَى الْمَيِّتِ، وَقَالَ: اللَّهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى؟ [مَسْأَلَةٌ مَاتَ الْمُحْرِمُ بَعْد الْإِحْرَام وَقَبْل طُلُوع شَمْس يَوْمِ النَّحْرِ] 590 - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا مَاتَ الْمُحْرِمُ مَا بَيْنَ أَنْ يُحْرِمَ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إنْ كَانَ حَاجًّا، أَوْ أَنْ يُتِمَّ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ، إنْ كَانَ مُعْتَمِرًا -: فَإِنَّ الْفَرْضَ أَنْ يُغَسَّلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ فَقَطْ - إنْ وُجِدَ السِّدْرُ -. وَلَا يُمَسُّ بِكَافُورٍ وَلَا بِطَيِّبٍ، وَلَا يُغَطَّى وَجْهُهُ، وَلَا رَأْسُهُ؟ وَلَا يُكَفَّنُ إلَّا فِي ثِيَابِ إحْرَامِهِ فَقَطْ، أَوْ فِي ثَوْبَيْنِ غَيْرَ ثِيَابِ إحْرَامِهِ. وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ فَكَذَلِكَ، إلَّا أَنَّ رَأْسَهَا تُغَطَّى وَيُكْشَفُ وَجْهُهَا، وَلَوْ أُسْدِلَ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا فَلَا بَأْسَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُقَنَّعَ؟ فَمَنْ مَاتَ مِنْ مُحْرِمٍ، أَوْ مُحْرِمَةٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ فَكَسَائِرِ الْمَوْتَى، رَمَى الْجِمَارَ أَوْ لَمْ يَرْمِهَا؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: هُمَا كَسَائِرِ الْمَوْتَى فِي كُلِّ ذَلِكَ -:
بُرْهَانُ قَوْلِنَا -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ نا شُعْبَةُ سَمِعْت أَبَا بِشْرٍ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَأَقْصَعَتْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَيُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْنِ، خَارِجَ رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي» وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ أَنَا أَبُو دَاوُد هُوَ الْحَفْرِيُّ - عَنْ سُفْيَانَ هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «مَاتَ رَجُلٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَسِّلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثِيَابِهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي» . وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا قُتَيْبَةُ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَفَةَ، إذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» . وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو النُّعْمَانِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَارِمٌ - نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تَمَسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ مَنْصُورٍ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - عَنْ الْحَكَمِ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ نَاقَتُهُ فَقَتَلَتْهُ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: اغْسِلُوهُ وَكَفِّنُوهُ وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ» . فَهَذَا لَا يَسَعُ أَحَدًا خِلَافُهُ، لِأَنَّهُ كَالشَّمْسِ صِحَّةً، رَوَاهُ شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَمَنْصُورٌ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. وَرَوَاهُ قَبْلَهُمْ أَبُو بِشْرٍ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالْحَكَمُ، وَأَيُّوبُ، وَأَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ كُلُّهُمْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ شَهِدَ الْقِصَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، آخِرَ حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَحَّتْ أَلْفَاظُ هَذَا الْخَبَرِ كُلُّهَا، فَلَا يَحِلُّ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْهَا ، وَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَلِكَ فِي مُحْرِمٍ سُئِلَ عَنْهُ، وَالْمُحْرِمُ يَعُمُّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ، وَالْبَعْثُ وَالتَّلْبِيَةُ يَجْمَعُهُمَا، وَبِهِمَا جَاءَ الْأَثَرُ، وَالسَّبَبُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّكُمْ تُجِيزُونَ لِلْمُحْرِمِ الْحَقَّ أَنْ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ، وَتَمْنَعُونَ ذَلِكَ الْمَيِّتَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَحِلُّ الِاعْتِرَاضُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَأْمُرْ الْمُحْرِمَ الْحَيَّ بِكَشْفِ وَجْهِهِ، وَأَمَرَ بِذَلِكَ فِي الْمَيِّتِ، فَوَقَفْنَا عِنْدَ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3] {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] وَمَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ أَنْ لَا يُفَرِّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ حُكْمِ الْمُحْرِمِ الْحَيِّ وَالْمُحْرِمِ الْمَيِّتِ؟ أَمْ فِي أَيِّ سُنَّةٍ وَجَدُوا ذَلِكَ أَمْ فِي أَيِّ دَلِيلِ عَقْلٍ؟ ثُمَّ هُمْ أَوَّلُ قَائِلِينَ بِهَذَا نَفْسِهِ، فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ حُكْمِ الْمُحْرِمِ الْحَيِّ وَالْمُحْرِمِ الْمَيِّتِ بِآرَائِهِمْ الْفَاسِدَةِ، وَيُنْكِرُونَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا: خُصُوصٌ لِذَلِكَ الْمُحْرِمِ. فَقُلْنَا: هَذَا الْكَذِبُ مِنْكُمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَفْتَى بِذَلِكَ فِي الْمُحْرِمِ يَمُوتُ إذْ
سُئِلَ عَنْهُ، كَمَا أَفْتَى فِي الْمُسْتَحَاضَةِ، وَكَمَا أَفْتَى أُمَّ سَلَمَةَ فِي أَنْ لَا تَحِلَّ ضَفْرَ رَأْسِهَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَسَائِرِ مَا اُسْتُفْتِيَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؟ فَأَفْتَى فِيهِ فَكَانَ عُمُومًا؟ . وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا أَنَّهُمْ أَتَوْا إلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّدًا» وَيُلَبِّي " " وَيُهِلُّ " فَلَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ، وَأَوْقَفُوهُ عَلَى إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ، وَأَتَوْا إلَى مَا خَصَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ -: فَتَعَدَّوْا بِحُكْمِهَا إلَى مَا لَمْ يَحْكُمْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَطُّ بِهَذَا الْحُكْمِ فِيهِ فَإِنَّمَا أَوْلَعُوا بِمُخَالَفَةِ الْأَوَامِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنِ عُمَرَ: تَحْنِيطُ الْمُحْرِمِ إذَا مَاتَ، وَتَطْيِيبُهُ، وَتَخْمِيرُ رَأْسِهِ؟ قُلْنَا: وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُثْمَانَ، وَغَيْرِهِ خِلَافُ ذَلِكَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ مُعْتَمِرًا مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَمَاتَ بِالسُّقْيَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَمْ يُغَيِّبْ عُثْمَانُ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُمْسِسْهُ طِيبًا، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ -: وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا أَبِي قَالَ: تُوُفِّيَ عُبَيْدُ بْنُ يَزِيدَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَمْ يُغَيِّبْ الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ رَأْسَهُ فِي النَّعْشِ -: وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الْمُحْرِمِ، يُغْسَلُ رَأْسُهُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ، وَلَا يُغَطَّى رَأْسُهُ، وَلَا يَمَسُّ طِيبًا؟ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ وَالْعَجَبُ أَنَّ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ، وَهُمْ يَدَّعُونَ الْإِجْمَاعَ فِي أَقَلَّ مِنْ هَذَا كَدَعْوَاهُمْ فِي الْحَدِّ فِي الْخَمْرِ: ثَمَانِينَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ خَالَفَ ابْنُ عُمَرَ عُثْمَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا؟ قُلْنَا: وَقَدْ خَالَفَ: عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَالْحَسَنُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ: فِي حَدِّ الْخَمْرِ بَعْدَ عُمَرَ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا؟ وَإِذَا تَنَازَعَ السَّلَفُ فَالْفَرْضُ عَلَيْنَا رَدُّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ لَا إلَى قَوْلِ أَحَدٍ دُونَهُمَا؟
وَمِنْ طَرَائِفِ الدُّنْيَا احْتِجَاجُهُمْ فِي هَذَا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «خَمِّرُوا وُجُوهَهُمْ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ» . وَهَذَا بَاطِلٌ لِوُجُوهٍ -: أَوَّلُهَا - أَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ؟ وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ - لَوْ صَحَّ - عَلَى أَنَّهُ فِي الْمُحْرِمِ أَصْلًا، بَلْ كَانَ يَكُونُ فِي سَائِرِ الْمَوْتَى؟ وَثَالِثُهَا - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يَقُولُ إلَّا الْحَقَّ، وَالْيَهُودُ لَا تَكْشِفُ وُجُوهَ مَوْتَاهَا. فَصَحَّ أَنَّهُ بَاطِلٌ، سَمِعَهُ عَطَاءٌ مِمَّنْ لَا خَيْرَ فِيهِ أَوْ مِمَّنْ وَهَمَ وَالرَّابِعُ -: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ مُسْنَدًا فِي الْمُحْرِمِينَ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ الْآخَرُ بِلَا شَكٍّ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَقُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي أَمْرٍ أَمَرَ بِهِ أَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِالْيَهُودِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَنْهَى عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، ثُمَّ يَأْمُرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، لَا تَشَبُّهًا بِهِمْ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي قَوْلِ الْيَهُودِيَّةِ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، ثُمَّ أَتَاهُ الْوَحْيُ بِصِحَّةِ عَذَابِ الْقَبْرِ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ «إذَا مَاتَ الْمَيِّتُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ عَلَّمَهُ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» . وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَهَكَذَا نَقُولُ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ عَمَلُ غَيْرِهِ فِيهِ، بَلْ غَيْرُهُ مَأْمُورٌ فِيهِ بِأَعْمَالٍ مُفْتَرَضَةٍ، مِنْ غُسْلٍ، وَصَلَاةٍ، وَدَفْنٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا الْعَمَلُ لَيْسَ هُوَ عَمَلُ الْمُحْرِمِ الْمَيِّتِ، إنَّمَا هُوَ عَمَلُ الْأَحْيَاءِ - فَظَهَرَ تَخْلِيطُهُمْ وَتَمْوِيهُهُمْ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
مسألة القيام للجنازة إذا رآها المرء
{وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] وَهَذِهِ إحَالَةٌ مِنْهُمْ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلَمْ نَقُلْ قَطُّ: إنَّ هَذَا مِنْ سَعْيِ الْمَيِّتِ، وَلَكِنَّهُ مِنْ سَعْيِ الْأَحْيَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْمَيِّتِ كَمَا أُمِرْنَا بِأَنْ لَا نُغَسِّلَ الشَّهِيدَ وَلَا نُكَفِّنَهُ، وَأَنْ نَدْفِنَهُ فِي ثِيَابِهِ، وَلَيْسَ هُوَ عَمَلُ الشَّهِيدِ وَلَا سَعْيُهُ، لَكِنَّهُ عَمَلُنَا فِيهِ وَسَعْيُنَا لِأَنْفُسِنَا الَّذِي أُمِرْنَا بِهِ فِيهِ وَلَا فَرْقَ؟ وَالْقَوْلُ مُتَحَكِّمُونَ بِالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ وَلَا مَزِيدَ إلَّا إنْ كَانُوا يَحُومُونَ حَوْلَ أَنْ يَعْتَرِضُوا بِهَذَا كُلِّهِ عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّدًا» يُلَبِّي " " وَيُهِلُّ " فَهَذَا رِدَّةٌ؟ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ الْمُحْرِمَ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي وَيُهِلُّ وَمُلَبِّدًا» وَبَيْنَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ مَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَثْعَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» . وَكُلُّ هَذِهِ فَضَائِلُ لَا تُنْسَخُ وَلَا تُرَدُّ، وَالْقَوْمُ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، فَهَلَّا قَالُوا: الْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمَيِّتُ مُحْرِمًا: كِلَاهُمَا مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُكْمُ أَحَدِهِمَا خِلَافُ حُكْمِ الْمَوْتَى، فَكَذَلِكَ الْآخَرُ؟ وَلَكِنَّهُمْ لَا النُّصُوصَ يَتَّبِعُونَ، وَلَا الْقِيَاسَ يُحْسِنُونَ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الشَّبَهَ بَيْنَ الْجِهَادِ، وَالْحَجِّ أَقْرَبُ مِنْ الشَّبَهِ بَيْنَ السَّرِقَةِ، وَالنِّكَاحِ [مَسْأَلَةٌ الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ إذَا رَآهَا الْمَرْءُ] ؟ 591 - مَسْأَلَةٌ: وَنَسْتَحِبُّ الْقِيَامَ لِلْجِنَازَةِ إذَا رَآهَا الْمَرْءُ - وَإِنْ كَانَتْ جِنَازَةَ كَافِرٍ - حَتَّى تُوضَعَ أَوْ تَخْلُفَهُ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ فَلَا حَرَجَ لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا قُتَيْبَةُ نَا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الْجِنَازَةَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى يَخْلُفَهَا أَوْ تَخْلُفَهُ أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْلُفَهُ» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، كُلِّهِمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مُسْنَدًا. وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مُسْنَدًا. وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُسْلِمٌ هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ - نَا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - نا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ» . وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُعَاذُ بْنُ فُضَالَةَ نا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ «جَابِرٍ قَالَ مَرَّ بِنَا جِنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُمْنَا بِهِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ؟ قَالَ: فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا» وَبِهِ يَأْخُذُ أَبُو سَعِيدٍ - وَيَرَاهُ وَاجِبًا - وَابْنُ عُمَرَ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ نا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ - عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَسْعُودَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَعَدَ يَعْنِي لِلْجِنَازَةِ» فَكَانَ قُعُودُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ أَمْرِهِ بِالْقِيَامِ مُبَيِّنًا أَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ، وَلَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا نَسْخًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ سُنَّةٍ مُتَيَقَّنَةٍ إلَّا بِيَقِينِ نَسْخٍ، وَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالنَّهْيِ، أَوْ بِتَرْكٍ مَعَهُ نَهْيٌ؟
مسألة الإسراع بالجنازة
