الكامل في التاريخ
ابن الأثير، أبو الحسن
مقدمة المؤلف
[مقدمة المؤلف] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَدِيمِ فَلَا أَوَّلَ لِوُجُودِهِ الدَّائِمِ الْكَرِيمِ فَلَا آخِرَ لِبَقَائِهِ وَلَا نِهَايَةَ لِجُودِهِ الْمَلِكِ حَقًّا فَلَا تُدْرِكُ الْعُقُولُ حَقِيقَةَ كُنْهِهِ الْقَادِرِ فَكُلُّ مَا فِي الْعَالَمِ مِنْ أَثَرِ قُدْرَتِهِ الْمُقَدَّسِ فَلَا تَقْرَبُ الْحَوَادِثُ حِمَاهُ الْمُنَزَّهِ عَنِ التَّغْيِيرِ فَلَا يَنْجُو مِنْهُ سِوَاهُ مُصَرِّفِ الْخَلَائِقِ بَيْنَ رَفْعٍ وَخَفْضٍ وَبَسْطٍ وَقَبْضٍ وَإِبْرَامٍ وَنَقْضٍ وَإِمَاتَةٍ وَإِحْيَاءٍ وَإِيجَادٍ وَإِفْنَاءٍ وَإِسْعَادٍ وَإِضْلَالٍ وَإِعْزَازٍ وَإِذْلَالٍ يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُهُ مِمَّنْ يَشَاءُ وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مُبِيدِ الْقُرُونِ السَّالِفَةِ وَالْأُمَمِ الْخَالِفَةِ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْهُ مَا اتَّخَذُوهُ مَعْقَلًا وَحِرْزًا فَـ {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} [مريم: 98] ، بِتَقْدِيرِهِ النَّفْعُ وَالضَّرُّ (لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَوْلَى مِنْ نِعَمِهِ وَأَجْذَلَ لِلنَّاسِ مِنْ قَسْمِهِ وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ الْمَبْعُوثِ إِلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَعْلَامِ الْهُدَى وَمَصَابِيحِ الظُّلَمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي لَمْ أَزَلْ مُحِبًّا لِمُطَالَعَةِ كُتُبِ التَّوَارِيخِ وَمَعْرِفَةِ مَا فِيهَا مُؤْثِرًا لِلِاطِّلَاعِ عَلَى الْجَلِيِّ مِنْ حَوَادِثِهَا وَخَافِيهَا، مَائِلًا إِلَى الْمَعَارِفِ وَالْآدَابِ وَالتَّجَارِبِ الْمُودَعَةِ فِي مَطَاويهَا، فَلَمَّا تَأَمَّلْتُهَا رَأَيْتُهَا مُتَبَايِنَةً فِي تَحْصِيلِ الْغَرَضِ يَكَادُ جَوْهَرُ الْمَعْرِفَةِ بِهَا يَسْتَحِيلُ
إِلَى الْعَرَضِ، فَمِنْ بَيْنِ مُطَوِّلٍ قَدِ اسْتَقْصَى الطُّرُقَ وَالرِّوَايَاتِ، وَمُخْتَصِرٍ قَدْ أَخَلَّ بِكَثِيرٍ مِمَّا هُوَ آتٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكَ كُلُّهُمُ الْعَظِيمَ مِنَ الْحَادِثَاتِ وَالْمَشْهُورَ مِنَ الْكَائِنَاتِ، وَسَوَّدَ كَثِيرٌ مِنْهُمُ الْأَوْرَاقَ بِصَغَائِرِ الْأُمُورِ الَّتِي الْإِعْرَاضُ عَنْهَا أَوْلَى، وَتَرْكُ تَسْطِيرِهَا أَحْرَى، كَقَوْلِهِمْ خُلِعَ فُلَانٌ الذِّمِّيُّ صَاحِبُ الْعِيَارِ وَزَادَ رَطْلًا فِي الْأَسْعَارِ، وَأُكْرِمَ فُلَانٌ وَأُهِينَ فُلَانٌ، وَقَدْ أَرَّخَ كُلٌّ مِنْهُمْ إِلَى زَمَانِهِ وَجَاءَ بَعْدَهُ مَنْ ذَيَّلَ عَلَيْهِ وَأَضَافَ الْمُتَجَدِّدَاتِ بَعْدَ تَارِيخِهِ إِلَيْهِ. وَالشَّرْقِيُّ مِنْهُمْ قَدْ أَخَلَّ بِذِكْرِ أَخْبَارِ الْغَرْبِ، وَالْغَرْبِيُّ قَدْ أَهْمَلَ أَحْوَالَ الشَّرْقِ؛ فَكَانَ الطَّالِبُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُطَالِعَ تَارِيخًا مُتَّصِلًا إِلَى وَقْتِهِ يَحْتَاجُ إِلَى مُجَلَّدَاتٍ كَثِيرَةٍ وَكُتُبٍ مُتَعَدِّدَةٍ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْإِخْلَالِ وَالْإِمْلَالِ. فَلَمَّا رَأَيْتُ الْأَمْرَ كَذَلِكَ شَرَعْتُ فِي تَأْلِيفِ تَارِيخٍ جَامِعٍ لِأَخْبَارِ مُلُوكِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ وَمَا بَيْنَهُمَا، لِيَكُونَ تَذْكِرَةً لِي أُرَاجِعُهُ خَوْفَ النِّسْيَانِ، وَآتِي فِيهِ بِالْحَوَادِثِ وَالْكَائِنَاتِ مِنْ أَوَّلِ الزَّمَانِ، مُتَتَابِعَةً يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا إِلَى وَقْتِنَا هَذَا. وَلَا أَقُولُ إِنِّي أَتَيْتُ عَلَى جَمِيعِ الْحَوَادِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّارِيخِ، فَإِنَّ مَنْ هُوَ بِالْمَوْصِلِ لَا بُدَّ أَنْ يَشِذَّ عَنْهُ مَا هُوَ بِأَقْصَى الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ وَلَكِنْ أَقُولُ إِنَّنِي قَدْ جَمَعْتُ فِي كِتَابِي هَذَا مَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ وَمَنْ تَأَمَّلَهُ عَلِمَ صِحَّةَ ذَلِكَ. فَابْتَدَأْتُ بِالتَّارِيخِ الْكَبِيرِ الَّذِي صَنَّفَهُ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ إِذْ هُوَ الْكِتَابُ الْمُعَوَّلُ عِنْدَ الْكَافَّةِ عَلَيْهِ وَالْمَرْجُوعُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ إِلَيْهِ، فَأَخَذْتُ مَا فِيهِ مِنْ جَمِيعِ
تَرَاجِمِهِ لَمْ أُخِلَّ بِتَرْجَمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَقَدْ ذَكَرَ هُوَ فِي أَكْثَرِ الْحَوَادِثِ رِوَايَاتٍ ذَوَاتَ عَدَدٍ كُلُّ رِوَايَةٍ مِنْهَا مِثْلُ الَّتِي قَبْلَهَا أَوْ أَقَلُّ مِنْهَا وَرُبَّمَا زَادَ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ أَوْ نَقَصَهُ فَقَصَدْتُ أَتَمَّ الرِّوَايَاتِ فَنَقَلْتُهَا وَأَضَفْتُ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا مَا لَيْسَ فِيهَا وَأَوْدَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مَكَانَهُ فَجَاءَ جَمِيعُ مَا فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ عَلَى اخْتِلَافِ طُرُقِهَا سِيَاقًا وَاحِدًا عَلَى مَا تَرَاهُ. فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهُ وَأَخَذْتُ غَيْرَهُ مِنَ التَّوَارِيخِ الْمَشْهوُرَةِ فَطَالَعْتُهَا وَأَضَفْتُ مِنْهَا إِلَى مَا نَقَلْتُهُ مِنْ تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ مَا لَيْسَ فِيهِ وَوَضَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهَا مَوْضِعَهُ إِلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا جَرَى بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنِّي لَمْ أُضِفْ إِلَى مَا نَقَلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ شَيْئًا إِلَّا مَا فِيهِ زِيَادَةُ بَيَانٍ أَوِ اسْمُ إِنْسَانٍ أَوْ مَا لَا يُطْعَنُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي نَقْلِهِ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدْتُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِ الْمُؤَرِّخِينَ إِذْ هُوَ الْإِمَامُ الْمُتْقِنُ حَقًّا الْجَامِعُ عِلْمًا وَصِحَّةَ اعْتِقَادٍ وَصِدْقًا. عَلَى أَنِّي لَمْ أَنْقُلْ إِلَّا مِنَ التَّوَارِيخِ الْمَذْكُورَةِ وَالْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ مِمَّنْ يُعْلَمُ بِصِدْقِهِمْ فِيمَا نَقَلُوهُ وَصِحَّةِ مَا دَوَّنُوهُ، وَلَمْ أَكُنْ كَالْخَابِطِ فِي ظَلْمَاءِ اللَّيَالِي وَلَا كَمَنْ يَجْمَعُ الْحَصْبَاَ وَاللَّآلِيَ. وَرَأَيْتُهُمْ أَيْضًا يَذْكُرُونَ الْحَادِثَةَ الْوَاحِدَةَ فِي سِنِينَ وَيَذْكُرُونَ مِنْهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ أَشْيَاءَ فَتَأْتِي الْحَادِثَةُ مُقَطَّعَةً لَا يُحْصَلُ مِنْهَا عَلَى غَرَضٍ وَلَا تُفْهَمُ إِلَّا بَعْدَ إِمْعَانِ النَّظَرِ، فَجَمَعْتُ أَنَا الْحَادِثَةَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَذَكَرْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهَا فِي أَيِّ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ كَانَتْ فَأَتَتْ مُتَنَاسِقَةً مُتَتَابِعَةً قَدْ أَخَذَ بَعْضُهَا بِرِقَابِ بَعْضٍ. وَذَكَرْتُ فِي كُلِّ سَنَةٍ لِكُلِّ حَادِثَةٍ كَبِيرَةٍ مَشْهُورَةٍ تَرْجَمَةً تَخُصُّهَا فَأَمَّا الْحَوَادِثُ
الصِّغَارُ الَّتِي لَا يُحْتَمَلُ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ تَرْجَمَةً فَإِنَّنِي أَفْرَدْتُ لِجَمِيعِهَا تَرْجَمَةً وَاحِدَةً فِي آخِرِ كُلِّ سَنَةٍ فَأَقُولُ: ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَإِذَا ذَكَرْتُ بَعْضَ مَنْ نَبَغَ وَمَلَكَ قُطْرًا مِنَ الْبِلَادِ وَلَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ فَإِنِّي أَذْكُرُ جَمِيعَ حَالِهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ لِأَنَّ إِذَا تَفَرَّقَ خَبَرُهُ لَمْ يُعْرَفْ لِلْجَهْلِ بِهِ. وَذَكَرْتُ فِي آخِرِ كُلِّ سَنَةٍ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنْ مَشْهُورِي الْعُلَمَاءِ وَالْأَعْيَانِ وَالْفُضَلَاءِ وَضَبَطْتُ الْأَسْمَاءَ الْمُشْتَبِهَةَ الْمُؤْتَلِفَةَ فِي الْخَطِّ الْمُخْتَلِفَةَ فِي اللَّفْظِ الْوَارِدَةَ فِيهِ بِالْحُرُوفِ ضَبْطًا يُزِيلُ الْإِشْكَالَ وَيُغْنِي عَنِ الْإِنْقَاطِ وَالْأَشْكَالِ. فَلَمَّا جَمَعْتُ أَكْثَرَهُ أَعْرَضْتُ عَنْهُ مُدَّةً طَوِيلَةً لِحَوَادِثَ تَجَدَّدَتْ وَقَوَاطِعَ تَوَالَتْ وَتَعَدَّدَتْ وَلِأَنَّ مَعْرِفَتِي بِهَذَا النَّوْعِ كَمُلَتْ وَتَمَّتْ. ثُمَّ إِنَّ نَفَرًا مِنْ إِخْوَانِي وَذَوِي الْمَعَارِفِ وَالْفَضَائِلِ مِنْ خُلَّانِي مِمَّنْ أَرَى مُحَادَثَتَهُمْ نِهَايَةَ أَوْطَارِي وَأَعُدُّهُمْ مِنْ أَمَاثِلِ مُجَالِسِيَّ وَسُمَّارِي رَغِبُوا إِلَيَّ فِي أَنْ يَسْمَعُوهُ مِنِّي لِيَرْوُوهُ عَنِّي فَاعْتَذَرْتُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَعَدَمِ الْفَرَاغِ مِنْهُ، فَإِنَّنِي لَمْ أُعَاوِدْ مُطَالَعَةَ مُسَوَّدَتِهِ وَلَمْ أُصْلِحْ مَا أُصْلِحَ فِيهَا مِنْ غَلَطٍ وَسَهْوٍ وَلَا أَسْقَطْتُ مِنْهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَى إِسْقَاطٍ وَمَحْوٍ، وَطَالَتِ الْمُرَاجَعَةُ مُدَّةً وَهُمْ لِلطَّلَبِ مُلَازِمُونَ وَعَنِ الْإِعْرَاضِ مُعْرِضُونَ وَشَرَعُوا فِي سَمَاعِهِ قَبْلَ إِتْمَامِهِ وَإِصْلَاحِهِ وَإِثْبَاتِ مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ وَحَذْفِ مَا لَا بُدَّ مِنِ اطِّرَاحِهِ وَالْعَزْمُ عَلَى إِتْمَامِهِ فَاتِرٌ وَالْعَجْزُ ظَاهِرٌ لِلِاشْتِغَالِ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِعَدَمِ الْمُعِينِ وَالْمُظَاهِرِ وَلِهُمُومٍ تَوَالَتْ وَنَوَائِبَ تَتَابَعَتْ فَأَنَا مُلَازِمُ الْإِهْمَالِ والتَّوَانِي، فَلَا أَقُولُ: إِنِّي لَأَسِيرُ إِلَيْهِ سَيْرَ الشَّوَانِي. فَبَيْنَمَا الْأَمْرُ كَذَلِكَ إِذْ بَرَزَ أَمْرُ مَنْ طَاعَتُهُ فَرْضٌ وَاجِبٌ وَاتِّبَاعُ أَمْرِهِ حُكْمٌ لَازِبٌ، مَنْ
أَعْلَاقُ الْفَضْلِ بِإِقْبَالِهِ عَلَيْهَا نَافِقَةٌ وَأَرْوَاحُ الْجَهْلِ بِإِعْرَاضِهِ عَنْهَا نَافِقَةٌمَنْ أَحْيَا الْمَكَارِمَ وَكَانَتْ أَمْوَاتًا وَأَعَادَهَا خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ رُفَاتًا مَنْ عَمَّ رَعِيَّتَهُ عَدْلُهُ وَنَوَالُهُ وَشَمَلَهُمْ إِحْسَانُهُ وَإِفْضَالُهُ، مَوْلَانَا مَالِكُ الْمُلْكِ الرَّحِيمُ الْعَالِمُ الْمُؤَيَّدُ الْمَنْصُورُ الْمُظَفَّرُ بَدْرُ الدِّينِ رُكْنُ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ مُحْيِي الْعَدْلِ فِي الْعَالَمِينَ خَلَّدَ اللَّهُ دَوْلَتَهُ. فَحِينَئِذٍ أَلْقَيْتُ عَنِّي جِلْبَابَ الْمَهَلِ وَأَبْطَلْتُ رِدَاءَ الْكَسَلِ وَأَلْقَيْتُ الدَّوَاةَ وَأَصْلَحْتُ الْقَلَمَ وَقُلْتُ: هَذَا أَوَانُ الشَّدِّ فَاشْتَدِّي زِيَمْ وَجَعَلْتُ الْفَرَاغَ أَهَمَّ مَطْلَبٍ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًايَّأَ لَهُ السَّبَبَ وَشَرَعْتُ فِي إِتْمَامِهِ مُسَابِقًا، وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ السِّكِّيتَ يَرُومُ أَنْ يَجِيءَ سَابِقًا وَنَصَبْتُ نَفْسِي غَرَضًا لِلسِّهَامِ وَجَعَلْتُهَا مَظَنَّةً لِأَقْوَالِ اللُّوَّامِ لِأَنَّ الْمَآخِذَ إِذَا كَانَتْ تَتَطَرَّقُ إِلَى التَّصْنِيفِ الْمُهَذَّبِ وَالِاسْتِدْرَاكَاتِ تَتَعَلَّقُ بِالْمَجْمُوعِ الْمُرَتَّبِ الَّذِي تَكَرَّرَتْ مُطَالَعَتُهُ وَتَنْقِيحُهُ وَأُجِيدَ تَأْلِيفُهُ وَتَصْحِيحُهُ فَهِيَ بِغَيْرِهِ أَوْلَى وَبِهِ أَحْرَى عَلَى أَنِّي مُقِرٌّ بِالتَّقْصِيرِ فَلَا أَقُولُ إِنَّ الْغَلَطَ سَهْوٌ جَرَى بِهِ الْقَلَمُ، بَلْ أَعْتَرِفُ بِأَنَّ مَا أَجْهَلُ أَكْثَرُ مِمَّا أَعْلَمُ. وَقَدْ سَمَّيْتُهُ اسْمًا يُنَاسِبُ مَعْنَاهُ وَهُوَ: الْكَامِلُ فِي التَّارِيخِ وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَمَاعَةً مِمَّنْ يَدَّعِي الْمَعْرِفَةَ وَالدِّرَايَةَ وَيَظُنُّ بِنَفْسِهِ التَّبَحُّرَ فِي الْعِلْمِ وَالرِّوَايَةِ يَحْتَقِرُ التَّوَارِيخَ وَيَزْديهَا وَيُعْرِضُ عَنْهَا وَيَلْغِيهَا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ غَايَةَ فَائِدَتِهَا إِنَّمَا هُوَ الْقِصَصُ وَالْأَخْبَارُ، وَنِهَايَةُ مَعْرِفَتِهَا الْأَحَادِيثُ وَالْأَسْمَارُ وَهَذِهِ حَالُ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْقِشْرِ دُونَ اللُّبِّ نَظَرُهُ، وَأَصْبَحَ مُخْشَلَبًا جَوْهَرُهُ، وَمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ طَبْعًا سَلِيمًا وَهَدَاهُ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا عَلِمَ أَنَّ فَوَائِدَهَا كَثِيرَةٌ وَمَنَافِعَهَا الدُّنْيَوِيَّةَ وَالْأُخْرَوِيَّةَ جَمَّةٌ غَزِيرَةٌ، وَهَا نَحْنُ نَذْكُرُ شَيْئًا مِمَّا ظَهَرَ لَنَا فِيهَا وَنَكِلُ إِلَى قَرِيحَةِ النَّاظِرِ فِيهِ مَعْرِفَةَ بَاقِيهَا. فَأَمَّا فَوَائِدُهَا الدُّنْيَوِيَّةُ فَمِنْهَا: أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يُحِبُّ الْبَقَاءَ وَيُؤْثِرُ أَنْ يَكُونَ
فِي زُمْرَةِ الْأَحْيَاءِ فَيَا لَيْتَ شِعْرِي! أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ مَا رَآهُ أَمْسِ أَوْ سَهُ وَبَيْنَ مَا قَرَأَهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَضَمِّنَةِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ وَحَوَادِثَ الْمُتَقَدِّمِينَ؟ فَإِذَا طَالَعَهَا فَكَأَنَّهُ عَاصَرَهُمْ، وَإِذَا عَلِمَهَا فَكَأَنَّهُ حَاضَرَهُمْ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُلُوكَ وَمَنْ إِلَيْهِمُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ إِذَا وَقَفُوا عَلَى مَا فِيهَا مِنْ سِيرَةِ أَهْلِ الْجَوْرِ وَالْعُدْوَانِ وَرَآهَا مُدَوَّنَةً فِي الْكُتُبِ يَتَنَاقَلُهَا النَّاسُ فَيَرْوِيهَا خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ، وَنَظَرُوا إِل مَا أَعْقَبَتْ مِنْ سُوءِ الذِّكْرِ وَقَبِيحِ الْأُحْدُوثَةِ وَخَرَابِ الْبِلَادِ وَهَلَاكِ الْعِبَادِ وَذَهَابِ الْأَمْوَالِ وَفَسَادِ الْأَحْوَالِ اسْتَقْبَحُوهَا وَأَعْرَضُوا عَنْهَا وَاطَّرَحُوهَا. وَإِذَا رَأَوْا سِيرَةَ الْوُلَاةِ الْعَادِلِينَ وَحُسْنَهَا وَمَا يَتْبَعُهُمْ مِنَ الذِّكْرِ الْجَمِيلِ بَعْدَ ذَهَابِهِمْ، وَأَنَّ بِلَادَهُمْ وَمَمَالِكَهُمْ عَمَرَتْ وَأَمْوَالُهُمْ دَرَّتِ اسْتَحْسَنُوا ذَلِكَ وَرَغِبُوا فِيهِ وَثَابَرُوا عَلَيْهِ وَتَرَكُوا مَا يُنَافِيهِ هَذَا سِوَى مَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ مَعْرِفَةِ الْآرَاءِ الصَّائِبَةِ الَّتِي دَفَعُوا بِهَا مَضَرَّاتِ الْأَعْدَاءِ وَخَلَصُوا بِهَا مِنَ الْمَهَالِكِ وَاسْتَصَانُوا نَفَائِسَ الْمُدُنِ وَعَظِيمَ الْمَمَالِكِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُ هَذَا لَكَفَى بِهِ فَخْرًا. وَمِنْهَا مَا يَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ مِنَ التَّجَارِبِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْحَوَادِثِ وَمَا تَصِيرُ إِلَيْهِ عَوَاقِبُهَا، فَإِنَّهُ لَا يَحْدُثُ أَمْرٌ إِلَّا قَدْ تَقَدَّمَ هُوَ أَوْ نَظِيرُهُ فَيَزْدَادُ بِذَلِكَ عَقْلًا وَيُصْبِحُ لِأَنْ يُقْتَدَى بِهِ أَهْلًا، وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ حَيْثُ يَقُولُ شِعْرًا: رَأَيْتُ الْعَقْلَ عَقْلَيْنِ ... فَمَطْبُوعٌ وَمَسْمُوعُ فَلَا يَنْفَعُ مَسْمُوعٌ ... إِذَا لَمْ يَكُ مَطْبُوعُ كَمَا لَا تَنْفَعُ الشَّمْسُ ... وُضَوْءُ الْعَيْنِ مَمْنُوعُ يَعْنِي بِالْمَطْبُوعِ الْعَقْلَ الْغَرِيزِيَّ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْإِنْسَانِ وَبِالْمَسْمُوعِ مَا يَزْدَادُ بِهِ الْعَقْلُ الْغَرِيزِيُّ مِنَ التَّجْرِبَةِ وَجَعَلَهُ عَقْلًا ثَانِيًا تَوَسُّعًا وَتَعْظِيمًا لَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ زِيَادَةٌ فِي عَقْلِهِ الْأَوَّلِ. وَمِنْهَا مَا يَتَجَمَّلُ بِهِ الْإِنْسَانُ فِي الْمَجَالِسِ وَالْمَحَافِلِ مِنْ ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ مَعَارِفِهَا وَنَقْلِ طَرِيفَةٍ مِنْ طَرَائِفِهَا فَتَرَى الْأَسْمَاعَ مُصْغِيَةً إِلَيْهِ وَالْوُجُوهَ مُقْبِلَةً عَلَيْهِ وَالْقُلُوبَ مُتَأَمِّلَةً مَايُورِدُهُ وَيُصْدِرُهُ مُسْتَحْسِنَةً مَا يَذْكُرُهُ.
وَأَمَّا الْفَوَائِدُ الْأُخْرَوِيَّةُ: فَمِنْهَا أَنَّ الْعَاقِلَ اللَّبِيبَ إِذَا تَفَكَّرَ فِيهَا وَرَأَى تَقَلُّبَ الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا وَتَتَابُعَ نَكَبَاتِهَا إِلَى أَعْيَانِ قَاطِنِيهَا، وَأَنَّهَا سَلَبَتْ نُفُوسَه وَذَخَائِرَهُمْ وَأَعْدَمَتْ أَصَاغِرَهُمْ وَأَكَابِرَهُمْ فَلَمْ تُبْقِ عَلَى جَلِيلٍ وَلَا حَقِيرٍ وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ نَكَدِهَا غَنِيٌّ وَلَا فَقِيرٌ، زَهَدَ فِيهَا وَأَعْرَضَ عَنْهَا وَأَقْبَلَ عَلَى التَّزَوُّدِ لِلْآخِرَةِ مِنْهَا، وَرَغِبَ فِي دَارٍ تَنَزَّهَتْ عَنْ هَذِهِ الْخَصَائِصِ وَسَلِمَ أَهْلُهَا مِنْ هَذِهِ النَّقَائِصِ، وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: مَا نَرَى نَاظِرًا فِيهَا زَهَدَ فِي الدُّنْيَا وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخِرَةِ وَرَغِبَ فِي دَرَجَاتِهَا الْعُلْيَا، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي كَمْ رَأَى هَذَا الْقَائِلُ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَهُوَ سَيِّدُ الْمَوَاعِظِ وَأَفْصَحُ الْكَلَامِ يَطْلُبُ بِهِ الْيَسِيرَ مِنْ هَذَا الْحُطَامِ فَإِنَّ الْقُلُوبَ مُولَعَةٌ بِحُبِّ الْعَاجِلِ. وَمِنْهَا التَّخَلُّقُ بِالصَّبْرِ وَالتَّأَسِّي وَهُمَا مِنْ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ فَإِنَّ الْعَاقِلَ إِذَا رَأَى أَنَّ مُصَابَ الدُّنْيَا لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ نَبِيٌّ مُكَرَّمٌ وَلَا مَلِكٌ مُعَظَّمٌ بَلْ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ عَلِمَ أَنَّهُ يُصيبُهُ مَا أَصَابَهُمْ وَيَنُوبُهُ مَا نَابَهُمْ. شِعْرًا: وَهَلْ أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ ... غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ وَلِهَذِهِ الْحِكْمَةِ وَرَدَتِ الْقَصَصُ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37] . فَإِنْ ظَنَّ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ بِذِكْرِهَا الَاتِ وَالْأَسْمَارَ فَقَدْ تَمَسَّكَ مِنْ أَقْوَالِ الزَّيْغِ بِمُحْكَمِ سَبَبِهَا حَيْثُ قَالُوا: هَذِهِ {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا} [الفرقان: 5] . نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا قَلْبًا عَقُولًا وَلِسَانًا صَادِقًا وَيُوَفِّقَنَا لِلسَّدَادِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
ذكر الوقت الذي ابتدئ فيه بعمل التاريخ في الإسلام
[ذِكْرُ الْوَقْتِ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ بِعَمَلِ التَّارِيخِ فِي الْإِسْلَامِ] قِيلَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَ بِعَمَلِ التَّارِيخِ. وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ بِوَضْعِ التَّارِيخِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنَّهُ يَأْتِينَا مِنْكَ كُتُبٌ لَيْسَ لَهَا تَارِيخٌ. فَجَمَعَ النَّاسَ لِلْمَشُورَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرِّخْ لِمَبْعَثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرِّخْ لِمُهَاجَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ نُؤَرِّخُ لِمُهَاجَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ مُهَاجَرَتَهُ فَرْقٌ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، قَالَهُ الشَّعْبِيُّ. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: رُفِعَ إِلَى عُمَرَ صَكٌّ مَحِلُّهُ شَعْبَانُ، فَقَالَ: أَيُّ شَعْبَانَ؟ أَشَعْبَانُ الَّذِي هُوَ آتٍ أَمْ شَعْبَانُ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ؟ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ضَعُوا لِلنَّاسِ شَيْئًا يَعْرِفُونَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اكْتُبُوا عَلَى تَارِيخِ الرُّومِ فَإِنَّهُمْ يُؤَرِّخُونَ مِنْ عَهْدِ ذِي الْقَرْنَيْنِ. فَقَالَ: هَذَا يَطُولُ. فَقَالَ اكْتُبُوا عَلَى تَارِيخِ الْفُرْسِ. فَقِيلَ: إِنَّ الْفُرْسَ كُلَّمَا قَامَ مَلِكٌ طَرَحَ تَارِيخَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ. فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَنْظُرُوا كَمْ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
بِالْمَدِينَةِ، فَوَجَدُوهُ عَشْرَ سِنِينَ، فَكَتَبُوا مِنْ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: أَرِّخُوا. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرِّخُوا؟ فَقَالَ: شَيْءٌ تَفْعَلُهُ الْأَعَاجِمُ فِي شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا. فَقَالَ عُمَرُ: حَسَنٌ، فَأَرِّخُوا. فَاتَّفَقُوا عَلَى الْهِجْرَةِ، ثُمَّ قَالُوا: مِنْ أَيِّ الشُّهُورِ؟ فَقَالُوا: مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ قَالُوا: فَالْمُحَرَّمُ هُوَ مُنْصَرَفُ النَّاسِ مِنْ حَجِّهِمْ، وَهُوَ شَهْرٌ حَرَامٌ، فَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ فَقَالَ: مِنْ أَيِّ يَوْمٍ نَكْتُبُ التَّارِيخَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: مِنْ مُهَاجَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِرَاقِهِ أَرْضَ الشِّرْكِ. فَفَعَلَهُ عُمَرُ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: أَوَّلُ مَنْ أَرَّخَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ وَهُوَ بِالْيَمَنِ. وَأَمَّا قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَقَدْ كَانَ بَنُو إِبْرَاهِيمَ يُؤَرِّخُونَ مِنْ نَارِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى بُنْيَانِ الْبَيْتِ حَتَّى بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، وَإِسْمَاعِيلُ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - ثُمَّ أَرَّخَ بَنُو إِسْمَاعِيلَ مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ حَتَّى تَفَرَّقُوا، فَكَانَ كُلَّمَا خَرَجَ قَوْمٌ مِنْ تِهَامَةَ أَرَّخُوا بِمَخْرَجِهِمْ، وَمَنْ بَقِيَ بِتِهَامَةَ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ يُؤَرِّخُونَ مِنْ خُرُوجِ سَعْدٍ، وَنَهْدٍ، وَجُهَيْنَةَ بَنِي زَيْدٍ مِنْ تِهَامَةَ حَتَّى مَاتَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ، وَأَرَّخُوا مِنْ مَوْتِهِ إِلَى الْفِيلِ، ثُمَّ كَانَ التَّارِيخُ مِنَ الْفِيلِ حَتَّى أَرَّخَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ.
القول في الزمان
وَقَدْ كَانَ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنَ الْعَرَبِ تُؤَرِّخُ بِالْحَادِثَاتِ الْمَشْهُورَةِ فِيهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَارِيخٌ يَجْمَعُهُمْ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: هَا أَنَا ذَا آمُلُ الْخُلُودَ وَقَدْ ... أَدْرَكَ عَقْلِي وَمَوْلِدِي حُجْرَا وَقَالَ الْجَعْدِيُّ: فَمَنْ يَكُ سَائِلًا عَنِّي فَإِنِّي ... مِنَ الشُّبَّانِ أَيَّامَ الْخُنَانِ وَقَالَ آخَرُ: وَمَا هِيَ إِلَّا فِي إِزَارٍ وَعُقْلَةٍ ... بِغَارِ ابْنِ هَمَّامٍ عَلَى حَيِّ خَثْعَمَا وَكُلُّ وَاحِدٍ أَرَّخَ بِحَادِثٍ مَشْهُورٍ عِنْدَهُمْ، فَلَوْ كَانَ لَهُمْ تَارِيخٌ يَجْمَعُهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي التَّارِيخِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [الْقَوْلُ فِي الزَّمَانِ]
الزَّمَانُ عِبَارَةٌ عَنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَقَدْ يُقَالُ ذَلِكَ لِلطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ مِنْهُمَا. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَتَيْتُكَ زَمَانَ الصِّرَامِ، وَزَمَانُ الصِّرَامِ يَعْنِي بِهِ وَقْتَ الصِّرَامِ. وَكَذَلِكَ: أَتَيْتُكَ أَزْمَانَ الْحَجَّاجِ أَمِيرٍ. وَيَجْمَعُونَ الزَّمَانَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ إِمَارَتِهِ زَمَنٌ مِنَ الْأَزْمِنَةِ. الْقَوْلُ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ الْمُنَبِّهِ: سِتَّةُ آلَافِ سَنَةٍ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ مَا دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ الْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ قَبْلَكُمْ، مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ» . وَرَوَى نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى أَنَسٌ، وَأَبُو سَعِيدٍ إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا إِنَّهُ قَالَ: إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَبَدَلَ صَلَاةِ الْعَصْرِ: بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى» .
وَرَوَى نَحْوَهُ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، وَأَنَسٌ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَبُرَيْدَةُ، وَالْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ، وَأَشْيَاخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ كُلُّهُمْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -. وَهَذِهِ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ. قَالَ: وَقَدْ زَعَمَ الْيَهُودُ أَنَّ جَمِيعَ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ لَدُنْ خَلْقِ آدَمَ إِلَى الْهِجْرَةِ أَرْبَعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَسِتُّمِائَةٍ وَاثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. وَقَالَتِ الْيُونَانِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى: إِنَّ مِنْ خَلْقِ آدَمَ إِلَى الْهِجْرَةِ خَمْسَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَتِسْعَمِائَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ سَنَةً وَشَهْرًا. وَزَعَمَ قَائِلٌ أَنَّ الْيَهُودَ إِنَّمَا نَقَصُوا مِنَ السِّنِينَ دَفْعًا مِنْهُمْ لِنُبُوَّةِ عِيسَى، إِذْ كَانَتْ صِفَتُهُ وَمَبْعَثُهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَقَالُوا: لَمْ يَأْتِ الْوَقْتُ الَّذِي فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ عِيسَى يَكُونُ فِيهِ، فَهُمْ يَنْتَظِرُونَ بِزَعْمِهِمْ خُرُوجَهُ وَوَقْتَهُ. قَالَ: وَأَحْسَبُ أَنَّ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ وَيَدَّعُونَ أَنَّ صِفَتَهُ فِي التَّوْرَاةِ مُثْبَتَةٌ هُوَ الدَّجَّالُ. وَقَالَتِ الْمَجُوسُ: إِنَّ قَدْرَ مُدَّةِ الزَّمَانِ مِنْ لَدُنْ مُلْكِ جُيُومَرْثَ إِلَى وَقْتِ الْهِجْرَةِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَمِائَةٌ وَتِسْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَهُمْ لَا يَذْكُرُونَ مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا يُعْرَفُ فَوْقَ جُيُومَرْثَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ هُوَ آدَمُ. وَأَهْلُ الْأَخْبَارِ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَمِنْ قَائِلٍ مِثْلَ قَوْلِ الْمَجُوسِ، وَمِنْ قَائِلٍ: إِنَّهُ يُسَمَّى بِآدَمَ بَعْدَ أَنْ مَلَكَ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ وَإِنَّهُ حَامُ بْنُ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ، وَكَانَ بَارًّا بِنُوحٍ، فَدَعَا لَهُ وَلِذُرِّيَّتِهِ بِطُولِ الْعُمُرِ، وَالتَّمْكِينِ فِي الْبِلَادِ، وَاتِّصَالِ الْمُلْكِ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ. فَمَلَكَ جُيُومَرْثُ وَوَلَدُهُ الْفُرْسَ. وَلَمْ يَزَلِ الْمُلْكُ فِيهِمْ إِلَى أَنْ دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْمَدَائِنَ وَغَلَبُوهُمْ
عَلَى مُلْكِهِمْ، وَمِنْ قَائِلٍ غَيْرَ ذَلِكَ، كَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ. قُلْتُ: ثُمَّ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ بَعْدَ هَذَا فُصُولًا تَتَضَمَّنُ الدَّلَالَةَ عَلَى حُدُوثِ الْأَزْمَانِ، وَالْأَوْقَاتِ، وَهَلْ خَلَقَ اللَّهُ قَبْلَ خَلْقِ الزَّمَانِ شَيْئًا أَمْ لَا؟ وَعَلَى فَنَاءِ الْعَالَمِ، وَأَنْ لَا يَبْقَى إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَّهُ أَحْدَثَ كُلَّ شَيْءٍ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِالتَّوَارِيخِ لَا سِيَّمَا الْمُخْتَصَرَاتِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ بِعِلْمِ الْأُصُولِ أَوْلَى. وَقَدْ فَرَغَ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْهُ فِي كُتُبِهِمْ، فَرَأَيْنَا تَرْكَهُ أَوْلَى. (بُرَيْدَةُ: بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ وَآخِرُهُ هَاءٌ)
القول في ابتداء الخلق، وما كان أوله
[الْقَوْلُ فِي ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ، وَمَا كَانَ أَوَّلَهُ] صَحَّ فِي الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَلَمُ، وَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ. فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ» . وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى النُّورُ، وَالظُّلْمَةُ، فَجَعَلَ الظُّلْمَةَ لَيْلًا أَسْوَدَ، وَجَعَلَ النُّورَ نَهَارًا أَبْيَضَ مُضِيئًا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِلْحَدِيثِ، وَابْنُ إِسْحَاقَ لَمْ يُسْنِدْ قَوْلَهُ إِلَى أَحَدٍ. وَاعْتَرَضَ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا رَوَى سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ عَلَى عَرْشِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنْ كَانَ صَحِيحًا فَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ أَيْضًا عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ: «إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى عَرْشِهِ» ، بَلْ رَوَى أَنَّهُ قَالَ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ» .
الْقَوْلُ فِيمَا خُلِقَ بَعْدَ الْقَلَمِ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ - بَعْدَ الْقَلَمِ، وَبَعْدَ أَنْ أَمَرَهُ فَكَتَبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ - سَحَابًا رَقِيقًا، وَهُوَ الْغَمَامُ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ «سَأَلَهُ أَبُو رَزِينٍ الْعَقِيلِيُّ: أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ؟ فَقَالَ: فِي غَمَامٍ مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ، وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ» . وَهُوَ الْغَمَامُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210] . قُلْتُ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَلَمُ، وَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ. فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ بَعْدَ الْقَلَمِ، وَبَعْدَ أَنْ جَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ سَحَابًا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ آلَةٍ يُكْتَبُ بِهَا، وَهُوَ الْقَلَمُ، وَمِنْ شَيْءٍ يُكْتَبُ فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ هَهُنَا بِاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ ثَانِيًا لِلْقَلَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ ذِكْرَهُ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ مَفْهُومِ اللَّفْظِ بِطَرِيقَةِ الْمُلَازَمَةِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ خَلَقَ اللَّهُ بَعْدَ الْغَمَامِ، فَرَوَى الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَرْشُ، فَاسْتَوَى عَلَيْهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ قَبْلَ الْعَرْشِ، وَخَلَقَ الْعَرْشَ فَوَضَعَهُ عَلَى الْمَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ الْقَلَمِ الْكُرْسِيُّ، ثُمَّ الْعَرْشُ، ثُمَّ الْهَوَاءُ، ثُمَّ الظُّلُمَاتُ، ثُمَّ الْمَاءُ فَوَضَعَ الْعَرْشَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَاءَ خُلِقَ قَبْلَ الْعَرْشِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمَاءَ كَانَ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ حِينَ خُلِقَ الْعَرْشُ ; قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ خُلِقَا قَبْلَ الْعَرْشِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْقَلَمَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا بِأَلْفِ عَامٍ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْيَوْمِ الَّذِي ابْتَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَكَعْبٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُجَاهِدٌ: ابْتِدَاءُ الْخَلْقِ يَوْمَ الْأَحَدِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: ابْتِدَاءُ الْخَلْقِ يَوْمَ السَّبْتِ. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَا خُلِقَ كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ الْخَلْقَ يَوْمَ الْأَحَدِ، فَخَلَقَ الْأَرَضِينَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْأَقْوَاتَ، وَالرَّوَاسِيَ فِي الثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ، فَفَرَغَ آخِرَ سَاعَةٍ مِنَ الْجُمُعَةِ فَخَلَقَ فِيهَا آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَتِلْكَ السَّاعَةُ الَّتِي تَقُومُ فِيهَا السَّاعَةُ. وَمِثْلَهُ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ، إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا خَلْقَ آدَمَ، وَلَا السَّاعَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَرْضَ بِأَقْوَاتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْحُوَهَا، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30] وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدِي هُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ الْبَيْتَ عَلَى الْمَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الدُّنْيَا بِأَلْفَيْ عَامٍ، ثُمَّ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِ الْبَيْتِ. وَمِثْلَهُ قَالَ ابْنُ عُمَرَ. وَرَوَى السُّدِّيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة: 29] قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَلَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا مِمَّا خَلَقَ قَبْلَ الْمَاءِ. فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ أَخْرَجَ مِنَ الْمَاءِ
دُخَانًا، فَارْتَفَعَ فَوْقَ الْمَاءِ، فَسَمَا عَلَيْهِ، فَسَمَّاهُ سَمَاءً، ثُمَّ أَيْبَسَ الْمَاءَ فَجَعَلَهُ أَرْضًا وَاحِدَةً، ثُمَّ فَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْعَ أَرَضِينَ فِي يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْأَحَدِ، وَيَوْمِ الِاثْنَيْنِ. فَخَلَقَ الْأَرْضَ عَلَى حُوتٍ، وَالْحُوتُ النُّونُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: ن وَالْقَلَمِ وَالْحُوتُ فِي الْمَاءِ، وَالْمَاءُ عَلَى ظَهْرِ صَفَاةٍ، وَالصَّفَاةُ عَلَى ظَهْرِ مَلَكٍ، وَالْمَلَكُ عَلَى صَخْرَةٍ، وَالصَّخْرَةُ فِي الرِّيحِ، وَهِيَ الصَّخْرَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا لُقْمَانُ لَيْسَتْ فِي السَّمَاءِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، فَتَحَرَّكَ الْحُوتُ، فَاضْطَرَبَتْ، وَتَزَلْزَلَتِ الْأَرْضُ، فَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَ، فَقَرَّتْ. وَالْجِبَالُ تَفْخَرُ عَلَى الْأَرْضِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} [الأنبياء: 31] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُجَاهِدٌ، وَكَعْبٌ، وَغَيْرُهُمْ: كُلُّ يَوْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَأَلْفِ سَنَةٍ. قُلْتُ: أَمَّا مَا وَرَدَ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمِ كَذَا، فَإِنَّمَا هُوَ مَجَازٌ، وَإِلَّا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْوَقْتَ أَيَّامٌ وَلَيَالٍ، لِأَنَّ الْأَيَّامَ عِبَارَةٌ عَمَّا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، وَاللَّيَالِي عِبَارَةٌ عَمَّا بَيْنَ غُرُوبِهَا وَطُلُوعِهَا، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْوَقْتَ سَمَاءٌ، وَلَا شَمْسٌ. وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِمِقْدَارِ يَوْمٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 62] وَلَيْسَ فِي الْجَنَّةِ بُكْرَةٌ وَعَشِيٌّ. (سَلَامٌ: وَالِدُ عَبْدِ اللَّهِ، بِتَخْفِيفِ اللَّامِ) . الْقَوْلُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، أَيُّهُمَا خُلِقَ قَبْلَ صَاحِبِهِ؟ قَدْ ذَكَرْنَا مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الْأَوْقَاتِ، وَأَنَّ الْأَزْمِنَةَ وَالْأَوْقَاتَ إِنَّمَا هِيَ سَاعَاتُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ قَطْعُ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ دَرَجَاتِ الْفَلَكِ.
فَلْنَذْكُرِ الْآنَ بِأَيِّ ذَلِكَ كَانَ الِابْتِدَاءُ، أَبِاللَّيْلِ أَمْ بِالنَّهَارِ؟ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّيْلَ خُلِقَ قَبْلَ النَّهَارِ، وَيَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ النَّهَارَ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ، فَإِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ جَاءَ اللَّيْلُ فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ النَّهَارَ - وَهُوَ النُّورُ - وَارِدٌ عَلَى الظُّلْمَةِ الَّتِي هِيَ اللَّيْلُ. وَإِذَا لَمْ يَرِدْ نُورُ الشَّمْسِ كَانَ اللَّيْلُ ثَابِتًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّيْلَ هُوَ الْأَوَّلُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ النَّهَارُ قَبْلَ اللَّيْلِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، وَلَا لَيْلَ وَلَا نَهَارَ، وَأَنَّ نُورَهُ كَانَ يُضِيءُ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ حَتَّى خَلَقَ اللَّيْلَ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عِنْدَهُ لَيْلٌ، وَلَا نَهَارٌ. نُورُ السَّمَاوَاتِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا - رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا - وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} [النازعات: 27 - 29] فَبَدَأَ بِاللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ. قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ الْحَارِثِيُّ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيٍّ فَسَأَلَهُ ابْنُ الْكَوَّاءِ عَنِ السَّوَادِ الَّذِي فِي الْقَمَرِ، فَقَالَ: ذَلِكَ آيَةٌ مُحِيَتْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا، لِذَلِكَ خَلَقَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى الشَّمْسُ أَنْوَرُ مِنَ الْقَمَرِ. قُلْتُ: وَرَوَى أَبُو جَعْفَرٍ هَاهُنَا حَدِيثًا طَوِيلًا فِي عِدَّةِ أَوْرَاقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَلْقِ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَسَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُمَا عَلَى عَجَلَتَيْنِ، لِكُلِّ عَجَلَةٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ عُرْوَةً، يَجُرُّهَا بِعَدَدِهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنَّهُمَا يَسْقُطَانِ عَنِ الْعَجَلَتَيْنِ فَيَغُوصَانِ فِي بَحْرٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَذَلِكَ كُسُوفُهُمَا، ثُمَّ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُخْرِجُونَهَا فَذَلِكَ تَجْلِيَتُهُمَا مِنَ الْكُسُوفِ. وَذَكَرَ الْكَوَاكِبَ، وَسَيْرَهَا، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا. ثُمَّ ذَكَرَ مَدِينَةً
بِالْمَغْرِبِ تُسَمَّى جَابَرْسَ وَأُخْرَى بِالْمَشْرِقِ تُسَمَّى جَابَلْقَ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَشَرَةُ آلَافِ بَابٍ، يَحْرُسُ كُلَّ بَابٍ مِنْهَا عَشَرَةُ آلَافِ رَجُلٍ، لَا تَعُودُ الْحِرَاسَةُ إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَذَكَرَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَمَنْسَكَ وَثَارِيسَ، إِلَى أَشْيَاءَ أُخَرَ لَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهَا، فَأَعْرَضْتُ عَنْهَا لِمُنَافَاتِهَا الْعُقُولَ. وَلَوْ صَحَّ إِسْنَادُهَا لَذَكَرْنَاهَا، وَقُلْنَا بِهِ، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَمِثْلُ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَطَّرَ فِي الْكُتُبِ بِمِثْلِ هَذَا الْإِسْنَادِ الضَّعِيفِ. وَإِذَا كُنَّا قَدْ بَيَّنَّا مِقْدَارَ مُدَّةِ مَا بَيْنَ أَوَّلِ ابْتِدَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِنْشَاءِ مَا أَرَادَ إِنْشَاءَهُ مِنْ خَلْقِهِ إِلَى حِينِ فَرَاغِهِ مِنْ إِنْشَاءِ جَمِيعِهِ مِنْ سِنِي الدُّنْيَا وَمُدَّةِ أَزْمَانِهَا، وَكَانَ الْغَرَضُ فِي كِتَابِنَا هَذَا ذِكْرَ مَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّا ذَاكِرُوهُ مِنْ تَارِيخِ الْمُلُوكِ الْجَبَابِرَةِ، وَالْعَاصِيَةِ رَبَّهَا وَالْمُطِيعَةِ رَبَّهَا، وَأَزْمَانِ الرُّسُلِ، وَالْأَنْبِيَاءِ، وَكُنَّا قَدْ أَتَيْنَا عَلَى ذِكْرِ مَا تَصِحُّ بِهِ التَّأْرِيخَاتُ وَتُعْرَفُ بِهِ الْأَوْقَاتُ، وَهُوَ الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ، فَلْنَذْكُرِ الْآنَ أَوَّلَ مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مُلْكًا، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ فَكَفَرَ نِعْمَتَهُ، وَجَحَدَ رُبُوبِيَّتَهُ، وَاسْتَكْبَرَ، فَسَلَبَهُ اللَّهُ نِعْمَتَهُ، وَأَخْزَاهُ، وَأَذَلَّهُ، ثُمَّ نُتْبِعْهُ ذِكْرَ مَنِ اسْتَنَّ سُنَّتَهُ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ وَأَحَلَّ اللَّهُ بِهِ نِعْمَتَهُ، وَنَذْكُرْ مَنْ كَانَ بِإِزَائِهِ أَوْ بَعْدَهُ مِنَ الْمُلُوكِ الْمُطِيعَةِ رَبَّهَا الْمَحْمُودَةِ آثَارُهَا، وَمِنَ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قصة إبليس لعنه الله وابتداء أمره وإطغائه آدم عليه السلام
[قِصَّةُ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَابْتِدَاءِ أَمْرِهِ وَإِطْغَائِهِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ] فَأَوَّلُهُمْ، وَإِمَامُهُمْ، وَرَئِيسُهُمْ إِبْلِيسُ. وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ حَسَّنَ خَلْقَهُ، وَشَرَّفَهُ، وَمَلَّكَهُ عَلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَالْأَرْضِ فِيمَا ذُكِرَ، وَجَعَلَهُ مَعَ ذَلِكَ خَازِنًا مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ، فَاسْتَكْبَرَ عَلَى رَبِّهِ، وَادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ، وَدَعَا مَنْ كَانَ تَحْتَ يَدِهِ إِلَى عِبَادَتِهِ، فَمَسَخَهُ اللَّهُ تَعَالَى شَيْطَانًا رَجِيمًا، وَشَوَّهَ خَلْقَهُ، وَسَلَبَهُ مَا كَانَ خَوَّلَهُ، وَلَعَنَهُ، وَطَرَدَهُ عَنْ سَمَاوَاتِهِ فِي الْعَاجِلِ، ثُمَّ جَعَلَ مَسْكَنَهُ، وَمَسْكَنَ أَتْبَاعِهِ فِي الْآخِرَةِ نَارَ جَهَنَّمَ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَضَبِهِ، وَمِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ. وَنَبْدَأُ بِذِكْرِ الْأَخْبَارِ عَنِ السَّلَفِ بِمَا كَانَ اللَّهُ أَعْطَاهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَبِادِّعَائِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ، وَنُتْبِعُ ذَلِكَ بِذِكْرِ أَحْدَاثٍ فِي سُلْطَانِهِ وَمُلْكِهِ إِلَى حِينِ زَوَالِ ذَلِكَ عَنْهُ، وَالسَّبَبِ الَّذِي بِهِ زَالَ عَنْهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ الْأَخْبَارِ بِمَا كَانَ لِإِبْلِيسَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - مِنَ الْمُلْكِ، وَذِكْرُ الْأَحْدَاثِ فِي مُلْكِهِ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ لَهُ مُلْكُ سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَكَانَ مِنْ قَبِيلَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ. وَإِنَّمَا سُمُّوا الْجِنَّ لِأَنَّهُمْ خُزَّانُ الْجَنَّةِ. وَكَانَ إِبْلِيسُ مَعَ
مُلْكِهِ خَازِنًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ إِنَّهُ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى فَمَسَخَهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ} [الأنبياء: 29] إِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي إِبْلِيسَ خَاصَّةً لَمَّا قَالَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَجَعَلَهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا، وَقَالَ: {فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 29] وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلُهُ. وَأَمَّا الْأَحْدَاثُ الَّتِي كَانَتْ فِي مُلْكِهِ، وَسُلْطَانِهِ فَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ، خُلِقُوا مِنْ نَارِ السَّمُومِ مِنْ بَيْنِ الْمَلَائِكَةِ، وَكَانَ خَازِنًا مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَخُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَتِ الْجِنُّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَهُوَ لِسَانُ النَّارِ الَّذِي يَكُونُ فِي طَرَفِهَا إِذَا الْتَهَبَتْ. وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ طِينٍ، فَأَوَّلُ مَنْ سَكَنَ فِي الْأَرْضِ الْجِنُّ، فَاقْتَتَلُوا فِيهَا، وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ إِبْلِيسَ فِي جُنْدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَهُمْ هَذَا الْحَيُّ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ، فَقَاتَلَهُمْ إِبْلِيسُ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى أَلْحَقَهُمْ بِجَزَائِرِ الْبُحُورِ، وَأَطْرَافِ الْجِبَالِ. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ اغْتَرَّ فِي نَفْسِهِ، وَقَالَ: قَدْ صَنَعْتُ مَا لَمْ يَصْنَعْهُ أَحَدٌ. فَاطَّلَعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ مَعَهُ. وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ نَحْوُهُ. وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا: لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ خَلْقِ مَا أَحَبَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، فَجَعَلَ إِبْلِيسَ عَلَى مُلْكِ سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَكَانَ مِنْ قَبِيلٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ، وَإِنَّمَا سُمُّوا الْجِنَّ لِأَنَّهُمْ مِنْ خَزَنَةِ الْجَنَّةِ. وَكَانَ إِبْلِيسُ مَعَ مُلْكِهِ خَازِنًا فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ كِبْرٌ، وَقَالَ: مَا أَعْطَانِي اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِمَزِيَّةٍ لِي عَلَى الْمَلَائِكَةِ. فَاطَّلَعَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ اسْمُهُ عَزَازِيلَ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ الْمَلَائِكَةِ اجْتِهَادًا وَأَكْثَرِهِمْ عِلْمًا، فَدَعَاهُ ذَلِكَ إِلَى الْكِبْرِ. وَهَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي سَبَبِ كِبْرِهِ. وَرَوَى عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ خَلْقًا، فَقَالَ: اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَقَالُوا: لَا نَفْعَلُ. فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُمْ، ثُمَّ خَلَقَ خَلْقًا آخَرَ، فَقَالَ: إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَاسْجُدُوا لِآدَمَ. فَأَبَوْا، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُمْ، ثُمَّ خَلَقَ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةَ، فَقَالَ: اسْجُدُوا لِآدَمَ. قَالُوا: نَعَمْ. وَكَانَ إِبْلِيسُ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يَسْجُدُوا. وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: إِنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ سَكَنُوا الْأَرْضَ، وَطَرَدَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَأَسَرَهُ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُ ذَلِكَ. وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ فُسُوقُهُ مِنْ إِعْجَابِهِ بِنَفْسِهِ لِكَثْرَةِ عِبَادَتِهِ، وَاجْتِهَادِهِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ مِنَ الْجِنِّ. (وَمُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ، بِسُكُونِ الْمِيمِ، وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ نِسْبَةً إِلَى هَمْدَانَ: قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْيَمَنِ)
ذكر خلق آدم عليه السلام
[ذِكْرُ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ] وَمِنَ الْأَحَادِيثِ فِي سُلْطَانِهِ خَلْقُ أَبِينَا آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَذَلِكَ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُطْلِعَ مَلَائِكَتَهُ عَلَى مَا عَلِمَ مِنَ انْطِوَاءِ إِبْلِيسَ عَلَى الْكِبْرِ وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى دَنَا أَمْرُهُ مِنَ الْبَوَارِ وَمُلْكُهُ مِنَ الزَّوَالِ، فَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30] . فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ ذَلِكَ لِلَّذِي كَانُوا عَهِدُوا مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْجِنِّ الَّذِينَ كَانُوا سُكَّانَ الْأَرْضِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالُوا لِرَبِّهِمْ تَعَالَى: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يَكُونُ مِثْلَ الْجِنِّ الَّذِينَ كَانُوا يَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ فِيهَا وَيُفْسِدُونَ وَيَعْصُونَكَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟ فَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] ، يَعْنِي مِنَ انْطِوَاءِ إِبْلِيسَ عَلَى الْكِبْرِ وَالْعَزْمِ عَلَى خِلَافِ أَمْرِي وَاغْتِرَارِهِ، وَأَنَا مُبْدٍ ذَلِكَ لَكُمْ مِنْهُ لِتَرَوْهُ عِيَانًا. فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ أَمَرَ جَبْرَائِيلَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِطِينٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالَتِ الْأَرْضُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ أَنْ تَنْقُصَ مِنِّي وَتَشِينَنِي. فَرَجَعَ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنَّهَا عَاذَتْ بِكَ فَأَعَذْتَهَا. فَبَعَثَ مِيكَائِيلَ، فَاسْتَعَاذَتْ مِنْهُ فَأَعَاذَهَا، فَرَجَعَ وَقَالَ مِثْلَ جَبْرَائِيلَ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا مَلَكَ الْمَوْتِ فَعَاذَتْ مِنْهُ، فَقَالَ: أَنَا أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَرْجِعَ وَلَمْ أُنَفِّذْ أَمْرَ رَبِّي، فَأَخَذَ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ فَخَلَطَهُ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ وَأَخَذَ مِنْ تُرْبَةٍ حَمْرَاءَ، وَبَيْضَاءَ، وَسَوْدَاءَ، وَطِينًا لَازِبًا، فَلِذَلِكَ خَرَجَ بَنُو آدَمَ مُخْتَلِفِينَ. وَرَوَى أَبُو مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ، وَالْأَسْوَدُ، وَالْأَبْيَضُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزَنُ، وَالْخَبِيثُ، وَالطَّيِّبُ، ثُمَّ بَلَتْ طِينَتُهُ حَتَّى صَارَتْ
طِينًا لَازِبًا، ثُمَّ تُرِكَتْ حَتَّى صَارَتْ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ تُرِكَتْ حَتَّى صَارَتْ صَلْصَالًا، كَمَا قَالَ رَبُّنَا، تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 26] » . وَاللَّازِبُ: الطِّينُ الْمُلْتَزِبُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى تَغَيَّرَ، وَأَنْتَنَ، وَصَارَ حَمَأً مَسْنُونًا، يَعْنِي مُنْتِنًا، ثُمَّ صَارَ صَلْصَالًا، وَهُوَ الَّذِي لَهُ صَوْتٌ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ آدَمَ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَ اللَّهُ بِتُرْبَةِ آدَمَ فَرُفِعَتْ، فَخَلَقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ، وَإِنَّمَا كَانَ حَمَأً مَسْنُونًا بَعْدَ الْتِزَابٍ فَخَلَقَ مِنْهُ آدَمَ بِيَدِهِ لِئَلَّا يَتَكَبَّرَ إِبْلِيسُ عَنِ السُّجُودِ لَهُ. قَالَ: فَمَكَثَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً، جَسَدًا مُلْقًى، فَكَانَ إِبْلِيسُ يَأْتِيهِ فَيَضْرِبُهُ بِرِجْلِهِ فَيُصَلْصِلُ، أَيْ يُصَوِّتُ، قَالَ: فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} [الرحمن: 14] ، يَقُولُ: مُنْتِنٌ كَالْمَنْفُوخِ الَّذِي لَيْسَ بِمُصْمَتٍ، ثُمَّ يَدْخُلُ مِنْ فِيهِ فَيَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ، وَيَدْخُلُ مِنْ دُبُرِهِ، وَيَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، ثُمَّ يَقُولُ: لَسْتَ شَيْئًا، وَلِشَيْءٍ مَا خُلِقْتَ، وَلَئِنْ سُلِّطْتُ عَلَيْكَ لَأُهْلِكَنَّكَ، وَلَئِنْ سُلِّطْتَ عَلِيَّ لَأَعْصِيَنَّكَ. فَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَمُرُّ بِهِ فَتَخَافُهُ، وَكَانَ إِبْلِيسُ أَشَدَّهُمْ مِنْهُ خَوْفًا. فَلَمَّا بَلَغَ الْحِينُ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] فَلَمَّا نَفَخَ الرُّوحَ فِيهِ دَخَلَتْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، وَكَانَ لَا يَجْرِي شَيْءٌ مِنَ الرُّوحِ فِي جَسَدِهِ إِلَّا صَارَ لَحْمًا، فَلَمَّا دَخَلَتِ الرُّوحُ رَأْسَهُ عَطَسَ، فَقَالَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقِيلَ: بَلْ أَلْهَمَهُ اللَّهُ التَّحْمِيدَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: رَحِمَكَ رَبُّكَ يَا آدَمُ. فَلَمَّا دَخَلَتِ الرُّوحُ عَيْنَيْهِ نَظَرَ إِلَى ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا بَلَغَتْ جَوْفَهُ اشْتَهَى الطَّعَامَ، فَوَثَبَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ رِجْلَيْهِ عَجْلَانَ إِلَى ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:
{خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37] . فَسَجَدَ لَهُ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ. فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، فَلَمْ يَسْجُدْ كِبْرًا، وَبَغْيًا، وَحَسَدًا. فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: {يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] إِلَى قَوْلِهِ: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 85] . فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ إِبْلِيسَ وَمُعَاتَبَتِهِ، وَأَبَى إِلَّا الْمَعْصِيَةَ، وَأَوْقَعَ اللَّعْنَةَ، وَأَيْأَسَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ وَجَعَلَهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا، وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: أُنْزِلَ إِبْلِيسُ مُشْتَمِلَ الصَّمَّاءِ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ أَعْوَرَ فِي إِحْدَى رِجْلَيْهِ نَعْلٌ. وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ: نَزَلَ إِبْلِيسُ مُخْتَصِرًا فَلِذَلِكَ كُرِهَ الِاخْتِصَارُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمَّا أُنْزِلَ قَالَ: يَا رَبِّ، أَخْرَجْتَنِي مِنَ الْجَنَّةِ لِأَجْلِ آدَمَ، وَإِنِّي لَا أَقْوَى عَلَيْهِ إِلَّا بِسُلْطَانِكَ. قَالَ: فَأَنْتَ مُسَلَّطٌ. قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: لَا يُولَدُ لَهُ وَلَدٌ إِلَّا وُلِدَ لَكَ مِثْلُهُ. قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: صُدُورُهُمْ مَسَاكِنُ لَكَ، وَتَجْرِي مِنْهُمْ مَجْرَى الدَّمِ. قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجْلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ. قَالَ آدَمُ: يَا رَبِّ، قَدْ أَنْظَرْتَهُ، وَسَلَّطْتَهُ عَلِيَّ، وَإِنَّنِي لَا أَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِكَ. قَالَ: لَا يُولَدُ لَكَ وَلَدٌ إِلَّا وَكَّلْتُ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ. قَالَ: يَا رَبِّ، زِدْنِي. قَالَ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَأَزِيدُهَا، وَالسَّيِّئَةُ بِوَاحِدَةٍ، وَأَمْحُوهَا. قَالَ: يَا رَبِّ، زِدْنِي. قَالَ: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] قَالَ: يَا رَبِّ، زِدْنِي. قَالَ: التَّوْبَةُ لَا أَمْنَعُهَا مِنْ وَلَدِكَ مَا كَانَتْ فِيهِمُ الرُّوحُ. قَالَ: يَا رَبِّ، زِدْنِي. قَالَ: أَغْفِرُ وَلَا أُبَالِي. قَالَ: حَسْبِي. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ لِآدَمَ: إِيتِ أُولَئِكَ النَّفَرَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقُلِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَأَتَاهُمْ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ بَيْنَهُمْ. فَلَمَّا امْتَنَعَ إِبْلِيسُ مِنَ السُّجُودِ وَظَهَرَ لِلْمَلَائِكَةِ مَا كَانَ مُسْتَتِرًا عَنْهُمْ عَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا. الْأَسْمَاءُ الَّتِي عَلَّمَهَا اللَّهُ آدَمَ
وَاخْتَلَفَتِ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَسْمَاءِ، فَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا الَّتِي تَتَعَارَفُ بِهَا النَّاسُ: إِنْسَانٌ، وَدَابَّةٌ، وَأَرْضٌ، وَسَهْلٌ، وَجَبَلٌ، وَفَرَسٌ، وَحِمَارٌ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، حَتَّى الْفَسْوَةُ، وَالْفُسَيَّةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: عُلِّمَ أَسْمَاءَ ذُرِّيَّتِهِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: عُلِّمَ أَسْمَاءَ الْمَلَائِكَةِ خَاصَّةً. فَلَمَّا عُلِّمَهَا عَرَضَ اللَّهُ أَهْلَ الْأَسْمَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31] إِنِّي إِنْ جَعَلْتُ الْخَلِيفَةَ مِنْكُمْ أَطَعْتُمُونِي، وَقَدَّسْتُمُونِي، وَلَمْ تَعْصُونِي، وَإِنْ جَعَلْتُهُ مِنْ غَيْرِكُمْ أَفْسَدَ فِيهَا، وَسَفَكَ الدِّمَاءَ، فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا أَسْمَاءَ هَؤُلَاءِ وَأَنْتُمْ تُشَاهِدُونَهُمْ فَبِأَنْ لَا تَعْلَمُوا مَا يَكُونُ مِنْكُمْ وَمِنْ غَيْرِكُمْ وَهُوَ مُغَيَّبٌ عَنْكُمْ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرِوَايَةُ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا قَالَا: لَمَّا عَلَّمَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِخَلْقِ آدَمَ، وَاسْتِخْلَافِهِ وَ {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30] وَ {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: لِيَخْلُقْ رَبُّنَا مَا يَشَاءُ فَلَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا إِلَّا كُنَّا أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ، وَأَعْلَمَ مِنْهُ. فَلَمَّا خَلَقَهُ وَأَمَرَهُمْ بِالسُّجُودِ لَهُ عَلِمُوا أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَأَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: إِنْ يَكُ خَيْرًا مِنَّا وَأَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَّا فَنَحْنُ أَعْلَمُ مِنْهُ. فَلَمَّا أُعْجِبُوا بِعِلْمِهِمُ ابْتُلُوا بِأَنْ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31] إِنِّي لَا أَخْلُقُ أَكْرَمَ مِنْكُمْ وَلَا أَعْلَمَ مِنْكُمْ فَفَزِعُوا إِلَى التَّوْبَةِ، وَإِلَيْهَا يَفْزَعُ كُلُّ مُؤْمِنٍ {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32] .
قَالَا: وَعَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ: الْخَيْلُ، وَالْبِغَالُ، وَالْإِبِلُ، وَالْجِنُّ، وَالْوَحْشُ، وَكُلَّ شَيْءٍ. ذِكْرُ إِسْكَانِ آدَمَ الْجَنَّةَ وَإِخْرَاجِهِ مِنْهَا فَلَمَّا ظَهَرَ لِلْمَلَائِكَةِ مِنْ مَعْصِيَةِ إِبْلِيسَ وَطُغْيَانِهِ مَا كَانَ مُسْتَتِرًا عَنْهُمْ وَعَاتَبَهُ اللَّهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ بِتَرْكِهِ السُّجُودَ لِآدَمَ، فَأَصَرَّ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَأَقَامَ عَلَى غَيِّهِ، لَعَنَهُ اللَّهُ وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَطَرَدَهُ مِنْهَا وَسَلَبَهُ مَا كَانَ إِلَيْهِ مِنْ مُلْكِ سَمَاءِ الدُّنْيَا وَالْأَرْضِ وَخَزْنِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ - وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [الحجر: 34 - 35] ، وَأَسْكَنَ آدَمَ الْجَنَّةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ: فَلَمَّا أَسْكَنَ آدَمَ الْجَنَّةَ كَانَ يَمْشِي فِيهَا فَرْدًا لَيْسَ لَهُ زَوْجٌ يَسْكُنُ إِلَيْهَا، فَنَامَ نَوْمَةً وَاسْتَيْقَظَ فَإِذَا عِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأَةٌ قَاعِدَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ مِنْ ضِلْعِهِ، فَسَأَلَهَا، فَقَالَ: مَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ: امْرَأَةٌ. قَالَ: وَلِمَ خُلِقْتِ؟ قَالَتْ: لِتَسْكُنَ إِلَيَّ. قَالَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ لِيَنْظُرُوا مَبْلَغَ عِلْمِهِ: مَا اسْمُهَا؟ قَالَ: حَوَّاءُ. قَالُوا: وَلِمَ سُمِّيَتْ حَوَّاءَ؟ قَالَ: لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ حَيٍّ. وَقَالَ اللَّهُ لَهُ: {يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35] . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا بَلَغَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: أَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى آدَمَ النَّوْمَ وَأَخَذَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ مِنْ شِقِّهِ الْأَيْسَرِ وَلَأَمَ مَكَانَهُ لَحْمًا وَخَلَقَ مِنْهُ حَوَّاءَ وَآدَمُ نَائِمٌ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ رَآهَا إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: لَحْمِي، وَدَمِي، وَرُوحِي، فَسَكَنَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا زَوَّجَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَجَعَلَ لَهُ سَكَنًا مِنْ نَفْسِهِ، قَالَ لَهُ: {يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ - وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35] . وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ مِثْلَهُ. فَلَمَّا أَسْكَنَ اللَّهُ آدَمَ وَزَوْجَتَهُ الْجَنَّةَ أَطْلَقَ لَهُمَا أَنْ يَأْكُلَا كُلَّ مَا أَرَادَا مِنْ كُلِّ ثِمَارِهِ غَيْرَ ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ، ابْتِلَاءً مِنْهُ لَهُمَا وَلِيَمْضِيَ قَضَاؤُهُ فِيهِمَا وَفِي ذُرِّيَّتِهِمَا. فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ. وَكَانَ سَبَبُ وُصُولِهِ إِلَيْهِمَا أَنَّهُ أَرَادَ دُخُولَ الْجَنَّةِ فَمَنَعَتْهُ الْخَزَنَةُ، فَأَتَى كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ دَوَابِّ الْأَرْضِ
وَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا أَنَّهَا تَحْمِلُهُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ لِيُكَلِّمَ آدَمَ وَزَوْجَتَهُ. فَكُلُّ الدَّوَابِّ أَبَى عَلَيْهِ حَتَّى أَتَى الْحَيَّةَ، وَقَالَ لَهَا: أَمْنَعُكِ مِنِ ابْنِ آدَمَ، فَأَنْتِ فِي ذِمَّتِي إِنْ أَنْتِ أَدْخَلْتِنِي، فَجَعَلَتْهُ بَيْنَ نَابَيْنِ مِنْ أَنْيَابِهَا، ثُمَّ دَخَلَتْ بِهِ، وَكَانَتْ كَاسِيَةً عَلَى أَرْبَعِ قَوَائِمَ مِنْ أَحْسَنِ دَابَّةٍ خَلْقَهَا اللَّهُ كَأَنَّهَا بُخْتِيَّةٌ، فَأَعْرَاهَا اللَّهُ وَجَعَلَهَا تَمْشِي عَلَى بَطْنِهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اقْتُلُوهَا حَيْثُ وَجَدْتُمُوهَا وَاخْفِرُوا ذِمَّةَ عَدُوِّ اللَّهِ فِيهَا. فَلَمَّا دَخَلَتِ الْحَيَّةُ الْجَنَّةَ خَرَجَ إِبْلِيسُ مِنْ فِيهَا فَنَاحَ عَلَيْهِمْا نِيَاحَةً أَحْزَنَتْهُمَا حِينَ سَمِعَاهَا، فَقَالَا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي عَلَيْكُمَا تَمُوتَانِ فَتُفَارِقَانِ مَا أَنْتُمَا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالْكَرَامَةِ. فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمَا. ثُمَّ أَتَاهُمَا فَوَسْوَسَ لَهُمَا وَقَالَ: يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى، وَقَالَ {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ - وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 20 - 21] أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ، أَوْ تُخَلَّدَانِ إِنْ لَمْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ فِي نِعْمَةِ الْجَنَّةِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} [الأعراف: 22] . وَكَانَ انْفِعَالُ حَوَّاءَ لِوَسْوَسَتِهِ أَعْظَمَ، فَدَعَاهَا آدَمُ لِحَاجَتِهِ. فَقَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ تَأْتِيَ هَهُنَا. فَلَمَّا أَتَى قَالَتْ: لَا! إِلَّا أَنْ تَأْكُلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وَهِيَ الْحِنْطَةُ. قَالَ: فَأَكَلَا مِنْهَا، فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا، وَكَانَ لِبَاسُهُمَا الظَّفْرَ، فَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمْا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، قِيلَ: كَانَ وَرَقَ التِّينِ، وَكَانَتِ الشَّجَرَةُ مَنْ أَكَلَ مِنْهَا أَحْدَثَ. وَذَهَبَ آدَمُ هَارِبًا فِي الْجَنَّةِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: أَنْ يَا آدَمُ مِنِّي تَفِرُّ؟ قَالَ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ حَيَاءً مِنْكَ. فَقَالَ: يَا آدَمُ، مِنْ أَيْنَ أُتِيتَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ حَوَّاءَ يَا رَبِّ. فَقَالَ اللَّهُ: فَإِنَّ عَلَيَّ أَنْ أُدْمِيَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ وَأَنْ أَجْعَلَهَا سَفِيهَةً، وَقَدْ كُنْتُ خَلَقْتُهَا حَلِيمَةً، وَأَنْ أَجْعَلَهَا تَحْمِلُ كُرْهًا وَتَضَعُ كُرْهًا وَتُشْرِفُ عَلَى الْمَوْتِ مِرَارًا، قَدْ كُنْتُ جَعَلْتُهَا تَحْمِلُ يُسْرًا وَتَضَعُ يُسْرًا، وَلَوْلَا بَلِيَّتُهَا لَكَانَ النِّسَاءُ لَا يَحِضْنَ، وَلَكُنَّ حَلِيمَاتٍ وَلَكُنَّ يَحْمِلْنَ يُسْرًا، وَيَضَعْنَ يُسْرًا. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: لَأَلْعَنَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي خُلِقَتْ مِنْهَا لَعْنَةً يَتَحَوَّلُ بِهَا ثِمَارُهَا شَوْكًا. وَلَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ وَلَا فِي الْأَرْضِ شَجَرَةٌ أَفْضَلَ مِنَ الطَّلْحِ وَالسِّدْرِ.
وَقَالَ لِلْحَيَّةِ: دَخَلَ الْمَلْعُونُ فِي جَوْفِكِ حَتَّى غَرَّ عَبْدِي، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ لَعْنَةً يَتَحَوَّلُ بِهَا قَوَائِمُكِ فِي بَطْنِكِ، وَلَا يَكُونُ لَكِ رِزْقٌ إِلَّا التُّرَابَ. أَنْتِ عَدُوَّةُ بَنِي آدَمَ وَهُمْ أَعْدَاؤُكِ، حَيْثُ لَقِيتِ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَخَذْتِ بِعَقِبِهِ وَحَيْثُ لَقِيَكِ شَدَخَ رَأْسَكِ، اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ: آدَمُ، وَإِبْلِيسُ، وَالْحَيَّةُ. فَأَهْبَطَهُمْ إِلَى الْأَرْضِ، وَسَلَبَ اللَّهُ آدَمَ وَحَوَّاءَ كُلَّ مَا كَانَا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ، وَالْكَرَامَةِ. قِيلَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا أَكَلَ آدَمُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَهُوَ يَعْقِلُ، وَلَكِنْ سَقَتْهُ حَوَّاءُ الْخَمْرَ حَتَّى سَكِرَ فَلَمَّا سَكِرَ قَادَتْهُ إِلَيْهَا فَأَكَلَ. قُلْتُ: وَالْعَجَبُ مِنْ سَعِيدٍ كَيْفَ يَقُولُ هَذَا وَاللَّهُ يَقُولُ فِي صِفَةِ خَمْرِ الْجَنَّةِ {لَا فِيهَا غَوْلٌ} [الصافات: 47] . ذِكْرُ الْيَوْمِ الَّذِي أُسْكِنَ آدَمُ فِيهِ الْجَنَّةَ، وَالْيَوْمِ الَّذِي أُخْرِجَ فِيهِ مِنْهَا، وَالْيَوْمِ الَّذِي نَابَ فِيهِ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُسْكِنَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُهْبِطَ مِنْهَا، وَفِيهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَفِيهِ سَاعَةٌ - يُقَلِّلُهَا - لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: قَدْ عَلِمْتُ أَيَّ سَاعَةٍ هِيَ، هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ» . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: أُخْرِجَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ لِلسَّاعَةِ التَّاسِعَةِ، أَوِ الْعَاشِرَةِ مِنْهُ، وَأُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ لِتِسْعِ سَاعَاتٍ مَضَيْنَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَكَانَ مُكْثُهُ فِي الْجَنَّةِ خَمْسَ سَاعَاتٍ مِنْهُ، وَقِيلَ: كَانَ مُكْثُهُ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ مِنْهُ. فَإِنْ كَانَ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ أَرَادَ أَنَّهُ سَكَنَ الْفِرْدَوْسَ لِسَاعَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ عَلَى مَا هِيَ بِهِ الْيَوْمَ، فَلَمْ يَبْعُدْ قَوْلُهُ مِنَ الصَّوَابِ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ كَذَا كَانَتْ وَارِدَةً عَنِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنَّ آدَمَ خُلِقَ آخِرَ سَاعَةٍ مِنَ الْيَوْمِ السَّادِسِ الَّتِي مِقْدَارُ الْيَوْمِ مِنْهَا أَلْفُ سَنَةٍ مِنْ سِنِينِنَا، فَمَعْلُومٌ أَنَّ السَّاعَةَ الْوَاحِدَةَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ عَامًا مِنْ أَعْوَامِنَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ آدَمَ بَعْدَ أَنْ خَمَّرَ رَبُّنَا طِينَتَهُ بَقِيَ قَبْلَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ
الرُّوحَ أَرْبَعِينَ عَامًا، وَذَلِكَ لَا شَكَّ أَنَّهُ عَنَى بِهِ أَعْوَامَنَا، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ إِلَى أَنْ تَنَاهَى أَمْرُهُ، وَأُسْكِنَ الْجَنَّةَ، وَأُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ، غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ ذَلِكَ مِنْ سِنِينِنَا قَدْرَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّهُ سَكَنَ الْجَنَّةَ لِسَاعَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ نَهَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي مِقْدَارُ الْيَوْمِ مِنْهَا أَلْفُ سَنَةٍ مِنْ سِنِينِنَا، فَقَدْ قَالَ غَيْرَ الْحَقِّ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ قَوْلٌ فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ إِنَّهُ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ آخِرَ نَهَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُكْثَ آدَمَ كَانَ فِي الْجَنَّةِ نِصْفَ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ، وَهَذَا أَيْضًا خِلَافُ مَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنِ الْعُلَمَاءِ. ذِكْرُ الْمَوْضِعِ الَّذِي أُهْبِطَ فِيهِ آدَمُ، وَحَوَّاءُ مِنَ الْأَرْضِ قِيلَ: ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَهْبَطَ آدَمَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي خَلَقَهُ فِيهِ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، مَعَ زَوْجَتِهِ حَوَّاءَ مِنَ السَّمَاءِ. فَقَالَ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ: إِنَّهُ أُهْبِطَ بِالْهِنْدِ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ نَوْذٌ مِنْ أَرْضِ سَرَنْدِيبَ، وَحَوَّاءُ بِجُدَّةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَجَاءَ فِي طَلَبِهَا فَكَانَ كُلَّمَا وَضَعَ قَدَمَهُ بِمَوْضِعٍ صَارَ قَرْيَةً، وَمَا بَيْنَ خُطْوَتَيْهِ مَفَاوِزُ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى جَمْعًا فَازْدَلَفَتْ إِلَيْهِ حَوَّاءُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْمُزْدَلِفَةَ، وَتَعَارَفَا بِعَرَفَاتٍ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ عَرَفَاتٍ، وَاجْتَمَعَا بِجَمْعٍ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ جَمْعًا. وَأُهْبِطَتِ الْحَيَّةُ بِأَصْفَهَانَ، وَإِبْلِيسُ بِمَيْسَانَ. وَقِيلَ: أُهْبِطَ آدَمُ بِالْبَرِّيَّةِ، وَإِبْلِيسُ بِالْأُبُلَّةِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مَا لَا يُوصَلُ إِلَى مَعْرِفَةِ صِحَّتِهِ إِلَّا بِخَبَرٍ يَجِيءُ مَجِيءَ الْحُجَّةِ، وَلَا نَعْلَمُ خَبَرًا فِي ذَلِكَ غَيْرَ مَا وَرَدَ فِي هُبُوطِ آدَمَ بِالْهِنْدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَدْفَعُ صِحَّتَهُ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أُهْبِطَ آدَمُ عَلَى جَبَلِ نَوْذٍ كَانَتْ رِجْلَاهُ تَمَسَّانِ الْأَرْضَ وَرَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ يَسْمَعُ تَسْبِيحَ الْمَلَائِكَةِ، فَكَانَتْ تَهَابُهُ، فَسَأَلَتِ اللَّهَ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ طُولِهِ فَنَقَصَ طُولَهُ إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعًا، فَحَزِنَ آدَمُ لِمَا فَاتَهُ مِنَ الْأُنْسِ بِأَصْوَاتِ الْمَلَائِكَةِ وَتَسْبِيحِهِمْ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، كُنْتُ جَارَكَ فِي دَارِكَ لَيْسَ لِي رَبٌّ غَيْرَكَ أَدْخَلْتَنِي جَنَّتَكَ آكُلُ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُ، وَأَسْكُنُ حَيْثُ شِئْتُ، فَأَهْبَطْتَنِي إِلَى الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ فَكُنْتُ أَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْمَلَائِكَةِ وَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ، فَحَطَطْتَنِي إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعًا، فَقَدِ انْقَطَعَ عَنِّي الصَّوْتُ، وَالنَّظَرُ، وَذَهَبَتْ عَنِّي رِيحُ الْجَنَّةِ! فَأَجَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بِمَعْصِيَتِكَ يَا آدَمُ فَعَلْتُ بِكَ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ تَعَالَى عُرْيَ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَمَرَهُ أَنْ يَذْبَحَ كَبْشًا مِنَ الضَّأْنِ مِنَ الثَّمَانِيَةِ الْأَزْوَاجِ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ، فَأَخَذَ كَبْشًا، فَذَبَحَهُ، وَأَخَذَ صُوفَهُ. فَغَزَلَتْهُ حَوَّاءُ، وَنَسَجَهُ آدَمُ، فَعَمِلَ لِنَفْسِهِ جُبَّةً، وَلِحَوَّاءَ دِرْعًا، وَخِمَارًا، فَلَبِسَا ذَلِكَ. وَقِيلَ: أَرْسَلَ إِلَيْهِمَا مَلَكًا يُعَلِّمُهُمَا مَا يَلْبَسَانِهِ مِنْ جُلُودِ الضَّأْنِ، وَالْأَنْعَامِ. وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِبَاسَ أَوْلَادِهِ، وَأَمَّا هُوَ وَحَوَّاءُ فَكَانَ لِبَاسُهُمَا مَا كَانَا خَصْفًا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى آدَمَ: إِنَّ لِي حَرَمًا حِيَالَ عَرْشِي فَانْطَلِقْ، وَابْنِ لِي بَيْتًا فِيهِ، ثُمَّ حُفَّ بِهِ كَمَا رَأَيْتَ مَلَائِكَتِي يَحُفُّونَ بِعَرْشِي، فَهُنَالِكَ أَسْتَجِيبُ لَكَ، وَلِوَلَدِكَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي طَاعَتِي. فَقَالَ آدَمُ يَا رَبِّ، وَكَيْفَ لِي بِذَلِكَ! لَسْتُ أَقْوَى عَلَيْهِ وَلَا أَهْتَدِي إِلَيْهِ. فَقَيَّضَ اللَّهُ مَلَكًا فَانْطَلَقَ بِهِ نَحْوَ مَكَّةَ، وَكَانَ آدَمُ إِذَا مَرَّ بِرَوْضَةٍ قَالَ لِلْمَلَكِ: انْزِلْ بِنَا هَهُنَا. فَيَقُولُ الْمَلَكُ: مَكَانَكَ، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَكَانَ كُلُّ مَكَانٍ نَزَلَهُ آدَمُ عُمْرَانًا، وَمَا عَدَاهُ مَفَاوِزَ. فَبَنَى الْبَيْتَ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ: مِنْ طُورِ سِينَا، وَطُورِ زَيْتُونٍ، وَلُبْنَانَ، وَالْجُودِيِّ، وَبَنَى قَوَاعِدَهُ مِنْ حِرَاءٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَائِهِ خَرَجَ بِهِ الْمَلَكُ إِلَى عَرَفَاتٍ، فَأَرَاهُ الْمَنَاسِكَ الَّتِي يَفَعَلُهَا النَّاسُ الْيَوْمَ، ثُمَّ قَدِمَ بِهِ مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْهِنْدِ فَمَاتَ عَلَى نَوْذٍ.
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ أُهْبِطَ حَوَّاءُ وَآدَمُ جَمِيعًا، وَإِنَّ آدَمَ بَنَى الْبَيْتَ، وَهَذَا خِلَافُ الَّذِي نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ: أَنَّ الْبَيْتَ أُنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ. وَقِيلَ: حَجَّ آدَمُ مِنَ الْهِنْدِ أَرْبَعِينَ حَجَّةً مَاشِيًا. وَلَمَّا نَزَلَ إِلَى الْهِنْدِ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ إِكْلِيلٌ مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْأَرْضِ يَبِسَ فَتَسَاقَطَ وَرَقُهُ فَنَبَتَتْ مِنْهُ أَنْوَاعُ الطِّيبِ بِالْهِنْدِ. وَقِيلَ: بَلِ الطِّيبُ مِنَ الْوَرَقِ الَّذِي خَصَفَهُ آدَمُ وَحَوَّاءُ عَلَيْهِمْا. وَقِيلَ: لَمَّا أُمِرَ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْجَنَّةِ جَعَلَ لَا يَمُرُّ بِشَجَرَةٍ مِنْهَا إِلَّا أَخَذَ مِنْهَا غُصْنًا فَهَبَطَ وَتِلْكَ الْأَغْصَانُ مَعَهُ فَكَانَ أَصْلُ الطِّيبِ بِالْهِنْدِ مِنْهَا، وَزَوَّدَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَثِمَارُنَا هَذِهِ مِنْهَا، غَيْرَ هَذِهِ تَتَغَيَّرُ، وَتِلْكَ لَا تَتَغَيَّرُ، وَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ كُلِّ شَيْءٍ، وَنَزَلَ مَعَهُ مِنْ طِيبِ الْجَنَّةِ، وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَكَانَ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَكَانَ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، وَنَزَلَ مَعَهُ عَصَا مُوسَى، وَهِيَ مِنْ آسِ الْجَنَّةِ، وَمِنْ لُبَانٍ، وَأَنْزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَلَاةَ، وَالْمِطْرَقَةَ، وَالْكَلْبَتَانِ. وَكَانَ حَسَنَ الصُّورَةِ لَا يُشْبِهُهُ مِنْ وَلَدِهِ غَيْرُ يُوسُفَ. وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ جَبْرَائِيلَ بِصُرَّةٍ فِيهَا حِنْطَةٌ، فَقَالَ آدَمُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنَ الْجَنَّةِ فَقَالَ: مَا أَصْنَعُ بِهِ؟ فَقَالَ: انْثُرْهُ فِي الْأَرْضِ. فَفَعَلَ، فَأَنْبَتَهُ اللَّهُ مِنْ سَاعَتِهِ، ثُمَّ حَصَدَهُ، وَجَمَعَهُ، وَفَرَكَهُ، وَذَرَاهُ، وَطَحَنَهُ، وَعَجَنَهُ، وَخَبَزَهُ، كُلُّ ذَلِكَ بِتَعْلِيمِ جَبْرَائِيلَ، وَجَمَعَ لَهُ جَبْرَائِيلُ الْحَجَرَ وَالْحَدِيدَ، فَقَدَحَهُ، فَخَرَجَتْ مِنْهُ النَّارُ، وَعَلَّمَهُ جَبْرَائِيلُ صَنْعَةَ الْحَدِيدِ، وَالْحِرَاثَةَ، وَأَنْزَلَ إِلَيْهِ ثَوْرًا، فَكَانَ يَحْرُثُ عَلَيْهِ، قِيلَ هُوَ الشَّقَاءُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه: 117] . ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ آدَمَ مِنَ الْجَبَلِ وَمَلَّكَهُ الْأَرْضَ وَجَمِيعَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْجِنِّ، وَالدَّوَابِّ، وَالطَّيْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَشَكَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ: يَا رَبِّ، أَمَا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ مَنْ يُسَبِّحُكَ غَيْرِي، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: سَأُخْرِجُ مِنْ صُلْبِكَ مَنْ يُسَبِّحُنِي، وَيَحْمَدُنِي، وَسَأَجْعَلُ فِيهَا بُيُوتًا تُرْفَعُ لِذِكْرِي، وَأَجْعَلُ فِيهَا بَيْتًا أَخْتَصُّهُ بِكَرَامَتِي، وَأُسَمِّيهِ بَيْتِي، وَأَجْعَلُهُ حَرَمًا آمِنًا، فَمَنْ حَرَّمَهُ بِحُرْمَتِي فَقَدِ اسْتَوْجَبَ كَرَامَتِي، وَمَنْ أَخَافَ أَهْلَهُ فِيهِ فَقَدْ خَفَرَ ذِمَّتِي، وَأَبَاحَ حُرْمَتِي،
أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ فَمَنِ اعْتَمَدَهُ لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ فَقَدْ وَفَدَ إِلَيَّ، وَزَارَنِي، وَضَافَنِي، وَيَحِقُّ عَلَى الْكَرِيمِ أَنْ يُكْرِمَ وَفْدَهُ، وَأَضْيَافَهُ، وَأَنْ يُسْعِفَ كُلًّا بِحَاجَتِهِ، تَعْمُرُهُ أَنْتَ يَا آدَمُ مَا كُنْتَ حَيًّا، ثُمَّ تَعْمُرُهُ الْأُمَمُ، وَالْقُرُونُ، وَالْأَنْبِيَاءُ مِنْ وَلَدِكَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ. ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ أَنْ يَأْتِيَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، وَكَانَ قَدْ أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ يَاقُوتَةً وَاحِدَةً، وَقِيلَ: دُرَّةً وَاحِدَةً، وَبَقِيَ كَذَلِكَ حَتَّى أَغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَرُفِعَ وَبَقِيَ أَسَاسُهُ، فَبَوَّأَ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَبَنَاهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَسَارَ آدَمُ إِلَى الْبَيْتِ لِيَحُجَّهُ، وَيَتُوبَ عِنْدَهُ، وَكَانَ قَدْ بَكَى هُوَ وَحَوَّاءُ عَلَى خَطِيئَتِهِمَا، وَمَا فَاتَهُمَا مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَلَمْ يَأْكُلَا وَلَمْ يَشْرَبَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أَكَلَا وَشَرِبَا بَعْدَهَا، وَمَكَثَ آدَمُ لَمْ يَقْرَبْ حَوَّاءَ مِائَةَ عَامٍ، فَحَجَّ الْبَيْتَ، وَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] . (نُودٌ بِضَمِّ النُّونِ، وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَآخِرُهُ دَالٌ مُهْمَلَةٌ) . ذِكْرُ إِخْرَاجِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ وَأَخْذِ الْمِيثَاقِ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ بِنَعْمَانَ مِنْ عَرَفَةَ فَأَخْرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قَبْلًا وَقَالَ: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 172] إِلَى قَوْلِهِ: {بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 173] . (نَعْمَانُ بِفَتْحِ النُّونِ الْأُولَى) . وَقِيلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: إِنَّهُ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ بِدَحْنَا، مَوْضِعٌ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَخْرَجَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ وَلَمْ يُهْبِطْهُ إِلَى الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ، ثُمَّ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ الْيُمْنَى، فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً كَهَيْئَةِ الذَّرِّ بَيْضَاءَ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ، فَقَالَ لَهُمُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَمَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ الْيُسْرَى فَأَخْرَجَ مِنْهَا كَهَيْئَةِ الذَّرِّ سَوْدَاءَ، فَقَالَ: ادْخُلُوا النَّارَ وَلَا أُبَالِي، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: " أَصْحَابُ الْيَمِينِ " وَ " أَصْحَابُ الشِّمَالِ "، ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقَ فَقَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، فَأَعْطَوْهُ الْمِيثَاقَ، طَائِفَةً طَائِعِينَ، وَطَائِفَةً عَلَى وَجْهِ التَّقِيَّةِ. ذِكْرُ الْأَحْدَاثِ الَّتِي كَانَتْ فِي عَهْدِ آدَمَ فِي الدُّنْيَا وَكَانَ أَوَّلُ ذَلِكَ قَتْلَ قَابِيلَ بْنِ آدَمَ أَخَاهُ هَابِيلَ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ مُخْتَلِفُونَ فِي اسْمِ قَابِيلَ، فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: قَيْنُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: قَائِينُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ قَايِنُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: قَابِيلُ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي سَبَبِ قَتْلِهِ، فَقِيلَ: كَانَ سَبَبُهُ أَنَّ آدَمَ كَانَ يَغْشَى حَوَّاءَ فِي الْجَنَّةِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَ الْخَطِيئَةَ فَحَمَلَتْ لَهُ فِيهَا بِقَابِيلَ بْنِ آدَمَ وَتَوْأَمَتِهِ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِمْا وَحَمًا، وَلَا وَصَبًا، وَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِمْا طَلْقًا حِينَ وَلَدَتْهُمَا وَلَمْ تَرَ مَعَهُمَا دَمًا لِطُهْرِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا أَكَلَا مِنَ الشَّجَرَةِ، وَهَبَطَا إِلَى الْأَرْضِ فَاطْمَأَنَّا بِهَا تَغَشَّاهَا فَحَمَلَتْ بِهَابِيلَ، وَتَوْأَمَتِهِ، فَوَجَدَتْ عَلَيْهِمْا الْوَحَمَ، وَالْوَصَبَ، وَالطَّلْقَ حِينَ وَلَدَتْهُمَا، وَرَأَتْ مَعَهُمَا الدَّمَ، وَكَانَتْ حَوَّاءُ فِيمَا يَذْكُرُونَ لَا تَحْمَلُ إِلَّا تَوْأَمًا ذَكَرًا وَأُنْثَى، فَوَلَدَتْ حَوَّاءُ لِآدَمَ أَرْبَعِينَ وَلَدًا لِصُلْبِهِ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى فِي عِشْرِينَ بَطْنًا، وَكَانَ الْوَلَدُ مِنْهُمْ أَيَّ أَخَوَاتِهِ شَاءَ تَزَوَّجَ إِلَّا تَوْأَمَتَهُ الَّتِي تُولَدُ مَعَهُ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ نِسَاءٌ إِلَّا أَخَوَاتُهُمْ، وَأُمُّهُمْ حَوَّاءُ، فَأَمَرَ آدَمُ ابْنَهُ قَابِيلَ أَنْ يَنْكِحَ تَوْأَمَةَ هَابِيلَ، وَأَمَرَ هَابِيلَ أَنْ يَنْكِحَ تَوْأَمَةَ أَخِيهِ قَابِيلَ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ آدَمُ غَائِبًا، وَكَانَ لَمَّا أَرَادَ السَّيْرَ قَالَ لِلسَّمَاءِ: احْفَظِي وَلَدِي بِالْأَمَانَةِ، فَأَبَتْ، وَقَالَ لِلْأَرْضِ فَأَبَتْ، وَلِلْجِبَالِ فَأَبَتْ، وَقَالَ لِقَابِيلَ، فَقَالَ: نَعَمْ تَذْهَبُ وَتَرْجِعُ وَسَتَجِدُهُ كَمَا يَسُرُّكَ. فَانْطَلَقَ آدَمُ فَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ.
وَفِيهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] . فَلَمَّا قَالَ آدَمُ لِقَابِيلَ وَهَابِيلَ فِي مَعْنَى نِكَاحِ أُخْتَيْهِمَا مَا قَالَ لَهُمَا سَلَّمَ هَابِيلُ لِذَلِكَ وَرَضِيَ بِهِ، وَأَبَى ذَلِكَ قَابِيلُ وَكَرِهَهُ تَكَرُّهًا عَنْ أُخْتِ هَابِيلَ وَرَغِبَ بِأُخْتِهِ عَنْ هَابِيلَ، وَقَالَ: نَحْنُ مِنْ وِلَادَةِ الْجَنَّةِ وَهُمَا مِنْ وِلَادَةِ الْأَرْضِ فَأَنَا أَحَقُّ بِأُخْتِي. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ أُخْتَ قَابِيلَ كَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ فَضَنَّ بِهَا عَلَى أَخِيهِ، وَأَرَادَهَا لِنَفْسِهِ، وَإِنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا مِنْ وِلَادَةِ الْجَنَّةِ إِنَّمَا كَانَا مِنْ وِلَادَةِ الْأَرْضِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ آدَمُ: يَا بُنَيَّ، إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَكَ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْ أَبِيهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، فَقَرِّبْ قُرْبَانًا، وَيُقَرِّبُ أَخُوكَ هَابِيلُ قُرْبَانًا، فَأَيُّكُمَا قَبِلَ اللَّهُ قُرْبَانَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا. وَكَانَ قَابِيلُ عَلَى بَذْرِ الْأَرْضِ وَهَابِيلُ عَلَى رِعَايَةِ الْمَاشِيَةِ، فَقَرَّبَ قَابِيلُ قَمْحًا، وَقَرَّبَ هَابِيلُ أَبْكَارَ غَنَمِهِ. وَقِيلَ: قَرَّبَ بَقَرَةً، فَأَرْسَلَ اللَّهُ نَارًا بَيْضَاءَ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَابِيلَ، وَبِذَلِكَ كَانَ يُقْبَلُ الْقُرْبَانُ إِذَا قَبِلَهُ اللَّهُ، فَلَمَّا قَبِلَ اللَّهُ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْقَضَاءُ لَهُ بِأُخْتِ قَابِيلَ، غَضِبَ قَابِيلُ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ الْكِبْرُ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ، وَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ حَتَّى لَا تَنْكِحَ أُخْتِي. قَالَ هَابِيلُ: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ - لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ} [المائدة: 27 - 28] إِلَى قَوْلِهِ {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} [المائدة: 30] فَاتَّبَعَهُ وَهُوَ فِي مَاشِيَتِهِ فَقَتَلَهُ، فَهُمَا اللَّذَانِ قَصَّ اللَّهُ خَبَرَهُمَا فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ} [المائدة: 27] إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
قَالَ: فَلَمَّا قَتَلَهُ سُقِطَ فِي يَدِهِ وَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يُوَارِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَوَّلَ قَتِيلٍ مِنْ بَنِي آدَمَ، {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة: 31] إِلَى قَوْلِهِ {لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32] . فَلَمَّا قَتَلَ أَخَاهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا قَابِيلُ، أَيْنَ أَخُوكَ هَابِيلُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، مَا كُنْتُ عَلَيْهِ رَقِيبًا! فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ صَوْتَ دَمِ أَخِيكَ يُنَادِينِي مِنَ الْأَرْضِ الْآنَ، أَنْتَ مَلْعُونٌ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا فَبَلَعَتْ دَمَ أَخِيكَ، فَإِذَا أَنْتَ عَمِلْتَ فِي الْأَرْضِ فَإِنَّهَا لَا تَعُودُ تُعْطِيكَ حَرْثَهَا حَتَّى تَكُونَ فَزِعًا تَائِهًا فِي الْأَرْضِ. فَقَالَ قَابِيلُ: عَظُمَتْ خَطِيئَتِي إِنْ لَمْ تَغْفِرْهَا. قِيلَ: كَانَ قَتْلُهُ عِنْدَ عَقَبَةِ حِرَاءٍ. ثُمَّ نَزَلَ مِنَ الْجَبَلِ آخِذًا بِيَدِ أُخْتِهِ قُلَيْمَا فَهَرَبَ بِهَا إِلَى عَدَنَ مِنَ الْيَمَنِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا قَتَلَ أَخَاهُ أَخَذَ بِيَدِ أُخْتِهِ ثُمَّ هَبَطَ بِهَا مِنْ جَبَلِ نُودٍ إِلَى الْحَضِيضِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: اذْهَبْ فَلَا تَزَالُ مَرْعُوبًا لَا تَأْمَنُ مَنْ تَرَاهُ. فَكَانَ لَا يَمُرُّ بِهِ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِهِ إِلَّا رَمَاهُ، فَأَقْبَلَ ابْنٌ لِقَابِيلَ أَعْمَى وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ، فَقَالَ لِلْأَعْمَى ابْنُهُ: هَذَا أَبُوكَ قَابِيلُ فَارْمِهِ، فَرَمَى الْأَعْمَى أَبَاهُ قَابِيلَ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ ابْنُ الْأَعْمَى لِأَبِيهِ: قَتَلْتَ أَبَاكَ! فَرَفَعَ الْأَعْمَى يَدَهُ فَلَطَمَ ابْنَهُ فَمَاتَ. فَقَالَ: يَا وَيْلَتِي قَتَلْتُ أَبِي بِرَمْيَتِي وَبُنَيَّ بِلَطْمَتِي. وَلَمَّا قُتِلَ هَابِيلُ كَانَ عُمْرُهُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ لِقَابِيلَ يَوْمَ قَتَلَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ} [المائدة: 27] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَكُونَا مِنْ بَنِي آدَمَ لِصُلْبِهِ، وَكَانَ آدَمُ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا ابْنَا آدَمَ لِصُلْبِهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ
النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ فَبَانَ لِهَذَا أَنَّهُمَا لِصُلْبِ آدَمَ، فَإِنَّ الْقَتْلَ مَازَالَ بَيْنَ بَنِي آدَمَ قَبْلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ» . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ قَبْلَهُ مَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الأعراف: 189] إِلَى قَوْلِهِ: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [الأعراف: 190] . عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالسُّدَّيِّ، وَغَيْرِهِمْ قَالُوا: كَانَتْ حَوَّاءُ تَلِدُ لِآدَمَ فَتُعَبِّدُهُمْ، أَيْ تُسَمِّيهِمْ عَبْدَ اللَّهِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَيُصِيبُهُمُ الْمَوْتُ، فَأَتَاهَا إِبْلِيسُ فَقَالَ: لَوْ سَمَّيْتِهِمَا بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَعَاشَ وَلَدُكُمَا. فَوَلَدَتْ وَلَدًا فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، وَهُوَ اسْمُ إِبْلِيسَ، فَنَزَلَتْ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الأعراف: 189] الْآيَاتِ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا. قُلْتُ: إِنَّمَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يُمِيتُ أَوْلَادَهُمْ أَوَّلًا، وَأَحْيَا هَذَا الْمُسَمَّى بِعَبْدِ الْحَارِثِ امْتِحَانًا وَاخْتِبَارًا، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ بِغَيْرِ امْتِحَانٍ، لَكِنْ عِلْمًا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ. وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ وَالْمَقْتُولَ ابْنَا آدَمَ لِصُلْبِهِ مَا رَوَاهُ الْعُلَمَاءُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ آدَمَ قَالَ لَمَّا قُتِلَ هَابِيلُ: تَغَيَّرَتِ الْبِلَادُ وَمَنْ عَلَيْهَا ... فَوَجْهُ الْأَرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحْ تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي طَعْمٍ وَلَوْنٍ ... وَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ الْمَلِيحْ فِي أَبْيَاتٍ غَيْرِهَا.
وَقَدْ زَعَمَ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْفُرْسِ أَنَّ جُيُومَرْثَ هُوَ آدَمُ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ مِنْ حَوَّاءَ، وَقَالُوا فِيهِ أَقْوَالًا كَثِيرَةً يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْكِتَابُ إِذْ كَانَ قَصْدُنَا ذِكْرَ الْمُلُوكِ وَأَيَّامِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِي نَسَبِ مَلِكٍ مِنْ جِنْسٍ مَا أَنْشَأْنَا لَهُ الْكِتَابَ، فَإِنْ ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلِتَعْرِيفِ مَنْ ذَكَرْنَا لِيَعْرِفَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِهِ. وَقَدْ خَالَفَ عُلَمَاءَ الْفُرْسِ فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ آخَرُونَ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّهُ آدَمُ، وَوَافَقَ عُلَمَاءُ الْفُرْسِ عَلَى اسْمِهِ، وَخَالَفَهُمْ فِي عَيْنِهِ وَصِفَتِهِ، فَزَعَمَ أَنَّ جُيُومَرْثَ الَّذِي زَعَمَتِ الْفُرْسُ أَنَّهُ آدَمُ، إِنَّمَا هُوَ حَامُ بْنُ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ، وَأَنَّهُ كَانَ مُعَمَّرًا سَيِّدًا نَزَلَ جَبَلَ دُنْبَاوَنْدَ مِنْ جِبَالِ طَبَرِسْتَانَ مِنْ أَرْضِ الْمَشْرِقِ، وَتَمَلَّكَ بِهَا وَبِفَارِسَ، وَعَظُمَ أَمْرُهُ وَأَمْرُ وَلَدِهِ حَتَّى مَلَكُوا بَابِلَ، وَمَلَكُوا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ الْأَقَالِيمَ كُلَّهَا، وَابْتَنَى جُيُومَرْثُ الْمُدُنَ، وَالْحُصُونَ، وَأَعَدَّ السِّلَاحَ، وَاتَّخَذَ الْحِيَلَ، وَتَجَبَّرَ فِي آخِرِ أَمْرِهِ، وَتَسَمَّى بِآدَمَ، وَقَالَ: مَنْ سَمَّانِي بِغَيْرِهِ قَتَلْتُهُ، وَتَزَوَّجَ ثَلَاثِينَ امْرَأَةً، فَكَثُرَ مِنْهُنَّ نَسْلُهُ، وَأَنَّ مَارِيَ ابْنَهُ وَمَارِيَانَةَ أُخْتَهُ مِمَّنْ كَانَا وُلِدَا فِي آخِرِ عُمُرِهِ، فَأُعْجِبَ بِهِمَا وَقَدَّمَهُمَا، فَصَارَ الْمُلُوكُ مِنْ نَسْلِهِمَا. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ مِنْ أَمْرِ جُيُومَرْثَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا ذَكَرْتُ لِأَنَّهُ لَا تَدَافُعَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأُمَمِ أَنَّهُ أَبُو الْفُرْسِ مِنَ الْعَجَمِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ هُوَ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ، أَمْ غَيْرُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا؟ وَمَعَ ذَلِكَ فَلِأَنَّ مُلْكَهُ وَمُلْكَ أَوْلَادِهِ لَمْ يَزَلْ مُنْتَظِمًا عَلَى سِيَاقٍ مُتَّصِلٍ بِأَرْضِ الْمَشْرِقِ وَجِبَالِهَا إِلَى أَنْ قُتِلَ يَزْدَجِرْدُ بْنُ شَهْرَيَارَ بِمَرْوَ أَيَّامَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَالتَّارِيخُ عَلَى أَسْمَاءِ مُلُوكِهِمْ أَسْهَلُ بَيَانًا، وَأَقْرَبُ إِلَى التَّحْقِيقِ مِنْهُ عَلَى أَعْمَارِ مُلُوكِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، إِذْ لَا يُعْلَمُ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إِلَى آدَمَ دَامَتْ لَهُمُ الْمَمْلَكَةُ وَاتَّصَلَ الْمُلْكُ لِمُلُوكِهِمْ يَأْخُذُهُ آخِرُهُمْ عَنْ أَوَّلِهِمْ، وَغَابِرُهُمْ عَنْ سَالِفِهِمْ سِوَاهُمْ. وَأَنَا ذَاكِرٌ مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي عُمُرِ آدَمَ، وَأَعْمَارِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ وَلَدِهِ مِنَ الْمُلُوكِ، وَالْأَنْبِيَاءِ، وَجُيُومَرْثَ أَبِي الْفُرْسِ، فَأَذْكُرُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْرِهِمْ إِلَى الْحَالِ الَّتِي اجْتَمَعُوا
عَلَيْهَا، وَاتَّفَقُوا عَلَى مَلِكٍ مِنْهُمْ فِي زَمَانٍ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ هُوَ الْمَلِكُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَكَانَ آدَمُ مَعَ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مُلْكِ الْأَرْضِ نَبِيًّا رَسُولًا إِلَى وَلَدِهِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَحِيفَةً كَتَبَهَا آدَمُ بِيَدِهِ عَلَّمَهُ إِيَّاهَا جَبْرَائِيلُ. «وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا، يَعْنِي كَثِيرًا، طَيِّبًا قَالَ: قُلْتُ: مَنْ أَوَّلُهُمْ؟ قَالَ: آدَمُ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، ثُمَّ سَوَّاهُ قَبْلًا، وَكَانَ مِمَّنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَحُرُوفُ الْمُعْجَمِ فِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَرَقَةً» .
ذكر ولادة شيث
[ذِكْرُ وِلَادَةِ شِيثٍ] وَمِنَ الْأَحْدَاثِ فِي أَيَّامِهِ وِلَادَةُ شِيثٍ، وَكَانَتْ بَعْدَ مُضِيِّ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً لِآدَمَ، وَبَعْدَ قَتْلِ هَابِيلَ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَقِيلَ: وُلِدَ فَرْدًا بِغَيْرِ تَوْأَمٍ. وَتَفْسِيرُ شِيثٍ: هِبَةُ اللَّهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ خَلَفٌ مِنْ هَابِيلَ، وَهُوَ وَصِيُّ آدَمَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ مَعَهُ تَوْأَمٌ. وَلَمَّا حَضَرَتْ آدَمَ الْوَفَاةُ عَهِدَ إِلَى شِيثٍ وَعَلَّمَهُ سَاعَاتِ اللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ، وَعِبَادَةَ الْخَلْوَةِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْهَا وَأَعْلَمَهُ بِالطُّوفَانِ، وَصَارَتِ الرِّيَاسَةُ بَعْدَ آدَمَ إِلَيْهِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وَإِلَيْهِ أَنْسَابُ بَنِي آدَمَ كُلِّهِمُ الْيَوْمَ. وَأَمَّا الْفُرْسُ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ جُيُومَرْثَ هُوَ آدَمُ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: وُلِدَ لِجُيُومَرْثَ ابْنَتُهُ مَيْشَانُ أُخْتُ مَيْشَى، وَتَزَوَّجَ مَيْشَى أُخْتَهُ مَيْشَانَ، فَوَلَدَتْ لَهُ سِيَامِكَ، وَسِيَامِي، فَوُلِدَ لِسِيَامِكَ بْنِ جُيُومَرْثَ أَفَرُوَالُ، وَدَقَسُ، وَبُوَاسِبُ، وَأَجْرَابُ، وَأَوْرَاشُ، وَأُمُّهُمْ
جَمِيعًا سِيَامِي ابْنَةُ مَيْشَى، وَهِيَ أُخْتُ أَبِيهِمْ. وَذَكَرُوا أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا سَبْعَةُ أَقَالِيمَ، فَأَرْضُ بَابِلَ وَمَا يُوَصِّلُ إِلَيْهِ مِمَّا يَأْتِيهِ النَّاسُ بَرًّا وَبَحْرًا فَهُوَ مِنْ إِقْلِيمٍ وَاحِدٍ وَسُكَّانُهُ وَلَدُ أَفَرُوَالَ بْنِ سِيَامِكَ مِنْ أَفَرَى ابْنَةِ سِيَامِكَ أُوشْهَنْجَ بِيشَدَادَ الْمَلِكِ، وَهُوَ الَّذِي خَلَفَ جَدَّهُ جُيُومَرْثَ فِي الْمُلْكِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنُ جَمَعَ مُلْكَ الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ، وَسَنَذْكُرُ أَخْبَارَهُ. وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ أُوشْهَنْجَ هَذَا هُوَ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ مِنْ حَوَّاءَ. وَأَمَّا ابْنُ الْكَلْبِيِّ فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ مَلَكَ الْأَرْضَ أُوشْهَنْجُ بْنُ عَابِرِ بْنِ شَالَخَ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، قَالَ: وَالْفُرْسُ تَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ آدَمَ بِمِائَتَيْ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ بَعْدَ نُوحٍ بِمِائَتَيْ سَنَةٍ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْفُرْسُ مَا كَانَ قَبْلَ نُوحٍ. وَالَّذِي ذَكَرَهُ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ لَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّ أُوشْهَنْجَ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْفُرْسِ، وَكُلُّ قَوْمٍ أَعْلَمُ بِأَنْسَابِهِمْ، وَأَيَّامِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ. قَالَ: وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَسَّابَةِ الْفُرْسِ أَنَّ أُوشْهَنْجَ هَذَا هُوَ مَهْلَائِيلُ، وَأَنَّ أَبَاهُ أَفَرُوَالُ هُوَ قَيْنَانُ، وَأَنَّ سِيَامِكَ هُوَ أَنْوَشُ أَبُو فَيْنَانَ، وَأَنَّ مَيْشَى هُوَ شِيثٌ أَبُو أَنْوَشَ، وَأَنَّ جُيُومَرْثَ هُوَ آدَمُ. فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ فَلَا شَكَّ أَنَّ أُوشْهَنْجَ كَانَ فِي زَمَنِ آدَمَ رَجُلًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَهْلَائِيلَ فِيمَا ذُكِرَ فِي الْكُتُبِ الْأُولَى كَانَتْ وِلَادَةُ أُمِّهِ دِينَةَ ابْنَةِ بِرَاكِيلَ بْنِ مَحْوِيلَ بْنِ
ذكر وفاة آدم عليه السلام
حُنُوخَ بْنِ قَيْنِ بْنِ آدَمَ إِيَّاهُ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ عُمُرِ آدَمَ ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَقَدْ كَانَ لَهُ حِينَ وَفَاةِ أَبِيهِ آدَمَ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، عَلَى حِسَابِ أَنَّ عُمُرَ آدَمَ كَانَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَقَدْ زَعَمَتِ الْفُرْسُ أَنَّ مُلْكَ أُوشْهَنْجَ كَانَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّسَّابَةُ الَّذِي ذَكَرْتُ عَنْهُ مَا ذَكَرْتُ فَمَا يَبْعُدُ مَنْ قَالَ: إِنَّ مُلْكَهُ كَانَ بَعْدَ وَفَاةِ آدَمَ بِمِائَتَيْ سَنَةٍ. [ذِكْرُ وَفَاةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ] ذِكْرُ أَنَّ آدَمَ مَرِضَ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَوْصَى إِلَى ابْنِهِ شِيثٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُخْفِيَ عِلْمَهُ عَنْ قَابِيلَ، وَوَلَدِهِ لِأَنَّهُ قَتَلَ هَابِيلَ حَسَدًا مِنْهُ لَهُ حِينَ خَصَّهُ آدَمُ بِالْعِلْمِ، فَأَخْفَى شِيثٌ وَوَلَدُهُ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ قَابِيلَ وَوَلَدِهِ عِلْمٌ يَنْتَفِعُونَ بِهِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِآدَمَ حِينَ خَلَقَهُ: ائْتِ أُولَئِكَ النَّفَرَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قُلِ السَّلَامُ عَلَيْكَمْ، فَأَتَاهُمْ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا لَهُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ بَيْنَهُمْ. ثُمَّ قَبَضَ لَهُ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ خُذْ وَاخْتَرْ. فَقَالَ: أَحْبَبْتُ يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، فَفَتَحَهَا لَهُ فَإِذَا فِيهَا صُورَةُ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ كُلِّهِمْ، وَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ أَجَلُهُ، وَإِذَا آدَمُ قَدْ كُتِبَ لَهُ عُمُرُ أَلْفِ سَنَةٍ، وَإِذَا قَوْمٌ عَلَيْهِمُ النُّورُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ النُّورُ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ الَّذِينَ أُرْسِلُهُمْ إِلَى عِبَادِي، وَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ هُوَ مِنْ أَضْوَئِهِمْ نُورًا وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ مِنَ الْعُمُرِ إِلَّا أَرْبَعُونَ سَنَةً. فَقَالَ آدَمُ: يَا رَبِّ، هَذَا مِنْ أَضْوَئِهِمْ وَلَمْ تَكْتُبْ لَهُ إِلَّا أَرْبَعِينَ سَنَةً، بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ دَاوُدُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ: ذَلِكَ مَا كَتَبْتُ لَهُ. فَقَالَ: يَا رَبِّ، انْقُصْ لَهُ مِنْ عُمُرِي سِتِّينَ سَنَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " فَلَمَّا أُهْبِطَ إِلَى
الْأَرْضِ كَانَ يَعُدُّ أَيَّامَهُ، فَلَمَّا أَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ لِقَبْضِهِ قَالَ لَهُ آدَمُ: عَجِلْتَ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ! قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِي سِتُّونَ سَنَةً. فَقَالَ لَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ: مَا بَقِيَ شَيْءٌ، سَأَلْتَ رَبَّكَ أَنْ يَكْتُبَهُ لِابْنِكَ دَاوُدَ. فَقَالَ: مَا فَعَلْتُ! " فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَنَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَجَحَدَ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ فَحِينَئِذٍ وَضَعَ اللَّهُ الْكِتَابَ وَأَمَرَ بِالشُّهُودِ» ". وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الدَّيْنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إِنَّ أَوَّلَ مَنْ جَحَدَ آدَمُ ثَلَاثَ مِرَارٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَهُ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَا هُوَ ذَارٌّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَجَعَلَ يَعْرِضُهُمْ عَلَى آدَمَ، فَرَأَى مِنْهُمْ رَجُلًا يُزْهِرُ، قَالَ: أَيْ رَبِّ، أَيُّ بَنِيَّ هَذَا؟ قَالَ: ابْنُكَ دَاوُدُ. قَالَ: كَمْ عُمُرُهُ؟ قَالَ: سِتُّونَ سَنَةً. قَالَ: زِدْهُ مِنَ الْعُمُرِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا، إِلَّا أَنْ تَزِيدَهُ أَنْتَ. وَكَانَ عُمُرُ آدَمَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَوَهَبَ لَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ، فَلَمَّا احْتُضِرَ آدَمُ أَتَتْهُ الْمَلَائِكَةُ لِتَقْبِضَ رُوحَهُ، فَقَالَ: قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً. قَالُوا: إِنَّكَ قَدْ وَهَبْتَهَا لِابْنِكَ دَاوُدَ. قَالَ: مَا فَعَلْتُ، وَلَا وَهَبْتُ لَهُ شَيْئًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَأَقَامَ الْمَلَائِكَةَ شُهُودًا. فَأَكْمَلَ لِآدَمَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَأَكْمَلَ لِدَاوُدَ مِائَةَ سَنَةٍ» ". وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ عُمُرُ آدَمَ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَأَهْلُ التَّوْرَاةِ يَزْعُمُونَ أَنَّ عُمُرَ آدَمَ تِسْعُمِائَةِ سَنَةٍ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَالْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَالْعُلَمَاءِ مَا ذَكَرْنَا، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْلَمُ الْخَلْقِ. وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي فِيهَا أَنَّ آدَمَ وَهَبَ دَاوُدَ مِنْ عُمُرِهِ سِتِّينَ سَنَةً لَمْ يَكُنْ كَثِيرُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَمَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ أَنَّ عُمُرَهُ كَانَ تِسْعَمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَلَعَلَّ اللَّهَ ذَكَرَ عُمُرَهُ فِي التَّوْرَاةِ سِوَى مَا وَهَبَهُ لِدَاوُدَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ آدَمَ حِينَ مَاتَ بَعَثَ
اللَّهُ بِكَفَنِهِ وَحَنُوطِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِيَتِ الْمَلَائِكَةُ قَبْرَهُ وَدَفْنَهُ حَتَّى غَيَّبُوهُ. وَرَوَى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ آدَمَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ بِحَنُوطِهِ، وَكَفَنِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا رَأَتْ حَوَّاءُ الْمَلَائِكَةَ ذَهَبَتْ لِتَدْخُلَ دُونَهُمْ، فَقَالَ: خَلِّي عَنِّي، وَعَنْ رُسُلِ رَبِّي، فَمَا لَقِيتُ مَا لَقِيتُ إِلَّا مِنْكِ، وَلَا أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي إِلَّا فِيكِ. فَلَمَّا قُبِضَ غَسَّلُوهُ بِالسِّدْرِ وَالْمَاءِ وِتْرًا، وَكَفَّنُوهُ فِي وِتْرٍ مِنَ الثِّيَابِ، ثُمَّ لَحَدُوا لَهُ وَدَفَنُوهُ، ثُمَّ قَالُوا: هَذِهِ سُنَّةُ وَلَدِ آدَمَ مِنْ بَعْدِهِ» . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا مَاتَ آدَمُ قَالَ شِيثٌ لِجَبْرَائِيلَ: صَلِّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: تَقَدَّمْ أَنْتَ فَصَلِّ عَلَى أَبِيكَ. فَكَبَّرَ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً، فَأَمَّا خَمْسٌ فَهِيَ الصَّلَاةُ، وَأَمَّا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَتَفْضِيلًا لِآدَمَ. وَقِيلَ: دُفِنَ فِي غَارٍ فِي جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ يُقَالُ لَهُ غَارُ الْكَنْزِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا خَرَجَ نُوحٌ مِنَ السَّفِينَةِ دَفَنَ آدَمَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَذُكِرَ أَنَّ حَوَّاءَ عَاشَتْ بَعْدَهُ سَنَةً، ثُمَّ مَاتَتْ فَدُفِنَتْ مَعَ زَوْجِهَا فِي الْغَارِ الَّذِي ذَكَرْتُ إِلَى وَقْتِ الطُّوفَانِ، وَاسْتَخْرَجَهُمَا نُوحٌ، وَجَعَلَهُمَا فِي تَابُوتٍ، ثُمَّ حَمَلَهُمَا مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ، فَلَمَّا غَاضَتِ الْأَرْضُ الْمَاءَ رَدَّهُمَا إِلَى مَكَانِهِمَا الَّذِي كَانَا فِيهِ قَبْلَ الطُّوفَانِ، قَالَ: وَكَانَتْ حَوَّاءُ فِيمَا ذُكِرَ قَدْ غَزَلَتْ، وَنَسَجَتْ، وَعَجَنَتْ، وَخَبَزَتْ، وَعَمِلَتْ أَعْمَالَ النِّسَاءِ كُلَّهَا. وَإِذْ قَدْ فَرَغْنَا مِنْ ذِكْرِ آدَمَ وَعَدُوِّهِ إِبْلِيسَ، وَذِكْرِ أَخْبَارِهِمَا، وَمَا صَنَعَ اللَّهُ بِعَدُوِّهِ إِبْلِيسَ حِينَ تَجَبَّرَ، وَتَكَبَّرَ مِنْ تَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ، وَطَغَى وَبَغَى، مِنَ الطَّرْدِ، وَالْإِبْعَادِ، وَالنَّظِرَةِ إِلَى يَوْمِ
الدِّينِ، وَمَا صَنَعَ بِآدَمَ إِذْ أَخْطَأَ وَنَسِيَ مِنْ تَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ لَهُ، ثُمَّ تَغَمُّدِهِ إِيَّاهُ بِالرَّحْمَةِ إِذْ تَابَ مِنْ زَلَّتِهِ - فَأَرْجِعُ إِلَى ذِكْرِ قَابِيلَ وَشِيثٍ ابْنَيْ آدَمَ وَأَوْلَادِهِمَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ذكر شيث بن آدم عليه السلام
[ذِكْرُ شِيثِ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ] قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ أَمْرِهِ وَأَنَّهُ كَانَ وَصِيَّ آدَمَ فِي مُخَلِّفِيهِ بَعْدَ مُضِيِّهِ لِسَبِيلِهِ. وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الصُّحُفِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُقِيمًا بِمَكَّةَ يَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَإِنَّهُ كَانَ جَمَعَ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِيهِ آدَمَ مِنَ الصُّحُفِ وَعَمِلَ بِمَا فِيهَا، وَإِنَّهُ بَنَى الْكَعْبَةَ بِالْحِجَارَةِ وَالطِّينِ. وَأَمَّا السَّلَفُ مِنْ عُلَمَائِنَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَمْ تَزَلِ الْقُبَّةُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لِآدَمَ مَكَانَ الْبَيْتِ إِلَى أَيَّامِ الطُّوفَانِ فَرَفَعَهَا اللَّهُ حِينَ أَرْسَلَ الطُّوفَانَ. وَقِيلَ: إِنَّ شِيثًا لَمَّا مَرِضَ أَوْصَى إِلَى ابْنِهِ أَنْوَشَ وَمَاتَ فَدُفِنَ مَعَ أَبَوَيْهِ بِغَارِ أَبِي قُبَيْسٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ لِمُضِيِّ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِ آدَمَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ وَقَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ تِسْعُمِائَةِ سَنَةٍ وَاثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَامَ أَنْوَشُ بْنُ شِيثٍ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ بِسِيَاسَةِ الْمُلْكِ وَتَدْبِيرِ مَنْ تَحْتَ يَدَيْهِ مِنْ رَعِيَّتِهِ مَقَامَ أَبِيهِ لَا يُوقَفُ مِنْهُ تَغْيِيرٌ، وَلَا تَبْدِيلٌ، فَكَانَ جَمِيعُ عُمُرِ أَنُوشَ تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسَ سِنِينَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بَعْدَ أَنْ أَمْضَى مِنْ عُمُرِ أَبِيهِ شِيثٍ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسَ سِنِينَ، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ التَّوْرَاةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وُلِدَ لِشِيثٍ أَنْوَشُ وَوُلِدَ مَعَهُ نَفَرٌ كَثِيرٌ، وَإِلَيْهِ أَوْصَى شِيثٌ، ثُمَّ وُلِدَ لِأَنْوَشَ بْنِ شِيثٍ ابْنُهُ قَيْنَانُ مِنْ أُخْتِهِ نِعْمَةَ بِنْتِ شِيثٍ بَعْدَ مُضِيِّ تِسْعِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِ
أَنْوَشَ، وَوُلِدَ مَعَهُ نَفَرٌ كَثِيرٌ، وَإِلَيْهِ الْوَصِيَّةُ، وَوَلَدَ قَيْنَانُ مَهْلَائِيلَ، وَنَفَرًا كَثِيرًا مَعَهُ، وَإِلَيْهِ الْوَصِيَّةُ، وَوَلَدَ مَهْلَائِيلُ يَرْدَ، وَهُوَ الْيَارَدُ. وَنَفَرًا مَعَهُ، وَإِلَيْهِ الْوَصِيَّةُ، فَوَلَدَ يَرْدُ حَنُوخَ، وَهُوَ إِدْرِيسُ النَّبِيُّ، وَنَفَرًا مَعَهُ، وَإِلَيْهِ الْوَصِيَّةُ، وَوَلَدَ حَنُوخُ مَتُوشَلَخَ وَنَفَرًا مَعَهُ، وَإِلَيْهِ الْوَصِيَّةُ. وَأَمَّا التَّوْرَاةُ فَفِيهَا أَنَّ مَهْلَائِيلَ وُلِدَ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ عُمُرِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَمِنْ عُمُرِ قَيْنَانَ سَبْعُونَ، وَوُلِدَ يَرْدُ لِمَهْلَائِيلَ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ عُمُرِ آدَمَ أَرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتُّونَ سَنَةً، فَكَانَ عَلَى مِنْهَاجِ أَبِيهِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَحْدَاثَ بَدَأَتْ فِي زَمَانِهِ.
ذكر الأحداث التي كانت من لدن ملك شيث إلى أن ملك يرد
[ذِكْرُ الْأَحْدَاثِ الَّتِي كَانَتْ مِنْ لَدُنْ مُلْكِ شِيثٍ إِلَى أَنْ مَلَكَ يَرْدُ] ذِكْرُ أَنَّ قَابِيلَ لَمَّا قَتَلَ هَابِيلَ وَهَرَبَ مِنْ أَبِيهِ آدَمَ إِلَى الْيَمَنِ أَتَاهُ إِبْلِيسُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَابِيلَ إِنَّمَا قُبِلَ قُرْبَانُهُ وَأَكَلَتْهُ النَّارُ لِأَنَّهُ كَانَ يَخْدُمُ النَّارَ وَيَعْبُدُهَا، فَانْصِبْ أَنْتَ نَارًا تَكُونُ لَكَ وَلِعَقِبِكَ. فَبَنَى بَيْتَ نَارٍ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَصَبَ نَارًا وَعَبَدَهَا. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ قَيْنًا، وَهُوَ قَابِيلُ، نَكَحَ أُخْتَهُ أَشُوثَ بِنْتَ آدَمَ فَوَلَدَتْ لَهُ رَجُلًا وَامْرَأَةً: حَنُوخَ بْنَ قَيْنَ وَعَذْبَ بِنْتَ قَيْنَ، فَنَكَحَ حَنُوخُ أُخْتَهُ عَذْبَ فَوَلَدَتْ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَامْرَأَةً: غِيرَدَ وَمَحْوِيلَ، وَأُنُوشِيلَ، وَمُولِيثَ ابْنَةَ حَنُوخَ، فَنَكَحَ أُنُوشِيلُ بْنُ حَنُوخَ أُخْتَهُ مُولِيثَ، وَوَلَدَتْ لَهُ رَجُلًا اسْمُهُ لَامَكَ، فَنَكَحَ لَامَكُ امْرَأَتَيْنِ اسْمُ إِحْدَاهِمَا عَدَّى وَالْأُخْرَى صَلَّى، فَوَلَدَتْ عَدَّى تُولِينَ بْنَ لَامَكَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَكَنَ الْقِبَابَ وَاقْتَنَى الْمَالَ، وَتُوبْلِينَ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ بِالْوَنَجِ وَالصَّنْجِ، وَوَلَدَتْ رَجُلًا اسْمُهُ تُوبْلَقِينَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ عَمِلَ النُّحَاسَ، وَالْحَدِيدَ، وَكَانَ أَوْلَادُهُمْ فَرَاعِنَةً وَجَبَابِرَةً، وَكَانُوا قَدْ أُعْطُوا بَسْطَةً فِي الْخَلْقِ. قَالَ: ثُمَّ انْقَرَضَ وَلَدُ قَيْنَ، وَلَمْ يَتْرُكُوا عَقِبًا إِلَّا قَلِيلًا، وَذُرِّيَّةُ آدَمَ كُلُّهَا جَهِلَتْ أَنْسَابَهُمْ، وَانْقَطَعَ نَسْلُهُمْ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ شِيثٍ، فَمِنْهُ كَانَ النَّسْلُ، وَأَنْسَابُ النَّاسِ الْيَوْمَ كُلِّهِمْ إِلَيْهِ دُونَ أَبِيهِ آدَمَ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ أَمْرِ قَابِيلَ وَوَلَدِهِ إِلَّا مَا حَكَيْتُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ: إِنَّ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ الْمَلَاهِيَ مِنْ وَلَدِ قَابِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ثَوْبَالُ بْنُ قَابِيلَ، اتَّخَذَهَا فِي زَمَانِ مَهْلَائِيلَ بْنِ قَيْنَانَ، اتَّخَذَ الْمَزَامِيرَ، وَالطَّنَابِيرَ، وَالطُّبُولَ، وَالْعِيدَانَ، وَالْمَعَازِفَ، فَانْهَمَكَ وَلَدُ قَابِيلَ فِي اللَّهْوِ. وَتَنَاهَى خَبَرُهُمْ إِلَى مَنْ بِالْجَبَلِ مِنْ وَلَدِ شِيثٍ، فَهَمَّ مِنْهُمْ مِائَةُ رَجُلٍ بِالنُّزُولِ إِلَيْهِمْ وَبِمُخَالَفَةِ مَا أَوْصَاهُمْ بِهِ آبَاؤُهُمْ، وَبَلَغَ ذَلِكَ يَارَدَ فَوَعَظَهُمْ وَنَهَاهُمْ فَلَمْ يَقْبَلُوا، وَنَزَلُوا إِلَى وَلَدِ قَابِيلَ فَأُعْجِبُوا بِمَا رَأَوْا مِنْهُمْ، فَلَمَّا أَرَادُوا الرُّجُوعَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ لِدَعْوَةٍ سَبَقَتْ مِنْ آبَائِهِمْ فَلَمَّا أَبْطَئُوا ظَنَّ مَنْ بِالْجَبَلِ مِمَّنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ زَيْغٌ أَنَّهُمْ أَقَامُوا اغْتِبَاطًا، فَتَسَلَّلُوا يَنْزِلُونَ مِنَ الْجَبَلِ وَرَأَوُا اللَّهْوَ فَأَعْجَبَهُمْ، وَوَافَقُوا نِسَاءً مِنْ وَلَدِ قَابِيلَ مُتَشَرِّعَاتٍ إِلَيْهِمْ وَصِرْنَ مَعَهُمْ، وَانْهَمَكُوا فِي الطُّغْيَانِ، وَفَشَتِ الْفَحْشَاءُ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ فِيهِمْ. وَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الْحَقِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ سَلَفِ عُلَمَائِنَا الْمُسْلِمِينَ نَحْوٌ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا بَيَّنُوا زَمَانَ مَنْ حَدَثَ ذَلِكَ فِي مُلْكِهِ، إِلَّا أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِيمَا بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَوْ مِثْلُهُ. وَمِثْلَهُ رَوَى الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ مَعَ اخْتِلَافٍ قَرِيبٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَا نَسَّابُو الْفُرْسِ فَقَدْ ذَكَرْتُ مَا قَالُوا فِي مَهْلَائِيلَ بْنِ قَيْنَانَ، وَأَنَّهُ هُوَ أُوشْهَنْجُ الَّذِي مَلَكَ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ، وَبَيَّنْتُ قَوْلَ مَنْ خَالَفَهُمْ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ بَنَى الْبِنَاءَ، وَاسْتَخْرَجَ الْمَعَادِنَ وَأَمَرَ أَهْلَ زَمَانِهِ بِاتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ، وَبَنَى مَدِينَتَيْنِ كَانَتَا أَوَّلَ مَا بُنِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنَ الْمَدَائِنِ، وَهُمَا مَدِينَةُ بَابِلَ، وَهِيَ بِالْعِرَاقِ، وَمَدِينَةُ السُّوسِ بِخُوزِسْتَانَ، وَكَانَ مُلْكُهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ أَوَّلُ مَنِ اسْتَنْبَطَ الْحَدِيدَ وَعَمِلَ مِنْهُ الْأَدَوَاتِ لِلصِّنَاعَاتِ، وَقَدَّرَ الْمِيَاهَ فِي مَوَاقِعِ الْمَنَافِعِ، وَحَضَّ النَّاسَ عَلَى الزِّرَاعَةِ، وَاعْتِمَادِ الْأَعْمَالِ، وَأَمَرَ بِقَتْلِ السِّبَاعِ الضَّارِيَةِ، وَاتِّخَاذِ الْمَلَابِسِ مِنْ جُلُودِهَا وَالْمَفَارِشِ، وَبِذَبْحِ الْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَالْوَحْشِ، وَأَكْلِ لُحُومِهَا، وَإِنَّهُ بَنَى مَدِينَةَ الرَّيِّ.
قَالُوا: وَهِيَ أَوَّلُ مَدِينَةٍ بُنِيَتْ بَعْدَ مَدِينَةِ جُيُومَرْثَ الَّتِي كَانَ يَسْكُنُهَا بِدُنْبَاوَنْدَ. وَقَالُوا: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الْأَحْكَامَ، وَالْحُدُودَ. وَكَانَ مُلَقَّبًا بِذَلِكَ يُدْعَى بِيشَدَادَ، وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ أَوَّلُ مَنْ حَكَمَ بِالْعَدْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ " بِيشَ " مَعْنَاهُ أَوَّلُ، وَ " دَادَ " مَعْنَاهُ عَدَلَ وَقَضَى. وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اسْتَخْدَمَ الْجَوَارِيَ وَأَوَّلُ مَنْ قَطَعَ الشَّجَرَ وَجَعَلَهُ فِي الْبِنَاءِ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ نَزَلَ الْهِنْدَ وَتَنَقَّلَ فِي الْبِلَادِ وَعَقَدَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجًا، وَذَكَرُوا أَنَّهُ قَهَرَ إِبْلِيسَ وَجُنُودَهُ وَمَنْعَهُمُ الِاخْتِلَاطَ بِالنَّاسِ، وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَقَتَلَ مَرَدَتَهُمْ، فَهَرَبُوا مِنْ خَوْفِهِ إِلَى الْمَفَاوِزِ وَالْجِبَالِ، فَلَمَّا مَاتَ عَادُوا. وَقِيلَ: إِنَّهُ سَمَّى شِرَارَ النَّاسِ شَيَاطِينَ وَاسْتَخْدَمَهُمْ، وَمَلَكَ الْأَقَالِيمَ كُلَّهَا. وَإِنَّهُ كَانَ بَيْنَ مَوْلِدِ أُوشْهَنْجَ وَمَوْتِ جُيُومَرْثَ مِائَتَا سَنَةٍ وَثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. (عُتَيْبَةُ بِالْعَيْنِ، وَبَعْدَهَا تَاءٌ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَيَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَبَاءٌ مُوَحَّدَةٌ) .
ذكر يرد
[ذِكْرُ يَرْدَ] وَقِيلَ يَارَدُ بْنُ مَهْلَائِيلَ، أُمُّهُ خَالَتُهُ سَمْعَنُ ابْنَةُ بِرَاكِيلَ بْنِ مَحْوِيلَ بْنِ حَنُوخَ بْنِ قَيْنَ بْنِ آدَمَ، وُلِدَ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ عُمُرِ آدَمَ أَرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ عُمِلَتِ الْأَصْنَامُ، وَعَادَ مَنْ عَادَ عَنِ الْإِسْلَامِ. ثُمَّ نَكَحَ يَرْدُ، فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ - وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً - بِرِكْتَا ابْنَةَ الدَّرَمْسِيلِ بْنِ مَحْوِيلَ بْنِ حَنُوخَ بْنِ قَيْنَ بْنِ آدَمَ، فَوَلَدَتْ لَهُ حَنُوخَ، وَهُوَ إِدْرِيسُ النَّبِيُّ، فَكَانَ أَوَّلَ بَنِي آدَمَ أُعْطِيَ النُّبُوَّةَ وَخَطَّ بِالْقَلَمَ، وَأَوَّلَ مَنْ نَظَرَ فِي عُلُومِ النُّجُومِ، وَالْحِسَابِ. وَحُكَمَاءُ الْيُونَانِيِّينَ يُسَمُّونَهُ هِرْمِسَ الْحَكِيمَ، وَهُوَ عَظِيمٌ عِنْدَهُمْ، فَعَاشَ يَرْدُ بَعْدَ مَوْلِدِ إِدْرِيسَ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ، وَوُلِدَ لَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ، فَكَانَ عُمُرُهُ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً. وَقِيلَ: أُنْزِلَ عَلَى إِدْرِيسَ ثَلَاثُونَ صَحِيفَةً، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَطَعَ الثِّيَابَ وَخَاطَهَا، وَأَوَّلُ مَنْ سَبَى مِنْ وَلَدِ قَابِيلَ بْنِ آدَمَ فَاسْتَرَقَّ مِنْهُمْ، وَكَانَ وَصِيَّ وَالِدِهِ يَرْدَ فِيمَا كَانَ آبَاؤُهُ وَصَّوْا بِهِ إِلَيْهِ، وَفِيمَا أَوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَتُوُفِّيَ آدَمُ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ عُمُرِ إِدْرِيسَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِي سِنِينَ. وَدَعَا إِدْرِيسُ قَوْمَهُ وَوَعَظَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْصِيَةِ الشَّيْطَانِ، وَأَنْ لَا يُلَابِسُوا وَلَدَ قَابِيلَ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ. قَالَ: وَفِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ رَفَعَ إِدْرِيسَ بَعْدَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً مِنْ
عُمُرِهِ، وَبَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ عُمُرِ أَبِيهِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَسَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَعَاشَ أَبُوهُ بَعْدَ ارْتِفَاعِهِ أَرْبَعَمِائَةٍ وَخَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً تَمَامَ تِسْعِمِائَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً. قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا أَبَا ذَرٍّ، مِنَ الرُّسُلِ أَرْبَعَةٌ سُرْيَانِيُّونَ: آدَمُ، وَشِيثٌ، وَنُوحٌ، وَحَنُوخُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً» . وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي زَمَانِهِ، وَجَمَعَ لَهُ عِلْمَ الْمَاضِينَ وَزَادَهُ ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَلَكَ بِيوَرَاسِبُ فِي عَهْدِ إِدْرِيسَ، وَكَانَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ آدَمَ، فَاتَّخَذَهُ سِحْرًا، وَكَانَ بِيوَرَاسِبُ يَعْمَلُ بِهِ. (يَارَدُ بِيَاءٍ مُعْجَمَةٍ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتِهَا، وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ. وَحَنُوخُ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَنُونٍ بَعْدَهَا وَاوٌ، وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، وَقِيلَ بِخَائَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ) .
ذكر ملك طهمورث
[ذِكْرُ مُلْكِ طَهْمُورُثَ] زَعَمَتِ الْفُرْسُ أَنَّهُ مَلَكَ بَعْدَ مَوْتِ أُوشْهَنْجَ طَهْمُورُثُ بْنُ وَيُونْجَهَانَ، يَعْنِي خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِ، ابْنُ حَبَايِدَادَ بْنِ أُوشْهَنْجَ، وَقِيلَ فِي نَسَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ. وَزَعَمَ الْفُرْسُ أَيْضًا أَنَّهُ مَلَكَ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ وَعَقَدَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجًا، وَكَانَ مَحْمُودًا فِي مُلْكِهِ مُشْفِقًا عَلَى رَعِيَّتِهِ، وَأَنَّهُ ابْتَنَى سَابُورَ مِنْ فَارِسَ وَنَزَلَهَا وَتَنَقَّلَ فِي الْبُلْدَانِ، وَأَنَّهُ وَثَبَ بِإِبْلِيسَ حَتَّى رَكِبَهُ فَطَافَ عَلَيْهِ فِي أَدَانِي الْأَرْضِ، وَأَقَاصِيهَا، وَأَفْزَعَهُ وَمَرَدَتَهُ حَتَّى تَفَرَّقُوا، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ الصُّوفَ، وَالشَّعَرَ لِلُّبْسِ، وَالْفَرْشِ وَأَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ زِينَةَ الْمُلُوكِ مِنَ الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَأَمَرَ بِاتِّخَاذِ الْكِلَابِ فَحَفِظَ الْمَوَاشِيَ وَغَيْرَهَا، وَأَخَذَ الْجَوَارِحَ لِلصَّيْدِ، وَكَتَبَ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَأَنَّ بِيَوْرَاسِبَ ظَهَرَ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ مُلْكِهِ وَدَعَا إِلَى مِلَّةِ الصَّابِئِينَ. كَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ رَكِبَ إِبْلِيسَ وَطَافَ عَلَيْهِ، وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا نَحْنُ نَقَلْنَا مَا قَالُوهُ. قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: أَوَّلُ مُلُوكِ الْأَرْضِ مِنْ بَابِلَ طَهْمُورُثُ، وَكَانَ لِلَّهِ مُطِيعًا، وَكَانَ مُلْكُهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَفِي أَيَّامِهِ عُبِدَتِ الْأَصْنَامُ، وَأَوَّلُ مَا عُرِفَ الصَّوْمُ فِي مُلْكِهِ. وَسَبَبُهُ أَنَّ قَوْمًا فُقَرَاءَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمُ الْقُوتُ فَأَمْسَكُوا نَهَارًا، وَأَكَلُوا لَيْلًا مَا يُمْسِكُ رَمَقَهُمْ، ثُمَّ اعْتَقَدُوهُ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ وَجَاءَتِ الشَّرَائِعُ بِهِ.
ذكر حنوخ وهو إدريس عليه السلام
[ذِكْرُ حَنُوخَ وَهُوَ إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ] ثُمَّ نَكَحَ حَنُوخُ بْنُ يَرْدَ هُدَانَةَ - وَتُقَالُ أَذَانَةَ - ابْنَةَ بَاوِيلَ بْنِ مَحْوِيلَ بْنِ حَنُوخَ بْنِ قَيْنَ بْنِ آدَمَ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، فَوَلَدَتْ لَهُ مَتُوشَلَخَ بْنَ حَنُوخَ، فَعَاشَ بَعْدَمَا وُلِدَ مَتُوشَلَخَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ رُفِعَ وَاسْتَخْلَفَهُ حَنُوخُ عَلَى أَمْرِ وَلَدِهِ، وَأَمْرِ اللَّهِ، وَأَوْصَاهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ اللَّهَ سَوْفَ يُعَذِّبُ وَلَدَ قَابِيلَ وَمَنْ خَالَطَهُمْ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مُخَالَطَتِهِمْ، وَإِنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ رَكِبَ الْخَيْلَ ; لِأَنَّهُ سَلَكَ رَسْمَ أَبِيهِ حَنُوخَ فِي الْجِهَادِ، ثُمَّ نَكَحَ مَتُوشَلَخَ عَرْبَا ابْنَةَ عَزَازِيلَ بْنِ أَنُوشِيلَ بْنِ حَنُوخَ بْنِ قَيْنَ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَسَبْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَوَلَدَتْ لَهُ لَمَكَ بْنَ مَتُوشَلَخَ، فَعَاشَ بَعْدَمَا وُلِدَ لَهُ لَمَكُ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ، وَوُلِدَ لَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ، فَكَانَ كُلُّ مَا عَاشَ مَتُوشَلَخَ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَتِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. ثُمَّ مَاتَ وَأَوْصَى إِلَى ابْنِهِ لَمَكَ فَكَانَ لَمَكُ يَعِظُ قَوْمَهُ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ مُخَالَطَةِ وَلَدِ قَابِيلَ، فَلَمْ يَقْبَلُوا حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهِمْ جَمِيعُ مَنْ كَانَ مَعَهُمْ فِي الْجَبَلِ. وَقِيلَ: كَانَ لِمَتُوشَلَخَ ابْنٌ آخَرُ غَيْرُ لَمَكَ يُقَالُ لَهُ صَابِي، وَبِهِ سُمِّيَ الصَّابِئُونَ. قُلْتُ: مَحْوِيلُ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَبَاءٍ مُعْجَمَةٍ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتٍ. وَقَيْنُ بِقَافٍ، وَيَاءٍ مُعْجَمَةٍ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتٍ. وَمَتُوشَلَخَ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَبِالتَّاءِ الْمُعْجَمَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ فَوْقٍ، وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَقِيلَ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ.
وَنَكَحَ لَمَكُ بْنُ مَتُوشَلَخَ قِينُوشَ ابْنَةَ بِرَاكِيلَ بْنِ مَحْوِيلَ بْنِ حَنُوخَ بْنِ قَيْنَ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَسَبْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، فَوَلَدَتْ لَهُ نُوحَ بْنَ لَمَكَ، وَهُوَ النَّبِيُّ، فَعَاشَ لَمَكُ بَعْدَ مَوْلِدِ نُوحٍ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسًا وَتِسْعِينَ سَنَةً وَوُلِدَ لَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ ثُمَّ مَاتَ. وَنَكَحَ نُوحُ بْنُ لَمَكَ عِزْرَةَ بِنْتَ بِرَاكِيلَ بْنِ مَحْوِيلَ بْنِ حَنُوخَ بْنِ قَيْنَ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدَهُ سَامًا، وَحَامًا، وَيَافِثَ بَنِي نُوحٍ. وَكَانَ مَوْلِدُ نُوحٍ بَعْدَ مَوْتِ آدَمَ بِمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَلَمَّا أَدْرَكَ قَالَ لَهُ أَبُوهُ لَمَكُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي هَذَا الْجَبَلِ غَيْرُنَا فَلَا تَسْتَوْحِشْ وَلَا تَتَّبِعِ الْأُمَّةَ الْخَاطِئَةَ. وَكَانَ نُوحٌ يَدْعُو قَوْمَهُ وَيَعِظُهُمْ فَيَسْتَخِفُّونَ بِهِ. وَقِيلَ: كَانَ نُوحٌ فِي عَهْدٍ بِيَوْرَاسِبَ وَكَانُوا قَوْمَهُ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ تِسْعَمِائَةٍ وَسِتَّةً وَخَمْسِينَ سَنَةً كُلَّمَا مَضَى قَرْنٌ اتَّبَعَهُمْ قَرْنٌ عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْكُفْرِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ: فَوَلَدَ لَمَكَ نُوحًا، وَكَانَ لَهُ يَوْمَ وُلِدَ نُوحٌ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَحَدٌ يَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ نُوحًا وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِمِائَةٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً فَدَعَاهُمْ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ بِصَنْعَةِ الْفُلْكِ فَصَنَعَهَا، وَرَكِبَهَا وَهُوَ ابْنُ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ، وَغَرِقَ مَنْ غَرِقَ، ثُمَّ مَكَثَ مِنْ بَعْدِ السَّفِينَةِ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى مِلَّةِ الْحَقِّ، وَأَنَّ الْكُفْرَ بِاللَّهِ حَدَثَ فِي الْقَرْنِ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ إِلَيْهِمْ نُوحٌ، فَأَرْسَلَهُ اللَّهُ، وَهُوَ أَوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ بِالْإِنْذَارِ، وَالدُّعَاءِ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ.
ذكر ملك جمشيد
[ذِكْرُ مُلْكِ جَمْشِيدَ] وَأَمَّا عُلَمَاءُ الْفُرْسِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: مَلَكَ بَعْدَ طَهْمُورُثَ جَمْشِيدُ، وَالشِّيدُ عِنْدَهُمُ الشُّعَاعُ، وَجَمُّ الْقَمَرُ، لَقَّبُوهُ بِذَلِكَ لِجَمَالِهِ، وَهُوَ جَمُّ بْنُ وَيُونْجَهَانَ، وَهُوَ أَخُو طَهْمُورُثَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَلَكَ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ وَسُخِّرَ لَهُ مَا فِيهَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَعَقَدَ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَمَرَ لِسَنَةِ مَضَتْ مِنْ مُلْكِهِ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ مِنْهُ بِعَمَلِ السُّيُوفِ وَالدُّرُوعِ وَسَائِرِ الْأَسْلِحَةِ وَآلَةِ الصُّنَّاعِ مِنَ الْحَدِيدِ، وَمِنْ سَنَةِ خَمْسِينَ مِنْ مُلْكِهِ إِلَى سَنَةِ مِائَةٍ بِعَمَلِ الْإِبَرَيْسَمِ، وَغَزْلِهِ، وَالْقُطْنِ، وَالْكَتَّانِ، وَكُلِّ مَا يُسْتَطَاعُ غَزْلُهُ وَحِيَاكَةُ ذَلِكَ وَصَبْغُهُ أَلْوَانًا وَلُبْسُهُ، وَمِنْ سَنَةِ مِائَةٍ إِلَى سَنَةِ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ صَنَّفَ النَّاسَ أَرْبَعَ طَبَقَاتٍ: طَبَقَةَ مُقَاتِلَةٍ، وَطَبَقَةَ فُقَهَاءَ، وَطَبَقَةَ كُتَّابٍ، وَصُنَّاعٍ، وَطَبَقَةَ حَرَّاثِينَ، وَاتَّخَذَ مِنْهُمْ خَدَمًا، وَوَضَعَ لِكُلِّ أَمْرٍ خَاتَمًا مَخْصُوصًا بِهِ، فَكَتَبَ عَلَى خَاتَمِ الْحَرْبِ: الرِّفْقُ وَالْمُدَارَاةُ، وَعَلَى خَاتَمِ الْخَرَاجِ: الْعِمَارَةُ وَالْعَدْلُ، وَعَلَى خَاتَمِ الْبَرِيدِ وَالرُّسُلِ: الصِّدْقُ وَالْأَمَانَةُ، وَعَلَى خَاتَمِ الْمَظَالِمِ: السِّيَاسَةُ وَالِانْتِصَافُ، وَبَقِيَتْ رُسُومُ الْخَوَاتِيمِ حَتَّى مَحَاهَا الْإِسْلَامُ. وَمِنْ سَنَةِ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ إِلَى سَنَةِ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ حَارَبَ الشَّيَاطِينَ وَأَذَلَّهُمْ وَقَهَرَهُمْ وَسُخِّرُوا لَهُ. وَمِنْ سَنَةِ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ إِلَى سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَكَّلَ الشَّيَاطِينَ بِقَطْعِ الْأَحْجَارِ وَالصُّخُورِ مِنَ الْجِبَالِ وَعَمَلِ الرُّخَامِ، وَالْجَصِّ، وَالْكَلْسِ، وَالْبِنَاءِ بِذَلِكَ الْحَمَّامَاتِ، وَالنَّقْلِ مِنَ الْبِحَارِ، وَالْجِبَالِ، وَالْمَعَادِنِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَسَائِرِ مَا يُذَابُ مِنَ الْجَوَاهِرِ، وَأَنْوَاعِ الطِّيبِ، وَالْأَدْوِيَةِ، فَنَفَّذُوا فِي ذَلِكَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ أَمَرَ فَصُنِعَتْ لَهُ عَجَلَةٌ مِنَ
الزُّجَاجِ، فَأَصْفَدَ فِيهَا الشَّيَاطِينَ، وَرَكِبَهَا، وَأَقْبَلَ عَلَيْهَا فِي الْهَوَاءِ مِنْ دُنْبَاوَنْدَ إِلَى بَابِلَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ يَوْمُ هُرْمُزْرُوزَ وَافُرُوزَ دِينْ مَاهْ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ. وَكَتَبَ إِلَى النَّاسِ فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ قَدْ سَارَ فِيهِمْ بِسِيرَةٍ ارْتَضَاهَا اللَّهُ، فَكَانَ مِنْ جَزَائِهِ إِيَّاهُ عَلَيْهَا أَنَّهُ قَدْ جَنَّبَهُمُ الْحَرَّ، وَالْبَرْدَ، وَالْأَسْقَامَ، وَالْهَرَمَ، وَالْحَسَدَ، فَمَكَثَ النَّاسُ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ وَالسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً لَا يُصِيبُهُمْ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ. ثُمَّ بَنَى قَنْطَرَةً عَلَى دِجْلَةَ فَبَقِيَتْ دَهْرًا طَوِيلًا حَتَّى خَرَّبَهَا الْإِسْكَنْدَرُ، وَأَرَادَ الْمُلُوكُ عَمَلَ مِثْلِهَا فَعَجَزُوا فَعَدَلُوا إِلَى عَمَلِ الْجُسُورِ مِنَ الْخَشَبِ. ثُمَّ إِنَّ جَمًّا بَطِرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَجَمَعَ الْإِنْسَ، وَالْجِنَّ، وَالشَّيَاطِينَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ وَلِيُّهُمْ، وَمَانِعُهُمْ بِقُوَّتِهِ مِنَ الْأَسْقَامِ، وَالْهَرَمِ، وَالْمَوْتِ، وَتَمَادَى فِي غَيِّهِ، فَلَمْ يُحِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ جَوَابًا، وَفَقَدَ مَكَانُهُ بَهَاءَهُ وَعِزَّهُ، وَتَخَلَّتْ عَنْهُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ كَانَ اللَّهُ أَمَرَهُمْ بِسِيَاسَةِ أَمْرِهِ، فَأَحَسَّ بِذَلِكَ بِيَوْرَاسِبُ الَّذِي تَسَمَّى الضَّحَّاكَ، فَابْتَدَرَ إِلَى جَمٍّ لِيَنْتَهِسَهُ، فَهَرَبَ مِنْهُ، ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْرَاسِبُ فَاسْتَرَطَ أَمْعَاءَهُ، وَنَشَرَهُ بِمِنْشَارٍ. وَقِيلَ إِنَّهُ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ فَوَثَبَ عَلَيْهِ أَخُوهُ لِيَقْتُلَهُ، وَاسْمُهُ أَسِغْتُورُ، فَتَوَارَى عَنْهُ مِائَةَ سَنَةٍ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ فِي تَوَارِيهِ بِيَوْرَاسِبُ فَغَلَبَهُ عَلَى مُلْكِهِ. وَقِيلَ كَانَ مُلْكُهُ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. قُلْتُ: وَهَذَا الْفَصْلُ مِنْ حَدِيثِ جَمٍّ قَدْ أَتَيْنَا بِهِ تَامًّا بَعْدَ أَنْ كُنَّا عَازِمِينَ عَلَى تَرْكِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَمُجُّهَا الْأَسْمَاعُ، وَتَأْبَاهَا الْعُقُولُ، وَالطِّبَاعُ، فَإِنَّهَا مِنْ خُرَافَاتِ الْفُرْسِ مَعَ أَشْيَاءَ أُخَرَ قَدْ تَقَدَّمَتْ قَبْلَهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا لِيُعْلَمَ جَهْلُ الْفُرْسِ، فَإِنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يُشَنِّعُونَ عَلَى الْعَرَبِ بِجَهْلِهِمْ، وَمَا بَلَغُوا هَذَا وَلِأَنَّا لَوْ كُنَّا تَرَكْنَا هَذَا الْفَصْلَ لَخَلَا مِنْ شَيْءٍ نَذْكُرُهُ مِنْ أَخْبَارِهِمْ.
ذكر الأحداث التي كانت في زمن نوح عليه السلام
[ذِكْرُ الْأَحْدَاثِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ] قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي دِيَانَةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ نُوحٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِمَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ رُكُوبِ الْفَوَاحِشِ، وَالْكُفْرِ، وَشُرْبِ الْخُمُورِ، وَالِاشْتِغَالِ بِالْمَلَاهِي عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ طَاعَةٍ. وَبِيَوْرَاسِبُ أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ الْقَوْلَ بِمَذْهَبِ الصَّابِئِينَ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ نُوحٌ، وَسَنَذْكُرُ أَخْبَارَ بِيَوْرَاسِبَ فِيمَا بَعْدُ. وَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ، قَالَ: فَيَنْطِقُ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ أَوْثَانٍ، قَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح: 23] . قُلْتُ: لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ الْحَقَّ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ هُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ أَوْثَانٍ يَعْبُدُونَهَا، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَهُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّابِئِينَ، فَإِنَّ أَصْلَ مَذْهَبِ الصَّابِئِينَ عِبَادَةُ الرَّوْحَانِيِّينَ، وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ لِتُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى زُلْفَى، فَإِنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِصَانِعِ الْعَالَمِ وَأَنَّهُ حَكِيمٌ قَادِرٌ مُقَدَّسٌ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا الْوَاجِبُ عَلَيْنَا مَعْرِفَةُ الْعَجْزِ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى مَعْرِفَةِ جَلَالِهِ، وَإِنَّمَا نَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِالْوَسَائِطِ الْمُقَرَّبَةِ لَدَيْهِ، وَهُمُ الرَّوْحَانِيُّونَ، وَحَيْثُ لَمْ يُعَايِنُوا الرَّوْحَانِيِّينَ تَقَرَّبُوا إِلَيْهِمْ بِالْهَيَاكِلِ، وَهِيَ الْكَوَاكِبُ السَّبْعَةُ السَّيَّارَةُ لِأَنَّهَا مُدَبِّرَةٌ لِهَذَا الْعَالَمِ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْأَشْخَاصِ، حَيْثُ رَأَوْا أَنَّ الْهَيَاكِلَ تَطْلُعُ وَتَغْرُبُ وَتُرَى لَيْلًا وَلَا تُرَى نَهَارًا - إِلَى وَضْعِ الْأَصْنَامِ لِتَكُونَ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ لِيَتَوَسَّلُوا بِهَا إِلَى الْهَيَاكِلِ، وَالْهَيَاكِلُ إِلَى الرَّوْحَانِيِّينَ، وَالرَّوْحَانِيُّونَ إِلَى صَانِعِ الْعَالَمِ، فَهَذَا كَانَ أَصْلَ وَضْعِ الْأَصْنَامِ أَوَّلًا، وَقَدْ كَانَ أَخِيرًا فِي الْعَرَبِ مَنْ هُوَ عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ، وَقَالَ تَعَالَى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] فَقَدْ حَصَلَ مِنْ عِبَادَةِ
الْأَصْنَامِ مَذْهَبُ الصَّابِئِينَ، وَالْكُفْرُ وَالْفَوَاحِشُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي. فَلَمَّا تَمَادَى قَوْمُ نُوحٍ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَعِصْيَانِهِمْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ نُوحًا يُحَذِّرُهُمْ بَأْسَهُ، وَنِقْمَتَهُ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ، وَالْعَمَلِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأُرْسِلَ نُوحٌ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا. وَقَالَ عَوْنُ بْنُ أَبِي شَدَّادٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ نُوحًا وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: إِنَّ قَوْمَ نُوحٍ كَانُوا يَبْطِشُونَ بِهِ فَيَخْنُقُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ! حَتَّى إِذَا تَمَادَوْا فِي مَعْصِيَتِهِمْ وَعَظُمَتْ مِنْهُمُ الْخَطِيئَةُ، وَتَطَاوَلَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الشَّأْنُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ، وَانْتَظَرَ النَّجْلَ بَعْدَ النَّجْلِ فَلَا يَأْتِي قَرْنٌ إِلَّا كَانَ أَخْبَثَ مِنَ الْذِي كَانَ قَبْلَهُ حَتَّى إِنْ كَانَ الْآخَرُ لَيَقُولَ: قَدْ كَانَ هَذَا مَعَ آبَائِنَا، وَأَجْدَادِنَا مَجْنُونًا لَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ يُضْرَبُ وَيُلَفُّ، وَيُلْقَى فِي بَيْتِهِ، يَرَوْنَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَإِذَا أَفَاقَ اغْتَسَلَ وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَرَأَى الْأَوْلَادَ شَرًّا مِنَ الْآبَاءِ قَالَ: رَبِّ قَدْ تَرَى مَا يَفْعَلُ بِي عِبَادُكَ، فَإِنْ تَكُ لَكَ فِيهِمْ حَاجَةٌ فَاهْدِهِمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرُ ذَلِكَ فَصَيِّرْنِي إِلَى أَنْ تَحْكُمَ فِيهِمْ. فَأَوْحَى إِلَيْهِ: إِنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ، فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ إِيمَانِهِمْ دَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26] ، إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ. فَلَمَّا شَكَا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَنْصَرَهُ عَلَيْهِمْ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ: اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ. فَأَقْبَلَ نُوحٌ عَلَى عَمَلِ الْفُلْكِ وَلَهَا عَنْ دُعَاءِ قَوْمِهِ وَجَعَلَ يُهَيِّئُ عَتَادَ الْفُلْكِ مِنَ الْخَشَبِ، وَالْحَدِيدِ، وَالْقَارِ، وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يُصْلِحُهُ سِوَاهُ، وَجَعَلَ قَوْمُهُ يَمُرُّونَ بِهِ وَهُوَ فِي عَمَلِهِ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُ، فَيَقُولُ: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [هود: 38] . قَالَ: وَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ قَدْ صِرْتَ نَجَّارًا بَعْدَ النُّبُوَّةِ! وَأَعْقَمَ اللَّهُ أَرْحَامَ النِّسَاءِ فَلَا يُولَدُ
لَهُمْ، وَصَنَعَ الْفُلْكَ مِنْ خَشَبِ السَّاجِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ طُولَهُ ثَمَانِينَ ذِرَاعًا، وَعَرْضَهُ خَمْسِينَ ذِرَاعًا، وَطُولَهُ فِي السَّمَاءِ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ طُولُهَا ثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا، وَطُولُهَا فِي السَّمَاءِ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ طُولُهَا أَلْفَ ذِرَاعٍ وَمِائَتَيْ ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهَا سِتَّمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَرَ نُوحًا أَنْ يَجْعَلَهُ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ: سُفْلَى، وَوُسْطَى، وَعُلْيَا، فَفَعَلَ نُوحٌ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُ، وَقَدْ عَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِ {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود: 40] ، وَقَدْ جَعَلَ التَّنُّورَ آيَةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ. فَلَمَّا فَارَ التَّنُّورُ وَكَانَ فِيمَا قِيلَ مِنْ حِجَارَةٍ كَانَ لِحَوَّاءَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ ذَلِكَ تَنُّورًا مِنْ أَرْضِ الْهِنْدِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ: كَانَ التَّنُّورُ بِأَرْضِ الْكُوفَةِ، وَأَخْبَرَتْهُ زَوْجَتُهُ بِفَوَرَانِ الْمَاءِ مِنَ التَّنُّورِ، وَأَمَرَ اللَّهُ جَبْرَائِيلَ فَرَفَعَ الْكَعْبَةَ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، وَكَانَتْ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَخَبَّأَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ بِجَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ، فَبَقِيَ فِيهِ إِلَى أَنْ بَنَى إِبْرَاهِيمُ الْبَيْتَ فَأَخَذَهُ فَجَعَلَهُ مَوْضِعَهُ، وَلَمَّا فَارَ التَّنُّورُ حَمَلَ نُوحٌ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِحَمْلِهِ، وَكَانُوا أَوْلَادَهُ الثَّلَاثَةَ: سَامَ، وَحَامَ، وَيَافِثَ، وَنِسَاءَهُمْ، وَسِتَّةَ أَنَاسِيَّ، فَكَانُوا مَعَ نُوحٍ ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ فِي السَّفِينَةِ ثَمَانُونَ رَجُلًا، أَحَدُهُمْ جُرْهُمُ، كُلُّهُمْ بَنُو شِيثٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا ثَمَانِيَةَ أَنْفُسٍ: نُوحٌ، وَامْرَأَتُهُ، وَثَلَاثَةٌ بَنُوهُ، وَنِسَاؤُهُمْ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ: كَانُوا سَبْعَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِمْ زَوْجَ نُوحٍ. وَحَمَلَ مَعَهُ جَسَدَ آدَمَ، ثُمَّ أَدْخَلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الدَّوَابِّ، وَتَخَلَّفَ عَنْهُ ابْنُهُ يَامُ، وَكَانَ كَافِرًا، وَكَانَ آخِرَ مَنْ دَخَلَ السَّفِينَةَ الْحِمَارُ، فَلَمَّا دَخَلَ صَدْرُهُ تَعَلَّقَ إِبْلِيسُ بِذَنَبِهِ فَلَمْ تَرْتَفِعْ رِجْلَاهُ، فَجَعَلَ نُوحٌ يَأْمُرُهُ بِالدُّخُولِ فَلَا يَسْتَطِيعُ حَتَّى قَالَ: ادْخُلْ وَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ مَعَكَ. فَقَالَ كَلِمَةً زَلَّتْ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمَّا قَالَهَا دَخَلَ الشَّيْطَانُ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ نُوحٌ: مَا أَدْخَلَكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَقُلِ ادْخُلْ وَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ مَعَكَ؟ فَتَرَكَهُ. وَلَمَّا أُمِرَ نُوحٌ بِإِدْخَالِ الْحَيَوَانِ السَّفِينَةَ قَالَ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِالْأَسَدِ وَالْبَقَرَةِ؟ وَكَيْفَ أَصْنَعُ بِالْعَنَاقِ وَالذِّئْبِ، وَالطَّيْرِ وَالْهِرِّ؟ قَالَ: الَّذِي أَلْقَى بَيْنَهُمَا الْعَدَاوَةُ هُوَ يُؤَلِّفُ بَيْنَهَا. فَأَلْقَى الْحُمَّى عَلَى الْأَسَدِ، وَشَغَلَهُ بِنَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: وَمَا الْكَلْبُ مَحْمُومًا وَإِنْ طَالَ عُمْرُهُ ... وَلَكِنَّمَا الْحُمَّى عَلَى الْأَسَدِ الْوَرْدِ وَجَعَلَ نُوحٌ الطَّيْرَ فِي الطَّبَقِ الْأَسْفَلِ مِنَ السَّفِينَةِ، وَجَعَلَ الْوَحْشَ فِي الطَّبَقِ الْأَوْسَطِ، وَرَكِبَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي آدَمَ فِي الطَّبَقِ الْأَعْلَى. فَلَمَّا اطْمَأَنَّ نُوحٌ فِي الْفُلْكِ، وَأَدْخَلَ فِيهِ كُلَّ مَنْ أُمِرَ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ عُمُرِهِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَفِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَحَمَلَ مَعَهُ مَنْ حَمَلَ - جَاءَ الْمَاءُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ - وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [القمر: 11 - 12] . فَكَانَ بَيْنَ أَنْ أُرْسِلَ الْمَاءُ وَبَيْنَ أَنِ احْتَمَلَ الْمَاءُ الْفُلْكَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، وَكَثُرَ، وَاشْتَدَّ، وَارْتَفَعَ، وَطَمَى، وَغَطَّى نُوحٌ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ
طَبَقَ السَّفِينَةِ، وَجَعَلَتِ الْفُلْكُ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ، وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ الَّذِي هَلَكَ، وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ: {يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} [هود: 42] وَكَانَ كَافِرًا، {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} [هود: 43] ، وَكَانَ عَهِدَ الْجِبَالَ وَهِيَ حِرْزٌ وَمَلْجَأٌ. فَقَالَ نُوحٌ {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 43] . وَعَلَا الْمَاءُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَكَانَ عَلَى أَعْلَى جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، فَهَلَكَ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ حَيَوَانٍ وَنَبَاتٍ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا نُوحٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَإِلَّا عَوْجُ بْنُ عُنُقَ، فِيمَا زَعَمَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ، وَكَانَ بَيْنَ إِرْسَالِ الْمَاءِ وَبَيْنَ أَنْ غَاضَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرُ لَيَالٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرْسَلَ اللَّهُ الْمَطَرَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَأَقْبَلَتِ الْوَحْشُ حِينَ أَصَابَهَا الْمَطَرُ وَالطِّينُ إِلَى نُوحٍ وَسُخِّرَتْ لَهُ، فَحَمَلَ مِنْهَا كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، فَرَكِبُوا فِيهَا لِعَشْرِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ رَجَبٍ، وَكَانَ ذَلِكَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ آبَ، وَخَرَجُوا مِنْهَا يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، فَلِذَلِكَ صَامَ مَنْ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ. وَكَانَ الْمَاءُ نِصْفَيْنِ: نِصْفٌ مِنَ السَّمَاءِ وَنِصْفٌ مِنَ الْأَرْضِ، وَطَافَتِ السَّفِينَةُ بِالْأَرْضِ كُلِّهَا لَا تَسْتَقِرُّ حَتَّى أَتَتِ الْحَرَمَ فَلَمْ تَدْخُلْهُ، وَدَارَتْ بِالْحَرَمِ أُسْبُوعًا، ثُمَّ ذَهَبَتْ فِي الْأَرْضِ تَسِيرُ بِهِمْ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى الْجُودِيِّ، وَهُوَ جَبَلٌ بِقَرْدَى بِأَرْضِ الْمَوْصِلِ، فَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ، فَقِيلَ عِنْدَ ذَلِكَ: {بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود: 44] ، وَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ قِيلَ: {يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ} [هود: 44] ، نَشَّفَتْهُ الْأَرْضُ، وَأَقَامَ نُوحٌ فِي الْفُلْكِ إِلَى أَنْ غَاضَ الْمَاءُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهَا اتَّخَذَ بِنَاحِيَةٍ مِنْ قَرْدَى مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ مَوْضِعًا وَابْتَنَى قَرْيَةً سَمَّوْهَا ثَمَانِينَ؛ وَهِيَ الْآنَ تُسَمَّى بِسُوقِ الثَّمَانِينِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّنْ مَعَهُ بَنَى لِنَفْسِهِ بَيْتًا، وَكَانُوا ثَمَانِينَ رَجُلًا. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّوْرَاةِ: لَمْ يُولَدْ لِنُوحٍ إِلَّا بَعْدَ الطُّوفَانِ.
وَقِيلَ: إِنَّ سَامًا وُلِدَ قَبْلَ الطُّوفَانِ بِثَمَانٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: إِنَّ اسْمَ وَلَدِهِ الَّذِي أُغْرِقَ كَانَ كَنْعَانَ وَهُوَ يَامُ. وَأَمَّا الْمَجُوسُ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الطُّوفَانَ وَيَقُولُونَ لَمْ يَزَلِ الْمُلْكُ فِينَا مِنْ عَهْدِ جُيُومَرْثَ، وَهُوَ آدَمُ، قَالُوا: وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ نَسَبُ الْقَوْمِ قَدِ انْقَطَعَ وَمُلْكُهُمْ قَدِ اضْمَحَلَّ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُقِرُّ بِالطُّوفَانِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ فِي إِقْلِيمِ بَابِلَ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ، وَأَنَّ مَسَاكِنَ وَلَدِ جُيُومَرْثَ كَانَتْ بِالْمَشْرِقِ فَلَمْ يَصِلْ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى أَصْدَقُ فِي أَنَّ ذُرِّيَّةَ نُوحٍ هُمُ الْبَاقُونَ فَلَمْ يُعَقِّبْ أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ غَيْرَ وَلَدِهِ سَامٍ، وَحَامٍ، وَيَافِثَ. وَلَمَّا حَضَرَتْ نُوحًا الْوَفَاةُ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ رَأَيْتَ الدُّنْيَا؟ قَالَ: كَبَيْتٍ لَهُ بَابَانِ دَخَلْتُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَخَرَجْتُ مِنَ الْآخَرِ. وَأَوْصَى إِلَى ابْنِهِ سَامٍ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِهِ.
ذكر بيوراسب وهو الازدهاق الذي يسميه العرب الضحاك
[ذِكْرُ بِيَوْرَاسِبَ وَهُوَ الِازْدِهَاقُ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الضَّحَّاكَ] وَأَهْلُ الْيَمَنِ يَدَّعُونَ أَنَّ الضَّحَّاكَ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ الْفَرَاعِنَةِ، وَكَانَ مَلِكَ مِصْرَ لَمَّا قَدِمَهَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ. وَالْفُرْسُ تَذْكُرُ أَنَّهُ مِنْهُمْ وَتَنْسُبُهُ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ بِيَوْرَاسِبُ بْنُ أَرُونْدَاسِبَ بْنِ رِينْكَارَ بْنِ وُنْدَرِيشْتِكَ بْنِ يَارِينَ بْنِ فَرُوَالَ بْنِ سِيَامِكَ بْنِ مَيْشَى بْنِ جُيُومَرْثَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْسُبُهُ غَيْرَ هَذِهِ النِّسْبَةِ، وَزَعَمَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ مَلَكَ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ، وَأَنَّهُ كَانَ سَاحِرًا فَاجِرًا. قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: مَلَكَ الضَّحَّاكُ بَعْدَ جَمٍّ فِيمَا يَزْعُمُونَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَلْفَ سَنَةٍ، وَنَزَلَ السَّوَادَ فِي قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا بُرْسُ فِي نَاحِيَةِ طَرِيقِ الْكُوفَةِ، وَمَلَكَ الْأَرْضَ كُلَّهَا، وَسَارَ بِالْجَوْرِ وَالْعَسْفِ، وَبَسَطَ يَدَهُ فِي الْقَتْلِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الصَّلْبَ، وَالْقَطْعَ، وَأَوَّلَ مَنْ وَضَعَ الْعُشُورَ، وَضَرَبَ الدَّرَاهِمَ، وَأَوَّلَ مَنْ تَغَنَّى وَغُنِّيَ لَهُ. قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّ الضَّحَّاكَ هُوَ نُمْرُودُ، وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وُلِدَ فِي زَمَانِهِ، وَأَنَّهُ صَاحِبُهُ الَّذِي أَرَادَ إِحْرَاقَهُ.
وَتَزْعُمُ الْفُرْسُ أَنَّ الْمُلْكَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِلْبَطْنِ الَّذِي مِنْهُ أُوشْهَنْجُ، وَجَمٌّ، وَطَهْمُورُثُ، وَأَنَّ الضَّحَّاكَ كَانَ غَاضِبًا، وَأَنَّهُ غَصَبَ أَهْلَ الْأَرْضِ بِسِحْرِهِ، وَخُبْثِهِ، وَهَوَّلَ عَلَيْهِمْ بِالْحَيَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَتَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ: إِنَّ الَّذِي كَانَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ كَانَ لُحْمَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كَرَأْسِ الثُّعْبَانِ، وَكَانَ يَسْتُرُهُمَا بِالثِّيَابِ، وَيَذْكُرُ عَلَى طَرِيقِ التَّهْوِيلِ أَنَّهُمَا حَيَّتَانِ تَقْتَضِيَانِهِ الطَّعَامَ، وَكَانَتَا تَتَحَرَّكَانِ تَحْتَ ثَوْبِهِ إِذَا جَاعَتَا، وَلَقِيَ النَّاسُ مِنْهُ جُهْدًا شَدِيدًا، وَذَبَحَ الصِّبْيَانَ لِأَنَّ اللُّحْمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَتَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ كَانَتَا تَضْطَرِبَانِ فَإِذَا طَلَاهُمَا بِدِمَاغِ إِنْسَانٍ سَكَنَتَا، فَكَانَ يَذْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ رَجُلَيْنِ، فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ كَذَلِكَ حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ هَلَاكَهُ وَثَبَ رَجُلٌ مِنَ الْعَامَّةِ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ يُقَالُ لَهُ كَابِي بِسَبَبِ ابْنَيْنِ لَهُ أَخَذَهُمَا أَصْحَابُ بِيَوْرَاسِبَ بِسَبَبِ اللُّحْمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَأَخَذَ كَابِي عَصًا كَانَتْ بِيَدِهِ فَعَلَّقَ بِطَرَفِهَا جِرَابًا كَانَ مَعَهُ ثُمَّ نَصَبَ ذَلِكَ كَالْعَلَمِ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى مُجَاهَدَةِ بِيَوْرَاسِبَ وَمُحَارَبَتِهِ. فَأَسْرَعَ إِلَى إِجَابَتِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ، وَفُنُونِ الْجَوْرِ. فَلَمَّا غَلَبَ كَابِي تَفَاءَلَ النَّاسُ بِذَلِكَ الْعَلَمِ فَعَظَّمُوهُ، وَزَادُوا فِيهِ حَتَّى صَارَ عِنْدَ مُلُوكِ الْعَجَمِ عَلَمَهُمُ الْأَكْبَرَ الَّذِي يَتَبَرَّكُونَ بِهِ وَسَمَّوْهُ دِرَفْشَ كَابِيَانَ، فَكَانُوا لَا يُسَيِّرُونَهُ إِلَّا فِي الْأُمُورِ الْكِبَارِ الْعِظَامِ، وَلَا يُرْفَعُ إِلَّا لِأَوْلَادِ الْمُلُوكِ إِذَا وُجِّهُوا فِي الْأُمُورِ الْكِبَارِ. وَكَانَ مِنْ خَبَرِ كَابِي أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، فَثَارَ بِمَنِ اتَّبَعَهُ، فَالْتَفَتَ الْخَلَائِقُ إِلَيْهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ الضَّحَّاكُ قَذَفَ فِي قَلْبِ الضَّحَّاكِ مِنْهُ الرُّعْبَ، فَهَرَبَ عَنْ مَنَازِلِهِ وَخَلَّى مَكَانَهُ. فَاجْتَمَعَ الْأَعْجَامُ إِلَى كَابِي، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِلْمُلْكِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُمَلِّكُوا بَعْضَ وَلَدِ جَمٍّ لِأَنَّهُ ابْنُ الْمَلِكِ أُوشْهَنْقَ الْأَكْبَرِ بْنِ فَرُوَالَ الَّذِي رَسَمَ الْمُلْكَ وَسَبَقَ فِي الْقِيَامِ بِهِ. وَكَانَ أَفْرِيدُونُ بْنُ أَثْغِيَانَ مُسْتَخْفِيًا مِنَ الضَّحَّاكِ، فَوَافَى كَابِي وَمَنْ مَعَهُ، فَاسْتَبْشَرُوا بِمُوَافَاتِهِ فَمَلَّكُوهُ، وَصَارَ كَابِي وَالْوُجُوهُ لِأَفْرِيدُونَ أَعْوَانًا عَلَى أَمْرِهِ.
فَلَمَّا مَلَكَ وَأَحْكَمَ مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْمُلْكِ احْتَوَى عَلَى مَنَازِلِ الضَّحَّاكِ وَسَارَ فِي أَسْرِهِ فَأَسَرَهُ بِدُنْبَاوَنْدَ فِي جِبَالِهَا. وَبَعْضُ الْمَجُوسِ تَزْعُمُ أَنَّهُ وَكَّلَ بِهِ قَوْمًا مِنَ الْجِنِّ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَقِيَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، وَحَبَسَهُ سُلَيْمَانُ فِي جَبَلِ دُنْبَاوَنْدَ، وَكَانَ ذَلِكَ الزَّمَانَ بِالشَّامِ، فَمَا بَرِحَ بِيَوْرَاسِبُ بِحَبْسِهِ يَجُرُّهُ حَتَّى حَمَلَهُ إِلَى خُرَاسَانَ. فَلَمَّا عَرَفَ سُلَيْمَانُ ذَلِكَ أَمَرَ الْجِنَّ فَأَوْثَقُوهُ حَتَّى لَا يَزُولَ، وَعَمِلُوا عَلَيْهِ طَلْسَمًا كَرَجُلَيْنِ يَدُقَّانِ بَابَ الْغَارِ الَّذِي حُبِسَ فِيهِ أَبَدًا لِئَلَّا يَخْرُجَ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ لَا يَمُوتُ. وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَكَاذِيبِ الْفُرْسِ الْبَارِدَةِ، وَلَهُمْ فِيهِ أَكَاذِيبُ أَعْجَبُ مِنْ هَذَا تَرَكْنَا ذِكْرَهَا. وَبَعْضُ الْفُرْسِ يَزْعُمُ أَنَّ أَفْرِيدُونَ قَتَلَهُ يَوْمَ النَّيْرُوزِ، فَقَالَ الْعَجَمُ عِنْدَ قَتْلِهِ: إِمْرُوزُ نَوْرُوزُ، أَيِ اسْتَقْبَلْنَا الدَّهْرَ بِيَوْمٍ جَدِيدٍ، فَاتَّخَذُوهُ عِيدًا، وَكَانَ أَسْرُهُ يَوْمَ الْمِهْرَجَانِ، فَقَالَ الْعَجَمُ: آمَدْ مِهْرَجَانُ لِقَتْلِ مَنْ كَانَ يَذْبَحُ. وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا فِي أُمُورِ الضَّحَّاكِ بِشَيْءٍ يُسْتَحْسَنُ غَيْرَ شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ بَلِيَّتَهُ لَمَّا اشْتَدَّتْ وَدَامَ جَوْرُهُ وَتَرَاسَلَ الْوُجُوهُ فِي أَمْرِهِ فَأَجْمَعُوا عَلَى الْمَصِيرِ إِلَى بَابِهِ فَوَافَاهُ الْوُجُوهُ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ كَابِي الْأَصْبَهَانِيُّ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُسَلِّمْ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَيَّ السَّلَامِ أُسَلِّمُ عَلَيْكَ؟ سَلَامُ مَنْ يَمْلِكُ الْأَقَالِيمَ كُلَّهَا أَمْ سَلَامُ مَنْ يَمْلِكُ هَذَا الْإِقْلِيمَ؟ فَقَالَ: بَلْ سَلَامُ مَنْ يَمْلِكُ الْأَقَالِيمَ لِأَنِّي مَلِكُ الْأَرْضِ. فَقَالَ كَابِي: إِذْ كُنْتَ تَمْلِكُ الْأَقَالِيمَ كُلَّهَا فَلِمَ خَصَصَتْنَا بِأَثْقَالِكَ، وَأَسْبَابِكَ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَلِمَ لَا تُقَسِّمُ الْأُمُورَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ وَعَدَّدَ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، فَصَدَّقَهُ، فَعَمِلَ كَلَامُهُ فِي الضَّحَّاكِ، فَأَقَرَّ بِالْإِسَاءَةِ وَتَأَلَّفَ الْقَوْمَ، وَوَعَدَهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ وَأَمَرَهُمْ بِالِانْصِرَافِ لِيَعُودُوا وَيَقْضِيَ حَوَائِجَهُمْ، ثُمَّ يَنْصَرِفُوا إِلَى بِلَادِهِمْ. وَكَانَتْ أُمُّهُ حَاضِرَةً تَسْمَعُ مُعَاتَبَتَهُمْ، وَكَانَتْ شَرًّا مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ الْقَوْمُ دَخَلَتْ مُغْتَاظَةً مِنَ احْتِمَالِهِ وَحِلْمِهِ عَنْهُمْ فَوَبَّخَتْهُ وَقَالَتْ لَهُ: أَلَا أَهْلَكْتَهُمْ، وَقَطَّعْتَ أَيْدِيَهُمْ؟ فَلَمَّا أَكْثَرَتْ
عَلَيْهِ قَالَ لَهَا: يَا هَذِهِ، لَا تُفَكِّرِي فِي شَيْءٍ إِلَّا سَبَقْتُ إِلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ الْقَوْمَ بَدَهُونِي بِالْحَقِّ وَقَرَّعُونِي بِهِ، فَكُلَمَّا هَمَمْتُ بِهِمْ تَخَيَّلَ لِيَ الْحَقُّ بِمَنْزِلَةِ جَبَلٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَمَا أَمْكَنَنِي فِيهِ شَيْءٌ. ثُمَّ جَلَسَ لِأَهْلِ النَّوَاحِي فَوَفَّى لَهُمْ بِمَا وَعَدَهُمْ وَقَضَى أَكْثَرَ حَوَائِجِهِمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ مُلْكُهُ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَ عُمُرُهُ أَلْفَ سَنَةٍ، وَإِنَّهُ كَانَ فِي بَاقِي عُمُرِهِ شَبِيهًا بِالْمَلِكِ لِقُدْرَتِهِ وَنُفُوذِ أَمْرِهِ، وَقِيلَ: كَانَ مُلْكُهُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمِائَةَ سَنَةٍ. وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا خَبَرَ بِيَوْرَاسِبَ هَهُنَا لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ نُوحًا كَانَ فِي زَمَانِهِ، وَإِنَّمَا أُرْسِلَ إِلَيْهِ وَإِلَى أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ. وَقِيلَ إِنَّهُ هُوَ الَّذِي بَنَى مَدِينَةَ بَابِلَ، وَمَدِينَةَ صُوَرَ، وَمَدِينَةَ دِمَشْقَ.
ذكر ذرية نوح عليه السلام
[ذِكْرُ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ] «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} [الصافات: 77] ، إِنَّهُمْ سَامٌ، وَحَامٌ، وَيَافِثُ» وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ سَامَ بْنَ نُوحٍ أَبُو الْعَرَبِ، وَفَارِسَ، وَالرُّومِ، وَإِنَّ حَامًا أَبُو السُّودَانِ، وَإِنَّ يَافِثَ أَبُو التُّرْكِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ. وَقِيلَ إِنَّ الْقِبْطَ مِنْ وَلَدِ قُوطِ بْنِ حَامٍ، وَإِنَّمَا كَانَ السَّوَادُ مِنْ نَسْلِ حَامٍ لِأَنَّ نُوحًا نَامَ فَانْكَشَفَتْ سَوْءَتُهُ فَرَآهَا حَامٌ فَلَمْ يُغَطِّهَا وَرَآهَا سَامٌ وَيَافِثُ فَأَلْقَيَا عَلَيْهَا ثَوْبًا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عَلِمَ مَا صَنَعَ حَامٌ، وَإِخْوَتُهُ فَدَعَا عَلَيْهِمْ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَكَانَتِ امْرَأَةُ سَامِ بْنِ نُوحٍ صُلْبَ ابْنَةَ بَتَاوِيلَ بْنِ مَحْوِيلَ بْنِ حَانُوخَ بْنِ قَيْنَ بْنِ آدَمَ فَوَلَدَتْ لَهُ نَفَرًا: أَرْفَخْشَذَ، وَأَسْوَدَ، وَلَاوُدَ، وَإِرَمَ. قَالَ: وَلَا أَدْرِي أَإِرْمُ لِأُمِّ أَرْفَخْشَذَ وَإِخْوَتِهِ أَمْ لَا؟ فَمِنْ وَلَدِ لَاوُدَ بْنِ سَامِ فَارِسُ، وَجُرْجَانُ، وَطَسْمُ، وَعِمْلِيقُ، وَهُوَ أَبُو الْعَمَالِيقِ، وَمِنْهُمْ كَانَتِ الْجَبَابِرَةُ بِالشَّامِ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمُ الْكَنْعَانِيُّونَ، وَالْفَرَاعِنَةُ بِمِصْرَ، وَكَانَ أَهْلُ الْبَحْرَيْنِ، وَعُمَانُ مِنْهُمْ وَيُسَمَّوْنَ جَاشِمَ. وَكَانَ مِنْهُمْ بَنُو أُمَيْمِ بْنِ لَاوُدَ أَهْلُ وَبَارَ بِأَرْضِ الرَّمْلِ، وَهِيَ بَيْنَ الْيَمَامَةِ وَالشِّحْرِ، وَكَانُوا قَدْ كَثُرُوا فَأَصَابَتْهُمْ نِقْمَةٌ مِنَ اللَّهِ مِنْ مَعْصِيَةٍ أَصَابُوهَا فَهَلَكُوا وَبَقِيَتْ مِنْهُمْ بَقِيَّةٌ، وَهُمُ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمُ النَّسْنَاسُ، وَكَانَ طَسْمُ سَاكِنِي الْيَمَامَةِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، فَكَانَتْ طَسْمُ، وَالْعَمَالِيقُ
وَأُمَيْمٌ، وَجَاشِمٌ قَوْمًا عَرَبًا لِسَانُهُمْ عَرَبِيٌّ، وَلَحِقَتْ عَبِيلُ بِيَثْرِبَ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى. وَلَحِقَتِ الْعَمَالِيقُ بِصَنْعَاءَ قَبْلَ أَنْ تُسَمَّى صَنْعَاءَ. وَانْحَدَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى يَثْرِبَ فَأَخْرَجُوا مِنْهَا عَبِيلًا فَنَزَلُوا مَوْضِعَ الْجُحْفَةِ، فَأَقْبَلَ سَيْلٌ فَاجْتَحَفَهُمْ، أَيْ أَهْلَكَهَمْ، فَسُمِّيَتِ الْجَحْفَةَ. قَالَ: وَوَلَدَ إِرَمُ بْنُ سَامٍ عَوْضًا وَغَاثِرًا وَحَوِيلًا، فَوَلَدَ عَوْضٌ غَاثِرًا، وَعَادًا، وَعَبِيلًا، وَوَلَدَ غَاثِرُ بْنُ إِرَمَ ثَمُودَ وَجَدِيسًا، وَكَانُوا عَرَبًا يَتَكَلَّمُونَ بِهَذَا اللِّسَانِ الْمُضَرِيِّ. وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ لِهَذِهِ الْأُمَمِ وَلِجُرْهُمَ الْعَرَبَ الْعَارِبَةَ. وَيَقُولُونَ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ الْعَرَبَ الْمُعَرَّبَةَ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا تَكَلَّمُوا بِلِسَانِ هَذِهِ الْأُمَمِ حِينَ سَكَنُوا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ. فَكَانَتْ عَادٌ بِهَذَا الرَّمْلِ إِلَى حَضْرَمَوْتَ. وَكَانَتْ ثَمُودُ بِالْحِجْرِ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ إِلَى وَادِي الْقُرَى. وَلَحِقَتْ جَدِيسٌ بِطَسْمَ، وَكَانُوا مَعَهُمْ بِالْيَمَامَةِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، وَاسْمُ الْيَمَامَةِ إِذْ ذَاكَ جَوٌّ. وَسَكَنَتْ جَاشِمٌ عُمَانَ. وَالنَّبَطُ مِنْ وَلَدِ نَبِيطِ بْنِ مَاشِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامٍ. وَالْفُرْسُ بَنُو فَارِسَ بْنِ تِيرَشَ بْنِ مَاسُورَ بْنِ سَامٍ. قَالَ: وَوُلِدَ لِأَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامٍ ابْنُهُ قَيْنَانُ، كَانَ سَاحِرًا، وَوُلِدَ لَقَيْنَانَ شَالَخُ بْنُ أَرْفَخْشَذَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ قَيْنَانَ لِمَا ذُكِرَ مِنْ سِحْرِهِ. وَوُلِدَ لِشَالَخَ غَابِرٌ، وَلِغَابِرٍ فَالَغُ، وَمَعْنَاهُ الْقَاسِمُ، لِأَنَّ الْأَرْضَ قُسِّمَتْ وَالْأَلْسُنَ تَبَلْبَلَتْ فِي أَيَّامِهِ، وَقَحْطَانُ بْنُ غَابِرٍ، فَوُلِدَ لِقَحْطَانَ يَعْرُبُ وَيَقْظَانُ، فَنَزَلَا الْيَمَنَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَكَنَ الْيَمَنَ، وَأَوَّلَ مَنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ بِـ أَبَيْتَ اللَّعْنَ. وَوُلِدَ لِفَالَغِ بْنِ غَابِرٍ أَرْغُو، وَوُلِدَ لِأَرْغُوَ سَارُوغُ، وَوُلِدَ لِسَارُوغُ نَاخُورُ، وَوُلِدَ
لِنَاخُورَ تَارَخُ، وَاسْمُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ آزَرُ. وَوُلِدَ لَآزَرَ إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَوُلِدَ لِأَرْفَخْشَذَ أَيْضًا نُمْرُودُ، وَقِيلَ هُوَ نُمْرُودُ بْنُ كُوشِ بْنِ حَامِ بْنِ نُوحٍ. قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: السِّنْدُ، وَالْهِنْدُ بَنُو تُوقِيرَ بْنِ يَقْطُنَ بْنِ غَابِرِ بْنِ شَالَخَ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَجُرْهُمُ مِنْ وَلَدِ يَقْطُنَ بْنِ غَابِرٍ. وَحَضْرَمَوْتُ بْنُ يَقْطُنَ، وَيَقْطُنُ هُوَ قَحْطَانُ فِي قَوْلِ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى غَيْرِ إِسْمَاعِيلَ. وَالْبَرْبَرُ مِنْ وَلَدِ ثَمِيلَا بْنِ مَارِبَ بْنِ فَارَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْلِيقَ بْنِ لَاوُدَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، مَا خَلَا صَنْهَاجَةَ وَكَتَّامَةَ، فَإِنَّهُمَا بَنُو فُرَيْقِشَ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ سَبَإٍ. وَأَمَّا يَافِثُ فَمِنْ وَلَدِهِ جَامِرٌ، وَمَوْعِعُ، وَمَوْرِكُ، وَبَوَّانُ، وَفَوْبَا، وَمَاشِجُ، وَتِيرَشُ، فَمِنْ وَلَدِ جَامِرٍ مُلُوكُ فَارِسَ فِي قَوْلٍ، وَمِنْ وَلَدِ تِيرَشَ التُّرْكُ، وَالْخَزَرُ، وَمِنْ وَلَدِ مَاشِجَ الْأَشْبَانُ، وَمِنْ وَلَدِ مَوْعِعَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَمِنْ وَلَدِ بَوَّانَ الصَّقَالِبَةُ وَبُرْجَانُ. وَالْأَشْبَانُ كَانُوا فِي الْقَدِيمِ بِأَرْضِ الرُّومِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِهَا مَنْ وَقَعَ مِنْ وَلَدِ الْعِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ. وَقَصَدَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ سَامٌ، وَحَامٌ، وَيَافِثُ أَرْضًا فَسَكَنُوهَا وَدَفَعُوا غَيْرَهُمْ عَنْهَا. وَمِنْ وَلَدِ يَافِثَ الرُّومُ، وَهُمْ بَنُو لَنْطَى بْنِ يُونَانَ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ. وَأَمَّا حَامٌ فَوُلِدَ لَهُ كُوشُ، وَمِصْرَايِمُ، وَقُوطُ، وَكَنْعَانُ، فَمِنْ وَلَدِ كُوشَ نُمْرُودُ بْنُ كُوشَ،
وَقِيلَ: هُوَ مِنْ وَلَدِ سَامٍ، وَصَارَتْ بَقِيَّةُ وَلَدِ حَامٍ بِالسَّوَاحِلِ مِنَ النُّوبَةِ، وَالْحَبَشَةِ، وَالزَّنْجِ، وَيُقَالُ: إِنَّ مِصْرَايِمَ وَلَدَ الْقِبْطَ وَالْبَرْبَرَ. وَأَمَّا قُوطُ فَقِيلَ إِنَّهُ سَارَ إِلَى الْهِنْدِ، وَالسِّنْدِ فَنَزَلَهَا وَأَهْلُهَا مِنْ وَلَدِهِ. وَأَمَّا الْكَنْعَانِيُّونَ فَلَحِقَ بَعْضُهُمْ بِالشَّامِ، ثُمَّ جَاءَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَقَتَلُوهُمْ بِهَا وَنَفَوْهُمْ عَنْهَا وَصَارَ الشَّامُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. ثُمَّ وَثَبَتِ الرُّومُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَجْلَوْهُمْ عَنِ الشَّامِ إِلَى الْعِرَاقِ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ. ثُمَّ جَاءَتِ الْعَرَبُ فَغَلَبُوا عَلَى الشَّامِ. وَكَانَ يُقَالُ لِعَادٍ عَادُ إِرَمَ، فَلَمَّا هَلَكُوا قِيلَ لِثَمُودَ ثَمُودُ إِرَمَ قَالَ: وَزَعَمَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ أَنَّ أَرْفَخْشَذَ وُلِدَ لِسَامٍ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ عُمُرِ سَامٍ مِائَةُ سَنَةٍ وَسَنَتَانِ، وَكَانَ جَمِيعُ عُمُرِ سَامٍ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ. ثُمَّ وُلِدَ لِأَرْفَخْشَذَ قَيْنَانُ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ عُمُرِ أَرْفَخْشَذَ خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُهُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. ثُمَّ وُلِدَ لَقَيْنَانَ شَالَخُ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ عُمُرِهِ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَلَمْ تُذْكَرْ مُدَّةُ عُمُرِ قَيْنَانَ فِي الْكُتُبِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ سِحْرِهِ. ثُمَّ وُلِدَ لِشَالَخَ غَابِرٌ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ عُمُرِهِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُهُ كُلُّهُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. ثُمَّ وُلِدَ لِغَابِرٍ فَالَغُ، وَأَخُوهُ قَحْطَانُ، وَكَانَ مَوْلِدُ فَالَغَ بَعْدَ الطُّوفَانِ بِمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُهُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَأَرْبَعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً. ثُمَّ وُلِدَ لِفَالَغَ أَرْغُو بَعْدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِ فَالَغَ، وَكَانَ عُمُرُهُ مِائَتَيْنِ وَتِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَوُلِدَ لِأَرْغُو سَارُوغُ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ عُمُرِهِ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُهُ مِائَتَيْنِ وَتِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَوُلِدَ لِسَارُوغَ نَاخُورُ بَعْدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِهِ، وَكَانَ عُمُرُهُ كُلُّهُ مِائَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. ثُمَّ وُلِدَ لِنَاخُورَ تَارِخُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ
بَعْدَمَا مَضَى مِنْ عُمُرِهِ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُهُ كُلُّهُ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَوُلِدَ لِتَارِخَ - وَهُوَ آزَرُ - إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَكَانَ بَيْنَ الطُّوفَانِ وَمَوْلِدِ إِبْرَاهِيمَ أَلْفُ سَنَةٍ وَمِائَتَا سَنَةٍ وَثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ بِثَلَاثَةِ آلَافِ سَنَةٍ وَثَلَاثِمَائَةٍ وَسَبْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَوُلِدَ لِقَحْطَانَ بْنِ غَابِرٍ يَعْرُبُ، فَوُلِدَ لِيَعْرُبَ يَشْجُبُ، فَوَلَدَ يَشْجُبُ سَبَأً، فَوَلَدَ سَبَأٌ حِمْيَرَ، وَكَهْلَانَ، وَعَمْرًا، وَالْأَشْعَرَ، وَأَنْمَارَ، وَمُرًّا، فَوَلَدَ عَمْرُو بْنُ سَبإٍ عَدِيًّا، وَوَلَدَ عَدِيٌّ لَخْمًا، وَجُذَامًا.
ذكر ملك أفريدون
[ذِكْرُ مُلْكِ أَفْرِيدُونَ] وَهُوَ أَفْرِيدُونُ بْنُ أَثْغِيَانَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ جَمِّ شِيدَ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَسَّابَةِ الْفُرْسِ أَنَّ نُوحًا هُوَ أَفْرِيدُونُ الَّذِي قَهَرَ الضَّحَّاكَ، وَسَلَبَهُ مُلْكَهُ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَفْرِيدُونَ هُوَ ذُو الْقَرْنَيْنِ صَاحِبُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كَلَامِهِ الْعَزِيزِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّ قِصَّتَهُ فِي أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ شَبِيهَةٌ بِقِصَّةِ نُوحٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي وَلِحُسْنِ سِيرَتِهِ، وَهَلَاكِ الضَّحَّاكِ عَلَى يَدَيْهِ، وَلِأَنَّهُ قِيلَ إِنَّ هَلَاكَ الضَّحَّاكِ كَانَ عَلَى يَدِ نُوحٍ. وَأَمَّا بَاقِي نَسَّابَةِ الْفُرْسِ فَإِنَّهُمْ يَنْسُبُونَ أَفْرِيدُونَ إِلَى جَمِّ شِيدَ الْمَلِكِ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا عَشَرَةُ آبَاءٍ كُلُّهُمْ يُسَمَّى أَثْغِيَانَ خَوْفًا مِنَ الضَّحَّاكِ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَتَمَيَّزُونَ بِأَلْقَابٍ لُقِّبُوهَا، فَكَانَ يُقَالُ لِأَحَدِهِمْ أَثْغِيَانُ صَاحِبُ الْبَقَرِ الْحُمْرِ، وَأَثْغِيَانُ صَاحِبُ الْبَقَرِ الْبُلْقِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، وَكَانَ أَفْرِيدُونُ أَوَّلَ مَنْ ذَلَّلَ الْفِيَلَةَ، وَامْتَطَاهَا، وَنَتَجَ الْبِغَالَ، وَاتَّخَذَ الْإِوَزَّ، وَالْحَمَامَ، وَعَمِلَ التِّرْيَاقَ، وَرَدَّ الْمَظَالِمَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَالْإِنْصَافِ، وَالْإِحْسَانِ، وَرَدَّ عَلَى النَّاسِ مَا كَانَ الضَّحَّاكُ غَصَبَهُ مِنَ الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا، إِلَّا مَا لَمْ يَجِدْ لَهُ صَاحِبًا فَإِنَّهُ وَقَفَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ الصُّوفِيَّ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَظَرَ فِي عِلْمِ الطِّبِّ. وَمَكَانٌ لَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ، اسْمُ الْأَكْبَرِ شَرْمُ، وَالثَّانِي طُوجُ، وَالثَّالِثُ إِيرَجُ، فَخَافَ أَنْ يَخْتَلِفُوا بَعْدَهُ فَقَسَّمَ مُلْكَهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَجَعَلَ ذَلِكَ فِي سِهَامٍ كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ عَلَيْهَا، وَأَمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَأَخَذَ
سَهْمًا، فَصَارَتِ الرُّومُ، وَنَاحِيَةُ الْعَرَبِ لِشَرْمَ، وَصَارَتِ التُّرْكُ، وَالصِّينُ لِطُوجَ، وَصَارَتِ الْعِرَاقُ، وَالسِّنْدُ، وَالْهِنْدُ، وَالْحِجَازُ، وَغَيْرُهَا لِإِيرَجَ، وَهُوَ الثَّالِثُ، وَكَانَ يُحِبُّهُ، وَأَعْطَاهُ التَّاجَ وَالسَّرِيرَ، وَمَاتَ أَفْرِيدُونُ وَنَشِبَتِ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَلَمْ يَزَلِ التَّحَاسُدُ يَنْمُو بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ وَثَبَ طُوجُ، وَشَرْمُ عَلَى أَخِيهِمَا إِيرَجَ، فَقَتَلَاهُ، وَقَتَلَا ابْنَيْنِ كَانَا لِإِيرَجَ، وَمَلَكَا الْأَرْضَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ. وَلَمْ يَزَلْ أَفْرِيدُونُ يَتْبَعُ مَنْ بَقِيَ بِالسَّوَادِ مِنْ آلِ نُمْرُودَ وَالنَّبَطِ وَغَيْرِهِمْ حَتَّى أَتَى عَلَى وُجُوهِهِمْ وَمَحَا أَعْلَامَهُمْ، وَكَانَ مُلْكُهُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ.
ذكر الأحداث التي كانت بين نوح وإبراهيم
[ذِكْرُ الْأَحْدَاثِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ] قَدْ ذَكَرْنَا مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ نُوحٍ، وَأَمْرِ وَلَدِهِ وَاقْتِسَامِهِمُ الْأَرْضَ بَعْدَهُ، وَمَسَاكِنِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، فَكَانَ مِمَّنْ طَغَى وَبَغَى فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، هَذَانِ الْحَيَّانِ مِنْ وَلَدِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، أَحَدُهُمَا عَادٌ، وَالثَّانِي ثَمُودُ. فَأَمَّا عَادٌ فَهُوَ عَادُ بْنُ عُوضِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامٍ بْنِ نُوحٍ، وَهُوَ عَادٌ الْأُولَى، وَكَانَتْ مَسَاكِنُهُمْ مَا بَيْنَ الشِّحْرِ، وَعُمَانَ، وَحَضْرَمَوْتَ بِالْأَحْقَافِ، فَكَانُوا جَبَّارِينَ طِوَالَ الْقَامَةِ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُمْ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً، فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ هُودَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحِ بْنِ الْجُلُودِ بْنِ عَادِ بْنِ عُوضٍ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ هُودٌ وَهُوَ غَابِرُ بْنُ شَالَخَ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَكَانُوا أَهْلَ أَوْثَانٍ ثَلَاثَةٍ، يُقَالُ لِأَحَدِهَا ضُرَا، وَلِلْآخَرِ ضَمُورُ، وَلِلثَّالِثِ الْهَبَا، فَدَعَاهُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَتَرْكِ ظُلْمِ النَّاسِ، فَكَذَّبُوهُ، وَقَالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً! وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهُودٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ. وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: إِنَّ عَادًا أَصَابَهُمْ قَحْطٌ تَتَابَعَ عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ هُودًا، فَلَمَّا أَصَابَهُمْ قَالُوا: جَهِّزُوا مِنْكُمْ وَفْدًا إِلَى مَكَّةَ يَسْتَسْقُونَ لَكُمْ، فَبَعَثُوا
قَيْلَ بْنَ عِيرٍ، وَلُقَيْمَ بْنَ هَزَّالٍ، وَمَرْثَدَ بْنَ سَعْدٍ، وَكَانَ مُسْلِمًا يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ، وَجَلْهَمَةَ بْنَ الْخَيْبَرِيِّ خَالَ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ، وَلُقْمَانَ بْنَ عَادِ بْنِ فُلَانِ بْنِ عَادٍ الْأَكْبَرَ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمُوا مَكَّةَ نَزَلُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ بِظَاهِرِ مَكَّةَ خَارِجًا عَنِ الْحَرَمِ، فَأَكْرَمَهُمْ، وَكَانُوا أَخْوَالَهُ وَصِهْرَهُ لِأَنَّ لُقَيْمَ بْنَ هَزَّالٍ كَانَ تَزَوَّجَ هُزَيْلَةَ بِنْتَ بَكْرٍ أُخْتَ مُعَاوِيَةَ، فَأَوْلَدَهَا أَوْلَادًا كَانُوا عِنْدَ خَالِهِمْ مُعَاوِيَةَ بِمَكَّةَ، وَهُمْ عُبَيْدٌ، وَعَمْرٌو، وَعَامِرٌ، وَعُمَيْرٌ بَنُو لُقَيْمٍ، وَهُوَ عَادٌ الْآخِرَةُ الَّتِي بَقِيَتْ بَعْدَ عَادٍ الْأُولَى، فَلَمَّا نَزَلُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ أَقَامُوا عِنْدَهُ شَهْرًا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَتُغَنِّيهِمُ الْجَرَادَتَانِ - قَيْنَتَانِ لِمُعَاوِيَةَ - فَلَمَّا رَأَى مُعَاوِيَةُ طُولَ مُقَامِهِمْ وَتَرْكَهُمْ مَا أُرْسِلُوا لَهُ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَقَالَ: هَلَكَ أَخْوَالِي، وَاسْتَحْيَا أَنْ يَأْمُرَ الْوَفْدَ بِالْخُرُوجِ إِلَى مَا بُعِثُوا لَهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلْجَرَادَتَيْنِ فَقَالَتَا: قُلْ شِعْرًا نُغَنِّيهِمْ بِهِ لَا يَدْرُونَ مَنْ قَائِلُهُ لَعَلَّهُمْ يَتَحَرَّكُونَ ; فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَلَا يَا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ ... لَعَلَّ اللَّهَ يُصْبِحُنَا غَمَامَا فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إِنَّ عَادًا ... قَدَ امْسَوْا لَا يُبِينُونَ الْكَلَامَا فِي أَبْيَاتٍ ذَكَرَهَا. وَالْهَيْنَمَةُ: الْكَلَامُ الْخَفِيُّ. فَلَمَّا غَنَّتْهُمُ الْجَرَادَتَانِ ذَلِكَ الشِّعْرَ وَسَمِعَهُ الْقَوْمُ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَا قَوْمُ، بَعَثَكُمْ قَوْمُكُمْ يَتَغَوَّثُونَ بِكُمْ مِنَ الْبَلَاءِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ فَأَبْطَأْتُمْ عَلَيْهِمْ فَادْخُلُوا الْحَرَمَ، وَاسْتَسْقُوا لِقَوْمِكُمْ. فَقَالَ مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ: إِنَّهُمْ وَاللَّهِ لَا يُسْقَوْنَ بِدُعَائِهِمْ، وَلَكِنْ أَطِيعُوا نَبِيَّكُمْ، فَأَنْتُمْ تُسْقَوْنَ، وَأَظْهَرَ إِسْلَامَهُ عِنْدَ ذَلِكَ. فَقَالَ جَلْهَمَةُ بْنُ الْخَيْبَرِيِّ خَالُ مُعَاوِيَةَ، لِمُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ: احْبِسْ عَنَّا مَرْثَدَ بْنَ سَعْدٍ. وَخَرَجُوا إِلَى مَكَّةَ يَسْتَسْقُونَ بِهَا لِعَادٍ، فَدَعَوُا اللَّهَ تَعَالَى لِقَوْمِهِمْ، وَاسْتَسْقَوْا، فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَائِبَ ثَلَاثًا بَيْضَاءَ، وَحَمْرَاءَ، وَسَوْدَاءَ، وَنَادَى مُنَادٍ مِنْهَا: يَا قَيْلُ، اخْتَرْ لِنَفْسِكَ وَقَوْمِكَ. فَقَالَ: قَدِ اخْتَرْتُ السَّحَابَةَ السَّوْدَاءَ فَإِنَّهَا أَكْثَرُ مَاءً، فَنَادَاهُ
مُنَادٍ اخْتَرْ رَمَادًا رِمْدَادًا، لَا تُبْقِي مِنْ عَادٍ أَحَدًا، لَا وَلَدًا تَتْرُكُ وَلَا وَالِدًا إِلَّا جَعَلَتْهُ هَمَدًا، إِلَّا بَنِي اللُّوذِيَّةِ الْمُهْدَى. وَبَنُو اللُّوذِيَّةِ: بَنُو لُقَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ، كَانُوا بِمَكَّةَ عِنْدَ خَالِهِمْ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ. وَسَاقَ اللَّهُ السَّحَابَةَ السَّوْدَاءَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْعَذَابِ إِلَى عَادٍ، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ وَادٍ يُقَالُ لَهُ الْمُغِيثُ، فَلَمَّا رَأَوْهَا اسْتَبْشَرُوا بِهَا وَقَالُوا: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [الأحقاف: 24] يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ - تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 24 - 25] أَيْ كُلَّ شَيْءٍ أُمِرَتْ بِهِ. وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ رَأَى مَا فِيهَا وَعَرَفَ أَنَّهَا رِيحٌ مُهْلِكَةٌ امْرَأَةً مِنْ عَادٍ يُقَالُ لَهَا فَهْدَدُ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا فِيهَا صَاحَتْ وَصُعِقَتْ، فَلَمَّا أَفَاقَتْ قَالُوا: مَاذَا رَأَيْتِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ رِيحًا فِيهَا كَشُهُبِ النَّارِ أَمَامَهَا رِجَالٌ يَقُودُونَهَا، فَلَمَّا خَرَجَتِ الرِّيحُ مِنَ الْوَادِي قَالَ سَبْعَةُ رَهْطٍ مِنْهُمْ، أَحَدُهُمُ الْخَلَجَانُ: تَعَالَوْا حَتَّى نَقُومَ عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي فَنَرُدَّهَا. فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَدْخُلُ تَحْتَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ فَتَحْمِلُهُ فَتَدُقُّ عُنُقَهُ، وَبَقِيَ الْخَلَجَانُ فَمَالَ إِلَى الْجَبَلِ وَقَالَ: لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْخَلَجَانُ نَفْسُهُ ... يَا لَكَ مِنْ يَوْمٍ دَهَانِي أَمْسُهُ بِثَابِتِ الْوَطْءِ شَدِيدٍ وَطْسُهُ ... لَوْ لَمْ يَجِئْنِي جِئْتُهُ أَجُسُّهُ فَقَالَ لَهُ هُودٌ: أَسْلِمْ تَسْلَمْ. فَقَالَ: وَمَا لِي؟ قَالَ: الْجَنَّةُ. فَقَالَ: فَمَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي السَّحَابِ كَأَنَّهُمُ الْبُخْتُ؟ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ. قَالَ: أَيُعِيذُنِي رَبُّكَ مِنْهُمْ إِنْ أَسْلَمْتُ؟ قَالَ: هَلْ رَأَيْتَ مَلِكًا يُعِيذُ مَنْ جَنَّدَهُ؟ قَالَ: لَوْ فَعَلَ مَا رَضِيتُ. ثُمَّ جَاءَتِ الرِّيحُ وَأَلْحَقَتْهُ بِأَصْحَابِهِ وَ {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} [الحاقة: 7] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى. وَالْحُسُومُ: الدَّائِمَةُ. فَلَمْ تَدَعْ مِنْ عَادٍ أَحَدًا إِلَّا هَلَكَ، وَاعْتَزَلَ هُودٌ وَالْمُؤْمِنُونَ فِي حَظِيرَةٍ لَمْ يُصِبْهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْهَا إِلَّا تَلْيِينُ الْجُلُودِ، وَإِنَّهَا لَتَمُرُّ
مِنْ عَادٍ بِالظَّعْنِ وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَتَدْمَغُهُمْ بِالْحِجَارَةِ. وَعَادَ وَفْدُ عَادٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ فَنَزَلُوا عَلَيْهِ، فَأَتَاهُمْ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ فَأَخْبَرَهُمْ بِمُصَابِ عَادٍ وَسَلَامَةِ هُودٍ. قَالَ: وَكَانَ قَدْ قِيلَ لِلُقْمَانَ بْنِ عَادٍ: اخْتَرْ لِنَفْسِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى الْخُلُودِ. فَقَالَ: يَا رَبِّ أَعْطِنِي عُمُرًا. فَقِيلَ لَهُ: اخْتَرْ. فَاخْتَارَ عُمُرَ سَبْعَةِ أَنْسُرٍ. فَعُمِّرَ فِيمَا يَزْعُمُونَ عُمُرَ سَبْعَةِ أَنْسُرٍ، فَكَانَ يَأْخُذُ الْفَرْخَ الذَّكَرَ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْضَتِهِ حَتَّى إِذَا مَاتَ أَخَذَ غَيْرَهُ، وَكَانَ يَعِيشُ كُلُّ نَسْرٍ ثَمَانِينَ سَنَةً، فَلَمَّا مَاتَ السَّابِعُ مَاتَ لُقْمَانُ مَعَهُ، وَكَانَ السَّابِعُ يُسَمَّى لُبَدًا. قَالَ: وَكَانَ عُمُرُ هُودٍ مِائَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَقَبْرُهُ بِحَضْرَمَوْتَ، وَقِيلَ بِالْحِجْرِ مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَرْسَلَ اللَّهُ طَيْرًا سُودًا فَنَقَلَتْهُمْ إِلَى الْبَحْرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} [الأحقاف: 25] . وَلَمْ تَخْرُجْ رِيحٌ قَطُّ إِلَّا بِمِكْيَالٍ إِلَّا يَوْمَئِذٍ فَإِنَّهَا عَتَتْ عَلَى الْخَزَنَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ {فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة: 6] . وَكَانَتِ الرِّيحُ تَقْلَعُ الشَّجَرَةَ الْعَظِيمَةَ بِعُرُوقِهَا وَتَهْدِمُ الْبَيْتَ عَلَى مَنْ فِيهِ. وَأَمَّا ثَمُودُ فَهُمْ وَلَدُ ثَمُودَ بْنِ جَاثِرِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامٍ، وَكَانَتْ مَسَاكِنُ ثَمُودَ بِالْحِجْرِ بَيْنَ الْحِجَازِ، وَالشَّامِ، وَكَانُوا بَعْدَ عَادٍ قَدْ كَثُرُوا، وَكَفَرُوا، وَعَتَوْا، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ صَالِحَ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ أَسِفِ بْنِ مَاشِجَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ جَادِرِ بْنِ ثَمُودَ، وَقِيلَ: أَسِفِ بْنِ كَمَاشِجَ بْنِ إِرَمَ بْنِ ثَمُودَ - يَدْعُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ فَقَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا الْآيَةَ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ أَطَالَ أَعْمَارَهُمْ حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ يَبْنِي الْبَيْتَ مِنَ الْمَدَرِ فَيَنْهَدِمُ وَهُوَ حَيٌّ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ اتَّخَذُوا مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ فَنَحَتُوهَا، وَكَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ مَعَايِشِهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ صَالِحٌ يَدْعُوهُمْ فَلَمْ يَتْبَعْهُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ، فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِمْ بِالدُّعَاءِ، وَالتَّحْذِيرِ، وَالتَّخْوِيفِ سَأَلُوهُ، فَقَالُوا: يَا صَالِحُ، اخْرُجْ
مَعَنَا إِلَى عِيدِنَا، وَكَانَ لَهُمْ عِيدٌ يَخْرُجُونَ إِلَيْهِ بِأَصْنَامِهِمْ، فَأَرِنَا آيَةً فَتَدْعُو إِلَهَكَ وَنَدْعُو آلِهَتَنَا، فَإِنِ اسْتُجِيبَ لَكَ اتَّبَعْنَاكَ وَإِنِ اسْتُجِيبَ لَنَا اتَّبَعْتَنَا. فَقَالَ: نَعَمْ، فَخَرَجُوا بِأَصْنَامِهِمْ، وَصَالِحٌ مَعَهُمْ، فَدَعَوْا أَصْنَامَهُمْ أَنْ لَا يُسْتَجَابَ لِصَالِحٍ مَا يَدْعُو بِهِ، وَقَالَ لَهُ سَيِّدُ قَوْمِهِ: يَا صَالِحُ، أَخْرِجْ لَنَا مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ لِصَخْرَةٍ مُنْفَرِدَةٍ نَاقَةً جَوْفَاءَ عُشَرَاءَ، فَإِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ صَدَّقْنَاكَ. فَأَخَذَ عَلَيْهِمْ مَوَاثِيقَ بِذَلِكَ، وَأَتَى الصَّخْرَةَ، وَصَلَّى، وَدَعَا رَبَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فَإِذَا هِيَ تَتَمَخَّضُ كَمَا تَتَمَخَّضُ الْحَامِلُ، ثُمَّ انْفَجَرَتْ وَخَرَجَتْ مِنْ وَسَطِهَا النَّاقَةُ كَمَا طَلَبُوا وَهُمْ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ نَتَجَتْ سَقْبًا مِثْلَهَا فِي الْعِظَمِ، فَآمَنَ بِهِ سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَاسْمُهُ جُنْدَعُ بْنُ عَمْرٍو، وَرَهْطٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَلَمَّا خَرَجَتِ النَّاقَةُ قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: {هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء: 155] ، وَمَتَى عَقَرْتُمُوهَا أَهْلَكَكُمُ اللَّهُ. فَكَانَ شِرْبُهَا يَوْمًا وَشِرْبُهُمْ يَوْمًا مَعْلُومًا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ شِرْبِهَا خَلَّوْا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَاءِ وَحَلَبُوهَا لَبَنَهَا، وَمَلَأُوا كُلَّ وِعَاءٍ، وَإِنَاءٍ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ شِرْبِهِمْ صَرَفُوهَا عَنِ الْمَاءِ فَلَمْ تَشْرَبْ مِنْهُ شَيْئًا وَتَزَوَّدُوا مِنَ الْمَاءِ لِلْغَدِ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى صَالِحٍ أَنَّ قَوْمَكَ سَيَعْقِرُونَ النَّاقَةَ، فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: مَا كُنَّا لِنَفْعَلَ. قَالَ: إِلَّا تَعْقِرُوهَا أَنْتُمْ يُوشِكُ أَنْ يُولَدَ فِيكُمْ مَوْلُودٌ يَعْقِرُهَا. قَالُوا: وَمَا عَلَامَتُهُ؟ فَوَاللَّهِ لَا نَجِدُهُ إِلَّا قَتَلْنَاهُ! قَالَ: فَإِنَّهُ غُلَامٌ أَشْقَرُ، أَزْرَقُ، أَصْهَبُ، أَحْمَرُ. قَالَ: فَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ شَيْخَانِ عَزِيزَانِ مَنِيعَانِ لِأَحَدِهِمَا ابْنٌ رَغِبَ لَهُ عَنِ الْمَنَاكِحِ، وَلِلْآخَرِ ابْنَةٌ لَا يَجِدُ لَهَا كُفُؤًا فَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا ابْنَهُ بِابْنَةِ الْآخَرِ فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا الْمَوْلُودُ، فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ إِنَّمَا يَعْقِرُهَا مَوْلُودٌ فِيكُمُ اخْتَارُوا قَوَابِلَ مِنَ الْقَرْيَةِ وَجَعَلُوا مَعَهُنَّ شُرَطًا يَطُوفُونَ الْقَرْيَةَ فَإِذَا وَجَدُوا امْرَأَةً تَلِدُ نَظَرُوا وَلَدَهَا مَا هُوَ، فَلَمَّا وَجَدُوا ذَلِكَ الْمَوْلُودَ صَرَخَ النِّسْوَةُ، وَقُلْنَ: هَذَا الَّذِي يُرِيدُ نَبِيُّ اللَّهِ صَالِحٌ، فَأَرَادَ الشُّرَطُ أَنْ يَأْخُذُوهُ فَحَالَ جِدَّاهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَقَالَا: لَوْ أَرَادَ صَالِحٌ هَذَا لَقَتَلْنَاهُ. فَكَانَ شَرَّ مَوْلُودٍ وَكَانَ يَشِبُّ فِي الْيَوْمِ شَبَابَ غَيْرِهِ فِي الْجُمُعَةِ، فَاجْتَمَعَ تِسْعَةُ رَهْطٍ مِنْهُمْ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ، كَانُوا قَتَلُوا أَبْنَاءَهُمْ حِينَ وُلِدُوا خَوْفًا أَنْ يَكُونَ عَاقِرَ النَّاقَةِ مِنْهُمْ، ثُمَّ نَدِمُوا فَأَقْسَمُوا لَيَقْتُلُنَّ صَالِحًا، وَأَهْلَهُ، وَقَالُوا: نَخْرُجُ فَتَرَى النَّاسُ أَنَّنَا نُرِيدُ السَّفَرَ فَنَأْتِي الْغَارَ الَّذِي عَلَى طَرِيقِ صَالِحٍ فَنَكُونُ فِيهِ، فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ وَخَرَجَ صَالِحٌ إِلَى مَسْجِدِهِ قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى الْغَارِ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا إِلَى رِحَالِنَا، وَقُلْنَا مَا شَهِدْنَا قَتْلَهُ فَيُصَدِّقُنَا قَوْمُهُ. وَكَانَ صَالِحٌ لَا يَبِيتُ مَعَهُمْ، كَانَ يَخْرُجُ إِلَى مَسْجِدٍ لَهُ
يُعْرَفُ بِمَسْجِدِ صَالِحٍ فَيَبِيتُ فِيهِ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْغَارَ سَقَطَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ فَقَتَلَتْهُمْ، فَانْطَلَقَ رِجَالٌ مِمَّنْ عَرَفَ الْحَالَ إِلَى الْغَارِ فَرَأَوْهُمْ هَلْكَى، فَعَادُوا يَصِيحُونَ: إِنَّ صَالِحًا أَمَرَهُمْ بِقَتْلِ أَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ قَتَلَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَ تَقَاسُمُ التِّسْعَةِ عَلَى قَتْلِ صَالِحٍ بَعْدَ عَقْرِ النَّاقَةِ وَإِنْذَارِ صَالِحٍ إِيَّاهُمْ بِالْعَذَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ التِّسْعَةَ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ قَالُوا: تَعَالَوْا فَلْنَقْتُلْ صَالِحًا فَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَجَّلْنَا قَتْلَهُ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا أَلْحَقْنَاهُ بِالنَّاقَةِ، فَأَتَوْهُ لَيْلًا فِي أَهْلِهِ فَدَمَغَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِالْحِجَارَةِ فَهَلَكُوا، فَأَتَى أَصْحَابُهُمْ فَرَأَوْهُمْ هَلْكَى فَقَالُوا لِصَالِحٍ: أَنْتَ قَتَلْتَهُمْ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَمَنَعَهُمْ عَشِيرَتُهُ وَقَالُوا: إِنَّهُ قَدْ أَنْذَرَكُمُ الْعَذَابَ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا تَزِيدُوا رَبَّكُمْ غَضَبًا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَنَحْنُ نُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ، فَعَادُوا عَنْهُ، فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَكُونُ التِّسْعَةُ الَّذِينَ تَقَاسَمُوا غَيْرَ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ، وَالثَّانِي أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا سَبَبُ قَتْلِ النَّاقَةِ فَقِيلَ: إِنَّ قُدَارَ بْنَ سَالِفٍ جَلَسَ مَعَ نَفَرٍ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مَاءٍ يَمْزُجُونَ بِهِ خَمْرَهُمْ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمُ شِرْبِ النَّاقَةِ، فَحَرَّضَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى قَتْلِهَا. وَقِيلَ: إِنَّ ثَمُودًا كَانَ فِيهِمُ امْرَأَتَانِ يُقَالُ لِإِحْدَاهُمَا قَطَامُ، وَلِلْأُخْرَى قُبَالُ، وَكَانَ قِدَارُ يَهْوَى قَطَامَ، وَمُصَدَّعُ يَهْوَى قُبَالَ، وَيَجْتَمِعَانِ بِهِمَا، فَفِي بَعْضِ اللَّيَالِي قَالَتَا لِقُدَارَ وَمُصَدَّعَ: لَا سَبِيلَ لَكُمَا إِلَيْنَا حَتَّى تَقْتُلَا النَّاقَةَ، فَقَالَا: نَعَمْ، وَخَرَجَا وَجَمَعَا أَصْحَابَهُمَا وَقَصَدَا النَّاقَةَ وَهِيَ عَلَى حَوْضِهَا، فَقَالَ الشَّقِيُّ لِأَحَدِهِمْ: اذْهَبْ فَاعْقِرْهَا، فَأَتَاهَا، فَتَعَاظَمَهُ ذَلِكَ، فَأَضْرَبَ عَنْهُ، وَبَعَثَ آخَرُ فَأَعْظَمَ ذَلِكَ وَجَعَلَ لَا يَبْعَثُ أَحَدًا إِلَّا تَعَاظَمَهُ قَتْلُهَا حَتَّى مَشَى هُوَ إِلَيْهَا فَتَطَاوَلَ فَضَرَبَ عُرْقُوبَهَا، فَوَقَعَتْ تَرْكُضُ، وَكَانَ قَتْلُهَا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَاسْمُهُ بِلُغَتِهِمْ جَبَّارُ، وَكَانَ هَلَاكُهُمْ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَهُوَ عِنْدُهُمْ أَوَّلُ، فَلَمَّا قُتِلَتْ أَتَى رَجُلٌ مِنْهُمْ صَالِحًا فَقَالَ: أَدْرِكِ النَّاقَةَ فَقَدْ عَقَرُوهَا، فَأَقْبَلَ وَخَرَجُوا يَتَلَقَّوْنَهُ، وَيَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّمَا عَقَرَهَا فُلَانٌ، إِنَّهُ لَا ذَنْبَ لَنَا! قَالَ: انْظُرُوا هَلْ تُدْرِكُونَ فَصِيلَهَا؟ فَإِنْ أَدْرَكْتُمُوهُ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ عَنْكُمُ الْعَذَابَ. فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَهُ، وَلَمَّا رَأَى الْفَصِيلُ أُمَّهُ تَضْطَرِبُ قَصَدَ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ الْقَارَّةُ قَصِيرًا فَصَعِدَهُ، وَذَهَبُوا يَطْلُبُونَهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْجَبَلِ فَطَالَ فِي
السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَنَالُهُ الطَّيْرُ، وَدَخَلَ صَالِحٌ الْقَرْيَةَ، فَلَمَّا رَآهُ الْفَصِيلُ بَكَى حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُهُ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ صَالِحًا فَرَغَا ثَلَاثًا، فَقَالَ صَالِحٌ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أَجَلُ يَوْمٍ {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: 65] ، وَآيَةُ الْعَذَابِ أَنَّ وُجُوهَكُمْ تُصْبِحُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مُصْفَرَّةً، وَتُصْبِحُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مُحَمَّرَةً، وَتُصْبِحُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مُسْوَدَّةً. فَلَمَّا أَصْبَحُوا إِذَا وُجُوهُهُمْ كَأَنَّمَا طُلِيَتْ بِالْخَلُوقِ صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ، ذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي إِذَا وُجُوهُهُمْ مُحَمَّرَةٌ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ إِذَا وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ كَأَنَّمَا طُلِيَتْ بِالْقَارِ، فَتَكَفَّنُوا وَتَحَنَّطُوا، وَكَانَ حَنُوطُهُمُ الصَّبْرَ، وَالْمُرَّ، وَكَانَتْ أَكْفَانُهُمُ الْأَنْطَاعَ، ثُمَّ أَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ إِلَى الْأَرْضِ فَجَعَلُوا يُقَلِّبُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَدْرُونَ مِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ أَتَتْهُمْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيهَا صَوْتٌ كَالصَّاعِقَةِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 67] وَأَهْلَكَ اللَّهُ مَنْ كَانَ بَيْنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلًا كَانَ فِي الْحَرَمِ فَمَنَعَهُ الْحَرَمُ. قِيلَ: وَمَنْ هُوَ؟ قِيلَ: هُوَ أَبُو رِغَالٍ، وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ فِي قَوْلٍ. وَلَمَّا سَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى تَبُوكَ أَتَى عَلَى قَرْيَةِ ثَمُودَ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «لَا يَدْخُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْقَرْيَةَ وَلَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا، وَأَرَاهُمْ مُرْتَقَى الْفَصِيلِ فِي الْجَبَلِ، وَأَرَاهُمُ الْفَجَّ الَّذِي كَانَتِ النَّاقَةُ تَرِدُ مِنْهُ الْمَاءَ» . وَأَمَّا صَالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى الشَّامِ، فَنَزَلَ فِلَسْطِينَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا يَعْبُدُ اللَّهَ حَتَّى مَاتَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ أَقَامَ فِي قَوْمِهِ يَدْعُوهُمْ عِشْرِينَ سَنَةً. وَأَمَّا أَهْلُ التَّوْرَاةِ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا ذِكْرَ لِعَادٍ، وَهُودٍ، وَثَمُودَ، وَصَالِحٍ فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ: وَأَمْرُهُمْ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ كَشُهْرَةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. قُلْتُ: وَلَيْسَ إِنْكَارُهُمْ ذَلِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْكَارِهِمْ نُبُوَّةَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَرِسَالَتَهُ، وَكَذَلِكَ إِنْكَارِهِمْ حَالَ الْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
ذكر إبراهيم الخليل عليه السلام ومن كان في عصره من ملوك العجم
[ذِكْرُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَنْ كَانَ فِي عَصْرِهِ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَمِ] وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ تَارِخَ بْنِ نَاخُورَ بْنِ سَارُوغَ بْنِ أَرْغُو بْنِ فَالَغَ بْنِ غَابِرِ بْنِ شَالَخَ بْنِ قَيْنَانَ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَاخْتُلِفَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَالْمَوْضِعِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ، فَقِيلَ: وُلِدَ بِالسُّوسِ مِنْ أَرْضِ الْأَهْوَازِ، وَقِيلَ: وُلِدَ بِبَابِلَ، وَقِيلَ: بِكُوثَى، وَقِيلَ: بَحَرَّانَ، وَلَكِنَّ أَبَاهُ نَقَلَهُ. قَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ: كَانَ مَوْلِدُهُ فِي عَهْدِ نُمْرُودَ بْنِ كُوشَ. وَيَقُولُ عَامَّةُ أَهْلِ الْأَخْبَارِ: إِنَّ نُمْرُودَ كَانَ عَامِلًا لِلِازْدِهَاقَ الَّذِي زَعَمَ بَعْضُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ نُوحًا أُرْسِلَ إِلَيْهِ. وَأَمَّا جَمَاعَةُ مَنْ سَلَفَ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: كَانَ مَلِكًا بِرَأْسِهِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ مُلْكُهُ قَدْ أَحَاطَ بِمَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَكَانَ بِبَابِلَ، قَالَ: وَيُقَالُ: لَمْ يَجْتَمِعْ مُلْكُ الْأَرْضِ إِلَّا لِثَلَاثَةِ مُلُوكٍ: نُمْرُودَ، وَذِي الْقَرْنَيْنِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، وَأَضَافَ غَيْرُهُ إِلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ، وَسَنَذْكُرُ بُطْلَانَ هَذَا الْقَوْلِ. فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ إِبْرَاهِيمَ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ وَرَسُولًا إِلَى عِبَادِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُوحٍ نَبِيٌّ إِلَّا هُودٌ، وَصَالِحٌ، فَلَمَّا تَقَارَبَ زَمَانُ إِبْرَاهِيمَ أَتَى أَصْحَابُ النُّجُومِ نُمْرُودَ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا نَجِدُ غُلَامًا يُولَدُ فِي قَرْيَتِكَ هَذِهِ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ يُفَارِقُ دِينَكُمْ وَيَكْسِرُ
أَصْنَامَكُمْ فِي شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا. فَلَمَّا دَخَلَتِ السَّنَةُ الَّتِي ذَكَرُوا حَبَسَ نُمْرُودُ الْحَبَالَى عِنْدَهُ إِلَّا أُمَّ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِحَبَلِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهَا أَثَرُهُ، فَذَبَحَ كُلَّ غُلَامٍ وُلِدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. فَلَمَّا وَجَدَتْ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ الطَّلْقَ خَرَجَتْ لَيْلًا إِلَى مَغَارَةٍ كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْهَا فَوَلَدَتْ إِبْرَاهِيمَ، وَأَصْلَحَتْ مِنْ شَأْنِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَوْلُودِ، ثُمَّ سَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَغَارَةَ، ثُمَّ سَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا رَاجِعَةً، ثُمَّ كَانَتْ تُطَالِعُهُ لِتَنْظُرَ مَا فَعَلَ، فَكَانَ يَشِبُّ فِي الْيَوْمِ مَا يَشِبُّ غَيْرُهُ فِي الشَّهْرِ، وَكَانَتْ تَجِدُهُ حَيًّا يَمُصُّ إِبْهَامَهُ جَعَلَ اللَّهُ رِزْقَهُ فِيهَا. وَكَانَ آزَرُ سَأَلَ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حَمْلِهَا فَقَالَتْ: وَلَدْتُ غُلَامًا فَمَاتَ، فَصَدَّقَهَا، وَقِيلَ: بَلْ عَلِمَ آزَرُ بِوِلَادَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَتَمَهُ حَتَّى نَسِيَ الْمَلِكُ ذِكْرَ ذَلِكَ، فَقَالَ آزَرُ: إِنَّ لِيَ ابْنًا قَدْ خَبَّأْتُهُ أَفَتَخَافُونَ عَلَيْهِ الْمَلِكَ إِنْ أَنَا جِئْتُ بِهِ؟ فَقَالُوا: لَا. فَانْطَلَقَ فَأَخْرَجَهُ مِنَ السَّرَبِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الدَّوَابِّ، وَإِلَى الْخَلْقِ، وَلَمْ يَكُنْ رَأَى قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، جَعَلَ يَسْأَلُ أَبَاهُ عَمَّا يَرَاهُ، فَيَقُولُ أَبُوهُ: هَذَا بَعِيرٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. فَقَالَ: مَا لِهَؤُلَاءِ الْخَلْقِ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ رَبٌّ! وَكَانَ خُرُوجُهُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ بِالْكَوْكَبِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي، فَقَالَ: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76] . فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ غَابَ، فَقَالَ: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76] . وَكَانَ خُرُوجُهُ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَلِهَذَا رَأَى الْكَوْكَبَ قَبْلَ الْقَمَرِ. وَقِيلَ: كَانَ تَفَكَّرَ وَعُمُرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا، قَالَ لِأُمِّهِ وَهُوَ فِي الْمَغَارَةِ أَخْرِجِينِي أَنْظُرْ، فَأَخْرَجَتْهُ عِشَاءً فَنَظَرَ فَرَأَى الْكَوْكَبَ وَتَفَكَّرَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَالَ فِي الْكَوْكَبِ مَا تَقَدَّمَ، {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} [الأنعام: 77] . فَلَمَّا جَاءَ النَّهَارُ وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ رَأَى نُورًا أَعْظَمَ مِنْ كُلِّ مَا رَأَى فَقَالَ: {هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 78] . ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَبِيهِ وَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ وَبَرِئَ مِنْ دِينِ قَوْمِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُنَادِهِمْ بِذَلِكَ، فَأَخْبَرَتْهُ أُمُّهُ بِمَا كَانَتْ صَنَعَتْ مِنْ كِتْمَانِ حَالِهِ، فَسَّرَهُ ذَلِكَ. وَكَانَ آزَرُ يَصْنَعُ الْأَصْنَامَ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا وَيُعْطِيهَا إِبْرَاهِيمَ لِيَبِيعَهَا، فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ: مَنْ يَشْتَرِي مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ؟ فَلَا يَشْتَرِيهَا مِنْهُ أَحَدٌ، وَكَانَ يَأْخُذُهَا، وَيَنْطَلِقُ بِهَا إِلَى
نَهْرٍ فَيُصَوِّبُ رُءُوسَهَا فِيهِ وَيَقُولُ: اشْرَبِي! اسْتِهْزَاءً بِقَوْمِهِ. حَتَّى فَشَا ذَلِكَ عَنْهُ فِي قَوْمِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ خَبَرُهُ نُمْرُودَ. فَلَمَّا بَدَا لِإِبْرَاهِيمَ أَنْ يَدْعُوَ قَوْمَهُ إِلَى تَرْكِ مَا هُمْ عَلَيْهِ وَيَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى دَعَا أَبَاهُ إِلَى التَّوْحِيدِ فَلَمْ يُجِبْهُ، وَدَعَا قَوْمَهُ، فَقَالُوا: مَنْ تَعْبُدُ أَنْتَ؟ قَالَ: رَبَّ الْعَالَمِينَ. قَالُوا: نُمْرُودُ؟ قَالَ: بَلْ أَعْبُدُ الَّذِي خَلَقَنِي. فَظَهَرَ أَمْرُهُ. وَبَلَغَ نُمْرُودَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَرَادَ أَنْ يُرِيَ قَوْمَهُ ضَعْفَ الْأَصْنَامِ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا لِيُلْزِمَهُمُ الْحُجَّةَ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّعُ فُرْصَةً يَنْتَهِي بِهَا لِيَفْعَلَ بِأَصْنَامِهِمْ ذَلِكَ، فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ: إِنِّي سَقِيمٌ، أَيْ طَعِينٌ، لِيَهْرُبُوا مِنْهُ إِذَا سَمِعُوا بِهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ إِبْرَاهِيمُ لِيَخْرُجُوا عَنْهُ لِيَبْلُغَ مِنْ أَصْنَامِهِمْ. وَكَانَ لَهُمْ عِيدٌ يَخْرُجُونَ إِلَيْهِ جَمِيعُهُمْ. فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمْ إِلَى الْعِيدِ، وَخَالَفَ إِلَى أَصْنَامِهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} [الأنبياء: 57] فَسَمِعَهُ ضَعْفَى النَّاسِ وَمَنْ هُوَ فِي آخِرِهِمْ، وَرَجَعَ إِلَى الْأَصْنَامِ وَهِيَ فِي بَهْوٍ عَظِيمٍ بَعْضُهَا إِلَى جَنْبِ بَعْضٍ لِكُلِّ صَنَمٍ يَلِيهِ أَصْغَرُ مِنْهُ حَتَّى بَلَغُوا بَابَ الْبَهْوِ وَإِذَا هُمْ قَدْ جَعَلُوا طَعَامًا بَيْنَ يَدَيْ آلِهَتِهِمْ، وَقَالُوا: نَتْرُكُ الْآلِهَةَ إِلَى حِينِ نَرْجِعُ فَتَأْكُلُهُ. فَلَمَّا نَظَرَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنَ الطَّعَامِ قَالَ: أَلَا تَأْكُلُونَ فَلَمَّا لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ قَالَ: {مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ - فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} [الصافات: 92 - 93] ، فَكَسَرَهَا بِفَأْسٍ فِي يَدِهِ حَتَّى إِذَا بَقِيَ أَعْظَمُ صَنَمٍ مِنْهَا رَبَطَ الْفَأْسَ بِيَدِهِ ثُمَّ تَرَكَهُنَّ. فَلَمَّا رَجَعَ قَوْمُهُ، وَرَأَوْا مَا فُعِلَ بِأَصْنَامِهِمْ رَاعَهُمْ ذَلِكَ، وَأَعْظَمُوهُ، وَقَالُوا: {مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ - قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 59 - 60] يَعْنُونَ يَسُبُّهَا وَيَعِيبُهَا، وَلَمْ نَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ الَّذِي نَظُنُّهُ صَنَعَ بِهَا هَذَا. وَبَلَغَ ذَلِكَ نُمْرُودَ وَأَشْرَفَ قَوْمُهُ، فَقَالُوا: {فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء: 61] مَا نَفْعَلُ بِهِ، وَقِيلَ: يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ، كَرِهُوا أَنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ، وَاجْتَمَعَ لَهُ قَوْمُهُ عِنْدَ مَلِكِهِمْ نُمْرُودَ، وَقَالُوا: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ - قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 62 - 63] ، غَضِبَ مِنْ أَنْ يَعْبُدُوا هَذِهِ الصِّغَارَ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا فَكَسَرَهَا،
فَارْعَوَوْا وَرَجَعُوا عَنْهُ فِيمَا ادَّعَوْا عَلَيْهِ مِنْ كَسْرِهَا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَقَالُوا: لَقَدْ ظَلَمْنَاهُ وَمَا نَرَاهُ إِلَّا كَمَا قَالَ. ثُمَّ قَالُوا، وَعَرَفُوا أَنَّهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَبْطِشُ: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 65] ، أَيْ لَا يَتَكَلَّمُونَ، فَتُخْبِرُنَا مَنْ صَنَعَ هَذَا بِهَا وَمَا تَبْطِشُ بِالْأَيْدِي فَنُصَدِّقُكَ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ} [الأنبياء: 65] فِي الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ عِنْدَ قَوْلِهِمْ " مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ ": {أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 66] ثُمَّ إِنَّ نُمْرُودَ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: أَرَأَيْتَ إِلَهَكَ الَّذِي تَعْبُدُ وَتَدْعُو إِلَى عِبَادَتِهِ مَا هُوَ؟ قَالَ: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] . قَالَ نُمْرُودُ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: آخُذُ رَجُلَيْنِ قَدِ اسْتَوْجَبَا الْقَتْلَ فَأَقْتُلُ أَحَدَهُمَا فَأَكُونُ قَدْ أَمَتُّهُ، وَأَعْفُو عَنِ الْآخَرِ فَأَكُونُ قَدْ أَحْيَيْتُهُ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ} [البقرة: 258] عِنْدَ ذَلِكَ نُمْرُودُ وَلَمْ يُرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا. ثُمَّ إِنَّهُ وَأَصْحَابَهُ أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالُوا: {حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ} [الأنبياء: 68] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَشَارَ بِتَحْرِيقِهِ رَجُلٌ مِنْ أَعْرَابِ فَارِسَ، قِيلَ لَهُ: وَلِلْفُرْسِ أَعْرَابٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْأَكْرَادُ هُمْ أَعْرَابُهُمْ. قِيلَ: كَانَ اسْمُهُ هِيزَنَ فَخُسِفَ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَأَمَرَ نُمْرُودُ بِجَمْعِ الْحَطَبِ مِنْ أَصْنَافِ الْخَشَبِ حَتَّى إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لَتَنْذُرُ بِـ: إِنْ بَلَغَتْ مَا تَطْلُبُ لَتَحْتَطِبَ لِنَارِ إِبْرَاهِيمَ، حَتَّى إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوهُ فِيهَا قَدَّمُوهُ، وَأَشْعَلُوا النَّارَ حَتَّى إِنْ كَانَتِ الطَّيْرُ لَتَمُرُّ بِهَا فَتَحْتَرِقُ مِنْ شِدَّتِهَا وَحَرِّهَا، فَلَمَّا أَجْمَعُوا لِقَذْفِهِ فِيهَا صَاحَتِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنَ الْخَلْقِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ إِلَى اللَّهِ صَيْحَةً وَاحِدَةً: أَيْ رَبَّنَا! إِبْرَاهِيمُ، لَيْسَ فِي أَرْضِكَ مَنْ يَعْبُدُكَ غَيْرُهُ يُحْرَقُ بِالنَّارِ فِيكَ فَأْذَنْ لَنَا فِي نَصْرِهِ! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِ اسْتَغَاثَ بِشَيْءٍ مِنْكُمْ فَلْيَنْصُرْهُ وَإِنْ لَمْ يَدْعُ غَيْرِي فَأَنَا لَهُ. فَلَمَّا رَفَعُوهُ عَلَى
رَأْسِ الْبُنْيَانِ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْوَاحِدُ فِي السَّمَاءِ وَأَنْتَ الْوَاحِدُ فِي الْأَرْضِ، حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَعَرَضَ لَهُ جَبْرَائِيلُ وَهُوَ يُوثَقُ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ يَا إِبْرَاهِيمُ؟ قَالَ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا. فَقَذَفُوهُ فِي النَّارِ فَنَادَاهَا، فَقَالَ: {يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] . وَقِيلَ: نَادَاهَا جَبْرَائِيلُ، فَلَوْ لَمْ يَتْبَعْ بَرْدَهَا سَلَامٌ لَمَاتَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِهَا، فَلَمْ يَبْقَ يَوْمَئِذٍ نَارٌ إِلَّا طُفِئَتْ ظَنَّتْ أَنَّهَا هِيَ. وَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكَ الظِّلِّ فِي صُورَةِ إِبْرَاهِيمَ فَقَعَدَ فِيهَا إِلَى جَنْبِهِ يُؤْنِسُهُ. فَمَكَثَ نُمْرُودُ أَيَّامًا لَا يَشُكُّ أَنَّ النَّارَ قَدْ أَكَلَتْ إِبْرَاهِيمَ، فَرَأَى كَأَنَّهُ نَظَرَ فِيهَا وَهِيَ تُحْرِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَإِبْرَاهِيمُ جَالِسٌ إِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ مِثْلُهُ. فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَقَدْ رَأَيْتُ كَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَيٌّ وَلَقَدْ شُبِّهَ عَلَيَّ، ابْنُوا لِي صَرْحًا يُشْرِفُ بِي عَلَى النَّارِ، فَبَنَوْا لَهُ وَأَشْرَفَ مِنْهُ فَرَأَى إِبْرَاهِيمَ جَالِسًا وَإِلَى جَانِبِهِ رَجُلٌ فِي صُورَتِهِ، فَنَادَاهُ نُمْرُودُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، كَبِيرٌ إِلَهُكَ الَّذِي بَلَغَتْ قُدْرَتُهُ وَعِزَّتُهُ أَنْ حَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَا أَرَى، هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَخْشَى إِنْ أَقَمْتَ فِيهَا أَنْ تَضُرَّكَ؟ قَالَ: لَا. فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ فَخَرَجَ مِنْهَا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتُ مَعَكَ مِثْلَ صُورَتِكَ؟ قَالَ: ذَلِكَ مَلَكُ الظِّلِّ أَرْسَلَهُ إِلَيَّ رَبِّي لِيُؤْنِسَنِي. قَالَ نُمْرُودُ: إِنِّي مُقَرِّبٌ مِنْ إِلَهِكَ قُرْبَانًا لِمَا رَأَيْتُ مِنْ قُدْرَتِهِ وَعِزَّتِهِ وَمَا صَنَعَ بِكَ حِينَ أَبَيْتَ إِلَّا عِبَادَتَهُ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذًا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْكَ مَا كُنْتَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِكَ. فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، لَا أَسْتَطِيعُ تَرْكَ مُلْكِي. وَقَرَّبَ أَرْبَعَةَ آلَافِ بَقَرَةٍ وَكَفَّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَمَنَعَهُ اللَّهُ مِنْهُ. وَآمَنَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ حِينَ رَأَوْا مَا صَنَعَ اللَّهُ بِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ نُمْرُودَ وَمَلَئِهِمْ، وَآمَنَ لَهُ لُوطُ بْنُ هَارَانَ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ لَهُمْ أَخٌ ثَالِثٌ يُقَالُ لَهُ نَاخُورُ بْنُ تَارِخَ، وَهُوَ أَبُو بِتْوِيلَ، وَبِتْوِيلُ أَبُو لَابَانَ وَأَبُو رَبْقَا امْرَأَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أُمِّ يَعْقُوبَ، وَلَابَانُ أَبُو لَيَّا وَرَاحِيلَ زَوْجَتَيْ يَعْقُوبَ. وَآمَنَتْ بِهِ سَارَةُ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّهِ،
وَهِيَ سَارَةُ ابْنَةُ هَارَانَ الْأَكْبَرِ عَمِّ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ: كَانَتِ ابْنَةَ مَلِكِ حَرَّانَ. فَآمَنَتْ بِاللَّهِ تَعَالَى مَعَ إِبْرَاهِيمَ. ذِكْرُ هِجْرَةِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوا أَمْرَهُ أَجْمَعُوا عَلَى فِرَاقِ قَوْمِهِمْ، فَخَرَجَ مُهَاجِرًا حَتَّى قَدِمَ مِصْرَ وَبِهَا فِرْعَوْنُ مِنَ الْفَرَاعِنَةِ الْأُولَى كَانَ اسْمُهُ سِنَانَ بْنَ عِلْوَانَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَوْلَجَ بْنِ عِمْلَاقَ بْنِ لَاوُذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَقِيلَ: كَانَ أَخَا الضَّحَّاكِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى مِصْرَ، وَكَانَتْ سَارَةُ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ وَجْهًا، وَكَانَتْ لَا تَعْصِي إِبْرَاهِيمَ شَيْئًا، فَلَمَّا وُصِفَتْ لِفِرْعَوْنَ أَرْسَلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ الَّتِي مَعَكَ؟ قَالَ: أُخْتِي، يَعْنِي فِي الْإِسْلَامِ، وَتَخَوَّفَ إِنْ قَالَ هِيَ امْرَأَتِي أَنْ يَقْتُلَهُ. فَقَالَ لَهُ: زَيِّنْهَا وَأَرْسِلْهَا إِلَيَّ. فَأَمَرَ بِذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ، فَتَزَيَّنَتْ، وَأَرْسَلَهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَهْوَى بِيَدِهِ إِلَيْهَا، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ حِينَ أَرْسَلَهَا قَامَ يُصَلِّي، فَلَمَّا أَهْوَى إِلَيْهَا أُخِذَ أَخْذًا شَدِيدًا، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ وَلَا أَضُرُّكِ. فَدَعَتْ لَهُ، فَأُرْسِلَ فَأَهْوَى إِلَيْهَا، فَأُخِذَ أَخْذًا شَدِيدًا، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ وَلَا أَضُرُّكِ. فَدَعَتْ لَهُ، فَأُرْسِلَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَ الْمَرَّتَيْنِ، فَدَعَا أَدْنَى حُجَّابِهِ فَقَالَ: إِنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ وَإِنَّكَ أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ! أَخْرِجْهَا، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ، فَفَعَلَ، فَأَقْبَلَتْ بِهَاجَرَ، فَلَمَّا أَحَسَّ إِبْرَاهِيمُ بِهَا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَقَالَ: مَهْيَمْ! فَقَالَتْ: كَفَى اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِينَ وَأَخْدَمَ هَاجَرَ. وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، اثْنَتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، قَوْلُهُ: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] ، وَقَوْلُهُ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63] ، وَقَوْلُهُ فِي سَارَةَ: هِيَ أُخْتِي» .
ذكر ولادة إسماعيل عليه السلام وحمله إلى مكة
[ذِكْرُ وِلَادَةِ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحَمْلِهِ إِلَى مَكَّةَ] قِيلَ: كَانَتْ هَاجَرُ جَارِيَةً ذَاتَ هَيْئَةٍ فَوَهَبَتْهَا سَارَةُ لِإِبْرَاهِيمَ، وَقَالَتْ: خُذْهَا لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُكَ مِنْهَا وَلَدًا، وَكَانَتْ سَارَةُ قَدْ مُنِعَتِ الْوَلَدَ حَتَّى أَسَنَّتْ، فَوَقَعَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى هَاجَرَ فَوَلَدَتْ إِسْمَاعِيلَ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا اسْتَفْتَحْتُمْ مِصْرَ فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا» ، يَعْنِي وِلَادَةَ هَاجَرَ. فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ خَرَجَ بِهَا إِلَى الشَّامِ مِنْ مِصْرَ خَوْفًا مِنْ فِرْعَوْنَ، فَنَزَلَ السَّبْعَ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، وَنَزَلَ لُوطٌ بِالْمُؤْتَفِكَةِ، وَهِيَ مِنَ السَّبْعِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدِ اتَّخَذَ بِالسَّبْعِ بِئْرًا وَمَسْجِدًا وَكَانَ مَاءُ الْبِئْرِ مَعِينًا طَاهِرًا، فَآذَاهُ أَهْلُ السَّبْعِ، فَانْتَقَلَ عَنْهُمْ، فَنَضَبَ الْمَاءُ فَاتَّبَعُوهُ يَسْأَلُونَهُ الْعَوْدَ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَأَعْطَاهُمْ سَبْعَةَ أَعْنُزٍ، وَقَالَ: إِذَا أَوْرَدْتُمُوهَا الْمَاءَ ظَهَرَ حَتَّى يَكُونَ مَعِينًا طَاهِرًا فَاشْرَبُوا مِنْهُ، وَلَا تَغْتَرِفْ مِنْهُ امْرَأَةٌ حَائِضٌ. فَخَرَجُوا بِالْأَعْنُزِ، فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَى الْمَاءِ ظَهَرَ إِلَيْهَا، وَكَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْهُ، إِلَى أَنْ غَرَفَتْ مِنْهُ امْرَأَةٌ طَامِثٌ فَعَادَ الْمَاءُ إِلَى الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ. وَأَقَامَ إِبْرَاهِيمُ بَيْنَ الرَّمْلَةِ، وَإِيلِيَا بِبَلَدٍ يُقَالُ لَهُ قَطُّ أَوْ قِطُّ. قَالَ: فَلَمَّا وُلِدَ إِسْمَاعِيلُ حَزِنَتْ سَارَةُ حُزْنًا شَدِيدًا، فَوَهَبَهَا اللَّهُ إِسْحَاقَ، وَعُمُرُهَا سَبْعُونَ سَنَةً، فَعُمُرُ إِبْرَاهِيمَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَلَمَّا كَبِرَ إِسْمَاعِيلُ، وَإِسْحَاقُ اخْتَصَمَا، فَغَضِبَتْ سَارَةُ عَلَى هَاجَرَ فَأَخْرَجَتْهَا، ثُمَّ أَعَادَتْهَا، فَغَارَتْ مِنْهَا فَأَخْرَجَتْهَا، وَحَلَفَتْ لَتَقْطَعَنَّ مِنْهَا بَضْعَةً، فَتَرَكَتْ أَنْفَهَا وَأُذُنَهَا لِئَلَّا تَشِينَهَا، ثُمَّ خَفَضَتْهَا، فَمِنْ ثَمَّ خَفْضُ النِّسَاءِ.
وَقِيلَ: كَانَ إِسْمَاعِيلُ صَغِيرًا، وَإِنَّمَا أَخْرَجَتْهَا سَارَةُ غَيْرَةً مِنْهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَتْ سَارَةُ: لَا تُسَاكِنُنِي فِي بَلَدٍ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَنْ تَأْتِيَ بِمَكَّةَ، وَلَيْسَ بِهَا يَوْمَئِذٍ نَبْتٌ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ هَاجَرَ فَوَضَعَهُمَا بِمَكَّةَ بِمَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَلَمَّا مَضَى نَادَتْهُ هَاجَرُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تَتْرُكَنَا بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا زَرْعٌ، وَلَا ضَرْعٌ، وَلَا مَاءٌ، وَلَا زَادٌ، وَلَا أَنِيسٌ؟ قَالَ: رَبِّي أَمَرَنِي. قَالَتْ: فَإِنَّهُ لَنْ يُضَيِّعَنَا. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37] الْآيَةَ. فَلَمَّا ظَمِئَ إِسْمَاعِيلُ جَعَلَ يَدْحَضُ الْأَرْضَ بِرِجْلِهِ، فَانْطَلَقَتْ هَاجَرُ حَتَّى صَعِدَتِ الصَّفَا لِتَنْظُرَ هَلْ تَرَى شَيْئًا فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، فَانْحَدَرَتْ إِلَى الْوَادِي فَسَعَتْ حَتَّى أَتَتِ الْمَرْوَةَ، فَاسْتَشْرَفَتْ هَلْ تَرَى شَيْئًا فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَذَلِكَ أَصْلُ السَّعْيِ، ثُمَّ جَاءَتْ إِلَى إِسْمَاعِيلَ وَهُوَ يَدْحَضُ الْأَرْضَ بِقَدَمَيْهِ وَقَدْ نَبَعَتِ الْعَيْنُ، وَهِيَ زَمْزَمُ، فَجَعَلَتْ تَفْحَصُ الْأَرْضَ بِيَدِهَا عَنِ الْمَاءِ، وَكُلَمَّا اجْتَمَعَ أَخَذَتْهُ وَجَعَلَتْهُ فِي سِقَائِهَا. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَرْحَمُهَا اللَّهُ! لَوْ تَرَكَتْهَا لَكَانَتْ عَيْنًا سَائِحَةً» . وَكَانَتْ جُرْهُمُ بِوَادٍ قَرِيبٍ مِنْ مَكَّةَ وَلَزِمَتِ الطَّيْرُ الْوَادِيَ حِينَ رَأَتِ الْمَاءَ، فَلَمَّا رَأَتْ جُرْهُمُ الطَّيْرَ لَزِمَتِ الْوَادِيَ، قَالُوا: مَا لَزِمَتْهُ إِلَّا وَفِيهِ مَاءٌ، فَجَاءُوا إِلَى هَاجَرَ، فَقَالُوا: لَوْ شِئْتِ لَكُنَّا مَعَكِ فَآنَسْنَاكِ وَالْمَاءُ مَاؤُكِ. قَالَتْ: نَعَمْ. فَكَانُوا مَعَهَا حَتَّى شَبَّ إِسْمَاعِيلُ وَمَاتَتْ هَاجَرُ، فَتَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ امْرَأَةً مِنْ جُرْهُمَ فَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ هُوَ وَأَوْلَادُهُ، فَهُمُ الْعَرَبُ الْمُتَعَرِّبَةُ. وَاسْتَأْذَنَ إِبْرَاهِيمُ سَارَةَ أَنْ يَأْتِيَ هَاجَرَ، فَأَذِنَتْ لَهُ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَلَا يَنْزِلَ، فَقَدِمَ وَقَدْ مَاتَتْ هَاجَرُ، فَذَهَبَ إِلَى بَيْتِ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ قَالَتْ: لَيْسَ هَهُنَا، ذَهَبَ يَتَصَيَّدُ. وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ يَتَصَيَّدُ، ثُمَّ يَرْجِعُ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: هَلْ عِنْدَكِ ضِيَافَةٌ؟ قَالَتْ: لَيْسَ عِنْدِي ضِيَافَةٌ وَمَا عِنْدِي أَحَدٌ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَأَقْرِئِيهِ السَّلَامَ، وَقُولِي لَهُ فَلْيُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ. وَعَادَ إِبْرَاهِيمُ، وَجَاءَ إِسْمَاعِيلُ فَوَجَدَ رِيحَ أَبِيهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ أَحَدٌ؟
قَالَتْ: جَاءَنِي شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، كَالْمُسْتَخِفَّةِ بِشَأْنِهِ، قَالَ: فَمَا قَالَ لَكِ؟ قَالَتْ: أَقْرِئِي زَوْجَكِ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ فَلْيُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ. فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ أُخْرَى. فَلَبِثَ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ سَارَةَ أَنْ يَزُورَ إِسْمَاعِيلَ، فَأَذِنَتْ لَهُ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْزِلَ. فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ قَالَتْ: ذَهَبَ لِيَتَصَيَّدَ وَهُوَ يَجِيءُ الْآنَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَانْزِلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَقَالَ لَهَا: فَعِنْدَكِ ضِيَافَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ عِنْدَكِ خُبْزٌ، أَوْ بُرٌّ، أَوْ شَعِيرٌ، أَوْ تَمْرٌ؟ قَالَ: فَجَاءَتْ بِاللَّبَنِ وَاللَّحْمِ، فَدَعَا لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ، وَلَوْ جَاءَتْ يَوْمَئَذٍ بِخُبْزٍ، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ بُرٍّ، أَوْ شَعِيرٍ لَكَانَتْ أَكْثَرَ أَرْضِ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَتِ: انْزِلْ حَتَّى أَغْسِلَ رَأْسَكَ. فَلَمْ يَنْزِلْ. فَجَاءَتْهُ بِالْمَقَامِ بِالْإِنَاءِ فَوَضَعَتْهُ عِنْدَ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، فَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ فَبَقِيَ أَثَرُ قَدَمِهِ فِيهِ، فَغَسَلَتْ شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ، ثُمَّ حَوَّلَتِ الْمَقَامَ إِلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَفَعَلَتْ بِهِ كَذَلِكَ. فَقَالَ لَهَا: إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَأَقْرِئِيهِ عَنِّي السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ: قَدِ اسْتَقَامَتْ عَتَبَةُ بَابِكَ. فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ وَجَدَ رِيحَ أَبِيهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ جَاءَكِ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، شَيْخٌ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبُهُمْ رِيحًا، فَقَالَ لِي كَذَا وَكَذَا. وَقُلْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا، وَغَسَلْتُ رَأْسَهُ، وَهَذَا مَوْضِعُ قَدَمِهِ، وَهُوَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: قَدِ اسْتَقَامَتْ عَتَبَةُ بَابِكَ. قَالَ: ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي أَنْبَعَ الْمَاءَ جَبْرَائِيلُ، فَإِنَّهُ نَزَلَ إِلَى هَاجَرَ وَهِيَ تَسْعَى فِي الْوَادِي فَسَمِعَتْ حِسَّهُ فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَنِي فَأَغِثْنِي فَقَدْ هَلَكْتُ أَنَا وَمَنْ مَعِي. فَجَاءَ بِهَا إِلَى مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَضَرَبَ بِقَدَمِهِ، فَفَارَتْ عَيْنًا، فَتَعَجَّلَتْ، فَجَعَلَتْ تَفْرَغُ فِي شَنِّهَا. فَقَالَ لَهَا: لَا تَخَافِي الظَّمَأَ.
ذكر عمارة البيت الحرام بمكة
[ذِكْرُ عِمَارَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ بِمَكَّةَ] قِيلَ: ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَضَاقَ بِذَلِكَ ذَرْعًا فَأَرْسَلَ اللَّهُ السَّكِينَةَ، وَهِيَ رِيحٌ خَجُوجُ، وَهِيَ اللَّيِّنَةُ الْهُبُوبِ، لَهَا رَأْسَانِ، فَسَارَ مَعَهَا إِبْرَاهِيمُ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ فَتَطَوَّتْ عَلَيْهِ كَطَيِّ الْحُجْفَةِ، فَأُمِرَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَبْنِيَ حَيْثُ تَسْتَقِرُّ السَّكِينَةُ، فَبَنَى إِبْرَاهِيمُ. وَقِيلَ: أَرْسَلَ اللَّهُ مِثْلَ الْغَمَامَةِ لَهُ رَأْسٌ فَكَلَّمَهُ وَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، ابْنِ عَلَى ظِلِّي، أَوْ عَلَى قَدْرِي، وَلَا تَزِدْ، وَلَا تَنْقُصْ، فَبَنَى. وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ نُقِلَا عَنْ عَلِيٍّ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الَّذِي دَلَّهُ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ هُوَ جَبْرَائِيلُ. فَسَارَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا وَصَلَهَا وَجَدَ إِسْمَاعِيلَ يُصْلِحُ نَبْلًا لَهُ وَرَاءَ زَمْزَمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَأَطِعْ رَبَّكَ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تُعِينَنِي عَلَى بِنَائِهِ. قَالَ: إِذَنْ أَفْعَلُ. فَقَامَ مَعَهُ فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِيهِ، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ. ثُمَّ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِإِسْمَاعِيلَ: إِيتِنِي بِحَجَرٍ حَسَنٍ أَضَعُهُ عَلَى الرُّكْنِ فَيَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَمًا. فَنَادَاهُ أَبُو قُبَيْسٍ: إِنَّ لَكَ عِنْدِي وَدِيعَةً، وَقِيلَ: بَلْ جَبْرَائِيلُ أَخْبَرَهُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَأَخَذَهُ وَوَضَعَهُ مَوْضِعَهُ، وَكَانَا كُلَمَّا بَنَيَا دَعَوَا اللَّهَ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] . فَلَمَّا ارْتَفَعَ الْبُنْيَانُ وَضَعُفَ الشَّيْخُ عَنْ رَفْعِ الْحِجَارَةِ قَامَ عَلَى حَجَرٍ، وَهُوَ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، فَجَعَلَ يُنَاوِلُهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ، وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ قَالَ: أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ. فَنَادَى: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكَمُ الْحَجَّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ! فَسَمِعَهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا مِنْ أَصْلَابِ
الرِّجَالِ، وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ، فَأَجَابَهُ مَنْ آمَنَ مِمَّنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يَحُجَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأُجِيبَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ! ثُمَّ خَرَجَ بِإِسْمَاعِيلَ مَعَهُ إِلَى التَّرْوِيَةِ فَنَزَلَ بِهِ مِنًى، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَصَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ، فَصَلَّى بِهِمُ الْفَجْرَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى عَرَفَةَ، فَأَقَامَ بِهِمْ هُنَاكَ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، ثُمَّ رَاحَ بِهِمْ إِلَى الْمَوْقِفِ مِنْ عَرَفَةَ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ، فَوَقَفَ بِهِ عَلَى الْأَرَاكِ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ بِهِ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَجَمَعَ بِهَا الصَّلَاتَيْنِ الْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا وَمَنْ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى الْغَدَاةَ، ثُمَّ وَقَفَ عَلَى قُزَحَ حَتَّى إِذَا أَسْفَرَ دَفَعَ بِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ يُرِيهِ، وَيُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَصْنَعُ، حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ، وَأَرَاهُ الْمَنْحَرَ، ثُمَّ نَحَرَ وَحَلَقَ، وَأَرَاهُ كَيْفَ يَطُوفُ، ثُمَّ عَادَ بِهِ إِلَى مِنًى لِيُرِيَهُ كَيْفَ رَمْيُ الْجِمَارِ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ جَبْرَائِيلَ هُوَ الَّذِي أَرَى إِبْرَاهِيمَ كَيْفَ يَحُجُّ» ، وَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ عُمَرَ. وَلَمْ يَزَلِ الْبَيْتُ عَلَى مَا بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَى أَنْ هَدَمَتْهُ قُرَيْشٌ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ مِنْ مَوْلِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذكر قصة الذبح
[ذِكْرُ قِصَّةِ الذَّبْحِ] وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الذَّبِيحِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ إِسْحَاقُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كِلَا الْقَوْلَيْنِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمَا صَحِيحٌ لَمْ نَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ فِي أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْحَاقُ فَقَدْ رَوَى الْأَحْنَفُ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثٍ ذَكَرَ فِيهِ: « {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107] هُوَ إِسْحَاقُ» ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ الْعَبَّاسِ مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَرْفَعْهُ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ فِي أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ فَقَدَ رَوَى الصُّنَابِحِيُّ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَذَكَرُوا الذَّبِيحَ فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتُمْ، كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عُدَّ عَلَيَّ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ، فَضَحِكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقِيلَ لِمُعَاوِيَةَ، وَمَا الذَّبِيحَانِ؟ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ نَذَرَ إِنْ سَهَّلَ اللَّهُ حَفْرَ زَمْزَمَ أَنْ يَذْبَحَ أَحَدَ أَوْلَادِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ أَبِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَدَاهُ بِمِائَةِ بَعِيرٍ» ، وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالذَّبِيحُ الثَّانِي إِسْمَاعِيلُ. ذِكْرُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ إِسْحَاقُ ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيٌّ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ عِكْرِمَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَكَعْبٌ، وَابْنُ سَابِطٍ، وَابْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ، وَمَسْرُوقٌ إِلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْحَاقُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
حَدَّثَ عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَبِي أَسِيدِ بْنِ أَبِي جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ أَنَّ كَعْبًا قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَلَا أُخْبِرُكَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ كَعْبٌ: لَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ ذَبْحَ إِسْحَاقَ قَالَ الشَّيْطَانُ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ أَفْتَتِنْ أَحَدًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَدًا، فَتَمَثَّلَ رَجُلًا يَعْرِفُونَهُ فَأَقْبَلَ حَتَّى إِذَا خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْحَاقَ لِيَذْبَحَهُ دَخَلَ عَلَى سَارَةَ امْرَأَةِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ أَصْبَحَ إِبْرَاهِيمُ غَادِيًا بِإِسْحَاقَ؟ قَالَتْ: لِبَعْضِ حَاجَتِهِ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ إِنَّمَا غَدَا بِهِ لِيَذْبَحَهُ! قَالَتْ سَارَةُ: لَمْ يَكُنْ لِيَذْبَحَ وَلَدَهُ. قَالَ الشَّيْطَانُ: بَلَى وَاللَّهِ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ. قَالَتْ سَارَةُ: فَهَذَا أَحْسَنُ أَنْ يُطِيعَ رَبَّهُ. ثُمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ، فَأَدْرَكَ إِسْحَاقَ وَهُوَ مَعَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَكَ. قَالَ إِسْحَاقُ: مَا كَانَ لِيَفْعَلَ. قَالَ: بَلَى وَاللَّهِ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ رَبَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ. قَالَ إِسْحَاقُ: فَوَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرَهُ رَبُّهُ بِذَلِكَ لَيُطِيعَنَّهُ! فَتَرَكَهُ وَلَحِقَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: أَيْنَ أَصْبَحْتَ غَادِيًا بِابْنِكَ؟ قَالَ: لِبَعْضِ حَاجَتِي. قَالَ: لَا وَاللَّهِ إِنَّمَا تُرِيدُ ذَبْحَهُ! قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِذَلِكَ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَ اللَّهُ أَمَرَنِي بِذَلِكَ لَأَفْعَلَنَّ. فَلَمَّا أَخَذَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ لِيَذْبَحَهُ أَعْفَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَفَدَاهُ بِذَبْحٍ عَظِيمٍ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِسْحَاقَ: إِنِّي مُعْطِيكَ دَعْوَةً أَسْتَجِيبُ لَكَ فِيهَا. قَالَ إِسْحَاقُ: اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا عَبْدٍ لَقِيَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ. قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ يَقُولُونَ يَا إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ، فَبِمَ نَالُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَعْدِلْ بِي شَيْئًا قَطُّ إِلَّا اخْتَارَنِي، وَإِنَّ إِسْحَاقَ جَادَ لِي بِالذَّبْحِ وَهُوَ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَجْوَدُ، وَإِنَّ يَعْقُوبَ كُلَمَّا زِدْتُهُ بَلَاءً زَادَنِي حُسْنَ ظَنٍّ بِي. (أَسِيدٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ السِّينِ. وَجَارِيَةُ بِالْجِيمِ) . ذِكْرُ مَنْ قَالَ إِنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَيُوسُفُ بْنُ مِهْرَانَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ، وَقَالَ: زَعَمَتِ الْيَهُودُ أَنَّهُ إِسْحَاقُ، وَكَذَبَتِ الْيَهُودُ.
وَقَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ، وَالشَّعْبِيُّ: رَأَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ فِي الْكَعْبَةِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِهِ مِنْ بَنِيهِ إِسْمَاعِيلُ، وَإِنَّا لِنَجِدُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي قِصَّةِ الْخَبَرِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ ذَبْحِهِ ابْنَهُ أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَ فَرَغَ مِنْ قِصَّةِ الْمَذْبُوحِ مِنِ ابْنِي إِبْرَاهِيمَ قَالَ: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 112] ، وَيَقُولُ: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا} [الصافات: 112] ، {وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] بِابْنٍ وَابْنِ ابْنٍ، فَلَمْ يَكُنْ يَأْمُرُهُ بِذَبْحِ إِسْحَاقَ، وَلَهُ فِيهِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مَا وَعَدَهُ، وَمَا الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ إِلَّا إِسْمَاعِيلُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ لِعُمُرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ خَلِيفَةٌ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الشَّيْءَ مَا كُنْتُ أَنْظُرُ فِيهِ وَإِنِّي لَأُرَاهُ كَمَا قُلْتَ. ذِكْرُ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِالذَّبْحِ وَصِفَةِ الذَّبْحِ قِيلَ: أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَبْحِ ابْنِهِ فِيمَا ذُكِرَ أَنَّهُ دَعَا اللَّهَ أَنْ يَهَبَ لَهُ وَلَدًا ذَكَرًا صَالِحًا، فَقَالَ: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 100] . فَلَمَّا بَشَّرَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ قَالَ: إِذَنْ هُوَ ذَبِيحٌ. فَلَمَّا وُلِدَ الْغُلَامُ وَبَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قِيلَ لَهُ: أَوْفِ نَذْرَكَ الَّذِي نَذَرْتَ. وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْحَاقُ، وَقَائِلُ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالشَّامِ عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ إِيلِيَا. وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ فَيَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَكَّةَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ لِابْنِهِ حِينَ أُمِرَ بِذَبْحِهِ: يَا بُنَيَّ، خُذِ الْحَبْلَ وَالْمُدْيَةَ ثُمَّ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى هَذَا الشِّعْبِ لِنَحْتَطِبَ لِأَهْلِكَ. فَلَمَّا تَوَجَّهَ اعْتَرَضَهُ إِبْلِيسُ لِيَصُدَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي يَا عَدُوَّ اللَّهِ! فَوَاللَّهِ لَأَمْضِيَنَّ لِأَمْرِ اللَّهِ! فَاعْتَرَضَ إِسْمَاعِيلَ فَأَعْلَمَهُ مَا يُرِيدُ إِبْرَاهِيمُ يَصْنَعُ بِهِ، فَقَالَ: سَمْعًا لِأَمْرِ رَبِّي وَطَاعَةً. فَذَهَبَ إِلَى هَاجَرَ فَأَعْلَمَهَا، فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ رَبُّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَتَسْلِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ. فَرَجَعَ بِغَيْظِهِ لَمْ يُصِبْ مِنْهُمْ شَيْئًا. فَلَمَّا خَلَا إِبْرَاهِيمُ بِالشِّعْبِ، وَهُوَ شِعْبُ ثَبِيرٍ، قَالَ لَهُ: {يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102] .
ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا أَبَتِ إِنْ أَرَدْتَ ذَبْحِي فَاشْدُدْ رِبَاطِي لَا يُصِبْكَ مِنْ دَمِي شَيْءٌ فَيَنْتَقِصَ أَجْرِي، فَإِنَّ الْمَوْتَ شَدِيدٌ، وَاشَحَذْ شَفْرَتَكَ حَتَّى تُرِيحَنِي، فَإِذَا أَضْجَعْتَنِي فَكُبَّنِي عَلَى وَجْهِي فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ نَظَرْتَ فِي وَجْهِي أَنَّكَ تُدْرِكُ رَحْمَةً فَتَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَمْرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَرُدَّ قَمِيصِي إِلَى هَاجَرَ أُمِّي فَعَسَى أَنْ يَكُونَ أَسْلَى لَهَا عَنِّي، فَافْعَلْ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: نِعْمَ الْمُعِينُ أَنْتَ، أَيْ بُنَيَّ، عَلَى أَمْرِ اللَّهِ! فَرَبَطَهُ كَمَا أَمَرَهُ، ثُمَّ حَدَّ شَفْرَتَهُ {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] ، ثُمَّ أَدْخَلَ الشَّفْرَةَ لِحَلْقِهِ، فَقَلَبَهَا اللَّهُ لِقَفَاهَا، ثُمَّ اجْتَذَبَهَا إِلَيْهِ لِيَفْرُغَ مِنْهُ، فَنُودِيَ: {أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: 104] ، هَذِهِ ذَبِيحَتُكَ فِدَاءً لِابْنِكَ فَاذْبَحْهَا. وَقِيلَ: جَعَلَ اللَّهُ عَلَى حَلْقِهِ صَحِيفَةَ نُحَاسٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَرَجَ عَلَيْهِ كَبْشٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَدْ رَعَى فِيهَا أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَقِيلَ: هُوَ الْكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هَابِيلُ، وَقَالَ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: كَانَ كَبْشًا أَقْرَنَ أَعْيَنَ أَبْيَضَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا فُدِيَ إِسْمَاعِيلُ إِلَّا بِتَيْسٍ مِنَ الْأَرْوَى هَبَطَ عَلَيْهِ مِنْ ثَبِيرٍ فَذَبَحَهُ، قِيلَ بِالْمَقَامِ، وَقِيلَ: بِمِنًى فِي الْمَنْحَرِ. ذِكْرُ مَا امْتَحَنَ اللَّهُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ ابْتِلَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ بِمَا كَانَ مِنْ نُمْرُودَ، وَذَبْحِ وَلَدِهِ بَعْدَ أَنْ رَجَا نَفْعَهُ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالْكَلِمَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّهُ ابْتَلَاهُ بِهِنَّ فَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] .
وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْأَئِمَّةِ فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] : لَمْ يُبْتَلَ أَحَدٌ بِهَذَا الدِّينِ فَأَقَامَهُ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ. وَقَالَ اللَّهُ: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] ، قَالَ: وَالْكَلِمَاتُ عَشْرٌ فِي " بَرَاءَةٌ "، وَهِيَ: {الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ} [التوبة: 112] الْآيَةَ، وَعَشْرٌ فِي " الْأَحْزَابِ "، وَهِيَ {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35] الْآيَةَ، وَعَشْرٌ فِي " الْمُؤْمِنِينَ " مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج: 34] . وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ عَشْرُ خِصَالٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ طَاوُسٍ، وَغَيْرِهِ عَنْهُ: الْكَلِمَاتُ عَشْرٌ، وَهِيَ خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَالسِّوَاكُ، وَفَرْقُ شَعَرِ الرَّأْسِ، وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ، وَهِيَ: تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَالْخِتَانُ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَغَسْلُ أَثَرِ الْغَائِطِ. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ مَنَاسِكُ الْحَجِّ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124] وَهُوَ قَوْلُ أَبِي صَالِحٍ، وَمُجَاهِدٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ سِتَّةٌ، وَهِيَ: الْكَوَاكِبُ، وَالْقَمَرُ، وَالشَّمْسُ، وَالنَّارُ، وَالْهِجْرَةُ، وَالْخِتَانُ. وَذَبْحُ ابْنِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، قَالَ: ابْتَلَاهُ بِذَلِكَ فَعَرَفَ أَنَّ رَبَّهُ دَائِمٌ لَا يَزُولُ فَوَجَّهَ وَجْهَهُ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَهَاجَرَ مِنْ وَطَنِهِ، وَأَرَادَ ذَبْحَ ابْنِهِ وَخَتَنَ نَفْسَهُ.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فِي التَّارِيخِ الْمُخْتَصَرِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا الْقَدْرَ لِئَلَّا يَخْلُوَ مِنْ فُصُولِ الْكِتَابِ.
ذكر عدو الله نمرود وهلاكه
[ذِكْرُ عَدُوِّ اللَّهِ نُمْرُودَ وَهَلَاكِهِ] وَنَرْجِعُ الْآنَ إِلَى خَبَرِ عَدُوِّ اللَّهِ نُمْرُودَ، وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ فِي دُنْيَاهُ، وَتَمَرُّدِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِمْلَاءِ اللَّهِ لَهُ، وَكَانَ أَوَّلَ جَبَّارٍ فِي الْأَرْضِ، وَكَانَ إِحْرَاقُهُ إِبْرَاهِيمَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، فَأَخْرَجَ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ مَدِينَتِهِ وَحَلَفَ أَنَّهُ يَطْلُبُ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ، فَأَخَذَ أَرْبَعَةَ أَفْرُخِ نُسُورٍ فَرَبَّاهُنَّ بِاللَّحْمِ، وَالْخَمْرِ حَتَّى كَبِرْنَ، وَغَلُظْنَ، فَقَرَنَهُنَّ بِتَابُوتٍ وَقَعَدَ فِي ذَلِكَ التَّابُوتِ فَأَخَذَ مَعَهُ رَجُلًا وَمَعَهُ لَحْمٌ لَهُنَّ، فَطِرْنَ بِهِ حَتَّى إِذَا ذَهَبْنَ أَشْرَفَ يَنْظُرُ إِلَى الْأَرْضِ فَرَأَى الْجِبَالَ تَدِبُّ كَالنَّمْلِ، ثُمَّ رَفَعَ لَهُنَّ اللَّحْمَ وَنَظَرَ إِلَى الْأَرْضِ فَرَآهَا يُحِيطُ بِهَا بَحْرٌ كَأَنَّهَا فَلَكٌ فِي مَاءٍ، ثُمَّ رَفَعَ طَوِيلًا فَوَقَعَ فِي ظُلْمَةٍ فَلَمْ يَرَ مَا فَوْقَهُ وَمَا تَحْتَهُ، فَفَزِعَ وَأَلْقَى اللَّحْمَ، فَاتَّبَعَتْهُ النُّسُورُ مُنْقَضَّاتٍ، فَلَمَّا نَظَرَتِ الْجِبَالُ إِلَيْهِنَّ وَقَدْ أَقْبَلْنَ مُنْقَضَّاتٍ وَسَمِعْنَ حَفِيفَهُنَّ فَزِعَتِ الْجِبَالُ وَكَادَتْ تَزُولُ وَلَمْ يَفْعَلْنَ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم: 46] . وَكَانَتْ طَيْرُورَتُهُنَّ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَوُقُوعُهُنَّ فِي جَبَلِ الدُّخَانِ. فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُطِيقُ شَيْئًا أَخَذَ فِي بُنْيَانِ الصَّرْحِ فَبَنَاهُ حَتَّى عَلَا وَارْتَقَى فَوْقَهُ يَنْظُرُ إِلَى إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ بِزَعْمِهِ وَأَحْدَثَ، وَلَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ، وَأَخَذَ اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ مِنْ أَسَاسِ الصَّرْحِ فَسَقَطَ وَتَبَلْبَلَتِ الْأَلْسُنُ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْفَزَعِ، فَتَكَلَّمُوا بِثَلَاثَةٍ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، وَكَانَ لِسَانُ النَّاسِ قَبْلَ ذَلِكَ سُرْيَانِيًّا. هَكَذَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ الطَّبْعَ الْبَشَرِيَّ لَمْ يَخْلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ حَتَّى الْأَنْبِيَاءُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَهُمْ أَكْثَرُ اتِّصَالًا بِالْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، وَأَشْرَفُ أَنْفُسًا، وَمَعَ هَذَا فَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَبُولُونَ وَيَتَغَوَّطُونَ، فَلَوْ نَجَا مِنْهُ أَحَدٌ لَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ أَوْلَى
لِشَرَفِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى: وَإِنْ كَانَ لِكَثْرَةِ مُلْكِهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ مُسْتَقِلًّا، وَلَوْ مَلَكَ مُسْتَقِلًّا لَكَانَ الْإِسْكَنْدَرُ أَكْثَرَ مُلْكًا مِنْهُ وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا. قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ إِلَى نُمْرُودَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ مَلَكًا يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَأَبَى، وَقَالَ: أَرَبٌّ غَيْرِي؟ فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: اجْمَعْ جُمُوعَكَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَجَمَعَ جُمُوعَهُ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابًا مِنَ الْبَعُوضِ، فَطَلَعَتِ الشَّمْسُ فَلَمْ يَرَوْهَا مِنْ كَثْرَتِهَا فَبَعَثَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأَكَلَتْهُمْ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الْعِظَامُ، وَالْمَلِكُ كَمَا هُوَ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعُوضَةً فَدَخَلَتْ فِي مِنْخَرِهِ فَمَكَثَ يَضْرِبُ رَأْسَهُ بِالْمَطَارِقِ فَأَرْحَمُ النَّاسِ بِهِ مَنْ يَجْمَعُ يَدَيْهِ وَيَضْرِبُ بِهِمَا رَأْسَهُ، وَكَانَ مُلْكُهُ ذَلِكَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، وَأَمَاتَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الصَّرْحَ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إِنَّ نُمْرُودَ بْنَ كَنْعَانَ مَلَكَ مَشْرِقَ الْأَرْضِ وَمَغْرِبَهَا، وَهَذَا قَوْلٌ يَدْفَعُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ، وَأَخْبَارِ الْمُلُوكِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يُنْكِرُونَ أَنَّ مَوْلِدَ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أَيَّامَ الضَّحَّاكِ الَّذِي ذَكَرْنَا بَعْضَ أَخْبَارِهِ فِيمَا مَضَى، وَأَنَّهُ كَانَ مَلَكَ شَرْقَ الْأَرْضِ وَغَرْبَهَا. وَقَوْلُ الْقَائِلِ إِنَّ الضَّحَّاكَ الَّذِي مَلَكَ الْأَرْضَ هُوَ نُمْرُودُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ الْمُتَقَدِّمِينَ يَذْكُرُونَ أَنَّ نَسَبَ نُمْرُودَ فِي النَّبَطِ مَعْرُوفٌ، وَأَنَّ نَسَبَ الضَّحَّاكِ فِي الْفُرْسِ مَشْهُورٌ، وَإِنَّمَا الضَّحَّاكُ اسْتَعْمَلَ نُمْرُودَ عَلَى السَّوَادِ وَمَا اتَّصَلَ بِهِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً وَجَعَلَهُ وَوَلَدَهُ عُمَّالًا عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ هُوَ يَتَنَقَّلُ فِي الْبِلَادِ، وَكَانَ وَطَنُهُ وَوَطَنُ أَجْدَادِهِ دُنْبَاوَنْدَ مِنْ جِبَالِ طَبَرِسْتَانَ، وَهُنَاكَ رَمَى بِهِ أَفْرِيدُونُ حِينَ ظَفِرَ بِهِ، وَكَذَلِكَ بُخْتُنَصَّرُ. ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَلَكَ الْأَرْضَ جَمِيعَهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ إِصْبَهْبَذَ مَا بَيْنَ الْأَهْوَازَ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ مِنْ غَرْبِيِّ دِجْلَةَ مِنْ قِبَلِ لَهُرَاسِبَ، لِأَنَّ لَهُرَاسِبَ كَانَ مُشْتَغِلًا بِقِتَالِ
التُّرْكِ مُقِيمًا بِإِزَائِهِمْ بِبَلْخَ، وَهُوَ بَنَاهَا لَمَّا تَطَاوَلَ مَقَامُهُ هُنَاكَ لِحَرْبِ التُّرْكِ، وَلَمْ يَمْلِكْ أَحَدٌ مِنَ النَّبَطِ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ مُسْتَقِلًّا بِرَأْسِهِ فَكَيْفَ الْأَرْضَ جَمِيعَهَا؟ ! وَإِنَّمَا تَطَاوَلَتْ مُدَّةُ نُمْرُودَ بِالسَّوَادِ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ ثُمَّ دَخَلَ مِنْ نَسْلِهِ بَعْدَ هَلَاكِهِ جِيلٌ يُقَالُ لَهُ نَبَطُ بْنُ قَعُودٍ مَلَكَ بَعْدَهُ مِائَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ كَدَاوُصُ بْنُ نَبَطٍ ثَمَانِينَ سَنَةً، ثُمَّ بَالَشُ بْنُ كَدَاوُصَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ نُمْرُودُ بْنُ بَالَشَ سَنَةً وَشَهْرًا، فَذَلِكَ سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ وَسَنَةٌ وَشَهِدَ أَيَّامَ الضَّحَّاكِ، وَظَنَّ النَّاسُ فِي نُمْرُودَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا مَلَكَ أَفْرِيدُونُ وَقَهَرَ الِازْدِهَاقَ قَتَلَ نُمْرُودَ بْنَ بَالَشَ وَشَرَّدَ النَّبَطَ وَقَتَلَ فِيهِمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً.
ذكر قصة لوط وقومه
[ذِكْرُ قِصَّةِ لُوطٍ وَقَوْمِهِ] قَدْ ذَكَرْنَا مُهَاجِرَ لُوطٍ مَعَ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَى مِصْرَ، وَعَوْدَهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَمُقَامَ لُوطٍ بِسَدُومَ. فَلَمَّا أَقَامَ بِهَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِهَا، وَكَانُوا أَهْلَ كُفْرٍ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَرُكُوبِ فَاحِشَةٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ - أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} [العنكبوت: 28 - 29] . فَكَانَ قَطْعُهُمُ السَّبِيلَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الْمُسَافِرَ إِذَا مَرَّ بِهِمْ وَيَعْمَلُونَ بِهِ ذَلِكَ الْعَمَلَ الْخَبِيثَ، وَهُوَ اللِّوَاطَةُ، وَأَمَّا إِتْيَانُهُمُ الْمُنْكَرُ فِي نَادِيهِمْ فَقِيلَ كَانُوا يَحْذِفُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: كَانُوا يَتَضَارَطُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ، وَقِيلَ: كَانَ يَأْتِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي مَجَالِسِهِمْ. وَكَانَ لُوطٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي يَكْرَهُهَا اللَّهُ مِنْهُمْ مِنْ قَطْعِ السَّبِيلِ، وَرُكُوبِ الْفَوَاحِشِ، وَإِتْيَانِ الذُّكُورِ فِي الْأَدْبَارِ، وَيَتَوَعَّدُهُمْ عَلَى إِصْرَارِهِمْ، وَتَرْكِ التَّوْبَةِ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، فَلَا يَزْجُرُهُمْ ذَلِكَ وَلَا يَزِيدُهُمْ وَعْظُهُ إِلَّا تَمَادِيًا، وَاسْتِعْجَالًا لِعِقَابِ اللَّهِ إِنْكَارًا مِنْهُمْ لِوَعِيدِهِ، وَيَقُولُونَ لَهُ: ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. حَتَّى سَأَلَ لُوطٌ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمَّا تَطَاوَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ وَتَمَادِيهِمْ فِي غَيِّهِمْ.
فَبَعَثَ اللَّهُ، لَمَّا أَرَادَ هَلَاكَهَمْ وَنَصْرَ رَسُولِهِ، جَبْرَائِيلَ وَمَلَكَيْنِ آخَرَيْنِ مَعَهُ، أَحَدُهُمَا مِيكَائِيلُ، وَالْآخَرُ إِسْرَافِيلُ، فَأَقْبَلُوا فِيمَا ذُكِرَ مُشَاةً فِي صُورَةِ رِجَالٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَبْدَءُوا بِإِبْرَاهِيمَ، وَسَارَةَ وَيُبَشِّرُونَ بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ. فَلَمَّا نَزَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ الضَّيْفُ قَدْ أَبْطَأَ عَنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يُضِيفُ مَنْ نَزَلَ بِهِ، وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ الرِّزْقَ، فَرِحَ بِهِمْ وَرَأَى ضَيْفًا لَمْ يَرَ مِثْلَهُمْ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَقَالَ: لَا يَخْدُمُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ أَحَدٌ إِلَّا أَنَا بِيَدَيَّ. فَخَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ قَدْ حَنَذَهُ، أَيْ أَنْضَجَهُ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ، فَأَمْسَكُوا أَيْدِيَهُمْ عَنْهُ، {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ} [هود: 70] سَارَةُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ لِمَا عَرَفَتْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَلِمَا تَعْلَمُ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] فَقَالَتْ وَصَكَّتْ وَجْهَهَا: {أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ} [هود: 72] ، إِلَى قَوْلِهِ: {حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 73] . وَكَانَتِ ابْنَةَ تِسْعِينَ سَنَةً وَإِبْرَاهِيمُ ابْنَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ. {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى} [هود: 74] ذَهَبَ يُجَادِلُ جَبْرَائِيلَ فِي قَوْمِ لُوطٍ، فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالُوا: وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِمَ يُعَذِّبُهُمْ؟ قَالَ: وَأَرْبَعُونَ. قَالُوا: وَأَرْبَعُونَ؟ قَالَ: وَثَلَاثُونَ، حَتَّى بَلَغَ عَشَرَةً. قَالُوا: وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ؟ قَالَ: مَا قَوْمٌ لَا يَكُونُ فِيهِمْ عَشَرَةٌ فِيهِمْ خَيْرٌ! ثُمَّ قَالَ: {إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت: 32] . ثُمَّ مَضَتِ الْمَلَائِكَةُ نَحْوَ سَدُومَ قَرْيَةِ لُوطٍ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهَا لَقُوا لُوطًا فِي أَرْضٍ لَهُ يَعْمَلُ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ: لَا تُهْلِكُوهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: إِنَّا مُتَضَيِّفُوكَ اللَّيْلَةَ، فَانْطَلَقَ بِهِمْ، فَلَمَّا مَشَى سَاعَةً الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُمْ:
أَمَا تَعْلَمُونَ مَا يَعْمَلُ أَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ؟ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ إِنْسَانًا أَخْبَثَ مِنْهُمْ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. وَقِيلَ: بَلْ لَقُوا ابْنَتَهُ فَقَالُوا: يَا جَارِيَةُ هَلْ مِنْ مَنْزِلٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، مَكَانَكُمْ لَا تَدْخُلُوا حَتَّى آتِيَكُمْ. خَافَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِهَا، فَأَتَتْ أَبَاهَا فَقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ أَدْرِكْ فِتْيَانًا عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ مَا رَأَيْتُ أَصْبَحَ وُجُوهًا مِنْهُمْ لِئَلَّا يَأْخُذَهُمْ قَوْمُكَ فَيَفْضَحُوهُمْ. وَكَانَ قَوْمُهُ قَدْ نَهَوْهُ أَنْ يُضَيِّفَ رَجُلًا، فَجَاءَ بِهِمْ فَلَمْ يَعْلَمْ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِ لُوطٍ، فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا، وَقَالَتْ لَهُمْ: قَدْ نَزَلَ بِنَا قَوْمٌ مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ وُجُوهًا مِنْهُمْ، وَلَا أَطْيَبَ رَائِحَةً. فَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ. فَقَالَ: يَا قَوْمِ {اتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود: 78] . فَنَهَاهُمْ وَرَغَّبَهُمْ وَقَالَ: {هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود: 78] مِمَّا تُرِيدُونَ. {قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ - أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ} [الحجر: 79 - 70] ، فَلَمَّا لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80] يَعْنِي لَوْ أَنَّ لِي أَنْصَارًا أَوْ عَشِيرَةً يَمْنَعُونِي مِنْكُمْ. فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ وَجَدَ عَلَيْهِ الرُّسُلُ، فَقَالُوا: إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ وَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ. وَأَغْلَقَ لُوطٌ الْبَابَ، فَعَالَجُوهُ، وَفَتَحَ لُوطٌ الْبَابَ، فَدَخَلُوا، وَاسْتَأْذَنَ جَبْرَائِيلُ رَبَّهُ فِي عُقُوبَتِهِمْ فَأَذِنَ لَهُ فَبَسَطَ جَنَاحَيْهِ فَفَقَأَ أَعْيُنَهُمْ وَخَرَجُوا يَدُوسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عُمْيَانًا يَقُولُونَ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَإِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ أَسْحَرَ قَوْمٍ فِي الْأَرْضِ! وَقَالُوا لِلُوطٍ: {إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ - وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ - وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} [الحجر: 81 - 65] . فَأَخْرَجَهُمُ اللَّهُ إِلَى الشَّامِ، وَقَالَ لُوطٌ: أَهْلِكُوهُمُ السَّاعَةَ، فَقَالُوا لَمْ نُؤْمَرْ إِلَّا بِالصُّبْحِ، {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود: 81] . فَلَمَّا كَانَ الصُّبْحُ أَدْخَلَ جَبْرَائِيلُ - وَقِيلَ مِيكَائِيلُ - جَنَاحَهُ فِي أَرْضِهِمْ وَقُرَاهُمُ الْخَمْسِ فَرَفَعَهَا حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ صِيَاحَ دِيَكَتِهِمْ وَنُبَاحَ
كِلَابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَهَا فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، وَأَمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ فَأَهْلَكَتْ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِالْقُرَى. وَسَمِعَتِ امْرَأَةُ لُوطٍ الْهَدَّةَ فَقَالَتْ: وَاقَوْمَاهْ! فَأَدْرَكَهَا حَجَرٌ فَقَتَلَهَا. وَنَجَّى اللَّهُ لُوطًا وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ. وَذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ فِيهَا أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَتَشَرَّفُ عَلَيْهَا وَيَقُولُ: سَدُومُ يَوْمًا هَالِكٌ. وَمَدَائِنُ قَوْمِ لُوطٍ خَمْسٌ: سَدُومُ، وَصَبْعَةُ، وَعَمْرَةُ، وَدَوْمَا، وَصَعْوَةُ، وَسَدُومُ هِيَ الْقَرْيَةُ الْعُظْمَى. قَوْلُهُ {يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} [هود: 78] ، هُوَ مَشْيٌ بَيْنَ الْهَرْوَلَةِ وَالْجَمْزِ.
ذكر وفاة سارة زوج إبراهيم عليه السلام وذكر أولاده وأزواجه
[ذِكْرُ وَفَاةِ سَارَةَ زَوْجِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَذِكْرُ أَوْلَادِهِ وَأَزْوَاجِهِ] لَا يَدْفَعُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ سَارَةَ تُوُفِّيَتْ بِالشَّامِ وَلَهَا مِائَةٌ وَسَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ بِقَرْيَةِ الْجَبَابِرَةِ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ، وَقِيلَ: عَاشَتْ هَاجَرُ بَعْدَ سَارَةَ مُدَّةً. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَاجَرَ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ سَارَةَ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي مَسِيرِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى مَكَّةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَلَمَّا مَاتَتْ سَارَةُ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا قَطُورَا ابْنَةَ يَقْطُنَ امْرَأَةً مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ فَوَلَدَتْ لَهُ سِتَّةَ نَفَرٍ: نَفْشَانَ، وَمُرَّانَ، وَمَدْيَانَ، وَمُدَنَ، وَنَشَقَ، وَسَرَحَ، وَكَانَ جَمِيعُ أَوْلَادِ إِبْرَاهِيمَ مَعَ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ بِكْرَهُ، وَقِيلَ فِي عَدَدِ أَوْلَادِهِ غَيْرُ ذَلِكَ. فَالْبَرْبَرُ مِنْ وَلَدِ نَفْشَانَ، وَأَهْلُ مَدْيَنَ قَوْمُ شُعَيْبٍ مِنْ وَلَدِ مَدْيَانَ. وَقِيلَ: تَزَوَّجَ بَعْدَ قَطُورًا امْرَأَةً أُخْرَى اسْمُهَا حَجُونُ ابْنَةُ أَهِيرَ. ذِكْرُ وَفَاةِ إِبْرَاهِيمَ، وَعَدَدِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ قِيلَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ قَبْضَ رُوحِ إِبْرَاهِيمَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَلَكَ الْمَوْتِ فِي صُورَةِ شَيْخٍ هَرِمٍ، فَرَآهُ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ يُطْعِمُ النَّاسَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فِي الْحَرِّ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِحِمَارٍ فَرَكِبَهُ حَتَّى أَتَاهُ، فَجَعَلَ الشَّيْخُ يَأْخُذُ اللُّقْمَةَ يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَهَا فَاهُ فَيُدْخِلَهَا فِي عَيْنِهِ وَأُذُنِهِ، ثُمَّ يُدْخِلَهَا فَاهُ، فَإِذَا دَخَلَتْ جَوْفَهُ خَرَجَتْ مِنْ دُبُرِهِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ لَا يَقْبِضَ رُوحَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُهُ الْمَوْتَ، فَقَالَ: يَا شَيْخُ مَالَكَ تَصْنَعُ هَذَا؟ قَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ الْكِبَرُ. قَالَ: ابْنُ
كَمْ أَنْتَ؟ فَزَادَ عَلَى عُمْرِ إِبْرَاهِيمَ سَنَتَيْنِ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّمَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَصِيرَ هَكَذَا سَنَتَانِ، اللَّهُمَّ اقْبِضْنِي إِلَيْكَ! فَقَامَ الشَّيْخُ وَقَبَضَ رُوحَهُ وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ مِائَتَيْ سَنَةٍ. وَقِيلَ: مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَى مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ بِسَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَنْ عَاشَ مِائَتَيْ سَنَةٍ كَيْفَ لَا يَرَى مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ بِهَذَا الْقَدْرِ الْقَرِيبِ؟ وَلَكِنْ هَكَذَا رُوِيَ، ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ بَلَغَ عُمْرَ نُوحٍ وَلَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِمَّا رَأَى بِذَلِكَ الرَّجُلِ. وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرَ صَحَائِفَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا كَانَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: كَانَتْ أَمْثَالًا كُلُّهَا: أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ الْمُبْتَلَى الْمَغْرُورُ إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنِّي لَا أَرُدُّهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ. وَكَانَ فِيهَا أَمْثَالٌ، مِنْهَا: وَعَلَى الْعَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ، سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُفَكِّرُ فِيهَا فِي صُنْعِ اللَّهِ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا بِحَاجَتِهِ مِنَ الْحَلَالِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ ظَاعِنًا إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادِهِ، وَمَرَمَّةٍ لِمَعَاشِهِ، وَلَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، وَمَنْ حَسَبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ.» وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ، وَأَوَّلُ مَنْ أَضَافَ الضَّيْفَ، وَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ السَّرَاوِيلَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقَاوِيلِ.
ذكر خبر ولد إسماعيل بن إبراهيم
[ذِكْرُ خَبَرِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ] قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى سَبَبَ إِسْكَانِ إِسْمَاعِيلَ الْحَرَمَ وَتَزَوُّجَهُ امْرَأَةً مِنْ جُرْهُمَ، وَفِرَاقَهُ إِيَّاهَا بِأَمْرِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْرَى، وَهِيَ السَّيِّدَةُ بِنْتُ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيِّ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ لَهَا: قُولِي لِزَوْجِكِ: قَدْ رَضِيتُ لَكَ عَتَبَةَ بَابِكَ، فَوَلَدَتْ لِإِسْمَاعِيلَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: نَابِتَ، وَقَيْدَارَ، وَإِذِيلَ، وَمَيْشَا، وَمَسْمَعَ، وَرَمَا، وَمَاشَ، وَآذَرَ، وَقَطُورَا، وَقَافِسَ، وَطَمْيَا، وَقَيْدَمَانَ. وَكَانَ عُمُرُ إِسْمَاعِيلَ فِيمَا يَزْعُمُونَ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ. وَمِنْ نَابِتَ وَقَيْدَارَ ابْنَيْ إِسْمَاعِيلَ نَشَرَ اللَّهُ الْعَرَبَ، وَأَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْعَمَالِيقِ وَقَبَائِلِ الْيَمَنِ. وَقَدْ يُنْطَقُ أَوْلَادُ إِسْمَاعِيلَ بِغَيْرِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي ذَكَرْتُ. وَلَمَّا حَضَرَتْ إِسْمَاعِيلَ الْوَفَاةُ أَوْصَى إِلَى أَخِيهِ إِسْحَاقَ، وَزَوْجِ ابْنَتِهِ مِنَ الْعِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَدُفِنَ عِنْدَ قَبْرِ أُمِّهِ هَاجَرَ بِالْحِجْرِ.
ذكر إسحاق بن إبراهيم وأولاده
[ذِكْرُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَأَوْلَادِهِ] قِيلَ: وَنَكَحَ إِسْحَاقُ رِفْقَا بِنْتَ بِتْوِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ عِيصًا وَيَعْقُوبَ تَوْأَمَيْنِ، وَإِنَّ عِيصًا كَانَ أَكْبَرَهُمَا، وَكَانَ عُمُرُ إِسْحَاقَ لَمَّا وُلِدَ لَهُ سِتِّينَ سَنَةً. ثُمَّ نَكَحَ عِيصُ بْنُ إِسْحَاقَ نَسْمَةَ بِنْتَ عَمِّهِ إِسْمَاعِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ الرُّومَ بْنَ عِيصٍ، وَكُلُّ بَنِي الْأَصْفَرِ مِنْ وَلَدِهِ، وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ أَشْبَانَ مِنْ وَلَدِهِ. وَنَكَحَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَهُوَ إِسْرَائِيلُ، ابْنَةَ خَالِهِ لَيَّا بِنْتَ لَبَانَ بْنِ بِتْوِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ رُوبِيلَ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِهِ، وَشَمْعُونَ، وَلَاوِيَ وَيَهُوذَا، وَزِبَالُونَ، وَلَشْحَرَ، وَقِيلَ وَيَشْحَرَ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ لَيَّا فَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا رَاحِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ يُوسُفَ وَبِنْيَامِينَ، وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ شَدَّادٌ، وَوُلِدَ لَهُ مِنْ سُرِّيَّتَيْنِ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ: دَانُ، وَنَفْتَالِي، وَجَادُ، وَآشَرُ، وَكَانَ لِيَعْقُوبَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا. قَالَ السُّدِّيُّ: تَزَوَّجَ إِسْحَاقُ بِجَارِيَةٍ فَحَمَلَتْ بِغُلَامَيْنِ، فَلَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَضَعَ أَرَادَ يَعْقُوبُ أَنْ يَخْرُجَ قَبْلَ عِيصٍ، فَقَالَ عِيصٌ: وَاللَّهِ لَئِنْ خَرَجْتَ قَبْلِي لَأَعْتَرِضَنَّ فِي بَطْنِ أُمِّي
وَلَأَقْتُلَنَّهَا. فَتَأَخَّرَ يَعْقُوبُ وَخَرَجَ عِيصٌ، وَأَخَذَ يَعْقُوبُ بِعَقِبِ عِيصٍ، فَسُمِّيَ يَعْقُوبَ وَسُمِّيَ أَخُوهُ عِيصًا لِعِصْيَانِهِ. وَكَانَ عِيصٌ أَحَبَّهُمَا إِلَى أَبِيهِ وَيَعْقُوبُ أَحَبَّهُمَا إِلَى أُمِّهِ. وَكَانَ عِيصٌ صَاحِبَ صَيْدٍ، فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ لَمَّا كَبِرَ وَعَمِيَ. يَا بُنَيَّ أَطْعِمْنِي لَحْمَ صَيْدٍ وَاقْتَرِبْ مِنِّي أَدْعُو لَكَ بِدُعَاءٍ دَعَا لِي بِهِ أَبِي. وَكَانَ عِيصٌ رَجُلًا أَشْعَرَ، وَكَانَ يَعْقُوبُ أَجْرَدَ، وَسَمِعَتْ أُمُّهُمَا ذَلِكَ وَقَالَتْ لِيَعْقُوبَ: يَا بُنَيَّ، اذْبَحْ شَاةً، وَاشْوِهَا، وَالْبَسْ جِلْدَهَا وَقَرِّبْهَا إِلَى أَبِيكَ، وَقُلْ لَهُ: أَنَا ابْنُكَ عِيصٌ، فَفَعَلَ ذَلِكَ يَعْقُوبُ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: يَا أَبَتَاهُ كُلْ. قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا ابْنُكَ عِيصٌ. فَمَسَحَهُ إِسْحَاقُ، فَقَالَ: الْمَسُّ مَسُّ عِيصٍ وَالرِّيحُ رِيحُ يَعْقُوبَ. قَالَتْ أُمُّهُ: إِنَّهُ عِيصٌ فَكُلْ. فَأَكَلَ وَدَعَا لَهُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ فِي ذُرِّيَّتِهِ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُلُوكَ. وَقَامَ يَعْقُوبُ وَجَاءَ عِيصٌ، وَكَانَ فِي الصَّيْدِ، فَقَالَ لِأَبِيهِ: قَدْ جِئْتُكَ بِالصَّيْدِ الَّذِي طَلَبْتَ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ قَدْ سَبَقَكَ أَخُوكَ. فَحَلَفَ عِيصٌ لَيَقْتُلَنَّ يَعْقُوبَ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، قَدْ بَقِيَتْ لَكَ دَعْوَةٌ، فَدَعَا لَهُ أَنْ يَكُونَ ذُرِّيَّتَهُ عَدَدَ التُّرَابِ وَأَنْ لَا يَمْلِكَهُمْ غَيْرُهُمْ. وَهَرَبَ يَعْقُوبُ خَوْفًا مِنْ أَخِيهِ إِلَى خَالِهِ، وَكَانَ يَسْرِي بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنُ بِالنَّهَارِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ إِسْرَائِيلَ. ثُمَّ إِنَّ يَعْقُوبَ تَزَوَّجَ ابْنَتَيْ خَالِهِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23] . وَوُلِدَ لَهُ مِنْهُمَا، فَمَاتَتْ رَاحِيلُ فِي نِفَاسِهَا بِبِنْيَامِينَ. وَأَرَادَ يَعْقُوبُ الرُّجُوعَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَعْطَاهُ خَالُهُ قَطِيعَ غَنَمٍ، فَلَمَّا ارْتَحَلُوا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَفَقَةٌ، فَقَالَتْ زَوْجَةُ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ: اسْرِقْ صَنَمًا مِنْ أَصْنَامِ أَبِي نَسْتَنْفِقْ مِنْهُ. فَسَرَقَ صَنَمًا مِنْ أَصْنَامِ أَبِيهَا. وَأَحَبَّ يَعْقُوبُ يُوسُفَ وَأَخَاهُ بِنْيَامِينَ حُبًّا شَدِيدًا لِيُتْمِهِمَا، وَقَالَ يَعْقُوبُ لِرَاعٍ مِنَ الرُّعَاةِ: إِذَا أَتَاكُمْ أَحَدٌ يَسْأَلُكُمْ مَنْ أَنْتُمْ، فَقُولُوا: نَحْنُ لِيَعْقُوبَ عَبْدِ عِيصٍ. فَلَقِيَهُمْ عِيصٌ، فَسَأَلَهُمْ فَأَجَابَهُ الرَّاعِي بِذَلِكَ الْجَوَابِ، فَكَفَّ عِيصٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَنَزَلَ يَعْقُوبُ الشَّامَ، وَمَاتَ إِسْحَاقُ بِالشَّامِ، وَعُمُرُهُ مِائَةٌ وَسِتُّونَ سَنَةً وَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قصة أيوب عليه السلام
[قِصَّةُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ] وَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الرُّومِ مِنْ وَلَدِ عِيصٍ، وَهُوَ أَيُّوبُ بْنُ مُوصِ بْنِ رَازَجَ بْنِ عِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ: مُوصِ بْنِ رُوعِيلَ بْنِ عِيصٍ. وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ الَّتِي أُمِرَ أَنْ يَضْرِبَهَا بِالضِّغْثِ لَيَّا ابْنَةَ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، وَقِيلَ: هِيَ رَحْمَةُ ابْنَةُ أَفْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مِنْ وَلَدِ لُوطٍ، وَكَانَ دِينُهُ التَّوْحِيدَ وَالْإِصْلَاحَ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِذَا أَرَادَ حَاجَةً سَجَدَ ثُمَّ طَلَبَهَا. وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ وَسَبَبِ بَلَائِهِ أَنَّ إِبْلِيسَ سَمِعَ تَجَاوُبَ الْمَلَائِكَةِ بِالصَّلَاةِ عَلَى أَيُّوبَ حِينَ ذَكَرَهُ اللَّهُ فَحَسَدَهُ، وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُسَلِّطَهُ عَلَيْهِ لِيَفْتِنَهُ عَنْ دِينِهِ، فَسَلَّطَهُ عَلَى مَالِهِ حَسْبَ، فَجَمَعَ إِبْلِيسُ عُظَمَاءَ أَصْحَابِهِ مِنَ الْعَفَارِيتِ، وَكَانَ لِأَيُّوبَ الْبَثَنِيَّةُ جَمِيعُهَا مِنْ
أَعْمَالِ دِمَشْقَ بِمَا فِيهَا، وَكَانَ لَهُ فِيهَا أَلْفُ شَاةٍ بِرُعَاتِهَا وَخَمْسُمِائَةِ فَدَّانٍ يَتْبَعُهَا خَمْسُمِائَةِ عَبْدٍ لِكُلِّ عَبْدٍ امْرَأَةٌ وَوَلَدٌ وَمَالٌ، وَيَحْمِلُ آلَةَ الْفَدَّانِ أَتَانٌ، وَلِكُلِّ أَتَانٍ وَلَدٌ، وَاثْنَانِ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، فَلَمَّا جَمَعَهُمْ إِبْلِيسُ قَالَ: مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَإِنِّي قَدْ تَسَلَّطْتُ عَلَى مَالِ أَيُّوبَ. فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ قَوْلًا، فَأَرْسَلَهُمْ، فَأَهْلَكُوا مَالَهُ كُلَّهُ، وَأَيُّوبُ يَحْمَدُ اللَّهَ وَلَا يَرْجِعُ عَنِ الْجِدِّ فِي عِبَادَتِهِ، وَالشُّكْرِ لَهُ عَلَى مَا أَعْطَاهُ، وَالصَّبْرِ عَلَى مَا ابْتَلَاهُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إِبْلِيسُ مِنْ أَمْرِهِ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُسَلِّطَهُ عَلَى وَلَدِهِ، فَسَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ سُلْطَانًا عَلَى جَسَدِهِ وَلَا عَقْلِهِ وَقَلْبِهِ، فَأَهْلَكَ وَلَدَهُ كُلَّهُمْ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ مُتَمَثِّلًا بِمُعَلِّمِهِمُ الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُهُمُ الْحِكْمَةَ جَرِيحًا مَشْدُوخًا يُرَقِّقُهُ حَتَّى رَقَّ أَيُّوبُ فَبَكَى وَقَبَضَ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ فَوَضَعَهَا عَلَى رَأْسِهِ فَسُرَّ بِذَلِكَ إِبْلِيسُ. ثُمَّ إِنَّ أَيُّوبَ نَدِمَ لِذَلِكَ وَجَدَّ وَاسْتَغْفَرَ، فَصَعِدَ حَفَظَتُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِتَوْبَتِهِ إِلَى اللَّهِ قَبْلَ إِبْلِيسَ، فَلَمَّا لَمْ يَرْجِعْ أَيُّوبُ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ وَالصَّبْرِ عَلَى مَا ابْتَلَاهُ بِهِ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُسَلِّطَهُ عَلَى جَسَدِهِ، فَسَلَّطَهُ عَلَى جَسَدِهِ، فَسَلَّطَهُ عَلَيْهِ خَلَا لِسَانَهُ وَقَلْبَهُ وَعَقْلَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ سُلْطَانًا. فَجَاءَهُ وَهُوَ سَاجِدٌ فَنَفَخَ فِي مِنْخَرِهِ نَفْخَةً اشْتَعَلَ مِنْهَا جَسَدُهُ وَصَارَ أَمْرُهُ إِلَى أَنِ انْتَثَرَ لَحْمُهُ وَامْتَلَأَ جَسَدُهُ دُودًا، فَإِنْ كَانَتِ الدُّودَةُ لَتَسْقُطُ مِنْ جَسَدِهِ فَيَرُدُّهَا إِلَيْهِ وَيَقُولُ: كُلِي مِنْ رِزْقِ اللَّهِ، وَأَصَابَهُ الْجُذَامُ، وَكَانَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ فِي جَسَدِهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ يَتَفَقَّأُ، وَأَنْتَنَ حَتَّى لَمْ يُطِقْ أَحَدٌ يَشُمُّ رِيحَهُ، فَأَخْرَجَهُ أَهْلُ الْقَرْيَةِ مِنْهَا إِلَى الْكُنَاسَةِ خَارِجَ الْقَرْيَةِ لَا يَقْرَبُهُ أَحَدٌ إِلَّا زَوْجَتُهُ، وَكَانَتْ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ بِمَا يُصْلِحُهُ، فَبَقِيَ مَطْرُوحًا عَلَى الْكُنَاسَةِ سَبْعَ سِنِينَ مَا يَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَكْشِفَ مَا بِهِ، وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ بَلَائِهِ أَنَّ أَرْضَ الشَّامِ أَجْدَبَتْ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ إِلَى أَيُّوبَ أَنْ هَلُمَّ إِلَيْنَا فَإِنَّ لَكَ عِنْدَنَا سَعَةً، فَأَقْبَلَ بِأَهْلِهِ وَخَيْلِهِ وَمَاشِيَتِهِ، فَأَقْطَعَهُمْ فِرْعَوْنُ الْقَطَائِعَ. ثُمَّ إِنَّ شُعَيْبًا النَّبِيَّ دَخَلَ إِلَى فِرْعَوْنَ فَقَالَ: يَا فِرْعَوْنُ، أَمَا تَخَافُ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ غَضْبَةً
فَيَغْضَبَ لِغَضَبِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَأَهْلُ الْأَرْضِ وَالْبِحَارُ، وَالْجِبَالُ؟ وَأَيُّوبُ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَلَمَّا خَرَجَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَيُّوبَ: يَا أَيُّوبُ، سَكَتَّ عَنْ فِرْعَوْنَ لِذَهَابِكَ إِلَى أَرْضِهِ، اسْتَعِدَّ لِلْبَلَاءِ. فَقَالَ أَيُّوبُ: أَمَا كُنْتُ أَكْفُلُ الْيَتِيمَ وَأُؤْوِي الْغَرِيبَ، وَأُشْبِعُ الْجَائِعَ، وَأَكْفِي الْأَرْمَلَةَ؟ فَمَرَّتْ سَحَابَةٌ يُسْمَعُ فِيهَا عَشَرَةُ آلَافٍ مِنَ الصَّوَاعِقِ يَقُولُونَ: مَنْ فَعَلَ بِكَ ذَلِكَ يَا أَيُّوبُ؟ فَأَخَذَ تُرَابًا فَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ: أَنْتَ يَا رَبِّ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: اسْتَعِدَّ لِلْبَلَاءِ. قَالَ: فَدِينِي؟ قَالَ: أُسَلِّمُهُ لَكَ. قَالَ: فَمَا أُبَالِي. وَقِيلَ: كَانَ السَّبَبُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُوَ نَحْوٌ مِمَّا ذَكَرْنَا. فَلَمَّا ابْتَلَاهُ اللَّهُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنَّكَ رَجُلٌ مُجَابَ الدَّعْوَةِ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَشْفِيَكَ. فَقَالَ: كُنَّا فِي النَّعْمَاءِ سَبْعِينَ سَنَةً فَلْنَصْبِرْ فِي الْبَلَاءِ سَبْعِينَ سَنَةً، وَاللَّهِ لَئِنْ شَفَانِي اللَّهُ لَأَجْلِدَنَّكِ مِائَةَ جَلْدَةٍ. وَقِيلَ: إِنَّمَا أَقْسَمَ لَيَجْلِدَنَّهَا لِأَنَّ إِبْلِيسَ ظَهَرَ لَهَا وَقَالَ: بِمَ أَصَابَكُمْ مَا أَصَابَكُمْ؟ قَالَتْ: بِقَدَرِ اللَّهِ. قَالَ: وَهَذَا أَيْضًا بِقَدَرِ اللَّهِ فَاتَّبِعِينِي، فَاتَّبَعَتْهُ، فَأَرَاهَا جَمِيعَ مَا ذَهَبَ مِنْهُمْ فِي وَادٍ، وَقَالَ: اسْجُدِي لِي وَأَرُدُّهُ عَلَيْكَمْ. فَقَالَتْ: إِنَّ لِي زَوْجًا أَسْتَأْمِرُهُ. فَلَمَّا أَخْبَرَتْ أَيُّوبَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْطَانُ؟ لَئِنْ شُفِيتُ لَأَجْلِدَنَّكِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَأَبْعَدَهَا، وَقَالَ لَهَا: طَعَامُكِ وَشَرَابُكِ عَلَيَّ حَرَامٌ لَا أَذُوقُ مِمَّا تَأْتِينِي بِهِ شَيْئًا فَابْعُدِي عَنِّي فَلَا أَرَاكِ. فَذَهَبَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا رَأَى أَيُّوبُ أَنَّ امْرَأَتَهُ قَدْ طَرَدَهَا وَلَيْسَ عِنْدَهُ طَعَامٌ، وَلَا شَرَابٌ، وَلَا صَدِيقٌ خَرَّ سَاجِدًا، وَقَالَ: رَبِّ {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] كَرَّرَ ذَلِكَ. فَقِيلَ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ، {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42] ، وَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ جَسَدَهُ وَصُورَتَهُ.
وَأَمَّا امْرَأَتُهُ فَقَالَتْ: كَيْفَ أَتْرُكُهُ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ، يَمُوتُ جُوعًا وَتَأْكُلُهُ السِّبَاعُ؟ فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ فَرَأَتْ أَيُّوبَ وَقَدْ عُوفِيَ، فَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَعَجِبَتْ حَيْثُ لَمْ تَرَهُ عَلَى حَالِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَلْ رَأَيْتَ ذَلِكَ الرَّجُلَ الْمُبْتَلَى الَّذِي كَانَ هَهُنَا؟ قَالَ: وَهَلْ تَعْرِفِينَهُ إِذَا رَأَيْتِهِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: هُوَ أَنَا. فَعَرَفَتْهُ. وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ: مَسَّنِيَ الضُّرُّ لَمَّا وَصَلَ الدُّودُ إِلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ خَافَ أَنْ يَبْطُلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْفِكْرِ. وَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ، قِيلَ هُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، وَقِيلَ: رَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَرَدَّ إِلَيْهَا شَبَابَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ سِتَّةً وَعِشْرِينَ ذَكَرًا وَأَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَقَالَ: يَا أَيُّوبُ، إِنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ لِصَبْرِكَ عَلَى الْبَلَاءِ. اخْرُجْ إِلَى أَنْدَرِكَ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَةً فَأَلْقَتْ عَلَيْهِ جَرَادًا مِنْ ذَهَبٍ، وَكَانَتِ الْجَرَادَةُ تَذْهَبُ فَيَتْبَعُهَا حَتَّى يَرُدَّهَا فِي أَنْدَرِهِ، فَقَالَ الْمَلَكُ: أَمَا تَشْبَعُ مِنَ الدَّاخِلِ حَتَّى تَتْبَعَ الْخَارِجَ؟ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْبَرَكَةَ مِنْ بَرَكَاتِ رَبِّي لَسْتُ أَشْبَعُ مِنْهَا. وَعَاشَ أَيُّوبُ بَعْدَ أَنْ رُفِعَ عَنْهُ الْبَلَاءُ سَبْعِينَ سَنَةً، وَلَمَّا عُوفِيَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَأْخُذَ عُرْجُونًا مِنَ النَّخْلِ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَيَضْرِبَ بِهِ زَوْجَتَهُ لِيَبَرَّ مِنْ يَمِينِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. وَقَوْلُ أَيُّوبَ: رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ، دُعَاءٌ لَيْسَ بِشَكْوَى، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء: 84] . وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ أَيُّوبَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ جَارٍ عَيْنُهُ تَرَانِي إِنْ رَأَى حَسَنَةً سَتَرَهَا وَإِنْ رَأَى سَيِّئَةً ذَكَرَهَا. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ دُعَائِهِ أَنَّهُ كَانَ قَدِ اتَّبَعَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ عَلَى دِينِهِ اسْمُ أَحَدِهِمْ بَلْدَدُ
وَالْآخَرُ الِيفَرُ، وَالثَّالِثُ صَافَرُ، فَانْطَلَقُوا إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الْبَلَاءِ فَبَكَّتُوهُ أَشَدَّ تَبْكِيتٍ، وَقَالُوا لَهُ: لَقَدْ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا مَا أَذَنَبَهُ أَحَدٌ، فَلِهَذَا لَمْ يُكْشَفِ الْعَذَابُ عَنْكَ. وَطَالَ الْجِدَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَقَالَ فَتًى كَانَ مَعَهُمْ لَهُمْ كَلَامًا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: قَدْ تَرَكْتُمْ مِنَ الْقَوْلِ أَحْسَنَهُ، وَمِنَ الرَّأْيِ أَصْوَبَهُ، وَمِنَ الْأَمْرِ أَجْمَلَهُ، وَقَدْ كَانَ لِأَيُّوبَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْحَقِّ وَالذِّمَامِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي وَصَفْتُمْ، فَهَلْ تَدْرُونَ حَقَّ مَنِ انْتَقَصْتُمْ وَحُرْمَةَ مَنِ انْتَهَكْتُمْ، وَمَنِ الرَّجُلُ الَّذِي عِبْتُمْ؟ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَيُّوبَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ يَوْمَكُمْ هَذَا؟ ثُمَّ لَمْ تَعْلَمُوا وَلَمْ يَعْلَمْكُمُ اللَّهُ أَنَّهُ سَخِطَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ وَلَا أَنَّهُ نَزَعَ شَيْئًا مِنَ الْكَرَامَةِ الَّتِي كَرَّمَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ وَلَا أَنَّ أَيُّوبَ فَعَلَ غَيْرَ الْحَقِّ فِي طُولِ مَا صَحِبْتُمُوهُ، فَإِنْ كَانَ الْبَلَاءُ هُوَ الَّذِي أَزْرَى بِهِ عِنْدَكُمْ وَوَضَعَهُ فِي نُفُوسِكُمْ، فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءَ، وَالصَّالِحِينَ وَلَيْسَ بَلَاؤُهُ لِأُولَئِكَ دَلِيلًا عَلَى سُخْطِهِ عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى هَوَانِهِمْ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهَا كَرَامَةٌ وَخَيْرَةٌ لَهُمْ. وَأَطَالَ فِي هَذَا النَّحْوِ مِنَ الْكَلَامِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: وَقَدْ كَانَ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَذِكْرِ الْمَوْتِ مَا يَكِلُّ أَلْسِنَتَكُمْ وَيَكْسِرُ قُلُوبَكُمْ وَيَقْطَعُ حُجَّتَكُمْ، أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا أَسْكَتَتْهُمْ خَشْيَتُهُ عَنِ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ عَيٍّ وَلَا بَكَمٍ؟ وَإِنَّهُمْ لَهُمُ الْفُصَحَاءُ الْأَلِبَّاءُ الْعَالِمُونَ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا ذَكَرُوا عَظْمَةَ اللَّهِ انْكَسَرَتْ قُلُوبُهُمْ، وَانْقَطَعَتْ أَلْسِنَتُهُمْ، وَطَاشَتْ أَحْلَامُهُمْ، وَعُقُولُهُمْ فَزَعًا مِنَ اللَّهِ وَهَيْبَةً لَهُ، فَإِذَا أَفَاقُوا اسْتَبَقُوا إِلَى اللَّهِ بِالْأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ يَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ مَعَ الظَّالِمِينَ وَإِنَّهُمْ لَأَبْرَارٌ، وَمَعَ الْمُقَصِّرِينَ وَإِنَّهُمْ لَأَكْيَاسٌ أَتْقِيَاءُ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَكْثِرُونَ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - الْكَثِيرَ وَلَا يَرْضَوْنَ لَهُ الْقَلِيلَ وَلَا يُدِلُّونَ عَلَيْهِ بِالْأَعْمَالِ فَهُمْ أَيْنَمَا لَقِيتَهُمْ خَائِفُونَ مَهِيمُونَ وَجِلُونَ. فَلَمَّا سَمِعَ أَيُّوبُ كَلَامَهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَزْرَعُ الْحِكْمَةَ بِالرَّحْمَةِ فِي قَلْبِ الصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ، فَمَتَّى كَانَتْ فِي الْقَلْبِ ظَهَرَتْ عَلَى اللِّسَانِ وَلَا تَكُونُ الْحِكْمَةُ مِنْ قِبَلِ السِّنِّ، وَالشَّيْبَةِ، وَلَا طُولِ التَّجْرِبَةِ، وَإِذَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا حَكِيمًا عِنْدَ الصِّبَا لَمْ تَسْقُطْ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ الْحُكَّامِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الثَّلَاثَةِ، فَقَالَ: رَهِبْتُمْ قَبْلَ أَنْ تُسْتَرْهَبُوا، وَبَكَيْتُمْ قَبْلَ أَنْ
تُضْرَبُوا، كَيْفَ بِكُمْ لَوْ قُلْتُ لَكُمْ تَصَدَّقُوا عَنِّي بِأَمْوَالِكُمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي، أَوْ قَرِّبُوا قُرْبَانًا لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَقَبَّلَ وَيَرْضَى عَنِّي؟ وَإِنَّكُمْ قَدْ أَعْجَبَتْكُمْ أَنْفُسُكُمْ فَظَنَنْتُمْ أَنَّكُمْ عُوفِيتُمْ بِإِحْسَانِكُمْ فَبَغَيْتُمْ وَتَعَزَّزْتُمْ، لَوْ صَدَقْتُمْ وَنَظَرْتُمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ لَوَجَدْتُمْ لَكُمْ عُيُوبًا سَتَرَهَا اللَّهُ بِالْعَافِيَةِ، وَقَدْ كُنْتُ فِيمَا خَلَا وَالرِّجَالُ يُوَقِّرُونَنِي وَأَنَا مَسْمُوعٌ كَلَامِي، مَعْرُوفٌ مِنْ حَقِّي، مُنْتَصَفٌ مِنْ خَصْمِي، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ وَلَيْسَ لِي رَأْيٌ وَلَا كَلَامٌ مَعَكُمْ، فَأَنْتُمْ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ مُصِيبَتِي. ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُمْ، وَأَقْبَلَ عَلَى رَبِّهِ مُسْتَغِيثًا بِهِ مُتَضَرِّعًا إِلَيْهِ، فَقَالَ: رَبِّ، لِأَيِّ شَيْءٍ خَلَقْتَنِي! لَيْتَنِي إِنْ كَرِهْتَنِي لَمْ تَخْلُقْنِي، يَا لَيْتَنِي كُنْتُ حَيْضَةً مُلْقَاةً، وَيَا لَيْتَنِي عَرَفْتُ الذَّنْبَ الَّذِي أَذْنَبْتُ فَصَرَفْتَ وَجْهَكَ الْكَرِيمَ عَنِّي! لَوْ كُنْتَ أَمَتَّنِي فَالْمَوْتُ أَجْمَلُ بِي! أَلَمْ أَكُنْ لِلْغَرِيبِ دَارًا، وَلِلْمِسْكِينِ قَرَارًا، وَلِلْيَتِيمِ وَلِيًّا، وَلِلْأَرْمَلَةِ قَيِّمًا؟ إِلَهِي أَنَا عَبْدٌ ذَلِيلٌ إِنْ أَحْسَنْتُ فَالْمَنُّ لَكَ، وَإِنْ أَسَأْتُ فَبِيَدِكَ عُقُوبَتِي! جَعَلْتَنِي لِلْبَلَاءِ غَرَضًا فَقَدْ وَقَعَ عَلِيَّ الْبَلَاءُ لَوْ سَلَّطْتَهُ عَلَى جَبَلٍ لَضَعُفَ عَنْ حَمْلِهِ فَكَيْفَ يَحْمِلُهُ ضَعْفِي! ذَهَبَ الْمَالُ فَصِرْتُ أَسْأَلُ بِكَفِّي فَيُطْعِمُنِي مَنْ كُنْتُ أَعُولُهُ اللُّقْمَةَ الْوَاحِدَةَ فَيَمُنُّهَا عَلَيَّ وَيُعَيِّرُنِي! هَلَكَ أَوْلَادِي، وَلَوْ بَقِيَ أَحَدُهُمْ أَعَانَنِي. فَقَدْ مَلَّتْنِي أَهْلِي وَعَقَّنِي أَرْحَامِي فَتَنَكَّرَتْ مَعَارِفِي، وَرَغِبَ عَنِّي صَدِيقِي، وَجُحِدَتْ حُقُوقِي، وَنُسِيَتْ صَنَائِعِي. أَصْرُخُ فَلَا يُصْرِخُونَنِي، وَأَعْتَذِرُ فَلَا يَعْذِرُونَنِي. دَعَوْتُ غُلَامِي فَلَمْ يُجِبْنِي، وَتَضَرَّعْتُ إِلَى أَمَتِي فَلَمْ تَرْحَمْنِي، وَإِنَّ قَضَاءَكَ هُوَ الَّذِي آذَانِي وَأَقْمَأَنِي، وَإِنَّ سُلْطَانَكَ هُوَ الَّذِي أَسْقَمَنِي. فَلَوْ أَنَّ رَبِّي نَزَعَ الْهَيْبَةَ الَّتِي فِي صَدْرِي وَأَطْلَقَ لِسَانِي حَتَّى أَتَكَلَّمَ مِلْءَ فَمِي، ثُمَّ كَانَ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُحَاجَّ مَوْلَاهُ عَنْ نَفْسِهِ - لَرَجَوْتُ أَنْ تُعَافِيَنِي عِنْدَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ أَلْقَانِي وَعَلَا عَنِّي فَهُوَ يَرَانِي وَلَا أَرَاهُ، وَيَسْمَعُنِي وَلَا أَسْمَعُهُ، لَا نَظَرَ إِلَيَّ فَرَحِمَنِي، وَلَا دَنَا مِنِّي فَأَتَكَلَّمَ بِبَرَاءَتِي وَأُخَاصِمَ عَنْ نَفْسِي. فَلَمَّا قَالَ أَيُّوبُ ذَلِكَ أَظَلَّتْهُمْ غَمَامَةٌ وَنُودِيَ مِنْهَا: يَا أَيُّوبُ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ قَدْ دَنَوْتُ مِنْكَ وَلَمْ أَزَلْ مِنْكَ قَرِيبًا، فَقُمْ فَأَدْلِ بِحُجَّتِكَ، وَتَكَلَّمْ بِبَرَاءَتِكَ، وَقُمْ مَقَامَ جَبَّارٍ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَاصِمَنِي إِلَّا جَبَّارٌ. تَجْعَلُ الزِّيَارَ فِي فَمِ الْأَسَدِ، وَاللِّجَامَ فِي فَمِ التِّنِّينِ،
وَتَكِيلُ مِكْيَالًا مِنَ النُّورِ، وَتَزِنُ مِثْقَالًا مِنَ الرِّيحِ، وَتُصِرُّ صُرَّةً مِنَ الشَّمْسِ، وَتَرُدُّ أَمْسِ. لَقَدْ مَنَّتْكَ نَفْسُكَ أَمْرًا لَا تَبْلُغُهُ بِمِثْلِ قُوَّتِكَ. أَرَدْتَ أَنْ تُكَابِرَنِي بِضَعْفِكَ أَمْ تُخَاصِمَنِي بِعَيِّكَ أَمْ تُحَاجِّنِي بِخَطَلِكَ! أَيْنَ أَنْتَ مِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ الْأَرْضَ؟ هَلْ عَلِمْتَ بِأَيِّ مِقْدَارٍ قَدَّرْتُهَا؟ أَيْنَ كُنْتَ مَعِي يَوْمَ رَفَعْتُ السَّمَاءَ سَقْفًا فِي الْهَوَاءِ لَا بِعَلَائِقَ وَلَا بِدَعَائِمَ تَحْمِلُهَا؟ هَلْ تَبْلُغُ حِكْمَتُكَ أَنْ تُجْرِيَ نُورَهَا، أَوْ تُسَيِّرَ نُجُومَهَا، أَوْ يَخْتَلِفَ بِأَمْرِكَ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا؟ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ مِنْ مَصْنُوعَاتِ اللَّهِ. فَقَالَ أَيُّوبُ: قَصَّرْتُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ! لَيْتَ الْأَرْضَ انْشَقَّتْ لِي فَذَهَبْتُ فِيهَا وَلَمْ أَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ يُسْخِطُكَ! إِلَهِي اجْتَمَعَ عَلَيَّ الْبَلَاءُ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الَّذِي ذَكَرْتَ صُنْعُ يَدَيْكَ، وَتَدْبِيرُ حِكْمَتِكَ لَا يُعْجِزُكَ شَيْءٌ وَلَا تَخْفَى عَلَيْكَ خَافِيَةٌ، تَعْلَمُ مَا تُخْفِي الْقُلُوبُ، وَقَدْ عَلِمْتَ بَلَائِي مَا لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُهُ. كُنْتُ أَسْمَعُ بِسَطْوَتِكَ سَمْعًا فَأَمَّا الْآنَ فَهُوَ نَظَرُ الْعَيْنِ. وَإِنَّمَا تَكَلَّمْتُ بِمَا تَكَلَّمْتُ بِهِ لِتَعْذِرَنِي، وَسَكَتُّ لِتَرْحَمَنِي، وَقَدْ وَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى فَمِي، وَعَضِضْتُ عَلَى لِسَانِي، وَأَلْصَقْتُ بِالتُّرَابِ خَدِّي فَدَسَسْتُ فِيهِ وَجْهِي فَلَا أَعُودُ لِشَيْءٍ تَكْرَهُهُ. وَدَعَا. فَقَالَ اللَّهُ: يَا أَيُّوبُ، نَفَذَ فِيكَ حُكْمِي، وَسَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، قَدْ غَفَرْتُ لَكَ وَرَدَدْتُ عَلَيْكَ أَهْلَكَ، وَمَالَكَ، وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَعِبْرَةً لِأَهْلِ الْبَلَاءِ وَعَزَاءً لِلصَّابِرِينَ، فَـ {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42] فِيهِ شِفَاءٌ، وَقَرِّبْ عَنْ أَصْحَابِكَ قُرْبَانًا وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ عَصَوْنِي فِيكَ. فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ فَانْفَجَرَتْ لَهُ عَيْنُ مَاءٍ، فَاغْتَسَلَ فِيهَا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ الْبَلَاءَ، ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ وَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فَسَأَلَتْهُ عَنْهُ فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفِينَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، مَالِي لَا أَعْرِفُهُ! فَتَبَسَّمَ، فَعَرَفَتْهُ بِضَحِكِهِ، فَاعْتَنَقَتْهُ فَلَمْ تُفَارِقْهُ مِنْ عِنَاقِهِ حَتَّى مَرَّ بِهِمَا كُلُّ مَالٍ لَهُمَا وَوَلَدٍ. وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ قَبْلَ يُوسُفَ وَقِصَّتِهِ لِمَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَمْرِهِ وَأَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا فِي عَهْدِ يَعْقُوبَ.
وَذُكِرَ أَنَّ عُمُرَ أَيُّوبَ كَانَ ثَلَاثًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَأَنَّهُ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ إِلَى ابْنِهِ حَوْمَلَ، وَأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ بَعْدَهُ ابْنَهُ بِشْرَ بْنَ أَيُّوبَ نَبِيًّا وَسَمَّاهُ ذَا الْكِفْلِ، وَكَانَ مُقِيمًا بِالشَّامِ حَتَّى مَاتَ، وَكَانَ عُمُرُهُ خَمْسًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، فَأَوْصَى إِلَى ابْنِهِ عَبْدَانَ، وَأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ بَعْدَهُ شُعَيْبَ بْنَ ضَيْعُونَ بْنِ عُنُقَا بْنِ ثَابِتِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
ذكر قصة يوسف عليه السلام
[ذِكْرُ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ] ذَكَرُوا أَنَّ إِسْحَاقَ تُوُفِّيَ وَعُمُرُهُ سِتُّونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ، وَقَبْرُهُ عِنْدَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، قَبَرَهُ ابْنَاهُ يَعْقُوبُ وَعِيصٌ فِي مَزْرَعَةِ حَبْرُونَ، وَكَانَ عُمُرُ يَعْقُوبَ مِائَةً وَسَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ ابْنُهُ يُوسُفُ قَدْ قُسِمَ لَهُ وَلِأُمِّهِ شَطْرُ الْحُسْنِ، وَكَانَ يَعْقُوبُ قَدْ دَفَعَهُ إِلَى أُخْتِهِ ابْنَةِ إِسْحَاقَ تَحْضُنُهُ، فَأَحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا وَأَحَبَّهُ يَعْقُوبُ أَيْضًا حُبًّا شَدِيدًا، فَقَالَ لِأُخْتِهِ: يَا أُخَيَّةُ، سَلِّمِي إِلَيَّ يُوسُفَ فَوَاللَّهِ مَا أَقْدِرُ أَنْ يَغِيبَ عَنِّي سَاعَةً. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَنَا بِتَارِكَتِهِ سَاعَةً. فَأَصَرَّ يَعْقُوبُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهَا، فَقَالَتْ: اتْرُكْهُ عِنْدِي أَيَّامًا لَعَلَّ ذَلِكَ يُسَلِّينِي، ثُمَّ عَمَدَتْ إِلَى مِنْطَقَةِ إِسْحَاقَ، وَكَانَتْ عِنْدَهَا، لِأَنَّهَا كَانَتْ أَكْبَرَ وَلَدِهِ، فَحَزَمَتْهَا عَلَى وَسَطِ يُوسُفَ ثُمَّ قَالَتْ: قَدْ فَقَدْتُ الْمِنْطَقَةَ فَانْظُرُوا مَنْ أَخَذَهَا. فَالْتُمِسَتْ، فَقَالَتْ: اكْشِفُوا أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ. فَكَشَفُوهُمْ فَوَجَدُوهَا مَعَ يُوسُفَ، وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِمْ أَنَّ صَاحِبَ السَّرِقَةِ يَأْخُذُ السَّارِقَ لَهُ لَا يُعَارِضُهُ فِيهِ أَحَدٌ، فَأَخَذَتْ يُوسُفَ فَأَمْسَكَتْهُ عِنْدَهَا حَتَّى مَاتَتْ وَأَخَذَهُ يَعْقُوبُ بَعْدَ مَوْتِهَا. فَهَذَا الَّذِي تَأَوَّلَ إِخْوَةُ يُوسُفَ: {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} [يوسف: 77] وَقِيلَ فِي سَرِقَتِهِ غَيْرُ هَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ. فَلَمَّا رَأَى إِخْوَةُ يُوسُفَ مَحَبَّةَ أَبِيهِمْ لَهُ وَإِقْبَالَهُ عَلَيْهِ حَسَدُوهُ وَعَظُمَ عِنْدَهُمْ.
ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ تَسْجُدُ لَهُ، فَقَصَّهَا عَلَى أَبِيهِ، وَكَانَ عُمُرُهُ حِينَئِذٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: {يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف: 5] . ثُمَّ عَبَرَ لَهُ رُؤْيَاهُ. فَقَالَ {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف: 6] . وَسَمِعَتِ امْرَأَةُ يَعْقُوبَ مَا قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ فَقَالَ لَهَا يَعْقُوبُ: اكْتُمِي مَا قَالَ يُوسُفُ وَلَا تُخْبِرِي أَوْلَادَكِ. قَالَتْ: نَعَمْ. فَلَمَّا أَقْبَلَ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ مِنَ الرَّعْيِ أَخْبَرَتْهُمْ بِالرُّؤْيَا، فَازْدَادُوا حَسَدًا وَكَرَاهَةً لَهُ، وَقَالُوا: مَا عَنَى بِالشَّمْسِ غَيْرَ أَبِينَا، وَلَا بِالْقَمَرِ غَيْرَكِ، وَلَا بِالْكَوَاكِبِ غَيْرَنَا، إِنَّ ابْنَ رَاحِيلَ يُرِيدُ أَنْ يَتَمَلَّكَ عَلَيْنَا وَيَقُولَ أَنَا سَيِّدُكُمْ. وَتَآمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ، وَقَالُوا: {لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [يوسف: 8] فِي خَطَإٍ بَيِّنٍ فِي إِيثَارِهِمَا عَلَيْنَا {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} [يوسف: 9] أَيْ تَائِبِينَ. فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ يَهُودَا، وَكَانَ أَفْضَلَهُمْ وَأَعْقَلَهُمْ: لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ فَإِنَّ الْقَتْلَ عَظِيمٌ، {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ} [يوسف: 10] ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعُهُودَ أَنَّهُمْ لَا يَقْتُلُونَهُ، فَأَجْمَعُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَى يَعْقُوبَ وَيُكَلِّمُوهُ فِي إِرْسَالِ يُوسُفَ مَعَهُمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، وَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ وَوَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ إِذَا أَرَادُوا مِنْهُ حَاجَةً، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: مَا حَاجَتُكُمْ؟ {قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} [يوسف: 11] نَحْفَظُهُ حَتَّى نَرُدَّهُ {أَرْسِلْهُ مَعَنَا} [يوسف: 12] إِلَى الصَّحْرَاءِ {غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [يوسف: 12] . فَقَالَ لَهُمْ يَعْقُوبُ: {إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} [يوسف: 13] لَا تَشْعُرُونَ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ يُوسُفَ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَكَأَنَّ عَشَرَةً مِنَ الذِّئَابِ قَدْ شَدُّوا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، وَإِذَا ذِئْبٌ مِنْهَا يَحْمِي عَنْهُ، وَكَأَنَّ الْأَرْضَ انْشَقَّتْ فَذَهَبَ فِيهَا فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلِذَلِكَ خَافَ عَلَيْهِ الذِّئْبَ.
فَقَالَ لَهُ بَنُوهُ: {لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ} [يوسف: 14] . فَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ يُوسُفُ: يَا أَبَتِ أَرْسِلْنِي مَعَهُمْ، قَالَ: أَوَ تُحِبُّ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُ، فَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَخَرَجَ مَعَهُمْ وَهُمْ يُكْرِمُونَهُ، فَلَمَّا بَرَزُوا إِلَى الْبَرِّيَّةِ أَظْهَرُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ وَجَعَلَ بَعْضُ إِخْوَتِهِ يَضْرِبُهُ فَيَسْتَغِيثُ بِالْآخَرِ فَيَضْرِبُهُ، فَجَعَلَ لَا يَرَى مِنْهُمْ رَحِيمًا، فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادُوا يَقْتُلُونَهُ، وَجَعَلَ يَصِيحُ: يَا أَبَتَاهُ يَا يَعْقُوبُ، لَوْ تَعْلَمُ مَا يَصْنَعُ بِابْنِكَ بَنُو الْإِمَاءِ. فَلَمَّا كَادُوا يَقْتُلُونَهُ قَالَ لَهُمْ يَهُودَا: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتُمُونِي مَوْثِقًا أَلَّا تَقْتُلُوهُ؟ فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى الْجُبِّ، فَأَوْثَقُوهُ كِتَافًا وَنَزَعُوا قَمِيصَهُ، وَأَلْقَوْهُ فِيهِ، فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ، رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي أَتَوَارَى بِهِ فِي الْجُبِّ! فَقَالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا تُؤْنِسُكَ. قَالَ: إِنِّي لَمْ أَرَ شَيْئًا، فَدَلَّوْهُ فِي الْجُبِّ، فَلَمَّا بَلَغَ نِصْفَهُ أَلْقَوْهُ، أَرَادُوا أَنْ يَمُوتَ، وَكَانَ فِي الْبِئْرِ مَاءٌ، فَسَقَطَ فِيهِ ثُمَّ أَوَى إِلَى صَخْرَةٍ فَأَقَامَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَادَوْهُ فَظَنَّ أَنَّهُمْ قَدْ رَحِمُوهُ فَأَجَابَهُمْ، فَأَرَادُوا أَنْ يَرْضَخُوهُ بِالْحِجَارَةِ فَمَنَعَهُمْ يَهُودَا. ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [يوسف: 15] بِالْوَحْيِ، وَقِيلَ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّهُ يُوسُفُ. وَالْجُبُّ بِأَرْضِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعْرُوفٌ. ثُمَّ عَادُوا إِلَى أَبِيهِمْ عِشَاءً يَبْكُونَ فَقَالُوا: {يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} [يوسف: 17] . فَقَالَ لَهُمْ أَبُوهُمْ: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 18] . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَرُونِي قَمِيصَهُ. فَأَرَوْهُ. فَقَالَ: تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ ذِئْبًا أَحْلَمَ مِنْ هَذَا! أَكَلَ ابْنِي وَلَمْ يَشُقَّ قَمِيصَهُ! ثُمَّ صَاحَ وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ سَاعَةً، فَلَمَّا أَفَاقَ بَكَى بُكَاءً طَوِيلًا فَأَخَذَ الْقَمِيصَ يُقَبِّلُهُ وَيَشُمُّهُ. وَأَقَامَ يُوسُفُ فِي الْجُبِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ مَلَكًا فَحَلَّ كِتَافَهُ، ثُمَّ {جَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ} [يوسف: 19] ، وَهُوَ الَّذِي يَتَقَدَّمُ إِلَى الْمَاءِ، {فَأَدْلَى دَلْوَهُ} [يوسف: 19] إِلَى الْبِئْرِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ
يُوسُفُ فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجُبِّ، وَ {قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} [يوسف: 19] يَعْنِي الْوَارِدَ وَأَصْحَابَهُ خَافُوا أَنْ يَقُولُوا اشْتَرَيْنَاهُ فَيَقُولَ الرُّفْقَةُ أَشْرِكُونَا فِيهِ فَقَالُوا: إِنَّ أَهْلَ الْمَاءِ اسْتَبْضَعُونَا هَذَا الْغُلَامَ. وَجَاءَ يَهُودَا بِطَعَامٍ لِيُوسُفَ فَلَمْ يَرَهُ فِي الْجُبِّ فَنَظَرَ فَرَآهُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْمَنْزِلِ فَأَخْبَرَ إِخْوَتَهُ بِذَلِكَ، فَأَتَوْا مَالِكًا وَقَالُوا: هَذَا عَبْدٌ آبِقٌ مِنَّا. وَخَافَهُمْ يُوسُفُ فَلَمْ يَذْكُرْ حَالَهُ، وَاشْتَرَوْهُ مِنْ إِخْوَتِهِ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، قِيلَ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَقِيلَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى مِصْرَ، فَكَسَاهُ مَالِكٌ، وَعَرَضَهُ لِلْبَيْعِ، فَاشْتَرَاهُ قُطْفِيرُ وَقِيلَ أُطْفِيرُ، وَهُوَ الْعَزِيزُ، وَكَانَ عَلَى خَزَائِنِ مِصْرَ، وَالْمَلِكُ يَوْمَئِذٍ الرَّيَّانُ بْنُ الْوَلِيدِ رَجُلٌ مِنَ الْعَمَالِقَةِ، قِيلَ: إِنَّ هَذَا الْمَلِكَ لَمْ يَمُتْ حَتَّى آمَنَ بِيُوسُفَ وَمَاتَ وَيُوسُفُ حَيٌّ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَابُوسُ بْنُ مُصْعَبٍ، فَدَعَاهُ يُوسُفُ فَلَمْ يُؤْمِنْ. فَلَمَّا اشْتَرَى يُوسُفَ وَأَتَى بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ قَالَ لِامْرَأَتِهِ، وَاسْمُهَا رَاعِيلُ {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا} [يوسف: 21] [فَيَكْفِيَنَا] إِذَا [هُوَ بَلَغَ وَ] فَهِمَ الْأُمُورَ بَعْضَ مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} [يوسف: 21] ، وَكَانَ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ حَسْنَاءَ نَاعِمَةً فِي مُلْكٍ وَدُنْيَا. فَلَمَّا خَلَا مِنْ عُمُرِ يُوسُفَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً آتَاهُ اللَّهُ الْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَرَاوَدَتْهُ رَاعِيلُ عَنْ نَفْسِهِ وَأَغْلَقَتِ الْأَبْوَابَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا وَدَعَتْهُ إِلَى نَفْسِهَا، فَقَالَ: {مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي} [يوسف: 23] يَعْنِي أَنَّ زَوْجَكِ سَيِّدِي {أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23] ، يَعْنِي أَنَّ خِيَانَتَهُ ظُلْمٌ، وَجَعَلَتْ تَذْكُرُ مَحَاسِنَهُ وَتُشَوِّقُهُ إِلَى نَفْسِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: يَا يُوسُفُ مَا أَحْسَنَ شَعْرَكَ! قَالَ: هُوَ أَوَّلُ مَا يَنْتَثِرُ مِنْ جَسَدِي. قَالَتْ: يَا يُوسُفُ مَا أَحْسَنَ عَيْنَيْكَ! قَالَ: هُمَا أَوَّلُ مَا يَسِيلُ مِنْ جَسَدِي. قَالَتْ: مَا أَحْسَنَ وَجْهَكَ! قَالَ: هُوَ لِلتُّرَابِ. فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى هَمَّتْ وَهَمَّ بِهَا وَذَهَبَ لِيَحُلَّ سَرَاوِيلَهُ، فَإِذَا هُوَ بِصُورَةِ يَعْقُوبَ قَدْ عَضَّ عَلَى إِصْبُعِهِ
يَقُولُ: يَا يُوسُفُ لَا تُوَاقِعْهَا إِنَّمَا مَثَلُكَ مَا لَمْ تُوَاقِعْهَا مَثَلُ الطَّيْرِ فِي جَوِّ السَّمَاءِ لَا يُطَاقُ، وَمَثَلُكَ إِذَا وَاقَعْتَهَا مَثَلُهُ إِذَا مَاتَ وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ. وَقِيلَ: جَلَسَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا فَرَأَى فِي الْحَائِطِ: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] . فَقَامَ حِينَ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ هَارِبًا يُرِيدُ الْبَابَ، فَأَدْرَكَتْهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنَ الْبَابِ فَجَذَبَتْ قَمِيصَهُ مِنْ قِبَلِ ظَهْرِهِ فَقَدَّتْهُ، {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} [يوسف: 25]- وَابْنَ عَمِّهَا مَعَهُ، فَقَالَتْ لَهُ - {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ} [يوسف: 25] . قَالَ يُوسُفُ: بَلْ {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} [يوسف: 26] فَهَرَبْتُ مِنْهَا فَأَدْرَكَتْنِي فَقَدَّتْ قَمِيصِي. قَالَ لَهَا ابْنُ عَمِّهَا: تِبْيَانُ هَذَا فِي الْقَمِيصِ فَإِنْ كَانَ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ، وَإِنْ كَانَ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ، فَأُتِيَ بِالْقَمِيصِ فَوَجَدَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَقَالَ: {إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف: 28] . وَقِيلَ: كَانَ الشَّاهِدُ صَبِيًّا فِي الْمَهْدِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ فِي الْمَهْدِ وَهُمْ صِغَارٌ، ابْنُ مَاشِطَةِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. وَقَالَ زَوْجُهَا لِيُوسُفَ: {أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} [هود: 76] أَيْ ذِكْرِ مَا كَانَ مِنْهَا فَلَا تَذْكُرْهُ لِأَحَدٍ، ثُمَّ قَالَ لِزَوْجَتِهِ. {اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} [يوسف: 29] وَتَحَدَّثَتِ النِّسَاءُ بِأَمْرِ يُوسُفَ وَامْرَأَةِ الْعَزِيزِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ، {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} [يوسف: 31] يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ [مِنْ] وَسَائِدَ، وَحَضَرْنَ، وَقَدَّمَتْ لَهُنَّ أُتْرُنْجًا وَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا لِقَطْعِ الْأُتْرُنْجِ، وَقَدْ أَجْلَسَتْ يُوسُفَ فِي غَيْرِ الْمَجْلِسِ الَّذِي هُنَّ فِيهِ وَقَالَتْ لَهُ: {اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} [يوسف: 31]- فَخَرَجَ - {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} [يوسف: 31]- وَأَعْظَمْنَهُ - {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 31]
بِالسَّكَاكِينِ وَلَا يَشْعُرْنَ، وَقُلْنَ: مَعَاذَ اللَّهِ {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: 31] فَلَمَّا حَلَّ بِهِنَّ مَا حَلَّ مِنْ قَطْعِهِنَّ أَيْدِيَهُنَّ وَذَهَابِ عُقُولِهِنَّ، وَعَرَفْنَ خَطَأَهُنَّ فِيمَا قُلْنَ أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا، وَقَالَتْ: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [يوسف: 32] . فَاخْتَارَ يُوسُفُ السَّجْنَ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَقَالَ: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} [يوسف: 33] . {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} [يوسف: 34] . ثُمَّ بَدَا لِلْعَزِيزِ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَى الْآيَاتِ مِنَ الْقَمِيصِ، وَخَمْشِ الْوَجْهِ، وَشَهَادَةِ الطِّفْلِ، وَتَقْطِيعِ النِّسْوَةِ أَيْدِيَهُنَّ فِي تَرْكِ يُوسُفَ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: إِنَّهَا شَكَتْ إِلَى زَوْجِهَا، وَقَالَتْ: إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ قَدْ فَضَحَنِي فِي النَّاسِ يُخْبِرُهُمْ أَنَّنِي رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَسَجَنَهُ سَبْعَ سِنِينَ. فَلَمَّا حُبِسَ يُوسُفُ أُدْخِلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ مِنْ أَصْحَابِ فِرْعَوْنِ مِصْرَ، أَحَدُهُمَا صَاحِبُ طَعَامِهِ، وَالْآخَرُ صَاحِبُ شَرَابِهِ، لِأَنَّهُمَا نُقِلَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا يُرِيدَا أَنْ يَسُمَّا الْمَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ يُوسُفُ السِّجْنَ قَالَ: إِنِّي أَعْبُرُ الْأَحْلَامَ. فَقَالَ أَحَدُ الْفَتَيَيْنِ لِلْآخَرِ: هَلُمَّ فَلْنُجَرِّبْهُ. قَالَ الْخَبَّازُ: {إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ} [يوسف: 36] وَقَالَ الْآخَرُ {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36] . فَقَالَ لَهُمَا يُوسُفُ: {لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} [يوسف: 37] . كَرِهَ أَنْ يَعْبُرَ لَهُمَا مَا سَأَلَاهُ عَنْهُ، وَأَخَذَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَقَالَ: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39] وَكَانَ اسْمُ الْخَبَّازِ مَخْلَتَ، وَاسْمُ الْآخَرِ نَبْوَ، فَلَمْ يَدَعَاهُ حَتَّى أَخْبَرَهُمَا بِتَأْوِيلِ مَا سَأَلَاهُ عَنْهُ، فَقَالَ: {أَمَّا أَحَدُكُمَا} [يوسف: 41] ، وَهُوَ الَّذِي رَأَى أَنَّهُ يَعْصِرُ الْخَمْرَ، {فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا} [يوسف: 41] ، يَعْنِي سَيِّدَهُ الْمَلِكَ، {وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ} [يوسف: 41]
فَلَمَّا عَبَرَ لَهُمَا قَالَا: مَا رَأَيْنَا شَيْئًا! قَالَ: {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف: 41] . ثُمَّ قَالَ لِنَبْوَ، وَهُوَ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: 42] الْمَلِكِ، وَأَخْبِرْهُ أَنِّي مَحْبُوسٌ ظُلْمًا. {فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} [يوسف: 42] غَفْلَةٌ عَرَضَتْ لِيُوسُفَ مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا يُوسُفُ، اتَّخَذْتَ مِنْ دُونِي وَكِيلًا! لَأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ. فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ سَبْعَ سِنِينَ. ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ، وَهُوَ الرَّيَّانُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْهَرَوَانِ بْنِ أَرَاشَةَ بْنِ فَارَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْلَاقِ بْنِ لَاوُذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، رَأَى رُؤْيَا هَائِلَةً، رَأَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ، وَرَأَى سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ، فَجَمَعَ السَّحَرَةَ وَالْكَهَنَةَ وَالْحَازَةَ وَالْعَافَةَ فَقَصَّهَا عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: {أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ - وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 44 - 45]- أَيْ حِينٍ - {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي} [يوسف: 45] . فَأَرْسَلُوهُ إِلَى يُوسُفَ، فَقَصَّ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا، فَقَالَ: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ - ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ - ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [يوسف: 47 - 49] ، فَإِنَّ الْبَقَرَ السِّمَانَ: السِّنُونَ الْمَخَاصِيبُ، وَالْبَقَرَاتُ الْعِجَافُ: السِّنُونَ الْمُحُولُ، وَكَذَلِكَ السُّنْبُلَاتُ الْخُضْرُ وَالْيَابِسَاتُ، فَعَادَ نَبْوُ إِلَى الْمَلِكِ فَأَخْبَرَهُ، فَعَلِمَ أَنَّ قَوْلَ يُوسُفَ حَقٌّ، فَقَالَ: {ائْتُونِي بِهِ} [يوسف: 50] . فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ وَدَعَاهُ إِلَى الْمَلِكِ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ وَقَالَ: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 50] فَلَمَّا رَجَعَ الرَّسُولُ مِنْ عِنْدِ يُوسُفَ سَأَلَ الْمَلِكُ أُولَئِكَ النِّسْوَةَ فَقُلْنَ: {حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} [يوسف: 51] وَلَكِنَّ امْرَأَةَ
الْعَزِيزِ خَبَّرَتْنَا أَنَّهَا رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ: {أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ} [يوسف: 51] . فَقَالَ يُوسُفُ: إِنَّمَا رَدَدْتُ الرُّسُلَ لِيَعْلَمَ سَيِّدِي {أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} [يوسف: 52] فِي زَوْجَتِهِ. فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ لَهُ جَبْرَائِيلُ: وَلَا حِينَ هَمَمْتَ بِهَا؟ فَقَالَ يُوسُفُ: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53] . فَلَمَّا ظَهَرَ لِلْمَلِكِ بَرَاءَةُ يُوسُفَ وَأَمَانَتُهُ قَالَ: {ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} [يوسف: 54] . فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ خَرَجَ مَعَهُ وَدَعَا لِأَهْلِ السِّجْنِ وَكَتَبَ عَلَى بَابِهِ: هَذَا قَبْرُ الْأَحْيَاءِ وَبَيْتُ الْأَحْزَانِ وَتَجْرِبَةُ الْأَصْدِقَاءِ وَشَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ. ثُمَّ اغْتَسَلَ وَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَقَصَدَ الْمَلِكَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ وَ {كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: 54] . فَقَالَ يُوسُفُ: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} [يوسف: 55] . فَاسْتَعْمَلَهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَلَوْ لَمْ يَقُلِ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ لَاسْتَعْمَلَهُ مِنْ سَاعَتِهِ، فَسَلَّمَ خَزَائِنَهُ كُلَّهَا بَعْدَ سَنَةٍ وَجَعَلَ الْقَضَاءَ إِلَيْهِ وَحُكْمَهُ نَافِذًا، وَرَدَّ إِلَيْهِ عَمَلَ قُطْفِيرَ سَيِّدِهِ بَعْدَ أَنْ هَلَكَ، وَكَانَ هَلَاكُهُ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي، وَقِيلَ: بَلْ عَزَلَهُ فِرْعَوْنُ وَوَلَّى يُوسُفَ عَمَلَهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ يُوسُفَ تَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَلَمَّا وَلِيَ يُوسُفُ عَمَلَ مِصْرَ دَعَا الْمَلِكَ رَيَّانَ إِلَى الْإِيمَانِ، فَآمَنَ ثُمَّ تُوُفِّيَ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ مِصْرَ قَابُوسُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ نُمَيِرِ بْنِ السَّلْوَاسِ بْنِ فَارَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْلَاقٍ، فَدَعَاهُ يُوسُفُ إِلَى الْإِيمَانِ، فَلَمْ يُؤْمِنْ، وَتُوَفِّيَ يُوسُفُ فِي مُلْكِهِ. ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ الرَّيَّانَ زَوَّجَ يُوسُفَ رَاعِيلَ امْرَأَةَ سَيِّدِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ بِهَا قَالَ: أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِمَّا كُنْتِ تُرِيدِينَ؟ فَقَالَتْ: أَيُّهَا الصِّدِّيقُ لَا تَلُمْنِي فَإِنِّي كُنْتُ امْرَأَةً حَسْنَاءَ جَمِيلَةً فِي
مُلْكٍ وَدُنْيَا وَكَانَ صَاحِبِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ وَكُنْتَ كَمَا جَعَلَكَ اللَّهُ فِي حُسْنِكَ فَغَلَبَتْنِي نَفْسِي. وَوَجَدَهَا بِكْرًا، فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدَيْنِ إِفْرَائِيمَ وَمَنْشَا. فَلَمَّا وَلِيَ يُوسُفُ خَزَائِنَ أَرْضِهِ وَمَضَتِ السِّنُونَ السَّبْعُ الْمُخْصِبَاتُ وَجَمَعَ فِيهَا الطَّعَامَ فِي سُنْبُلِهِ وَدَخَلَتِ السِّنُونَ الْمُجْدِبَةُ وَقَحَطَ النَّاسُ، وَأَصَابَهُمُ الْجُوعُ، وَأَصَابَ بِلَادَ يَعْقُوبَ الَّتِي هُوَ بِهَا بَعَثَ بَنِيهِ إِلَى مِصْرَ وَأَمْسَكَ بِنْيَامِينَ أَخَا يُوسُفَ لِأُمِّهِ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ عَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، وَإِنَّمَا أَنْكَرُوهُ لِبُعْدِ عَهْدِهِمْ مِنْهُ وَلِتَغَيُّرِ لُبْسَتِهِ، فَإِنَّهُ لَبِسَ ثِيَابَ الْمُلُوكِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ قَالَ: أَخْبِرُونِي مَا شَأْنُكُمْ. قَالُوا: نَحْنُ مِنَ الشَّامِ جِئْنَا نَمْتَارُ الطَّعَامَ. قَالَ: كَذَبْتُمْ، أَنْتُمْ عُيُونٌ، فَأَخْبِرُونِي خَبَرَكُمْ. قَالُوا: نَحْنُ عَشَرَةُ أَوْلَادِ رَجُلٍ وَاحِدٍ صِدِّيقٍ، كُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ، وَإِنَّهُ كَانَ لَنَا أَخٌ فَخَرَجَ مَعَنَا فِي الْبَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وَكَانَ أَحَبَّنَا إِلَى أَبِينَا. قَالَ: فَإِلَى مَنْ سَكَنَ أَبُوكُمْ بَعْدَهُ؟ قَالُوا: إِلَى أَخٍ لَنَا أَصْغَرَ مِنْهُ. قَالَ: فَأْتُونِي بِهِ أَنْظُرْ إِلَيْهِ {فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ - قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ} [يوسف: 60 - 61] . قَالَ: فَاجْعَلُوا بَعْضَكُمْ عِنْدِي رَهِينَةً حَتَّى تَرْجِعُوا. فَوَضَعُوا شَمْعُونَ، أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ، وَجَهَّزَهُمْ يُوسُفُ بِجَهَازِهِمْ، وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ: اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ، يَعْنِي ثَمَنَ الطَّعَامِ، فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ أَمَانَتَهُمْ وَدِيَانَتَهُمْ تَحْمِلُهُمْ عَلَى رَدِّ الْبِضَاعَةِ فَيَرْجِعُونَ إِلَيْهِ لِأَجْلِهَا. وَقِيلَ: رَدَّ مَالَهُمْ لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَ أَبِيهِ مَا يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، فَإِذَا رَأَوْا مَعَهُمْ بِضَاعَةً عَادُوا. وَكَانَ يُوسُفُ حِينَ رَأَى مَا بِالنَّاسِ مِنَ الْجُهْدِ قَدْ أَسَى بَيْنَهُمْ، وَكَانَ لَا يَحْمِلُ لِلرَّجُلِ إِلَّا بَعِيرًا. فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ بِأَحْمَالِهِمْ قَالُوا: يَا أَبَانَا إِنَّ عَزِيزَ مِصْرَ قَدْ أَكْرَمَنَا كَرَامَةً لَوْ أَنَّهُ بَعْضُ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ مَا زَادَ عَلَى كَرَامَتِهِ، وَإِنَّهُ ارْتَهَنَ شَمْعُونَ، وَقَالَ: ائْتُونِي بِأَخِيكُمُ الَّذِي عَطَفَ عَلَيْهِ أَبُوكُمْ بَعْدَ أَخِيكُمْ، {فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ} [يوسف: 60] .
قَالَ: {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ - وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ - قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} [يوسف: 64 - 65] ، قَالَ يَعْقُوبُ: {ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ} [يوسف: 65] ، فَقَالَ يَعْقُوبُ: {لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [يوسف: 66] . ثُمَّ أَوْصَاهُمْ أَبُوهُمْ بَعْدَ أَنْ أَذِنَ لِأَخِيهِمْ فِي الرَّحِيلِ مَعَهُمْ {وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ} [يوسف: 67] ، خَافَ عَلَيْهِمُ الْعَيْنَ، وَكَانُوا ذَوِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ، فَفَعَلُوا كَمَا أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ، {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ} [يوسف: 69] وَعَرَفَهُ وَأَنْزَلَهُمْ مَنْزِلًا وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الْوَظَائِفَ وَقَدَّمَ لَهُمُ الطَّعَامَ وَأَجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ عَلَى مَائِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيَامِينُ وَحْدَهُ، فَبَكَى وَقَالَ: لَوْ كَانَ أَخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأَجْلَسَنِي مَعَهُ! فَقَالَ يُوسُفُ: لَقَدْ بَقِيَ أَخُوكُمْ هَذَا وَحِيدًا، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ وَقَعَدَ يُؤَاكِلُهُ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ جَاءَهُمْ بِالْفِرَاشِ وَقَالَ: لِيَنَمْ كُلُّ أَخَوَيْنِ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشٍ، وَبَقِيَ بِنْيَامِينُ وَحْدَهُ، فَقَالَ: هَذَا يَنَامُ مَعِي، فَبَاتَ مَعَهُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَبَقِيَ يَشُمُّهُ وَيَضُمُّهُ إِلَيْهِ حَتَّى أَصْبَحَ، وَذَكَرَ لَهُ بِنْيَامِينُ حُزْنَهُ عَلَى يُوسُفَ، فَقَالَ لَهُ: أَتُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَخَاكَ عِوَضَ أَخِيكَ الذَّاهِبِ؟ فَقَالَ بِنْيَامِينُ: وَمَنْ يَجِدُ أَخًا مِثْلَكَ! وَلَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ وَلَا رَاحِيلُ. فَبَكَى يُوسُفُ وَقَامَ إِلَيْهِ فَعَانَقَهُ، وَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَنَا أَخُوكَ يُوسُفُ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا فَعَلُوهُ بِنَا فِيمَا مَضَى، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا، وَلَا تُعْلِمْهُمْ بِمَا عَلَّمْتُكَ. وَقِيلَ: لَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ نَقَرَ الصُّوَاعَ وَقَالَ: إِنَّهُ يُخْبِرُنِي أَنَّكُمْ كُنْتُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وَأَنَّكُمْ بِعْتُمْ أَخَاكُمْ. فَلَمَّا سَمِعَهُ بِنْيَامِينُ سَجَدَ لَهُ وَقَالَ: سَلْ صُوَاعَكَ هَذَا عَنْ أَخِي أَحِيٌّ هُوَ؟ فَنَقَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ حَيٌّ، وَسَتَرَاهُ. قَالَ: فَاصْنَعْ بِي مَا شِئْتَ فَإِنَّهُ إِنْ عَلِمَ بِي فَسَوْفَ يَسْتَقِدُّنِي، قَالَ: فَدَخَلَ يُوسُفُ فَبَكَى ثُمَّ تَوَضَّأَ وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، قَالَ: فَلَمَّا حَمَّلَ يُوسُفُ إِبِلَ إِخْوَتِهِ مِنَ الْمِيرَةِ جَعَلَ الْإِنَاءَ الَّذِي يَكِيلُ بِهِ الطَّعَامَ، وَهُوَ الصُّوَاعُ، وَكَانَ مِنْ فِضَّةٍ، فِي رَحْلِ أَخِيهِ.
وَقِيلَ: كَانَ إِنَاءً يَشْرَبُ فِيهِ. وَلَمْ يَشْعُرْ أَخُوهُ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّ بِنْيَامِينَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ يُوسُفَ أَخُوهُ قَالَ: لَا أُفَارِقُكَ. قَالَ يُوسُفُ: أَخَافُ غَمَّ أَبَوَيْنَا وَلَا يُمْكِنُنِي حَبْسُكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أُشْهِرَكَ بِأَمْرٍ فَظِيعٍ. قَالَ: افْعَلْ. قَالَ: فَإِنِّي أَجْعَلُ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِكَ، ثُمَّ أُنَادِي عَلَيْكَ بِالسَّرِقَةِ لِآخُذَكَ مِنْهُمْ. قَالَ: افْعَلْ: فَلَمَّا ارْتَحَلُوا {أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يوسف: 70] . {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} [يوسف: 73] لِأَنَّنَا رَدَدْنَا ثَمَنَ الطَّعَامِ إِلَى يُوسُفَ. فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ - قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} [يوسف: 74 - 75] تَأْخُذُونَهُ لَكُمْ. {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ} [يوسف: 76] فَفَتَّشَهَا {قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ} [يوسف: 76] . فَقَالُوا: {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} [يوسف: 77] ، يَعْنُونَ يُوسُفَ، وَكَانَتْ سَرِقَتُهُ حِينَ سَرَقَ صَنَمًا لِجَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ فَعَيَّرُوهُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْمِنْطَقَةِ. فَلَمَّا اسْتُخْرِجَتِ السَّرِقَةُ مِنْ رَحْلِ الْغُلَامِ قَالَ إِخْوَتُهُ: يَا بَنِي رَاحِيلَ، لَا يَزَالُ لَنَا مِنْكُمْ بَلَاءٌ! فَقَالَ بِنْيَامِينُ: بَلْ بَنُو رَاحِيلَ مَا يَزَالُ لَهُمْ مِنْكُمْ بَلَاءٌ! وَضَعَ هَذَا الصُّوَاعَ فِي رَحْلِيَ الَّذِي وَضَعَ الدَّرَاهِمَ فِي رِحَالِكُمْ. فَأَخَذَ يُوسُفُ أَخَاهُ بِحُكْمِ إِخْوَتِهِ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيْهِ سَأَلُوهُ أَنْ يَتْرُكَهُ لَهُمْ وَ {قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} [يوسف: 78] . فَقَالَ: {مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} [يوسف: 79] . فَلَمَّا أَيِسُوا مِنْ خَلَاصِهِ خَلَصُوا نَجِيًّا لَا يَخْتَلِطُ بِهِمْ غَيْرُهُمْ، فَقَالَ كَبِيرُهُمْ، وَهُوَ شَمْعُونُ: {أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ} [يوسف: 80]
أَنْ نَأْتِيَهُ بِأَخِينَا إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِنَا، وَمِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْمَرَّةِ {مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي} [يوسف: 80] بِالْخُرُوجِ، وَقِيلَ: بِالْحَرْبِ، فَارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُصُّوا عَلَيْهِ خَبَرَكُمْ. فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ فَأَخْبَرُوهُ بِخَبَرِ بِنْيَامِينَ وَتَخَلَّفَ شَمْعُونُ {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} [يوسف: 83] بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ وَشَمْعُونَ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُمْ، وَقَالَ: وَاحُزْنَاهْ عَلَى يُوسُفَ! {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: 84] مَمْلُوءٌ مِنَ الْحُزْنِ وَالْغَيْظِ فَقَالَ لَهُ بَنُوهُ: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا} [يوسف: 85]- أَيْ: دَنِفًا - {أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} [يوسف: 85] . فَأَجَابَهُمْ يَعْقُوبُ فَقَالَ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يوسف: 86] مِنْ صِدْقِ رُؤْيَا يُوسُفَ. وَقِيلَ: بَلَغَ مِنْ وَجْدِ يَعْقُوبَ وَجْدَ سَبْعِينَ مُبْتَلًى، وَأُعْطِيَ عَلَى ذَلِكَ أَجْرَ مِائَةِ شَهِيدٍ. قِيلَ: دَخَلَ عَلَى يَعْقُوبَ جَارٌ لَهُ فَقَالَ: يَا يَعْقُوبُ، قَدِ انْهَشَمْتَ وَفَنِيتَ وَلَمْ تَبْلُغْ مِنَ السِّنِّ مَا بَلَغَ أَبُوكَ! فَقَالَ: هَشَمَنِي وَأَفْنَانِي مَا ابْتَلَانِي اللَّهُ بِهِ مِنْ هَمِّ يُوسُفَ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَتَشْكُونِي إِلَى خَلْقِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَطِيئَةٌ فَاغْفِرْهَا. قَالَ: قَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ. فَكَانَ يَعْقُوبُ إِذَا سُئِلَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لَوْ كَانَا مَيِّتَيْنِ لَأَحْيَيْتُهُمَا لَكَ، إِنَّمَا ابْتَلَيْتُكَ لِأَنَّكَ قَدْ شَوَيْتَ وَقَتَّرْتَ عَلَى جَارِكَ وَلَمْ تُطْعِمْهُ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ ابْتِلَائِهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ بَقَرَةٌ لَهَا عُجُولٌ فَذَبَحَ عُجُولَهَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَهِيَ تَخُورُ فَلَمْ يَرْحَمْهَا يَعْقُوبُ، فَابْتُلِيَ بِفَقْدِ أَعَزِّ وَلَدِهِ عِنْدَهُ، وَقِيلَ: ذَبَحَ شَاةً، فَقَامَ بِبَابِهِ مِسْكِينٌ فَلَمْ يُطْعِمْهُ مِنْهَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ
وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ سَبَبُ ابْتِلَائِهِ، فَصَنَعَ طَعَامًا وَنَادَى: مَنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُفْطِرْ عِنْدَ يَعْقُوبَ. ثُمَّ إِنَّ يَعْقُوبَ أَمَرَ بَنِيهِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ مِصْرَ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا وَتَجَسُّسِ الْأَخْبَارِ عَنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ، فَرَجَعُوا إِلَى مِصْرَ فَدَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ، وَقَالُوا: {يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ} [يوسف: 88]- يَعْنِي قَلِيلَةً - {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ} [يوسف: 88] ، قِيلَ: كَانَتْ بِضَاعَتُهُمْ دَرَاهِمَ زُيُوفًا، وَقِيلَ: كَانَتْ سَمْنًا وَصُوفًا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} [يوسف: 88] بِفَضْلِ مَا بَيْنَ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ، وَقِيلَ: بِرَدِّ أَخِينَا عَلَيْنَا. فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَهُمْ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ فَارْفَضَّ دَمْعُهُ بَاكِيًا ثُمَّ بَاحَ لَهُمْ بِالَّذِي كَانَ يَكْتُمُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا أَظْهَرَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّ أَبَاهُ كَتَبَ إِلَيْهِ، حِينَ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ أَخَذَ ابْنَهُ لِأَنَّهُ سَرَقَ - كِتَابًا: مِنْ يَعْقُوبَ إِسْرَائِيلِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ إِلَى عَزِيزِ مِصْرَ الْمُظْهِرِ الْعَدْلَ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مُوَكَّلٌ بِنَا الْبَلَاءُ، وَأَمَّا جَدِّي فَشُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ فَجَعَلَهَا اللَّهُ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَأَمَّا أَبِي فَشُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، وَوُضِعَ السِّكِّينُ عَلَى حَلْقِهِ لِيُذْبَحَ فَفَدَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا أَنَا فَكَانَ لِيَ ابْنٌ وَكَانَ أَحَبَّ أَوْلَادِي إِلَيَّ فَذَهَبَ بِهِ إِخْوَتُهُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ فَعَادُوا وَمَعَهُمْ قَمِيصُهُ مُلَطَّخًا بِدَمٍ، وَقَالُوا: أَكَلَهُ الذِّئْبُ، وَكَانَ لِيَ ابْنٌ آخَرُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ فَكُنْتُ أَتَسَلَّى بِهِ فَذَهَبُوا بِهِ، ثُمَّ رَجَعُوا، وَقَالُوا: إِنَّهُ سَرَقَ وَإِنَّكَ حَبَسْتَهُ، وَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَسْرِقُ، وَلَا نَلِدُ سَارِقًا، فَإِنْ رَدَدْتَهُ عَلَيَّ وَإِلَّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السَّابِعَ مِنْ وَلَدِكَ. فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَكَى وَأَظْهَرَ لَهُمْ فَقَالَ: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ - قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} [يوسف: 89 - 90] بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَنَا، فَاعْتَذَرُوا وَ {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ - قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف: 91 - 92] .
أَيْ لَا أَذْكُرُ لَكُمْ ذَنْبَكُمْ، {يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ} [يوسف: 92] ، ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ أَبِيهِ، فَقَالُوا: لَمَّا فَاتَهُ بِنْيَامِينُ عَمِيَ مِنَ الْحُزْنِ، فَقَالَ: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} [يوسف: 93] . فَقَالَ يَهُودَا: أَنَا أَذْهَبُ بِهِ لِأَنِّي ذَهَبْتُ إِلَيْهِ بِالْقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ وَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ يُوسُفَ أَكَلَهُ الذِّئْبُ، فَأَنَا أُخْبِرُهُ أَنَّهُ حَيٌّ فَأُفْرِحُهُ كَمَا أَحْزَنْتُهُ. وَكَانَ هُوَ الْبَشِيرَ. {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ} [يوسف: 94] عَنْ مِصْرَ حَمَلَتِ الرِّيحُ إِلَى يَعْقُوبَ رِيحَ يُوسُفَ، وَبَيْنَهُمَا ثَمَانُونَ فَرْسَخًا، يُوسُفُ بِمِصْرَ وَيَعْقُوبُ بِأَرْضِ كَنْعَانَ. فَقَالَ يَعْقُوبُ: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ} [يوسف: 94] ؟ فَقَالَ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ: {تَاللَّهِ إِنَّكَ} [يوسف: 95] مِنْ ذِكْرِ يُوسُفَ {لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ - فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ} [يوسف: 95 - 96] بِقَمِيصِ يُوسُفَ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِ يَعْقُوبَ فَعَادَ بَصِيرًا وَ {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يوسف: 96] ، يَعْنِي تَصْدِيقَ اللَّهِ تَأْوِيلَ رُؤْيَا يُوسُفَ، وَ {لَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ} [يوسف: 96] قَالَ لَهُ يَعْقُوبُ: كَيْفَ تَرَكْتَ يُوسُفَ؟ قَالَ: إِنَّهُ مَلِكُ مِصْرَ. قَالَ: مَا أَصْنَعُ بِالْمُلْكِ! عَلَى أَيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ؟ قَالَ: عَلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ: الْآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. فَلَمَّا رَأَى مَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ قَمِيصَ يُوسُفَ وَخَبَرَهُ قَالُوا لَهُ: {يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا - قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ} [يوسف: 97 - 98] أَخَّرَ الدُّعَاءَ إِلَى السَّحَرِ مِنْ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ. ثُمَّ ارْتَحَلَ يَعْقُوبُ وَوَلَدُهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ مِصْرَ خَرَجَ يُوسُفُ يَتَلَقَّاهُ وَمَعَهُ أَهْلُ مِصْرَ، وَكَانُوا يُعَظِّمُونَهُ، فَلَمَّا دَنَا أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ نَظَرَ يَعْقُوبُ إِلَى النَّاسِ وَالْخَيْلِ، وَكَانَ يَعْقُوبُ يَمْشِي وَيَتَوَكَّأُ عَلَى ابْنِهِ يَهُودَا، فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ هَذَا فِرْعَوْنُ مِصْرَ. قَالَ: لَا، هَذَا ابْنُكَ يُوسُفُ. فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ أَرَادَ يُوسُفُ أَنْ يَبْدَأَهُ بِالسَّلَامِ، فَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ يَعْقُوبُ:
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُذْهِبَ الْأَحْزَانِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُ الْحُزْنُ وَالْبُكَاءُ مُدَّةَ غَيْبَةِ يُوسُفَ عَنْهُ. قَالَ: فَلَمَّا دَخَلُوا مِصْرَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ، يَعْنِي أُمَّهُ وَأَبَاهُ، وَقِيلَ: كَانَتْ خَالَتَهُ. وَكَانَتْ أَمُّهُ قَدْ مَاتَتْ، وَخَرَّ لَهُ يَعْقُوبُ وَأُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ سُجَّدًا، وَكَانَ السُّجُودُ تَحِيَّةَ النَّاسِ لِلْمُلُوكِ، وَلَمْ يُرِدْ بِالسُّجُودِ وَضْعَ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْخُضُوعَ وَالتَّوَاضُعَ وَالِانْحِنَاءَ عِنْدَ السَّلَامِ كَمَا يُفْعَلُ الْآنَ بِالْمُلُوكِ. وَالْعَرْشُ: السَّرِيرُ. وَقَالَ: {يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100] . وَكَانَ بَيْنَ رُؤْيَا يُوسُفَ وَمَجِيءِ يَعْقُوبَ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ سَنَةً، فَإِنَّهُ أُلْقِيَ فِي الْجُبِّ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَقِيَهُ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَعَاشَ بَعْدَ جَمْعِ شَمْلِهِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَ وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَأَوْصَى إِلَى أَخِيهِ يَهُودَا. وَقِيلَ كَانَتْ غَيْبَةُ يُوسُفَ عَنْ يَعْقُوبَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ دَخَلَ مِصْرَ وَلَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَاسْتَوْزَرَهُ فِرْعَوْنُ بَعْدَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ قُدُومِهِ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَتْ مُدَّةُ غَيْبَتِهِ عَنْ يَعْقُوبَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ مُقَامُ يَعْقُوبَ بِمِصْرَ وَأَهْلِهِ مَعَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا مَاتَ يَعْقُوبُ أَوْصَى إِلَى يُوسُفَ أَنْ يَدْفِنَهُ مَعَ أَبِيهِ إِسْحَاقَ، فَفَعَلَ يُوسُفُ، فَسَارَ بِهِ إِلَى الشَّامِ فَدَفَنَهُ عِنْدَ أَبِيهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مِصْرَ وَأَوْصَى يُوسُفُ أَنْ يُحْمَلَ مِنْ مِصْرَ وَيُدْفَنَ عِنْدَ آبَائِهِ، فَحَمَلَهُ مُوسَى لَمَّا خَرَجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ. وَوَلَدَ يُوسُفُ إِفْرَائِيمَ وَمَنْشَى، فَوُلِدَ لِإِفْرَائِيمَ نُونٌ، وَلِنُونَ يُوشَعُ فَتَى مُوسَى، وَوُلِدَ لِمَنْشَى مُوسَى، قَبْلَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَزَعَمَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ أَنَّهُ مُوسَى الْخَضِرُ، وَوُلِدَ لَهُ رَحْمَةُ امْرَأَةُ أَيُّوبَ فِي قَوْلٍ.
قصة شعيب عليه السلام
[قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ] قِيلَ: إِنَّ اسْمَ شُعَيْبٍ يَثْرُونُ بْنُ صَيْفُونَ بْنِ عُنُقَا بْنِ ثَابِتِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ: هُوَ شُعَيْبُ بْنُ مِيكِيلَ مِنْ وَلَدِ مَدْيَنَ، وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ شُعَيْبٌ مَنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ، وَإِنَّمَا هُوَ وَلَدُ بَعْضِ مَنْ آمَنَ بِإِبْرَاهِيمَ وَهَاجَرَ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ، وَلَكِنَّهُ ابْنُ بِنْتِ لُوطٍ، فَجَدَّةُ شُعَيْبٍ ابْنَةُ لُوطٍ، وَكَانَ ضَرِيرَ الْبَصَرِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} [هود: 91] ، أَيْ ضَرِيرَ الْبَصَرِ.
وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا ذَكَرَهُ قَالَ: «ذَاكَ خَطِيبُ الْأَنْبِيَاءِ» ، بِحُسْنِ مُرَاجَعَتِهِ قَوْمَهُ، وَإِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ وَهُمْ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ. وَالْأَيْكَةُ: شَجَرٌ مُلْتَفٌّ، وَكَانُوا أَهْلَ كُفْرٍ بِاللَّهِ، وَبَخْسٍ لِلنَّاسِ فِي الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ، وَإِفْسَادِ أَمْوَالِهِمْ، وَكَانَ اللَّهُ وَسَّعَ عَلَيْهِمْ فِي الرِّزْقِ وَبَسَطَ لَهُمْ فِي الْعَيْشِ اسْتِدْرَاجًا لَهُمْ مِنْهُ مَعَ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، فَقَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} [هود: 84] . فَلَمَّا طَالَ تَمَادِيهِمْ فِي غَيِّهِمْ وَضَلَالِهِمْ وَلَمْ يَزِدْهُمْ تَذْكِيرُ شُعَيْبٍ إِيَّاهُمْ وَتَحْذِيرُهُ عَذَابَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ إِلَّا تَمَادِيًا، وَلَمَّا أَرَادَ إِهْلَاكَهُمْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَذَابَ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 189] . فَقَالَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَقْدَةً وَحَرًّا شَدِيدًا فَأَخَذَ بِأَنْفُسِهِمْ، فَخَرَجُوا مِنَ الْبُيُوتِ هِرَابًا إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سَحَابَةً فَأَظَلَّتْهُمْ مِنَ الشَّمْسِ، فَوَجَدُوا لَهَا بَرْدًا وَلَذَّةً فَنَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى اجْتَمَعُوا تَحْتَهَا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَارًا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فَذَلِكَ {عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} [الشعراء: 189] . وَقَالَ قَتَادَةُ: بَعَثَ اللَّهُ شُعَيْبًا إِلَى أُمَّتَيْنِ: إِلَى قَوْمِهِ أَهْلِ مَدْيَنَ، وَإِلَى أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ وَكَانَتِ الْأَيْكَةُ مِنْ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بَعَثَ عَلَيْهِمْ حَرًّا شَدِيدًا وَرَفَعَ لَهُمُ الْعَذَابَ كَأَنَّهُ سَحَابَةٌ، فَلَمَّا دَنَتْ مِنْهُمْ خَرَجُوا إِلَيْهَا رَجَاءَ بَرْدِهَا، فَلَمَّا كَانُوا تَحْتَهَا أَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نَارًا، قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} [الشعراء: 189] . وَأَمَّا أَهْلُ مَدْيَنَ فَمِنْهُمْ مِنْ وَلَدِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، فَعَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِالرَّجْفَةِ، وَهِيَ الزَّلْزَلَةُ، فَأُهْلِكُوا. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كَانَ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَطَّلُوا حَدًّا، فَوَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الرِّزْقِ، ثُمَّ عَطَّلُوا حَدًّا فَوَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الرِّزْقِ، فَجَعَلُوا كُلَمَّا عَطَّلُوا حَدَّا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الرِّزْقِ، حَتَّى إِذَا أَرَادَ هَلَاكَهُمْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ حَرًّا لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَتَقَارُّوا وَلَا يَنْفَعَهُمْ ظِلٌّ وَلَا مَاءٌ حَتَّى ذَهَبَ ذَاهِبٌ مِنْهُمْ فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ ظُلَّةٍ فَوَجَدَ رَوْحًا فَنَادَى أَصْحَابَهُ: هَلُمُّوا
إِلَى الرَّوْحِ، فَذَهَبُوا إِلَيْهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا اجْتَمَعُوا إِلَيْهَا أَلْهَبَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَارًا، فَذَلِكَ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ. وَقَدْ رَوَى عَامِرٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: مَنْ حَدَّثَكَ مَا عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ فَكَذِّبْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ هُوَ إِظْلَالُ الْعَذَابِ عَلَى قَوْمِ شُعَيْبٍ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} [هود: 87] ، قَالَ: مِمَّا كَانَ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ قَطْعُ الدَّرَاهِمِ.
قصة الخضر وخبره مع موسى
[قِصَّةُ الْخَضِرِ وَخَبَرُهُ مَعَ مُوسَى] قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: إِنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ هُوَ مُوسَى بْنُ مَنْشَى بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ هُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَكَانَ الْخَضِرُ مِمَّنْ كَانَ أَيَّامَ أَفْرِيدُونَ الْمَلِكِ بْنِ أَثْغِيَانَ فِي قَوْلِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكُتُبِ الْأُوَلِ قَبْلَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ بَلَغَ مَعَ ذِي الْقَرْنَيْنِ الْأَكْبَرِ الَّذِي كَانَ فِي أَيَّامِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، وَإِنَّهُ بَلَغَ مَعَ ذِي الْقَرْنَيْنِ نَهْرَ الْحَيَاةِ فَشَرِبَ مِنْ مَائِهِ وَلَا يَعْلَمُ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَمَنْ مَعَهُ، فَخُلِّدَ وَهُوَ حَيٌّ عِنْدَهُمْ إِلَى الْآنِ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهُ كَانَ مِنْ وَلَدِ مَنْ آمَنَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، وَهَاجَرَ مَعَهُ، وَاسْمُهُ بَلْيَا بْنُ مَلْكَانَ بْنِ فَالَغَ بْنِ عَابِرِ بْنِ شَالَخَ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَكَانَ أَبُوهُ مَلِكًا عَظِيمًا. وَقَالَ آخَرُونَ: ذُو الْقَرْنَيْنِ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ أَفْرِيدُونُ بْنُ أَثْغِيَانَ، وَعَلَى
مَقْدَمَتِهِ كَانَ الْخَضِرُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ: الْخَضِرُ مِنْ وَلَدِ فَارِسَ، وَإِلْيَاسُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَلْتَقِيَانِ كُلَّ عَامٍ بِالْمَوْسِمِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: اسْتَخْلَفَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ نَاشِيَةُ بْنُ أَمُوصَ، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُمُ الْخَضِرَ مَعَهُ نَبِيًّا، قَالَ: وَاسْمُ الْخَضِرِ فِيمَا يَقُولُ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِرْمِيَا بْنُ حَلْقِيَا، وَكَانَ مِنْ سِبْطِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ، وَبَيْنَ هَذَا الْمَلِكِ وَبَيْنَ أَفْرِيدُونَ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ عَامٍ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْخَضِرَ كَانَ فِي أَيَّامِ أَفْرِيدُونَ وَذِي الْقَرْنَيْنِ الْأَكْبَرِ قَبْلَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ أَشْبَهُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِطَلَبِ الْخَضِرِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِالْكَائِنِ مِنَ الْأُمُورِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخَضِرُ عَلَى مَقْدَمَةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ قَبْلَ مُوسَى، وَأَنَّهُ شَرِبَ مِنْ مَاءِ الْحَيَاةِ فَطَالَ عُمُرُهُ، وَلَمْ يُرْسَلْ فِي أَيَّامِ إِبْرَاهِيمَ، وَبُعِثَ فِي أَيَّامِ نَاشِيَةَ بْنِ أَمُوصَ، وَكَانَ نَاشِيَةُ هَذَا فِي أَيَّامِ بَشْتَاسِبَ بْنِ لَهُرَاسِبَ، وَالْحَدِيثُ مَا رَوَاهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لِـ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا يَزْعُمُ أَنَّ الْخَضِرَ لَيْسَ بِصَاحِبِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ. قَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ مُوسَى قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ خَطِيبًا، فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ حِينَ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، هَلْ هُنَاكَ أَعْلَمُ مِنِّي؟ قَالَ: بَلَى، عَبْدٌ لِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ لِي بِهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ فَحَيْثُ تَفْقِدُهُ فَهُوَ هُنَاكَ. فَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ، ثُمَّ قَالَ لِفَتَاهُ: إِذَا فَقَدْتَ هَذَا الْحُوتَ فَأَخْبِرْنِي. فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، وَذَلِكَ الْمَاءَ، وَهُوَ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ خُلِّدَ وَلَا يُقَارِبُهُ شَيْءٌ مَيِّتٌ إِلَّا حَيِيَ، فَمَسَّ الْحُوتُ مِنْهُ فَحَيِيَ، وَكَانَ مُوسَى رَاقِدًا، وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ، فَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جَرْيَةَ الْمَاءِ فَصَارَ مِثْلَ الطَّاقِ، فَصَارَ لِلْحُوتِ سَرَبٌ، وَكَانَ لَهُمَا عَجَبًا، ثُمَّ انْطَلَقَا، فَلَمَّا كَانَ
حِينُ الْغَدَاءِ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: {آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62] ) . قَالَ: وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصْبَ حَتَّى تَجَاوَزَ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ، فَقَالَ: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا - قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف: 63 - 64] . قَالَ: يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَإِذَا رَجُلٌ نَائِمٌ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ، فَسَلَّمَ مُوسَى عَلَيْهِ. فَقَالَ: وَأَنَّى بِأَرْضِنَا السَّلَامُ! قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لَا تَعْلَمُهُ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ لَا أَعْلَمُهُ. قَالَ: فَإِنِّي أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا. {قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف: 70] . فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ ثُمَّ رَكِبَا سَفِينَةً، فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَقَعَدَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فِي الْمَاءِ، فَقَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى مَا يَنْقُصُ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِقْدَارَ مَا نَقَرَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ. قَالَ: فَبَيْنَا هُمْ فِي السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ مُوسَى إِلَّا وَهُوَ يُوتِدُ وَتِدًا أَوْ يَنْزِعُ تَخْتًا مِنْهَا. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: حَمَلَنَا بِغَيْرِ نَوْلٍ فَتَخْرِقُهَا {لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} [الكهف: 71] {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا - قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} [الكهف: 72 - 73] . قَالَ: وَكَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا. قَالَ: فَخَرَجَا فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ فَأَبْصَرَا غُلَامًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِهِ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} [الكهف: 74] {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا - قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا - فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} [الكهف: 75 - 77] فَلَمْ
يَجِدَا أَحَدًا يُطْعِمُهُمَا وَلَا يَسْقِيهِمَا، {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف: 77] فَقَالَ لَهُ مُوسَى: لَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُنْزِلُونَا، {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا - قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا - أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 77 - 79]- وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: سَفِينَةٌ صَالِحَةٌ {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا - وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف: 80 - 82] إِلَى {مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 82] .» فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: مَا كَانَ الْكَنْزُ إِلَّا عِلْمًا. قِيلَ لِـ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمْ نَسْمَعْ لِفَتَى مُوسَى بِذِكْرٍ، فَقَالَ: شَرِبَ الْفَتَى مِنَ الْمَاءِ فَخُلِّدَ، فَأَخَذَهُ الْعَالِمُ فَطَابَقَ بِهِ سَفِينَتَهُ، ثُمَّ أَرْسَلَهَا فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهَا لَتَمُوجُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَضِرَ كَانَ قَبْلَ مُوسَى وَفِي أَيَّامِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى خَطَإِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ إِرْمِيَا، لِأَنَّ إِرْمِيَا كَانَ أَيَّامَ بُخْتُنَصَّرَ، وَبَيْنَ أَيَّامِ مُوسَى وَبُخْتُنَصَّرَ مِنَ الْمُدَّةِ مَا لَا يُشْكِلُ عَلَى عَالِمٍ بِأَيَّامِ النَّاسِ، فَإِنَّ مُوسَى إِنَّمَا نُبِّئَ فِي أَيَّامِ مِنُوجِهْرَ، وَكَانَ مُلْكُهُ بَعْدَ جَدِّهِ أَفْرِيدُونَ.
ذكر الخبر عن منوجهر والحوادث في أيامه
[ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنْ مِنُوجِهْرَ وَالْحَوَادِثِ فِي أَيَّامِهِ] ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ أَفْرِيدُونَ بْنِ أَثْغِيَانَ بْنِ كَاوَ مِنُوجِهْرُ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ إِيرَجَ بْنِ أَفْرِيدُونَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِدُنْبَاوَنْدَ، وَقِيلَ بِالرَّيِّ فَلَمَّا وُلِدَ مِنُوجِهْرُ أَخْفَى أَمَرَهُ خَوْفًا مِنْ طُوجَ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَبِرَ مِنُوجِهْرُ سَارَ إِلَى جَدِّهِ أَفْرِيدُونَ فَتَوَسَّمَ فِيهِ الْخَيْرَ، وَجَعَلَ لَهُ مَا كَانَ جَعَلَهُ لِجَدِّهِ إِيرَجَ مِنَ الْمَمْلَكَةِ وَتَوَجَّهُ بِتَاجِهِ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مِنُوجِهْرَ بْنَ شَجَرِ بْنِ أَفْرِيقِشَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ انْتَقَلَ إِلَيْهِ الْمُلْكُ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ جَرِيرِ بْنِ عَطِيَّةَ:
وَأَبْنَاءُ إِسْحَاقَ اللُّيُوثُ إِذَا ارْتَدَوْا ... حَمَائِلَ مَوْتٍ لَابِسِينَ السَّنَوَّرَا إِذَا انْتَسَبُوا عَدُّوا الصَّبَهْبَذَ مِنْهُمُ ... وَكِسْرَى وَعَدُّوا الْهُرْمُزَانَ وَقَيْصَرَا وَكَانَ كِتَابٌ فِيهِمُ وَنُبُوَّةٌ ... وَكَانُوا بِإِصْطَخْرَ الْمُلُوكَ وَتُسْتَرَا فَيَجْمَعُنَا وَالْغُرَّ أَبْنَاءُ فَارِسٍ أَبٌ ... لَا نُبَالِي بَعْدَهُ مَنْ تَأَخَّرَا أَبُونَا خَلِيلُ اللَّهِ وَاللَّهُ رَبُّنَا رَضِينَا ... بِمَا أَعْطَى الْإِلَهُ وَقَدَّرَا وَأَمَّا الْفُرْسُ فَتُنْكِرُ هَذَا النَّسَبَ وَلَا تَعْرِفُ لَهُ مُلْكًا إِلَّا فِي أَوْلَادِ أَفْرِيدُونَ وَلَا تُقِرُّ بِالْمُلْكِ لِغَيْرِهِمْ. قُلْتُ: وَالْحَقُّ مَا قَالَهُ الْفُرْسُ، فَإِنَّ أَسْمَاءَ مُلُوكِهِمْ قَبْلَ الْإِسْكَنْدَرِ مَعْرُوفَةٌ وَبَعْدَ أَيَّامِهِ مُلُوكُ الطَّوَائِفِ، وَإِذَا كَانَ مِنُوجِهْرُ أَيَّامَ مُوسَى، وَكُلُّ مَا بَيْنَ مُوسَى وَإِسْحَاقَ خَمْسَةُ آبَاءٍ مَعْرُوفُونَ، وَلَمْ يَزَالُوا بِمِصْرَ، فَفِي أَيِّ زَمَانٍ كَثُرُوا وَانْتَشَرُوا، وَمَلَكُوا بِلَادَ الْفُرْسِ؟ وَمِنْ أَيْنَ لِجَرِيرٍ هَذَا الْعِلْمُ حَتَّى يَكُونَ قَوْلُهُ حُجَّةً، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ جَعَلَ الْجَمِيعَ أَبْنَاءَ إِسْحَاقَ! قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: مَلَكَ طُوجُ وَسَلْمٌ الْأَرْضَ بَعْدَ أَخِيهِمَا إِيرَجَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ مَلَكَ مِنُوجِهْرُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ وَثَبَ بِهِ ابْنٌ لِطُوجَ التُّرْكِيِّ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِينَ
سَنَةً فَنَفَاهُ عَنْ بِلَادِ الْعِرَاقِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ أُدِيلَ مِنْهُ مِنُوجِهْرُ فَنَفَاهُ عَنْ بِلَادِهِ وَعَادَ إِلَى مُلْكِهِ، وَمَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَكَانَ مِنُوجِهْرُ يُوصَفُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَنْدَقَ الْخَنَادِقَ وَجَمَعَ آلَةَ الْحَرْبِ، وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الدَّهْقَنَةَ فَجَعَلَ لِكُلِّ قَرْيَةٍ دِهْقَانًا وَأَمَرَ أَهْلَهَا بِطَاعَتِهِ، وَيُقَالُ: إِنَّ مُوسَى ظَهَرَ فِي سَنَةِ سِتِّينَ مِنْ مُلْكِهِ. وَقَالَ غَيْرُ هِشَامٍ: إِنَّهُ لَمَّا مَلَكَ سَارَ نَحْوَ بِلَادِ التُّرْكِ طَالِبًا بِدَمِ جَدِّهِ إِيرَجَ بْنِ أَفْرِيدُونَ، فَقَتَلَ طُوجَ بْنَ أَفْرِيدُونَ وَأَخَاهُ سَلْمًا، ثُمَّ إِنَّ أَفْرَاسِيَابَ بْنَ فَشْنَجَ بْنِ رُسْتَمَ بْنِ تُرْكٍ، الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْأَتْرَاكُ مِنْ وَلَدِ طُوجَ بْنِ أَفْرِيدُونَ، حَارَبَ مِنُوجِهْرَ بَعْدَ قَتْلِهِ طُوجَ بِسِتِّينَ سَنَةً وَحَاصَرَهُ بِطَبَرِسْتَانَ، ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَجْعَلَا حَدَّ مَا بَيْنَ مُلْكَيْهِمَا مُنْتَهَى رَمْيَةِ سَهْمِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ مِنُوجِهْرَ اسْمُهُ إِيرِشَى، وَكَانَ رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ، فَرَمَى سَهْمًا مِنْ طَبَرِسْتَانَ فَوَقَعَ بِنَهْرِ بَلْخَ، وَصَارَ النَّهْرُ حَدَّ مَا بَيْنَ التُّرْكِ وَلَدِ طُوجَ وَعَمَلِ مِنُوجِهْرَ. قُلْتُ: وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ مَا يَتَدَاوَلُهُ الْفُرْسُ فِي أَكَاذِيبِهِمْ، أَنَّ رَمْيَةَ سَهْمٍ تَبْلُغُ هَذَا كُلَّهُ. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ مِنُوجِهْرَ اشْتَقَّ مِنَ الْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ وَنَهْرِ بَلْخَ أَنْهَارًا عِظَامًا وَأَمَرَ بِعِمَارَةِ الْأَرْضِ. وَقِيلَ: إِنَّ التُّرْكَ تَنَاوَلَتْ مِنْ أَطْرَافِ رَعِيَّتِهِ بَعْدَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ، فَوَبَّخَ قَوْمَهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ لَمْ تَلِدُوا النَّاسَ كُلَّهُمْ وَإِنَّمَا النَّاسُ نَاسٌ مَا عَقَلُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَدَفَعُوا الْعَدُوَّ عَنْهُمْ، وَقَدْ نَالَتِ التُّرْكُ مِنْ أَطْرَافِكُمْ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا بِتَرْكِكُمْ
جِهَادَ عَدُوِّكُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ أَعْطَانَا هَذَا الْمُلْكَ لِيَبْلُوَنَا أَنَشْكُرُ أَمْ نَكْفُرُ فَيُعَاقِبُنَا، فَإِذَا كَانَ غَدٌ فَاحْضُرُوا. فَحَضَرَ النَّاسُ وَالْأَشْرَافُ، فَقَامَ عَلَى قَدَمَيْهِ، فَقَامَ لَهُ النَّاسُ، فَقَالَ: اقْعُدُوا، إِنَّمَا قُمْتُ لِأَسْمَعَكُمْ. فَجَلَسُوا. فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الْخَلْقُ لِلْخَالِقِ وَالشُّكْرُ لِلْمُنْعِمِ، وَالتَّسْلِيمُ لِلْقَادِرِ، وَلَا بُدَّ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ، وَإِنَّهُ لَا أَضْعَفَ مِنْ مَخْلُوقٍ طَالِبًا كَانَ أَوْ مَطْلُوبًا، وَلَا أَقْوَى مِنْ خَالِقٍ وَلَا أَقْدَرَ مِمَّنْ طِلْبَتُهُ فِي يَدِهِ، وَلَا أَعْجَزَ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِ طَالِبِهِ، وَإِنَّ التَّفَكُّرَ نُورٌ، وَالْغَفْلَةَ ظُلْمَةٌ، فَالضَّلَالَةُ جَهَالَةٌ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَوَّلُ وَلَا بُدَّ لِلْآخَرِ مِنَ اللَّحَاقِ بِالْأَوَّلِ. إِنَّ اللَّهَ أَعْطَانَا هَذَا الْمُلْكَ فَلَهُ الْحَمْدُ وَنَسْأَلُهُ إِلْهَامَ الرُّشْدِ، وَالصِّدْقَ وَالْيَقِينَ، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلْمَلِكِ عَلَى أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ حَقٌّ وَلِأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ عَلَيْهِ حَقٌّ، فَحَقُّ الْمَلِكِ عَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَيُنَاصِحُوهُ، وَيُقَاتِلُوا عَدُوَّهُ، وَحَقُّهُمْ عَلَى الْمَلِكِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ أَرْزَاقَهُمْ فِي أَوْقَاتِهَا إِذْ لَا مُعَوَّلَ لَهُمْ إِلَّا عَلَيْهَا، وَإِنَّهُ خَازِنُهُمْ، وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْمَلِكِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِمْ وَيَرْفُقَ بِهِمْ وَلَا يَحْمِلَهُمْ عَلَى مَا لَا يُطِيقُونَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ تَنْقُصُ مِنْ ثِمَارِهِمْ أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُمْ خَرَاجَ مَا نَقَصَ، وَإِنِ اجْتَاحَتْهُمْ مُصِيبَةٌ أَنْ يُعَوِّضَهُمْ مَا يُقَوِّيهِمْ عَلَى عِمَارَتِهِمْ، ثُمَّ يَأْخُذَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْرَ مَا لَا يُجْحِفُ بِهِمْ فِي سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ. أَلَا وَإِنَّ الْمَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ: أَنْ يَكُونَ صَدُوقًا لَا يَكْذِبُ، وَأَنْ يَكُونَ سَخِيًّا لَا يَبْخَلُ، وَأَنْ يَمْلِكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ فَإِنَّهُ مُسَلَّطٌ وَيَدُهُ مَبْسُوطَةٌ، وَالْخَرَاجُ يَأْتِيهِ، فَلَا يَسْتَأْثِرُ عَنْ جُنْدِهِ وَرَعِيَّتِهِ بِمَا هُمْ أَهْلٌ لَهُ، وَأَنْ يُكْثِرَ الْعَفْوَ فَإِنَّهُ لَا مَلِكَ أَقْوَى وَلَا أَبْقَى مِنْ مَلِكِ الْعَفْوِ، فَإِنَّ الْمَلِكَ إِنْ يُخْطِئْ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ. أَلَا وَإِنَّ التُّرْكَ قَدْ طَمِعَتْ فِيكُمْ فَاكْفُونَا، فَإِنَّمَا تَكْفُونَ أَنْفُسَكُمْ، وَقَدْ أَمَرْتُ لَكُمْ بِالسِّلَاحِ وَالْعُدَّةِ وَأَنَا شَرِيكُكُمْ فِي الرَّأْيِ، وَإِنَّمَا لِي مِنْ هَذَا الْمُلْكِ اسْمُهُ مَعَ الطَّاعَةِ مِنْكُمْ. أَلَا وَإِنَّمَا الْمَلِكُ مَلِكٌ إِذَا أُطِيعَ، فَإِنْ خُولِفَ فَهُوَ مَمْلُوكٌ وَلَيْسَ بِمَلِكٍ. أَلَا وَإِنَّ أَكْمَلَ الْأَدَاةِ عِنْدَ الْمُصِيبَاتِ الْأَخْذُ بِالصَّبْرِ، وَالرَّاحَةُ إِلَى الْيَقِينِ، فَمَنْ قُتِلَ فِي مُجَاهَدَةِ الْعَدُوِّ رَجَوْتُ لَهُ بِفَوْزِ رِضْوَانِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الدُّنْيَا سَفَرٌ لِأَهْلِهَا لَا يَحِلُّونَ عُقَدَ الرِّحَالِ إِلَّا فِي غَيْرِهَا. وَهِيَ خُطْبَةٌ طَوِيلَةٌ.
ثُمَّ أَمَرَ بِالطَّعَامِ فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا، وَخَرَجُوا وَهُمْ لَهُ شَاكِرُونَ مُطِيعُونَ. وَكَانَ مُلْكُهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَزَعَمَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ الرَّايِشَ، وَاسْمُهُ الْحَرْثُ بْنُ قَيْسِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ سَبَإِ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ، وَكَانَ قَدْ مَلَكَ الْيَمَنَ بَعْدَ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ، كَانَ مُلْكُهُ بِالْيَمِنِ أَيَّامَ مُلْكِ مِنُوجِهْرَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الرَّايِشَ لِغَنِيمَةٍ غَنِمَهَا فَأَدْخَلَهَا الْيَمَنَ فَسُمِّيَ الرَّايِشَ، ثُمَّ غَزَا الْهِنْدَ فَقَتَلَ بِهَا وَأَسَرَ وَغَنِمَ، وَرَجَعَ إِلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ سَارَ عَلَى جَبَلَيْ طَيِّئٍ، ثُمَّ عَلَى الْأَنْبَارِ، ثُمَّ عَلَى الْمَوْصِلِ وَوَجَّهَ مِنْهَا خَيْلَهُ وَعَلَيْهَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ شِمْرُ بْنُ الْعَطَّافِ، فَدَخَلَ عَلَى التُّرْكِ بِأَرْضِ أَذْرَبِيجَانَ فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ وَكَتَبَ مَا كَانَ مِنْ مَسِيرِهِ عَلَى حَجَرَيْنِ، وَهُمَا مَعْرُوفَانِ بِأَذْرَبِيجَانَ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبْرَهَةُ، وَلَقَبُهُ ذُو الْمَنَارِ، وَإِنَّمَا لُقِّبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ غَزَا بِلَادَ الْمَغْرِبِ، وَوَغَلَ فِيهَا بَرًّا وَبَحْرًا، وَخَافَ عَلَى جَيْشِهِ الضَّلَالَ عِنْدَ قُفُولِهِ فَبَنَى الْمَنَارَ لِيَهْتَدُوا بِهَا. وَقَدْ زَعَمَ أَهْلُ الْيَمِنِ انَّهُ وَجَّهَ ابْنَهُ الْعَبْدَ بْنَ أَبَرْهَةَ فِي غَزَوَاتِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ أَقَاصِي الْمَغْرِبِ فَغَنِمَ، وَقَدِمَ بِسَبْيٍ لَهُ وَحْشَةٌ مُنْكَرَةٌ، فَذُعِرَ النَّاسُ مِنْهُمْ، فَسُمِّيَ ذُو الْأَذْعَارِ، فَأَبْرَهَةُ أَحَدُ مُلُوكِهِمُ الَّذِينَ تَوَغَّلُوا فِي الْبِلَادِ. وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ مَنْ ذَكَرْتُ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ هَهُنَا لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّايِشَ كَانَ أَيَّامَ مِنُوجِهْرَ وَأَنَّ مُلُوكَ الْيَمَنِ كَانُوا عُمَّالًا لِمُلُوكِ فَارِسَ.
قصة موسى عليه السلام ونسبه وما كان في أيامه من الأحداث
[قِصَّةُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَنَسَبُهُ وَمَا كَانَ فِي أَيَّامِهِ مِنَ الْأَحْدَاثِ] قِيلَ: هُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قَاهِثَ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَوُلِدَ لَاوِي لِيَعْقُوبَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَوُلِدَ قَاهِثُ لِلَاوِي وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَوُلِدَ لِقَاهِثَ يَصْهَرُ، وَوُلِدَ عِمْرَانُ لِيَصْهَرَ وَلَهُ سِتُّونَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُهُ جَمِيعُهُ مِائَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَأُمُّ مُوسَى يُوخَابِدُ. وَاسْمُ امْرَأَتِهِ صَفُورَا بِنْتُ شُعَيْبٍ النَّبِيِّ. وَكَانَ فِرْعَوْنُ مِصْرَ فِي أَيَّامِهِ قَابُوسَ بْنَ مُصْعَبِ بْنِ مُعَاوِيَةَ صَاحِبَ يُوسُفَ الثَّانِي، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ الرَّيَّانِ بْنِ الْوَلِيدِ فِرْعَوْنِ يُوسُفَ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: كَانَتْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا نُودِيَ مُوسَى أُعْلِمَ أَنَّ قَابُوسَ فِرْعَوْنَ مِصْرَ مَاتَ وَقَامَ أَخُوهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ مَكَانَهُ، وَكَانَ عُمُرُهُ طَوِيلًا، وَكَانَ أَعْتَى مِنْ قَابُوسَ وَأَفْجَرَ، وَأُمِرَ أَنْ يَأْتِيَهُ هُوَ وَهَارُونُ بِالرِّسَالَةِ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْوَلِيدَ تَزَوَّجَ آسِيَةَ بَعْدَ أَخِيهِ، ثُمَّ سَارَ مُوسَى إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا مَعَ
هَارُونَ، فَكَانَ مِنْ مَوْلِدِ مُوسَى إِلَى أَنْ أُخْرِجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ ثَمَانُونَ سَنَةً. ثُمَّ سَارَ إِلَى التِّيهِ بَعْدَ أَنْ مَضَى وَعَبَرَ الْبَحَرَ، وَكَانَ مُقَامُهُمْ هُنَالِكَ إِلَى أَنْ خَرَجُوا مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَكَانَ مَا بَيْنَ مَوْلِدِ مُوسَى إِلَى وَفَاتِهِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ، دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَبَضَ يُوسُفَ وَهَلَكَ الْمَلِكُ الَّذِي كَانَ مَعَهُ وَتَوَارَثَتِ الْفَرَاعِنَةُ مُلْكَ مِصْرَ وَنَشَرَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَزَلْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَحْتَ يَدِ الْفَرَاعِنَةِ وَهُمْ عَلَى بَقَايَا مِنْ دِينِهِمْ مِمَّا كَانَ يُوسُفُ، وَيَعْقُوبُ، وَإِسْحَاقُ، وَإِبْرَاهِيمُ شَرَعُوا فِيهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ حَتَّى كَانَ فِرْعَوْنُ مُوسَى، وَكَانَ أَعْتَاهُمْ عَلَى اللَّهِ وَأَعْظَمَهُمْ قَوْلًا وَأَطْوَلَهُمْ عُمُرًا، وَاسْمُهُ فِيمَا ذُكِرَ الْوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، وَكَانَ سَيِّئَ الْمَلَكَةِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ يُعَذِّبُهُمْ وَيَجْعَلُهُمْ خَوَلًا وَيَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ. فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَسْتَنْقِذَهُمْ بَلَغَ مُوسَى الْأَشُدَّ وَأُعْطِيَ الرِّسَالَةَ، وَكَانَ شَأْنُ فِرْعَوْنَ قَبْلَ وِلَادَةِ مُوسَى أَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ نَارًا أَقْبَلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى اشْتَمَلَتْ عَلَى بُيُوتِ مِصْرَ فَأَحْرَقَتِ الْقِبْطَ وَتَرَكَتْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَخْرَبَتْ بُيُوتَ مِصْرَ، فَدَعَا السَّحَرَةَ، وَالْحُزَاةَ، وَالْكَهَنَةَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ رُؤْيَاهُ، فَقَالُوا: يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ، يَعْنُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، الَّذِي جَاءَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْهُ، رَجُلٌ يَكُونُ عَلَى وَجْهِهِ هَلَاكُ مِصْرَ، فَأَمَرَ أَنْ لَا يُولَدَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مَوْلُودٌ إِلَّا ذُبِحَ وَيُتْرَكَ الْجَوَارِي. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا تَقَارَبَ زَمَانُ مُوسَى أَتَى مُنَجِّمُو فِرْعَوْنَ وَحُزَاتُهُ إِلَيْهِ فَقَالُوا: اعْلَمْ أَنَّا نَجِدُ فِي عِلْمِنَا أَنَّ مَوْلُودًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُهُ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ يَسْلُبُكَ مُلْكَكَ وَيَغْلِبُكَ عَلَى سُلْطَانِكَ، وَيُبَدِّلُ دِينَكَ. فَأَمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَوْلُودٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَقِيلَ: بَلْ تَذَاكَرَ فِرْعَوْنُ وَجُلَسَاؤُهُ مَعًا مَا وَعَدَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ أَنْبِيَاءَ وَمُلُوكًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيَنْتَظِرُونَ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانُوا يَظُنُّونَهُ يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ، فَلَمَّا هَلَكَ قَالُوا: لَيْسَ هَكَذَا وَعْدُ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ. فَقَالَ فِرْعَوْنُ: كَيْفَ
تَرَوْنَ؟ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَبْعَثَ رِجَالًا يَقْتُلُونَ كُلَّ مَوْلُودٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ لِلْقِبْطِ: انْظُرُوا مَمَالِيكَكُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ خَارِجًا فَأَدْخِلُوهُمْ وَاجْعَلُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ يَلُونَ ذَلِكَ، فَجَعَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي أَعْمَالِ غِلْمَانِهِمْ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ} [القصص: 4] ، فَجَعَلَ لَا يُولَدُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مَوْلُودٌ إِلَّا ذُبِحَ وَكَانَ يَأْمُرُ بِتَعْذِيبِ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ، فَكَانَ يَشُقُّ الْقَصَبَ وَيُوقِفُ الْمَرْأَةَ عَلَيْهِ فَيَقْطَعُ أَقْدَامَهُنَّ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَضَعُ فَتَتَّقِي بِوَلَدِهَا الْقَصَبَ، وَقَذَفَ اللَّهُ الْمَوْتَ فِي مَشْيَخَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَدَخَلَ رُءُوسُ الْقِبْطِ عَلَى فِرْعَوْنَ وَكَلَّمُوهُ، وَقَالُوا: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدْ وَقَعَ فِيهِمُ الْمَوْتُ فَيُوشِكُ أَنْ يَقَعَ الْعَمَلُ عَلَى غِلْمَانِنَا، تَذْبَحُ الصِّغَارَ وَتُفْنِي الْكِبَارَ، فَلَوْ أَنَّكَ كَتَبْتَ تُبْقِي مِنْ أَوْلَادِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوا سَنَةً وَيَتْرُكُوا سَنَةً، فَلَمَّا كَانَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ الَّتِي تَرَكُوا فِيهَا وُلِدَ هَارُونُ، وَوُلِدَ مُوسَى فِي السَّنَةِ الَّتِي يَقْتُلُونَ فِيهَا، وَهِيَ السَّنَةُ الْمُقْبِلَةُ. فَلَمَّا أَرَادَتْ أُمُّهُ وَضْعَهُ حَزِنَتْ مِنْ شَأْنِهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا، أَيْ أَلْهَمَهَا: {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} [القصص: 7]- وَهُوَ النِّيلُ - {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] . فَلَمَّا وَضَعَتْهُ أَرْضَعَتْهُ ثُمَّ دَعَتْ نَجَّارًا فَجَعَلَ لَهُ تَابُوتًا، وَجَعَلَ مِفْتَاحَ التَّابُوتِ مِنْ دَاخِلٍ وَجَعَلَتْهُ فِيهِ وَأَلْقَتْهُ فِي الْيَمِّ، فَلَمَّا تَوَارَى عَنْهَا أَتَاهَا إِبْلِيسُ، فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: مَا الَّذِي صَنَعْتُ بِنَفْسِي! لَوْ ذُبِحَ عِنْدِي فَوَارَيْتُهُ وَكَفَّنْتُهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُلْقِيَهُ بِيَدِي إِلَى حِيتَانِ الْبَحْرِ وَدَوَابِّهِ. فَلَمَّا أَلْقَتْهُ قَالَتْ لِأُخْتِهِ - وَاسْمُهَا مَرْيَمُ - قُصِّيهِ - يَعْنِي قُصِّي أَثَرَهُ - {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [القصص: 11] أَنَّهَا أُخْتُهُ، فَأَقْبَلَ الْمَوْجُ بِالتَّابُوتِ يَرْفَعُهُ مَرَّةً وَيَخْفِضُهُ أُخْرَى حَتَّى أَدْخَلَهُ بَيْنَ أَشْجَارٍ عِنْدَ دُورِ فِرْعَوْنَ، فَخَرَجَ جَوَارِي آسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ يَغْتَسِلْنَ فَوَجَدْنَ التَّابُوتَ فَأَدْخَلْنَهُ إِلَى آسِيَةَ، وَظَنَنَّ أَنَّ فِيهِ مَالًا، فَلَمَّا فُتِحَ وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ آسِيَةُ وَقَعَتْ عَلَيْهَا رَحْمَتُهُ وَأَحَبَّتْهُ، فَلَمَّا أَخْبَرَتْ بِهِ فِرْعَوْنَ، وَأَتَتْهُ بِهِ قَالَتْ: {قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ} [القصص: 9] . فَقَالَ فِرْعَوْنُ: يَكُونُ لَكِ، وَأَمَّا أَنَا فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ.
قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَوْ أَقَرَّ فِرْعَوْنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ قُرَّةَ عَيْنٍ كَمَا أَقَرَّتْ لَهَدَاهُ اللَّهُ كَمَا هَدَاهَا» . وَأَرَادَ أَنْ يَذْبَحَهُ فَلَمْ تَزَلْ آسِيَةُ تُكَلِّمُهُ حَتَّى تَرَكَهُ لَهَا وَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنْ يَكُونَ هَذَا الَّذِي عَلَى يَدَيْهِ هَلَاكُنَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: 8] . وَأَرَادُوا لَهُ الْمُرْضِعَاتِ فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ} [القصص: 12]- أُخْتُهُ مَرْيَمُ - {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: 12] . فَأَخَذُوهَا، وَقَالُوا: مَا يُدْرِيكِ مَا نُصْحُهُمْ لَهُ؟ هَلْ يَعْرِفُونَهُ؟ حَتَّى شَكُّوا فِي ذَلِكَ. فَقَالَتْ: نُصْحُهُمْ لَهُ، وَشَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ، وَرَغْبَتُهُمْ فِي قَضَاءِ حَاجَةِ الْمَلِكِ، وَرَجَاءُ مَنْفَعَتِهِ. فَانْطَلَقَتْ إِلَى أُمِّهِ فَأَخْبَرَتْهَا الْخَبَرَ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ، فَلَمَّا أَعْطَتْهُ ثَدْيَهَا أَخَذَهُ مِنْهَا، فَكَادَتْ تَقُولُ: هَذَا ابْنِي، فَعَصَمَهَا اللَّهُ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ مُوسَى لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي مَاءٍ وَشَجَرٍ، وَالْمَاءُ بِالْقِبْطِيَّةِ مو، وَالشَّجَرُ سا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ} [القصص: 13] . وَكَانَ غَيْبَتُهُ عَنْهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَخَذَتْهُ مَعَهَا إِلَى بَيْتِهَا، وَاتَّخَذَهُ فِرْعَوْنُ وَلَدًا فَدُعِيَ ابْنَ فِرْعَوْنَ، فَلَمَّا تَحَرَّكَ الْغُلَامُ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ إِلَى آسِيَةَ، فَأَخَذَتْهُ تُرَقِّصُهُ وَتَلْعَبُ بِهِ وَنَاوَلَتْهُ فِرْعَوْنَ، فَلَمَّا أَخَذَهُ إِلَيْهِ أَخَذَ الْغُلَامُ بِلِحْيَتِهِ فَنَتَفَهَا، قَالَ فِرْعَوْنُ: عَلَيَّ بِالذَّبَّاحِينَ يَذْبَحُونَهُ، هُوَ هَذَا! قَالَتْ آسِيَةُ: {لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} [القصص: 9] ، إِنَّمَا هُوَ صَبِيٌّ لَا يَعْقِلُ وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا مِنْ جَهْلٍ، وَلَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مِصْرَ امْرَأَةٌ أَكْثَرَ حُلِيًّا مِنِّي، أَنَا أَضَعُ لَهُ حُلِيًّا مِنْ يَاقُوتٍ وَجَمْرًا فَإِنْ أَخَذَ الْيَاقُوتَةَ فَهُوَ يَعْقِلُ فَاذْبَحْهُ وَإِنَّ أَخَذَ الْجَمْرَ فَإِنَّمَا هُوَ صَبِيٌّ، فَأَخْرَجَتْ لَهُ يَاقُوتَهَا وَوَضَعَتْ لَهُ طَشْتًا مِنْ جَمْرٍ فَجَاءَ جِبْرِيلُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَمْرَةٍ فَأَخَذَهَا فَطَرَحَهَا مُوسَى فِي فَمِهِ، فَأَحْرَقَتْ لِسَانَهُ، فَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 27] . فَدَرَأَتْ عَنْ مُوسَى الْقَتْلَ. وَكَبِرَ مُوسَى، وَكَانَ يَرْكَبُ مَرْكَبَ فِرْعَوْنَ وَيَلْبَسُ مَا يَلْبَسُ، وَإِنَّمَا يُدْعَى مُوسَى بْنَ
فِرْعَوْنَ، وَامْتَنَعَ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يَبْقَ قِبْطِيٌّ يَظْلِمُ إِسْرَائِيلِيًّا خَوْفًا مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّ فِرْعَوْنَ رَكِبَ مَرْكِبًا وَلَيْسَ عِنْدَهُ مُوسَى فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى قِيلَ لَهُ: فِرْعَوْنُ قَدْ رَكِبَ، فَرَكِبَ مُوسَى فِي أَثَرِهِ فَأَدْرَكَهُ الْمَقِيلُ بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا مَنْفُ - وَهَذِهِ مَنْفُ (بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ) - مِصْرُ الْقَدِيمَةُ الَّتِي هِيَ مِصْرُ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ، وَهِيَ الْآنُ قَرْيَةٌ كَبِيرَةٌ، فَدَخَلَ نِصْفُ النَّهَارِ، وَقَدْ أَغْلَقَتْ أَسْوَاقَهَا، {عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ} [القصص: 15] يَقُولُ هَذَا إِسْرَائِيلِيٌّ قِيلَ إِنَّهُ السَّامِرِيُّ {وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15] يَقُولُ مِنَ الْقِبْطِ {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15] ، فَغَضِبَ مُوسَى لِأَنَّهُ تَنَاوَلَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ مَنْزِلَةَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَحِفْظَهُ لَهُمْ، وَكَانَ قَدْ حَمَاهُمْ مِنَ الْقِبْطِ، وَكَانَ النَّاسُ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْهُمْ بَلْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ. فَلَمَّا اشْتَدَّ غَضَبُهُ وَكَزَهُ فَقَضَى عَلَيْهِ، قَالَ: إِنَّ {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ - قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 15 - 16] ، أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى: وَعِزَّتِي لَوْ أَنَّ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلْتَ أَقَرَّتْ لِي سَاعَةً وَاحِدَةً أَنِّي خَالِقٌ رَازِقٌ لَأَذَقْتُكَ الْعَذَابَ. {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 17] . فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ أَنْ يُؤْخَذَ، {فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} [القصص: 18]- يَقُولُ يَسْتَعِينُهُ - {قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} [القصص: 18] . ثُمَّ أَقْبَلَ لِيَنْصُرَهُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى مُوسَى وَقَدْ أَقْبَلَ نَحْوَهُ لِيَبْطِشَ بِالرَّجُلِ الَّذِي يُقَاتِلُ الْإِسْرَائِيلِيَّ خَافَ أَنْ يَقْتُلَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَغْلَظَ لَهُ فِي الْكَلَامِ قَالَ: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} [القصص: 19] . فَتَرَكَ الْقِبْطِيَّ، فَذَهَبَ فَأَفْشَى عَلَيْهِ أَنَّ مُوسَى هُوَ الَّذِي قَتَلَ الرَّجُلَ، فَطَلَبَهُ فِرْعَوْنُ، وَقَالَ: خُذُوهُ فَإِنَّهُ صَاحِبُنَا. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ، وَقَالَ لَهُ: {إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ} [القصص: 20] . قِيلَ: كَانَ حِزْقِيلَ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ، كَانَ عَلَى بَقِيَّةٍ مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِمُوسَى. فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ مِنْ بَيْنِهِمْ {خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 21] . وَأَخَذَ فِي ثَنَيَاتِ الطَّرِيقِ، فَجَاءَهُ مَلَكٌ عَلَى فَرَسٍ
وَفِي يَدِهِ عَنَزَةٌ، وَهِيَ الْحَرْبَةُ الصَّغِيرَةُ، فَلَمَّا رَآهُ مُوسَى سَجَدَ لَهُ مِنَ الْفَرَقِ. فَقَالَ لَهُ: لَا تَسْجُدْ لِي وَلَكِنِ اتَّبِعْنِي، فَهَدَاهُ نَحْوَ مَدْيَنَ. وَقَالَ مُوسَى وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَيْهَا: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص: 22] . فَانْطَلَقَ بِهِ الْمَلَكُ حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى مَدْيَنَ، فَكَانَ قَدْ سَارَ وَلَيْسَ مَعَهُ طَعَامٌ، وَكَانَ يَأْكُلُ وَرَقَ الشَّجَرِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الْمَشْيِ، فَمَا بَلَغَ مَدْيَنَ حَتَّى سَقَطَ خُفُّ قَدَمِهِ. {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ} [القصص: 23]- قَصَدَ الْمَاءَ - {مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ} [القصص: 23] ، أَيْ تَحْبِسَانِ غَنَمَهُمَا، وَهُمَا ابْنَتَا شُعَيْبٍ النَّبِيِّ، وَقِيلَ: ابْنَتَا يَثْرُونَ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي شُعَيْبٍ، فَلَمَّا رَآهُمَا مُوسَى سَأَلَهُمَا: {مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص: 23] . فَرَحِمَهُمَا مُوسَى فَأَتَى الْبِئْرَ فَاقْتَلَعَ صَخْرَةً عَلَيْهَا كَانَ النَّفَرُ مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَرْفَعُوهَا فَسَقَى لَهُمَا غَنَمَهُمَا، فَرَجَعَتَا سَرِيعًا، وَكَانَتَا إِنَّمَا تَسْقِيَانِ مِنْ فُضُولِ الْحِيَاضِ. وَقَصَدَ مُوسَى شَجَرَةً هُنَاكَ لِيَسْتَظِلَّ بِهَا فَقَالَ: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ قَالَ مُوسَى ذَلِكَ وَلَوْ شَاءَ إِنْسَانٌ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى خُضْرَةِ أَمْعَائِهِ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ لَفَعَلَ وَمَا سَأَلَ إِلَّا أَكْلَةً. فَلَمَّا رَجَعَ الْجَارِيَتَانِ إِلَى أَبِيهِمَا سَرِيعًا سَأَلَهُمَا فَأَخْبَرَتَاهُ، فَأَعَادَ إِحْدَاهُمَا إِلَى مُوسَى تَسْتَدْعِيهِ، فَأَتَتْهُ، وَقَالَتْ لَهُ: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص: 25] . فَقَامَ مَعَهَا، فَمَشَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَضَرَبَتِ الرِّيحُ ثَوْبَهَا فَحَكَى عَجِيزَتَهَا، فَقَالَ لَهَا: امْشِي خَلْفِي وَدُلِّينِي عَلَى الطَّرِيقِ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَنْظُرُ فِي أَعْقَابِ النِّسَاءِ. فَلَمَّا أَتَاهُ {وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25] . قَالَتْ إِحْدَاهُمَا، وَهِيَ الَّتِي أَحْضَرَتْهُ: {يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26] . قَالَ لَهَا أَبُوهَا: الْقُوَّةُ قَدْ رَأَيْتِهَا فَمَا يُدْرِيكِ بِأَمَانَتِهِ؟ فَذَكَرَتْ لَهُ مَا أَمَرَهَا بِهِ مِنَ الْمَشْيِ خَلْفَهُ. فَقَالَ لَهُ أَبُوهَا: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي} [القصص: 27]- نَفْسَكَ - {ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ} [القصص: 27] . فَقَالَ لَهُ مُوسَى: {ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [القصص: 28] . فَأَقَامَ عِنْدَهُ
يَوْمَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى أَحْضَرَ شُعَيْبٌ الْعَشَاءَ، فَامْتَنَعَ مُوسَى مِنَ الْأَكْلِ، فَقَالَ: وَلِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ لَا نَأْخُذُ عَلَى الْيَسِيرِ مِنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا. فَقَالَ شُعَيْبٌ: لَيْسَ لِذَلِكَ أَطْعَمْتُكَ إِنَّمَا هَذِهِ عَادَتِي وَعَادَةُ آبَائِي، فَأَكَلَ، وَازْدَادَتْ رَغْبَةُ شُعَيْبٍ فِي مُوسَى فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ الَّتِي أَحْضَرَتْهُ، وَاسْمُهَا صَفُورَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَأْتِيَهُ بِعَصًا، وَكَانَتْ تِلْكَ الْعَصَا قَدِ اسْتَوْدَعَهَا إِيَّاهُ مَلَكٌ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، فَدَفَعَتْهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهَا أَبُوهَا أَمَرَهَا بِرَدِّهَا، وَالْإِتْيَانِ بِغَيْرِهَا، فَأَلْقَتْهَا وَأَرَادَتْ أَنْ تَأْخُذَ غَيْرَهَا، فَلَمْ تَقَعْ بِيَدِهَا سِوَاهَا، وَجَعَلَ يَرْدُدُهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْرُجُ بِيَدِهَا غَيْرُهَا، فَأَخَذَهَا مُوسَى لِيَرْعَى بِهَا فَنَدِمَ أَبُوهَا حَيْثُ أَخَذَهَا وَخَرَجَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهَا مِنْهُ حَيْثُ هِيَ وَدِيعَةٌ، فَلَمَّا رَآهُ مُوسَى يُرِيدُ أَخْذَهَا مِنْهُ مَانَعَهُ، فَحَكَّمَا أَوَّلَ رَجُلٍ يَلْقَاهُمَا، فَأَتَاهُمَا مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَقَضَى بَيْنَهُمَا أَنْ يَضَعَهَا مُوسَى فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ حَمَلَهَا فَهِيَ لَهُ، فَأَلْقَاهَا مُوسَى فَلَمْ يُطِقْ أَبُوهَا حَمْلَهَا وَأَخَذَهَا مُوسَى بِيَدِهِ فَتَرَكَهَا لَهُ، وَكَانَتْ مِنْ عَوْسَجٍ لَهَا شُعْبَتَانِ وَفِي رَأْسِهَا مِحْجَنٌ. وَقِيلَ: كَانَتْ مِنْ آسِ الْجَنَّةِ، حَمَلَهَا آدَمُ مَعَهُ. وَقِيلَ فِي أَخْذِهَا غَيْرُ ذَلِكَ. وَأَقَامَ مُوسَى عِنْدَ شُعَيْبٍ يَرْعَى لَهُ غَنَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَسَارَ بِأَهْلِهِ فِي زَمَنِ شِتَاءٍ وَبَرْدٍ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَرَادَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِمُوسَى كَرَامَتَهُ، وَابْتِدَاءَهُ فِيهَا بِنُبُوَّتِهِ، وَكَلَامِهِ أَخْطَأَ فِيهَا الطَّرِيقَ حَتَّى لَا يَدْرِيَ أَيْنَ يَتَوَجَّهُ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ حَامِلًا، فَأَخَذَهَا الطَّلْقُ فِي لَيْلَةٍ شَاتِيَةٍ ذَاتِ مَطَرٍ، وَرَعْدٍ، وَبَرْقٍ، فَأَخْرَجَ زَنْدَهُ لِيَقْدَحَ نَارًا لِأَهْلِهِ لِيَصْطَلُوا وَيَبِيتُوا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَعْلَمَ وَجْهَ طَرِيقِهِ، فَأَصْلَدَ زَنْدَهُ فَقَدَحَ حَتَّى أَعْيَا، فَرُفِعَتْ لَهُ نَارٌ، فَلَمَّا رَآهَا ظَنَّ أَنَّهَا نَارٌ، وَكَانَتْ مِنْ نُورِ اللَّهِ، فَـ {قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ} [القصص: 29] ، فَإِنْ لَمْ أَجِدْ خَبَرًا {آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [النمل: 7] . فَحِينَ قَصَدَهَا رَآهَا نُورًا مُمْتَدًّا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الْعَوْسَجِ، وَقِيلَ مِنَ الْعُنَّابِ، فَتَحَيَّرَ مُوسَى وَخَافَ حِينَ رَأَى نَارًا عَظِيمَةً بِغَيْرِ دُخَانٍ وَهِيَ تَلْتَهِبُ فِي شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ لَا تَزْدَادُ النَّارُ إِلَّا عِظَمًا، وَلَا تَزْدَادُ الشَّجَرَةُ إِلَّا خُضْرَةً، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا اسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَفَزِعَ وَرَجَعَ، فَنُودِيَ مِنْهَا، فَلَمَّا سَمِعَ الصَّوْتَ اسْتَأْنَسَ فَعَادَ، {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ} [القصص: 30] .
{أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا - يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص: 8 - 30] ، فَلَمَّا سَمِعَ النِّدَاءَ وَرَأَى تِلْكَ الْهَيْبَةَ عَلِمَ أَنَّهُ رَبُّهُ تَعَالَى، فَخَفَقَ قَلْبُهُ وَكَلَّ لِسَانُهُ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وَصَارَ حَيًّا كَمَيِّتٍ إِلَّا أَنَّ الرُّوحَ يَتَرَدَّدُ فِيهِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا يَشُدُّ قَلْبَهُ، فَلَمَّا ثَابَ إِلَيْهِ عَقْلُهُ نُودِيَ: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه: 12] ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ لِأَنَّهُمَا كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ، وَقِيلَ: لِيَنَالَ قَدَمُهُ الْأَرْضَ الْمُبَارَكَةَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ تَسْكِينًا لِقَلْبِهِ: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى - قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} [طه: 17 - 18] ، يَقُولُ: أَضْرِبُ الشَّجَرَ فَيَسْقُطُ وَرَقُهُ لِلْغَنَمِ، {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه: 18] أَحْمِلُ عَلَيْهَا الْمِزْوَدَ وَالسِّقَاءَ. وَكَانَتْ تُضِيءُ لِمُوسَى فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ، وَكَانَتْ إِذَا أَعْوَزَهُ الْمَاءُ أَدْلَاهَا فِي الْبِئْرِ فَيَنَالُ الْمَاءَ وَيَصِيرُ فِي رَأْسِهَا شِبْهُ الدَّلْوِ، وَكَانَ إِذَا اشْتَهَى فَاكِهَةً غَرَسَهَا فِي الْأَرْضِ فَنَبَتَتْ لَهَا أَغْصَانٌ تَحْمِلُ الْفَاكِهَةَ لِوَقْتِهَا. قَالَ لَهُ: أَلْقِهَا يَا مُوسَى. فَأَلْقَاهَا مُوسَى، فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى عَظِيمَةُ الْجُثَّةِ فِي خِفَّةِ حَرَكَةِ الْجَانِّ، فَلَمَّا رَآهَا مُوسَى {وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} [النمل: 10] ، فَنُودِيَ: {يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 10] ، أَقْبِلْ (وَلَا تَخَفْ {سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى} [طه: 21] عَصًا، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِإِلْقَاءِ الْعَصَا حَتَّى إِذَا أَلْقَاهَا عِنْدَ فِرْعَوْنَ لَا يَخَافُ مِنْهَا، فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ: خُذْهَا وَلَا تَخَفْ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي فِيهَا. وَكَانَ عَلَى مُوسَى جُبَّةُ صُوفٍ، فَلَفَّ يَدَهُ بِكُمِّهِ وَهُوَ لَهَا هَائِبٌ، فَنُودِيَ أَلْقِ كُمَّكَ عَنْ يَدِكَ، فَأَلْقَاهُ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ بَيْنَ لَحْيَيْهَا، فَلَمَّا أَدْخَلَ يَدَهُ عَادَتْ عَصًا كَمَا كَانَتْ لَا يُنْكِرُ مِنْهَا شَيْئًا. ثُمَّ قَالَ لَهُ: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [النمل: 12] ، يَعْنِي بَرَصًا، فَأَدْخَلَهَا وَأَخْرَجَهَا بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ مِثْلَ الثَّلْجِ لَهَا نُورٌ، ثُمَّ رَدَّهَا فَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ. فَقِيلَ لَهُ: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ - قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ - وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} [القصص: 32 - 34] ، أَيْ يُبَيِّنُ لَهُمْ عَنِّي مَا أُكَلِّمُهُمْ بِهِ، فَإِنَّهُ يَفْهَمُ عَنِّي مَا لَا يَفْهَمُونَ.
{قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [القصص: 35] . فَأَقْبَلَ مُوسَى إِلَى أَهْلِهِ فَسَارَ بِهِمْ نَحْوَ مِصْرَ حَتَّى أَتَاهَا لَيْلًا، فَتَضَيَّفَ عَلَى أُمِّهِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُمْ وَلَا يَعْرِفُونَهُ، فَجَاءَ هَارُونُ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ ضَيْفٌ، فَدَعَاهُ فَأَكَلَ مَعَهُ، وَسَأَلَهُ هَارُونُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى. فَاعْتَنَقَا. وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَرَكَ مُوسَى سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ قَالَ: أَجِبْ رَبَّكَ فِيمَا كَلَّمَكَ. فَقَالَ: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} [طه: 25] الْآيَاتِ. فَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُهُ مَكَانَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا فَعَلَ حَتَّى مَرَّ رَاعٍ مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ فَعَرَفَهُمْ فَاحْتَمَلَهُمْ إِلَى مَدْيَنَ، فَكَانُوا عِنْدَ شُعَيْبٍ حَتَّى بَلَغَهُمْ خَبَرُ مُوسَى بَعْدَمَا فَلَقَ الْبَحْرَ، فَسَارُوا إِلَيْهِ. وَأَمَّا مُوسَى فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى مِصْرَ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَارُونَ يُعْلِمُهُ بِقُفُولِ مُوسَى وَيَأْمُرُهُ بِتَلَقِّيهِ، فَخَرَجَ مِنْ مِصْرَ فَالْتَقَى بِهِ، قَالَ مُوسَى: يَا هَارُونُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَرْسَلَنَا إِلَى فِرْعَوْنَ فَانْطَلِقْ مَعِي إِلَيْهِ. قَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً، فَلَمَّا جَاءَ إِلَى بَيْتِ هَارُونَ وَأَظْهَرَ أَنَّهُمَا يَنْطَلِقَانِ إِلَى فِرْعَوْنَ سَمِعَتْ ذَلِكَ ابْنَةُ هَارُونَ فَصَاحَتْ أُمُّهُمَا فَقَالَتْ: أُنْشِدُكُمَا اللَّهَ أَنْ لَا تَذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ فَيَقْتُلَكُمَا جَمِيعًا! فَأَبَيَا فَانْطَلَقَا إِلَيْهِ لَيْلًا، فَضَرَبَا بَابَهُ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ لِبَوَّابِهِ: مَنْ هَذَا الَّذِي يَضْرِبُ بَابِي هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْا الْبَوَّابُ فَكَلَّمَهُمَا، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّا رَسُولَا رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأَخْبَرَ فِرْعَوْنَ، فَأُدْخِلَا إِلَيْهِ. وَقِيلَ إِنَّ مُوسَى وَهَارُونَ مَكَثَا سَنَتَيْنِ يَغْدُوَانِ إِلَى بَابِ فِرْعَوْنَ وَيَرُوحَانِ يَلْتَمِسَانِ الدُّخُولَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ يُخْبِرُهُ بِشَأْنِهِمَا، حَتَّى أَخْبَرَهُ مَسْخَرَةٌ كَانَ يُضْحِكُهُ بِقَوْلِهِ، فَأَمَرَ حِينَئِذٍ فِرْعَوْنُ بِإِدْخَالِهِمَا. فَلَمَّا دَخَلَا قَالَ لَهُ مُوسَى: {إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 104] . فَعَرَفَهُ فِرْعَوْنُ، فَقَالَ لَهُ: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ - وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ - قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ - فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا} [الشعراء: 18 - 21]- يَعْنِي النُّبُوَّةَ - {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 21] . فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: {إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ - فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} [الأعراف: 106 - 107]
قَدْ فَتَحَ فَاهُ فَوَضَعَ اللَّحْيَ الْأَسْفَلَ فِي الْأَرْضِ وَالْأَعْلَى عَلَى الْقَصْرِ وَتَوَجَّهَ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِيَأْخُذَهُ، فَخَافَهُ فِرْعَوْنُ وَوَثَبَ فَزِعًا فَأَحْدَثَ فِي ثِيَابِهِ، ثُمَّ بَقِيَ بِضْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا يَجِيءُ بَطْنُهُ حَتَّى كَادَ يَهْلِكُ، وَنَاشَدَهُ فِرْعَوْنُ بِرَبِّهِ تَعَالَى أَنْ يَرُدَّ الثُّعْبَانَ، فَأَخَذَهُ مُوسَى فَعَادَ عَصًا. ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِهِ وَأَخْرَجَهَا بَيْضَاءَ كَالثَّلْجِ لَهَا نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، ثُمَّ رَدَّهَا فَعَادَتْ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ لَوْنِهَا، ثُمَّ أَخْرَجَهَا الثَّانِيَةَ لَهَا نُورٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ تَكِلُّ مِنْهُ الْأَبْصَارُ قَدْ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا يَدْخُلُ نُورُهَا الْبُيُوتَ وَيُرَى مِنَ الْكُوَى وَمِنْ وَرَاءِ الْحُجُبِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ فِرْعَوْنُ النَّظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ رَدَّهَا مُوسَى فِي جَيْبِهِ وَأَخْرَجَهَا فَإِذَا هِيَ عَلَى لَوْنِهَا. وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى وَهَارُونَ أَنْ قُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: هَلْ لَكَ فِي أَنْ أُعْطِيَكَ شَبَابَكَ فَلَا تَهْرَمَ، وَمُلْكَكَ فَلَا يُنْزَعَ، وَأَرُدَّ إِلَيْكَ لَذَّةَ الْمَنَاكِحِ، وَالْمَشَارِبِ، وَالرُّكُوبِ، فَإِذَا مِتَّ دَخَلْتَ الْجَنَّةَ وَتُؤْمِنَ بِي؟ فَقَالَ: لَا حَتَّى يَأْتِيَ هَامَانُ، فَلَمَّا حَضَرَ هَامَانُ عَرَضَ عَلَيْهِ قَوْلَ مُوسَى، فَعَجَّزَهُ، وَقَالَ لَهُ: تَصِيرُ تَعْبُدُ بَعْدَ أَنْ كُنْتَ تُعْبَدُ! ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَنَا أَرُدُّ عَلَيْكَ شَبَابَكَ، فَعَمِلَ لَهُ الْوَسْمَةَ فَخَضَّبَهُ بِهَا، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَضَّبَ بِالسَّوَادِ، فَلَمَّا رَآهُ مُوسَى هَالَهُ ذَلِكَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لَا يَهُولَنَّكَ مَا تَرَى فَلَنْ يَلْبَثَ إِلَّا قَلِيلًا. فَلَمَّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ خَرَجَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 109] . وَأَرَادَ قَتْلَهُ. فَقَالَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وَاسْمُهُ خِرْبِيلُ: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} [غافر: 28] وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: {أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ} [الشعراء: 36] . فَفَعَلَ وَجَمَعَ السَّحَرَةَ، فَكَانُوا سَبْعِينَ سَاحِرًا، وَقِيلَ: اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَقِيلَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا،
فَوَعَدَهُمْ فِرْعَوْنُ وَاتَّعَدُوا يَوْمَ عِيدٍ كَانَ لِفِرْعَوْنَ، فَصَفَّهُمْ فِرْعَوْنُ وَجَمَعَ النَّاسَ، وَجَاءَ مُوسَى وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ وَبِيَدِهِ عَصَاهُ حَتَّى أَتَى الْجَمْعُ وَفِرْعَوْنُ فِي مَجْلِسِهِ مَعَ أَشْرَافِ قَوْمِهِ، فَقَالَ مُوسَى لِلسَّحَرَةِ حِينَ جَاءَهُمْ: {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} [طه: 61] . فَقَالَ السَّحَرَةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا هَذَا بِقَوْلِ سَاحِرٍ! ثُمَّ قَالُوا: لَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ لَمْ تَرَ مِثْلَهُ، {وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} [الشعراء: 44] . فَقَالَ لَهُ السَّحَرَةُ: {يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ} [الأعراف: 115] . قَالَ: {بَلْ أَلْقُوا} [طه: 66] . {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ} [الشعراء: 44] فَإِذَا هِيَ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ حَيَّاتٌ أَمْثَالُ الْجِبَالِ قَدْ مَلَأَتِ الْوَادِيَ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَأَوْجَسَ مُوسَى خَوْفًا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ أَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا، فَأَلْقَى عَصَاهُ مِنْ يَدِهِ فَصَارَتْ ثُعْبَانًا عَظِيمًا فَاسْتَعْرَضَتْ مَا أَلْقَوْا مِنْ حِبَالِهِمْ وَعِصِيِّهِمْ، وَهِيَ كَالْحَيَّاتِ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، فَجَعَلَتْ تَلْقَفُهَا وَتَبْتَلِعُهَا حَتَّى لَمْ تُبْقِ مِنْهَا شَيْئًا، ثُمَّ أَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ فِي يَدِهِ كَمَا كَانَتْ. وَكَانَ رَئِيسُ السَّحَرَةِ أَعْمَى، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: إِنَّ عَصَا مُوسَى صَارَتْ ثُعْبَانًا عَظِيمًا وَتَلْقَفُ حِبَالَنَا وَعِصِيَّنَا. فَقَالَ لَهُمْ: وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ وَلَا عَادَتْ إِلَى حَالِهَا الْأَوَّلِ؟ فَقَالُوا: لَا. فَقَالَ: هَذَا لَيْسَ بِسِحْرٍ. فَخَرَّ سَاجِدًا وَتَبِعَهُ السَّحَرَةُ أَجْمَعُونَ، وَ {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ - رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [الأعراف: 121 - 122] قَالَ فِرْعَوْنُ {آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] . فَقَطَّعَهُمْ وَقَتَلَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف: 126] ، فَكَانُوا أَوَّلَ النَّهَارِ كُفَّارًا وَآخِرَ النَّهَارِ شُهَدَاءَ. وَكَانَ خِرْبِيلُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، قِيلَ: كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقِيلَ:
كَانَ مِنَ الْقِبْطِ، وَقِيلَ: هُوَ النَّجَّارُ الَّذِي صَنَعَ التَّابُوتَ الَّذِي جُعِلَ فِيهِ مُوسَى وَأُلْقِيَ فِي النِّيلِ، فَلَمَّا رَأَى غَلَبَةَ مُوسَى السَّحَرَةَ أَظْهَرَ إِيمَانَهُ، وَقِيلَ: أَظْهَرَ إِيمَانَهُ قَبْلُ فَقُتِلَ وَصُلِبَ مَعَ السَّحَرَةِ، وَكَانَ لَهُ امْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ تَكْتُمُ إِيمَانَهَا أَيْضًا، وَكَانَتْ مَاشِطَةَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، فَبَيْنَمَا هِيَ تُمَشِّطُهَا إِذْ وَقَعَ الْمُشْطُ مِنْ يَدِهَا، فَقَالَتْ بِسْمِ اللَّهِ. فَقَالَتِ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي؟ قَالَتْ: لَا بَلْ رَبِّي وَرَبُّكِ وَرَبُّ أَبِيكِ. فَأَخْبَرَتْ أَبَاهَا بِذَلِكَ، فَدَعَا بِهَا وَبِوَلَدِهَا، وَقَالَ لَهَا: مَنْ رَبُّكِ؟ قَالَتْ: رَبِّي وَرَبُّكُ اللَّهُ. فَأَمَرَ بِتَنُّورٍ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَ لِيُعَذِّبَهَا وَأَوْلَادَهَا. فَقَالَتْ: لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَتْ: تَجْمَعُ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فَتَدْفِنُهَا. قَالَ: ذَلِكَ لَكِ، فَأَمَرَ بِأَوْلَادِهَا فَأُلْقُوا فِي التَّنُّورِ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَكَانَ آخِرُ أَوْلَادِهَا صَبِيًّا صَغِيرًا، فَقَالَ: اصْبِرِي يَا أُمَّاهْ، فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ، فَأُلْقِيَتْ فِي التَّنُّورِ مَعَ وَلَدِهَا. وَكَانَتْ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقِيلَ: كَانَتْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَانَتْ مُؤْمِنَةً تَكْتُمُ إِيمَانَهَا، فَلَمَّا قُتِلَتِ الْمَاشِطَةُ رَأَتْ آسِيَةُ الْمَلَائِكَةَ تَعْرُجُ بِرُوحِهَا، كَشَفَ اللَّهُ عَنْ بَصِيرَتِهَا، وَكَانَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهَا وَهِيَ تُعَذَّبُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةَ قَوِيَ إِيمَانُهَا وَازْدَادَتْ يَقِينًا وَتَصْدِيقًا لِمُوسَى، فَبَيْنَمَا هِيَ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهَا فِرْعَوْنُ فَأَخْبَرَهَا خَبَرَ الْمَاشِطَةِ. قَالَتْ لَهُ آسِيَةُ: الْوَيْلُ لَكَ! مَا أَجْرَأَكَ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ لَهَا: لَعَلَّكِ اعْتَرَاكِ الْجُنُونُ الَّذِي اعْتَرَى الْمَاشِطَةَ؟ فَقَالَتْ: مَا بِي جُنُونٌ، وَلَكِنِّي آمَنْتُ بِاللَّهِ تَعَالَى رَبِّي وَرَبِّكِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ. فَدَعَا فِرْعَوْنُ أُمَّهَا، وَقَالَ لَهَا: إِنَّ ابْنَتَكِ قَدْ أَصَابَهَا مَا أَصَابَ الْمَاشِطَةَ فَأُقْسِمُ لَتَذُوقَنَّ الْمَوْتَ أَوْ لَتَكْفُرَنَّ بِإِلَهِ مُوسَى. فَخَلَتْ بِهَا أُمُّهَا، وَأَرَادَتْهَا عَلَى مُوَافَقَةِ فِرْعَوْنَ، فَأَبَتْ وَقَالَتْ: أَمَّا أَنْ أَكْفُرَ بِاللَّهِ فَلَا وَاللَّهِ! فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ حَتَّى مُدَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَرْبَعَةُ أَوْتَادٍ وَعُذِّبَتْ حَتَّى مَاتَتْ، فَلَمَّا عَايَنَتِ الْمَوْتَ قَالَتْ: {رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم: 11] . فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْ بَصِيرَتِهَا فَرَأَتِ الْمَلَائِكَةَ وَمَا أُعِدَّ لَهَا مِنَ الْكَرَامَةِ، فَضَحِكَتْ فَقَالَ فِرْعَوْنُ: انْظُرُوا إِلَى الْجُنُونِ الَّذِي بِهَا! تَضْحَكُ
وَهِيَ فِي الْعَذَابِ! ثُمَّ مَاتَتْ. وَلَمَّا رَأَى فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ قَدْ دَخَلَهُمُ الرُّعْبُ مِنْ مُوسَى خَافَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَيَتْرُكُوا عِبَادَتَهُ فَاحْتَالَ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ لِوَزِيرِهِ: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا. فَأَمَرَ هَامَانُ بِعَمَلِ الْآجُرِّ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَمِلَهُ، وَجَمَعَ الصُّنَّاعَ وَعَمِلَهُ فِي سَبْعِ سِنِينَ، وَارْتَفَعَ الْبُنْيَانُ ارْتِفَاعًا لَمْ يَبْلُغْهُ بُنْيَانٌ آخَرُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى مُوسَى وَاسْتَعْظَمَهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ دَعْهُ وَمَا يُرِيدُ فَإِنِّي مُسْتَدْرِجُهُ وَمُبْطِلٌ مَا عَمِلَهُ سَاعَةً وَاحِدَةً. فَلَمَّا تَمَّ بِنَاؤُهُ أَمَرَ اللَّهُ جَبْرَائِيلَ فَخَرَّبَهُ وَأَهْلَكَ كُلَّ مَنْ عَمَلِ فِيهِ مِنْ صَانِعٍ وَمُسْتَعْمَلٍ. فَلَمَّا رَأَى فِرْعَوْنُ ذَلِكَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالشِّدَّةِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَعَلَى مُوسَى، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَصَارُوا يُكَلِّفُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَهُ، وَكَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي شِدَّةٍ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُطْعِمُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا اسْتَعْمَلُوهُمْ، فَصَارُوا لَا يُطْعِمُونَهُمْ شَيْئًا، فَيَعُودُونَ بِأَسْوَإِ حَالٍ يُرِيدُونَ يَكْسِبُونَ مَا يَقُوتُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ لَهُمُ: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا} [الأعراف: 128] ، {إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49] ، {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129] . فَلَمَّا أَبَى فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ إِلَّا الثَّبَاتَ عَلَى الْكُفْرِ، تَابَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْآيَاتِ، فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ، وَهُوَ الْمَطَرُ الْمُتَتَابِعُ، فَغَرِقَ كُلُّ شَيْءٍ لَهُمْ. فَقَالُوا: يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَكْشِفْ عَنَّا هَذَا وَنَحْنُ نُؤْمِنْ بِكَ وَنُرْسِلْ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَنَبَتَتْ زُرُوعُهُمْ، فَقَالُوا: مَا يَسُرُّنَا أَنَّا لَمْ نُمْطَرْ. فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَرَادَ فَأَكَلَ زُرُوعَهُمْ،، فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَكْشِفَ مَا بِهِمْ وَيُؤْمِنُوا بِهِ، فَدَعَا اللَّهَ فَكَشَفَهُ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا وَقَالُوا: قَدْ بَقِيَ مِنْ زُرُوعِنَا بَقِيَّةٌ. فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّبَا، وَهُوَ الْقُمَّلُ، فَأَهْلَكَ الزُّرُوعَ وَالنَّبَاتَ أَجْمَعَ، وَكَانَ يُهْلِكُ أَطْعِمَتَهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَحْتَرِزُوا مِنْهُ، فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ، فَفَعَلَ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفَادِعَ، وَكَانَتْ تَسْقُطُ فِي قُدُورِهِمْ وَأَطْعِمَتِهِمْ وَمَلَأَتِ الْبُيُوتَ عَلَيْهِمْ، فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ لِيُؤْمِنُوا بِهِ فَفَعَلَ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ، فَصَارَتْ مِيَاهُ الْفِرْعَوْنِيِّينَ دَمًا، وَكَانَ الْفِرْعَوْنِيُّ وَالْإِسْرَائِيلِيُّ يَسْتَقِيَانِ مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ، فَيَأْخُذُ الْإِسْرَائِيلِيُّ مَاءً وَيَأْخُذُ الْفِرْعَوْنِيُّ دَمًا، وَكَانَ الْإِسْرَائِيلِيُّ يَأْخُذُ الْمَاءَ مِنْ فَمِهِ فَيَمُجُّهُ فِي فَمِ الْفِرْعَوْنِيِّ فَيَصِيرُ دَمًا، فَبَقِيَ ذَلِكَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ
لِيُؤْمِنُوا، فَفَعَلَ فَلَمْ يُؤْمِنُوا. فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ إِيمَانِهِمْ وَمِنْ إِيمَانِ فِرْعَوْنَ دَعَا مُوسَى وَأَمَّنَ هَارُونُ فَقَالَ: {رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 88] . فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُمَا، فَمَسَخَ اللَّهُ أَمْوَالَهُمْ، مَا عَدَا خَيْلَهُمْ وَجَوَاهِرَهُمْ وَزِينَتَهُمْ حِجَارَةً، وَالنَّخْلَ، وَالْأَطْعِمَةَ، وَالدَّقِيقَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَكَانَتْ إِحْدَى الْآيَاتِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مُوسَى. فَلَمَّا طَالَ الْأَمْرُ عَلَى مُوسَى أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ تَابُوتَ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ وَيَدْفِنَهُ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَسَأَلَ مُوسَى عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ إِلَّا امْرَأَةٌ عَجُوزٌ فَأَرَتْهُ مَكَانَهُ فِي النِّيلِ، فَاسْتَخْرَجَهُ مُوسَى، وَهُوَ فِي صُنْدُوقٍ مَرْمَرٍ، فَأَخَذَهُ مَعَهُ فَسَارَ، وَأَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَسْتَعِيرُوا مِنْ حُلِيِّ الْقِبْطِ مَا أَمْكَنَهُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَأَخَذُوا شَيْئًا كَثِيرًا. وَخَرَجَ مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْلًا وَالْقِبْطُ لَا يَعْلَمُونَ، وَكَانَ مُوسَى عَلَى سَاقَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَارُونُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِمْ، وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمَّا سَارُوا مِنْ مِصْرَ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا وَتَبِعَهُمْ فِرْعَوْنُ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ هَامَانُ، {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] يَا مُوسَى! {أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} [الأعراف: 129] ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَكَانُوا يَذْبَحُونَ أَبْنَاءَنَا وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَنَا، وَأَمَّا الْآنَ فَيُدْرِكُنَا فِرْعَوْنُ فَيَقْتُلُنَا. قَالَ مُوسَى: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] . وَبَلَغَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى الْبَحْرِ وَبَقِيَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَفِرْعَوْنُ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَأَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ، فَتَقَدَّمَ مُوسَى فَضَرَبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ فَانْفَلَقَ، {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63] ، وَصَارَ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ، فَقَالَ كُلُّ سِبْطٍ: قَدْ هَلَكَ أَصْحَابُنَا. فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَاءَ فَصَارَ كَالشُّبَّاكِ، فَكَانَ كُلُّ سِبْطٍ يَرَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى خَرَجُوا، وَدَنَا فِرْعَوْنُ وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْبَحْرِ فَرَأَى الْمَاءَ عَلَى هَيْئَتِهِ وَالطُّرُقَ فِيهِ، فَقَالَ
لِأَصْحَابِهِ: أَلَا تَرَوْنَ الْبَحْرَ قَدْ فَرَقَ مِنِّي وَانْفَتَحَ لِي حَتَّى أُدْرِكَ أَعْدَائِي؟ فَلَمَّا وَقَفَ فِرْعَوْنُ عَلَى أَفْوَاهِ الطُّرُقِ لَمْ تَقْتَحِمْهُ خَيْلُهُ، فَنَزَلَ جَبْرَائِيلُ عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى وَدِيقٍ، فَشَمَّتَ الْحُصُنُ رِيحَهَا فَاقْتَحَمَتْ فِي أَثَرِهَا حَتَّى إِذَا هَمَّ أَوَّلُهُمْ أَنْ يَخْرُجَ وَدَخَلَ آخِرُهُمْ أُمِرَ الْبَحْرُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ فَالْتَطَمَ عَلَيْهِمْ فَأَغْرَقَهُمْ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ. وَانْفَرَدَ جَبْرَائِيلُ بِفِرْعَوْنَ يَأْخُذُ مِنْ حَمْأَةِ الْبَحْرِ فَيَجْعَلُهَا فِي فِيهِ، وَقَالَ حِينَ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَغَرِقَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِيكَائِيلَ يُعَيِّرُهُ، فَقَالَ لَهُ: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 91] . وَقَالَ جَبْرَائِيلُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا أَدُسُّ مِنْ حَمْأَةِ الْبَحْرِ فِي فَمِ فِرْعَوْنَ مَخَافَةَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَةً يَرْحَمُهُ اللَّهُ بِهَا. فَلَمَّا نَجَا بَنُو إِسْرَائِيلَ قَالُوا: إِنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَغْرَقْ. فَدَعَا مُوسَى فَأَخْرَجَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ غَرِيقًا، فَأَخَذَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَتَمَثَّلُونَ بِهِ، ثُمَّ سَارُوا فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فَقَالُوا {يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138] . فَتَرَكُوا ذَلِكَ. ثُمَّ بَعَثَ مُوسَى جُنْدَيْنِ عَظِيمَيْنِ كُلُّ جُنْدٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا إِلَى مَدَائِنِ فِرْعَوْنَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ خَالِيَةٌ مِنْ أَهْلِهَا قَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ عُظَمَاءَهُمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ، وَلَمْ يُبْقِ غَيْرَ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ وَالزَّمْنَى، وَالْمَرْضَى، وَالْمَشَايِخِ، وَالْعَاجِزِينَ، فَدَخَلُوا الْبِلَادَ وَغَنِمُوا الْأَمْوَالَ وَحَمَلُوا مَا أَطَاقُوا وَبَاعُوا مَا عَجَزُوا عَنْ حَمْلِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَانَ عَلَى الْجُنْدَيْنِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالَبُ بْنُ يُوفَنَّا. وَكَانَ مُوسَى قَدْ وَعَدَهُ اللَّهُ وَهُوَ بِمِصْرَ أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْهَا وَأَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُمْ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِكِتَابٍ فِيهِ مَا يَأْتُونَ وَمَا يَذَرُونَ، فَلَمَّا أَهْلَكَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَأَنْجَى بَنِي
إِسْرَائِيلَ قَالُوا: يَا مُوسَى ائْتِنَا بِالْكِتَابِ الَّذِي وَعَدْتَنَا. فَسَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ ذَلِكَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَيَتَطَهَّرَ وَيُطَهِّرَ ثِيَابَهُ وَيَأْتِيَ إِلَى الْجَبَلِ - جَبَلِ طَوْرِ سِينَا - لِيُكَلِّمَهُ وَيُعْطِيَهُ الْكِتَابَ، فَصَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوَّلُهَا أَوَّلُ ذِي الْقَعْدَةِ، وَسَارَ إِلَى الْجَبَلِ وَاسْتَخْلَفَ أَخَاهُ هَارُونَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا قَصَدَ الْجَبَلَ أَنْكَرَ رِيحَ فَمِهِ فَتَسَوَّكَ بِعُودِ خُرْنُوبٍ، وَقِيلَ: تَسَوَّكَ بِلِحَاءِ شَجَرَةٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدِي مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ؟ وَأَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أُخْرَى، فَصَامَهَا، وَهِيَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] . فَفِي تِلْكَ اللَّيَالِي الْعَشْرِ افْتَتَنَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِأَنَّ الثَلَاثِينَ انْقَضَتْ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِمْ مُوسَى، وَكَانَ السَّامِرِيُّ مِنْ أَهْلِ بَاجَرْمَى، وَقِيلَ: مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَقَالَ هَارُونُ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنَّ الْغَنَائِمَ لَا تَحِلُّ لَكُمْ، وَالْحُلِيَّ الَّذِي اسْتَعَرْتُمُوهُ مِنَ الْقِبْطِ غَنِيمَةٌ، فَاحْفِرُوا حُفْرَةً وَأَلْقُوهُ فِيهَا حَتَّى يَرْجِعَ مُوسَى فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَجَاءَ السَّامِرِيُّ بِقَبْضَةٍ مِنَ التُّرَابِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ أَثَرِ حَافِرِ فَرَسِ جَبْرَائِيلَ، فَأَلْقَاهُ فِيهِ فَصَارَ الْحُلِيُّ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ، وَقِيلَ: إِنَّ الْحُلِيَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ فَذَابَ فَأَلْقَى السَّامِرِيُّ ذَلِكَ التُّرَابَ فَصَارَ الْحُلِيُّ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ، وَقِيلَ: كَانَ يَخُورُ، وَيَمْشِي، وَقِيلَ: مَا خَارَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَعُدْ، وَقِيلَ: إِنَّ السَّامِرِيَّ صَاغَ الْعِجْلَ مِنْ ذَلِكَ الْحُلِيِّ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ قَذَفَ فِيهِ التُّرَابَ، فَقَامَ لَهُ خُوَارٌ. فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ: {هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} [طه: 88] مُوسَى وَتَرَكَهُ
هَهُنَا وَذَهَبَ يَطْلُبُهُ، فَعَكَفُوا عَلَيْهِ يَعْبُدُونَهُ، فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ: {يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} [طه: 90] ، فَأَطَاعَهُ بَعْضُهُمْ وَعَصَاهُ بَعْضُهُمْ، فَأَقَامَ بِمَنْ مَعَهُ وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ. وَلَمَّا نَاجَى اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى قَالَ لَهُ: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى - قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ} [طه: 83 - 85]- يَا مُوسَى - {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} [طه: 85] . فَقَالَ مُوسَى: يَا رَبِّي هَذَا السَّامِرِيُّ قَدْ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا الْعِجْلَ، مَنْ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ؟ قَالَ: أَنَا. قَالَ: فَأَنْتَ إِذًا أَضْلَلْتَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ مُوسَى لَمَّا كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ قَالَ: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] . وَأَعْطَاهُ الْأَلْوَاحَ فِيهَا الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَالْمَوَاعِظُ، وَعَادَ مُوسَى وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَجْعَلُ عَلَيْهِ حَرِيرَةً نَحْوَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكْشِفُهَا لِمَا تَغَشَّاهُ مِنَ النُّورِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْمِهِ وَرَأَى عِبَادَتَهُمُ الْعَجَلَ أَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ وَلِحْيَتِهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ، {قَالَ يَاابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 94] . فَتَرَكَ هَارُونَ وَأَقْبَلَ عَلَى السَّامِرِيِّ، وَقَالَ: {فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ - قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي - قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ} [طه: 95 - 97] . ثُمَّ أَخَذَ الْعِجْلَ وَبَرَدَهُ بِالْمَبَارِدِ وَأَحْرَقَهُ، وَأَمَرَ السَّامِرِيَّ فَبَالَ عَلَيْهِ، وَذَرَّاهُ فِي الْبَحْرِ. فَلَمَّا أَلْقَى مُوسَى الْأَلْوَاحَ ذَهَبَ سِتَّةُ أَسْبَاعِهَا وَبَقِيَ سُبْعٌ، وَطَلَبَ بَنُو إِسْرَائِيلَ التَّوْبَةَ
فَأَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: {يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] ، فَاقْتَتَلَ الَّذِينَ عَبَدُوهُ وَالَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ، فَكَانَ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ شَهِيدًا، فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَقَامَ مُوسَى، وَهَارُونُ يَدْعُوَانِ اللَّهَ، فَعَفَا عَنْهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالْكَفِّ عَنِ الْقِتَالِ وَتَابَ عَلَيْهِمْ، وَأَرَادَ مُوسَى قَتْلَ السَّامِرِيِّ فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِتَرْكِهِ وَقَالَ: إِنَّهُ سَخِيٌّ، فَلَعَنَهُ مُوسَى. ثُمَّ إِنَّ مُوسَى اخْتَارَ مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَخْيَارِهِمْ، وَقَالَ لَهُمُ: انْطَلِقُوا مَعِي إِلَى اللَّهِ فَتُوبُوا مِمَّا صَنَعْتُمْ، وَصُومُوا، وَتَطَهَّرُوا. وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى طُورِ سِينَا لِلْمِيقَاتِ الَّذِي وَقَّتَهُ اللَّهُ لَهُ. فَقَالُوا: اطْلُبْ أَنْ نَسْمَعَ كَلَامَ رَبِّنَا، فَقَالَ: أَفْعَلُ. فَلَمَّا دَنَا مُوسَى مِنَ الْجَبَلِ وَقَعَ عَلَيْهِ الْغَمَامُ حَتَّى تَغَشَّى الْجَبَلَ كُلَّهُ وَدَخَلَ فِيهِ مُوسَى، وَقَالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوا، فَدَنَوْا حَتَّى دَخَلُوا فِي الْغَمَامِ، فَوَقَعُوا سُجُودًا، فَسَمِعُوهُ وَهُوَ يُكَلِّمُ مُوسَى يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ، فَلَمَّا فَرَغَ انْكَشَفَ عَنْ مُوسَى الْغَمَامُ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا لِمُوسَى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ فَمَاتُوا جَمِيعًا. فَقَامَ مُوسَى يُنَاشِدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَدْعُوهُ وَيَقُولُ: يَا رَبِّ، اخْتَرْتُ أَخْيَارَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَعُودُ إِلَيْهِمْ وَلَيْسُوا مَعِي فَلَا يُصَدِّقُونَنِي. وَلَمْ يَزَلْ يَتَضَرَّعُ حَتَّى رَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحَهُمْ فَعَاشُوا رَجُلًا رَجُلًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ كَيْفَ يَحْيَوْنَ. فَقَالُوا: يَا مُوسَى أَنْتَ تَدْعُو اللَّهَ فَلَا تَسْأَلُهُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاكَهُ، فَادْعُهُ يَجْعَلُنَا أَنْبِيَاءَ. فَدَعَا اللَّهَ فَجَعَلَهُمْ أَنْبِيَاءَ. وَقِيلَ: أَمْرُ السَبْعِينَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا مَضَوْا لِلْمِيقَاتِ وَاعْتَذَرُوا قَبِلَ تَوْبَتَهُمْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَعَهُ التَّوْرَاةُ أَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوهَا وَيَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا لِلْأَثْقَالِ وَالشِّدَّةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا، وَأَمَرَ اللَّهُ جَبْرَائِيلَ فَقَطَعَ جَبَلًا مِنْ فِلَسْطِينَ عَلَى قَدْرِ عَسْكَرِهِمْ، وَكَانَ فَرْسَخًا فِي فَرْسَخٍ، وَرَفَعَهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ مِقْدَارَ قَامَةِ الرَّجُلِ مِثْلَ الظُّلَّةِ،
وَبَعَثَ نَارًا مِنْ قِبَلِ وُجُوهِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْبَحْرُ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا فَإِنْ قَبِلْتُمُوهُ وَفَعَلْتُمْ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ، وَإِلَّا رُضِخْتُمْ بِهَذَا الْجَبَلِ وَغَرِقْتُمْ فِي هَذَا الْبَحْرِ وَأُحْرِقْتُمْ بِهَذِهِ النَّارِ. فَلَمَّا رَأَوْا أَنْ لَا مَهْرَبَ لَهُمْ قَبِلُوا ذَلِكَ وَسَجَدُوا عَلَى شِقِّ وُجُوهِهِمْ وَجَعَلُوا يُلَاحِظُونَ الْجَبَلَ وَهُمْ سُجُودٌ، فَصَارَتْ سُنَّةً فِي الْيَهُودِ يَسْجُدُونَ عَلَى جَانِبِ وُجُوهِهِمْ وَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى مِنَ الْمُنَاجَاةِ بَقِيَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا مَاتَ، وَقِيلَ: مَا رَآهُ إِلَّا عَمِيَ، فَجَعَلَ عَلَى وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ بُرْنُسًا لِئَلَّا يُرَى وَجْهُهُ. ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَتَلَ ابْنَ عَمٍّ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرَهُ لِيَرِثَ مَالَهُ وَحَمَلَهُ وَأَلْقَاهُ بِمَوْضِعٍ آخَرَ، ثُمَّ أَصْبَحَ يَطْلُبُ دَمَهُ عِنْدَ مُوسَى مِنْ بَعْضِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَجَحَدُوا فَسَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً، فَقَالُوا: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] الْمُسْتَهْزِئِينَ. فَقَالُوا لَهُ: مَا هِيَ؟ وَلَوْ ذَبَحُوا بَقَرَةً مَا لَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ تَشْدِيدُهُمْ لِأَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ كَانَ بَرًّا بِأُمِّهِ وَكَانَ لَهُ بَقَرَةٌ عَلَى النَّعْتِ الْمَذْكُورِ فَنَفَعَهُ بِرُّهُ بِأُمِّهِ، فَلَمْ يَجِدُوا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ إِلَّا بَقَرَتَهُ، فَبَاعَهَا مِنْهُمْ بِمِلْءِ جِلْدِهَا ذَهَبًا، فَلَمَّا سَأَلُوا مُوسَى عَنْهَا قَالَ {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ} [البقرة: 68] يَقُولُ: لَا كَبِيرَةٌ وَلَا صَغِيرَةٌ نَصَفٌ بَيْنَ السِّنِينَ. {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا - قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ - قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة: 69 - 70] ، {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا} [البقرة: 71]- يَعْنِي لَا عَيْبَ فِيهَا، وَقِيلَ لَا بَيَاضَ فِيهَا - {قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} [البقرة: 71] . وَطَلَبُوهَا فَلَمْ يَجِدُوا إِلَّا بَقَرَةَ ذَلِكَ الرَّجُلِ الْبَارِّ بِأُمِّهِ، فَاشْتَرَوْهَا، فَغَالَ بِهَا حَتَّى أَخَذَ مِلْءَ جِلْدِهَا ذَهَبًا، فَذَبَحُوهَا وَضَرَبُوا الْقَتِيلَ بِلِسَانِهَا، وَقِيلَ: بِغَيْرِهِ، فَحَيِيَ وَقَامَ وَقَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ. ثُمَّ مَاتَ.
ذكر أمر بني إسرائيل في التيه ووفاة هارون عليه السلام
[ذِكْرُ أَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التِّيهِ وَوَفَاةِ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ] ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يَسِيرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَرِيحَا بَلَدِ الْجَبَّارِينَ، وَهِيَ أَرْضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَسَارُوا حَتَّى كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَبَعَثَ مُوسَى اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْ سَائِرِ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسَارُوا لِيَأْتُوا بِخَبَرِ الْجَبَّارِينَ، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْجَبَّارِينَ يُقَالُ لَهُ عَوْجُ بْنُ عِنَاقٍ فَأَخَذَ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَحَمَلَهُمْ وَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ: انْظُرِي إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَقْتُلُونَا، وَأَرَادَ أَنْ يَطَأَهُمْ بِرِجْلِهِ، فَمَنَعَتْهُ امْرَأَتُهُ، وَقَالَتْ: أَطْلِقْهُمْ لِيَرْجِعُوا وَيُخْبِرُوا قَوْمَهُمْ بِمَا رَأَوْا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّكُمْ إِنْ أَخْبَرْتُمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِخَبَرِ هَؤُلَاءِ لَا يَقْدَمُوا عَلَيْهِمْ، فَاكْتُمُوا الْأَمْرَ عَنْهُمْ، وَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ وَرَجَعُوا، فَنَكَثَ عَشَرَةٌ مِنْهُمُ الْعَهْدَ وَأَخْبَرُوا بِمَا رَأَوْا، وَكَتَمَ رَجُلَانِ مِنْهُمْ، وَهَمَا: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالَبُ بْنُ يُوفَنَّا خَتَنُ مُوسَى، وَلَمْ يُخْبِرُوا إِلَّا مُوسَى وَهَارُونَ، فَلَمَّا سَمِعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْخَبَرَ عَنِ الْجَبَّارِينَ امْتَنَعُوا عَنِ الْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ - قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ - قَالَ رَجُلَانِ} [المائدة: 21 - 23]- وَهُمَا يُوشَعُ، وَكَالَبُ - {مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ - قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 23 - 24] .
فَغَضِبَ مُوسَى، فَدَعَا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: {رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 25] ، وَكَانَتْ عَجَلَةً مِنْ مُوسَى. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} [المائدة: 26] . فَنَدِمَ مُوسَى حِينَئِذٍ. فَقَالُوا لَهُ: فَكَيْفَ لَنَا بِالطَّعَامِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى. فَأَمَّا الْمَنُّ فَقِيلَ هُوَ كَالصَّمْغِ وَطَعْمُهُ كَالشَّهْدِ يَقَعُ عَلَى الْأَشْجَارِ، وَقِيلَ: هُوَ التَّرَنْجَبِينُ، وَقِيلَ: هُوَ الْخُبْزُ الرِّقَاقُ، وَقِيلَ: هُوَ عَسَلٌ كَانَ يَنْزِلُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ صَاعٌ، وَأَمَّا السَّلْوَى فَهُوَ طَائِرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى. فَقَالُوا: أَيْنَ الشَّرَابُ؟ فَأَمَرَ مُوسَى فَضَرَبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ {فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} [البقرة: 60] لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ. فَقَالُوا: أَيْنَ الظِّلُّ؟ فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ فَقَالُوا: أَيْنَ اللِّبَاسُ؟ فَكَانَتْ ثِيَابُهُمْ تَطُولُ مَعَهُمْ وَلَا يَتَمَزَّقُ لَهُمْ ثَوْبٌ. ثُمَّ قَالُوا: {يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} [البقرة: 61] . فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ التِّيهِ رُفِعَ عَنْهُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى. ثُمَّ إِنَّ مُوسَى الْتَقَى هُوَ وَعَوْجُ بْنُ عِنَاقٍ، فَوَثَبَ مُوسَى عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَكَانَتْ عَصَاهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَكَانَ طُولُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، فَأَصَابَ كَعْبَ عَوْجٍ فَقَتَلَهُ. وَقِيلَ: عَاشَ عَوْجٌ ثَلَاثَةَ آلَافِ سَنَةٍ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى: إِنِّي مُتَوَفٍّ هَارُونَ فَأْتِ بِهِ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا. فَانْطَلَقَا نَحْوَهُ فَإِذَا هُمْ فِيهِ بِشَجَرَةٍ لَمْ يَرَوْا مِثْلَهَا وَفِيهِ بَيْتٌ مَبْنِيٌّ، وَسَرِيرٌ عَلَيْهِ فُرُشٌ، وَرِيحٌ طَيِّبَةٌ،
فَلَمَّا رَآهُ هَارُونُ أَعْجَبَهُ، قَالَ: يَا مُوسَى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَنَامَ عَلَى هَذَا السَّرِيرِ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: نَمْ. قَالَ: إِنِّي أَخَافُ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ أَنْ يَأْتِيَ فَيَغْضَبَ عَلَيَّ. قَالَ مُوسَى: لَا تَخَفْ أَنَا أَكْفِيكَ. قَالَ: فَنَمْ مَعِي. فَلَمَّا نَامَا أَخَذَ هَارُونَ الْمَوْتُ، فَلَمَّا وَجَدَ حِسَّهُ قَالَ: يَا مُوسَى خَدَعْتَنِي! فَتُوُفِّيَ وَرُفِعَ عَلَى السَّرِيرِ إِلَى السَّمَاءِ. وَرَجَعَ مُوسَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ لَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ: إِنَّكَ قَتَلْتَ هَارُونَ لِحُبِّنَا إِيَّاهُ. فَقَالَ: وَيَحْكَمُ أَفَتَرَوْنَ أَنِّي أَقْتُلُ أَخِي! فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ صَلَّى وَدَعَا اللَّهَ، فَنَزَلَ بِالسَّرِيرِ حَتَّى نَظَرُوا إِلَيْهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مَاتَ وَأَنَّ مُوسَى لَمْ يَقْتُلْهُ، فَصَدَّقُوهُ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي التِّيهِ.
ذكر وفاة موسى عليه السلام
[ذِكْرُ وَفَاةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ] قِيلَ: بَيْنَمَا مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَمْشِي وَمَعَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ فَتَاهَ إِذْ أَقْبَلَتْ رِيحٌ سَوْدَاءُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا يُوشَعُ ظَنَّ أَنَّهَا السَّاعَةُ، فَالْتَزَمَ مُوسَى، وَقَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ وَأَنَا مُلْتَزِمٌ نَبِيَّ اللَّهِ، فَاسْتُلَّ مُوسَى مِنْ تَحْتِ الْقَمِيصِ وَبَقِيَ الْقَمِيصُ فِي يَدَيْ يُوشَعَ. فَلَمَّا جَاءَ يُوشَعُ بِالْقَمِيصِ أَخَذَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَقَالُوا: قَتَلْتَ نَبِيَّ اللَّهِ! فَقَالَ: مَا قَتَلْتُهُ وَلَكِنَّهُ اسْتُلَّ مِنِّي. فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ. قَالَ: فَإِذَا لَمْ تُصَدِّقُونِي فَأَخِّرُونِي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَوَكَّلُوا بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ، فَدَعَا اللَّهَ، فَأَتَى كُلُّ رَجُلٍ كَانَ يَحْرُسُهُ فِي الْمَنَامِ فَأَخْبَرَ أَنَّ يُوشَعَ لَمْ يَقْتُلْ مُوسَى، وَأَنَّا قَدْ رَفَعْنَاهُ إِلَيْنَا، فَتَرَكُوهُ. وَقِيلَ: إِنَّ مُوسَى كَرِهَ الْمَوْتَ فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُحَبِّبَ إِلَيْهِ الْمَوْتَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَكَانَ يَغْدُو عَلَيْهِ وَيَرُوحُ، وَيَقُولُ لَهُ مُوسَى: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا أَحْدَثَ اللَّهُ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ لَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَمْ أَصْحَبْكَ كَذَا وَكَذَا سَنَةً، فَهَلْ كُنْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَكَ؟ وَلَا يَذْكُرُ لَهُ شَيْئًا. فَلَمَّا رَأَى مُوسَى ذَلِكَ كَرِهَ الْحَيَاةَ وَأَحَبَّ الْمَوْتَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَرَّ مُنْفَرِدًا بِرَهْطٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَحْفِرُونَ قَبْرًا، فَعَرَفَهُمْ فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَلَمْ يَرَ مِثْلَ مَا فِيهِ مِنَ الْخُضْرَةِ وَالْبَهْجَةِ. فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَلَائِكَةَ اللَّهِ، لِمَنْ تَحْفِرُونَ هَذَا الْقَبْرَ؟ فَقَالُوا: نَحْفِرُهُ لِعَبْدٍ كَرِيمٍ عَلَى رَبِّهِ. فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ لَهُ مَنْزِلٌ كَرِيمٌ مَا رَأَيْتُ مَضْجَعًا، وَلَا مَدْخَلًا مِثْلَهُ. فَقَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَكَ؟ قَالَ: وَدِدْتُ. قَالُوا: فَانْزِلْ وَاضْطَجِعْ فِيهِ وَتَوَجَّهْ إِلَى رَبِّكَ وَتَنَفَّسْ أَسْهَلَ تَنَفُّسٍ تَتَنَفَّسُهُ. فَنَزَلَ فِيهِ وَتَوَجَّهَ إِلَى رَبِّهِ، ثُمَّ تَنَفَّسَ، فَقَبَضَ اللَّهُ رُوحَهُ، ثُمَّ سَوَّتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِ التُّرَابَ.
وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ يَسْتَظِلُّ فِي عَرِيشٍ وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مِنْ نَقِيرٍ مِنْ حَجَرٍ تَوَاضُعًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ مَلَكَ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ فَلَطَمَهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَعَادَ، وَقَالَ: يَا رَبِّ، أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُحِبُّ الْمَوْتَ. قَالَ اللَّهُ: ارْجِعْ لَهُ وَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى ظَهْرِ ثَوْرٍ وَلَهُ بِكُلِّ شَعَرَةٍ تَحْتَ يَدِهِ سَنَةٌ، وَخَيِّرْهُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ أَنْ يَمُوتَ الْآنَ. فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ وَخَيَّرَهُ، فَقَالَ لَهُ: فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: الْمَوْتُ. قَالَ: فَالْآنَ إِذَنْ. فَقَبَضَ رُوحَهُ» . وَهَذَا الْقَوْلُ صَحِيحٌ قَدْ صَحَّ النَّقْلُ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ مَوْتُهُ فِي التِّيهِ أَيْضًا. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ الَّذِي فَتَحَ مَدِينَةَ الْجَبَّارِينَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَكَانَ جَمِيعُ عُمُرِ مُوسَى مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، مِنْ ذَلِكَ فِي مُلْكِ أَفْرِيدُونَ عِشْرُونَ، وَفِي مُلْكِ مِنُوجِهْرَ مِائَةُ سَنَةٍ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَنْ قَبَضَهُ فِي مُلْكِ مِنُوجِهْرَ. ثُمَّ نُبِّئَ بَعْدَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ فَكَانَ فِي زَمَنِ مِنُوجِهْرَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَفِي زَمِنِ أَفْرَاسِيَابَ سَبْعَ سِنِينَ.
ذكر يوشع بن نون عليه السلام وفتح مدينة الجبارين
[ذِكْرُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفَتْحِ مَدِينَةِ الْجَبَّارِينَ] لَمَّا تُوُفِّيَ بَعَثَ اللَّهُ يُوشَعَ بْنَ نُونِ بْنِ إِفْرَائِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَبِيًّا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى أَرِيحَا مَدِينَةِ الْجَبَّارِينَ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فَتْحِهَا عَلَى يَدِ مَنْ كَانَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ مُوسَى، وَهَارُونَ تُوُفِّيَا فِي التِّيهِ، وَتُوُفِّيَ فِيهِ كُلُّ مَنْ دَخَلَهُ، وَقَدْ جَاوَزَ الْعِشْرِينَ سَنَةً، غَيْرَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَكَالَبَ بْنِ يُوفَنَّا، فَلَمَّا انْقَضَى أَرْبَعُونَ سَنَةً أَوْحَى اللَّهُ إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ فَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهَا وَفَتْحِهَا، فَفَتَحَهَا، وَمِثْلَهُ قَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَعِكْرِمَةُ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ مُوسَى عَاشَ حَتَّى خَرَجَ مِنَ التِّيهِ، وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ الْجَبَّارِينَ، وَعَلَى مَقْدَمَتِهِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ فَفَتَحَهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: سَارَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ لِقِتَالِ الْجَبَّارِينَ، فَقَدِمَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالَبُ بْنُ يُوفَنَّا، وَهُوَ صِهْرُهُ عَلَى أُخْتِهِ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، فَلَمَّا بَلَغُوهَا اجْتَمَعَ الْجَبَّارُونَ إِلَى بُلْعُمَ بْنِ بَاعُورَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ لُوطٍ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ مُوسَى قَدْ جَاءَ لِيَقْتُلَنَا وَيُخْرِجَنَا مِنْ دِيَارِنَا فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ بُلْعُمُ يَعْرِفُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ، فَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ أَدْعُو عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَمَعَهُمُ الْمَلَائِكَةُ؟ ! فَرَاجَعُوهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ، فَأَتَوُا امْرَأَتَهُ وَأَهْدَوْا لَهَا هَدِيَّةً، فَقَبِلَتْهَا، وَطَلَبُوا إِلَيْهَا أَنْ تُحَسِّنَ لِزَوْجِهَا أَنْ يَدْعُوَ
عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَتْ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَامْتَنَعَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى قَالَ: أَسْتَخِيرُ اللَّهَ. فَاسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى، فَنَهَاهُ فِي الْمَنَامِ، فَأَخْبَرَهَا بِذَلِكَ، فَقَالَتْ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَعَاوِدْ الِاسْتِخَارَةَ فَلَمْ يَرِدْ إِلَيْهِ جَوَابٌ. فَقَالَتْ: لَوْ أَرَادَ رَبُّكَ لَنَهَاكَ، وَلَمْ تَزَلْ تَخْدَعُهُ حَتَّى أَجَابَهُمْ، فَرَكِبَ حِمَارًا لَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى جَبَلٍ مُشْرِفٍ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيَقِفَ عَلَيْهِ وَيَدْعُوَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا سَارَ عَلَيْهِ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى رَبَضَ الْحِمَارُ، فَنَزَلَ عَنْهُ وَضَرَبَهُ حَتَّى قَامَ فَرَكِبَهُ فَسَارَ بِهِ قَلِيلًا فَبَرَكَ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا اشْتَدَّ ضَرَبَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَنْطَقَهُ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا بُلْعُمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ؟ أَمَا تَرَى الْمَلَائِكَةَ تَرُدُّنِي؟ فَلَمْ يَرْجِعْ، فَأَطْلَقَ اللَّهُ الْحِمَارَ حِينَئِذٍ، فَسَارَ عَلَيْهِ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَكَانَ كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ يَنْصَرِفُ لِسَانُهُ إِلَى الدُّعَاءِ لَهُمْ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ لِقَوْمِهِ انْقَلَبَ دُعَاؤُهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ غَلَبَنَا اللَّهُ عَلَيْهِ، وَانْدَلَعَ لِسَانُهُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ، فَقَالَ: الْآنَ قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّيَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الْمَكْرِ وَالْحِيلَةِ. وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُزَيِّنُوا نِسَاءَهُمْ وَيُعْطُوهُنَّ السِّلَعَ لِلْبَيْعِ وَيُرْسِلُوهُنَّ إِلَى الْعَسْكَرِ، وَلَا تَمْنَعَ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا مِمَّنْ يُرِيدُهَا. وَقَالَ: إِنْ زَنَى مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ كُفِيتُمُوهُمْ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَدَخَلَ النِّسَاءُ عَسْكَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَخَذَ رَمْزَى بْنُ شَلُومَ، وَهُوَ رَأْسُ سِبْطِ شَمْعُونَ بْنِ يَعْقُوبَ امْرَأَةً وَأَتَى بِهَا مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: أَظُنُّكَ تَقُولُ هَذَا حَرَامٌ فَوَاللَّهِ لَا نُطِيعُكَ، ثُمَّ أَدْخَلَهَا خَيْمَتَهُ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطَّاعُونَ، وَكَانَ فَنْحَاصُ بْنُ الْعِزَارِ بْنِ هَارُونَ صَاحِبُ أَمْرِ عَمِّهِ مُوسَى غَائِبًا، فَلَمَّا جَاءَ رَأَى الطَّاعُونَ قَدِ اسْتَقَرَّ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأُخْبِرَ الْخَبَرَ، وَكَانَ ذَا قُوَّةٍ وَبَطْشٍ، فَقَصَدَ زَمْرَى فَرَآهُ وَهُوَ مُضَاجِعُ الْمَرْأَةِ، فَطَعَنَهَا بِحَرْبَةٍ فِي يَدِهِ فَانْتَظَمَهَا، وَرُفِعَ الطَّاعُونُ، وَقَدْ هَلَكَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَقِيلَ: سَبْعُونَ أَلْفًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي بُلْعُمَ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الأعراف: 175] . ثُمَّ إِنَّ مُوسَى قَدَّمَ يُوشَعَ إِلَى أَرِيحَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَدَخَلَهَا وَقَتَلَ بِهَا الْجَبَّارِينَ، وَبَقِيَتْ مِنْهُمْ بَقِيَّةٌ، وَقَدْ قَارَبَتِ الشَّمْسُ الْغُرُوبَ، فَخَشِيَ أَنْ يُدْرِكَهُ اللَّيْلُ فَيُعْجِزُوهُ، فَدَعَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَحْبِسَ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ، فَفَعَلَ وَحَبَسَهَا حَتَّى اسْتَأْصَلَهُمْ، وَدَخَلَهَا مُوسَى فَأَقَامَ بِهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ، وَقَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ لَا يَعْلَمُ بِقَبْرِهِ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ.
وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُوسَى كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يُوشَعَ بِالْمَسِيرِ إِلَى مَدِينَةِ الْجَبَّارِينَ، فَسَارَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَفَارَقَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ بُلْعُمُ بْنُ بَاعُورَ، وَكَانَ يَعْرِفُ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ، وَسَاقَ مِنْ حَدِيثِهِ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ. فَلَمَّا ظَفِرَ يُوشَعُ بِالْجَبَّارِينَ أَدْرَكَهُ الْمَسَاءُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَدَعَا اللَّهَ فَرَدَّ الشَّمْسَ عَلَيْهِ وَزَادَ فِي النَّهَارِ سَاعَةً فَهَزَمَ الْجَبَّارِينَ وَدَخَلَ مَدْيَنَتَهُمْ، وَجَمَعَ غَنَائِمَهُمْ لِيَأْخُذَهَا الْقُرْبَانُ، فَلَمْ تَأْتِ النَّارُ، فَقَالَ يُوشَعُ: فِيكُمْ غُلُولٌ فَبَايِعُونِي، فَبَايَعُوهُ، فَلَصِقَتْ يَدُهُ فِي يَدِ مَنْ غَلَّ، فَأَتَاهُ بِرَأْسِ ثَوْرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٍ بِالْيَاقُوتِ فَجَعَلَهُ فِي الْقُرْبَانِ وَجَعَلَ الرَّجُلَ مَعَهُ، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهُمَا. وَقِيلَ: بَلْ حَصَرَهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا كَانَ السَّابِعُ تَقَدَّمُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَصَاحُوا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَسَقَطَ السُّورُ، فَدَخَلُوهَا وَهَزَمُوا الْجَبَّارِينَ، وَقَتَلُوا فِيهِمْ فَأَكْثَرُوا. ثُمَّ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُلُوكِ الشَّامِ، وَقَصَدُوا يُوشَعَ فَقَاتَلَهُمْ، وَهَزَمَهُمْ، وَهَرَبَ الْمُلُوكُ إِلَى غَارٍ، فَأَمَرَ بِهِمْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَقُتِلُوا، وَصُلِبُوا. ثُمَّ مَلَكَ الشَّامَ جَمِيعَهُ فَصَارَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَفَرَّقَ عُمَّالَهُ فِيهِ. ثُمَّ تَوَفَّاهُ اللَّهُ فَاسْتَخْلَفَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَالَبَ بْنَ يُوفَنَّا، وَكَانَ عُمُرُ يُوشَعَ مِائَةً وَسِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ قِيَامُهُ بِالْأَمْرِ بَعْدَ مُوسَى سَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَأَمَّا مَنْ بَقِيَ مِنَ الْجَبَّارِينَ فَإِنَّ إِفْرِيقِشَ بْنَ قَيْسِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ سَبَإِ بْنِ كَعْبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حِمْيَرَ بْنِ سَبَإِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ مَرَّ بِهِمْ مُتَوَجِّهًا إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ فَاحْتَمَلَهُمْ مِنْ سَوَاحِلِ الشَّامِ فَقَدِمَ بِهِمْ إِفْرِيقِيَّةَ فَافْتَتَحَهَا، وَقَتَلَ مَلِكَهُ جُرْجِيرَ، وَأَسْكَنَهُمْ إِيَّاهَا، فَهُمُ الْبَرَابِرَةُ. وَأَقَامَ مِنْ حِمْيِرَ فِي الْبَرْبَرِ صَنْهَاجَةُ وَكُتَامَةُ، فَهُمْ فِيهِمْ إِلَى الْيَوْمِ.
ذكر أمر قارون
[ذِكْرُ أَمْرِ قَارُونَ] وَكَانَ قَارُونُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قَاهِثَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ بْنِ قَاهِثَ، وَقِيلَ: كَانَ عَمَّ مُوسَى، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَكَانَ عَظِيمَ الْمَالِ كَثِيرَ الْكُنُوزِ. قِيلَ إِنَّ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ كَانَتْ تُحْمَلُ عَلَى أَرْبَعِينَ بَغْلًا، فَبَغَى عَلَى قَوْمِهِ بِكَثْرَةِ مَالِهِ، فَوَعَظُوهُ، وَنَهَوْهُ، وَقَالُوا لَهُ مَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ - وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 76 - 77] ، فَأَجَابَهُمْ جَوَابَ مُغْتَرٍّ لِحِلْمِ اللَّهِ عَنْهُ فَقَالَ: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ - يَعْنِي الْمَالَ وَالْخَزَائِنَ - عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي، قِيلَ عَلَى خَبَرٍ وَمَعْرِفَةٍ مِنِّي، وَقِيلَ: لَوْلَا رِضَا اللَّهِ عَنِّي وَمَعْرِفَتُهُ بِفَضْلِي مَا أَعْطَانِي هَذَا. فَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ غَيِّهِ وَلَكِنَّهُ تَمَادَى فِي طُغْيَانِهِ حَتَّى خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ، وَهِيَ أَنَّهُ رَكِبَ بِرْذَوْنًا أَبْيَضَ بِمَرَاكِبِ الْأُرْجُوَانِ الْمُذَهَّبَةِ، وَعَلَيْهِ الثِّيَابُ الْمُعَصْفَرَةُ، وَقَدْ حَمَلَ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةِ جَارِيَةٍ عَلَى مِثْلِ بِرْذَوْنِهِ وَأَرْبَعَةَ آلَافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَبَنَى دَارَهُ، وَضَرَبَ عَلَيْهَا صَفَائِحَ الذَّهَبِ، وَعَمِلَ لَهَا بَابًا مِنْ ذَهَبٍ، فَتَمَنَّى أَهْلُ الْغَفْلَةِ وَالْجَهْلِ مِثْلَ مَا لَهُ، فَنَهَاهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللَّهِ.
وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالزَّكَاةِ، فَجَاءَ إِلَى مُوسَى مِنْ كُلِّ أَلْفِ دِينَارٍ دِينَارٌ، وَعَلَى هَذَا مِنْ كُلِّ أَلْفِ شَيْءٍ شَيْءٌ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى بَيْتِهِ وَجَدَهُ كَثِيرًا، فَجَمَعَ نَفَرًا يَثِقُ بِهِمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: إِنَّ مُوسَى أَمَرَكُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ فَأَطَعْتُمُوهُ، وَهُوَ الْآنَ يُرِيدُ أَخْذَ أَمْوَالِكُمْ. فَقَالُوا: أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا، فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ. فَقَالَ: آمُرُكُمْ أَنْ تُحْضِرُوا فُلَانَةً الْبَغِيَّ فَتَجْعَلُوا لَهَا جُعْلًا فَتَقْذِفُهُ بِنَفْسِهَا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَأَجَابَتْهُمْ إِلَيْهِ. ثُمَّ أَتَى مُوسَى، فَقَالَ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِتَأْمُرَهُمْ وَتَنْهَاهُمْ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: مَنْ سَرَقَ قَطَعْنَاهُ، وَمَنِ افْتَرَى جَلَدْنَاهُ، وَمَنْ زَنَى وَلَيْسَ لَهُ امْرَأَةٌ جَلَدْنَاهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ رَجَمْنَاهُ حَتَّى يَمُوتَ. فَقَالَ لَهُ قَارُونُ: وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ فَجَرْتَ بِفُلَانَةَ. فَقَالَ ادْعُوهَا فَإِنْ قَالَتْ فَهُوَ كَمَا قَالَتْ. فَلَمَّا جَاءَتْ قَالَ لَهَا مُوسَى: أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ إِلَّا صَدَقْتِ: أَنَا فَعَلْتُ بِكِ مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ؟ قَالَتْ: لَا، كَذَبُوا، وَلَكِنْ جَعَلُوا لِي جُعْلًا عَلَى أَنْ أَقْذِفَكَ. فَسَجَدَ وَدَعَا عَلَيْهِمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: مُرِ الْأَرْضَ بِمَا شِئْتَ تُطِعْكَ. فَقَالَ: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ بَلَغَ مُوسَى، فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: مُرِ الْأَرْضَ بِمَا شِئْتَ تُطِعْكَ. فَجَاءَ مُوسَى إِلَى قَارُونَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَرَفَ الشَّرَّ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي. فَقَالَ مُوسَى: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ. فَاضْطَرَبَتْ دَارُهُ وَسَاخَتْ بِقَارُونَ، وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي. قَالَ يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى رُكَبِهِمْ. فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَعْطِفُهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ، حَتَّى خُسِفَ بِهِمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: مَا أَفَظَّكَ! أَمَا وَعِزَّتِي لَوْ إِيَّايَ نَادَى لَأَجَبْتُهُ، وَلَا أُعِيدُ الْأَرْضَ تُطِيعُ أَحَدًا أَبَدًا بَعْدَكَ، فَهُوَ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ نِقْمَتَهُ حَمِدَ الْمُؤْمِنُونَ اللَّهَ، وَعَرَفَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ خَطَأَ أَنْفُسِهِمْ وَاسْتَغْفَرُوا، وَتَابُوا.
ذكر من ملك من الفرس بعد منوجهر
[ذِكْرُ مَنْ مَلَكَ مِنَ الْفُرْسِ بَعْدَ مِنُوجِهْرَ] لَمَّا هَلَكَ مِنُوجِهْرُ مَلِكُ فَارِسَ سَارَ أَفْرَاسِيَابُ بْنُ فَشْنَجَ بْنِ رُسْتَمَ مِلْكُ التُّرْكِ إِلَى مَمْلَكَةِ الْفُرْسِ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَسَارَ إِلَى أَرْضِ بَابِلَ وَأَكْثَرَ الْمُقَامَ بِهَا وَبِمِهْرِجَانَقْذَقَ، وَأَكْثَرَ الْفَسَادَ فِي مَمْلَكَةِ فَارِسَ، وَعَظُمَ ظُلْمُهُ، وَأَخْرَبَ مَا كَانَ عَامِرًا، وَدَفَنَ الْأَنْهَارَ، وَالْقِنَى، وَقَحَطَ النَّاسُ سَنَةَ خَمْسٍ مِنْ مُلْكِهِ، إِلَى أَنْ خَرَجَ عَنْ مَمْلَكَةِ فَارِسَ وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ مِنْهُ فِي أَعْظَمِ الْبَلِيَّةِ إِلَى أَنْ مَلَكَ زَوُّ بْنُ طَهْمَاسِبَ. وَكَانَ مِنُوجِهْرُ قَدْ سَخِطَ عَلَى وَلَدِهِ طَهْمَاسِبَ وَنَفَاهُ عَنْ بِلَادِهِ، فَأَقَامَ فِي بِلَادِ التُّرْكِ عِنْدَ مَلِكٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: وَامَنُ، وَتَزَوَّجَ ابْنَتَهُ، فَوَلَدَتْ لَهُ زَوَّ بْنَ طَهْمَاسِبَ، وَكَانَ الْمُنَجِّمُونَ قَدْ قَالُوا لِأَبِيهَا: إِنَّ ابْنَتَهُ تَلِدُ وَلَدًا يَقْتُلُهُ، فَسَجَنَهَا، فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا طَهْمَاسِبُ وَوَلَدَتْ مِنْهُ كَتَمَتْ أَمْرَهَا وَوَلَدَهَا، ثُمَّ إِنَّ مِنُوجِهْرَ رَضِيَ عَنْ طَهْمَاسِبَ، وَأَحْضَرَهُ إِلَيْهِ، فَاحْتَالَ فِي إِخْرَاجِ زَوْجَتِهِ وَابْنِهِ زَوٍّ مِنْ مَحْبِسِهِمَا، فَوَصَلَتْ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ زَوًّا فِيمَا ذُكِرَ قَتَلَ جَدَّهُ وَامَنَ فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ التُّرْكِ وَطَرَدَ أَفْرَاسِيَابَ التُّرْكِيَّ عَنْ مَمْلَكَةِ فَارِسَ حَتَّى رَدَّهُ إِلَى التُّرْكِ بَعْدَ حُرُوبٍ جَرَتْ بَيْنَهُمَا، فَكَانَتْ غَلَبَةُ أَفْرَاسِيَابَ عَلَى أَقَالِيمِ بَابِلَ وَمَمْلَكَةِ الْفُرْسِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ لَدُنْ تَوَفِّي مِنُوجِهْرَ إِلَى أَنْ أَخْرَجَهُ عَنْهَا زَوٌّ، وَكَانَ إِخْرَاجُهُ عَنْهَا رُوزَابَانَ مِنْ شَهْرِ أَبَانَ مَاهٍ، فَاتَّخَذَ لَهُمْ هَذَا الْيَوْمَ عِيدًا وَجَعَلُوهُ الثَّالِثَ لِعِيدَيْهِمُ النَّوْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ.
وَكَانَ زَوٌّ مَحْمُودًا فِي مُلْكِهِ مُحْسِنًا إِلَى رَعِيَّتِهِ فَأَمَرَ بِإِصْلَاحِ مَا كَانَ أَفَرْسِيَابُ أَفْسَدَهُ مِنْ مَمْلَكَتِهِمْ، وَبِعِمَارَةِ الْحُصُونِ، وَإِخْرَاجِ الْمِيَاهِ الَّتِي غَوَّرَ طُرُقَهَا، حَتَّى عَادَتِ الْبِلَادُ إِلَى أَحْسَنِ مَا كَانَتْ. وَوَضَعَ عَنِ النَّاسِ الْخَرَاجَ سَبْعَ سِنِينَ، فَعَمُرَتِ الْبِلَادُ فِي مُلْكِهِ وَكَثُرَتِ الْمَعَايِشُ، وَاسْتَخْرَجَ بِالسَّوَادِ نَهْرًا وَسَمَّاهُ الزَّابَ، وَبَنَى عَلَيْهِ مَدِينَةً وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى الْعَتِيقَةَ، وَجَعَلَ لَهَا طَسُّوجَ الزَّابِ الْأَعْلَى، وَطَسُّوجَ الزَّابِ الْأَوْسَطِ، وَطَسُّوجَ الزَّابِ الْأَسْفَلِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ أَلْوَانَ الطَّبِيخِ وَأَمَرَ بِهَا وَبِأَصْنَافِ الْأَطْعِمَةِ، وَأَعْطَى جُنُودَهُ مَا غَنِمَ مِنَ التُّرْكِ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ جَمِيعُ مُلْكِهِ إِلَى أَنِ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَكَانَ كَرْشَاسِبُ بْنُ أَنُوطَ وَزِيرَهُ فِي مُلْكِهِ وَمُعِينَهُ فِيهِ، وَقِيلَ: كَانَ شَرِيكَهُ فِي الْمُلْكِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَكَانَ عَظِيمَ الشَّأْنِ فِي فَارِسَ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ.
ذكر ملك كيقباذ
[ذِكْرُ مُلْكِ كَيْقُبَاذَ] ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ زَوٍّ كَيْقُبَاذُ بْنُ رَاعِ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ نَوْذَرَ بْنِ مِنُوجِهْرَ، وَقَدَّرَ مِيَاهَ الْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ لِشُرْبِ الْأَرْضِ، وَسَمَّى الْبِلَادَ بِأَسْمَائِهَا، وَحَدَّهَا بِحُدُودِهَا، وَكَوَّرَ الْكُوَرَ، وَبَيَّنَ حَيِّزَ كُلِّ كُورَةٍ، وَأَخَذَ الْعُشْرَ مِنْ غَلَّاتِهَا لِأَرْزَاقِ الْجُنْدِ، وَكَانَ - فِيمَا ذُكِرَ - كَيْقُبَاذُ حَرِيصًا عَلَى عِمَارَةِ الْبِلَادِ، وَمَنْعِهَا مِنَ الْعَدُوِّ، كَثِيرَ الْكُنُوزِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُلُوكَ الْكَيَانِيَّةَ وَأَبْنَاءَهُمْ مِنْ نَسْلِهِ. جَرَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ التُّرْكِ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، فَكَانَ مُقِيمًا بِالْقُرْبِ مِنْ نَهْرِ بَلْخَ، وَهُوَ جَيْحُونُ، لِمَنْعِ التُّرْكِ مِنْ تَطَرُّقِ شَيْءٍ مِنْ بِلَادِهِ. وَكَانَ مُلْكُهُ مِائَةَ سَنَةٍ.
ذكر الأحداث في بني إسرائيل في عهد زو وكيقباذ ونبوة حزقيل
[ذِكْرُ الْأَحْدَاثِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي عَهْدِ زَوٍّ وَكَيْقُبَاذَ وَنُبُوَّةِ حِزْقِيلَ] لَمَّا تُوَفِّيَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ قَامَ بِأَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَهُ كَالَبُ بْنُ يُوفَنَّا، ثُمَّ حِزْقِيلُ بْنُ نَوْرَى، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَجُوزِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهُ سَأَلَتِ اللَّهَ الْوَلَدَ وَقَدْ كَبِرَتْ، فَوَهَبَهُ اللَّهُ لَهَا، وَهُوَ الَّذِي دَعَا لِلْقَوْمِ الْمَوْتَى فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ قَرْيَةً يُقَالُ لَهَا دَاوَرْدَانُ وَقَعَ بِهَا الطَّاعُونُ، فَهَرَبَ عَامَّةُ أَهْلِهَا وَنَزَلُوا نَاحِيَةً، فَهَلَكَ أَكْثَرُ مَنْ بَقِيَ بِالْقَرْيَةِ وَسَلِمَ الْآخَرُونَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ الطَّاعُونُ رَجَعُوا. فَقَالَ الَّذِينَ بَقُوا: أَصْحَابُنَا هَؤُلَاءِ كَانُوا أَحْزَمَ مِنَّا وَلَوْ صَنَعْنَا مَا صَنَعُوا بَقِينَا. فَوَقَعَ الطَّاعُونُ مِنْ قَابِلَ، فَهَرَبَ عَامَّةُ أَهْلِهَا، وَهُمْ بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَقِيلَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَقِيلَ: أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلُوا ذَلِكَ الْمَكَانَ، فَصَاحَ بِهِمْ مَلَكٌ فَمَاتُوا وَنَخِرَتْ عِظَامُهُمْ، فَمَرَّ بِهِمْ حِزْقِيلُ، فَلَمَّا رَآهُمْ جَعَلَ يَتَفَكَّرُ فِي بَعْثِهِمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَتُرِيدُ أَنْ أُرِيَكَ كَيْفَ أُحْيِيهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقِيلَ: نَادِ، فَنَادَى: يَا أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَجْتَمِعِي، فَجَعَلَتِ الْعِظَامُ تَطِيرُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ حَتَّى صَارَتْ أَجْسَادًا مِنْ عِظَامٍ. ثُمَّ نَادَى يَا أَيَّتُهَا الْعِظَامُ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكِ أَنْ تَكْتَسِيَ فَاكْتَسَتْ لَحْمًا وَدَمًا وَثِيَابَهَا الَّتِي مَاتَتْ فِيهَا. ثُمَّ نَادَى: يَا أَيَّتُهَا الْأَرْوَاحُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَعُودِي إِلَى أَجْسَادِكِ. فَعَادَتِ الْأَجْسَادُ أَحْيَاءً، وَقَالُوا حِينَ أُحْيُوا: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ! فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ أَحْيَاءً يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا مَوْتَى، سِحْنَةُ الْمَوْتِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، لَا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا إِلَّا عَادَ كَفَنًا دَسَمًا، ثُمَّ مَاتُوا ثُمَّ مَاتَ حِزْقِيلُ، وَلَمْ تُذْكَرْ مُدَّتُهُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَقِيلَ: كَانُوا قَوْمَ حِزْقِيلَ، فَلَمَّا أَنْ مَاتُوا بَكَى حِزْقِيلُ، وَقَالَ: يَا رَبِّ، كُنْتُ فِي قَوْمٍ يَعْبُدُونَكَ وَيَذْكُرُونَكَ، فَبَقِيتُ وَحِيدًا! فَقَالَ اللَّهُ: أَتُحِبُّ أَنْ أُحْيِيَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ حَيَاتَهُمْ إِلَيْكَ. فَقَالَ حِزْقِيلُ: احْيَوْا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَعَاشُوا.
ذكر إلياس عليه السلام
[ذِكْرُ إِلْيَاسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ] لَمَّا تُوُفِّيَ حِزْقِيلُ كَثُرَتِ الْأَحْدَاثُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَتَرَكُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَبَدُوا الْأَوْثَانَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ إِلْيَاسَ بْنَ يَاسِينَ بْنِ فَنْحَاصَ بْنِ الْعِزَازِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ نَبِيًّا، وَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ يُبْعَثُونَ بِتَجْدِيدِ مَا نَسُوا مِنَ التَّوْرَاةِ. وَكَانَ إِلْيَاسُ مَعَ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ يُقَالُ لَهُ أَخَابُ، وَكَانَ يَسْمَعُ مِنْهُ وَيُصَدِّقُهُ، وَكَانَ إِلْيَاسُ يُقِيمُ لَهُ أَمْرَهُ وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَدِ اتَّخَذُوا صَنَمًا يَعْبُدُونَهُ يُقَالُ لَهُ بَعْلُ، فَجَعَلَ إِلْيَاسُ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ إِلَّا مِنْ ذَلِكَ الْمَلِكِ، وَكَانَ مُلُوكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَفَرِّقَةً كُلُّ مَلِكٍ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى نَاحِيَةٍ يَأْكُلُهَا، فَقَالَ ذَلِكَ الْمَلِكُ الَّذِي كَانَ إِلْيَاسُ مَعَهُ: وَاللَّهِ مَا أَرَى الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ بَاطِلًا لِأَنِّي أَرَى فُلَانًا وَفُلَانًا - يَعُدُّ مُلُوكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ - قَدْ عَبَدُوا الْأَوْثَانَ فَلَمْ يَضُرَّهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا، يَأْكُلُونَ، وَيَشْرَبُونَ، وَيَتَمَتَّعُونَ مَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَمَا نَرَى لَنَا عَلَيْهِمْ مِنْ فَضْلٍ. فَفَارَقَهُ إِلْيَاسُ وَهُوَ يَسْتَرْجِعُ، فَعَبَدَ ذَلِكَ الْمَلِكُ الْأَوْثَانَ أَيْضًا، وَكَانَ لِلْمَلِكِ جَارٌ صَالِحٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، وَلَهُ بُسْتَانٌ إِلَى جَانِبِ دَارِ الْمَلِكِ وَالْمَلِكُ يُحْسِنُ جِوَارَهُ، وَلِلْمَلِكِ زَوْجَةٌ عَظِيمَةُ الشَّرِّ وَالْكُفْرِ، فَقَالَتْ لَهُ لِيَأْخُذَ بُسْتَانَ الرَّجُلِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَكَانَتْ تَخْلُفُ زَوْجَهَا إِذَا سَارَ عَنْ بَلَدِهِ وَتَظْهَرُ لِلنَّاسِ، فَغَابَ مَرَّةً فَوَضَعَتِ امْرَأَتُهُ عَلَى صَاحِبِ الْبُسْتَانِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَبَّ الْمَلِكَ، فَقَتَلَتْهُ وَأَخَذَتْ بُسْتَانَهُ، فَلَمَّا عَادَ الْمَلِكُ غَضِبَ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَعْظَمَهُ وَأَنْكَرَهُ فَقَالَتْ: فَاتَ أَمْرُهُ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِلْيَاسَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَقُولَ لِلْمَلِكِ وَامْرَأَتِهِ أَنْ يَرُدَّا الْبُسْتَانَ عَلَى وَرَثَةِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا غَضِبَ عَلَيْهِمْا، وَأَهْلَكَهُمَا فِي
الْبُسْتَانِ وَلَمْ يَتَمَتَّعَا بِهِ إِلَّا قَلِيلًا. فَأَخْبَرَهُمَا إِلْيَاسُ بِذَلِكَ فَلَمْ يُرَاجِعَا الْحَقَّ. فَلَمَّا رَأَى إِلْيَاسُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَبَوْا إِلَّا الْكُفْرَ وَالظُّلْمَ دَعَا عَلَيْهِمْ، فَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْمَطَرَ ثَلَاثَ سِنِينَ، فَهَلَكَتِ الْمَاشِيَةُ، وَالطُّيُورُ، وَالْهَوَامُّ، وَالشَّجَرُ، وَجَهِدَ النَّاسُ جَهْدًا شَدِيدًا، وَاسْتَخْفَى إِلْيَاسُ خَوْفًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَكَانَ يَأْتِيهِ رِزْقُهُ، ثُمَّ إِنَّهُ أَوَى لَيْلَةً إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَهَا ابْنٌ يُقَالُ لَهُ الْيَسَعُ بْنُ أَخُطُوبَ بِهِ ضُرٌّ شَدِيدٌ، فَدَعَا لَهُ فَعُوفِيَ مِنَ الضُّرِّ الَّذِي كَانَ بِهِ وَاتَّبَعَ إِلْيَاسَ، وَكَانَ مَعَهُ وَصَحِبَهُ وَصَدَّقَهُ، وَكَانَ إِلْيَاسُ قَدْ كَبِرَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّكَ قَدْ أَهْلَكْتَ كَثِيرًا مِنَ الْخَلْقِ مِنَ الْبَهَائِمِ، وَالدَّوَابِّ، وَالطَّيْرِ وَغَيْرِهَا، وَلَمْ يَعْصِ سِوَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَقَالَ إِلْيَاسُ: أَيْ رَبِّي، دَعْنِي أَكُنْ أَنَا الَّذِي أَدْعُو لَهُمْ وَأَبْتَهِجُ بِالْفَرَجِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. فَجَاءَ إِلْيَاسُ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ قَدْ هَلَكْتُمْ وَهَلَكَتِ الدَّوَابُّ بِخَطَايَاكُمْ، فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَاخِطٌ عَلَيْكَمْ بِفِعْلِكُمْ، وَأَنَّ الَّذِي أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ فَاخْرُجُوا بِأَصْنَامِكُمْ وَادْعُوهَا ; فَإِنِ اسْتَجَابَتْ لَكُمْ فَذَلِكَ الْحَقُّ كَمَا تَقُولُونَ، وَإِنْ هِيَ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّكُمْ عَلَى بَاطِلٍ فَنَزَعْتُمْ وَدَعَوْتُ اللَّهَ فَفَرَّجَ عَنْكُمْ. قَالُوا: أَنْصَفْتَ. فَخَرَجُوا بِأَصْنَامِهِمْ فَدَعَوْهَا فَلَمْ تَسْتَجِبْ لَهُمْ، وَلَمْ يُفَرَّجْ عَنْهُمْ. فَقَالُوا لِإِلْيَاسَ: إِنَّا قَدْ هَلَكْنَا فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَدَعَا لَهُمْ بِالْفَرَجِ وَأَنْ يُسْقَوْا، فَخَرَجَتْ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، وَعَظُمَتْ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ أَرْسَلَ اللَّهُ مِنْهَا الْمَطَرَ، فَحَيِيَتْ بِلَادُهُمْ، وَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ، فَلَمْ يَنْزِعُوا وَلَمْ يُرَاجِعُوا الْحَقَّ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إِلْيَاسُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَقْبِضَهُ فَيُرِيحَهُ مِنْهُمْ، فَكَسَاهُ اللَّهُ الرِّيشَ وَأَلْبَسَهُ النُّورَ، وَقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ، فَصَارَ مَلَكِيًّا إِنْسِيًّا سَمَاوِيًّا أَرْضِيًّا، وَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَى الْمَلِكِ وَقَوْمِهِ عَدُوًّا فَظَفِرَ بِهِمْ، وَقَتَلَ الْمَلِكَ وَزَوْجَتَهُ بِذَلِكَ الْبُسْتَانِ وَأَلْقَاهُمَا فِيهِ حَتَّى بَلِيَتْ لُحُومُهُمَا.
ذكر نبوة اليسع عليه السلام وأخذ التابوت من بني إسرائيل
[ذِكْرُ نُبُوَّةِ الْيَسَعَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَخْذِ التَّابُوتِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ] فَلَمَّا انْقَطَعَ إِلْيَاسُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعَثَ اللَّهُ الْيَسَعَ، فَكَانَ فِيهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ وَعَظُمَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ وَعِنْدَهُمُ التَّابُوتُ يَتَوَارَثُونَهُ، فِيهِ السَّكِينَةُ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَكَانُوا لَا يَلْقَاهُمْ عَدُوٌّ فَيُقَدِّمُونَ التَّابُوتَ إِلَّا هَزَمَ اللَّهُ الْعَدُوَّ، وَكَانَتِ السَّكِينَةُ شِبْهَ رَأْسِ هِرٍّ، فَإِذَا صَرَخَتْ فِي التَّابُوتِ بِصُرَاخِ هِرٍّ أَيْقَنُوا بِالنَّصْرِ وَجَاءَهُمُ الْفَتْحُ. ثُمَّ خَلَّفَ فِيهَا مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ إِيلَافُ، وَكَانَ اللَّهُ يَمْنَعُهُمْ وَيَحْمِيهِمْ، فَلَمَّا عَظُمَتْ أَحْدَاثُهُمْ نَزَلَ بِهِمْ عَدُوٌّ فَخَرَجُوا إِلَيْهِ وَأَخْرَجُوا التَّابُوتَ، فَاقْتَتَلُوا فَغَلَبَهُمْ عَدُوُّهُمْ عَلَى التَّابُوتِ وَأَخَذَهُ مِنْهُمْ وَانْهَزَمُوا، فَلَمَّا عَلِمَ مَلِكُهُمْ أَنَّ التَّابُوتَ أُخِذَ مَاتَ كَمَدًا، وَدَخَلَ الْعَدُوُّ أَرْضَهُمْ وَنَهَبَ وَسَبَى، وَعَادَ، فَمَكَثُوا عَلَى اضْطِرَابٍ مِنْ أَمْرِهِمْ وَاخْتِلَافٍ، وَكَانُوا يَتَمَادَوْنَ أَحْيَانًا فِي غَيِّهِمْ فَيُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَنْتَقِمُ مِنْهُمْ، فَإِذَا رَاجَعُوا التَّوْبَةَ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُمْ شَرَّ عَدُوِّهِمْ، فَكَانَ هَذَا حَالَهُمْ مِنْ لَدُنْ تَوَفِّي يُوشَعَ بْنِ نُونٍ إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ أَشْمُوِيلَ وَمَلِكَهُمْ طَالُوتَ، وَرَدَّ عَلَيْهِمُ التَّابُوتَ. وَكَانَتْ مُدَّةُ مَا بَيْنَ وَفَاةِ يُوشَعَ، الَّذِي كَانَ يَلِي أَمْرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْضَهَا الْقُضَاةُ، وَبَعْضَهَا الْمُلُوكُ، وَبَعْضَهَا الْمُتَغَلِّبُونَ إِلَى أَنْ ثَبَتَ الْمُلْكُ فِيهِمْ وَرَجَعَتِ النُّبُوَّةُ إِلَى أَشْمُوِيلَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مَنْ نَسْلِ لُوطٍ يُقَالُ لَهُ كُوشَانُ فَقَهَرَهُمْ وَأَذَلَّهُمْ
ثَمَانِيَ سِنِينَ، ثُمَّ أَنْقَذَهُمْ مِنْ يَدِهِ أَخٌ لِكَالَبَ الْأَصْغَرِ يُقَالُ لَهُ عِتْنِيلُ فَقَامَ بِأَمْرِهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً. ثُمَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ عَجْلُونُ، فَمَلَكَهُمْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُمْ مِنْهُ رَجُلٌ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ يُقَالُ لَهُ أَهُوذُ، وَقَامَ بِأَمْرِهِمْ ثَمَانِينَ سَنَةً. ثُمَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ يُقَالُ لَهُ يَابِينُ، فَمَلَكَهُمْ عِشْرِينَ سَنَةً وَاسْتَنْقَذَهُمْ مِنْهُ امْرَأَةٌ مَنْ بَنِي أَنْبِيَائِهِمْ يُقَالُ لَهَا دَبُورَا، وَدَبَّرَ الْأَمْرَ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِهَا يُقَالُ لَهُ بَارَاقُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. ثُمَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ مِنْ نَسْلِ لُوطٍ فَمَلَكُوهُمْ سَبْعَ سِنِينَ، وَاسْتَنْقَذَهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جَدْعُونُ بْنُ بَوَاشَ مَنْ وَلَدِ نَفْتَالِي بْنِ يَعْقُوبَ، فَدَبَّرَ أَمْرَهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَتُوُفِّيَ، وَدَبَّرَ أَمْرَهُمْ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبِيمَالَخُ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ دَبَّرَهُمْ بَعْدَهُ فَوْلَعُ بْنُ فَوَّا ابْنُ خَالِ أَبِيمَالَخَ، وَيُقَالُ ابْنُ عَمِّهِ، ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ دَبَّرَ أَمْرَهُمْ بَعْدَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ يَائِيرُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ بَنِي عَمُّونَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ قَامَ بِأَمْرِهِمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ يَفْتَحُ سِتَّ سِنِينَ. ثُمَّ دَبَّرَ أَمْرَهُمْ بَعْدَهُ يُبَحْسُونُ سَبْعَ سِنِينَ. ثُمَّ بَعْدَهُ آلُوَنُ عَشْرَ سِنِينَ. ثُمَّ بَعْدَهُ لِتْرُونُ، وَيُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ عِكْرُونَ ثَمَانِيَ سِنِينَ ثُمَّ قَهَرَهُمْ أَهْلُ فِلَسْطِينَ وَمَلَكُوهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً. ثُمَّ وَلِيَهُمْ شَمْسُونُ عِشْرِينَ سَنَةً. ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ
عَشْرَ سِنِينَ بِغَيْرِ مُدَبِّرٍ وَلَا رَئِيسٍ. ثُمَّ قَامَ بِأَمْرِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَالِي الْكَاهِنُ. وَفِي أَيَّامِهِ غَلَبَ أَهْلُ فِلَسْطِينَ عَلَى التَّابُوتِ فِي قَوْلٍ، فَلَمَّا مَضَى مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً بُعِثَ أَشْمُوِيلُ نَبِيًّا فَدَبَّرَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ. ثُمَّ سَأَلُوا أَشْمُوِيلَ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ مَلِكًا يُقَاتِلُ بِهِمْ أَعْدَاءَهُمْ.
ذكر حال أشمويل وطالوت
[ذِكْرُ حَالِ أَشْمُوِيلَ وَطَالُوتَ] كَانَ مِنْ خَبَرِ أَشْمُوِيلَ بْنِ بَالِي أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ وَطَمِعَ فِيهِمُ الْأَعْدَاءُ، وَأُخِذَ التَّابُوتُ مِنْهُمْ، فَصَارُوا بَعْدَهُ لَا يَلْقَوْنَ مَلِكًا إِلَّا خَائِفِينَ، فَقَصَدَهُمْ جَالُوتُ مَلِكُ الْكَنْعَانِيِّينَ، وَكَانَ مُلْكُهُ مَا بَيْنَ مِصْرَ وَفِلَسْطِينَ، فَظَفِرَ بِهِمْ فَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ التَّوْرَاةَ، فَدَعَوُا اللَّهَ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ نَبِيًّا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ، وَكَانَ سِبْطُ النُّبُوَّةِ هَلَكُوا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ غَيْرُ امْرَأَةٍ حُبْلَى، فَحَبَسُوهَا فِي بَيْتٍ خِيفَةَ أَنْ تَلِدَ جَارِيَةً فَتُبَدِّلَهَا بِغُلَامٍ لِمَا تَرَى مِنْ رَغْبَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي وَلَدِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا سَمَّتْهُ أَشْمُوِيلَ، وَمَعْنَاهُ: سَمِعَ اللَّهُ دُعَائِي. وَسَبَبُ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ أَنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا، وَكَانَ لِزَوْجِهَا امْرَأَةٌ أُخْرَى قَدْ وَلَدَتْ لَهُ عَشَرَةَ أَوْلَادٍ فَبَغَتَ عَلَيْهَا بِكَثْرَةِ الْأَوْلَادِ، فَانْكَسَرَتِ الْعَجُوزُ وَدَعَتِ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهَا وَلَدًا، فَرَحِمَ اللَّهُ انْكِسَارَهَا وَحَاضَتْ لِوَقْتِهَا وَقَرُبَ مِنْهَا زَوْجُهَا، فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْحَمْلِ وَلَدَتْ غُلَامًا فَسَمَّتْهُ أَشْمُوِيلَ، فَلَمَّا كَبِرَ أَسْلَمَتْهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَتَعَلَّمُ التَّوْرَاةَ، وَكَفَلَهُ شَيْخٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَتَبَنَّاهُ. فَلَمَّا بَلَغَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا أَتَاهُ جَبْرَائِيلُ وَهُوَ يُصَلِّي فَنَادَاهُ بِصَوْتٍ يُشْبِهُ صَوْتَ الشَّيْخِ، فَجَاءَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا تُرِيدُ؟ فَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ لَمْ أَدْعُكَ فَيَفْزَعَ، فَقَالَ: ارْجِعْ
فَنَمْ. فَرَجَعَ، فَعَادَ جَبْرَائِيلُ لِمِثْلِهَا، فَجَاءَ إِلَى الشَّيْخِ، فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ عُدْ فَإِذَا دَعَوْتُكَ فَلَا تُجِبْنِي. فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ ظَهَرَ لَهُ جَبْرَائِيلُ وَأَمَرَهُ بِإِنْذَارِ قَوْمِهِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ رَسُولًا، فَدَعَاهُمْ فَكَذَّبُوهُ، ثُمَّ أَطَاعُوهُ، وَأَقَامَ يُدِيرُ أَمْرَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ، وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَكَانَ الْعَمَالِقَةُ مَعَ مَلِكِهِمْ جَالُوتَ قَدْ عَظُمَتْ نِكَايَتُهُمْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى كَادُوا يُهْلِكُونَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ قَالُوا: {ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} [البقرة: 246] . فَدَعَا اللَّهَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَصًا وَقَرْنًا فِيهِ دُهْنٌ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ يَكُونُ فِي طُولِهِ طُولُ هَذِهِ الْعَصَا، وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ رَجُلٌ فَنَشَّ الدُّهْنَ الَّذِي فِي الْقَرْنِ فَهُوَ مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَادِّهِنْ رَأْسَهُ بِهِ وَمَلِّكْهُ عَلَيْهِمْ، فَقَاسُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْعَصَا فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَهَا، وَكَانَ طَالُوتُ دَبَّاغًا. وَقِيلَ كَانَ سَقَّاءً يَسْقِي الْمَاءَ وَيَبِيعُهُ، فَضَلَّ حِمَارُهُ فَانْطَلَقَ يَطْلُبُهُ، فَلَمَّا اجْتَازَ بِالْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ أَشْمُوِيلُ دَخَلَ يَسْأَلُهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ لِيَرُدَّ اللَّهُ حِمَارَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ نَشَّ الدُّهْنَ، فَقَاسُوهُ بِالْعَصَا فَكَانَ مِثْلَهَا، {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} [البقرة: 247] ، وَهُوَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ شَاوَلُ بْنُ قَيْسِ بْنِ أَنْمَارَ بْنِ ضِرَارِ بْنِ يَحْرُفَ بْنِ يَفْتَحَ بْنِ أَيْشَ بْنِ بِنْيَامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ.
فَقَالُوا لَهُ: مَا كُنْتَ قَطُّ أَكْذَبَ مِنْكَ السَّاعَةَ وَنَحْنُ مِنْ سِبْطِ الْمَمْلَكَةِ وَلَمْ يُؤْتَ طَالُوتُ سَعَةً مِنَ الْمَالِ فَنَتَّبِعَهُ. فَقَالَ أَشْمُوِيلُ: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البقرة: 247] . فَقَالُوا إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأْتِ بِآيَةٍ. فَقَالَ: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 248] . وَالسَّكِينَةُ رَأْسُ هِرٍّ، وَقِيلَ طَشْتٌ مِنْ ذَهَبٍ يُغْسَلُ فِيهَا قُلُوبُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَفِيهِ الْأَلْوَاحُ وَهِيَ مِنْ دُرٍّ، وَيَاقُوتٍ، وَزَبَرْجَدٍ، وَأَمَّا الْبَقِيَّةُ فَهِيَ عَصَا مُوسَى، وَرَضَاضَةُ الْأَلْوَاحِ. فَحَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَأَتَتْ بِهِ إِلَى طَالُوتَ نَهَارًا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ، فَأَخْرَجَهُ طَالُوتُ إِلَيْهِمْ، فَأَقَرُّوا بِمُلْكِهِ سَاخِطِينَ وَخَرَجُوا مَعَهُ كَارِهِينَ، وَهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفًا. فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ لَهُمْ طَالُوتُ: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} [البقرة: 249] . وَهُوَ نَهَرُ فِلَسْطِينَ، وَقِيلَ: الْأُرْدُنُّ، فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا، وَهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ عَطِشَ وَمَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ إِلَّا غُرْفَةً رَوِيَ، {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [البقرة: 249] . لَقِيَهُمْ جَالُوتُ، وَكَانَ ذَا بَأْسٍ شَدِيدٍ، فَلَمَّا رَأَوْهُ رَجَعَ أَكْثَرُهُمْ وَ {قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} [البقرة: 249] ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ غَيْرُ ثَلَاثِمَائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ عَدَدُ أَهْلِ بَدْرٍ، فَلَمَّا رَجَعَ مَنْ رَجَعَ قَالُوا: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] . وَكَانَ فِيهِمْ إِيشَى أَبُو دَاوُدَ وَمَعَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ابْنًا، وَكَانَ دَاوُدُ أَصْغَرَ بَنِيهِ، وَقَدْ خَلَّفَهُ يَرْعَى لَهُمْ وَيَحْمِلُ لَهُمُ الطَّعَامَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ لِأَبِيهِ ذَاتَ يَوْمٍ: يَا أَبَتَاهْ، مَا أَرْمِي
بِقَذَّافَتِي شَيْئًا إِلَّا صَرَعْتُهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: لَقَدْ دَخَلْتُ بَيْنَ الْجِبَالِ فَوَجَدْتُ أَسَدًا رَابِضًا فَرَكِبْتُ عَلَيْهِ وَأَخَذْتُ بِأُذُنَيْهِ فَلَمْ أَخَفْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ يَوْمًا آخَرَ فَقَالَ: إِنِّي لَأَمْشِي بَيْنَ الْجِبَالِ فَأُسَبِّحُ فَلَا يَبْقَى جَبَلٌ إِلَّا سَبَّحَ مَعِي. فَقَالَ لَهُ: أَبْشِرْ، فَإِنَّ هَذَا خَيْرٌ أَعْطَاكَهُ اللَّهُ. فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَى النَّبِيِّ الَّذِي مَعَ طَالُوتَ قَرْنًا فِيهِ دُهْنٌ وَتَنُّورٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى طَالُوتَ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ صَاحِبَكُمُ الَّذِي يَقْتُلُ جَالُوتَ يُوضَعُ هَذَا الدُّهْنُ عَلَى رَأْسِهِ فَيَغْلِي حَتَّى يَسِيلَ مِنَ الْقَرْنِ، وَلَا يُجَاوِزَ رَأْسَهُ إِلَى وَجْهِهِ وَيَبْقَى عَلَى رَأْسِهِ كَهَيْئَةِ الْإِكْلِيلِ، وَيَدْخُلَ فِي هَذَا التَّنُّورِ فَيَمْلَأَهُ. فَدَعَا طَالُوتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَجَرَّبَهُمْ، فَلَمْ يُوَافِقْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَأُحْضِرَ دَاوُدُ مِنْ رَعْيِهِ، فَمَرَّ فِي طَرِيقِهِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَكَلَّمَتْهُ وَقُلْنَ: خُذْنَا يَا دَاوُدُ تَقْتُلْ بِنَا جَالُوتَ، فَأَخَذَهُنَّ فَجَعَلَهُنَّ فِي مِخْلَاتِهِ، وَكَانَ طَالُوتُ قَدْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ جَالُوتَ زَوَّجْتُهُ ابْنَتِي وَأَجْرَيْتُ خَاتَمَهُ فِي مَمْلَكَتِي. فَلَمَّا جَاءَ دَاوُدُ، وَضَعُوا الْقَرْنَ عَلَى رَأْسِهِ، فَغَلَى حَتَّى ادَّهَنَ مِنْهُ وَلَبِسَ التَّنُّورَ فَمَلَأَهُ، وَكَانَ دَاوُدُ مِسْقَامًا أَزْرَقَ مِصْفَارًا، فَلَمَّا دَخَلَ فِي التَّنُّورِ تَضَايَقَ عَلَيْهِ حَتَّى مَلَأَهُ، فَرِحَ أَشْمُوِيلُ وَطَالُوتُ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ بِذَلِكَ وَتَقَدَّمُوا إِلَى جَالُوتَ، وَتَصَافُّوا لِلْقِتَالِ، وَخَرَجَ دَاوُدُ نَحْوَ جَالُوتَ وَأَخَذَ الْأَحْجَارَ وَوَضَعَهَا فِي قَذَّافَتِهِ وَرَمَى بِهَا جَالُوتَ، فَوَقَعَ الْحَجَرُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَنَقَبَ رَأْسَهُ فَقَتَلَهُ، وَلَمْ يَزَلِ الْحَجَرُ يَقْتُلُ كُلَّ مَنْ أَصَابَهُ يَنْفُذُ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ جَالُوتَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَرَجَعَ طَالُوتُ فَأَنْكَحَ ابْنَتَهُ دَاوُدَ وَأَجْرَى خَاتَمَهُ فِي مُلْكِهِ، فَمَالَ النَّاسُ إِلَى دَاوُدَ وَأَحَبُّوهُ. فَحَسَدَهُ طَالُوتُ، وَأَرَادَ قَتْلَهُ غِيلَةً، فَعَلِمَ ذَلِكَ دَاوُدُ فَفَارَقَهُ، وَوَضَعَ فِي مَضْجَعِهِ زِقَّ خَمْرٍ وَسَجَّاهُ، وَدَخَلَ طَالُوتُ إِلَى مَنَامِ دَاوُدَ، وَقَدْ هَرَبَ دَاوُدُ، فَضَرَبَ الزِّقَّ ضَرْبَةً خَرَقَهُ، فَوَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنَ الْخَمْرِ فِي فِيهِ، فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ دَاوُدَ مَا كَانَ أَكْثَرَ شُرْبِهِ الْخَمْرَ! فَلَمَّا أَصْبَحَ طَالُوتُ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، فَخَافَ دَاوُدُ أَنْ يَغْتَالَهُ فَشَدَّدَ حُجَّابَهُ وَحُرَّاسَهُ. ثُمَّ إِنَّ دَاوُدَ أَتَاهُ مِنَ الْقَابِلَةِ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ نَائِمٌ فَوَضَعَ سَهْمَيْنِ فَوْقَ رَأْسِهِ وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَالُوتُ بَصَرَ بِالسِّهَامِ فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ دَاوُدَ! هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، ظَفِرْتُ
بِهِ وَأَرَدْتُ قَتْلَهُ وَظَفِرَ بِي فَكَفَّ عَنِّي. وَأَذْكَى عَلَيْهِ الْعُيُونَ فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِ. وَرَكِبَ طَالُوتُ يَوْمًا فَرَأَى دَاوُدَ فَرَكَضَ فِي أَثَرِهِ، فَهَرَبَ دَاوُدُ مِنْهُ وَاخْتَفَى فِي غَارٍ فِي الْجَبَلِ، فَعَمَّى اللَّهُ أَثَرَهُ عَلَى طَالُوتَ. ثُمَّ إِنَّ طَالُوتَ قَتَلَ الْعُلَمَاءَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَةٌ كَانَتْ تَعْرِفُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ فَسَلَّمَهَا إِلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهَا، فَرَحِمَهَا وَتَرَكَهَا وَأَخْفَى أَمْرَهَا. ثُمَّ إِنَّ طَالُوتَ نَدِمَ وَأَرَادَ التَّوْبَةَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْبُكَاءِ حَتَّى رَحِمَهُ النَّاسُ، فَكَانَ كُلَّ لَيْلَةٍ يَخْرُجُ إِلَى الْقُبُورِ فَيَبْكِي وَيَقُولُ: أَنْشُدُ اللَّهَ عَبْدًا عَلِمَ لِي تَوْبَةً إِلَّا أَخْبَرَنِي بِهَا. فَلَمَّا أَكْثَرَ نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ الْقُبُورِ: يَا طَالُوتُ أَمَا رَضِيتَ قَتْلَنَا أَحْيَاءً حَتَّى تُؤْذِيَنَا أَمْوَاتًا! فَازْدَادَ بُكَاءً وَحُزْنًا، فَرَحِمَهُ الرَّجُلُ الَّذِي أَمَرَهُ بِقَتْلِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقَالَ لَهُ: إِنْ دَلَلْتُكَ عَلَى عَالِمٍ لَعَلَّكَ تَقْتُلُهُ! قَالَ: لَا. فَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقَالَ: سَلْهَا هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَحَضَرَ عِنْدَهَا وَسَأَلَهَا هَلْ لَهُ عِنْدَهَا مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَتْ: مَا أَعْلَمُ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ، وَلَكِنْ هَلْ تَعْلَمُونَ قَبْرَ نَبِيٍّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَبْرَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ. فَانْطَلَقَتْ وَهُمْ مَعَهَا فَدَعَتْ، فَخَرَجَ يُوشَعُ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: مَا بَالُكُمْ؟ قَالُوا: جِئْنَا نَسْأَلُكَ هَلْ لِطَالُوتَ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُ لَهُ تَوْبَةً إِلَّا أَنْ يَتَخَلَّى مِنْ مُلْكِهِ وَيَخْرُجَ هُوَ وَوَلَدُهُ فَيُقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى تُقْتَلَ أَوْلَادُهُ، ثُمَّ يُقَاتِلَ هُوَ حَتَّى يُقْتَلَ، فَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَوْبَةٌ، ثُمَّ سَقَطَ مَيِّتًا. وَرَجَعَ طَالُوتُ أَحْزَنَ مِمَّا كَانَ يَخَافُ أَلَّا يُتَابِعَهُ وَلَدُهُ، فَبَكَى حَتَّى سَقَطَتْ أَشْفَارُ عَيْنَيْهِ وَنَحَلَ جِسْمُهُ، فَسَأَلَهُ بَنُوهُ عَنْ حَالِهِ، فَأَخْبَرَهُمْ، فَتَجَهَّزُوا لِلْغَزْوِ فَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى قُتِلُوا، ثُمَّ قَاتَلَ هُوَ بَعْدَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. وَقِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ الَّذِي بُعِثَ لِطَالُوتَ حَتَّى أَخْبَرَهُ بِتَوْبَتِهِ الْيَسَعُ، وَقِيلَ: أَشْمُوِيلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِ طَالُوتَ إِلَى أَنْ قُتِلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
ذكر ملك داود
[ذِكْرُ مُلْكِ دَاوُدَ] هُوَ دَاوُدُ بْنُ إِيشَى بْنِ عَوِيدَ بْنِ بَاعَزَ بْنِ سَلْمُونَ بْنِ نَحْشُونَ بْنِ عَمِّيِّ نَوْذَبِ بْنِ رَامَ بْنِ حَصْرُونَ بْنِ فَارِضَ بْنِ يَهُوذَا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، وَكَانَ قَصِيرًا أَزْرَقَ قَلِيلَ الشَّعَرِ. فَلَمَّا قُتِلَ طَالُوتُ أَتَى بَنُو إِسْرَائِيلَ دَاوُدَ، فَأَعْطَوْهُ خَزَائِنَ طَالُوتَ وَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّ دَاوُدَ مَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَ جَالُوتَ، وَسَبَبُ مُلْكِهِ حِينَئِذٍ أَنَّ اللَّهَ أَوْصَى إِلَى أَشْمُوِيلَ لِيَأْمُرَ طَالُوتَ بِغَزْوِ مَدْيَنَ وَقَتْلِ مَنْ بِهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا وَقَتَلَ مَنْ بِهَا إِلَّا مَلِكَهُمْ، فَإِنَّهُ أَخَذَهُ أَسِيرًا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَشْمُوِيلَ: قُلْ لِطَالُوتَ آمُرُكَ بِأَمْرٍ فَتَرَكْتَهُ! لَأَنْزِعَنَّ الْمُلْكَ مِنْكَ وَمِنْ بَنِيكَ ثُمَّ لَا يَعُودُ فِيكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَأَمَرَ أَشْمُوِيلَ بِتَمْلِيكِ دَاوُدَ، فَمَلَّكَهُ وَسَارَ إِلَى جَالُوتَ فَقَتَلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَلَمَّا مَلَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَعَلَهُ اللَّهُ نَبِيًّا وَمَلِكًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الزَّبُورَ، وَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَمِلَهَا، وَأَلَانَ لَهُ الْحَدِيدَ، وَأَمَرَ الْجِبَالَ وَالطَّيْرَ يُسَبِّحُونَ مَعَهُ إِذَا سَبَّحَ، وَلَمْ يُعْطِ اللَّهُ أَحَدًا مِثْلَ صَوْتِهِ، كَانَ إِذَا قَرَأَ الزَّبُورَ تَدْنُو الْوُحُوشُ حَتَّى يَأْخُذَ بِأَعْنَاقِهَا وَإِنَّهَا لَمُصِيخَةٌ تَسْمَعُ صَوْتَهُ. وَكَانَ شَدِيدَ الِاجْتِهَادِ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ وَالْبُكَاءِ، وَكَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ، وَكَانَ يَحْرُسُهُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَكَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ. وَفِي مُلْكِهِ مُسِخَ أَهْلُ أَيْلَةَ قِرْدَةً، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ حِيتَانُ الْبَحْرِ كَثِيرًا، فَإِذَا كَانَ غَيْرُ يَوْمِ السَّبْتِ لَا يَجِيءُ إِلَيْهِمْ مِنْهَا شَيْءٌ، فَعَمِلُوا عَلَى جَانِبِ الْبَحْرِ حِيَاضًا كَبِيرَةً، وَأَجْرَوْا إِلَيْهَا الْمَاءَ، فَإِذَا كَانَ آخِرُ نَهَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَتَحُوا الْمَاءَ إِلَى الْحِيَاضِ فَتَدْخُلُهَا الْحِيتَانُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ عَنْهَا، فَيَأْخُذُونَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ، فَنَهَاهُمْ بَعْضُ أَهْلِهَا فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً وَبَقُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهَلَكُوا. ذِكْرُ فِتْنَتِهِ بِزَوْجَةِ أُورِيَّا ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاهُ بِزَوْجَةِ أُورِيَّا. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ قَسَّمَ زَمَانَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، يَوْمًا يَقْضِي فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَوْمًا يَخْلُو فِيهِ لِلْعِبَادَةِ، وَيَوْمًا يَخْلُو فِيهِ مَعَ نِسَائِهِ، وَكَانَ لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ امْرَأَةً، وَكَانَ يَحْسُدُ فَضْلَ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّي، أَرَى الْخَيْرَ قَدْ ذَهَبَ بِهِ آبَائِي فَأَعْطِنِي مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُمْ! فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّ آبَاءَكَ ابْتُلُوا بِبَلَاءٍ فَصَبَرُوا، ابْتُلِيَ إِبْرَاهِيمُ بِذَبْحِ ابْنِهِ، وَابْتُلِيَ إِسْحَاقُ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، وَابْتُلِيَ يَعْقُوبُ بِحُزْنِهِ عَلَى يُوسُفَ. فَقَالَ: رَبِّ ابْتَلِنِي بِمِثْلِ مَا ابْتَلَيْتَهُمْ، وَأَعْطِنِي بِمِثْلِ مَا أَعْطَيْتَهُمْ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّكَ مُبْتَلًى فَاحْتَرِسْ.
وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ الْبَلِيَّةِ أَنَّهُ حَدَّثَ نَفْسَهُ أَنَّهُ يُطِيقُ أَنْ يَقْطَعَ يَوْمًا بِغَيْرِ مُقَارَفَةِ سُوءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي يَخْلُو فِيهِ لِلْعِبَادَةِ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَقْطَعَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِغَيْرِ سُوءٍ وَأَغْلَقَ بَابَهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ، فَإِذَا هُوَ بِحَمَامَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا كُلُّ لَوْنٍ حَسَنٍ قَدْ وَقَعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَهْوَى لِيَأْخُذَهَا، فَطَارَتْ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَيْأَسَ مِنْ أَخْذِهَا، فَمَا زَالَ يَتْبَعُهَا وَهِيَ تَفِرُّ مِنْهُ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى امْرَأَةٍ تَغْتَسِلُ فَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا، فَلَمَّا رَأَتْ ظِلَّهُ فِي الْأَرْضِ جَلَّلَتْ نَفْسَهَا بِشَعْرِهَا فَاسْتَتَرَتْ بِهِ، فَزَادَهُ ذَلِكَ رَغْبَةً، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَأُخْبِرَ أَنَّ زَوْجَهَا بِثَغْرِ كَذَا فَبَعَثَ إِلَى صَاحِبِ الثَّغْرِ بِأَنْ يُقَدِّمَ أُورِيَّا بَيْنَ يَدَيِ التَّابُوتِ فِي الْحَرْبِ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيِ التَّابُوتِ لَا يَنْهَزِمُ، إِمَّا أَنْ يَظْفَرَ أَوْ يُقْتَلَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِ فَقُتِلَ. وَقِيلَ: إِنَّ دَاوُدَ لَمَّا نَظَرَ إِلَى الْمَرْأَةِ فَأَعْجَبَتْهُ سَأَلَ عَنْ زَوْجِهَا، فَقِيلَ: إِنَّهُ فِي جَيْشِ كَذَا، فَكَتَبَ إِلَى صَاحِبِ الْجَيْشِ أَنْ يَبْعَثَهُ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى عَدُوِّ كَذَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَى دَاوُدَ فَأَمَرَ دَاوُدُ أَنْ يُرْسَلَ أَيْضًا إِلَى عَدُوِّ كَذَا أَشَدَّ مِنْهُ، فَفَعَلَ، فَظَفِرَ، فَأَمَرَ دَاوُدُ أَنْ يُرْسَلَ إِلَى عَدُوٍّ ثَالِثٍ، فَفَعَلَ، فَقُتِلَ أُورِيَّا فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، فَلَمَّا قُتِلَ تَزَوَّجَ دَاوُدُ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ أُمُّ سُلَيْمَانَ فِي قَوْلِ قَتَادَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ خَطِيئَةَ دَاوُدَ كَانَتْ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ حُسْنُ امْرَأَةِ أُورِيَّا تَمَنَّى أَنْ تَكُونَ لَهُ حَلَالًا، فَاتَّفَقَ أَنَّ أُورِيَّا سَارَ إِلَى الْجِهَادِ فَقُتِلَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ مِنَ الْهَمِّ مَا وَجَدَهُ لِغَيْرِهِ، فَبَيْنَمَا دَاوُدُ فِي الْمِحْرَابِ يَوْمَ عِبَادَتِهِ وَقَدْ أَغْلَقَ الْبَابَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ مَلَكَانِ أَرْسَلَهُمَا اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْبَابِ، فَرَاعَهُ ذَلِكَ فَقَالَا: {لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ - إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص: 22 - 23] ، أَيْ قَهَرَنِي، وَأَخَذَ نَعْجَتِي، فَقَالَ لِلْآخَرِ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: صَدَقَ، إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُكْمِلَ نِعَاجِي مِائَةً فَأَخَذْتُ نَعْجَتَهُ. فَقَالَ دَاوُدُ: إِذًا لَا نَدَعُكَ
وَذَاكَ، فَقَالَ الْمَلَكُ: مَا أَنْتَ بِقَادِرٍ عَلَيْهِ. قَالَ دَاوُدُ: فَإِنْ لَمْ تَرُدَّ عَلَيْهِ مَالَهُ ضَرَبْنَا مِنْكَ هَذَا وَهَذَا، وَأَوْمَأَ إِلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ. قَالَ: يَا دَاوُدُ أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يُضْرَبَ مِنْكَ هَذَا وَهَذَا حَيْثُ لَكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ امْرَأَةً وَلَمْ يَكُنْ لَأُورِيَّا إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى قُتِلَ وَتَزَوَّجْتَ امْرَأَتَهُ. ثُمَّ غَابَا عَنْهُ. فَعَرَفَ مَا ابْتُلِيَ بِهِ وَمَا وَقَعَ فِيهِ، فَخَرَّ سَاجِدًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَأَدَامَ الْبُكَاءَ حَتَّى نَبَتَ مِنْ دُمُوعِهِ عُشْبٌ غَطَّى رَأْسَهُ، ثُمَّ نَادَى: يَا رَبِّ، قَرُحَ الْجَبِينُ، وَجَمُدَتِ الْعَيْنُ، وَدَاوُدُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ فِي خَطِيئَتِهِ بِشَيْءٍ. فَنُودِيَ: أَجَائِعٌ فَتُطْعَمَ، أَمْ مَرِيضٌ فَتُشْفَى، أَمْ مَظْلُومٌ فَتُنْصَرَ؟ قَالَ: فَنَحِبَ نَحْبَةً هَاجَ مَا نَبَتَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ، وَأَوْحَى إِلَيْهِ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ غَفَرْتَ لِي؟ وَأَنْتَ حَكَمٌ عَدْلٌ لَا تَحِيفُ فِي الْقَضَاءِ إِذَا جَاءَ أُورِيَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ آخِذًا رَأْسَهُ بِيَمِينِهِ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا قِبَلَ عَرْشِكَ يَقُولُ: يَا رَبِّ، سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ دَعَوْتُهُ وَأَسْتَوْهِبُكَ مِنْهُ فَيَهَبُكَ لِي فَأَهَبُهُ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ. قَالَ: يَا رَبِّ الْآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ قَدْ غَفَرْتَ لِي. قَالَ: فَمَا اسْتَطَاعَ دَاوُدُ بَعْدَهَا أَنْ يَمْلَأَ عَيْنَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ حَيَاءً مِنْ رَبِّهِ حَتَّى قُبِضَ. وَنَقَشَ خَطِيئَتَهُ فِي يَدِهِ، فَكَانَ إِذَا رَآهَا اضْطَرَبَتْ يَدُهُ، وَكَانَ يُؤْتَى بِالشَّرَابِ لِيَشْرَبَهُ فَكَانَ يَشْرَبُ نِصْفَهُ أَوْ ثُلُثَيْهِ فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ فَيَنْتَحِبُ حَتَّى تَكَادَ مَفَاصِلُهُ يَزُولُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، ثُمَّ يَمْلَأُ الْإِنَاءَ مِنْ دُمُوعِهِ. وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّ دَمْعَةَ دَاوُدَ تَعْدِلُ دُمُوعَ الْخَلَائِقِ، وَهُوَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَخَطِيئَتُهُ مَكْتُوبَةٌ فِي كَفِّهِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، ذَنْبِي قَدِّمْنِي، فَيُقَدَّمُ، فَلَا يَأْمَنُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَخِّرْنِي، فَلَا يَأْمَنُ. وَأَزَالَتِ الْخَطِيئَةُ طَاعَةَ دَاوُدَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاسْتَخَفُّوا بِأَمْرِهِ، وَوَثَبَ عَلَيْهِ ابْنٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ إِيشَى، وَأُمُّهُ ابْنَةُ طَالُوتَ فَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، فَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَى دَاوُدَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ فَحَارَبَ ابْنَهُ حَتَّى هَزَمَهُ
وَوَجَّهَ إِلَيْهِ بَعْضَ قُوَّادِهِ وَأَمَرَهُ بِالرِّفْقِ بِهِ وَالتَّلَطُّفِ لَعَلَّهُ يَأْسِرُهُ وَلَا يَقْتُلُهُ، وَطَلَبَهُ الْقَائِدُ وَهُوَ مُنْهَزِمٌ فَاضْطَرَّهُ إِلَى شَجَرَةٍ فَقَتَلَهُ، فَحَزِنَ عَلَيْهِ دَاوُدُ حُزْنًا شَدِيدًا وَتَنَكَّرَ لِذَلِكَ الْقَائِدِ. ذِكْرُ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَوَفَاةِ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ قِيلَ: أَصَابَ النَّاسَ فِي زَمَانِ دَاوُدَ طَاعُونٌ جَارِفٌ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى مَوْضِعِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ يَرَى الْمَلَائِكَةَ تَعْرُجُ مِنْهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَلِهَذَا قَصَدَهُ لِيَدْعُوَ فِيهِ، فَلَمَّا وَقَفَ مَوْضِعَ الصَّخْرَةِ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى فِي كَشْفِ الطَّاعُونِ عَنْهُمْ، فَاسْتَجَابَ لَهُ وَرُفِعَ الطَّاعُونُ، فَاتَّخَذُوا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مَسْجِدًا، وَكَانَ الشُّرُوعُ فِي بِنَائِهِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً مَضَتْ مِنْ مُلْكِهِ، وَتُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَّ بِنَاءَهُ، وَأَوْصَى إِلَى سُلَيْمَانَ بِإِتْمَامِهِ وَقَتْلِ الْقَائِدِ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ إِيشَى بْنَ دَاوُدَ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ دَاوُدُ، وَدَفَنَهُ سُلَيْمَانُ، تَقَدَّمَ بِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ، فَقَتَلَ الْقَائِدَ، وَاسْتَتَمَّ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ، بَنَاهُ بِالرُّخَامِ، وَزَخْرَفَهُ بِالذَّهَبِ، وَرَصَّعَهُ بِالْجَوَاهِرِ، وَقَوِيَ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعِهِ بِالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ، فَلَمَّا فَرَغَ اتَّخَذَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا عَظِيمًا، وَقَرَّبَ قُرْبَانًا، فَتَقَبَّلَهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَكَانَ ابْتِدَاؤُهُ أَوَّلًا بِبِنَاءِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا ابْتَدَأَ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي صِفَةِ الْبِنَاءِ مِمَّا يُسْتَبْعَدُ وَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ دَاوُدُ أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَهُ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّ هَذَا بَيْتٌ مُقَدَّسٌ وَإِنَّكَ قَدْ صَبَغْتَ يَدَكَ فِي الدِّمَاءِ فَلَسْتَ بِبَانِيهِ، وَلَكِنَّ ابْنَكَ سُلَيْمَانَ يَبْنِيهِ لِسَلَامَتِهِ مِنَ الدِّمَاءِ. فَلَمَّا مَلَكَ سُلَيْمَانُ بَنَاهُ. ثُمَّ إِنَّ دَاوُدَ تُوُفِّيَ وَكَانَ لَهُ جَارِيَةٌ تُغْلِقُ الْأَبْوَابَ كُلَّ لَيْلَةٍ وَتَأْتِيهِ بِالْمَفَاتِيحِ فَيَقُومُ إِلَى عِبَادَتِهِ، فَأَغْلَقَتْهَا لَيْلَةً فَرَأَتْ فِي الدَّارِ رَجُلًا فَقَالَتْ: مَنْ أَدْخَلَكَ الدَّارَ؟ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَدْخُلُ عَلَى الْمُلُوكِ بِغَيْرِ إِذْنٍ. فَسَمِعَ دَاوُدُ قَوْلَهُ فَقَالَ: أَنْتَ مَلَكُ الْمَوْتِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ لِأَسْتَعِدَّ لِلْمَوْتِ؟ قَالَ: قَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ كَثِيرًا. قَالَ: مَنْ كَانَ رَسُولَكَ؟ قَالَ: أَيْنَ أَبُوكَ، وَأَخُوكَ، وَجَارُكَ، وَمَعَارِفُكَ؟ قَالَ: مَاتُوا. قَالَ: فَهُمْ كَانُوا رُسُلِي إِلَيْكَ لِأَنَّكَ تَمُوتُ كَمَا مَاتُوا! ثُمَّ قَبَضَهُ. فَلَمَّا مَاتَ وَرِثَ سُلَيْمَانُ مُلْكَهُ وَعِلْمَهُ وَنُبُوَّتَهُ.
وَكَانَ لَهُ تِسْعَةَ عَشَرَ وَلَدًا، فَوَرِثَهُ سُلَيْمَانُ دُونَهُمْ. وَكَانَ عُمُرُ دَاوُدَ لَمَّا تُوُفِّيَ مِائَةَ سَنَةٍ، صَحَّ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
ذكر ملك سليمان بن داود عليه السلام
[ذِكْرُ مُلْكِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ] لَمَّا تُوُفِّيَ دَاوُدُ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ سُلَيْمَانُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ ابْنَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَآتَاهُ اللَّهُ مَعَ الْمُلْكِ النُّبُوَّةَ، وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، فَاسْتَجَابَ لَهُ وَسَخَّرَ لَهُ الْإِنْسَ، وَالْجِنَّ، وَالشَّيَاطِينَ، وَالطَّيْرَ، وَالرِّيحَ، فَكَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى مَجْلِسِهِ عَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ وَقَامَ لَهُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ حَتَّى يَجْلِسَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا سَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ، وَالْجِنَّ، وَالشَّيَاطِينَ، وَالطَّيْرَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ زَالَ مُلْكُهُ، وَأَعَادَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِلَيْهِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَكَانَ أَبْيَضَ جَسِيمًا كَثِيرَ الشَّعَرِ يَلْبَسُ الْبَيَاضَ، وَكَانَ أَبُوهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي حَيَاتِهِ وَيَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَصَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} [الأنبياء: 78] ، الْآيَةَ. وَكَانَ خَبَرُهُ: أَنَّ غَنَمًا دَخَلَتْ كَرْمًا فَأَكَلَتْ عَنَاقِيدَهُ وَأَفْسَدَتْهُ، فَقَضَى دَاوُدُ بِالْغَنَمِ لِصَاحِبِ الْكَرْمِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ: أَنْ تُسَلِّمَ الْكَرْمَ إِلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ فَيَقُومَ
عَلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ وَتَدْفَعَ الْغَنَمَ إِلَى صَاحِبِ الْكَرْمِ فَيُصِيبَ مِنْهَا إِلَى أَنْ يَعُودَ كَرْمُهُ إِلَى حَالِهِ، ثُمَّ يَأْخُذَ كَرْمَهُ، وَيَدْفَعَ الْغَنَمَ إِلَى صَاحِبِهَا. فَأَمْضَى دَاوُدُ قَوْلَهُ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الْأَحْكَامِ الْفُرُوعِيَّةِ مُصِيبٌ، فَإِنَّ دَاوُدَ أَخْطَأَ الْحُكْمَ الصَّحِيحَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَصَابَهُ سُلَيْمَانُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] . وَكَانَ سُلَيْمَانُ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْغَزْوِ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْغَزْوَ أَمَرَ بِعَمَلِ بِسَاطٍ مِنْ خَشَبٍ يَسَعُ عَسْكَرَهُ وَيَرْكَبُونَ عَلَيْهِ هُمْ وَدَوَابُّهُمْ وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ الرِّيحَ فَحَمَلَتْهُ فَسَارَتْ فِي غَدْوَتِهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَفِي رَوْحَتِهِ كَذَلِكَ، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثُمِائَةِ زَوْجَةٍ وَسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، وَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرًا أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ بِشَيْءٍ إِلَّا حَمَلَتْهُ الرِّيحُ إِلَيْهِ فَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ. ذِكْرُ مَا جَرَى لَهُ مَعَ بِلْقِيسَ نَذْكُرُ أَوَّلًا مَا قِيلَ فِي نَسَبِهَا وَمُلْكِهَا، ثُمَّ مَا جَرَى لَهُ مَعَهَا، فَنَقُولُ قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْمِ آبَائِهَا، فَقِيلَ: إِنَّهَا هِيَ بِلْقَمَةُ ابْنَةُ لَيْشَرَحَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ سَبَإِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ، وَقِيلَ: هِيَ بِلْقَمَةُ ابْنَةُ هَادَدَ، وَاسْمُهُ لَيْشَرَحَ بْنُ تُبَّعٍ ذِي الْأَذْعَارِ بْنِ تُبَّعٍ ذِي الْمَنَارِ بْنِ تُبَّعٍ الرَّايِشِ، وَقِيلَ فِي نَسَبِهَا غَيْرُ ذَلِكَ لَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي التَّبَابِعَةِ وَتَقْدِيمِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَزِيَادَةٍ فِي عَدَدِهِمْ وَنُقْصَانٍ، اخْتِلَافًا لَا يَحْصُلُ النَّاظِرُ فِيهِ عَلَى طَائِلٍ، وَكَذَا أَيْضًا اخْتَلَفُوا فِي نَسَبِهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الرُّوَاةِ: إِنَّ أُمَّهَا جِنِّيَّةٌ ابْنَةُ مَلِكِ الْجِنِّ وَاسْمُهَا رَوَاحَةُ بَنَتُ السَّكَنِ. وَقِيلَ: اسْمُ أُمِّهَا يَلْقَمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الْجِنِّيِّ، وَإِنَّمَا نَكَحَ أَبُوهَا إِلَى الْجِنِّ لِأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْإِنْسِ لِي كُفُوَةٌ، فَخَطَبَ إِلَى الْجِنِّ فَزَوَّجُوهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ وُصُولِهِ إِلَى الْجِنِّ حَتَّى خَطَبَ إِلَيْهِمْ فَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ لَهِجًا بِالصَّيْدِ، فَرُبَّمَا اصْطَادَ الْجِنَّ عَلَى صُوَرِ الظِّبَاءِ فَيُخَلِّي عَنْهُنَّ فَظَهَرَ لَهُ مَلَكُ الْجِنِّ وَشَكَرَهُ عَلَى ذَلِكَ وَاتَّخَذَهُ صَدِيقًا، فَخَطَبَ ابْنَتَهُ، فَأَنْكَحَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ سَاحِلَ الْبَحْرِ مَا بَيْنَ يَبْرِينَ إِلَى عَدَنَ، وَقِيلَ: إِنَّ أَبَاهَا خَرَجَ يَوْمًا مُتَصَيِّدًا فَرَأَى حَيَّتَيْنِ تَقْتَتِلَانِ بَيْضَاءَ وَسَوْدَاءَ وَقَدْ ظَهَرَتِ السَّوْدَاءُ عَلَى الْبَيْضَاءِ فَأَمَرَ بِقَتْلِ السَّوْدَاءِ، وَحَمَلَ الْبَيْضَاءَ وَصَبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَأَفَاقَتْ، فَأَطْلَقَهَا وَعَادَ إِلَى دَارِهِ وَجَلَسَ مُنْفَرِدًا، وَإِذَا مَعَهُ شَابٌّ جَمِيلٌ، فَذُعِرَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَخَفْ أَنَا الْحَيَّةُ الَّتِي أَنْجَيْتَنِي، وَالْأَسْوَدُ الَّذِي قَتَلْتَهُ غُلَامٌ لَنَا تَمَرَّدَ عَلَيْنَا وَقَتَلَ عِدَّةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْمَالَ وَعِلْمَ الطِّبِّ، فَقَالَ: أَمَّا الْمَالُ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهِ، وَأَمَّا الطِّبُّ فَهُوَ قَبِيحٌ بِالْمَلِكِ، وَلَكِنْ إِنْ كَانَ لَكَ بِنْتٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَزَوَّجَهُ عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا يُغَيِّرَ عَلَيْهَا شَيْئًا تَعْمَلُهُ وَمَتَى غَيَّرَ عَلَيْهَا فَارَقَتْهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا فَأَلْقَتْهُ فِي النَّارِ فَجَزَعَ لِذَلِكَ وَسَكَتَ لِلشَّرْطِ، ثُمَّ حَمَلَتْ مِنْهُ فَوَلَدَتْ جَارِيَةً فَأَلْقَتْهَا إِلَى كَلْبَةٍ فَأَخَذَتْهَا، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَصَبَرَ لِلشَّرْطِ، ثُمَّ إِنَّهُ عَصَى عَلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَجَمَعَ عَسْكَرَهُ فَسَارَ إِلَيْهِ لِيُقَاتِلَهُ وَهِيَ مَعَهُ، فَانْتَهَى إِلَى مَفَازَةٍ، فَلَمَّا تَوَسَّطَهَا
رَأَى جَمِيعَ مَا مَعَهُمْ مِنَ الزَّادِ يُخْلَطُ بِالتُّرَابِ، وَإِذَا الْمَاءُ يُصَبُّ مِنَ الْقِرَبِ وَالْمَزَاوِدِ. فَأَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ وَعَلِمُوا أَنَّهُ مِنْ فِعَالِ الْجِنِّ عَنْ أَمْرِ زَوْجَتِهِ فَضَاقَ ذَرْعًا عَنْ حَمْلِ ذَلِكَ، فَأَتَاهَا وَجَلَسَ وَأَوْمَأَ إِلَى الْأَرْضِ وَقَالَ: يَا أَرْضُ، صَبَرْتُ لَكِ عَلَى إِحْرَاقِ ابْنِي وَإِطْعَامِ الْكَلْبَةِ ابْنَتِي، ثُمَّ أَنْتِ الْآنَ قَدْ فَجَعْتِنَا بِالزَّادِ وَالْمَاءِ وَقَدْ أَشْرَفْنَا عَلَى الْهَلَاكِ! فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: لَوْ صَبَرْتَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ، وَسَأُخْبِرُكَ: إِنَّ عَدُوَّكَ خَدَعَ وَزِيرَكَ فَجَعَلَ السُّمَّ فِي الْأَزْوَادِ وَالْمِيَاهِ لِيَقْتُلَكَ وَأَصْحَابَكَ، فَمُرْ وَزِيرَكَ لِيَشْرَبَ مِنَ الْمَاءِ وَيَأْكُلَ مِنَ الزَّادِ، فَأَمَرَهُ فَامْتَنَعَ، فَقَتَلَهُ، وَدَلَّتْهُمْ عَلَى الْمَاءِ وَالْمِيرَةِ مِنْ قَرِيبٍ وَقَالَتْ: أَمَّا ابْنُكَ فَدَفَعْتُهُ إِلَى حَاضِنَةٍ تُرَبِّيهِ وَقَدْ مَاتَ، وَأَمَّا ابْنَتُكَ فَهِيَ بَاقِيَةٌ، وَإِذَا بِجُوَيْرِيَةٍ قَدْ خَرَجَتْ مِنَ الْأَرْضِ، وَهِيَ بِلْقِيسُ، وَفَارَقَتْهُ امْرَأَتُهُ وَسَارَ إِلَى عَدُوِّهِ فَظَفِرَ بِهِ. وَقِيلَ فِي سَبَبِ نِكَاحِهِ إِلَيْهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْجَمِيعُ حَدِيثُ خُرَافَةٍ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا حَقِيقَةَ. وَأَمَّا مُلْكُهَا الْيَمَنَ فَقِيلَ: إِنَّ أَبَاهَا فَوَّضَ إِلَيْهَا الْمُلْكَ فَمَلَكَتْ بَعْدَهُ، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ بِالْمُلْكِ لِأَحَدٍ فَأَقَامَ النَّاسُ ابْنَ أَخٍ لَهُ، وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا فَاسِقًا لَا يَبْلُغُهُ عَنْ بِنْتِ قَيْلٍ وَلَا مَلِكٍ ذَاتِ جَمَالٍ إِلَّا أَحْضَرَهَا وَفَضَحَهَا، حَتَّى انْتَهَى إِلَى بِلْقِيسَ بِنْتِ عَمِّهِ، فَأَرَادَ ذَلِكَ مِنْهَا فَوَعَدَتْهُ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَهَا إِلَى قَصْرِهَا وَأَعَدَّتْ لَهُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَقَارِبِهَا وَأَمَرَتْهُمَا بِقَتْلِهِ إِذَا دَخَلَ إِلَيْهَا وَانْفَرَدَ بِهَا، فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهَا وَثَبَا عَلَيْهِ فَقَتَلَاهُ. فَلَمَّا قُتِلَ أَحْضَرَتْ وُزَرَاءَهُ فَقَرَّعَتْهُمْ، فَقَالَتْ: أَمَا كَانَ فِيكُمْ مَنْ يَأْنَفُ لِكَرِيمَتِهِ، وَكَرَائِمِ عَشِيرَتِهِ! ثُمَّ أَرَتْهُمْ إِيَّاهُ قَتِيلًا، وَقَالَتِ: اخْتَارُوا رَجُلًا تُمَلِّكُونَهُ. فَقَالُوا: لَا نَرْضَى بِغَيْرِكِ، فَمَلَّكُوهَا. وَقِيلَ: إِنَّ أَبَاهَا لَمْ يَكُنْ مَلِكًا، وَإِنَّمَا كَانَ وَزِيرَ الْمَلِكِ، وَكَانَ الْمَلِكُ خَبِيثًا، قَبِيحَ السِّيرَةِ يَأْخُذُ بَنَاتِ الْأَقْيَالِ، وَالْأَعْيَانِ، وَالْأَشْرَافِ، وَإِنَّهَا قَتَلَتْهُ، فَمَلَّكَهَا النَّاسُ عَلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا عَظَّمُوا مُلْكَهَا وَكَثْرَةِ جُنْدِهَا فَقِيلَ: كَانَ تَحْتَ يَدِهَا أَرْبَعُمِائَةِ مَلِكٍ، كُلُّ مَلِكٍ مِنْهُمْ عَلَى كُورَةٍ، مَعَ كُلِّ مَلِكٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَكَانَ لَهَا ثَلَاثُمِائَةِ وَزِيرٍ يَتَدَبَّرُونَ مُلْكَهَا، وَكَانَ لَهَا اثْنَا عَشَرَ قَائِدًا يَقُودُ كُلُّ قَائِدٍ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ.
وَبَالَغَ آخَرُونَ مُبَالَغَةً تَدُلُّ عَلَى سُخْفِ عُقُولِهِمْ وَجَهْلِهِمْ، قَالُوا: كَانَ لَهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قَيْلٍ، تَحْتَ يَدِ كُلِّ قَيْلٍ مِائَةُ أَلْفٍ مُقَاتِلٍ، مَعَ كُلِّ مُقَاتِلٍ سَبْعُونَ أَلْفَ جَيْشٍ، فِي كُلِّ جَيْشٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مُبَارِزٍ، لَيْسَ فِيهِمْ إِلَّا أَبْنَاءُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ رَاوِي هَذَا الْكَذِبِ الْفَاحِشِ عَرَفَ الْحِسَابَ حَتَّى يَعْلَمَ مِقْدَارَ جَهْلِهِ، وَلَوْ عَرَفَ مَبْلَغَ الْعَدَدِ لَأَقْصَرَ عَنْ إِقْدَامِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ السَّخِيفِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ لَا يَبْلُغُونَ جَمِيعُهُمْ، شَبَابُهُمْ وَشُيُوخُهُمْ، وَصِبْيَانُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ هَذَا الْعَدَدَ، فَكَيْفَ أَنْ يَكُونُوا أَبْنَاءَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً! فَيَا لَيْتَ شِعْرِي كَمْ يَكُونُ غَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَسْنَانِهِمْ، وَكَمْ تَكُونُ الرَّعِيَّةُ وَأَرْبَابُ الْحِرَفِ وَالْفِلَاحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْجُنْدُ بَعْضُ أَهْلِ الْبِلَادِ، وَإِنْ كَانَ الْحَاصِلُ مِنَ الْيَمَنِ قَدْ قَلَّ فِي زَمَانِنَا فَإِنَّ رُقْعَةَ أَرْضِهِ لَمْ تَصْغُرْ، وَهِيَ لَا تَسَعُ هَذَا الْعَدَدَ قِيَامًا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى جَانِبِ الْآخَرِ. ثُمَّ إِنَّهُمْ قَالُوا: أَنْفَقَتْ عَلَى كُوَّةِ بَيْتِهَا الَّتِي تَدْخُلُ الشَّمْسُ مِنْهَا فَتَسْجُدُ لَهَا ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ أُوقِيَّةٍ مِنَ الذَّهَبِ، وَقَالُوا غَيْرَ ذَلِكَ، وَذَكَرُوا مِنْ أَمْرِ عَرْشِهَا مَا يُنَاسِبُ كَثْرَةَ جَيْشِهَا، فَلَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهِ. وَقَدْ تَوَاطَئُوا عَلَى الْكَذِبِ وَالتَّلَاعُبِ بِعُقُولِ الْجُهَّالِ وَاسْتَهَانُوا بِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ اسْتِجْهَالِ الْعُقَلَاءِ لَهُمْ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا عَلَى قُبْحِهِ لِيَقِفَ بَعْضُ مَنْ كَانَ يُصَدِّقُ بِهِ عَلَيْهِ فَيَنْتَهِيَ إِلَى الْحَقِّ. وَأَمَّا سَبَبُ مَجِيئِهَا إِلَى سُلَيْمَانَ وَإِسْلَامِهَا فَإِنَّهُ طَلَبَ الْهُدْهُدَ فَلَمْ يَرَهُ، وَإِنَّمَا طَلَبَهُ لِأَنَّ الْهُدْهُدَ يَرَى الْمَاءَ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ فَيَعْلَمُ هَلْ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ مَاءٌ أَمْ لَا، وَهَلْ هُوَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ، فَبَيْنَمَا سُلَيْمَانُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ احْتَاجَ إِلَى الْمَاءِ فَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ مِمَّنْ مَعَهُ بُعْدَهُ، فَطَلَبَ الْهُدْهُدَ لِيَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَرَهُ. وَقِيلَ: بَلْ نَزَلَتِ الشَّمْسُ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَنَظَرَ لِيَرَى مِنْ أَيْنَ نَزَلَتْ لِأَنَّ الطَّيْرَ كَانَتْ تُظِلُّهُ، فَرَأَى مَوْضِعَ الْهُدْهُدِ فَارِغًا، فَقَالَ: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [النمل: 21] .
وَكَانَ الْهُدْهُدُ قَدْ مَرَّ عَلَى قَصْرِ بِلْقِيسَ فَرَأَى بُسْتَانًا لَهَا خَلْفَ قَصْرِهَا، فَمَالَ إِلَى الْخُضْرَةِ، فَرَأَى فِيهِ هُدْهُدًا فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ عَنْ سُلَيْمَانَ وَمَا تَصْنَعُ هَهُنَا؟ فَقَالَ لَهُ: وَمَنْ سُلَيْمَانُ؟ فَذَكَرَ لَهُ حَالَهُ وَمَا سُخِّرَ لَهُ مِنَ الطَّيْرِ وَغَيْرِهِ، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ هُدْهُدُ سُلَيْمَانَ: وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كَثْرَةَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ تَمْلِكُهُمُ امْرَأَةٌ {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23] . وَجَعَلُوا الشُّكْرَ لِلَّهِ أَنْ سَجَدُوا لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِهِ، وَكَانَ عَرْشُهَا سَرِيرًا مِنْ ذَهَبٍ، مُكَلَّلٌ بِالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ مِنَ الْيَوَاقِيتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ. ثُمَّ إِنَّ الْهُدْهُدَ عَادَ إِلَى سُلَيْمَانَ فَأَخْبَرَهُ بِعُذْرِهِ فِي تَأْخِيرِهِ، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهَا، فَوَافَاهَا وَهِيَ فِي قَصْرِهَا فَأَلْقَاهُ فِي حِجْرِهَا، فَأَخَذَتْهُ وَقَرَأَتْهُ، وَأَحْضَرَتْ قَوْمَهَا وَقَالَتْ: {إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ - إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ - يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ} [النمل: 29 - 32] . . . . {مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} [النمل: 32] {قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} [النمل: 33] قَالَتْ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَإِنْ قَبِلَهَا فَهُوَ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا فَنَحْنُ أَعَزُّ مِنْهُ وَأَقْوَى، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا فَهُوَ نَبِيٌّ مِنَ اللَّهِ. فَلَمَّا جَاءَتِ الْهَدِيَّةُ إِلَى سُلَيْمَانَ قَالَ لِلرُّسُلِ: {أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ} [النمل: 36]- إِلَى قَوْلِهِ -: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل: 37] ، فَلَمَّا رَجَعَ الرُّسُلُ إِلَيْهَا سَارَتْ إِلَيْهِ وَأَخَذَتْ مَعَهَا الْأَقْيَالَ مِنْ قَوْمِهَا، وَهُمُ الْقُوَّادُ، وَقَدِمَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَارَبَتْهُ وَصَارَتْ مِنْهُ عَلَى نَحْوِ فَرْسَخٍ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ - قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ} [النمل: 38 - 39] ،
يَعْنِي قَبْلَ أَنْ تَقُومَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَقْصِدُ فِيهِ بَيْتَكَ لِلْغَدَاءِ. قَالَ سُلَيْمَانُ: أُرِيدُ أَسْرَعَ مِنْ ذَلِكَ. فَـ {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} [النمل: 40]- وَهُوَ آصَفُ بْنُ بَرْخِيَا، وَكَانَ يَعْرِفُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ - {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40] ، وَقَالَ لَهُ انْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ وَأَدِمِ النَّظَرَ فَلَا تَرُدَّ طَرْفَكَ حَتَّى أُحْضِرَهُ عِنْدَكَ. وَسَجَدَ وَدَعَا، فَرَأَى سُلَيْمَانُ الْعَرْشَ قَدْ نَبَعَ مِنْ تَحْتِ سَرِيرِهِ، فَقَالَ: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ} [النمل: 40] إِذْ أَتَانِي بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيَّ طَرْفِي {أَمْ أَكْفُرُ} [النمل: 40] إِذْ جَعَلَ تَحْتَ يَدِي مَنْ هُوَ أَقْدَرُ مِنِّي عَلَى إِحْضَارِهِ. فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ: {أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} [النمل: 42] وَلَقَدْ تَرَكْتُهُ فِي حُصُونٍ وَعِنْدَهُ جُنُودٌ تَحْفَظُهُ فَكَيْفَ جَاءَ إِلَى هَهُنَا؟ فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِلشَّيَاطِينِ: ابْنُوا لِي صَرْحًا تَدْخُلُ عَلَيَّ فِيهِ بِلْقِيسُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ سُخِّرَ لَهُ مَا سُخِّرَ وَبِلْقِيسُ مَلِكَةُ سَبَإٍ يَنْكِحُهَا فَتَلِدُ غُلَامًا فَلَا نَنْفَكُّ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ أَبَدًا، وَكَانَتِ امْرَأَةً شَعْرَاءَ السَّاقَيْنِ، فَقَالَ لِلشَّيَاطِينِ: ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا يُرَى ذَلِكَ مِنْهَا فَلَا يَتَزَوَّجُهَا، فَبَنَوْا لَهُ صَرْحًا مِنْ قَوَارِيرَ خُضْرٍ وَجَعَلُوا لَهُ طَوَابِيقَ مِنْ قَوَارِيرَ بِيضٍ، فَبَقِيَ كَأَنَّهُ الْمَاءُ، وَجَعَلُوا تَحْتَ الطَّوَابِيقِ صُوَرَ دَوَابِّ الْبَحْرِ مِنَ السَّمَكِ وَغَيْرِهِ، وَقَعَدَ سُلَيْمَانُ عَلَى كُرْسِيٍّ، ثُمَّ أَمَرَ فَأُدْخِلَتْ بِلْقِيسُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَدْخُلَهُ وَرَأَتْ صُوَرَ السَّمَكِ وَدَوَابَّ الْمَاءِ حَسِبَتْهُ لُجَّةَ مَاءٍ فَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا لِتَدْخُلَ، فَلَمَّا رَآهَا سُلَيْمَانُ صَرَفَ نَظَرَهُ عَنْهَا وَقَالَ {إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] . فَاسْتَشَارَ سُلَيْمَانُ فِي شَيْءٍ يُزِيلُ الشَّعَرَ وَلَا يَضُرُّ الْجَسَدَ، فَعَمِلَ لَهُ الشَّيَاطِينُ النُّورَةَ، فَهِيَ أَوَّلُ مَا عَمِلَتِ النُّورَةَ،
وَنَكَحَهَا سُلَيْمَانُ وَأَحَبَّهَا حُبًّا شَدِيدًا وَرَدَّهَا إِلَى مُلْكِهَا بِالْيَمَنِ، فَكَانَ يَزُورُهَا كُلَّ شَهْرٍ مَرَّةً يُقِيمُ عِنْدَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَنْكِحَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهَا فَامْتَنَعَتْ وَأَنِفَتْ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَكُونُ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا ذَلِكَ. فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَزَوِّجْنِي ذَا تُبَّعٍ مَلِكَ هَمْدَانَ، فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى الْيَمَنِ، وَسَلَّطَ زَوْجَهَا ذَا تُبَّعٍ عَلَى الْمُلْكِ، وَأَمَرَ الْجِنَّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ بِطَاعَتِهِ، فَاسْتَعْمَلَهُمْ ذُو تُبَّعٍ، فَعَمِلُوا لَهُ عِدَّةَ حُصُونٍ بِالْيَمَنِ، مِنْهَا سَلَحِينُ، وَمَرَاوِحُ، وَفِلْيُونُ، وَهُنَيْدَةُ، وَغَيْرُهَا، فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ لَمْ يُطِيعُوا ذَا تُبَّعٍ وَانْقَضَى مُلْكُ ذِي تُبَّعٍ، وَمُلْكُ بِلْقِيسَ مَعَ مُلْكِ سُلَيْمَانَ. وَقِيلَ: إِنَّ بِلْقِيسَ مَاتَتْ قَبْلَ سُلَيْمَانَ بِالشَّامِ وَإِنَّهُ دَفَنَهَا بِتَدْمُرَ، وَأَخْفَى قَبْرَهَا. ذِكْرُ غَزْوَتِهِ أَبَا زَوْجَتِهِ جَرَادَةَ وَنِكَاحِهَا، وَعِبَادَةِ الصَّنَمِ فِي دَارِهِ، وَأَخْذِ خَاتَمِهِ، وَعَوْدِهِ إِلَيْهِ قِيلَ: سَمِعَ سُلَيْمَانُ بِمَلِكٍ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ وَشِدَّةِ مُلْكِهِ، وَعِظَمِ شَأْنِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ إِلَيْهِ سَبِيلٌ، فَخَرَجَ سُلَيْمَانُ إِلَى تِلْكَ الْجَزِيرَةِ وَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى نَزَلَ بِجُنُودِهِ بِهَا فَقَتَلَ مَلِكَهَا وَغَنِمَ مَا فِيهَا وَغَنِمَ بِنْتًا لِلْمَلِكِ لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهَا حُسْنًا وَجَمَالًا فَاصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ وَدَعَاهَا لِلْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَتْ عَلَى قِلَّةِ رَغْبَةٍ فِيهِ، وَأَحَبَّهَا حُبًّا شَدِيدًا، وَكَانَتْ لَا يَذْهَبُ حُزْنُهَا وَلَا تَزَالُ تَبْكِي، فَقَالَ لَهَا: وَيْحَكِ مَا هَذَا الْحُزْنُ، وَالدَّمْعُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ؟ قَالَتْ: إِنِّي أَذْكُرُ أَبِي وَمُلْكَهُ وَمَا أَصَابَهُ فَيُحْزِنُنِي ذَلِكَ. قَالَ: فَقَدْ أَبْدَلَكِ اللَّهُ مُلْكًا خَيْرًا مِنْ مُلْكِهِ وَهَدَاكِ إِلَى الْإِسْلَامِ. قَالَتْ: إِنَّهُ كَذَلِكَ وَلَكِنِّي إِذَا ذَكَرْتُهُ أَصَابَنِي مَا تَرَى، فَلَوْ أَمَرْتَ الشَّيَاطِينَ فَصَوَّرُوا صُورَتَهُ فِي دَارِي أَرَاهَا بِكُرَةً وَعَشِيَّةً لَرَجَوْتُ أَنْ يُذْهِبَ ذَلِكَ حُزْنِي.
فَأَمَرَ الشَّيَاطِينَ فَعَمِلُوا لَهَا مِثْلَ صُورَتِهِ لَا تُنْكِرُ مِنْهَا شَيْئًا، وَأَلْبَسَتْهَا ثِيَابًا مِثْلَ ثِيَابِ أَبِيهَا، وَكَانَتْ إِذَا خَرَجَ سُلَيْمَانُ مِنْ دَارِهَا تَغْدُو عَلَيْهِ فِي جَوَارِيهَا فَتَسْجُدُ لَهُ وَيَسْجُدْنَ مَعَهَا، وَتَرُوحُ عَشِيَّةً وَيَرُحْنَ، فَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا يَعْلَمُ سُلَيْمَانُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهَا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا. وَبَلَغَ الْخَبَرُ آصَفَ بْنَ بَرْخِيَّا، وَكَانَ صَدِيقًا، وَكَانَ لَا يَرِدُ مِنْ مَنَازِلِ سُلَيْمَانَ أَيَّ وَقْتٍ أَرَادَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ سَوَاءٌ كَانَ سُلَيْمَانُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا. فَأَتَاهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ كَبِرَ سِنِّي وَدَقَّ عَظْمِي، وَقَدْ حَانَ مِنِّي ذَهَابُ عُمُرِي وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَقُومَ مَقَامًا أَذْكُرُ فِيهِ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَأُثْنِي عَلَيْهِمْ بِعِلْمِي فِيهِمْ، وَأُعَلِّمُ النَّاسَ بَعْضَ مَا يَجْهَلُونَ. قَالَ: افْعَلْ. فَجَمَعَ لَهُ سُلَيْمَانُ النَّاسَ، فَقَامَ آصَفُ خَطِيبًا فِيهِمْ فَذَكَرَ مَنْ مَضَى مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سُلَيْمَانَ، فَقَالَ: مَا كَانَ أَحْلَمَكَ فِي صِغَرِكَ، وَأَبْعَدَكَ مِنْ كُلِّ مَا يُكْرَهُ فِي صِغَرِكَ. ثُمَّ انْصَرَفَ. فَمُلِئَ سُلَيْمَانُ غَضَبًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: يَا آصَفُ لَمَّا ذَكَرْتَنِي جَعَلْتَ تُثْنِي عَلَيَّ فِي صِغَرِي وَسَكَتَّ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ، فَمَا الَّذِي أَحْدَثْتُ فِي آخِرِ أَمْرِي؟ قَالَ: إِنَّ غَيْرَ اللَّهِ لَيُعْبَدُ فِي دَارِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي هَوَى امْرَأَةٍ. قَالَ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ مَا قُلْتُ إِلَّا عَنْ شَيْءٍ بَلَغَكَ، وَدَخَلَ دَارَهُ وَكَسَرَ الصَّنَمَ وَعَاقَبَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ وَجَوَارِيَهَا. ثُمَّ أَمَرَ بِثِيَابِ الطَّهَارَةِ فَأُتِيَ بِهَا، وَهِيَ ثِيَابٌ تَغْزِلُهَا الْأَبْكَارُ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَلَمْ تَمَسَّهَا امْرَأَةٌ ذَاتُ دَمٍ، فَلَبِسَهَا وَخَرَجَ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَفَرَشَ الرَّمَادَ، ثُمَّ أَقْبَلَ تَائِبًا إِلَى اللَّهِ وَتَمَعَّكَ فِي الرَّمَادِ بِثِيَابِهِ تَذَلُّلًا لِلَّهِ تَعَالَى وَتَضَرُّعًا، وَبَكَى وَاسْتَغْفَرَ يَوْمَهُ ذَلِكَ ثُمَّ عَادَ إِلَى دَارِهِ. وَكَانَتْ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ لَا يَثِقُ إِلَّا بِهَا يُسَلِّمُ خَاتَمَهُ إِلَيْهَا، وَكَانَ لَا يَنْزِعُهُ إِلَّا عِنْدَ دُخُولِهِ الْخَلَاءَ، وَإِذَا أَرَادَ يُصِيبُ امْرَأَةً فَيُسَلِّمُهُ إِلَيْهَا حَتَّى يَتَطَهَّرَ، وَكَانَ مُلْكُهُ فِي خَاتَمِهِ، فَدَخَلَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَيَّامِ الْخَلَاءَ وَسَلَّمَ خَاتَمَهُ إِلَيْهَا، فَأَتَاهَا شَيْطَانٌ اسْمُهُ صَخْرٌ فِي صُورَةِ سُلَيْمَانَ فَأَخَذَ الْخَاتَمَ وَخَرَجَ إِلَى كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ فِي صُورَةِ سُلَيْمَانَ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالطَّيْرُ. وَخَرَجَ سُلَيْمَانُ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالَتُهُ وَهَيْئَتُهُ، فَقَالَ: خَاتَمِي! قَالَتْ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا سُلَيْمَانُ. قَالَتْ: كَذَبْتَ لَسْتَ
بِسُلَيْمَانَ! قَدْ جَاءَ سُلَيْمَانُ وَأَخَذَ خَاتَمَهُ مِنِّي وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِهِ! فَعَرَفَ سُلَيْمَانُ خَطِيئَتَهُ فَخَرَجَ وَجَعَلَ يَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنَا سُلَيْمَانُ، فَيَحْثُونَ عَلَيْهِ التُّرَابَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَصَدَ الْبَحْرَ وَجَعَلَ يَنْقُلُ سَمَكَ الصَّيَّادِينَ وَيُعْطُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَمَكَتَيْنِ يَبِيعُ إِحْدَاهُمَا بِخُبْزٍ وَيَأْكُلُ الْأُخْرَى، فَبَقِيَ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. ثُمَّ إِنَّ آصَفَ وَعُظَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْكَرُوا حُكْمَ الشَّيْطَانِ الْمُشْتَبَهِ بِسُلَيْمَانَ، فَقَالَ آصَفُ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، هَلْ رَأَيْتُمْ مِنَ اخْتِلَافِ حُكْمِ سُلَيْمَانَ مَا رَأَيْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ وَأَسْأَلَهُنَّ هَلْ أَنْكَرْنَ مَا أَنْكَرْنَا مِنْهُ. فَدَخَلَ عَلَيْهِنَّ وَسَأَلَهُنَّ، فَذَكَرْنَ أَشَدَّ مِمَّا عِنْدَهُ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ. ثُمَّ خَرَجَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَخْبَرَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا بِهِ طَارَ مِنْ مَجْلِسِهِ فَمَرَّ بِالْبَحْرِ فَأَلْقَى الْخَاتَمَ فِيهِ، فَبَلَعَتْهُ سَمَكَةٌ، وَاصْطَادَهَا صَيَّادٌ، وَحَمَلَ لَهُ سُلَيْمَانُ يَوْمَهُ ذَلِكَ فَأَعْطَاهُ سَمَكَتَيْنِ، تِلْكَ السَّمَكَةُ إِحْدَاهُمَا. فَأَخَذَهَا فَشَقَّهَا لِيُصْلِحَهَا، وَيَأْكُلَهَا فَرَأَى خَاتَمَهُ فِي جَوْفِهَا، فَأَخَذَهُ وَجَعَلَهُ فِي إِصْبُعِهِ وَخَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالطَّيْرُ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَرَجَعَ إِلَى مُلْكِهِ، وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَبَثَّ الشَّيَاطِينَ فِي إِحْضَارِ صَخْرٍ الَّذِي أَخَذَ الْخَاتَمَ، فَأَحْضَرُوهُ، فَثَقَبَ لَهُ صَخْرَةً، وَجَعَلَهُ فِيهَا وَسَدَّ النَّقَبَ بِالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ، وَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ. وَكَانَ مُقَامُهُ فِي الْمُلْكِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، بِمِقْدَارِ عِبَادَةِ الصَّنَمِ فِي دَارِ سُلَيْمَانَ. وَقِيلَ: كَانَ السَّبَبُ فِي ذَهَابِ مُلْكِهِ أَنَّ امْرَأَةً لَهُ كَانَتْ أَبَرَّ نِسَائِهِ عِنْدَهُ تُسَمَّى جَرَادَةَ وَلَا يَأْتَمِنُ عَلَى خَاتَمِهِ سِوَاهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ أَخِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ فُلَانٍ حُكُومَةٌ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَقْضِيَ لَهُ. فَقَالَ: أَفْعَلُ، وَلَمْ يَفْعَلْ، فَابْتُلِيَ، وَأَعْطَاهَا خَاتَمَهُ، وَدَخَلَ الْخَلَاءَ، فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ فَأَخَذَهُ، وَخَرَجَ سُلَيْمَانُ بَعْدَهُ فَطَلَبَ الْخَاتَمَ، فَقَالَتْ: أَلَمْ تَأْخُذْهُ؟ قَالَ: لَا، وَخَرَجَ مِنْ مَكَانِهِ تَائِهًا وَبَقِيَ الشَّيْطَانُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ، فَفَطِنُوا لَهُ وَأَحْدَقُوا بِهِ وَنَشَرُوا التَّوْرَاةَ فَقَرَءُوهَا، فَطَارَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَأَلْقَى الْخَاتَمَ فِي الْبَحْرِ، فَابْتَلَعَهُ حُوتٌ، ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ قَصَدَ صَيَّادًا وَهُوَ جَائِعٌ فَاسْتَطْعَمَهُ، وَقَالَ: أَنَا سُلَيْمَانُ، فَكَذَّبَهُ، وَضَرَبَهُ فَشَجَّهُ، فَجَعَلَ يَغْسِلُ الدَّمَ، فَلَامَ الصَّيَّادُونَ صَاحِبَهُمْ، وَأَعْطَوْهُ سَمَكَتَيْنِ
إِحْدَاهُمَا الَّتِي ابْتَلَعَتِ الْخَاتَمَ، فَشَقَّ بَطْنَهَا، وَأَخَذَ الْخَاتَمَ، فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ مُلْكَهُ، فَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَا أَحْمَدُكُمْ عَلَى عُذْرِكُمْ وَلَا أَلُومُكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ. وَسَخَّرَ اللَّهُ لَهُ الْجِنَّ وَالشَّيَاطِينَ وَالرِّيحَ، وَلَمْ يَكُنْ سَخَّرَهَا لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ - فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ - وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ - وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} [ص: 35 - 38] . وَقِيلَ فِي سَبَبِ زَوَالِ مُلْكِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذِكْرُ وَفَاةِ سُلَيْمَانَ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِلَى سُلَيْمَانَ الْمُلْكَ لَبِثَ فِيهِ مُطَاعًا، وَالْجِنُّ تَعْمَلُ لَهُ {مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ: 13] وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيُعَذِّبُ مِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ شَاءَ وَيَطْلُبُ مَنْ شَاءَ، حَتَّى إِذَا دَنَا أَجَلُهُ وَكَانَ عَادَتُهُ إِذَا صَلَّى كُلَّ يَوْمٍ رَأَى شَجَرَةً نَابِتَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: مَا اسْمُكِ؟ فَتَقُولُ: كَذَا. فَيَقُولُ: لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْتِ؟ فَإِنْ كَانَتْ لِغَرْسٍ غُرِسَتْ وَإِنْ كَانَتْ لِدَوَاءٍ كُتِبَتْ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ رَأَى شَجَرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهَا: مَا اسْمُكِ؟ فَقَالَتِ: الْخُرْنُوبَةُ. فَقَالَ لَهَا: لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْتِ؟ قَالَتْ: لِخَرَابِ هَذَا الْبَيْتِ - يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ - فَقَالَ سُلَيْمَانُ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُخْرِبَهُ وَأَنَا حَيٌّ، أَنْتِ الَّتِي عَلَى وَجْهِكِ هَلَاكِي وَخَرَابُ الْبَيْتِ! وَقَلَعَهَا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَمِّ عَلَى الْجِنِّ مَوْتِي حَتَّى يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الْجِنَّ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ يَتَجَرَّدُ لِلْعِبَادَةِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ، وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ، يُدْخِلُ مَعَهُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَأَدْخَلَهُ فِي الْمَرَّةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا، فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصَاهُ أَدْرَكَهُ أَجَلُهُ فَمَاتَ، وَلَا تَعْلَمُ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَلَا الْجِنُّ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَعْمَلُونَ خَوْفًا مِنْهُ، فَأَكَلَتِ الْأَرَضَةُ عَصَاهُ فَانْكَسَرَتْ فَسَقَطَ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ مَاتَ، وَعَلِمَ النَّاسُ أَنَّ الْجِنَّ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ وَلَوْ عَلِمُوا الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ
وَمُقَاسَاةِ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ. وَلَمَّا سَقَطَ أَرَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْلَمُوا مُذْ كَمْ مَاتَ، فَوَضَعُوا الْأَرَضَةَ عَلَى الْعَصَا يَوْمًا وَلَيْلَةً فَأَكَلَتْ مِنْهَا، فَحَسَبُوا بِنِسْبَتِهِ فَكَانَ أَكْلُ تِلْكَ الْعَصَا فِي سَنَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الشَّيَاطِينَ قَالُوا لِلْأَرَضَةِ: لَوْ كُنْتِ تَأْكُلِينَ الطَّعَامَ لَأَتَيْنَاكِ بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ، وَلَوْ كُنْتِ تَشْرَبِينَ الشَّرَابَ لَأَتَيْنَاكِ بِأَطْيَبِ الشَّرَابِ، وَلَكِنَّا سَنَنْقُلُ لَكِ الْمَاءَ وَالطِّينَ، فَهُمْ يَنْقُلُونَ إِلَيْهَا ذَلِكَ حَيْثُ كَانَتْ. أَلَمْ تَرَ إِلَى الطِّينِ يَكُونُ فِي وَسَطِ الْخَشَبَةِ؟ فَهُوَ مَا يَنْقُلُونَهُ لَهَا! قِيلَ: إِنَّ الْجِنَّ وَالشَّيَاطِينَ شَكَوْا مَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ التَّعَبِ، وَالنَّصَبِ إِلَى بَعْضِ أُولِي التَّجْرِبَةِ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: كَانَ إِبْلِيسُ، فَقَالَ لَهُمْ: أَلَسْتُمْ تَنْصَرِفُونَ بِأَحْمَالٍ وَتَعُودُونَ بِغَيْرِ أَحْمَالٍ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَلَكُمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ رَاحَةٌ، فَحَمَلَتِ الرِّيحُ الْكَلَامَ، فَأَلْقَتْهُ فِي أُذُنِ سُلَيْمَانَ، فَأَمَرَ الْمُوَكَّلِينَ بِهِمْ أَنَّهُمْ إِذَا جَاءُوا بِالْأَحْمَالِ، وَالْآلَاتِ الَّتِي يُبْنَى بِهَا إِلَى مَوْضِعِ الْبِنَاءِ، وَالْعَمَلِ يُحَمِّلُهُمْ مَنْ هُنَاكَ فِي عَوْدِهِمْ مَا يَلْقَوْنَهُ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا الْأَعْمَالُ لِيَكُونَ أَشَقَّ عَلَيْهِمْ وَأَسْرَعَ فِي الْعَمَلِ، فَاجْتَازُوا بِذَلِكَ الَّذِي شَكَوْا إِلَيْهِ حَالَهُمْ فَأَعْلَمُوهُ حَالَهُمْ فَقَالَ لُهَمُ: انْتَظِرُوا الْفَرَجَ فَإِنَّ الْأُمُورَ إِذَا تَنَاهَتْ تَغَيَّرَتْ، فَلَمْ تَطُلْ مُدَّةُ سُلَيْمَانَ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ، وَكَانَ مُدَّةُ عُمُرِهِ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَمُلْكُهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
ذكر من ملك من الفرس بعد كيقباذ
[ذِكْرُ مَنْ مَلَكَ مِنَ الْفُرْسِ بَعْدَ كَيْقُبَاذَ] لَمَّا تُوُفِّيَ كَيْقُبَاذُ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ كَيْكَاوُوسُ بْنُ كِينِيَّةَ بْنِ كَيْقُبَاذَ، فَلَمَّا مَلَكَ حَمَى بِلَادَهُ وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ عُظَمَاءِ الْبِلَادِ الْمُجَاوِرَةِ لَهُ، وَكَانَ يَسْكُنُ بِنَوَاحِي بَلْخَ، وَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ سَمَّاهُ سِيَاوَخْشَ وَضَمَّهُ إِلَى رُسْتَمَ الشَّدِيدِ بْنِ دَاسْتَانَ بْنِ نِرِيمَانَ بْنِ جَوْذَنْكَ بْنِ كَرْشَاسِبَ، وَكَانَ إِصْبَهْبَذَ سِجِسْتَانَ وَمَا يَلِيهَا، وَجَعَلَهُ عِنْدَهُ لِيُرَبِّيَهُ، فَأَحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ وَعَلَّمَهُ الْعُلُومَ وَالْفُرُوسِيَّةَ وَالْآدَابَ وَمَا يَحْتَاجُ الْمُلُوكُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَمَلَ مَا أَرَادَ حَمَلَهُ إِلَى أَبِيهِ، فَلَمَّا رَآهُ سُرَّ بِهِ صُورَةً وَمَعْنًى. وَكَانَ أَبُوهُ كَيْكَاْوُوسُ قَدْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ أَفْرَاسِيَابَ مَلِكِ التُّرْكِ، وَقِيلَ إِنَّهَا ابْنَةُ مَلِكِ الْيَمَنِ، فَهَوِيَتْ سِيَاوَخْشَ وَدَعَتْهُ إِلَى نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَ، فَسَعَتْ بِهِ إِلَى أَبِيهِ حَتَّى أَفْسَدَتْهُ عَلَيْهِ، فَسَأَلَ سِيَاوَخْشُ رُسْتَمَ الشَّدِيدَ لِيَتَوَصَّلَ مَعَ أَبِيهِ لِيُنْفِذَهُ إِلَى مُحَارَبَةِ أَفْرَاسِيَابَ بِسَبَبِ مَنْعِهِ بَعْضَ مَا كَانَ قَدِ اسْتَقَرَّ بَيْنَهُمَا، وَأَرَادَ الْبُعْدَ عَنْ أَبِيهِ لِيَأْمَنَ كَيْدَ امْرَأَتِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رُسْتَمُ، فَسَيَّرَهُ أَبُوهُ وَضَمَّ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيفًا فَسَارَ إِلَى بِلَادِ التُّرْكِ لِلِقَاءِ أَفْرَاسِيَابَ، فَلَمَّا سَارَ إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ جَرَى بَيْنَهُمَا صُلْحٌ، فَكَتَبَ سِيَاوَخْشُ إِلَى أَبِيهِ يُعَرِّفُهُ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَفْرَاسِيَابَ مِنَ الصُّلْحِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ وَالِدُهُ يَأْمُرُهُ بِمُنَاهَضَةِ أَفْرَاسِيَابَ وَمُحَارَبَتِهِ وَفَسْخِ الصُّلْحِ، فَاسْتَقْبَحَ سِيَاوَخْشُ الْغَدْرَ وَأَنِفَ مِنْهُ، فَلَمْ يُنَفِّذْ مَا أَمَرَهُ بِهِ، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ زَوْجَةِ وَالِدِهِ لِيَقْبُحَ فِعْلُهُ، فَرَاسَلَ أَفْرَاسِيَابَ فِي الْأَمَانِ لِنَفْسِهِ لِيَنْتَقِلَ إِلَيْهِ،
فَأَجَابَهُ أَفْرَاسِيَابُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ السَّفِيرُ فِي ذَلِكَ قِيرَانَ بْنَ وَيْسَعَانَ، وَدَخَلَ سِيَاوَخْشُ إِلَى بِلَادِ التُّرْكِ، فَأَكْرَمَهُ أَفْرَاسِيَابُ وَأَنْزَلَهُ وَأَجْرَى عَلَيْهِ وَزَوَّجَهُ بِنْتًا لَهُ يُقَالُ لَهَا وُسْفَافَرِيدُ، وَهِيَ أُمُّ كَيْخِسْرُو، فَظَهَرَ لَهُ مِنْ أَدَبِ سِيَاوَخْشَ وَمَعْرِفَتِهِ بِالْمُلْكِ وَشَجَاعَتِهِ مَا خَافَ عَلَى مُلْكِهِ مِنْهُ، وَزَادَ الْفَسَادَ بَيْنَهُمَا بِسَعْيِ ابْنَيْ أَفْرَاسِيَابَ وَأَخِيهِ كَيْدَرَ حَسَدًا مِنْهُمْ لِسِيَاوَخْشَ، فَأَمَرَهُمْ أَفْرَاسِيَابُ بِقَتْلِهِ فَقَتَلُوهُ وَمَثَّلُوا بِهِ، وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ ابْنَةُ أَفْرَاسِيَابَ حَامِلَةً مِنْهُ بِابْنِهِ كَيْخِسْرُو فَطَلَبُوا الْحِيلَةَ فِي إِسْقَاطِ مَا فِي بَطْنِهَا، فَلَمْ يَسْقُطْ، فَأَنْكَرَ قِيرَانُ الَّذِي كَانَ أَمَانُ سِيَاوَخْشَ عَلَى يَدِهِ قَتْلَهُ وَحَذَّرَ عَاقِبَتَهُ، وَالْأَخْذَ بِثَأْرِهِ مِنْ وَالِدِهِ كَيْكَاوُوسَ وَمِنْ رُسْتَمَ، وَأَخَذَ زَوْجَةَ سِيَاوَخْشَ إِلَيْهِ لِتَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا وَيَقْتُلَهُ، فَلَمَّا وَضَعَتْ رَقَّ قِيرَانُ لَهَا وَلِلْمَوْلُودِ وَلَمْ يَقْتُلْهُ وَسَتَرَ أَمْرَهُ حَتَّى بَلَغَ، فَسَيَّرَ كَيْكَاوُوسُ إِلَى بِلَادِ التُّرْكِ مَنْ كَشَفَ أَمَرَهُ وَأَخَذَهُ إِلَيْهِ. وَحِينَ بَلَغَ خَبَرُ قَتْلِهِ إِلَى فَارِسَ لَبِسَ شَادُوسُ بْنُ جَوْدَرْزَ السَّوَادَ حُزْنًا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ لَبِسَهُ، وَدَخَلَ عَلَى كَيْكَاوُوسَ فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ ظَلَامٍ وَسَوَادٍ. ثُمَّ إِنَّ كَيْكَاوُوسَ لَمَّا عَلِمَ بِقَتْلِ ابْنِهِ سَيَّرَ الْجُيُوشَ مَعَ رُسْتَمَ الشَّدِيدِ وَطُوسِ إِصْبَهْبَذَ أَصْبَهَانَ لِمُحَارَبَةِ أَفْرَاسِيَابَ، فَدَخَلَا بِلَادَ التُّرْكِ، فَقَتَلَا وَأَسَرَا وَأَثْخَنَا فِيهَا، وَجَرَى لَهُمَا مَعَ أَفْرَاسِيَابَ حُرُوبٌ شَدِيدَةٌ قُتِلَ فِيهَا ابْنَا أَفْرَاسِيَابَ وَأَخُوهُ الَّذِينَ أَشَارُوا بِقَتْلِ سِيَاوَخْشَ. وَزَعَمَتِ الْفُرْسُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ كَانَتْ مُسَخَّرَةً لَهُ، وَأَنَّهَا بَنَتْ لَهُ مَدِينَةً طُولُهَا فِي زَعْمِهِمْ ثَلَاثُمِائَةِ فَرْسَخٍ وَبَنَوْا عَلَيْهَا سُورًا مِنْ صُفْرٍ وَسُورًا مِنْ شَبَهٍ، وَسُورًا مِنْ فِضَّةٍ، وَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ تَنْقُلُهَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ كَيْكَاوُوسَ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يُحْدِثُ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَنْ يُخَرِّبُهَا فَعَجَزَتِ الشَّيَاطِينُ عَنِ
الْمَنْعِ عَنْهَا، فَقَتَلَ كَيْكَاوُوسُ جَمَاعَةً مِنْ رُؤَسَائِهِمْ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمِينَ: إِنَّمَا سُخِّرَ لَهُ فِعْلُ الشَّيَاطِينِ بِأَمْرِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، وَكَانَ مُظَفَّرًا لَا يُنَاوِئُهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُلُوكِ إِلَّا ظَهَرَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِالصُّعُودِ إِلَى السَّمَاءِ، فَسَارَ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى بَابِلَ، وَأَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى قُوَّةً ارْتَفَعَ بِهَا وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى بَلَغُوا السَّحَابَ، ثُمَّ سَلَبَهُمُ اللَّهُ تِلْكَ الْقُوَّةَ، فَسَقَطُوا وَهَلَكُوا وَأَفْلَتَ بِنَفْسِهِ وَأَحْدَثَ يَوْمَئِذٍ. وَهَذَا جَمِيعُهُ مِنْ أَكَاذِيبِ الْفُرْسِ الْبَارِدَةِ. ثُمَّ إِنَّ كَيْكَاوُوسَ بَعْدَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ تَمَزَّقَ مُلْكُهُ وَكَثُرَتِ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِ وَصَارُوا يَغْزُونَهُ، فَيَظْفَرُ مَرَّةً وَيَظْفَرُونَ أُخْرَى. ثُمَّ غَزَا بِلَادَ الْيَمَنِ وَمَلِكُهَا يَوْمَئِذٍ ذُو الْأَذْعَارِ بْنُ أَبَرْهَةَ ذِي الْمَنَارِ بْنِ الرَّايِشِ، فَلَمَّا وَرَدَ الْيَمَنَ خَرَجَ إِلَيْهِ ذُو الْأَذْعَارِ، وَكَانَ قَدْ أَصَابَهُ الْفَالِجُ، فَلَمْ يَكُنْ يَغْزُو، فَلَمَّا وَطِئَ كَيْكَاوُوسُ بِلَادَهُ خَرَجَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَعَسَاكِرِهِ وَظَفِرَ بِكَيْكَاوُوسَ فَأَسَرَهُ وَاسْتَبَاحَ عَسْكَرَهُ، وَحَبَسَهُ فِي بِئْرٍ وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ. فَسَارَ رُسْتَمُ مِنْ سِجِسْتَانَ إِلَى الْيَمَنِ وَأَخْرَجَ كَيْكَاوُوسَ وَأَخَذَهُ، وَأَرَادَ ذُو الْأَذْعَارِ مَنْعَهُ فَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَأَرَادَ الْقِتَالَ ثُمَّ خَافَ الْبَوَارَ فَاصْطَلَحَا عَلَى أَخْذِ كَيْكَاوُوسَ وَالْعَوْدِ إِلَى بِلَادِ الْفُرْسِ، فَأَخَذَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى مُلْكِهِ، فَأَقْطَعَهُ كَيْكَاوُوسُ سِجِسْتَانَ وَزَابُلِسْتَانَ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ غَزْنَةَ، وَأَزَالَ عَنْهُ اسْمَ الْعُبُودِيَّةِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ كَيْكَاوُوسُ، وَكَانَ مُلْكُهُ خَمْسَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
ذكر خبر كيخسرو بن سياوخش بن كيكاووس
[ذِكْرُ خَبَرِ كَيْخِسْرُو بْنِ سِيَاوَخْشَ بْنِ كَيْكَاوُوسَ] لَمَّا مَاتَ كَيْكَاوُوسُ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُ ابْنِهِ كَيْخِسْرُو بْنُ سِيَاوَخْشَ بْنِ كَيْكَاوُوسَ وَأُمُّهُ وُسْفَافَرِيدُ ابْنَةُ أَفْرَاسِيَابَ مَلِكِ التُّرْكِ، فَلَمَّا مَلَكَ كَتَبَ إِلَى الْإِصْبَهْبَذِينَ جَمِيعِهِمْ أَنْ يَأْتُوا بِعَسَاكِرِهِمْ جَمِيعِهَا، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَهَّزُوا ثَلَاثِينَ أَلْفًا مَعَ طُوسَ، وَأَمَرَهُ بِدُخُولِ بِلَادِ التُّرْكِ، وَأَنْ لَا يَمُرَّ بِقَرْيَةٍ وَلَا مَدِينَةٍ لَهُمْ إِلَّا قَتَلَ كُلَّ مَنْ فِيهَا إِلَّا مَدِينَةً مِنْ مُدُنِهِمْ كَانَ بِهَا أَخٌ لَهُ اسْمُهُ فِيرُوزَدُ بْنُ سِيَاوَخْشَ، كَانَ أَبُوهُ قَدْ تَزَوَّجَ أُمَّهُ فِي بَعْضِ مَدَائِنِ التُّرْكِ، فَاجْتَازَ طُوسَ بِهَا فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ فِيرُوزَدَ حَرْبٌ قُتِلَ فِيهَا فِيرُوزَدُ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ كَيْخِسْرُو فَعَظُمَ عَلَيْهِ وَكَتَبَ إِلَى عَمٍّ لَهُ كَانَ مَعَ طُوسَ يَأْمُرُهُ بِالْقَبْضِ عَلَى طُوسَ وَإِرْسَالِهِ مُقَيَّدًا وَالْقِيَامِ بِأَمْرِ الْجَيْشِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَسَارَ بِالْعَسْكَرِ نَحْوَ أَفْرَاسِيَابَ، فَسَيَّرَ أَفْرَاسِيَابُ الْعَسَاكِرَ إِلَيْهِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا كَثُرَتْ فِيهِ الْقَتْلَى وَانْحَازَتِ الْفُرْسُ إِلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ وَعَادُوا إِلَى كَيْخِسْرُو، فَوَبَّخَ عَمَّهُ وَلَامَهُ وَاهْتَمَّ بِغَزْوِ التُّرْكِ، فَأَمَرَ بِجَمْعِ الْعَسَاكِرِ جَمِيعِهَا وَأَنْ لَا يَخْتَلِفَ أَحَدٌ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ قَصْدَ بِلَادِ التُّرْكِ مِنْ أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ، فَسَيَّرَ جَوْدَرْزَ فِي أَعْظَمِ الْعَسَاكِرِ وَأَمَرَهُ بِالدُّخُولِ إِلَى بِلَادِ التُّرْكِ مِمَّا يَلِي بَلْخَ، وَأَعْطَاهُ دِرْفَشَ كَابِيَانَ، وَهُوَ الْعَلَمُ الْأَكْبَرُ الَّذِي لَهُمْ، وَكَانُوا لَا يُرْسِلُونَهُ إِلَّا مَعَ بَعْضِ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَسَيَّرَ عَسْكَرًا آخَرَ مِنْ نَاحِيَةِ الصِّينِ، وَسَيَّرَ عَسْكَرًا آخَرَ مِمَّا يَلِي الْخَزَرَ، وَعَسْكَرًا آخَرَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْعَسْكَرَيْنِ، فَدَخَلَتِ الْعَسَاكِرُ بِلَادَ التُّرْكِ مِنْ كُلِّ جِهَاتِهَا وَأَخْرَبَتْهَا، لَا سِيَّمَا جَوْدَرْزُ، فَإِنَّهُ قَتَلَ وَأَخْرَبَ وَسَبَى، وَتَبِعَهُ كَيْخِسْرُو بِنَفْسِهِ فِي طَرِيقِهِ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ وَقَدْ قَتَلَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنْ أَهْلِ أَفْرَاسِيَابَ وَأَثْخَنَ فِيهِمْ، وَرَآهُ قَدْ قَتَلَ خَمْسَمِائَةِ أَلْفٍ وَنَيِّفًا وَسِتِّينَ
أَلْفًا وَأَسَرَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَغَنِمَ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُحْصَى، وَعَرَضَ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَ مِنْ أَهْلِ أَفْرَاسِيَابَ وَطَرَاخِنَتِهِ، فَعَظُمَ جَوْدَرْزُ عِنْدَهُ، وَشَكَرَهُ، وَقَطَعَهُ أَصْبَهَانَ، وَجُرْجَانَ، وَوَرَدَتْ عَلَيْهِ الْكُتُبُ الْوَارِدَةُ مِنْ عَسَاكِرِهِ الدَّاخِلَةِ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ إِلَى التُّرْكِ بِمَا قَتَلُوا وَغَنِمُوا، وَأَخْرَبُوا وَأَنَّهُمْ هَزَمُوا لِأَفْرَاسِيَابَ عَسْكَرًا بَعْدَ عَسْكَرٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَجِدُّوا فِي مُحَارَبَتِهِمْ وَيُوَافُوهُ بِمَوْضِعٍ سَمَّاهُ لَهُمْ. فَلَمَّا بَلَغَ أَفْرَاسِيَابَ قَتْلُ مَنْ قُتِلَ مِنْ طَرَاخِنَتِهِ، وَأَهْلِهِ، وَعَسَاكِرِهِ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَسُقِطَ فِي يَدَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ غَيْرُ وَلَدِهِ شِيدَهْ، فَوَجَّهَهُ فِي جَيْشٍ نَحْوَ كَيْخِسْرُو، فَسَارَ إِلَيْهِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ انْهَزَمَتِ التُّرْكُ وَتَبِعَهُمُ الْفُرْسُ يَقْتُلُونَهُمْ وَيَأْسِرُونَ، وَأَدْرَكُوا ابْنَ أَفْرَاسِيَابَ فَقَتَلُوهُ، وَسَمِعَ أَفْرَاسِيَابُ بِالْحَادِثَةِ وَقَتْلِ ابْنِهِ، فَأَقْبَلَ فَيَمَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ فَلَقِيَ كَيْخِسْرُو فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ فَانْهَزَمَ أَفْرَاسِيَابُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي التُّرْكِ فَقُتِلَ مِنْهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ، وَجَدَّ كَيْخِسْرُو فِي طَلَبِ أَفْرَاسِيَابَ، وَلَمْ يَزَلْ يَهْرُبُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ حَتَّى بَلَغَ أَذْرَبِيجَانَ فَاسْتَتَرَ، وَظُفِرَ بِهِ وَأُتِيَ بِهِ إِلَى كَيْخِسْرُو، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ سَأَلَهُ عَنْ غَدْرِهِ بِأَبِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ وَلَا عُذْرٌ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَذُبِحَ كَمَا ذَبَحَ سِيَاوَخْشَ، ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ مُظَفَّرًا مَنْصُورًا فَرِحًا. فَلَمَّا قُتِلَ أَفْرَاسِيَابُ مَلَكَ التُّرْكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ كَيْ سَوَاسِفُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ جَرَازَسْفُ، وَكَانَ جَبَّارًا عَاتِيًا فَلَمَّا فَرَغَ كَيْخِسْرُو مِنَ الْأَخْذِ بِثَأْرِ أَبِيهِ وَاسْتَقَرَّ فِي مُلْكِهِ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا وَتَرَكَ الْمُلْكَ، وَتَنَسَّكَ، وَاجْتَهَدَ أَهْلُهُ، وَأَصْحَابُهُ بِهِ لِيُلَازِمَ الْمُلْكَ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَقَالُوا: فَاعْهَدْ إِلَى مَنْ يَقُومُ بِالْمُلْكِ بَعْدَكَ فَعَهِدَ إِلَى لَهْرَاسِبَ، وَفَارَقَهُمْ كَيْخِسْرُو وَغَابَ عَنْهُمْ، فَلَا يُدْرَى مَا كَانَ مِنْهُ وَلَا أَيْنَ مَاتَ. وَبَعْضٌ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ. وَكَانَ مُلْكُهُ سِتِّينَ سَنَةً، وَمَلَكَ بَعْدَهُ لَهْرَاسِبُ.
ذكر أمر بني إسرائيل بعد سليمان
[ذِكْرُ أَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ سُلَيْمَانَ] قِيلَ ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ سُلَيْمَانَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ابْنُهُ رُحُبْعُمُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَكَانَ مُلْكُهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ افْتَرَقَتْ مَمَالِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ رُحُبْعُمَ، فَمَلَكَ أَبِيَّا بْنُ رُحُبْعُمَ سِبْطَ يَهُوذَا وَبِنْيَامِينَ دُونَ سَائِرِ الْأَسْبَاطِ، وَذَلِكَ أَنَّ سَائِرَ الْأَسْبَاطِ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ يُورَبْعَمَ بْنَ بَايِعَا عَبْدَ سُلَيْمَانَ بِسَبَبِ الْقُرْبَانِ الَّذِي كَانَتْ جَرَادَةُ زَوْجَةُ سُلَيْمَانَ فِيمَا زَعَمُوا قَرَّبَتْهُ فِي دَارِهِ لِلصَّنَمِ، فَتَوَعَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَنْزِعَ بَعْضَ الْمُلْكِ عَنْ وَلَدِهِ، فَكَانَ مُلْكُ أَبِيَّا بْنِ رُحُبْعُمَ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ أُسَّا بْنُ أَبِيَّا أَمْرَ السِّبْطَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَ أَبُوهُ يَمْلِكُهُمَا إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً،
وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَكَانَ أَعْرَجَ. ذِكْرُ مُحَارِبَةِ أُسَّا بْنِ أَبِيَّا وَرَزَحَ الْهِنْدِيِّ قِيلَ: كَانَ أُسَّا بْنُ أَبِيَّا رَجُلًا صَالِحًا، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ عَبَدَ الْأَصْنَامَ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَتِهَا، فَلَمَّا مَلَكَ ابْنُهُ أُسَّا أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: أَلَا إِنَّ الْكُفْرَ قَدْ مَاتَ وَأَهْلُهُ، وَعَاشَ الْإِيمَانُ وَأَهْلُهُ، فَلَيْسَ كَافِرٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يَطْلُعُ رَأْسُهُ بِكُفْرٍ إِلَّا قَتَلْتُهُ، فَإِنَّ الطُّوفَانَ لَمْ يُغْرِقِ الدُّنْيَا وَأَهْلَهَا وَلَمْ يَخْسِفْ بِالْقُرَى وَلَمْ تُمْطَرِ الْحِجَارَةُ وَالنَّارُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِتَرْكِ طَاعَةِ اللَّهِ وَالْعَمَلِ بِمَعْصِيَتِهِ! وَشَدَّدَ فِي ذَلِكَ. فَأَتَى بَعْضُهُمْ مِمَّنْ كَانَ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَيَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي إِلَى أُمِّ أُسَّا الْمَلِكِ، وَكَانَتْ تَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، فَشَكَوْا إِلَيْهَا، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ وَنَهَتْهُ عَمَّا كَانَ يَفَعَلُهُ وَبَالَغَتْ فِي زَجْرِهِ، فَلَمْ يُصْغِ إِلَى قَوْلِهَا بَلْ تَهَدَّدَهَا عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَأَظْهَرَ الْبَرَاءَةَ مِنْهَا، فَحِينَئِذٍ أَيِسَ النَّاسُ مِنْهُ وَانْتَزَحَ مَنْ كَانَ يَخَافُهُ وَسَارُوا إِلَى الْهِنْدِ. وَكَانَ بِالْهِنْدِ مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ رَزَحُ، وَكَانَ جَبَّارًا عَاتِيًا عَظِيمَ السُّلْطَانِ قَدْ أَطَاعَهُ أَكْثَرُ الْبِلَادِ، وَكَانَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى عِبَادَتِهِ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَشَكَوْا إِلَيْهِ مَلِكَهُمْ وَوَصَفُوا لَهُ الْبِلَادَ وَكَثْرَتَهَا وَقِلَّةَ عَسْكَرِهَا، وَضَعْفَ مَلِكِهَا، وَأَطْمَعُوهُ فِيهَا. فَأَرْسَلَ الْجَوَاسِيسَ فَأَتَوْهُ بِأَخْبَارِهَا، فَلَمَّا تَيَقَّنَ الْخَيْرَ جَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَارَ إِلَى الشَّامِ فِي الْبَحْرِ، وَقَالَ لَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ: إِنَّ لِأُسَّا صَدِيقًا يَنْصُرُهُ وَيُعِينُهُ، قَالَ: فَأَيْنَ أُسَّا وَصَدِيقُهُ مِنْ كَثْرَةِ عَسَاكِرِي وَجُنُودِي!
وَبَلَغَ خَبَرُهُ إِلَى أُسَّا، فَتَضَرَّعَ إِلَى اللَّهِ وَأَظْهَرَ الضَّعْفَ وَالْعَجْزَ عَنِ الْهِنْدِيِّ وَسَأَلَ اللَّهَ النُّصْرَةَ عَلَيْهِ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَأَرَاهُ فِي الْمَنَامِ: إِنِّي سَأُظْهِرُ مِنْ قُدْرَتِي فِي رَزَحَ الْهِنْدِيِّ وَعَسَاكِرِهِ مَا أَكْفِيكَ شَرَّهُمْ وَأُغْنِمُكُمْ أَمْوَالَهُمْ حَتَّى يَعْلَمَ أَعْدَاؤُكَ أَنَّ صَدِيقَكَ لَا يُطَاقُ وَلِيُّهُ وَلَا يَنْهَزِمُ جُنْدُهُ. ثُمَّ سَارَ رَزَحُ حَتَّى أَرْسَى بِالسَّاحِلِ، وَسَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا صَارَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْهُ فَرَّقَ عَسَاكِرَهُ، فَامْتَلَأَتْ مِنْهُمْ تِلْكَ الْأَرْضُ وَمُلِئَتْ قُلُوبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ رُعْبًا، وَبَعَثَ أُسَّا الْعُيُونَ فَعَادُوا وَأَخْبَرُوهُ مِنْ كَثْرَتِهِمْ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَسَمِعَ الْخَبَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَصَاحُوا، وَبَكَوْا، وَوَدَّعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَعَزَمُوا عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى رَزَحَ وَيَسْتَسْلِمُوا إِلَيْهِ وَيَنْقَادُوا لَهُ. فَقَالَ لَهُمْ مَلِكُهُمْ: إِنَّ رَبِّي وَعَدَنِي بِالظَّفَرِ وَلَا خُلْفَ لِوَعْدِهِ، فَعَاوَدُوا الدُّعَاءَ وَالتَّضَرُّعَ. فَفَعَلُوا وَدَعَوْا جَمِيعُهُمْ وَتَضَرَّعُوا، فَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ: يَا أُسَّا، إِنَّ الْحَبِيبَ لَا يُسْلِمُ حَبِيبَهُ، وَأَنَا الَّذِي أَكْفِيكَ عَدُوَّكَ فَإِنَّهُ لَا يَهُونُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيَّ، وَلَا يَضْعُفُ مَنْ تَقَوَّى بِي وَقَدْ كُنْتَ تَذْكُرُنِي فِي الرَّخَاءِ فَلَا أُسْلِمُكَ فِي الشِّدَّةِ، وَسَأُرْسِلُ بَعْضَ الزَّبَانِيَةِ يَقْتُلُونَ أَعْدَائِي. فَاسْتَبْشِرْ وَأَخْبِرْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَاسْتَبْشَرُوا وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَكَذَّبُوهُ. وَأَمَرَهُ اللَّهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى رَزَحَ فِي عَسَاكِرِهِ، فَخَرَجَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَوَقَفُوا عَلَى رَابِيَةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَنْظُرُونَ إِلَى عَسَاكِرِهِ، فَلَمَّا رَآهُمْ رَزَحُ احْتَقَرَهُمْ وَاسْتَصْغَرَهُمْ وَقَالَ: إِنَّمَا خَرَجْتُ مِنْ بِلَادِي وَجَمَعْتُ عَسَاكِرِي وَأَنْفَقْتُ أَمْوَالِي لِهَذِهِ الطَّائِفَةِ! وَدَعَا النَّفَرَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ قَصَدُوهُ، وَالْجَوَاسِيسَ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ لِيَخْتَبِرُوا لَهُ وَقَالَ: كَذَبْتُمُونِي، وَأَخْبَرْتُمُونِي بِكَثْرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى جَمَعْتُ الْعَسَاكِرَ، وَفَرَّقْتُ أَمْوَالِي! ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا، وَأَرْسَلَ إِلَى أُسَّا يَقُولُ لَهُ: أَيْنَ صَدِيقُكَ الَّذِي يَنْصُرُكَ وَيُخَلِّصُكَ مِنْ سَطْوَتِي؟ فَأَجَابَهُ أُسَّا: يَا شَقِيُّ، إِنَّكَ لَا تَعْلَمُ مَا تَقُولُ! أَتُرِيدُ أَنْ تُغَالِبَ اللَّهَ بِقُوَّتِكَ أَمْ تُكَاثِرُهُ بِقِلَّتِكَ؟ وَهُوَ مَعِي فِي مَوْقِفِي هَذَا، وَلَنْ يُغْلَبَ أَحَدٌ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ، وَسَتَعْلَمُ مَا يَحِلُّ بِكَ! فَغَضِبَ رَزَحُ مِنْ قَوْلِهِ وَصَفَّ عَسَاكِرَهُ وَخَرَجَ إِلَى قِتَالِ أُسَّا وَأَمَرَ الرُّمَاةَ فَرَمَوْهُمْ بِالسِّهَامِ، وَبَعَثَ اللَّهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَدَدًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَخَذُوا السِّهَامَ وَرَمَوْا بِهَا الْهُنُودَ، فَقَتَلَتْ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ نَشَّابَتُهُ، فَقُتِلَ جَمِيعُ الرُّمَاةِ، فَضَجَّ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ، وَتَرَاءَتِ الْمَلَائِكَةُ لِلْهُنُودِ، فَلَمَّا رَآهُمْ رَزَحُ أَلْقَى اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قَلْبِهِ وَسُقِطَ فِي يَدِهِ وَنَادَى
فِي عَسَاكِرِهِ يَأْمُرُهُمْ بِالْحَمْلَةِ عَلْيَهِمْ، فَفَعَلُوا فَقَتَلَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ غَيْرُ رَزَحَ وَعَبِيدِهِ وَنِسَائِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ وَلَّى هَارِبًا وَهُوَ يَقُولُ: قَتَلَنِي صَدِيقُ أُسَّا. فَلَمَّا رَآهُ أُسَّا مُدْبِرًا قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ لَمْ تُهْلِكْهُ اسْتَنْفِرْ عَلَيْنَا نَائِبَهُ. وَبَلَغَ رَزَحُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْبَحْرِ فَرَكِبُوا السُّفُنَ، فَلَمَّا سَارَتْ بِهِمْ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيَاحَ فَأَغْرَقَتْهُمْ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ أُسَّا ابْنُهُ سَافَاطُ إِلَى أَنْ هَلَكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَتْ عَزْلِيَا بِنْتُ عَمْرَمَ أُمُّ أَخْزِيَا، وَكَانَتْ قَتَلَتْ أَوْلَادَ مُلُوكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا يُوَاشُ بْنُ أَخْزِيَا، وَهُوَ ابْنُ ابْنِهَا، فَإِنَّهُ سَتَرَ عَنْهَا، ثُمَّ قَتَلَهَا يُوَاشُ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ مَلَكَهَا سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ يُوَاشُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. ثُمَّ قَتَلَهُ أَصْحَابُهُ وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ جَدَّتَهُ، ثُمَّ مَلَكَ عُوزِيَا بْنُ أَمْصِيَا بْنِ يُوَاشَ. وَيُقَالُ لَهُ غُوزِيَا، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ يُوثَامُ بْنُ عُوزِيَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ. سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ حِزْقِيَا بْنُ أَحَازَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ. فَيُقَالُ: إِنَّهُ صَاحِبُ شَعْيَا الَّذِي أَعْلَمُهُ شَعْيَا انْقِضَاءَ عُمُرِهِ، فَتَضَرَّعَ إِلَى رَبِّهِ فَزَادَهُ، وَأَمَرَ شَعْيَا بِإِعْلَامِهِ ذَلِكَ، وَقِيلَ إِنَّ صَاحِبَ شَعْيَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ اسْمُهُ صِدْقِيَا، عَلَى مَا يَرِدُ ذِكْرُهُ.
ذكر شعيا والملك الذي معه من بني إسرائيل ومسير سنحاريب إلى بني إسرائيل
[ذِكْرُ شَعْيَا وَالْمَلِكِ الَّذِي مَعَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَسِيرِ سَنْحَارِيبَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ] قِيلَ: كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَوْحَى إِلَى مُوسَى مَا ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا - فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا - ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا - إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا - عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} [الإسراء: 4 - 8] . فَكَثُرَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْأَحْدَاثُ وَالذُّنُوبُ، وَكَانَ اللَّهُ يَتَجَاوَزُ عَنْهُمْ مُتَعَطِّفًا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ مِنْ أَوَّلِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ عُقُوبَةً لِذُنُوبِهِمْ أَنَّ مَلِكًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ صِدْقِيَةُ، وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ إِذَا مَلَكَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ نَبِيًّا يُرْشِدُهُ وَيُوحِي إِلَيْهِ مَا يُرِيدُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ غَيْرُ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ، فَلَمَّا مَلَكَ صِدْقِيَةُ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ شَعْيَا، وَهُوَ الَّذِي بَشَّرَ بِعِيسَى وَبِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - فَلَمَّا قَارَبَ أَنْ يَنْقَضِيَ مُلْكُهُ عَظُمَتِ الْأَحْدَاثُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سَنْحَارِيبَ مَلِكَ بَابِلَ فِي عَسَاكِرَ يَغَصُّ بِهَا الْفَضَاءُ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَأَحَاطَ بِهِ وَمَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَرِيضٌ فِي سَاقِهِ قُرْحَةٌ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ شَعْيَا وَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُوصِيَ وَتَعْهَدَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، فَأَقْبَلَ الْمَلِكُ عَلَى الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ لَهُ إِلَى شَعْيَا أَنَّهُ قَدْ زَادَ فِي عُمُرِ الْمَلِكِ
صِدْقِيَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَنْجَاهُ مِنْ عَدُوِّهِ سَنْحَارِيبَ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ زَالَ عَنْهُ الْأَلَمُ وَجَاءَتْهُ الصِّحَّةُ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ عَلَى عَسَاكِرِ سَنْحَارِيبَ مَلَكًا صَاحَ بِهِمْ فَمَاتُوا غَيْرَ سِتَّةِ نَفَرٍ، مِنْهُمْ: سَنْحَارِيبُ، وَخَمْسَةٌ مِنْ كُتَّابِهِ، أَحَدُهُمْ بُخْتُنَصَّرُ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. فَخَرَجَ صِدْقِيَةُ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ فَغَنِمُوا مَا فِيهِ وَالْتَمَسُوا سَنْحَارِيبَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأَرْسَلَ الطَّلَبَ فِي أَثَرِهِ فَوَجَدُوهُ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، فَأَخَذُوهُمْ وَقَيَّدُوهُمْ وَحَمَلُوهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِسَنْحَارِيبَ: كَيْفَ رَأَيْتَ صُنْعَ رَبِّنَا بِكَ؟ فَقَالَ: قَدْ أَتَانِي خَبَرُ رَبِّكُمْ وَنَصْرَهُ إِيَّاكُمْ فَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ، فَطَافَ بِهِمْ حَوْلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ سَجَنَهُمْ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى شَعْيَا يَأْمُرُ الْمَلِكَ بِإِطْلَاقِ سَنْحَارِيبَ وَمَنْ مَعَهُ، فَأَطْلَقَهُمْ، فَعَادُوا إِلَى بَابِلَ وَأَخْبَرَهُمْ قَوْمُهُمْ بِمَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ وَبِعَسَاكِرِهِمْ، وَبَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ مَاتَ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَارَ إِلَيْهِمْ قَبْلَ سَنْحَارِيبَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ بَابِلَ يُقَالُ لَهُ كَفْرُو، وَكَانَ بُخْتُنَصَّرُ ابْنَ عَمِّهِ وَكَاتِبَهُ، وَأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا فَأَهْلَكَتْ جَيْشَهُ وَأَفْلَتَ هُوَ وَكَاتِبُهُ، وَأَنَّ هَذَا الْبَابِلِيَّ قَتَلَهُ ابْنٌ لَهُ، وَأَنَّ بُخْتُنَصَّرَ غَضِبَ لِصَاحِبِهِ فَقَتَلَ ابْنَهُ الَّذِي قَتَلَهُ، وَأَنَّ سَنْحَارِيبَ سَارَ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَانَ مُلْكُهُ بِنِينَوَى وَغَزَا مَعَ مَلِكِ أَذْرَبِيجَانَ يَوْمَئِذٍ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ ثُمَّ اخْتَلَفَ سَنْحَارِيبُ وَمَلِكُ أَذْرَبِيجَانَ وَتَحَارَبَا حَتَّى تَفَانَى عَسْكَرُهُمَا، فَخَرَجَ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَغَنِمُوا مَا مَعَهُمْ. وَقِيلَ: كَانَ مُلْكُ سَنْحَارِيبَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي حَصَرَهُ سَنْحَارِيبُ حِزْقِيَّا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ حِزْقِيَّا مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مَنْشَى خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ آمُونُ إِلَى أَنْ قَتَلَهُ أَصْحَابُهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ يُوشِّيَا إِلَى أَنْ قَتَلَهُ فِرْعَوْنُ مِصْرَ الْأَجْدَعُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ يَاهُو أَحَازَ بْنُ يُوشِيَّا، فَعَزَلَهُ فِرْعَوْنُ الْأَجْدَعُ وَاسْتَعْمَلَ بَعْدَهُ يُويَاقِيمَ بْنَ يَاهُو أَحَازَ وَوَظَّفَ عَلَيْهِ خَرَاجًا يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ مُلْكُهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ يُويَاحِينُ، فَغَزَاهُ بُخْتُنَصَّرُ وَأَشْخَصَهُ إِلَى بَابِلَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُلْكِهِ، وَمَلَّكَ بَعْدَهُ يَقُونِيَّا ابْنَ عَمِّهِ، وَسَمَّاهُ صِدْقِيَةَ، وَخَالَفَهُ فَغَزَاهُ وَظَفِرَ بِهِ وَحَمَلَهُ إِلَى بَابِلَ وَذَبَحَ وَلَدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَسَمَلَ عَيْنَيْهِ، وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَالْهَيْكَلَ، وَسَبَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَحَمَلَهُمْ إِلَى بَابِلَ، فَمَكَثُوا إِلَى أَنْ عَادُوا إِلَيْهِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَانَ جَمِيعُ مُلْكِ صِدْقِيَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِنَّ شَعْيَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ لِيَقُومَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُذَكِّرُهُمْ بِمَا يُوحِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ لَمَّا كَثُرَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ، فَفَعَلَ، فَعَدَوْا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَلَقِيَتْهُ شَجَرَةٌ فَانْفَلَقَتْ لَهُ، فَدَخَلَهَا، وَأَخَذَ الشَّيْطَانُ بِهُدْبِ ثَوْبِهِ وَأَرَاهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَوَضَعُوا الْمِنْشَارَ عَلَى الشَّجَرَةِ فَنَشَرُوهَا حَتَّى قَطَعُوهُ فِي وَسَطِهَا. وَقِيلَ فِي أَسْمَاءِ مُلُوكِهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ، تَرَكْنَاهُ كَرَاهَةَ التَّطْوِيلِ وَلِعَدَمِ الثِّقَةِ بِصِحَّةِ النَّقْلِ بِهِ.
ذكر ملك لهراسب وابنه بشتاسب وظهور زرادشت
[ذِكْرُ مُلْكِ لَهْرَاسِبَ وَابْنِهِ بَشْتَاسِبَ وَظُهُورِ زَرَادُشْتَ] قَدْ ذَكَرْنَا أَنْ كَيْخِسْرُو لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ عَهِدَ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ لَهْرَاسِبَ بْنِ كَيُوخَى بْنِ كَيْكَاوُوسَ، فَهُوَ ابْنُ كَيْكَاوُوسَ، فَلَمَّا مَلَكَ اتَّخَذَ سَرِيرًا مِنْ ذَهَبٍ وَكَلَّلَهُ بِأَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ وَبُنِيَتْ لَهُ بِأَرْضِ خُرَاسَانَ مَدِينَةُ بَلْخَ وَسَمَّاهَا الْحَسْنَاءَ، وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وَقَوَّى مُلْكَهُ بِانْتِخَابِهِ الْجُنُودَ، وَعَمَّرَ الْأَرْضَ، وَجَبَى الْخَرَاجَ لِأَرْزَاقِ الْجُنْدِ. وَاشْتَدَّتْ شَوْكَةُ التُّرْكِ فِي زَمَانِهِ فَنَزَلَ مَدِينَةَ بَلْخَ لِقِتَالِهِمْ، وَكَانَ مَحْمُودًا عِنْدَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ شَدِيدَ الْقَمْعِ لِأَعْدَائِهِ الْمُجَاوِرِينَ لَهُ، شَدِيدَ التَّفَقُّدِ لِأَصْحَابِهِ، بَعِيدَ الْهِمَّةِ، عَظِيمَ الْبُنْيَانِ، وَشَقَّ عِدَّةَ أَنْهَارٍ، وَعَمَّرَ الْبِلَادَ وَحَمَلَ إِلَيْهِ مُلُوكُ الْهِنْدِ، وَالرُّومِ، وَالْمَغْرِبِ الْخَرَاجَ، وَكَاتَبُوهُ بِالتَّمْلِيكِ هَيْبَةً لَهُ وَحَذَرًا مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّهُ تَنَسَّكَ، وَفَارَقَ الْمُلْكَ، وَاشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ، وَاسْتَخْلَفَ ابْنَهُ بَشْتَاسِبَ فِي الْمُلْكِ، وَكَانَ مُلْكُهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ بَشْتَاسِبُ، وَفِي أَيَّامِهِ ظَهَرَ زَرَادُشْتُ بْنُ سَقِيمَانَ الَّذِي ادَّعَى
النُّبُوَّةَ وَتَبِعَهُ الْمَجُوسُ. وَكَانَ زَرَادُشْتُ فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ يَخْدُمُ لِبَعْضِ تَلَامِذَةِ إِرْمِيَا النَّبِيِّ خَاصًّا بِهِ، فَخَانَهُ وَكَذَبَ عَلَيْهِ، فَدَعَا اللَّهَ عَلَيْهِ فَبَرِصَ وَلَحِقَ بِبِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ وَشَرَّعَ بِهَا دِينَ الْمَجُوسِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنَ الْعَجَمِ. وَصَنَّفَ كِتَابًا وَطَافَ بِهِ الْأَرْضَ، فَمَا عَرَفَ أَحَدٌ مَعْنَاهُ، وَزَعَمَ أَنَّهَا لُغَةٌ سَمَاوِيَّةٌ خُوطِبَ بِهَا، وَسَمَّاهُ: أَشْتَا، فَسَارَ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى فَارِسَ، فَلَمْ يَعْرِفُوا مَا فِيهِ وَلَمْ يَقْبَلُوهُ، فَسَارَ إِلَى الْهِنْدِ وَعَرَضَهُ عَلَى مُلُوكِهَا، ثُمَّ أَتَى الصِّينَ وَالتُّرْكَ فَلَمْ يَقْبَلْهُ أَحَدٌ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ بِلَادِهِمْ، وَقَصَدَ فَرْغَانَةَ، فَأَرَادَ مَلِكُهَا أَنْ يَقْتُلَهُ فَهَرَبَ مِنْهَا وَقَصَدَ بَشْتَاسِبَ بْنَ لَهْرَاسِبَ، فَأَمَرَ بِحَبْسِهِ، فَحُبِسَ مُدَّةً. وَشَرَحَ زَرَادُشْتُ كِتَابَهُ وَسَمَّاهُ: زَنْدَ، وَمَعْنَاهُ: التَّفْسِيرُ، ثُمَّ شَرَحَ الزَّنْدَ بِكِتَابٍ سَمَّاهُ: بَازَنْدَ، يَعْنِي: تَفْسِيرَ التَّفْسِيرِ. وَفِيهِ عُلُومٌ مُخْتَلِفَةٌ كَالرِّيَاضِيَّاتِ، وَأَحْكَامِ النُّجُومِ، وَالطِّبِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ الْقُرُونِ الَمَاضِيَةِ وَكُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ. وَفِي كِتَابِهِ: تَمَسَّكُوا بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ إِلَى أَنْ يَجِيئَكُمْ صَاحِبُ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ، يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ عَلَى أَلْفِ سَنَةٍ وَسِتِّمِائَةِ سَنَةٍ. وَبِسَبَبِ ذَلِكَ وَقَعَتِ الْبَغْضَاءُ بَيْنَ الْمَجُوسِ وَالْعَرَبِ. ثُمَّ يَذْكُرُ عِنْدَ أَخْبَارِ سَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِغَزْوِهِ الْعَرَبَ هَذَا الْقَوْلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ إِنَّ بَشْتَاسِبَ أَحْضَرَ زَرَادُشْتَ، وَهُوَ بِبَلْخَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ شَرَّعَ لَهُ دِينَهُ، فَأَعْجَبَهُ وَاتَّبَعَهُ وَقَهَرَ النَّاسَ عَلَى اتِّبَاعِهِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا حَتَّى قَبِلُوهُ وَدَانُوا بِهِ.