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ: قُمْت إلَى جَنْبِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي جِنَازَةٍ، فَقَالَ لِي: حَدَّثَنِي مَسْعُودُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقِيَامِ. ثُمَّ أَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ» فَهَلَّا قَطَعْتُمْ بِالنَّسْخِ بِهَذَا الْخَبَرِ؟ قُلْنَا: كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِكَ، لَوْلَا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ نا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْأَعْوَرُ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَا جَمِيعًا: «مَا رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهِدَ جِنَازَةً قَطُّ فَجَلَسَ حَتَّى تُوضَعَ» . فَهَذَا عَمَلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْمُدَاوِمُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ مَا فَارَقَاهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَتَّى مَاتَ، فَصَحَّ أَنَّ أَمْرَهُ بِالْجُلُوسِ إبَاحَةٌ وَتَخْفِيفٌ، وَأَمْرَهُ بِالْقِيَامِ وَقِيَامَهُ نَدْبٌ وَمِمَّنْ كَانَ يَجْلِسُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ. [مَسْأَلَةٌ الْإِسْرَاعُ بِالْجِنَازَةِ] 592 - مَسْأَلَةٌ: وَيَجِبُ الْإِسْرَاعُ بِالْجِنَازَةِ، وَنَسْتَحِبُّ أَنْ لَا يَزُولَ عَنْهَا مَنْ صَلَّى عَلَيْهَا حَتَّى تُدْفَنَ، فَإِنْ انْصَرَفَ قَبْلَ الدَّفْنِ فَلَا حَرَجَ، وَلَا مَعْنَى لِانْتِظَارِ إذْنِ وَلِيِّ الْجِنَازَةِ؟ أَمَّا وُجُوبُ الْإِسْرَاعِ، فَلِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو الطَّاهِرِ نا ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَرَّبْتُمُوهَا إلَى الْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ شَرًّا تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» . وَهُوَ عَمَلُ الصَّحَابَةِ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ وَهُشَيْمٍ كِلَاهُمَا عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ «أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَقَدْ
مسألة موقف الإمام في صلاة الجنازة
رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّا لَنَكَادُ نَرْمُلُ بِالْجِنَازَةِ رَمَلًا» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ شَهِدَ دَفْنَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ - الْقِيرَاطُ مِثْلُ أُحُدٍ» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مُغَفَّلٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا صَحِيحًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْإِسْرَاعُ بِهَا أَمْرٌ، وَهَذَا الْآخَرُ نَدْبٌ، وَفِي إبَاحَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمَنْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ لَا يَشْهَدَ دَفْنَهَا وَجُعِلَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ قِيرَاطُ أَجْرٍ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ -: بَيَانٌ جَلِيٌّ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِإِذْنِ صَاحِبِ الْجِنَازَةِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: إذَا صَلَّيْت عَلَى الْجِنَازَةِ فَقَدْ قَضَيْت الَّذِي عَلَيْك، فَخَلِّهَا وَأَهْلَهَا، وَكَانَ يَنْصَرِفُ وَلَا يَسْتَأْذِنُهُمْ؟ وَبِهِ إلَى مَعْمَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّهُ كَانَ يَنْصَرِفُ وَلَا يَنْتَظِرُ إذْنَهُمْ، يَعْنِي فِي الْجِنَازَةِ وَبِهِ يَأْخُذُ مَعْمَرٌ. قَالَ مَعْمَرٌ: وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ. وَصَحَّ عَنْ الْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ [مَسْأَلَةٌ مَوْقِفُ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ] 593 - مَسْأَلَةٌ: وَيَقِفُ الْإِمَامُ - إذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ - قُبَالَةَ رَأْسِهِ وَمِنْ الْمَرْأَةِ قُبَالَةَ وَسَطِهَا -: قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقِفُ مِنْ الرَّجُلِ قُبَالَةَ وَسَطِهِ، وَمِنْ الْمَرْأَةِ عِنْدَ مَنْكِبِهَا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا: يَقِفُ قُبَالَةَ الصَّدْرِ مِنْ كِلَيْهِمَا؟ بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: نا دَاوُد بْنُ مُعَاذٍ نا عَبْدُ الْوَارِثِ
مسألة سب الأموات
عَنْ أَبِي غَالِبٍ نَافِعٍ قَالَ «شَهِدْت جِنَازَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَنَا خَلْفَهُ، فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ قَالُوا: يَا أَبَا حَمْزَةَ، الْمَرْأَةُ الْأَنْصَارِيَّةُ فَقَرَّبُوهَا وَعَلَيْهَا نَعْشٌ أَخْضَرُ، فَقَامَ عَلَيْهَا عِنْدَ عَجِيزَتِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا نَحْوَ صَلَاتِهِ عَلَى الرَّجُلِ فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ كَصَلَاتِكَ، يُكَبِّرُ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، وَيَقُومُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ وَعَجِيزَةِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ» وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ نَافِعٍ أَبِي غَالِبٍ فَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ هَذَا، وَفِي آخِرِهِ: فَأَقْبَلَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: احْفَظُوا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مَكَانٌ خَالَفَ فِيهِ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ أُصُولَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يُشَنِّعُونَ بِخِلَافِ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ، وَهَذَا صَاحِبٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَقَدْ خَالَفُوهُ؟ وَقَوْلُنَا هَذَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ؟ وَلَا نَعْلَمُ لِمَنْ قَالَ: يَقِفُ فِي كِلَيْهِمَا عِنْدَ الْوَسَطِ -: حُجَّةً، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى وُقُوفِ الْإِمَامِ مُقَابِلَ وَسَطِ الصَّفِّ خَلْفَهُ، وَهَذَا أَسْخَفُ قِيَاسٍ فِي الْعَالَمِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ مَأْمُومًا لِلْإِمَامِ فَيَقِفُ وَسَطَهُ وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ: يَقِفُ عِنْدَ الصَّدْرِ أَنَّهُمْ قَالُوا: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ اتِّخَاذِ النُّعُوشِ، فَيَسْتُرُ الْمَرْأَةَ مِنْ النَّاسِ وَهَذَا بَاطِلٌ، وَدَعْوَى كَاذِبَةٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ. ثُمَّ مَعَ كَذِبِهِ بَارِدٌ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ وَإِنْ سَتَرَ عَجِيزَتَهَا عَنْ النَّاسِ لَمْ يَسْتُرْهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ وَالنَّاسُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ؟ [مَسْأَلَةٌ سَبُّ الْأَمْوَاتِ] 594 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ سَبُّ الْأَمْوَاتِ عَلَى الْقَصْدِ بِالْأَذَى، وَأَمَّا تَحْذِيرٌ مِنْ كُفْرٍ أَوْ بِدْعَةٍ أَوْ مِنْ عَمَلٍ فَاسِدٍ: فَمُبَاحٌ، وَلَعْنُ الْكُفَّارِ: مُبَاحٌ؟
مسألة تلقين الميت شهادة الإسلام
لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: نا آدَم نا شُعْبَةُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إلَى مَا قَدَّمُوا» . وَقَدْ سَبَّ اللَّهُ تَعَالَى: أَبَا لَهَبٍ، وَفِرْعَوْنَ، تَحْذِيرًا مِنْ كُفْرِهِمَا وَقَالَ تَعَالَى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [المائدة: 78] وَقَالَ تَعَالَى: {أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] وَأَخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي غَلَّهَا مِدْعَمٌ تَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا» ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ [مَسْأَلَةٌ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ شَهَادَةَ الْإِسْلَامِ] 595 - مَسْأَلَةٌ: وَيَجِبُ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ الَّذِي يَمُوتُ فِي ذِهْنِهِ وَلِسَانُهُ مُنْطَلِقٌ - أَوْ غَيْرُ مُنْطَلِقٍ - شَهَادَةَ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ". لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا عَمْرٌو النَّاقِدُ نا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . وَصَحَّ هَذَا أَيْضًا عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؟ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: لَقِّنُونِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَسْرِعُوا بِي إلَى حُفْرَتِي وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ فِي ذِهْنِهِ فَلَا يُمْكِنُ تَلْقِينُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَتَلَقَّنُ؟ وَأَمَّا مَنْ مُنِعَ الْكَلَامَ فَيَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ، نَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرَ ذَلِكَ الْمَقَامِ [مَسْأَلَةٌ تَغْمِيضُ عَيْنَيْ الْمَيِّتِ] 596 - مَسْأَلَةٌ: وَيُسْتَحَبُّ تَغْمِيضُ عَيْنَيْ الْمَيِّتِ إذَا قَضَى؟ لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو نا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ» .
مسألة يقول المصاب إنا لله وإنا إليه راجعون
وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ أَمَرَ بِتَغْمِيضِ أَعْيُنِ الْمَوْتَى [مَسْأَلَةٌ يَقُول الْمُصَابُ إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ] 597 - مَسْأَلَةٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ الْمُصَابُ " إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا ". لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ سَمِعْتُ ابْنَ سَفِينَةَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إلَّا آجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا» . [مَسْأَلَةٌ الصَّلَاة عَلَى الْمَوْلُودِ يُولَدُ حَيًّا ثُمَّ يَمُوتُ] 598 - مَسْأَلَةٌ وَنَسْتَحِبُّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَوْلُودِ يُولَدُ حَيًّا ثُمَّ يَمُوتُ - اسْتَهَلَّ أَوْ لَمْ يَسْتَهِلَّ - وَلَيْسَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَرْضًا مَا لَمْ يَبْلُغْ؟ أَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَإِنَّهَا فِعْلُ خَيْرٍ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ نَهْيٌ أَمَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ نا يَعْقُوبُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «مَاتَ إبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . هَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ وَلَكِنْ إنَّمَا فِيهِ تَرْكُ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْهَا، وَقَدْ جَاءَ أَثَرَانِ مُرْسَلَانِ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى عَلَيْهِ، وَالْمُرْسَلُ لَا حُجَّةَ فِيهِ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ أَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ نا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» . وَبِهَذَا يَأْخُذُ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ: أَحَقُّ مَنْ صَلَّيْنَا عَلَيْهِ أَطْفَالُنَا -: وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى مَنْفُوسٍ إنْ عَمِلَ خَطِيئَةً قَطُّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ - إذَا اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَوَرِثَ؟ وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا تَمَّ خَلْقُهُ فَصَاحَ: صُلِّيَ عَلَيْهِ وَوَرِثَ وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ: نا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَدْرَكْت بَقَايَا الْأَنْصَارِ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّبِيِّ إذَا مَاتَ وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ يَحْيَى: نا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: نا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ، ثُمَّ اتَّفَقَ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَأَيُّوبُ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ قَالَ: صَلَّى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى سِقْطٍ لَهُ لَا أَدْرِي اسْتَهَلَّ أَمْ لَا؟ هَذَا لَفْظُ أَيُّوبَ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: " مَوْلُودٍ " مَكَانَ " سِقْطٍ ". وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: السِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِأَبَوَيْهِ بِالْعَافِيَةِ وَالرَّحْمَةِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُ إذَا تَمَّ خَلْقُهُ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ -: وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ «عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو عَلَى الصَّغِيرِ كَمَا يَدْعُو عَلَى الْكَبِيرِ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا لَيْسَ لَهُ ذَنْبٌ؟ فَقَالَ: وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ غُفِرَ لَهُ
مسألة اتباع النساء الجنازة
مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟» وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ وَأَيُّوبَ، قَالَ قَتَادَةُ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَقَالَ أَيُّوبُ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَا جَمِيعًا: إذَا تَمَّ خَلْقُهُ وَنُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ: صُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ وَرُوِّينَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي السِّقْطِ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يُصَلَّى عَلَيْهِ؟ قَالَ قَتَادَةُ: وَيُسَمَّى، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ أَوْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاسْمِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو الْيَمَانِ أَنَا شُعَيْبٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى، وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ - ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» . وَقَالَ الْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ: يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا اسْتَهَلَّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا مَعْنَى لِلِاسْتِهْلَالِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهُ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَقَالَ حَمَّادٌ: إذَا مَاتَ الصَّبِيُّ مِنْ السَّبْيِ لَيْسَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ صُلِّيَ عَلَيْهِ؟ وَرُوِيَ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: أَنَّهُ مَاتَ لَهُ ابْنٌ قَدْ لَعِبَ مَعَ الصِّبْيَانِ وَاشْتَدَّ وَلَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ، اسْمُهُ عُمَرُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لَا يُصَلَّى عَلَى الصَّبِيِّ؟ وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ [مَسْأَلَةٌ اتِّبَاع النِّسَاءِ الْجِنَازَةَ] 599 - مَسْأَلَةٌ وَلَا نَكْرَهُ اتِّبَاعَ النِّسَاءِ الْجِنَازَةَ، وَلَا نَمْنَعُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ؟ جَاءَتْ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ آثَارٌ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يَصِحُّ، لِأَنَّهَا: إمَّا مُرْسَلَةً، وَإِمَّا عَنْ مَجْهُولٍ، وَإِمَّا عَمَّنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَأَشْبَهَ مَا فِيهِ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ «نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» .
مسألة زيارة القبور
وَهَذَا غَيْرُ مُسْنَدٍ؛ لِأَنَّنَا لَا نَدْرِي مَنْ هَذَا النَّاهِي؟ وَلَعَلَّهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ثُمَّ لَوْ صَحَّ مُسْنَدًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ، بَلْ كَانَ يَكُونُ كَرَاهَةً فَقَطْ. بَلْ قَدْ صَحَّ خِلَافُهُ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى عُمَرُ امْرَأَةً، فَصَاحَ بِهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعْهَا يَا عُمَرُ فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ، وَالنَّفْسَ مُصَابَةٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ» . وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ لَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ؟ [مَسْأَلَةٌ زِيَارَة الْقُبُورِ] 600 - مَسْأَلَةٌ وَنَسْتَحِبُّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ، وَهُوَ فَرْضٌ وَلَوْ مَرَّةً وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَزُورَ الْمُسْلِمُ قَبْرَ حَمِيمِهِ الْمُشْرِكِ، وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ سَوَاءٌ؟ لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي سِنَانٍ هُوَ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «زَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ»
مسألة ما يقوله من حضر على القبور
وَقَدْ صَحَّ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِهِمَا: زِيَارَةُ الْقُبُورِ؟ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ النَّهْيُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَصِحَّ [مَسْأَلَةٌ مَا يَقُولهُ مِنْ حَضَرَ عَلَى الْقُبُورِ] 601 - مَسْأَلَةٌ وَنَسْتَحِبُّ لِمَنْ حَضَرَ عَلَى الْقُبُورِ أَنْ يَقُولَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُهُمْ إذَا خَرَجُوا إلَى الْمَقَابِرِ، فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ» . [مَسْأَلَةٌ يُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ مِائَةٌ فَصَاعِدًا] 602 - مَسْأَلَةٌ وَنَسْتَحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ مِائَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَصَاعِدًا؟ لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى نا ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيعِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ: إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ» . قَالَ: فَحَدَّثْت بِهِ شُعَيْبَ بْنَ الْحَبْحَابِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
مسألة إدخال الموتى في المساجد والصلاة عليهم
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ «يُصَلِّي عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ» رَوَاهُ شُرَيْكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الشَّفِيعُ يَكُونُ بَعْدَ الْعِقَابِ، إلَّا أَنَّهُ مُخَفِّفٌ مَا قَدْ قَضَى اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْلَا الشَّفَاعَةُ لَمْ يُخَفِّفْ، وَشَفَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ الشَّفَاعَاتِ تَكُونُ قَبْلَ دُخُولِ النَّارِ وَبَعْدَ دُخُولِ النَّارِ كَمَا جَاءَتْ - الْآثَارُ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ [مَسْأَلَةٌ إدْخَالُ الْمَوْتَى فِي الْمَسَاجِدِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ] 603 - مَسْأَلَةٌ وَإِدْخَالُ الْمَوْتَى فِي الْمَسَاجِدِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ حَسَنٌ كُلُّهُ، وَأَفْضَلُ مَكَان صُلِّيَ فِيهِ عَلَى الْمَوْتَى فِي دَاخِلَ الْمَسَاجِدِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ؟ بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ: نا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ نا بَهْزُ هُوَ ابْنُ أَسَدٍ - نا وُهَيْبٍ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - نَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ هُوَ ابْنُ حَمْزَةَ - عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ «لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَمُرُّوا بِجِنَازَتِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَيُصَلِّينَ عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا، فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهِنَّ يُصَلِّينَ عَلَيْهِ ثُمَّ أُخْرِجَ بِهِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمَقَاعِدِ فَبَلَغَهُنَّ أَنَّ النَّاسَ عَابُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا كَانَتْ الْجَنَائِزُ يُدْخَلُ بِهَا الْمَسْجِدَ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إلَى أَنْ يَعِيبُوا مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ؟ عَابُوا عَلَيْنَا أَنْ يُمَرَّ بِالْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ إلَّا فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ» ؟ وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَا عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «وَاَللَّهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ - سُهَيْلٍ، وَأَخِيهِ - فِي الْمَسْجِدِ» . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ
عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ رَأَى النَّاسَ يَخْرُجُونَ مِنْ الْمَسْجِدِ لِيُصَلُّوا عَلَى جِنَازَةٍ، فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ مَا صُلِّيَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ وَمِنْ طَرِيق ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ صُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَهَذِهِ أَسَانِيدُ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَفِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ، لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُ هَذَا أَصْلًا؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ شَهِدَ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا خِيَارُ الْأُمَّةِ، فَلَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ، فَأَيْنَ الْمُشَنِّعُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ -؟ : وَاحْتَجَّ مَنْ قَلَّدَ مَالِكًا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» . قَالَ: وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَضَايَقَ بِهِمْ الْمَكَانُ رَجَعُوا وَلَمْ يُصَلُّوا؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَيْمَنَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَأَعْرِفَنَّ مَا صَلَّيْت عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَيِّتُ جِيفَةٌ، وَيَنْبَغِي تَجْنِيبُ الْجِيَفِ الْمَسَاجِدَ؟ مَا نَعْلَمُ لَهُ شَيْئًا مَوَّهُوا بِهِ غَيْرَ هَذَا، وَهُوَ كُلُّهُ لَا شَيْءَ أَمَّا الْخَبَرُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ فَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ إلَّا صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، وَهُوَ سَاقِطٌ؟ وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا تَقْلِيدُ الْمَالِكِيِّينَ مَالِكًا دِينَهُمْ، فَإِذَا جَاءَتْ شَهَادَتُهُ الَّتِي لَا يَحِلُّ رَدُّهَا - لِثِقَتِهِ - اطَّرَحُوهَا وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهَا فَوَاخِلَافَاهُ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: نا
مسألة يبسط في القبر تحت الميت ثوب
أَبُو جَعْفَرٍ الدَّارِمِيُّ هُوَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ - نا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ هُوَ الزَّهْرَانِيُّ قَالَ: سَأَلْت مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. فَكَذَّبُوا مَالِكًا فِي تَجْرِيحِهِ صَالِحًا وَاحْتَجُّوا بِرِوَايَةِ صَالِحٍ فِي رَدِّ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ؟ وَأَمَّا الْمُنْكِرُونَ إدْخَالَ سَعْدٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ إلَّا تَجْهِيلُهُمْ، وَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، فَصَحَّ أَنَّهُمْ عَامَّةٌ جُهَّالٌ أَوْ أَعْرَابٌ كَذَلِكَ بِلَا شَكٍّ وَلَا يَصِحُّ لِكَثِيرِ بْنِ عَبَّاسٍ صُحْبَةٌ؟ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمَيِّتُ جِيفَةٌ، فَقَوْلُهُ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، بَلْ لَعَلَّهُ إنْ تَمَادَى عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَنَاقَضْ خَرَجَ إلَى الْكُفْرِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» فَبَطَلَ قَوْلُ هَذَا الْجَاهِلِ. وَصَحَّ أَنَّ الْمُؤْمِنَ: طَاهِرٌ طَيِّبٌ حَيًّا وَمَيِّتًا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. [مَسْأَلَةٌ يُبْسَط فِي الْقَبْرِ تَحْتَ الْمَيِّتِ ثَوْبٌ] 604 - مَسْأَلَةٌ - وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُبْسَطَ فِي الْقَبْرِ تَحْتَ الْمَيِّتِ ثَوْبٌ؟ لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا شُعْبَةُ نا أَبُو جَمْرَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بُسِطَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ» . وَرَوَاهُ أَيْضًا كَذَلِكَ وَكِيعٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ بِإِسْنَادِهِ؟ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا يُكْسَاهُ الْمَيِّتُ فِي كَفَنِهِ، وَقَدْ تَرَكَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْعَمَلَ فِي دَفْنِ رَسُولِهِ الْمَعْصُومِ مِنْ النَّاسِ. وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ، وَفَعَلَهُ خِيَرَةُ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِإِجْمَاعٍ مِنْهُمْ، لَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
مسألة تشييع الجنازة
وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ الْمَالِكِيُّونَ، وَهُمْ يَدَعُونَ فِي أَقَلِّ مِنْ هَذَا عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ تَرَكُوا عَمَلَهُمْ هُنَا، وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ، وَفِي حَدِيثِ صَخْرٍ: أَنَّهُ عَمَلُهُمْ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [مَسْأَلَةٌ تَشْيِيع الْجِنَازَةِ] 605 - مَسْأَلَةٌ وَحُكْمُ تَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ أَنْ يَكُونَ الرُّكْبَانُ خَلْفَهَا، وَأَنْ يَكُونَ الْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ، عَنْ يَمِينِهَا أَوْ شِمَالِهَا أَوْ أَمَامِهَا أَوْ خَلْفِهَا، وَأَحَبُّ ذَلِكَ إلَيْنَا خَلْفُهَا؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَا آنِفًا فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الطِّفْلِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا» . وَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: نا أَبُو الْوَلِيدِ هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - نا شُعْبَةُ عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: سَمِعْت مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْد بْنِ مُقَرِّنٍ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَفْظُ الِاتِّبَاعِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى التَّالِي، وَلَا يُسَمَّى الْمُتَقَدِّمُ تَابِعًا، بَلْ هُوَ مَتْبُوعٌ، فَلَوْلَا الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا، وَالْخَبَرُ الَّذِي رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِي نا أَبِي نا هَمَّامٌ هُوَ ابْنُ يَحْيَى - نا سُفْيَانُ وَمَنْصُورٌ وَزِيَادٌ كُلُّهُمْ ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ يَمْشُونَ بَيْنَ يَدَيْ الْجِنَازَةِ» : لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَشْيُ خَلْفَهَا فَرْضًا لَا يُجْزِي غَيْرُهُ، لِلْأَمْرِ الْوَارِدِ بِاتِّبَاعِهَا، وَلَكِنْ هَذَانِ الْخَبَرَانِ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَهَا نَدْبٌ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا بِنَسْخٍ، لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ كُلِّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ.
وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: أَنَّ خَبَرَ هَمَّامٍ هَذَا خَطَأٌ، وَلَكِنَّا لَا نَلْتَفِتُ إلَى دَعْوَى الْخَطَأِ فِي رِوَايَةِ الثِّقَةِ إلَّا بِبَيَانٍ لَا يُشَكُّ فِيهِ؟ وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحُمَيْدِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ؟ وَقَدْ جَاءَتْ آثَارٌ فِيهَا إيجَابُ الْمَشْيِ خَلْفَهَا، لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا أَبَا مَاجِدٍ الْحَنَفِيَّ، وَالْمُطَرِّحَ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زُحَرٍ وَكُلُّهُمْ ضُعَفَاءُ. وَفِي الصَّحِيحِ الَّذِي أَوْرَدْنَا كِفَايَةٌ، وَبِكُلِّ ذَلِكَ قَالَ السَّلَفُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَائِدَةَ بْنِ أَوْسٍ الْكِنْدِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْت مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي جِنَازَةٍ، وَعَلِيٌّ آخِذٌ بِيَدِي، وَنَحْنُ خَلْفَهَا، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَمَامَهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: إنَّ فَضْلَ الْمَاشِي خَلْفَهَا عَلَى الَّذِي يَمْشِي أَمَامَهَا كَفَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ، وَإِنَّهُمَا لَيَعْلَمَانِ مِنْ ذَلِكَ مَا أَعْلَمُ، وَلَكِنَّهُمَا يُسَهِّلَانِ عَلَى النَّاسِ وَبِهَذَا يَقُولُ سُفْيَانُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ: سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْمَشْيِ أَمَامَ الْجِنَازَةِ فَقَالَ: إنَّمَا أَنْتَ مُشَيِّعٌ، فَامْشِ إنْ شِئْت أَمَامَهَا، وَإِنْ شِئْت خَلْفَهَا، وَإِنْ شِئْت عَنْ يَمِينِهَا وَإِنْ شِئْت عَنْ يَسَارِهَا؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ: الْمَشْيُ وَرَاءَ الْجِنَازَةِ خَيْرٌ أَمْ أَمَامَهَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ مَالِكٌ: الْمَشْيُ أَمَامُ أَفْضَلُ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُهُ بِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ،
مسألة الميت بلع درهما أو دينارا أو لؤلؤة
وَعُمَرَ -: وَعَلِيٌّ، قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَجَعَلُوا ظَنَّ مَالِكٍ أَصْدَقَ مِنْ خَبَرِ عَلِيٍّ [مَسْأَلَةٌ الْمَيِّت بَلَعَ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا أَوْ لُؤْلُؤَةً] 606 - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ بَلَعَ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا أَوْ لُؤْلُؤَةً: شُقَّ بَطْنُهُ عَنْهَا، لِصِحَّةِ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْبَرَ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى أَخْذِ غَيْرِ عَيْنِ مَالِهِ، مَا دَامَ عَيْنُ مَالِهِ مُمْكِنًا، لِأَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ أَوْلَى بِحَقِّهِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» . فَلَوْ بَلَعَهُ وَهُوَ حَيٌّ حُبِسَ حَتَّى يَرْمِيَهُ، فَإِنْ رَمَاهُ نَاقِصًا ضَمِنَ مَا نَقَصَ، فَإِنْ لَمْ يَرْمِهِ: ضَمِنَ مَا بَلَعَ؟ وَلَا يَجُوزُ شَقُّ بَطْنِ الْحَيِّ، لِأَنَّ فِيهِ قَتْلَهُ، وَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَيِّتِ - وَلَا يَحِلُّ شَقُّ بَطْنِ الْمَيِّتِ بِلَا مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ تَعَدٍّ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190] . فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» . قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَمْ نَكْسِرْ لَهُ عَظْمًا، وَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُرِيدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّهْيَ عَنْ غَيْرِ كَسْرِ الْعَظْمِ فَلَا يَذْكُرُ ذَلِكَ وَيَذْكُرُ كَسْرَ الْعَظْمِ، وَلَوْ أَنَّ امْرَأً شَهِدَ عَلَى مَنْ شَقَّ بَطْنَ آخَرَ بِأَنَّهُ كَسَرَ عَظْمَهُ لَكَانَ شَاهِدَ زُورٍ، وَهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِهَذَا الِاحْتِجَاجِ، وَلِهَذَا الْقِيَاسِ، فَلَا يَرَوْنَ الْقَوَدَ، وَلَا الْأَرْشَ: عَلَى كَاسِرِ عَظْمِ الْمَيِّتِ؟ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ فِي عَظْمِ الْحَيِّ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَاتَتْ حَامِلٌ وَالْوَلَدُ حَيٌّ يَتَحَرَّكُ قَدْ تَجَاوَزَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ] 607 - مَسْأَلَةٌ وَلَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ حَامِلٌ وَالْوَلَدُ حَيٌّ يَتَحَرَّكُ قَدْ تَجَاوَزَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ يُشَقُّ بَطْنُهَا طُولًا وَيُخْرَجُ الْوَلَدُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]
مسألة تمني الموت
وَمَنْ تَرَكَهُ عَمْدًا حَتَّى يَمُوتَ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ. وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: تُدْخِلُ الْقَابِلَةُ يَدَهَا فَتُخْرِجُهُ، لِوَجْهَيْنِ -: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ مُحَالٌ لَا يُمْكِنُ، وَلَوْ فُعِلَ ذَلِكَ لَمَاتَ الْجَنِينُ بِيَقِينٍ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، وَلَوْلَا دَفْعُ الطَّبِيعَةِ الْمَخْلُوقَةِ الْمَقْدُورَةِ لَهُ وَجُرَّ لِيَخْرُجَ لَهَلَكَ بِلَا شَكٍّ. وَالثَّانِي - أَنَّ مَسَّ فَرْجِهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ حَرَامٌ. [مَسْأَلَةٌ تَمَنَّيْ الْمَوْت] 608 - مَسْأَلَةٌ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فِي الدُّنْيَا لَكِنْ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَخَبَّابٍ؟ فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101] فَلَيْسَ هَذَا عَلَى اسْتِعْجَالِ الْمَوْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، لَكِنْ عَلَى الدُّعَاءِ بِأَنْ لَا يَتَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا تَوَفَّاهُ إلَّا مُسْلِمًا، وَهَذَا ظَاهِرُ الْآيَةِ الَّذِي لَا تَزَيُّدَ فِيهِ [مَسْأَلَةٌ حَمْلُ النَّعْش] 609 - مَسْأَلَةٌ وَيُحْمَلُ النَّعْشُ كَمَا يَشَاءُ الْحَامِلُ، إنْ شَاءَ مِنْ أَحَدِ قَوَائِمِهِ، وَإِنْ شَاءَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ؟ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْمِلُهُ مِنْ قَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ. وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نا هُشَيْمٌ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ فِي جِنَازَةٍ فَحَمَلَ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ، ثُمَّ تَنَحَّى؟ ؟
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نَا حُمَيْدٍ عَنْ مِنْدَلٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إنْ اسْتَطَعْت فَابْدَأْ بِالْقَائِمَةِ الَّتِي تَلِي يَدَهُ الْيَمِينَ، ثُمَّ أَطِفْ بِالسَّرِيرِ، وَإِلَّا فَكُنْ قَرِيبًا مِنْهَا؟ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نِسْطَاسَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي أَبَاهُ -: مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلْيَحْمِلْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ كُلِّهَا، فَإِنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ ثُمَّ يَتَطَوَّعُ بَعْدُ إنْ شَاءَ أَوْ لِيَدَعْ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: نا حِبَّانُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنِي حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَبْدَأُ بِمَيَامِنِ السَّرِيرِ عَلَى عَاتِقِهِ الْيُمْنَى مِنْ مُقَدَّمِهِ، ثُمَّ الرِّجْلِ الْيُمْنَى، ثُمَّ الرَّجُلِ الْيُسْرَى، ثُمَّ الْيَدِ الْيُسْرَى؟ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ ثَوْرٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ جُشَيْبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَالُوا: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِنْ تَمَامِ أَجْرِ الْجِنَازَةِ أَنْ يُشَيِّعَهَا مِنْ أَهْلِهَا، وَأَنْ يَحْمِلَهَا بِأَرْكَانِهَا الْأَرْبَعِ، وَأَنْ يَحْثُوا فِي الْقَبْرِ؟ وَرُوِّينَا أَيْضًا ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ. قَالُوا: فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ: إنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ، وَلَا يُقَالُ: هَذَا إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا هَذَا الْقَوْلُ فَفَاسِدٌ، لِأَنَّ مِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا أَنْ يَأْتُوا إلَى قَوْلٍ لَمْ يَصِحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَلَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ الْقَطْعِ بِالْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِهِ، ثُمَّ لَا يَلْتَفِتُونَ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّابِتِ عَنْهُ فِي قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إنَّهَا السُّنَّةُ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَصْدِيقُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا، بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا
صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُضِيفَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا بِالظَّنِّ فَيَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ. وَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ إلَّا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَعَنْ مِنْدَلٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ؟ وَأَمَّا خَبَرَا ابْنِ مَسْعُودٍ فَمُنْقَطِعَانِ؛ لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَا يَذْكُرُ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا، وَعَامِرُ بْنُ جُشَيْبٍ غَيْرُ مَشْهُورٍ وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِهِ: خِلَافُ هَذَا؟ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهِكَ قَالَ: خَرَجْت مَعَ جِنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَرَأَيْت ابْنَ عُمَرَ جَاءَ فَقَامَ بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ فِي مُقَدَّمِ السَّرِيرِ، فَوَضَعَ السَّرِيرَ عَلَى كَاهِلِهِ، فَلَمَّا وُضِعَ لِيُصَلَّى عَلَيْهِ خَلَّى عَنْهُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الْمِهْزَمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَنْ حَمَلَ الْجِنَازَةَ ثَلَاثًا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ. فَإِذْ لَيْسَ فِي حَمْلِهَا نَصٌّ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا اخْتِيَارَ فِي ذَلِكَ. وَكَيْفَمَا
مسألة صلاة الغائب
حَمَلَهَا الْحَامِلُ أَجْزَأَهُ. [مَسْأَلَةٌ صَلَاة الْغَائِبِ] 610 - مَسْأَلَةٌ وَيُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ الْغَائِبِ بِإِمَامٍ وَجَمَاعَةٍ. قَدْ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّجَاشِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ - وَصَلَّى مَعَهُ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ صُفُوفًا» ، وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْهُمْ لَا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ؟ [مَسْأَلَةٌ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ] 611 - مَسْأَلَةٌ وَيُصَلَّى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، بَرٍّ، أَوْ فَاجِرٍ، مَقْتُولٍ فِي حَدٍّ، أَوْ فِي حِرَابَةٍ، أَوْ فِي بَغْيٍ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ، وَغَيْرُهُ - وَلَوْ أَنَّهُ شَرُّ مَنْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، إذَا مَاتَ مُسْلِمًا لِعُمُومِ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» وَالْمُسْلِمُ صَاحِبٌ لَنَا. قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] . فَمَنْ مَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى مُسْلِمٍ فَقَدْ قَالَ قَوْلًا عَظِيمًا، وَإِنَّ الْفَاسِقَ لَأَحْوَجُ إلَى دُعَاءِ إخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْفَاضِلِ الْمَرْحُومِ؟ وَقَالَ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ عَلَى " مَاعِزٍ "؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَمْ نَقُلْ إنَّ فَرْضًا عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مَنْ رُجِمَ، إنَّمَا قُلْنَا: لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْمَوْتَى، وَلَهُ أَنْ يُتْرَكَ كَسَائِرِ الْمَوْتَى، وَلَا فَرْقَ - وَقَدْ أَمَرَهُمْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَخُصَّ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يَرْجُمْهُ مِمَّنْ رَجَمَهُ وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ نا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ «مَاتَ رَجُلٌ بِخَيْبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صَلُّوا
عَلَى صَاحِبِكُمْ، إنَّهُ قَدْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ، فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ، لَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَؤُلَاءِ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ - الْمُخَالِفُونَ لَنَا فِي هَذَا الْمَكَانِ - لَا يَرَوْنَ امْتِنَاعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَالِّ حُجَّةً فِي الْمَنْعِ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ عَلَى الْغَالِّ، فَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى " مَاعِزٍ " حُجَّةً فِي الْمَنْعِ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْمَرْجُومِ الْإِمَامُ؟ وَكِلَاهُمَا تَرْكٌ وَتَرْكٌ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ فَكَيْفَ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى مَنْ رُجِمَ؟ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ نا خَالِدُ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - نا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إنِّي زَنَيْتُ - وَهِيَ حُبْلَى - فَدَفَعَهَا إلَى وَلِيِّهَا، وَقَالَ لَهُ: أَحْسِنْ إلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا، فَأَمَرَ بِهَا فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ رَجَمَهَا، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا وَقَدْ زَنَتْ؟ قَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدَتْ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا» . فَقَدْ صَلَّى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى مَنْ رُجِمَ فَإِنْ قِيلَ: تَابَتْ؟ قُلْنَا: وَ " مَاعِزٌ " تَابَ أَيْضًا وَلَا فَرْقَ وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِنْ مَنْعِهِمْ الْإِمَامَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ أَمَرَ بِرَجْمِهِ، وَلَا يَمْنَعُونَ الْمُتَوَلِّينَ لِلرَّجْمِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ: فَأَيْنَ الْقِيَاسُ لَوْ دَرَوْا مَا الْقِيَاسُ؟
وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ إذْ رَجَمَ شُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةَ قَالَ لِأَوْلِيَائِهَا: اصْنَعُوا بِهَا كَمَا تَصْنَعُونَ بِمَوْتَاكُمْ؟ وَصَحَّ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى وَلَدِ الزِّنَى، وَعَلَى أُمِّهِ، وَعَلَى الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَعَلَى الَّذِي يُقَادُ مِنْهُ، وَعَلَى الْمَرْجُومِ، وَاَلَّذِي يَفِرُّ مِنْ الزَّحْفِ فَيُقْتَلُ. قَالَ عَطَاءٌ: لَا أَدَعُ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. قَالَ تَعَالَى: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113] قَالَ عَطَاءٌ: فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ؟ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَسَأَلْت عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ فَقَالَ: مِثْلَ قَوْلِ عَطَاءٍ وَصَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَكُونُوا يَحْجُبُونَ الصَّلَاةَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَاَلَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَأَنَّهُ قَالَ: السُّنَّةُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْمَرْجُومِ. فَلَمْ يَخُصَّ إمَامًا مِنْ غَيْرِهِ؟ وَصَحَّ عَنْ قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِنْ كَانَ رَجُلَ سَوْءٍ جِدًّا فَقُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُؤْمِنَاتِ - مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ اجْتَنَبَ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ وَصَحَّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: مَا أَدْرَكْت أَحَدًا يَتَأَثَّمُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ. وَصَحَّ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: يُصَلَّى عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَصَلَّى إلَى الْقِبْلَةِ، إنَّمَا هِيَ شَفَاعَةٌ؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي هِلَالٍ عَنْ أَبِي غَالِبٍ قُلْت لِأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ: الرَّجُلُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، أَيُصَلَّى عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَعَلَّهُ اضْطَجَعَ مَرَّةً عَلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَغُفِرَ لَهُ؟ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ: أَيُصَلَّى عَلَيْهِ؟
مسألة عيادة مرضى المسلمين
فَقَالَ: لَوْ كَانَ يَعْقِلُ مَا قَتَلَ نَفْسَهُ وَصَحَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ: مَا مَاتَ فِيكُمْ مُذْ كَذَا وَكَذَا أَحْوَجُ إلَى اسْتِغْفَارِكُمْ مِنْهُ؟ وَقَدْ رُوِّينَا فِي هَذَا خِلَافًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، أَنَّهُ شَهِدَ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى عَلَى وَلَدِ زِنًى، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: هُوَ شَرُّ الثَّلَاثَةِ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: هُوَ خَيْرُ الثَّلَاثَةِ وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي عَلَى وَلَدِ زِنًى، صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: لَا يُصَلَّى عَلَى الْمَرْجُومِ، وَيُصَلَّى عَلَى الَّذِي يُقَادُ مِنْهُ، إلَّا مَنْ أُقِيدَ مِنْهُ فِي رَجْمٍ - فَلَمْ يَخُصَّ الزُّهْرِيُّ إمَامًا مِنْ غَيْرِهِ وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي فَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ سَلَفًا مِنْ صَاحِبٍ، أَوْ تَابِعٍ فِي هَذَا الْقَوْلِ؟ وَقَوْلُنَا هَذَا هُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَقَدْ رَجَّانَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعَفْوِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى نَقُولَ قَدْ فُزْنَا. وَلَقَدْ خَوَّفَنَا عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ هَلَكْنَا، إلَّا أَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنْ لَا خُلُودَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي النَّارِ - وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ خَيْرًا قَطُّ غَيْرَ شَهَادَةِ الْإِسْلَامِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، وَلَا امْتَنَعَ مِنْ شَرٍّ قَطُّ غَيْرَ الْكُفْرِ، وَلَعَلَّهُ قَدْ تَابَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَسَبَقَ الْمُجْتَهِدِينَ، أَوْ لَعَلَّ لَهُ حَسَنَاتٍ لَا نَعْلَمُهَا تَغْمُرُ سَيِّئَاتِهِ فَمَنْ صَلَّى عَلَى مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، أَوْ عَلَى ظَالِمٍ لِلْمُسْلِمِينَ مُتَبَلِّغٍ فِيهِمْ، أَوْ عَلَى مَنْ لَهُ قِبَلَهُ مَظَالِمُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَغْفِرَهَا لَهُ -: فَلْيَدْعُ لَهُ كَمَا يَدْعُو لِغَيْرِهِ، وَهُوَ يُرِيدُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ أَمْرُهُ بَعْدَ الْقِصَاصِ، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ خُذْ لِي بِحَقِّي مِنْهُ [مَسْأَلَةٌ عِيَادَةُ مَرْضَى الْمُسْلِمِينَ] 612 - مَسْأَلَةٌ وَعِيَادَةُ مَرْضَى الْمُسْلِمِينَ فَرْضٌ - وَلَوْ مَرَّةً - عَلَى الْجَارِ الَّذِي لَا
مسألة الطاعون إذا وقع في بلد
يَشُقُّ عَلَيْهِ عِيَادَتُهُ، وَلَا نَخُصُّ مَرَضًا مِنْ مَرَضٍ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: نا مُحَمَّدُ هُوَ ابْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ - نا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي، سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ نا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: «عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي» وَقَدْ «عَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ - عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ غُلَامًا مِنْ الْيَهُودِ مَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فَنَظَرَ إلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ؟ فَأَسْلَمَ، فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ» . فَعِيَادَةُ الْكَافِرِ فِعْلٌ حَسَنٌ؟ [مَسْأَلَةٌ الطَّاعُونِ إذَا وَقَعَ فِي بَلَدٍ] 613 - مَسْأَلَةٌ وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَهْرُبَ أَحَدٌ عَنْ الطَّاعُونِ إذَا وَقَعَ فِي بَلَدٍ هُوَ فِيهِ؟ وَمُبَاحٌ لَهُ الْخُرُوجُ لِسَفَرِهِ الَّذِي كَانَ يَخْرُجُ فِيهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ الطَّاعُونُ وَلَا يَحِلُّ الدُّخُولُ إلَى بِلَادٍ فِيهِ الطَّاعُونُ لِمَنْ كَانَ خَارِجًا عَنْهُ حَتَّى يَزُولَ؟ وَالطَّاعُونُ هُوَ الْمَوْتُ الَّذِي كَثُرَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ كَثْرَةً خَارِجَةً عَنْ الْمَعْهُودِ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الْحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا
مسألة تأخير الدفن
تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ فِي أَرْضٍ وَأَنْتُمْ فِيهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمْ يَنْهَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ الْخُرُوجِ إلَّا بِنِيَّةِ الْفِرَارِ مِنْهُ فَقَطْ؟ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - إبَاحَةَ الْفِرَارِ عَنْهُ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [مَسْأَلَةٌ تَأْخِير الدَّفْنِ] 614 - مَسْأَلَةٌ وَنَسْتَحِبُّ تَأْخِيرَ الدَّفْنِ وَلَوْ يَوْمًا وَلَيْلَةً، مَا لَمْ يُخَفْ عَلَى الْمَيِّتِ التَّغْيِيرُ، لَا سِيَّمَا مَنْ تَوَقَّعَ أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ. وَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ضَحْوَةً، وَدُفِنَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ؟ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَالِمٍ الْخَيَّاطِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: يُنْتَظَرُ بِالْمَصْعُوقِ ثَلَاثًا؟ . [مَسْأَلَةٌ جَعَلُ الْمَيِّت فِي قَبْرِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْيَمِينِ] 615 - مَسْأَلَةٌ وَيُجْعَلُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْيَمِينِ، وَوَجْهُهُ قُبَالَةَ الْقِبْلَةِ، وَرَأْسُهُ وَرِجْلَاهُ إلَى يَمِينِ الْقِبْلَةِ، وَيَسَارِهَا، عَلَى هَذَا جَرَى عَمَلُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَهَكَذَا كُلُّ مَقْبَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ؟
مسألة توجيه الميت إلى القبلة
[مَسْأَلَةٌ تَوْجِيهُ الْمَيِّتِ إلَى الْقِبْلَةِ] مَسْأَلَةٌ وَتَوْجِيهُ الْمَيِّتِ إلَى الْقِبْلَةِ حَسَنٌ، فَإِنْ لَمْ يُوَجَّهْ فَلَا حَرَجَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] . وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِتَوْجِيهِهِ إلَى الْقِبْلَةِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلْت الشَّعْبِيَّ، عَنْ الْمَيِّتِ يُوَجَّهُ إلَى الْقِبْلَةِ؟ فَقَالَ: إنْ شِئْت فَوَجِّهْهُ، وَإِنْ شِئْت فَلَا تُوَجِّهْهُ، وَلَكِنْ اجْعَلْ الْقَبْرَ إلَى الْقِبْلَةِ، قَبْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبْرُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَبْرُ عُمَرَ إلَى الْقِبْلَةِ؟ -: وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ مُسْتَلْقٍ - فَقَالَ: وَجِّهُوهُ إلَى الْقِبْلَةِ، فَغَضِبَ سَعِيدٌ وَقَالَ: أَلَسْت إلَى الْقِبْلَةِ؟ [مَسْأَلَةٌ تَغْسِيلُ الْمَرْأَة زَوْجَهَا] 617 - مَسْأَلَةٌ وَجَائِزٌ أَنْ تُغَسِّلَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، وَأُمُّ الْوَلَدِ سَيِّدَهَا، وَإِنْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِالْوِلَادَةِ، مَا لَمْ تُنْكَحَا، فَإِنْ نُكِحَتَا لَمْ يَحِلَّ لَهُمَا غُسْلُهُ إلَّا كَالْأَجْنَبِيَّاتِ وَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يُغَسِّلَ امْرَأَتَهُ، وَأُمَّ وَلَدِهِ، وَأَمَتَهُ، مَا لَمْ يَتَزَوَّجْ حَرِيمَتَهَا، أَوْ يَسْتَحِلَّ حَرِيمَتَهَا بِالْمِلْكِ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ غَسْلُهَا؟ وَلَيْسَ لِلْأَمَةِ أَنْ تُغَسِّلَ سَيِّدَهَا أَصْلًا، لِأَنَّ مِلْكَهَا بِمَوْتِهِ انْتَقَلَ إلَى غَيْرِهِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: 12] : فَسَمَّاهَا زَوْجَةً بَعْدَ مَوْتِهَا وَهِيَ - إنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ - امْرَأَتُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَكَذَلِكَ أُمُّ وَلَدِهِ، وَأَمَتُهُ، وَكَانَ حَلَالًا لَهُ رُؤْيَةُ أَبْدَانِهِنَّ فِي الْحَيَاةِ وَتَقْبِيلُهُنَّ وَمَسُّهُنَّ، فَكُلُّ ذَلِكَ بَاقٍ عَلَى التَّحْلِيلِ فَمَنْ ادَّعَى تَحْرِيمَ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ فَقَوْلٌ بَاطِلٍ إلَّا بِنَصٍّ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ وَأَمَّا إذَا تَزَوَّجَ حَرِيمَتَهَا، أَوْ تَمَلَّكَهَا، أَوْ تَزَوَّجَتْ هِيَ -: فَحَرَامٌ عَلَيْهِ الِاطِّلَاعُ عَلَى بَدَنَيْهِمَا مَعًا، لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا. وَكَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى الْمَرْأَةِ التَّلَذُّذُ بِرُؤْيَةِ بَدَنِ رَجُلَيْنِ مَعًا؟ وَقَوْلُنَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُغَسِّلُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّةٍ مِنْهُ، وَلَا يُغَسِّلُهَا هُوَ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الرَّقِّيِّ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ دَاوُد
بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرَّجُلُ أَحَقُّ بِغُسْلِ امْرَأَتِهِ وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: إنِّي لَأُغَسِّلُ نِسَائِي، وَأَحُولُ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ أُمَّهَاتِهِنَّ وَبَنَاتِهِنَّ وَأَخَوَاتِهِنَّ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ سَمِعْت حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ يَقُولُ: إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ الْقَوْمِ فَالْمَرْأَةُ تُغَسِّلُ زَوْجَهَا، وَالرَّجُلُ امْرَأَتَهُ؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ هُوَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: الرَّجُلُ أَحَقُّ أَنْ يُغَسِّلَ امْرَأَتَهُ مِنْ أَخِيهَا؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: يُغَسِّلُهَا زَوْجُهَا إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُغَسِّلُهَا وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: يُغَسِّلُ كُلٌّ صَاحِبَهُ - يَعْنِي الزَّوْجَ، وَالزَّوْجَةَ - بَعْدَ الْمَوْتِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلُ أُمَّ وَلَدِهِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عَوْفٍ هُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ -: أَنَّهُ شَهِدَ قَسَامَةَ بْنَ زُهَيْرٍ وَأَشْيَاخًا أَدْرَكُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَدْ أَتَاهُمْ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ امْرَأَتَهُ مَاتَتْ فَأَمَرَتْهُ أَنْ لَا يُغَسِّلَهَا غَيْرُهُ؟ فَغَسَّلَهَا، فَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ أَنْكَرَ ذَلِكَ؟ وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ: يُغَسِّلُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ رِجَالٍ لَيْسَ فِيهِمْ امْرَأَةٌ فَإِنَّ زَوْجَهَا يُغَسِّلُهَا؟ وَالْحَنَفِيُّونَ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَقَدْ خَالَفُوهُ وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ غَسَّلَ فَاطِمَةَ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ؟ فَاعْتَرَضُوا عَلَى ذَلِكَ بِرِوَايَةٍ لَا تَصِحُّ: أَنَّهَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - اغْتَسَلَتْ قَبْلَ مَوْتِهَا وَأَوْصَتْ أَلَّا تُحَرَّكَ، فَدُفِنَتْ بِذَلِكَ الْغُسْلِ.