وَأَمَّا الْمَجُوسُ فَيَزْعُمُونَ أَنَّ أَصْلَهُ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ، وَأَنَّهُ نَزَلَ عَلَى الْمَلِكِ مِنْ سَقْفِ إِيوَانِهِ، وَبِيَدِهِ كُبَّةٌ مِنْ نَارٍ يَلْعَبُ بِهَا وَلَا تَحْرِقُهُ، وَكُلُّ مَنْ أَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ لَمْ تَحْرِقْهُ، وَأَنَّهُ اتَّبَعَهُ الْمَلِكُ، وَدَانَ بِدِينِهِ، وَبَنَى بُيُوتَ النِّيرَانِ فِي الْبِلَادِ، وَأَشْعَلَ مِنْ تِلْكَ النَّارِ فِي بُيُوتِ النِّيرَانِ، فَيَزْعُمُونَ أَنَّ النِّيرَانَ الَّتِي فِي بُيُوتِ عِبَادَاتِهِمْ مِنْ تِلْكَ إِلَى الْآنَ. وَكَذَبُوا فَإِنَّ النَّارَ الَّتِي لِلْمَجُوسِ طُفِئَتْ فِي جَمِيعِ الْبُيُوتِ لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَكَانَ ظُهُورُ زَرَادُشْتَ بَعْدَ مُضِيِّ ثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ بَشْتَاسِبَ، وَأَتَاهُ بِكِتَابٍ زَعَمَ أَنَّهُ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكُتِبَ فِي جِلْدِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ بَقَرَةٍ حَفْرًا وَنَقْشًا بِالذَّهَبِ، فَجَعَلَهُ بَشْتَاسِبُ فِي مَوْضِعٍ بِإِصْطَخْرَ وَمَنَعَ مِنْ تَعْلِيمِهِ الْعَامَّةَ. وَكَانَ بَشْتَاسِبُ وَآبَاؤُهُ قَبْلَهُ يَدِينُونَ بِدِينِ الصَّابِئَةِ. وَسَيَرِدُ بَاقِي أَخْبَارِهِ.
ذكر مسير بختنصر إلى بني إسرائيل
[ذِكْرُ مَسِيرِ بُخْتُنَصَّرَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ] قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أُرْسِلَ فِيهِ بُخْتُنَصَّرُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقِيلَ: كَانَ فِي عَهْدِ إِرْمِيَا النَّبِيِّ، وَدَانْيَالَ، وَحَنَانِيَا، وَعَزَارِيَا، وَمِيَشَائِيلَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا قَتَلُوا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا. وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ. وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِ بُخْتُنَصَّرَ مَا ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} [الإسراء: 5] . قَالَ: أَيْ رَبِّ، أَرِنِي هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي جَعَلْتَ هَلَاكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى يَدِهِ، فَأُرِي فِي الْمَنَامِ مِسْكِينًا يُقَالُ لَهُ بُخْتُنَصَّرُ بِبَابِلَ فَسَارَ عَلَى سَبِيلِ التِّجَارَةِ إِلَى بَابِلَ، وَجَعَلَ يَدْعُو الْمَسَاكِينَ وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ حَتَّى دَلُّوهُ عَلَى بُخْتُنَصَّرَ، فَأَرْسَلَ مَنْ يُحْضِرُهُ، فَرَآهُ صُعْلُوكًا مَرِيضًا فَقَامَ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ يُعَالِجُهُ حَتَّى بَرَأَ، فَلَمَّا بَرَأَ أَعْطَاهُ نَفَقَةً وَعَزَمَ عَلَى السَّفَرِ، فَقَالَ لَهُ بُخْتُنَصَّرُ وَهُوَ يَبْكِي: فَعَلْتَ مَعِي مَا فَعَلْتَ وَلَا أَقْدِرُ عَلَى مُجَازَاتِكَ! قَالَ
الْإِسْرَائِيلِيُّ: بَلَى تَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ تَكْتُبُ لِي كِتَابًا إِنْ مَلَكْتَ أَطْلَقْتَنِي. فَقَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ بِي؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هَذَا أَمْرٌ لَا مَحَالَةَ كَائِنٌ. ثُمَّ إِنَّ مَلِكَ الْفُرْسِ أَحَبَّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى أَحْوَالِ الشَّامِ، فَأَرْسَلَ إِنْسَانًا يَثِقُ بِهِ لِيَتَعَرَّفَ لَهُ أَخْبَارَ وَحَالَ مَنْ فِيهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ بُخْتُنَصَّرُ فَقِيرٌ لَمْ يَخْرُجْ إِلَّا لِلْخِدْمَةِ. فَلَمَّا قَدِمَ الشَّامَ رَأَى أَكْبَرَ بِلَادِ اللَّهِ خَيْلًا، وَرِجَالًا، وَسِلَاحًا، فَفَتَّ ذَلِكَ فِي ذَرْعِهِ، فَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ شَيْءٍ، وَجَعَلَ بُخْتُنَصَّرُ يَجْلِسُ مَجَالِسَ أَهْلِ الشَّامِ فَيَقُولُ لَهُمْ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَغْزُوا بَابِلَ، فَلَوْ غَزَوْتُمُوهَا مَا دُونَ بَيْتِ مَالِهَا شَيْءٌ! فَكُلُّهُمْ يَقُولُ لَهُ: لَا نُحْسِنُ الْقِتَالَ، وَلَا نَرَاهُ فَلَمَّا عَادُوا أَخْبَرَ الطَّلِيعَةُ بِمَا رَأَوْا مِنَ الرِّجَالِ وَالسِّلَاحِ وَالْخَيْلِ، وَأَرْسَلَ بُخْتُنَصَّرُ إِلَى الْمَلِكِ يَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يُحْضِرَهُ لِيُعَرِّفَهُ جَلِيَّةَ الْحَالِ، فَأَحْضَرَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ جَمِيعُهُ، ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ عَسْكَرًا إِلَى الشَّامِ أَرْبَعَةَ آلَافِ رَاكِبِ جَرِيدَةً، وَاسْتَشَارَ فِيمَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ، فَأَشَارُوا بِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: لَا بَلْ بُخْتُنَصَّرُ، فَجَعَلَهُ عَلَيْهِمْ. فَسَارُوا فَغَنِمُوا وَأَوْقَعُوا بِبَعْضِ الْبِلَادِ وَعَادُوا سَالِمِينَ. ثُمَّ إِنَّ لَهْرَاسِبَ اسْتَعْمَلَهُ إِصْبَهْبَذًا عَلَى مَا بَيْنَ الْأَهْوَازِ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ مِنْ غَرْبِيِّ دِجْلَةَ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي مَسِيرِهِ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ لَمَّا اسْتَعْمَلَهُ لَهْرَاسِبُ كَمَا ذَكَرْنَا سَارَ إِلَى الشَّامِ فَصَالَحَهُ أَهْلُ دِمَشْقَ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَعَادَ عَنْهُمْ وَأَخَذَ رَهَائِنَهُمْ، فَلَمَّا عَادَ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى طَبَرِيَّةَ وَثَبَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى مَلِكِهِمُ الَّذِي صَالَحَ بُخْتُنَصَّرَ فَقَتَلُوهُ، وَقَالُوا: دَاهَنْتَ أَهْلَ بَابِلَ وَخَذَلْتَنَا، فَلَمَّا سَمِعَ بُخْتُنَصَّرُ بِذَلِكَ قَتَلَ الرَّهَائِنَ الَّذِينَ مَعَهُ وَعَادَ إِلَى الْقُدْسِ فَأَخْرَبَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ إِنَّمَا كَانَ الْمَلِكَ بَهْمَنَ بْنَ بَشْتَاسِبَ بْنِ لَهْرَاسِبَ، وَكَانَ بُخْتُنَصَّرُ قَدْ خَدَمَ جَدَّهُ، وَأَبَاهُ، وَخَدَمَهُ، وَعُمِّرَ عُمُرًا طَوِيلًا. فَأَرْسَلَ بَهْمَنُ رُسُلًا إِلَى مَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَتَلَهُمُ الْإِسْرَائِيلِيُّ، فَغَضِبَ بَهْمَنُ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَعْمَلَ
بُخْتُنَصَّرَ عَلَى أَقَالِيمِ بَابِلَ وَسَيَّرَهُ فِي الْجُنُودِ الْكَثِيرَةِ، فَعَمِلَ بِهِمْ مَا نَذْكُرُهُ. هَذِهِ الْأَسْبَابُ الظَّاهِرَةُ، وَإِنَّمَا السَّبَبُ الْكُلِّيُّ الَّذِي أَحْدَثَ هَذِهِ الْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِلِانْتِقَامِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُوَ مَعْصِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَمُخَالَفَةُ أَوَامِرِهِ، وَكَانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ إِذَا مَلَّكَ عَلَيْهِمْ مَلِكًا أَرْسَلَ مَعَهُ نَبِيًّا يُرْشِدُهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ. فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ مَسِيرِ بُخْتُنَصَّرَ إِلَيْهِمْ كَثُرَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ وَالْمَعَاصِي، وَكَانَ الْمَلِكُ فِيهِمْ يَقُونِيَا بْنُ يُويَاقِيمَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ إِرْمِيَا، قِيلَ: هُوَ الْخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَأَقَامَ فِيهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمَعَاصِي وَيَذْكُرُ لَهُمْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِإِهْلَاكِ سَنْحَارِيبَ، فَلَمْ يَرْعَوُوا، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُحَذِّرَهُمْ عُقُوبَتَهُ وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُرَاجِعُوا الطَّاعَةَ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مَنْ يَقْتُلُهُمْ وَيَسْبِي ذَرَارِيَّهُمْ وَيُخَرِّبُ مَدْيَنَتَهُمْ، وَيَسْتَعْبِدُهُمْ وَيَأْتِيهِمْ بِجُنُودٍ يَنْزِعُ مِنْ قُلُوبِهِمُ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ، فَلَمْ يُرَاجِعُوهَا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ: لَأُقَيِّضَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَذَرُ الْحَلِيمَ حَيْرَانَ فِيهَا وَيَضِلُّ فِيهَا رَأْيُ ذِي الرَّأْي، وَحِكْمَةُ الْحَكِيمِ، وَلَأُسَلِّطَنَّ عَلَيْهِمْ جَبَّارًا قَاسِيًا عَاتِبًا أُلْبِسُهُ الْهَيْبَةَ وَأَنْزِعُ مِنْ صَدْرِهِ الرَّحْمَةَ، يَتْبَعُهُ عَدَدٌ مِثْلُ سَوَادِ اللَّيْلِ، وَعَسَاكِرُ مِثْلُ قِطَعِ السَّحَابِ، يُهْلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَنْتَقِمُ مِنْهُمْ وَيُخَرِّبُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. فَلَمَّا سَمِعَ إِرْمِيَا ذَلِكَ صَاحَ وَبَكَى وَشَقَّ ثِيَابَهُ. وَجَعَلَ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِهِ وَتَضَرَّعَ إِلَى اللَّهِ فِي رَفْعِ ذَلِكَ عَنْهُمْ فِي أَيَّامِهِ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: وَعِزَّتِي لَا أُهْلِكُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَكُونَ الْأَمْرُ مِنْ قِبَلِكَ ذَلِكَ. فَفَرِحَ إِرْمِيَا، وَقَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُوسَى وَأَنْبِيَاءَهُ بِالْحَقِّ لَا آمُرُ بِهَلَاكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبَدًا. وَأَتَى مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَعْلَمَهُ بِمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ، فَاسْتَبْشَرَ وَفَرِحَ، ثُمَّ لَبِثُوا بَعْدَ هَذَا الْوَحْيِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَلَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا مَعْصِيَةً وَتَمَادِيًا فِي الشَّرِّ، وَذَلِكَ حِينَ اقْتَرَبَ هَلَاكُهُمْ،
فَقَلَّ الْوَحْيُ حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا هُمْ يَتَذَكَّرُونَ. فَقَالَ لَهُمْ مَلِكُهُمْ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، انْتَهُوا عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمْ عَذَابُ اللَّهِ! فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَأَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِ بُخْتُنَصَّرَ أَنْ يَسِيرَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَسَارَ فِي الْعَسَاكِرِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي تَمْلَأُ الْفَضَاءَ. وَبَلَغَ مَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْخَبَرُ، فَاسْتَدْعَى إِرْمِيَا النَّبِيَّ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ قَالَ لَهُ: يَا إِرْمِيَا، أَيْنَ مَا زَعَمَتْ أَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى إِلَيْكَ أَنْ لَا يُهْلِكَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ حَتَّى يَكُونَ الْأَمْرُ مِنْكَ؟ فَقَالَ إِرْمِيَا: إِنَّ رَبِّي لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَأَنَا بِهِ وَاثِقٌ. فَلَمَّا قَرُبَ الْأَجَلُ وَدَنَا انْقِطَاعُ مُلْكِهِمْ، وَأَرَادَ اللَّهُ إِهْلَاكَهُمْ أَرْسَلَ اللَّهُ مَلَكًا فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ إِلَى إِرْمِيَا، وَقَالَ لَهُ: اسْتَفْتِهِ، فَأَتَاهُ، وَقَالَ لَهُ: يَا إِرْمِيَا، أَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَسْتَفْتِيكَ فِي ذَوِي رَحِمِي، وَصَلْتُ أَرْحَامَهُمْ بِمَا أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ وَأَتَيْتُ لَهُمْ حَسَنًا، وَكَرَامَةً فَلَا تَزِيدُهُمْ كَرَامَتِي إِيَّاهُمْ إِلَّا سُخْطًا لِي وَسُوءَ سِيرَةٍ مَعِي فَأَفْتِنِي فِيهِمْ. فَقَالَ لَهُ: أَحْسِنْ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ وَصِلْ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ أَنْ تَصِلَهُ. فَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمَلَكُ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ بَعْدَ أَيَّامٍ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ، فَقَالَ لَهُ إِرْمِيَا: أَمَا طَهُرَتْ أَخْلَاقُهُمْ وَمَا رَأَيْتَ مِنْهُمْ مَا تُرِيدُ؟ فَقَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَعْلَمُ كَرَامَةً يَأْتِيهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى ذَوِي رَحِمِهِ إِلَّا وَقَدْ أَتَيْتُهَا إِلَيْهِمْ، وَأَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا سُوءَ سِيرَةٍ. فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ، وَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ. فَقَامَ الْمَلَكُ مِنْ عِنْدِهِ فَلَبِثَ أَيَّامًا، وَنَزَلَ بُخْتُنَصَّرُ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِأَكْثَرَ مِنَ الْجَرَادِ، فَفَزِعَ مِنْهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ مَلِكُهُمْ لِإِرْمِيَا: أَيْنَ مَا وَعَدَكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي بِرَبِّي وَاثِقٌ. ثُمَّ إِنَّ الْمَلَكَ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ يَسْتَفْتِي إِرْمِيَا عَادَ إِلَيْهِ وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى جِدَارِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَشَكَا أَهْلَهُ وَجَوْرَهُمْ وَقَالَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كُلُّ شَيْءٍ كُنْتُ أَصْبِرُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْيَوْمِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِيهِ سُخْطِي، وَقَدْ رَأَيْتُهُمُ الْيَوْمَ عَلَى عَمَلٍ عَظِيمٍ مِنْ سُخْطِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَوْ كَانُوا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ الْيَوْمَ لَمْ يَشْتَدَّ عَلَيْهِ غَضَبِي، وَإِنَّمَا غَضِبْتُ الْيَوْمَ لِلَّهِ وَأَتَيْتُكَ لِأُخْبِرَكَ خَبَرَهُمْ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِلَّا مَا دَعَوْتَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَهْلِكُوا. فَقَالَ إِرْمِيَا: يَا مَلِكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنْ كَانُوا عَلَى حَقٍّ وَصَوَابٍ فَأَبْقِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى سُخْطِكَ وَعَمَلٍ لَا تَرْضَاهُ فَأَهْلِكْهُمْ. فَلَمَّا خَرَجَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ فِيهِ أَرْسَلَ اللَّهُ صَاعِقَةً مِنَ السَّمَاءِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالْتَهَبَ مَكَانُ الْقُرْبَانِ وَخُسِفَ بِسَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إِرْمِيَا صَاحَ وَشَقَّ ثِيَابَهُ وَنَبَذَ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ: يَا مَلِكَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ! أَيْنَ مِيعَادُكَ، أَيَا رَبِّ، الَّذِي وَعَدْتَنِي بِهِ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَهُمْ إِلَّا بِفُتْيَاكَ الَّتِي أَفْتَيْتَ رَسُولَنَا، فَاسْتَيْقَنَ أَنَّهَا فُتْيَاهُ وَأَنَّ السَّائِلَ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَخَرَجَ إِرْمِيَا حَتَّى خَالَطَ الْوَحْشَ. وَدَخَلَ بُخْتُنَصَّرُ وَجُنُودُهُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَوَطِئَ الشَّامَ وَقَتَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى أَفْنَاهُمْ، وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَأَمَرَ جُنُودَهُ، فَحَمَلُوا التُّرَابَ وَأَلْقَوْهُ فِيهِ حَتَّى مَلَئُوهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى بَابِلَ وَأَخَذَ مَعَهُ سَبَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَمَرَهُمْ فَجَمَعُوا مَنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ كُلَّهُمْ، فَاجْتَمَعُوا وَاخْتَارَ مِنْهُمْ مِائَةَ أَلْفِ صَبِيٍّ فَقَسَمَهُمْ عَلَى الْمُلُوكِ وَالْقُوَّادِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، وَكَانَ مِنْ أُولَئِكَ الْغِلْمَانِ دَانْيَالُ النَّبِيُّ، وَحَنَانِيَا، وَعَزَارِيَا، وَمِيشَائِيلُ، وَقَسَّمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثَلَاثَ فِرَقٍ، فَقَتَلَ ثُلُثًا، وَأَقَرَّ بِالشَّامِ ثُلُثًا، وَسَبَى ثُلُثًا، ثُمَّ عَمَّرَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِرْمِيَا، فَهُوَ الَّذِي رُئِيَ بِفَلَوَاتِ الْأَرْضِ وَالْبُلْدَانِ. ثُمَّ إِنَّ بُخْتُنَصَّرَ عَادَ إِلَى بَابِلَ وَأَقَامَ فِي سُلْطَانِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ. ثُمَّ رَأَى رُؤْيَا، فَبَيْنَمَا هُوَ قَدْ أَعْجَبَهُ مَا رَأَى إِذْ رَأَى شَيْئًا أَنْسَاهُ مَا رَأَى، فَدَعَا دَانْيَالَ، وَحَنَانِيَا، وَعَزَارِيَا، وَمِيشَائِيلَ، وَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ رُؤْيَا رَأَيْتُهَا فَأُنْسِيتُهَا. وَلَئِنْ لَمْ تُخْبِرُونِي بِهَا وَبِتَأْوِيلِهَا لَأَنْزِعَنَّ أَكْتَافَكُمْ! فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ وَدَعَوُا اللَّهَ وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُعْلِمَهُمْ إِيَّاهَا، فَأَعْلَمَهُمُ الَّذِي سَأَلَهُمْ عَنْهُ، فَجَاءُوا إِلَى بُخْتُنَصَّرَ فَقَالُوا رَأَيْتَ تِمْثَالًا. قَالَ: صَدَقْتُمْ. قَالُوا: قَدَمَاهُ، وَسَاقَاهُ مِنْ فَخَّارٍ، وَرُكْبَتَاهُ وَفَخِذَاهُ مِنْ نُحَاسٍ، وَبَطْنُهُ مِنْ فِضَّةٍ، وَصَدْرُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَرَأْسُهُ وَعُنُقُهُ مِنْ حَدِيدٍ، فَبَيْنَمَا أَنْتَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ قَدْ أَعْجَبَكَ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ صَخْرَةً مِنَ السَّمَاءِ فَدَقَّتْهُ، وَهِيَ الَّتِي أَنْسَتْكَ الرُّؤْيَا! قَالَ: صَدَقْتُمْ، فَمَا تَأْوِيلُهَا؟ قَالُوا: أُرِيتَ مُلْكَ الْمُلُوكِ، وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَلْيَنَ مُلْكًا مِنْ بَعْضٍ، وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَحْسَنَ مُلْكًا مِنْ بَعْضٍ، وَبَعْضُهُمْ أَشَدَّ، وَكَانَ أَوَّلَ الْمُلْكِ الْفَخَّارُ، وَهُوَ أَضْعَفُهُ وَأَلْيَنُهُ، ثُمَّ كَانَ فَوْقَهُ النُّحَاسُ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَشَدُّ، ثُمَّ كَانَ فَوْقَ النُّحَاسِ الْفِضَّةُ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ وَأَحْسَنُ، ثُمَّ كَانَ فَوْقَهَا الذَّهَبُ، وَهُوَ أَحْسَنُ مِنَ الْفِضَّةِ وَأَفْضَلُ، ثُمَّ كَانَ الْحَدِيدُ، وَهُوَ مُلْكُكَ، فَهُوَ أَشَدُّ الْمُلُوكِ وَأَعَزُّ، وَكَانَتِ الصَّخْرَةُ الَّتِي رَأَيْتَ قَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ فَدَقَّتْ ذَلِكَ جَمِيعَهُ نَبِيًّا يَبْعَثُهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ وَيَصِيرُ الْأَمْرُ إِلَيْهِ. فَلَمَّا عَبَرَ دَانْيَالُ وَمَنْ مَعَهُ رُؤْيَا بُخْتُنَصَّرَ قَرَّبَهُمْ وَأَدْنَاهُمْ وَاسْتَشَارَهُمْ فِي أَمْرِهِ،
فَحَسَدَهُمْ أَصْحَابُهُ، وَسَعَوْا بِهِمْ إِلَيْهِ، وَقَالُوا عَنْهُمْ مَا أَوْحَشَهُ مِنْهُمْ فَأَمَرَ، فَحُفِرَ لَهُمْ أُخْدُودٌ، وَأَلْقَاهُمْ فِيهِ، وَهُمْ سِتَّةُ رِجَالٍ، وَأَلْقَى مَعَهُمْ سَبُعًا ضَارِيًا لِيَأْكُلَهُمْ، ثُمَّ قَالَ أَصْحَابُ بُخْتُنَصَّرَ: انْطَلِقُوا فَلْنَأْكُلْ وَلْنَشْرَبْ، فَذَهَبُوا فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا، ثُمَّ رَاحُوا فَوَجَدُوهُمْ جُلُوسًا وَالسَّبُعُ مُفْتَرِشٌ ذِرَاعَيْهِ بَيْنَهُمْ لَمْ يَخْدِشْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَوَجَدُوا مَعَهُمْ رَجُلًا سَابِعًا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ السَّابِعُ، وَكَانَ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَلَطَمَ بُخْتُنَصَّرَ لَطْمَةً فَمَسَخَهُ وَصَارَ فِي الْوَحْشِ فِي صُورَةِ أَسَدٍ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَعْقِلُ مَا يَعْقِلُهُ الْإِنْسَانُ، ثُمَّ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى صُورَةِ الْإِنْسِ وَأَعَادَ عَلَيْهِ مُلْكَهُ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى مُلْكِهِ كَانَ دَانْيَالُ وَأَصْحَابُهُ أَكْرَمَ النَّاسِ عَلَيْهِ، فَعَادَ الْفُرْسُ وَسَعَوْا بِهِمْ إِلَى بُخْتُنَصَّرَ، وَقَالُوا لَهُ فِي سِعَايَتِهِمْ: إِنَّ دَانْيَالَ إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ كَثْرَةِ الْبَوْلِ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَارًا، فَصَنَعَ لَهُمْ بُخْتُنَصَّرُ طَعَامًا وَأَحْضَرَهُ عِنْدَهُ وَقَالَ لِلْبَوَّابِ: انْظُرْ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ لِيَبُولَ فَاقْتُلْهُ، وَإِنْ قَالَ لَكَ: أَنَا بُخْتُنَصَّرُ، فَقُلْ لَهُ: كَذَبْتَ، بُخْتُنَصَّرُ أَمَرَنِي بِقَتْلِكَ وَاقْتُلْهُ. فَحَبَسَ اللَّهُ عَنْ دَانْيَالَ الْبَوْلَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَامَ مِنَ الْجَمْعِ بُخْتُنَصَّرُ فَقَامَ مُدِلًّا أَنَّهُ الْمَلِكُ، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلًا، فَلَمَّا رَآهُ الْبَوَّابُ شَدَّ عَلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا بُخْتُنَصَّرُ! فَقَالَ: كَذَبْتَ، بُخْتُنَصَّرُ أَمَرَنِي بِقَتْلِكَ، وَقَتَلَهُ. وَقِيلَ فِي سَبَبِ قَتْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ عَلَيْهِ بَعُوضَةً فَدَخَلَتْ فِي مِنْخَرِهِ وَصَعِدَتْ إِلَى رَأْسِهِ، فَكَانَ لَا يَقَرُّ وَلَا يَسْكُنُ حَتَّى يُدَقَّ رَأْسُهُ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِأَهْلِهِ: شُقُّوا رَأْسِي فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي قَتَلَنِي، فَلَمَّا مَاتَ شَقُّوا رَأْسَهُ فَوَجَدُوا الْبَعُوضَةَ بِأُمِّ رَأْسِهِ، لِيُرِيَ اللَّهُ الْعِبَادَ قُدْرَتَهُ وَسُلْطَانَهُ وَضَعْفَ بُخْتُنَصَّرَ، لَمَّا تَجَبَّرَ قَتَلَهُ بِأَضْعَفِ مَخْلُوقَاتِهِ، تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. وَأَمَّا دَانْيَالُ فَإِنَّهُ أَقَامَ بِأَرْضِ بَابِلَ، وَانْتَقَلَ عَنْهَا، وَمَاتَ وَدُفِنَ بِالسُّوسِ مِنْ أَعْمَالِ خُوزِسْتَانَ.
وَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَ بُخْتُنَصَّرُ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّهُ عَاشَ بَعْدَ تَخْرِيبِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ أُولْمَرْدَجُ، فَلَمَّا مَلَكَ تَخَلَّطَ فِي أَمْرِهِ، فَعَزَلَهُ مَلِكُ الْفُرْسِ حِينَئِذٍ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَاسْتَعْمَلَ بَعْدَهُ دَارِيُوشَ عَلَى بَابِلَ، وَالشَّامِ، وَبَقِيَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ عَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ أَخْشُوِيرَشَ، فَبَقِيَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ كِيرَشُ الْعِلْمِيُّ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ تَعَلَّمَ التَّوْرَاةَ وَدَانَ بِالْيَهُودِيَّةِ، وَفَهِمَ عَنْ دَانْيَالَ وَمَنْ مَعَهُ مِثْلَ حَنَانِيَا، وَعَزَارِيَا، وَغَيْرِهِمَا، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي الْخُرُوجِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: لَوْ كَانَ بَقِيَ مِنْكُمْ أَلْفُ نَبِيٍّ مَا فَارَقْتُكُمْ، وَوَلَّى دَانْيَالَ الْقَضَاءَ وَجَعَلَ إِلَيْهِ جَمِيعَ أَمْرِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقَسِّمَ مَا غَنِمَهُ بُخْتُنَصَّرُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُ بِعِمَارَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَعُمِّرَ فِي أَيَّامِهِ، وَعَادَ إِلَيْهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ. وَهَذِهِ الْمُدَّةُ لِهَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ مَعْدُودَةٌ مِنْ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَنْسُوبَةٌ إِلَى بُخْتُنَصَّرَ، وَكَانَ مُلْكُ كِيرَشَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي أَمَرَ بِعَوْدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الشَّامِ بَشْتَاسِبُ بْنُ لَهْرَاسِبَ، وَكَانَ قَدْ
بَلَغَهُ خَرَابُ بِلَادِ الشَّامِ، وَأَنَّهَا لَمْ يَبْقَ مِنْهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَحَدٌ فَنَادَى فِي أَرْضِ بَابِلَ: مَنْ شَاءَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الشَّامِ فَلْيَرْجِعْ. وَمَلَّكَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ آلِ دَاوُدَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَمِّرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَجَعُوا وَعَمَّرُوهُ. وَكَانَ إِرْمِيَا بْنُ خِلْقِيَا مِنْ سِبْطِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ، فَلَمَّا وَطِئَ بُخْتُنَصَّرُ الشَّامَ وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَقَتَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَسَبَاهُمْ، فَارَقَ الْبِلَادَ وَاخْتَلَطَ بِالْوَحْشِ، فَلَمَّا عَادَ بُخْتُنَصَّرُ إِلَى بَابِلَ أَقْبَلَ إِرْمِيَا عَلَى حِمَارٍ لَهُ مَعَهُ عَصِيرُ عِنَبٍ وَفِي يَدِهِ سَلَّةُ تِينٍ فَرَأَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ خَرَابًا، فَقَالَ: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ} [البقرة: 259] ثُمَّ أَمَاتَ حِمَارَهُ، وَأَعْمَى عَنْهُ الْعُيُونَ، فَلَمَّا انْعَمَرَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ أَحْيَا اللَّهُ مِنْ إِرْمِيَا عَيْنَيْهِ، ثُمَّ أَحْيَا جَسَدَهُ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ لَهُ: {كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [البقرة: 259] . قِيلَ: {بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة: 259]- وَيَتَغَيَّرُ {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} [البقرة: 259] فَنَظَرَ إِلَى عِظَامِ حِمَارِهِ وَهِيَ تَجْتَمِعُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ كُسِيَ لَحْمًا، ثُمَّ قَامَ حَيًّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَنَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهِيَ تُبْنَى، وَقَدْ كَثُرَ فِيهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ وَتَرَاجَعُوا إِلَيْهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَكَانَ عَهْدُهُمْ خَرَابًا، وَأَهْلُهَا مَا بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ، فَلَمَّا رَآهَا عَامِرَةً {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259] . وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي أَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ أَحْيَاهُ كَانَ عُزَيْرًا، فَلَمَّا عَاشَ قَصَدَ مَنْزِلَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى وَهْمٍ مِنْهُ فَرَأَى عِنْدَهُ عَجُوزًا عَمْيَاءَ زَمِنَةً كَانَتْ جَارِيَةً لَهُ، وَلَهَا مِنَ الْعُمُرِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَقَالَ لَهَا: هَذَا مَنْزِلُ عُزَيْرٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَبَكَتْ وَقَالَتْ: مَا أَرَى أَحَدًا يَذْكُرُ عُزَيْرًا غَيْرَكَ! فَقَالَ: أَنَا عُزَيْرٌ. فَقَالَتْ: إِنَّ عُزَيْرًا كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، فَادْعُ اللَّهَ لِي بِالْعَافِيَةِ، فَدَعَا لَهَا فَعَادَ بَصَرُهَا وَقَامَتْ وَمَشَتْ، فَلَمَّا رَأَتْهُ عَرَفَتْهُ. وَكَانَ لِعُزَيْرٍ وَلَدٌ وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ مِائَةٌ وَثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَهُ أَوْلَادٌ شُيُوخٌ، فَذَهَبَتْ
إِلَيْهِمُ الْجَارِيَةُ وَأَخْبَرَتْهُمْ بِهِ، فَجَاءُوا، فَلَمَّا رَأَوْهُ عَرَفَهُ ابْنُهُ بِشَامَةٍ كَانَتْ فِي ظَهْرِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ عُزَيْرًا كَانَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْعِرَاقِ، فَعَادَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَجَدَّدَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ التَّوْرَاةَ لِأَنَّهُمْ عَادُوا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمُ التَّوْرَاةُ لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ أُخِذَتْ فِيمَا أُخِذَ وَأُحْرِقَتْ وَعُدِمَتْ، وَكَانَ عُزَيْرٌ قَدْ أُخِذَ مَعَ السَّبْيِ، فَلَمَّا عَادَ عُزَيْرٌ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَعَلَ يَبْكِي لَيْلًا نَهَارًا وَانْفَرَدَ عَنِ النَّاسِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ فِي حُزْنِهِ إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، وَهُوَ جَالِسٌ، فَقَالَ: يَا عُزَيْرُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: أَبْكِي لِأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ وَعَهْدَهُ كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَعُدِمَ. قَالَ: فَتُرِيدُ أَنْ يَرُدَّهُ اللَّهُ عَلَيْكَمْ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَارْجِعْ، وَصُمْ، وَتَطَهَّرْ، وَالْمِيعَادُ بَيْنَنَا غَدًا هَذَا الْمَكَانُ. فَفَعَلَ عُزَيْرٌ ذَلِكَ وَأَتَى الْمَكَانَ فَانْتَظَرَهُ، وَأَتَاهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ، وَكَانَ مَلَكًا بَعَثَهُ اللَّهُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، فَسَقَاهُ مِنْ ذَلِكَ الْإِنَاءِ، فَتَمَثَّلَتِ التَّوْرَاةُ فِي صَدْرِهِ، فَرَجَعَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَوَضَعَ لَهُمُ التَّوْرَاةَ يَعْرِفُونَهَا بِحَلَالِهَا وَحَرَامِهَا وَحُدُودِهَا، فَأَحَبُّوهُ حُبًّا شَدِيدًا لَمْ يُحِبُّوا شَيْئًا قَطُّ مِثْلَهُ، وَأَصْلَحَ أَمَرَهُمْ، وَأَقَامَ عُزَيْرٌ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ عَلَى ذَلِكَ، وَحَدَثَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وَلَمْ يَزَلْ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَعَادُوا وَكَثُرُوا حَتَّى غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الرُّومُ زَمَنَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَمْرِ بُخْتُنَصَّرَ، وَعِمَارَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا تَرَكْنَا ذِكْرَهُ اخْتِصَارًا. ذِكْرُ غَزْوِ بُخْتُنَصَّرَ الْعَرَبَ قِيلَ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى بَرْخِيَّا بْنِ حَنِيَّا يَأْمُرُهُ أَنْ يَقُولَ لَبُخْتُنَصَّرَ لِيَغْزُوَ الْعَرَبَ فَيَقْتُلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَيَسْبِيَ ذَرَارِيَّهُمْ، وَيَسْتَبِيحَ أَمْوَالَهُمْ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ. فَقَالَ بَرْخِيَّا لَبُخْتُنَصَّرَ مَا أُمِرَ بِهِ، فَابْتَدَأَ بِمَنْ فِي بِلَادِهِ مِنْ تُجَّارِ الْعَرَبِ فَأَخَذَهُمْ وَبَنَى لَهُمْ حَيْرًا
بِالنَّجَفِ وَحَبَسَهُمْ فِيهِ وَوَكَّلَ بِهِمْ، وَانْتَشَرَ الْخَبَرُ فِي الْعَرَبِ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ الطَّوَائِفُ مِنْهُمْ مُسْتَأْمِنِينَ، فَقَبِلَهُمْ وَعَفَا عَنْهُمْ فَأَنْزَلَهُمُ السَّوَادَ، فَابْتَنَوُا الْأَنْبَارَ وَخَلَّى عَنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ فَاتَّخَذُوهَا مَنْزِلًا حَيَاةَ بُخْتُنَصَّرَ. فَلَمَّا مَاتَ انْضَمُّوا إِلَى أَهْلِ الْأَنْبَارِ، وَهَذَا أَوَّلُ سُكْنَى الْعَرَبِ السَّوَادَ بِالْحِيرَةِ وَالْأَنْبَارِ. وَسَارَ إِلَى الْعَرَبِ بِنَجْدٍ وَالْحِجَازِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى بَرْخِيَّا وَإِرْمِيَا يَأْمُرُهُمَا أَنْ يَسِيرًا إِلَى مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ فَيَأْخُذَاهُ وَيَحْمِلَاهُ إِلَى حَرَّانَ، وَأَعْلَمَهُمَا أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ نَسْلِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي يَخْتِمُ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ، فَسَارَا تُطْوَى لَهُمَا الْمَنَازِلُ وَالْأَرْضُ حَتَّى سَبَقَا بُخْتُنَصَّرَ إِلَى مَعَدٍّ فَحَمَلَاهُ إِلَى حَرَّانَ فِي سَاعَتِهِمَا، وَلِمَعَدٍّ حِينَئِذٍ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَسَارَ بُخْتُنَصَّرُ فَلَقِيَ جُمُوعَ الْعَرَبِ فَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمَهُمْ وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَسَارَ إِلَى الْحِجَازِ فَجَمَعَ عَدْنَانُ الْعَرَبَ وَالْتَقَى هُوَ وَبُخْتُنَصَّرُ بِذَاتِ عِرْقٍ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ عَدْنَانُ وَتَبِعَهُ بُخْتُنَصَّرُ إِلَى حُصُونٍ هُنَاكَ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْعَرَبُ وَخَنْدَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَكَمَّنَ بُخْتُنَصَّرُ كَمِينًا، وَهُوَ أَوَّلُ كَمِينٍ عُمِلَ، وَأَخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ، فَنَادَوْهُ بِالْوَيْلِ، وَنَهَى عَدْنَانُ عَنْ بُخْتُنَصَّرَ، وَبُخْتُنَصَّرُ عَنْ عَدْنَانَ، فَافْتَرَقَا. فَلَمَّا رَجَعَ بُخْتُنَصَّرُ خَرَجَ مَعَدُّ بْنُ عَدْنَانَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَأَقَامَ أَعْلَامَهَا، وَحَجَّ مَعَهُ الْأَنْبِيَاءُ، وَخَرَجَ مَعَدٌّ حَتَّى أَتَى رَيْسُوتَ وَسَأَلَ عَمَّنْ بَقِيَ مَنْ وَلَدِ الْحَرْثِ بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيِّ، فَقِيلَ لَهُ: بَقِيَ جَوْشَمُ بْنُ جُلْهَمَةَ، فَتَزَوَّجَ مَعَدٌّ ابْنَتَهُ مُعَانَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ نِزَارَ بْنَ مَعَدٍّ.
ذكر بشتاسب والحوادث في ملكه وقتل أبيه لهراسب
[ذِكْرُ بَشْتَاسِبَ وَالْحَوَادِثِ فِي مُلْكِهِ وَقَتْلِ أَبِيهِ لَهْرَاسِبَ] لَمَّا مَلَكَ بَشْتَاسِبُ بْنُ لَهْرَاسِبَ ضَبَطَ الْمُلْكَ وَقَرَّرَ قَوَانِينَهُ وَابْتَنَى بِفَارِسَ مَدِينَةَ فَسَا وَرَتَّبَ سَبْعَةً مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ مَرَاتِبَ وَمَلَّكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَمْلَكَةً عَلَى قَدْرِ مَرْتَبَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى مَلِكِ التُّرْكِ، وَاسْمُهُ خُرْزَاسِفُ، وَهُوَ أَخُو أَفْرَاسِيَابَ، وَصَالَحَهُ، وَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِبَشْتَاسِبَ دَابَّةٌ وَاقِفَةٌ عَلَى بَابِ مَلِكِ التُّرْكِ لَا تَزَالُ عَلَى عَادَتِهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمُلُوكِ، فَلَمَّا جَاءَ زَرَادُشْتُ إِلَى بَشْتَاسِبَ وَاتَّبَعَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَشَارَ زَرَادُشْتُ عَلَى بَشْتَاسِبَ بِنَقْضِ الصُّلْحِ مَعَ مَلِكِ التُّرْكِ، وَقَالَ: أَنَا أُعَيِّنُ لَكَ طَالِعًا تَسِيرُ فِيهِ إِلَى الْحَرْبِ فَتَظْفَرُ، وَهَذَا أَوَّلُ وَقْتٍ وُضِعَتْ فِيهِ الِاخْتِيَارَاتُ لِلْمُلُوكِ بِالنُّجُومِ. وَكَانَ زَرَادُشْتُ عَالِمًا بِالنُّجُومِ جَيِّدَ الْمَعْرِفَةِ بِهَا، فَأَجَابَهُ بَشْتَاسِبُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى الدَّابَّةِ الَّتِي بِبَابِ مَلِكِ التُّرْكِ وَإِلَى الْمُوَكَّلِ بِهَا فَصَرَفَهُمَا، فَغَضِبَ مَلَكُ التُّرْكِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَتَهَدَّدُهُ وَيُنْكِرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَيَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِ زَرَادُشْتَ إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ غَزَاهُ وَقَتَلَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ بَشْتَاسِبُ كِتَابًا غَلِيظًا يُؤْذِنُهُ فِيهِ بِالْحَرْبِ، وَسَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ وَالْتَقَيَا، وَاقْتَتَلَا قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى التُّرْكِ، وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا. وَمَرُّوا مُنْهَزِمِينَ، وَعَادَ بَشْتَاسِبُ إِلَى بَلْخَ، وَعَظُمَ أَمْرُ زَرَادُشْتَ عِنْدَ الْفُرْسِ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ حَيْثُ كَانَ هَذَا الظَّفَرُ بِقَوْلِهِ. وَكَانَ أَعْظَمَ النَّاسِ غِنَاءً فِي هَذِهِ الْحَرْبِ إِسْفِنْدِيَارُ بْنُ بَشْتَاسِبَ، فَلَمَّا انْجَلَتِ
الْحَرْبُ سَعَى النَّاسُ بَيْنَ بَشْتَاسِبَ وَابْنِهِ إِسْفِنْدِيَارَ، وَقَالُوا: يُرِيدُ الْمُلْكَ لِنَفْسِهِ، فَنَدَبَهُ لِحَرْبٍ بَعْدَ حَرْبٍ، ثُمَّ أَخَذَهُ وَحَبَسَهُ مُقَيَّدًا. ثُمَّ إِنَّ بَشْتَاسِبَ سَارَ إِلَى نَاحِيَةِ كَرْمَانَ، وَسِجِسْتَانَ، وَسَارَ إِلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ طُمْبَدَرُ لِدِرَاسَةِ دِينِهِ، وَالتَّنَسُّكِ هُنَاكَ، وَخَلَّفَ أَبَاهُ لَهْرَاسِبَ بِبَلْخَ شَيْخًا قَدْ أَبْطَلَهُ الْكِبَرُ وَتَرَكَ بِهَا خَزَائِنَهُ، وَأَوْلَادَهُ، وَنِسَاءَهُ، فَبَلَغَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى مَلِكِ التُّرْكِ خُرْزَاسِفُ، فَلَمَّا تَحَقَّقَهَا جَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَحَشَدَ وَسَارَ إِلَى بَلْخَ، وَانْتَهَزَ الْفُرْصَةَ بِغَيْبَةِ بَشْتَاسِبَ عَنْ مَمْلَكَتِهِ، وَلَمَّا بَلَغَ بَلْخَ مَلَكَهَا وَقَتَلَ لَهْرَاسِبَ وَوَلَدَيْنِ لِبَشْتَاسِبَ وَالْهَرَابِذَةَ، وَأَحْرَقَ الدَّوَاوِينَ وَهَدَمَ بُيُوتَ النِّيرَانِ، وَأَرْسَلَ السَّرَايَا إِلَى الْبِلَادِ، فَقَتَلُوا وَسَبَوْا وَأَخْرَبُوا، وَسَبَى ابْنَتَيْنِ لِبَشْتَاسِبَ إِحْدَاهُمَا خُمَانَى، وَأَخَذَ عَلَمَهُمُ الْأَكْبَرَ الْمَعْرُوفَ بِدِرَفْشَ كَابِيَانِ، وَسَارَ مُتَّبِعًا لِبَشْتَاسِبَ، وَهَرَبَ بَشْتَاسِبُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَتَحَصَّنَ بِتِلْكَ الْجِبَالِ مِمَّا يَلِي فَارِسَ، وَضَاقَ ذَرْعًا بِمَا نَزَلَ بِهِ. فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِهِ إِسْفِنْدِيَارَ مَعَ عَالِمِهِمْ جَامَاسِبَ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ مَحْبِسِهِ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ وَوَعَدَهُ أَنْ يَعْهَدَ إِلَيْهِ بِالْمُلْكِ مِنْ بَعْدِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ إِسْفِنْدِيَارُ كَلَامَهُ سَجَدَ لَهُ وَنَهَضَ مِنْ عِنْدِهِ وَجَمَعَ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْجُنْدِ وَبَاتَ لَيْلَتَهُ مَشْغُولًا بِالتَّجَهُّزِ وَسَارَ مِنَ الْغَدِ نَحْوَ عَسْكَرِ التُّرْكِ وَمَلِكِهِمْ، وَالْتَقَوْا، وَاقْتَتَلُوا، وَالْتَحَمَتِ الْحَرْبُ، وَحَمِيَ الْوَطِيسُ، وَحَمَلَ إِسْفِنْدِيَارُ عَلَى جَانِبٍ مِنَ الْعَسْكَرِ فَأَثَّرَ فِيهِ وَوَهَنَهُ وَتَابَعَ الْحَمَلَاتِ، وَفَشَا فِي التُّرْكِ أَنَّ إِسْفِنْدِيَارَ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِحَرْبِهِمْ، فَانْهَزَمُوا لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، وَانْصَرَفَ إِسْفِنْدِيَارُ وَقَدِ ارْتَجَعَ دِرَفْشَ كَابِيَانَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ اسْتَبْشَرَ بِهِ وَأَمَرَهُ بِاتِّبَاعِ التُّرْكِ، وَوَصَّاهُ بِقَتْلِ مَلِكِهِمْ وَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَيَقْتُلُ مِنَ التُّرْكِ مَنْ أَمْكَنَهُ قَتْلُهُ وَأَنْ يَسْتَنْفِذَ السَّبَايَا، وَالْغَنَائِمَ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَسَارَ إِسْفِنْدِيَارُ، وَدَخَلَ بِلَادَ التُّرْكِ وَقَتَلَ وَسَبَى وَأَخْرَبَ وَبَلَغَ مَدْيَنَتَهُمُ الْعُظْمَى وَدَخَلَهَا عَنْوَةً، وَقَتَلَ الْمَلِكَ وَإِخْوَتَهُ، وَمُقَاتِلَتَهُ، وَاسْتَبَاحَ أَمْوَالَهُ، وَسَبَى نِسَاءَهُ، وَاسْتَنْقَذَ أُخْتَيْهِ وَدَوَّخَ الْبِلَادَ، وَانْتَهَى إِلَى آخِرِ حُدُودِ بِلَادِ التُّرْكِ وَإِلَى التُّبَّتِ، وَأَقْطَعَ بِلَادَ التُّرْكِ، وَجَعَلَ كُلَّ نَاحِيَةٍ إِلَى رَجُلٍ مِنْ وُجُوهِ التُّرْكِ بَعْدَ أَنْ آمَنَهُمْ وَوَظَّفَ عَلَيْهِمْ خَرَاجًا يَحْمِلُونَهُ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى أَبِيهِ بَشْتَاسِبَ،
ثُمَّ عَادَ إِلَى بَلْخَ. فَحَسَدَهُ أَبُوهُ بِمَا ظَهَرَ مِنْهُ مِنْ حِفْظِ الْمُلْكِ وَالظَّفَرِ بِالتُّرْكِ، وَأَسَرَّ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، وَأَمَرَهُ بِالتَّجَهُّزِ وَالْمَسِيرِ إِلَى قِتَالِ رُسْتَمَ الشَّدِيدِ بِسِجِسْتَانَ، وَقَالَ لَهُ: هَذَا رُسْتَمُ مُتَوَسِّطٌ بِلَادِنَا وَلَا يُعْطِينَا الطَّاعَةَ لِأَنَّ الْمَلِكَ كَيْكَاوُوسَ أَعْتَقَهُ فَأَقْطَعَهُ إِيَّاهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي مُلْكِ كَيْكَاوُوسَ، وَكَانَ غَرَضُ بَشْتَاسِبَ أَنْ يَقْتُلَهُ رُسْتَمُ أَوْ يَقْتُلَ هُوَ رُسْتَمَ، فَإِنَّهُ كَانَ أَيْضًا شَدِيدَ الْكَرَاهَةِ لِرُسْتَمَ، فَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَارَ إِلَى رُسْتَمَ لِيَنْزِعَ سِجِسْتَانَ مِنْهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رُسْتَمُ وَقَاتَلَهُ فَقُتِلَ إِسْفِنْدِيَارُ؛ قَتَلَهُ رُسْتَمُ. وَمَاتَ بَشْتَاسِبُ، وَكَانَ مُلْكُهُ مِائَةَ سَنَةٍ وَاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ مِائَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ زَعَمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ أُرْسِلَ إِلَيْهِ وَاجْتَمَعَ بِهِ بِبَلْخَ، فَكَانَ يَتَكَلَّمُ بِالْعِبْرِيِّ، وَزَرَادُشْتُ نَبِيُّ الْمَجُوسِ يُعَبِّرُ عَنْهُ، وَجَامَاسِبُ الْعَالِمُ هُوَ حَاضِرٌ مَعَهُمْ يُتَرْجِمُ أَيْضًا عَنِ الْإِسْرَائِيلِيِّ، وَكَانَ بَشْتَاسِبُ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ آبَائِهِ وَسَائِرِ الْفُرْسِ يَدِينُونَ بِدِينِ الصَّابِئَةِ قَبْلَ زَرَادُشْتَ.
ذكر الخبر عن ملوك بلاد اليمن من أيام كيكاووس إلى أيام بهمن بن إسفنديار
[ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنْ مُلُوكِ بِلَادِ الْيَمَنِ مِنْ أَيَّامِ كَيْكَاوُوسَ إِلَى أَيَّامِ بَهْمَنَ بْنِ إِسْفِنْدِيَارَ] قَدْ مَضَى ذِكْرُ الْخَبَرِ عَمَّنْ زَعَمَ أَنَّ كَيْكَاوُوسَ كَانَ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ كَانَ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ وَالْخَبَرَ عَنْ بِلْقِيسَ بِنْتِ إِيلْشَرَحَ، وَصَارَ الْمُلْكُ بَعْدَ بِلْقِيسَ إِلَى يَاسِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ يَعْفُرَ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ أَنْعَمُ لِإِنْعَامِهِ. قَالَ أَهْلُ الْيَمَنِ: إِنَّهُ سَارَ غَازِيًا نَحْوَ الْمَغْرِبِ حَتَّى بَلَغَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ وَادِي الرَّمْلِ. وَلَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ لَمْ يَجِدْ وَرَاءَهُ مَجَازًا لِكَثْرَةِ الرَّمْلِ، فَبَيْنَمَا هُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ إِذِ انْكَشَفَ الرَّمْلُ فَأَمَرَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ عَمْرٌو أَنْ يَعْبُرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَعَبَرُوا، فَلَمْ يَرْجِعُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَمَرَ بِنَصْبِ صَنَمٍ نُحَاسٍ، فَصُنِعَ ثُمَّ نُصِبَ عَلَى صَخْرَةٍ عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي وَكَتَبَ عَلَى صَدْرِهِ بِالْمُسْنَدِ، هَذَا الصَّنَمُ لِيَاسِرِ أَنْعَمَ الْحِمْيَرِيِّ، لَيْسَ وَرَاءَهُ مَذْهَبٌ فَلَا يَتَكَلَّفَنَّ أَحَدٌ ذَلِكَ فَيُعْطَبَ. وَقِيلَ: إِنَّ وَرَاءَ ذَلِكَ الرَّمْلِ قَوْمًا مِنْ أُمَّةِ مُوسَى، وَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ تُبَّعٌ، وَهُوَ تُبَّانُ، وَهُوَ أَسْعَدُ، وَهُوَ أَبُو كَرْبِ بْنُ مَلْكِيكَرْبَ تُبَّعِ بْنِ
زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تُبَّعٍ، وَهُوَ ذُو الْأَذْعَارِ بْنُ أَبَرْهَةَ تُبَّعُ ذِي الْمَنَارِ بْنِ الرَّايِشِ بْنِ قَيْسِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ سَبَإٍ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الزَّايِدُ، وَكَانَ تُبَّعٌ هَذَا فِي أَيَّامِ بَشْتَاسِبَ، وَأَرْدَشِيرَ بَهْمَنَ بْنِ إِسْفِنْدِيَارَ بْنِ بَشْتَاسِبَ، وَأَنَّهُ شَخَصَ مُتَوَجِّهًا مِنَ الْيَمَنِ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكَهُ الرَّايِشُ حَتَّى خَرَجَ عَلَى جَبَلَيْ طَيِّئٍ، ثُمَّ سَارَ يُرِيدُ الْأَنْبَارَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى مَوْضِعِ الْحِيرَةِ تَحَيَّرَ، وَكَانَ لَيْلًا، فَأَقَامَ بِمَكَانِهِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَكَانُ بِالْحِيرَةِ، وَخَلَّفَ بِهِ قَوْمًا مِنَ الْأَزْدِ، وَلَخْمَ، وَجُذَامَ وَعَامِلَةَ، وَقُضَاعَةَ، فَبَنَوْا وَأَقَامُوا بِهِ. ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ نَاسٌ مِنْ طَيِّئٍ، وَكَلْبٍ، وَالسَّكُونِ، وَبَلْحَرْثَ بْنِ كَعْبٍ، وَإِيَادٍ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى الْمَوْصِلِ، ثُمَّ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَلَقِيَ التُّرْكَ فَهَزَمَهُمْ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْيَمَنِ، فَهَابَتْهُ الْمُلُوكُ وَأَهْدَوْا إِلَيْهِ. وَقَدِمَتْ عَلَيْهِ هَدِيَّةُ مَلِكِ الْهِنْدِ، وَفِيهَا تُحَفٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْحَرِيرِ وَالْمِسْكِ وَالْعُودِ وَسَائِرِ طُرَفِ الْهِنْدِ، فَرَأَى مَا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: كُلُّ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ؟ فَقَالَ: أَكْثَرُهُ مِنْ بَلَدِ الصِّينِ، وَوَصَفَ لَهُ بِلَادَ الصِّينِ فَحَلَفَ لَيَغْزُوَنَّهَا، فَسَارَ بِحِمْيَرَ حَتَّى أَتَى إِلَى الرَّكَائِكِ وَأَصْحَابِ الْقَلَانِسِ السُّودِ، وَوَجَّهَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ ثَابِتٌ نَحْوَ الصِّينِ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، فَأُصِيبَ، فَسَارَ تُبَّعٌ حَتَّى دَخَلَ الصِّينَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهَا، وَاكْتَسَحَ مَا وَجَدَ فِيهَا، وَكَانَ مَسِيرُهُ وَمُقَامُهُ، وَرَجْعَتُهُ فِي سَبْعِ سِنِينَ. ثُمَّ إِنَّهُ خَلَّفَ بِالتُّبَّتِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ حِمْيَرَ، فَهُمْ أَهْلُ التُّبَّتِ، وَيَزْعُمُونَ
أَنَّهُمْ عَرَبٌ، وَأَلْوَانُهُمْ أَلْوَانُ الْعَرَبِ وَخُلُقُهُمْ. هَكَذَا ذُكِرَ، وَقَدْ خَالَفَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ السِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَالَفَ الْآخَرَ، وَقَدَّمَ بَعْضُهُمْ مَنْ أَخَّرَهُ الْآخَرُ، فَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ كَثِيرُ فَائِدَةٍ، وَلَكِنْ نَنْقُلُ مَا وَجَدْنَا مُخْتَصَرًا.
ذكر خبر أردشير بهمن وابنته خمانى
[ذِكْرُ خَبَرِ أَرْدَشِيرَ بَهْمَنَ وَابْنَتِهِ خُمَانَى] ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ بَشْتَاسِبَ ابْنُ ابْنِهِ أَرْدَشِيرُ بَهْمَنُ بْنُ إِسْفِنْدِيَارَ، وَكَانَ مُظَفَّرًا فِي مُغَازِيهِ، وَمَلَكَ أَكْثَرَ مِنْ أَبِيهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ ابْتَنَى بِالسَّوَادِ مَدِينَةً وَسَمَّاهَا أَيَاوَانَ أَرْدَشِيرَ، وَهِيَ الْقَرْيَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِهُمَيْنِيَا بِالزَّابِ الْأَعْلَى، وَابْتَنَى بِكُوَرِ دِجْلَةَ الْأُبُلَّةَ، وَسَارَ إِلَى سِجِسْتَانَ طَالِبًا بِثَأْرِ أَبِيهِ، فَقَتَلَ رُسْتَمَ وَأَبَاهُ دِسْتَانَ وَابْنَهُ فُرَامُرْزَ. وَبَهْمَنُ هُوَ أَبُو دَارَا الْأَكْبَرِ، وَأَبُو سَاسَانَ أَبِي مُلُوكِ الْفُرْسِ الْأَحْرَارِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابِكَ وَوَلَدِهِ، وَأُمُّ دَارَا خُمَانَى ابْنَةُ بَهْمَنَ، فَهِيَ أُخْتُهُ وَأُمُّهُ. وَغَزَا بَهْمَنُ رُومِيَّةَ الدَّاخِلَةَ فِي أَلْفِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَكَانَ مُلُوكُ الْأَرْضِ يَحْمِلُونَ إِلَيْهِ الْإِتَاوَةَ، وَكَانَ أَعْظَمَ مُلُوكِ الْفُرْسِ شَأْنًا وَأَفْضَلَهُمْ تَدْبِيرًا. وَكَانَتْ أُمُّ بَهْمَنَ مِنْ نَسْلِ بِنْيَامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ، وَأُمُّ ابْنِهِ سَاسَانَ مِنْ نَسْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ.
وَكَانَ مُلْكُ بَهْمَنَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَمَانِينَ سَنَةً، وَكَانَ مُتَوَاضِعًا مَرْضِيًّا فِيهِمْ، وَكَانَتْ كُتُبُهُ تَخْرُجُ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ خَادِمِ اللَّهِ السَّائِسِ لِأُمُورِكُمْ. ثُمَّ مَلَكَتْ بَعْدَهُ ابْنَتُهُ خُمَانَى، مَلَّكُوهَا حُبًّا لِأَبِيهَا وَلِعَقْلِهَا وَفُرُوسِيَّتِهَا، وَكَانَتْ تُلَقَّبُ بِشَهْرَزَادَ، وَقِيلَ: إِنَّهَا مَلَكَتْ لِأَنَّهَا حِينَ حَمَلَتْ مِنْهُ دَارَا الْأَكْبَرَ سَأَلَتْهُ أَنْ يَعْقِدَ التَّاجَ لَهُ فِي بَطْنِهَا وَيُؤْثِرَهُ بِالْمُلْكِ، فَفَعَلَ بَهْمَنُ وَعَقَدَ التَّاجَ عَلَيْهِ حَمْلًا فِي بَطْنِهَا، وَسَاسَانُ بْنُ بَهْمَنَ رَجُلٌ يَتَصَنَّعُ لِلْمُلْكِ، فَلَمَّا رَأَى فِعْلَ أَبِيهِ لَحِقَ بِإِصْطَخْرَ وَتَزَهَّدَ وَلَحِقَ بِرُءُوسِ الْجِبَالِ وَاتَّخَذَ غَنَمًا، وَكَانَ يَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ، فَاسْتَبْشَعَتِ الْعَامَّةُ ذَلِكَ مِنْهُ. وَهَلَكَ بَهْمَنُ وَابْنُهُ دَارَا فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَمَلَّكُوهَا، وَوَضَعَتْهُ بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنْ مُلْكِهَا، فَأَنِفَتْ مِنْ إِظْهَارِ ذَلِكَ وَجَعَلَتْهُ فِي تَابُوتٍ وَجَعَلَتْ مَعَهُ جَوَاهِرَ وَأَجْرَتْهُ فِي نَهْرِ الْكَرِّ مِنْ إِصْطَخْرَ، وَقِيلَ: بِنَهْرِ بَلْخَ. وَسَارَ التَّابُوتُ إِلَى طَحَّانٍ مِنْ أَهْلِ إِصْطَخْرَ، فَفَرِحَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَوَاهِرِ، فَحَضَنَتْهُ امْرَأَتُهُ، ثُمَّ ظَهَرَ أَمْرُهُ حِينَ شَبَّ، فَأَقَرَّتْ خُمَانَى بِإِسَاءَتِهَا، فَلَمَّا تَكَامَلَ امْتُحِنَ فَوُجِدَ عَلَى غَايَةِ مَا يَكُونُ أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ، فَحَوَّلَتِ التَّاجَ إِلَيْهِ وَسَارَتْ إِلَى فَارِسَ وَبَنَتْ مَدِينَةَ إِصْطَخْرَ، وَكَانَتْ قَدْ أُوتِيَتْ ظَفَرًا وَأَغْزَتِ الرُّومَ وَشَغَلَتِ الْأَعْدَاءَ مِنْ تَطَرُّقِ بِلَادِهَا، وَخَفَّفَتْ عَنْ رَعِيَّتِهَا الْخَرَاجَ، وَكَانَ مُلْكُهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِنَّ خُمَانَى أُمَّ دَارَا حَضَنَتْهُ حَتَّى كَبِرَ فَسَلَّمَتِ الْمُلْكَ إِلَيْهِ وَعَزَلَتْ نَفْسَهَا، فَضَبَطَ الْمُلْكَ بِشَجَاعَةٍ وَحَزْمٍ. وَنَرْجِعُ إِلَى
ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمُقَابَلَةِ تَارِيخِ أَيَّامِهِمْ إِلَى حِينِ تَصَرُّمِهَا وَمُدَّةِ مَنْ كَانَ أَيَّامَهُمْ مِنْ مُلُوكِ الْفُرْسِ. قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى سَبَبَ انْصِرَافِ مَنِ انْصَرَفَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ سَبَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانَ بُخْتُنَصَّرُ سَبَاهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ كِيرَشَ بْنِ أَخْشُوِيرَشَ، وَمُلْكُهُ بِبَابِلَ مِنْ قِبَلِ بَهْمَنَ، وَأَرْبَعُ سِنِينَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِي مُلْكِ ابْنَتِهِ خُمَانَى، وَكَانَتْ مُدَّةُ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ لَدُنْ خَرَّبَهُ بُخْتُنَصَّرُ مِائَةَ سَنَةٍ، كُلُّ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ بَهْمَنَ بَعْضُهُ وَفِي أَيَّامِ ابْنَتِهِ خُمَانَى بَعْضُهُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ كِيرَشَ هُوَ بَشْتَاسِبُ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَلَمْ يَمْلِكْ كِيرَشُ مُنْفَرِدًا قَطُّ. وَلَمَّا عُمِّرَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَرَجَعَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ كَانَ فِيهِمْ عَزِيزٌ، وَكَانَ الْمَلِكُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْفُرْسِ إِمَّا رَجُلٌ مِنْهُمْ وَإِمَّا رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِلَى أَنْ صَارَ الْمُلْكُ بِنَاحِيَتِهِمْ لِلْيُونَانِيَّةِ وَالرُّومِ لِسَبَبِ غَلَبَةِ الْإِسْكَنْدَرِ عَلَى النَّاحِيَةِ حِينَ قَتَلَ دَارَا بْنَ دَارَا وَكَانَ جُمْلَةُ مُدَّةِ ذَلِكَ فِيمَا قِيلَ ثَمَانِيًا وَثَمَانِينَ سَنَةً.
ذكر خبر دارا الأكبر وابنه دارا الأصغر وكيف كان هلاكه مع خبر ذي القرنين
[ذِكْرُ خَبَرِ دَارَا الْأَكْبَرِ وَابْنِهِ دَارَا الْأَصْغَرِ وَكَيْفَ كَانَ هَلَاكُهُ مَعَ خَبَرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ] وَمَلَكَ دَارَا بْنُ بَهْمَنَ بْنِ إِسْفِنْدِيَارَ، وَكَانَ يُلَقَّبُ جَهْرَازَادَ، يَعْنِي كَرِيمَ الطَّبْعِ، فَنَزَلَ بِبَابِلَ، وَكَانَ ضَابِطًا لِمُلْكِهِ قَاهِرًا لِمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْمُلُوكِ، يُؤَدُّونَ إِلَيْهِ الْخَرَاجَ، وَبَنَى بِفَارِسَ مَدِينَةً سَمَّاهَا دَارَابِجِرْدَ، وَحَذَفَ دَوَابَّ الْبُرُدِ وَرَتَّبَهَا، وَكَانَ مُعْجَبًا بِابْنِهِ دَارَا وَمِنْ حُبِّهِ لَهُ سَمَّاهُ بِاسْمِ نَفْسِهِ وَصَيَّرَ لَهُ الْمُلْكَ بَعْدَهُ. وَكَانَ مُلْكُهُ اثْنَتَيْ وَعَشَرَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ دَارَا وَبَنَى بِأَرْضِ الْجَزِيرَةِ بِالْقُرْبِ مِنْ نَصِيبِينَ مَدِينَةَ دَارَا وَهِيَ مَشْهُورَةٌ إِلَى الْآنَ، وَاسْتَوْزَرَ إِنْسَانًا لَا يَصْلُحُ لَهَا، فَأَفْسَدَ قَلْبَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَتَلَ رُؤَسَاءَ عَسْكَرِهِ وَاسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ، وَكَانَ شَابًّا غَرَّا جَمِيلًا حَقُودًا جَبَّارًا سَيِّئَ السِّيرَةِ فِي رَعِيَّتِهِ. وَكَانَ مُلْكُهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً.
ذكر إسكندر ذي القرنين
[ذِكْرُ إِسْكَنْدَرَ ذِي الْقَرْنَيْنِ] كَانَ فَيْلُفُوسُ أَبُو الْإِسْكَنْدَرِ الْيُونَانِيِّ مِنْ أَهْلِ بَلْدَةٍ يُقَالُ لَهَا مَقْدُونِيَّةُ، كَانَ مَلِكًا عَلَيْهَا وَعَلَى بِلَادٍ أُخْرَى، فَصَالَحَ دَارَا عَلَى خَرَاجٍ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ. فَلَمَّا هَلَكَ فَيْلُفُوسَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْإِسْكَنْدَرُ وَاسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِ الرُّومِ أَجْمَعَ، فَقَوِيَ عَلَى دَارَا فَلَمْ يَحْمِلْ إِلَيْهِ مِنَ الْخَرَاجِ شَيْئًا وَكَانَ الْخَرَاجُ الَّذِي يَحْمِلُهُ بَيْضًا مِنْ ذَهَبٍ فَسَخِطَ عَلَيْهِ دَارَا وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُؤَنِّبُهُ بِسُوءِ صَنِيعِهِ فِي تَرْكِ حَمْلِ الْخَرَاجِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِصَوْلَجَانٍ وَكُرَةٍ وَقَفِيزٍ مِنْ سِمْسِمٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّهُ صَبِيٌّ، وَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْعَبَ بِالصَّوْلَجَانِ، وَالْكُرَةِ، وَيَتْرُكَ الْمُلْكَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَاسْتَعْصَى عَلَيْهِ بَعَثَ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ فِي وَثَاقٍ، وَإِنَّ عِدَّةَ جُنُودِهِ كَعِدَّةِ حَبِّ السِّمْسِمِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْإِسْكَنْدَرُ: إِنَّهُ قَدْ فَهِمَ مَا كَتَبَ بِهِ، وَقَدْ نَظَرَ إِلَى مَا ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ مِنْ إِرْسَالِهِ الصَّوْلَجَانَ، وَالْكُرَةَ، وَتَيَمَّنَ بِهِ لِإِلْقَاءِ الْمُلْقِي الْكُرَةَ إِلَى الصَّوْلَجَانِ وَاحْتِرَازِهِ إِيَّاهَا، وَشَبَّهَ الْأَرْضَ بِالْكُرَةِ، وَأَنَّهُ يَجُرُّ مُلْكَ دَارَا إِلَى مُلْكِهِ، وَتَيَمُّنُهُ بِالسِّمْسِمِ الَّذِي بَعَثَ كَتَيَمُّنِهِ بِالصَّوْلَجَانِ، وَالْكُرَةِ لِدَسَمِهِ وَبُعْدِهِ مِنَ الْمَرَارَةِ وَالْحَرَافَةِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِصُرَّةٍ فِيهَا خَرْدَلٌ، وَأَعْلَمَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَا بُعِثَ بِهِ إِلَيْهِ قَلِيلٌ وَلَكِنَّهُ مُرٌّ حَرِّيفٌ، وَأَنَّ جُنُودَهُ مِثْلَهُ. فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ إِلَى دَارَا تَأَهَّبَ لِمُحَارَبَتِهِ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ أَنَّ الْإِسْكَنْدَرَ الَّذِي حَارَبَ دَارَا بْنَ دَارَا هُوَ أَخُو دَارَا الْأَصْغَرُ الَّذِي حَارَبَهُ، وَأَنَّ أَبَاهُ دَارَا الْأَكْبَرَ كَانَ تَزَوَّجَ أُمَّ الْإِسْكَنْدَرِ، وَهِيَ ابْنَةُ مَلِكِ الرُّومِ، فَلَمَّا حُمِلَتْ إِلَيْهِ وَجَدَ نَتَنَ رِيحَهَا وَسَهَكَهَا، فَأَمَرَ أَنْ يُحْتَالَ لِذَلِكَ مِنْهَا، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فِي مُدَاوَاتِهَا عَلَى شَجَرَةٍ يُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ سَنْدَرُ، فَغُسِلَتْ بِمَائِهَا فَأَذْهَبَ ذَلِكَ كَثِيرًا مِنْ نَتَنِهَا وَلَمْ يَذْهَبْ كُلُّهُ، وَانْتَهَتْ نَفْسُهُ عَنْهَا، فَرَدَّهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَقَدْ عَلِقَتْ مِنْهُ فَوَلَدَتْ عِنْدَ أَهْلِهَا غُلَامًا فَسَمَّتْهُ بِاسْمِ الشَّجَرَةِ الَّتِي غُسِلَتْ بِمَائِهَا مُضَافًا إِلَى اسْمِهَا. وَقَدْ هَلَكَ أَبُوهَا وَمَلَكَ الْإِسْكَنْدَرُ بَعْدَهُ، فَمَنَعَ الْخَرَاجَ الَّذِي كَانَ يُؤَدِّيهِ جَدُّهُ إِلَى دَارَا، فَأَرْسَلَ يَطْلُبُهُ، وَكَانَ بَيْضًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَجَابَهُ إِنِّي قَدْ ذَبَحْتُ الدَّجَاجَةَ الَّتِي كَانَتْ تَبِيضُ ذَلِكَ الْبَيْضَ وَأَكَلْتُ لَحْمَهَا، فَإِنْ أَحْبَبْتَ وَادَعْنَاكَ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ نَاجَزْنَاكَ. ثُمَّ خَافَ الْإِسْكَنْدَرُ مِنَ الْحَرْبِ فَطَلَبَ الصُّلْحَ، فَاسْتَشَارَ دَارَا أَصْحَابَهُ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِالْحَرْبِ لِفَسَادِ قُلُوبِهِمْ عَلَيْهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَاجَزَهُ دَارَا الْقِتَالَ، فَكَتَبَ الْإِسْكَنْدَرُ إِلَى حَاجِبَيْ دَارَا وَحَكَّمَهُمَا عَلَى الْفَتْكِ بِدَارَا، فَاحْتَكَمَا شَيْئًا، وَلَمْ يَشْتَرِطَا أَنْفُسَهُمَا. فَلَمَّا الْتَقَيَا لِلْحَرْبِ طَعَنَ دَارَا حَاجِبَاهُ فِي الْوَقْعَةِ، وَكَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا سَنَةً، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ دَارَا وَلَحِقَهُ الْإِسْكَنْدَرُ وَهُوَ بِآخِرِ رَمَقٍ. وَقِيلَ: بَلْ فَتَكَ بِهِ رَجُلَانِ مِنْ حَرَسِهِ مِنْ أَهْلِ هَمَذَانَ حُبًّا لِلرَّاحَةِ مِنْ ظُلْمِهِ، وَكَانَ فَتْكُهُمَا بِهِ لَمَّا رَأَيَا عَسْكَرَهُ قَدِ انْهَزَمَ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْإِسْكَنْدَرِ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَ الْإِسْكَنْدَرُ مُنَادِيًا يُنَادِي عِنْدَ هَزِيمَةِ عَسْكَرِ دَارَا أَنْ يُؤْسَرَ دَارَا وَلَا يُقْتَلَ، فَأُخْبِرَ بِقَتْلِهِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ وَمَسَحَ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَجَعَلَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا قَتَلَكَ أَصْحَابُكَ وَإِنَّنِي لَمْ أَهُمَّ بِقَتْلِكَ قَطُّ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَرْغَبُ بِكَ يَا شَرِيفَ الْأَشْرَافِ وَيَا مَلِكَ الْمُلُوكِ وَحُرَّ الْأَحْرَارِ عَنْ هَذَا الْمَصْرَعِ، فَأَوْصِ بِمَا أَحْبَبْتَ، فَأَوْصَاهُ دَارَا أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَهُ رُوشَنْكَ وَيَرْعَى حَقَّهَا وَيُعَظِّمَ قَدْرَهَا، وَيَسْتَبْقِيَ أَحْرَارَ فَارِسَ وَيَأْخُذَ لَهُ بِثَأْرِهِ مِمَّنْ قَتَلَهُ. فَفَعَلَ الْإِسْكَنْدَرُ ذَلِكَ أَجْمَعَ وَقَتَلَ حَاجِبَيْ دَارَا، وَقَالَ لَهُمَا: إِنَّكُمَا لَمْ تَشْتَرِطَا نُفُوسَكُمَا، فَقَتَلَهُمَا بَعْدَ أَنْ وَفَى لَهُمَا بِمَا ضَمِنَ لَهُمَا، وَقَالَ: لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَبْقَى قَاتِلُ الْمُلُوكِ إِلَّا بِذِمَّةٍ لَا تُخْفَرُ.
وَكَانَ الْتِقَاؤُهُمَا بِنَاحِيَةِ خُرَاسَانَ مِمَّا يَلِي الْخَزَرَ، وَقِيلَ بِبِلَادِ الْجَزِيرَةِ عِنْدَ دَارَا. وَكَانَ مُلْكُ الرُّومِ قَبْلَ الْإِسْكَنْدَرِ مُتَفَرِّقًا فَاجْتَمَعَ، وَمُلْكُ فَارِسَ مُجْتَمِعًا فَتَفَرَّقَ. وَحَمَلَ الْإِسْكَنْدَرُ كُتُبًا، وَعُلُومًا لِأَهْلِ فَارِسَ مِنْ عُلُومٍ، وَنُجُومٍ، وَحِكْمَةٍ، وَنَقَلَهُ إِلَى الرُّومِيَّةِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّ الْإِسْكَنْدَرَ أَخُو دَارَا لِأَبِيهِ، وَأَمَّا أَهْلُ الرُّومِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأَنْسَابِ فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ الْإِسْكَنْدَرُ بْنُ فَيْلُفُوسَ، وَقِيلَ: فَيْلُبُوسُ بْنُ مَطَرْيُوسَ، وَقِيلَ: ابْنُ مَصْرَيِمِ بْنِ هِرْمِسَ بْنِ هِرْدِسَ بْنِ مُنْطَوْنَ بْنِ رُومِيِّ بْنِ لَيْطَى بْنِ يُونَاقَ بْنِ يَافِثَ بْنِ ثَوْبَةَ بْنِ سَرْحُونَ بْنِ رُومِيطَ بْنِ زَنَطَ بْنِ تُوقِيلَ بْنِ رُومِيِّ بْنِ الْأَصْفَرِ بْنِ أَلِيفَزِ بْنِ الْعِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. فَجَمَعَ بَعْدَ هُلْكِ دَارَا مُلْكَ دَارَا فَمَلَكَ الْعِرَاقَ، وَالشَّامَ، وَالرُّومَ، وَمِصْرَ، وَالْجَزِيرَةَ، وَعَرَضَ جُنْدَهُ فَوَجَدَهُمْ عَلَى مَا قِيلَ أَلْفَ أَلْفٍ وَأَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ، مِنْهُمْ مِنْ جُنْدِهِ ثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ، وَمِنْ جُنْدِ دَارَا سِتُّمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ، وَتَقَدَّمَ بِهَدْمِ حُصُونِ فَارِسَ وَبُيُوتِ النِّيرَانِ وَقَتَلَ الْهَرَابِذَةَ، وَأَحْرَقَ كُتُبَهُمْ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَمْلَكَةِ فَارِسَ رِجَالًا، وَسَارَ قُدُمًا إِلَى أَرْضِ الْهِنْدِ، فَقَتَلَ مَلِكَهَا، وَفَتَحَ مُدَنَهَا، وَخَرَّبَ بُيُوتَ الْأَصْنَامِ، وَأَحْرَقَ كُتُبَ عُلُومِهِمْ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى الصِّينِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا أَتَاهُ حَاجِبُهُ فِي اللَّيْلِ وَقَالَ: هَذَا رَسُولُ مَلِكِ الصِّينِ، فَأَحْضَرَهُ فَسَلَّمَ وَطَلَبَ الْخَلْوَةَ، فَفَتَّشُوهُ فَلَمْ يَرَوْا مَعَهُ شَيْئًا، فَخَرَجَ مَنْ كَانَ
عِنْدَ الْإِسْكَنْدَرِ، فَقَالَ: أَنَا مَلِكُ الصِّينِ جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الَّذِي تُرِيدُهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ عَمَلُهُ عَمِلْتُهُ وَتَرَكْتَ الْحَرْبَ. فَقَالَ لَهُ الْإِسْكَنْدَرُ: مَا الَّذِي آمَنَكَ مِنِّي؟ قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّكَ عَاقِلٌ حَكِيمٌ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَدَاوَةٌ وَلَا ذَحْلٌ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ إِنْ قَتَلْتَنِي لَمْ يَكُنْ قَتْلِي سَبَبًا لِتَسْلِيمِ أَهْلِ الصِّينِ مُلْكِي إِلَيْكَ، ثُمَّ إِنَّكَ تُنْسَبُ إِلَى الْغَدْرِ. فَعَلِمَ أَنَّهُ عَاقِلٌ فَقَالَ لَهُ: أُرِيدُ مِنْكَ ارْتِفَاعَ مُلْكِكَ لِثَلَاثِ سِنِينَ عَاجِلًا وَنِصْفَ الِارْتِفَاعِ لِكُلِّ سَنَةٍ. قَالَ: قَدْ أَجَبْتُكَ وَلَكِنِ اسْأَلْنِي كَيْفَ حَالِي، قَالَ: كَيْفَ حَالُكَ؟ قَالَ: أَكُونُ أَوَّلَ قَتِيلٍ لِمُحَارِبٍ وَأَوَّلَ أَكْلَةٍ لِمُفْتَرِسٍ. قَالَ: فَإِنْ قَنِعْتُ مِنْكَ بِارْتِفَاعِ سَنَتَيْنِ؟ قَالَ: يَكُونُ حَالِي أَصْلَحَ قَلِيلًا. قَالَ: فَإِنْ قَنِعْتُ مِنْكَ بِارْتِفَاعِ سَنَةٍ؟ قَالَ: يَبْقَى مُلْكِي وَتَذْهَبُ لَذَّاتِي. قَالَ: وَأَنَا أَتْرُكُ لَكَ مَا مَضَى وَآخَذُ الثُّلُثَ كُلَّ سَنَةٍ فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُكَ قَالَ: يَكُونُ السُّدُسُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَمَصَالِحِ الْبِلَادِ، وَالسُّدُسُ لِي، وَالثُّلُثُ لِلْعَسْكَرِ، وَالثُّلُثُ لَكَ. قَالَ: قَدْ قَنِعْتُ مِنْكَ بِذَلِكَ. فَشَكَرَهُ وَعَادَ، وَسَمِعَ الْعَسْكَرُ بِذَلِكَ فَفَرِحُوا بِالصُّلْحِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَرَجَ مَلِكُ الصِّينِ بِعَسْكَرٍ عَظِيمٍ أَحَاطَ بِعَسْكَرِ الْإِسْكَنْدَرِ، فَرَكِبَ الْإِسْكَنْدَرُ وَالنَّاسُ، فَظَهَرَ مَلِكُ الصِّينِ عَلَى الْفِيلِ وَعَلَى رَأْسِهِ التَّاجُ، فَقَالَ لَهُ الْإِسْكَنْدَرُ: أَغَدَرْتَ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أُطِعْكَ مِنْ ضَعْفٍ وَلَكِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ مُقْبِلًا عَلَيْكَ أَرَدْتُ طَاعَتَهُ بِطَاعَتِكَ، وَالْقُرْبَ مِنْهُ بِالْقُرْبِ مِنْكَ، فَقَالَ لَهُ الْإِسْكَنْدَرُ: لَا يُسَامُ مِثْلُكَ الْجِزْيَةَ، فَمَا رَأَيْتُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْفَضْلَ وَالْوَصْفَ بِالْعَقْلِ غَيْرَكَ، وَقَدْ أَعْفَيْتُكَ مِنْ جَمِيعِ مَا أَرَدْتُهُ مِنْكَ وَأَنَا مُنْصَرِفٌ عَنْكَ. فَقَالَ لَهُ مَلِكُ الصِّينِ: فَلَسْتَ تَخْسَرُ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِضِعْفِ مَا كَانَ قَرَّرَهُ، وَسَارَ الْإِسْكَنْدَرُ عَنْهُ مِنْ يَوْمِهِ وَدَانَتْ لَهُ عَامَّةُ الْأَرَضِينَ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ وَمَلَكَ التُّبَّتَ وَغَيْرَهَا.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ وَالْمَشْرِقِ وَمَا بَيْنَهُمَا قَصَدَ بِلَادَ الشَّامِ، وَمَلَكَ تِلْكَ الْبِلَادَ، وَدَانَ لَهُ مَنْ بِهَا مِنَ الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ إِلَى أَنِ اتَّصَلَ بِدِيَارِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْأَقْوَالُ فِيهِمْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ نَوْعٌ مِنَ التُّرْكِ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَفِيهِمْ شَرٌّ، وَهُمْ كَثِيرُونَ، وَكَانُوا يُفْسِدُونَ فِيمَا يُجَاوِرُهُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَيُخَرِّبُونَ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ، وَيُؤْذُونَ مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُمْ. فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ الْإِسْكَنْدَرَ شَكَوْا إِلَيْهِ مِنْ شَرِّهِمْ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا - حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا - قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا - قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [الكهف: 92 - 95] . يَقُولُ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ مِنْ خُرْجِكُمْ، وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِالْقُوَّةِ، وَالْقُوَّةُ الْفَعَلَةُ وَالصُّنَّاعُ، وَالْآلَةُ الَّتِي يُبْنَى بِهَا، فَقَالَ: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} [الكهف: 96] ، أَيْ قِطَعَ الْحَدِيدِ، فَآتَوْهُ بِهَا، فَحَفَرَ الْأَسَاسَ حَتَّى بَلَغَ الْمَاءَ، ثُمَّ جَعَلَ الْحَدِيدَ وَالْحَطَبَ صُفُوفًا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} [الكهف: 96] ، وَهُمَا جَبَلَانِ، أَشْعَلَ النَّارَ فِي الْحَطَبِ فَحَمِيَ الْحَدِيدُ وَأَفْرَغَ عَلَيْهِ الْقِطْرَ، وَهُوَ النُّحَاسُ الْمُذَابُ، فَصَارَ مَوْضِعَ الْحَطَبِ وَبَيْنَ قِطَعِ الْحَدِيدِ، فَبَقِيَ كَأَنَّهُ بُرْدٌ مُحَبَّرٌ مِنْ حُمْرَةِ النُّحَاسِ وَسَوَادِ الْحَدِيدِ، وَجَعَلَ أَعْلَاهُ شَرَفًا مِنَ الْحَدِيدِ فَامْتَنَعَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْبِلَادِ الْمُجَاوِرَةِ لَهُمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} [الكهف: 97] . فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ السَّدِّ دَخَلَ الظُّلُمَاتِ مِمَّا يَلِي الْقُطْبَ الشَّمَالِيَّ، وَالشَّمْسُ
جَنُوبِيَّةٌ، فَلِهَذَا كَانَتْ ظُلْمَةً، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعٌ إِلَّا وَتَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَيْهِ أَبَدًا. فَلَمَّا دَخَلَ الظُّلُمَاتِ أَخَذَ مَعَهُ أَرْبَعَمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَطْلُبُ عَيْنَ الْخُلْدِ، فَسَارَ فِيهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ خَرَجَ وَلَمْ يَظْفَرْ بِهَا، وَكَانَ الْخَضِرُ عَلَى مَقْدَمَتِهِ، فَظَفِرَ بِهَا وَسَبَحَ فِيهَا وَشَرِبَ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَجَعَ إِلَى الْعِرَاقِ فَمَاتَ فِي طَرِيقِهِ بَشَهْرَزُورَ بِعِلَّةِ الْخَوَانِيقِ، وَكَانَ عُمُرُهُ سِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً فِي قَوْلٍ، وَدُفِنَ فِي تَابُوتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُرَصَّعٍ بِالْجَوَاهِرِ، وَطُلِيَ بِالصَّبْرِ لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ وَحُمِلَ إِلَى أُمِّهِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ. وَكَانَ مُلْكُهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَتَلَ دَارَا فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ مُلْكِهِ. وَبَنَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَدِينَةً، مِنْهَا: أَصْبَهَانُ، وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا جَيُّ، وَمَدِينَةَ هَرَاةَ، وَمَرْوَ، وَسَمَرْقَنْدَ، وَبَنَى بِالسَّوَادِ مَدِينَةً لِرُوشَنْكَ ابْنَةِ دَارَا، وَبِأَرْضِ الْيُونَانِ مَدِينَةً، وَبِمِصْرَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ. فَلَمَّا مَاتَ الْإِسْكَنْدَرُ طَافَ بِهِ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْحُكَمَاءِ الْيُونَانِيِّينَ وَالْفُرْسِ وَالْهِنْدِ وَغَيْرِهِمْ، فَكَانَ يَجْمَعُهُمْ وَيَسْتَرِيحُ إِلَى كَلَامِهِمْ، فَوَقَفُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ كَبِيرُهُمْ: لِيَتَكَلَّمْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِكَلَامٍ يَكُونُ لِلْخَاصَّةِ مُعَزِّيًا وَلِلْعَامَّةِ وَاعِظًا، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى التَّابُوتِ، وَقَالَ: أَصْبَحَ آسِرُ الْأُسَرَاءِ أَسِيرًا. وَقَالَ آخَرُ: هَذَا الْمَلِكُ كَانَ يُخَبِّئُ الذَّهَبَ فَقَدْ صَارَ الذَّهَبُ يُخَبِّؤُهُ. وَقَالَ آخَرُ: مَا أَزْهَدَ النَّاسَ فِي هَذَا الْجَسَدِ وَمَا أَرْغَبَهُمْ فِي التَّابُوتِ. وَقَالَ آخَرُ: مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ أَنَّ الْقَوِيَّ قَدْ غُلِبَ، وَالضُّعَفَاءَ لَاهُونَ مُغْتَرُّونَ. وَقَالَ آخَرُ: هَذَا الَّذِي جَعَلَ أَجَلَهُ ضَمَانًا وَجَعَلَ أَمَلَهُ عِيَانًا، هَلَّا بَاعَدْتَ مِنْ أَجَلِكَ لِتَبْلُغَ بَعْضَ أَمَلِكَ، بَلْ هَلَّا حَقَّقْتَ مِنْ أَمَلِكَ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ فَوْتِ أَجْلِكَ.
وَقَالَ آخَرُ: أَيُّهَا السَّاعِي الْمُنْتَصِبُ، مَا خَذَلَكَ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ، فَغُودِرَتْ عَلَيْكَ أَوْزَارُهُ، وَقَارَفْتَ آثَامَهُ، فَجَمَعْتَ لِغَيْرِكَ وَإِثْمُهُ عَلَيْكَ. وَقَالَ آخَرُ: قَدْ كُنْتَ لَنَا وَاعِظًا فَمَا وَعَظْتَنَا مَوْعِظَةً أَبْلَغَ مِنْ وَفَاتِكَ، فَمَنْ كَانَ لَهُ مَعْقُولٌ فَلْيَعْقِلْ، وَمَنْ كَانَ مُعْتَبِرًا فَلْيَعْتَبِرْ. وَقَالَ آخَرُ: رُبَّ هَائِبٍ لَكَ يَخَافُكَ مِنْ وَرَائِكَ وَهُوَ الْيَوْمَ بِحَضْرَتِكَ وَلَا يَخَافُكَ. رُبَّ حَرِيصٍ عَلَى سُكُوتِكَ إِذْ لَا تَسْكُتُ، وَهُوَ الْيَوْمَ حَرِيصٌ عَلَى كَلَامِكَ إِذْ لَا تَتَكَلَّمُ. وَقَالَ آخَرُ: كَمْ أَمَاتَتْ هَذِهِ النَّفْسُ لِئَلَّا تَمُوتَ وَقَدْ مَاتَتْ. وَقَالَ آخَرُ، وَكَانَ صَاحِبَ كُتُبِ الْحِكْمَةِ: قَدْ كُنْتَ تَأْمُرُنِي أَنْ لَا أَبْعُدَ عَنْكَ فَالْيَوْمَ لَا أَقْدِرُ عَلَى الدُّنُوِّ مِنْكَ. وَقَالَ آخَرُ: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ أَقْبَلَ مِنْ شَرِّهِ مَا كَانَ مُدْبِرًا، وَأَدْبَرَ مِنْ خَيْرِهِ مَا كَانَ مُقْبِلًا، فَمَنْ كَانَ بَاكِيًا عَلَى مَنْ زَالَ مُلْكُهُ فَلْيَبْكِ. وَقَالَ آخَرُ: يَا عَظِيمَ السُّلْطَانِ اضْمَحَلَّ سُلْطَانُكَ كَمَا اضْمَحَلَّ ظِلُّ السَّحَابِ، وَعَفَتْ آثَارُ مَمْلَكَتِكَ كَمَا عَفَتْ آثَارُ الذُّبَابِ. وَقَالَ آخَرُ: يَا مَنْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ طُولًا وَعَرْضًا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ حَالُكَ بِمَا احْتَوَى عَلَيْكَ مِنْهَا! وَقَالَ آخَرُ: اعْجَبُوا مِمَّنْ كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ كَيْفَ شَهَرَ نَفْسَهُ بِجَمْعِ الْأَمْوَالِ الْحُطَامِ الْبَائِدِ، وَالْهَشِيمِ النَّافِذِ. وَقَالَ آخَرُ: أَيُّهَا الْجَمْعُ الْحَافِلُ، وَالْمُلْقَى الْفَاضِلُ لَا تَرْغَبُوا فِيمَا لَا يَدُومُ سُرُورُهُ، وَتَنْقَطِعُ لَذَّتُهُ، فَقَدْ بَانَ لَكُمُ الصَّلَاحُ، وَالرَّشَادُ مِنَ الْغَيِّ وَالْفَسَادِ. وَقَالَ آخَرُ انْظُرُوا إِلَى حُلْمِ النَّائِمِ كَيْفَ انْقَضَى، وَظِلِّ الْغَمَامِ كَيْفَ انْجَلَى. وَقَالَ آخَرُ: يَا مَنْ كَانَ غَضَبُهُ الْمَوْتَ هَلَّا غَضِبْتَ عَلَى الْمَوْتِ!
وَقَالَ آخَرُ: قَدْ رَأَيْتُمْ هَذَا الْمَلِكَ الَمَاضِيَ فَلْيَتَّعِظْ بِهِ هَذَا الْمَلِكُ الْبَاقِي. وَقَالَ آخَرُ: إِنَّ الَّذِي كَانَتِ الْآذَانُ تُنْصِتُ لَهُ قَدْ سَكَتَ فَلْيَتَكَلَّمِ الْآنَ كُلُّ سَاكِتٍ. وَقَالَ آخَرُ: سَيَلْحَقُ بِكَ مَنْ سَرَّهُ مَوْتُكَ كَمَا لَحِقْتَ بِمَنْ سَرَّكَ مَوْتُهُ. وَقَالَ آخَرُ: مَا لَكَ لَا تُقِلُّ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِكَ وَقَدْ كُنْتَ تَسْتَقِلُّ بِمُلْكِ الْأَرْضِ! بَلْ مَا لَكَ لَا تَرْغَبُ عَنْ ضِيقِ الْمَكَانِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ وَقَدْ كُنْتَ تَرْغَبُ عَنْ رُحْبِ الْبِلَادِ! وَقَالَ آخَرُ: إِنَّ دُنْيَا يَكُونُ هَذَا فِي آخِرِهَا فَالزُّهْدُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِهَا. وَقَالَ صَاحِبُ مَائِدَتِهِ: قَدْ فُرِشَتِ النَّمَارِقُ، وَنُضِّدَتِ النَّضَائِدُ، وَلَا أَرَى عَمِيدَ الْقَوْمِ. وَقَالَ صَاحِبُ بَيْتِ مَالِهِ: قَدْ كُنْتَ تَأْمُرُنِي بِالِادِّخَارِ فَإِلَى مَنْ أَدْفَعُ ذَخَائِرَكَ؟ وَقَالَ آخَرُ: هَذِهِ الدُّنْيَا الطَّوِيلَةُ الْعَرِيضَةُ قَدْ طَوَيْتَ مِنْهَا سَبْعَةَ أَشْبَارٍ وَلَوْ كُنْتَ بِذَلِكَ مُوقِنًا لَمْ تَحْمِلْ عَلَى نَفْسِكَ فِي الطَّلَبِ. وَقَالَتْ زَوْجَتُهُ رُوشَنْكُ: مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ غَالِبَ دَارَا يُغْلَبُ، فَإِنَّ الْكَلَامَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْكُمْ فِيهِ شَمَاتَةٌ، فَقَدْ خَلَّفَ الْكَأْسَ الَّذِي شَرِبَ مِنْهُ لِيَشْرَبَهُ الْجَمَاعَةُ. وَقَالَتْ أُمُّهُ حِينَ بَلَغَهَا مَوْتُهُ: لَئِنْ فَقَدْتُ مِنَ ابْنِي أَمْرَهُ لَمْ يُفْقَدْ مِنْ قَلْبِي ذِكْرُهُ. فَهَذَا كَلَامُ الْحُكَمَاءِ فِيهِ مَوَاعِظُ وَحِكَمٌ حَسَنَةٌ فَلِهَذَا أُثْبِتُهَا. وَمِنْ حِيَلِ الْإِسْكَنْدَرِ فِي حُرُوبِهِ أَنَّهُ لَمَّا حَارَبَ دَارَا خَرَجَ إِلَى بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: يَا مَعْشَرَ الْفُرْسِ، قَدْ عَلِمْتُمْ مَا كَتَبْتُمْ إِلَيْنَا وَمَا كَتَبْنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الْأَمَانِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ عَلَى الْوَفَاءِ فَلْيَعْتَزِلْ فَإِنَّهُ يَرَى مِنَّا الْوَفَاءَ. فَاتَّهَمَتِ الْفُرْسُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَاضْطَرَبُوا. وَمِنْ حِيَلِهِ أَنَّهُ تَلَقَّاهُ مَلِكُ الْهِنْدِ بِالْفِيَلَةِ، فَنَفَرَتْ خَيْلُ أَصْحَابِهِ عَنْهَا، فَعَادَ عَنْهُ وَأَمَرَ بِاتِّخَاذِ فِيَلَةٍ مِنْ نُحَاسٍ وَأَلْبَسَهَا السِّلَاحَ وَجَعَلَهَا مَعَ الْخَيْلِ حَتَّى أَلِفَتْهَا، ثُمَّ عَادَ
إِلَى الْهِنْدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مَلِكُ الْهِنْدِ، فَأَمَرَ الْإِسْكَنْدَرَ بِتِلْكَ الْفِيَلَةِ فَمُلِئَتْ بُطُونُهَا مِنَ النِّفْطِ وَالْكِبْرِيتِ، وَجَرَتْ عَلَى الْعَجَلِ فِي وَسَطِ الْمَعْرَكَةِ وَمَعَهَا جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا نَشِبَتِ الْحَرْبُ أَمَرَ بِإِشْعَالِ النَّارِ فِي تِلْكَ الْفِيَلَةِ، فَلَمَّا حَمِيَتِ انْكَشَفَ أَصْحَابُهُ عَنْهَا وَغَشِيَتْهَا فِيَلَةُ الْهِنْدِ، فَضَرَبَتْهَا بِخَرَاطِيمِهَا فَاحْتَرَقَتْ وَوَلَّتْ هَارِبَةً رَاجِعَةً إِلَى الْهِنْدِ، فَانْهَزَمُوا بَيْنَ يَدَيْهَا. وَمِنْ حِيَلِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى مَدِينَةٍ حَصِينَةٍ وَكَانَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَقْوَاتِ وَبِهَا عُيُونُ مَاءٍ، فَعَادَ عَنْهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا قَوْمًا عَلَى هَيْئَةِ التُّجَّارِ وَمَعَهُمْ أَمْتِعَةٌ يَبِيعُونَهَا وَأَمَرَهُمْ بِمُشْتَرَى الطَّعَامِ وَالْمَغَالَاتِ فِي ثَمَنِهَا، فَإِذَا صَارَ عِنْدَهُمْ أَحْرَقُوهُ وَهَرَبُوا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَهَرَبُوا إِلَيْهِ فَأَنْفَذَ السَّرَايَا إِلَى سَوَادِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَأَمَرَهُمْ بِالْغَارَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَهَرَبُوا وَدَخَلُوا الْبَلَدَ لِيَحْتَمُوا بِهِ، فَسَارَ الْإِسْكَنْدَرُ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَمْتَنِعُوا عَلَيْهِ. وَكَتَبَ إِلَى أَرِسْطَا طَالِيسَ يَذْكُرُ لَهُ أَنَّهُ مِنْ خَاصَّةِ الرُّومِ جَمَاعَةٌ لَهُمْ هِمَمٌ بَعِيدَةٌ وَنُفُوسٌ كَبِيرَةٌ وَشُجَاعَةٌ، وَأَنَّهُ يَخَافُهُمْ عَلَى نَفْسِهِ وَيَكْرَهُ قَتْلَهُمْ بِالظِّنَّةِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَرِسْطَا طَالِيسُ: فَهِمْتُ كِتَابَكَ، فَإِنَّ مَا ذَكَرْتَ مِنْ بُعْدِ هِمَمِهِمْ فَإِنَّ الْوَفَاءَ مِنْ بُعْدِ الْهِمَّةِ وَكِبَرِ النَّفْسِ، وَالْغَدْرَ مِنْ دَنَاءَةِ النَّفْسِ وَخِسَّتِهَا، وَأَمَّا شَجَاعَتُهُمْ وَنَقْصُ عُقُولِهِمْ، فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَهُ فَرَفِّهْهُ فِي مَعِيشَتِهِ وَاخْصُصْهُ بِحِسَانِ النِّسَاءِ، فَإِنَّ رَفَاهِيَةَ الْعَيْشِ تُمِيتُ الشَّجَاعَةَ، وَتُحَبِّبُ السَّلَامَةَ، وَإِيَّاكَ وَالْقَتْلَ فَإِنَّهُ ذِلَّةٌ لَا تُسْتَقَالُ وَذَنْبٌ لَا يُغْفَرُ، وَعَاقِبْ بِدُونِ الْقَتْلِ تَكُنْ قَادِرًا عَلَى الْعَفْوِ، فَمَا أَحْسَنَ الْعَفْوَ مِنَ الْقَادِرِ، وَلْيَحْسُنْ خُلُقُكَ تَخْلُصْ لَكَ النِّيَّاتُ بِالْمَحَبَّةِ، وَلَا تُؤْثِرْ نَفْسَكَ عَلَى أَصْحَابِكَ، فَلَيْسَ مَعَ الِاسْتِئْثَارِ مَحَبَّةٌ، وَلَا مَعَ الْمُؤَاسَاةِ بُغْضَةٌ. وَكَتَبَ إِلَى أَرِسْطَا طَالِيسَ أَيْضًا لَمَّا مَلَكَ بِلَادَ فَارِسَ يَذْكُرُ أَنَّهُ رَأَى بِإِيرَانِ شَهْرَ رِجَالًا ذَوِي رَأْيٍ، وَصَرَامَةٍ، وَشَجَاعَةٍ، وَجَمَالٍ، وَأَنْسَابٍ رَفِيعَةٍ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا مَلَكَهُمْ بِالْحَظِّ
وَالْإِنْفَاقِ، وَأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ - إِنْ سَافَرَ عَنْهُمْ فَأَفْرَغَهُمْ - وُثُوبَهُمْ وَأَنَّهُ لَا يُكْفَى شَرَّهُمْ بِبَوَارِهِمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: قَدْ فَهِمْتُ كِتَابَكَ فِي رِجَالِ فَارِسَ، فَأَمَّا قَتْلُهُمْ فَهُوَ مِنَ الْفَسَادِ وَالْبَغْيِ الَّذِي لَا يُؤْمَنُ عَاقِبَتُهُ، وَلَوْ قَتَلْتَهُمْ لَأَنَبْتَ أَهْلَ الْبَلَدِ أَمْثَالَهُمْ وَصَارَ جَمِيعُ أَهْلِ الْبَلَدِ أَعْدَاءَكَ بِالطَّبْعِ وَأَعْدَاءَ عَقِبِكَ لِأَنَّكَ تَكُونُ قَدْ وَتَرْتَهُمْ بِغَيْرِ حَرْبٍ، وَأَمَّا إِخْرَاجُكَ إِيَّاهُمْ مِنْ عَسْكَرِكَ فَمُخَاطَرَةٌ بِنَفْسِكَ وَأَصْحَابِكَ، وَلَكِنِّي أُشِيرُ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ هُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْقَتْلِ، وَهُوَ أَنْ تَسْتَدْعِيَ مِنْهُمْ أَوْلَادَ الْمُلُوكِ وَمَنْ يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ فَتُقَلِّدَهُمُ الْبُلْدَانَ وَتَجْعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَلِكًا بِرَأْسِهِ فَتَتَفَرَّقَ كَلِمَتُهُمْ وَيَقَعَ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمَحَبَّةِ لَكَ وَيَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ صَنِيعَتَكَ. فَفَعَلَ الْإِسْكَنْدَرُ ذَلِكَ، فَهُمْ مُلُوكُ الطَّوَائِفِ، وَقِيلَ فِي مُلُوكِ الطَّوَائِفِ غَيْرُ هَذَا السَّبَبِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ذكر من ملك من قومه بعد الإسكندر
[ذِكْرُ مَنْ مَلَكَ مِنْ قَوْمِهِ بَعْدَ الْإِسْكَنْدَرِ] لَمَّا مَاتَ الْإِسْكَنْدَرُ عُرِضَ الْمُلْكُ عَلَى ابْنِهِ الْإِسْكَنْدَرُوسِ، فَأَبَى وَاخْتَارَ الْعِبَادَةَ، فَمَلَّكَتِ الْيُونَانُ فِيمَا قِيلَ بَطْلَيْمُوسَ بْنَ لَاغُوسَ، وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ بَطْلَيْمُوسُ فِيلُوذُفُوسُ، وَكَانَ مُلْكُهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ بَطْلَيْمُوسُ أُورَاغَاطَسُ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ بَطْلَيْمُوسُ فِيلَافَطَرُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ بَطْلَيْمُوسُ إِفِيفَانُسُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ بَطْلَيْمُوسُ أُورَاغَاطَسُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ بَطْلَيْمُوسُ سَاطِرُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ بَطْلَيْمُوسُ الْإِخْشَنْدَرُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ بَطْلَيْمُوسُ الَّذِي اخْتَفَى عَنْ مُلْكِهِ ثَمَانِيَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَتْ بَعْدَهُ قَالُوبَطْرَى سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَتْ مِنَ الْحُكَمَاءِ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مِنَ الْيُونَانَ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ بَعْدَ الْإِسْكَنْدَرِ كَانَ يُدْعَى بَطْلَيْمُوسَ كَمَا كَانَتْ تُدْعَى مُلُوكُ فَارِسَ أَكَاسِرَةَ وَمُلُوكُ الرُّومِ قَيَاصِرَةَ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ بَطْلَيْمُوسَ صَاحِبَ الْمِجِسْطِي وَغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَيَّامَ مُلُوكِ الرُّومِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ مَلَكَ الشَّامَ فِيمَا بَعْدَ قَالُوبَطْرَى مُلُوكُ الرُّومِ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ مَلَكَ مِنْهُمْ جَايُوسَ يُولُوسَ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ أُغُسْطُوسُ سِتًّا وَخَمْسِينَ سَنَةً، فَلَمَّا مَضَى مِنْ مُلْكِهِ اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وُلِدَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقِيلَ: كَانَ بَيْنَ مَوْلِدِهِ وَقِيَامِ الْإِسْكَنْدَرِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثُ سِنِينَ.
ذكر أخبار ملوك الفرس بعد الإسكندر وهم ملوك الطوائف
[ذِكْرُ أَخْبَارِ مُلُوكِ الْفُرْسِ بَعْدَ الْإِسْكَنْدَرِ وَهُمْ مُلُوكُ الطَّوَائِفِ] لَمَّا مَاتَ الْإِسْكَنْدَرُ مَلَكَ بِلَادَ الْفُرْسِ بَعْدَهُ مُلُوكُ الطَّوَائِفِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ السَّبَبِ فِي تَمْلِيكِهِمْ. وَقِيلَ: كَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْكَنْدَرَ لَمَّا مَلَكَ بِلَادَ الْفُرْسِ وَوَصَلَ إِلَى مَا أَرَادَ كَتَبَ إِلَى أَرِسْطَاطَالِيسَ الْحَكِيمِ: إِنِّي قَدْ وَتَرْتُ جَمِيعَ مَنْ فِي بِلَادِ الْمَشْرِقِ وَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَتَّفِقُوا بَعْدِي عَلَى قَصْدِ بِلَادِنَا وَإِيذَاءِ قَوْمِنَا، وَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَقْتُلَ أَوْلَادَ مَنْ قَتَلْتُ مِنَ الْمُلُوكِ وَأُلْحِقُهُمْ بِآبَائِهِمْ، فَمَا تَرَى؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ إِنْ قَتَلْتَ أَبْنَاءَ الْمُلُوكِ أَفْضَى الْمُلْكُ إِلَى السُّفْلِ وَالْأَنْذَالِ، وَالسُّفْلُ إِذَا مَلَكُوا قَدَرُوا، وَإِذَا قَدَرُوا طَغَوْا وَبَغَوْا وَظَلَمُوا، وَمَا يُخْشَى مِنْ مَعَرَّتِهِمْ أَكْثَرُ، وَالرَّأْيُ أَنْ تَجْمَعَ أَبْنَاءَ الْمُلُوكِ فَتُمَلِّكُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَلَدًا وَاحِدًا وَكُورَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُومُ فِي وَجْهِ الْآخَرِ يَمْنَعُهُ عَنْ بُلُوغِ غَرَضِهِ خَوْفًا عَلَى مَا بِيَدِهِ فَتَتَوَلَّدُ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهُمْ فَيَشْتَغِلُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَلَا يَتَفَرَّغُونَ إِلَى مَنْ بَعُدَ عَنْهُمْ. فَعِنْدَهَا قَسَّمَ الْإِسْكَنْدَرُ بِلَادَ الْمَشْرِقِ عَلَى مُلُوكِ الطَّوَائِفِ وَنَقَلَ عَنْ بُلْدَانِهِمُ النُّجُومَ وَالْحِكْمَةَ، وَكَانَ مِنْ حَالِهِمْ بَعْدَ الْإِسْكَنْدَرِ مَا ذَكَرَهُ أَرِسْطَاطَالِيسُ، وَاشْتَغَلُوا عَنْ قَصْدِ الْيُونَانِ. وَكَانَ أَرِسْطَاطَالِيسُ مِنْ أَفْضَلِ الْحُكَمَاءِ وَأَعْلَمِهِمْ، وَكَانَ الْإِسْكَنْدَرُ يَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ وَأَخَذَ الْحِكْمَةَ عَنْ أَفْلَاطُونَ تِلْمِيذِ سُقْرَاطَ، وَسُقْرَاطُ تِلْمِيذُ أُوسِيَلَاوُسَ فِي الطَّبِيعِيَّاتِ دُونَ غَيْرِهَا، وَمَعْنَاهُ رَأْسُ السِّبَاعِ، وَكَانَ أُوسِيَلَاوُسُ تِلْمِيذَ أَنْكِسَاغُورَسَ، إِلَّا أَنَّ أَرِسْطَاطَالِيسَ
خَالَفَ أُسْتَاذَهُ فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ: أَفَلَاطُونُ صَدِيقٌ وَالْحَقُّ صَدِيقٌ، إِلَّا أَنَّ الْحَقَّ أَوْلَى بِالصَّدَاقَةِ مِنْهُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ بَعْدَ الْإِسْكَنْدَرِ وَعَدَدِ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ الَّذِينَ مَلَكُوا إِقْلِيمَ بَابِلَ، فَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ وَغَيْرُهُ: مَلَكَ بَعْدَ الْإِسْكَنْدَرِ بَلَاقَسُ سَلَبْقَسُ، ثُمَّ أَنْطِيخَسُ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى مَدِينَةَ أَنْطَاكِيَةَ. وَكَانَ فِي أَيْدِي هَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ سَوَادُ الْكُوفَةِ أَرْبَعًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانُوا يَتَطَرَّقُونَ الْجِبَالَ، وَنَاحِيَةَ الْأَهْوَازِ، وَفَارِسَ. ذِكْرُ مُلْكِ أَشَكَ بْنِ أَشْكَانَ ثُمَّ خَرَجَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَشَكُ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ دَارَا الْأَكْبَرِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ وَمَنْشَؤُهُ بِالرَّيِّ، فَجَمَعَ جَمْعًا كَبِيرًا وَسَارَ يُرِيدُ أَنْطِيخَسَ، وَزَحَفَ إِلَيْهِ أَنْطِيخَسُ وَالْتَقَيَا بِبِلَادِ الْمَوْصِلِ، فَقُتِلَ أَنْطِيخَسُ، وَمَلَكَ أَشَكُ السَّوَادَ وَصَارَ بِيَدِهِ مِنَ الْمَوْصِلِ إِلَى الرَّيِّ، وَأَصْبَهَانَ، وَعَظَّمَتْهُ سَائِرُ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ لِنَسَبِهِ وَشَرَفِهِ وَفِعْلِهِ، وَبَدَءُوا بِهِ كُتُبَهُمْ، وَسَمَّوْهُ مَلِكًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْزِلَ أَحَدًا مِنْهُمْ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ سَابُورُ بْنُ أَشَكَ. ذِكْرُ مُلْكِ جَوْدَرْزُ ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ سَابُورَ جَوْدَرْزُ بْنُ أَشْكَانَ، وَهُوَ الَّذِي غَزَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ.
وَسَبَبُ تَسْلِيطِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَيْهِمْ قَتْلُهُمْ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّاءَ، فَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، فَلَمْ يَعُدْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ كَجَمَاعَتِهِمُ الْأُولَى، وَرَفَعَ اللَّهُ مِنْهُمُ النُّبُوَّةَ وَنَزَلَ بِهِمُ الذُّلُّ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي غَزَا بَنِي إِسْرَائِيلَ طِيطُوسُ بْنُ إِسْفِيَانُوسَ مَلِكُ الرُّومِ فَقَتَلَهُمْ وَسَبَاهُمْ وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَقَدْ كَانَتِ الرُّومُ غَزَتْ بِلَادَ فَارِسَ يَطْلُبُونَ ثَأْرَ أَنْطِيخَسَ، وَمَلَكَ بَابِلَ حِينَئِذٍ " بِلَاشُ أَبُو أَرْدُوَانَ " الَّذِي قَتَلَهُ " أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ "، فَكَتَبَ بِلَاشُ إِلَى مُلُوكِ الطَّوَائِفِ يُعْلِمُهُمْ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الرُّومُ مِنْ غَزْوِ بِلَادِهِمْ وَمَا حَشَدُوا وَجَمَعُوا وَأَنَّهُ إِنْ عَجَزَ مِنْهُمْ ظَفِرُوا بِهِمْ جَمِيعًا. فَوَجَّهَ كُلُّ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ إِلَى بِلَاشَ مِنَ الرِّجَالِ وَالسِّلَاحِ وَالْمَالِ بِقَدْرِ قُوَّتِهِ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ، فَوَلَّى عَلَيْهِمْ صَاحِبَ الْحَضَرِ، وَكَانَ لَهُ مَا بَيْنَ السَّوَادِ وَالْجَزِيرَةِ، فَلَقِيَ الرُّومَ وَقَتَلَ مَلِكَهُمْ وَاسْتَبَاحَ عَسْكَرَهُمْ، وَذَلِكَ الَّذِي هَيَّجَ الرُّومَ عَلَى بِنَاءِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَنَقْلِ الْمُلْكِ مِنْ رُومِيَّةَ إِلَيْهَا، وَكَانَ الَّذِي أَنْشَأَهَا قُسْطَنْطِينُ الْمَلِكُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَنَصَّرَ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ وَأَجْلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ فِلَسْطِينَ وَالشَّامِ لِقَتْلِهِمْ عِيسَى بِزَعْمِهِمْ، وَأَخَذَ الْخَشَبَةَ الَّتِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ صَلَبُوا الْمَسِيحَ عَلَيْهَا، فَعَظَمَّهَا الرُّومُ وَأَدْخَلُوهَا خَزَائِنَهُمْ وَهِيَ عِنْدَهُمْ إِلَى الْيَوْمِ. وَلَمْ يَزَلْ مُلْكُ فَارِسَ مُتَفَرِّقًا حَتَّى مَلَكَ أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ. وَلَمْ يُبَيِّنْ هِشَامٌ مُدَّةَ مُلْكِهِمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَخْبَارِ فَارِسَ: مَلَكَ بِلَادَهُمْ بَعْدَ الْإِسْكَنْدَرِ مُلُوكٌ مِنْ غَيْرِ الْفُرْسِ كَانُوا يُطِيعُونَ كُلَّ مَنْ مَلَكَ بِلَادَ الْجَبَلِ، وَهُمُ الْأَشْغَانِيُّونَ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ مُلُوكَ الطَّوَائِفِ، وَكَانَ مُلْكُهُمْ مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَقِيلَ: كَانَ مُلْكُهُمْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، مَلَكَ مِنْ هَذِهِ السِّنِينَ أَشَكُ بْنُ أَشْكَانَ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ ابْنُهُ سَابُورُ سِتِّينَ سَنَةً، وَفِي إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ ظَهَرَ الْمَسِيحُ
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَإِنَّ " تِيطُوسَ بْنَ إِسْفِيَانُوسَ " مَلِكَ رُومِيَّةَ غَزَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الْمَسِيحِ بِنَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَمَلَكَ الْمَدِينَةَ وَقَتَلَ، وَسَبَى، وَأَخْرَبَ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ مَلَكَ جَوْدَرْزُ بْنُ أَشْغَانَانَ الْأَكْبَرُ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ بِيرَنُ الْأَشْغَانِيُّ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ جَوْدَرْزُ الْأَشْغَانِيُّ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ نَرْسِي الْأَشْغَانِيُّ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ هُرْمُزُ الْأَشْغَانِيُّ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ أُرْدُوَانُ الْأَشْغَانِيُّ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ كِسْرَى الْأَشْغَانِيُّ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بِلَاشُ الْأَشْغَانِيُّ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ أُرْدُوَانُ الْأَصْغَرُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَلَكَ بِلَادَ الْفُرْسِ بَعْدَ الْإِسْكَنْدَرِ مُلُوكُ الطَّوَائِفِ الَّذِينَ فَرَّقَ الْإِسْكَنْدَرُ الْمَمْلَكَةَ بَيْنَهُمْ، وَتَفَرَّدَ بِكُلِّ نَاحِيَةٍ مَنْ مُلِّكَ عَلَيْهَا مِنْ حِينِ مَلَّكَهُ عَلَيْهَا مَا خَلَا السَّوَادَ، فَإِنَّهُ كَانَ أَرْبَعًا وَخَمْسِينَ سَنَةً بَعْدَ هَلَاكِ الْإِسْكَنْدَرِ فِي يَدِ الرُّومِ.
وَكَانَ فِي مُلُوكِ الطَّوَائِفِ رَجُلٌ مِنْ نَسْلِ الْمُلُوكِ قَدْ مَلَكَ الْجِبَالَ وَأَصْبَهَانَ، ثُمَّ غُلِبَ وَلَدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى السَّوَادِ، وَكَانُوا مُلُوكًا عَلَيْهَا، وَعَلَى الْمَاهَاتِ، وَالْجِبَالِ، وَأَصْبَهَانَ كَالرَّئِيسِ عَلَى سَائِرِ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِتَقْدِيمِهِ وَتَقْدِيمِ وَلَدِهِ، وَلِذَلِكَ قُصِدَ لِذِكْرِهِمْ فِي كُتُبِ سِيَرِ الْمُلُوكِ، فَاقْتَصَرْنَا عَلَى ذِكْرِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَكَانَتْ مُدَّةُ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسَمِائَةٍ وَثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَمِنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ مَلَكُوا الْجِبَالَ ثُمَّ تَهَيَّأَتْ بَعْدَ أَوْلَادِهِمُ الْغَلَبَةُ عَلَى السَّوَادِ أَشَكُ بْنُ حَرَّهْ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ إِسْفِنْدِيَارَ بْنِ بَشْتَاسِبَ فِي قَوْلٍ، وَبَعْضُ الْفُرْسِ زَعَمَ أَنْ أَشَكَ بْنَ دَارَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَشَكُ بْنُ أَشَكْانَ الْكَبِيرُ، هُوَ مِنْ وَلَدِ كَيْكَاوُوسَ، وَكَانَ مُلْكُهُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ أَشَكَ ابْنُهُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ سَابُورُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ جَوْدَرْزُ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ بِيرُنُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ جَوْدَرْزُ الْأَصْغَرُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ ابْنُهُ نَرْسِي أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ هُرْمُزُ بْنُ بِلَاشَ بْنِ أَشْكَانَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ أُرْدُوَانَ الْأَكْبَرُ بْنُ أَشْكَانَ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً،
ثُمَّ كِسْرَى بْنُ أَشْكَانَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ أُرْدُوَانُ الْأَصْغَرُ بْنُ بِلَاشَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَكَانَ أَعْظَمَ مُلُوكِ الْأَشْكَانِيَّةِ وَأَظْهَرَهُمْ، وَأَعَزَّهُمْ قَهْرًا لِلْمُلُوكِ، ثُمَّ مَلَكَ أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ وَجَمَّعَ مَمْلَكَةَ الْفُرْسِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ عَدَّ بَعْضُهُمْ فِي أَسْمَاءِ الْمُلُوكِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا لَا حَاجَةَ إِلَى الْإِطَالَةِ بِذِكْرِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ مَا قِيلَ عِنْدَ مُلْكِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ.
ذكر الأحداث أيام ملوك الطوائف فمن ذلك ذكر المسيح عيسى ابن مريم ويحيى بن زكرياء عليه السلام
[ذِكْرُ الْأَحْدَاثِ أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ فَمِنْ ذَلِكَ ذِكْرُ الْمَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ عَلَيْهِ السَّلَامُ] إِنَّمَا جَمَعْنَا هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِتَعَلُّقِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، فَنَقُولُ كَانَ عِمْرَانُ بْنُ مَاثَانَ مِنْ وَلَدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، وَكَانَ آلُ مَاثَانَ رُءُوسَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَحْبَارَهُمْ، وَكَانَ مُتَزَوِّجًا بِحَنَّةَ بَنْتِ فَاقُودَ، وَكَانَ زَكَرِيَّاءُ بْنُ بَرْخِيَّا مُتَزَوِّجًا بِأُخْتِهَا إِيشَاعَ، وَقِيلَ: كَانَتْ إِيشَاعُ أُخْتَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَكَانَتْ حَنَّةُ قَدْ كَبِرَتْ وَعَجَزَتْ وَلَمْ تَلِدْ وَلَدًا، فَبَيْنَمَا هِيَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ أَبْصَرَتْ طَائِرًا يَزُقُّ فَرْخًا لَهُ فَاشْتَهَتِ الْوَلَدَ فَدَعَتِ اللَّهَ أَنْ يَهَبَ لَهَا وَلَدًا وَنَذَرَتْ إِنْ يَرْزُقْهَا وَلَدًا أَنْ تَجْعَلَهُ مِنْ سَدَنَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَخَدَمِهِ، فَحَرَّرَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، وَلَمْ تَعْلَمْ مَا هُوَ، وَكَانَ النَّذْرُ الْمُحَرَّرُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُجْعَلَ لِلْكَنِيسَةِ يَقُومُ بِخِدْمَتِهَا وَلَا يَبْرَحُ مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغَ الْحُلُمَ، فَإِذَا بَلَغَ خُيِّرَ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُقِيمَ فِيهَا أَقَامَ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ ذَهَبَ حَيْثُ شَاءَ. وَلَمْ يَكُنْ يُحَرَّرُ إِلَّا الْغِلْمَانُ، لِأَنَّ الْإِنَاثَ لَا يَصْلُحْنَ لِذَلِكَ لِمَا يُصِيبُهُنَّ مِنَ الْحَيْضِ وَالْأَذَى. ثُمَّ هَلَكَ عِمْرَانُ وَحَنَّةُ حَامِلٌ بِمَرْيَمَ، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا إِذَا [هِيَ] أُنْثَى فَقَالَتْ عِنْدَ ذَلِكَ {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} [آل عمران: 36] فِي
خِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ وَالْعِبَادِ الَّذِينَ فِيهَا، {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} [آل عمران: 36] ، وَهِيَ بِلُغَتِهِمُ الْعِبَادَةُ. ثُمَّ لَفَّتْهَا فِي خِرْقَةٍ وَحَمَلَتْهَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَوَضَعَتْهَا عِنْدَ الْأَحْبَارِ أَبْنَاءِ هَارُونَ، وَهُمْ يَلُونَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَا يَلِي بَنُو شَيْبَةَ مِنَ الْكَعْبَةِ. فَقَالَتْ: دُونَكُمْ هَذِهِ الْمَنْذُورَةَ فَتَنَافَسُوا فِيهَا لِأَنَّهَا بِنْتُ إِمَامِهِمْ وَصَاحِبِ قُرْبَانِهِمْ. فَقَالَ زَكَرِيَّاءُ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا لِأَنَّ خَالَتَهَا عِنْدِي. فَقَالُوا لَكِنَّا نَقْتَرِعُ عَلَيْهَا. فَأَلْقَوْا أَقْلَامَهُمْ فِي نَهْرٍ جَارٍ، قِيلَ هُوَ نَهْرُ الْأُرْدُنِّ، فَأَلْقَوْا فِيهِ أَقْلَامَهُمُ الَّتِي كَانُوا يَكْتُبُونَ بِهَا التَّوْرَاةَ، فَارْتَفَعَ قَلَمُ زَكَرِيَّاءَ فَوْقَ الْمَاءِ وَرَسَبَتْ أَقْلَامُهُمْ، فَأَخَذَهَا وَكَفَّلَهَا وَضَمَّهَا إِلَى خَالَتِهَا أُمِّ يَحْيَى وَاسْتَرْضَعَ لَهَا حَتَّى كَبِرَتْ، فَبَنَى لَهَا غُرْفَةً فِي الْمَسْجِدِ لَا يُرْقَى إِلَيْهَا إِلَّا بِسُلَّمٍ وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهَا غَيْرُهُ، وَكَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، فَيَقُولُ: أَنَّى لَكِ هَذَا؟ فَتَقُولُ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. فَلَمَّا رَأَى زَكَرِيَّاءُ ذَلِكَ مِنْهَا دَعَا اللَّهَ تَعَالَى وَرَجَا الْوَلَدَ حَيْثُ رَأَى فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي فَعَلَ هَذَا بِمَرْيَمَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُصْلِحَ زَوْجَتِي حَتَّى تَلِدَ. فَـ {قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 38] . فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي فِي الْمَذْبَحِ الَّذِي لَهُمْ إِذَا هُوَ بَرْجَلٍ شَابٍّ، وَهُوَ جَبْرَائِيلُ، فَفَزِعَ زَكَرِيَّاءُ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 39] ، يَعْنِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَيَحْيَى أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِعِيسَى وَصَدَّقَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ حَامِلًا بِهِ فَاسْتَقْبَلَتْ مَرْيَمَ وَهِيَ حَامِلٌ بِعِيسَى فَقَالَتْ لَهَا: يَا مَرْيَمُ أَحَامِلٌ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: لِمَاذَا تَسْأَلِينِي؟ فَقَالَتْ إِنِّي أَرَى مَا فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِمَا فِي بَطْنِكِ، فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ. وَقِيلَ: صَدَّقَ الْمَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَهُ ثَلَاثُ سِنِينَ، وَسَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى [يَحْيَى] وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ مَنْ تَسَمَّى هَذَا الِاسْمَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} [مريم: 7] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 15] . قِيلَ: أَوْحَشُ مَا يَكُونُ ابْنُ آدَمَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ، فَسَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ وَحْشَتِهَا، وَإِنَّمَا وُلِدَ يَحْيَى قَبْلَ الْمَسِيحِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَقِيلَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ لَا يَأْتِي
النِّسَاءَ، وَلَا يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ. {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} [آل عمران: 40] ؟ وَكَانَ عُمُرُهُ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ ابْنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً. فَقِيلَ لَهُ: {كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [آل عمران: 40] . وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ اسْتِخْبَارًا هَلْ يُرْزَقُ الْوَلَدَ مِنِ امْرَأَتِهِ الْعَاقِرِ أَمْ غَيْرِهَا، لَا إِنْكَارًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى. {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} [آل عمران: 41] . قَالَ: أَمْسَكَ اللَّهُ لِسَانَهُ عُقُوبَةً لِسُؤَالِهِ الْآيَةَ، وَالرَّمْزُ الْإِشَارَةُ. فَلَمَّا وُلِدَ رَآهُ أَبُوهُ حَسَنَ الصُّورَةِ، قَلِيلَ الشَّعَرِ، قَصِيرَ الْأَصَابِعِ، مَقْرُونَ الْحَاجِبَيْنِ، دَقِيقَ الصَّوْتِ، قَوِيًّا فِي طَاعَةِ اللَّهِ مُذْ كَانَ صَبِيًّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12] . قِيلَ: إِنَّهُ قَالَ لَهُ يَوْمًا الصِّبْيَانُ أَمْثَالُهُ: يَا يَحْيَى اذْهَبْ بِنَا نَلْعَبْ. فَقَالَ لَهُمْ: مَا لِلَّعِبِ خُلِقْتُ. وَكَانَ يَأْكُلُ الْعُشْبَ وَأَوْرَاقَ الشَّجَرِ، وَقِيلَ كَانَ يَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ، وَمَرَّ بِهِ إِبْلِيسُ وَمَعَهُ رَغِيفُ شَعِيرٍ فَقَالَ: أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ زَاهِدٌ وَقَدِ ادَّخَرْتَ رَغِيفَ شَعِيرٍ؟ فَقَالَ يَحْيَى: يَا مَلْعُونُ هُوَ الْقُوتُ، فَقَالَ إِبْلِيسُ: إِنَّ الْأَقَلَّ مِنَ الْقُوتِ يَكْفِي لِمَنْ يَمُوتُ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: اعْقِلْ مَا يَقُولُ لَكَ. وَنُبِّئَ صَغِيرًا فَكَانَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَلُبْسِ الشَّعَرِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ وَلَا مَسْكَنٌ يَسْكُنُ إِلَيْهِ، أَيْنَمَا جَنَّهُ اللَّيْلُ أَقَامَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَبْدٌ وَلَا أَمَةٌ، وَاجْتَهَدَ فِي الْعِبَادَةِ، فَنَظَرَ يَوْمًا إِلَى بَدَنِهِ وَقَدْ نَحَلَ فَبَكَى، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ يَا يَحْيَى أَتَبْكِي لِمَا نَحَلَ مِنْ جِسْمِكَ؟ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَوِ اطَّلَعْتَ فِي النَّارِ اطِّلَاعَةً لَتَدَرَّعْتَ الْحَدِيدَ عِوَضَ الشَّعَرِ! فَبَكَى حَتَّى أَكَلَتِ الدُّمُوعُ لَحْمَ خَدَّيْهِ وَبَدَتْ أَضْرَاسُهُ لِلنَّاظِرِينَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أُمَّهُ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ وَأَقْبَلَ زَكَرِيَّاءُ وَمَعَهُ الْأَحْبَارُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ مَا يَدْعُوكَ إِلَى هَذَا؟ قَالَ: أَنْتَ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ حَيْثُ قُلْتَ: إِنَّ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ عَقْبَةً لَا يَجُوزُهَا إِلَّا الْبَاكُونَ مِنْ خَشْيَةِ
اللَّهِ. فَقَالَ: فَابْكِ وَاجْتَهِدْ إِذَنْ. فَصَنَعَتْ لَهُ أُمُّهُ قِطْعَتَيْ لِبْدٍ عَلَى خَدَّيْهِ تُوَارِيَانِ أَضْرَاسَهُ، فَكَانَ يَبْكِي حَتَّى يَبُلَّهُمَا، وَكَانَ زَكَرِيَّاءُ إِذَا أَرَادَ يَعِظُ النَّاسَ نَظَرَ فَإِنْ كَانَ يَحْيَى حَاضِرًا لَمْ يَذْكُرْ جَنَّةً وَلَا نَارًا. وَبَعَثَ اللَّهُ عِيسَى رَسُولًا نَسَخَ بَعْضَ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، فَكَانَ مِمَّا نَسَخَ أَنَّهُ حَرَّمَ نِكَاحَ بِنْتِ الْأَخِ، وَكَانَ لِمَلِكِهِمْ - وَاسْمُهُ هِيرُودَسُ - بِنْتُ أَخٍ تُعْجِبُهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَنَهَاهُ يَحْيَى عَنْهَا، وَكَانَ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ حَاجَةٌ يَقْضِيهَا لَهَا فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أُمَّهَا قَالَتْ لَهَا: إِذَا سَأَلَكِ الْمَلِكُ مَا حَاجَتُكِ فَقُولِي أَنْ تَذْبَحَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّاءَ. فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَسَأَلَهَا مَا حَاجَتُكِ؟ قَالَتْ: أُرِيدُ أَنْ تَذْبَحَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّاءَ. فَقَالَ: اسْأَلِي غَيْرَ هَذَا. قَالَتْ: مَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ. فَلَمَّا أَبَتْ دَعَا بِيَحْيَى وَدَعَا بِطَسْتٍ فَذَبَحَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الرَّأْسَ قَالَتِ: الْيَوْمَ قَرَّتْ عَيْنِي! فَصَعِدَتْ إِلَى سَطْحِ قَصْرِهَا فَسَقَطَتْ مِنْهُ إِلَى الْأَرْضِ وَلَهَا كِلَابٌ ضَارِيَةٌ تَحْتَهُ، فَوَثَبَتِ الْكِلَابُ عَلَيْهَا وَأَكَلَتْهَا وَهِيَ تَنْظُرُ، وَكَانَ آخِرَ مَا أُكِلَ مِنْهَا عَيْنَاهَا لِتَعْتَبِرَ. فَلَمَّا قُتِلَ بُذِرَتْ قَطْرَةٌ مِنْ دَمِهِ عَلَى الْأَرْضِ، فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ بُخْتُنَصَّرَ عَلَيْهِمْ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَدَلَّتْهُ عَلَى ذَلِكَ الدَّمِ، فَأَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِهِ أَنْ يَقْتُلَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ الدَّمِ حَتَّى يَسْكُنَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ أَلْفًا حَتَّى سَكَنَ الدَّمُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ نَحْوَ هَذَا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَرَادَ الْمَلِكُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ امْرَأَةٍ لَهُ، فَنَهَاهُ يَحْيَى عَنْ ذَلِكَ، فَطَلَبَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْمَلِكَ قَتْلَ يَحْيَى، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ وَأَحْضَرَ رَأْسَهُ فِي طَسْتٍ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: لَا تَحِلُّ لَكَ، فَبَقِيَ دَمُهُ يَغْلِي، فَطُرِحَ عَلَيْهِ تُرَابٌ حَتَّى بَلَغَ سُورَ الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يَسْكُنِ الدَّمُ. فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ فَحَصَرَهُمْ فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِمْ، فَأَرَادَ الرُّجُوعَ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ الْعَوْدَ! قَالَ: نَعَمْ، قَدْ طَالَ الْمُقَامُ وَجَاعَ النَّاسُ وَقَلَّتِ الْمِيرَةُ بِهِمْ وَضَاقَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَتْ: إِنْ فَتَحْتُ لَكَ الْمَدِينَةَ أَتَقْتُلُ مَنْ آمُرُكَ بِقَتْلِهِ وَتَكُفُّ إِذَا أَمَرْتُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتِ: اقْسِمْ جُنْدَكَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ عَلَى نَوَاحِي الْمَدِينَةِ، ثُمَّ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ إِلَى السَّمَاءِ وَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَفْتِحُكَ عَلَى دَمِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ، فَفَعَلُوا، فَخَرِبَ سُورُ الْمَدِينَةِ، فَدَخَلُوهَا، فَأَمَرَتْهُمُ الْعَجُوزُ أَنْ يَقْتُلُوا عَلَى دَمِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ حَتَّى يَسْكُنَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقْتُلُ حَتَّى قَتَلَ سَبْعِينَ
أَلْفًا وَسَكَنَ الدَّمُ، فَأَمَرَتْهُ بِالْكَفِّ، وَكَفَّ. وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَأَمَرَ أَنْ تُلْقَى فِيهِ الْجِيَفُ، وَعَادَ وَمَعَهُ دَانْيَالُ وَغَيْرُهُ مِنْ وُجُوهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنْهُمْ عِزْرِيَا، وَمِيشَائِيلُ، وَرَأْسُ الْجَالُوتِ. فَكَانَ دَانْيَالُ أَكْرَمَ النَّاسِ عَلَيْهِ، فَحَسَدَهُمُ الْمَجُوسُ وَسَعَوْا بِهِمْ إِلَى بُخْتُنَصَّرَ، وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِلْقَائِهِمْ إِلَى السَّبُعِ وَنُزُولِ الْمَلَكِ عَلَيْهِمْ وَمَسْخِ بُخْتُنَصَّرَ وَمُقَامِهِ فِي الْوَحْشِ سَبْعَ سِنِينَ. وَهَذَا الْقَوْلُ وَمَا لَمْ نَذْكُرْهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ مِنْ أَنَّ بُخْتُنَصَّرَ هُوَ الَّذِي خَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَقَتَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ قَتْلِهِمْ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّاءَ بَاطِلٌ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ وَالتَّارِيخِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ بِأُمُورِ الَمَاضِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ بُخْتُنَصَّرَ غَزَا بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ قَتْلِهِمْ نَبِيَّهُمْ شَعْيَا فِي عَهْدِ إِرْمِيَا بْنِ حَلْقِيًّا، وَبَيْنَ عَهْدِ إِرْمِيَا وَقَتْلِ يَحْيَى أَرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ وَإِحْدَى وَسِتُّونَ سَنَةً عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَيَذْكُرُونَ أَنَّ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ وَأَسْفَارِهِمْ مُبَيَّنٌ، وَتُوَافِقُهُمُ الْمَجُوسُ فِي مُدَّةِ غَزْوِ بُخْتُنَصَّرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى مَوْتِ الْإِسْكَنْدَرِ، وَتُخَالِفُهُمْ فِي مُدَّةِ مَا بَيْنَ مَوْتِ الْإِسْكَنْدَرِ وَمَوْلِدِ يَحْيَى، فَيَزْعُمُونَ أَنَّ مُدَّةَ ذَلِكَ كَانَتْ إِحْدَى وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ فَإِنَّهُ قَالَ: الْحَقُّ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَمَرُوا بَيْتَ الْمَقْدِسِ بَعْدَ مَرْجِعِهِمْ مِنْ بَابِلَ وَكَثُرُوا، ثُمَّ عَادُوا يُحْدِثُونَ الْأَحْدَاثَ وَيَعُودُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ وَيَبْعَثُ فِيهِمُ الرُّسُلَ، فَفَرِيقًا يُكَذِّبُونَ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ، حَتَّى كَانَ آخِرَ مَنْ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ زَكَرِيَّاءُ وَابْنُهُ يَحْيَى وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - فَقَتَلُوا يَحْيَى وَزَكَرِيَّاءَ، فَابْتَعَثَ
اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ بَابِلَ يُقَالُ لَهُ جُودَرْسُ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمُ الشَّامَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ قَالَ لِقَائِدٍ عَظِيمٍ مِنْ عَسْكَرِهِ اسْمُهُ نُبُوزَاذَانُ، وَهُوَ صَاحِبُ الْفِيلِ: إِنِّي كُنْتُ حَلَفْتُ لَئِنْ أَنَا ظَفِرْتُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَأَقْتُلَنَّهُمْ حَتَّى تَسِيلَ دِمَاؤُهُمْ فِي وَسَطِ عَسْكَرِي إِلَى أَنْ أَجِدَ مَنْ لَا أَقْتُلُهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ وَيَقْتُلَهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَدَخَلَ نُبُوزَاذَانُ الْمَدِينَةَ فَأَقَامَ فِي الْمَدِينَةِ الَّتِي يُقَرِّبُونَ فِيهَا قُرْبَانَهُمْ، فَوَجَدَ فِيهَا دَمًا يَغْلِي، فَقَالَ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، مَا شَأْنُ هَذَا الدَّمِ يَغْلِي؟ فَقَالُوا: هَذَا دَمُ قُرْبَانٍ لَنَا لَمْ يُقْبَلْ فَلِذَلِكَ هُوَ يَغْلِي. فَقَالَ: مَا صَدَقْتُمُونِي الْخَبَرَ! فَقَالُوا: إِنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ مِنَّا الْمُلْكُ وَالنُّبُوَّةُ فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ مِنَّا. فَذَبَحَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ الدَّمِ سَبْعَمِائَةٍ وَسَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ رُءُوسِهِمْ، فَلَمْ يَهْدَأْ، فَأَمَرَ بِسَبْعِمِائَةٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَذُبِحُوا عَلَى الدَّمِ، فَلَمْ يَهْدَأْ. فَلَمَّا رَأَى الدَّمَ لَا يَبْرُدُ قَالَ لَهُمْ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اصْدُقُونِي وَاصْبِرُوا عَلَى أَمْرِ رَبِّكُمْ، فَقَدْ طَالَ مَا مَلَكْتُمْ فِي الْأَرْضِ تَفْعَلُونَ مَا شِئْتُمْ، قَبْلَ أَنْ لَا أَدَعَ مِنْكُمْ نَافِخَ نَارٍ أُنْثَى وَلَا ذَكَرًا إِلَّا قَتَلْتُهُ. فَلَمَّا رَأَوُا الْجَهْدَ وَشِدَّةَ الْقَتْلِ صَدَقُوهُ الْخَبَرَ وَقَالُوا: هَذَا [دَمُ] نَبِيٍّ كَانَ يَنْهَانَا عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يُسْخِطُ اللَّهَ، وَيُخْبِرُنَا بِخَبَرِكُمْ، فَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَقَتَلْنَاهُ فَهَذَا دَمُهُ. فَقَالَ: مَا كَانَ اسْمُهُ؟ قَالُوا: يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ. قَالَ: الْآنَ صَدَقْتُمُونِي، لِمِثْلِ هَذَا انْتَقَمَ رَبُّكُمْ مِنْكُمْ، وَخَرَّ سَاجِدًا، وَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: أَغْلِقُوا أَبْوَابَ الْمَدِينَةِ، وَأَخْرِجُوا مَنْ هَهُنَا مِنْ جَيْشِ جُودَرْسَ. فَفَعَلُوا، وَخَلَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ قَالَ لِلدَّمِ: يَا يَحْيَى، قَدْ عَلِمَ رَبِّي وَرَبُّكَ مَا قَدْ أَصَابَ قَوْمَكَ مِنْ أَجْلِكَ وَمَا قُتِلَ مِنْهُمْ، فَاهْدَأْ بِإِذْنِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ لَا يَبْقَى مِنْ قَوْمِكَ أَحَدٌ. فَسَكَنَ الدَّمُ، وَرَفَعَ نُبُوزَاذَانُ الْقَتْلَ، وَقَالَ: آمَنْتُ بِمَا آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَصَدَّقْتُ بِهِ وَأَيْقَنْتُ أَنَّهُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ. ثُمَّ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ جُودَرْسَ أَمَرَنِي أَنْ
أَقْتُلَ فِيكُمْ حَتَّى تَسِيلَ دِمَاؤُكُمْ فِي عَسْكَرِهِ، وَلَسْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعْصِيَهُ. قَالُوا: افْعَلْ. فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحْفِرُوا حُفَيْرَةً، وَأَمَرَ بِالْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَالْإِبِلِ فَذَبَحَهَا حَتَّى كَثُرَ الدَّمُ وَأَجْرَى عَلَيْهِ مَاءً، فَسَارَ الدَّمُ فِي الْعَسْكَرِ، فَأَمَرَ بِالْقَتْلَى الَّذِينَ كَانَ قَتَلَهُمْ، فَأُلْقُوا فَوْقَ الْمَوَاشِي، فَلَمَّا نَظَرَ جُودَرْسُ إِلَى الدَّمِ قَدْ بَلَغَ عَسْكَرَهُ أَرْسَلَ إِلَى نُبُوزَاذَانَ: أَنِ ارْفَعِ الْقَتْلَ عَنْهُمْ فَقَدِ انْتَقَمْتُ مِنْهُمْ بِمَا فَعَلُوا. وَهِيَ الْوَقْعَةُ الْأَخِيرَةُ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا - فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا - ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا - إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا - عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} [الإسراء: 4 - 8] ، وَ " عَسَى " [وَعْدٌ] مِنَ اللَّهِ حَقٌّ. وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ الْأُولَى بُخْتُنَصَّرَ وَجُنُودَهُ، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُمُ الْكَرَّةَ، ثُمَّ كَانَتِ الْوَقْعَةُ الْأَخِيرَةُ جُودَرْسَ وَجُنُودَهُ، وَكَانَتْ أَعْظَمَ الْوَقْعَتَيْنِ، فَبِهَا كَانَ خَرَابُ بِلَادِهِمْ وَقَتْلُ رِجَالِهِمْ وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ وَنِسَائِهِمْ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} [الإسراء: 7] . وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ قَتْلَ يَحْيَى كَانَ أَيَّامَ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ، وَقِيلَ: كَانَ قَتْلُهُ قَبْلَ رَفْعِ الْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِسَنَةٍ وَنِصْفٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذِكْرُ قَتْلِ زَكَرِيَّاءَ لَمَّا قُتِلَ يَحْيَى وَسَمِعَ أَبُوهُ بِقَتْلِهِ فَرَّ هَارِبًا فَدَخَلَ بُسْتَانًا عِنْدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِيهِ أَشْجَارٌ، فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ فِي طَلَبِهِ، فَمَرَّ زَكَرِيَّاءُ بِالشَّجَرَةِ. فَنَادَتْهُ: هَلُمَّ إِلَيَّ يَا نَبِيَّ اللَّهِ! فَلَمَّا أَتَاهَا انْشَقَّتْ فَدَخَلَهَا، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِ وَبَقِيَ فِي وَسَطِهَا. فَأَتَى عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ فَأَخَذَ
هُدْبَ رِدَائِهِ فَأَخْرَجَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ لِيُصَدِّقُوهُ إِذَا أَخْبَرَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا نَلْتَمِسُ زَكَرِيَّاءَ. فَقَالَ: إِنَّهُ سَحَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَانْشَقَّتْ لَهُ فَدَخَلَهَا، قَالُوا: لَا نُصَدِّقُكَ! قَالَ: فَإِنَّ لِي عَلَامَةً تُصَدِّقُونِي بِهَا، فَأَرَاهُمْ طَرَفَ رِدَائِهِ، فَأَخَذُوا الْفُئُوسَ وَقَطَعُوا الشَّجَرَةَ بِاثْنَتَيْنِ وَشَقُّوهَا بِالْمِنْشَارِ، فَمَاتَ زَكَرِيَّاءُ فِيهَا، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَخْبَثَ أَهْلِ الْأَرْضِ فَانْتَقَمَ بِهِ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ السَّبَبَ فِي قَتْلِهِ أَنَّ إِبْلِيسَ جَاءَ إِلَى مَجَالِسِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَذَفَ زَكَرِيَّاءَ بِمَرْيَمَ وَقَالَ لَهُمْ: مَا أَحْبَلَهَا غَيْرُهُ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، فَطَلَبُوهُ فَهَرَبَ، وَذَكَرَ مِنْ دُخُولِهِ الشَّجَرَةَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ.
ذكر ولادة المسيح عليه السلام ونبوته إلى آخر أمره
[ذِكْرُ وِلَادَةِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَنُبُوَّتِهِ إِلَى آخِرِ أَمْرِهِ] كَانَتْ وِلَادَةُ الْمَسِيحِ أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ. قَالَتِ الْمَجُوسُ: كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً مِنْ غَلَبَةِ الْإِسْكَنْدَرِ عَلَى أَرْضِ بَابِلَ، وَبَعْدَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ سَنَةً مَضَتْ مِنْ مُلْكِ الْأَشْكَانِيِّينَ. وَقَالَتِ النَّصَارَى: إِنَّ وِلَادَتَهُ كَانَتْ لِمُضِيِّ ثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً مِنْ وَقْتِ غَلَبَةِ الْإِسْكَنْدَرِ عَلَى أَرْضِ بَابِلَ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَوْلِدَ يَحْيَى كَانَ قَبْلَ مَوْلِدِ الْمَسِيحِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَأَنَّ مَرْيَمَ، عَلَيْهَا السَّلَامُ، حَمَلَتْ بِعِيسَى وَلَهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: عِشْرُونَ، وَأَنَّ عِيسَى عَاشَ إِلَى أَنْ رُفِعَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَيَّامًا، وَأَنَّ مَرْيَمَ عَاشَتْ بَعْدَهُ سِتَّ سِنِينَ، فَكَانَ جَمِيعُ عُمُرِهَا إِحْدَى وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَأَنَّ يَحْيَى قُتِلَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ الْمَسِيحُ، وَأَتَتِ الْمَسِيحَ النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ وَعُمُرُهُ ثَلَاثُونَ سَنَةً. وَقَدْ ذَكَرْنَا حَالَ مَرْيَمَ فِي خِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ، وَكَانَتْ هِيَ وَابْنُ عَمِّهَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ مَاثَانَ النَّجَّارُ يَلِيَانِ خِدْمَةَ الْكَنِيسَةِ، وَكَانَ يُوسُفُ حَكِيمًا نَجَّارًا يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ وَيَتَصَدَّقُ بِذَلِكَ. وَقَالَتِ النَّصَارَى: إِنَّ مَرْيَمَ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا يُوسُفُ ابْنُ عَمِّهَا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْرَبْهَا إِلَّا بَعْدَ رَفْعِ الْمَسِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَتْ مَرْيَمُ إِذَا نَفِدَ مَاؤُهَا وَمَاءُ يُوسُفَ ابْنِ عَمِّهَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُلَّتَهُ
وَانْطَلَقَ إِلَى الْمَغَارَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَاءُ يَسْتَعْذِبَانِ مِنْهُ ثُمَّ يَرْجِعَانِ إِلَى الْكَنِيسَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي لَقِيَهَا فِيهِ جِبْرِيلُ نَفِدَ مَاؤُهَا فَقَالَتْ لِيُوسُفَ لِيَذْهَبَ مَعَهَا إِلَى الْمَاءِ، فَقَالَ: عِنْدِي مِنَ الْمَاءِ مَا يَكْفِينِي إِلَى غَدٍ، فَأَخَذَتْ قُلَّتَهَا وَانْطَلَقَتْ وَحْدَهَا حَتَّى دَخَلَتِ الْمَغَارَةَ، فَوَجَدَتْ جَبْرَائِيلَ قَدْ مَثَّلَهُ اللَّهُ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، فَقَالَ لَهَا: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَنِي إِلَيْكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا. {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [مريم: 18] أَيْ مُطِيعًا لِلَّهِ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، وَتَحْسَبُهُ رَجُلًا، {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا - قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} [مريم: 19 - 20]- أَيْ زَانِيَةً - {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ} [مريم: 21] ، إِلَى قَوْلِهِ {أَمْرًا مَقْضِيًّا} [مريم: 21] فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ اسْتَسْلَمَتْ لِقَضَاءِ اللَّهِ، وَنَفَخَ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا وَقَدْ حَمَلَتْ بِالْمَسِيحِ، وَمَلَأَتْ قُلَّتَهَا وَعَادَتْ، وَكَانَ لَا يُعْلَمُ فِي أَهْلِ زَمَانِهَا أَعْبَدُ مِنْهَا وَمِنِ ابْنِ عَمِّهَا يُوسُفَ النَّجَّارِ، وَكَانَ مَعَهَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَنْكَرَ حَمْلَهَا، فَلَمَّا رَأَى الَّذِي بِهَا اسْتَعْظَمَهُ وَلَمْ يَدْرِ عَلَى مَاذَا يَضَعُ ذَلِكَ مِنْهَا، فَإِذَا أَرَادَ يَتَّهِمُهَا ذَكَرَ صَلَاحَهَا وَأَنَّهَا لَمْ تَغِبْ عَنْهُ سَاعَةً قَطُّ، وَإِذَا أَرَادَ يُبَرِّئُهَا رَأَى الَّذِي بِهَا، فَلَمَّا اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَلَّمَهَا فَكَانَ أَوَّلُ كَلَامِهِ لَهَا أَنْ قَالَ لَهَا: إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ مِنْ أَمْرِكِ شَيْءٌ قَدْ حَرَصْتُ عَلَى أَنْ أُمِيتَهُ وَأَكْتُمَهُ فَغَلَبَنِي. فَقَالَتْ: قُلْ قَوْلًا جَمِيلًا. فَقَالَ: حَدِّثِينِي هَلْ يَنْبُتُ زَرْعٌ بِغَيْرِ بَذْرٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ يَنْبُتُ شَجَرٌ بِغَيْرِ غَيْثٍ يُصِيبُهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ يَكُونُ وَلَدٌ بِغَيْرِ ذَكَرٍ؟ قَالَتْ لَهُ: نَعَمْ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ أَنْبَتَ الزَّرْعَ يَوْمَ خَلَقَهُ بِغَيْرِ بَذْرٍ! أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الشَّجَرَ مِنْ غَيْرِ مَطَرٍ! وَأَنَّهُ جَعَلَ بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ الْغَيْثَ حَيَاةً لِلشَّجَرِ بَعْدَمَا خَلَقَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَحْدَهُ! أَوَ تَقُولُ لَنْ يَقْدِرَ اللَّهُ عَلَى أَنْ يُنْبِتَ حَتَّى يَسْتَعِينَ بِالْبَذْرِ وَالْمَطَرِ! قَالَ يُوسُفُ: لَا أَقُولُ هَكَذَا وَلَكِنِّي أَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ، إِنَّمَا يَقُولُ لِذَلِكَ كُنْ فَيَكُونُ. قَالَتْ لَهُ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَحَوَّاءَ مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى! قَالَ: بَلَى، فَلَمَّا قَالَتْ لَهُ ذَلِكَ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ الَّذِي بِهَا شَيْءٌ مِنَ اللَّهِ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَسْأَلَهَا عَنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ كِتْمَانِهَا لَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا خَرَجَتْ إِلَى جَانِبِ الْحُجُرَاتِ لِحَيْضٍ أَصَابَهَا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا مِنَ الْجُدْرَانِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ إِذَا بِرَجُلٍ مَعَهَا، وَذَكَرَ الْآيَاتِ، فَلَمَّا حَمَلَتْ أَتَتْهَا خَالَتُهَا امْرَأَةُ زَكَرِيَّاءَ لَيْلَةً تَزُورُهَا، فَلَمَّا فَتَحَتْ لَهَا الْبَابَ الْتَزَمَتْهَا، فَقَالَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّاءَ: إِنِّي حُبْلَى. فَقَالَتْ لَهَا مَرْيَمُ: وَأَنَا أَيْضًا حُبْلَى. قَالَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّاءَ: فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِمَا فِي بَطْنِكِ. وَوَلَدَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ حَمْلِهَا، فَقِيلَ: تِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَهُوَ قَوْلُ النَّصَارَى، وَقِيلَ ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، فَكَانَ ذَلِكَ آيَةً أُخْرَى لِأَنَّهُ لَمْ يَعِشْ مَوْلُودٌ لِثَمَانِيَةِ أَشْهُرِ غَيْرُهُ، وَقِيلَ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ، وَقِيلَ: سَاعَةً وَاحِدَةً، وَهُوَ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا} [مريم: 22] عَقَبَةُ بِالْفَاءَ. فَلَمَّا أَحَسَّتْ مَرْيَمُ خَرَجَتْ إِلَى جَانِبِ الْمِحْرَابِ الشَّرْقِيِّ فَأَتَتْ أَقْصَاهُ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ - وَهِيَ تُطْلِقُ مِنَ الْحَبَلِ اسْتِحْيَاءً مِنَ النَّاسِ - يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا، يَعْنِي نُسِيَ ذِكْرِي وَأَثَرِي فَلَا يُرَى لِي أَثَرٌ وَلَا عَيْنٌ. قَالَتْ مَرْيَمُ: كُنْتُ إِذَا خَلَوْتُ حَدَّثَنِي عِيسَى وَحَدَّثْتُهُ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَنَا إِنْسَانٌ سَمِعْتُ تَسْبِيحَهُ فِي بَطْنِي. فَنَادَاهَا جَبْرَائِيلُ مِنْ تَحْتِهَا - أَيْ مِنْ أَسْفَلِ الْجَبَلِ - أَنْ لَا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُوَ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، أَجْرَاهُ تَحْتَهَا، فَمَنْ قَرَأَ: مِنْ تَحْتِهَا، بِكَسْرِ الْمِيمِ، جَعَلَ الْمُنَادِي جَبْرَائِيلَ، وَمَنْ فَتَحَهَا قَالَ إِنَّهُ عِيسَى، أَنْطَقَهُ اللَّهُ،
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ، كَانَ جِذْعًا مَقْطُوعًا فَهَزَّتْهُ فَإِذَا هُوَ نَخْلَةٌ، وَقِيلَ: كَانَ مَقْطُوعًا فَلَمَّا أَجْهَدْهَا الطَّلْقُ احْتَضَنَتْهُ فَاسْتَقَامَ وَاخْضَرَّ وَأَرْطَبَ، فَقِيلَ لَهَا: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} [مريم: 25] فَهَزَّتْهُ فَتَسَاقَطَ الرُّطَبُ فَقَالَ لَهَا: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم: 26] ، وَكَانَ مَنْ صَامَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى يُمْسِيَ. فَلَمَّا وَلَدَتْهُ ذَهَبَ إِبْلِيسُ فَأَخْبَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّ مَرْيَمَ قَدْ وَلَدَتْ، فَأَقْبَلُوا يَشْتَدُّونَ بِدَعْوَتِهَا، فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ وَقِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ النَّجَّارَ تَرَكَهَا فِي مَغَارَةٍ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِلَى أَهْلِهَا، فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا لَهَا: {يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا - يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: 27 - 28] فَمَا بَالُكِ أَنْتِ؟ وَكَانَ مِنْ نَسْلِ هَارُونَ أَخِي مُوسَى، كَذَا قِيلَ. قُلْتُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ نَسْلِ هَارُونَ إِنَّمَا هِيَ مَنْ سِبْطِ يَهُوذَا بْنِ يَعْقُوبَ مِنْ نَسْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُدْعَوْنَ بِالصَّالِحِينَ، وَهَارُونُ مِنْ وَلَدِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ. قَالَتْ لَهُمْ مَا أَمَرَهَا اللَّهُ بِهِ، فَلَمَّا أَرَادُوهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْكَلَامِ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ، فَغَضِبُوا وَقَالُوا: لَسُخْرِيَتُهَا بِنَا أَشُدُّ عَلَيْنَا مِنْ زِنَائِهَا. {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} [مريم: 29] ، فَتَكَلَّمَ عِيسَى فَقَالَ: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا - وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 30 - 31] . فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْعُبُودِيَّةُ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ إِلَهٌ.
وَكَانَ قَوْمُهَا قَدْ أَخَذُوا الْحِجَارَةَ لِيَرْجُمُوهَا، فَلَمَّا تَكَلَّمَ ابْنُهَا تَرَكُوهَا. ثُمَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ بَعْدَهَا حَتَّى كَانَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنَ الصِّبْيَانِ، وَقَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ: مَا أَحْبَلَهَا غَيْرُ زَكَرِيَّاءَ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهَا، فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ، فَفَرَّ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَدْرَكُوهُ فَقَتَلُوهُ. وَقِيلَ فِي سَبَبِ قَتْلِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا دَنَا نِفَاسُهَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا: أَنِ اخْرُجِي مِنْ أَرْضِ قَوْمِكِ فَإِنَّهُمْ إِذَا ظَفِرُوا بِكِ عَيَّرُوكِ وَقَتَلُوكِ وَوَلَدَكِ. فَاحْتَمَلَهَا يُوسُفُ النَّجَّارُ وَسَارَ بِهَا إِلَى أَرْضِ مِصْرَ، فَلَمَّا وَصَلَا إِلَى تُخُومِ مِصْرَ أَدْرَكَهَا الْمَخَاضُ، فَلَمَّا وَضَعَتْ وَهِيَ مَحْزُونَةٌ قِيلَ لَهَا: لَا تَحْزَنِي الْآيَةَ إِلَى (إِنْسِيًّا) ، فَكَانَ الرُّطَبُ يَتَسَاقَطُ عَلَيْهَا وَذَلِكَ فِي الشِّتَاءِ، وَأَصْبَحَتِ الْأَصْنَامُ مَنْكُوسَةً عَلَى رُءُوسِهَا، وَفَزِعَتِ الشَّيَاطِينُ فَجَاءُوا إِلَى إِبْلِيسَ، فَلَمَّا رَأَى جَمَاعَتَهُمْ سَأَلَهُمْ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ حَادِثٌ، فَطَارَ عِنْدَ ذَلِكَ وَغَابَ عَنْهُمْ فَمَرَّ بِالْمَكَانِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ عِيسَى فَرَأَى الْمَلَائِكَةَ مُحْدِقِينَ فِيهِ، فَعَلِمَ أَنَّ الْحَدَثَ فِيهِ، وَلَمْ تُمَكِّنْهُ الْمَلَائِكَةُ مِنَ الدُّنُوِّ مِنْ عِيسَى، فَعَادَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَأَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ وَقَالَ لَهُمْ: مَا وَلَدَتِ امْرَأَةٌ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَضِلَّ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّنْ يَهْتَدِي. وَاحْتَمَلَتْهُ مَرْيَمُ إِلَى أَرْضِ مِصْرَ فَمَكَثَتِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً تَكْتُمُهُ مِنَ النَّاسِ، فَكَانَتْ تَلْتَقِطُ السُّنْبُلَ وَالْمَهْدُ فِي مَنْكِبَيْهَا. قُلْتُ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ فِي وِلَادَتِهِ بِأَرْضِ قَوْمِهَا لِلْقُرْآنِ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} [مريم: 27] ، وَقَوْلِهِ {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} [مريم: 29] . وَقِيلَ: إِنَّ مَرْيَمَ حَمَلَتِ الْمَسِيحَ إِلَى مِصْرَ بَعْدَ وِلَادَتِهِ وَمَعَهَا يُوسُفُ النَّجَّارُ، وَهِيَ الرَّبْوَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقِيلَ: الرَّبْوَةُ دِمَشْقُ، وَقِيلَ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ الْخَوْفَ مِنْ مَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ مِنَ الرُّومِ، وَاسْمُهُ
هِيرُودَسُ، فَإِنَّ الْيَهُودَ أَغْرَوْهُ بِقَتْلِهِ، فَسَارُوا إِلَى مِصْرَ وَأَقَامُوا بِهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَى أَنْ مَاتَ ذَلِكَ الْمَلِكُ، وَعَادُوا إِلَى الشَّامِ، وَقِيلَ: إِنَّ هِيرُودَسُ لَمْ يُرِدْ قَتْلَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ بِهِ إِلَّا بَعْدَ رَفْعِهِ، وَإِنَّمَا خَافُوا الْيَهُودَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذِكْرُ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَبَعْضِ مُعْجِزَاتِهِ لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ بِمِصْرَ نَزَلَتْ عَلَى دِهْقَانَ، وَكَانَتْ دَارُهُ يَأْوِي إِلَيْهَا الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، فَسُرِقَ لَهُ مَالٌ، فَلَمْ يَتَّهِمِ الْمَسَاكِينَ، فَحَزِنَتْ مَرْيَمُ فَلَمَّا رَأَى عِيسَى حُزْنَ أُمِّهِ قَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ أَدُلَّهُ عَلَى مَالِهِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّهُ أَخْذَهُ الْأَعْمَى وَالْمُقْعَدُ، اشْتَرَكَا فِيهِ، حَمَلَ الْأَعْمَى الْمُقْعَدَ فَأَخَذَهُ، فَقِيلَ لِلْأَعْمَى لِيَحْمِلَ الْمُقْعَدَ، فَأَظْهَرَ الْعَجْزَ، فَقَالَ لَهُ الْمَسِيحُ: كَيْفَ قَوِيتَ عَلَى حَمْلِهِ الْبَارِحَةَ لَمَّا أَخَذْتُمَا الْمَالَ؟ فَاعْتَرَفَا وَأَعَادَاهُ. وَنَزَلَ بِالدِّهْقَانِ أَضْيَافٌ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ شَرَابٌ، فَاهْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمَّا رَآهُ عِيسَى دَخَلَ بَيْتًا لِلدِّهْقَانِ فِيهِ صَفَّانِ مِنْ جِرَارٍ فَأَمَرَّ عِيسَى يَدَهُ عَلَى أَفْوَاهِهَا وَهُوَ يَمْشِي، فَامْتَلَأَتْ شَرَابًا، وَعُمُرُهُ حِينَئِذٍ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً. وَكَانَ فِي الْكُتَّابِ يُحَدِّثُ الصِّبْيَانَ بِمَا يَصْنَعُ أَهْلُوهُمْ وَبِمَا كَانُوا يَأْكُلُونَ. قَالَ وَهْبٌ: بَيْنَمَا عِيسَى يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ إِذْ وَثَبَ غُلَامٌ عَلَى صَبِيٍّ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ فَقَتَلَهُ فَأَلْقَاهُ بَيْنَ رِجْلَيِ الْمَسِيحِ مُتَلَطِّخًا بِالدَّمِ، فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ فَقَالُوا: قَتَلَ صَبِيًّا، فَسَأَلَهُ الْحَاكِمُ، فَقَالَ: مَا قَتَلْتُهُ. فَأَرَادُوا أَنْ يَبْطِشُوا بِهِ، فَقَالَ: إِيتُونِي بِالصَّبِيِّ حَتَّى أَسْأَلَهُ مَنْ قَتَلَهُ، فَتَعَجَّبُوا مِنْ قَوْلِهِ، وَأَحْضَرُوا عِنْدَهُ الْقَتِيلَ، فَدَعَا اللَّهَ فَأَحْيَاهُ، فَقَالَ: مَنْ قَتَلَكَ؟ فَقَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ، يَعْنِي الَّذِي قَتَلَهُ. فَقَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِلْقَتِيلِ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ مَاتَ الْغُلَامُ مِنْ سَاعَتِهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: سَلَّمَتْ مَرْيَمُ عِيسَى إِلَى صَبَّاغٍ يَتَعَلَّمُ عِنْدَهُ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَ الصَّبَّاغِ ثِيَابٌ
وَعَرَضَ لَهُ حَاجَةٌ، فَقَالَ لِلْمَسِيحِ: هَذِهِ ثِيَابٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ وَقَدْ جَعَلْتُ فِي كُلِّ ثَوْبٍ مِنْهَا خَيْطًا عَلَى اللَّوْنِ الَّذِي يُصْبَغُ بِهِ فَاصْبُغْهَا حَتَّى أَعُودَ مِنْ حَاجَتِي هَذِهِ. فَأَخَذَهَا الْمَسِيحُ وَأَلْقَاهَا فِي جُبٍّ وَاحِدٍ، فَلَمَّا عَادَ الصَّبَّاغُ سَأَلَهُ عَنِ الثِّيَابِ فَقَالَ: صَبَغْتُهَا. فَقَالَ: أَيْنَ هِيَ؟ قَالَ: فِي هَذَا الْجُبِّ، فَقَالَ: كُلُّهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَقَدْ أَفْسَدْتَهَا عَلَى أَصْحَابِهَا! وَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْمَسِيحُ: لَا تَعْجَلْ وَانْظُرْ إِلَيْهَا، وَقَامَ وَأَخْرَجَهَا كُلُّ ثَوْبٍ مِنْهَا عَلَى اللَّوْنِ الَّذِي أَرَادَ صَاحِبُهُ، فَتَعَجَّبَ الصَّبَّاغُ مِنْهُ وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَمَّا عَادَ عِيسَى وَأُمُّهُ إِلَى الشَّامِ نَزَلَا بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ، وَبِهَا سُمِّيَتِ النَّصَارَى، فَأَقَامَ إِلَى أَنْ بَلَغَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَبْرُزَ لِلنَّاسِ وَيَدْعُوَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيُدَاوِيَ الْمَرْضَى وَالزَّمْنَى وَالْأَبْرَصَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْمَرْضَى، فَفَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَأَحَبَّهُ النَّاسُ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ وَعَلَا ذِكْرُهُ. وَحَضَرَ يَوْمًا طَعَامَ بَعْضِ الْمُلُوكِ كَانَ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ، فَقَعَدَ عَلَى قَصْعَةٍ يَأْكُلُ مِنْهَا وَلَا تَنْقُصُ، فَقَالَ الْمَلِكُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. فَنَزَلَ الْمَلِكُ عَنْ مُلْكِهِ وَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا الْحَوَارِيِّينَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْحَوَارِيِّينَ هُمُ الصَّبَّاغُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَأَصْحَابٌ لَهُ، وَقِيلَ: كَانُوا صَيَّادِينَ، وَقِيلَ: قَصَّارِينَ، وَقِيلَ: مَلَّاحِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَتْ عِدَّتُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وَكَانُوا إِذَا جَاعُوا أَوْ عَطِشُوا قَالُوا: يَا رُوحَ اللَّهِ قَدْ جُعْنَا وَعَطِشْنَا، فَيَضْرِبُ يَدَهُ إِلَى الْأَرْضِ فَيَخْرُجُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ رَغِيفَيْنِ وَمَا يَشْرَبُونَ. فَقَالُوا: مَنْ أَفْضَلُ مِنَّا، إِذَا شِئْنَا أَطْعَمْتَنَا وَسَقَيْتَنَا! فَقَالَ: أَفْضَلُ مِنْكُمْ مَنْ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ، فَصَارُوا يَغْسِلُونَ الثِّيَابَ بِالْأُجْرَةِ. وَلَمَّا أَرْسَلَهُ اللَّهُ أَظْهَرَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ أَنَّهُ صَوَّرَ مِنْ طِينٍ صُورَةَ طَائِرٍ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ
فَيَصِيرُ طَائِرًا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَقِيلَ هُوَ الْخُفَّاشُ. وَكَانَ غَالِبًا عَلَى زَمَانِهِ الطِّبُّ فَأَتَاهُمْ بِمَا أَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأَحْيَا الْمَوْتَى تَعْجِيزًا لَهُمْ، فَمِمَّنْ أَحْيَاهُ " عَازَرُ "، وَكَانَ صَدِيقًا لِعِيسَى، فَمَرِضَ، فَأَرْسَلَتْ أُخْتُهُ إِلَى عِيسَى أَنَّ عَازَرَ يَمُوتُ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَبَيْنَهُمَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَوَصَلَ وَقَدْ مَاتَ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَأَتَى قَبْرَهُ فَدَعَا لَهُ فَعَاشَ، وَبَقِيَ حَتَّى وُلِدَ لَهُ. وَأَحْيَا امْرَأَةً وَعَاشَتْ وَوَلَدَ لَهَا. وَأَحْيَا سَامَ بْنَ نُوحٍ، كَانَ يَوْمًا مَعَ الْحَوَارِيِّينَ يَذْكُرُ نُوحًا وَالْغَرَقَ وَالسَّفِينَةَ فَقَالُوا: لَوْ بَعَثْتَ لَنَا مَنْ شَهِدَ ذَلِكَ! فَأَتَى تَلًّا وَقَالَ: هَذَا قَبْرُ سَامِ بْنِ نُوحٍ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ فَعَاشَ، وَقَالَ: قَدْ قَامَتِ الْقِيَامَةُ؟ فَقَالَ الْمَسِيحُ: لَا وَلَكِنْ دَعَوْتُ اللَّهَ فَأَحْيَاكَ، فَسَأَلُوهُ، فَأَخْبَرَهُمْ، ثُمَّ عَادَ مَيِّتًا. وَأَحْيَا عُزَيْرًا النَّبِيَّ، قَالَ لَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ: أَحْيِ لَنَا عُزَيْرًا وَإِلَّا أَحْرَقْنَاكَ. فَدَعَا اللَّهَ فَعَاشَ، فَقَالُوا: مَا تَشْهَدُ لِهَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. وَأَحْيَا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّاءَ. وَكَانَ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ. ذِكْرُ نُزُولِ الْمَائِدَةِ وَكَانَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْعَظِيمَةِ نُزُولُ الْمَائِدَةِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ قَالُوا لَهُ: يَا عِيسَى {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} [المائدة: 112] فَدَعَا عِيسَى فَقَالَ: {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} [المائدة: 114] فَأَنْزَلَ اللَّهُ الَمَّائِدَةَ عَلَيْهَا خُبْزٌ وَلَحْمٌ يَأْكُلُونَ مِنْهَا وَلَا تَنْفَدُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهَا مُقِيمَةٌ مَا لَمْ تَدَّخِرُوا مِنْهَا. فَمَا مَضَى يَوْمُهُمْ حَتَّى ادَّخَرُوا.
وَقِيلَ: أَقْبَلَتِ الْمَلَائِكَةُ تَحْمِلُ الْمَائِدَةَ عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ وَسَبْعَةُ أَحْوَاتٍ حَتَّى وَضَعُوهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَأَكَلَ مِنْهَا آخِرُ النَّاسِ كَمَا أَكَلَ أَوَّلُهُمْ، وَقِيلَ: كَانَ عَلَيْهَا مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: كَانَتْ تُمَدُّ بِكُلِّ طَعَامٍ إِلَّا اللَّحْمَ، وَقِيلَ: كَانَتْ سَمَكَةً فِيهَا طَعْمُ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمَّا أَكَلُوا مِنْهَا، وَهُمْ خَمْسَةُ آلَافٍ، وَزَادَتْ حَتَّى بَلَغَ الطَّعَامُ رُكَبَهُمْ، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ. فَكَذَّبَ بِهِ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهُ، وَقَالُوا: سَحَرَ أَعْيُنَكُمْ، فَافْتَتَنَ بَعْضُهُمْ وَكَفَرَ، فَمُسِخُوا خَنَازِيرَ لَيْسَ فِيهِمُ امْرَأَةٌ وَلَا صَبِيٌّ، فَبَقُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ هَلَكُوا وَلَمْ يَتَوَالَدُوا. وَقِيلَ: كَانَتِ الَمَّائِدَةُ سُفْرَةً حَمْرَاءَ تَحْتَهَا غَمَامَةٌ وَفَوْقَهَا غَمَامَةٌ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا تَنْزِلُ حَتَّى سَقَطَتْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَبَكَى عِيسَى وَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الشَّاكِرِينَ! اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا مُثْلَةً وَلَا عُقُوبَةً! وَالْيَهُودُ يَنْظُرُونَ إِلَى شَيْءٍ لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ وَلَمْ يَجِدُوا رِيحًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِهَا. فَقَالَ شَمْعُونُ: يَا رُوحَ اللَّهِ، أَمِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا أَمْ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ الْمَسِيحُ: لَا مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا وَلَا مِنْ طَعَامِ الْآخِرَةِ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ خَلَقَهُ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ. فَقَالَ لَهُمْ: كُلُوا مِمَّا سَأَلْتُمْ. فَقَالُوا لَهُ: كُلْ أَنْتَ يَا رُوحُ. فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ آكُلَ مِنْهَا! فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَأْكُلُوا مِنْهَا، فَدَعَا الْمَرْضَى، وَالزَّمْنَى، وَالْفُقَرَاءَ، فَأَكَلُوا مِنْهَا، وَهُمْ أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ، فَشَبِعُوا، وَهِيَ بِحَالِهَا لَمْ تَنْقُصْ، فَصَحَّ الْمَرْضَى، وَالزَّمْنَى، وَاسْتَغْنَى الْفُقَرَاءُ، ثُمَّ صَعِدَتْ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا حَتَّى تَوَارَتْ، وَنَدِمَ الْحَوَارِيُّونَ حَيْثُ لَمْ يَأْكُلُوا مِنْهَا. وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، كَانَتْ تَنْزِلُ يَوْمًا وَتَنْقَطِعُ يَوْمًا، وَأَمَرَ اللَّهُ عِيسَى أَنْ يَدْعُوَ إِلَيْهَا الْفُقَرَاءَ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَاشْتَدَّ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَجَحَدُوا نُزُولَهَا وَشَكُّوا فِي ذَلِكَ وَشَكَّكُوا غَيْرَهُمْ فِيهَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي شَرَطْتُ أَنْ أُعَذِّبَ الْمُكَذِّبِينَ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُ بِهِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَمَسَخَ مِنْهُمْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ رَجُلًا فَأَصْبَحُوا خَنَازِيرَ. فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ فَزِعُوا إِلَى عِيسَى وَبَكَوْا، وَبَكَى عِيسَى عَلَى الْمَمْسُوخِينَ. فَلَمَّا أَبْصَرَتِ الْخَنَازِيرُ عِيسَى بَكَوْا وَطَافُوا وَهُوَ يَدْعُوهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَيُشِيرُونَ
بِرُءُوسِهِمْ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْكَلَامِ، فَعَاشُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ هَلَكُوا. ذِكْرُ رَفْعِ الْمَسِيحِ إِلَى السَّمَاءِ وَنُزُولِهِ إِلَى أُمِّهِ وَعَوْدِهِ إِلَى السَّمَاءِ قِيلَ: إِنَّ عِيسَى اسْتَقْبَلَهُ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: قَدْ جَاءَ السَّاحِرُ ابْنُ السَّاحِرَةِ الْفَاعِلُ ابْنُ الْفَاعِلَةِ! وَقَذَفُوهُ وَأُمَّهُ، فَسَمِعَ ذَلِكَ وَدَعَا عَلَيْهِمْ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ وَمَسْخَهُمْ خَنَازِيرَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَأْسُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَزِعَ وَخَافَ وَجَمَعَ كَلِمَةَ الْيَهُودِ عَلَى قَتْلِهِ، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُكُمْ، فَغَضِبُوا مِنْ مَقَالَتِهِ، وَثَارُوا إِلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ جَبْرَائِيلَ فَأَدْخَلَهُ فِي خَوْخَةٍ إِلَى بَيْتٍ فِيهَا رَوْزَنَةٌ فِي سَقْفِهَا فَرَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ، فَأَمَرَ رَأْسُ الْيَهُودِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ اسْمُهُ " قَطِيبَانُوسُ " أَنْ يَدْخُلَ إِلَيْهِ فَيَقْتُلَهُ. فَدَخَلَ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا، وَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ شَبَحَ الْمَسِيحِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَظَنُّوهُ عِيسَى، فَقَتَلُوهُ، وَصَلَبُوهُ. وَقِيلَ: إِنَّ عِيسَى قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يُرِيدُ أَنْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي وَهُوَ مَقْتُولٌ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَنَا يَا رُوحَ اللَّهِ. فَأُلْقِي عَلَيْهِ شَبَهُهُ، فَقُتِلَ وَصُلِبَ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي شُبِّهَ بِعِيسَى وَصُلِبَ رَجُلٌ إِسْرَائِيلِيٌّ اسْمُهُ يُوشَعُ أَيْضًا. وَقِيلَ: لَمَّا أَعْلَمَ اللَّهُ الْمَسِيحَ أَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ الدُّنْيَا جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ فَدَعَا الْحَوَارِيِّينَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا فَقَالَ: احْضُرُونِي اللَّيْلَةَ فَإِنَّ لِي إِلَيْكُمْ حَاجَةً. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عَشَّاهُمْ، وَقَامَ يَخْدُمُهُمْ. فَلَمَّا فَرَغُوا أَخَذَ يَغْسِلُ أَيْدِيَهُمْ بِيَدِهِ وَيَمْسَحُهَا بِثِيَابِهِ، فَتَعَاظَمُوا ذَلِكَ وَكَرِهُوا. فَقَالَ: مَنْ يَرُدُّ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ شَيْئًا مِمَّا أَصْنَعُ فَلَيْسَ مِنِّي، فَأَقَرُّوهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا مَا خَدَمْتُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ وَغَسَلْتُ بِيَدَيَّ فَلْيَكُنْ لَكُمْ بِي أُسْوَةٌ فَلَا يَتَعَاظَمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَأَمَّا حَاجَتِيَ الَّتِي أَسْتَغِيثُكُمْ عَلَيْهَا فَتَدْعُونَ اللَّهَ
لِي وَتَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ أَنْ يُؤَخِّرَ أَجَلِي. فَلَمَّا نَصَبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلدُّعَاءِ أَخَذَهُمُ النَّوْمُ حَتَّى مَا يَسْتَطِيعُونَ الدُّعَاءَ، فَجَعَلَ يُوقِظُهُمْ وَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَصْبِرُونَ لِي لَيْلَةً! قَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي مَا لَنَا، لَقَدْ كُنَّا نَسْمَرُ فَنُكْثِرُ السَّمَرَ، وَمَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَكُلَمَّا أَرَدْنَا الدُّعَاءَ حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ. فَقَالَ: يُذْهَبُ بِالرَّاعِي وَيَتَفَرَّقُ الْغَنَمُ، وَجَعَلَ يَنْعَى نَفْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَيَكْفُرَنَّ بِي أَحَدُكُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَيَبِيعَنِّي أَحَدُكُمْ بِدَرَاهِمَ يَسِيرَةٍ وَلَيَأْكُلَنَّ ثَمَنِي. فَخَرَجُوا وَتَفَرَّقُوا، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَطْلُبُهُ، فَأَخَذُوا شَمْعُونَ، أَحَدَ الْحَوَارِيِّينَ، وَقَالُوا: هَذَا صَاحِبُهُ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَوْتِهِ قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَقِيلَ: رُفِعَ وَلَمْ يَمُتْ، وَقِيلَ: تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ وَقِيلَ سَبْعَ سَاعَاتٍ، ثُمَّ أَحْيَاهُ وَرَفَعَهُ، وَلَمَّا رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ اللَّهُ لَهُ: انْزِلْ، فَلَمَّا قَالُوا لِشْمَعُونَ عَنِ الْمَسِيحِ جَحَدَ، وَقَالَ: مَا أَنَا بِصَاحِبِهِ! فَتَرَكُوهُ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلَاثًا. فَلَمَّا سَمِعَ صِيَاحَ الدِّيكِ بَكَى وَأَحْزَنَهُ ذَلِكَ. وَأَتَى أَحَدُ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى الْيَهُودِ فَدَلَّهُمْ عَلَى الْمَسِيحِ، وَأَعْطَوْهُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَأَتَى مَعَهُمْ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ الْمَسِيحُ، فَدَخَلَهُ، فَرَفَعَ اللَّهُ الْمَسِيحَ، وَأَلْقَى شَبَهَهُ عَلَى الَّذِي دَلَّهُمْ عَلَيْهِ، فَأَخَذُوهُ، وَأَوْثَقُوهُ، وَقَادُوهُ، وَهُمْ يَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ كُنْتَ تُحْيِي الْمَوْتَى، وَتَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا فَهَلَّا تُنْجِي نَفْسَكَ؟ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا الَّذِي أَدُلُّكُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُصْغُوا إِلَى قَوْلِهِ، وَوَصَلُوا بِهِ إِلَى الْخَشَبَةِ وَصَلَبُوهُ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: إِنَّ الْيَهُودَ لَمَّا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ الْحَوَارِيُّ اتَّبَعُوهُ، وَأَخَذُوهُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ لِيَصْلُبُوهُ، فَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ مَلَائِكَةً فَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَأَلْقَى شَبَهَ الْمَسِيحِ عَلَى الَّذِي دَلَّهُمْ عَلَيْهِ، فَأَخَذُوهُ لِيَصْلُبُوهُ، فَقَالَ: أَنَا الَّذِي دَلَّكُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ عَلَيْهَا. وَرَفَعَ اللَّهُ الْمَسِيحَ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ تَوَفَّاهُ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ،
وَقِيلَ: سَبْعَ سَاعَاتٍ، ثُمَّ أَحْيَاهُ وَرَفَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: انْزِلْ إِلَى مَرْيَمَ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْكِ عَلَيْكَ أَحَدٌ بُكَاءَهَا وَلَمْ يَحْزَنْ أَحَدٌ حُزْنَهَا. فَنَزَلَ عَلَيْهَا بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، فَاشْتَعَلَ الْجَبَلُ حِينَ هَبَطَ نُورًا، وَهِيَ عِنْدَ الْمَصْلُوبِ تَبْكِي وَمَعَهَا امْرَأَةٌ كَانَ أَبْرَأَهَا مِنَ الْجُنُونِ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمَا تَبْكِيَانِ؟ قَالَتَا: عَلَيْكَ! قَالَ: إِنِّي رَفَعَنِي اللَّهُ إِلَيْهِ وَلَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ، وَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ شُبِّهَ لَهُمْ، وَأَمَرَهَا فَجَمَعَتْ لَهُ الْحَوَارِيِّينَ، فَبَثَّهُمْ فِي الْأَرْضِ رُسُلًا عَنِ اللَّهِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُبَلِّغُوا عَنْهُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَأَكْسَاهُ الرِّيشَ، وَأَلْبَسَهُ النُّورَ، وَقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ الْمَطْعَمِ، وَالْمَشْرَبِ، وَطَارَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، فَهُوَ مَعَهُمْ، فَصَارَ إِنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَمَاوِيًّا أَرْضِيًّا. فَتَفَرَّقَ الْحَوَارِيُّونَ حَيْثُ أَمَرَهُمْ، فَتِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي أَهْبَطَهُ اللَّهُ فِيهَا هِيَ الَّتِي تُدَخِّنُ فِيهَا النَّصَارَى. وَتَعَدَّى الْيَهُودُ عَلَى بَقِيَّةِ الْحَوَارِيِّينَ يُعَذِّبُونَهُمْ وَيَشْتُمُونَهُمْ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَلِكُ الرُّومِ، وَاسْمُهُ " هِيرُودَسُ "، وَكَانُوا تَحْتَ يَدِهِ، وَكَانَ صَاحِبَ وَثَنٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانَ يَفْعَلُ الْآيَاتِ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَخَلْقِ الطَّيْرِ مِنَ الطِّينِ وَالْإِخْبَارِ عَنِ الْغُيُوبِ فَعَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَكَانَ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ الْمَلِكُ: وَيْحَكُمْ مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا هَذَا مِنْ أَمْرِهِ، فَوَاللَّهِ لَوْ عَلِمْتُ مَا خَلَّيْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ! ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ فَانْتَزَعَهُمْ مِنْ أَيْدِي الْيَهُودِ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ دِينِ عِيسَى، فَأَخْبَرُوهُ، وَتَابَعَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَاسْتَنْزَلَ الْمَصْلُوبَ الَّذِي شُبِّهَ لَهُمْ فَغَيَّبَهُ، وَأَخَذَ الْخَشَبَةَ الَّتِي صُلِبَ عَلَيْهَا فَأَكْرَمَهَا، وَصَانَهَا وَعَدَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ قَتْلَى كَثِيرَةً، فَمِنْ هُنَاكَ كَانَ أَصْلُ النَّصْرَانِيَّةِ فِي الرُّومِ. وَقِيلَ: كَانَ هَذَا الْمَلِكُ هِيرُودَسُ يَنُوبُ عَنِ الْمَلِكِ الْأَعْظَمِ الْمُلَقَّبِ قَيْصَرَ، وَاسْمُهُ طِيبَارِيُوسُ، وَكَانَ هَذَا أَيْضًا يُسَمَّى مَلِكًا. وَكَانَ مُلْكُ طِيبَارِيُوسَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، مِنْهَا إِلَى ارْتِفَاعِ الْمَسِيحِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَيَّامٌ.
ذكر من ملك من الروم بعد رفع المسيح إلى عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
[ذِكْرُ مَنْ مَلَكَ مِنَ الرُّومِ بَعْدَ رَفْعِ الْمَسِيحِ إِلَى عَهْدِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] زَعَمُوا أَنَّ مُلْكَ الشَّامِ جَمِيعِهِ صَارَ بَعْدَ طِيبَارِيُوسَ إِلَى وَلَدِهِ جَايُوسَ وَكَانَ مُلْكُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنٌ لَهُ آخَرُ اسْمُهُ قُلُودِيُوسُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ نِيرُونُ الَّذِي قَتَلَ بُطْرَسَ وَبُولُسَ فَصَلَبَهُمَا مُنَكَّسَيْنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ بُوطِلَايِسُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ إِسْفِسْيَانُوسُ، وَهَذَا الَّذِي وَجَّهَ ابْنَهُ طِيطُوسَ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ فَهَدَمَهُ وَقَتَلَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ غَضَبًا لِلْمَسِيحِ، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ طِيطُوسُ، ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهُ دُومِطْيَانُوسُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ نَارُوَاسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ طَرَايَانُوسُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ هِدْرِيَانُوسُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ أَنْطُونِينُوسُ بْنُ بِطْيَانُوسَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مَرْقُوسُ وَأَوْلَادُهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ قُومُودُوسُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ فَرْطِينَاجُوسُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ سِيوَارُوشُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ أَنْطِينَاوُسُ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ مَرْقِيَانُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ أَنْطِينَانُوسُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَفِي مُلْكِهِ مَاتَ جَالِينُوسُ الطَّبِيبُ.
ثُمَّ مَلَكَ الْخَسَنْدَرُوسُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مَكْسِيمَانُوسُ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ جُورْدِيَانُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ فَيْلُفُوسُ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ دَاقِيوُسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ قَالُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ وَالَرِيبَانُوسُ وَقَالِينُوسُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ قُلُودِيُوسُ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ قِرِيطَالِيُوسُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ مَلَكَ أُورِلْيَانُوسُ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ طِيقُطُوسُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ فُولُورُنُوسُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مَلَكَ فُرُوبُوسُ سِتَّ سِنِينَ.
ثُمَّ مَلَكَ دِقْلَطْيَانُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مَخْسِيمِيَانُوسُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ قُسْطَنْطِينُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ يُلْيَانُوسُ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ مَلَكَ يُويَانُوسُ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ وَالِنْطِيَانُوسُ وَغِرْطِيَانُوسُ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ خِرْطِيَانُوسُ وَوَالِنْطِيَانُوسُ الصَّغِيرُ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ تِيَادَاسِيسُ الْأَكْبَرُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ أُرْقَادِيُوسُ وَأَنُورْيُوسُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ تِيَادَاسِيسُ الْأَصْغَرُ وَوَالِنْطِيَانُوسُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مُرْقِيَانُوسُ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ لَاوْ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ زَانُونُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ أَنِسْطَاسُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطِنْيَانُوسُ تِسْعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطِنْيَانُوسُ الشَّيْخُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطِينَسُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ طِيبَارِيُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَرِيقِيشُ وَتَادَاسِيسُ ابْنُهُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ فَوْقَا الَّذِي قُتِلَ سَبْعَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ هِرَقْلُ الَّذِي كَتَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ سِنِينَ. فَمِنْ لَدُنْ عُمِّرَ الْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ بَعْدَ أَنْ أَخْرَبَهُ بُخْتُنَصَّرُ إِلَى الْهِجْرَةِ، عَلَى قَوْلِهِمْ،
أَلْفُ سَنَةٍ وَنَيِّفٌ، وَمِنْ مُلْكِ الْإِسْكَنْدَرِ إِلَيْهَا تِسْعُمِائَةٍ وَنَيِّفٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَمِنْ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِ ظُهُورِهِ إِلَى مَوْلِدِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ وَثَلَاثُ سِنِينَ، وَمِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى ارْتِفَاعِهِ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سَنَةً. وَمِنْ وَقْتِ ارْتِفَاعِهِ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَمِنْ وَقْتِ ارْتِفَاعِهِ إِلَى الْهِجْرَةِ خَمْسُمِائَةٍ وَخَمْسٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَأَشْهُرٌ. هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ مِنْ عَدَدِ مُلُوكِ الرُّومِ، وَقَدْ أَخْلَى ذِكْرَهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَيَّامِهِمْ، وَقَدْ سَطَّرَهَا غَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالتَّارِيخِ وَخَالَفَهُ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا وَوَافَقَهُ فِي الْبَاقِي مَعَ مُخَالَفَةِ الِاسْمِ وَأَضَافَ إِلَى أَسْمَائِهِمْ ذِكْرَ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي أَيَّامِهِمْ، وَأَنَا أَذْكُرُهُ مُخْتَصَرًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ذكر ملوك الروم وهم ثلاث طبقات، فالطبقة الأولى الصابئون
[ذِكْرُ مُلُوكِ الرُّومِ وَهُمْ ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ، فَالطَّبَقَةُ الْأُولَى الصَّابِئُونَ] ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ أَنَّ الرُّومَ غَلَبَتِ الْيُونَانَ، وَهُمْ وَلَدُ صُوفِيرَ، وَالْإِسْرَائِيلِيُّونَ يَدَّعُونَ أَنَّ صُوفِيرَ هُوَ الْأَصْفَرُ بْنُ نَفَرِ بْنِ عِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانُوا يُنْزِلُونَ رُومِيَّةَ قَبْلَ غَلَبَتِهِمْ عَلَى الْيُونَانِ، وَكَانُوا يَدِينُونَ قَبْلَ النَّصْرَانِيَّةِ بِمَذْهَبِ الصَّابِئِينَ، وَلَهُمْ أَصْنَامٌ يَعْبُدُونَهَا عَلَى عَادَةِ الصَّابِئِينَ. فَكَانَ أَوَّلَ مُلُوكِهِمْ بِرُومِيَّةَ غَالِيُوسُ، وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقِيلَ: كَانَ مَلَكَ قَبْلَهُ رُومَلْسُ وَأَرْمَانُوسُ، وَهُمَا بَنَيَاهَا، وَإِلَيْهِمَا نُسِبَتْ، وَأُضِيفَ الرُّومُ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا غَالِيُوسُ أَوَّلُ مَنْ يُعَدُّ فِي التَّارِيخِ لِشُهْرَتِهِ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ يُولْيُوسُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ أُوغُسْطُسُ، وَمَعْنَاهُ الصِّبَاءُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ قَيْصَرَ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ شُقَّ عَنْهُ بَطْنُ أُمِّهِ لِأَنَّهَا مَاتَتْ وَهِيَ حَامِلٌ بِهِ، فَأُخْرِجَ مِنْ بَطْنِهَا، ثُمَّ صَارَ ذَلِكَ لَقَبًا لِمُلُوكِهِمْ، وَكَانَ مُلْكُهُ سِتًّا وَخَمْسِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَأَكْثَرُ الْمُؤَرِّخِينَ يَبْتَدِئُونَ بِاسْمِهِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَرَجَ مِنْ رُومِيَّةَ وَسَيَّرَ الْجُنُودَ بَرًّا وَبَحْرًا، وَغَزَا الْيُونَانِيِّينَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى مُلْكِهِمْ، وَقَتَلَ قُلُوبَطْرَةَ آخِرَ مُلُوكِهِمْ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَنَقَلَ مَا فِيهَا إِلَى رُومِيَّةَ، وَمَلَكَ الشَّامَ، وَاضْمَحَلَّ مُلْكُ الْيُونَانِيِّينَ، وَدَخَلُوا فِي الرُّومِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ هِيرُودَسَ بْنَ أَنْطِيقُوسَ، وَلِاثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ كَانَتْ وِلَادَةُ الْمَسِيحِ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى قَيْصَارِيَّةَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ طِيبَارِيُوسُ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ الَّذِي بَنَى مَدِينَةَ طَبَرِيَّةَ، فَأُضِيفَتْ إِلَيْهِ، وَعَرَّبَهَا الْعَرَبُ، وَفِي مُلْكِهِ رُفِعَ الْمَسِيحُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمَلَكَ بَعْدَ رَفْعِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ غَالِيُوسُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ إِصْطِفَنُوسَ رَئِيسَ الشَّمَامِسَةِ عِنْدَ النَّصَارَى وَيَعْقُوبَ أَخَا يُوحَنَّا بْنِ زَبْدِيٍّ، وَهُمَا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، وَقَتَلَ خَلْقًا مِنَ النَّصَارَى، وَهُوَ أَوَّلُ الْمُلُوكِ مِنْ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ قَتَلَ النَّصَارَى. ثُمَّ مَلَكَ قُلُودِيُوسُ بْنُ طِيبَارِيُوسَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي مُلْكِهِ حُبِسَ شَمْعُونُ الصَّفَا، ثُمَّ خَلَصَ شَمْعُونُ مِنَ الْحَبْسِ وَسَارَ إِلَى أَنْطَاكِيَّةَ، فَدَعَا إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى رُومِيَّةَ فَدَعَا أَهْلَهَا أَيْضًا، فَأَجَابَتْهُ زَوْجَةُ الْمَلِكِ وَسَارَتْ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ وَأَخْرَجَتِ الْخَشَبَةَ الَّتِي تَزْعُمُ النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ فِي أَيْدِي الْيَهُودِ، فَأَخَذَتْهَا وَرَدَّتْهَا إِلَى النَّصَارَى. ثُمَّ مَلَكَ نِيرُونُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي آخِرِ مُلْكِهِ قَتَلَ بُطْرُسَ وَبُولُسَ بِمَدِينَةِ رُومِيَّةَ وَصَلَبَهُمَا مُنَكَّسَيْنِ، وَفِي أَيَّامِهِ ظَفِرَتِ الْيَهُودُ بِيَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ، وَهُوَ أَوَّلُ الْأَسَاقِفَةِ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا خَشَبَةَ الصَّلِيبِ فَدَفَنُوهَا، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ مَارِينُوسُ الْحَكِيمُ صَاحِبُ كِتَابِ الْجُغْرَافِيَا فِي صُورَةِ الْأَرْضِ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ غَلْبَاسُ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ أُوثُونُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ بِيطَالِيسُ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ مَلَكَ إِسْبَاسِيَانُوسُ تِسْعَ سِنِينَ وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي أَيَّامِهِ خَالَفَ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ قَيْصَرُ فَحَصَرَهُمْ وَافْتَتَحَ الْمَدِينَةَ عَنْوَةً وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا مِنَ الْيَهُودِ
وَالنَّصَارَى وَعَمَّهُمُ الْأَذَى فِي أَيَّامِهِ. ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ طِيطُوسُ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي أَيَّامِهِ أَظْهَرَ مَرْقِيُونُ مَقَالَتَهُ بِالِاثْنَيْنِ، وَهُمَا: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ، وَبُعْدٌ ثَالِثٌ بَيْنَهُمَا، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الْمَرْقُونِيَّةُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ. ثُمَّ مَلَكَ ذُومَطْيَانُشُ بْنُ إِسْبَاسِيَانُوسَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَعَشَرَةَ أَشْهُرٍ، وَلِتِسْعِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ نَفَى يُوحَنَّا الْحَوَارِيَّ كَاتِبَ الْإِنْجِيلِ إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ ثُمَّ رَدَّهُ. ثُمَّ مَلَكَ نَرْوَاسُ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ. ثُمَّ مَلَكَ طَرَايَانُوسُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي السَّادِسَةِ مِنْ مُلْكِهِ تُوُفِّيَ يُوحَنَّا كَاتِبُ الْإِنْجِيلِ بِمَدِينَةِ أَفَسَيِسَ. ثُمَّ مَلَكَ إِيلِيَا أَنْدَرْيَانُوسُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَقَتَلَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى خَلْقًا كَثِيرًا لِخِلَافٍ كَانَ مِنْهُمْ عَلَيْهِ، وَأَخْرَبَ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ، وَهُوَ آخِرُ خَرَابِهِ، فَلَمَّا مَضَى مِنْ مُلْكِهِ ثَمَانِي سِنِينَ عَمَّرَهُ أَيْضًا وَسَمَّاهُ إِيلِيَا، فَبَقِيَ الِاسْمُ عَلَيْهِ فَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُسَمَّى أُورْشَلْمَ، وَأَسْكَنَ الْمَدِينَةَ جَمَاعَةً مِنَ الرُّومِ وَالْيُونَانِ، وَبَنَى هَيْكَلًا عَظِيمًا لِلزُّهْرَةِ، وَكَانَ عَالِيَ الْبُنْيَانِ، فَهُدِمَ مِنْ أَعْلَاهُ كَثِيرٌ. وَهُوَ بَاقٍ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَهُوَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّمِائَةٍ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ، وَهُوَ مُحْكَمُ الْبِنَاءِ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ نُسِبَ إِلَى دَاوُدَ وَقَدْ بُنِيَ بَعْدَهُ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، عَلَى أَنَّنِي سَمِعْتُ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ مِنْ جَمَاعَةٍ يَذْكُرُونَ أَنَّ دَاوُدَ بَنَاهُ وَكَانَ يَتَفَرَّغُ فِيهِ لِعِبَادَتِهِ. وَفِي أَيَّامِ هَذَا الْمَلِكِ كَانَ سَاقَيْدَسُ الْفَيْلَسُوفُ الصَّامِتُ.
ثُمَّ مَلَكَ أَنْطُنْيَنْسُ بِيُوسُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ بَطْلَيْمُوسُ صَاحِبُ الْمَجِسْطِي وَالْجُغْرَافِيَا وَغَيْرِهِمَا. وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ وَلَدِ قُلُودِيُوسَ، وَلِهَذَا قِيلَ لَهُ الْقُلُودِيُّ نِسْبَةً إِلَيْهِ، وَهُوَ السَّادِسُ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ. وَدَلِيلُ كَوْنِهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَلَيْسَ مِنْ مُلُوكِ الْيُونَانِ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْمَجِسْطِي أَنَّهُ رَصَدَ الشَّمْسَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ سَنَةَ ثَمَانِمِائَةٍ وَثَمَانِينَ لِبُخْتُنَصَّرَ، وَكَانَ مِنْ مُلْكِ بُخْتُنَصَّرَ إِلَى قَتْلِ دَارَا أَرْبَعُمِائَةٍ وَتِسْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَمِنْ قَتْلِ دَارَا إِلَى زَوَالِ مُلْكِ قُلُوبَطْرَةَ الْمَلِكَةِ آخِرِ مُلُوكِ الْيُونَانِ عَلَى يَدِ أُوغُسْطُسَ مِائَتَا سَنَةٍ وَسِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَمُذْ غَلَبَةِ أُوغُسْطُسَ إِلَى أَنْطُنِينُوسَ مِائَةٌ وَسَبْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، فَمُذْ مَلَكَ بُخْتُنَصَّرُ إِلَى أَدْرِيَانُوسَ ثَمَانِمِائَةٍ وَثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً تَقْرِيبًا، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا حَكَاهُ بَطْلَيْمُوسُ. قَالَ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ ابْنَ قُلُوبَطْرَةَ آخِرِ مُلُوكِ الْيُونَانِيِّينَ فَقَدْ أَبْطَلَ ذِكْرَ هَذَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالتَّارِيخِ وَعَدَّ مُلُوكَ الْيُونَانِ وَذَكَرَ مُدَّةَ مُلْكِهِمْ عَلَى مَا قَالَ، وَأَمَّا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي مُدَّةِ مُلْكِهِمْ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَسَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ مُرْقُسُ، وَيُسَمَّى أُورُلْيُوسَ، تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي مُلْكِهِ أَظْهَرَ ابْنُ دِيصَانَ مَقَالَتَهُ، وَكَانَ أُسْقُفًا بِالرُّهَاءِ، وَهُوَ مِنَ الْقَائِلِينَ بِالِاثْنَيْنِ، وَنُسِبَ إِلَى نَهْرٍ عَلَى بَابِ الرُّهَاءِ يُسَمَّى دِيصَانَ وُجِدَ عَلَيْهِ مَنْبُوذًا، وَبَنَى عَلَى هَذَا النَّهْرِ كَنِيسَةً. ثُمَّ مَلَكَ قُومُودُوسُ اثْنَتَيْ عَشْرَةً سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ جَالِينُوسُ قَدْ أَدْرَكَ
بَطْلَيْمُوسَالْقَلُّودِيَّ، وَكَانَ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ ظَهَرَ فِي أَيَّامِهِ وَذَكَرَهُمْ فِي كِتَابِهِ: فِي جَوَامِعِ كِتَابِ أَفْلَاطُونَ فِي السِّيَاسَةِ. ثُمَّ مَلَكَ بَرْطِينْقَشُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ يُولْيَانُوسُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ مَلَكَ سِيوَارَسُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَشَمِلَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي أَيَّامِهِ الْقَتْلُ وَالتَّشْرِيدُ، وَبَنَى بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ هَيْكَلًا عَظِيمًا سَمَّاهُ هَيْكَلَ الْآلِهَةِ. ثُمَّ مَلَكَ أَنْطُونْيُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مَقْرُونِيُوسُ سَنَةً وَشَهْرَيْنِ، ثُمَّ مَلَكَ أَنْطُونْيُوسُ الثَّانِي أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ الْأَكْصَنْدَرُوسُ، وَيُلَقَّبُ مَامِيَاسَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مَقْسِمْيَانُوسُ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مَقْسِمُوسُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ غَرْدِيَانُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ فِيلِبُوسُ سِتَّ سِنِينَ، وَتَنَصَّرَ وَتَرَكَ دِينَ الصَّابِئِينَ وَتَبِعَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ وَاخْتَلَفُوا لِذَلِكَ، وَكَانَ فِيمَنْ خَالَفَهُ بِطْرِيقٌ يُقَالُ لَهُ دَاقُيُوسُ، قَتَلَ فِيلِبُوسَ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْمُلْكِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ فِيلِبُوسَ دَاقُيُوسُ سَنَتَيْنِ وَتَتَبَّعَ النَّصَارَى، فَهَرَبَ مِنْهُ أَصْحَابُ الْكَهْفِ إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ شَرْقِيِّ مَدِينَةِ أَفْسِيسَ، وَقَدْ خُرِّبَتِ الْمَدِينَةُ، وَكَانَ لُبْثُهُمْ فِيهِ مِائَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا السِّيَاقِ مِنْ حِينِ رُفِعَ الْمَسِيحُ إِلَى الْآنِ نَحْوُ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ لُبْثُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا فَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَأَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ظُهُورُهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِنَحْوِ سِتِّينَ سَنَةً، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ لَدُنْ ظُهُورِهِمْ إِلَى الْهِجْرَةِ زِيَادَةً عَلَى مِائَتَيْ سَنَةٍ، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَكْثَرُ مِنَ الْفَتْرَةِ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَالنَّبِيِّ - عَلَيْهِمْا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِلَّا أَنَّ هَذَا النَّاقِلَ قَدْ ذَكَرَ أَنَّ غَيْبَتَهُمْ كَانَتْ مِائَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً عَلَى مَا نَرَاهُ مَذْكُورًا، وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْقُرْآنِ، وَلَوْلَا نَصُّ الْقُرْآنِ لَكَانَ اسْتَقَامَ لَهُ مَا يُرِيدُ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ غَالِيُوسُ سَنَتَيْنِ، وَكَانَ شَرِيكُهُ فِي الْمُلْكِ يُولْيَانُوسُ، مَلَكَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ قُلُودِيُوسُ، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ أُورْلِيَانُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ طَافِسْطُوسُ وَأَخُوهُ فُورَسُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ بُرُوبَسُ تِسْعَ سِنِينَ.
ثُمَّ مَلَكَ قَارُوسُ سَنَتَيْنِ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ دِقْلَطْيَانُوسُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مَقْسِيمَانُوسُ وَشَارَكَهُ مَقْسَنْطِيُوسُ، ثُمَّ اقْتَتَلَا فَاقْتَسَمَا الْمُلْكَ، فَمَلَكَ الْأَبُ عَلَى الشَّامِ وَبِلَادِ الْجَزِيرَةِ وَبَعْضِ الرُّومِ، وَمَلَكَ الِابْنُ رُومِيَّةَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ أَرْضِ الْفِرِنْجِ، وَمَلَكَا تِسْعَ سِنِينَ، وَتَمَلَّكَ مَعَهُمَا قُسْطَنْسُ أَبُو قُسْطَنْطِينَ بِلَادَ بُوزَنْطِيَا وَمَا يَلِيهَا، وَهِيَ نَوَاحِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَلَمْ تَكُنْ بُنِيَتْ حِينَئِذٍ، ثُمَّ مَاتَ قُسْطَنْسُ وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ قُسْطَنْطِينُ الْمَعْرُوفُ بِأُمِّهِ هِيلَانَى، وَهُوَ الَّذِي تَنَصَّرَ. قَالَ: وَمِنْ أَوَّلِ مُلُوكِ الرُّومِ إِلَى هَاهُنَا كَانُوا شَبِيهًا بِمُلُوكِ الطَّوَائِفِ، لَا يَنْضَبِطُ عَدَدُهُمْ، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِمْ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي مُلُوكِ الطَّوَائِفِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُعَوِّلُ عَلَيْهِ مِنْ قُسْطَنْطِينَ إِلَى هِرَقْلَ الَّذِي بُعِثَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَيَّامِهِ، وَلَقَدْ صَدَقَ قَائِلُ هَذَا فَإِنَّ فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَاقُضِ مَا ذَكَرْنَا بَعْضَهُ عِنْدَ ذِكْرِ دِقْيُوسَ وَأَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَمْ يَذْكُرِ الطَّبَرِيُّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ فِي زَمَانِ أَيِّ الْمُلُوكِ كَانُوا، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ نَحْنُ لِمَا فِي أَيَّامِ الْمُلُوكِ مِنَ الْحَوَادِثِ.
الطبقة الثانية من ملوك الروم المتنصرة
[الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ الْمُتَنَصِّرَةِ] ثُمَّ مَلَكَ قُسْطَنْطِينُ الْمَعْرُوفُ بِأُمِّهِ هِيلَانَى فِي جَمِيعِ بِلَادِ الرُّومِ، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِقْسِيمَانُوسَ وَابْنِهِ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، فَلَمَّا مَاتَا اسْتَوْلَى عَلَى الْمُلْكِ وَتَفَرَّدَ بِهِ، وَكَانَ مُلْكُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَهُوَ الَّذِي تَنَصَّرَ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ وَقَاتَلَ عَلَيْهَا حَتَّى قَبِلَهَا النَّاسُ وَدَانُوا بِهَا إِلَى هَذَا الْوَقْتِ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ تَنَصُّرِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ بِهِ بَرَصٌ وَأَرَادُوا نَزْعَهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُ وُزَرَائِهِ مِمَّنْ كَانَ يَكْتُمُ النَّصْرَانِيَّةَ بِإِحْدَاثِ دِينٍ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ ثُمَّ حَسَّنَ لَهُ النَّصْرَانِيَّةَ لِيُسَاعِدَهُ مَنْ دَانَ بِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَتَبِعَهُ النَّصَارَى مِنَ الرُّومِ مَعَ أَصْحَابِهِ وَخَاصَّتِهِ، فَقَوِيَ بِهِمْ وَقَهَرَ مَنْ خَالَفَهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ سَيَّرَ عَسَاكِرَ عَلَى أَسْمَاءِ أَصْنَامِهِمْ، فَانْهَزَمَتِ الْعَسَاكِرُ، وَكَانَ لَهُمْ سَبْعَةُ أَصْنَامٍ عَلَى أَسْمَاءِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ عَلَى عَادَةِ الصَّابِئِينَ، فَقَالَ لَهُ وَزِيرٌ لَهُ يَكْتُمُ النَّصْرَانِيَّةَ فِي هَذَا وَأَزْرَى بِالْأَصْنَامِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِالنَّصْرَانِيَّةِ. فَأَجَابَهُ، فَظَفِرَ، وَدَامَ مُلْكُهُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَهُوَ الَّذِي بَنَى مَدِينَةَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ لِثَلَاثِ سِنِينَ خَلَتْ مِنْ مُلْكِهِ بِمَكَانِهَا الْآنَ، اخْتَارَهُ لِحَصَانَتِهِ، وَهِيَ عَلَى الْخَلِيجِ الْآخِذِ مِنَ الْبَحْرِ الْأَسْوَدِ إِلَى بَحْرِ الرُّومِ، وَالْمَدِينَةُ
عَلَى الْبَرِّ الْمُتَّصِلِ بِرُومِيَّةَ وَبِلَادِ الْفِرِنْجِ وَالْأَنْدَلُسِ، وَالرُّومُ تُسَمِّيهَا اسْتَنْبُولَ، يَعْنِي مَدِينَةَ الْمُلْكِ. وَلِعِشْرِينَ سَنَةً مَضَتْ مِنْ مُلْكِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ الْأَوَّلُ بِمَدِينَةِ نِيقِيَّةَ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، وَمَعْنَاهُ الِاجْتِمَاعُ، فِيهِ أَلْفَانِ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أُسْقُفًا، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًا مُتَّفِقِينَ غَيْرَ مُخْتَلِفِينَ، فَحَرَّمُوا آرِيُوسَ الْإِسْكَنْدَرَانِيَّ الَّذِي يُضَافُ إِلَيْهِ الْآرِيُوسِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى، وَوَضَعَ شَرَائِعَ النَّصْرَانِيَّةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، وَكَانَ رَئِيسُ هَذَا الْمَجْمَعِ بَطْرَقَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ. وَفِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ مِنْ مُلْكِهِ سَارَتْ أُمُّهُ هِيلَانَى الرُّهَاوِيَّةُ، كَانَ أَبُوهُ سَبَاهَا مِنَ الرُّهَاءِ، فَأَوْلَدَهَا هَذَا الْمَلِكَ، فَسَارَتْ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ وَأَخْرَجَتِ الْخَشَبَةَ الَّتِي تَزْعُمُ النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ عَلَيْهَا، وَجَعَلَتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، فَهُوَ عِيدُ الصَّلِيبِ، وَبَنَتِ الْكَنِيسَةَ الْمَعْرُوفَةَ بِقُمَامَةَ، وَتُسَمَّى الْقِيَامَةَ، وَهِيَ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا يَحُجُّهَا أَنْوَاعُ النَّصَارَى. وَقِيلَ: كَانَ مَسِيرُهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ ابْنَهَا دَانَ النَّصْرَانِيَّةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ. وَفِي السَّنَةِ الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ مُلْكِهِ طَبَّقَ جَمِيعَ مَمَالِيكِهِ بِالْبِيَعِ هُوَ وَأُمُّهُ، مِنْهَا: كَنِيسَةُ حِمْصَ، وَكَنِيسَةُ الرُّهَاءِ، وَهِيَ مِنَ الْعَجَائِبِ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ قُسْطَنْطِينُ أَنْطَاكِيَّةَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً بِعَهْدٍ مِنْ أَبِيهِ إِلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَإِلَى أَخِيهِ قُسْطَنْسَ أَنْطَاكِيَّةَ، وَالشَّامَ، وَمِصْرَ، وَالْجَزِيرَةَ، وَإِلَى أَخِيهِ قَسْطُوسَ رُومِيَّةَ وَمَا يَلِيهَا مِنْ بِلَادِ الْفِرِنْجِ وَالصَّقَالِبَةِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمْا الْمَوَاثِيقَ بِالِانْقِيَادِ لِأَخِيهِمَا قُسْطَنْطِينَ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ يُولْيَانُوسُ ابْنُ أَخِيهِ سَنَتَيْنِ، وَكَانَ يَدِينُ بِمَذْهَبِ الصَّابِئِينَ وَيُخْفِي ذَلِكَ. فَلَمَّا مَلَكَ أَظْهَرَهَا وَخَرَّبَ الْبِيَعَ وَقَتَلَ النَّصَارَى، وَهُوَ الَّذِي سَارَ إِلَى الْعِرَاقِ أَيَّامَ
سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ فَقَتَلَ بِسَهْمٍ غَرْبٍ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ خَبَرَ هَذَا الْمَلِكِ مَعَ سَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ وَهُوَ بَعْدَ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ يُونْيَانُوسُ سَنَةً فَأَظْهَرَ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ وَدَانَ بِهَا وَعَادَ مِنَ الْعِرَاقِ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ وَلَنْطِيُوشُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ وَالَنْسُ ثَلَاثَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ وَالَنْطِيَانُوسُ ثَلَاثَ سِنِينَ. ثُمَّ مَلَكَ تَدُوسُ الْكَبِيرُ، وَمَعْنَاهُ عَطِيَّةُ اللَّهِ، تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي مُلْكِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ الثَّانِي بِمَدِينَةِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، اجْتَمَعَ فِيهِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ أُسْقُفًا لَعَنُوا مَقْدُونِسَ وَأَشْيَاعَهُ، وَكَانَ فِيهِ بَطْرَقُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَبَطْرَقُ أَنْطَاكِيَّةَ وَبَطْرَقُ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَالْمُدُنُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا كَرَاسِيُّ الْبَطْرَقُ أَرْبَعٌ: إِحْدَاهُمَا رُومِيَّةُ، وَهِيَ لِبُطْرُسَ الْحَوَارِيِّ، وَالثَّانِيَةُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةُ، وَهِيَ لِمُرْقُسَ أَحَدِ أَصْحَابِ الْأَنَاجِيلِ الْأَرْبَعَةِ، وَالثَّالِثَةُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، وَالرَّابِعَةُ أَنْطَاكِيَّةُ، وَهِيَ لِبُطْرُسَ أَيْضًا، وَلِثَمَانِي سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ ظَهَرَ أَصْحَابُ الْكَهْفِ. ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَهُ أَرْقَادِيُوسُ بْنُ تَدُوسَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ تَدُوسُ الصَّغِيرُ بْنُ تَدُوسَ الْكَبِيرِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلِإِحْدَى وَعِشْرِينَ
سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ الثَّالِثُ بِمَدِينَةِ أَفْسُسْ، وَحَضَرَ هَذَا الْمَجْمَعَ مِائَتَا أَسْقُفٍ، وَكَانَ سَبَبُهُ مَا ظَهَرَ مِنْ نَسْطُورَسْ بَطْرَقِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَهُوَ رَأْسُ النَّسْطُورِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى، مِنْ مُخَالَفَةِ مَذْهَبِهِمْ فَلَعَنُوهُ وَنَفَوْهُ، فَسَارَ إِلَى صَعِيدِ مِصْرَ فَأَقَامَ بِبِلَادِ إِخْمِيمَ، وَمَاتَ بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا سَيَصْلُحْ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، وَصَارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُخَالِفِيهِمْ حَرْبٌ وَقِتَالٌ، ثُمَّ دُثِرَتْ مَقَالَتُهُ إِلَى أَنْ أَحْيَاهَا بُرْصُومَا مُطْرَانْ نَصِيبِينَ قَدِيمًا. وَمِنَ الْعَجَائِبِ أَنَّ الشَّهْرِسْتَانِيَّ مُصَنِّفَ كِتَابِ: " نِهَايَةِ الْإِقْدَامِ فِي الْأُصُولِ "، وَمُصَنِّفَ كِتَابِ: " الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ "، فِي ذِكْرِ الْمَذَاهِبِ وَالْآرَاءِ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ، ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ نَسْطُورْ كَانَ أَيَّامَ الْمَأْمُونِ، وَهَذَا تَفَرَّدَ بِهِ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُوَافِقًا. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ مَرْقَيَانْ سِتَّ سِنِينَ، وَفِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ مُلْكِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ الرَّابِعُ عَلَى تَسْقَرَسْ بَطْرَقِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثُونَ أَسْقُفًا، وَفِي هَذَا الْمَجْمَعِ خَالَفَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ سَائِرَ النَّصَارَى. ثُمَّ مَلَكَ لِيُونُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ لِيُونُ الصَّغِيرُ سَنَةً، وَكَانَ يَعْقُوبِيَّ الْمَذْهَبِ، ثُمَّ مَلَكَ زِينُونْ سَبْعَ سِنِينَ، وَكَانَ يَعْقُوبِيًّا، فَزَهِدَ فِي الْمُلْكِ فَاسْتَخْلَفَ ابْنًا لَهُ
فَهَلَكَ، فَعَادَ إِلَى الْمُلْكِ، ثُمَّ مَلَكَ نِسْطَاسُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَعْقُوبِيَّ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى عَمُورِيَّةَ، فَلَمَّا حَفَرَ أَسَاسَهَا أَصَابَ فِيهِ مَالًا وَفَّى بِالنَّفَقَةِ عَلَى بِنَائِهَا وَفَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ بَنَى بِهِ بِيَعًا وَأَدْيِرَةً. ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطِينْ سَبْعَ سِنِينَ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِي الْيَعْقُوبِيَّةِ. ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطَانُوسْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَبَنَى بِالرُّهَاءِ كَنِيسَةً عَجِيبَةً، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ الْخَامِسُ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَحَرَّمُوا أَدْرِيحَا أَسْقُفَ مَنْبِجْ لِقَوْلِهِ بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ فِي أَجْسَادِ الْحَيَوَانِ، وَأَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ذَلِكَ جَزَاءَ مَا ارْتَكَبُوهُ. وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ بَيْنَ الْيَعَاقِبَةِ وَالْمَلَكِيَّةِ بِبِلَادِ مِصْرَ فِتَنٌ، وَفِي أَيَّامِهِ ثَارَ الْيَهُودُ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ وَجَبَلِ الْخَلِيلِ عَلَى النَّصَارَى فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَبَنَى الْمَلِكُ مِنَ الْبِيَعِ وَالْأَدْيِرَةِ شَيْئًا كَثِيرًا. ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطِينُوسْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانْ، ثُمَّ مَلَكَ طَبَايُوسْ ثَلَاثَ سِنِينَ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنُوشِرْوَانْ مُرَاسَلَاتٌ وَمُهَادَاةٌ، وَكَانَ مُغْرًى بِالْبِنَاءِ وَتَحْسِينِهِ وَتَزْوِيقِهِ. ثُمَّ مَلَكَ مُورِيقْ عِشْرِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي أَيَّامِهِ ظَهَرَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَدِينَةِ
ذكر الطبقة الثالثة من ملوك الروم بعد الهجرة
حَمَاةَ يُعْرَفُ بِمَارُونْ إِلَيْهِ تُنْسَبُ الْمَارُونِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى، وَأَحْدَثَ رَأْيًا يُخَالِفُ مَنْ تَقَدَّمَهُ، وَتَبِعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ بِالشَّامِ، ثُمَّ إِنَّهُمُ انْقَرَضُوا وَلَمْ يُعْرَفِ الْآنَ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَهَذَا مُورِيقْ هُوَ الَّذِي قَصَدَهُ كِسْرَى أَبْرَوِيزْ حِينَ انْهَزَمَ مِنْ بَهْرَامَ جُوبِينْ فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ وَأَمَدَّهُ بِعَسَاكِرِهِ وَأَعَادَهُ إِلَى مُلْكِهِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ فُوقَاسْ، وَكَانَ مِنْ بَطَارِقَةِ مُورِيقْ، فَوَثَبَ بِهِ فَاغْتَالَهُ فَقَتَلَهُ وَمَلَكَ الرُّومَ بَعْدَهُ، وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيَ سِنِينَ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَلَمَّا مَلَكَ تَتَبَّعَ وَلَدَ مُورِيقْ وَحَاشِيَتَهُ بِالْقَتْلِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَبْرَوِيزْ غَضِبَ وَسَيَّرَ الْجُنُودَ إِلَى الشَّامِ وَمِصْرَ فَاحْتَوَى عَلَيْهِمَا وَقَتَلُوا مِنَ النَّصَارَى خَلْقًا كَثِيرًا، وَسَيَرِدُ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ أَبْرَوِيزْ. ثُمَّ مَلَكَ هِرَقْلُ، وَكَانَ سَبَبَ مُلْكِهِ أَنَّ عَسَاكِرَ الْفُرْسِ لَمَّا فَتَكَتْ فِي الرُّومِ سَارُوا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى خَلِيجِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَحَصَرُوهَا، وَكَانَ هِرَقْلُ يَحْمِلُ الْمِيرَةَ فِي الْبَحْرِ إِلَى أَهْلِهَا، فَحَسُنَ مَوْقِعُ ذَلِكَ مِنَ الرُّومِ وَبَانَتْ شَهَامَتُهُ وَشَجَاعَتُهُ وَأَحَبَّهُ الرُّومُ فَحَمَلَهُمْ عَلَى الْفَتْكِ بِفُوقَاسْ، وَذَكَّرَهُمْ سُوءَ آثَارِهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَقَتَلُوهُ وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ هِرَقْلَ. [ذِكْرُ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ]
فَأَوَّلُهُمْ هِرَقْلُ، قَدْ ذُكِرَ سَبَبُ مُلْكِهِ، وَكَانَ مُدَّةُ مُلْكِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْهُ مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ الشَّامَ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ قُسْطَنْطِينُ، وَقِيلَ: هُوَ ابْنُ أَخِيهِ قُسْطَنْطِينَ، وَكَانَ مُلْكُهُ تِسْعَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَسَيَرِدُ خَبَرُهُ عِنْدَ ذِكْرِ غَزَاةِ الصَّوَارِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ السَّادِسُ عَلَى لَعْنِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ قُورَسْ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ خَالَفَ الْمَلَكِيَّةَ وَوَافَقَ الْمَارُونِيَّةَ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ قَسْطَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمُعَاوِيَةَ. ثُمَّ مَلَكَ هِرَقْلُ الْأَصْغَرُ بْنُ قُسْطَنْطِينَ أَرْبَعَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. ثُمَّ مَلَكَ قُسْطَنْطِينُ بْنُ قَسْطَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً بَعْضَ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ وَأَيَّامِ يَزِيدَ وَابْنِهِ مُعَاوِيَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَصَدْرًا مِنْ أَيَّامِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
ثُمَّ مَلَكَ أَسْطِينَانْ، الْمَعْرُوفُ بِالْأَخْرَمِ، تِسْعَ سِنِينَ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ خَلَعَهُ الرُّومُ وَخَرَمُوا أَنْفَهُ وَحُمِلَ إِلَى بَعْضِ الْجَزَائِرِ، فَهَرَبَ وَلَحِقَ بِمَلِكِ الْخَزَرِ وَاسْتَنْجَدَهُ فَلَمْ يُنْجِدْهُ، فَانْتَقَلَ إِلَى مَلِكِ بُرْجَانْ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ لُونْطَشْ ثَلَاثَ سِنِينَ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ تَرَكَ الْمُلْكَ وَتَرَهَّبَ. ثُمَّ مَلَكَ ابْسَمِيرْ، الْمَعْرُوفُ بِالطَّرَسُوسِيِّ، سَبْعَ سِنِينَ، فَقَصَدَهُ أَسْطِينَانْ وَمَعَهُ بُرْجَانْ وَجَرَى بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، وَظَفِرَ بِهِ أَسْطِينَانْ وَخَلَعَهُ وَعَادَ إِلَى مُلْكِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَيَّامَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَاسْتَقَرَّ أَسْطِينَانْ، وَكَانَ قَدْ شَرَطَ لِمَلِكِ بُرْجَانْ أَنْ يَحْمِلَ إِلَيْهِ خَرَاجًا كُلَّ سَنَةٍ، فَعَسَفَ الرُّومَ وَقَتَلَ بِهَا خَلْقًا كَثِيرًا، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَقَتَلُوهُ، فَكَانَ مُلْكُهُ الثَّانِي سَنَتَيْنِ وَنِصْفًا، وَكَانَ قَتْلُهُ أَوَّلَ دَوْلَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. ثُمَّ مَلَكَ نِسْطَاسُ بْنُ فِيلَفُوسْ، وَكَانَ فِي أَيَّامِهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الرُّومِ فَخَلَعُوهُ وَنَفَوْهُ. ثُمَّ مَلَكَ تِيدُوسْ الْمَعْرُوفُ بِالْأَرْمَنِيِّ فِي أَيَّامِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَيْضًا، وَهُوَ الَّذِي حَصَرَهُ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ الْيُونُ بْنُ قُسْطَنْطِينَ لِضَعْفِهِ عَنِ الْمُلْكِ، وَضَمِنَ الْيُونُ لِلرُّومِ رَدَّ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَمَلَّكُوهُ، فَكَانَ مُلْكُهُ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَمَاتَ فِي السَّنَةِ الَّتِي بُويِعَ فِيهَا الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ قُسْطَنْطِينُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ انْقَرَضَتِ الدَّوْلَةُ الْأُمَوِيَّةُ وَتُوُفِّيَ لِعَشْرِ سِنِينَ مَضَتْ مِنْ أَيَّامِ الْمَنْصُورِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْيُونُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَقِيَّةَ أَيَّامِ الْمَنْصُورِ، وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ رِينِي امْرَأَةُ الْيُونَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ، وَمَعَهَا ابْنُهَا قُسْطَنْطِينُ بْنُ الْيُونَ، وَهِيَ تُدَبِّرُ الْأَمْرَ بَقِيَّةَ أَيَّامِ الْمَهْدِيِّ وَالْهَادِي وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ الرَّشِيدِ. فَلَمَّا كَبِرَ ابْنُهَا أَفْسَدَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّشِيدِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مُهَادِنَةً لَهُ، فَقَصَدَهُ الرَّشِيدُ وَجَرَى لَهُ مَعَهُ وَقْعَةٌ، فَانْهَزَمَ وَكَادَ يُؤْخَذُ، فَكَحَّلَتْهُ أُمُّهُ وَانْفَرَدَتْ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ خَمْسَ سِنِينَ وَهَادَنَتِ الرَّشِيدَ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهَا نَقَفُورْ، أَخَذَ الْمُلْكَ مِنْهَا، وَكَانَ مُلْكُهُ سَبْعَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَهُوَ نَقَفُورْ أَبُو اسْتَبْرَاقْ، وَكُنْتُ قَدْ رَأَيْتُهُ مَضْبُوطًا بِكَثِيرٍ مِنَ الْكُتُبِ بِسُكُونِ الْقَافِ، حَتَّى رَأَيْتُ رَجُلًا زَعَمَ أَنَّ اسْمَهُ نَقَفُورْ، بِفَتْحِ الْقَافِ. وَعَهِدَ نَقَفُورْ إِلَى ابْنِهِ اسْتَبْرَاقْ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الرُّومِ، وَلَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ قَبْلَهُ، وَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ قَبْلَ نَقَفُورْ تَحْلِقُ لِحَاهَا، وَكَذَلِكَ مَلِكُ الْفُرْسِ، فَلَمْ يَفْعَلْهُ نَقَفُورْ. وَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ قَبْلَهُ تَكْتُبُ: مِنْ فُلَانٍ مَلِكِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَكَتَبَ نَقَفُورْ: مِنْ فُلَانٍ مَلِكِ الرُّومِ، وَقَالَ: لَسْتُ مَلِكَ النَّصْرَانِيَّةِ كُلِّهَا. وَكَانَتِ الرُّومُ تُسَمِّي الْعَرَبَ سَارَقْيُوسْ، يَعْنِي عَبِيدَ سَارَّةَ، بِسَبَبِ هَاجَرَ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَجَرَى بَيْنَ نَقَفُورْ وَبَيْنَ بُرْجَانْ حَرْبٌ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ فَقُتِلَ فِيهَا. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ اسْتَبْرَقْ بِعَهْدٍ مِنْ أَبِيهِ إِلَيْهِ، وَكَانَ مُلْكُهُ شَهْرَيْنِ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ مِيخَائِيلُ بْنُ جِرْجِسَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ نَقَفُورْ، وَقِيلَ: ابْنُ اسْتَبْرَقَ، وَكَانَ مُلْكُهُ سَنَتَيْنِ فِي أَيَّامِ الْأَمِينِ، وَقِيلَ: أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَوَثَبَ بِهِ الْيُونُ الْمَعْرُوفُ بِالْبَطْرِيقِ، وَغَلَبَ عَلَى الْأَمْرِ وَحَبَسَهُ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ الْيُونُ الْبَطْرِيقُ سَبْعَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَوَثَبَ بِهِ أَصْحَابُ مِيخَائِيلَ فِي خَلَاصِ صَاحِبِهِمْ، وَقُتِلَ الْيُونُ ثُمَّ فُتِحَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَعَادَ مِيخَائِيلُ إِلَى الْمُلْكِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ قَدْ تَرَهَّبَ أَيَّامَ الْيُونَ، وَكَانَ مُلْكُهُ هَذِهِ الدُّفْعَةَ الثَّانِيَةَ تِسْعَ سِنِينَ، وَقِيلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ نُوفِيلُ بْنُ مِيخَائِيلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَهُوَ الَّذِي فَتَحَ زِبَطْرَةَ، وَسَارَ الْمُعْتَصِمُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَفَتَحَ عَمُورِيَّةَ، وَكَانَ مَوْتُهُ أَيَّامَ الْوَاثِقِ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مِيخَائِيلُ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ أُمُّهُ تُدَبِّرُ الْمُلْكَ مَعَهُ، وَأَرَادَ قَتْلَهَا فَتَرَهَّبَتْ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ عَمُورِيَّةَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ السَّالِفَةِ يُعْرَفُ بِابْنِ بُقْرَاطَ، فَلَقِيَهُ مِيخَائِيلُ فِيمَنْ عِنْدَهُ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، فَظَفِرَ بِهِ مِيخَائِيلُ فَمَثَّلَ بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ بُسَيْلُ الصَّقْلَبِيُّ فَاسْتَوْلَى عَلَى الْمُلْكِ، وَقَتَلَ مِيخَائِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ بُسَيْلُ الصَّقْلَبِيُّ عِشْرِينَ سَنَةً أَيَّامَ الْمُعْتَزِّ وَالْمُهْتَدِي وَصَدْرًا مِنْ أَيَّامِ الْمُعْتَمِدِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ صَقْلَبِيَّةٌ فَنُسِبَ إِلَيْهَا. وَقَدْ خَلَطَ " حَمْزَةُ الْأَصْفَهَانِيُّ " فِيهِ فَقَالَ عِنْدَ ذِكْرِ مِيخَائِيلَ: ثُمَّ انْتَقَلَ الْمُلْكُ عِنْدَ الرُّومِ وَصَارَ فِي الصَّقْلَبِ، فَقَتَلَهُ بُسَيْلُ الصَّقْلَبِيُّ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ صَقْلَبِيًّا.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْيُونُ بْنُ بُسَيْلَ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً أَيَّامَ الْمُعْتَمِدِ وَالْمُعْتَضِدِ وَالْمُكْتَفِي وَصَدْرًا مِنْ أَيَّامِ الْمُقْتَدِرِ، وَقِيلَ: إِنَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ. ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهُ الْإِكْسَنْدَرُوسُ سَنَةً وَشَهْرَيْنِ، وَمَاتَ بِالدُّبَيْلَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ اغْتِيلَ لِسُوءِ سِيرَتِهِ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ قُسْطَنْطِينُ بْنُ الْيُونَ، وَهُوَ صَبِيٌّ، وَتَوَلَّى لَهُ الْأَمْرَ بَطْرِيقُ الْبَحْرِ، وَاسْمُهُ ارْمَانُوسْ، وَشَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ شُرُوطًا، مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ الْمُلْكَ وَلَا يَلْبَسُ التَّاجَ لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِهِ، فَلَمْ يَمْضِ غَيْرُ سَنَتَيْنِ حَتَّى خُوطِبَ هُوَ وَأَوْلَادُهُ بِالْمُلُوكِ، وَجَلَسَ مَعَ قُسْطَنْطِينَ عَلَى السَّرِيرِ، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَخَصَى أَحَدَهُمْ وَجَعَلَهُ بَطْرَقًا لِيَأْمَنَ مِنَ الْمُنَازَعَةِ، فَإِنَّ الْبَطْرَقَ يَحْكُمُ عَلَى الْمَلِكِ، فَبَقِيَ عَلَى حَالِهِ إِلَى سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
مِنَ الْهِجْرَةِ، فَاتَّفَقَ ابْنَاهُ مَعَ قُسْطَنْطِينَ عَلَى إِزَالَةِ أَبِيهِمَا، فَدَخَلَا عَلَيْهِ وَقَبَضَاهُ، وَسَيَّرَاهُ إِلَى دَيْرٍ لَهُ فِي جَزِيرَةٍ بِالْقُرْبِ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرَادَا الْفَتْكَ بِهِ، فَسَبَقَهُمَا إِلَى ذَلِكَ وَقَبَضَ عَلَيْهِمَا وَسَيَّرَهُمَا إِلَى جَزِيرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ، فَوَثَبَ أَحَدُهُمَا بِالْمُوَكَّلِ بِهِ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَهُ أَهْلُ تِلْكَ الْجَزِيرَةِ فَقَتَلُوهُ وَأَرْسَلُوا رَأْسَهُ إِلَى قُسْطَنْطِينَ الْمَلِكِ، فَجَزِعَ لِقَتْلِهِ. وَأَمَّا ارْمَانُوسْ فَقَدْ مَاتَ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ تَرَهُّبِهِ. وَدَامَ مُلْكُ قُسْطَنْطِينَ بَقِيَّةَ أَيَّامِ الْمُقْتَدِرِ وَالْقَاهِرِ وَالرَّاضِي وَالْمُسْتَكْفِي وَبَعْضَ أَيَّامِ الْمُطِيعِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى قُسْطَنْطِينَ هَذَا قُسْطَنْطِينُ بْنُ أَنْدَرُونَقَسْ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى الْمُكْتَفِي سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَأَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ وَتُوُفِّيَ. فَهَرَبَ ابْنُهُ هَذَا عَلَى طَرِيقِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، فَسَارَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَنَازَعَ الْمَلِكَ قُسْطَنْطِينَ فِي مُلْكِهِ، وَذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَظَفِرَ بِهِ الْمَلِكُ فَقَتَلَهُ. وَخَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ أَيْضًا صَاحِبُ رُومِيَّةَ، وَهِيَ كُرْسِيُّ مَلِكِ الْإِفْرِنْجِ، وَتُسَمَّى بِالْمُلْكِ، وَلَبِسَ ثِيَابَ الْمُلُوكِ. وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُطِيعُونَ مُلُوكَ الرُّومِ أَصْحَابَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَيَصْدُرُونَ عَنْ أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ قَوِيَ مُلْكُ رُومِيَّةَ، فَخَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قُسْطَنْطِينُ الْعَسَاكِرَ يُقَاتِلُونَهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ وَعَادَتْ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مَنْكُوبَةً فَكَفَّ حِينَئِذٍ قُسْطَنْطِينُ عَنْ مُعَارَضَتِهِ وَرَضِيَ بِالْمُسَالَمَةِ وَجَرَى بَيْنَهُمَا مُصَاهَرَةٌ، فَزَوَّجَ قُسْطَنْطِينُ ابْنَهُ أَرْمَانُوسْ بِابْنَةِ مَلِكِ رُومِيَّةَ. وَلَمْ يَزَلْ أَمْرُ الْإِفْرِنْجِ بَعْدَ هَذَا يَقْوَى وَيَزْدَادُ وَيَتَّسِعُ مُلْكُهُمْ كَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ وَكَأَخْذِهِمْ جَزِيرَةَ صِقِلِّيَةَ وَبِلَادَ سَاحِلِ الشَّامِ وَالْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَفِي آخِرِ الْأَمْرِ مَلَكُوا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِهَذَا أَنَّ الطَّوَائِفَ مِنَ التُّرْكِ اجْتَمَعَتْ، مِنْهُمُ الْبَجْنَاكُ وَالْبُخْتِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَصَدُوا مَدِينَةً لِلرُّومِ قَدِيمَةً تُسَمَّى وَلِيدُرْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ
وَثَلَاثِمِائَةٍ وَحَصَرُوهَا، فَبَلَغَ خَبَرُهُمْ إِلَى أَرْمِيَانُوسْ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا كَثِيفًا فِيهِمْ مِنَ الْمُتَنَصِّرَةِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَاسْتَوْلَى التُّرْكُ عَلَى الْمَدِينَةِ وَخَرَّبُوهَا بَعْدَ أَنْ أَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهَا وَالسَّبْيَ وَالنَّهْبَ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَحَصَرُوهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَغَارُوا عَلَى بِلَادِ الرُّومِ وَاتَّصَلَتْ غَارَاتُهُمْ إِلَى بِلَادِ الْإِفْرِنْجِ، ثُمَّ عَادُوا رَاجِعِينَ.
ذكر وصول قبائل العرب إلى العراق ونزولهم الحيرة
[ذِكْرُ وُصُولِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ إِلَى الْعِرَاقِ وَنُزُولِهِمُ الْحِيرَةَ] قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ لَمَّا مَاتَ بُخْتُ نَصَّرَ انْضَمَّ الَّذِينَ أَسْكَنَهُمُ الْحِيرَةَ مِنَ الْعَرَبِ إِلَى أَهْلِ الْأَنْبَارِ، وَبَقِيَتِ الْحِيرَةُ خَرَابًا دَهْرًا طَوِيلًا، وَأَهْلُهَا بِالْأَنْبَارِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ قَادِمٌ، فَلَمَّا كَثُرَ أَوْلَادُ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَمَزَّقَتْهُمُ الْحُرُوبُ، خَرَجُوا يَطْلُبُونَ الرِّيفَ فِيمَا يَلِيهِمْ مِنَ الْيَمَنِ وَمَشَارِفِ الشَّامِ، وَأَقْبَلَتْ مِنْهُمْ قَبَائِلُ حَتَّى نَزَلُوا بِالْبَحْرَيْنِ وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَزْدِ. وَكَانَ الَّذِينَ أَقْبَلُوا مِنْ تِهَامَةَ مَالِكٌ وَعَمْرٌو ابْنَا فَهْمِ بْنِ تَيْمِ أَسَدَ بْنِ وَبَرَةَ بْنِ قُضَاعَةَ، وَمَالِكُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ فَهْمٍ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَالْحَيْقَادُ بْنُ الْحَنَقِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ قَبِيصَ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ فِي قَبِيصَ كُلِّهَا، وَلَحِقَ بِهِمْ غَطَفَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الطَّمْثَانِ بْنِ عَوْذِ مَنَاةَ بْنِ يَقْدَمَ بْنِ أَفْصَى بْنِ دَعْمِيِّ بْنِ إِيَادِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ وَغَيْرُهُ مِنْ إِيَادٍ، فَاجْتَمَعَ بِالْبَحْرَيْنِ قَبَائِلُ مِنَ الْعَرَبِ وَتَحَالَفُوا عَلَى التَّنُوخِ، وَهُوَ الْمَقَامُ، وَتَعَاقَدُوا عَلَى التَّنَاصُرِ وَالتَّسَاعُدِ، فَصَارُوا يَدًا وَاحِدَةً وَضَمَّهُمُ اسْمُ تَنُوخَ، وَتَنَخَ عَلَيْهِمْ بُطُونٌ مِنْ نُمَارَةَ بْنِ لَخْمٍ، وَدَعَا مَالِكُ بْنُ زُهَيْرٍ جَذِيمَةَ الْأَبْرَشَ بْنَ مَالِكِ بْنِ فَهْمِ بْنِ غَانِمِ بْنِ دَوْسٍ الْأَزْدِيَّ إِلَى التَّنُوخِ مَعَهُ، وَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ لَمِيسَ، فَتَنَخَ جَذِيمَةُ، وَكَانَ
اجْتِمَاعُهُمْ أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ، وَإِنَّمَا سُمُّوا مُلُوكَ الطَّوَائِفِ لِأَنَّ كُلَّ مَلِكٍ مِنْهُمْ كَانَ مُلْكُهُ عَلَى طَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ مِنَ الْأَرْضِ. قَالَ: ثُمَّ تَطَلَّعَتْ أَنْفُسُ مَنْ كَانَ بِالْبَحْرَيْنِ إِلَى رِيفِ الْعِرَاقِ، فَطَمِعُوا فِي غَلَبَةِ الْأَعَاجِمِ عَلَى مَا يَلِي بِلَادَ الْعَرَبِ مِنْهُ أَوْ مُشَارَكَتِهِمْ فِيهِ لِاخْتِلَافٍ بَيْنَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ، فَأَجْمَعُوا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ طَلَعَ مِنْهُمُ الْحِيقَادُ ابْنُ الْحَنَقِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَأَخْلَاطٍ مِنَ النَّاسِ، فَوَجَدُوا الْأَرْمَانِيِّينَ - وَهُمُ الَّذِينَ مَلَكُوا أَرْضَ بَابِلَ وَمَا يَلِيهَا إِلَى نَاحِيَةِ الْمَوْصِلِ - يُقَاتِلُونَ الْأُرْدُوَانِيِّينَ - وَهُمْ مُلُوكُ الطَّوَائِفِ - وَهُوَ مَا بَيْنَ نِفَّرَ - وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ سَوَادِ الْعِرَاقِ إِلَى الْأُبُلَّةِ - فَدَفَعُوهُمْ عَنْ بِلَادِهِمْ، وَالْأَرْمَانِيُّونَ مِنْ بَقَايَا إِرَمَ فَلِهَذَا سُمُّوا الْأَرْمَانِيِّينَ، وَهُمْ نَبَطُ السَّوَادِ. ثُمَّ طَلَعَ مَالِكٌ وَعَمْرٌو ابْنَا فَهْمِ بْنِ تَيْمِ اللَّهِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ تَنُوخَ إِلَى الْأَنْبَارِ عَلَى مُلْكِ الْأَرْمَانِيِّينَ، وَطَلَعَ نَمَارَةُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى نِفَّرٍ عَلَى مُلْكِ الْأُرْدُوَانِيِّينَ، وَكَانُوا لَا يَدِينُونَ لِلْأَعَاجِمِ حَتَّى قَدِمَهَا تُبَّعٌ، وَهُوَ أَسْعَدُ أَبُو كَرْبِ بْنُ مَلْكِيكَرِبَ فِي جُيُوشِهِ، فَخَلَّفَ بِهَا مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قُوَّةٌ مِنْ عَسْكَرِهِ، وَسَارَ تُبَّعٌ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمْ فَأَقَرَّهُمْ عَلَى حَالِهِمْ، وَرَجَعَ إِلَى الْيَمَنِ وَفِيهِمْ مِنْ كُلِّ الْقَبَائِلِ، وَنَزَلَتْ تَنُوخُ مِنَ الْأَنْبَارِ إِلَى الْحِيرَةِ فِي الْأَخْبِيَةِ لَا يَسْكُنُونَ بُيُوتَ الْمَدَرِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ مَلَكَ مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ فَهْمٍ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ مِمَّا يَلِي الْأَنْبَارَ. ثُمَّ مَاتَ مَالِكٌ، فَمَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ عَمْرُو بْنُ فَهْمِ بْنِ غَانِمِ بْنِ دَوْسٍ الْأَزْدِيُّ، ثُمَّ مَاتَ فَمَلَكَ بَعْدَهُ جَذِيمَةُ الْأَبْرَشُ بْنُ مَالِكِ بْنِ فَهْمٍ. وَقِيلَ: إِنَّ جَذِيمَةَ مِنَ الْعَادِيَّةِ الْأُولَى مِنْ بَنِي وَبَارِ بْنِ أُمَيْمِ بْنِ لَوْذِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذِكْرُ جَذِيمَةَ الْأَبْرَشِ
قَالَ: وَكَانَ جَذِيمَةُ مِنْ أَفْضَلِ مُلُوكِ الْعَرَبِ رَأْيًا، وَأَبْعَدِهِمْ مَغَارًا، وَأَشَدِّهِمْ نِكَايَةً، وَأَوَّلِ مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ الْمُلْكُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ الْعَرَبَ، وَغَزَا بِالْجُيُوشِ، وَكَانَ بِهِ بَرَصٌ فَكَنَتِ الْعَرَبُ عَنْهُ، فَقِيلَ: الْوَضَّاحُ، وَالْأَبْرَشُ، إِعْظَامًا لَهُ. وَكَانَتْ مَنَازِلُهُ مَا بَيْنَ الْحِيرَةِ وَالْأَنْبَارِ وَبَقَّةَ وَهِيتَ وَعَيْنِ التَّمْرِ وَأَطْرَافِ الْبَرِّ إِلَى الْعُمَيْرِ وَخَفِيَّةَ، وَتُجْبَى إِلَيْهِ الْأَمْوَالُ، وَتَفِدُ إِلَيْهِ الْوُفُودُ. وَكَانَ غَزَا طَسْمًا وَجَدِيسًا فِي مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْيَمَامَةِ، فَأَصَابَ حَسَّانُ بْنُ تُبَّعٍ أَسْعَدَ أَبِي كَرْبٍ قَدْ أَغَارَ عَلَيْهِمْ فَعَادَ بِمَنْ مَعَهُ، وَأَصَابَ حَسَّانُ سِرِّيَّةً لِجَذِيمَةَ فَاجْتَاحَهَا. وَكَانَ لَهُ صَنَمَانِ يُقَالُ لَهُمَا الضَّيْزَنَانِ، وَكَانَتْ إِيَادُ بِعَيْنِ أُبَاغٍ، فَذُكِرَ لِجَذِيمَةَ غُلَامٌ مِنْ لَخْمٍ فِي أَخْوَالِهِ مِنْ إِيَادٍ يُقَالُ لَهُ: عِدِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ رَبِيعَةَ، لَهُ جَمَالٌ وَظَرْفٌ، فَغَزَاهُمْ جَذِيمَةُ، فَبَعَثَتْ إِيَادُ مَنْ سَرَقَ صَنَمَيْهِ وَحَمَلَهُمَا إِلَى إِيَادٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ: إِنَّ صَنَمَيْكَ أَصْبَحَا فِينَا زُهْدًا فِيكَ وَرَغْبَةً فِينَا، فَإِنْ أَوْثَقْتَ لَنَا أَنْ لَا تَغْزُونَا دَفَعْنَاهُمَا إِلَيْكَ. قَالَ: وَتَدْفَعُونَ مَعَهُمَا عَدِيَّ بْنَ نَصْرٍ، فَأَجَابُوهُ
إِلَى ذَلِكَ وَأَرْسَلُوهُ مَعَ الصَّنَمَيْنِ فَضَمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَوَلَّاهُ شَرَابَهُ. فَأَبْصَرَتْهُ رَقَاشُ أُخْتُ جَذِيمَةَ فَعَشِقَتْهُ وَرَاسَلَتْهُ لِيَخْطُبَهَا إِلَى جَذِيمَةَ، فَقَالَ: لَا أَجْتَرِئُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا أَطْمَعُ فِيهِ. قَالَتْ: إِذَا جَلَسَ عَلَى شَرَابِهِ فَاسْقِهِ صِرْفًا وَاسْقِ الْقَوْمَ مَمْزُوجًا، فَإِذَا أَخَذَتِ الْخَمْرُ فِيهِ فَاخْطُبْنِي إِلَيْهِ فَلَنْ يَرُدَّكَ، فَإِذَا زَوَّجَكَ فَأَشْهِدِ الْقَوْمَ. فَفَعَلَ عَدِيٌّ مَا أَمَرَتْهُ، فَأَجَابَهُ جَذِيمَةُ وَأَمْلَكَهُ إِيَّاهَا، فَانْصَرَفَ إِلَيْهَا فَأَعْرَسَ بِهَا مِنْ لَيْلَتِهِ وَأَصْبَحَ بِالْخَلُوقِ، فَقَالَ لَهُ جَذِيمَةُ، وَأَنْكَرَ مَا رَأَى بِهِ: مَا هَذِهِ الْآثَارُ يَا عَدِيُّ؟ قَالَ: آثَارُ الْعُرْسِ. قَالَ: أَيُّ عُرْسٍ؟ قَالَ: عُرْسُ رَقَاشٍ. قَالَ: مَنْ زَوَّجَكُمَا وَيْحَكَ! قَالَ: الْمَلِكُ. فَنَدِمَ جَذِيمَةُ وَأَكَبَّ عَلَى الْأَرْضِ مُتَفَكِّرًا، وَهَرَبَ عَدِيٌّ، فَلَمْ يُرَ لَهُ أَثَرٌ وَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا جَذِيمَةُ: خَبِّرِينِي وَأَنْتِ لَا تَكْذِبِينِي أَبِحُرٍّ زَنَيْتِ أَمْ بِهَجِينِ أَمْ بِعَبْدٍ فَأَنْتِ أَهْلٌ لِعَبْدٍ أَمْ بِدُونٍ فَأَنْتِ أَهْلٌ لِدُونِ. فَقَالَتْ: لَا بَلْ أَنْتَ زَوَّجْتَنِي امْرَأً عَرَبِيًّا حَسِيبًا وَلَمْ تَسْتَأْمِرْنِي فِي نَفْسِي. فَكَفَّ عَنْهَا وَعَذَرَهَا. وَرَجَعَ عَدِيٌّ إِلَى إِيَادٍ فَكَانَ فِيهِمْ. فَخَرَجَ يَوْمًا مَعَ فِتْيَةٍ مُتَصَيِّدِينَ، فَرَمَى بِهِ فَتًى مِنْهُمْ فِي مَا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَتَنَكَّسَ فَمَاتَ. فَحَمَلَتْ رَقَاشُ فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَسَمَّتْهُ عَمْرًا، فَلَمَّا تَرَعْرَعَ وَشَبَّ أَلْبَسَتْهُ وَعَطَّرَتْهُ وَأَزَارَتْهُ خَالَهُ، فَلَمَّا رَآهُ أَحَبَّهُ وَجَعَلَهُ مَعَ وَلَدِهِ، وَخَرَجَ جَذِيمَةُ مُتَبَدِّيًا بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ فِي سَنَةٍ خَصِيبَةٍ، فَأَقَامَ فِي رَوْضَةٍ ذَاتِ زَهْرٍ وَغُدُرٍ، فَخَرَجَ وَلَدُهُ وَعَمْرٌو مَعَهُمْ يَجْتَنُونَ الْكَمْأَةَ، فَكَانُوا إِذَا أَصَابُوا كَمْأَةً جَيِّدَةً أَكَلُوهَا، وَإِذَا أَصَابَهَا عَمْرٌو خَبَّأَهَا، فَانْصَرَفُوا إِلَى جَذِيمَةَ يَتَعَادُونَ، وَعَمْرٌو يَقُولُ: هَذَا جَنَايَ وَخِيَارُهُ فِيهِ ... إِذْ كُلُّ جَانٍ يَدُهُ فِي فِيهِ.
فَضَمَّهُ جَذِيمَةُ إِلَيْهِ وَالْتَزَمَهُ وَسُرَّ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، وَأَمَرَ فَجُعِلَ لَهُ حُلِيٌّ مِنْ فِضَّةٍ وَطَوْقٌ، فَكَانَ أَوَّلَ عَرَبِيٍّ أُلْبِسَ طَوْقًا. فَبَيْنَا هُوَ عَلَى أَحْسَنِ حَالَةٍ إِذِ اسْتَطَارَتْهُ الْجِنُّ، فَطَلَبَهُ جَذِيمَةُ فِي الْآفَاقِ زَمَانًا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ رَجُلَانِ مِنْ بَلْقِينِ قُضَاعَةَ، يُقَالُ لَهُمَا: مَالِكٌ وَعَقِيلٌ ابْنَا فَارِجِ بْنِ مَالِكٍ مِنَ الشَّامِ يُرِيدَانِ جَذِيمَةَ، وَأَهْدَيَا لَهُ طُرَفًا، فَنَزَلَا مَنْزِلًا وَمَعَهُمَا قَيْنَةٌ لَهُمَا تُسَمَّى أُمَّ عَمْرٍو، فَقَدَّمَتْ طَعَامًا. فَبَيْنَمَا هُمَا يَأْكُلَانِ إِذْ أَقْبَلَ فَتًى عُرْيَانٌ قَدْ تَلَبَّدَ شَعْرُهُ وَطَالَتْ أَظَافِرُهُ وَسَاءَتْ حَالُهُ، فَجَلَسَ نَاحِيَةً عَنْهُمَا وَمَدَّ يَدَهُ يَطْلُبُ الطَّعَامَ، فَنَاوَلَتْهُ الْقَيْنَةُ كُرَاعًا فَأَكَلَهَا، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ ثَانِيَةً، فَقَالَتْ: لَا تُعْطِ الْعَبْدَ كُرَاعًا فَيَطْمَعَ فِي الذِّرَاعِ! فَذَهَبَتْ مَثَلًا، ثُمَّ سَقَتْهُمَا مِنْ شَرَابٍ مَعَهَا وَأَوْكَتْ زِقَّهَا، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَدِيٍّ: صَدَدْتِ الْكَأْسَ عَنَّا أُمَّ عَمْرٍو ... وَكَانَ الْكَأْسُ مَجْرَاهَا الْيَمِينَا وَمَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ أُمَّ عَمْرٍو ... بِصَاحِبِكِ الَّذِي لَا تُصْبِحِينَا فَسَأَلَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ: إِنْ تُنْكِرَانِي أَوْ تُنْكِرَا نَسَبِي، فَإِنِّي أَنَا عَمْرُو بْنُ عَدِيِّ بْنِ تَنُوخِيَةَ اللَّخْمِيُّ، وَغَدًا مَا تَرَيَانِي فِي نُمَارَةَ غَيْرَ مَعْصِيٍّ. فَنَهَضَا وَغَسَلَا رَأَسَهُ وَأَصْلَحَا حَالَهُ وَأَلْبَسَاهُ ثِيَابًا وَقَالَا: مَا كُنَّا لِنَهْدِيَ لِجَذِيمَةَ أَنْفَسَ مِنِ ابْنِ أُخْتِهِ! فَخَرَجَا بِهِ إِلَى جَذِيمَةَ، فَسُرَّ بِهِ سُرُورًا شَدِيدًا وَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ ذَهَبَ وَعَلَيْهِ طَوْقٌ، فَمَا ذَهَبَ مِنْ عَيْنِي وَقَلْبِي إِلَى السَّاعَةِ، وَأَعَادُوا عَلَيْهِ الطَّوْقَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ: " شَبَّ عَمْرٌو عَنِ الطَّوْقِ "، وَأَرْسَلَهَا مَثَلًا، وَقَالَ لِمَالِكٍ وَعَقِيلٍ: حُكْمُكُمَا. قَالَا: حُكْمُنَا مُنَادَمَتُكَ مَا بَقِينَا وَبَقِيتَ، فَهُمَا نُدْمَانَا جَذِيمَةَ اللَّذَانِ يُضْرَبَانِ مَثَلًا.
وَكَانَ مَلِكُ الْعَرَبِ بِأَرْضِ الْجَزِيرَةِ وَمَشَارِفِ الشَّامِ عَمْرَو بْنَ الظَّرِبِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ أُذَيْنَةَ الْعِمْلِيقِيَّ مِنْ عَامِلَةِ الْعَمَالِقَةِ، فَتَحَارَبَ هُوَ وَجَذِيمَةُ، فَقُتِلَ عَمْرٌو وَانْهَزَمَتْ عَسَاكِرُهُ، وَعَادَ جَذِيمَةُ سَالِمًا. وَمَلَكَتْ بَعْدَ عَمْرٍو ابْنَتُهُ الزَّبَّاءُ، وَاسْمُهَا نَائِلَةُ، وَكَانَ جُنُودُ الزَّبَّاءِ بَقَايَا الْعَمَالِيقِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ لَهَا مِنَ الْفُرَاتِ إِلَى تَدْمُرَ. فَلَمَّا اسْتَجْمَعَ لَهَا أَمْرُهَا وَاسْتَحْكَمَ مُلْكُهَا اجْتَمَعَتْ لِغَزْوِ جَذِيمَةَ تَطْلُبُ بِثَأْرِ أَبِيهَا، فَقَالَتْ لَهَا أُخْتُهَا رَبِيبَةُ، وَكَانَتْ عَاقِلَةً: إِنْ غَزَوْتِ جَذِيمَةَ فَإِنَّمَا هُوَ يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، وَأَشَارَتْ بِتَرْكِ الْحَرْبِ وَإِعْمَالِ الْحِيلَةِ. فَأَجَابَتْهَا إِلَى ذَلِكَ، وَكَتَبَتْ إِلَى جَذِيمَةَ تَدْعُوهُ إِلَى نَفْسِهَا وَمُلْكِهَا، وَكَتَبَتْ إِلَيْهِ أَنَّهَا لَمْ تَجِدْ مُلْكَ النِّسَاءِ إِلَّا قُبْحًا فِي السَّمَاعِ وَضَعْفًا فِي السُّلْطَانِ، وَأَنَّهَا لَمْ تَجِدْ لِمُلْكِهَا وَلَا لِنَفْسِهَا كُفُوًا غَيْرَهُ. فَلَمَّا انْتَهَى كِتَابُ الزَّبَّاءِ إِلَيْهِ اسْتَخَفَّ مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ وَجَمَعَ إِلَيْهِ ثِقَاتِهِ، وَهُوَ بِبَقِيَّةٍ مِنْ شَاطِئِ الْفُرَاتِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ وَاسْتَشَارَهُمْ، فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهَا وَيَسْتَوْلِيَ عَلَى مُلْكِهَا. وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ قَصِيرُ بْنُ سَعْدٍ مِنْ لَخْمٍ، وَكَانَ سَعْدٌ تَزَوَّجَ أَمَةً لِجَذِيمَةَ فَوَلَدَتْ لَهُ قَصِيرًا، وَكَانَ أَرِيبًا حَازِمًا نَاصِحًا لِجَذِيمَةَ قَرِيبًا مِنْهُ، فَخَالَفَهُمْ فِيمَا أَشَارُوا بِهِ عَلَيْهِ وَقَالَ: رَأْيٌ فَاتِرٌ، وَغَدْرٌ حَاضِرٌ، فَذَهَبَتْ مَثَلًا، وَقَالَ لِجَذِيمَةَ: اكْتُبْهَا إِلَيْهَا فَإِنْ كَانَتْ صَادِقَةً فَلْتُقْبِلْ إِلَيْكَ وَإِلَّا لَمْ تُمَكِّنْهَا مِنْ نَفْسِكَ وَقَدْ وَتَرْتَهَا وَقَتَلْتَ أَبَاهَا. فَلَمْ يُوَافِقْ جَذِيمَةُ مَا أَشَارَ بِهِ قَصِيرٌ وَقَالَ لَهُ: لَا وَلَكِنَّكَ امْرُؤٌ رَأْيُكَ فِي الْكَنِّ لَا فِي الضَّحِّ، فَذَهَبَتْ مَثَلًا. وَدَعَا جَذِيمَةُ ابْنَ أُخْتِهِ عَمْرَو بْنَ عَدِيٍّ فَاسْتَشَارَهُ، فَشَجَّعَهُ عَلَى الْمَسِيرِ وَقَالَ: إِنَّ نُمَارَةَ قَوْمِي مَعَ الزَّبَّاءِ فَلَوْ رَأَوْكَ صَارُوا مَعَكَ، فَأَطَاعَهُ.
فَقَالَ قَصِيرٌ: لَا يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرٌ. وَقَالَتِ الْعَرَبُ: بِبَقَّةَ أُبْرِمَ الْأَمْرُ فَذَهَبَتَا مَثَلًا. وَاسْتَخْلَفَ جَذِيمَةُ عَمْرَو بْنَ عَدِيٍّ عَلَى مُلْكِهِ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْجِنِّ عَلَى خُيُولِهِ مَعَهُ، وَسَارَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ الْفُرْضَةَ قَالَ لِقَصِيرٍ: مَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: بِبَقَّةَ تَرَكْتُ الرَّأْيَ، فَذَهَبَتْ مَثَلًا. وَاسْتَقْبَلَهُ رُسُلُ الزَّبَّاءِ بِالْهَدَايَا وَالْأَلْطَافِ، فَقَالَ: يَا قَصِيرُ كَيْفَ تَرَى؟ قَالَ: خَطَرٌ يَسِيرٌ، وَخَطْبٌ كَبِيرٌ، فَذَهَبَتْ مَثَلًا، وَسَتَلْقَاكَ الْخُيُولُ، فَإِنْ سَارَتْ أَمَامَكَ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ صَادِقَةٌ، وَإِنْ أَخَذَتْ جَنْبَيْكَ وَأَحَاطَتْ بِكَ فَإِنَّ الْقَوْمَ غَادِرُونَ، فَارْكَبِ الْعَصَا، وَكَانَتْ فَرَسًا لِجَذِيمَةَ لَا تُجَارَى، فَإِنِّي رَاكِبُهَا وَمُسَايِرُكَ عَلَيْهَا. فَلَقِيَتْهُ الْكَتَائِبُ فَحَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَصَا، فَرَكِبَهَا قَصِيرٌ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ جَذِيمَةُ مُوَلِّيًا عَلَى مَتْنِهَا، فَقَالَ: " وَيْلَ أُمِّهِ حَزْمًا عَلَى مَتْنِ الْعَصَا! " فَذَهَبَتْ مَثَلًا. وَقَالَ: " يَا ضَلَّ مَنْ تَجْرِي بِهِ الْعَصَا " وَجَرَتْ بِهِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، ثُمَّ نَفَقَتْ وَقَدْ قَطَعَتْ أَرْضًا بَعِيدَةً، فَبَنَى عَلَيْهَا بُرْجًا يُقَالُ لَهُ بُرْجُ الْعَصَا، مَثَلٌ تَضْرِبُهُ. وَقَالَتِ الْعَرَبُ: " خَيْرُ مَا جَاءَتْ بِهِ الْعَصَا ". مَثَلٌ تَضْرِبُهُ. وَسَارَ جَذِيمَةُ وَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ الْخُيُولُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الزَّبَّاءِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ تَكَشَّفَتْ، فَإِذَا هِيَ مَضْفُورَةُ الْإِسْبِ، وَالْإِسْبُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ هُوَ شَعْرُ الْإِسْتِ، وَقَالَتْ لَهُ: " يَا جَذِيمَةُ أَدْأَبُ عَرُوسٍ تَرَى؟ " فَذَهَبَتْ مَثَلًا. فَقَالَ: " بَلَغَ الْمَدَى، وَجَفَّ الثَّرَى، وَأَمْرُ غَدْرٍ أَرَى " فَذَهَبَتْ مَثَلًا. فَقَالَتْ لَهُ: " أَمَا وَإِلَهِي مَا بِنَا مِنْ عَدَمِ مُوَاسٍ، وَلَا قِلَّةِ أُوَاسٍ، وَلَكِنَّهَا شِيمَةٌ مِنْ أُنَاسٍ ". فَذَهَبَتْ مَثَلًا. وَقَالَتْ لَهُ: أُنْبِئْتُ أَنَّ
دِمَاءَ الْمُلُوكِ شِفَاءٌ مِنَ الْكَلْبِ. ثُمَّ أَجْلَسَتْهُ عَلَى نِطْعٍ، وَأَمَرَتْ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَأُعِدَّ لَهُ، وَسَقَتْهُ الْخَمْرَ حَتَّى أَخَذَتْ مِنْهُ مَأْخَذَهَا ثُمَّ أَمَرَتْ بِرَاهِشَيْهِ فَقُطِعَا، وَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ الطَّسْتَ، وَقَدْ قِيلَ لَهَا: إِنْ قَطَرَ مِنْ دَمِهِ شَيْءٌ فِي غَيْرِ الطَّسْتِ طُلِبَ بِدَمِهِ. وَكَانَتِ الْمُلُوكُ لَا تَقْتُلُ بِضَرْبِ الرَّقَبَةِ إِلَّا فِي قِتَالٍ تَكْرِمَةً لِلْمُلْكِ. فَلَمَّا ضَعُفَتْ يَدَاهُ سَقَطَتَا، فَقُطِرَ مِنْ دَمِهِ فِي غَيْرِ الطَّسْتِ، فَقَالَتْ: لَا تُضَيِّعُوا دَمَ الْمَلِكِ! فَقَالَ جَذِيمَةُ: " دَعُوا دَمًا ضَيَّعَهُ أَهْلُهُ ". فَذَهَبَتْ مَثَلًا. فَهَلَكَ جَذِيمَةُ، وَخَرَجَ قَصِيرٌ مِنَ الْحَيِّ الَّذِينَ هَلَكَتِ الْعَصَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، حَتَّى قِدَمَ عَلَى عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ، وَهُوَ بِالْحِيرَةِ، فَوَجَدَهُ قَدِ اخْتَلَفَ هُوَ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْجِنِّ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا، وَأَطَاعَ النَّاسُ عَمْرَو بْنَ عَدِيٍّ، وَقَالَ لَهُ قَصِيرٌ: تَهَيَّأْ وَاسْتَعِدَّ وَلَا تُطِلْ دَمَ خَالِكَ. فَقَالَ: " كَيْفَ لِي بِهَا وَهِيَ أَمْنَعُ مِنْ عُقَابِ الْجَوِّ؟ " فَذَهَبَتْ مَثَلًا. وَكَانَتِ الزَّبَّاءُ سَأَلَتْ كَهَنَةً عَنْ أَمْرِهَا وَهَلَاكِهَا، فَقَالُوا لَهَا: نَرَى هَلَاكَكِ بِسَبَبِ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ، وَلَكِنَّ حَتْفَكِ بِيَدِكِ، فَحَذِرَتْ عَمْرًا وَاتَّخَذَتْ نَفَقًا مِنْ مَجْلِسِهَا إِلَى حِصْنٍ لَهَا دَاخِلَ مَدِينَتِهَا، ثُمَّ قَالَتْ: إِنْ فَجَأَنِي أَمْرٌ دَخَلْتُ النَّفَقَ إِلَى حِصْنِي، وَدَعَتْ رَجُلًا مُصَوِّرًا حَاذِقًا، فَأَرْسَلَتْهُ إِلَى عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ مُتَنَكِّرًا وَقَالَتْ لَهُ: صَوِّرْهُ جَالِسًا وَقَائِمًا وَمُتَفَضِّلًا وَمُتَنَكِّرًا وَمُتَسَلِّحًا بِهَيْئَتِهِ وَلُبْسِهِ وَلَوْنِهِ ثُمَّ أَقْبِلْ إِلَيَّ. فَفَعَلَ الْمُصَوِّرُ مَا أَوْصَتْهُ الزَّبَّاءُ وَعَادَ إِلَيْهَا، وَأَرَادَتْ أَنْ تَعْرِفَ عَمْرَو بْنَ عَدِيٍّ فَلَا تَرَاهُ عَلَى حَالٍ إِلَّا عَرَفَتْهُ وَحَذِرَتْهُ. وَقَالَ قَصِيرٌ لِعَمْرٍو: اجْدَعْ أَنْفِي وَاضْرِبْ ظَهْرِي وَدَعْنِي وَإِيَّاهَا. فَقَالَ عَمْرٌو: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. فَقَالَ قَصِيرٌ: " خَلِّ عَنِّي إِذًا وَخَلَاكَ ذَمٌّ "، فَذَهَبَتْ مَثَلًا. فَقَالَ عَمْرٌو: فَأَنْتَ أَبْصَرُ، فَجَدَعَ قَصِيرٌ أَنْفَهُ وَدَقَّ بِظَهْرِهِ وَخَرَجَ كَأَنَّهُ هَارِبٌ، وَأَظْهَرَ أَنَّ عَمْرًا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، وَسَارَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى الزَّبَّاءِ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّ قَصِيرًا بِالْبَابِ، فَأَمَرَتْ بِهِ فَأُدْخِلَ عَلَيْهَا، فَإِذَا أَنْفُهُ قَدْ جُدِعَ وَظَهْرُهُ قَدْ ضُرِبَ، فَقَالَتْ: " لِأَمْرٍ مَا جَدَعَ قَصِيرٌ أَنْفَهُ "، فَذَهَبَتْ مَثَلًا. قَالَتْ: مَا الَّذِي أَرَى بِكَ يَا قَصِيرُ؟ قَالَ: زَعَمَ عَمْرٌو أَنِّي غَدَرْتُ خَالَهُ وَزَيَّنْتُ لَهُ الْمَسِيرَ إِلَيْكِ وَمَالَأْتُكِ عَلَيْهِ ; فَفَعَلَ بِي مَا تَرَيْنَ فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكِ، وَعَرَفْتُ أَنِّي لَا أَكُونُ مَعَ أَحَدٍ
هُوَ أَثْقَلُ عَلَيْهِ مِنْكِ. فَأَكْرَمَتْهُ، وَأَصَابَتْ عِنْدَهُ بَعْضَ مَا أَرَادَتْ مِنَ الْحَزْمِ وَالرَّأْيِ وَالتَّجْرِبَةِ وَالْمَعْرِفَةِ بِأُمُورِ الْمُلْكِ. فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهَا قَدِ اسْتَرْسَلَتْ إِلَيْهِ وَوَثِقَتْ بِهِ، قَالَ لَهَا: إِنَّ لِي بِالْعِرَاقِ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَلِي بِهَا طَرَائِفُ وَعِطْرٌ، فَابْعَثِينِي لِأَحْمِلَ مَالِي وَأَحْمِلَ إِلَيْكِ مِنْ طَرَائِفِهَا وَصُنُوفِ مَا يَكُونُ بِهَا مِنَ التِّجَارَاتِ فَتُصِيبِينَ أَرْبَاحًا وَبَعْضَ مَا لَا غَنَاءَ لِلْمُلُوكِ عَنْهُ. فَسَرَّحَتْهُ وَدَفَعَتْ إِلَيْهِ أَمْوَالًا وَجَهَّزَتْ مَعَهُ عِيرًا، فَسَارَ حَتَّى قَدِمَ الْعِرَاقَ وَأَتَى عَمْرَو بْنَ عَدِيٍّ مُتَخَفِّيًا وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ وَقَالَ: جَهِّزْنِي بِالْبَزِّ وَالطُّرَفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَعَلَّ اللَّهَ يُمَكِّنُ مِنَ الزَّبَّاءِ فَتُصِيبَ ثَأْرَكَ وَتَقْتُلَ عَدُوَّكَ. فَأَعْطَاهُ حَاجَتَهُ، فَرَجَعَ بِذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى الزَّبَّاءِ فَعَرَضَهُ عَلَيْهَا، فَأَعْجَبَهَا وَسَرَّهَا وَازْدَادَتْ بِهِ ثِقَةً، ثُمَّ جَهَّزَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِمَّا جَهَّزَتْهُ بِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى. فَسَارَ حَتَّى قَدِمَ الْعِرَاقَ وَحَمَلَ مِنْ عِنْدِ عَمْرٍو حَاجَتَهُ وَلَمْ يَدَعْ طُرْفَةً وَلَا مَتَاعًا قَدَرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَادَ الثَّالِثَةَ فَأَخْبَرَ عَمْرًا الْخَبَرَ وَقَالَ: اجْمَعْ لِي ثِقَاتِ أَصْحَابِكَ وَجُنْدَكَ وَهَيِّءْ لَهُمُ الْغَرَائِرَ - وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَمِلَهَا - وَاحْمِلْ كُلَّ رَجُلَيْنِ عَلَى بَعِيرٍ فِي غِرَارَتَيْنِ وَاجْعَلْ مُعَقَّدَ رُءُوسِهِمَا مِنْ بَاطِنِهِمَا. وَقَالَ لَهُ: إِذَا دَخَلْتُ مَدِينَةَ الزَّبَّاءِ أَقَمْتُكَ عَلَى بَابِ نَفَقِهَا، وَخَرَجَتِ الرِّجَالُ مِنَ الْغَرَائِرِ فَصَاحُوا بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَمَنْ قَاتَلَهُمْ قَاتَلُوهُ، وَإِنْ أَقْبَلَتِ الزَّبَّاءُ تُرِيدُ نَفَقَهَا قَتَلْتَهَا. فَفَعَلَ عَمْرٌو ذَلِكَ وَسَارُوا، فَلَمَّا كَانُوا قَرِيبًا مِنَ الزَّبَّاءِ، تَقَدَّمَ قَصِيرٌ إِلَيْهَا فَبَشَّرَهَا وَأَعْلَمَهَا كَثْرَةَ مَا حَمَلَ مِنَ الثِّيَابِ وَالطَّرَائِفِ، وَسَأَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ وَتَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ وَمَا عَلَيْهَا، وَكَانَ قَصِيرٌ يَكْمُنُ النَّهَارَ وَيَسِيرُ اللَّيْلَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَخَرَجَتِ الزَّبَّاءُ فَأَبْصَرَتِ الْإِبِلَ تَكَادُ قَوَائِمُهَا تَسُوخُ فِي الْأَرْضِ، فَقَالَتْ: يَا قَصِيرُ مَا لِلْجِمَالِ مَشْيُهَا وَئِيدَا ... أَجَنْدَلًا يَحْمِلْنَ أَمْ حَدِيدَا أَمْ صَرَفَانًا بَارِدًا شَدِيدَا ... أَمِ الرِّجَالَ جُثَّمًا قُعُودَا
ذكر طسم وجديس وكانوا أيام ملوك الطوائف
وَدَخَلَتِ الْإِبِلُ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتْهَا أُنِيخَتْ وَخَرَجَ الرِّجَالُ مِنَ الْغَرَائِرِ، وَدَلَّ قَصِيرٌ عَمْرًا عَلَى بَابِ النَّفَقِ وَصَاحُوا بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَوَضَعُوا فِيهِمُ السِّلَاحَ، وَقَامَ عَمْرٌو عَلَى بَابِ النَّفَقِ. وَأَقْبَلَتِ الزَّبَّاءُ تُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنَ النَّفَقِ، فَلَمَّا أَبْصَرَتْ عَمْرًا قَائِمًا عَلَى بَابِ النَّفَقِ عَرَفَتْهُ بِالصُّورَةِ الَّتِي عَمِلَهَا الْمُصَوِّرُ، فَمَصَّتْ سُمًّا كَانَ فِي خَاتَمِهَا، فَقَالَتْ: " بِيَدِي لَا بِيَدِ عَمْرٍو "! فَذَهَبَتْ مَثَلًا. وَتَلَقَّاهَا عَمْرٌو بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهَا وَأَصَابَ مَا أَصَابَ مِنَ الْمَدِينَةِ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْعِرَاقِ. وَصَارَ الْمُلْكُ بَعْدَ جَذِيمَةَ لِابْنِ أُخْتِهِ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سُعُودِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُمَارَةَ بْنِ لَخْمٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الْحِيرَةَ مَنْزِلًا مِنْ مُلُوكِ الْعَرَبِ، فَلَمْ يَزَلْ مَلِكًا حَتَّى مَاتَ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: مِائَةٌ وَثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةٍ، مِنْهَا أَيَّامُ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ خَمْسٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَأَيَّامُ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَعَشْرَةَ أَشْهُرٍ، وَأَيَّامُ ابْنِهِ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ ثَمَانِي سِنِينَ وَشَهْرَانِ، وَكَانَ مُنْفَرِدًا بِمُلْكِهِ يَغْزُو الْمَغَازِيَ، وَلَا يَدِينُ لِمُلُوكِ الطَّوَائِفِ إِلَى أَنْ مَلَكَ أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ أَهْلَ فَارِسَ. وَلَمْ يَزَلِ الْمُلْكُ فِي وَلَدِهِ إِلَى أَنْ كَانَ آخِرَهُمُ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ، إِلَى أَيَّامِ مُلُوكِ كِنْدَةَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقِيلَ فِي سَبَبِ مَسِيرِ وَلَدِ نَصْرِ بْنِ رَبِيعَةَ إِلَى الْعِرَاقِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ رُؤْيَا رَآهَا رَبِيعَةُ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهَا عِنْدَ أَمْرِ الْحَبَشَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [ذِكْرُ طَسْمٍ وَجَدِيسٍ وَكَانُوا أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ]
كَانَ طَسْمُ بْنُ لَوْذِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَجَدِيسُ بْنُ عَامِرِ بْنِ أَزْهَرَ بْنِ سَامٍ ابْنَيْ عَمٍّ، وَكَانَتْ مَسَاكِنُهُمْ مَوْضِعَ الْيَمَامَةِ، وَكَانَ اسْمُهَا حِينَئِذٍ جَوَا، وَكَانَتْ مِنْ أَخْصَبِ الْبِلَادِ وَأَكْثَرِهَا خَيْرًا، وَكَانَ مَلِكُهُمْ أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ عِمْلِيقْ، وَكَانَ ظَالِمًا قَدْ تَمَادَى فِي الظُّلْمِ وَالْغَشْمِ وَالسِّيرَةِ الْكَثِيرَةِ الْقُبْحِ، وَإِنَّ امْرَأَةً مِنْ جَدِيسٍ يُقَالُ لَهَا هَزِيلَةُ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَأَرَادَ أَخْذَ وَلَدِهَا مِنْهَا فَخَاصَمَتْهُ إِلَى عِمْلِيقْ وَقَالَتْ: أَيُّهَا الْمَلِكُ حَمَلْتُهُ تِسْعًا، وَوَضَعْتُهُ دَفْعًا، وَأَرْضَعْتُهُ شَفْعًا، حَتَّى إِذَا تَمَّتْ أَوْصَالُهُ، وَدَنَا فِصَالُهُ، أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنِّي كُرْهًا، وَيَتْرُكَنِي بَعْدَهُ وَرِهًا. فَقَالَ زَوْجُهَا: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّهَا أُعْطِيَتْ مَهْرَهَا كَامِلًا، وَلَمْ أُصِبْ مِنْهَا طَائِلًا، إِلَّا وَلِيدًا خَامِلًا، فَافْعَلْ مَا كُنْتَ فَاعِلًا. فَأَمَرَ الْمَلِكُ بِالْغُلَامِ فَصَارَ فِي غِلْمَانِهِ، وَأَنْ تُبَاعَ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا فَيُعْطَى الزَّوْجُ خُمْسَ ثَمَنِهَا وَتُعْطَى الْمَرْأَةُ عُشْرَ ثَمَنِ زَوْجِهَا، فَقَالَتْ هَزِيلَةُ: أَتَيْنَا أَخَا طَسْمٍ لِيَحْكُمَ بَيْنَنَا ... فَأَنْفَذَ حُكْمًا فِي هَزِيلَةَ ظَالِمَا لَعَمْرِي لَقَدْ حَكَّمْتَ لَا مُتَوَرِّعَا ... وَلَا كُنْتَ فِيمَنْ يُبْرِمُ الْحُكْمَ عَالِمَا نَدِمْتُ وَلَمْ أَنْدَمْ وَأَنَّى بِعِتْرَتِي ... وَأَصْبَحَ بَعْلِي فِي الْحُكُومَةِ نَادِمَا فَلَمَّا سَمِعَ عِمْلِيقْ قَوْلَهَا، أَمَرَ أَنْ لَا تُزَوَّجَ بِكْرٌ مِنْ جَدِيسٍ وَتُهْدَى إِلَى زَوْجِهَا حَتَّى
يَفْتَرِعَهَا، فَلَقُوا مِنْ ذَلِكَ بَلَاءً وَجَهْدًا وَذُلًّا، وَلَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى زُوِّجَتِ الشَّمُوسُ، وَهِيَ عَفِيرَةُ بِنْتُ عَبَّادٍ أُخْتُ الْأَسْوَدِ، فَلَمَّا أَرَادُوا حَمْلَهَا إِلَى زَوْجِهَا انْطَلَقُوا بِهَا إِلَى عِمْلِيقْ لِيَنَالَهَا قَبْلَهُ، وَمَعَهَا الْفِتْيَانُ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ افْتَرَعَهَا وَخَلَّى سَبِيلَهَا، فَخَرَجَتْ إِلَى قَوْمِهَا فِي دِمَائِهَا وَقَدْ شَقَّتْ دِرْعَهَا مِنْ قُبُلٍ وَدُبُرٍ وَالدَّمُ يَبِينُ وَهِيَ فِي أَقْبَحِ مَنْظَرٍ تَقُولُ: لَا أَحَدَ أَذَلُّ مِنْ جَدِيسِ ... أَهَكَذَا يُفْعَلُ بِالْعَرُوسِ يَرْضَى بِذَا يَا قَوْمِ بَعْلٌ حُرُّ ... أَهْدَى وَقَدْ أَعْطَى وَسِيقَ الْمَهْرُ وَقَالَتْ أَيْضًا لِتُحَرِّضَ قَوْمَهَا: أَيَجْمُلُ مَا يُؤْتَى إِلَى فَتَيَاتِكُمْ ... وَأَنْتُمْ رِجَالٌ فِيكُمُ عَدَدُ النَّمْلِ وَتُصْبِحُ تَمْشِي فِي الدِّمَاءِ عَفِيرَةٌ جَهَارًا ... وَزُفَّتْ فِي النِّسَاءِ إِلَى بَعْلِ وَلَوْ أَنَّنَا كُنَّا رِجَالًا وَكُنْتُمُ ... نِسَاءً لَكُنَّا لَا نُقِرُّ بِذَا الْفِعْلِ فَمُوتُوا كِرَامًا أَوْ أَمِيتُوا عَدُوَّكُمْ ... وَدِبُّوا لِنَارِ الْحَرْبِ بِالْحَطَبِ الْجَزْلِ وَإِلَّا فَخَلُّوا بَطْنَهَا وَتَحَمَّلُوا ... إِلَى بَلَدٍ قَفْرٍ وَمُوتُوا مِنَ الْهَزْلِ فَلَلْبَيْنُ خَيْرٌ مِنْ مُقَامٍ عَلَى الْأَذَى ... وَلَلْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ مُقَامٍ عَلَى الذُّلِّ وَإِنْ أَنْتُمُ لَمْ تَغْضَبُوا بَعْدَ هَذِهِ فَكُونُوا ... نِسَاءً لَا تُعَابُ مِنَ الْكُحْلِ
وَدُونَكُمُ طِيبُ النِّسَاءِ فَإِنَّمَا خُلِقْتُمْ لِأَثْوَابِ الْعَرُوسِ وَلِلْغُسْلِ ... فَبُعْدًا وَسُحْقًا لِلَّذِي لَيْسَ دَافِعًا وَيَخْتَالُ يَمْشِي بَيْنَنَا مِشْيَةَ الْفَحْلِ فَلَمَّا سَمِعَ أَخُوهَا الْأَسْوَدُ قَوْلَهَا، وَكَانَ سَيِّدًا مُطَاعًا، قَالَ لِقَوْمِهِ: يَا مَعْشَرَ جَدِيسٍ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَيْسُوا بِأَعَزَّ مِنْكُمْ فِي دَارِكُمْ إِلَّا بِمُلْكِ صَاحِبِهِمْ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ، وَلَوْلَا عَجْزُنَا لَمَا كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَيْنَا، وَلَوِ امْتَنَعْنَا لَانْتَصَفْنَا مِنْهُ، فَأَطِيعُونِي فِيمَا آمُرُكُمْ فَإِنَّهُ عِزُّ الدَّهْرِ. وَقَدْ حَمِيَ جَدِيسٌ لِمَا سَمِعُوا مِنْ قَوْلِهَا فَقَالُوا: نُطِيعُكَ وَلَكِنَّ الْقَوْمَ أَكْثَرُ مِنَّا! قَالَ: فَإِنِّي أَصْنَعُ لِلْمَلِكِ طَعَامًا وَأَدْعُوهُ وَأَهْلَهُ إِلَيْهِ، فَإِذَا جَاءُوا يَرْفُلُونَ فِي الْحُلَلِ أَخَذْنَا سُيُوفَنَا وَقَتَلْنَاهُمْ. فَقَالُوا: افْعَلْ. فَصَنَعَ طَعَامًا فَأَكْثَرَ وَجَعَلَهُ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ وَدَفَنَ هُوَ وَقَوْمُهُ سُيُوفَهُمْ فِي الرَّمْلِ وَدَعَا الْمَلِكَ وَقَوْمَهُ، فَجَاءُوا يَرْفُلُونَ فِي حُلَلِهِمْ، فَلَمَّا أَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ وَمَدُّوا أَيْدِيَهُمْ يَأْكُلُونَ، أَخَذَتْ جَدِيسٌ سُيُوفَهُمْ مِنَ الرَّمْلِ وَقَتَلُوهُمْ وَقَتَلُوا مَلِكَهُمْ وَقَتَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ السَّفَلَةَ. ثُمَّ إِنَّ بَقِيَّةَ طَسْمٍ قَصَدُوا حَسَّانَ بْنَ تُبَّعٍ مَلِكَ الْيَمَنِ فَاسْتَنْصَرُوهُ، فَسَارَ إِلَى الْيَمَامَةِ، فَلَمَّا كَانَ مِنْهَا عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ قَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: إِنَّ لِي أُخْتًا مُتَزَوِّجَةً مِنْ جَدِيسٍ يُقَالُ لَهَا الْيَمَامَةُ تُبْصِرُ الرَّاكِبَ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تُنْذِرَ الْقَوْمَ بِكَ، فَمُرْ أَصْحَابَكَ فَلْيَقْطَعْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ شَجَرَةً فَلْيَجْعَلْهَا أَمَامَهُ. فَأَمَرَهُمْ حَسَّانُ بِذَلِكَ، فَنَظَرَتِ الْيَمَامَةُ فَأَبْصَرَتْهُمْ فَقَالَتْ لِجَدِيسٍ: لَقَدْ سَارَتْ إِلَيْكُمْ حِمْيَرُ. قَالُوا: وَمَا تَرَيْنِ؟ قَالَتْ: أَرَى رَجُلًا فِي شَجَرَةٍ مَعَهُ كَتِفٌ يَتَعَرَّقُهَا أَوْ نَعْلٌ يَخْصِفُهَا، وَكَانَ كَذَلِكَ، فَكَذَّبُوهَا، فَصَبَّحَهُمْ حَسَّانُ فَأَبَادَهُمْ، وَأُتِيَ حَسَّانُ بِالْيَمَامَةِ فَفَقَأَ عَيْنَهَا، فَإِذَا فِيهَا عُرُوقٌ سُودٌ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: حَجَرٌ أَسْوَدُ كُنْتُ أَكْتَحِلُ بِهِ يُقَالُ لَهُ الْإِثْمِدُ، وَكَانَتْ أَوَّلَ مَنِ اكْتَحَلَ بِهِ. وَبِهَذِهِ الْيَمَامَةِ سُمِّيَتِ الْيَمَامَةُ، وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ ذِكْرَهَا فِي أَشْعَارِهِمْ.
وَلَمَّا هَلَكَتْ جَدِيسٌ هَرَبَ الْأَسْوَدُ قَاتِلُ عِمْلِيقْ إِلَى جَبَلَيْ طَيِّءٍ فَأَقَامَ بِهِمَا، ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَهُمَا طَيِّءٌ، وَكَانَتْ طَيِّءٌ تَنْزِلُ الْجُرْفَ مِنَ الْيَمَنِ، وَهُوَ الْآنَ لِمُرَادٍ وَهَمْدَانَ. وَكَانَ يَأْتِي إِلَى طَيِّءٍ بَعِيرٌ أَزْمَانَ الْخَرِيفِ عَظِيمُ السِّمَنِ وَيَعُودُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا مِنْ أَيْنَ يَأْتِي، ثُمَّ إِنَّهُمُ اتَّبَعُوهُ يَسِيرُونَ بِسَيْرِهِ حَتَّى هَبَطَ بِهِمْ عَلَى أَجَأَ وَسُلْمَى جَبَلَيْ طَيِّءٍ، وَهُمَا بِقُرْبِ فَيْدٍ، فَرَأَوْا فِيهِمَا النَّخْلَ وَالْمَرَاعِيَ الْكَثِيرَةَ وَرَأَوُا الْأَسْوَدَ بْنَ عِفَارٍ، فَقَتَلُوهُ، وَأَقَامَتْ طَيِّءٌ بِالْجَبَلَيْنِ بَعْدَهُ، فَهُمْ هُنَاكَ إِلَى الْآنَ، وَهَذَا أَوَّلُ مَخْرَجِهِمْ إِلَيْهِمَا.
ذكر أصحاب الكهف وكانوا أيام ملوك الطوائف
[ذِكْرُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَكَانُوا أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ] كَانَ أَصْحَابُ الْكَهْفِ أَيَّامَ مَلِكٍ اسْمُهُ دِقْيُوسْ، وَيُقَالُ دِقْيَانُوسْ، وَكَانُوا بِمَدِينَةٍ لِلرُّومِ اسْمُهَا أَفْسُوسْ، وَمَلِكَهُمْ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَكَانُوا فَتِيَّةً آمَنُوا بِرَبِّهِمْ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ - تَعَالَى فَقَالَ: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} [الكهف: 9] ، وَالرَّقِيمُ خَبَرُهُمْ كُتِبَ فِي لَوْحٍ، وَجُعِلَ عَلَى بَابِ الْكَهْفِ الَّذِي أَوَوْا إِلَيْهِ، وَقِيلَ: كَتَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ زَمَانِهِمْ وَجَعَلَهُ فِي الْبِنَاءِ وَفِيهِ أَسْمَاؤُهُمْ وَفِي أَيَّامِ مَنْ كَانُوا وَسَبَبُ وُصُولِهِمْ إِلَى الْكَهْفِ. وَكَانَتْ عِدَّتُهُمْ، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ، سَبْعَةً وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، وَقَالَ: إِنَّا مِنَ الْقَلِيلِ الَّذِينَ تَعْلَمُونَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانُوا ثَمَانِيَةً، فَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ تَاسِعُهُمْ كَلْبَهُمْ. وَكَانُوا مِنَ الرُّومِ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، فَهَدَاهُمُ اللَّهُ، وَكَانَتْ شَرِيعَتُهُمْ شَرِيعَةَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ الْمَسِيحِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ أَعْلَمُ قَوْمِهِ بِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُمْ مِنْ رَقْدَتِهِمْ بَعْدَ رَفْعِ الْمَسِيحِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَكَانَ سَبَبَ إِيمَانِهِمْ أَنَّهُ جَاءَ حَوَارِيٌّ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى إِلَى مَدِينَتِهِمْ فَأَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ عَلَى بَابِهَا صَنَمًا لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ حَتَّى يَسْجُدَ لَهُ، فَلَمْ يَدْخُلْهَا وَأَتَى حَمَّامًا قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَعْمَلُ فِيهِ، فَرَأَى صَاحِبُ الْحَمَّامِ الْبَرَكَةَ وَعَلِقَهُ
الْفِتْيَةُ، فَجَعَلَ يُخْبِرُهُمْ خَبَرَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَخَبَرَ الْآخِرَةِ حَتَّى آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ. فَكَانَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ ابْنُ الْمَلِكِ بِامْرَأَةٍ فَدَخَلَ بِهَا الْحَمَّامَ، فَعَيَّرَهُ الْحِوَارِيُّ فَاسْتَحْيَا، ثُمَّ رَجَعَ مَرَّةً أُخْرَى فَعَيَّرَهُ فَسَبَّهُ وَانْتَهَرَهُ وَدَخَلَ الْحَمَّامَ وَمَعَهُ الْمَرْأَةُ، فَمَاتَا فِي الْحَمَّامِ، فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: إِنَّ الَّذِي بِالْحَمَّامِ قَتَلَهُمَا، فَطُلِبَ فَلَمْ يُوجَدْ، فَقِيلَ: مَنْ كَانَ يَصْحَبُهُ؟ فَذُكِرَ الْفِتْيَةُ، فَطُلِبُوا فَهَرَبُوا، فَمَرُّوا بِصَاحِبٍ لَهُمْ عَلَى حَالِهِمْ فِي زَرْعٍ لَهُ فَذَكَرُوا لَهُ أَمْرَهُمْ. فَسَارَ مَعَهُمْ وَتَبِعَهُمُ الْكَلْبُ الَّذِي لَهُ، حَتَّى آوَاهُمُ اللَّيْلُ إِلَى الْكَهْفِ، فَقَالُوا: نَبِيتُ هَهُنَا حَتَّى نُصْبِحَ ثُمَّ نَرَى رَأْيَنَا، فَدَخَلُوهُ فَرَأَوْا عِنْدَهُ عَيْنَ مَاءٍ وَثِمَارًا، فَأَكَلُوا مِنَ الثِّمَارِ وَشَرِبُوا مِنَ الْمَاءِ، فَلَمَّا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ ضَرَبَ اللَّهُ عَلَى آذَانِهِمْ وَوَكَّلَ بِهِمْ مَلَائِكَةً يُقَلِّبُونَهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ لِئَلَّا تَأْكُلَ الْأَرْضُ أَجْسَادَهُمْ، وَكَانَتِ الشَّمْسُ تَطْلُعُ عَلَيْهِمْ. وَسَمِعَ الْمَلِكُ دِقْيَانُوسْ خَبَرَهُمْ فَخَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ يَتْبَعُونَ أَثَرَهُمْ حَتَّى وَجَدَهُمْ قَدْ دَخَلُوا الْكَهْفَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالدُّخُولِ إِلَيْهِمْ وَإِخْرَاجِهِمْ. فَكُلَّمَا أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَدْخُلَ فَأُرْعِبَ فَعَادَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَيْسَ لَوْ كُنْتَ ظَفِرْتَ بِهِمْ قَتَلْتَهُمْ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَابْنِ عَلَيْهِمْ بَابَ الْكَهْفِ وَدَعْهُمْ يَمُوتُوا جُوعًا وَعَطَشًا. فَفَعَلَ، فَبَقُوا زَمَانًا بَعْدَ زَمَانٍ. ثُمَّ إِنَّ رَاعِيًا أَدْرَكَهُ الْمَطَرُ فَقَالَ: لَوْ فَتَحْتُ بَابَ هَذَا الْكَهْفِ فَأَدْخَلْتُ غَنَمِي فِيهِ، فَفَتَحَهُ، فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحَهُمْ مِنَ الْغَدِ حِينَ أَصْبَحُوا، فَبَعَثُوا أَحَدَهُمْ بِوَرِقٍ لِيَشْتَرِيَ لَهُمْ طَعَامًا، وَاسْمُهُ تَمْلِيخَا، فَلَمَّا أَتَى بَابَ الْمَدِينَةِ رَأَى مَا أَنْكَرَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ: بِعْنِي بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ طَعَامًا. فَقَالَ: فَمِنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ؟ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَصْحَابٌ لِي أَمْسِ ثُمَّ أَصْبَحُوا فَأَرْسَلُونِي. فَقَالَ: هَذِهِ الدَّرَاهِمُ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ الْمَلِكِ الْفُلَانِيِّ. فَرَفَعَهُ إِلَى الْمَلِكِ، وَكَانَ مَلِكًا صَالِحًا، فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَالَهُمْ. فَقَالَ الْمَلِكُ: أَيْنَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: انْطَلِقُوا مَعِي. فَانْطَلَقُوا مَعَهُ حَتَّى أَتَوْا بَابَ الْكَهْفِ، فَقَالَ: دَعُونِي أَدْخُلْ إِلَى أَصْحَابِي قَبْلَكُمْ لِئَلَّا يَسْمَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَيَخَافُوا ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ دِقْيَانُوسْ قَدْ عَلِمَ بِهِمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ وَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَسَجَدُوا شُكْرًا لِلَّهِ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَتَوَفَّاهُمْ، فَاسْتَجَابَ لَهُمْ. فَضَرَبَ عَلَى أُذُنِهِ وَآذَانِهِمْ، وَأَرَادَ الْمَلِكُ الدُّخُولَ عَلَيْهِمْ فَكَانُوا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ أُرْعِبَ، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، فَعَادَ عَنْهُمْ، فَبَنَوْا عَلَيْهِمْ كَنِيسَةً يُصَلُّونَ فِيهَا.
قَالَ عِكْرِمَةُ: لَمَّا بَعَثَهُمُ اللَّهُ كَانَ الْمَلِكُ حِينَئِذٍ مُؤْمِنًا، وَكَانَ قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ فِي الرُّوحِ وَالْجَسَدِ وَبَعْثِهِمَا، فَقَالَ قَائِلٌ: يَبْعَثُ اللَّهُ الرُّوحَ دُونَ الْجَسَدِ. وَقَالَ قَائِلٌ: يُبْعَثَانِ جَمِيعًا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَلِكِ فَلَبِسَ الْمُسُوحَ وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ الْحَقَّ، فَبَعَثَ اللَّهُ أَصْحَابَ الْكَهْفِ بُكْرَةً، فَلَمَّا بَزَغَتِ الشَّمْسُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَدْ غَفَلْنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَنِ الْعِبَادَةِ، فَقَامُوا إِلَى الْمَاءِ، وَكَانَ عِنْدَ الْكَهْفِ عَيْنٌ وَشَجَرَةٌ، فَإِذَا الْعَيْنُ قَدْ غَارَتْ وَالْأَشْجَارُ قَدْ يَبِسَتْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ أَمْرَنَا لَعَجَبٌ! هَذِهِ الْعَيْنُ غَارَتْ وَهَذِهِ الْأَشْجَارُ يَبِسَتْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ! وَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجُوعَ، فَقَالُوا أَيُّكُمْ يَذْهَبُ {إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} [الكهف: 19] . فَدَخَلَ أَحَدُهُمْ يَشْتَرِي الطَّعَامَ، فَلَمَّا رَأَى السُّوقَ عَرَفَ طُرُقَهَا وَأَنْكَرَ الْوُجُوهَ وَرَأَى الْإِيمَانَ ظَاهِرًا بِهَا، فَأَتَى رَجُلًا يَشْتَرِي مِنْهُ، فَأَنْكَرَ الدَّرَاهِمَ، فَرَفَعَهُ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ الْفَتَى: أَلَيْسَ مَلِكَكُمْ فُلَانٌ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَا بَلْ فُلَانٌ فَعَجِبَ لِذَلِكَ. فَلَمَّا أُحْضِرَ عِنْدَ الْمَلِكِ أَخْبَرَهُ بِخَبَرِ أَصْحَابِهِ، فَجَمَعَ الْمَلِكُ النَّاسَ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ قَدِ اخْتَلَفْتُمْ فِي الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ آيَةً هَذَا الرَّجُلُ مِنْ قَوْمِ فُلَانٍ، يَعْنِي الْمَلِكَ الَّذِي مَضَى. فَقَالَ الْفَتَى: انْطَلِقُوا بِي إِلَى أَصْحَابِي، فَرَكِبَ الْمَلِكُ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْكَهْفِ قَالَ الْفَتَى لِلْمَلِكِ: ذَرُونِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى أَصْحَابِي أُعَرِّفُهُمْ خَبَرَكُمْ لِئَلَّا يَخَافُوا إِذَا سَمِعُوا وَقْعَ حَوَافِّ دَوَابِّكُمْ وَأَصْوَاتَكُمْ فَيَظُنُّوكُمْ دِقْيَانُوسْ. فَقَالَ: افْعَلْ، فَسَبَقَهُمْ إِلَى أَصْحَابِهِ وَدَخَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَعَلِمُوا حِينَئِذٍ مِقْدَارَ لَبْثِهِمْ فِي الْكَهْفِ وَبَكَوْا فَرَحًا وَدَعَوُا اللَّهَ أَنْ يُمِيتَهُمْ وَلَا يَرَاهُمْ أَحَدٌ مِمَّنْ جَاءَهُمْ، فَمَاتُوا لِسَاعَتِهِمْ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِهِ وَآذَانِهِمْ مَعَهُ. فَلَمَّا اسْتَبْطَأُوهُ دَخَلُوا إِلَى الْفِتْيَةِ فَإِذَا أَجْسَادُهُمْ لَا يُنْكِرُونَ مِنْهَا شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهَا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا، فَقَالَ الْمَلِكُ: هَذِهِ آيَةٌ لَكُمْ. وَرَأَى الْمَلِكُ تَابُوتًا مِنْ نُحَاسٍ مَخْتُومًا بِخَاتَمٍ، فَفَتَحَهُ، فَرَأَى فِيهِ لَوْحًا مِنْ رَصَاصٍ مَكْتُوبَا فِيهِ أَسْمَاءُ الْفِتْيَةِ، وَأَنَّهُمْ هَرَبُوا مِنْ دِقْيَانُوسْ الْمَلِكِ مَخَافَةً عَلَى نُفُوسِهِمْ وَدِينِهِمْ فَدَخَلُوا هَذَا الْكَهْفَ. فَلَمَّا عَلِمَ دِقْيَانُوسْ بِمَكَانِهِمْ بِالْكَهْفِ سَدَّهُ عَلَيْهِمْ. فَلْيَعْلَمْ مَنْ يَقْرَأُ كِتَابَنَا هَذَا شَأْنَهُمْ. فَلَمَّا قَرَأُوهُ عَجِبُوا وَحَمِدُوا اللَّهَ تَعَالَى الَّذِي أَرَاهُمْ هَذِهِ الْآيَةَ لِلْبَعْثِ وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمَلِكَ وَمَنْ مَعَهُ دَخَلُوا عَلَى الْفِتْيَةِ فَرَأَوْهُمْ أَحْيَاءً مُشْرِقَةً وُجُوهُهُمْ وَأَلْوَانُهُمْ لَمْ تُبْلَ ثِيَابُهُمْ، وَأَخْبَرَهُمُ الْفِتْيَةُ بِمَا لَقُوا مِنْ مَلِكِهِمْ دِقْيَانُوسْ، وَاعْتَنَقَهُمُ الْمَلِكُ، وَقَعَدُوا مَعَهُ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَيَذْكُرُونَهُ. ثُمَّ قَالُوا لَهُ: نَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ. وَرَجَعُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ كَمَا كَانُوا، فَعَمِلَ الْمَلِكُ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ تَابُوتًا مِنَ الذَّهَبِ، فَلَمَّا نَامَ رَآهُمْ فِي مَنَامِهِ وَقَالُوا: إِنَّنَا لَمْ نُخْلَقْ مِنَ الذَّهَبِ إِنَّمَا خُلِقْنَا مِنَ التُّرَابِ وَإِلَيْهِ نَصِيرُ، فَعَمِلَ لَهُمْ حِينَئِذٍ تَوَابِيتَ مِنْ خَشَبٍ، فَحَجَبَهُمُ اللَّهُ بِالرُّعْبِ، وَبَنَى الْمَلِكُ عَلَى بَابِ الْكَهْفِ مَسْجِدًا وَجَعَلَ لَهُمْ عِيدًا عَظِيمًا. وَأَسْمَاءُ الْفِتْيَةِ: مَكْسِلْمِينْيَا وَيَمْلِيخَا وَمَرْطُوسْ وَنِيرُوِيسْ وَكَسْطُومَسْ وَدَيْنَمُوسْ وَرِيطُوفَسْ وَقَالُوسْ وَمَخْسِيلْمِينْيَا، وَهَذِهِ تِسْعَةُ أَسْمَاءٍ، وَهِيَ أَتَمُّ الرِّوَايَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَلْبُهُمْ قِطْمِيرُ.
ذكر يونس بن متى
[ذِكْرُ يُونُسَ بْنِ مَتَّى] وَكَانَ أَمْرُهُ مِنَ الْأَحْدَاثِ أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ. قِيلَ: لَمْ يُنْسَبْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى أُمِّهِ إِلَّا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ وَيُونُسَ بْنَ مَتَّى، وَهِيَ أُمُّهُ، وَكَانَ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْمَوْصِلِ يُقَالُ لَهَا نِينَوَى، وَكَانَ قَوْمُهُ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ بِالنَّهْيِ عَنْ عِبَادَتِهَا وَالْأَمْرِ بِالتَّوْحِيدِ، فَأَقَامَ فِيهَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً يَدْعُوهُمْ، فَلَمْ يُؤْمِنْ غَيْرُ رَجُلَيْنِ، فَلَمَّا أَيِسَ مِنْ إِيمَانِهِمْ دَعَا عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: مَا أَسْرَعَ مَا دَعَوْتَ عَلَى عِبَادِي! ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَادْعُهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَدَعَاهُمْ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَلَمْ يُجِيبُوهُ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْعَذَابَ يَأْتِيكُمْ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَلْوَانُكُمْ تَتَغَيَّرُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا تَغَيَّرَتْ أَلْوَانُهُمْ، فَقَالُوا: قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مَا قَالَ يُونُسُ وَلَمْ نُجَرِّبْ عَلَيْهِ كَذِبًا فَانْظُرُوا فَإِنْ بَاتَ فِيكُمْ فَأْمَنُوا مِنَ الْعَذَابِ، وَإِنْ لَمْ يَبِتْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الْعَذَابَ يُصَبِّحُكُمْ. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْأَرْبَعِينَ أَيْقَنَ يُونُسُ بِنُزُولِ الْعَذَابِ، فَخَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ تَغَشَّاهُمُ الْعَذَابُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ، خَرَجَ عَلَيْهِمْ غَيْمٌ أَسْوَدُ هَائِلٌ يُدَخِّنُ دُخَانًا شَدِيدًا، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَاسْوَدَّتْ مِنْهُ سُطُوحُهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ أَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ، فَطَلَبُوا يُونُسَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأَلْهَمَهُمُ اللَّهُ التَّوْبَةَ، فَأَخْلَصُوا النِّيَّةَ فِي ذَلِكَ وَقَصَدُوا شَيْخًا وَقَالُوا لَهُ: قَدْ نَزَلَ بِنَا مَا تَرَى فَمَا نَفْعَلُ؟ فَقَالَ: آمِنُوا بِاللَّهِ وَتُوبُوا وَقُولُوا: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا حَيُّ حِينَ لَا حَيَّ، يَا حَيُّ مُحْيِي الْمَوْتَى، يَا حَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ. فَخَرَجُوا مِنَ الْقَرْيَةِ إِلَى مَكَانٍ رَفِيعٍ فِي بِرَازٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ دَابَّةِ وَوَلَدِهَا، ثُمَّ عَجُّوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَقَالُوهُ
وَرَدُّوا الْمَظَالِمَ جَمِيعًا حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَقْلَعُ الْحَجَرَ مِنْ بِنَائِهِ فَيَرُدُّهُ إِلَى صَاحِبِهِ. فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ، وَكَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَقِيلَ: لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَانْتَظَرَ يُونُسُ الْخَبَرَ عَنِ الْقَرْيَةِ وَأَهْلِهَا حَتَّى مَرَّ بِهِ مَارٌّ فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ؟ فَقَالَ: تَابُوا إِلَى اللَّهِ فَقَبِلَ مِنْهُمْ وَأَخَّرَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ. فَغَضِبَ يُونُسُ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ كَذَّابًا! ، وَلَمْ تَكُنْ قَرْيَةٌ رَدَّ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ بَعْدَمَا غَشِيَهُمْ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ، وَمَضَى غَاضِبًا لِرَبِّهِ. وَكَانَ فِي حِدَّةٍ وَعَجَلَةٍ وَقِلَّةِ صَبْرٍ، وَلِذَلِكَ نُهِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} [القلم: 48] . وَلَمَّا مَضَى ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، أَيْ يَقْضِي عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ، وَقِيلَ: يُضَيِّقُ عَلَيْهِ الْحَبْسَ، فَسَارَ حَتَّى رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ فَأَصَابَ أَهْلَهَا عَاصِفٌ مِنَ الرِّيحِ، وَقِيلَ: بَلْ وَقَفَتْ فَلَمْ تَسِرْ، فَقَالَ مَنْ فِيهَا: هَذِهِ بِخَطِيئَةِ أَحَدِكُمْ! فَقَالَ يُونُسُ: هَذِهِ خَطِيئَتِي فَأَلْقُونِي فِي الْبَحْرِ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ حَتَّى أَفَاضُوا بِسِهَامِهِمْ {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصافات: 141] ، فَلَمْ يُلْقُوهُ، وَفَعَلُوا ذَلِكَ ثَلَاثًا وَلَمْ يُلْقُوهُ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، وَذَلِكَ تَحْتَ اللَّيْلِ، فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْحُوتِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلَا يَخْمِشَ لَهُ لَحْمًا وَلَا يَكْسِرَ لَهُ عَظْمًا، فَأَخَذَهُ وَعَادَ إِلَى مَسْكَنِهِ مِنَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ سَمِعَ يُونُسُ حِسًّا فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: مَا هَذَا؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: إِنَّ هَذَا تَسْبِيحُ دَوَابِّ الْبَحْرِ، فَسَبَّحَ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، فَسَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ تَسْبِيحَهُ، فَقَالُوا: رَبَّنَا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا بِأَرْضٍ غَرِيبَةٍ. فَقَالَ: ذَلِكَ عَبْدِي يُونُسُ عَصَانِي فَحَبَسْتُهُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ. فَقَالُوا: الْعَبْدُ الصَّالِحُ الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ عَمَلٌ صَالِحٌ؟ فَشَفَعُوا لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]- ظُلْمَةُ الْبَحْرِ وَظُلْمَةُ بَطْنِ الْحُوتِ وَظُلْمَةُ اللَّيْلِ -! وَكَانَ قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ - لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143 - 144] وَذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ إِذَا عَثَرَ {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات: 145] ، أُلْقِيَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ
وَهُوَ كَالصَّبِيِّ الْمَنْفُوسِ، وَمَكَثَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ: عِشْرِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ، وَهُوَ الْقَرْعُ، يَتَقَطَّرُ إِلَيْهِ مِنَ اللَّبَنِ، وَقِيلَ: هَيَّأَ اللَّهُ لَهُ أَرْوِيَةً وَحْشِيَّةً، فَكَانَتْ تُرْضِعُهُ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً حَتَّى رَجَعَتْ إِلَيْهِ قُوَّتُهُ وَصَارَ يَمْشِي، فَرَجَعَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الشَّجَرَةِ فَوَجَدَهَا قَدْ يَبِسَتْ، فَحَزِنَ وَبَكَى عَلَيْهَا، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ، وَقِيلَ لَهُ: أَتَبْكِي وَتَحْزَنُ عَلَى الشَّجَرَةِ وَلَا تَحْزَنُ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ وَزِيَادَةٍ أَرَدْتَ أَنْ تُهْلِكَهُمْ! . ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ قَوْمَهُ فَيُخْبِرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَابَ عَلَيْهِمْ، فَعَمَدَ إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَ رَاعِيًا، فَسَأَلَهُ عَنْ قَوْمِ يُونُسَ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ عَلَى رَجَاءٍ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ رَسُولُهُمْ، قَالَ: فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ قَدْ لَقِيتَ يُونُسَ. قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ إِلَّا بِشَاهِدٍ فَسَمَّى لَهُ عَنْزًا مِنْ غَنَمِهِ وَالْبُقْعَةَ الَّتِي كَانَا فِيهَا وَشَجَرَةً هُنَاكَ، وَقَالَ: كُلُّ هَذِهِ تَشْهَدُ لَكَ، فَرَجَعَ الرَّاعِي إِلَى قَوْمِهِ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ رَأَى يُونُسَ، فَهَمُّوا بِهِ، فَقَالَ: لَا تَعْجَلُوا حَتَّى أُصْبِحَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا بِهِمْ إِلَى الْبُقْعَةِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا يُونُسَ فَاسْتَنْطَقَهَا، فَشَهِدَتْ لَهُ، وَكَذَلِكَ الشَّاةُ وَالشَّجَرَةُ وَكَانَ يُونُسُ قَدِ اخْتَفَى هُنَاكَ. فَلَمَّا شَهِدَتِ الشَّاةُ قَالَتْ لَهُمْ: إِنْ أَرَدْتُمْ نَبِيَّ اللَّهِ فَهُوَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا فَأَتَوْهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَبَّلُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَأَدْخَلُوهُ الْمَدِينَةَ بَعْدَ امْتِنَاعٍ، فَمَكَثَ مَعَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَخَرَجَ سَائِحًا، وَخَرَجَ الْمَلِكُ مَعَهُ يَصْحَبُهُ، وَسَلَّمَ الْمَلِكُ إِلَى الرَّاعِي، فَأَقَامَ يُدَبِّرُ أَمْرَهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً بَعْدَ ذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ يُونُسَ أَتَاهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: كَانَتْ رِسَالَةُ يُونُسَ بَعْدَمَا نَبَذَهُ الْحُوتُ، وَقَالَا: كَذَلِكَ: أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ فَإِنَّهُ قَالَ: {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ - وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ - وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 145 - 147] . وَقَالَ شَهْرٌ: إِنَّ جِبْرَائِيلَ أَتَى يُونُسَ فَقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى أَهْلِ نِينَوَى فَأَنْذِرْهُمُ الْعَذَابَ فَإِنَّهُ قَدْ حَضَرَهُمْ. قَالَ: أَلْتَمِسُ دَابَّةً. قَالَ: الْأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: قَالَ: أَلْتَمِسُ حِذَاءً. قَالَ: الْأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَغَضِبَ وَانْطَلَقَ إِلَى السَّفِينَةِ فَرَكِبَ، فَلَمَّا رَكِبَ احْتَبَسَتْ، قَالَ: فَسَاهَمُوا، فَسُهِمَ، فَجَاءَتِ الْحُوتُ، فَنُودِيَ الْحُوتُ: إِنَّا لَمْ نَجْعَلْ يُونُسَ مِنْ رِزْقِكَ إِنَّمَا جَعَلْنَاكَ لَهُ حِرْزًا، فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَانْطَلَقَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ حَتَّى مَرَّ بِهِ الْأُبُلَّةَ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ عَلَى دِجْلَةَ حَتَّى أَلْقَاهُ بِنِينَوَى.
ومما كان من الأحداث أيام ملوك الطوائف
[وَمِمَّا كَانَ مِنَ الْأَحْدَاثِ أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ] إِرْسَالُ اللَّهِ تَعَالَى الرُّسُلَ الثَّلَاثَةَ إِلَى مَدِينَةِ أَنْطَاكِيَّةَ، وَكَانُوا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ أَصْحَابِ الْمَسِيحِ، وَأَرْسَلَ أَوَّلًا اثْنَيْنِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَسْمَائِهِمَا، فَقَدِمَا أَنْطَاكِيَّةَ فَرَأَيَا عِنْدَهَا شَيْخًا يَرْعَى غَنَمًا، وَهُوَ حَبِيبٌ النَّجَّارُ، فَسَلَّمَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمَا؟ قَالَا: رَسُولَا عِيسَى نَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ: مَعَكُمَا آيَةٌ؟ قَالَا: نَعَمْ، نَحْنُ نَشْفِي الْمَرْضَى وَنُبَرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِ اللَّهِ. قَالَ حَبِيبٌ إِنَّ لِي ابْنًا مَرِيضًا مُنْذُ سِنِينَ، وَأَتَى بِهِمَا مَنْزِلَهُ، فَمَسَحَا ابْنَهُ، فَقَامَ فِي الْوَقْتِ صَحِيحًا، فَفَشَا الْخَبَرُ فِي الْمَدِينَةِ، وَشَفَى اللَّهُ عَلَى أَيْدِيهِمَا كَثِيرًا مِنَ الْمَرْضَى، وَكَانَ لَهُمْ مَلِكٌ اسْمُهُ أَنْطِيخَسْ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، فَبَلَغَ إِلَيْهِ خَبَرُهُمَا، فَدَعَاهُمَا، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمَا؟ قَالَا: رُسُلُ عِيسَى نَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ: فَمَا آيَتُكُمَا؟ قَالَا: نُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَنَشْفِي الْمَرْضَى بِإِذْنِ اللَّهِ. فَقَالَ: قُومَا حَتَّى نَنْظُرَ فِي أَمْرِكُمَا، فَقَامَا، فَضَرَبَهُمَا الْعَامَّةُ. وَقِيلَ: إِنَّهُمَا قَدِمَا الْمَدِينَةَ فَبَقِيَا مُدَّةً لَا يَصِلَانِ إِلَى الْمَلِكِ، فَخَرَجَ الْمَلِكُ يَوْمًا، فَكَبَّرَا وَذَكَرَا اللَّهَ، فَغَضِبَ وَحَبَسَهُمَا وَجَلَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَلَمَّا كُذِّبَا وَضُرِبَا بَعَثَ الْمَسِيحُ شَمْعُونَ رَأْسَ الْحَوَارِيِّينَ لِيَنْصُرَهُمَا، فَدَخَلَ الْبَلَدَ مُتَنَكِّرًا وَعَاشَرَ حَاشِيَةَ الْمَلِكِ، فَرَفَعُوا خَبَرَهُ إِلَى الْمَلِكِ، فَأَحْضَرَهُ وَرَضِيَ عِشْرَتَهُ وَأَنِسَ بِهِ وَأَكْرَمَهُ، فَقَالَ لَهُ يَوْمًا: أَيُّهَا الْمَلِكُ بَلَغَنِي أَنَّكَ حَبَسْتَ رَجُلَيْنِ فِي السِّجْنِ وَضَرَبْتَهُمَا حِينَ دَعَوَاكَ إِلَى دِينِهِمَا فَهَلْ كَلَّمْتَهُمَا وَسَمِعْتَ قَوْلَهُمَا؟ فَقَالَ الْمَلِكُ: حَالَ الْغَضَبُ بَيْنِي وَبَيْنَ ذَلِكَ. قَالَ: فَإِنْ رَأَى الْمَلِكُ أَنْ يُحْضِرَهُمَا حَتَّى نَسْمَعَ كَلَامَهُمَا، فَدَعَاهُمَا الْمَلِكُ، فَقَالَ لَهُمَا شَمْعُونُ: مَنْ أَرْسَلَكُمَا؟ قَالَا: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَلَا شَرِيكَ لَهُ. قَالَ: فَوَصَفَاهُ وَأَوْجَزَا. قَالَا: إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. قَالَ شَمْعُونُ: فَمَا آيَتُكُمَا؟ قَالَا: مَا تَتَمَنَّاهُ.