مسألة مات بين نساء لا رجل معهن
وَهَذَا عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ خَالَفُوا فِي هَذَا أَيْضًا عَلِيًّا، وَفَاطِمَةَ، بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ؟ فَإِنْ ذَكَرُوا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: مَاتَتْ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ، فَقَالَ: أَنَا كُنْت أَوْلَى بِهَا إذْ كَانَتْ حَيَّةً، فَأَمَّا الْآنَ فَأَنْتُمْ أَوْلَى بِهَا؟ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا خَاطَبَ بِذَلِكَ، أَوْلِيَاءَهَا فِي إدْخَالِهَا الْقَبْرَ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ لَا يَجُوزُ لَهُمْ غَسْلُهَا، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ بِلَفْظِ خِطَابِ الْمُذَكَّرِ، وَلَوْ خَاطَبَ النِّسَاءَ لَقَالَ: أَنْتُنَّ أَوْلَى بِهَا، وَعُمَرُ لَا يَلْحَنُ؟ [مَسْأَلَةٌ مَاتَ بَيْنَ نِسَاءٍ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ] 618 - مَسْأَلَةٌ فَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسَاءٍ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ، أَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ بَيْنَ رِجَالٍ لَا نِسَاءَ مَعَهُمْ -: غَسَّلَ النِّسَاءُ الرَّجُلَ وَغَسَّلَ الرِّجَالُ الْمَرْأَةَ عَلَى ثَوْبٍ كَثِيفٍ، يُصَبُّ الْمَاءُ عَلَى جَمِيعِ الْجَسَدِ دُونَ مُبَاشَرَةِ الْيَدِ، لِأَنَّ الْغُسْلَ فَرْضٌ كَمَا قَدَّمْنَا، وَهُوَ مُمْكِنٌ كَمَا ذَكَرْنَا بِلَا مُبَاشَرَةٍ، فَلَا يَحِلُّ تَرْكُهُ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي صَبِّ الْمَاءِ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَوِّضَ التَّيَمُّمَ مِنْ الْغُسْلِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَرُوِّينَا أَثَرًا فِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ مَكْحُولٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يُيَمَّمَانِ» وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ضَعِيفٌ، فَهُوَ سَاقِطٌ وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِنَا هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ قَالَا جَمِيعًا: تُغَسَّلُ وَعَلَيْهَا الثِّيَابُ، يَعْنِيَانِ فِي الْمَرْأَةِ تَمُوتُ بَيْنَ رِجَالٍ لَا امْرَأَةَ مَعَهُمْ وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ، وَزِيَادٍ الْأَعْلَمِ، وَالْحَجَّاجِ: قَالَ حُمَيْدٍ، وَزِيَادٌ: عَنْ الْحَسَنِ، وَقَالَ الْحَجَّاجُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، قَالَا جَمِيعًا - فِي الْمَرْأَةِ تَمُوتُ مَعَ رِجَالٍ لَيْسَ مَعَهُمْ امْرَأَةٌ -: أَنَّهَا يُصَبُّ عَلَيْهَا الْمَاءُ مِنْ وَرَاءِ الثِّيَابِ وَالْعَجَبُ أَنَّ الْقَائِلِينَ أَنَّهَا تُيَمَّمُ: فَرُّوا مِنْ الْمُبَاشَرَةِ خَلْفَ ثَوْبٍ وَأَبَاحُوهَا عَلَى الْبَشَرَةِ
مسألة رفع اليدين في الصلاة على الجنازة
وَهَذَا جَهْلٌ شَدِيدٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ] 619 - مَسْأَلَةٌ وَلَا تُرْفَعُ الْيَدَانِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ إلَّا فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِرَفْعِ الْأَيْدِي فِيمَا عَدَا ذَلِكَ نَصٌّ؟ وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِنَا هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ؟ وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَفْعُ الْأَيْدِي لِكُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِالْقِيَاسِ أَنْ يَرْفَعَهَا فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ قِيَاسًا عَلَى التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى. [مَسْأَلَةٌ كَانَتْ أَظْفَارُ الْمَيِّتِ وَافِرَةً أَوْ شَارِبُهُ وَافِيًا أَوْ عَانَتُهُ] 620 - مَسْأَلَةٌ وَإِنْ كَانَتْ أَظْفَارُ الْمَيِّتِ وَافِرَةً، أَوْ شَارِبُهُ وَافِيًا، أَوْ عَانَتُهُ: أَخَذَ كُلَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّصَّ قَدْ وَرَدَ وَصَحَّ بِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الْفِطْرَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجَهَّزَ إلَى رَبِّهِ تَعَالَى إلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ حَلَقَ عَانَةَ مَيِّتٍ وَهُمْ يُعَظِّمُونَ مُخَالَفَةَ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَهَذَا صَاحِبٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ؟ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الْحَسَنِ: فِي شَعْرِ عَانَةِ الْمَيِّتِ إنْ كَانَ وَافِرًا، قَالَ: يُؤْخَذُ مِنْهُ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنْ قَالَ: فَإِنْ كَانَ أَقْلَفَ أَيُخْتَنُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا؟ وَالْخِتَانُ مِنْ الْفِطْرَةِ فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ لَا تَرَوْنَ أَنْ يُطَهَّرَ لِلْجَنَابَةِ إنْ مَاتَ مُجْنِبًا، وَلَا لِلْحَيْضِ إنْ مَاتَتْ حَائِضًا، وَلَا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ إنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَمَا الْفَرْقُ؟
مسألة إدخال الميت القبر
قُلْنَا: الْفَرْقُ أَنَّ هَذِهِ الْأَغْسَالَ مَأْمُورٌ بِهَا كُلُّ أَحَدٍ فِي نَفْسِهِ، وَلَا تَلْزَمُ مَنْ لَا يُخَاطَبُ: كَالْمَجْنُونِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالصَّغِيرِ. وَقَدْ سَقَطَ الْخِطَابُ عَنْ الْمَيِّتِ وَأَمَّا قَصُّ الشَّارِبِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَالْإِبْطِ، وَالْخِتَانِ: فَالنَّصُّ جَاءَنَا بِأَنَّهَا مِنْ الْفِطْرَةِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِهَا الْمَرْءُ فِي نَفْسِهِ، بَلْ الْكُلُّ مَأْمُورُونَ بِهَا، فَيَعْمَلُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِالْمَجْنُونِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالصَّغِيرِ؟ [مَسْأَلَةٌ إدْخَالُ الْمَيِّت الْقَبْرَ] 621 - مَسْأَلَةٌ وَيُدْخَلُ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ كَيْفَ أَمْكَنَ، إمَّا مِنْ الْقِبْلَةِ، أَوْ مِنْ دُبُرِ الْقِبْلَةِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ أَوْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، إذْ لَا نَصَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَدْخَلَ يَزِيدَ بْنَ الْمُكَفَّفِ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ. وَعَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ أَدْخَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ. وَصَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَدْخَلَ الْحَارِثَ الْخَارِفِيَّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْ الْقَبْرِ. وَرَوَى قَوْمٌ مُرْسَلَاتٍ لَا تَصِحُّ فِي إدْخَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أُدْخِلَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ» . وَعَنْ رَبِيعَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أُدْخِلَ مِنْ قِبَلِ الرِّجْلَيْنِ» . وَكُلُّ هَذَا لَوْ صَحَّ لَمْ تَقُمْ بِهِ حُجَّةٌ فِي الْوُجُوبِ، فَكَيْفَ وَهُوَ لَا يَصِحُّ؟ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَنْعٌ مِمَّا سِوَاهُ. [مَسْأَلَةٌ التَّزَاحُمُ عَلَى النَّعْشِ] 622 - مَسْأَلَةٌ وَلَا يَجُوزُ التَّزَاحُمُ عَلَى النَّعْشِ، لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ لَمْ تَكُنْ قَبْلُ، وَقَدْ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرِّفْقِ» . رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ نا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ
مسألة فوات بعض التكبيرات على الجنازة
جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ» . وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّهُ كَرِهَ الزِّحَامَ عَلَى السَّرِيرِ، وَكَانَ إذَا رَآهُمْ يَزْدَحِمُونَ قَالَ: أُولَئِكَ الشَّيَاطِينُ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْت جِنَازَةً فِيهَا أَبُو السِّوَارِ هُوَ حُرَيْثُ بْنُ حَسَّانَ الْعَدَوِيُّ فَازْدَحَمُوا عَلَى السَّرِيرِ، فَقَالَ أَبُو السِّوَارِ: أَتَرَوْنَ هَؤُلَاءِ أَفْضَلَ أَوْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إذَا رَأَى مَحْمَلًا حَمَلَ، وَإِلَّا اعْتَزَلَ وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا. [مَسْأَلَةٌ فَوَاتُ بَعْضِ التَّكْبِيرَاتِ عَلَى الْجِنَازَةِ] 623 - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ فَاتَهُ بَعْضُ التَّكْبِيرَاتِ عَلَى الْجِنَازَةِ كَبَّرَ سَاعَةَ يَأْتِي، وَلَا يَنْتَظِرُ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ أَتَمَّ هُوَ مَا بَقِيَ مِنْ التَّكْبِيرِ، يَدْعُو بَيْنَ تَكْبِيرَةٍ وَتَكْبِيرَةٍ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ مَعَ الْإِمَامِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَنْ أَتَى إلَى الصَّلَاةِ أَنْ يُصَلِّيَ مَا أَدْرَكَ وَيُتِمَّ مَا فَاتَهُ، وَهَذِهِ صَلَاةٌ، وَمَا عَدَا هَذَا فَقَوْلٌ فَاسِدٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، لَا مِنْ نَصٍّ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
كتاب الاعتكاف
[كِتَابُ الِاعْتِكَافِ] [مَسْأَلَةٌ اعْتِكَافُ يَوْمٍ دُونَ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ دُونَ يَوْمٍ] ِ الِاعْتِكَافُ: هُوَ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سَاعَةً فَمَا فَوْقَهَا، لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا؟ 624 - مَسْأَلَةٌ وَيَجُوزُ اعْتِكَافُ يَوْمٍ دُونَ لَيْلَةٍ، وَلَيْلَةٍ دُونَ يَوْمٍ، وَمَا أَحَبَّ الرَّجُلُ، أَوْ الْمَرْأَةُ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ» . فَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وَبِالْعَرَبِيَّةِ خَاطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَالِاعْتِكَافُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: الْإِقَامَةُ، قَالَ تَعَالَى: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52] بِمَعْنَى مُقِيمُونَ مُتَعَبِّدُونَ لَهَا. فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا، فَكُلُّ إقَامَةٍ فِي مَسْجِدٍ لِلَّهِ تَعَالَى بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ: اعْتِكَافٌ، وَعُكُوفٌ؟ فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا، فَالِاعْتِكَافُ يَقَعُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِمَّا قَلَّ مِنْ الْأَزْمَانِ أَوْ كَثُرَ، إذْ
لَمْ يَخُصَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ عَدَدًا مِنْ عَدَدٍ، وَلَا وَقْتًا مِنْ وَقْتٍ، وَمُدَّعِي ذَلِكَ مُخْطِئٌ؛ لِأَنَّهُ قَائِلٌ بِلَا بُرْهَانٍ وَالِاعْتِكَافُ: فِعْلٌ حَسَنٌ، قَدْ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَزْوَاجُهُ وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بَعْدَهُ وَالتَّابِعُونَ؟ وَمِمَّنْ قَالَ بِمِثْلِ هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ -: كَمَا أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدٍ الْبُصَيْرِيُّ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: مَنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ طَاهِرٌ فَهُوَ عَاكِفٌ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ -: وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْت عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يُخْبِرُ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: إنِّي لَأَمْكُثُ فِي الْمَسْجِدِ سَاعَةً وَمَا أَمْكُثُ إلَّا لِأَعْتَكِفَ. قَالَ عَطَاءٌ: حَسِبْت أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَنِيهِ؟ قَالَ عَطَاءٌ: هُوَ اعْتِكَافٌ مَا مَكَثَ فِيهِ، وَإِنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ احْتِسَابَ الْخَيْرِ فَهُوَ مُعْتَكِفٌ، وَإِلَّا فَلَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَعْلَى صَاحِبٌ، وَسُوَيْدٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، أَفْتَى أَيَّامَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، لَا يُعْرَفُ لِيَعْلَى فِي هَذَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ، وَهَذَا خِلَافٌ لِقَوْلِ يَعْلَى؟ قُلْنَا: لَيْسَ كَمَا تَقُولُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ قَطُّ عَمَّنْ ذَكَرْت: لَا اعْتِكَافَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ كَامِلٍ، إنَّمَا جَاءَ عَنْهُمْ: أَنَّ الصَّوْمَ وَاجِبٌ فِي حَالِ الِاعْتِكَافِ فَقَطْ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْتَكِفَ الْمَرْءُ عَلَى هَذَا سَاعَةً فِي يَوْمٍ هُوَ فِيهِ صَائِمٌ. وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، فَبَطَلَ مَا أَوْهَمْتُمْ بِهِ وقَوْله تَعَالَى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] فَلَمْ يَخُصَّ تَعَالَى مُدَّةً مِنْ مُدَّةٍ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] .
مسألة صوم المعتكف
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - قَالَ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ» . فَهَذَا عُمُومٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ فِي الِاعْتِكَافِ، وَلَمْ يَخُصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُدَّةً مِنْ مُدَّةٍ، فَبَطَلَ قَوْلٌ خَالَفَ قَوْلَنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ وَقُلْنَا: هَذَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا اعْتِكَافَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: لَا اعْتِكَافَ أَقَلَّ مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ. وَلَهُ قَوْلٌ: لَا اعْتِكَافَ أَقَلَّ مِنْ سَبْعِ لَيَالٍ، مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ. وَكُلُّ هَذَا قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ. فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَعْتَكِفْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَلَّ مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَمْ يَعْتَكِفْ قَطُّ فِي غَيْرِ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، فَلَا تُجِيزُوا الِاعْتِكَافَ فِي غَيْرِ مَسْجِدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا اعْتَكَفَ قَطُّ إلَّا فِي رَمَضَانَ، وَشَوَّالٍ، فَلَا تُجِيزُوا الِاعْتِكَافَ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ؟ وَالِاعْتِكَافُ فِي فِعْلِ خَيْرٍ، فَلَا يَجُوزُ الْمَنْعُ مِنْهُ إلَّا بِنَصٍّ وَارِدٍ بِالْمَنْعِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا عَلَى مَسْجِدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَائِرَ الْمَسَاجِدِ؟ قِيلَ لَهُمْ: فَقِيسُوا عَلَى اعْتِكَافِهِ عَشْرًا، أَوْ عِشْرِينَ: مَا دُونَ الْعَشْرِ. وَمَا فَوْقَ الْعِشْرِينَ، إذْ لَيْسَ مِنْهَا سَاعَةٌ وَلَا يَوْمٌ إلَّا وَهُوَ فِيهِ مُعْتَكِفٌ [مَسْأَلَةٌ صَوْمُ الْمُعْتَكِف] 625 - مَسْأَلَةٌ وَلَيْسَ الصَّوْمُ مِنْ شُرُوطِ الِاعْتِكَافِ، لَكِنْ إنْ شَاءَ الْمُعْتَكِفُ صَامَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْ. وَاعْتِكَافُ: يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ: حَسَنٌ. وَكَذَلِكَ اعْتِكَافُ: لَيْلَةٍ بِلَا يَوْمٍ، وَيَوْمٍ بِلَا لَيْلَةٍ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ - عَنْ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِي اعْتِكَافٌ، فَسَأَلْت عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهَا صِيَامٌ إلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهَا. فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَنْ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَنْ عُمَرَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَظُنُّهُ قَالَ: فَعَنْ عُثْمَانَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ أَبُو سُهَيْلٍ: لَقِيت طَاوُسًا، وَعَطَاءً، فَسَأَلْتهمَا؟ فَقَالَ طَاوُسٍ: كَانَ فُلَانٌ لَا يَرَى عَلَيْهَا صِيَامًا إلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهَا، وَقَالَ عَطَاءٌ: لَيْسَ عَلَيْهَا صِيَامٌ إلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهَا وَبِهِ إلَى سَعِيدٍ: نا حِبَّانُ بْنُ عَلِيٍّ نا لَيْثٌ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ: أَنَّ عَلِيًّا، وَابْنَ مَسْعُودٍ قَالَا جَمِيعًا: الْمُعْتَكِفُ لَيْسَ عَلَيْهِ صَوْمٌ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ؟ وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُحَمَّدٌ الْقَلَعِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّوَّافُ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى بْنِ صَالِحِ بْنِ عُمَيْرَةَ نا أَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ نا أَبُو سُهَيْلِ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: اجْتَمَعْت أَنَا وَابْنُ شِهَابٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ عَلَى امْرَأَتِي اعْتِكَافُ ثَلَاثٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا يَكُونُ اعْتِكَافٌ إلَّا بِصَوْمٍ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَمِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمِنْ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمِنْ عُمَرَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمِنْ عُثْمَانَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ أَبُو سُهَيْلٍ: فَانْصَرَفْت فَلَقِيت طَاوُسًا، وَعَطَاءً، فَسَأَلْتهمَا عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ طَاوُسٍ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرَى عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامًا إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ. قَالَ عَطَاءٌ: ذَلِكَ رَأْيِي؟
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: الْمُعْتَكِفُ إنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نَا عَبْدَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صَوْمٌ لَا أَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ. وَصَحَّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالزُّهْرِيِّ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ عَنْ طَاوُسٍ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَصَحَّ عَنْهُمَا كِلَا الْأَمْرَيْنِ؟ كَتَبَ إلَى دَاوُد بْنِ بَابْشَاذَ بْنِ دَاوُد الْمَصْرِيِّ قَالَ: نا عَبْدُ الْغَنِيّ بْنُ سَعِيدٍ الْحَافِظُ نا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ الرُّعَيْنِيُّ نا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ نا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ قَالَا جَمِيعًا: لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: مَنْ اعْتَكَفَ فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: شَغِبَ مَنْ قَلَّدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ بِأَنْ قَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] . قَالُوا: فَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الِاعْتِكَافَ إثْرَ ذِكْرِهِ لِلصَّوْمِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ الِاعْتِكَافُ إلَّا بِصَوْمٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا سُمِعَ بِأَقْبَحَ مِنْ هَذَا التَّحْرِيفِ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِقْحَامِ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ وَمَا عَلِمَ قَطُّ ذُو تَمْيِيزٍ: أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى شَرِيعَةً إثْرَ ذِكْرِهِ أُخْرَى مُوجِبَةٌ عَقْدَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: بَلْ لَمَّا ذَكَرَ الصَّوْمَ ثُمَّ الِاعْتِكَافَ: وَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ صَوْمٌ إلَّا بِاعْتِكَافٍ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ قُلْنَا: فَقَدْ أَقْرَرْتُمْ بِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى بُطْلَانِ حُجَّتِكُمْ، وَعَلَى أَنَّ ذِكْرَ شَرِيعَةٍ مَعَ ذِكْرِ أُخْرَى لَا يُوجِبُ أَنْ لَا تَصِحَّ إحْدَاهُمَا إلَّا بِالْأُخْرَى. وَأَيْضًا: فَإِنَّ خُصُومَنَا مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ: هُوَ بِاللَّيْلِ مُعْتَكِفٌ كَمَا هُوَ بِالنَّهَارِ، وَهُوَ بِاللَّيْلِ غَيْرُ صَائِمٍ. فَلَوْ صَحَّ لَهُمْ هَذَا الِاسْتِدْلَال لَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ الِاعْتِكَافُ إلَّا بِالنَّهَارِ الَّذِي لَا يَكُونُ الصَّوْمُ إلَّا فِيهِ - فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ بِإِيرَادِ هَذِهِ الْآيَةِ، حَيْثُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا مَوَّهُوا بِهِ، لَا بِنَصٍّ وَلَا بِدَلِيلٍ وَذَكَرُوا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيم نا أَبُو دَاوُد هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «إنَّ عُمَرَ جَعَلَ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً أَوْ يَوْمًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: اعْتَكِفْ وَصُمْ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُدَيْلٍ مَجْهُولٌ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ مُسْنَدِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَصْلًا، وَمَا نَعْرِفُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثًا مُسْنَدًا إلَّا ثَلَاثَةً، لَيْسَ، هَذَا مِنْهَا -: أَحَدُهَا: فِي الْعُمْرَةِ {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] . وَالثَّانِي: فِي صِفَةِ الْحَجِّ. وَالثَّالِثُ: «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» .
فَسَقَطَ عَنَّا هَذَا الْخَبَرُ، لَبُطْلَانِ سَنَدِهِ؟ ثُمَّ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى احْتِجَاجُهُمْ بِهِ فِي إيجَابِ الصَّوْمِ فِي الِاعْتِكَافِ وَمُخَالَفَتُهُمْ إيَّاهُ فِي إيجَابِ الْوَفَاءِ بِمَا نَذَرَهُ الْمَرْءُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَهَذِهِ عَظِيمَةٌ لَا يَرْضَى بِهَا ذُو دِينٍ فَإِنْ قَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ " فِي الْجَاهِلِيَّةِ " أَيْ أَيَّامِ ظُهُورِ الْجَاهِلِيَّةِ بَعْدَ إسْلَامِهِ؟ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ هَذَا: إنْ كُنْت تَقُولُ هَذَا قَاطِعًا بِهِ فَأَنْتَ أَحَدُ الْكَذَّابِينَ، لِقَطْعِك بِمَا لَا دَلِيلَ لَك عَلَيْهِ، وَلَا وَجَدْت قَطُّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَإِنْ كُنْت تَقُولُهُ ظَنًّا، فَإِنَّ الْحَقَائِقَ لَا تُتْرَكُ بِالظُّنُونِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» . فَكَيْفَ وَقَدْ صَحَّ كَذِبُ هَذَا الْقَوْلِ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ «نَذَرْتُ نَذْرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَمَا أَسْلَمْتُ، فَأَمَرَنِي أَنْ أُوفِيَ بِنَذْرِي» . وَهَذَا فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، لَا كَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلٍ الذَّاهِبِ فِي الرِّيَاحِ؟ فَهَلْ سَمِعَ بِأَعْجَبَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَزَالُونَ يَأْتُونَ بِالْخَبَرِ يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى مَنْ لَا يُصَحِّحُهُ فِيمَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، وَهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفِينَ لِذَلِكَ الْخَبَرِ نَفْسِهِ فِيمَا خَالَفَ تَقْلِيدَهُمْ -: فَكَيْفَ يَصْعَدُ مَعَ هَذَا عَمَلٌ؟ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الضَّلَالِ، فَعَادَ خَبَرُهُمْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لَا عَلَيْنَا، وَلَوْ صَحَّ، وَرَأَيْنَاهُ حُجَّةً لَقُلْنَا: بِهِ وَمَوَّهُوا بِأَنَّ هَذَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ. قَالُوا: وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ. فَقُلْنَا: أَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، فَصَحَّ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِنَا. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ: عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ سَمِعْت عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ يَقُولُ: إنَّ أُمَّنَا مَاتَتْ وَعَلَيْهَا اعْتِكَافٌ، فَسَأَلْت
ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقَالَ: اعْتَكِفْ عَنْهَا وَصُمْ فَمِنْ أَيْنَ صَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ حُجَّةً فِي إيجَابِ الصَّوْمِ عَلَى الْمُعْتَكِفِ - وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ -. وَلَمْ يَصِرْ حُجَّةً فِي إيجَابِهِ عَلَى الْوَلِيِّ قَضَاءُ الِاعْتِكَافِ عَنْ الْمَيِّتِ؟ وَهَلَّا قُلْتُمْ هَاهُنَا: مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ: بِالرَّأْيِ وَعَهِدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ هَذَا عِنْدَ فُلَانٍ صَحِيحًا مَا تَرَكَهُ. أَوْ يَقُولُونَ: لَمْ يَتْرُكْ مَا عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا لِمَا هُوَ أَصَحُّ عِنْدَهُ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عَطَاءٍ آنِفًا أَنَّهُ لَمْ يَرَ الصَّوْمَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ، وَسَمِعَ طَاوُسًا يَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ. فَهَلَّا قَالُوا: لَمْ يَتْرُكْ عَطَاءٌ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ إلَّا لِمَا هُوَ عِنْدَهُ أَقْوَى مِنْهُ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ مُتَلَاعِبُونَ وَأَمَّا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ رُوِّينَا عَنْهَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد -: نا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ أَنَا خَالِدٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا " قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ لَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً، وَلَا يَمَسُّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرُهَا، وَلَا يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ؟ فَمِنْ أَيْنَ صَارَ قَوْلُهَا فِي إيجَابِ الِاعْتِكَافَ حُجَّةً، وَلَمْ يَصِرْ قَوْلُهَا " لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ " حُجَّةً وَرُوِّينَا عَنْهَا عَنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَمَعْمَرٍ -: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّ عَائِشَةَ نَذَرَتْ جِوَارًا فِي جُودِ ثَبِيرٍ مِمَّا يَلِي مِنًى.
وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: اعْتَكَفَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ بَيْنَ حِرَاءَ، وَثَبِيرٍ، فَكُنَّا نَأْتِيهَا هُنَالِكَ. فَخَالَفُوا عَائِشَةَ فِي هَذَا أَيْضًا، وَهَذَا عَجَبٌ وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا اعْتَكَفَ ضَرَبَ فُسْطَاطًا، أَوْ خِبَاءً يَقْضِي فِيهِ حَاجَتَهُ، وَلَا يُظِلُّهُ سَقْفُ بَيْتٍ؟ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ حُجَّةً فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ، وَلَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي أَنَّهُ كَانَ إذَا اعْتَكَفَ لَا يُظِلُّهُ سَقْفُ بَيْتٍ؟ فَصَحَّ أَنَّ الْقَوْمَ إنَّمَا يُمَوِّهُونَ بِذِكْرِ مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ إيهَامًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِمْ مِنْ خِلَافِهِمْ فِيمَا لَمْ يُوَافِقْ مِنْ أَقْوَالِهِمْ رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ وَأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ حُجَّةً إلَّا إذَا وَافَقَتْ رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ فَقَطْ، وَفِي هَذَا مَا فِيهِ. فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ، لِتَعَرِّيهِ مِنْ الْبُرْهَانِ وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا، وَمِنْ الْهَوَسِ قَوْلُهُمْ: لَمَّا كَانَ الِاعْتِكَافُ لُبْثًا فِي مَوْضِعٍ: أَشْبَهَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لَا يَصِحُّ إلَّا مُحْرِمًا، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ الِاعْتِكَافُ إلَّا بِمَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ الصَّوْمُ. فَقِيلَ لَهُمْ: لَمَّا كَانَ اللُّبْثُ بِعَرَفَةَ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الصَّوْمِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِكَافُ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الصَّوْمِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مِنْ الْبُرْهَانِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا اعْتِكَافُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ، فَلَا يَخْلُو صَوْمُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِرَمَضَانَ خَالِصًا - وَكَذَلِكَ هُوَ - فَحَصَلَ الِاعْتِكَافُ مُجَرَّدًا عَنْ صَوْمٍ يَكُونُ مِنْ شَرْطِهِ، وَإِذَا لَمْ يَحْتَجْ الِاعْتِكَافُ إلَى صَوْمٍ يَنْوِي بِهِ الِاعْتِكَافَ فَقَدْ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ مِنْ شُرُوطِ الِاعْتِكَافِ وَصَحَّ أَنَّهُ جَائِزٌ بِلَا صَوْمٍ، وَهَذَا بُرْهَانُ مَا قَدَرُوا عَلَى
اعْتِرَاضِهِ إلَّا بِوَسَاوِسَ لَا تُعْقَلُ. وَلَوْ قَالُوا: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَامَ لِلِاعْتِكَافِ لَا لِرَمَضَانَ، أَوْ لِرَمَضَانَ، وَالِاعْتِكَافِ - لَمْ يَبْعُدُوا عَنْ الِانْسِلَاخِ مِنْ الْإِسْلَامِ وَأَيْضًا: فَإِنَّ الِاعْتِكَافَ هُوَ بِاللَّيْلِ كَهُوَ بِالنَّهَارِ، وَلَا صَوْمَ بِاللَّيْلِ، فَصَحَّ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَحْتَاجُ إلَى صَوْمٍ. فَقَالَ مُهْلِكُوهُمْ هَهُنَا: إنَّمَا كَانَ الِاعْتِكَافُ بِاللَّيْلِ تَبَعًا لِلنَّهَارِ؟ فَقُلْنَا: كَذَبْتُمْ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: بَلْ إنَّمَا كَانَ بِالنَّهَارِ تَبَعًا لِلَّيْلِ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ فَاسِدٌ. فَقَالُوا: إنَّمَا قُلْنَا: إنَّ الِاعْتِكَافَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ صَوْمٍ. فَقُلْنَا: كَذَبْتُمْ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» فَلَمَّا كَانَ الِاعْتِكَافُ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَعَهُ صَوْمٌ يَنْوِي بِهِ الِاعْتِكَافَ صَحَّ ضَرُورَةً أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَيْسَ مِنْ شُرُوطِهِ، وَلَا مِنْ صِفَاتِهِ، وَلَا مِنْ حُكْمِهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ صَوْمٌ، وَقَدْ جَاءَ نَصٌّ صَحِيحٌ بِقَوْلِنَا؟ كَأَنْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ، قَالَتْ: وَإِنَّهُ أَرَادَ مَرَّةً أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَتْ: فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَضُرِبَ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَمَرْتُ بِبِنَائِي فَضُرِبَ، وَأَمَرَ غَيْرِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِنَائِهِنَّ فَضُرِبَ، فَلَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ نَظَرَ إلَى الْأَبْنِيَةِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟ فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَقُوِّضَ، وَأَمَرَ أَزْوَاجَهُ بِأَبْنِيَتِهِنَّ فَقَوَّضْنَ ثُمَّ أَخَّرَ الِاعْتِكَافَ إلَى الْعَشْرِ الْأُوَلِ، يَعْنِي مِنْ شَوَّالٍ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ شَوَّالٍ وَفِيهَا يَوْمُ
مسألة مباشرة المرأة حال اعتكافه
الْفِطْرِ، وَلَا صَوْمَ فِيهِ وَمَالِكٌ يَقُولُ: لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ اعْتِكَافِهِ إلَّا حَتَّى يَنْهَضَ إلَى الْمُصَلَّى. فَنَسْأَلُهُمْ: أَمُعْتَكِفٌ هُوَ مَا لَمْ يَنْهَضْ إلَى الْمُصَلَّى، أَمْ غَيْرُ مُعْتَكِفٍ؟ فَإِنْ قَالُوا: هُوَ مُعْتَكِفٌ، تَنَاقَضُوا، وَأَجَازُوا الِاعْتِكَافَ بِلَا صَوْمٍ بُرْهَةً مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ. وَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ مُعْتَكِفًا قُلْنَا: فَلِمَ مَنَعْتُمُوهُ الْخُرُوجَ إذَنْ؟ [مَسْأَلَةٌ مُبَاشَرَةُ الْمَرْأَةِ حَال اعتكافه] 626 - مَسْأَلَةٌ وَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مُبَاشَرَةُ الْمَرْأَةِ، وَلَا لِلْمَرْأَةِ مُبَاشَرَةُ الرَّجُلِ فِي حَالِ الِاعْتِكَافِ بِشَيْءٍ مِنْ الْجِسْمِ، إلَّا فِي تَرْجِيلِ الْمَرْأَةِ لِلْمُعْتَكِفِ خَاصَّةً، فَهُوَ مُبَاحٌ، وَلَهُ إخْرَاجُ رَأْسِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ لِلتَّرْجِيلِ؟ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] . فَصَحَّ أَنَّ مَنْ تَعَمَّدَ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ عُمُومِ الْمُبَاشَرَةِ - ذَاكِرًا لِاعْتِكَافِهِ - فَلَمْ يَعْتَكِفْ كَمَا أُمِرَ، فَلَا اعْتِكَافَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ نَذْرًا قَضَاهُ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وقَوْله تَعَالَى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] خِطَابٌ لِلْجَمِيعِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَحُرِّمَتْ الْمُبَاشَرَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ. وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: نا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ» . فَخَرَجَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ مِنْ عُمُومِ نَهْيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْمُعْتَكِف إذَا اشْتَرَطَ مُبَاحًا] 627 - مَسْأَلَةٌ وَجَائِزٌ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَشْتَرِطَ مَا شَاءَ مِنْ الْمُبَاحِ وَالْخُرُوجِ لَهُ، لِأَنَّهُ