فَأَمَرَ الْمَلِكُ، فَجِيءَ بِغُلَامٍ مَطْمُوسِ الْعَيْنَيْنِ مَوْضِعُهُمَا كَاللُّحْمَةِ، فَمَا زَالَا يَدْعُوَانِ رَبَّهُمَا حَتَّى انْشَقَّ مَوْضِعُ الْبَصَرِ، وَأَخَذَا بُنْدُقَتَيْنِ مِنَ الطِّينِ فَوَضَعَاهُمَا فِي حَدَقَتَيْهِ فَصَارَتَا مُقْلَتَيْنِ يُبْصِرُ بِهِمَا. فَعَجِبَ الْمَلِكُ لِذَلِكَ فَقَالَ: إِنْ قَدَرَ إِلَهُكُمَا الَّذِي تَعْبُدَانِهِ عَلَى إِحْيَاءِ مَيِّتٍ آمَنَّا بِهِ وَبِكُمَا. قَالَا: إِنَّ إِلَهَنَا قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. فَقَالَ الْمَلِكُ: إِنَّ هَاهُنَا مَيِّتًا مُنْذُ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فَلَمْ نَدْفِنْهُ حَتَّى يَرْجِعَ أَبُوهُ وَهُوَ غَائِبٌ، فَأُحْضِرَ الْمَيِّتُ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ رِيحُهُ، فَدَعَوَا اللَّهَ تَعَالَى عَلَانِيَةً وَشَمْعُونُ يَدْعُو سِرًّا، فَقَامَ الْمَيِّتُ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: إِنِّي مُتُّ مُشْرِكًا وَأُدْخِلْتُ فِي أَوْدِيَةٍ مِنَ النَّارِ وَأَنَا أُحَذِّرُكُمْ مَا أَنْتُمْ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُ شَابًّا حَسَنَ الْوَجْهِ يَشْفَعُ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ. فَقَالَ الْمَلِكُ: وَمَنْ هُمْ؟ فَقَالَ: هَذَا، وَأَوْمَأَ إِلَى شَمْعُونَ، وَهَذَانِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِمَا، فَعَجِبَ الْمَلِكُ، فَحِينَئِذٍ دَعَا شَمْعُونُ الْمَلِكَ إِلَى دِينِهِ، فَآمَنَ قَوْمُهُ، وَكَانَ الْمَلِكُ فِيمَنْ آمَنَ وَكَفَرَ آخَرُونَ. وَقِيلَ: بَلْ كَفَرَ الْمَلِكُ وَأَجْمَعَ هُوَ وَقَوْمُهُ عَلَى قَتْلِ الرُّسُلِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ حَبِيبًا النَّجَّارَ، وَهُوَ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، فَجَاءَ يَسْعَى إِلَيْهِمْ فَيُذَكِّرُهُمْ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ الْمُرْسَلِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} [يس: 14] ، وَهُوَ شَمْعُونُ، فَأَضَافَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِرْسَالَ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا أَرْسَلَهُمُ الْمَسِيحُ لِأَنَّهُ أَرْسَلَهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. فَلَمَّا كَذَّبَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، حَبَسَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْمَطَرَ، فَقَالَ أَهْلُهَا لِلرُّسُلِ: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يس: 18] ، فَلَمَّا حَضَرَ حَبِيبٌ، وَكَانَ مُؤْمِنًا يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، وَكَانَ يَجْمَعُ كَسْبَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَيُنْفِقُ عَلَى عِيَالِهِ نِصْفَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِنِصْفِهِ، فَقَالَ: {يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [يس: 20] . فَقَالَ قَوْمُهُ: وَأَنْتَ مُخَالِفٌ لِرَبِّنَا وَمُؤْمِنٌ بِإِلَهِ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 22] ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ قَتَلُوهُ، فَأَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ - بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس: 26 - 27]
وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً فَمَاتُوا. وَمِمَّا كَانَ مِنَ الْأَحْدَاثِ شَمْسُونْ وَكَانَ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الرُّومِ قَدْ آمَنَ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، وَكَانَ عَلَى أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَغْزُوهُمْ وَحْدَهُ وَيُقَاتِلُهُمْ بِلَحْيِ جَمَلٍ. فَكَانَ إِذَا عَطِشَ انْفَجَرَ لَهُ مِنَ الْحَجَرِ الَّذِي فِيهِ مَاءٌ عَذْبٌ فَيَشْرَبُ مِنْهُ، وَكَانَ قَدْ أُعْطِيَ قُوَّةً لَا يُوثِقُهُ حَدِيدٌ وَلَا غَيْرُهُ، وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ يُجَاهِدُهُمْ وَيُصِيبُ مِنْهُمْ وَلَا يَقْدِرُونَ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ، فَجَعَلُوا لِامْرَأَتِهِ جَعْلًا لِتُوثِقَهُ لَهُمْ، فَأَجَابَتْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَأَعْطَوْهَا حَبْلًا وَثِيقًا، فَتَرَكَتْهُ حَتَّى نَامَ وَشَدَّتْ يَدَيْهِ، فَاسْتَيْقَظَ وَجَذَبَهُ، فَسَقَطَ الْحَبْلُ مِنْ يَدَيْهِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ فَأَعْلَمَتْهُمْ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهَا بِجَامِعَةٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَتَرَكَتْهَا فِي يَدَيْهِ وَعُنُقِهِ وَهُوَ نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظَ وَجَذَبَهَا فَسَقَطَتْ مِنْ عُنُقِهِ وَيَدَيْهِ، فَقَالَ لَهَا فِي الْمَرَّتَيْنِ: مَا حَمَلَكِ عَلَى مَا صَنَعْتِ؟ فَقَالَتْ: أُرِيدُ أُجَرِّبَ قُوَّتَكَ وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَكَ فِي الدُّنْيَا فَهَلْ فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ يَغْلِبُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَلَمْ تَزَلْ تَسْأَلُهُ حَتَّى قَالَ لَهَا: وَيْحَكِ لَا يَضْبُطُنِي إِلَّا شَعْرِي! فَلَمَّا نَامَ أَوْثَقَتْ يَدَيْهِ بِشَعْرِ رَأْسِهِ، وَكَانَ كَثِيرًا، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَجَاءُوا فَأَخَذُوهُ فَجَدَعُوا أَنْفَهُ وَأُذُنَيْهِ وَفَقَأُوا عَيْنَيْهِ وَأَقَامُوهُ لِلنَّاسِ. وَجَاءَ الْمَلِكُ لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ عَلَى أَسَاطِينَ، فَدَعَا اللَّهَ شَمْسُونْ أَنْ يُسَلِّطَهُ عَلَيْهِمْ، فَأُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ بِعَمُودَيْنِ مِنْ عُمُدِ الْمَدِينَةِ فَيَجْذِبَهُمَا، وَرَدَّ إِلَيْهِ بَصَرَهُ وَمَا أَصَابُوهُ مِنْ جَسَدِهِ، وَجَذَبَ الْعَمُودَيْنِ فَوَقَعَتِ الْمَدِينَةُ بِالْمَلِكِ وَالنَّاسِ وَهَلَكَ مَنْ فِيهَا هَدْمًا. وَكَانَ شَمْسُونْ أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ. وَمِمَّا كَانَ مِنَ الْأَحْدَاثِ أَيْضًا جِرْجِيسُ قِيلَ: كَانَ بِالْمَوْصِلِ مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ دَازَانَهْ، وَكَانَ جَبَّارًا عَاتِيًا، وَكَانَ جِرْجِيسُ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَهْلِ فَلَسْطِينَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ صَالِحِينَ، وَكَانُوا قَدْ أَدْرَكُوا بَقَايَا مِنْ
الْحَوَارِيِّينَ فَأَخَذُوا عَنْهُمْ، وَكَانَ جِرْجِيسُ كَثِيرَ التِّجَارَةِ عَظِيمَ الصَّدَقَةِ، وَرُبَّمَا نَفَدَ مَالُهُ فِي الصَّدَقَةِ ثُمَّ يَعُودُ يَكْتَسِبُ مِثْلَهُ، وَلَوْلَا الصَّدَقَةُ لَكَانَ الْفَقْرُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْغِنَى، وَكَانَ يَخَافُ بِالشَّامِ أَنْ يُفْتَتَنَ عَنْ دِينِهِ، فَقَصَدَ الْمَوْصِلَ وَمَعَهُ هَدِيَّةٌ لِمَلِكِهَا لِئَلَّا يَجْعَلَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ سَبِيلًا، فَجَاءَهُ حِينَ جَاءَهُ، وَقَدْ أَحْضَرَ عُظَمَاءَ قَوْمِهِ وَأَوْقَدَ نَارًا وَأَعَدَّ أَصْنَافًا مِنَ الْعَذَابِ وَأَمَرَ بِصَنَمٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ أَفَلُّونُ فَنُصِبَ، فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ لَهُ عَذَّبَهُ وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ. فَلَمَّا رَأَى جِرْجِيسُ مَا يَصْنَعُ اسْتَعْظَمَهُ وَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِجِهَادِهِ، فَعَمِدَ إِلَى الْمَالِ الَّذِي مَعَهُ فَقَسَمَهُ فِي أَهْلِ مِلَّتِهِ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْغَضَبِ فَقَالَ لَهُ: اعْلَمْ أَنَّكَ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لَا تَمْلِكُ لِنَفْسِكَ شَيْئًا وَلَا لِغَيْرِكَ شَيْئًا، وَأَنَّ فَوْقَكَ رَبًّا هُوَ الَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ، فَأَخَذَ فِي ذِكْرِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَيَّبَ صَنَمَهُ. فَأَجَابَهُ الْمَلِكُ بِأَنْ سَأَلَهُ مَنْ هُوَ؟ وَمِنْ أَيْنَ هُوَ؟ . فَقَالَ جِرْجِيسُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ أَمَتِهِ مِنَ التُّرَابِ خُلِقْتُ وَإِلَيْهِ أَعُودُ. فَدَعَاهُ الْمَلِكُ إِلَى عِبَادَةِ صَنَمِهِ وَقَالَ لَهُ: لَوْ كَانَ رَبُّكَ مَلِكَ الْمَلَكُوتِ لَرُؤِيَ عَلَيْكَ أَثَرُهُ كَمَا تَرَى عَلَى مَنْ حَوْلِي مِنْ مُلُوكِ قَوْمِي. فَأَجَابَهُ جِرْجِيسُ بِتَعْظِيمِ أَمْرِ اللَّهِ وَتَمْجِيدِهِ وَقَالَ لَهُ: تَعْبُدُ أَفَلُّونَ الَّذِي لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمْ تَعْبُدُ الَّذِي قَامَتْ بِأَمْرِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، أَمْ تَعْبُدُ طَرْقَلِينَا عَظِيمَ قَوْمِكَ مِنَ النَّاسِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنَّهُ كَانَ آدَمِيًّا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فَأَكْرَمَهُ اللَّهُ بِأَنْ جَعَلَهُ إِنْسِيًّا مَلَكِيًّا، أَمْ تَعْبُدُ عَظِيمَ قَوْمِكَ مَخْلِيطِيسْ أَيْضًا وَمَا نَالَ بِوِلَايَتِكَ مِنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ! وَذَكَرَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ وَمَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: إِنَّكَ أَتَيْتَنَا بِأَشْيَاءَ لَا نَعْلَمُهَا! ثُمَّ خَيَّرَهُ بَيْنَ الْعَذَابِ وَالسُّجُودِ
لِلصَّنَمِ. فَقَالَ جِرْجِيسُ: إِنْ كَانَ صَنَمُكَ هُوَ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ، وَعَدَّدَ أَشْيَاءَ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَدْ أَصَبْتَ وَنَصَحْتَ، وَإِلَّا فَاخْسَأْ أَيُّهَا الْمَلْعُونُ. فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ أَمَرَ بِحَبْسِهِ، وَمُشِطَ جَسَدُهُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ حَتَّى تَقَطَّعَ لَحْمُهُ وَعُرُوقُهُ، وَيُنْضَحُ بِالْخَلِّ وَالْخَرْدَلِ، فَلَمْ يَمُتْ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ لَمْ يَقْتُلْهُ أَمَرَ بِسِتَّةِ مَسَامِيرَ مِنْ حَدِيدٍ فَأُحْمِيَتْ حَتَّى صَارَتْ نَارًا ثُمَّ سَمَّرَ بِهَا رَأْسَهُ، فَسَالَ دِمَاغُهُ، فَحَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ لَمْ يَقْتُلْهُ أَمَرَ بِحَوْضٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأَوْقَدَ عَلَيْهِ حَتَّى جَعَلَهُ نَارًا ثُمَّ أَدْخَلَهُ فِيهِ وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ حَتَّى بَرَدَ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ لَمْ يَقْتُلْهُ دَعَاهُ وَقَالَ لَهُ: أَلَمْ تَجِدْ أَلَمَ هَذَا الْعَذَابِ؟ قَالَ: إِنَّ إِلَهِي حَمَلَ عَنِّي عَذَابَكَ وَصَبَّرَنِي لِيَحْتَجَّ عَلَيْكَ. فَأَيْقَنَ الْمَلِكُ بِالشَّرِّ وَخَافَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمُلْكِهِ فَأَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى أَنْ يُخَلِّدَهُ فِي السِّجْنِ، فَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ: إِنَّكَ إِنْ تَرَكْتَهُ فِي السِّجْنِ طَلِيقًا يُكَلِّمُ النَّاسَ وَيَمِيلُ بِهِمْ عَلَيْكَ، وَلَكِنْ يُعَذَّبُ بِعَذَابٍ يَمْنَعُهُ مِنَ الْكَلَامِ. فَأَمَرَ بِهِ فَبُطِحَ فِي السِّجْنِ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أَوْتَدَ فِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ أَوْتَادًا مِنْ حَدِيدٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِأُسْطُوَانٍ مِنْ رُخَامٍ حَمَلَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَوُضِعَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَظَلَّ يَوْمَهُ ذَلِكَ تَحْتَ الْحَجَرِ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ اللَّيْلُ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا، وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا أُيِّدَ بِالْمَلَائِكَةِ، فَأَوَّلُ مَا جَاءَهُ الْوَحْيُ قَلَعَ عَنْهُ الْحَجَرَ وَنَزَعَ الْأَوْتَادَ وَأَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ وَبَشَّرَهُ وَعَزَّاهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْرَجَهُ مِنَ السِّجْنِ فَقَالَ لَهُ: الْحَقْ بِعَدُوِّكَ فَجَاهِدْهُ، فَإِنِّي قَدِ ابْتَلَيْتُكَ بِهِ سَبْعَ سِنِينَ يُعَذِّبُكَ وَيَقْتُلُكَ فِيهِنَّ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ أَرُدُّ إِلَيْكَ رُوحَكَ، فَإِذَا كَانَتِ الْقَتْلَةُ الرَّابِعَةُ تَقَبَّلْتُ رُوحَكَ وَأَوْفَيْتُكَ أَجْرَكَ. فَلَمْ يَشْعُرِ الْمَلِكُ إِلَّا وَقَدْ وَقَفَ جِرْجِيسُ عَلَى رَأْسِهِ يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: أَجِرْجِيسُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَنْ أَخْرَجَكَ مِنَ السِّجْنِ؟ قَالَ: أَخْرَجَنِي مَنْ سُلْطَانُهُ فَوْقَ سُلْطَانِكَ! فَمُلِئَ غَيْظًا وَدَعَا بِأَصْنَافِ الْعَذَابِ وَمَدُّوهُ بَيْنَ خَشَبَتَيْنِ وَوَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ سَيْفًا ثُمَّ وَشَرُوهُ حَتَّى سَقَطَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَصَارَ جِزْلَتَيْنِ، ثُمَّ قَطَعُوهُمَا قِطَعًا، وَكَانَ لَهُ سَبْعَةُ أُسْدٍ ضَارِيَةٍ فِي جُبٍّ فَأَلْقَوْا جَسَدَهُ إِلَيْهَا، فَلَمَّا رَأَتْهُ خَضَعَتْ بِرُءُوسِهَا وَقَامَتْ عَلَى بَرَاثِنِهَا لَا تَأْلُو أَنْ تَقِيَهُ الْأَذَى الَّذِي تَحْتَهَا، فَظَلَّ يَوْمَهُ تَحْتَهَا مَيِّتًا، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَيْتَةٍ
ذَاقَهَا. فَلَمَّا أَدْرَكَهُ اللَّيْلُ جَمَعَ اللَّهُ جَسَدَهُ وَسَوَّاهُ وَرَدَّ فِيهِ رُوحَهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ قَعْرِ الْجُبِّ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَقْبَلَ جِرْجِيسُ، وَهُمْ فِي عِيدٍ لَهُمْ صَنَعُوهُ فَرَحًا بِمَوْتِ جِرْجِيسَ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ مُقْبِلًا قَالُوا: مَا أَشْبَهَ هَذَا بِجِرْجِيسَ! قَالَ الْمَلِكُ: هُوَ هُوَ! قَالَ جِرْجِيسُ: أَنَا هُوَ حَقًّا، بِئْسَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ! قَتَلْتُمْ وَمَثَّلْتُمْ فَرَدَّ اللَّهُ رُوحِي إِلَيَّ! هَلُمُّوا إِلَى هَذَا الرَّبِّ الْعَظِيمِ الَّذِي أَرَاكُمْ قُدْرَتَهُ. فَقَالُوا: سَاحِرٌ سَحَرَ أَعْيُنَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُ، فَجَعَلُوا مَنْ بِبِلَادِهِمْ مِنَ السَّحَرَةِ، فَلَمَّا جَاءُوا قَالَ الْمَلِكُ لِكَبِيرِهِمْ: اعْرِضْ عَلَيَّ مِنْ سِحْرِكَ مَا يُسَرَّى بِهِ عَنِّي. فَدَعَا بِثَوْرٍ فَنَفَخَ فِي أُذُنَيْهِ فَإِذَا هُوَ ثَوْرَانِ، وَدَعَا بِبَذْرٍ فَحُرِثَ وَزُرِعَ وَحُصِدَ وَدُقَّ وَذُرِّيَ وَطُحِنَ وَخُبِزَ وَأُكِلَ مِنْ سَاعَتِهِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: هَلْ تَقْدِرُ أَنْ تَمْسَخَهُ كَلْبًا؟ قَالَ: ادْعُ لِي بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِهِ، فَنَفَثَ فِيهِ السَّاحِرُ ثُمَّ قَالَ الْمَلِكُ لِجِرْجِيسَ: اشْرَبْهُ، فَشَرِبَهُ جِرْجِيسُ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِ. فَقَالَ لَهُ السَّاحِرُ: مَاذَا تَجِدُ؟ قَالَ: مَا أَجِدُ إِلَّا خَيْرًا! كُنْتُ عَطْشَانَ فَلَطَفَ اللَّهُ بِي فَسَقَانِي. وَأَقْبَلَ السَّاحِرُ عَلَى الْمَلِكِ وَقَالَ: لَوْ كُنْتَ تُقَاسِي جَبَّارًا مِثْلَكَ لِغَلَبْتَهُ وَإِنَّمَا تُقَاسِي جَبَّارَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَكَانَتْ أَتَتْ جِرْجِيسَ امْرَأَةٌ مِنَ الشَّامِ، وَهُوَ فِي أَشَدِّ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِي مَالٌ إِلَّا ثَوْرًا أَعِيشُ بِهِ مِنْ حَرْثِهِ فَمَاتَ، وَجِئْتُكَ لِتَرْحَمَنِي وَتَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَ ثَوْرِي. فَأَعْطَاهَا عَصًا وَقَالَ: اذْهَبِي إِلَى ثَوْرِكِ فَاضْرِبِيهِ بِهَذِهِ الْعَصَا وَقُولِي لَهُ: احْيَ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَأَخَذَتِ الْعَصَا وَأَتَتْ مَصْرَعَ الثَّوْرِ فَرَأَتْ رَوْقَيْهِ وَشَعْرَ ذَنَبِهِ فَجَمَعَتْهَا ثُمَّ قَرَعَتْهَا بِالْعَصَا وَقَالَتْ مَا أَمَرَهَا بِهِ جِرْجِيسُ، فَعَاشَ ثَوْرُهَا، وَجَاءَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ. فَلَمَّا قَالَ السَّاحِرُ مَا قَالَ، قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمَلِكِ، وَكَانَ أَعْظَمَهُمْ بَعْدَ الْمَلِكِ: اسْمَعُوا مِنِّي. قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكُمْ قَدْ وَضَعْتُمْ أَمْرَهُ عَلَى السِّحْرِ، وَإِنَّهُ لَمْ يُعَذَّبْ وَلَمْ يُقْتَلْ، فَهَلْ رَأَيْتُمْ سَاحِرًا قَطُّ قَدَرَ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ أَحْيَا مَيِّتًا؟ وَذَكَرَ الثَّوْرَ وَإِحْيَاءَهُ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ كَلَامَكَ كَلَامُ رَجُلٍ قَدْ أَصْغَى إِلَيْهِ. فَقَالَ: قَدْ آمَنْتُ بِهِ وَأُشْهِدُ اللَّهَ أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ! فَقَامَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ وَأَصْحَابُهُ بِالْخَنَاجِرِ فَقَطَعُوا لِسَانَهُ بِالْخَنَاجِرِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ،
وَقِيلَ: أَصَابَهُ الطَّاعُونُ فَأَعْجَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَكَتَمُوا شَأْنَهُ، فَكَشَفَهُ جِرْجِيسُ لِلنَّاسِ، فَاتَّبَعَهُ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَهُوَ مَيِّتٌ، فَقَتَلَهُمُ الْمَلِكُ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ حَتَّى أَفْنَاهُمْ، وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ أَصْحَابِ الْمَلِكِ: يَا جِرْجِيسُ إِنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ إِلَهَكَ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ أَمْرًا إِنْ فَعَلَهُ إِلَهُكَ آمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُكَ وَكَفَيْتُكَ قَوْمِي. هَذَا تَحْتَنَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مُنِيرًا وَمَائِدَةٌ وَأَقْدَاحٌ وَصِحَافٌ مِنْ خَشَبٍ يَابِسٍ، وَهُوَ مِنْ أَشْجَارٍ شَتَّى، فَادْعُ رَبَّكَ أَنْ يُعِيدَهَا خُضْرًا كَمَا بَدَأَهَا، يُعْرَفُ كُلُّ عُودٍ بِلَوْنِهِ وَوَرَقِهِ وَزَهْرِهِ وَثَمَرِهِ. قَالَ جِرْجِيسُ: قَدْ سَأَلْتَ أَمْرًا عَزِيزًا عَلَيَّ وَعَلَيْكَ، وَإِنَّهُ عَلَى اللَّهِ يَسِيرُ، وَدَعَا اللَّهَ فَمَا بَرِحُوا حَتَّى اخْضَرَّتْ وَسَاخَتْ عُرُوقُهَا وَتَشَعَّبَتْ وَنَبَتَ وَرَقُهَا وَزَهْرُهَا حَتَّى عَرَفُوا كُلَّ عُودٍ بِاسْمِهِ. فَقَالَ الَّذِي سَأَلَهُ هَذَا: أَنَا أَتَوَلَّى عَذَابَهُ. فَعَمَدَ إِلَى نُحَاسٍ فَصَنَعَ مِنْهُ صُورَةَ ثَوْرٍ مُجَوَّفٍ ثُمَّ حَشَاهَا نِفْطًا وَرَصَاصًا وَكِبْرِيتًا وَزِرْنِيخًا وَأَدْخَلَ جِرْجِيسَ فِي وَسَطِهَا ثُمَّ أَوْقَدَ تَحْتَ الصُّورَةِ النَّارَ حَتَّى الْتَهَبَتْ وَذَابَ كُلُّ شَيْءٍ فِيهَا وَاخْتَلَطَ وَمَاتَ جِرْجِيسُ فِي جَوْفِهَا. فَلَمَّا مَاتَ أَرْسَلَ اللَّهُ رِيحًا عَاصِفًا وَرَعْدًا وَبَرْقًا وَسَحَابًا مُظْلِمًا وَأَظْلَمَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَبَقُوا أَيَّامًا مُتَحَيِّرِينَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ مِيكَائِيلَ، فَاحْتَمَلَ تِلْكَ الصُّورَةَ، فَلَمَّا أَقَلَّهَا ضَرَبَ بِهَا الْأَرْضَ، فَفَزِعَ مِنْ رَوْعَتِهَا كُلُّ مَنْ سَمِعَهَا وَانْكَسَرَتْ، وَخَرَجَ مِنْهَا جِرْجِيسُ حَيًّا، فَلَمَّا وَقَفَ وَكَلَّمَهُمُ انْكَشَفَتِ الظُّلْمَةُ وَأَسْفَرَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. قَالَ لَهُ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَائِهِمُ: ادْعُ اللَّهَ بِأَنْ يُحْيِيَ مَوْتَانَا مِنْ هَذِهِ الْقُبُورِ. فَأَمَرَ جِرْجِيسُ بِالْقُبُورِ فَنُبِشَتْ وَهِيَ عِظَامٌ رُفَاتٌ، ثُمَّ دَعَا فَلَمْ يَبْرَحُوا حَتَّى نَظَرُوا إِلَى سَبْعَةَ عَشَرَ إِنْسَانًا، تِسْعَةِ رِجَالٍ وَخَمْسِ نِسْوَةٍ وَثَلَاثَةِ صِبْيَةٍ وَفِيهِمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ. فَقَالَ لَهُ جِرْجِيسُ: مَتَى مُتَّ؟ فَقَالَ: فِي زَمَانِ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا هُوَ أَرْبَعُمِائَةِ عَامٍ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْمَلِكُ قَالَ: لَمْ يَبْقَ مِنْ عَذَابِكُمْ شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ عَذَّبْتُمُوهُ وَأَصْحَابَهُ بِهِ إِلَّا الْجُوعَ وَالْعَطَشَ، فَعَذِّبُوهُ بِهِ. فَعَمَدُوا إِلَى بَيْتِ عَجُوزٍ فَقِيرَةٍ، وَكَانَ لَهَا ابْنٌ أَعْمَى أَبْكَمُ مُقْعَدٌ، فَحَصَرُوهُ فِيهِ، فَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ.
فَلَمَّا جَاعَ قَالَ لِلْعَجُوزِ: هَلْ عِنْدَكِ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ؟ قَالَتْ: لَا وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ مَا لَنَا عَهْدٌ بِالطَّعَامِ مِنْ كَذَا وَكَذَا وَسَأَخْرُجُ لِأَلْتَمِسَ لَكَ شَيْئًا. فَقَالَ لَهَا: هَلْ تَعْبُدِينَ اللَّهَ؟ قَالَتْ: لَا. فَدَعَاهَا فَآمَنَتْ، وَانْطَلَقَتْ تَطْلُبُ لَهُ شَيْئًا، وَفِي بَيْتِهَا دِعَامَةٌ مِنْ خَشَبَةٍ يَابِسَةٍ تَحْمِلُ خَشَبَ الْبَيْتِ، فَدَعَا اللَّهَ فَاخْضَرَّتْ تِلْكَ الدِّعَامَةُ وَأَنْبَتَتْ كُلَّ فَاكِهَةٍ تُؤْكَلُ وَتُعْرَفُ، فَظَهَرَ لِلدِّعَامَةِ فُرُوعٌ مِنْ فَوْقِ الْبَيْتِ تُظِلُّهُ وَمَا حَوْلَهُ، وَعَادَتِ الْعَجُوزُ وَهُوَ يَأْكُلُ رَغْدًا. فَلَمَّا رَأَتِ الَّذِي حَدَثَ فِي بَيْتِهَا قَالَتْ: آمَنْتُ بِالَّذِي أَطْعَمَكَ فِي بَيْتِ الْجُوعِ، فَادْعُ هَذَا الرَّبَّ الْعَظِيمَ أَنْ يَشْفِيَ ابْنِي. قَالَ: أَدْنِيهِ مِنِّي، فَأَدْنَتْهُ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ فَأَبْصَرَ، فَنَفَثَ فِي أُذُنَيْهِ فَسَمِعَ. قَالَتْ لَهُ: أَطْلِقْ لِسَانَهُ وَرِجْلَيْهِ. قَالَ لَهَا: أَخِّرِيهِ فَإِنَّ لَهُ يَوْمًا عَظِيمًا. وَرَأَى الْمَلِكُ الشَّجَرَةَ فَقَالَ: أَرَى شَجَرَةً مَا كُنْتُ أَعْهَدُهَا! قَالُوا: تِلْكَ الشَّجَرَةُ نَبَتَتْ لِذَلِكَ السَّاحِرِ الَّذِي أَرَدْتَ أَنْ تُعَذِّبَهُ بِالْجُوعِ وَقَدْ شَبِعَ مِنْهَا وَأَشْبَعَتِ الْعَجُوزَ، وَشَفَى لَهَا ابْنَهَا. فَأَمَرَ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، وَبِالشَّجَرَةِ أَنْ تُقْطَعَ، فَلَمَّا هَمُّوا بِقَطْعِهَا أَيْبَسَهَا اللَّهُ وَتَرَكُوهَا. وَأَمَرَ بِجِرْجِيسَ فَبُطِحَ عَلَى وَجْهِهِ، وَأَمَرَ بِعِجْلٍ فَأُوقِرَ أُسْطُوَانًا وَجَعَلَ فِي أَسْفَلِ الْعِجْلِ خَنَاجِرَ وَشِفَارًا ثُمَّ دَعَا بِأَرْبَعِينَ ثَوْرًا فَنَهَضَ بِالْعِجْلِ نَهْضَةً وَاحِدَةً وَجِرْجِيسُ تَحْتَهَا، فَانْقَطَعَ ثَلَاثَ قِطَعٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِقِطَعِهِ فَأُحْرِقَتْ حَتَّى صَارَتْ رَمَادًا، وَبَعَثَ بِالرَّمَادِ مَعَ رِجَالٍ فَذَرُّوهُ فِي الْبَحْرِ، فَلَمْ يَبْرَحُوا حَتَّى سَمِعُوا صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ: يَا بَحْرُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَحْفَظَ مَا فِيكَ مِنْ هَذَا الْجَسَدِ الطَّيِّبِ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعِيدَهُ. فَأَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَجَمَعَتْهُ كَمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَذُرُّوهُ، وَالَّذِينَ ذَرُّوهُ قِيَامٌ لَمْ يَبْرَحُوا، وَخَرَجَ جِرْجِيسُ حَيًّا مُغَبَّرًا، فَرَجَعُوا وَرَجَعَ مَعَهُمْ وَأَخْبَرُوا الْمَلِكَ خَبَرَ الصَّوْتِ وَالرِّيَاحِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: هَلْ لَكَ فِيمَا هُوَ خَيْرٌ لِي وَلَكَ؟ وَلَوْلَا أَنْ يُقَالَ إِنَّكَ غَلَبْتَنِي لَآمَنْتُ بِكَ، وَلَكِنِ اسْجُدْ لِصَنَمِي سَجْدَةً وَاحِدَةً أَوِ اذْبَحْ لَهُ شَاةً وَاحِدَةً وَأَنَا أَفْعَلُ مَا يَسُرُّكَ. فَطَمِعَ جِرْجِيسُ فِي إِهْلَاكِ الصَّنَمِ حِينَ يَرَاهُ وَإِيمَانِ الْمَلِكِ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: أَفْعَلُ - خَدِيعَةً مِنْهُ - وَأَدْخِلْنِي عَلَى صَنَمِكَ أَسْجُدُ لَهُ وَأَذْبَحُ. فَفَرِحَ الْمَلِكُ بِذَلِكَ وَقَبَّلَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ عِنْدَهُ، فَفَعَلَ، فَأَخْلَى لَهُ الْمَلِكُ بَيْتًا وَدَخَلَهُ جِرْجِيسُ، فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْلُ قَامَ يُصَلِّي وَيَقْرَأُ الزَّبُورَ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ، فَلَمَّا سَمِعَتْهُ امْرَأَةُ الْمَلِكِ اسْتَجَابَتْ لَهُ وَآمَنَتْ بِهِ وَكَتَمَتْ إِيمَانَهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا بِهِ إِلَى بَيْتِ الْأَصْنَامِ لِيَسْجُدَ لَهَا.
وَقِيلَ لِلْعَجُوزِ: إِنَّ جِرْجِيسَ قَدِ افْتُتِنَ وَطَمِعَ فِي الْمُلْكِ. فَخَرَجَتْ تَحْمِلُ ابْنَهَا عَلَى عَاتِقِهَا فِي أَعْرَاضِهِمْ تُوَبِّخُ جِرْجِيسَ، فَلَمَّا دَخَلَ بَيْتَ الْأَصْنَامِ نَظَرَ فَإِذَا الْعَجُوزُ وَابْنُهَا أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَدَعَا ابْنَهَا، فَأَجَابَهُ وَمَا تَكَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ قَطُّ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَى عَاتِقِ أُمِّهِ يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْهِ سَوِيَّتَيْنِ وَمَا وَطِئَ الْأَرْضَ قَطُّ. فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ جِرْجِيسَ قَالَ لَهُ: ادْعُ لِي هَذِهِ الْأَصْنَامَ، وَهِيَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَاحِدٌ وَسَبْعُونَ صَنَمًا، وَهُمْ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مَعَهَا، فَدَعَاهَا، فَأَقْبَلَتْ تَتَدَحْرَجُ إِلَيْهِ. فَلَمَّا انْتَهَتْ إِلَيْهِ رَكَضَ بِرِجْلِهِ الْأَرْضَ فَخُسِفَ بِهَا وَبِمَنَابِرِهَا، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: يَا جِرْجِيسُ خَدَعْتَنِي وَأَهْلَكْتَ أَصْنَامِي! فَقَالَ لَهُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ عَمْدًا لِتَعْتَبِرَ وَتَعْلَمَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ آلِهَةً لَامْتَنَعَتْ مِنِّي. فَلَمَّا قَالَ هَذَا قَالَتِ امْرَأَةُ الْمَلِكِ وَأَظْهَرَتْ إِسْلَامَهَا، وَعَدَّتْ عَلَيْهِمْ أَفْعَالَ جِرْجِيسَ وَقَالَتْ: مَا تَنْظُرُونَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ إِلَّا دَعْوَةً فَتَهْلَكُونَ كَمَا هَلَكَتْ أَصْنَامُكُمْ. فَقَالَ الْمَلِكُ: مَا أَسْرَعَ مَا أَضَلَّكِ هَذَا السَّاحِرُ! ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ عَلَى خَشَبَةٍ، ثُمَّ مَشَّطَ لَحْمَهَا بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ، فَلَمَّا آلَمَهَا الْعَذَابُ قَالَتْ لِجِرْجِيسَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُخَفِّفَ عَلَيَّ الْأَلَمَ. فَقَالَ: انْظُرِي فَوْقَكِ. فَنَظَرَتْ فَضَحِكَتْ. فَقَالَ لَهَا الْمَلِكُ: مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَتْ: أَرَى عَلَى رَأْسِي مَلَكَيْنِ مَعَهُمَا تَاجٌ مِنْ حُلِيِّ الْجَنَّةِ يَنْتَظِرَانِ خُرُوجَ رُوحِي لِيُزَيِّنَانِي بِهِ وَيَصْعَدَا بِهَا إِلَى الْجَنَّةِ. فَلَمَّا مَاتَتْ أَقْبَلَ جِرْجِيسُ عَلَى الدُّعَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَكْرَمْتَنِي بِهَذَا الْبَلَاءِ لِتُعْطِيَنِي أَفْضَلَ مَنَازِلِ الشُّهَدَاءِ، وَهَذَا آخِرُ أَيَّامِي، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُنْزِلَ بِهَؤُلَاءِ الْمُنْكِرِينَ مِنْ سَطْوَتِكَ وَعُقُوبَتِكَ مَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ، فَأَمْطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّارَ فَأَحْرَقَتْهُمْ. فَلَمَّا احْتَرَقُوا بِحَرِّهَا عَمَدُوا إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ بِالسُّيُوفِ فَقَتَلُوهُ، وَهِيَ الْقَتْلَةُ الرَّابِعَةُ. فَلَمَّا احْتَرَقَتِ الْمَدِينَةُ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا رُفِعَتْ مِنَ الْأَرْضِ وَجُعِلَ عَالِيهَا سَافِلَهَا، فَلَبِثَ زَمَانًا يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِهَا دُخَانٌ مُنْتِنٌ. وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ آمَنَ بِهِ وَقُتِلَ مَعَهُ أَرْبَعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا وَامْرَأَةَ الْمَلِكِ.
ذكر خالد بن سنان العبسي
[ذِكْرُ خَالِدِ بْنِ سِنَانٍ الْعَبْسِيِّ] وَمِمَّنْ كَانَ فِي الْفَتْرَةِ خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ الْعَبْسِيُّ، قِيلَ: كَانَ نَبِيًّا، وَكَانَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ أَنَّ نَارًا ظَهَرَتْ بِأَرْضِ الْعَرَبِ فَافْتُتِنُوا بِهَا وَكَادُوا يَتَمَجَّسُونَ، فَأَخَذَ خَالِدٌ عَصَاهُ وَدَخَلَهَا حَتَّى تَوَسَّطَهَا فَفَرَّقَهَا، وَهُوَ يَقُولُ: بَدَّا بَدَّا، كُلُّ هُدًى مُؤَدَّى، لَأَدْخُلَنَّهَا وَهِيَ تَلَظَّى، وَلَأَخْرُجَنَّ مِنْهَا وَثِيَابِي تَنَدَّى. ثُمَّ إِنَّهَا طُفِئَتْ وَهُوَ فِي وَسَطِهَا. فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِأَهْلِهِ: إِذَا دُفِنْتُ فَإِنَّهُ سَتَجِيءُ عَانَةٌ مِنْ حِمْيَرَ يَقْدُمُهَا عَيْرٌ أَبْتَرُ فَيَضْرِبُ قَبْرِي بِحَافِرِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَانْبِشُوا عَنِّي فَإِنِّي سَأُخْبِرُكُمْ بِجَمِيعِ مَا هُوَ كَائِنٌ. فَلَمَّا مَاتَ وَدَفَنُوهُ رَأَوْا مَا قَالَ، فَأَرَادُوا نَبْشَهُ، فَكَرِهَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ قَالُوا: نَخَافُ إِنْ نَبَشْنَاهُ أَنْ تَسُبَّنَا الْعَرَبُ بِأَنَّا نَبَشْنَا مَيِّتًا لَنَا فَتَرَكُوهُ. فَقِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِيهِ: ( «ذَلِكَ نَبِيٌّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ» ) .
ذكر طبقات ملوك الفرس
وَأَتَتِ ابْنَتُهُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَآمَنَتْ بِهِ. كَذَا قِيلَ إِنَّهُ آخِرُ الْحَوَادِثِ أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ، فَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَتِ ابْنَتُهُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكُونُ بَعْدَ اجْتِمَاعِ الْمُلْكِ لِأَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ. وَنَرْجِعُ إِلَى أَخْبَارِ مُلُوكِ الْفُرْسِ لِسِيَاقِ التَّارِيخِ، وَنُقَدِّمُ قَبْلَ ذِكْرِهِمْ عَدَدَ الْمُلُوكِ الْأَشْغَانِيَّةِ مِنْ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ وَطَبَقَاتِ مُلُوكِ الْفُرْسِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [ذِكْرُ طَبَقَاتِ مُلُوكِ الْفُرْسِ] الطَّبَقَةُ الْأُولَى الْفِيشْدَاذِيَّةُ
مُلُوكُ الْأَرْضِ بَعْدَ جِيُومَرْثَ أُوشْهَنْجَ، وَمَلَكَ فِيشْدَاذْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَمَعْنَى فِيشْدَاذْ أَوَّلُ حَاكِمٍ. مَلَكَ بَعْدَهُ طَهْمُورَثُ بْنُ يُوجَهَانَ ثَلَاثِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهُ جَمْشِيدْ سَبْعَمِائَةٍ وَسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ بِيُورَاسِفُ بْنُ أَرُونْدَاسِفْ أَلْفَ سَنَةٍ. ثُمَّ مَلَكَ أَفْرِيدُونُ بْنُ أَثْغِيَانْ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ. ثُمَّ مَلَكَ مَنُوجَهْرُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ أَفْرَاسْيَابُ التُّرْكِيُّ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ زَوُّ بْنُ تَهْمَاسِفَ ثَلَاثَ سِنِينَ. ثُمَّ مَلَكَ كَرْشَاسِبْ تِسْعَ سِنِينَ. الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ الْكَيَّانِيَّةُ ثُمَّ مَلَكَ كَيْقَبَاذْ مِائَةً وَسِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ كَيْكَاوُوسْ مِائَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ كَيْخِسْرُو ثَمَانِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ كَيْ لُهْرَاسِبْ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ كَيْ بَشْتَاسَبْ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ كَيْ بَهْمَنْ مِائَةً وَاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَتْ خُمَانِي جَهْرَزَادْ ثَلَاثِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهَا دَارُ بْنُ بَهْمَنْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ دَارَا بْنُ دَارَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَهُوَ الَّذِي أَخَذَ الْإِسْكَنْدَرَ الْمُلْكَ مِنْهُ.
وَكَانَ مُلْكُ الْإِسْكَنْدَرِ بَعْدَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ الْأَشْغَانِيَّةُ وَهُمُ الَّذِينَ اسْتَوْلَوْا عَلَى الْعِرَاقِ وَالْجِبَالِ، وَكَانَ سَائِرُ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ يُعَظِّمُونَهُمْ. فَأَوَّلُ مُلُوكِ الْأَشْغَانِيِّينَ أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ أَشْكُ مَلَكَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ شَابُورُ بْنُ أَشْكَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ جَوْذَرْزُ بْنُ شَابُورَ، وَهُوَ الَّذِي غَزَا بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ قَتْلِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ، خَمْسِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ ابْنُ أَخِيهِ وَبْحَنُ بْنُ بِلَاشٍ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ جَوْذَرْزُ بْنُ وَبْحَنَ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهُ نَرْسِي ثَلَاثِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ عَمُّهُ هُرْمُزَانُ بْنُ بَلَاشَ بْنِ شَابُورَ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ فَيْرُوزُ بْنُ هُرْمُزَانَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ خِسْرُو أَرْبَعِينَ سَنَةً.
ذكر أخبار أردشير بن بابك وملوك الفرس
ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهُ بَلَاشُ بْنُ فَيْرُوزَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ أَرْدُوَانُ بْنُ بَلَاشَ خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَلَكَ بَعْدَ هُرْمُزَانَ بْنِ بَلَاشَ أَرْدُوَانُ الْأَكْبَرُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقِيلَ فِي عَدَدِ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْفُرْسُ تَعْتَرِفُ بِاضْطِرَابِ التَّارِيخِ عَلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ وَمَلَكَ بِيُورَاسَفْ وَمَلَكَ أَفْرَاسْيَابْ التُّرْكِيُّ لِأَنَّهُمْ زَالَ الْمُلْكُ عَنْهُمْ وَلَمْ يُمْكِنْ ضَبْطُهُ. الطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ السَّاسَانِيَّةُ فَأَوَّلُهُمْ أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ. [ذِكْرُ أَخْبَارِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ وَمُلُوكِ الْفُرْسِ]
قِيلَ: لَمَّا مَضَى مِنْ لَدُنْ مَلَكَ الْإِسْكَنْدَرُ أَرْضَ بَابِلَ، فِي قَوْلِ النَّصَارَى وَأَهْلِ الْكُتُبِ الْأُوَلِ، خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَفِي قَوْلِ الْمَجُوسِ: مِائَتَانِ وَسِتٌّ وَسِتُّونَ، وَثَبَ أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ بْنِ سَاسَانَ الْأَصْغَرِ بْنِ بَابَكَ بْنِ سَاسَانَ بْنِ بَابَكَ بْنِ مَهَرْمِسَ بْنِ سَاسَانَ بْنِ بَهْمَنَ الْمَلِكِ بْنِ إِسْفِنْدِيَارَ بْنِ بَشْتَاسْبَ - وَقِيلَ فِي نِسْبَتِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، يُرِيدُ الْأَخْذَ بِثَأْرِ الْمَلِكِ دَارَا بْنِ دَارَا، وَرَدَّ الْمُلْكِ إِلَى أَهْلِهِ، وَإِلَى مَا لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَيَّامَ سَلَفِهِ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ وَجَمْعَهُ لِرَئِيسٍ وَاحِدٍ. وَذَكَرَ أَنَّ مَوْلِدَهُ كَانَ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى إِصْطَخْرَ يُقَالُ لَهَا: طَيْزُودَهْ مِنْ رُسْتَاقِ إِصْطَخْرَ، وَكَانَ جَدُّهُ سَاسَانُ شُجَاعًا مُغْرًى بِالصَّيْدِ، وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ نَسْلِ مُلُوكِ فَارِسَ يُعْرَفُونَ بِالْبَادَرَنْجِيِّينَ، وَكَانَ قَيِّمًا عَلَى بَيْتِ نَارٍ بِإِصْطَخْرَ يُقَالُ لَهَا بَيْتُ نَارَهِيدْ، فَوَلَدَتْ لَهُ بَابَكَ، فَلَمَّا كَبِرَ قَامَ بِأَمْرِ النَّاسِ بَعْدَ أَبِيهِ، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ ابْنُهُ أَرْدَشِيرُ. وَكَانَ مَلَكَ إِصْطَخْرَ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ مِنَ الْبَادَرَنْجِيِّينَ يُقَالُ لَهُ جُوزِهْرُ، وَكَانَ لَهُ خَصِيٌّ اسْمُهُ تِيرَى قَدْ صَيَّرَهُ أَرْجَيْدًا بِدَارَبَجِرْدَ. فَلَمَّا أَتَى لِأَرْدَشِيرَ سَبْعُ سِنِينَ قَدَّمَهُ أَبُوهُ إِلَى
جُوزِهْرَ وَسَأَلَهُ أَنْ يَضُمَّهُ إِلَى تِيرَى لِيَكُونَ رَبِيبًا لَهُ وَأَرْجَيْدًا بَعْدَهُ فِي مَوْضِعِهِ، فَأَجَابَهُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى تِيرَى، فَقَبِلَهُ وَتَبَنَّاهُ. فَلَمَّا هَلَكَ تِيرَى تَقَلَّدَ أَرْدَشِيرُ الْأَمْرَ وَحَسُنَ قِيَامُهُ بِهِ، وَأَعْلَمَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَجِّمِينَ صَلَاحَ مَوْلِدِهِ وَأَنَّهُ يَمْلِكُ الْبِلَادَ، فَازْدَادَ فِي الْخَيْرِ، وَرَأَى فِي مَنَامِهِ مَلَكًا جَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ يُمَلِّكُكَ الْبِلَادَ، فَقَوِيَتْ نَفْسُهُ قُوَّةً لَمْ يَعْهَدْهَا، وَكَانَ أَوَّلَ مَا فَعَلَ أَنَّهُ سَارَ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْ دَارَابْجِرْدَ يُسَمَّى خُوبَابَانْ فَقَتَلَ مَلِكَهَا، وَاسْمُهُ فَاسِينْ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ كَوْسَنُ فَقَتَلَ مَلِكَهَا، وَاسْمُهُ مِنُوجِهْرُ ثُمَّ سَارَ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ لَزْوِيزُ فَقَتَلَ مَلِكَهَا، وَاسْمُهُ دَارَا وَجَعَلَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ قَوْمًا مِنْ قِبَلِهِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِيهِ بِمَا كَانَ مِنْهُ، وَأَمَرَهُ بِالْوُثُوبِ بِجُوزِهْرَ، وَهُوَ بِالْبَيْضَاءِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَقَتَلَ جُوزِهْرَ وَأَخَذَ تَاجَهُ، وَكَتَبَ إِلَى أَرْدُوَانْ مَلِكِ الْجِبَالِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا يَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ وَيَسْأَلُهُ فِي تَتْوِيجِ ابْنِهِ سَابُورَ بِتَاجِ جُوزِهْرَ، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ وَهَدَّدَهُ، فَلَمْ يَحْفِلْ بَابَكُ بِذَلِكَ وَهَلَكَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَتَتَوَّجَ سَابُورُ بْنُ بَابَكَ بِالتَّاجِ وَمَلَكَ مَكَانَ أَبِيهِ، وَكَتَبَ إِلَى أَرْدَشِيرَ يَسْتَدْعِيهِ، فَامْتَنَعَ، فَغَضِبَ سَابُورُ وَجَمَعَ جُمُوعًا وَسَارَ بِهِمْ نَحْوَهُ لِيُحَارِبَهُمْ، وَخَرَجَ مِنْ إِصْطَخْرَ وَبِهَا عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ وَأَقَارِبِهِ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْهُ، فَأَخَذُوا التَّاجَ وَالسَّرِيرَ وَسَلَّمُوهَا إِلَى أَرْدَشِيرَ، فَتَتَوَّجَ وَافْتَتَحَ أَمْرَهُ بِجِدٍّ وَقُوَّةٍ وَجَعَلَ لَهُ وَزِيرًا وَرَتَّبَ مَوْبَذَانْ مَوْبَذْ، وَأَحَسَّ مِنْ إِخْوَتِهِ وَقَوْمٍ كَانُوا مَعَهُ بِالْفَتْكِ بِهِ، فَقَتَلَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنْهُمْ، وَعَصَى عَلَيْهِ أَهْلُ دَارَابْجِرْدَ فَعَادَ إِلَيْهِمْ فَافْتَتَحَهَا وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى كَرْمَانَ وَبِهَا مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ بَلَاشُ فَاقْتَتَلَا قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَاتَلَ أَرْدَشِيرُ بِنَفْسِهِ وَأَسَرَ بَلَاشَ، فَاسْتَوْلَى عَلَى الْمَدِينَةِ وَجَعَلَ فِيهَا ابْنًا لَهُ اسْمُهُ أَرْدَشِيرُ أَيْضًا. وَكَانَ فِي سَوَاحِلِ بَحْرِ فَارِسَ مَلِكٌ اسْمُهُ اسْيُونْ يُعَظَّمُ فَسَارَ إِلَيْهِ أَرْدَشِيرُ فَقَتَلَهُ
وَقَتَلَ مَنْ مَعَهُ وَاسْتَخْرَجَ لَهُ أَمْوَالًا عَظِيمَةً. وَكَتَبَ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُلُوكِ، مِنْهُمْ: مِهْرَكُ صَاحِبُ ابْرِسَاسْ مِنْ أَرْدَشِيرَ خُرَّةَ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَقَتَلَ مِهْرَكَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى جَوْرٍ فَأَسَّسَهَا وَبَنَى الْجَوْسَقَ الْمَعْرُوفَ بِالطِّرْبَالِ وَبَيْتَ نَارٍ هُنَاكَ. فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ وَرَدَ إِلَيْهِ رَسُولُ أَرْدُوَانْ بِكِتَابٍ، فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا فِيهِ: إِنَّكَ عَدَوْتَ قَدْرَكَ وَاجْتَلَبْتَ حَتْفَكَ أَيُّهَا الْكُرْدِيُّ! مَنْ أَذِنَ لَكَ فِي التَّاجِ وَالْبِلَادِ؟ وَمَنْ أَمَرَكَ بِبِنَاءِ الْمَدِينَةِ؟ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ وَجَّهَ إِلَيْهِ مَلِكَ الْأَهْوَازِ لِيَأْتِيَهُ بِهِ فِي وَثَاقٍ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ اللَّهَ حَبَانِي بِالتَّاجِ وَمَلَّكَنِي الْبِلَادَ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُمَكِّنَنِي مِنْكَ فَأَبْعَثَ بِرَأْسِكَ إِلَى بَيْتِ النَّارِ الَّذِي أَسَّسْتُهُ. وَسَارَ أَرْدَشِيرُ نَحْوَ إِصْطَخْرَ وَخَلَّفَ وَزِيرَهُ أَبْرِسَامْ بِأَرْدَشِيرَ خُرَّةَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ أَبْرِسَامْ بِمُوَافَاةِ مَلِكِ الْأَهْوَازِ وَعَوْدِهِ مَنْكُوبًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ فَمَلَكَهَا وَقَتَلَ مَلِكَهَا، وَعَادَ إِلَى فَارِسَ وَتَوَجَّهَ إِلَى مُحَارَبَةِ نِيرُوفَرْ صَاحِبِ الْأَهْوَازِ، وَسَارَ إِلَى أَرَّجَانَ وَإِلَى مَيْسَانَ وَطَاسَارَ، ثُمَّ إِلَى سُرَّقَ، فَوَقَفَ عَلَى شَاطِئِ دُجَيْلٍ فَظَفِرَ بِالْمَدِينَةِ، وَابْتَنَى مَدِينَةَ سُوقِ الْأَهْوَازِ، وَعَادَ إِلَى فَارِسَ بِالْغَنَائِمِ، ثُمَّ عَادَ مِنْ فَارِسَ إِلَى الْأَهْوَازِ عَلَى طَرِيقِ جِرْهِ وَكَازَرُونْ، وَقَتَلَ مَلِكَ مَيْسَانَ، وَبَنَى هُنَاكَ كَرْخَ مَيْسَانَ وَعَادَ إِلَى فَارِسَ. فَأَرْسَلَ إِلَى أَرْدُوَانْ يُؤْذِنُهُ بِالْحَرْبِ وَيَقُولُ لَهُ لِيُعَيِّنَ مَوْضِعًا لِلْقِتَالِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَرْدُوَانْ: إِنِّي أُوَافِيكَ فِي صَحْرَاءِ هُرْمُزْجَانَ لِانْسِلَاخِ مِهْرَمَاهَ. فَوَافَاهُ أَرْدَشِيرُ قَبْلَ الْوَقْتِ
وَخَنْدَقَ عَلَى نَفْسِهِ وَاحْتَوَى عَلَى الْمَاءِ، وَوَافَاهُ أَرْدُوَانْ وَمَلِكَ الْأَرْمَانِيِّينَ، وَكَانَا يَتَحَارَبَانِ عَلَى الْمُلْكِ فَاصْطَلَحَا عَلَى أَرْدَشِيرَ وَحَارَبَاهُ، وَهُمَا مُتَسَانِدَانِ يُقَاتِلُهُ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ بَابَا مَلِكِ الْأَرْمَانِيِّينَ لَمْ يَقُمْ لَهُ أَرْدَشِيرُ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ أَرْدُوَانْ لَمْ يَقُمْ لِأَرْدَشِيرَ، فَصَالَحَ أَرْدَشِيرُ مَلِكَ الْأَرْمَانِيِّينَ عَلَى أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ وَيَفْرُغَ أَرْدَشِيرُ لَأَرْدُوَانْ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَتَلَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى مَا كَانَ لَهُ، وَأَطَاعَهُ بَابَا وَسُمِّي أَرْدَشِيرُ: شَاهِنْشَاهْ. ثُمَّ سَارَ إِلَى هَمَذَانَ فَافْتَتَحَهَا، وَإِلَى الْجَبَلِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَّةَ وَالْمَوْصِلِ فَفَتَحَهَا عَنْوَةً، وَسَارَ إِلَى السَّوَادِ مِنَ الْمَوْصِلِ فَمَلَكَهُ، وَبَنَى عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ قُبَالَةَ طَيْسَفُونَ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ الَّتِي فِي شَرْقِ الْمَدَائِنِ مَدِينَةٌ غَرِيبَةٌ، وَسَمَّاهَا بِهِ أَرْدَشِيرُ، وَعَادَ مِنَ السَّوَادِ إِلَى إِصْطَخْرَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى سِجِسْتَانَ، ثُمَّ إِلَى جُرْجَانَ، ثُمَّ إِلَى نَيْسَابُورَ وَمَرْوٍ وَبَلْخٍ وَخُوَارِزْمَ، وَعَادَ إِلَى فَارِسَ، وَنَزَلَ جَوْرٌ فَجَاءَهُ رُسُلُ مَلِكِ كُوسَانَ وَمَلِكِ طُورَانَ وَمَلِكِ مُكْرَانَ بِالطَّاعَةِ. ثُمَّ سَارَ مِنْ جَوْرٍ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، فَاضْطُرَّ مَلِكُهَا إِلَى أَنْ رَمَى بِنَفْسِهِ مِنْ حِصْنِهِ فَهَلَكَ. وَعَادَ إِلَى الْمَدَائِنِ فَتَوَّجَ ابْنَهُ سَابُورَ بِتَاجِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَنَى ثَمَانِيَ مُدُنٍ، مِنْهَا: مَدِينَةُ الْخَطِّ بِالْبَحْرَيْنِ، وَمَدِينَةُ بَهْرَسِيرْ مُقَابِلَ الْمَدَائِنِ. وَكَانَ اسْمُهُ بِهْ أَرْدَشِيرَ فَعُرِّبَتْ بِهْ سِيرُ، وَأَرْدَشِيرُ خُرَّةَ، هِيَ مَدِينَةُ فَيْرُوزَابَاذَ، سَمَّاهَا عَضُدُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهٍ كَذَلِكَ، وَبَنَى بِكَرْمَانَ مَدِينَةَ أَرْدَشِيرَ عَلَى دِجْلَةَ عِنْدَ الْبَصْرَةِ، وَالْبَصْرِيُّونَ يُسَمُّونَهَا بَهْمَنْ شِيرَ، وَفُرَاتُ مَيْسَانَ أَيْضًا، وَبَنَى رَامَهُرْمُزَ بِخُوزِسْتَانَ، وَبَنَى سُوقَ الْأَهْوَازِ، وَبِالْمَوْصِلِ بُودَرْ أَرْدَشِيرَ، وَهِيَ حَزَّةٌ. وَلَمْ يَزَلْ مَحْمُودَ السِّيرَةِ مُظَفَّرًا مَنْصُورًا لَا تُرَدُّ لَهُ رَايَةٌ، وَمَدَّنَ الْمُدُنَ، وَكَوَّرَ الْكُوَرَ، وَرَتَّبَ الْمَرَاتِبَ وَعَمَّرَ الْبِلَادَ. وَكَانَ مُلْكُهُ مِنْ قَتْلِهِ أَرْدُوَانَ إِلَى أَنْ هَلَكَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَعَشَرَةَ أَشْهُرٍ. وَلَمَّا اسْتَوْلَى أَرْدَشِيرُ عَلَى الْعِرَاقِ كَرِهَ كَثِيرٌ مِنْ تَنُوخَ الْمُقَامَ فِي مَمْلَكَتِهِ، فَخَرَجَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ إِلَى الشَّامِ، وَدَانَ لَهُ أَهْلُ الْحِيرَةِ وَالْأَنْبَارِ، وَقَدْ كَانَتِ الْحِيرَةُ
وَالْأَنْبَارُ بُنِيَتَا زَمَنَ بُخْتَ نَصَّرَ، فَخَرُبَتِ الْحِيرَةُ لِتَحَوُّلِ أَهْلِهَا إِلَى الْأَنْبَارِ، وَعَمُرَتِ الْأَنْبَارُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً إِلَى أَنْ عَمُرَتِ الْحِيرَةُ زَمَنَ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ، فَعَمُرَتْ خَمْسَمِائَةٍ وَبِضْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً إِلَى أَنْ وُضِعَتِ الْكُوفَةُ وَنَزَلَهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ. ذِكْرُ مُلْكِ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ وَلَمَّا هَلَكَ أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ قَامَ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ ابْنُهُ سَابُورُ، وَكَانَ أَرْدَشِيرُ قَدْ أَسْرَفَ فِي قَتْلِ الْأَشْكَانِيَّةِ حَتَّى أَفْنَاهُمْ بِسَبَبِ أَلِيَةٍ آلَاهَا جَدُّهُ سَاسَانُ بْنُ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَهْمَنَ، فَإِنَّهُ أَقْسَمَ أَنَّهُ إِنْ مَلَكَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَسْتَبْقِ مِنْ نَسْلِ أَشْكَ بْنِ خَزَّةَ أَحَدًا، وَأَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَى عَقِبِهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ مَلَكَ مِنْ عَقِبِهِ أَرْدَشِيرُ، فَقَتَلَهُمْ جَمِيعًا نِسَاءَهُمْ وَرِجَالَهُمْ، غَيْرَ أَنَّ جَارِيَةً وَجَدَهَا فِي دَارِ الْمَمْلَكَةِ فَأَعْجَبَتْهُ، وَكَانَتِ ابْنَةَ الْمَلِكِ الْمَقْتُولِ، فَسَأَلَهَا عَنْ نَسَبِهَا، فَذَكَرَتْ أَنَّهَا خَادِمٌ لِبَعْضِ نِسَاءِ الْمَلِكِ. فَسَأَلَهَا أَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا بِكْرٌ، فَاتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ وَوَاقَعَهَا، فَعَلِقَتْ مِنْهُ، فَلَمَّا أَمِنَتْ مِنْهُ بِحَبَلِهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا مِنْ وَلَدِ أَشْكَ، فَنَفَرَ مِنْهَا وَدَعَا هَرْجَدَ بْنَ أَسَامَ، وَكَانَ شَيْخًا مُسِنًّا، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَقَالَ لَهُ لِيَقْتُلْهَا لِيَبِرَّ قَسَمَ جَدِّهِ. فَأَخَذَهَا الشَّيْخُ لِيَقْتُلَهَا، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا حُبْلَى، فَأَتَى بِالْقَوَابِلِ فَشَهِدْنَ بِحَبَلِهَا، فَأَوْدَعَهَا سَرَبًا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ قَطَعَ مَذَاكِيرَهُ وَوَضَعَهَا فِي حُقٍّ وَخَتَمَ عَلَيْهِ، وَحَضَرَ عِنْدَ الْمَلِكِ فَقَالَ: مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: اسْتَوْدَعْتُهَا بَطْنَ الْأَرْضِ، وَدَفَعَ الْحُقَّ إِلَيْهِ، وَسَأَلَ أَنْ يَخْتِمَهُ بِخَاتَمِهِ وَيُودِعَهُ بَعْضَ خَزَائِنِهِ، فَفَعَلَ. ثُمَّ وَضَعَتِ الْجَارِيَةُ غُلَامًا، فَكَرِهَ الشَّيْخُ أَنْ يُسَمَّى ابْنُ الْمَلِكِ دُونَهُ، وَخَافَ يُعْلِمُهُ بِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَأَخَذَ لَهُ الطَّالِعَ وَسَمَّاهُ شَابُورَ، وَمَعْنَاهُ ابْنُ الْمَلِكِ، فَيَكُونُ اسْمًا وَصِفَةً، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ بِهَذَا الِاسْمِ. وَبَقِيَ أَرْدَشِيرُ لَا يُولَدُ لَهُ، فَدَخَلَ الشَّيْخُ الَّذِي عِنْدَهُ الصَّبِيُّ يَوْمًا فَوَجَدَهُ مَحْزُونًا، فَقَالَ لَهُ: مَا يُحْزِنُ الْمَلِكَ؟ فَقَالَ: ضَرَبْتُ بِسَيْفِي مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ حَتَّى ظَفِرْتُ وَصَفَا لِي مُلْكُ آبَائِي ثُمَّ أَهْلِكُ وَلَيْسَ لِي عَقِبٌ فِيهِ. فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: سَرَّكَ اللَّهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ وَعَمَّرَكَ! لَكَ عِنْدِي وَلَدٌ طَيِّبٌ نَفِيسٌ، فَادْعُ لِي بِالْحُقِّ الَّذِي اسْتَوْدَعْتُكَ أُرِكَ
بُرْهَانَ ذَلِكَ. فَدَعَا أَرْدَشِيرُ بِالْحُقِّ وَفَتَحَهُ، فَوَجَدَ فِيهِ مَذَاكِيرَ الشَّيْخِ وَكِتَابًا فِيهِ: لَمَّا أَخْبَرَتْنِي ابْنَةُ الْمَلِكِ أَشْكَ الَّتِي عَلِقَتْ مِنْ مَلِكِ الْمُلُوكِ حِينَ أَمَرَ بِقَتْلِهَا لَمْ أَسْتَحِلَّ إِتْلَافَ زَرْعِ الْمَلِكِ الطَّيِّبِ فَأَوْدَعْتُهَا بَطْنَ الْأَرْضِ كَمَا أَمَرَ وَتَبَرَّأْنَا إِلَيْهِ مِنْ أَنْفُسِنَا لِئَلَّا يَجِدَ عَاضِهٌ إِلَى عَضَهِهَا سَبِيلًا. فَأَمَرَهُ أَرْدَشِيرُ أَنْ يَجْعَلَ مَعَ سَابُورَ مِائَةَ غُلَامٍ، وَقِيلَ: أَلْفُ غُلَامٍ مِنْ أَشْبَاهِهِ فِي الْهَيْئَةِ وَالْقَامَةِ، ثُمَّ يُدْخِلَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ زِيٌّ، فَفَعَلَ الشَّيْخُ. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ أَرْدَشِيرُ قَبِلَتْ نَفْسُهُ ابْنَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ، ثُمَّ أُعْطُوا صَوَالِجَةً وَكُرَةً، فَلَعِبُوا بِالْكُرَةِ وَهُوَ فِي الْإِيوَانِ، فَدَخَلَتِ الْكُرَةُ الْإِيوَانَ، فَهَابَ الْغِلْمَانُ أَنْ يَدْخُلُوهُ، وَأَقْدَمَ سَابُورُ مِنْ بَيْنِهِمْ وَدَخَلَ، فَاسْتَدَلَّ بِإِقْدَامِهِ مَعَ مَا كَانَ مِنْ قَبُولِهِ لَهُ حِينَ رَآهُ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ لَهُ أَرْدَشِيرُ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: شَاهْ بُورْ. فَلَمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهُ ابْنُهُ شَهَرَ أَمْرَهُ وَعَقَدَ لَهُ التَّاجَ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَانَ عَاقِلًا بَلِيغًا فَاضِلًا، فَلَمَّا مَلَكَ وَوَضَعَ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ فَرَّقَ الْأَمْوَالَ عَلَى النَّاسِ مِنْ قُرْبٍ وَمِنْ بُعْدٍ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، فَبَانَ فَضْلُ سِيرَتِهِ وَفَاقَ جَمِيعَ الْمُلُوكِ. وَبَنَى مَدِينَةَ نَيْسَابُورَ، وَمَدِينَةَ سَابُورَ بِفَارِسَ، وَبَنَى فَيْرُوزَ سَابُورَ، وَهِيَ الْأَنْبَارُ، وَبَنَى جُنْدَيْسَابُورْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ حَاصَرَ الرُّومَ بِنَصِيبِينَ، وَفِيهَا جَمْعٌ مِنَ الرُّومِ مُدَّةً، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ نَاحِيَةِ خُرَاسَانَ مَا احْتَاجَ إِلَى مُشَاهَدَتِهِ، فَسَارَ إِلَيْهَا وَأَحْكَمَ أَمْرَهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى نَصِيبِينَ، فَزَعَمُوا أَنَّ سُورَهَا تَصَدَّعَ وَانْفَرَجَتْ مِنْهُ فُرْجَةٌ دَخَلَ مِنْهَا، وَقَتَلَ وَسَبَى وَغَنِمَ وَتَجَاوَزَهَا إِلَى بِلَادِ الشَّامِ فَافْتَتَحَ مِنْ مَدَائِنِهَا مُدُنًا كَثِيرَةً، مِنْهَا فَالُوقِيَّةُ وَقَدُوقِيَّةُ، وَحَاصَرَ مَلِكًا لِلرُّومِ بِأَنْطَاكِيَّةَ، فَأَسَرَهُ وَحَمَلَهُ وَجَمَاعَةً كَثِيرَةً مَعَهُ فَأَسْكَنَهُمْ مَدِينَةَ جُنْدَيْسَابُورْ.
ذِكْرُ خَبَرِ مَدِينَةِ الْحَضْرِ كَانَتْ بِجِبَالِ تَكْرِيتَ بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ مَدِينَةٌ يُقَالُ لَهَا الْحَضْرُ، وَكَانَ بِهَا مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ السَّاطِرُونَ، وَكَانَ مِنَ الْجَرَامِقَةِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّيهِ الضَّيْزَنَ، وَهُوَ مِنْ قُضَاعَةَ، وَكَانَ قَدْ مَلَكَ الْجَزِيرَةَ وَكَثُرَ جُنْدُهُ، وَإِنَّهُ تَطَرَّقَ بَعْضَ السَّوَادِ إِذْ كَانَ سَابُورُ بِخُرَاسَانَ، فَلَمَّا عَادَ سَابُورُ أُخْبِرَ بِمَا كَانَ مِنْهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَحَاصَرَهُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَقِيلَ: سَنَتَيْنِ، لَا يَقْدِرُ عَلَى هَدْمِ حِصْنِهِ وَلَا الْوُصُولِ إِلَيْهِ. وَكَانَ لِلضَّيْزَنِ بِنْتٌ تُسَمَّى النَّضِيرَةُ، فَحَاضَتْ، فَأُخْرِجَتْ إِلَى رَبَضِ الْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ كَانَ يُفْعَلُ بِالنِّسَاءِ، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ، وَكَانَ سَابُورُ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ، فَرَأَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَتَعَاشَقَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ: مَا تَجْعَلُ لِي إِنْ دَلَلْتُكَ عَلَى مَا تَهْدِمُ بِهِ سُورَ الْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: أُحَكِّمُكِ وَأَرْفَعُكِ عَلَى نِسَائِي. فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِحَمَامَةٍ وَرْقَاءَ مُطَوَّقَةٍ فَاكْتُبْ عَلَى رِجْلِهَا بِحَيْضِ جَارِيَةٍ بِكْرٍ زَرْقَاءَ، ثُمَّ أَرْسِلْهَا فَإِنَّهَا تَقَعُ عَلَى سُورِ الْمَدِينَةِ فَيُخَرَّبُ، وَكَانَ ذَلِكَ طَلْسَمَ ذَلِكَ الْبَلَدِ. فَفَعَلَ وَتَدَاعَتِ الْمَدِينَةُ، فَدَخَلَهَا عَنْوَةً وَقَتَلَ الضَّيْزَنَ وَأَصْحَابَهُ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ يُعْرَفُ الْيَوْمَ، وَأَخْرَبَ الْمَدِينَةَ وَاحْتَمَلَ النَّضِيرَةَ فَأَعْرَسَ بِهَا بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَلَمْ تَزَلْ لَيْلَتَهَا تَتَضَوَّرُ، فَالْتَمَسَ مَا يُؤْذِيهَا فَإِذَا وَرَقَةُ آسٍ مُلْتَزِقَةٌ بِعُكْنَةٍ مِنْ عُكَنِ بَطْنِهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا كَانَ يَغْذُوكِ بِهِ أَبُوكِ؟ قَالَتْ: بِالزُّبْدِ وَالْمُخِّ وَشَهْدِ الْأَبْكَارِ مِنَ النَّحْلِ وَصَفْوِ الْخَمْرِ. فَقَالَ: وَأَبِيكِ لَأَنَا أَحْدَثُ عَهْدًا بِكِ وَآثَرُ لَكِ مِنْ أَبِيكِ! فَأَمَرَ رَجُلًا فَرَكِبَ فَرَسًا جَمُوحًا ثُمَّ عَصَبَ غَدَائِرَهَا بِذَنَبِهِ ثُمَّ اسْتَرْكَضَهَا فَقَطَّعَهَا قِطَعًا، وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ ذِكْرَ الضَّيْزَنِ فِي أَشْعَارِهِمْ.
وَفِي أَيَّامِ سَابُورَ ظَهَرَ مَانِي الزِّنْدِيقُ وَادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَتَبِعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَهُمُ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ الْمَانَوِيَّةَ. وَكَانَ مُلْكُهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ: إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَتِسْعَةَ أَيَّامٍ. ذِكْرُ مُلْكِ ابْنِهِ هُرْمُزَ بْنِ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ وَكَانَ يُشَبَّهُ فِي خَلْقِهِ بِأَرْدَشِيرَ غَيْرَ لَاحِقٍ بِهِ فِي تَدْبِيرِهِ، وَكَانَ مِنَ الْبَطْشِ وَالْجُرْأَةِ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مِنْ بَنَاتِ مِهْرَكَ الْمَلِكِ الَّذِي قَتَلَهُ أَرْدَشِيرُ وَتَتَبَّعَ نَسْلَهُ فَقَتَلَهُمْ، لِأَنَّ الْمُنَجِّمِينَ أَخْبَرُوهُ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ نَسْلِهِ مَنْ يَمْلِكُ، فَهَرَبَتْ أُمُّهُ إِلَى الْبَادِيَةِ وَأَقَامَتْ عِنْدَ بَعْضِ الرِّعَاءِ، وَخَرَجَ سَابُورُ مُتَصَيِّدًا، فَاشْتَدَّ بِهِ الْعَطَشُ وَارْتَفَعَتْ لَهُ الْأَخْبِيَةُ الَّتِي فِيهَا أُمُّ هُرْمُزَ، فَقَصَدَهَا وَطَلَبَ الْمَاءَ، فَنَاوَلَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَرَأَى مِنْهَا جَمَالًا فَائِقًا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ حَضَرَ الرِّعَاءُ فَسَأَلَهُمْ سَابُورُ عَنْهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا ابْنَتُهُ، فَتَزَوَّجَهَا وَسَارَ بِهَا إِلَى مَنْزِلِهِ، وَكُسِيَتْ وَنُظِّفَتْ، فَأَرَادَهَا فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ مُدَّةً، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ سَأَلَهَا عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا ابْنَةُ مِهْرَكَ، وَأَنَّهَا تَفْعَلُ ذَلِكَ إِبْقَاءً عَلَيْهِ مِنْ أَرْدَشِيرَ، فَعَاهَدَهَا عَلَى سَتْرِ أَمْرِهَا، وَوَطِئَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ هُرْمُزَ، فَسَتَرَ أَمْرَهُ حَتَّى صَارَ لَهُ سُنُونٌ. فَرَكِبَ أَرْدَشِيرُ يَوْمًا إِلَى مَنْزِلِ ابْنِهِ سَابُورَ لِشَيْءٍ أَرَادَ ذِكْرَهُ لَهُ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ مُفَاجَأَةً، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ خَرَجَ هُرْمُزُ وَبِيَدِهِ صَوْلَجَانٌ وَهُوَ يَصِيحُ فِي أَثَرِ الْكُرَةِ، فَلَمَّا رَآهُ أَرْدَشِيرُ أَنْكَرَهُ وَوَقَفَ عَلَى الْمَشَابِهِ الَّتِي فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْوَجْهِ وَعَبَالَةِ الْخَلْقِ وَأُمُورٍ غَيْرِهَا، فَاسْتَدْنَاهُ أَرْدَشِيرُ وَسَأَلَ عَنْهُ سَابُورَ، فَخَرَجَ مُفَكِّرًا عَلَى سَبِيلِ الْإِقْرَارِ بِالْخَطَإِ، وَأَخْبَرَ أَبَاهُ أَرْدَشِيرَ الْخَبَرَ، فَسُرَّ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُنَجِّمُونَ فِي وَلَدِ مِهْرَكَ، وَأَنَّ ذَلِكَ
قَدْ سَلَّى مَا كَانَ فِي نَفْسِهِ وَأَذْهَبَهُ. فَلَمَّا مَلَكَ سَابُورُ وَلَّى هُرْمُزَ خُرَاسَانَ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا، فَقَهَرَ الْأَعْدَاءَ وَاسْتَقَلَّ بِالْأَمْرِ، فَوَشَى بِهِ الْوُشَاةُ إِلَى سَابُورَ أَنَّهُ عَلَى عَزْمٍ أَنْ يَأْخُذَ الْمُلْكَ مِنْهُ، وَسَمِعَ هُرْمُزُ بِذَلِكَ فَقِيلَ إِنَّهُ قَطَعَ يَدَهُ وَأَرْسَلَهَا إِلَى أَبِيهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِمَا بَلَغَهُ وَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ إِزَالَةً لِلتُّهْمَةِ لِأَنَّ رَسْمَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُمَلِّكُونَ ذَا عَاهَةٍ، فَلَمَّا وَصَلَتْ يَدُهُ إِلَى سَابُورَ تَقَطَّعَ أَسَفًا، وَأَرْسَلَ إِلَى هُرْمُزَ يُعْلِمُهُ مَا نَالَهُ لِذَلِكَ، وَعَقَدَ لَهُ عَلَى الْمُلْكِ وَمَلَّكَهُ، وَلَمَّا مَلَكَ عَدَلَ فِي رَعِيَّتِهِ، وَكَانَ صَادِقًا، وَسَلَكَ سَبِيلَ آبَائِهِ وَكَوَّرَ كُورَةَ رَامَهُرْمُزَ. وَكَانَ مُلْكُهُ سَنَةً وَعَشْرَةَ أَيَّامٍ. ذِكْرُ مُلْكِ ابْنِهِ بَهْرَامَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ سَابُورَ وَكَانَ حَلِيمًا مُتَأَنِّيًا حَسَنَ السِّيرَةِ، وَقَتَلَ مَانِي الزِّنْدِيقَ وَسَلَخَهُ وَحَشَا جِلْدَهُ تِبْنًا وَعُلِّقَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابٍ جُنْدَيْسَابُورْ يُسَمَّى بَابَ مَانِي. وَكَانَ مُلْكُهُ ثَلَاثَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَكَانَ عَامِلَ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ وَابْنِهِ هُرْمُزَ وَبَهْرَامَ بْنِ هُرْمُزَ - بَعْدَ مَهْلِكِ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ عَلَى رَبِيعَةَ وَمُضَرَ وَسَائِرُ مَنْ بِبَادِيَةِ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالْجَزِيرَةِ يَوْمَئِذٍ - ابْنٌ لِعَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ، يُقَالُ لَهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ الْبَدْءُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَنَصَّرَ مِنْ آلِ نَصْرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَعُمَّالِ الْفُرْسِ، وَعَاشَ مُمَلَّكًا فِي عَمَلِهِ مِائَةَ سَنَةٍ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، مِنْهَا فِي زَمَنِ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَشَهْرًا، وَفِي زَمَنِ هُرْمُزَ بْنِ سَابُورَ سَنَةً وَعَشْرَةَ أَيَّامٍ، وَفِي زَمَنِ بَهْرَامَ ثَلَاثَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَفِي زَمَنِ بَهْرَامَ بْنِ بَهْرَامَ بْنِ هُرْمُزَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً. ذِكْرُ مُلْكِ ابْنِهِ بَهْرَامَ بْنِ بَهْرَامَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ
وَكَانَ مُلْكُهُ حَسَنًا، وَكَانَ عَالِمًا بِالْأُمُورِ، فَلَمَّا عُقِدَ لَهُ التَّاجُ وَعَدَهُمْ بِحُسْنِ السِّيرَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي سِنِيِّ مُلْكِهِ، فَقِيلَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذِكْرُ مُلْكِ ابْنِهِ بَهْرَامَ بْنِ بَهْرَامَ بْنِ بَهْرَامَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ سَابُورَ فَلَمَّا عُقِدَ التَّاجُ عَلَى رَأْسِهِ دَعَا لَهُ الْعُظَمَاءُ، فَأَحْسَنَ الرَّدَّ، وَكَانَ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى إِلَيْهِ مُمَلَّكًا عَلَى سِجِسْتَانَ، وَكَانَ مُلْكُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ. ذِكْرُ مُلْكِ نَرْسِي بْنِ بَهْرَامَ وَهُوَ أَخُو بَهْرَامَ الثَّالِثِ، فَلَمَّا عُقِدَ التَّاجُ عَلَى رَأْسِهِ دَخَلَ عَلَيْهِ الْأَشْرَافُ وَالْعُظَمَاءُ فَدَعَوْا لَهُ، فَوَعَدَهُمْ خَيْرًا وَسَارَ فِيهِمْ بِأَعْدَلِ السِّيرَةِ، وَقَالَ: لَنْ نُضَيِّعَ شُكْرَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْنَا. وَكَانَ مُلْكُهُ تِسْعَ سِنِينَ. ذِكْرُ مُلْكِ هُرْمُزَ بْنِ نَرْسِي بْنِ بَهْرَامَ بْنِ بَهْرَامَ بْنِ هُرْمُزَ وَكَانَ النَّاسُ قَدْ وَجِلُوا مِنْهُ لِفَظَاظَتِهِ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِمَا كَانُوا يَخَافُونَ مِنْ شِدَّةِ
وِلَايَتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْفَظَاظَةِ رِقَّةً وَرَأْفَةً، وَسَاسَهُمْ أَرَقَّ سِيَاسَةٍ، وَكَانَ حَرِيصًا عَلَى انْتِعَاشِ الضُّعَفَاءِ وَعِمَارَةِ الْبِلَادِ وَالْعَدْلِ، ثُمَّ هَلَكَ وَلَا وَلَدَ لَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، فَسَأَلُوا عَنْ نِسَائِهِ، فَذُكِرَ لَهُمْ أَنَّ بَعْضَهُنَّ حُبْلَى، وَقِيلَ: إِنَّ هُرْمُزَ كَانَ أَوْصَى بِالْمُلْكِ لِذَلِكَ الْحَمْلِ، وَوَلَدَتِ الْمَرْأَةُ سَابُورَ ذَا الْأَكْتَافِ. وَكَانَ مُلْكُ هُرْمُزَ سِتَّ سِنِينَ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ سَبْعَ سِنِينَ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ. وَأَسْمَاءُ الْمُلُوكِ مِنْ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ إِلَى هَاهُنَا لَمْ يُحْذَفْ مِنْهَا شَيْءٌ. ذِكْرُ مُلْكِ ابْنِهِ سَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ وَهُوَ سَابُورُ بْنُ هُرْمُزَ بْنِ نَرْسِي بْنِ بَهْرَامَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ، وَقِيلَ: مَلَكَ بِوَصِيَّةِ أَبِيهِ لَهُ، فَاسْتَبْشَرَ النَّاسُ بِوِلَادَتِهِ وَبَثُّوا خَبَرَهُ فِي الْآفَاقِ، وَتَقَلَّدَ الْوُزَرَاءُ وَالْكُتَّابُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ فِي مُلْكِ أَبِيهِ. وَسَمِعَ الْمُلُوكُ أَنَّ مَلِكَ الْفُرْسِ صَغِيرٌ فِي الْمَهْدِ، فَطَمِعَتْ فِي مَمْلَكَتِهِمُ التُّرْكُ وَالْعَرَبُ وَالرُّومُ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ أَقْرَبَ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ، فَسَارَ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنْهُمْ فِي الْبَحْرِ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ وَالْبَحْرَيْنِ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ وَسَوَاحِلِ أَرْدَشِيرَ خُرَّةَ، وَغَلَبُوا أَهْلَهَا عَلَى مَوَاشِيهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ، وَأَكْثَرُوا الْفَسَادَ، وَغَلَبَتْ إِيَادُ عَلَى سَوَادِ الْعِرَاقِ وَأَكْثَرُوا الْفَسَادَ فِيهِمْ، فَمَكَثُوا حِينًا لَا يَغْزُوهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْفُرْسِ لِصِغَرِ مَلِكِهِمْ. فَلَمَّا تَرَعْرَعَ سَابُورُ وَكَبِرَ كَانَ أَوَّلَ مَا عُرِفَ مِنْ حُسْنِ فَهْمِهِ أَنَّهُ سَمِعَ فِي الْبَحْرِ ضَوْضَاءَ وَأَصْوَاتًا فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ: إِنَّ النَّاسَ يَزْدَحِمُونَ فِي الْجِسْرِ الَّذِي عَلَى دِجْلَةَ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ، فَأَمَرَ بِعَمَلِ جِسْرٍ آخَرَ يَكُونُ أَحَدُهُمَا لِلْمُقْبِلِينَ وَالْآخَرُ لِلْمُدْبِرِينَ، فَاسْتَبْشَرَ النَّاسُ بِذَلِكَ.
فَلَمَّا بَلَغَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَقَوِيَ عَلَى حَمْلِ السِّلَاحِ، جَمَعَ رُؤَسَاءَ أَصْحَابِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ مَا اخْتَلَّ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ الذَّبَّ عَنْهُمْ وَيَشْخَصَ إِلَى بَعْضِ الْأَعْدَاءِ، فَدَعَا لَهُ النَّاسُ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُقِيمَ بِمَوْضِعِهِ وَيُوَجِّهَ الْقُوَّادَ وَالْجُنُودَ لِيَكْفُوهُ مَا يُرِيدُ، فَأَبَى وَاخْتَارَ مِنْ عَسْكَرِهِ أَلْفَ رَجُلٍ، فَسَأَلُوهُ الِازْدِيَادَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَسَارَ بِهِمْ وَنَهَاهُمْ عَلَى الْإِبْقَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ، وَقَصَدَ بِلَادَ فَارِسَ فَأَوْقَعَ بِالْعَرَبِ وَهُمْ غَارُّونَ فَقَتَلَ وَأَسَرَ وَأَكْثَرَ. ثُمَّ قَطَعَ الْبَحْرَ إِلَى الْخَطِّ فَقَتَلَ مَنْ بِالْبَحْرَيْنِ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى غَنِيمَةٍ، وَسَارَ إِلَى هَجَرَ وَبِهَا نَاسٌ مِنْ تَمِيمٍ وَبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَعَبْدِ الْقَيْسِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ حَتَّى سَالَتْ دِمَاؤُهُمْ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَبَادَ عَبْدَ الْقَيْسِ، وَقَصَدَ الْيَمَامَةَ وَأَكْثَرَ فِي أَهْلِهَا الْقَتْلَ، وَغَوَّرَ مِيَاهَ الْعَرَبِ، وَقَصَدَ بَكْرًا وَتَغْلِبَ فِيمَا بَيْنَ مَنَاظِرِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ فَقَتَلَ وَسَبَى، وَغَوَّرَ مِيَاهَهُمْ، وَسَارَ إِلَى قُرْبِ الْمَدِينَةِ فَفَعَلَ كَذَلِكَ، وَكَانَ يَنْزِعُ أَكْتَافَ رُؤَسَائِهِمْ وَيَقْتُلُهُمْ إِلَى أَنْ هَلَكَ فَسَمُّوهُ سَابُورَ ذَا الْأَكْتَافِ لِهَذَا. وَانْتَقَلَتْ إِيَادٌ حِينَئِذٍ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَصَارَتْ تُغِيرُ عَلَى السَّوَادِ، فَجَهَّزَ سَابُورُ إِلَيْهِمُ الْجُيُوشَ، وَكَانَ لَقِيطٌ الْإِيَادِيُّ مَعَهُمْ، فَكَتَبَ إِلَى إِيَادٍ: سَلَامٌ فِي الصَّحِيفَةِ مِنْ لَقِيطٍ ... إِلَى مَنْ بِالْجَزِيرَةِ مِنْ إِيَادِ. بِأَنَّ اللَّيْثَ كِسْرَى قَدْ أَتَاكُمْ فَلَا يَشْغَلْكُمْ سُوقُ النُّقَادِ.
أَتَاكُمْ مِنْهُمُ سَبْعُونَ أَلْفًا ... يَزُجُّونَ الْكَتَائِبَ كَالْجَرَادِ. فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَدَامُوا عَلَى الْغَارَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا: أَبْلِغْ إِيَادًا وَطَوِّلْ فِي سَرَاتِهِمْ أَنِّي ... أَرَى الرَّأْيَ إِنْ لَمْ أُعْصَ قَدْ نَصَعَا. وَهِيَ قَصِيدَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ أَجْوَدِ مَا قِيلَ فِي صِفَةِ الْحَرْبِ. فَلَمْ يَحْذَرُوا، وَأَوْقَعَ بِهِمْ سَابُورُ وَأَبَادَهُمْ قَتْلًا إِلَّا مَنْ لَحِقَ بِأَرْضِ الرُّومِ. فَهَذَا فِعْلُهُ بِالْعَرَبِ. وَأَمَّا الرُّومُ فَإِنَّ سَابُورَ كَانَ هَادَنَ مَلِكَهُمْ، وَهُوَ قُسْطَنْطِينُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَنَصَّرَ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ سَبَبَ تَنَصُّرِهِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ ذِكْرِ سَابُورَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَمَاتَ قُسْطَنْطِينُ وَفُرِّقَ مُلْكُهُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ بَنِينَ كَانُوا لَهُ، فَمَلَكُوا، وَمَلَّكَتِ الرُّومُ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ قُسْطَنْطِينَ يُقَالُ لَهُ إِلْيَانُوسُ، وَكَانَ عَلَى مِلَّةِ الرُّومِ الْأُولَى وَيَكْتُمُ ذَلِكَ، فَلَمَّا مَلَكَ أَظْهَرَ دِينَهُ، وَأَعَادَ مِلَّةَ الرُّومِ، وَأَخْرَبَ الْبِيَعَ وَقَتَلَ الْأَسَاقِفَةَ، ثُمَّ جَمَعَ جُمُوعًا مِنَ الرُّومِ وَالْخَزَرِ وَسَارَ نَحْوَ سَابُورَ. وَاجْتَمَعَتِ الْعَرَبُ لِلِانْتِقَامِ مِنْ سَابُورَ، فَاجْتَمَعَ فِي عَسْكَرِ إِلْيَانُوسَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَعَادَتْ عُيُونُ سَابُورَ إِلَيْهِ فَاخْتَلَفُوا فِي الْأَخْبَارِ، فَسَارَ سَابُورُ بِنَفْسِهِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ ثِقَاتِهِ نَحْوَ الرُّومِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ يُوسَانُوسَ، وَهُوَ عَلَى مُقَدِّمَةِ إِلْيَانُوسَ، اخْتَفَى وَأَرْسَلَ بَعْضَ مَنْ مَعَهُ إِلَى الرُّومِ، فَأُخِذُوا وَأَقَرَّ بَعْضُهُمْ عَلَى سَابُورَ، فَأَرْسَلَ يُوسَانُوسُ إِلَيْهِ سِرًّا يُنْذِرُهُ، فَارْتَحَلَ سَابُورُ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَتَحَارَبَ هُوَ وَالْعَرَبُ وَالرُّومُ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمَلَكَتِ الرُّومُ مَدِينَةَ طَيْسَفُونَ، وَهِيَ الْمَدَائِنُ الشَّرْقِيَّةُ، وَمَلَكُوا أَيْضًا أَمْوَالَ سَابُورَ وَخَزَائِنَهُ.
وَكَتَبَ سَابُورُ إِلَى جُنُودِهِ وَقُوَّادِهِ يُعْلِمُهُمْ مَا لَقِيَ مِنَ الرُّومِ وَالْعَرَبِ، وَيَسْتَحِثُّهُمْ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَيْهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَعَادَ وَاسْتَنْقَذَ مَدِينَةَ طَيْسَفُونَ، وَنَزَلَ إِلْيَانُوسُ مَدِينَةَ بَهْرَسِيرَ، وَاخْتَلَفَ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، فَبَيْنَمَا إِلْيَانُوسُ جَالِسٌ أَصَابَهُ سَهْمٌ لَا يُعْرَفُ رَامِيهِ فَقَتَلَهُ، فَسَقَطَ فِي أَيْدِي الرُّومِ، وَيَئِسُوا مِنَ الْخَلَاصِ مِنْ بِلَادِ الْفُرْسِ، فَطَلَبُوا مِنْ يُوسَانُوسَ أَنْ يُمَلَّكَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَأَبَى إِلَّا أَنْ يَعُودُوا إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ عَلَى مِلَّتِهِ، وَإِنَّمَا كَتَمُوا ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ إِلْيَانُوسَ. فَمَلَّكَ عَلَيْهِمْ. وَأَرْسَلَ سَابُورُ إِلَى الرُّومِ يَتَهَدَّدُهُمْ، وَيَطْلُبُ الَّذِي مُلِّكَ عَلَيْهِمْ لِيَجْتَمِعَ بِهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ يُوسَانُوسُ فِي ثَمَانِينَ رَجُلًا، فَتَلَقَّاهُ سَابُورُ وَتَسَاجَدَا وَطَعِمَا، وَقَوَّى سَابُورُ أَمْرَ يُوسَانُوسَ بِجُهْدِهِ، وَقَالَ لِلرُّومِ: إِنَّكُمْ أَخْرَبْتُمْ بِلَادَنَا وَأَفْسَدْتُمْ فِيهَا، فَإِمَّا أَنْ تُعْطُونَا قِيمَةَ مَا أَهْلَكْتُمْ وَإِمَّا أَنْ تُعَوِّضُونَا نَصِيبِينَ، وَكَانَتْ قَدِيمًا لِلْفُرْسِ، فَغَلَبَتِ الرُّومُ عَلَيْهَا، فَدَفَعُوهَا إِلَيْهِمْ، وَتَحَوَّلَ أَهْلُهَا عَنْهَا، فَحَوَّلَ إِلَيْهَا سَابُورُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ بَيْتٍ مِنْ أَهْلِ إِصْطَخْرَ وَأَصْبَهَانَ وَغَيْرِهِمَا، وَعَادَتِ الرُّومُ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَهَلَكَ مَلِكُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ. وَقِيلَ: إِنَّ سَابُورَ سَارَ إِلَى حَدِّ الرُّومِ وَأَعْلَمَ أَصْحَابَهُ أَنَّهُ عَلَى قَصْدِ الرُّومِ مُخْتَفِيًا لِمَعْرِفَةِ أَحْوَالِهِمْ وَأَخْبَارِ مُدُنِهِمْ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَجَالَ فِيهِمْ حِينًا، وَبَلَغَهُ أَنَّ قَيْصَرَ أَوْلَمَ وَجَمَعَ النَّاسَ فَحَضَرَ بِزِيِّ سَائِلٍ لِيَنْظُرَ إِلَى قَيْصَرَ عَلَى الطَّعَامِ، فَفَطِنَ بِهِ وَأُخِذَ وَأُدْرِجَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ. وَسَارَ قَيْصَرُ بِجُنُودِهِ إِلَى أَرْضِ فَارِسَ وَمَعَهُ سَابُورُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَقَتَلَ وَأَخْرَبَ حَتَّى بَلَغَ جُنْدَيْسَابُورْ، فَتَحَصَّنَ أَهْلُهَا وَحَاصَرَهَا، فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَاصِرُهَا إِذْ غَفَلَ الْمُوَكَّلُونَ بِحِرَاسَةِ سَابُورَ، وَكَانَ بِقُرْبِهِ قَوْمٌ مِنْ سَبْيِ الْأَهْوَازِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُلْقُوا عَلَى الْقَدِّ الَّذِي عَلَيْهِ زَيْتًا كَانَ بِقُرْبِهِمْ، فَفَعَلُوا، وَلَانَ الْجِلْدُ وَانْسَلَّ مِنْهُ وَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَخْبَرَ حُرَّاسَهَا فَأَدْخَلُوهُ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُ أَهْلِهَا، فَاسْتَيْقَظَ الرُّومُ، وَجَمَعَ سَابُورُ مَنْ بِهَا وَعَبَّاهُمْ، وَخَرَجَ إِلَى الرُّومِ سَحَرَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَقَتَلَهُمْ وَأَسَرَ قَيْصَرَ وَغَنِمَ أَمْوَالَهُ وَنِسَاءَهُ وَأَثْقَلَهُ بِالْحَدِيدِ، وَأَمَرَهُ بِعِمَارَةِ مَا أَخْرَبَ، وَأَلْزَمَهُ بِنَقْلِ التُّرَابِ مِنْ بَلَدِ الرُّومِ لِيَبْنِيَ مَا هَدَمَ الْمَنْجَنِيقُ مِنْ جُنْدَيْسَابُورْ، وَأَنْ يَغْرِسَ الزَّيْتُونَ مَكَانَ النَّخْلِ، ثُمَّ قَطَعَ عَقِبَهُ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الرُّومِ عَلَى حِمَارٍ وَقَالَ: هَذَا جَزَاؤُكَ بِبَغْيِكَ عَلَيْنَا، فَأَقَامَ مُدَّةً ثُمَّ غَزَا فَقَتَلَ وَسَبَى سَبَايَا أَسْكَنَهُمْ مَدِينَةً بَنَاهَا بِنَاحِيَةِ السُّوسِ سَمَّاهَا إِيرَانَ شَهْرَ سَابُورَ، وَبَنَى مَدِينَةَ نَيْسَابُورَ بِخُرَاسَانَ فِي
قَوْلٍ، وَبِالْعِرَاقِ بَزْرَجَ سَابُورَ. وَكَانَ مُلْكُهُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَهَلَكَ فِي أَيَّامِهِ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ عَامِلُهُ عَلَى الْعَرَبِ، فَاسْتَعْمَلَ ابْنَهُ عَمْرَو بْنَ امْرِئِ الْقَيْسِ، فَبَقِيَ فِي عَمَلِهِ بَقِيَّةَ مُلْكِ سَابُورَ وَجَمِيعَ أَيَّامِ أَخِيهِ أَرْدَشِيرَ بْنِ هُرْمُزَ وَبَعْضَ أَيَّامِ سَابُورَ بْنِ سَابُورَ. وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً. سَبَبُ تَنَصُّرِ قُسْطَنْطِينَ وَأَمَّا سَبَبُ تَنَصُّرِ قُسْطَنْطِينَ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ كَبِرَ سِنُّهُ وَسَاءَ خُلُقُهُ وَظَهَرَ بِهِ وَضَحٌ كَبِيرٌ، فَأَرَادَتِ الرُّومُ خَلْعَهُ وَتَرْكَ مَالِهِ عَلَيْهِ، فَشَاوَرَ نُصَحَاءَهُ، فَقَالُوا لَهُ: لَا طَاقَةَ لَكَ بِهِمْ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى خَلْعِكَ، وَإِنَّمَا تَحْتَالُ عَلَيْهِمْ بِالدِّينِ. وَكَانَتِ النَّصْرَانِيَّةُ قَدْ ظَهَرَتْ، وَهِيَ خَفِيَّةٌ. وَقَالُوا لَهُ: اسْتَمْهِلْهُمْ حَتَّى تَزُورَ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ، فَإِذَا زُرْتَهُ دَخَلْتَ فِي دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ وَحَمَلْتَ النَّاسَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ، فَتُقَاتِلُ مَنْ عَصَاكَ بِمَنْ أَطَاعَكَ، وَمَا قَاتَلَ قَوْمٌ عَلَى دِينٍ إِلَّا نُصِرُوا. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَأَطَاعَهُ عَالَمٌ عَظِيمٌ وَخَالَفَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَأَقَامُوا عَلَى دِينِ الْيُونَانِيَّةِ، فَقَاتَلَهُمْ وَظَفِرَ بِهِمْ، فَقَتَلَهُمْ فَأَحْرَقَ كُتُبَهُمْ وَحِكْمَتَهُمْ وَبَنَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَنَقَلَ النَّاسَ إِلَيْهَا، وَكَانَتْ رُومِيَّةُ دَارَ مُلْكِهِمْ، وَبَقِيَ مُلْكُهُ عَلَيْهِ، وَغَلَبَ عَلَى الشَّامِ
وَكَانَ الْأَكَاسِرَةُ قَبْلَ سَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ يَنْزِلُونَ طَيْسَفُونَ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ الْغَرْبِيَّةُ مِنَ الْمَدَائِنِ، فَلَمَّا نَشَأَ سَابُورُ بَنَى الْإِيوَانَ بِالْمَدَائِنِ الشَّرْقِيَّةِ وَانْتَقَلَ إِلَيْهِ وَصَارَ هُوَ دَارَ الْمُلْكِ، وَهُوَ بَاقٍ إِلَى الْآنَ، وَنَحْنُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ. ذِكْرُ مُلْكِ أَرْدَشِيرَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ نَرْسِي بْنِ بَهْرَامَ بْنِ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ أَخِي سَابُورَ فَلَمَّا مَلَكَ وَاسْتَقَرَّ لَهُ الْمُلْكُ عَطَفَ عَلَى الْعُظَمَاءِ وَذَوِي الرِّئَاسَةِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، فَخَلَعَهُ النَّاسُ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ. ذِكْرُ مُلْكِ سَابُورَ بْنِ سَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ فَلَمَّا مُلِّكَ بَعْدَ خَلْعِ عَمِّهِ اسْتَبْشَرَ النَّاسُ بِعَوْدِ مُلْكِ أَبِيهِ إِلَيْهِ، وَكَتَبَ إِلَى الْعُمَّالِ بِالْعَدْلِ وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ وَأَمَرَ بِذَلِكَ وُزَرَاءَهُ وَحَاشِيَتَهُ، وَأَطَاعَهُ عَمُّهُ الْمَخْلُوعُ وَأَحَبَّتْهُ رَعِيَّتُهُ، ثُمَّ إِنَّ الْعُظَمَاءَ وَأَهْلَ الشَّرَفِ قَطَعُوا أَطْنَابَ خَيْمَةٍ كَانَ فِيهَا فَسَقَطَتْ عَلَيْهِ فَقَتَلَتْهُ. وَكَانَ مُلْكُهُ خَمْسَ سِنِينَ. ذِكْرُ مُلْكِ أَخِيهِ بَهْرَامَ بْنِ سَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ وَكَانَ يُلَقَّبُ كَرْمَانْ شَاهْ، لِأَنَّ أَبَاهُ مَلَّكَهُ كَرْمَانَ فِي حَيَاتِهِ، فَكَتَبَ إِلَى الْقُوَّادِ كِتَابًا
يَحُثُّهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ، وَكَانَ مَحْمُودًا فِي أُمُورِهِ، وَبَنَى بِكَرْمَانَ مَدِينَةً. وَثَارَ بِهِ نَاسٌ مِنَ الْفُتَّاكِ فَقَتَلَهُ أَحَدُهُمْ بِنَشَّابَةٍ. وَكَانَ مُلْكُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً. ذِكْرُ مُلْكِ يَزْدَجِرْدَ الْأَثِيمِ بْنِ بَهْرَامَ بْنِ سَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ يَزْدَجِرْدَ هَذَا هُوَ أَخُو بَهْرَامَ كَرْمَانْ شَاهْ بْنِ سَابُورَ لَا ابْنُهُ، وَكَانَ فَظًّا غَلِيظًا ذَا عُيُوبٍ كَثِيرَةٍ يَضَعُ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهِ، كَثِيرُ الرُّؤْيَةِ فِي الصَّغَائِرِ، وَاسْتِعْمَالِ كُلِّ مَا عِنْدَهُ فِي الْمُوَارَبَةِ وَالدَّهَاءِ وَالْمُخَاتَلَةِ، مَعَ فِطْنَةٍ بِجِهَاتِ الشَّرِّ وَعُجْبٍ بِهِ، وَكَانَ غَلْقًا سَيِّءَ الْخُلُقِ، لَا يَغْفِرُ الصَّغِيرَةَ مِنَ الزَّلَّاتِ، وَلَا يَقْبَلُ شَفَاعَةَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، كَثِيرَ التُّهْمَةِ، وَلَا يَأْتَمِنُ أَحَدًا عَلَى شَيْءٍ، وَلَمْ يَكُنْ يُكَافِئُ أَحَدًا عَلَى حُسْنِ الْبَلَاءِ، وَإِنْ هُوَ أَوْلَى الْخَسِيسَ مِنَ الْعُرْفِ اسْتَعْظَمَهُ، وَإِذَا بَلَغَهُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ صَافَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ صِنَاعَتِهِ نَحَّاهُ عَنْ خِدْمَتِهِ. وَكَانَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ ذَكَاءُ ذِهْنٍ وَحُسْنُ أَدَبٍ، وَقَدْ مَهِرَ فِي صُنُوفٍ مِنَ الْعِلْمِ، وَاسْتَوْزَرَ نَرْسِي حَكِيمَ زَمَانِهِ، وَكَانَ فَاضِلًا قَدْ كَمُلَ أَدَبُهُ، وَلَقَبُهُ هَزَارُ بِيدَهْ، فَأَمَّلَ النَّاسُ أَنْ يُصْلِحَ نَرْسِي مِنْهُ، فَكَانَ مَا أَمَّلُوهُ بَعِيدًا. فَلَمَّا اسْتَوَى لَهُ الْمُلْكُ وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ هَابَتْهُ الْأَشْرَافُ وَالْعُظَمَاءُ، وَحَمَلَ عَلَى الضُّعَفَاءِ فَأَكْثَرَ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ. فَلَمَّا ابْتُلِيَتِ الرَّعِيَّةُ بِهِ، شَكَوْا مَا نَزَلْ بِهِمْ مِنْهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَسَأَلُوهُ تَعْجِيلَ إِنْقَاذِهِمْ
مِنْهُ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ بِجُرْجَانَ فَرَأَى ذَاتَ يَوْمٍ فِي قَصْرِهِ فَرَسًا عَائِرًا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ، فَأَخْبَرَ بِهِ، فَأَمَرَ أَنْ يُسْرَجَ وَيُلْجَمَ وَيُدْخَلَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ، فَأُعْلِمَ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَأَلْجَمَهُ بِيَدِهِ وَأَسْرَجَهُ، فَلَمَّا رَفَعَ ذَنَبَهُ لِيُثْفِرَهُ رَمَحَهُ عَلَى فُؤَادِهِ رَمْحَةً هَلَكَ مِنْهَا مَكَانَهُ، وَمَلَأَ الْفَرَسُ فُرُوجَهُ جَرْيًا وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ خَبَرٌ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ وَرَأْفَتِهِ بِهِمْ. وَكَانَ مُلْكُهُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَأَمَّا الْعَرَبُ، فَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا هَلَكَ عَمْرُو بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ الْبَدْءِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ فِي عَهْدِ سَابُورَ اسْتَخْلَفَ سَابُورُ عَلَى عَمَلِهِ أَوْسَ بْنَ قَلَّامٍ، وَهُوَ مِنَ الْعَمَالِيقِ، فَمَلَكَ خَمْسَ سِنِينَ وَقُتِلَ فِي عَهْدِ بَهْرَامَ بْنِ سَابُورَ، فَاسْتُخْلِفَ بَعْدَهُ فِي عَمَلِهِ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَمْرِو بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ الْبَدْءِ، فَبَقِيَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهَلَكَ أَيَّامَ يَزْدَجِرْدَ الْأَثِيمِ. فَاسْتُخْلِفَ بَعْدَهُ فِي عَمَلِهِ ابْنُهُ النُّعْمَانُ وَأُمُّهُ شَقِيقَةُ ابْنَةِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ، وَهُوَ صَاحِبُ الْخَوَرْنَقِ. وَسَبَبُ بِنَائِهِ لَهُ أَنَّ يَزْدَجِرْدَ الْأَثِيمَ كَانَ لَا يَبْقَى لَهُ وَلَدٌ، فَسَأَلَ عَنْ مَنْزِلٍ مَرِيءٍ صَحِيحٍ، فَدُلَّ عَلَى ظَاهِرِ الْحِيرَةِ، فَدَفَعَ ابْنَهُ بَهْرَامَ جَوْرَ إِلَى النُّعْمَانِ هَذَا وَأَمَرَهُ بِبِنَاءِ الْخَوَرْنَقِ مَسْكَنًا لَهُ وَأَمَرَهُ بِإِخْرَاجِهِ إِلَى بَوَادِي الْعَرَبِ، وَكَانَ الَّذِي بَنَى الْخَوَرْنَقَ رَجُلًا اسْمُهُ سِنِمَّارَ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَائِهِ تَعَجَّبُوا مِنْهُ، فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ تُوَفُّونَنِي أَجْرِي لَعَمِلْتُهُ يَدُورُ مَعَ الشَّمْسِ. فَقَالَ: وَإِنَّكَ تَقْدِرُ عَلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ! ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِيَ مِنْ رَأْسِ الْخَوَرْنَقِ فَهَلَكَ، فَضَرَبَتِ الْعَرَبُ بِجَزَائِهِ الْمَثَلَ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي أَشْعَارِهَا. وَغَزَا النُّعْمَانُ هَذَا الشَّامَ مِرَارًا، وَأَكْثَرَ الْمَصَائِبَ فِي أَهْلِهَا وَسَبَى وَغَنِمَ، وَجَعَلَ مَعَهُ
مَلِكُ فَارِسَ كَتِيبَتَيْنِ يُقَالُ إِحْدَاهَا دَوْسٌ وَهِيَ لِتَنُوخَ، وَلِلْأُخْرَى الشَّهْبَاءُ وَهِيَ لِفَارِسَ، فَكَانَ يَغْزُو بِهَا الشَّامَ وَمَنْ لَمْ يُطِعْهُ مِنَ الْعَرَبِ. ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ يَوْمًا فِي مَجْلِسِهِ مِنَ الْخَوَرْنَقِ، فَأَشْرَفَ مِنْهُ عَلَى النَّجَفِ وَمَا يَلِيهِ مِنَ الْبَسَاتِينِ وَالْأَنْهَارِ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الرَّبِيعِ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ لِوَزِيرِهِ: هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا الْمَنْظَرِ قَطُّ؟ قَالَ: لَا لَوْ كَانَ يَدُومُ. قَالَ: فَمَا الَّذِي يَدُومُ؟ قَالَ: مَا عِنْدَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ. قَالَ: فَبِمَ يُنَالُ ذَلِكَ؟ قَالَ: بِتَرْكِكَ الدُّنْيَا وَعِبَادَةِ اللَّهِ. فَتَرَكَ مُلْكَهُ مِنْ لَيْلَتِهِ وَلَبِسَ الْمُسُوحَ وَخَرَجَ هَارِبًا لَا يُعْلَمُ بِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَلَمْ يَرَوْهُ. وَكَانَ مُلْكُهُ إِلَى أَنْ تَرَكَهُ وَسَاحَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، مِنْ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ يَزْدَجِرْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي زَمَنِ بَهْرَامَ جَوْرَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَأَمَّا عُلَمَاءُ الْفُرْسِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ غَيْرَ هَذَا، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ. ذِكْرُ مُلْكِ بَهْرَامَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ الْأَثِيمِ لَمَّا وُلِدَ يَزْدَجِرْدَ جَوْرَ اخْتَارَ لِحَضَانَتِهِ الْعَرَبَ، فَدَعَا بِالْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ وَاسْتَحْضَنَهُ بَهْرَامَ وَشَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ وَمَلَّكَهُ عَلَى الْعَرَبِ، فَسَارَ بِهِ الْمُنْذِرُ وَاخْتَارَ لِرَضَاعِهِ ثَلَاثَ نِسْوَةٍ ذَوَاتِ أَجْسَامٍ صَحِيحَةٍ وَأَذْهَانٍ ذَكِيَّةٍ وَآدَابٍ حَسَنَةٍ مِنْ بَنَاتِ الْأَشْرَافِ، مِنْهُنَّ عَرَبِيَّتَانِ وَعَجَمِيَّةٌ، فَأَرْضَعْنَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ. فَلَمَّا بَلَغَ خَمْسَ سِنِينَ أَحْضَرَ لَهُ مُؤَدِّبِينَ فَعَلَّمُوهُ الْكِتَابَةَ وَالرَّمْيَ وَالْفِقْهَ بِطَلَبٍ مِنْ بَهْرَامَ بِذَلِكَ، وَأَحْضَرَ حَكِيمًا مِنْ حُكَمَاءِ الْفُرْسِ فَتَعَلَّمَ وَوَعَى كُلَّ مَا عَلِمَهُ بِأَدْنَى تَعْلِيمٍ. فَلَمَّا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً تَعَلَّمَ كُلَّ مَا أُفِيدَ وَفَاقَ مُعَلِّمِيهِ، فَأَمَرَهُمُ الْمُنْذِرُ بِالِانْصِرَافِ، وَأَحْضَرَ مُعَلِّمِي الْفُرُوسِيَّةِ فَأَخَذَ عَنْهُمْ كُلَّ مَا يَنْبَغِي لَهُ، ثُمَّ صَرَفَهُمْ، ثُمَّ أَمَرَ فَأُحْضِرَتْ خَيْلُ الْعَرَبِ لِلسِّبَاقِ فَسَبَقَهَا فَرَسٌ أَشْقَرُ لِلْمُنْذِرِ وَأَقْبَلَ بَاقِي الْخَيْلِ بَدَادِ بَدَادِ، فَقَرَّبَ الْمُنْذِرُ الْفَرَسَ بِيَدِهِ إِلَيْهِ، فَقَبِلَهُ وَرَكِبَهُ يَوْمًا لِلصَّيْدِ، فَبَصُرَ بِعَانَةِ حُمُرٍ وَحْشٍ، فَرَمَى عَلَيْهَا وَقَصَدَهَا وَإِذَا هُوَ بِأَسَدٍ قَدْ أَخَذَ عِيرًا مِنْهَا فَتَنَاوَلَ ظَهْرَهُ
بِفِيهِ، فَرَمَاهُ بَهْرَامُ بِسَهْمٍ فَنَفَذَ فِي الْأَسَدِ وَالْعِيرِ وَوَصَلَ إِلَى الْأَرْضِ فَسَاخَ السَّهْمُ إِلَى ثُلُثِهِ، فَرَآهُ مَنْ مَعَهُ فَعَجِبُوا مِنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الصَّيْدِ وَاللَّهْوِ وَالتَّلَذُّذِ. فَمَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ عِنْدَ الْمُنْذِرِ، فَتَعَاهَدَ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ الشَّرَفِ عَلَى أَنْ لَا يُمَلِّكُوا أَحَدًا مِنْ ذُرِّيَّةِ يَزْدَجِرْدَ لِسُوءِ سِيرَتِهِ، فَاجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى صَرْفِ الْمُلْكِ عَنْ بَهْرَامَ لِنُشُوئِهِ فِي الْعَرَبِ وَتَخَلُّقِهِ بِأَخْلَاقِهِمْ، وَلِأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ يَزْدَجِرْدَ، وَمَلَّكُوا رَجُلًا مِنْ عَقِبِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ يُقَالُ لَهُ كِسْرَى. فَانْتَهَى هَلَاكُ يَزْدَجِرْدَ وَتَمْلِيكُ كِسْرَى إِلَى بَهْرَامَ، فَدَعَا بِالْمُنْذِرِ وَابْنِهِ النُّعْمَانِ وَنَاسٍ مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَعَرَّفَهُمْ إِحْسَانَ وَالِدِهِ إِلَيْهِمْ وَشِدَّتَهُ عَلَى الْفُرْسِ، وَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ. فَقَالَ الْمُنْذِرُ: لَا يَهُولَنَّكَ ذَلِكَ حَتَّى أُلْطِفَ الْحِيلَةَ فِيهِ، وَجَهَّزَ عَشْرَةَ آلَافِ فَارِسٍ وَوَجَّهَهُمْ مَعَ ابْنِهِ النُّعْمَانِ إِلَى طَيْسَفُونَ وَبَهْرَ سِيرَ مَدِينَتَيِ الْمُلْكِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَسْكِرَ قَرِيبًا مِنْهُمَا، وَيُرْسِلَ طَلَائِعَهُ إِلَيْهِمَا، وَأَنْ يُقَاتِلَ مَنْ قَاتَلَهُ وَيُغِيرَ عَلَى الْبِلَادِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ عُظَمَاءُ فَارِسَ حُوَابَى صَاحِبَ رَسَائِلِ يَزْدَجِرْدَ إِلَى الْمُنْذِرِ يُعْلِمْهُ أَمْرَ النُّعْمَانِ، فَلَمَّا وَرَدَ حُوَابَى قَالَ لَهُ: الْقَ الْمَلِكَ بَهْرَامَ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَرَاعَهُ مَا رَأَى مِنْهُ، فَأَغْفَلَ السُّجُودَ دَهْشًا، فَعَرَفَ بَهْرَامُ ذَلِكَ فَكَلَّمَهُ وَوَعَدَهُ أَحْسَنَ الْوَعْدِ وَرَدَّهُ إِلَى الْمُنْذِرِ وَقَالَ لَهُ: أَجِبْهُ. فَلَمَّا سَمِعَ حُوَابَى مَقَالَةَ الْمُنْذِرِ وَتَذَكَّرَ مَا رَأَى مِنْ بَهْرَامَ عَلِمَ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ تَشَاوَرَ فِي صَرْفِ الْمُلْكِ عَنْ بَهْرَامَ مَحْجُوجٌ، فَقَالَ لِلْمُنْذِرِ: سِرْ إِلَى مَدِينَةِ الْمُلُوكِ فَيَجْتَمِعُ إِلَيْكَ الْأَشْرَافُ وَالْعُظَمَاءُ، وَتَشَاوَرُوا فِي ذَلِكَ فَلَنْ يُخَالِفُوا مَا تُشِيرُ بِهِ. وَسَارَ الْمُنْذِرُ بَعْدَ عَوْدِ حُوَابَى مِنْ عِنْدِهِ بِيَوْمٍ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا مِنْ فُرْسَانِ الْعَرَبِ إِلَى مَدِينَتَيِ الْمَلِكِ بَهْرَامَ، فَجَمَعَ النَّاسَ، وَصَعِدَ بَهْرَامُ عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٍ بِالْجَوَاهِرِ، وَتَكَلَّمَ عُظَمَاءُ الْفُرْسِ فَذَكَرُوا فَظَاظَةَ يَزْدَجِرْدَ - أَبِي بَهْرَامَ - وَسُوءَ سِيرَتِهِ، وَكَثْرَةَ قَتْلِهِ وَإِخْرَابَ الْبِلَادِ، وَأَنَّهُمْ لِهَذَا السَّبَبِ صَرَفُوا الْمُلْكَ عَنْ وَلَدِهِ. فَقَالَ بَهْرَامُ: لَسْتُ أُكَذِّبُكُمْ، وَمَازِلْتُ زَارِيًا عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَمْ أَزَلْ أَسْأَلُ اللَّهَ أَنَّ يُمَكِّنَنِي لِأُصْلِحَ مَا أَفْسَدَ، وَمَعَ هَذَا فَإِذَا أَتَى عَلَى مُلْكِي سَنَةٌ وَلَمْ أَفِ بِمَا أَعِدُ تَبَرَّأْتُ مِنَ الْمُلْكِ طَائِعًا، وَأَنَا رَاضٍ بِأَنْ تَجْعَلُوا التَّاجَ وَزِينَةَ الْمُلْكِ بَيْنَ أَسَدَيْنِ ضَارِيَيْنِ فَمَنْ تَنَاوَلَهُمَا كَانَ الْمُلْكُ لَهُ. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَوَضَعُوا التَّاجَ وَالزِّينَةَ بَيْنَ أَسَدَيْنِ، وَحَضَرَ
مُوبَذَانْ مُوبَذْ فَقَالَ بَهْرَامُ لِكِسْرَى: دُونَكَ التَّاجُ وَالزِّينَةُ. فَقَالَ كِسْرَى: أَنْتَ أَوْلَى لِأَنَّكَ تَطْلُبُ الْمُلْكَ بِوِرَاثَةٍ، وَأَنَا فِيهِ مُغْتَصِبٌ. فَحَمَلَ بَهْرَامُ جُرْزًا وَتَوَجَّهَ نَحْوَ التَّاجِ، فَبَدَرَ إِلَيْهِ أَحَدُ الْأَسَدَيْنِ فَوَثَبَ بَهْرَامُ فَعَلَا ظَهْرَهُ وَعَصَرَ جَنْبَيِ الْأَسَدِ بِفَخِذَيْهِ وَجَعَلَ يَضْرِبُ رَأْسَهُ بِالْجُرْزِ الَّذِي مَعَهُ. ثُمَّ وَثَبَ الْأَسَدُ الْآخَرُ عَلَيْهِ، فَقَبَضَ أُذُنَيْهِ بِيَدِهِ، وَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ رَأْسَهُ بِرَأْسِ الْأَسَدِ الْآخَرِ الَّذِي تَحْتَهُ حَتَّى دَمَغَهُمَا، ثُمَّ قَتَلَهُمَا بِالْجُرْزِ الَّذِي مَعَهُ، وَتَنَاوَلَ بَعْدَ ذَلِكَ التَّاجَ وَالزِّينَةَ. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَطَاعَهُ كِسْرَى، وَقَالَ جَمِيعُ مَنْ حَضَرَ: قَدْ أَذْعَنَّا لَكَ وَرَضِينَا بِكَ مَلِكًا، وَإِنَّ الْعُظَمَاءَ وَالْوُزَرَاءَ وَالْأَشْرَافَ سَأَلُوا الْمُنْذِرَ لِيُكَلِّمَ بَهْرَامَ فِي الْعَفْوِ عَنْهُمْ. فَسَأَلَ الْمُنْذِرُ الْمَلِكَ بَهْرَامَ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ. وَمَلَكَ بَهْرَامُ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَأَمَرَ أَنْ يُلْزِمَ رَعِيَّتَهُ رَاحَةً وَدَعَةً، وَجَلَسَ لِلنَّاسِ يَعِدُهُمْ بِالْخَيْرِ وَيَأْمُرُهُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَلَمْ يَزَلْ مُدَّةَ مُلْكِهِ يُؤْثِرُ اللَّهْوَ عَلَى مَا سِوَاهُ، حَتَّى طَمَّعَ فِيهِ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْمُلُوكِ فِي بِلَادِهِ. وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَبَقَ إِلَى قَصْدِهِ خَاقَانُ مَلِكُ التُّرْكِ، فَإِنَّهُ غَزَاهُ فِي مِائَتَيْ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا مِنَ التُّرْكِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْفُرْسِ، وَدَخَلَ الْعُظَمَاءُ عَلَى بَهْرَامَ وَحَذَّرُوهُ فَتَمَادَى فِي لَهْوِهِ، ثُمَّ تَجَهَّزَ وَسَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ لِيَتَنَسَّكَ فِي بَيْتِ نَارِهَا، وَيَتَصَيَّدَ بِأَرْمِينِيَّةَ فِي سَبْعَةِ رَهْطٍ مِنَ الْعُظَمَاءِ وَثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ ذَوِي الْبَأْسِ وَالنَّجْدَةِ، وَاسْتَخْلَفَ أَخَاهُ نَرْسِي، فَمَا شَكَّ النَّاسُ فِي أَنَّهُ هَرَبَ مِنْ عَدُوِّهِ، فَاتَّفَقَ رَأْيُ جُمْهُورِهِمْ عَلَى الِانْقِيَادِ إِلَى خَاقَانَ، وَبَذْلِ الْخَرَاجِ لَهُ خَوْفًا عَلَى نُفُوسِهِمْ وَبِلَادِهِمْ. فَبَلَغَ ذَلِكَ خَاقَانُ فَأَمَّنَ نَاحِيَتَهُمْ، وَسَارَ بَهْرَامُ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى خَاقَانَ فِي تِلْكَ الْعُدَّةِ، فَثَبَتَ لِلْقِتَالِ وَقَتَلَ خَاقَانَ بِيَدِهِ وَقَتَلَ جُنْدَهُ وَانْهَزَمَ مَنْ سَلِمَ مِنَ الْقَتْلِ، وَأَمْعَنَ بَهْرَامُ فِي طَلَبِهِمْ يَقْتُلُ وَيَأْسِرُ وَيَغْنَمُ وَيَسْبِي، وَعَادَ جُنْدُهُ سَالِمِينَ، وَظَفِرَ بِتَاجِ خَاقَانَ وَإِكْلِيلِهِ، وَغَلَبَ عَلَى طَرَفٍ مِنْ بِلَادِهِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مَرْزُبَانًا، وَأَتَاهُ رُسُلُ التُّرْكِ خَاضِعِينَ مُطِيعِينَ، وَجَعَلُوا بَيْنَهُمْ حَدًّا لَا يَعْدُونَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ فَقَتَلَ وَسَبَى وَغَنِمَ، وَعَادَ بَهْرَامُ إِلَى الْعِرَاقِ، وَوَلَّى أَخَاهُ نَرْسِي خُرَاسَانَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْزِلَ مَدِينَةَ بَلْخٍ.
وَاتَّصَلَ بِهِ أَنَّ بَعْضَ رُؤَسَاءِ الدَّيْلَمِ جَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا وَأَغَارَ عَلَى الرَّيِّ وَأَعْمَالِهَا، فَغَنِمَ وَسَبَى وَخَرَّبَ الْبِلَادَ، وَقَدْ عَجَزَ أَصْحَابُهُ فِي الثَّغْرِ عَنْ دَفْعِهِ، وَقَدْ قَرَّرُوا عَلَيْهِمْ إِتَاوَةً يَدْفَعُونَهَا إِلَيْهِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَسَيَّرَ مَرْزُبَانًا إِلَى الرَّيِّ فِي عَسْكَرٍ كَثِيفٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَضَعَ عَلَى الدَّيْلَمِيِّ مَنْ يُطْمِعُهُ فِي الْبِلَادِ وَيُغْرِيهِ بِقَصْدِهَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَجَمَعَ الدَّيْلَمِيُّ جُمُوعَهُ وَسَارَ إِلَى الرَّيِّ، فَأَرْسَلَ الْمَرْزُبَانُ إِلَى بَهْرَامَ جَوْرَ يُعْلِمُهُ خَبَرَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ نَحْوَ الدَّيْلَمِيِّ وَالْمُقَامِ بِمَوْضِعٍ سَمَّاهُ لَهُ، ثُمَّ سَارَ جَرِيدَةً فِي نَفَرٍ مِنْ خَوَاصِّهِ، فَأَدْرَكَ عَسْكَرَهُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ، وَالدَّيْلَمِيُّ لَا يَعْلَمُ بِوُصُولِهِ، وَهُوَ قَدْ قَوِيَ طَمَعُهُ لِذَلِكَ، فَعَبَّى بَهْرَامُ أَصْحَابَهُ وَسَارَ نَحْوَ الدَّيْلَمِ، فَلَقِيَهُمْ وَبَاشَرَ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ، فَأَخَذَ رَئِيسَهُمْ أَسِيرًا، وَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ، فَأَمَرَ بَهْرَامُ بِالنِّدَاءِ فِيهِمْ بِالْأَمَانِ لِمَنْ عَادَ إِلَيْهِ، فَعَادَ الدَّيْلَمُ جَمِيعُهُمْ، فَآمَنَهُمْ وَلَمْ يَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَعَادُوا إِلَى أَحْسَنِ طَاعَةٍ، وَأَبْقَى عَلَى رَئِيسِهِمْ، وَصَارَ مِنْ خَوَاصِّهِ. وَقِيلَ: كَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ قَبْلَ حَرْبِ التُّرْكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا ظَفِرَ بِالدَّيْلَمِ أَمَرَ بِبِنَاءِ مَدِينَةٍ سَمَّاهَا فَيْرُوزَ بَهْرَامَ، فَبُنِيَتْ لَهُ هِيَ وَرُسْتَاقُهَا. وَاسْتَوْزَرَ نَرْسِي، فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ مَاضٍ إِلَى الْهِنْدِ مُتَخَفِّيًا، فَسَارَ إِلَى الْهِنْدِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ، غَيْرَ أَنَّ الْهِنْدَ يَرَوْنَ شَجَاعَتَهُ وَقَتْلَهُ السِّبَاعَ. ثُمَّ إِنَّ فِيلًا ظَهَرَ وَقَطَعَ السَّبِيلَ وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا، فَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ، فَسَمِعَ الْمَلِكُ خَبَرَهُ فَأَرْسَلَ مَعَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِ. فَانْتَهَى بَهْرَامُ وَالْهِنْدِيُّ مَعَهُ إِلَى الْأَجَمَةِ، فَصَعِدَ الْهِنْدِيُّ شَجَرَةً وَمَضَى بَهْرَامُ فَاسْتَخْرَجَ الْفِيلَ وَخَرَجَ وَلَهُ صَوْتٌ شَدِيدٌ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ رَمَاهُ بِسَهْمٍ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَادَ يَغِيبُ، وَوَقَذَهُ بِالنِّشَابِ وَأَخَذَ مِشْفَرَهُ، وَلَمْ يَزَلْ يَطْعَنُهُ حَتَّى أَمْكَنَ مِنْ نَفْسِهِ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ وَأَخْرَجَهُ. وَأَعْلَمَ الْهِنْدِيُّ مَلِكَهُمْ بِمَا رَأَى، فَأَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ، فَذَكَرَ أَنَّ مَلِكَ فَارِسَ سَخِطَ عَلَيْهِ فَهَرَبَ إِلَى جِوَارِهِ، وَكَانَ لِهَذَا الْمَلِكِ عَدُوٌّ فَقَصَدَهُ، فَاسْتَسْلَمَ الْمَلِكُ وَأَرَادَ أَنْ يُطِيعَ وَيَبْذُلَ الْخَرَاجَ، فَنَهَاهُ بَهْرَامُ وَأَشَارَ بِمُحَارَبَتِهِ، فَلَمَّا الْتَقَوْا قَالَ لِأَسَاوِرَةِ الْهِنْدِيِّ: احْفَظُوا لِي ظَهْرِي، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَ يَضْرِبُ فِي أَعْرَاضِهِمْ وَيَرْمِيهِمْ
بِالنِّشَابِ حَتَّى انْهَزَمُوا، وَغَنِمَ أَصْحَابُ بَهْرَامَ مَا كَانَ فِي عَسْكَرِ عَدُوِّهِ، فَأَعْطَى بَهْرَامَ الدَّيْبُلَ وَمُكْرَانَ وَأَنْكَحَهُ ابْنَتَهُ، فَأَمَرَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فَضُمَّتْ إِلَى مَمْلَكَةِ الْفُرْسِ. وَعَادَ بَهْرَامُ مَسْرُورًا وَأَغْزَى نَرْسِي بِلَادَ الرُّومِ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يُطَالِبَ مَلِكَ الرُّومِ بِالْإِتَاوَةِ، فَسَارَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَهَادَنَهُ مَلِكُ الرُّومِ، فَانْصَرَفَ بِكُلِّ مَا أَرَادَ إِلَى بَهْرَامَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ خَاقَانَ وَالرُّومِ، سَارَ بِنَفْسِهِ إِلَى بِلَادِ الْيَمَنِ، وَدَخَلَ بِلَادَ السُّودَانِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى لَهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَعَادَ إِلَى مَمْلَكَتِهِ. ثُمَّ إِنَّهُ فِي آخِرِ مُلْكِهِ خَرَجَ إِلَى الصَّيْدِ، فَشَدَّ عَلَى عَنْزٍ فَأَمْعَنَ فِي طَلَبِهِ، فَارْتَطَمَ فِي جُبٍّ فَغَرِقَ، فَبَلَغَ وَالِدَتَهُ ذَلِكَ، فَسَارَتْ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَأَمَرَتْ بِإِخْرَاجِهِ، فَنَقَلُوا مِنَ الْجُبِّ طِينًا كَثِيرًا حَتَّى صَارَ إِكَامًا عِظَامًا وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ. وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وَعَشَرَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ: ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. هَكَذَا ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ فِي اسْمِ بَهْرَامَ جَوْرَ أَنَّ أَبَاهُ أَسْلَمَهُ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَكَرَ عِنْدَ يَزْدَجِرْدَ الْأَثِيمِ أَنَّهُ سَلَّمَ ابْنَهُ بَهْرَامَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ هَذَا وَبَعْضُهُمْ قَالَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُنْسَبْ كُلُّ قَوْلٍ إِلَى قَائِلِهِ. ذِكْرُ ابْنِهِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ بَهْرَامَ جَوْرَ
لَمَّا لَبِسَ التَّاجَ جَلَسَ لِلنَّاسِ وَوَعَدَهُمْ، وَذَكَرَ أَبَاهُ وَمَنَاقِبَهُ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَقَدُوا مِنْهُ طُولَ جُلُوسِهِ لَهُمْ فَإِنَّ خَلْوَتَهُ فِي مَصَالِحِهِمْ وَكَيْدِ أَعْدَائِهِمْ، وَأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْزَرَ نَرْسِي صَاحِبَ أَبِيهِ. وَعَدَلَ فِي رَعِيَّتِهِ وَقَمَعَ أَعْدَاءَهُ وَأَحْسَنَ إِلَى جُنْدِهِ. وَكَانَ لَهُ ابْنَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا هُرْمُزُ، وَلِلْآخَرِ فَيْرُوزُ، وَكَانَ لِهُرْمُزَ سِجِسْتَانُ، فَغَلَبَ عَلَى الْمُلْكِ بَعْدَ هَلَاكِ أَبِيهِ يَزْدَجِرْدَ، فَهَرَبَ فَيْرُوزُ وَلَحِقَ بِبِلَادِ الْهَيَاطِلَةِ وَاسْتَنْجَدَ مَلِكَهُمْ، فَأَمَدَّهُ بَعْدَ أَنْ دَفَعَ لَهُ الطَّالْقَانَ، فَأَقْبَلَ بِهِمْ فَقَتَلَ أَخَاهُ بِالرَّيِّ، وَكَانَا مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ، وَقِيلَ: لَمْ يَقْتُلْهُ وَإِنَّمَا أَسَرَهُ وَأَخَذَ الْمُلْكَ مِنْهُ. وَكَانَ الرُّومُ مَنَعُوا الْخَرَاجَ عَنْ يَزْدَجِرْدَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ نَرْسِي فِي الْعُدَّةِ الَّتِي أَنْفَذَهُ أَبُوهُ فِيهَا فَبَلَغَ إِرَادَتَهُ. وَكَانَ مُلْكُ يَزْدَجِرْدَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. ذِكْرُ مُلْكِ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ بَهْرَامَ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ أَخَاهُ هُرْمُزَ وَثَلَاثَةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَمَّا ظَفِرَ فَيْرُوزُ بِأَخِيهِ وَمَلَكَ، أَظْهَرَ الْعَدْلَ وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَكَانَ يَتَدَيَّنُ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مَحْدُودًا مَشْئُومًا عَلَى رَعِيَّتِهِ، وَقَحَطَتِ الْبِلَادُ فِي زَمَانِهِ سَبْعَ سِنِينَ مُتَوَالِيَةً، وَغَارَتِ الْأَنْهَارُ وَالْقُنِيُّ، وَقَلَّ مَاءُ دِجْلَةَ، وَمَحَلَتِ الْأَشْجَارُ، وَهَاجَتْ عَامَّةُ الزُّرُوعِ فِي السَّهْلِ وَالْجَبَلِ مِنْ بِلَادِهِ، وَمَاتَتِ الطُّيُورُ وَالْوُحُوشُ، وَعَمَّ أَهْلَ الْبِلَادِ الْجُوعُ وَالْجُهْدُ الشَّدِيدُ، فَكَتَبَ إِلَى
جَمِيعِ رَعِيَّتِهِ يُعْلِمُهُمْ أَنَّهُ لَا خَرَاجَ عَلَيْهِمْ وَلَا جِزْيَةَ وَلَا مَؤُونَةَ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِأَنَّ كُلَّ مَنْ عِنْدَهُ طَعَامٌ مَذْخُورٌ يُوَاسِي بِهِ النَّاسَ، وَأَنْ يَكُونَ حَالُ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَاحِدًا، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ إِنْ بَلَغَهُ أَنَّ إِنْسَانًا مَاتَ جُوعًا بِمَدِينَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ عَاقَبَهُمْ وَنَكَّلَ بِهِمْ، وَسَاسَ النَّاسَ سِيَاسَةً لَمْ يَعْطَبْ أَحَدٌ جُوعًا مَا خَلَا رَجُلًا وَاحِدًا مِنْ رُسْتَاقِ أَرْدَشِيرَ خَرَّةَ، وَابْتَهَلَ فَيْرُوزُ إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ، فَأَزَالَ ذَلِكَ الْقَحْطَ وَعَادَتْ بِلَادُهُ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ. فَلَمَّا حَيِيَ النَّاسُ وَالْبِلَادُ وَأَثْخَنَ فِي أَعْدَائِهِ سَارَ مُرِيدًا حَرْبَ الْهَيَاطِلَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ إِخْشِنْوَارْ مَلِكُهُمْ خَافَهُ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ اقْطَعْ يَدِي وَرِجْلِي وَأَلْقِنِي عَلَى الطَّرِيقِ، وَأَحْسِنْ إِلَى عِيَالِي لِأَحْتَالَ عَلَى فَيْرُوزَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَاجْتَازَ بِهِ فَيْرُوزُ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قُلْتُ لِإِخْشِنْوَارْ لَا طَاقَةَ لَكَ بِفَيْرُوزَ فَفَعَلَ بِي هَذَا، وَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى طَرِيقٍ لَمْ يَسْلُكْهَا مَلِكٌ وَهِيَ أَقْرَبُ. فَاغْتَرَّ فَيْرُوزُ بِذَلِكَ وَتَبِعَهُ، فَسَارَ بِهِ وَبِجُنْدِهِ حَتَّى قَطَعَ بِهِمْ مَفَازَةً بَعْدَ مَفَازَةٍ، حَتَّى إِذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْخَلَاصِ أَعْلَمَهُمْ حَالَهُ. فَقَالَ أَصْحَابُ فَيْرُوزَ لِفَيْرُوزَ: حَذَّرْنَاكَ فَلَمْ تَحْذَرْ، فَلَيْسَ إِلَّا التَّقَدُّمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَتَقَدَّمُوا أَمَامَهُمْ فَوَصَلُوا إِلَى عَدُوِّهِمْ وَهُمْ هَلْكَى عَطْشَى وَقَتَلَ الْعَطَشُ مِنْهُمْ كَثِيرًا. فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ صَالَحُوا إِخْشِنْوَارْ عَلَى أَنْ يُخْلِيَ سَبِيلَهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ عَلَى أَنْ يَحْلِفَ لَهُ فَيْرُوزُ أَنَّهُ لَا يَغْزُو بِلَادَهُ، فَاصْطَلَحَا، وَكَتَبَ فَيْرُوزُ كِتَابًا بِالصُّلْحِ وَعَادَ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي مَمْلَكَتِهِ حَمَلَتْهُ الْأَنَفَةُ عَلَى مُعَاوَدَةِ إِخْشِنْوَارَ، فَنَهَاهُ وُزَرَاؤُهُ عَنْ نَقْضِ الْعَهْدِ، فَلَمْ يَقْبَلْ وَسَارَ نَحْوَهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَا أَمَرَ إِخْشِنْوَارْ فَحَفَرَ خَلْفَ عَسْكَرِهِ خَنْدَقًا عَرْضُهُ عَشْرَةُ أَذْرُعٍ وَعُمْقُهُ عِشْرُونَ ذِرَاعًا وَغَطَّاهُ بِخَشَبٍ ضَعِيفٍ وَتُرَابٍ، ثُمَّ عَادَ وَرَاءَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ فَيْرُوزُ بِذَلِكَ اعْتَقَدَهُ هَزِيمَةً فَتَبِعَهُ، وَلَا يَعْلَمُ عَسْكَرُ فَيْرُوزَ بِالْخَنْدَقِ، فَسَقَطَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِيهِ فَهَلَكُوا، وَعَادَ إِخْشِنْوَارْ إِلَى عَسْكَرِ فَيْرُوزَ، وَأَخَذَ كُلَّ مَا فِيهِ، وَأَسَرَ نِسَاءَهُ وَمَوْبَذَانْ مَوْبَذْ ثُمَّ اسْتَخْرَجَ جُثَّةَ فَيْرُوزَ وَجُثَّةَ كُلِّ مَنْ سَقَطَ مَعَهُ فَجَعَلَهَا فِي النَّوَاوِيسِ. وَقِيلَ: إِنَّ فَيْرُوزَ لَمَّا انْتَهَى إِلَى الْخَنْدَقِ الَّذِي حَفَرَهُ إِخْشِنْوَارْ وَلَمْ يَكُنْ مُغَطًّى عَقَدَ عَلَيْهِ قَنَاطِرَ وَجَعَلَ عَلَيْهَا أَعْلَامًا لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ يَقْصِدُونَهَا فِي عَوْدِهِمْ وَجَازَ إِلَى الْقَوْمِ. فَلَمَّا الْتَقَى الْعَسْكَرَانِ احْتَجَّ عَلَيْهِ إِخْشِنْوَارْ بِالْعُهُودِ الَّتِي بَيْنَهُمَا، وَحَذَّرَهُ عَاقِبَةَ الْغَدْرِ، فَلَمْ يَرْجِعْ، فَنَهَاهُ أَصْحَابُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، فَضَعُفَتْ نِيَّاتُهُمْ فِي الْقِتَالِ. فَلَمَّا أَبَى إِلَّا الْقِتَالَ رَفَعَ إِخْشِنْوَارْ نُسْخَةَ الْعَهْدِ عَلَى رُمْحٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ خُذْ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَقَلِّدْهُ بِغَيِّهِ.
فَقَاتَلَهُ فَانْهَزَمَ فَيْرُوزُ وَعَسْكَرُهُ فَضَّلُوا عَنْ مَوَاضِعِ الْقَنَاطِرِ فَسَقَطُوا فِي الْخَنْدَقِ، فَهَلَكَ فَيْرُوزُ وَأَكْثَرُ عَسْكَرِهِ، وَغَلَبَ إِخْشِنْوَارْ عَلَى عَامَّةِ خُرَاسَانَ. فَسَارَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ يُقَالُ لَهُ سُوخْرَا، وَكَانَ فِيهِمْ عَظِيمًا وَخَرَجَ كَالْمُحْتَسِبِ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ فَيْرُوزُ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى مُلْكِهِ لَمَّا سَارَ، وَكَانَ لَهُ سِجِسْتَانُ، فَلَقِيَ صَاحِبَ الْهَيَاطِلَةِ فَأَخْرَجَهُ مِنْ خُرَاسَانَ وَاسْتَعَادَ مِنْهُ كُلَّ مَا أَخَذَ مِنْ عَسْكَرِ فَيْرُوزَ مِمَّا هُوَ فِي عَسْكَرِهِ مِنَ السَّبْيِ وَغَيْرِهِ وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ، فَعَظَّمَتْهُ الْفُرْسُ إِلَى غَايَةٍ لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ إِلَّا الْمَلِكُ، وَكَانَتْ مَمْلَكَةُ الْهَيَاطِلَةِ طَخَارِسْتَانَ، فَكَانَ فَيْرُوزُ قَدْ أَعْطَى مُلْكَهُمْ لَمَّا سَاعَدَهُ عَلَى حَرْبِ أَخِيهِ الطَّالْقَانَ. وَكَانَ مُلْكُ فَيْرُوزَ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً.
ذكر الأحداث في العرب أيام يزدجرد وفيروز
[ذِكْرُ الْأَحْدَاثِ فِي الْعَرَبِ أَيَّامَ يَزْدَجِرْدَ وَفَيْرُوزَ] كَانَ يَخْدِمُ مُلُوكَ حِمْيَرَ أَبْنَاءُ الْأَشْرَافِ مِنْ حِمْيَرَ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ مِمَّنْ يَخْدِمُ حَسَّانَ بْنَ تُبَّعٍ عَمْرُو بْنُ حُجْرٍ الْكِنْدِيُّ سَيِّدُ كِنْدَةَ، فَلَمَّا قَتَلَ عَمْرُو بْنُ تُبَّعٍ أَخَاهُ حَسَّانَ بْنَ تُبَّعٍ اصْطَنَعَ عَمْرَو بْنَ حُجْرٍ، وَزَوَّجَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ حَسَّانَ، وَلَمْ يَطْمَعْ فِي التَّزَوُّجِ إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَوَلَدَتِ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو. وَمَلَكَ بَعْدَ عَمْرِو بْنِ تُبَّعٍ عَبْدُ كَلَالَ بْنُ مُثَوَّبٍ، وَإِنَّمَا مَلَّكُوهُ لِأَنَّ أَوْلَادَ عَمْرٍو كَانُوا صِغَارًا، وَكَانَ الْجِنُّ قَبْلَ ذَلِكَ قَدِ اسْتَهَامَتْ تُبَّعَ بْنَ حَسَّانَ، وَكَانَ عَبْدُ كَلَالَ عَلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ الْأُولَى وَيَكْتُمُ ذَلِكَ، وَرَجَعَ تُبَّعُ بْنُ حَسَّانَ مِنَ اسْتِهَامَتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ، فَمَلَكَ الْيَمَنَ، وَهَابَتْهُ حِمْيَرُ، فَبَعَثَ ابْنَ أُخْتِهِ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حُجْرٍ فِي جَيْشٍ إِلَى الْحِيرَةِ، فَسَارَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَهُوَ ابْنُ الشَّقِيقَةِ، فَقَاتَلَهُ فَقَتَلَ النُّعْمَانَ وَعِدَّةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَأَفْلَتَ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ الْأَكْبَرُ وَأُمُّهُ مَاءُ السَّمَاءِ امْرَأَةٌ مِنَ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، فَذَهَبَ مُلْكُ آلِ النُّعْمَانِ وَمَلَكَ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ مَا كَانُوا يَمْلِكُونَ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: مَلَكَ بَعْدَ النُّعْمَانِ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ أَرْبَعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، مِنْ ذَلِكَ فِي زَمَنِ بَهْرَامَ جَوْرَ ثَمَانِي سِنِينَ، وَفِي زَمَنِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ بَهْرَامَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً،
وَفِي زَمَنِ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ عِشْرِينَ سَنَةً، مِنْهَا فِي زَمَنِ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ عَشْرُ سِنِينَ، وَفِي زَمَنِ بَلَاشَ بْنِ فَيْرُوزَ أَرْبَعُ سِنِينَ، وَفِي زَمَنِ قُبَاذَ بْنِ فَيْرُوزَ سِتُّ سِنِينَ. وَهَكَذَا ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ هَاهُنَا أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو قَتَلَ النُّعْمَانَ بْنَ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَأَخَذَ بِلَادَهُ وَانْقَرَضَ مُلْكُ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَذَكَرَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُنْذِرَ بْنَ النُّعْمَانِ أَوِ النُّعْمَانَ، عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ، هُوَ الَّذِي جَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَمَلَّكَ بَهْرَامَ جَوْرَ عَلَى الْفُرْسِ، ثُمَّ سَاقَ فِيمَا بَعْدُ مُلُوكَ الْحِيرَةِ مِنْ أَوْلَادِ النُّعْمَانِ هَذَا إِلَى آخِرِهِمْ، وَلَمْ يُقْطَعْ مُلْكُهُمْ بِالْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو، وَسَبَبُ هَذَا أَنَّ أَخْبَارَ الْعَرَبِ لَمْ تَكُنْ مَضْبُوطَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا نُقِلَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي مَقْتَلِ حُجْرِ بْنِ عَمْرٍو وَالِدِ امْرِئِ الْقَيْسِ فِي أَيَّامِ الْعَرَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ مُلُوكَ كِنْدَةَ: عَمْرٌو وَالْحَارِثُ كَانُوا بِنَجْدٍ عَلَى الْعَرَبِ، وَأَمَّا اللَّخْمِيُّونَ مُلُوكُ الْحِيرَةِ الْمَنَاذِرَةُ فَلَمْ يَزَالُوا عَلَيْهَا إِلَى أَنْ مَلَكَ قُبَاذُ الْفُرْسَ وَأَزَالَهُمْ، وَاسْتَعْمَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ عَلَى الْحِيرَةِ، ثُمَّ أَعَادَ أَنُوشِرْوَانُ الْحِيرَةَ إِلَى اللَّخْمِيِّينَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ مُلْكِ بَلَاشَ بْنِ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ فَيْرُوزَ ابْنُهُ بَلَاشُ، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ قُبَاذَ مُنَازَعَةٌ اسْتَظْهَرَ فِيهَا قُبَاذُ وَمَلَكَ، فَلَمَّا مَلَكَ بَلَاشُ أَكْرَمَ سُوخْرَا وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ لِمَا كَانَ مِنْهُ، وَلَمْ يَزَلْ حَسَنَ السِّيرَةِ حَرِيصًا عَلَى الْعِمَارَةِ، وَكَانَ لَا يَبْلُغُهُ أَنَّ بَيْتًا خُرِّبَ وَجَلَا أَهْلُهُ إِلَّا عَاقَبَ صَاحِبَ تِلْكَ
الْقَرْيَةِ عَلَى تَرْكِهِ سَدَّ فَاقَتِهِمْ حَتَّى لَا يُضْطَرُّوا إِلَى مُفَارَقَةِ أَوْطَانِهِمْ، وَبَنَى مَدِينَةَ سَابَاطَ بِقُرْبِ الْمَدَائِنِ، وَكَانَ مُلْكُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ. ذِكْرُ مُلْكِ قُبَاذَ بْنِ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ وَكَانَ قُبَاذُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ الْمُلْكُ إِلَيْهِ، قَدْ سَارَ إِلَى خَاقَانَ مُسْتَنْصِرًا بِهِ عَلَى أَخِيهِ بَلَاشَ، فَمَرَّ فِي طَرِيقِهِ بِحُدُودِ نَيْسَابُورَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مُتَنَكِّرِينَ، وَفِيهِمْ زَرْمِهْرُ بْنُ سُوخْرَا، فَتَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى النِّكَاحِ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى زَرْمِهْرَ وَطَلَبَ مِنْهُ امْرَأَةً، فَسَارَ إِلَى امْرَأَةِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ، وَكَانَ مِنَ الْأَسَاوِرَةِ، وَكَانَ لَهَا بِنْتٌ حَسْنَاءُ، فَخَطَبَهَا مِنْهَا وَأَطْمَعَهَا وَزَوَّجَهَا، فَزَوَّجَا قُبَاذَ بِهَا، فَدَخَلَ بِهَا مِنْ لَيْلَتِهِ، فَحَمَلَتْ بِأَنُوشِرْوَانَ، وَأَمَرَ لَهَا بِجَائِزَةٍ سَنِيَّةٍ وَرَدَّهَا، وَسَأَلَتْهَا أُمُّهَا عَنْ قُبَاذَ وَحَالِهِ. فَذَكَرَتْ أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ مِنْ حَالِهِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ سَرَاوِيلَهُ مَنْسُوجَةٌ بِالذَّهَبِ، فَعَلِمَتْ أَنَّهُ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ. وَمَضَى قُبَاذُ إِلَى خَاقَانَ وَاسْتَنْصَرَهُ عَلَى أَخِيهِ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَهُوَ يُعِدُّهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ مَعَهُ جَيْشًا. فَلَمَّا صَارَ بِالْقُرْبِ مِنَ النَّاحِيَةِ الَّتِي بِهَا زَوْجَتُهُ سَأَلَ عَنْهَا فَأُحْضِرَتْ وَمَعَهَا أَنُوشِرْوَانُ وَأَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ ابْنُهُ. وَوَرَدَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ أَنَّ أَخَاهُ بَلَاشَ قَدْ هَلَكَ، فَتَيَمَّنَ بِالْمَوْلُودِ وَحَمَلَهُ وَأُمَّهُ عَلَى مَرَاكِبِ نِسَاءِ الْمُلُوكِ وَاسْتَوْثَقَ لَهُ الْمَلِكُ وَخَصَّ سُوخْرَا وَشَكَرَ لِوَلَدِهِ خِدْمَتَهُ. وَتَوَلَّى سُوخْرَا الْأَمْرَ، فَمَالَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَتَهَاوَنُوا بِقُبَاذَ، فَلَمْ يَحْتَمِلْ ذَلِكَ. فَكَتَبَ إِلَى سَابُورَ الرَّازِيِّ، وَهُوَ أَصْبِهْبَذَ دِيَارِ الْجَبَلِ، وَيُقَالُ لِلْبَيْتِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ مِهْرَانُ، فَاسْتَقْدَمَهُ وَمَعَهُ جُنْدُهُ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ عَزْمَهُ عَلَى قَتْلِ سُوخْرَا وَأَمَرَهُ بِكِتْمَانِ ذَلِكَ، فَأَتَاهُ يَوْمًا سَابُورُ وَسُوخْرَا عِنْدَ قُبَاذَ فَأَلْقَى فِي عُنُقِهِ وَهَقًا، وَأَخَذَهُ وَحَبَسَهُ ثُمَّ خَنَقَهُ قُبَاذُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى أَهْلِهِ وَقَدَّمَ عِوَضَهُ سَابُورَ الرَّازِيَّ.
وَفِي أَيَّامِهِ ظَهَرَ مَزْدَكُ، وَابْتَدَعَ وَوَافَقَ زَرَادِشْتَ فِي بَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ، وَزَادَ وَنَقَصَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ يَدْعُو إِلَى شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ حَسَبَ مَا دَعَا إِلَيْهِ زَرَادِشْتَ، وَاسْتَحَلَّ الْمَحَارِمَ وَالْمُنْكَرَاتِ، وَسَوَّى بَيْنَ النَّاسِ فِي الْأَمْوَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ ; حَتَّى لَا يَكُونَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ فِي شَيْءٍ الْبَتَّةَ، فَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ مِنَ السِّفْلَةِ وَالْأَغْتَامِ، فَصَارُوا عَشَرَاتِ أُلُوفٍ، فَكَانَ مَزْدَكُ يَأْخُذُ امْرَأَةَ هَذَا فَيُسَلِّمُهَا إِلَى الْآخَرِ، وَكَذَا فِي الْأَمْوَالِ وَالْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَغَيْرِهَا مِنَ الضِّيَاعِ وَالْعَقَارِ، فَاسْتَوْلَى وَعَظُمَ شَأْنُهُ وَتَبِعَهُ الْمَلِكُ قُبَاذُ. فَقَالَ يَوْمًا لِقُبَاذَ: الْيَوْمَ نَوْبَتِي مِنَ امْرَأَتِكَ أُمِّ أَنُوشِرْوَانَ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَقَامَ أَنُوشِرْوَانُ إِلَيْهِ وَنَزَعَ خُفَّيْهِ بِيَدِهِ وَقَبَّلَ رِجْلَيْهِ وَشَفَعَ إِلَيْهِ حَتَّى لَا يَتَعَرَّضَ لِأُمِّهِ، وَلَهُ حُكْمُهُ فِي سَائِرِ مُلْكِهِ، فَتَرَكَهَا. وَحَرَّمَ ذِبَاحَةَ الْحَيَوَانِ وَقَالَ: يَكْفِي فِي طَعَامِ الْإِنْسَانِ مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنَ الْحَيَوَانِ كَالْبَيْضِ وَاللَّبَنِ وَالسَّمْنِ وَالْجُبْنِ، فَعَظُمَتِ الْبَلِيَّةُ بِهِ عَلَى النَّاسِ فَصَارَ الرَّجُلُ لَا يَعْرِفُ وَلَدَهُ وَالْوَلَدُ لَا يَعْرِفُ أَبَاهُ. فَلَمَّا مَضَى عَشْرُ سِنِينَ مِنْ مُلْكِ قُبَاذَ، اجْتَمَعَ مُوبَذَانْ مُوبَذْ وَالْعُظَمَاءُ وَخَلَعُوهُ وَمَلَّكُوا عَلَيْهِ أَخَاهُ جَامَسِبْ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّكَ قَدْ أَثِمْتَ بِاتِّبَاعِكَ مَزْدَكَ وَبِمَا عَمِلَ أَصْحَابُهُ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ يُنْجِيكَ إِلَّا إِبَاحَةُ نَفْسِكَ وَنِسَائِكَ، وَأَرَادُوهُ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ نَفْسَهُ إِلَيْهِمْ لِيَذْبَحُوهُ وَيُقَرِّبُوهُ إِلَى النَّارِ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَحَبَسُوهُ وَتَرَكُوهُ لَا يَصِلُ إِلَى أَحَدٍ. فَخَرَجَ زَرْمِهْرُ بْنُ سُوخْرَا، فَقَتَلَ مِنَ الْمَزْدَكِيَّةِ خَلْقًا، وَأَعَادَ قُبَاذَ إِلَى مُلْكِهِ وَأَزَالَ أَخَاهُ جَامَسِبْ. ثُمَّ إِنَّ قُبَاذَ قَتَلَ بَعْدَ ذَلِكَ زَرْمِهْرَ. وَقِيلَ: لَمَّا حُبِسَ قُبَاذُ وَتَوَلَّى أَخُوهُ دَخَلَتْ أُخْتٌ لِقُبَاذَ عَلَيْهِ كَأَنَّهَا تَزُورُهُ، ثُمَّ لَفَّتْهُ فِي بِسَاطٍ وَحَمَلَهُ غُلَامٌ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ سَأَلَهُ السَّجَّانُ عَمَّا مَعَهُ، فَقَالَتْ: هُوَ مُوحِلٌ كُنْتُ أَحِيضُ فِيهِ، فَلَمْ يَمَسَّ الْبِسَاطَ، فَمَضَى الْغُلَامُ بِقُبَاذَ، وَهَرَبَ قُبَاذُ فَلَحِقَ بِمَلِكِ الْهَيَاطِلَةِ يَسْتَجِيشُهُ، فَلَمَّا صَارَ بِإِيرَانَ شَهْرَ، وَهِيَ نَيْسَابُورُ، نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِهَا، لَهُ ابْنَةٌ بِكْرٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ فَنَكَحَهَا، وَهِيَ أُمُّ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانُ، فَكَانَ نِكَاحُهُ إِيَّاهَا فِي هَذِهِ السَّفْرَةِ لَا فِي تِلْكَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَعَادَ أَنُوشِرْوَانُ فَغَلَبَ أَخَاهُ جَامَسِبْ عَلَى الْمُلْكِ، وَكَانَ مُلْكُ جَامَسِبْ عَلَى سِتِّ سِنِينَ.
ذكر حوادث العرب أيام قباذ
وَغَزَا قُبَاذُ بَعْدَ ذَلِكَ الرُّومَ، فَفَتَحَ مَدِينَةَ آمِدٍ، وَبَنَى مَدِينَةَ أَرَّجَانَ وَمَدِينَةَ حُلْوَانَ وَمَاتَ، فَمَلَكَ ابْنُهُ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانُ بَعْدَهُ، فَكَانَ مُلْكُ قُبَاذَ مَعَ سِنِيِّ أَخِيهِ جَامَسِبْ ثَلَاثًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَتَوَلَّى أَنُوشِرْوَانُ مَا كَانَ أَبُوهُ أَمَرَ لَهُ بِهِ. وَفِي أَيَّامِهِ خَرَجَتِ الْخَزَرُ فَأَغَارَتْ عَلَى بِلَادِهِ، فَبَلَغَتِ الدِّينَوَرَ، فَوَجَّهَ قُبَاذُ قَائِدًا مِنْ عُظَمَاءِ قُوَّادِهِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَوَطِئَ بِلَادَ أَرَّانَ، وَفَتَحَ مَا بَيْنَ النَّهْرِ الْمَعْرُوفِ بِالرَّسِّ إِلَى شِرْوَانَ، ثُمَّ إِنَّ قُبَاذَ لَحِقَ بِهِ، فَبَنَى بِأَرَّانَ مَدِينَةَ الْبَيْلَقَانَ وَمَدِينَةَ بَرْذَعَةَ، وَهِيَ مَدِينَةُ الثَّغْرِ كُلِّهِ، وَغَيْرَهُمَا، وَبَقِيَ الْخَزَرُ، ثُمَّ بَنَى سَدًّا لِلَانَ فِيمَا بَيْنَ أَرْضِ شِرْوَانَ وَبَابِ اللَّانِ، وَبَنَى عَلَى السَّدِّ مُدُنًا كَثِيرَةً خُرِّبَتْ بَعْدَ بِنَاءِ الْبَابِ وَالْأَبْوَابِ. [ذِكْرُ حَوَادِثِ الْعَرَبِ أَيَّامَ قُبَاذَ]
لَمَّا مَلَكَ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُجْرٍ الْكِنْدِيُّ الْعَرَبَ وَقَتَلَ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ قُبَاذُ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ قَبْلَكَ عَهْدٌ، وَأُحِبُّ لِقَاءَكَ، وَكَانَ قُبَاذُ زِنْدِيقًا يُظْهِرُ الْخَيْرَ وَيَكْرَهُ الدِّمَاءَ وَيُدَارِي أَعْدَاءَهُ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ وَالْتَقَيَا وَاصْطَلَحَا عَلَى أَنْ لَا يَجُوزَ الْفُرَاتَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَطَمِعَ الْحَارِثُ الْكِنْدِيُّ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَقْطَعُوا الْفُرَاتَ وَيُغِيرُوا عَلَى السَّوَادِ، فَسَمِعَ قُبَاذُ فَعَلِمَ أَنَّهُ مِنْ تَحْتِ يَدِ الْحَارِثِ، فَاسْتَدْعَاهُ فَحَضَرَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ لُصُوصًا مِنَ الْعَرَبِ صَنَعَتْ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ وَلَا أَسْتَطِيعُ ضَبْطَ الْعَرَبِ إِلَّا بِالْمَالِ وَالْجُنُودِ. وَطَلَبُ مِنْهُ شَيْئًا مِنَ السَّوَادِ، فَأَعْطَاهُ سِتَّةَ طَسَاسِيجَ. وَأَرْسَلَ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى تُبَّعٍ، وَهُوَ بِالْيَمَنِ، يُطْمِعُهُ فِي بِلَادِ الْعَجَمِ، فَسَارَ تُبَّعٌ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةَ، وَأَرْسَلَ ابْنَ أَخِيهِ شَمِرًا ذَا الْجَنَاحِ إِلَى قُبَاذَ، فَحَارَبَهُ فَهَزَمَهُ شَمِرُ حَتَّى لَحِقَ بِالرَّيِّ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ بِهَا فَقَتَلَهُ، ثُمَّ وَجَّهَ تُبَّعُ شَمِرًا إِلَى خُرَاسَانَ، وَوَجَّهَ ابْنَهُ حَسَّانَ إِلَى السُّغْدِ، وَقَالَ: أَيُّكُمَا سَبَقَ إِلَى الصِّينِ فَهُوَ عَلَيْهَا، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ، يُقَالُ: كَانَا فِي سِتِّمِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا. وَأَرْسَلَ ابْنَ أَخِيهِ يَعْفُرَ إِلَى الرُّومِ، فَنَزَلَ عَلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَأَعْطَوْهُ الطَّاعَةَ وَالْإِتَاوَةَ، وَمَضَى إِلَى رُومِيَّةَ فَحَاصَرَهَا فَأَصَابَ مَنْ مَعَهُ طَاعُونٌ، فَوَثَبَ الرُّومُ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُمْ وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَسَارَ شِمْرٌ ذُو الْجَنَاحِ إِلَى سَمَرْقَنْدَ فَحَاصَرَهَا، فَلَمْ يَظْفَرْ بِهَا، وَسَمِعَ أَنَّ مَلِكَهَا أَحْمَقُ وَأَنَّ لَهُ ابْنَةً، وَهِيَ الَّتِي تَقْضِي الْأُمُورَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا هَدِيَّةً عَظِيمَةً، وَقَالَ لَهَا: إِنَّنِي إِنَّمَا قَدِمْتُ لِأَتَزَوَّجَ بِكِ وَمَعِي أَرْبَعَةُ آلَافِ تَابُوتٍ مَمْلُوءَةً ذَهَبًا وَفِضَّةً وَأَنَا أَدْفَعُهَا إِلَيْكِ
وَأَمْضِي إِلَى الصِّينِ، فَإِنْ مَلَكْتُ كُنْتِ امْرَأَتِي وَإِنْ هَلَكْتُ كَانَ الْمَالُ لَكِ. فَلَمَّا بَلَغَتْهَا الرِّسَالَةُ قَالَتْ: قَدْ أَجَبْتُهُ فَلْيَبْعَثِ الْمَالَ، فَأَرْسَلَ أَرْبَعَةَ آلَافِ تَابُوتٍ فِي كُلِّ تَابُوتٍ رَجُلَانِ. وَلِسَمَرْقَنْدَ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ، وَلِكُلِّ بَابِ أَلْفَا رَجُلٍ، وَجَعَلَ الْعَلَامَةَ بَيْنَهُمَا أَنْ يَضْرِبَ بِالْجَرَسِ، فَخَرَجُوا وَمَلَكُوا الْأَبْوَابَ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ فَقَتَلَ أَهْلَهَا وَحَوَى مَا فِيهَا، وَسَارَ إِلَى الصِّينِ فَهَزَمَ التُّرْكَ وَدَخَلَ بِلَادَهُمْ وَلَقِيَ حَسَّانَ بْنَ تُبَّعٍ قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا بِثَلَاثِ سِنِينَ، فَأَقَامَا بِهَا حَتَّى مَاتَا، وَكَانَ مَقَامُهُمَا فِيمَا قِيلَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: عَادَا فِي طَرِيقِهِمَا حَتَّى قَدِمَا عَلَى تُبَّعٍ بِالْغَنَائِمِ وَالسَّبْيِ وَالْجَوَاهِرِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا جَمِيعًا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَمَاتَ تُبَّعٌ بِالْيَمَنِ فَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنَ الْيَمَنِ غَازِيًا بَعْدَهُ. وَكَانَ مُلْكُهُ مِائَةً وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ تَهَوَّدَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ تُبَّعٌ الْآخَرُ، وَهُوَ تُبَّانُ أَسْعَدَ أَبُو كَرِبٍ، حِينَ أَقْبَلَ مِنَ الْمَشْرِقِ بَعْدَ أَنْ مَلَكَ الْبِلَادَ جَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ حِينَ مَرَّ بِهَا فِي بِدَايَتِهِ لَمْ يَهِجْ أَهْلَهَا، وَخَلَّفَ عِنْدَهُمُ ابْنًا لَهُ فَقُتِلَ غِيلَةً، فَقَدِمَهَا عَازِمًا عَلَى تَخْرِيبِهَا وَاسْتِئْصَالِ أَهْلِهَا، فَجَمَعَ لَهُ الْأَنْصَارُ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ وَرَئِيسُهُمْ عَمْرُو بْنُ الطَّلَّةِ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ وَخَرَجُوا لِقِتَالِهِ، وَكَانُوا يُقَاتِلُونَهُ نَهَارًا وَيُقِرُّونَهُ لَيْلًا. فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ حَبْرَانِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ عَالِمَانِ، فَقَالَا لَهُ: قَدْ سَمِعْنَا مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ، وَإِنَّكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا ذَلِكَ حِيلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، وَلَمْ نَأْمَنْ عَلَيْكَ عَاجِلَ الْعُقُوبَةِ. فَقَالَ: وَلِمَ ذَلِكَ؟ فَقَالَا: إِنَّهَا مُهَاجَرُ نَبِيٍّ مِنْ قُرَيْشٍ تَكُونُ دَارَهُ. فَانْتَهَى عَمَّا كَانَ يُرِيدُ وَأَعْجَبَهُ فَاتَّبَعَهُمَا عَلَى دِينِهِمَا، وَاسْمُهُمَا كَعْبٌ وَأَسَدٌ، وَكَانَ تُبَّعٌ وَقَوْمُهُ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ. وَسَارَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، وَهِيَ طَرِيقُهُ، فَكَسَا الْكَعْبَةَ الْوَصَائِلَ وَالْمِلَاءَ، وَكَانَ أَوَّلَ
مَنْ كَسَاهَا، وَجَعَلَ لَهَا بَابًا وَمِفْتَاحًا، وَخَرَجَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْيَمَنِ، فَدَعَا قَوْمَهُ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ فَأَبَوْا عَلَيْهِ حَتَّى حَاكَمُوهُ إِلَى النَّارِ، وَكَانَتْ لَهُمْ نَارٌ تَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا يَزْعُمُونَ تَأْكُلُ الظَّالِمَ وَلَا تَضُرُّ الْمَظْلُومَ. فَقَالَ لِقَوْمِهِ: أَنْصَفْتُمْ. فَخَرَجَ قَوْمُهُ بِأَوْثَانِهِمْ وَخَرَجَ الْحَبْرَانِ بِمَصَاحِفِهِمَا فِي أَعْنَاقِهِمَا حَتَّى قَعَدُوا عِنْدَ مَخْرَجِ النَّارِ، فَخَرَجَتِ النَّارُ فَغَشِيَتْهُمْ وَأَكَلَتِ الْأَوْثَانَ وَمَا قَرَّبُوا مَعَهَا وَمَنْ حَمَلَ ذَلِكَ مِنْ رِجَالِ حِمْيَرَ، وَخَرَجَ الْحَبْرَانِ تَعْرَقُ جِبَاهُهُمَا لَمْ تَضُرَّهُمَا، فَأَصْفَقَتْ حِمْيَرُ عَلَى دِينِهِ. وَكَانَ قَدِمَ عَلَى تُبَّعٍ قَبْلَ ذَلِكَ شَافِعُ بْنُ كُلَيْبٍ الصَّدَفِيُّ، وَكَانَ كَاهِنًا، فَقَالَ لَهُ تُبَّعٌ: هَلْ تَجِدُ لِقَوْمِي مُلْكًا يُوَازِي مُلْكِي؟ قَالَ: لَا إِلَّا لِمَلِكِ غَسَّانَ. قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ مُلْكًا يَزِيدُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَجِدُهُ لِبَارٍّ مَبْرُورٍ، أُيِّدَ بِالْقُهُورِ، وَوُصِفَ بِالزَّبُورِ، وَفُضِّلَتْ أُمَّتُهُ فِي السُّفُورِ، يُفْرِجُ الظُّلَمَ بِالنُّورِ، أَحْمَدُ النَّبِيُّ، طُوبَى لِأُمَّتِهِ حِينَ يَجِيءُ، أَحَدُ بَنِي لُؤَيٍّ، ثُمَّ أَحِدُ بَنِي قُصَيٍّ! فَنَظَرَ تُبَعٌ فِي الزَّبُورِ فَإِذَا هُوَ يَجِدُ صِفَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ تُبَّعٍ هَذَا، وَهُوَ تُبَّانُ أَسْعَدَ أَبُو كَرِبَ بْنُ مَلْكِيكَرِبَ، رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرٍ اللَّخْمِيُّ، فَلَمَّا هَلَكَ رَبِيعَةُ رَجَعَ الْمُلْكُ بِالْيَمَنِ إِلَى حَسَّانَ بْنِ تُبَّانَ أَسْعَدَ. فَلَمَّا مَلَكَ رَبِيعَةُ رَأَى رُؤْيَا هَالَتْهُ فَلَمْ يَدَعْ كَاهِنًا وَلَا سَاحِرًا وَلَا عَائِفًا إِلَّا أَحْضَرَهُ وَقَالَ لَهُمْ: رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي فَأَخْبِرُونِي بِتَأْوِيلِهَا. فَقَالُوا: اقْصُصْهَا عَلَيْنَا. فَقَالَ: إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ بِهَا لَمْ أَطْمَئِنَّ إِلَى خَبَرِكُمْ بِتَأْوِيلِهَا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنْ كَانَ الْمَلِكُ يُرِيدُ ذَلِكَ فَلْيَبْعَثْ إِلَى سَطِيحٍ وَشُقٍّ فَهُمَا يُخْبِرَانِكَ عَمَّا سَأَلْتَ. وَاسْمُ سَطِيحٍ رَبِيعُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الذِّئْبِيُّ نِسْبَةً إِلَى ذِئْبِ بْنِ عَدِيٍّ، وَشُقُّ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ أَنْمَارَ.
فَبَعَثَ إِلَيْهِمَا، فَقَدِمَ عَلَيْهِ سَطِيحٌ قَبْلَ شُقٍّ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ سَطِيحٌ سَأَلَهُ عَنْ رُؤْيَاهُ وَتَأْوِيلِهَا. فَقَالَ: رَأَيْتَ حَمْحَمَةً، خَرَجَتْ مِنْ ظُلْمَةٍ، فَوَقَعَتْ بِأَرْضٍ بُهْمَةٍ، فَأَكَلَتْ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ جُمْجُمَةٍ؟ قَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا أَخْطَأْتَ مِنْهَا شَيْئًا، فَمَا عِنْدَكَ مِنْ تَأْوِيلِهَا؟ . فَقَالَ: أَحْلِفُ مَا بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ مِنْ حَنَشْ لَيَهْبِطَنَّ أَرْضَكُمُ الْحَبَشْ فَلْيَمْلِكُنَّ مَا بَيْنَ أَبْيَنَ إِلَى جُرَشْ. قَالَ الْمَلِكُ: وَأَبِيكَ يَا سَطِيحُ إِنَّ هَذَا لَغَائِظٌ مُوجِعٌ، فَمَتَى يَكُونُ أَفِي زَمَانِي أَمْ بَعْدَهُ؟ . قَالَ: بَلْ بَعْدَهُ بِحِينَ سِتِّينَ سَنَةً أَوْ سَبْعِينَ يَمْضِينَ مِنَ السِّنِينِ. قَالَ: هَلْ يَدُومُ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِهِمْ أَوْ يَنْقَطِعُ؟ . قَالَ: بَلْ يَنْقَطِعُ لِبِضْعٍ وَسَبْعِينْ يَمْضِينَ مِنَ السِّنِينْ، ثُمَّ يُقْتَلُونَ بِهَا أَجْمَعُونَ وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا هَارِبِينْ. قَالَ الْمَلِكُ: وَمَنِ الَّذِي يَلِي ذَلِكَ؟ . قَالَ: يَلِيهِ إِرَمُ ذِي يَزَنْ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ عَدَنْ، فَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا مِنْهُمْ بِالْيَمَنْ. قَالَ: فَيَدُومُ ذَلِكَ مِنْ سُلْطَانِهِ أَوْ يَنْقَطِعُ؟ . قَالَ: بَلْ يَنْقَطِعُ، يَقْطَعُهُ نَبِيٌّ زَكِي، يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ الْعَلِي، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ، يَكُونُ الْمُلْكُ فِي قَوْمِهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ. قَالَ: وَهَلْ لِلدَّهْرِ مِنْ آخِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَوْمَ يُجْمَعُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، وَيَسْعَدُ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ، وَيَشْقَى فِيهِ الْمُسِيئُونَ. قَالَ: أَحَقٌّ مَا تُخْبِرُنَا يَا سَطِيحُ؟ . قَالَ: نَعَمْ وَالشَّفَقِ وَالْغَسَقْ، وَالْفَلَقِ إِذَا اتَّسَقْ، إِنَّ مَا أَنْبَأْتُكَ بِهِ لَحَقْ. ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ شُقٌّ فَقَالَ: يَا شُقُّ إِنِّي رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي فَأَخْبِرْنِي عَنْهَا وَعَنْ تَأْوِيلِهَا
وَكَتَمَهُ مَا قَالَ سَطِيحٌ لِيَنْظُرَ هَلْ يَتَّفِقَانِ أَمْ يَخْتَلِفَانِ. قَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتَ جُمْجُمَةً، خَرَجَتْ مِنْ ظُلْمَةٍ، فَوَقَعَتْ بَيْنَ رَوْضَةٍ وَأَكَمَةٍ، فَأَكَلَتْ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ نَسَمَةٍ. فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ ذَلِكَ قَالَ: مَا أَخْطَأْتَ شَيْئًا، فَمَا تَأْوِيلُهَا؟ . قَالَ: أَحْلِفُ بِمَا بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ مِنْ إِنْسَانْ، لِيَنْزِلَنَّ أَرْضَكُمُ السُّودَانْ، وَلِيَمْلِكُنَّ مَا بَيْنَ أَبْيَنَ إِلَى نَجْرَانْ. قَالَ الْمَلِكُ: وَأَبِيكَ يَا شُقُّ! إِنَّ هَذَا لَغَائِظٌ، فَمَتَى هُوَ كَائِنٌ؟ . قَالَ: بَعْدَكَ بِزَمَانْ، ثُمَّ يَسْتَنْقِظُكُمْ مِنْهُمْ عَظِيمٌ ذُو شَانْ، وَيُذِيقُكُمْ أَشَدَّ الْهَوَانْ، وَهُوَ غُلَامٌ لَيْسَ بِدَنِيٍّ وَلَا مُزَنْ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِ ذِي يَزَنْ. قَالَ: فَهَلْ يَدُومُ سُلْطَانُهُ أَمْ يَنْقَطِعُ؟ . قَالَ: بَلْ يَنْقَطِعُ بِرَسُولٍ مُرْسَلٍ، يَأْتِي بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، بَيْنَ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ، يَكُونُ الْمُلْكُ فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْفَصْلِ. قَالَ: وَمَا يَوْمُ الْفَصْلِ؟ . قَالَ: يَوْمَ تُجْزَى فِيهِ الْوُلَاةْ، وَيُدْعَى مِنَ السَّمَاءِ بِدَعَوَاتْ، وَيَسْمَعُ مِنْهَا الْأَحْيَاءُ وَالْأَمْوَاتْ، وَيَجْتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ لِلْمِيقَاتْ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَسْأَلَتِهِمَا جَهَّزَ بَنِيهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ إِلَى الْعِرَاقِ بِمَا يُصْلِحُهُمْ، فَمِنْ بَقِيَّةِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ كَانَ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ مَلِكَ الْحِيرَةِ، وَهُوَ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ ذَلِكَ الْمَلِكُ. فَلَمَّا هَلَكَ رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرٍ وَاجْتَمَعَ مُلْكُ الْيَمَنِ إِلَى حَسَّانَ بْنِ تُبَّانَ بْنِ كَرِبِ بْنِ مَلْكِيكَرِبَ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو ذِي الْأَذْعَارِ، كَانَ مِمَّا هَيَّجَ أَمْرَ الْحَبَشَةِ، وَتَحَوَّلَ الْمُلْكُ عَنْ حِمْيَرَ أَنَّ حَسَّانَ سَارَ بِأَهْلِ الْيَمَنِ يُرِيدُ أَنْ يَطَأَ بِهِمْ أَرْضَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، كَمَا كَانَتِ التَّبَابِعَةُ تَفْعَلُ. فَلَمَّا كَانَ بِالْعِرَاقِ قَبِلَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ الْمَسِيرَ مَعَهُ، فَكَلَّمُوا أَخَاهُ عَمْرًا فِي قَتْلِ حَسَّانَ وَتَمْلِيكِهِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذِي رُعَيْنٍ الْحِمْيَرِيِّ، فَإِنَّهُ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَعَمَدَ ذُو رُعَيْنٍ إِلَى صَفِيحَةٍ فَكَتَبَ فِيهَا:
أَلَا مَنْ يَشْتَرِي سَهَرًا بِنَوْمٍ ؟ سَعِيدٌ مَنْ يَبِيتُ قَرِيرَ عَيْنِ. فَإِمَّا حِمْيَرٌ غَدَرَتْ وَخَانَتْ ... فَمَعْذِرَةُ الْإِلَهِ لِذِي رُعَيْنِ. ثُمَّ خَتَمَهَا وَأَتَى بِهَا عَمْرًا فَقَالَ: ضَعْ هَذِهِ عِنْدَكَ، فَفَعَلَ. فَلَمَّا بَلَغَ حَسَّانَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَخُوهُ وَقَبَائِلُ الْيَمَنِ قَالَ لِعَمْرٍو: يَا عَمْرُو لَا تُعْجِلْ عَلَيَّ مَنِيَّتِي ... فَالْمُلْكُ تَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حُشُودِ. فَأَبَى إِلَّا قَتْلَهُ، فَقَتَلَهُ بِمَوْضِعِ رَحْبَةِ مَالِكٍ، فَكَانَتْ تُسَمَّى فَرْضَةَ نُعْمٍ فِيمَا قِيلَ. ثُمَّ عَادَ إِلَى الْيَمَنِ فَمُنِعَ النَّوْمُ مِنْهُ، فَسَأَلَ الْأَطِبَّاءَ وَغَيْرَهُمْ عَمَّا بِهِ وَشَكَا إِلَيْهِمُ السَّهَرَ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مِنْهُمْ: مَا قَتَلَ أَحَدٌ أَخَاهُ أَوْ ذَا رَحِمٍ بَغْيًا إِلَّا مُنِعَ عَنْهُ النَّوْمُ. فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ قَتَلَ كُلَّ مَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِقَتْلِ أَخِيهِ، حَتَّى خَلَصَ إِلَى ذِي رُعَيْنٍ، فَلَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُ قَالَ: إِنَّ لِي عِنْدَكَ بَرَاءَةً. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ . قَالَ: أَخْرِجِ الْكِتَابَ الَّذِي اسْتَوْدَعْتُكَ. فَأَخْرَجَهُ فَإِذَا فِيهِ الْبَيْتَانِ، فَكَفَّ عَنْ قَتْلِهِ، وَلَمْ يَلْبَثْ عَمْرٌو أَنْ هَلَكَ، فَتَفَرَّقَتْ حِمْيَرُ عِنْدَ ذَلِكَ. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ مِنْ قَتْلِ قُبَاذَ بِالرَّيِّ، وَمُلْكِ تُبَّعٍ الْبِلَادَ مِنْ بَعْدِ قَتْلِهِ مِنَ النَّقْلِ الْقَبِيحِ وَالْغَلَطِ الْفَاحِشِ، وَفَسَادُهُ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ، فَلَوْلَا أَنَّنَا شَرَطْنَا أَنْ لَا نَتْرُكَ تَرْجَمَةً مِنْ تَارِيخِهِ إِلَّا وَنَأْتِي بِمَعْنَاهَا مِنْ غَيْرِ إِخْلَالٍ بِشَيْءٍ لَكَانَ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ أَوْلَى. وَوَجْهُ الْغَلَطِ فِيهِ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ قُبَاذَ قُتِلَ بِالرَّيِّ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ مِنَ الْفُرْسِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ قُبَاذَ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ فِي زَمَانٍ مَعْلُومٍ، وَكَانَ مُلْكُهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً، كَمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ قُتِلَ إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَلَمَّا مَاتَ مَلَكَ ابْنُهُ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ بَعْدَهُ، وَهَذَا أَشْهَرُ مِنْ: قِفَا نَبْكِ، وَلَوْ كَانَ
مُلْكُ الْفُرْسِ انْتَقَلَ بَعْدَ قُبَاذَ إِلَى حِمْيَرَ، كَيْفَ كَانَ مَلَكَ ابْنُهُ بَعْدَهُ وَتَمَكَّنَ فِي الْمُلْكِ حَتَّى أَطَاعَهُ مُلُوكُ الْأُمَمِ وَحَمَلَتِ الرُّومُ إِلَيْهِ الْخَرَاجَ! . ثُمَّ ذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ تُبَّعًا وَجَّهَ ابْنَهُ حَسَّانَ إِلَى الصِّينِ، وَشِمْرًا إِلَى سَمَرْقَنْدَ وَابْنَ أَخِيهِ إِلَى الرُّومِ، وَأَنَّهُ مَلَكَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَسَارَ إِلَى رُومِيَّةَ فَحَاصَرَهَا، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي! مَا هُوَ الْيَمَنُ وَحَضْرَمَوْتُ حَتَّى يَكُونَ بِهِمَا مَا يَكُونُ بَعْضُهُمْ فِي بِلَادِهِمْ لِحِفْظِهَا، وَجَيْشٌ مَعَ تُبَّعٍ، وَجَيْشٌ مَعَ حَسَّانَ يَسِيرُ بِهِمْ إِلَى مِثْلِ الصِّينِ فِي كَثْرَةِ عَسَاكِرِهِ وَمُقَاتِلَتِهِ، وَجَيْشٌ مَعَ ابْنِ أَخِيهِ تُبَّعٍ يَلْقَى بِهِ مِثْلَ كِسْرَى وَيَهْزِمُهُ وَيَمْلِكُ بِلَادَهُ، وَيُحَاصِرُ بِهِ مِثْلَ سَمَرْقَنْدَ فِي كِبَرِهَا وَعِظَمِهَا وَكَثْرَةِ أَهْلِهَا، وَجَيْشٌ مَعَ يَعْفُرَ يَسِيرُ بِهِمْ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ وَيَمْلِكُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ! وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ كَثْرَةِ مَمَالِكِهِمْ وَاتِّسَاعِهَا وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ قَدِ اجْتَهَدُوا لِيَأْخُذُوا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ أَوْ مَا يُجَاوِرُهَا، وَالْيَمَنُ مِنْ أَقَلِّ بِلَادِهِمْ عَدَدًا وَجُنُودًا، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ بَعْضُ عَسَاكِرِ الْيَمَنِ مَعَ تُبَّعٍ؟ ! هَذَا مِمَّا تَأْبَاهُ الْعُقُولُ، وَتَمُجُّهُ الْأَسْمَاعُ. ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ: إِنَّ مُلْكَ تُبَّعٍ بِلَادَ الْفُرْسِ وَالرُّومِ وَالصِّينِ وَغَيْرَهَا كَانَ بَعْدَ قَتْلِ قُبَاذَ، يَعْنِي أَيَّامَ ابْنِهِ أَنُوشِرْوَانَ، وَكَانَ مُلْكُهُ سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَلَا خِلَافَ أَيْضًا أَنَّ الْحَبَشَةَ لَمَّا مَلَكَتِ الْيَمَنَ انْقَرَضَ مُلْكُ حِمْيَرَ مِنْهُ وَكَانَ آخِرَ مُلُوكِهِمْ ذَا نُوَاسٍ. وَكَانَ مُلْكُ حِمْيَرَ قَدِ اخْتَلَّ قَبْلَ ذِي نُوَاسٍ، وَانْقَطَعَ نِظَامُهُمْ حَتَّى طَمِعَتِ الْحَبَشَةُ فِيهِ وَمَلَكَتْهُ، وَكَانَ مُلْكُهُمُ الْيَمَنَ أَيَّامَ قُبَاذٍ. وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُلْكُ الْحَبَشَةِ الَّذِي هُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ أَيَّامَ قُبَاذَ، وَيَكُونَ تُبَّعٌ هُوَ الَّذِي مَلَكَ الْيَمَنَ قَدْ قَتَلَ قُبَاذَ وَمَلَكَ بِلَادَهُ قَبْلَ أَنْ تَمْلِكَ الْحَبَشَةُ الْيَمَنَ؟ هَذَا مَرْدُودٌ مُحَالٌ وُقُوعُهُ. وَكَانَ مُلْكُ الْحَبَشَةِ الْيَمَنَ سَبْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ انْقِرَاضُ مُلْكِهِمْ فِي آخِرِ مُلْكِ أَنُوشِرْوَانَ، وَالْخَبَرُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ، وَحَدِيثُ سَيْفِ ذِي يَزَنٍ فِي ذَلِكَ ظَاهِرٌ.
وَلَمْ يَزَلِ الْيَمَنُ بَعْدَ الْحَبَشَةِ فِي يَدِ الْفُرْسِ إِلَى أَنْ مَلَكَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يَنْقَضِيَ مُلْكُ تُبَّعٍ الَّذِي هُوَ مُلْكُ بِلَادِ فَارِسَ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ مُلُوكِ حِمْيَرَ وَمُلْكُ الْحَبَشَةِ وَهُوَ سَبْعُونَ سَنَةً فِي مُلْكِ أَنُوشِرْوَانَ وَكَانَ مُلْكُهُ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ وَهَذَا أَعْجَبُ إِنَّ مُدَّةَ بَعْضِهَا سَبْعُونَ سَنَةً تَنْقَضِي قَبْلَ مُضِيِّ نَيِّفٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَوْ فَكَّرَ أَبُو جَعْفَرٍ فِي ذَلِكَ لَاسْتَحْيَا مِنْ نَقْلِهِ. وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ تُبَّعٍ هَذَا رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرٍ اللَّخْمِيُّ، وَهَذَا رَبِيعَةُ هُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ ابْنُ أُخْتِ جَذِيمَةَ، وَكَانَ مُلْكُ عَمْرٍو الْحِيرَةَ بَعْدَ خَالِهِ جَذِيمَةَ أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ قَبْلَ مُلْكِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ بِخَمْسٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَبَيْنَ أَرْدَشِيرَ وَقُبَاذَ وَهُوَ قَبْلَهُ بِهَذَا الدَّهْرِ الطَّوِيلِ؟ وَلَوْ لَمْ يُتَرْجِمْ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَى هَذِهِ الْحَادِثَةِ بِقَوْلِهِ: ذِكْرُ الْحَوَادِثِ أَيَّامَ قُبَاذَ، لَكَانَ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا فِيهِ، ثُمَّ مَا قَنِعَ بِذَلِكَ حَتَّى قَالَ، بَعْدَ أَنْ قَصَّ مَسِيرَ تُبَّعٍ: وَقَتَلَ قُبَاذَ وَمَلَكَ الْبِلَادَ. وَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّ الَّذِي سَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ مِنَ التَّبَابِعَةِ هُوَ تُبَّعٌ الْأَخِيرُ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: " تُبَّعٌ الْأَخِيرُ " أَنَّهُ آخِرُ مَنْ سَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ وَمَلَكَ الْبِلَادَ. فَإِنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ وَغَيْرَهُ يَقُولُونَ: إِنَّ الَّذِي مَلَكَ الْبِلَادَ الْمَشْرِقِيَّةَ لَمَّا تُوُفِّيَ مَلَكَ بَعْدَهُ عِدَّةُ تَبَابِعَةٍ، ثُمَّ اخْتَلَّ أَمْرُهُمْ زَمَانًا طَوِيلًا، حَتَّى طَمِعَتِ الْحَبَشَةُ فِيهِمْ وَخَرَجَتْ إِلَى الْيَمَنِ. فَلَيْتَ شِعْرِي إِذَا كَانَ هَذَا تُبَّعٌ فِي أَيَّامِ قُبَاذَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ تُبَّعًا الْأَخِيرَ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ الْيَمَنُ يَكُونُ فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَيَكُونُ مُلْكُ الْحَبَشَةِ الْيَمَنَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنْ مُلْكِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَيَكُونُ أَوَّلُ الْإِسْلَامِ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِمْ أَيْضًا مِمَّا بَعْدَهَا، حَتَّى يَسْتَقِيمَ هَذَا الْقَوْلُ. ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ طَلَّةَ الْأَنْصَارِيَّ خَرَجَ إِلَى تُبَّعٍ، وَعَمْرٌو هَذَا قِيلَ إِنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْخًا كَبِيرًا وَمَاتَ عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ.
ذكر ملك لخيعة
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى بُطْلَانِهِ أَيْضًا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا قَصَدُوا بِلَادَ الْفُرْسِ مَا زَالَتِ الْفُرْسُ تَقُولُ لَهُمْ عِنْدَ مُرَاسَلَاتِهِمْ وَمُحَاوَرَاتِهِمْ فِي حُرُوبِهِمْ: كُنْتُمْ أَقَلَّ الْأُمَمِ وَأَذَلَّهَا وَأَحْقَرَهَا، وَالْعَرَبُ تُقِرُّ لَهُمْ بِذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ مُلْكُ تُبَّعٍ قَرِيبَ الْعَهْدِ لَقَالَتِ الْعَرَبُ: إِنَّنَا بِالْأَمْسِ قَتَلْنَا مَلِكَكُمْ، وَمَلَكْنَا بِلَادَكُمْ، وَاسْتَبَحْنَا حَرِيمَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، فَسُكُوتُ الْعَرَبِ عِنْدَ ذَلِكَ وَإِقْرَارُهُمْ لِلْفُرْسِ دَلِيلٌ عَلَى بُعْدِ عَهْدِهِ أَوْ عَدَمِهِ، عَلَى أَنَّ الْفُرْسَ لَا تُقِرُّ بِذَلِكَ لَا فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ وَلَا فِي حَدِيثِهِ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ مُلْكَهُمْ لَمْ يَنْقَطِعْ مِنْ عَهْدِ جِيُومَرْثَ، الَّذِي هُوَ آدَمُ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، إِلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ، إِلَّا أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ، وَكَانَ لِمُلُوكِ الْفُرْسِ طَرَفٌ مِنَ الْبِلَادِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَمْ يَنْقَطِعِ انْقِطَاعًا كُلِّيًّا، عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ السِّيَرِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي تُبَّعٍ الَّذِي سَارَ وَمَلَكَ الْبِلَادَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَقِيلَ: شِمْرُ بْنُ غَشٍّ، وَقِيلَ: تُبَّعُ أَسْعَدَ، وَأَنَّهُ بَعَثَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ شِمْرًا ذَا الْجَنَاحِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلَافَاتِ الَّتِي لَا طَائِلَ فِيهَا. وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي كَشْفِ الْخَطَأِ فِيهِ. [ذِكْرُ مُلْكِ لَخِيعَةَ]
فَلَمَّا هَلَكَ عَمْرٌو وَتَفَرَّقَتْ حِمْيَرُ، وَثَبَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ لَمْ يَكُنْ مِنْ بُيُوتِ الْمَمْلَكَةِ يُقَالُ لَهُ: لَخِيعَةُ نَوْفٍ ذُو شَنَاتِرَ فَمَلَكَهُمْ، فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ، فَقَتَلَ خِيَارَهُمْ وَعَبَثَ بِبُيُوتِ أَهْلِ الْمَمْلَكَةِ مِنْهُمْ، وَكَانَ امْرَأً فَاسِقًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَكَانَ إِذَا سَمِعَ بِغُلَامٍ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَوَقَعَ عَلَيْهِ فِي مَشْرَبَةٍ لِئَلَّا يَمْلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَطَّلِعُ إِلَى حَرَسِهِ وَجُنْدِهِ قَدْ أَخَذَ سِوَاكًا فِي فِيهِ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّهُ قَدْ فَرَغَ مِنْهُ، ثُمَّ يُخَلِّي سَبِيلَهُ فَيَفْضَحُهُ. ذِكْرُ مُلْكِ ذِي نُوَاسٍ وَقِصَّةِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ زُرْعَةُ ذُو نُوَاسِ بْنُ تُبَّانَ أَسْعَدَ بْنِ كَرِبٍ، وَكَانَ صَغِيرًا حِينَ أُصِيبَ أَخُوهُ حَسَّانُ، فَشَبَّ غُلَامًا جَمِيلًا ذَا هَيْئَةٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ لَخِيعَةُ لِيَفْعَلَ بِهِ مَا كَانَ يَفْعَلُ بِغَيْرِهِ، فَأَخَذَ سِكِّينًا لَطِيفًا فَجَعَلَهُ بَيْنَ نَعْلِهِ وَقَدَمِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَيْهِ مَعَ رَسُولِهِ، فَلَمَّا خَلَا بِهِ فِي الْمَشْرَبَةِ قَتَلَهُ ذُو نُوَاسٍ بِالسِّكِّينِ ثُمَّ احْتَزَّ رَأْسَهُ فَجَعَلَهُ فِي كُوَّةِ مَشْرَبَتِهِ الَّتِي يَطَّلِعُ مِنْهَا،
ثُمَّ أَخَذَ سِوَاكَهُ فَجَعَلَهُ فِي فِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالُوا لَهُ: ذُو نُوَاسْ أَرَطْبٌ أَمْ يَبَاسْ؟ فَقَالَ: سَلْ نَخْمَاسْ، اسْتُ رَطْبَانَ ذُو نُوَاسْ لَا بَاسْ. فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ حِينَ قَالَ لَهُمْ مَا قَالَ، فَإِذَا رَأْسُ لَخِيعَةَ مَقْطُوعٌ، فَخَرَجَتْ حِمْيَرُ وَالْحَرَسُ فِي أَثَرِ ذِي نُوَاسٍ حَتَّى أَدْرَكُوهُ فَمَلَّكُوهُ حَيْثُ أَرَاحَهُمْ مِنْ لَخِيعَةَ، وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَكَانَ يَهُودِيًّا، وَبِنَجْرَانَ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَى اسْتِقَامَةٍ، لَهُمْ رَئِيسٌ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثَّامِرِ، وَكَانَ أَصْلُ النَّصْرَانِيَّةِ بِنَجْرَانَ. قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ بَقَايَا أَهْلِ دِينِ عِيسَى يُقَالُ لَهُ فِيمْيُونْ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا مُجْتَهِدًا زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَكَانَ سَائِحًا لَا يُعْرَفُ بِقَرْيَةٍ إِلَّا خَرَجَ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ كَسْبِ يَدِهِ، وَكَانَ يَعْمَلُ الطِّينَ، وَيُعَظِّمُ الْأَحَدَ لَا يَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا، وَيَخْرُجُ إِلَى الصَّحْرَاءِ يُصَلِّي جَمِيعَ نَهَارِهِ، فَنَزَلَ قَرْيَةً مِنْ قُرَى الشَّامِ يَعْمَلُ عَمَلَهُ ذَلِكَ مُسْتَخْفِيًا، فَفَطِنَ بِهِ رَجُلٌ اسْمُهُ صَالِحٌ فَأَحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا، وَكَانَ يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ لَا يَفْطِنُ بِهِ فِيمْيُونْ، حَتَّى خَرَجَ مَرَّةً يَوْمَ الْأَحَدِ إِلَى الصَّحْرَاءِ وَاتَّبَعَهُ صَالِحٌ، وَفِيمْيُونْ لَا يَعْلَمُ. فَجَلَسَ صَالِحٌ مِنْهُ مَنْظَرَ الْعَيْنِ مُسْتَخْفِيًا، وَقَامَ فِيمْيُونْ يُصَلِّي، فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي إِذْ أَقْبَلَ نَحْوَهُ تِنِّينٌ، فَلَمَّا رَآهُ فِيمْيُونْ دَعَا عَلَيْهِ فَمَاتَ، وَرَآهُ صَالِحٌ وَلَمْ يَدْرِ مَا أَصَابَهُ، فَخَافَ عَلَى فِيمْيُونْ فَصَاحَ يَا فِيمْيُونْ، التِّنِّينُ قَدْ أَقْبَلَ نَحْوَكَ! فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ وَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ حَتَّى أَمْسَى، وَعَرَفَ أَنَّ صَالِحًا عَرَفَهُ، فَكَلَّمَهُ صَالِحٌ وَقَالَ لَهُ: يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّنِي مَا أَحْبَبْتُ شَيْئًا حُبَّكَ قَطُّ، وَقَدْ أَرَدْتُ صُحْبَتَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ. قَالَ: افْعَلْ. فَلَزِمَهُ صَالِحٌ. وَكَانَ إِذَا مَا جَاءَهُ الْعَبْدُ بِهِ ضُرٌّ شُفِيَ إِذَا دَعَا لَهُ، وَإِذَا دُعِيَ إِلَى أَحَدٍ بِهِ ضُرٌّ لَمْ يَأْتِهِ. وَكَانَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ ابْنٌ ضَرِيرٌ، فَجَعَلَ ابْنَهُ فِي حُجْرَةٍ أَلْقَى عَلَيْهِ ثَوْبًا ثُمَّ قَالَ لِفِيمْيُونْ: قَدْ أَرَدْتُ أَنْ تَعْمَلَ فِي بَيْتِي عَمَلًا، فَانْطَلِقْ إِلَيْهِ لِأُشَارِطَكَ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ مَعَهُ، فَلَمَّا
دَخَلَ الْحُجْرَةَ أَلْقَى الرَّجُلُ الثَّوْبَ عَنِ ابْنِهِ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ، فَدَعَا لَهُ فَأَبْصَرَ. وَعَرَفَ فِيمْيُونْ أَنَّهُ قَدْ عُرِفَ بِالْقَرْيَةِ، فَخَرَجَ هُوَ وَصَالِحٌ وَمَرَّ بِشَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ بِالشَّامِ. فَنَادَاهُ رَجُلٌ وَقَالَ: مَا زِلْتُ أَنْتَظِرُكَ، لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَقُومَ عَلَيَّ فَإِنِّي مَيِّتٌ، قَالَ: فَمَاتَ، فَوَارَاهُ فِيمْيُونْ وَانْصَرَفَ وَمَعَهُ صَالِحٌ، حَتَّى وَطِئَا بَعْضَ أَرْضِ الْعَرَبِ، وَأَخَذَهُمَا بَعْضُ الْعَرَبِ فَبَاعُوهُمَا بِنَجْرَانَ، وَأَهْلُ نَجْرَانَ عَلَى دِينِ الْعَرَبِ تَعْبُدُ نَخْلَةً طَوِيلَةً بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، لَهَا عِيدٌ كُلَّ سَنَةٍ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْعِيدُ عَلَّقُوا عَلَيْهَا كُلَّ ثَوْبٍ حَسَنٍ وَحُلِيٍّ جَمِيلٍ، فَعَكَفُوا عَلَيْهَا يَوْمًا، فَابْتَاعَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ فِيمْيُونْ، وَابْتَاعَ رَجُلٌ آخَرُ صَالِحًا، فَكَانَ فِيمْيُونْ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، اسْتَسْرَجَ لَهُ الْبَيْتُ حَتَّى يُصْبِحَ مِنْ غَيْرِ مِصْبَاحٍ. فَلَمَّا رَأَى سَيِّدَهُ ذَلِكَ أَعْجَبَهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِ فَأَخْبَرَهُ، وَعَابَ دِينَ سَيِّدِهِ. وَقَالَ لَهُ: لَوْ دَعَوْتُ إِلَهِي الَّذِي أَعْبُدُ لَأَهْلَكَ النَّخْلَةَ. فَقَالَ: افْعَلْ فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ دَخَلْنَا فِي دِينِكَ وَتَرَكْنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ. فَصَلَّى فِيمْيُونْ وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا رِيحًا فَجَفَّفَتْهَا وَأَلْقَتْهَا، فَاتَّبَعَهُ عِنْدَ ذَلِكَ أَهْلُ نَجْرَانَ عَلَى دِينِهِ، فَحَمَلَهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ دِينِ عِيسَى وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَحْدَاثُ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَى أَهْلِ دِينِهِمْ بِكُلِّ أَرْضٍ. فَمِنْ هُنَالِكَ كَانَ أَصْلُ النَّصْرَانِيَّةِ بِنَجْرَانَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: كَانَ أَهْلُ نَجْرَانَ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، وَكَانَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهَا سَاحِرٌ، كَانَ أَهْلُ نَجْرَانَ يُرْسِلُونَ أَوْلَادَهُمْ يُعَلِّمُهُمُ السِّحْرَ فَلَمَّا نَزَلَهَا فِيمْيُونْ، وَهُوَ رَجُلٌ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِذَا عُرِفَ فِي قَرْيَةٍ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ يُبْرِئُ الْمَرْضَى، وَلَهُ كَرَامَاتٌ، فَوَصَلَ نَجْرَانَ فَسَكَنَ خَيْمَةً بَيْنَ نَجْرَانَ وَبَيْنَ السَّاحِرِ، فَأَرْسَلَ الثَّامِرُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ مَعَ الْغِلْمَانِ إِلَى السَّاحِرِ، فَاجْتَازَ بِفِيمْيُونْ فَرَأَى مَا أَعْجَبَهُ مِنْ صَلَاتِهِ، فَجَعَلَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ وَيَسْتَمِعُ مِنْهُ، فَأَسْلَمَ مَعَهُ وَوَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى وَعَبَدَهُ، وَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ وَكَانَ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ إِيَّاهُ وَقَالَ: لَنْ تَحْتَمِلَهُ، وَالثَّامِرُ يَعْتَقِدُ أَنَّ ابْنَهُ يَخْتَلِفُ إِلَى السَّاحِرِ مَعَ الْغِلْمَانِ. فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ ضَنَّ عَلَيْهِ بِالِاسْمِ الْأَعْظَمِ عَمَدَ إِلَى قِدَاحٍ فَكَتَبَ عَلَيْهَا أَسْمَاءَ اللَّهِ جَمِيعَهَا، ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي النَّارِ وَاحِدًا وَاحِدًا، حَتَّى إِذَا أَلْقَى الْقَدَحَ الَّذِي عَلَيْهِ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ وَثَبَ مِنْهَا فَلَمْ تَضُرَّهُ شَيْئًا،
فَأَخَذَهُ وَعَادَ إِلَى صَاحِبِهِ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ لَهُ: أَمْسِكْ عَلَى نَفْسِكَ، وَمَا أَظُنُّ أَنْ تَفْعَلَ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِذَا أَتَى نَجْرَانَ بِهِ ضُرٌّ إِلَّا قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَدْخُلُ فِي دِينِي حَتَّى أَدْعُوَ اللَّهَ فَيُعَافِيَكَ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُوَحِّدُ اللَّهَ وَيُسْلِمُ، وَيَدْعُو لَهُ عَبْدُ اللَّهِ فَيُشْفَى، حَتَّى لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ مِمَّنْ بِهِ ضُرٌّ إِلَّا أَتَاهُ وَاتَّبَعَهُ وَدَعَا لَهُ فَعُوفِيَ. فَرُفِعَ شَأْنُهُ إِلَى مَلِكِ نَجْرَانَ، فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: أَفْسَدْتَ عَلَيَّ أَهْلَ قَرْيَتِي وَخَالَفْتَ دِينِي، لَأُمَثِّلَنَّ بِكَ! فَقَالَ: لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ. فَجَعَلَ يُرْسِلُهُ إِلَى الْجَبَلِ الطَّوِيلِ فَيُلْقَى مِنْ رَأْسِهِ فَيَقَعُ عَلَى الْأَرْضِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى مِيَاهِ نَجْرَانَ، وَهِيَ بُحُورٌ لَا يَقَعُ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَلَكَ، فَيُلْقَى فِيهَا فَيَخْرُجُ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. فَلَمَّا غَلَبَهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثَّامِرِ: إِنَّكَ لَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِي حَتَّى تُوَحِّدَ اللَّهَ وَتُؤْمِنَ كَمَا آمَنْتُ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ قَتَلْتَنِي. فَوَحَّدَ اللَّهَ الْمَلِكُ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِعَصَا بِيَدِهِ فَشَجَّهُ شَجَّةً غَيْرَ كَبِيرَةٍ فَقَتَلَهُ، فَهَلَكَ الْمَلِكُ مَكَانَهُ، وَاجْتَمَعَ أَهْلُ نَجْرَانَ عَلَى دِينِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الثَّامِرِ. قَالَ: فَسَارَ إِلَيْهِمْ ذُو نُوَاسٍ بِجُنُودِهِ، فَجَمَعَهُمْ ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ وَخَيَّرَهُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَتْلِ، فَاخْتَارُوا الْقَتْلَ، فَخَدَّ لَهُمُ الْأُخْدُودَ، فَحَرَقَ بِالنَّارِ وَقَتَلَ بِالسَّيْفِ، حَتَّى قَتَلَ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ بِنَجْرَانَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ حِمْيَرَ يُقَالُ لَهُ: ذُو نُوَاسٍ وَاسْمُهُ يُوسُفُ بْنُ شُرَحْبِيلَ، وَكَانَ قَبْلَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَبْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ حَاذِقٌ. فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي كَبِرْتُ فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلَامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلَامًا اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثَّامِرِ لِيُعَلِّمَهُ، فَجَعَلَ يَخْتَلِفُ إِلَى السَّاحِرِ، وَكَانَ فِي طَرِيقِهِ رَاهِبٌ حَسَنُ الْقِرَاءَةِ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ الْغُلَامُ، فَأَعْجَبَهُ أَمْرُهُ، فَكَانَ إِذَا جَاءَ إِلَى الْمُعَلِّمِ يَدْخُلُ إِلَى الرَّاهِبِ فَيَقْعُدُ عِنْدَهُ، فَإِذَا جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى الْمُعَلِّمِ ضَرَبَهُ وَقَالَ لَهُ: مَا الَّذِي حَبَسَكَ؟ وَإِذَا انْقَلَبَ إِلَى أَبِيهِ دَخَلَ إِلَى الرَّاهِبِ فَيَضْرِبُهُ أَبُوهُ وَيَقُولُ: مَا الَّذِي أَبْطَأَ بِكَ؟ فَشَكَا الْغُلَامُ ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ لَهُ: إِذَا أَتَيْتَ الْمُعَلِّمَ فَقُلْ حَبَسَنِي أَبِي، وَإِذَا أَتَيْتَ أَبَاكَ فَقُلْ حَبَسَنِي الْمُعَلِّمُ. وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ قَطَعَتْ طَرِيقَ النَّاسِ، فَمَرَّ بِهَا الْغُلَامُ فَرَمَاهَا بِحَجَرٍ
فَقَتَلَهَا، وَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: إِنَّ لَكَ لَشَأْنًا، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّنَّ عَلَيَّ. وَصَارَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكَمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيَشْفِي النَّاسَ. وَكَانَ لِلْمَلِكِ ابْنُ عَمٍّ أَعْمَى، فَسَمِعَ بِالْغُلَامِ وَقَتْلِ الْحَيَّةِ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ بَصَرِي. فَقَالَ الْغُلَامُ: إِنْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ بَصَرَكَ تُؤْمِنُ بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَارْدُدْ عَلَيْهِ بَصَرَهُ، فَعَادَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ، فَلَمَّا رَآهُ تَعَجَّبَ مِنْهُ وَسَأَلَهُ، فَلَمْ يُخْبِرْهُ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ فَدَلَّهُ عَلَى الْغُلَامِ، فَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا أَرَى. فَقَالَ: أَنَا لَا أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ، فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَأَمَرَ بِهِ فَوُضِعَ الْمِنْشَارُ عَلَى رَأْسِهِ فَشُقَّ بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لِلْغُلَامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَأَرْسَلَهُ إِلَى جَبَلٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ! فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ وَهَلَكُوا. وَرَجَعَ الْغُلَامُ إِلَى الْمَلِكِ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ. فَغَاظَهُ ذَلِكَ وَأَرْسَلَهُ فِي سَفِينَةٍ إِلَى الْبَحْرِ لِيُلْقُوهُ فِيهِ، فَذَهَبُوا بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ! فَغَرِقُوا وَنَجَا، وَجَاءَ إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ بِالسَّيْفِ، فَضَرَبُوهُ فَنَبَا عَنْهُ. وَفَشَا خَبَرُهُ فِي الْيَمَنِ، فَأَعْظَمَهُ النَّاسُ وَعَلِمُوا أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ، فَقَالَ الْغُلَامُ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَنْ تَقْدِرَ عَلَى قَتْلِي إِلَّا أَنْ تَجْمَعَ أَهْلَ مَمْلَكَتِكَ وَتَرْمِيَنِي بِسَهْمٍ وَتَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ. فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ! فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: قَدْ نَزَلَ بِكَ مَا تَحْذَرُ. فَأَغْلَقَ أَبْوَابَ الْمَدِينَةِ وَخَدَّ أُخْدُودًا وَمَلَأَهُ نَارًا وَعَرَضَ النَّاسَ، فَمَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكَهُ، وَمَنْ لَمْ يَرْجِعْ أَلْقَاهُ فِي الْأُخْدُودِ فَأَحْرَقَهُ. وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ، وَكَانَ لَهَا ثَلَاثُ بَنِينَ، أَحَدُهُمْ رَضِيعٌ، فَقَالَ لَهَا الْمَلِكُ: ارْجِعِي وَإِلَّا قَتَلْتُكِ أَنْتِ وَأَوْلَادَكِ، فَأَبَتْ، فَأَلْقَى ابْنَيْهَا الْكَبِيرَيْنِ، فَأَبَتْ، ثُمَّ أَخَذَ الصَّغِيرَ لِيُلْقِيَهُ فَهَمَّتْ بِالرُّجُوعِ. قَالَ لَهَا الصَّغِيرُ: يَا أُمَّاهُ لَا تَرْجِعِي عَنْ دِينِكِ، لَا بَأْسَ عَلَيْكِ! فَأَلْقَاهُ وَأَلْقَاهَا فِي أَثَرِهِ، وَهَذَا الطِّفْلُ أَحَدُ مَنْ تَكَلَّمَ صَغِيرًا. قِيلَ: حَفَرَ رَجُلٌ خَرِبَةً بِنَجْرَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَرَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الثَّامِرِ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى ضَرْبَةٍ فِي رَأْسِهِ، فَإِذَا رُفِعَتْ عَنْهَا يَدُهُ جَرَتْ دَمًا، وَإِذَا أُرْسِلَتْ يَدُهُ رَدَّهَا إِلَيْهَا وَهُوَ قَاعِدٌ، فَكَتَبَ فِيهِ إِلَى عُمَرَ، فَأَمَرَ بِتَرْكِهِ عَلَى حَالِهِ.
ذِكْرُ مُلْكِ الْحَبَشَةِ الْيَمَنَ قِيلَ: لَمَّا قَتَلَ ذُو نُوَاسٍ مَنْ قَتَلَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فِي الْأُخْدُودِ لِأَجْلِ الْعَوْدِ عَنِ النَّصْرَانِيَّةِ، أَفْلَتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: دَوْسٌ ذُو ثَعْلَبَانَ حَتَّى أَعْجَزَ الْقَوْمَ، فَقَدِمَ عَلَى قَيْصَرَ فَاسْتَنْصَرَهُ عَلَى ذِي نُوَاسٍ وَجُنُودِهِ وَأَخْبَرَهُ بِمَا فَعَلَ بِهِمْ. فَقَالَ لَهُ قَيْصَرُ: بَعُدَتْ بِلَادُكَ عَنَّا، وَلَكِنْ سَأَكْتُبُ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ وَهُوَ عَلَى هَذَا الدِّينِ وَقَرِيبٌ مِنْكُمْ. فَكَتَبَ قَيْصَرُ إِلَى مَلِكِ الْحَبَشَةِ يَأْمُرُهُ بِنَصْرِهِ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ مَلِكُ الْحَبَشَةِ سَبْعِينَ أَلْفًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أَرْيَاطُ، وَفِي جُنُودِهِ أَبْرَهَةُ الْأَشْرَمُ، فَسَارُوا فِي الْبَحْرِ حَتَّى نَزَلُوا بِسَاحِلِ الْيَمَنِ، وَجَمَعَ ذُو نُوَاسٍ جُنُودَهُ فَاجْتَمَعُوا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَرْبٌ غَيْرَ أَنَّهُ نَاوَشَ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ ثُمَّ انْهَزَمُوا، وَدَخَلَهَا أَرْيَاطُ. فَلَمَّا رَأَى ذُو نُوَاسٍ مَا نَزَلْ بِهِ وَبِقَوْمِهِ اقْتَحَمَ الْبَحْرَ بِفَرَسِهِ فَغَرِقَ، وَوَطِئَ أَرْيَاطُ الْيَمَنَ فَقَتَلَ ثُلُثَ رِجَالِهِمْ، وَبَعَثَ إِلَى النَّجَاشِيِّ بِثُلُثِ سَبَايَاهُمْ، ثُمَّ أَقَامَ بِهَا وَذَلَّ أَهْلُهَا. وَقِيلَ: إِنَّ الْحَبَشَةَ لَمَّا خَرَجُوا إِلَى الْمَنْدَبِ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، كَتَبَ ذُو نُوَاسٍ إِلَى أَقْيَالِ الْيَمَنِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الِاجْتِمَاعِ عَلَى عَدُوِّهِمْ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ وَقَالُوا: يُقَاتِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَنْ بِلَادِهِ. فَصَنَعَ مَفَاتِيحَ وَحَمَلَهَا عَلَى عِدَّةٍ مِنَ الْإِبِلِ وَلَقِيَ الْحَبَشَةَ وَقَالَ: هَذِهِ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ الْأَمْوَالِ بِالْيَمَنِ، فَهِيَ لَكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا الرِّجَالَ وَالذُّرِّيَّةَ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى صَنْعَاءَ، فَقَالَ لِكَبِيرِهِمْ: وَجِّهْ أَصْحَابَكَ لِقَبْضِ الْخَزَائِنِ. فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ وَدَفَعَ إِلَيْهِمُ الْمَفَاتِيحَ، وَكَتَبَ إِلَى الْأَقْيَالِ يَقْتُلُ كُلَّ ثَوْرٍ أَسْوَدَ، فَقُتِلَتِ الْحَبَشَةُ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ. فَلَمَّا سَمِعَ النَّجَاشِيُّ جَهَّزَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ أَلْفًا مَعَ أَرْيَاطَ وَالْأَشْرَمِ، فَمَلَكَ الْبِلَادَ وَأَقَامَ بِهَا سِنِينَ، وَنَازَعَهُ أَبْرَهَةُ الْأَشْرَمُ، وَكَانَ فِي جُنْدِهِ، فَمَالَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَبَقِيَ أَرْيَاطُ فِي طَائِفَةٍ، وَسَارَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ، وَأَرْسَلَ أَبْرَهَةُ: إِنَّكَ لَنْ تَصْنَعَ بِأَنْ تُلْقِيَ الْحَبَشَةَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضِهَا شَيْئًا، فَيَهْلِكُوا، وَلَكِنِ ابْرُزْ إِلَيَّ فَأَيُّنَا قَهَرَ صَاحِبَهُ اسْتَوْلَى عَلَى جُنْدِهِ.
ذكر ملك كسرى أنوشروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد الأثيم
فَتَبَارَزَا، فَرَفَعَ أَرْيَاطُ الْحَرْبَةَ فَضَرَبَ أَبْرَهَةَ، فَوَقَعَتْ عَلَى رَأْسِهِ فَشَرَمَتْ أَنْفَهُ وَعَيْنَهُ، فَسُمِّيَ الْأَشْرَمَ. وَحَمَلَ غُلَامٌ لِأَبْرَهَةَ يُقَالُ لَهُ عَتُودَةُ، كَانَ قَدْ تَرَكَهُ كَمِينًا مِنْ خَلْفِ أَرْيَاطَ، عَلَى أَرْيَاطَ فَقَتَلَهُ، وَاسْتَوْلَى أَبْرَهَةُ عَلَى الْجُنْدِ وَالْبِلَادِ وَقَالَ لِعَتُودَةَ: احْتَكِمْ. فَقَالَ: لَا تَدْخُلُ عَرُوسٌ عَلَى زَوْجِهَا مِنَ الْيَمَنِ حَتَّى أُصِيبَهَا قَبْلَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَبَقِيَ يَفْعَلُ بِهِمْ هَذَا الْفِعْلَ حِينًا، ثُمَّ عَدَا عَلَيْهِ إِنْسَانٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَتَلَهُ، فَسُرَّ أَبْرَهَةُ بِقَتْلِهِ وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ يَحْتَكِمُ هَكَذَا لَمْ أُحَكِّمْهُ. وَلَمَّا بَلَغَ النَّجَاشِيَّ قَتْلُ أَرْيَاطَ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَحَلَفَ أَلَّا يَدَعَ أَبْرَهَةَ حَتَّى يَطَأَ أَرْضَهُ وَيَجُزَّ نَاصِيَتَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبْرَهَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَى النَّجَاشِيِّ مِنْ تُرَابِ الْيَمَنِ وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَرْسَلَهَا أَيْضًا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ وَإِرْسَالِ شَعْرِهِ وَتُرَابِهِ لِيَبِرَّ قَسَمَهُ بِوَضْعِ التُّرَابِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَرَضِيَ عَنْهُ وَأَقَرَّهُ عَلَى عَمَلِهِ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِالْيَمَنِ بَعَثَ إِلَى أَبِي مُرَّةَ ذِي يَزَنٍ، فَأَخَذَ زَوْجَتَهُ رَيْحَانَةَ بِنْتَ ذِي جُدْنٍ وَنَكَحَهَا، فَوَلَدَتْ لَهُ مَسْرُوقًا وَكَانَتْ قَدْ وَلَدَتْ لِذِي يَزَنٍ وَلَدًا اسْمُهُ مَعْدِي كَرِبَ، وَهُوَ سَيْفٌ، فَخَرَجَ ذُو يَزَنٍ مِنَ الْيَمَنِ فَقَدِمَ الْحِيرَةَ عَلَى عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ إِلَى كِسْرَى كِتَابًا يُعْلِمْهُ مَحَلَّهُ وَشَرَفَهُ وَحَاجَتَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَفِدُ إِلَى الْمَلِكِ كُلَّ سَنَةٍ وَهَذَا وَقْتُهَا، فَأَقَامَ عِنْدَهُ حَتَّى وَفَدَ مَعَهُ وَدَخَلَ إِلَى كِسْرَى مَعَهُ، فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ وَذَكَرَ حَاجَتَهُ وَشَكَا مَا يَلْقَوْنَ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَاسْتَنْصَرَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَطْمَعَهُ فِي الْيَمَنِ وَكَثْرَةِ مَالِهَا، فَقَالَ لَهُ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ: إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أُسْعِفَكَ بِحَاجَتِكَ وَلَكِنَّ الْمَسَالِكَ إِلَيْهَا صَعْبَةٌ وَسَأَنْظُرُ، وَأَمَرَ بِإِنْزَالِهِ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ حَتَّى هَلَكَ. وَنَشَأَ ابْنُهُ مَعْدِي كَرِبَ ذِي يَزَنٍ فِي حُجْرَةِ أَبْرَهَةَ، وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ أَبُوهُ، فَسَبَّهُ ابْنٌ لَأَبْرَهَةَ وَسَبَّ أَبَاهُ، فَسَأَلَ أُمَّهُ عَنْ أَبِيهِ، فَصَدَقَتْهُ، وَأَقَامَ حَتَّى مَاتَ أَبْرَهَةُ وَابْنُهُ يَكْسُومُ وَسَارَ عَنِ الْيَمَنِ، فَفَعَلَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. [ذِكْرُ مُلْكِ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ بْنِ قُبَاذَ بْنِ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ بَهْرَامَ جَوْرَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ الْأَثِيمِ]
لَمَّا لَبِسَ التَّاجَ خَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ مَا ابْتُلُوا بِهِ مِنْ فَسَادِ أُمُورِهِمْ وَدِينِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يُصْلِحُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَمَرَ بِرُءُوسِ الْمَزْدَكِيَّةِ فَقُتِلُوا وَقُسِّمَتْ أَمْوَالُهُمْ فِي أَهْلِ الْحَاجَةِ. وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِمْ أَنَّ قُبَاذَ كَانَ، كَمَا ذَكَرْنَا، قَدِ اتَّبَعَ مَزْدَكَ عَلَى دِينِهِ وَمَا دَعَاهُ إِلَيْهِ، وَأَطَاعَهُ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ مِنَ الزَّنْدَقَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا ذَكَرْنَا أَيَّامَ قُبَاذَ، وَكَانَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ يَوْمَئِذٍ عَامِلًا عَلَى الْحِيرَةِ وَنَوَاحِيهَا، فَدَعَاهُ قُبَاذُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَبَى، فَدَعَا الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ، فَأَجَابَهُ، فَسَدَّدَ لَهُ مُلْكَهُ وَطَرَدَ الْمُنْذِرَ عَنْ مَمْلَكَتِهِ، وَكَانَتْ أُمُّ أَنُوشِرْوَانَ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيْ قُبَاذَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَزْدَكُ. فَلَمَّا رَأَى أُمَّ أَنُوشِرْوَانَ قَالَ لِقُبَاذَ: ادْفَعْهَا إِلَيَّ لِأَقْضِيَ حَاجَتِي مِنْهَا. فَقَالَ دُونَكَهَا. فَوَثَبَ إِلَيْهِ أَنُوشِرْوَانُ، وَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ أَنْ يَهَبَ لَهُ أُمَّهُ حَتَّى قَبَّلَ رِجْلَهُ، فَتَرَكَهَا فَحَاكَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ. فَهَلَكَ قُبَاذُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ وَمَلَكَ أَنُوشِرْوَانُ، فَجَلَسَ لِلْمُلْكِ، وَلَمَّا بَلَغَ الْمُنْذِرَ هَلَاكُ قُبَاذَ أَقْبَلَ إِلَى أَنُوشِرْوَانَ، وَقَدْ عَلِمَ خِلَافَهُ عَلَى أَبِيهِ فِي مَذْهَبِهِ وَاتِّبَاعِ مَزْدَكَ، فَإِنَّ أَنُوشِرْوَانَ كَانَ مُنْكِرًا لِهَذَا الْمَذْهَبِ كَارِهًا لَهُ، ثُمَّ إِنَّ أَنُوشِرْوَانَ أَذِنَ لِلنَّاسِ إِذْنًا عَامًّا، وَدَخَلَ عَلَيْهِ مَزْدَكُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ الْمُنْذِرُ، فَقَالَ أَنُوشِرْوَانُ: إِنِّي كُنْتُ تَمَنَّيْتُ أُمْنِيَتَيْنِ، أَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ جَمَعَهَا إِلَيَّ. فَقَالَ مَزْدَكُ: وَمَا هُمَا أَيُّهَا الْمَلِكُ؟ .
قَالَ: تَمَنَّيْتُ أَنْ أَمْلِكَ وَأَسْتَعْمِلَ هَذَا الرَّجُلَ الشَّرِيفَ، يَعْنِي الْمُنْذِرَ، وَأَنْ أَقْتُلَ هَذِهِ الزَّنَادِقَةَ. فَقَالَ مَزْدَكُ: أَوَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَقْتُلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ؟ فَقَالَ: وَإِنَّكَ هَاهُنَا يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ! وَاللَّهِ مَا ذَهَبَ نَتَنُ رِيحِ جَوْرَبِكَ مِنْ أَنْفِي مُنْذُ قَبَّلْتُ رِجْلَكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا. وَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ وَصُلِبَ. وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَا بَيْنَ جَازِرَ إِلَى النَّهْرَوَانِ وَإِلَى الْمَدَائِنِ فِي ضَحْوَةٍ وَاحِدَةٍ مِائَةَ أَلْفِ زِنْدِيقٍ وَصَلَبَهُمْ، وَسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ أَنُوشِرْوَانُ. وَطَلَبَ أَنُوشِرْوَانُ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ وَهُوَ بِالْأَنْبَارِ، فَخَرَجَ هَارِبًا فِي صَحَابَتِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ، فَمَرَّ بِالثَّوِيَّةِ، فَتَبِعَهُ الْمُنْذِرُ بِالْخَيْلِ مِنْ تَغْلِبَ وَإِيَادَ وَبَهْرَاءَ، فَلَحِقَ بِأَرْضِ كَلْبٍ وَنَجَا وَانْتَهَبُوا مَالَهُ وَهَجَائِنَهُ، وَأَخَذَتْ بَنُو تَغْلِبَ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ نَفْسًا مِنْ بَنِي آكِلِ الْمُرَارِ فَقَدِمُوا بِهِمْ عَلَى الْمُنْذِرِ، فَضَرَبَ رِقَابَهُمْ بِجَفْرِ الْأَمْلَاكِ فِي دِيَارِ بَنِي مَرِينَ الْعَبَّادِيِّينَ بَيْنَ دَيْرِ بَنِي هِنْدٍ وَالْكُوفَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: فَآبُوا بِالنِّهَابِ وَبِالسَّبَايَا ... وَأُبْنَا بِالْمُلُوكِ مُصَفَّدِينَا. وَفِيهِمْ يَقُولُ امْرُؤُ الْقَيْسِ: مُلُوكٌ مِنْ بَنِي حُجْرِ بْنِ عَمْرٍو ... يُسَاقُونَ الْعَشِيَّةَ يَقْتُلُونَا. فَلَوْ فِي يَوْمِ مَعْرَكَةٍ أُصِيبُوا ... وَلَكِنْ فِي دِيَارِ بَنِي مَرِينَا وَلَمْ تُغْسَلْ جَمَاجِمُهُمْ بِغُسْلٍ ... وَلَكِنْ فِي الدِّمَاءِ مُرَمَّلِينَا تَظَلُّ الطَّيْرُ عَاكِفَةً عَلَيْهِمْ ... وَتَنْتَزِعُ الْحَوَاجِبَ وَالْعَيُونَا
وَلَمَّا قَتَلَ أَنُوشِرْوَانُ مَزْدَكَ وَأَصْحَابَهُ، أَمَرَ بِقَتْلِ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ دَخَلَ عَلَى النَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَرَدَّ الْأَمْوَالَ إِلَى أَهْلِهَا، وَأَمَرَ بِكُلِّ مَوْلُودٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَنْ يَلْحَقَ بِمَنْ هُوَ مِنْهُمْ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ أَبُوهُ، وَأَنْ يُعْطَى نَصِيبًا مِنْ مِلْكِ الرَّجُلِ الَّذِي يُسْنَدُ إِلَيْهِ إِذَا قَبِلَهُ الرَّجُلُ، وَبِكُلِّ امْرَأَةٍ غُلِبَتْ عَلَى نَفْسِهَا أَنْ يُؤْخَذَ مَهْرُهَا مِنَ الْغَالِبِ، ثُمَّ تُخَيَّرَ الْمَرْأَةُ بَيْنَ الْإِقَامَةِ عِنْدَهُ وَبَيْنَ فِرَاقِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا زَوْجٌ فَتُرَدَّ إِلَيْهِ. وَأَمَرَ بِعِيَالِ ذَوِي الْأَحْسَابِ الَّذِينَ مَاتَ قَيِّمُهُمْ فَأَنْكَحَ بَنَاتِهِمُ الْأَكْفَاءَ، وَجَهَّزَهُنَّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَأَنْكَحَ نِسَاءَهُمْ مِنَ الْأَشْرَافِ، وَاسْتَعَانَ بِأَبْنَائِهِمْ فِي أَعْمَالِهِ، وَعَمَّرَ الْجُسُورَ وَالْقَنَاطِرَ، وَأَصْلَحَ الْخَرَابَ، وَتَفَقَّدَ الْأَسَاوِرَةَ وَأَعْطَاهُمْ، وَبَنَى فِي الطُّرُقِ الْقُصُورَ وَالْحُصُونَ، وَتَخَيَّرَ الْوُلَاةَ وَالْعُمَّالَ وَالْحُكَّامَ، وَاقْتَدَى بِسِيرَةِ أَرْدَشِيرَ، وَارْتَجَعَ بِلَادًا كَانَتْ مَمْلَكَةَ الْفُرْسِ، مِنْهَا: السِّنْدُ وَسِنْدُوسِتْ وَالرُّخَّجُ وَزَابُلِسْتَانُ وَطَخَارِسْتَانُ، وَأَعْظَمَ الْقَتْلَ فِي الْبَازِرِ وَأَجْلَى بَقِيَّتَهُمْ عَنْ بِلَادِهِ. وَاجْتَمَعَ أَبْخَزُ وَبَنْجَرُ وَبَلَنْجَرُ وَاللَّانُ عَلَى قَصْدِ بِلَادِهِ، فَقَصَدُوا أَرْمِينِيَّةَ لِلْغَارَةِ عَلَى أَهْلِهَا، وَكَانَ الطَّرِيقُ سَهْلًا، فَأَمْهَلَهُمْ كِسْرَى حَتَّى تَوَغَّلُوا فِي الْبِلَادِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ جُنُودًا، فَقَاتَلُوهُمْ فَأَهْلَكُوهُمْ مَا خَلَا عَشَرَةَ آلَافِ رَجُلٍ أُسِرُوا فَأُسْكِنُوا أَذْرَبِيجَانَ. وَكَانَ لِكِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ وَلَدٌ هُوَ أَكْبَرُ أَوْلَادِهِ اسْمُهُ أَنُوشَزَادَ، فَبَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ، فَسَيَّرَهُ إِلَى جُنْدَيْسَابُورَ وَجَعَلَ مَعَهُ جَمَاعَةً يَثِقُ بِدِينِهِمْ لِيُصْلِحُوا دِينَهُ وَأَدَبَهُ. فَبَيْنَمَا هُمْ عِنْدَهُ إِذْ بَلَغَهُ خَبَرُ مَرَضِ وَالِدِهِ لَمَّا دَخَلَ بِلَادَ الرُّومِ، فَوَثَبَ بِمَنْ عِنْدَهُ فَقَتَلَهُمْ وَأَخْرَجَ أَهْلَ السُّجُونِ فَاسْتَعَانَ بِهِمْ وَجَمَعَ عِنْدَهُ جُمُوعًا مِنَ الْأَشْرَارِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ نَائِبَ أَبِيهِ بِالْمَدَائِنِ عَسْكَرًا، فَحَصَرُوهُ بِجُنْدَيْسَابُورَ، وَأَرْسَلَ الْخَبَرَ إِلَى كِسْرَى، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْجِدِّ فِي أَمْرِهِ وَأَخْذِهِ أَسِيرًا، فَاشْتَدَّ الْحِصَارُ حِينَئِذٍ عَلَيْهِ وَدَخَلَ الْعَسَاكِرُ الْمَدِينَةَ عَنْوَةً فَقَتَلُوا بِهَا خَلْقًا كَثِيرًا وَأَسَرُوا أَنُوشَزَادَ، فَبَلَغَهُ خَبَرُ جَدِّهِ لِأُمِّهِ الدَّاوُرِ الرَّازِيِّ، فَوَثَبَ بِعَامِلِ سِجِسْتَانَ
وَقَاتَلَهُ، فَهَزَمَهُ الْعَامِلُ، فَالْتَجَأَ إِلَى مَدِينَةِ الرُّخَّجِ وَامْتَنَعَ بِهَا، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى يَعْتَذِرُ وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُنْفِذَ إِلَيْهِ مَنْ يُسَلِّمُ لَهُ الْبَلَدَ، فَفَعَلَ وَآمَنُهُ. وَكَانَ الْمَلِكُ فَيْرُوزُ قَدْ بَنَى بِنَاحِيَةِ صُولٍ وَاللَّانِ بِنَاءً يُحَصِّنُ بِهِ بِلَادَهُ، وَبَنَى عَلَيْهِ ابْنُهُ قُبَاذُ زِيَادَةً، فَلَمَّا مَلَكَ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانُ بَنَى فِي نَاحِيَةِ صُولٍ وَجُرْجَانَ بِنَاءً كَثِيرًا وَحُصُونًا حَصَّنَ بِهَا بِلَادَهُ جَمِيعَهَا. وَإِنَّ سَيْجَيُورْ خَاقَانَ قَصَدَ بِلَادَهُ، وَكَانَ أَعْظَمَ التُّرْكِ، وَاسْتَمَالَ الْخَزَرَ وَأَبْخَزَ وَبَلَنْجَرَ، فَأَطَاعُوهُ، فَأَقْبَلَ فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ وَكَتَبَ إِلَى كِسْرَى يَطْلُبُ مِنْهُ الْإِتَاوَةَ وَيَتَهَدَّدُهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلَمْ يُجِبْهُ كِسْرَى إِلَى شَيْءٍ مِمَّا طَلَبَ لِتَحْصِينِهِ بِلَادَهُ، وَإِنَّ ثَغْرَ أَرْمِينِيَّةَ قَدْ حَصَّنَهُ، فَصَارَ يَكْتَفِي بِالْعَدَدِ الْيَسِيرِ، فَقَصَدَهُ خَاقَانُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، وَعَادَ خَائِبًا، وَهَذَا خَاقَانُ هُوَ الَّذِي قَتَلَ وِرْدَ مَلِكِ الْهَيَاطِلَةِ وَأَخَذَ كَثِيرًا مِنْ بِلَادِهِمْ. ذِكْرُ مُلْكِ كِسْرَى بِلَادَ الرُّومِ كَانَ بَيْنَ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ وَبَيْنَ غَطْيَانُوسْ مَلِكِ الرُّومِ هُدْنَةٌ، فَوَقَعَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ، كَانَ مَلَّكَهُ غَطْيَانُوسْ عَلَى عَرَبِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ خَالِدُ بْنُ جَبَلَةَ، وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ لَخْمٍ كَانَ مَلَّكَهُ كِسْرَى عَلَى عُمَانَ وَالْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَامَةِ إِلَى الطَّائِفِ وَسَائِرِ الْحِجَازِ يُقَالُ لَهُ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ، فِتْنَةٌ، فَأَغَارَ خَالِدٌ عَلَى ابْنِ النُّعْمَانِ، فَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَغَنِمَ أَمْوَالَهُ ; فَكَتَبَ كِسْرَى إِلَى غَطْيَانُوسْ يُذَكِّرُهُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْعَهْدِ وَالصُّلْحِ وَيُعْلِمُهُ مَا لَقِيَ الْمُنْذِرُ مِنْ خَالِدٍ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْمُرَ خَالِدًا بِرَدِّ مَا غَنِمَ إِلَى الْمُنْذِرِ، وَيَدْفَعَ لَهُ دِيَةَ مَنْ قَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَيُنْصِفَهُ مِنْ خَالِدٍ، وَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ يَنْقُضُ الصُّلْحَ. وَوَالَى الْكُتُبَ إِلَى غَطْيَانُوسْ فِي إِنْصَافِ الْمُنْذِرِ، فَلَمْ يَحْفِلْ بِهِ.
فَاسْتَعَدَّ كِسْرَى وَغَزَا بِلَادَ غَطْيَانُوسْ فِي بِضْعَةٍ وَسَبْعِينَ أَلْفًا، وَكَانَ طَرِيقُهُ عَلَى الْجَزِيرَةِ، فَأَخَذَ مَدِينَةَ دَارَا وَمَدِينَةَ الرُّهَاءِ، وَعَبَرَ إِلَى الشَّامِ فَمَلَكَ مَنْبِجَ وَحَلَبَ وَأَنْطَاكِيَّةَ، وَكَانَتْ أَفْضَلَ مَدَائِنِ الشَّامِ وَفَامِيَّةَ وَحِمْصَ وَمُدُنًا كَثِيرَةً مُتَاخِمَةً لِهَذِهِ الْمَدَائِنِ عَنْوَةً، وَاحْتَوَى كُلَّ مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْعُرُوضِ، وَسَبَى أَهْلَ مَدِينَةِ أَنْطَاكِيَّةَ وَنَقَلَهُمْ إِلَى أَرْضِ السَّوَادِ، وَأَمَرَ فَبُنِيَتْ لَهُمْ مَدِينَةٌ إِلَى جَانِبِ مَدِينَةِ طَيْسَفُونَ عَلَى بِنَاءِ مَدِينَةِ أَنْطَاكِيَّةَ وَأَسْكَنَهُمْ إِيَّاهَا، وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى الرُّومِيَّةُ، وَكَوَّرَ لَهَا خَمْسَةَ طَسَاسِيجَ: طَسُّوجُ النَّهْرَوَانِ الْأَعْلَى، وَطَسُّوجُ النَّهْرَوَانِ الْأَوْسَطُ، وَطَسُّوجُ النَّهْرَوَانِ الْأَسْفَلُ، وَطَسُّوجُ بَادَرَايَا، وَطَسُّوجُ بَاكُسَايَا، وَأَجْرَى عَلَى السَّبْيِ الَّذِينَ نَقَلَهُمْ إِلَيْهَا مِنْ أَنْطَاكِيَّةَ الْأَرْزَاقَ، وَوَلَّى الْقِيَامَ بِأَمْرِهِمْ رَجُلًا مِنْ نَصَارَى الْأَهْوَازِ لِيَسْتَأْنِسُوا بِهِ لِمُوَافَقَتِهِ عَلَى الدِّينِ. وَأَمَّا سَائِرُ مُدُنِ الشَّامِ وَمُضَرَ فَإِنَّ غَطْيَانُوسْ ابْتَاعَهَا مِنْ كِسْرَى بِأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ حَمَلَهَا إِلَيْهِ، وَضَمِنَ لَهُ فِدْيَةً يَحْمِلُهَا إِلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ عَلَى أَنْ لَا يَغْزُوَ بِلَادَهُ، فَكَانُوا يَحْمِلُونَهَا كُلَّ عَامٍ. وَسَارَ أَنُوشِرْوَانُ مِنَ الرُّومِ إِلَى الْخَزَرِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ وَغَنِمَ وَأَخَذَ مِنْهُمْ بِثَأْرِ رَعِيَّتِهِ، ثُمَّ قَصَدَ الْيَمَنَ فَقَتَلَ فِيهَا وَغَنِمَ، وَعَادَ إِلَى الْمَدَائِنِ وَقَدْ مَلَكَ مَا دُونَ هِقْلَةَ وَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَحْرَيْنِ وَعُمَانَ. وَمَلَّكَ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ عَلَى الْحِيرَةِ وَأَكْرَمَهُ، وَسَارَ نَحْوَ الْهَيَاطِلَةِ لِيَأْخُذَ بِثَأْرِ جَدِّهِ فَيْرُوزَ، وَكَانَ أَنُوشِرْوَانُ قَدْ صَاهَرَ خَاقَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَدَخَلَ كِسْرَى بِلَادَهُمْ فَقَتَلَ مَلِكُهُمْ، وَاسْتَأْصَلَ أَهْلَ بَيْتِهِ، وَتَجَاوَزَ بَلْخَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَأَنْزَلَ جُنُودَهُ فَرْغَانَةَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَغَزَا الْبُرْجَانَ ثُمَّ رَجَعَ وَأَرْسَلَ جُنْدَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَتَلُوا الْحَبَشَةَ وَمَلَكُوا الْبِلَادَ. وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَكَانَ مَوْلِدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِ مُلْكِهِ.
وَقِيلَ: وُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبُو رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مَضَتْ مِنْ مُلْكِ أَنُوشِرْوَانَ، وَوُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مِنْ مُلْكِهِ. قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: مَلَكَ الْعَرَبَ مِنْ قِبَلِ مُلُوكِ الْفُرْسِ بَعْدَ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَخُوهُ الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ النُّعْمَانُ بْنُ الْأَسْوَدِ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ أَبُو يَعْفُرَ بْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيٍّ اللَّخْمِيُّ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ الْمُنْذِرُ بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ الْبَدْءِ وَلُقِّبَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِضَفِيرَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ، وَأُمُّهُ مَاءُ السَّمَاءِ، وَهِيَ مَاوِيَّةُ ابْنَةُ عَمْرِو بْنِ جُشَمَ بْنِ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ عَمْرُو بْنُ الْمُنْذِرِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً. قَالَ: وَلِثَمَانِي سِنِينَ وَثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مِنْ وِلَايَتِهِ وُلِدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ أَيَّامَ أَنُوشِرْوَانَ عَامَ الْفِيلِ. فَلَمَّا دَانَتْ لِكِسْرَى بِلَادُ الْيَمَنِ وَجَّهَ إِلَى سَرَنْدِيبَ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ، وَهِيَ أَرْضُ الْجَوْهَرِ، قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ مِنْ جُنْدٍ كَثِيفٍ، فَقَاتَلَ مَلِكَهَا، فَقَتَلَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَحَمَلَ إِلَى كِسْرَى مِنْهَا أَمْوَالًا عَظِيمَةً وَجَوَاهِرَ كَثِيرَةً. وَلَمْ يَكُنْ بِبِلَادِ فَارِسَ بَنَاتُ آوَى، فَجَاءَتْ إِلَيْهَا مِنْ بِلَادِ التُّرْكِ فِي مُلْكِ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ، فَشَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَأَحْضَرَ مُوبَذَانْ مُوبَذْ وَقَالَ لَهُ: قَدْ بَلَغَنَا تَسَاقُطُ هَذِهِ السِّبَاعِ إِلَى بِلَادِنَا وَقَدْ تَعَاظَمْنَا ذَلِكَ، فَأَخْبِرْنَا بِرَأْيِكَ فِيهَا. فَقَالَ: سَمِعْتُ فُقَهَاءَنَا يَقُولُونَ: مَتَى لَمْ يَغْلِبِ الْعَدْلُ الْجَوْرَ فِي الْبِلَادِ بَلْ جَارَ أَهْلُهَا، غَزَاهُمْ أَعْدَاؤُهُمْ وَأَتَاهُمْ مَا يَكْرَهُونَ. فَلَمْ يَلْبَثْ كِسْرَى أَنْ أَتَاهُ أَنَّ فِتْيَانًا مِنَ التُّرْكِ قَدْ غَزَوْا أَقْصَى بِلَادِهِ، فَأَمَرَ وُزَرَاءَهُ وَعُمَّالَهُ أَنْ
لَا يَتَعَدُّوا فِيمَا هُمْ بِسَبِيلِهِ الْعَدْلَ، وَلَا يَعْمَلُوا فِي شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا بِهِ، فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَصَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ الْعَدُوَّ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ. ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ أَنُوشِرْوَانُ بِأَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ كَانَتْ أَرْمِينِيَّةُ وَأَذْرَبِيجَانُ بَعْضُهَا لِلرُّومِ وَبَعْضُهَا لِلْخَزَرِ، فَبَنَى قُبَاذُ سُورًا مِمَّا يَلِي بَعْضَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَمَلَكَ ابْنُهُ أَنُوشِرْوَانُ وَقَوِيَ أَمْرُهُ وَغَزَا فَرْغَانَةَ وَالْبُرْجَانَ، وَعَادَ بَنَى الشَّابَرَانَ وَمَدِينَةَ مَسْقَطَ وَمَدِينَةَ الْبَابِ وَالْأَبْوَابَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ أَبْوَابًا لِأَنَّهَا بُنِيَتْ عَلَى طَرِيقٍ فِي الْجَبَلِ، وَأَسْكَنَ الْمُدُنَ قَوْمًا سَمَّاهُمُ السَّيَاسَجِينَ، وَبَنَى غَيْرَ هَذِهِ الْمُدُنِ، وَبَنَى لِكُلِّ بَابٍ قَصْرًا مِنْ حِجَارَةٍ، وَبَنَى بِأَرْضِ جُرْزَانَ مَدِينَةَ سَغْدَبِيلَ وَأَنْزَلَهَا السُّغْدَ وَأَبْنَاءَ فَارِسَ، وَبَنَى بَابَ اللَّانِ، وَفَتَحَ جَمِيعَ مَا كَانَ بِأَرْضِ الرُّومِ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ، وَعَمَّرَ مَدِينَةَ أَرْدَبِيلَ وَعِدَّةَ حُصُونٍ، وَكَتَبَ إِلَى مَلِكِ التُّرْكِ يَسْأَلُهُ الْمُوَادَعَةَ وَالِاتِّفَاقَ وَيَخْطُبُ إِلَيْهِ ابْنَتَهُ، وَرَغِبَ فِي صِهْرِهِ، وَتَزَوَّجَ كُلُّ وَاحِدٍ بِابْنَةِ الْآخَرِ. فَأَمَّا كِسْرَى فَإِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى خَاقَانَ مَلِكِ التُّرْكِ بِنْتًا كَانَتْ قَدْ تَبَنَّتْهَا بَعْضُ نِسَائِهِ وَذَكَرَ أَنَّهَا ابْنَتُهُ، وَأَرْسَلَ مَلِكُ التُّرْكِ ابْنَتَهُ، وَاجْتَمَعَا، فَأَمَرَ أَنُوشِرْوَانُ جَمَاعَةً مِنْ ثِقَاتِهِ أَنْ يَكْبِسُوا طَرَفًا مِنْ عَسْكَرِ التُّرْكِ وَيُحْرِقُوا فِيهِ، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا شَكَا مَلِكُ التُّرْكِ ذَلِكَ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ بِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ بَعْدَ لَيَالٍ، فَضَجَّ التُّرْكِيُّ، فَرَفُقَ بِهِ أَنُوشِرْوَانُ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ أَنُوشِرْوَانُ أَنْ تُلْقَى النَّارُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ عَسْكَرِهِ فِيهَا أَكْوَاخٌ مِنْ حَشِيشٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ شَكَا إِلَى التُّرْكِيِّ، قَالَ: كَافَأْتَنِي بِالتُّهْمَةِ! فَحَلَفَ التُّرْكِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ أَنُوشِرْوَانُ لَهُ: إِنَّ جُنْدَنَا قَدْ كَرِهُوا صُلْحَنَا لِانْقِطَاعِ الْعَطَاءِ وَالْغَارَاتِ، وَلَا آمَنُ أَنْ يُحْدِثُوا حَدَثًا يُفْسِدُ قُلُوبَنَا فَنَعُودَ إِلَى الْعَدَاوَةِ، وَالرَّأْيُ أَنْ تَأْذَنَ لِي فِي بِنَاءِ سُورٍ يَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ نَجْعَلُ عَلَيْهِ أَبْوَابًا فَلَا يَدْخُلُ إِلَيْكَ إِلَّا مَنْ تُرِيدُهُ وَلَا يَدْخُلُ إِلَيْنَا إِلَّا مَنْ نُرِيدُهُ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. وَبَنَى أَنُوشِرْوَانُ السُّورَ مِنَ الْبَحْرِ وَأَلْحَقَهُ بِرُءُوسِ الْجِبَالِ، وَعَمِلَ عَلَيْهِ أَبْوَابَ الْحَدِيدِ وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يَحْرُسُهُ. فَقِيلَ لِمَلِكِ التُّرْكِ: إِنَّهُ خَدَعَكَ وَزَوَّجَكَ غَيْرَ ابْنَتِهِ
وَتَحَصَّنَ مِنْكَ فَلَمْ تَقْدِرْ لَهُ عَلَى حِيلَةٍ. وَمَلَّكَ أَنُوشِرْوَانُ مُلُوكًا رَتَّبَهُمْ عَلَى النَّوَاحِي، فَمِنْهُمْ صَاحِبُ السَّرِيرِ، وَفِيلَانْ شَاهْ، وَاللَّكْزُ وَمَسْقَطُ وَغَيْرُهَا، وَلَمْ تَزَلْ أَرْمِينِيَّةُ بِأَيْدِي الْفُرْسِ حَتَّى ظَهَرَ الْإِسْلَامُ، فَرَفَضَ كَثِيرٌ مِنَ السَّيَاسَجِينُ حُصُونَهُمْ وَمَدَائِنَهُمْ حَتَّى خُرِّبَتْ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْخَزَرُ وَالرُّومُ، وَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَهِيَ كَذَلِكَ. ذِكْرُ أَمْرِ الْفِيلِ لَمَا دَامَ مُلْكُ أَبْرَهَةَ بِالْيَمَنِ وَتَمَكَّنَ بِهِ، بَنَى الْقُلَّيْسَ بِصَنْعَاءَ، وَهِيَ كَنِيسَةٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا فِي زَمَانِهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى النَّجَاشِيِّ: إِنِّي قَدْ بَنَيْتُ لَكَ كَنِيسَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، وَلَسْتُ بِمُنْتَهٍ حَتَّى أَصْرِفَ إِلَيْهَا حَاجَّ الْعَرَبِ. فَلَمَّا تَحَدَّثَتِ الْعَرَبُ بِذَلِكَ غَضِبَ رَجُلٌ مِنَ النَّسَأَةِ مِنْ بَنِي فُقَيْمٍ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَاهَا فَقَعَدَ فِيهَا وَتَغَوَّطَ، ثُمَّ لَحِقَ بِأَهْلِهِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ أَبْرَهَةُ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ فِعْلُ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، الَّذِي تَحُجُّهُ الْعَرَبُ بِمَكَّةَ، غَضِبَ لَمَّا سَمِعَ أَنَّكَ تُرِيدُ صَرْفَ الْحُجَّاجِ عَنْهُ فَفَعَلَ هَذَا. فَغَضِبَ أَبْرَهَةُ وَحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إِلَى الْبَيْتِ فَيَهْدِمَهُ، وَأَمَرَ الْحَبَشَةَ فَتَجَهَّزَتْ، وَخَرَجَ مَعَهُ بِالْفِيلِ وَاسْمُهُ مَحْمُودُ.
وَقِيلَ: كَانَ مَعَهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ فِيلًا وَهِيَ تَتْبَعُ مَحْمُودًا، وَإِنَّمَا وَحَّدَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - الْفِيلَ لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ كَبِيرَهَا مَحْمُودًا، وَقِيلَ فِي عَدَدِهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ. فَلَمَّا سَارَ سَمِعَتِ الْعَرَبُ بِهِ، فَأَعْظَمُوهُ وَرَأَوْا جِهَادَهُ حَقًّا عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ ذُو نَفَرٍ وَقَاتَلَهُ، فَهُزِمَ ذُو نَفَرٍ وَأُخِذَ أَسِيرًا، فَأَرَادَ قَتْلَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ، ثُمَّ مَضَى عَلَى وَجْهِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ الْخَثْعَمِيُّ فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ نُفَيْلٌ وَأُخِذَ أَسِيرًا، فَضَمِنَ لِأَبْرَهَةَ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَتَرَكَهُ وَسَارَ حَتَّى إِذَا مَرَّ عَلَى الطَّائِفِ بَعَثَتْ مَعَهُ ثَقِيفٌ أَبَا رِغَالٍ يَدُلُّهُ عَلَى الطَّرِيقِ حَتَّى أَنْزَلَهُ بِالْمُغَمَّسِ، فَلَمَّا نَزَلَهُ مَاتَ أَبُو رِغَالٍ، فَرَجَمَتِ الْعَرَبُ قَبْرَهُ، فَهُوَ الْقَبْرُ الَّذِي يُرْجَمُ. وَبَعَثَ أَبْرَهَةُ الْأَسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ إِلَى مَكَّةَ، فَسَاقَ أَمْوَالَ أَهْلِهَا وَأَصَابَ فِيهَا مِائَتَيْ بَعِيرٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ أَبْرَهَةُ حَنَاطَةَ الْحِمْيَرِيَّ إِلَى مَكَّةَ فَقَالَ: سَلْ عَنْ سَيِّدِ قُرَيْشٍ وَقُلْ لَهُ: إِنِّي لَمْ آتِ لِحَرْبِكُمْ إِنَّمَا جِئْتُ لِهَدْمِ هَذَا الْبَيْتِ، فَإِنْ لَمْ تَمْنَعُوا عَنْهُ فَلَا حَاجَةَ لِي بِقِتَالِكُمْ. فَلَمَّا بَلَّغَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ مَا أَمَرَهُ قَالَ لَهُ: وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ حَرْبَهُ، هَذَا بَيْتُ اللَّهِ وَبَيْتُ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنْ يَمْنَعْهُ يَمْنَعْ بَيْتَهُ وَحَرَمَهُ، وَإِنْ يُخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَوَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا مِنْ دَفْعٍ، فَقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ مَعِي إِلَى الْمَلِكِ. فَانْطَلَقَ مَعَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَى الْعَسْكَرَ، فَسَأَلَ عَنْ ذِي نَفَرٍ، وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا، فَدُلَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَحْبِسِهِ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ غَنَاءٌ فِيمَا نَزَلَ بِنَا؟ فَقَالَ: وَمَا غَنَاءُ رَجُلٍ أَسِيرٍ بِيَدَيْ مَلِكٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَقْتُلَهُ؟ وَلَكِنْ أَنِيسٌ سَائِسُ الْفِيلِ صَدِيقٌ لِي فَأُوصِيهِ بِكَ وَأُعَظِّمُ حَقَّكَ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ لَكَ عَلَى الْمَلِكِ، فَتُكَلِّمَهُ بِمَا تُرِيدُ، وَيَشْفَعَ لَكَ عِنْدَهُ إِنْ قَدَرَ. قَالَ: حَسْبِي. فَبَعَثَ ذُو نَفَرٍ إِلَى أُنَيْسٍ، فَحَضَرَهُ وَأَوْصَاهُ بِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ سَيِّدُ قُرَيْشٍ. فَكَلَّمَ أُنَيْسٌ أَبْرَهَةَ وَقَالَ: هَذَا سَيِّدُ قُرَيْشٍ يَسْتَأْذِنُ، فَأَذِنَ لَهُ. وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ رَجُلًا عَظِيمًا وَسِيمًا، فَلَمَّا رَآهُ أَبْرَهَةُ أَجَلَّهُ وَأَكْرَمَهُ وَنَزَلَ
عَنْ سَرِيرِهِ إِلَيْهِ وَجَلَسَ مَعَهُ عَلَى بِسَاطٍ وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَنْبِهِ وَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ مَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ لَهُ التُّرْجُمَانُ ذَلِكَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: حَاجَتِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَابَهَا لِي. فَقَالَ أَبْرَهَةُ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ قَدْ كُنْتَ أَعْجَبْتَنِي حِينَ رَأَيْتُكَ، ثُمَّ زَهِدْتُ فِيكَ حِينَ كَلَّمْتَنِي، أَتُكَلِّمُنِي فِي إِبِلِكَ، وَتَتْرُكُ بَيْتًا هُوَ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ قَدْ جِئْتُ لِهَدْمِهِ؟ . قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ وَلِلْبَيْتِ رَبٌّ يَمْنَعُهُ. قَالَ: مَا كَانَ لِيَمْنَعَ مِنِّي، وَأَمَرَ بِرَدِّ إِبِلِهِ، فَلَمَّا أَخَذَهَا قَلَّدَهَا وَجَعَلَهَا هَدْيًا، وَبَثَّهَا فِي الْحَرَامِ لِكَيْ يُصَابَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَغْضَبَ اللَّهُ. وَانْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى قُرَيْشٍ وَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ مِنْ مَكَّةَ، وَالتَّحَرُّزِ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ خَوْفًا مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ، ثُمَّ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَأَخَذَ بِحَلْقَةِ الْكَعْبَةِ، وَقَامَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَسْتَنْصِرُونَهُ عَلَى أَبْرَهَةَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ آخِذٌ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ: يَا رَبِّ لَا أَرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا ... يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمُ حِمَاكَا. إِنَّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عَادَاكَا امْنَعْهُمْ أَنْ يُخَرِّبُوا قُرَاكَا. وَقَالَ أَيْضًا: لَاهُمَّ إِنَّ الْعَبْدَ يَمْنَعُ ... رَحْلَهُ فَامْنَعْ حَلَالَكْ لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ ... وَمِحَالُهُمْ غَدْرًا مِحَالَكْ
وَلَئِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّهُ أَمْرٌ تُتِمُّ بِهِ فِعَالَكْ ... أَنْتَ الَّذِي إِنْ جَاءَ بَا غٍ نَرْتَجِيكَ لَهُ كَذَلِكْ ... وَلَّوْا وَلَمْ يَحْوُوا سِوَى خِزْيٍ وَتُهْلِكُهُمْ هُنَالِكْ ... لَمْ أَسْتَمِعْ يَوْمًا بِأَرْجَسَ مِنْهُمُ يَبْغُوا قِتَالَكْ ... جَرُّوا جُمُوعَ بِلَادِهِمْ وَالْفِيلَ كَيْ يَسْبُوا عِيَالَكْ ... عَمَدُوا حِمَاكَ بِكَيْدِهِمْ جَهْلًا وَمَا رَقَبُوا جَلَالَكْ ثُمَّ أَرْسَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَلْقَةَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى شَعَفِ الْجِبَالِ، فَتَحَرَّزُوا بِهَا يَنْتَظِرُونَ مَا يَفْعَلُ أَبْرَهَةُ بِمَكَّةَ إِذَا دَخَلَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبْرَهَةُ تَهَيَّأَ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَهَيَّأَ فِيلَهُ، وَكَانَ اسْمُهُ مَحْمُودًا، وَأَبْرَهَةُ مُجْمِعٌ لِهَدْمِ الْبَيْتِ وَالْعَوْدِ إِلَى الْيَمَنِ، فَلَمَّا وَجَّهُوا الْفِيلَ أَقْبَلَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ الْخَثْعَمِيُّ فَمَسَكَ بِأُذُنِهِ وَقَالَ: ارْجِعْ مَحْمُودُ، ارْجِعْ رَاشِدًا مِنْ حَيْثُ جِئْتَ فَإِنَّكَ فِي بَلَدِ اللَّهِ الْحَرَامِ! ثُمَّ أَرْسَلَ أُذُنَهُ، فَأَلْقَى الْفِيلُ نَفْسَهُ إِلَى الْأَرْضِ وَاشْتَدَّ نُفَيْلٌ فَصَعِدَ الْجَبَلَ، فَضَرَبُوا الْفِيلَ، فَأَبَى، فَوَجَّهُوهُ رَاجِعًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَامَ يُهَرْوِلُ، وَوَجَّهُوهُ إِلَى الشَّامِ فَفَعَلَ كَذَلِكَ، وَوَجَّهُوهُ إِلَى الْمَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَوَجَّهُوهُ إِلَى مَكَّةَ فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ. وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ مِنَ الْبَحْرِ، أَمْثَالَ الْخَطَاطِيفِ، مَعَ كُلِّ طَيْرٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ تَحْمِلُهَا، حَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ وَحَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ، فَقَذَفَتْهُمْ بِهَا وَهِيَ مِثْلُ الْحِمَّصِ وَالْعَدَسِ لَا تُصِيبُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا هَلَكَ، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ أَصَابَتْ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ سَيْلًا أَلْقَاهُمْ فِي الْبَحْرِ وَخَرَجَ مَنْ سَلِمَ مَعَ أَبْرَهَةَ هَارِبًا يَبْتَدِرُونَ الطَّرِيقَ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ وَيَسْأَلُونَ عَنْ نُفَيْلِ بْنِ حَبِيبٍ لِيَدُلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ نُفَيْلٌ حِينَ رَأَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ نِقْمَتِهِ: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبْ ... وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ غَيْرُ الْغَالِبْ وَقَالَ أَيْضًا:
أَلَا حُيِّيتَ عَنَّا يَا رُدَيْنَا ... نَعِمْنَاكُمْ مِعَ الْإِصْبَاحِ عَيْنَا أَتَانَا قَابِسٌ مِنْكُمْ عِشَاءً ... فَلَمْ يُقْدَرْ لِقَابِسِكُمْ لَدَيْنَا رُدَيْنَةُ لَوْ رَأَيْتِ وَلَمْ تَرَيْهِ ... لَدَى جَنْبِ الْمُحَصَّبِ مَا رَأَيْنَا إِذًا لَعَذَرْتِنِي وَحَمِدْتِ رَأْيِي ... وَلَمْ تَأْسَيْ لِمَا قَدْ فَاتَ بَيْنَا حَمِدْتُ اللَّهَ إِذْ عَايَنْتُ طَيْرًا ... وَخِفْتُ حِجَارَةً تُلْقَى عَلَيْنَا وَكُلُّ الْقَوْمِ يَسْأَلُ عَنْ نُفَيْلٍ ... كَأَنَّ عَلَيَّ لِلْحُبْشَانِ دَيْنَا وَأُصِيبَ أَبْرَهَةُ فِي جَسَدِهِ فَسَقَطَتْ أَعْضَاؤُهُ عُضْوًا عُضْوًا، حَتَّى قَدِمُوا بِهِ صَنْعَاءَ وَهُوَ مِثْلُ الْفَرْخِ، فَمَا مَاتَ حَتَّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ. فَلَمَّا هَلَكَ مَلَكَ ابْنُهُ يَكْسُومُ بْنُ أَبْرَهَةَ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَذَلَّتْ حِمْيَرُ وَالْيَمَنُ لَهُ، وَنَكَحَتِ الْحَبَشَةُ نِسَاءَهُمْ وَقَتَلُوا رِجَالَهُمْ وَاتَّخَذُوا أَبْنَاءَهُمْ تَرَاجِمَةً بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَرَبِ. وَلَمَّا أَهْلَكَ اللَّهُ الْحَبَشَةَ، وَعَادَ مَلِكُهُمْ وَمَعَهُ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ، وَنَزَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِنَ الْغَدِ إِلَيْهِمْ لِيَنْظُرَ مَا يَصْنَعُونَ وَمَعَهُ أَبُو مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ لَمْ يَسْمَعَا حِسًّا، فَدَخَلَا مُعَسْكَرَهُمْ فَرَأَيَا الْقَوْمَ هَلْكَى، فَاحْتَفَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حُفْرَتَيْنِ مَلْأَهُمَا ذَهَبًا وَجَوْهَرًا لَهُ وَلِأَبِي مَسْعُودٍ وَنَادَى فِي النَّاسِ، فَتَرَاجَعُوا فَأَصَابُوا مِنْ فَضْلِهِمَا شَيْئًا كَثِيرًا، فَبَقِيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي غِنًى مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ حَتَّى مَاتَ. وَبَعَثَ اللَّهُ السَّيْلَ فَأَلْقَى الْحَبَشَةَ فِي الْبَحْرِ، وَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ الْحَبَشَةَ عَنِ الْكَعْبَةِ
وَأَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ عَظَّمَتِ الْعَرَبُ قُرَيْشًا، وَقَالُوا: أَهْلُ اللَّهِ قَاتَلَ عَنْهُمْ. ثُمَّ مَاتَ يَكْسُومُ وَمَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ مَسْرُوقٌ. ذِكْرُ عَوْدِ الْيَمَنِ إِلَى حِمْيَرَ وَإِخْرَاجِ الْحَبَشَةِ عَنْهُ لَمَّا هَلَكَ يَكْسُومُ مَلَكَ الْيَمَنَ أَخُوهُ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةُ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ وَهْرِزُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ خَرَجَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنٍ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُرَّةَ، وَقِيلَ: كُنْيَةُ ذِي يَزَنٍ أَبُو مُرَّةَ، حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَيْصَرَ، وَتَنَكَّبَ كِسْرَى لِإِبْطَائِهِ عَنْ نَصْرِ أَبِيهِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَصَدَ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ لَمَّا أُخِذَتْ زَوْجَتُهُ يَسْتَنْصِرُهُ عَلَى الْحَبَشَةِ، فَوَعَدَهُ، فَأَقَامَ ذُو يَزَنٍ عِنْدَهُ، فَمَاتَ عَلَى بَابِهِ. وَكَانَ ابْنُهُ سَيْفٌ مَعَ أُمِّهِ فِي حِجْرِ أَبْرَهَةَ، وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَسَبَّهُ وَلَدُ أَبْرَهَةَ وَسَبَّ أَبَاهُ فَسَأَلَ أُمَّهُ عَنْ أَبِيهِ فَأَعْلَمَتْهُ خَبَرَهُ بَعْدَ مُرَاجَعَةٍ بَيْنَهُمَا، فَأَقَامَ حَتَّى مَاتَ أَبْرَهَةُ وَابْنُهُ يَكْسُومُ. ثُمَّ سَارَ إِلَى الرُّومِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ مَلِكِهِمْ مَا يُحِبُّ لِمُوَافَقَتِهِ الْحَبَشَةَ فِي الدِّينِ، فَعَادَ إِلَى كِسْرَى، فَاعْتَرَضَهُ يَوْمًا وَقَدْ رَكِبَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ لِي عِنْدَكَ مِيرَاثًا، فَدَعَا بِهِ كِسْرَى لَمَّا نَزَلَ فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ وَمَا مِيرَاثُكَ؟ قَالَ: أَنَا ابْنُ الشَّيْخِ الْيَمَانِيِّ الَّذِي وَعَدْتَهُ النُّصْرَةَ فَمَاتَ بِبَابِكَ، فَتِلْكَ الْعِدَةُ حَقٌّ لِي وَمِيرَاثٌ. فَرَقَّ كِسْرَى لَهُ وَقَالَ لَهُ: بَعُدَتْ بِلَادُكَ عَنَّا وَقَلَّ خَيْرُهَا وَالْمَسْلَكُ إِلَيْهَا وَعْرٌ وَلَسْتُ أُغَرِّرُ بِجَيْشِي. وَأَمَرَ لَهُ بِمَالٍ، فَخَرَجَ وَجَعَلَ يَنْثُرُ الدَّرَاهِمَ، فَانْتَهَبَهَا النَّاسُ، فَسَمِعَ كِسْرَى فَسَأَلَهُ مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: لَمْ آتِكَ لِلْمَالِ وَإِنَّمَا جِئْتُكَ لِلرِّجَالِ وَلِتَمْنَعَنِي مِنَ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ، وَإِنَّ جِبَالَ بِلَادِنَا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ. فَأُعْجِبَ كِسْرَى بِقَوْلِهِ وَقَالَ: يَظُنُّ الْمِسْكِينُ أَنَّهُ أَعْرَفُ بِبِلَادِهِ مِنِّي، وَاسْتَشَارَ وُزَرَاءَهُ فِي تَوْجِيهِ الْجُنْدِ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوبَذَانْ مُوبَذْ: أَيُّهَا الْمَلِكُ: إِنَّ لِهَذَا الْغُلَامِ حَقًّا بِنُزُوعِهِ إِلَيْكَ وَمَوْتِ أَبِيهِ بِبَابِكَ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ عِدَتِهِ بِالنُّصْرَةِ، وَفِي سُجُونِكَ رِجَالٌ ذَوُو نَجْدَةٍ وَبَأْسٍ فَلَوْ أَنَّ الْمَلِكَ وَجَّهَهُمْ مَعَهُ فَإِنْ أَصَابُوا ظَفَرًا كَانَ لِلْمَلِكِ، وَإِنْ هَلَكُوا فَقَدِ اسْتَرَاحَ وَأَرَاحَ أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ مِنْهُمْ. فَقَالَ كِسْرَى: هَذَا الرَّأْيُ. فَأَمَرَ بِمَنْ فِي السُّجُونِ، فَأُحْضِرُوا، فَكَانُوا ثَمَانِمِائَةٍ، فَقَوَّدَ عَلَيْهِمْ قَائِدًا مِنْ أَسَاوِرَتِهِ يُقَالُ لَهُ وَهْرِزُ.
وَقِيلَ: بَلْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّجُونِ سَخِطَ عَلَيْهِ كِسْرَى لِحَدَثٍ أَحْدَثَهُ فَحَبَسَهُ، وَكَانَ يَعْدِلُهُ بِأَلْفِ أَسْوَارٍ، وَأَمَرَ بِحَمْلِهِمْ فِي ثَمَانِي سُفُنٍ، فَرَكِبُوا الْبَحْرَ، فَغَرِقَتْ سَفِينَتَانِ وَخَرَجُوا بِسَاحِلِ حَضْرَمَوْتَ، وَلَحِقَ بِابْنِ ذِي يَزَنٍ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ مَسْرُوقٌ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْحَبَشَةِ وَحِمْيَرَ وَالْأَعْرَابِ، وَجَعَلَ وَهْرِزُ الْبَحْرَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَأَحْرَقَ السُّفُنَ لِئَلَّا يَطْمَعَ أَصْحَابُهُ فِي النَّجَاةِ، وَأَحْرَقَ كُلَّ مَا مَعَهُمْ مِنْ زَادٍ وَكِسْوَةٍ إِلَّا مَا أَكَلُوا وَمَا عَلَى أَبْدَانِهِمْ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّمَا أَحْرَقْتُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَأْخُذَهُ الْحَبَشَةُ إِنْ ظَفِرُوا بِكُمْ، وَإِنْ نَحْنُ ظَفِرْنَا بِهِمْ فَسَنَأْخُذُ أَضْعَافَهُ، فَإِنْ كُنْتُمْ تُقَاتِلُونَ مَعِي وَتَصْبِرُونَ أَعْلَمْتُمُونِي ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ لَا تَفْعَلُونَ اعْتَمَدْتُ عَلَى سَيْفِي حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي، فَانْظُرُوا مَا حَالُكُمْ إِذَا فَعَلَ رَئِيسُكُمْ هَذَا بِنَفْسِهِ. قَالُوا: بَلْ نُقَاتِلُ مَعَكَ حَتَّى نَمُوتَ أَوْ نَظْفَرَ. وَقَالَ لِسَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنٍ: مَا عِنْدَكَ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ مِنْ رَجُلٍ عَرَبِيٍّ وَسَيْفٍ عَرَبِيٍّ، ثُمَّ أَجْعَلُ رَجُلِي مَعَ رَجُلِكَ حَتَّى نَمُوتَ جَمِيعًا أَوْ نَظْفَرَ جَمِيعًا. قَالَ: أَنْصَفْتَ. فَجَمَعَ إِلَيْهِ سَيْفٌ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْ قَوْمِهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَحِقَهُ السَّكَاسِكَ مِنْ كِنْدَةَ، وَسَمِعَ بِهِمْ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةَ فَجَمَعَ إِلَيْهِ جُنْدَهُ، فَعَبَّأَ وَهْرِزُ أَصْحَابَهُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُوتِرُوا قِسِيَّهُمْ، وَقَالَ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالرَّمْيِ فَارْمُوا رَشْقًا. وَأَقْبَلَ مَسْرُوقٌ فِي جَمْعٍ لَا يُرَى طَرَفَاهُ، وَهُوَ عَلَى فِيلٍ، وَعَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ، وَبَيْنَ عَيْنَيْهِ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ مِثْلُ الْبَيْضَةِ لَا يَرَى دُونَ الظَّفَرِ شَيْئًا. وَكَانَ وَهْرِزُ كَلَّ بَصَرُهُ، فَقَالَ: أَرُونِي عَظِيمَهُمْ. فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُ الْفِيلِ، ثُمَّ رَكِبَ فَرَسًا، فَقَالُوا: رَكِبَ فَرَسًا، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى بَغْلَةٍ، فَقَالَ وَهْرِزُ: ذَلَّ وَذَلَّ مُلْكُهُ! وَقَالَ وَهْرِزُ: ارْفَعُوا لِي حَاجِبِي، وَكَانَ قَدْ سَقَطَا عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، فَرَفَعُوهُمَا لَهُ بِعِصَابَةٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَشَّابَةً فِي كَبِدِ فَرَسِهِ وَقَالَ: أَشِيرُوا إِلَى مَسْرُوقٍ، فَأَشَارُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ: سَأَرْمِيهِ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَصْحَابَهُ وُقُوفًا لَمْ يَتَحَرَّكُوا فَاثْبُتُوا حَتَّى أُؤْذِنَكُمْ، فَإِنِّي قَدْ أَخْطَأْتُ الرَّجُلَ، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ قَدِ اسْتَدَارُوا وَلَاثُوا بِهِ فَقَدْ أَصَبْتُهُ فَاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ. ثُمَّ رَمَاهُ فَأَصَابَ السَّهْمَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَرَمَى أَصْحَابُهُ، فَقُتِلَ مَسْرُوقٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَاسْتَدَارَتِ الْحَبَشَةُ بِمَسْرُوقٍ وَقَدْ سَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ، وَحَمَلَتِ الْفُرْسُ عَلَيْهِمْ
فَلَمْ يَكُنْ دُونَ الْهَزِيمَةِ شَيْءٌ، وَغَنِمَ الْفُرْسُ مِنْ عَسْكَرِهِمْ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُحْصَى. وَقَالَ وَهْرِزُ: كُفُّوا عَنِ الْعَرَبِ وَاقْتُلُوا السُّودَانَ وَلَا تُبْقُوا مِنْهُمْ أَحَدًا. وَهَرَبَ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ الْتَفَتَ فَرَأَى فِي جُعْبَتِهِ نَشَّابَةً فَقَالَ: لِأُمِّكَ الْوَيْلُ! أَبُعْدٌ أَمْ طُولُ مَسِيرٍ! . وَسَارَ وَهْرِزُ حَتَّى دَخَلَ صَنْعَاءَ وَغَلَبَ عَلَى بِلَادِ الْيَمَنِ وَأَرْسَلَ عُمَّالَهُ فِي الْمَخَالِيفِ. وَكَانَ مُدَّةُ مُلْكِ الْحَبَشَةِ الْيَمَنَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً، تَوَارَثَ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ مُلُوكٍ: أَرْيَاطُ، ثُمَّ أَبْرَهَةُ، ثُمَّ ابْنُهُ يَكْسُومُ، ثُمَّ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةَ، وَقِيلَ: كَانَ مُلْكُهُمْ نَحْوًا مِنْ مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. فَلَمَّا مَلَكَ وَهْرِزُ الْيَمَنَ، أَرْسَلَ إِلَى كِسْرَى يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَمْوَالٍ، وَكِتَبَ إِلَيْهِ كِسْرَى يَأْمُرُهُ أَنْ يُمَلِّكَ سَيْفَ بْنَ ذِي يَزَنٍ - وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: مَعْدِي كَرِبَ بْنَ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنٍ - عَلَى الْيَمَنِ وَأَرْضِهَا، وَفَرَضَ عَلَيْهِ كِسْرَى جِزْيَةً وَخَرَاجًا مَعْلُومًا فِي كُلِّ عَامٍ، فَمَلَّكَهُ وَهْرِزُ وَانْصَرَفَ إِلَى كِسْرَى، وَأَقَامَ سَيْفٌ عَلَى الْيَمَنِ مَلِكًا يَقْتُلُ الْحَبَشَةَ، وَيَبْقُرُ بُطُونَ الْحَبَالَى عَنِ الْحَمْلِ، وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلَ جَعَلَهُمْ خَوَلًا، فَاتَّخَذَ مِنْهُمْ جَمَّازِينَ يَسْعَوْنَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْحِرَابِ، فَمَكَثَ غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا وَالْحَبَشَةُ يَسْعَوْنَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِحِرَابِهِمْ فَضَرَبُوهُ بِالْحِرَابِ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَكَانَ مُلْكُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَوَثَبَ بِهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْحَبَشَةِ فَقَتَلَ بِالْيَمَنِ وَأَفْسَدَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ كِسْرَى بَعَثَ إِلَيْهِمْ وَهْرِزَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَأَمَرَهُ أَلَّا يَتْرُكَ بِالْيَمَنِ أَسْوَدَ وَلَا وَلَدَ عَرَبِيَّةٍ مِنْ أَسْوَدَ إِلَّا قَتَلَهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَلَا يَدَعَ رَجُلًا جَعْدًا قَطُّ شَرَكَ فِيهِ السُّودَانُ إِلَّا
قَتَلَهُ، وَأَقْبَلَ حَتَّى دَخَلَ الْيَمَنَ فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ، وَكَتَبَ إِلَى كِسْرَى يُخْبِرُهُ، فَأَقَرَّهُ عَلَى مُلْكِ الْيَمَنِ، فَكَانَ يَجْبِيهَا لِكِسْرَى حَتَّى هَلَكَ، وَأَمَّرَ بَعْدَهُ كِسْرَى ابْنَهُ الْمَرْزُبَانَ بْنَ وَهْرِزَ حَتَّى هَلَكَ، ثُمَّ أَمَّرَ بَعْدَهُ كِسْرَى التَّيْنَجَانَ بْنَ الْمَرْزُبَانِ، ثُمَّ أَمَّرَ بَعْدَهُ خَرَّ خِسْرَهْ بْنَ التَّيْنَجَانِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ. ثُمَّ إِنَّ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ غَضِبَ عَلَيْهِ فَأَحْضَرَهُ مِنَ الْيَمَنِ، فَلَمَّا قَدِمَ تَلَقَّاهُ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْفُرْسِ فَأَلْقَى عَلَيْهِ سَيْفًا كَانَ لِأَبِي كِسْرَى، فَأَجَارَهُ كِسْرَى بِذَلِكَ مِنَ الْقَتْلِ وَعَزَلَهُ عَنِ الْيَمَنِ، وَبَعَثَ بَاذَانَ إِلَى الْيَمَنِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: إِنَّ أَنُوشِرْوَانَ اسْتَعْمَلَ بَعْدَ وَهْرِزَ زَرِينَ، وَكَانَ مُسْرِفًا، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ قَتَلَ قَتِيلًا ثُمَّ سَارَ بَيْنَ أَوْصَالِهِ، فَمَاتَ أَنُوشِرْوَانُ وَهُوَ عَلَى الْيَمَنِ، فَعَزَلَهُ ابْنُهُ هُرْمُزُ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُلَاةِ الْيَمَنِ لِلْأَكَاسِرَةِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا لَمْ أَرَ لِذِكْرِهِ فَائِدَةً. ذِكْرُ مَا أَحْدَثَهُ قُرَيْشٌ بَعْدَ الْفِيلِ لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَصْحَابِ الْفِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَظُمَتْ قُرَيْشٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، فَقَالُوا لَهُمْ: أَهْلُ اللَّهِ وَقَطَنُهُ يُحَامِي عَنْهُمْ، فَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ بَيْنَهَا وَقَالُوا: نَحْنُ بَنُو إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَهْلُ الْحَرَمِ وَوُلَاةُ الْبَيْتِ وَقَاطِنُو مَكَّةَ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ مِثْلُ مَنْزِلَتِنَا، وَلَا يَعْرِفُ الْعَرَبُ لِأَحَدٍ مِثْلَ مَا يُعْرَفُ لَنَا، فَهَلُمُّوا فَلْنَتَّفِقْ عَلَى ائْتِلَافٍ أَنَّنَا لَا نُعَظِّمُ شَيْئًا مِنَ الْحِلِّ كَمَا يُعَظَّمُ الْحَرَمُ، فَإِنَّنَا إِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ اسْتَخَفَّتِ الْعَرَبُ بِنَا وَبِحَرَمِنَا وَقَالُوا: قَدْ عَظَّمَتْ قُرَيْشٌ مِنَ الْحِلِّ مِثْلَ مَا عَظَّمَتْ مِنَ الْحَرَمِ، فَتَرَكُوا الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ وَالْإِفَاضَةَ مِنْهَا، وَهُمْ يَعْرِفُونَ وَيُقِرُّونَ أَنَّهَا مِنَ الْمَشَاعِرِ وَالْحَجِّ وَدِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَيَرَوْنَ لِسَائِرِ الْعَرَبِ أَنْ
يَقِفُوا عَلَيْهَا وَأَنْ يُفِيضُوا مِنْهَا. وَقَالُوا: نَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ فَلَا نُعَظِّمُ غَيْرَهُ، وَنَحْنُ الْحُمُسُ، وَأَصْلُ الْحَمَاسَةِ الشِّدَّةُ أَنَّهُمْ تَشَدَّدُوا فِي دِينِهِمْ، وَجَعَلُوا لِمَنْ وَلَدَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ سَاكِنِي الْحِلِّ مِثْلَ مَا لَهُمْ بِوِلَادَتِهِمْ، وَدَخَلَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ كِنَانَةُ وَخُزَاعَةُ وَعَامِرٌ لِوِلَادَةٍ لَهُمْ، ثُمَّ ابْتَدَعُوا فَقَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِلْحُمُسِ أَنْ يَعْمَلُوا الْأَقِطَ، وَلَا يَسْلُأُوا السَّمْنَ وَهُمْ حُرُمٌ، وَلَا يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ شَعْرٍ، وَلَا يَسْتَظِلُّوا إِلَّا بُيُوتَ الْأُدُمِ مَا كَانُوا حُرُمًا. وَقَالُوا: وَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْحِلِّ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ طَعَامٍ جَاءُوا بِهِ مَعَهُمْ مِنَ الْحِلِّ فِي الْحَرَامِ إِذَا جَاءُوا حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا، وَلَا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ طَوَافَهُمْ إِذَا قَدِمُوا إِلَّا فِي ثِيَابِ الْحُمُسِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا طَافُوا بِالْبَيْتِ عُرَاةً، فَإِنْ أَنِفَ أَحَدٌ مِنْ عُظَمَائِهِمْ أَنْ يَطُوفَ عُرْيَانًا إِذَا لَمْ يَجِدْ ثِيَابَ الْحُمُسِ فَطَافَ فِي ثِيَابِهِ أَلْقَاهَا إِذَا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ وَلَا يَمَسُّهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهَا اللِّقَى. فَدَانَتِ الْعَرَبُ لَهُمْ بِذَلِكَ، فَكَانُوا يَطُوفُونَ كَمَا شَرَعُوا لَهُمْ، وَيَتْرُكُونَ أَزْوَادَهُمُ الَّتِي جَاءُوا بِهَا مِنَ الْحِلِّ، وَيَشْتَرُونَ مِنْ طَعَامِ الْحَرَمِ وَيَأْكُلُونَهُ. هَذَا فِي الرِّجَالِ. وَأَمَّا النِّسَاءُ فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَضَعُ ثِيَابَهَا كُلَّهَا إِلَّا دِرْعَهَا مُفْرَجًا ثُمَّ تَطُوفُ فِيهِ وَتَقُولُ: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أَحِلُّهُ فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَسَخَهُ، فَأَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَطَافَ الْحُجَّاجُ بِالثِّيَابِ الَّتِي مَعَهُمْ مِنَ الْحِلِّ، وَأَكَلُوا مِنْ طَعَامِ الْحِلِّ، فِي الْحَرَمِ أَيَّامَ الْحَجِّ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199] ، أَرَادَ بِالنَّاسِ الْعَرَبَ، أَمَرَ قُرَيْشًا أَنْ يُفِيضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي اللِّبَاسِ وَالطَّعَامِ الَّذِي مِنَ الْحِلِّ وَتَرْكَهُمْ إِيَّاهُ فِي الْحَرَمِ: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} [الأعراف: 31]- إِلَى قَوْلِهِ -: (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) . ذِكْرُ حِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ وَالْأَحْلَافِ
قَدْ ذَكَرْنَا مَا كَانَ قُصَيٌّ أَعْطَى وَلَدَهُ عَبْدَ الدَّارِ مِنَ الْحِجَابَةِ وَالسِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّدْوَةِ وَاللِّوَاءِ، ثُمَّ إِنَّ هَاشِمًا وَعَبْدَ شَمْسٍ وَالْمُطَّلِبَ وَنَوْفَلًا بَنِي عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ رَأَوْا أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ لِشَرَفِهِمْ عَلَيْهِمْ وَلِفَضْلِهِمْ فِي قَوْمِهِمْ، وَأَرَادُوا أَخْذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَتَفَرَّقَتْ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْشٌ، كَانَتْ طَائِفَةٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَطَائِفَةٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ مَا كَانَ قُصَيٌّ جَعَلَهُ لَهُمْ ; إِذْ كَانَ أَمْرُ قُصَيٍّ فِيهِمْ شَرْعًا مُتَّبَعًا مَعْرِفَةً مِنْهُمْ لِفَضْلِهِ تَيَمُّنًا بِأَمْرِهِ. وَكَانَ صَاحِبُ أَمْرِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ الَّذِي قَامَ فِي الْمَنْعِ عَنْهُمْ عَامِرُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، فَاجْتَمَعَ بَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَبَنُو زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ، وَبَنُو تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَاجْتَمَعَ بَنُو مَخْزُومٍ، وَبَنُو سَهْمٍ، وَبَنُو جُمَحٍ، وَبَنُو عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ مَعَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَخَرَجَتْ عَامِرُ بْنُ لُؤَيٍّ وَمُحَارِبُ بْنُ فِهْرٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَكُونُوا مَعَ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، وَعَقَدَ كُلُّ طَائِفَةٍ بَيْنَهُمْ حِلْفًا مُؤَكَّدًا عَلَى أَنْ لَا يَتَخَاذَلُوا وَلَا يُسْلِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَا بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً، فَأَخْرَجَتْ بَنُو عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً طِيبًا، قِيلَ: إِنَّ بَعْضَ نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَخْرَجَتْهَا لَهُمْ، فَوَضَعُوهَا فِي الْمَسْجِدِ وَغَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِيهَا وَتَعَاهَدُوا وَتَعَاقَدُوا، وَمَسَحُوا الْكَعْبَةَ بِأَيْدِيهِمْ تَوْكِيدًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَسُمُّوا بِذَلِكَ الْمُطَيَّبِينَ. وَتَعَاقَدَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْقَبَائِلِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ عَلَى أَنْ لَا يَتَخَاذَلُوا وَلَا يُسْلِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَسُمُّوا الْأَحْلَافَ، ثُمَّ تَصَافُّوا لِلْقِتَالِ وَأَجْمَعُوا عَلَى الْحَرْبِ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ تَدَاعَوْا لِلصُّلْحِ، عَلَى أَنْ يُعْطُوا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ، وَأَنْ تَكُونَ الْحِجَابَةُ وَاللِّوَاءُ وَالنَّدْوَةُ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَاصْطَلَحُوا وَرَضِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ بِذَلِكَ وَتَحَاجَزُوا عَنِ الْحَرْبِ، وَثَبَتَ كُلُّ قَوْمٍ مَعَ مَنْ حَالَفُوا حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَزِدْهُ إِلَّا شِدَّةً
وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ» ) . فَوَلِيَ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ لِأَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ كَانَ كَثِيرَ الْأَسْفَارِ قَلِيلَ الْمَالِ كَثِيرَ الْعِيَالِ، وَكَانَ هَاشِمٌ مُوسِرًا جَوَادًا. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ هَذَا قَبْلَ الْفِيلِ وَمَا أَحْدَثَهُ قُرَيْشٌ، وَإِنَّمَا أَخَّرْنَاهُ لِلُزُومِ تِلْكَ الْحَوَادِثِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ. ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ كِسْرَى فِي أَمْرِ الْخَرَاجِ وَالْجُنْدِ كَانَ مُلُوكُ الْفُرْسِ يَأْخُذُونَ مِنْ غَلَّاتِ كُوَرِهِمْ قَبْلَ مُلْكِ كِسْرَى الْخُمُسَ وَالسُّدُسَ، عَلَى قَدْرِ شَرْبِهَا وَعِمَارَتِهَا، وَمِنَ الْجِزْيَةِ شَيْئًا مَعْلُومًا، فَأَمَرَ الْمَلِكُ قُبَاذُ بِمَسْحِ الْأَرَضِينَ لِيَصِحَّ الْخَرَاجُ عَلَيْهَا، فَمَاتَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا مَلَكَ أَنُوشِرْوَانُ أَمَرَ بِاسْتِتْمَامِ ذَلِكَ، وَوَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْكَرْمِ وَالرُّطَبِ وَالنَّخْلِ وَالزَّيْتُونِ وَالْأَرْزِ، عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ شَيْئًا مَعْلُومًا، وَيُؤْخَذُ فِي السَّنَةِ فِي ثَلَاثِ أَنْجُمٍ، وَهِيَ الْوَضَائِعُ الَّتِي اقْتَدَى بِهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. وَكَتَبَ كِسْرَى إِلَى الْقُضَاةِ فِي الْبِلَادِ نُسْخَةً بِالْخَرَاجِ، لِيَمْتَنِعَ الْعُمَّالُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ أَنْ يُوضَعَ عَمَّنْ أَصَابَتْ غَلَّتَهُ جَائِحَةٌ بِقَدْرِ جَائِحَتِهِ، وَأَلْزَمُوا النَّاسَ الْجِزْيَةَ مَا خَلَا الْعُظَمَاءَ وَأَهْلَ الْبُيُوتَاتِ وَالْجُنْدَ وَالْهَرَابِذَةَ وَالْكُتَّابَ وَمَنْ فِي خِدْمَةِ الْمَلِكِ، كُلُّ إِنْسَانٍ عَلَى قُدْرَتِهِ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَثَمَانِيَةِ دَرَاهِمَ، وَسِتَّةِ دَرَاهِمَ، وَأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ. وَأَسْقَطَهَا عُمَرُ عَمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ جَاوَزَ خَمْسِينَ سَنَةً. ثُمَّ إِنَّ كِسْرَى وَلَّى رَجُلًا مِنَ الْكُتَّابِ - مِنَ الْكُفَاةِ وَالنُّبَلَاءِ اسْمُهُ بَابَكُ - عَرْضَ جَيْشِهِ، فَطَلَبَ مِنْ كِسْرَى التَّمَكُّنَ مِنْ شُغْلِهِ إِلَى ذَلِكَ، فَتَقَدَّمَ بِبِنَاءِ مَصْطَبَةٍ مَوْضِعَ عَرْضِ الْجَيْشِ وَفَرَشَهَا، ثُمَّ نَادَى أَنْ يَحْضُرَ الْجُنْدُ بِسِلَاحِهِمْ وَكُرَاعِهِمْ لِلْعَرْضِ، فَحَضَرُوا، فَحَيْثُ لَمْ يَرَ مَعَهُمْ كِسْرَى أَمَرَهُمْ بِالِانْصِرَافِ، فَعَلَ ذَلِكَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَ فَنُودِيَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ أَحَدٌ وَلَا مَنْ أُكْرِمَ بِتَاجٍ، فَسَمِعَ كِسْرَى فَحَضَرَ وَقَدْ لَبِسَ التَّاجَ وَالسِّلَاحَ،
ثُمَّ أَتَى بَابَكَ لِيَعْرِضَ عَلَيْهِ، فَرَأَى سِلَاحَهُ تَامًّا مَا عَدَا وَتَرَيْنِ لِلْقَوْسِ كَانَ عَادَتُهُمْ أَنْ يَسْتَظْهِرُوا بِهِمَا، فَلَمْ يَرَهُمَا بَابَكُ مَعَهُ فَلَمْ يُجِزْ عَلَى اسْمِهِ وَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ كُلَّ مَا يَلْزَمُكَ. فَذَكَرَ كِسْرَى الْوَتَرَيْنِ فَتَعَلَّقَهُمَا، ثُمَّ نَادَى مُنَادِي بَابَكَ وَقَالَ: لِلْكَمِيِّ السَّيِّدِ، سَيِّدَةِ الْكُمَاةِ، أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَجَازَ عَلَى اسْمِهِ. فَلَمَّا قَامَ عَنْ مَجْلِسِهِ حَضَرَ عِنْدَ كِسْرَى يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ مِنْ غِلْظَتِهِ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّ أَمْرَهُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِمَا فَعَلَ. فَقَالَ كِسْرَى: مَا غَلُظَ عَلَيْنَا أَمْرٌ نُرِيدُ بِهِ إِصْلَاحَ دَوْلَتِنَا. وَمِنْ كَلَامِ كِسْرَى: الشُّكْرُ وَالنِّعْمَةُ كِفَّتَانِ كَكِفَّتَيِ الْمِيزَانِ، أَيُّهُمَا رَجَحَ بِصَاحِبِهِ احْتَاجَ الْأَخَفَّ، إِلَّا أَنْ يُزَادَ فِيهِ حَتَّى يُعَادِلَ صَاحِبَهُ، فَإِذَا كَانَتِ النِّعَمُ كَثِيرَةً وَالشُّكْرُ قَلِيلًا انْقَطَعَ الْحَمْدُ، فَكَثِيرُ النِّعَمِ يَحْتَاجُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الشُّكْرِ، وَكُلَّمَا زِيدَ فِي الشُّكْرِ ازْدَادَتِ النِّعَمُ وَجَاوَزَتْهُ، وَنَظَرْتُ فِي الشُّكْرِ فَوَجَدْتُ بَعْضَهُ بِالْقَوْلِ وَبَعْضَهُ بِالْفِعْلِ، وَنَظَرْتُ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ فَوَجَدْتُهُ الشَّيْءَ الَّذِي أَقَامَ بِهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَرْسَى بِهِ الْجِبَالَ وَأَجْرَى بِهِ الْأَنْهَارَ وَبَرَأَ بِهِ الْبَرِيَّةَ، وَهُوَ الْحَقُّ وَالْعَدْلُ، فَلَزِمْتُهُ. وَرَأَيْتُ ثَمَرَةَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ عِمَارَةَ الْبُلْدَانِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْحَيَاةِ لِلنَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ وَجَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ. وَلَمَّا نَظَرْتُ فِي ذَلِكَ وَجَدْتُ الْمُقَاتِلَةَ أُجَرَاءَ لِأَهْلِ الْعِمَارَةِ، وَأَهْلَ الْعِمَارَةِ أُجَرَاءَ لِلْمُقَاتِلَةِ، فَأَمَّا الْمُقَاتِلَةُ فَإِنَّهُمْ يَطْلُبُونَ أُجُورَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ وَسُكَّانِ الْبُلْدَانِ لِمُدَافَعَتِهِمْ عَنْهُمْ وَمُجَاهَدَتِهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَحَقَّ عَلَى أَهْلِ الْعِمَارَةِ أَنْ يُوَفُّوهُمْ أُجُورَهُمْ، فَإِنَّ الْعِمَارَةَ وَالْأَمْنَ وَالسَّلَامَةَ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِمْ. وَرَأَيْتُ الْمُقَاتِلَةَ لَا يَتِمُّ لَهُمُ الْمُقَامُ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَتَثْمِيرُ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ إِلَّا بِأَهْلِ الْخَرَاجِ وَالْعِمَارَةِ، فَأَخَذْتُ لِلْمُقَاتِلَةِ مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ مَا يَقُومُ بِأَوْدِهِمْ وَتَرَكْتُ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ مِنْ مُسْتَغَلَّاتِهِمْ مَا يَقُومُ بِمَؤُونَتِهِمْ وَعِمَارَتِهِمْ وَلَمْ أُجْحِفْ بِوَاحِدٍ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَرَأَيْتُ الْمُقَاتِلَةَ وَأَهْلَ الْخَرَاجِ كَالْعَيْنَيْنِ الْمُبْصِرَتَيْنِ وَالْيَدَيْنِ الْمُتَسَاعِدَتَيْنِ
ذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم
وَالرِّجْلَيْنِ عَلَى أَيِّهِمَا دَخَلَ الضَّرَرُ تَعَدَّى إِلَى الْأُخْرَى. وَنَظَرْنَا فِي سِيَرِ آبَائِنَا فَلَمْ نَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا يَقْتَرِنُ بِالثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ وَالذِّكْرِ الْجَمِيلِ بَيْنَ النَّاسِ وَالْمَصْلَحَةِ الشَّامِلَةِ لِلْجُنْدِ وَالرَّعِيَّةِ إِلَّا اعْتَمَدْنَاهُ، وَلَا فَسَادًا إِلَّا أَعْرَضْنَا عَنْهُ، وَلَمْ يَدْعُنَا إِلَى حُبِّ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ حُبُّ الْآبَاءِ. وَنَظَرْتُ فِي سِيَرِ أَهْلِ الْهِنْدِ وَالرُّومِ وَأَخَذْنَا مَحْمُودَهَا، وَلَمْ تُنَازِعْنَا أَنْفُسُنَا إِلَى مَا تَمِيلُ إِلَيْهِ أَهْوَاؤُنَا، وَكَتَبْنَا بِذَلِكَ إِلَى جَمِيعِ أَصْحَابِنَا وَنُوَّابِنَا فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ. فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْعِلْمِ وَتَوَفُّرِ الْعَقْلِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى مَنْعِ النَّفْسِ، وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ اسْتَحَقَّ أَنْ يُضْرَبَ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْعَدْلِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ. وَكَانَ لِكِسْرَى أَوْلَادٌ مُتَأَدِّبُونَ، فَجُعِلَ الْمُلْكُ مِنْ بَعْدِهِ لِابْنِهِ هُرْمُزَ. وَكَانَ مَوْلِدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفِيلِ، وَذَلِكَ لِمُضِيِّ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ، وَفِي هَذَا الْعَامِ كَانَ يَوْمُ ذِي جَبَلَةَ، وَهُوَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ الْعَرَبِ الْمَذْكُورَةِ. [ذِكْرُ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]
قَالَ قَيْسُ بْنُ مَخْرَمَةَ وَقُبَاثُ بْنُ أَشْيَمَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُلِدَ عَامَ الْفِيلِ» . قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: وُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبُو رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مَضَتْ مِنْ سُلْطَانِ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ، وَوُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مِنْ سُلْطَانِهِ، وَأَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُضِيِّ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ مِنْ مُلْكِ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ بْنِ كِسْرَى هُرْمُزَ بْنِ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ، فَهَاجَرَ لِثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً مَضَتْ مِنْ مُلْكِ أَبْرَوِيزَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِالدَّارِ الَّتِي تُعْرَفُ بِدَارِ ابْنِ يُوسُفَ» . قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَبَهَا عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمْ تَزَلْ فِي يَدِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ، فَبَاعَهَا وَلَدُهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَخِي الْحَجَّاجِ، فَبَنَى دَارَهُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا دَارُ ابْنِ يُوسُفَ، وَأَدْخَلَ ذَلِكَ الْبَيْتَ فِي الدَّارِ، حَتَّى أَخْرَجَتْهُ الْخَيْزُرَانُ فَجَعَلَتْهُ مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ. وَقِيلَ: وُلِدَ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْهُ، وَقِيلَ: لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ آمِنَةَ ابْنَةَ وَهْبٍ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ تُحَدِّثُ أَنَّهَا أُتِيَتْ فِي مَنَامِهَا لَمَّا حَمَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقِيلَ لَهَا: إِنَّكِ حَمَلْتِ بِسَيِّدِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِذَا وَقَعَ بِالْأَرْضِ قُولِي أُعِيذُهُ بِالْوَاحِدِ مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ، ثُمَّ سَمِّيهِ مُحَمَّدًا. وَرَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ رَأَتْ بِهِ قُصُورَ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ. فَلَمَّا وَضَعَتْهُ أَرْسَلَتْ إِلَى جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: إِنَّهُ قَدْ وُلِدَ لَكَ غُلَامٌ فَأْتِهِ فَانْظُرْ إِلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، وَحَدَّثَتْهُ بِمَا رَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ، وَمَا قِيلَ لَهَا فِيهِ وَمَا أُمِرَتْ أَنْ تُسَمِّيَهُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا شَهِدَتْ وِلَادَةَ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا شَيْءٌ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهِ مِنَ الْبَيْتِ إِلَّا نُورٌ، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى النُّجُومِ تَدْنُو حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ لَتَقَعَنَّ عَلَيَّ. وَأَوَّلُ مَنْ أَرْضَعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُوَيْبَةُ مَوْلَاةُ أَبِي لَهَبٍ بِلَبَنِ ابْنٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ مَسْرُوحٌ، وَكَانَتْ قَدْ أَرْضَعَتْ قَبْلَهُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَرْضَعَتْ بَعْدَهُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيَّ، فَكَانَتْ ثُوَيْبَةُ تَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ فَيُكْرِمَهَا وَتُكْرِمُهَا خَدِيجَةُ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي لَهَبٍ أَنْ يَبِيعَهَا إِيَّاهَا لِتُعْتِقَهَا، فَأَبَى، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمَدِينَةِ أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ إِلَيْهَا بِالصِّلَةِ، إِلَى أَنْ بَلَغَهُ خَبَرُ وَفَاتِهَا مُنْصَرَفَهُ مِنْ خَيْبَرَ، فَسَأَلَ عَنِ ابْنِهَا مَسْرُوحٍ، فَقِيلَ: تُوُفِّيَ قَبْلَهَا، فَسَأَلَ: هَلْ لَهَا مِنْ قَرَابَةٍ؟ فَقِيلَ: لَمْ يَبْقَ لَهَا أَحَدٌ. ثُمَّ أَرْضَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ثُوَيْبَةَ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ شِجْنَةَ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هُوزَانَ، وَاسْمُ زَوْجِهَا الَّذِي أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِهِ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، وَاسْمُ إِخْوَتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَأُنَيْسَةُ، وَجُذَامَةُ، وَهِيَ الشَّيْمَاءُ، عُرِفَتْ بِذَلِكَ، وَكَانَتِ الشَّيْمَاءُ تَحْضُنُهُ مَعَ أُمِّهَا حَلِيمَةَ.
وَقَدِمَتْ حَلِيمَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ، فَأَكْرَمَهَا وَوَصَلَهَا، وَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ فَتْحِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ، فَلَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ، قَدِمَتْ عَلَيْهِ أُخْتٌ لَهَا فَسَأَلَهَا عَنْهَا، فَأَخْبَرَتْهُ بِمَوْتِهَا، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَسَأَلَهَا عَمَّنْ خَلَّفَتْ، فَأَخْبَرَتْهُ، فَسَأَلَتْهُ نِحْلَةً وَحَاجَةً فَوَصَلَهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: كَانَتْ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ تُحَدِّثُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ بَلَدِهَا مَعَ نِسْوَةٍ يَلْتَمِسْنَ الرُّضَعَاءَ، وَذَلِكَ فِي سَنَةٍ شَهْبَاءَ لَمْ تُبْقِ شَيْئًا. قَالَتْ: فَخَرَجْتُ عَلَى أَتَانٍ لَنَا قَمْرَاءَ، مَعَنَا شَارِفٌ لَنَا، وَاللَّهِ مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةٍ، وَمَا نَنَامُ لَيْلَتَنَا أَجْمَعَ مِنْ صَبِيِّنَا الَّذِي مَعِي مِنْ بُكَائِهِ مِنَ الْجُوعِ، وَمَا فِي ثَدْيِي مَا يُغْنِيهِ، وَمَا فِي شَارِفِنَا مَا يَغْذُوهُ، وَلَكِنَّا نَرْجُو الْغَيْثَ وَالْفَرَجَ، فَلَقَدْ أَذَمَّتْ أَتَانِي بِالرَّكْبِ حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِمْ ضَعْفًا وَعَجَفًا، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ فَمَا مِنَّا امْرَأَةٌ إِلَّا وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَأْبَاهُ إِذَا قِيلَ لَهَا إِنَّهُ يَتِيمٌ، وَذَلِكَ أَنَّا إِنَّمَا نَرْجُو الْمَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الصَّبِيِّ. فَكُنَّا نَقُولُ: يَتِيمٌ فَمَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أُمُّهُ وَجَدُّهُ! فَمَا بَقِيَتِ امْرَأَةٌ مَعِي إِلَّا أَخَذَتْ رَضِيعًا غَيْرِي، فَلَمَّا أَجْمَعْنَا الِانْطِلَاقَ قُلْتُ لِصَاحِبِي، وَكَانَ مَعِي: إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرْجِعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي وَلَمْ آخُذْ رَضِيعًا، وَاللَّهِ لَأَذْهَبَنَّ إِلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلْآخُذَنَّهُ! قَالَ: افْعَلِي فَعَسَى أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً. قَالَتْ: فَذَهَبْتُ فَأَخَذْتُهُ، فَلَمَّا أَخَذْتُهُ وَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي أَقْبَلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ مِمَّا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ حَتَّى رُوِيَ وَشَرِبَ مَعَهُ أَخُوهُ حَتَّى رُوِيَ ثُمَّ نَامَا، وَمَا كَانَ ابْنِي يَنَامُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَامَ زَوْجِي إِلَى شَارِفِنَا تِلْكَ فَإِذَا إِنَّهَا حَافِلٌ، فَحَلَبَ مِنْهَا ثُمَّ شَرِبَ حَتَّى رُوِيَ، ثُمَّ سَقَانِي فَشَرِبْتُ حَتَّى شَبِعْنَا. قَالَتْ: يَقُولُ لِي صَاحِبِي: تَعْلَمِينَ وَاللَّهِ يَا حَلِيمَةُ لَقَدْ أَخَذْتِ نَسَمَةً مُبَارَكَةً! قُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْجُو ذَلِكَ. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجْنَا، فَرَكِبْتُ أَتَانِي وَحَمَلْتُهُ عَلَيْهَا فَلَمْ يَلْحَقْنِي شَيْءٌ مِنْ حُمُرِهِمْ حَتَّى إِنَّ صَوَاحِبِي لَيَقُلْنَ لِي: يَا ابْنَةَ أَبِي ذُؤَيْبٍ ارْبِعِي عَلَيْنَا، أَلَيْسَتْ هَذِهِ أَتَانَكِ الَّتِي كُنْتِ خَرَجْتِ عَلَيْهَا؟ فَأَقُولُ: بَلَى وَاللَّهِ لَهِيَ هِيَ، فَيَقُلْنَ: إِنَّ لَهَا شَأْنًا، ثُمَّ
قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بَنِي سَعِدٍ، وَمَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ أَجْدَبَ مِنْهَا، فَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عَلَيَّ حِينَ قَدِمْنَا شِبَاعًا لُبَّنًا فَنَحْلِبُ وَنَشْرَبُ وَمَا يَحْلِبُ إِنْسَانٌ قَطْرَةً وَلَا يَجِدُهَا فِي ضَرْعٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ الْحَاضِرُ مِنْ قَوْمِنَا لَيَقُولُونَ لِرُعْيَانِهِمْ: وَيْلَكُمُ اسْرَحُوا حَيْثُ يَسْرَحُ رَاعِي ابْنَةِ أَبِي ذُؤَيْبٍ! فَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةٍ مِنْ لَبَنٍ، وَتَرُوحُ غَنَمِي شِبَاعًا لُبَّنًا. فَلَمْ نَزَلْ نَتَعَرَّفُ الْبَرَكَةَ مِنَ اللَّهِ وَالزِّيَادَةَ فِي الْخَيْرِ حَتَّى مَضَتْ سَنَتَانِ وَفَصَلْتُهُ، وَكَانَ يَشِبُّ شَبَابًا لَا يَشِبُّهُ الْغِلْمَانُ، فَلَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْهِ حَتَّى كَانَ غُلَامًا جَفْرًا، فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ وَنَحْنُ أَحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى مُكْثِهِ عِنْدَنَا لِمَا كُنَّا نَرَى مِنْ بَرَكَتِهِ، فَكَلَّمْنَا أُمَّهُ فِي تَرْكِهِ عِنْدَنَا، فَأَجَابَتْ. قَالَتْ: فَرَجَعْنَا بِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ بَعْدَ مَقْدِمِنَا بِهِ بِأَشْهُرٍ مَرَّ مَعَ أَخِيهِ فِي بُهْمٍ لَنَا خَلْفَ بُيُوتِنَا إِذْ أَتَانَا أَخُوهُ يَشْتَدُّ فَقَالَ لِي وَلِأَبِيهِ: ذَلِكَ أَخِي الْقُرَشِيُّ قَدْ جَاءَهُ رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ فَأَضْجَعَاهُ وَشَقَّا بَطْنَهُ وَهُمَا يَسُوطَانِهِ! قَالَتْ: فَخَرَجْنَا نَشْتَدُّ فَوَجَدْنَاهُ قَائِمًا مُنْتَقِعًا وَجْهُهُ. قَالَتْ: فَالْتَزَمْتُهُ أَنَا وَأَبُوهُ وَقُلْنَا لَهُ: مَالَكَ يَا بُنَيَّ؟ قَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ فَأَضْجَعَانِي فَشَقَّا بَطْنِي فَالْتَمَسَا بِهِ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ. قَالَتْ: فَرَجَعْنَا إِلَى خِبَائِنَا، وَقَالَ لِي أَبُوهُ: وَاللَّهِ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغُلَامُ قَدْ أُصِيبَ فَأَلْحِقِيهِ بِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ. قَالَتْ: فَاحْتَمَلْنَاهُ فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ. فَقَالَتْ: مَا أَقْدَمَكِ يَا ظِئْرُ بِهِ وَقَدْ كُنْتِ حَرِيصَةً عَلَى مُكْثِهِ عِنْدَكَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: قَدْ بَلَّغَ اللَّهُ بِابْنِي، وَقَضَيْتُ الَّذِي عَلَيَّ، وَتَخَوَّفْتُ عَلَيْهِ الْأَحْدَاثَ فَأَدَّيْتُهُ إِلَيْكِ كَمَا تُحِبِّينَ. قَالَتْ: مَا هَذَا بِشَأْنِكِ فَاصْدُقِينِي! وَلَمْ تَدَعْنِي حَتَّى أَخْبَرْتُهَا. قَالَتْ: فَتَخَوَّفْتِ عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَإِنَّ لِابْنِي لَشَأْنًا، أَفَلَا أُخْبِرُكِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: رَأَيْتُ حِينَ حَمَلْتُ بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَ لِي قُصُورَ بُصْرَى مِنَ الشَّامِ، ثُمَّ حَمَلْتُ بِهِ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِنْ حَمْلٍ قَطُّ كَانَ أَخَفَّ مِنْهُ وَلَا أَيْسَرَ، ثُمَّ وَقَعَ حِينَ وَضَعْتُهُ وَإِنَّهُ لَوَاضِعٌ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ رَافِعٌ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ. دَعِيهِ عَنْكِ وَانْطَلِقِي رَاشِدَةً. وَكَانَتْ مُدَّةُ رَضَاعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَتَيْنِ، وَرَدَّتْهُ حَلِيمَةُ إِلَى أُمِّهِ وَجَدِّهِ
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ فِي قَوْلٍ. وَقَالَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَهُوَ مَلِكُ قَوْمِهِ وَسَيِّدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ، مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا فَمَثُلَ قَائِمًا وَقَالَ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنِّي أُنْبِئْتُ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ أَرْسَلَكَ بِمَا أَرْسَلَ بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، أَلَا وَإِنَّكَ فُهْتَ بِعَظِيمٍ، أَلَا وَقَدْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ هَذِهِ الْحِجَارَةَ وَالْأَوْثَانَ وَمَا لَكَ وَلِلنُّبُوَّةِ، وَإِنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ قَوْلِكَ وَبَدْءُ شَأْنِكَ؟ فَأُعْجِبَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِمُسَاءَلَتِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ اجْلِسْ. فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِي وَبَدْءَ شَأْنِي أَنِّي دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى أَخِي عِيسَى، وَكُنْتُ بِكْرَ أُمِّي، وَحَمَلَتْنِي كَأَثْقَلِ مَا تَحْمِلُ النِّسَاءُ، ثُمَّ رَأَتْ فِي مَنَامِهَا أَنَّ الَّذِي فِي بَطْنِهَا نُورٌ، قَالَتْ: فَجَعَلْتُ أُتْبِعُ بَصَرِي النُّورَ وَهُوَ يَسْبِقُ بَصَرِي حَتَّى أَضَاءَتْ لِي مَشَارِقُ الْأَرْضِ وَمَغَارِبُهَا، ثُمَّ إِنَّهَا وَلَدَتْنِي فَنَشَأْتُ، فَلَمَّا نَشَأْتُ بُغِّضَتْ إِلَيَّ الْأَوْثَانُ وَالشِّعْرُ، فَكُنْتُ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ مُنْتَبِذًا مِنْ أَهْلِي مَعَ أَتْرَابٍ مِنَ الصِّبْيَانِ إِذْ أَتَانَا ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مَعَهُمْ طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٌ ثَلْجًا فَأَخَذُونِي مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي، فَخَرَجَ أَصْحَابِي هُرَّابًا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى شَفِيرِ الْوَادِي ثُمَّ أَقْبَلُوا عَلَى الرَّهْطِ فَقَالُوا: مَا أَرَبُكُمْ إِلَى هَذَا الْغُلَامِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَبٌ وَمَا يَرُدُّ عَلَيْكُمْ قَتْلُهُ؟ فَلَمَّا رَأَى الصِّبْيَانُ الرَّهْطَ لَا يَرُدُّونَ جَوَابًا انْطَلَقُوا مُسْرِعِينَ إِلَى الْحَيِّ يُؤْذِنُونَهُمْ بِي وَيَسْتَصْرِخُونَهُمْ عَلَى الْقَوْمِ، فَعَمَدَ أَحَدُهُمْ فَأَضْجَعَنِي عَلَى الْأَرْضِ إِضْجَاعًا لَطِيفًا، ثُمَّ شَقَّ مَا بَيْنَ مَفْرِقِ صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي، فَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ لَمْ أَجِدْ لِذَلِكَ مَسًّا، ثُمَّ أَخْرَجَ أَحْشَاءَ بَطْنِي فَغَسَلَهَا بِالثَّلْجِ فَأَنْعَمَ غَسْلَهَا، ثُمَّ أَخْرَجَ قَلْبِي فَصَدَعَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْهُ مُضْغَةً سَوْدَاءَ فَرَمَى بِهَا، قَالَ بِيَدِهِ يُمْنَةً مِنْهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَإِذَا أَنَا بِخَاتَمٍ فِي يَدِهِ مِنْ نُورٍ يَحَارُ النَّاظِرُونَ دُونَهُ، فَخَتَمَ بِهِ قَلْبِي، فَامْتَلَأَ نُورًا، وَذَلِكَ نُورُ النُّبُوَّةِ وَالْحِكْمَةِ، ثُمَّ أَعَادَهُ مَكَانَهُ، فَوَجَدْتُ بَرْدَ ذَلِكَ الْخَاتَمِ فِي قَلْبِي دَهْرًا، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثُ لِصَاحِبِهِ: تَنَحَّ، فَتَنَحَّى عَنِّي، فَأَمَرَّ يَدَهُ مَا بَيْنَ مَفْرِقِ صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي فَالْتَأَمَ ذَلِكَ الشَّقُّ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَأَنْهَضَنِي إِنْهَاضًا لَطِيفًا ثُمَّ قَالَ لِلْأَوَّلِ الَّذِي شَقَّ بَطْنِي: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ. فَوَزَنُونِي بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ. فَوَزَنُونِي بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ. ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ
أُمَّتِهِ. فَوَزَنُونِي بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ. فَقَالَ: دَعُوهُ فَلَوْ وَزَنْتُهُ بِأُمَّتِهِ كُلِّهِمْ لَرَجَحَ بِهِمْ. ثُمَّ ضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ وَقَبَّلُوا رَأْسِي وَمَا بَيْنَ عَيْنَيَّ ثُمَّ قَالُوا: يَا حَبِيبُ، لَمْ تُرَعْ، إِنَّكَ لَوْ تَدْرِي مَا يُرَادُ بِكَ مِنَ الْخَيْرِ لَقَرَّتْ عَيْنُكَ. قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ أَنَا بِالْحَيِّ قَدْ جَاءُوا بِحَذَافِيرِهِمْ، وَإِذَا ظِئْرِي أَمَامَ الْحَيِّ تَهْتِفُ بِأَعْلَى صَوْتِهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا ضَعِيفَاهُ! قَالَ: فَانْكَبُّوا عَلَيَّ وَقَبَّلُوا رَأْسِي وَمَا بَيْنَ عَيْنَيَّ وَقَالُوا: حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ ضَعِيفٍ! ثُمَّ قَالَتْ ظِئْرِي: يَا وَحِيدَاهُ! فَانْكَبُّوا عَلَيَّ فَضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ وَقَبَّلُوا مَا بَيْنَ عَيْنَيَّ وَقَالُوا حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ وَحِيدٍ، وَمَا أَنْتَ بِوَحِيدٍ! إِنَّ اللَّهَ مَعَكَ! ثُمَّ قَالَتْ ظِئْرِي: يَا يَتِيمَاهُ اسْتُضْعِفْتَ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِكَ فَقُتِلْتَ لِضَعْفِكَ! فَانْكَبُّوا عَلَيَّ وَضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ وَقَبَّلُوا مَا بَيْنَ عَيْنَيَّ وَقَالُوا: حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ يَتِيمٍ! مَا أَكْرَمَكَ عَلَى اللَّهِ! لَوْ تَعْلَمُ مَا يُرَادُ بِكَ مِنَ الْخَيْرِ! قَالَ: فَوَصَلُوا بِي إِلَى شَفِيرِ الْوَادِي. فَلَمَّا بَصُرَتْ بِي ظِئْرِي قَالَتْ: يَا بُنَيَّ أَلَا أَرَاكَ حَيًّا بَعْدُ! فَجَاءَتْ حَتَّى انْكَبَّتْ عَلَيَّ وَضَمَّتْنِي إِلَى صَدْرِهَا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَفِي حِجْرِهَا وَقَدْ ضَمَّتْنِي إِلَيْهَا، وَإِنَّ يَدِي فِي يَدِ بَعْضِهِمْ، فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ، وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ يُبْصِرُونَهُمْ، يَقُولُ بَعْضُ الْقَوْمِ: إِنَّ هَذَا الْغُلَامَ أَصَابَهُ لَمَمٌ أَوْ طَائِفٌ مِنَ الْجِنِّ، انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى كَاهِنِنَا حَتَّى يَنْظُرَ إِلَيْهِ وَيُدَاوِيَهُ. فَقُلْتُ: مَا هَذَا! لَيْسَ بِي شَيْءٌ مِمَّا يُذْكَرُ، إِنَّ إِرَادَتِي سَلِيمَةٌ، وَفُؤَادِي صَحِيحٌ لَيْسَ فِيَّ قَلَبَةٌ. فَقَالَ أَبِي مِنَ الرَّضَاعِ: أَلَا تَرَوْنَ كَلَامَهُ صَحِيحًا؟ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِابْنِي بَأْسٌ. فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَذْهَبُوا بِي إِلَى الْكَاهِنِ، فَذَهَبُوا بِي إِلَيْهِ. فَلَمَّا قَصُّوا عَلَيْهِ قِصَّتِي قَالَ: اسْكُتُوا حَتَّى أَسْمَعَ مِنَ الْغُلَامِ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِأَمْرِهِ مِنْكُمْ. فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ أَمْرِي مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ قَوْلِي وَثَبَ إِلَيَّ وَضَمَّنِي إِلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا لِلْعَرَبِ اقْتُلُوا هَذَا الْغُلَامَ وَاقْتُلُونِي مَعَهُ! فَوَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ تَرَكْتُمُوهُ فَأَدْرَكَ لَيُبَدِّلَنَّ دِينَكُمْ وَلَيُخَالِفَنَّ أَمْرَكُمْ وَلِيَأْتِينَّكُمْ بِدِينٍ لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ قَطُّ. فَانْتَزَعَتْنِي ظِئْرِي وَقَالَتْ: لَأَنْتَ أَجَنُّ وَأَعْتَهُ مِنِ ابْنِي هَذَا فَاطْلُبْ لِنَفْسِكَ مَنْ يَقْتُلُكَ، فَإِنَّا غَيْرُ قَاتِلِيهِ!
ثُمَّ رَدُّونِي إِلَى أَهْلِي، فَأَصْبَحْتُ مُفْزَعًا مِمَّا فُعِلَ بِي، وَأَثَرُ الشَّقِّ مَا بَيْنَ صَدْرِي إِلَى عَانَتِي كَأَنَّهُ الشِّرَاكُ، فَذَلِكَ حَقِيقَةُ قَوْلِي وَبَدْءُ شَأْنِي يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ. فَقَالَ الْعَامِرِيُّ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَنَّ أَمْرَكَ حَقٌّ، فَأَنْبِئْنِي بِأَشْيَاءَ أَسْأَلُكَ عَنْهَا. قَالَ: سَلْ. قَالَ: أَخْبِرْنِي مَا يَزِيدُ فِي الْعِلْمِ؟ . قَالَ: التَّعَلُّمُ. قَالَ: فَمَا يَدُلُّ عَلَى الْعِلْمِ؟ . قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: السُّؤَالُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي مَاذَا يَزِيدُ فِي الشَّيْءِ؟ . قَالَ: التَّمَادِي. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي هَلْ يَنْفَعُ الْبِرُّ مَعَ الْفُجُورِ؟ . قَالَ: نَعَمْ، التَّوْبَةُ تَغْسِلُ الْحَوْبَةَ، وَالْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، وَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ اللَّهَ عِنْدَ الرَّخَاءِ أَعَانَهُ عِنْدَ الْبَلَاءِ. فَقَالَ الْعَامِرِيُّ: فَكَيْفَ ذَلِكَ؟ . قَالَ: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَجْمَعُ لِعَبْدِي أَمْنَيْنَ وَلَا أَجْمَعُ لَهُ خَوْفَيْنِ، إِنْ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ أَجْمَعُ عِبَادِي فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ، فَيَدُومُ لَهُ أَمْنُهُ، وَلَا أَمْحَقُهُ فِيمَنْ أَمَحَقُ، وَإِنْ هُوَ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا خَافَنِي يَوْمَ أَجْمَعُ عِبَادِي لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ فَيَدُومُ لَهُ خَوْفُهُ. قَالَ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْبِرْنِي إِلَامَ تَدْعُو؟ . قَالَ: أَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ تَخْلَعَ الْأَنْدَادَ، وَتَكْفُرَ بِاللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَتُقِرَّ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ كِتَابٍ وَرَسُولٍ، وَتُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِحَقَائِقِهِنَّ، وَتَصُومَ شَهْرًا مِنَ السَّنَةِ، وَتُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِكَ يُطَهِّرُكَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا وَيُطَيِّبُ لَكَ مَالَكَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ إِذَا وَجَدْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَتُؤْمِنَ بِالْمَوْتِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَبِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ. قَالَ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} [طه: 76] . فَقَالَ: هَلْ مَعَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ؟ فَإِنَّهُ يُعْجِبُنِي الْوَطْأَةُ مِنَ الْعَيْشِ.
قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: النَّصْرُ وَالتَّمَكُّنُ فِي الْبِلَادِ. فَأَجَابَ وَأَنَابَ» . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هَلَكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبُو رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ حَامِلٌ بِهِ. قَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ: تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبُو رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَمَا أَتَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: الثَّبْتُ عِنْدَنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ فِي عِيرٍ لِقُرَيْشٍ، وَنَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مَرِيضٌ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى تُوُفِّيَ وَدُفِنَ بِدَارِ النَّابِغَةِ، الدَّارِ الصُّغْرَى. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَتُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ وَلَهُ سِتُّ سِنِينَ بِالْأَبْوَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، كَانَتْ قَدِمَتْ بِهِ الْمَدِينَةَ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ تُزِيرُهُ إِيَّاهُمْ فَمَاتَتْ وَهِيَ رَاجِعَةٌ، وَقِيلَ: إِنَّهَا أَتَتِ الْمَدِينَةَ تَزُورُ قَبْرَ زَوْجِهَا عَبْدِ اللَّهِ، وَمَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَأُمُّ أَيْمَنَ حَاضِنَةُ رَسُولِ اللَّهِ، فَلَمَّا عَادَتْ مَاتَتْ بِالْأَبْوَاءِ. وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ زَارَ أَخْوَالَهُ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَحَمَلَ مَعَهُ آمِنَةَ وَرَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا رَجَعَ تُوُفِّيَتْ بِمَكَّةَ، وَدُفِنَتْ فِي شِعْبِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَلَمَّا سَارَتْ قُرَيْشٌ إِلَى أُحُدٍ هَمُّوا بِاسْتِخْرَاجِهَا مِنْ قَبْرِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ النِّسَاءَ عَوْرَةٌ وَرُبَّمَا أَصَابَ مُحَمَّدٌ مِنْ نِسَائِكُمْ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ بِهَذَا الْقَوْلِ إِكْرَامًا لِأُمِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَتُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنُ ثَمَانِي سِنِينَ، وَقِيلَ: ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ.
ذكر قتل تميم بالمشقر
وَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ صَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حِجْرِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ بِوَصِيَّةٍ مِنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَيْهِ بِذَلِكَ لِمَا كَانَ يَرَى مِنْ بِرِّهِ بِهِ وَشَفَقَتِهِ وَحُنُوِّهَ عَلَيْهِ، فَيُصْبِحُ وَلَدُ أَبِي طَالِبٍ غُمْصًا رُمْصًا، وَيُصْبِحُ رَسُولُ اللَّهِ صَقِيلًا دَهِينًا. [ذِكْرُ قَتْلِ تَمِيمٍ بِالْمُشَقَّرِ] قَالَ هِشَامٌ: أَرْسَلَ وَهْرِزُ بِأَمْوَالٍ وَطُرَفٍ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا كَانَتْ بِبِلَادِ تَمِيمٍ دَعَا صَعْصَعَةُ بْنُ نَاجِيَةَ الْمُجَاشِعِيُّ، جَدُّ الْفَرَزْدَقِ الشَّاعِرِ، بَنِي تَمِيمٍ إِلَى الْوُثُوبِ عَلَيْهَا، فَأَبَوْا، فَقَالَ: كَأَنِّي بِأَبِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَقَدِ انْتَهَبُوا، فَاسْتَعَانُوا بِهَا عَلَى حَرْبِكُمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ وَثَبُوا عَلَيْهَا وَأَخَذُوهَا، وَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِيطٍ يُقَالُ لَهُ النَّطِفُ خَرْجًا فِيهِ جَوْهَرٌ، فَكَانَ يُقَالُ: " أَصَابَ فُلَانٌ كَنْزَ النَّطِفِ " فَصَارَ مَثَلًا. وَصَارَ أَصْحَابُ الْعِيرِ إِلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ بِالْيَمَامَةِ، فَكَسَاهُمْ وَحَمَلَهُمْ وَسَارَ مَعَهُمْ حَتَّى دَخَلَ عَلَى كِسْرَى، فَأُعْجِبَ بِهِ كِسْرَى وَدَعَا بِعِقْدٍ مِنْ دُرٍّ فَعَقَدَ عَلَى رَأْسِهِ، فَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَ هَوْذَةُ " ذَا التَّاجِ "، وَسَأَلَهُ كِسْرَى عَنْ تَمِيمٍ هَلْ مِنْ قَوْمِهِ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ سِلْمٌ؟ فَقَالَ: لَا بَيْنَنَا إِلَّا الْمَوْتُ. قَالَ: قَدْ أَدْرَكْتَ ثَأْرَكَ، وَأَرَادَ إِرْسَالَ الْجُنُودِ إِلَى تَمِيمٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ مَاءَهُمْ قَلِيلٌ، وَبِلَادَهُمْ بِلَادُ سُوءٍ، وَأُشِيرَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْبَحْرَيْنِ، وَهُوَ إِزَادُ فَيْرُوزَ بْنُ جُشَيْشٍ الَّذِي سَمَّتْهُ الْعَرَبُ الْمُكَعْبِرَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ الْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ، فَأَمَرَهُ بِقَتْلِ بَنِي تَمِيمٍ، فَفَعَلَ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ رَسُولًا، وَدَعَا هَوْذَةَ وَجَدَّدَ لَهُ كَرَامَةً وَصِلَةً، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ مَعَ رَسُولِهِ، فَأَقْبَلَا إِلَى الْمُكَعْبِرِ أَيَّامَ اللُّقَاطِ، وَكَانَتْ تَمِيمٌ تَصِيرُ إِلَى هَجَرَ لِلْمِيرَةِ وَاللِّقَاطِ، فَأَمَرَ الْمُكَعْبِرُ مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَحْضُرْ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَإِنَّ الْمَلِكَ قَدْ أَمَرَ لَهُمْ بِمِيرَةٍ وَطَعَامٍ. فَحَضَرُوا وَدَخَلُوا الْمُشَقَّرَ، وَهُوَ حِصْنٌ، فَلَمَّا دَخَلُوا قَتَلَ الْمُكَعْبِرُ رِجَالَهُمْ وَاسْتَبْقَى غِلْمَانَهُمْ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ قَعْنَبُ الرِّيَاحِيُّ، وَكَانَ فَارِسَ يَرْبُوعٍ، وَجَعَلَ الْغِلْمَانَ فِي السُّفُنِ وَعَبَرَ بِهِمْ إِلَى فَارِسَ.
ذكر ملك ابنه هرمز بن أنوشروان
قَالَ هُبَيْرَةُ بْنُ حُدَيْرٍ الْعَدَوِيُّ: رَجَعَ إِلَيْنَا بَعْدَمَا فُتِحَتْ إِصْطَخْرُ عِدَّةٌ مِنْهُمْ، وَشَدَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ عُبَيْدُ بْنُ وَهْبٍ عَلَى سِلْسِلَةِ الْبَابِ فَقَطَعَهَا وَخَرَجَ، وَاسْتَوْهَبَ هَوْذَةُ مِنَ الْمُكَعْبِرِ مِائَةَ أَسِيرٍ مِنْهُمْ فَأَطْلَقَهُمْ. (حُدَيْرٌ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الدَّالِ) . [ذِكْرُ مُلْكِ ابْنِهِ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ] وَكَانَتْ أُمُّهُ ابْنَةَ خَاقَانَ الْأَكْبَرِ، وَكَانَ هُرْمُزُ بْنُ كِسْرَى أَدِيبًا ذَا نِيَّةٍ فِي الْإِحْسَانِ إِلَى الضُّعَفَاءِ وَالْحَمْلِ عَلَى الْأَشْرَافِ، فَعَادُوهُ وَأَبْغَضُوهُ، وَكَانَ فِي نَفْسِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَكَانَ عَادِلًا بَلَغَ مِنْ عَدْلِهِ أَنَّهُ رَكِبَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى سَابَاطِ الْمَدَائِنِ فَاجْتَازَ بِكُرُومٍ، فَاطَّلَعَ أَسْوَارٌ مِنْ أَسَاوِرَتِهِ فِي كَرْمٍ وَأَخَذَ مِنْهُ عَنَاقِيدَ حُصْرُمٍ، فَلَزِمَهُ حَافِظُ الْكُرُومِ وَصَرَخَ، فَبَلَغَ مِنْ خَوْفِ الْأَسْوَارِ مِنْ عُقُوبَةِ كِسْرَى هُرْمُزَ أَنْ دَفَعَ إِلَى حَافِظِ الْكَرْمِ، مِنْطَعَةً مُحَلَّاةً بِذَهَبٍ عِوَضًا مِنَ الْحُصْرُمِ فَتَرَكَهُ. وَقِيلَ: كَانَ مُظَفَّرًا مَنْصُورًا لَا يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى شَيْءٍ إِلَّا نَالَهُ، وَكَانَ دَاهِيًا رَدِيَّ النِّيَّةِ، قَدْ نَزَعَ إِلَى أَخْوَالِهِ التُّرْكِ، وَإِنَّهُ قَتَلَ الْعُلَمَاءَ وَأَهْلَ الْبُيُوتَاتِ وَالشَّرَفِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ وَسِتَّمِائَةِ رَجُلٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ إِلَّا فِي تَأَلُّفِ السِّفْلَةِ. وَحَبَسَ كَثِيرًا مِنَ الْعُظَمَاءِ وَأَسْقَطَهُمْ وَحَطَّ مَرَاتِبَهُمْ وَحَرَمَ الْجُنُودَ، فَفَسَدَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِمَّنْ كَانَ حَوْلَهُ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ شَابَهْ مَلِكُ التُّرْكِ فِي ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ مِنْ مُلْكِهِ، فَوَصَلَ هَرَاةَ وَبَاذَغِيسَ، وَأَرْسَلَ إِلَى هُرْمُزَ وَالْفُرْسِ يَأْمُرُهُمْ بِإِصْلَاحِ الطُّرُقِ لِيَجُوزَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ.
وَوَصَلَ مَلِكُ الرُّومِ فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا إِلَى الضَّوَاحِي قَاصِدًا لَهُ، وَوَصَلَ مَلِكُ الْخَزَرِ إِلَى الْبَابِ وَالْأَبْوَابِ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، فَإِنَّ جَمْعًا مِنَ الْعَرَبِ شَنُّوا الْغَارَةَ عَلَى السَّوَادِ. فَأَرْسَلَ هُرْمُزُ بَهْرَامَ خُشْنَشْ، وَيُعْرَفُ بِجُوبِينَ، فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ اخْتَارَهُمْ مِنْ عَسْكَرِهِ، فَسَارَ مُجِدًّا وَوَاقَعَ شَابَهْ مَلِكَ التُّرْكِ فَقَتَلَهُ بِرَمْيَةٍ رَمَاهَا وَاسْتَبَاحَ عَسْكَرَهُ، ثُمَّ وَافَاهُ بَرْمُودَهْ بْنُ شَابَهْ فَهَزَمَهُ أَيْضًا وَحَصَرَهُ فِي بَعْضِ الْحُصُونِ حَتَّى اسْتَسْلَمَ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى هُرْمُزَ أَسِيرًا وَغَنِمَ مَا فِي الْحِصْنِ، فَكَانَ عَظِيمًا. ثُمَّ خَافَ بَهْرَامُ وَمَنْ مَعَهُ هُرْمُزَ، فَخَلَعُوهُ وَسَارُوا نَحْوَ الْمَدَائِنِ، وَأَظْهَرُوا أَنَّ ابْنَهُ أَبْرَوِيزَ أَصْلَحُ لِلْمُلْكِ مِنْهُ، وَسَاعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ هُرْمُزَ، وَكَانَ غَرَضُ بَهْرَامَ أَنْ يَسْتَوْحِشَ هُرْمُزُ مِنِ ابْنِهِ أَبْرَوِيزَ، وَيَسْتَوْحِشَ ابْنُهُ مِنْهُ فَيَخْتَلِفَا، فَإِنْ ظَفِرَ أَبْرَوِيزُ بِأَبِيهِ كَانَ أَمْرُهُ عَلَى بَهْرَامَ سَهْلًا، وَإِنْ ظَفِرَ أَبُوهُ بِهِ نَجَا بَهْرَامُ وَالْكَلِمَةُ مُخْتَلِفَةٌ، فَيَنَالُ مِنْ هُرْمُزَ غَرَضَهُ، وَكَانَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالِاسْتِقْلَالِ بِالْمُلْكِ. فَلَمَّا عَلِمَ أَبْرَوِيزُ ذَلِكَ خَافَ أَبَاهُ، فَهَرَبَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنَ الْمَرَازِبَةِ وَالْأَصْبَهْبَذِينَ، وَوَثَبَ الْعُظَمَاءُ بِالْمَدَائِنِ، وَفِيهِمْ بِنْدَوَيْهِ وَبِسْطَامٌ خَالَا أَبْرَوِيزَ، فَخَلَعُوا هُرْمُزَ وَسَمَلُوا عَيْنَيْهِ وَتَرَكُوهُ تَحَرُّجًا مِنْ قَتْلِهِ، وَبَلَغَ أَبْرَوِيزَ الْخَبَرُ فَأَقْبَلَ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى دَارِ الْمُلْكِ. وَكَانَ مُلْكُ هُرْمُزَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَمْ يُسْمَلْ مِنْ مُلُوكِ الْفُرْسِ غَيْرُهُ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. وَمِنْ مَحَاسِنِ السِّيَرِ مَا حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ دَارِهِ الَّتِي تُشْرِفُ عَلَى دِجْلَةَ مُقَابِلَ الْمَدَائِنِ عَمِلَ وَلِيمَةً عَظِيمَةً وَأَحْضَرَ النَّاسَ مِنَ الْأَطْرَافِ، فَأَكَلُوا، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: هَلْ
رَأَيْتُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ عَيْبًا؟ فَكُلُّهُمْ قَالَ: لَا عَيْبَ فِيهَا. فَقَامَ رَجُلٌ وَقَالَ: فِيهَا ثَلَاثَةُ عُيُوبٍ فَاحِشَةٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ النَّاسَ يَجْعَلُونَ دُورَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَأَنْتَ جَعَلْتَ الدُّنْيَا فِي دَارِكَ، فَقَدْ أَفْرَطْتَ فِي تَوْسِيعِ صُحُونِهَا وَبُيُوتِهَا، فَتَتَمَكَّنُ الشَّمْسُ فِي الصَّيْفِ وَالسَّمُومُ، فَيُؤْذِي ذَلِكَ أَهْلَهَا، وَيَكْثُرُ فِيهَا فِي الشِّتَاءِ الْبَرْدُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُلُوكَ يَتَوَصَّلُونَ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْأَنْهَارِ ; لِتَزُولَ هُمُومُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمِيَاهِ، وَيَتَرَطَّبَ الْهَوَاءُ، وَتُضِيءَ أَبْصَارُهُمْ، وَأَنْتَ قَدْ تَرَكْتَ دِجْلَةَ وَبَنَيْتَهَا فِي الْقَفْرِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّكَ جَعَلْتَ حُجْرَةَ النِّسَاءِ مِمَّا يَلِي الشِّمَالَ مِنْ مَسَاكِنِ الرِّجَالِ، وَهُوَ أَدْوَمُ هُبُوبًا، فَلَا يَزَالُ الْهَوَاءُ يَجِيءُ بِأَصْوَاتِ النِّسَاءِ وَرِيحِ طِيبِهِنَّ، وَهَذَا مَا تَمْنَعُهُ الْغَيْرَةُ وَالْحَمِيَّةُ. فَقَالَ هُرْمُزُ: أَمَّا سِعَةُ الصُّحُونِ وَالْمَجَالِسِ فَخَيْرُ الْمَسَاكِنِ مَا سَافَرَ فِيهِ الْبَصَرُ، وَشِدَّةُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ يُدْفَعَانِ بِالْخَيْشِ وَالْمَلَابِسِ وَالنِّيرَانِ. وَأَمَّا مُجَاوَرَةُ الْمَاءِ فَكُنْتُ عِنْدَ أَبِي وَهُوَ يُشْرِفُ عَلَى دِجْلَةَ، فَغَرِقَتْ سَفِينَةٌ تَحْتَهُ فَاسْتَغَاثَ مَنْ بِهَا إِلَيْهِ، وَأَبِي يَتَأَسَّفُ عَلَيْهِمْ وَيَصِيحُ بِالسُّفُنِ الَّتِي تَحْتَ دَارِهِ لِيَلْحَقُوهُ، فَإِلَى أَنْ لَحِقُوهُمْ غَرِقَ جَمِيعُهُمْ، فَجَعَلْتُ فِي نَفْسِي أَنَّنِي لَا أُجَاوِرُ سُلْطَانًا هُوَ أَقْوَى مِنِّي. وَأَمَّا عَمَلُ حُجْرَةِ النِّسَاءِ فِي جِهَةِ الشِّمَالِ، فَقَصَدْنَا بِهِ أَنَّ الشِّمَالَ أَرَقُّ هَوَاءً، وَأَقَلُّ وَخَامَةً، وَالنِّسَاءُ يُلَازِمْنَ الْبُيُوتَ، فَعُمِلَ لِذَلِكَ. وَأَمَّا الْغَيْرَةُ فَإِنَّ الرِّجَالَ لَا يَخْلُوُنَّ بِالنِّسَاءِ، وَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ إِنَّمَا هُوَ مَمْلُوكٌ وَعَبْدٌ لِقَيِّمٍ، وَأَمَّا أَنْتَ فَمَا أَخْرَجَ هَذَا مِنْكَ إِلَّا بُغْضٌ لِي، فَأَخْبِرْنِي عَنْ سَبَبِهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: لِي قَرْيَةٌ مِلْكٌ كُنْتُ أُنْفِقُ حَاصِلَهَا عَلَى عِيَالِي، فَغَلَبَنِي الْمَرْزُبَانُ فَأَخَذَهَا مِنِّي، فَقَصَدْتُكَ أَتَظَلَّمُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ فَلَمْ أَصِلْ إِلَيْكَ، فَقَصَدْتُ وَزِيرَكَ وَتَظَلَّمْتُ إِلَيْهِ فَلَمْ يُنْصِفْنِي، وَأَنَا أُؤَدِّي خَرَاجَ الْقَرْيَةِ حَتَّى لَا يَزُولَ اسْمِي عَنْهَا، وَهَذَا غَايَةُ الظُّلْمِ أَنْ يَكُونَ غَيْرِي يَأْخُذُ دَخْلَهَا وَأَنَا أُؤَدِّي خَرَاجَهَا.