مسألة كل فرض على المسلم فإن الاعتكاف لا يمنع منه
بِذَلِكَ إنَّمَا الْتَزَمَ الِاعْتِكَافَ فِي خِلَالِ مَا اسْتَثْنَاهُ، وَهَذَا مُبَاحٌ لَهُ، أَنْ يَعْتَكِفَ إذَا شَاءَ، وَيَتْرُكَ إذَا شَاءَ، لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ طَاعَةٌ، وَتَرْكُهُ مُبَاحٌ، فَإِنْ أَطَاعَ أُجِرَ، وَإِنْ تَرَكَ لَمْ يَقْضِ؟ وَإِنَّ الْعَجَبَ لَيَكْثُرَ مِمَّنْ لَا يُجِيزُ هَذَا الشَّرْطَ وَالنُّصُوصُ كُلُّهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مُوجِبَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ يَقُولُ: بِلُزُومِ الشُّرُوطِ الَّتِي أَبْطَلَهَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَنُ، مِنْ اشْتِرَاطِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا، أَوْ تَسَرَّى فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا، وَالدَّاخِلَةُ بِنِكَاحٍ طَالِقٌ، وَالسَّرِيَّةُ حُرَّةٌ، وَهَذِهِ شُرُوطُ الشَّيْطَانِ، وَتَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ أَنْكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ [مَسْأَلَةٌ كُلُّ فَرْضٍ عَلَى الْمُسْلِمِ فَإِنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ] 628 - مَسْأَلَةٌ وَكُلُّ فَرْضٍ عَلَى الْمُسْلِمِ فَإِنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ بِاعْتِكَافِهِ، وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَغَسْلِ النَّجَاسَةِ، وَغُسْلِ الِاحْتِلَامِ، وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَمِنْ الْحَيْضِ، إنْ شَاءَ فِي حَمَّامٍ أَوْ فِي غَيْرِ حَمَّامٍ. وَلَا يَتَرَدَّدُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ تَمَامِ غُسْلِهِ، وَقَضَاءِ حَاجَتِهِ، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ لِابْتِيَاعِ مَا لَا بُدَّ لَهُ وَلِأَهْلِهِ مِنْهُ، مِنْ الْأَكْلِ وَاللِّبَاسِ، وَلَا يَتَرَدَّدُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ تَرَدَّدَ بِلَا ضَرُورَةٍ: بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَلَهُ أَنْ يُشَيِّعَ أَهْلَهُ إلَى مَنْزِلِهَا. وَإِنَّمَا يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ: خُرُوجُهُ لِمَا لَيْسَ فَرْضًا عَلَيْهِ؟ وَقَدْ افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: ثنا مُحَمَّدٌ ثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ» . وَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ دُعِيَ - إنْ كَانَ مُفْطِرًا -: فَلْيَأْكُلْ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، بِمَعْنَى أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ؟
وَقَالَ تَعَالَى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: 282] . وَقَالَ تَعَالَى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا} [التوبة: 41] . فَهَذِهِ فَرَائِضُ لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا لِلِاعْتِكَافِ، وَبِلَا شَكٍّ عِنْدَ كُلِّ مُسْلِمٍ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَدَّى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَهُوَ مُحْسِنٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91] . فَفَرَضَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ يَخْرُجَ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ مَرَّةً وَاحِدَةً، يَسْأَلُ عَنْ حَالِهِ وَاقِفًا وَيَنْصَرِفُ لِأَنَّ مَا زَادَ عَنْ هَذَا فَلَيْسَ مِنْ الْفَرْضِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَطْوِيلٌ، فَهُوَ يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ؟ وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ لِشُهُودِ الْجِنَازَةِ، فَإِذَا صَلَّى عَلَيْهَا انْصَرَفَ، لِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى الْفَرْضَ، وَمَا زَادَ فَلَيْسَ فَرْضًا، وَهُوَ بِهِ خَارِجٌ عَنْ الِاعْتِكَافِ؟ وَفَرْضٌ عَلَيْهِ: أَنْ يَخْرُجَ إذَا دُعِيَ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا بَلَغَ إلَى دَارِ الدَّاعِي وَدَعَا وَانْصَرَفَ، وَلَا يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ؟ وَفَرْضٌ عَلَيْهِ: أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجُمُعَةِ بِمِقْدَارِ مَا يُدْرِكُ أَوَّلَ الْخُطْبَةِ، فَإِذَا سَلَّمَ رَجَعَ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ خَرَجَ مِنْ الِاعْتِكَافِ، فَإِنْ خَرَجَ كَمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ رَأَى أَنَّ فِي الْوَقْتِ فُسْحَةً فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ رَجَعَ إلَى مُعْتَكَفِهِ ثُمَّ خَرَجَ أَدْرَكَ الْخُطْبَةَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ، وَإِلَّا فَلْيَتَمَادَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَيْهِ فِي الرُّجُوعِ حَرَجٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] . وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ لِلشَّهَادَةِ إذَا دُعِيَ سَوَاءٌ قَبِلَ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الشُّهَدَاءَ بِأَنْ لَا يَأْبَوْا إذَا دُعُوا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ مَنْ يَقْبَلُ مِمَّا لَا يَقْبَلُ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] إذَا أَدَّاهَا رَجَعَ إلَى مُعْتَكَفِهِ وَلَا يَتَرَدَّدُ، فَإِنْ تَرَدَّدَ: بَطَلَ اعْتِكَافُهُ؟ وَهُوَ كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا؟ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: أَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيِّ - عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمُرَةَ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إذَا اعْتَكَفَ الرَّجُلُ فَلْيَشْهَدْ
الْجُمُعَةَ وَلْيَحْضُرْ الْجِنَازَةَ وَلْيَعُدْ الْمَرِيضَ وَلْيَأْتِ أَهْلَهُ يَأْمُرُهُمْ بِحَاجَتِهِ وَهُوَ قَائِمٌ؟ وَبِهِ إلَى سَعِيدٍ: نا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَمَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَعَانَ ابْنَ أُخْتِهِ جَعْدَةَ بْنَ هُبَيْرَةَ بِسَبْعِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ عَطَائِهِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا خَادِمًا، فَقَالَ: إنِّي كُنْت مُعْتَكِفًا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَمَا عَلَيْك لَوْ خَرَجَتْ إلَى السُّوقِ فَابْتَعْت؟ وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ: نا هُشَيْمٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَعُودُ الْمَرِيضَ مِنْ أَهْلِهَا إذَا كَانَتْ مُعْتَكِفَةً إلَّا وَهِيَ مَارَّةٌ؟ وَبِهِ إلَى سَعِيدٍ: نا هُشَيْمٌ أَنَا مُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَشْتَرِطَ هَذِهِ الْخِصَالَ - وَهُنَّ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ -: عِيَادَةَ الْمَرِيضِ، وَلَا يَدْخَلُ سَقْفًا، وَيَأْتِي الْجُمُعَةَ، وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ، وَيَخْرُجُ إلَى الْحَاجَةِ؟ قَالَ إبْرَاهِيمُ: وَلَا يَدْخَلُ الْمُعْتَكِفُ سَقِيفَةً إلَّا لِحَاجَةٍ؟ وَبِهِ إلَى هُشَيْمٍ: أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ، وَيُجِيبُ الْإِمَامَ؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يُرَخِّصُ لِلْمُعْتَكِفِ: أَنْ يَتْبَعَ الْجِنَازَةَ، وَيَعُودَ الْمَرِيضَ وَلَا يَجْلِسَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمُعْتَكِفُ يَدْخَلُ الْبَابَ فَيُسَلِّمُ وَلَا يَقْعُدُ، يَعُودُ الْمَرِيضَ؟ وَكَانَ لَا يَرَى بَأْسًا إذَا خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِحَاجَتِهِ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ فَيُسَائِلُهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ، أَوْ سَأَلَهُ عَنْ سُنَّةٍ مِنْ الدِّينِ، وَإِلَّا فَلَا؟ وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ
يَعُودَ الْمَرِيضَ، وَيَتْبَعَ الْجِنَازَةَ، وَيَأْتِيَ إلَى الْجُمُعَةِ، وَيُجِيبَ الدَّاعِيَ؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ: إنْ نَذَرَ جِوَارًا أَيَنْوِي فِي نَفْسِهِ أَنْ لَا يَصُومَ، وَأَنَّهُ يَبِيعُ وَيَبْتَاعُ، وَيَأْتِي الْأَسْوَاقَ، وَيَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيَتْبَعُ الْجِنَازَةَ وَإِنْ كَانَ مَطَرٌ: فَإِنِّي أَسْتَكِنُ فِي الْبَيْتِ. وَإِنِّي أُجَاوِرُ جِوَارًا مُنْقَطِعًا، أَوْ أَنْ يَعْتَكِفَ النَّهَارَ وَيَأْتِيَ الْبَيْتَ بِاللَّيْلِ؟ قَالَ عَطَاءٌ: ذَلِكَ عَلَى نِيَّتِهِ مَا كَانَتْ، ذَلِكَ لَهُ؟ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ أَيْضًا؟ وَرُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ الْمَرْضَى وَيَخْرُجُ إلَى الْجُمُعَةِ، وَيَشْهَدُ الْجَنَائِزَ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ؟ وَرُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَعُرْوَةَ، وَالزُّهْرِيِّ: لَا يَعُودُ الْمُعْتَكِفُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ الْجِنَازَةَ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ. قَالَ مَالِكٌ: لَا يَخْرُجُ إلَى الْجُمُعَةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مَكَانٌ صَحَّ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ مَا أَوْرَدْنَا، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ مِثْلَ هَذَا إذَا خَالَفَ تَقْلِيدَهُمْ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ صَفِيَّةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فِي هَذَا كِفَايَةٌ، وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ مَنَعَ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا حُجَّةً، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ. وَنَسْأَلُهُمْ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا أَبَاحُوا لَهُ مِنْ الْخُرُوجِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَابْتِيَاعِ مَا لَا بُدَّ
مسألة يعمل المعتكف في المسجد كل ما أبيح له
مِنْهُ، وَبَيْنَ خُرُوجِهِ لِمَا افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعُودَ الْمَرِيضَ، وَلَا أَنْ يَشْهَدَ الْجِنَازَةَ، وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجُمُعَةِ بِمِقْدَارِ مَا يُصَلِّي سِتَّ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَلَهُ أَنْ يَبْقَى فِي الْجَامِعِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مِقْدَارَ مَا يُصَلِّي سِتَّ رَكَعَاتٍ، فَإِنْ بَقِيَ أَكْثَرَ، أَوْ خَرَجَ لِأَكْثَرَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، فَإِنْ خَرَجَ لِجِنَازَةٍ، أَوْ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ: بَطَلَ اعْتِكَافُهُ؟ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِكُلِّ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مِقْدَارُ لُبْثِهِ فِي خُرُوجِهِ لِذَلِكَ نِصْفَ يَوْمٍ فَأَقَلَّ لَمْ يَضُرَّ اعْتِكَافَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ: بَطَلَ اعْتِكَافُهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّ فِي هَذِهِ التَّحْدِيدَاتِ لَعَجَبًا وَمَا نَدْرِي كَيْفَ يَسْمَحُ ذُو عَقْلٍ أَنْ يُشَرِّعَ فِي دِينِ اللَّهِ هَذِهِ الشَّرَائِعَ الْفَاسِدَةَ فَيَصِيرُ مُحَرِّمًا مُحَلِّلًا مُوجِبًا دُونَ اللَّهِ تَعَالَى؟ وَمَا هُوَ إلَّا مَا جَاءَ النَّصُّ بِإِبَاحَتِهِ فَهُوَ مُبَاحٌ، قَلَّ أَمَدُهُ أَوْ كَثُرَ أَوْ مَا جَاءَ النَّص