ذكر ملك كسرى أبرويز بن هرمز
فَسَأَلَ هُرْمُزُ وَزِيرَهُ فَصَدَّقَهُ وَقَالَ: خِفْتُ أُعْلِمُكَ فَيُؤْذِينِي الْمَرْزُبَانُ. فَأَمَرَ هُرْمُزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الْمَرْزُبَانِ ضِعْفُ مَا أَخَذَ، وَأَنْ يَسْتَخْدِمَهُ صَاحِبُ الْقَرْيَةِ فِي أَيِّ شُغْلٍ شَاءَ سَنَتَيْنِ، وَعَزَلَ وَزِيرَهُ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: إِذَا كَانَ الْوَزِيرُ يُرَاقِبُ الظَّالِمَ فَالْأَحْرَى أَنَّ غَيْرَهُ يُرَاقِبُهُ، فَأَمَرَ بِاتِّخَاذِ صُنْدُوقٍ، وَكَانَ يَقْفِلُهُ وَيَخْتِمُهُ بِخَاتَمٍ وَيُتْرَكُ عَلَى بَابِ دَارِهِ وَفِيهِ خَرْقٌ يُلْقَى فِيهِ رِقَاعُ الْمُتَظَلِّمِينَ، وَكَانَ يَفْتَحُهُ كُلَّ أُسْبُوعٍ وَيَكْشِفُ الْمَظَالِمَ، فَأَفْكَرَ وَقَالَ: أُرِيدُ أَعْرِفُ ظُلْمَ الرَّعِيَّةِ سَاعَةً فَسَاعَةً، فَاتَّخَذَ سِلْسِلَةً طَرَفُهَا فِي مَجْلِسِهِ فِي السَّقْفِ، وَالطَّرَفُ الْآخَرُ خَارِجَ الدَّارِ فِي رَوْزَنَةٍ وَفِيهَا جَرَسٌ، وَكَانَ الْمُتَظَلِّمُ يُحَرِّكُ السِّلْسِلَةَ فَيُحَرِّكُ الْجَرَسَ فَيَحْضُرُهُ وَيَكْشِفُ ظُلَامَتَهُ. [ذِكْرُ مُلْكِ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ] وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ مُلُوكِهِمْ بَطْشًا، وَأَنْفَذِهِمْ رَأْيًا، وَبَلَغَ مِنَ الْبَأْسِ وَالنَّجْدَةِ وَجَمْعِ الْأَمْوَالِ وَمُسَاعَدَةِ الْأَقْدَارِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ مَلِكٌ قَبْلَهُ، وَلِذَلِكَ لُقِّبَ أَبْرَوِيزَ، وَمَعْنَاهُ الْمُظَفَّرُ، وَكَانَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ قَدْ سَعَى بِهِ بَهْرَامُ جُوبِينَ إِلَى أَبِيهِ أَنَّهُ يُرِيدُ الْمُلْكَ لِنَفْسِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ سَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ سِرًّا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، فَلَمَّا وَصَلَهَا بَايَعَهُ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الْعُظَمَاءِ، وَاجْتَمَعَ مَنْ بِالْمَدَائِنِ عَلَى خَلْعِ أَبِيهِ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبْرَوِيزُ بَادَرَ الْوُصُولَ إِلَى الْمَدَائِنِ قَبْلَ بَهْرَامَ جُوبِينَ، فَدَخَلَهَا قَبْلَهُ وَلَبِسَ التَّاجَ وَجَلَسَ عَلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ، وَكَانَ قَدْ سُمِلَ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّا فُعِلَ بِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَرَبُهُ لِلْخَوْفِ مِنْهُ، فَصَدَّقَهُ وَسَأَلَهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مَنْ يُؤْنِسُهُ، وَأَنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ خَلَعَهُ وَسَمَلَ عَيْنَيْهِ، فَاعْتَذَرَ بِقُرْبِ بَهْرَامَ مِنْهُ فِي الْعَسَاكِرِ وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ الظَّفَرِ بِبَهْرَامَ. وَسَارَ بَهْرَامُ إِلَى النَّهْرَوَانِ وَسَارَ أَبْرَوِيزُ إِلَيْهِ، فَالْتَقَيَا هُنَاكَ، وَرَأَى أَبْرَوِيزُ مِنْ أَصْحَابِهِ فُتُورًا فِي الْقِتَالِ فَانْهَزَمَ، وَدَخَلَ عَلَى أَبِيهِ وَعَرَّفَهُ الْحَالَ، فَاسْتَشَارَهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِقَصْدِ مُورِيقَ مَلِكِ الرُّومِ، وَجَهَّزَ ثَانِيًا وَسَارَ فِي عِدَّةٍ يَسِيرَةٍ، فِيهِمْ خَالَاهُ بِنْدَوَيْهِ وَبِسْطَامٌ وَكُرْدِيٌّ أَخُو بَهْرَامَ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْمَدَائِنِ خَافَ مَنْ مَعَهُ أَنَّ بَهْرَامَ يَرُدُّ هُرْمُزَ إِلَى الْمُلْكِ
وَيُرْسِلُ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ فِي رَدِّهِمْ فَيَرُدُّهُمْ إِلَيْهِ، فَاسْتَأْذَنُوا أَبْرَوِيزَ فِي قَتْلِ أَبِيهِ هُرْمُزَ فَلَمْ يُحِرْ جَوَابًا، فَانْصَرَفَ بِنْدَوَيْهِ وَبِسْطَامٌ وَبَعْضُ مَنْ مَعَهُمْ إِلَى هُرْمُزَ فَقَتَلُوهُ خَنْقًا، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى أَبْرَوِيزَ وَسَارُوا مُجِدِّينَ إِلَى أَنْ جَاوَزُوا الْفُرَاتَ، وَدَخَلُوا دَيْرًا يَسْتَرِيحُونَ فِيهِ، فَلَمَّا دَخَلُوا غَشِيَتْهُمْ خَيْلُ بَهْرَامَ جُوبِينَ وَمُقَدِّمُهَا رَجُلٌ اسْمُهُ بَهْرَامُ بْنُ سِيَاوِشَ، فَقَالَ بِنْدَوَيْهِ لِأَبْرَوِيزَ: احْتَلْ لِنَفْسِكَ. قَالَ: مَا عِنْدِي حِيلَةٌ! قَالَ بِنْدَوَيْهِ: أَنَا أَبْذُلُ نَفْسِي دُونَكَ، وَطَلَبَ مِنْهُ بَزَّتَهُ فَلَبِسَهَا، وَخَرَجَ أَبْرَوِيزُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الدَّيْرِ وَتَوَارَوْا بِالْجَبَلِ، وَوَافَى بَهْرَامُ الدَّيْرَ فَرَأَى بِنْدَوَيْهِ فَوْقَ الدَّيْرِ وَعَلَيْهِ بَزَّةُ أَبْرَوِيزَ، فَاعْتَقَدَهُ هُوَ وَسَأَلَهُ أَنْ يُنْظِرَهُ إِلَى غَدٍ لِيَصِيرَ إِلَيْهِ سِلْمًا، فَفَعَلَ، ثُمَّ ظَهَرَ مِنَ الْغَدِ عَلَى حِيلَتِهِ فَحَمَلَهُ إِلَى بَهْرَامَ جُوبِينَ فَحَبَسَهُ، وَدَخَلَ بَهْرَامُ جُوبِينَ دَارَ الْمُلْكِ وَقَعَدَ عَلَى السَّرِيرِ وَلَبِسَ التَّاجَ، فَانْصَرَفَتِ الْوُجُوهُ عَنْهُ، لَكِنَّ النَّاسَ أَطَاعُوهُ خَوْفًا، وَوَاطَأَ بَهْرَامُ بْنُ سِيَاوِشَ بِنْدَوَيْهِ عَلَى الْفَتْكِ بِبَهْرَامَ جُوبِينَ، فَعَلِمَ بَهْرَامُ جُوبِينَ بِذَلِكَ فَقَتَلَ بَهْرَامَ وَأَفْلَتَ بِنْدَوَيْهِ فَلَحِقَ بِأَذْرَبِيجَانَ. وَسَارَ أَبْرَوِيزُ إِلَى أَنْطَاكِيَّةَ، وَأَرْسَلَ أَصْحَابَهُ إِلَى الْمَلِكِ، فَوَعَدَهُ النُّصْرَةَ وَتَزَوَّجَ أَبْرَوِيزُ ابْنَةَ الْمَلِكِ مُورِيقَ، وَاسْمُهَا مَرْيَمُ، وَجَهَّزَ مَعَهُ الْعَسَاكِرَ الْكَثِيرَةَ، فَبَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ سَبْعِينَ أَلْفًا فِيهِمْ رَجُلٌ يُعَدُّ بِأَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَرَتَّبَهُمْ أَبْرَوِيزُ وَسَارَ بِهِمْ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَوَافَاهُ بِنْدَوَيْهِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُقَدَّمِينَ وَالْأَسَاوِرَةِ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ أَصْبَهَانَ وَفَارِسَ وَخُرَاسَانَ، وَسَارَ إِلَى الْمَدَائِنِ. وَخَرَجَ بَهْرَامُ جُوبِينَ نَحْوَهُ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، فَقُتِلَ فِيهَا الْفَارِسُ الرُّومِيُّ الَّذِي يُعَدُّ بِأَلْفِ فَارِسٍ. ثُمَّ انْهَزَمَ بَهْرَامُ جُوبِينَ، وَسَارَ إِلَى التُّرْكِ، وَسَارَ أَبْرَوِيزُ مِنَ الْمَعْرَكَةِ وَدَخَلَ الْمَدَائِنَ وَفَرَّقَ الْأَمْوَالَ فِي الرُّومِ، فَبَلَغَتْ جُمْلَتُهَا عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ فَأَعَادَهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ. وَأَقَامَ بَهْرَامُ جُوبِينَ عِنْدَ التُّرْكِ مُكَرَّمًا، فَأَرْسَلَ أَبْرَوِيزُ إِلَى زَوْجَةِ الْمَلِكِ، وَأَجْزَلَ لَهَا الْهَدِيَّةَ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا، وَطَلَبَ مِنْهَا قَتْلَ بَهْرَامَ، فَوَضَعَتْ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ، فَاشْتَدَّ قَتْلُهُ عَلَى مَلِكِ التُّرْكِ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ زَوْجَتَهُ قَتَلَتْهُ فَطَلَّقَهَا. ثُمَّ إِنَّ أَبْرَوِيزَ قَتَلَ بِنْدَوَيْهِ، وَأَرَادَ قَتْلَ بِسْطَامٍ فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى طَبَرِسْتَانَ لِحَصَانَتِهَا، فَوَضَعَ أَبْرَوِيزُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ. وَأَمَّا الرُّومُ فَإِنَّهُمْ خَلَعُوا مَلِكَهُمْ مُورِيقَ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ أَبْرَوِيزَ، وَقَتَلُوهُ وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بَطْرِيقًا اسْمُهُ فُوقَاسُ، فَأَبَادَ ذُرِّيَّةَ مُورِيقَ سِوَى ابْنٍ لَهُ هَرَبَ إِلَى
كِسْرَى أَبْرَوِيزَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ الْعَسَاكِرَ وَتَوَجَّهَ وَمَلَّكَهُ عَلَى الرُّومِ وَجَعَلَ عَلَى عَسَاكِرِهِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْ قُوَّادِهِ وَأَسَاوِرَتِهِ. أَمَّا أَحَدُهُمْ فَكَانَ يُقَالُ لَهُ بُورَانُ، وَجَّهَهُ فِي جَيْشٍ مِنْهَا إِلَى الشَّامِ، فَدَخَلَهَا حَتَّى دَخَلَ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، فَأَخَذَ خَشَبَةَ الصَّلِيبِ الَّتِي تَزْعُمُ النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صُلِبَ عَلَيْهَا فَأَرْسَلَهَا إِلَى كِسْرَى أَبْرَوِيزَ. وَأَمَّا الْقَائِدُ الثَّانِي فَكَانَ يُقَالُ لَهُ شَاهِينُ، فَسَيَّرَهُ فِي جَيْشٍ آخَرَ إِلَى مِصْرَ، فَافْتَتَحَهَا وَأَرْسَلَ مَفَاتِيحَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِلَى أَبْرَوِيزَ. وَأَمَّا الْقَائِدُ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَعْظَمُهُمْ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ فَرُّخَانُ، وَتُدْعَى مَرْتَبَتُهُ شَهْرَبَرَازْ، وَجَعَلَ مَرْجِعَ الْقَائِدَيْنِ الْأَوَّلِينَ إِلَيْهِ. وَكَانَتْ وَالِدَتُهُ مُنْجِبَةً لَا تَلِدُ إِلَّا نَجِيبًا، فَأَحْضَرَهَا أَبْرَوِيزُ وَقَالَ لَهَا: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوَجِّهَ جَيْشًا إِلَى الرُّومِ، أَسْتَعْمِلُ عَلَيْهِ بَعْضَ بَنِيكِ، فَأَشِيرِي عَلَيَّ أَيَّهُمْ أَسْتَعْمِلُ؟ . فَقَالَتْ: أَمَّا فُلَانٌ فَأَرْوَغُ مِنْ ثَعْلَبٍ، وَأَحْذَرُ مِنْ صَقْرٍ، وَأَمَّا فَرُّخَانُ فَهُوَ أَنْفَذُ مِنْ سِنَانٍ، وَأَمَّا شَهْرَبَرَازْ فَهُوَ أَحْلَمُ مِنْ كَذَا. فَقَالَ: قَدِ اسْتَعْمَلْتُ الْحَلِيمَ، فَوَلَّاهُ أَمْرَ الْجَيْشِ، فَسَارَ إِلَى الرُّومِ فَقَتَلَهُمْ، وَخَرَّبَ مَدَائِنَهُمْ، وَقَطَعَ أَشْجَارَهُمْ، وَسَارَ فِي بِلَادِهِمْ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، حَتَّى نَزَلَ عَلَى خَلِيجِهَا الْقَرِيبِ مِنْهَا يَنْهَبُ وَيُغِيرُ وَيُخَرِّبُ، فَلَمْ يَخْضَعْ لِابْنِ مُورِيقَ أَحَدٌ وَلَا أَطَاعَهُ، غَيْرَ أَنَّ الرُّومَ قَتَلُوا فُوقَاسَ لِفَسَادِهِ وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ هِرَقْلَ، وَهُوَ الَّذِي أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ الشَّامَ مِنْهُ. فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ مَا أَهَمَّ الرُّومَ مِنَ النَّهْبِ وَالْقَتْلِ وَالْبَلَاءِ تَضَرَّعَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَدَعَاهُ، فَرَأَى فِي مَنَامِهِ رَجُلًا كَثَّ اللِّحْيَةِ رَفِيعَ الْمَجْلِسِ عَلَيْهِ بَزَّةٌ حَسَنَةٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا دَاخِلٌ فَأَلْقَى ذَلِكَ الرَّجُلَ عَنْ مَجْلِسِهِ وَقَالَ لِهِرَقْلَ: إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُهُ فِي يَدِكَ، فَاسْتَيْقَظَ، فَلَمْ
يَقُصَّ رُؤْيَاهُ، فَرَأَى فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ ذَلِكَ الرَّجُلَ جَالِسًا فِي مَجْلِسِهِ، وَقَدْ دَخَلَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ وَبِيَدِهِ سِلْسِلَةٌ، فَأَلْقَاهَا فِي عُنُقِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَسَلَّمَهُ إِلَى هِرَقْلَ وَقَالَ: قَدْ دَفَعْتُ إِلَيْكَ كِسْرَى بِرُمَّتِهِ فَاغْزُهُ، فَإِنَّكَ مُدَالٌ عَلَيْهِ، وَبَالِغْ أُمْنِيَّتَكَ فِي أَعْدَائِكَ. فَقَصَّ حِينَئِذٍ هَذِهِ الرُّؤْيَا عَلَى عُظَمَاءِ الرُّومِ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يَغْزُوَهُ، فَاسْتَعَدَّ هِرَقْلُ وَأَخْلَفَ ابْنًا لَهُ عَلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَسَلَكَ غَيْرَ الطَّرِيقِ الَّذِي عَلَيْهِ شَهْرَبَرَازْ، وَسَارَ حَتَّى أَوْغَلَ فِي بِلَادِ أَرْمِينِيَّةَ، وَقَصَدَ الْجَزِيرَةَ فَنَزَلَ نَصِيبِينَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ كِسْرَى جُنْدًا وَأَمَرَهُمْ بِالْمُقَامِ بِالْمَوْصِلِ، وَأَرْسَلَ إِلَى شَهْرَبَرَازْ يَسْتَحِثُّهُ عَلَى الْقُدُومِ لِيَتَضَافَرَا عَلَى قِتَالِ هِرَقْلَ. وَقِيلَ فِي مَسِيرِهِ غَيْرُ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ شَهْرَبَرَازْ سَارَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ فَوَطِئَ الشَّامَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى أَذْرُعَاتٍ، وَلَقِيَ جُيُوشَ الرُّومِ بِهَا فَهَزَمَهَا وَظَفِرَ بِهَا وَسَبَى وَغَنِمَ وَعَظُمَ شَأْنُهُ. ثُمَّ إِنَّ فَرُّخَانَ أَخَا شَهْرَبَرَازْ شَرِبَ الْخَمْرَ يَوْمًا وَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِ كِسْرَى، فَبَلَغَ الْخَبَرُ كِسْرَى فَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ شَهْرَبَرَازْ يَأْمُرُهُ بِقَتْلِهِ، فَعَاوَدَهُ وَأَعْلَمَهُ شَجَاعَتَهُ وَنِكَايَتَهُ فِي الْعَدُوِّ، فَعَادَ كِسْرَى وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِقَتْلِهِ، فَرَاجَعَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الثَّالِثَةَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَكَتَبَ كِسْرَى بِعَزْلِ شَهْرَبَرَازْ وَوِلَايَةِ فَرُّخَانَ الْعَسْكَرَ، فَأَطَاعَ شَهْرَبَرَازْ فَلَمَّا جَلَسَ عَلَى سَرِيرِ الْإِمَارَةِ أَلْقَى إِلَيْهِ الْقَاصِدُ بِوِلَايَتِهِ كِتَابًا صَغِيرًا مِنْ كِسْرَى يَأْمُرُهُ بِقَتْلِ شَهْرَبَرَازَ فَعَزَمَ عَلَى قَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ شَهْرَبَرَازُ: أَمْهِلْنِي حَتَّى أَكْتُبَ وَصِيَّتِي، فَأَمْهَلَهُ، فَأَحْضَرَ دُرْجًا وَأَخْرَجَ مِنْهُ كُتُبَ كِسْرَى الثَّلَاثَةَ وَأَطْلَعَهُ عَلَيْهَا وَقَالَ: أَنَا رَاجَعْتُ فِيكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَمْ أَقْتُلْكَ، وَأَنْتَ تَقْتُلُنِي فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَاعْتَذَرَ أَخُوهُ إِلَيْهِ وَأَعَادَهُ إِلَى الْإِمَارَةِ وَاتَّفَقَا عَلَى مُوَافَقَةِ مَلِكِ الرُّومِ عَلَى كِسْرَى، فَأَرْسَلَ شَهْرَبَرَازْ إِلَى هِرَقْلَ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً لَا يَبْلُغُهَا الْبَرِيدُ وَلَا تَسَعُهَا الصُّحُفُ، فَالْقَنِي فِي خَمْسِينَ رُومِيًّا، فَإِنِّي أَلْقَاكَ فِي خَمْسِينَ فَارِسِيًّا، فَأَقْبَلَ قَيْصَرُ فِي جُيُوشِهِ جَمِيعِهَا، وَوَضَعَ عُيُونَهُ تَأْتِيهِ بِخَبَرِ شَهْرَبَرَازْ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ مَكِيدَةً، فَأَتَتْهُ عُيُونُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ فِي خَمْسِينَ فَارِسِيًّا، فَحَضَرَ عِنْدَهُ فِي مِثْلِهَا، وَاجْتَمَعَا وَبَيْنَهُمَا تُرْجُمَانٌ فَقَالَ لَهُ: أَنَا وَأَخِي خَرَّبْنَا بِلَادَكَ وَفَعَلْنَا مَا عَلِمْتَ، وَقَدْ حَسَدَنَا كِسْرَى وَأَرَادَ قَتْلَنَا، وَقَدْ خَلَعْنَاهُ وَنَحْنُ نُقَاتِلُ مَعَكَ. فَفَرِحَ هِرَقْلُ بِذَلِكَ وَاتَّفَقَا
عَلَيْهِ وَقَتَلَا التُّرْجُمَانَ لِئَلَّا يُفْشِيَ سِرَّهُمَا، وَسَارَ هِرَقْلُ فِي جَيْشِهِ إِلَى نَصِيبِينَ. وَبَلَغَ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ الْخَبَرُ وَأَرْسَلَ لِمُحَارَبَةِ هِرَقْلَ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ اسْمُهُ رَاهَزَارُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ بِنِينَوَى مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ عَلَى دِجْلَةَ يَمْنَعُ هِرَقْلَ مِنْ أَنْ يَجُوزَهَا، وَأَقَامَ هُوَ بِدَسْكَرَةِ الْمُلْكِ، فَأَرْسَلَ رَاهَزَارُ الْعُيُونَ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ هِرَقْلَ فِي سَبْعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى كِسْرَى يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَعْجَزُ عَنْ قِتَالِ هَذَا الْجَمْعِ الْكَثِيرِ، فَلَمْ يَعْذُرْهُ وَأَمَرَهُ بِقِتَالِهِ، فَأَطَاعَ وَعَبَّى جُنْدَهُ، وَسَارَ هِرَقْلُ نَحْوَ جُنُودِ كِسْرَى، وَقَطَعَ دِجْلَةَ مِنْ غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ رَاهَزَارُ، فَقَصَدَهُ رَاهَزَارُ وَلَقِيَهُ، فَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ رَاهَزَارُ وَسِتَّةُ آلَافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبْرَوِيزَ وَهُوَ بِدَسْكَرَةِ الْمُلْكِ، فَهَدَّهُ ذَلِكَ وَعَادَ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَتَحَصَّنَ بِهَا لِعَجْزِهِ عَنْ مُحَارَبَةِ هِرَقْلَ، وَكُتَبَ إِلَى قُوَّادِ الْجُنْدِ الَّذِينَ انْهَزَمُوا يَتَهَدَّدُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ فَأَحْوَجَهُمْ إِلَى الْخِلَافِ عَلَيْهِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَسَارَ هِرَقْلُ حَتَّى قَارَبَ الْمَدَائِنَ ثُمَّ عَادَ إِلَى بِلَادِهِ. وَكَانَ سَبَبَ عَوْدِهِ أَنَّ كِسْرَى لَمَّا عَجِزَ عَنْ هِرَقْلَ أَعْمَلَ الْحِيلَةَ، فَكَتَبَ كِتَابًا إِلَى شَهْرَبَرَازْ يَشْكُرُهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ: أَحْسَنْتَ فِي فِعْلِ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ مِنْ مُوَاصَلَةِ مَلِكِ الرُّومِ وَتَمْكِينِهِ مِنَ الْبِلَادِ، وَالْآنَ قَدْ أَوْغَلَ وَأَمْكَنَ مِنْ نَفْسِهِ، فَتَجِيءُ أَنْتَ مِنْ خَلْفِهِ وَأَنَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَيَكُونُ اجْتِمَاعُنَا عَلَيْهِ يَوْمَ كَذَا فَلَا يُفْلِتُ مِنْهُمْ أَحَدٌ. ثُمَّ جَعَلَ الْكِتَابَ فِي عُكَّازِ أَبَنُوسَ، وَأَحْضَرَ رَاهِبًا كَانَ فِي دَيْرٍ عِنْدَ الْمَدَائِنِ وَقَالَ لَهُ: لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ. فَقَالَ الرَّاهِبُ: الْمَلِكُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ إِلَيَّ حَاجَةٌ وَلَكِنَّنِي عَبْدُهُ. قَالَ: إِنَّ الرُّومَ قَدْ نَزَلُوا قَرِيبًا مِنَّا، وَقَدْ حَفِظُوا الطُّرُقَ عَنَّا، وَلِي إِلَى أَصْحَابِي الَّذِينَ بِالشَّامِ حَاجَةٌ، وَأَنْتَ نَصْرَانِيٌّ إِذَا جُزْتَ عَلَى الرُّومِ لَا يُنْكِرُونَكَ، وَقَدْ كَتَبْتُ كِتَابًا وَهُوَ فِي هَذِهِ الْعُكَّازَةِ فَتُوصِلُهُ إِلَى شَهْرَبَرَازْ، وَأَعْطَاهُ مِائَتَيْ دِينَارٍ. فَأَخَذَ الْكِتَابِ وَفَتَحَهُ وَقَرَأَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ وَسَارَ، فَلَمَّا صَارَ بِالْعَسْكَرِ وَرَأَى الرُّومَ وَالرُّهْبَانَ وَالنَّوَاقِيسَ رَقَّ قَلْبُهُ وَقَالَ: أَنَا شَرُّ النَّاسِ إِنْ أَهْلَكْتُ النَّصْرَانِيَّةَ! فَأَقْبَلَ إِلَى سُرَادِقِ الْمَلِكِ وَأَنْهَى حَالَهُ وَأَوْصَلَ الْكِتَابَ إِلَيْهِ. فَقَرَأَهُ ثُمَّ أَحْضَرَ أَصْحَابُهُ رَجُلًا قَدْ أَخَذُوهُ مِنْ طَرِيقِ الشَّامِ قَدْ وَاطَأَهُ كِسْرَى وَمَعَهُ كِتَابٌ
ذكر ما رأى كسرى من الآيات بسبب رسول الله - صلى الله عليه وسلم
قَدِ افْتَعَلَهُ عَلَى لِسَانِ شَهْرَبَرَازْ إِلَى كِسْرَى يَقُولُ: إِنَّنِي مَازِلْتُ أُخَادِعُ مَلِكَ الرُّومِ، حَتَّى اطْمَأَنَّ إِلَيَّ، وَجَازَ إِلَى الْبِلَادِ كَمَا أَمَرْتَنِي، فَيُعَرِّفُنِي الْمَلِكُ فِي أَيِّ يَوْمٍ يَكُونُ لِقَاؤُهُ، حَتَّى أَهْجُمَ أَنَا عَلَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ وَالْمَلِكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَلَا يَسْلَمُ هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ، وَآمَرَهُ أَنْ يَتَعَمَّدَ طَرِيقًا يُؤْخَذُ فِيهَا. فَلَمَّا قَرَأَ مَلِكُ الرُّومِ الْكِتَابَ الثَّانِيَ تَحَقَّقَ الْخَبَرَ، فَعَادَ شِبْهَ الْمُنْهَزِمِ مُبَادِرًا إِلَى بِلَادِهِ، وَوَصَلَ خَبَرُ عَوْدَةِ مَلِكِ الرُّومِ إِلَى شَهْرَبَرَازْ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَدْرِكَ مَا فَرَّطَ مِنْهُ، فَعَارَضَ الرُّومَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا وَكَتَبَ إِلَى كِسْرَى: إِنَّنِي عَمِلْتُ الْحِيلَةَ عَلَى الرُّومِ حَتَّى صَارُوا فِي الْعِرَاقِ، وَأَنْفَذَ مِنْ رُءُوسِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا. وَفِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {الم - غُلِبَتِ الرُّومُ - فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 1 - 3] ، يَعْنِي بِأَدْنَى الْأَرْضِ أَذْرُعَاتٍ، وَهِيَ أَدْنَى أَرْضِ الرُّومِ إِلَى الْعَرَبِ، وَكَانَتِ الرُّومُ قَدْ هُزِمَتْ بِهَا فِي بَعْضِ حُرُوبِهَا. وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ قَدْ سَاءَهُمْ ظَفَرُ الْفُرْسِ أَوَّلًا بِالرُّومِ ; لِأَنَّ الرُّومَ أَهْلُ كِتَابٍ، وَفَرِحَ الْكُفَّارُ لِأَنَّ الْمَجُوسَ أُمِّيُّونَ مِثْلُهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ رَاهَنَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ عَلَى أَنَّ الظَّفَرَ يَكُونُ لِلرُّومِ إِلَى تِسْعِ سِنِينَ، وَالرَّهْنُ مِائَةُ بَعِيرٍ، فَغَلَبَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّهْنُ ذَلِكَ الْوَقْتُ حَرَامًا، فَلَمَّا ظَفِرَتِ الرُّومُ أَتَى الْخَبَرُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ. [ذِكْرُ مَا رَأَى كِسْرَى مِنَ الْآيَاتِ بِسَبَبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ سَكَنَ دِجْلَةَ الْعَوْرَاءَ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، وَكَانَ طَاقُ مَجْلِسِهِ قَدْ بُنِيَ بُنْيَانًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، وَكَانَ عِنْدَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ رَجُلًا مِنَ الْحُزَاةِ مِنْ بَيْنِ كَاهِنٍ وَسَاحِرٍ وَمُنَجِّمٍ، وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ اسْمُهُ السَّايِبُ، بَعَثَ بِهِ بَاذَانُ مِنَ الْيَمَنِ، وَكَانَ كِسْرَى إِذَا أَحْزَنَهُ أَمْرُ جَمَعَهُمْ فَقَالَ: انْظُرُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ مَا هُوَ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْبَحَ كِسْرَى وَقَدِ انْقَصَمَ طَاقُ مُلْكِهِ مِنْ غَيْرِ ثُقْلٍ، وَانْحَرَفَتْ عَلَيْهِ دِجْلَةُ الْعَوْرَاءُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ حَزَنَهُ فَقَالَ: انْقَصَمَ طَاقُ مُلْكِي مِنْ غَيْرِ ثُقْلٍ، وَانْخَرَقَتْ دِجْلَةُ الْعَوْرَاءُ " شَاهْ بِشْكَسْتَ "، يَقُولُ: الْمُلْكُ انْكَسَرَ. ثُمَّ دَعَا كُهَّانَهُ وَسُحَّارَهُ وَمُنَجِّمِيهِ، وَفِيهِمُ السَّايِبُ، فَقَالَ لَهُمْ: انْظُرُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ. فَنَظَرُوا فِي أَمْرِهِ فَأَخَذَتْ عَلَيْهِ أَقْطَارُ السَّمَاءِ وَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ، فَلَمْ يَمْضِ لَهُمْ مَا رَامُوهُ، وَبَاتَ السَّايِبُ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ عَلَى رَبْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَنْظُرُ، فَرَأَى بَرْقًا مِنْ قِبَلِ الْحِجَازِ اسْتِطَارَ فَبَلَغَ الْمَشْرِقَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَأَى تَحْتَ قَدَمَيْهِ رَوْضَةً خَضْرَاءَ، فَقَالَ فِيمَا يَعْتَافُ: إِنْ صَدَقَ مَا أَرَى لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الْحِجَازِ سُلْطَانٌ يَبْلُغُ الْمَشْرِقَ تَخْصُبُ عَلَيْهِ الْأَرْضُ كَأَفْضَلِ مَا أَخْصَبَتْ عَلَى مَلِكٍ. فَلَمَّا خَلُصَ الْكُهَّانُ وَالْمُنَجِّمُونَ وَالسُّحَّارُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَرَأَوْا مَا أَصَابَهُمْ، وَرَأَى السَّايِبُ مَا رَأَى، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: وَاللَّهِ مَا حِيلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عِلْمِكُمْ إِلَّا لِأَمْرٍ جَاءَ مِنَ السَّمَاءِ، وَإِنَّهُ لَنَبِيٌّ بُعِثَ أَوْ هُوَ مَبْعُوثٌ يَسْلُبُ هَذَا الْمُلْكَ وَيَكْسِرُهُ، وَلَئِنْ نَعَيْتُمْ لِكِسْرَى مُلْكَهُ لَيَقْتُلَنَّكُمْ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكْتُمُوهُ الْأَمْرَ وَقَالُوا لَهُ: قَدْ نَظَرْنَا فَوَجَدْنَا أَنَّ وَضْعَ دِجْلَةَ الْعَوْرَاءَ وَطَاقَ الْمُلْكِ قَدْ وُضِعَ عَلَى النُّحُوسِ، فَلَمَّا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَقَعَتِ النُّحُوسُ
مَوَاقِعَهَا فَزَالَ كُلُّ مَا وُضِعَ عَلَيْهَا، وَإِنَّا نَحْسِبُ لَكَ حِسَابًا تَضَعُ عَلَيْهِ بُنْيَانَكَ فَلَا يَزُولُ، فَحَسَبُوا وَأَمَرُوهُ بِالْبِنَاءِ، فَبَنَى دِجْلَةَ الْعَوْرَاءَ فِي ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا أَمْوَالًا جَلِيلَةً حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهَا قَالَ لَهُمْ: أَجْلِسُ عَلَى سُورِهَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَجَلَسَ فِي أَسَاوِرَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ هُنَاكَ انْتَسَفَتْ دِجْلَةُ الْبُنْيَانَ مِنْ تَحْتِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بِآخِرِ رَمَقٍ. فَلَمَّا أَخْرَجُوهُ جَمَعَ كُهَّانَهُ وَسُحَّارَهُ وَمُنَجِّمِيهِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَةٍ وَقَالَ: قَرَّبْتُكُمْ وَأَجْرَيْتُ عَلَيْكُمُ الْأَرْزَاقَ ثُمَّ أَنْتُمْ تَلْعَبُونَ بِي! فَقَالُوا: أَيُّهَا الْمَلِكُ أَخْطَأْنَا كَمَا أَخْطَأَ مَنْ قَبْلَنَا. ثُمَّ حَسَبُوا لَهُ وَبَنَاهُ وَفَرَغَ مِنْهُ وَأَمَرُوهُ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ، فَخَافَ فَرَكِبَ فَرَسًا وَسَارَ عَلَى الْبِنَاءِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ انْتَسَفَتْهُ دِجْلَةُ فَلَمْ يُدْرَكْ إِلَّا بِآخِرِ رَمَقٍ، فَدَعَاهُمْ وَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ أَوْ لَتَصْدُقُونِي. فَصَدَقُوهُ الْأَمْرَ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ هَلَّا بَيَّنْتُمْ لِي فَأَرَى فِيهِ رَأْيِي؟ قَالُوا: مَنَعَنَا الْخَوْفُ. فَتَرَكَهُمْ وَلَهَا عَنْ دِجْلَةَ حِينَ غَلَبَتْهُ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْبَطَائِحِ، وَلَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ وَكَانَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا عَامِرَةً. فَلَمَّا جَاءَتْ سَنَةُ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ إِلَى كِسْرَى، فَزَادَتِ الْفُرَاتُ وَالدِّجْلَةُ زِيَادَةً عَظِيمَةً لَمْ يُرَ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا مِثْلَهَا، فَانْبَثَقَتِ الْبُثُوقُ وَانْتَسَفَتْ مَا كَانَ بَنَاهُ كِسْرَى وَاجْتَهَدَ أَنْ يَكْسِرَهَا فَغَلَبَهُ الْمَاءُ، كَمَا بَيَّنَّا، وَمَالَ إِلَى مَوْضِعِ الْبَطَائِحِ فَطَمَا الْمَاءُ عَلَى الزُّرُوعِ وَغَرِقَ عِدَّةُ طَسَاسِيجَ، ثُمَّ دَخَلَتِ الْعَرَبُ أَرْضَ الْفُرْسِ، وَشَغَلَتْهُمْ عَنْ عَمَلِهَا بِالْحُرُوبِ وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ. فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ الْحَجَّاجِ تَفَجَّرَتْ بُثُوقٌ أُخَرُ فَلَمْ يَسُدَّهَا مُضَارَّةً لِلدَّهَاقِينِ لِأَنَّهُ اتَّهَمَهُمْ بِمُمَالَأَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَعَظُمَ الْخَطْبُ فِيهَا وَعَجِزَ النَّاسُ عَنْ عَمَلِهَا، فَبَقِيَتْ عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْآنَ. وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: بَعَثَ اللَّهُ إِلَى كِسْرَى مَلَكًا وَهُوَ فِي بَيْتِ إِيوَانِهِ الَّذِي لَا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُعْهُ إِلَّا بِهِ قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ فِي يَدِهِ عَصًا بِالْهَاجِرَةِ فِي سَاعَتِهِ الَّتِي يُقِيلُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا كِسْرَى أَتُسْلِمُ أَوْ أَكْسِرُ هَذِهِ الْعَصَا؟ فَقَالَ: بِهِلْ بِهِلْ! وَانْصَرَفَ عَنْهُ فَدَعَا بِحُرَّاسِهِ وَحُجَّابِهِ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: مَنْ أَدْخَلَ هَذَا الرَّجُلَ؟ فَقَالُوا: مَا دَخَلَ عَلَيْنَا أَحَدٌ وَلَا رَأَيْنَاهُ! حَتَّى إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ أَتَاهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ أَوْ أَكْسِرُ الْعَصَا؟ فَقَالَ: بِهِلْ بِهِلْ! وَتَغَيَّظَ عَلَى حُجَّابِهِ وَحُرَّاسِهِ. فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ
الثَّالِثُ أَتَاهُ فَقَالَ: أَتُسْلِمُ أَوْ أَكْسِرُ الْعَصَا؟ فَقَالَ: بِهِلْ بِهِلْ! فَكَسَرَ الْعَصَا ثُمَّ خَرَجَ. فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا تَهَوُّرُ مُلْكِهِ وَانْبِعَاثُ ابْنِهِ وَالْفُرْسِ حَتَّى قَتَلُوهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: «قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى كِسْرَى فِيكَ؟ قَالَ: (بَعَثَ إِلَيْهِ مَلَكًا، فَأَخْرَجَ يَدَهُ إِلَيْهِ مِنْ جِدَارِ بَيْتِهِ تَلَأْلَأُ نُورًا، فَلَمَّا رَآهَا فَزِعَ فَقَالَ لَهُ: لَا تُرَعْ يَا كِسْرَى! إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا فَاتَّبِعْهُ تَسْلَمْ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ. قَالَ: سَأَنْظُرُ) » . ذِكْرُ وَقْعَةِ ذِي قَارٍ وَسَبَبِهِ ذَكَرُوا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «قَالَ لَمَّا بَلَغَهُ مَا كَانَ مِنْ ظَفَرِ رَبِيعَةَ بِجَيْشِ كِسْرَى: (هَذَا أَوَّلُ يَوْمٍ انْتَصَفَ الْعَرَبُ فِيهِ مِنَ الْعَجَمِ وَبِي نُصِرُوا) » . فَحَفِظَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَكَانَ يَوْمَ الْوَاقِعَةِ. قَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ: كَانَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ التَّمِيمِيُّ وَأَخُوهُ عَمَّارٌ، وَهُوَ أُبَيٌّ، وَعَمْرٌو، وَهُوَ سُمَيٌّ، يَكُونُونَ مَعَ الْأَكَاسِرَةِ وَلَهُمْ إِلَيْهِمُ انْقِطَاعٌ، وَكَانَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ لَمَّا مَلَكَ جَعَلَ ابْنَهُ النُّعْمَانَ فِي حِجْرِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ لَهُ غَيْرَ النُّعْمَانِ أَحَدَ عَشَرَ وَلَدًا وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْأَشَاهِبَ لِجَمَالِهِمْ. فَلَمَّا مَاتَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَخَلَّفَ أَوْلَادَهُ أَرَادَ كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ أَنْ يُمَلِّكَ عَلَى الْعَرَبِ مَنْ يَخْتَارُهُ، فَأَحْضَرَ عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ وَسَأَلَهُ عَنْ أَوْلَادِ الْمُنْذِرِ، فَقَالَ: هُمْ رِجَالٌ، فَأَمَرَهُ بِإِحْضَارِهِمْ. فَكَتَبَ عَدِيٌّ فَأَحْضَرَهُمْ وَأَنْزَلَهُمْ، وَكَانَ يُفَضِّلُ إِخْوَةَ النُّعْمَانِ عَلَيْهِ وَيُرِيهِمْ أَنَّهُ لَا يَرْجُو النُّعْمَانَ وَيَخْلُو بِوَاحِدٍ وَاحِدٍ وَيَقُولُ لَهُ: إِذَا سَأَلَكَ الْمَلِكُ أَتَكْفُونَنِي الْعَرَبَ؟ قُولُوا: نَكْفِيكَهُمْ إِلَّا النُّعْمَانَ. وَقَالَ لِلنُّعْمَانِ: إِذَا سَأَلَكَ الْمَلِكُ عَنْ إِخْوَتِكَ فَقُلْ لَهُ: إِذَا عَجِزْتُ عَنْ إِخْوَتِي فَأَنَا عَنْ غَيْرِهِمْ أَعْجَزُ. وَكَانَ مِنْ بَنِي مَرِينَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عَدِيُّ بْنُ أَوْسِ بْنِ مَرِينَا، وَكَانَ دَاهِيًا شَاعِرًا، وَكَانَ
يَقُولُ لِلْأَسْوَدِ بْنِ الْمُنْذِرِ: قَدْ عَرَفْتَ أَنِّي أَرْجُوكَ وَعَيْنِي إِلَيْكَ، وَإِنَّنِي أُرِيدُكَ أَنْ تُخَالِفَ عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَا يَنْصَحُ لَكَ أَبَدًا! فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ. فَلَمَّا أَمَرَ كِسْرَى عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ أَنْ يُحْضِرَهُمْ، أَحْضَرَهُمْ رَجُلًا رَجُلًا وَسَأَلَهُمْ كِسْرَى: أَتَكْفُونَنِي الْعَرَبَ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ إِلَّا النُّعْمَانَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ النُّعْمَانُ رَأَى رَجُلًا دَمِيمًا أَحْمَرَ أَبْرَشَ قَصِيرًا فَقَالَ لَهُ: أَتَكْفِينِي إِخْوَتَكَ وَالْعَرَبَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ عَجَزْتُ عَنْ إِخْوَتِي فَأَنَا عَنْ غَيْرِهِمْ أَعْجَزُ. فَمَلَّكَهُ وَكَسَاهُ وَأَلْبَسَهُ تَاجًا قِيمَتُهُ سِتُّونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ عَدِيُّ بْنُ مَرِينَا لِلْأَسْوَدِ: دُونَكَ فَقَدْ خَالَفْتَ الرَّأْيَ. ثُمَّ صَنَعَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ طَعَامًا وَدَعَا عَدِيَّ بْنَ مَرِينَا إِلَيْهِ وَقَالَ: إِنِّي عَرَفْتُ أَنَّ صَاحِبَكَ الْأَسْوَدَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ صَاحِبِي النُّعْمَانِ، فَلَا تَلُمْنِي عَلَى شَيْءٍ كُنْتَ عَلَى مِثْلِهِ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَلَّا تَحْقِدَ عَلَيَّ، وَإِنَّ نَصِيبِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ لَيْسَ بِأَوْفَرَ مِنْ نَصِيبِكَ، وَحَلَفَ لِابْنِ مَرِينَا أَنْ لَا يَهْجُوهُ وَلَا يَبْغِيهِ غَائِلَةً أَبَدًا، فَقَامَ ابْنُ مَرِينَا وَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَهْجُوهُ وَيَبْغِيهِ الْغَوَائِلَ. وَسَارَ النُّعْمَانُ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةَ، وَقَالَ ابْنُ مَرِينَا لِلْأَسْوَدِ: إِذَا فَاتَكَ فَلَا تَعْجَزْ أَنْ تَطْلُبَ بِثَأْرِكَ مِنْ عَدِيٍّ فَإِنَّ مَعَدًّا لَا يَنَامُ مُكْرَهًا، وَأَمَرْتُكَ بِمَعْصِيَتِهِ فَخَالَفْتَنِي، وَأُرِيدُ أَنْ لَا يَأْتِيَكَ مِنْ مَالِكَ شَيْءٌ إِلَّا عَرَضْتَهُ عَلَيَّ. فَفَعَلَ. وَكَانَ ابْنُ مَرِينَا كَثِيرَ الْمَالِ، وَكَانَ لَا يُخَلِّي النُّعْمَانَ يَوْمًا مِنْ هَدِيَّةٍ وَطُرْفَةٍ، فَصَارَ مِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَكَانَ إِذَا ذُكِرَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ وَصَفَهُ وَقَالَ: إِلَّا أَنَّهُ فِيهِ مَكْرٌ وَخَدِيعَةٌ، وَاسْتَمَالَ أَصْحَابَ النُّعْمَانِ، فَمَالُوا إِلَيْهِ، وَوَاضَعَهُمْ عَلَى أَنْ قَالُوا لِلنُّعْمَانِ: إِنَّ عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ إِنَّكَ عَامِلُهُ، وَلَمْ يَزَالُوا بِالنُّعْمَانِ حَتَّى أَضْغَنُوهُ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَدِيٍّ يَسْتَزِيرُهُ، فَاسْتَأْذَنَ عَدِيٌّ كِسْرَى فِي ذَلِكَ فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا أَتَاهُ لَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ حَتَّى حَبَسَهُ وَمَنَعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ عَدِيٌّ يَقُولُ الشِّعْرَ وَهُوَ فِي السِّجْنِ، وَبَلَغَ النُّعْمَانَ قَوْلُهُ فَنَدِمَ عَلَى حَبْسِهِ إِيَّاهُ وَخَافَ مِنْهُ إِذَا أَطْلَقَهُ. فَكَتَبَ عَدِيٌّ إِلَى أَخِيهِ أُبَيٍّ أَبْيَاتًا يُعْلِمُهُ بِحَالِهِ، فَلَمَّا قَرَأَ أَبْيَاتَهُ وَكِتَابَهُ كَلَّمَ كِسْرَى فِيهِ، فَكَتَبَ إِلَى النُّعْمَانِ وَأَرْسَلَ رَجُلًا فِي إِطْلَاقِ عَدِيٍّ، وَتَقَدَّمَ أَخُو عَدِيٍّ إِلَى الرَّسُولِ بِالدُّخُولِ إِلَى عَدِيٍّ قَبْلَ النُّعْمَانِ، فَفَعَلَ وَدَخَلَ عَلَى عَدِيٍّ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ أُرْسِلَ لِإِطْلَاقِهِ،
فَقَالَ لَهُ عَدِيٌّ: لَا تَخْرُجْ مِنْ عِنْدِي وَأَعْطِنِي الْكِتَابَ حَتَّى أُرْسِلَهُ، فَإِنَّكَ إِنْ خَرَجْتَ مِنْ عِنْدِي قَتَلَنِي، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَدَخَلَ أَعْدَاءُ عَدِيٍّ عَلَى النُّعْمَانِ فَأَعْلَمُوهُ الْحَالَ وَخَوَّفُوهُ مِنْ إِطْلَاقِهِ، فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِ فَخَنَقُوهُ ثُمَّ دَفَنُوهُ. وَجَاءَ الرَّسُولُ فَدَخَلَ عَلَى النُّعْمَانِ بِالْكِتَابِ فَقَالَ: نَعَمْ وَكَرَامَةٌ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ مِثْقَالٍ وَجَارِيَةٍ وَقَالَ: إِذَا أَصْبَحْتَ ادْخُلْ إِلَيْهِ فَخُذْهُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ الرَّسُولُ غَدَا إِلَى السِّجْنِ فَلَمْ يَرَ عَدِيًّا، وَقَالَ لَهُ الْحَرَسُ: إِنَّهُ مَاتَ مُنْذُ أَيَّامٍ. فَرَجَعَ إِلَى النُّعْمَانِ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَآهُ بِالْأَمْسِ وَلَمْ يَرَهُ الْيَوْمَ، فَقَالَ: كَذَبْتَ! وَزَادَهُ رِشْوَةً وَاسْتَوْثَقَ مِنْهُ أَنْ لَا يُخْبِرَ كِسْرَى، إِلَّا أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى النُّعْمَانِ. قَالَ: وَنَدِمَ النُّعْمَانُ عَلَى قَتْلِهِ، وَاجْتَرَأَ أَعْدَاءُ عَدِيٍّ عَلَى النُّعْمَانِ وَهَابَهُمْ هَيْبَةً شَدِيدَةً. فَخَرَجَ النُّعْمَانُ فِي بَعْضِ صَيْدِهِ، فَرَأَى ابْنًا لِعَدِيٍّ يُقَالُ لَهُ زَيْدٌ، فَكَلَّمَهُ وَفَرِحَ بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ أَبِيهِ وَسَيَّرَهُ، إِلَى كِسْرَى وَوَصَفَهُ لَهُ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ مَكَانَ أَبِيهِ، فَفَعَلَ كِسْرَى، وَكَانَ يَلِي مَا يُكْتَبُ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَسَأَلَهُ كِسْرَى عَنِ النُّعْمَانِ فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَأَقَامَ عِنْدَ الْمَلِكِ سَنَوَاتٍ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ، وَكَانَ يُكْثِرُ الدُّخُولَ عَلَى كِسْرَى. وَكَانَ لِمُلُوكِ الْأَعَاجِمِ صِفَةٌ لِلنِّسَاءِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُمْ، وَكَانُوا يَبْعَثُونَ فِي طَلَبِ مَنْ يَكُونُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَلَا يَقْصِدُونَ الْعَرَبَ، فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ عَدِيٍّ: إِنِّي أَعْرِفُ عِنْدَ عَبْدِكَ النُّعْمَانِ مِنْ بَنَاتِهِ وَبَنَاتِ عَمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ امْرَأَةً عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. قَالَ: فَتَكْتُبُ فِيهِنَّ. قَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ شَرَّ شَيْءٍ فِي الْعَرَبِ، وَفِي النُّعْمَانِ أَنَّهُمْ يَتَكَرَّمُونَ بِأَنْفُسِهِمْ عَنِ الْعَجَمِ، فَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تُعْنِتَهُنَّ، وَإِنْ قَدِمْتُ أَنَا عَلَيْهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فَابْعَثْنِي وَابْعَثْ مَعِيَ رَجُلًا يَفْقَهُ الْعَرَبِيَّةَ، فَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا جَلْدًا، فَخَرَجَا حَتَّى بَلَغَا الْحِيرَةَ وَدَخَلَا عَلَى النُّعْمَانِ. قَالَ لَهُ زَيْدٌ: إِنَّ الْمَلِكَ احْتَاجَ إِلَى نِسَاءٍ لِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَأَرَادَ كَرَامَتَكَ فَبَعَثَ إِلَيْكَ. قَالَ: وَمَا هَؤُلَاءِ النِّسْوَةُ؟ قَالَ: هَذِهِ صِفَتُهُنَّ قَدْ جِئْنَا بِهَا. وَكَانَتِ الصِّفَةُ أَنَّ الْمُنْذِرَ أَهْدَى إِلَى أَنُوشِرْوَانَ جَارِيَةً أَصَابَهَا عِنْدَ الْغَارَةِ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيِّ، وَكَتَبَ يَصِفُهَا أَنَّهَا مُعْتَدِلَةُ الْخَلْقِ، نَقِيَّةُ اللَّوْنِ وَالثَّغْرِ، بَيْضَاءُ، وَطْفَاءُ، قَمْرَاءُ، دَعْجَاءُ، حَوْرَاءُ، عَيْنَاءُ، قَنْوَاءُ، شَمَّاءُ، زَجَّاءُ
بَرْجَاءُ، أَسِيلَةُ الْخَدِّ، شَهِيَّةُ الْقَدِّ، جَثِيلَةُ الشَّعْرِ، بَعِيدَةُ مَهْوَى الْقُرْطِ، عَيْطَاءُ، عَرِيضَةُ الصَّدْرِ، كَاعِبُ الثَّدْيِ، ضَخْمَةُ مُشَاشَةِ الْمَنْكِبِ وَالْعَضُدِ، حَسَنَةُ الْمِعْصَمِ، لَطِيفَةُ الْكَفِّ، سَبْطَةُ الْبَنَانِ، لَطِيفَةُ طَيِّ الْبَطْنِ، خَمِيصَةُ الْخَصْرِ، غَرْثَى الْوِشَاحِ، رَدَاحُ الْقَبَلِ، رَابِيَةُ الْكَفَلِ، لَفَّاءُ الْفَخِذَيْنِ، رَيَّا الرَّوَادِفِ، ضَخْمَةُ الْمَأْكِمَتَيْنِ، عَظِيمَةُ الرُّكْبَةِ، مُفْعَمَةُ السَّاقِ، مُشْبَعَةُ الْخَلْخَالِ، لَطِيفَةُ الْكَعْبِ وَالْقَدَمِ، قَطُوفُ الْمَشْيِ، مِكْسَالُ الضُّحَى، بَضَّةُ الْمُتَجَرَّدِ، سَمُوعٌ لِلسَّيِّدِ، لَيْسَتْ بِخَنْسَاءَ وَلَا سَفْعَاءَ، ذَلِيلَةُ الْأَنْفِ، عَزِيزَةُ النَّفَرِ، لَمْ تُغَذَّ فِي بُؤْسٍ، حَيِيَّةٌ، رَزِينَةٌ، رَكِينَةٌ،
كَرِيمَةُ الْخَالِ، تَقْتَصِرُ بِنَسَبِ أَبِيهَا دُونَ فَصِيلَتِهَا، وَبِفَصِيلَتِهَا دُونَ جِمَاعِ قَبِيلَتِهَا، قَدْ أَحْكَمَتْهَا الْأُمُورُ فِي الْأَدَبِ، فَرَأْيُهَا رَأْيُ أَهْلِ الشَّرَفِ، وَعَمَلُهَا عَمَلُ أَهْلِ الْحَاجَةِ، صَنَاعُ الْكَفَّيْنِ، قَطِيعَةُ اللِّسَانِ، رَهْوَةُ الصَّوْتِ، تَزِينُ الْبَيْتَ وَتَشِينُ الْعَدُوَّ، إِنْ أَرَدْتَهَا اشْتَهَتْ، وَإِنْ تَرَكْتَهَا انْتَهَتْ، تُحَمْلِقُ عَيْنَاهَا، وَيَحْمَرُّ خَدَّاهَا، وَتَذَبْذَبُ شَفَتَاهَا، وَتُبَادِرُ الْوَثْبَةَ، وَلَا تَجْلِسُ إِلَّا بِأَمْرِكَ إِذَا جَلَسَتْ. فَقَبِلَهَا كِسْرَى وَأَمَرَ بِإِثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَةِ، فَبَقِيَتْ إِلَى أَيَّامِ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ. فَقَرَأَ زَيْدٌ هَذِهِ الصِّفَةَ عَلَى النُّعْمَانِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَالَ لِزَيْدٍ، وَالرَّسُولُ يَسْمَعُ: أَمَا فِي عَيْنِ السَّوَادِ وَفَارِسَ مَا تَبْلُغُونَ حَاجَتَكُمْ! قَالَ الرَّسُولُ لِزَيْدٍ: مَا الْعَيْنُ؟ قَالَ: الْبَقَرُ. وَأَنْزَلَهُمَا يَوْمَيْنِ وَكَتَبَ إِلَى كِسْرَى: إِنَّ الَّذِي طَلَبَ الْمَلِكُ لَيْسَ عِنْدِي وَقَالَ لِزَيْدٍ اعْذُرْنِي عِنْدَهُ. فَلَمَّا عَادَ إِلَى كِسْرَى قَالَ لِزَيْدٍ: أَيْنَ مَا كُنْتَ أَخْبَرْتَنِي بِهِ؟ قَالَ: قَدْ قُلْتُ لِلْمَلِكِ وَعَرَّفْتُهُ بُخْلَهُمْ بِنِسَائِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ وَأَنَّ ذَلِكَ لِشَقَائِهِمْ وَسُوءِ اخْتِيَارِهِمْ، وَسَلْ هَذَا الرَّسُولَ عَنِ الَّذِي قَالَ، فَإِنِّي أُكْرِمُ الْمَلِكَ عَنْ ذَلِكَ. فَسَأَلَ الرَّسُولَ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَالَ: أَمَا فِي بَقَرِ السَّوَادِ وَفَارِسَ مَا يَكْفِيهِ حَتَّى يَطْلُبَ مَا عِنْدَنَا؟ فَعُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ وَقَالَ: رُبَّ عَبْدٍ قَدْ أَرَادَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا فَصَارَ أَمْرُهُ إِلَى التَّبَابِ. وَبَلَغَ هَذَا الْكَلَامُ النُّعْمَانَ، وَسَكَتَ كِسْرَى عَلَى ذَلِكَ أَشْهُرًا وَالنُّعْمَانُ يَسْتَعِدُّ، حَتَّى أَتَاهُ كِتَابُ كِسْرَى يَسْتَدْعِيهِ. فَحِينَ وَصَلَ الْكِتَابُ أَخَذَ سِلَاحَهُ وَمَا قَوِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ
لَحِقَ بِجَبَلَيْ طَيِّءٍ، وَكَانَ مُتَزَوِّجًا إِلَيْهِمْ، وَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ. فَأَبَوْا عَلَيْهِ خَوْفًا مِنْ كِسْرَى، فَأَقْبَلَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْبَلُهُ، حَتَّى نَزَلَ فِي ذِي قَارٍ فِي بَنِي شَيْبَانَ سِرًّا، فَلَقِيَ هَانِئَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ وَكَانَ سَيِّدًا مَنِيعًا، وَالْبَيْتُ مِنْ رَبِيعَةَ فِي آلِ ذِي الْجَدَّيْنِ لِقَيْسِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ ذِي الْجَدَّيْنِ، وَكَانَ كِسْرَى قَدْ أَطْعَمَهُ الْأُبُلَّةَ، فَكَرِهَ النُّعْمَانُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ أَهْلَهُ لِذَلِكَ، وَعَلِمَ أَنَّ هَانِئًا يَمْنَعُهُ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْهُ أَهْلَهُ، فَأَوْدَعَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَفِيهِ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْعٍ، وَقِيلَ: ثَمَانِمِائَةِ دِرْعٍ. وَتَوَجَّهَ النُّعْمَانُ إِلَى كِسْرَى فَلَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَدِيٍّ عَلَى قَنْطَرَةِ سَابَاطَ، فَقَالَ: انْجُ نُعَيْمُ. فَقَالَ: أَنْتَ يَا زَيْدُ فَعَلْتَ هَذَا! أَمَا وَاللَّهِ لَئِنِ انْفَلَتُّ لِأَفْعَلَنَّ بِكَ مَا فَعَلْتُ بِأَبِيكَ. فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: امْضِ نُعَيْمُ فَقَدْ وَاللَّهِ وَضَعْتُ لَكَ عِنْدَهُ أَخِيَّةً لَا يَقْطَعُهَا الْمُهْرُ الْأَرِنُ. فَلَمَّا بَلَغَ كِسْرَى أَنَّهُ بِالْبَابِ بَعَثَ إِلَيْهِ فَقَيَّدَهُ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى خَانِقِينَ حَتَّى وَقَعَ الطَّاعُونُ فَمَاتَ فِيهِ، قَالَ: وَالنَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّهُ مَاتَ بِسَابَاطَ بِبَيْتِ الْأَعْشَى وَهُوَ يَقُولُ: فَذَاكَ وَمَا أَنْجَى مِنَ الْمَوْتِ رَبُّهُ ... بِسَابَاطَ حَتَّى مَاتَ وَهْوَ مُحَرْزَقُ ؟
وَكَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ. فَلَمَّا مَاتَ اسْتَعْمَلَ كِسْرَى إِيَاسَ بْنَ قَبِيصَةَ الطَّائِيَّ عَلَى الْحِيرَةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ النُّعْمَانُ. وَكَانَ كِسْرَى اجْتَازَ بِهِ لَمَّا سَارَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، فَشَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ كِسْرَى بِأَنْ يَجْمَعَ مَا خَلَّفَهُ النُّعْمَانُ وَيُرْسِلَهُ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ إِيَاسٌ إِلَى هَانِئِ بْنِ مَسْعُودٍ الشَّيْبَانِيِّ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ مَا اسْتَوْدَعَهُ النُّعْمَانُ، فَأَبَى هَانِئٌ أَنْ يُسَلِّمَ مَا عِنْدَهُ. فَلَمَّا أَبَى هَانِئٌ غَضِبَ كِسْرَى، وَعِنْدَهُ النُّعْمَانُ بْنُ زُرْعَةَ التَّغْلِبِيُّ، وَهُوَ يُحِبُّ هَلَاكَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَقَالَ لِكِسْرَى: أَمْهِلْهُمْ حَتَّى يَقِيظُوا وَيَتَسَاقَطُوا عَلَى ذِي قَارٍ تَسَاقُطَ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ فَتَأْخُذَهُمْ كَيْفَ شِئْتَ. فَصَبَرَ كِسْرَى حَتَّى جَاءُوا حِنْوَ ذِي قَارٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ كِسْرَى النُّعْمَانَ بْنَ زُرْعَةَ يُخَيِّرُهُمْ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعْطُوا بِأَيْدِيهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكُوا دِيَارَهُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُحَارِبُوا. فَوَلُّوا أَمْرَهُمْ حَنْظَلَةَ بْنَ ثَعْلَبَةَ الْعِجْلِيَّ، فَأَشَارَ بِالْحَرْبِ، فَآذَنُوا الْمَلِكَ بِالْحَرْبِ، فَأَرْسَلَ كِسْرَى إِيَاسَ بْنَ قَبِيصَةَ الطَّائِيَّ أَمِيرَ الْجَيْشِ، وَمَعَهُ مَرَازِبَةُ الْفُرْسِ وَالْهَامَرْزُ التُّسْتَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعَرَبِ تَغْلِبَ وَإِيَادَ وَقَيْسَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ قَيْسِ بْنِ ذِي الْجَدَّيْنِ، وَكَانَ عَلَى طَفِّ سَفَوَانَ، فَأَرْسَلَ الْفُيُولَ، وَكَانَ قَدْ بُعِثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَسَّمَ هَانِئُ بْنُ مَسْعُودٍ دُرُوعَ النُّعْمَانِ وَسِلَاحَهُ. فَلَمَّا دَنَتِ الْفُرْسُ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ قَالَ هَانِئُ بْنُ مَسْعُودٍ: يَا مَعْشَرَ بَكْرٍ، إِنَّهُ لَا طَاقَةَ لَكُمْ فِي قِتَالِ كِسْرَى فَارْكَنُوا إِلَى الْفَلَاةِ. فَسَارَعَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ، فَوَثَبَ حَنْظَلَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الْعِجْلِيُّ وَقَالَ: يَا هَانِئُ أَرَدْتَ نَجَاءَنَا فَأَلْقَيْتَنَا فِي الْهَلَكَةِ، وَرَدَّ النَّاسَ وَقَطَّعَ وُضُنَ الْهَوَادِجِ، وَهِيَ الْحُزُمُ لِلرِّجَالِ، فَسُمِّيَ مُقَطِّعَ الْوُضُنِ، وَضَرَبَ عَلَى نَفْسِهِ قُبَّةً، وَأَقْسَمَ أَلَّا يَفِرَّ حَتَّى تَفِرَّ الْقُبَّةُ، فَرَجَعَ النَّاسُ وَاسْتَقَوْا مَاءً لِنِصْفِ شَهْرٍ. فَأَتَتْهُمُ الْعَجَمُ فَقَاتَلَتْهُمْ بِالْحِنْوِ، فَانْهَزَمَتِ الْعَجَمُ خَوْفًا مِنَ الْعَطَشِ إِلَى الْجُبَابَاتِ، فَتَبِعَتْهُمْ بَكْرٌ وَعِجْلٌ وَأَبْلَتْ يَوْمَئِذٍ بَلَاءً حَسَنًا، وَاضْطَمَّتْ عَلَيْهِمْ جُنُودُ الْعَجَمِ، فَقَالَ النَّاسُ: هَلَكَتْ عِجْلٌ.
ذكر ملوك الحيرة بعد عمرو بن هند
ثُمَّ حَمَلَتْ بَكْرٌ فَوَجَدَتْ عِجْلًا تُقَاتِلُ، وَامْرَأَةً مِنْهُمْ تَقُولُ: إِنْ يَظْفَرُوا يُحَرِّزُوا فِينَا الْغُرَلْ ... إِيهًا فِدَاءٌ لَكُمْ بَنِي عِجِلْ فَقَاتَلُوهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَمَالَتِ الْعَجَمُ إِلَى بَطْحَاءِ ذِي قَارٍ خَوْفًا مِنَ الْعَطَشِ، فَأَرْسَلَتْ إِيَادٌ إِلَى بَكْرٍ، وَكَانُوا مَعَ الْفُرْسِ، وَقَالُوا لَهُمْ: إِنْ شِئْتُمْ هَرَبْنَا اللَّيْلَةَ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَقَمْنَا وَنَفِرُّ حِينَ تُلَاقُونَ النَّاسَ. فَقَالُوا: بَلْ تُقِيمُونَ وَتَنْهَزِمُونَ إِذَا الْتَقَيْنَا. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ حَسَّانَ السَّكُونِيُّ، وَكَانَ حَلِيفًا لَبَنِي شَيْبَانَ: أَطِيعُونِي وَاكْتُمُوا لَهُمْ فَفَعَلُوا، ثُمَّ قَاتَلُوا وَحَرَّضَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَالَتِ ابْنَةُ الْقَرِينِ الشَّيْبَانِيَّةُ: وَيْهًا بَنِي شَيْبَانَ صَفًّا بَعْدَ صَفْ ... إِنْ تُهْزَمُوا يُصَبِّغُوا فِينَا الْقُلَفْ فَقَطَعَ سَبْعُمِائَةٍ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ أَيْدِي أَقْبِيَتِهِمْ مِنْ مَنَاكِبِهِمْ لِتَخِفَّ أَيْدِيهِمْ لِضَرْبِ السُّيُوفِ، فَجَالَدُوهُمْ وَبَارَزَ الْهَامَرْزُ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ بُرْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْيَشْكُرِيُّ فَقَتَلَهُ بُرْدٌ، ثُمَّ حَمَلَتْ مَيْسَرَةُ بَكْرٍ وَمَيْمَنَتُهَا، وَخَرَجَ الْكَمِينُ فَشَدُّوا عَلَى قَلْبِ الْجَيْشِ وَفِيهِمْ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ، وَوَلَّتْ إِيَادٌ مُنْهَزِمَةً كَمَا وَعَدَتْهُمْ، فَانْهَزَمَتِ الْفُرْسُ وَاتَّبَعَتْهُمْ بَكْرٌ تَقْتُلُ وَلَا تَلْتَفِتُ إِلَى سَلَبٍ وَغَنِيمَةٍ. وَقَالَ الشُّعَرَاءُ فِي وَقْعَةِ ذِي قَارٍ فَأَكْثَرُوا. [ذِكْرُ مُلُوكِ الْحِيرَةِ بَعْدَ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ]
قَدْ ذَكَرْنَا مَنْ مَلَكَ مِنْ آلِ نَصْرِ بْنِ رَبِيعَةَ إِلَى هَلَاكِ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ. فَلَمَّا هَلَكَ عَمْرٌو مَلَكَ مَوْضِعَهُ أَخُوهُ قَابُوسُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَرْبَعَ سِنِينَ، مِنْ ذَلِكَ أَيَّامَ أَنُوشِرْوَانَ ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي أَيَّامِ هُرْمُزَ ثَلَاثُ سِنِينَ وَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَ قَابُوسَ السُّهْرَبُ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ أَرْبَعَ سِنِينَ. ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَبُو قَابُوسَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، مِنْ ذَلِكَ فِي زَمَانِ هُرْمُزَ سَبْعُ سِنِينَ وَثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي زَمَانِ ابْنِهِ أَبْرَوِيزَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. ثُمَّ وَلِيَ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ وَمَعَهُ النَّخِيرَخَانُ فِي زَمَانِ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مِنْ وِلَايَةِ إِيَاسٍ بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثُمَّ وَلِيَ ازَّادَبِهُ بْنُ مَابِيَانَ الْهَمْدَانِيُّ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، مِنْ ذَلِكَ فِي زَمَانِ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي زَمَانِ شِيرَوَيْهِ بْنِ كِسْرَى ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي زَمَنِ أَرْدَشِيرَ بْنِ شِيرَوَيْهِ سَنَةٌ وَسَبْعَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي زَمَنِ بُورَانَ دُخْتَ ابْنَةِ كِسْرَى شَهْرًا. ثُمَّ وَلِيَ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْمَغْرُورَ الَّذِي قُتِلَ بِالْبَحْرَيْنِ يَوْمَ جُوَاثَاءَ. وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ إِلَى أَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْحِيرَةَ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِنْ آلِ نَصْرٍ، وَانْقَرَضَ مُلْكُهُمْ مَعَ انْقِرَاضِ مُلْكِ فَارِسَ، فَجَمِيعُ مُلُوكِ آلِ نَصْرٍ فِيمَا زَعَمَ هِشَامٌ عِشْرُونَ مَلِكًا مَلَكُوا خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ. ذِكْرُ الْمَرْوَزَانِ وَوِلَايَتِهِ الْيَمَنَ مِنْ قِبَلِ هُرْمُزَ قَالَ هِشَامٌ: اسْتَعْمَلَ كِسْرَى هُرْمُزَ الْمَرْوَزَانَ بَعْدَ عَزْلِ زَرِينَ عَنِ الْيَمَنِ، وَأَقَامَ بِالْيَمَنِ حَتَّى وُلِدَ لَهُ فِيهَا، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ الْمَضَايِعُ مَنَعُوهُ الْخَرَاجَ، فَقَصَدَهُمْ فَرَأَى جَبَلَهُمْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لِحَصَانَتِهِ وَلَهُ طَرِيقٌ وَاحِدٌ يَحْمِيهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَكَانَ يُحَاذِي ذَلِكَ الْجَبَلَ جَبَلٌ آخَرُ، وَقَدْ قَارَبَ هَذَا الْجَبَلَ، فَأَجْرَى فَرَسَهُ فَعَبَرَ بِهِ ذَلِكَ الْمَضِيقَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ حِمْيَرُ قَالُوا: هَذَا شَيْطَانٌ! وَمَلَكَ حِصْنَهُمْ وَأَدَّوُا الْخَرَاجَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كِسْرَى يُعْلِمُهُ، فَاسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ فَاسْتَخْلَفَ ابْنَهُ خُرَّخُسْرَهْ عَلَى الْيَمَنِ وَسَارَ إِلَيْهِ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ، وَعَزَلَ كِسْرَى خُرَّخُسْرَهْ عَنِ الْيَمَنِ وَوَلَّى بَاذَانَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ قَدِمَ الْيَمَنَ مِنْ وُلَاةِ الْعَجَمِ. ذِكْرُ قَتْلِ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ
كَانَ كِسْرَى قَدْ طَغَى لِكَثْرَةِ مَالِهِ وَمَا فَتَحَهُ مِنْ بِلَادِ الْعَدُوِّ وَمُسَاعَدَةِ الْأَقْدَارِ وَشَرِهَ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ، فَفَسَدَتْ قُلُوبُهُمْ. وَقِيلَ: كَانَتْ لَهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ امْرَأَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ آلَافِ امْرَأَةٍ، يَطَؤُهُنَّ، وَأُلُوفٌ جِوَارٍ، وَكَانَ لَهُ خَمْسُونَ أَلْفَ دَابَّةٍ، وَكَانَ أَرْغَبَ النَّاسِ فِي الْجَوَاهِرِ وَالْأَوَانِي وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُحْصَى مَا جُبِيَ مِنْ خَرَاجِ بِلَادِهِ فِي سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ مِنْ مُلْكِهِ، فَكَانَ مِنَ الْوَرِقِ مِائَةُ أَلْفِ أَلْفِ مِثْقَالٍ وَعِشْرُونَ أَلْفَ أَلْفِ مِثْقَالٍ، وَإِنَّهُ احْتَقَرَ النَّاسَ وَأَمَرَ رَجُلًا اسْمُهُ زَاذَانُ بِقَتْلِ كُلِّ مُقَيَّدٍ فِي سُجُونِهِ، فَبَلَغُوا سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَلَمْ يُقْدِمْ زَاذَانُ عَلَى قَتْلِهِمْ، فَصَارُوا أَعْدَاءً لَهُ، وَكَانَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْمُنْهَزِمِينَ مِنَ الرُّومِ فَصَارُوا أَيْضًا أَعْدَاءً لَهُ، وَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى اسْتِخْلَاصِ بَوَاقِي الْخَرَاجِ، فَعَسَفَ النَّاسَ وَظَلَمَهُمْ، فَفَسَدَتْ نِيَّاتُهُمْ، وَمَضَى نَاسٌ مِنَ الْعُظَمَاءِ إِلَى بَابِلَ، فَأَحْضَرُوا وَلَدَهُ شِيرَوَيْهِ بْنِ أَبْرَوِيزَ، فَإِنَّ كِسْرَى كَانَ قَدْ تَرَكَ أَوْلَادَهُ بِهَا وَمَنَعَهُمْ مِنَ التَّصَرُّفِ، وَجَعَلَ عِنْدَهُمْ مَنْ يُؤَدِّبُهُمْ، فَوَصَلَ إِلَى بَهْرَسِيرَ فَدَخَلَهَا لَيْلًا فَأَخْرَجَ مَنْ كَانَ فِي سُجُونِهَا، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَيْضًا الَّذِينَ كَانَ كِسْرَى أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَنَادَوْا قُبَاذَ شَاهِنْشَاهْ، وَسَارُوا حِينَ أَصْبَحُوا إِلَى رَحْبَةِ كِسْرَى، فَهَرَبَ حَرَسُهُ، خَرَجَ كِسْرَى إِلَى بُسْتَانٍ قَرِيبٍ مِنْ قَصْرِهِ هَارِبًا فَأُخِذَ أَسِيرًا، وَمَلَّكُوا ابْنَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِيهِ يَقْرَعُهُ بِمَا كَانَ مِنْهُ، ثُمَّ قَتَلَتْهُ الْفُرْسُ وَسَاعَدَهُمُ ابْنُهُ، وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَلِمُضِيِّ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَخَمْسَةِ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا هَاجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. قِيلَ: وَكَانَ لِكِسْرَى أَبْرَوِيزَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَلَدًا، وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ شَهْرِيَارُ، وَكَانَتْ شِيرِينُ قَدْ تَبَنَّتْهُ، فَقَالَ الْمُنَجِّمُونَ لِكِسْرَى: إِنَّهُ سَيُولَدُ لِبَعْضِ وَلَدِكَ غُلَامٌ يَكُونُ خَرَابُ هَذَا الْمَجْلِسِ وَذَهَابُ الْمُلْكِ عَلَى يَدَيْهِ، وَعَلَامَتُهُ نَقْصٌ فِي بَعْضِ بَدَنِهِ، فَمَنَعَ وَلَدَهُ عَنِ النِّسَاءِ لِذَلِكَ حَتَّى شَكَا شَهْرِيَارُ إِلَى شِيرِينَ الشَّبَقَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةً كَانَتْ تُحَجِّمُهَا، وَكَانَتْ
تَظُنُّ أَنَّهَا لَا تَلِدُ، فَلَمَّا وَطِئَهَا عَلِقَتْ بِيَزْدَجِرْدَ فَكَتَمَتْهُ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ إِنَّهَا رَأَتْ مِنْ كِسْرَى رِقَّةً لِلصِّبْيَانِ حِينَ كَبِرَ فَقَالَتْ: أَيَسُرُّكَ أَنْ تَرَى لِبَعْضِ بَنِيكَ وَلَدًا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَتَتْهُ بِيَزْدَجِرْدَ، فَأَحَبَّهُ وَقَرَّبَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَلْعَبُ ذَاتَ يَوْمٍ ذَكَرَ مَا قِيلَ، فَأَمَرَ بِهِ، فَجُرِّدَ مِنْ ثِيَابِهِ، فَرَأَى النَّقْصَ فِي أَحَدِ وَرِكَيْهِ فَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَمَنَعَتْهُ شِيرِينُ وَقَالَتْ: إِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي الْمُلْكِ قَدْ حَضَرَ فَلَا مَرَدَّ لَهُ، فَأَمَرَتْ بِهِ فَحُمِلَ إِلَى سِجِسْتَانَ، وَقِيلَ: بَلْ تَرَكَتْهُ فِي السَّوَادِ فِي قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا خَمَانِيَّةُ. وَلَمَّا قُتِلَ كِسْرَى أَبْرَوِيزُ بْنُ هُرْمُزَ مَلَكَ ابْنُهُ شِيرَوَيْهِ. ذِكْرُ مُلْكِ كِسْرَى شِيرَوَيْهِ بْنِ أَبْرَوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ لَمَّا مَلَكَ شِيرَوَيْهِ بْنُ أَبْرَوِيزَ وَأُمُّهُ مَرْيَمُ ابْنَةُ مُورِيقَ مَلِكُ الرُّومِ وَاسْمُهُ قُبَاذُ، دَخَلَ عَلَيْهِ الْعُظَمَاءُ وَالْأَشْرَافُ فَقَالُوا: لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ لَنَا مَلِكَانِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتُلَ كِسْرَى وَنَحْنُ عَبِيدُكَ، وَإِمَّا أَنْ نَخْلَعَكَ وَنُطِيعَهُ. فَانْكَسَرَ شِيرَوَيْهِ وَنَقَلَ أَبَاهُ مِنْ دَارِ الْمُلْكِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ حَبَسَهُ فِيهِ، ثُمَّ جَمَعَ الْعُظَمَاءَ وَقَالَ: قَدْ رَأَيْنَا الْإِرْسَالَ إِلَى كِسْرَى بِمَا كَانَ مِنْ إِسَاءَتِهِ وَنُوقِفُهُ عَلَى أَشْيَاءَ مِنْهَا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أُسْتَاذُ خُشْنُشْ كَانَ يَلِي تَدْبِيرَ الْمَمْلَكَةِ، وَقَالَ لَهُ: قُلْ لِأَبِينَا الْمَلِكَ عَنْ رِسَالَتِنَا: إِنَّ سُوءَ أَعْمَالِكَ فَعَلَ بِكَ مَا تَرَى، مِنْهَا جُرْأَتُكَ عَلَى أَبِيكَ، وَسَمْلُكَ عَيْنَيْهِ وَقَتْلُكَ إِيَّاهُ، وَمِنْهَا سُوءُ صَنِيعِكَ إِلَيْنَا مَعْشَرَ أَبْنَائِكَ فِي مَنْعِنَا مِنْ مُجَالَسَةِ النَّاسِ وَكُلِّ مَا لَنَا فِيهِ دَعَةٌ، وَمِنْهَا إِسَاءَتُكَ إِلَى مَنْ خَلَّدْتَ فِي السُّجُونِ، وَمِنْهَا إِسَاءَتُكَ إِلَى النِّسَاءِ تَأْخُذُهُنَّ لِنَفْسِكَ وَتَرْكُكَ الْعَطْفَ عَلَيْهِنَّ، وَمَنْعُهُنَّ مِمَّنْ يُعَاشِرُهُنَّ وَيُرْزَقْنَ مِنْهُ الْوَلَدَ، وَمِنْهَا مَا أَتَيْتَ إِلَى رَعِيَّتِكَ عَامَّةً مِنَ الْعُنْفِ وَالْغِلْظَةِ وَالْفَظَاظَةِ، وَمِنْهَا جَمْعُ الْأَمْوَالِ فِي شِدَّةٍ وَعُنْفٍ مِنْ أَرْبَابِهَا، وَمِنْهَا تَجْمِيرُكَ الْجُنُودَ فِي ثُغُورِ الرُّومِ وَغَيْرِهَا، وَتَفْرِيقُكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِيهِمْ، وَمِنْهَا غَدْرُكَ بِمُورِيقَ مَلِكِ الرُّومِ مَعَ إِحْسَانِهِ إِلَيْكَ وَحُسْنِ بَلَائِهِ عِنْدَكَ وَتَزْوِيجِهِ
إِيَّاكَ بِابْنَتِهِ، وَمَنْعُكَ إِيَّاهُ خَشَبَةَ الصَّلِيبِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ بِكَ وَلَا بِأَهْلِ بِلَادِكَ إِلَيْهَا حَاجَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَكَ حُجَّةٌ تَذْكُرُهَا فَافْعَلْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ حُجَّةٌ فَتُبْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَأْمُرَ فِيكَ بِأَمْرِهِ. قَالَ: فَجَاءَ الرَّسُولُ إِلَى كِسْرَى أَبْرَوِيزَ فَأَدَّى إِلَيْهِ الرِّسَالَةَ، فَقَالَ أَبْرَوِيزُ: قُلْ عَنِّي لِشِيرَوَيْهِ الْقَصِيرِ الْعُمْرِ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتُوبَ مِنْ أَجْلِ الصَّغِيرِ مِنَ الذَّنْبِ، إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَيَقَّنَهُ فَضْلًا عَنْ عَظِيمِهِ مَا ذَكَرْتَ وَكَثَّرْتَ مِنَّا، وَلَوْ كُنَّا كَمَا تَقُولُ لَمْ يَكُنْ لَكَ أَيُّهَا الْجَاهِلُ أَنْ تَنْشُرَ عَنَّا مِثْلَ هَذَا الْعَظِيمِ الَّذِي يُوجِبُ عَلَيْنَا الْقَتْلَ، لِمَا يَلْزَمُكَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْعُيُوبِ، فَإِنَّ قُضَاةَ أَهْلِ مِلَّتِكَ يَنْفُونَ وَلَدَ الْمُسْتَوْجِبِ لِلْقَتْلِ مِنْ أَبِيهِ، وَيَنْفُونَهُ مِنْ مُضَامَّةِ أَهْلِ الْأَخْيَارِ وَمُجَالَسَتِهِمْ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَمْلِكَ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنَّا بِحَمْدِ اللَّهِ مِنْ إِصْلَاحِنَا أَنْفُسَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَرَعِيَّتَنَا مَا لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ تَقْصِيرٌ، وَنَحْنُ نَشْرَحُ الْحَالَ فِيمَا لَزِمَنَا مِنَ الذُّنُوبِ لِتَزْدَادَ عِلْمًا بِجَهْلِكَ. فَمِنْ جَوَابِنَا: أَنَّ الْأَشْرَارَ أَغْرَوْا كِسْرَى هُرْمُزَ وَالِدَنَا بِنَا حَتَّى اتَّهَمَنَا، فَرَأَيْنَا مِنْ سُوءِ رَأْيِهِ فِينَا مَا يُخَوِّفُنَا مِنْهُ، فَاعْتَزَلْنَا بَابَهُ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَقَدِ اسْتَفَاضَ ذَلِكَ، فَلَمَّا انْتَهَكَ مِنْهُ مَا انْتَهَكَ شَخَصْنَا إِلَى بَابِهِ، فَهَجَمَ الْمُنَافِقُ بَهْرَامُ عَلَيْنَا فَأَجْلَانَا عَنِ الْمَمْلَكَةِ، فَسِرْنَا إِلَى الرُّومِ وَعُدْنَا إِلَى مُلْكِنَا وَاسْتَحْكَمَ أَمْرُنَا، فَبَدَأْنَا بِأَخْذِ الثَّأْرِ مِمَّنْ قَتَلَ أَبَانَا أَوْ شَرَكَ فِي دَمِهِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ أَبْنَائِنَا، فَإِنَّنَا وَكَّلْنَا بِكُمْ مَنْ يَكُفُّكُمْ عَنْ الِانْتِشَارِ فِيمَا لَا يَعْنِيكُمْ فَتَتَأَذَّى بِكُمُ الرَّعِيَّةُ وَالْبِلَادُ، وَكُنَّا أَقَمْنَا لَكُمُ النَّفَقَاتِ الْوَاسِعَةَ وَجَمِيعَ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا أَنْتَ خَاصَّةً فَإِنَّ الْمُنَجِّمِينَ قَضَوْا فِي مَوْلِدِكَ أَنَّكَ مُثَرِّبٌ عَلَيْنَا، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسَبَبِكَ، وَإِنَّ مَلِكَ الْهِنْدِ كَتَبَ إِلَيْكَ كِتَابًا وَأَهْدَى لَكَ هَدِيَّةً، فَقَرَأْنَا الْكِتَابَ فَإِذَا هُوَ يُبَشِّرُكَ بِالْمُلْكِ بَعْدَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِنَا، وَقَدْ خَتَمْنَا عَلَى الْكِتَابِ وَعَلَى مَوْلِدِكَ وَهُمَا عِنْدَ شِيرِينَ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَقْرَأَهُمَا فَافْعَلْ، فَلَمْ يَمْنَعْنَا ذَلِكَ عَنْ بِرِّكَ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْكَ فَضْلًا عَنْ قَتْلِكَ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ عَمَّنْ خَلَّدْنَاهُ فِي السُّجُونِ، فَجَوَابُنَا: إِنَّنَا لَمْ نَحْبِسْ إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ أَوْ قَطْعُ بَعْضِ الْأَطْرَافِ، وَقَدْ كَانَ الْمُوَكَّلُونَ بِهِمْ وَالْوُزَرَاءُ يَأْمُرُونَنَا بِقَتْلِ مَنْ وَجَبَ قَتْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَحْتَالُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَكُنَّا بِحُبِّنَا الِاسْتِبْقَاءَ وَكَرَاهَتِنَا لِسَفْكِ الدِّمَاءِ نَتَأَنَّى
بِهِمْ وَنَكِلُ أَمْرَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ أَخْرَجْتَهُمْ مِنْ مَحْبَسِهِمْ عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَلِتَجِدَنَّ غِبَّ ذَلِكَ. أَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّا جَمَعْنَا الْأَمْوَالَ، وَأَنْوَاعَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَمْتِعَةَ بِأَعْنَفِ جَمْعٍ وَأَشَدِّ إِلْحَاحٍ، فَاعْلَمْ أَيُّهَا الْجَاهِلُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُقِيمُ الْمُلْكَ بَعْدَ اللَّهِ تَعَالَى الْأَمْوَالُ وَالْجُنُودُ، وَخَاصَّةً مُلْكُ فَارِسَ الَّذِي قَدِ اكْتَنَفَهُ الْأَعْدَاءُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى كَفِّهِمْ وَرَدْعِهِمْ عَمَّا يُرِيدُونَهُ إِلَّا بِالْجُنُودِ وَالْأَسْلِحَةِ وَالْعُدَدِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِالْمَالِ، وَقَدْ كَانَ أَسْلَافُنَا جَمَعُوا الْأَمْوَالَ وَالسِّلَاحَ وَغَيْرَ ذَلِكَ فَأَغَارَ الْمُنَافِقُ بَهْرَامُ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا الْيَسِيرَ، فَلَمَّا ارْتَجَعْنَا مُلْكَنَا وَأَذْعَنَ لَنَا الرَّعِيَّةُ بِالطَّاعَةِ، أَرْسَلْنَا إِلَى نَوَاحِي بِلَادِنَا أَصْبَهْبَذِينَ وَقَامَرْسَانِينَ، فَكَفُّوا الْأَعْدَاءَ وَأَغَارُوا عَلَى بِلَادِهِمْ، وَوَصَلَ إِلَيْنَا غَنَائِمُ بِلَادِهِمْ مِنْ أَصْنَافِ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْتِعَةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّكَ هَمَمْتَ بِتَفْرِيقِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ عَلَى رَأْيِ الْأَشْرَارِ الْمُسْتَوْجِبِينَ لِلْقَتْلِ، وَنَحْنُ نُعْلِمُكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ لَمْ تَجْتَمِعْ إِلَّا بَعْدَ الْكِدِّ وَالتَّعَبِ وَالْمُخَاطَرَةِ بِالنُّفُوسِ، فَلَا تَفْعَلْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا كَهْفُ مُلْكِكَ وَبِلَادِكَ وَقُوَّةٌ عَلَى عَدُوِّكَ. فَلَمَّا انْصَرَفَ أُسْتَاذُ خُشْنَشْ إِلَى شِيرَوَيْهِ قَصَّ عَلَيْهِ جَوَابَ أَبِيهِ، ثُمَّ إِنَّ عُظَمَاءَ الْفُرْسِ عَادُوا إِلَى شِيرَوَيْهِ فَقَالُوا: إِمَّا أَنْ تَأْمُرَ بِقَتْلِ أَبِيكَ وَإِمَّا أَنْ نُطِيعَهُ وَنَخْلَعَكَ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ وَانْتَدَبَ لِقَتْلِهِ رِجَالًا مِمَّنْ وَتِرَهُمْ كِسْرَى أَبْرَوِيزُ، وَكَانَ الَّذِي بَاشَرَ قَتْلَهُ شَابٌّ يُقَالُ لَهُ مِهْرَهُرْمُزُ بْنُ مَرْدَانْشَاهْ مِنْ نَاحِيَةِ نِيمَرُوذَ. فَلَمَّا قُتِلَ شَقَّ شِيرَوَيْهِ ثِيَابَهُ وَبَكَى وَلَطَمَ وَجْهَهُ، وَحُمِلَتْ جِنَازَتُهُ وَتَبِعَهَا الْعُظَمَاءُ وَأَشْرَافُ النَّاسِ، فَلَمَّا دُفِنَ أَمَرَ شِيرَوَيْهِ بِقَتْلِ مِهْرَهُرْمُزَ قَاتِلِ أَبِيهِ. وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. ثُمَّ إِنَّ شِيرَوَيْهِ قَتَلَ إِخْوَتَهُ، فَهَلَكَ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَخًا ذَوُو شَجَاعَةٍ وَأَدَبٍ، بِمَشُورَةِ وَزِيرِهِ فَيْرُوزَ. وَابْتُلِيَ شِيرَوَيْهِ بِالْأَمْرَاضِ، وَلَمْ يَلْتَذَّ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَكَانَ هَلَاكُهُ بِدَسْكَرَةِ الْمُلْكِ، وَجَزِعَ بَعْدَ قَتْلِ إِخْوَتِهِ جَزَعًا شَدِيدًا. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ قَتْلِ إِخْوَتِهِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ بُورَانُ وَآزَرْمِيدُخْتَ أُخْتَاهُ
فَأَغْلَظَتَا لَهُ وَقَالَتَا: حَمَلَكَ الْحِرْصُ عَلَى الْمُلْكِ الَّذِي لَا يَتِمُّ لَكَ عَلَى قَتْلِ أَبِيكَ وَإِخْوَتِكَ. فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ بَكَى بُكَاءً شَدِيدًا وَرَمَى التَّاجَ عَنْ رَأْسِهِ وَلَمْ يَزَلْ مَهْمُومًا مُدْنَفًا. وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَبَادَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ. وَفَشَا الطَّاعُونُ فِي أَيَّامِهِ فَهَلَكَ مِنَ الْفُرْسِ أَكْثَرُهُمْ، ثُمَّ هَلَكَ هُوَ. وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ. ذِكْرُ مُلْكِ أَرْدَشِيرَ وَكَانَ عُمْرُهُ سَبْعَ سِنِينَ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ شِيرَوَيْهِ مَلَّكَ الْفُرْسُ عَلَيْهِمُ ابْنَهُ أَرْدَشِيرَ، وَحَضَنَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ بَهَادِرُ جُسْنَسْ، مَرْتَبَتُهُ رِئَاسَةُ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ، فَأَحْسَنَ سِيَاسَةَ الْمُلْكِ، فَبَلَغَ مِنْ إِحْكَامِهِ ذَلِكَ مَا لَمْ يُحَسَّ مَعَهُ بِحَدَاثَةِ سِنِّ أَرْدَشِيرَ. وَكَانَ شَهْرَبَرَازُ بِثَغْرِ الرُّومِ فِي جُنْدٍ ضَمَّهُمْ إِلَيْهِ كِسْرَى أَبْرَوِيزُ، وَكَانَ قَدْ صَلَحَ لَهُ بَعْدَهُ مَا فَعَلَ بِالرُّومِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، وَكَانَ يُنْفِذُ لَهُ الْخُلَعَ وَالْهَدَايَا، وَكَانَ أَبْرَوِيزُ وَشِيرَوَيْهِ يُكَاتِبَانِهِ وَيَسْتَشِيرَانِهِ، فَلَمَّا لَمْ يُشَاوِرْهُ عُظَمَاءُ الْفُرْسِ فِي تَمْلِيكِ أَرْدَشِيرَ اتَّخَذَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى التَّعَنُّتِ، وَبَسَطَ يَدَهُ فِي الْقَتْلِ، وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِلطَّمَعِ فِي الْمُلْكِ احْتِقَارًا لِأَرْدَشِيرَ لِصِغَرِ سِنِّهِ، فَأَقْبَلَ بِجُنْدِهِ نَحْوَ الْمَدَائِنِ، فَتَحَوَّلَ أَرْدَشِيرُ وَبَهَادِرُ جُسْنَسْ وَمَنْ بَقِيَ مِنْ نَسْلِ الْمَلِكِ إِلَى مَدِينَةِ طَيْسَفُونْ، فَحَاصَرَهُمْ شَهْرَبَرَازُ وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَجَانِيقَ فَلَمْ يَظْفَرْ بِشَيْءٍ، فَأَتَاهَا مِنْ قِبَلِ الْمَكِيدَةِ، فَلَمْ يَزَلْ يَخْدَعُ رَئِيسَ الْحَرَسِ وَأَصْبَهْبَذَ نِيمَرُوذَ، حَتَّى فَتَحَا لَهُ بَابَ الْمَدِينَةِ فَدَخَلَهَا، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الرُّؤَسَاءِ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَقَتَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَرْدَشِيرَ فِي إِيوَانِ خُسْرُوشَاهْ قُبَاذَ بِأَمْرِ شَهْرَبَرَازَ. وَكَانَ مُلْكُهُ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ.
ذِكْرُ مُلْكِ شَهْرَبَرَازَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَيْتِ الْمُلْكِ. لَمَّا قُتِلَ أَرْدَشِيرُ جَلَسَ شَهْرَبَرَازُ، وَاسْمُهُ فَرُّخَانُ، عَلَى تَخْتِ الْمَمْلَكَةِ، فَحِينَ جَلَسَ عَلَيْهِ ضَرَبَ عَلَيْهِ بَطْنُهُ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ. ثُمَّ عُوفِيَ. وَتَعَاهَدَ ثَلَاثَةُ إِخْوَةٍ مِنْ أَهْلِ إِصْطَخْرَ عَلَى قَتْلِهِ غَضَبًا لِقَتْلِ أَرْدَشِيرَ، وَكَانُوا فِي حَرَسِهِ، وَكَانَ الْحَرَسُ يَقِفُونَ سِمَاطَيْنِ إِذَا رَكِبَ الْمَلِكُ عَلَيْهِمُ السِّلَاحُ وَبِأَيْدِيهِمُ السُّيُوفُ وَالرِّمَاحُ، فَإِذَا حَاذَى الْمَلِكُ بَعْضَهُمْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى تُرْسِهِ فَوْقَ التُّرْسِ كَهَيْئَةِ السُّجُودِ. فَرَكِبَ شَهْرَبَرَازُ يَوْمًا فَوَقَفَ الْإِخْوَةُ الثَّلَاثَةُ بَعْضُهُمْ قَرِيبٌ مِنْ بَعْضٍ، فَلَمَّا حَاذَاهُمْ طَعَنُوهُ فَسَقَطَ مَيِّتًا، فَشَدُّوا فِي رِجْلِهِ حَبْلًا وَجَرُّوهُ، وَسَاعَدَهُمْ بَعْضُ الْعُظَمَاءِ وَتَسَاعَدُوا عَلَى قَتْلِ جَمَاعَةٍ قَتَلُوا أَرْدَشِيرَ، وَكَانَ جَمِيعُ مُلْكِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. ذِكْرُ مُلْكِ بُورَانَ ابْنَةِ أَبْرَوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ لَمَّا قُتِلَ شَهْرَبَرَازُ مَلَّكَتِ الْفُرْسُ بُورَانَ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا مِنْ بَيْتِ الْمَمْلَكَةِ رَجُلًا يُمَلِّكُونَهُ. فَلَمَّا مَلَكَتْ أَحْسَنَتِ السِّيرَةَ فِي رَعِيَّتِهَا وَعَدَلَتْ فِيهِمْ، فَأَصْلَحَتِ الْقَنَاطِرَ، وَوَضَعَتْ مَا بَقِيَ مِنَ الْخَرَاجِ، وَرَدَّتْ خَشَبَةَ الصَّلِيبِ عَلَى مَلِكِ الرُّومِ، وَكَانَتْ مَمْلَكَتُهَا سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ خُشَنْشَبَنْدَهْ مِنْ بَنِي عَمِّ أَبْرَوِيزَ الْأَبْعَدِينَ، وَكَانَ مُلْكُهُ أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ، وَقَتَلَهُ الْجُنْدُ لِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا سِيرَتَهُ. ذِكْرُ مُلْكِ آزَرْمِيدُخْتَ ابْنَةِ أَبْرَوِيزَ لَمَّا قُتِلَ خُشَنْشَبَنْدَهْ مَلَّكَتِ الْفُرْسُ آزَرْمِيدُخْتَ ابْنَةَ أَبْرَوِيزَ، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ، وَكَانَ عَظِيمُ الْفُرْسِ يَوْمَئِذٍ فَرُّخْهُرْمُزْ أَصْبَهْبَذَ خُرَاسَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا يَخْتَطِبُهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ
التَّزَوُّجَ لِلْمَلِكَةِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَغَرَضُكَ قَضَاءُ حَاجَتِكَ مِنِّي فَصِرْ إِلَيَّ وَقْتَ كَذَا. فَفَعَلَ وَسَارَ إِلَيْهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَتَقَدَّمَتْ إِلَى صَاحِبِ حَرَسِهَا أَنْ يَقْتُلَهُ، فَقَتَلَهُ وَطُرِحَ فِي رَحْبَةِ دَارِ الْمَمْلَكَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا رَأَوْهُ قَتِيلًا فَغَيَّبُوهُ. وَكَانَ ابْنُهُ رُسْتُمْ، وَهُوَ الَّذِي قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَادِسِيَّةِ، خَلِيفَةَ أَبِيهِ بِخُرَاسَانَ، فَسَارَ فِي عَسْكَرٍ حَتَّى نَزَلَ بِالْمَدَائِنِ، وَسَمَلَ عَيْنَيْ آزَرْمِيدُخْتَ وَقَتَلَهَا، وَقِيلَ: بَلْ سُمَّتْ. وَكَانَ مُلْكُهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ. قِيلَ: ثُمَّ أَتَى رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِسْرَى بْنُ مِهْرُجُسْنَسْ مِنْ عَقِبِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ، كَانَ يَنْزِلُ الْأَهْوَازَ، فَمَلَّكَهُ الْعُظَمَاءُ وَلَبِسَ التَّاجَ وَقُتِلَ بَعْدَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي مَلَكَ بَعْدَ آزَرْمِيدُخْتَ خُرَّزَادُ خُسْرُو مِنْ وَلَدِ أَبْرَوِيزَ، وَأُمُّهُ كُرْدِيَّةُ أُخْتُ بِسْطَامَ، وَقِيلَ: وُجِدَ بِحِصْنِ الْحِجَارَةِ بِقُرْبِ نَصِيبِينَ، فَمَكَثَ أَيَّامًا يَسِيرَةً ثُمَّ خَلَعُوهُ وَقَتَلُوهُ. وَكَانَ مُلْكُهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ. وَقَالَ الَّذِينَ قَالُوا مَلَكَ كِسْرَى بْنُ مِهْرَجُسْنُسَ: إِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ طَلَبَ عُظَمَاءُ الْفُرْسِ مَنْ لَهُ نَسَبٌ بَيْنَ الْمَمْلَكَةِ وَلَوْ مِنَ النِّسَاءِ، فَأَتَوْا بِرَجُلٍ كَانَ يَسْكُنُ مَيْسَانَ يُقَالُ لَهُ فَيْرُوزُ بْنُ مِهْرَانَ جُسْنُسْ، وَيُسَمَّى أَيْضًا جُسْنَسَنْدِهْ، أُمُّهُ صَهَارْ بُخْتُ ابْنَةُ يَزْدَانْزَانَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ فَمَلَّكُوهُ، وَكَانَ ضَخْمَ الرَّأْسِ. فَلَمَّا تُوِّجَ قَالَ: مَا أَضْيَقَ هَذَا التَّاجَ! فَتَطَيَّرُوا مِنْ كَلَامِهِ فَقَتَلُوهُ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ كَانَ قَتْلُهُ بَعْدَ أَيَّامٍ. ذِكْرُ مُلْكِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ شَهْرَيَارَ بْنِ أَبْرَوِيزَ ثُمَّ إِنَّ الْفُرْسَ اضْطَرَبَ أَمْرُهُمْ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ بِلَادَهُمْ فَطَلَبُوا أَحَدًا مِنْ بَيْنِ الْمَمْلَكَةِ لِيُمَلِّكُوهُ وَيُقَاتِلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَحْفَظُوا بِلَادَهُمْ، فَظَفِرُوا بِيَزْدَجِرْدَ بْنِ شَهْرَيَارَ بْنِ أَبْرَوِيزَ بِإِصْطَخْرَ، فَأَخَذُوهُ وَسَارُوا بِهِ إِلَى الْمَدَائِنِ فَمَلَّكُوهُ وَاسْتَقَرَّ فِي الْمُلْكِ، غَيْرَ أَنَّ مُلْكَهُ كَانَ
ذكر أيام العرب في الجاهلية
كَالْخَيَالِ عِنْدَ مُلْكِ أَهْلِ بَيْتِهِ. وَكَانَ الْوُزَرَاءُ وَالْعُظَمَاءُ يُدَبِّرُونَ مُلْكَهُ لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ وَضَعْفِ أَمْرِ مَمْلَكَةِ فَارِسَ، وَاجْتَرَأَ عَلَيْهِمُ الْأَعْدَاءُ وَتَطَرَّقُوا بِلَادَهُمْ، وَغَزَتِ الْعَرَبُ بِلَادَهُ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ مُلْكِهِ سَنَتَانِ. وَكَانَ عُمْرُهُ كُلُّهُ إِلَى أَنْ قُتِلَ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَبَقِيَ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ فُتُوحِ الْمُسْلِمِينَ. هَذَا آخِرُ مُلُوكِ الْفُرْسِ وَنَذْكُرُ بَعْدَهُ التَّوَارِيخَ الْإِسْلَامِيَّةَ عَلَى سِيَاقَةِ سِنِيِّ الْهِجْرَةِ، وَنُقَدِّمُ قَبْلَ ذَلِكَ الْأَيَّامَ الْمَشْهُورَةَ لِلْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ نَأْتِي بَعْدَهَا بِالْحَوَادِثِ الْإِسْلَامِيَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [ذِكْرُ أَيَّامِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ]
لَمْ يَذْكُرْ أَبُو جَعْفَرٍ مِنْ أَيَّامِهَا غَيْرَ يَوْمِ ذِي قَارٍ، وَجَذِيمَةَ الْأَبْرَشِ، وَالزَّبَّاءِ، وَطَسْمٍ، وَجِدِيسٍ، وَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا حَيْثُ أَنَّهُمْ مُلُوكٌ، فَأَغْفَلَ مَا سِوَى ذَلِكَ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْأَيَّامَ الْمَشْهُورَةَ وَالْوَقَائِعَ الْمَذْكُورَةَ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَى جَمْعٍ كَثِيرٍ وَقِتَالٍ شَدِيدٍ، وَلَمْ أُعَرِّجْ عَلَى ذِكْرِ غَارَاتٍ تَشْتَمِلُ عَلَى النَّفَرِ الْيَسِيرِ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ وَيَخْرُجُ عَنِ الْحَصْرِ، فَنَقُولُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: ذِكْرُ حَرْبِ زُهَيْرِ بْنِ جَنَابٍ الْكَلْبِيِّ مَعَ غَطَفَانَ وَبَكْرٍ وَتَغْلِبَ وَبَنِي الْقَيْنِ كَانَ زُهَيْرُ بْنُ جَنَابِ بْنِ هُبَلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُذْرَةَ الْكَلْبِيُّ أَحَدَ مَنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُضَاعَةُ، وَكَانَ يُدْعَى الْكَاهِنَ لِصِحَّةِ رَأْيِهِ، وَعَاشَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً، أَوْقَعَ فِيهَا مِائَتَيْ وَقْعَةٍ، وَقِيلَ: عَاشَ أَرْبَعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ شُجَاعًا مُظَفَّرًا مَيْمُونَ النَّقِيبَةِ.
وَكَانَ سَبَبَ غَزَاتِهِ غَطَفَانَ أَنَّ بَنِي بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ حِينَ خَرَجُوا مِنْ تِهَامَةَ سَارُوا بِأَجْمَعِهِمْ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُمْ صُدَاءُ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ مِنْ مَذْحِجٍ، فَقَاتَلُوهُمْ، وَبَنُو بَغِيضٍ سَائِرُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَقَاتَلُوهُمْ عَنْ حَرِيمِهِمْ فَظَهَرُوا عَلَى صُدَاءَ وَفَتَكُوا فِيهِمْ، فَعَزَّتْ بَغِيضٌ بِذَلِكَ وَأَثْرَتْ وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهَا. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا: وَاللَّهِ لَنَتَّخِذَنَّ حَرَمًا مِثْلَ مَكَّةَ لَا يُقْتَلُ صَيْدُهُ وَلَا يُهَاجُ عَائِذُهُ، فَبَنَوْا حَرَمًا وَوَلِيَهُ بَنُو مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ، فَلَمَّا بَلَغَ فِعْلُهُمْ وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ زُهَيْرَ بْنَ جَنَابٍ قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ أَبَدًا وَأَنَا حَيٌّ، وَلَا أُخَلِّي غَطَفَانَ تَتَّخِذُ حَرَمًا أَبَدًا. فَنَادَى فِي قَوْمِهِ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ حَالَ غَطَفَانَ وَمَا بَلَغَهُ عَنْهُمْ وَقَالَ: إِنَّ أَعْظَمَ مَأْثُرَةٍ يَدَّخِرُهَا هُوَ وَقَوْمُهُ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَأَجَابُوا، فَغَزَا بِهِمْ غَطَفَانَ وَقَاتَلَهُمْ أَبْرَحَ قِتَالٍ وَأَشَدَّهُ، وَظَفِرَ بِهِمْ زُهَيْرٌ وَأَصَابَ حَاجَتَهُ مِنْهُمْ وَأَخَذَ فَارِسًا مِنْهُمْ فِي حَرَمِهِمْ فَقَتَلَهُ وَعَطَّلَ ذَلِكَ الْحَرَمَ. ثُمَّ مَنَّ عَلَى غَطَفَانَ وَرَدَّ النِّسَاءَ وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ، وَقَالَ زُهَيْرٌ فِي ذَلِكَ: فَلَمْ تَصْبِرْ لَنَا غَطَفَانُ لَمَّا ... تَلَاقَيْنَا وَأُحْرِزَتِ النِّسَاءُ فَلَوْلَا الْفَضْلُ مِنَّا مَا رَجَعْتُمْ ... إِلَى عَذْرَاءَ شِيمَتُهَا الْحَيَاءُ فَدُونَكُمُ دُيُونًا فَاطْلُبُوهَا ... وَأَوْتَارًا وَدُونَكُمُ اللِّقَاءُ فَإِنَّا حَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ ... لُيُوثٌ حِينَ يُحْتَضَرُ اللِّوَاءُ فَقَدْ أَضْحَى لِحَيِّ بَنِي جَنَابٍ ... فَضَاءُ الْأَرْضِ وَالْمَاءُ الرَّوَاءُ نَفَيْنَا نَخْوَةَ الْأَعْدَاءِ عَنَّا ... بِأَرْمَاحٍ أَسِنَّتُهَا ظِمَاءُ وَلَوْلَا صَبْرُنَا يَوْمَ الْتَقَيْنَا ... لَقِينَا مِثْلَ مَا لَقِيَتْ صُدَاءُ غَدَاةَ تَضَرَّعُوا لِبَنِي بَغِيضٍ ... وَصِدْقُ الطَّعْنِ لِلنَّوْكَى شِفَاءُ وَأَمَّا حَرْبُهُ مَعَ بَكْرٍ وَتَغْلِبَ ابْنَيْ وَائِلٍ، فَكَانَ سَبَبَهَا أَنَّ أَبْرَهَةَ حِينَ طَلَعَ إِلَى نَجْدٍ أَتَاهُ زُهَيْرٌ، فَأَكْرَمَهُ وَفَضَّلَهُ عَلَى مَنْ أَتَاهُ مِنَ الْعَرَبِ، ثُمَّ أَمَّرَهُ عَلَى بَكْرٍ وَتَغْلِبَ ابْنَيْ وَائِلٍ،
فَوَلِيَهُمْ حَتَّى أَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ مَا يَطْلُبُ مِنْهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ، فَأَقَامَ بِهِمْ زُهَيْرٌ فِي الْحَرْبِ وَمَنَعَهُمْ مِنَ النُّجْعَةِ حَتَّى يُؤَدُّوا مَا عَلَيْهِمْ، فَكَادَتْ مَوَاشِيهِمْ تَهْلِكُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ زَيَّابَةَ أَحَدُ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَكَانَ فَاتِكًا، أَتَى زُهَيْرًا وَهُوَ نَائِمٌ، فَاعْتَمَدَ التَّيْمِيُّ بِالسَّيْفِ عَلَى بَطْنِ زُهَيْرٍ فَمَرَّ فِيهَا حَتَّى خَرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ مَارِقًا بَيْنَ الصِّفَاقِ، وَسَلِمَتْ أَمْعَاؤُهُ وَمَا فِي بَطْنِهِ، وَظَنَّ التَّيْمِيُّ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ، وَعَلِمَ زُهَيْرٌ أَنَّهُ قَدْ سَلِمَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ لِئَلَّا يُجْهِزَ عَلَيْهِ، فَسَكَتَ. فَانْصَرَفَ التَّيْمِيُّ إِلَى قَوْمِهِ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ قَتَلَ زُهَيْرًا، فَسَرَّهُمْ ذَلِكَ. وَلَمْ يَكُنْ مَعَ زُهَيْرٍ إِلَّا نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُظْهِرُوا أَنَّهُ مَيِّتٌ وَأَنْ يَسْتَأْذِنُوا بَكْرًا وَتَغْلِبَ فِي دَفْنِهِ فَإِذَا أَذِنُوا دَفَنُوا ثِيَابًا مَلْفُوفَةً وَسَارُوا بِهِ مُجِدِّينَ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. فَأَذِنَتْ لَهُمْ بَكْرٌ وَتَغْلِبُ فِي دَفْنِهِ، فَحَفَرُوا وَعَمَّقُوا وَدَفَنُوا ثِيَابًا مَلْفُوفَةً لَمْ يَشُكَّ مَنْ رَآهَا أَنَّ فِيهَا مَيِّتًا، ثُمَّ سَارُوا مُجِدِّينَ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَجَمَعَ لَهُمْ زُهَيْرٌ الْجُمُوعَ، وَبَلَغَهُمُ الْخَبَرُ فَقَالَ ابْنُ زَيَّابَةَ: طَعْنَةً مَا طَعَنْتُ فِي غَلَسِ اللَّيْ ... لِ زُهَيْرًا وَقَدْ تَوَافَى الْخُصُومُ حِينَ يَحْمِي لَهُ الْمَوَاسِمَ بَكْرٌ ... أَيْنَ بَكْرٌ وَأَيْنَ مِنْهَا الْحُلُومُ خَانَنِي السَّيْفُ إِذْ طَعَنْتُ ... زُهَيْرًا وَهُوَ سَيْفٌ مُضَلَّلٌ مَشْؤُومُ وَجَمَعَ زُهَيْرٌ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَغَزَا بَكْرًا وَتَغْلِبَ، وَكَانُوا عَلِمُوا بِهِ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا انْهَزَمَتْ بِهِ بَكْرٌ، وَقَاتَلَتْ تَغْلِبُ بَعْدَهَا فَانْهَزَمَتْ أَيْضًا، وَأُسِرَ كُلَيْبٌ وَمُهَلْهِلٌ ابْنَا رَبِيعَةَ وَأُخِذَتِ الْأَمْوَالُ وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى فِي بَنِي تَغْلِبَ وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُرْسَانِهِمْ وَوُجُوهِهِمْ، فَقَالَ زُهَيْرٌ فِي ذَلِكَ مِنْ قَصِيدَةٍ: أَيْنَ أَيْنَ الْفِرَارُ مِنْ حَذَرِ ... الْمَوْ تِ إِذَا يَتَّقُونَ بِالْأَسْلَابِ
إِذْ أَسَرْنَا مُهْلَهِلًا وَأَخَاهُ وَابْنُ ... عَمْرٍو فِي الْقَيْدِ وَابْنُ شِهَابِ وَسَبَيْنَا مِنْ تَغْلِبَ كُلَّ بَيْضَا ... ءٍ رَقُودِ الضُّحَى بَرُودِ الرُّضَابِ حِينَ تَدْعُو مُهَلْهِلًا يَالَ بَكْرٍ ... هَا أَهْذِي حَفِيظَةُ الْأَحْسَابِ وَيْحَكُمْ وَيْحَكُمْ أُبِيحَ حِمَاكُمْ يَا ... بَنِي تَغْلِبَ أَنَا ابْنُ رُضَابِ وَهُمْ هَارِبُونَ فِي كُلِّ فَجٍّ ... كَشَرِيدِ النَّعَامِ فَوْقَ الرَّوَابِي وَاسْتَدَارَتْ رَحَى الْمَنَايَا ... عَلَيْهِمْ بِلُيُوثٍ مِنْ عَامِرٍ وَجَنَابِ فَهُمْ بَيْنَ هَارِبٍ لَيْسَ يَأْلُو ... وَقَتِيلٍ مُعَفَّرٍ فِي التُّرَابِ فَضَلَّ الْعِزُّ عِزُّنَا حِينَ نَسْمُو ... مِثْلَ فَضْلِ السَّمَاءِ فَوْقَ السَّحَابِ وَأَمَّا حَرْبُهُ مَعَ بَنِي الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ فَكَانَ سَبَبَهَا أَنَّ أُخْتًا لِزُهَيْرٍ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً فِيهِمْ. فَجَاءَ رَسُولُهَا إِلَى زُهَيْرٍ وَمَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا رَمْلٌ، وَصُرَّةٌ فِيهَا شَوْكُ قَتَادٍ، فَقَالَ زُهَيْرٌ: إِنَّهَا تُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ يَأْتِيكُمْ عَدُوٌّ كَثِيرٌ ذُو شَوْكَةٍ شَدِيدَةٍ، فَاحْتَمَلُوا. فَقَالَ الْجُلَاحُ بْنُ عَوْفٍ السُّحَمِيُّ: لَا نَحْتَمِلُ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، فَظَعَنَ زُهَيْرٌ وَأَقَامَ الْجُلَاحُ، وَصَبَّحَهُ الْجَيْشُ فَقَتَلُوا عَامَّةَ قَوْمِ الْجُلَاحِ وَذَهَبُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَمَالِهِ. وَمَضَى زُهَيْرٌ فَاجْتَمَعَ مَعَ عَشِيرَتِهِ مِنْ بَنِي جَنَابٍ، وَبَلَغَ الْجَيْشَ خَبَرُهُ فَقَصَدُوهُ، فَقَاتَلَهُمْ وَصَبَرَ لَهُمْ فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ رَئِيسَهُمْ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ خَائِبِينَ. وَلَمَّا طَالَ عُمْرُ زُهَيْرٍ وَكَبِرَتْ سِنُّهُ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أَخِيهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُلَيْمٍ، فَقَالَ زُهَيْرٌ يَوْمًا: أَلَا إِنَّ الْحَيَّ ظَاعِنٌ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَا إِنَّ الْحَيَّ مُقِيمٌ. فَقَالَ زُهَيْرٌ: مَنْ هَذَا الْمُخَالِفُ عَلَيَّ؟ .
ذكر يوم البردان
فَقَالُوا: ابْنُ أَخِيكِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُلَيْمٍ. فَقَالَ: أَعْدَى النَّاسِ لِلْمَرْءِ ابْنُ أَخِيهِ. ثُمَّ شَرِبَ الْخَمْرَ صِرْفًا حَتَّى مَاتَ. وَمِمَّنْ شَرِبَ الْخَمْرَ صِرْفًا حَتَّى مَاتَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ التَّغْلِبِيُّ، وَأَبُو عَامِرٍ مُلَاعِبُ الْأَسِنَّةِ الْعَامِرِيُّ. [ذِكْرُ يَوْمِ الْبَرَدَانِ] فَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّ زِيَادَ بْنَ الْهَبُولَةِ مَلَكَ الشَّامَ،، وَكَانَ مِنْ سَلِيحِ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ. فَأَغَارَ عَلَى حُجْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْكِنْدِيِّ، مَلِكِ عَرَبٍ بِنَجْدٍ وَنَوَاحِي الْعِرَاقِ وَهُوَ يُلَقَّبُ آكِلَ الْمُرَارِ، وَكَانَ حُجْرٌ قَدْ أَغَارَ فِي كِنْدَةَ وَرَبِيعَةَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، فَبَلَغَ زِيَادًا خَبَرُهُمْ فَسَارَ إِلَى أَهْلِ حُجْرٍ وَرَبِيعَةَ وَأَمْوَالِهِمْ، وَهُمْ خُلُوفٌ وَرِجَالُهُمْ فِي غَزَاتِهِمُ الْمَذْكُورَةِ، فَأَخَذَ الْحَرِيمَ وَالْأَمْوَالَ، وَسَبَى فِيهِمْ هِنْدًا بِنْتَ ظَالِمِ بْنِ وَهْبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وَسَمِعَ حُجْرٌ وَكِنْدَةُ وَرَبِيعَةُ بِغَارَةِ زِيَادٍ، فَعَادُوا عَنْ غَزْوِهِمْ فِي طَلَبِ ابْنِ الْهَبُولَةِ، وَمَعَ حُجْرٍ أَشْرَافُ رَبِيعَةَ عَوْفُ بْنُ مُحَلَّمِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ. وَعَمْرُو بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ وَغَيْرُهُمَا، فَأَدْرَكُوا عَمْرًا بِالْبَرَدَانِ دُونَ عَيْنِ أُبَاغٍ وَقَدْ أَمِنَ الطَّلَبَ، فَنَزَلَ حُجْرٌ فِي سَفْحِ جَبَلٍ، وَنَزَلَتْ بَكْرٌ وَتَغْلِبُ وَكِنْدَةُ مَعَ حُجْرٍ دُونَ الْجَبَلِ بِالصَّحْصَحَانِ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ حَفِيرٌ. فَتَعَجَّلَ عَوْفُ بْنُ مُحَلَّمٍ وَعَمْرُو بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ وَقَالَا لِحُجْرٍ: إِنَّا مُتَعَجِّلَانِ إِلَى زِيَادٍ لَعَلَّنَا نَأْخُذُ مِنْهُ بَعْضَ مَا أَصَابَ مِنَّا. فَسَارَا إِلَيْهِ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَوْفٍ إِخَاءٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: يَا خَيْرَ الْفِتْيَانِ ارْدُدْ عَلَيَّ امْرَأَتِي أُمَامَةُ. فَرَدَّهَا عَلَيْهِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَوَلَدَتْ لَهُ بِنْتًا أَرَادَ عَوْفٌ أَنْ يَئِدَهَا فَاسْتَوْهَبَهَا مِنْهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَقَالَ:
لَعَلَّهَا تَلِدُ أُنَاسًا، فَسُمِّيَتْ أُمَّ أُنَاسٍ، فَتَزَوَّجَهَا الْحَارِثُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُجْرٍ آكِلُ الْمُرَارِ، فَوَلَدَتْ عَمْرًا، وَيُعْرَفُ بِابْنِ أُمِّ أُنَاسٍ. ثُمَّ إِنَّ عَمْرَو بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ لِزِيَادٍ: يَا خَيْرَ الْفِتْيَانِ ارْدُدْ عَلَيَّ مَا أَخَذْتَ مِنْ إِبِلِي. فَرَدَّهَا عَلَيْهِ وَفِيهَا فَحْلُهَا، فَنَازَعَهُ الْفَحْلُ إِلَى الْإِبِلِ، فَصَرَعَهُ عَمْرٌو فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: يَا عَمْرُو لَوْ صَرَعْتُمْ يَا بَنِي شَيْبَانَ الرِّجَالَ كَمَا تَصْرَعُونَ الْإِبِلَ لَكُنْتُمْ أَنْتُمْ أَنْتُمْ! فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: لَقَدْ أُعْطِيتَ قَلِيلًا، وَسَمَّيْتَ جَلِيلًا، وَجَرَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ وَيْلًا طَوِيلًا! وَلَتَجِدَنَّ مِنْهُ، وَلَا وَاللَّهِ لَا تَبْرَحُ حَتَّى أَرْوِيَ سِنَانِي مِنْ دَمِكَ! ثُمَّ رَكَضَ فَرَسُهُ حَتَّى صَارَ إِلَى حُجْرٍ، فَلَمْ يُوَضِّحْ لَهُ الْخَبَرَ، فَأَرْسَلَ سَدُوسَ بْنَ شَيْبَانَ بْنِ ذُهْلٍ وَصُلَيْعَ بْنَ عَبْدِ غَنْمٍ يَتَجَسَّسَانِ لَهُ الْخَبَرَ وَيَعْلَمَانِ عِلْمَ الْعَسْكَرِ، فَخَرَجَا حَتَّى هَجَمَا عَلَى عَسْكَرِهِ لَيْلًا وَقَدْ قَسَّمَ الْغَنِيمَةَ وَجِيءَ بِالشَّمْعِ فَأَطْعَمَ النَّاسَ تَمْرًا وَسَمْنًا، فَلَمَّا أَكَلَ النَّاسُ نَادَى: مَنْ جَاءَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ فَلَهُ قِدْرَةُ تَمْرٍ. فَجَاءَ سَدُوسٌ وَصُلَيْعٌ بِحَطَبٍ وَأَخَذَا قِدْرَتَيْنِ مِنْ تَمْرٍ وَجَلَسَا قَرِيبًا مِنْ قُبَّتِهِ. ثُمَّ انْصَرَفَ صُلَيْعٌ إِلَى حُجْرٍ فَأَخْبَرَهُ بِعَسْكَرِ زِيَادٍ وَأَرَاهُ التَّمْرَ. وَأَمَّا سَدُوسٌ فَقَالَ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى آتِيَهُ بِأَمْرٍ جَلِيٍّ. وَجَلَسَ مَعَ الْقَوْمِ يَتَسَمَّعُ مَا يَقُولُونَ، وَهِنْدٌ امْرَأَةُ حُجْرٍ خَلْفَ زِيَادٍ، فَقَالَتْ لِزِيَادٍ: إِنَّ هَذَا التَّمْرَ أُهْدِيَ إِلَى حُجْرٍ مِنْ هَجَرَ، وَالسَّمْنَ مِنْ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ. ثُمَّ تَفَرَّقَ أَصْحَابُ زِيَادٍ عَنْهُ، فَضَرَبَ سَدُوسٌ يَدَهُ إِلَى جَلِيسٍ لَهُ وَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ مَخَافَةَ أَنْ يَسْتَنْكِرَهُ الرَّجُلُ. فَقَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ. وَدَنَا سَدُوسٌ مِنْ قُبَّةِ زِيَادٍ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَهُ، وَدَنَا زِيَادٌ مِنَ امْرَأَةِ حُجْرٍ فَقَبَّلَهَا وَدَاعَبَهَا وَقَالَ لَهَا: مَا ظَنُّكِ الْآنَ بِحُجْرٍ؟ فَقَالَتْ: مَا هُوَ ظَنٌّ وَلَكِنَّهُ يَقِينٌ، إِنَّهُ وَاللَّهِ لَنْ يَدَعَ طَلَبَكَ حَتَّى تُعَايِنَ الْقُصُورَ الْحُمْرَ، يَعْنِي قُصُورَ الشَّامِ، وَكَأَنِّي بِهِ فِي فَوَارِسَ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ يُذَمِّرُهُمْ وَيُذَمِّرُونَهُ، وَهُوَ شَدِيدُ الْكَلَبِ تُزْبِدُ شَفَتَاهُ كَأَنَّهُ بَعِيرٌ أَكَلَ مُرَارًا، فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَإِنَّ وَرَاءَكَ طَالِبًا حَثِيثًا، وَجَمْعًا كَثِيفًا، وَكَيْدًا مَتِينًا، وَرَأْيًا صَلِيبًا فَرَفَعَ يَدَهُ فَلَطَمَهَا ثُمَّ قَالَ لَهَا: مَا قُلْتِ هَذَا إِلَّا مِنْ عُجْبِكِ بِهِ وَحُبِّكِ لَهُ! فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ أَحَدًا بُغْضِي لَهُ
وَلَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَحْزَمَ مِنْهُ نَائِمًا وَمُسْتَيْقِظًا، إِنْ كَانَ لَتَنَامُ عَيْنَاهُ فَبَعْضُ أَعْضَائِهِ مُسْتَيْقِظٌ! وَكَانَ إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ أَمَرَنِي أَنْ أَجْعَلَ عِنْدَهُ عُسًّا مِنْ لَبَنٍ، فَبَيْنَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَةِ نَائِمٌ وَأَنَا قَرِيبٌ مِنْهُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ، إِذْ أَقْبَلَ أَسْوَدُ سَالِخٍ إِلَى رَأْسِهِ فَنَحَّى رَأْسَهُ، فَمَالَ إِلَى يَدِهِ فَقَبَضَهَا، فَمَالَ إِلَى رِجْلِهِ فَقَبَضَهَا، فَمَالَ إِلَى الْعُسِّ فَشَرِبَهُ ثُمَّ مَجَّهُ. فَقُلْتُ: يَسْتَيْقِظُ فَيَشْرَبُهُ فَيَمُوتُ فَأَسْتَرِيحُ مِنْهُ فَانْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ فَقَالَ: عَلَيَّ بِالْإِنَاءِ، فَنَاوَلْتُهُ فَشَمَّهُ ثُمَّ أَلْقَاهُ فَهُرِيقَ. فَقَالَ: أَيْنَ ذَهَبَ الْأَسْوَدُ؟ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُهُ. فَقَالَ: كَذَبْتِ وَاللَّهِ! وَذَلِكَ كُلُّهُ يَسْمَعُهُ سَدُوسٌ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى حُجْرًا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: أَتَاكَ الْمُرْجِفُونَ بِأَمْرِ غَيْبٍ ... عَلَى دَهْشٍ وَجِئْتُكَ بِالْيَقِينِ فَمَنْ يَكُ قَدْ أَتَاكَ بِأَمْرِ لَبْسٍ ... فَقَدْ آتِي بِأَمْرٍ مُسْتَبِينِ ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهِ مَا سَمِعَ، فَجَعَلَ حُجْرٌ يَعْبَثُ بِالْمُرَارِ وَيَأْكُلُ مِنْهُ غَضَبًا وَأَسَفًا، وَلَا يَشْعُرُ أَنَّهُ يَأْكُلُهُ مِنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ، فَلَمَّا فَرَغَ سَدُوسٌ مِنْ حَدِيثِهِ وَجَدَ حُجْرٌ الْمُرَارَ فَسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ آكِلَ الْمُرَارِ، وَالْمُرَارُ نَبْتٌ شَدِيدُ الْمَرَارَةِ لَا تَأْكُلُهُ دَابَّةٌ إِلَّا قَتَلَهَا. ثُمَّ أَمَرَ حُجْرٌ فَنُودِيَ فِي النَّاسِ، وَرَكِبَ وَسَارَ إِلَى زِيَادٍ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ زِيَادٌ وَأَهْلُ الشَّامِ وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَاسْتَنْقَذَتْ بَكْرٌ وَكِنْدَةُ مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْغَنَائِمِ وَالسَّبْيِ، وَعَرَفَ سَدُوسٌ زِيَادًا فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَاعْتَنَقَهُ وَصَرَعَهُ وَأَخَذَهُ أَسِيرًا، فَلَمَّا رَآهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ حَسَدَهُ فَطَعَنَ زِيَادًا فَقَتَلَهُ. فَغَضِبَ سَدُوسٌ وَقَالَ: قَتَلْتَ أَسِيرِي وَدِيَتُهُ دِيَةُ مَلِكٍ، فَتَحَاكَمَا إِلَى حُجْرٍ، فَحَكَمَ عَلَى عَمْرٍو وَقَوْمِهِ لِسَدُوسٍ بِدِيَةِ مَلِكٍ وَأَعَانَهُمْ مِنْ مَالِهِ. وَأَخَذَ حُجْرٌ زَوْجَتَهُ هِنْدًا فَرَبَطَهَا فِي فَرَسَيْنِ ثُمَّ رَكَضَهَا حَتَّى قَطَّعَاهَا، وَيُقَالُ: بَلْ أَحْرَقَهَا، وَقَالَ فِيهَا: إِنَّ مَنْ غَرَّهُ النِّسَاءُ بِشَيْءٍ ... بَعْدَ هِنْدٍ لَجَاهِلٌ مَغْرُورُ حُلْوَةُ الْعَيْنِ وَالْحَدِيثِ وَمُرُّ ... كُلِّ شَيْءٍ أَجَنَّ مِنْهَا الضَّمِيرُ كُلُّ أُنْثَى وَإِنْ بَدَا لَكَ مِنْهَا ... آيَةُ الْحُبِّ حُبُّهَا خَيْتَعُورُ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْحِيرَةِ.
ذكر مقتل حجر أبي امرئ القيس والحروب الحادثة بمقتله إلى أن مات امرؤ القيس
قُلْتُ: هَكَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّ زِيَادَ بْنَ هَبُولَةَ السَّلِيحِيَّ مَلِكَ الشَّامِ غَزَا حُجْرًا، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مُلُوكَ سَلِيحٍ كَانُوا بِأَطْرَافِ الشَّامِ مِمَّا يَلِي الْبَرَّ مِنْ فَلَسْطِينَ إِلَى قَنْسَرِينَ وَالْبِلَادُ لِلرُّومِ، وَمِنْهُمْ أَخَذَتْ غَسَّانُ هَذِهِ الْبِلَادَ، وَكُلُّهُمْ كَانُوا عُمَّالًا لِمُلُوكِ الرُّومِ كَمَا كَانَ مُلُوكُ الْحِيرَةِ عُمَّالًا لِمُلُوكِ الْفُرْسِ عَلَى الْبَرِّ وَالْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ سَلِيحُ وَلَا غَسَّانُ مُسْتَقِلِّينَ بِمُلْكِ الشَّامِ وَلَا بِشِبْرٍ وَاحِدٍ عَلَى سَبِيلِ التَّفَرُّدِ وَالِاسْتِقْلَالِ. وَقَوْلُهُمْ: مَلِكُ الشَّامِ، غَيْرُ صَحِيحٍ، وَزِيَادُ بْنُ هَبُولَةَ السَّلِيحِيُّ مَلِكُ مَشَارِفِ الشَّامِ أَقْدَمُ مِنْ حُجْرٍ الَّذِي مَلَكَ الْحِيرَةَ وَالْعَرَبَ بِالْعِرَاقِ أَيَّامَ قُبَاذَ أَبِي أَنُوشِرْوَانَ. وَبَيْنَ مُلْكِ قُبَاذَ وَالْهِجْرَةِ نَحْوَ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقَدْ مَلَكَتْ غَسَّانُ أَطْرَافَ الشَّامِ بَعْدَ سَلِيحٍ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ، وَقِيلَ: خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، وَأَقَلُّ مَا سَمِعْتُ فِيهِ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانُوا بَعْدَ سَلِيحٍ وَلَمْ يَكُنْ زِيَادٌ آخِرَ مُلُوكِ سَلِيحٍ، فَتَزِيدُ الْمُدَّةُ زِيَادَةً أُخْرَى، وَهَذَا تَفَاوُتٌ كَثِيرٌ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ هَبُولَةَ الْمَلِكَ أَيَّامَ حُجْرٍ حَتَّى يُغِيرَ عَلَيْهِ؟ ! وَحَيْثُ أَطْبَقَتْ رُوَاةُ الْعَرَبِ عَلَى هَذِهِ الْغَزَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَوْجِيهِهَا، وَأَصْلَحُ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّ زِيَادَ بْنَ هَبُولَةَ الْمُعَاصِرَ لِحُجْرٍ كَانَ رَئِيسًا عَلَى قَوْمٍ أَوْ مُتَغَلِّبًا عَلَى بَعْضِ أَطْرَافِ الشَّامِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ هَذَا الْقَوْلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُمْ أَيْضًا: إِنَّ حُجْرًا عَادَ إِلَى الْحِيرَةِ، لَا يَسْتَقِيمُ أَيْضًا لِأَنَّ مُلُوكَ الْحِيرَةِ مِنْ وَلَدِ عَدِيِّ بْنِ نَصْرٍ اللَّخْمِيِّ لَمْ يَنْقَطِعْ مُلْكُهُمْ لَهَا إِلَّا أَيَّامَ قُبَاذَ، فَإِنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حُجْرٍ آكِلَ الْمُرَارِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ. فَلَمَّا وَلِيَ أَنُوشِرْوَانُ عَزَلَ الْحَارِثَ وَأَعَادَ اللَّخْمِيِّينَ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْكِنْدِيِّينَ قَدْ ذَكَرَ هَذَا تَعَصُّبًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ ذَكَرَ هَذَا الْيَوْمَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ ابْنَ هَبُولَةَ مِنْ سَلِيحٍ بَلْ قَالَ: هُوَ غَالِبُ بْنُ هَبُولَةَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَوْدَهُ إِلَى الْحِيرَةِ، فَزَالَ هَذَا الْوَهْمُ. وَسَلِيحٌ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ اللَّامِ، وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ. [ذِكْرُ مَقْتَلِ حُجْرٍ أَبِي امْرِئِ الْقَيْسِ وَالْحُرُوبِ الْحَادِثَةِ بِمَقْتَلِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ امْرُؤُ الْقَيْسِ] نَذْكُرُ أَوَّلًا سَبَبَ مُلْكِهِمُ الْعَرَبَ بِنَجْدٍ وَنَسُوقُ الْحَادِثَةَ إِلَى قَتْلِهِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ فَنَقُولُ:
كَانَ سُفَهَاءُ بَكْرٍ قَدْ غَلَبُوا عَلَى عُقَلَائِهَا وَغَلَبُوهُمْ عَلَى الْأَمْرِ وَأَكَلَ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ، فَنَظَرَ الْعُقَلَاءُ فِي أَمْرِهِمْ فَرَأَوْا أَنْ يُمَلِّكُوا عَلَيْهِمْ مَلِكًا يَأْخُذُ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ. فَنَهَاهُمُ الْعَرَبُ وَعَرَفُوا أَنَّ هَذَا لَا يَسْتَقِيمُ بِأَنْ يَكُونَ الْمَلِكُ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ يُطِيعُهُ قَوْمٌ وَيُخَالِفُهُ آخَرُونَ، فَسَارُوا إِلَى بَعْضِ تَبَابِعَةِ الْيَمَنِ، وَكَانُوا لِلْعَرَبِ بِمَنْزِلَةِ الْخُلَفَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُمَلِّكَ عَلَيْهِمْ مَلِكًا، فَمَلَّكَ عَلَيْهِمْ حُجْرَ بْنَ عَمْرٍو آكِلَ الْمُرَارِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ وَنَزَلَ بِبَطْنِ عَاقِلٍ وَأَغَارَ بِبَكْرٍ فَانْتَزَعَ عَامَّةَ مَا كَانَ بِأَيْدِي اللَّخْمِيِّينَ مِنْ أَرْضِ بَكْرٍ وَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ فَدُفِنَ بِبَطْنِ عَاقِلٍ. فَلَمَّا مَاتَ صَارَ عَمْرُو بْنُ حُجْرٍ آكِلُ الْمُرَارِ، وَهُوَ الْمَقْصُورُ، مَلِكًا بَعْدَ أَبِيهِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ الْمَقْصُورُ لِأَنَّهُ قَصَرَ عَلَى مُلْكِ أَبِيهِ، وَكَانَ أَخُوهُ مُعَاوِيَةُ، وَهُوَ الْجَوْنُ، عَلَى الْيَمَامَةِ. فَلَمَّا مَاتَ عَمْرٌو مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ، وَكَانَ شَدِيدَ الْمُلْكِ بَعِيدَ الصَّوْتِ، فَلَمَّا مَلَكَ قُبَاذُ بْنُ فَيْرُوزَ الْفُرْسَ خَرَجَ فِي أَيَّامِهِ مَزْدَكُ فَدَعَا النَّاسَ إِلَى الزَّنْدَقَةِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَجَابَهُ قُبَاذُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ عَامِلًا لِلْأَكَاسِرَةِ عَلَى الْحِيرَةِ وَنَوَاحِيهَا، فَدَعَاهُ قُبَاذُ إِلَى الدُّخُولِ مَعَهُ، فَامْتَنَعَ، فَدَعَا الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو إِلَى ذَلِكَ فَأَجَابَهُ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْحِيرَةِ وَطَرَدَ الْمُنْذِرَ عَنْ مَمْلَكَتِهِ. وَقِيلَ فِي تَمَلُّكِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ أَيَّامَ قُبَاذَ. فَبَقُوا كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَلَكَ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانُ بْنُ قُبَاذَ بَعْدَ أَبِيهِ فَقَتَلَ مَزْدَكَ وَأَصْحَابَهُ وَأَعَادَ الْمُنْذِرَ بْنَ مَاءِ السَّمَاءِ إِلَى وِلَايَةِ الْحِيرَةِ وَطَلَبَ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو، وَكَانَ بِالْأَنْبَارِ، وَبِهَا مَنْزِلُهُ، فَهَرَبَ بِأَوْلَادِهِ وَمَالِهِ وَهَجَائِنِهِ، وَتَبِعَهُ الْمُنْذِرُ بِالْخَيْلِ مِنْ تَغْلِبَ وَإِيَادٍ وَبَهْرَاءَ فَلَحِقَ بِأَرْضِ كَلْبٍ فَنَجَا، وَانْتَهَبُوا مَالَهُ وَهَجَائِنَهُ، وَأَخَذَتْ تَغْلِبُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ نَفْسًا مِنْ بَنِي آكِلِ الْمُرَارِ، فِيهِمْ عَمْرٌو وَمَالِكٌ ابْنَا الْحَارِثِ، فَقَدِمُوا بِهِمْ عَلَى الْمُنْذِرِ، فَقَتَلَهُمْ فِي دِيَارِ بَنِي مَرِينَا، وَفِيهِمْ يَقُولُ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
فَآبُوا بِالنِّهَابِ وَبِالسَّبَايَا ... وَأُبْنَا بِالْمُلُوكِ مُصَفَّدِينَا وَفِيهِمْ يَقُولُ امْرُؤُ الْقَيْسَ: مُلُوكٌ مِنْ بَنِي حُجْرِ بْنِ ... عَمْرٍو يُسَاقُونَ الْعَشِيَّةَ يُقْتَلُونَا فَلَوْ فِي يَوْمِ مَعْرَكَةٍ أُصِيبُوا ... وَلَكِنْ فِي دِيَارِ بَنِي مَرِينَا وَلَمْ تُغْسَلْ جَمَاجِمُهُمْ بِغُسْلٍ ... وَلَكِنْ فِي الدِّمَاءِ مُرَمَّلِينَا تَظَلُّ الطَّيْرُ عَاكِفَةً عَلَيْهِمْ ... وَتَنْتَزِعُ الْحَوَاجِبَ وَالْعَيُونَا وَأَقَامَ الْحَارِثُ بِدِيَارِ كَلْبٍ، فَتَزْعُمُ كَلْبٌ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، وَعُلَمَاءُ كِنْدَةَ تَزْعُمُ أَنَّهُ خَرَجَ يَتَصَيَّدُ، فَتَبِعَ تَيْسًا مِنَ الظِّبَاءِ فَأَعْجَزَهُ، فَأَقْسَمَ أَنْ لَا يَأْكُلَ شَيْئًا إِلَّا مِنْ كَبِدِهِ، فَطَلَبَتْهُ الْخَيْلُ، فَأُتِيَ بِهِ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ، وَقَدْ كَادَ يَهْلِكُ جُوعًا، فَشُوِيَ لَهُ بَطْنُهُ فَأَكَلَ فِلْذَةً مِنْ كَبِدِهِ حَارَةً فَمَاتَ. وَلَمَّا كَانَ الْحَارِثُ بِالْحِيرَةِ أَتَاهُ أَشْرَافُ عِدَّةِ قَبَائِلَ مِنْ نِزَارٍ فَقَالُوا: إِنَّا فِي طَاعَتِكَ وَقَدْ وَقَعَ بَيْنَنَا مِنَ الشَّرِّ بِالْقَتْلِ مَا تَعْلَمُ وَنَخَافُ الْفَنَاءَ فَوَجِّهْ مَعَنَا بَنِيكَ يَنْزِلُونَ فِينَا فَيَكُفُّونَ بَعْضَنَا عَنْ بَعْضٍ. فَفَرَّقَ أَوْلَادَهُ فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَمَلَّكَ ابْنَهُ حُجْرًا عَلَى بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَغَطَفَانَ، وَمَلَّكَ ابْنَهُ شُرَحْبِيلَ، وَهُوَ الَّذِي قُتِلَ يَوْمَ الْكُلَابِ، عَلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ بِأَسْرِهَا وَعَلَى غَيْرِهَا، وَمَلَّكَ ابْنَهُ مَعْدِي كَرِبَ، وَهُوَ غَلْفَاءُ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ غَلْفَاءُ لِأَنَّهُ كَانَ يُغَلِّفُ رَأْسَهُ بِالطِّيبِ، عَلَى قَيْسِ عَيْلَانَ وَطَوَائِفَ غَيْرِهِمْ، وَمَلَّكَ ابْنَهُ سَلَمَةَ عَلَى تَغْلِبَ وَالنَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ وَبَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ مِنْ تَمِيمٍ. فَبَقِيَ حُجْرٌ فِي بَنِي أَسَدٍ وَلَهُ عَلَيْهِمْ جَائِزَةٌ وَإِتَاوَةٌ كُلَّ سَنَةٍ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ دَهْرًا، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَجْبِي ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَكَانُوا بِتِهَامَةَ، وَطَرَدُوا رُسُلَهُ
وَضَرَبُوهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ حُجْرًا، فَسَارَ إِلَيْهِمْ بِجُنْدٍ مِنْ رَبِيعَةَ، وَجُنْدٍ مِنْ جُنْدِ أَخِيهِ مِنْ قَيْسٍ وَكِنَانَةَ، فَأَتَاهُمْ فَأَخَذَ سَرَوَاتِهِمْ وَخِيَارَهُمْ، وَجَعَلَ يَقْتُلُهُمْ بِالْعَصَا وَأَبَاحَ الْأَمْوَالَ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى تِهَامَةَ، وَحَبَسَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً مِنْ أَشْرَافِهِمْ، مِنْهُمْ عُبَيْدُ بْنُ الْأَبْرَصِ الشَّاعِرُ، فَقَالَ شِعْرًا يَسْتَعْطِفُهُ لَهُمْ، فَرَقَّ لَهُمْ وَأَرْسَلَ مَنْ يَرُدُّهُمْ، فَلَمَّا صَارُوا عَلَى يَوْمٍ مِنْهُ تَكَهَّنَ كَاهِنُهُمْ، وَهُوَ عَوْفُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ الْأَسَدِيُّ، فَقَالَ لَهُمْ: مَنِ الْمَلِكُ الصَّلْهَبْ، الْغَلَّابُ غَيْرُ الْمُغَلَّبْ، فِي الْإِبِلِ كَأَنَّهَا الرَّبْرَبْ، هَذَا دَمُهُ يَتَثَعَّبْ، وَهُوَ غَدًا أَوَّلُ مَنْ يُسْتَلَبْ؟ قَالُوا: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: لَوْلَا تَجِيشُ نَفْسٌ خَاشِيَهْ، لَأَخْبَرْتُكُمْ أَنَّهُ حُجْرُ ضَاحِيَهْ، فَرَكِبُوا كُلَّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ حَتَّى بَلَغُوا إِلَى عَسْكَرِ حُجْرٍ فَهَجَمُوا عَلَيْهِ فِي قُبَّتِهِ فَقَتَلُوهُ، طَعَنَهُ عِلْبَاءُ بْنُ الْحَارِثِ الْكَاهِلِيُّ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ حُجْرٌ قَتَلَ أَبَاهُ، فَلَمَّا قُتِلَ قَالَتْ بَنُو أَسَدٍ: يَا مَعْشَرَ كِنَانَةَ وَقَيْسٍ أَنْتُمْ إِخْوَانُنَا وَبَنُو عَمِّنَا، وَالرَّجُلُ بَعِيدُ النَّسَبِ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُمْ سِيرَتَهُ وَمَا كَانَ يَصْنَعُ بِكُمْ هُوَ وَقَوْمُهُ فَانْتَهِبُوهُمْ. فَشَدُّوا عَلَى هَجَائِنِهِ فَانْتَهَبُوهَا، وَلَفُّوهُ فِي رَيْطَةٍ بَيْضَاءَ وَأَلْقُوهُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَيْسٌ وَكِنَانَةُ انْتَهَبُوا أَسْلَابَهُ وَأَجَارَ عَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ عِيَالَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ حُجْرًا لَمَّا رَأَى اجْتِمَاعَ بَنِي أَسَدٍ عَلَيْهِ خَافَهُمْ فَاسْتَجَارَ عُوَيْمِرُ بْنُ شُجْنَةَ أَحَدَ بَنِي عُطَارِدَ بْنِ كَعْبِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ لِبِنْتِهِ هِنْدٍ بِنْتِ حُجْرٍ وَعِيَالِهِ، وَقَالَ لِبَنِي أَسَدٍ: إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنَكُمْ فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ عَنْكُمْ وَمُخَلِّيكُمْ وَشَأْنَكُمْ. فَوَادَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ وَسَارَ عَنْهُمْ وَأَقَامَ فِي قَوْمِهِ مُدَّةً، ثُمَّ جَمَعَ لَهُمْ جَمْعًا عَظِيمًا وَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ مُدِلًّا بِمَنْ مَعَهُ، فَتَآمَرَ بَنُو أَسَدٍ وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ قَهَرَكُمْ لِيَحْكُمَنَّ عَلَيْكُمْ حُكْمَ الصَّبِيِّ، فَمَا خَيْرُ
الْعَيْشِ حِينَئِذٍ فَمُوتُوا كِرَامًا. فَاجْتَمَعُوا وَسَارُوا إِلَى حُجْرٍ فَلَقَوْهُ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَ صَاحِبُ أَمْرِهِمْ عِلْبَاءَ بْنَ الْحَارِثِ، فَحَمَلَ عَلَى حُجْرٍ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، وَانْهَزَمَتْ كِنْدَةُ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَأَسَرَ بَنُو أَسَدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ حُجْرٍ وَغَنِمُوا حَتَّى مَلَأُوا أَيْدِيَهُمْ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَأَخَذُوا جَوَارِيَهُ وَنِسَاءَهُ وَمَا مَعَهُمْ فَاقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ حُجْرًا أَخَذَ أَمِيرًا فِي الْمَعْرَكَةِ وَجَعَلَ فِي قُبَّةٍ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ ابْنُ أُخْتِ عِلْبَاءَ فَضَرَبَهُ بِحَدِيدَةٍ كَانَتْ مَعَهُ لِأَنَّ حُجْرًا كَانَ قَتَلَ أَبَاهُ، فَلَمَّا جَرَحَهُ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ، فَأَوْصَى حُجْرٌ وَدَفَعَ كِتَابَهُ إِلَى رَجُلٍ وَقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى ابْنِي نَافِعٍ، وَكَانَ أَكْبَرَ أَوْلَادِهِ، فَإِنْ بَكَى وَجَزِعَ فَاتْرُكْهُ وَاسْتَقْرِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى تَأْتِيَ امْرَأَ الْقَيْسِ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ، فَأَيُّهُمْ لَمْ يَجْزَعْ فَادْفَعْ إِلَيْهِ خَيْلِي وَسِلَاحِي وَوَصِيَّتِي. وَقَدْ كَانَ بَيْنَ وَصِيَّتِهِ مِنْ قَتْلِهِ وَكَيْفَ كَانَ خَبَرُهُ. فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ بِوَصِيَّتِهِ إِلَى ابْنِهِ نَافِعٍ فَوَضَعَ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ أَتَاهُمْ كُلَّهُمْ، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ حَتَّى أَتَى امْرَأَ الْقَيْسِ فَوَجَدَهُ مَعَ نَدِيمٍ لَهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَلْعَبُ مَعَهُ بِالنَّرْدِ، فَقَالَ: قُتِلَ حُجْرٌ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ، وَأَمْسَكَ نَدِيمُهُ، فَقَالَ لَهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ: اضْرِبْ، فَضَرَبَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُفْسِدَ دُسْتَكَ، ثُمَّ سَأَلَ الرَّسُولَ عَنْ أَمْرِ أَبِيهِ كُلِّهِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: الْخَمْرُ وَالنِّسَاءُ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى أَقْتُلَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ مِائَةً وَأُطْلِقُ مِائَةً. وَكَانَ حُجْرٌ قَدْ طَرَدَ امْرَأَ الْقَيْسِ لِقَوْلِهِ الشِّعْرَ، وَكَانَ يَأْنَفُ مِنْهُ، وَكَانَتْ أُمُّ امْرِئِ الْقَيْسِ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ أُخْتَ كُلَيْبِ بْنِ وَائِلٍ، وَكَانَ يَسِيرُ فِي أَحْيَاءِ الْعَرَبِ يَشْرَبُ الْخَمْرَ عَلَى الْغُدْرَانِ وَيَتَصَيَّدُ، فَأَتَاهُ خَبَرُ قَتْلِ أَبِيهِ وَهُوَ بِدَمُّونَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْخَبَرَ قَالَ: تَطَاوَلَ اللَّيْلُ عَلَيْنَا دَمُّونْ دَمُّونُ ... إِنَّا مَعْشَرٌ يَمَانُونْ إِنَّنَا لِقَوْمِنَا مُحِبُّونْ ثُمَّ قَالَ ضَيَّعَنِي صَغِيرًا وَحَمَّلَنِي دَمَهُ كَبِيرًا، لَا صَحْوَ الْيَوْمَ وَلَا سُكْرَ غَدًا، " الْيَوْمَ خَمْرٌ وَغَدًا أَمْرٌ ". فَذَهَبَتْ مَثَلًا.
ثُمَّ ارْتَحَلَ حَتَّى نَزَلَ بِبَكْرٍ وَتَغْلِبَ، فَسَأَلَهُمُ النَّصْرَ عَلَى بَنِي أَسَدٍ، فَأَجَابُوهُ. فَبَعَثَ الْعُيُونَ إِلَى بَنِي أَسَدٍ، فَنُذِرُوا بِهِ، فَلَجَأُوا إِلَى بَنِي كِنَانَةَ، وَعُيُونُ امْرِئِ الْقَيْسِ مَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ عِلْبَاءُ بْنُ الْحَارِثِ: اعْلَمُوا أَنَّ عُيُونَ امْرِئِ الْقَيْسِ قَدْ عَادُوا إِلَيْهِ بِخَبَرِكُمْ وَأَنَّكُمْ عِنْدَ بَنِي كِنَانَةَ، فَارْحَلُوا بِلَيْلٍ وَلَا تُعْلِمُوا بَنِي كِنَانَةَ. فَارْتَحَلُوا. وَأَقْبَلَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ بَكْرٍ وَتَغْلِبَ وَغَيْرِهِمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَنِي كِنَانَةَ، وَهُوَ يَظُنُّهُمْ بَنِي أَسَدٍ فَوَضَعَ السِّلَاحَ فِيهِمْ وَقَالَ: يَا لِثَارَاتِ الْهُمَامِ! فَقِيلَ لَهُ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ! لَسْنَا لَكَ بِثَأْرٍ، نَحْنُ بَنُو كِنَانَةَ فَدُونَكَ ثَأْرَكَ فَاطْلُبْهُمْ فَإِنَّ الْقَوْمَ قَدْ سَارُوا بِالْأَمْسِ. فَتَبِعَ بَنِي أَسَدٍ، فَفَاتُوهُ لَيْلَتَهُمْ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ: أَلَا يَا لَهْفَ هِنْدٍ إِثْرَ قَوْمٍ ... هُمُ كَانُوا الشِّفَاءَ فَلَمْ يُصَابُوا وَقَاهُمْ جَدُّهُمْ بِبَنِي أَبِيهِمْ ... وَبِالْأَشْقَيْنِ مَا كَانَ الْعِقَابُ وَأَفْلَتَهُنَّ عِلْبَاءُ جَرِيضًا ... وَلَوْ أَدْرَكْنَهُ صَفِرَ الْوِطَابُ يَعْنِي بِبَنِي أَبِيهِمْ كِنَانَةَ، فَإِنَّ أَسَدًا وَكِنَانَةَ ابْنَيْ خُزَيْمَةَ هُمَا أَخَوَانِ. وَقَوْلُهُ: وَلَوْ أَدْرَكْنَهُ صَفِرَ الْوِطَابُ، قِيلَ: كَانُوا قَتَلُوهُ وَاسْتَاقُوا إِبِلَهُ فَصَفِرَتْ وِطَابُهُ مِنَ اللَّبَنِ، أَيْ خَلَتْ، وَقِيلَ: كَانُوا قَتَلُوهُ فَخَلَا جِلْدُهُ، وَهُوَ وِطَابُهُ، مِنْ دَمِهِ بِقَتْلِهِ. فَسَارَ امْرُؤُ الْقَيْسِ فِي آثَارِ بَنِي أَسَدٍ فَأَدْرَكَهُمْ ظُهْرًا، وَقَدْ تَقَطَّعَتْ خَيْلُهُ وَهَلَكُوا عَطَشًا، وَبَنُو أَسَدٍ نَازِلُونَ عَلَى الْمَاءِ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى كَثُرَتِ الْقَتْلَى بَيْنَهُمْ وَهَرَبَتْ بَنُو أَسَدٍ. فَلَمَّا أَصْبَحَتْ بَكْرٌ وَتَغْلِبُ أَبَوْا أَنْ يَتْبَعُوهُمْ وَقَالُوا: قَدْ أَصَبْتَ ثَأْرَكَ. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ. فَقَالُوا: بَلَى وَلَكِنَّكَ رَجُلٌ مَشْؤُومٌ وَكَرِهُوا قَتْلَهُمْ بَنِي كِنَانَةَ فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، وَمَضَى إِلَى
أَزِدْ شَنُوءَةَ يَسْتَنْصِرُهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يَنْصُرُوهُ وَقَالُوا: إِخْوَانُنَا وَجِيرَانُنَا. فَسَارَ عَنْهُمْ وَنَزَلَ بِقَيْلٍ يُدْعَى مَرْثَدَ الْخَيْرِ بْنَ ذِي جَدَنٍ الْحِمْيَرِيَّ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ. فَاسْتَنْصَرَهُ عَلَى بَنِي أَسَدٍ، فَأَمَدَّهُ بِخَمْسِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ حِمْيَرَ، وَمَاتَ مَرْثَدٌ قَبْلَ رَحِيلِ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ يُقَالُ لَهُ قَرْمَلُ، فَزَوَّدَ امْرَأَ الْقَيْسِ ثُمَّ سَيَّرَ مَعَهُ ذَلِكَ الْجَيْشَ، وَتَبِعَهُ شُذَّاذٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَاسْتَأْجَرَ غَيْرَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى بَنِي أَسَدٍ وَظَفِرَ بِهِمْ. ثُمَّ إِنَّ الْمُنْذِرَ طَلَبَ امْرَأَ الْقَيْسِ وَلَجَّ فِي طَلَبِهِ وَوَجَّهَ الْجُيُوشَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِامْرِئِ الْقَيْسِ بِهِمْ طَاقَةٌ وَتَفَرَّقَ عَنْهُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ حِمْيَرَ وَغَيْرِهِمْ، فَنَجَا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِهِ وَنَزَلَ بِالْحَارِثِ بْنِ شِهَابٍ الْيَرْبُوعِيِّ، وَهُوَ أَبُو عُتَيْبَةَ بْنُ الْحَارِثِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُنْذِرُ يَتَوَعَّدُهُ بِالْقِتَالِ إِنْ لَمْ يُسَلِّمْهُمْ إِلَيْهِ، فَسَلَّمَهُمْ، وَنَجَا امْرُؤُ الْقَيْسِ وَمَعَهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَابْنَتُهُ هِنْدٌ ابْنَةُ امْرِئِ الْقَيْسِ وَأَدْرَاعُهُ وَسِلَاحُهُ وَمَالُهُ، فَخَرَجَ وَنَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ الضَّبَابِ الْإِيَادِيِّ سَيِّدِ قَوْمِهِ، فَأَجَارَهُ، وَمَدَحَهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ عَنْهُ وَنَزَلَ عَلَى الْمُعَلَّى بْنِ تَيْمٍ الطَّائِيِّ فَأَقَامَ عِنْدَهُ وَاتَّخَذَ إِبِلًا هُنَاكَ، فَعَدَا قَوْمٌ مِنْ جَدِيلَةَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو زَيْدٍ عَلَيْهَا فَأَخَذُوهَا، فَأَعْطَاهُ بَنُو نَبْهَانَ مِعْزَى يَحْلِبُهَا فَقَالَ: إِذَا مَا لَمْ يَكُنْ إِبِلٌ فَمِعْزَى ... كَأَنَّ قُرُونَ جِلَّتِهَا الْعِصِيُّ الْأَبْيَاتَ. ثُمَّ رَحَلَ عَنْهُمْ وَنَزَلَ بِعَامِرِ بْنِ جُوَيْنٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَغْلِبَ امْرَأَ الْقَيْسِ عَلَى مَالِهِ وَأَهْلِهِ، فَعَلِمَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بِذَلِكَ فَانْتَقَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي ثُعْلٍ يُقَالُ لَهُ حَارِثَةُ بْنُ مُرٍّ فَاسْتَجَارَهُ، فَأَجَارَهُ. فَوَقَعَتْ بَيْنَ عَامِرِ بْنِ جُوَيْنٍ وَالثُّعْلِيِّ حَرْبٌ، وَكَانَتْ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ، فَلَمَّا رَأَى امْرُؤُ الْقَيْسِ أَنَّ الْحَرْبَ قَدْ وَقَعَتْ بَيْنَ طَيِّءٍ بِسَبَبِهِ، خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ فَقَصَدَ السَّمَوْأَلَ بْنَ عَادِيَاءَ
الْيَهُودِيَّ، فَأَكْرَمَهُ وَأَنْزَلَهُ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيِّ لِيُوصِلَهُ إِلَى قَيْصَرَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَى الْحَارِثِ وَأَوْدَعَ أَهْلَهُ وَأَدْرَاعَهُ عِنْدَ السَّمَوْأَلِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَيْصَرَ أَكْرَمَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ بَنِي أَسَدٍ فَأَرْسَلُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ الطِّمَّاحُ، كَانَ امْرُؤُ الْقَيْسِ قَتَلَ أَخًا لَهُ، فَوَصَلَ الْأَسَدِيُّ، وَقَدْ سَيَّرَ قَيْصَرُ مَعَ امْرِئِ الْقَيْسِ جَيْشًا كَثِيفًا فِيهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ. فَلَمَّا سَارَ امْرُؤُ الْقَيْسِ، قَالَ الطِّمَّاحُ لِقَيْصَرَ: إِنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ غَوِيٌّ عَاهِرٌ، وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُرَاسِلُ ابْنَتَكَ وَيُوَاصِلُهَا، وَقَالَ فِيهَا أَشْعَارًا أَشْهَرَهَا فِي الْعَرَبِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ قَيْصَرُ بِحُلَّةِ وَشْيٍ مَنْسُوجَةٍ بِالذَّهَبِ، مَسْمُومَةٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ بِحُلَّتِي الَّتِي كُنْتُ أَلْبَسُهَا تَكْرِمَةً لَكَ، فَالْبَسْهَا وَاكْتُبْ إِلَيَّ بِخَبَرِكَ مِنْ مَنْزِلٍ مَنْزِلٍ. فَلَبِسَهَا امْرُؤُ الْقَيْسِ وَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَسْرَعَ فِيهِ السُّمُّ وَسَقَطَ جِلْدُهُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذَا الْقُرُوحِ، فَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ فِي ذَلِكَ: لَقَدْ طَمِحَ الطِّمَّاحُ مِنْ نَحْوِ أَرْضِهِ ... لِيُلْبِسَنِي مِمَّا يُلَبِّسُ أَبْؤُسَا فَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ سَوِيَّةً ... وَلَكِنَّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسَا فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ يُقَالُ لَهُ أَنْقِرَةُ احْتُضِرَ بِهَا، فَقَالَ: رُبَّ خُطْبَةٍ مُسْحَنْفِرَهْ ، وَطَعْنَةٍ مُثْعَنْجِرَهْ ، وَجَفْنَةٍ مُتَحَيِّرَهْ ، حَلَّتْ بِأَرْضِ أَنْقِرَهْ. وَرَأَى قَبْرَ امْرَأَةٍ مِنْ بَنَاتِ مُلُوكِ الرُّومِ وَقَدْ دُفِنَتْ بِجَنْبِ عَسِيبٍ، وَهُوَ جَبَلٌ، فَقَالَ: أَجَارَتَنَا إِنَّ الْخُطُوبَ تَنُوبُ ... وَإِنِّي مُقِيمٌ مَا أَقَامَ عَسِيبُ
يوم خزاز
أَجَارَتَنَا إِنَّا غَرِيبَانِ هَاهُنَا ... وَكُلُّ غَرِيبٍ لِلْغَرِيبِ نَسِيبُ ثُمَّ مَاتَ فَدُفِنَ إِلَى جَنْبِ الْمَرْأَةِ، فَقَبْرُهُ هُنَاكَ. وَلَمَّا مَاتَ امْرُؤُ الْقَيْسِ سَارَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيُّ إِلَى السَّمَوْأَلِ بْنِ عَادِيَاءَ وَطَالَبَهُ بِأَدْرَاعِ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَكَانَتْ مِائَةَ دِرْعٍ، وَبِمَا لَهُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُعْطِهِ، فَأَخَذَ الْحَارِثُ ابْنًا لِلسَّمَوْأَلِ، فَقَالَ: إِمَّا أَنْ تُسْلِمَ الْأَدْرَاعَ وَإِمَّا قَتَلْتُ ابْنَكَ. فَأَبَى السَّمَوْأَلُ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ شَيْئًا، فَقَتَلَ ابْنَهُ، فَقَالَ السَّمَوْأَلُ فِي ذَلِكَ: وَفَيْتُ بِأَدْرُعِ الْكِنْدِيِّ ... إِنِّي إِذَا مَا ذُمَّ أَقْوَامٌ وَفَيْتُ وَأَوْصَى عَادِيًّا يَوْمًا بِأَنْ ... لَا تُهَدِّمَ يَا سَمَوْأَلُ مَا بَنَيْتُ بَنَى لِي عَادِيًا حِصْنًا حَصِينًا ... وَمَاءً كُلَّمَا شِئْتُ اسْتَقَيْتُ وَقَدْ ذَكَرَ الْأَعْشَى هَذِهِ الْحَادِثَةَ، فَقَالَ: كُنْ كَالسَّمَوْأَلِ إِذْ طَافَ الْهُمَامُ بِهِ ... فِي جَحْفَلٍ كَسَوَادِ اللَّيْلِ جَرَّارِ إِذْ سَامَهُ خُطَّتَيْ خَسْفٍ فَقَالَ ... لَهُ قُلْ مَا تَشَاءُ فَإِنِّي سَامِعٌ حَارِ فَقَالَ: غَدْرٌ وَثُكْلٌ أَنْتَ بَيْنَهُمَا ... فَاخْتَرْ فَمَا فِيهِمَا حَظٌّ لِمُخْتَارِ فَشَكَّ غَيْرَ طَوِيلٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ: اقْتُلْ أَسِيرَكَ إِنِّي مَانِعٌ جَارِي وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا. [يَوْمُ خَزَازٍ]
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ كَانَ فِي يَدَيْهِ أُسَارَى مِنْ مُضَرَ وَرَبِيعَةَ وَقُضَاعَةَ، فَوَفَدَ عَلَيْهِ وَفْدٌ مِنْ وُجُوهِ بَنِي مَعَدٍّ، مِنْهُمْ: سَدُوسُ بْنُ شَيْبَانَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَعَوْفُ بْنُ مُحَلَّمِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ، وَعَوْفُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جُشَمَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ بْنِ عَامِرٍ الضِّحْيَانِ، وَجُشَمُ بْنُ ذُهْلِ بْنِ هِلَالِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَامِرٍ الضِّحْيَانِ، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنْ بَهْرَاءَ يُقَالُ لَهُ عُبَيْدُ بْنُ قُرَادٍ، وَكَانَ فِي الْأُسَارَى، وَكَانَ شَاعِرًا، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُدْخِلُوهُ فِي عِدَّةِ مَنْ يَسْأَلُونَ فِيهِ، فَكَلَّمُوا الْمَلِكَ فِيهِ وَفِي الْأُسَارَى، فَوَهَبَهُمْ لَهُمْ، فَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ قُرَادٍ الْبَهْرَاوِيُّ: نَفْسِي الْفِدَاءُ لِعَوْفِ الْفِعَالِ ... وَعَوْفِ وَلِابْنِ هِلَالٍ جُشَمْ تَدَارَكَنِي بَعْدَمَا قَدْ هَوَيْ ... تُ مُسْتَمْسِكًا بِعَرَاقَيِ الْوَذَمْ وَلَوْلَا سَدُوسٌ وَقَدْ شَمَّرَتْ ... بِيَ الْحَرْبُ زَلَّتْ بِنَعْلِيَ الْقَدَمْ وَنَادَيْتُ بَهْرَاءَ كَيْ يَسْمَعُوا ... وَلَيْسَ بِآذَانِهِمْ مِنْ صَمَمْ وَمِنْ قَبْلِهَا عَصَمَتْ قَاسِطٌ ... مَعَدًّا إِذَا مَا عَزِيزٌ أَزَمْ فَاحْتَبَسَ الْمَلِكُ عِنْدَهُ بَعْضَ الْوَفْدِ رَهِينَةً وَقَالَ لِلْبَاقِينَ: إِيتُونِي بِرُؤَسَاءِ قَوْمِكُمْ لِآخُذَ عَلَيْهِمُ الْمَوَاثِيقَ بِالطَّاعَةِ لِي وَإِلَّا قَتَلْتُ أَصْحَابَكُمْ. فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَأَخْبَرُوهُمُ الْخَبَرَ، فَبَعَثَ كُلَيْبُ وَائِلٍ إِلَى رَبِيعَةَ فَجَمَعَهُمْ، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مَعَدٌّ، وَهُوَ أَحَدُ النَّفَرِ الَّذِينَ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ مَعَدٌّ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي مَقْتَلِ كُلَيْبٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ سَارَ بِهِمْ وَجَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ السَّفَّاحَ التَّغْلِبِيَّ، وَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ خَالِدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ تَيْمِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ
مَالِكِ بْنِ بَكْرِ بْنِ حُبَيْبِ بْنِ تَغْلِبَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُوقِدُوا عَلَى خَزَازٍ نَارًا لِيَهْتَدُوا بِهَا، وَخَزَازٌ جَبَلٌ بِطَخْفَةَ مَا بَيْنَ الْبَصْرَةِ إِلَى مَكَّةَ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ سَالِعٍ، وَهُوَ جَبَلٌ أَيْضًا، وَقَالَ لَهُ: إِنْ غَشِيَتْكَ الْعَدُوُّ فَأَوْقِدْ نَارَيْنِ. فَبَلَغَ مَذْحِجًا اجْتِمَاعُ رَبِيعَةَ وَمَسِيرُهَا فَأَقْبَلُوا بِجُمُوعِهِمْ، وَاسْتَنْفَرُوا مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ وَسَارُوا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ تِهَامَةَ بِمَسِيرِ مَذْحِجٍ انْضَمُّوا إِلَى رَبِيعَةَ، وَوَصَلَتْ مَذْحِجٌ إِلَى خَزَازٍ لَيْلًا، فَرَفَعَ السَّفَّاحُ نَارَيْنِ. فَلَمَّا رَأَى كُلَيْبٌ النَّارَيْنِ أَقْبَلَ إِلَيْهِمْ بِالْجُمُوعِ فَصَحِبَهُمْ، فَالْتَقَوْا بِخَزَازٍ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا أَكْثَرُوا فِيهِ الْقَتْلَ، فَانْهَزَمَتْ مَذْحِجٌ وَانْفَضَّتْ جُمُوعُهَا، فَقَالَ السَّفَّاحُ فِي ذَلِكَ: وَلَيْلَةَ بِتُّ أُوقِدُ فِي خَزَازٍ ... هَدَيْتُ كَتَائِبًا مُتَحَيِّرَاتِ ضَلَلْنَ مِنَ السُّهَادِ وَكُنَّ لَوْلَا ... سُهَادُ الْقَوْمِ أَحْسَبُ هَادِيَاتِ وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ يُخَاطِبُ جَرِيرًا وَيَهْجُوهُ: لَوْلَا فَوَارِسُ تَغْلِبَ ابْنَةِ وَائِلٍ ... دَخَلَ الْعَدُوُّ عَلَيْكَ كُلَّ مَكَانِ ضَرَبُوا الصَّنَائِعَ وَالْمُلُوكَ ... وَأَوْقَدُوا نَارَيْنِ أَشْرَفَتَا عَلَى النِّيرَانِ وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ مَنْ كَانَ الرَّئِيسَ يَوْمَ خَزَازٍ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ كُلْثُومٍ، وَهُوَ ابْنُ ابْنَةِ كُلَيْبٍ، يَقُولُ: وَنَحْنُ غَدَاةَ أُوقِدَ فِي خَزَازٍ ... رَفَدْنَا فَوْقَ رِفْدِ الرَّافِدِينَا فَلَوْ كَانَ جَدُّهُ الرَّئِيسَ لَذَكَرَهُ وَلَمْ يَفْتَخِرْ بِأَنَّهُ رِفْدٌ، ثُمَّ جَعَلَ مَنْ شَهِدَ خَزَازًا مُتَسَانِدِينَ فَقَالَ: فَكُنَّا الْأَيْمَنَيْنِ إِذَا الْتَقَيْنَا ... وَكَانَ الْأَيْسَرَيْنِ بَنُو أَبِينَا فَصَالُوا صَوْلَةً فِيمَنْ يَلِيهِمْ ... وَصُلْنَا صَوْلَةً فِيمَنْ يَلِينَا
ذكر مقتل كليب والأيام بين بكر وتغلب
فَقَالَ لَهُ: اسْتَأْثَرْتَ عَلَى إِخْوَتِكَ، يَعْنِي مُضَرَ، وَلَمَّا ذَكَرَ جَدَّهُ فِي الْقَصِيدَةِ قَالَ: وَمِنَّا قَبْلَهُ السَّاعِي كُلَيْبٌ ... فَأَيُّ الْمَجْدِ إِلَّا قَدْ وَلِينَا فَلَمْ يَدَّعِ لَهُ الرِّيَاسَةَ يَوْمَ خَزَازٍ، وَهِيَ أَشْرَفُ مَا كَانَ يَفْتَخِرُ لَهُ بِهِ. حُبَيْبٌ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ أُخْرَى مُوَحَّدَةٌ. [ذِكْرُ مَقْتَلِ كُلَيْبٍ وَالْأَيَّامِ بَيْنَ بَكْرٍ وَتَغْلِبَ] وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ الْحَرْبِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ بَكْرٍ وَتَغْلِبَ ابْنَيْ وَائِلِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفْصَى بْنِ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ بِسَبَبِ قَتْلِ كُلَيْبٍ، وَاسْمُهُ وَائِلُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ جُشَمَ بْنِ بَكْرِ بْنِ حُبَيْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ تَغْلِبَ، وَإِنَّمَا لُقِّبَ كُلَيْبًا لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا سَارَ أَخَذَ مَعَهُ جَرْوَ كَلْبٍ، فَإِذَا مَرَّ بِرَوْضَةٍ أَوْ مَوْضِعٍ يُعْجِبُهُ ضَرَبَهُ، ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَهُوَ يَصِيحُ وَيَعْوِي، فَلَا يَسْمَعُ عُوَاءَهُ أَحَدٌ إِلَّا تَجَنَّبَهُ وَلَمْ يَقْرَبْهُ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ كُلَيْبُ وَائِلٍ، ثُمَّ اخْتَصَرُوا فَقَالُوا كُلَيْبٌ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ. وَكَانَ لِوَاءُ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ لِلْأَكْبَرِ فَالْأَكْبَرِ مِنْ وَلَدِهِ، فَكَانَ اللِّوَاءُ فِي عَنَزَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَتْ سُنَّتَهُمْ أَنَّهُمْ يُصَفِّرُونَ لِحَاهُمْ وَيَقُصُّونَ شَوَارِبَهُمْ، فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ رَبِيعَةَ إِلَّا مَنْ يُخَالِفُهُمْ وَيُرِيدُ حَرْبَهُمْ. ثُمَّ تَحَوَّلَ اللِّوَاءُ فِي عَبْدِ قَيْسِ بْنِ أَفْصَى بْنِ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ إِذَا شُتِمُوا لَطَمُوا مَنْ شَتَمَهُمْ، وَإِذَا لُطِمُوا قَتَلُوا مَنْ لَطَمَهُمْ. ثُمَّ تَحَوَّلَ اللِّوَاءُ فِي النَّمِرِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ هِنْبٍ، وَكَانَ لَهُمْ غَيْرُ سُنَّةِ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ. ثُمَّ تَحَوَّلَ اللِّوَاءُ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَسَاءُوا غَيْرَهُمْ فِي فَرْخِ طَائِرٍ، وَكَانُوا يُوثِقُونَ
الْفَرْخَ بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَإِذَا عُلِمَ بِمَكَانِهِ لَمْ يَسْلُكْ أَحَدٌ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، وَيَسْلُكُ مَنْ يُرِيدُ الذَّهَابَ وَالْمَجِيءَ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ. ثُمَّ تَحَوَّلَ اللِّوَاءُ إِلَى تَغْلِبَ، فَوَلِيَهُ وَائِلُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَرْوِ الْكَلْبِ. وَلَمْ تَجْتَمِعْ مَعَدٌّ إِلَّا عَلَى ثَلَاثَةِ نَفَرٍ، وَهُمْ: عَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ بَكْرِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ عَدْوَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ، وَهُوَ النَّاسُ بْنُ مُضَرَ - بِالنُّونِ - وَهُوَ أَخُو إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَكَانَ قَائِدَ مَعَدٍّ حِينَ تَمَذْحَجَتْ مَذْحِجٌ وَسَارَتْ إِلَى تِهَامَةَ، وَهِيَ أَوَّلُ وَقْعَةٍ كَانَتْ بَيْنَ تِهَامَةَ وَالْيَمَنِ. وَالثَّانِي: رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ جُشَمَ بْنِ بَكْرِ بْنِ حُبَيْبِ بْنِ كَلْبٍ، وَكَانَ قَائِدَ مَعَدٍّ يَوْمَ السُّلَّانِ بَيْنَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَالْيَمَنِ. وَالثَّالِثُ: وَائِلُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكَانَ قَائِدَ مَعَدٍّ يَوْمَ خَزَازٍ، فَفَضَّ جُمُوعَ الْيَمَنِ فَهَزَمَهُمْ، وَجَعَلَتْ لَهُ مَعَدٌّ قَسَمَ الْمُلْكِ وَتَاجَهُ وَطَاعَتَهُ، وَبَقِيَ زَمَانًا مِنَ الدَّهْرِ، ثُمَّ دَخَلَهُ زَهْوٌ شَدِيدٌ، وَبَغَى عَلَى قَوْمِهِ حَتَّى بَلَغَ مِنْ بَغْيِهِ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِي مَوَاقِعَ السَّحَابِ فَلَا يُرْعَى حِمَاهُ، وَكَانَ يَقُولُ: وَحْشُ أَرْضِ كَذَا فِي جِوَارِي، فَلَا يُصَادُ، وَلَا يُورِدُ أَحَدٌ مَعَ إِبِلِهِ وَلَا يُوقِدُ نَارًا مَعَ نَارِهِ، وَلَا يَمُرُّ أَحَدٌ بَيْنَ بُيُوتِهِ وَلَا يُحْتَبَى فِي مَجْلِسِهِ. وَكَانَتْ بَنُو جُشَمَ وَبَنُو شَيْبَانَ أَخْلَاطًا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ إِرَادَةَ الْجَمَاعَةِ وَمَخَافَةَ الْفُرْقَةِ، وَتَزَوَّجَ كُلَيْبٌ جَلِيلَةَ بِنْتَ مُرَّةَ بْنِ شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَهِيَ أُخْتُ جَسَّاسِ بْنِ مُرَّةَ، وَحَمَى كُلَيْبٌ أَرْضًا مِنَ الْعَالِيَةِ فِي أَوَّلِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ لَا يَقْرَبُهَا إِلَّا مُحَارِبٌ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ سَعْدُ بْنُ شُمَيْسِ بْنِ طَوْقٍ الْجَرْمِيُّ نَزَلَ بِالْبَسُوسِ بِنْتِ مُنْقِذٍ التَّمِيمِيَّةِ خَالَةِ جَسَّاسِ بْنِ مُرَّةَ. وَكَانَ لِلْجَرْمِيِّ نَاقَةٌ اسْمُهَا سَرَابُ تَرْعَى مَعَ نُوقِ جَسَّاسٍ، وَهِيَ الَّتِي ضَرَبَتِ الْعَرَبُ بِهَا الْمَثَلَ فَقَالُوا: " أَشْأَمُ مِنْ سَرَابٍ "، " وَأَشْأَمُ مِنَ
الْبَسُوسِ ". فَخَرَجَ كُلَيْبٌ يَوْمًا يَتَعَهَّدُ الْإِبِلَ وَمَرَاعِيَهَا فَأَتَاهَا وَتَرَدَّدَ فِيهَا، وَكَانَتْ إِبِلُهُ وَإِبِلُ جَسَّاسٍ مُخْتَلِطَةً، فَنَظَرَ كُلَيْبٌ إِلَى سَرَابٍ فَأَنْكَرَهَا، فَقَالَ لَهُ جَسَّاسٌ، وَهُوَ مَعَهُ: هَذِهِ نَاقَةُ جَارِنَا الْجَرْمِيِّ. فَقَالَ: لَا تَعُدْ هَذِهِ النَّاقَةُ إِلَى هَذَا الْحِمَى. فَقَالَ جَسَّاسٌ: لَا تَرْعَى إِبِلِي مَرْعًى إِلَّا وَهَذِهِ مَعَهَا، فَقَالَ كُلَيْبٌ: لَئِنْ عَادَتْ لَأَضَعَنَّ سَهْمِي فِي ضَرْعِهَا، فَقَالَ جَسَّاسٌ: لَئِنْ وَضَعْتَ سَهْمَكَ فِي ضَرْعِهَا لَأَضَعَنَّ سِنَانَ رُمْحِي فِي لَبَّتِكَ! ثُمَّ تَفَرَّقَا، وَقَالَ كُلَيْبٌ لِامْرَأَتِهِ: أَتَرَيْنَ أَنَّ فِي الْعَرَبِ رَجُلًا مَانِعًا مِنِّي جَارَهُ؟ قَالَتْ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا جَسَّاسًا، فَحَدَّثَهَا الْحَدِيثَ. وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الْحِمَى مَنَعَتْهُ وَنَاشَدَتْهُ اللَّهَ أَنْ لَا يَقْطَعَ رَحِمَهُ، وَكَانَتْ تَنْهَى أَخَاهَا جَسَّاسًا أَنْ يُسَرِّحَ إِبِلَهُ. ثُمَّ إِنَّ كُلَيْبًا خَرَجَ إِلَى الْحِمَى، وَجَعَلَ يَتَصَفَّحُ الْإِبِلَ، فَرَأَى نَاقَةَ الْجَرْمِيِّ فَرَمَى ضَرْعَهَا فَأَنْفَذَهُ، فَوَلَّتْ وَلَهَا عَجِيجٌ حَتَّى بَرَكَتْ بِفَنَاءِ صَاحِبِهَا. فَلَمَّا رَأَى مَا بِهَا صَرَخَ بِالذُّلِّ، وَسَمِعَتِ الْبَسُوسُ صُرَاخَ جَارِهَا، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ فَلَمَّا رَأَتْ مَا بِنَاقَتِهِ وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى رَأْسِهَا ثُمَّ صَاحَتْ: وَاذُلَّاهُ! وَجَسَّاسٌ يَرَاهَا وَيَسْمَعُ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا فَقَالَ لَهَا: اسْكُتِي وَلَا تُرَاعِي، وَسَكَّنَ الْجَرْمِيَّ، وَقَالَ لَهُمَا: إِنِّي سَأَقْتُلُ جَمَلًا أَعْظَمَ مِنْ هَذِهِ النَّاقَةِ، سَأَقْتُلُ غِلَالًا، وَكَانَ غِلَالٌ فَحْلُ إِبِلِ كُلَيْبٍ لَمْ يُرَ فِي زَمَانِهِ مِثْلَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ جَسَّاسٌ بِمَقَالَتِهِ كُلَيْبًا. وَكَانَ لِكُلَيْبٍ عَيْنٌ يَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، فَأَعَادَ الْكَلَامَ عَلَى كُلَيْبٍ، فَقَالَ: لَقَدِ اقْتَصَرَ مِنْ يَمِينِهِ عَلَى غِلَالٍ. وَلَمْ يَزَلْ جَسَّاسٌ يَطْلُبُ غِرَّةَ كُلَيْبٍ، فَخَرَجَ كُلَيْبٌ يَوْمًا آمِنًا، فَلَمَّا بَعُدَ عَنِ الْبُيُوتِ رَكِبَ جَسَّاسٌ فَرَسَهُ وَأَخَذَ رُمْحَهُ وَأَدْرَكَ كُلَيْبًا، فَوَقَفَ كُلَيْبٌ. فَقَالَ لَهُ جَسَّاسٌ: يَا كُلَيْبُ الرُّمْحُ وَرَاءَكَ! فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأَقْبِلْ إِلَيَّ مِنْ أَمَامِي، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَطَعَنَهُ فَأَرْدَاهُ عَنْ فَرَسِهِ، فَقَالَ: يَا جَسَّاسُ أَغِثْنِي بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَلَمْ يَأْتِهِ بِشَيْءٍ، وَقَضَى كُلَيْبٌ نَحْبَهُ. فَأَمَرَ جَسَّاسٌ رَجُلًا كَانَ مَعَهُ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ فَجَعَلَ عَلَيْهِ أَحْجَارًا لِئَلَّا تَأْكُلَهُ السِّبَاعُ. وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ مُهَلْهِلُ بْنُ رَبِيعَةَ، أَخُو كُلَيْبٍ: قَتِيلٌ مَا قَتِيلُ الْمَرْءِ عَمْرٌو ... وَجَسَّاسُ بْنُ مُرَّةَ ذِي صَرِيمِ أَصَابَ فُؤَادَهُ بِأَصَمَّ لَدْنٍ ... فَلَمْ يَعْطِفْ هُنَاكَ عَلَى حَمِيمِ
فَإِنَّ غَدًا وَبَعْدَ غَدٍ لَرَهْنٌ ... لِأَمْرٍ مَا يُقَامُ لَهُ عَظِيمِ جَسِيمًا مَا بَكَيْتُ بِهِ كُلَيْبًا ... إِذَا ذُكِرَ الْفِعَالُ مِنَ الْجَسِيمِ سَأَشْرَبُ كَأْسَهَا صِرْفًا ... وَأَسْقِي بِكَأْسٍ غَيْرِ مِنْطَقَةٍ مُلِيمِ وَلَمَّا قَتَلَ جَسَّاسٌ كُلَيْبًا انْصَرَفَ عَلَى فَرَسِهِ يُرْكِضُهُ وَقَدْ بَدَتْ رُكْبَتَاهُ، فَلَمَّا نَظَرَ أَبُوهُ مَرَّةً إِلَى ذَلِكَ قَالَ: لَقَدْ أَتَاكُمْ جَسَّاسٌ بِدَاهِيَةٍ، مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ بَادِيَ الرُّكْبَتَيْنِ إِلَى الْيَوْمِ! فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى أَبِيهِ قَالَ: مَا لَكَ يَا جَسَّاسُ؟ قَالَ: طَعَنْتُ طَعْنَةً يَجْتَمِعُ بَنُو وَائِلٍ غَدًا لَهَا رَقْصًا. قَالَ: وَمَنْ طَعَنْتَ؟ لِأُمِّكِ الثُّكْلُ! قَالَ: قَتَلْتُ كُلَيْبًا. قَالَ: أَفَعَلْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِئْسَ وَاللَّهِ مَا جِئْتَ بِهِ قَوْمَكَ! فَقَالَ جَسَّاسٌ: تَأَهَّبْ عَنْكَ أُهْبَةَ ذِي امْتِنَاعٍ ... فَإِنَّ الْأَمْرَ جَلَّ عَنِ التَّلَاحِي فَإِنِّي قَدْ جَنَيْتُ عَلَيْكَ حَرْبًا ... تُغِصُّ الشَّيْخَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ فَلَمَّا سَمِعَ أَبُوهُ قَوْلَهُ خَافَ خِذْلَانَ قَوْمِهِ لِمَا كَانَ مِنْ لَائِمَتِهِ إِيَّاهُ، فَقَالَ يُجِيبُهُ: فَإِنْ تَكُ قَدْ جَنَيْتَ عَلَيَّ حَرْبًا ... تُغِصُّ الشَّيْخَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ جَمَعَتْ بِهَا يَدَيْكَ عَلَى كُلَيْبٍ ... فَلَا وَكْلٌ وَلَا رَثُّ السِّلَاحِ سَأَلْبَسُ ثَوْبَهَا وَأَذُودُ عَنِّي ... بِهَا عَارَ الْمَذَلَّةِ وَالْفَضَاحِ ثُمَّ إِنَّ مُرَّةَ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى نُصْرَتِهِ، فَأَجَابُوهُ وَجَلُوا الْأَسِنَّةَ وَشَحَذُوا السُّيُوفَ وَقَوَّمُوا الرِّمَاحَ وَتَهَيَّأُوا لِلرِّحْلَةِ إِلَى جَمَاعَةِ قَوْمِهِمْ. وَكَانَ هَمَّامُ بْنُ مُرَّةَ أَخُو جَسَّاسٍ، وَمُهَلْهِلٌ أَخُو كُلَيْبٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَشْرَبَانِ، فَبَعَثَ جَسَّاسٌ إِلَى هَمَّامٍ جَارِيَةً لَهُمْ تُخْبِرُهُ الْخَبَرَ، فَانْتَهَتْ إِلَيْهِمَا وَأَشَارَتْ إِلَى هَمَّامٍ، فَقَامَ إِلَيْهَا، فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ لَهُ مُهَلْهِلٌ: مَا قَالَتْ لَكَ الْجَارِيَةُ؟ وَكَانَ بَيْنَهُمَا عَهْدٌ أَلَّا يَكْتُمَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ شَيْئًا، فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَتِ الْجَارِيَةُ، وَأَحَبَّ أَنْ يُعْلِمَهُ ذَلِكَ فِي مُدَاعَبَةٍ وَهَزْلٍ، فَقَالَ لَهُ مُهَلْهِلٌ: اسْتُ أَخِيكَ أَضْيَقُ مِنْ ذَلِكَ! فَأَقْبَلَا عَلَى شُرْبِهِمَا، فَقَالَ لَهُ مُهَلْهِلٌ: اشْرَبْ،
فَالْيَوْمَ خَمْرٌ وَغَدًا أَمْرٌ. فَشَرِبَ هَمَّامٌ وَهُوَ حَذِرٌ خَائِفٌ، فَلَمَّا سَكِرَ مُهَلْهِلٌ عَادَ هَمَّامٌ إِلَى أَهْلِهِ، فَسَارُوا مِنْ سَاعَتِهِمْ إِلَى جَمَاعَةِ قَوْمِهِمْ، وَظَهَرَ أَمْرُ كُلَيْبٍ، فَذَهَبُوا إِلَيْهِ فَدَفَنُوهُ، فَلَمَّا دُفِنَ شُقَّتِ الْجُيُوبُ وَخُمِشَتِ الْوُجُوهُ وَخَرَجَ الْأَبْكَارُ وَذَوَاتُ الْخُدُودِ الْعَوَائِقُ إِلَيْهِ وَقُمْنَ لِلْمَأْتَمِ، فَقَالَ النِّسَاءُ لِأُخْتِ كُلَيْبٍ: أَخْرِجِي جَلِيلَةَ أُخْتَ جَسَّاسٍ عَنَّا، فَإِنَّ قِيَامَهَا فِيهِ شَمَاتَةٌ وَعَارٌ عَلَيْنَا، وَكَانَتِ امْرَأَةَ كُلَيْبٍ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَقَالَتْ لَهَا أُخْتُ كُلَيْبٍ: اخْرُجِي عَنْ مَأْتَمِنَا، فَأَنْتِ أُخْتُ قَاتِلِنَا، وَشَقِيقَةُ وَاتِرِنَا، فَخَرَجَتْ تَجُرُّ عِطَافَهَا، فَلَقِيَهَا أَبُوهَا مُرَّةُ فَقَالَ لَهَا: مَا وَرَاءَكِ يَا جَلِيلَةُ؟ فَقَالَتْ: ثُكْلُ الْعَدَدِ، وَحُزْنُ الْأَبَدِ، وَفَقْدُ خَلِيلٍ، وَقَتْلُ أَخٍ عَنْ قَلِيلٍ، وَبَيْنَ هَذَيْنِ غَرْسُ الْأَحْقَادِ، وَتَفَتُّتُ الْأَكْبَادِ. فَقَالَ لَهَا: أَوَيَكُفُّ ذَلِكَ كَرَمُ الصَّفْحِ وَإِغْلَاءُ الدِّيَاتِ؟ فَقَالَتْ: أُمْنِيَةُ مَخْدُوعٍ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! أَلِبُدْنٍ تَدَعُ لَكَ تَغْلِبُ دَمَ رَبِّهَا! وَلَمَّا رَحَلَتْ جَلِيلَةُ قَالَتْ أُخْتُ كُلَيْبٍ: رِحْلَةُ الْمُعْتَدِي وَفِرَاقُ الشَّامِتِ، وَيْلٌ غَدًا لِآلِ مُرَّةَ مِنَ الْكَرَّةِ بَعْدَ الْكَرَّةِ. فَبَلَغَ قَوْلُهَا جَلِيلَةَ، فَقَالَتْ: وَكَيْفَ تَشْمَتُ الْحُرَّةُ بِهَتْكِ سِتْرِهَا وَتَرَقُّبِ وَتْرِهَا! أَسْعَدَ اللَّهُ أُخْتِي أَلَا قَالَتْ: نَفْرَةُ الْحَيَاءِ وَخَوْفُ الْأَعْدَاءِ! ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ: يَا ابْنَةَ الْأَقْوَامِ إِنْ شِئْتِ فَلَا ... تَعْجَلِي بِاللَّوْمِ حَتَّى تَسْأَلِي فَإِذَا أَنْتِ تَبَيَّنْتِ الَّذِي ... يُوجِبُ اللَّوْمَ فَلُومِي وَاعْذُلِي إِنْ تَكُنْ أُخْتُ امْرِئٍ لِيمَتْ عَلَى ... شَفَقٍ مِنْهَا عَلَيْهِ فَافْعَلِي جَلَّ عِنْدِي فِعْلُ جَسَّاسٍ فَيَا ... حَسْرَتَا عَمَّا انْجَلَى أَوْ يَنْجَلِي فِعْلُ جَسَّاسٍ عَلَى وَجْدِي بِهِ ... قَاطِعٌ ظَهْرِي وَمُدْنٍ أَجَلِي لَوْ بِعَيْنٍ فُقِئَتْ عَيْنٌ سِوَى ... أُخْتِهَا فَانْفَقَأَتْ لَمْ أَحْفِلِ
تَحْمِلُ الْعَيْنُ قَذَى الْعَيْنِ كَمَا ... تَحْمِلُ الْأُمُّ أَذَى مَا تَفْتَلِي يَا قَتِيلًا قَوَّضَ الدَّهْرُ بِهِ ... سَقْفَ بَيْتَيَّ جَمِيعًا مِنْ عَلِ هَدَمَ الْبَيْتَ الَّذِي اسْتَحْدَثْتُهُ ... وَانْثَنَى فِي هَدْمِ بَيْتِي الْأَوَّلِ وَرَمَانِي قَتْلُهُ مِنْ كَثَبٍ ... رَمْيَةَ الْمُصْمِي بِهِ الْمُسْتَأْصِلِ يَا نِسَائِي دُونَكُنَّ الْيَوْمَ قَدْ ... خَصَّنِي الدَّهْرُ بِرُزْءٍ مُعْضِلِ خَصَّنِي قَتْلُ كُلَيْبٍ بِلَظًى ... مِنْ وَرَائِي وَلَظًى مُسْتَقْبِلِ لَيْسَ مَنْ يَبْكِي لِيَوْمَيْهِ ... كَمَنْ إِنَّمَا يَبْكِي لِيَوْمٍ مُقْبِلِ يَشْتَفِي الْمُدْرِكُ بِالثَّأْرِ وَفِي ... دَرْكِيَ ثَأْرِيَ ثُكْلُ الْمُثْكِلِ لَيْتَهُ كَانَ دَمًا فَاحْتَلَبُوا ... دِرَرًا مِنْهُ دَمِي مِنْ أَكْحَلِي إِنَّنِي قَاتِلَةٌ مَقْتُولَةٌ ... وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْتَاحَ لِي وَأَمَّا مُهَلْهِلٌ، وَاسْمُهُ عَدِيٌّ، وَقِيلَ: امْرُؤُ الْقَيْسِ، وَهُوَ خَالُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرٍ الْكِنْدِيِّ وَإِنَّمَا لُقِّبَ مُهَلْهِلًا لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ هَلْهَلَ الشِّعْرَ وَقَصَّدَ الْقَصَائِدَ، وَأَوَّلُ مَنْ كَذَبَ فِي شِعْرِهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا صَحَا لَمْ يَرُعْهُ إِلَّا النِّسَاءُ يَصْرُخْنَ: أَلَا إِنَّ كُلَيْبًا قُتِلَ، فَقَالَ، وَهُوَ أَوَّلُ شِعْرٍ قِيلَ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ: كُنَّا نَغَارُ عَلَى الْعَوَاتِقِ أَنْ تُرَى ... بِالْأَمْسِ خَارِجَةً عَنِ الْأَوْطَانِ فَخَرَجْنَ حَيْثُ ثَوَى كُلَيْبٌ حُسَّرًا ... مُسْتَيْقِنَاتٍ بَعْدَهُ بِهَوَانِ فَتَرَى الْكَوَاعِبَ كَالظِّبَاءِ عَوَاطِلًا ... إِذْ حَانَ مَصْرَعُهُ مِنَ الْأَكْفَانِ يَخْمِشْنَ مِنْ أَدَمِ الْوُجُوهِ حَوَاسِرًا ... مِنْ بَعْدِهِ وَيَعِدْنَ بِالْأَزْمَانِ مُتَسَلِّبَاتٍ نَكْدَهُنَّ وَقَدْ رَوَى ... أَجْوَافَهُنَّ بِحُرْقَةٍ وَوَرَانِي وَيَقُلْنَ مَنْ لِلْمُسْتَضِيفِ إِذَا دَعَا ... أَمْ مَنْ لَخَضْبِ عَوَالِيَ الْمُرَّانِ أَمْ لِاتِّسَارٍ بِالْجَزُورِ إِذَا غَدَا ... رِيحٌ يُقَطِّعُ مَعْقِدَ الْأَشْطَانِ
أَمَّنْ لِإِسْبَاقِ الدِّيَاتِ وَجَمْعِهَا ... وَلِفَادِحَاتِ نَوَائِبِ الْحَدَثَانِ كَانَ الذَّخِيرَةَ لِلزَّمَانِ فَقَدْ أَتَى ... فُقْدَانُهُ وَأَخَلَّ رُكْنَ مَكَانِي يَا لَهْفَ نَفْسِي مِنْ زَمَانٍ فَاجِعٍ ... أَلْقَى عَلَيَّ بِكَلْكَلٍ وَجِرَانِ بِمُصِيبَةٍ لَا تُسْتَقَالُ جَلِيلَةٍ ... غَلَبَتْ عَزَاءَ الْقَوْمِ وَالنِّسْوَانِ هَدَّتْ حُصُونًا كُنَّ قَبْلُ مَلَاوِذًا ... لِذَوِي الْكُهُولِ مَعًا وَلِلشُّبَّانِ أَضْحَتْ وَأَضْحَى سُورُهَا مِنْ بَعْدِهِ ... مُتَهَدِّمَ الْأَرْكَانِ وَالْبُنْيَانِ فَابْكِينَ سَيِّدَ قَوْمِهِ وَانْدُبْنَهُ ... شُدَّتْ عَلَيْهِ قَبَاطِيَ الْأَكْفَانِ وَابْكِينَ لِلْأَيْتَامِ لَمَّا أَقْحَطُوا ... وَابْكِينَ عِنْدَ تَخَاذُلِ الْجِيرَانِ وَابْكِينَ مَصْرَعَ جِيدِهِ مُتَزَمِّلًا ... بِدِمَائِهِ فَلَذَاكَ مَا أَبْكَانِي فَلْأَتْرُكَنَّ بِهِ قَبَائِلَ تَغْلِبٍ ... قَتْلَى بِكُلِّ قَرَارَةٍ وَمَكَانِ قَتْلَى تُعَاوِرُهَا النُّسُورُ أَكُفَّهَا ... يَنْهَشْنَهَا وَحَوَاجِلُ الْغِرْبَانِ ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ كُلَيْبٌ فَرَأَى دَمَهُ، وَأَتَى قَبْرَهُ فَوَقَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ تَحْتَ التُّرَابِ حَزْمًا وَعَزْمًا ... وَخَصِيمًا أَلَدَّ ذَا مِعْلَاقِ حَيَّةً فِي الْوِجَارِ أَرْبُدَ لَا يَنْ ... فَعُ مِنْهُ السَّلِيمَ نَفْثُ الرَّاقِي ثُمَّ جَزَّ شَعْرَهُ، وَقَصَّرَ ثَوْبَهُ، وَهَجَرَ النِّسَاءَ، وَتَرَكَ الْغَزَلَ، وَحَرَّمَ الْقِمَارَ وَالشَّرَابَ، وَجَمَعَ إِلَيْهِ قَوْمَهُ وَأَرْسَلَ رِجَالًا مِنْهُمْ إِلَى بَنِي شَيْبَانَ، فَأَتَوْا مُرَّةَ بْنَ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ وَهُوَ فِي نَادِي قَوْمِهِ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّكُمْ أَتَيْتُمْ عَظِيمًا بِقَتْلِكُمْ كُلَيْبًا بِنَاقَةٍ وَقَطَّعْتُمُ الرَّحِمَ، وَانْتَهَكْتُمُ الْحُرْمَةَ، وَإِنَّا نَعْرِضُ عَلَيْكَ خِلَالًا أَرْبَعًا، لَكُمْ فِيهَا مَخْرَجٌ، وَلَنَا فِيهَا مَقْنَعٌ: إِمَّا أَنْ تُحْيِيَ لَنَا كُلَيْبًا، أَوْ تَدْفَعَ إِلَيْنَا قَاتِلَهُ جَسَّاسًا فَنَقْتُلَهُ بِهِ، أَوْ هَمَّامًا فَإِنَّهُ كُفُؤٌ لَهُ، أَوْ تُمَكِّنُنَا مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّ فِيكَ وَفَاءً لِدَمِهِ.
فَقَالَ لَهُمْ: أَمَّا إِحْيَائِي كُلَيْبًا فَلَسْتُ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَأَمَّا دَفْعِي جَسَّاسًا إِلَيْكُمْ فَإِنَّهُ غُلَامٌ طَعَنَ طَعْنَةً عَلَى عَجَلٍ، وَرَكِبَ فَرَسَهُ، فَلَا أَدْرِي أَيَّ بِلَادٍ قَصَدَ، وَأَمَّا هَمَّامٌ فَإِنَّهُ أَبُو عَشَرَةٍ وَأَخُو عَشَرَةٍ وَعَمُّ عَشَرَةٍ كُلُّهُمْ فُرْسَانُ قَوْمِهِمْ فَلَنْ يُسْلِمُوهُ بِجَرِيرَةِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا أَنَا فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَجُولَ الْخَيْلُ جَوْلَةً فَأَكُونَ أَوَّلَ قَتِيلٍ فَمَا أَتَعَجَّلُ الْمَوْتَ، وَلَكِنْ لَكُمْ عِنْدِي خَصْلَتَانِ: أَمَّا إِحْدَاهُمَا فَهَؤُلَاءِ أَبْنَائِي الْبَاقُونَ فَخُذُوا أَيَّهُمْ شِئْتُمْ فَاقْتُلُوهُ بِصَاحِبِكُمْ وَأَمَّا الْأُخْرَى فَإِنِّي أَدْفَعُ إِلَيْكُمْ أَلْفَ نَاقَةٍ سُودِ الْحَدَقِ حُمْرِ الْوَبَرِ. فَغَضِبَ الْقَوْمُ وَقَالُوا: قَدْ أَسَأْتَ بِبَذْلِ هَؤُلَاءِ وَتَسُومُنَا اللَّبَنَ مِنْ دَمِ كُلَيْبٍ؟ وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ. وَلَحِقَتْ جَلِيلَةُ زَوْجَةُ كُلَيْبٍ بِأَبِيهَا وَقَوْمِهَا، وَاعْتَزَلَتْ قَبَائِلُ بَكْرٍ الْحَرْبَ وَكَرِهُوا مُسَاعَدَةَ بَنِي شَيْبَانَ عَلَى الْقِتَالِ وَأَعْظَمُوا قَتْلَ كُلَيْبٍ، فَتَحَوَّلَتْ لُجَيْمٌ وَيَشْكُرُ، وَكَفَّ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ عَنْ نَصْرِهِمْ وَمَعَهُ أَهْلُ بَيْتِهِ، وَقَالَ مُهَلْهِلٌ عِدَّةَ قَصَائِدَ يَرْثِي كُلَيْبًا مِنْهَا: كُلَيْبٌ لَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا وَمَنْ فِيهَا ... إِذْ أَنْتَ خَلَّيْتَهَا فِيمَنْ يُخَلِّيهَا كُلَيْبٌ أَيُّ فَتَى عِزٍّ وَمَكْرُمَةٍ ... تَحْتَ السَّقَائِفِ إِذْ يَعْلُوكَ سَافِيهَا نَعَى النُّعَاةُ كُلَيْبًا لِي فَقُلْتُ لَهُمْ : مَالَتْ بِنَا الْأَرْضُ أَوْ زَالَتْ رَوَاسِيهَا ... الْحَزْمُ وَالْعَزْمُ كَانَا مِنْ صَنِيعَتِهِ مَا كُلُّ آلَائِهِ يَا قَوْمِ أُحْصِيهَا ... الْقَائِدُ الْخَيْلَ تَرْدِي فِي أَعِنَّتِهَا رَهْوًا إِذَا الْخَيْلُ لَجَّتْ فِي تَعَادِيهَا ... مِنْ خَيْلِ تَغْلِبَ مَا تُلْقَى أَسِنَّتُهَا إِلَّا وَقَدْ خَضَّبُوهَا مِنْ أَعَادِيهَا ... يُهَزْهِزُونَ مِنَ الْخَطِّيِّ مُدْمَجَةً صُمًّا أَنَابِيبُهَا زُرْقًا عَوَالِيهَا ... لَيْتَ السَّمَاءَ عَلَى مَنْ تَحْتَهَا وَقَعَتْ وَانْشَقَّتِ الْأَرْضُ فَانْجَابَتْ بِمَنْ فِيهَا ... لَا أَصْلَحَ اللَّهُ مِنَّا مَنْ يُصَالِحُكُمْ مَا لَاحَتِ الشَّمْسُ فِي أَعْلَى مَجَارِيهَا فَالْتَقَوْا فِي أَوَّلِ قِتَالٍ كَانَ بَيْنَهُمْ - فِي قَوْلٍ - يَوْمَ عُنَيْزَةَ، وَهِيَ عِنْدَ فُلْجَةٍ، وَكَانَا عَلَى السَّوَاءِ، فَقَالَ مُهَلْهِلٌ:
كَأَنَّا غُدْوَةً وَبَنِي أَبِينَا ... بِجَنْبِ عُنَيْزَةٍ رَحَيَا مُدِيرِ وَلَوْلَا الرِّيحُ أُسْمِعَ أَهْلُ حُجْرٍ ... صَلِيلَ الْبِيضِ تُقْرَعُ بِالذُّكُورِ فَتَفَرَّقُوا ثُمَّ بَقُوا زَمَانًا، ثُمَّ إِنَّهُمُ الْتَقَوْا بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ النِّهْيُ، كَانَتْ بَنُو شَيْبَانَ نَازِلَةً عَلَيْهِ، وَيُرْوَى أَنَّهَا أَوَّلُ وَقْعَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ، وَكَانَ رَئِيسَ تَغْلِبَ مُهَلْهِلٌ، وَرَئِيسَ شَيْبَانَ الْحَارِثُ بْنُ مُرَّةَ، وَكَانَتِ الدَّائِرَةُ لِبَنِي تَغْلِبَ، وَكَانَتِ الشَّوْكَةُ فِي بَنِي شَيْبَانَ، وَاسْتَحَرَّ الْقِتَالُ فِيهِمْ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي مُرَّةَ. ثُمَّ الْتَقَوْا بِالذَّنَائِبِ، وَهِيَ أَعْظَمُ وَقْعَةٍ كَانَتْ لَهُمْ، فَظَفِرَتْ بَنُو تَغْلِبَ وَقَتَلَتْ بَكْرًا مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَقُتِلَ فِيهَا شَرَاحِيلُ بْنُ مُرَّةَ بْنِ هَمَّامِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ، وَهُوَ جَدُّ الْحَوْفَزَانِ وَجَدُّ مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ، وَقُتِلَ الْحَارِثُ بْنُ مُرَّةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي ذُهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ عَمْرُو بْنُ سَدُوسِ بْنِ شَيْبَانَ بْنِ ذُهْلٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رُؤَسَاءِ بَكْرٍ. ثُمَّ الْتَقَوْا يَوْمَ وَارِدَاتٍ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَظَفِرَتْ تَغْلِبُ أَيْضًا، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي بَكْرٍ، فَقُتِلَ هَمَّامُ بْنُ مُرَّةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ أَخُو جَسَّاسٍ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَمَرَّ مُهَلْهِلٌ، فَلَمَّا رَآهُ قَتِيلًا قَالَ: وَاللَّهِ مَا قُتِلَ بَعْدَ كُلَيْبٍ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْكَ، وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بَكْرٌ بَعْدَكُمَا عَلَى خَيْرٍ أَبَدًا. وَقِيلَ: إِنَّمَا قُتِلَ يَوْمَ الْقُصَيْبَاتِ، قَبْلَ يَوْمِ قِضَةَ، قَتَلَهُ نَاشِرَةُ، وَكَانَ هَمَّامٌ قَدِ الْتَقَطَهُ وَرَبَّاهُ وَسَمَّاهُ نَاشِرَةَ، وَكَانَ عِنْدَهُ. فَلَمَّا شَبَّ عَلِمَ أَنَّهُ تَغْلَبِيٌّ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ جَعَلَ هَمَّامٌ يُقَاتِلُ فَإِذَا عَطِشَ جَاءَ إِلَى قَرْيَةٍ لَهُ يَشْرَبُ مِنْهَا، فَتَغَفَّلَهُ نَاشِرَةُ فَقَتَلَهُ وَلَحِقَ بِقَوْمِهِ تَغْلِبَ، وَكَادَ جَسَّاسٌ يُؤْخَذُ فَسَلِمَ، فَقَالَ مُهَلْهِلٌ:
لَوْ أَنَّ خَيْلِيَ أَدْرَكَتْكَ وَجَدْتَهُمْ ... مِثْلَ اللُّيُوثِ بِسَتْرِ غُبِّ عَرِينِ وَيَقُولُ فِيهَا: وَلَأُورِدَنَّ الْخَيْلَ بَطْنَ أَرَاكَةٍ ... وَلَأَقْضِيَنَّ بِفِعْلِ ذَاكَ دُيُونِي وَلَأَقْتُلَنَّ جَحَاجِحًا مِنْ بِكْرِكُمْ ... وَلَأُبْكِيَنَّ بِهَا جُفُونَ عُيُونِ حَتَّى تَظَلَّ الْحَامِلَاتُ مَخَافَةً ... مِنْ وَقَعِنَا يَقْذِفْنَ كُلَّ جَنِينِ وَقِيلَ فِي تَرْتِيبِ الْأَيَّامِ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا، وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَكَانَ أَبُو نُوَيْرَةَ التَّغْلِبِيُّ وَغَيْرُهُ طَلَائِعَ قَوْمِهِ، وَكَانَ جَسَّاسٌ وَغَيْرُهُ طَلَائِعَ قَوْمِهِمْ، وَالْتَقَى بَعْضَ اللَّيَالِي جَسَّاسٌ وَأَبُو نُوَيْرَةَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو نُوَيْرَةَ: اخْتَرْ إِمَّا الصِّرَاعَ أَوِ الطِّعَانَ أَوِ الْمُسَايَفَةَ. فَاخْتَارَ جَسَّاسٌ الصِّرَاعَ، فَاصْطَرَعَا وَأَبْطَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى أَصْحَابِ حَيِّهِ، وَطَلَبُوهُمَا فَأَصَابُوهُمَا وَهُمَا يَصْطَرِعَانِ، وَقَدْ كَادَ جَسَّاسٌ يَصْرَعُهُ، فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا. وَجَعَلَتْ تِغْلِبُ تَطْلُبُ جَسَّاسًا أَشَدَّ الطَّلَبِ، فَقَالَ لَهُ مُرَّةُ: الْحَقْ بِأَخْوَالِكَ بِالشَّامِ، فَامْتَنَعَ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ أَبُوهُ فَسَيَّرَهُ سِرًّا فِي خَمْسَةِ نَفَرٍ: وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُهَلْهِلِ، فَنَدَبَ أَبَا نُوَيْرَةَ وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْ شُجْعَانِ أَصْحَابِهِ فَسَارُوا مُجِدِّينَ، فَأَدْرَكُوا جَسَّاسًا، فَقَاتَلَهُمْ فَقُتِلَ أَبُو نُوَيْرَةَ وَأَصْحَابُهُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ غَيْرُ رَجُلَيْنِ، وَجُرِحَ جَسَّاسٌ جُرْحًا شَدِيدًا مَاتَ مِنْهُ، وَقُتِلَ أَصْحَابُهُ فَلَمْ يَسْلَمْ غَيْرُ رَجُلَيْنِ أَيْضًا، فَعَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ السَّالِمَيْنِ إِلَى أَصْحَابِهِ. فَلَمَّا سَمِعَ مُرَّةُ قَتْلَ ابْنِهِ جَسَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا يُحْزِنُنِي أَنْ كَانَ لَمْ يَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ قَتَلَ بِيَدِهِ أَبَا نُوَيْرَةَ رَئِيسَ الْقَوْمِ، وَقَتَلَ مَعَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مَا شَرَكَهُ مِنَّا أَحَدٌ فِي قَتْلِهِمْ وَقَتَلْنَا نَحْنُ الْبَاقِينَ، فَقَالَ: ذَلِكَ مِمَّا يُسْكِنُ قَلْبِي عَنْ جَسَّاسٍ. وَقِيلَ: إِنَّ جَسَّاسًا آخِرُ مَنْ قُتِلَ فِي حَرْبِ بَكْرٍ وَتَغْلِبَ، وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِ أَنَّ أُخْتَهُ جَلِيلَةَ كَانَتْ تَحْتَ كُلَيْبِ وَائِلٍ. فَلَمَّا قُتِلَ كُلَيْبٌ عَادَتْ إِلَى أَبِيهَا وَهِيَ حَامِلٌ وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ، وَكَانَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مَا كَانَ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْمُوَادَعَةِ بَعْدَمَا كَادَتِ الْفِئَتَانِ تَتَفَانَيَانِ، فَوَلَدَتْ أُخْتُ جَسَّاسٍ غُلَامًا فَسَمَّتْهُ هِجْرِسًا، وَرَبَّاهُ جَسَّاسٌ، وَكَانَ لَا يَعْرِفُ
أَبًا غَيْرَهُ، فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ فَوَقَعَ بَيْنَ هِجْرِسَ وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ بَكْرٍ كَلَامٌ، فَقَالَ لَهُ الْبَكْرِيُّ: مَا أَنْتَ بِمُنْتَهٍ حَتَّى نُلْحِقَكَ بِأَبِيكَ. فَأَمْسَكَ عَنْهُ وَدَخَلَ إِلَى أُمِّهِ كَئِيبًا حَزِينًا فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ. فَلَمَّا نَامَ إِلَى جَنْبِ امْرَأَتِهِ رَأَتْ مِنْ هَمِّهِ وَفِكْرِهِ مَا أَنْكَرَتْهُ، فَقَصَّتْ عَلَى أَبِيهَا جَسَّاسٍ قِصَّتَهُ، فَقَالَ: ثَائِرٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! وَبَاتَ عَلَى مِثْلِ الرَّضْفِ حَتَّى أَصْبَحَ، فَأَحْضَرَ الْهِجْرِسَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا أَنْتَ وَلَدِي وَأَنْتَ مِنِّي بِالْمَكَانِ الَّذِي تَعَلَمُ، وَزَوَّجْتُكَ ابْنَتِي، وَقَدْ كَانَتِ الْحَرْبُ فِي أَبِيكَ زَمَانًا طَوِيلًا، وَقَدِ اصْطَلَحْنَا وَتَحَاجَزْنَا، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ تَدْخُلَ فِي مَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الصُّلْحِ، وَأَنْ تَنْطَلِقَ مَعِي حَتَّى نَأْخُذَ عَلَيْكَ مِثْلَ مَا أُخِذَ عَلَيْنَا. فَقَالَ الْهِجْرِسُ: أَنَا فَاعِلٌ. فَحَمَلَهُ جَسَّاسٌ عَلَى فَرَسٍ فَرَكِبَهُ وَلَبِسَ لَأْمَتَهُ وَقَالَ: مِثْلِي لَا يَأْتِي أَهْلَهُ بِغَيْرِ سِلَاحِهِ، فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا جَمَاعَةً مِنْ قَوْمِهِمَا، فَقَصَّ عَلَيْهِمْ جَسَّاسٌ الْقِصَّةَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْهِجْرِسَ يَدْخُلُ فِي الَّذِي دَخَلَ فِيهِ جَمَاعَتُهُمْ وَقَدْ حَضَرَ لِيَعْقِدَ مَا عَقَدْتُمْ. فَلَمَّا قَرَّبُوا الدَّمَ وَقَامُوا إِلَى الْعَقْدِ أَخَذَ الْهِجْرِسُ بِوَسَطِ رُمْحِهِ ثُمَّ قَالَ: وَفَرَسِي وَأُذُنَيْهِ، وَرُمْحِي وَنَصْلَيْهِ، وَسَيْفِي وَغِرَارَيْهِ لَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ قَاتِلَ أَبِيهِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ طَعَنَ جَسَّاسًا فَقَتَلَهُ وَلَحِقَ بِقَوْمِهِ، وَكَانَ آخِرَ قَتِيلٍ فِي بَكْرٍ. وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ. وَنَرْجِعُ إِلَى سِيَاقَةِ الْحَدِيثِ. فَلَمَّا قُتِلَ جَسَّاسٌ أَرْسَلَ أَبُوهُ مُرَّةُ إِلَى الْمُهَلْهِلِ: إِنَّكَ قَدْ تَرَكْتَ ثَأْرَكَ وَقَتَلْتَ جَسَّاسًا، فَاكْفُفْ عَنِ الْحَرْبِ وَدَعِ اللَّجَاجَ وَالْإِسْرَافَ وَأَصْلِحْ ذَاتَ الْبَيْنِ فَهُوَ أَصْلَحُ لِلْحَيَّيْنِ وَأَنْكَأُ لِعَدُوِّهِمْ، فَلَمْ يُجَبْ إِلَى ذَلِكَ. وَكَانَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ قَدِ اعْتَزَلَ الْحَرْبَ، فَلَمْ يَشْهَدْهَا، فَلَمَّا قُتِلَ جَسَّاسٌ وَهَمَّامٌ ابْنَا مُرَّةَ حَمَلَ ابْنَهُ بُجَيْرًا، وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ عُبَادٍ أَخِي الْحَارِثِ بْنِ عُبَادٍ، فَلَمَّا حَمَلَهُ عَلَى النَّاقَةِ كَتَبَ مَعَهُ إِلَى الْمُهَلْهِلِ: إِنَّكَ قَدْ أَسْرَفْتَ فِي الْقَتْلِ وَأَدْرَكْتَ ثَأْرَكَ سِوَى مَا قَتَلْتَ مِنْ بَكْرٍ، وَقَدْ أَرْسَلْتُ ابْنِي إِلَيْكَ فَإِمَّا قَتَلْتَهُ بِأَخِيكَ وَأَصْلَحْتَ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ وَإِمَّا أَطْلَقْتَهُ وَأَصْلَحْتَ ذَاتَ الْبَيْنِ، فَقَدْ مَضَى مِنَ الْحَيَّيْنِ فِي هَذِهِ الْحُرُوبِ مَنْ كَانَ بَقَاؤُهُ خَيْرًا لَنَا وَلَكُمْ. فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى كِتَابِهِ أَخَذَ بُجَيْرًا فَقَتَلَهُ وَقَالَ: بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُوهُ بِقَتْلِهِ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ بِأَخِيهِ لِيُصْلِحَ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ، فَقَالَ: نِعْمَ الْقَتِيلُ قَتِيلًا أَصْلَحَ بَيْنَ ابْنَيْ وَائِلٍ! فَقِيلَ: إِنَّهُ قَالَ: (بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ) ، فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ وَقَالَ:
قَرِّبَا مَرْبَطَ النَّعَامَةِ مِنِّي لَقِحَتْ ... حَرْبُ وَائِلٍ عَنْ حِيَالِ قَرِّبَا مَرْبَطَ النَّعَامَةِ مِنِّي ... شَابَ رَأْسِي وَأَنْكَرَتْنِي رِجَالِي لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللَّ ... هُ وَإِنِّي بِحَرِّهَا الْيَوْمَ صَالِي فَأَتَوْهُ بِفَرَسِهِ النَّعَامَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهَا مِثْلُهَا، فَرَكِبَهَا وَوَلِيَ أَمْرَ بَكْرٍ وَشَهِدَ حَرْبَهُمْ، وَكَانَ أَوَّلَ يَوْمٍ شَهِدَهُ يَوْمُ قِضَةَ، وَهُوَ يَوْمُ تَحْلَاقِ اللِّمَمِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ تَحْلَاقُ اللِّمَمِ لِأَنَّ بَكْرًا حَلَقُوا رُءُوسَهُمْ لِيَعْرِفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا جَحْدَرَ بْنَ ضُبَيْعَةَ بْنِ قَيْسٍ أَبُو الْمَسَامِعَةِ فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا قَصِيرٌ فَلَا تَشِينُونِي، وَأَنَا أَشْتَرِي لَمَّتِي مِنْكُمْ بِأَوَّلِ فَارِسٍ يَطَّلِعُ عَلَيْكُمْ. فَطَلَعَ ابْنُ عَنَّاقٍ فَشَدَّ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ يَرْتَجِزُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَيَقُولُ: رُدُّوا عَلَيَّ الْخَيْلَ إِنْ أَلَمَّتِ ... إِنْ لَمْ أُقَاتِلْهُمْ فَجُزُّوا لِمَّتِي وَقَاتَلَ يَوْمَئِذٍ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَتَلَ فِي تَغْلِبَ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَفِيهِ يَقُولُ طَرَفَةُ: سَائِلُوا عَنَّا الَّذِي يَعْرِفُنَا ... بِقُوَانَا يَوْمَ تَحْلَاقِ اللِّمَمِ يَوْمَ تُبْدِي الْبِيضُ عَنْ أَسْؤُقِهَا ... وَتَلُفُّ الْخَيْلُ أَفْوَاجَ النَّعَمْ وَفِي هَذَا الْيَوْمِ أَسَرَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ مُهَلْهِلًا، وَاسْمُهُ عَدِيٌّ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ لَهُ: دُلَّنِي عَلَى عَدِيٍّ وَأَنَا أُخَلِّي عَنْكَ. فَقَالَ لَهُ الْمُهَلْهِلُ: عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ بِذَلِكَ إِنْ دَلَلْتُكَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنَا عَدِيٌّ، فَجَزَّ نَاصِيَتَهُ وَتَرَكَهُ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ: لَهْفُ نَفْسِي عَلَى عَدِيٍّ وَلَمْ أَعْ ... رِفْ عَدِيًّا إِذْ أَمْكَنَتْنِي الْيَدَانِ
وَكَانَتِ الْأَيَّامُ الَّتِي اشْتَدَّتْ فِيهَا الْحَرْبُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ: يَوْمُ عُنَيْزَةَ تَكَافَأُوا فِيهِ وَتَنَاصَفُوا. ثُمَّ الْيَوْمُ الثَّانِي يَوْمُ وَارِدَاتٍ، كَانَ لِتَغْلِبَ عَلَى بَكْرٍ. ثُمَّ الْيَوْمُ الثَّالِثُ الْحِنْوُ، كَانَ لِبَكْرٍ عَلَى تَغْلِبَ. ثُمَّ الْيَوْمُ الرَّابِعُ يَوْمُ الْقُصَيْبَاتِ، أُصِيبَ بَكْرٌ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَقِيلُوا. ثُمَّ الْيَوْمُ الْخَامِسُ يَوْمُ قِضَةَ، وَهُوَ يَوْمُ التَّحَالُقِ، وَشَهِدَهُ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ. ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامٌ دُونَ هَذِهِ، مِنْهَا: يَوْمُ النَّقِيَّةِ، وَيَوْمُ الْفَصِيلِ لِبَكْرٍ عَلَى تَغْلِبَ. ثُمَّ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُزَاحَفَةٌ إِنَّمَا كَانَ مُغَاوَرَاتٌ، وَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا أَرْبَعِينَ سَنَةً. ثُمَّ إِنَّ مُهَلْهِلًا قَالَ لِقَوْمِهِ: قَدْ رَأَيْتُ أَنْ تُقْبِلُوا عَلَى قَوْمِكُمْ فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ صَلَاحَكُمْ، وَقَدْ أَتَتْ عَلَى حَرْبِكُمْ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَمَا لُمْتُكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْ طَلَبِكُمْ بِوَتْرِكُمْ، فَلَوْ مَرَّتْ هَذِهِ السُّنُونَ فِي رَفَاهِيَةِ عَيْشٍ لَكَانَتْ تُمَلُّ مِنْ طُولِهَا، فَكَيْفَ وَقَدْ فَنِيَ الْحَيَّانِ وَثَكِلَتِ الْأُمَّهَاتُ وَيُتِّمَ الْأَوْلَادُ وَنَائِحَةٌ لَا تَزَالُ تَصْرُخُ فِي النَّوَاحِي، وَدُمُوعٌ لَا تُرْقَأُ، وَأَجْسَادٌ لَا تُدْفَنُ، وَسُيُوفٌ مَشْهُورَةٌ، وَرِمَاحٌ مُشْرَعَةٌ! وَإِنَّ الْقَوْمَ سَيَرْجِعُونَ إِلَيْكُمْ غَدًا بِمَوَدَّتِهِمْ وَمُوَاصَلَتِهِمْ وَتَتَعَطَّفُ الْأَرْحَامُ حَتَّى تَتَوَاسَوْا فِي قُبَالِ النَّعْلِ، فَكَانَ كَمَا قَالَ. ثُمَّ قَالَ مُهَلْهِلٌ: أَمَّا أَنَا فَمَا تَطِيبُ نَفْسِي أَنْ أُقِيمَ فِيكُمْ، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ كُلَيْبٍ، وَأَخَافُ أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى الِاسْتِئْصَالِ وَأَنَا سَائِرٌ إِلَى الْيَمَنِ، وَفَارَقَهُمْ وَسَارَ إِلَى الْيَمَنِ وَنَزَلَ فِي جَنْبٍ، وَهِيَ حَيٌّ مِنْ مَذْحِجٍ، فَخَطَبُوا إِلَيْهِ ابْنَتَهُ، فَمَنَعَهُمْ، فَأَجْبَرُوهُ عَلَى تَزْوِيجِهَا وَسَاقُوا إِلَيْهِ صَدَاقَهَا جُلُودًا مَنْ أُدُمٍ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ: أَعْزِرْ عَلَى تَغْلِبَ بِمَا لَقِيَتْ ... أُخْتُ بَنِي الْأَكْرَمِينَ مِنْ جُشَمِ أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا الْأَرَاقِمَ فِي ... جَنْبٍ وَكَانَ الْحِبَاءُ مِنْ أُدُمِ
ذكر الحرب بين الحارث الأعرج وبني تغلب
لَوْ بِأَبَانَيْنِ جَاءَ يَخْطُبُهَا ... ضُرَّجَ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمٍ الْأَرَاقِمُ بَطْنٌ مِنْ جُشَمَ بْنِ تَغْلِبَ، يَعْنِي حَيْثُ فَقَدَتِ الْأَرَاقِمَ، وَهُمْ عَشِيرَتُهَا، تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْ جَنْبٍ بِأُدُمٍ. ثُمَّ إِنَّ مُهَلْهِلًا عَادَ إِلَى دِيَارِ قَوْمِهِ، فَأَخَذَهُ عَمْرُو بْنُ مَالِكِ بْنِ ضُبَيْعَةَ الْبَكْرِيُّ أَسِيرًا بِنَوَاحِي هَجَرَ فَأَحْسَنَ إِسَارَهُ، فَمَرَّ عَلَيْهِ تَاجِرٌ يَبِيعُ الْخَمْرَ قَدِمَ بِهَا مِنْ هَجَرَ، وَكَانَ صَدِيقًا لِمُهَلْهِلٍ، فَأَهْدَى إِلَيْهِ وَهُوَ أَسِيرٌ زِقًّا مِنْ خَمْرٍ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ بَنُو مَالِكٍ فَنَحَرُوا عِنْدَهُ بِكْرًا وَشَرِبُوا عِنْدَ مُهَلْهِلٍ فِي بَيْتِهِ الَّذِي أَفْرَدَ لَهُ عَمْرٌو. فَلَمَّا أَخَذَ فِيهِمُ الشَّرَابُ تَغَنَّى مُهَلْهِلٌ بِمَا كَانَ يَقُولُهُ مِنَ الشِّعْرِ وَيَنُوحُ بِهِ عَلَى أَخِيهِ كُلَيْبٍ، فَسَمِعَ مِنْهُ عَمْرٌو ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّهُ لَرَيَّانٌ، وَاللَّهِ لَا يَشْرَبُ عِنْدِي مَاءً حَتَّى يَرِدَ زَبِيبٌ، وَهُوَ فَحْلٌ كَانَ لَهُ لَا يَرِدُ إِلَّا خَمْسًا فِي حَمَارَةِ الْقَيْظِ، فَطَلَبَ بَنُو مَالِكٍ زَبِيبًا وَهُمْ حُرَّاصٌ عَلَى أَنْ يَهْلِكَ مُهَلْهِلٌ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ مُهَلْهِلٌ عَطَشًا. وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَةَ خَالِ الْمُهَلْهِلِ، وَهِيَ ابْنَةُ الْمُجَلَّلِ التَغْلِبِيِّ، كَانَتِ امْرَأَةَ عَمْرٍو، وَأَرَادَتْ أَنْ تَأْتِيَ مُهَلْهِلًا وَهُوَ أَسِيرٌ، فَقَالَ يَذْكُرُهَا: طِفْلَةٌ مَا ابْنَةُ الْمُجَلَّلِ بَيْضَا ... ءُ لَعُوبٌ لَذِيذَةٌ فِي الْعِنَاقِ فَاذْهَبِي مَا إِلَيْكِ غَيْرَ بَعِيدٍ لَا ... يُؤَاتِي الْعِنَاقَ مَنْ فِي الْوَثَاقِ ضَرَبَتْ نَحْرَهَا إِلَيَّ وَقَالَتْ ... يَا عَدِيٌّ لَقَدْ وَقَتْكَ الْأَوَاقِي وَهِيَ أَبْيَاتٌ ذَوَاتُ عَدَدٍ، فَنُقِلَ شِعْرُهُ إِلَى عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، فَحَلَفَ عَمْرٌو أَنْ لَا يَسْقِيَهُ الْمَاءَ حَتَّى يَرِدَ زَبِيبٌ، فَسَأَلَهُ النَّاسُ أَنْ يُورِدَ زَبِيبًا قَبْلَ وُرُودِهِ، فَفَعَلَ وَأَوْرَدَهُ وَسَقَاهُ حَتَّى يَتَحَلَّلَ مِنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ سَقَى مُهَلْهِلًا مِنْ مَاءٍ هُنَاكَ هُوَ أَوْخَمُ الْمِيَاهِ، فَمَاتَ مُهَلْهِلٌ. (عُبَادٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِهَا) . [ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْحَارِثِ الْأَعْرَجِ وَبَنِي تَغْلِبَ]
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنَّ بَكْرًا وَتَغْلِبَ ابْنَيْ وَائِلٍ اجْتَمَعَتْ لِلْمُنْذِرِ بْنِ مَاءِ السَّمَاءِ، وَذَلِكَ بَعْدَ حَرْبِهِمْ، وَكَانَ الَّذِي أَصْلَحَ بَيْنَهُمْ قَيْسُ بْنُ شَرَاحِيلَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ هَمَّامٍ، فَغَزَا بِهِمُ الْمُنْذِرُ بَنِي آكِلِ الْمُرَارِ، وَجَعَلَ عَلَى بَنِي بَكْرٍ وَتَغْلِبَ ابْنَهُ عَمْرَو بْنَ هِنْدٍ، وَقَالَ: أُغْزُ أَخْوَالَكَ. فَغَزَاهُمْ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ وَأُسِرُوا، وَجَاءُوا بِهِمْ إِلَى الْمُنْذِرِ فَقَتَلَهُمْ. ثُمَّ انْتَقَضَتْ تَغْلِبُ عَلَى الْمُنْذِرِ وَلَحِقَتْ بِالشَّامِ، (وَنَحْنُ نَذْكُرُ سَبَبَ ذَلِكَ فِي أَخْبَارِ شَيْبَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) وَعَادَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَكْرٍ، فَخَرَجَ مَلِكُ غَسَّانَ بِالشَّامِ، وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيُّ، فَمَرَّ بِأَفَارِيقَ مِنْ تَغْلِبَ، فَلَمْ يَسْتَقْبِلُوهُ. وَرَكِبَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ التَغْلِبِيُّ فَلَقِيَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا مَنْعَ قَوْمَكَ أَنْ يَتَلَقَّوْنِي؟ فَقَالَ: لَمْ يَعْلَمُوا بِمُرُورِكَ، فَقَالَ: لَئِنْ رَجَعْتُ لَأَغْزُوَنَّهُمْ غَزْوَةً تَتْرُكُهُمْ أَيْقَاظًا لِقُدُومِي، فَقَالَ عَمْرٌو: مَا اسْتَيْقَظَ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا نَبُلَ رَأْيُهُمْ وَعَزَّتْ جَمَاعَتُهُمْ، فَلَا تُوقِظَنَّ نَائِمَهُمْ. فَقَالَ: كَأَنَّكَ تَتَوَعَّدُنِي بِهِمْ، أَمَّا وَاللَّهِ لِتَعْلَمُنَّ إِذَا أَجَالَتْ غَطَارِيفُ غَسَّانَ الْخَيْلَ فِي دِيَارِكُمْ أَنَّ أَيْقَاظَ قَوْمِكَ سَيَنَامُونَ نَوْمَةً لَا حُلْمَ فِيهَا، تُجْتَثُّ أُصُولُهُمْ، وَيُنْفَى فَلُّهُمْ إِلَى الْيَابِسِ الْجَرِدِ وَالنَّازِحِ الثَّمِدِ. ثُمَّ رَجَعَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ عَنْهُ، وَجَمَعَ قَوْمَهُ وَقَالَ: أَلَا فَاعْلَمْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ أَنَّا ... أَبَيْتَ اللَّعْنَ نَأْبَى مَا تُرِيدُ تَعَلَّمْ أَنَّ مَحْمَلَنَا ثَقِيلٌ ... وَأَنَّ دِبَارَ كَبَّتِنَا شَدِيدُ وَأَنَّا لَيْسَ حَيٌّ مِنْ مَعَدٍّ ... يُقَاوِمُنَا إِذَا لُبِسَ الْحَدِيدُ فَلَمَّا عَادَ الْحَارِثُ الْأَعْرَجُ غَزَا بَنِي تَغْلِبَ، فَاقْتَتَلُوا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ انْهَزَمَ الْحَارِثُ وَبَنُو غَسَّانَ وَقُتِلَ أَخُو الْحَارِثِ فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
يوم عين أباغ
هَلَّا عَطَفْتَ عَلَى أَخِيكَ إِذَا دَعَا بِالثُّكْلِ ... وَيْلَ أَبِيكَ يَا ابْنَ أَبِي شِمْرِ فَذُقِ الَّذِي جَشَمْتَ نَفْسَكَ وَاعْتَرِفْ ... فِيهَا أَخَاكَ وَعَامِرَ بْنَ أَبِي حُجْرِ [يَوْمُ عَيْنِ أُبَاغٍ] وَهُوَ بَيْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ مَاءِ السَّمَاءِ وَبَيْنَ الْحَارِثِ الْأَعْرَجِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ جَبَلَةَ، وَقِيلَ: أَبُو شِمْرٍ عَمْرُو بْنُ جَبَلَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حُجْرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَيْهَمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَارِيَةَ الْغَسَّانِيُّ، وَقِيلَ فِي نَسَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ أَزْدِيٌّ تَغَلَّبَ عَلَى غَسَّانَ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ، وَهُوَ الَّذِي طَلَبَ أَدْرَاعَ امْرِئِ الْقَيْسِ مِنَ السَّمَوْأَلِ بْنِ عَادِيَاءَ وَقَتَلَ ابْنَهُ، وَقِيلَ غَيْرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُنْذِرَ بْنَ مَاءِ السَّمَاءِ مَلِكَ الْعَرَبِ سَارَ مِنَ الْحِيرَةِ فِي مَعَدٍّ كُلِّهَا حَتَّى نَزَلَ بِعَيْنِ أُبَاغٍ بِذَاتِ الْخِيَارِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْحَارِثِ الْأَعْرَجَ بْنَ جَبَلَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ جَفْنَةَ بْنِ عَمْرٍو مُزَيْقِيَاءَ بْنَ عَامِرٍ الْغَسَّانِيَّ مَلِكَ الْعَرَبِ بِالشَّامِ: إِمَّا أَنْ تُعْطِيَنِي الْفِدْيَةَ فَأَنْصَرِفَ عَنْكَ بِجُنُودِي، وَإِمَّا أَنْ تَأْذَنَ بِحَرْبٍ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ: أَنْظِرْنَا نَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا. فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ نَحْوَ الْمُنْذِرِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّا شَيْخَانِ فَلَا نُهْلِكُ جُنُودِي وَجُنُودَكَ، وَلَكِنْ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِي وَيَخْرُجُ مِنْ وَلَدِكَ، فَمَنْ قُتِلَ خَرَجَ عِوَضَهُ آخَرُ، وَإِذَا فَنِيَ أَوْلَادُنَا خَرَجْتُ أَنَا إِلَيْكَ فَمَنْ قَتَلَ صَاحِبَهُ ذَهَبَ بِالْمُلْكِ. فَتَعَاهَدَا عَلَى ذَلِكَ، فَعَمِدَ الْمُنْذِرُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ شُجْعَانِ أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ فَيَقِفَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَيُظْهِرَ أَنَّهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، فَلَمَّا خَرَجَ أَخْرَجَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ ابْنَهُ أَبَا كَرِبٍ، فَلَمَّا رَآهُ رَجَعَ إِلَى أَبِيهِ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِابْنِ الْمُنْذِرِ إِنَّمَا هُوَ عَبْدُهُ أَوْ بَعْضُ شُجْعَانِ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ أَجَزِعْتَ مِنَ الْمَوْتِ؟ مَا كَانَ الشَّيْخُ لِيَغْدِرَ. فَعَادَ إِلَيْهِ وَقَاتَلَهُ فَقَتَلَهُ الْفَارِسُ وَأَلْقَى رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُنْذِرِ، وَعَادَ فَأَمَرَ الْحَارِثُ ابْنًا لَهُ آخَرَ بِقِتَالِهِ وَالطَّلَبِ بِثَأْرِ أَخِيهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَاقَفَهُ رَجَعَ إِلَى أَبِيهِ وَقَالَ: يَا أَبَتِ هَذَا وَاللَّهِ عَبْدُ الْمُنْذِرِ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ مَا كَانَ الشَّيْخُ لِيَغْدِرَ. فَعَادَ إِلَيْهِ فَشَدَّ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ شِمْرُ بْنُ عَمْرٍو الْحَنَفِيُّ، وَكَانَتْ أَمُّهُ غَسَّانِيَّةٌ، وَهُوَ مَعَ الْمُنْذِرِ، قَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ الْغَدْرَ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ الْمُلُوكِ وَلَا الْكِرَامِ، وَقَدْ غَدَرْتَ بِابْنِ عَمِّكَ دُفْعَتَيْنِ،
يوم مرج حليمة وقتل المنذر بن المنذر بن ماء السماء
فَغَضِبَ الْمُنْذِرُ وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ، فَلَحِقَ بِعَسْكَرِ الْحَارِثِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: سَلْ حَاجَتَكَ. فَقَالَ لَهُ: حُلَّتُكُ وَخَلَّتُكَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ عَبَّى الْحَارِثُ أَصْحَابَهُ وَحَرَّضَهُمْ، وَكَانَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ الْمُنْذِرُ وَهُزِمَتْ جُيُوشُهُ، فَأَمَرَ الْحَارِثُ بِابْنَيْهِ الْقَتِيلَيْنِ فَحُمِلَا عَلَى بَعِيرٍ بِمَنْزِلَةِ الْعَدْلَيْنِ، وَجَعَلَ الْمُنْذِرَ فَوْقَهُمَا فَوَدَا وَقَالَ: " يَا لَعِلَاوَةٍ دُونَ الْعِدْلَيْنِ "! فَذَهَبَتْ مَثَلًا، وَسَارَ إِلَى الْحِيرَةِ فَأَنْهَبَهَا وَأَحْرَقَهَا وَدَفَنَ ابْنَيْهِ بِهَا وَبَنَى الْغَرِيِّينِ عَلَيْهِمَا فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَقُولُ ابْنُ أَبِي الرَّعْلَاءِ الضُّبْيَانِيُّ: كَمَا تَرَكْنَا بِالْعَيْنِ عَيْنِ أُبَاغٍ ... مِنْ مُلُوكٍ وَسُوقَةٍ أَكْفَاءِ أَمْطَرَتْهُمْ سَحَائِبُ الْمَوْتِ تَتْرَى ... إِنَّ فِي الْمَوْتِ رَاحَةَ الْأَشْقِيَاءِ لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّمَا الْمَيِّتُ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ [يَوْمُ مَرْجِ حَلِيمَةَ وَقَتْلِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ مَاءِ السَّمَاءِ] لَمَّا قُتِلَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْمُنْذِرُ وَتَلَقَّبَ الْأَسْوَدَ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ وَثَبَّتَ قَدَمَهُ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَى الْحَارِثِ الْأَعْرَجِ طَالِبًا بِثَأْرِ أَبِيهِ عِنْدَهُ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ: إِنَّنِي قَدْ أَعْدَدْتُ لَكَ الْكُهُولَ عَلَى الْفُحُولِ، فَأَجَابَهُ الْحَارِثُ: قَدْ أَعْدَدْتُ لَكَ الْمُرْدَ عَلَى الْجُرْدِ. فَسَارَ الْمُنْذِرُ حَتَّى نَزَلَ بِمَرْجِ حَلِيمَةَ، فَتَرَكَهُ مَنْ بِهِ مِنْ غَسَّانَ لِلْأَسْوَدِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ مَرْجَ حَلِيمَةَ بِحَلِيمَةَ ابْنَةِ الْحَارِثِ الْغَسَّانِيِّ، وَسَنَذْكُرُ خَبَرَهَا عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ. ثُمَّ إِنَّ الْحَارِثَ سَارَ فَنَزَلَ بِالْمَرْجِ أَيْضًا، فَأَمَرَ أَهْلَ الْقُرَى الَّتِي فِي الْمَرْجِ أَنْ يَصْنَعُوا
الطَّعَامَ لِعَسْكَرِهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَحَمَلُوهُ فِي الْجِفَانِ وَتَرَكُوهُ فِي الْعَسْكَرِ، فَكَانَ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ فَإِذَا أَرَادَ الطَّعَامَ جَاءَ إِلَى تِلْكَ الْجِفَانِ فَأَكَلَ مِنْهَا. فَأَقَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْأَسْوَدِ وَالْحَارِثِ أَيَّامًا لَمْ يَنْتَصِفْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ. فَلَمَّا رَأَى الْحَارِثُ ذَلِكَ قَعَدَ فِي قَصْرِهِ وَدَعَا ابْنَتَهُ هِنْدًا وَأَمْرَهَا فَاتَّخَذَتْ طِيبًا كَثِيرًا فِي الْجِفَانِ وَطَيَّبَتْ بِهِ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ نَادَى: يَا فِتْيَانَ غَسَّانَ مَنْ قَتَلَ مَلِكَ الْحِيرَةِ زَوَّجْتُهُ ابْنَتِي هِنْدًا. فَقَالَ لَبِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْغَسَّانِيُّ لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ أَنَا قَاتِلُ مَلِكِ الْحِيرَةِ أَوْ مَقْتُولٌ دُونَهُ لَا مَحَالَةَ، وَلَسْتُ أَرْضَى فَرَسِي فَأَعْطِنِي فَرَسَكَ الزَّيْتِيَّةَ. فَأَعْطَاهُ فَرَسَهُ. فَلَمَّا زَحَفَ النَّاسُ وَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، شَدَّ لَبِيدٌ عَلَى الْأَسْوَدِ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً فَأَلْقَاهُ عَنْ فَرَسِهِ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَنَزَلَ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ وَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى الْحَارِثِ، وَهُوَ عَلَى قَصْرِهِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَأَلْقَى الرَّأْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ: شَأْنَكَ بِابْنَةِ عَمِّكِ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا. فَقَالَ: بَلْ أَنْصَرِفُ فَأُوَاسِي أَصْحَابِي بِنَفْسِي فَإِذَا انْصَرَفَ النَّاسُ انْصَرَفْتُ. فَرَجَعَ فَصَادَفَ أَخَاهُ الْأَسْوَدَ قَدْ رَجَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَهُوَ يُقَاتِلُ وَقَدِ اشْتَدَّتْ نِكَايَتُهُ، فَتَقَدَّمَ لَبِيدٌ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ، وَلَمْ يُقْتَلْ فِي هَذِهِ الْحَرْبِ بَعْدَ تِلْكَ الْهَزِيمَةِ غَيْرُهُ، وَانْهَزَمَتْ لَخْمٌ هَزِيمَةً ثَانِيَةً وَقُتِلُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَانْصَرَفَتْ غَسَّانُ بِأَحْسَنِ ظَفَرٍ. وَذُكِرَ أَنَّ الْغُبَارَ فِي هَذَا الْيَوْمِ اشْتَدَّ وَكَثُرَ حَتَّى سَتَرَ الشَّمْسَ، وَحَتَّى ظَهَرَتِ الْكَوَاكِبُ الْمُتَبَاعِدَةُ عَنْ مَطَالِعِ الشَّمْسِ لِكَثْرَةِ الْعَسَاكِرِ، لِأَنَّ الْأَسْوَدَ سَارَ بِعَرَبِ الْعِرَاقِ أَجْمَعَ، وَسَارَ الْحَارِثُ بِعَرَبِ الشَّامِ أَجْمَعَ، وَهَذَا الْيَوْمُ مِنْ أَشْهَرِ أَيَّامِ الْعَرَبِ، وَقَدْ فَخَرَ بِهِ بَعْضُ شُعَرَاءِ غَسَّانَ فَقَالَ: يَوْمَ وَادِي حَلِيمَةَ وَازْدَلَفْنَا ... بِالْعَنَاجِيجِ وَالرِّمَاحِ الظِّمَاءِ إِذْ شَحَنَّا أَكُفَّنَا مِنْ رِقَاقٍ ... رَقَّ مِنْ وَقْعِهَا سَنَا السَّحْنَاءِ وَأَتَتْ هِنْدٌ بِالْخَلُوقِ إِلَى مَنْ ... كَانَ ذَا نَجْدَةٍ وَفَضْلِ غَنَاءِ وَنَصَبْنَا الْجِفَانَ فِي سَاحَةِ ... الْمَرْ جِ فَمِلْنَا إِلَى جِفَانٍ مِلَاءِ وَقِيلَ فِي قَتْلِهِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ، وَنَحْنُ نَذْكُرُهُ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَكَانَ سَبَبَهُ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي شِمْرٍ جَبَلَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْأَعْرَجَ الْغَسَّانِيَّ خَطَبَ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُنْذِرِ اللَّخْمِيِّ ابْنَتَهُ وَقَصَدَ انْقِطَاعَ الْحَرْبِ بَيْنَ لَخْمٍ
وَغَسَّانَ، فَزَوَّجَهُ الْمُنْذِرُ ابْنَتَهُ هِنْدًا، وَكَانَتْ لَا تُرِيدُ الرِّجَالَ، فَصَنَعَتْ بِجِلْدِهَا شَبِيهًا بِالْبَرَصِ وَقَالَتْ لِأَبِيهَا: أَنَا عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَتُهْدِينِي لِمَلِكِ غَسَّانَ؟ فَنَدِمَ عَلَى تَزْوِيجِهَا فَأَمْسَكَهَا. ثُمَّ إِنَّ الْحَارِثَ أَرْسَلَ يَطْلُبُهَا فَمَنَعَهَا أَبُوهَا وَاعْتَلَّ عَلَيْهِ. ثُمَّ إِنَّ الْمُنْذِرَ خَرَجَ غَازِيًا، فَبَعَثَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ جَيْشًا إِلَى الْحِيرَةِ فَانْتَهَبَهَا وَأَحْرَقَهَا. فَانْصَرَفَ الْمُنْذِرُ مِنْ غَزَاتِهِ لَمَّا بَلَغَهُ مِنَ الْخَبَرِ، فَسَارَ يُرِيدُ غَسَّانَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْحَارِثَ فَجَمَعَ أَصْحَابَهُ وَقَوْمَهُ فَسَارَ بِهِمْ، فَتَوَافَقُوا بِعَيْنِ أُبَاغٍ فَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ فَاقْتَتَلُوا وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَحَمَلَتْ مَيْمَنَةُ الْمُنْذِرِ عَلَى مَيْسَرَةِ الْحَارِثِ، وَفِيهَا ابْنُهُ فَقَتَلُوهُ، وَانْهَزَمَتِ الْمَيْسَرَةُ، وَحَمَلَتْ مَيْمَنَةُ الْحَارِثِ عَلَى مَيْسَرَةِ الْمُنْذِرِ فَانْهَزَمَ مَنْ بِهَا وَقُتِلَ مُقَدِّمُهَا فَرْوَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ، وَحَمَلَتْ غَسَّانُ مِنَ الْقَلْبِ عَلَى الْمُنْذِرِ فَقَتَلُوهُ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ وَأُسِرَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مِنْهُمْ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ثُمَّ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ مِائَةُ أَسِيرٍ، مِنْهُمْ شَأْسُ بْنُ عَبَدَةَ، فَوَفَدَ أَخُوهُ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبَدَةَ الشَّاعِرُ عَلَى الْحَارِثِ يَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يُطْلِقَ أَخَاهُ، وَمَدَحَهُ بِقَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي أَوَّلُهَا: طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الْحِسَانِ طَرُوبُ ... بُعَيْدَ الشَّبَابِ عَصْرَ حَانَ مَشِيبُ تُكَلِّفُنِي لَيْلَى وَقَدْ شَطَّ أَهْلُهَا ... وَعَادَتْ عَوَادٍ بَيْنَنَا وَخُطُوبُ يَقُولُ فِيهَا: فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ ... إِذَا شَابَ رَأْسُ الْمَرْءِ أَوْ قَلَّ مَالُهُ فَلَيْسَ لَهُ فِي وُدِّهِنَّ نَصِيبُ ... يُرِدْنَ ثَرَاءَ الْمَالِ حَيْثُ وَجَدْنَهُ وَشَرْخُ الشَّبَابِ عِنْدَهُنَّ عَجِيبُ ... وَقَاتَلَ مِنْ غَسَّانَ أَهْلُ حِفَاظِهَا وَهِنْبٌ وَقَاسٌ جَالَدَتْ وَشَبِيبُ
تُخَشْخِشُ أَبْدَانُ الْحَدِيدِ عَلَيْهِمُ كَمَا ... خَشْخَشَتْ يَبْسَ الْحَصَادِ جَنُوبُ فَلَمْ تَنْجُ إِلَّا شَطْبَةٌ بِلِجَامِهَا ... وَإِلَّا طِمِرٌّ كَالْقَنَاةِ نَجِيبُ وَإِلَّا كَمِيٌّ ذُو حِفَاظٍ كَأَنَّهُ بِمَا ... ابْتَلَّ مِنْ حَدِّ الظُّبَاتِ خَضِيبُ وَفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ... فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذُنُوبُ فَلَا تَحْرِمَنِّي نَائِلًا عَنْ جَنَابَةٍ ... فَإِنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ الْقِبَابِ غَرِيبُ فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ: فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذُنُوبُ، قَالَ الْمَلِكُ: إِي وَاللَّهِ وَأَذْنِبَةٌ، ثُمَّ أَطْلَقَ شَأْسًا وَقَالَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ الْحِبَاءَ وَإِنْ شِئْتَ أُسَرَاءَ قَوْمِكَ؟ وَقَالَ لِجُلَسَائِهِ: إِنِ اخْتَارَ الْحِبَاءَ عَلَى قَوْمِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ. فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ مَا كُنْتُ لِأَخْتَارَ عَلَى قَوْمِي شَيْئًا. فَأَطْلَقَ لَهُ الْأَسْرَى مِنْ تَمِيمٍ وَكَسَاهُ وَحَبَاهُ، وَفَعَلَ ذَلِكَ بِالْأَسْرَى جَمِيعَهُمْ وَزَوَّدَهُمْ زَادًا كَثِيرًا. فَلَمَّا بَلَغُوا بِلَادَهُمْ أَعْطَوْا جَمِيعَ ذَلِكَ لِشَأْسٍ وَقَالُوا: أَنْتَ كُنْتَ السَّبَبَ فِي إِطْلَاقِنَا فَاسْتَعِنْ بِهَذَا عَلَى دَهْرِكَ، فَحَصَلَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ مِنْ إِبِلٍ وَكِسْوَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (عَبَدَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) . وَقِيلَ فِي قَتْلِهِ: إِنَّهُ جَمَعَ عَسْكَرًا ضَخْمًا وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ الشَّامَ، وَسَارَ مَلِكُ الشَّامِ، وَهُوَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ، فَنَزَلَ مَرْجَ حَلِيمَةَ، وَهُوَ يُنْسَبُ إِلَى حَلِيمَةَ بِنْتِ الْمَلِكِ، وَنَزَلَ الْمَلِكُ اللَّخْمِيُّ فِي مَرْجِ الصُّفَّرِ، فَسَيَّرَ الْحَارِثُ فَارِسَيْنِ طَلِيعَةً، أَحَدُهُمَا فَارِسُ خَصَافٍ، وَكَانَتْ فَرَسُهُ تَجْرِي عَلَى ثَلَاثٍ فَلَا تُلْحَقُ، فَسَارَا حَتَّى خَالَطَا الْقَوْمَ وَقَرُبَا مِنَ الْمَلِكِ وَأَمَامَهُ شَمْعَةٌ فَقَتَلَا حَامِلَهَا. فَفَزِعَ الْقَوْمُ فَاضْطَرَبُوا بِأَسْيَافِهِمْ فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى أَصْبَحُوا، وَأَتَاهُمْ رُسُلُ الْحَارِثِ مَلِكِ غَسَّانَ يَبْذُلُ الصُّلْحَ وَالْإِتَاوَةَ وَقَالَ: إِنِّي بَاعِثٌ رُءُوسَ الْقَبَائِلِ لِتَقْرِيرِ الْحَالِ، وَنَدَبَ أَصْحَابَهُ، فَانْتُدِبَ لَهُ مِائَةُ غُلَامٍ، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ غُلَامًا، فَأَلْبَسَهُمُ السِّلَاحَ وَأَمَرَ ابْنَتَهُ حَلِيمَةَ أَنْ تُطَيِّبَهُمْ وَتُلْبِسَهُمْ، فَفَعَلَتْ. فَلَمَّا مَرَّ بِهَا لَبِيدُ بْنُ عَمْرٍو فَارِسُ الزَّيْتِيَّةِ قَبَّلَهَا، فَأَتَتْ أَبَاهَا بَاكِيَةً، فَقَالَ: هُوَ أَسَدُ الْقَوْمِ وَلَئِنْ سَلِمَ لَأُنْكِحَنَّهُ إِيَّاكِ، وَأَمَّرَهُ عَلَى الْقَوْمِ وَسَارُوا، فَلَمَّا قَارَبُوا الْعَسْكَرَ الْعِرَاقِيَّ جَمَعَ الْمَلِكُ رُءُوسَ أَصْحَابِهِ. وَجَاءَ الْغَسَّانِيُّونَ وَعَلَيْهِمُ السِّلَاحُ، قَدْ لَبِسُوا فَوْقَهَا الثِّيَابَ وَالْبَرَانِسَ، فَلَمَّا تَتَامُّوا عِنْدَ الْمَلِكِ أَبْدَوُا السِّلَاحَ فَقَتَلُوا مَنْ وَجَدُوا، وَقُتِلَ لَبِيدُ بْنُ عَمْرٍو مَلِكُ الْعِرَاقِيِّينَ وَأُحِيطَ بِالْغَسَّانِيِّينَ فَقُتِلُوا إِلَّا لَبِيدَ بْنَ عَمْرٍو، فَإِنَّ فَرَسَهُ لَمْ تَبْرَحْ، فَاسْتَوَى عَلَيْهَا، وَعَادَ
ذكر قتل مضرط الحجارة
فَأَخْبَرَ الْمَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَنَكَحْتُكَ ابْنَتِي حَلِيمَةَ. فَقَالَ: لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنِّي فَلُّ مِائَةٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْقَوْمِ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ. وَتَفَقَّدَ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَشْرَافَهُمْ وَإِذَا بِهِمْ قَدْ قُتِلُوا فَضَعُفَتْ نُفُوسُهُمْ لِذَلِكَ وَزَحَفَتْ إِلَيْهِمْ غَسَّانُ فَانْهَزَمُوا. قُلْتُ: قَدِ اخْتَلَفَ النَّسَّابُونَ وَأَهْلُ السِّيَرِ فِي مُدَّةِ الْأَيَّامِ وَتَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْمَقْتُولِ فِيهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ يَوْمَ حَلِيمَةَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ، وَيَوْمَ أُبَاغٍ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْيَوْمَيْنِ وَاحِدًا فَيَقُولُ: لَمْ يُقْتَلْ إِلَّا الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ. وَأَمَّا ابْنُهُ الْمُنْذِرُ فَمَاتَ بِالْحِيرَةِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمَقْتُولَ مِنْ مُلُوكِ الْحِيرَةِ غَيْرُهُمَا، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَقْتُولَ هُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ لَا شَكَّ فِيهِ، وَأَمَّا ابْنُهُ فَفِيهِ خِلَافٌ كَثِيرٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ، وَمَنْ أَثْبَتَ قَتْلَهُ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ اخْتِلَافَهُمْ وَالْحَادِثَةُ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ مِنْهَا قَدْ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، فَمَتَى تَرَكْنَا أَحَدَهُمَا ظَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مَعْرِفَةٌ أَنَّ كُلَّ سَبَبٍ مِنْهَا حَادِثٌ مُسْتَقِلٌّ. وَقَدْ أَهْمَلْنَاهُ، فَأَتَيْنَا بِهِمَا جَمِيعًا لِذَلِكَ وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ. [ذِكْرُ قَتْلِ مُضَرِّطِ الْحِجَارَةِ] وَهُوَ عَمْرُو بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ مَاءِ السَّمَاءِ اللَّخْمِيُّ صَاحِبُ الْحِيرَةِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ مُضَرِّطَ الْحِجَارَةِ لِشِدَّةِ مُلْكِهِ وَقُوَّةِ سِيَاسَتِهِ، وَأُمُّهُ هِنْدٌ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو الْمَقْصُورِ بْنِ آكِلِ الْمُرَارِ، وَهِيَ عَمَّةُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرِ بْنِ الْحَارِثِ. وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا لِجُلَسَائِهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِي يَأْنَفُ أَنْ تَخْدِمَ أُمُّهُ أُمِّي؟ قَالُوا: مَا نَعْرِفُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَمْرَو بْنَ كُلْثُومٍ التَغْلِبِيَّ، فَإِنَّ أُمَّهُ لَيْلَى بِنْتُ مُهَلْهِلِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَمُّهَا كُلَيْبُ وَائِلٍ، وَزَوْجُهَا كُلْثُومٌ، وَابْنُهَا عَمْرٌو.
يوم الكلاب الأول
فَسَكَتَ مُضَرِّطُ الْحِجَارَةِ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ، وَبَعَثَ إِلَى عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ يَسْتَزِيرُهُ، وَيَأْمُرُ أَنْ تَزُورَ أُمُّهُ لَيْلَى أُمَّ نَفْسِهِ هِنْدًا بِنْتَ الْحَارِثِ. فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ فِي فُرْسَانٍ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ وَمَعَهُ أُمُّهُ لَيْلَى، فَنَزَلَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، وَبَلَغَ عَمْرَو بْنَ هِنْدٍ قُدُومُهُ، فَأَمَرَ فَضُرِبَتْ خِيَامُهُ بَيْنَ الْحِيرَةِ وَالْفُرَاتِ، وَأَرْسَلَ إِلَى وُجُوهِ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا ثُمَّ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ فَقُرِّبَ إِلَيْهِمُ الطَّعَامُ عَلَى بَابِ السُّرَادِقِ، وَجَلَسَ هُوَ وَعَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ وَخَوَاصُّ أَصْحَابِهِ فِي السُّرَادِقِ، وَلِأُمِّهِ هِنْدٍ قُبَّةٌ فِي جَانِبِ السُّرَادِقِ، وَلَيْلَى أُمُّ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ مَعَهَا فِي الْقُبَّةِ، وَقَدْ قَالَ مُضَرِّطُ الْحِجَارَةِ لِأُمِّهِ: إِذَا فَرَغَ النَّاسُ مِنَ الطَّعَامِ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الطُّرَفُ فَنَحِّي خَدَمَكِ عَنْكِ، فَإِذَا دَنَا الطُّرَفُ فَاسْتَخْدِمِي لَيْلَى وَمُرِيهَا فَلْتُنَاوِلْكِ الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ. فَفَعَلَتْ هِنْدٌ مَا أَمَرَهَا بِهِ ابْنُهَا، فَلَمَّا اسْتُدْعِيَ الطُّرَفُ قَالَتْ هِنْدٌ لِلَيْلَى: نَاوِلِينِي هَذَا الطَّبَقَ. فَقَالَتْ: لِتَقُمْ صَاحِبَةُ الْحَاجَةِ إِلَى حَاجَتِهَا. فَأَلَحَّتْ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ لَيْلَى: وَاذُلَّاهُ يَا آلَ تَغْلِبَ! فَسَمِعَهَا وَلَدُهَا عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ، فَثَارَ الدَّمُ فِي وَجْهِهِ وَالْقَوْمُ يَشْرَبُونَ، فَعَرَفَ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ الشَّرَّ فِي وَجْهِهِ، وَثَارَ ابْنُ كُلْثُومٍ إِلَى سَيْفِ ابْنِ هِنْدٍ وَهُوَ مُعَلَّقٌ فِي السُّرَادِقِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ سَيْفٌ غَيْرَهُ، فَأَخَذَهُ ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ رَأْسَ مُضَرِّطِ الْحِجَارَةِ فَقَتَلَهُ، وَخَرَجَ فَنَادَى: يَا آلَ تَغْلِبَ! فَانْتَهَبُوا مَالَهُ وَخَيْلَهُ وَسَبَوُا النِّسَاءَ وَسَارُوا فَلَحِقُوا بِالْحِيرَةِ، فَقَالَ أَفْنُونُ التَغْلِبِيُّ: لَعَمْرُكَ مَا عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ وَقَدْ دَعَا ... لِتَخْدِمَ لَيْلَى أُمَّهُ بِمُوَفَّقِ فَقَامَ ابْنُ كُلْثُومٍ إِلَى السَّيْفِ مُصْلَتًا ... وَأَمْسَكَ مِنْ نُدْمَانِهِ بِالْمُخَنَّقِ [يَوْمُ الْكُلَابِ الْأَوَّلُ]
قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: أَوَّلُ مَنِ اشْتَدَّ مُلْكُهُ مِنْ كِنْدَةَ حُجْرٌ آكِلُ الْمُرَارِ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْكِنْدِيِّ، فَلَمَّا هَلَكَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَمْرٌو مِثْلَ مُلْكِ أَبِيهِ فَسُمِّيَ الْمَقْصُورَ لِأَنَّهُ قَصَرَ عَلَى مُلْكِ أَبِيهِ، فَتَزَوَّجَ عَمْرٌو أُمَّ أُنَاسٍ بِنْتَ عَوْفِ بْنِ مُحَلَّمٍ الشَّيْبَانِيِّ، فَوَلَدَتْ لَهُ الْحَارِثَ، فَمَلَكَ بَعْدَ أَبِيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: سِتِّينَ سَنَةً، فَخَرَجَ يَتَصَيَّدُ فَرَأَى عَانَةً وَهِيَ حُمُرُ الْوَحْشِ، فَشَدَّ عَلَيْهَا، فَانْفَرَدَ مِنْهَا حِمَارٌ، فَتَتَبَّعَهُ وَأَقْسَمَ أَنْ لَا يَأْكُلَ شَيْئًا قَبْلَ كَبِدِهِ وَهُوَ بِمُسْحُلَانَ، فَطَلَبَتْهُ الْخَيْلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى أَدْرَكَتْهُ، فَأُتِيَ بِهِ وَقَدْ كَادَ يَمُوتُ مِنَ الْجُوعِ، فَشُوِيَ عَلَى النَّارِ وَأُطْعِمَ مِنْ كَبِدِهِ وَهِيَ حَارَّةٌ فَمَاتَ. وَكَانَ الْحَارِثُ فَرَّقَ بَنِيهِ فِي قَبَائِلِ مَعَدٍّ، فَجَعَلَ حُجْرًا فِي بَنِي أَسَدٍ وَكِنَانَةَ وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ، وَجَعَلَ شُرَحْبِيلَ فِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَبَنِي حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ وَبَنِي أُسَيِّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ وَالرِّبَابِ، وَجَعَلَ سَلَمَةَ وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ، فِي بَنِي تَغْلِبَ وَالنَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ وَبَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَجَعَلَ ابْنَهُ مَعْدِي كَرِبَ، وَيُعْرَفُ بِغَلْفَاءَ، فِي قَيْسِ عَيْلَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي قَتْلِ حُجْرٍ أَبِي امْرِئِ الْقَيْسِ، وَإِنَّمَا أَعَدْنَاهُ هَاهُنَا لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ. فَلَمَّا هَلَكَ الْحَارِثُ تَشَتَّتَ أَمْرُ أَوْلَادِهِ وَتَفَرَّقَتْ كَلِمَتُهُمْ وَمَشَى بَيْنَهُمُ الرِّجَالُ، وَكَانَتِ الْمُغَاوَرَةُ بَيْنَ الْأَحْيَاءِ الَّذِينَ مَعَهُمْ، وَتَفَاقَمَ أَمْرُهُمْ حَتَّى جَمَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِصَاحِبِهِ الْجُمُوعَ وَزَحَفَ إِلَيْهِ بِالْجُيُوشِ. فَسَارَ شُرَحْبِيلُ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ فَنَزَلَ الْكُلَابَ، وَهُوَ
مَاءٌ بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ. وَأَقْبَلَ سَلَمَةُ فِيمَنْ مَعَهُ وَفِي الصَّنَائِعِ أَيْضًا، وَهُمْ قَوْمٌ كَانُوا مَعَ الْمُلُوكِ مِنْ شُذَّاذِ الْعَرَبِ، فَأَقْبَلُوا إِلَى الْكُلَابِ، وَعَلَى تَغْلِبَ السَّفَّاحُ بْنُ خَالِدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَثَبَتَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ خَذَلَتْ بَنُو حَنْظَلَةَ وَعَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ وَالرِّبَابُ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ وَانْهَزَمُوا، وَثَبَتَتْ بَكْرٌ وَانْصَرَفَتْ بَنُو سَعْدٍ وَمَنْ مَعَهَا عَنْ تَغْلِبَ وَصَبَرَتْ تَغْلِبُ، وَنَادَى مُنَادِي شُرَحْبِيلَ: مَنْ أَتَانِي بِرَأْسِ سَلَمَةَ فَلَهُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَنَادَى مُنَادِي سَلَمَةَ: مَنْ أَتَانِي بِرَأْسِ شُرَحْبِيلَ فَلَهُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ. فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ حِينَئِذٍ كُلٌّ يَطْلُبُ أَنْ يَظْفَرَ لَعَلَّهُ يَصِلُ إِلَى قَتْلِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ لِيَأْخُذَ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، فَكَانَتِ الْغَلَبَةُ آخِرَ النَّهَارِ لِتَغْلِبَ وَسَلَمَةَ، وَمَضَى شُرَحْبِيلُ مُنْهَزِمًا، فَتَبِعَهُ ذُو السُّنَيْنَةِ التَغْلِبِيُّ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ شُرَحْبِيلُ فَضَرَبَهُ عَلَى رُكْبَتِهِ فَأَطَنَّ رِجْلَهُ. وَكَانَ ذُو السُّنَيْنَةِ أَخَا أَبِي حَنَشٍ لِأُمِّهِ، فَقَالَ لِأَخِيهِ: قَتَلَنِي الرَّجُلُ! وَهَلَكَ ذُو السُّنَيْنَةِ! فَقَالَ أَبُو حَنَشٍ لِشُرَحْبِيلَ: قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ! وَحَمَلَ عَلَيْهِ فَأَدْرَكَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا حَنَشٍ اللَّبَنَ اللَّبَنَ! يَعْنِي الدِّيَةَ. فَقَالَ: قَدْ هَرَقْتَ لَبَنًا كَثِيرًا! فَقَالَ: يَا أَبَا حَنَشٍ أَمَلِكًا بِسُوقَةٍ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي مَلِكِي. فَطَعَنَهُ فَأَلْقَاهُ عَنْ فَرَسِهِ، وَنَزَلَ إِلَيْهِ فَأَخَذَ رَأْسَهُ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى سَلَمَةَ مَعَ ابْنِ عَمٍّ لَهُ، فَأَتَاهُ بِهِ وَأَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ سَلَمَةُ: لَوْ كُنْتَ أَلْقَيْتَهُ أَرْفَقَ مِنْ هَذَا! وَعُرِفَتِ النَّدَامَةُ فِي وَجْهِ سَلَمَةَ وَالْجَزَعُ عَلَيْهِ. فَهَرَبَ أَبُو حَنَشٍ مِنْهُ، فَقَالَ سَلَمَةُ: أَلَا أَبْلِغْ أَبَا حَنَشٍ رَسُولًا ... فَمَا لَكَ لَا تَجِيءُ إِلَى الثَّوَابِ لِتَعْلَمَ أَنَّ خَيْرَ النَّاسِ طُرًّا ... قَتِيلٌ بَيْنَ أَحْجَارِ الْكُلَابِ تَدَاعَتْ حَوْلَهُ جُشَمُ بْنُ بَكْرٍ ... وَأَسْلَمَهُ جَعَاسِيسُ الرِّبَابِ فَأَجَابَهُ أَبُو حَنَشٍ فَقَالَ: أُحَاذِرُ أَنْ أَجِيئَكَ ثُمَّ تَحْبُو ... حِبَاءَ أَبِيكَ يَوْمَ صُنَيْبِعَاتِ وَكَانَتْ غَدْرَةٌ شَنْعَاءُ تَهْفُو ... تَقَلَّدَهَا أَبُوكَ إِلَى الْمَمَاتِ
وَكَانَ سَبَبَ صُنَيْبِعَاتٍ أَنَّ ابْنًا لِلْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي تَمِيمٍ وَبَكْرٍ وَلَدَغَتْهُ حَيَّةٌ فَمَاتَ، فَأَخَذَ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ تَمِيمٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ بَكْرٍ فَقَتَلَهُمْ بِهِ. وَلَمَّا قُتِلَ شُرَحْبِيلُ قَامَ بَنُو زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ دُونَ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ، فَمَنَعُوهُمْ وَحَالُوا بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُمْ، حَتَّى أَلْحَقُوهُمْ بِقَوْمِهِمْ وَمَأْمَنِهِمْ، وَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُ قَتْلِهِ أَخَاهُ مَعْدِي كَرِبَ، وَهُوَ غَلْفَاءُ، قَالَ يَرْثِيهِ: إِنْ جَنْبِي عَنِ الْفِرَاشِ لَنَابِي ... كَتَجَافِي الْأَسَرِّ فَوْقَ الظِّرَابِ مِنْ حَدِيثٍ نَمَى إِلَيَّ فَمَا تَرْ ... قَأُ عَيْنِي وَلَا أُسِيغُ شَرَابِي مُرَّةً كَالذُّعَافِ أَكْتُمُهَا النَّا ... سَ عَلَى حَرِّ مَلَّةٍ كَالشِّهَابِ مِنْ شُرَحْبِيلَ إِذَا تَعَاوَرَهُ الْأَرْ ... مَاحُ مِنْ بَعْدِ لَذَّةٍ وَشَبَابِ يَا ابْنَ أُمِّي وَلَوْ شَهِدْتُكَ إِذْ تَدْ ... عُو تَمِيمًا وَأَنْتَ غَيْرُ مُجَابِ ثَمَّ طَاعَنْتُ مِنْ وَرَائِكَ حَتَّى ... يُبْلَغَ الرَّحْبُ أَوْ تُبَزَّ ثِيَابِي أَحْسَنَتْ وَائِلٌ وَعَادَتُهَا الْإِحْ ... سَانُ بِالْحِنْوِ يَوْمَ ضَرْبِ الرِّقَابِ يَوْمَ فَرَّتْ بَنُو تَمِيمٍ وَوَلَّتْ ... خَيْلُهُمْ يَكْتَسِعْنَ بِالْأَذْنَابِ وَهِيَ طَوِيلَةٌ. ثُمَّ إِنَّ تَغْلِبَ أَخْرَجُوا سَلَمَةَ مِنْ بَيْنِهِمْ فَلَجَأَ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَانْضَمَّ إِلَيْهِمْ، وَلَحِقَتْ تَغْلِبُ بِالْمُنْذِرِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ اللَّخْمِيِّ. (الْكُلَابُ: بِضَمِّ الْكَافِ. أُسَيِّدُ بْنُ عَمْرٍو: بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِ. وَذُو السُّنَيْنَةِ: بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، تَصْغِيرُ سِنٍّ.
يوم أوارة الأول
وَالرِّبَابُ: بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْأُولَى الْمُوَحَّدَةِ. [يَوْمُ أُوَارَةَ الْأَوَّلُ] وَهُوَ يَوْمٌ كَانَ بَيْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ وَبَيْنَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. وَكَانَ سَبَبَهُ أَنَّ تَغْلِبَ لَمَّا أَخْرَجَتْ سَلَمَةَ بْنَ الْحَارِثِ عَنْهَا، الْتَجَأَ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، فَلَمَّا صَارَ عِنْدَ بَكْرٍ أَذْعَنَتْ لَهُ وَحَشَدَتْ عَلَيْهِ وَقَالُوا: لَا يَمْلِكُنَا غَيْرُكَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الْمُنْذِرُ يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ، فَأَبَوْا ذَلِكَ، فَحَلَفَ الْمُنْذِرُ لَيَسِيرَنَّ إِلَيْهِمْ فَإِنْ ظَفِرَ بِهِمْ فَلَيَذْبَحَنَّهُمْ عَلَى قُلَّةِ جَبَلِ أُوَارَةَ حَتَّى يَبْلُغَ الدَّمُ الْحَضِيضَ. وَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي جُمُوعِهِ، فَالْتَقَوْا بِأُوَارَةَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَأَجْلَتِ الْوَاقِعَةُ عَنْ هَزِيمَةِ بَكْرٍ وَأَسْرِ يَزِيدَ بْنِ شُرَحْبِيلَ الْكِنْدِيِّ، فَأَمَرَ الْمُنْذِرُ بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ، وَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَأَسَرَ الْمُنْذِرُ مِنْ بَكْرٍ أَسْرَى كَثِيرَةً فَأَمَرَ بِهِمْ فَذُبِحُوا عَلَى جَبَلِ أُوَارَةَ، فَجَعَلَ الدَّمُ يَجْمُدُ. فَقِيلَ لَهُ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ لَوْ ذَبَحْتَ كُلَّ بَكْرِيٍّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَمْ تَبْلُغْ دِمَاؤُهُمُ الْحَضِيضَ! وَلَكِنْ لَوْ صَبَبْتَ عَلَيْهِ الْمَاءَ! فَفَعَلَ فَسَالَ الدَّمُ إِلَى الْحَضِيضِ، وَأَمَرَ النِّسَاءَ أَنْ يُحْرَقْنَ بِالنَّارِ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ مُنْقَطِعًا إِلَى الْمُنْذِرِ، فَكَلَّمَهُ فِي سَبْيِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَأَطْلَقَهُنَّ الْمُنْذِرُ، فَقَالَ الْأَعْشَى يَفْتَخِرُ بِشَفَاعَةِ الْقَيْسِيِّ إِلَى الْمُنْذِرِ فِي بَكْرٍ: وَمِنَّا الَّذِي أَعْطَاهُ بِالْجَمْعِ رَبُّهُ ... عَلَى فَاقَةٍ وَلِلْمُلُوكِ هِبَاتُهَا سَبَايَا بَنِي شَيْبَانَ يَوْمَ أُوَارَةَ ... عَلَى النَّارِ إِذْ تُجْلَى لَهُ فَتَيَاتُهَا [يَوْمُ أُوَارَةَ الثَّانِي] كَانَ عَمْرُو بْنُ الْمُنْذِرِ اللَّخْمِيُّ قَدْ تَرَكَ ابْنًا لَهُ اسْمُهُ أَسْعَدُ عِنْدَ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسٍ التَّمِيمِيِّ، فَلَمَّا تَرَعْرَعَ مَرَّتْ بِهِ نَاقَةٌ سَمِينَةٌ فَعَبَثَ بِهَا فَرَمَى ضَرْعَهَا، فَشَدَّ عَلَيْهِ رَبُّهَا سُوَيْدٌ
أَحَدُ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَارِمٍ التَّمِيمِيُّ فَقَتَلَهُ. وَهَرَبَ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ فَحَالَفَ قُرَيْشًا. وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْمُنْذِرِ غَزَا قَبْلَ ذَلِكَ وَمَعَهُ زُرَارَةُ فَأَخْفَقَ، فَلَمَّا كَانَ حِيَالَ جَبَلَيْ طَيِّءٍ قَالَ لَهُ زُرَارَةُ: أَيُّ مَلِكٍ إِذَا غَزَا لَمْ يَرْجِعْ وَلَمْ يُصَبْ، فَمِلْ عَلَى طَيِّءٍ فَإِنَّكَ بِحِيَالِهَا، فَمَالَ إِلَيْهِمْ فَأَسَرَ وَقَتَلَ وَغَنِمَ، فَكَانَتْ فِي صُدُورِ طَيِّءٍ عَلَى زُرَارَةَ، فَلَمَّا قَتَلَ سُوَيْدٌ أَسْعَدَ، وَزُرَارَةُ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ عَمْرٍو، قَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ مِلْقَطٍ الطَّائِيُّ يُحَرِّضُ عَمْرًا عَلَى زُرَارَةَ: مَنْ مُبْلِغٌ عَمْرًا بِأَنَّ الْ ... مَرْءَ لَمْ يُخْلَقْ صُبَارَهْ هَا إِنَّ عَجْزَةَ أُمِّهِ ... بِالسَّفْحِ أَسْفَلُ مِنْ أُوَارَهْ فَاقْتُلْ زُرَارَةَ لَا أَرَى ... فِي الْقَوْمِ أَوْفَى مِنْ زُرَارَهْ فَقَالَ عَمْرٌو يَا زُرَارَةُ مَا تَقُولُ؟ قَالَ كُذِبْتَ، قَدْ عَلِمْتَ عَدَاوَتَهُمْ فِيكَ. قَالَ: صَدَقْتَ. فَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ سَارَ زُرَارَةُ مُجِدًّا إِلَى قَوْمِهِ وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَرِضَ. فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: يَا حَاجِبُ ضُمَّ إِلَيْكَ غِلْمَتِي فِي بَنِي نَهْشَلٍ. وَقَالَ لِابْنِ أَخِيهِ عَمْرِو بْنِ عَمْرٍو: عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ مِلْقَطٍ فَإِنَّهُ حَرَّضَ عَلَيَّ الْمَلِكَ. فَقَالَ لَهُ: يَا عَمَّاهُ لَقَدْ أَسْنَدْتَ إِلَيَّ أَبْعَدَهُمَا شُقَّةً وَأَشَدَّهُمَا شَوْكَةً. فَلَمَّا مَاتَ زُرَارَةُ تَهَيَّأَ عَمْرُو بْنُ عَمْرٍو فِي جَمْعٍ وَغَزَا طَيِّئًا فَأَصَابَ الطَّرِيفَيْنِ: طَرِيفَ بْنَ مَالِكٍ، وَطَرِيفَ بْنَ عَمْرٍو، وَقَتَلَ الْمَلَاقِطَ، فَقَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبَدَةَ فِي ذَلِكَ: وَنَحْنُ جَلَبْنَا مِنْ ضَرِيَّةِ خَيْلِنَا ... نُجَنِّبُهَا حَدَّ الْإِكَامِ قِطَاطَا أَصَبْنَا الطَّرِيفَ وَالطَّرِيفَ بْنَ مَالِكٍ ... وَكَانَ شِفَاءَ الْوَاصِبِينَ الْمُلَاقِطَا فَلَمَّا بَلَغَ عَمْرَو بْنَ الْمُنْذِرِ وَفَاةُ زُرَارَةَ غَزَا بَنِي دَارِمٍ، وَقَدْ كَانَ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ مِنْهُمْ مِائَةً، فَسَارَ يَطْلُبُهُمْ حَتَّى بَلَغَ أُوَارَةَ، وَقَدْ نَذَرُوا بِهِ فَتَفَرَّقُوا. فَأَقَامَ مَكَانَهُ وَبَثَّ سَرَايَاهُ فِيهِمْ،
ذكر قتل زهير بن جذيمة وخالد بن جعفر بن كلاب والحارث بن ظالم المري وذكر يوم الرحرحان
فَأَتَوْهُ بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ رَجُلًا سِوَى مَنْ قَتَلُوهُ فِي غَارَاتِهِمْ فَقَتَلَهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْبَرَاجِمِ شَاعِرٌ لِيَمْدَحَهُ فَأَخَذَهُ لِيَقْتُلَهُ لِيُتِمَّ مِائَةً، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ الشَّقِيَّ وَافِدُ الْبَرَاجِمِ "! فَذَهَبَتْ مَثَلًا. وَقِيلَ: إِنَّهُ نَذَرَ أَنْ يُحْرِقَهُمْ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ مُحْرِقًا، فَأَحْرَقَ مِنْهُمْ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَجُلًا، وَاجْتَازَ رَجُلٌ مِنَ الْبَرَاجِمِ فَشَمَّ قُتَارَ اللَّحْمِ فَظَنَّ أَنَّ الْمَلِكَ يَتَّخِذُ طَعَامًا فَقَصَدَهُ. فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ أَنَا وَافِدُ الْبَرَاجِمِ. فَقَالَ: إِنَّ الشَّقِيَّ وَافِدُ الْبَرَاجِمِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُذِفَ فِي النَّارِ، فَقَالَ جَرِيرٌ لِلْفَرَزْدَقِ: أَيْنَ الَّذِينَ بِنَارِ عَمْرٍو أُحْرِقُوا ... أَمْ أَيْنَ أَسْعَدُ فِيكُمُ الْمُسْتَرْضِعُ وَصَارَتْ تَمِيمٌ بَعْدَ ذَلِكَ يُعَيَّرُونَ بِحُبِّ الْأَكْلِ لِطَمَعِ الْبُرْجُمِيِّ فِي الْأَكْلِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا مَا مَاتَ مَيِّتٌ مِنْ تَمِيمٍ ... فَسَرَّكَ أَنْ يَعِيشَ فَجِئْ بِزَادِ بِخُبْزٍ أَوْ بِلَحْمٍ أَوْ بِتَمْرٍ ... أَوِ الشَّيْءِ الْمُلَفَّقِ فِي الْبِجَادِ تَرَاهُ يُنَقِّبُ الْبَطْحَاءَ حَوْلًا ... لِيَأْكُلَ رَأْسَ لُقْمَانَ بْنِ عَادِ قِيلَ: دَخَلَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا الشَّيْءُ الْمُلَفَّقُ فِي الْبِجَادِ يَا أَبَا بَحْرٍ؟ قَالَ: السَّخِينَةُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. وَالسَّخِينَةُ: طَعَامٌ تُعَيَّرُ بِهِ قُرَيْشٌ كَمَا كَانَتْ تُعَيَّرُ تَمِيمٌ بِالْمُلَفَّقِ فِي الْبِجَادِ. قَالَ: فَلَمْ يُرَ مُتَمَازِحَانِ أَوْقَرَ مِنْهُمَا. [ذِكْرُ قَتْلِ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ وَخَالِدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كُلَابٍ وَالْحَارِثِ بْنِ ظَالِمٍ الْمُرِّيِّ وَذِكْرُ يَوْمِ الرَّحْرَحَانِ]
كَانَ زُهَيْرُ بْنُ جَذِيمَةَ بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَطِيعَةَ بْنِ عَبْسٍ الْعَبْسِيُّ، وَهُوَ وَالِدُ قَيْسِ بْنِ زُهَيْرٍ صَاحِبِ حَرْبِ دَاحِسَ وَالْغَبْرَاءِ، سَيِّدُ قَيْسِ عَيْلَانَ، فَتَزَوَّجَ إِلَيْهِ مَلِكُ الْحِيرَةِ، وَهُوَ النُّعْمَانُ بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ جَدُّ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ لِشَرَفِهِ وَسُؤْدُدِهِ، فَأَرْسَلَ النُّعْمَانُ إِلَى زُهَيْرٍ يَسْتَزِيرُهُ بَعْضَ أَوْلَادِهِ، فَأَرْسَلَ ابْنَهُ شَأْسًا فَكَانَ أَصْغَرَ وَلَدِهِ، فَأَكْرَمَهُ وَحَبَاهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى أَبِيهِ كَسَاهُ حُلَلًا وَأَعْطَاهُ مَالًا طَيِّبًا. فَخَرَجَ شَأْسٌ يُرِيدُ قَوْمَهُ فَبَلَغَ مَاءً مِنْ مِيَاهِ غَنِيِّ بْنِ أَعْصَرَ فَقَتَلَهُ رَبَاحُ بْنُ الْأَشَلِّ الْغَنَوِيُّ، وَأَخَذَ مَا كَانَ مَعَهُ وَهُوَ يَعْرِفُهُ. وَقِيلَ لِزُهَيْرٍ: إِنَّ شَأْسًا أَقْبَلَ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ وَكَانَ آخِرُ الْعَهْدِ بِهِ بِمَاءٍ مِنْ مِيَاهِ غَنِيٍّ. فَسَارَ زُهَيْرٌ إِلَى دِيَارِ غَنِيٍّ، وَهُمْ حُلَفَاءُ فِي بَنِي عَامِرِ ابْنِ صَعْصَعَةَ، فَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ، فَسَأَلَهُمْ عَنِ ابْنِهِ، فَحَلَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا خَبَرَهُ، قَالَ: لَكِنِّي أَعْلَمُهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَامِرٍ: فَمَا الَّذِي يُرْضِيكَ مِنَّا؟ قَالَ: وَاحِدَةٌ مِنْ ثَلَاثٍ: إِمَّا تُحْيُونَ وَلَدِي، وَإِمَّا تُسْلِمُونَ إِلَيَّ غَنِيًّا حَتَّى أَقْتُلَهُمْ بِوَلَدِي، وَإِمَّا الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مَا بَقِينَا وَبَقِيتُمْ. فَقَالُوا: مَا جَعَلْتَ لَنَا فِي هَذِهِ مَخْرَجًا، أَمَّا إِحْيَاءُ وَلَدِكَ فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ، وَأَمَّا تَسْلِيمُ غَنِيٍّ إِلَيْكَ فَهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِمَّا يَمْتَنِعُ مِنْهُ الْأَحْرَارُ، وَأَمَّا الْحَرْبُ بَيْنَنَا فَوَاللَّهِ إِنَّنَا لَنُحِبُّ رِضَاكَ وَنَكْرَهُ سُخْطَكَ، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ الدِّيَةَ، وَإِنْ شِئْتَ تَطْلُبُ قَاتِلَ ابْنِكَ فَنُسَلِّمُهُ إِلَيْكَ، أَوْ تَهَبُ دَمَهُ فَإِنَّهُ لَا يَضِيعُ فِي الْقَرَابَةِ وَالْجِوَارِ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ إِلَّا مَا ذَكَرْتُ. فَلَمَّا رَأَى خَالِدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ كُلَابٍ تَعَدِّيَ زُهَيْرٍ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ غَنِيٍّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا كَالْيَوْمِ تَعَدِّيَ رَجُلٍ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُ زُهَيْرٌ: فَهَلْ لَكَ أَنْ تَكُونَ طِلْبَتِي عِنْدَكَ وَأَتْرُكُ غَنِيًّا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَانْصَرَفَ زُهَيْرٌ وَهُوَ يَقُولُ: فَلَوْلَا كُلَابٌ قَدْ أَخَذْتُ قَرِينَتِي ... بِرَدٍّ غَنِيٍّ أَعْبُدًا وَمَوَالِيَا
وَلَكِنْ حَمَتْهُمْ عُصْبَةٌ عَامِرِيَّةٌ يَهُزُّونَ فِي الْأَرْضِ الْقِصَارَ الْعَوَالِيَا ... مَسَاعِيرُ فِي الْهَيْجَا مَصَالِيتُ فِي الْوَغَى أَخُوهُمْ عَزِيزٌ لَا يَخَافُ الْأَعَادِيَا ... يُقِيمُونَ فِي دَارِ الْحِفَاظِ تَكَرُّمًا إِذَا مَا فَنِيَ الْقَوْمُ أَضْحَتْ خَوَالِيَا ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ امْرَأَةً وَأَمَرَهَا أَنْ تَكْتُمَ نَسَبَهَا وَأَعْطَاهَا لَحْمَ جَزُورٍ سَمِينَةٍ وَسَيَّرَهَا إِلَى غَنِيٍّ لِتَبِيعَ اللَّحْمَ بِطِيبٍ وَتَسْأَلَ عَنْ حَالِ وَلَدِهِ. فَانْطَلَقَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى غَنِيٍّ وَفَعَلَتْ مَا أَمَرَهَا، فَانْتَهَتْ إِلَى امْرَأَةِ رَبَاحِ بْنِ الْأَشَلِّ وَقَالَتْ لَهَا: قَدْ زَوَّجْتُ بِنْتًا لِي وَأَبْغِي الطِّيبَ بِهَذَا اللَّحْمِ، فَأَعْطَتْهَا طِيبًا وَحَدَّثَتْهَا بِقَتْلِ زَوْجِهَا شَأْسًا. فَعَادَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى زُهَيْرٍ وَأَخْبَرَتْهُ، فَجَمَعَ خَيْلَهُ وَجَعَلَ يُغِيرُ عَلَى غَنِيٍّ حَتَّى قَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ بَنِي عَبْسٍ وَبَنِي عَامِرٍ وَعَظُمَ الشَّرُّ. ثُمَّ إِنَّ زُهَيْرًا خَرَجَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ إِلَى عُكَاظٍ، فَالْتَقَى هُوَ وَخَالِدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ كُلَابٍ، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: لَقَدْ طَالَ شَرُّنَا مِنْكَ يَا زُهَيْرُ! فَقَالَ زُهَيْرٌ: أَمَا وَاللَّهِ مَا دَامَتْ لِي قُوَّةٌ أُدْرِكُ بِهَا ثَأْرًا فَلَا انْصِرَامَ لَهُ. وَكَانَتْ هَوَازِنُ تُؤْتِي زُهَيْرَ بْنَ جَذِيمَةَ الْإِتَاوَةَ كُلَّ سَنَةٍ بِعُكَاظٍ، وَهُوَ يَسُومُهَا الْخَسْفَ، وَفِي أَنْفُسِهَا مِنْهُ غَيْظٌ وَحِقْدٌ، ثُمَّ عَادَ خَالِدٌ وَزُهَيْرٌ إِلَى قَوْمِهِمَا، فَسَبَقَ خَالِدٌ إِلَى بِلَادِ هَوَازِنَ فَجَمَعَ إِلَيْهِ قَوْمَهُ وَنَدَبَهُمْ إِلَى قِتَالِ زُهَيْرٍ، فَأَجَابُوهُ وَتَأَهَّبُوا لِلْحَرْبِ وَخَرَجُوا يُرِيدُونَ زُهَيْرًا وَهُمْ عَلَى طَرِيقِهِ، وَسَارَ زُهَيْرٌ حَتَّى نَزَلَ عَلَى أَطْرَافِ بِلَادِ هَوَازِنَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ قَيْسٌ: انْجُ بِنَا مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ فَإِنَّا قَرِيبٌ مِنْ عَدُوِّنَا. فَقَالَ لَهُ: يَا عَاجِزٌ وَمَا الَّذِي تُخَوِّفُنِي بِهِ مِنْ هَوَازِنَ وَتَتَّقِي شَرَّهَا؟ فَأَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَا. فَقَالَ ابْنُهُ: دَعْ عَنْكَ اللَّجَاجَ وَأَطِعْنِي وَسِرْ بِنَا، فَإِنِّي خَائِفٌ عَادِيَتَهُمْ. وَكَانَتْ تُمَاضِرُ بِنْتُ الشَّرِيدِ بْنِ رِيَاحِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ عُصَيَّةَ السُّلَمِيَّةُ أُمَّ وَلَدِ زُهَيْرٍ، وَقَدْ أَصَابَ بَعْضُ إِخْوَتِهَا دَمًا فَلَحِقَ بِبَنِي عَامِرٍ، وَكَانَ فِيهِمْ، فَأَرْسَلَهُ خَالِدٌ عَيْنًا لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ زُهَيْرٍ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَاهُمْ فِي مَنْزِلِهِمْ، فَعَلِمَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ حَالَهُ، وَأَرَادَ هُوَ وَأَبُوهُ أَنْ يُوثِقُوهُ وَيَأْخُذُوهُ مَعَهُمْ إِلَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ أَرْضِ هَوَازِنَ، فَمَنَعَتْ أُخْتُهُ، فَأَخَذُوا عَلَيْهِ الْعُهُودَ
أَلَّا يُخْبِرَ بِهِمْ وَأَطْلَقُوهُ، فَسَارَ إِلَى خَالِدٍ وَوَقَفَ إِلَى شَجَرَةٍ يُخْبِرُهَا الْخَبَرَ، فَرَكِبَ خَالِدٌ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى زُهَيْرٍ، وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنْهُمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَالْتَقَى خَالِدٌ وَزُهَيْرٌ فَاقْتَتَلَا طَوِيلًا ثُمَّ تَعَانَقَا فَسَقَطَا عَلَى الْأَرْضِ، وَشَدَّ وَرْقَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ عَلَى خَالِدٍ وَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا لِأَنَّهُ قَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَحَمَلَ جُنْدُحُ بْنُ الْبَكَّاءِ، وَهُوَ ابْنُ امْرَأَةِ خَالِدٍ، عَلَى زُهَيْرٍ فَقَتَلَهُ، وَهُوَ وَخَالِدٌ يَعْتَرِكَانِ، فَثَارَ خَالِدٌ عَنْهُ وَعَادَتْ هَوَازِنُ إِلَى مَنَازِلِهَا، وَحَمَلَ بَنُو زُهَيْرٍ أَبَاهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَقَالَ وَرْقَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ فِي ذَلِكَ: رَأَيْتُ زُهَيْرًا تَحْتَ كَلْكَلِ خَالِدٍ ... فَأَقْبَلْتُ أَسْعَى كَالْعَجُولِ أُبَادِرُ إِلَى بَطَلَيْنِ يَعْتِرَانِ كِلَاهُمَا ... يُرِيدُ رِيَاشَ السَّيْفِ وَالسَّيْفُ نَادِرُ فَشُلَّتْ يَمِينِي يَوْمَ أَضْرِبُ خَالِدًا ... وَيَمْنَعُهُ مِنِّي الْحَدِيدُ الْمُظَاهِرُ فَيَا لَيْتَ أَنِّي قَبْلَ أَيَّامِ خَالِدٍ ... وَقَبْلَ زُهَيْرٍ لَمْ تَلِدْنِي تُمَاضِرُ لَعَمْرِي لَقَدْ بُشِّرْتِ بِي إِذْ وَلَدْتِنِي ... فَمَاذَا الَّذِي رَدَّتْ عَلَيْكِ الْبَشَائِرُ؟ فَلَا يَدْعُنِي قَوْمِي صَرِيحًا بِحُرَّةٍ ... لَئِنْ كُنْتُ مَقْتُولًا وَيَسْلَمُ عَامِرُ فَطِرْ خَالِدٌ إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ طَيْرَةً ... وَلَا تَقَعَنْ إِلَّا وَقَلْبُكَ حَاذِرُ أَتَتْكَ الْمَنَايَا إِنْ بَقِيتَ بِضَرْبَةٍ ... تُفَارِقُ مِنْهَا الْعَيْشَ وَالْمَوْتُ حَاضِرُ وَقَالَ خَالِدٌ يَمُنُّ عَلَى هَوَازِنَ بِقَتْلِهِ زُهَيْرًا: أَبْلِغْ هَوَازِنَ كَيْفَ تَكْفُرُ بَعْدَمَا ... أَعْتَقْتُهُمْ فَتَوَالَدُوا أَحْرَارَا وَقَتَلْتُ رَبَّهُمُ زُهَيْرًا بَعْدَمَا ... جَدَعَ الْأُنُوفَ وَأَكْثَرَ الْأَوْتَارَا وَجَعَلْتُ مَهْرَ نِسَائِهِمْ وَدِيَاتِهِمْ ... عَقْلَ الْمُلُوكِ هَجَائِنًا وَبِكَارَا وَكَانَ زُهَيْرٌ سَيِّدَ غَطَفَانَ، فَعَلِمَ خَالِدٌ أَنَّ غَطَفَانَ سَتَطْلُبُهُ بِسَيِّدِهَا، فَسَارَ إِلَى
النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بِالْحِيرَةِ فَاسْتَجَارَهُ، فَأَجَارَهُ. فَضَرَبَ لَهُ قُبَّةً، وَجَمَعَ بَنُو زُهَيْرٍ لِهَوَازِنَ، فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ ظَالِمٍ الْمُرِّيُّ: اكْفُونِي حَرْبَ هَوَازِنَ فَأَنَا أَكْفِيكُمْ خَالِدَ بْنَ جَعْفَرٍ. وَسَارَ الْحَارِثُ حَتَّى قَدِمَ عَلَى النُّعْمَانِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ خَالِدٌ، وَهُمَا يَأْكُلَانِ تَمْرًا، فَأَقْبَلَ النُّعْمَانُ يُسَائِلُهُ، فَحَسَدَهُ خَالِدٌ، فَقَالَ لِلنُّعْمَانِ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ! هَذَا رَجُلٌ لِي عِنْدَهُ يَدٌ عَظِيمَةٌ، قَتَلْتُ زُهَيْرًا وَهُوَ سَيِّدُ غَطَفَانَ فَصَارَ هُوَ سَيِّدَهَا. فَقَالَ الْحَارِثُ: سَأَجْزِيكَ عَلَى يَدِكَ عِنْدِي، وَجَعَلَ الْحَارِثُ يَتَنَاوَلُ التَّمْرَ لِيَأْكُلَهُ فَيَقَعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ مِنَ الْغَضَبِ، فَقَالَ عُرْوَةُ لِأَخِيهِ خَالِدٍ: مَا أَرَدْتَ بِكَلَامِهِ وَقَدْ عَرَفْتَهُ فَتَّاكًا؟ فَقَالَ خَالِدٌ: وَمَا يُخَوِّفُنِي مِنْهُ؟ فَوَاللَّهِ لَوْ رَآنِي نَائِمًا مَا أَيْقَظَنِي. ثُمَّ خَرَجَ خَالِدٌ وَأَخُوهُ إِلَى قُبَّتِهِمَا فَشَرَجَاهَا عَلَيْهِمَا، وَنَامَ خَالِدٌ وَعُرْوَةُ عِنْدَ رَأْسِهِ يَحْرُسُهُ، فَلَمَّا أَظْلَمَ اللَّيْلُ انْطَلَقَ الْحَارِثُ إِلَى خَالِدٍ فَقَطَعَ شَرَجَ الْقُبَّةِ وَدَخَلَهَا وَقَالَ لِعُرْوَةَ: لَئِنْ تَكَلَّمْتَ قَتَلْتُكَ! ثُمَّ أَيْقَظَ خَالِدًا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَالَ: أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: أَنْتَ الْحَارِثُ. قَالَ: خُذْ جَزَاءَ يَدِكَ عِنْدِي! وَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ الْمَعْلُوبِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْقُبَّةِ وَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَسَارَ. وَخَرَجَ عُرْوَةُ مِنَ الْقُبَّةِ يَسْتَغِيثُ وَأَتَى بَابَ النُّعْمَانِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَبَثَّ الرِّجَالَ فِي طَلَبِ الْحَارِثِ. قَالَ الْحَارِثُ: فَلَمَّا سِرْتُ قَلِيلًا خِفْتُ أَنْ أَكُونَ لَمْ أَقْتُلْهُ فَعُدْتُ مُتَنَكِّرًا وَاخْتَلَطْتُ بِالنَّاسِ وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى تَيَقَّنْتُ أَنَّهُ مَقْتُولٌ وَعُدْتُ فَلَحِقْتُ بِقَوْمِي، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْدَةَ الْكُلَابِيُّ: يَا حَارِ لَوْ نَبَّهْتَهُ لَوَجَدْتَهُ ... لَا طَائِشًا رَعِشًا وَلَا مِعْزَالَا شَقَّتْ عَلَيْهِ الْجَعْفَرِيَّةُ جَيْبَهَا ... جَزَعًا وَمَا تَبْكِي هُنَاكَ ضَلَالَا فَانْعُوا أَبَا بَحْرٍ بِكُلِّ مُجَرَّبٍ ... حَرَّانَ يُحْسَبُ فِي الْقَنَاةِ هِلَالَا
فَلَيُقْتَلَنَّ بِخَالِدٍ سَرَوَاتِكُمْ وَلَيُجْعَلَنَّ لِظَالِمٍ تِمْثَالَا فَأَجَابَهُ الْحَارِثُ: تَاللَّهِ قَدْ نَبَّهْتُهُ فَوَجَدْتُهُ ... رَخْوَ الْيَدَيْنِ مُوَاكِلًا عِسْقَالَا فَعَلَوْتُهُ بِالسَّيْفِ أَضْرِبُ رَأْسَهُ ... حَتَّى أَضَلَّ بِسَلْحِهِ السِّرْبَالَا فَجَعَلَ النُّعْمَانُ يَطْلُبُهُ لِيَقْتُلَهُ بِجَارِهِ، وَهَوَازِنُ تَطْلُبُهُ لِتَقْتُلَهُ بِسَيِّدِهَا خَالِدٍ، فَلَحِقَ بِتَمِيمٍ فَاسْتَجَارَ بِضَمْرَةَ بْنِ ضَمْرَةَ بْنِ جَابِرِ بْنِ قَطَنِ بْنِ نَهْشَلِ بْنِ دَارِمٍ، فَأَجَارَهُ عَلَى النُّعْمَانِ وَهَوَازِنَ، فَلَمَّا عَلِمَ النُّعْمَانُ ذَلِكَ جَهَّزَ جَيْشًا إِلَى بَنِي دَارِمٍ عَلَيْهِمُ ابْنُ الْخِمْسِ التَغْلِبِيُّ، وَكَانَ يَطْلُبُ الْحَارِثَ بِدَمِ أَبِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ قَتَلَهُ. ثُمَّ إِنَّ الْأَحْوَصَ بْنَ جَعْفَرٍ أَخَا خَالِدٍ جَمَعَ بَنِي عَامِرٍ وَسَارَ بِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا هُمْ وَعَسْكَرُ النُّعْمَانِ عَلَى بَنِي دَارِمٍ وَسَارُوا، فَلَمَّا صَارُوا بِأَدْنَى مِيَاهِ بَنِي دَارِمٍ رَأَوُا امْرَأَةً تَجْنِي الْكَمْأَةَ وَمَعَهَا جَمَلٌ لَهَا، فَأَخَذَهَا رَجُلٌ مِنْ غَنِيٍّ وَتَرَكَهَا عِنْدَهُ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ نَامَ فَقَامَتْ إِلَى جَمَلِهَا فَرَكِبَتْهُ، وَسَارَتْ حَتَّى صَبَّحَتْ بَنِي دَارِمٍ، وَقَصَدَتْ سَيِّدَهُمْ زُرَارَةَ بْنَ عُدَسٍ فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ وَقَالَتْ: أَخَذَنِي أَمْسِ قَوْمٌ لَا يُرِيدُونَ غَيْرَكَ وَلَا أَعْرِفُهُمْ. قَالَ: فَصِفِيهِمْ لِي. قَالَتْ: رَأَيْتُ رَجُلًا قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ فَهُوَ يَرْفَعُهُمَا بِخِرْقَةٍ، صَغِيرَ الْعَيْنَيْنِ، وَعَنْ أَمْرِهِ يَصْدُرُونَ. قَالَ: ذَاكَ الْأَحْوَصُ وَهُوَ سَيِّدُ الْقَوْمِ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا قَلِيلَ الْمَنْطِقِ إِذَا تَكَلَّمَ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ كَمَا تَجْتَمِعُ الْإِبِلُ لِفَحْلِهَا، أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَمَعَهُ ابْنَانِ لَهُ يُلَازِمَانِهِ. قَالَ: ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ جَعْفَرٍ وَابْنَاهُ عَامِرٌ وَطُفَيْلٌ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا جَسِيمًا كَأَنَّ لِحْيَتَهُ مُحَمَّرَةٌ مُعَصْفَرَةٌ. قَالَ: ذَاكَ عَوْفُ بْنُ الْأَحْوَصِ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا هِلْقَامًا جَسِيمًا. قَالَ: ذَاكَ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ كُلَابٍ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا أَسْوَدَ أَخْنَسَ قَصِيرًا.
قَالَ: ذَاكَ رَبِيعَةُ بْنُ قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا أَقْرَنَ الْحَاجِبَيْنِ، كَثِيرَ شَعْرِ السَّبْلَةِ، يَسِيلُ لُعَابُهُ عَلَى لِحْيَتِهِ إِذَا تَكَلَّمَ. قَالَ: ذَاكَ جُنْدُحُ بْنُ الْبَكَّاءِ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا صَغِيرَ الْعَيْنَيْنِ، ضَيِّقَ الْجَبْهَةِ، يَقُودُ فَرَسًا لَهُ، مَعَهُ جَفِيرٌ لَا يُفَارِقُ يَدَهُ. قَالَ: ذَاكَ رَبِيعَةُ بْنُ عُقَيْلِ بْنِ كَعْبٍ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا مَعَهُ ابْنَانِ أَصْهَبَانِ، إِذَا أَقْبَلَا رَمَاهُمَا النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَإِذَا أَدْبَرَا كَانَا كَذَلِكَ. قَالَ: ذَاكَ الصَّعْقُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ نُفَيْلٍ وَابْنَاهُ يَزِيدُ وَزُرْعَةُ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا لَا يَقُولُ كَلِمَةً إِلَّا وَهِيَ أَحَدُّ مِنْ شَفْرَةٍ. قَالَ: ذَاكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْدَةَ بْنِ كَعْبٍ. وَأَمَرَهَا زُرَارَةُ فَدَخَلَتْ بَيْتَهَا، وَأَرْسَلَ زُرَارَةُ إِلَى الرِّعَاءِ يَأْمُرُهُمْ بِإِحْضَارِ الْإِبِلِ، فَفَعَلُوا. وَأَمَرَهُمْ فَحَمَلُوا الْأَهْلَ وَالْأَثْقَالَ وَسَارُوا نَحْوَ بِلَادِ بَغِيضٍ، وَفَرَّقَ الرُّسُلَ فِي بَنِي مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ فَأَتَوْهُ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ وَأَمَرَهُمْ، فَوَجَّهُوا أَثْقَالَهُمْ إِلَى بِلَادِ بَغِيضٍ، فَفَعَلُوا وَبَاتُوا مُعَدِّينَ. وَأَصْبَحَ بَنُو عَامِرٍ وَأَخْبَرَهُمُ الْغَنَوِيُّ حَالَ الظَّعِينَةِ وَهَرَبَهَا فَسُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَاجْتَمَعُوا يُدِيرُونَ الرَّأْيَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَأَنِّي بِالظَّعِينَةِ قَدْ أَتَتْ قَوْمَهَا فَأَخْبَرَتْهُمُ الْخَبَرَ، فَحَذِرُوا وَأَرْسَلُوا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَى بِلَادِ بَغِيضٍ، وَبَاتُوا مُعَدِّينَ لَكُمْ فِي السِّلَاحِ، فَارْكَبُوا بِنَا فِي طَلَبِ نَعَمِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَشْعُرُونَ حَتَّى نُصِيبَ حَاجَتَنَا وَنَنْصَرِفَ. فَرَكِبُوا يَطْلُبُونَ ظُعْنَ بَنِي دَارِمٍ، فَلَمَّا أَبْطَأَ الْقَوْمُ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ تَوَجَّهُوا إِلَى ظُعُنِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ فَسِيرُوا إِلَيْهِمْ. فَسَارُوا مُجِدِّينَ فَلَحِقُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَى الظُّعُنِ وَالنَّعَمِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَتَلَتْ بَنُو مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ ابْنِ الْخِمْسِ التَغْلِبِيِّ رَئِيسَ جَيْشِ النُّعْمَانِ، وَأَسَرَتْ بَنُو عَامِرٍ مَعْبَدَ بْنَ زُرَارَةَ، وَصَبَرَ بَنُو دَارِمٍ حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَأَقْبَلَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَانْهَزَمَتْ بَنُو عَامِرٍ وَجَيْشُ النُّعْمَانِ وَعَادُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَمَعْبَدٌ أَسِيرٌ مَعَ بَنِي عَامِرٍ، فَبَقِيَ مَعَهُمْ حَتَّى مَاتَ. وَفِي تِلْكَ الْأَيَّامِ أَيْضًا مَاتَ زُرَارَةُ بْنُ عُدَسٍ. وَقِيلَ فِي اسْتِجَارَةِ الْحَارِثِ بِبَنِي تَمِيمٍ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ النُّعْمَانَ طَلَبَ شَيْئًا يَغِيظُ بِهِ
الْحَارِثَ بَعْدَ قَتْلِ خَالِدٍ وَهَرَبِهِ، فَقِيلَ لَهُ: كَانَ قَصَدَ الْحِيرَةَ وَنَزَلَ عَلَى عِيَاضِ بْنِ دَيْهَثٍ التَّمِيمِيِّ وَهُوَ صَدِيقٌ لَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ النُّعْمَانُ فَأَخَذَ إِبِلًا لَهُ، فَرَكِبَ الْحَارِثُ وَأَتَى الْحِيرَةَ مُتَخَفِّيًا وَاسْتَنْقَذَ مَالَهُ مِنَ الرِّعَاءِ وَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَطَلَبَ شَيْئًا يَغِيظُ بِهِ النُّعْمَانَ، فَرَأَى ابْنَهُ غَضْبَانَ فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، وَبَلَغَ النُّعْمَانَ الْخَبَرُ فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِ فَلَمْ يُدْرَكْ، فَقَالَ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ: أَخُصْيَيْ حِمَارٍ بَاتَ يَكْدُمُ نَجْمَةً ... أَتُؤْكَلُ جَارَاتِي وَجَارُكَ سَالِمُ فَإِنْ تَكُ أَذْوَادًا أَصَبْتَ وَنِسْوَةً ... فَهَذَا ابْنُ سَلْمَى رَأْسُهُ مُتَفَاقِمُ عَلَوْتُ بِذِي الْحَيَّاتِ مَفْرِقَ رَأْسِهِ ... وَلَا يَرْكَبُ الْمَكْرُوهَ إِلَّا الْأَكَارِمُ فَتَكْتُ بِهِ كَمَا فَتَكْتُ بِخَالِدٍ ... وَكَانَ سِلَاحِي تَحْتَوِيهِ الْجَمَاجِمُ بَدَأْتُ بِتِلْكَ وَانْثَنَيْتُ بِهَذِهِ ... وَثَالِثَةٌ تَبْيَضُّ مِنْهَا الْمَقَادِمُ حَسِبْتَ أَبَا قَابُوسَ أَنَّكَ مُخْفِرِي ... وَلَمَّا تَذُقْ ثُكْلًا وَأَنْفُكَ رَاغِمُ
كَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمَقْتُولَ كَانَ شُرَحْبِيلَ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ قَدْ تَرَكَ ابْنَهُ شُرَحْبِيلَ عِنْدَ سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيِّ تُرْضِعُهُ زَوْجَتُهُ. فَمِنْ هُنَاكَ كَانَ لِسِنَانٍ مَالٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ ابْنُهُ هَرِمٌ يُعْطَى مِنْهُ، فَجَاءَ الْحَارِثُ مُتَخَفِّيًا فَاسْتَعَارَ سَرْجَ سِنَانٍ وَلَا يَعْلَمُ سِنَانٌ، ثُمَّ أَتَى امْرَأَةَ سِنَانٍ فَقَالَ: يَقُولُ بَعْلُكِ ابْعَثِي بِشُرَحْبِيلَ بْنِ الْمَلِكِ مَعَ الْحَارِثِ بْنِ ظَالِمٍ حَتَّى يَسْتَأْمِنَ بِهِ وَيَتَخَفَّرَ بِهِ، وَهَذَا سَرْجُهُ عَلَامَةٌ. فَزَيَّنَتْهُ وَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ وَهَرَبَ. فَغَزَا الْأَسْوَدُ بَنِي ذُبْيَانَ وَبَنِي أَسَدٍ بِشَطِّ أَرْبَكَ، فَقَتَلَ فِيهِمْ قَتْلًا ذَرِيعًا وَسَبَى وَاسْتَأْصَلَ الْأَمْوَالَ وَأَقْسَمَ لَيَقْتُلَنَّ الْحَارِثَ، فَسَارَ الْحَارِثُ مُتَخَفِّيًا إِلَى الْحِيرَةِ لِيَفْتِكَ بِالْأَسْوَدِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي مَنْزِلِهِ إِذْ سَمِعَ صَارِخَةً تَقُولُ: أَنَا فِي جِوَارِ الْحَارِثِ بْنِ ظَالِمٍ، وَعَرَفَ حَالَهَا، وَكَانَ الْأَسْوَدُ قَدْ أَخَذَ لَهَا صِرْمَةً مِنَ الْإِبِلِ، فَقَالَ لَهَا: انْطَلِقِي غَدًا إِلَى مَكَانِ كَذَا، وَأَتَاهُ الْحَارِثُ. فَلَمَّا وَرَدَتْ إِبِلُ النُّعْمَانِ أَخَذَ مَالَهَا فَسَلَّمَهُ إِلَيْهَا وَفِيهَا نَاقَةٌ تُسَمَّى اللَّقَاعَ، فَقَالَ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ: إِذَا سَمِعْتِ حَنَّةَ اللَّقَاعِ فَادْعِي ... أَبَا لَيْلَى فَنِعْمَ الدَّاعِي يَمْشِي بِغَضَبٍ صَارِمٍ قَطَّاعِ ... يَفْرِي بِهِ مَجَامِعَ الصُّدَّاعِ ثُمَّ أَقْبَلَ يَطْلُبُ مُجِيرًا، فَلَمْ يُجِرْهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَقَالُوا: يُجِيرُكَ عَلَى هَوَازِنَ وَالنُّعْمَانِ وَقَدْ قَتَلْتَ وَلَدَهُ؟ فَأَتَى زُرَارَةَ بْنَ عُدَسٍ وَضَمْرَةَ بْنَ ضَمْرَةَ فَأَجَارَاهُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ. ثُمَّ إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْإِطْنَابَةِ الْخَزْرَجِيَّ لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ خَالِدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ، قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ وَجَدَهُ يَقْظَانَ مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي لَقِيتُهُ. وَبَلَغَ الْحَارِثَ قَوْلُهُ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُ فِي رَحْلٍ وَلَا أَلْقَاهُ إِلَّا وَمَعَهُ سِلَاحُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ الْإِطْنَابَةِ فَقَالَ أَبْيَاتًا، مِنْهَا: أَبْلِغِ الْحَارِثَ بْنَ ظَالِمٍ الْمَوْ ... عِدَ وَالنَّاذِرَ النُّذُورَ عَلَيَّا إِنَّمَا تَقْتُلُ النِّيَامَ وَلَا تَقْ ... تُلُ يَقْظَانَ ذَا سِلَاحٍ كَمِيَّا فَبَلَغَ الْحَارِثَ شِعْرُهُ فَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَسَأَلَ عَنْ مَنْزِلِ ابْنِ الْإِطْنَابَةِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ
نَادَى: يَا ابْنَ الْإِطْنَابَةِ أَغِثْنِي! فَأَتَاهُ عَمْرٌو فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ خَرَجْتُ أُرِيدُ بَنِي فُلَانٍ، فَعَرَضَ لِي قَوْمٌ قَرِيبًا مِنْكَ، فَأَخَذُوا مَا كَانَ مَعِي فَارْكَبْ مَعِي حَتَّى نَسْتَنْقِذَهُ. فَرَكِبَ مَعَهُ وَلَبِسَ سِلَاحَهُ وَمَضَى مَعَهُ، فَلَمَّا أَبْعَدَ عَنْ مَنْزِلِهِ عَطَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: أَنَائِمٌ أَنْتَ أَمْ يَقْظَانُ؟ فَقَالَ: يَقِظَانٌ. فَقَالَ: أَنَا أَبُو لَيْلَى وَسَيْفِيَ الْمَعْلُوبُ، فَأَلْقَى ابْنُ الْإِطْنَابَةِ سَيْفَهُ، وَقِيلَ: رُمْحَهُ، وَقَالَ: قَدْ أَعْجَلْتَنِي فَأَمْهِلْنِي حَتَّى آخُذَ سَيْفِي. فَقَالَ: خُذْهُ. قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَعْجِلَنِي عَنْ أَخْذِهِ. قَالَ: لَكَ ذِمَّةُ ظَالِمٍ لَا أُعْجِلُكَ عَنْ أَخْذِهِ. قَالَ: فَوَذِمَّةِ الْإِطْنَابَةِ لَا آخُذُهُ! فَانْصَرَفَ الْحَارِثُ وَهُوَ يَقُولُ أَبْيَاتًا، مِنْهَا: بَلَغَتْنَا مَقَالَةُ الْمَرْءِ عَمْرٍو ... فَالْتَقَيْنَا وَكَانَ ذَاكَ بَدِيًّا فَهَمَمْنَا بِقَتْلِهِ إِذْ بَرَزْنَا ... وَوَجَدْنَاهُ ذَا سِلَاحٍ كَمِيَّا غَيْرَ مَا نَائِمٍ يُرَوَّعُ بِالْفَتْ ... كِ وَلَكِنْ مُقَلَّدًا مَشْرَفِيَّا فَمَنَنَّا عَلَيْهِ بَعْدَ عُلُوٍّ ... بِوَفَاءٍ وَكُنْتُ قِدْمًا وَفِيَّا ثُمَّ إِنَّ الْحَارِثَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ النُّعْمَانَ قَدْ جَدَّ فِي طَلَبِهِ، وَهَوَازِنَ لَا تَقْعُدُ عَنِ الطَّلَبِ بِثَأْرِ خَالِدٍ، خَرَجَ مُتَنَكِّرًا إِلَى الشَّامِ وَاسْتَجَارَ بِيَزِيدَ بْنِ عَمْرٍو، فَأَكْرَمَهُ وَأَجَارَهُ. وَكَانَ لِيَزِيدَ نَاقَةٌ مُحْمَاةٌ، فِي عُنُقِهَا مُدْيَةٌ وَزِنَادٌ وَمُلَحٌ لِيَمْتَحِنَ بِذَلِكَ رَعِيَّتَهُ، فَوَحِمَتْ زَوْجَةُ الْحَارِثِ وَاشْتَهَتْ شَحْمًا وَلَحْمًا، فَأَخَذَ الْحَارِثُ النَّاقَةَ فَأَدْخَلَهَا شِعْبًا فَذَبَحَهَا، وَحَمَلَ إِلَى امْرَأَتِهِ مِنْ شَحْمِهَا وَلَحْمِهَا وَرَفَعَ مِنْهُ. وَفُقِدَتِ النَّاقَةُ فَطُلِبَتْ فَوُجِدَتْ عَقِيرَةً بِالْوَادِي، فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ إِلَى كَاهِنٍ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَذَكَرَ لَهُ أَنَّ الْحَارِثَ نَحَرَهَا، فَأَرْسَلَ امْرَأَةً بِطِيبٍ تَشْتَرِي مِنْ لَحْمِهَا مِنَ امْرَأَةِ الْحَارِثِ، فَأَدْرَكَهَا الْحَارِثُ وَقَدِ اشْتَرَتِ اللَّحْمَ فَقَتَلَهَا وَدَفَنَهَا فِي الْبَيْتِ. فَسَأَلَ الْمَلِكُ الْكَاهِنَ عَنِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ: قَتَلَهَا مَنْ نَحَرَ النَّاقَةَ، وَإِذَا كَرِهْتَ أَنْ تُفَتِّشَ بَيْتَهُ فَتَأْمُرُ الرَّجُلَ بِالرَّحِيلِ، فَإِذَا رَحَلَ فَتَّشْتُ بَيْتَهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَحَلَ الْحَارِثُ فَتَّشَ الْكَاهِنُ بَيْتَهُ فَوَجَدَ الْمَرْأَةَ، وَأَحَسَّ الْحَارِثُ بِالشَّرِّ فَعَادَ إِلَى الْكَاهِنِ فَقَتَلَهُ، فَأُخِذَ
أيام داحس والغبراء، وهي بين عبس وذبيان
الْحَارِثُ وَأُحْضِرَ عِنْدَ الْمَلِكِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: إِنَّكَ قَدْ أَجَرْتَنِي فَلَا تَغْدِرْ بِي. فَقَالَ: إِنْ غَدَرْتُ بِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَدْ غَدَرْتَ بِي مِرَارًا. فَقَتَلَهُ. [أَيَّامُ دَاحِسَ وَالْغَبْرَاءِ، وَهِيَ بَيْنَ عَبْسٍ وَذُبْيَانَ] وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ قَيْسَ بْنَ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ الْعَبْسِيَّ سَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُجَهِّزَ لِقِتَالِ عَامِرٍ وَالْأَخْذِ بِثَأْرِ أَبِيهِ، فَأَتَى أُحَيْحَةَ بْنَ الْجُلَاحِ يَشْتَرِي مِنْهُ دِرْعًا مَوْصُوفَةً. فَقَالَ لَهُ: لَا أَبِيعُهَا وَلَوْلَا أَنْ تَذُمَّنِي بَنُو عَامِرٍ لَوَهَبْتُهَا مِنْكَ وَلَكِنِ اشْتَرِهَا بِابْنِ لَبُونٍ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأَخَذَ الدِّرْعَ، وَتُسَمَّى ذَاتِ الْحَوَاشِي، وَوَهَبَهُ أُحَيْحَةُ أَيْضًا أَدْرَاعًا، وَعَادَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَدْ فَرَغَ مِنْ جِهَازِهِ. فَاجْتَازَ بِالرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ الْعَبْسِيِّ فَدَعَاهُ إِلَى مُسَاعَدَتِهِ عَلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِهِ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا أَرَادَ فِرَاقَهُ نَظَرَ الرَّبِيعُ إِلَى عَيْبَتِهِ فَقَالَ: مَا فِي حَقِيبَتِكَ؟ قَالَ: مَتَاعٌ عَجِيبٌ لَوْ أَبْصَرْتَهُ لَرَاعَكَ، وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَأَخْرَجَ الدِّرْعَ مِنَ الْحَقِيبَةِ، فَأَبْصَرَهَا الرَّبِيعُ فَأَعْجَبَتْهُ وَلَبِسَهَا، فَكَانَتْ فِي طُولِهِ. فَمَنَعَهَا مِنْ قَيْسٍ وَلَمْ يُعْطِهِ إِيَّاهَا، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَلَجَّ قَيْسٌ فِي طَلَبِهَا، وَلَجَّ الرَّبِيعُ فِي مَنْعِهَا. فَلَمَّا طَالَتِ الْأَيَّامُ عَلَى ذَلِكَ سَيَّرَ قَيْسٌ أَهْلَهُ إِلَى مَكَّةَ وَأَقَامَ يَنْتَظِرُ غِرَّةَ الرَّبِيعِ. ثُمَّ إِنَّ الرَّبِيعَ سَيَّرَ إِبِلَهُ وَأَمْوَالَهُ إِلَى مَرْعًى كَثِيرِ الْكَلَإِ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ فَظَعَنُوا، وَرَكِبَ فَرَسَهُ وَسَارَ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ قَيْسًا فَسَارَ فِي أَهْلِهِ وَإِخْوَتِهِ، فَعَارَضَ ظَعَائِنَ الرَّبِيعِ، وَأَخَذَ زِمَامَ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْخُرْشُبِ وَزِمَامَ زَوْجَتِهِ. فَقَالَتْ فَاطِمَةُ أُمُّ الرَّبِيعِ: مَا تُرِيدُ يَا قَيْسُ؟ قَالَ: أَذْهَبُ بِكُنَّ إِلَى مَكَّةَ فَأَبِيعُكُنَّ بِهَا بِسَبَبِ دِرْعِي. قَالَتْ: وَهِيَ فِي ضَمَانِي وَخَلِّ عَنَّا، فَفَعَلَ. فَلَمَّا جَاءَتْ إِلَى ابْنِهَا قَالَتْ لَهُ فِي مَعْنَى الدِّرْعِ، فَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ الدِّرْعَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى قَيْسٍ أَعْلَمَتْهُ بِمَا قَالَ الرَّبِيعُ، فَأَغَارَ عَلَى نَعَمِ الرَّبِيعِ فَاسْتَاقَ مِنْهَا
أَرْبَعَمِائَةِ بَعِيرٍ وَسَارَ بِهَا إِلَى مَكَّةَ فَبَاعَهَا وَاشْتَرَى بِهَا خَيْلًا، وَتَبِعَهُ الرَّبِيعُ فَلَمْ يَلْحَقْهُ، فَكَانَ فِيمَا اشْتَرَى مِنَ الْخَيْلِ دَاحِسٌ وَالْغَبْرَاءُ. وَقِيلَ: إِنَّ دَاحِسًا كَانَ مِنْ خَيْلِ بَنِي يَرْبُوعٍ، وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ أَخَذَ فَرَسًا لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَبَّةَ يُقَالُ لَهُ أُنَيْفُ بْنُ جَبَلَةَ، وَكَانَ الْفَرَسُ يُسَمَّى السِّبْطَ، وَكَانَتْ أُمُّ دَاحِسٍ لِلْيَرْبُوعِيِّ، فَطَلَبَ الْيَرْبُوعِيُّ مِنَ الضَّبِّيِّ أَنْ يُنْزِيَ فَرَسَهُ عَلَى حِجْرِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ عَمَدَ الْيَرْبُوعِيُّ إِلَى فَرَسِ الضَّبِّيِّ فَأَخَذَهُ فَأَنْزَاهُ عَلَى فَرَسِهِ، فَاسْتَيْقَظَ الضَّبِّيُّ فَلَمْ يُرَ فَرَسُهُ فَنَادَى فِي قَوْمِهِ، فَأَجَابُوهُ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِالْيَرْبُوعِيِّ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَغَضِبَ ضَبَّةُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَعْجَلُوا، دُونَكُمْ نُطْفَةُ فَرَسِكُمْ فَخُذُوهَا. فَقَالَ الْقَوْمُ: قَدْ أَنْصَفَ. فَسَطَا عَلَيْهَا رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَدَسَّ يَدَهُ فِي رَحِمِهَا فَأَخَذَ مَا فِيهَا، فَلَمْ تَزِدِ الْفَرَسُ إِلَّا لِقَاحًا فَنَتَجَتْ مُهْرًا فَسُمِّيَ دَاحِسًا بِهَذَا السَّبَبِ. فَكَانَ عِنْدَ الْيَرْبُوعِيِّ ابْنَانِ لَهُ، وَأَغَارَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ عَلَى بَنِي يَرْبُوعٍ فَنَهَبَ وَسَبَى، وَرَأَى الْغُلَامَيْنِ أَحَدَهُمَا عَلَى دَاحِسٍ وَالْآخِرَ عَلَى الْغَبْرَاءِ فَطَلَبَهُمَا فَلَمْ يَلْحَقْهُمَا، فَرَجَعَ وَفِي السَّبْيِ أُمُّ الْغُلَامَيْنِ وَأُخْتَانِ لَهُمَا وَقَدْ وَقَعَ دَاحِسٌ وَالْغَبْرَاءُ فِي قَلْبِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّبِيعِ مَا وَقَعَ. ثُمَّ جَاءَ وَفْدُ بَنِي يَرْبُوعٍ فِي فِدَاءِ الْأَسْرَى وَالسَّبْيِ، فَأَطْلَقَ الْجَمِيعَ إِلَّا أُمَّ الْغُلَامَيْنِ وَأُخْتَيْهِمَا وَقَالَ: إِنْ أَتَانِي الْغُلَامَانِ بِالْمُهْرِ وَالْفَرَسِ الْغَبْرَاءِ وَإِلَّا فَلَا. فَامْتَنَعَ الْغُلَامَانِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ شَيْخٌ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ كَانَ أَسِيرًا عِنْدَ قَيْسٍ، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْغُلَامَيْنِ، وَهِيَ: إِنَّ مُهْرًا فَدَى الرِّبَابَ وَجُمْلًا ... وَسُعَادًا لَخَيْرُ مُهْرِ أُنَاسِ ادْفَعُوا دَاحِسًا بِهِنَّ سِرَاعًا ... إِنَّهَا مِنْ فِعَالِهَا الْأَكْيَاسِ دُونَهَا وَالَّذِي يَحُجُّ لَهُ النَّا ... سُ سَبَايَا يُبَعْنَ بِالْأَفْرَاسِ إِنَّ قَيْسًا يَرَى الْجَوَادَ مِنَ الْخَيْ ... لِ حَيَاةً فِي مُتْلِفِ الْأَنْفَاسِ يَشْتَرِي الطِّرْفَ بِالْجَرَاجِرَةِ الْجِ ... لَّةِ يُعْطِي عَفْوًا بِغَيْرِ مِكَاسِ فَلَمَّا انْتَهَتِ الْأَبْيَاتُ إِلَى بَنِي يَرْبُوعٍ قَادُوا الْفَرَسَيْنِ إِلَى قَيْسٍ وَأَخَذُوا النِّسَاءَ. وَقِيلَ: إِنَّ قَيْسًا أَنْزَى دَاحِسًا عَلَى فَرَسٍ لَهُ فَجَاءَتْ بِمُهْرَةٍ فَسَمَّاهَا الْغَبْرَاءَ. ثُمَّ إِنَّ قَيْسًا أَقَامَ بِمَكَّةَ فَكَانَ أَهْلُهَا يُفَاخِرُونَهُ، وَكَانَ فَخُورًا، فَقَالَ لَهُمْ: نَحُّوا كَعْبَتَكُمْ عَنَّا
وَحَرَمَكُمْ وَهَاتُوا مَا شِئْتُمْ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ: إِذَا لَمْ نُفَاخِرْكَ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَبِالْحَرَمِ الْآمِنِ فَبِمَ نُفَاخِرُكَ؟ فَمَلَّ قَيْسٌ مُفَاخَرَتَهُمْ وَعَزَمَ عَلَى الرِّحْلَةِ عَنْهُمْ، وَسَرَّ ذَلِكَ قُرَيْشًا لِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا كَرِهُوا مُفَاخَرَتَهُ، فَقَالَ لِإِخْوَتِهِ: ارْحَلُوا بِنَا مِنْ عِنْدِهِمْ أَوَّلًا وَإِلَّا تَفَاقَمَ الشَّرُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَالْحَقُوا بِبَنِي بَدْرٍ فَإِنَّهُمْ أَكْفَاؤُنَا فِي الْحَسَبِ، وَبَنُو عَمِّنَا فِي النَّسَبِ، وَأَشْرَافُ قَوْمِنَا فِي الْكَرَمِ، وَمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الرَّبِيعُ أَنْ يَتَنَاوَلَنَا مَعَهُمْ. فَلَحِقَ قَيْسٌ وَإِخْوَتُهُ بِبَنِي بَدْرٍ، وَقَالَ فِي مَسِيرِهِ إِلَيْهِمْ: أَسِيرُ إِلَى بَنِي بَدْرٍ بِأَمْرٍ ... هُمُ فِيهِ عَلَيْنَا بِالْخِيَارِ فَإِنْ قَبِلُوا الْجِوَارَ فَخَيْرُ قَوْمٍ ... وَإِنْ كَرِهُوا الْجِوَارَ فَغَيْرُ عَارِ أَتَيْنَا الْحَارِثَ الْخَيْرَ بْنَ كَعْبٍ ... بِنَجْرَانَ وَأَيُّ لَجًا بِجَارِ فَجَاوَرْنَا الَّذِينَ إِذَا أَتَاهُمْ ... غَرِيبٌ حَلَّ فِي سَعَةِ الْقَرَارِ فَيَأْمَنُ فِيهِمُ وَيَكُونُ مِنْهُمْ ... بِمَنْزِلَةِ الشِّعَارِ مِنَ الدِّثَارِ وَإِنْ نُفْرَدْ بِحَرْبِ بَنِي أَبِينَا ... بِلَا جَارٍ فَإِنَّ اللَّهَ جَارِي ثُمَّ نَزَلَ بِبَنِي بَدْرٍ فَنَزَلَ بِحُذَيْفَةَ، فَأَجَارَهُ هُوَ وَأَخُوهُ حَمَلُ بْنُ بَدْرٍ، وَأَقَامَ فِيهِمْ، وَكَانَ مَعَهُ أَفْرَاسٌ لَهُ وَلِإِخْوَتِهِ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَبِ مِثْلُهَا، وَكَانَ حُذَيْفَةُ يَغْدُو وَيَرُوحُ إِلَى قَيْسٍ فَيَنْظُرُ إِلَى خَيْلِهِ فَيَحْسُدُهُ عَلَيْهَا وَيَكْتُمُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، وَأَقَامَ قَيْسٌ فِيهِمْ زَمَانًا يُكْرِمُونَهُ وَإِخْوَتَهُ، فَغَضِبَ الرَّبِيعُ وَنَقِمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ: أَلَا أَبْلِغْ بَنِي بَدْرٍ رَسُولًا ... عَلَى مَا كَانَ مِنْ شَنَإٍ وَوَتْرِ بِأَنِّي لَمْ أَزَلْ لَكُمُ صَدِيقًا ... أُدَافِعُ عَنْ فَزَارَةَ كُلَّ أَمْرِ أُسَالِمُ سِلْمَكُمْ وَأَرُدُّ عَنْكُمْ ... فَوَارِسَ أَهْلِ نَجْرَانَ وَحَجْرِ وَكَانَ أَبِي ابْنُ عَمِّكُمُ زِيَادٌ ... صَفِيَّ أَبِيكُمُ بَدْرِ بْنِ عَمْرِو فَأَلْجَأْتُمُ أَخَا الْغَدَرَاتِ قَيْسًا ... فَقَدْ أَفْعَمْتُمُ إِيغَارَ صَدْرِي فَحَسْبِي مِنْ حُذَيْفَةَ ضَمُّ قَيْسٍ ... وَكَانَ الْبَدْءُ مِنْ حَمَلِ بْنِ بَدْرِ فَإِمَّا تَرْجِعُوا أَرْجِعْ إِلَيْكُمْ ... وَإِنْ تَأْبَوْا فَقَدْ أَوْسَعْتُ عُذْرِي فَلَمْ يَتَغَيَّرُوا عَنْ جِوَارِ قَيْسٍ. فَغَضِبَ الرَّبِيعُ وَغَضِبَتْ عَبْسٌ لِغَضَبِهِ، ثُمَّ إِنَّ حُذَيْفَةَ كَرِهَ قَيْسًا وَأَرَادَ إِخْرَاجَهُ عَنْهُمْ فَلَمْ يَجِدْ حُجَّةً، وَعَزَمَ قَيْسٌ عَلَى الْعُمْرَةِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي قَدْ عَزَمْتُ عَلَى الْعُمْرَةِ فَإِيَّاكُمْ أَنْ تُلَابِسُوا حُذَيْفَةَ بِشَيْءٍ، وَاحْتَمِلُوا عَلَى مَا يَكُونُ مِنْهُ حَتَّى أَرْجِعَ، فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ الشَّرَّ فِي وَجْهِهِ، وَلَيْسَ يَقْدِرُ عَلَى حَاجَتِهِ مِنْكُمْ إِلَّا أَنْ تُرَاهِنُوهُ عَلَى الْخَيْلِ. وَكَانَ ذَا رَأْيٍ لَا يُخْطِئُ فِي مَا يُرِيدُهُ، وَسَارَ إِلَى مَكَّةَ. ثُمَّ إِنَّ فَتًى مِنْ عَبْسٍ يُقَالُ لَهُ وَرْدُ بْنُ مَالِكٍ أَتَى حُذَيْفَةَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ وَرْدٌ: لَوِ
اتَّخَذْتَ مِنْ خَيْلِ قَيْسٍ فَحْلًا يَكُونُ أَصْلًا لِخَيْلِكَ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: خَيْلِي خَيْرٌ مِنْ خَيْلِ قَيْسٍ، وَلَجَا فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ تَرَاهَنَا عَلَى فَرَسَيْنِ مِنْ خَيْلِ قَيْسٍ وَفَرَسَيْنِ مِنْ خَيْلِ حُذَيْفَةَ، وَالرَّهْنُ عَشْرَةُ أَذْوَادٍ. وَسَارَ وَرْدٌ فَقَدِمَ عَلَى قَيْسٍ بِمَكَّةَ فَأَعْلَمَهُ الْحَالَ، فَقَالَ لَهُ: أَرَاكَ قَدْ أَوْقَعْتَنِي فِي بَنِي بَدْرٍ وَوَقَعْتَ مَعِي، وَحُذَيْفَةُ ظَلُومٌ لَا تَطِيبُ نَفْسُهُ بِحَقٍّ، وَنَحْنُ لَا نُقِرُّ لَهُ بِضَيْمٍ. وَرَجَعَ قَيْسٌ مِنَ الْعُمْرَةِ، فَجَمَعَ قَوْمَهُ وَرَكِبَ إِلَى حُذَيْفَةَ وَسَأَلَهُ أَنْ يَفُكَّ الرَّهْنَ، فَلَمْ يَفْعَلْ. فَسَأَلَهُ جَمَاعَةُ فَزَارَةَ وَعَبْسٍ فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنْ أَقَرَّ قَيْسٌ أَنَّ السَّبْقَ لِي وَإِلَّا فَلَا، فَقَالَ أَبُو جَعْدَةَ الْفَزَارِيُّ: آلَ بَدْرٍ دَعُوا الرِّهَانَ فَإِنَّا ... قَدْ مَلِلْنَا اللَّجَاجَ عِنْدَ الرِّهَانِ وَدَعُوا الْمَرْءَ فِي فَزَارَةَ جَارًا ... إِنَّ مَا غَابَ عَنْكُمُ كَالْعِيَانِ لَيْتَ شِعْرِي عَنْ هَاشِمٍ وَحُصَيْنٍ ... وَابْنِ عَوْفٍ وَحَارِثٍ وَسِنَانِ حِينَ يَأْتِيهِمُ لَجَاجُكَ قَيْسًا ... رَأْيَ صَاحٍ أَتَيْتَ أَمْ نَشْوَانِ وَسَأَلَ حُذَيْفَةُ إِخْوَتَهُ وَسَادَاتِ أَصْحَابِهِ فِي تَرْكِ الرِّهَانِ وَلَجَّ فِيهِ، وَقَالَ قَيْسٌ: عَلَامَ تُرَاهِنُنِي؟ قَالَ: عَلَى فَرَسَيْكَ دَاحِسٍ وَالْغَبْرَاءِ وَفَرَسِي الْخَطَّارِ وَالْحَنْفَاءِ، وَقِيلَ: كَانَ الرَّهْنُ عَلَى فَرَسَيْ دَاحِسٍ وَالْغَبْرَاءِ. قَالَ قَيْسٌ: دَاحِسٌ أَسْرَعُ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: الْغَبْرَاءُ أَسْرَعُ، وَقَالَ لِقَيْسٍ: أُرِيدُ أَنْ أُعَلِّمَكَ أَنَّ بَصَرِي بِالْخَيْلِ أَثْقَبُ مِنْ بَصَرِكَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. فَقَالَ لَهُ قَيْسٌ: نَفِّسْ فِي الْغَايَةِ وَارْفَعْ فِي السَّبْقِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: الْغَايَةُ مِنْ أُبْلَى إِلَى ذَاتِ الْإِصَادِ، وَهُوَ قَدْرُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ غَلْوَةً، وَالسَّبْقُ مِائَةُ بَعِيرٍ، وَضَمَّرُوا الْخَيْلَ. فَلَمَّا فَرَغُوا قَادُوا الْخَيْلَ إِلَى الْغَايَةِ وَحَشَدُوا وَلَبِسُوا السِّلَاحَ، وَتَرَكُوا السَّبْقَ عَلَى يَدِ عِقَالِ ابْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الْقَيْسِيِّ، وَأَعَدُّوا الْأُمَنَاءَ عَلَى إِرْسَالِ الْخَيْلِ. وَأَقَامَ حُذَيْفَةُ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ فِي الطَّرِيقِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْقَى دَاحِسًا فِي وَادِي ذَاتِ
الْإِصَادِ إِنْ مَرَّ بِهِ سَابِقًا فَيَرْمِي بِهِ إِلَى أَسْفَلِ الْوَادِي. فَلَمَّا أُرْسِلَتِ الْخَيْلُ سَبَقَهَا دَاحِسٌ سَبْقًا بَيِّنًا، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَقَيْسٌ وَحُذَيْفَةُ عَلَى رَأْسِ الْغَايَةِ فِي جَمِيعِ قَوْمِهِمَا. فَلَمَّا هَبَطَ دَاحِسٌ فِي الْوَادِي عَارَضَهُ الْأَسَدِيُّ فَلَطَمَ وَجْهَهُ فَأَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ، فَكَادَ يَغْرَقُ هُوَ وَرَاكِبُهُ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا وَقَدْ فَاتَتْهُ الْخَيْلُ. وَأَمَّا رَاكِبُ الْغَبْرَاءِ فَإِنَّهُ خَالَفَ طَرِيقَ دَاحِسٍ لَمَّا رَآهُ قَدْ أَبْطَأَ وَعَادَ إِلَى الطَّرِيقِ وَاجْتَمَعَ مَعَ فَرَسَيْ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ سَقَطَتِ الْحَنْفَاءُ وَبَقِيَ الْغَبْرَاءُ وَالْخَطَّارُ، فَكَانَا إِذَا أَحْزَنَا سَبَقَ الْخَطَّارُ وَإِذَا أَسْهَلَا سَبَقَتِ الْغَبْرَاءُ. فَلَمَّا قَرُبَا مِنَ النَّاسِ وَهُمَا فِي وَعْثٍ مِنَ الْأَرْضِ تَقَدَّمَ الْخَطَّارُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَبَقَكَ يَا قَيْسُ. " فَقَالَ رُوَيْدَكَ يَعْلُونَ الْجُدُدَ "، فَذَهَبَتْ مَثَلًا. فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِمَا الْأَرْضُ قَالَ حُذَيْفَةُ: خَدَعَ وَاللَّهِ صَاحِبُنَا. فَقَالَ قَيْسٌ: " تَرَكَ الْخِدَاعَ مَنْ أَجْرَى مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ "، فَذَهَبَتْ مَثَلًا. ثُمَّ إِنَّ الْغَبْرَاءَ جَاءَتْ سَابِقَةً وَتَبِعَهَا الْخَطَّارُ فَرَسُ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ الْحَنْفَاءُ لَهُ أَيْضًا، ثُمَّ جَاءَ دَاحِسٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْغُلَامُ يَسِيرُ بِهِ عَلَى رِسْلِهِ، فَأَخْبَرَ الْغُلَامُ قَيْسًا بِمَا صُنِعَ بِفَرَسِهِ، فَأَنْكَرَ حُذَيْفَةُ ذَلِكَ وَادَّعَى السَّبْقَ ظَالِمًا، وَقَالَ: جَاءَ فَرَسَايَ مُتَتَابِعَيْنِ، وَمَضَى قَيْسٌ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى نَظَرُوا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ حَبَسُوا دَاحِسًا وَاخْتَلَفُوا. وَبَلَغَ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ خَبَرُهُمْ فَسَّرَهُ ذَلِكَ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَلَكَ وَاللَّهِ قَيْسٌ، وَكَأَنِّي بِهِ إِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ حُذَيْفَةُ وَقَدْ أَتَاكُمْ يَطْلُبُ مِنْكُمُ الْجِوَارَ، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلَ مَا لَنَا مِنْ ضَمِّهِ مِنْ بُدٍّ. ثُمَّ إِنَّ الْأَسَدِيَّ نَدِمَ عَلَى حَبْسِ دَاحِسٍ فَجَاءَ إِلَى قَيْسٍ وَاعْتَرَفَ بِمَا صَنَعَ فَسَبَّهُ حُذَيْفَةُ. ثُمَّ إِنَّ بَنِي بَدْرٍ قَصَرُوا بِقَيْسٍ وَإِخْوَتِهِ وَآذُوهُمْ بِالْكَلَامِ، فَعَاتَبَهُمْ قَيْسٌ، فَلَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا بَغْيًا عَلَيْهِ وَإِيذَاءً لَهُ. ثُمَّ إِنَّ قَيْسًا وَحُذَيْفَةَ تَنَاكَرَا فِي السَّبْقِ حَتَّى هَمَّا بِالْمُؤَاخَذَةِ، فَمَنَعَهُمَا النَّاسُ، وَظَهَرَ لَهُمْ بَغْيُ حُذَيْفَةَ وَظُلْمُهُ، وَلَجَّ فِي طَلَبِ السَّبْقِ، فَأَرْسَلَ ابْنَهُ نُدْبَةَ إِلَى قَيْسٍ يُطَالِبُهُ بِهِ، فَلَمَّا أَبْلَغَهُ الرِّسَالَةَ طَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، وَعَادَتْ فَرَسُهُ إِلَى أَبِيهِ، وَنَادَى قَيْسٌ: يَا بَنِي عَبْسٍ الرَّحِيلَ! فَرَحَلُوا كُلُّهُمْ، وَلَمَّا أَتَتِ الْفَرَسُ حُذَيْفَةَ عَلِمَ أَنَّ وَلَدَهُ قُتِلَ، فَصَاحَ فِي النَّاسِ وَرَكِبَ فِي مَنْ مَعَهُ وَأَتَى مَنَازِلَ بَنِي عَبْسٍ فَرَآهَا خَالِيَةً وَرَأَى ابْنَهُ قَتِيلًا، فَنَزَلَ إِلَيْهِ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَدَفَنُوهُ. وَكَانَ مَالِكُ بْنُ زُهَيْرٍ أَخُو قَيْسٍ مُتَزَوِّجًا فِي فَزَارَةَ وَهُوَ نَازِلٌ فِيهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قَيْسٌ:
أَنِّي قَدْ قَتَلْتُ نُدْبَةَ بْنَ حُذَيْفَةَ وَرَحَلْتُ فَالْحَقْ بِنَا وَإِلَّا قُتِلْتَ. فَقَالَ: إِنَّمَا ذَنْبُ قَيْسٍ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْحَلْ فَأَرْسَلَ قَيْسٌ إِلَى الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ يَطْلُبُ مِنْهُ الْعَوْدَ إِلَيْهِ وَالْمُقَامَ مَعَهُ إِذْ هُمْ عَشِيرَةٌ وَأَهْلٌ، فَلَمْ يُجِبْهُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ، وَكَانَ مُفَكِّرًا فِي ذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ بَنِي بَدْرٍ قَتَلُوا مَالِكَ بْنَ زُهَيْرٍ أَخَا قَيْسٍ، وَكَانَ نَازِلًا فِيهِمْ، فَبَلَغَ مَقْتَلُهُ بَنِي عَبْسٍ وَالرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَأَرْسَلَ الرَّبِيعُ إِلَى قَيْسٍ عَيْنًا يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ: أَيَنْجُوا بَنُو بَدْرٍ بِمَقْتَلِ مَالِكٍ ... وَيَخْذُلُنَا فِي النَّائِبَاتِ رَبِيعُ وَكَانَ زِيَادٌ قَبْلَهُ يُتَّقَى بِهِ ... مِنَ الدَّهْرِ إِنْ يَوْمٌ أَلَمَّ فَظِيعُ فَقُلْ لِرَبِيعٍ يَحْتَذِي فِعْلَ شَيْخِهِ ... وَمَا النَّاسُ إِلَّا حَافِظٌ وَمُضِيعُ وَإِلَّا فَمَا لِي فِي الْبِلَادِ إِقَامَةٌ ... وَأَمْرُ بَنِي بَدْرٍ عَلَيَّ جَمِيعُ فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّبِيعِ فَأَخْبَرَهُ، فَبَكَى الرَّبِيعُ عَلَى مَالِكٍ وَقَالَ: مَنَعَ الرُّقَادَ فَمَا أُغَمِّضُ سَاعَةً ... جَزَعًا مِنَ الْخَبَرِ الْعَظِيمِ السَّارِي أَفَبَعْدَ مَقْتَلِ مَالِكِ بْنِ زُهَيْرٍ ... يَرْجُو النِّسَاءُ عَوَاقِبَ الْأَطْهَارِ مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ يَجِدِ النِّسَاءَ حَوَاسِرًا يَنْدُبْنَهُ ... وَيَقُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الْأَسْحَارِ يَضْرِبْنَ حُرَّ وُجُوهِهِنَّ عَلَى فَتًى ... ضَخْمِ الدَّسِيعَةِ غَيْرِ مَا خَوَّارِ قَدْ كُنَّ يُكْنِنَّ الْوُجُوهَ تَسَتُّرًا ... فَالْيَوْمَ حِينَ بَرَزْنَ لِلنُّظَّارِ وَهِيَ طَوِيلَةٌ.
فَسَمِعَهَا قَيْسٌ فَرَكِبَ هُوَ وَأَهْلُهُ وَقَصَدُوا الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ وَهُوَ يُصْلِحُ سِلَاحَهُ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ قَيْسٌ وَقَامَ الرَّبِيعُ فَاعْتَنَقَا وَبَكَيَا، وَأَظْهَرَا الْجَزَعَ لِمُصَابِ مَالِكٍ، وَلَقِيَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَنَزَلُوا. فَقَالَ قَيْسٌ لِلرَّبِيعِ: إِنَّهُ لَمْ يَهْرُبْ مِنْكَ مَنْ لَجَأَ إِلَيْكَ، وَلَمْ يَسْتَغْنِ عَنْكَ مَنِ اسْتَعَانَ بِكَ، وَقَدْ كَانَ لَكَ شَرُّ يَوْمَيَّ فَلْيَكُنْ لِي خَيْرُ يَوْمَيْكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِقَوْمِي وَقَوْمِي بِكَ، وَقَدْ أَصَابَ الْقَوْمُ مَالِكًا، وَلَسْتُ أَهِمُّ بِسُوءٍ لِأَنِّي إِنْ حَارَبْتُ بَنِي بَدْرٍ نَصَرَتْهُمْ بَنُو ذُبْيَانَ، وَإِنْ حَارَبَتْنِي خَذَلَنِي بَنُو عَبْسٍ إِلَّا أَنَّ تَجَمُّعَهُمْ عَلَيَّ، وَأَنَا وَالْقَوْمُ فِي الدِّمَاءِ سَوَاءٌ، قَتَلْتُ ابْنَهُمْ وَقَتَلُوا أَخِي، فَإِنْ نَصَرْتَنِي طَمِعْتُ فِيهِمْ، وَإِنْ خَذَلْتَنِي طَمِعُوا فِيَّ. فَقَالَ الرَّبِيعُ: يَا قَيْسُ إِنَّهُ لَا يَنْفَعُنِي أَنْ أَرَى لَكَ مِنَ الْفَضْلِ مَا لَا أَرَاهُ لِي، وَلَا يَنْفَعُكَ أَنْ تَرَى لِي مَا لَا أَرَاهُ لَكَ، وَقَدْ مَالَ عَلَيَّ مَالِكٌ وَأَنْتَ ظَالِمٌ وَمَظْلُومٌ، ظَلَمُوكَ فِي جَوَادِكَ وَظَلَمْتَهُمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَقَتَلُوا أَخَاكَ بِابْنِهِمْ، فَإِنْ يَبُؤِ الدَّمُ بِالدَّمِ فَعَسَى أَنْ تَلْقَحَ الْحَرْبُ أُقِمْ مَعَكَ، وَأَحَبُّ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ مُسَالَمَتُهُمْ وَنَخْلُو بِحَرْبِ هَوَازِنَ. وَبَعَثَ قَيْسٌ إِلَى أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَجَاءُوا وَنَزَلُوا مَعَ الرَّبِيعِ، وَأَنْشَدَهُمْ عَنْتَرَةُ بْنُ شَدَّادٍ مَرْثِيَّتَهُ فِي مَالِكٍ: فَلِلَّهِ عَيْنًا مَنْ رَأَى مِثْلَ مَالِكٍ ... عَقِيرَةَ قَوْمٍ أَنْ جَرَى فَرَسَانِ فَلَيْتَهُمَا لَمْ يَطْعَمَا الدَّهْرَ بَعْدَهَا ... وَلَيْتَهُمَا لَمْ يُجْمَعَا لِرِهَانِ وَلَيْتَهُمَا مَاتَا جَمِيعًا بِبَلْدَةٍ ... وَأَخْطَاهُمَا قَيْسٌ فَلَا يُرَيَانِ لَقَدْ جَلَبَا جَلْبًا لِمَصْرَعِ مَالِكٍ ... وَكَانَ كَرِيمًا مَاجِدًا لِهِجَانِ وَكَانَ إِذَا مَا كَانَ يَوْمُ كَرِيهَةٍ ... فَقَدْ عَلِمُوا أَنِّي وَهُوَ فَتَيَانِ وَكُنَّا لَدَى الْهَيْجَاءِ نَحْمِي نِسَاءَنَا ... وَنَضْرِبُ عِنْدَ الْكَرْبِ كُلَّ بَنَانِ فَسَوْفَ تَرَى إِنْ كُنْتُ بَعْدَكَ بَاقِيًا ... وَأَمْكَنَنِي دَهْرِي وَطُولُ زَمَانِي فَأُقْسِمُ حَقًّا لَوْ بَقِيتَ لِنَظْرَةٍ ... لَقَرَّتْ بِهَا عَيْنَاكَ حِينَ تَرَانِي
وَبَلَغَ حُذَيْفَةَ أَنَّ الرَّبِيعَ وَقَيْسًا اتَّفَقَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَاسْتَعَدَّ لِلْبَلَاءِ، وَقِيلَ: إِنَّ بِلَادَ عَبْسٍ كَانَتْ قَدْ أَجْدَبَتْ فَانْتَجَعَ أَهْلُهَا بِلَادَ فَزَارَةَ، وَأَخَذَ الرَّبِيعُ جِوَارًا مِنْ حُذَيْفَةَ وَأَقَامَ عِنْدَهُمْ. فَلَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ مَالِكٍ قَالَ لِحُذَيْفَةَ: لِي ذِمَّتِي ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: ذَلِكَ لَكَ. فَانْتَقَلَ الرَّبِيعُ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ حَمَلَ بْنَ بَدْرٍ فَقَالَ لِحُذَيْفَةَ أَخِيهِ: بِئْسَ الرَّأْيُ رَأَيْتَ قَتَلْتَ مَالِكًا وَخَلَّيْتَ سَبِيلَ الرَّبِيعِ! وَاللَّهِ لَيُضْرِمُنَّهَا عَلَيْكَ نَارًا! فَرَكِبَا فِي طَلَبِ الرَّبِيعِ، فَفَاتَهُمَا، فَعَلِمَا أَنَّهُ قَدْ أَضْمَرَ الشَّرَّ. وَاتَّفَقَ الرَّبِيعُ وَقَيْسٌ، وَجَمَعَ حُذَيْفَةُ قَوْمَهُ وَتَعَاقَدُوا عَلَى عَبْسٍ، وَجَمَعَ الرَّبِيعُ وَقَيْسٌ قَوْمَهُمَا وَاسْتَعَدُّوا لِلْحَرْبِ، فَأَغَارَتْ فَزَارَةُ عَلَى بَنِي عَبْسٍ فَأَصَابُوا نَعَمًا وَرِجَالًا، فَحَمِيَتْ عَبْسٌ وَاجْتَمَعَتْ لِلْغَارَةِ، فَنُذِرَتْ بِهِمْ فَزَارَةُ. فَخَرَجُوا إِلَيْهِمْ فَالْتَقَوْا عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ الْعَذْقُ، وَهِيَ أَوَّلُ وَقْعَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَقُتِلَ عَوْفُ بْنُ يَزِيدَ، قَتَلَهُ جُنْدُبُ بْنُ خَلَفٍ الْعَبْسِيُّ. وَانْهَزَمَتْ فَزَارَةُ وَقُتِّلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَأَسَرَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ حُذَيْفَةَ بْنَ بَدْرٍ، وَكَانَ حُرُّ بْنُ الْحَارِثِ الْعَبْسِيُّ قَدْ نَذَرَ إِنْ قَدَرَ عَلَى حُذَيْفَةَ أَنْ يَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ، وَلَهُ سَيْفٌ قَاطِعٌ يُسَمَّى الْأَصْرَمَ، فَأَرَادَ ضَرْبَهُ بِالسَّيْفِ لَمَّا أُسِرَ وَفَاءً بِنَذْرِهِ، فَأَرْسَلَ الرَّبِيعُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَغَيَّبَتْ سَيْفَهُ وَنَهَوْهُ عَنْ قَتْلِهِ وَحَذَّرُوهُ عَاقِبَةَ ذَلِكَ، فَأَبَى إِلَّا ضَرْبَهُ، فَوَضَعُوا عَلَيْهِ الرِّجَالَ، فَضَرَبَهُ، فَلَمْ يَصْنَعِ السَّيْفُ شَيْئًا وَبَقِيَ حُذَيْفَةُ أَسِيرًا. فَاجْتَمَعَتْ غَطَفَانُ وَسَعَوْا فِي الصُّلْحِ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُهْدِرُوا دَمَ بَدْرِ بْنِ حُذَيْفَةَ بِدَمِ مَالِكِ بْنِ زُهَيْرٍ، وَيَعْقِلُوا عَوْفَ بْنَ بَدْرٍ، وَيُعْطُوا حُذَيْفَةَ عَنْ ضَرْبَتِهِ الَّتِي ضَرَبَهُ حُرٌّ مِائَتَيْنِ مِنَ الْإِبِلِ، وَأَنْ يَجْعَلُوهَا عُشَارًا كُلَّهَا، وَأَرْبَعَةَ أَعْبُدٍ، وَأَهْدَرَ حُذَيْفَةُ دِمَاءَ مَنْ قُتِلَ مِنْ فَزَارَةَ فِي الْوَقْعَةِ وَأُطْلِقَ مِنَ الْأَسْرِ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ نَدِمَ عَلَى ذَلِكَ وَسَاءَتْ مَقَالَتُهُ فِي بَنِي عَبْسٍ، وَرَكِبَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ وَعُمَارَةُ بْنُ زِيَادٍ فَمَضَيَا إِلَى حُذَيْفَةَ وَتَحَدَّثَا مَعَهُ. فَأَجَابَهُمَا إِلَى الِاتِّفَاقِ وَأَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمَا الْإِبِلَ الَّتِي أَخَذَ مِنْهُمَا، وَكَانَتْ تَوَالَدَتْ عِنْدَهُ. فَبَيْنَا هُمْ فِي ذَلِكَ إِذْ جَاءَهُمْ سِنَانُ بْنُ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيُّ فَقَبَّحَ رَأْيَ حُذَيْفَةَ فِي الصُّلْحِ وَقَالَ: إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا
فَأَعْطِهِمْ إِبِلًا عِجَافًا مَكَانَ إِبِلِهِمْ وَاحْبِسْ أَوْلَادَهَا. فَوَافَقَ ذَلِكَ رَأْيَ حُذَيْفَةَ، فَأَبَى قَيْسٌ وَعِمَارَةُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْإِبِلَ الَّتِي طَلَبُوهَا مِنْهُ هِيَ إِبِلٌ كَانَ قَدْ أَخَذَهَا سَبْقًا مِنْ قَيْسٍ. وَقِيلَ أَيْضًا: إِنَّ مَالِكَ بْنَ زُهَيْرٍ قُتِلَ بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ حُمَيْدُ بْنُ بَدْرٍ فِي ذَلِكَ: قَتَلْنَا بِعَوْفٍ مَالِكًا وَهْوَ ثَأْرُنَا ... وَمَنْ يَبْتَدِعْ شَيْئًا سِوَى الْحَقِّ يَظْلِمِ وَجَعَلَ سِنَانٌ يَحُثُّ حُذَيْفَةَ عَلَى الْحَرْبِ، فَتَيَسَّرُوا لَهَا. ثُمَّ إِنَّ الْأَنْصَارَ بَلَغَهُمْ مَا عَزَمُوا عَلَيْهِ، فَاتَّفَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ، وَهُمْ عَمْرُو بْنُ الْإِطْنَابَةِ، وَمَالِكُ بْنُ عَجْلَانَ، وَأُحَيْحَةُ بْنُ الْجُلَاحِ، وَقَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ، وَغَيْرُهُمْ، وَسَارُوا لِيُصْلِحُوا بَيْنَهُمْ، فَوَصَلُوا إِلَيْهِمْ وَتَرَدَّدُوا فِي الِاتِّفَاقِ، فَلَمْ يُجِبْ حُذَيْفَةُ إِلَى ذَلِكَ وَظَهَرَ لَهُمْ بَغْيُهُ، فَحَذَّرُوهُ عَاقِبَتَهُ وَعَادُوا عَنْهُ. وَأَغَارَ حُذَيْفَةُ عَلَى عَبْسٍ، وَأَغَارَتْ عَبْسٌ عَلَى فَزَارَةَ، وَتَفَاقَمَ الشَّرُّ، وَأَرْسَلَ حُذَيْفَةُ أَخَاهُ حَمَلًا فَأَغَارَ وَأَسَرَ رَيَّانَ بْنَ الْأَسْلَعِ بْنِ سُفْيَانَ وَشَدَّهُ وَثَاقًا وَحَمَلَهُ إِلَى حُذَيْفَةَ فَأَطْلَقَهُ لِيَرْهَنَهُ ابْنَيْهِ وَجُبَيْرَ بْنَ أَخِيهِ عَمْرِو بْنِ الْأَسْلَعِ، فَفَعَلَ رَيَّانُ ذَلِكَ، ثُمَّ سَارَ قَيْسٌ إِلَى فَزَارَةَ فَلَقِيَ مِنْهُمْ جَمْعًا فِيهِمْ مَالِكُ بْنُ بَدْرٍ، فَقَتَلَهُ وَانْهَزَمَتْ فَزَارَةُ، فَأَخَذَ حِينَئِذٍ حُذَيْفَةُ وَلَدَيْ رَيَّانَ فَقَتَلَهُمَا وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ: يَا أَبَتَاهُ! حَتَّى مَاتَا، وَأَمَّا ابْنُ أَخِيهِ فَمَنَعَهُ أَخْوَالُهُ. وَلَمَّا قُتِلَ مَالِكٌ وَالْغُلَامَانِ اشْتَدَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَأَكْثَرُهَا فِي فَزَارَةَ وَمَنْ مَعَهَا. فَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ الْتَقَوْا فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، وَأَبْصَرَ رَيَّانُ بْنُ الْأَسْلَعِ زَيْدَ بْنَ حُذَيْفَةَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وَانْهَزَمَتْ فَزَارَةُ وَذُبْيَانُ، وَأُدْرِكَ الْحَارِثُ بْنُ بَدْرٍ فَقُتِلَ، وَرَجَعَتْ عَبْسٌ سَالِمَةً لَمْ يُصَبْ مِنْهَا أَحَدٌ. فَلَمَّا قُتِلَ زَيْدٌ وَالْحَارِثُ جَمَعَ حُذَيْفَةُ جَمِيعَ بَنِي ذُبْيَانَ وَبَعَثَ إِلَى أَشْجَعَ وَأَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ فَجَمَعَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ بَنِي عَبْسٍ فَضَمُّوا أَطْرَافَهُمْ، وَأَشَارَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ بِالسَّبْقِ إِلَى مَاءِ الْعَقِيقَةِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَارَ حُذَيْفَةُ فِي جُمُوعِهِ إِلَى عَبْسٍ، وَمَشَى السُّفَرَاءُ بَيْنَهُمْ، فَحَلَفَ حُذَيْفَةُ: أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْعَقِيقَةِ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قَيْسٌ مِنْهُ فِي سِقَاءٍ وَقَالَ: لَا أَتْرُكُ حُذَيْفَةَ
يَخْدَعُنِي. وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ تُعْطِيَ بَنُو عَبْسٍ حُذَيْفَةَ دِيَاتِ مَنْ قُتِلَ لَهُ، وَوَضَعُوا الرَّهَائِنَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ يَجْمَعُوا الدِّيَاتِ، وَهِيَ عَشْرٌ، وَكَانَتِ الرَّهَائِنُ ابْنًا لِقَيْسِ بْنِ زُهَيْرٍ، وَابْنًا لِلرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ، فَوَضَعُوا أَحَدَهُمَا عِنْدَ قُطْبَةَ بْنِ سِنَانٍ وَالْآخَرَ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ أَعْمَى. فَعَيَّرَ بَعْضُ النَّاسِ حُذَيْفَةَ بِقَبُولِ الدِّيَةِ، فَحَضَرَ هُوَ وَأَخُوهُ حَمَلٌ عِنْدَ قُطْبَةَ بْنِ سِنَانٍ وَالْبِكْرِيِّ وَقَالَا: ادْفَعَا إِلَيْنَا الْغُلَامَيْنِ لِنَكْسُوَهُمَا وَنُسَرِّحَهُمَا إِلَى أَهْلِهِمَا. فَأَمَّا قُطْبَةُ فَدَفَعَ إِلَيْهِمَا الْغُلَامَ الَّذِي عِنْدَهُ، وَهُوَ ابْنُ قَيْسٍ، وَأَمَّا الْبَكْرِيُّ فَامْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِ مَنْ عِنْدَهُ، فَلَمَّا أَخَذَا ابْنَ قَيْسٍ عَادَا فَلَقِيَا فِي الطَّرِيقِ ابْنًا لِعُمَارَةَ بْنِ زِيَادٍ الْعَبْسِيِّ وَابْنَ عَمٍّ لَهُ، فَأَخَذَاهُمَا وَقَتَلَاهُمَا مَعَ ابْنِ قَيْسٍ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ بَنِي عَبْسٍ أَخَذُوا مَا كَانُوا جَمَعُوا مِنَ الدِّيَاتِ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِ الرِّجَالَ وَاشْتَرَوُا السِّلَاحَ. ثُمَّ خَرَجَ قَيْسٌ فِي الْجَمَاعَةِ فَلَقُوا ابْنًا لِحُذَيْفَةَ وَمَعَهُ فَوَارِسُ مِنْ ذُبْيَانَ فَقَتَلُوهُمْ. فَجَمَعَ حُذَيْفَةُ وَسَارَ إِلَى عَبْسٍ، وَهُوَ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ عَرَاعِرُ، فَاقْتَتَلُوا، فَكَانَ الظَّفَرُ لِفَزَارَةَ وَرَجَعَتْ سَالِمَةً. وَجَدَّ حُذَيْفَةُ فِي الْحَرْبِ وَكَرِهَهَا أَخُوهُ حَمَلٌ وَنَدِمَ عَلَى مَا كَانَ، وَقَالَ لِأَخِيهِ فِي الصُّلْحِ فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، وَجَمَعَ الْجُمُوعَ مِنْ أَسَدٍ وَذُبْيَانَ وَسَائِرِ بُطُونِ غَطَفَانَ وَسَارَ نَحْوَ بَنِي عَبْسٍ، فَاجْتَمَعَتْ عَبْسٌ وَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ: إِنَّهُ قَدْ جَاءَكُمْ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ وَلَيْسَ لِبَنِي بَدْرٍ إِلَّا دِمَاؤُكُمْ وَالزِّيَادَةُ عَلَيْكُمْ، وَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ فَلَا يُرِيدُونَ غَيْرَ الْأَمْوَالِ وَالْغَنِيمَةِ، وَالرَّأْيُ أَنَّنَا نَتْرُكُ الْأَمْوَالَ بِمَكَانِهَا وَنَتْرُكُ مَعَهَا فَارِسَيْنِ عَلَى دَاحِسٍ وَعَلَى فَرَسٍ آخَرَ جَوَادٍ وَنَرْحَلُ نَحْنُ وَنَكُونُ عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنَ الْمَالِ، فَإِذَا جَاءَ الْقَوْمُ إِلَى الْأَمْوَالِ سَارَ إِلَيْنَا الْفَارِسَانِ فَأَعْلَمَانَا وُصُولَهُمْ، فَإِنَّ الْقَوْمَ يَشْتَغِلُونَ بِالنَّهْبِ وَحِيَازَةِ الْأَمْوَالِ، وَإِنْ نَهَاهُمْ ذَوُو الرَّأْيِ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَامَّةَ تُخَالِفُهُمْ وَتَنْتَقِضُ تَعْبِيَتُهُمْ، وَيَشْتَغِلُ كُلُّ إِنْسَانٍ بِحِفْظِ مَا غَنِمَ وَيُعَلِّقُونَ أَسْلِحَتَهُمْ عَلَى ظُهُورِ الْإِبِلِ وَيَأْمَنُونَ. فَنَعُودُ نَحْنُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ وُصُولِ الْفَارِسَيْنِ فَنُدْرِكُهُمْ وَهُمْ عَلَى حَالِ تَفَرُّقٍ وَتَشَتُّتٍ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمْ هِمَّةٌ إِلَّا نَفْسَهُ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَجَاءَ حُذَيْفَةُ وَمَنْ مَعَهُ فَاشْتَغَلُوا بِالنَّهْبِ، فَنَهَاهُمْ حُذَيْفَةُ وَغَيْرُهُ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، وَكَانُوا عَلَى الْحَالِ الَّذِي وَصَفَ قَيْسٌ. وَعَادَتْ بَنُو عَبْسٍ وَقَدْ تَفَرَّقَتْ أَسَدٌ وَغَيْرُهُمْ، وَبَقِيَ بَنُو فَزَارَةَ فِي آخِرِ النَّاسِ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ مِنْ جَوَانِبِهِمْ فَقُتِلَ مَالِكُ بْنُ
سَبِيعٍ التَّغْلِبِيُّ سَيِّدُ غَطَفَانَ، وَانْهَزَمَتْ فَزَارَةُ وَحُذَيْفَةُ مَعَهُمْ وَانْفَرَدَ فِي خَمْسَةِ فَوَارِسَ وَجَدَّ فِي الْهَرَبِ. وَبَلَغَ خَبَرُهُ بَنِي عَبْسٍ، فَتَبِعَهُ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ، وَالرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ، وَقِرْوَاشُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَسْلَعِ، وَرَيَّانُ بْنُ الْأَسْلَعِ الَّذِي قَتَلَ حُذَيْفَةُ ابْنَيْهِ، وَتَبِعُوا أَثَرَهُمْ فِي اللَّيْلِ وَقَالَ قَيْسٌ: كَأَنِّي بِالْقَوْمِ وَقَدْ وَرَدُوا جَفْرَ الْهَبَاءَةِ وَنَزَلُوا فِيهِ، فَسَارُوا لَيْلَتَهُمْ كُلَّهَا حَتَّى أَدْرَكُوهُمْ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي جَفْرِ الْهَبَاءَةِ فِي الْمَاءِ، وَقَدْ أَرْسَلُوا خُيُولَهُمْ فَأَخَذُوا بِجَمْعِهَا، فَحَالَ قَيْسٌ وَأَصْحَابُهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا، وَكَانَ مَعَ حُذَيْفَةَ فِي الْجَفْرِ أَخُوهُ حَمَلُ بْنُ بَدْرٍ وَابْنُهُ حِصْنُ بْنُ حُذَيْفَةَ وَغَيْرُهُمْ. فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ قَيْسٌ وَالرَّبِيعُ وَمَنْ مَعَهُمَا وَهُمْ يُنَادُونَ: لَبَّيْكُمُ لَبَّيْكُمُ! يَعْنِي أَنَّهُمْ يُجِيبُونَ نِدَاءَ الصَّبِيَّانِ لَمَّا قُتِلُوا يُنَادُونَ: يَا أَبَتَاهُ! فَقَالَ لَهُمْ قَيْسٌ: يَا بَنِي بَكْرٍ كَيْفَ رَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الْبَغْيِ؟ فَنَاشَدُوهُمُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُمْ. وَدَارَ قِرْوَاشُ بْنُ عَمْرٍو حَتَّى وَقَفَ خَلْفَ حُذَيْفَةَ فَضَرَبَهُ فَدَقَّ صُلْبَهُ، وَكَانَ قِرْوَاشُ قَدْ رَبَّاهُ حُذَيْفَةُ حَتَّى كَبِرَ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ، وَقَتَلُوا حَمَلًا أَخَاهُ وَقَطَعُوا رَأْسَيْهِمَا وَاسْتَبْقُوا حِصْنَ بْنَ حُذَيْفَةَ لِصِبَاهُ. وَكَانَ عَدَدُ مَنْ قُتِلَ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ مِنْ فَزَارَةَ وَأَسَدٍ وَغَطَفَانَ مَا يَزِيدُ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ قَتِيلٍ، وَقُتِلَ مِنْ عَبْسٍ مَا يَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ قَتِيلًا، وَكَانَتْ فَزَارَةُ تُسَمِّي هَذِهِ الْوَقْعَةَ الْبَوَارَ، وَقَالَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ: أَقَامَ عَلَى الْهَبَاءَةِ خَيْرُ مَيْتٍ ... وَأَكْرَمُهُ حُذَيْفَةُ لَا يَرِيمُ لَقَدْ فُجِعَتْ بِهِ قَيْسٌ جَمِيعًا ... مَوَالِي الْقَوْمِ وَالْقَوْمُ الصَّمِيمُ وَعُمَّ بِهِ لِمَقْتَلِهِ بَعِيدٌ ... وَخَصَّ بِهِ لِمَقْتَلِهِ حَمِيمُ وَهِيَ طَوِيلَةٌ، وَقَالَ أَيْضًا: أَلَمْ تَرَ أَنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَمْسَى ... عَلَى جَفْرِ الْهَبَاءَةِ لَا يَرِيمُ فَلَوْلَا ظُلْمُهُ مَا زِلْتُ أَبْكِي ... عَلَيْهِ الدَّهْرَ مَا طَلَعَ النُّجُومُ وَلَكِنَّ الْفَتَى حَمَلُ بْنُ بَدْرٍ ... بَغَى وَالْبَغْيُ مَرْتَعُهُ وَخِيمُ
وَأَكْثَرُوا الْقَوْلَ فِي يَوْمِ الْهَبَاءَةِ. ثُمَّ إِنَّ عَبْسًا نَدِمَتْ عَلَى مَا فَعَلَتْ يَوْمَ الْهَبَاءَةِ، وَلَامَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَاجْتَمَعَتْ فَزَارَةُ إِلَى سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيِّ وَشَكَوْا إِلَيْهِ مَا نَزَلْ بِهِمْ، فَأَعْظَمَهُ وَذَمَّ عَبْسًا، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ الْعَرَبَ وَيَأْخُذَ بِثَأْرِ بَنِي بَدْرٍ وَفَزَارَةَ وَبَثَّ رُسُلَهُ. فَاجْتَمَعَ مِنَ الْعَرَبِ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصُونَ، وَنَهَى أَصْحَابَهُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْأَمْوَالِ وَالْغَنِيمَةِ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ، وَسَارُوا إِلَى بَنِي عَبْسٍ. فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَسِيرُهُمْ إِلَيْهِمْ قَالَ قَيْسٌ: الرَّأْيُ أَنَّنَا لَا نَلْقَاهُمْ، فَإِنَّنَا قَدْ وَتَرْنَاهُمْ فَهُمْ يُطَالِبُونَنَا بِالذُّحُولِ وَالطَّوَائِلِ، وَقَدْ رَأَوْا مَا نَالَهُمْ بِالْأَمْسِ بِاشْتِغَالِهِمْ بِالنَّهْبِ وَالْمَالِ فَهُمْ لَا يَتَعَرَّضُونَ إِلَيْهِ الْآنَ، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ نَفْعَلُهُ أَنَّنَا نُرْسِلُ الظَّعَائِنَ وَالْأَمْوَالَ إِلَى بَنِي عَامِرٍ، فَإِنَّ الدَّمَ لَنَا قَبْلَهُمْ فَهُمْ لَا يَتَعَرَّضُونَ لَكُمْ، وَيَبْقَى أُولُو الْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ وَنُمَاطِلُهُمُ الْقِتَالَ، فَإِنْ أَبَوْا إِلَّا الْقِتَالَ كُنَّا قَدْ أَحْرَزْنَا أَهْلِينَا وَأَمْوَالَنَا وَقَاتَلْنَاهُمْ وَصَبَرْنَا لَهُمْ، فَإِنْ ظَفِرْنَا فَهُوَ الَّذِي نُرِيدُ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى كُنَّا قَدِ احْتَرَزْنَا وَلَحِقْنَا بِأَمْوَالِنَا وَنَحْنُ عَلَى حَامِيَةٍ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَارَتْ ذُبْيَانُ وَمَنْ مَعَهَا فَلَحِقُوا بَنِي عَبْسٍ عَلَى ذَاتِ الْجُرَاجِرِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ وَافْتَرَقُوا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ عَادُوا إِلَى اللِّقَاءِ فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَظَهَرَتْ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ شَجَاعَةُ عَنْتَرَةَ بْنِ شَدَّادٍ. فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ شِدَّةَ الْقِتَالِ وَكَثْرَةَ الْقَتْلَى لَامُوا سِنَانَ بْنَ أَبِي حَارِثَةَ عَلَى مَنْعِهِ حُذَيْفَةَ عَنِ الصُّلْحِ، وَتَطَيَّرُوا مِنْهُ وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِحَقْنِ الدِّمَاءِ وَمُرَاجَعَةِ السِّلْمِ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَأَرَادَ مُرَاجَعَةَ الْحَرْبِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ. فَلَمَّا رَأَى فُتُورَ أَصْحَابِهِ وَرُكُونَهُمْ إِلَى السِّلْمِ رَحَلَ عَائِدًا. فَلَمَّا عَادَ عَنْهُمْ رَحَلَ قَيْسٌ وَبَنُو عَبْسٍ إِلَى بَنِي شَيْبَانَ بْنِ بَكْرٍ وَجَاوَرُوهُمْ وَبَقَوْا مَعَهُمْ مُدَّةً، فَرَأَى قَيْسٌ مِنْ غِلْمَانِ شَيْبَانَ مَا يَكْرَهُهُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ فَرَحَلَا عَنْهُمْ، فَتَبِعَهُمْ جَمْعٌ مِنْ شَيْبَانَ، فَلَقِيَتْهُمْ بَنُو عَبْسٍ وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتْ شَيْبَانُ وَسَارَتْ عَبْسٌ إِلَى هَجَرَ لِيُحَالِفُوا مَلِكَهُمْ، وَهُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَارِثِ الْكِنْدِيُّ، فَعَزَمَ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْغَارَةِ عَلَيْهِمْ لَيْلًا، فَبَلَغَهُمُ الْخَبَرُ فَسَارُوا عَنْهُ مُجِدِّينَ، وَسَارَ مُعَاوِيَةُ مُجِدًّا فِي أَثَرِهِمْ، فَتَاهَ بِهِمُ الدَّلِيلُ عَلَى عَمْدٍ لِئَلَّا يُدْرِكُوا عَبْسًا إِلَّا وَهُمْ قَدْ لَحِقَهُمْ وَدَوَابَّهُمُ النَّصَبُ، فَأَدْرَكُوهُمْ بِالْفُرُوقِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا
فَانْهَزَمَ مُعَاوِيَةُ وَأَهْلُ هَجَرَ، وَتَبِعَتْهُمْ عَبْسٌ فَأَخَذَتْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَا أَرَادُوا، وَرَجَعُوا سَائِرِينَ فَنَزَلُوا بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ عَرَاعِرُ عَلَيْهِ حَيٌّ مِنْ كَلْبٍ، فَرَكِبُوا لِيُقَاتِلُوا بَنِي عَبْسٍ، فَبَرَزَ الرَّبِيعُ وَطَلَبَ رَئِيسَهُمْ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ، وَاسْمُهُ مَسْعُودُ بْنُ مَصَادٍ. فَاقْتَتَلَا حَتَّى سَقَطَا إِلَى الْأَرْضِ، وَأَرَادَ مَسْعُودٌ قَتْلَ الرَّبِيعِ، فَانْحَسَرَتِ الْبَيْضَةُ عَنْ رَقَبَتِهِ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْسٍ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، فَثَارَ بِهِ الرَّبِيعُ فَقَطَعَ رَأْسَهُ، وَحَمَلَتْ عَبْسٌ عَلَى كَلْبٍ وَالرَّأْسُ عَلَى رُمْحٍ، فَانْهَزَمَتْ كَلْبٌ وَغَنِمَتْ عَبْسٌ أَمْوَالَهُمْ وَذَرَارِيَهُمْ، فَسَارُوا إِلَى الْيَمَامَةِ فَحَالَفُوا أَهْلَهَا مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ وَأَقَامُوا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَلَمْ يُحْسِنُوا جِوَارَهُمْ وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمْ فَسَارُوا عَنْهُمْ، وَقَدْ تَفَرَّقَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَقُتِلَ مِنْهُمْ وَهَلَكَتْ دَوَابُّهُمْ وَوَتَرَهُمُ الْعَرَبُ، فَرَاسَلَتْهُمْ بَنُو ضَبَّةَ وَعَرَضُوا عَلَيْهِمُ الْمُقَامَ عِنْدَهُمْ لِيَسْتَعِينُوا بِهِمْ عَلَى حَرْبِ تَمِيمٍ، فَفَعَلُوا وَجَاوَرُوهُمْ. فَلَمَّا انْقَضَى الْأَمْرُ بَيْنَ ضَبَّةَ وَتَمِيمٍ تَغَيَّرَتْ ضَبَّةُ لَعَبْسٍ وَأَرَادُوا اقْتِطَاعَهُمْ، فَحَارَبَتْهُمْ عَبْسٌ فَظَفِرَتْ وَغَنِمَتْ مِنْ أَمْوَالِ ضَبَّةَ، وَسَارَتْ إِلَى بَنِي عَامِرٍ وَحَالَفُوا الْأَحْوَصَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، فَسُرَّ بِهِمْ لِيَقْوَى بِهِمْ عَلَى حَرْبِ بَنِي تَمِيمٍ لِأَنَّهُ كَانَ بَلَغَهُ أَنَّ لَقِيطَ بْنَ زُرَارَةَ يُرِيدُ غَزْوَ بَنِي عَامِرٍ وَالْأَخْذَ بِثَأْرِ أَخِيهِ مَعْبَدٍ، فَأَقَامَتْ عَبْسٌ عِنْدَ بَنِي عَامِرٍ، فَقَصَدَتْهُمْ تَمِيمٌ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ شِعْبِ جَبَلَةَ، وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ إِنَّ ذُبْيَانَ غَزَوْا بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَفِيهِمْ بَنُو عَبْسٍ فَاقْتَتَلُوا، فَهُزِمَتْ عَامِرٌ وَأُسِرَ قِرْوَاشُ بْنُ هُنِيٍّ الْعَبْسِيُّ وَلَمْ يُعْرَفْ، فَلَمَّا قَدِمُوا بِهِ الْحَيَّ عَرَفَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ، فَلَمَّا عَرَفُوهُ سَلَّمُوهُ إِلَى حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ فَقَتَلَهُ. ثُمَّ رَحَلَتْ عَبْسٌ عَنْ عَامِرٍ وَنَزَلَتْ بِتَيْمِ الرِّبَابِ، فَبَغَتْ تَيْمٌ عَلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَتَكَاثَرَتْ عَلَيْهِمْ تَيْمٌ فَقَتَلُوا مَنْ عَبْسٍ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً. وَرَحَلَتْ عَبْسٌ وَقَدْ مَلَّتِ الْحَرْبَ وَقَلَّتِ الرِّجَالُ وَالْأَمْوَالُ وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي، فَقَالَ لَهُمْ قَيْسٌ: مَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: نَرْجِعُ إِلَى أَخْوَالِنَا مِنْ ذُبْيَانَ فَالْمَوْتُ مَعَهُمْ خَيْرٌ مِنَ الْبَقَاءِ مَعَ غَيْرِهِمْ. فَسَارُوا حَتَّى قَدِمُوا عَلَى الْحَارِثِ بْنِ عَوْفِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيِّ، وَقِيلَ: عَلَى هَرِمِ بْنِ سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ لَيْلًا، وَكَانَ عِنْدَ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ. فَلَمَّا عَادَ وَرَآهُمْ رَحَّبَ بِهِمْ وَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: إِخْوَانُكَ بَنُو عَبْسٍ، وَذَكَرُوا حَاجَتَهُمْ. فَقَالَ: نَعَمْ وَكَرَامَةٌ أُعْلِمُ حِصْنَ بْنَ حُذَيْفَةَ. فَعَادَ إِلَيْهِ وَقَالَ: طُرِقْتَ فِي حَاجَةٍ، قَالَ: أَعْطَيْتُهَا. قَالَ: بَنُو
يوم شعب جبلة
عَبْسٍ وَجَدْتُ وُفُودَهُمْ فِي مَنْزِلِي. قَالَ حِصْنٌ: صَالِحُوا قَوْمَكُمْ، وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَدِي وَلَا أَتَّدِي، قَدْ قَتَلَ آبَائِي وَعُمُومَتِي عِشْرِينَ مِنْ عَبْسٍ، فَعَادَ إِلَى عَبْسٍ وَأَخْبَرَهُمْ بِقَوْلِ حِصْنٍ وَأَخَذَهُمْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ قَيْسٌ وَالرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ: نَحْنُ رُكْبَانُ الْمَوْتِ. قَالَ: بَلْ رُكْبَانُ السِّلْمِ، إِنْ تَكُونُوا اخْتَلَلْتُمْ إِلَى قَوْمِكُمْ فَقَدِ اخْتَلَّ قَوْمُكُمْ إِلَيْكُمْ. ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُمْ حَتَّى أَتَوْا سِنَانًا فَقَالَ لَهُ: قُمْ بِأَمْرِ عَشِيرَتِكَ وَأَصْلِحْ بَيْنَهُمْ فَإِنِّي سَأُعِينُكَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَتَمَّ الصُّلْحُ بَيْنَهُمْ وَعَادَتْ عَبْسٌ. وَقِيلَ: إِنَّ قَيْسَ بْنَ زُهَيْرٍ لَمْ يَسِرْ مَعَ عَبْسٍ إِلَى ذُبْيَانَ وَقَالَ: لَا تَرَانِي غَطَفَانِيَّةٌ أَبَدًا وَقَدْ قَتَلْتُ أَخَاهَا أَوْ زَوْجَهَا أَوْ وَلَدَهَا أَوِ ابْنَ عَمِّهَا، وَلَكِنِّي سَأَتُوبُ إِلَى رَبِّي، فَتَنَصَّرَ وَسَاحَ فِي الْأَرْضِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى عُمَانَ فَتَرَهَّبَ بِهَا زَمَانًا، فَلَقِيَهُ حَوْجُ بْنُ مَالِكٍ الْعَبْدِيُّ فَعَرَفَهُ فَقَتَلَهُ، وَقَالَ لَا رَحِمَنِي اللَّهُ إِنْ رَحِمْتُكَ. وَقِيلَ: إِنَّ قَيْسًا تَزَوَّجَ فِي النُّمَيْرِ بْنِ قَاسِطٍ لَمَّا عَادَتْ عَبْسٌ إِلَى ذُبْيَانَ، وَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ فَضَالَةُ، فَقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَقَدَ لَهُ عَلَى مَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانُوا تِسْعَةً وَهُوَ عَاشِرُهُمْ. انْقَضَى حَرْبُ دَاحِسٍ وَالْغَبْرَاءِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. [يَوْمَ شِعْبِ جَبَلَةَ] كَانَ لَقِيطُ بْنُ زُرَارَةَ قَدْ عَزَمَ عَلَى غَزْوِ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ لِلْأَخْذِ بِثَأْرِ أَخِيهِ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَوْتَهُ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا. فَبَيْنَمَا هُوَ يَتَجَهَّزُ أَتَاهُ الْخَبَرُ بِحِلْفِ بَنِي عَبْسٍ وَبَنِي عَامِرٍ، فَلَمْ يَطْمَعْ فِي الْقَوْمِ وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْسٍ ذَحْلٌ يَسْأَلُهُ الْحِلْفَ وَالتَّظَافُرَ عَلَى غَزْوِ عَبْسٍ وَعَامِرٍ. فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ أَسَدٌ وَغَطَفَانُ وَعَمْرُو بْنُ الْجَوْنِ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ الْجَوْنِ وَاسْتَوْثَقُوا وَاسْتَكْثَرُوا وَسَارُوا، فَعَقَدَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْجَوْنِ الْأَلْوِيَةَ، فَكَانَ بَنُو أَسَدٍ وَبَنُو فَزَارَةَ بِلِوَاءٍ مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْجَوْنِ، وَعَقَدَ لِعَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ مَعَ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ وَعَقَدَ لِلرِّبَابِ مَعَ حَسَّانَ بْنِ هَمَّامٍ، وَعَقَدَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ بُطُونِ تَمِيمٍ مَعَ
عَمْرِو بْنِ عُدَسٍ، وَعَقَدَ لِحَنْظَلَةَ بِأَسْرِهَا مَعَ لَقِيطِ بْنِ زُرَارَةَ، وَكَانَ مَعَ لَقِيطٍ ابْنَتُهُ دَخْتَنُوسُ، وَكَانَ يَغْزُو بِهَا مَعَهُ وَيَرْجِعُ إِلَى رَأْيِهَا. وَسَارُوا فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ لَا يَشُكُّونَ فِي قَتْلِ عَبْسٍ وَعَامِرٍ وَإِدْرَاكِ ثَأْرِهِمْ. فَلَقِيَ لَقِيطٌ فِي طَرِيقِهِ كَرِبَ بْنَ صَفْوَانَ بْنِ الْحُبَابِ السَّعْدِيَّ، وَكَانَ شَرِيفًا، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسِيرَ مَعَنَا فِي غَزَاتِنَا؟ قَالَ: أَنَا مَشْغُولٌ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لِي. قَالَ: لَا بَلْ تُرِيدُ أَنْ تُنْذِرَ بِنَا الْقَوْمَ، وَلَا أَتْرُكُكَ حَتَّى تَحْلِفَ أَنَّكَ لَا تُخْبِرُهُمْ، فَحَلَفَ لَهُ، ثُمَّ سَارَ عَنْهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ. فَلَمَّا دَنَا مِنْ عَامِرٍ أَخَذَ خِرْقَةً فَصَرَّ بِهَا حَنْظَلَةً وَشَوْكًا وَتُرَابًا وَخِرْقَتَيْنِ يَمَانِيَّتَيْنِ وَخِرْقَةً حَمْرَاءَ وَعَشَرَةَ أَحْجَارٍ سُودٍ ثُمَّ رَمَى بِهَا حَيْثُ يَسْقُونَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ. فَأَخَذَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُشَيْرٍ، فَأَتَى بِهَا حَيْثُ الْأَحْوَصُ بْنُ جَعْفَرٍ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا أَلْقَاهَا وَهُمْ يَسْقُونَ. فَقَالَ الْأَحْوَصُ لِقَيْسِ بْنِ زُهَيْرٍ الْعَبْسِيِّ: مَا تَرَى فِي هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: هَذَا مِنْ صُنْعِ اللَّهِ لَنَا، هَذَا رَجُلٌ قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِ عَهْدٌ أَنْ لَا يُكَلِّمَكُمْ فَأَخْبَرَكُمْ أَنَّ أَعْدَاءَكُمْ قَدْ غَزَوْكُمْ عَدَدَ التُّرَابِ، وَأَنَّ شَوْكَتَهُمْ شَدِيدَةٌ، وَأَمَّا الْحَنْظَلَةُ فَهِيَ رُؤَسَاءُ الْقَوْمِ، وَأَمَّا الْخِرْقَتَانِ الْيَمَانِيَّتَانِ فَهُمَا حَيَّانِ مِنَ الْيَمَنِ مَعَهُمْ، وَأَمَّا الْخِرْقَةُ الْحَمْرَاءُ فَهِيَ حَاجِبُ بْنُ زُرَارَةَ، وَأَمَّا الْأَحْجَارُ فَهِيَ عَشْرُ لَيَالٍ يَأْتِيكُمُ الْقَوْمُ إِلَيْهَا، قَدْ أَنْذَرْتُكُمْ فَكُونُوا أَحْرَارًا فَاصْبِرُوا كَمَا يَصْبِرُ الْأَحْرَارُ الْكِرَامُ. قَالَ الْأَحْوَصُ: فَإِنَّا فَاعِلُونَ وَآخِذُونَ بِرَأْيِكَ، فَإِنَّهُ لَمْ تَنْزِلْ بِكَ شِدَّةٌ إِلَّا رَأَيْتَ الْمَخْرَجَ مِنْهَا. قَالَ: فَإِذْ قَدْ رَجَعْتُمْ إِلَى رَأْيِي فَأَدْخِلُوا نَعَمَكُمْ شِعْبَ جَبَلَةَ ثُمَّ أَظْمِئُوهَا هَذِهِ الْأَيَّامَ وَلَا تُورِدُوهَا الْمَاءَ، فَإِذَا جَاءَ الْقَوْمُ أَخْرِجُوا عَلَيْهِمُ الْإِبِلَ وَانْخَسُوهَا بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ فَتَخْرُجَ مَذَاعِيرَ عِطَاشًا فَتَشْغَلَهُمْ وَتُفَرِّقَ جَمْعَهُمْ وَاخْرُجُوا أَنْتُمْ فِي آثَارِهَا وَاشْفُوا نُفُوسَكُمْ. فَفَعَلُوا مَا أَشَارَ بِهِ. وَعَادَ كَرِبُ بْنُ صَفْوَانَ فَلَقِيَ لَقِيطًا فَقَالَ لَهُ: أَنْذَرْتَ الْقَوْمَ؟ فَأَعَادَ الْحَلِفَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ، فَخَلَّى عَنْهُ. فَقَالَتْ دَخْتَنُوسُ ابْنَةُ لَقِيطٍ لِأَبِيهَا: رُدَّنِي إِلَى أَهْلِي، وَلَا
تُعَرِّضْنِي لَعَبْسٍ وَعَامِرٍ فَقَدْ أَنْذَرَهُمْ لَا مَحَالَةَ، فَاسْتَحْمَقَهَا وَسَاءَهُ كَلَامُهَا وَرَدَّهَا. وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى فَمِ الشِّعْبِ بِعَسَاكِرَ جَرَّارَةٍ كَثِيرَةِ الصَّوَاهِلِ وَلَيْسَ لَهُمْ هَمٌّ إِلَّا الْمَاءَ، فَقَصَدُوهُ. فَقَالَ لَهُمْ قَيْسٌ: أَخْرِجُوا عَلَيْهِمُ الْآنَ الْإِبِلَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَخَرَجَتِ الْإِبِلُ مَذَاعِيرَ عِطَاشًا وَهُمْ فِي أَعْرَاضِهَا وَأَدْبَارِهَا، فَخَبَطَتْ تَمِيمًا وَمَنْ مَعَهَا وَقَطَّعَتْهُمْ، وَكَانُوا فِي الشِّعْبِ، وَأَبْرَزَتْهُمْ إِلَى الصَّحْرَاءِ عَلَى غَيْرِ تَعْبِيَةٍ. وَشُغِلُوا عَنْ الِاجْتِمَاعِ إِلَى أَلْوِيَتِهِمْ، وَحَمَلَتْ عَلَيْهِمْ عَبْسٌ وَعَامِرٌ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى فِي تَمِيمٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قُتِلَ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ عَمْرُو بْنُ الْجَوْنِ، وَأُسِرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْجَوْنِ وَعَمْرُو بْنُ عَمْرِو بْنِ عُدَسٍ زَوْجُ تَخْتَنُوسْ بِنْتِ لَقِيطٍ، وَأُسِرَ حَاجِبُ بْنُ زُرَارَةَ، وَانْحَازَ لَقِيطُ بْنُ زُرَارَةَ، فَدَعَا قَوْمَهُ وَقَدْ تَفَرَّقُوا عَنْهُ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَفَرٌ يَسِيرٌ، فَتَحَرَّزَ بِرَايَتِهِ فَوْقَ جُرْفٍ ثُمَّ حَمَلَ فَقَتَلَ فِيهِمْ وَرَجَعَ وَصَاحَ: أَنَا لَقِيطٌ، وَحَمَلَ ثَانِيَةً فَقَتَلَ وَجَرَحَ وَعَادَ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ، فَانْحَطَّ الْجُرْفُ بِفَرَسِهِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ عَنْتَرَةُ فَطَعَنَهُ طَعْنَةً قَصَمَ بِهَا صُلْبَهُ، وَضَرَبَهُ قَيْسٌ بِالسَّيْفِ فَأَلْقَاهُ مُتَشَحِّطًا فِي دَمِهِ، فَذَكَرَ ابْنَتَهُ دَخْتَنُوسَ فَقَالَ: يَا لَيْتَ شِعْرِي عَنْكِ دَخْتَنُوسُ إِذَا أَتَاهَا الْخَبَرُ الْمَرْمُوسُ أَتَحْلِقُ الْقُرُونَ أَمْ تَمِيسُ لَا بَلْ تَمِيسُ إِنَّهَا عَرُوسُ ثُمَّ مَاتَ وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى تَمِيمٍ وَغَطَفَانَ، ثُمَّ فَدَوْا حَاجِبًا بِخَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَعَادَ مَنْ سَلِمَ إِلَى أَهْلِهِ. وَقَالَتْ دَخْتَنُوسُ تَرْثِي أَبَاهَا قَصَائِدَ، مِنْهَا: عَثَرَ الْأَغَرُّ بِخَيْرِ خِنْ ... دِفَ كَهْلِهَا وَشَبَابِهَا وَأَضَرِّهَا لِعَدُوِّهَا ... وَأَفَكِّهَا لِرِقَابِهَا وَقَرِيعِهَا وَنَجِيبِهَا ... فِي الْمُطْبِقَاتِ وَنَابِهَا وَرَئِيسِهَا عِنْدَ الْمُلُو ... كِ وَزَيْنِ يَوْمِ خِطَابِهَا وَأَتَمِّهَا نَسَبًا إِذَا ... رَجَعَتْ إِلَى أَنْسَابِهَا
يوم ذات نكيف
فَرَعَى عَمُودًا لِلْعَشِي رَةِ رَافِعًا لِنِصَابِهَا ... وَيَعُولُهَا وَيَحُوطُهَا وَيَذُبُّ عَنْ أَحْسَابِهَا ... وَيَطَا مَوَاطِنَ لِلْعَدُ وِّ فَكَانَ لَا يَمْشِي بِهَا ... فِعْلَ الْمُدِلِّ مِنَ الْأُسُو دِ لِحَيْنِهَا وَتَبَابِهَا ... كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ فِي سَمَاءَ لَا يَخْفَى بِهَا ... عَبَثَ الْأَغَرُّ بِهِ وَكُ لُّ مَنِيَّةٍ لِكِتَابِهَا ... فَرَّتْ بَنُو أَسَدٍ فِرَا رَ الطَّيْرِ عَنْ أَرْبَابِهَا ... وَهَوَازِنٌ أَصْحَابُهُمْ كَالْفَأْرِ فِي أَذْنَابِهَا وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي يَوْمِ جَبَلَةَ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، قَالَ: كَانَ سَبَبَهُ أَنَّ بَنِي خِنْدِفٍ كَانَ لَهُمْ عَلَى قَيْسٍ أَكْلٌ تَأْكُلُهُ الْقُعْدُدُ مِنْ خِنْدِفٍ، فَكَانَ يَنْتَقِلُ فِيهِمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى تَمِيمٍ، ثُمَّ مِنْ تَمِيمٍ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَهُمْ أَقَلُّ بَطْنٍ مِنْهُمْ وَأَذَلُّهُ، فَأَبَتْ قَيْسٌ أَنْ تُعْطِيَ الْأَكْلَ وَامْتَنَعَتْ مِنْهُ، فَجَمَعَتْ تَمِيمٌ وَحَالَفَتْ غَيْرَهَا مِنَ الْعَرَبِ وَسَارُوا إِلَى قَيْسٍ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَخَالَفَ فِي الْبَعْضِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهِ. وَفِي هَذَا الْيَوْمِ وُلِدَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ الْعَامِرِيُّ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّ الْمَجُوسِيَّةَ كَانَ يَدِينُ بِهَا بَعْضُ الْعَرَبِ بِالْبَحْرَيْنِ، وَكَانَ زُرَارَةُ بْنُ عُدَسٍ وَابْنَاهُ حَاجِبٌ وَلَقِيطٌ وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَغَيْرُهُمْ مَجُوسًا، وَإِنَّ لَقِيطًا تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ دَخْتَنُوسَ وَسَمَّاهَا بِهَذَا الِاسْمِ الْفَارِسِيِّ، وَإِنَّهُ قُتِلَ وَهِيَ تَحْتُهُ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ: يَا لَيْتَ شِعْرِي عَنْكِ دَخْتَنُوسُ الْأَبْيَاتَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [يَوْمُ ذَاتِ نَكِيفٍ]
كَانَ بَنُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ مُبْغِضِينَ لِقُرَيْشٍ مُضْطَغِنِينَ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ مِنْ قُصَيٍّ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ مَكَّةَ مَعَ مَنْ أَخْرَجَ مِنْ خُزَاعَةَ حِينَ قَسَّمَهَا رِبَاعًا وَخُطَطًا بَيْنَ قُرَيْشٍ. فَلَمَّا كَانُوا عَلَى عَهْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ هَمُّوا بِإِخْرَاجِ قُرَيْشٍ مِنَ الْحَرَمِ، وَأَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَغْلِبُوهُمْ عَلَيْهِ. وَعَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى نَعَمٍ لِبَنِي الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ فَاطَّرَدُوهَا، ثُمَّ جَمَعُوا جُمُوعَهُمْ وَجَمَعَتْ قُرَيْشٌ جُمُوعَهُمْ وَاسْتَعَدَّتْ، وَعَقَدَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الْحِلْفَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَحَابِيشِ، وَهُمْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ وَبَنُو الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، فَلَقُوا بَنِي بَكْرٍ وَمَنِ انْضَمَّ إِلَيْهِمْ، وَعَلَى النَّاسِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَاقْتَتَلُوا بِذَاتِ نَكِيفٍ، فَانْهَزَمَ بَنُو بَكْرٍ وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا فَلَمْ يَعُودُوا لِحَرْبِ قُرَيْشٍ قَالَ ابْنُ شُعْلَةَ الْفِهْرِيُّ: فَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مِنْ عِصَابَةٍ ... غَوَتْ غَيَّ بَكْرٍ يَوْمَ ذَاتِ نَكِيفِ أَنَاخُوا إِلَى أَبْيَاتِنَا وَنِسَائِنَا ... فَكَانُوا لَنَا ضَيْفًا بِشَرِّ مَضِيفِ فَقَتَلَ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ بْنُ السَّفَّاحِ الْقَارِيُّ مِنَ الْقَارَةِ قَتَادَةَ بْنَ قَيْسٍ أَخَا بَلْعَاءَ بْنِ قَيْسٍ، وَاسْمُ بَلْعَاءَ مُسَاحِقٌ. وَيَوْمَئِذٍ قِيلَ: قَدْ أَنْصَفَ الْقَارَةَ مَنْ رَامَاهَا، وَالْقَارَةُ مِنْ وَلَدِ الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ عَضَلَ بْنِ الدِّيشِ، قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: دَعُونَا قَارَةً لَا تُنْفِرُونَا ... فَنُجْفِلَ مِثْلَ إِجْفَالِ الظَّلِيمِ
ذكر الفجار الأول والثاني
وَقِيلَ بِهَذَا الْبَيْتِ سُمُّوا قَارَةً، وَكَانَ يُقَالُ لِلْقَارَةِ رُمَاةُ الْحَدَقِ. [ذِكْرُ الْفِجَارِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي] أَمَّا الْفِجَارُ الْأَوَّلُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ كَثِيرُ أَمْرٍ لِيُذْكَرَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِئَلَّا يُرَى ذِكْرُ الْفِجَارِ الثَّانِي وَمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ فَيُظَنُّ أَنَّ الْأَوَّلَ مِثْلُهُ وَقَدْ أَهْمَلْنَاهُ، فَلِهَذَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ الْفِجَارُ الْأَوَّلُ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَمَنْ مَعَهَا مِنْ كِنَانَةَ كُلِّهَا وَبَيْنَ قَيْسِ عَيْلَانَ. وَسَبَبُهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنَانَةَ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، فَأُعْدِمَ الْكِنَانِيُّ، فَوَافَى النَّصْرِيُّ سُوقَ عُكَاظَ بِقِرْدٍ وَقَالَ: مَنْ يَبِيعُنِي مِثْلَ هَذَا بِمَا لِي عَلَى فُلَانٍ الْكِنَانِيِّ؟ فَعَلَ ذَلِكَ تَعْيِيرًا لِلْكِنَانِيِّ وَقَوْمِهِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ كِنَانَةَ فَضَرَبَ الْقِرْدَ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ أَنَفَةً مِمَّا قَالَ النَّصْرِيُّ، فَصَرَخَ النَّصْرِيُّ فِي قَيْسٍ، وَصَرَخَ الْكِنَانِيُّ فِي كِنَانَةَ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَتَحَاوَرُوا حَتَّى كَادَ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الْقِتَالُ ثُمَّ اصْطَلَحُوا. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُهُ أَنَّ فِتْيَةً مِنْ قُرَيْشٍ قَعَدُوا إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَهِيَ وَضِيئَةٌ عَلَيْهَا بُرْقُعٌ، فَقَالُوا لَهَا: اسْفِرِي لِنَنْظُرَ إِلَى وَجْهِكِ، فَلَمْ تَفْعَلْ. فَقَامَ غُلَامٌ مِنْهُمْ فَشَكَّ ذَيْلَ دِرْعِهَا إِلَى ظَهْرِهَا وَلَمْ تَشْعُرْ، فَلَمَّا قَامَتِ انْكَشَفَتْ دُبُرُهَا، فَضَحِكُوا وَقَالُوا: مَنَعْتِنَا النَّظَرَ إِلَى وَجْهِكِ فَقَدْ نَظَرْنَا إِلَى دُبُرِكِ. فَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ: يَا بَنِي عَامِرٍ فُضِحْتُ! فَأَتَاهَا النَّاسُ وَاشْتَجَرُوا حَتَّى كَادَ يَكُونُ قِتَالٌ، ثُمَّ رَأَوْا أَنَّ الْأَمْرَ يَسِيرٌ فَاصْطَلَحُوا. وَقِيلَ: بَلْ قَعَدَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو مَعْشَرِ بْنُ مِكْرِزٍ، وَكَانَ عَازِمًا مَنِيعًا
فِي نَفْسِهِ، وَكَانَ بِسُوقِ عُكَاظَ، فَمَدَّ رِجْلَهُ ثُمَّ قَالَ: نَحْنُ بَنُو مُدْرِكَةَ بْنِ خِنْدِفْ مَنْ يَطْعَنُوا فِي عَيْنِهِ لَا يَطْرِفْ وَمَنْ يَكُونُوا قَوْمَهُ يُغَطْرَفْ كَأَنَّهُ لُجَّةُ بَحْرٍ مُسْدِفْ أَنَا وَاللَّهِ أَعَزُّ الْعَرَبِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَعَزُّ مِنِّي فَلْيَضْرِبْهَا بِالسَّيْفِ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ يُقَالُ لَهُ أَحْمَرُ بْنُ مَازِنٍ فَضَرَبَهَا بِالسَّيْفِ فَخَرَشَهَا خَرْشًا غَيْرَ كَثِيرٍ، فَاخْتَصَمَ النَّاسُ ثُمَّ اصْطَلَحُوا. - بَنُو نَصْرٍ بِالنُّونِ -. وَأَمَّا الْفِجَارُ الثَّانِي، وَكَانَ بَعْدَ الْفِيلِ بِعِشْرِينَ سَنَةً، وَبَعْدَ مَوْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَيَّامِ الْعَرَبِ أَشْهَرُ مِنْهُ وَلَا أَعْظَمُ، فَإِنَّمَا سُمِّيَ الْفِجَارَ لِمَا اسْتَحَلَّ الْحَيَّانِ كِنَانَةُ وَقَيْسٌ فِيهِ مِنَ الْمَحَارِمِ، وَكَانَ قَبْلَهُ يَوْمُ جَبَلَةَ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي أَيَّامِ الْعَرَبِ، وَالْفِجَارُ أَعْظَمُ مِنْهُ. وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ الْبَرَّاضَ بْنَ قَيْسِ بْنِ رَافِعٍ الْكِنَانِيَّ ثُمَّ الضَّمْرِيَّ كَانَ رَجُلًا فَاتِكًا خَلِيعًا قَدْ خَلَعَهُ قَوْمُهُ لِكَثْرَةِ شَرِّهِ، وَكَانَ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِفَتْكِهِ فَيُقَالُ: أَفْتَكُ مِنَ الْبَرَّاضِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْفَتَى مَنْ تَعَرَّفَتْهُ اللَّيَالِي فَهْوَ فِيهَا كَالْحَيَّةِ النَّضْنَاضِ كُلَّ يَوْمٍ لَهُ بِصِرْفِ اللَّيَالِي فَتْكَةٌ مِثْلُ فَتْكَةِ الْبَرَّاضِ فَخَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَكَانَ النُّعْمَانُ يَبْعَثُ كُلَّ عَامٍ بِلَطِيمَةٍ لِلتِّجَارَةِ إِلَى عُكَاظَ تُبَاعُ لَهُ هُنَاكَ، وَكَانَ عُكَاظُ وَذُو الْمَجَازِ وَمَجَنَّةُ أَسْوَاقًا تَجْتَمِعُ بِهَا الْعَرَبُ كُلَّ عَامٍ إِذَا حَضَرَ الْمَوْسِمُ، فَيَأْمَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُهَا، وَكَانَتْ مَجَنَّةُ بِالظَّهْرَانِ، وَكَانَتْ عُكَاظُ بَيْنَ نَخْلَةَ وَالطَّائِفِ، وَكَانَ ذُو الْمَجَازِ بِالْجَانِبِ الْأَيْسَرِ إِذَا وَقَفْتَ عَلَى الْمَوْقِفِ، فَقَالَ النُّعْمَانُ، وَعِنْدَهُ الْبَرَّاضُ وَعُرْوَةُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ
الْمَعْرُوفُ بِالرَّحَّالِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ رِحْلَتِهِ إِلَى الْمُلُوكِ -: مَنْ يُجِيزُ لِي لَطِيمَتِي هَذِهِ حَتَّى يُبْلِغَهَا عُكَاظَ؟ فَقَالَ الْبَرَّاضُ: أَنَا أُجِيزُهَا، أَبَيْتَ اللَّعْنَ، عَلَى كِنَانَةَ. فَقَالَ النُّعْمَانُ: إِنَّمَا أُرِيدُ مَنْ يُجِيزُهَا عَلَى كِنَانَةَ وَقَيْسٍ! فَقَالَ عُرْوَةُ: أَكَلْبٌ خَلِيعٌ يُجِيزُهَا لَكَ، أَبَيْتَ اللَّعْنَ! أَنَا أُجِيزُهَا عَلَى أَهْلِ الشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ وَأَهْلِ نَجْدٍ. فَقَالَ الْبَرَّاضُ، وَغَضِبَ: وَعَلَى كِنَانَةَ تُجِيزُهَا يَا عُرْوَةُ؟ قَالَ عُرْوَةُ: وَعَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ. فَدَفَعَ النُّعْمَانُ اللَّطِيمَةَ إِلَى عُرْوَةَ الرَّحَّالِ وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ بِهَا، وَخَرَجَ الْبَرَّاضُ يَتْبَعُ أَثَرَهُ، وَعُرْوَةُ يَرَى مَكَانَهُ وَلَا يَخْشَى مِنْهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ عُرْوَةُ بَيْنَ ظَهْرَيْ قَوْمِهِ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ تَيْمَنُ بِنَوَاحِي فَدَكَ أَدْرَكَهُ الْبَرَّاضُ بْنُ قَيْسٍ فَأَخْرَجَ قِدَاحَهُ يَسْتَقْسِمُ بِهَا فِي قَتْلِ عُرْوَةَ، فَمَرَّ بِهِ عُرْوَةُ فَقَالَ: مَا تَصْنَعُ يَا بَرَّاضُ؟ فَقَالَ: أَسْتَقْسِمُ فِي قَتْلِكَ أَيُؤْذَنُ لِي أَمْ لَا. فَقَالَ عُرْوَةُ: اسْتُكَ أَضْيَقُ مِنْ ذَلِكَ! فَوَثَبَ إِلَيْهِ الْبَرَّاضُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ. فَلَمَّا رَآهُ الَّذِينَ يَقُومُونَ عَلَى الْعِيرِ وَالْأَحْمَالِ قَتِيلًا انْهَزَمُوا، فَاسْتَاقَ الْبَرَّاضُ الْعِيرَ وَسَارَ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى خَيْبَرَ، وَتَبِعَهُ رَجُلَانِ مِنْ قَيْسٍ لِيَأْخُذَاهُ، أَحَدُهُمَا غَنَوِيٌّ وَالْآخَرُ غَطْفَانِيٌّ، وَاسْمُ الْغَنَوِيِّ أَسَدُ بْنُ جُوَيْنٍ، وَاسْمُ الْغَطَفَانِيِّ مُسَاوِرُ بْنُ مَالِكٍ، فَلَقِيَهُمَا الْبَرَّاضُ بِخَيْبَرَ أَوَّلَ النَّاسِ فَقَالَ لَهُمَا: مَنِ الرَّجُلَانِ؟ قَالَا: مِنْ قَيْسٍ قَدِمْنَا لِنَقْتُلَ الْبَرَّاضَ. فَأَنْزَلَهُمَا وَعَقَلَ رَاحِلَتَيْهِمَا، ثُمَّ قَالَ أَيُّكُمَا أَجْرَأُ عَلَيْهِ وَأَجْوَدُ سَيْفًا؟ قَالَ الْغَطَفَانِيُّ: أَنَا. فَأَخَذَهُ وَمَشَى مَعَهُ لِيَدُلَّهُ بِزَعْمِهِ عَلَى الْبَرَّاضِ، فَقَالَ لِلْغَنَوِيِّ: احْفَظْ رَاحِلَتَيْكُمَا، فَفَعَلَ، وَانْطَلَقَ الْبَرَّاضُ بِالْغَطَفَانِيِّ حَتَّى أَخْرَجَهُ إِلَى خَرِبَةٍ فِي جَانِبِ خَيْبَرَ خَارِجًا مِنَ الْبُيُوتِ، فَقَالَ لِلْغَطَفَانِيِّ: هُوَ فِي هَذِهِ الْخَرِبَةِ إِلَيْهَا يَأْوِي فَأَمْهِلْنِي حَتَّى أَنْظُرَ أَهُوَ فِيهَا. فَوَقَفَ وَدَخَلَ الْبَرَّاضُ ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: هُوَ فِيهَا وَهُوَ نَائِمٌ، فَأَرِنِي سَيْفَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ أَضَارِبٌ هُوَ أَمْ لَا، فَأَعْطَاهُ سَيْفَهُ، فَضَرَبَهُ بِهِ حَتَّى قَتَلَهُ ثُمَّ أَخْفَى السَّيْفَ، وَعَادَ إِلَى الْغَنَوِيِّ فَقَالَ لَهُ: لَمْ أَرَ رَجُلًا أَجْبَنَ مِنْ صَاحِبِكَ، تَرَكْتُهُ فِي الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ الْبَرَّاضُ وَهُوَ نَائِمٌ فَلَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ. فَقَالَ: انْظُرْ لِي مَنْ يَحْفَظُ الرَّاحِلَتَيْنِ حَتَّى أَمْضِيَ إِلَيْهِ فَأَقْتُلَهُ، فَقَالَ: دَعْهُمَا وَهُمَا عَلَيَّ، ثُمَّ انْطَلَقَا إِلَى الْخَرِبَةِ، فَقَتَلَهُ وَسَارَ بِالْعِيرِ إِلَى مَكَّةَ، فَلَقِيَ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، فَقَالَ لَهُ الْبَرَّاضُ: هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ أَجْعَلَ لَكَ جَعْلًا عَلَى أَنْ تَنْطَلِقَ إِلَى حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ وَقَوْمِي فَإِنَّهُمْ قَوْمِي وَقَوْمُكَ، لِأَنَّ أَسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ مِنْ خِنْدِفٍ أَيْضًا، فَتُخْبِرَهُمْ أَنَّ الْبَرَّاضَ بْنَ قَيْسٍ قَتَلَ عُرْوَةَ الرَّحَّالَ، فَلْيَحْذَرُوا قَيْسًا! وَجَعَلَ لَهُ عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ. فَخَرَجَ
الْأَسَدِيُّ حَتَّى أَتَى عُكَاظَ وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، فَأَتَى حَرْبَ بْنَ أُمَيَّةَ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ التَّيْمِيِّ وَإِلَى هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ، وَهُوَ وَالِدُ أَبِي جَهْلٍ، وَهُمَا مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ وَذَوِي السِّنِّ مِنْهُمْ، وَإِلَى كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَحْضَرَ مِنْهَا رَجُلًا، وَإِلَى الْحُلَيْسِ بْنِ يَزِيدَ الْحَارِثِيِّ، وَهُوَ سَيِّدُ الْأَحَابِيشِ، فَأَخْبَرَهُمْ أَيْضًا. فَتَشَاوَرُوا وَقَالُوا: نَخْشَى مِنْ قَيْسٍ أَنْ يَطْلُبُوا ثَأْرَ صَاحِبِهِمْ مِنَّا فَإِنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ أَنْ يَقْتُلُوا بِهِ خَلِيعًا مِنْ بَنِي ضِمْرَةَ. فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَأْتُوا أَبَا بَرَاءٍ عَامِرَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ مُلَاعِبَ الْأَسِنَّةِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ قَيْسٍ وَشَرِيفُهَا، فَيَقُولُوا لَهُ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ حَدَثٌ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ وَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِنَا عِلْمُهُ فَأَجُزُّ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى تَعْلَمَ وَتُعْلِمَ. فَأَتَوْهُ وَقَالُوا لَهُ ذَلِكَ، فَأَجَازَ بَيْنَ النَّاسِ وَأَعْلَمَ قَوْمَهُ مَا قِيلَ لَهُ، ثُمَّ قَامَ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: يَا أَهْلَ عُكَاظَ إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِي قَوْمِنَا بِمَكَّةَ حَدَثٌ أَتَانَا خَبَرُهُ، وَنَخْشَى إِنْ تَخَلَّفْنَا عَنْهُمْ أَنْ يَتَفَاقَمَ الشَّرُّ، فَلَا يُرَوِّعَنَّكُمْ تَحَمُّلُنَا. ثُمَّ رَكِبُوا عَلَى الصَّعْبِ وَالذَّلُولِ إِلَى مَكَّةَ. فَلَمَّا كَانَ آخِرَ الْيَوْمِ أَتَى عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ مُلَاعِبَ الْأَسِنَّةِ الْخَبَرُ فَقَالَ: غَدَرَتْ قُرَيْشٌ وَخَدَعَنِي حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَاللَّهِ لَا تَنْزِلُ كِنَانَةُ عُكَاظَ أَبَدًا. ثُمَّ رَكِبُوا فِي طَلَبِهِمْ حَتَّى أَدْرَكُوهُمْ بِنَخْلَةَ فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ، فَاشْتَعَلَتْ قُرَيْشٌ فَكَادَتْ قُرَيْشٌ تَنْهَزِمُ إِلَّا أَنَّهَا عَلَى حَامِيَتِهَا تُبَادِرُ دُخُولَ الْحَرَمِ لِيَأْمَنُوا بِهِ. فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى دَخَلُوا الْحَرَمَ مَعَ اللَّيْلِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُمْ، وَعُمْرُهُ عِشْرُونَ سَنَةً. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ لَمْ يَنْهَزِمُوا، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ بَعْدَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ يَنْهَزِمُ أَصْحَابُهُ وَيُقْتَلُونَ، وَإِذَا كَانَ فِي جَمْعٍ قَبْلَ الرِّسَالَةِ وَانْهَزَمُوا فَغَيْرُ بَعِيدٍ. وَلَمَّا دَخَلَتْ قُرَيْشٌ الْحَرَمَ عَادَتْ عَنْهُمْ قَيْسٌ وَقَالُوا لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّا لَا نَتْرُكُ دَمَ عُرْوَةَ وَمِيعَادُنَا عُكَاظُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَانْصَرَفَتْ إِلَى بِلَادِهَا يُحَرِّضُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَيَبْكُونَ عُرْوَةَ الرَّحَّالَ. ثُمَّ إِنَّ قَيْسًا جَمَعَتْ جُمُوعَهَا، وَمَعَهَا ثَقِيفٌ وَغَيْرُهَا، وَجَمَعَتْ قُرَيْشٌ جُمُوعَهَا، مِنْهُمْ كِنَانَةُ جَمِيعُهَا وَالْأَحَابِيشُ وَأَسَدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، وَفَرَّقَتْ قُرَيْشٌ السِّلَاحَ فِي النَّاسِ، فَأَعْطَى
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ مِائَةَ رَجُلٍ سِلَاحًا تَامًّا، وَفَعَلَ الْبَاقُونَ مِثْلَهُ. وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ لِلْمَوْعِدِ، عَلَى كُلِّ بَطْنٍ مِنْهَا رَئِيسٌ، فَكَانَ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ: الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِخْوَتُهُ أَبُو طَالِبٍ وَحَمْزَةُ وَالْعَبَّاسُ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَعَلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَأَحْلَافِهَا: حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ. وَعَلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ: عِكْرِمَةُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ. وَعَلَى بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: خُوَيْلِدُ بْنُ أَسَدٍ. وَعَلَى بَنِي مَخْزُومٍ: هِشَامُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَبُو أَبِي جَهْلٍ. وَعَلَى بَنِي تَيْمٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ. وَعَلَى بَنِي جُمَحَ: مَعْمَرُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ وَهْبٍ. وَعَلَى بَنِي سَهْمٍ: الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ. وَعَلَى بَنِي عَدِيٍّ: زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَالِدُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ. وَعَلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ وَالِدُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. وَعَلَى بَنِي فِهْرٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ وَالِدُ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَعَلَى الْأَحَابِيشِ: الْحُلَيْسُ بْنُ يَزِيدَ وَسُفْيَانُ بْنُ عُوَيْفٍ هُمَا قَائِدَاهُمْ، وَالْأَحَابِيشُ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ: كِنَانَةُ وَعَضَلُ وَالْقَارَةُ وَالدِّيشُ مِنْ بَنِي الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَالْمُصْطَلِقِ بْنِ خُزَاعَةَ، وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِحَلِفِهِمْ بَنِي الْحَارِثِ، وَالتَّحَبُّشُ التَّجَمُّعُ. وَعَلَى بَنِي بَكْرٍ: بَلْعَاءُ بْنُ قَيْسٍ. وَعَلَى بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ مِنْ كِنَانَةَ: عُمَيْرُ بْنُ قَيْسٍ جِذْلُ الطِّعَانِ. وَعَلَى بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ: بِشْرُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ. وَكَانَ عَلَى جَمَاعَةِ النَّاسِ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ لِمَكَانِهِ مِنْ عَبْدِ مَنَافٍ سِنًّا وَمَنْزِلَةً. وَكَانَتْ قَيْسٌ قَدْ تَقَدَّمَتْ إِلَى عُكَاظَ قَبْلَ قُرَيْشٍ، فَعَلَى بَنِي عَامِرٍ مُلَاعِبُ الْأَسِنَّةِ: أَبُو
بَرَاءٍ. وَعَلَى بَنِي نَصْرٍ سَعْدٍ وَثَقِيفٍ: سُبَيْعُ بْنُ رَبِيعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وَعَلَى بَنِي جُشَمَ: الصِّمَّةُ وَالِدُ دُرَيْدٍ. وَعَلَى غَطَفَانَ: عَوْفُ بْنُ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيُّ. وَعَلَى بَنِي سُلَيْمٍ: عَبَّاسُ بْنُ زَعْلِ بْنِ هَنِيِّ بْنِ أَنَسٍ. وَعَلَى فَهْمٍ وَعَدْوَانَ: كِدَامُ بْنُ عَمْرٍو. وَسَارَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى نَزَلَتْ عُكَاظَ وَبِهَا قَيْسٌ. وَكَانَ مَعَ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ إِخْوَتُهُ: سُفْيَانُ وَأَبُو سُفْيَانَ وَالْعَاصُ وَأَبُو الْعَاصِ بَنُو أُمَيَّةَ، فَعَقَلَ حَرْبٌ نَفْسَهُ وَقَيَّدَ سُفْيَانُ وَأَبُو الْعَاصِ نَفْسَيْهِمَا وَقَالُوا: لَنْ يَبْرَحَ رَجُلٌ مِنَّا مَكَانَهُ حَتَّى نَمُوتَ أَوْ نَظْفَرَ، فَيَوْمَئِذٍ سُمُّوا الْعَنَابِسَ، وَالْعَنْبَسُ الْأَسَدُ. وَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَانَ الظَّفَرُ أَوَّلَ النَّهَارِ لِقَيْسٍ، وَانْهَزَمَ كَثِيرٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَقُرَيْشٍ. فَانْهَزَمَ بَنُو زُهْرَةَ وَبَنُو عَدِيٍّ، وَقُتِلَ مَعْمَرُ بْنُ حَبِيبٍ الْجُمَحِيُّ، وَانْهَزَمَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي فِرَاسٍ، وَثَبَتَ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ وَسَائِرُ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَزَلِ الظَّفَرُ لِقَيْسٍ عَلَى قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ إِلَى أَنِ انْتَصَفَ النَّهَارُ. ثُمَّ عَادَ الظَّفَرُ لِقُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ فَقَتَلُوا مِنْ قَيْسٍ فَأَكْثَرُوا، وَحَمِيَ الْقِتَالُ وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ، فَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَ رَايَةِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ مِائَةُ رَجُلٍ وَهُمْ صَابِرُونَ، فَانْهَزَمَتْ قَيْسٌ، وَقُتِلَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ عَبَّاسُ بْنُ زَعْلٍ السُّلَمِيُّ وَغَيْرُهُ. فَلَمَّا رَأَى أَبُو السَّيِّدِ عَمُّ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ مَا تَصْنَعُ كِنَانَةُ مِنَ الْقَتْلِ نَادَى: يَا مَعْشَرَ بَنِي كِنَانَةَ أَسْرَفْتُمْ فِي الْقَتْلِ. فَقَالَ ابْنُ جُدْعَانَ: إِنَّا مَعْشَرٌ يُسْرِفُ. وَلَمَّا رَأَى سُبَيْعُ بْنُ رَبِيعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ هَزِيمَةَ قَبَائِلِ قَيْسٍ عَقَلَ نَفْسَهُ وَاضْطَجَعَ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بَنِي نَصْرٍ قَاتِلُوا عَنِّي أَوْ ذَرُوا. فَعَطَفَتْ عَلَيْهِ بَنُو نَصْرٍ، وَجُشَمَ، وَسَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَفَهْمٍ، وَعَدْوَانَ، وَانْهَزَمَ بَاقِي قَبَائِلِ قَيْسٍ، فَقَاتَلَ هَؤُلَاءِ أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ. ثُمَّ إِنَّهُمْ تَدَاعَوْا إِلَى الصُّلْحِ فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَعُدُّوا الْقَتْلَى فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ فَضَلَ لَهُ قَتْلَى أَخَذَ دِيَتَهُ مِنَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ، فَتَعَادُّوا الْقَتْلَى فَوَجَدُوا قُرَيْشًا وَبَنِي كِنَانَةَ قَدْ أَفْضَلُوا عَلَى قَيْسٍ عِشْرِينَ رَجُلًا، فَرَهَنَ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ يَوْمَئِذٍ ابْنَهُ أَبَا سُفْيَانَ فِي دِيَاتِ الْقَوْمِ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا،
يوم ذي نجب
وَرَهَنَ غَيْرُهُ مِنَ الرُّؤَسَاءِ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَوَضَعُوا الْحَرْبَ وَهَدَمُوا مَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ، وَتَعَاهَدُوا عَلَى أَنْ لَا يُؤْذِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْبَرَّاضِ وَعُرْوَةَ. [يَوْمُ ذِي نَجَبٍ] وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ يَوْمِ ذِي نَجَبٍ أَنَّ بَنِي عَامِرٍ لَمَّا أَصَابُوا مِنْ تَمِيمٍ مَا أَصَابُوا يَوْمَ جَبَلَةَ رَجَوْا أَنْ يَسْتَأْصِلُوهُمْ، فَكَاتَبُوا حَسَّانَ بْنَ كَبْشَةَ الْكِنْدِيَّ، وَكَانَ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ كِنْدَةَ، وَهُوَ حَسَّانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُجْرٍ فَدَعَوْهُ إِلَى أَنْ يَغْزُوَ مَعَهُمْ بَنِي حَنْظَلَةَ مِنْ تَمِيمٍ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا فُرْسَانَهُمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ، فَأَقْبَلَ مَعَهُمْ بِصَنَائِعِهِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ. فَلَمَّا أَتَى بَنِي حَنْظَلَةَ خَبَرُ مَسِيرِهِمْ قَالَ لَهُمْ عَمْرُو بْنُ عَمْرٍو: يَا بَنِي مَالِكٍ إِنَّهُ لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهَذَا الْمَلِكِ وَمَا مَعَهُ مِنَ الْعَدَدِ، فَانْتَقِلُوا مِنْ مَكَانِكُمْ، وَكَانُوا فِي أَعَالِي الْوَادِي مِمَّا يَلِي مَجِيءَ الْقَوْمِ، وَكَانَتْ بَنُو يَرْبُوعٍ بِأَسْفَلِهِ، فَتَحَوَّلَتْ بَنُو مَالِكٍ حَتَّى نَزَلَتْ خَلْفَ بَنِي يَرْبُوعٍ، وَصَارَتْ بَنُو يَرْبُوعٍ تَلِي الْمَلِكَ. فَلَمَّا رَأَوْا مَا صَنَعَ بَنُو مَالِكٍ اسْتَعَدُّوا وَتَقَدَّمُوا إِلَى طَرِيقِ الْمَلِكِ. فَلَمَّا كَانَ وَجْهُ الصُّبْحِ وَصَلَ ابْنُ كَبْشَةَ فِيمَنْ مَعَهُ وَقَدِ اسْتَعَدَّ الْقَوْمُ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا رَآهُمْ بَنُو مَالِكٍ وَصَبْرَهُمْ فِي الْقِتَالِ سَارُوا إِلَيْهِمْ وَشَهِدُوا مَعَهُمُ الْقِتَالَ، فَاقْتَتَلُوا مَلِيًّا فَضَرَبَ حُشَيْشُ بْنُ نِمْرَانَ الرِّيَاحِيُّ ابْنَ كَبْشَةَ الْمَلِكَ عَلَى رَأْسِهِ فَصَرَعَهُ، فَمَاتَ، وَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَانْهَزَمَ طُفَيْلُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى فَرَسِهِ قُرْزُلَ، وَقُتِلَ عَمْرُو بْنُ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرٍ وَكَانَ رَئِيسَ عَامِرٍ، وَانْهَزَمَ بَنُو عَامِرٍ وَصَنَائِعُ ابْنِ كَبْشَةَ. قَالَ جَرِيرٌ فِي الْإِسْلَامِ يَذْكُرُ الْيَوْمَ بِذِي نَجَبٍ: بِذِي نَجَبٍ ذُدْنَا وَوَاكَلَ مَالِكٌ أَخًا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الطِّعَانِ بِوَاكِلِ وَكَانَ يَوْمُ ذِي نَجَبٍ بَعْدَ يَوْمِ ذِي جَبَلَةَ بِسَنَةٍ.
يوم نعف قشاوة
وَبَقِيَ الْأَحْوَصُ بَعْدَ ابْنِهِ عَمْرٍو يَسِيرًا وَهَلَكَ أَسَفًا عَلَيْهِ. [يَوْمُ نَعْفِ قُشَاوَةَ] وَهُوَ يَوْمٌ لَشَيْبَانَ عَلَى تَمِيمٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَغَارَ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى بَنِي يَرْبُوعٍ مِنْ تَمِيمٍ وَهُوَ بِنَعْفِ قُشَاوَةَ، فَأَتَاهُمْ ضُحًى، وَهُوَ يَوْمُ رِيحٍ وَمَطَرٍ، فَوَافَقَ النَّعَمَ حِينَ سُرِّحَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا، وَتَدَاعَتْ عَلَيْهِ بَنُو يَرْبُوعٍ فَلَحِقُوهُ وَفِيهِمْ عُمَارَةُ بْنُ عُتَيْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شِهَابٍ، فَكَرَّ عَلَيْهِ بِسْطَامٌ فَقَتَلَهُ، وَلَحِقَهُمْ مَالِكُ بْنُ حِطَّانَ الْيَرْبُوعِيُّ فَقَتَلَهُ، وَأَتَاهُمْ أَيْضًا بِجُبَيْرِ بْنِ أَبِي مُلَيْلٍ فَقَتَلَهُ بِسْطَامٌ، وَقَتَلُوا مِنْ يَرْبُوعٍ جَمْعًا وَأَسَرُوا آخَرِينَ، مِنْهُمْ: مُلَيْلُ بْنُ أَبِي مُلَيْلٍ، وَسَلِمُوا وَعَادُوا غَانِمِينَ. فَقَالَ بَعْضُ الْأَسْرَى لِبِسْطَامٍ: أَيَسُرُّكَ أَنَّ أَبَا مُلَيْلٍ مَكَانِي؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنْ دَلَلْتُكَ عَلَيْهِ أَتُطْلِقُنِي الْآنَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ ابْنَهُ بُجَيْرًا كَانَ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ وَسَتَجِدُهُ الْآنَ مُنْكَبًّا عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ فَخُذْهُ أَسِيرًا. فَعَادَ بِسْطَامٌ فَرَآهُ كَمَا قَالَ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا وَأَطْلَقَ الْيَرْبُوعِيَّ. فَقَالَ لَهُ أَبُو مُلَيْلٍ: قَتَلْتَ بُجَيْرًا وَأَسَرْتَنِي وَابْنِي مُلَيْلًا! وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُ الطَّعَامَ أَبَدًا وَأَنَا مُوثَقٌ. فَخَشِيَ بِسْطَامٌ أَنْ يَمُوتَ فَأَطْلَقَهُ بِغَيْرِ فِدَاءٍ عَلَى أَنْ يُفَادِيَ مُلَيْلًا، وَعَلَى أَنْ لَا يَتْبَعَهُ بِدَمِ ابْنِهِ بُجَيْرٍ، وَلَا يَبْغِيهِ غَائِلَةً، وَلَا يَدُلُّ لَهُ عَلَى عَوْرَةٍ، وَلَا يُغِيرُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى قَوْمِهِ أَبَدًا، وَعَاهَدَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَأَطْلَقَهُ وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَأَرَادَ الْغَدْرَ بِبِسْطَامٍ وَالنَّكْثَ بِهِ، فَأَرْسَلَ بَعْضَ بَنِي يَرْبُوعٍ إِلَى بِسْطَامٍ بِخَبَرِهِ، فَحَذَّرَهُ، وَقَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ: أَبْلِغْ شِهَابَ بَنِي بَكْرٍ وَسَيِّدَهَا عَنِّي بِذَاكَ أَبَا الصَّهْبَاءِ بِسْطَامَا أُرْوِي الْأَسِنَّةَ مِنْ قَوْمِي فَأُنْهِلُهَا ... فَأَصْبَحُوا فِي بَقِيعِ الْأَرْضِ نُوَّامَا
يوم الغبيط
لَا يُطْبِقُونَ إِذَا هَبَّ النِّيَامُ وَلَا فِي مَرْقَدٍ يَحْلُمُونَ الدَّهْرَ أَحْلَامَا ... أُشْجِي تَمِيمَبْنَ مُرٍّ لَا مُكَايَدَةً حَتَّى اسْتَعَادُوا لَهُ أَسْرَى وَأَنْعَامَا ... هَلَّا أَسِيرًا فَدَتْكَ النَّفْسُ تُطْعِمُهُ مِمَّا أَرَادَ وَقِدْمًا كُنْتَ مِطْعَامَا وَهِيَ أَبْيَاتٌ عِدَّةٌ. [يَوْمُ الْغَبِيطِ] وَهُوَ يَوْمٌ كَانَتِ الْحَرْبُ فِيهِ بَيْنَ بَنِي شَيْبَانَ وَتَمِيمٍ، وَأُسِرَ فِيهِ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ الشَّيْبَانِيُّ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بِسْطَامَ بْنَ قَيْسٍ وَالْحَوْفَزَانَ بْنَ شَرِيكٍ وَمَفْرُوقَ بْنَ عَمْرٍو سَارُوا فِي جَمْعٍ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ إِلَى بِلَادِ تَمِيمٍ، فَأَغَارُوا عَلَى ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ وَثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ ضَبَّةَ وَثَعْلَبَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ فَزَارَةَ وَثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ، وَكَانُوا مُتَجَاوِرِينَ بِصَحْرَاءِ فَلْجٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتِ الثَّعَالِبَةُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَغَنِمَ بَنُو شَيْبَانَ أَمْوَالَهُمْ، وَمَرُّوا عَلَى بَنِي مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ مِنْ تَمِيمٍ، وَهُمْ بَيْنَ صَحْرَاءِ فَلْجٍ وَغَبِيطِ الْمَدَرَةِ فَاسْتَاقُوا إِبِلَهُمْ. فَرَكِبَتْ إِلَيْهِمْ بَنُو مَالِكٍ يَقْدُمُهُمْ عُتَيْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ شِهَابٍ الْيَرْبُوعِيُّ وَفُرْسَانُ بَنِي يَرْبُوعٍ، وَسَارُوا فِي أَثَرِ بَنِي شَيْبَانَ، وَمَعَهُ مِنْ رُؤَسَاءِ تَمِيمٍ الْأُحَيْمِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأُسَيْدُ بْنُ جُبَاةَ وَحُرُّ بْنُ سَعْدٍ وَمَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ، فَأَدْرَكُوهُمْ بِغَبِيطِ الْمَدَرَةِ فَقَاتَلُوهُمْ. وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ انْهَزَمَتْ شَيْبَانُ وَاسْتَعَادَتْ تَمِيمٌ مَا كَانُوا غَنِمُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَقَتَلَتْ بَنُو شَيْبَانَ أَبَا مَرْحَبٍ رَبِيعَةَ بْنَ حَصِيَّةَ، وَأَلَحَّ عُتَيْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ عَلَى بِسْطَامِ بْنِ قَيْسٍ فَأَدْرَكَهُ فَقَالَ لَهُ: اسْتَأْسِرْ أَبَا الصَّهْبَاءِ فَأَنَا خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْفَلَاةِ وَالْعَطَشِ، فَاسْتَأْسَرَ لَهُ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ. فَقَالَ بَنُو ثَعْلَبَةَ لِعُتْبَةَ: إِنَّ أَبَا مَرْحَبٍ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ أَسَرْتَ بِسْطَامًا، وَهُوَ
قَاتِلُ مُلَيْلٍ وَبُجَيْرٍ ابْنَيْ أَبِي مُلَيْلٍ وَمَالِكِ بْنِ حِطَّانَ وَغَيْرِهِمْ فَاقْتُلْهُ. قَالَ: إِنِّي مُعِيلٌ وَأَنَا أُحِبُّ اللَّبَنَ. قَالُوا: إِنَّكَ تُفَادِيهِ فَيَعُودُ فَيَحْرُبُنَا مَالَنَا، فَأَبَى عَلَيْهِمْ وَسَارَ بِهِ إِلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ لِئَلَّا يُؤْخَذَ فَيُقْتَلَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ عَامِرًا لِأَنَّ عَمَّتَهُ خَوْلَةُ بِنْتُ شِهَابٍ كَانَتْ نَاكِحًا فِيهِمْ، فَقَالَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ فِي ذَلِكَ: لِلَّهِ عَتَّابُ بْنُ مَيَّةَ إِذْ ... رَأَى إِلَى ثَأْرِنَا فِي كَفِّهِ يَتَلَدَّدُ أَتُحْيِي امْرَأً أَرْدَى بُجَيْرًا وَمَالِكًا ... وَأَتْوَى حُرَيْثًا بَعْدَمَا كَانَ يَقْصِدُ وَنَحْنُ ثَأَرْنَا قَبْلَ ذَاكَ ابْنَ أُمِّهِ ... غَدَاةَ الْكُلَابِيِّينَ وَالْجَمْعُ يَشْهَدُ فَلَمَّا تَوَسَّطَ عُتَيْبَةُ بُيُوتَ بَنِي عَامِرٍ صَاحَ بِسْطَامٌ: وَا شَيْبَانَاهُ! وَلَا شَيْبَانَ لِيَ الْيَوْمَ! فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْجَأَ إِلَى قُبَّتِي فَافْعَلْ فَإِنِّي سَأَمْنَعُكَ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَاقْذِفْ نَفْسَكَ فِي الرَّكِيِّ. فَأَتَى عُتَيْبَةُ تَابِعَهُ مِنَ الْجِنِّ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ بِبَيْتِهِ فَقُوِّضَ. فَرَكِبَ فَرَسَهُ وَأَخَذَ سِلَاحَهُ ثُمَّ أَتَى مَجْلِسَ بَنِي جَعْفَرٍ، وَفِيهِ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ الْغَنَوِيُّ، فَحَيَّاهُمْ وَقَالَ: يَا عَامِرُ قَدْ بَلَغَنِي الَّذِي أَرْسَلْتَ بِهِ إِلَى بِسْطَامٍ فَأَنَا مُخَيِّرُكَ فِيهِ خِصَالًا ثَلَاثًا. فَقَالَ عَامِرٌ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي خَلْعَتَكَ وَخَلْعَةَ أَهْلِ بَيْتِكَ حَتَّى أُطْلِقَهُ لَكَ، فَلَيْسَتْ خَلَعَتُكَ وَخَلْعَةُ أَهْلِ بَيْتِكَ بِشَرٍّ مِنْ خَلْعَتِهِ وَخَلْعَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ. فَقَالَ عَامِرٌ: هَذَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ. قَالَ عُتَيْبَةُ: ضَعْ رِجْلَكَ مَكَانَ رِجْلِهِ فَلَسْتَ عِنْدِي بِشَرٍّ مِنْهُ. فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ. قَالَ عُتَيْبَةُ: تَتْبَعُنِي إِذَا جَاوَزْتُ هَذِهِ الرَّابِيَةَ فَتُقَارِعُنِي عَنْهُ عَلَى الْمَوْتِ. فَقَالَ عَامِرٌ: هَذِهِ أَبْغَضُهُنَّ إِلَيَّ. فَانْصَرَفَ بِهِ عُتَيْبَةُ إِلَى بَنِي عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فَرَأَى بِسْطَامٌ مَرْكَبَ أُمِّ عُتَيْبَةَ رَثًّا فَقَالَ: يَا عُتَيْبَةُ هَذَا رَحْلُ أُمِّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَحْلَ أُمِّ سَيِّدٍ قَطُّ مِثْلَ هَذَا. فَقَالَ عُتَيْبَةُ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَا أُطْلِقُكَ حَتَّى تَأْتِنِي أُمُّكَ بِحِدْجِهَا، وَكَانَ كَبِيرًا ذَا ثَمَنٍ كَثِيرٍ، وَهَذَا الَّذِي أَرَادَ بِسْطَامٌ لِيَرْغَبَ فِيهِ فَلَا يَقْتُلَهُ. فَأَرْسَلَ بِسْطَامٌ فَأَحْضَرَ حِدْجَ أُمِّهِ وَفَادَى نَفْسَهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ بَعِيرٍ،
يوم لشيبان على بني تميم
وَقِيلَ بِأَلْفِ بَعِيرٍ، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا وَهَوْدَجِ أُمِّهِ وَحِدْجِهَا، وَخَلَصَ مِنَ الْأَسْرِ. فَلَمَّا خَلَصَ مِنَ الْأَسْرِ أَذْكَى الْعُيُونَ عَلَى عُتَيْبَةَ وَإِبِلِهِ، فَعَادَتْ إِلَيْهِ عُيُونُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهَا عَلَى أَرْبَابٍ، فَأَغَارَ عَلَيْهَا وَأَخَذَ الْإِبِلَ كُلَّهَا وَمَا لَهُمْ مَعَهَا. (عُتَيْبَةُ بِالتَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ سَاكِنَةً، وَفِي آخِرِهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ) . [يَوْمٌ لِشَيْبَانَ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: خَرَجَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَأَخُوهُ فِرَاسٌ التَّمِيمِيَّانِ، وَهُمَا الْأَقْرَعَانِ، فِي بَنِي مُجَاشِعٍ مِنْ تَمِيمٍ، وَهُمَا يُرِيدَانِ الْغَارَةَ عَلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَمَعَهُمَا الْبَرُوكُ أَبُو جَعْلٍ، فَلَقِيَهُمْ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ الشَّيْبَانِيُّ وَعِمْرَانُ بْنُ مُرَّةَ فِي بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ بِزُبَالَةَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ظَفِرَتْ فِيهِ بَكْرٌ وَانْهَزَمَتْ تَمِيمٌ، وَأُسِرَ الْأَقْرَعَانِ وَأَبُو جَعْلٍ وَنَاسٌ كَثِيرٌ، وَافْتَدَى الْأَقْرَعَانِ نَفْسَيْهِمَا مِنْ بِسْطَامٍ، وَعَاهَدَاهُ عَلَى إِرْسَالِ الْفِدَاءِ، فَأَطْلَقَهُمَا، فَبَعُدَا وَلَمْ يُرْسِلَا شَيْئًا، وَكَانَ فِي الْأَسْرَى إِنْسَانٌ مِنْ يَرْبُوعٍ فَسَمِعَهُ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ فِي اللَّيْلِ يَقُولُ: فِدًى بِوَالِدَةٍ عَلَيَّ شَفِيقَةٍ فَكَأَنَّهَا حَرَضٌ عَلَى الْأَسْقَامِ لَوْ أَنَّهَا عَلِمَتْ فَيَسْكُنُ جَأْشُهَا ... أَنِّي سَقَطْتُ عَلَى الْفَتَى الْمِنْعَامِ إِنَّ الَّذِي تَرْجِينَ ثَمَّ إِيَابَهُ سَقَطَ ... الْعِشَاءُ بِهِ عَلَى بِسْطَامِ سَقَطَ الْعِشَاءُ بِهِ عَلَى مُتَنَعِّمِ ... سَمْحِ الْيَدَيْنِ مُعَاوِدِ الْإِقْدَامِ فَلَمَّا سَمِعَ بِسْطَامُ ذَلِكَ مِنْهُ قَالَ لَهُ: وَأَبِيكَ لَا يُخْبِرُ أُمَّكَ عَنْكَ غَيْرُكَ! وَأَطْلَقَهُ. وَقَالَ ابْنُ رُمَيْضٍ الْعَنَزِيُّ: جَاءَتْ هَدَايَا مِنَ الرَّحْمَانِ مُرْسَلَةً حَتَّى أُنِيخَتْ لَدَى أَبْيَاتِ بِسْطَامِ جَيْشُ الْهُذَيْلِ وَجَيْشُ الْأَقْرَعَيْنِ ... مَعًا وَكُبَّةُ الْخَيْلِ وَالْأَذْوَادِ فِي عَامِ مُسَوِّمٌ خَيْلَهُ تَعْدُو مَقَانِبُهُ ... عَلَى الذَّوَائِبِ مِنْ أَوْلَادِ هَمَّامِ
يوم مبائض
وَقَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ: وَصَبَّحَنَا عَارٌ طَوِيلٌ بِنَاؤُهُ نُسَبُّ ... بِهِ مَا لَاحَ فِي الْأُفْقِ كَوْكَبُ فَلَمْ أَرَ يَوْمًا كَانَ أَكْثَرَ بَاكِيًا ... وَوَجْهًا تُرَى فِيهِ الْكَآبَةُ تَجْنُبُ أَصَابُوا الْبَرُوكَ وَابْنَ حَابِسَ عَنْوَةً ... فَظَلَّ لَهُمْ بِالْقَاعِ يَوْمٌ عَصَبْصَبُ وَإِنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ فِي حَوْمَةِ الْوَغَى ... إِذَا ازْوَرَّتِ الْأَبْطَالُ لَيْثٌ مُجَرَّبُ وَأَبُو الصَّهْبَاءِ: هُوَ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ. وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِي هَذَا الْيَوْمِ فِي مَدْحِ بِسْطَامِ بْنِ قَيْسٍ، تَرَكْنَا ذِكْرَهُ اخْتِصَارًا. (حَجَرٌ: بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْجِيمِ) . [يَوْمُ مَبَائِضَ] وَهُوَ لِشَيْبَانَ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: حَجَّ طَرِيفُ بْنُ تَمِيمٍ الْعَنْبَرِيُّ التَّمِيمِيُّ، وَكَانَ رَجُلًا جَسِيمًا يُلَقَّبُ مُجَدِّعًا، وَهُوَ فَارِسُ قَوْمِهِ، وَلَقِيَهُ حَمْصِيصَةُ بْنُ جَنْدَلٍ الشَّيْبَانِيُّ مِنْ بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ، وَهُوَ شَابٌّ قَوِيٌّ شُجَاعٌ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَأَطَالَ النَّظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ طَرِيفٌ: لِمَ تَشُدُّ نَظَرَكَ إِلَيَّ؟ قَالَ حَمْصِيصَةُ: أُرِيدُ أَنْ أُثْبِتَكَ لَعَلِّي أَنْ أَلْقَاكَ فِي جَيْشٍ فَأَقْتُلَكَ. فَقَالَ طَرِيفٌ: اللَّهُمَّ لَا تُحَوِّلِ الْحَوْلَ حَتَّى أَلْقَاهُ! وَدَعَا حَمْصِيصَةُ مِثْلَهُ، فَقَالَ طَرِيفٌ: أَوَكُلَّمَا وَرَدَتْ عُكَاظَ قَبِيلَةٌ ... بَعَثُوا إِلَيَّ عَرِيفَهُمْ يَتَوَسَّمُ لَا تُنْكِرُونِي إِنَّنِي أَنَا ذَاكُمُ شَاكِي ... السِّلَاحِ وَفِي الْحَوَادِثِ مُعْلَمُ
حَوْلِي فَوَارِسُ مِنْ أُسَيْدٍ شُجْعَةٌ وَمِنَ الْهَجِيمِ وَحَوْلَ بَيْتِيَ خُصَّمُ ... تَحْتِي الْأَغَرُّ وَفَوْقَ جِلْدِيَ نَثْرَةٌ زَعْفٌ تَرُدُّ السَّيْفَ وَهُوَ مُثَلَّمُ فِي أَبْيَاتٍ. ثُمَّ إِنَّ بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ وَبَنِي مُرَّةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ كَانَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ وَخِصَامٌ فَاقْتَتَلُوا شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ دَمٌ. فَقَالَ هَانِئُ بْنُ مَسْعُودٍ، رَئِيسُ بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ، لِقَوْمِهِ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَتَفَاقَمَ الشَّرُّ بَيْنَنَا، فَارْتَحَلَ بِهِمْ فَنَزَلَ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ مَبَائِضُ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مِيَاهِ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَقَامُوا عَلَيْهِ أَشْهُرًا، وَبَلَغَ خَبَرُهُمْ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَرْسَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَقَالُوا: هَذَا حَيٌّ مُنْفَرِدٌ وَإِنِ اصْطَلَمْتُمُوهُمْ أَوْهَنْتُمْ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ. وَاجْتَمَعُوا وَسَارُوا عَلَى ثَلَاثَةِ رُؤَسَاءَ: أَبُو الْجَدْعَاءِ الطَّهْوِيُّ عَلَى بَنِي حَنْظَلَةَ، وَابْنُ فَدْكَى الْمِنْقَرِيُّ عَلَى بَنِي سَعْدٍ، وَطَرِيفُ بْنُ تَمِيمٍ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ. فَلَمَّا قَارَبُوا بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ بَلَغَهُمُ الْخَبَرُ فَاسْتَعَدُّوا لِلْقِتَالِ، فَخَطَبَهُمْ هَانِئُ بْنُ مَسْعُودٍ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، فَقَالَ: إِذَا أَتَوْكُمْ فَقَاتِلُوهُمْ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ ثُمَّ انْحَازُوا عَنْهُمْ، فَإِذَا اشْتَغَلُوا بِالنَّهْبِ فَعُودُوا إِلَيْهِمْ، فَإِنَّكُمْ تُصِيبُونَ مِنْهُمْ حَاجَتَكُمْ. وَصَبَّحَهُمْ بَنُو تَمِيمٍ وَالْقَوْمُ حَذِرُونَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَفَعَلَتْ بَنُو شَيْبَانَ مَا أَمَرَهُمْ هَانِئٌ. فَاشْتَغَلَتْ تَمِيمٌ بِالْغَنِيمَةِ، وَمَرَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِابْنٍ لِهَانِئِ بْنِ مَسْعُودٍ صَبِيٍّ فَأَخَذَهُ وَقَالَ: حَسْبِي هَذَا مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَسَارَ بِهِ وَبَقِيَتْ تَمِيمٌ مَعَ الْغَنِيمَةِ وَالسَّبْيِ. فَعَادَتْ شَيْبَانُ عَلَيْهِمْ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ وَأَسَرُوهُمْ كَيْفَ شَاءُوا، وَلَمْ تُصَبْ تَمِيمٌ بِمِثْلِهَا، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَلَمْ يَلْوِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَانْهَزَمَ طَرِيفٌ فَاتَّبَعَهُ حَمْصِيصَةُ فَقَتَلَهُ. وَاسْتَرَدَّتْ شَيْبَانُ الْأَهْلَ وَالْمَالَ وَأَخَذُوا مَعَ ذَلِكَ مَا كَانَ مَعَهُمْ، وَفَادَى هَانِئُ ابْنُ مَسْعُودٍ
يوم الزويرين
ابْنَهُ بِمِائَةِ بَعِيرٍ، وَقَالَ بَعْضُ شَيْبَانَ فِي هَذَا الْيَوْمِ: وَلَقَدْ دَعَوْتَ طَرِيفُ دَعْوَةَ جَاهِلٍ ... غِرٍّ وَأَنْتَ بِمَنْظَرٍ لَا تُعْلَمُ وَأَتَيْتَ حَيًّا فِي الْحُرُوبِ مَحَلَّهُمْ ... وَالْجَيْشُ بِاسْمِ أَبِيهِمُ يَسْتَهْزِمُ فَوَجَدْتَهُمْ يَرْعَوْنَ حَوْلَ دِيَارِهِمْ ... بُسْلًا إِذَا حَامَ الْفَوَارِسُ أَقْدَمُوا وَإِذَا اعْتَزَوْا بِأَبِي رَبِيعَةَ أَقْبَلُوا ... بِكَتِيبَةٍ مِثْلَ النُّجُومِ تُلَمْلِمُ سَامُوكَ دِرْعَكَ وَالْأَغَرَّ كِلَيْهِمَا ... وَبَنُو أُسَيْدٍ أَسْلَمُوكَ وَخُصَّمُ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَوَادٍ يَرْثِي طَرِيفًا: لَا تَبْعُدَنْ يَا خَيْرَ عَمْرِو بْنِ جُنْدَبٍ ... لَعَمْرِي لَمَنْ زَارَ الْقُبُورَ لَيَبْعُدَا عَظِيمُ رَمَادِ النَّارِ لَا مُتَعَبِّسًا ... وَلَا مُؤْيِسًا مِنْهَا إِذَا هُوَ أَوْقَدَا وَمَا كَانَ وَقَّافًا إِذَا الْخَيْلُ أَحْجَمَتْ ... وَمَا كَانَ مِبْطَانًا إِذَا مَا تَجَرَّدَا [يَوْمُ الزُّوَيْرَيْنِ] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَانَتْ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ قَدْ أَجْدَبَتْ بِلَادُهُمْ فَانْتَجَعُوا بِلَادَ تَمِيمٍ بَيْنَ الْيَمَامَةِ وَهَجَرَ، فَلَمَّا تَدَانَوْا جَعَلُوا لَا يَلْقَى بَكْرِيٌّ تَمِيمِيًّا إِلَّا قَتَلَهُ، وَلَا يَلْقَى تَمِيمِيٌّ بَكْرِيًّا إِلَّا قَتَلَهُ، إِذَا أَصَابَ أَحَدُهُمَا مَالَ الْآخَرِ أَخَذَهُ، حَتَّى تَفَاقَمَ الشَّرُّ وَعَظُمَ، فَخَرَجَ الْحَوْفَزَانُ بْنُ شَرِيكٍ وَالْوَادِكُ بْنُ الْحَارِثِ الشَّيْبَانِيَّانِ لِيُغِيرَا عَلَى بَنِي دَارِمٍ، فَاتَّفَقَ أَنَّ تَمِيمًا فِي تِلْكَ الْحَالِ اجْتَمَعَتْ عَلَى جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ عَمْرِو بْنِ حَنْظَلَةَ وَالرِّبَابِ وَسَعْدٍ وَغَيْرِهِمَا وَسَارَتْ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَعَلَى تَمِيمٍ أَبُو الرَّئِيسِ الْحَنْظَلِيُّ. فَبَلَغَ خَبَرُهُمْ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ
فَتَقَدَّمُوا وَعَلَيْهِمُ الْأَصَمُّ عَمْرُو بْنُ قَيْسِ بْنِ مَسْعُودٍ أَبُو مَفْرُوقٍ وَحَنْظَلَةُ بْنُ سَيَّارٍ الْعِجْلِيُّ وَحُمْرَانُ بْنُ عَمْرٍو الْعَبْسِيُّ، فَلَمَّا الْتَقَوْا جَعَلَتْ تَمِيمٌ وَالرِّبَابُ بَعِيرَيْنِ وَجَلَّلُوهُمَا، وَجَعَلُوا عِنْدَهُمَا مَنْ يَحْفَظُهُمَا، وَتَرَكُوهُمَا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ مَعْقُولَيْنِ وَسَمُّوهُمَا زُوَيْرَيْنِ، يَعْنِي إِلَهَيْنِ، وَقَالُوا: لَا نَفِرُّ حَتَّى يَفِرَّ هَذَانِ الْبَعِيرَانِ. فَلَمَّا رَأَى أَبُو مَفْرُوقٍ الْبَعِيرَيْنِ سَأَلَ عَنْهُمَا فَأُعْلِمَ حَالَهُمَا، فَقَالَ: أَنَا زُوَيْرُكُمْ، وَبَرَكَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَقَالَ: قَاتِلُوا عَنِّي وَلَا تَفِرُّوا حَتَّى أَفِرَّ. فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَوَصَلَتْ شَيْبَانُ إِلَى الْبَعِيرَيْنِ فَأَخَذُوهُمَا فَذَبَحُوهُمَا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ عَلَيْهِمَا، فَانْهَزَمَتْ تَمِيمٌ وَقُتِلَ أَبُو الرَّئِيسِ مُقَدِّمُهُمْ وَمَعَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَاجْتَرَفَتْ بَكْرٌ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَسَرُوا أَسْرَى كَثِيرَةً، وَوَصَلَ الْحَوْفَزَانُ إِلَى النِّسَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَعَادَ إِلَى أَصْحَابِهِ سَالِمًا، وَقَالَ الْأَعْشَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ: يَا سَلْمَ لَا تَسْأَلِي عَنَّا فَلًا كُشِفَتْ ... عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَا سُودٌ مَقَارِيفُ نَحْنُ الَّذِينَ هَزَمْنَا يَوْمَ صَبَّحْنَا ... يَوْمَ الزُّوَيْرَيْنِ فِي جَمْعِ الْأَحَالِيفِ ظَلُّوا وَظَلَّتْ تَكِرُّ الْخَيْلُ وَسْطَهُمُ ... بِالشِّيبِ مِنَّا وَبِالْمُرْدِ الْغَطَارِيفِ تَسْتَأْنِسُ الشَّرَفَ الْأَعْلَى بِأَعْيُنِهَا لَمْحَ ... الصُّقُورِ عَلَتْ فَوْقَ الْأَظَالِيفِ انْسَلَّ عَنْهَا بِسَيْلِ الصَّيْفِ فَانْجَرَدَتْ ... تَحْتَ اللُّبُودِ مُتُونٌ كَالزَّحَالِيفِ وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِي هَذَا الْيَوْمِ، لَا سِيَّمَا الْأَغْلَبُ الْعِجْلِيُّ، فَمِنْ ذَلِكَ أُرْجُوزَتُهُ أَوَّلُهَا: إِنْ سَرَّكَ الْعِزُّ فَجَحْجِحْ بِجُشَمْ يَقُولُ فِيهَا:
ذكر أسر حاتم طيء
جَاءُوا بِزَوْرَيْهِمْ وَجِئْنَا بِالْأَصَمْ ... شَيْخٍ لَنَا كَاللَّيْثِ مِنْ بَاقِي إِرَمْ شَيْخٌ لَنَا مُعَاوِدٌ ضَرْبَ الْبُهُمْ ... يَضْرِبُ بِالسَّيْفِ إِذَا الرُّمْحُ انْقَصَمْ هَلْ غَيْرُ غَارٍ صَكَّ غَارًا فَانْهَزَمْ الْغَارَانِ: بَكْرٌ وَتَمِيمٌ. وَلَهُ الْأُرْجُوزَةُ الَّتِي أَوَّلُهَا: يَا رُبَّ حَرْبٍ ثَرَّةِ الْأَخْلَافِ يَذْكُرُ فِيهَا هَذَا الْيَوْمَ. [ذِكْرُ أَسْرِ حَاتِمِ طَيِّءٍ] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَغَارَ حَاتِمُ طَيِّءٍ بِجَيْشٍ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فَقَاتَلُوهُمْ، وَانْهَزَمَتْ طَيِّءٌ وَقُتِلَ مِنْهُمْ وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ فِي الْأَسْرَى حَاتِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّائِيُّ، فَبَقِيَ مُوثَقًا عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ عُنَيْزَةَ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْهُمُ اسْمُهَا عَالِيَةُ بِنَاقَةٍ فَقَالَتْ لَهُ: افْصِدْ هَذِهِ، فَنَحَرَهَا، فَلَمَّا رَأَتْهَا مَنْحُورَةً صَرَخَتْ، فَقَالَ حَاتِمٌ: عَالِيَ لَا تَلْتَدُّ مِنْ عَالِيَهْ ... إِنَّ الَّذِي أَهْلَكْتُ مِنْ مَالِيَهْ إِنَّ ابْنَ أَسْمَاءَ لَكُمْ ضَامِنٌ ... حَتَّى يُؤَدِّي آنِسٌ نَاوِيَهْ لَا أَفْصِدُ النَّاقَةَ فِي أَنْفِهَا ... لَكِنَّنِي أُوجِرُهَا الْعَالِيَهْ إِنِّي عَنِ الْفَصْدِ لَفِي مَفْخَرٍ ... يَكْرَهُ مِنِّي الْمِفْصَدُ الْآلِيَهْ وَالْخَيْلُ إِنَّ شَمَّصَ فُرْسَانُهَا ... تَذْكُرُ عِنْدَ الْمَوْتِ أَمْثَالِيَهْ وَقَالَ رُمَيْضٌ الْعَنَزِيُّ يَفْتَخِرُ:
وَنَحْنُ أَسَرْنَا حَاتِمًا وَابْنَ ظَالِمٍ ... فَكُلٌّ ثَوَى فِي قَيْدِنَا وَهْوَ يَخْشَعُ وَكَعْبَ إِيَادٍ قَدْ أَسَرْنَا وَبَعْدَهُ ... أَسَرْنَا أَبَا حَسَّانَ وَالْخَيْلُ تَطْمَعُ وَرَيَّانَ غَادَرْنَا بِوَجٍّ كَأَنَّهُ ... وَأَشْيَاعَهُ فِيهَا صَرِيمٌ مُصَرَّعُ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ الذُّهْلِيُّ قَصِيدَةً يَفْتَخِرُ بِأَيَّامِ قَوْمِهِ، وَهِيَ طَوِيلَةٌ، وَفِيهَا آدَابٌ حَسَنَةٌ، تَرَكْنَاهَا كَرَاهِيَةَ التَّطْوِيلِ، وَأَوَّلُهَا: أَمِنْ عِرْفَانَ مَنْزِلَةٌ وَدَارٌ ... تُعَاوِرُهَا الْبَوَارِحُ وَالسَّوَارِي وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: جَاءَ الْإِسْلَامُ وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِ أَحَدٌ أَعَزُّ دَارًا وَلَا أَمْنَعُ جَارًا وَلَا أَكْثَرُ حَلِيفًا مِنْ شَيْبَانَ. كَانَتْ عَنِينَةُ مِنْ لَخْمٍ فِي الْأَحْلَافِ، وَكَانَتْ دَرْمَكَةُ بْنُ كِنْدَةَ فِي بَنِي هِنْدٍ، وَكَانَتْ عِكْرِمَةُ مِنْ طَيِّءٍ، وَحَوْتَكَةُ مِنْ عُذْرَةَ وَبُنَانَةُ، كُلُّ هَؤُلَاءِ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ هَمَّامٍ، وَكَانَتْ عَائِذَةُ مِنْ قُرَيْشٍ، وَضَبَّةُ وَحَوَاسُ مِنْ كِنْدَةَ، هَؤُلَاءِ فِي بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ، وَكَانَتْ سَلِيمَةُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ فِي بَنِي أَسْعَدَ بْنِ هَمَّامٍ، وَكَانَتْ وَثِيلَةُ مِنْ ثَعْلَبَةَ، وَبَنُو خَيْبَرِيٍّ مِنْ طَيٍّءٍ فِي بَنِي تَمِيمِ بْنِ شَيْبَانَ، وَكَانَتْ عَوْفُ بْنُ حَارِثٍ مِنْ كِنْدَةَ فِي بَنِي مُحَلَّمٍ. كُلُّ هَذِهِ قَبَائِلُ وَبُطُونٌ جَاوَرَتْ شَيْبَانَ فَعَزَّتْ بِهَا وَكَثُرَتْ.
يوم مسحلان
[يَوْمُ مُسْحُلَانَ] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: غَزَا رَبِيعَةُ بْنُ زِيَادٍ الْكَلْبِيُّ فِي جَيْشٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَلَقِيَ جَيْشًا لِبَنِي شَيْبَانَ عَامَّتُهُمْ بَنُو أَبِي رَبِيعَةَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَظَفِرَتْ بِهِمْ بَنُو شَيْبَانَ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَذَلِكَ يَوْمُ مُسْحُلَانَ، وَأَسَرُوا نَاسًا كَثِيرًا، وَأَخَذُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ. وَكَانَ رَئِيسَ شَيْبَانَ هَؤُلَاءِ حَيَّانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْمُحَلَّمِيُّ، وَقِيلَ: كَانَ رَئِيسَهُمْ زِيَادُ بْنُ مَرْثَدٍ مِنْ بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ، فَقَالَ شَاعِرُهُمْ: سَائِلْ رَبِيعَةَ حَيْثُ حَلَّ بِجَيْشِهِ ... مَعَ الْحَيِّ كَلْبٌ حَيْثُ لَبَّتْ فَوَارِسُهْ عَشِيَّةَ وَلَّى جَمْعُهُمْ فَتَتَابَعُوا ... فَصَارَ إِلَيْنَا نَهْبُهُ وَعَوَانِسُهْ ثُمَّ إِنَّ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ الْكَلْبِيَّ نَافَرَ قَوْمَهُ وَحَارَبَهُمْ فَهَزَمُوهُ. فَاعْتَزَلَهُمْ وَسَارَ حَتَّى حَلَّ بِبَنِي شَيْبَانَ، فَاسْتَجَارَ بِرَجُلٍ اسْمُهُ زِيَادٌ مِنْ بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ، فَقَتَلَهُ بَنُو أَسْعَدَ بْنِ هَمَّامٍ، ثُمَّ إِنَّ شَيْبَانَ حَمَلُوا دِيَتَهُ إِلَى كَلْبٍ مِائَتَيْ بَعِيرٍ فَرَضُوا. [حَرْبٌ لِسُلَيْمٍ وَشَيْبَانَ] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: خَرَجَ جَيْشٌ لِبَنِي سُلَيْمٍ عَلَيْهِمُ النَّصِيبُ السُّلَمِيُّ وَهُمْ يُرِيدُونَ الْغَارَةَ عَلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنْ شَيْبَانَ اسْمُهُ صُلَيْعُ بْنُ عَبْدِ غَنْمٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ يُسَمَّى الْبَحْرَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيْنَ تَذْهَبُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ الْغَارَةَ عَلَى بَنِي شَيْبَانَ. فَقَالَ لَهُمْ: مَهْلًا فَإِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ، وَإِيَّاكُمْ وَبَنِي شَيْبَانَ، فَإِنِّي أُقْسِمُ لَكُمْ بِاللَّهِ لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ فَرَسٍ خَصِيٍّ سِوَى الْفُحُولِ وَالْإِنَاثِ. فَأَبَوْا إِلَّا الْغَارَةَ عَلَيْهِمْ، فَدَفَعَ صُلَيْعٌ فَرَسَهُ رَكْضًا حَتَّى أَتَى قَوْمَهُ فَأَنْذَرَهُمْ. فَرَكِبَتْ شَيْبَانُ وَاسْتَعَدُّوا، فَأَتَاهُمْ بَنُو سُلَيْمٍ وَهُمْ مُعَدُّونَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَظَفِرَتْ شَيْبَانُ وَانْهَزَمَتْ سُلَيْمٌ وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ كَثِيرَةٌ، وَأُسِرَ النَّصِيبُ رَئِيسُهُمْ، أَسَرَهُ عِمْرَانُ بْنُ مُرَّةَ الشَّيْبَانِيُّ فَضَرَبَ رَقَبَتَهُ، فَقَالَ صُلَيْعٌ:
يوم جدود
نَهَيْتُ بَنِي زَعْلٍ غَدَاةَ لَقِيتُهُمْ ... وَجَيْشَ نَصِيبٍ وَالظُّنُونُ تُطَاعُ وَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ الْحَرِيبَ وَرَاكِسًا ... بِهِ نَعَمٌ تَرْعَى الْمُرَارَ رِتَاعُ وَلَكِنَّ فِيهِ الْمَوْتَ يَرْتَعُ سِرْبُهُ ... وَحُقَّ لَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا وَيُطَاعُوا مَتَّى تَأْتِهِ تَلْقَى عَلَى الْمَاءِ حَارِثًا ... وَجَيْشًا لَهُ يُوفِي بِكُلِّ بِقَاعِ [يَوْمُ جَدُودٍ] وَهُوَ يَوْمٌ بَيْنَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَبَنِي مِنْقَرٍ مِنْ تَمِيمٍ. وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّ الْحَوْفَزَانَ، وَاسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ شَرِيكٍ الشَّيْبَانِيُّ، كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَنِي سَلِيطِ بْنِ يَرْبُوعٍ مُوَادَعَةٌ، فَهَمَّ بِالْغَدْرِ بِهِمْ وَجَمَعَ بَنِي شَيْبَانَ وَذُهْلًا وَاللَّهَازِمَ، وَعَلَيْهِمْ حُمْرَانُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ بِشْرِ بْنِ عَمْرٍو. ثُمَّ غَزَا وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يُصِيبَ غِرَّةً مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَنِي يَرْبُوعٍ نَذَرَ بِهِ عُتَيْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ شِهَابٍ فَنَادَى فِي قَوْمِهِ، فَحَالُوا بَيْنَ الْحَوْفَزَانِ وَبَيْنَ الْمَاءِ، فَقَالَ لِعُتْبَةَ: إِنِّي لَا أَرَى مَعَكَ إِلَّا رَهْطَكَ وَأَنَا فِي طَوَائِفَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، فَلَئِنْ ظَفِرْتُ بِكُمْ قَلَّ عَدَدُكُمْ وَطَمِعَ فِيكُمْ عَدُوُّكُمْ، وَلَئِنْ ظَفِرْتُمْ بِي مَا تَقْتُلُونَ إِلَّا أَقَاصِيَ عَشِيرَتِي، وَمَا إِيَّاكُمْ أَرَدْتُ، فَهَلْ لَكَمَ أَنْ تُسَالِمُونَا وَتَأْخُذُوا مَا مَعَنَا مِنَ التَّمْرِ، وَوَاللَّهِ لَا نُرَوِّعُ يَرْبُوعًا أَبَدًا. فَأَخَذَ مَا مَعَهُمْ مِنَ التَّمْرِ وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ. فَسَارَتْ بَكْرٌ حَتَّى أَغَارُوا عَلَى بَنِي رَبِيعِ بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ مُقَاعِسٌ بِجَدُودٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ مُقَاعِسًا لِأَنَّهُ تَقَاعَسَ عَنْ حِلْفِ بَنِي سَعْدٍ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ خُلُوفٌ فَأَصَابَ سَبْيًا وَنَعَمًا، فَبَعَثَ بَنُو رَبِيعٍ صَرِيخَهُمْ إِلَى بَنِي كُلَيْبٍ، فَلَمْ يُجِيبُوهُمْ، فَأَتَى الصَّرِيخُ بَنِي مِنْقَرِ بْنِ عُبَيْدٍ فَرَكِبُوا فِي الطَّلَبِ فَلَحِقُوا بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ وَهُمْ مُقَاتِلُونَ، فَمَا شَعَرَ الْحَوْفَزَانُ وَهُوَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ إِلَّا بِالْأَهْتَمِ بْنِ سُمَيِّ بْنِ سِنَانٍ الْمِنْقَرِيِّ وَاقِفًا عَلَى رَأْسِهِ، فَرَكِبَ فَرَسَهُ، فَنَادَى الْأَهْتَمُ: يَا آلَ سَعْدٍ! وَنَادَى الْحَوْفَزَانُ: يَا آلَ وَائِلٍ! وَلَحِقَ بَنُو مِنْقَرٍ فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَهُزِمَتْ بَكْرٌ وَخَلَّوُا السَّبْيَ وَالْأَمْوَالَ، وَتَبِعَتْهُمْ مِنْقَرٌ، فَمِنْ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ، وَأَسَرَ الْأَهْتَمُ حُمْرَانَ بْنَ عَبْدِ عَمْرٍو، وَلَمْ يَكُنْ لِقَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيِّ هِمَّةٌ إِلَّا الْحَوْفَزَانُ، فَتَبِعَهُ عَلَى
مُهْرٍ، وَالْحَوْفَزَانِ عَلَى فَرَسٍ فَارِجٍ فَلَمْ يَلْحَقْهُ وَقَدْ قَارَبَهُ. فَلَمَّا خَافَ أَنْ يَفُوتَهُ حَفَزَهُ بِالرُّمْحِ فِي ظَهْرِهِ فَاحْتَفَزَ بِالطَّعْنَةِ وَنَجَا، فَسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ الْحَوْفَزَانَ، وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا. وَقَالَ الْأَهْتَمُ فِي أَسْرِهِ حُمْرَانَ: نِيطَتْ بِحُمْرَانَ الْمَنِيَّةُ بَعْدَمَا ... حَشَاهُ سِنَانٌ مِنْ شُرَاعَةَ أَزْرَقُ دَعَا يَالَ قَيْسٍ وَاعْتَزَيْتُ لِمِنْقَرٍ ... وَكُنْتُ إِذَا لَاقَيْتُ فِي الْخَيْلِ أَصْدُقُ وَقَالَ سَوَّارُ بْنُ حَيَّانَ الْمِنْقَرِيُّ يَفْتَخِرُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَكْرٍ: وَنَحْنُ حَفَزْنَا الْحَوْفَزَانَ بِطَعْنَةٍ كَسَتْهُ ... نَجِيعًا مِنْ دَمِ الْبَطْنِ أَشْكَلَا وَحُمْرَانُ قَسْرًا أَنْزَلَتْهُ رِمَاحُنَا ... فَعَالَجَ غُلًّا فِي ذِرَاعَيْهِ مُثْقَلَا فَيَا لَكِ مِنْ أَيَّامِ صِدْقٍ نَعُدُّهَا ... كَيَوْمِ جُوَاثَا وَالنُّبَاجِ وَنَيْتَلَا قَضَى اللَّهُ أَنَّا يَوْمَ تُقْتَسَمُ الْعُلَى ... أَحَقُّ بِهَا مِنْكُمْ فَأَعْطَى فَأَجْزَلَا فَلَسْتَ بِمُسْطِيعِ السَّمَاءِ وَلَمْ ... تَجِدْ لِعِزٍّ بِنَاهُ اللَّهُ فَوْقَكَ مَنْقَلَا (مِنْقَرٌ: بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ النُّونِ، وَفَتْحِ الْقَافِ، وَرُبَيْعٌ: بِضَمِّ الرَّاءِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) .
يوم الإياد، وهو يوم أعشاش ويوم العظالى
[يَوْمُ الْإِيَادِ، وَهُوَ يَوْمُ أُعْشَاشٍ وَيَوْمُ الْعُظَالَى] وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْمَ الْعُظَالَى لِأَنَّ بِسْطَامَ بْنَ قَيْسٍ وَهَانِئَ بْنَ قَبِيصَةَ وَمَفْرُوقَ بْنَ عَمْرٍو تَعَاظَلُوا عَلَى الرِّيَاسَةِ، وَكَانَتْ بَكْرٌ تَحْتَ يَدِ كِسْرَى وَفَارِسَ، وَكَانُوا يُقِرُّونَهُمْ وَيُجَهِّزُونَهُمْ، فَأَقْبَلُوا مِنْ عِنْدِ عَامِلِ عَيْنِ التَّمْرِ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ مُتَسَانِدِينَ، وَهُمْ يَتَوَقَّعُونَ انْحِدَارَ بَنِي يَرْبُوعٍ فِي الْحَزْنِ، فَاجْتَمَعَ بَنُو عُتَيْبَةَ وَبَنُو عُبَيْدٍ وَبَنُو زُبَيْدٍ فِي الْحَزْنِ. فَحَلَّتْ بَنُو زُبَيْدٍ الْحَدِيقَةَ، وَحَلَّتْ بَنُو عُتَيْبَةَ وَبَنُو عُبَيْدٍ رَوْضَةَ الثَّمَدِ، فَأَقْبَلَ جَيْشُ بَكْرٍ حَتَّى نَزَلُوا هَضَبَةَ الْخَصِيِّ، فَرَأَى بِسْطَامُ السَّوَادَ بِالْحَدِيقَةِ، وَثَمَّ غُلَامٌ عَرَفَهُ بِسْطَامٌ، وَكَانَ قَدْ عَرَفَ غِلْمَانَ بَنِي ثَعْلَبَةَ حِينَ أَسَرَهُ عُتْبَةُ. فَسَأَلَهُ بِسْطَامٌ عَنِ السَّوَادِ الَّذِي بِالْحَدِيقَةِ، فَقَالَ: هُمْ بَنُو زُبَيْدٍ. قَالَ: كَمْ هُمْ مِنْ بَيْتٍ؟ قَالَ: خَمْسُونَ بَيْتًا. قَالَ: فَأَيْنَ بَنُو عُتَيْبَةَ وَبَنُو عُبَيْدٍ؟ قَالَ: هُمْ بِرَوْضَةِ الثَّمَدِ وَسَائِرُ النَّاسِ بِخِفَافٍ، وَهُوَ مَوْضِعٌ. فَقَالَ بِسْطَامٌ: أَتُطِيعُونِي يَا بَنِي بَكْرٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَرَى لَكُمْ أَنْ تَغْنَمُوا هَذَا الْحَيَّ الْمُتَفَرِّدَ بَنِي زُبَيْدٍ وَتَعُودُوا سَالِمِينَ. قَالُوا: وَمَا يُغْنِي بَنُو زُبَيْدٍ عَنَّا؟ قَالَ: إِنَّ فِي السَّلَامَةِ إِحْدَى الْغَنِيمَتَيْنِ. قَالُوا: إِنَّ عُتَيْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ قَدْ مَاتَ. وَقَالَ مَفْرُوقٌ: قَدِ انْتَفَخَ سَحْرُكَ يَا أَبَا الصَّهْبَاءِ! وَقَالَ هَانِئٌ: اخْسَأْ! فَقَالَ: إِنَّ أُسَيْدَ بْنَ جُبَاةَ لَا يُفَارِقُ فَرَسَهُ الشَّقْرَاءَ لَيْلًا
يوم الشقيقة وقتل بسطام بن قيس
وَنَهَارًا، فَإِذَا أَحَسَّ بِكُمْ رَكِبَهَا حَتَّى يُشْرِفَ عَلَى مُلَيْحَةَ فَيُنَادِي: يَا آلَ ثَعْلَبَةَ، فَيَلْقَاكُمْ طَعْنٌ يُنْسِيكُمُ الْغَنِيمَةَ، وَلَمْ يُبْصِرْ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَصْرَعَ صَاحِبِهِ، وَقَدْ عَصَيْتُمُونِي وَأَنَا تَابِعُكُمْ وَسَتَعْلَمُونَ. فَأَغَارُوا عَلَى بَنِي زُبَيْدٍ، وَأَقْبَلُوا نَحْوَ بَنِي عُتَيْبَةَ وَبَنِي عُبَيْدٍ، فَأَحَسَّتِ الشَّقْرَاءُ فَرَسُ أُسَيْدٍ بِوَقْعِ الْحَوَافِرِ فَنَخَسَتْ بِحَافِرِهَا، فَرَكِبَهَا أُسَيْدٌ وَتَوَجَّهَ نَحْوَ بَنِي يَرْبُوعٍ بِمُلَيْحَةَ وَنَادَى: يَا سُوءَ صَبَاحَاهُ! يَا آلَ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ! فَمَا ارْتَفَعَ الضُّحَى حَتَّى تَلَاحَقُوا فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتْ شَيْبَانُ بَعْدَ أَنْ قَتَلَتْ مِنْ تَمِيمٍ جَمَاعَةً مِنْ فُرْسَانِهِمْ، وَقُتِلَ مِنْ شَيْبَانَ أَيْضًا وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: هَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ، فَفَدَى نَفْسَهُ وَنَجَا، فَقَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ فِي هَذَا الْيَوْمِ: لَعَمْرِي لَنِعْمَ الْحَيُّ أَسْمَعُ غُدْوَةٌ ... أُسَيْدٌ وَقَدْ جَدَّ الصُّرَاخُ الْمُصَدِّقُ وَأَسْمَعُ فِتْيَانًا كَجِنَّةِ عَبْقَرٍ ... لَهُمْ رَيِّقٌ عِنْدَ الطِّعَانِ وَمَصْدَقُ أَخَذْنَ بِهِمْ جَنْبَيْ أُفَاقٍ وَبَطْنَهَا ... فَمَا رَجَعُوا حَتَّى أَرَقُّوا وَأَعْتَقُوا وَقَالَ الْعَوَّامُّ فِي هَذَا الْيَوْمِ: قَبَّحَ الْإِلَهُ عِصَابَةً مِنْ وَائِلٍ ... يَوْمَ الْأُفَاقَةِ أَسْلَمُوا بِسْطَامَا وَرَأَى أَبُو الصَّهْبَاءِ دُونَ سَوَامِهِمْ ... طَعْنًا يُسَلِّي نَفْسَهُ وَزِحَامَا كُنْتُمْ أُسُودًا فِي الْوَغَى فَوُجِدْتُمُ ... يَوْمَ الْأُفَاقَةِ فِي الْغَبِيطِ نَعَامَا وَأَكْثَرَ الْعَوَّامُ الشِّعْرَ فِي هَذَا الْيَوْمِ. فَلَمَّا أَلَحَّ فِيهِ أَخَذَ بِسْطَامٌ إِبِلَهُ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: أَرَى كُلَّ ذِي شِعْرٍ أَصَابَ بِشِعْرِهِ ... خَلَا أَنَّ عَوَّامَا بِمَا قَالَ عَيَّلَا فَلَا يَنْطِقْنَ شِعْرًا يَكُونُ جَوَازُهُ ... كَمَا شَعْرِ عَوَّامٍ أَعَامَ وَأَرْجَلَا [يَوْمُ الشَّقِيقَةِ وَقَتْلِ بِسْطَامِ بْنِ قَيْسٍ]
هَذَا يَوْمٌ بَيْنَ شَيْبَانَ وَضَبَّةَ بْنِ أُدٍّ، قُتِلَ فِيهِ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ سَيِّدُ شَيْبَانَ. وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ بِسْطَامَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ذِي الْجَدَّيْنِ غَزَا بَنِي ضَبَّةَ، وَمَعَهُ أَخُوهُ السَّلِيلُ بْنُ قَيْسٍ، وَمَعَهُ رَجُلٌ يَزْجُرُ الطَّيْرَ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ يُسَمَّى نُقَيْدًا. فَلَمَّا كَانَ بِسْطَامٌ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ آتِيًا أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: الدَّلْوُ تَأْتِي الْغَرَبَ الْمُزِلَّهْ، فَقَصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى نُقَيْدٍ، فَتَطَيَّرَ وَقَالَ: أَلَا قُلْتَ: ثُمَّ تَعُودُ بَادِيًا مُبْتَلَّهْ، فَتُفَرِّطُ عَنْكَ النُّحُوسَ. وَمَضَى بِسْطَامٌ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ نَقًا يُقَالُ لَهُ الْحَسَنُ فِي بِلَادِ ضَبَّةَ صَعِدَهُ لِيَرَى، فَإِذَا هُوَ بِنَعَمٍ قَدْ مَلَأَ الْأَرْضَ، فِيهِ أَلْفُ نَاقَةٍ لِمَالِكِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ الضَّبِّيِّ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ ضَبَّةَ قَدْ فَقَأَ عَيْنَ فَحْلِهَا. وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إِذَا بَلَغَتْ إِبِلُ أَحَدِهِمْ أَلْفَ بَعِيرٍ فَقَأُوا عَيْنَ فَحْلِهَا لِتُرَدَّ عَنْهَا الْعَيْنُ، وَهِيَ إِبِلٌ مُرْتَبِعَةٌ، وَمَالِكُ بْنُ الْمُنْتَفِقِ فِيهَا عَلَى فَرَسٍ لَهُ جَوَادٍ. فَلَمَّا أَشْرَفَ بِسْطَامٌ عَلَى النَّقَا تَخَوَّفَ أَنْ يَرَوْهُ فَيُنْذَرُوا بِهِ فَاضْطَجَعَ وَتَدَهْدَى حَتَّى بَلَغَ الْأَرْضَ وَقَالَ: يَا بَنِي شَيْبَانَ لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطُّ فِي الْغِرَّةِ وَكَثْرَةِ النَّعَمِ. وَنَظَرَ نُقَيْدٌ إِلَى لِحْيَةِ بِسْطَامٍ مُعَفَّرَةً بِالتُّرَابِ لَمَّا تَدَهْدَى فَتَطَيَّرَ لَهُ أَيْضًا وَقَالَ: إِنْ صَدَقَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يُقْتَلُ، وَعَزَمَ الْأَسَدِيُّ عَلَى فِرَاقِهِ، فَأَخَذَتْهُ رِعْدَةٌ تَهَيُّبًا لِفِرَاقِهِ وَالِانْصِرَافِ عَنْهُ وَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ يَا أَبَا الصَّهْبَاءِ، فَإِنِّي أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ أَنْ تُقْتَلَ، فَعَصَاهُ فَفَارَقَهُ نُقَيْدٌ. وَرَكِبَ بِسْطَامٌ وَأَصْحَابُهُ وَأَغَارُوا عَلَى الْإِبِلِ وَاطَّرَدُوهَا، وَفِيهَا فَحْلٌ لِمَالِكٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاعِرٍ، وَكَانَ أَعْوَرَ، فَنَجَا مَالِكٌ عَلَى فَرَسِهِ إِلَى قَوْمِهِ مِنْ ضَبَّةَ حَتَّى إِذَا أَشْرَفَ عَلَى تَعْشَارٍ نَادَى: يَا صَبَاحَاهُ! وَعَادَ رَاجِعًا. وَأَدْرَكَ الْفَوَارِسُ الْقَوْمَ وَهُمْ يَطَّرِدُونَ النَّعَمَ، فَجَعَلَ فَحْلُهُ أَبُو شَاعِرٍ يَشِذُّ مِنَ النَّعَمِ لِيَرْجِعَ وَتَتْبَعُهُ الْإِبِلُ، فَكُلَّمَا تَبِعَتْهُ نَاقَةٌ عَقَرَهَا بِسْطَامٌ. فَلَمَّا رَأَى مَالِكٌ مَا يَصْنَعُ بِسْطَامٌ وَأَصْحَابُهُ قَالَ: مَاذَا السَّفَهُ يَا بِسْطَامُ؟ لَا تَعْقِرْهَا فَإِمَّا لَنَا وَإِمَّا
لَكَ. فَأَبَى بِسْطَامٌ، وَكَانَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ عَلَى فَرَسٍ أَدْهَمٍ يُقَالُ لَهُ الزَّعْفَرَانُ يَحْمِي أَصْحَابَهُ، فَلَمَّا لَحِقَتْ خَيْلُ ضَبَّةَ قَالَ لَهُمْ مَالِكٌ: ارْمُوا رَوَايَا الْقَوْمِ. فَجَعَلُوا يَرْمُونَهَا فَيَشُقُّونَهَا. فَلَحِقَتْ بَنُو ثَعْلَبَةَ وَفِي أَوَائِلِهِمْ عَاصِمُ بْنُ خَلِيفَةَ الصَّبَاحِيُّ، وَكَانَ ضَعِيفَ الْعَقْلِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُعَقِّبُ قَنَاةً لَهُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا تَصْنَعُ بِهَا يَا عَاصِمُ؟ فَيَقُولُ: أَقْتُلُ عَلَيْهَا بِسْطَامًا، فَيَهْزَأُونَ مِنْهُ. فَلَمَّا جَاءَ الصَّرِيخُ رَكِبَ فَرَسَ أَخِيهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَلَحِقَ الْخَيْلَ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ضَبَّةَ: أَيُّهُمُ الرَّئِيسُ؟ قَالَ: صَاحِبُ الْفَرَسِ الْأَدْهَمِ. فَعَارَضَهُ عَاصِمٌ حَتَّى حَاذَاهُ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ بِالرُّمْحِ فِي صِمَاخِ أُذُنِهِ أَنْفَذَ الطَّعْنَةَ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَخَرَّ بِسْطَامٌ عَلَى شَجَرَةٍ يُقَالُ لَهَا الْأَلَاءَةُ. فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ شَيْبَانُ خَلُّوا سَبِيلَ النَّعَمِ وَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ، فَمِنْ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ. وَأَسَرَ بَنُو ثَعْلَبَةَ نِجَادَ بْنَ قَيْسٍ أَخَا بِسْطَامٍ فِي سَبْعِينَ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَنَمَةَ الضَّبِّيُّ مُجَاوِرًا فِي شَيْبَانَ، فَخَافَ أَنْ يُقْتَلَ فَقَالَ يَرْثِي بِسْطَامًا: لِأُمِّ الْأَرْضِ وَيْلٌ مَا أَجَنَّتْ ... غَدَاةَ أَضَرَّ بِالْحَسَنِ السَّبِيلُ يُقَسِّمُ مَالَهُ فِينَا وَنَدْعُو ... أَبَا الصَّهْبَاءِ إِذْ جَنَحَ الْأَصِيلُ أَجِدَّكِ لَنْ تَرَيْهِ وَلَنْ نَرَاهُ ... تَخِبُّ بِهِ عَذَافِرَةٌ ذَمُولُ حَقِيبَةُ بَطْنِهَا بَدَنٌ وَسِرْجٌ ... تُعَارِضُهَا مُزَبِّبَةٌ زَؤُولُ إِلَى مِيعَادِ أَرْعَنَ مُكْفَهِرٍّ ... تُضَمَّرُ فِي جَوَانِبِهِ الْخُيُولُ لَكَ الْمِرْبَاعُ مِنْهَا وَالصَّفَايَا ... وَحُكْمُكَ وَالنَّشِيطَةُ وَالْفُضُولُ
لَقَدْ صُمَّتْ بَنُو زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو وَلَا يُوفِي بِبِسْطَامٍ قَتِيلُ ... فَخَرَّ عَلَى الْأَلَاءَةِ لَمْ يُوَسَّدْ كَأَنَّ جَبِينَهُ سَيْفٌ صَقِيلُ ... فَإِنْ يَجْزَعْ عَلَيْهِ بَنُو أَبِيهِ فَقَدْ فُجِعُوا وَفَاتَهُمُ جَلِيلُ ... بِمِطْعَامٍ إِذَا الْأَشْوَالُ رَاحَتْ إِلَى الْحَجَرَاتِ لَيْسَ لَهَا فَصِيلُ فَلَمْ يَبْقَ فِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ بَيْتٌ إِلَّا وَأُلْقِيَ لِقَتْلِهِ لِعُلُوِّ مَحَلِّهِ، وَقَالَ شَمْعَلَةُ بْنُ الْأَخْضَرِ بْنِ هُبَيْرَةَ الضَّبِّيُّ يَذْكُرُهُ: فَيَوْمُ شَقِيقَةِ الْحَسَنَيْنِ لَاقَتْ ... بَنُو شَيْبَانَ آجَالًا قِصَارَا شَكَكْنَا بِالرِّمَاحِ، وَهُنَّ زُورٌ ... صِمَاخَيْ كَبْشِهِمْ حَتَّى اسْتَدَارَا وَأَوْجَرْنَاهُ أَسْمَرَ ذَا كُعُوبٍ ... يُشَبِّهُ طُولَهُ مَسَدًا مُغَارَا الشَّقِيقَةُ: أَرْضٌ صَلْبَةٌ بَيْنَ جَبَلَيْ رَمْلٍ. وَالْحَسَنَانِ: نَقَوَا رَمْلٍ كَانَتِ الْوَقْعَةُ عِنْدَهُمَا. وَقَالَتْ أُمُّ بِسْطَامِ بْنِ قَيْسٍ تَرِثِيهِ: لِيَبْكِ ابْنَ ذِي الْجَدَّيْنِ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ ... فَقَدْ بَانَ مِنْهَا زَيْنُهَا وَجَمَالُهَا إِذَا مَا غَدَا فِيهِمْ غَدَوْا وَكَأَنَّهُمْ ... نُجُومُ سَمَاءٍ بَيْنَهُنَّ هِلَالُهَا فَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مِثْلَهُ فَتًى ... إِذَا الْخَيْلُ يَوْمَ الرَّوْعِ هَبَّ نِزَالُهَا عَزِيزُ الْمَكَرِّ لَا يُهَدُّ جَنَاحُهُ ... وَلَيْثٌ إِذَا الْفِتْيَانُ زَلَّتْ نِعَالُهَا وَحَمَّالُ أَثْقَالٍ وَعَائِدُ مَحْجَرٍ ... تَحُلُّ إِلَيْهِ كُلُّ ذَاكَ رِحَالُهَا سَيَبْكِيكَ عَانٍ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَفُكُّهُ ... وَيَبْكِيكَ فُرْسَانُ الْوَغَى وَرِجَالُهَا وَتَبْكِيكَ أَسْرَى طَالَمَا قَدْ فَكَكْتَهُمْ ... وَأَرْمَلَةٌ ضَاعَتْ وَضَاعَ عِيَالُهَا
يوم النسار
مُفَرِّجُ حُومَاتِ الْخُطُوبِ وَمُدْرِكُ الْ حُرُوبِ إِذَا صَالَتْ وَعَزَّ صِيَالُهَا ... تَغَشَّى بِهَا حِينًا كَذَاكَ فَفَجَّعَتْ تَمِيمٌ بِهِ أَرْمَاحُهَا وَنِبَالُهَا ... فَقَدْ ظَفِرَتْ مِنَّا تَمِيمٌ بَعْثَرَةٍ وَتِلْكَ لَعَمْرِي عَثْرَةٌ لَا تُقَالُهَا ... أُصِيبَتْ بِهِ شَيْبَانُ وَالْحَيُّ يَشْكُرُ وَطَيْرٌ يُرَى إِرْسَالُهَا وَحِبَالُهَا (عَنَمَةٌ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَالنُّونِ) . [يَوْمُ النِّسَارِ] النِّسَارُ: أَجْبُلٌ مُتَجَاوِرَةٌ، وَعِنْدَهَا كَانَتِ الْوَقْعَةُ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ بَنِي تَمِيمِ بْنِ مُرِّ بْنِ أُدٍّ كَانُوا يَأْكُلُونَ عُمُومَتَهُمْ ضَبَّةَ بْنَ أُدٍّ وَبَنِي عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ أُدٍّ، فَأَصَابَتْ ضَبَّةُ رَهْطًا مِنْ تَمِيمٍ. فَطَلَبَتْهُمْ تَمِيمٌ فَانْزَاحَتْ جَمَاعَةُ الرِّبَابِ، وَهُمْ تَيْمٌ، وَعَدِيٌّ، وَثَوْرُ أَطْحَلَ، وَعُكْلٌ بَنُو عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ أُدٍّ وَضَبَّةَ بْنِ أُدٍّ، وَإِنَّمَا سُمُّوا الرِّبَابَ لِأَنَّهُمْ غَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِي الرُّبِّ حِينَ تَحَالَفُوا، فَلَحِقَتْ بِبَنِي أَسَدٍ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ حُلَفَاءٌ لِبَنِي ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضٍ. فَنَادَى صَارِخُ بْنُ ضَبَّةَ: يَا آلَ خِنْدِفٍ! فَأَصْرَخَتْهُمْ بَنُو أَسَدٍ، وَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ تَخَنْدَفَتْ فِيهِ ضَبَّةُ وَاسْتَمَدُّوا حَلِيفَهُمْ طَيِّئًا وَغَطَفَانَ، فَكَانَ رَئِيسَ أَسَدٍ يَوْمَ النِّسَارِ عَوْفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ جَذِيمَةَ بْنِ نَصْرِ بْنِ قَعِينٍ، وَقِيلَ: خَالِدُ بْنُ نَضْلَةَ، وَكَانَ رَئِيسَ الرِّبَابِ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَخُو النُّعْمَانِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَكَانَ عَلَى الْجَمَاعَةِ كُلِّهِمْ حِصْنُ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَفِيهِ يَقُولُ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى: وَمَنْ مِثْلُ حِصْنٍ فِي الْحُرُوبِ وَمِثْلُهُ ... لِإِنْدَادِ ضَيْمٍ أَوْ لِأَمْرٍ يُحَاوِلُهْ إِذَا حَلَّ أَحْيَاءُ الْأَحَالِيفِ حَوْلَهُ ... بِذِي نَجَبٍ لَجَّاتُهُ وَصَوَاهِلُهْ فَلَمَّا بَلَغَ بَنِي تَمِيمٍ ذَلِكَ اسْتَمَدُّوا بَنِي عَامِرٍ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَأَمَدُّوهُمْ. وَكَانَ حَاجِبُ بْنُ زُرَارَةَ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ عَامِرُ بْنُ صَعْصَعَةَ جَوَّابًا، وَهُوَ لَقَبُ مَالِكِ بْنِ
كَعْبٍ مِنْ بَنِي أَبِي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ، لِأَنَّ بَنِي جَعْفَرٍ كَانَ جَوَّابُ قَدْ أَخْرَجَهُمْ إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ فَحَالَفُوهُمْ، وَقِيلَ: كَانَ رَئِيسَ عَامِرٍ شُرَيْحُ بْنُ مَالِكٍ الْقُشَيْرِيُّ. وَسَارَ الْجَمْعَانِ فَالْتَقَوْا بِالنِّسَارِ وَاقْتَتَلُوا، فَصَبَرَتْ عَامِرٌ وَاسْتَحَرَّ بِهِمُ الْقَتْلُ، وَانْفَضَّتْ تَمِيمٌ فَنَجَتْ وَلَمْ يُصَبْ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، وَقُتِلَ شُرَيْحٌ الْقُشَيْرِيُّ رَأْسُ بَنِي عَامِرٍ، وَقُتِلَ عُبَيْدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِلَابٍ وَغَيْرُهُمَا، وَأَخَذَ عِدَّةً مِنْ أَشْرَافِ نِسَاءِ بَنِي عَامِرٍ، مِنْهُنَّ سَلْمَى بِنْتُ الْمُخَلَّفِ، وَالْعَنْقَاءُ بِنْتُ هَمَّامٍ وَغَيْرُهُمَا، فَقَالَتْ سَلْمَى تُعَيِّرُ جَوَّابًا وَالطُّفَيْلَ: لَحَى الْإِلَهُ أَبَا لَيْلَى ... بِفَرَّتِهِ يَوْمَ النِّسَارِ وَقُنْبُ الْعِيرِ جَوَّابَا كَيْفَ الْفَخَارُ وَقَدْ كَانَتْ بِمُعْتَرَكٍ ... يَوْمَ النِّسَارِ بَنُو ذُبْيَانَ أَرْبَابَا لَمْ تَمْنَعُوا الْقَوْمَ إِنْ أَشْلَوْا سَوَامَكُمُ ... وَلَا النِّسَاءَ وَكَانَ الْقَوْمُ أَحْرَابَا وَقَالَ رَجُلٌ يُعَيِّرُ جَوَّابًا وَالطُّفَيْلَ بِفِرَارِهِ عَنِ امْرَأَتَيْهِ: وَفَّرَ عَنْ ضَرَّتَيْهِ وَجْهُ خَارِئَةٍ وَمَالِكٌ فَرَّ قُنْبُ الْعِيرِ جَوَّابُ وَالْقُنْبُ: غِلَافُ الذَّكَرِ، وَجَوَّابٌ لَقَبٌ لِأَنَّهُ كَانَ يَجُوبُ الْآثَارَ، وَاسْمُهُ مَالِكٌ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ فِي هَزِيمَةِ حَاجِبٍ: وَأَفْلَتَ حَاجِبٌ جَوْبَ الْعَوَالِي ... عَلَى شَقْرَاءَ تَلْمَعُ فِي السَّرَابِ وَلَوْ أَدْرَكْنَ رَأْسَ بَنِي تَمِيمٍ ... عَفَرْنَ الْوَجْهَ مِنْهُ بِالتُّرَابِ وَكَانَ يَوْمُ النِّسَارِ بَعْدَ يَوْمِ جَبَلَةَ وَقَتْلِ لَقِيطِ بْنِ زُرَارَةَ. (جَوَّابٌ: بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ، وَخَازِمٌ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَالزَّايِ) .
يوم الجفار
[يَوْمُ الْجِفَارِ] لَمَّا كَانَ رَأْسُ الْحَوْلِ مِنْ يَوْمِ النِّسَارِ اجْتَمَعَ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ كَانَ شَهِدَ النِّسَارَ، وَكَانَ رُؤَسَاؤُهُمْ بِالْجِفَارِ الرُّؤَسَاءَ الَّذِينَ كَانُوا يَوْمَ النِّسَارِ، إِلَّا أَنَّ بَنِي عَامِرٍ قِيلَ كَانَ رَئِيسَهُمْ بِالْجِفَارِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ، فَالْتَقَوْا بِالْجِفَارِ وَاقْتَتَلُوا، وَصَبَرَتْ تَمِيمٌ، فَعَظُمَ فِيهَا الْقَتْلُ وَخَاصَّةً فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَكَانَ يَوْمُ الْجِفَارِ يُسَمَّى الصَّيْلَمَ لِكَثْرَةِ مَنْ قُتِلَ بِهِ، وَقَالَ بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ فِي عُصْبَةِ تَمِيمٍ لِبَنِي عَامِرٍ: غَضِبَتْ تَمِيمٌ أَنْ يُقَتَّلَ عَامِرٌ يَوْمَ ... النِّسَارِ فَأَعْقَبُوا بِالصَّيْلَمِ كُنَّا إِذَا نَفَرُوا لِحَرْبٍ نَفْرَةً ... نَشْفِي صُدَاعَهُمْ بِرَأْسٍ صِلْدِمِ نَعْلُو الْفَوَارِسَ بِالسُّيُوفِ وَنَعْتَزِي ... وَالْخَيْلُ مُشْعَلَةُ النُّحُورِ مِنَ الدَّمِ يَخْرُجْنَ مِنْ خَلَلِ الْغُبَارِ عَوَابِسًا ... خَبَبَ السِّبَاعِ بِكُلِّ لَيْثٍ ضَيْغَمِ وَهِيَ عِدَّةُ أَبْيَاتٍ، وَقَالَ أَيْضًا:. يَوْمُ الْجِفَارِ وَيَوْمُ النِّسَا رِ كَانَا عَذَابًا وَكَانَا غَرَامَا فَأَمَّا تَمِيمٌ تَمِيمُ بْنُ مُرٍّ ... فَأَلْفَاهُمُ الْقَوْمُ رَوْبَى نِيَامَا وَأَمَّا بَنُو عَامِرٍ بِالْجِفَارِ ... وَيَوْمِ النِّسَارِ فَكَانُوا نَعَامَا فَلَمَّا أَكْثَرَ بِشْرٌ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ، قِيلَ لَهُ: مَا لَكَ وَلِتَمِيمٍ وَهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ مِنْكَ أَرْحَامًا؟ فَقَالَ: إِذَا فَرَغْتُ مِنْهُمْ فَرَغْتُ مِنَ النَّاسِ وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ.
يوم الصفقة والكلاب الثاني
[يَوْمُ الصَّفْقَةِ وَالْكُلَابِ الثَّانِي] أَمَّا يَوْمُ الصَّفْقَةِ وَسَبَبُهُ فَإِنَّ بَاذَانَ، نَائِبَ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ بِالْيَمَنِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ حَمْلًا مِنَ الْيَمَنِ. فَلَمَّا بَلَغَ الْحَمْلُ إِلَى نِطَاعٍ مِنْ أَرْضِ نَجْدٍ أَغَارَتْ تَمِيمٌ عَلَيْهِ وَانْتَهَبُوهُ وَسَلَبُوا رُسُلَ كِسْرَى وَأَسَاوِرَتَهُ. فَقَدِمُوا عَلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ صَاحِبِ الْيَمَامَةِ مَسْلُوبِينَ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَكَسَاهُمْ. وَقَدْ كَانَ قَبْلَ هَذَا إِذَا أَرْسَلَ كِسْرَى لَطِيمَةً تُبَاعُ بِالْيَمَنِ يُجَهِّزُ رُسُلَهُ وَيُخْفِرُهُمْ وَيُحْسِنُ جِوَارَهُمْ، وَكَانَ كِسْرَى يَشْتَهِي أَنْ يَرَاهُ لِيُجَازِيَهُ عَلَى فِعْلِهِ. فَلَمَّا أَحْسَنَ أَخِيرًا إِلَى هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَخَذَتْهُمْ تَمِيمٌ قَالُوا لَهُ: إِنَّ الْمَلِكَ لَا يَزَالُ يَذْكُرُكَ وَيُؤْثِرُ أَنْ تَقْدُمَ عَلَيْهِ، فَسَارَ مَعَهُمْ إِلَيْهِ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ يُحَادِثُهُ لِيَنْظُرَ عَقْلَهُ، فَرَأَى مَا سَرَّهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِمَالٍ كَثِيرٍ، وَتَوَّجَهُ بِتَاجٍ مِنْ تِيجَانِهِ وَأَقْطَعَهُ أَمْوَالًا بِهَجَرَ. وَكَانَ هَوْذَةُ نَصْرَانِيًّا، وَأَمَرَهُ كِسْرَى أَنْ يَغْزُوَ هُوَ وَالْمُكَعْبِرُ مَعَ عَسَاكِرِ كِسْرَى بَنِي تَمِيمٍ، فَسَارُوا إِلَى هَجَرَ وَنَزَلُوا بِالْمُشَقَّرِ. وَخَافَ الْمُكَعْبِرُ وَهَوْذَةُ أَنْ يَدْخُلَا بِلَادَ تَمِيمٍ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُهَا الْعَجَمُ وَأَهْلُهَا بِهَا مُمْتَنِعُونَ، فَبَعَثَا رِجَالًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يَدْعُونَهُمْ إِلَى الْمِيرَةِ، وَكَانَتْ شَدِيدَةً، فَأَقْبَلُوا عَلَى كُلِّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ، فَجَعَلَ الْمُكَعْبِرُ يُدْخِلُهُمُ الْحِصْنَ خَمْسَةً خَمْسَةً وَعَشَرَةً عَشَرَةً وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ، يُدْخِلُهُمْ مِنْ بَابٍ عَلَى أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ آخَرَ، فَكُلُّ مَنْ دَخَلَ ضُرِبَ عُنُقُهُ. فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمْ وَرَأَوْا أَنَّ النَّاسَ يَدْخُلُونَ وَلَا يَخْرُجُونَ بَعَثُوا رِجَالًا يَسْتَعْلِمُونَ الْخَبَرَ، فَشَدَّ رَجُلٌ مِنْ عَبْسٍ فَضَرَبَ السِّلْسِلَةَ فَقَطَعَهَا وَخَرَجَ مَنْ كَانَ بِالْبَابِ. فَأَمَرَ الْمُكَعْبِرُ بِغَلْقِ الْبَابِ وَقَتْلِ كُلِّ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَوْمَ الْفِصْحِ، فَاسْتَوْهَبَ هَوْذَةُ مِنْهُ مِائَةَ رَجُلٍ فَكَسَاهُمْ وَأَطْلَقَهُمْ يَوْمَ الْفِصْحِ. فَقَالَ الْأَعْشَى مِنْ قَصِيدَةٍ يَمْدَحُ هَوْذَةَ: بِهِمْ يُقَرِّبُ يَوْمَ الْفِصْحِ ضَاحِيَةً ... يَرْجُو الْإِلَهَ بِمَا أَسْدَى وَمَا صَنَعَا فَصَارَ يَوْمُ الْمُشَقَّرِ مَثَلًا، وَهُوَ يَوْمُ الصَّفْقَةِ إِصْفَاقِ الْبَابِ، وَهُوَ إِغْلَاقُهُ. وَكَانَ يَوْمُ الصَّفْقَةِ وَقَدْ بُعِثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِمَكَّةَ بَعْدُ لَمْ يُهَاجِرْ. وَأَمَّا يَوْمُ الْكُلَابِ الثَّانِي فَإِنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَدِمَ أَرْضَ نَجْرَانَ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وَهُمْ أَخْوَالُهُ، فَسَأَلُوهُ عَنِ النَّاسِ خَلْفَهُ فَحَدَّثَهُمْ أَنَّهُ أُصْفِقَ عَلَى
بَنِي تَمِيمٍ بَابُ الْمُشَقَّرِ، وَقُتِلَتِ الْمُقَاتِلَةُ وَبَقِيَتْ أَمْوَالُهُمْ وَذَرَارِيهِمْ فِي مَسَاكِنِهِمْ لَا مَانِعَ لَهَا. فَاجْتَمَعَتْ بَنُو الْحَارِثِ فِي مَذْحِجٍ، وَأَحْلَافِهَا مِنْ نَهْدٍ وَجَرْمِ بْنِ رَبَّانَ، فَاجْتَمَعُوا فِي عَسْكَرٍ عَظِيمٍ بَلَغُوا ثَمَانِيَةَ آلَافٍ، وَلَا يُعْلَمُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ جَيْشٌ أَكْثَرُ مِنْهُ وَمِنْ جَيْشِ كِسْرَى بِذِي قَارٍ وَمِنْ يَوْمِ جَبَلَةَ، وَسَارُوا يُرِيدُونَ بَنِي تَمِيمٍ، فَحَذَّرَهُمْ كَاهِنٌ كَانَ مَعَ بَنِي الْحَارِثِ وَاسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ الْمُغَفَّلِ وَقَالَ: إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ أَعْيَانًا، وَتَغْزُونَ أَحْيَانًا، سَعْدًا وَرَيَّانًا، وَتَرِدُونَ مِيَاهَهَا جِيَابًا، فَتَلْقُونَ عَلَيْهَا ضِرَابًا، وَتَكُونُ غَنِيمَتُكُمْ تُرَابًا، فَأَطِيعُوا أَمْرِي وَلَا تَغْزُوا تَمِيمًا. فَعَصَوْهُ وَسَارُوا إِلَى عُرْوَةَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ تَمِيمًا. فَاجْتَمَعَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ إِلَى أَكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ مِائَةٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا جِيدَةَ حَقِّقْ هَذَا الْأَمْرَ فَإِنَّا قَدْ رَضِينَاكَ رَئِيسًا. فَقَالَ لَهُمْ: وَإِنَّ امْرَأً قَدْ عَاشَ تِسْعِينَ حَجَّةً ... إِلَى مِائَةٍ لَمْ يَسْأَمِ الْعَيْشَ جَاهِلٌ مَضَتْ مِائَتَانِ غَيْرَ عَشْرٍ وَفَاؤُهَا ... وَذَلِكَ مِنْ عَدِّ اللَّيَالِي قَلَائِلُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: لَا حَاجَةَ لِي فِي الرِّيَاسَةِ وَلَكِنِّي أُشِيرُ عَلَيْكُمْ لِيَنْزِلْ حَنْظَلَةُ بْنُ مَالِكٍ بِالدَّهْنَاءِ، وَلْيَنْزِلْ سَعْدُ بْنُ زَيْدِ مَنَاةَ وَالرِّبَابُ، وَهُمْ ضَبَّةُ بْنُ أُدٍّ وَثَوْرٌ وَعُكْلٌ وَعَدِيٌّ بَنُو عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ أُدٍّ: الْكُلَابَ، فَأَيَّ الطَّرِيقَيْنِ أَخَذَ الْقَوْمُ كَفَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: احْفَظُوا وَصِيَّتِي لَا تُحْضِرُوا النِّسَاءَ الصُّفُوفَ فَإِنَّ نَجَاةَ اللَّئِيمِ فِي نَفْسِهِ تَرْكُ الْحَرِيمِ، وَأَقِلُّوا الْخِلَافَ عَلَى أُمَرَائِكُمْ، وَدَعُوا كَثْرَةَ الصِّيَاحِ فِي الْحَرْبِ فَإِنَّهُ مِنَ الْفَشَلِ، وَالْمَرْءُ يَعْجِزُ لَا مَحَالَةَ، فَإِنَّ أَحْمَقَ الْحُمْقِ الْفُجُورُ، وَأَكْيَسَ الْكَيْسِ التُّقَى، كُونُوا جَمِيعًا فِي الرَّأْيِ، فَإِنَّ الْجَمِيعَ مُعَزِّزٌ لِلْجَمِيعِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْخِلَافَ فَإِنَّهُ لَا جَمَاعَةَ لِمَنِ اخْتَلَفَ، وَلَا تَلْبَثُوا وَلَا تُسْرِعُوا فَإِنَّ أَحْزَمَ الْفَرِيقَيْنِ الرَّكِينُ، وَرُبَّ عَجَلَةٍ تَهَبُ رَيْثًا، وَإِذَا عَزَّ أَخُوكَ فَهُنْ، الْبَسُوا جُلُودَ النُّمُورِ وَابْرُزُوا لِلْحَرْبِ، وَادَّرِعُوا اللَّيْلَ وَاتَّخِذُوهُ جَمَلًا، فَإِنَّ اللَّيْلَ
أَخْفَى لِلْوَيْلِ، وَالثَّبَاتُ أَفْضَلُ مِنَ الْقُوَّةِ، وَأَهْنَأُ الظَّفَرِ كَثْرَةُ الْأَسْرَى، وَخَيْرُ الْغَنِيمَةِ الْمَالُ، وَلَا تَرْهَبُوا الْمَوْتَ عِنْدَ الْحَرْبِ، فَإِنَّ الْمَوْتَ مِنْ وَرَائِكُمْ، وَحُبُّ الْحَيَاةِ لَدَى الْحَرْبِ زَلَلٌ، وَمِنْ خَيْرِ أُمَرَائِكُمُ النُّعْمَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ حَارِثِ بْنِ جَسَّاسٍ، وَهُوَ مِنْ بَنِي تَمِيمِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ أُدٍّ. فَقَبِلُوا مَشُورَتَهُ، وَنَزَلَتْ عَمْرُو بْنُ حَنْظَلَةَ الدَّهْنَاءَ، وَنَزَلَتْ سَعْدٌ وَالرِّبَابُ الْكُلَابَ، وَأَقْبَلَتْ مَذْحِجٌ وَمَنْ مَعَهَا مِنْ قُضَاعَةَ فَقَصَدُوا الْكُلَابَ، وَبَلَغَ سَعْدًا وَالرِّبَابَ الْخَبَرُ. فَلَمَّا دَنَتْ مَذْحِجٌ نَذَرَهُمْ شُمَيْتُ بْنُ زِنْبَاعَ الْيَرْبُوعِيُّ، فَرَكِبَ جَمَلَهُ وَقَصَدَ سَعْدًا وَنَادَى: يَا آلَ تَمِيمٍ يَا صَاحِبَاهُ! فَثَارَ النَّاسُ، وَانْتَهَتْ مَذْحِجٍ إِلَى النَّعَمِ فَانْتَهَبَهَا النَّاسُ، وَرَاجِزُهُمْ يَقُولُ: فِي كُلِّ عَامٍ نَعَمٌ نَنْتَابُهْ ... عَلَى الْكُلَابِ غُيِّبَتْ أَصْحَابُهْ يَسْقُطُ فِي آثَارِهِ غُلَّابُهْ فَلَحِقَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ وَالنُّعْمَانُ بْنُ جَسَّاسٍ وَمَالِكُ بْنُ الْمُنْتَفِقِ فِي سُرْعَانِ النَّاسِ، فَأَجَابَهُ قَيْسٌ يَقُولُ: عَمَّا قَلِيلٍ تَلْتَحِقْ أَرْبَابُهْ ... مِثْلَ النُّجُومِ حُسَّرًا سَحَابُهْ لَيَمْنَعَنَّ النَّعَمَ اغْتِصَابُهْ ... سَعْدٌ وَفُرْسَانُ الْوَغَى أَرْبَابُهْ ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ قَيْسٌ وَهُوَ يَقُولُ: فِي كُلِّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهُ ... يَلْقَحُهُ قَوْمٌ وَتُنْتِجُونَهُ أَرْبَابُهُ نَوْكَى فَلَا يَحْمُونَهُ ... وَلَا يُلَاقُونَ طِعَانًا دُونَهُ أَنَعَمَ الْأَبْنَاءِ تَحْسِبُونَهُ ... هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تَرْجُونَهُ
فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ قِتَالًا شَدِيدًا يَوْمَهُمْ أَجْمَعَ. فَحَمَلَ يَزِيدُ بْنُ شَدَّادِ بْنِ قَنَانٍ الْحَارِثِيُّ عَلَى النُّعْمَانِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَسَّاسٍ فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَصَارَتِ الرِّيَاسَةُ لِقَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ، وَاقْتَتَلُوا حَتَّى حَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، وَبَاتُوا يَتَحَارَسُونَ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا عَلَى الْقِتَالِ، وَرَكِبَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَرَكِبَتْ مَذْحِجٌ وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ مِنَ الْقِتَالِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ انْهَزَمَ مِنْ مَذْحِجٍ مُدْرِجُ الرِّيَاحِ، وَهُوَ عَامِرُ بْنُ الْمَجُونِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَرْمِيُّ، وَكَانَ صَاحِبَ لِوَائِهِمْ، فَأَلْقَى اللِّوَاءَ وَهَرَبَ، فَلَحِقَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَعْدٍ فَعَقَرَ بِهِ دَابَّتَهُ، فَنَزَلَ يَهْرُبُ مَاشِيًا، وَنَادَى قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ: يَا آلَ تَمِيمٍ عَلَيْكُمُ الْفُرْسَانَ وَدَعُوا الرَّجَّالَةَ فَإِنَّهَا لَكُمْ، وَجَعَلَ يَلْتَقِطُ الْأُسَارَى، وَأُسِرَ عَبْدُ يَغُوثَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ وَقَّاصٍ الْحَارِثِيُّ رَئِيسُ مَذْحِجٍ، فَقُتِلَ بِالنُّعْمَانِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَسَّاسٍ، وَكَانَ عَبْدُ يَغُوثَ شَاعِرًا، فَشَدُّوا لِسَانَهُ قَبْلَ قَتْلِهِ لِئَلَّا يَهْجُوهُمْ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ لِيُحِلُّوا لِسَانَهُمْ وَلَا يَهْجُوهُمْ، فَحَلُّوهُ، فَقَالَ شِعْرًا: أَلَا لَا تَلُومَانِي كَفَى اللَّوْمُ مَا بِيَا ... فَمَا لَكُمَا فِي اللَّوْمِ نَفْعٌ وَلَا لِيَا أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّ الْمَلَامَةَ نَفْعُهَا قَلِيلٌ ... وَمَا لَوْمِي أَخِي مِنْ شِمَالِيَا فَيَا رَاكِبًا إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ ... نَدَامَايَ مِنْ نَجْرَانَ أَلَّا تَلَاقِيَا أَبَا كَرِبٍ وَالْأَيْهَمَيْنِ كِلَيْهِمَا ... وَقَيْسًا بِأَعْلَى حَضْرَمَوْتَ الْيَمَانِيَا أَقُولُ وَقَدْ شَدُّوا لِسَانِي بِنِسْعَةٍ : مَعَاشِرَ تَيْمٍ أَطْلِقُوا مِنْ لِسَانِيَا ... كَأَنِّيَ لَمْ أَرْكَبْ جَوَادًا وَلَمْ أَقُلْ لِخَيْلِيَ كِرِّي كَرَّةً مِنْ وَرَائِيَا
يوم ظهر الدهناء
وَلَمْ أَسْبَإِ الزِّقَّ الرَّوِيَّ وَلَمْ أَقُلْ ... لِأَيْسَارِ صَدْقٍ عَظِّمُوا ضَوْءَ نَارِيَا وَقَدْ عَلِمَتْ عِرْسِي مُلَيْكَةَ أَنَّنِي ... أَنَا اللَّيْثُ مَعْدُوًّا عَلَيْهِ وَعَادِيَا لَحَى اللَّهُ قَوْمًا بِالْكُلَابِ شَهِدْتُهُمْ ... صَمِيمَهُمُ وَالتَّابِعِينَ الْمَوَالِيَا وَلَوْ شِئْتُ نَجَّتْنِي مِنَ الْقَوْمِ شَطْبَةٌ ... تَرَى خَلْفَهَا الْكُمْتَ الْعِتَاقَ تَوَالِيَا وَكُنْتُ إِذَا مَا الْخَيْلُ شَمَّصَهَا الْقَنَا ... لَبِيقًا بِتَصْرِيفِ الْقَنَاةِ بَنَانِيَا فَيَا عَاصِ فُكَّ الْقَيْدَ عَنِّي فَإِنَّنِي ... صَبُورٌ عَلَى مَرِّ الْحَوَادِثِ نَاكِيَا فَإِنْ تَقْتُلُونِي تَقْتُلُوا بِيَ سَيِّدًا ... وَإِنْ تُطْلِقُونِي تَحْرِبُونِيَ مَالِيَا أَبُو كَرِبٍ: بِشْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَالْأَيْهَمَانِ: الْأَسْوَدُ بْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَالْعَاقِبُ وَهُوَ عَبْدُ الْمَسِيحِ بْنُ الْأَبْيَضِ، وَقَيْسُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، فَزَعَمُوا أَنَّ قَيْسًا قَالَ: لَوْ جَعَلَنِي أَوَّلَ الْقَوْمِ لَافْتَدَيْتُهُ بِكُلِّ مَا أَمْلِكُ. ثُمَّ قُتِلَ وَلَمْ يُقْبَلْ لَهُ فِدْيَةٌ. (رَبَّانُ بِالرَّاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) . [يَوْمُ ظَهْرِ الدَّهْنَاءِ] وَهُوَ يَوْمٌ بَيْنَ طَيِّءٍ وَأَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَوْسَ بْنَ حَارِثَةَ بْنِ لَأْمٍ الطَّائِيَّ كَانَ سَيِّدًا مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ وَجَوَادًا وَمِقْدَامًا، فَوَفَدَ هُوَ وَحَاتِمٌ الطَّائِيُّ عَلَى عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ، فَدَعَا عَمْرٌو أَوْسًا فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ أَفْضَلُ
أَمْ حَاتِمٌ؟ فَقَالَ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ! إِنَّ حَاتِمًا أَوْحَدُهَا وَأَنَا أَحَدُهَا، وَلَوْ مَلَكَنِي حَاتِمٌ وَوَلَدِي وَلُحْمَتِي لَوَهَبَنَا فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ. ثُمَّ دَعَا عَمْرٌو حَاتِمًا فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ أَفْضَلُ أَمْ أَوْسٌ؟ فَقَالَ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ! إِنَّمَا ذَكَرْتَ أَوْسًا وَلَأَحَدُ وَلَدِهِ أَفْضَلُ مِنِّي. فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُمَا وَحَبَاهُمَا وَأَكْرَمَهُمَا. ثُمَّ إِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ حَيٍّ اجْتَمَعَتْ عِنْدَ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَفِيهِمْ أَوْسٌ، فَدَعَا بِحُلَّةٍ مِنْ حُلَلِ الْمُلُوكِ وَقَالَ لِلْوُفُودِ: احْضَرُوا فِي غَدٍ فَإِنِّي مُلْبِسٌ هَذِهِ الْحُلَّةَ أَكْرَمَكُمْ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ حَضَرَ الْقَوْمُ جَمِيعًا إِلَّا أَوْسًا، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَتَخَلَّفُ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ غَيْرِي فَأَجْمَلُ الْأَشْيَاءِ بِي أَلَّا أَكُونَ حَاضِرًا، وَإِنْ كُنْتُ الْمُرَادَ فَسَأُطْلَبُ. فَلَمَّا جَلَسَ النُّعْمَانُ وَلَمْ يَرَ أَوْسًا قَالَ: اذْهَبُوا إِلَى أَوْسٍ فَقُولُوا لَهُ: احْضَرْ آمِنًا مِمَّا خِفْتَ. فَحَضَرَ فَأُلْبِسَ الْحُلَّةَ، فَحَسَدَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالُوا لِلْحُطَيْئَةِ: اهْجُهُ وَلَكَ ثَلَاثُمِائَةِ نَاقَةٍ. فَقَالَ: كَيْفَ أَهْجُو رَجُلًا لَا أَرَى فِي بَيْتِي أَثَاثًا وَلَا مَالًا إِلَّا مِنْهُ! ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ الْهِجَاءُ وَمَا تَنْفَكُّ صَالِحَةٌ ... مِنْ أَهْلِ لَأْمٍ بِظَهْرِ الْغَيْبِ تَأْتِينِي فَقَالَ لَهُمْ بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ: أَنَا أَهْجُوهُ لَكُمْ، فَأَعْطَوْهُ النُّوقَ، وَهَجَاهُ فَأَفْحَشَ فِي هِجَائِهِ وَذَكَرَ أُمَّهُ سُعْدَى. فَلَمَّا عَرَفَ أَوْسٌ ذَلِكَ أَغَارَ عَلَى النُّوقِ فَاكْتَسَحَهَا، وَطَلَبَهُ فَهَرَبَ مِنْهُ وَالْتَجَأَ إِلَى بَنِي أَسَدٍ عَشِيرَتِهِ، فَمَنَعُوهُ مِنْهُ وَرَأَوْا تَسْلِيمَهُ إِلَيْهِ عَارًا. فَجَمَعَ أَوْسٌ جَدِيلَةَ طَيِّءٍ وَسَارَ بِهِمْ إِلَى أَسَدٍ، فَالْتَقَوْا بِظَهْرِ الدَّهْنَاءِ تِلْقَاءَ تَيْمَاءَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَانْهَزَمَتْ بَنُو أَسَدٍ وَقُتِّلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَهَرَبَ بِشْرٌ فَجَعَلَ لَا يَأْتِي حَيًّا يَطْلُبُ جِوَارَهُمْ إِلَّا امْتَنَعَ مِنْ إِجَارَتِهِ عَلَى أَوْسٍ. ثُمَّ نَزَلَ عَلَى جُنْدَبِ بْنِ حِصْنٍ الْكُلَابِيِّ بِأَعْلَى الصَّمَّانِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَوْسٌ يَطْلُبُ مِنْهُ بِشْرًا، فَأَرْسَلَهُ إِلَيْهِ. فَلَمَّا قَدِمَ بِهِ عَلَى أَوْسٍ أَشَارَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ بِقَتْلِهِ، فَدَخَلَ عَلَى أُمِّهِ سُعْدَى فَاسْتَشَارَهَا، فَأَشَارَتْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَالَهُ وَيَعْفُوَ عَنْهُ وَيَحْبُوهُ فَإِنَّهُ لَا يَغْسِلُ هِجَاءَهُ إِلَّا مَدْحُهُ. فَقَبِلَ مَا أَشَارَتْ بِهِ وَخَرَجَ إِلَيْهِ وَقَالَ: يَا بِشْرُ مَا تَرَى أَنِّي صَانِعٌ بِكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو مِنْكَ يَا أَوْسُ نِعْمَةً ... وَإِنِّي لِأُخْرَى مِنْكَ يَا أَوْسُ رَاهِبُ وَإِنِّي لَأَمْحُو بِالَّذِي أَنْتَ صَادِقٌ ... بِهِ كُلَّ مَا قَدْ قُلْتُ إِذْ أَنَا كَاذِبُ
يوم الوقيط
فَهَلْ يَنْفَعُنِي الْيَوْمَ عِنْدَكَ أَنَّنِي سَأَشْكُرُ إِنْ أَنْعَمْتَ وَالشُّكْرُ وَاجِبُ ... فِدًى لِابْنِ سُعْدَى الْيَوْمَ كُلُّ عَشِيرَتِي بَنِي أَسَدٍ أَقْصَاهُمُ وَالْأَقَارِبُ ... تَدَارَكَنِي أَوْسُ بْنُ سُعْدَى بِنِعْمَةٍ وَقَدْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ يَدِيَّ الْعَوَاقِبُ فَمَنَّ عَلَيْهِ أَوْسٌ وَحَمَلَهُ عَلَى فَرَسٍ جَوَادٍ، وَرَدَّ عَلَيْهِ مَا كَانَ أُخِذَ مِنْهُ، وَأَعْطَاهُ مِنْ مَالِهِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، فَقَالَ بِشْرٌ: لَا جَرَمَ لَا مَدَحْتُ أَحَدًا، حَتَّى أَمُوتَ غَيْرَكَ، وَمَدَحَهُ بِقَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي أَوَّلُهَا: أَتَعْرِفُ مِنْ هُنَيْدَةَ رَسْمَ دَارٍ ... بِحَرْجَيْ ذُرْوَةٍ فَإِلَى لِوَاهَا وَمِنْهَا مَنْزِلٌ بِبِرَاقِ خَبْتٍ ... عَفَتْ حُقُبًا وَغَيَّرَهَا بِلَاهَا وَهِيَ طَوِيلَةٌ. [يَوْمُ الْوَقِيطِ] وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّ اللَّهَازِمَ تَجَمَّعَتْ، وَهِيَ قَيْسٌ وَتَيْمُ اللَّاتِ ابْنَا ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَمَعَهَا عِجْلُ بْنُ لُجَيْمٍ وَعَنَزَةُ بْنُ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ لِتُغِيرَ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ وَهُمْ غَارُّونَ. فَرَأَى ذَلِكَ الْأَعْوَرُ وَهُوَ نَاشِبُ بْنُ بَشَامَةَ الْعَنْبَرِيُّ، وَكَانَ أَسِيرًا فِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: أَعْطُونِي رَجُلًا أُرْسِلُهُ إِلَى أَهْلِي أُوصِيهِمْ بِبَعْضِ حَاجَتِي. فَقَالُوا لَهُ: تُرْسِلُهُ وَنَحْنُ حُضُورٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَتَوْهُ بِغُلَامٍ مُوَلَّدٍ، فَقَالَ: أَتَيْتُمُونِي بِأَحْمَقَ! فَقَالَ الْغُلَامُ: وَاللَّهِ مَا أَنَا بِأَحْمَقَ! فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكَ مَجْنُونًا! قَالَ: وَاللَّهِ مَا بِي جُنُونٌ! قَالَ: أَتَعْقِلُ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنِّي لَعَاقِلٌ. قَالَ: فَالنِّيرَانُ أَكْثَرُ أَمِ الْكَوَاكِبُ؟ قَالَ: الْكَوَاكِبُ، وَكُلٌّ كَثِيرَةٌ، فَمَلَأَ كَفَّهُ رَمْلًا وَقَالَ: كَمْ فِي كَفِّي؟ قَالَ: لَا
أَدْرِي فَإِنَّهُ لَكَثِيرٌ. فَأَوْمَأَ إِلَى الشَّمْسِ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَا تِلْكَ؟ قَالَ: الشَّمْسُ. قَالَ: مَا أَرَاكَ إِلَّا عَاقِلًا، اذْهَبْ إِلَى قَوْمِي فَأَبْلِغْهُمُ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُمْ لِيُحْسِنُوا إِلَى أَسِيرِهِمْ فَإِنِّي عِنْدَ قَوْمٍ يُحْسِنُونَ إِلَيَّ وَيُكْرِمُونِي، وَقُلْ لَهُمْ فَلْيُعَرُّوا جَمَلِي الْأَحْمَرَ، وَيَرْكَبُوا نَاقَتِي الْعَيْسَاءَ، وَلْيَرْعُوا حَاجَتِي فِي بَنِي مَالِكٍ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْعَوْسَجَ قَدْ أَوْرَقَ، وَأَنَّ النِّسَاءَ قَدِ اشْتَكَتْ، وَلْيَعْصُوا هَمَّامَ بْنَ بَشَامَةَ فَإِنَّهُ مَشْؤُومٌ مَجْدُودٌ، وَلْيُطِيعُوا هُذَيْلَ بْنَ الْأَخْنَسِ، فَإِنَّهُ حَازِمٌ مَيْمُونٌ، وَاسْأَلُوا الْحَارِثَ عَنْ خَبَرِي. وَسَارَ الرَّسُولُ فَأَتَى قَوْمَهُ فَأَبْلَغَهُمْ، فَلَمْ يُدْرِكُوا مَا أَرَادَ، فَأَحْضَرُوا الْحَارِثَ وَقَصُّوا عَلَيْهِ خَبَرَ الرَّسُولِ. فَقَالَ لِلرَّسُولِ: اقْصُصْ عَلَيَّ أَوَّلَ قِصَّتِكَ. فَقَصَّ عَلَيْهِ أَوَّلَ مَا كَلَّمَهُ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِ. فَقَالَ: أَبْلِغْهُ التَّحِيَّةَ وَالسَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّا نَسْتَوْصِي بِهِ. فَعَادَ الرَّسُولُ، ثُمَّ قَالَ لِبَنِي الْعَنْبَرِ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ بَيَّنَ لَكُمْ، وَأَمَّا الرَّمْلُ الَّذِي جَعَلَ فِي كَفِّهِ فَإِنَّهُ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ قَدْ أَتَاكُمْ عَدَدٌ لَا يُحْصَى، وَأَمَّا الشَّمْسُ الَّتِي أَوْمَأَ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ أَوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ، وَأَمَّا جَمَلُهُ الْأَحْمَرُ فَالصُّمَّانُ فَإِنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُعَرُّوهُ، يَعْنِي تَرْحَلُوا عَنْهُ، وَأَمَّا نَاقَتُهُ الْعَيْسَاءُ فَإِنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَحْتَرِزُوا فِي الدَّهْنَاءِ، وَأَمَّا بَنُو مَالِكٍ فَإِنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُنْذِرُوهُمْ مَعَكُمْ، وَأَمَّا إِيرَاقُ الْعَوْسَجِ فَإِنَّ الْقَوْمَ قَدْ لَبِسُوا السِّلَاحَ، وَأَمَّا اشْتِكَاءُ النِّسَاءِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ النِّسَاءَ قَدْ خَرِزْنَ الشُّكَاءَ، وَهِيَ أَسْقِيَةُ الْمَاءِ لِلْغَزْوِ. فَحَذِرَ بَنُو الْعَنْبَرِ وَرَكِبُوا الدَّهْنَاءَ وَأَنْذَرُوا بَنِي مَالِكٍ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُمْ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَازِمَ وَعِجْلًا وَعَنَزَةَ أَتَوْا بَنِي حَنْظَلَةَ فَوَجَدُوا عَمْرًا قَدْ أَجْلَتْ، فَأَوْقَعُوا بِبَنِي دَارِمٍ بِالْوَقِيطِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَعَظُمَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، فَأَسَرَتْ رَبِيعَةُ جَمَاعَةً مِنْ رُؤَسَاءِ بَنِي تَمِيمٍ، مِنْهُمْ ضِرَارُ بْنُ الْقَعْقَاعِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ فَجَزُّوا نَاصِيَتَهُ وَأَطْلَقُوهُ، وَأَسَرُوا عَثْجَلَ بْنَ الْمَأْمُونِ بْنِ زُرَارَةَ، وَجُوَيْرَةَ بْنَ بَدْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَارِمٍ، وَلَمْ يَزَلْ فِي الْوَثَاقِ حَتَّى رَآهُمْ يَوْمًا يَشْرَبُونَ فَأَنْشَأَ يَتَغَنَّى يُسْمِعُهُمْ مَا يَقُولُ:
وَقَائِلَةٍ مَا غَالَهُ أَنْ يَزُورَنَا وَقَدْ ... كُنْتُ عَنْ تِلْكَ الزِّيَارَةِ فِي شَغْلِ وَقَدْ أَدْرَكَتْنِي وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ ... مَخَالِبُ قَوْمٍ لَا ضِعَافَ وَلَا عُزْلِ سِرَاعٍ إِلَى الْجُلَّى بِطَاءٍ عَنِ الْخَنَا رِزَانٍ ... لَدَى النَّادِيِّ الْبَاذِينَ فِي غَيْرِ مَا جَهْلِ لَعَلَّهُمْ أَنْ يُمْطِرُونِي بِنِعْمَةٍ كَمَا ... طَابَ مَاءُ الْمُزْنِ فِي الْبَلَدِ الْمَحْلِ قَدْ يُنْعِشُ اللَّهُ الْفَتَى بَعْدَ ذِلَّةٍ وَقَدْ ... تَبْتَنِي الْحُسْنَى سَرَاةُ بَنِي عِجْلِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْأَبْيَاتَ أَطْلَقُوهُ. وَأُسِرَ أَيْضًا نُعَيْمٌ وَعَوْفٌ ابْنَا الْقَعْقَاعِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ سَادَاتِ بَنِي تَمِيمٍ، وَقُتِلَ حَكِيمُ بْنُ جَذِيمَةَ بْنِ الْأُصَيْلِعِ النَّهْشَلِيُّ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا مِنْ نَهْشَلٍ غَيْرُهُ. وَعَادَتْ بَكْرٌ فَمَرَّتْ بِطَرِيقِهَا بَعْدَ الْوَقْعَةِ بِثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْ بَنِي الْعَنْبَرِ لَمْ يَكُونُوا ارْتَحَلُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ طَرَدُوا إِبِلَهُمْ فَأَحْرَزُوهَا مِنْ بَكْرٍ. وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي مُهْوَشٍ الْفَقْعَسِيِّ يُعَيِّرُ تَمِيمًا بِيَوْمِ الْوَقِيطِ: فَمَا قَاتَلَتْ يَوْمَ الْوَقِيطَيْنِ نَهْشَلٌ ... وَلَا الْأَنْكَدُ الشُّؤْمَى فُقَيْمُ بْنُ دَارِمِ وَلَا قَضَبَتْ عَوْفٌ رِجَالَ مُجَاشِعٍ ... وَلَا قَشَّرَ الْأَسْتَاهَ غَيْرُ الْبَرَاجِمِ وَقَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ عَمْرُو بْنُ خَالِدِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَرْثَدٍ: حَكَّتْ تَمِيمٌ بَرْكَهَا لَمَّا الْتَقَتْ ... رَايَاتُنَا كَكَوَاسِرِ الْعِقْبَانِ دَهِمُوا الْوَقِيطَ بِجَحْفَلٍ جَمِّ الْوَغَى ... وَرِمَاحُهَا كَنَوَازِعِ الْأَشْطَانِ
يوم المروت
[يَوْمُ الْمَرُّوتِ] وَهُوَ يَوْمٌ بَيْنَ تَمِيمٍ وَعَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ. وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّهُ الْتَقَى قَعْنَبُ بْنُ عَتَّابٍ الرِّيَاحِيُّ وَبَحِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ الْعَامِرِيُّ بِعُكَاظَ، فَقَالَ بَحِيرٌ لِقَعْنَبٍ: مَا فَعَلَتْ فَرَسُكَ الْبَيْضَاءُ؟ قَالَ: هِيَ عِنْدِي، وَمَا سُؤَالُكَ عَنْهَا؟ قَالَ: لِأَنَّهَا نَجَّتْكَ مِنْ يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، فَأَنْكَرَ قَعْنَبٌ ذَلِكَ وَتَلَاعَنَا وَتَدَاعَيَا أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ مَيْتَةَ الْكَاذِبِ بِيَدِ الصَّادِقِ، فَمَكَثَا مَا شَاءَ اللَّهُ. وَجَمَعَ بَحِيرٌ بَنِي عَامِرٍ وَسَارَ بِهِمْ فَأَغَارَ عَلَى بَنِي الْعَنْبَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ بِإِرَمِ الْكَلْبَةِ وَهُمْ خُلُوفٌ، فَاسْتَاقَ السَّبْيَ وَالنَّعَمَ وَلَمْ يَلْقَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَأَتَى الصَّرِيخُ بَنِي الْعَنْبَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَبَنِي مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَبَنِي يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ، فَرَكِبُوا فِي الطَّلَبِ، فَتَقَدَّمَتْ عَمْرُو بْنُ تَمِيمٍ. فَلَمَّا انْتَهَى بَحِيرٌ إِلَى الْمَرُّوتِ قَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ شَيْئًا؟ قَالُوا: نَرَى خَيْلًا عَارِضَةً رِمَاحَهَا عَلَى كَوَاهِلِ خَيْلِهَا. قَالَ: هَذِهِ عَمْرُو بْنُ تَمِيمٍ وَلَيْسَتْ بِشَيْءٍ، فَلَحِقَ بِهِمْ بَنُو عَمْرٍو فَقَاتَلُوهُمْ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ ثُمَّ صَدَرُوا عَنْهُمْ، وَمَضَى بَحِيرٌ، ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ شَيْئًا؟ قَالُوا: نَرَى خَيْلًا نَاصِبَةً رِمَاحَهَا. قَالَ: هَذِهِ مَالِكُ بْنُ حَنْظَلَةَ وَلَيْسَتْ بِشَيْءٍ، فَلُحِقُوا فَقَاتَلُوا شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ ثُمَّ صَدَرُوا عَنْهُمْ، وَمَضَى بَحِيرٌ وَقَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ شَيْئًا؟ قَالُوا: نَرَى خَيْلًا لَيْسَتْ مَعَهَا رِمَاحٌ وَكَأَنَّمَا عَلَيْهَا الصِّبْيَانُ. قَالَ: هَذِهِ يَرْبُوعٌ رِمَاحُهَا بَيْنَ آذَانِ خَيْلِهَا، إِيَّاكُمْ وَالْمَوْتَ الزُّؤَامَ، فَاصْبِرُوا وَلَا أَرَى أَنْ تَنْجُوا. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَحِقَ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ الْوَاقِعَةُ وَهُوَ نُعَيْمُ بْنُ عَتَّابٍ، وَكَانَ يُسَمَّى الْوَاقِعَةَ لِبَلِيَّتِهِ، فَحَمَلَ عَلَى الْمُثَلَّمِ الْقُشَيْرِيِّ فَأَسَرَهُ، وَحَمَلَتْ قُشَيْرٌ عَلَى دَوْكَسِ بْنِ وَاقِدِ بْنِ حَوْطٍ فَقَتَلُوهُ، وَأَسَرَ نُعَيْمٌ الْمُصَفَّى الْقُشَيْرِيَّ فَقَتَلَهُ، وَحَمَلَ كِدَامُ بْنُ بَجِيلَةَ الْمَازِنِيُّ عَلَى بَحِيرٍ فَعَانَقَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِقَعْنَبَ هِمَّةٌ إِلَّا بَحِيرٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَإِلَى كِدَامٍ قَدْ تَعَانَقَا فَأَقْبَلَ نَحْوَهُمَا، فَقَالَ كِدَامٌ: يَا قَعْنَبُ أَسِيرِي. فَقَالَ قَعْنَبٌ: مَازِ رَأْسَكَ وَالسَّيْفَ، يُرِيدُ: يَا مَازِنِيُّ. فَخَلَّى عَنْهُ كِدَامٌ وَشَدَّ عَلَيْهِ قَعْنَبٌ فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، وَحَمَلَ قَعْنَبٌ أَيْضًا عَلَى صُهْبَانَ، وَأُمُّ صُهْبَانَ مَازِنِيَّةٌ، فَأَسَرَهُ، فَقَالَتْ بَنُو مَازِنٍ: يَا قَعْنَبُ قَتَلْتَ أَسِيرَنَا فَأَعْطِنَا ابْنَ
يوم فيف الريح
أَخِينَا مَكَانَهُ. فَدَفَعَ إِلَيْهِمْ صُهْبَانَ فِي بَحِيرٍ، فَرَضُوا بِذَلِكَ، وَاسْتَنْقَذَتْ بَنُو يَرْبُوعٍ أَمْوَالَ بَنِي الْعَنْبَرِ وَسَبْيَهُمْ مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَعَادُوا. (بَحِيرٌ: بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ) . [يَوْمُ فَيْفِ الرِّيحِ] وَهُوَ بَيْنَ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَالْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَ خَبَرُهُ أَنَّ بَنِي عَامِرٍ كَانَتْ تَطْلُبُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بِأَوْتَارٍ كَثِيرَةٍ، فَجَمَعَ لَهُمُ الْحُصَيْنُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ شَدَّادِ بْنِ قَنَانٍ الْحَارِثِيُّ، وَهُوَ ذُو الْغُصَّةِ، وَاسْتَعَانَ بِجُعْفِيٍّ وَزُبَيْدٍ وَقَبَائِلِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ وَمُرَادٍ وَصُدَاءٍ وَنَهْدٍ وَخَثْعَمٍ وَشَهْرَانَ وَنَاهِسٍ. ثُمَّ أَقْبَلُوا يُرِيدُونَ بَنِي عَامِرٍ وَهُمْ مُنْتَجِعُونَ مَكَانًا يُقَالُ لَهُ فَيْفُ الرِّيحِ، وَمَعَ مَذْحِجٍ النِّسَاءُ وَالذَّرَارِي حَتَّى لَا يَفِرُّوا. فَاجْتَمَعَتْ بَنُو عَامِرٍ، فَقَالَ لَهُمْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: أَغِيرُوا بِنَا عَلَى الْقَوْمِ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ نَأْخُذَ غَنَائِمَهُمْ وَنَسْبِيَ نِسَاءَهُمْ، وَلَا تَدَعُوهُمْ يَدْخُلُونَ عَلَيْكُمْ. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَسَارُوا إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ بَنِي الْحَارِثِ وَمَذْحِجٍ وَمَنْ مَعَهُمْ أَخْبَرَتْهُمْ عُيُونُهُمْ وَعَادَتْ إِلَيْهِمْ مَشَايِخُهُمْ، فَحَذِرُوا فَالْتَقَوْا فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يُغَادُونَهُمُ الْقِتَالَ بِفَيْفِ الرِّيحِ، فَالْتَقَى الصُّمَيْلُ بْنُ الْأَعْوَرِ الْكُلَابِيُّ وَعَمْرُو بْنُ صُبَيْحٍ النَّهْدِيُّ، فَطَعَنَهُ عَمْرٌو، فَاعْتَنَقَ الصُّمَيْلُ فَرَسَهُ وَعَادَ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمٍ فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ دِرْعَهُ وَفَرَسَهُ. وَشَهِدَتْ بَنُو نُمَيْرٍ يَوْمَئِذٍ مَعَ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ فَأَبْلَوْا بَلَاءً حَسَنًا، وَسُمُّوا ذَلِكَ الْيَوْمَ حُرَيْجَةَ الطِّعَانِ لِأَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا بِرِمَاحِهِمْ فَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ الْحَرَجَةِ، وَهِيَ شَجَرٌ مُجْتَمِعٌ. وَسَبَبُ اجْتِمَاعِهِمْ أَنَّ بَنِي عَامِرٍ جَالُوا جَوْلَةً إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ الْعُرْقُوبُ، وَالْتَفَتَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فَسَأَلَ عَنْ بَنِي نُمَيْرٍ فَوَجَدَهُمْ قَدْ تَخَلَّفُوا فِي الْمَعْرَكَةِ، فَرَجَعَ وَهُوَ يَصِيحُ: يَا صَبَاحَاهُ! يَا نُمَيْرَاهُ! وَلَا نُمَيْرَ لِي بَعْدَ الْيَوْمِ! حَتَّى اقْتَحَمَ فَرَسُهُ وَسَطَ الْقَوْمِ، فَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَعَادَتْ بَنُو عَامِرٍ وَقَدْ طُعِنَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ مَا بَيْنَ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى سُرَّتِهِ
عِشْرِينَ طَعْنَةً. وَكَانَ عَامِرٌ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَتَعَهَّدُ النَّاسَ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ مَا رَأَيْتُكَ فَعَلْتَ شَيْئًا، فَمَنْ أَبْلَى فَلْيُرِنِي سَيْفَهُ أَوْ رُمْحَهُ، وَمَنْ لَمْ يُبْلِ شَيْئًا تَقَدَّمَ فَأَبْلَى، فَكَانَ كُلُّ مَنْ أَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا أَتَاهُ، فَأَرَاهُ الدَّمَ عَلَى سِنَانِ رُمْحِهِ أَوْ سَيْفِهِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْحَارِثِيِّينَ اسْمُهُ مُسْهِرٌ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَلِيٍّ انْظُرْ مَا صَنَعْتُ بِالْقَوْمِ! انْظُرْ إِلَى رُمْحِي! فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِ عَامِرٌ لِيَنْظُرَ، وَجَأَهُ بِالرُّمْحِ فِي وَجْنَتِهِ فَفَلَقَهَا وَفَقَأَ عَيْنَهُ وَتَرَكَ رُمْحَهُ وَعَادَ إِلَى قَوْمِهِ. وَإِنَّمَا دَعَاهُ إِلَى ذَلِكَ مَا رَآهُ يَفْعَلُ بِقَوْمِهِ، فَقَالَ: هَذَا وَاللَّهِ مُبِيرُ قَوْمِي! فَقَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: أَتَوْنَا بِشَهْرَانَ الْعَرِيضَةِ كُلِّهَا ... وَأَكْلُبَ طُرًّا فِي جِيَادِ السَّنَوَّرِ لَعَمْرِي وَمَا عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ ... لَقَدْ شَانَ حُرَّ الْوَجْهِ طَعْنَةَ مُسْهِرِ فَبِئْسَ الْفَتَى أَنْ كُنَتَ أَعْوَرَ عَاقِرًا ... جَبَانًا وَمَا أَغْنَى لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ وَأَسَرَتْ بَنُو عَامِرٍ يَوْمَئِذٍ سَيِّدَ مُرَادٍ جَرِيحًا، فَلَمَّا بَرَأَ مِنْ جِرَاحَتِهِ أُطْلِقَ. وَمِمَّنْ أَبْلَى يَوْمَئِذٍ أَرْبَدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ حُرِّ بْنِ خَالِدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَعُبَيْدُ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرٍ. وَقَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَيُقَالُ إِنَّهَا لِعَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ: أَتَوْنَا بِشَهْرَانَ الْعَرِيضَةِ كُلِّهَا ... وَأَكْلُبُهَا فِي مِثْلِ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ فَبِتْنَا وَمَنْ يَنْزِلْ بِهِ مِثْلُ ضَيْفِنَا ... يَبِتْ عَنْ قِرَى أَضْيَافِهِ غَيْرَ غَافِلِ أَعَاذِلُ لَوْ كَانَ الْبِدَادُ لَقُوبِلُوا ... وَلَكِنْ أَتَانَا كُلُّ جِنٍّ وَخَابِلِ وَخَثْعَمُ حَيٌّ يُعْدَلُونَ بِمَذْحِجٍ فَهَلْ ... نَحْنُ إِلَّا مِثْلُ إِحْدَى الْقَبَائِلِ وَأَسْرَعَ الْقَتْلُ فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ إِنَّهُمُ افْتَرَقُوا وَلَمْ يَشْتَغِلْ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِغَنِيمَةٍ، وَكَانَ الصَّبْرُ فِيهَا وَالشَّرَفُ لِبَنِي عَامِرٍ.
يوم اليحاميم ويعرف أيضا بقارات حوق
[يَوْمُ الْيَحَامِيمِ وَيُعْرَفُ أَيْضًا بِقَارَاتِ حُوقٍ] وَهُوَ بَيْنَ قَبَائِلِ طَيِّءٍ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ جَبَلَةَ الْغَسَّانِيَّ كَانَ قَدْ أَصْلَحَ بَيْنَ طَيِّءٍ. فَلَمَّا هَلَكَ عَادَتْ إِلَى حَرْبِهَا، فَالْتَقَتْ جَدِيلَةُ وَالْغَوْثُ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ غَرْثَانُ، فَقُتِلَ قَائِدُ بَنِي جَدِيلَةَ وَهُوَ أَسْبَعُ بْنُ عَمْرِو بْنِ لَأْمٍ عَمِّ أَوْسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَأْمٍ، وَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ سِنْبِسَ يُقَالُ لَهُ مُصْعَبٌ أُذُنَيْهِ فَخَصَفَ بِهِمَا نَعْلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو سَرْوَةَ السِّنْبِسِيُّ: نُخَصِّفُ بِالْآذَانِ مِنْكُمْ نِعَالَنَا ... وَنَشْرَبُ كَرْهًا مِنْكُمُ فِي الْجَمَاجِمِ وَتَنَاقَلَ الْحَيَّانِ فِي ذَلِكَ أَشْعَارًا كَثِيرَةً، وَعَظُمَ مَا صَنَعَتِ الْغَوْثُ عَلَى أَوْسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ لَأْمٍ، وَعَزَمَ عَلَى لِقَاءِ الْحَرْبِ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ لَمْ يَشْهَدِ الْحُرُوبَ الْمُتَقَدِّمَةَ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُؤَسَاءِ طَيِّءٍ كَحَاتِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَزَيْدِ الْخَيْلِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الرُّؤَسَاءِ، فَلَمَّا تَجَهَّزَ أَوْسٌ لِلْحَرْبِ وَأَخَذَ فِي جَمْعِ جَدِيلَةَ وَلَفِّهَا قَالَ أَبُو جَابِرٍ: أَقِيمُوا عَلَيْنَا الْقَصْدَ يَا آلَ طَيْءٍ ... وَإِلَّا فَإِنَّ الْعِلْمَ عِنْدَ التَّحَاسُبِ فَمَنْ مِثْلُنَا إِذَا الْحَرْبُ شَمَّرَتْ ... وَمَنْ مِثْلُنَا يَوْمًا إِذَا لَمْ نُحَاسِبِ فَإِنْ تَقْطَعِينِي أَوْ تُرِيدِي مُسَاءَتِي فَقَدْ ... قَطَّعَ الْخَوْفُ الْمَخُوفُ رَكَائِبِي وَبَلَغَ الْغَوْثَ جَمْعُ أَوْسٍ لَهَا وَأَوْقَدَتِ النَّارَ عَلَى مَنَاعٍ، وَهِيَ ذُرْوَةُ أَجَأَ، وَذَلِكَ أَوَّلُ يَوْمٍ تُوقَدُ عَلَيْهِ النَّارُ. فَأَقْبَلَتْ قَبَائِلُ الْغَوْثِ، كُلُّ قَبِيلَةٍ وَعَلَيْهَا رَئِيسُهَا، مِنْهُمْ زَيْدُ الْخَيْلِ وَحَاتِمٌ، وَأَقْبَلَتْ جَدِيلَةُ مُجْتَمِعَةً عَلَى أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَأْمٍ، وَحَلَفَ أَوْسٌ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَنْ طَيِّءٍ حَتَّى يَنْزِلَ مَعَهَا جَبَلَيْهَا أَجَأَ وَسُلْمَى وَتَجْبِي لَهُ أَهْلُهَا، وَتَزَاحَفُوا وَالْتَقَوْا بِقَارَاتِ حُوقٍ عَلَى رَايَاتِهِمْ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَدَارَتِ الْحَرْبُ
يوم ذي طلوح
عَلَى بَنِي كِبَادِ بْنِ جُنْدَبٍ فَأُبِيرُوا. قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: إِنِّي لَوَاقِفٌ يَوْمَ الْيَحَامِيمِ، وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ إِذْ نَظَرْتُ إِلَى زَيْدِ الْخَيْلِ قَدْ حَضَرَ ابْنَيْهِ مِكْنَفًا وَحُرَيْثًا فِي شِعْبٍ لَا مَنْفَذَ لَهُ وَهُوَ يَقُولُ: أَيِ ابْنَيَّ أَبْقِيَا عَلَى قَوْمِكُمَا فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ التَّفَانِي، فَإِنْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ أَعْمَامًا فَهَؤُلَاءِ أَخْوَالٌ. فَقُلْتُ: كَأَنَّكَ قَدْ كَرِهْتَ قِتَالَ أَخْوَالِكَ! قَالَ: فَاحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ غَضَبًا، وَتَطَاوَلَ إِلَيَّ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى مَا تَحْتَهُ مِنْ سَرْجِهِ فَخِفْتُهُ، فَضَرَبْتُ فَرَسِي وَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ، وَاشْتَغَلَ بِنَظَرِهِ إِلَيَّ عَنِ ابْنَيْهِ، فَخَرَجَا كَالصَّقْرَيْنِ، وَحَمَلَ قَيْسُ بْنُ عَازِبٍ عَلَى بَحِيرِ بْنِ زَيْدِ الْخَيْلِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَأْمٍ فَضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ ضَرْبَةً عَنَّقَ لَهَا بَحِيرٌ فَرَسَهُ وَوَلَّى، فَانْهَزَمَتْ جَدِيلَةُ عِنْدَ ذَلِكَ وَقُتِلَ فِيهَا قَتْلٌ ذَرِيعٌ، فَقَالَ زَيْدُ الْخَيْلِ: تَجِيءُ بَنِي لَأْمٍ جِيَادٌ كَأَنَّهَا ... عَصَائِبُ طَيْرٍ يَوْمَ طَلٍّ وَحَاصِبِ فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا لَا يَزَلْ بِكَ شَامَةٌ ... أَنَاءَ حَيًا بَيْنَ الشَّجَا وَالتَّرَائِبِ وَفَرَّ ابْنُ لَأْمٍ وَاتَّقَانَا بِظَهْرِهِ ... يُرَدِّعُهُ بِالرُّمْحِ قَيْسُ بْنُ عَازِبِ وَجَاءَتْ بَنُو مَعْنٍ كَأَنَّ سُيُوفَهُمْ ... مَصَابِيحُ مِنْ سَقْفٍ فَلَيْسَ بِآيِبِ وَمَا فَرَّ حَتَّى أَسْلَمَ ابْنُ حُمَارِسٍ ... لِوَقْعَةِ مَصْقُولٍ مِنَ الْبِيضِ قَاضِبِ فَلَمْ تَبْقَ لِجَدِيلَةَ بَقِيَّةٌ لِلْحَرْبِ بَعْدَ يَوْمِ الْيَحَامِيمِ، فَدَخَلُوا بِلَادَ كَلْبٍ فَحَالَفُوهُمْ وَأَقَامُوا مَعَهُمْ. [يَوْمُ ذِي طُلُوحٍ] وَهُوَ يَوْمُ الصَّمْدِ وَيَوْمُ أُودٍ أَيْضًا، وَهُوَ بَيْنَ بَكْرٍ وَتَمِيمٍ، وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّ عَمِيرَةَ بْنَ طَارِقِ بْنِ أَرْثَمَ الْيَرْبُوعِيَّ التَّمِيمِيَّ تَزَوَّجَ مُرِّيَّةَ بِنْتَ جَابِرٍ الْعِجْلِيَّ أُخْتَ أَبْجَرَ، وَسَارَ إِلَى عِجْلٍ لِيَبْتَنِيَ بِأَهْلِهِ. وَكَانَ لَهُ فِي بَنِي تَمِيمٍ امْرَأَةٌ أُخْرَى تُعْرَفُ بِابْنَةِ
يوم أقرن
النَّطِفِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَتَى أَبْجَرُ أُخْتَهُ يَزُورُهَا وَزَوْجُهَا عِنْدَهَا. فَقَالَ لَهَا أَبْجَرُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ آتِيَكِ يَا ابْنَةَ النَّطِفِ امْرَأَةَ عَمِيرَةَ. فَقَالَ لَهُ: مَا أَرَاكَ تُبْقِي عَلَيَّ حَتَّى تَسْلُبَنِي أَهْلِي. فَنَدِمَ أَبْجَرُ وَقَالَ لَهُ: مَا كُنْتُ لِأَغْزُوَ قَوْمَكَ وَلَكِنَّنِي مُسْتَأْسِرٌ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ تَمِيمٍ. وَجَمَعَ أَبْجَرُ وَالْحَوْفَزَانُ بْنُ شَرِيكٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَالْحَوْفَزَانُ عَلَى شَيْبَانَ وَالْأَبْجَرُ عَلَى اللَّهَازِمِ، وَوَكَّلَا بِعَمِيرَةَ مَنْ يَحْرُسُهُ لِئَلَّا يَأْتِيَ قَوْمَهُ فَيُنْذِرَهُمْ. فَسَارَ الْجَيْشُ، فَاحْتَالَ عَمِيرَةُ عَلَى الْمُوَكَّلِ بِحِفْظِهِ وَهَرَبَ مِنْهُ وَجَدَّ السَّيْرَ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى بَنِي يَرْبُوعٍ فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ غَزَاكُمُ الْجَيْشُ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَأَعْلَمُوا بَنِي ثَعْلَبَةَ بَطْنًا مِنْهُمْ، فَأَرْسَلُوا طَلِيعَةً مِنْهُمْ فَبَقُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَوَصَلَتْ بَكْرٌ فَرَكِبَتْ يَرْبُوعٌ وَالْتَقَوْا بِذِي طُلُوحٍ. فَرَكِبَ عَمِيرَةُ وَلَقِيَ أَبْجَرَ فَعَرَّفَهُ نَفْسَهُ، وَالْتَقَى الْقَوْمُ وَاقْتَتَلُوا فَكَانَ الظَّفَرُ لِيَرْبُوعٍ. وَانْهَزَمَتْ بَكْرٌ وَأُسِرَ الْحَوْفَزَانُ وَابْنُهُ شَرِيكٌ وَابْنُ عَنَمَةَ الشَّاعِرُ، وَكَانَ مَعَ بَنِي شَيْبَانَ فَافْتَكَّهُ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ، وَأُسِرَ أَكْثَرُ الْجَيْشِ الْبَكْرِيِّ، وَقَالَ ابْنُ عَنَمَةَ يَشْكُرُ مُتَمِّمًا: جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ عَنِّي مُتَمِّمًا ... بِخَيْرِ الْجَزَاءِ مَا أَعَفَّ وَأَجْوَدَا أُجِيرَتْ بِهِ أَبْنَاؤُنَا وَدِمَاؤُنَا ... وَشَارَكَ فِي إِطْلَاقِنَا وَتَفَرَّدَا أَبَا نَهْشَلٍ إِنِّي لَكُمْ غَيْرُ كَافِرٍ ... وَلَا جَاعِلٍ مِنْ دُونِكَ الْمَالَ سَرْمَدَا [يَوْمُ أَقْرُنَ] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: غَزَا عَمْرُو بْنُ عَمْرِو بْنِ عُدَسٍ التَّمِيمِيُّ بَنِي عَبْسٍ، فَأَخَذَ إِبِلَهُمْ وَاسْتَاقَ سَبْيَهُمْ وَعَادَ، حَتَّى إِذَا كَانَ أَسْفَلَ ثَنِيَّةِ أَقْرُنَ، نَزَلَ وَابْتَنَى بِجَارِيَةٍ مِنَ السَّبْيِ، وَلَحِقَهُ الطَّلَبُ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَتَلَ أَنَسُ الْفَوَارِسِ ابْنُ زِيَادٍ الْعَبْسِيُّ عَمْرًا وَابْنَهُ حَنْظَلَةَ، وَاسْتَرَدُّوا الْغَنِيمَةَ وَالسَّبْيَ، فَنَعَى جَرِيرٌ عَلَى بَنِي دَارِمٍ ذَلِكَ فَقَالَ: أَتَنْسُونَ عَمْرًا يَوْمَ بُرْقَةَ أَقْرُنٍ وَحَنْظَلَةَ الْمَقْتُولَ إِذْ هُوَ يَافِعَا وَكَانَ عَمْرٌو أَسْلَعَ أَبْرَصَ، وَكَانَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ قَدْ أَخْطَأُوا ثَنِيَّةَ الطَّرِيقِ فِي عَوْدِهِمْ
يوم السلان
وَسَلَكُوا غَيْرَ الطَّرِيقِ، فَسَقَطُوا مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي سَلَكُوهُ فَلَقُوا شِدَّةً فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ عَنْتَرَةُ: كَأَنَّ السَّرَايَا يَوْمَ نِيقٍ وَصَارَةٍ ... عَصَائِبُ طَيْرٍ يَنْتَحِينَ لِمَشْرَبِ شَفَى النَّفْسَ مِنِّي أَوْ دَنَا لِشِفَائِهَا ... تَهَوُّرُهُمْ مِنْ حَالِقٍ مُتَصَوِّبِ وَقَدْ كُنْتُ أَخْشَى أَنْ أَمُوتَ وَلَمْ تَقُمْ ... مَرَاتِبُ عَمْرٍو وَسْطَ نَوْحٍ مُسَلِّبِ وَكَانَتْ أُمُّ سَمَاعَةَ بْنِ عَمْرٍو مِنْ عَبْسٍ، فَزَارَهُ خَالُهُ فَقَتَلَهُ بِابْنِهِ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ مِسْكِينٌ الدَّارِمِيُّ: وَقَاتِلُ خَالِهِ بِأَبِيهِ مِنَّا ... سَمَاعَةُ لَمْ يَبِعْ نَسَبًا بِخَالِ [يَوْمُ السُّلَّانِ] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَانَ بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ حُمْسًا، وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَنْ لَهُ فِيهِمْ وِلَادَةٌ، وَالْحُمْسُ مُتَشَدِّدُونَ فِي دِينِهِمْ، وَكَانَتْ عَامِرٌ أَيْضًا لَقَاحًا لَا يَدِينُونَ لِلْمُلُوكِ. فَلَمَّا مَلَكَ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ مَلَّكَهُ كِسْرَى أَبْرَوِيزُ، وَكَانَ يُجَهِّزُ كُلَّ عَامٍ لَطِيمَةً، وَهِيَ التِّجَارَةُ، لِتُبَاعَ بِعُكَاظَ، فَعَرَضَتْ بَنُو عَامِرٍ لِبَعْضِ مَا جَهَّزَهُ فَأَخَذُوهُ. فَغَضِبَ لِذَلِكَ النُّعْمَانُ وَبَعَثَ إِلَى أَخِيهِ لِأُمِّهِ، وَهُوَ وَبَرَةُ بْنُ رُومَانْسَ الْكَلْبِيُّ، وَبَعَثَ إِلَى صَنَائِعِهِ وَوَضَائِعِهِ، وَالصَّنَائِعُ مَنْ كَانَ يَصْطَنِعُهُ مِنَ الْعَرَبِ لِيُغْزِيَهُ، وَالْوَضَائِعُ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا شِبْهَ الْمَشَايِخِ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي ضَبَّةَ بْنِ أُدٍّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الرِّبَابِ وَتَمِيمٍ فَجَمَعَهُمْ، فَأَجَابُوهُ، فَأَتَاهُ ضِرَارُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ فِي تِسْعَةٍ مِنْ بَنِيهِ كُلُّهُمْ فَوَارِسُ وَمَعَهُ حُبَيْشُ بْنُ دُلَفٍ، وَكَانَ فَارِسًا شُجَاعًا، فَاجْتَمَعُوا فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ، فَجَهَّزَ النُّعْمَانُ مَعَهُمْ عِيرًا وَأَمَرَهُمْ بِتَسْيِيرِهَا وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا
فَرَغْتُمْ مِنْ عُكَاظَ وَانْسَلَخَتِ الْحُرُمُ وَرَجَعَ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَاقْصِدُوا بَنِي عَامِرٍ فَإِنَّهُمْ قَرِيبٌ بِنَوَاحِي السُّلَّانِ. فَخَرَجُوا وَكَتَمُوا أَمْرَهُمْ وَقَالُوا: خَرَجْنَا لِئَلَّا يَعْرِضَ أَحَدٌ لِلَطِيمَةِ الْمَلِكِ. فَلَمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنْ عُكَاظَ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ بِحَالِهِمْ، فَأَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ قَاصِدًا إِلَى بَنِي عَامِرٍ يُعْلِمُهُمُ الْخَبَرَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُمْ فَحَذِرُوا وَتَهَيَّأُوا لِلْحَرْبِ وَتَحَرَّزُوا وَوَضَعُوا الْعُيُونَ، وَعَادَ عَامِرٌ عَلَيْهِمْ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ مُلَاعِبُ الْأَسِنَّةِ، وَأَقْبَلَ الْجَيْشُ فَالْتَقَوْا بِالسُّلَّانِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا. فَبَيْنَا هُمْ يَقْتَتِلُونَ إِذْ نَظَرَ يَزِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خُوَيْلِدٍ الصَّعْقُ إِلَى وَبَرَةَ بْنِ رُومَانْسَ أَخِي النُّعْمَانِ فَأَعْجَبَهُ هَيْئَتُهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَأَسَرَهُ. فَلَمَّا صَارَ فِي أَيْدِيهِمْ هَمَّ الْجَيْشُ بِالْهَزِيمَةِ، فَنَهَاهُمْ ضِرَارُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ وَقَامَ بِأَمْرِ النَّاسِ فَقَاتَلَ هُوَ وَبَنُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ وَمَا يَصْنَعُ بِبَنِي عَامِرٍ هُوَ وَبَنُوهُ حَمَلَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَرَاءٍ رَجُلًا شَدِيدَ السَّاعِدِ. فَلَمَّا حَمَلَ عَلَى ضِرَارٍ اقْتَتَلَا، فَسَقَطَ ضِرَارٌ إِلَى الْأَرْضِ وَقَاتَلَ عَلَيْهِ بَنُوهُ حَتَّى خَلَّصُوهُ وَرَكِبَ، وَكَانَ شَيْخًا، فَلَمَّا رَكِبَ قَالَ: " مَنْ سَرَّهُ بَنُوهُ سَاءَتْهُ نَفْسُهُ "، فَذَهَبَتْ مَثَلًا. يَعْنِي مَنْ سَرَّهُ بَنُوهُ إِذَا صَارُوا رِجَالًا كَبِرَ وَضَعُفَ فَسَاءَهُ ذَلِكَ. وَجَعَلَ أَبُو بَرَاءٍ يُلِحُّ عَلَى ضِرَارٍ طَمَعًا فِي فِدَائِهِ، وَجَعَلَ بَنُوهُ يَحْمُونَهُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو بَرَاءٍ قَالَ لَهُ: لَتَمُوتَنَّ أَوْ لَأَمُوتَنَّ دُونَكَ فَأَحِلْنِي عَلَى رَجُلٍ لَهُ فِدَاءٌ، فَأَوْمَأَ ضِرَارٌ إِلَى حُبَيْشِ بْنِ دُلَفٍ وَكَانَ سَيِّدًا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَرَاءٍ فَأَسَرَهُ، وَكَانَ حُبَيْشٌ أَسْوَدَ نَحِيفًا دَمِيمًا، فَلَمَّا رَآهُ كَذَلِكَ ظَنَّهُ عَبْدًا وَأَنَّ ضِرَارًا خَدَعَهُ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ، أَعْزَزَ سَائِرَ الْقَوْمِ، أَلَا فِي الشُّؤْمِ وَقَعْتُ! فَلَمَّا سَمِعَهَا حُبَيْشٌ مِنْهُ خَافَ أَنْ يَقْتُلَهُ فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ اللَّبَنَ، يَعْنِي الْإِبِلَ، فَقَدْ أَصَبْتَهُ. فَافْتَدَى نَفْسَهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ بَعِيرٍ وَهُزِمَ جَيْشُ النُّعْمَانِ. فَلَمَّا رَجَعَ الْفَلُّ إِلَيْهِ أَخْبَرُوهُ بِأَسْرِ أَخِيهِ، وَبِقِيَامِ ضِرَارٍ بِأَمْرِ النَّاسِ، وَمَا جَرَى لَهُ مَعَ أَبِي بَرَاءٍ، وَافْتَدَى وَبَرَةُ بْنُ رُومَانْسَ نَفْسَهُ بِأَلْفِ بَعِيرٍ وَفَرَسٍ مِنْ يَزِيدَ بْنِ الصَّعْقِ، فَاسْتَغْنَى يَزِيدُ، وَكَانَ قَبْلَهُ خَفِيفَ الْحَالِ، وَقَالَ لَبِيدٌ يَذْكُرُ أَيَّامَ قَوْمِهِ:
يوم ذي علق
إِنِّي امْرُؤٌ مَنَعَتْ أَرُومَةُ عَامِرٍ ... ضَيْمِي وَقَدْ حَنِقَتْ عَلَيَّ خُصُومُ يَقُولُ فِيهَا: وَغَدَاةَ قَاعِ الْقَرْيَتَيْنِ أَتَاهُمُ رَهْوًا يَلُوحُ خِلَالَهَا التَّسْوِيمُ ... بِكَتَائِبٍ رُجُحٍ تَعَوَّدَ كَبْشُهَا نَطْحَ الْكِبَاشِ كَأَنَّهُنَّ نُجُومُ قَوْلُهُ: قَاعِ الْقَرْيَتَيْنِ، يَعْنِي يَوْمَ السُّلَّانِ. (حُبَيْشُ بْنُ دُلَفٍ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ) . [يَوْمُ ذِي عَلَقٍ] وَهُوَ يَوْمٌ الْتَقَى فِيهِ بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَبَنُو أَسَدٍ بِذِي عَلَقٍ فَاقْتَتَلُوا اقْتِتَالًا شَدِيدًا عَظِيمًا. قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ رَبِيعَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كُلَابٍ الْعَامِرِيُّ أَبُو لَبِيدٍ الشَّاعِرِ وَانْهَزَمَتْ عَامِرٌ، فَتَبِعَهُمْ خَالِدُ بْنُ نَضْلَةَ الْأَسَدِيُّ وَابْنُهُ حَبِيبٌ وَالْحَارِثُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْمُضَلِّلِ، وَأَمْعَنُوا فِي الطَّلَبِ، فَلَمْ يَشْعُرُوا إِلَّا وَقَدْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ مِنْ وَرَاءِ ظُهُورِهِمْ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ لِخَالِدٍ: يَا أَبَا مَعْقِلٍ إِنْ شِئْتَ أَجَزْتَنَا وَأَجَزْنَاكَ حَتَّى نَحْمِلَ جَرْحَانَا وَنَدْفِنَ قَتْلَانَا. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. فَتَوَاقَفُوا. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَرَاءٍ: هَلْ عَلِمْتَ مَا فَعَلَ رَبِيعَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ تَرَكْتُهُ قَتِيلًا. قَالَ: وَمَنْ قَتَلَهُ؟ قَالَ: ضَرَبْتُهُ أَنَا وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ صَامِتُ بْنُ الْأَفْقَمِ. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَرَاءٍ بِقَتْلِ رَبِيعَةَ حَمَلَ عَلَى خَالِدٍ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، فَمَانَعَهُمْ خَالِدٌ وَصَاحِبَاهُ وَأَخَذُوا سِلَاحَ حَبِيبِ بْنِ خَالِدٍ، وَلَحِقَهُمْ بَنُو أَسَدٍ فَمَنَعُوا أَصْحَابَهُمْ وَحَمُوهُمْ، فَقَالَ الْجُمَيْحُ: سَائِلٌ مَعَدًّا عَنِ الْفَوَارِسِ لَا ... أَوْفَوْا بِجِيرَانِهِمْ وَلَا سَلِمُوا يَسْعَى بِهِمْ قُرْزُلٌ وَيَسْتَمِعُ ال ... نَّاسُ إِلَيْهِمْ وَتُخْفِقُ اللِّمَمُ رَكْضًا وَقَدْ غَادَرُوا رَبِيعَةَ فِي ... الْأَثْآرِ لَمَّا تَقَارَبَ النَّسَمُ
يوم الرقم
فِي صَدْرِهِ صَعْدَةٌ وَيَخْلِجُهُ بِالرُّمْحِ حَرَّانَ بَاسِلًا أَضِمُ قُرْزُلٌ: فَرَسُ الطُّفَيْلِ وَالِدِ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ. وَقَالَ لَبِيدٌ مِنْ قَصِيدَةٍ يَذْكُرُ أَبَاهُ: وَلَا مِنْ رَبِيعِ الْمُقْتَرِينَ رُزِئْتُهُ ... بِذِي عَلَقٍ فَاقْنَيْ حَيَاءَكِ وَاصْبِرِي [يَوْمُ الرَّقَمِ] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: غَزَتْ عَامِرُ بْنُ صَعْصَعَةَ غَطَفَانَ، وَمَعَ بَنِي عَامِرٍ يَوْمَئِذٍ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ شَابًّا لَمْ يُرَأَّسْ بَعْدُ، فَبَلَغُوا وَادِي الرَّقَمِ، وَبِهِ بَنُو مُرَّةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ سَعْدٍ وَمَعَهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَشْجَعَ بْنِ ذِئْبِ بْنِ غَطَفَانَ وَنَاسٌ مِنْ فَزَارَةَ بْنِ ذُبْيَانَ، فَنُذِرُوا بِبَنِي عَامِرٍ وَهَجَمَتْ عَلَيْهِمْ بَنُو عَامِرٍ بِالرَّقَمِ، وَهُوَ وَادٍ بِقُرْبِ تَضْرُعَ، فَالْتَقَوْا فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فَرَأَى امْرَأَةً مِنْ فَزَارَةَ فَسَأَلَهَا. فَقَالَتْ: أَنَا أَسْمَاءُ بِنْتُ نَوْفَلٍ الْفَزَارِيِّ. وَقِيلَ: كَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ. فَبَيْنَا عَامِرٌ يَسْأَلُهَا خَرَجَ عَلَيْهِ الْمُنْهَزِمُونَ مِنْ قَوْمِهِ وَبَنُو مُرَّةَ فِي أَعْقَابِهِمْ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَامِرٌ أَلْقَى دِرْعَهُ إِلَى أَسْمَاءَ وَوَلَّى مُنْهَزِمًا، فَأَدَّتْهَا إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَبِعَتْهُمْ مُرَّةُ وَعَلَيْهِمْ سِنَانُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيُّ، وَجَعَلَ الْأَشْجَعِيُّونَ يَذْبَحُونَ كُلَّ مَنْ أَسَرُوهُ مِنْ بَنِي عَامِرٍ لِوَقْعَةٍ كَانَتْ أَوْقَعَتْهَا بِهِمْ بَنُو عَامِرٍ، فَذَلِكَ الْبَطْنُ مِنْ بَنِي أَشْجَعَ يُسَمُّونَ بَنِي مَذْحِجٍ، فَذَبَحُوا سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ يُذَكِّرُ غَطَفَانَ وَيُعَرِّضُ بِأَسْمَاءَ: قَدْ سَاءَلَتْ أَسْمَاءُ وَهْيَ خَفِيَّةٌ ... لِضِحَائِهَا أَطُرِدْتُ أَمْ لَمْ أُطْرَدِ فَلَأَبْغِيَنَّكُمُ الْقَنَا وَعَوَارِضًا ... وَلَأُقْبِلَنَّ الْخَيْلَ لَابَةَ ضَرْغَدِ وَلَأَبْرُزَنَّ بِمَالِكٍ وَبِمَالِكٍ ... وَأَخِي الْمَرَوْرَاتِ الَّذِي لَمْ يُسْنَدِ فِي أَبْيَاتٍ عِدَّةٍ. فَلَمَّا بَلَغَ شِعْرُهُ غَطَفَانَ هَجَاهُ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَكَانَ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ حِينَئِذٍ غَائِبًا عِنْدَ مُلُوكِ غَسَّانَ قَدْ هَرَبَ مِنَ النُّعْمَانِ. فَلَمَّا آمَنَهُ النُّعْمَانُ وَعَادَ سَأَلَ قَوْمَهُ عَمَّا هَجَوْا بِهِ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ، فَأَنْشَدُوهُ مَا قَالُوا فِيهِ وَمَا قَالَ فِيهِمْ، فَقَالَ: لَقَدْ أَفْحَشْتُمْ وَلَيْسَ
يوم ساحوق
مِثْلَ عَامِرٍ يُهْجَى بِمِثْلِ هَذَا، ثُمَّ قَالَ يُخَطِّئُ عَامِرًا فِي ذِكْرِهِ امْرَأَةً مِنْ عَقَائِلِهِمْ: فَإِنْ يَكُ عَامِرٌ قَدْ قَالَ جَهْلًا ... فَإِنَّ مَطِيَّةَ الْجَهْلِ الشَّبَابُ فَإِنَّكَ سَوْفَ تَحْلُمُ أَوْ تُبَاهِي ... إِذَا مَا شِبْتَ أَوْ شَابَ الْغُرَابُ فَكُنْ كَأَبِيكَ أَوْ كَأَبِي بَرَاءٍ ... تُوَافِقْكَ الْحُكُومَةُ وَالصَّوَابُ فَلَا تَذْهَبْ بِحُلْمِكَ طَامِيَاتٌ ... مِنَ الْخُيَلَاءِ لَيْسَ لَهُنَّ بَابُ إِلَى آخِرِهَا. فَلَمَّا سَمِعَهَا عَامِرٌ قَالَ: مَا هُجِيتُ قَبْلَهَا. [يَوْمُ سَاحُوقَ] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: غَزَتْ بَنُو ذُبْيَانَ بَنِي عَامِرٍ وَهُمْ بِسَاحُوقَ، وَعَلَى ذُبْيَانَ سِنَانُ بْنُ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيُّ، وَقَدْ جَهَّزَهُمْ وَأَعْطَاهُمُ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَزَوَّدَهُمْ، فَأَصَابُوا نَعَمًا كَثِيرَةً وَعَادُوا، فَلَحِقَتْهُمْ بَنُو عَامِرٍ وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا. ثُمَّ انْهَزَمَتْ بَنُو عَامِرٍ وَأُصِيبَ مِنْهُمْ رِجَالٌ وَرَكِبُوا الْفَلَاةَ، فَهَلَكَ أَكْثَرُهُمْ عَطَشًا، وَكَانَ الْحَرُّ شَدِيدًا، وَجَعَلَتْ ذُبْيَانُ تُدْرِكُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ فَيَقُولُونَ لَهُ: قِفْ وَلَكَ نَفْسُكَ وَضَعْ سِلَاحَكَ، فَيَفْعَلُ. وَكَانَ يَوْمًا عَظِيمًا عَلَى عَامِرٍ، وَانْهَزَمَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وَأَخُوهُ الْحَكَمُ، ثُمَّ إِنَّ الْحَكَمَ ضَعُفَ وَخَافَ أَنْ يُؤْسَرَ، فَجَعَلَ فِي عُنُقِهِ حَبْلًا وَصَعِدَ إِلَى شَجَرَةٍ وَشَدَّهُ وَدَلَّى نَفْسَهُ فَاخْتَنَقَ، وَفَعَلَ مِثْلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي غَنِيٍّ، فَلَمَّا أَلْقَى نَفْسَهُ نَدِمَ فَاضْطَرَبَ، فَأَدْرَكُوهُ وَخَلَّصُوهُ وَعَيَّرُوهُ بِجَزَعِهِ، وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الْوَرْدِ الْعَبْسِيُّ فِي ذَلِكَ: وَنَحْنُ صَبَحْنَا عَامِرًا فِي دِيَارِهَا ... عُلَالَةَ أَرْمَاحٍ وَضَرْبًا مُذَكَّرَا بِكُلِّ رُقَاقِ الشَّفْرَتَيْنِ مُهَنَّدٍ ... وَلَدْنٍ مِنَ الْخَطِّيِّ قَدْ طُرَّ أَسَمَرَا عَجِبْتُ لَهُمْ إِذْ يَخْنُقُونَ نُفُوسَهُمْ ... وَمَقْتَلُهُمْ تَحْتَ الْوَغَى كَانَ أَجْدَرَا
يوم أعيار ويوم النقيعة
[يَوْمُ أَعْيَارٍ وَيَوْمُ النَّقِيعَةِ] كَانَ الْمُثَلَّمُ بْنُ الْمُشَجَّرِ الْعَائِذِيُّ ثُمَّ الضَّبِّيُّ مُجَاوِرًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَتَقَامَرَ هُوَ وَعُمَارَةُ بْنُ زِيَادٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْكَمَلَةِ، فَقَمَرَهُ عُمَارَةُ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ عَشَرَةُ أَبْكُرٍ، فَطَلَبَ مِنْهُ الْمُثَلَّمُ أَنْ يُخَلِّيَ عَنْهُ حَتَّى يَأْتِيَ أَهْلَهُ فَيُرْسِلَ إِلَيْهِ بِالَّذِي لَهُ، فَأَبَى ذَلِكَ، فَرَهَنَهُ ابْنُهُ شِرْحَافُ بْنُ الْمُثَلَّمِ فَأَتَى قَوْمَهُ فَأَخَذَ الْبَكَارَةَ فَأَتَى بِهَا عُمَارَةَ وَافَتَكَّ ابْنَهُ. فَلَمَّا انْطَلَقَ بِابْنِهِ قَالَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ: يَا أَبَتَاهُ مَنْ مِعْضَالٌ؟ قَالَ: ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّكَ ذَهَبَ فَلَمْ يُوجَدْ إِلَى السَّاعَةِ. قَالَ شِرْحَافٌ: فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ قَاتِلَهُ. قَالَ أَبُوهُ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: عُمَارَةُ بْنُ زِيَادٍ سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِلْقَوْمِ يَوْمًا وَقَدْ أَخَذَ فِيهِ الشَّرَابُ إِنَّهُ قَتَلَهُ وَلَمْ يَلْقَ لَهُ طَالِبًا. وَلَبِثُوا بَعْدَ ذَلِكَ حِينًا وَشَبَّ شِرْحَافٌ. ثُمَّ إِنَّ عُمَارَةَ جَمَعَ جَمْعًا عَظِيمًا مِنْ عَبْسٍ فَأَغَارَ بِهِمْ عَلَى بَنِي ضَبَّةَ فَأَخَذُوا إِبِلَهُمْ، وَرَكِبَتْ بَنُو ضَبَّةَ فَأَدْرَكُوهُمْ فِي الْمَرْعَى. فَلَمَّا نَظَرَ شِرْحَافٌ إِلَى عُمَارَةَ قَالَ: يَا عُمَارَةُ أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا شِرْحَافٌ، أَدِّ إِلَيَّ ابْنَ عَمِّي مِعْضَالًا، لَا مِثْلَهُ يَوْمَ قَتَلْتَهُ! وَحَمَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وَاقْتَتَلَتْ ضَبَّةُ وَعَبْسٌ قِتَالًا شَدِيدًا وَاسْتَنْقَذَتْ ضَبَّةُ الْإِبِلَ، وَقَالَ شِرْحَافٌ: أَلَا أَبْلِغْ سَرَاةَ بَنِي بَغِيضٍ بِمَا ... لَاقَتْ سَرَاةُ بَنِي زِيَادِ وَمَا لَاقَتْ جَذِيمَةُ إِذْ تُحَامِي ... وَمَا لَاقَى الْفَوَارِسُ مِنْ بِجَادِ تَرَكْنَا بِالنَّقِيعَةِ آلَ عَبْسٍ ... شَعَاعًا يُقْتَلُونَ بِكُلِّ وَادِ وَمَا إِنْ فَاتَنَا إِلَّا شَرِيدٌ ... يَؤُمُّ الْقَفْرَ فِي تِيهِ الْبِلَادِ فَسَلْ عَنَّا عُمَارَةَ آلَ عَبْسٍ ... وَسَلْ وَرْدًا وَمَا كُلُّ بَدَادِ تَرَكْتُهُمُ بِوَادِي الْبَطْنِ ... رَهْنًا لِسِيدَانِ الْقَرَارَةِ وَالْجِلَادِ
يوم النباة
[يَوْمُ النُّبَاةِ] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: خَرَجَتْ بَنُو عَامِرٍ تُرِيدُ غَطَفَانَ لِتُدْرِكَ بِثَأْرِهَا يَوْمَ الرَّقَمِ وَيَوْمَ سَاحُوقَ، فَصَادَفَتْ بَنِي عَبْسٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ أَحَدٌ مِنْ غَطَفَانَ، وَكَانَتْ عَبْسٌ لَمْ تَشْهَدْ يَوْمَ الرَّقَمِ وَلَا يَوْمَ سَاحُوقَ مَعَ غَطَفَانَ وَلَمْ يُعِينُوهُمْ عَلَى بَنِي عَامِرٍ، وَقِيلَ: بَلْ شَهِدَهَا أَشْجَعُ وَفَزَارَةُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ بَنِي غَطَفَانَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. قَالَ: وَأَغَارَتْ بَنُو عَامِرٍ عَلَى نَعَمِ بَنِي عَبْسٍ وَذُبْيَانَ وَأَشْجَعَ، فَأَخَذُوهَا وَعَادُوا مُتَوَجِّهِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ فَضَلُّوا فِي الطَّرِيقِ، فَسَلَكُوا وَادِيَ النُّبَاةِ فَأَمْعَنُوا فِيهِ وَلَا طَرِيقَ لَهُمْ وَلَا مَطْلَعَ حَتَّى قَارَبُوا آخِرَهُ. وَكَادَ الْجَبَلَانِ يَلْتَقِيَانِ إِذَا هُمْ بِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ تَخْبِطُ الشَّجَرَ لَهُمْ فِي قُلَّةِ الْجَبَلِ. فَسَأَلُوهَا عَنِ الْمَطْلَعِ. فَقَالَتْ لَهُمْ: الْفَوَارِسُ الْمَطْلَعُ، وَكَانَتْ قَدْ رَأَتِ الْخَيْلَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَهِيَ عَلَى الْجَبَلِ، وَلَمْ يَرَهَا بَنُو عَامِرٍ لِأَنَّهُمْ فِي الْوَادِي، فَأَرْسَلُوا رَجُلًا إِلَى قُلَّةِ الْجَبَلِ يَنْظُرُ، فَقَالَ لَهُمْ: أَرَى قَوْمًا كَأَنَّهُمُ الصِّبْيَانُ عَلَى مُتُونِ الْخَيْلِ، أَسِنَّةُ رِمَاحِهِمْ عِنْدَ آذَانِ خَيْلِهِمْ. قَالُوا: تِلْكَ فَزَارَةُ، قَالَ: وَأَرَى قَوْمًا بِيضًا جِعَادًا كَأَنَّ عَلَيْهِمْ ثِيَابًا حُمْرًا. قَالُوا: تِلْكَ أَشْجَعُ. قَالَ: وَأَرَى قَوْمًا نُسُورًا قَدْ قَلَعُوا خُيُولَهُمْ بِسَوَادِهِمْ، كَأَنَّمَا يَحْمِلُونَهَا حَمْلًا بِأَفْخَاذِهِمْ، آخِذِينَ بِعَوَامِلِ رِمَاحِهِمْ يَجُرُّونَهَا قَالُوا: تِلْكَ عَبْسٌ، أَتَاكُمُ الْمَوْتُ الزُّؤَامُ! وَلَحِقَهُمُ الطَّلَبُ بِالْوَادِي، فَكَانَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ أَوَّلَ مَنْ سَبَقَ عَلَى فَرَسِهِ الْوَرْدَ فَفَاتَ الْقَوْمَ، وَأَعْيَا فَرَسَهُ الْوَرْدُ، وَهُوَ الْمَرْبُوقُ أَيْضًا فَعَقَرَهُ لِئَلَّا تَفْتَحِلَهُ فَزَارَةُ، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ، وَدَامَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، فَانْهَزَمَتْ عَامِرٌ فَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ كَبِيرَةٌ، قُتِلَ فِيهَا مِنْ أَشْرَافِهِمُ الْبَرَاءُ بْنُ عَامِرِ بْنِ مَالِكٍ، وَبِهِ يُكَنَّى أَبُوهُ، وَقُتِلَ نَهْشَلٌ وَأَنَسٌ وَهَزَارُ بَنُو مُرَّةَ بْنِ أَنَسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَقَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الطُّفَيْلِ أَخَا عَامِرٍ، قَتَلَهُ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ الْعَبْسِيُّ، وَغَيْرُهُمْ كَثِيرٌ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى بَنِي عَامِرٍ.
يوم الفرات
[يَوْمُ الْفُرَاتِ] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَغَارَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ عُمْرَانَ بْنِ مُرَّةَ، عَلَى بَنِي تَغْلِبَ، وَهُمْ عِنْدَ الْفُرَاتِ، وَذَلِكَ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ، فَظَفِرَ بِهِمْ فَقَتَلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ مُقَاتِلَتِهِمْ، وَغَرِقَ مِنْهُمْ نَاسٌ كَثِيرٌ فِي الْفُرَاتِ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَقَسَّمَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ شَاعِرُهُمْ فِي ذَلِكَ: وَمِنَّا الَّذِي غَشَّى الدُّلَيْكَةَ سَيْفَهُ ... عَلَى حِينِ أَنْ أَعْيَا الْفُرَاتَ كَتَائِبُهْ وَمِنَّا الَّذِي شَدَّ الرَّكِيَّ لِيَسْتَقِي ... وَيَسْقِيَ مَحْضًا غَيْرَ ضَافٍ جَوَانِبُهْ وَمِنَّا غَرِيبُ الشَّامِ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ ... أَفَكَّ لِعَانٍ قَدْ تَنَاءَى أَقَارِبُهْ الدُّلَيْكَةُ: فَرَسُ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ، وَالَّذِي شَدَّ الرَّكِيَّ مُرَّةُ بْنُ هَمَّامٍ، وَغَرِيبُ الشَّامِ ابْنُ الْقَلُوصِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. [يَوْمُ بَارِقٍ] قَالَ الْمُفَضَّلُ الضَّبِّيُّ: إِنَّ بَنِي تَغْلِبَ وَالنَّمِرَ بْنَ قَاسِطٍ وَنَاسًا مِنْ تَمِيمٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى نَزَلُوا نَاحِيَةَ بَارِقٍ، وَهِيَ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ، وَأَرْسَلُوا وَفْدًا مِنْهُمْ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ يَطْلُبُونَ إِلَيْهِمُ الصُّلْحَ، فَاجْتَمَعَتْ شَيْبَانُ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَأَرَادُوا قَصْدَ تَغْلِبَ وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ الشَّيْبَانِيُّ: إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَخْوَالِي وَهُمُ النَّمِرُ بْنُ قَاسِطٍ، فَأَمْضَوْا جِوَارَهُ وَسَارُوا وَأَوْقَعُوا بِبَنِي تَغْلِبَ وَتَمِيمٍ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً لَمْ تُصَبْ تَغْلِبُ بِمِثْلِهَا، وَاقْتَسَمُوا الْأَسْرَى وَالْأَمْوَالَ، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَيَّامِ عَلَيْهِمْ، قُتِلَ الرِّجَالُ وَنُهِبَ الْأَمْوَالُ وَسُبِيَ الْحَرِيمُ، فَقَالَ أَبُو كَلْبَةَ الشَّيْبَانِيُّ: وَلَيْلَةً بِسَعَادَى لَمْ تَدَعْ سَنَدًا ... لِتَغْلِبِيٍّ وَلَا أَنَفًا وَلَا حَسَبَا وَالنَّمِرِيُّونَ لَوْلَا سِرُّ مَنْ وُلِدُوا ... مِنْ آلِ مُرَّةَ شَاعَ الْحَيُّ مُنْتَهَبَا
يوم طخفة
[يَوْمُ طِخْفَةَ] وَهُوَ لِبَنِي يَرْبُوعٍ عَلَى عَسَاكِرِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَكَانَ سَبَبَ هَذِهِ الْحَرْبِ أَنَّ الرَّدَافَةَ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْوَزَارَةِ، وَكَانَ الرَّدِيفُ يَجْلِسُ عَنْ يَمِينِ الْمَلِكِ، كَانَتْ لِبَنِي يَرْبُوعٍ مِنْ تَمِيمٍ يَتَوَارَثُونَهَا صَغِيرًا عَنْ كَبِيرٍ. فَلَمَّا كَانَ أَيَّامُ النُّعْمَانِ، وَقِيلَ أَيَّامُ ابْنِهِ الْمُنْذِرِ، سَأَلَهَا حَاجِبُ بْنُ زُرَارَةَ الدَّارِمِيُّ التَّمِيمِيُّ النُّعْمَانَ أَنْ يَجْعَلَهَا لِلْحَارِثِ بْنِ بَيْبَةَ بْنِ قُرْطِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعٍ الدَّارِمِيِّ التَّمِيمِيِّ، فَقَالَ النُّعْمَانُ لِبَنِي يَرْبُوعٍ فِي هَذَا، وَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ، فَامْتَنَعُوا، وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ أَسْفَلَ طِخْفَةَ، فَحَيْثُ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ بَعَثَ إِلَيْهِمُ النُّعْمَانُ قَابُوسَ ابْنَهُ وَحَسَّانًا أَخَاهُ ابْنَيِ الْمُنْذِرِ، قَابُوسُ عَلَى النَّاسِ، وَحَسَّانُ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، وَضَمَّ إِلَيْهِمَا جَيْشًا كَثِيفًا، مِنْهُمُ الصَّنَائِعُ وَالْوَضَائِعُ وَنَاسٌ مِنْ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمْ، فَسَارُوا حَتَّى أَتَوْا طِخْفَةَ فَالْتَقَوْا هُمْ وَيَرْبُوعٌ وَاقْتَتَلُوا، وَصَبَرَتْ يَرْبُوعٌ وَانْهَزَمَ قَابُوسٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَضَرَبَ طَارِقٌ أَبُو عَمِيرَةَ فَرَسَ قَابُوسَ فَعَقَرَهُ وَأَسَرَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَجُزَّ نَاصِيَتَهُ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُلُوكَ لَا تُجَزُّ نَوَاصِيَهَا، فَأَرْسَلَهُ. وَأَمَّا حَسَّانُ فَأَسَرَهُ بِشْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جُوَيْنٍ فَمَنَّ عَلَيْهِ وَأَرْسَلَهُ. فَعَادَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى النُّعْمَانِ، وَكَانَ شِهَابُ بْنُ قَيْسِ بْنِ كِيَاسٍ الْيَرْبُوعِيُّ عِنْدَ الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ: يَا شِهَابُ أَدْرِكِ ابْنِي وَأَخِي، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُمَا حَيَّيْنِ فَلِبَنِي يَرْبُوعٍ حُكْمُهُمْ وَأَرُدُّ عَلَيْهِمْ رِفَادَتَهُمْ، وَأَتْرُكُ لَهُمْ مَنْ قَتَلُوا وَمَا غَنِمُوا، وَأُعْطِيهِمْ أَلْفَيْ بَعِيرٍ. فَسَارَ شِهَابٌ فَوَجَدَهُمَا حَيَّيْنِ فَأَطْلَقَهُمَا، وَوَفَّى الْمَلِكُ لِبَنِي يَرْبُوعٍ بِمَا قَالَ، وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُمْ فِي رِفَادَتِهِمْ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ: وَنَحْنُ عَقَرْنَا مُهْرَ قَابُوسَ بَعْدَمَا ... رَأَى الْقَوْمُ مِنْهُ الْمَوْتَ وَالْخَيْلُ تَلْحَبُ عَلَيْهِ دِلَاصٌ ذَاتُ نَسْجٍ وَسَيْفُهُ ... جُرَازٌ مِنَ الْهِنْدِيِّ أَبْيَضُ مِقْضَبُ
يوم النباج وثيتل
طَلَبْنَا بِهَا إِنَّا مَدَارِيكُ نَيْلِهَا إِذَا طَلَبَ الشَّأْوَ الْبَعِيدَ الْمُغَرِّبُ [يَوْمُ النِّبَاجِ وَثَيْتَلٍ] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: غَزَا قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ ثُمَّ التَّمِيمِيُّ بِمُقَاعِسَ، وَهُمْ بُطُونٌ مِنْ تَمِيمٍ، وَهُمْ صَرِيمٌ وَرَبِيعٌ وَعُبَيْدٌ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ، وَغَزَا مَعَهُ سَلَامَةُ بْنُ ظَرِبٍ الْحِمَّانِيُّ فِي الْحَارِثِ، وَهُمْ بُطُونٌ مِنْ تَمِيمٍ أَيْضًا، وَهُمْ حِمَّانُ وَرَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَالْأَعْرَجُ بَنُو كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ، فَغَزَوْا بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ، فَوَجَدُوا اللَّهَازِمَ، وَهُمْ بَنُو قَيْسٍ وَتَيْمُ اللَّاتِ أَبْنَاءُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَمَعَهُمْ بَنُو ذُهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَعِجْلُ بْنُ لُجَيْمٍ وَعَنَزَةُ بْنُ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بِالنِّبَاجِ وَثَيْتَلٍ، وَبَيْنَهُمَا رَوْحَةٌ، فَأَغَارَ قَيْسٌ عَلَى النِّبَاجِ، وَمَضَى سَلَامَةُ إِلَى ثَيْتَلٍ لِيُغِيرَ عَلَى مَنْ بِهَا. فَلَمَّا بَلَغَ قَيْسٌ إِلَى النِّبَاجِ سَقَى خَيْلَهُ ثُمَّ أَرَاقَ مَا مَعَهُمْ مِنَ الْمَاءِ وَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: قَاتِلُوا فَالْمَوْتُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَالْفَلَاةُ مِنْ وَرَائِكُمْ، فَأَغَارَ عَلَى مَنْ بِهِ مِنْ بَكْرٍ صُبْحًا، فَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَتْ بَكْرٌ وَأُصِيبَ مِنْ غَنَائِمِهِمْ مَا لَا يُحَدُّ كَثْرَةً. فَلَمَّا فَرَغَ قَيْسٌ مِنَ النَّهْبِ عَادَ مُسْرِعًا إِلَى سَلَامَةَ وَمَنْ مَعَهُ نَحْوَ ثَيْتَلٍ فَأَدْرَكَهُمْ، وَلَمْ يَغْزُ سَلَامَةُ عَلَى مَنْ بِهِ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ قَيْسٌ أَيْضًا، فَقَاتَلُوهُ وَانْهَزَمُوا، وَأَصَابَ مِنَ الْغَنَائِمِ نَحْوَ مَا أَصَابَ بِالنِّبَاجِ، وَجَاءَ سَلَامَةُ فَقَالَ: أَغَرْتُمْ عَلَى مَنْ كَانَ لِي، فَتَنَازَعُوا حَتَّى كَادَ الشَّرُّ يَقَعُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى تَسْلِيمِ الْغَنَائِمِ إِلَيْهِ، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ رَبِيعَةُ بْنُ طَرِيفٍ: فَلَا يُبْعِدَنْكَ اللَّهُ قَيْسُ بْنَ عَاصِمٍ ... فَأَنْتَ لَنَا غِزٌّ عَزِيزٌ وَمَعْقِلُ وَأَنْتَ الَّذِي حَرَّبْتَ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ ... وَقَدْ عُضِّلَتْ مِنْهَا النِّبَاجُ وَثَيْتَلُ
يوم فلج
وَقَالَ قُرَّةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: أَنَا ابْنُ الَّذِي شَقَّ الْمَزَادَ وَقَدْ ... رَأَى بِثَيْتَلَ أَحْيَاءَ اللَّهَازِمِ حُضَّرَا فَصَبَّحَهُمْ بِالْجَيْشِ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ ... فَلَمْ يَجِدُوا إِلَّا الْأَسِنَّةَ مَصْدَرَا سَقَاهُمْ بِهَا الذِّيفَانَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ ... وَكَانَ إِذَا مَا أَوْرَدَ الْأَمْرَ أَصْدَرَا عَلَى الْجُرْدِ يَعْلُكْنَ الشَّكِيمَ عَوَابِسًا ... إِذَا الْمَاءُ مِنْ أَعْطَافِهِنَّ تَحَدَّرَا فَلَمْ يَرَهَا الرَّاؤُونَ إِلَّا فُجَاءَةً ... يُثِرْنَ عَجَاجًا كَالدَّوَاخِنِ أَكْدَرَا وَحُمْرَانُ أَدَّتْهُ إِلَيْنَا رِمَاحُنَا ... فَنَازَعَ غُلًّا فِي ذِرَاعَيْهِ أَسَمْرَا (ثَيْتَلُ: بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالْيَاءِ الْمُسَكَّنَةِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا، وَالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقِهَا) . [يَوْمُ فَلْجٍ] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هَذَا يَوْمٌ لِبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ. وَسَبَبُهُ أَنَّ جَمْعًا مِنْ بَكْرٍ سَارُوا إِلَى الصِّعَابِ فَشَتُّوا بِهَا، فَلَمَّا انْقَضَى الرَّبِيعُ انْصَرَفُوا فَمَرُّوا بِالدَّوِّ فَلَقُوا نَاسًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مِنْ بَنِي عَمْرٍو وَحَنْظَلَةَ، فَأَغَارُوا عَلَى نَعَمٍ كَثِيرٍ لَهُمْ وَمَضَوْا، وَأَتَى بَنِي عَمْرٍو وَحَنْظَلَةَ الصَّرِيخُ، فَاسْتَجَاشُوا لِقَوْمِهِمْ فَأَقْبَلُوا فِي آثَارِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَسَارُوا يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ حَتَّى جَهَدَهُمُ السَّيْرُ وَانْحَدَرُوا فِي بَطْنِ
فَلْجٍ، وَكَانُوا قَدْ خَلَّفُوا رَجُلَيْنِ عَلَى فَرَسَيْنِ سَابِقَيْنِ رَبِيئَةً لِيُخْبِرَاهُمْ بِخَبَرِهِمْ إِنْ سَارُوا إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا وَصَلَتْ تَمِيمٌ إِلَى الرَّجُلَيْنِ أَجْرَيَا فَرَسَيْهِمَا وَسَارَا مُجِدَّيْنِ فَأَنْذَرَا قَوْمَهُمَا، فَأَتَاهُمُ الصَّرِيخُ بِمَسِيرِ تَمِيمٍ عِنْدَ وُصُولِهِمْ إِلَى فَلْجٍ، فَضَرَبَ حَنْظَلَةُ بْنُ يَسَارٍ الْعِجْلِيُّ قُبَّتَهُ، وَنَزَلَ فَنَزَلَ النَّاسُ مَعَهُ وَتَهَيَّأُوا لِلْقِتَالِ مَعَهُ، وَلَحِقَتْ بَنُو تَمِيمٍ فَقَاتَلَتْهُمْ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ قِتَالًا شَدِيدًا، وَحَمَلَ عَرْفَجَةُ بْنُ بَحِيرٍ الْعِجْلِيُّ عَلَى خَالِدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَلَمَةَ التَّمِيمِيِّ فَطَعَنَهُ وَأَخَذَهُ أَسِيرًا، وَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ رِبْعِيُّ بْنُ مَالِكِ بْنِ سَلَمَةَ، فَانْهَزَمَتْ تَمِيمٌ وَبَلَغَتْ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ مِنْهَا مَا أَرَادَتْ، ثُمَّ إِنَّ عَرْفَجَةَ أَطْلَقَ خَالِدَ بْنَ مَالِكٍ وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ، فَقَالَ خَالِدٌ: وَجَدْنَا الرِّفْدَ رِفْدَ بَنِي لُجَيْمٍ ... إِذَا مَا قَلَّتِ الْأَرْفَادُ زَادَا هُمُ ضَرَبُوا الْقِبَابَ بِبَطْنِ فَلْجٍ ... وَذَادُوا عَنْ مَحَارِمِهِمْ ذِيَادَا وَهُمْ مَنُّوا عَلَيَّ وَأَطْلَقُونِي ... وَقَدْ طَاوَعْتُ فِي الْجَنْبِ الْقِيَادَا أَلَيْسُوا خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ... وَأَعْظَمَهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا رَمَادَا أَلَيْسَ هُمُ عِمَادُ الْحَيِّ بَكْرًا ... إِذَا نَزَلَتْ مُجَلَّلَةً شِدَادَا وَقَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ يُعَيِّرُ خَالِدًا: لَوْ كُنْتَ حُرًّا يَا ابْنَ سُلْمَى بْنِ جَنْدَلٍ ... نَهَضْتَ وَلَمْ تَقْصِدْ لِسُلْمَى بْنِ جَنْدَلِ فَمَا بَالُ أَصْدَاءٍ بِفَلْجٍ غَرِيبَةٍ ... تُنَادِي مَعَ الْأَطْلَالِ: يَا لِابْنِ حَنْظَلِ صَوَادِيَ لَا مَوْلًى عَزِيزٌ يُجِيبُهَا ... وَلَا أُسْرَةٌ تَسْقِي صَدَاهَا بِمَنْهَلِ وَغَادَرْتَ رِبْعِيًّا بِفَلْجٍ مُلَحَّبًا ... وَأَقْبَلْتَ فِي أُولَى الرَّعِيلِ الْمُعَجَّلِ تُوَائِلُ مِنْ خَوْفِ الرَّدَى لَا وُقِيتَهُ ... كَمَا نَالَتِ الْكَدْرَاءُ مِنْ حَيْنِ أَجْدَلِ يُعَيِّرُهُ حَيْثُ لَمْ يَأْخُذْ بِثَأْرِ أَخِيهِ رِبْعِيٍّ وَمَنْ قُتِلَ مَعَهُ يَوْمَ فَلْجٍ، وَيَقُولُ: إِنَّ أَصْدَاءَهُمْ تُنَادِي وَلَا يَسْقِيهَا أَحَدٌ، عَلَى مَذْهَبِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَوْلَا التَّطْوِيلُ لَشَرَحْنَاهُ أَبْيَنَ مِنْ هَذَا.
يوم الشيطين
[يَوْمُ الشَّيِّطَيْنِ] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَانَ الشَّيْطَانُ لِبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَلَمَّا ظَهَرَ الْإِسْلَامُ فِي نَجْدٍ سَارَتْ بَكْرٌ قِبَلَ السَّوَادِ، وَبَقِيَ مُقَايِسُ بْنُ عَمْرٍو الْعَائِذِيُّ بْنُ عَائِذَةَ مِنْ قُرَيْشٍ حَلِيفُ بَنِي شَيْبَانَ بِالشَّيِّطَيْنِ. فَلَمَّا أَقَامَتْ بَكْرٌ فِي السَّوَادِ لَحِقَهُمُ الْوَبَاءُ وَالطَّاعُونُ الَّذِي كَانَ أَيَّامَ كِسْرَى شِيرَوَيْهِ، فَعَادُوا هَارِبِينَ فَنَزَلُوا لَعْلَعَ، وَهِيَ مُجْدِبَةٌ، وَقَدْ أَخْصَبَ الشَّيِّطَانُ، فَسَارَتْ تَمِيمٌ فَنَزَلُوا بِهَا. وَبَلَغَتْ أَخْبَارُ الشَّيِّطَيْنِ إِلَى بَكْرٍ فَاجْتَمَعُوا وَقَالُوا: نُغِيرُ عَلَى تَمِيمٍ، فَإِنَّ فِي دِينِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَعْنُونَ النَّبِيَّ، أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا قُتِلَ بِهَا، فَنُغِيرُ هَذِهِ الْغَارَةَ ثُمَّ نُسْلِمُ عَلَيْهَا، فَارْتَحَلُوا مِنْ لَعْلَعَ بِالذَّرَارِيِّ وَالْأَمْوَالِ وَرَئِيسُهُمْ بِشْرُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ، فَأَتَوُا الشَّيِّطَيْنِ فِي أَرْبَعِ لَيَالٍ، وَالَّذِي بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَمَانِي لَيَالٍ، فَسَبَقُوا كُلَّ خَبَرٍ حَتَّى صَبَّحُوهُمْ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا وَصَبَرَتْ تَمِيمٌ ثُمَّ انْهَزَمَتْ، فَقَالَ رَشِيدُ بْنُ رُمَيْضٍ الْعَنْبَرِيُّ يَفْخَرُ بِذَلِكَ: وَمَا كَانَ بَيْنَ الشَّيِّطَيْنِ ... وَلَعْلَعٍ لِنِسْوَتِنَا إِلَّا مَنَاقِلُ أَرْبَعُ فَجِئْنَا بِجَمْعٍ لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ ... يَكَادُ لَهُ ظَهْرُ الْوَرِيعَةِ يَظْلَعُ بِأَرْعَنَ دَهْمٍ تَنْسِلُ الْبُلْقُ وَسْطَهُ ... لَهُ عَارِضٌ فِيهِ الْمَنِيَّةُ تَلْمَعُ
أيام الأنصار وهم الأوس والخزرج التي جرت بينهم
صَبَحْنَا بِهِ سَعْدًا وَعَمْرًا وَمَالِكًا فَظَلَّ لَهُمْ يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ أَشْنَعُ ... وَذَا حَسَبٍ مِنْ آلِ ضَبَّةَ غَادَرُوا بِجَرْيٍ كَمَا يَجْرِي الْفَصِيلُ الْمُفَزَّعُ ... تَقَصَّعُ يَرْبُوعٌ بِسُرَّةِ أَرْضِنَا وَلَيْسَ لِيَرْبُوعٍ بِهَا مُتَقَصَّعُ ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ. (الشَّيِّطَانُ: بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا، وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، آخِرُهُ نُونٌ) . [أَيَّامُ الْأَنْصَارِ وَهُمُ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُمْ] الْأَنْصَارُ لَقَبُ قَبِيلَتَيِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ابْنَيْ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْعَنْقَاءِ بْنِ عَمْرٍو مُزَيْقَاءَ بْنِ عَامِرِ مَاءِ السَّمَاءِ بْنِ حَارِثَةَ الْغِطْرِيفِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ الْبَطْرِيقِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْأَزْدِ بْنِ الْغَوْثِ بْنِ نَبَتَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ، لَقَّبَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَمَنَعُوهُ وَنَصَرُوهُ. وَأُمُّ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ قَيْلَةُ بِنْتُ كَاهِلِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ سَعْدٍ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهُمْ أَبْنَاءُ قَيْلَةَ. وَإِنَّمَا لُقِّبَ ثَعْلَبَةُ الْعَنْقَاءَ لِطُولِ عُنُقِهِ، وَلُقِّبَ عَمْرٌو مُزَيْقِيَاءَ لِأَنَّهُ كَانَ يُمَزِّقُ عَنْهُ كُلَّ يَوْمٍ حُلَّةً لِئَلَّا يَلْبَسَهَا أَحَدٌ بَعْدَهُ، وَلُقِّبَ عَامِرٌ مَاءَ السَّمَاءِ لِسَمَاحَتِهِ وَبَذْلِهِ كَأَنَّهُ نَابَ مَنَابَ الْمَطَرِ، وَقِيلَ لِشَرَفِهِ، وَلُقِّبَ امْرُؤُ الْقَيْسِ الْبَطْرِيقَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنِ اسْتَعَانَ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَرَبِ بَعْدَ بَلْقِيسَ، فَبَطْرَقَهُ رُحْبُعَمُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقِيلَ لَهُ الْبَطْرِيقُ. وَكَانَتْ مَسَاكِنُ الْأَزْدِ بِمَأْرِبٍ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى أَنْ أَخْبَرَ الْكُهَّانُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ مُزَيْقِيَاءَ
ذكر غلبة الأنصار على المدينة وضعف أمر اليهود بها وقتل الفطيون
أَنَّ سَيْلَ الْعَرِمِ يُخَرِّبُ بِلَادَهُمْ، وَيُغْرِقُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا عُقُوبَةً لَهُمْ بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ عَمْرٌو بَاعَ مَا لَهُ مِنْ مَالٍ وَعَقَارٍ، وَسَارَ عَنْ مَأْرِبٍ هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ فَسَكَنَ كُلُّ بَطْنٍ نَاحِيَةً اخْتَارُوهَا، فَسَكَنَتْ خُزَاعَةُ الْحِجَازَ، وَسَكَنَتْ غَسَّانُ الشَّامَ. وَلَمَّا سَارَ ثَعْلَبَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ فِيمَنْ مَعَهُ اجْتَازُوا بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ تُسَمَّى يَثْرِبَ، فَتَخَلَّفَ بِهَا الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ ابْنَا حَارِثَةَ فِيمَنْ مَعَهُمَا، وَكَانَ فِيهَا قُرًى وَأَسْوَاقٌ وَبِهَا قَبَائِلُ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ، مِنْهُمْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ وَبَنُو قَيْنُقَاعَ وَبَنُو مَاسِلَةَ وَزَعْوَرَا وَغَيْرُهُمْ، وَقَدْ بَنَوْا لَهُمْ حُصُونًا يَجْتَمِعُونَ بِهَا إِذَا خَافُوا. فَنَزَلَ عَلَيْهِمُ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ فَابْتَنَوُا الْمَسَاكِنَ وَالْحُصُونَ، إِلَّا أَنَّ الْغَلَبَةَ وَالْحُكْمَ لِلْيَهُودِ إِلَى أَنْ كَانَ مِنَ الْفِطْيَوْنِ وَمَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَعَادَتِ الْغَلَبَةُ لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَلَمْ يَزَالُوا عَلَى حَالِ اتِّفَاقٍ وَاجْتِمَاعٍ إِلَى أَنْ حَدَثَ بَيْنَهُمْ حَرْبُ سُمَيْرٍ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [ذِكْرُ غَلَبَةِ الْأَنْصَارِ عَلَى الْمَدِينَةِ وَضَعْفِ أَمْرِ الْيَهُودِ بِهَا وَقَتْلِ الْفِطْيَوْنِ] قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ كَانَ لِلْيَهُودِ عَلَى الْمَدِينَةِ لَمَّا نَزَلَهَا الْأَنْصَارُ، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مُلِّكَ عَلَيْهِمُ الْفِطْيَوْنُ الْيَهُودِيُّ، وَهُوَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ، وَكَانَ رَجُلَ سُوءٍ فَاجِرًا، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَدِينُ لَهُ بِأَنْ لَا تَزَوَّجَ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ إِلَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ زَوْجِهَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ أَيْضًا. ثُمَّ إِنَّ أُخْتًا لِمَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ السَّالِمِيِّ الْخَزْرَجِيِّ تَزَوَّجَتْ، فَلَمَّا كَانَ زِفَافُهَا خَرَجَتْ عَنْ مَجْلِسِ قَوْمِهَا وَفِيهِ أَخُوهَا مَالِكٌ وَقَدْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا. فَقَالَ لَهَا مَالِكٌ لَقَدْ جِئْتِ بِسُوءٍ. قَالَتْ: الَّذِي يُرَادُ بِي
اللَّيْلَةَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا، أَدْخُلُ عَلَى غَيْرِ زَوْجِي! ثُمَّ عَادَتْ فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَخُوهَا فَقَالَ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ مِنْ خَبَرٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَمَا عِنْدَكَ؟ قَالَ: أَدْخُلُ مَعَ النِّسَاءِ فَإِذَا خَرَجْنَ وَدَخَلَ عَلَيْكِ قَتَلْتُهُ. قَالَتِ: افْعَلْ. فَلَمَّا ذَهَبَ بِهَا النِّسَاءُ إِلَى الْفِطْيَوْنِ انْطَلَقَ مَالِكٌ مَعَهُنَّ فِي زِيِّ امْرَأَةٍ وَمَعَهُ سَيْفُهُ، فَلَمَّا خَرَجَ النِّسَاءُ مِنْ عِنْدِهَا وَدَخَلَ عَلَيْهَا الْفِطْيَوْنُ قَتَلَهُ مَالِكٌ وَخَرَجَ هَارِبًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ أَبْيَاتٍ: هَلْ كَانَ لِلْفِطْيَوْنِ عُقْرُ نِسَائِكُمْ ... حُكْمَ النَّصِيبِ فَبِئْسَ حُكْمُ الْحَاكِمِ حَتَّى حَبَاهُ مَالِكٌ بِمُرِشَّةٍ ... حَمْرَاءَ تَضْحَكُ عَنْ نَجِيعٍ قَاتِمِ ثُمَّ خَرَجَ مَالِكُ بْنُ الْعَجْلَانِ هَارِبًا حَتَّى دَخَلَ الشَّامَ، فَدَخَلَ عَلَى مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ يُقَالُ لَهُ أَبُو جُبَيْلَةَ، وَاسْمُهُ عُبَيْدُ بْنُ سَالِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمٍ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي غَضْبِ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ قَدْ مَلَكَهُمْ وَشَرُفَ فِيهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا وَإِنَّمَا كَانَ عَظِيمًا عِنْدَ مَلِكِ غَسَّانَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ مُلُوكَ غَسَّانَ لَمْ يُعْرَفْ فِيهِمْ هَذَا، وَهُوَ أَيْضًا مِنَ الْخَزْرَجِ عَلَى مَا ذُكِرَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ مَالِكٌ شَكَا إِلَيْهِ مَا كَانَ مِنَ الْفِطْيَوْنِ، وَأَخْبَرَهُ بِقَتْلِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّجُوعِ، فَعَاهَدَ اللَّهَ أَبُو جُبَيْلَةَ أَلَّا يَمَسَّ طِيبًا وَلَا يَأْتِيَ النِّسَاءَ حَتَّى يُذِلَّ الْيَهُودَ، وَيَكُونَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَعَزَّ أَهْلِهَا. ثُمَّ سَارَ مِنَ الشَّامِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْيَمَنَ، حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ بِذِي حُرُضٍ، وَأَعْلَمَ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى وُجُوهِ الْيَهُودِ يَسْتَدْعِيهِمْ إِلَيْهِ، وَأَظْهَرَ لَهُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ الْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ، فَأَتَاهُ أَشْرَافُهُمْ فِي حَشَمِهِمْ وَخَاصَّتِهِمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا بِبَابِهِ أَمَرَ بِهِمْ فَأُدْخِلُوا رَجُلًا رَجُلًا وَقَتَلَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ صَارَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَعَزَّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَشَارَكُوا الْيَهُودَ فِي النَّخْلِ وَالدُّورِ، وَمَدَحَ الرَّمْقُ بْنُ زَيْدٍ الْخَزْرَجِيُّ أَبَا جُبَيْلَةَ بِقَصِيدَةٍ، مِنْهَا: وَأَبُو جُبَيْلَةَ خَيْرُ مَنْ ... يَمْشِي وَأَوْفَاهُمْ يَمِينَا
حرب سمير
وَأَبَرُّهُمْ بِرًّا وَأَعْ مَلُهُمْ بِهَدْيِ الصَّالِحِينَا ... أَبْقَتْ لَنَا الْأَيَّامُ وَالْ حَرْبُ الْمَهَمَّةُ تَعْتَرِينَا ... كَبْشًا لَهُ قَرْنٌ يَعَ ضُّ حُسَامُهُ الذَّكَرَ السَّنِينَا فَقَالَ أَبُو جُبَيْلَةَ: عَسَلٌ طَيِّبٌ فِي وِعَاءِ سُوءٍ، وَكَانَ الرَّمْقُ رَجُلًا ضَئِيلًا، فَقَالَ الرَّمْقُ: إِنَّمَا الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ. وَرَجَعَ أَبُو جُبَيْلَةَ إِلَى الشَّامِ. (حُرُضٌ: بِضَمِّ الْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَآخِرُهُ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ) . [حَرْبُ سُمَيْرٍ] وَلَمْ يَزَلِ الْأَنْصَارُ عَلَى حَالِ اتِّفَاقٍ وَاجْتِمَاعٍ، وَكَانَ أَوَّلُ اخْتِلَافٍ وَقَعَ بَيْنَهُمْ وَحَرْبٌ كَانَتْ لَهُمْ حَرْبَ سُمَيْرٍ. وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِنْ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ يُقَالُ لَهُ كَعْبُ بْنُ الْعَجْلَانِ نَزَلَ عَلَى مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ السَّالِمِيِّ فَحَالَفَهُ وَأَقَامَ مَعَهُ. فَخَرَجَ كَعْبٌ يَوْمًا إِلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَرَأَى رَجُلًا مِنْ غَطَفَانَ مَعَهُ فَرَسٌ وَهُوَ يَقُولُ: لِيَأْخُذْ هَذَا الْفَرَسَ أَعَزُّ أَهْلِ يَثْرِبَ. فَقَالَ رَجُلٌ: فُلَانٌ. وَقَالَ رَجُلٌ آخَرُ: أُحَيْحَةُ بْنُ الْجُلَاحِ الْأَوْسِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْيَهُودِيُّ أَفْضَلُ أَهْلِهَا. فَدَفَعَ الْغَطَفَانِيُّ الْفَرَسَ إِلَى مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ. فَقَالَ كَعْبٌ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنَّ حَلِيفِي مَالِكًا أَفْضَلُكُمْ؟ فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْأَوْسِ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يُقَالُ لَهُ سُمَيْرٌ وَشَتَمَهُ وَافْتَرَقَا، وَبَقِيَ كَعْبٌ مَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ قَصَدَ سُوقًا لَهُمْ بِقُبَا فَقَصَدَهُ سُمَيْرٌ وَلَازَمَهُ حَتَّى خَلَا السُّوقُ فَقَتَلَهُ. وَأُخْبِرَ مَالِكُ بْنُ الْعَجْلَانِ بِقَتْلِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَطْلُبُ قَاتِلَهُ، فَأَرْسَلُوا: إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ قَتَلَهُ. وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ، هُوَ يَطْلُبُ سُمَيْرًا وَهُمْ يُنْكِرُونَ قَتْلَهُ، ثُمَّ عَرَضُوا عَلَيْهِ الدِّيَةَ فَقَبِلَهَا. وَكَانَتْ دِيَةُ الْحَلِيفِ فِيهِمْ نِصْفَ دِيَةِ النَّسِيبِ مِنْهُمْ. فَأَبَى مَالِكٌ إِلَّا أَخَذَ دِيَةً كَامِلَةً، وَامْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَقَالُوا: نُعْطِي دِيَةَ الْحَلِيفِ، وَهِيَ النِّصْفُ. وَلَجَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ حَتَّى آلَ إِلَى الْمُحَارَبَةِ، فَاجْتَمَعُوا وَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَافْتَرَقُوا. وَدَخَلَ فِيهَا سَائِرُ بُطُونِ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ الْتَقَوْا مَرَّةً أُخْرَى وَاقْتَتَلُوا حَتَّى حَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، وَكَانَ الظَّفَرُ يَوْمَئِذٍ لِلْأَوْسِ.
ذكر حرب كعب بن عمرو المازني
فَلَمَّا افْتَرَقُوا أَرْسَلَتِ الْأَوْسُ إِلَى مَالِكٍ يَدْعُونَهُ إِلَى أَنْ يُحَكِّمَ بَيْنَهُمُ الْمُنْذِرَ بْنَ حَرَامٍ النَّجَّارِيَّ الْخَزْرَجِيَّ جَدَّ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ. فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَأَتَوُا الْمُنْذِرَ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمُ الْمُنْذِرُ بِأَنْ يَدُوا كَعْبًا حَلِيفَ مَالِكٍ دِيَةَ الصَّرِيحِ ثُمَّ يَعُودُوا إِلَى سُنَّتِهِمُ الْقَدِيمَةِ، فَرَضُوا بِذَلِكَ وَحَمَلُوا الدِّيَةَ وَافْتَرَقُوا، وَقَدْ شَبَّتِ الْبَغْضَاءُ فِي نُفُوسِهِمْ وَتَمَكَّنَتِ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهُمْ. [ذِكْرُ حَرْبِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْمَازِنِيِّ] ثُمَّ إِنَّ بَنِي جَحْجَبَا مِنَ الْأَوْسِ وَبَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ مِنَ الْخَزْرَجِ وَقَعَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ، كَانَ سَبَبُهَا أَنَّ كَعْبَ بْنَ عَمْرٍو الْمَازِنِيَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَالِمٍ فَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهَا. فَأَمَرَ أُحَيْحَةُ بْنُ الْجُلَاحِ سَيِّدُ بَنِي جَحْجَبَا جَمَاعَةً، فَرَصَدُوهُ حَتَّى ظَفِرُوا بِهِ فَقَتَلُوهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَخَاهُ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو، فَأَمَرَ قَوْمَهُ فَاسْتَعَدُّوا لِلْقِتَالِ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي جَحْجَبَا يُؤْذِنُهُمْ بِالْحَرْبِ. فَالْتَقَوْا بِالرَّحَابَةِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتْ بَنُو جَحْجَبَا وَمَنْ مَعَهُمْ، وَانْهَزَمَ مَعَهُمْ أُحَيْحَةُ، فَطَلَبَهُ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو فَأَدْرَكَهُ وَقَدْ دَخَلَ حِصْنَهُ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ فِي بَابِ الْحِصْنِ، فَقَتَلَ عَاصِمٌ أَخًا لِأُحَيْحَةَ. فَمَكَثُوا بَعْدَ ذَلِكَ لَيَالِيَ، فَبَلَغَ أُحَيْحَةَ أَنَّ عَاصِمًا يَتَطَلَّبُهُ لِيَجِدَ لَهُ غِرَّةً فَيَقْتُلَهُ، فَقَالَ أُحَيْحَةُ: نُبِّئْتُ أَنَّكَ جِئْتَ تَسْ ... رِي بَيْنَ دَارِيَ وَالْقُبَابَهْ فَلَقَدْ وَجَدْتُ بِجَانِبِ ال ... ضَّحْيَانِ شُبَّانًا مُهَابَهْ فِتْيَانُ حَرْبٍ فِي الْحَدِي ... دِ وَشَامِرِينَ كَأُسْدِ غَابَهْ هُمْ نَكَّبُوكَ عَنِ الطَّرِي ... قِ فَبِتَّ تَرْكَبُ كُلَّ لَابَهْ أَعُصَيْمُ لَا تَجْزَعْ فَإِ ... نَّ الْحَرْبَ لَيْسَتْ بِالدُّعَابَهْ فَأَنَا الَّذِي صَبَّحْتُكُمْ ... بِالْقَوْمِ إِذْ دَخَلُوا الرَّحَابَهْ وَقَتَلْتُ كَعْبًا قَبْلَهَا ... وَعَلَوْتُ بِالسَّيْفِ الذُّؤَابَهْ فَأَجَابَهُ عَاصِمٌ: أَبْلِغْ أُحَيْحَةَ إِنْ عَرَضْ ... تَ بِدَارِهِ عَنِّي جَوَابَهْ
وَأَنَا الَّذِي أَعْجَلْتُهُ ... عَنْ مَقْعَدٍ أَلْهَى كِلَابَهْ وَرَمَيْتُهُ سَهْمًا فَأَخْ ... طَأَهُ وَأَغْلَقَ ثَمَّ بَابَهْ فِي أَبْيَاتٍ. ثُمَّ إِنَّ أُحَيْحَةَ أَجْمَعَ أَنْ يُبَيِّتَ بَنِي النَّجَّارِ وَعِنْدَهُ سَلْمَى بِنْتُ عَمْرِو بْنِ زَيْدٍ النَّجَّارِيَةُ، وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا رَضِيَتْ، فَلَمَّا جَنَّهَا اللَّيْلُ وَقَدْ سَهِرَ مَعَهَا أُحَيْحَةُ فَنَامَ، فَلَمَّا نَامَ سَارَتْ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ فَأَعْلَمَتْهُمْ، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَحَذِرُوا، وَغَدَا أُحَيْحَةُ بِقَوْمِهِ مَعَ الْفَجْرِ، فَلَقِيَهُمْ بَنُو النَّجَّارِ فِي السِّلَاحِ فَكَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ مِنْ قِتَالٍ، وَانْحَازَ أُحَيْحَةُ، وَبَلَغَهُ أَنَّ سَلْمَى أَخْبَرَتْهُمْ فَضَرَبَهَا حَتَّى كَسَرَ يَدَهَا وَأَطْلَقَهَا وَقَالَ أَبْيَاتًا، مِنْهَا: لَعَمْرُ أَبِيكِ مَا يُغْنِي مَكَانِي ... مِنَ الْحُلَفَاءِ آكِلَةٌ غَفُولُ تُؤَوَّمُ لَا تُقَلَّصُ مُشْمَعِلًّا ... مَعَ الْفِتْيَانِ مَضْجَعُهُ ثَقِيلُ تَنَزَّعُ لِلْجَلِيلَةِ حَيْثُ كَانَتْ ... كَمَا يَعْتَادُ لِقْحَتَهُ الْفَصِيلُ وَقَدْ أَعْدَدْتُ لَلْحَدَثَانِ حِصْنًا ... لَوَ أَنَّ الْمَرْءَ يَنْفَعُهُ الْعُقُولُ جَلَاهُ الْقَيْنُ ثُمَّتَ لَمْ تَخُنْهُ ... مَضَارِبُهُ وَلَاطَتْهُ فُلُولُ فَهَلْ مِنْ كَاهِنٍ آوَى إِلَيْهِ ... إِذَا مَا حَانَ مِنْ آلٍ نُزُولُ يُرَاهِنُنِي وَيَرْهَنُنِي بَنِيهِ ... وَأَرْهَنُهُ بَنِيَّ بِمَا أَقُولُ فَمَا يَدْرِي الْفَقِيرُ مَتَى غِنَاهُ ... وَمَا يَدْرِي الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ وَمَا تَدْرِي وَإِنْ أَجْمَعْتَ أَمْرًا ... بِأَيِّ الْأَرْضِ يُدْرِكُكَ الْمَقِيلُ وَمَا تَدْرِي وَإِنْ أَنْتَجْتَ سَقْبًا ... لِغَيْرِكَ أَمْ يَكُونُ لَكَ الْفَصِيلُ وَمَا إِنْ إِخْوَةٌ كَبِرُوا وَطَابُوا ... لَبَاقِيَةٌ، وَأُمُّهُمُ هَبُولُ سَتَثْكَلُ أَوْ يُفَارِقُهَا بَنُوهَا ... بِمَوْتٍ أَوْ يَجِيءُ لَهُمْ قَتُولُ
ذكر الحرب بين بني عمرو بن عوف وبني الحارث وهو يوم السرارة
[ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَبَنِي الْحَارِثِ وَهُوَ يَوْمُ السَّرَارَةِ] ثُمَّ إِنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مِنَ الْأَوْسِ وَبَنِي الْحَارِثِ مِنَ الْخَزْرَجِ كَانَ بَيْنَهُمَا حَرْبٌ شَدِيدَةٌ. وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَمْرٍو قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ، فَغَدَا بَنُو عَمْرٍو عَلَى الْقَاتِلِ فَقَتَلُوهُ غِيلَةً، فَاسْتَكْشَفَ أَهْلُهُ فَعَلِمُوا كَيْفَ قُتِلَ، فَتَهَيَّأُوا لِلْقِتَالِ وَأَرْسَلُوا إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يُؤْذِنُونَهُمْ بِالْحَرْبِ، فَالْتَقَوْا بِالسَّرَارَةِ، وَعَلَى الْأَوْسِ حُضَيْرُ بْنُ سِمَاكٍ وَالِدُ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَعَلَى الْخَزْرَجِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلُولٍ أَبُو الْحُبَابِ الَّذِي كَانَ رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ. فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا صَبَرَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ انْصَرَفَتِ الْأَوْسُ إِلَى دُورِهَا فَفَخَرَتِ الْخَزْرَجُ بِذَلِكَ. وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ: فِدًى لِبَنِي النَّجَّارِ أُمِّي وَخَالَتِي ... غَدَاةَ لَقُوهُمْ بِالْمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ وَصِرْمٍ مِنَ الْأَحْيَاءِ عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ ... إِذَا مَا دَعَوْا كَانَتْ لَهُمْ دَعْوَةُ النَّصْرِ فَوَاللَّهِ لَا أَنْسَى حَيَاتِي بَلَاءَهُمْ ... غَدَاةَ رَمَوْا عَمْرًا بِقَاصِمَةِ الظَّهْرِ وَقَالَ حَسَّانُ أَيْضًا: لَعَمْرُ أَبِيكَ الْخَيْرُ بِالْحَقِّ مَا نَبَا ... عَلَيَّ لِسَانِي فِي الْخُطُوبِ وَلَا يَدِي لِسَانِي وَسَيْفِي صَارِمَانِ كِلَاهُمَا ... وَيَبْلُغُ مَا لَا يَبْلُغُ السَّيْفُ مِذْوَدِي فَلَا الْجُهْدُ يُنْسِينِي حَيَائِي وَعِفَّتِي ... وَلَا وَقَعَاتِ الدَّهْرِ يَفْلُلْنَ مِبْرَدِي أُكَثِّرُ أَهْلِي مِنْ عِيَالٍ سِوَاهُمُ ... وَأَطْوِي عَلَى الْمَاءِ الْقَرَاحِ الْمُبَرَّدِ وَمِنْهَا: وَإِنِّي لَمِنْجَاءُ الْمَطِيِّ عَلَى الْوَجَى ... وَإِنِّي لَنَزَّالٌ لِمَا لَمْ أُعَوَّدِ وَإِنِّي لَقَوَّالٌ لِذِي اللَّوْثِ مَرْحَبًا ... وَأَهْلًا إِذَا مَا رِيعَ مِنْ كُلِّ مَرْصَدِ
وَإِنِّي لَيَدْعُونِي النَّدَى فَأُجِيبُهُ ... وَأَضْرِبُ بَيْضَ الْعَارِضِ الْمُتَوَقِّدِ فَلَا تَعْجَلَنْ يَا قَيْسُ وَارْبِعْ فَإِنَّمَا ... قُصَارَاكَ أَنْ تُلْقَى بِكُلِّ مُهَنَّدِ حُسَامٌ وَأَرْمَاحٌ بِأَيْدِي أَعِزَّةٍ ... مَتَى تَرَهُمْ يَا ابْنَ الْخَطِيمِ تَلَبَّدِ أُسُودٌ لَدَى الْأَشْبَالِ يَحْمِي عَرِينُهَا ... مَدَاعِيسُ بِالْخَطِّيِّ فِي كُلِّ مَشْهَدِ وَهِيَ أَبْيَاتٌ كَثِيرَةٌ. فَأَجَابَهُ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ: تَرُوحُ عَنِ الْحَسْنَاءِ أَمْ أَنْتَ مُغْتَدِي ... وَكَيْفَ انْطِلَاقُ عَاشِقٍ لَمْ يُزَوَّدِ تَرَاءَتْ لَنَا يَوْمَ الرَّحِيلِ بِمُقْلَتَيْ ... شَرِيدٍ بِمُلْتَفٍّ مِنَ السِّدْرِ مُفْرَدِ وَجِيدٍ كَجِيدِ الرِّيمِ حَالٍ يُزِينُهُ ... عَلَى النَّحْرِ يَاقُوتٌ وَفَصُّ زَبَرْجَدِ كَأَنَّ الثُّرَيَّا فَوْقَ ثُغْرَةِ نَحْرِهَا ... تَوَقَّدُ فِي الظَّلْمَاءِ أَيَّ تَوَقُّدِ أَلَا إِنَّ بَيْنَ الشَّرْعَبِيِّ وَرَاتِجٍ ... ضِرَابًا كَتَجْذِيمِ السَّيَالِ الْمُصَعِّدِ لَنَا حَائِطَانِ الْمَوْتُ أَسْفَلُ مِنْهُمَا ... وَجَمْعٌ مَتَى تَصْرُخْ بِيَثْرِبَ يَصْعَدِ تَرَى اللَّابَةَ السَّوْدَاءَ يَحْمَرُّ لَوْنُهَا ... وَيَسْهُلُ مِنْهَا كُلُّ رَبْعٍ وَفَدْفَدِ فَإِنِّي لَأَغْنَى النَّاسِ عَنْ مُتَكَلِّفٍ ... يَرَى النَّاسَ ضُلَّالًا وَلَيْسَ بِمُهْتَدِ لَسَاءَ عَمْرًا ثَوْرًا شَقِيًّا مُوَعَّظًا ... أَلَدَّ كَأَنَّ رَأْسَهُ رَأْسُ أَصْيَدِ كَثِيرِ الْمُنَى بِالزَّادِ لَا صَبْرَ عِنْدَهُ ... إِذَا جَاعَ يَوْمًا يَشْتَكِيهِ ضُحَى الْغَدِ وَذِي شِيمَةٍ عَسْرَاءَ خَالَفَ شِيمَتِي ... فَقُلْتُ لَهُ دَعْنِي وَنَفْسَكَ أَرْشَدِ فَمَا الْمَالُ وَالْأَخْلَاقُ إِلَّا مُعَارَةٌ ... فَمَا اسْطَعْتَ مِنْ مَعْرُوفِهَا فَتَزَوَّدِ مَتَّى مَا تَقُدْ بِالْبَاطِلِ الْحَقَّ يَأْبَهُ ... فَإِنْ قُدْتَ بِالْحَقِّ الرَّوَاسِيَ تَنْقَدِ إِذَا مَا أَتَيْتَ الْأَمْرَ مِنْ غَيْرِ بَابِهِ ... ضَلَلْتَ وَإِنْ تَدْخُلْ مِنَ الْبَابِ تَهْتَدِ وَهِيَ طَوِيلَةٌ.
حرب الحصين بن الأسلت
وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ نَاقِدٍ: لِمَنِ الدِّيَارُ كَأَنَّهُنَّ الْمَذْهَبُ ... بَلِيَتْ وَغَيَّرَهَا الدُّهُورَ تَقَلُّبُ يَقُولُ فِيهَا فِي ذِكْرِ الْوَقْعَةِ: لَكِنْ فِرَارُ أَبِي الْحُبَابِ بِنَفْسِهِ ... يَوْمَ السَّرَارَةِ سِيءَ مِنْهُ الْأَقْرَبُ وَلَّى وَأَلْقَى يَوْمَ ذَلِكَ دِرْعَهُ ... إِذْ قِيلَ جَاءَ الْمَوْتُ خَلْفَكَ يَطْلُبُ نَجَّاكَ مِنَّا بَعْدَمَا قَدْ أُشْرِعَتْ ... فِيكَ الرِّمَاحُ، هُنَاكَ شُدَّ الْمَذْهَبُ وَهِيَ طَوِيلَةٌ أَيْضًا. وَأَبُو الْحُبَابِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلُولٍ. [حَرْبُ الْحُصَيْنِ بْنِ الْأَسْلَتِ] ثُمَّ كَانَتْ حَرْبٌ بَيْنَ بَنِي وَائِلِ بْنِ زَيْدٍ الْأَوْسِيِّينَ وَبَيْنَ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ الْخَزْرَجِيِّينَ. وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ الْحُصَيْنَ بْنَ الْأَسْلَتِ الْأَوْسِيَّ الْوَائِلِيَّ نَازَعَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَازِنٍ، فَقَتَلَهُ الْوَائِلِيُّ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ، فَتَبِعَهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي مَازِنٍ فَقَتَلُوهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَخَاهُ أَبَا قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتَ، فَجَمَعَ قَوْمَهُ وَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي مَازِنٍ يُعْلِمُهُمْ أَنَّهُ عَلَى حَرْبِهِمْ. فَتَهَيَّأُوا لِلْقِتَالِ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ أَحَدٌ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى كَثُرَتِ الْقَتْلَى فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، وَقَتَلَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ الَّذِينَ قَتَلُوا أَخَاهُ ثُمَّ انْهَزَمَتِ الْأَوْسُ، فَلَامَ وَحْوَحُ بْنُ الْأَسْلَتِ أَخَاهُ أَبَا قَيْسٍ وَقَالَ: لَا يَزَالُ مُنْهَزِمٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، فَقَالَ أَبُو قَيْسٍ لِأَخِيهِ، وَيُكَنَّى أَبَا حُصَيْنٍ: أَبْلِغْ أَبَا حِصْنٍ وَبَعْ ... ضُ الْقَوْلِ عِنْدِي ذُو كُبَارَهْ أَنَّ ابْنَ أُمِّ الْمَرْءِ لَيْ ... سَ مِنَ الْحَدِيدِ وَلَا الْحِجَارَهْ مَاذَا عَلَيْكُمْ أَنْ يَكُو ... نَ لَكُمْ بِهَا رَحْلًا عُمَارَهْ يَحْمِي ذِمَارَكُمْ وَبَعْ ... ضُ الْقَوْمِ لَا يَحْمِي ذِمَارَهْ يَبْنِي لَكُمْ خَيْرًا وَبُنْيَا ... نُ الْكَرِيمِ لَهُ آثَارَهْ فِي أَبْيَاتٍ.
حرب ربيع الظفري
[حَرْبُ رَبِيعٍ الظَّفَرِيِّ] ثُمَّ كَانَتْ حَرْبٌ بَيْنَ بَنِي ظَفَرٍ مِنَ الْأَوْسِ وَبَيْنَ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ مِنَ الْخَزْرَجِ. وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ رَبِيعًا الظَّفَرِيَّ كَانَ يَمُرُّ فِي مَالٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ إِلَى مِلْكٍ لَهُ، فَمَنَعَهُ النَّجَّارِيُّ، فَتَنَازَعَا، فَقَتَلَهُ رَبِيعٌ، فَجَمَعَ قَوْمُهُمَا فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا كَانَ أَشَدَّ قِتَالِ بَيْنَهُمْ، فَانْهَزَمَتْ بَنُو مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَقَالَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ الْأَوْسِيُّ فِي ذَلِكَ: أَجَدَّ بِعَمْرَةَ غُنْيَانُهَا ... فَتَهْجُرَ أَمْ شَأْنُنَا شَأْنُهَا فَإِنْ تُمْسِ شَطَّتْ بِهَا دَارُهَا ... وَبَاحَ لَكَ الْيَوْمَ هِجْرَانُهَا فَمَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْقَطَا ... كَأَنَّ الْمَصَابِيحَ حَوْذَانُهَا بِأَحْسَنَ مِنْهَا وَلَا نُزْهَةَ ... وُلُوجٍ تَكَشَّفَ أَدْجَانُهَا وَعَمْرَةُ مِنْ سَرَوَاتِ النِّسَا ... يَنْفُخُ بِالْمِسْكِ أَرْدَانُهَا مِنْهَا: وَنَحْنُ الْفَوَارِسُ يَوْمَ الرَّبِي ... عِ قَدْ عَلِمُوا كَيْفَ أَبْدَانُهَا جُنُونًا لِحَرْبٍ وَرَاءَ الصَّرِي ... خِ حَتَّى تَقَصَّدَ مُرَّانُهَا تَرَاهُنَّ يَخْلِجْنَ خَلْجَ الدِّلَا ... يُبَادِرُ بِالنَّزْعِ أَشْطَانُهَا وَهِيَ طَوِيلَةٌ. فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْخَزْرَجِيُّ بِقَصِيدَةٍ أَوَّلُهَا: لَقَدْ هَاجَ نَفْسَكَ أَشْجَانُهَا ... وَغَادَرَهَا الْيَوْمَ أَدْيَانُهَا وَمِنْهَا: وَيَثْرِبُ تَعْلَمُ أَنَّا بِهَا ... إِذَا الْتَبَسَ الْحَقُّ مِيزَانُهَا وَيَثْرِبُ تَعْلَمُ أَنَّا بِهَا ... إِذَا أَقْحَطَ الْقَطْرُ نُوآنُهَا
حرب فارع بسبب الغلام القضاعي
وَيَثْرِبُ تَعْلَمُ إِذْ حَارَبَتْ ... بِأَنَّا لَدَى الْحَرْبِ فُرْسَانُهَا وَيَثْرِبُ تَعْلَمُ أَنَّ النَّبِي ... تَ عِنْدَ الْهُزَاهِزِ ذُلَّانُهَا وَمِنْهَا: مَتَى تَرَنَا الْأَوْسُ فِي بَيْضِنَا ... نَهُزُّ الْقَنَا تَخْبُ نِيرَانُهَا وَتُعْطِ الْقِيَادَ عَلَى رُغْمِهَا ... وَتَنْزِلُ مِلْهَامَ عِقْبَانُهَا فَلَا تَفْخَرَنَّ الْتَمِسْ مَلْجَأً ... فَقَدْ عَاوَدَ الْأَوْسَ أَدْيَانُهَا [حَرْبُ فَارِعٍ بِسَبَبِ الْغُلَامِ الْقُضَاعِيِّ] وَمِنْ أَيَّامِهِمْ يَوْمُ فَارِعٍ. وَسَبَبُهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي النَّجَّارِ أَصَابَ غُلَامًا مِنْ قُضَاعَةَ ثُمَّ مِنْ بَلِيٍّ، وَكَانَ عَمُّ الْغُلَامِ جَارًا لِمُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ الْأَوْسِيِّ وَالِدِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَتَى الْغُلَامُ عَمَّهُ يَزُورُهُ فَقَتَلَهُ النَّجَّارِيُّ. فَأَرْسَلَ مُعَاذٌ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ: أَنِ ادْفَعُوا إِلَيَّ دِيَةَ جَارِي أَوِ ابْعَثُوا إِلَيَّ بِقَاتِلِهِ أَرَى فِيهِ رَأْيِي. فَأَبَوْا أَنْ يَفْعَلُوا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: وَاللَّهِ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا لَا نَقْتُلُ بِهِ إِلَّا عَامِرَ بْنَ الْإِطْنَابَةِ، وَعَامِرٌ مِنْ أَشْرَافِ الْخَزْرَجِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَامِرًا فَقَالَ: أَلَا مَنْ مُبْلِغُ الْأَكْفَاءِ عَنِّي ... وَقَدْ تُهْدَى النَّصِيحَةُ لِلنَّصِيحِ فَإِنَّكُمُ وَمَا تَرْجُونَ شَطْرِي ... مِنَ الْقَوْلِ الْمُزَجَّى وَالصَّرِيحِ سَيَنْدَمُ بَعْضُكُمُ عَجَلًا عَلَيْهِ ... وَمَا أَثَرُ اللِّسَانِ إِلَى الْجُرُوحِ أَبَتْ لِي عِزَّتِي وَأَبَى بَلَائِي ... وَأَخْذِي الْحَمْدَ بِالثَّمَنِ الرَّبِيحِ وَإِعْطَائِي عَلَى الْمَكْرُوهِ مَالِي ... وَضَرْبِيَ هَامَةَ الْبَطَلِ الْمُشِيحِ وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ ... مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي لِأَدْفَعَ عَنْ مَآثِرِ صَالِحَاتٍ ... وَأَحْمِيَ بَعْدُ عَنْ عَرْضٍ صَحِيحِ بِذِي شُطَبٍ كَلَوْنِ الْمِلْحِ صَافٍ ... وَنَفْسٍ لَا تَقَرُّ عَلَى الْقَبِيحِ فَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ الْيَهُودِيُّ فِي عِرَاضِ قَوْلِ عَامِرِ بْنِ الْإِطْنَابَةِ:
أَلَا مَنْ مُبْلِغُ الْأَكْفَاءَ عَنِّي ... فَلَا ظُلْمٌ لَدَيَّ وَلَا افْتِرَاءُ فَلَسْتُ بِغَائِظِ الْأَكْفَاءِ ظُلْمًا ... وَعِنْدِي لِلْمُلَامَاتِ اجْتِزَاءُ فَلَمْ أَرَ مِثْلَ مَنْ يَدْنُو لِخَسْفٍ ... لَهُ فِي الْأَرْضِ سَيْرٌ وَاسْتِوَاءُ وَمَا بَعْضُ الْإِقَامَةِ فِي دِيَارٍ ... يُهَانُ بِهَا الْفَتَى إِلَّا عَنَاءُ وَبَعْضُ الْقَوْلِ لَيْسَ لَهُ عَنَاجٌ ... كَمَحْضِ الْمَاءِ لَيْسَ لَهُ إِنَاءُ وَبَعْضُ خَلَائِقِ الْأَقْوَامِ دَاءٌ ... كَدَاءِ الشُّحِّ لَيْسَ لَهُ دَوَاءُ وَبَعْضُ الدَّاءِ مُلْتَمِسٌ شِفَاءً ... وَدَاءُ النُّوكِ لَيْسَ لَهُ شِفَاءُ يُحِبُّ الْمَرْءُ أَنْ يَلْقَى نَعِيمًا ... وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا مَا يَشَاءُ وَمَنْ يَكُ عَاقِلًا لَمْ يَلْقَ بُؤْسًا ... يُنِخْ يَوْمًا بِسَاحَتِهِ الْقَضَاءُ تَعَاوَرُهُ بَنَاتُ الدَّهْرِ حَتَّى ... تُثَلِّمَهُ كَمَا ثُلِمَ الْإِنَاءُ وَكُلُّ شَدَائِدٍ نَزَلَتْ بِحَيٍّ ... سَيَأْتِي بَعْدَ شِدَّتِهَا رَخَاءُ فَقُلْ لِلْمُتَّقِي عَرْضَ الْمَنَايَا ... تَوَقَّ فَلَيْسَ يَنْفَعُكَ اتِّقَاءُ فَمَا يُعْطَى الْحَرِيصُ غِنًى بِحِرْصٍ ... وَقَدْ يُنْمِي لَدَى الْجُودِ الثَّرَاءُ وَلَيْسَ بِنَافِعٍ ذَا الْبُخْلِ مَالٌ ... وَلَا مُزْرٍ بِصَاحِبِهِ الْحِبَاءُ غَنِيُّ النَّفْسِ مَا اسْتَغْنَى بِشَيْءٍ ... وَفَقْرُ النَّفْسِ مَا عَمُرَتْ شَقَاءُ يَوَدُّ الْمَرْءُ مَا تَفِدُ اللَّيَالِي ... كَأَنَّ فَنَاءَهُنَّ لَهُ فَنَاءُ فَلَمَّا رَأَى مُعَاذُ بْنُ النُّعْمَانِ امْتِنَاعَ بَنِي النَّجَّارِ مِنَ الدِّيَةِ أَوْ تَسْلِيمِ الْقَاتِلِ إِلَيْهِ تَهَيَّأَ لِلْحَرْبِ، وَتَجَهَّزَ هُوَ وَقَوْمُهُ وَاقْتَتَلُوا عِنْدَ فَارِعٍ، وَهُوَ أُطُمُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ وَعَادُوا إِلَى أَحْسَنِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ عَامِرُ بْنُ الْإِطْنَابَةِ فِي ذَلِكَ: صَرَمَتْ ظَلِيمَةُ خُلَّتِي وَمَرَاسِلِي ... وَتَبَاعَدَتْ ضَنًا بِزَادِ الرَّاحِلِ جَهْلًا وَمَا تَدْرِي ظَلِيمَةُ أَنَّنِي ... قَدْ أَسْتَقِلُّ بِصَرْمِ غَيْرِ الْوَاصِلِ ذُلُلٌ رِكَابِي حَيْثُ شِئْتُ مُشَيَّعِي ... أَنِّي أَرُوعُ قَطَا الْمَكَانِ الْغَافِلِ
حرب حاطب
أَظَلِيمُ مَا يُدْرِيكِ رُبَّةَ خُلَّةٍ حَسَنٌ تَرَغَّمَهَا كَظَبْيِ الْحَائِلِ ... قَدْ بِتُّ مَالِكَهَا وَشَارِبَ قَهْوَةٍ دِرْيَاقَةٍ رَوَّيْتُ مِنْهَا وَاغْلِي ... بَيْضَاءُ صَافِيَةٌ يُرَى مِنْ دُونِهَا قَعْرُ الْإِنَاءِ يُضِيءُ وَجْهَ النَّاهِلِ ... وَسَرَابَ هَاجِرَةٍ قَطَعْتُ إِذَا جَرَى فَوْقَ الْإِكَامِ بِذَاتِ لَوْنٍ بَاذِلِ ... أُجُدٌ مَرَاحِلُهَا كَأَنَّ عِفَاءَهَا سِقْطَانُ مِنْ كَتِفَيْ ظَلِيمٍ جَافِلِ ... فَلْنَأْكُلَنَّ بِنَاجِزٍ مِنْ مَالِنَا وَلْنَشْرَبَنَّ بِدَيْنِ عَامٍ قَابِلِ ... إِنِّي مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ إِذَا انْتَدَوْا بَدَأُوا بِبِرِّ اللَّهِ ثُمَّ النَّائِلِ ... الْمَانِعِينَ مِنَ الْخَنَا جِيرَانَهُمْ وَالْحَاشِدِينَ عَلَى طَعَامِ النَّازِلِ ... وَالْخَالِطِينَ غَنِيَّهُمْ بِفَقِيرِهِمْ وَالْبَاذِلِينَ عَطَاءَهُمْ لِلسَّائِلِ ... وَالضَّارِبِينَ الْكَبْشَ يَبْرُقُ بَيْضُهُ ضَرْبَ الْمُهَنَّدِ عَنْ حِيَاضِ النَّاهِلِ ... وَالْعَاطِفِينَ عَلَى الْمَصَافِ خُيُولَهُمْ وَالْمُلْحِقِينَ رِمَاحَهُمْ بِالْقَاتِلِ ... وَالْمُدْرِكِينَ عَدُوَّهُمْ بِذُحُولِهِمْ وَالنَّازِلِينَ لِضَرْبِ كُلِّ مُنَازِلِ ... وَالْقَائِلِينَ مَعًا خُذُوا أَقْرَانَكُمْ إِنَّ الْمَنِيَّةَ مِنْ وَرَاءِ الْوَائِلِ ... خُزْرٍ عُيُونُهُمُ إِلَى أَعْدَائِهِمْ يَمْشُونَ مَشْيَ الْأُسْدِ تَحْتَ الْوَابِلِ ... لَيْسُوا بِأَنْكَاسٍ وَلَا مِيلٍ إِذَا مَا الْحَرْبُ شُبَّتْ أَشْعَلُوا بِالشَّاعِلِ ... لَا يَطْبَعُونَ وَهُمْ عَلَى أَحْسَابِهِمْ يَشْفُونَ بِالْأَحْلَامِ دَاءَ الْجَاهِلِ ... وَالْقَائِلِينَ فَلَا يُعَابُ خَطِيبُهُمْ يَوْمَ الْمَقَالَةِ بِالْكَلَامِ الْفَاصِلِ وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَا هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْوَقْعَةِ لِجَوْدَتِهَا وَحُسْنِهَا. [حَرْبُ حَاطِبٍ] ثُمَّ كَانَتِ الْوَقْعَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِحَاطِبٍ. وَهُوَ حَاطِبُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ الْأَوْسِيُّ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ حَرْبِ سُمَيْرٍ نَحْوَ مِائَةِ سَنَةٍ. وَكَانَ بَيْنَهُمَا أَيَّامٌ ذَكَرْنَا الْمَشْهُورَ مِنْهَا وَتَرَكْنَا مَا لَيْسَ بِمَشْهُورٍ. وَحَرْبُ حَاطِبٍ آخِرُ وَقْعَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ إِلَّا يَوْمَ بُعَاثٍ حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ.
يوم الربيع
وَكَانَ سَبَبَ هَذِهِ الْحَرْبِ أَنَّ حَاطِبًا كَانَ رَجُلًا شَرِيفًا سَيِّدًا فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ فَنَزَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ غَدَا يَوْمًا إِلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَرَآهُ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ فُسْحُمٍ، وَهِيَ أُمُّهُ، وَهُوَ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. فَقَالَ يَزِيدُ لِرَجُلٍ يَهُودِيٍّ: لَكَ رِدَائِي إِنْ كَسَعْتَ هَذَا التَّغْلِبِيَّ. فَأَخَذَ رِدَاءَهُ وَكَسَعَهُ كَسْعَةً سَمِعِهَا مَنْ بِالسُّوقِ. فَنَادَى التَّغْلِبِيُّ: يَا آلَ حَاطِبٍ كُسِعَ ضَيْفُكِ وَفُضِحَ! وَأُخْبِرَ حَاطِبٌ بِذَلِكَ، فَجَاءَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ مَنْ كَسَعَهُ، فَأَشَارَ إِلَى الْيَهُودِيِّ، فَضَرَبَهُ حَاطِبٌ بِالسَّيْفِ فَلَقَ هَامَتَهُ، فَأُخْبِرَ ابْنُ فُسْحُمٍ الْخَبَرَ، وَقِيلَ لَهُ: قُتِلَ الْيَهُودِيُّ، قَتَلَهُ حَاطِبٌ، فَأَسْرَعَ خَلْفَ حَاطِبٍ فَأَدْرَكَهُ وَقَدْ دَخَلَ بُيُوتَ أَهْلِهِ، فَلَقِيَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مُعَاوِيَةَ فَقَتَلَهُ. فَثَارَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَاحْتَشَدُوا وَاجْتَمَعُوا وَالْتَقَوْا عَلَى جِسْرِ رَدْمِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. وَكَانَ عَلَى الْخَزْرَجِ هَؤُلَاءِ عَمْرُو بْنُ النُّعْمَانِ الْبَيَاضِيُّ، وَعَلَى الْأَوْسِ حُضَيْرُ بْنُ سِمَاكٍ الْأَشْهَلِيُّ. وَقَدْ كَانَ ذَهَبَ ذِكْرُ مَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْحُرُوبِ فِيمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ وَخِيَارُ بْنُ مَالِكِ بْنِ حَمَّادٍ الْفَزَارِيُّ، فَقَدِمَا الْمَدِينَةَ وَتَحَدَّثَا مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فِي الصُّلْحِ، وَضَمِنَا أَنْ يَتَحَمَّلَا كُلَّ مَا يَدَّعِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَأَبَوْا، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ عِنْدَ الْجِسْرِ، وَشَهِدَهَا عُيَيْنَةُ وَخِيَارٌ. فَشَاهَدَا مِنْ قِتَالِهِمْ وَشِدَّتِهَا مَا أَيِسَا مَعَهُ مِنِ الْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ، فَكَانَ الظَّفَرُ يَوْمَئِذٍ لِلْخَزْرَجِ. وَهَذَا الْيَوْمُ مِنْ أَشْهَرِ أَيَّامِهِمْ، وَكَانَ بَعْدَهُ عِدَّةُ وَقَائِعَ كُلُّهَا مِنْ حَرْبِ حَاطِبٍ، فَمِنْهَا: [يَوْمُ الرَّبِيعِ] ثُمَّ الْتَقَتِ الْأَنْصَارُ بَعْدَ يَوْمِ الْجِسْرِ بِالرَّبِيعِ، وَهُوَ حَائِطٌ فِي نَاحِيَةِ السَّفْحِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى كَادَ يُفْنِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَانْهَزَمَتِ الْأَوْسُ وَتَبِعَهَا الْخَزْرَجُ حَتَّى بَلَغُوا دُورَهُمْ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ إِذَا انْهَزَمَتْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ فَدَخَلَتْ دُورَهُمْ كَفَّتِ الْأُخْرَى عَنِ اتِّبَاعِهِمْ. فَلَمَّا تَبِعَ الْخَزْرَجُ الْأَوْسَ إِلَى دُورِهِمْ طَلَبَتِ الْأَوْسُ الصُّلْحَ، فَامْتَنَعَتْ بَنُو النَّجَّارِ مِنَ الْخَزْرَجِ عَنْ إِجَابَتِهِمْ. فَحَصَّنَتِ الْأَوْسُ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ فِي الْآطَامِ، وَهِيَ الْحُصُونُ، ثُمَّ كَفَّتْ عَنْهُمُ الْخَزْرَجُ، فَقَالَ صَخْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَيَاضِيُّ: أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي سُوَيْدَ بْنَ صَامِتٍ ... وَرَهْطَ سُوَيْدٍ بَلِّغَا وَابْنَ الَاسْلَتِ بِأَنَّا قَتَلْنَا بِالرَّبِيعِ سَرَاتَكُمْ ... وَأَفْلَتَ مَجْرُوحًا بِهِ كُلُّ مُفْلِتِ
يوم البقيع
فَلَوْلَا حُقُوقٌ فِي الْعَشِيرَةِ إِنَّهَا أَدَلَّتْ بِحَقٍّ وَاجِبٍ إِنْ أَدَلَّتِ ... لَنَالَهُمُ مِنَّا كَمَا كَانَ نَالَهُمْ مَقَانِبُ خَيْلٍ أُهْلِكَتْ حِينَ حَلَّتِ فَأَجَابَهُ سُوَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ: أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي صُخَيْرًا رِسَالَةً ... فَقَدْ ذُقْتَ حَرْبَ الْأَوْسِ فِيهَا ابْنَ الَاسْلَتِ قَتَلْنَا سَرَايَاكُمْ بِقَتْلَى سَرَاتِنَا ... وَلَيْسَ الَّذِي يَنْجُو إِلَيْكُمْ بِمُفْلِتِ وَمِنْهَا: [يَوْمُ الْبَقِيعِ] ثُمَّ الْتَقَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَانَ الظَّفَرُ يَوْمَئِذٍ لِلْأَوْسِ، فَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ نَاقِدٍ الْأَوْسِيُّ: لَمَّا رَأَيْتُ بَنِي عَوْفٍ وَجَمْعَهُمُ ... جَاءُوا وَجَمْعَ بَنِي النَّجَّارِ قَدْ حَفَلُوا دَعَوْتُ قَوْمِي وَسَهَّلْتُ الطَّرِيقَ لَهُمْ ... إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَصْحَابُهُ حَلَلُوا جَادَتْ بِأَنْفُسِهَا مِنْ مَالِكٍ عُصَبٌ ... يَوْمَ اللِّقَاءِ فَمَا خَافُوا وَلَا فَشِلُوا وَعَاوَرُوكُمْ كُؤُوسَ الْمَوْتِ إِذْ بَرَزُوا ... شَطْرَ النَّهَارِ وَحَتَّى أَدْبَرَ الْأُصُلُ حَتَّى اسْتَقَامُوا وَقَدْ طَالَ الْمِرَاسُ بِهِمْ ... فَكُلُّهُمْ مِنْ دِمَاءِ الْقَوْمِ قَدْ نَهِلُوا تَكَشَّفَ الْبِيضُ عَنْ قَتْلَى أُولِي رَحِمٍ ... لَوْلَا الْمُسَالِمُ وَالْأَرْحَامُ مَا نَقَلُوا تَقُولُ كُلُّ فَتَاةٍ غَابَ قَيِّمُهَا ... أَكُلُّ مَنْ خَلْفَنَا مِنْ قَوْمِنَا قُتِلُوا لَقَدْ قَتَلْتُمْ كَرِيمًا ذَا مُحَافَظَةٍ ... قَدْ كَانَ حَالَفَهُ الْقَيْنَاتُ وَالْحُلَلُ جَزْلٌ نَوَافِلُهُ حُلْوٌ شَمَائِلُهُ ... رَيَّانُ وَاغْلُهُ تَشْقَى بِهِ الْإِبِلُ الْوَاغِلُ: الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى الْقَوْمِ وَهُمْ يَشْرَبُونَ. فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ الْحَارِثِيُّ الْخَزْرَجِيُّ: لَمَّا رَأَيْتُ بَنِي عَوْفٍ وَإِخْوَتَهُمْ ... كَعْبًا وَجَمْعَ بَنِي النَّجَّارِ قَدْ حَفَلُوا
يوم الفجار الأول للأنصار
قِدْمًا أَبَاحُوا حِمَاكُمْ بِالسُّيُوفِ وَلَمْ يَفْعَلْ بِكُمْ أَحَدٌ مِثْلَ الَّذِي فَعَلُوا وَكَانَ رَئِيسَ الْأَوْسِ يَوْمَئِذٍ فِي حَرْبِ حَاطِبٍ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ الْوَائِلِيُّ، فَقَامَ فِي حَرْبِهِمْ وَهَجَرَ الرَّاحَةَ، فَشَحُبَ وَتَغَيَّرَ. وَجَاءَ يَوْمًا إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَنْكَرَتْهُ حَتَّى عَرَفَتْهُ بِكَلَامِهِ، فَقَالَتْ: لَقَدْ أَنْكَرْتُكَ حَتَّى تَكَلَّمْتَ! فَقَالَ: قَالَتْ وَلَمْ تَقْصِدْ لِقِيلِ الْخَنَا ... مَهْلًا فَقَدْ أَبْلَغْتَ أَسْمَاعِي وَاسْتَنْكَرَتْ لَهُ لَوْنًا شَاحِبًا ... وَالْحَرْبُ غُولٌ ذَاتُ أَوْجَاعِ مَنْ يَذُقِ الْحَرْبَ يَجِدْ طَعْمَهَا ... مُرًّا وَتَتْرُكُهُ بِجَعْجَاعِ قَدْ حَصَّتِ الْبَيْضَةُ رَأْسِي فَمَا ... أَطْعَمُ نَوْمًا غَيْرَ تَهْجَاعِ أَسْعَى عَلَى جُلِّ بَنِي مَالِكٍ ... كُلُّ امْرِئِ فِي شَأْنِهِ سَاعِي أَعْدَدْتُ لِلْأَعْدَاءِ مَوْضُونَةً ... فَضْفَاضَةً كَالنِّهْيِ بِالْقَاعِ أَحْفِزُهَا عَنِّي بِذِي رَوْنَقٍ ... مُهَنَّدٍ كَاللَّمْعِ قَطَّاعِ صِدْقٍ حُسَامٍ وَادِقٍ حَدُّهُ ... وَمُنْحَنٍ أَسْمَرَ قَرَّاعِ وَهِيَ طَوِيلَةٌ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا قَيْسِ بْنَ الْأَسْلَتِ جَمَعَ الْأَوْسَ وَقَالَ لَهُمْ: مَا كُنْتُ رَئِيسَ قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا هُزِمُوا، فَرَئِّسُوا عَلَيْكُمْ مَنْ أَحْبَبْتُمْ، فَرَأَّسُوا عَلَيْهِمْ حُضَيْرَ الْكَتَائِبِ بْنَ السَّمَاكِ الْأَشْهَلِيَّ، وَهُوَ وَالِدُ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ. لِوَلَدِهِ صُحْبَةٌ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، فَصَارَ حُضَيْرٌ يَلِي أُمُورَهُمْ فِي حُرُوبِهِمْ، فَالْتَقَى الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ الْغَرْسُ، فَكَانَ الظَّفَرَ لِلْأَوْسِ، ثُمَّ تَرَاسَلُوا فِي الصُّلْحِ فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَحْسِبُوا الْقَتْلَى فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ الْفَضْلُ أُعْطِيَ الدِّيَةَ، فَأَفْضَلَتِ الْأَوْسُ عَلَى الْخَزْرَجِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، فَدَفَعَتِ الْخَزْرَجُ ثَلَاثَةَ غِلْمَةٍ مِنْهُمْ رَهْنًا بِالدِّيَاتِ، فَغَدَرَتِ الْأَوْسُ فَقَتَلَتِ الْغِلْمَانَ. [يَوْمُ الْفِجَارِ الْأَوَّلِ لِلْأَنْصَارِ] وَلَيْسَ بِفِجَارِ كِنَانَةَ وَقَيْسٍ. فَلَمَّا قَتَلَتِ الْأَوْسُ الْغِلْمَانَ جَمَعَتِ الْخَزْرَجُ وَحَشَدُوا وَالْتَقَوْا بِالْحَدَائِقِ، وَعَلَى الْخَزْرَجِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وَعَلَى الْأَوْسِ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يُفْنِي بَعْضًا. وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْفِجَارِ لِغَدْرِهِمْ بِالْغِلْمَانِ،
يوم معبس ومضرس
وَهُوَ الْفِجَارُ الْأَوَّلُ، فَكَانَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ فِي حَائِطٍ لَهُ، فَانْصَرَفَ فَوَافَقَ قَوْمَهُ قَدْ بَرَزُوا لِلْقِتَالِ، فَعَجَزَ عَنْ أَخْذِ سِلَاحِهِ إِلَّا السَّيْفَ ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُمْ، فَعَظُمَ مَقَامُهُ يَوْمَئِذٍ وَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا وَجُرِحَ جِرَاحَةً شَدِيدَةً، فَمَكَثَ حِينًا يَتَدَاوَى مِنْهَا، وَأُمِرَ أَنْ يَحْتَمِيَ عَنِ الْمَاءِ، فَلِذَلِكَ يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: رَمَيْنَاكَ أَيَّامَ الْفِجَارِ فَلَمْ تَزَلْ ... حَمِيًّا فَمَنْ يَشْرَبْ فَلَسْتَ بِشَارِبِ [يَوْمُ مُعَبِّسٍ وَمُضَرِّسٍ] ثُمَّ الْتَقَوْا عِنْدَ مُعَبِّسٍ وَمُضَرِّسٍ، وَهُمَا جِدَارَانِ، فَكَانَتِ الْخَزْرَجُ وَرَاءَ مُضَرِّسٍ، وَكَانَتِ الْأَوْسُ وَرَاءَ مُعَبِّسٍ، فَأَقَامُوا أَيَّامًا يَقْتَتِلُونَ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْهَزَمَتِ الْأَوْسُ حَتَّى دَخَلَتِ الْبُيُوتَ وَالْآطَامَ، وَكَانَتْ هَزِيمَةً قَبِيحَةً لَمْ يَنْهَزِمُوا مِثْلَهَا. ثُمَّ إِنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَبَنِي أَوْسِ مَنَاةَ مِنَ الْأَوْسِ وَادَعُوا الْخَزْرَجَ، فَامْتَنَعَ مِنَ الْمُوَادَعَةِ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَبَنُو ظَفَرٍ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَوْسِ وَقَالُوا: لَا نُصَالِحُ حَتَّى نُدْرِكَ ثَأْرَنَا مِنَ الْخَزْرَجِ. فَأَلَحَّتِ الْخَزْرَجُ عَلَيْهِمْ بِالْأَذَى وَالْغَارَةِ حِينَ وَادَعَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَأَوْسِ مَنَاةَ، فَعَزَمَتِ الْأَوْسُ إِلَّا مَنْ ذَكَرْنَا عَلَى الِانْتِقَالِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَغَارَتْ بَنُو سَلَمَةَ عَلَى مَالٍ لِبَنِي الْأَشْهَلِ يُقَالُ لَهُ الرَّعْلُ، فَقَاتَلُوهُمْ عَلَيْهِ، فَجُرِحَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَشْهَلِيُّ جِرَاحَةً شَدِيدَةً، وَاحْتَمَلَهُ بَنُو سَلَمَةَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ الْخَزْرَجِيِّ، فَأَجَارَهُ وَأَجَارَ الرَّعْلَ مِنَ الْحَرِيقِ وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ جَازَاهُ سَعْدٌ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ سَارَتِ الْأَوْسُ إِلَى مَكَّةَ لِتُحَالِفَ قُرَيْشًا عَلَى الْخَزْرَجِ، وَأَظْهَرُوا أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْعُمْرَةَ. وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمُ الْعُمْرَةَ أَوِ الْحَجَّ لَمْ يَعْرِضْ إِلَيْهِ خَصْمُهُ، وَيُعَلِّقُ الْمُعْتَمِرُ عَلَى بَيْتِهِ كَرَانِيفَ النَّخْلِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَسَارُوا إِلَى مَكَّةَ فَقَدِمُوهَا وَحَالَفُوا قُرَيْشًا وَأَبُو جَهْلٍ غَائِبٌ. فَلَمَّا قَدِمَ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ لِقُرَيْشٍ: أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ الْأَوَّلِ: وَيْلٌ لِلْأَهْلِ مِنَ النَّازِلِ! إِنَّهُمْ لَأَهْلُ عَدَدٍ وَجَلَدٍ، وَلَقَلَّ مَا نَزَلَ قَوْمٌ عَلَى قَوْمٍ إِلَّا أَخْرَجُوهُمْ مِنْ بَلَدِهِمْ وَغَلَبُوهُمْ عَلَيْهِ. قَالُوا: فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْ حِلْفِهِمْ؟ قَالَ: أَنَا أَكْفِيكُمُوهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى جَاءَ الْأَوْسَ فَقَالَ: إِنَّكُمْ حَالَفْتُمْ قَوْمِي وَأَنَا غَائِبٌ، فَجِئْتُ لِأُحَالِفَكُمْ وَأَذْكُرَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِنَا مَا تَكُونُونَ بَعْدَهُ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكُمْ. إِنَّا قَوْمٌ تَخْرُجُ إِمَاؤُنَا إِلَى أَسْوَاقِنَا وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ مِنَّا يُدْرِكُ الْأَمَةَ فَيَضْرِبَ عَجِيزَتَهَا، فَإِنْ طَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَفْعَلَ نِسَاؤُكُمْ مِثْلَ مَا تَفْعَلُ نِسَاؤُنَا حَالَفْنَاكُمْ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ ذَلِكَ فَرُدُّوا إِلَيْنَا حِلْفَنَا. فَقَالُوا: لَا نُقِرُّ بِهَذَا. وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ بِأَسْرِهَا فِيهِمْ غَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ، فَرَدُّوا إِلَيْهِمْ حِلْفَهُمْ وَسَارُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَفْتَخِرُ بِمَا أَصَابَ قَوْمُهُ مِنَ الْأَوْسِ:
يوم الفجار الثاني للأنصار
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا قَيْسٍ رَسُولًا ... إِذَا أَلْقَى لَهَا سَمْعًا تُبِينُ فَلَسْتُ لِحَاصِنٍ إِنْ لَمْ تَزُرْكُمْ ... خِلَالَ الدَّارِ مُسْبِلَةٌ طَحُونُ يَدِينُ لَهَا الْعَزِيزُ إِذَا رَآهَا ... وَيَهْرُبُ مِنْ مَخَافَتِهَا الْقَطِينُ تَشِيبُ النَّاهِدُ الْعَذْرَاءُ مِنْهَا ... وَيَسْقُطُ مِنْ مَخَافَتِهَا الْجَنِينُ يَطُوفُ بِكُمْ مِنَ النَّجَّارِ أُسْدٌ ... كَأُسْدِ الْغِيلِ مَسْكَنُهَا الْعَرِينُ يَظَلُّ اللَّيْثُ فِيهَا مُسْتَكِينًا ... لَهُ فِي كُلِّ مُلْتَفَتٍ أَنِينُ كَأَنَّ بَهَاءَهَا لِلنَّاظِرِيهَا ... مِنَ الْأَثْلَاتِ وَالْبِيضِ الْفَتِينُ كَأَنَّهُمُ مِنَ الْمَاذِي عَلَيْهِمْ ... جَمَالٌ حِينَ يَجْتَلِدُونَ جُونُ فَقَدْ لَاقَاكَ قَبْلَ بُعَاثَ قَتْلٌ ... وَبَعْدَ بُعَاثَ ذُلٌّ مُسْتَكِينُ وَهِيَ طَوِيلَةٌ أَيْضًا. [يَوْمُ الْفِجَارِ الثَّانِي لِلْأَنْصَارِ] كَانَتِ الْأَوْسُ قَدْ طَلَبَتْ مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ أَنْ يُحَالِفُوهُمْ عَلَى الْخَزْرَجِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْخَزْرَجَ فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ يُؤْذِنُونَهُمْ بِالْحَرْبِ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّا لَا نُرِيدُ ذَلِكَ فَأَخَذَتِ الْخَزْرَجُ رَهْنَهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ، وَهُمْ أَرْبَعُونَ غُلَامًا مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، ثُمَّ إِنَّ يَزِيدَ بْنَ فُسْحُمَ شَرِبَ يَوْمًا فَسَكِرَ فَتَغَنَّى بِشِعْرٍ يَذْكُرُ فِيهِ ذَلِكَ: هَلُمَّ إِلَى الْأَحْلَافِ إِذْ رَقَّ عَظْمُهُمْ ... وَإِذْ أَصْلَحُوا مَالًا لِجِذْمَانَ ضَائِعَا إِذَا مَا امْرُؤٌ مِنْهُمْ أَسَاءَ عِمَارَةً ... بَعَثْنَا عَلَيْهِمْ مِنْ بَنِي الْعِيرِ جَادِعَا فَأَمَّا الصَّرِيخُ مِنْهُمُ فَتَحَمَّلُوا ... وَأَمَّا الْيَهُودُ فَاتَّخَذْنَا بَضَائِعَا أَخَذْنَا مِنَ الْأُولَى الْيَهُودَ عِصَابَةً ... لِغَدْرِهِمِ كَانُوا لَدَيْنَا وَدَائِعَا
يوم بعاث
فَذَلُّوا لِرَهْنٍ عِنْدَنَا فِي جِبَالِنَا مُصَانَعَةً يَخْشُونَ مِنَّا الْقَوَارِعَا ... وَذَاكَ بِأَنَّا حِينَ نَلْقَى عَدُوَّنَا نَصُولُ بِضَرْبٍ يَتْرُكُ الْعِزَّ خَاشِعَا فَبَلَغَ قَوْلُهُ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ فَغَضِبُوا. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ: نَحْنُ كَمَا قَالَ إِنْ لَمْ نُغِرْ، فَخَالَفَ الْأَوْسُ عَلَى الْخَزْرَجِ. فَلَمَّا سَمِعَتِ الْخَزْرَجُ بِذَلِكَ قَتَلُوا كُلَّ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الرَّهْنِ مِنْ أَوْلَادِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ. فَأَطْلَقُوا نَفَرًا، مِنْهُمْ: سُلَيْمُ بْنُ أَسَدٍ الْقُرَظِيُّ جَدُّ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سُلَيْمٍ. وَاجْتَمَعَتِ الْأَوْسُ وَقُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ عَلَى حَرْبِ الْخَزْرَجِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْفِجَارَ الثَّانِي لِقَتْلِ الْغِلْمَانِ مِنَ الْيَهُودِ. وَقَدْ قِيلَ فِي قَتْلِ الْغِلْمَانِ غَيْرُ هَذَا، وَهُوَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ النُّعْمَانِ الْبَيَاضِيَّ الْخَزْرَجِيَّ قَالَ لِقَوْمِهِ بَنِي بَيَاضَةَ: إِنَّ أَبَاكُمْ أَنْزَلَكُمْ مَنْزِلَةَ سُوءٍ، وَاللَّهِ لَا يَمَسُّ رَأْسِي مَاءٌ حَتَّى أُنْزِلَكُمْ مَنَازِلَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ أَوْ أَقْتُلَ رَهْنَهُمْ! وَكَانَتْ مَنَازِلُ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ خَيْرَ الْبِقَاعِ، فَأَرْسَلَ إِلَى قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ: إِمَّا أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِيَارِكُمْ، وَإِمَّا أَنْ نَقْتُلَ الرَّهْنَ. فَهَمُّوا بِأَنْ يَخْرُجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ الْقُرَظِيُّ: يَا قَوْمُ امْنَعُوا دِيَارَكُمْ وَخَلُّوهُ يَقْتُلُ الْغِلْمَانَ، مَا هِيَ إِلَّا لَيْلَةٌ يُصِيبُ فِيهَا أَحَدُكُمُ امْرَأَةً حَتَّى يُولَدَ لَهُ مِثْلُ أَحَدِهِمْ. فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ: إِنَّا لَا نَنْتَقِلُ عَنْ دِيَارِنَا فَانْظُرُوا فِي رَهْنِنَا فَعُوا لَنَا. فَعَدَا عَمْرُو بْنُ النُّعْمَانِ عَلَى رَهْنِهِمْ فَقَتَلَهُمْ، وَخَالَفَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ فَقَالَ: هَذَا بَغْيٌ وَإِثْمٌ، وَنَهَاهُ عَنْ قَتْلِهِمْ وَقِتَالِ قَوْمِهِ مِنَ الْأَوْسِ وَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي بِكَ وَقَدْ حُمِلْتَ قَتِيلًا فِي عَبَاءَةٍ يَحْمِلُكَ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ. فَلَمْ يَقْتُلْ هُوَ وَمَنْ أَطَاعَهُ أَحَدًا مِنَ الْغِلْمَانِ وَأَطْلَقُوهُمْ، وَمِنْهُمْ: سُلَيْمُ بْنُ أَسَدٍ جَدُّ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. وَحَالَفَتْ حِينَئِذٍ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ وَالْأَوْسُ عَلَى الْخَزْرَجِ، وَجَرَى بَيْنَهُمْ قِتَالٌ سُمِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْفِجَارِ الثَّانِي. وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِأَنْ يُسَمَّى الْيَوْمَ فِجَارًا، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّمَا قَتَلُوا الرَّهْنَ جَزَاءَ الْغَدْرِ مِنَ الْيَهُودِ فَلَيْسَ بِفِجَارٍ مِنَ الْخَزْرَجِ إِلَّا أَنْ يُسَمَّى فِجَارًا لِغَدْرِ الْيَهُودِ. [يَوْمُ بُعَاثٍ] ثُمَّ إِنَّ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ جَدَّدُوا الْعُهُودَ مَعَ الْأَوْسِ عَلَى الْمُوَازَرَةِ وَالتَّنَاصُرِ، وَاسْتَحْكَمَ أَمْرُهُمْ وَجَدُّوا فِي حَرْبِهِمْ، وَدَخَلَ مَعَهُمْ قَبَائِلُ مِنَ الْيَهُودِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَا. فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ
الْخَزْرَجُ جَمَعَتْ وَحَشَدَتْ وَرَاسَلَتْ حُلَفَاءَهَا مِنْ أَشْجَعَ وَجُهَيْنَةَ، وَرَاسَلَتِ الْأَوْسُ حُلَفَاءَهَا مِنْ مُزَيْنَةَ، وَمَكَثُوا يَوْمًا يَتَجَهَّزُونَ لِلْحَرْبِ، وَالْتَقَوْا بِبُعَاثَ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ قُرَيْظَةَ، وَعَلَى الْأَوْسِ حُضَيْرُ الْكَتَائِبِ بْنُ سِمَاكٍ وَالِدُ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَعَلَى الْخَزْرَجِ عَمْرُو بْنُ النُّعْمَانِ الْبَيَاضِيُّ، وَتَخَلَّفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ فِيمَنْ تَبِعَهُ عَنِ الْخَزْرَجِ، وَتَخَلَّفَ بَنُو حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ عَنِ الْأَوْسِ. فَلَمَّا الْتَقَوُا اقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَصَبَرُوا جَمِيعًا. ثُمَّ إِنَّ الْأَوْسَ وَجَدَتْ مَسَّ السِّلَاحِ فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ نَحْوَ الْعَرِيضِ، فَلَمَّا رَأَى حُضَيْرٌ هَزِيمَتَهُمْ بَرَكَ وَطَعَنَ قَدَمَهُ بِسِنَانِ رُمْحِهِ وَصَاحَ: وَا عَقْرَاهُ كَعَقْرِ الْجَمَلِ! وَاللَّهِ لَا أَعُودُ حَتَّى أُقْتَلَ، فَإِنْ شِئْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَنْ تُسْلِمُونِي فَافْعَلُوا. فَعَطَفُوا عَلَيْهِ وَقَاتَلَ عَنْهُ غِلْمَانٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يُقَالُ لَهُمَا مَحْمُودٌ وَيَزِيدُ ابْنَا خَلِيفَةَ حَتَّى قُتِلَا، وَأَقْبَلَ سَهْمٌ لَا يُدْرَى مَنْ رَمَى بِهِ فَأَصَابَ عَمْرَو بْنَ النُّعْمَانِ الْبَيَاضِيَّ رَئِيسَ الْخَزْرَجِ فَقَتَلَهُ، فَبَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ يَتَرَدَّدُ رَاكِبًا قَرِيبًا مِنْ بُعَاثٍ يَتَجَسَّسُ الْأَخْبَارَ إِذْ طُلِعَ عَلَيْهِ بِعَمْرِو بْنِ النُّعْمَانِ قَتِيلًا فِي عَبَاءَةٍ يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، كَمَا كَانَ قَالَ لَهُ. فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: ذُقْ وَبَالَ الْبَغْيِ! وَانْهَزَمَتِ الْخَزْرَجُ، وَوَضَعَتْ فِيهِمُ الْأَوْسُ السِّلَاحَ، فَصَاحَ صَائِحٌ: يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَحْسِنُوا وَلَا تُهْلِكُوا إِخْوَانَكُمْ فَجِوَارُهُمْ خَيْرٌ مِنْ جِوَارِ الثَّعَالِبِ! فَانْتَهَوْا عَنْهُمْ وَلَمْ يَسْلُبُوهُمْ. وَإِنَّمَا سَلَبَهُمْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ، وَحَمَلَتِ الْأَوْسُ حُضَيْرًا مَجْرُوحًا فَمَاتَ. وَأَحْرَقَتِ الْأَوْسُ دُورَ الْخَزْرَجِ وَنَخِيلَهُمْ، فَأَجَارَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَشْهَلِيُّ أَمْوَالَ بَنِي سَلَمَةَ وَنَخِيلَهُمْ وَدُورَهُمْ جَزَاءً بِمَا فَعَلُوا لَهُ فِي الرَّعْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَنَجَّى يَوْمَئِذٍ الزُّبَيْرُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ بَاطَا ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ الْخَزْرَجِيَّ، أَخَذَهُ فَجَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَطْلَقَهُ، وَهِيَ الْيَدُ الَّتِي جَازَاهُ بِهَا ثَابِتٌ فِي الْإِسْلَامِ يَوْمَ بَنِي الْقُرَيْظَةِ، وَسَنَذْكُرُهُ. وَكَانَ يَوْمُ الْبُعَاثِ آخِرَ الْحُرُوبِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَاتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى نَصْرِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ. وَأَكْثَرَتِ الْأَنْصَارُ الْأَشْعَارَ يَوْمَ الْبُعَاثِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ الظَّفَرِيِّ الْأَوْسِيِّ: أَتَعْرِفُ رَسْمًا كَالطِّرَازِ الْمُذَهَّبِ ... لِعَمْرَةَ رَكْبًا غَيْرَ مَوْقِفِ رَاكِبِ
دِيَارُ الَّتِي كَانَتْ وَنَحْنُ عَلَى مِنًى تَحِلُّ بِنَا لَوْلَا رَجَاءُ الرَّكَائِبِ ... تَبَدَّتْ لَنَا كَالشَّمْسِ تَحْتَ غَمَامَةٍ بَدَا حَاجِبٌ مِنْهَا وَضَنَّتْ بِحَاجِبِ وَمِنْهَا: وَكُنْتُ امْرَأً لَا أَبْعَثُ الْحَرْبَ ظَالِمًا ... فَلَمَّا أَبَوْا شَعَّلْتُهَا كُلَّ جَانِبِ أَذِنْتُ بِدَفْعِ الْحَرْبِ حَرْبًا رَأَيْتُهَا ... عَنِ الدَّفْعِ لَا تَزْدَادُ غَيْرَ تَقَارُبِ فَلَمَّا رَأَيْتُ الْحَرْبَ تَجَرَّدَتْ ... لَبِسْتُ مَعَ الْبُرْدَيْنِ ثَوْبَ الْمُحَارِبِ مُضَعَّفَةً يَغْشَى الْأَنَامِلَ رَيْعُهَا ... كَأَنَّ قَتِيرَيْهَا عُيُونَ الْجَنَادِبِ تَرَى قِصَدَ الْمُرَّانِ تُلْقَى كَأَنَّهَا ... تَذَرُّعُ خِرْصَانٍ بِأَيْدِي الشَّوَاطِبِ وَسَامَحَنِي مِلْكَاهَنِينِ وَمَالِكٌ ... وَثَعْلَبَةُ الْأَخْيَارِ رَهْطُ الْقَبَاقِبِ رِجَالٌ مَتَى يُدْعَوْا إِلَى الْحَرْبِ يُسْرِعُوا ... كَمَشْيِ الْجِمَالِ الْمُشْعِلَاتِ الْمَصَاعِبِ إِذَا مَا فَرَرْنَا كَانَ أَسْوَا فِرَارِنَا ... صُدُودُ الْخُدُودِ وَازْوِرَارُ الْمَنَاكِبِ صُدُودُ الْخُدُودِ وَالْقَنَا مُتَشَاجِرٌ ... وَلَا تَبْرَحُ الْأَقْدَامُ عِنْدَ التَّضَارُبِ ظَأَرْنَاكُمُ بِالْبِيضِ حَتَّى لَأَنْتُمُ ... أَذَلُّ مِنَ السُّقْبَانِ بَيْنَ الْحَلَائِبِ يُجَرَّدْنَ بِيضًا كُلَّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ ... وَيَرْجِعْنَ حُمْرًا جَارِحَاتِ الْمَضَارِبِ لَقِيتُكُمُ يَوْمَ الْحَدَائِقِ حَاسِرًا ... كَأَنَّ يَدِي بِالسَّيْفِ مِخْرَاقُ لَاعِبِ وَيَوْمَ بُعَاثٍ أَسْلَمَتْنَا سُيُوفُنَا ... إِلَى حَسَبٍ فِي جِذْمِ غَسَّانَ ثَاقِبِ قَتَلْنَاكُمُ يَوْمَ الْفِجَارِ وَقَبْلَهُ ... وَيَوْمُ بُعَاثٍ كَانَ يَوْمَ التَّغَالُبِ أَتَتْ عُصَبٌ لِلْأَوْسِ تَخْطُرُ بِالْقَنَا ... كَمَشْيِ الْأُسُودِ فِي رَشَاشِ الْأَهَاضِبِ فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: أَشَاقَتْكَ لَيْلَى فِي الْخَلِيطِ الْمُجَانِبِ ... نَعَمْ، فَرَشَاشُ الدَّمْعِ فِي الصَّدْرِ غَالِبِ
ذكر غلبة ثقيف على الطائف والحرب بين الأحلاف وبني مالك
بَكَتْ إِثْرَ مَنْ شَطَّتْ نَوَاهُ وَلَمْ يَقُمْ ... لِحَاجَةِ مَخْزُونٍ شَكَا الْحُبَّ نَاصِبِ لَدُنْ غَدْوَةً حَتَّى إِذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ ... أَرَاحَتْ لَهُ مِنْ لُبِّهِ كُلَّ عَازِبِ نُحَامِي عَلَى أَحْسَابِنَا بِتِلَادِنَا ... لِمُفْتَقِرٍ أَوْ سَائِلِ الْحَقِّ وَاجِبِ وَأَعْمَى هَدَتْهُ لِلسَّبِيلِ سُيُوفُنَا ... وَخَصْمٍ أَقَمْنَا بَعْدَمَا ثَجَّ ثَاعِبِ وَمُعْتَرَكٍ ضَنْكٍ يُرَى الْمَوْتُ وَسْطَهُ ... مَشَيْنَا لَهُ مَشْيَ الْجِمَالِ الْمَصَاعِبِ بِرَجْلٍ تَرَى الْمَاذِيَّ فَوْقَ جُلُودِهِمْ ... وَبِيضًا نَقِيًّا مِثْلَ لَوْنِ الْكَوَاكِبِ وَهُمْ حُسَّرٌ لَا فِي الدُّرُوعِ تَخَالُهُمْ ... أُسُودًا مَتَّى تُنْشَا الرِّمَاحُ تُضَارِبِ مَعَاقِلُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ ... مَعَ الصِّدْقِ مَنْسُوبِ السُّيُوفِ الْقَوَاضِبِ وَهِيَ طَوِيلَةٌ. وَلَيْلَى الَّتِي شَبَّبَ بِهَا ابْنُ رَوَاحَةَ هِيَ أُخْتُ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ. وَعَمْرَةُ الَّتِي شَبَّبَ بِهَا ابْنُ الْخَطِيمِ هِيَ أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَهِيَ أُمُّ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ. (بُعَاثُ: بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الْعَيْنِ وَحْدَهُ: وَهُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ) . [ذِكْرُ غَلَبَةِ ثَقِيفٍ عَلَى الطَّائِفِ وَالْحَرْبِ بَيْنَ الْأَحْلَافِ وَبَنِي مَالِكٍ] كَانَتْ أَرْضُ الطَّائِفِ قَدِيمًا لِعُدْوَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ. فَلَمَّا كَثُرَ بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصْفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ غَلَبُوهُمْ عَلَى الطَّائِفِ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ. وَكَانَ بَنُو عَامِرٍ يُصَيِّفُونَ بِالطَّائِفِ، وَيُشَتُّونَ بِأَرْضِهِمْ مِنْ نَجْدٍ، وَكَانَتْ ثَقِيفُ حَوْلَ الطَّائِفِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُمْ مِنْ إِيَادٍ فَقَالَ: ثَقِيفٌ اسْمُهُ قَسِيُّ بْنُ نَبَتَ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ يَقْدُمَ بْنِ أَفْصَى بْنِ دُعْمِيِّ بْنِ إِيَادِ بْنِ مَعَدٍّ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُمْ
مِنْ هَوَازِنَ فَقَالَ: هُوَ قَيْسُ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصْفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ. فَرَأَتْ ثَقِيفٌ الْبِلَادَ فَأَعْجَبَهُمْ نَبَاتُهَا وَطِيبُ ثَمَرِهَا، فَقَالُوا لِبَنِي عَامِرٍ: إِنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ لَا تَصْلُحُ لِلزَّرْعِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَرْضُ ضَرْعٍ، وَنَرَاكُمْ عَلَى أَنْ آثَرْتُمُ الْمَاشِيَةَ عَلَى الْغِرَاسِ، وَنَحْنُ أُنَاسٌ لَيْسَتْ لَنَا مَوَاشٍ، فَهَلْ لَكَمَ أَنْ تَجْمَعُوا الزَّرْعَ وَالضَّرْعَ بِغَيْرِ مَؤُونَةٍ؟ تَدْفَعُونَ إِلَيْنَا بِلَادَكُمْ هَذِهِ فَنُثِيرُهَا وَنَغْرِسُهَا وَنَحْفِرُ فِيهَا الْأَطْوَاءَ وَلَا نُكَلِّفُكُمْ مَؤُونَةً. نَحْنُ نَكْفِيكُمُ الْمَؤُونَةَ وَالْعَمَلَ، فَإِذَا كَانَ وَقْتُ إِدْرَاكِ الثَّمَرِ كَانَ لَكُمُ النِّصْفُ كَامِلًا، وَلَنَا النِّصْفُ بِمَا عَمِلْنَا. فَرَغِبَ بَنُو عَامِرٍ فِي ذَلِكَ وَسَلَّمُوا إِلَيْهِمُ الْأَرْضَ، فَنَزَلَتْ ثَقِيفٌ الطَّائِفَ وَاقْتَسَمُوا الْبِلَادَ وَعَمِلُوا الْأَرْضَ وَزَرَعُوهَا مِنَ الْأَعْنَابِ وَالثِّمَارِ، وَوَفَوْا بِمَا شَرَطُوا لِبَنِي عَامِرٍ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ، وَكَانَ بَنُو عَامِرٍ يَمْنَعُونَ ثَقِيفًا مِمَّنْ أَرَادَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ. فَلَمَّا كَثُرَتْ ثَقِيفٌ وَشَرُفَتْ حَصَّنَتْ بِلَادَهَا وَبَنَوْا أَسْوَارًا عَلَى الطَّائِفِ وَحَصَّنُوهُ، وَمَنَعُوا عَامِرًا مِمَّا كَانُوا يَحْمِلُونَهُ إِلَيْهِمْ عَنْ نِصْفِ الثِّمَارِ. وَأَرَادَ بَنُو عَامِرٍ أَخْذَهُ مِنْهُمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَقَاتَلُوهُمْ فَلَمْ يَظْفَرُوا، وَكَانَتْ ثَقِيفٌ بَطْنَيْنِ: الْأَحْلَافُ وَبَنِي مَالِكٍ، وَكَانَ لِلْأَحْلَافِ فِي هَذَا أَثَرٌ عَظِيمٌ، وَلَمْ تَزَلْ تَعْتَدُّ بِذَلِكَ عَلَى بَنِي مَالِكٍ فَأَقَامُوا كَذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ الْأَحْلَافَ أَثْرُوا وَكَثُرَتْ خَيْلُهُمْ، فَحَمَوْا لَهَا حِمًى مِنْ أَرْضِ بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ يُقَالُ لَهُ جِلْذَانُ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ بَنُو نَصْرٍ وَقَاتَلُوهُمْ عَلَيْهِ، وَلَجَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ. وَكَانَ رَأْسُ بَنِي نَصْرٍ عُفَيْفَ بْنَ عَوْفِ بْنِ عُبَادٍ النَّصْرِيَّ ثُمَّ الْيَرْبُوعِيَّ، وَرَأْسُ الْأَحْلَافِ مَسْعُودَ بْنَ قَعْنَبٍ. فَلَمَّا لَجَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَ بَنِي نَصْرٍ وَالْأَحْلَافِ اغْتَنَمَ ذَلِكَ بَنُو مَالِكٍ وَرَئِيسُهُمْ جُنْدَبُ بْنُ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حُطَيْطِ بْنِ جُشَمَ مِنْ ثَقِيفٍ لِضَغَائِنَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَحْلَافِ، فَحَالَفُوا بَنِي يَرْبُوعٍ عَلَى الْأَحْلَافِ. فَلَمَّا سَمِعَتِ الْأَحْلَافُ بِذَلِكَ اجْتَمَعُوا. وَكَانَ أَوَّلُ قِتَالٍ كَانَ بَيْنَ الْأَحْلَافِ وَبَيْنَ بَنِي مَالِكٍ وَحُلَفَائِهِمْ مِنْ بَنِي نَصْرٍ يَوْمَ الطَّائِفِ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْتَصَرَ الْأَحْلَافُ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْهُ إِلَى وَادٍ مِنْ وَرَاءِ الطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ لَحْبٌ، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي مَالِكٍ وَبَنِي يَرْبُوعٍ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ فِي شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ ذَلِكَ الْجَبَلِ يُقَالُ لَهُ الْأَبَانُ. ثُمَّ اقْتَتَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامًا
مُسَمَّيَاتٍ، مِنْهُنَّ يَوْمُ غَمْرِ ذِي كِنْدَةَ، مِنْ نَحْوِ نَخْلَةَ، وَمِنْهُنَّ يَوْمُ كُرُونَا مِنْ نَحْوِ حُلْوَانَ، وَصَاحَ عُفَيْفُ بْنُ عَوْفٍ الْيَرْبُوعِيُّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ صَيْحَةً يَزْعُمُونَ أَنَّ سَبْعِينَ حُبْلَى مِنْهُمْ أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ ثُمَّ افْتَرَقُوا. فَسَارَتْ بَنُو مَالِكٍ تَبْتَغِي الْحِلْفَ مِنْ دَوْسٍ وَخَثْعَمٍ وَغَيْرِهَا عَلَى الْأَحْلَافِ، وَخَرَجَتِ الْأَحْلَافُ إِلَى الْمَدِينَةِ تَبْتَغِي الْحِلْفَ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى بَنِي مَالِكٍ، فَقَدِمَ مَسْعُودُ بْنُ مُعَتِّبٍ عَلَى أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ أَحَدِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مِنَ الْأَوْسِ، وَكَانَ أَشْرَفَ الْأَنْصَارِ فِي زَمَانِهِ، فَطَلَبَ مِنْهُ الْحِلْفَ، فَقَالَ لَهُ أُحَيْحَةُ: وَاللَّهِ مَا خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى قَوْمٍ قَطُّ بِحِلْفٍ أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا أَقَرَّ لِأُولَئِكَ الْقَوْمِ بِشَرٍّ مِمَّا أَنِفَ مِنْهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُ مَسْعُودٌ: إِنِّي أَخُوكَ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ، فَقَالَ: أَخُوكَ الَّذِي تَرَكْتَهُ وَرَاءَكَ فَارْجِعْ إِلَيْهِ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ وَزَوَّدَهُ بِسِلَاحٍ وَزَادٍ، وَأَعْطَاهُ غُلَامًا كَانَ يَبْنِي الْآطَامَ، يَعْنِي الْحُصُونَ، بِالْمَدِينَةِ، فَبَنَى لِمَسْعُودِ بْنِ مُتَعَّبٍ أُطُمًا فَكَانَ أَوَّلَ أُطُمٍ يُبْنَى بِالطَّائِفِ، ثُمَّ بُنِيَتِ الْآطَامُ بَعْدَهُ بِالطَّائِفِ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ تُذْكَرُ. وَقَالُوا فِي حَرْبِهِمْ أَشْعَارًا كَثِيرَةً، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مُحَبَّرٍ، وَهُوَ رَبِيعَةُ بْنُ سُفْيَانَ أَحَدُ بَنِي عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ مِنَ الْأَحْلَافِ: وَمَا كُنْتُ مِمَّنْ أَرَّثَ الشَّرَّ بَيْنَهُمْ ... وَلَكِنَّ مَسْعُودًا جَنَاهَا وَجُنْدَبَا قَرِيعَيْ ثَقِيفٍ أَنْشَبَا الشَّرَّ بَيْنَهُمْ ... فَلَمْ يَكُ عَنْهَا مَنْزِعٌ حِينَ أَنْشَبَا عَنَاقًا ضَرُوسًا بَيْنَ عَوْفٍ وَمَالِكٍ ... شَدِيدًا لَظَاهَا تَتْرُكُ الطِّفْلَ أَشْيَبَا مُضَرَّمَةً شَبًّا أَشَبَّا وَقُودَهَا ... بِأَيْدِيهِمَا مَا أَوْرَيَاهَا وَأَثْقَبَا أَصَابَتْ بَرَاءٌ مِنْ طَوَائِفِ مَالِكٍ ... وَعَوْفٍ بِمَا جَرَّا عَلَيْهَا وَأَجْلَبَا كَجُمْثُورَةٍ جَاءُوا تَخَطَّوْا مَآبَنَا ... إِلَيْهِمْ وَتَدْعُو فِي اللِّقَاءِ مُعَتَّبَا وَتَدْعُو بَنِي عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ فِي الْوَغَى ... وَتَدْعُو عِلَاجًا وَالْحَلِيفَ الْمُطَيَّبَا حُبَيْبًا وَحَيًّا مِنْ رِبَابٍ كَتَائِبًا ... وَسَعْدًا إِذَا الدَّاعِي إِلَى الْمَوْتِ ثَوَّبَا وَقَوْمًا بِمَكْرُوثَاءَ شَنَّتْ مُعَتَّبٌ ... بِغَارَتِهَا فَكَانَ يَوْمًا عَصَبْصَبَا
فَأَسْقَطَ أَحْبَالَ النِّسَاءِ بِصَوْتِهِ عُفَيْفٌ إِذَا نَادَى بِنَصْرٍ فَطَرَّبَا (عُفَيْفٌ هَذَا بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْفَاءِ) .
نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر بعض أخبار آبائه وأجداده
[نَسَبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذِكْرُ بَعْضِ أَخْبَارِ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ] وَاسْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحَمَّدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وِلَادَتِهِ فِي مُلْكِ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَيُكَنَّى عَبْدُ اللَّهِ أَبَا قَثْمٍ، وَقِيلَ: أَبَا مُحَمَّدٍ، وَقِيلَ: أَبَا أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَصْغَرَ وَلَدِ أَبِيهِ، فَكَانَ هُوَ - عَبْدُ اللَّهِ - وَأَبُو طَالِبٍ - وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافٍ - وَالزُّبَيْرُ، وَعَبْدُ الْكَعْبَةِ، وَعَاتِكَةُ، وَأُمَيْمَةُ، وَبَرَّةُ وَلَدُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أُمُّهُمْ جَمِيعُهُمْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَايِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ. وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ نَذَرَ حِينَ لَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ الْعَنَتَ فِي حَفْرِ زَمْزَمَ، كَمَا نَذْكُرُهُ، لَئِنْ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ نَفَرٍ وَبَلَغُوا مَعَهُ حَتَّى يَمْنَعُوهُ لَيَنْحَرَنَّ أَحَدَهُمْ عِنْدَ الْكَعْبَةِ لَهُ تَعَالَى. فَلَمَّا بَلَغُوا عَشَرَةً وَعَرَفَ أَنَّهُمْ سَيَمْنَعُونَهُ أَخْبَرَهُمْ بِنَذْرِهِ فَأَطَاعُوهُ وَقَالُوا: كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ يَأْخُذُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ قِدْحًا، ثُمَّ يَكْتُبُ فِيهِ اسْمَهُ. فَفَعَلُوا وَأَتَوْهُ بِالْقِدَاحِ، فَدَخَلُوا عَلَى هُبَلَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ أَعْظَمَ أَصْنَامِهِمْ، وَهُوَ عَلَى بِئْرٍ يُجْمَعُ فِيهِ مَا يُهْدَى إِلَى الْكَعْبَةِ. وَكَانَ عِنْدَ هُبَلَ سَبْعَةُ أَقْدُحٍ، فِي كُلِّ قِدْحٍ كِتَابٌ، فَقِدْحٌ فِيهِ الْعَقْلُ إِذَا اخْتَلَفُوا
فِي الْعَقْلِ مَنْ يَحْمِلُهُ مِنْهُمْ ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ السَّبْعَةِ، وَقِدْحٌ فِيهِ " نَعَمْ " لِلْأَمْرِ، إِذَا أَرَادُوهُ يُضْرَبُ بِهِ، فَإِنْ خَرَجَ " نَعَمْ " عَمِلُوا بِهِ، وَقِدْحٌ فِيهِ " لَا "، فَإِذَا أَرَادُوا أَمْرًا ضَرَبُوا بِهِ، فَإِذَا خَرَجَ " لَا " لَمْ يَعْمَلُوا ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَقِدْحٌ فِيهِ " مِنْكُمْ "، وَقِدْحٌ فِيهِ " مُلْصَقٌ "، وَقِدْحٌ فِيهِ " مِنْ غَيْرِكُمْ "، وَقِدْحٌ فِيهِ " الْمِيَاهُ ". إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْفِرُوا لِلْمَاءِ ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ، وَفِيهَا ذَلِكَ الْقِدْحُ، فَحَيْثُ مَا خَرَجَ عَمِلُوا بِهِ. وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَخْتِنُوا غُلَامًا، أَوْ يُنْكِحُوا جَارِيَةً، أَوْ يَدْفِنُوا مَيِّتًا، أَوْ شَكُّوا فِي نَسَبِ أَحَدٍ مِنْهُمْ ذَهَبُوا إِلَى هُبَلَ وَبِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَجَزُورٍ، فَأَعْطَوْهُ صَاحِبَ الْقِدَاحِ الَّذِي يَضْرِبُهَا، ثُمَّ قَرَّبُوا صَاحِبَهُمُ الَّذِي يُرِيدُونَ بِهِ مَا يُرِيدُونَ ثُمَّ قَالُوا: يَا إِلَهَنَا هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ قَدْ أَرَدْنَا بِهِ كَذَا وَكَذَا، فَأَخْرِجِ الْحَقَّ فِيهِ. ثُمَّ يَقُولُونَ لِصَاحِبِ الْقِدَاحِ: اضْرِبْ، فَيَضْرِبُ، فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ " مِنْكُمْ " كَانَ وَسِيطًا، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ " مِنْ غَيْرِكُمْ " كَانَ حَلِيفًا، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ " مُلْصَقٌ " كَانَ عَلَى مَنْزِلَتِهِ مِنْهُمْ، لَا نَسَبَ لَهُ وَلَا حِلْفَ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ شَيْءٌ سِوَى هَذَا مِمَّا يَعْمَلُونَ بِهِ، فَإِنْ خَرَجَ " نَعَمْ " عَمِلُوا بِهِ، وَإِنْ خَرَجَ " لَا " أَخَّرُوهُ عَامَهُمْ ذَلِكَ، حَتَّى يَأْتُوهُ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، يَنْتَهُونَ فِي أُمُورِهِمْ إِلَى ذَلِكَ مِمَّا خَرَجَتْ بِهِ الْقِدَاحُ. وَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِصَاحِبِ الْقِدَاحِ: اضْرِبْ عَلَى بَنِيَّ بِقِدَاحِهِمْ هَذِهِ. وَأَخْبَرَهُ بِنَذْرِهِ الَّذِي نَذَرَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَصْغَرَ بَنِي أَبِيهِ وَأَحَبَّهُمْ إِلَيْهِ. فَلَمَّا أَخَذَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ يَضْرِبُ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى، ثُمَّ ضَرَبَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ، فَخَرَجَ قِدْحٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ. فَأَخَذَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِيَدِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى إِسَافَ وَنَائِلَةَ، وَهُمَا الصَّنَمَانِ اللَّذَانِ يَنْحَرُ النَّاسُ عِنْدَهُمَا. فَقَامَتْ قُرَيْشٌ مِنْ أَنْدِيَتِهَا فَقَالُوا: مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أَذْبَحُهُ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ وَبَنُوهُ: وَاللَّهِ لَا تَذْبَحُهُ أَبَدًا حَتَّى تُعْذِرَ فِيهِ، لَئِنْ فَعَلْتَ هَذَا لَا يَزَالُ الرَّجُلُ مِنَّا يَأْتِي بِابْنِهِ حَتَّى يَذْبَحَهُ. فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَحْزُومٍ: وَاللَّهِ لَا تَذْبَحُهُ حَتَّى تُعْذِرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ فِدَاؤُهُ بِأَمْوَالِنَا فَدَيْنَاهُ. وَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وَبَنُوهُ: لَا تَفْعَلْ وَانْطَلِقْ إِلَى كَاهِنَةٍ بِالْحِجْرِ فَسَلْهَا فَإِنْ أَمَرَتْكَ بِذَبْحِهِ ذَبَحْتَهُ، فَإِنْ أَمَرَتْكَ بِمَا لَكَ وَلَهُ فِيهِ فَرَجٌ قَبِلْتَهُ.
فَانْطَلَقُوا إِلَيْهَا، وَهِيَ بِخَيْبَرَ، فَقَصَّ عَلَيْهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَبَرَهُ، فَقَالَتِ: ارْجِعُوا الْيَوْمَ حَتَّى يَأْتِيَنِي تَابِعِي فَأَسْأَلَهُ، فَرَجَعُوا عَنْهَا. ثُمَّ غَدَوْا عَلَيْهَا فَقَالَتْ: نَعَمْ، قَدْ جَاءَنِي الْخَبَرُ، فَكَمِ الدِّيَةُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَكَانَتْ كَذَلِكَ. قَالَتْ: ارْجِعُوا إِلَى بِلَادِكُمْ وَقَرِّبُوا عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ بِالْقِدَاحِ فَإِنْ خَرَجَ عَلَى صَاحِبِكُمْ فَزِيدُوا عَشْرًا حَتَّى يَرْضَى رَبُّكُمْ. وَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الْإِبِلِ فَانْحَرُوهَا فَقَدْ رَضِيَ رَبُّكُمْ وَنَجَا صَاحِبُكُمْ. فَخَرَجُوا حَتَّى أَتَوْا مَكَّةَ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا لِذَلِكَ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ قَرَّبُوا عَبْدَ اللَّهِ وَعَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ، فَخَرَجَتِ الْقِدَاحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا، فَخَرَجَتِ الْقِدَاحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ. فَمَا بَرِحُوا يَزِيدُونَ عَشْرًا وَتَخْرُجُ الْقِدَاحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى بَلَغَتِ الْإِبِلُ مِائَةً، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَتِ الْقِدَاحُ عَلَى الْإِبِلِ. فَقَالَ مَنْ حَضَرَ: قَدْ رَضِيَ رَبُّكَ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ. فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى أَضْرِبَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَضَرَبُوا ثَلَاثًا، فَخَرَجَتِ الْقِدَاحُ عَلَى الْإِبِلِ، فَنُحِرَتْ ثُمَّ تُرِكَتْ لَا يُصَدُّ عَنْهَا إِنْسَانٌ وَلَا سَبُعٌ. وَأَمَّا تَزْوِيجُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِآمِنَةَ ابْنَةِ وَهْبٍ أُمِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ لَمَّا فَرَغَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِنَ الْإِبِلِ انْصَرَفَ بِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِهِ، فَمَرَّ عَلَى أُمِّ قِتَالِ ابْنَةِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ أُخْتِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَهِيَ عِنْدَ الْبَيْتِ، فَقَالَتْ لَهُ حِينَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ وَإِلَى وَجْهِهِ: أَيْنَ تَذْهَبُ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَعَ أَبِي. قَالَتْ: لَكَ عِنْدِي مِثْلَ الَّذِي نَحَرَ عَنْكَ أَبُوكَ مِنَ الْإِبِلِ وَقَعْ عَلَيَّ الْآنَ. قَالَ: إِنَّ مَعِي أَبِي لَا أَسْتَطِيعُ خِلَافَهُ وَلَا فِرَاقَهُ. فَخَرَجَ بِهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَى بِهِ وَهْبَ بْنَ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ بَنِي زُهْرَةَ، فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ، وَهِيَ لِبَرَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ، وَبَرَّةُ لِأُمِّ حَبِيبٍ بِنْتِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَأُمُّ حَبِيبٍ لِبَرَّةَ بِنْتِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَيْهَا حِينَ مَلَكَهَا مَكَانَهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ
خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا حَتَّى أَتَى الْمَرْأَةَ الَّتِي عَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا بِالْأَمْسِ فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ لَا تَعْرِضِينَ عَلَيَّ الْيَوْمَ مَا كُنْتِ عَرَضْتِ بِالْأَمْسِ؟ فَقَالَتْ: فَارَقَكَ النُّورُ الَّذِي كَانَ مَعَكَ بِالْأَمْسِ، فَلَيْسَ لِي بِكَ الْيَوْمَ حَاجَةٌ. وَقَدْ كَانَتْ تَسْمَعُ مِنْ أَخِيهَا وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ أَنَّهُ كَائِنٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ نَبِيٌّ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ. وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ خَرَجَ بِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ لِيُزَوِّجَهُ، فَمَرَّ بِهِ عَلَى كَاهِنَةٍ مِنْ خَثْعَمٍ يُقَالُ لَهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُرٍّ، مُتَهَوِّدَةٍ مِنْ أَهْلِ تَبَالَةَ، فَرَأَتْ فِي وَجْهِهِ نُورًا وَقَالَتْ لَهُ: يَا فَتَى هَلْ لَكَ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ الْآنَ وَأُعْطِيَكَ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ؟ فَقَالَ لَهَا: أَمَّا الْحَرَامُ فَالْمَمَاتُ دُونَهْ وَالْحِلُّ لَا حِلَّ فَأَسْتَبِينَهْ فَكَيْفَ بِالْأَمْرِ الَّذِي تَبْغِينَهْ ثُمَّ قَالَ لَهَا: أَنَا مَعَ أَبِي وَلَا أَقْدِرُ أَنْ أُفَارِقَهُ. فَمَضَى فَزَوَّجَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ. فَأَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ انْصَرَفَ، فَمَرَّ بِالْخَثْعَمِيَّةِ فَدَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَى مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَكِ فِيمَا كُنْتِ أَرَدْتِ؟ فَقَالَتْ: يَا فَتَى مَا أَنَا بِصَاحِبَةِ رِيبَةٍ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ فِي وَجْهِكَ نُورًا يَكُونُ لِي، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ حَيْثُ أَرَادَ، فَمَا صَنَعْتَ بَعْدِي؟ قَالَ: زَوَّجَنِي أَبِي آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ. قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُرٍّ: إِنِّي رَأَيْتُ مَخِيلَةً لَمَعَتْ ... فَتَلَأْلَأَتْ بِحَنَاتِمِ الْقَطْرِ فَلَمَأَتْهَا نُورًا يُضِيءُ لَهُ ... مَا حَوْلَهُ كَإِضَاءَةِ الْبَدْرِ
فَرَجَوْتُهُ فَخْرًا أَبُوءُ بِهِ مَا كُلُّ قَادِحِ زَنْدِهِ يُورِي ... لِلَّهِ مَا زُهْرِيَّةٍ سَلَبَتْ ثَوْبَيْكَ مَا اسْتَلَبَتْ وَمَا تَدْرِي وَقَالَتْ أَيْضًا فِي ذَلِكَ: بَنِي هَاشِمٍ قَدْ غَادَرَتْ مِنْ ... أَخِيكُمُ أَمِينَةٌ إِذْ لِلْبَاهِ تَعْتَرِكَانِ كَمَا غَادَرَ الْمِصْبَاحُ عِنْدَ خُمُودِهِ ... فَتَائِلَ قَدْ مِيثَتْ لَهُ بِدِهَانِ فَمَا كُلُّ مَا يَحْوِي الْفَتَى مِنْ ... تِلَادِهِ لِعَزْمٍ وَلَا مَا فَاتَهُ لِتَوَانِ فَأَجْمِلْ إِذَا طَالَبْتَ أَمْرًا فَإِنَّهُ ... سَيَكْفِيكَهُ جَدَّانِ يَعْتَلِجَانِ سَيَكْفِيكَهُ إِمَّا يَدٌ مُقْفَعَلَّةٌ ... وَإِمَّا يَدٌ مَبْسُوطَةٌ بِبَنَانِ وَلَمَّا حَوَتْ مِنْهُ أَمِينَةُ مَا حَوَتْ ... حَوَتْ مِنْهُ فَخْرًا مَا لِذَلِكَ ثَانِ وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي اجْتَازَ بِهَا غَيْرُ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ابن عبد المطلب
قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَرْسَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ يَمْتَارُ لَهُمْ تَمْرًا فَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ فِي الشَّامِ، فَأَقْبَلَ فِي عِيرِ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مَرِيضٌ فَتُوُفِّيَ بِهَا، وَدُفِنَ فِي دَارِ النَّابِغَةِ الْجَعْدِيِّ، وَلَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (عَايِذُ بْنُ عِمْرَانَ: بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ. وَعَبِيدٌ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَعَوِيجُ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَكَسْرِ الْوَاوِ، وَآخِرُهُ جِيمٌ) [ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ] وَاسْمُهُ شَيْبَةُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي رَأْسِهِ لَمَّا وُلِدَ شَيْبَةٌ، وَأُمُّهُ سَلْمَى بِنْتُ عَمْرِو بْنِ زَيْدٍ الْخَزْرَجِيَّةُ النَّجَّارِيَّةُ، وَيُكَنَّى أَبَا الْحَارِثِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِأَنَّ أَبَاهُ هَاشِمًا شَخَصَ فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى عَمْرِو بْنِ لَبِيدٍ الْخَزْرَجِيِّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، فَرَأَى ابْنَتَهُ سَلْمَى فَأَعْجَبَتْهُ فَتَزَوَّجَهَا. وَشَرَطَ أَبُوهَا أَنْ لَا تَلِدَ وَلَدًا إِلَّا فِي أَهْلِهَا، ثُمَّ مَضَى هَاشِمٌ لِوَجْهِهِ وَعَادَ مِنَ الشَّامِ، فَبَنَى بِهَا فِي أَهْلِهَا، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى مَكَّةَ فَحَمَلَتْ. فَلَمَّا أَثْقَلَتْ رَدَّهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَمَضَى إِلَى الشَّامِ فَمَاتَ بِغَزَّةَ. فَوَلَدَتْ لَهُ سَلْمَى عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَمَكَثَ بِالْمَدِينَةِ سَبْعَ سِنِينَ. ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ مَرَّ بِالْمَدِينَةِ فَإِذَا غِلْمَانُ يَنْتَضِلُونَ، فَجَعَلَ شَيْبَةُ إِذَا أَصَابَ قَالَ: أَنَا ابْنُ هَاشِمٍ، أَنَا ابْنُ سَيِّدِ الْبَطْحَاءِ. فَقَالَ لَهُ الْحَارِثِيُّ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا ابْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. فَلَمَّا أَتَى الْحَارِثِيُّ مَكَّةَ قَالَ لِلْمُطَّلِبِ، وَهُوَ بِالْحِجْرِ: يَا أَبَا الْحَارِثِ تَعْلَمُ أَنِّي وَجَدْتُ غِلْمَانًا بِيَثْرِبَ وَفِيهِمُ ابْنُ أَخِيكَ، وَلَا يَحْسُنُ تَرْكُ مِثْلِهِ. فَقَالَ الْمُطَّلِبُ: لَا أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي حَتَّى آتِيَ بِهِ. فَأَعْطَاهُ الْحَارِثِيُّ نَاقَةً فَرَكِبَهَا، وَقِدَمَ الْمَدِينَةَ عِشَاءً فَرَأَى غِلْمَانًا يَضْرِبُونَ كُرَةً، فَعَرَفَ ابْنَ أَخِيهِ فَسَأَلَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ بِهِ، فَأَخَذَهُ وَأَرْكَبَهُ عَلَى عَجُزِ النَّاقَةِ.
وَقِيلَ: بَلْ أَخَذَهُ بِإِذْنِ أُمِّهِ، وَسَارَ إِلَى مَكَّةَ فَقَدِمَهَا ضَحْوَةً وَالنَّاسُ فِي مَجَالِسِهِمْ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ لَهُ: مَنْ هَذَا وَرَاءَكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا عَبْدِي. حَتَّى أَدْخَلَهُ مَنْزِلَهُ عَلَى امْرَأَتِهِ خَدِيجَةَ بِنْتِ سَعِيدِ بْنِ سَهْمٍ. فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا الَّذِي مَعَكَ؟ قَالَ: عَبْدٌ لِي. وَاشْتَرَى لَهُ حُلَّةً فَلَبِسَهَا، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ الْعَشِيَّ فَجَلَسَ إِلَى مَجْلِسِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ ابْنُ أَخِيهِ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَطُوفُ بِمَكَّةَ فَيُقَالُ: هَذَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، لِقَوْلِهِ هَذَا عَبْدِي. ثُمَّ أَوْقَفَهُ الْمُطَّلِبُ عَلَى مِلْكِ أَبِيهِ فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ. فَعَرَضَ لَهُ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهُوَ عَمُّهُ الْآخَرُ، بَعْدَ مَوْتِ الْمُطَّلِبِ، فِي رُكْحٍ لَهُ، وَهُوَ الْفِنَاءُ فَأَخَذَهُ، فَمَشَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى رِجَالَاتِ قُرَيْشٍ وَسَأَلَهُمُ النُّصْرَةَ عَلَى عَمِّهِ، فَقَالُوا لَهُ، مَا نَدْخُلُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَمِّكَ. فَكَتَبَ إِلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ يَصِفُ لَهُمْ حَالَهُ، فَخَرَجَ أَبُو سَعْدِ بْنُ عُدَسٍ النَّجَّارِيُّ فِي ثَمَانِينَ رَاكِبًا حَتَّى أَتَى الْأَبْطَحَ، فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَتَلَقَّاهُ، فَقَالَ لَهُ: الْمَنْزِلَ يَا خَالِ! قَالَ: حَتَّى أَلْقَى نَوْفَلًا. وَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَأْسِهِ فِي الْحِجْرِ مَعَ مَشَايِخِ قُرَيْشٍ، فَسَلَّ سَيْفَهُ ثُمَّ قَالَ: وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ لَتَرُدَّنَّ عَلَى ابْنِ أُخْتِنَا رُكْحَهُ أَوْ لَأَمْلَأَنَّ مِنْكَ السَّيْفَ! قَالَ: فَإِنِّي وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ أَرُدُّ عَلَيْهِ رُكْحَهُ، فَأَشْهَدَ عَلَيْهِ مَنْ حَضَرَ ثُمَّ قَالَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ: الْمَنْزِلَ يَا ابْنَ أَخِي. فَأَقَامَ عِنْدَهُ ثَلَاثًا، فَاعْتَمَرُوا وَانْصَرَفُوا. فَدَعَا ذَلِكَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ إِلَى الْحِلْفِ، فَدَعَا بِشْرَ بْنَ عَمْرٍو وَوَرْقَاءَ بْنَ فُلَانٍ وَرِجَالًا مِنْ رِجَالَاتِ خُزَاعَةَ فَحَالَفَهُمْ فِي الْكَعْبَةِ وَكَتَبُوا كِتَابًا. وَكَانَ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ السِّقَايَةُ وَالرِّفَادَةُ، وَشَرُفَ فِي قَوْمِهِ وَعَظُمَ شَأْنُهُ. ثُمَّ إِنَّهُ حَفَرَ زَمْزَمَ، وَهِيَ بِئْرُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، الَّتِي أَسْقَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا، فَدَفَنَتْهَا جُرْهُمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
سبب حفر بئر زمزم
[سَبَبُ حَفْرِ بِئْرِ زَمْزَمَ] وَكَانَ سَبَبُ حَفْرِهِ إِيَّاهَا أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ بِالْحِجْرِ إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ: احْفِرْ طَيْبَةَ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا طَيْبَةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ فَرَجَعْتُ الْغَدَ إِلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ بَرَّةَ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا بَرَّةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْتُ إِلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرِ الْمَضْنُونَةَ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا الْمَضْنُونَةُ؟ قَالَ فَذَهَبَ عَنِّي، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ زَمْزَمْ، إِنَّكَ إِنْ حَفَرْتَهَا لَا تَنْدَمْ. فَقُلْتُ. وَمَا زَمْزَمُ؟ قَالَ: تُرَاثٌ مِنْ أَبِيكَ الْأَعْظَمْ، لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذَمْ، تَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمْ، مِثْلَ نَعَامٍ جَافِلٍ لَمْ يُقْسَمْ، يُنْذِرُ فِيهَا نَاذِرٌ لِمُنْعِمْ، يَكُونُ مِيرَاثًا وَعَقْدًا مُحْكَمْ، لَيْسَ كَبَعْضِ مَا قَدْ تَعْلَمْ، وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدَّمْ، عِنْدَ نَقْرَةِ الْغُرَابِ الْأَعْصَمْ، عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ. فَلَمَّا بَيَّنَ لَهُ شَأْنَهَا، وَدَلَّ عَلَى مَوْضِعِهَا، وَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ، غَدَا بِمِعْوَلِهِ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ غَيْرُهُ، فَحَفَرَ بَيْنَ إِسَافَ وَنَائِلَةَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَنْحَرُ فِيهِ قُرَيْشٌ لِأَصْنَامِهَا، وَقَدْ رَأَى الْغُرَابَ يَنْقُرُ هُنَاكَ. فَلَمَّا بَدَا لَهُ الطَّوِيُّ كَبَّرَ، فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ حَاجَتَهُ، فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: بِئْرُ أَبِينَا إِسْمَاعِيلَ، وَإِنَّ لَنَا فِيهَا حَقًّا فَأَشْرِكْنَا مَعَكَ. قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، هَذَا أَمْرٌ خُصِصْتُ بِهِ دُونَكُمْ، قَالُوا: فَإِنَّا غَيْرُ تَارِكِيكَ حَتَّى نُخَاصِمَكَ فِيهَا، قَالَ: فَاجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ. قَالُوا: كَاهِنَةُ بَنِي سَعْدِ بْنِ هُذَيْمٍ، وَكَانَتْ بِمَشَارِفِ الشَّامِ.
فَرَكِبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَرَكِبَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ نَفَرٌ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ تِلْكَ الْمَفَاوِزِ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ فِي مَاءِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَصْحَابِهِ، فَظَمِئُوا حَتَّى أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ، فَطَلَبُوا الْمَاءَ مِمَّنْ مَعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمْ يَسْقُوهُمْ. فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ فَقَالُوا: رَأَيُنَا تَبَعٌ لِرَأْيِكَ فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ. قَالَ: فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَحْفِرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِنَفْسِهِ حُفْرَةً، فَكُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ وَارَاهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ آخِرُكُمْ مَوْتًا وَقَدْ وَارَى الْجَمِيعَ، فَضَيْعَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْسَرُ مِنْ ضَيْعَةِ رَكْبٍ. قَالُوا: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ. فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: وَاللَّهِ إِنَّ إِلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا هَكَذَا لِلْمَوْتِ، لَا نَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ وَنَبْتَغِي لِأَنْفُسِنَا لَعَجْزٌ. فَارْتَحَلُوا وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ رَكِبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَلَمَّا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ انْفَجَرَتْ مِنْ تَحْتِ خُفِّهَا عَيْنٌ عَذْبَةٌ مِنْ مَاءٍ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ أَصْحَابُهُ وَشَرِبُوا وَمَلَأُوا أَسْقِيَتَهُمْ، ثُمَّ دَعَا الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: هَلُمُّوا إِلَى الْمَاءِ فَقَدْ سَقَانَا اللَّهُ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: لَا نَسْقِيهِمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْقُونَا. فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ وَقَالَ: فَنَحْنُ إِذًا مِثْلُهُمْ! فَجَاءَ أُولَئِكَ الْقُرَشِيُّونَ وَمَلَأُوا أَسْقِيَتَهُمْ وَقَالُوا: قَدْ وَاللَّهِ قَضَى اللَّهُ لَكَ عَلَيْنَا يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، وَاللَّهِ لَا نُخَاصِمُكَ فِي زَمْزَمَ أَبَدًا، إِنَّ الَّذِي سَقَاكَ هَذَا الْمَاءَ بِهَذِهِ الْفَلَاةِ لَهُوَ الَّذِي سَقَاكَ زَمْزَمَ، فَارْجِعْ إِلَى سِقَايَتِكَ رَاشِدًا. فَرَجَعُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى الْكَاهِنَةِ وَخَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حَفْرِهَا وَجَدَ الْغَزَالَيْنِ اللَّذَيْنِ دَفَنَتْهُمَا جُرْهُمُ فِيهَا، وَهُمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَوَجَدَ فِيهَا أَسْيَافًا قَلْعِيَّةً وَأَدْرَاعًا. فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَنَا مَعَكَ فِي هَذَا شِرْكٌ وَحَقٌّ. قَالَ: لَا وَلَكِنْ هَلُمَّ إِلَى أَمْرٍ نَصَفٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، نَضْرِبُ عَلَيْهَا بِالْقِدَاحِ. فَقَالُوا: فَكَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: أَجْعَلُ لِلْكَعْبَةِ قِدْحَيْنِ، وَلَكُمْ قِدْحَيْنِ، وَلِي قِدْحَيْنِ، فَمَنْ خَرَجَ قِدَاحُهُ عَلَى شَيْءٍ أَخَذَهُ، وَمَنْ تَخَلَّفَ قِدَاحُهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ. قَالُوا: أَنْصَفْتَ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَضُرِبَتِ الْقِدَاحُ عِنْدَ هُبَلَ، فَخَرَجَ قِدْحَا الْكَعْبَةِ عَلَى الْغَزَالَيْنِ، وَخَرَجَ قِدْحَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى الْأَسْيَافِ وَالْأَدْرَاعِ، وَلَمْ يَخْرُجْ لِقُرَيْشٍ شَيْءٌ مِنَ الْقِدَاحِ. فَضَرَبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الْأَسْيَافَ بَابًا لِلْكَعْبَةِ، وَجَعَلَ فِيهِ الْغَزَالَيْنِ صَفَائِحَ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَانَ أَوَّلُ ذَهَبٍ حُلِّيَتْ بِهِ الْكَعْبَةُ.
عبد المطلب وجاره اليهودي
وَقِيلَ: بَلْ بَقِيَا فِي الْكَعْبَةِ وَسُرِقَا، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَأَقْبَلَ النَّاسُ وَالْحُجَّاجُ عَلَى بِئْرِ زَمْزَمَ تَبَرُّكًا بِهَا وَرَغْبَةً فِيهَا، وَأَعْرَضُوا عَمَّا سِوَاهَا مِنَ الْآبَارِ. وَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ تَظَاهُرَ قُرَيْشٍ عَلَيْهِ نَذَرَ لِلَّهِ تَعَالَى: إِنْ يُرْزِقْهُ عَشَرَةً مِنَ الْوِلْدَانِ يَبْلُغُونَ أَنْ يَمْنَعُوهُ وَيَذُبُّوا عَنْهُ نَحَرَ أَحَدَهُمْ قُرْبَانًا لِلَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ ذُكِرَ النَّذْرُ فِي اسْمِ عَبْدِ اللَّهِ أَبِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَوَّلُ مَنْ خَضَّبَ بِالْوَسْمَةِ، وَهُوَ السَّوَادُ، لِأَنَّ الشَّيْبَ أَسْرَعَ إِلَيْهِ. [عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَجَارُهُ الْيَهُودِيُّ] وَكَانَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَارٌ يَهُودِيٌّ يُقَالُ لَهُ أُذَيْنَةُ يَتَّجِرُ وَلَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَغَاظَ ذَلِكَ حَرْبَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَكَانَ نَدِيمَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأَغْرَى بِهِ فِتْيَانًا مِنْ قُرَيْشٍ لِيَقْتُلُوهُ وَيَأْخُذُوا مَالَهُ، فَقَتَلَهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ وَصَخْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ التَّيْمِيُّ جَدُّ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَعْرِفْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَاتِلِيهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْحَثُ حَتَّى عَرَفَهُمَا، وَإِذَا هُمَا قَدِ اسْتَجَارَا بِحَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، فَأَتَى حَرْبًا وَلَامَهُ وَطَلَبَهُمَا مِنْهُ. فَأَخْفَاهُمَا، فَتَغَالَظَا فِي الْقَوْلِ حَتَّى تَنَافَرَا إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ، فَلَمْ يَدْخُلْ بَيْنَهُمَا، فَجَعَلَا بَيْنَهُمَا نُفَيْلَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى الْعَدَوِيَّ جَدَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَقَالَ لِحَرْبٍ: يَا أَبَا عَمْرٍو أَتُنَافِرُ رَجُلًا هُوَ أَطْوَلُ مِنْكَ قَامَةً، وَأَوْسَمُ مِنْكَ وَسَامَةً، وَأَعْظَمُ مِنْكَ هَامَةً، وَأَقَلُّ مِنْكَ مَلَامَةً، وَأَكْثَرُ مِنْكَ وَلَدًا، وَأَجْزَلُ مِنْكَ صَفَدًا، وَأَطْوَلُ مِنْكَ مَدَدًا، وَإِنِّي لَأَقُولُ هَذَا وَإِنَّكَ لَبَعِيدُ الْغَضَبْ، رَفِيعُ الصَّوْتِ فِي الْعَرَبْ، جَلْدُ الْمَرِيرَهْ، تُحِبُّكَ الْعَشِيرَهْ، وَلَكِنَّكَ نَافَرْتَ مُنَفِّرًا، فَغَضِبَ حَرْبٌ
ابن هاشم
وَقَالَ: مِنَ انْتِكَاسِ الزَّمَانِ أَنْ جُعِلْتَ حَكَمًا. فَتَرَكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مُنَادَمَةَ حَرْبٍ وَنَادَمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُدْعَانَ التَّيْمِيَّ، وَأَخَذَ مِنْ حَرْبٍ مِائَةَ نَاقَةٍ فَدَفَعَهَا إِلَى ابْنِ عَمِّ الْيَهُودِيِّ، وَارْتَجَعَ مَالَهُ إِلَّا شَيْئًا هَلَكَ فَعَزَمَهُ مِنْ مَالِهِ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَحَنَّثَ بِحِرَاءَ، فَكَانَ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ صَعِدَ حِرَاءَ وَأَطْعَمَ الْمَسَاكِينَ جَمِيعَ الشَّهْرِ. وَتُوُفِّيَ وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ عَمِيَ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. [ابْنُ هَاشِمٍ] وَاسْمُ هَاشِمٍ عَمْرٌو، وَكُنْيَتُهُ أَبُو نَضْلَةَ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ هَاشِمٌ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ هَشَّمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ بِمَكَّةَ وَأَطْعَمَهُ. قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَ هَاشِمٌ أَكْبَرَ وَلَدِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَالْمُطَّلِبُ أَصْغَرَهُمْ، أُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ السُّلَمِيَّةُ، وَنَوْفَلٌ، وَأُمُّهُ وَاقِدَةُ، وَعَبْدُ شَمْسٍ، فَسَادُوا كُلُّهُمْ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُمُ الْمُجَبِّرُونَ. وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ أَخَذَ لِقُرَيْشٍ الْعِصَمَ، فَانْتَشَرُوا مِنَ الْحَرَمِ، أَخَذَ لَهُمْ هَاشِمٌ حَبْلًا مِنَ الرُّومِ وَغَسَّانَ بِالشَّامِ، وَأَخَذَ لَهُمْ عَبْدُ شَمْسٍ حَبْلًا مِنَ النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ، وَأَخَذَ لَهُمْ نَوْفَلٌ حَبْلًا مِنَ الْأَكَاسِرَةِ بِالْعِرَاقِ، وَأَخَذَ لَهُمُ الْمُطَّلِبُ حَبْلًا مِنْ حِمْيَرَ
بِالْيَمَنِ، فَاخْتَلَفَتْ قُرَيْشٌ بِهَذَا السَّبَبِ إِلَى هَذِهِ النَّوَاحِي، فَجَبَرَ اللَّهُ بِهِمْ قُرَيْشًا. وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ شَمْسٍ وَهَاشِمًا تَوْأَمَانِ، وَإِنَّ أَحَدَهُمَا وُلِدَ قَبْلَ الْآخَرِ وَإِصْبَعٌ لَهُ مُلْتَصِقَةٌ بِجَبْهَةِ صَاحِبِهِ فَنُحِّيَتْ، فَسَالَ الدَّمُ، فَقِيلَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا دَمٌ. وَوَلِيَ هَاشِمٌ بَعْدَ أَبِيهِ عَبْدِ مَنَافٍ مَا كَانَ إِلَيْهِ مِنَ السِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ، فَحَسَدَهُ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ عَلَى رِيَاسَتِهِ وَلِإِطْعَامِهِ، فَتَكَلَّفَ أَنْ يَصْنَعَ صَنِيعَ هَاشِمٍ، فَعَجَزَ عَنْهُ، فَشَمِتَ بِهِ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَغَضِبَ وَنَالَ مِنْ هَاشِمٍ وَدَعَاهُ إِلَى الْمُنَافَرَةِ، فَكَرِهَ هَاشِمٌ ذَلِكَ لِسِنِّهِ وَقَدْرِهِ، فَلَمْ تَدَعْهُ قُرَيْشٌ حَتَّى نَافَرَهُ عَلَى خَمْسِينَ نَاقَةٍ وَالْجَلَاءِ عَنْ مَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، فَرَضِيَ أُمَيَّةُ وَجَعْلَا بَيْنَهُمَا الْكَاهِنَ الْخُزَاعِيَّ، وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ، وَمَنْزِلُهُ بِعُسْفَانَ. وَكَانَ مَعَ أُمَيَّةَ هَمْهَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى الْفِهْرِيُّ، وَكَانَتِ ابْنَتُهُ عِنْدَ أُمَيَّةَ، فَقَالَ الْكَاهِنُ: " وَالْقَمَرِ الْبَاهِرْ، وَالْكَوْكَبِ الزَّاهِرْ، وَالْغَمَامِ الْمَاطِرْ، وَمَا بِالْجَوِّ مِنْ طَائِرْ، وَمَا اهْتَدَى بِعَلَمٍ مُسَافِرْ، مِنْ مُنْجِدٍ وَغَائِرْ، لَقَدْ سَبَقَ هَاشِمٌ أُمَيَّةَ إِلَى الْمَآثِرْ، أَوَّلٌ مِنْهُ وَآخِرْ، وَأَبُو هَمْهَمَةَ بِذَلِكَ خَابِرْ ". فَقَضَى لِهَاشِمٍ بِالْغَلَبَةِ، وَأَخَذَ هَاشِمٌ الْإِبِلَ فَنَحَرَهَا وَأَطْعَمَهَا، وَغَابَ أُمَيَّةُ عَنْ مَكَّةَ بِالشَّامِ عَشْرَ سِنِينَ. فَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ عَدَاوَةٍ وَقَعَتْ بَيْنَ هَاشِمٍ وَأُمِّيَّةَ. وَكَانَ يُقَالُ لِهَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ الْبَدْرَانِ لِجَمَالِهِمَا. وَمَاتَ هَاشِمٌ بِغَزَّةَ وَلَهُ عِشْرُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
ابن عبد مناف
وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ شَمْسٍ بِمَكَّةَ فَقُبِرَ بِأَجْيَادَ. ثُمَّ مَاتَ، نَوْفَلٌ بِسَلْمَانَ مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ. ثُمَّ مَاتَ الْمُطَّلِبُ بِرَدْمَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ وَكَانَتِ الرِّفَادَةُ وَالسِّقَايَةُ بَعْدَ هَاشِمٍ إِلَى أَخِيهِ الْمُطَّلِبِ لِصِغَرِ ابْنِهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ. [ابْنُ عَبْدِ مَنَافٍ] وَاسْمُهُ الْمُغِيرَةُ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْقَمَرُ لِجَمَالِهِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ حِينَ وَلَدَتْهُ دَفَعَتْهُ إِلَى مَنَافٍ، صَنَمٍ بِمَكَّةَ، تَدَيُّنًا بِذَلِكَ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ عَبْدُ مَنَافٍ. وَكَانَ عَبْدُ مَنَافٍ وَعَبْدُ الْعُزَّى وَعَبْدُ الدَّارِ بَنُو قُصَيٍّ إِخْوَةً، أُمُّهُمْ حُبَّى ابْنَةُ حُلَيْلِ بْنِ حُبْشِيَّةَ بْنِ سَلُولِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ خُزَاعَةَ، وَهُوَ الَّذِي عَقَدَ الْحِلْفَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَحَابِيشَ، وَالْأَحَابِيشُ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ، وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، وَبَنُو الْهُونِ مِنْ خُزَيْمَةَ. وَكَانَ قُصَيٌّ يَقُولُ: وُلِدَ لِي أَرْبَعَةُ بَنِينَ فَسَمَّيْتُ ابْنَيْنِ بِإِلَهَيَّ وَهُمَا: عَبْدُ مَنَافٍ، وَعَبْدُ الْعُزَّى، وَوَاحِدًا بِدَارِي وَهُوَ: عَبْدُ الدَّارِ، وَوَاحِدًا بِي، وَهُوَ عَبْدُ قُصَيٍّ. (حُلَيْلٌ: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى. وَحُبْشِيَّةُ: بِضَمِّ الْحَاءِ) . [ابْنُ قُصَيٍّ] وَاسْمُهُ زَيْدٌ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْمُغِيرَةِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ قُصَيٌّ لِأَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ حَرَامِ بْنِ ضِنَّةَ بْنِ
عَبْدِ كَبِيرِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدٍ تَزَوَّجَ أُمَّهُ فَاطِمَةَ ابْنَةَ سَعْدِ بْنِ سَيَلَ، وَاسْمُهُ جَبْرُ بْنُ جَمَالَةَ بْنِ عَوْفٍ، وَهِيَ أَيْضًا أُمُّ أَخِيهِ زُهْرَةَ، وَنَقَلَهَا إِلَى بِلَادِ عُذْرَةَ مِنْ مَشَارِفِ الشَّامِ، وَحَمَلَتْ مَعَهَا قُصَيًّا لِصِغَرِهِ، وَتَخَلَّفَ زُهْرَةُ فِي قَوْمِهِ لِكِبَرِهِ، فَوَلَدَتْ أُمُّهُ فَاطِمَةُ لِرَبِيعَةَ بْنِ حَرَامٍ رِزَاحَ بْنَ رَبِيعَةَ، فَهُوَ أَخِي قُصَيٍّ لِأُمِّهِ. وَكَانَ لِرَبِيعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ امْرَأَةٍ أُخْرَى، وَهُمْ حُنُّ بْنُ رَبِيعَةَ وَمَحْمُودٌ وَجُلْهُمَةُ. وَقِيلَ: إِنَّ حُنًّا كَانَ أَخَا قُصَيٍّ لِأُمِّهِ. فَشَبَّ زَيْدٌ فِي حِجْرِ رَبِيعَةَ، فَسُمِّيَ قُصَيًّا لِبُعْدِهِ عَنْ دَارِ قَوْمِهِ، وَكَانَ قُصَيٌّ يَنْتَمِي إِلَى رَبِيعَةَ إِلَى أَنْ كَبِرَ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ قُضَاعَةَ شَيْءٌ، فَعَيَّرَهُ الْقُضَاعِيُّ بِالْغُرْبَةِ، فَرَجَعَ قُصَيٌّ إِلَى أُمِّهِ وَسَأَلَهَا عَمَّا قَالَ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا بُنَيَّ أَنْتَ أَكْرَمُ مِنْهُ نَفْسًا وَأَبًا، أَنْتَ ابْنُ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ وَقَوْمُكَ بِمَكَّةَ عِنْدَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ. فَصَبَرَ حَتَّى دَخَلَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ، وَخَرَجَ مَعَ حَاجِّ قُضَاعَةَ، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وَأَقَامَ مَعَ أَخِيهِ زُهْرَةَ، ثُمَّ خَطَبَ إِلَى حُلَيْلِ بْنِ حُبْشِيَّةَ الْخُزَاعِيِّ ابْنَتَهُ حُبَّى، فَزَوَّجَهُ، وَحُلَيْلٌ يَوْمَئِذٍ يَلِي الْكَعْبَةَ. فَوَلَدَتْ أَوْلَادَهُ: عَبْدَ الدَّارِ، وَعَبْدَ مَنَافٍ، وَعَبْدَ الْعُزَّى، وَعَبْدَ قُصَيٍّ، وَكَثُرَ مَالُهُ وَعَظُمَ شَرَفُهُ. وَهَلَكَ حُلَيْلٌ وَأَوْصَى بِوِلَايَةِ الْبَيْتِ لِابْنَتِهِ حُبَّى، فَقَالَتْ: إِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى فَتْحِ الْبَابِ وَإِغْلَاقِهِ، فَجَعَلَ فَتْحَ الْبَابِ وَإِغْلَاقِهِ إِلَى ابْنِهِ الْمُحْتَرِشِ، وَهُوَ أَبُو غَبْشَانَ. فَاشْتَرَى قُصَيٌّ مِنْهُ وِلَايَةَ الْبَيْتِ بِزِقِّ خَمْرٍ وَبِعُودٍ، فَضَرَبَتْ بِهِ الْعَرَبُ الْمَثَلَ فَقَالَتْ: " أَخْسَرُ صَفْقَةً مِنْ أَبِي غُبْشَانَ ". فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ خُزَاعَةُ كَثُرُوا عَلَى قُصَيٍّ، فَاسْتَنْصَرَ أَخَاهُ رِزَاحًا، فَحَضَرَ هُوَ وَإِخْوَتُهُ الثَّلَاثَةُ فِيمَنْ تَبِعَهُ مِنْ قُضَاعَةَ إِلَى نُصْرَتِهِ، وَمَعَ قُصَيٍّ قَوْمُهُ بَنُو النَّضْرِ، وَتَهَيَّأَ لِحَرْبِ خُزَاعَةَ وَبَنِي بَكْرٍ، وَخَرَجَتْ إِلَيْهِمْ خُزَاعَةُ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَثُرَتِ الْقَتْلَى فِي الْفَرِيقَيْنِ وَالْجِرَاحُ، ثُمَّ تَدَاعَوْا إِلَى الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يُحَكِّمُوا بَيْنَهُمْ عَمْرَو بْنَ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ، فَقَضَى بَيْنَهُمْ بِأَنَّ قُصَيًّا أَوْلَى بِالْبَيْتِ وَمَكَّةَ مِنْ
خُزَاعَةَ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ أَصَابَهُ مِنْ خُزَاعَةَ وَبَنِي بَكْرَةَ مَوْضُوعٌ فَيَشْدَخُهُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ أَصَابَتْ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَبَنِي كِنَانَةَ فَفِي ذَلِكَ الدِّيَةُ مُؤَدَّاةٌ، فَسُمِّيَ بِعَمْرٍو الشَّدَّاخِ بِمَا شَدَخَ مِنَ الدِّمَاءِ وَمَا وَضَعَ مِنْهَا. فَوَلِيَ قُصَيٌّ الْبَيْتَ وَأَمِرَ مَكَّةَ. وَقِيلَ: إِنَّ حُلَيْلَ بْنَ حُبْشِيَّةَ أَوْصَى قُصَيًّا بِذَلِكَ وَقَالَ: أَنْتَ أَحَقُّ بِوِلَايَةِ الْبَيْتِ مِنْ خُزَاعَةَ. فَجَمَعَ قَوْمَهُ وَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ يَسْتَنْصِرُهُ، فَحَضَرَ فِي قُضَاعَةَ فِي الْمَوْسِمِ، وَخَرَجُوا إِلَى عَرَفَاتٍ، وَفَرَغُوا مِنَ الْحَجِّ وَنَزَلُوا مِنًى وَقُصَيٌّ مُجْمِعٌ عَلَى حَرْبِهِمْ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُ فَرَاغَ النَّاسِ مِنْ حَجِّهِمْ. فَلَمَّا نَزَلُوا مِنًى وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الصَّدَرَ، وَكَانَتْ صُوفَةُ تَدْفَعُ بِالنَّاسِ مِنْ عَرَفَاتٍ وَتُجِيزُهُمْ إِذَا تَفَرَّقُوا مِنْ مِنًى، إِذَا كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ أَتَوْا لِرَمْيِ الْجِمَارِ، وَرَجُلٌ مِنْ صُوفَةَ يَرْمِي لِلنَّاسِ لَا يَرْمُونَ حَتَّى يَرْمِيَ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ مِنًى أَخَذَتْ صُوفَةُ بِنَاحِيَتَيِ الْعَقَبَةِ وَحَبَسُوا النَّاسَ، فَقَالُوا: " أَجِيزِي صُوفَةُ "، فَإِذَا نَفَرَتْ صُوفَةُ وَمَضَتْ خُلِّيَ سَبِيلُ النَّاسِ فَانْطَلَقُوا بَعْدَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ فَعَلَتْ صُوفَةُ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ، قَدْ عَرَفَتْ لَهَا الْعَرَبُ ذَلِكَ، فَهُوَ دِينٌ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَأَتَاهُمْ قُصَيٌّ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ وَمِنْ قُضَاعَةَ فَمَنَعَهُمْ وَقَالَ: نَحْنُ أَوْلَى بِهَذَا مِنْكُمْ. فَقَاتَلُوهُ وَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتْ صُوفَةُ، وَغَلَبَهُمْ قُصَيٌّ عَلَى مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ، وَانْحَازَتْ عِنْدَ ذَلِكَ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ وَعَرَفُوا أَنَّهُ سَيَمْنَعُهُمْ كَمَا مَنَعَ صُوفَةَ. فَلَمَّا انْحَازُوا عَنْهُ بَادَأَهُمْ فَقَاتَلَهُمْ، فَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي الْفَرِيقَيْنِ وَأَجْلَى خُزَاعَةَ عَنِ الْبَيْتِ، وَجَمَعَ قُصَيٌّ قَوْمَهُ إِلَى مَكَّةَ مِنَ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ وَالْجِبَالِ، فَسُمِّيَ مُجَمِّعًا، وَنَزَّلَ بَنِي بَغِيضِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَبَنِي تَيْمِ الْأَدْرَمِ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ وَبَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ وَبَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، إِلَّا بَنِي هِلَالِ بْنِ أُهَيْبٍ رَهْطَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَإِلَّا رَهْطَ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ، بِظَوَاهِرِ مَكَّةَ، فَسُمُّوا قُرَيْشَ الظَّوَاهِرِ، وَتَسَمَّى سَائِرُ بُطُونِ قُرَيْشٍ قُرَيْشَ الْبِطَاحِ، وَكَانَتْ قُرَيْشُ الظَّوَاهِرِ تُغِيرُ وَتَغْزُو، وَتُسَمَّى قُرَيْشُ الْبِطَاحِ الضَّبَّ لِلُزُومِهَا الْحَرَمَ.
فَلَمَّا تَرَكَ قُصَيٌّ قُرَيْشًا بِمَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا مَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ. فَكَانَ أَوَّلَ وَلَدِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَصَابَ مُلْكًا أَطَاعَهُ بِهِ قَوْمُهُ، وَكَانَ إِلَيْهِ الْحِجَابَةُ وَالسِّقَايَةُ وَالرِّفَادَةُ وَالنَّدْوَةُ وَاللِّوَاءُ، فَحَازَ شَرَفَ قُرَيْشٍ كُلَّهُ، وَقَسَّمَ مَكَّةَ أَرْبَاعًا بَيْنَ قَوْمِهِ، فَبَنَوُا الْمَسَاكِنَ وَاسْتَأْذَنُوهُ فِي قَطْعِ الشَّجَرِ، فَمَنَعَهُمْ، فَبَنَوْا وَالشَّجَرُ فِي مَنَازِلِهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَطَعُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَتَيَمَّنَتْ قُرَيْشٌ بِأَمْرِهِ فَمَا تَنْكِحُ امْرَأَةٌ وَلَا رَجُلٌ إِلَّا فِي دَارِهِ، وَلَا يَتَشَاوَرُونَ فِي أَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِمْ إِلَّا فِي دَارِهِ، وَلَا يَعْقِدُونَ لِوَاءً لِلْحَرْبِ إِلَّا فِي دَارِهِ، يَعْقِدُهُ بَعْضُ وَلَدِهِ، وَمَا تَدَّرِعُ جَارِيَةٌ إِذَا بَلَغَتْ أَنْ تَدَّرِعَ إِلَّا فِي دَارِهِ، وَكَانَ أَمْرُهُ فِي قَوْمِهِ كَالدِّينِ الْمُتَّبَعِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ. فَاتَّخَذَ دَارَ النَّدْوَةِ وَبَابُهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَفِيهَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقْضِي أُمُورَهَا. فَلَمَّا كَبِرَ قُصَيٌّ وَرَقَّ، وَكَانَ وَلَدُهُ عَبْدُ الدَّارِ أَكْبَرَ وَلَدِهِ، وَكَانَ ضَعِيفًا، وَكَانَ عَبْدُ مَنَافٍ قَدْ سَادَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ وَكَذَلِكَ إِخْوَتُهُ، قَالَ قُصَيٌّ لِعَبْدِ الدَّارِ: وَاللَّهِ لَأُلْحِقَنَّكَ بِهِمْ! فَأَعْطَاهُ دَارَ النَّدْوَةِ وَالْحِجَابَةَ، وَهِيَ حِجَابَةُ الْكَعْبَةِ، وَاللِّوَاءَ، وَهُوَ كَانَ يَعْقِدُ لِقُرَيْشٍ أَلْوِيَتَهُمْ وَالسِّقَايَةَ، كَانَ يَسْقِي الْحَاجَّ، وَالرِّفَادَةَ، وَهِيَ خَرْجٌ تُخْرِجُهُ قُرَيْشٌ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ مِنْ أَمْوَالِهَا إِلَى قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ فَيَصْنَعُ مِنْهُ طَعَامًا لِلْحَاجِّ يَأْكُلُهُ الْفُقَرَاءُ، وَكَانَ قُصَيٌّ قَدْ قَالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّكُمْ جِيرَانُ اللَّهِ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَإِنَّ الْحَاجَّ ضَيْفُ اللَّهِ وَزُوَّارُ بَيْتِهِ، وَهُمْ أَحَقُّ الضَّيْفِ بِالْكَرَامَةِ، فَاجْعَلُوا لَهُمْ طَعَامًا وَشَرَابًا أَيَّامَ الْحَجِّ. فَفَعَلُوا فَكَانُوا يُخْرِجُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَيَصْنَعُ بِهِ الطَّعَامَ أَيَّامَ مِنًى، فَجَرَى الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ إِلَى الْآنَ، فَهُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يَصْنَعُهُ الْخُلَفَاءُ كُلَّ عَامٍ بِمِنًى. فَأَمَّا الْحِجَابَةُ فَهِيَ فِي وَلَدِهِ إِلَى الْآنَ، وَهُمْ بَنُو شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ. وَأَمَّا اللِّوَاءُ فَلَمْ يَزَلْ فِي وَلَدِهِ إِلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ، فَقَالَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلِ اللِّوَاءَ فِينَا. فَقَالَ: " الْإِسْلَامُ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ ". فَبَطَلَ. وَأَمَّا الرِّفَادَةُ وَالسِّقَايَةُ فَإِنَّ بَنِي عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ: عَبْدُ شَمْسٍ، وَهَاشِمٌ، وَالْمُطَّلِبُ، وَنَوْفَلٌ، أَجْمَعُوا أَنْ يَأْخُذُوهَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ لِشَرَفِهِمْ عَلَيْهِمْ وَفَضْلِهِمْ، فَتَفَرَّقَتْ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْشٌ، فَكَانَتْ طَائِفَةٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَطَائِفَةٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ لَا
يَرَوْنَ تَغْيِيرَ مَا فَعَلَهُ قُصَيٌّ، وَكَانَ صَاحِبُ أَمْرِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ عَامِرَ بْنَ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ. فَكَانَ بَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَبَنُو زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ، وَبَنُو تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ بَنُو مَخْزُومٍ، وَبَنُو سَهْمٍ، وَبَنُو جُمَحٍ، وَبَنُو عَدِيٍّ مَعَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَتَحَالَفَ كُلُّ قَوْمٍ حِلْفًا مُؤَكَّدًا، وَأَخْرَجَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً طِيبًا فَوَضَعُوهَا عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَتَحَالَفُوا وَجَعَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِي الطِّيبِ، فَسُمُّوا الْمُطَيَّبِينَ. وَتَعَاقَدَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَمَنْ مَعَهُمْ وَتَحَالَفُوا فَسُمُّوا الْأَحْلَافَ، وَتَعَبَّوْا لِلْقِتَالِ، ثُمَّ تَدَاعَوْا إِلَى الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يُعْطُوا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ، فَرَضُوا بِذَلِكَ وَتَحَاجَزَ النَّاسُ عَنِ الْحَرْبِ وَاقْتَرَعُوا عَلَيْهَا، فَصَارَتْ لِهَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ لِلْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، ثُمَّ لِأَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَادَّانَ مِنْ أَخِيهِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ مَالًا فَأَنْفَقَهُ، ثُمَّ عَجِزَ عَنِ الْأَدَاءِ فَأَعْطَى الْعَبَّاسَ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ عِوَضًا عَنْ دَيْنِهِ، فَوَلِيَهَا، ثُمَّ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثُمَّ دَاوُدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ وَلِيَهَا الْمَنْصُورُ وَصَارَ يَلِيهَا الْخُلَفَاءُ. وَأَمَّا دَارُ النَّدْوَةِ فَلَمْ تَزَلْ لِعَبْدِ الدَّارِ، ثُمَّ لِوَلَدِهِ حَتَّى بَاعَهَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ مِنْ مُعَاوِيَةَ فَجَعَلَهَا دَارَ الْإِمَارَةِ بِمَكَّةَ، وَهِيَ الْآنَ فِي الْحَرَمِ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ. ثُمَّ هَلَكَ قُصَيٌّ فَأَقَامَ أَمْرَهُ فِي قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ، وَكَانَ قُصَيٌّ لَا يُخَالَفُ سِيرَتُهُ وَأَمْرُهُ، وَلَمَّا مَاتَ دُفِنَ بِالْحَجُونِ، فَكَانُوا يَزُورُونَ قَبْرَهُ وَيُعَظِّمُونَهُ. وَحَفَرَ بِمَكَّةَ بِئْرًا سَمَّاهَا الْعَجُولَ، وَهِيَ أَوَّلُ بِئْرٍ حَفَرَتْهَا قُرَيْشٌ بِمَكَّةَ.
(سَيَلُ: بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ. وَحَرَامٌ: بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ. وَرِزَاحٌ: بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَفَتْحِ الزَّايِ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ. وَحُبَّى: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَمِلْكَانُ: بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ اللَّامِ. وَأَمَّا مَلَكَانُ بْنُ حَزْمِ بْنِ رَيَّانَ، وَمَلَكَانُ بْنُ عُبَادِ بْنِ عِيَاضٍ، فَهُمَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ) . ابْنُ كِلَابٍ وَيُكَنَّى أَبَا زُهْرَةَ، وَأُمُّ كِلَابٍ: هِنْدٌ بِنْتُ سُرَيْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ، وَلَهُ أَخَوَانِ لِأَبِيهِ مِنْ غَيْرِ أُمِّهِ، وَهُمَا تَيْمٌ وَيَقَظَةُ، أُمُّهُمَا أَسْمَاءُ بِنْتُ جَارِيَةَ الْبَارِقِيَّةُ، وَقِيلَ: يَقَظَةُ لِهِنْدٍ بِنْتِ سُرَيْرٍ أُمِّ كِلَابٍ. (يَقَظَةُ بِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَبِفَتْحِ الْقَافِ وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ) . ابْنُ مُرَّةَ وَيُكَنَّى أَبَا يَقَظَةَ، وَأُمُّ مُرَّةَ: مَخْشِيَّةُ ابْنَةُ شَيْبَانَ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَأَخَوَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ: هُصَيْصٌ وَعَدِيٌّ، وَقِيلَ: أُمُّ عَدِيٍّ رَقَاشُ بِنْتُ رُكْبَةَ بْنِ نَائِلَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ حَرْبِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ فَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ. (هُصَيْصٌ: بِضَمِّ الْهَاءِ، وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَصَادٌ ثَانِيَةٌ) .
ابْنُ كَعْبٍ وَيُكَنَّى أَبَا هُصَيْصٍ، وَأُمُّ كَعْبٍ مُعَاوِيَةُ ابْنَةُ كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ الْقُضَاعِيَّةُ، وَلَهُ أَخَوَانِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، أَحَدُهُمَا عَامِرٌ، وَالْآخَرُ سَامَةُ، وَلَهُمْ مِنْ أَبِيهِمْ أَخٌ كَانَ يُقَالُ لَهُ عَوْفٌ، أُمُّهُ الْبَارِدَةُ ابْنَةُ عَوْفِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَانْتَمَى وَلَدُهُ إِلَى غَطَفَانَ، وَكَانَ خَرَجَ مَعَ أُمِّهِ الْبَارِدَةِ إِلَى غَطَفَانَ، فَتَزَوَّجَهَا سَعْدُ بْنُ ذُبْيَانَ، فَتَبَنَّاهُ سَعْدٌ. وَلِكَعْبٍ أَيْضًا أَخَوَانِ مِنْ غَيْرِ أُمِّهِ، أَحَدُهُمَا خُزَيْمَةُ، وَهُوَ عَائِذَةُ قُرَيْشٍ، وَعَائِذَةُ أَمُّهُ وَهِيَ ابْنَةُ الْخِمْسِ بْنِ قُحَافَةَ مَنْ خَثْعَمٍ، وَالْآخَرُ سَعْدٌ، وَيُقَالُ لَهُ بُنَانَةُ، وَبُنَانَةُ أُمُّهُ، فَأَهْلُ الْبَادِيَةِ مِنْهُمْ فِي بَنِي أَسْعَدَ بْنِ هَمَّامٍ فِي بَنِي شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَالْحَاضِرَةُ يَنْتَمُونَ إِلَى قُرَيْشٍ. وَكَانَ كَعْبٌ عَظِيمَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْعَرَبِ، فَلِهَذَا أَرَّخُوا لِمَوْتِهِ إِلَى عَامِ الْفِيلِ ثُمَّ أَرَّخُوا بِالْفِيلِ، وَكَانَ يَخْطُبُ النَّاسَ أَيَّامَ الْحَجِّ، وَخُطْبَتُهُ مَشْهُورَةٌ يُخْبِرُ فِيهَا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (جَسْرٌ: بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ) . ابْنُ لُؤَيٍّ وَيُكَنَّى أَبَا كَعْبٍ، وَأُمُّ لُؤَيٍّ عَاتِكَةُ ابْنَةُ يَخْلُدَ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَهِيَ أُولَى الْعَوَاتِكِ اللَّوَاتِي
وَلَدْنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَهُ أَخَوَانِ، أَحَدُهُمَا تَيْمُ الْأَدْرَمِ، وَالدَّرَمُ نُقْصَانٌ فِي الذَّقْنِ، قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ نَاقِصَ اللَّحْيِ، وَالْآخَرُ قَيْسٌ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَآخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي زَمَنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ، فَبَقِيَ مِيرَاثُهُ لَا يُدْرَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ. وَقِيلَ: إِنَّ أُمَّهُمْ سَلْمَى بِنْتُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُوَ لِحْيُ بْنُ حَارِثَةَ الْخُزَاعِيُّ. (يَخْلُدُ: بِفَتْحِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَبَعْدَ اللَّامِ دَالٌ مُهْمَلَةٌ) . ابْنُ غَالِبٍ وَيُكَنَّى أَبَا تَيْمٍ، وَأُمُّ غَالِبٍ لَيْلَى ابْنَةُ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ، وَإِخْوَتُهُ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ: الْحَارِثُ وَمُحَارِبٌ وَأَسَدٌ وَعَوْفٌ وَجَوْنٌ وَذِئْبٌ، وَكَانَتْ مُحَارِبُ وَالْحَارِثُ مِنْ قُرَيْشِ الظَّوَاهِرِ، فَدَخَلَتِ الْحَارِثُ الْأَبْطَحَ. ابْنُ فِهْرٍ وَيُكَنَّى أَبَا غَالِبٍ، وَفِهْرٌ هُوَ جُمَّاعُ قُرَيْشٍ، فِي قَوْلِ هِشَامٍ، وَأُمُّهُ جَنْدَلَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيِّ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَكَانَ فِهْرٌ رَئِيسَ النَّاسِ بِمَكَّةَ، وَكَانَ حَسَّانُ - فِيمَا قِيلَ - أَقْبَلَ مِنَ الْيَمَنِ مَعَ حِمْيَرَ
وَغَيْرِهِمْ يُرِيدُ أَنْ يَنْقُلَ أَحْجَارَ الْكَعْبَةِ إِلَى الْيَمَنِ، فَنَزَلَ بِنَخْلَةَ، فَاجْتَمَعَ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وَخُزَيْمَةُ وَأَسَدٌ وَجُذَامٌ وَغَيْرُهُمْ، وَرَئِيسُهُمْ فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَأُسِرَ حَسَّانُ وَانْهَزَمَتْ حِمْيَرُ، وَبَقِيَ حَسَّانُ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَافْتَدَى نَفْسَهُ وَخَرَجَ فَمَاتَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ. ابْنُ مَالِكٍ وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْحَارِثِ، وَأُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ عُدْوَانَ، وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ قَيْسِ عَيْلَانَ، وَلَقَبُهَا عِكْرِشَةُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّ النَّضْرَ بْنَ كِنَانَةَ كَانَ اسْمُهُ قُرَيْشًا. وَقِيلَ: لَمَّا جَمَعَهُمْ قُصَيٌّ قِيلَ لَهُمْ قُرَيْشٌ، وَالتَّقَرُّشُ التَّجَمُّعُ. وَقِيلَ لَمَّا مَلَكَ قُصَيٌّ الْحَرَمَ وَفَعَلَ أَفْعَالًا جَمِيلَةً قِيلَ لَهُ الْقُرَشِيُّ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ بِهِ، وَهُوَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ أَيْضًا، أَيْ لِاجْتِمَاعِ خِصَالِ الْخَيْرِ فِيهِ، وَقَدْ قِيلَ فِي تَسْمِيَةِ قُرَيْشٍ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ لَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهَا. وَقُصَيٌّ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ وَقُودَ النَّارِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانَتْ تُوقَدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ بَعْدِهِ. ابْنُ النَّضْرِ وَيُكَنَّى أَبَا يَخْلُدَ، كُنِّيَ بِابْنِهِ يَخْلُدَ، وَاسْمُ النَّضْرِ قَيْسٌ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ النَّضْرُ لِجَمَالِهِ،
وَأُمُّهُ بَرَّةُ ابْنَةُ مُرِّ بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ أُخْتُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ، وَإِخْوَتُهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ: نُضَيْرٌ وَمَالِكٌ وَمِلْكَانُ وَعَامِرٌ وَالْحَارِثُ وَعَمْرٌو وَسَعْدٌ وَعَوْفٌ وَغَنْمٌ وَمَخْزَمَةُ وَجَرْوَلُ وَغَزْوَانُ وَجُدَالٌ، وَأَخُوهُمْ لِأَبِيهِمْ عَبْدُ مَنَاةَ، وَأُمُّهُ فُكَيْهَةُ وَهِيَ الذَّفْرَاءُ، ابْنَةُ هَنِيِّ بْنِ بَلِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَأَخُو عَبْدِ مَنَاةَ لِأُمِّهِ: عَلِيُّ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَازِنٍ الْغَسَّانِيُّ، وَكَانَ قَدْ حَضَنَ أَوْلَادَ أَخِيهِ عَبْدِ مَنَاةَ فَنُسِبُوا إِلَيْهِ، فَقِيلَ لِبَنِي عَبْدِ مَنَاةَ بَنُو عَلِيٍّ، وَإِيَّاهُمْ عَنَى الشَّاعِرُ بِقَوْلِهِ: لِلَّهِ دَرُّ بَنِي عَلِ ... يٍّ أَيِّمٍ مِنْهُمْ وَنَاكِحِ وَقِيلَ: تَزَوَّجَ امْرَأَةَ عَبْدِ مَنَاةَ فَوَلَدَتْ لَهُ، وَحَضَنَ بَنِي عَبْدِ مَنَاةَ فَغَلَبَ عَلَى نَسَبِهِمْ، ثُمَّ وَثَبَ مَالِكُ بْنُ كِنَانَةَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَتَلَهُ، فَوَدَاهُ أَسَدُ بْنُ خُزَيْمَةَ. ابْنُ كِنَانَةَ وَيُكَنَّى أَبَا النَّضْرِ، وَأُمُّ كِنَانَةَ عَوَانَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ، وَقِيلَ: هِنْدُ ابْنَةُ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، وَإِخْوَتُهُ لِأَبِيهِ أَسَدٌ وَأَسَدَةُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَبُو جُذَامٍ وَالْهُونِ، وَأُمُّهُمْ بَرَّةُ بِنْتُ مُرٍّ، وَهِيَ أُمُّ النَّضْرِ، خَلَفَ عَلَيْهَا بَعْدَ أَبِيهِ.
ابْنُ خُزَيْمَةَ وَيُكَنَّى أَبَا أَسَدٍ، وَأُمُّهُ سَلْمَى ابْنَةُ أَسْلُمَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَأَخُوهُ لِأُمِّهِ: تَغْلِبُ بْنُ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ، وَأَخُو خُزَيْمَةَ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ: هُذَيْلٌ، وَقِيلَ: أُمُّهُمَا سَلْمَى بِنْتُ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ. وَخُزَيْمَةُ هُوَ الَّذِي نَصَبَ هُبَلَ عَلَى الْكَعْبَةِ، فَكَانَ يُقَالُ هُبَلُ خُزَيْمَةَ (أَسْلُمُ) بِضَمِّ اللَّامِ. ابْنُ مُدْرِكَةَ وَاسْمُهُ عَمْرٌو، وَيُكَنَّى أَبَا هُذَيْلٍ، وَقِيلَ: أَبَا خُزَيْمَةَ، وَأُمُّهُ خِنْدِفٌ، وَهِيَ لَيْلَى ابْنَةُ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ، وَأُمُّهَا ضَرِيَّةُ ابْنَةُ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَبِهَا سُمِّيَ حِمَى ضَرِيَّةَ. وَإِخْوَةُ مُدْرِكَةَ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ: عَامِرٌ، وَهُوَ طَابِخَةُ، وَعُمَيْرٌ، وَهُوَ قَمَعَةُ، يُقَالُ: إِنَّهُ أَبُو خُزَاعَةَ. قَالَ هِشَامٌ: خَرَجَ إِلْيَاسُ فِي نُجْعَةٍ لَهُ فَنَفَرَتْ إِبِلُهُ مِنْ أَرْنَبٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا عَمْرٌو فَأَدْرَكَهَا فَسُمِّيَ " مُدْرِكَةَ "، وَأَخَذَهَا عَامِرٌ فَطَبَخَهَا فَسُمِّيَ طَابِخَةَ، وَانْقَمَعَ عُمَيْرٌ فِي الْخِبَاءِ فَسُمِّيَ قَمَعَةَ، وَخَرَجَتْ أُمُّهُمْ لَيْلَى تَمْشِي فَقَالَ لَهَا إِلْيَاسُ: أَيْنَ تُخَنْدِفِينَ؟ فَسُمِّيَتْ خِنْدِفًا، وَالْخَنْدَفَةُ: ضَرْبٌ مِنَ الْمَشْيِ.
ابْنُ إِلْيَاسَ وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو، وَأُمُّهُ الرَّبَابُ ابْنَةُ حَيْدَةَ بْنِ مَعَدٍّ، وَأَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ النَّاسُ، بِالنُّونِ، وَهُوَ عَيْلَانُ، وَسُمِّيَ عَيْلَانَ لِفَرَسٍ لَهُ كَانَ يُدْعَى عَيْلَانَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ فِي أَصْلِ جَبَلٍ يُسَمَّى عَيْلَانَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ حَزِنَتْ عَلَيْهِ خِنْدِفٌ حُزْنًا شَدِيدًا، فَلَمْ تَقُمْ حَيْثُ مَاتَ، وَلَمْ يُظِلَّهَا سَقْفٌ حَتَّى هَلَكَتْ، فَضُرِبَ بِهَا الْمَثَلُ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الْخَمِيسَ، فَكَانَتْ تَبْكِي كُلَّ خَمِيسٍ مِنْ غَدْوَةٍ إِلَى اللَّيْلِ. ابْنُ مُضَرَ وَأُمُّهُ سَوْدَةُ بِنْتُ عَكٍّ، وَأَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ إِيَادٌ، وَلَهُمَا أَخَوَانِ مِنْ أَبِيهِمَا: رَبِيعَةُ وَأَنْمَارٌ، وَأُمُّهُمَا جَدَالَةُ ابْنَةُ وَعْلَانَ مِنْ جُرْهُمٍ. وَذُكِرَ أَنَّ نِزَارَ بْنَ مَعَدٍّ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى بَنِيهِ وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ: يَا بَنِيَّ هَذِهِ الْقُبَّةُ، وَهِيَ مِنْ أَدَمٍ حَمْرَاءُ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ مَالِي لِمُضَرَ فَسُمِّيَ مُضَرَ الْحَمْرَاءَ، وَهَذَا الْخِبَاءُ الْأَسْوَدُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ مَالِي لِرَبِيعَةَ، وَهَذِهِ الْخَادِمُ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ مَالِي لِإِيَادٍ، وَكَانَتْ شَمْطَاءَ، فَأَخَذَ الْبُلْقَ وَالنَّقَدَ مِنْ غَنَمِهِ، وَهَذِهِ الْبَدْرَةُ وَالْمَجْلِسُ لِأَنْمَارٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ أَنْمَارٌ مَا أَصَابَهُ، فَإِنْ أَشْكَلَ فِي ذَلِكَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ وَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْقِسْمَةِ فَعَلَيْكُمْ بِالْأَفْعَى الْجُرْهُمِيِّ. فَاخْتَلَفُوا فَتَوَجَّهُوا إِلَى الْأَفْعَى الْجُرْهُمِيِّ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ فِي مَسِيرِهِمْ إِذْ رَأَى مَضَرُ كَلَأً قَدْ رُعِيَ فَقَالَ: إِنَّ الْبَعِيرَ الَّذِي قَدْ رَعَى هَذَا الْكَلَأَ لَأَعْوَرُ. وَقَالَ رَبِيعَةُ: هُوَ
أَزْوَرُ. وَقَالَ إِيَادٌ: هُوَ أَبْتَرُ. وَقَالَ أَنْمَارٌ: هُوَ شَرُودٌ. فَلَمْ يَسِيرُوا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى لَقِيَهُمْ رَجُلٌ تُوضِعُ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَسَأَلَهُمْ عَنِ الْبَعِيرِ، فَقَالَ مُضَرُ: هُوَ أَعْوَرُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ رَبِيعَةُ: هُوَ أَزْوَرُ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ إِيَادٌ: هُوَ أَبْتَرُ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ أَنْمَارٌ: هُوَ شُرُودٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذِهِ صِفَةُ بَعِيرِي، دُلُّونِي عَلَيْهِ، فَحَلَفُوا لَهُ مَا رَأَوْهُ، فَلَزِمَهُمْ، وَقَالَ: كَيْفَ أُصَدِّقُكُمْ وَهَذِهِ صِفَةُ بَعِيرِي! فَسَارُوا جَمِيعًا حَتَّى قَدِمُوا نَجْرَانَ فَنَزَلُوا عَلَى الْأَفْعَى الْجُرْهُمِيِّ، فَقَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْبَعِيرِ حَدِيثَهُ، فَقَالَ لَهُمُ الْجُرْهُمِيُّ: كَيْفَ وَصَفْتُمُوهُ وَلَمْ تَرَوْهُ؟ قَالَ مُضَرُ: رَأَيْتُهُ يَرْعَى جَانِبًا وَيَدَعُ جَانِبًا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ أَعْوَرُ. وَقَالَ رَبِيعَةُ: رَأَيْتُ إِحْدَى يَدَيْهِ ثَابِتَةً وَالْأُخْرَى فَاسِدَةَ الْأَثَرِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ أَزْوَرُ. وَقَالَ إِيَادٌ: عَرَفْتُ أَنَّهُ أَبْتَرُ بِاجْتِمَاعِ بَعْرِهِ وَلَوْ كَانَ أَذْنَبَ لَمَصَعَ بِهِ. وَقَالَ أَنْمَارٌ: وَعَرَفْتُ أَنَّهُ شَرُودٌ لِأَنَّهُ يَرْعَى الْمَكَانَ الْمُلْتَفَّ، ثُمَّ يَجُوزُهُ إِلَى مَكَانٍ أَرَقَّ مِنْهُ نَبْتًا وَأَخْبَثَ. فَقَالَ الْجُرْهُمِيُّ: لَيْسُوا بِأَصْحَابِ بَعِيرِكَ فَاطْلُبْهُ. ثُمَّ سَأَلَهُمْ مَنْ هُمْ، فَأَخْبَرُوهُ، فَرَحَّبَ بِهِمْ وَقَالَ: أَتَحْتَاجُونَ أَنْتُمْ إِلَيَّ وَأَنْتُمْ كَمَا أَرَى؟ وَدَعَا لَهُمْ بِطَعَامٍ فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا. فَقَالَ مُضَرُ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ خَمْرًا أَجْوَدَ لَوْلَا أَنَّهَا نَبَتَتْ عَلَى قَبْرٍ. وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ لَحْمًا أَطْيَبَ لَوْلَا أَنَّهُ رُبِّيَ بِلَبَنِ كَلْبَةٍ. وَقَالَ إِيَادٌ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ رَجُلًا أَسْرَى لَوْلَا أَنَّهُ لِغَيْرِ أَبِيهِ الَّذِي يَنْتَمِي إِلَيْهِ. وَقَالَ أَنْمَارٌ: لَمْ أَرَ الْيَوْمَ كَلَامًا أَنْفَعَ لِحَاجَتِنَا مِنْ كَلَامِنَا. وَسَمِعَ الْجُرْهُمِيُّ الْكَلَامَ فَعَجِبَ، فَأَتَى أُمَّهُ وَسَأَلَهَا، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ مَلِكٍ لَا يُولَدُ لَهُ، فَكَرِهَتْ أَنْ يَذْهَبَ الْمُلْكُ فَأَمْكَنَتْ رَجُلًا مِنْ نَفْسِهَا فَحَمَلَتْ بِهِ، وَسَأَلَ الْقَهْرَمَانَ عَنِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: مِنْ حَبَلَةٍ غَرَسْتُهَا عَلَى قَبْرِ أَبِيكَ، وَسَأَلَ الرَّاعِي عَنِ اللَّحْمِ
فَقَالَ: شَاةٌ أَرْضَعْتُهَا لَبَنَ كَلْبَةٍ. فَقِيلَ لِمُضَرَ: مِنْ أَيْنَ عَرَفْتَ الْخَمْرَ؟ فَقَالَ: لِأَنِّي أَصَابَنِي عَطَشٌ شَدِيدٌ. وَقِيلَ لِرَبِيعَةَ فِيمَا قَالَ، فَذَكَرَ كَلَامًا، وَأَتَاهُمُ الْجُرْهُمِيُّ وَقَالَ: صِفُوا لِي صِفَتَكُمْ، فَقَصُّوا عَلَيْهِ قِصَّتَهُمْ، فَقَضَى بِالْقُبَّةِ الْحَمْرَاءِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْإِبِلِ، وَهِيَ حُمْرٌ، لِمُضَرَ، وَقَضَى بِالْخِبَاءِ الْأَسْوَدِ وَالْخَيْلِ الدُّهْمِ لِرَبِيعَةَ، وَقَضَى بِالْخَادِمِ، وَكَانَتْ شَمْطَاءَ، وَالْمَاشِيَةِ الْبُلْقِ لِإِيَادٍ، وَقَضَى بِالْأَرْضِ وَالدَّرَاهِمِ لِأَنْمَارَ. وَمُضَرُ أَوَّلُ مَنْ حَدَا، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ بَعِيرِهِ فَانْكَسَرَتْ يَدُهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا يَدَاهُ يَا يَدَاهُ، فَأَتَتْهُ الْإِبِلُ مِنَ الْمَرْعَى، فَلَمَّا صَلَحَ وَرَكِبَ حَدَا وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتًا. وَقِيلَ: بَلِ انْكَسَرَتْ يَدُ مَوْلًى لَهُ فَصَاحَ، فَاجْتَمَعَتِ الْإِبِلُ، فَوَضَعَ مُضَرُ الْحِدَاءَ وَزَادَ النَّاسَ فِيهِ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ حِينَئِذٍ: " بَصْبَصْنَ إِذْ حُدِينَ بِالْأَذْنَابِ "، فَذَهَبَ مَثَلًا. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَسُبُّوا مُضَرَ وَرَبِيعَةَ فَإِنَّهُمَا مُسْلِمَانِ» . ابْنُ نِزَارٍ وَقِيلَ: كَانَ يُكَنَّى أَبَا إِيَادٍ، وَقِيلَ: أَبَا رَبِيعَةَ، وَأُمُّهُ مُعَانَةُ ابْنَةُ جَوْشَمِ بْنِ جُلْهُمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جُرْهُمٍ، وَإِخْوَتُهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ: قَنَصٌ وَقَنَّاصَةُ وَسَنَامٌ وَجَنْدَةُ وَجُنَادٌ وَجُنَادَةُ وَالْقَحْمُ وَعُبَيْدُ الرَّمَّاحِ
وَالْغَرْفُ وَالْعَوْفُ وَشَكٌّ وَقُضَاعَةُ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى مَعَدٌّ، وَعِدَّةٌ دَرَجُوا. ابْنُ مَعَدٍّ وَأُمُّهُ مُهْدَةُ ابْنَةُ اللِّهْمِ، وَيُقَالُ اللَّهَمُ، وَيُقَالُ اللَّهْمُ بْنُ جَلْحَبِ بْنِ جَدِيسٍ وَقِيلَ بْنِ طَسْمٍ، وَإِخْوَتُهُ مِنْ أَبِيهِ: الدِّيثُ، وَقِيلَ: الدِّيثُ هُوَ عَكٌّ، وَعَدَنُ بْنُ عَدْنَانَ، قِيلَ: هُوَ صَاحِبُ عَدَنٍ وَأَبْيَنَ، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ أَبْيَنُ، وَدَرَجَ نَسْلُهُ وَنَسْلُ عَدَنٍ، وَأُدٌّ وَأُبَيُّ بْنُ عَدْنَانَ، وَدَرْجٌ، وَالضَّحَّاكُ وَالْغَنِيُّ. فَلَحِقَ وَلَدُ عَدْنَانَ بِالْيَمَنِ عِنْدَ حَرْبِ بُخْتَ نَصَّرَ، وَحَمَلَ إِرْمِيَا وَبَرْخِيَا مَعَدًّا إِلَى حِرَّانَ فَأَسْكَنَاهُ بِهَا. فَلَمَّا سَكَنَتِ الْحَرْبُ رَدَّاهُ إِلَى مَكَّةَ فَرَأَى إِخْوَتَهُ قَدْ لَحِقُوا بِالْيَمَنِ. ابْنُ عَدْنَانَ وَلِعَدْنَانَ أَخَوَانِ يُدْعَى أَحَدُهُمَا نَبْتًا، وَالْآخَرُ عَامِرًا، فَنَسَبُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَخْتَلِفُ النَّاسِبُونَ فِيهِ إِلَى مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، عَلَى مَا ذَكَرْتُ، وَيَخْتَلِفُونَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ اخْتِلَافًا عَظِيمًا
ذكر الفواطم والعواتك
لَا يُحْصَلُ مِنْهُ عَلَى غَرَضٍ، فَتَارَةً يَجْعَلُ بَعْضُهُمْ بَيْنَ عَدْنَانَ وَبَيْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَرْبَعَةَ آبَاءٍ، وَيَجْعَلُ آخَرُ بَيْنَهُمَا أَرْبَعِينَ أَبًا، وَيَخْتَلِفُونَ أَيْضًا فِي الْأَسْمَاءِ أَشَدَّ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْعَدَدِ، فَحَيْثُ رَأَيْتُ الْأَمْرَ كَذَلِكَ لَمْ أُعَرِّجْ عَلَى ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَسَبِهِ حَدِيثًا يَصِلْهُ بِإِسْمَاعِيلَ، وَلَا يَصِحُّ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ. [ذِكْرُ الْفَوَاطِمِ وَالْعَوَاتِكِ] وَأَمَّا الْفَوَاطِمُ اللَّائِي وَلَدْنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَمْسٌ: قُرَشِيَّةٌ وَقَيْسِيَّتَانِ وَيَمَانِيَّتَانِ. أَمَّا الْقُرَشِيَّةُ: فَأُمُّ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَايِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ الْمَخْزُومِيَّةُ. وَأَمَّا الْقَيْسِيَّتَانِ: فَأُمُّ عَمْرِو بْنِ عَايِذِ بْنِ فَاطِمَةَ ابْنَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُزَاحِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ جَحْوَشَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَأُمُّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورٍ. وَأَمَّا الْيَمَانِيَّتَانِ: فَأُمُّ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ فَاطِمَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ سَيَلَ بْنِ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَأُمُّ حُبَّى بِنْتِ حُلَيْلِ بْنِ حُبْشِيَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلُولٍ، وَهِيَ أُمُّ وَلَدِ قُصَيٍّ فَاطِمَةُ بِنْتُ نَصْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَارِثَةَ الْخُزَاعِيَّةُ. وَأَمَّا الْعَوَاتِكُ فَاثْنَتَا عَشْرَةَ: اثْنَتَانِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَوَاحِدَةٌ مِنْ بَنِي يَخْلُدَ ابْنِ النَّضْرِ، وَثَلَاثٌ مِنْ سُلَيْمٍ، وَعَدَوِيَّتَانِ، وَهُذَلِيَّةٌ، وَقُضَاعِيَّةٌ، وَأَسْدِيَةٌ. فَأَمَّا الْقُرَشِيَّتَانِ: فَأُمُّ أُمِّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ بَرَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ
الدَّارِ، وَأُمُّ بَرَّةَ أُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَأُمُّ رَيْطَةَ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، وَأُمُّهُ أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّةُ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فَهْمٍ، وَأُمُّ هِلَالٍ هِنْدٌ بِنْتُ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَأُمُّ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ عَاتِكَةُ بِنْتُ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ يَخْلُدَ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ. وَأَمَّا السُّلَمِيَّاتُ: فَأُمُّ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ فَالِجِ بْنِ ذَكْوَانَ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَأُمُّ عَبْدِ مَنَافٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ هِلَالِ بْنِ فَالِجٍ، وَالثَّالِثَةُ أُمُّ جَدِّهِ لِأُمِّهِ وَهْبٍ، وَهِيَ عَاتِكَةُ بِنْتُ الْأَوْقَصِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ هِلَالٍ. قُلْتُ: هَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَوَاتِكَ سُلَيْمٍ، وَجَعَلَ أُمَّ عَبْدِ مَنَافٍ عَاتِكَةَ بِنْتَ مُرَّةَ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ أُمَّ عَبْدِ مَنَافٍ حُبَّى بِنْتُ حُلَيْلٍ الْخُزَاعِيَّةُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أُمُّ هَاشِمٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ، وَأُمُّ مُرَّةَ بْنِ هِلَالٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ جَابِرِ بْنِ قُنْفُذَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَأُمُّ هِلَالِ بْنِ فَالِجٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَصِيَّةَ بْنِ خِفَافِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ. وَأَمَّا الْعَدَوِيَّتَانِ: فَمِنْ جِهَةِ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنَّ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرٍو، وَأُمَّ فَاطِمَةَ تَخْمَرُ بِنْتُ عَبْدِ قُصَيٍّ، وَأُمَّهَا هِنْدٌ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ وَائِلَةَ بْنِ الظَّرِبِ. وَأَمَّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ مَالِكِ بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ كَعْبٍ الْفَهْمِيَّةُ. وَأَمَّا عَاتِكَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ الظَّرِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِيَاذِ بْنِ بَكْرِ بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ عَدْوَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ، وَأُمُّ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ عَاتِكَةُ، فَهِيَ عِكْرِشَةُ، وَهِيَ الْحَصَانُ بَنْتُ عَدْوَانَ.
عدنا إلى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم
وَأَمَّا الْأَزْدِيَّةُ: فَأُمُّ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بِنْتُ مُرَّةَ بْنِ أُدٍّ أُخْتِ تَمِيمٍ، وَأُمُّهَا مَاوِيَّةُ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ الْأَزْدِ بْنِ الْغَوْثِ، وَقَدْ وَلَدَتْهُ هَذِهِ الْأَزْدِيَّةُ مَرَّةً أُخْرَى مِنْ قِبَلِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ، فَإِنَّ أُمَّ غَالِبٍ لَيْلَى بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ، وَأُمُّهَا سَلْمَى بِنْتُ طَابِخَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ الْأَزْدِ هَذِهِ. وَأَمَّا الْهُذَلِيَّةُ: فَعَاتِكَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ سَيَلَ، هِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِزَامٍ جَدِّ عَمْرِو بْنِ عَايِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ لِأُمِّهِ، وَعَمْرٌو جَدُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو أُمِّهِ. وَأَمَّا الْقُضَاعِيَّةُ: فَأُمُّ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ مَاوِيَّةُ بِنْتُ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرِ بْنِ شَيْعِ اللَّهِ بْنِ أَسَدِ بْنِ وَبَرَةِ، وَأُمُّهَا وَحْشِيَّةُ بِنْتُ رَبِيعَةَ بْنِ حَرَامِ بْنِ ضِنَّةَ الْعُذْرِيَّةُ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ رَشْدَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ جُهَيْنَةَ. وَأَمَّا الْأَسَدِيَةُ: فَأُمُّ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ هِنْدٌ بِنْتُ سُرَيْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِلَابٍ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ. (وَعَايِذُ بْنُ عِمْرَانَ: بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا، وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. وَسَعْدُ بْنُ سَيَلَ: بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا الْمَفْتُوحَةِ. وَحُيَيٌّ: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمُمَالَةِ. وَحُلَيْلٌ: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا. وَجَسْرٌ: بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَتَسْكِينِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ. وَحَارِثَةُ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ. وَوَائِلَةُ بْنُ الظَّرِبِ: بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا وَضَبَّةُ بْنُ الْحَارِثِ: بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالْبَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمُوَحَّدَةِ. وَشَيْعُ اللَّهِ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا السَّاكِنَةِ. وَحَرَامٌ: بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ. وَضِنَّةُ الْعُذْرِيُّ: بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ. وَعُصَيَّةُ: بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَفَتْحِ الصَّادِ وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا) . [عُدْنَا إِلَى ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]
تُوفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَمَانِي سِنِينَ، وَأَوْصَى أَبَا طَالِبٍ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ الَّذِي قَامَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ جَدِّهِ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ لَزِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَقَّ لَهُ وَأَخَذَهُ مَعَهُ، وَلِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِسْعُ سِنِينَ. فَلَمَّا نَزَلَ الرَّكْبُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَبِهَا رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ بَحِيرَا فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ، وَكَانَ ذَا عِلْمٍ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَلَمْ يَزَلْ بِتِلْكَ الصَّوْمَعَةِ رَاهِبٌ يَصِيرُ إِلَيْهِ عِلْمُهُمْ، وَبِهَا كِتَابٌ يَتَوَارَثُونَهُ. فَلَمَّا رَآهُمْ بَحِيرَا صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا كَثِيرًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رَأَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ غَمَامَةً تُظِلُّهُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ، ثُمَّ أَقْبَلُوا حَتَّى نَزَلُوا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْهُ فَنَظَرَ إِلَى الشَّجَرَةِ وَقَدْ هَصَرَتْ أَغْصَانُهَا حَتَّى اسْتَظَلَّ بِهَا، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ صَوْمَعَتِهِ وَدَعَاهُمْ. فَلَمَّا رَأَى بَحِيرَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا، وَيَنْظُرُ إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ جَسَدِهِ كَانَ يَجِدُهَا مِنْ صِفَتِهِ. فَلَمَّا فَرَغَ الْقَوْمُ مِنَ الطَّعَامِ وَتَفَرَّقُوا، سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ حَالِهِ فِي يَقَظَتِهِ وَنَوْمِهِ فَوَجَدَهَا بَحِيرَا مُوَافِقَةً لِمَا عِنْدَهُ مِنْ صِفَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بَحِيرَا لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ: مَا هَذَا الْغُلَامُ مِنْكَ؟ قَالَ: ابْنِي. قَالَ: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيًّا. قَالَ: فَإِنَّهُ ابْنُ أَخِي، مَاتَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ حُبْلَى بِهِ. قَالَ: صَدَقْتَ، ارْجِعْ بِهِ إِلَى بَلَدِكَ وَاحْذَرْ عَلَيْهِ يَهُودَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ رَأَوْهُ وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا عَرَفْتُ لَيَبْغُنَّهُ شَرًّا، فَإِنَّهُ كَائِنٌ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ.
فَخَرَجَ بِهِ عَمُّهُ حَتَّى أَقْدَمَهُ مَكَّةَ. وَقِيلَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقُولُ لِعَمِّهِ فِي إِعَادَتِهِ إِلَى مَكَّةَ وَتَخَوُّفِهِمْ عَلَيْهِ مِنَ الرُّومِ إِذْ أَقْبَلَ سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنَ الرُّومِ، فَقَالَ لَهُمْ بَحِيرَا: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: جَاءَنَا أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهِ نَاسٌ، وَإِنَّا بُعِثْنَا إِلَى طَرِيقِكَ. قَالَ أَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَهُ اللَّهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ؟ قَالُوا: لَا. وَتَابَعُوا بَحِيرَا وَأَقَامُوا عِنْدَهُ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مَا هَمَمْتُ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ الْجَاهِلِيَّةُ يَعْمَلُونَهُ غَيْرَ مَرَّتَيْنِ، كُلُّ ذَلِكَ يَحُولُ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، ثُمَّ مَا هَمَمْتُ بِهِ حَتَّى أَكْرَمَنِي بِرِسَالَتِهِ، قُلْتُ لَيْلَةً لِغُلَامٍ يَرْعَى مَعِي بِأَعْلَى مَكَّةَ: لَوْ أَبْصَرْتَ لِي غَنَمِي حَتَّى أَدْخُلَ مَكَّةَ وَأَسْمَرَ بِهَا كَمَا يَسْمَرُ الشَّبَابُ. فَقَالَ: أَفْعَلُ. فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ عِنْدَ أَوَّلِ دَارٍ بِمَكَّةَ سَمِعْتُ عَزْفًا، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: عُرْسُ فُلَانٍ بِفُلَانَةٍ، فَجَلَسْتُ أَسْمَعُ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِي فَنِمْتُ، فَمَا أَيْقَظَنِي إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، فَعُدْتُ إِلَى صَاحِبِي فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ. ثُمَّ قُلْتُ لَهُ لَيْلَةً أُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ وَدَخَلْتُ مَكَّةَ، فَأَصَابَنِي مِثْلُ أَوَّلِ لَيْلَةٍ، ثُمَّ مَا هَمَمْتُ بَعْدَهُ بِسُوءٍ» . ذِكْرُ نِكَاحِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَدِيجَةَ وَنَكَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَخَدِيجَةُ يَوْمَئِذٍ ابْنَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ كَانَتِ امْرَأَةً تَاجِرَةً ذَاتَ شَرَفٍ وَمَالٍ، تَسْتَأْجِرُ الرِّجَالَ فِي مَالِهَا وَتُضَارِبُهُمْ إِيَّاهُ بِشَيْءٍ تَجْعَلُهُ لَهُمْ مِنْهُ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُجَّارًا، فَلَمَّا بَلَغَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صِدْقُ الْحَدِيثِ وَعِظَمُ الْأَمَانَةِ وَكَرَمُ الْأَخْلَاقِ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ لِيَخْرُجَ فِي مَالِهَا إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا وَتُعْطِيَهُ أَفْضَلَ مَا كَانَتْ
تُعْطِي غَيْرَهُ مَعَ غُلَامِهَا مَيْسَرَةَ، فَأَجَابَهَا وَخَرَجَ مَعَهُ مَيْسَرَةُ حَتَّى قَدِمَ الشَّامَ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ، فَأَطْلَعَ الرَّاهِبُ رَأْسَهُ إِلَى مَيْسَرَةَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ مَيْسَرَةُ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ. فَقَالَ الرَّاهِبُ: مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا نَبِيٌّ. ثُمَّ بَاعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاشْتَرَى وَعَادَ، فَكَانَ مَسِيرَةُ إِذَا كَانَتِ الْهَاجِرَةُ يَرَى مَلَكَيْنِ يُظِلَّانِهِ مِنَ الشَّمْسِ وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ. فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ رَبِحَتْ خَدِيجَةُ رِبْحًا كَثِيرًا، وَحَدَّثَهَا مَيْسَرَةُ عَنْ قَوْلِ الرَّاهِبِ وَمَا رَأَى مِنْ إِظْلَالِ الْمَلَكَيْنِ إِيَّاهُ. وَكَانَتْ خَدِيجَةُ امْرَأَةً حَازِمَةً عَاقِلَةً شَرِيفَةً مَعَ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ كَرَامَتِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، وَكَانَتْ أَوْسَطَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ نَسَبًا وَأَكْثَرَهُنَّ مَالًا وَشَرَفًا، وَكُلُّ قَوْمِهَا كَانَ حَرِيصًا عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا لَوْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَعْمَامِهِ، وَخَرَجَ وَمَعَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ عُمُومَتِهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ فَخَطَبَهَا إِلَيْهِ، فَتَزَوَّجَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادَهُ كُلَّهُمْ، إِلَّا إِبْرَاهِيمَ: زَيْنَبَ، وَرُقَيَّةَ، وَأُمَّ كُلْثُومٍ، وَفَاطِمَةَ، وَالْقَاسِمَ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَعَبْدَ اللَّهِ، وَالطَّاهِرَ، وَالطَّيِّبَ. وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ وَالطَّاهِرُ وَالطَّيِّبُ، فَأَمَّا الْقَاسِمُ وَالطَّاهِرُ وَالطَّيِّبُ فَهَلَكُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَمَّا بَنَاتُهُ فَكُلُّهُنَّ أَدْرَكْنَ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمْنَ وَهَاجَرْنَ مَعَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي زَوَّجَهَا عَمُّهَا عَمْرُو بْنُ أَسَدٍ، وَإِنَّ أَبَاهَا مَاتَ قَبْلَ الْفِجَارِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ أَبَاهَا تُوُفِّيَ قَبْلَ الْفِجَارِ. وَكَانَ مَنْزِلُ خَدِيجَةَ يَوْمَئِذٍ الْمَنْزِلَ الَّذِي يُعْرَفُ بِهَا الْيَوْمَ، فَيُقَالُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ اشْتَرَاهُ وَجَعَلَهُ مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ. وَكَانَ الرَّسُولُ بَيْنَ خَدِيجَةَ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفِيسَةَ بِنْتَ مُنْيَةَ أُخْتَ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ، وَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَبَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَكْرَمَهَا. مُنْيَةُ بِالنُّونِ السَّاكِنَةِ، وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا.
ذِكْرُ حِلْفِ الْفُضُولِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ نَفَرٌ مِنْ جُرْهُمٍ وَقَطُورَاءَ يُقَالُ لَهُمُ: الْفُضَيْلُ بْنُ الْحَارِثِ الْجُرْهُمِيُّ، وَالْفُضَيْلُ بْنُ وَدَاعَةَ الْقَطُورِيُّ، وَالْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ الْجُرْهُمِيُّ، اجْتَمَعُوا فَتَحَالَفُوا أَنْ لَا يُقِرُّوا بِبَطْنِ مَكَّةَ ظَالِمًا، وَقَالُوا لَا يَنْبَغِي إِلَّا ذَلِكَ لِمَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ حَقِّهَا، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ الْجُرْهُمِيُّ: إِنَّ الْفُضُولَ تَحَالَفُوا وَتَعَاقَدُوا أَلَّا يَقَرَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ ظَالِمُ أَمْرٌ عَلَيْهِ تَعَاهَدُوا وَتَوَاثَقُوا فَالْجَارُ وَالْمُعْتَرُّ فِيهِمْ سَالِمُ ثُمَّ دَرَسَ ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا ذِكْرُهُ فِي قُرَيْشٍ. ثُمَّ إِنَّ قَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ تَدَاعَتْ إِلَى ذَلِكَ الْحِلْفِ، فَتَحَالَفُوا فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ لِشَرَفِهِ وَسِنِّهِ، وَكَانُوا بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَبَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَزُهْرَةَ بْنَ كِلَابٍ وَتَيَّمَ بْنَ مُرَّةَ، فَتَحَالَفُوا وَتَعَاقَدُوا أَنْ لَا يَجِدُوا بِمَكَّةَ مَظْلُومًا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ
مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ إِلَّا قَامُوا مَعَهُ، وَكَانُوا عَلَى ظُلْمِهِ، حَتَّى تُرَدَّ عَلَيْهِ مَظْلَمَتُهُ، فَسَمَّتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ الْحِلْفَ حِلْفَ الْفُضُولِ، وَشَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ حِينَ أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " «لَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ عُمُومَتِي حِلْفًا فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمُرَ النَّعَمِ، وَلَوْ دُعِيتُ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ» ". قَالَ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ: كَانَ بَيْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَبَيْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مُنَازَعَةٌ فِي مَالٍ كَانَ بَيْنَهُمَا، وَالْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ لِعَمِّهِ مُعَاوِيَةَ، فَتَحَامَلَ الْوَلِيدُ لِسُلْطَانِهِ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُنْصِفُنِي أَوْ لَآخُذَنَّ سَيْفِي ثُمَّ لَأَقُومَنَّ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لَأَعُودَنَّ بِحِلْفِ الْفُضُولِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ حَاضِرًا: وَأَنَا أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَوْ دَعَا بِهِ لَأَجَبْتُهُ حَتَّى يُنْصَفَ مِنْ حَقِّهِ أَوْ نَمُوتَ. وَبَلَغَ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ الزُّهْرِيَّ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَبَلَغَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيَّ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا بَلَغَ الْوَلِيدَ ذَلِكَ أَنْصَفَ الْحُسَيْنَ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى رَضِيَ. ذِكْرُ هَدْمِ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ وَبِنَائِهَا وَفِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ مِنْ مَوْلِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَدَمَتْ قُرَيْشٌ الْكَعْبَةَ. وَكَانَ سَبَبَ هَدْمِهِمْ إِيَّاهَا أَنَّهَا كَانَتْ رَضِيمَةً فَوْقَ الْقَامَةِ، فَأَرَادُوا رَفْعَهَا وَتَسْقِيفَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ سَرَقُوا كَنْزَهَا وَفِيهِ غَزَالَانِ مِنْ ذَهَبٍ، وَكَانَا فِي بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ. وَكَانَ أَمْرُ غَزَالَيِ الْكَعْبَةِ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ فَفَعَلَا ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَأَقَامَ إِسْمَاعِيلُ بِمَكَّةَ وَكَانَ يَلِي الْبَيْتَ حَيَاتَهُ، وَبَعْدَهُ وَلِيَهُ ابْنُهُ نَبْتٌ. فَلَمَّا مَاتَ نَبْتٌ وَلَمْ يَكْثُرْ وَلَدُ إِسْمَاعِيلَ غَلَبَتْ جُرْهُمٌ عَلَى وِلَايَةِ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَلِيَهُ مِنْهُمْ مُضَاضُ، ثُمَّ وَلَدُهُ مِنْ بَعْدِهِ، حَتَّى بَغَتْ جُرْهُمٌ، وَاسْتَحَلُّوا حُرْمَةَ الْبَيْتِ، فَظَلَمُوا مَنْ
دَخَلَ مَكَّةَ حَتَّى قِيلَ: إِنَّ إِسَافًا وَنَائِلَةَ زَنَيَا فِي الْبَيْتِ فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ. وَكَانَتْ خُزَاعَةُ قَدْ أَقَامَتْ بِتِهَامَةَ بَعْدَ تَفَرُّقِ أَوْلَادِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى جُرْهُمٍ الرُّعَافَ أَفْنَاهُمْ، فَاجْتَمَعَتْ خُزَاعَةُ عَلَى إِجْلَاءِ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، وَرَئِيسُ خُزَاعَةَ عَمْرُو بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ حَارِثَةَ، فَاقْتَتَلُوا. فَلَمَّا أَحَسَّ عَامِرُ بْنُ الْحَارِثِ الْجُرْهُمِيُّ بِالْهَزِيمَةِ خَرَجَ بِغَزَالَيِ الْكَعْبَةِ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ يَلْتَمِسُ التَّوْبَةَ وَهُوَ يَقُولُ: لَاهُمَّ إِنَّ جُرْهُمًا عِبَادُكْ ... النَّاسُ طَرَفٌ وَهُمْ تِلَادُكْ بِهِمْ قَدِيمًا عَمُرَتْ بِلَادُكْ فَلَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ، فَدَفَنَ غَزَالَيِ الْكَعْبَةِ بِبِئْرِ زَمْزَمَ وَطَمَّهَا وَخَرَجَ بِمَنْ بَقِيَ مِنْ جُرْهُمٍ إِلَى أَرْضِ جُهَيْنَةَ، فَجَاءَهُمْ سَيْلٌ فَذَهَبَ بِهِمْ أَجْمَعِينَ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إِلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا ... صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودُ الْعَوَاثِرُ وَوَلِيَ الْبَيْتَ بَعْدَ جُرْهُمٍ عَمْرُو بْنُ رَبِيعَةَ، وَقِيلَ: وَلِيَهُ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ الْغَسَّانِيُّ، ثُمَّ خُزَاعَةُ بَعْدَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ فِي قَبَائِلِ مُضَرَ ثَلَاثُ خِلَالٍ: الْإِجَازَةُ بِالْحَجِّ مِنْ عَرَفَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْغَوْثِ بْنِ مُرِّ بْنِ أُدٍّ، وَهُوَ صُوفَةُ. وَالثَّانِيَةُ: الْإِفَاضَةُ مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى، وَكَانَتْ إِلَى بَنِي زَيْدِ بْنِ عَدْوَانَ، وَآخِرُ مَنْ وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَبُو سَيَّارَةَ عَمِيلَةُ بْنُ الْأَعْزَلِ بْنِ خَالِدٍ. وَالثَّالِثَةُ: النَّسِيءُ لِلشُّهُورِ الْحُرُمِ، فَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْقَلَمَّسِ، وَهُوَ حُذَيْفَةُ بْنُ فُقَيْمِ
بْنِ كِنَانَةَ، ثُمَّ إِلَى بَنِيهِ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ صَارَ ذَلِكَ إِلَى أَبِي ثُمَامَةَ، وَهُوَ جُنَادَةُ بْنُ عَوْفِ بْنِ قَلَعَ بْنِ حُذَيْفَةَ، وَقَامَ الْإِسْلَامُ وَقَدْ عَادَتِ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ إِلَى أَصْلِهَا فَأَبْطَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - النَّسِيءَ. ثُمَّ وَلِيَتِ الْبَيْتَ بَعْدَ خُزَاعَةَ قُرَيْشٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ. ثُمَّ حَفَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ زَمْزَمَ فَأَخْرَجَ الْغَزَالَيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَكَانَ الَّذِي وُجِدَ الْغَزَالَانِ عِنْدَهُ دُوَيْكٌ، مَوْلًى لِبَنِي مُلَيْحِ بْنِ خُزَاعَةَ، فَقَطَعَتْ قُرَيْشٌ يَدَهُ، وَكَانَ فِيمَنِ اتُّهِمَ فِي ذَلِكَ: عَامِرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَأَبُو هَارِبِ بْنُ عُزَيْزٍ، وَأَبُو لَهَبِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَكَانَ الْبَحْرُ قَدْ أَلْقَى سَفِينَةً إِلَى جِدَّةَ لِتَاجِرٍ رُومِيٍّ فَتَحَطَّمَتْ، فَأَخَذُوا خَشَبَهَا فَأَعَدُّوهُ لِسَقْفِهَا، فَتَهَيَّأَ لَهُمْ بَعْضُ مَا يُصْلِحُهَا. وَكَانَتْ حَيَّةٌ تَخْرُجُ مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ الَّتِي يُطْرَحُ فِيهَا مَا يُهْدَى لَهَا كُلَّ يَوْمٍ فَتَشْرُفُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ لَا يَدْنُو مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا كَشَّتْ وَفَتَحَتْ فَاهَا، فَكَانُوا يَهَابُونَهَا، فَبَيْنَمَا هِيَ يَوْمًا عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ اخْتَطَفَهَا طَائِرٌ فَذَهَبَ بِهَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ رَضِيَ مَا أَرَدْنَاهُ. وَكَانَ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَبَعْدَ الْفِجَارِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. فَلَمَّا أَرَادُوا هَدْمَهَا قَامَ أَبُو وَهْبِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ فَتَنَاوَلَ حَجَرًا مِنَ الْكَعْبَةِ فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَا تُدْخِلُوا فِي بِنَائِهَا إِلَّا طَيِّبًا وَلَا تُدْخِلُوا فِيهِ مَهْرَ بَغِيٍّ وَلَا بَيْعَ رِبًا وَلَا مَظْلَمَةَ أَحَدٍ. وَقِيلَ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ قَالَ هَذَا. ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ هَابُوا هَدْمَهَا فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: أَنَا أَبْدَأُكُمْ بِهِ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَهَدَمَ، فَتَرَبَّصَ النَّاسُ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَقَالُوا: نَنْظُرُ فَإِنْ أُصِيبَ لَمْ نَهْدِمْ مِنْهَا شَيْئًا، فَأَصْبَحَ
الْوَلِيدُ سَالِمًا وَغَدَا إِلَى عَمَلِهِ فَهَدَمَ وَالنَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى انْتَهَى الْهَدْمُ إِلَى الْأَسَاسِ، ثُمَّ أَفْضَوْا إِلَى حِجَارَةٍ خُضْرٍ آخِذٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَأَدْخَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَتَلَةً بَيْنَ حَجَرَيْنِ مِنْهَا لِيَقْلَعَ بِهِ أَحَدَهُمَا. فَلَمَّا تَحَرَّكَ الْحَجَرُ انْتَقَضَتْ مَكَّةُ بِأَسْرِهَا، ثُمَّ جَمَعُوا لِبِنَائِهَا ثُمَّ بَنَوْا حَتَّى بَلَغَ الْبُنْيَانُ مَوْضِعَ الرُّكْنِ، فَأَرَادَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ رَفْعَهُ إِلَى مَوْضِعِهِ حَتَّى تَحَالَفُوا وَتَوَاعَدُوا لِلْقِتَالِ، فَقَرَّبَتْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً دَمًا، ثُمَّ تَعَاقَدُوا هُمْ وَبَنُو عَدِيٍّ عَلَى الْمَوْتِ، وَأَدْخَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِي ذَلِكَ الدَّمِ، فَسُمُّوا لَعْقَةَ الدَّمِ بِذَلِكَ، فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَ لَيَالٍ ثُمَّ تَشَاوَرُوا. فَقَالَ أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ - وَكَانَ أَسَنَّ قُرَيْشٍ: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ حَكَمًا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ يَقْضِي بَيْنَكُمْ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ قَدْ رَضِينَا بِهِ، وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: «هَلُمُّوا إِلَيَّ ثَوْبًا، فَأُتِيَ بِهِ، فَأَخَذَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَوَضَعَهُ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: لِتَأْخُذْ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ ثُمَّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا. فَلَمَّا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ وَضَعَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ.»
ذكر الوقت الذي أرسل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ذِكْرُ الْوَقْتِ الَّذِي أُرْسِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعِشْرِينَ سَنَةً مَضَتْ مِنْ مُلْكِ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ، وَكَانَ عَلَى الْحِيرَةِ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ عَامِلًا لِلْفُرْسِ عَلَى الْعَرَبِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ رَاوِيَةِ حَمْزَةَ وَعِكْرِمَةَ عَنْهُ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: «إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعِثَ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً» . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ رَاوِيَةِ عِكْرِمَةَ أَيْضًا عَنْهُ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: إِنَّهُ «أُنْزِلَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً» . وَكَانَ نُزُولُ الْوَحْيِ عَلَيْهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِلَا خِلَافٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَيِّ الْأَثَانِينِ كَانَ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ: أُنْزِلَ الْفُرْقَانُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ ذَلِكَ لِتِسْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ. وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ جِبْرَائِيلُ يَرَى وَيُعَايِنُ آثَارًا مِنْ آثَارِ مَنْ يُرِيدُ اللَّهُ إِكْرَامَهُ
بِفَضْلِهِ. وَكَانَ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرْتُ مِنْ شَقِّ الْمَلَكَيْنِ بَطْنَهُ وَاسْتِخْرَاجِهِمَا مَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْغِلِّ وَالدَّنَسِ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَمُرُّ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَكَانَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَا يَرَى أَحَدًا، وَكَانَتِ الْأُمَمُ تَتَحَدَّثُ بِمَبْعَثِهِ وَتُخْبِرُ عُلَمَاءُ كُلِّ أُمَّةٍ قَوْمَهَا بِذَلِكَ. «قَالَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ يَقُولُ: إِنَّا لَنَنْتَظِرُ نَبِيًّا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلَا أَرَانِي أُدْرِكُهُ، وَأَنَا أُومِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ وَرَأَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَسَأُخْبِرُكَ مَا نَعْتُهُ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْكَ. قُلْتُ: هَلُمَّ. قَالَ: هُوَ رَجُلٌ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَا بِكَثْرِ الشَّعْرِ وَلَا بِقَلِيلِهِ، وَلَا يُفَارِقُ عَيْنَهُ حُمْرَةٌ، وَخَاتَمُ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا الْبَلَدُ مَوْلِدُهُ وَمَبْعَثُهُ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ قَوْمُهُ وَيَكْرَهُونَ مَا جَاءَ بِهِ، وَيُهَاجِرُ إِلَى يَثْرِبَ فَيَظْهَرُ بِهَا أَمْرُهُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَنْخَدِعَ عَنْهُ، فَإِنِّي طُفْتُ الْبِلَادَ كُلَّهَا أَطْلُبُ دِينَ إِبْرَاهِيمَ فَكُلُّ مَنْ أَسْأَلُهُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ يَقُولُ: هَذَا الدِّينُ وَرَاءَكَ، وَيَنْعَتُونَهُ مِثْلَ مَا نَعَتُّهُ لَكَ، وَيَقُولُونَ: لَمْ يَبْقَ نَبِيٌّ غَيْرُهُ. قَالَ عَامِرٌ: فَلَمَّا أَسْلَمْتُ أَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَ زَيْدٍ وَأَقْرَأْتُهُ السَّلَامَ. فَرَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْجَنَّةِ يَسْحَبُ ذُيُولًا» . وَقَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ صَنَمٍ بِبُوَانَةَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَهْرٍ. نَحَرْنَا جَزُورًا، فَإِذَا صَائِحٌ يَصِيحُ مِنْ جَوْفِ الصَّنَمِ: اسْمَعُوا إِلَى الْعَجَبْ، ذَهَبَ اسْتِرَاقُ الْوَحْيِ، وَنُرْمَى بِالشُّهُبْ، لِنَبِيٍّ بِمَكَّةَ اسْمُهُ أَحْمَدُ، مُهَاجَرُهُ إِلَى يَثْرِبْ. قَالَ: فَأَمْسَكْنَا وَعَجِبْنَا، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْأَخْبَارُ عَنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ كُتُبًا كَثِيرَةً ذَكَرُوا فِيهَا كُلَّ عَجِيبَةٍ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا.
ذكر ابتداء الوحي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم
[ذِكْرُ ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] «قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ أَوَّلَ مَا ابْتُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، كَانَتْ تَجِيءُ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ بِغَارِ حِرَاءَ يَتَعَبَّدُ فِيهِ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجْأَةِ الْحَقِّ، فَأَتَاهُ جِبْرَائِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتِي ثُمَّ رَجَعْتُ تَرْجُفُ بَوَادِرِي، فَدَخَلْتُ عَلَى خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي! ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي الرَّوْعُ، ثُمَّ أَتَانِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَطْرَحَ نَفْسِي مِنْ حَالِقٍ، فَتَبَدَّى لِي حِينَ هَمَمْتُ بِذَلِكَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنَا جِبْرَائِيلُ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: اقْرَأْ. قُلْتُ: وَمَا أَقْرَأُ؟ قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَتَّنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ، ثُمَّ قَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] ، فَقَرَأْتُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: لَقَدْ أَشْفَقْتُ عَلَى نَفْسِي، وَأَخْبَرْتُهَا خَبَرِي، فَقَالَتْ: أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُقِرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِي إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهَا، وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ، وَقَرَأَ الْكُتُبَ، وَسَمِعَ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَقَالَتْ: اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ. فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي. فَقَالَ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، لَيْتَنِي كُنْتُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. قُلْتُ: أَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّهُ لَمْ يَجِئْ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَلَئِنْ أَدْرَكَنِي يَوْمُكَ لَأَنْصُرَنَّكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا» .
ثُمَّ إِنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ اقْرَأْ: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1] (وَ {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] ، وَ {وَالضُّحَى} [الضحى: 1] . «وَقَالَتْ خَدِيجَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا تُثْبِتُهُ فِيمَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ نُبُوَّتِهِ: يَا ابْنَ عَمِّ أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِكَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ إِذَا جَاءَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَجَاءَهُ جِبْرَائِيلُ، فَأَعْلَمَهَا. فَقَالَتْ: قُمْ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِي الْيُسْرَى، فَقَامَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَلَسَ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَتَحَوَّلْ فَاقْعُدْ عَلَى فَخِذِي الْيُمْنَى. فَجَلَسَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ نَعَمْ. فَتَحَسَّرَتْ فَأَلْقَتْ خِمَارَهَا، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حِجْرِهَا، ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَتْ: يَا ابْنَ عَمِّ اثْبُتْ وَأَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ مَلَكٌ، وَمَا هُوَ بِشَيْطَانٍ!» «وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: نَزَلَتْ {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] أَوَّلُ. قَالَ: قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] . قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: جَاوَرْتُ بِحِرَاءَ فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ يَسَارِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي وَأَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي الْمَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَخَشِيتُ مِنْهُ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً فَفَعَلُوا، فَنَزَلَتْ: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] » ، هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: أَتَى جِبْرَائِيلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلَ مَا أَتَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ وَلَيْلَةَ الْأَحَدِ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ بِرِسَالَةِ اللَّهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، وَعَلَّمَهُ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] ،
ذكر المعراج برسول الله - صلى الله عليه وسلم
وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعُونَ سَنَةً. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَتَرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتْرَةً، فَحَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا، وَجَعَلَ يَغْدُو إِلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ لِيَتَرَدَّى مِنْهَا، فَكُلَّمَا رَقِيَ ذُرْوَةَ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرَائِيلُ فَيَقُولُ: إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا. فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَرْجِعُ نَفْسُهُ. فَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُنْذِرَ قَوْمَهُ عَذَابَ اللَّهِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ دُونَ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَرَزَقَهُمْ، وَأَنْ يُحَدِّثَ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ عَلَيْهِ - وَهِيَ النُّبُوَّةُ فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ - فَكَانَ يَذْكُرُ ذَلِكَ سِرًّا لِمَنْ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ زَوْجَتُهُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ أَوَّلَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ اسْتَجَابَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَدِيجَةُ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ فَرَضَ اللَّهُ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الْأَوْثَانِ: الصَّلَاةُ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا فُرِضَتْ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَاهُ جِبْرَائِيلُ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ فَهَمَزَ لَهُ بِعَقِبِهِ فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي، فَانْفَجَرَتْ فِيهِ عَيْنٌ، فَتَوَضَّأَ جِبْرَائِيلُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ الطَّهُورُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ، ثُمَّ قَامَ جِبْرَائِيلُ فَصَلَّى بِهِ، وَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَلَاتِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ. وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى خَدِيجَةَ فَعَلَّمَهَا الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى بِهَا فَصَلَّتْ بِصَلَاتِهِ. [ذِكْرُ الْمِعْرَاجِ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وَقْتِ الْمِعْرَاجِ، فَقِيلَ: كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَقِيلَ بِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ، فَقِيلَ: كَانَ نَائِمًا بِالْمَسْجِدِ فِي الْحِجْرِ، فَأُسْرِيَ بِهِ مِنْهُ، وَقِيلَ: كَانَ نَائِمًا فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَائِلُ هَذَا يَقُولُ: الْحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ. وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ الْمِعْرَاجِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ. قَالُوا: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَانِي جِبْرَائِيلُ وَمِيكَائِيلُ فَقَالَا: بِأَيِّهِمْ أُمِرْنَا؟ فَقَالَا: أُمِرْنَا بِسَيِّدِهِمْ، ثُمَّ ذَهَبَا، ثُمَّ جَاءَا مِنَ الْقَابِلَةِ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ، فَأَلْفَوْهُ وَهُوَ نَائِمٌ، فَقَلَبُوهُ لِظَهْرِهِ وَشَقُّوا بَطْنَهُ، وَجَاءُوا بِمَاءِ زَمْزَمَ فَغَسَلُوا مَا كَانَ فِي بَطْنِهِ مِنْ غِلٍّ وَغَيْرِهِ، وَجَاءُوا بِطَسْتٍ مَمْلُوءٍ إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَمُلِئَ قَلْبُهُ وَبَطْنُهُ إِيمَانًا وَحِكْمَةً. قَالَ: وَأَخْرَجَنِي جِبْرَائِيلُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَإِذَا أَنَا بِدَابَّةٍ، وَهِيَ الْبُرَاقُ، وَهِيَ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَقُوعُ خَطْوُهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَقَالَ: ارْكَبْ، فَلَمَّا وَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ تَشَامَسَ وَاسْتَصْعَبَ. فَقَالَ جِبْرَائِيلُ: يَا بُرَاقُ مَا رَكِبَكَ نَبِيٌّ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ مُحَمَّدٍ، فَانْصَبَّ عَرَقًا وَانْخَفَضَ لِي حَتَّى رَكِبْتُهُ، وَسَارَ بِي جِبْرَائِيلُ نَحْوَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، فَأُتِيتُ بِإِنَائَيْنِ أَحَدُهُمَا لَبَنٌ وَالْآخَرُ خَمْرٌ، فَقِيلَ لِي: اخْتَرْ أَحَدَهُمَا، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ، فَقِيلَ لِي: أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ شَرِبْتَ الْخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُكَ بَعْدَكَ. ثُمَّ سِرْنَا فَقَالَ لِي: انْزِلْ فَصَلِّ، فَنَزَلْتُ فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: هَذِهِ طِيبَةُ وَإِلَيْهَا الْمُهَاجَرُ. ثُمَّ سِرْنَا فَقَالَ لِيَ: انْزِلْ فَصَلِّ، فَنَزَلْتُ فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: هَذَا طُورُ سَيْنَاءَ حَيْثُ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى، ثُمَّ سِرْنَا فَقَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ، فَنَزَلْتُ فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: هَذَا بَيْتُ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى. ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ أَنْزَلَنِي جِبْرَائِيلُ وَرَبَطَ الْبُرَاقَ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي كَانَ يَرْبُطُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ. فَلَمَّا دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ إِذَا أَنَا بِالْأَنْبِيَاءِ حَوَالَيَّ، وَقِيلَ: بِأَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ قَبْلِي، فَسَلَّمُوا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرَائِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: إِخْوَانُكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، زَعَمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا، وَزَعَمَتِ النَّصَارَى أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا، سَلْ هَؤُلَاءِ النَّبِيِّينَ هَلْ كَانَ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - شَرِيكٌ أَوْ وَلَدٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] فَأَقَرُّوا
بِالْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ثُمَّ جَمَعَهُمْ جِبْرَائِيلُ وَقَدَّمَنِي فَصَلَّيْتُ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْطَلَقَ بِي جِبْرَائِيلُ إِلَى الصَّخْرَةِ فَصَعِدَ بِي عَلَيْهَا، فَإِذَا مِعْرَاجٌ إِلَى السَّمَاءِ، لَا يَنْظُرُ النَّاظِرُونَ إِلَى شَيْءٍ أَحْسَنَ مِنْهُ وَمِنْهُ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ، أَصْلُهُ فِي صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَرَأْسُهُ مُلْتَصِقٌ بِالسَّمَاءِ، فَاحْتَمَلَنِي جِبْرَائِيلُ وَوَضَعَنِي عَلَى جَنَاحِهِ وَصَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرَائِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ! فَفُتِحَ، فَدَخَلْنَا فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ تَامِّ الْخِلْقَةِ عَنْ يَمِينِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ وَعَنْ شِمَالِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ خَبِيثَةٌ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي عَنْ يَسَارِهِ بَكَى. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ وَمَا هَذَانِ الْبَابَانِ؟ فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، وَالْبَابُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ بَابُ الْجَنَّةِ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ يَدْخُلُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ضَحِكَ، وَالْبَابُ الَّذِي عَنْ يَسَارِهِ بَابُ جَهَنَّمَ، إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ يَدْخُلُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ بَكَى وَحَزِنَ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَائِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: حَيَّاهُ اللَّهُ، مَرْحَبًا بِهِ وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ! فَفُتِحَ لَنَا. فَدَخَلْنَا فَإِذَا بِشَابَّيْنِ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرَائِيلُ مَنْ هَذَانِ؟ فَقَالَ: هَذَانِ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَائِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ نِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ! فَدَخَلْنَا، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ قَدْ فَضُلَ النَّاسَ بِالْحُسْنِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرَائِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ يُوسُفُ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَائِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ! فَدَخَلْنَا، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: إِدْرِيسُ رَفَعَهُ اللَّهُ مَكَانًا عَلِيًّا. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَائِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ! فَدَخَلْنَا، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَحَوْلَهُ قَوْمٌ يَقُصُّ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا هَارُونُ وَالَّذِينَ حَوْلَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَائِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ! فَدَخَلْنَا، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَالِسٍ فَجَاوَزْنَاهُ، فَبَكَى الرَّجُلُ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرَائِيلُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى. قُلْتُ: فَمَا بَالُهُ يَبْكِي؟ قَالَ: يَزْعُمُ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنِّي أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ آدَمَ، وَهَذَا الرَّجُلُ مِنْ بَنِي آدَمَ قَدْ خَلَّفَنِي وَرَاءَهُ.
قَالَ: ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَائِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ! فَدَخَلْنَا، فَإِذَا رَجُلٌ أَشْمَطُ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، وَحَوْلَهُ قَوْمٌ بِيضُ الْوُجُوهِ أَمْثَالُ الْقَرَاطِيسِ، وَقَوْمٌ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ. فَقَامَ الَّذِينَ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ فَاغْتَسَلُوا فِي نَهْرٍ، وَخَرَجُوا وَقَدْ صَارَتْ وُجُوهُهُمْ مِثْلَ وُجُوهِ أَصْحَابِهِمْ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ، وَهَؤُلَاءِ الْبِيضُ الْوُجُوهِ قَوْمٌ لَمْ يُلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ فَقَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، فَتَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ مُسْتَنِدٌ إِلَى بَيْتٍ، فَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ. قَالَ: وَأَخَذَنِي جِبْرَائِيلُ فَانْتَهَيْنَا إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ، يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: نَهْرَانِ بَاطِنَانِ، وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَأَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ، قَالَ: وَغَشِيَهَا مِنْ نُورِ اللَّهِ مَا غَشِيَهَا، وَغَشِيَهَا الْمَلَائِكَةُ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَتَحَوَّلَتْ حَتَّى مَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَنْعَتَهَا، وَقَامَ جِبْرَائِيلُ فِي وَسَطِهَا، فَقَالَ جِبْرَائِيلُ: تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ. فَتَقَدَّمْتُ وَجِبْرَائِيلُ مَعِي إِلَى الْحِجَابِ، فَأَخَذَ بِي مَلَكٌ وَتَخَلَّفَ عَنِّي جِبْرَائِيلُ، فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} [الصافات: 164] وَهَذَا مُنْتَهَى الْخَلَائِقِ. فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى الْعَرْشِ، فَاتَّضَحَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَ الْعَرْشِ، وَكَلَّ لِسَانِي مِنْ هَيْبَةِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ أَنْطَقَ اللَّهُ لِسَانِي فَقُلْتُ: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ وَالصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، وَفَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسِينَ صَلَاةً. وَرَجَعْتُ إِلَى جِبْرَائِيلَ فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَدْخَلَنِي الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ الْقُصُورَ مِنَ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ، وَرَأَيْتُ نَهْرًا يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهِ مَاءٌ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، يَجْرِي عَلَى رَضْرَاضٍ مِنَ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالْمِسْكِ، فَقَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيَّ النَّارَ، فَنَظَرْتُ إِلَى أَغْلَالِهَا وَسَلَاسِلِهَا وَحَيَّاتِهَا وَعَقَارِبِهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْعَذَابِ. ثُمَّ أَخْرَجَنِي، فَانْحَدَرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا مُوسَى، فَقَالَ: مَاذَا فُرِضَ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُهُمْ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ
عَلَى أَقَلَّ مِنْ هَذَا فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي وَسَأَلْتُهُ، فَخَفَّفَ عَنِّي عَشْرًا. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ وَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَرَجَعْتُ فَخَفَّفَ عَنِّي عَشْرًا، فَلَمْ أَزَلْ بَيْنَ رَبِّي وَمُوسَى حَتَّى جَعَلَهَا خَمْسًا، فَقَالَ: ارْجِعْ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي وَمَا أَنَا بِرَاجِعٍ، فَنُودِيتُ: إِنِّي قَدْ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً، وَالْخَمْسُ بِخَمْسِينَ، وَقَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي. ثُمَّ انْحَدَرْتُ أَنَا وَجِبْرَائِيلُ إِلَى مَضْجَعِي، وَكَانَ ذَلِكَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ عَلِمَ أَنَّ النَّاسَ لَا يُصَدِّقُونَهُ، فَقَعَدَ فِي الْمَسْجِدِ مَغْمُومًا، فَمَرَّ بِهِ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ لَهُ كَالْمُسْتَهْزِئِ: هَلِ اسْتَفَدْتَ اللَّيْلَةَ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانِينَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَخَافَ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ عَنْهُ فَيَجْحَدَهُ النَّبِيُّ، فَقَالَ: أَتُخْبِرُ قَوْمَكَ بِذَلِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ هَلُمُّوا، فَأَقْبَلُوا. فَحَدَّثَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمِنْ بَيْنِ مُصَدِّقٍ وَمُكَذِّبٍ، وَمُصَفِّقٍ وَوَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ. وَارْتَدَّ النَّاسُ مِمَّنْ كَانَ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ. وَسَعَى رِجَالٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا: إِنَّ صَاحِبَكَ يَزْعُمُ كَذَا وَكَذَا! فَقَالَ: إِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ فَقَدْ صَدَقَ، إِنِّي لَأُصَدِّقُهُ بِمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ، فَسُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ مِنْ يَوْمِئِذٍ. قَالُوا: فَانْعَتْ لَنَا الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى. قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ، قَالَ: فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ. وَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلْتُ أَنْعَتُهُ. قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا عَنْ عِيرِنَا. قَالَ: قَدْ مَرَرْتُ عَلَى عِيرِ بَنِي فُلَانٍ بِالرَّوْحَاءِ، وَقَدْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ وَهُمْ فِي طَلَبِهِ، فَأَخَذْتُ قَدَحًا فِيهِ مَاءٌ فَشَرِبْتُهُ، فَسَلُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَمَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَرَأَيْتُ رَاكِبًا وَقُعُودًا بِذِي مَرٍّ، فَنَفَرَ بِكْرُهُمَا مِنِّي فَسَقَطَ فُلَانٌ فَانْكَسَرَتْ يَدُهُ، فَسَلُوهُمَا. قَالَ: وَمَرَرْتُ بِعِيرِكُمْ بِالتَّنْعِيمِ يَقْدُمُهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ عَلَيْهِ غِرَارَتَانِ مُخَيَّطَتَانِ، تَطْلُعُ عَلَيْكُمْ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ. فَخَرَجُوا إِلَى الثَّنِيَّةِ فَجَلَسُوا يَنْظُرُونَ طُلُوعَ الشَّمْسِ لِيُكَذِّبُوهُ إِذْ قَالَ قَائِلٌ: هَذِهِ الشَّمْسُ قَدْ طَلَعَتْ. فَقَالَ آخَرُ: وَاللَّهِ هَذِهِ الْعِيرُ قَدْ طَلَعَتْ يَقْدُمُهَا بَعِيرٌ أَوْرَقُ كَمَا قَالَ. فَلَمْ يُفْلِحُوا وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ» .
ذكر الاختلاف في أول من أسلم
[ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِي أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ] اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ، مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ خَدِيجَةَ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ إِسْلَامًا، فَقَالَ قَوْمٌ: أَوَّلُ ذَكَرٍ آمَنَ عَلِيٌّ. رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَأَخُو رَسُولِهِ، وَأَنَا الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ لَا يَقُولُهَا بَعْدِي إِلَّا كَاذِبٌ مُفْتَرٍ، صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ النَّاسِ بِسَبْعِ سِنِينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلُ مَنْ صَلَّى عَلِيٌّ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «بُعِثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَصَلَّى عَلِيٌّ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ» . وَقَالَ زَيْدُ بْنُ الْأَرْقَمِ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيٌّ. وَقَالَ عُفَيْفٌ الْكِنْدِيُّ: كُنْتُ امْرَأً تَاجِرًا فَقَدِمْتُ مَكَّةَ أَيَّامَ الْحَجِّ فَأَتَيْتُ الْعَبَّاسَ، فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ فَقَامَ تُجَاهَ الْكَعْبَةِ يُصَلِّي، ثُمَّ خَرَجَتِ امْرَأَةٌ تُصَلِّي مَعَهُ، ثُمَّ خَرَجَ غُلَامٌ فَقَامَ يُصَلِّي مَعَهُ. فَقُلْتُ: يَا عَبَّاسُ مَا هَذَا الدِّينُ؟ فَقَالَ: هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ أَخِي، زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ وَأَنَّ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ سَتُفْتَحُ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ امْرَأَتُهُ خَدِيجَةُ آمَنَتْ بِهِ، وَهَذَا الْغُلَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ آمَنَ بِهِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا أَعْلَمُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدًا عَلَى هَذَا الدِّينِ إِلَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ! قَالَ عُفَيْفٌ: لَيْتَنِي كُنْتُ رَابِعًا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبُو حَازِمٍ الْمَدَنِيُّ
وَالْكَلْبِيُّ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ عَلِيٌّ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ عُمْرُهُ تِسْعَ سِنِينَ، وَقِيلَ: إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ عَلِيٌّ وَعُمْرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً. وَكَانَ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّ قُرَيْشًا أَصَابَتْهُمْ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ ذَا عِيَالٍ كَثِيرَةٍ، فَقَالَ يَوْمًا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ: يَا عَمِّ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَثِيرُ الْعِيَالِ فَانْطَلِقْ بِنَا نُخَفِّفْ عَنْ عِيَالِ أَبِي طَالِبٍ، فَانْطَلَقَا إِلَيْهِ وَأَعْلَمَاهُ مَا أَرَادَا، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: اتْرُكَا لِي عَقِيلًا وَاصْنَعَا مَا شِئْتُمَا، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا، وَأَخَذَ الْعَبَّاسُ جَعْفَرًا، فَلَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَرْسَلَهُ اللَّهُ فَاتَّبَعَهُ. وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ انْطَلَقَ هُوَ وَعَلِيٌّ إِلَى بَعْضِ الشِّعَابِ بِمَكَّةَ فَيُصَلِّيَانِ وَيَعُودَانِ. فَعَثَرَ عَلَيْهِمَا أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي مَا هَذَا الدِّينُ؟ قَالَ: دِينُ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ، وَدِينُ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ، بَعَثَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إِلَى الْعِبَادِ، وَأَنْتَ أَحَقُّ مَنْ دَعَوْتُهُ إِلَى الْهُدَى وَأَحَقُّ مَنْ أَجَابَنِي. قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُفَارِقَ دِينَ آبَائِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَخْلُصُ قُرَيْشٌ إِلَيْكَ بِشَيْءٍ تَكْرَهُهُ مَا حَيِيتُ. فَلَمْ يَزَلْ جَعْفَرٌ عِنْدَ الْعَبَّاسِ حَتَّى أَسْلَمَ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِعَلِيٍّ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: يَا أَبَهْ! آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَصَلَّيْتُ مَعَهُ. فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَا يَدْعُونَا إِلَّا إِلَى الْخَيْرِ فَالْزَمْهُ. وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قَالَ الشَّعْبِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ، فَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ ... فَاذْكُرْ أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا
خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أَتْقَاهَا وَأَعْدَلُهَا بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا ... الثَّانِي التَّالِي الْمَحْمُودُ مَشْهَدُهُ وَأَوَّلُ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعُكَاظَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ تَبِعَكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: تَبِعَنِي عَلَيْهِ حُرٌّ وَعَبْدٌ، أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ. فَأَسْلَمْتُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي رُبُعَ الْإِسْلَامِ. وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي رُبُعَ الْإِسْلَامِ، لَمْ يُسْلِمْ قَبْلِي إِلَّا النَّبِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: أَبُو بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ. وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ. قَالَ الزُّهْرِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَعُمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَكَانَ هُوَ وَعَلِيٌّ يَلْزَمَانِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَخْرُجُ إِلَى الْكَعْبَةِ أَوَّلَ النَّهَارِ وَيُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تُنْكِرُهَا، وَكَانَ إِذَا صَلَّى غَيْرَهَا قَعَدَ عَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَرْصُدَانِهِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَوَّلُ ذَكَرٍ أَسْلَمَ بَعْدَ النَّبِيِّ: عَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ وَأَظْهَرَ إِسْلَامَهُ، وَكَانَ مَانِعًا لِقَوْمِهِ مُحَبًّا فِيهِمْ، وَكَانَ أَعْلَمَهُمْ بِأَنْسَابِ قُرَيْشٍ وَمَا كَانَ فِيهَا، وَكَانَ تَاجِرًا يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ قَوْمُهُ، فَجَعَلَ يَدْعُو مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ عُثْمَانُ
ذكر أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بإظهار دعوته
بْنُ عَفَّانَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَجَاءَ بِهِمْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ اسْتَجَابُوا لَهُ فَأَسْلَمُوا وَصَلَّوْا. وَكَانَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إِلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى فَشَا ذِكْرُ الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ وَتَحَدَّثَ بِهِ النَّاسُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَأَسْلَمَ أَبُو ذَرٍّ، قَالُوا رَابِعًا أَوْ خَامِسًا، وَأَسْلَمَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ رَابِعًا أَوْ خَامِسًا، وَقِيلَ: إِنَّ الزُّبَيْرَ أَسْلَمَ رَابِعًا أَوْ خَامِسًا، وَأَسْلَمَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ خَامِسًا. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَسْلَمَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ هُمَيْنَةُ بِنْتُ خَلَفِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ مِنْ خُزَاعَةَ بَعْدَ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ. [ذِكْرُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِظْهَارِ دَعْوَتِهِ] ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَبْعَثِهِ بِثَلَاثِ سِنِينَ أَنْ يَصْدَعَ بِمَا يُؤْمَرُ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي السِّنِينَ مُسْتَتِرًا بِدَعْوَتِهِ لَا يُظْهِرُهَا إِلَّا لِمَنْ يَثِقُ بِهِ، فَكَانَ أَصْحَابُهُ إِذَا أَرَادُوا الصَّلَاةَ ذَهَبُوا إِلَى الشِّعَابِ فَاسْتَخْفَوْا، فَبَيْنَمَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَمَّارٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَخَبَّابٌ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ يُصَلُّونَ فِي شِعْبٍ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ نَفَرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنْهُمْ: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَالْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، وَغَيْرُهُمَا، فَسَبُّوهُمْ وَعَابُوهُمْ حَتَّى قَاتَلُوهُمْ، فَضَرَبَ سَعْدٌ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِلِحْيِ جَمَلٍ فَشَجَّهُ، فَكَانَ أَوَّلَ دَمٍ أُرِيقَ فِي
الْإِسْلَامِ فِي قَوْلٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَمَّا نَزَلَتْ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَعِدَ عَلَى الصَّفَا فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاهُ! فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ. فَقَالَ: أَرَأَيْتُكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ! أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا؟ ثُمَّ قَامَ، فَنَزَلَتْ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] السُّورَةَ» وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَكَمِ: «لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] ، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَضَاقَ بِهِ ذَرْعًا، فَجَلَسَ فِي بَيْتِهِ كَالْمَرِيضِ، فَأَتَتْهُ عَمَّاتُهُ يَعُدْنَهُ، فَقَالَ: مَا اشْتَكَيْتُ شَيْئًا وَلَكِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِي الْأَقْرَبِينَ. فَقُلْنَ لَهُ: فَادْعُهُمْ وَلَا تَدْعُ أَبَا لَهَبٍ فِيهِمْ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُجِيبِكَ. فَدَعَاهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَضَرُوا وَمَعَهُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَكَانُوا خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ رَجُلًا، فَبَادَرَهُ أَبُو لَهَبٍ وَقَالَ: هَؤُلَاءِ هُمْ عُمُومَتُكَ وَبَنُو عَمِّكَ، فَتَكَلَّمْ وَدَعِ الصُّبَاةَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِقَوْمِكَ فِي الْعَرَبِ قَاطِبَةً طَاقَةٌ، وَأَنَّ أَحَقَّ مَنْ أَخَذَكَ فَحَبَسَكَ بَنُو أَبِيكَ، وَإِنْ أَقَمْتَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَيْسَرُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يَثِبَ بِكَ بُطُونُ قُرَيْشٍ وَتَمُدَّهُمُ الْعَرَبُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا جَاءَ عَلَى بَنِي أَبِيهِ بِشَرٍّ مِمَّا جِئْتَهُمْ بِهِ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ. ثُمَّ دَعَاهُمْ ثَانِيَةً وَقَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ وَأُومِنُ بِهِ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ "، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ الرَّائِدَ لَا يَكْذِبُ أَهْلَهُ، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً وَإِلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَاللَّهِ لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ، وَلَتُبْعَثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ، وَلَتُحَاسَبُنَّ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَإِنَّهَا الْجَنَّةُ أَبَدًا وَالنَّارُ أَبَدًا ". فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: مَا أَحَبَّ إِلَيْنَا مُعَاوَنَتَكَ وَأَقْبَلَنَا لِنَصِيحَتِكَ وَأَشَدَّ تَصْدِيقَنَا لِحَدِيثِكَ،
وَهَؤُلَاءِ بَنُو أَبِيكَ مُجْتَمِعُونَ، وَإِنَّمَا أَنَا أَحَدُهُمْ، غَيْرَ أَنِّي أَسْرَعُهُمْ إِلَى مَا تُحِبُّ، فَامْضِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ فَوَاللَّهِ لَا أَزَالُ أَحُوطُكَ وَأَمْنَعُكَ، غَيْرَ أَنَّ نَفْسِي لَا تُطَاوِعُنِي عَلَى فِرَاقِ دِينِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: هَذِهِ وَاللَّهِ السَّوْأَةُ! خُذُوا عَلَى يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ غَيْرُكُمْ. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعَنَّهُ مَا بَقِينَا» . «وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَمَّا نَزَلَتْ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] دَعَانِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِي الْأَقْرَبِينَ، فَضِقْتُ ذَرْعًا وَعَلِمْتُ أَنِّي مَتَى أُبَادِرُهُمْ بِهَذَا الْأَمْرِ أَرَ مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ، فَصَمَتُّ عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَنِي جِبْرَائِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِلَّا تَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ بِهِ يُعَذِّبْكَ رَبُّكَ. فَاصْنَعْ لَنَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِ رِجْلَ شَاةٍ، وَامْلَأْ لَنَا عُسًّا مِنْ لَبَنٍ، وَاجْمَعْ لِي بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أُكَلِّمَهُمْ وَأُبَلِّغَهُمْ مَا أُمِرْتُ بِهِ. فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ ثُمَّ دَعَوْتُهُمْ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا يَزِيدُونَ رَجُلًا أَوْ يَنْقُصُونَهُ، فِيهِمْ أَعْمَامُهُ أَبُو طَالِبٍ وَحَمْزَةُ وَالْعَبَّاسُ وَأَبُو لَهَبٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ دَعَانِي بِالطَّعَامِ الَّذِي صَنَعْتُهُ لَهُمْ. فَلَمَّا وَضَعْتُهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُزَّةً مِنَ اللَّحْمِ فَنَتَفَهَا بِأَسْنَانِهِ ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي نُوَاحِي الصَّحْفَةِ، ثُمَّ قَالَ: خُذُوا بِاسْمِ اللَّهِ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ حَتَّى مَا لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ حَاجَةٍ، وَمَا أَرَى إِلَّا مَوَاضِعَ أَيْدِيهِمْ، وَايْمُ اللَّهِ الَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَيَأْكُلُ مَا قَدَّمْتُ لِجَمِيعِهِمْ! ثُمَّ قَالَ: " اسْقِ الْقَوْمَ "، فَجِئْتُهُمْ بِذَلِكَ الْعُسِّ فَشَرِبُوا مِنْهُ حَتَّى رَوَوْا جَمِيعًا، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ لَيَشْرَبُ مِثْلَهُ! فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُكَلِّمَهُمْ بَدَرَهُ أَبُو لَهَبٍ إِلَى الْكَلَامِ فَقَالَ: لَهَدَّ مَا سَحَرَكُمْ بِهِ صَاحِبُكُمْ. فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " الْغَدَ يَا عَلِيُّ، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ سَبَقَنِي إِلَى مَا سَمِعْتَ مِنَ الْقَوْلِ، فَتَفَرَّقُوا قَبْلَ أَنْ أُكَلِّمَهُمْ، فَعُدْ لَنَا مِنَ الطَّعَامِ بِمِثْلِ مَا صَنَعْتَ ثُمَّ اجْمَعْهُمْ إِلَيَّ ". فَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْأَمْسِ، فَأَكَلُوا، وَسَقَيْتُهُمْ ذَلِكَ الْعُسَّ، فَشَرِبُوا حَتَّى رَوَوْا جَمِيعًا وَشَبِعُوا، ثُمَّ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ شَابًّا فِي الْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا قَدْ جِئْتُكُمْ بِهِ، قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ أَمَرَنِي
اللَّهُ تَعَالَى أَنْ أَدْعُوَكُمْ إِلَيْهِ، فَأَيُّكُمْ يُؤَازِرُنِي عَلَى هَذَا الْأَمْرِ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي وَوَصِيَّتِي وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ؟ فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ عَنْهَا جَمِيعًا، وَقُلْتُ - وَإِنِّي لَأَحْدَثُهُمْ سِنًّا، وَأَرْمَصُهُمْ عَيْنًا، وَأَعْظَمُهُمْ بَطْنًا وَأَحْمَشُهُمْ سَاقًا: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكُونُ وَزِيرَكَ عَلَيْهِ. فَأَخَذَ بِرَقَبَتِي ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا أَخِي وَوَصِيِّي وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا. قَالَ فَقَامَ الْقَوْمُ يَضْحَكُونَ فَيَقُولُونَ لِأَبِي طَالِبٍ: قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تَسْمَعَ لِابْنِكَ وَتُطِيعَ» . وَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَصْدَعَ بِمَا جَاءَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنْ يُبَادِئَ النَّاسَ بِأَمْرِهِ وَيَدْعُوَهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَكَانَ يَدْعُو فِي أَوَّلِ مَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ النُّبُوَّةُ ثَلَاثَ سِنِينَ مُسْتَخْفِيًا إِلَى أَنْ أُمِرَ بِالظُّهُورِ لِلدُّعَاءِ، ثُمَّ صَدَعَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَبَادَأَ قَوْمَهُ بِالْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَبْعُدُوا مِنْهُ وَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ إِلَّا بَعْضَ الرَّدِّ، حَتَّى ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ وَعَابَهَا. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَهُمْ قَلِيلٌ مُسْتَخْفُونَ. وَحَدَبَ عَلَيْهِ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ وَمَنَعَهُ وَقَامَ دُونَهُ، وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَمْرِ اللَّهِ مُظْهِرًا لِأَمْرِهِ لَا يَرُدُّهُ شَيْءٌ. فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُعْتِبُهُمْ مِنْ شَيْءٍ يَكْرَهُونَهُ، وَأَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَدْ قَامَ دُونَهُ وَلَمْ يُسْلِمْهُ لَهُمْ، مَشَى رِجَالٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ إِلَى أَبِي طَالِبٍ: عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَنُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ، وَمَنْ مَشَى مِنْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ قَدْ سَبَّ آلِهَتَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَسَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَضَلَّلَ آبَاءَنَا، فَإِمَّا أَنْ تَكُفَّهُ عَنَّا، وَإِمَّا أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَإِنَّكَ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ. فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ قَوْلًا جَمِيلًا وَرَدَّهُمْ رَدًّا رَفِيقًا فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا هُوَ عَلَيْهِ. ثُمَّ شَرِيَ الْأَمْرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حَتَّى تَبَاعَدَ الرِّجَالُ فَتَضَاغَنُوا، وَأَكْثَرَتْ قُرَيْشٌ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَذَامَرُوا فِيهِ، فَمَشَوْا إِلَى أَبِي طَالِبٍ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ إِنَّ لَكَ سِنًّا وَشَرَفًا، وَإِنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَاكَ أَنْ تَنْهَى ابْنَ أَخِيكَ فَلَمْ تَفْعَلْ، وَإِنَّا وَاللَّهِ لَا نَصْبِرُ عَلَى هَذَا مِنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَآبَائِنَا وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا، حَتَّى تَكُفَّهُ عَنَّا أَوْ نُنَازِلَهُ وَإِيَّاكَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَهْلِكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ، أَوْ كَمَا قَالُوا، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ. فَعَظُمَ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فِرَاقُ قَوْمِهِ وَعَدَاوَتُهُمْ لَهُ وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِإِسْلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخِذْلَانِهِ، وَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْلَمَهُ مَا قَالَتْ قُرَيْشٌ وَقَالَ لَهُ: أَبْقِ عَلَى
نَفْسِكَ وَعَلَيَّ وَلَا تُحَمِّلْنِي مِنَ الْأَمْرِ مَا لَا أُطِيقُ. فَظَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَدْ بَدَا لِعَمِّهِ بُدُوٌّ، وَأَنَّهُ خَذَلَهُ وَقَدْ ضَعُفَ عَنْ نُصْرَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَا عَمَّاهُ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي شِمَالِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ ". ثُمَّ بَكَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَامَ. فَلَمَّا وَلَّى نَادَاهُ أَبُو طَالِبٍ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: اذْهَبْ يَا ابْنَ أَخِي فَقُلْ مَا أَحْبَبْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أُسْلِمُكَ لِشَيْءٍ أَبَدًا» . فَلَمَّا عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَا يَخْذُلُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُ يَجْمَعُ لِعَدَاوَتِهِمْ، مَشَوْا بِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ هَذَا عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ فَتَى قُرَيْشٍ وَأَجْمَلُهُمْ، فَخُذْهُ فَلَكَ عَقْلُهُ وَنُصْرَتُهُ فَاتَّخِذْهُ وَلَدًا، وَأَسْلِمْ لَنَا ابْنَ أَخِيكَ هَذَا الَّذِي سَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَخَالَفَ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ، وَفَرَّقَ جَمَاعَةَ قَوْمِكَ نَقْتُلُهُ، فَإِنَّمَا رَجُلٌ بِرَجُلٍ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَبِئْسَ مَا تَسُومُونَنِي، أَتُعْطُونَنِي ابْنَكُمْ أَغْذُوهُ لَكُمْ وَأُعْطِيكُمُ ابْنِي تَقْتُلُونَهُ؟ هَذَا وَاللَّهِ لَا يَكُونُ أَبَدًا! فَقَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَنْصَفَكَ قَوْمُكَ، وَمَا أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ! فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَاللَّهِ مَا أَنْصَفُونِي، وَلَكِنَّكَ قَدْ أَجْمَعْتَ خِذْلَانِي وَمُظَاهَرَةَ الْقَوْمِ عَلَيَّ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ. فَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَتَنَابَذَ الْقَوْمُ، وَاشْتَدَّتْ عَلَى مَنْ فِي الْقَبَائِلِ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا، فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُعَذِّبُونَهُمْ وَيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَمَنَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَامَ أَبُو طَالِبٍ فِي بَنِي هَاشِمٍ فَدَعَاهُمْ إِلَى مَنْعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ، وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَبِي لَهَبٍ. فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ مِنْ قَوْمِهِ مَا سَرَّهُ، أَقْبَلَ يَمْدَحُهُمْ وَيَذْكُرُ فَضْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ. «وَقَدْ مَشَتْ قُرَيْشٌ إِلَى أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ مَوْتِهِ وَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا، فَأَنْصِفْنَا مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، فَمُرْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا، وَنَدَعُهُ وَإِلَهَهُ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: هَؤُلَاءِ سَرَوَاتُ قَوْمِكَ يَسْأَلُونَكَ أَنْ تَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ، وَيَدَعُوَكَ وَإِلَهَكَ. قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَيْ عَمِّ! أَوَلَا أَدْعُوهُمْ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْهَا، كَلِمَةٌ يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَيَمْلِكُونَ رِقَابَ الْعَجَمِ؟ " فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: مَا هِيَ وَأَبِيكَ لَنُعْطِيَنَّكَهَا وَعَشْرَ أَمْثَالِهَا؟ قَالَ: تَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَنَفَرُوا وَتَفَرَّقُوا وَقَالُوا: سَلْ غَيْرَهَا. فَقَالَ: " لَوْ جِئْتُمُونِي بِالشَّمْسِ حَتَّى تَضَعُوهَا فِي يَدِي مَا سَأَلْتُكُمْ غَيْرَهَا ". قَالَ: فَغَضِبُوا وَقَامُوا مِنْ عِنْدِهِ غِضَابَى وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَنَشْتُمَنَّكَ وَإِلَهَكَ الَّذِي يَأْمُرُكَ بِهَذَا! {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} [ص: 6] ،
ذكر تعذيب المستضعفين من المسلمين
إِلَى قَوْلِهِ: (إِلَّا اخْتِلَاقٌ) ، وَأَقْبَلَ عَلَى عَمِّهِ فَقَالَ: " قُلْ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". قَالَ: لَوْلَا أَنْ تَعِيبَكُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتَقُولَ: جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ لَأَعْطَيْتُكَهَا، وَلَكِنْ عَلَى مِلَّةِ الْأَشْيَاخِ، فَنَزَلَتْ: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] » . [ذِكْرُ تَعْذِيبِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ] وَهُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا عَشَائِرَ لَهُمْ تَمْنَعُهُمْ، وَلَا قُوَّةَ لَهُمْ يُمْنَعُونَ بِهَا، فَأَمَّا مَنْ كَانَتْ لَهُ عَشِيرَةٌ تَمْنَعُهُ فَلَمْ يَصِلِ الْكُفَّارُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَوُا امْتِنَاعَ مَنْ لَهُ عَشِيرَةٌ، وَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنْ مُسْتَضْعَفِي الْمُسْلِمِينَ، فَجَعَلُوا يَحْبِسُونَهُمْ وَيُعَذِّبُونَهُمْ بِالضَّرْبِ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَرَمْضَاءِ مَكَّةَ وَالنَّارِ لِيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَتِنُ مِنْ شِدَّةِ الْبَلَاءِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَصَلَّبُ فِي دِينِهِ وَيَعْصِمُهُ اللَّهُ مِنْهُمْ. فَمِنْهُمْ: بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ الْحَبَشِيُّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ سَبْيِ الْحَبَشَةِ، وَأُمُّهُ حَمَامَةُ سَبِيَّةٌ أَيْضًا، وَهُوَ مِنْ مُوَلَّدِي السَّرَاةِ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فَصَارَ بِلَالٌ لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ، فَكَانَ إِذَا حَمِيَتِ الشَّمْسُ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ يُلْقِيهِ فِي الرَّمْضَاءِ عَلَى وَجْهِهِ وَظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالصَّخْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَتُلْقَى عَلَى صَدْرِهِ، وَيَقُولُ: لَا تَزَالُ هَكَذَا حَتَّى تَمُوتَ، أَوْ تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ وَتَعْبُدَ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، فَكَانَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَمُرُّ بِهِ وَهُوَ يُعَذَّبُ وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ. فَيَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ وَاللَّهِ يَا بِلَالُ. ثُمَّ يَقُولُ لِأُمَيَّةَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ عَلَى هَذَا لَأَتَّخِذَنَّهُ حَنَانًا. فَرَآهُ أَبُو بَكْرٍ يُعَذَّبُ فَقَالَ لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي
هَذَا الْمِسْكِينِ؟ فَقَالَ: أَنْتَ أَفْسَدْتَهُ فَأَبْعَدْتَهُ. فَقَالَ: عِنْدِي غُلَامٌ عَلَى دِينِكَ أَسْوَدُ أَجْلَدُ مِنْ هَذَا أُعْطِيكَهُ بِهِ. قَالَ: قَبِلْتُ. فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ غُلَامَهُ وَأَخَذَ بِلَالًا فَأَعْتَقَهُ، فَهَاجَرَ وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِنْهُمْ: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ أَبُو الْيَقْظَانِ الْعَنْسِيُّ، وَهُوَ بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ - وَعَنْسٌ هَذَا بِالنُّونِ - أَسْلَمَ هُوَ وَأَبُوهُ وَأُمُّهُ وَأَسْلَمَ قَدِيمًا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دَارِ الْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ بَعْدَ بِضْعَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، أَسْلَمَ هُوَ وَصُهَيْبٌ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ يَاسِرٌ حَلِيفًا لِبَنِي مَخْزُومٍ، فَكَانُوا يُخْرِجُونَ عَمَّارًا وَأَبَاهُ وَأُمَّهُ إِلَى الْأَبْطَحِ إِذَا حَمِيَتِ الرَّمْضَاءُ يُعَذِّبُونَهُمْ بِحَرِّ الرَّمْضَاءِ، فَمَرَّ بِهِمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " «صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ» ". فَمَاتَ يَاسِرٌ فِي الْعَذَابِ، وَأَغْلَظَتِ امْرَأَتُهُ سُمَيَّةُ الْقَوْلَ لِأَبِي جَهْلٍ، فَطَعَنَهَا فِي قُبُلِهَا بِحَرْبَةٍ فِي يَدَيْهِ فَمَاتَتْ، وَهِيَ أَوَّلُ شَهِيدٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَشَدَّدُوا الْعَذَابَ عَلَى عَمَّارٍ، بِالْحَرِّ تَارَةً، وَبِوَضْعِ الصَّخْرِ عَلَى صَدْرِهِ أُخْرَى، وَبِالتَّغْرِيقِ أُخْرَى فَقَالُوا: لَا نَتْرُكُكَ حَتَّى تَسُبَّ مُحَمَّدًا وَتَقُولَ فِي اللَّاتِ وَالْعُزَّى خَيْرًا، فَفَعَلَ، فَتَرَكُوهُ فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْكِي. فَقَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَ الْأَمْرُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ فَكَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ قَالَ: أَجِدُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ. فَقَالَ: يَا عَمَّارُ فَعُدْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] فَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
وَقُتِلَ بِصِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ وَقَدْ جَاوَزَ التِّسْعِينَ، قِيلَ بِثَلَاثٍ، وَقِيلَ بِأَرْبَعِ سِنِينَ. وَمِنْهُمْ: خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ، كَانَ أَبُوهُ سَوَادِيًّا مِنْ كَسْكَرَ، فَسَبَاهُ قَوْمٌ مِنْ رَبِيعَةَ، وَحَمَلُوهُ إِلَى مَكَّةَ فَبَاعُوهُ مِنْ سِبَاعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى الْخُزَاعِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ، وَسِبَاعٌ هُوَ الَّذِي بَارَزَهُ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَخَبَّابٌ تَمِيمِيٌّ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَدِيمًا، قِيلَ: سَادِسُ سِتَّةٍ قَبْلَ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَارَ الْأَرْقَمِ، فَأَخَذَهُ الْكُفَّارُ وَعَذَّبُوهُ عَذَابًا شَدِيدًا، فَكَانُوا يُعَرُّونَهُ وَيُلْصِقُونَ ظَهْرَهُ بِالرَّمْضَاءِ ثُمَّ بِالرَّضْفِ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ بِالنَّارِ، وَلَوَوْا رَأْسَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا أَرَادُوا مِنْهُ، وَهَاجَرَ وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَزَلَ الْكُوفَةَ، وَمَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. وَمِنْهُمْ: صُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ الرُّومِيُّ، وَلَمْ يَكُنْ رُومِيًّا، وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ سَبَوْهُ وَبَاعُوهُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ أَحْمَرَ اللَّوْنِ، وَهُوَ مِنَ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، كَنَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا يَحْيَى قَبْلَ أَنْ يُولَدَ لَهُ، وَكَانَ مِمَّنْ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ، فَعُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا. وَلَمَّا أَرَادَ الْهِجْرَةَ مَنَعَتْهُ قُرَيْشٌ، فَافْتَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ بِمَالِهِ أَجْمَعَ، وَجَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَ مَوْتِهِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِلَى أَنْ يَسْتَخْلِفَ بَعْضَ أَهْلِ الشُّورَى، وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَعُمُرُهُ سَبْعُونَ سَنَةً. وَأَمَّا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، فَهُوَ مَوْلَى الطُّفَيْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ، وَكَانَ الطُّفَيْلُ أَخَا عَائِشَةَ
لِأُمِّهَا أُمِّ رُومَانَ، أَسْلَمَ قَدِيمًا قَبْلَ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَارَ الْأَرْقَمِ، وَكَانَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ، وَاشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَعْتَقَهُ، فَكَانَ يَرْعَى غَنَمًا لَهُ، وَكَانَ يَرُوحُ بِغَنَمِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِلَى أَبِي بَكْرٍ لَمَّا كَانَا فِي الْغَارِ، وَهَاجَرَ مَعَهُمَا إِلَى الْمَدِينَةِ يَخْدِمُهُمَا، وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَلَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَلَمَّا طُعِنَ قَالَ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! وَلَمْ تُوجَدْ جُثَّتُهُ لِتُدْفَنَ مَعَ الْقَتْلَى، فَقِيلَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ دَفَنَتْهُ. وَمِنْهُمْ: أَبُو فُكَيْهَةَ، وَاسْمُهُ أَفْلَحُ، وَقِيلَ يَسَارٌ، وَكَانَ عَبْدًا لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ، أَسْلَمَ مَعَ بِلَالٍ، فَأَخَذَهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَرَبَطَ فِي رِجْلِهِ حَبْلًا، وَأَمَرَ بِهِ فَجُرَّ ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي الرَّمْضَاءِ، وَمَرَّ بِهِ جُعَلٌ فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ: أَلَيْسَ هَذَا رَبَّكَ؟ فَقَالَ: اللَّهُ رَبِّي وَرَبُّكَ وَرَبُّ هَذَا، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، وَمَعَهُ أَخُوهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَقُولُ: زِدْهُ عَذَابًا حَتَّى يَأْتِيَ مُحَمَّدٌ فَيُخَلِّصَهُ بِسِحْرِهِ، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَمَرَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَاشْتَرَاهُ وَأَعْتَقَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ كَانُوا يُعَذِّبُونَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ مَوْلًى لَهُمْ، وَكَانُوا يَضَعُونَ الصَّخْرَةَ عَلَى صَدْرِهِ حَتَّى دُلِعَ لِسَانُهُ فَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ، وَهَاجَرَ وَمَاتَ قَبْلَ بَدْرٍ. وَمِنْهُمْ: لُبَيْنَةُ جَارِيَةُ بَنِي مُؤَمَّلِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَسْلَمَتْ قَبْلَ إِسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَكَانَ عُمَرُ يُعَذِّبُهَا حَتَّى تُفْتَنَ ثُمَّ يَدَعُهَا، وَيَقُولُ: إِنِّي لَمْ أَدَعْكِ إِلَّا سَآمَةً، فَتَقُولُ: كَذَلِكَ يَفْعَلُ اللَّهُ بِكَ إِنْ لَمْ تُسْلِمْ، فَاشْتَرَاهَا أَبُو بَكْرٍ فَأَعْتَقَهَا. وَمِنْهُمْ: زِنِّيرَةُ، كَانَتْ لِبَنِي عَدِيٍّ، وَكَانَ عُمَرُ يُعَذِّبُهَا، وَقِيلَ: كَانَتْ لَبَنِي مَخْزُومٍ، وَكَانَ أَبُو جَهْلٍ يُعَذِّبُهَا حَتَّى عَمِيَتْ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ اللَّاتَ وَالْعُزَّى فَعَلَا بِكِ. فَقَالَتْ: وَمَا
ذكر المستهزئين ومن كان أشد الأذى للنبي - صلى الله عليه وسلم
يَدْرِي اللَّاتُ وَالْعُزَّى مَنْ يَعْبُدُهُمَا؟ وَلَكِنَّ هَذَا أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ وَرَبِّي قَادِرٌ عَلَى رَدِّ بَصَرِي، فَأَصْبَحَتْ مِنَ الْغَدِ وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ بَصَرَهَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: هَذَا سِحْرُ مُحَمَّدٍ، فَاشْتَرَاهَا أَبُو بَكْرٍ فَأَعْتَقَهَا. (زِنِّيرَةُ بِكَسْرِ الزَّايِ، وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَتَسْكِينِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا، وَفَتْحِ الرَّاءِ) . وَمِنْهُمُ: النَّهْدِيَّةُ، مَوْلَاةٌ لِبَنِي نَهْدٍ، فَصَارَتْ لِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَأَسْلَمَتْ، وَكَانَتْ تُعَذِّبُهَا وَتَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَقْلَعْتُ عَنْكِ أَوْ يَبْتَاعُكِ بَعْضُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَابْتَاعَهَا أَبُو بَكْرٍ فَأَعْتَقَهَا. وَمِنْهُمْ: أُمُّ عُبَيْسٍ، بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقِيلَ: عُنَيْسٌ، بِالنُّونِ، وَهِيَ أَمَةٌ لِبَنِي زُهْرَةَ، فَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ يُعَذِّبُهَا، فَابْتَاعَهَا أَبُو بَكْرٍ فَأَعْتَقَهَا. وَكَانَ أَبُو جَهْلٍ يَأْتِي الرَّجُلَ الشَّرِيفَ وَيَقُولُ لَهُ: أَتَتْرُكُ دِينَكَ وَدِينَ أَبِيكَ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ! وَيُقَبِّحُ رَأْيَهُ وَفِعْلَهُ وَيُسَفِّهُ حِلْمَهُ وَيَضَعُ شَرَفَهُ، وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا يَقُولُ: سَتَكْسَدُ تِجَارَتُكَ وَيَهْلَكُ مَالُكَ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا أَغْرَى بِهِ حَتَّى يُعَذَّبَ. [ذِكْرُ الْمُسْتَهْزِئِينَ وَمَنْ كَانَ أَشَدَّ الْأَذَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَمِنْهُمْ: عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، كَانَ شَدِيدًا عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، عَظِيمَ التَّكْذِيبِ لَهُ، دَائِمَ الْأَذَى، فَكَانَ يَطْرَحُ الْعَذِرَةَ وَالنَّتَنَ عَلَى بَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ جَارَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: أَيُّ جِوَارٍ هَذَا يَا بَنِي عَبْدِ
الْمُطَّلِبِ! فَرَآهُ يَوْمًا حَمْزَةُ فَأَخَذَ الْعَذِرَةَ وَطَرَحَهَا عَلَى رَأْسِ أَبِي لَهَبٍ فَجَعَلَ يَنْفُضُهَا عَنْ رَأْسِهِ وَيَقُولُ: " صَاحِبِي أَحْمَقُ! " وَأَقْصَرَ عَمَّا كَانَ يَفْعَلُهُ، لَكِنَّهُ يَضَعُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَمَاتَ أَبُو لَهَبٍ بِمَكَّةَ عِنْدَ وُصُولِ الْخَبَرِ بِانْهِزَامِ الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ بِمَرَضٍ يُعْرَفُ بِالْعَدَسَةِ. وَمِنْهُمُ: الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَهُوَ ابْنُ خَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَكَانَ إِذَا رَأَى فَقُرَاءَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَؤُلَاءِ مُلُوكُ الْأَرْضِ الَّذِينَ يَرِثُونَ مُلْكَ كِسْرَى. وَكَانَ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا كُلِّمْتَ الْيَوْمَ مِنَ السَّمَاءِ يَا مُحَمَّدُ! وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَخَرَجَ مِنْ أَهْلِهِ فَأَصَابَهُ السَّمُومُ فَاسْوَدَّ وَجْهُهُ، فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهِمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ وَأَغْلَقُوا الْبَابَ دُونَهُ، فَرَجَعَ مُتَحَيِّرًا حَتَّى مَاتَ عَطَشًا. وَقِيلَ: إِنَّ جِبْرَائِيلَ أَوْمَأَ إِلَى السَّمَاءِ فَأَصَابَتْهُ الْأَكَلَةُ فَامْتَلَأَ قَيْحًا فَمَاتَ. وَمِنْهُمُ: الْحَارِثُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ السَّهْمِيُّ، كَانَ أَحَدَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ابْنُ الْغَيْطَلَةِ، وَهِيَ أُمُّهُ، وَكَانَ يَأْخُذُ حَجَرًا يَعْبُدُهُ، فَإِذَا رَأَى أَحْسَنَ مِنْهُ تَرَكَ الْأَوَّلَ وَعَبَدَ الثَّانِيَ. وَكَانَ يَقُولُ: قَدْ غَرَّ مُحَمَّدٌ أَصْحَابَهُ، وَوَعَدَهُمْ أَنْ يَحْيَوْا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَاللَّهِ مَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ، وَفِيهِ نَزَلَتْ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] ، وَأَكَلَ حُوتًا مَمْلُوحًا فَلَمْ يَزَلْ يَشْرَبُ الْمَاءَ حَتَّى مَاتَ، وَقِيلَ: أَخَذَتْهُ الذُّبَحَةُ، وَقِيلَ: امْتَلَأَ رَأْسُهُ قَيْحًا فَمَاتَ. وَمِنْهُمُ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَخْزُومٍ، وَكَانَ الْوَلِيدُ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ، وَهُوَ الْعِدْلُ، لِأَنَّهُ كَانَ عِدْلَ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، لِأَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَكْسُو الْبَيْتَ جَمِيعُهَا
وَكَانَ الْوَلِيدُ يَكْسُوهُ وَحْدَهُ، وَهُوَ الَّذِي جَمَعَ قُرَيْشًا وَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَأْتُونَكُمْ أَيَّامَ الْحَجِّ فَيَسْأَلُونَكُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ فَتَخْتَلِفُ أَقْوَالُكُمْ فِيهِ، فَيَقُولُ هَذَا: سَاحِرٌ، وَيَقُولُ هَذَا: كَاهِنٌ، وَيَقُولُ هَذَا: شَاعِرٌ، وَيَقُولُ هَذَا: مَجْنُونٌ، وَلَيْسَ يُشْبِهُ وَاحِدًا مِمَّا يَقُولُونَ، وَلَكِنَّ أَصْلَحَ مَا قِيلَ فِيهِ سَاحِرٌ ; لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَأَخِيهِ وَزَوْجَتِهِ. وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَئِنْ سَبَّ مُحَمَّدٌ آلِهَتَنَا سَبَبْنَا إِلَهَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] . وَمَاتَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالْحَجُونِ، وَكَانَ مَرَّ بِرَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ يَرِيشُ نَبْلًا لَهُ فَوَطِئَ عَلَى سَهْمٍ مِنْهَا فَخَدَشَهُ، ثُمَّ أَوْمَأَ جِبْرَائِيلُ إِلَى ذَلِكَ الْخَدْشِ بِيَدِهِ فَانْتَقَضَ وَمَاتَ مِنْهُ، فَأَوْصَى إِلَى بَنِيهِ أَنْ يَأْخُذُوا دِيَتَهُ مِنْ خُزَاعَةَ، فَأَعْطَتْ خُزَاعَةُ دِيَتَهُ. وَمِنْهُمْ: أُمَيَّةُ وَأُبَيٌّ ابْنَا خَلَفٍ، وَكَانَا عَلَى شَرِّ مَا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَذَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَكْذِيبِهِ، جَاءَ أُبَيٌّ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَظْمِ فَخِذٍ فَفَتَّهُ فِي يَدِهِ وَقَالَ: زَعَمْتَ أَنَّ رَبَّكَ يُحْيِي هَذَا الْعَظْمَ، فَنَزَلَتْ: {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] . وَصَنَعَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ طَعَامًا وَدَعَا إِلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا أَحْضُرُهُ حَتَّى تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَفَعَلَ، فَقَامَ مَعَهُ. فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ: أَقُلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِطَعَامِنَا، فَنَزَلَتْ: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} [الفرقان: 27] . وَقُتِلَ أُمَيَّةُ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا، قَتَلَهُ خُبَيْبٌ وَبِلَالٌ، وَقِيلَ: قَتَلَهُ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ. وَأَمَّا أَخُوهُ أُبَيٌ فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ، رَمَاهُ بِحَرْبَةٍ فَقَتَلَهُ. وَمِنْهُمْ: أَبُو قَيْسِ بْنُ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ مِمَّنْ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُعِينُ أَبَا
جَهْلٍ عَلَى أَذَاهُ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ يَوْمَ بَدْرٍ. وَمِنْهُمُ: الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وَالِدُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَكَانَ مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَهُوَ الْقَائِلُ لَمَّا مَاتَ الْقَاسِمُ ابْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مُحَمَّدًا أَبْتَرُ لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ ذَكَرٌ، فَأَنْزَلَ: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر: 3] . فَرَكِبَ حِمَارًا لَهُ فَلَمَّا كَانَ بِشِعْبٍ مِنْ شِعَابِ مَكَّةَ رَبَضَ بِهِ حِمَارُهُ، فَلُدِغَ فِي رِجْلِهِ فَانْتَفَخَتْ حَتَّى صَارَتْ كَعُنُقِ الْبَعِيرِ، فَمَاتَ مِنْهَا بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَانِيَ شَهْرٍ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَمِنْهُمُ: النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، يُكَنَّى أَبَا قَائِدٍ، وَكَانَ أَشَدَّ قُرَيْشٍ فِي تَكْذِيبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَذَى لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ. وَكَانَ يَنْظُرُ فِي كُتُبِ الْفُرْسِ وَيُخَالِطُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَسَمِعَ بِذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُرْبِ مَبْعَثِهِ، فَقَالَ: إِنْ جَاءَنَا نَذِيرٌ لَنَكُونَنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ، فَنَزَلَتْ: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [فاطر: 42] ، الْآيَةَ. وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ مُحَمَّدٌ بِأَسَاطِيرِ الْأَوَّلِينَ، فَنَزَلَ فِيهِ عِدَّةُ آيَاتٍ. أَسَرَهُ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بَدْرٍ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ صَبْرًا بِالْأُثَيْلِ. وَمِنْهُمْ: أَبُو جَهْلِ ابْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَكْثَرَهُمْ أَذًى لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ، وَاسْمُهُ عَمْرٌو، وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْحَكَمِ، وَأَمَّا أَبُو جَهْلٍ فَالْمُسْلِمُونَ كَنَّوْهُ بِهِ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ سُمَيَّةَ أُمَّ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَأَفْعَالُهُ مَشْهُورَةٌ، وَقُتِلَ بِبَدْرٍ، قَتَلَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. وَمِنْهُمْ: نُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ السَّهْمِيَّانِ، وَكَانَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُمَا مِنْ أَذَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالطَّعْنِ عَلَيْهِ، وَكَانَا يَلْقَيَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: أَمَا وَجَدَ اللَّهُ مَنْ يَبْعَثُهُ غَيْرَكَ؟ إِنَّ هَاهُنَا مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْكَ وَأَيْسَرُ. فَقُتِلَ مُنَبِّهٌ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِبَدْرٍ، وَقُتِلَ
أَيْضًا الْعَاصُ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، قَتَلَهُ أَيْضًا عَلِيٌّ بِبَدْرٍ، وَهُوَ صَاحِبُ ذِي الْفِقَارِ، وَقِيلَ: مُنَبِّهُ بْنُ الْحَجَّاجِ صَاحِبُهُ، وَقِيلَ: نُبَيْهٌ. (نُبَيْهٌ بِضَمِّ النُّونِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) . وَمِنْهُمْ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ أَخُو أُمِّ سَلَمَةَ لِأَبِيهَا، وَأُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مِمَّنْ يُظْهِرُ تَكْذِيبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَرُدُّ مَا جَاءَ بِهِ وَيَطْعَنُ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ مِمَّنْ أَعَانَ عَلَى نَقْضِ الصَّحِيفَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي مَوْتِهِ فَقِيلَ: سَارَ إِلَى بَدْرٍ فَمَرِضَ فَمَاتَ، وَقِيلَ: أُسِرَ بِبَدْرٍ فَأَطْلَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا عَادَ مَاتَ بِمَكَّةَ، وَقِيلَ: حَضَرَ وَقْعَةَ أُحُدٍ فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَمَاتَ مِنْهُ، وَقِيلَ: سَارَ إِلَى الْيَمَنِ بَعْدَ الْفَتْحِ فَمَاتَ هُنَاكَ كَافِرًا. وَمِنْهُمْ: عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَاسْمُ أَبِي مُعَيْطٍ أَبَانُ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَيُكَنَّى أَبَا الْوَلِيدِ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ أَذًى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَدَاوَةً لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ، عَمَدَ إِلَى مِكْتَلٍ فَجَعَلَ فِيهِ عَذِرَةً وَجَعَلَهُ عَلَى بَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَصُرَ بِهِ طُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، وَأُمُّهُ أَرْوَى بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأَخَذَ الْمِكْتَلَ مِنْهُ وَضَرَبَ بِهِ رَأْسَهُ وَأَخَذَ بِأُذُنَيْهِ، فَشَكَاهُ عُقْبَةُ إِلَى أُمِّهِ فَقَالَ: قَدْ صَارَ ابْنُكِ يَنْصُرُ مُحَمَّدًا. فَقَالَتْ: وَمَنْ أَوْلَى بِهِ مِنَّا؟ أَمْوَالُنَا وَأَنْفُسُنَا دُونَ مُحَمَّدٍ. وَأُسِرَ عُقْبَةُ بِبَدْرٍ فَقُتِلَ صَبْرًا، قَتَلَهُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَلَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ لِلصِّبْيَةِ؟ قَالَ: النَّارُ. قُتِلَ بِالصَّفْرَاءِ، وَقِيلَ بِعَرَقِ الظَّبْيَةِ، وَصُلِبَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَصْلُوبٍ فِي الْإِسْلَامِ. وَمِنْهُمُ: الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَكَانَ مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَيُكَنَّى أَبَا زَمْعَةَ، وَكَانَ وَأَصْحَابُهُ يَتَغَامَزُونَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَيَقُولُونَ: قَدْ جَاءَكُمْ مُلُوكُ الْأَرْضِ وَمَنْ يَغْلِبُ عَلَى كُنُوزِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَيُصَفِّرُونَ بِهِ وَيُصَفِّقُونَ، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْمَى وَيَثْكَلَ وَلَدَهُ، فَجَلَسَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ
فَجَعَلَ جِبْرَائِيلُ يَضْرِبُ وَجْهَهُ وَعَيْنَيْهِ بِوَرَقَةٍ مِنْ وَرَقِهَا وَبِشَوْكِهَا حَتَّى عَمِيَ، وَقِيلَ: أَوْمَأَ إِلَى عَيْنَيْهِ فَعَمِيَ فَشَغَلَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُتِلَ ابْنُهُ مَعَهُ بِبَدْرٍ كَافِرًا، قَتَلَهُ أَبُو دُجَانَةَ، وَقُتِلَ ابْنُ ابْنِهِ عُتَيْبٌ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ، اشْتَرَكَا فِي قَتْلِهِ، وَقُتِلَ ابْنُ ابْنِهِ الْحَارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ، قَتَلَهُ عَلِيٌّ، وَقِيلَ: هُوَ الْحَارِثُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَهُوَ الْقَائِلُ: أَتَبْكِي أَنْ يَضِلَّ لَهَا بَعِيرٌ ... وَيَمْنَعُهَا مِنَ النَّوْمِ السُّهُودُ وَمَاتَ وَالنَّاسُ يَتَجَهَّزُونَ إِلَى أُحُدٍ وَهُوَ يُحَرِّضُ الْكُفَّارَ وَهُوَ مَرِيضٌ. وَمِنْهُمْ: طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، يُكَنَّى أَبَا الرَّيَّانِ، وَكَانَ مِمَّنْ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَشْتُمُهُ وَيَسْمَعُهُ وَيُكَذِّبُهُ، وَأُسِرَ بِبَدْرٍ، وَقُتِلَ كَافِرًا صَبْرًا، قَتَلَهُ حَمْزَةُ. وَمِنْهُمْ: مَالِكُ بْنُ الطَّلَاطِلَةِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غُبْشَانَ مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَكَانَ سَفِيهًا، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَشَارَ جِبْرَائِيلُ إِلَى رَأْسِهِ فَامْتَلَأَ قَيْحًا فَمَاتَ. وَمِنْهُمْ: رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، كَانَ شَدِيدَ الْعَدَاوَةِ، لَقِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ وَلَسْتَ بِكَذَّابٍ، فَإِنْ صَرَعْتَنِي عَلِمْتُ أَنَّكَ صَادِقٌ، وَلَمْ يَكُنْ يَصْرَعُهُ أَحَدٌ، فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: لَا أُسْلِمُ حَتَّى تَدْعُوَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَقْبِلِي، فَأَقْبَلَتْ تَخُدُّ الْأَرْضَ. فَقَالَ رُكَانَةُ: مَا رَأَيْتُ سِحْرًا أَعْظَمَ مِنْ هَذَا، مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ، فَأَمَرَهَا فَعَادَتْ، فَقَالَ: هَذَا سِحْرٌ عَظِيمٌ. هَؤُلَاءِ أَشَدُّ عَدَاوَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ عَدَاهُمْ مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ كَانُوا أَقَلَّ عَدَاوَةً مِنْ هَؤُلَاءِ، كَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَيْهِ فَأَسْلَمُوا، تَرَكْنَا ذِكْرَهُمْ لِذَلِكَ، مِنْهُمْ: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيُّ
ذكر الهجرة إلى أرض الحبشة
أَخُو أُمِّ سَلَمَةَ لِأَبِيهَا، وَكَانَتْ أَمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَالْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَالِدُ مَرْوَانَ، وَغَيْرُهُمْ، أَسْلَمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ. [ذِكْرُ الْهِجْرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ] وَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنَ الْبَلَاءِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْعَافِيَةِ بِمَكَانِهِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ قَالَ: «لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ،، فَإِنَّ فِيهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ أَحَدٌ عِنْدَهُ، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ» . فَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ وَفِرَارًا إِلَى اللَّهِ بِدِينِهِمْ، فَكَانَتْ أَوَّلَ هِجْرَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، فَخَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَزَوْجَتُهُ رُقَيَّةُ ابْنَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَغَيْرُهُمْ تَمَامَ عَشَرَةِ رِجَالٍ، وَقِيلَ: أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وَأَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَكَانَ مَسِيرُهُمْ فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ إِظْهَارِ الدَّعْوَةِ، فَأَقَامُوا شَعْبَانَ وَشَهْرَ رَمَضَانَ. وَقَدِمُوا فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَكَانَ سَبَبُ قُدُومِهِمْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمَّا رَأَى مُبَاعَدَةَ قَوْمِهِ لَهُ شَقَّ عَلَيْهِ، وَتَمَنَّى أَنْ يَأْتِيَهُ اللَّهُ بِشَيْءٍ يُقَارِبُهُمْ بِهِ، وَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم: 1] ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم: 19] ، أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ لَمَّا كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى. فَلَمَّا سَمِعَتْ ذَلِكَ قُرَيْشٌ سَرَّهُمْ، وَالْمُسْلِمُونَ مُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَتَّهِمُونَهُ وَلَا يَظُنُّونَ بِهِ سَهْوًا وَلَا خَطَأً. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى سَجْدَةٍ سَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ إِلَّا الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُطِقِ السُّجُودَ لِكِبَرِهِ، فَأَخَذَ كَفًّا مِنَ الْبَطْحَاءِ فَسَجَدَ عَلَيْهَا. ثُمَّ تَفَرَّقَ النَّاسُ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ مَنْ بِالْحَبَشَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ قُرَيْشًا أَسْلَمَتْ، فَعَادَ مِنْهُمْ قَوْمٌ وَتَخَلَّفَ قَوْمٌ، وَأَتَى جِبْرَائِيلُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَرَأَ، فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَافَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] ، فَذَهَبَ عَنْهُ الْحُزْنُ وَالْخَوْفُ. وَاشْتَدَّتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا قَرُبَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ كَانُوا بِالْحَبَشَةِ مِنْ مَكَّةَ بَلَغَهُمْ أَنَّ إِسْلَامَ أَهْلِ مَكَّةَ بَاطِلٌ، فَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا بِجِوَارٍ أَوْ مُسْتَخْفِيًا، فَدَخَلَ عُثْمَانُ فِي جِوَارِ أَبِي أُحَيْحَةَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، فَأَمِنَ بِذَلِكَ، وَدَخَلَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بِجِوَارِ أَبِيهِ، وَدَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ بِجِوَارِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، ثُمَّ قَالَ: أَكُونُ فِي ذِمَّةِ مُشْرِكٍ! جِوَارُ اللَّهِ أَعَزُّ، فَرَدَّ عَلَيْهِ جِوَارَهُ، وَكَانَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ يُنْشِدُ قُرَيْشًا قَوْلَهُ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ.
فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ: صَدَقْتَ، فَلَمَّا قَالَ: وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ. قَالَ: كَذَبْتَ! نَعِيمُ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ، فَقَالَ لَبِيدُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَا كَانَتْ مَجَالِسُكُمْ هَكَذَا، وَلَا كَانَ السَّفَهُ مِنْ شَأْنِكُمْ. فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَهُ وَخَبَرَ ذِمَّتِهِ، فَقَامَ بَعْضُ بَنِي الْمُغِيرَةِ فَلَطَمَ عَيْنَ عُثْمَانَ، فَضَحِكَ الْوَلِيدُ شَمَاتَةً بِهِ حَيْثُ رَدَّ جِوَارَهُ، وَقَالَ لِعُثْمَانَ: مَا كَانَ أَغْنَاكَ عَنْ هَذَا! فَقَالَ إِنَّ عَيْنِي الْأُخْرَى لَمُحْتَاجَةٌ إِلَى مِثْلِ مَا نَالَتْ هَذِهِ. فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ أَنْ تَعُودَ إِلَى جِوَارِي؟ قَالَ: لَا أَعُودُ إِلَى جِوَارِ غَيْرِ اللَّهِ. فَقَامَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَى الَّذِي لَطَمَ عَيْنَ عُثْمَانَ فَكَسَرَ أَنْفَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ دَمٍ أُرِيقَ فِي الْإِسْلَامِ فِي قَوْلٍ. وَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ بِمَكَّةَ يُؤْذَوْنَ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ رَجَعُوا مُهَاجِرِينَ إِلَى الْحَبَشَةِ ثَانِيًا، فَخَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَتَتَابَعَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْحَبَشَةِ، فَكَمُلَ بِهَا تَمَامُ اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ رَجُلًا، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقِيمٌ بِمَكَّةَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ سِرًّا وَجَهْرًا، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهَا إِلَيْهِ رَمَوْهُ بِالسِّحْرِ وَالْكِهَانَةِ وَالْجُنُونِ وَأَنَّهُ شَاعِرٌ، وَجَعَلُوا يَصُدُّونَ عَنْهُ مَنْ خَافُوا أَنْ يَسْمَعَ قَوْلَهُ. وَكَانَ أَشَدُّ مَا بَلَغُوا مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: «حَضَرَتْ قُرَيْشٌ يَوْمًا بِالْحِجْرِ فَذَكَرُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا نَالَ مِنْهُمْ وَصَبْرَهُمْ عَلَيْهِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَشَى حَتَّى اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا، فَغَمَزُوهُ بِبَعْضِ الْقَوْلِ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ مَضَى فَلَمَّا مَرَّ بِهِمُ الثَّانِيَةَ غَمَزُوهُ مِثْلَهَا، ثُمَّ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: أَتَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ. قَالَ: فَكَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ وَاقِعٌ حَتَّى إِنَّ أَشَدَّهُمْ فِيهِ لَيَرْفَؤُهُ بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ. وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ حَتَّى إِذَا أَتَاكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ يَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: أَنَا الَّذِي أَقُولُ ذَلِكَ، فَأَخَذَ عُقْبَةُ بْنُ
ذكر إرسال قريش إلى النجاشي في طلب المهاجرين
أَبِي مُعَيْطٍ بِرِدَائِهِ، وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ دُونَهُ يَقُولُ وَهُوَ يَبْكِي: وَيْلَكُمُ! (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ) ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ» . هَذَا أَشَدُّ مَا بُلِّغْتُ عَنْهُ. [ذِكْرُ إِرْسَالِ قُرَيْشٍ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِي طَلَبِ الْمُهَاجِرِينَ] لَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَدِ اطْمَأَنُّوا بِالْحَبَشَةِ وَأَمِنُوا، وَأَنَّ النَّجَاشِيَّ قَدْ أَحْسَنَ صُحْبَتَهُمُ، ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ فَبَعَثُوا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ وَمَعَهُمَا هَدِيَّةٌ إِلَيْهِ وَإِلَى أَعْيَانِ أَصْحَابِهِ، فَسَارَا حَتَّى وَصَلَا الْحَبَشَةَ، فَحَمَلَا إِلَى النَّجَاشِيِّ هَدِيَّتَهُ وَإِلَى أَصْحَابِهِ هَدَايَاهُمْ وَقَالَا لَهُمْ: إِنَّ نَاسًا مِنْ سُفَهَائِنَا فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِ الْمَلِكِ وَجَاءُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتُمْ، وَقَدْ أَرْسَلَنَا أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ إِلَى الْمَلِكِ لِيَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا كَلَّمْنَا الْمَلِكَ فِيهِمْ فَأَشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُرْسِلَهُمْ مَعَنَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ، وَخَافَا أَنْ يَسْمَعَ النَّجَاشِيُّ كَلَامَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يُسَلِّمَهُمْ. فَوَعَدَهُمَا أَصْحَابُ النَّجَاشِيِّ الْمُسَاعَدَةَ عَلَى مَا يُرِيدَانِ. ثُمَّ إِنَّهُمَا حَضَرَا عِنْدَ النَّجَاشِيِّ فَأَعْلَمَاهُ مَا قَدْ قَالَاهُ، فَأَشَارَ أَصْحَابُهُ بِتَسْلِيمِ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمَا. فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أُسَلِّمُ قَوْمًا جَاوَرُونِي وَنَزَلُوا بِلَادِي، وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ، حَتَّى أَدْعُوَهُمْ وَأَسْأَلَهُمْ عَمَّا يَقُولُ هَذَانِ، فَإِنْ كَانَا صَادِقَيْنِ سَلَّمْتُهُمْ إِلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ مَا يَذْكُرُ هَذَانِ مَنَعْتُهُمْ وَأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ. ثُمَّ أَرْسَلَ النَّجَاشِيُّ إِلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَاهُمْ فَحَضَرُوا، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا سَاءَهُ وَسَرَّهُ، وَكَانَ الْمُتَكَلِّمُ عَنْهُمْ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ لَهُمُ النَّجَاشِيُّ: مَا
هَذَا الدِّينُ الَّذِي فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ، وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي دِينِي وَلَا دِينِ أَحَدٍ مِنَ الْمِلَلِ؟ فَقَالَ جَعْفَرٌ: أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنُقَطِّعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا لِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وَأَنْ لَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ مِنَ الْأَصْنَامِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ. وَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَآمَنَّا بِهِ وَصَدَّقْنَاهُ، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَحَلَّلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَتَعَدَّى عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا، وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إِلَى بِلَادِكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ. فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ سَطْرًا مِنْ (كهيعص) ، فَبَكَى النَّجَاشِيُّ وَأَسَاقِفَتُهُ، وَقَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى يَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، انْطَلِقَا، وَاللَّهِ لَا أُسَلِّمُهُمْ إِلَيْكُمَا أَبَدًا! . فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُ غَدًا بِمَا يُبِيدُ خَضْرَاءَهُمْ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ أَتْقَى الرَّجُلَيْنِ: لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ لَهُمْ أَرْحَامًا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ لِلنَّجَاشِيِّ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ فِي عِيسَىابْنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا. فَأَرْسَلَ النَّجَاشِيُّ فَسَأَلَهُمْ عَنْ قَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيحِ. فَقَالَ جَعْفَرٌ: نَقُولُ فِيهِ الَّذِي جَاءَنَا بِهِ نَبِيُّنَا: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ. فَأَخَذَ النَّجَاشِيُّ عُودًا مِنَ الْأَرْضِ وَقَالَ: مَا عَدَا عِيسَى مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ. فَنَخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ. وَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ آمِنُونَ، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي جَبَلًا مِنْ ذَهَبٍ وَأَنَّنِي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ. وَرَدَّ هَدِيَّةَ قُرَيْشٍ وَقَالَ: مَا أَخَذَ اللَّهُ الرِّشْوَةَ مِنِّي حَتَّى آخُذَهَا مِنْكُمْ، وَلَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ حَتَّى أُطِيعَهُمْ فِيهِ. وَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْرِ دَارٍ. وَظَهَرَ مَلِكٌ مِنَ الْحَبَشَةِ فَنَازَعَ النَّجَاشِيَّ فِي مُلْكِهِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ،
ذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب
وَسَارَ النَّجَاشِيُّ إِلَيْهِ لِيُقَاتِلَهُ، وَأَرْسَلَ الْمُسْلِمُونَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ لِيَأْتِيَهُمْ بِخَبَرِهِ، وَهُمْ يَدْعُونَ لَهُ، فَاقْتَتَلُوا، فَظَفِرَ النَّجَاشِيُّ، فَمَا سُرَّ الْمُسْلِمُونَ بِشَيْءٍ سُرُورَهُمْ بِظَفَرِهِ. قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْخُذِ الرِّشْوَةَ مِنِّي، أَنَّ أَبَا النَّجَاشِيِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ لَهُ عَمٌّ قَدْ أَوْلَدَ اثْنَيْ عَشَرَ وَلَدًا، فَقَالَتِ الْحَبَشَةُ: لَوْ قَتَلْنَا أَبَا النَّجَاشِيِّ وَمَلَّكْنَا أَخَاهُ فَإِنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ غَيْرُ هَذَا الْغُلَامِ، وَكَانَ أَخُوهُ وَأَوْلَادُهُ يَتَوَارَثُونَ الْمُلْكَ دَهْرًا. فَقَتَلُوا أَبَاهُ وَمَلَّكُوا عَمَّهُ وَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ حِينًا، وَبَقِيَ النَّجَاشِيُّ عِنْدَ عَمِّهِ، وَكَانَ عَاقِلًا، فَغَلَبَ عَلَى أَمْرِ عَمِّهِ، فَخَافَتِ الْحَبَشَةُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ جَزَاءً لِقَتْلِ أَبِيهِ، فَقَالُوا لِعَمِّهِ: إِمَّا أَنْ تَقْتُلَ النَّجَاشِيَّ، وَإِمَّا أَنْ تُخْرِجَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا فَقَدْ خِفْنَاهُ. فَأَجَابَهُمْ إِلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ بِلَادِهِمْ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ، فَخَرَجُوا إِلَى السُّوقِ فَبَاعُوهُ مِنْ تَاجِرٍ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ. فَسَارَ بِهِ التَّاجِرُ فِي سَفِينَتِهِ. فَلَمَّا جَاءَ الْعِشَاءُ هَاجَتْ سَحَابَةٌ فَأَصَابَتْ عَمَّهُ بِصَاعِقَةٍ، فَفَزِعَتِ الْحَبَشَةُ إِلَى أَوْلَادِهِ، فَإِذَا هُمْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ، فَهَرَجَ عَلَى الْحَبَشَةِ أَمْرُهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاللَّهِ لَا يُقِيمُ أَمْرَكُمْ إِلَّا النَّجَاشِيُّ، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ بِالْحَبَشَةِ رَأْيٌ فَأَدْرِكُوهُ. فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ حَتَّى أَدْرَكُوهُ وَمَلَّكُوهُ. وَجَاءَ التَّاجِرُ وَقَالَ لَهُمْ: إِمَّا أَنْ تُعْطُونِي مَالِي وَإِمَّا أَنْ أُكَلِّمَهُ. فَقَالُوا: كَلِّمْهُ. فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، ابْتَعْتُ غُلَامًا بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَخَذُوا الْغُلَامَ وَالْمَالَ. فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: إِمَّا أَنْ تُعْطُوهُ دَرَاهِمَهُ وَإِمَّا أَنْ يَضَعَ الْغُلَامُ يَدَهُ فِي يَدِهِ فَلَيَذْهَبَنَّ بِهِ حَيْثُ شَاءَ. فَأَعْطَوْهُ دَرَاهِمَهُ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ. فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا عُلِمَ مِنْ عَدْلِهِ وَدِينِهِ. قَالَ: وَلَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ كَانُوا لَا يَزَالُونَ يَرَوْنَ عَلَى قَبْرِهِ نُورًا. [ذِكْرُ إِسْلَامِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ] ثُمَّ إِنَّ أَبَا جَهْلٍ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ الصَّفَا، فَآذَاهُ وَشَتَمَهُ وَنَالَ مِنْهُ وَعَابَ دِينَهُ، وَمَوْلَاةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ فِي مَسْكَنٍ لَهَا تَسْمَعُ ذَلِكَ. ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ
ذكر إسلام عمر بن الخطاب
فَجَلَسَ فِي نَادِي قُرَيْشٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَلَمْ يَلْبَثْ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ أَقْبَلَ مِنْ قَنْصَةٍ مُتَوَشِّحًا قَوْسَهُ، وَكَانَ إِذَا رَجَعَ لَمْ يَصِلْ إِلَى أَهْلِهِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، وَكَانَ يَقِفُ عَلَى أَنْدِيَةِ قُرَيْشٍ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَيَتَحَدَّثُ مَعَهُمْ، وَكَانَ أَعَزَّ قُرَيْشٍ وَأَشَدَّهُمْ شَكِيمَةً. فَلَمَّا مَرَّ بِالْمَوْلَاةِ، وَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ، قَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا عُمَارَةَ لَوْ رَأَيْتَ مَا لَقِيَ ابْنُ أَخِيكَ مُحَمَّدٌ مِنْ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، فَإِنَّهُ سَبَّهُ وَآذَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ مُحَمَّدٌ. قَالَ: فَاحْتَمَلَ حَمْزَةَ الْغَضَبُ لِمَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، فَخَرَجَ سَرِيعًا لَا يَقِفُ عَلَى أَحَدٍ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ يُرِيدُ الطَّوَافَ بِالْكَعْبَةِ مُعِدًّا لِأَبِي جَهْلٍ إِذَا لَقِيَهُ أَنْ يَقَعَ بِهِ، حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَرَآهُ جَالِسًا فِي الْقَوْمِ، فَأَقْبَلَ نَحْوَهُ وَضَرَبَ رَأْسَهُ بِالْقَوْسِ فَشَجَّهُ شَجَّةً مُنْكَرَةً، وَقَالَ: أَتَشْتُمُهُ وَأَنَا عَلَى دِينِهِ أَقُولُ مَا يَقُولُ؟ فَارْدُدْ عَلَيَّ إِنِ اسْتَطَعْتَ. وَقَامَتْ رِجَالُ بَنِي مَخْزُومٍ إِلَى حَمْزَةَ لِيَنْصُرُوا أَبَا جَهْلٍ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: دَعُوا أَبَا عُمَارَةَ فَإِنِّي سَبَبْتُ ابْنَ أَخِيهِ سَبًّا قَبِيحًا. وَتَمَّ حَمْزَةُ عَلَى إِسْلَامِهِ. فَلَمَّا أَسْلَمَ حَمْزَةُ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عُزَّ، وَأَنَّ حَمْزَةَ سَيَمْنَعُهُ، فَكَفُّوا عَنْ بَعْضِ مَا كَانُوا يَنَالُونَ مِنْهُ. وَاجْتَمَعَ يَوْمًا أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: مَا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ الْقُرْآنَ يُجْهَرُ لَهَا بِهِ، فَمَنْ رَجُلٌ يُسْمِعُهُمُوهُ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَا. فَقَالُوا: نَخْشَى عَلَيْكَ إِنَّمَا نُرِيدُ مَنْ لَهُ عَشِيرَةٌ يَمْنَعُونَهُ. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَيَمْنَعُنِي. فَغَدَا عَلَيْهِمْ فِي الضُّحَى، حَتَّى أَتَى الْمَقَامَ وَقُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهَا، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَرَأَ سُورَةَ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَامُوا إِلَيْهِ يَضْرِبُونَهُ وَهُوَ يَقْرَأُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَقَدْ أَثَّرُوا بِوَجْهِهِ، فَقَالُوا: هَذَا الَّذِي خَشِينَا عَلَيْكَ. فَقَالَ: مَا كَانَ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْهُمُ الْيَوْمَ، وَلَئِنْ شِئْتُمْ لَأُغَادِيَنَّهُمْ. قَالُوا: حَسْبُكَ قَدْ أَسْمَعْتَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ. [ذِكْرُ إِسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ] ثُمَّ أَسْلَمَ عُمَرُ بَعْدَ تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ امْرَأَةً، وَقِيلَ: أَسْلَمَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، وَإِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَقِيلَ: أَسْلَمَ بَعْدَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ رَجُلًا، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ امْرَأَةً.
وَكَانَ رَجُلًا جَلْدًا مَنِيعًا، وَأَسْلَمَ بَعْدَ هِجْرَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْحَبَشَةِ. وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَقْدِرُونَ يُصَلُّونَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ قَاتَلَ قُرَيْشًا حَتَّى صَلَّى عِنْدَهَا، وَصَلَّى مَعَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَوِيَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمَا، وَعَلِمُوا أَنَّهُمَا سَيَمْنَعَانِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمِينَ. قَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ، وَكَانَتْ زَوْجَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: إِنَّا لَنَرْحَلُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ عَامِرٌ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، إِذْ أَقْبَلَ عُمَرُ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَيَّ، وَكُنَّا نَلْقَى مِنْهُ الْبَلَاءَ أَذًى وَشِدَّةً، فَقَالَ: أَتَنْطَلِقُونَ يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ وَاللَّهِ لَنَخْرُجَنَّ فِي أَرْضِ اللَّهِ، فَقَدْ آذَيْتُمُونَا وَقَهَرْتُمُونَا، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَنَا فَرَجًا. قَالَتْ: فَقَالَ: صَحِبَكُمُ اللَّهُ، وَرَأَيْتُ لَهُ رِقَّةً وَحُزْنًا. قَالَتْ: فَلَمَّا عَادَ أَخْبَرْتُهُ وَقُلْتُ لَهُ: لَوْ رَأَيْتَ عُمَرَ وَرِقَّتَهُ وَحُزْنَهُ عَلَيْنَا! قَالَ: أَطَمِعْتِ فِي إِسْلَامِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: لَا يُسْلِمُ حَتَّى يُسْلِمَ حِمَارُ الْخَطَّابِ، لِمَا كَانَ يَرَى مِنْ غِلْظَتِهِ وَشِدَّتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَهَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَسْلَمَ، فَصَارَ عَلَى الْكُفَّارِ أَشَدَّ مِنْهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ سَبَبُ إِسْلَامِهِ أَنَّ أُخْتَهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْخَطَّابِ كَانَتْ تَحْتَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو الْعَدَوِيِّ، وَكَانَا مُسْلِمَيْنِ يُخْفِيَانِ إِسْلَامَهُمَا مِنْ عُمَرَ، وَكَانَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحَّامُ الْعَدَوِيُّ قَدْ أَسْلَمَ أَيْضًا وَهُوَ يُخْفِي إِسْلَامَهُ فَرَقًا مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ يَخْتَلِفُ إِلَى فَاطِمَةَ يُقْرِئُهَا الْقُرْآنَ، فَخَرَجَ عُمَرُ يَوْمًا وَمَعَهُ سَيْفُهُ يُرِيدُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي دَارِ الْأَرْقَمِ عِنْدَ الصَّفَا، وَعِنْدَهُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي نَحْوِ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، فَلَقِيَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: أُرِيدُ مُحَمَّدًا الَّذِي فَرَّقَ أَمْرَ قُرَيْشٍ وَعَابَ دِينَهَا فَأَقْتُلُهُ. فَقَالَ نُعَيْمٌ: وَاللَّهِ لَقَدْ غَرَّتْكَ نَفْسُكَ، أَتَرَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ تَارِكِيكَ تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَقَدْ قَتَلْتَ مُحَمَّدًا؟ أَفَلَا تَرْجِعُ إِلَى أَهْلِكَ فَتُقِيمَ أَمْرَهُمْ؟ قَالَ: وَأَيُّ أَهْلِي؟ قَالَ: خَتَنُكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ وَابْنُ عَمِّكَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وَأُخْتُكَ فَاطِمَةُ، فَقَدْ وَاللَّهِ أَسْلَمَا. فَرَجَعَ عُمَرُ إِلَيْهِمَا وَعِنْدَهُمَا خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ يُقْرِئُهُمَا الْقُرْآنَ. فَلَمَّا سَمِعُوا حِسَّ عُمَرَ تَغَيَّبَ خَبَّابٌ، وَأَخَذَتْ فَاطِمَةُ الصَّحِيفَةَ فَأَلْقَتْهَا تَحْتَ فَخِذَيْهَا، وَقَدْ سَمِعَ عُمَرُ قِرَاءَةَ خَبَّابٍ. فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ؟ قَالَا: مَا سَمِعْتَ شَيْئًا؟ قَالَ: بَلَى، قَدْ أُخْبِرْتُ
أَنَّكُمَا تَابَعْتُمَا مُحَمَّدًا، وَبَطَشَ بِخَتَنِهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ أُخْتُهُ لِتَكُفَّهُ، فَضَرَبَهَا فَشَجَّهَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ: قَدْ أَسْلَمْنَا وَآمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ. وَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا بِأُخْتِهِ مِنَ الدَّمِ نَدِمَ وَقَالَ لَهَا: أَعْطِنِي هَذِهِ الصَّحِيفَةَ الَّتِي سَمِعْتُكُمْ تَقْرَأُونَ فِيهَا الْآنَ، حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ. قَالَتْ: إِنَّا نَخْشَاكَ عَلَيْهَا، فَحَلَفَ أَنَّهُ يُعِيدُهَا. قَالَتْ لَهُ: وَقَدْ طَمِعَتْ فِي إِسْلَامِهِ: إِنَّكَ نَجِسٌ عَلَى شِرْكِكَ، وَلَا يَمَسُّهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَقَامَ فَاغْتَسَلَ. فَأَعْطَتْهُ الصَّحِيفَةَ وَقَرَأَهَا، وَفِيهَا: (طه) ، وَكَانَ كَاتِبًا، فَلَمَّا قَرَأَ بَعْضَهَا قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَكْرَمَهُ! فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ خَرَجَ إِلَيْهِ وَقَالَ: يَا عُمَرُ إِنِّي وَاللَّهِ لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ خَصَّكَ بِدَعْوَةِ نَبِيِّهِ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ أَمْسِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَيِّدِ الْإِسْلَامَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَوْ بِأَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ» ، فَاللَّهَ اللَّهَ يَا عُمَرُ! فَقَالَ عُمَرُ عِنْدَ ذَلِكَ: فَدُلَّنِي يَا خَبَّابُ عَلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى آتِيَهُ فَأُسْلِمَ. فَدَلَّهُ خَبَّابٌ، فَأَخَذَ سَيْفَهُ وَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ فَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَنَظَرَ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ، فَرَآهُ مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، فَقَالَ حَمْزَةُ: ائْذَنْ لَهُ، فَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ خَيْرًا بَذَلْنَاهُ لَهُ، وَإِنْ أَرَادَ شَرًّا قَتَلْنَاهُ بِسَيْفِهِ. فَأَذِنَ لَهُ، «فَنَهَضَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى لَقِيَهُ فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ رِدَائِهِ ثُمَّ جَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً وَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟ مَا أَرَاكَ تَنْتَهِي حَتَّى يُنْزِلَ اللَّهُ عَلَيْكَ قَارِعَةً. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ لِأُومِنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، فَكَبَّرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَكْبِيرَةً عَرَفَ مَنْ فِي الْبَيْتِ أَنَّ عُمَرَ أَسْلَمَ» . فَلَمَّا أَسْلَمَ قَالَ: أَيُّ قُرَيْشٍ أَنْقَلُ لِلْحَدِيثِ؟ قِيلَ: جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيُّ، فَجَاءَهُ فَأَخْبَرَهُ بِإِسْلَامِهِ، فَمَشَى إِلَى الْمَسْجِدِ وَعُمَرُ وَرَاءَهُ وَصَرَخَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَلَا إِنَّ ابْنَ الْخَطَّابِ قَدْ صَبَأَ. فَيَقُولُ عُمَرُ مِنْ خَلْفِهِ: كَذَبَ وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ، فَقَامُوا، فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ حَتَّى قَامَتِ الشَّمْسُ وَأَعْيَا، فَقَعَدَ وَهُمْ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: افْعَلُوا مَا بَدَا لَكُمْ، فَلَوْ كُنَّا ثَلَاثَمِائَةِ نَفَرٍ تَرَكْنَاهَا لَكُمْ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا لَنَا، يَعْنِي مَكَّةَ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ عَلَيْهِ حُلَّةٌ فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: صَبَأَ عُمَرُ. قَالَ فَمَهْ، رَجُلٌ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَمْرًا فَمَاذَا تُرِيدُونَ؟ أَتَرَوْنَ بَنِي عَدِيٍّ يُسْلِمُونَ لَكُمْ صَاحِبَهُمْ هَكَذَا؟ خَلُّوا عَنِ الرَّجُلِ. وَكَانَ الرَّجُلُ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ السَّهْمِيَّ. قَالَ عُمَرُ: لَمَّا أَسْلَمْتُ أَتَيْتُ بَابَ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ فَضَرَبْتُ عَلَيْهِ بَابَهُ، فَخَرَجَ إِلَيَّ وَقَالَ: مَرْحَبًا بِابْنِ أَخِي! مَا جَاءَ بِكَ؟ قُلْتُ: جِئْتُ لِأُخْبِرَكَ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَآمَنْتُ
ذكر أمر الصحيفة
بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَدَّقْتُ مَا جَاءَ بِهِ. قَالَ: فَضَرَبَ الْبَابَ فِي وَجْهِي وَقَالَ: قَبَّحَكَ اللَّهُ، وَقَبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ! وَقِيلَ فِي إِسْلَامِهِ غَيْرُ هَذَا. [ذِكْرُ أَمْرِ الصَّحِيفَةِ] وَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ الْإِسْلَامَ يَفْشُو وَيَزِيدُ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَوُوا بِإِسْلَامِ حَمْزَةَ وَعُمَرَ، وَعَادَ إِلَيْهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ مِنَ النَّجَاشِيِّ بِمَا يَكْرَهُونَ مِنْ مَنْعِ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ وَأَمْنِهِمْ عِنْدَهُ، ائْتَمَرُوا فِي أَنْ يَكْتُبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا يَتَعَاقَدُونَ فِيهِ عَلَى: أَنْ لَا يُنْكِحُوا بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَلَا يَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ، وَلَا يَبِيعُوهُمْ وَلَا يَبْتَاعُوا مِنْهُمْ شَيْئًا. فَكَتَبُوا بِذَلِكَ صَحِيفَةً وَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ عَلَّقُوا الصَّحِيفَةَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ تَوْكِيدًا لِذَلِكَ الْأَمْرِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَلَمَّا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ انْحَازَتْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ إِلَى أَبِي طَالِبٍ، فَدَخَلُوا مَعَهُ فِي شِعْبِهِ وَاجْتَمَعُوا. وَخَرَجَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَبُو لَهَبِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى قُرَيْشٍ، فَلَقِيَ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِ نَصْرِي اللَّاتَ وَالْعُزَّى؟ قَالَتْ: لَقَدْ أَحْسَنْتَ. فَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى جَهِدُوا لَا يَصِلُ إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ إِلَّا سِرًّا. وَذَكَرُوا أَنَّ أَبَا جَهْلٍ لَقِيَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، وَمَعَهُ قَمْحٌ يُرِيدُ بِهِ عَمَّتَهُ خَدِيجَةَ، وَهِيَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشِّعْبِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا تَبْرَحُ حَتَّى أَفْضَحَكَ. فَجَاءَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهُ؟ عِنْدَهُ طَعَامٌ لِعَمَّتِهِ أَفَتَمْنَعُهُ أَنْ يَحْمِلَهُ إِلَيْهَا؟ خَلِّ سَبِيلَهُ. فَأَبَى أَبُو جَهْلٍ، فَنَالَ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ بِلِحْيِ جَمَلٍ فَشَجَّهُ وَوَطِئَهُ وَطْأً شَدِيدًا، وَحَمْزَةُ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَبْلُغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ فَيَشْمَتَ بِهِمْ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ. وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو النَّاسَ سِرًّا وَجَهْرًا، وَالْوَحْيُ مُتَتَابِعٌ إِلَيْهِ، فَبَقُوا كَذَلِكَ ثَلَاثَ سِنِينَ.
وَقَامَ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَ أَحْسَنَهُمْ بَلَاءً فِيهِ هِشَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ لُؤَيٍّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي نَضْلَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَ يَأْتِي بِالْبَعِيرِ قَدْ أَوْقَرَهُ طَعَامًا لَيْلًا وَيَسْتَقْبِلُ بِهِ الشِّعْبَ وَيَخْلَعُ خِطَامَهُ فَيَدْخُلُ الشِّعْبَ. فَلَمَّا رَأَى مَا هُمْ فِيهِ وَطُولَ الْمُدَّةِ عَلَيْهِمْ، مَشَى إِلَى زُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ، أَخِي أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَ شَدِيدَ الْغَيْرَةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ أُمُّهُ عَاتِكَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا زُهَيْرُ أَرَضِيتَ أَنْ تَأْكُلَ الطَّعَامَ، وَتَلْبَسَ الثِّيَابَ، وَتَنْكِحَ النِّسَاءَ وَأَخْوَالُكَ حَيْثُ عَلِمْتَ؟ أَمَا إِنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَوْ كَانُوا أَخْوَالَ أَبِي الْحَكَمِ - يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ - ثُمَّ دَعَوْتَهُ إِلَى مِثْلِ مَا دَعَاكَ إِلَيْهِ مَا أَجَابَكَ أَبَدًا. فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ وَإِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مَعِي رَجُلٌ آخَرُ لَنَقَضْتُهَا. فَقَالَ: قَدْ وَجَدْتَ رَجُلًا. قَالَ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا. قَالَ زُهَيْرٌ: ابْغِنَا ثَالِثًا، فَذَهَبَ إِلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَالَ لَهُ: أَرَضِيتَ أَنْ يَهْلَكَ بَطْنَانِ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَأَنْتَ شَاهِدٌ ذَلِكَ مُوَافِقٌ فِيهِ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ أَمْكَنْتُمُوهُمْ مِنْ هَذِهِ لَتَجِدُنَّهُمْ إِلَيْهَا مِنْكُمْ سِرَاعًا قَالَ: مَا أَصْنَعُ؟ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ. قَالَ: قَدْ وَجَدْتَ ثَانِيًا. قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا قَالَ: ابْغِنَا ثَالِثًا. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ. قَالَ: ابْغِنَا رَابِعًا. فَذَهَبَ إِلَى أَبِي الْبَخْتَرِيِّ بْنِ هِشَامٍ، وَقَالَ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قَالَ لِلْمُطْعِمِ، قَالَ: وَهَلْ مِنْ أَحَدٍ يُعِينُ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا وَزُهَيْرٌ وَالْمُطْعِمُ. قَالَ: ابْغِنَا خَامِسًا. فَذَهَبَ إِلَى زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، فَكَلَّمَهُ وَذَكَرَ لَهُ قَرَابَتَهُمْ، قَالَ: وَهَلْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ مُعِينٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَسَمَّى لَهُ الْقَوْمَ، فَاتَّعَدُوا خَطْمَ الْحَجُونِ الَّذِي بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَاجْتَمَعُوا هُنَالِكَ وَتَعَاهَدُوا عَلَى الْقِيَامِ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ. فَقَالَ زُهَيْرٌ: أَنَا أَبْدَأُكُمْ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا إِلَى أَنْدِيَتِهِمْ، وَغَدَا زُهَيْرٌ فَطَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَنَأْكُلُ الطَّعَامَ وَنَلْبَسُ الثِّيَابَ وَبَنُو هَاشِمٍ هَلْكَى لَا يَبْتَاعُونَ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ؟ وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ حَتَّى تُشَقَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الْقَاطِعَةُ الظَّالِمَةُ. قَالَ أَبُو جَهْلٍ: كَذَبْتَ
وَاللَّهِ لَا تُشَقُّ. قَالَ زَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ: أَنْتَ وَاللَّهِ أَكْذَبُ، مَا رَضِينَا بِهَا حِينَ كُتِبَتْ. قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: صَدَقَ زَمْعَةُ، لَا نَرْضَى مَا كُتِبَ فِيهَا. قَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ: صَدَقْتُمَا وَكَذَبَ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ. وَأَبُو طَالِبٍ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ. فَقَامَ الْمُطْعِمُ إِلَى الصَّحِيفَةِ لِيَشُقَّهَا فَوَجَدَ الْأَرَضَةَ قَدْ أَكَلَتْهَا إِلَّا مَا كَانَ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، كَانَتْ تُفْتَتَحُ بِهَا كُتُبُهَا، وَكَانَ كَاتِبَ الصَّحِيفَةِ مَنْصُورُ بْنُ عِكْرِمَةَ، فَشُلَّتْ يَدُهُ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ خُرُوجِهِمْ مِنَ الشِّعْبِ أَنَّ الصَّحِيفَةَ لَمَّا كُتِبَتْ وَعُلِّقَتْ بِالْكَعْبَةِ اعْتَزَلَ النَّاسُ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو طَالِبٍ وَمَنْ مَعَهُمَا بِالشِّعْبِ ثَلَاثَ سِنِينَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ الْأَرَضَةَ وَأَكَلَتْ مَا فِيهَا مِنْ ظُلْمٍ وَقَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَتَرَكَتْ مَا فِيهَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، فَجَاءَ جِبْرَائِيلُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ لَا يَشُكُّ فِي قَوْلِهِ، فَخَرَجَ مِنَ الشِّعْبِ إِلَى الْحَرَمِ، فَاجْتَمَعَ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَالَ: إِنَّ ابْنَ أَخِي أَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ عَلَى صَحِيفَتِكُمُ الْأَرَضَةَ، فَأَكَلَتْ مَا فِيهَا مِنْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ وَظُلْمٍ، وَتَرَكَتِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَحْضِرُوهَا، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَلِمْتُمْ أَنَّكُمْ ظَالِمُونَ لَنَا قَاطِعُونَ لِأَرْحَامِنَا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا عَلِمْنَا أَنَّكُمْ عَلَى حَقٍّ وَأَنَّا عَلَى بَاطِلٍ. فَقَامُوا سِرَاعًا وَأَحْضَرُوهَا، فَوَجَدُوا الْأَمْرَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوِيَتْ نَفْسُ أَبِي طَالِبٍ وَاشْتَدَّ صَوْتُهُ وَقَالَ: قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِالظُّلْمِ وَالْقَطِيعَةِ. فَنَكَّسُوا رُءُوسَهُمْ ثُمَّ قَالُوا: إِنَّمَا يَأْتُونَنَا بِالسِّحْرِ وَالْبُهْتَانِ، وَقَامَ أُولَئِكَ النَّفَرُ فِي نَقْضِهَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي أَمْرِ الصَّحِيفَةِ وَأَكْلِ الْأَرَضَةِ مَا فِيهَا مِنْ ظُلْمٍ وَقَطِيعَةِ رَحِمٍ أَبْيَاتًا مِنْهَا: وَقَدْ كَانَ فِي أَمْرِ الصَّحِيفَةِ عِبْرَةٌ ... مَتَى مَا يُخَبَّرُ غَائِبُ الْقَوْمِ يَعْجَبُ مَحَا اللَّهُ مِنْهُمْ كُفْرَهُمْ وَعُقُوقَهُمْ ... وَمَا نَقَمُوا مِنْ نَاطِقِ الْحَقِّ مُعْرِبُ فَأَصْبَحَ مَا قَالُوا مِنَ الْأَمْرِ بَاطِلًا ... وَمَنْ يَخْتَلِقْ مَا لَيْسَ بِالْحَقِّ يَكْذِبُ
ذكر وفاة أبي طالب وخديجة وعرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه على العرب
[ذِكْرُ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ وَخَدِيجَةَ وَعَرْضِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفْسَهُ عَلَى الْعَرَبِ] تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ وَخَدِيجَةُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ وَبَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ الشِّعْبِ، فَتُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ فِي شَوَّالٍ أَوْ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، وَعُمْرُهُ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ مَاتَتْ قَبْلَهُ بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ: كَانَ بَيْنَهُمَا خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا، وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَعَظُمَتِ الْمُصِيبَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَلَاكِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنِّي شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ» ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَصَلُوا مِنْ أَذَاهُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى مَا لَمْ يَكُونُوا يَصِلُونَ إِلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، حَتَّى يَنْثُرَ بَعْضُهُمُ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، وَحَتَّى «إِنَّ بَعْضَهُمْ يَطْرَحُ عَلَيْهِ رَحِمَ الشَّاةِ وَهُوَ يُصَلِّي، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخْرِجُ ذَلِكَ عَلَى الْعُودِ وَيَقُولُ: أَيُّ جِوَارِ هَذَا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! ثُمَّ يُلْقِيهِ بِالطَّرِيقِ» . فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ، خَرَجَ وَمَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ إِلَى ثَقِيفٍ يَلْتَمِسُ مِنْهُمُ النَّصْرَ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمْ عَمَدَ إِلَى ثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْهُمْ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ سَادَةُ ثَقِيفٍ، وَهُمْ إِخْوَةٌ ثَلَاثَةٌ: عَبْدُ يَالِيلَ وَمَسْعُودٌ وَحَبِيبٌ بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَكَلَّمَهُمْ فِي نُصْرَتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالْقِيَامِ مَعَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: مَارِدٌ يَمْرُطُ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ إِنْ كَانَ اللَّهُ أَرْسَلَكَ. وَقَالَ آخَرُ: أَمَا وَجَدَ اللَّهُ مَنْ يُرْسِلُهُ غَيْرَكَ! وَقَالَ الثَّالِثُ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ كَلِمَةً أَبَدًا، لَئِنْ كُنْتَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ - كَمَا تَقُولُ - لَأَنْتَ أَعْظَمُ خَطَرًا مِنْ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ، وَلَئِنْ كُنْتَ تَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ فَمَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُكَلِّمَكَ. «فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ يَئِسَ مِنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ، وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا أَبَيْتُمْ فَاكْتُمُوا عَلَيَّ ذَلِكَ، وَكَرِهَ أَنْ يَبْلُغَ قَوْمَهُ، فَلَمْ يَفْعَلُوا وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ. فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَأَلْجَؤُوهُ إِلَى حَائِطٍ لِعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وَهُوَ الْبُسْتَانُ، وَهُمَا فِيهِ، وَرَجَعَ السُّفَهَاءُ عَنْهُ، وَجَلَسَ إِلَى
ظِلِّ حَبَلَةٍ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، اللَّهُمَّ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بِعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي أَوْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي! وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ، إِنِّي أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ تُحِلَّ بِي سَخَطَكَ» ". فَلَمَّا رَأَى ابْنَا رَبِيعَةَ مَا لَحِقَهُ تَحَرَّكَتْ لَهُ رَحِمُهُمَا، فَدَعَوَا غُلَامًا لَهُمَا نَصْرَانِيًّا اسْمُهُ عَدَّاسٌ فَقَالَا لَهُ: خُذْ قِطْفًا مِنْ هَذَا الْعِنَبِ، وَاذْهَبْ بِهِ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَفَعَلَ فَلَمَّا وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَعَ يَدَهُ فِيهِ وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ أَكَلَ، فَقَالَ عَدَّاسٌ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ هَذِهِ الْبَلْدَةِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مِنْ أَيِّ بِلَادٍ أَنْتَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ " قَالَ: أَنَا نَصْرَانِيٌّ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَمِنْ قَرْيَةِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى؟ " قَالَ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ مَا يُونُسُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ذَلِكَ أَخِي كَانَ نَبِيًّا وَأَنَا نَبِيٌّ "، فَأَكَبَّ عَدَّاسٌ عَلَى يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرِجْلَيْهِ يُقَبِّلُهَا فَعَادَ. فَيَقُولُ ابْنَا رَبِيعَةَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: أَمَّا غُلَامُكَ فَقَدْ أَفْسَدَهُ عَلَيْكَ. فَلَمَّا جَاءَ عَدَّاسٌ قَالَا لَهُ: وَيْحَكَ مَا لَكَ تُقَبِّلُ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ؟ قَالَ: مَا فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ. قَالَا: وَيْحَكَ إِنَّ دِينَكَ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ! ثُمَّ «انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ قَائِمًا يُصَلِّي، فَمَرَّ بِهِ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ، وَهُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنْ جِنِّ نَصِيبِينَ، رَائِحِينَ إِلَى الْيَمَنِ فَاسْتَمَعُوا لَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَوَاتِهِ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَدْ آمَنُوا وَأَجَابُوا» . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا عَادَ مِنْ ثَقِيفٍ أَرْسَلَ إِلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ لِيُجِيرَهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ فَأَجَارَهُ، وَأَصْبَحَ الْمُطْعِمُ قَدْ لَبِسَ سِلَاحَهُ هُوَ وَبَنُوهُ وَبَنُو
أَخِيهِ فَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: أَمُجِيرٌ أَمْ مُتَابِعٌ؟ قَالَ: بَلْ مُجِيرٌ. قَالَ: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتَ فَدَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ وَأَقَامَ بِهَا. فَلَمَّا رَآهُ أَبُو جَهْلٍ قَالَ: هَذَا نَبِيُّكُمْ يَا عَبْدَ مَنَافٍ. فَقَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: وَمَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ مِنَّا نَبِيٌّ وَمَلِكٌ؟ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، فَأَتَاهُمْ فَقَالَ: " أَمَّا أَنْتَ يَا عُتْبَةُ فَمَا حَمَيْتَ لِلَّهِ، وَإِنَّمَا حَمَيْتَ لِنَفْسِكَ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أَبَا جَهْلٍ فَوَاللَّهِ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ غَيْرُ بَعِيدٍ حَتَّى تَضْحَكَ قَلِيلًا وَتَبْكِيَ كَثِيرًا، وَأَمَّا أَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ فَوَاللَّهِ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ غَيْرُ كَثِيرٍ حَتَّى تَدْخُلُوا فِيمَا تُنْكِرُونَ وَأَنْتُمْ كَارِهُونَ. "، فَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ» . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْرِضُ نَفْسَهُ فِي الْمَوَاسِمِ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَأَتَى كِنْدَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ وَفِيهِمْ سَيِّدٌ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ مُلَيْحٌ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ. فَأَتَى كَلْبًا، إِلَى بَطْنٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَبْدِ اللَّهِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى بَنِي حَنِيفَةَ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ أَقْبَحَ رَدًّا عَلَيْهِ مِنْهُمْ. ثُمَّ أَتَى بَنِي عَامِرٍ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، «فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَرَأَيْتَ إِنْ نَحْنُ تَابَعْنَاكَ فَأَظْهَرَكَ اللَّهُ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ أَيَكُونُ لَنَا الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: الْأَمْرُ إِلَى اللَّهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» . قَالَ لَهُ: أَفَنُهْدِفُ نُحُورَنَا لِلْعَرَبِ دُونَكَ فَإِذَا ظَهَرْتَ كَانَ الْأَمْرُ لِغَيْرِنَا؟ لَا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِكَ. فَلَمَّا رَجَعَتْ بَنُو عَامِرٍ إِلَى شَيْخٍ لَهُمْ كَبِيرٍ فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَسَبَهُ، وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ هَلْ مِنْ تَلَافٍ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا تَقَوَّلَهَا إِسْمَاعِيلِيٌّ قَطُّ وَإِنَّهَا لَحَقٌّ، وَأَيْنَ كَانَ رَأْيُكُمْ عَنْهُ! وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى كُلِّ قَادِمٍ لَهُ اسْمٌ وَشَرَفٌ وَيَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ. وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى قَبِيلَةً يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ تَبِعَهُ عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ، فَإِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -
ذكر أول عرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه على الأنصار وإسلامهم
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ كَلَامِهِ يَقُولُ لَهُمْ أَبُو لَهَبٍ: يَا بَنِي فُلَانٍ، إِنَّمَا يَدْعُوكُمْ هَذَا إِلَى أَنْ تَسْلَخُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى مِنْ أَعْنَاقِكُمْ وَحُلَفَاءَكُمْ مِنَ الْجِنِّ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْبِدْعَةِ، فَلَا تُطِيعُوهُ وَلَا تَسْمَعُوا لَهُ. [ذِكْرُ أَوَّلِ عَرْضِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفْسَهُ عَلَى الْأَنْصَارِ وَإِسْلَامِهِمْ] فَقَدِمَ سُوَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بَطْنٌ مِنَ الْأَوْسِ مَكَّةَ حَاجًّا وَمُعْتَمِرًا، وَكَانَ يُسَمَّى الْكَامِلَ لِجَلَدِهِ وَشِعْرِهِ وَنَسَبِهِ، وَهُوَ الْقَائِلُ: أَلَا رُبَّ مَنْ تَدْعُو صَدِيقًا وَلَوْ تَرَى ... مَقَالَتَهُ بِالْغَيْبِ سَاءَكَ مَا يَفْرِي مَقَالَتُهُ كَالشَّحْمِ مَا كَانَ شَاهِدًا ... وَبِالْغَيْبِ مَأْثُورٌ عَلَى ثُغْرَةِ النَّحْرِ يَسُرُّكَ بَادِيهِ وَتَحْتَ أَدِيمِهِ ... نَمِيمَةُ غِشٍّ تَبْتَرِي عَقِبَ الظَّهْرِ تُبِينُ لَكَ الْعَيْنَانِ مَا هُوَ كَاتِمٌ ... وَمَا جُنَّ بِالْبَغْضَاءِ وَالنَّظَرِ الشَّزْرِ فَرِشْنِي بِخَيْرٍ طَالَمَا قَدْ بَرَيْتَنِي ... فَخَيْرُ الْمَوَالِي مَنْ يَرِيشُ وَلَا يَبْرِي فَتَصَدَّى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَلَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ حَسَنٌ. ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَتَلَهُ الْخَزْرَجُ، قُتِلَ يَوْمَ بُعَاثٍ، فَكَانَ قَوْمُهُ يَقُولُونَ: قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ. (بُعَاثُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ) وَقَدِمَ أَبُو الْحَيْسَرِ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ مَكَّةَ مَعَ فِتْيَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فِيهِمْ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ يَلْتَمِسُونَ الْحِلْفَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنَ الْخَزْرَجِ، فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ
ذكر بيعة العقبة الأولى وإسلام سعد بن معاذ
لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ فِيمَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ؟ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ إِيَاسٌ، وَكَانَ غُلَامًا حَدَثًا: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْنَا لَهُ. فَضَرَبَ وَجْهَهُ أَبُو الْحَيْسَرِ بِحَفْنَةٍ مِنَ الْبَطْحَاءِ وَقَالَ: دَعْنَا مِنْكَ فَلَقَدْ جِئْنَا لِغَيْرِ هَذَا فَسَكَتَ إِيَاسٌ، وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَلْبَثْ إِيَاسٌ أَنْ هَلَكَ، فَسَمِعَهُ قَوْمُهُ يُهَلِّلُ اللَّهَ وَيُكَبِّرُهُ حَتَّى مَاتَ، فَمَا يَشُكُّونَ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا. [ذِكْرُ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَإِسْلَامِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ] فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَ دِينِهِ وَإِنْجَازَ وَعْدِهِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَ فِيهِ النَّفَرَ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا مِنَ الْخَزْرَجِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، وَقَدْ كَانَتْ يَهُودُ مَعَهُمْ بِبِلَادِهِمْ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ أَهْلَ أَوْثَانٍ، فَكَانُوا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ تَقُولُ الْيَهُودُ: إِنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ الْآنَ نَتَّبِعُهُ وَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَثَمُودَ. فَقَالَ أُولَئِكَ النَّفَرُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَذَا وَاللَّهِ النَّبِيُّ الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ الْيَهُودُ، فَأَجَابُوهُ وَصَدَّقُوهُ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّ بَيْنَ قَوْمِنَا شَرًّا، وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْمَعَهُمْ بِكَ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَيْكَ فَلَا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ. ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ، وَكَانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مِنَ الْخَزْرَجِ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ أَبُو أُمَامَةَ، وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ، كِلَاهُمَا مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَجْلَانَ، وَعَامِرُ بْنُ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمٍ، كِلَاهُمَا مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدِ بْنِ سَوَادٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ - سَلِمَةُ هَذَا بِكَسْرِ اللَّامِ - وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِئٍ مِنْ بَنِي غَنْمٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِيَابٍ مِنْ بَنِي عُبَيْدَةَ. (رِيَابٌ: بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْيَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتِ وَالْيَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) . فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ ذَكَرُوا لَهُمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى فَشَا فِيهِمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ وَافَى الْمَوْسِمَ مِنَ الْأَنْصَارِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَلَقُوهُ بِالْعَقَبَةِ،
وَهِيَ الْعَقَبَةُ الْأُولَى، فَبَايَعُوهُ بَيْعَةَ النِّسَاءِ، وَهُمْ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَعَوْفٌ وَمُعَاذٌ ابْنَا الْحَارِثِ، وَهُمَا ابْنَا عَفْرَاءَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَجْلَانَ، وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَيَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَزَمَةَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ بَلِيٍّ حَلِيفٍ لَهُمْ، وَعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ مِنْ بَنِي سَالِمٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِئٍ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ، وَهَؤُلَاءِ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَشَهِدَهَا مِنَ الْأَوْسِ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ حَلِيفٌ لَهُمْ. فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، وَبَعَثَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُمُ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمَهُمُ الْإِسْلَامَ، فَنَزَلَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَخَرَجَ بِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ فَجَلَسَ فِي دَارِ بَنِي ظَفَرٍ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِمَا رِجَالٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ، فَسَمِعَ بِهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَهُمَا سَيِّدَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَكِلَاهُمَا مُشْرِكٌ، فَقَالَ سَعْدٌ لِأُسَيْدٍ: انْطَلِقْ إِلَى هَذَيْنِ الَّذِينَ أَتَيَا دَارَنَا فَانْهَهُمَا، فَإِنَّهُ لَوْلَا أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَهُوَ ابْنُ خَالَتِي، كَفَيْتُكَ ذَلِكَ، فَأَخَذَ أُسَيْدٌ حَرْبَتَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمَا تُسَفِّهَانِ ضُعَفَاءَنَا؟ اعْتَزِلَا عَنَّا. فَقَالَ مُصْعَبٌ: أَوْ تَجْلِسُ فَتَسْمَعُ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ! فَقَالَ أَنْصَفْتَ. ثُمَّ جَلَسَ إِلَيْهِمَا، فَكَلَّمَهُ مُصْعَبٌ بِالْإِسْلَامِ، فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَجَلَّهُ! كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا دَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدِّينِ؟ قَالَا: تَغْتَسِلُ وَتُطَهِّرُ ثِيَابَكَ ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ ثُمَّ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأَسْلَمَ. ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: إِنَّ وَرَائِي رَجُلًا إِنْ تَبِعَكُمَا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْكُمَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَسَأُرْسِلُهُ إِلَيْكُمَا، سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى سَعْدٍ وَقَوِمِهِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ سَعْدٌ قَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ! فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: كَلَّمْتُ الرَّجُلَيْنِ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ بِهِمَا بَأْسًا، وَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَامَ سَعْدٌ مُغْضَبًا مُبَادِرًا لِخَوْفِهِ مِمَّا ذَكَرَ لَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُمَا مُطْمَئِنَّيْنِ عَرَفَ مَا أَرَادَ أُسَيْدٌ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا وَقَالَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ: لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الْقَرَابَةِ مَا رُمْتَ هَذَا مِنِّي. فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَتَقْعُدُ فَتَسْمَعُ فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ عَزَلْنَا عَنْكَ مَا تَكْرَهُ! فَعَرَضَ عَلَيْهِ مُصْعَبٌ الْإِسْلَامَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَقَالَ لَهُمَا: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا دَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدِّينِ؟ فَقَالَا لَهُ مَا قَالَا لِأُسَيْدٍ، فَأَسْلَمَ وَتَطَهَّرَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى نَادِي قَوْمِهِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي مِنْكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا وَأَفْضَلُنَا. قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا
ذكر بيعة العقبة الثانية
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى فِي دَارِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا أَوْ مُسْلِمَةً. وَرَجَعَ مُصْعَبٌ إِلَى مَنْزِلِ أَسْعَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَوَائِلٍ وَوَاقِفٌ، فَإِنَّهُمْ أَطَاعُوا أَبَا قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ، فَوَقَفَ بِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ حَتَّى هَاجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَضَتْ بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ، وَعَادَ مُصْعَبٌ إِلَى مَكَّةَ. (أُسَيْدٌ: بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَفَتْحِ السِّينِ، وَحُضَيْرٌ: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَسْكِينِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَفِيِ آخِرِهِ رَاءٌ) . [ذِكْرُ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ] لَمَّا فَشَا الْإِسْلَامُ فِي الْأَنْصَارِ اتَّفَقَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَخْفِينَ لَا يَشْعُرُ بِهِمْ أَحَدٌ، فَسَارُوا إِلَى مَكَّةَ فِي الْمَوْسِمِ فِي ذِي الْحِجَّةِ مَعَ كُفَّارِ قَوْمِهِمْ وَاجْتَمَعُوا بِهِ وَوَاعَدُوهُ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِالْعَقَبَةِ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ خَرَجُوا بَعْدَ مُضِيِّ ثُلُثِهِ، مُسْتَخْفِينَ يَتَسَلَّلُونَ حَتَّى اجْتَمَعُوا بِالْعَقَبَةِ، وَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، مَعَهُمُ امْرَأَتَانِ: نَسِيبَةُ بِنْتُ كَعْبٍأُمُّ عُمَارَةَ وَأَسْمَاءُ أُمُّ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ وَجَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَمَعَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ كَافِرٌ أَحَبَّ أَنْ يَتَوَثَّقَ لِابْنِ أَخِيهِ، فَكَانَ الْعَبَّاسُ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي الْخَزْرَجَ وَالْأَوْسَ بِهِ، إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ، وَإِنَّهُ قَدْ أَبَى إِلَّا الِانْقِطَاعَ إِلَيْكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ وَمَانِعُوهُ فَأَنْتُمْ وَذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُوهُ فَمِنَ الْآنَ فَدَعُوهُ فَإِنَّهُ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ. فَقَالَ الْأَنْصَارُ: قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ، فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَخُذْ لِنَفْسِكَ وَرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتَ.
فَتَكَلَّمَ وَتَلَا الْقُرْآنَ، وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ قَالَ: «تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ» . ثُمَّ أَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ وَاللَّهِ أَهْلُ الْحَرْبِ. فَاعْتَرَضَ الْكَلَامَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ حِبَالًا، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا، يَعْنِي الْيَهُودَ، فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَظْهَرَكَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ . فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: بَلِ الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، أَنْتُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْكُمْ، أُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ وَأُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «أَخْرِجُوا إِلَيَّ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا يَكُونُونَ عَلَى قَوْمِهِمْ» "، فَأَخْرَجُوهُمْ تِسْعَةً مِنَ الْخَزْرَجِ وَثَلَاثَةً مِنَ الْأَوْسِ. وَقَالَ لَهُمُ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ هَلْ تَدْرُونَ عَلَامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نُهِكَتْ أَمْوَالُكُمْ مُصِيبَةً وَأَشْرَافُكُمْ قَتْلًا أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِنَ الْآنَ فَهُوَ وَاللَّهِ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالُوا: فَإِنَّا نَأْخُذُهُ عَلَى مُصِيبَةِ الْأَمْوَالِ وَقَتْلِ الْأَشْرَافِ، فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْجَنَّةُ. قَالُوا: ابْسُطْ يَدَكَ، فَبَايَعُوهُ. وَمَا قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ ذَلِكَ إِلَّا لِيَشُدَّ الْعَقْدَ لَهُ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: بَلْ قَالَهُ لِيُؤَخِّرَ الْأَمْرَ لِيَحْضُرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ فَيَكُونَ أَقْوَى لِأَمْرِ الْقَوْمِ. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَقِيلَ: أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَقِيلَ: الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ. ثُمَّ تَتَابَعَ الْقَوْمُ فَبَايَعُوا، فَلَمَّا بَايَعُوهُ صَرَخَ الشَّيْطَانُ مِنْ رَأْسِ الْعَقَبَةِ: يَا
أَهْلَ الْجَبَاجِبِ، هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ وَالصُّبَاةُ مَعَهُ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَمَا وَاللَّهِ لَأَفْرُغَنَّ لَكَ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ! " ثُمَّ قَالَ: " ارْفُضُوا إِلَى رِحَالِكُمْ " فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَئِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ غَدًا عَلَى أَهْلِ مِنًى بِأَسْيَافِنَا. فَقَالَ: " لَمْ نُؤْمَرْ بِذَلِكَ "، فَرَجَعُوا. فَلَمَّا أَصْبَحُوا جَاءَهُمْ جُلَّةُ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكُمْ جِئْتُمْ إِلَى صَاحِبِنَا تَسْتَخْرِجُونَهُ وَتُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِنَا، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مِنْ حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَبْغَضُ إِلَيْنَا أَنْ تَنْشَبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الْحَرْبُ مِنْكُمْ. فَحَلَفَ مَنْ هُنَالِكَ مِنْ مُشْرِكِي الْأَنْصَارِ مَا كَانَ هَذَا شَيْءٌ. فَلَمَّا سَارَ الْأَنْصَارُ مِنْ مَكَّةَ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ! قَدْ رَأَيْتُ أَنْ لَا أَسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةَ فِي صَلَاتِي. فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَقْبِلُ الشَّامَ، فَنَحْنُ لَا نُخَالِفُهُ، فَكَانَ يُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَقَدْ كُنْتَ عَلَى قِبْلَةٍ لَوْ صَبَرْتَ عَلَيْهَا. فَرَجَعَ إِلَى قِبْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ. فَلَمَّا بَايَعُوهُ وَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، كَانَ قُدُومُهُمْ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ، وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقَدَمِهَا لِاثْنَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ. وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ لَمَّا بَلَغَهُمْ إِسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ، اشْتَدُّوا عَلَى مَنْ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحَرَصُوا عَلَى أَنْ يَفْتِنُوهُمْ، فَأَصَابَهُمْ جُهْدٌ شَدِيدٌ، وَهِيَ الْفِتْنَةُ الْآخِرَةُ، وَأَمَّا الْأُولَى فَكَانَتْ قَبْلَ هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ. وَكَانَتِ الْبَيْعَةُ فِي هَذِهِ الْعَقَبَةِ عَلَى غَيْرِ الشُّرُوطِ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى، فَإِنَّ الْأُولَى كَانَتْ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَهَذِهِ الْبَيْعَةُ كَانَتْ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ. ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَهَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ قَبْلَ الْبَيْعَةِ بِسَنَةٍ، ثُمَّ هَاجَرَ بَعْدَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ حَلِيفُ بَنِي عَدِيٍّ مَعَ امْرَأَتِهِ لَيْلَى ابْنَةِ أَبِي حَثْمَةَ! ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَمَعَهُ أَخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ
ذكر هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم
وَجَمِيعُ أَهْلِهِ، فَأُغْلِقَتْ دَارُهُمْ، وَتَتَابَعَ الصَّحَابَةُ، ثُمَّ هَاجَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ فَنَزَلَا فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَخَرَجَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ إِلَى عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ أَخَاهُمَا لِأُمِّهِمَا، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أُمَّكَ قَدْ نَذَرَتْ أَنَّهَا لَا تَسْتَظِلُّ وَلَا تَمْتَشِطُ. فَرَقَّ لَهَا وَعَادَ. وَتَتَابَعَ الصَّحَابَةُ بِالْهِجْرَةِ إِلَى أَنْ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [ذِكْرُ هِجْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] لَمَّا تَتَابَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْهِجْرَةِ أَقَامَ هُوَ بِمَكَّةَ يَنْتَظِرُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَتَخَلَّفَ مَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ حَذِرُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ، وَهِيَ دَارُ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، وَتَشَاوَرُوا فِيهَا فَدَخَلَ مَعَهُمْ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ سَمِعْتُ بِخَبَرِكُمْ فَحَضَرْتُ، وَعَسَى أَنْ لَا تُعْدَمُوا مِنِّي رَأْيًا. وَكَانُوا: عُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ، وَأَبَا سُفْيَانَ، وَطُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيٍّ، وَحَبِيبَ بْنَ مُطْعِمٍ، وَالْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ، وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، وَأَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنَ هِشَامٍ، وَرَبِيعَةَ بْنَ الْأَسْوَدِ، وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ، وَأَبَا جَهْلٍ، وَنُبَيْهًا وَمُنَبِّهًا ابْنَيِ الْحَجَّاجِ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وَغَيْرَهُمْ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، وَمَا نَأْمَنُهُ عَلَى الْوُثُوبِ عَلَيْنَا بِمَنِ اتَّبَعَهُ، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: احْبِسُوهُ فِي الْحَدِيدِ وَأَغْلِقُوا عَلَيْهِ بَابًا ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ مَا أَصَابَ الشُّعَرَاءَ قَبْلَهُ. فَقَالَ النَّجْدِيُّ: مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، لَوْ حَبَسْتُمُوهُ يَخْرُجُ أَمْرُهُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَلَأَوْشَكُوا أَنْ يَثِبُوا عَلَيْكُمْ، فَيَنْتَزِعُوهُ مِنْ أَيْدِيكُمْ. فَقَالَ آخَرُ: نُخْرِجُهُ وَنَنْفِيهِ مِنْ بَلَدِنَا وَلَا نُبَالِي أَيْنَ وَقَعَ إِذَا غَابَ عَنَّا. فَقَالَ
النَّجْدِيُّ: أَلَمْ تَرَوْا حُسْنَ حَدِيثِهِ وَحَلَاوَةَ مَنْطِقِهِ؟ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَحَلَّ عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِمْ بِحَلَاوَةِ مَنْطِقِهِ، ثُمَّ يَسِيرُ بِهِمْ إِلَيْكُمْ حَتَّى يَطَأَكُمْ وَيَأْخُذَ أَمْرَكُمْ مِنْ أَيْدِيكُمْ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَرَى أَنْ نَأْخُذَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى نَسِيبًا، وَنُعْطِي كُلَّ فَتًى مِنْهُمْ سَيْفًا، ثُمَّ يَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَيَقْتُلُونَهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ كُلِّهَا، فَلَمْ يَقْدِرْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى حَرْبِ قَوْمِهِمْ جَمِيعًا، وَرَضُوا مِنَّا بِالْعَقْلِ. فَقَالَ النَّجْدِيُّ: الْقَوْلُ مَا قَالَ الرَّجُلُ، هَذَا الرَّأْيُ! فَتَفَرَّقُوا عَلَى ذَلِكَ. فَأَتَى جِبْرَائِيلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا تَبِتِ اللَّيْلَةَ عَلَى فِرَاشِكَ. فَلَمَّا كَانَ الْعَتَمَةُ اجْتَمَعُوا عَلَى بَابِهِ يَرْصُدُونَهُ مَتَى يَنَامُ فَيَثِبُونَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: نَمْ عَلَى فِرَاشِي وَاتَّشِحْ بِبُرْدِي الْأَخْضَرِ، فَنَمْ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُصُ إِلَيْكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا عِنْدَهُ مِنْ وَدِيعَةٍ وَأَمَانَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فَجَعَلَهُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ {يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس: 1] ، إِلَى قَوْلِهِ: {فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس: 9] . ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَرَوْهُ، فَأَتَاهُمْ آتٍ فَقَالَ: مَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَقَالُوا: مُحَمَّدًا. قَالَ: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ، خَرَجَ عَلَيْكُمْ وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا مِنْكُمْ إِلَّا جَعَلَ عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ وَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ! فَوَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى رُءُوسِهِمْ فَرَأَوُا التُّرَابَ، وَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ فَيَرَوْنَ عَلِيًّا نَائِمًا وَعَلَيْهِ بُرْدُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا لَنَائِمٌ، فَلَمْ يَبْرَحُوا كَذَلِكَ حَتَّى أَصْبَحُوا. فَقَامَ عَلِيٌّ عَنِ الْفِرَاشِ، فَعَرَفُوهُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} [الأنفال: 30] الْآيَةَ. وَسَأَلَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ عَلِيًّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا أَدْرِي، أَمَرْتُمُوهُ بِالْخُرُوجِ فَخَرَجَ. فَضَرَبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَحَبَسُوهُ سَاعَةً ثُمَّ تَرَكُوهُ، وَنَجَّى اللَّهُ رَسُولَهُ مِنْ مَكْرِهِمْ وَأَمَرَهُ بِالْهِجْرَةِ، وَقَامَ عَلِيٌّ يُؤَدِّي أَمَانَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَفْعَلُ مَا أَمَرَهُ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُخْطِئُهُ أَحَدٌ طَرَفَيِ النَّهَارِ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ إِمَّا بُكْرَةً أَوْ عَشِيَّةً، حَتَّى كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ لِرَسُولِهِ بِالْهِجْرَةِ فَأَتَانَا بِالْهَاجِرَةِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: مَا جَاءَ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا لِأَمْرِ حَدَثَ. فَلَمَّا دَخَلَ جَلَسَ
عَلَى السَّرِيرِ وَقَالَ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ، وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ! قَالَ: الصُّحْبَةَ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْفَرَحِ، فَاسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْقَدَ، مِنْ بَنِي الدَّيْلِ بْنِ بَكْرٍ، وَكَانَ مُشْرِكًا، يَدُلُّهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ وَآلِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَمَّا عَلِيٌّ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ يَلْحَقَهُ. وَخَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ، ثُمَّ عَمَدَا إِلَى غَارٍ بِثَوْرٍ فَدَخَلَاهُ، وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يَسْتَمِعَ لَهُمَا بِمَكَّةَ نَهَارَهُ ثُمَّ يَأْتِيهِمَا لَيْلًا، وَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلَاهُ أَنْ يَرْعَى غَنَمَهُ نَهَارَهُ ثُمَّ يَأْتِيَهُمَا بِهَا لَيْلًا، وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ تَأْتِيهِمَا بِطَعَامِهِمَا مَسَاءً، فَأَقَامَا فِي الْغَارِ ثَلَاثًا. وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ مِائَةَ نَاقَةٍ لِمَنْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ إِذَا غَدَا مِنْ عِنْدِهِمَا اتَّبَعَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ أَثَرَهُ بِالْغَنَمِ حَتَّى يُعْفِيَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ وَسَكَنَ النَّاسُ أَتَاهُمَا دَلِيلُهُمَا بِبَعِيرَيْهِمَا، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدَهُمَا بِالثَّمَنِ فَرَكِبَهُ، وَأَتَتْهُمَا أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ بِسُفْرَتِهِمَا وَنَسِيَتْ أَنْ تَجْعَلَ لَهَا عِصَامًا فَحَلَّتْ نِطَاقَهَا فَجَعَلَتْهُ عِصَامًا وَعَلَّقَتِ السُّفْرَةَ بِهِ، وَكَانَ يُقَالُ لِأَسْمَاءَ: ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ لِذَلِكَ. ثُمَّ رَكِبَا وَسَارَا، وَأَرْدَفَ أَبُو بَكْرٍ مَوْلَاهُ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ يَخْدِمُهُمَا فِي الطَّرِيقِ، فَسَارُوا لَيْلَتَهُمْ وَمِنَ الْغَدِ إِلَى الظُّهْرِ، وَرَأَوْا صَخْرَةً طَوِيلَةً، فَسَوَّى أَبُو بَكْرٍ عِنْدَهَا مَكَانًا لِيُقِيلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِيَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَرَسَهُ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى رَحَلُوا بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ. وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ جَعَلَتْ لِمَنْ يَأْتِي بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِيَةً، فَتَبِعَهُمْ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيُّ فَلَحِقَهُمْ وَهُمْ فِي أَرْضٍ صُلْبَةٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَدْرَكَنَا الطَّلَبُ! فَقَالَ: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] وَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ
إِلَى بَطْنِهَا وَثَارَ مِنْ تَحْتِهَا مِثْلَ الدُّخَانِ. فَقَالَ: ادْعُ لِي مُحَمَّدُ لِيُخَلِّصَنِي اللَّهُ، وَلَكَ عَلَيَّ أَنْ أَرُدَّ عَنْكَ الطَّلَبَ، فَدَعَا لَهُ فَتَخَلَّصَ، فَعَادَ يَتْبَعُهُمْ، فَدَعَا عَلَيْهِ الثَّانِيَةَ فَسَاخَتْ قَوَائِمُ فَرَسِهِ فِي الْأَرْضِ أَشَدَّ مِنَ الْأُولَى، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا مِنْ دُعَائِكَ عَلَيَّ، فَادْعُ لِي وَلَكَ عَهْدُ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ عَنْكَ الطَّلَبَ. فَدَعَا لَهُ فَخَلُصَ وَقَرُبَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، وَإِنَّ إِبِلِي بِمَكَانِ كَذَا فَخُذْ مِنْهَا مَا أَحْبَبْتَ. فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي إِبِلِكَ. فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ عَنْهُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ بِكَ يَا سُرَاقَةُ إِذَا سُوِّرْتَ بِسِوَارَيْ كِسْرَى؟ قَالَ: كِسْرَىبْنُ هُرْمُزَ» ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَعَادَ سُرَاقَةُ فَكَانَ لَا يَلْقَاهُ أَحَدٌ يُرِيدُ الطَّلَبَ إِلَّا قَالَ: كُفِيتُمْ مَا هَاهُنَا، وَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ. قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ: «لَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكِ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي، فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ فَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً طَرَحَ قُرْطِي، وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا. وَمَكَثْنَا مَلِيًّا لَا نَدْرِي أَيْنَ تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْجِنِّ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، وَالنَّاسُ يَتَّبِعُونَهُ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَلَا يَرَوْنَ شَخْصَهُ وَهُوَ يَقُولُ: جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ هُمَا نَزَلَا بِالْهَدْيِ وَاغْتَدَيَا بِهِ ... فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ لِيَهْنِئْ بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِمْ ... وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ
قَالَتْ: فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ عَرَفْنَا أَنَّ وَجْهَهُ كَانَ إِلَى الْمَدِينَةِ» . وَقَدِمَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا قُبَاءً فَنَزَلَ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِاثْنَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ حِينَ كَادَتِ الشَّمْسُ تَعْتَدِلُ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الْهِدْمِ، أَخِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَقِيلَ: نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ، وَكَانَ عَزَبًا، وَكَانَ يُنْزِلُ عِنْدَهُ الْعُزَّابَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ يُقَالُ لِبَيْتِهِ بَيْتُ الْعُزَّابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَنَزَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى خُبَيْبِ بْنِ إِسَافٍ بِالسُّنْحِ، وَقِيلَ: نَزَلَ عَلَى خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ أَخِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. وَأَمَّا عَلِيٌّ فَإِنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَسِيرُ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُ النَّهَارَ، حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَقَدْ تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ادْعُوَا لِي عَلِيًّا ". قِيلَ: لَا يَقْدِرُ أَنْ يَمْشِيَ. فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاعْتَنَقَهُ، وَبَكَى رَحْمَةً لِمَا بِقَدَمَيْهِ مِنَ الْوَرَمِ، وَتَفَلَ فِي يَدَيْهِ وَأَمَرَّهُمَا عَلَى قَدَمَيْهِ، فَلَمْ يَشْتَكِهِمَا بَعْدُ حَتَّى قُتِلَ. وَنَزَلَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى امْرَأَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا، فَرَأَى إِنْسَانًا يَأْتِيهَا كُلَّ لَيْلَةٍ وَيُعْطِيهَا شَيْئًا فَاسْتَرَابَ بِهَا، فَسَأَلَهَا عَنْهُ فَقَالَتْ: هُوَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، قَدْ عَلِمَ أَنِّي امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لِي فَهُوَ يَكْسِرُ أَصْنَامَ قَوْمِهِ وَيَحْمِلُهَا إِلَيَّ وَيَقُولُ: احْتَطِبِي بِهَذِهِ. فَكَانَ عَلِيٌّ يَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقُبَاءٍ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ وَالْخَمِيسِ، وَأَسَّسَ مَسْجِدَهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: أَقَامَ عِنْدَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَدْرَكَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ فَصَلَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي، فَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا بِالْمَدِينَةِ. «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وُلِدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَاسْتُنْبِئَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَرَفَعَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَهَاجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَقُبِضَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ» .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَقَامِهِ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ، فَقَالَ أَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ - وَعَائِشَةَ: إِنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ. وَمِثْلُهُمْ قَالَ مِنَ التَّابِعِينَ: ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَعُمَرُ بْنُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَقَامَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي جَمْرَةَ وَعِكْرِمَةَ أَيْضًا عَنْهُ، وَلَعَلَّ الَّذِي قَالَ أَقَامَ عَشْرَ سِنِينَ أَرَادَ بَعْدَ إِظْهَارِ الدَّعْوَةِ، فَإِنَّهُ بَقِيَ سِنِينَ يَسِيرَةً، وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا الْقَوْلَ قَوْلُ صِرْمَةَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ الْأَنْصَارِيٍّ، شِعْرٌ: ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حَجَّةً ... يُذَكِّرُ لَوْ يَلْقَى صَدِيقًا مُوَاتِيَا فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَقَامِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً لِأَنَّهُ قَدْ زَادَ عَلَى عَشَرَةِ سِنِينَ، فَلَوْ كَانَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَصَحَّ الْوَزْنُ، وَكَذَلِكَ سِتَّ عَشْرَةَ وَسَبْعَ عَشْرَةَ، وَحَيْثُ لَمْ يَسْتَقِمِ الْوَزْنُ بِأَنْ يَقُولَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ قَالَ: بِضْعَ عَشْرَةَ، وَلَمْ يُنْقَلْ فِي مَقَامِهِ زِيَادَةٌ عَلَى عَشْرِ سِنِينَ إِلَّا ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ ثَمَانِي سِنِينَ، وَلَمْ يُوَافِقْهُ غَيْرُهُ.
ذكر ما كان من الأمور أول سنة من الهجرة
[ذِكْرُ مَا كَانَ مِنَ الْأُمُورِ أَوَّلَ سَنَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 1 - ذِكْرُ مَا كَانَ مِنَ الْأُمُورِ أَوَّلَ سَنَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ فَمِنْ ذَلِكَ تَجْمِيعُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَصْحَابِهِ الْجُمُعَةَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ مِنْ قُبَاءٍ فِي بَنِي سَالِمٍ فِي بَطْنِ وَادٍ لَهُمْ، وَهِيَ أَوَّلُ جُمُعَةٍ جَمَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِسْلَامِ وَخَطَبَهُمْ، وَهِيَ أَوَّلُ خُطْبَةٍ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ قُبَاءٍ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ، فَرَكِبَ نَاقَتَهُ وَأَرْخَى زِمَامَهَا، فَكَانَ لَا يَمُرُّ بِدَارٍ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا قَالُوا: هَلُمَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ وَالْمَنَعَةِ. فَيَقُولُ: خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعِ مَسْجِدِهِ الْيَوْمَ، فَبَرَكَتْ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مِرْبَدٌ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حِجْرِ مُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ، وَهُمَا سَهْلٌ وَسُهَيْلٌ ابْنَا عَمْرٍو مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، فَلَمَّا بَرَكَتْ لَمْ يَنْزِلْ عَنْهَا، ثُمَّ وَثَبَتْ فَسَارَتْ غَيْرَ بَعِيدٍ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاضِعٌ لَهَا زِمَامَهَا لَا يَثْنِيهَا بِهِ، فَالْتَفَتَتْ خَلْفَهَا ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَبْرَكِهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَبَرَكَتْ فِيهِ وَوَضَعَتْ جِرَانَهَا، فَنَزَلَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاحْتَمَلَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ رَحْلَهُ، وَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمِرْبَدِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ: هُوَ لِيَتِيمَيْنِ لِي، وَسَأُرْضِيهُمَا مِنْ ثَمَنِهِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ يُبْنَى مَسْجِدًا، وَأَقَامَ عِنْدَ أَبِي أَيُّوبَ حَتَّى بُنِيَ مَسْجِدُهُ وَمَسَاكِنُهُ. وَقِيلَ: إِنَّ مَوْضِعَ الْمَسْجِدِ كَانَ لِبَنِي النَّجَّارِ فِيهِ نَخْلُ وَحَرْثُ وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثَامِنُونِي بِهِ. فَقَالُوا: لَا يُبْغَى بِهِ إِلَّا مَا عِنْدَ اللَّهِ. فَأَمَرَ بِهِ فَبُنِيَ مَسْجِدُهُ، وَكَانَ قَبْلَهُ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، وَبَنَاهُ هُوَ وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَفِيهَا بُنِيَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ. وَفِيهَا أَيْضًا تُوُفِّيَ كُلْثُومُ بْنُ الْهِدْمِ. وَتُوُفِّيَ بَعْدَهُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَكَانَ نَقِيبَ بَنِي النَّجَّارِ، فَاجْتَمَعَ بَنُو النَّجَّارِ وَطَلَبُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقِيمَ لَهُمْ نَقِيبًا، فَقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ إِخْوَانِي وَأَنَا نَقِيبُكُمْ، فَكَانَ فَضِيلَةً لَهُمْ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو أُحَيْحَةَ بِالطَّائِفِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ بِمَكَّةَ، مُشْرِكِينَ. وَفِيهَا بَنَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَائِشَةَ بَعْدَ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ بِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، وَقِيلَ: فِي شَوَّالٍ، وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ بَعْدَ وَفَاةِ خَدِيجَةَ، وَهِيَ ابْنَةُ سِتِّ سِنِينَ، وَقِيلَ: ابْنَةُ سَبْعِ سِنِينَ. وَفِيهَا هَاجَرَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَزَوْجُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَنَاتُهُ مَا عَدَا زَيْنَبَ، وَهَاجَرَ أَيْضًا عِيَالُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُمُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ. وَفِيهَا زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ رَكْعَتَانِ بَعْدَ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ بِشَهْرٍ. وَفِيهَا وُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَقِيلَ: فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فِي شَوَّالٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ. وَكَانَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ أَوَّلَ مَوْلُودٍ لِلْأَنْصَارِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ وَزِيَادَ بْنَ أَبِيهِ وُلِدَا فِيهَا.
وَفِيهَا عَلَى رَأْسِ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ عَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمِّهِ حَمْزَةَ لِوَاءً أَبْيَضَ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، لِيَعْرِضُوا عِيرَ قُرَيْشٍ، فَلَقِيَ أَبَا جَهْلٍ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ، فَحَجَزَ بَيْنَهُمْ مَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِيُّ، وَكَانَ يَحْمِلُ اللِّوَاءَ أَبُو مَرْثَدٍ، وَهُوَ أَوَّلُ لِوَاءٍ عَقَدَهُ. وَفِيهَا أَيْضًا عَقَدَ لِوَاءً لِعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ أَبْيَضَ يَحْمِلُهُ مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ، فَالْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ، فَكَانَ بَيْنَهُمُ الرَّمْيُ دُونَ الْمُسَايَفَةِ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَوَّلَ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكَانَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ مُسْلِمَيْنِ وَهُمَا بِمَكَّةَ، فَخَرَجَا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يَتَوَصَّلَانِ بِذَلِكَ، فَلَمَّا لَقِيَهُمُ الْمُسْلِمُونَ انْحَازَا إِلَيْهِمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ لِوَاءُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَوَّلَ لِوَاءٍ عَقَدَهُ، وَإِنَّمَا اشْتَبَهَ ذَلِكَ لِقُرْبِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَكَانَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَقِيلَ: مِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ، وَقِيلَ: عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ. (وَالْأَخْيَفُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا) . وَفِيهَا عَقَدَ لِوَاءً لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَيَّرَهُ إِلَى الْأَبْوَاءِ، وَكَانَ يَحْمِلُ اللِّوَاءَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَكَانَ مَسِيرُهُ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، وَجَمِيعُ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَلَمْ يَلْقَ حَرْبًا. جَعَلَ الْوَاقِدِيُّ هَذِهِ السَّرَايَا جَمِيعَهَا فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، وَجَعَلَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ: عَلَى رَأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ خَرَجَ غَازِيًا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَبَلَغَ وَدَّانَ يُرِيدُ قُرَيْشًا وَبَنِي ضَمْرَةَ مِنْ كِنَانَةَ، وَهِيَ غَزَاةُ الْأَبْوَاءِ، بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَمْيَالٍ، فَوَادَعَتْهُ فِيهَا بَنُو ضَمْرَةَ، وَرَئِيسُهُمْ مَخْشِيُّ بْنُ عَمْرٍو، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ
هَذِهِ الْغَزْوَةِ غَزْوَةَ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ، ثُمَّ غَزْوَةَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَفِيهَا كَانَ غَزَاةُ بَوَاطَ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ، يَعْنِي سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، يُرِيدُ قُرَيْشًا، حَتَّى بَلَغَ بُوَاطَ مِنْ نَاحِيَةِ رَضْوَى، وَكَانَ فِي عِيرِ قُرَيْشٍ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ فِي مِائَةِ رَجُلٍ، وَمَعَهُمْ أَلْفَانِ وَخَمْسُمِائَةِ بَعِيرٍ، فَرَجَعَ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَكَانَ يَحْمِلُ لِوَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ. (بَوَاطُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ) . وَفِيهَا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزْوَةَ الْعَشِيرَةِ مِنْ يَنْبُعَ فِي جُمَادَى الْأُولَى، يُرِيدُ قُرَيْشًا حِينَ سَارُوا إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْعَشِيرَةَ وَادَعَ بَنِي مُدْلِجٍ وَحُلَفَاءَهُمْ مِنْ ضَمْرَةَ، وَرَجَعَ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَكَانَ يَحْمِلُ لِوَاءَهُ حَمْزَةُ، وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ كَنَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا أَبَا تُرَابٍ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. وَفِيهَا أَغَارَ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَلَغَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ: سَفْوَانُ، مِنْ نَاحِيَةِ بَدْرٍ، وَفَاتَهُ كُرْزٌ، وَكَانَ لِوَاؤُهُ مَعَ عَلِيٍّ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ. وَفِيهَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فِي سَرِيَّةٍ ثَمَانِيَةَ رَهْطٍ، فَرَجَعَ
وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا. وَفِيهَا جَاءَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ! سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي ثُمَّ أَعُودُ. فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الْمُنَافِقُ فَقَالَ: كَرِهْتَ قِتَالَ الْخَزْرَجِ. فَقَالَ أَبُو قَيْسٍ: لَا أُسْلِمُ إِلَى سَنَةٍ، فَمَاتَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ.
ثم دخلت السنة الثانية من الهجرة
[ثُمَّ دَخَلَتِ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ الْهِجْرَةِ] [ذِكْرُ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ] 2 - ثُمَّ دَخَلَتِ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ الْهِجْرَةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ السِّيَرِ، غَزْوَةَ الْأَبْوَاءِ، وَيُقَالُ: وَدَّانَ، وَبَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَمْيَالٍ، وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَكَانَ لِوَاؤُهُ أَبْيَضَ، مَعَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. ذِكْرُ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ أَنْ يَتَجَهَّزَ لِلْغَزْوِ، فَتَجَهَّزَ، فَلَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ بَكَى صَبَابَةً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَعَثَ مَكَانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، مَعَهُ ثَمَانِيَةُ رَهْطٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَقِيلَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَنْظُرَ فِيهِ حَتَّى يَسِيرَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ يَنْظُرَ فِيهِ فَيَمْضِيَ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَلَا يُكْرِهُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَرَأَ الْكِتَابَ وَفِيهِ يَأْمُرُهُ بِنُزُولِ نَخْلَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ فَيَرْصُدُ قُرَيْشًا وَيَعْلَمُ أَخْبَارَهُمْ، فَأَعْلَمَ أَصْحَابَهُ، فَسَارُوا مَعَهُ. وَأَضَلَّ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بَعِيرًا لَهُمَا يَعْتَقِبَانِهِ، فَتَخَلَّفَا فِي طَلَبِهِ، وَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ وَنَزَلَ بِنَخْلَةَ، فَمَرَّتْ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ زَبِيبًا وَغَيْرَهُ فِيهَا عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَخُوهُ نَوْفَلٌ، وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ، فَأَشْرَفَ لَهُمْ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَقَدْ حَلَقَ رَأْسَهُ. فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: عُمَّارٌ لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ آخِرُ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، فَرَمَى وَاقَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَاسْتَأْسَرَ عُثْمَانَ وَالْحَكَمَ، وَهَرَبَ نَوْفَلٌ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مَا مَعَهُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ
بْنُ جَحْشٍ: إِنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ الْخُمُسُ، وَكَانَتْ أَوَّلَ غَنِيمَةٍ غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَأَوَّلَ خُمُسٍ فِي الْإِسْلَامِ. وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَأَصْحَابُهُ بِالْعِيرِ وَالْأَسْرَى إِلَى الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا قَدِمُوا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ» ، فَوَقَفَ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ، فَسُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَعَنَّفَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ الشَّهْرَ الْحَرَامَ. وَقَالَتِ الْيَهُودُ: تَفَاءَلُ بِذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ قَتَلَهُ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ " عَمْرٌو ": عَمَرَتِ الْحَرْبُ، وَ " الْحَضْرَمِيُّ ": حَضَرَتِ الْحَرْبُ، وَ " وَاقِدٌ ": وَقَدَتِ الْحَرْبُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة: 217] الْآيَةَ. فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ وَفَرَّجَ اللَّهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ قَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِيرَ، وَكَانَتْ أَوَّلَ غَنِيمَةٍ أَصَابُوهَا، وَفَدَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَسِيرَيْنِ. فَأَمَّا الْحَكَمُ فَأَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ. وَقِيلَ: كَانَ قَتْلُهُمْ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، وَأَخْذُ الْعِيرِ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ جُمَادَى، وَأَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ. وَفِيهَا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا فُرِضَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ، وَكَانَ يُحِبُّ اسْتِقْبَالَ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ وَيَجْعَلُ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، وَكَانَ يُؤْثِرُ أَنْ يُصْرَفَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ.
ذكر غزوة بدر الكبرى
وَقِيلَ: عَلَى رَأْسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ. وَفِيهَا أَيْضًا فِي شَعْبَانَ فُرِضَ صَوْمُ رَمَضَانَ، وَكَانَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ رَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ عَاشُورَاءَ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِصَوْمِ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَنْهَهُمْ. وَفِيهَا أَمَرَ النَّاسَ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. وَفِيهَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْعِيدِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ خَرْجَةٍ خَرَجَهَا، وَحُمِلَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ الْعَنَزَةُ، وَكَانَتْ لِلزُّبَيْرِ؛ وَهَبَهَا لَهُ النَّجَاشِيُّ، وَهِيَ الْيَوْمَ لِلْمُؤَذِّنِينَ فِي الْمَدِينَةِ. [ذِكْرُ غَزْوَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى] وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي السَّابِعَ عَشَرَ، وَقِيلَ: التَّاسِعَ عَشَرَ، وَكَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَكَانَ سَبَبَهَا قَتْلُ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَإِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ فِي عِيرٍ لِقُرَيْشٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الشَّامِ وَفِيهَا أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَمَعَهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا أَوْ أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: قَرِيبًا مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ: مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الزُّهْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَدَبَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا أَمْوَالُهُمْ، فَاخْرُجُوا
إِلَيْهَا لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُنَفِّلَكُمُوهَا. فَانْتَدَبَ النَّاسُ، فَخَفَّ بَعْضُهُمْ وَثَقُلَ بَعْضُهُمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَنْ يَظُنُّوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْقَى حَرْبًا. وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ سَمِعَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرِيدُهُ، فَحَذَّرَ وَاسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ، فَبَعَثَهُ إِلَى مَكَّةَ يَسْتَنْفِرُ قُرَيْشًا وَيُخْبِرُهُمُ الْخَبَرَ، فَخَرَجَ ضَمْضَمٌ إِلَى مَكَّةَ. وَكَانَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ رَأَتْ قَبْلَ قُدُومِ ضَمْضَمٍ مَكَّةَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ رُؤْيَا أَفْزَعَتْهَا، فَقَصَّتْهَا عَلَى أَخِيهَا الْعَبَّاسِ وَاسْتَكْتَمَتْهُ خَبَرَهَا، قَالَتْ: رَأَيْتُ رَاكِبًا عَلَى بَعِيرٍ لَهُ حَتَّى وَقَفَ بِالْأَبْطَحِ، ثُمَّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَنِ انْفِرُوا يَا آلَ غُدَرَ لِمُصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ! قَالَتْ: فَأَرَى النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَمَثَلَ بَعِيرَهُ عَلَى الْكَعْبَةِ، ثُمَّ صَرَخَ مِثْلَهَا، ثُمَّ مَثَلَ بَعِيرَهُ عَلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ فَصَرَخَ مِثْلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ صَخْرَةً عَظِيمَةً وَأَرْسَلَهَا، فَلَمَّا كَانَتْ بِأَسْفَلِ الْوَادِي ارْفَضَّتْ، فَمَا بَقِيَ بَيْتٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَّا دَخَلَهُ فِلْقَةٌ مِنْهَا. فَخَرَجَ الْعَبَّاسُ فَلَقِيَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ صَدِيقَهُ، فَذَكَرَهَا لَهُ وَاسْتَكْتَمَهُ ذَلِكَ، فَذَكَرَهَا الْوَلِيدُ لِأَبِيهِ عُتْبَةَ، فَفَشَا الْخَبَرُ، فَلَقِيَ أَبُو جَهْلٍ الْعَبَّاسَ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْفَضْلِ، أَقْبِلْ إِلَيْنَا. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ طَوَافِي أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي: مَتَى حَدَّثَتْ فِيكُمْ هَذِهِ النَّبِيَّةُ؟ وَذَكَرَ رُؤْيَا عَاتِكَةَ، ثُمَّ قَالَ: مَا رَضِيتُمْ أَنْ تَتَنَبَّأَ رِجَالُكُمْ حَتَّى تَتَنَبَّأَ نِسَاؤُكُمْ! فَسَنَتَرَبَّصُ بِكُمْ هَذِهِ الثَّلَاثَ فَإِنْ يَكُنْ حَقًّا، وَإِلَّا كَتَبْنَا عَلَيْكُمْ أَنَّكُمْ أَكْذَبُ أَهْلِ بَيْتٍ فِي الْعَرَبِ. قَالَ الْعَبَّاسُ: فَمَا كَانَ مِنِّي إِلَيْهِ إِلَّا أَنِّي جَحَدْتُ ذَلِكَ وَأَنْكَرْتُهُ، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ أَتَانِي نِسَاءُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقُلْنَ لِي: أَقْرَرْتُمْ لِهَذَا الْفَاسِقِ الْخَبِيثِ أَنْ يَقَعَ فِي رِجَالِكُمْ، وَقَدْ تَنَاوَلَ نِسَاءَكُمْ وَلَمْ تُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ! قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ، وَلَأَتَعَرَّضَنَّ لَهُ، فَإِنْ عَادَ كَفَيْتُكُمُوهُ. قَالَ: فَغَدَوْتُ الْيَوْمَ الثَّالِثَ مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ وَأَنَا مُغْضَبٌ أُحِبُّ أَنْ أُدْرِكَهُ، فَرَأَيْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَمَشَيْتُ نَحْوَهُ أَتَعَرَّضُ لَهُ لِيَعُودَ فَأُوقِعَ بِهِ، فَخَرَجَ نَحْوَ بَابِ الْمَسْجِدِ يَشْتَدُّ، قَالَ: قُلْتُ: مَا بَالُهُ قَاتَلَهُ اللَّهُ! أَكُلَّ هَذَا فَرَقًا مِنْ أَنْ أُشَاتِمَهُ! وَإِذَا هُوَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ أَسْمَعْ، صَوْتَ ضَمْضَمِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ يَصْرُخُ بِبَطْنِ الْوَادِي، وَاقِفًا عَلَى بَعِيرِهِ قَدْ جَدَعَهُ، وَحَوَّلَ
رَحْلَهُ وَشَقَّ قَمِيصَهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اللَّطِيمَةَ! أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَضَ لَهُ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ، لَا أَدْرِي إِنْ تُدْرِكُوهَا، الْغَوْثَ الْغَوْثَ! فَشَغَلَنِي عَنْهُ وَشَغَلَهُ عَنِّي. قَالَ: فَتَجَهَّزَ النَّاسُ سِرَاعًا وَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْ أَشْرَافِهِمْ أَحَدٌ إِلَّا أَبَا لَهَبٍ، وَبَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَعَزَمَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ عَلَى الْقُعُودِ، فَإِنَّهُ كَانَ شَيْخًا ثَقِيلًا بَطِيئًا، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِمِجْمَرَةٍ فِيهَا نَارٌ وَمَا يُتَبَخَّرُ بِهِ وَقَالَ: يَا أَبَا عَلِيٍّ، اسْتَجْمِرْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنَ النِّسَاءِ. فَقَالَ: قَبَّحَكَ اللَّهُ، وَقَبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ! وَتَجَهَّزَ وَخَرَجَ مَعَهُمْ. وَعَزَمَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ أَيْضًا عَلَى الْقُعُودِ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ شَيْبَةُ: إِنْ فَارَقْنَا قَوْمَنَا كَانَ ذَلِكَ سُبَّةً عَلَيْنَا، فَامْضِ مَعَ قَوْمِكَ، فَمَشَى مَعَهُمْ. فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى الْمَسِيرِ ذَكَرُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ الْحَارِثِ، فَخَافُوا أَنْ يُؤْتَوْا مِنْ خَلْفِهِمْ، فَجَاءَهُمْ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشَمٍ الْمُدْلِجِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ كِنَانَةَ، وَقَالَ: أَنَا جَارٌ لَكُمْ فَاخْرُجُوا سِرَاعًا. وَكَانُوا تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا، وَقِيلَ: كَانُوا أَلْفَ رَجُلٍ، وَكَانَتْ خَيْلُهُمْ مِائَةَ فَرَسٍ، فَنَجَا مِنْهَا سَبْعُونَ فَرَسًا وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ ثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَكَانَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ سَبْعُمِائَةِ بَعِيرٍ. وَكَانَ مَسِيرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِثَلَاثِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَقِيلَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَقِيلَ: بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَقِيلَ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَقِيلَ: كَانُوا سَبْعَةً وَسَبْعِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ وَالْبَاقُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ. فَقِيلَ: جَمِيعُ مَنْ ضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَهْمٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا، وَمِنَ الْأَوْسِ أَحَدٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا، وَمِنَ الْخَزْرَجِ مِائَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ غَيْرُ فَارِسَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَالثَّانِي قِيلَ: كَانَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَقِيلَ كَانَ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ، وَقِيلَ: الْمِقْدَادُ وَحْدَهُ، وَكَانَتِ الْإِبِلُ سَبْعِينَ بَعِيرًا، فَكَانُوا يَتَعَاقَبُونَ عَلَيْهَا الْبَعِيرُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ، فَكَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بَعِيرٌ، وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بَعِيرٌ، وَعَلَى
مِثْلِ هَذَا. وَكَانَ فَرَسُ الْمِقْدَادِ اسْمُهُ سُبْحَةُ، وَفَرَسُ الزُّبَيْرِ اسْمُهُ السَّيْلُ، وَكَانَ لِوَاؤُهُ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرِبْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَرَايَتُهُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَلَى السَّاقَةِ قَيْسُ بْنُ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيُّ. «فَلَمَّا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الصَّفْرَاءِ بَعَثَ بَسْبَسَ بْنَ عَمْرٍو وَعَدِيَّ بْنَ أَبِي الزَّغْبَاءِ الْجُهَنِيَّيْنِ يَتَجَسَّسَانِ الْأَخْبَارَ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَرَكَ الصَّفْرَاءَ يَسَارًا، وَعَادَ إِلَيْهِ بَسْبَسُ بْنُ عَمْرٍو يُخْبِرُهُ أَنَّ الْعِيرَ قَدْ قَارَبَتْ بَدْرًا، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمِينَ عِلْمٌ بِمَسِيرِ قُرَيْشٍ لِمَنْعِ عِيرِهِمْ، وَكَانَ قَدْ بَعَثَ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَسَعْدًا يَلْتَمِسُونَ لَهُ الْخَبَرَ بِبَدْرٍ، فَأَصَابُوا رَاوِيَةً لِقُرَيْشٍ فِيهِمْ أَسْلَمُ، غُلَامُ بَنِي الْجَحْجَاحِ، وَأَبُو يَسَارٍ، غُلَامُ بَنِي الْعَاصِ. فَأَتَوْا بِهِمَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَسَأَلُوهُمَا، فَقَالَا: نَحْنُ سُقَاةُ قُرَيْشٍ بَعَثُونَا نَسْقِيهِمْ مِنَ الْمَاءِ، فَكَرِهَ الْقَوْمُ خَبَرَهُمَا وَضَرَبُوهُمَا لِيُخْبِرُوهُمَا عَنْ أَبِي سُفْيَانَ. فَقَالَا: نَحْنُ لِأَبِي سُفْيَانَ، فَتَرَكُوهُمَا. وَفَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الصَّلَاةِ وَقَالَ: إِذَا صَدَقَاكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمَا، وَإِذَا كَذَبَاكُمْ تَرَكْتُمُوهُمَا، صَدَقَا، إِنَّهُمَا لِقُرَيْشٍ، أَخْبِرَانِي أَيْنَ قُرَيْشٌ؟ قَالَا: هُمْ وَرَاءَ هَذَا الْكَثِيبِ الَّذِي تَرَى بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَمِ الْقَوْمُ؟ قَالَا: كَثِيرٌ. قَالَ: كَمْ عُدَّتُهُمْ؟ قَالَا: لَا نَدْرِي. قَالَ: كَمْ يَنْحَرُونَ؟ قَالَا: يَوْمًا تِسْعًا وَيَوْمًا عَشْرًا. قَالَ: الْقَوْمُ بَيْنَ تِسْعِمِائَةٍ إِلَى الْأَلْفِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: فَمَنْ فِيهِمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ؟ قَالَا: عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدُ
وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَامِرٍ، وَطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَنُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ. فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: هَذِهِ مَكَّةُ قَدْ أَلْقَتْ إِلَيْكُمْ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا» . «ثُمَّ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فَأَحْسَنَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ فَأَحْسَنَ، ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امْضِ لِمَا أَمَرَكَ اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاللَّهِ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا، إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ - يَعْنِي مَدِينَةَ الْحَبَشَةِ - لَجَالَدْنَا مَعَكَ مَنْ دُونَهُ حَتَّى تَبْلُغَهُ» . فَدَعَا لَهُمْ بِخَيْرٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ - وَإِنَّمَا يُرِيدُ الْأَنْصَارَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَدَدَ النَّاسِ، وَخَافَ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَنْصَارُ تَرَى عَلَيْهَا نُصْرَتَهُ إِلَّا مِمَّنْ دَهَمَهُ بِالْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ - فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجَلْ. قَالَ: قَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ وَأَعْطَيْنَاكَ عُهُودَنَا، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أُمِرْتَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَنَخُوضَنَّهُ مَعَكَ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ تَلْقَى الْعَدُوَّ بِنَا غَدًا، إِنَّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الْحَرْبِ، صُدُقٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ!» فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ» . ثُمَّ انْحَطَّ عَلَى بَدْرٍ فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْهَا. وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ سَاحَلَ وَتَرَكَ بَدْرًا يَسَارًا، ثُمَّ أَسْرَعَ؛ فَنَجَا، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ قَدْ أَحْرَزَ عِيرَهُ أَرْسَلَ إِلَى قُرَيْشٍ وَهُمْ بِالْجُحْفَةِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَجَّى عِيرَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ فَارْجِعُوا. فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَرِدَ بَدْرًا - وَكَانَ بَدْرٌ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الْعَرَبِ تَجْتَمِعُ لَهُمْ بِهَا سُوقٌ كُلَّ عَامٍ - فَنُقِيمُ بِهَا ثَلَاثًا، فَنَنْحَرُ الْجُزُرَ، وَنُطْعِمُ الطَّعَامَ،
وَنَسْقِي الْخَمْرَ، وَتَسْمَعُ بِنَا الْعَرَبُ فَلَا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا أَبَدًا. فَقَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثَّقَفِيُّ - وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ - بِالْجُحْفَةِ: يَا بَنِي زُهْرَةَ، قَدْ نَجَّى اللَّهُ أَمْوَالَكُمْ وَصَاحِبَكُمْ فَارْجِعُوا، فَرَجَعُوا. فَلَمْ يَشْهَدْهَا زُهْرِيٌّ وَلَا عَدَوِيٌّ، وَشَهِدَهَا سَائِرُ بُطُونِ قُرَيْشٍ. وَلَمَّا كَانَتْ قُرَيْشٌ بِالْجُحْفَةِ رَأَى جُهَيْمُ بْنُ الصَّلْتِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ رُؤْيَا فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ رَجُلًا أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ وَمَعَهُ بَعِيرٌ لَهُ، فَقَالَ: قُتِلَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَأَبُو جَهْلٍ، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ - وَرَأَيْتُهُ ضَرَبَ لَبَّةَ بَعِيرِهِ ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي الْعَسْكَرِ، فَمَا بَقِيَ خِبَاءٌ إِلَّا أَصَابَهُ مِنْ دَمِهِ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَهَذَا أَيْضًا نَبِيٌّ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ، سَيَعْلَمُ غَدًا مَنِ الْمَقْتُولُ. وَكَانَ بَيْنَ طَالِبِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ فِي الْقَوْمِ، وَبَيْنَ بَعْضِ قُرَيْشٍ مُحَاوَرَةٌ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ هَوَاكُمْ مَعَ مُحَمَّدٍ. فَرَجَعَ طَالِبٌ إِلَى مَكَّةَ فِيمَنْ رَجَعَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَ خَرَجَ كُرْهًا، فَلَمْ يُوجَدْ فِي الْأَسْرَى وَلَا فِي الْقَتْلَى وَلَا فِيمَنْ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: يَا رَبِّ إِمَّا يَغْوُونَ طَالِبْ ... فِي مِقْنَبٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَانِبْ فَلْيَكُنِ الْمَسْلُوبَ غَيْرَ السَّالِبْ ... وَلْيَكُنِ الْمَغْلُوبَ غَيْرَ الْغَالِبْ وَمَضَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى نَزَلَتْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى مِنَ الْوَادِي، وَبَعَثَ اللَّهُ السَّمَاءَ، وَكَانَ الْوَادِي دَهْسًا، فَأَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ مِنْهُ مَا لَبَّدَ لَهُمُ الْأَرْضَ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمُ الْمَسِيرَ، وَأَصَابَ قُرَيْشًا مِنْهُ مَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَرْحَلُوا مَعَهُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُبَادِرُهُمْ إِلَى الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ بَدْرٍ نَزَلَهُ، فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهَذَا مَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ أَوْ نَتَأَخَّرَ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ قَالَ: بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ لَكَ بِمَنْزِلٍ، انْهَضْ بِالنَّاسِ حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ سِوَاهُ مِنَ الْقَوْمِ فَنَنْزِلَهُ، ثُمَّ نُعَوِّرَ مَا وَرَاءَهُ مِنَ الْقُلُبِ، ثُمَّ نَبْنِيَ عَلَيْهِ حَوْضًا وَنَمْلَأَهُ مَاءً، فَنَشْرَبَ مَاءً وَلَا يَشْرَبُونَ
ثُمَّ نُقَاتِلَهُمْ. فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ» . فَلَمَّا نَزَلَ جَاءَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَبْنِي لَكَ عَرِيشًا مِنْ جَرِيدٍ فَتَكُونُ فِيهِ وَنَتْرُكُ عِنْدَكَ رَكَائِبَكَ، ثُمَّ نَلْقَى عَدُوَّنَا، فَإِنْ أَعَزَّنَا اللَّهُ وَأَظْهَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا أَحْبَبْنَاهُ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى جَلَسْتَ عَلَى رَكَائِبِكَ فَلَحِقْتَ بِمَا وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْكَ أَقْوَامٌ مَا نَحْنُ بِأَشَدَّ حُبًّا لَكَ مِنْهُمْ، وَلَوْ ظَنُّوا أَنَّكَ تَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلَّفُوا عَنْكَ، يَمْنَعُكَ اللَّهُ بِهِمْ، يُنَاصِحُونَكَ وَيُحَارِبُونَ مَعَكَ. فَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا» . ثُمَّ بُنِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرِيشٌ، وَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، فَلَمَّا رَآهَا قَالَ: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ! اللَّهُمَّ فَنَصْرُكَ الَّذِي وَعَدْتَنِي! اللَّهُمَّ أَحِنْهُمُ الْغَدَاةَ. وَرَأَى عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ فَقَالَ: إِنْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْقَوْمِ خَيْرٌ فَعِنْدَ صَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ، إِنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدُوا» . وَكَانَ خُفَافُ بْنُ إِيمَاءَ بْنِ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ، أَوْ أَبُوهُ إِيمَاءُ، بَعَثَ إِلَى قُرَيْشٍ حِينَ مَرُّوا بِهِ ابْنًا لَهُ بِجَزَائِرَ، أَهْدَاهَا لَهُمْ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْمَدَدَ بِالرِّجَالِ وَالسِّلَاحِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنْ كُنَّا إِنَّمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ فَمَا بِنَا مِنْ ضَعْفٍ، وَإِنْ كُنَّا نُقَاتِلُ اللَّهَ كَمَا زَعَمَ مُحَمَّدٌ فَمَا لِأَحَدٍ بِاللَّهِ طَاقَةٌ. فَلَمَّا نَزَلَتْ قُرَيْشٌ أَقْبَلَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، حَتَّى وَرَدُوا حَوْضَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتْرُكُوهُمْ، فَمَا شَرِبَ مِنْهُ رَجُلٌ إِلَّا قُتِلَ يَوْمَئِذٍ» ، إِلَّا حَكِيمٌ نَجَا عَلَى فَرَسٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ: الْوَجِيهُ، وَأَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ يَقُولُ إِذَا اجْتَهَدَ فِي يَمِينِهِ: لَا وَالَّذِي نَجَّانِي يَوْمَ بَدْرٍ. وَلَمَّا اطْمَأَنَّتْ قُرَيْشٌ بَعَثُوا عَمْرَو بْنَ وَهْبٍ الْجُمَحِيَّ لِيَحْزِرَ الْمُسْلِمِينَ، فَجَالَ بِفَرَسِهِ حَوْلَهُمْ ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: هُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْوَلَايَا تَحْمِلُ الْمَنَايَا ، نَوَاضِحَ يَثْرِبَ تَحْمِلُ الْمَوْتَ النَّاقِعَ، لَيْسَ لَهُمْ مَنَعَةٌ إِلَّا سُيُوفُهُمْ، وَاللَّهِ لَا
يُقْبِلُ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلَّا يَقْتُلُ رَجُلًا مِنْكُمْ، فَإِذَا أَصَابُوا أَعْدَادَهُمْ، فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ. فَلَمَّا سَمِعَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ذَلِكَ مَشَى فِي الْقَوْمِ، فَأَتَى عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا الْوَلِيدِ، إِنَّكَ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا، هَلْ لَكَ أَنْ لَا تَزَالَ تُذْكَرُ فِيهَا بِخَيْرٍ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: تَرْجِعُ بِالنَّاسِ وَتَحْمِلُ دَمَ حَلِيفِكَ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، عَلَيَّ دَمُهُ وَمَا أُصِيبَ مِنْ مَالِهِ، فَأْتِ ابْنَ الْحَنْظَلِيَّةِ - يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ - فَلَا أَخْشَى أَنْ يُفْسِدَ أَمْرَ النَّاسِ غَيْرُهُ. فَقَامَ عُتْبَةُ فِي النَّاسِ فَقَالَ: إِنَّكُمْ مَا تَصْنَعُونَ بِأَنْ تَلْقَوْا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ شَيْئًا، وَاللَّهِ لَئِنْ أَصَبْتُمُوهُمْ لَا يَزَالُ رَجُلٌ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَجُلٍ يَكْرَهُ النَّظَرَ إِلَيْهِ؛ قَتَلَ ابْنَ عَمِّهِ أَوِ ابْنَ خَالِهِ أَوْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهِ. قَالَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ فَوَجَدْتُهُ قَدْ نَشَلَ دِرْعًا وَهُوَ يُهَيِّئُهَا، فَأَعْلَمْتُهُ مَا قَالَ عُتْبَةُ، فَقَالَ: انْتَفَخَ - وَاللَّهِ - سَحْرُهُ حِينَ رَأَى مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، وَاللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَمَا بِعُتْبَةَ مَا قَالَ، وَلَكِنْ رَأَى ابْنَهُ أَبَا حُذَيْفَةَ فِيهِمْ، وَقَدْ خَافَكُمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عَامِرِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ فَقَالَ لَهُ: هَذَا حَلِيفُكَ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَكَّةَ بِالنَّاسِ، وَقَدْ رَأَيْتَ ثَأْرَكَ بِعَيْنِكَ، فَانْشُدْ خُفْرَتَكَ وَمَقْتَلَ أَخِيكَ. فَقَامَ عَامِرٌ وَصَرَخَ: وَاعَمْرَاهْ وَاعَمْرَاهْ! فَحَمِيَتِ الْحَرْبُ وَاسْتَوْسَقَ النَّاسُ عَلَى الشَّرِّ. فَلَمَّا بَلَغَ عُتْبَةَ قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ: انْتَفَخَ سَحْرُهُ، قَالَ: سَيَعْلَمُ الْمُصَفِّرُ اسْتَهُ مَنِ انْتَفَخَ سَحْرُهُ، أَنَا أَمْ هُوَ! ثُمَّ الْتَمَسَ بَيْضَةً يُدْخِلُهَا رَأْسَهُ فَمَا وَجَدَ مِنْ عِظَمِ هَامَتِهِ، فَاعْتَجَرَ بِبُرْدٍ لَهُ. وَخَرَجَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ، وَكَانَ سَيِّئَ الْخُلُقِ، فَقَالَ: أُعَاهِدُ اللَّهَ لَأَشْرَبَنَّ مِنْ حَوْضِهِمْ وَلَأَهْدِمَنَّهُ، أَوْ لَأَمُوتَنَّ دُونَهُ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ فَضَرَبَهُ، فَأَطَنَّ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ حَبَا إِلَى الْحَوْضِ فَاقْتَحَمَ فِيهِ لِيُبِرَّ يَمِينَهُ، وَتَبِعَهُ حَمْزَةُ فَضَرَبَهُ حَتَّى قَتَلَهُ فِي الْحَوْضِ. ثُمَّ خَرَجَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وَدَعَوْا إِلَى الْمُبَارَزَةِ، فَخَرَجَ
إِلَيْهِمْ عَوْفٌ وَمُعَوِّذٌ ابْنَا عَفْرَاءَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، كُلُّهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مِنَ الْأَنْصَارِ. فَقَالُوا: أَكْفَاءٌ كِرَامٌ، وَمَا لَنَا بِكُمْ مِنْ حَاجَةٍ، لِيَخْرُجْ إِلَيْنَا أَكْفَاؤُنَا مِنْ قَوْمِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ، قُمْ يَا عَلِيُّ، فَقَامُوا وَدَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَبَارَزَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ - وَكَانَ أَمِيرَ الْقَوْمِ - عُتْبَةَ، وَبَارَزَ حَمْزَةُ شَيْبَةَ، وَبَارَزَ عَلِيٌّ الْوَلِيدَ، فَأَمَّا حَمْزَةُ فَلَمْ يُمْهِلْ شَيْبَةَ أَنْ قَتَلَهُ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَلَمْ يُمْهِلِ الْوَلِيدَ أَنْ قَتَلَهُ، وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَعُتْبَةُ بَيْنَهُمَا ضَرْبَتَيْنِ كِلَاهُمَا قَدْ أَثْبَتَ صَاحِبَهُ، وَكَرَّ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ عَلَى عُتْبَةَ فَقَتَلَاهُ، وَاحْتَمَلَا عُبَيْدَةَ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَقَدْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ، فَلَمَّا أَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَلَسْتُ شَهِيدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى» . قَالَ: لَوْ رَآنِي أَبُو طَالِبٍ لَعَلِمَ أَنَّنَا أَحَقُّ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ ... وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ ثُمَّ مَاتَ، وَتَزَاحَفَ الْقَوْمُ وَدَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَأَبُو جَهْلٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، أَقْطَعُنَا لِلرَّحِمِ، وَآتَانَا بِمَا لَمْ نَعْرِفْ، فَأَحِنْهُ الْغَدَاةَ، فَكَانَ هُوَ الْمُسْتَفْتِحَ عَلَى نَفْسِهِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يَحْمِلُوا حَتَّى يَأْمُرَهُمْ، وَقَالَ: «إِنِ اكْتَنَفَكُمُ الْقَوْمُ فَانْضَحُوهُمْ عَنْكُمْ بِالنَّبْلِ. وَنَزَلَ فِي الْعَرِيشِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ، اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، وَلَمْ يَزَلْ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ، فَوَضَعَهُ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ. وَأَغْفَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَرِيشِ إِغْفَاءَةً، وَانْتَبَهَ ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَتَاكَ نَصْرُ اللَّهِ، هَذَا جَبْرَائِيلُ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ يَقُودُهُ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} [الأنفال: 9] الْآيَةَ. وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقُولُ: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] ، وَحَرَّضَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يُقَاتِلُهُمُ الْيَوْمَ رَجُلٌ، فَيُقْتَلُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» . فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ وَبِيَدِهِ تَمَرَاتٌ يَأْكُلُهُنَّ: بَخٍ
بَخٍ! مَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا أَنْ يَقْتُلَنِي هَؤُلَاءِ! ثُمَّ أَلْقَى التَّمَرَاتِ مِنْ يَدِهِ وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. وَرُمِيَ مِهْجَعٌ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، بِسَهْمٍ فَقُتِلَ، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ. ثُمَّ رُمِيَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَقُتِلَ، وَقَاتَلَ عَوْفُ بْنُ عَفْرَاءَ حَتَّى قُتِلَ، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا. فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَفْنَةً مِنَ التُّرَابِ وَرَمَى بِهَا قُرَيْشًا وَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ. وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: شُدُّوا عَلَيْهِمْ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ، فَقَتَلَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأُسِرَ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ. وَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَرِيشِ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَائِمٌ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ مُتَوَشِّحًا بِالسَّيْفِ فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَحْرُسُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخَافُونَ عَلَيْهِ كَرَّةَ الْعَدُوِّ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وَجْهِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الْكَرَاهِيَةَ لِمَا يَصْنَعُ النَّاسُ مِنَ الْأَسْرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَكَأَنَّكَ تَكْرَهُ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَّلُ وَقْعَةٍ أَوْقَعَهَا اللَّهُ بِالْمُشْرِكِينَ كَانَ الْإِثْخَانُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنِ اسْتِبْقَاءِ الرِّجَالِ» . وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَ أَبَا جَهْلٍ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَقُرَيْشٌ مُحِيطَةٌ بِهِ يَقُولُونَ: لَا يُخْلَصُ إِلَى أَبِي الْحَكَمِ. قَالَ مُعَاذٌ: فَجَعَلْتُهُ مِنْ شَأْنِي، فَلَمَّا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً أَطَنَّتْ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ، وَضَرَبَنِي ابْنُهُ عِكْرِمَةُ فَطَرَحَ يَدِي مِنْ عَاتِقِي، فَتَعَلَّقَتْ بِجِلْدَةٍ مِنْ جُثَّتِي، فَقَاتَلْتُ عَامَّةَ يَوْمِي وَإِنِّي لَأَسْحَبُهَا خَلْفِي، فَلَمَّا آذَتْنِي جَعَلْتُ عَلَيْهَا رِجْلِي، ثُمَّ تَمَطَّيْتُ حَتَّى طَرَحْتُهَا. وَعَاشَ مُعَاذٌ إِلَى زَمَانِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي جَهْلٍ مُعَوِّذُ بْنُ عَفْرَاءَ فَضَرَبَهُ حَتَّى أَثْبَتَهُ، وَتَرَكَهُ وَبِهِ رَمَقٌ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ، «وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُلْتَمَسَ فِي الْقَتْلَى، فَوَجَدَهُ بِآخِرِ رَمَقٍ، قَالَ: فَوَضَعْتُ رِجْلِي عَلَى عُنُقِهِ، ثُمَّ قُلْتُ: هَلْ أَخْزَاكَ اللَّهُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ؟ قَالَ: وَبِمَاذَا أَخْزَانِي؟ أَعْمَدُ مِنْ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ، أَخْبِرْنِي لِمَنِ الدَّائِرَةُ؟ قُلْتُ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: لَقَدِ ارْتَقَيْتَ - يَا رُوَيْعِيَ الْغَنَمِ - مُرْتَقًى صَعْبًا! قَالَ: فَقُلْتُ: إِنِّي قَاتِلُكَ. قَالَ: مَا أَنْتَ بِأَوَّلِ عَبْدٍ قَتَلَ سَيِّدَهُ، أَمَا إِنَّ أَشَدَّ شَيْءٍ لَقِيتُهُ الْيَوْمَ قَتْلُكَ إِيَّايَ، وَأَلَّا قَتَلَنِي رَجُلٌ مِنَ الْمُطَيَّبِينَ
الْأَحْلَافِ. فَضَرَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَوَقَعَ رَأْسُهُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، فَحَمَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ» . وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَدْ غَنِمَ أَدْرَاعًا، فَمَرَّ بِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَابْنِهِ عَلِيٍّ، فَقَالَا لَهُ: نَحْنُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الْأَدْرَاعِ. فَطَرَحَ الْأَدْرَاعَ وَأَخَذَ بِيَدِهِ وَبِيَدِ ابْنِهِ وَمَشَى بِهِمَا، فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ: مَنِ الرَّجُلُ الْمُعَلَّمُ بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ فِي صَدْرِهِ؟ قَالَ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَالَ أُمَيَّةُ: هُوَ الَّذِي فَعَلَ بِنَا الْأَفَاعِيلَ. وَرَأَى بِلَالٌ أُمَيَّةَ، وَكَانَ يُعَذِّبُهُ بِمَكَّةَ، فَيَخْرُجُ بِهِ إِلَى رَمْضَاءِ مَكَّةَ، فَيُضْجِعُهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالصَّخْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَتُوضَعُ عَلَى صَدْرِهِ، وَيَقُولُ: لَا تَزَالُ هَكَذَا حَتَّى تُفَارِقَ دِينَ مُحَمَّدٍ، فَيَقُولُ بِلَالٌ: أَحَدٌ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَآهُ بِلَالٌ قَالَ: أُمَيَّةُ! رَأْسُ الْكُفْرِ! لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا! ثُمَّ صَرَخَ: يَا أَنْصَارَ اللَّهِ، رَأْسُ الْكُفْرِ رَأْسُ الْكُفْرِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا! فَأَحَاطَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ، وَقُتِلَ أُمَيَّةُ وَابْنُهُ عَلِيٍّ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ بِلَالًا، ذَهَبَتْ أَدْرَاعِي وَفَجَّعَنِي بِأَسِيرِيَّ. وَقُتِلَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَلَمَّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يُقْتَلَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَكَفَّ الْقَوْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ مِمَّنِ اهْتَمَّ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ، فَلَقِيَهُ الْمُجَذَّرُ بْنُ ذِيَادٍ الْبَلَوِيُّ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ وَمَعَهُ زَمِيلٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ نَهَى عَنْ قَتْلِكَ. فَقَالَ وَزَمِيلِي؟ فَقَالَ الْمُجَذَّرُ: لَا وَاللَّهِ. قَالَ: إِذًا وَاللَّهِ لَأَمُوتَنَّ أَنَا وَهُوَ، وَلَا تَتَحَدَّثُ نِسَاءُ قُرَيْشٍ أَنِّي تَرَكْتُ زَمِيلِي حِرْصًا عَلَى الْحَيَاةِ. فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَبَرِهِ. «وَجِيءَ بِالْعَبَّاسِ، أَسَرَهُ أَبُو الْيَسَرِ، وَكَانَ مَجْمُوعًا، وَكَانَ الْعَبَّاسُ جَسِيمًا، فَقِيلَ لِأَبِي الْيَسَرِ: كَيْفَ أَسَرْتَهُ؟ قَالَ: أَعَانَنِي عَلَيْهِ رَجُلٌ مَا رَأَيْتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، بِهَيْئَةِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ» . «وَلَمَّا أَمْسَى الْعَبَّاسُ مَأْسُورًا بَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاهِرًا أَوَّلَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ لَا تَنَامُ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ
تَضَوُّرَ الْعَبَّاسِ فِي وَثَاقِهِ، فَمَنَعَ مِنِّي النَّوْمَ. فَقَامُوا إِلَيْهِ فَأَطْلَقُوهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . «وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَئِذٍ: قَدْ عَرَفْتُ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ أُخْرِجُوا كُرْهًا، فَمَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَا يَقْتُلْهُ؛ فَإِنَّهُ أُخْرِجَ كُرْهًا. فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَقْتُلُ أَبْنَاءَنَا وَآبَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وَنَتْرُكُ الْعَبَّاسَ؟ وَاللَّهِ لَئِنْ لَقِيتُهُ لَأُلْحِمَنَّهُ بِالسَّيْفِ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لِعُمَرَ: يَا أَبَا حَفْصٍ، أَمَا تَسْمَعُ قَوْلَ أَبِي حُذَيْفَةَ؟ أَيُضْرَبُ وَجْهُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ: لَا أَزَالُ خَائِفًا مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَةِ، وَلَا يُكَفِّرُهَا عَنِّي إِلَّا الشَّهَادَةُ. فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا. وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قَدْ رَأَيْتُ جَبْرَائِيلَ وَعَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ» . «فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي، فَصَعِدْنَا جَبَلًا يُشْرِفُ بِنَا عَلَى بَدْرٍ وَنَحْنُ مُشْرِكَانِ، نَنْظُرُ لِمَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ فَنَنْتَهِبُ، فَدَنَتْ مِنَّا سَحَابَةٌ، فَسَمِعْتُ فِيهَا حَمْحَمَةَ الْخَيْلِ، وَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، قَالَ: فَأَمَّا ابْنُ عَمِّي فَمَاتَ مَكَانَهُ، وَأَمَّا أَنَا فَكِدْتُ أَهْلِكُ فَتَمَاسَكْتُ» . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الْمَازِنِيُّ: إِنِّي لَأَتْبَعُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِأَضْرِبَهُ إِذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ سَيْفِي إِلَيْهِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَتَلَهُ غَيْرِي. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: كَانَ أَحَدُنَا يُشِيرُ بِسَيْفِهِ إِلَى الْمُشْرِكِ فَيَقَعُ رَأْسُهُ عَنْ جَسَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ السَّيْفُ. فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَنْ قَتَلَ، وَأَسَرَ مَنْ أَسَرَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُطْرَحَ الْقَتْلَى فِي الْقَلِيبِ، فَطُرِحُوا فِيهِ إِلَّا أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ؛ فَإِنَّهُ انْتَفَخَ فِي دِرْعِهِ فَمَلَأَهَا، فَذَهَبُوا بِهِ لِيُخْرِجُوهُ فَتَقَطَّعَ، وَطَرَحُوا عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ وَالْحِجَارَةِ مَا غَيَّبَهُ، وَلَمَّا أُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ وَقَفَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: «يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ، بِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ! كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاسُ! ثُمَّ قَالَ: يَا عُتْبَةُ، يَا شَيْبَةُ، يَا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ، يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ - وَعَدَّدَ مَنْ كَانَ فِي الْقَلِيبِ - هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا. فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: أَتُكَلِّمُ قَوْمًا مَوْتَى؟ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ
لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُونِي» . «وَلَمَّا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْقَلِيبِ مَا قَالَ رَأَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ الْكَرَاهِيَةَ وَقَدْ تَغَيَّرَ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ قَدْ دَخْلَكَ مِنْ شَأْنِ أَبِيكَ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَكَكْتُ فِي أَبِي وَفِي مَصْرَعِهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ لَهُ عَقْلٌ وَحِلْمٌ وَفَضْلٌ، فَكُنْتُ أَرْجُو لَهُ الْإِسْلَامَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا مَاتَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ أَحْزَنَنِي ذَلِكَ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَيْرٍ» . «ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ فَجُمِعَ مَا فِي الْعَسْكَرِ، فَاخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ مَنْ جَمَعَهُ: هُوَ لَنَا. وَقَالَ الَّذِينَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ: وَاللَّهِ لَوْلَا نَحْنُ مَا أَصَبْتُمُوهُ، نَحْنُ شَغَلْنَا الْقَوْمَ عَنْكُمْ حَتَّى أَصَبْتُمْ مَا أَصَبْتُمْ. وَقَالَ الَّذِينَ كَانُوا يَحْرُسُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الْعَرِيشِ: وَاللَّهِ مَا أَنْتُمْ بِأَحَقَّ بِهِ مِنَّا، لَقَدْ رَأَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ الْمَتَاعَ حِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ، وَلَكِنْ خِفْنَا كَرَّةَ الْعَدُوِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُمْنَا دُونَهُ. فَنَزَعَ اللَّهُ الْأَنْفَالَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَجَعَلَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَسَمَّهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى سَوَاءٍ» . وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ بَشِيرًا إِلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ، وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ بَشِيرًا إِلَى أَهْلِ السَّافِلَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَوَصَلَ زِيدٌ وَقَدْ سَوَّوُا التُّرَابَ عَلَى رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ زَوْجَةَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، خَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهَا وَقَسَمَ لَهُ. فَلَمَّا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيَهُ النَّاسُ يُهَنِّئُونَهُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، «فَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ الْأَنْصَارِيُّ: إِنْ لَقِينَا إِلَّا عَجَائِزَ صُلْعًا كَالْبُدْنِ الْمُعَقَّلَةِ، فَنَحَرْنَاهَا. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، أُولَئِكَ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ» . وَكَانَ فِي الْأَسْرَى النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَمَرَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِقَتْلِ النَّضْرِ، فَقَتَلَهُ بِالصَّفْرَاءِ، وَأَمَرَ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ بِقَتْلِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَلَمَّا أَرَادُوا قَتْلَهُ جَزِعَ مِنَ الْقَتْلِ وَقَالَ: مَا لِي أُسْوَةٌ بِهَؤُلَاءِ؟ يَعْنِي الْأَسْرَى، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ لِلصِّبْيَةِ؟ قَالَ: النَّارُ، فَقَتَلَهُ بِعِرْقِ الظَّبْيَةِ صَبْرًا. «وَكَانَ فِي الْأَسْرَى سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، أَسَرَهُ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ الْأَنْصَارِيُّ، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ
النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: دَعْنِي أَنْزِعُ ثَنِيَّتَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَا يَقُومُ عَلَيْكَ خَطِيبًا أَبَدًا، وَكَانَ سُهَيْلٌ أَعْلَمَ الشَّفَةِ السُّفْلَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْهُ يَا عُمَرُ؛ فَسَيَقُومُ مَقَامًا تَحْمَدُهُ عَلَيْهِ، فَكَانَ مَقَامُهُ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» - وَسَنَذْكُرُهُ عِنْدَ خَبَرِ الرِّدَّةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ -. وَلَمَّا قَدِمَ بِهِ الْمَدِينَةَ قَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْطَيْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ كَمَا تَفْعَلُ النِّسَاءُ، أَلَا مُتُّمْ كِرَامًا! فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَهَا فَقَالَ لَهَا: «يَا سَوْدَةُ، أَعَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ تُحَرِّضِينَ! فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مَلَكْتُ نَفْسِي حِينَ رَأَيْتُهُ أَنْ قُلْتُ مَا قُلْتُ» . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَوْصُوا بِالْأَسْرَى خَيْرًا» . وَكَانَ أَحَدُهُمْ يُؤْثِرُ أَسِيرَهُ بِطَعَامِهِ. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ بِمُصَابِ قُرَيْشٍ الْحَيْسَمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ، فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: قُتِلَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَأَبُو الْحَكَمِ وَنُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ - وَعَدَّدَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ - فَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ: وَاللَّهِ إِنْ يَعْقِلْ فَاسْأَلُوهُ عَنِّي. فَقَالُوا: مَا فَعَلَ صَفْوَانُ؟ قَالَ: هُوَ ذَاكَ جَالِسٌ فِي الْحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ حِينَ قُتِلَا. وَمَاتَ أَبُو لَهَبٍ بِمَكَّةَ بَعْدَ وُصُولِ خَبَرِ مَقْتَلِ قُرَيْشٍ بِتِسْعَةِ أَيَّامٍ، وَنَاحَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهُمْ، ثُمَّ قَالُوا: لَا تَفْعَلُوا فَيَشْمَتَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ، وَلَا تَبْعَثُوا فِي فِدَاءِ أَسْرَاكُمْ، لَا يَشْتَطُّ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ. وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ قَدْ أُصِيبَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ وَلَدِهِ: زَمْعَةُ، وَعَقِيلٌ، وَالْحَارِثُ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَبْكِيَ عَلَى بَنِيهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعَ نَائِحَةً، فَقَالَ لِغُلَامِهِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ: انْظُرْ هَلْ أُحِلَّ الْبُكَاءُ لَعَلِّي أَبْكِي عَلَى زَمْعَةَ، فَإِنَّ جَوْفِي قَدِ احْتَرَقَ. فَرَجَعَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ تَبْكِي عَلَى بَعِيرٍ لَهَا أَضَلَّتْهُ، فَقَالَ: أَتَبْكِي أَنْ يَضِلَّ لَهَا بَعِيرٌ ... وَيَمْنَعَهَا مِنَ النَّوْمِ السُّهُودُ
وَلَا تَبْكِي عَلَى بَكْرٍ وَلَكِنْ عَلَى بَدْرٍ تَقَاصَرَتِ الْجُدُودُ ... عَلَى بَدْرٍ سَرَاةِ بَنِي هُصَيْصٍ وَمَخْزُومٍ وَرَهْطِ أَبِي الْوَلِيدِ ... وَبَكِّي إِنْ بَكَيْتِ عَلَى عَقِيلٍ وَبَكِّي حَارِثًا أَسَدَ الْأُسُودِ ... وَبَكِّيهِمْ وَلَا تَسَمِّي جَمِيعًا فَمَا لِأَبِي حَكِيمَةَ مِنْ نَدِيدِ ... أَلَا قَدْ سَادَ بَعْدَهُمْ أُنَاسٌ وَلَوْلَا يَوْمُ بَدْرٍ لَمْ يَسُودُوا يَعْنِي أَبَا سُفْيَانَ. ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا أَرْسَلَتْ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى، فَأَوَّلُ مَنْ فُدِيَ أَبُو وَدَاعَةَ السَّهْمِيُّ، فَدَاهُ ابْنُهُ الْمُطَّلِبُ، وَفَدَى الْعَبَّاسُ نَفْسَهُ وَعَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَحَلِيفَهُ عُتْبَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَحْدَمٍ، أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ فَقَالَ: لَا مَالَ لِي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيْنَ الْمَالُ الَّذِي وَضَعْتَهُ عِنْدَ أُمِّ الْفَضْلِ وَقُلْتَ لَهَا: إِنْ أُصِبْتُ فَلِلْفَضْلِ كَذَا، وَلِعَبْدِ اللَّهِ كَذَا؟ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عَلِمَ بِهِ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهَا، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ! وَفَدَى نَفْسَهُ وَابْنَيْ أَخَوَيْهِ وَحَلِيفَهُ، وَكَانَ قَدْ أُخِذَ مَعَ الْعَبَّاسِ عِشْرُونَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: احْسِبْهَا فِي فِدَائِي. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا، ذَاكَ شَيْءٌ أَعْطَانَاهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -» . وَكَانَ فِي الْأُسَارَى عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، أَسَرَهُ عَلِيٌّ، فَقِيلَ لِأَبِيهِ: أَفْدِ عَمْرًا. فَقَالَ: لَا أَجْمَعُ عَلَيَّ دَمِي وَمَالِي، يُقْتَلُ ابْنِي حَنْظَلَةُ، وَأَفْدِي عَمْرًا! فَتَرَكَهُ وَلَمْ يَفُكَّهُ. ثُمَّ إِنَّ سَعْدَ بْنَ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيَّ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، فَأَخَذَهُ أَبُو سُفْيَانَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَعْرِضُ لِحَاجٍّ وَلَا مُعْتَمِرٍ. فَحَبَسَهُ أَبُو سُفْيَانَ لِيَفْدِيَ بِهِ عَمْرًا ابْنَهُ، وَقَالَ:
أَرَهْطَ ابْنِ أَكَّالٍ أَجِيبُوا دُعَاءَهُ ... تَعَاقَدْتُمْ لَا تُسْلِمُوا السَّيِّدَ الْكَهْلَا فَإِنَّ بَنِي عَمْرٍو لِئَامٌ أَذِلَّةٌ ... لَئِنْ لَمْ يَفُكُّوا عَنْ أَسِيرِهِمُ الْكَبْلَا فَمَشَى بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَطَلَبُوا مِنْهُ عَمْرَو بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، فَفَادَوْا بِهِ سَعْدًا. «وَكَانَ فِي الْأُسَارَى أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ زَوْجُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ مِنْ أَكْثَرِ رِجَالِ مَكَّةَ مَالًا وَأَمَانَةً وَتِجَارَةً، وَكَانَتْ أُمُّهُ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ زَوْجَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَتْهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ زَيْنَبَ، فَفَعَلَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، فَلَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ آمَنَتْ بِهِ زَيْنَبُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَغْلُوبًا بِمَكَّةَ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَتْ قُرَيْشٌ إِلَى بَدْرٍ خَرَجَ مَعَهُمْ فَأُسِرَ، فَلَمَّا بَعَثَتْ قُرَيْشٌ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى بَعَثَتْ زَيْنَبُ فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ زَوْجِهَا بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ خَدِيجَةُ أَدْخَلَتْهَا مَعَهَا، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً وَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا، فَافْعَلُوا. فَأَطْلَقُوا لَهَا أَسِيرَهَا، وَرَدُّوا الْقِلَادَةَ» . وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَسَارَ إِلَى مَكَّةَ، وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ وَرَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ؛ لِيَصْحَبَا زَيْنَبَ مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو الْعَاصِ أَمَرَهَا بِاللَّحَاقِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَجَهَّزَتْ سِرًّا، وَأَرْكَبَهَا كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ - أَخُو أَبِي الْعَاصِ - بَعِيرًا، وَأَخَذَ قَوْسَهُ وَخَرَجَ بِهَا نَهَارًا. فَسَمِعَتْ بِهَا قُرَيْشٌ، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهَا فَلَحِقُوهَا بِذِي طَوًى، وَكَانَتْ حَامِلًا فَطَرَحَتْ حَمْلَهَا لَمَّا رَجَعَتْ لِخَوْفِهَا، وَنَثَرَ كِنَانَةُ أَسْهُمَهُ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَدْنُو مِنِّي أَحَدٌ إِلَّا وَضَعْتُ فِيهِ سَهْمًا! فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَقَالَ: خَرَجْتَ بِهَا عَلَانِيَةً، فَيَظُنُّ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ عَنْ ذُلٍّ وَضَعْفٍ مِنَّا، وَلَعَمْرِي مَا لَنَا فِي حَبْسِهَا حَاجَةٌ، فَارْجِعْ بِالْمَرْأَةِ لِيَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّا رَدَدْنَاهَا. ثُمَّ أَخْرِجْهَا لَيْلًا وَسَلِّمْهَا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَصَاحِبِهِ، فَقَدِمَا بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقَامَتْ عِنْدَهُ. «فَلَمَّا كَانَ قُبَيْلَ الْفَتْحِ خَرَجَ أَبُو الْعَاصِ تَاجِرًا إِلَى الشَّامِ بِأَمْوَالِهِ وَأَمْوَالِ رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا عَادَ لَقِيَتْهُ سَرِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذُوا مَا مَعَهُ وَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَتَى الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ، فَلَمَّا كَانَ الصُّبْحُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الصَّلَاةِ،
فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ، فَنَادَتْ زَيْنَبُ مِنْ صُفَّةِ النِّسَاءِ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَلِمْتُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّهُ لَيُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ. وَقَالَ لِزَيْنَبَ: لَا يَخْلُصُ إِلَيْكِ، فَلَا يَحِلُّ لَكِ. وَقَالَ لِلسَّرِيَّةِ الَّذِينَ أَصَابُوهُ: إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَرُدُّوا عَلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَهُوَ فَيْءُ اللَّهِ الَّذِي أَفَاءَهُ عَلَيْكُمْ، وَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِهِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ نَرُدُّهُ عَلَيْهِ. فَرَدُّوا عَلَيْهِ مَالَهُ كُلَّهُ حَتَّى الشِّظَاظَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَّةَ فَرَدَّ عَلَى النَّاسِ مَا لَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا مَنَعَنِي مِنَ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُ إِلَّا تَخَوُّفُ أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي إِنَّمَا أَرَدْتُ أَكْلَ أَمْوَالِكُمْ. ثُمَّ خَرَجَ فَقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ عَلَيْهِ أَهْلَهُ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ» . وَجَلَسَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ مَعَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بَعْدَ بَدْرٍ، وَكَانَ شَيْطَانًا مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ وَأَصْحَابَهُ، وَكَانَ ابْنُ وَهْبٍ فِي الْأُسَارَى، فَقَالَ صَفْوَانُ: لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَ مَنْ أُصِيبَ بِبَدْرٍ. فَقَالَ عُمَيْرٌ: صَدَقْتَ، وَلَوْلَا دَيْنٌ عَلَيَّ، وَعِيَالٌ أَخْشَى ضَيْعَتَهُمْ لَرَكِبْتُ إِلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى أَقْتُلَهُ. فَقَالَ صَفْوَانُ: دَيْنُكَ عَلَيَّ، وَعِيَالُكَ مَعَ عِيَالِي أُسْوَتُهُمْ. فَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَدِمَهَا، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِإِدْخَالِهِ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ عُمَرُ بِحَمَّالَةِ سَيْفِهِ وَقَالَ لِرِجَالٍ مَعَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ: ادْخُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاحْذَرُوا هَذَا الْخَبِيثَ. فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعُمَرَ: اتْرُكْهُ، ثُمَّ قَالَ: ادْنُ يَا عُمَيْرُ، مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ لِهَذَا الْأَسِيرِ. قَالَ: اصْدُقْنِي. قَالَ: مَا جِئْتُ إِلَّا لِذَلِكَ. قَالَ: بَلْ قَعَدْتَ أَنْتَ وَصَفْوَانُ، وَجَرَى بَيْنَكُمَا كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ عُمَيْرٌ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، هَذَا الْأَمْرُ لَمْ يَحْضُرْهُ إِلَّا أَنَا وَصَفْوَانُ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقِّهُوا أَخَاكُمْ فِي دِينِهِ، وَعَلِّمُوهُ الْقُرْآنَ، وَأَطْلِقُوا لَهُ أَسِيرَهُ. فَفَعَلُوا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَنْتُ شَدِيدَ الْأَذَى لِلْمُسْلِمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ تَأْذَنَ لِي، فَأَقْدَمَ مَكَّةَ فَأَدْعُوَ إِلَى اللَّهِ وَأُوذِيَ الْكُفَّارَ فِي دِينِهِمْ كَمَا كُنْتُ أُوذِي أَصْحَابَكَ. فَأَذِنَ لَهُ، فَكَانَ صَفْوَانُ يَقُولُ: أَبْشِرُوا الْآنَ بِوَقْعَةٍ تَأْتِيكُمْ تُنْسِيكُمْ وَقْعَةَ بَدْرٍ. فَلَمَّا قَدِمَ عُمَيْرٌ أَقَامَ بِهَا يَدْعُو إِلَى اللَّهِ، فَأَسْلَمَ مَعَهُ نَاسٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ يُؤْذِي مَنْ خَالَفَهُ.
وَقَدِمَ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ فِي فِدَاءِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُشَاوِرُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيًّا فِي الْأُسَارَى، فَأَشَارَ أَبُو بَكْرٍ بِالْفِدَاءِ، وَأَشَارَ عُمَرُ بِالْقَتْلِ، فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْقَتْلِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 67] إِلَى قَوْلِهِ: {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 68] ، وَكَانَ الْأَسْرَى سَبْعِينَ، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عُقُوبَةً بِالْمُفَادَاةِ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ، وَهُمِشَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ، وَسَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} [آل عمران: 165] . وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِبَدْرٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سِتَّةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَثَمَانِيَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ. وَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَاعَةً اسْتَصْغَرَهُمْ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ. وَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِثَمَانِيَةِ نَفَرٍ بِسَهْمٍ فِي الْأَنْفَالِ لَمْ يَحْضُرُوا الْوَقْعَةَ، مِنْهُمْ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلَّفَهُ عَلَى زَوْجَتِهِ رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَرَضِهَا، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، كَانَ أَرْسَلَهُمَا يَتَجَسَّسَانِ خَبَرَ الْعِيرِ، وَأَبُو لُبَابَةَ، خَلَّفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، خَلَّفَهُ عَلَى الْعَالِيَةِ، وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ، رَدَّهُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِشَيْءٍ بَلَغَهُ عَنْهُمْ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ، كُسِرَ بِالرَّوْحَاءِ، وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، كُسِرَ فِي بَدْرٍ أَسْفَلَ سَيْفِهِ ذِي الْفَقَارِ، وَكَانَ لِمُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَقِيلَ كَانَ لِلْعَاصِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَتَلَهُ عَلِيٌّ صَبْرًا وَأَخَذَ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ، فَكَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَهَبَهُ لِعَلِيٍّ. (رَحَضَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ. وَالْحُبَارُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ. وَخَدِيجٌ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ) .
ذكر غزوة بني القينقاع
[ذِكْرُ غَزْوَةِ بَنِي الْقَيْنُقَاعِ] لَمَّا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَدْرٍ أَظْهَرَتْ يَهُودُ لَهُ الْحَسَدَ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَبَغَوْا وَنَقَضُوا الْعَهْدَ، وَكَانَ قَدْ وَادَعَهُمْ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا. فَلَمَّا بَلَغَهُ حَسَدُهُمْ جَمَعَهُمْ بِسُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَقَالَ لَهُمْ: احْذَرُوا مَا نَزَلَ بِقُرَيْشٍ وَأَسْلِمُوا، فَإِنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ أَنِّي نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، لَا يَغُرَّنَّكَ أَنَّكَ لَقِيتَ قَوْمًا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِالْحَرْبِ، فَأَصَبْتَ مِنْهُمْ فُرْصَةً. فَكَانُوا أَوَّلَ يَهُودَ نَقَضُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى مُجَاهَرَتِهِمْ وَكُفْرِهِمْ إِذْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ إِلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَجَلَسَتْ عِنْدَ صَائِغٍ لِأَجْلِ حُلِيٍّ لَهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَخَلَّ دِرْعَهَا إِلَى ظَهْرِهَا، وَهِيَ لَا تَشْعُرُ، فَلَمَّا قَامَتْ بَدَتْ عَوْرَتُهَا، فَضَحِكُوا مِنْهَا، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَهُ، وَنَبَذُوا الْعَهْدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَحَصَّنُوا فِي حُصُونِهِمْ، فَغَزَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَاصَرَهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَكُتِّفُوا وَهُوَ يُرِيدُ قَتْلَهُمْ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ فَكَلَّمَهُ فِيهِمْ، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ وَقَالَ: وَيَحْكَ أَرْسِلْنِي. فَقَالَ: لَا أُرْسِلُكَ حَتَّى تُحْسِنَ إِلَى مَوَالِيَّ، أَرْبَعُمِائَةِ حَاسِرٍ، وَثَلَاثُمِائَةِ دَارِعٍ قَدْ مَنَعُونِي مِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ تَحْصُدُهُمْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَخْشَى الدَّوَائِرَ. فَقَالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هُمْ لَكَ، خَلُّوهُمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَعَنَهُ مَعَهُمْ. وَغَنِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَرَضُونَ إِنَّمَا كَانُوا صَاغَةً، وَكَانَ الَّذِي أَخْرَجَهُمْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيُّ، فَبَلَغَ بِهِمْ ذِبَابَ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى أَذْرِعَاتٍ مِنْ أَرْضِ الِشَّامِ، فَلَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى هَلَكُوا.
ذكر غزوة الكدر
وَكَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا لُبَابَةَ، وَكَانَ لِوَاءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ حَمْزَةَ، وَقَسَمَ الْغَنِيمَةَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَخَمَّسَهَا، وَكَانَ أَوَّلَ خُمُسٍ أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَضَرَ الْأَضْحَى، وَخَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَلَّى بِالْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ أَوَّلُ صَلَاةِ عِيدٍ صَلَّاهَا، وَضَحَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاتَيْنِ، وَقِيلَ بِشَاةٍ، وَكَانَ أَوَّلَ أَضْحَى رَآهُ الْمُسْلِمُونَ، وَضَحَّى مَعَهُ ذَوُو الْيَسَارِ. وَكَانَتِ الْغَزَاةُ فِي شَوَّالٍ بَعْدَ بَدْرٍ، وَقِيلَ: كَانَتْ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ بَعْدَ غَزْوَةِ الْكُدْرِ. (ذِبَابُ بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَبَاءَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ) . [ذِكْرُ غَزْوَةِ الْكُدْرِ] قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَتْ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَلَاثٍ. وَكَانَ قَدْ بَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْتِمَاعُ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: الْكُدْرُ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْكُدْرِ فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَكَانَ لِوَاؤُهُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وَعَادَ وَمَعَهُ النَّعَمُ وَالرِّعَاءُ، وَكَانَ قُدُومُهُ - فِي قَوْلٍ - لِعَشْرِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ شَوَّالٍ. وَبَعْدَ قُدُومِهِ أَرْسَلَ غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ وَغَطَفَانَ، فَقَتَلُوا فِيهِمْ وَغَنِمُوا النَّعَمَ، وَاسْتَشْهَدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، وَعَادُوا مُنْتَصَفَ شَوَّالٍ (الْكُدْرُ بِضَمِّ الْكَافِ، وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ) .
ذكر غزوة السويق
[ذِكْرُ غَزْوَةِ السَّوِيقِ] كَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ نَذَرَ بَعْدَ بَدْرٍ أَنْ لَا يَمَسَّ رَأْسَهُ مَاءٌ مِنْ جَنَابَةٍ حَتَّى يَغْزُوَ مُحَمَّدًا، فَخَرَجَ فِي مِائَتَيْ رَاكِبٍ مِنْ قُرَيْشٍ لِيُبِرَّ يَمِينَهُ حَتَّى جَاءَ الْمَدِينَةَ لَيْلًا، وَاجْتَمَعَ بِسَلَّامِ بْنِ مِشْكَمٍ سَيِّدِ النَّضِيرِ، فَعَلِمَ مِنْهُ خَبَرَ النَّاسِ، ثُمَّ خَرَجَ فِي لَيْلَتِهِ فَبَعَثَ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتَوُا الْعُرَيْضَ فَحَرَّقُوا فِي نَخْلِهَا، وَقَتَلُوا رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَحَلِيفًا لَهُ، وَاسْمُ الْأَنْصَارِيِّ مَعْبَدُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَادُوا، وَرَأَى أَنْ قَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ. وَجَاءَ الصَّرِيخُ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ فَأَعْجَزَهُمْ. وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ يُلْقُونَ جُرُبَ السَّوِيقِ يَتَخَفَّفُونَ مِنْهَا لِلنَّجَاةِ، وَكَانَ ذَلِكَ عَامَّةَ زَادِهِمْ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ غَزْوَةُ السَّوِيقِ. وَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَطْمَعُ أَنْ تَكُونَ لَنَا غَزْوَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بِمَكَّةَ، وَهُوَ يَتَجَهَّزُ: كُرُّوا عَلَى يَثْرِبٍ وَجَمْعِهِمْ ... فَإِنَّ مَا جَمَعُوا لَكُمْ نَفَلُ إِنْ يَكُ يَوْمُ الْقَلِيبِ كَانَ لَهُمْ ... فَإِنَّ مَا بَعْدَهُ لَكُمْ دُوَلُ آلَيْتُ لَا أَقْرَبُ النِّسَاءِ وَلَا ... يَمَسُّ رَأْسِي وَجِلْدِي الْغُسُلُ حَتَّى تُبِيرُوا قَبَائِلَ الْأَوْسِ ... وَالْخَزْرَجِ، إِنَّ الْفُؤَادَ يَشْتَعِلُ فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ بِقَوْلِهِ: يَا لَهْفَ أُمِّ الْمُسَبِّحِينَ عَلَى ... جَيْشِ ابْنِ حَرْبٍ بِالْحَرَّةِ الْفَشِلِ إِذْ يَطْرَحُونَ الرِّجَالَ مَنْ سَئِمَ الطَّيْ ... رَ تَرَقَّى لِقُنَّةِ الْجَبَلِ
جَاءُوا بِجَمْعٍ لَوْ قِيسَ مَبْرَكُهُ مَا كَانَ إِلَّا كَمَفْحَصِ الدُّئِلِ ... عَارٍ مِنَ النَّصْرِ وَالثَّرَاءِ وَمِنْ أَبْطَالِ أَهْلِ الْبَطْحَاءِ وَالْأَسَلِ وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مُطْغُونٍ فَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَأْسِ الْقَبْرِ حَجَرًا عَلَامَةً لِقَبْرِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وُلِدَ فِيهَا. وَقِيلَ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بَنَى بِفَاطِمَةَ عَلَى رَأْسِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ شَهْرًا، فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا فَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَتَبَ الْمَعَاقِلَةَ وَقَرَّبَهُ بِسَيْفِهِ. (سَلَّامٌ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ. وَمِشْكَمٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ الْكَافِ. وَالْعُرَيْضُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَآخِرُهُ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ: وَادٍ بِالْمَدِينَةِ) .
ودخلت السنة الثالثة من الهجرة
[وَدَخَلَتِ السَّنَةُ الثَّالِثَةُ مِنَ الْهِجْرَةِ] 3 - وَدَخَلَتِ السَّنَةُ الثَّالِثَةُ مِنَ الْهِجْرَةِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَلَاثٍ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ جَمْعًا مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ وَبَنِي مُحَارِبِ بْنِ حَفْصٍ تَجَمَّعُوا لِيُصِيبُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا، فَلَمَّا صَارَ بِذِي الْقَصَّةِ لَقِيَ رَجُلًا مِنْ ثَعْلَبَةَ فَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَتَاهُمْ خَبَرُهُ فَهَرَبُوا إِلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَعَادَ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَكَانَ مُقَامُهُ اثْنَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً. وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْأُولَى، غَزَا بَنِي سُلَيْمٍ بِبَحْرَانَ، وَسَبَبُ هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَنَّ جَمْعًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ تَجَمَّعُوا بِبَحْرَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرُعِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ، فَلَمَّا بَلَغَ بَحْرَانَ وَجَدَهُمْ قَدْ تَفَرَّقُوا، فَانْصَرَفَ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ عَشْرَ لَيَالٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ. (الْقَصَّةُ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ. وَبَحْرَانَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ) . ذِكْرُ قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ الْيَهُودِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي نَبْهَانَ مِنْ طَيِّئٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ
مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، وَكَانَ قَدْ كَبُرَ عَلَيْهِ قَتْلُ مَنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَارَ إِلَى مَكَّةَ وَحَرَّضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَكَى أَصْحَابَ بَدْرٍ، وَكَانَ يُشَبِّبُ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى آذَاهُمْ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ لِي مِنِ ابْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ: أَنَا لَكَ بِهِ، أَنَا أَقْتُلُهُ. قَالَ: فَافْعَلْ إِنْ قَدَرْتَ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَابُدَّ لَنَا مَا نَقُولُ. قَالَ: قُولُوا مَا بَدَا لَكُمْ، فَأَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْ ذَلِكَ. فَاجْتَمَعَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَسِلْكَانُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، وَهُوَ أَبُو نَائِلَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ بْنِ مُعَاذٍ، وَكَانَ أَخَا كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، وَأَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ، ثُمَّ قَدَّمُوا إِلَى ابْنِ الْأَشْرَفِ أَبَا نَائِلَةَ، فَتَحَدَّثَ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا بْنَ الْأَشْرَفِ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكَ لِحَاجَةٍ فَاكْتُمْهَا عَلَيَّ. قَالَ: أَفْعَلُ. قَالَ: كَانَ قُدُومُ هَذَا الرَّجُلِ شُؤْمًا عَلَى الْعَرَبِ، قَطَعَ عَنَّا السُّبُلَ حَتَّى ضَاعَتِ الْعِيَالُ، وَجَهَدَتِ الْبَهَائِمُ. فَقَالَ كَعْبٌ: قَدْ كُنْتُ أَخْبَرْتُكَ بِهَذَا. قَالَ أَبُو نَائِلَةَ: وَأُرِيدُ أَنْ تَبِيعَنَا طَعَامًا وَنَرْهَنَكَ، وَنُوَثِّقَ لَكَ، وَتُحْسِنَ فِي ذَلِكَ. قَالَ: تَرْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ؟ قَالَ: أَرَدْتَ أَنْ تَفْضَحَنَا، إِنَّ مَعِي أَصْحَابِي عَلَى مِثْلِ رَأْيِي، تَبِيعُهُمْ وَتُحْسِنُ، وَنَجْعَلُ عِنْدَكَ رَهْنًا مِنَ الْحَلْقَةِ مَا فِيهِ وَفَاءٌ، وَأَرَادَ أَبُو نَائِلَةَ بِذِكْرِ الْحَلْقَةِ، وَهِيَ السِّلَاحُ، أَنْ لَا يُنْكِرَ السِّلَاحَ إِذَا جَاءَ مَعَ أَصْحَابِهِ. فَقَالَ: إِنَّ فِي الْحَلْقَةِ لَوَفَاءً. فَرَجَعَ أَبُو نَائِلَةَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمْ، فَأَخَذُوا السِّلَاحَ وَسَارُوا إِلَيْهِ، وَشَيَّعَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ وَدَعَا لَهُمْ. فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى حِصْنِ كَعْبٍ هَتَفَ بِهِ أَبُو نَائِلَةَ، وَكَانَ كَعْبٌ قَرِيبَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَوَثَبَ إِلَيْهِ، وَتَحَدَّثُوا سَاعَةً، وَسَارَ مَعَهُمْ إِلَى شِعْبِ الْعَجُوزِ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا نَائِلَةَ أَخَذَ بِرَأْسِ كَعْبٍ وَشَمَّ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةِ طِيبًا أَعْرَفَ قَطُّ. ثُمَّ مَشَى سَاعَةً وَعَادَ لِمِثْلِهَا حَتَّى اطْمَأَنَّ كَعْبٌ، ثُمَّ مَشَى سَاعَةً وَأَخَذَ بِفَوْدِ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: اضْرِبُوا عَدُوَّ اللَّهِ! فَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ أَسْيَافُهُمْ، فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: فَذَكَرْتُ مِغْوَلًا فِي سَيْفِي فَأَخَذْتُهُ، وَقَدْ صَاحَ عَدُوُّ اللَّهِ صَيْحَةً لَمْ يَبْقَ حَوْلَنَا حِصْنٌ إِلَّا أُوقِدَتْ عَلَيْهِ نَارٌ، قَالَ: فَوَضَعْتُهُ فِي ثُنْدُؤَتِهِ، ثُمَّ تَحَامَلْتُ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغْتُ عَانَتَهُ، وَوَقَعَ عَدُوُّ اللَّهِ.
وَقَدْ أُصِيبَ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ بْنِ مُعَاذٍ، أَصَابَهُ أَسْيَافُنَا، قَالَ: فَخَرَجْنَا عَلَى بُعَاثٍ وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْنَا صَاحِبُنَا، فَوَقَفْنَا لَهُ سَاعَةً وَقَدْ نَزَفَهُ الدَّمُ، ثُمَّ أَتَانَا فَاحْتَمَلْنَاهُ وَجِئْنَا بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَتْلِ عَدُوِّ اللَّهِ، وَتَفَلَ عَلَى جُرْحِ صَاحِبِنَا وَعُدْنَا إِلَى أَهْلِينَا وَقَدْ خَافَتْ يَهُودُ، لَيْسَ بِهَا يَهُودِيٌّ إِلَّا وَهُوَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ فَاقْتُلُوهُ» ، فَوَثَبَ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ عَلَى ابْنِ سُنَيْنَةَ الْيَهُودِيِّ، وَهُوَ مِنْ تُجَّارِ يَهُودَ، فَقَتَلَهُ، وَكَانَ يُبَايِعُهُمْ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ حُوَيِّصَةُ، وَهُوَ مُشْرِكٌ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، قَتَلْتَهُ! أَمَا وَاللَّهِ لَرُبَّ شَحْمٍ فِي بَطْنِكَ مِنْ مَالِهِ! وَضَرَبَهُ، فَقَالَ مُحَيِّصَةُ: لَقَدْ أَمَرَنِي بِقَتْلِهِ مَنْ لَوْ أَمَرَنِي بِقَتْلِكَ لَقَتَلْتُكَ. قَالَ: فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَ لَأَوَّلَ إِسْلَامِ حُوَيِّصَةَ. فَقَالَ: إِنَّ دِينًا بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى لَعَجَبٌ. ثُمَّ أَسْلَمَ. (عَبْسُ بْنُ جَبْرٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَجَبْرٌ بِالْجِيمِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُنَيْنَةُ تَصْغِيرُ سِنٍّ) . وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا تَزَوَّجَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَنَى بِهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ. وَفِيهَا وُلِدَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ابْنُ أُخْتِ نُمَيْرٍ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِيهَا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزْوَةَ أَنْمَارَ يُقَالُ لَهَا: ذُو أَمْرٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ ابْنِ إِسْحَاقَ قَبْلَ ذَلِكَ. وَفِيهَا كَانَ غَزْوَةُ الْفَرْدَةِ، وَكَانَ أَمِيرُهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَهِيَ أَوَّلُ سَرِيَّةٍ خَرَجَ فِيهَا زَيْدٌ أَمِيرًا. وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهَا أَنَّ قُرَيْشًا خَافَتْ مِنْ طَرِيقِهَا الَّتِي كَانَتْ تَسْلُكُ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ بَدْرٍ،
فَسَلَكُوا طَرِيقَ الْعِرَاقِ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ فِيهِمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ وَأَبُو سُفْيَانَ. وَكَانَ عَظِيمُ تِجَارَتِهِمُ الْفِضَّةَ، وَكَانَ دَلِيلُهُمْ فُرَاتَ بْنَ حَيَّانَ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْدًا، فَلَقِيَهُمْ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ: الْفَرْدَةُ، فَأَصَابَ الْعِيرَ وَمَا فِيهَا، وَأَعْجَزَهُ الرِّجَالُ، فَقَدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ الْخُمُسُ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَقَسَّمَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ عَلَى السَّوِيَّةِ، وَأَتَى بِفُرَاتِ بْنِ حَيَّانَ أَسِيرًا فَأَسْلَمَ، فَأَطْلَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (الْفَرْدَةُ: مَاءٌ بِنَجْدٍ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ضَبْطِهِ، فَقِيلَ فَرْدَةُ بِالْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَالرَّاءِ السَّاكِنَةِ، وَبِهِ مَاتَ زَيْدُ الْخَيْلِ، وَيَرِدُ ذِكْرُهُ، وَضَبَطَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ قَرْدَةَ بِالْقَافِ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَسَيَّرَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَى الْفَرْدَةِ، مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ نَجْدٍ، ضَبَطَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ أَيْضًا بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ، فَإِنْ كَانَا مَكَانَيْنِ وَإِلَّا فَقَدَ ضَبَطَ ابْنُ الْفُرَاتِ أَحَدَهُمَا خَطَأً) . ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي رَافِعٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ قُتِلَ أَبُو رَافِعٍ سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ الْيَهُودِيُّ، وَكَانَ يُظَاهِرُ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا قُتِلَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، وَكَانَ قَتَلَتُهُ مِنَ الْأَوْسِ، قَالَتِ الْخَزْرَجُ: وَاللَّهِ لَا يَذْهَبُونَ بِهَا عَلَيْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَا يَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ، فَتَذَاكَرَ الْخَزْرَجُ مَنْ يُعَادِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَابْنِ الْأَشْرَفِ، فَذَكَرُوا ابْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَهُوَ بِخَيْبَرَ، فَاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَتْلِهِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مِنَ الْخَزْرَجِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ، وَمَسْعُودُ بْنُ سِنَانٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وَأَبُو قَتَادَةَ، وَخُزَاعِيُّ بْنُ الْأَسْوَدِ حَلِيفٌ لَهُمْ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، فَخَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا خَيْبَرَ فَأَتَوْا دَارَ أَبِي رَافِعٍ لَيْلًا فَلَمْ يَدَعُوا بَابًا فِي الدَّارِ إِلَّا أَغْلَقُوهُ عَلَى أَهْلِهِ، وَكَانَ فِي عُلِّيَةٍ، فَاسْتَأْذَنُوا عَلَيْهِ، فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَفَرٌ مِنَ الْعَرَبِ يَلْتَمِسُونَ الْمِيرَةَ. قَالَتْ: ذَاكَ صَاحِبُكُمْ فَادْخُلُوا عَلَيْهِ، فَدَخَلُوا. فَلَمَّا دَخَلُوا أَغْلَقُوا بَابَ الْعُلِّيَةِ، وَوَجَدُوهُ عَلَى فِرَاشِهِ، وَابْتَدَرُوهُ، فَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يُرِيدُ قَتْلَهَا،
فَيَذْكُرُ نَهْيَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهُمْ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَيُمْسِكُ عَنْهَا، وَضَرَبُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ، وَتَحَامَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ بِسَيْفِهِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَنْفَذَهُ، ثُمَّ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ سَيِّئَ الْبَصَرِ، فَوَقَعَ مِنَ الدَّرَجَةِ فَوُثِئَتْ رِجْلُهُ وَثْأً شَدِيدًا، فَاحْتَمَلُوهُ وَاخْتَفَوْا، وَطَلَبَتْهُمْ يَهُودُ فِي كُلِّ وَجْهٍ فَلَمْ يَرَوْهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى صَاحِبِهِمْ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: كَيْفَ نَعْلَمُ أَنَّ عَدُوَّ اللَّهِ قَدْ مَاتَ؟ فَعَادَ بَعْضُهُمْ وَدَخَلَ فِي النَّاسِ، فَرَأَى النَّاسَ حَوْلَهُ وَهُوَ يَقُولُ: لَقَدْ عَرَفْتُ صَوْتَ ابْنِ عَتِيكٍ، ثُمَّ قُلْتُ: أَيْنَ ابْنُ عَتِيكٍ؟ ثُمَّ صَاحَتِ امْرَأَتُهُ وَقَالَتْ: مَاتَ وَاللَّهِ. قَالَ: فَمَا سَمِعْتُ كَلِمَةً أَلَذَّ إِلَى نَفْسِي مِنْهَا. ثُمَّ عَادَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، وَسَمِعَ صَوْتَ النَّاعِي يَقُولُ: أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ. وَسَارُوا حَتَّى قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخْتَلَفُوا فِي قَتْلِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَاتُوا أَسْيَافَكُمْ، فَجَاءُوا بِهَا، فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ لِسَيْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ: هَذَا قَتَلَهُ، أَرَى فِيهِ أَثَرَ الْعِظَامِ. وَقِيلَ فِي قَتْلِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ، وَكَانَ بِأَرْضِ الْحِجَازِ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَرَاحَ النَّاسُ بِسُرُجِهِمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ لِأَصْحَابِهِ: أَقِيمُوا مَكَانَكُمْ؛ فَإِنِّي أَنْطَلِقُ وَأَتَلَطَّفُ لِلْبَوَّابِ لَعَلِّي أَدْخُلُ. فَانْطَلَقَ فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ الْبَابِ فَتَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ فَادْخُلْ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ، فَدَخَلَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ وَعَلَّقَ الْمَفَاتِيحَ عَلَى وَتَدٍ، قَالَ: فَقُمْتُ فَأَخَذْتُهَا فَفَتَحْتُ بِهَا الْبَابَ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ عِنْدَهُ فِي عِلَالِيٍّ لَهُ. فَلَمَّا أَرَادَ النَّوْمَ ذَهَبَ عَنْهُ السُّمَّارُ، فَصَعِدْتُ إِلَيْهِ، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُهُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ، وَقُلْتُ: إِنْ عَلِمُوا بِي لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ. قَالَ: فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَسَطَ عِيَالِهِ، لَا أَدْرِي أَيْ هُوَ. فَقُلْتُ: أَبَا رَافِعٍ! قَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَا دَهِشٌ، فَمَا أَغْنَى عَنِّي شَيْئًا وَصَاحَ، فَخَرَجْتُ مِنَ الْبَيْتِ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: مَا هَذَا الصَّوْتُ؟ قَالَ: لِأُمِّكَ الْوَيْلُ! إِنَّ رَجُلًا فِي الْبَيْتِ ضَرَبَنِي بِالسَّيْفِ. قَالَ: فَضَرَبْتُهُ فَأَثْخَنْتُهُ فَلَمْ أَقْتُلْهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ حَدَّ السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخْرَجْتُهُ مِنْ ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الْأَبْوَابَ وَأَخْرُجُ حَتَّى
ذكر غزوة أحد
انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي وَأَنَا أَظُنُّ أَنِّي انْتَهَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ وَانْكَسَرَتْ سَاقِي، فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَتِي وَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ أَقَتَلْتُهُ أَمْ لَا. فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي فَقَالَ: أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ: النَّجَاءُ! قَدْ قَتَلَ اللَّهُ أَبَا رَافِعٍ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَدَّثْتُهُ. فَقَالَ: ابْسُطْ رِجْلَكَ. فَبَسَطْتُهَا فَمَسَحَهَا، فَكَأَنِّي لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ. قِيلَ: كَانَ قَتْلُ أَبِي رَافِعٍ فِي ذِي الْحَجَّةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (سَلَّامٌ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ. وَحُقَيْقٌ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْقَافِ الْأُولَى، تَصْغِيرُ حَقٍّ) . وَفِيهَا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي شَعْبَانَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ خُنَيْسٍ (بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ، وَبِالْيَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتُ، وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ) وَهُوَ ابْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، فَتُوُفِّيَ فِيهَا. [ذِكْرُ غَزْوَةِ أُحُدٍ] وَفِيهَا فِي شَوَّالٍ لِسَبْعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْهُ كَانَتْ وَقْعَةُ أُحُدٍ، وَقِيلَ لِلنِّصْفِ مِنْهُ، وَكَانَ الَّذِي هَاجَهَا وَقْعَةُ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا أُصِيبَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَنْ أُصِيبَ بِبَدْرٍ مَشَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ أُصِيبَ آبَاؤُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَإِخْوَانُهُمْ بِهَا، فَكَلَّمُوا أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ كَانَ لَهُ فِي تِلْكَ الْعِيرِ تِجَارَةٌ، وَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُعِينُوهُمْ بِذَلِكَ الْمَالِ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُدْرِكُوا ثَأْرَهُمْ مِنْهُمْ فَفَعَلُوا.
وَتَجَهَّزَ النَّاسُ وَأَرْسَلُوا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، وَهُمْ: عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ، وَابْنُ الزِّبَعْرَى، وَأَبُو عَزَّةَ الْجُمَحِيُّ، فَسَارُوا فِي الْعَرَبِ لِيَسْتَنْفِرُوهُمْ، فَجَمَعُوا جَمْعًا مِنْ ثَقِيفٍ وَكِنَانَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ بِأَحَابِيشِهَا وَمَنْ أَطَاعَهَا مِنْ قَبَائِلِ كِنَانَةَ وَتِهَامَةَ، وَدَعَا جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ غُلَامَهُ وَحْشِيَّ بْنَ حَرْبٍ، وَكَانَ حَبَشِيًّا يَقْذِفُ بِالْحَرْبَةِ قَلَّ مَا يُخْطِئُ، فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ مَعَ النَّاسِ، فَإِنْ قَتَلْتَ عَمَّ مُحَمَّدٍ بِعَمِّي طُعَيْمَةَ بْنِ عَدِيٍّ فَأَنْتَ عَتِيقٌ. وَخَرَجُوا مَعَهُمْ بِالظَّعْنِ لِئَلَّا يَفِرُّوا، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَائِدَ النَّاسِ، فَخَرَجَ بِزَوْجَتِهِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ، وَغَيْرُهُ مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ خَرَجُوا بِنِسَائِهِمْ، خَرَجَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ بِزَوْجَتِهِ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَخَرَجَ الْحَارِثُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أُخْتِ خَالِدٍ، وَخَرَجَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بِبَرِيرَةَ، وَقِيلَ: بَرْزَةُ بِنْتُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّةُ أُخْتُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَهِيَ أُمُّ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِرَيْطَةَ بِنْتِ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَخَرَجَ طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ بِسُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، وَهِيَ أُمُّ بَنِيهِ مُسَافِعٍ وَالْجُلَاسِ وَكِلَابٍ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ مَعَ النِّسَاءِ الدُّفُوفُ يَبْكِينَ عَلَى قَتْلَى بَدْرٍ يُحَرِّضْنَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ. وَكَانَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُبَاعِدًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ خَمْسُونَ غُلَامًا مِنَ الْأَوْسِ، وَقِيلَ كَانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ، وَكَانَ يَعِدُ قُرَيْشًا أَنَّهُ لَوْ لَقِيَ مُحَمَّدًا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنَ الْأَوْسِ رَجُلَانِ. فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ بِأُحُدٍ كَانَ أَبُو عَامِرٍ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَ فِي الْأَحَابِيشِ وَعَبْدَانِ أَهْلَ مَكَّةَ، فَنَادَى: يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ، أَنَا أَبُو عَامِرٍ. فَقَالُوا: فَلَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا يَا فَاسِقُ! فَقَالَ: لَقَدْ أَصَابَ قَوْمِي بَعْدِي شَرٌّ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى رَاضَخَهُمْ بِالْحِجَارَةِ. وَكَانَتْ هِنْدُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِوَحْشِيٍّ أَوْ مَرَّ بِهَا قَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا دُسْمَةَ، اشْفِ وَاسْتَشْفِ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا دُسْمَةَ. فَأَقْبَلُوا حَتَّى نَزَلُوا بِعَيْنَيْنِ بِجَبَلٍ بِبَطْنِ السَّبْخَةِ مِنْ قَنَاةٍ عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ. فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ بَقَرًا فَأَوَّلْتُهَا خَيْرًا،
وَرَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي ثَلْمًا، وَرَأَيْتُ أَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُقِيمُوا بِالْمَدِينَةِ وَتَدْعُوهُمْ، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مُقَامٍ، وَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلْنَاهُمْ فِيهَا. وَكَانَ رَأْيُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ مَعَ رَأْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْرَهُ الْخُرُوجَ، وَأَشَارَ بِالْخُرُوجِ جَمَاعَةٌ مِمَّنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ. وَأَقَامَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَالْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ صَلَّى الْجُمُعَةَ فَالْتَقَوْا يَوْمَ السَّبْتِ نِصْفَ شَوَّالٍ. فَلَمَّا لَبِسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِلَاحَهُ وَخَرَجَ نَدِمَ الَّذِينَ كَانُوا أَشَارُوا بِالْخُرُوجِ إِلَى قُرَيْشٍ وَقَالُوا: اسْتَكْرَهْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنُشِيرُ عَلَيْهِ، فَالْوَحْيُ يَأْتِيهِ فِيهِ، فَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَقَالُوا: اصْنَعْ مَا شِئْتَ. فَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ. فَخَرَجَ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَلَمَّا كَانَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَأُحُدٍ عَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ النَّاسِ، فَقَالَ: أَطَاعَهُمْ وَعَصَانِي، وَكَانَ يَذْكُرُ مَنْ تَبِعَهُ أَهْلُ النِّفَاقِ وَالرَّيْبِ، وَاتَّبَعَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَرَامٍ أَخُو بَنِي سَلَمَةَ يُذَكِّرُهُمُ اللَّهَ أَنْ لَا يَخْذُلُوا نَبِيَّهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكُمْ تُقَاتِلُونَ مَا أَسْلَمْنَاكُمْ، وَانْصَرَفُوا. فَقَالَ: أَبْعَدَكُمُ اللَّهُ أَعْدَاءَ اللَّهِ! فَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ! وَبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَبْعِمِائَةٍ، فَسَارَ فِي حَرَّةِ بَنِي حَارِثَةَ وَبَيْنَ أَمْوَالِهِمْ، فَمَرَّ بِمَالِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يُقَالُ لَهُ مِرْبَعُ بْنُ قَيْظِيٍّ، وَكَانَ ضَرِيرَ الْبَصَرِ، فَلَمَّا سَمِعَ حِسَّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ مَعَهُ قَامَ يَحْثِي التُّرَابَ فِي وُجُوهِهِمْ وَيَقُولُ: إِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ حَائِطِي، وَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فِي يَدِهِ وَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَا أُصِيبُ غَيْرَكَ لَضَرَبْتُ بِهِ وَجْهَكَ. فَابْتَدَرُوهُ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَفْعَلُوا؛ فَهَذَا الْأَعْمَى أَعْمَى الْبَصَرِ وَالْقَلْبِ. فَضَرَبَهُ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ بِقَوْسٍ فَشَجَّهُ. وَذَبَّ فَرَسٌ بِذَنَبِهِ فَأَصَابَ كُلَّابَ سَيْفِ صَاحِبِهِ، فَاسْتَلَّهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
سُيُوفَكُمْ، فَإِنِّي أَرَى السُّيُوفَ سَتُسَلُّ الْيَوْمَ. وَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى نَزَلَ بِعَدْوَةِ الْوَادِي، وَجَعَلَ ظَهْرَهُ وَعَسْكَرَهُ إِلَى أُحُدٍ. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، مِنْهُمْ سَبْعُمِائَةِ دَارِعٍ، وَالْخَيْلُ مِائَتَيْ فَرَسٍ، وَالظَّعْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ مِائَةَ دَارِعٍ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْخَيْلِ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، فَرَسٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَرَسٌ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ، وَعَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُقَاتِلَةَ فَرَدَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَابْنَ عُمَرَ، وَأُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ، وَالْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، وَعَرَابَةَ بْنَ أَوْسٍ، وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَغَيْرَهُمْ، وَأَجَازَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ، وَرَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ. وَأَرْسَلَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى الْأَنْصَارِ يَقُولُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ عَمِّنَا، فَنَنْصَرِفُ عَنْكُمْ فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى قِتَالِكُمْ. فَرَدُّوا عَلَيْهِ بِمَا يَكْرَهُ. وَتَعَبَّأَ الْمُشْرِكُونَ فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمْ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، وَكَانَ لِوَاؤُهُمْ مَعَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ: إِنَّمَا يُؤْتَى النَّاسُ مِنْ قِبَلِ رَايَاتِهِمْ، فَإِمَّا أَنْ تَكْفُونَا وَإِمَّا أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللِّوَاءِ. يُحَرِّضُهُمْ بِذَلِكَ. فَقَالُوا: سَتَعْلَمُ إِذَا الْتَقَيْنَا كَيْفَ نَصْنَعُ. وَذَلِكَ أَرَادَ. وَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ وَتَرَكَ أُحُدًا خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَجَعَلَ وَرَاءَهُ الرُّمَاةَ، وَهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، أَخَا خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَالَ لَهُ: انْضَحْ عَنَّا الْخَيْلَ بِالنَّبْلِ، لَا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، وَاثْبُتْ مَكَانَكَ إِنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا. وَظَاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَأَعْطَى اللِّوَاءَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، وَأَمَّرَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْخَيْلِ وَمَعَهُ الْمِقْدَادُ، وَخَرَجَ حَمْزَةُ بِالْجَيْشِ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَأَقْبَلَ خَالِدٌ وَعِكْرِمَةُ فَلَقِيَهُمَا الزُّبَيْرُ وَالْمِقْدَادُ فَهَزَمَا الْمُشْرِكِينَ، وَحَمَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ فَهَزَمُوا أَبَا سُفْيَانَ، وَخَرَجَ طَلْحَةُ بْنُ عُثْمَانَ صَاحِبُ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ يُعْجِلُنَا بِسُيُوفِكُمْ إِلَى النَّارِ، وَيُعْجِلُكُمْ بِسُيُوفِنَا إِلَى الْجَنَّةِ، فَهَلْ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُعْجِلُهُ سَيْفِي إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ يُعْجِلُنِي سَيْفُهُ إِلَى النَّارِ؟ فَبَرَزَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، فَسَقَطَ وَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، فَنَاشَدَهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ فَتَرَكَهُ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ لِعَلِيٍّ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجْهِزَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: إِنَّهُ
نَاشَدَنِي اللَّهَ وَالرَّحِمَ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ. وَكَانَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَيْفٌ، فَقَالَ: مَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ رِجَالٌ، فَأَمْسَكَهُ عَنْهُمْ حَتَّى قَامَ أَبُو دُجَانَةَ فَقَالَ: وَمَا حَقُّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تَضْرِبُ بِهِ الْعَدُوَّ حَتَّى تُثْخِنَ. قَالَ أَنَا آخُذُهُ. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. وَكَانَ شُجَاعًا، وَكَانَ إِذَا أَعْلَمَ بِعِصَابَةٍ لَهُ حَمْرَاءَ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ يُقَاتِلُ، فَعَصَبَ رَأْسَهُ بِهَا وَأَخَذَ السَّيْفَ، وَجَعَلَ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهَا مِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ. فَجَعَلَ لَا يَرْتَفِعُ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا حَطَّمَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى نِسْوَةٍ فِي سَفْحِ الْجَبَلِ مَعَهُنَّ دُفُوفٌ لَهُنَّ فِيهِنَّ امْرَأَةٌ تَقُولُ: نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقْ نَمْشِي عَلَى النَّمَارِقْ ... إِنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ وَنَفْرِشُ النَّمَارِقْ أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ فَرَاقَ غَيْرِ وَامِقْ وَتَقُولُ أَيْضًا: إِيهَا بَنِي عَبْدِ الدَّارْ ... إِيهَا حُمَاةَ الدِّيَارْ ضَرْبًا بِكُلِّ بَتَّارْ فَرَفَعَ السَّيْفَ لِيَضْرِبَهَا، ثُمَّ أَكْرَمَ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَضْرِبَ بِهِ امْرَأَةً. وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ هِنْدَ، وَالنِّسَاءُ مَعَهَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ خَلْفَ الرِّجَالِ يُحَرِّضْنَ. وَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَأَمْعَنَ فِي النَّاسِ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ، وَأَبُو دُجَانَةَ فِي رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَهَرَبَ النِّسَاءُ مُصَعِّدَاتٍ فِي الْجَبَلِ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ عَسْكَرَهُمْ يَنْهَبُونَ. فَلَمَّا نَظَرَ بَعْضُ الرُّمَاةِ
إِلَى الْعَسْكَرِ حِينَ انْكَشَفَ الْكُفَّارُ عَنْهُ أَقْبَلُوا يُرِيدُونَ النَّهْبَ، وَثَبَتَ طَائِفَةٌ وَقَالُوا: نُطِيعُ رَسُولَ اللَّهِ وَنَثْبُتُ مَكَانَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [آل عمران: 152] ، يَعْنِي اتِّبَاعَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَمَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرِيدُ الدُّنْيَا حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ. فَلَمَّا فَارَقَ بَعْضُ الرُّمَاةِ مَكَانَهُمْ رَأَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قِلَّةَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الرُّمَاةِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ، وَحَمَلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خَلْفِهِمْ. فَلَمَّا رَأَى الْمُشْرِكُونَ خَيْلَهُمْ تُقَاتِلُ تَبَادَرُوا، فَشَدُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ. وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَتَلُوا أَصْحَابَ اللِّوَاءِ، فَبَقِيَ مَطْرُوحًا لَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ، فَأَخَذَتْهُ عَمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ الْحَارِثِيَّةُ فَرَفَعَتْهُ، فَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ حَوْلَهُ، وَأَخَذَهُ صُؤَابٌ فَقُتِلَ عَلَيْهِ، وَكَانَ الَّذِي قَتَلَ أَصْحَابَ اللِّوَاءِ عَلِيٌّ، قَالَهُ أَبُو رَافِعٍ، قَالَ: فَلَمَّا قَتَلَهُمْ أَبْصَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَاعَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: احْمِلْ عَلَيْهِمْ، فَفَرَّقَهُمْ وَقَتَلَ فِيهِمْ، ثُمَّ أَبْصَرَ جَمَاعَةً أُخْرَى فَقَالَ لَهُ: احْمِلْ عَلَيْهِمْ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ وَفَرَّقَهُمْ وَقَتَلَ فِيهِمْ، فَقَالَ جِبْرَائِيلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ الْمُؤَاسَاةُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ. فَقَالَ جِبْرَائِيلُ: وَأَنَا مِنْكُمَا. قَالَ: فَسَمِعُوا صَوْتًا: لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ، وَلَا فَتَى إِلَّا عَلِيٌّ. وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّفْلَى، وَشُقَّتْ شَفَتُهُ، وَكُلِمَ فِي وَجْنَتِهِ وَجَبْهَتِهِ فِي أُصُولِ شِعْرِهِ، وَعَلَاهُ ابْنُ قَمِئَةَ بِالسَّيْفِ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي أَصَابَهُ، وَقِيلَ: أَصَابَهُ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ جَدُّ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ. وَقِيلَ: إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنَ قَمِئَةَ اللَّيْثِيَّ الْأَدْرَمِيَّ، مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ غَالِبٍ - وَكَانَ أَدْرَمَ نَاقِصَ الذَّقْنِ - وَأُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ الْجُمَحِيَّ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُمَيْدٍ الْأَسَدِيَّ، أَسَدَ قُرَيْشٍ تَعَاقَدُوا عَلَى قَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَأَمَّا ابْنُ شِهَابٍ فَأَصَابَ
جَبْهَتَهُ، وَأَمَّا عُتْبَةُ فَرَمَاهُ بِأَرْبَعَةِ أَحْجَارٍ فَكَسَرَ رَبَاعِيَتَهُ الْيُمْنَى، وَشَقَّ شَفَتَهُ، وَأَمَّا ابْنُ قَمِئَةَ، فَكَلَمَ وَجْنَتَهُ وَدَخَلَ مِنْ حِلَقِ الْمِغْفَرِ فِيهَا، وَعَلَاهُ بِالسَّيْفِ فَلَمْ يُطِقْ أَنْ يَقْطَعَهُ، فَسَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجُحِشَتْ رُكْبَتُهُ، وَأَمَّا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَشَدَّ عَلَيْهِ بِحَرْبَةٍ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ وَقَتَلَهُ بِهَا، وَقِيلَ: بَلْ كَانَتْ حَرْبَةَ الزُّبَيْرِ أَخَذَهَا مِنْهُ، وَقِيلَ: أَخَذَهَا مِنَ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ فَقَتَلَهُ أَبُو دُجَانَةَ الْأَنْصَارِيُّ. وَلَمَّا جُرِحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ وَهُوَ يَمْسَحُهُ وَيَقُولُ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟ ! وَقَاتَلَ دُونَهُ نَفَرٌ خَمْسَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقُتِلُوا، وَتَرَّسَ أَبُو دُجَانَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَفْسِهِ، فَكَانَ يَقَعُ النَّبْلُ فِي ظَهْرِهِ وَهُوَ مُنْحَنٍ عَلَيْهِ، وَرَمَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَاوِلُهُ السَّهْمَ وَيَقُولُ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. وَأُصِيبَتْ يَوْمَئِذٍ عَيْنُ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ، فَكَانَتْ أَحْسَنَ عَيْنَيْهِ. وَقَاتَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمَعَهُ لِوَاءُ الْمُسْلِمِينَ فَقُتِلَ، قَتَلَهُ ابْنُ قَمِئَةَ اللَّيْثِيُّ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ وَقَالَ: قَتَلْتُ مُحَمَّدًا. فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، قُتِلَ مُحَمَّدٌ. وَلَمَّا قُتِلَ مُصْعَبٌ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللِّوَاءَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ. وَقَاتَلَ حَمْزَةُ حَتَّى مَرَّ بِهِ سِبَاعُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى الْغُبْشَانِيُّ، فَقَالَ لَهُ حَمْزَةُ: هَلُمَّ إِلَيَّ يَا ابْنَ مُقَطِّعَةِ الْبُظُورِ! وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمُّ أَنْمَارَ خَتَّانَةً بِمَكَّةَ، فَلَمَّا الْتَقَيَا ضَرَبَهُ حَمْزَةُ فَقَتَلَهُ. قَالَ وَحْشِيٌّ: إِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَمْزَةَ وَهُوَ يَهُذُّ النَّاسَ بِسَيْفِهِ هَذَا، مَا يَلْقَى شَيْئًا يَمُرُّ بِهِ إِلَّا قَتَلَهُ، وَقَتَلَ سِبَاعَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى. قَالَ: فَهَزَزْتُ حَرْبَتِي وَدَفَعْتُهَا عَلَيْهِ فَوَقَعَتْ فِي ثُنَّتِهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ، وَأَقْبَلَ نَحْوِي فَغُلِبَ فَوَقَعَ، فَأَمْهَلْتُهُ حَتَّى مَاتَ
فَأَخَذْتُ حَرْبَتِي ثُمَّ تَنَحَّيْتُ إِلَى الْعَسْكَرِ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ حَمْزَةَ وَأَرْضَاهُ. وَقَتَلَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ مُسَافِعَ بْنَ طَلْحَةَ وَأَخَاهُ كِلَابَ بْنَ طَلْحَةَ بِسَهْمَيْنِ، فَحُمِلَا إِلَى أُمِّهِمَا سُلَافَةَ، وَأَخْبَرَاهَا أَنَّ عَاصِمًا قَتْلَهُمَا، فَنَذَرَتْ إِنْ أَمْكَنَهَا اللَّهُ مِنْ رَأْسِهِ أَنْ تَشْرَبَ فِيهِ الْخَمْرَ. وَبَرَزَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَطَلَبَ الْمُبَارَزَةَ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَبْرُزَ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: شِمْ سَيْفَكَ، وَأَمْتِعْنَا بِكَ. وَانْتَهَى أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ، عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، إِلَى عُمَرَ وَطَلْحَةَ فِي رِجَالٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ قَدْ أَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ: مَا يَحْبِسُكُمْ؟ قَالُوا: قَدْ قُتِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ! مُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ. ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَوُجِدَ بِهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةً وَطَعْنَةً، وَمَا عَرَفَهُ إِلَّا أُخْتُهُ، عَرَفَتْهُ بِحُسْنِ بَنَانِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ أَنَسَ بْنَ النَّضْرِ سَمِعَ نَفَرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ لَمَّا سَمِعُوا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُتِلَ: لَيْتَ لَنَا مَنْ يَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ لِيَأْخُذَ لَنَا أَمَانًا مِنْ أَبِي سُفْيَانَ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلُونَا. فَقَالَ لَهُمْ أَنَسٌ: يَا قَوْمُ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ فَإِنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ، فَقَاتِلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ! ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَبْشِرُوا! هَذَا رَسُولُ اللَّهِ حَيٌّ لَمْ يُقْتَلْ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ: أَنْصِتْ. فَلَمَّا عَرَفَهُ الْمُسْلِمُونَ نَهَضُوا نَحْوَ الشِّعْبِ وَمَعَهُ عَلِيٌّ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ وَغَيْرُهُمْ. فَلَمَّا أُسْنِدَ إِلَى الشِّعْبِ أَدْرَكَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وَهُوَ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَوْتَ! فَعَطَفَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَطَعَنَهُ بِالْحَرْبَةِ فِي عُنُقِهِ، وَكَانَ أُبَيٌّ يَقُولُ بِمَكَّةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ عِنْدِي الْعَوْدَ أَعْلِفُهُ كُلَّ يَوْمٍ فَرْقًا مِنْ ذُرَةٍ أَقْتُلُكَ عَلَيْهِ. فَيَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ وَقَدْ خَدَشَهُ
رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَدْشًا غَيْرَ كَبِيرٍ قَالَ: قَتَلَنِي مُحَمَّدٌ. قَالُوا: وَاللَّهِ مَا بِكَ بَأْسٌ. قَالَ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ قَالَ لِي أَنَا أَقْتُلُكَ، فَوَاللَّهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي! فَمَاتَ عَدُوُّ اللَّهِ بِسَرِفَ. وَقَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ قِتَالًا شَدِيدًا، فَرَمَى بِالنَّبْلِ حَتَّى فَنِيَ نَبْلُهُ، وَانْكَسَرَتْ سِيَةُ قَوْسِهِ، وَانْقَطَعَ وَتَرُهُ. وَلَمَّا جُرِحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ عَلِيٌّ يَنْقُلُ لَهُ الْمَاءَ فِي دَرَقَتِهِ مِنَ الْمِهْرَاسِ وَيَغْسِلُهُ، فَلَمْ يَنْقَطِعِ الدَّمُ، فَأَتَتْ فَاطِمَةُ وَجَعَلَتْ تُعَانِقُهُ وَتَبْكِي، وَأَحْرَقَتْ حَصِيرًا وَجَعَلَتْ عَلَى الْجُرْحِ مِنْ رَمَادِهِ فَانْقَطَعَ الدَّمُ. وَرَمَى مَالِكُ بْنُ زُهَيْرٍ الْحَشْمِيُّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتَّقَاهُ طَلْحَةُ بِيَدِهِ، فَأَصَابَ السَّهْمُ خِنْصَرَهُ، وَقِيلَ: رَمَاهُ حِبَّانُ بْنُ الْعَرِقَةِ، فَقَالَ: حَسَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، لَدَخَلَ الْجَنَّةَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنَّ يَدَهُ شُلَّتْ إِلَّا السَّبَّابَةُ وَالْوُسْطَى. وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ. وَصَعِدَ أَبُو سُفْيَانَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْجَبَلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا، فَقَاتَلَهُمْ عُمَرُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى أَهْبَطُوهُمْ، وَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الصَّخْرَةِ لِيَعْلُوَهَا، وَكَانَ عَلَيْهِ دِرْعَانِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَجَلَسَ تَحْتَهُ طَلْحَةُ حَتَّى صَعِدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْجَبَ طَلْحَةُ. وَانْتَهَتِ الْهَزِيمَةُ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فِيهِمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَغَيْرُهُ، إِلَى الْأَعْوَصِ، فَأَقَامُوا بِهِ ثَلَاثًا ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُمْ حِينَ رَآهُمْ: لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيهَا عَرِيضَةً. وَالْتَقَى حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ، غَسِيلُ الْمَلَائِكَةِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَلَمَّا اسْتَعْلَاهُ حَنْظَلَةُ رَآهُ شَدَّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَهُوَ ابْنُ شَعُوبَ، فَدَعَاهُ أَبُو سُفْيَانَ، فَأَتَاهُ، فَضَرَبَ حَنْظَلَةَ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ لَتَغْسِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَسَلُوا أَهْلَهُ. فَسُئِلَتْ صَاحِبَتُهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ، سَمِعَ الْهَائِعَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَذْكُرُ صَبْرَهُ وَمُعَاوَنَةَ ابْنِ شَعُوبَ إِيَّاهُ عَلَى قَتْلِ حَنْظَلَةَ:
وَلَوْ شِئْتُ نَجَّتْنِي كُمَيْتٌ طِمِرَّةٌ ... وَلَمْ أَحْمِلِ النَّعْمَاءَ لِابْنِ شَعُوبِ فَمَا زَالَ مُهْرِي مَزْجَرَ الْكَلْبِ مِنْهُمُ ... لَدُنْ غُدْوَةٍ حَتَّى دَنَتْ لِغُرُوبِ أُقَاتِلُهُمْ وَأَدَّعِي يَالَ غَالِبٍ وَأَدْفَعُهُمْ عَنِّي ... بِرُكْنٍ صَلِيبِ فَبَكِّي وَلَا تَرْعَيْ مَقَالَةَ عَاذِلٍ وَلَا تَسْأَمِي مِنْ عِبْرَةٍ وَنَحِيبِ أَبَاكِ ... وَإِخْوَانًا لَنَا قَدْ تَتَابَعُوا وَحُقَّ لَهُمْ مِنْ عَبَرَةٍ بِنَصِيبِ وَسَلِّي الَّذِي قَدْ كَانَ فِي النَّفْسِ أَنَّنِي قَتَلْتُ مِنَ النَّجَّارِ كُلَّ نَجِيبِ ... وَمِنْ هَاشِمٍ قِرْمًا نَجِيبًا وَمُصْعَبًا وَكَانَ لَدَى الْهَيْجَاءِ غَيْرَ هَيُوبِ ... وَلَوْ أَنَّنِي لَمْ أَشْفِ مِنْهُمْ قَرُونَتِي لَكَانَتْ شَجًا فِي الْقَلْبِ ذَاتَ نُدُوبِ فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بِقَوْلِهِ: ذَكَرْتَ الْقُرُومَ الصِّيدَ مِنْ آلِ هَاشِمِ ... وَلَسْتَ لِزُورٍ قُلْتَهُ بِمُصِيبِ أَتَعْجَبُ أَنْ أَقْصَدْتَ حَمْزَةَ مِنْهُمُ عِشَاءً ... وَقَدْ سَمَّيْتَهُ بِنَجِيبِ أَلَمْ يَقْتُلُوا عَمْرًا وَعُتْبَةَ وَابْنَهُ وَشَيْبَةَ وَالْحَجَّاجَ وَابْنَ حَبِيبِ غَدَاةَ دَعَا ... الْعَاصُ عَلِيًّا فَرَاعَهُ بِضَرْبَةِ عَضْبٍ بَلَّهُ بِخَضِيبِ وَوَقَعَتْ هِنْدُ وَصَوَاحِبَاتُهَا عَلَى الْقَتْلِ يُمَثِّلْنَ بِهِمْ، وَاتَّخَذَتْ هِنْدُ مِنْ آذَانِ الرِّجَالِ وَآنَافِهِمْ خَدَمًا وَقَلَائِدَ، وَأَعْطَتْ خَدَمَهَا وَقَلَائِدَهَا وَحْشِيًّا، وَبَقَرَتْ عَنْ كَبِدِ حَمْزَةَ فَلَاكَتْهَا، فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُسِيغَهَا فَلَفَظَتْهَا. ثُمَّ أَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تُجِيبُوهُ. ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ ثَلَاثًا. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا. فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبْتَ، أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، قَدْ أَبْقَى اللَّهُ لَكَ مَا يُخْزِيكَ. فَقَالَ: اعْلُ هُبَلُ، اعْلُ هُبَلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إِنَّا لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عُمَرُ، أَقَتَلْنَا مُحَمَّدًا؟ قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ لَا، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ كَلَامَكَ. فَقَالَ: أَنْتَ أَصْدَقُ مِنِ ابْنِ قَمِئَةَ! ثُمَّ قَالَ: هَذَا بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، أَمَا إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي قَتْلَاكُمْ مُثَلًا، وَاللَّهِ مَا رَضِيتُ وَلَا سَخِطْتُ وَلَا نَهَيْتُ وَلَا أَمَرْتُ. وَاجْتَازَ بِهِ الْحُلَيْسُ بْنُ زَبَّانَ سَيِّدُ الْأَحَابِيشِ وَهُوَ يَضْرِبُ فِي شِدْقِ حَمْزَةَ بِزُجِّ الرُّمْحِ وَيَقُولُ: ذُقْ عُقَقُ! فَقَالَ الْحُلَيْسُ: يَا بَنِي كِنَانَةَ، هَذَا سَيِّدُ قُرَيْشٍ يَصْنَعُ بِابْنِ عَمِّهِ كَمَا تَرَوْنَ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اكْتُمْهَا عَنِّي فَإِنَّهَا زَلَّةٌ. وَكَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ حَاضِنَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنِسَاءٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَسْقِينَ الْمَاءَ، فَرَمَاهَا حِبَّانُ بْنُ الْعَرِقَةِ بِسَهْمٍ فَأَصَابَ ذَيْلَهَا، فَضَحِكَ، فَدَفَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ سَهْمًا وَقَالَ: ارْمِهِ. فَرَمَاهُ فَأَصَابَهُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: اسْتَقَادَ لَهَا سَعْدٌ، أَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَسَدَّدَ رَمْيَتَكَ. ثُمَّ انْصَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ وَقَالَ: إِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْعَامُ الْمُقْبِلُ. ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا فِي أَثَرِهِمْ وَقَالَ: انْظُرْ فَإِنْ جَنَّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوُا الْإِبِلَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ مَكَّةَ، وَإِنْ رَكِبُوا الْخَيْلَ فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ أَرَادُوهَا لَأُنَاجِزَنَّهُمْ. قَالَ عَلِيٌّ: فَخَرَجْتُ فِي أَثَرِهِمْ، فَامْتَطَوُا الْإِبِلَ وَجَنَّبُوا الْخَيْلَ يُرِيدُونَ مَكَّةَ، فَأَقْبَلْتُ أَصِيحُ مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكْتُمَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِالْكِتْمَانِ.
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا أَنْ يَنْظُرَ فِي الْقَتْلَى، فَرَأَى سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيَّ وَبِهِ رَمَقٌ، فَقَالَ لِلَّذِي رَآهُ: أَبْلِغْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ، وَأَبْلِغْ قَوْمِي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُمْ: لَا عُذْرَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ خَلُصَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذًى وَفِيكُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ. ثُمَّ مَاتَ. وَوُجِدَ حَمْزَةُ بِبَطْنِ الْوَادِي قَدْ بُقِرَ بَطْنُهُ عَنْ كَبِدِهِ وَمُثِّلَ بِهِ، فَحِينَ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَوْلَا أَنْ تَحْزَنَ صَفِيَّةُ أَوْ تَكُونَ سُنَّةً بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يَكُونَ فِي أَجْوَافِ السِّبَاعِ وَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ، وَلَئِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ لَأُمَثِّلَنَّ بِثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] الْآيَةَ، فَعَفَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَبَرَ، وَنَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ. وَأَقْبَلَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِهَا الزُّبَيْرِ لِيَرُدَّهَا؛ لِئَلَّا تَرَى مَا بِأَخِيهَا حَمْزَةَ، فَلَقِيَهَا الزُّبَيْرُ فَأَعْلَمَهَا بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ مُثِّلَ بِأَخِي، وَذَلِكَ فِي اللَّهِ قَلِيلٌ! فَمَا أَرْضَانَا بِمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ! لَأَحْتَسِبَنَّ وَلَأَصْبِرَنَّ. فَأَعْلَمَ الزُّبَيْرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، فَقَالَ: خَلِّ سَبِيلَهَا. فَأَتَتْهُ وَصَلَّتْ عَلَيْهِ وَاسْتَرْجَعَتْ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ فَدُفِنَ. وَكَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ اسْمُهُ قُزْمَانُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَقَاتَلَ يَوْمَ أُحُدٍ قِتَالًا شَدِيدًا فَقَتَلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثَمَانِيَةً أَوْ تِسْعَةً، ثُمَّ جُرِحَ فَحُمِلَ إِلَى دَارِهِ، وَقَالَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ: أَبْشِرْ قُزْمَانُ! قَالَ: بِمَ أَبْشِرُ، وَأَنَا مَا قَاتَلْتُ إِلَّا عَنْ أَحْسَابِ قَوْمِي؟ ثُمَّ اشْتَدَّ عَلَيْهِ جُرْحُهُ، فَأَخَذَ سَهْمًا فَقَطَعَ رَوَاهِشَهُ، فَنَزَفَ الدَّمُ فَمَاتَ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. وَكَانَ مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ مُخَيْرِيقٌ الْيَهُودِيُّ، قَالَ ذَلِكَ الْيَوْمُ لِيَهُودَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ،
لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ نَصْرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْكُمْ حَقٌّ. فَقَالُوا: إِنَّ الْيَوْمَ السَّبْتُ. فَقَالَ: لَا سَبْتَ، وَأَخَذَ سَيْفَهُ وَعُدَّتَهُ وَقَالَ: إِنْ قُتِلْتُ فَمَالِي لِمُحَمَّدٍ يَصْنَعُ بِهِ مَا يَشَاءُ، ثُمَّ غَدَا فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُخَيْرِيقٌ خَيْرُ يَهُودَ. وَقُتِلَ الْيَمَانُ أَبُو حُذَيْفَةَ، قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَفَعَهُ وَثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ وَقْشٍ مَعَ النِّسَاءِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَهُمَا شَيْخَانِ: مَا نَنْتَظِرُ؟ أَفَلَا نَأْخُذُ أَسْيَافَنَا فَنَلْحَقُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا الشَّهَادَةَ. فَفَعَلَا وَدَخَلَا فِي النَّاسِ وَلَا يُعْلَمُ بِهِمَا، فَأَمَّا ثَابِتٌ فَقَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ، وَأَمَّا الْيَمَانُ فَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ سُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَبِي أَبِي! فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا عَرَفْنَاهُ. فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ. وَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَدِيَهُ، فَتَصَدَّقَ حُذَيْفَةُ بِدِيَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَاحْتَمَلَ بَعْضُ النَّاسِ قَتْلَاهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَفْنِهِمْ حَيْثُ صُرِعُوا، وَأَمَرَ أَنْ يُدْفَنَ الِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ، وَأَنْ يُقَدَّمَ إِلَى الْقِبْلَةِ أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ، فَكَانَ كُلَّمَا أُتِيَ بِشَهِيدٍ جَعَلَ حَمْزَةَ مَعَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِمَا، وَقِيلَ: كَانَ يَجْمَعُ تِسْعَةً مِنَ الشُّهَدَاءِ وَحَمْزَةَ عَاشِرَهُمْ فَيُصَلِّي عَلَيْهِمْ، وَنَزَلَ فِي قَبْرِهِ عَلِيٌّ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَالزُّبَيْرُ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى حُفْرَتِهِ، وَأَمَرَ أَنْ يُدْفَنَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَرَامٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ: كَانَا مُتَصَافِيَيْنِ فِي الدُّنْيَا. فَلَمَّا دُفِنَ الشُّهَدَاءُ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَقِيَتْهُ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، فَنَعَى لَهَا أَخَاهَا عَبْدَ اللَّهِ، فَاسْتَرْجَعَتْ لَهُ، ثُمَّ نَعَى لَهَا خَالَهَا حَمْزَةَ فَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ، ثُمَّ نَعَى لَهَا زَوْجَهَا مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، فَوَلْوَلَتْ وَصَاحَتْ، فَقَالَ: إِنَّ زَوْجَ الْمَرْأَةِ مِنْهَا لَبِمَكَانٍ. وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَارٍ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ فَسَمِعَ الْبُكَاءَ وَالنَّوَائِحَ، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَبَكَى وَقَالَ: لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بِوَاكِيَ لَهُ! فَرَجَعَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ إِلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَأَمَرَ نِسَاءَهُمْ أَنْ يَذْهَبْنَ فَيَبْكِينَ عَلَى حَمْزَةَ. وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ أُصِيبَ أَبُوهَا وَزَوْجُهَا، فَلَمَّا نُعِيَا لَهَا
ذكر غزوة حمراء الأسد
قَالَتْ: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: هُوَ بِحَمْدِ اللَّهِ كَمَا تُحِبِّينَ. قَالَتْ: أَرُونِيهِ، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ قَالَتْ: كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَلٌ. وَكَانَ رُجُوعُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ يَوْمَ السَّبْتِ يَوْمَ الْوَقْعَةِ. (نِيَارٌ بِالنُّونِ الْمَكْسُورَةِ، وَالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ. وَجُبَيْرٌ بِضَمِّ الْجِيمِ، تَصْغِيرُ جَبْرٍ. وَخَوَّاتٌ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَاءٌ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ. وَحِبَّانُ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَآخِرُهُ نُونٌ. وَالْحُلَيْسُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ تَصْغِيرُ حِلْسٍ. وَزَبَّانُ بِالزَّايِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَآخِرُهُ نُونٌ) . [ذِكْرُ غَزْوَةِ حَمْرَاءِ الْأَسَدِ] لَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْأَحَدِ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْغَزْوِ وَقَالَ: لَا يَخْرُجُ مَعَنَا إِلَّا مَنْ حَضَرَ بِالْأَمْسِ، فَخَرَجَ لِيَظُنَّ الْكُفَّارُ بِهِ قُوَّةً، وَخَرَجَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ جَرْحَى يَحْمِلُونَ نُفُوسَهُمْ، وَسَارُوا حَتَّى بَلَغُوا حَمْرَاءَ الْأَسَدِ، وَهِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ، فَأَقَامَ بِهَا الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ، وَمَرَّ بِهِ مَعْبَدٌ الْخُزَاعِيُّ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ مُسْلِمُهُمْ وَمُشْرِكُهُمْ عَيْبَةَ نُصْحٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتِهَامَةَ، وَكَانَ مَعْبَدٌ مُشْرِكًا، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ عَزَّ عَلَيْنَا مَا أَصَابَكَ. ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ بِالرَّوْحَاءِ قَدْ أَجْمَعُوا الرَّجْعَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَسْتَأْصِلُوا الْمُسْلِمِينَ بِزَعْمِهِمْ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَدًا قَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ قَدْ خَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، قَدْ جَمَعَ مَعَهُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ وَنَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا، وَمَا تَرْحَلُ حَتَّى تَرَى نَوَاصِيَ الْخَيْلِ. قَالَ: فَوَاللَّهِ قَدْ أَجْمَعْنَا الرَّجْعَةَ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ. قَالَ: إِنِّي أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، فَثَنَى ذَلِكَ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ. وَمَرَّ بِأَبِي سُفْيَانَ رَكْبٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَقَالَ لَهُمْ: بَلِّغُوا عَنِّي مُحَمَّدًا رِسَالَةً، وَأَحْمِلُ
لَكُمْ إِبِلَكُمْ هَذِهِ زَبِيبًا بِعُكَاظٍ. قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَخْبِرُوهُ أَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا السَّيْرَ إِلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ لِنَسْتَأْصِلَهُمْ. فَمَرُّوا بِالِنَبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَظَفِرَ فِي طَرِيقِهِ بِمُعَاوِيَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَبِأَبِي عَزَّةَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجُمَحِيِّ، وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ، سَارُوا وَتَرَكُوهُ نَائِمًا، وَكَانَ أَبُو عَزَّةَ قَدْ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأَطْلَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَيْرِ فِدَاءٍ لِأَنَّهُ شَكَا إِلَيْهِ فَقْرًا وَكَثْرَةَ عِيَالٍ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ الْعُهُودَ أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ وَلَا يُعِينَ عَلَى قِتَالِهِ، فَخَرَجَ مَعَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ وَحَرَّضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، امْنُنْ عَلَيَّ. قَالَ: الْمُؤْمِنُ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ. وَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَهُوَ الَّذِي جَدَعَ أَنْفَ حَمْزَةَ وَمَثَّلَ بِهِ مَعَ مَنْ مَثَّلَ بِهِ، وَكَانَ قَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى دَارَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَهْلَكْتَنِي وَأَهْلَكْتَ نَفْسَكَ. فَقَالَ: أَنْتَ أَقْرَبُهُمْ مِنِّي رَحِمًا، وَقَدْ جِئْتُكَ لِتُجِيرَنِي. وَأَدْخَلَهُ عُثْمَانُ دَارَهُ، وَقَصَدَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُشَفَّعَ فِيهِ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إِنْ مُعَاوِيَةَ بِالْمَدِينَةِ فَاطْلُبُوهُ. فَأَخْرَجُوهُ مِنْ مَنْزِلِ عُثْمَانَ، وَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ عُثْمَانُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُ إِلَّا لِأَطْلُبَ لَهُ أَمَانًا فَهَبْهُ لِي، فَوَهَبَهُ لَهُ وَأَجَّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَقْسَمَ لَئِنْ أَقَامَ بَعْدَهَا لِيَقْتُلَنَّهُ، فَجَهَّزَهُ عُثْمَانُ وَقَالَ لَهُ: ارْتَحِلْ. وَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ، وَأَقَامَ مُعَاوِيَةُ لِيَعْرِفَ أَخْبَارَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ يُصْبِحُ قَرِيبًا وَلَمْ يَبْعُدْ، فَاطْلُبُوهُ، فَطَلَبَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَعَمَّارٌ فَأَدْرَكَاهُ بِالْحُمَاةِ، فَقَتَلَاهُ. وَهَذَا مُعَاوِيَةُ جَدُّ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ لِأُمِّهِ. وَفِيهَا قِيلَ: وُلِدَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَفِيهَا عَلِقَتْ فَاطِمَةُ بِالْحُسَيْنِ، وَكَانَ بَيْنَ وِلَادَتِهَا وَحَمْلِهَا خَمْسُونَ يَوْمًا. وَفِيهَا حَمَلَتْ جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ فِي شَوَّالٍ.
ودخلت السنة الرابعة من الهجرة
[وَدَخَلَتِ السَّنَةُ الرَّابِعَةُ مِنَ الْهِجْرَةِ] [ذِكْرُ غَزْوَةِ الرَّجِيعِ] 4 - وَدَخَلَتِ السَّنَةُ الرَّابِعَةُ مِنَ الْهِجْرَةِ ذِكْرُ غَزْوَةِ الرَّجِيعِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرٍ كَانَتْ غَزْوَةُ الرَّجِيعِ. وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ رَهْطًا مِنْ عَضَلٍ وَالْقَارَّةِ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: إِنَّ فِينَا إِسْلَامًا، فَابْعَثْ لَنَا نَفَرًا يُفَقِّهُونَنَا فِي الدِّينِ، وَيُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ. فَبَعَثَ مَعَهُمْ سِتَّةَ نَفَرٍ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ، وَقِيلَ: مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ، فَلَمَّا كَانُوا بِالْهَدْأَةِ غَدَرُوا وَاسْتَصْرَخُوا عَلَيْهِمْ حَيًّا مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو لِحْيَانَ، فَبَعَثُوا لَهُمْ مِائَةَ رَجُلٍ، فَالْتَجَأَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى جَبَلٍ، فَاسْتَنْزَلُوهُمْ وَأَعْطَوْهُمُ الْعَهْدَ، فَقَالَ عَاصِمٌ: وَاللَّهِ لَا أَنْزِلُ عَلَى عَهْدِ كَافِرٍ، اللَّهُمَّ خَبِّرْ نَبِيَّكَ عَنَّا! وَقَاتَلَهُمْ هُوَ وَمَرْثَدٌ وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَنَزَلَ إِلَيْهِمُ ابْنُ الدَّثِنَةِ وَخُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ وَرَجُلٌ آخَرُ فَأَوْثَقُوهُمْ، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَاللَّهِ لَا أَتْبَعُكُمْ! فَقَتَلُوهُ، وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْنِ الدَّثِنَةِ فَبَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ، فَأَخَذَ خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ الَّذِي قَتَلَ الْحَارِثَ بِأُحُدٍ، فَأَخَذُوهُ لِيَقْتُلُوهُ بِالْحَارِثِ، فَبَيْنَمَا خُبَيْبٌ عِنْدَ بَنَاتِ الْحَارِثِ اسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِهِنَّ مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا لِلْقَتْلِ، فَدَبَّ صَبِيٌّ لَهَا فَجَلَسَ
عَلَى فَخِذِ خُبَيْبٍ وَالْمُوسَى فِي يَدِهِ، فَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ، فَقَالَ خُبَيْبٌ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ إِنَّ الْغَدْرَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِنَا. فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَمَا بِمَكَّةَ ثَمَرَةٌ، وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَقِطْفًا مِنْ عِنَبٍ يَأْكُلُهُ، مَا كَانَ إِلَّا رِزْقًا رَزَقَهُ اللَّهُ خُبَيْبًا. فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْحَرَمِ بِخُبَيْبٍ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ: رُدُّونِي أُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ، فَصَلَّاهُمَا، فَجَرَتْ سُنَّةً لِمَنْ قُتِلَ صَبْرًا، ثُمَّ قَالَ خُبَيْبٌ: لَوْلَا أَنْ تَقُولُوا جَزِعَ، لَزِدْتُ، وَقَالَ أَبْيَاتًا، مِنْهَا: وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا! ثُمَّ صَلَبُوهُ. وَأَمَّا عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ فَإِنَّهُمْ أَرَادُوا رَأْسَهُ لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، وَكَانَتْ نَذَرَتْ أَنْ تَشْرَبَ الْخَمْرَ فِي رَأْسِ عَاصِمٍ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ ابْنَيْهَا بِأُحُدٍ، فَجَاءَتِ النَّحْلَ فَمُنِعَتْهُ، فَقَالُوا: دَعُوهُ حَتَّى يُمْسِيَ فَنَأْخُذَهُ. فَبَعَثَ اللَّهُ الْوَادِيَ فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا، وَكَانَ عَاهَدَ اللَّهَ أَنْ لَا يَمَسَّ مُشْرِكًا وَلَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ فِي مَمَاتِهِ كَمَا مُنِعَ فِي حَيَاتِهِ. وَأَمَّا ابْنُ الدَّثِنَةِ فَإِنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ بَعَثَ بِهِ مَعَ غُلَامِهِ نِسْطَاسٍ إِلَى التَّنْعِيمِ، لِيَقْتُلَهُ بِابْنَيْهِ، فَقَالَ نِسْطَاسٌ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الْآنَ عِنْدَنَا مَكَانَكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ وَأَنَّكَ فِي أَهْلِكَ؟ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الْآنَ مَكَانَهُ الَّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ وَأَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا. ثُمَّ قَتَلَهُ نِسْطَاسٌ.
(خُبَيْبٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، بَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ أَيْضًا، وَالْبُكَيْرُ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، تَصْغِيرُ بَكْرٍ) . ذِكْرُ إِرْسَالِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ لِقَتْلِ أَبِي سُفْيَانَ وَلَمَّا قُتِلَ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إِلَى مَكَّةَ مَعَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمَا بِقَتْلِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ عَمْرٌو: فَخَرَجْتُ أَنَا وَمَعِي بَعِيرٌ لِي وَبِرِجْلِ صَاحِبِي عِلَّةٌ، فَكُنْتُ أَحْمِلُهُ عَلَى بَعِيرِي حَتَّى جِئْنَا بَطْنَ يَأْجِجَ، فَعَقَلْنَا بِعِيرَنَا فِي الشِّعْبِ وَقُلْتُ لِصَاحِبِي: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أَبِي سُفْيَانَ لِنَقْتُلَهُ، فَإِنْ خَشِيتَ شَيْئًا فَالْحَقْ بِالْبَعِيرِ، فَارْكَبْهُ وَالْحَقْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبِرْهُ الْخَبَرَ، وَخَلِّ عَنِّي. وَأَوْغَلَ بِالْبَلَدِ يَحُثُّ السِّيَاقَ. فَدَخَلْنَا مَكَّةَ وَمَعِي خِنْجَرٌ قَدْ أَعْدَدْتُهُ إِنْ عَاقَنِي إِنْسَانٌ ضَرَبْتُهُ بِهِ، فَقَالَ لِي صَاحِبِي: هَلْ لَكَ أَنْ نَبْدَأَ فَنَطُوفَ وَنُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ؟ فَقُلْتُ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَجْلِسُونَ بِأَفْنِيَتِهِمْ وَأَنَا أُعْرَفُ بِهَا. فَلَمْ نَزَلْ حَتَّى أَتَيْنَا الْبَيْتَ فَطُفْنَا وَصَلَّيْنَا، ثُمَّ خَرَجْنَا فَمَرَرْنَا بِمَجْلِسٍ لَهُمْ، فَعَرَفَنِي بَعْضُهُمْ فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: هَذَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ! فَثَارَ أَهْلُ مَكَّةَ إِلَيْنَا وَقَالُوا: مَا جَاءَ إِلَّا لِشَرٍّ، وَكَانَ فَاتِكًا مُتَشَيْطِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: النَّجَاءُ! هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَحْذَرُ، أَمَّا أَبُو سُفْيَانَ فَلَيْسَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ، فَانْجُ بِنَفْسِكَ. فَخَرَجْنَا نَشْتَدُّ حَتَّى صَعِدْنَا الْجَبَلَ، فَدَخَلْنَا غَارًا فَبِتْنَا فِيهِ لَيْلَتَنَا، نَنْتَظِرُ أَنْ يَسْكُنَ الطَّلَبُ. قَالَ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِيهِ إِذْ أَقْبَلَ عُثْمَانُ بْنُ مَالِكٍ التَّيْمِيُّ يَتَخَيَّلُ بِفَرَسٍ لَهُ، فَقَامَ عَلَى بَابِ الْغَارِ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَضَرَبْتُهُ بِالْخِنْجَرِ، فَصَاحَ صَيْحَةً أَسْمَعَ أَهْلَ مَكَّةَ، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ وَرَجَعْتُ إِلَى مَكَانِي، فَوَجَدُوهُ وَبِهِ رَمَقٌ، فَقَالُوا: مَنْ ضَرَبَكَ؟ قَالَ: عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَقْدِرْ يُخْبِرْهُمْ بِمَكَانِي، وَشَغَلَهُمْ قَتْلُ صَاحِبِهِمْ عَنْ طَلَبِي، فَاحْتَمَلُوهُ. وَمَكَثْنَا فِي الْغَارِ يَوْمَيْنِ حَتَّى سَكَنَ عَنَّا الطَّلَبُ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَإِذَا بِخَشَبَةِ خُبَيْبٍ وَحَوْلَهُ حَرَسٌ، فَصَعِدْتُ خَشَبَتَهُ وَاحْتَمَلْتُهُ عَلَى ظَهْرِي، فَمَا مَشَيْتُ بِهِ إِلَّا نَحْوَ أَرْبَعِينَ خُطْوَةً حَتَّى نَذَرُوا بِي فَطَرَحْتُهُ، فَاشْتَدُّوا فِي أَثَرِي، فَأَخَذْتُ الطَّرِيقَ فَأَعْيَوْا وَرَجَعُوا، وَانْطَلَقَ صَاحِبِي فَرَكِبَ الْبَعِيرَ وَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ، وَأَمَّا خُبَيْبٌ فَلَمْ يُرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَأَنَّ الْأَرْضَ ابْتَلَعَتْهُ.
ذكر بئر معونة
قَالَ: وَسِرْتُ حَتَّى دَخَلْتُ غَارًا بِضَجْنَانَ وَمَعِي قَوْسِي وَأَسْهُمِي، فَبَيْنَا أَنَا فِيهِ إِذْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الدُّئِلِ أَعْوَرُ، طَوِيلٌ، يَسُوقُ غَنَمًا، فَقَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: مِنْ بَنِي الدُّئِلِ، فَاضْطَجَعَ مَعِي وَرَفَعَ عَقِيرَتَهُ يَتَغَنَّى وَيَقُولُ: وَلَسْتُ بِمُسْلِمٍ مَا دُمْتُ حَيًّا ... وَلَسْتُ أَدِينُ دِينَ الْمُسْلِمِينَا ثُمَّ نَامَ فَقَتَلْتُهُ ثُمَّ سِرْتُ، فَإِذَا رَجُلَانِ بَعَثَتْهُمَا قُرَيْشٌ يَتَجَسَّسَانِ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَمَيْتُ أَحَدَهُمَا بِسَهْمٍ فَقَتَلْتُهُ وَاسْتَأْسَرْتُ الْآخَرَ، فَقَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، فَضَحِكَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ أُمَّ الْمَسَاكِينِ مِنْ بَنِي هِلَالٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ الطُّفَيْلِ بْنِ الْحَارِثِ فَطَلَّقَهَا. وَوَلِيَ الْمُشْرِكُونَ الْحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. [ذِكْرُ بِئْرِ مَعُونَةَ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرٍ قُتِلَ جَمْعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَرَاءِ بْنِ عَازِبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ مُلَاعِبَ الْأَسِنَّةِ، سَيِّدَ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَأَهْدَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَدِيَّةً، فَلَمْ يَقْبَلْهَا وَقَالَ: يَا أَبَا بَرَاءٍ، لَا أَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَلَمْ يَبْعُدْ عَنْهُ وَلَمْ يُسْلِمْ، وَقَالَ: إِنَّ أَمْرَكَ هَذَا حَسَنٌ، فَلَوْ بَعَثْتَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَى أَهْلِ نَجْدٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى أَمْرِكَ لَرَجَوْتُ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ. فَقَالَ أَبُو بَرَاءٍ: أَنَا لَهُمْ جَارٌ.
فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْعِينَ رَجُلًا، فِيهِمُ: الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْمُعْنِقُ لِيَمُوتَ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ، وَحَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ: كَانُوا أَرْبَعِينَ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ بَيْنَ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ وَحَرَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ، فَلَمَّا نَزَلُوهَا بَعَثُوا حَرَامَ بْنَ مِلْحَانَ بِكِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، فَلَمَّا أَتَاهُ لَمْ يَنْظُرْ إِلَى الْكِتَابِ وَعَدَا عَلَى حَرَامٍ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا طَعَنَهُ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! وَاسْتَصْرَخَ بَنِي عَامِرٍ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ وَقَالُوا: لَنْ نُخْفِرَ أَبَا بَرَاءٍ، فَقَدْ أَجَارَهُمْ، فَاسْتَصْرَخَ بَنِي سُلَيْمٍ: عُصَيَّةَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ، فَأَجَابُوهُ وَخَرَجُوا حَتَّى أَحَاطُوا بِالْمُسْلِمِينَ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ إِلَّا كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ، فَإِنَّهُمْ تَرَكُوهُ وَبِهِ رَمَقٌ، فَعَاشَ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ. وَكَانَ فِي سَرْحِ الْقَوْمِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَرَأَيَا الطَّيْرَ تَحُومُ عَلَى الْعَسْكَرِ فَقَالَا: إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا، فَأَقْبَلَا يَنْظُرَانِ، فَإِذَا الْقَوْمُ صَرْعَى، وَإِذَا الْخَيْلُ وَاقِفَةٌ، فَقَالَ عَمْرٌو: نَلْحَقُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنُخْبِرُهُ الْخَبَرَ. فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: لَا أَرْغَبُ بِنَفْسِي عَنْ مَوْطِنٍ فِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَأَخَذُوا عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ أَسِيرًا. فَلَمَّا عَلِمَ عَامِرٌ أَنَّهُ مِنْ سَعْدٍ أَطْلَقَهُ، وَخَرَجَ عَمْرٌو حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْقَرْقَرَةِ لَقِيَ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَنَزَلَا مَعَهُ وَمَعَهُمَا عَقْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرٌو فَقَتَلَهُمَا، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَبَرَ، فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ لَأُدَيَنَّهُمَا. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، فَكَانَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ يَقُولُ: مَنِ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَمَّا قُتِلَ رُفِعَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟ قَالُوا: هُوَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ. وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُحَرِّضُ بَنِي أَبِي الْبَرَاءِ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ: بَنِي أُمِّ الْبَنِينَ أَلَمْ يَرُعْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنْ ذَوَائِبِ أَهْلِ نَجْدِ ... تَهَكُّمُ عَامِرٍ بِأَبِي بَرَاءٍ لِيُخْفِرَهُ وَمَا خَطَأٌ كَعَمْدِ
ذكر إجلاء بني النضير
فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: لَقَدْ طَارَتْ شَعَاعَا كُلَّ وَجْهٍ ... خُفَارَةُ مَا أَجَارَ أَبُو بَرَاءٍ فِي أَبْيَاتٍ أُخْرَى. فَلَمَّا بَلَغَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي بَرَاءٍ ذَلِكَ حَمَلَ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ فَطَعَنَهُ، فَخَرَّ عَنْ فَرَسِهِ، فَقَالَ: إِنْ مُتُّ فَدَمِي لِعَمِّي. وَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنًا: بَلِّغُوا قَوْمَنَا عَنَّا أَنَا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ. ثُمَّ نُسِخَتْ. (مَعُونَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَبَعْدَ الْوَاوِ نُونٌ. وَحَرَامٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالرَّاءِ. وَمِلْحَانُ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ) . [ذِكْرُ إِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ] وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ أَرْسَلَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطْلُبُ دِيَةَ الْعَامِرِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِيهَا، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، فَقَالُوا: نَعَمْ نُعِينُكَ عَلَى مَا أَحْبَبْتَ، ثُمَّ خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَتَآمَرُوا عَلَى قَتْلِهِ، وَهُوَ جَالِسٌ إِلَى جَنْبِ جِدَارٍ، فَقَالُوا: مَنْ يَعْلُو هَذَا الْبَيْتَ فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيَقْتُلُهُ وَيُرِيحُنَا مِنْهُ؟ فَانْتَدَبَ لَهُ عَمْرُو بْنُ جِحَاشٍ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ وَقَالَ: هُوَ يَعْلَمُ. فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، وَصَعِدَ عَمْرُو بْنُ جِحَاشٍ، فَأَتَى الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا عَزَمُوا عَلَيْهِ، فَقَامَ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَبْرَحُوا حَتَّى آتِيَكُمْ. وَخَرَجَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا أَبْطَأَ قَامَ أَصْحَابُهُ فِي طَلَبِهِ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ وَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِحَرْبِهِمْ، وَنَزَلَ بِهِمْ، فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ فِي الْحُصُونِ، فَقَطَعَ النَّخْلَ وَأَحْرَقَ، وَأَرْسَلَ
غزوة ذات الرقاع
إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَجَمَاعَةً مَعَهُ: أَنِ اثْبُتُوا وَتَمَنَّعُوا، فَإِنَّا لَنْ نُسْلِمَكُمْ، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ، وَإِنْ خَرَجْتُمْ خَرَجْنَا مَعَكُمْ. وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجْلِيَهُمْ وَيَكُفَّ عَنْ دِمَائِهِمْ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ مِنَ الْأَمْوَالِ إِلَّا السِّلَاحَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَخَرَجُوا إِلَى خَيْبَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَارَ إِلَى الشَّامِ، فَكَانَ مِمَّنْ سَارَ إِلَى خَيْبَرَ كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَانَ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ أُمُّ عَمْرٍو صَاحِبَةُ عُرْوَةَ بْنِ الْوَرْدِ الَّتِي ابْتَاعُوا مِنْهُ، وَكَانَتْ غِفَارِيَّةً. فَكَانَتْ أَمْوَالُ النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْدَهُ يَضَعُهَا حَيْثُ شَاءَ، فَقَسَّمَهَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ دُونَ الْأَنْصَارِ، إِلَّا أَنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وَأَبَا دُجَانَةَ ذَكَرَا فَقْرًا فَأَعْطَاهُمَا. وَلَمْ يُسْلِمْ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ إِلَّا يَامِينُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ كَعْبٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ عَمْرِو بْنِ جِحَاشٍ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ، وَأَحْرَزَا أَمْوَالَهُمَا. وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَتْ رَايَتُهُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. (سَلَّامٌ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ. وَمِشْكَمٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْكَافِ) . [غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ] أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ بَنِي النَّضِيرِ شَهْرَيْ رَبِيعٍ، ثُمَّ غَزَا نَجْدًا يُرِيدُ بَنِي مُحَارِبٍ وَبَنِي ثَعْلَبَةَ مِنْ غَطَفَانَ، حَتَّى نَزَلَ نَخْلًا، وَهِيَ غَزْوَةُ الرِّقَاعِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَجْلِ جَبَلٍ كَانَتِ الْوَقْعَةُ بِهِ، فِيهِ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ وَحُمْرَةٌ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَلَقِيَ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يَكُنْ قِتَالٌ، وَخَافَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَنَزَلَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَهُوَ مُسْتَقْصًى فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ مُحَارِبٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى سَيْفِهِ، فَأَعْطَاهُ السَّيْفَ، فَلَمَّا أَخَذَهُ وَهَزَّهُ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَمَا تَخَافُنِي؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَمَا تَخَافُنِي وَفِي
ذكر غزوة بدر الثانية
يَدَيِ السَّيْفُ؟ قَالَ: لَا، يَمْنَعُنِي اللَّهُ مِنْكَ، فَرَدَّ السَّيْفَ إِلَيْهِ. وَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَكَانَ زَوْجُهَا غَائِبًا، فَلَمَّا أَتَى أَهْلَهُ أُخْبِرَ الْخَبَرَ، فَحَلَفَ لَا يَنْتَهِي حَتَّى يُهَرِيقَ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَمًا، وَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟ فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَقَامَا بِفَمِ شِعْبٍ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ، وَحَرَسَ الْأَنْصَارِيُّ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَقَامَ يُصَلِّي، وَجَاءَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ فَرَأَى شَخْصَهُ، فَعَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةُ الْقَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَانْتَزَعَهُ وَثَبَتَ قَائِمًا يُصَلِّي، ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ فَأَصَابَهُ، فَنَزَعَهُ وَثَبَتَ يُصَلِّي، ثُمَّ رَمَاهُ بِالثَّالِثِ فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَانْتَزَعَهُ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ أَيْقَظَ صَاحِبَهُ وَأَعْلَمُهُ، فَوَثَبَ، فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ عَلِمَ أَنَّهُمَا عَلِمَا بِهِ، فَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَلَا أَيْقَظْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَاكَ؟ قَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَأُهَا، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ عَلَيَّ الرَّمْيَ أَعْلَمْتُكَ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْلَا خَوْفِي أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحِفْظِهِ لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا. وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْغَزْوَةَ كَانَتْ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ. [ذِكْرُ غَزْوَةِ بَدْرٍ الثَّانِيَةِ] وَسُمِّيَتْ أَيْضًا غَزْوَةَ السَّوِيقِ. وَفِي شَعْبَانَ مِنْهَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى بَدْرٍ لِمِيعَادِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ حَتَّى نَزَلَ بَدْرًا، فَأَقَامَ عَلَيْهَا ثَمَانِيَ لَيَالٍ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ، وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ إِلَى مَرِّ الظَّهْرَانِ، وَقِيلَ: إِلَى عُسْفَانَ، ثُمَّ رَجَعَ وَرَجَعَتْ قُرَيْشٌ مَعَهُ، فَسَمَّاهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ جَيْشَ السَّوِيقِ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا خَرَجْتُمْ تَشْرَبُونَ السَّوِيقَ. وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ.
وَفِيهَا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّ سَلَمَةَ. وَفِيهَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ يَهُودَ. وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْأُولَى، مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَأُمُّهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ عُمْرُهُ سِتَّ سِنِينَ. وَفِيهَا وُلِدَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فِي قَوْلٍ. وَوَلِيَ الْحَجَّ فِيهَا الْمُشْرِكُونَ.
الأحداث في السنة الخامسة من الهجرة
[الْأَحْدَاثُ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ] 5 - الْأَحْدَاثُ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ فِيهَا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمَّتِهِ، كَانَ زَوَّجَهَا مَوْلَاهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرِيدُهُ وَعَلَى الْبَابِ سِتْرٌ مِنْ شَعَرٍ، فَرَفَعَتْهُ الرِّيحُ فَرَآهَا وَهِيَ حَاسِرَةٌ، فَأَعْجَبَتْهُ وَكُرِّهَتْ إِلَى زَيْدٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقْرَبَهَا، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: أَرَابَكَ فِيهَا شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ. فَفَارَقَهَا زَيْدٌ وَحَلَّتْ، وَأُنْزِلَ الْوَحْيُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَنْ يُبَشِّرُ زَيْنَبَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ زَوَّجَنِيهَا؟ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُ - تَعَالَى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 37] الْآيَةَ، فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى نِسَائِهِ وَتَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهْلُوكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ. وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ دُومَةِ الْجَنْدَلِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَسَبَبُهَا أَنَّهُ بَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ بِهَا جَمْعًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَغَزَاهُمْ، فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَخَلَّفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيَّ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ إِبِلًا وَغَنَمًا وُجِدَتْ لَهُمْ. وَمَاتَتْ أُمُّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَسَعْدٌ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ. وَفِيهَا وَادَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الْفَزَارِيَّ أَنْ يَرْعَى بِتَغْلَمَيْنِ وَمَا وَالَاهَا.
ذكر غزوة الخندق، وهي غزوة الأحزاب
(عُيَيْنَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ، تَصْغِيرُ عَيْنٍ) . [ذِكْرُ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، وَهِيَ غَزْوَةُ الْأَحْزَابِ] وَكَانَتْ فِي شَوَّالٍ، وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ نَفَرًا مِنْ يَهُودَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَغَيْرُهُمْ، حَزَّبُوا الْأَحْزَابَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدِمُوا عَلَى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ فَدَعَوْهُمْ إِلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالُوا: نَكُونُ مَعَكُمْ حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُ، فَأَجَابُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَوْا عَلَى غَطَفَانَ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّ قُرَيْشًا مَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَأَجَابُوهُمْ، فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ وَقَائِدُهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَخَرَجَتْ غَطَفَانُ وَقَائِدُهَا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فِي بَنِي فَزَارَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْفِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيُّ فِي مُرَّةَ، وَمِسْعَرُ بْنُ رُخَيْلَةَ الْأَشْجَعِيُّ فِي الْأَشْجَعِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، وَأَشَارَ بِهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَكَانَ أَوَّلَ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ حُرٌّ، فَعَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَغْبَةً فِي الْأَجْرِ، وَحَثًّا لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَسَلَّلَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِغَيْرِ عِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} [النور: 63] الْآيَةَ. وَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا نَابَتْهُ نَائِبَةٌ لِحَاجَةٍ لَابُدَّ مِنْهَا يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقْضِي حَاجَتَهُ ثُمَّ يَعُودُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النور: 62] الْآيَةَ. وَقَسَّمَ الْخَنْدَقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاخْتَلَفَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فِي سَلْمَانَ، كُلٌّ يَدَّعِيهِ أَنَّهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَلْمَانُ مِنَّا، سَلْمَانُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ. وَجَعَلَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، فَكَانَ سَلْمَانُ، وَحُذَيْفَةُ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَوْفٍ، وَسِتَّةٌ
مِنَ الْأَنْصَارِ - يَعْمَلُونَ، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ كَسَرَتِ الْمِعْوَلَ، فَأَعْلَمُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَبَطَ إِلَيْهَا وَمَعَهُ سَلْمَانُ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، وَضَرَبَ الصَّخْرَةَ ضَرْبَةً صَدَّعَهَا، وَبَرَقَتْ مِنْهَا بَرْقَةً أَضَاءَتْ مَا بَيْنَ لَابَّتَيِ الْمَدِينَةِ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ وَقَدْ صَدَّعَهَا، فَسَأَلَهُ سَلْمَانُ عَمَّا رَأَى مِنَ الْبَرْقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَضَاءَتِ الْحِيرَةَ وَقُصُورَ كِسْرَى فِي الْبَرْقَةِ الْأُولَى، وَأَخْبَرَنِي جِبْرَائِيلُ أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا، وَأَضَاءَ لِي فِي الثَّانِيَةِ الْقُصُورَ الْحُمْرَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَالرُّومِ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا، وَأَضَاءَ لِي فِي الثَّالِثَةِ قُصُورَ صَنْعَاءَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا، فَأَبْشِرُوا، فَاسْتَبْشَرَ الْمُسْلِمُونَ. وَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: أَلَا تَعْجَبُونَ؟ يَعِدُكُمُ الْبَاطِلَ، وَيُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ يَنْظُرُ مِنْ يَثْرِبَ الْحِيرَةَ وَمَدَائِنَ كِسْرَى، وَأَنَّهَا تُفْتَحُ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَبْرُزُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 12] . فَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى نَزَلَتْ بِمُجْتَمَعِ الْأَسْيَالِ مِنْ رُومَةَ بَيْنَ الْجُرْفِ وَزَغَابَةَ، فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ أَحَابِيشِهِمْ وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنْ كِنَانَةَ وَتِهَامَةَ، وَأَقْبَلَتْ غَطَفَانُ وَمَنْ تَابَعَهُمْ حَتَّى نَزَلُوا إِلَى جَنْبِ أُحُدٍ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ فَجَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إِلَى سَلْعٍ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، فَنَزَلَ هُنَاكَ، وَرَفَعَ الذَّرَارِيَّ وَالنِّسَاءَ فِي الْآطَامِ. وَخَرَجَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ حَتَّى أَتَى كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ سَيِّدَ قُرَيْظَةَ، وَكَانَ قَدْ وَادَعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَوْمِهِ، فَأَغْلَقَ كَعْبٌ حِصْنَهُ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَقَالَ: إِنَّكَ امْرُؤٌ مَشْئُومٌ، وَقَدْ عَاهَدْتُ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَرَ مِنْهُ إِلَّا الْوَفَاءَ. قَالَ حُيَيٌّ: يَا كَعْبُ، قَدْ جِئْتُكَ بِعِزِّ الدَّهْرِ وَبِبَحْرٍ طَامٍ، جِئْتُكَ بِقُرَيْشٍ وَقَادَتِهَا وَسَادَتِهَا، وَغَطَفَانَ بِقَادَتِهَا، وَقَدْ عَاهَدُونِي أَنَّهُمْ لَا يَبْرَحُونَ حَتَّى يَسْتَأْصِلُوا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ. قَالَ كَعْبٌ: جِئْتَنِي بِذُلِّ الدَّهْرِ، وَبِجَهَامٍ قَدْ هَرَاقَ مَاءَهُ يُرْعِدُ وَيُبْرِقُ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيْحَكَ يَا حُيَيُّ! دَعْنِي وَمُحَمَّدًا. وَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ يَفْتِلُهُ فِي الذُّرْوَةِ وَالْغَارِبِ حَتَّى حَمَلَهُ عَلَى الْغَدْرِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَعَلَ وَنَكَثَ الْعَهْدَ، وَعَاهَدَهُ حُيَيٌّ إِنْ عَادَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَلَمْ يُصِيبُوا مُحَمَّدًا أَنْ أَدْخُلَ مَعَكَ فِي حِصْنِكَ حَتَّى يُصِيبَنِي
مَا أَصَابَكَ. فَعَظُمَ عِنْدَ ذَلِكَ الْبَلَاءُ، وَاشْتَدَّ الْخَوْفُ، وَأَتَاهُمْ عَدُوُّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، وَنَجَمَ النِّفَاقُ مِنْ بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ، وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْقَوْمِ حَرْبٌ إِلَّا الرَّمْيُ بِالنَّبْلِ. فَلَمَّا اشْتَدَّ الْبَلَاءُ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَالْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ الْمُرِّيِّ، قَائِدَيْ غَطَفَانَ، فَأَعْطَاهُمَا ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَا بِمَنْ مَعَهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَابَا إِلَى ذَلِكَ، فَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَيْءٌ تُحِبُّ أَنْ تَصْنَعَهُ، أَمْ شَيْءٌ أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ، أَوْ شَيْءٌ تَصْنَعُهُ لَنَا؟ قَالَ: بَلْ لَكُمْ، رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ شَوْكَتَهُمْ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: قَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهُمْ عَلَى الشِّرْكِ، وَلَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنَّا تَمْرَةً إِلَّا قِرًى أَوْ بَيْعًا، فَحِينَ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا! مَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ. فَتَرَكَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ثُمَّ إِنَّ فَوَارِسَ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وَدٍّ أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ، وَنَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ الْفِهْرِيُّ - خَرَجُوا عَلَى خُيُولِهِمْ، وَاجْتَازُوا بِبَنِي كِنَانَةَ وَقَالُوا: تَجَهَّزُوا لِلْحَرْبِ وَسَتَعْلَمُونَ مَنِ الْفُرْسَانُ. وَكَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وَدٍّ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا كَافِرًا، وَقَاتَلَ حَتَّى كَثُرَتِ الْجِرَاحُ فِيهِ، فَلَمْ يَشْهَدْ أُحُدًا وَشَهِدَ الْخَنْدَقَ مُعْلِمًا حَتَّى يُعْرَفَ مَكَانُهُ، وَأَقْبَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى وَقَفُوا عَلَى الْخَنْدَقِ، ثُمَّ تَيَمَّمُوا مَكَانًا ضَيِّقًا فَاقْتَحَمُوهُ، فَجَالَتْ بِهِمْ خُيُولُهُمْ فِي السَّبْخَةِ بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَسَلْعٍ. وَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذُوا عَلَيْهِمُ الثَّغْرَةَ، وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ خَرَجَ مُعْلِمًا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا عَمْرُو، إِنَّكَ عَاهَدْتَ أَنْ لَا يَدْعُوكَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى خَصْلَتَيْنِ إِلَّا أَخَذْتَ إِحْدَاهُمَا؟ قَالَ: أَجَلْ. قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ وَالْإِسْلَامِ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ. قَالَ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى النِّزَالِ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ. فَحَمِيَ عَمْرٌو عِنْدَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَعَقَرَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ، فَتَجَاوَلَا، وَقَتَلَهُ عَلِيٌّ، وَخَرَجَتْ خَيْلُهُمْ مُنْهَزِمَةً، وَقُتِلَ مَعَ عَمْرٍو رَجُلَانِ، قَتَلَ عَلِيٌّ أَحَدَهُمَا، وَأَصَابَ آخَرَ سَهْمٌ، فَمَاتَ مِنْهُ بِمَكَّةَ.
وَرُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ بِسَهْمٍ قَطَعَ أَكْحَلَهُ، رَمَاهُ حِبَّانُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْعَرِقَةِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، مِنْ بَنِي مَعِيصٍ، مِنْ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَالْعَرِقَةُ أُمُّهُ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا الْعَرِقَةُ لِطِيبِ رِيحِ عَرَقِهَا، وَهِيَ قِلَابَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ الْحَارِثِ. فَلَمَّا رَمَى سَعْدًا قَالَ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْعَرِقَةِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَرَّقَ اللَّهُ وَجْهَكَ فِي النَّارِ، وَلَمْ يُقْطَعِ الْأَكْحَلُ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا مَاتَ. فَقَالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَبْقَيْتَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لَهَا، فَإِنَّهُ لَا قَوْمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أُقَاتِلَهُمْ مِنْ قَوْمٍ آذَوْا نَبِيَّكَ وَكَذَّبُوهُ، اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا فَاجْعَلْهُ لِي شَهَادَةً، وَلَا تُمِتْنِي حَتَّى تَقَرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ. وَكَانُوا حُلَفَاءَهُ وَمَوَالِيَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي رَمَى سَعْدًا هُوَ أَبُو أُسَامَةَ الْجُشَمِيُّ حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومٍ، فَلَمَّا قَالَ سَعْدٌ مَا قَالَ انْقَطَعَ الدَّمُ. وَكَانَتْ صَفِيَّةُ عَمَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي فَارِعٍ، حِصْنِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَكَانَ حَسَّانُ فِيهِ مَعَ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ جَبَانًا، قَالَتْ: فَأَتَانَا آتٍ مِنَ الْيَهُودِ فَقُلْتُ لِحَسَّانَ: هَذَا الْيَهُودِيُّ يَطُوفُ بِنَا، وَلَا نَأْمَنُهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى عَوْرَاتِنَا، فَانْزِلْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنَا بِصَاحِبِ هَذَا. قَالَتْ: فَأَخَذْتُ عَمُودًا وَنَزَلْتُ إِلَيْهِ فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَقُلْتُ لِحَسَّانَ: انْزِلْ إِلَيْهِ فَخُذْ سَلَبَهُ؛ فَإِنَّنِي يَمْنَعُنِي مِنْهُ أَنَّهُ رَجُلٌ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لِي بِسَلَبِهِ مِنْ حَاجَةٍ. ثُمَّ إِنْ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيَّ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَلَمْ يَعْلَمْ قَوْمِي، فَمُرْنِي بِمَا شِئْتَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذِّلْ عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ. فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ نَدِيمًا لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي إِيَّاكُمْ. فَقَالُوا: لَسْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ. قَالَ: قَدْ ظَاهَرْتُمْ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ عَلَى حَرْبِ مُحَمَّدٍ، وَلَيْسُوا كَأَنْتُمْ، الْبَلَدُ بَلَدُكُمْ، بِهِ أَمْوَالُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ، لَا تَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ تَتَحَوَّلُوا مِنْهُ، وَإِنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ إِنْ رَأَوْا
نُهْزَةً وَغَنِيمَةً أَصَابُوهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ لَحِقُوا بِبِلَادِهِمْ وَخَلَّوْا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَلَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ إِنْ خَلَا بِكُمْ، فَلَا تُقَاتِلُوا حَتَّى تَأْخُذُوا مِنْهُمْ رَهْنًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ ثِقَةً لَكُمْ حَتَّى تُنَاجِزُوا مُحَمَّدًا. قَالُوا: أَشَرْتَ بِالنُّصْحِ. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، فَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ: قَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي إِيَّاكُمْ، وَفِرَاقِي مُحَمَّدًا، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ قُرَيْظَةَ نَدِمُوا، وَقَدْ أَرْسَلُوا إِلَى مُحَمَّدٍ: هَلْ يُرْضِيكَ عَنَّا أَنْ نَأْخُذَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ رِجَالًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَنُعْطِيَكُمْ، فَتَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ نَكُونُ مَعَكَ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ؟ فَأَجَابَهُمْ: أَنْ نَعَمْ. فَإِنْ طَلَبَتْ قُرَيْظَةُ مِنْكُمْ رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ، فَلَا تَدْفَعُوا إِلَيْهِمْ رَجُلًا وَاحِدًا. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى غَطَفَانَ فَقَالَ: أَنْتُمْ أَهْلِي وَعَشِيرَتِي. وَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ لِقُرَيْشٍ وَحَذَّرَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ السَّبْتِ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ كَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ أَنْ أَرْسَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَرُءُوسُ غَطَفَانَ إِلَى قُرَيْظَةَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ، وَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّا لَسْنَا بِدَارِ مُقَامٍ، قَدْ هَلَكَ الْخُفُّ وَالْحَافِرُ، فَاغْدُوَا لِلْقِتَالِ حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا. فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ: إِنَّ الْيَوْمَ السَّبْتُ لَا نَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا، وَلَسْنَا نُقَاتِلُ مَعَكُمْ حَتَّى تُعْطُونَا رَهْنًا ثِقَةً لَنَا، فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ تَرْجِعُوا إِلَى بِلَادِكُمْ، وَتَتْرُكُونَا وَالرَّجُلَ وَنَحْنُ بِبِلَادِهِ. فَلَمَّا أَبْلَغَتْهُمُ الرُّسُلُ هَذَا الْكَلَامَ، قَالَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ: وَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَأَرْسَلُوا إِلَى قُرَيْظَةَ: إِنَّا وَاللَّهِ لَا نَدْفَعُ إِلَيْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا. فَقَالَتْ قُرَيْظَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ الَّذِي ذَكَرَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقٌّ. وَخَذَلَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ، وَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا فِي لَيَالٍ شَاتِيَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَجَعَلَتْ تَكْفَأُ قُدُورَهُمْ، وَتَطْرَحُ أَبْنِيَتَهُمْ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اخْتِلَافُ أَمْرِهِمْ دَعَا حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ لَيْلًا، فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَيْهِمْ، وَانْظُرْ حَالَهُمْ، وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنَا. قَالَ حُذَيْفَةُ: فَذَهَبْتُ فَدَخَلْتُ فِيهِمْ، وَالرِّيحُ وَجُنُودُ اللَّهِ تَفْعَلُ فِيهِمْ مَا تَفْعَلُ، لَا يُقَرُّ لَهُمْ قِدْرٌ وَلَا بِنَاءٌ وَلَا نَارٌ. فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لِيَنْظُرِ الرَّجُلُ أَمْرَ جَلِيسِهِ، قَالَ: فَأَخَذْتُ بِيَدِ الرَّجُلِ الَّذِي بِجَانِبِي فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا فُلَانٌ. ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَاللَّهِ لَقَدْ هَلَكَ الْخُفُّ وَالْحَافِرُ، وَأَخْلَفَتْنَا قُرَيْظَةُ، وَلَقِينَا مِنْ هَذِهِ
ذكر غزوة بني قريظة
الرِّيحِ مَا تَرَوْنَ، فَارْتَحِلُوا فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ. ثُمَّ قَامَ إِلَى جَمَلِهِ وَهُوَ مَعْقُولٌ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ فَوَثَبَ عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ، وَلَوْلَا عَهْدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيَّ أَنْ لَا أُحْدِثَ شَيْئًا لَقَتَلْتُهُ. قَالَ حُذَيْفَةُ: فَرَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي مِرْطٍ لِبَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَدْخَلَنِي بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وَطَرَحَ عَلَيَّ طَرَفَ الْمِرْطِ، فَلَمَّا سَلَّمَ خَبَّرْتُهُ الْخَبَرَ. وَسَمِعَتْ غَطَفَانُ بِمَا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، فَعَادُوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَلَمَّا عَادُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا. فَكَانَ كَذَلِكَ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ. [ذِكْرُ غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ] لَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَوَضَعَ الْمُسْلِمُونَ السِّلَاحَ، وَضَرَبَ عَلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قُبَّةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمَّا كَانَ الظُّهْرُ أَتَى جِبْرَائِيلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَقَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ جِبْرَائِيلُ: مَا وَضَعَتِ الْمَلَائِكَةُ السِّلَاحَ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَأَنَا عَامِدٌ إِلَيْهِمْ. «فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا فَلَا يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. وَقَدَّمَ عَلِيًّا إِلَيْهِمْ بِرَايَتِهِ، وَتَلَاحَقَ النَّاسُ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَتَاهُ رِجَالٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْأَخِيرَةِ فَصَلَّوُا الْعَصْرَ بِهَا، وَمَا عَابَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَحَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ شَهْرًا وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ أَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَبْعَثَ إِلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ مِنَ الْأَوْسِ، نَسْتَشِيرُهُ، فَأَرْسَلَهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَبَكَى النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَرَقَّ لَهُمْ، فَقَالُوا: نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَ: نَعَمْ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ أَنَّهُ الذَّبْحُ. قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: فَمَا زَالَتْ قَدَمَايَ حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقَمْتُ بِمَكَانٍ عَصَيْتُ اللَّهَ فِيهِ. وَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى ارْتَبَطَ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ.
فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ثُمَّ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ الْأَوْسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، افْعَلْ فِي مَوَالِينَا مَا فَعَلْتَ فِي مَوَالِيِّ الْخَزْرَجِ، يَعْنِي بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. فَقَالَ: «أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ؟ قَالُوا: بَلَى. فَأَتَاهُ قَوْمُهُ فَاحْتَمَلُوهُ عَلَى حِمَارٍ، ثُمَّ أَقْبَلُوا مَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ يَقُولُونَ: أَبَا عَمْرٍو، أَحْسِنْ إِلَى مَوَالِيكَ. فَلَمَّا كَثُرُوا عَلَيْهِ قَالَ: قَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَعَلِمَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ يَقْتُلُهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَى سَعْدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ، أَوْ قَالَ: خَيْرِكُمْ، فَقَامُوا إِلَيْهِ وَأَنْزَلُوهُ، وَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرٍو، أَحْسِنْ إِلَى مَوَالِيكَ، فَقَدْ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحُكْمَ فِيهِمْ إِلَيْكَ. فَقَالَ سَعْدٌ: عَلَيْكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ، إِنَّ الْحُكْمَ فِيهِمْ إِلَيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَالْتَفَتَ إِلَى النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى الَّتِي فِيهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَضَّ بَصَرَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إِجْلَالًا، وَقَالَ: وَعَلَى مَنْ هَاهُنَا الْعَهْدُ أَيْضًا؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ، وَتُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالنِّسَاءُ، وَتُقَسَّمَ الْأَمْوَالُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» . ثُمَّ اسْتُنْزِلُوا، فَحُبِسُوا فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ. ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ، فَخَنْدَقَ بِهَا خَنَادِقَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ فِيهَا، وَفِيهِمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ سَيِّدُهُمْ، وَكَانُوا سِتَّمِائَةٍ أَوْ سَبْعَمِائَةٍ، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ سَبْعِمِائَةٍ وَثَمَانِمِائَةٍ، وَأُتِي بِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَهُوَ مَكْتُوفٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَاللَّهِ مَا لُمْتُ نَفْسِي فِي عَدَاوَتِكَ، وَلَكِنْ مَنْ يَخْذِلِ اللَّهُ يُخْذَلْ. ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَمْرِ اللَّهِ، كِتَابٌ وَقَدَرٌ، وَمَلْحَمَةٌ كُتِبَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَأُجْلِسَ وَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وَلَمْ تُقْتَلْ مِنْهُمْ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، قُتِلَتْ بِحَدَثٍ أَحْدَثَتْهُ، وَقُتِلَتْ أُرْفَةُ بِنْتُ عَارِضَةَ مِنْهُمْ.
وَأَسْلَمَ مِنْهُمْ ثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ. ثُمَّ «قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْوَالَهُمْ، فَكَانَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ، وَلِفَارِسِهِ سَهْمٌ، وَلِلرَّاجِلِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ فَرَسٌ سَهْمٌ» ، وَكَانَتِ الْخَيْلُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْخُمُسَ، وَكَانَ أَوَّلَ فَيْءٍ وَقَعَ فِيهِ السَّهْمَانِ وَالْخُمُسُ. «وَاصْطَفَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنَفْسِهِ رَيْحَانَةَ بِنْتَ عَمْرِو بْنِ خُنَافَةَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَقَالَتْ: اتْرُكْنِي فِي مِلْكِكَ، فَهُوَ أَخَفُّ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ» . فَلَمَّا انْقَضَى أَمْرُ قُرَيْظَةَ انْفَجَرَ جُرْحُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، وَكَانَ فِي خَيْمَتِهِ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ، فَحَضَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «سَمِعْتُ بُكَاءَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَيْهِ وَأَنَا فِي حُجْرَتِي، وَأَمَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ لَا يَبْكِي عَلَى أَحَدٍ، كَانَ إِذَا اشْتَدَّ وَجْدُهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ» . وَكَانَ فَتْحُ قُرَيْظَةَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَصَدْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْخَنْدَقِ سِتَّةُ نَفَرٍ، وَفِي قُرَيْظَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
ودخلت سنة ست من الهجرة
[وَدَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ] [ذِكْرُ غَزْوَةِ بَنِي لِحْيَانَ] 6 - وَدَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ ذِكْرُ غَزْوَةِ بَنِي لِحْيَانَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْهَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى بَنِي لِحْيَانَ يَطْلُبُ بِأَصْحَابِ الرَّجِيعِ، خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ وَأَصْحَابِهِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الشَّامَ؛ لِيُصِيبَ مِنَ الْقَوْمِ غِرَّةً، وَأَغَذَّ السَّيْرَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى غَرَانِ مَنَازِلِ بَنِي لِحْيَانَ، وَهِيَ بَيْنَ أَمَجَ وَعُسْفَانَ، فَوَجَدَهُمْ قَدْ حَذِرُوا وَتَمَنَّعُوا فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَلَمَّا أَخْطَأَهُ مَا أَرَادَ مِنْهُمْ خَرَجَ فِي مِائَتَيْ رَاكِبٍ حَتَّى نَزَلَ بِعُسْفَانَ، تَخْوِيفًا لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَأَرْسَلَ فَارِسَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى بَلَغَا كُرَاعَ الْغَمِيمِ، ثُمَّ عَادَ قَافِلًا. (غَرَانُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَبَعْدَ الْأَلْفِ نُونٌ. وَأَمَجَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ، وَآخِرُهُ جِيمٌ) . [ذِكْرُ غَزَاةِ ذِي قَرَدٍ] ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ، فَلَمْ يُقِمْ إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِلَ، حَتَّى أَغَارَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي خَيْلِ غَطَفَانَ عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ، وَأَوَّلُ مَنْ نَذَرَ بِهِمْ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ
الْأَسْلَمِيُّ، هَكَذَا ذَكَرَهَا أَبُو جَعْفَرٍ بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي لِحْيَانَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ عَنْ سَلَمَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ مُنْصَرِفًا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَبَيْنَ الْوَقْعَتَيْنِ تَفَاوُتٌ. قَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: «أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلَامِهِ» ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ، وَقَتَلَ رَاعِيَهُ. قُلْتُ: يَا رَبَاحُ، خُذْ هَذَا الْفَرَسَ فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ، وَأَخْبِرِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلْتُ الْأَكَمَةَ فَنَادَيْتُ ثَلَاثَةَ أَصْوَاتٍ: يَا صَبَاحَاهُ! ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ، وَأَرْتَجِزُ وَأَقُولُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعْ ... وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَيَّ فَارِسٌ قَعَدْتُ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ فَرَمَيْتُهُ فَعَقَرْتُ بِهِ، وَإِذَا دَخَلُوا فِي مَضَايِقِ الْجَبَلِ رَمَيْتُهُمْ بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ حَتَّى مَا تَرَكْتُ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعِيرًا إِلَّا جَعَلْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي، وَخَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ رُمْحًا، وَثَلَاثِينَ بُرْدَةً يَسْتَخِفُّونَ بِهَا، لَا يُلْقُونَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ أَمَارَةً، أَيْ عَلَامَةً، حَتَّى يَعْرِفَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إِذَا انْتَهَوْا إِلَى مُتَضَايِقٍ مِنْ ثَنِيَّةٍ أَتَاهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ مُمِدًّا، فَقَعَدُوا يَتَضَحَّوْنَ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: لَقِينَا مِنْهُ الْبَرْحَ، وَقَدِ اسْتَنْقَذَ كُلَّ مَا بِأَيْدِينَا، فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي حَتَّى أَبْصَرْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ، أَوَّلُهُمُ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ - وَاسْمُهُ مُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ مِنْ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ - وَعَلَى أَثَرِهِ أَبُو قَتَادَةَ، وَعَلَى أَثَرِهِمَا الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ، فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الْأَخْرَمِ وَقُلْتُ: احْذَرِ الْقَوْمَ لَا يَقْتَطِعُوكَ حَتَّى تَلْحَقَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ، فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ، إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ. قَالَ: فَخَلَّيْتُهُ، فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ، فَعَقَرَ الْأَخْرَمُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ، وَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ، وَتَحَوَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى فَرَسِ الْأَخْرَمِ، وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَطَعَنَهُ، فَانْطَلَقُوا هَارِبِينَ، قَالَ سَلَمَةُ: فَوَالَّذِي
كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ لَأَتْبَعَنَّهُمْ أَعْدُو عَلَى رِجْلِي، حَتَّى مَا أَرَى مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ وَلَا غُبَارِهِمْ شَيْئًا. وَعَدَلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى غَارٍ فِيهِ مَاءٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو قَرَدٍ، يَشْرَبُونَ مِنْهُ وَهُمْ عِطَاشٌ، فَنَظَرُوا إِلَيَّ أَعْدُو فِي آثَارِهِمْ، فَحَلَّيْتُهُمْ، فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً، قَالَ: وَاشْتَدُّوا فِي ثَنِيَّةِ ذِي أَبْهَرَ، فَأَرْشُقُ بَعْضَهُمْ بِسَهْمٍ، فَيَقَعُ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ، فَقُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعْ ... وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ. وَإِذَا فَرَسَانِ عَلَى الثَّنِيَّةِ، فَجِئْتُ بِهِمَا أَقُودُهُمَا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَحِقَنِي عَمِّي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ، وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ وَشَرِبْتُ، ثُمَّ «جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ بِذِي قَرَدٍ، وَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الْإِبِلَ الَّتِي اسْتَنْقَذْتُ مِنَ الْعَدُوِّ، وَكُلَّ رُمْحٍ، وَكُلَّ بُرْدَةٍ، وَإِذَا بِلَالٌ قَدْ نَحَرَ لَهُمْ نَاقَةً مِنَ الْإِبِلِ وَهُوَ يَشْوِي مِنْهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَلِّنِي أَنْتَخِبُ مِائَةَ رَجُلٍ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ. فَضَحِكَ وَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيُقْرَوْنَ بِأَرْضِ غَطَفَانَ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ فَقَالَ: نَحَرَ لَهُمْ فُلَانٌ جَزُورًا، فَلَمَّا كَشَطُوا عَنْهَا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا، فَقَالُوا: أُتِيتُمْ، فَخَرَجُوا هَارِبِينَ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَيْرُ فُرْسَانِنَا أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيْرُ رَجَّالِنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهْمَ الْفَارِسِ، وَسَهْمَ الرَّاجِلِ، ثُمَّ أَرْدَفَنِي عَلَى الْعَضْبَاءِ. فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا، فَقَالَ: أَلَا مِنْ مُسَابِقٍ؟ مِرَارًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِيذَنْ لِي فَلِأُسَابِقَ الرَّجُلَ. قَالَ: إِنْ
ذكر غزوة بني المصطلق من خزاعة
شِئْتَ. قَالَ: فَطَفَرْتُ وَرَبَطْتُ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ فَأَلْحَقُهُ، فَقُلْتُ: سَبَقَتْكُ وَاللَّهِ! فَسَبَقْتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ نَمْكُثْ بِهَا إِلَّا ثَلَاثًا حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ» . وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ نُودِيَ: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، وَلَمْ يَكُنْ يُقَالُ قَبْلَهَا. (قَرَدٌ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ) . [ذِكْرُ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ] ذُكِرَتْ هَذِهِ الْغَزْوَةُ بَعْدَ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ، وَكَانَتْ فِي شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ (سَنَةِ سِتٍّ) ، وَكَانَ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ تَجَمَّعُوا لَهُ، وَكَانَ قَائِدَهُمُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ أَبُو جُوَيْرِيَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ خَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُمْ بِمَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: الْمُرَيْسِيعُ، بِنَاحِيَةِ قُدَيْدٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَأُصِيبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي لَيْثِ بْنِ بَكْرٍ اسْمُهُ هِشَامُ بْنُ صُبَابَةَ، أَخُو مِقْيَسِ بْنِ صُبَابَةَ، أَصَابَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ رَهْطِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بِسَهْمٍ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مِنَ الْعَدُوِّ، فَقَتَلَهُ خَطَأً. «وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبَايَا كَثِيرَةً، فَقَسَّمَهَا فِي الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِمْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، فَوَقَعَتْ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ، فَكَاتَبَتْهُ عَنْ نَفْسِهَا، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَعَانَتْهُ فِي كِتَابَتِهَا، فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَكِ فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَقْضِي كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ. قَالَتْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَفَعَلَ، وَسَمِعَ النَّاسُ الْخَبَرَ، فَقَالُوا: أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ، فَأَعْتَقُوا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ بَيْتٍ مِنْ أَهْلٍ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا» . وَبَيْنَمَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ وَرَدَتْ وَارِدَةٌ النَّاسَ، وَمَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَجِيرٌ لَهُ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، يُقَالُ لَهُ: جَهْجَاهٌ، فَازْدَحَمَ هُوَ وَسِنَانٌ الْجُهَنِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَوْفٍ مِنَ الْخَزْرَجِ، عَلَى الْمَاءِ، فَاقْتَتَلَا، فَصَرَخَ الْجُهَنِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ! وَصَرَخَ جَهْجَاهٌ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ! فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبِيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَعِنْدَهُ رَهْطٌ مِنْ قَوْمِهِ فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، غُلَامٌ حَدِيثُ السِّنِّ. فَقَالَ: أَقَدْ فَعَلُوهَا! قَدْ كَاثَرُونَا فِي بِلَادِنَا! أَمَا وَاللَّهِ
{لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: 8] ! ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالَ: هَذَا مَا فَعَلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ! أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِبِلَادِكُمْ، وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ! وَاللَّهِ لَوْ أَمْسَكْتُمْ عَنْهُمْ مَا بِأَيْدِيكُمْ لَتَحَوَّلُوا إِلَى غَيْرِ بِلَادِكُمْ. فَسَمِعَ ذَلِكَ زِيدٌ، فَمَشَى بِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ عِنْدَ فَرَاغِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَزْوِهِ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْ بِهِ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ فَلْيَقْتُلْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ! وَلَكِنْ أَذِّنْ بِالرَّحِيلِ» . فَارْتَحَلَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَرْتَحِلُ فِيهَا، لِيَقْطَعَ مَا النَّاسُ فِيهِ. فَلَقِيَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ رُحْتَ فِي سَاعَةٍ لَمْ تَكُنْ تَرُوحُ فِيهَا. فَقَالَ: أَوَمَا بَلَغَكَ مَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ؟ قَالَ: وَمَاذَا؟ قَالَ زَعَمَ إِنْ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. قَالَ أُسَيْدٌ: فَأَنْتَ وَاللَّهِ تُخْرِجُهُ إِنْ شِئْتَ، فَإِنَّكَ الْعَزِيزُ وَهُوَ الذَّلِيلُ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ارْفُقْ بِهِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ بِكَ وَإِنَّ قَوْمَهُ لَيَنْظِمُونَ لَهُ الْخَرَزَ لِيُتَوِّجُوهُ، فَإِنَّهُ لَيَرَى أَنَّكَ قَدِ اسْتَلَبْتَهُ مُلْكًا. وَسَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنَّ زَيْدًا أَعْلَمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَهُ، فَمَشَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قُلْتُ مَا قَالَ، وَلَا تَكَلَّمْتُ بِهِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ فِي قَوْمِهِ شَرِيفًا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَسَى أَنْ يَكُونَ الْغُلَامُ قَدْ أَخْطَأَ، «وَأَنْزَلَ اللَّهُ: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} [المنافقون: 1] تَصْدِيقًا لِزَيْدٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُذُنِ زَيْدٍ وَقَالَ: هَذَا الَّذِي أَوْفَى اللَّهُ بِأُذُنِهِ» . وَبَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِيهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ أَبِي، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ، فَأَنَا أَحْمِلُ إِلَيْكَ رَأْسَهُ، وَأَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ غَيْرِي بِقَتْلِهِ، فَلَا تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْظُرُ إِلَى قَاتِلِ أَبِي يَمْشِي فِي النَّاسِ فَأَقْتُلُهُ، فَأَقْتُلُ مُؤْمِنًا بِكَافِرٍ فَأَدْخُلُ النَّارَ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ نَرْفُقُ بِهِ، وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا. فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ حَدَثًا عَاتَبَهُ قَوْمُهُ، وَعَنَّفُوهُ، وَتَوَعَّدُوهُ،
حديث الإفك
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ بَلَغَهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ: كَيْفَ تَرَى ذَلِكَ يَا عُمَرُ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ أَمَرْتَنِي بِقَتْلِهِ لَأُرْعِدَتْ لَهُ آنُفٌ، لَوْ أَمَرْتَهَا الْيَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي» . وَفِيهَا قَدِمَ مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ مُسْلِمًا فِيمَا يَظْهَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ مُسْلِمًا، وَجِئْتُ أَطْلُبُ دِيَةَ أَخِي، وَكَانَ قُتِلَ خَطَأً، فَأَمَرَ لَهُ بِدِيَةِ أَخِيهِ هِشَامِ بْنِ صُبَابَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قَتْلِهِ آنِفًا، فَأَقَامَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمَّ عَدَا عَلَى قَاتِلِ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُرْتَدًّا فَقَالَ: شَفَى النَّفْسَ أَنْ قَدْ بَاتَ فِي الْقَاعِ مُسْنَدًا ... تُضَرَّجُ ثَوْبَيْهِ دِمَاءُ الْأَخَادِعِ وَكَانَتْ هُمُومُ النَّفْسِ مِنْ قَبْلِ قَتْلِهِ ... تُلِمُّ فَتُحْمِينِي وِطَاءَ الْمَضَاجِعِ حَلَلْتُ بِهِ نَذْرِي وَأَدْرَكْتُ ثُؤْرَتِي ... وَكُنْتُ إِلَى الْأَصْنَامِ أَوَّلَ رَاجِعِ (مِقْيَسٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الْقَافِ، وَفَتْحِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ. وَصُبَابَةُ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ، وَبِبَاءَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ. وَأُسَيْدٌ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ. وَحُضَيْرٌ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الضَّادِ) . [حَدِيثُ الْإِفْكِ] وَكَانَ حَدِيثُ الْإِفْكِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ: «لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجَ بِي مَعَهُ، وَكَانَتِ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلَقَ لَمْ يَتَفَكَّهْنَ
بِاللَّحْمِ، وَكُنْتُ إِذَا وَصَلَ بِعِيرِي جَلَسْتُ فِي هَوْدَجِي، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمُ الَّذِينَ يُرَحِّلُونَ بِعِيرِي، فَيَحْمِلُونَ الْهَوْدَجَ وَأَنَا فِيهِ، فَيَضَعُونَهُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ، ثُمَّ يَأْخُذُونَ بِرَأْسِ الْبَعِيرِ وَيَسِيرُونَ. قَالَتْ فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ سَفَرِهِ ذَلِكَ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، بَاتَ بِمَنْزِلٍ بَعْضَ اللَّيْلِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ هُوَ وَالنَّاسُ، وَكُنْتُ قَدْ خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي وَفِي عُنُقِي عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ، انْسَلَّ مِنْ عُنُقِي وَلَا أَدْرِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ الْتَمَسْتُ الْعِقْدَ فَلَمْ أَجِدْهُ، وَأَخَذَ النَّاسُ بِالرَّحِيلِ، فَرَجَعْتُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ أَلْتَمِسُهُ فَوَجَدْتُهُ، وَجَاءَ الْقَوْمُ الَّذِينَ يُرَحِّلُونَ بِعِيرِي، فَأَخَذُوا الْهَوْدَجَ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنِّي فِيهِ، فَاحْتَمَلُوهُ عَلَى عَادَتِهِمْ وَانْطَلَقُوا، وَرَجَعْتُ إِلَى الْمُعَسْكَرِ وَمَا فِيهِ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَلَفَّفْتُ بِجِلْبَابِي وَاضْطَجَعْتُ مَكَانِي، وَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَيَّ إِذَا افْتَقَدُونِي. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لَمُضْطَجِعَةٌ إِذْ مَرَّ بِي صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ، وَكَانَ تَخَلَّفَ عَنِ الْعَسْكَرِ لِحَاجَتِهِ، فَلَمْ يَبِتْ مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا رَأَى سَوَادِي أَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَيَّ فَعَرَفَنِي، وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ، فَلَمَّا رَآنِي اسْتَرْجَعَ وَقَالَ: مَا خَلَّفَكِ؟ قَالَتْ: فَمَا كَلَّمْتُهُ، ثُمَّ قَرَّبَ الْبَعِيرَ وَقَالَ: ارْكَبِي. فَرَكِبْتُ، وَأَخَذَ بِرَأْسِ الْبَعِيرِ مُسْرِعًا. فَلَمَّا نَزَلَ النَّاسُ وَاطْمَأَنُّوا طَلَعَ الرَّجُلُ يَقُودُنِي، فَقَالَ أَهْلُ الْإِفْكِ فِيَّ مَا قَالُوا، فَارْتَعَجَ الْعَسْكَرُ، وَلَمْ أَعْلَمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ شَكْوَى شَدِيدَةً، وَقَدِ انْتَهَى الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِلَى أَبَوَيَّ، وَلَا يَذْكُرَانِ لِي مِنْهُ شَيْئًا، إِلَّا أَنِّي أَنْكَرْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضَ لُطْفِهِ، فَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ وَأُمِّي تُمَرِّضُنِي قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، فَوَجَدْتُ فِي نَفْسِي مِمَّا رَأَيْتُ مِنْ جَفَائِهِ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي الِانْتِقَالِ إِلَى أُمِّي لِتُمَرِّضَنِي، فَأَذِنَ لِي، وَانْتَقَلْتُ وَلَا أَعْلَمُ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ، حَتَّى نَقِهْتُ مِنْ وَجَعِي بَعْدَ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً. قَالَتْ: وَكُنَّا قَوْمًا عَرَبًا لَا نَتَّخِذُ فِي بُيُوتِنَا هَذِهِ الْكُنُفَ، نَعَافُهَا وَنَكْرَهُهَا، إِنَّمَا كَانَ النِّسَاءُ يَخْرُجْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَخَرَجْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ حَاجَتِي وَمَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَتْ أُمُّهَا خَالَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ إِنَّهَا لَتَمْشِي إِذْ عَثَرَتْ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ. قَالَتْ: قُلْتُ: لَعَمْرُ اللَّهِ بِئْسَ مَا قُلْتِ لِرَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا! قَالَتْ: أَوَمَا بَلَغَكِ الْخَبَرُ؟ قُلْتُ: وَمَا الْخَبَرُ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِالَّذِي كَانَ. قَالَتْ:
فَوَاللَّهِ مَا قَدَرْتُ عَلَى أَنْ أَقْضِيَ حَاجَتِي فَرَجَعْتُ، فَمَا زِلْتُ أَبْكِي حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ الْبُكَاءَ سَيَصْدَعُ كَبِدِي، وَقُلْتُ لِأُمِّي: تَحَدَّثَ النَّاسُ بِمَا تَحَدَّثُوا وَلَا تَذْكُرِينَ لِي مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؟ قَالَتْ: أَيْ بُنَيَّةُ، خَفِّضِي عَلَيْكِ، فَوَاللَّهِ قَلَّ مَا كَانَتِ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ، وَكَثَّرَ النَّاسُ عَلَيْهَا. قَالَتْ: وَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ، وَلَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَا بَالُ رِجَالٍ يُؤْذُونَنِي فِي أَهْلِي، وَيَقُولُونَ عَلَيْهِنَّ غَيْرَ الْحَقِّ، وَيَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا دَخَلَ بَيْتًا مِنْ بُيُوتِي إِلَّا مَعِي. وَكَانَ كُبْرُ ذَلِكَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ فِي رِجَالٍ مِنَ الْخَزْرَجِ، مَعَ الَّذِي قَالَ مِسْطَحٌ وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَذَلِكَ أَنَّ زَيْنَبَ أُخْتَهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَشَاعَتْ مِنْ ذَلِكَ مَا أَشَاعَتْ؛ تُضَارُّنِي لِأُخْتِهَا، فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ الْمَقَالَةَ، قَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ يَكُونُوا مِنَ الْأَوْسِ نَكْفِكَهُمْ، وَإِنْ يَكُونُوا مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: وَاللَّهِ مَا قُلْتَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ إِلَّا وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُمْ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَلَوْ كَانُوا مِنْ قَوْمِكَ مَا قُلْتَ هَذَا. فَقَالَ أُسَيْدٌ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. وَتَثَاوَرَ النَّاسُ حَتَّى كَادَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ شَرٌّ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَعَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَاسْتَشَارَهُمَا، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَثْنَى خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ: إِنَّ النِّسَاءَ لَكَثِيرٌ، وَسَلِ الْخَادِمَ تَصْدُقُكَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَرِيرَةَ يَسْأَلُهَا، فَقَامَ إِلَيْهَا عَلِيٌّ، فَضَرَبَهَا ضَرْبًا شَدِيدًا وَهُوَ يَقُولُ: اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كُنْتُ أَعِيبُ عَلَيْهَا إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَنَامُ عَنْ عَجِينِهَا، فَيَأْتِي الدَّاجِنُ فَيَأْكُلُهُ. ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدِي أَبَوَايَ وَامْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَنَا أَبْكِي وَهِيَ تَبْكِي، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّهُ قَدْ كَانَ مَا بَلَغَكِ مِنْ قَوْلِ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتِ قَارَفْتِ سُوءًا فَتُوبِي إِلَى اللَّهِ. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ تَقَلَّصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ شَيْئًا، وَانْتَظَرْتُ أَبَوَيَّ أَنْ يُجِيبَاهُ، فَلَمْ يَفْعَلَا، فَقُلْتُ: أَلَا تُجِيبَانِهِ؟ فَقَالَا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي بِمَاذَا نُجِيبُهُ! وَمَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ دَخَلَ عَلَيْهِمْ مَا دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامِ. فَلَمَّا اسْتَعْجَمَا بَكَيْتُ ثُمَّ قُلْتُ: وَاللَّهِ لَا
أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِمَّا ذَكَرْتَ أَبَدًا، وَاللَّهِ لَئِنْ أَقْرَرْتُ - وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ - لَتُصَدِّقُنِي، وَلَئِنْ أَنْكَرْتُ لَا تُصَدِّقُنِي. ثُمَّ الْتَمَسْتُ اسْمَ يَعْقُوبَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَقُلْتُ: وَلَكِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] ، وَلَشَأْنِي كَأَنِّي أَصَغْرُ فِي نَفْسِي أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ فِيَّ قُرْآنًا يُتْلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رُؤْيَا يُكَذِّبُ اللَّهُ بِهَا عَنِّي. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا بَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْيُ، فَسُجِّيَ بِثَوْبِهِ، فَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ مَا فَزِعْتُ وَلَا بَالَيْتُ، قَدْ عَرَفْتُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ غَيْرُ ظَالِمِي، وَأَمَّا أَبَوَايَ فَمَا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى ظَنَنْتُ لَتَخْرُجَنَّ أَنْفُسُهُمَا فَرَقًا مِنْ أَنْ يُحَقِّقَ اللَّهُ مَا قَالَ النَّاسُ. قَالَتْ: ثُمَّ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ عَنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ وَيَقُولُ: أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ. فَقُلْتُ: بِحَمْدِ اللَّهِ! ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ، وَذَكَرَ لَهُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيَّ مَنِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ أَمَرَ بِمِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ، وَحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانُوا مِمَّنْ أَفْصَحَ بِالْفَاحِشَةِ، فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ، وَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ لَا يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ أَبَدًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ} [النور: 22] الْآيَةَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، وَرَجَّعَ إِلَى مِسْطَحٍ نَفَقَتَهُ. ثُمَّ إِنَّ صَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطَّلِ اعْتَرَضَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ بِالسَّيْفِ فَضَرَبَهُ، ثُمَّ قَالَ: تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عَنِّي فَإِنَّنِي ... غُلَامٌ إِذَا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشَاعِرِ فَوَثَبَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ فَجَمَعَ يَدَيْهِ إِلَى عُنُقِهِ، وَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: ضَرَبَ حَسَّانَ وَمَا أَرَاهُ إِلَّا قَتَلَهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَلْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَيْءٍ مِمَّا صَنَعْتَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ: لَقَدِ اجْتَرَأْتَ، أَطْلِقِ الرَّجُلَ. فَأَطْلَقَهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَا حَسَّانَ وَصَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطَّلِ، فَقَالَ صَفْوَانُ: هَجَانِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَآذَانِي، فَضَرَبْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَسَّانَ: أَحْسِنْ يَا حَسَّانُ. قَالَ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِوَضًا مِنْهَا بَيْرَحَاءَ - وَهِيَ قَصْرُ بَنِي حُدَيْلَةَ، بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - وَأَعْطَاهُ شِيرِينَ - أَمَةً قِبْطِيَّةٌ، وَهِيَ أُخْتُ مَارِيَةَ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ - فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ صَفْوَانُ حَصُورًا
ذكر عمرة الحديبية
لَا يَأْتِي النِّسَاءَ، ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيدًا» . (مِسْطَحٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالطَّاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ) . [ذِكْرُ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعْتَمِرًا فِي ذِي الْقِعْدَةِ، لَا يُرِيدُ حَرْبًا، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ، وَقِيلَ: أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثُمِائَةٍ، وَسَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ سَبْعِينَ بَدَنَةً؛ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ زَائِرًا لِلْبَيْتِ. فَلَمَّا بَلَغَ عُسْفَانَ لَقِيَهُ بُسْرُ بْنُ سُفْيَانَ الْكَعْبِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ سَمِعُوا بِمَسِيرِكَ، فَاجْتَمَعُوا بِذِي طُوًى يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَقَدْ قَدَّمُوا خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ. وَقِيلَ: إِنَّ خَالِدًا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْلِمًا، وَإِنَّهُ أَرْسَلَهُ، فَلَقِيَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ فَهَزَمَهُ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَلَمَّا بَلَّغَهُ بُسْرٌ مَا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ، قَدْ أَكَلَتْهُمُ الْحَرْبُ! مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ، فَإِنْ أَصَابُونِي كَانَ الَّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَافِرِينَ، وَاللَّهِ لَا أَزَالُ أُجَاهِدُهُمْ عَلَى الَّذِي بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ، أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي هَمَّ بِهَا، وَسَلَكَ ذَاتَ الْيَمِينِ، حَتَّى سَلَكَ ثَنِيَّةَ الْمُرَارِ عَلَى مَهْبَطِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَبَرَكَتْ بِهِ نَاقَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: خَلَأَتْ. فَقَالَ: مَا خَلَأَتْ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ عَنْ مَكَّةَ، لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إِلَى خُطَّةٍ يَسْأَلُونِي فِيهَا صِلَةَ الرَّحِمِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا. ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: انْزِلُوا. فَقَالُوا: مَا بِالْوَادِي مَاءٌ. فَأَخْرَجَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَأَعْطَاهُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَنَزَلَ فِي قَلِيبٍ مِنْ تِلْكَ الْقُلُبِ، فَغَرَزَهُ فِي جَوْفِهِ، فَجَاشَ الْمَاءُ بِالرَّيِّ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ عَنْهُ بِعَطَنٍ» ، وَكَانَ اسْمُ الَّذِي أَخَذَ السَّهْمَ
نَاجِيَةُ بْنُ عُمَيْرٍ، سَائِقُ بُدْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ أَتَاهُمْ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ خُزَاعَةَ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ تِهَامَةَ، فَقَالَ: تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ، قَدْ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنْ شَاءَتْ قُرَيْشٌ مَادَدْنَاهُمْ مُدَّةً، وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، وَإِنْ أَبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي» . فَانْطَلَقَ بُدَيْلٌ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَعْلَمَهُمْ مَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ، فَاقْبَلُوهَا، دَعُونِي آتِهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ. فَأَتَاهُ وَكَلَّمَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، جَمَعْتَ أَوْشَابَ النَّاسِ، ثُمَّ جِئْتَ بِهِمْ إِلَى بَيْضَتِكَ لِتَفُضَّهَا بِهِمْ، إِنَّهَا قُرَيْشٌ خَرَجَتْ مَعَهَا الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، يُعَاهِدُونَ اللَّهَ أَنَّكَ لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً أَبَدًا، وَايْمُ اللَّهِ لَكَأَنِّي بِهَؤُلَاءِ قَدْ تَكَشَّفُوا عَنْكَ غَدًا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ! أَنَحْنُ نَنْكَشِفُ عَنْهُ؟ قَالَ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ. فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَكَفَأْتُكُ بِهَا. ثُمَّ جَعَلَ يَتَنَاوَلُ لِحْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُكَلِّمُهُ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيدِ، فَجَعَلَ يَقْرَعُ يَدَهُ إِذَا تَنَاوَلَهَا وَيَقُولُ لَهُ: اكْفُفْ يَدَكَ قَبْلَ أَنْ لَا تَصِلَ إِلَيْكَ، فَقَالَ عُرْوَةُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا ابْنُ أَخِيكَ الْمُغِيرَةُ. فَقَالَ: أَيْ غُدَرُ! وَهَلْ غَسَلْتُ سَوْءَتَكَ إِلَّا بِالْأَمْسِ؟ - وَكَانَ الْمُغِيرَةُ قَدْ قَتَلَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَالِكٍ وَهَرَبَ، فَتَهَايَجَ الْحَيَّانِ بَنُو مَالِكٍ رَهْطُ الْمَقْتُولِينَ، وَالْأَحْلَافُ رَهْطُ الْمُغِيرَةِ، فَوَدَى عُرْوَةُ لِلْمَقْتُولِينَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ دِيَةً، وَأَصْلَحَ ذَلِكَ الْأَمْرَ. وَطَالَ الْكَلَامُ بَيْنَهُمَا: فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَ مَقَالَتِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: يَا مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ قَوْمَكَ، فَهَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَصْلَهُ قَبْلَكَ؟ وَجَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَاللَّهِ لَا يَتَنَخَّمُ النَّبِيُّ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ
أَحَدِهِمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِنْ أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَمَا يَحُدُّونَ النَّظَرَ إِلَيْهِ؛ تَعْظِيمًا لَهُ. فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: أَيْ قَوْمُ، وَفَدْتُ عَلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا! وَحَدَّثَهُمْ مَا رَأَى، وَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ كِنَانَةَ اسْمُهُ الْحُلَيْسُ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ الْأَحَابِيشِ: دَعُونِي آتِهِ. فَقَالُوا: ائْتِهِ. فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «هَذَا فُلَانٌ، هُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ، فَابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ. فَلَمَّا رَأَى الْهَدْيَ رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ وَلَمْ يَصِلْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَقَالَ: يَا قَوْمُ، قَدْ رَأَيْتُ مَا لَا يَحِلُّ صَدُّهُ، الْهَدْيُ فِي قَلَائِدِهِ. فَقَالُوا: اجْلِسْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ أَعْرَابِيٌّ لَا عِلْمَ لَكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَى هَذَا حَالَفْنَاكُمْ؛ أَنْ تَصُدُّوا عَنِ الْبَيْتِ مَنْ جَاءَ مُعَظِّمًا لَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُخَلُّنَّ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، أَوْ لَأَنْفِرَنَّ بِالْأَحَابِيشِ نَفْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ. قَالَ: فَقَالُوا: مَهْ! كُفَّ عَنَّا يَا حُلَيْسُ حَتَّى نَأْخُذَ لِأَنْفُسِنَا. «فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ فَقَالَ: دَعُونِي آتِهِ. فَقَالُوا: افْعَلْ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَذَا رَجُلٌ فَاجِرٌ. فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ النَّبِيُّ: سُهِّلَ أَمْرُكُمْ» . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ قُرَيْشًا إِنَّمَا بَعَثَتْ سُهَيْلًا بَعْدَ رِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. قَالَ: لَمَّا رَجَعَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى قُرَيْشٍ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِرَاشَ بْنَ أُمَيَّةَ الْخُزَاعِيَّ إِلَى قُرَيْشٍ عَلَى جَمَلٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ: الثَّعْلَبُ، لِيُبَلِّغَ عَنْهُ، فَعَقَرُوا بِهِ جَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَمَنَعَتْهُ الْأَحَابِيشُ وَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَ لِيُرْسِلَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: لَيْسَ بِمَكَّةَ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ مَنْ يَمْنَعُنِي، وَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ عَدَاوَتِي لَهَا، وَأَخَافُهَا عَلَى نَفْسِي، فَأَرْسِلْ عُثْمَانَ فَهُوَ أَعَزُّ بِهَا مِنِّي. فَدَعَا عُثْمَانَ فَأَرْسَلَهُ لِيُبَلِّغَ عَنْهُ، فَانْطَلَقَ، فَلَقِيَهُ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فَأَجَارَهُ، فَأَتَى أَبَا سُفْيَانَ وَعُظَمَاءَ قُرَيْشٍ فَبَلَّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا لِعُثْمَانَ حِينَ فَرَغَ مِنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَطُفْ بِهِ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ حَتَّى يَطُوفَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاحْتَبَسَتْهُ قُرَيْشٌ عِنْدَهَا، فَبَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَدْ قُتِلَ، فَقَالَ: «لَا نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ الْقَوْمَ.
ثُمَّ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَبَايَعُوهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» ، وَهِيَ سَمُرَةُ، لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ رَجُلٌ مَنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ: أَبُو سِنَانٍ. ثُمَّ أَتَى الْخَبَرُ أَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يُقْتَلْ. ثُمَّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو أَخَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُصَالِحَهُ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُمْ عَامَهُ ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ سُهَيْلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَطَالَ مَعَهُ الْكَلَامَ وَتَرَاجَعَا، ثُمَّ جَرَى بَيْنَهُمُ الصُّلْحُ، «فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: اكْتُبْ بِاسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ سُهَيْلٌ: لَا نَعْرِفُ هَذَا، وَلَكِنِ اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَكَتَبَهَا، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو - فَقَالَ سُهَيْلٌ: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ نُقَاتِلْكَ، وَلَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ وَاسْمَ أَبِيكَ. فَقَالَ لَعَلِيٍّ: امْحُ رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: لَا أَمْحُوكَ أَبَدًا. فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ، فَكَتَبَ مَوْضِعَ رَسُولِ اللَّهِ: مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ لَعَلِيٍّ: لَتُبْلَيَنَّ بِمِثْلِهَا - اصْطَلَحَا عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَنِ النَّاسِ عَشْرَ سِنِينَ، وَأَنَّهُ مَنْ أَتَى مِنْهُمْ رَسُولَ اللَّهِ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ جَاءَ قُرَيْشًا مِمَّنْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ يُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ دَخَلَ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ دَخَلَ. فَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، وَأَنْ يَرْجِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُمْ عَامَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ عَامَ قَابِلٍ خَرَجْنَا عَنْكَ فَدَخَلْتَهَا بِأَصْحَابِكَ، فَأَقَمْتَ بِهَا ثَلَاثًا وَسِلَاحُ الرَّاكِبِ السُّيُوفُ فِي الْقُرُبِ. فَبَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْتُبُ الْكِتَابَ إِذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي الْحَدِيدِ، قَدِ انْفَلَتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَشُكُّونَ فِي الْفَتْحِ؛ لِرُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَأَوُا الصُّلْحَ دَخَلَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ حَتَّى كَادُوا يَهْلِكُونَ. فَلَمَّا رَأَى سُهَيْلٌ ابْنَهُ أَبَا جَنْدَلٍ أَخَذَهُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ تَمَّتِ الْقَضِيَّةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ هَذَا. قَالَ: صَدَقْتَ، وَأَخَذَهُ لِيَرُدَّهُ إِلَى قُرَيْشٍ، فَصَاحَ أَبُو جَنْدَلٍ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ لِيَفْتِنُونِي عَنْ دِينِي! فَزَادَ النَّاسَ شَرًّا إِلَى مَا بِهِمْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: احْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ أَعْطَيْنَا الْقَوْمَ عُهُودَنَا عَلَى ذَلِكَ، فَلَا نَغْدِرُ بِهِمْ» . قَالَ: فَوَثَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَمْشِي مَعَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَيَقُولُ لَهُ: اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّمَا هُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَإِنَّمَا دَمُ أَحَدِهِمْ دَمُ كَلْبٍ! وَأَدْنَى قَائِمَ السَّيْفِ مِنْهُ رَجَاءَ أَنْ يَأْخُذَهُ فَيَضْرِبَ بِهِ أَبَاهُ، قَالَ: فَبَخِلَ الرَّجُلُ بِأَبِيهِ.
وَشَهِدَ عَلَى الصُّلْحِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فِيهِمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. «فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَضِيَّتِهِ قَالَ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا» . فَمَا قَامَ أَحَدٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، اخْرُجْ، وَلَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَحْلِقَ شَعْرَكَ، فَفَعَلَ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَحَلَقُوا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا، فَمَا فُتِحَ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَهُ فَتْحٌ كَانَ أَعْظَمَ مِنْهُ، حَيْثُ أَمِنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ تَيْنِكَ السَّنَتَيْنِ مِثْلُ مَا دَخَلَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ جَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ عُتْبَةُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَكَانَ مِمَّنْ حُبِسَ بِمَكَّةَ، فَكَتَبَ فِيهِ الْأَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ عَوْفٍ، وَالْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، وَبَعَثَا فِيهِ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَمَعَهُ مَوْلًى لَهُمْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا قَدْ أَعْطَيْنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ عَهْدًا، وَلَا يَصْلُحُ الْغَدْرُ فِي دِينِنَا» . فَانْطَلَقَ مَعَهُمَا إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَجَلَسُوا، وَأَخَذَ أَبُو بَصِيرٍ سَيْفَ أَحَدِهِمَا فَقَتَلَهُ بِهِ، وَخَرَجَ الْمَوْلَى سَرِيعًا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ بِقَتْلِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ «أَقْبَلَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ وَفَتْ ذِمَّتُكَ وَأَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ رِجَالٌ» ! فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ أَبُو بَصِيرٍ حَتَّى نَزَلَ بِنَاحِيَةِ ذِي الْمَرْوَةِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، عَلَى طَرِيقِ قُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ، وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا احْتَبَسُوا بِمَكَّةَ ذَلِكَ، فَخَرَجُوا إِلَى أَبِي بَصِيرٍ، مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلٍ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ قَرِيبٌ مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا، فَضَيَّقُوا عَلَى قُرَيْشٍ يَعْتَرِضُونَ الْعِيرَ تَكُونُ لَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَاشِدُونَهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ لَمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَآوَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَفِيهَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ، وَهَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ، فِيهِنَّ أُمُّ كُلْثُومٍ ابْنَةُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَجَاءَ أَخُوهَا عُمَارَةُ وَالْوَلِيدُ يَطْلُبَانِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة: 10] الْآيَةَ، فَلَمْ يُرْسِلِ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِلَى مَكَّةَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10] فَطَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ امْرَأَتَيْنِ لَهُ،
وفيها كانت عدة من سرايا وغزوات
إِحْدَاهُمَا قَرِيبَةُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَالثَّانِيَةُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِيِّ، وَهُمَا مُشْرِكَتَانِ، فَتَزَوَّجَ أُمَّ كُلْثُومٍ أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ. (بُسْرٌ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ. بَصِيرٌ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ، وَالْيَاءِ السَّاكِنَةِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ أَيْضًا. وَأَسِيدٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ السِّينِ. وَجَارِيَةُ بِالْجِيمِ. وَالْحُلَيْسُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ اللَّامِ، وَبَعْدَهُ يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ) . [وَفِيهَا كَانَتْ عِدَّةٌ مِنْ سَرَايَا وَغَزَوَاتٍ] مِنْهَا سَرِيَّةُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا إِلَى الْغَمْرِ، فَنَذَرَ بِهِمُ الْقَوْمُ فَهَرَبُوا، فَسَعَتِ الطَّلَائِعُ فَوَجَدُوا مِائَتَيْ بَعِيرٍ، فَأَخَذُوهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ. وَمِنْهَا سَرِيَّةُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَشَرَةِ فَوَارِسَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ إِلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدٍ، فَكَمَنَ الْقَوْمُ لَهُ حَتَّى نَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَ أَصْحَابَهُ، وَنَجَا هُوَ وَحْدَهُ جَرِيحًا. وَمِنْهَا سَرِيَّةُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا، فَهَرَبَ أَهْلُهُ مِنْهُمْ وَأَصَابُوا نَعَمًا وَرَجُلًا وَاحِدًا أَسْلَمَ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَمِنْهَا سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بِالْجَمُومِ، فَأَصَابَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ اسْمُهَا حَلِيمَةُ، فَدَلَّتْهُمْ عَلَى مَحَلَّةٍ مِنْ مَحَالِّ بَنِي سُلَيْمٍ، فَأَصَابُوا نَعَمًا وَشَاءً وَأَسْرَى، فِيهِمْ زَوْجُهَا، فَأَطْلَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَوْجَهَا مَعَهَا. وَمِنْهَا سَرِيَّةُ زَيْدٍ أَيْضًا إِلَى الْعِيصِ فِي جُمَادَى الْأُولَى. وَفِيهَا أُخِذَتِ الْأَمْوَالُ الَّتِي كَانَتْ مَعَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَاسْتَجَارَ بِزَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَارَتْهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ. وَمِنْهَا سَرِيَّةُ زَيْدٍ أَيْضًا إِلَى الطَّرَفِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ إِلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ، فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَهَرَبُوا مِنْهُ، وَأَصَابَ مِنْ نَعَمِهِمْ عِشْرِينَ بَعِيرًا. وَمِنْهَا سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى حِسْمَى فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ. وَسَبَبُهَا أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ الْجُذَامِيَّ، ثُمَّ الضَّبِّيَّ، قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُلَامًا وَأَسْلَمَ، فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كِتَابًا إِلَى قَوْمِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمُوا، ثُمَّ سَارُوا إِلَى حَرَّةِ الرَّجْلَاءِ.
ثُمَّ إِنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيَّ أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ مِنْ عِنْدِ قَيْصَرَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَرْضِ جُذَامَ أَغَارَ عَلَيْهِ الْهُنَيْدُ بْنُ عُوصٍ، وَابْنُهُ عُوصُ بْنُ الْهُنَيْدِ الضُّلَيْعِيَّانِ، وَهُوَ بَطْنٌ مِنْ جُذَامَ، فَأَخَذَا كُلَّ شَيْءٍ مَعَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَفَرًا مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ قَوْمِ رِفَاعَةَ مِمَّنْ كَانَ أَسْلَمَ، فَنَفَرُوا إِلَى الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ، وَاقْتَتَلُوا، فَظَفِرَ بَنُو الضُّبَيْبِ، وَاسْتَنْقَذُوا كُلَّ شَيْءٍ أُخِذَ مِنْ دِحْيَةَ، وَرَدُّوهُ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ دِحْيَةُ حَتَّى قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ دَمَ الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ عُوصٍ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي جَيْشٍ، فَأَغَارُوا بِالْفَضَافِضِ، وَجَمَعُوا مَا وَجَدُوا مِنْ مَالٍ، وَقَتَلُوا الْهُنَيْدَ وَابْنَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَنُو الضُّبَيْبِ رَهْطُ رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، سَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَقَالُوا: إِنَّا قَوْمٌ مُسْلِمُونَ. فَقَالَ زَيْدٌ: فَاقْرَءُوا أُمَّ الْكِتَابِ، فَقَرَأَهَا حَسَّانُ بْنُ مِلَّةَ. فَقَالَ زَيْدٌ: نَادُوا فِي الْجَيْشِ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْنَا مَا أُخِذَ مِنْ طَرِيقِ الْقَوْمِ الَّتِي جَاءُوا مِنْهَا، وَأَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ سَبَايَاهُمْ، فَأَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَنْهُمْ بِمَا أَوْجَبَ أَنْ يَحْتَاطَ، فَتَوَقَّفَ فِي تَسْلِيمِ السَّبَايَا وَقَالَ: هُمْ فِي حُكْمِ اللَّهِ، وَنَهَى الْجَيْشَ أَنْ يَهْبِطُوا وَادِيَهُمْ. وَعَادَ أُولَئِكَ الرَّكْبُ الْجُذَامِيُّونَ إِلَى رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ بِكُرَاعِ رَبَّةَ لَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: إِنَّكَ لَجَالِسٌ تَحْلُبُ الْمَعْزَى، وَنِسَاءُ جُذَامَ أُسَارَى قَدْ غَرَّهُنَّ كِتَابُكَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ. فَسَارَ رِفَاعَةُ وَالْقَوْمُ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَعَرَضَ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِالْقَتْلَى؟ فَقَالُوا: لَنَا مَنْ كَانَ حَيًّا، وَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ تَحْتُ أَقْدَامِنَا، يَعْنُونَ تَرَكُوا الطَّلَبَ بِهِ. فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَأَرْسَلَ مَعَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فَرَدَّ عَلَى الْقَوْمِ مَا لَهُمْ حَتَّى كَانُوا يَنْتَزِعُونَ لَبِدَ الْمَرْأَةِ تَحْتَ الرَّحْلِ، وَأَطْلَقَ الْأُسَارَى. (رَبَّةُ بِالرَّاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَالضُّبَيْبُ بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، تَصْغِيرُ ضَبٍّ، وَقِيلَ: هُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ، وَكَسْرِ الْبَاءِ، وَآخِرُهُ نُونٌ - نِسْبَةً إِلَى ضَبِيبَةَ) . وَمِنْهَا سَرِيَّةُ زَيْدٍ أَيْضًا إِلَى وَادِي الْقُرَى فِي رَجَبٍ.
وَمِنْهَا سَرِيَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ فِي شَعْبَانَ، فَأَسْلَمُوا، فَتَزَوَّجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ تُمَاضِرَ بِنْتَ الْأَصْبَغِ رَئِيسَهُمْ، وَهِيَ أُمُّ أَبِي سَلَمَةَ. وَمِنْهَا سَرِيَّةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى فَدَكٍ فِي شَعْبَانَ، فِي مِائَةِ رَجُلٍ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلَغَهُ أَنَّ حَيًّا مِنْ بَنِي سَعْدٍ قَدْ تَجَمَّعُوا لَهُ، يُرِيدُونَ أَنْ يَمُدُّوا أَهْلَ خَيْبَرَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ فَأَصَابَ عَيْنًا لَهُمْ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَارَ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَصْرَهُمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا لَهُمْ تَمْرَ خَيْبَرَ. وَمِنْهَا سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى أُمِّ قِرْفَةَ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَتْ عَجُوزًا كَبِيرَةً، فَلَقِيَ زَيْدَ بْنَ فَزَارَةَ بِوَادِي الْقُرَى، فَأُصِيبَ أَصْحَابُهُ وَارْتُثَّ زَيْدٌ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى، فَنَذَرَ أَنْ لَا يَمَسَّ مَاءً مِنْ جَنَابَةٍ حَتَّى يَغْزُوَ فَزَارَةَ، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُمْ بِوَادِي الْقُرَى، فَأَصَابَ مِنْهُمْ وَقَتَلَ وَأَسَرَ أُمَّ قِرْفَةَ، وَهِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَبِيعَةَ بْنِ بَدْرٍ، عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، وَبِنْتًا لَهَا، فَرَبَطَ أُمَّ قِرْفَةَ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ فَشَقَّاهَا نِصْفَيْنِ، وَقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِابْنَتِهَا، وَكَانَتْ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ هِبَةً، وَأَرْسَلَهَا إِلَى حَرْبِ بْنِ أَبِي وَهْبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَرْبٍ. وَأَمَّا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ فَإِنَّهُ جَعَلَ أَمِيرَ هَذِهِ السَّرِيَّةِ أَبَا بَكْرٍ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْنَا أَبَا بَكْرٍ، فَغَزَوْنَا نَاسًا مِنْ بَنِي فَزَارَةَ، فَشَنَنَّا عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَأَخَذْتُ مِنْهُمْ جَمَاعَةً وَسُقْتُهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَفِيهَا امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ مَعَهَا بِنْتٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ الْعَرَبِ، فَنَفَّلَنِي أَبُو بَكْرٍ بِنْتَهَا، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالسُّوقِ فَقَالَ لِي: يَا سَلَمَةَ، لِلَّهِ أَبُوكَ، هَبْ لِي الْمَرْأَةَ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا. فَسَكَتَ ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ فَوَهَبْتُهَا لَهُ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى مَكَّةَ، فَفَادَى بِهَا أُسَارَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ» .
ذكر مكاتبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الملوك
وَمِنْهَا سَرِيَّةُ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ الْفِهْرِيِّ إِلَى الْعُرَنِيِّينَ الَّذِينَ قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ فِي شَوَّالٍ. وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِشْرِينَ فَارِسًا. وَفِيهَا تَزَوَّجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَمِيلَةَ بِنْتَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي أَقْلَحَ أُخْتَ عَاصِمٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَاصِمًا، فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ يَزِيدُ بْنُ جَارِيَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، فَهُوَ أَخُو عَاصِمٍ لِأُمِّهِ. (جَارِيَةُ بِالْجِيمِ، وَبَعْدَ الرَّاءِ يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ) . وَفِيهَا أَجْدَبَ النَّاسُ جَدْبًا شَدِيدًا، فَاسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ بِالنَّاسِ فِي رَمَضَانَ. [ذِكْرُ مُكَاتَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُلُوكَ] وَفِيهَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرُّسُلَ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَأَرْسَلَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُقَوْقِسِ بِمِصْرَ، وَأَرْسَلَ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيِّ، وَأَرْسَلَ دِحْيَةَ إِلَى قَيْصَرَ، وَأَرْسَلَ سَلِيطَ بْنَ عَمْرٍو الْعَامِرِيَّ إِلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ إِلَى كِسْرَى، وَأَرْسَلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إِلَى النَّجَاشِيِّ، وَأَرْسَلَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى أَخِي عَبْدِ الْقَيْسِ، وَقِيلَ: إِنَّ إِرْسَالَهُ كَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْمُقَوْقِسُ فَإِنَّهُ قَبِلَ كِتَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَهْدَى إِلَيْهِ أَرْبَعَ جَوَارٍ، مِنْهُنَّ مَارِيَةُ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَأَمَّا قَيْصَرُ، وَهُوَ هِرَقْلُ، فَإِنَّهُ قَبِلَ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعَلَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ وَخَاصِرَتِهِ، وَكَتَبَ إِلَى رَجُلٍ بِرُومِيَّةٍ كَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ يُخْبِرُهُ شَأْنَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ رُومِيَّةَ: إِنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُهُ لَا شَكَّ فِيهِ، فَاتَّبِعْهُ وَصَدِّقْهُ. فَجَمَعَ هِرَقْلُ بِطَارِقَةَ الرُّومِ فِي الدَّسْكَرَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُهَا، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ عِلِّيَةٍ، وَخَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ أَتَانِي كِتَابُ هَذَا الرَّجُلِ يَدْعُونِي إِلَى دِينِهِ، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا، فَهَلُمَّ فَلْنَتْبَعْهُ وَنُصَدِّقْهُ فَتَسْلَمَ لَنَا دُنْيَانَا وَآخِرَتُنَا. فَنَخَرُوا نَخْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ ابْتَدَرُوا الْأَبْوَابَ لِيَخْرُجُوا، فَقَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَخَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّمَا قُلْتُ لَكُمْ مَا قُلْتُ لِأَنْظُرَ كَيْفَ صَلَابَتُكُمْ فِي دِينِكُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمْ مَا سَرَّنِي، فَسَجَدُوا لَهُ. وَانْطَلَقَ وَقَالَ لِدَحْيَةَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَكِنِّي أَخَافُ الرُّومَ عَلَى نَفْسِي، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاتَّبَعْتُهُ، فَاذْهَبْ إِلَى ضُغَاطِرَ الْأُسْقُفِّ الْأَعْظَمِ فِي الرُّومِ، وَاذْكُرْ لَهُ أَمْرَ صَاحِبِكَ، وَانْظُرْ مَا يَقُولُ لَكَ. فَجَاءَ دِحْيَةُ وَأَخْبَرَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ ضُغَاطِرُ: وَاللَّهِ إِنَّ صَاحِبَكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، نَعْرِفُهُ بِصِفَتِهِ، وَنَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا. ثُمَّ أَخَذَ عَصَاهُ وَخَرَجَ عَلَى الرُّومِ وَهُمْ فِي الْكَنِيسَةِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، قَدْ جَاءَنَا كِتَابٌ مِنْ أَحْمَدَ يَدْعُونَا إِلَى اللَّهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ. فَرَجَعَ دِحْيَةُ إِلَى هِرَقْلَ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ. قَالَ: قَدْ قُلْتُ: إِنَّا نَخَافُهُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا. وَقَالَ قَيْصَرُ لِلرُّومِ: هَلُمُّوا نُعْطِيهِ الْجِزْيَةَ، فَأَبَوْا، فَقَالَ: نُعْطِيهِ أَرْضَ سُورِيَّةَ، وَهِيَ الشَّامُ، وَنُصَالِحُهُ، فَأَبَوْا، وَاسْتَدْعَى هِرَقْلُ أَبَا سُفْيَانَ، وَكَانَ بِالشَّامِ تَاجِرًا إِلَى الشَّامِ فِي الْهُدْنَةِ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَجْلَسَهُمْ هِرَقْلُ خَلْفَهُ، وَقَالَ: إِنِّي سَائِلُهُ، فَإِنَّ كَذِبَ فَكَذِّبُوهُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَوْلَا أَنْ يُؤْثَرَ عَنِّي الْكَذِبُ لَكَذَبْتُ، فَسَأَلَهُ عَنِ النَّبِيِّ، قَالَ: فَصَغَّرْتُ لَهُ شَأْنَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِي وَقَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ أَوْسَطُنَا نَسَبًا. قَالَ: هَلْ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مَنْ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ لَهُ فِيكُمْ مِلْكٌ سَلَبْتُمُوهُ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْكُمْ؟ قُلْتُ: الضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالْأَحْدَاثُ. قَالَ: فَهَلْ يُحِبُّهُ مَنْ يَتْبَعُهُ وَيَلْزَمُهُ، أَوْ يَقْلِيهِ وَيُفَارِقُهُ؟ قُلْتُ: مَا تَبِعَهُ رَجُلٌ فَفَارَقَهُ. قَالَ: فَكَيْفَ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ؟ قُلْتُ: سِجَالٌ، يُدَالُ عَلَيْنَا، وَنُدَالُ عَلَيْهِ. قَالَ: هَلْ يَغْدِرُ؟
قَالَ: فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَغْمِزُ بِهِ غَيْرَهَا، قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هُدْنَةٍ، وَلَا نَأْمَنُ غَدْرَهُ. قَالَ: فَمَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقَالَ لِي هِرَقْلُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ مَنْ أَوْسَطِ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَهُوَ مُتَشَبِّهٌ بِهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ سَلَبْتُمُوهُ مِلْكَهُ فَجَاءَ بِهَذَا لِتَرُدُّوا عَلَيْهِ مِلْكَهُ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمُ الضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، وَكَذَلِكَ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ عَمَّنْ يَتْبَعُهُ أَيُحِبُّهُ أَمْ يُفَارِقُهُ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَهُ وَلَا يُفَارِقُونَهُ، وَكَذَلِكَ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ لَا تَدْخُلُ قَلْبًا فَتَخْرُجُ مِنْهُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَلَئِنْ صَدَقْتَنِي لَيَغْلِبَنَّ عَلَى مَا تَحْتَ قَدَميَّ هَاتَيْنِ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي عِنْدَهُ فَأَغْسِلُ قَدَمَيْهِ. انْطَلِقْ لِشَأْنِكَ. قَالَ: فَخَرَجْتُ وَأَنَا أَضْرِبُ إِحْدَى يَدَيَّ بِالْأُخْرَى وَأَقُولُ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ، لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، أَصْبَحَ مُلُوكُ الرُّومِ يَهَابُونَهُ فِي سُلْطَانِهِمْ. قَالَ: «وَقَدِمَ عَلَيْهِ دِحْيَةُ بِكِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْأَكَّارِينَ عَلَيْكَ» . «وَأَمَّا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيُّ، فَأَتَاهُ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ، فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ: أَنَا سَائِرٌ إِلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَ قَوْلُهُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: بَادَ مُلْكُهُ» . وَأَمَّا النَّجَاشِيُّ، فَإِنَّهُ لَمَّا جَاءَهُ كِتَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، وَأَسْلَمَ عَلَى يَدِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنَهُ فِي سِتِّينَ مِنَ الْحَبَشَةِ، فَغَرِقُوا فِي الْبَحْرِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُزَوِّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَتْ مُهَاجِرَةً بِالْحَبَشَةِ مَعَ زَوْجِهَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، فَتَنَصَّرَ وَتُوفِّيَ بِالْحَبَشَةِ، فَخَطَبَهَا النَّجَاشِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَابَتْ، وَزَوَّجَهَا، وَأَصْدَقَهَا النَّجَاشِيُّ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو سُفْيَانَ تَزْوِيجَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَ: ذَاكَ الْفَحْلُ لَا يُقْدَعُ أَنْفُهُ.
«وَأَمَّا كِسْرَى فَجَاءَهُ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، فَمَزَّقَ الْكِتَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُزِّقَ مُلْكُهُ. وَكَانَ كِتَابُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسٍ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدُعَاءِ اللَّهِ، وَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، لِأُنْذِرَ {مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس: 70] ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْمَجُوسِ عَلَيْكَ» . فَلَمَّا قَرَأَهُ شَقَّهُ، قَالَ: يَكْتُبُ إِلَيَّ بِهَذَا وَهُوَ عَبْدِي! ثُمَّ كَتَبَ إِلَى بَاذَانَ وَهُوَ بِالْيَمَنِ: أَنِ ابْعَثْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بِالْحِجَازِ رَجُلَيْنِ مِنْ عِنْدِكَ جَلْدَيْنِ، فَلْيَأْتِيَانِي بِهِ. فَبَعَثَ بَاذَانُ نَابُوهْ، وَكَانَ كَاتِبًا حَاسِبًا، وَرَجُلًا آخَرَ مِنَ الْفُرْسِ يُقَالُ لَهُ: خُرَّخُسْرَهْ، وَكَتَبَ مَعَهُمَا يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ مَعَهُمَا إِلَى كِسْرَى، وَتَقَدَّمَ إِلَى نَابُوهْ أَنْ يَأْتِيَهُ بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَمِعَتْ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ فَفَرِحُوا، وَقَالُوا: أَبْشِرُوا، فَقَدْ نَصَبَ لَهُ كِسْرَى مَلِكُ الْمُلُوكِ، كُفِيتُمُ الرَّجُلَ. فَخَرَجَا حَتَّى «قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ حَلَقَا لِحَاهُمَا، وَأَعْفَيَا شَوَارِبَهُمَا، فَكَرِهَ النَّظَرَ إِلَيْهِمَا وَقَالَ: وَيَلْكُمَا، مَنْ أَمَرَكُمَا بِهَذَا؟ قَالَا: رَبُّنَا - يَعْنِيَانِ الْمَلِكَ. فَقَالَ: لَكِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعْفِيَ لِحْيَتِي، وَأَقُصَّ شَارِبِي» ، فَأَعْلَمَاهُ بِمَا قَدِمَا لَهُ وَقَالَا: إِنْ فَعَلْتَ كَتَبَ بَاذَانُ فِيكَ إِلَى كِسْرَى، وَإِنْ أَبَيْتَ فَهُوَ يُهْلِكُكَ وَيُهْلِكُ قَوْمَكَ. فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ارْجِعَا حَتَّى تَأْتِيَانِي غَدًا. وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَلَّطَ عَلَى كِسْرَى ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ فَقَتَلَهُ، فَدَعَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَرَهُمَا بِقَتْلِ كِسْرَى، وَقَالَ لَهُمَا: إِنَّ دِينِي وَسُلْطَانِي سَيَبْلُغُ مُلْكَ كِسْرَى، وَيَنْتَهِي مُنْتَهَى الْخُفِّ وَالْحَافِرِ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَقُولَا لِبَاذَانَ: أَسْلِمْ، فَإِنْ أَسْلَمَ أُقِرَّهُ عَلَى مَا تَحْتَ يَدِهِ، وَأُمَلِّكْهُ عَلَى قَوْمِهِ. ثُمَّ أَعْطَى خُرَّخُسْرَهْ مِنْطَقَةَ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ أَهْدَاهَا لَهُ بَعْضُ الْمُلُوكِ» . وَخَرَجَا فَقَدِمَا عَلَى بَاذَانَ وَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا هَذَا كَلَامُ مَلِكٍ، وَإِنِّي لَأُرَاهُ نَبِيًّا، وَلَنَنْظُرَنَّ، فَإِنْ كَانَ مَا قَالَ حَقًّا، فَإِنَّهُ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَنَرَى فِيهِ رَأْيَنَا. فَلَمْ
يَلْبَثْ بَاذَانُ أَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ كِتَابُ شِيرَوَيْهِ يُخْبِرُهُ بِقَتْلِ كِسْرَى، وَأَنَّهُ قَتَلَهُ غَضَبًا لِلْفُرْسِ لِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ قَتْلِ أَشْرَافِهِمْ، وَيَأْمُرُهُ بِأَخْذِ الطَّاعَةِ لَهُ بِالْيَمَنِ، وَبِالْكَفِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَلَمَّا أَتَاهُ كِتَابُ شِيرَوَيْهِ أَسْلَمَ، وَأَسْلَمَ مَعَهُ أَبْنَاءٌ مِنْ فَارِسَ. وَكَانَتْ حِمْيَرُ تُسَمِّي خُرَّخُسْرَهْ صَاحِبَ الْمِعْجَزَةِ، وَالْمِعْجَزَةُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ الْمِنْطَقَةُ. وَأَمَّا هَوْذَةُ بْنُ عَلِيٍّ فَكَانَ مَلِكَ الْيَمَامَةِ، فَلَمَّا أَتَاهُ سَلِيطُ بْنُ عَمْرٍو يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، أَرْسَلَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفْدًا فِيهِمْ مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ وَالرَّجَّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ، يَقُولُ لَهُ: إِنْ جَعَلَ الْأَمْرَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَسْلَمَ وَسَارَ إِلَيْهِ وَنَصَرَهُ، وَإِلَّا قَصَدَ حَرْبَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا، وَلَا كَرَامَةَ، اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِ! فَمَاتَ بَعْدَ قَلِيلٍ» . وَأَمَّا مُجَّاعَةُ وَالرَّجَّالُ فَأَسْلَمَا، وَأَقَامَ الرَّجَّالُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى قَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَغَيْرَهَا، وَتَفَقَّهَ وَعَادَ إِلَى الْيَمَامَةِ، فَارْتَدَّ وَشَهِدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَشْرَكَ مُسَيْلِمَةَ مَعَهُ، فَكَانَتْ فِتْنَتُهُ أَشَدَّ مِنْ فِتْنَةِ مُسَيْلِمَةَ. (مُجَّاعَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ. وَالرَّجَّالُ بِالْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ، وَقِيلَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ. وَعُنْفُوَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَسُكُونِ النُّونِ، وَضَمِّ الْفَاءِ، وَفَتْحِ الْوَاوِ) . وَأَمَّا الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى وَالِي الْبَحْرَيْنِ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ يَدْعُوهُ وَمَنْ مَعَهُ بِالْبَحْرَيْنِ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ، وَكَانَتْ وِلَايَةُ الْبَحْرَيْنِ لِلْفُرْسِ، فَأَسْلَمَ الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى، وَأَسْلَمَ جَمِيعُ الْعَرَبِ بِالْبَحْرَيْنِ. فَأَمَّا أَهْلُ الْبِلَادِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ فَإِنَّهُمْ صَالَحُوا الْعَلَاءَ وَالْمُنْذِرَ عَلَى الْجِزْيَةِ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارٌ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْبَحْرَيْنِ قِتَالٌ، إِنَّمَا بَعْضُهُمْ أَسْلَمَ، وَبَعْضُهُمْ صَالَحَ. وَوَلِيَ الْحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْمُشْرِكُونَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَتْ أُمُّ رُومَانَ، وَهِيَ أُمُّ عَائِشَةَ زَوْجَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ودخلت سنة سبع
[وَدَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ] [ذِكْرُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ] 7 - وَدَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ ذِكْرُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ لَمَّا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ ذَا الْحَجَّةِ وَبَعْضَ الْمُحَرَّمِ، وَسَارَ إِلَى خَيْبَرَ فِي أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ، مَعَهُمْ مِائَتَا فَارِسٍ، وَكَانَ مَسِيرُهُ إِلَى خَيْبَرَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيَّ، فَمَضَى حَتَّى نَزَلَ بِجَيْشِهِ بِالرَّجِيعِ؛ لِيَحُولَ بَيْنَ أَهْلِ خَيْبَرَ وَغَطَفَانَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُظَاهِرِينَ لَهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَصَدَتْ غَطَفَانُ خَيْبَرَ لِيُظَاهِرُوا يَهُودَ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَافُوا الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُخَلِّفُوهُمْ فِي أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَرَجَعُوا، وَنَزَلُوا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَهُودَ، «فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ فِي مَسِيرِهِ لِعَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَمِّ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ: احْدُ لَنَا، فَنَزَلَ، وَحَدَاهُمْ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَحِمَكَ اللَّهُ! فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلَّا أَمْتَعْتَنَا بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَانَ إِذَا قَالَهَا لِرَجُلٍ قُتِلَ، فَلَمَّا نَازَلُوا خَيْبَرَ بَارَزَ عَامِرٌ، فَعَادَ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَجَرَحَهُ جُرْحًا
شَدِيدًا، فَمَاتَ مِنْهُ، فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ سَلَمَةُ ابْنُ أَخِيهِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا قَالُوا، فَقَالَ: كَذَبُوا، بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهَا قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قِفُوا. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاضِ وَمَا أَذْرَيْنَ، نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، أَقْدِمُوا بِسْمِ اللَّهِ. وَكَانَ يَقُولُ ذَلِكَ لِكُلِّ قَرْيَةٍ يَقْدَمُهَا. وَنَزَلَ خَيْبَرَ لَيْلًا وَلَمْ يَعْلَمْ أَهْلُهَا، فَخَرَجُوا عِنْدَ الصَّبَاحِ إِلَى عَمَلِهِمْ بِمِسَاحِيِّهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ عَادُوا وَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، يَعْنُونَ الْجَيْشَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ {فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ} [الصافات: 177] » . ثُمَّ حَصَرَهُمْ وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، وَبَدَأَ بِالْأَمْوَالِ يَأْخُذُهَا مَالًا مَالًا، وَيَفْتَحُهَا حِصْنًا حِصْنًا، فَكَانَ أَوَّلَ حِصْنٍ افْتَتَحَهُ حِصْنُ نَاعِمٍ، وَعِنْدَهُ قُتِلَ مَحْمُودُ بْنُ سَلَمَةَ، أُلْقِيَ عَلَيْهِ مِنْهُ رَحًى فَقَتَلَتْهُ، ثُمَّ الْقَمُوصُ حِصْنُ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ، وَأَصَابَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبَايَا، مِنْهُمْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَكَانَتْ عِنْدَ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنَفْسِهِ، وَفَشَتِ السَّبَايَا فِي الْمُسْلِمِينَ، وَأَكَلُوا لُحُومَ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا. وَكَانَ الزَّبِيرُ بْنُ بَاطَا الْقُرَظِيُّ قَدْ مَنَّ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَ بُعَاثَ، فَأَطْلَقَهُ، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ أَتَاهُ ثَابِتٌ فَقَالَ لَهُ: أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: وَهَلْ يَجْهَلُ مِثْلِي مِثْلَكَ! قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَكَ بِيَدِكَ عِنْدِي. قَالَ: إِنَّ الْكَرِيمَ يُجِيزُ الْكَرِيمَ. فَأَتَى ثَابِتٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: كَانَ لِلزَّبِيرِ عِنْدِي يَدٌ أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهُ بِهَا فَهَبْهُ لِي. فَوَهَبَهُ لَهُ. فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ وَهَبَ لِي دَمَكَ فَهُوَ لَكَ. قَالَ: شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، فَاسْتَوْهَبَ ثَابِتٌ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَهَبَهُمْ لَهُ. فَقَالَ الزَّبِيرُ: أَهْلُ بَيْتٍ بِالْحِجَازِ لَا مَالَ لَهُمْ، فَاسْتَوْهَبَ ثَابِتٌ مَالَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَهَبَهُ لَهُ، فَمَنَّ عَلَيْهِ بِالْجَمِيعِ. فَقَالَ الزَّبِيرُ: أَيْ ثَابِتُ، مَا فَعَلَ الَّذِي كَانَ وَجْهُهُ مِرْآةً صَقِيلَةً، يَتَرَاءَى فِيهَا عَذَارَى الْحَيِّ؛ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ؟ قَالَ: قُتِلَ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ سَيِّدُ الْحَاضِرِ وَالْبَادِي؛ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ؟ قَالَ: قُتِلَ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ مُقَدِّمَتُنَا إِذَا شَدَدْنَا، وَحَامِيَتُنَا إِذَا كَرَرْنَا؛ عَزَّالُ بْنُ سَمْوَالَ؟ قَالَ. قُتِلَ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ الْمَجْلِسَانِ؟ يَعْنِي بَنِي كَعْبِ بْنِ قُرَيْظَةَ، وَبَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ. قَالَ:
ذَهَبُوا. قَالَ: فَإِنِّي أَسْأَلُكَ يَا ثَابِتُ بِيَدِي عِنْدَكَ إِلَّا مَا أَلْحَقْتَنِي بِهِمْ، فَوَاللَّهِ مَا فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ خَيْرٌ. فَقَتَلَهُ. ثُمَّ افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِصْنَ الصَّعْبِ، وَهُوَ أَكْثَرُهَا طَعَامًا وَوَدَكًا، ثُمَّ قَصَدَ حِصْنَهُمُ الْوَطِيحَ وَالسُّلَالِمَ، وَكَانَا آخِرَ مَا افْتَتَحَ، فَخَرَجَ مِنْهُ مَرْحَبٌ الْيَهُودِيُّ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ ... إِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ كَانَ حِمَايَ كَالْحِمَى لَا يُقْرَبُ وَسَأَلَ الْمُبَارَزَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَقَالَ: أَنَا وَاللَّهِ الْمَوْتُورُ الثَّائِرُ، قَتَلُوا أَخِي بِالْأَمْسِ. «فَأَقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمُبَارَزَتِهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ» ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَتَقَاتَلَا طَوِيلًا، ثُمَّ حَمَلَ مَرْحَبٌ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ فَضَرَبَهُ، فَاتَّقَاهُ بِالدَّرَقَةِ، فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِيهَا، فَعَضَّتْ بِهِ فَأَمْسَكَتْهُ، وَضَرَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حَتَّى قَتَلَهُ. ثُمَّ خَرَجَ أَخُوهُ يَاسِرٌ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي يَاسِرُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَاوِرُ وَطَلَبَ الْمُبَارَزَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي قَتَلَ مَرْحَبًا وَأَخَذَ الْحِصْنَ - عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَالْأَصَحُّ. قَالَ بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُبَّمَا أَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةُ، فَيَلْبَثُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لَا يَخْرُجُ، فَلَمَّا نَزَلَ خَيْبَرَ أَخَذَتْهُ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى النَّاسِ، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ الرَّايَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ نَهَضَ فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ رَجَعَ فَأَخَذَهَا عُمَرُ، فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْقِتَالِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَأُعْطِيَنَّهَا غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، يَأْخُذُهَا عَنْوَةً. وَلَيْسَ ثَمَّ عَلِيٌّ،
كَانَ قَدْ تَخَلَّفَ بِالْمَدِينَةِ لِرَمَدٍ لَحِقَهُ، فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقَالَتَهُ هَذِهِ تَطَاوَلَتْ لَهَا قُرَيْشٌ، فَأَصْبَحَ فَجَاءَ عَلِيٌّ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ حَتَّى أَنَاخَ قَرِيبًا مِنْ خِبَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَرْمَدُ، قَدْ عَصَبَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: رَمَدْتُ بَعْدَكَ. فَقَالَ لَهُ: ادْنُ مِنِّي. فَدَنَا مِنْهُ، فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ، فَمَا شَكَا وَجَعًا حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ. ثُمَّ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ» ، فَنَهَضَ بِهَا وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، فَأَتَى خَيْبَرَ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: غُلِبْتُمْ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ صَاحِبُ الْحِصْنِ، وَعَلَيْهِ مِغْفَرٌ يَمَانِيٌّ قَدْ نَقَبَهُ مِثْلَ الْبَيْضَةِ عَلَى رَأْسِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ... أَكِيلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ لَيْثٌ بِغَابَاتٍ شَدِيدٌ قَسْوَرَهْ فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَبَدَرَهُ عَلِيٌّ فَضَرَبَهُ، فَقَدَّ الْحَجَفَةَ وَالْمِغْفَرَ وَرَأَسَهُ حَتَّى وَقَعَ فِي الْأَرْضِ، وَأَخَذَ الْمَدِينَةَ. قَالَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَايَتِهِ إِلَى خَيْبَرَ» ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحِصْنِ خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ، فَقَاتَلَهُمْ، فَضَرَبَهُ يَهُودِيٌّ فَطَرَحَ تُرْسَهُ مِنْ يَدِهِ، فَتَنَاوَلَ عَلِيٌّ بَابًا كَانَ عِنْدَ الْحِصْنِ فَتَرَّسَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِهِ وَهُوَ يُقَاتِلُ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي نَفَرٍ سَبْعَةٍ أَنَا ثَامِنُهُمْ نُجْهِدُ عَلَى أَنْ نَقْلِبَ ذَلِكَ الْبَابَ فَمَا نَقْلِبُهُ. وَكَانَ فَتْحُهَا فِي صَفَرٍ. «فَلَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ جَاءَ بِلَالٌ بِصَفِيَّةَ وَأُخْرَى مَعَهَا عَلَى قَتْلَى يَهُودَ، فَلَمَّا رَأَتْهُمُ الَّتِي مَعَ صَفِيَّةَ صَرَخَتْ وَصَكَّتْ وَجْهَهَا، وَحَثَتِ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهَا، فَاصْطَفَى رَسُولُ اللَّهِ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَفِيَّةَ، وَأَبْعَدَ الْأُخْرَى وَقَالَ: إِنَّهَا شَيْطَانَةٌ - لِأَجْلِ فِعْلِهَا. وَقَالَ لِبِلَالٍ: أَنُزِعَتْ مِنْكَ الرَّحْمَةُ؟ جِئْتَ بِهِمَا عَلَى قَتْلَاهُمَا!» وَكَانَتْ صَفِيَّةُ قَدْ رَأَتْ فِي مَنَامِهَا وَهِيَ عَرُوسٌ لِكِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ أَنَّ قَمَرًا وَقَعَ فِي حِجْرِهَا، فَعَرَضَتْ رُؤْيَاهَا عَلَى زَوْجِهَا، فَقَالَ: مَا هَذَا إِلَّا أَنَّكِ تَتَمَنِّينَ مُحَمَّدًا. وَلَطَمَ وَجْهَهَا لَطْمَةً اخْضَرَّتْ عَيْنُهَا مِنْهَا، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِهَا أَثَرٌ مِنْهَا، وَسَأَلَهَا فَأَخْبَرَتْهُ، وَدَفَعَ كِنَانَةَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَقَتَلَهُ بِأَخِيهِ مَحْمُودٍ. وَحَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِصْنَيْ أَهْلِ خَيْبَرَ الْوَطِيحَ وَالسُّلَالِمَ، فَلَمَّا أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ سَأَلُوهُ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ وَيَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ حَازَ الْأَمْوَالَ كُلَّهَا، الشِّقَّ وَنَطَاةَ وَالْكَتِيبَةَ، وَجَمِيعَ حُصُونِهِمْ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ فَدَكَ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ وَيُخَلُّوا لَهُ الْأَمْوَالَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمَّا نَزَلَ أَهْلُ خَيْبَرَ عَلَى ذَلِكَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعَامِلَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ عَلَى النِّصْفِ، وَأَنْ يُخْرِجَهُمْ إِذَا شَاءَ، فَسَاقَاهُمْ عَلَى الْأَمْوَالِ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي طَلَبُوا، وَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ أَهْلُ فَدَكَ، وَكَانَتْ خَيْبَرُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ فَدَكُ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْلِبُوا عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ. وَلَمَّا اسْتَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْدَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ امْرَأَةُ سَلَّامِ بْنِ مِشْكَمٍ شَاةً مَصْلِيَّةً مَسْمُومَةً، فَوَضَعَتْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا مُضْغَةً فَلَمْ يُسِغْهَا، وَمَعَهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، فَأَكَلَ بِشْرٌ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذِهِ الشَّاةَ تُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ، ثُمَّ دَعَا الْمَرْأَةَ فَاعْتَرَفَتْ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: بَلَغْتَ مِنْ قَوْمِي مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَيُخْبَرُ، وَإِنْ كَانَ مَلِكًا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ. فَتَجَاوَزَ عَنْهَا. وَمَاتَ بِشْرٌ مِنْ تِلْكَ الْأَكْلَةِ» .
ذكر غزوة وادي القرى
«وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: هَذَا الْأَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ أَكْلَةِ خَيْبَرَ» . فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّهُ مَاتَ شَهِيدًا مَعَ كَرَامَةِ النُّبُوَّةِ. [ذِكْرُ غَزْوَةِ وَادِي الْقُرَى] وَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خَيْبَرَ انْصَرَفَ إِلَى وَادِي الْقُرَى، فَحَاصَرَ أَهْلَهُ لَيَالِيَ، فَافْتَتَحَهُ عَنْوَةً، وَفِي حِصَارِهِ قُتِلَ مِدْغَمُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي أَهْدَاهُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْجُذَامِيُّ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَلَّا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ شَمْلَتَهُ الْآنَ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا. وَكَانَ غَلَّهَا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ خَيْبَرَ. فَسَمِعَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ شِرَاكَيْنِ لِنَعْلَيْنِ لِي كُنْتُ أَخَذْتُهُمَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُقَدُّ لَكَ مِثْلُهُمَا مِنَ النَّارِ» . وَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّخْلَ وَالْأَرْضَ فِي أَيْدِي أَهْلِ الْوَادِي، وَعَامَلَهُمْ نَحْوَ مَا عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ، فَبَقُوا كَذَلِكَ إِلَى أَنْ وَلِيَ عُمَرُ الْخِلَافَةَ فَأَجْلَاهُمْ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُجْلِهِمْ؛ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ الْحِجَازِ. وَفِي هَذِهِ السَّفْرَةِ، أَعْنِي خَيْبَرَ، نَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ. وَشَهِدَ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَرَضَخَ لَهُنَّ مِنَ الْفَيْءِ. قِصَّةُ الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ السُّلَمِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّفْرَةِ قَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ السُّلَمِيُّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِي بِمَكَّةَ مَالٌ
عِنْدَ صَاحِبَتِي أُمِّ شَيْبَةَ ابْنَةِ أَبِي طَلْحَةَ، وَهِيَ أُمُّ ابْنِهِ مُعْرِضِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَمَالٌ مُتَفَرِّقٌ بِمَكَّةَ، فَأْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَذِنَ لَهُ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَابُدَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ. قَالَ: قُلْ. فَقَدِمَ الْحَجَّاجُ مَكَّةَ، فَسَأَلَهُ أَهْلُ مَكَّةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا صَنَعَ بِخَيْبَرَ، وَلَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا بِإِسْلَامِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ يَهُودَ هَزَمَتْهُ وَأَصْحَابَهُ، وَقُتِلَ أَصْحَابُهُ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَأُسِرَ مُحَمَّدٌ، وَقَالَتْ يَهُودُ: لَنْ نَقْتُلَهُ حَتَّى نَبْعَثَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ فَيَقْتُلُوهُ. فَصَاحُوا بِمَكَّةَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: أَعِينُونِي فِي جَمْعِ مَالِي حَتَّى أَقْدَمَ خَيْبَرَ، فَأُصِيبَ مِنْ فَلِّ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَنِي التُّجَّارُ. فَجَمَعُوهُ كُلَّهُ كَأَحَثِّ شَيْءٍ. فَأَتَاهُ الْعَبَّاسُ وَسَأَلَهُ عَنِ الْخَبَرِ، فَأَخْبَرَهُ بَعْدَ أَنْ جَمَعَ مَالَهُ بِفَتْحِ خَيْبَرَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ قَدِمَ لِجَمْعِ مَالِهِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُمَ عَنْهُ ثَلَاثًا خَوْفَ الطَّلَبِ. فَكَتَمَ الْعَبَّاسُ الْخَبَرَ ثَلَاثًا بَعْدَ مَسِيرِهِ، ثُمَّ لَبِسَ حُلَّةً لَهُ وَخَرَجَ، فَطَافَ بِالْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَالُوا: يَا أَبَا الْفَضْلِ، هَذَا وَاللَّهِ التَّجَلُّدُ. قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ! لَقَدِ افْتَتَحَ مُحَمَّدٌ خَيْبَرَ، وَأَخَذَ ابْنَةَ مَلِكِهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ. وَأَخْبَرَهُمْ بِخَبَرِ الْحَجَّاجِ. فَقَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا لَكَانَ لَهُ وَلَنَا شَأْنٌ. ذِكْرُ مَقَاسِمِ خَيْبَرَ وَقَسَّمَ مِنْ أَمْوَالِ خَيْبَرَ الشِّقَّ وَالنَّطَاةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتِ الْكَتِيبَةُ خُمْسُ اللَّهِ وَالرَّسُولِ، وَسَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، فَطُعِمَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَطُعِمَ رِجَالٌ مَشَوْا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَأَهْلِ فَدَكَ بِالصُّلْحِ، وَقُسِمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأُعْطِي الْفَرَسُ سَهْمَيْنِ وَالرَّجُلُ سَهْمًا. وَأَقَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ خَيْبَرَ بِخَيْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَعُمَرُ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «لَا يَجْتَمِعُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ. فَأَجْلَى عُمَرُ مِنْ يَهُودَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . (سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَمِشْكَمٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ. وَالْحُقَيْقُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِقَافَيْنِ. وَأَخْطَبُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ. وَمَعْرُورٌ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَبَعْدَهُ رَاءَانِ مُهْمَلَتَانِ. وَعِلَاطٌ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ) .
ذكر فدك
[ذِكْرُ فَدَكَ] لَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خَيْبَرَ بَعَثَ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ إِلَى أَهْلِ فَدَكَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَرَئِيسُهُمْ يَوْمَئِذٍ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ الْيَهُودِيُّ، فَصَالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نِصْفِ الْأَرْضِ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ ذَلِكَ، وَكَانَ نِصْفُ فَدَكَ خَالِصًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِفِ الْمُسْمِلُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، يَصْرِفُ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا عَلَى أَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُهَا بِهَا حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَجْلَى يَهُودَ الْحِجَازِ، فَبَعَثَ أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التَّيِّهَانِ، وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَقَوَّمُوا نِصْفَ تُرْبَتِهَا بِقِيمَةِ عَدْلٍ، فَدَفَعَهَا إِلَى يَهُودَ، وَأَجْلَاهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ - يَصْنَعُونَ صَنِيعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ وَفَاتِهِ. فَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ الْخِلَافَةَ أَقْطَعَهَا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، فَوَهَبَهَا مَرْوَانُ ابْنَيْهِ عَبْدَ الْمَلِكِ وَعَبْدَ الْعَزِيزِ، ثُمَّ صَارَتْ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلِلْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ ابْنِي عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَلَمَّا وَلِيَ الْوَلِيدُ الْخِلَافَةَ وَهَبَ نَصِيبَهُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثُمَّ وَلِيَ سُلَيْمَانُ الْخِلَافَةَ، فَوَهَبَ نَصِيبَهُ مِنْهَا أَيْضًا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخِلَافَةَ خَطَبَ النَّاسَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَمْرَ فَدَكَ، وَأَنَّهُ قَدْ رَدَّهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، فَوَلِيَهَا أَوْلَادُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أُخِذَتْ مِنْهُمْ. فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ رَدَّهَا الْمَأْمُونُ إِلَيْهِمْ. (مُحَيِّصَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَكَسْرِهَا، وَآخِرُهُ صَادٌ مُهْمَلَةٌ. وَالتَّيِّهَانُ بِفَتْحِ التَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ) . وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، زَوْجِهَا، فِي الْمُحَرَّمِ. وَفِيهَا قَدِمَ حَاطِبٌ مِنْ عِنْدِ الْمُقَوْقِسِ بِمَارِيَةَ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُخْتِهَا شِيرِينَ، وَبَغْلَتِهِ دُلْدُلَ، وَحِمَارِهِ يَعْفُورَ، وَكُسْوَةٍ، فَأَسْلَمَتْ مَارِيَةُ وَأُخْتُهَا قَبْلَ قُدُومِهِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ مَارِيَةَ لِنَفْسِهِ، وَوَهَبَ شِيرِينَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ، فَهِيَ أُمُّ
ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَهُوَ وَإِبْرَاهِيمُ ابْنَا خَالَةٍ. وَفِيهَا اتَّخَذَ مِنْبَرَهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ عُمِلَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَهُوَ الثَّبَتُ. وَفِيهَا «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا إِلَى عَجُزِ هَوَازِنَ» ، فَهَرَبُوا مِنْهُ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا. وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ وَالِدِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍالْأَنْصَارِيِّ إِلَى بَنِي مُرَّةَ بِفَدَكَ، فِي شَعْبَانَ، فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا، أُصِيبَ أَصْحَابُهُ، وَارْتُثَّ فِي الْقَتْلَى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ إِلَى أَرْضِ بَنِي مُرَّةَ، «فَأَصَابَ مِرْدَاسُ بْنُ نَهْيِكٍ حَلِيفًا لَهُمْ مِنْ جُهَيْنَةَ، قَتَلَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ. قَالَ أُسَامَةُ: لَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمْ نَنْزِعْ عَنْهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ! وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَيْضًا فِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ رَاكِبًا إِلَى بَنِي عَبْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَاقَ النَّعَمَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى الْيَمَنِ وَالْجِنَابِ فِي شَوَّالٍ. وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ حُسَيْلَ بْنَ نُوَيْرَةَ الْأَشْجَعِيَّ كَانَ دَلِيلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى
ذكر عمرة القضاء
خَيْبَرَ، قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ أَنَّ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ بِالْجِنَابِ قَدْ أَمَدَّهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَشِيرًا فَأَصَابُوا نَعَمًا، وَقَتَلُوا مَوْلًى لِعُيَيْنَةَ، ثُمَّ لَقُوا جَمْعَ عُيَيْنَةَ، فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَانْهَزَمَ عُيَيْنَةُ، فَلَقِيَهُ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ مُنْهَزِمًا، فَقَالَ لَهُ: قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تُقَصِّرَ عَمَّا مَضَى. (حَاطِبٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ. وَبَشِيرٌ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ، وَالِدُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ. وَعُيَيْنَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ، وَبَعْدَهَا نُونٌ، تَصْغِيرُ عَيْنٍ) . [ذِكْرُ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ] لَمَّا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خَيْبَرَ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ جُمَادَيَيْنِ وَرَجَبًا وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَشَوَّالًا - يَبْعَثُ السَّرَايَا، ثُمَّ خَرَجَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مُعْتَمِرًا عُمْرَةَ الْقَضَاءِ، وَسَاقَ مَعَهُ سَبْعِينَ بَدَنَةً، وَخَرَجَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي عُمْرَتِهِ الْأُولَى. فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ خَرَجُوا عَنْهُ، وَتَحَدَّثَتْ قُرَيْشٌ بَيْنَهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ فِي عُسْرٍ وَجُهْدٍ، فَاصْطَفُّوا لَهُ عِنْدَ دَارِ النَّدْوَةِ، فَلَمَّا دَخَلَهَا اضْطَبَعَ بِرِدَائِهِ، فَأَخْرَجَ عَضُدَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَرَاهُمُ الْيَوْمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً! ثُمَّ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ وَخَرَجَ يُهَرْوِلُ، وَيُهَرْوِلُ أَصْحَابُهُ مَعَهُ» ، وَكَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ آخِذًا بِخِطَامِ نَاقَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهْ ... خَلُّوا فَكُلُّ الْخَيْرِ فِي رَسُولِهْ يَا رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهْ ... أَعْرِفُ حَقَّ اللَّهِ فِي قَبُولِهْ نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهْ ... كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهْ ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهْ ... وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهْ وَتَزَوَّجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرِهِ هَذَا بِمَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَلَاثًا، فَأَرْسَلَ
الْمُشْرِكُونَ إِلَيْهِ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِيَخْرُجَ عَنْهُمْ. فَقَالَ: مَا عَلَيْهِمْ لَوْ أَعْرَسْتُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَصَنَعْنَا لَهُمْ طَعَامًا، فَحَضَرُوهُ مَعَنَا؟ فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي طَعَامِهِ. فَخَرَجَ عَنْهُمْ وَبَنَى بِمَيْمُونَةَ بِسَرِفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ وَشَهْرِ رَبِيعٍ، وَبَعَثَ جَيْشَهُ الَّذِي أُصِيبَ بِمُؤْتَةَ. وَوَلِيَ تِلْكَ الْحَجَّةَ الْمُشْرِكُونَ. وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ السُّلَمِيِّ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ، فَلَقُوهُ فَأُصِيبَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَقِيلَ: بَلْ نَجَا، وَأُصِيبَ أَصْحَابُهُ.
ودخلت سنة ثمان
[وَدَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ] [غَزْوَةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ بَنِي الْمُلَوَّحِ] 8 - وَدَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ فِيهَا تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ. غَزْوَةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ بَنِي الْمُلَوَّحِ وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ الْكَلْبِيِّ، كَلْبِ اللَّيْثِ، إِلَى بَنِي الْمُلَوَّحِ، فَلَقِيَهُ الْحَارِثُ بْنُ الْبَرْصَاءِ اللَّيْثِيُّ، فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا، فَقَالَ: إِنَّمَا جِئْتُ لِأَسْلَمَ. فَقَالَ لَهُ غَالِبٌ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَلَنْ يَضُرَّكَ رِبَاطُ لَيْلَةٍ، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا اسْتَوْثَقْنَا مِنْكَ. وَوَكَلَ بِهِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ وَقَالَ لَهُ: إِنْ نَازَعَكَ فَخُذْ رَأَسَهُ، وَأَمَرَهُ بِالْمُقَامِ إِلَى أَنْ يَعُودَ، ثُمَّ سَارُوا حَتَّى أَتَوْا بَطْنَ الْكَدِيدِ، فَنَزَلُوا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَأَرْسَلُوا جُنْدُبَ بْنَ مَكِيثٍ الْجُهَنِيَّ رَبِيئَةً لَهُمْ. قَالَ: فَقَصَدْتُ تَلًّا هُنَاكَ يُطْلِعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ، فَانْبَطَحْتُ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ لِي مِنْهُمْ رَجُلٌ فَرَآنِي مُنْبَطِحًا، فَأَخَذَ قَوْسَهُ وَسَهْمَيْنِ فَرَمَانِي بِأَحَدِهِمَا، فَوَضَعَهُ فِي جَنْبِي. قَالَ: فَنَزَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرَّكْ، ثُمَّ رَمَانِي بِالثَّانِي فِي رَأْسِ مَنْكِبِي، قَالَ: فَنَزَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرَّكْ. قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ خَالَطَهُ سَهْمَايَ، وَلَوْ كَانَ رَبِيئَةً لَتَحَرَّكَ. قَالَ: فَأَمْهَلْنَاهُمْ حَتَّى رَاحَتْ مَوَاشِيهِمْ وَاحْتَلَبُوا، فَشَنَنَّا عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ فَقَتَلْنَا مِنْهُمْ، وَاسْتَقْنَا مِنْهُمُ النَّعَمَ وَرَجَعْنَا سِرَاعًا. وَأَتَى صَرِيخُ الْقَوْمِ، فَجَاءَنَا مَا لَا قِبَلَ لَنَا بِهِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا إِلَّا بَطْنُ الْوَادِي مِنْ قُدَيْدٍ بَعَثَ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ سَحَابًا، مَا رَأَيْنَا قَبْلَ ذَلِكَ مَطَرًا مِثْلَهُ، فَجَاءَ الْوَادِي بِمَا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ يَجُوزُهُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْنَا مَا يَقْدِرُ أَحَدٌ يَتَقَدَّمُ، وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ. وَكَانَ شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ: أَمِتْ أَمِتْ، وَكَانَ عِدَّتُهُمْ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
ذكر إسلام خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة
وَفِيهَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، وَبِهَا الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى، فَصَالَحَ الْمُنْذِرَ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَجُوسِ الْجِزْيَةَ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ، وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ إِرْسَالَهُ كَانَ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ مَعَ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمُلُوكِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ. وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَصَابُوا نَعَمًا، فَكَانَ سَهْمُ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا. وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ الْغِفَارِيِّ إِلَى ذَاتِ الْأَطْلَاحِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَوَجَدَ بِهَا جَمْعًا كَثِيرًا، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوا، وَقَتَلُوا أَصْحَابَ عَمْرٍو، وَنَجَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ. وَذَاتُ الْأَطْلَاحِ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ، وَكَانُوا مِنْ قُضَاعَةَ، وَرَئِيسُهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: سَدُوسُ. [ذِكْرُ إِسْلَامِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرٍ قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مُسْلِمًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدِمَ مَعَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيُّ. وَكَانَ سَبَبُ إِسْلَامِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا انْصَرَفْنَا مَعَ الْأَحْزَابِ عَنِ الْخَنْدَقِ قُلْتُ لِأَصْحَابِي: إِنِّي أَرَى أَمْرَ مُحَمَّدٍ يَعْلُو عُلُوًّا مُنْكَرًا، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ نَلْحَقَ بِالنَّجَاشِيِّ، فَإِنْ
ذكر غزوة ذات السلاسل
ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى قَوْمِنَا كُنَّا عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، وَإِنْ ظَهَرَ قَوْمُنَا عَلَى مُحَمَّدٍ فَنَحْنُ مَنْ قَدْ عَرَفُوا. قَالُوا: إِنَّ هَذَا الرَّأْيُ. قَالَ: فَجَمَعْنَا لَهُ أُدُمًا كَثِيرًا، وَخَرَجْنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَإِنَّا لَعِنْدَهُ إِذْ وَصَلَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ رَسُولًا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَمْرِ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَطَلَبْتُ مِنْهُ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ لِأَقْتُلَهُ؛ تَقَرُّبًا إِلَى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ. فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامِي غَضِبَ وَضَرَبَ أَنْفَهُ ضَرْبَةً ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ كَسَرَهُ، يَعْنِي النَّجَاشِيَّ، فَخِفْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: وَاللَّهِ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَكْرَهُ هَذَا مَا سَأَلْتُكَهُ. قَالَ: أَتَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَ رَسُولَ رَجُلٍ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى، لِتَقْتُلَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَكَذَلِكَ هُوَ؟ قَالَ: وَيْحَكَ يَا عَمْرُو، أَطِعْنِي وَاتَّبِعْهُ؛ فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَعَلَى الْحَقِّ، وَلَيَظْهَرَنَّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ. قَالَ: فَقُلْتُ: فَبَايِعْنِي لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ. فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى أَصْحَابِي وَكَتَمْتُهُمْ إِسْلَامِي، وَخَرَجْتُ عَائِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَقِيَنِي خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَذَلِكَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ، فَقُلْتُ: أَيْنَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَقَامَ الْمَنْسِمُ، إِنَّ الرَّجُلَ لَنَبِيٌّ، أَذْهَبُ وَاللَّهِ أُسْلِمُ، فَحَتَّى مَتَى؟ ! فَقُلْتُ: مَا جِئْتُ إِلَّا لِلْإِسْلَامِ. فَقَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَقَدَّمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ دَنَوْتُ فَأَسْلَمْتُ، وَتَقَدَّمَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَأَسْلَمَ. [ذِكْرُ غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ] وَفِيهَا أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى أَرْضِ بَلِيٍّ وَعُذْرَةَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مِنْ بَلِيٍّ، فَتَأَلَّفَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، فَسَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ عَلَى مَاءٍ بِأَرْضِ جُذَامَ يُقَالُ لَهُ السَّلَاسِلُ، وَبِهِ سُمِّيَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ ذَاتَ السَّلَاسِلِ، فَلَمَّا كَانَ بِهِ خَافَ، فَبَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَمِدُّهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَقَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ وَجَّهَهُ: لَا تَخْتَلِفَا. فَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ عَمْرٌو: إِنَّمَا جِئْتَ مَدَدًا إِلَيَّ. فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَا عَمْرُو، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تَخْتَلِفَا، فَإِنْ عَصَيْتَنِي أَطَعْتُكَ. قَالَ: فَأَنَا أَمِيرٌ عَلَيْكَ. قَالَ: فَدُونَكَ. فَصَلَّى عَمْرٌو بِالنَّاسِ.
ذكر غزوة الخبط وغيرها
وَفِيهَا أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرٍ وَعِيَاذٍ، ابْنِي الْجُلُنْدَى بِعُمَانَ، فَآمَنَا وَصَدَقَا. وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ. [ذِكْرُ غَزْوَةِ الْخَبَطِ وَغَيْرِهَا] وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ الْخَبَطِ، وَأَمِيرُهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فِي ثَلَاثِمِائَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ فِي رَجَبٍ، وَزَوَّدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَقْبِضُ لَهُمْ قَبْضَةً، ثُمَّ تَمْرَةً تَمْرَةً، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَلُوكُهَا وَيَشْرَبُ عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَنَفِدَ مَا فِي الْجِرَابِ، فَأَكَلُوا الْخَبَطَ وَجَاعُوا جُوعًا شَدِيدًا، فَنَحَرَ لَهُمْ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ تِسْعَ جَزَائِرَ فَأَكَلُوهَا، فَنَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَانْتَهَى. ثُمَّ إِنَّ الْبَحْرَ أَلْقَى إِلَيْهِمْ حُوتًا مَيِّتًا، فَأَكَلُوا مِنْهَا حَتَّى شَبِعُوا، وَنَصَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَيَمُرُّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ. فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ» ، وَأَكَلَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرُوا صَنِيعَ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، فَقَالَ: إِنَّ الْجَوَادَ مِنْ شِيمَةِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَيْتِ. وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةٌ وَجَّهَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَعْبَانَ، أَمِيرُهَا أَبُو قَتَادَةَ وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيُّ، وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ قَيْسٍ، أَوْ قَيْسَ بْنَ رِفَاعَةَ، فِي بَطْنٍ عَظِيمٍ مِنْ جُشَمَ نَزَلَ بِالْغَابَةِ يَجْمَعُ لِحَرْبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا قَتَادَةَ وَمَنْ مَعَهُ لِيَأْتُوا مِنْهُ بِخَبَرٍ، فَوَصَلُوا قَرِيبًا مِنَ الْحَاضِرِ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَكَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَاحِيَةٍ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً، وَقِيلَ: كَانُوا سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ: فَكَانَ لَهُمْ رَاعٍ أَبْطَأَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ فِي طَلَبِهِ وَمَعَهُ سِلَاحُهُ، فَرَمَيْتُهُ بِسَهْمٍ فِي فُؤَادِهِ فَمَا تَكَلَّمَ. قَالَ: فَأَخَذْتُ رَأْسَهُ، ثُمَّ شَدَدْتُ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ وَكَبَّرْتُ، وَكَبَّرَ صَاحِبَايَ، فَوَاللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا النَّجَاءُ، فَأَخَذُوا نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَمَا خَفَّ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَقْنَا الْإِبِلَ الْكَثِيرَةَ وَالْغَنَمَ، فَجِئْنَا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ وَبِرَأْسِهِ مَعِي، فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا، وَكُنْتُ قَدْ تَزَوَّجْتُ وَأَخَذْتُ أَهْلِي، وَعَدَلَ الْبَعِيرَ بِعَشْرٍ مِنَ الْغَنَمِ. وَفِيهَا أَغْزَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا قَتَادَةَ أَيْضًا إِلَى إِضَمَ، وَمَعَهُ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ
ذكر غزوة مؤتة
اللَّيْثِيُّ قَبْلَ الْفَتْحِ، فَلَقِيَهُمْ عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيُّ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ وَمَعَهُ مَتَاعُهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، فَأَمْسَكُوا عَنْهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ لِشَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُمَا، فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ بِعِيرَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَنَزَلَ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} [النساء: 94] ، الْآيَةَ. وَقِيلَ: كَانَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ. [ذِكْرُ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ] كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نُقَدِّمَ هَذِهِ الْغَزْوَةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا أَخَّرْنَاهَا لِتَتَّصِلَ الْغَزَوَاتُ الْعَظِيمَةُ، فَيَتْلُوَ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَكَانَتْ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ، وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَقَالَ: «إِنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» . فَقَالَ جَعْفَرٌ: مَا كُنْتُ أَذْهَبُ أَنْ تَسْتَعْمِلَ عَلَيَّ زَيْدًا، فَقَالَ: امْضِ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّ ذَلِكَ خَيْرٌ. فَبَكَى النَّاسُ وَقَالُوا: هَلَّا مَتَّعْتَنَا بِهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَأَمْسَكَ، وَكَانَ إِذَا قَالَ: فَإِنْ أُصِيبَ فُلَانٌ فَالْأَمِيرُ فُلَانٌ - أُصِيبَ كُلُّ مَنْ ذَكَرَهُ. فَتَجَهَّزَ النَّاسُ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَوَدَّعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ. فَلَمَّا وَدَّعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ بَكَى عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: مَا بِي حُبُّ الدُّنْيَا وَلَا صَبَابَةٌ بِكُمْ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ آيَةً، وَهِيَ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم: 71] فَلَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصَّدْرِ بَعْدَ الْوُرُودِ؟ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: صَحِبَكُمُ اللَّهُ، وَرَدَّكُمْ إِلَيْنَا سَالِمِينَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً ... وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا أَوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرَّانِ مُجْهِزَةً ... بِحَرْبَةٍ تَنْفُذُ الْأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا
حَتَّى يَقُولُوا إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي أَرْشَدَكَ اللَّهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدَا فَلَمَّا وَدَّعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَادَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: خَلَفَ السَّلَامُ عَلَى امْرِئٍ وَدَّعْتُهُ فِي النَّخْلِ خَيْرَ مُشَيَّعٍ وَخَلِيلِ ثُمَّ سَارُوا حَتَّى نَزَلُوا مُعَانَ، فَبَلَغَهُمْ أَنَّ هِرَقْلَ سَارَ إِلَيْهِمْ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الرُّومِ، وَمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْمُسْتَعْرِبَةِ، مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامَ وَبُلْقِينَ وَبَلِيٍّ، عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ بَلِيٍّ يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ رَافِلَةَ، وَنَزَلُوا مَآبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، فَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ بِمُعَانَ لَيْلَتَيْنِ يَنْظُرُونَ فِي أَمْرِهِمْ، وَقَالُوا: نَكْتُبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُخْبِرُهُ الْخَبَرَ وَنَنْتَظِرُ أَمْرَهُ، فَشَجَّعَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَقَالَ: يَا قَوْمِ وَاللَّهِ إِنَّ الَّذِي تَكْرَهُونَ لَلَّذِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ الشَّهَادَةَ، وَمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِعَدَدٍ وَلَا قُوَّةٍ، وَلَا نُقَاتِلُهُمْ إِلَّا بِهَذَا الدِّينِ، فَانْطَلِقُوا فَمَا هِيَ إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ. فَقَالَ النَّاسُ: صَدَقَ وَاللَّهِ، وَسَارُوا، وَسَمِعَهُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ - وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ، وَقَدْ أَرْدَفَهُ فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ عَلَى حَقِيبَتِهِ - وَهُوَ يَقُولُ: إِذَا أَدَّيْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي ... مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الْحِسَاءِ فَشَأْنُكِ فَانْعَمِي وَخَلَاكِ ذَمٌّ ... وَلَا أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي وَرَائِي وَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ وَغَادَرُونِي ... بِأَرْضِ الشَّامِ مُشْتَهِيَ الثَّوَاءِ وَرَدَّكِ كُلُّ ذِي نَسَبٍ قَرِيبٍ ... مِنَ الرَّحْمَنِ مُنْقَطِعِ الْإِخَاءِ هُنَالِكَ لَا أُبَالِي طَلْعَ بَعْلٍ ... وَلَا نَخْلٍ أَسَافِلُهَا رِوَاءِ فَلَمَّا سَمِعَهَا زَيْدٌ بَكَى، فَخَفَقَهُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ: مَا عَلَيْكَ يَا لُكَعُ! يَرْزُقُنِي اللَّهُ الشَّهَادَةَ، وَتَرْجِعُ بَيْنَ شُعْبَتَيِ الرَّحْلِ؟ ثُمَّ سَارُوا، فَالْتَقَتْهُمْ جُمُوعُ الرُّومِ وَالْعَرَبِ بِقَرْيَةٍ مِنَ الْبَلْقَاءِ يُقَالُ لَهَا: مَشَارِفُ، وَانْحَازَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: مُؤْتَةُ، فَالْتَقَى النَّاسُ عِنْدَهَا، وَكَانَ
عَلَى مَيْمَنَةِ الْمُسْلِمِينَ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ الْعُذْرِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمْ عَبَايَةُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَاتَلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بِرَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى شَاطَ فِي رِمَاحِ الْقَوْمِ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَاتَلَ بِهَا وَهُوَ يَقُولُ: يَا حَبَّذَا الْجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا ... طَيِّبَةً وَبَارِدًا شَرَابُهَا وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا ، عَلَيَّ، إِذْ لَاقَيْتُهَا، ضِرَابُهَا فَلَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَالُ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ فَعَقَرَهَا، ثُمَّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ، وَكَانَ جَعْفَرٌ أَوَّلَ مَنْ عَقَرَ فَرَسَهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَوَجَدُوا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ بَيْنَ رَمْيَةٍ وَضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ، فَلَمَّا قُتِلَ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَتَرَدَّدَ بَعْضَ التَّرَدُّدِ، ثُمَّ قَالَ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ: أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلَنَّهْ ... طَائِعَةً أَوْ لَا لَتُكْرَهِنَّهْ إِنْ أَجْلَبَ النَّاسُ وَشَدُّوا الرَّنَّهْ ... مَا لِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْ قَدْ طَالَ مَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّهْ ... هَلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّهْ وَقَالَ أَيْضًا: يَا نَفْسُ إِنْ لَمْ تُقْتَلِي تَمُوتِي ... هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيتِ وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِ ... إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ ثُمَّ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ، وَأَتَاهُ ابْنُ عَمٍّ لَهُ بِعِرْقٍ مِنْ لَحْمٍ فَقَالَ لَهُ: شُدَّ بِهَذَا صُلْبَكَ، فَقَدْ لَقِيتَ مَا لَقِيتَ. فَأَخَذَهُ فَانْتَهَشَ مِنْهُ نَهْشَةً ثُمَّ سَمِعَ الْحَطْمَةَ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ، فَقَالَ لِنَفْسِهِ: وَأَنْتَ فِي الدُّنْيَا! ثُمَّ أَلْقَاهُ وَأَخَذَ سَيْفَهُ وَتَقَدَّمَ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَكَلِبَ عَلَيْهِمُ الْعَدُوُّ، وَقَدْ كَانَ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ قَتَلَ قَبْلَ ذَلِكَ مَالِكَ بْنَ رَافِلَةَ قَائِدَ الْمُسْتَعْرِبَةِ. ثُمَّ إِنَّ الْخَبَرَ جَاءَ مِنَ السَّمَاءِ فِي سَاعَتِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَأَمَرَ فَنُودِيَ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَقَالَ: بَابُ خَيْرٍ! -
ثَلَاثًا - أُخْبِرُكُمْ عَنْ جَيْشِكُمْ هَذَا الْغَازِي، إِنَّهُمْ لَقُوا الْعَدُوَّ، فَقُتِلَ زَيْدٌ شَهِيدًا - فَاسْتَغْفَرَ لَهُ - ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ جَعْفَرٌ، فَشَدَّ عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا - فَاسْتَغْفَرَ لَهُ - ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَصَمَتَ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الْأَنْصَارِ، وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ مَا يَكْرَهُونَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رُفِعُوا إِلَى الْجَنَّةِ عَلَى سُرُرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَرَأَيْتُ فِي سَرِيرِ ابْنِ رَوَاحَةَ ازْوِرَارًا عَنْ سَرِيرَيْ صَاحِبَيْهِ، فَقُلْتُ: عَمَّ هَذَا؟ فَقِيلَ: مَضَيَا، وَتَرَدَّدَ بَعْضَ التَّرَدُّدِ ثُمَّ مَضَى» . وَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ رَوَاحَةَ أَخَذَ الرَّايَةَ ثَابِتُ بْنُ أَرْقَمَ الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، اصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ. فَقَالُوا: رَضِينَا بِكَ. فَقَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. فَاصْطَلَحُوا عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ، وَدَافَعَ الْقَوْمَ، وَانْحَازُوا عَنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ» ، فَعَادَ بِالنَّاسِ. فَمِنْ يَوْمِئِذٍ سُمِّيَ خَالِدٌ سَيْفَ اللَّهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَرَّ بِي جَعْفَرٌ الْبَارِحَةَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَهُ جَنَاحَانِ، مُخْتَضِبَ الْقَوَادِمِ بِالدَّمِ» . قَالَتْ أَسْمَاءُ: «أَتَانِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ فَرَغْتُ مِنِ اشْتِغَالِي، وَغَسَلْتُ أَوْلَادَ جَعْفَرٍ وَدَهَنْتُهُمْ، فَأَخَذَهُمْ وَشَمَّهُمْ وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبَلَغَكَ عَنْ جَعْفَرٍ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أُصِيبَ هَذَا الْيَوْمَ. ثُمَّ عَادَ إِلَى أَهْلِهِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَهُوَ أَوَّلُ مَا عُمِلَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ» . قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ: فَقُمْتُ أَصْنَعُ، وَاجْتَمَعَ إِلَيَّ النِّسَاءُ. فَلَمَّا رَجَعَ الْجَيْشُ وَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ لَقِيَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ، فَأَخَذَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَحْثُونَ التُّرَابَ عَلَى الْجَيْشِ وَيَقُولُونَ: يَا فُرَّارُ، يَا فُرَّارُ! وَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسُوا بِالْفُرَّارِ، وَلَكِنَّهُمُ الْكُرَّارُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -» .
ذكر فتح مكة
[ذِكْرُ فَتْحِ مَكَّةَ] وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ جُمَادَى الْآخِرَةَ وَرَجَبًا، ثُمَّ إِنَّ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ عَدَتْ عَلَى خُزَاعَةَ وَهُمْ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ: الْوَتِيرُ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَكْرٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي الْحَضْرَمِيِّ اسْمُهُ مَالِكُ بْنُ عَبَّادٍ، وَكَانَ حَلِيفًا لِلْأَسْوَدِ بْنِ رَزْنٍ الدُّئِلِيِّ، ثُمَّ الْبَكْرِيِّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خَرَجَ تَاجِرًا، فَلَمَّا كَانَ بِأَرْضِ خُزَاعَةَ قَتَلُوهُ وَأَخَذُوا مَالَهُ، فَعَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ فَقَتَلُوهُ، فَعَدَتْ خُزَاعَةُ عَلَى بَنِي الْأَسْوَدِ بْنِ رَزْنٍ، وَهُمْ سَلْمَى، وَكُلْثُومٌ، وَذُؤَيْبٌ، فَقَتَلُوهُمْ بِعَرَفَةَ، وَكَانُوا مِنْ أَشْرَافِ بَنِي بَكْرٍ، فَبَيْنَمَا خُزَاعَةُ وَبَكْرٌ عَلَى ذَلِكَ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَاشْتَغَلَ النَّاسُ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَخَلَتْ بَكْرٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، اغْتَنَمَتْ بَكْرٌ تِلْكَ الْهُدْنَةَ، وَأَرَادُوا أَنْ يُصِيبُوا مِنْ خُزَاعَةَ ثَأْرَهُمْ بِقَتْلِ بَنِي الْأَسْوَدِ، فَخَرَجَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدُّئِلِيُّ بِمَنْ تَبِعَهُ مِنْ بَكْرٍ حَتَّى بَيَّتَ خُزَاعَةَ عَلَى مَاءِ الْوَتِيرِ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ بَكْرٍ يُنْشِدُ هِجَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَجَّهُ، فَهَاجَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ، وَثَارَتْ بَكْرٌ بِخُزَاعَةَ حَتَّى بَيَّتُوهُمْ بِالْوَتِيرِ، وَأَعَانَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ بِسِلَاحٍ وَدَوَابَّ، وَقَاتَلَ مَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مُخْتَفِينَ، مِنْهُمْ: صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَسَهْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَانْحَازَتْ خُزَاعَةُ إِلَى الْحَرَمِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ نَفَرٌ. فَلَمَّا دَخَلَتْ خُزَاعَةُ الْحَرَمَ، قَالَتْ بَكْرٌ: يَا نَوْفَلُ، إِنَّا قَدْ دَخَلْنَا الْحَرَمَ، إِلَهَكَ إِلَهَكَ! فَقَالَ: لَا إِلَهَ لَهُ الْيَوْمَ، يَا بَنِي بَكْرٍ أَصِيبُوا ثَأْرَكُمْ، فَلَعَمْرِي إِنَّكُمْ لَتُسْرِفُونَ فِي الْحَرَمِ، أَفَلَا تُصِيبُونَ ثَأْرَكُمْ فِيهِ؟ فَلَمَّا نَقَضَتْ بَكْرٌ وَقُرَيْشٌ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ، ثُمَّ الْكَعْبِيُّ، حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
لَاهُمَّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدًا ... حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا فَوَالِدًا كُنَّا وَكُنْتَ وَلَدَا ... ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا فَانْصُرْ رَسُولَ اللَّهِ نَصْرًا أَعْتَدَا ... وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدَا فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدَا ... أَبْيَضَ مِثْلَ الْبَدْرِ يَنْمِي صُعُدَا إِنْ سِيمَ خَسَفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا ... فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدَا إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا ... وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رَصَدَا ... وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا ... هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا فَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ نُصِرْتَ يَا عَمْرُو بْنَ سَالِمٍ! ثُمَّ عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنَانٌ مِنَ السَّمَاءِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ» . وَكَانَ بَيْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَخُزَاعَةَ حِلْفٌ قَدِيمٌ، فَلِهَذَا قَالَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ: حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا ثُمَّ خَرَجَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ، فَنَادَوْهُ وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: يَا لَبَّيْكُمْ! وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ ثُمَّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَالَ «كَأَنَّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ قَدْ جَاءَ لِيُجَدِّدَ الْعَهْدَ خَوْفًا، وَيَزِيدَ فِي الْمُدَّةِ» . وَمَضَى بُدَيْلٌ فَلَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ بِعُسْفَانَ يُرِيدُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُجَدِّدَ الْعَهْدَ خَوْفًا مِنْهُ، فَقَالَ لِبُدَيْلٍ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ خُزَاعَةَ فِي السَّاحِلِ وَبَطْنِ هَذَا الْوَادِي. قَالَ: أَوَمَا أَتَيْتَ مُحَمَّدًا؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِأَصْحَابِهِ لَمَّا رَاحَ بُدَيْلٌ: انْظُرُوا بَعْرَ نَاقَتِهِ، فَإِنْ جَاءَ الْمَدِينَةَ لَقَدْ عَلَفَ النَّوَى. فَنَظَرُوا بَعْرَ النَّاقَةِ، فَرَأَوْا فِيهِ النَّوَى.
ثُمَّ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ طَوَتْهُ عَنْهُ. فَقَالَ: أَرَغِبْتِ بِهِ عَنِّي أَمْ رَغِبْتِ بِي عَنْهُ؟ فَقَالَتْ: هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ، وَأَنْتَ مُشْرِكٌ نَجِسٌ، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: لَقَدْ أَصَابَكِ بَعْدِي شَرٌّ. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَلَّمَهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ أَتَى أَبَا بَكْرٍ فَكَلَّمَهُ لِيُكَلِّمَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. ثُمَّ أَتَى عُمَرَ فَكَلَّمَهُ فَقَالَ: أَنَا أَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ ! وَاللَّهِ لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا الذَّرَّ لَجَاهَدْتُكُمْ بِهِ. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى عَلِيًّا وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ غُلَامٌ، فَكَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَمْرٍ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلِّمَهُ فِيهِ. فَقَالَ لِفَاطِمَةَ: يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ، هَلْ لَكِ أَنْ تَأْمُرِي ابْنَكِ هَذَا أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ فَيَكُونَ سَيِّدَ الْعَرَبِ؟ فَقَالَتْ: مَا بَلَغَ ابْنِي أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَا يُجِيرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ أَحَدٌ. فَالْتَفَتَ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ لَهُ: أَرَى الْأُمُورَ قَدِ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ فَانْصَحْنِي. قَالَ: أَنْتَ سَيِّدُ كِنَانَةَ، فَقُمْ فَأَجِرْ بَيْنَ النَّاسِ وَالْحَقْ بِأَرْضِكَ. فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ. ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرَهُ وَقَدِمَ مَكَّةَ، وَأَخْبَرَ قُرَيْشًا مَا جَرَى لَهُ وَمَا أَشَارَ بِهِ عَلِيٌّ عَلَيْهِ. فَقَالُوا لَهُ: وَاللَّهِ مَا زَادَ عَلَى أَنْ يَسْخَرَ بِكَ. ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَجَهَّزَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالتَّجَهُّزِ إِلَى مَكَّةَ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ خُذِ الْعُيُونَ وَالْأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَهَا فِي بِلَادِهَا. فَكَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كِتَابًا إِلَى قُرَيْشٍ يُعْلِمُهُمُ الْخَبَرَ، وَسَيَّرَهُ مَعَ امْرَأَةٍ مِنْ مُزَيْنَهَ اسْمُهَا كَنُودُ، وَقِيلَ: مَعَ سَارَةَ مَوْلَاةٍ لِبَنِي الْمُطَّلِبِ. فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ، فَأَدْرَكَاهَا وَأَخَذَا مِنْهَا الْكِتَابَ، وَجَاءَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَحْضَرَ حَاطِبًا وَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا بَدَّلْتُ وَلَا غَيَّرْتُ، وَلَكِنْ لِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ أَهْلٌ وَوَلَدٌ، وَلَيْسَ لِي عَشِيرَةٌ، فَصَانَعْتُهُمْ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ نَافَقَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ؟ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي حَاطِبٍ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ» . ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا رُهْمٍ كُلْثُومَ بْنَ حُصَيْنٍ
الْغِفَارِيَّ، وَخَرَجَ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَفَتَحَ مَكَّةَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْهُ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ مَا بَيْنَ عُسْفَانَ وَأَمَجَ، فَأَفْطَرُوا، وَاسْتَوْعَبَ مَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَسَبَّعَتْ سُلَيْمُ، وَأَلَّفَتْ مُزَيْنَةُ، وَفِي كُلِّ الْقَبَائِلِ عَدَدٌ وَإِسْلَامٌ، وَأَدْرَكَهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَلَقِيَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِالسُّقْيَا، وَقِيلَ: بِذِي الْحُلَيْفَةِ، مُهَاجِرًا، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرْسِلَ رَحْلَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَيَعُودَ مَعَهُ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ آخِرُ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَنَا آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ. وَلَقِيَهُ أَيْضًا مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ بِنِيقِ الْعُقَابِ، فَالْتَمَسَا الدُّخُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فِيهِمَا وَقَالَتْ لَهُ: ابْنُ عَمِّكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِمَا، أَمَّا ابْنُ عَمِّي فَهَتَكَ عِرْضِي، وَأَمَّا ابْنُ عَمَّتِي فَهُوَ الَّذِي قَالَ بِمَكَّةَ مَا قَالَ. فَلَمَّا سَمِعَا ذَلِكَ وَكَانَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ ابْنٌ لَهُ اسْمُهُ جَعْفَرٌ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَيَأْذَنُ لِي، أَوْ لَآخُذَنَّ بِيَدِ ابْنِي هَذَا، ثُمَّ لَنَذْهَبَنَّ فِي الْأَرْضِ حَتَّى نَمُوتَ عَطَشًا وَجُوعًا. فَرَقَّ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَدْخَلَهُمَا إِلَيْهِ، فَأَسْلَمَا. وَقِيلَ: إِنَّ عَلِيًّا قَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَقُلْ لَهُ مَا قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لِيُوسُفَ: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف: 91] فَإِنَّهُ لَا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَحْسَنَ مِنْهُ فِعْلًا وَلَا قَوْلًا، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] ، وَقَرَّبَهُمَا، فَأَسْلَمَا، «وَأَنْشَدَهُ أَبُو سُفْيَانَ قَوْلَهُ فِي إِسْلَامِهِ وَاعْتِذَارِهِ مِمَّا مَضَى: لَعَمْرُكَ إِنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً ... لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ لَكَالْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ ... فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدَى وَأَهْتَدِي وَهَادٍ هَدَانِي غَيْرَ نَفْسِي وَنَالَنِي ... مَعَ اللَّهِ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ الْأَبْيَاتَ. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدْرَهُ وَقَالَ: أَنْتَ طَرَّدْتَنِي كُلَّ مُطَرَّدٍ؟» .
وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيَاءً مِنْهُ. وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ الظَّهْرَانِ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، مِنْ بَنِي غِفَارٍ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَمِنْ مُزَيْنَةَ أَلْفٌ وَثَلَاثَةُ نَفَرٍ، وَمِنْ بَنِي سُلَيْمٍ سَبْعُمِائَةٍ، وَمِنْ جُهَيْنَةَ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ، وَسَائِرُهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ وَحُلَفَائِهِمْ، وَطَوَائِفَ مِنَ الْعَرَبِ، ثُمَّ مِنْ تَمِيمٍ وَأَسَدٍ وَقَيْسٍ. فَلَمَّا نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: يَا هَلَاكَ قُرَيْشٍ! وَاللَّهِ لَئِنْ بَغَتَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بِلَادِهَا، فَدَخَلَ عَنْوَةً، إِنَّهُ لَهَلَاكُ قُرَيْشٍ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ. فَجَلَسَ عَلَى بَغْلَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: أَخْرُجُ لَعَلِّي أَرَى حَطَّابًا أَوْ رَجُلًا يَدْخُلُ مَكَّةَ فَيُخْبِرُهُمْ بِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَأْتُونَهُ وَيَسْتَأْمِنُونَهُ. قَالَ: فَخَرَجْتُ أَطُوفُ فِي الْأَرَاكِ إِذْ سَمِعْتُ صَوْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيِّ؛ قَدْ خَرَجُوا يَتَجَسَّسُونَ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ نِيرَانًا أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ. فَقَالَ بُدَيْلٌ: هَذِهِ نِيرَانُ خُزَاعَةَ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: خُزَاعَةُ أَذَلُّ مِنْ ذَلِكَ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَنْظَلَةَ - يَعْنِي أَبَا سُفْيَانَ كَانَ يُكَنَّى بِذَلِكَ - فَقَالَ: أَبُو الْفَضْلِ؟ ! قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: لَبَّيْكَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، مَا وَرَاءَكَ؟ فَقُلْتُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُسْلِمِينَ أَتَاكُمْ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ. قَالَ: مَا تَأْمُرُنِي؟ قُلْتُ: تَرْكَبُ مَعِي، فَأَسْتَأْمِنُ لَكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَاللَّهِ لَئِنْ ظَفِرَ بِكَ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ. فَرَدَفَنِي، فَخَرَجْتُ أَرْكُضُ بِهِ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكُلَّمَا مَرَرْتُ بِنَارٍ مِنْ نِيرَانِ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ، حَتَّى مَرَرْنَا بِنَارِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمْكَنَ مِنْكَ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ! ثُمَّ اشْتَدَّ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَكَضَتِ الْبَغْلَةُ فَسَبَقْتُ عُمَرَ، وَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ وَقَالَ: دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ. ثُمَّ أَخَذْتُ بِرَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُلْتُ: لَا يُنَاجِيهِ الْيَوْمَ أَحَدٌ دُونِي. فَلَمَّا أَكْثَرَ فِيهِ عُمَرُ قُلْتُ: مَهْلًا يَا عُمَرُ، فَوَاللَّهِ مَا تَصْنَعُ هَذَا إِلَّا لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ مَا قُلْتَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ. فَقَالَ: مَهْلًا يَا عَبَّاسُ، فَوَاللَّهِ لَإِسْلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبْ فَقَدْ آمَنَّاهُ حَتَّى تَغْدُوَ عَلَيَّ بِهِ بِالْغَدَاةِ. فَرَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَغَدَوْتُ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: بَلَى، بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى عَنِّي شَيْئًا. فَقَالَ: وَيْحَكَ أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: بِأَبِي وَأُمِّي، أَمَّا هَذِهِ فَفِي النَّفْسِ مِنْهَا شَيْءٌ. قَالَ الْعَبَّاسُ: فَقُلْتُ لَهُ: وَيْحَكَ، تَشَهَّدْ شَهَادَةَ الْحَقِّ قَبْلَ أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُكَ! قَالَ: فَتَشَهَّدَ، وَأَسْلَمَ مَعَهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْعَبَّاسِ: اذْهَبْ فَاحْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ بِمَضِيقِ الْوَادِي، حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهِ جُنُودُ اللَّهِ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يُحِبُّ الْفَخْرَ، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا يَكُونُ فِي قَوْمِهِ. فَقَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ. قَالَ: فَخَرَجْتُ بِهِ فَحَبَسْتُهُ عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ، فَمَرَّتْ عَلَيْهِ الْقَبَائِلُ فَيَقُولُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَأَقُولُ: أَسْلَمُ. فَيَقُولُ: مَا لِي وَلِأَسْلَمَ. وَيَقُولُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَأَقُولُ: جُهَيْنَةُ. فَيَقُولُ: مَا لِي وَلِجُهَيْنَةَ. حَتَّى مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ مَعَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي الْحَدِيدِ، لَا يُرَى مِنْهُمْ إِلَّا الْحَدَقُ. فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقُلْتُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. فَقَالَ: لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيكَ عَظِيمًا، فَقُلْتُ: وَيْحَكَ، إِنَّهَا النُّبُوَّةُ. فَقَالَ: نَعَمْ إِذَنْ. فَقُلْتُ: الْحَقْ بِقَوْمِكَ سَرِيعًا فَحَذِّرْهُمْ. فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ وَمَعَهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، فَصَرَخَ فِي الْمَسْجِدِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ بِمَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، فَقَالُوا: فَمَهْ. قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا. فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ هِنْدُ فَأَخَذَتْ بِلِحْيَتِهِ وَقَالَتْ: يَا آلَ غَالِبٍ، اقْتُلُوا هَذَا الشَّيْخَ الْأَحْمَقَ. فَقَالَ: أَرْسِلِي لِحْيَتِي، وَأُقْسِمُ لَئِنْ أَنْتِ لَمْ تُسْلِمِي لَتُضْرَبَّنَ عُنُقُكِ، ادْخُلِي بَيْتَكِ! فَتَرَكَتْهُ. وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَثَرِهِمَا الزُّبَيْرَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ بِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ كَدَاءٍ، وَكَانَ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى، وَأَمَرَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَنْ يَدْخُلَ بِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ كَدَاءٍ، فَقَالَ سَعْدٌ حِينَ وَجَّهَهُ: الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمُ تُسْتَحَلُّ الْحُرْمَةُ. فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَأَعْلَمَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَدْرِكْهُ، فَخُذِ الرَّايَةَ مِنْهُ، وَكُنْ أَنْتَ الَّذِي تَدْخُلُ بِهَا، وَأَمَرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ مِنَ اللِّيطِ فِي بَعْضِ النَّاسِ، وَكَانَ مَعَهُ أَسْلَمُ، وَغِفَارُ، وَمُزَيْنَةُ، وَجُهَيْنَةُ، وَقَبَائِلُ مِنَ الْعَرَبِ، وَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ. وَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ذِي طُوًى وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُعْتَجِرٌ بِبُرْدِ خَزٍّ
أَحْمَرَ، وَقَدْ وَضَعَ رَأْسَهُ تَوَاضُعًا لِلَّهِ - تَعَالَى - حِينَ رَأَى مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ، حَتَّى إِنَّ أَسْفَلَ لِحْيَتِهِ لَيَمَسُّ وَاسِطَةَ الرَّحْلِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ وَدَخَلَ مِنْ أَذَاخِرَ بِأَعْلَاهَا، وَضُرِبَتْ قُبَّتُهُ هُنَاكَ. وَكَانَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو - قَدْ جَمَعُوا نَاسًا بِالْخَنْدَمَةِ لِيُقَاتِلُوا، وَمَعَهُمُ الْأَحَابِيشُ، وَبَنُو بَكْرٍ، وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ، فَلَقِيَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقَاتَلَهُمْ فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَابِرُ بْنُ حُسَيْلٍ الْفِهْرِيُّ، وَحُبَيْشُ بْنُ خَالِدٍ، وَهُوَ الْأَشْعَرُ الْكَعْبِيُّ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْمَيْلَاءِ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ثُمَّ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ. وَكَانَ مَعَ عِكْرِمَةَ حِمَاسُ بْنُ خَالِدٍ الدُّئِلِيُّ، وَكَانَ قَدْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: لَآتِيَنَّكِ بِخَادِمٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهَا مُنْهَزِمًا قَالَتْ لَهُ، تَسْتَهْزِئُ بِهِ: أَيْنَ الْخَادِمُ؟ ! فَقَالَ: فَأَنْتِ لَوْ شَهِدْتِنَا بِالْخَنْدَمَهْ ... إِذْ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ وَأَبُو يَزِيدَ كَالْعَجُوزِ الْمُؤْتَمَهْ ... لَمْ تَنْطِقِي فِي اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ إِذْ ضَرَبَتْنَا بِالسُّيُوفِ الْمُثْلَمَهْ ... لَهُمْ زَفِيرٌ خَلْفَنَا وَغَمْغَمَهْ أَبُو يَزِيدَ هَذَا هُوَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَهِدَ إِلَى أُمَرَائِهِ أَنْ لَا يَقْتُلُوا أَحَدًا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ، فَلَمَّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ دُخُولَ مَكَّةَ - قَامَ فِي وُجُوهِهِمْ نِسَاءٌ مُشْرِكَاتٌ، يَلْطُمْنَ وُجُوهَ الْخَيْلِ بِالْخُمُرِ، وَقَدْ نَشَرْنَ شُعُورَهُنَّ، فَرَآهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِلَى جَنْبِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ قَالَ حَسَّانُ؟ فَأَنْشَدَهُ: تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ... تُلَطِّمُهُنَ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ ثَمَانِيَةِ رِجَالٍ وَأَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَأَمَّا الرِّجَالُ فَمِنْهُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، كَانَ يُشْبِهُ أَبَاهُ فِي إِيذَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَدَاوَتِهِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَى مُحَارَبَتِهِ، فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ خَافَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَهَرَبَ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَسْلَمَتِ أَمِرْأَتُهُ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَاسْتَأْمَنَتْ لَهُ، وَخَرَجَتْ فِي طَلَبِهِ وَمَعَهَا غُلَامٌ لَهَا رُومِيٌّ، فَرَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَأَطْمَعَتْهُ وَلَمْ تُمَكِّنْهُ، حَتَّى أَتَتْ حَيًّا مِنَ الْعَرَبِ فَاسْتَعَانَتْهُمْ عَلَيْهِ، فَأَوْثَقُوهُ، وَأَدْرَكَتْ عِكْرِمَةَ وَهُوَ يُرِيدُ رُكُوبَ الْبَحْرِ فَقَالَتْ: جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَوْصَلِ النَّاسِ، وَأَحْلَمِهِمْ، وَأَكْرَمِهِمْ، وَقَدْ آمَنَكَ، فَرَجَعَ، وَأَخْبَرَتْهُ خَبَرَ الرُّومِيِّ، فَقَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُرَّ بِهِ، فَأَسْلَمَ وَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَاسْتَغْفَرَ. وَمِنْهُمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَكَانَ أَيْضًا شَدِيدًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَرَبَ خَوْفًا مِنْهُ إِلَى جُدَّةَ، فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفْوَانَ سَيِّدُ قَوْمِي، وَقَدْ خَرَجَ هَارِبًا مِنْكَ فَآمِنْهُ. قَالَ: هُوَ آمِنٌ، وَأَعْطَاهُ عِمَامَتَهُ الَّتِي دَخَلَ بِهَا مَكَّةَ لِيَعْرِفَ بِهَا أَمَانَهُ، فَخَرَجَ بِهَا عُمَيْرٌ فَأَدْرَكَهُ بِجُدَّةَ، فَأَعْلَمَهُ بِأَمَانِهِ وَقَالَ: إِنَّهُ أَحْلَمُ النَّاسِ وَأَوْصَلُهُمْ، وَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّكَ، وَعِزُّهُ عِزُّكَ، وَشَرَفُهُ شَرَفُكَ. قَالَ: إِنِّي أَخَافُهُ عَلَى نَفْسِي. قَالَ: هُوَ أَحْلَمُ مِنْ ذَلِكَ. فَرَجَعَ صَفْوَانُ وَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّكَ آمَنْتَنِي. قَالَ: صَدَقَ. قَالَ: اجْعَلْنِي بِالْخِيَارِ شَهْرَيْنِ. قَالَ: أَنْتَ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. فَأَقَامَ مَعَهُ كَافِرًا، وَشَهِدَ مَعَهُ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَتُوفِيَّ بِمَكَّةَ عِنْدَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الْبَصْرَةِ لِيَوْمِ الْجَمَلِ. وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَكَتَبَ الْوَحْيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ إِذَا أَمْلَى عَلَيْهِ: عَزِيزٌ حَكِيمٌ، يَكْتُبُ: عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَقَالَ لِقُرَيْشٍ: إِنِّي أَكْتُبُ أَحْرُفَ مُحَمَّدٍ فِي قُرْآنِهِ حَيْثُ شِئْتُ، وَدِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ فَرَّ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَغَيَّبَهُ عُثْمَانُ حَتَّى اطْمَأَنَّ النَّاسُ، ثُمَّ أَحْضَرَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَطَلَبَ لَهُ الْأَمَانَ، فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَوِيلًا ثُمَّ آمَنَهُ، فَأَسْلَمَ وَعَادَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ: لَقَدْ صَمَتُّ لِيَقْتُلَهُ أَحَدُكُمْ. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: هَلَّا أَوْمَأَتْ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: «
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَقْتُلَ بِالْإِشَارَةِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَكُونُ لَهُمْ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» . وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ، فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُصَدِّقًا وَمَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَغُلَامٌ لَهُ رُومِيٌّ قَدْ أَسْلَمَ، فَكَانَ الرُّومِيُّ يَخْدُمُهُ وَيَصْنَعُ الطَّعَامَ، فَنَسِيَ يَوْمًا أَنْ يَصْنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَتَلَهُ وَارْتَدَّ، وَكَانَ لَهُ قَيْنَتَانِ تُغْنِيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَتَلَهُ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ، أَخُو عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ. وَمِنْهُمُ الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ، وَكَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ، وَيُنْشِدُ الْهِجَاءَ فِيهِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ هَرَبَ مِنْ بَيْتِهِ، فَلَقِيَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَتَلَهُ. وَمِنْهُمْ مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ لِأَنَّهُ قَتَلَ الْأَنْصَارِيَّ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ هِشَامًا خَطَأً وَارْتَدَّ، فَلَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ اخْتَفَى بِمَكَانٍ هُوَ وَجَمَاعَةٌ، وَشَرِبُوا الْخَمْرَ، فَعَلِمَ بِهِ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنَانِيُّ، فَأَتَاهُ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهُ. وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرَى السَّهْمِيُّ، وَكَانَ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ وَيُعَظِّمُ الْقَوْلَ فِيهِ، فَهَرَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ هُوَ وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ زَوْجُ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ - إِلَى نَجْرَانَ، فَأَمَّا هُبَيْرَةُ فَأَقَامَ بِهَا مُشْرِكًا حَتَّى هَلَكَ، وَأَمَّا ابْنُ الزِّبَعْرَى فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاعْتَذَرَ، فَقَبِلَ عُذْرَهُ، فَقَالَ حِينَ أَسْلَمَ: يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إِنَّ لِسَانِي ... رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ إِذْ أُبَارِي الشَّيْطَانَ فِي سُنَنِ الْغَيِّ ... وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ
آمَنَ اللَّحْمُ وَالْعِظَامُ بِرَبِّي ... ثُمَّ نَفْسِي الشَّهِيدُ أَنْتَ النَّذِيرُ فِي أَشْعَارٍ لَهُ كَثِيرَةٌ يَعْتَذِرُ فِيهَا. وَمِنْهُمْ وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ قَاتِلُ حَمْزَةَ، فَهَرَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ إِلَى الطَّائِفِ، ثُمَّ قَدِمَ فِي وَفْدِ أَهْلِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَحْشِيُّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَخْبِرْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ عَمِّي؟ فَأَخْبَرَهُ، فَبَكَى وَقَالَ: غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي» . وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جُلِدَ فِي الْخَمْرِ، وَأَوَّلُ مَنْ لَبِسَ الْمُعَصْفَرَ الْمَصْقُولَ فِي الشَّامِ. وَهَرَبَ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، فَرَآهُ أَبُو ذَرٍّ فِي حَائِطٍ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَانِهِ، فَقَالَ: أَوَلَيْسَ قَدْ آمَنَّا النَّاسَ إِلَّا مَنْ قَدْ أَمَرْنَا بِقَتْلِهِ؟ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ فَأَسْلَمَ. قِيلَ: إِنَّهُ دَخَلَ يَوْمًا عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: يَا شَيْخُ، تَأَخَّرَ إِسْلَامُكَ. فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَكَانَ يَصُدُّنِي عَنْهُ أَبُوكَ. فَأَمَّا النِّسَاءُ فَمِنْهُنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِهَا لِمَا فَعَلَتْ بِحَمْزَةَ، وَلِمَا كَانَتْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ مَعَ النِّسَاءِ مُتَخَفِّيَةً فَأَسْلَمَتْ، وَكَسَرَتْ كُلَّ صَنَمٍ فِي بَيْتِهَا وَقَالَتْ: لَقَدْ كُنَّا مِنْكُمْ فِي غُرُورٍ، وَأَهْدَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَدْيَيْنِ، وَاعْتَذَرَتْ مِنْ قِلَّةِ وِلَادَةِ غَنَمِهَا، فَدَعَا لَهَا بِالْبَرَكَةِ فِي غَنَمِهَا فَكَثُرَتْ، فَكَانَتْ تَهَبُ وَتَقُولُ: هَذَا مِنْ بَرَكَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ. وَمِنْهُنَّ سَارَةُ، وَهِيَ مَوْلَاةُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهِيَ الَّتِي حَمَلَتْ كِتَابَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَكَانَتْ قَدِمَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْلِمَةً فَوَصَلَهَا، فَعَادَتْ إِلَى مَكَّةَ مُرْتَدَّةً، فَأَمَرَ بِقَتْلِهَا، فَقَتَلَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَمِنْهُنَّ قَيْنَتَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ، وَكَانَتَا تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمَا، فَقُتِلَتْ إِحْدَاهُمَا وَاسْمُهَا قَرِيبَةُ، وَفَّرَتِ الْأُخْرَى وَتَنَكَّرَتْ وَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فَأَسْلَمَتْ، وَبَقِيَتْ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَوْطَأَهَا رَجُلٌ فَرَسَهُ خَطَأً فَمَاتَتْ، وَقِيلَ: بَقِيَتْ إِلَى خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَكَسَرَ رَجُلٌ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهَا خَطَأً فَمَاتَتْ، فَأَغْرَمَهُ عُثْمَانُ دِيَتَهَا. «وَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ كَانَتْ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلَا كُلُّ دَمٍ أَوْ مَأْثُرَةٍ أَوْ مَالٍ يُدَّعَى فَهُوَ تَحْتُ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، إِلَّا سَدَانَةَ الْبَيْتِ، وَسِقَايَةَ الْحَجِّ. ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ. قَالَ: اذْهَبُوا، فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ. فَعَفَا عَنْهُمْ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ أَمْكَنَهُ مِنْهُمْ، وَكَانُوا لَهُ فَيْئًا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَهْلُ مَكَّةَ الطُّلَقَاءَ. وَطَافَ بِالْكَعْبَةِ سَبْعًا، وَدَخَلَهَا وَصَلَّى فِيهَا، وَرَأَى فِيهَا صُوَرَ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ، وَكَانَ عَلَى الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا، وَكَانَ بِيَدِهِ قَضِيبٌ، فَكَانَ يُشِيرُ بِهِ إِلَى الْأَصْنَامِ وَهُوَ يَقْرَأُ: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] فَلَا يُشِيرُ إِلَى صَنَمٍ مِنْهَا إِلَّا سَقَطَ لِوَجْهِهِ. وَقِيلَ: بَلْ أَمَرَ بِهَا وَخُدِمَتْ وَكُسِرَتْ» . ثُمَّ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْبَيْعَةِ عَلَى الصَّفَا وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ تَحْتَهُ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْإِسْلَامِ، فَكَانَ يُبَايِعُهُمْ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَاعُوا، فَكَانَتْ هَذِهِ بَيْعَةَ الرِّجَالِ. وَأَمَّا بَيْعَةُ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الرِّجَالِ بَايَعَ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُ مِنْهُنَّ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، مِنْهُنَّ أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَتْ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وَدٍّ الْعَامِرِيِّ، وَأَرْوَى بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ عَمَّةُ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، وَأُخْتُهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ، وَكَانَتْ عِنْدَ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ، وَأُمُّهُ بِنْتُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أُخْتُ عُثْمَانَ، وَكَانَتْ عِنْدَ سَعْدٍ حَلِيفِ بَنِي مَخْزُومٍ، وَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي سُفْيَانَ، وَيُسَيْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَأُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ
الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَكَانَتْ عِنْدَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَفَاخِتَةُ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أُخْتُ خَالِدٍ، وَكَانَتْ عِنْدَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَرَيْطَةُ بِنْتُ الْحَجَّاجِ، وَكَانَتْ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي غَيْرِهِنَّ، وَكَانَتْ هِنْدُ مُتَنَكِّرَةً لِصَنِيعِهَا بِحَمْزَةَ، فَهِيَ تَخَافُ أَنْ تُؤْخَذَ بِهِ، وَقَالَ لَهُنَّ: تُبَايِعْنَنِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا. قَالَتْ هِنْدُ: إِنَّكَ وَاللَّهِ لَتَأْخُذُ عَلَيْنَا مَا لَا تَأْخُذُهُ عَلَى الرِّجَالِ، فَسَنُؤْتِيكَهُ. قَالَ: وَلَا تَسْرِقْنَ. قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأُصِيبُ مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ الْهَنَةَ وَالْهَنَةَ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ، وَكَانَ حَاضِرًا: أَمَّا مَا مَضَى فَأَنْتِ مِنْهُ فِي حِلٍّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَهِنْدُ؟ قَالَتْ أَنَا هِنْدُ فَاعْفُ عَمَّا سَلَفَ، عَفَا اللَّهُ عَنْكَ. قَالَ وَلَا تَزْنِينَ. قَالَتْ: وَهَلْ تَزْنِي الْحُرَّةُ؟ قَالَ: وَلَا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنَّ. قَالَتْ: رَبَّيْنَاهُمْ صِغَارًا، وَقَتَلْتَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ كِبَارًا، فَأَنْتَ وَهُمْ أَعْلَمُ. فَضَحِكَ عُمَرُ. قَالَ: وَلَا تَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُنَّ وَأَرْجُلِكُنَّ. قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنَّ إِتْيَانَ الْبُهْتَانِ لَقَبِيحٌ، وَلَبَعْضُ التَّجَاوُزِ أَمْثَلُ. قَالَ: وَلَا تَعْصِينَنِي فِي مَعْرُوفٍ. قَالَتْ مَا جَلَسْنَا هَذَا الْمَجْلِسَ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَعْصِيَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ: «بَايِعْهُنَّ. وَاسْتَغْفَرَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَمَسُّ النِّسَاءَ، وَلَا يُصَافِحُ امْرَأَةً، وَلَا تَمَسُّهُ امْرَأَةٌ إِلَّا امْرَأَةٌ أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُ، أَوْ ذَاتُ مَحْرَمٍ مِنْهُ» . وَلَمَّا جَاءَ وَقْتُ الظُّهْرِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ وَقُرَيْشٌ فَوْقَ الْجِبَالِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ أَمِنَ، فَلَمَّا أَذَّنَ وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَتْ جُوَيْرَةُ بِنْتُ أَبِي جَهْلٍ: لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أَبِي حِينَ لَمْ يَشْهَدْ نَهِيقَ بِلَالٍ فَوْقَ الْكَعْبَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا قَالَتْ: لَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَسَنُصَلِّي، وَلَكِّنَا لَا نُحِبُّ مَنْ قَتَلَ الْأَحِبَّةَ. وَقَالَ خَالِدُ بْنُ أَسَدٍ، أَخُو عُثْمَانَ بْنِ أَسَدٍ: لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أَبِي، فَلَمْ يَرَ هَذَا الْيَوْمَ. وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ: لَيْتَنِي مُتُّ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ. ثُمَّ أَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. (وَأَمَّا الْأَسْمَاءُ الْمُشْكِلَةُ، فَحَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ بِالْحَاءِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبَلْتَعَةُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبَعْدَ اللَّامِ تَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقِهَا. وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ
ذكر غزوة خالد بن الوليد بني جذيمة
بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَيَاءَيْنِ مُثَنَّاتَيْنِ مِنْ تَحْتُ، ثُمَّ نُونٍ، تَصْغِيرُ عَيْنٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَعَتَّابٌ بِالتَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ. وَأَسِيدٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ السِّينِ) . وَقَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ: ابْنُ عَمِّكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ، فَتَعْنِي بِابْنِ عَمِّهِ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَابْنِ عَمَّتِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ، وَهُوَ أَخُوهَا لِأَبِيهَا، وَكَانَتْ أُمُّهُ عَاتِكَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَقَوْلُهُ: قَالَ فِي مَكَّةَ مَا قَالَ: فَإِنَّهُ قَالَ بِمَكَّةَ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَرْقَى فِي السَّمَاءِ، وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ. وَقَدْ غَلِطَ هُنَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْكِبَارِ فَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ: ابْنُ عَمَّتِكَ، أَنَّ جَدَّةَ النَّبِيِّ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ كَانَتْ مَخْزُومِيَّةً، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ مَخْزُومِيٌّ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ابْنَ خَالَتِهِ لَا ابْنَ عَمَّتِهِ، وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ. (وَحُبَيْشُ بْنُ خَالِدٍ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، ثُمَّ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَآخِرُهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ. وَمِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الْقَافِ، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِ الْمَفْتُوحَةِ، وَآخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ. وَصُبَابَةُ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَبَاءَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ. خَطْمُ الْجَبَلِ رُوِيَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، فَأَمَّا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَهُوَ الْأَنْفُ الْخَارِجُ مِنَ الْجَبَلِ، وَأَمَّا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي ثُلِمَ مِنْهُ وَقُطِعَ، فَبَقِيَ مُنْقَطِعًا، وَقَدْ رُوِيَ حَطْمُ الْخَيْلِ بِالْحَاءِ الْمُهْمِلَةِ، وَالْخَيْلُ هَذِهِ هِيَ الَّتِي تُرْكَبُ، يَعْنِي أَنَّهُ يَحْبِسُهُ فِي الْمَوْضِعِ الضَّيِّقِ الَّذِي يُحَطِّمُ الْخَيْلُ فِيهِ بَعْضُهَا بَعْضًا لِضِيقِهِ) . [ذِكْرُ غَزْوَةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بَنِي جَذِيمَةَ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ غَزْوَةُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بَنِي جَذِيمَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ بَعَثَ السَّرَايَا بَعْدَ الْفَتْحِ فِيمَا حَوْلَ مَكَّةَ، يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِقِتَالٍ، وَكَانَ مِمَّنْ بَعَثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، بَعَثَهُ دَاعِيًا، وَلَمْ يَبْعَثْهُ مُقَاتِلًا، فَنَزَلَ عَلَى الْغُمَيْصَاءِ مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ جَذِيمَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَكَانَتْ جَذِيمَةُ أَصَابَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَوْفَ بْنَ
عَبْدِ عَوْفٍ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالْفَاكِهَ بْنَ الْمُغِيرَةِ عَمَّ خَالِدٍ، كَانَا أَقْبَلَا تَاجِرَيْنِ مِنَ الْيَمَنِ، فَأَخَذَتْ مَا مَعَهُمَا وَقَتَلَتْهُمَا، فَلَمَّا نَزَلَ خَالِدٌ ذَلِكَ الْمَاءَ أَخَذَ بَنُو جَذِيمَةَ السِّلَاحَ، فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: ضَعُوا السِّلَاحَ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا. فَوَضَعُوا السِّلَاحَ، فَأَمَرَ خَالِدٌ بِهِمْ فَكُتِّفُوا، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى السَّيْفِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَنْ قَتَلَ. فَلَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ! ثُمَّ أَرْسَلَ عَلِيًّا وَمَعَهُ مَالٌ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَمْرِهِمْ، فَوَدَى لَهُمُ الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ حَتَّى إِنَّهُ لَيَدِي مِيلَغَةَ الْكَلْبِ، وَبَقِيَ مَعَهُ مِنَ الْمَالِ فَضْلَةٌ، فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ: هَلْ بَقِيَ لَكُمْ مَالٌ، أَوْ دَمٌ لَمْ يُودَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنِّي أَعْطَيْتُكُمْ هَذِهِ الْبَقِيَّةَ احْتِيَاطًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَعَلَ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: أَصَبْتَ، وَأَحْسَنْتَ. وَقِيلَ: إِنَّ خَالِدًا اعْتَذَرَ وَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ أَمَرَهُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَكَانَ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَخَالِدٍ كَلَامٌ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: عَمِلْتَ بِأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ. فَقَالَ خَالِدٌ: إِنَّمَا ثَأَرْتُ بِأَبِيكَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: كَذَبْتَ، قَدْ قَتَلْتُ أَنَا قَاتِلَ أَبِي، وَلَكِنَّكَ إِنَّمَا ثَأَرْتَ بِعَمِّكَ الْفَاكِهِ، حَتَّى كَانَ بَيْنَهُمَا شَرٌّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «مَهْلًا يَا خَالِدُ، دَعْ عَنْكَ أَصْحَابِي، فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبًا، ثُمَّ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا أَدْرَكْتَ غَدْوَةَ أَحَدِهِمْ وَلَا رَوْحَتَهُ» . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيُّ: كُنْتُ يَوْمَئِذٍ فِي جُنْدِ خَالِدٍ، فَأَثَرْنَا فِي أَثَرِ ظُعُنٍ مُصْعِدَةٍ يَسُوقُ بِهِنَّ فِتْيَةٌ، فَقَالَ: أَدْرِكُوا أُولَئِكَ. قَالَ: فَخَرَجْنَا فِي أَثَرِهِمْ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُمْ مَضَوْا، وَوَقَفَ لَنَا غُلَامٌ شَابٌّ عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ جَعَلَ يُقَاتِلُنَا وَيَقُولُ: ارْفَعْنَ أَطْرَافَ الذُّيُولِ وَارْتَعْنَ ... مَشْيَ حَيِيَّاتٍ كَأَنْ لَمْ تُفْزَعْنَ إِنْ تُمْنَعِ الْيَوْمَ النِّسَاءُ تُمْنَعْنَ
فَقَاتَلْنَاهُ طَوِيلًا فَقَتَلْنَاهُ، وَمَضَيْنَا حَتَّى لَحِقْنَا الظُّعُنَ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا غُلَامٌ كَأَنَّهُ الْأَوَّلُ فَجَعَلَ يُقَاتِلُنَا وَيَقُولُ: أُقْسِمُ مَا إِنْ خَادِرٌ ذُو لِبْدَهْ ... يَرْزِمُ بَيْنَ أَثْلَةٍ وَوَهْدَهْ يَفْرِسُ شُبَّانَ الرِّجَالِ وَحْدَهُ ... بِأَصْدَقِ الْغَدَاةِ مِنِّي نَجْدَهْ فَقَاتَلْنَاهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ، وَأَدْرَكْنَا الظُّعُنَ فَأَخَذْنَاهُنَّ، فَإِذَا فِيهِنَّ غُلَامٌ وَضِيءُ الْوَجْهِ، بِهِ صُفْرَةٌ كَالْمَنْهُوكِ، فَرَبَطْنَاهُ بِحَبْلٍ وَقَدَّمْنَاهُ لِنَقْتُلَهُ، فَقَالَ لَنَا: هَلْ لَكُمْ فِي خَيْرٍ؟ قُلْنَا: مَا هُوَ؟ قَالَ تُدْرِكُونَ بِي الظُّعُنَ فِي أَسْفَلِ الْوَادِي، ثُمَّ تَقْتُلُونِي. قُلْنَا: نَفْعَلُ، فَعَارَضْنَا الظُّعُنَ، فَلَمَّا كَانَ بِحَيْثُ يَسْمَعْنَ الصَّوْتَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: اسْلَمِي حُبَيْشُ، عَلَى فَقْدِ الْعَيْشِ. فَأَقْبَلَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ بَيْضَاءُ حُسَّانَةٌ، وَقَالَتْ: وَأَنْتَ فَاسْلَمْ عَلَى كَثْرَةِ الْأَعْدَاءِ، وَشِدَّةِ الْبَلَاءِ. قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكِ دَهْرًا، وَإِنْ بَقِيتِ عَصْرًا. قَالَتْ: وَأَنْتَ سَلَامٌ عَلَيْكَ عَشْرًا، وَشَفْعًا تَتْرَى، وَثَلَاثًا وِتْرًا. فَقَالَ: إِنْ يَقْتُلُونِي يَا حُبَيْشُ فَلَمْ يَدَعْ ... هَوَاكِ لَهُمْ مِنِّي سِوَى غُلَّةِ الصَّدْرِ فَأَنْتِ الَّتِي أَخْلَيْتِ لَحْمِي مِنْ دَمِي ... وَعَظْمِي، وَأَسْبَلْتِ الدُّمُوعَ عَلَى نَحْرِي فَقَالَتْ لَهُ: وَنَحْنُ بَكَيْنَا مِنْ فِرَاقِكَ مَرَّةً ... وَأُخْرَى وَوَاسَيْنَاكَ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَأَنْتَ فَلَمْ تَبْعَدْ فَنَعِمَ فَتَى الْهَوَى ... جَمِيلُ الْعَفَافِ وَالْمَوَدَّةِ فِي سَتْرِ فَقَالَ: أَرَيْتَكِ إِذْ طَالَبَتْكُمْ فَوَجَدْتُكُمْ بِحَلْيَةَ أَوْ أَلْفَيْتُكُمْ بِالْخَوَانِقِ ... أَلَمْ يَكُ حَقًّا أَنْ يُنَوَّلَ عَاشِقٌ تَكَلَّفَ إِدْلَاجَ السُّرَى فِي الْوَدَائِقِ
فَلَا ذَنْبَ لِي قَدْ قُلْتُ إِذْ نَحْنُ جِيرَةٌ ... أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ إِحْدَى الصَّفَائِقِ أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ أَنْ تَشْحَطَ النَّوَى ... وَيَنْأَى الْأَمِيرُ بِالْحَبِيبِ الْمُفَارِقِ فَإِنِّي لَا سِرًّا لَدَيَّ أَضَعْتُهُ ... وَلَا مَنْظَرٌ مُذْ غِبْتِ عَنِّي بِرَائِقِ عَلَى أَنَّ مَا نَابَ الْعَشِيرَةَ شَاغِلٌ ... وَلَا ذِكْرَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِوَامِقِ فَقَدَّمُوهُ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ. هَذَا الشِّعْرُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلْقَمَةَ الْكِنَانِيِّ، وَكَانَ مِنْ جَذِيمَةَ مَعَ حُبَيْشَةَ بِنْتِ حُبَيْشٍ الْكِنَانِيَّةِ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ أُمِّهِ وَهُوَ غُلَامٌ نَحْوَ الْمُحْتَلِمِ لِتَزُورَ جَارَّةً لَهَا، وَكَانَ لَهَا ابْنَةٌ اسْمُهَا حُبَيْشَةُ بِنْتُ حُبَيْشٍ. فَلَمَّا رَآهَا عَبْدُ اللَّهِ هَوِيَهَا وَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ، وَأَقَامَتْ أُمُّهُ عِنْدَ جَارَتِهَا، وَعَادَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِهِ. ثُمَّ عَادَ لِيَأْخُذَ أُمَّهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، فَوَجَدَ حُبَيْشَةَ قَدْ تَزَيَّنَتْ لِأَمْرٍ كَانَ فِي الْحَيِّ، فَازْدَادَ بِهَا عَجَبًا، وَانْصَرَفَتْ أُمُّهُ، فَمَشَى مَعَهَا وَهُوَ يَقُولُ: وَمَا أَدْرِي، بَلَى إِنِّي لَأَدْرِي ... أَصْوَبُ الْقَطْرِ أَحْسَنُ أَمْ حُبَيْشُ حُبَيْشَةُ وَالَّذِي خَلَقَ الْبَرَايَا ... وَمَا إِنْ عِنْدَنَا لِلصَّبِّ عَيْشُ فَسَمِعَتْ أُمُّهُ فَتَغَافَلَتْ عَنْهُ. ثُمَّ إِنَّهُ رَأَى ظَبْيًا عَلَى رَبْوَةٍ فَقَالَ: يَا أُمَّتَا خَبِّرِينِي غَيْرَ كَاذِبَةٍ ... وَمَا يُرِيدُ سَئُولُ الْحَقِّ بِالْكَذِبِ
أَتِلْكَ أَحْسَنُ أَمْ ظَبْيٌ بِرَابِيَةٍ لَا بَلْ حُبَيْشَةُ فِي عَيْنَيْ وَفِي أَرَبِي فَزَجَرَتْهُ أُمُّهُ وَقَالَتْ: مَا أَنْتَ وَهَذَا؟ وَأَنَا قَدْ زَوَّجْتُكَ ابْنَةَ عَمِّكَ، فَهِيَ مِنْ أَجْمَلِ تِلْكَ النِّسَاءِ. وَأَتَتِ امْرَأَةُ عُمَيْرٍ فَأَخْبَرَتْهَا الْخَبَرَ وَقَالَتْ: زَيِّنِي ابْنَتَكِ لَهُ، فَفَعَلَتْ وَأَدْخَلَتْهَا عَلَيْهِ، فَأَطْرَقَ. فَقَالَتْ أُمُّهُ: أَيُّهُمَا الْآنَ أَحْسَنُ؟ فَقَالَ: إِذَا غُيِّبَتْ عَنِّي حُبَيْشَةُ مَرَّةً ... مِنَ الدَّهْرِ لَا أَمْلِكُ عَزَاءً وَلَا صَبْرَا كَأَنَّ الْحَشَا حَرُّ السَّعِيرِ تُحِسُّهُ ... وَقُودُ الْغَضَا وَالْقَلْبُ مُضْطَرِمٌ جَمْرَا وَجَعَلَ يُرَاسِلُ الْجَارِيَةَ وَتُرَاسِلُهُ، فَعَلِقَتْهُ كَمَا عَلِقَهَا، وَأَكْثَرَ قَوْلَ الشِّعْرِ فِيهَا، فَمِنْ ذَلِكَ: حُبَيْشَةُ هَلْ جَدِّي وَجَدُّكِ جَامِعٌ ... بِشَمْلِكُمُ شَمْلِي وَأَهْلِكُمُ أَهْلِي وَهَلْ أَنَا مُلْتَفٌّ بِثَوْبِكِ مَرَّةً ... بِصَحْرَاءَ بَيْنَ الْأُلْيَتَيْنِ إِلَى النَّخْلِ فَلَمَّا عَلِمَ أَهْلُهَا خَبَرَهُمَا حَجَبُوهَا عَنْهُ، فَازْدَادَ غَرَامُهُ. فَقَالُوا لَهَا: عِدِيهِ السَّرْحَةَ، فَإِذَا أَتَاكِ فَقُولِي لَهُ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ إِنْ أَحْبَبْتَنِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْكَ، وَنَحْنُ قَرِيبٌ نَسْمَعُ مَا تَقُولِينَ، فَوَعَدَتْهُ وَجَلَسُوا قَرِيبًا، فَأَقْبَلَ لِمَوْعِدٍ لَهَا. فَلَمَّا دَنَا دَمَعَتْ عَيْنَاهَا وَالْتَفَتَتْ إِلَى جَنْبِ أَهْلِهَا وَهُمْ جُلُوسٌ، فَعَرَفَ أَنَّهُمْ قَرِيبٌ، وَبَلَغَهُ الْحَالُ فَقَالَ: فَإِنْ قُلْتِ مَا قَالُوا لَقَدْ زِدْتِنِي جَوًى ... عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ سِرٌّ وَلَا سِتْرُ وَلَمْ يَكُ حُبِّي عَنْ نَوَالٍ بَذَلْتِهِ ... فَيُسْلِينِي عَنْكِ التَّجَهُّمُ وَالْهَجْرُ وَمَا أَنْسَ مِنَ الْأَشْيَاءِ لَا أَنْسَ وَمْقَهَا ... وَنَظْرَتَهَا حَتَّى يُغَيِّبَنِي الْقَبْرُ
ذكر غزوة هوازن بحنين
وَبَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِثْرَ ذَلِكَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَكَانَ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُلَيْكَةَ ابْنَةَ دَاوُدَ اللَّيْثِيَّةَ، وَكَانَ أَبُوهَا قُتِلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَجَاءَ إِلَيْهَا بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْنَ لَهَا: أَلَا تَسْتَحِينَ تَزَوَّجِينَ رَجُلًا قَتَلَ أَبَاكِ؟ فَاسْتَعَاذَتْ مِنْهُ، فَفَارَقَهَا. وَفِيهَا هَدَمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْعُزَّى بِبَطْنِ نَخْلَةَ، لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَكَانَ هَذَا الْبَيْتُ تُعَظِّمُهُ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وَمُضَرُ كُلُّهَا، وَكَانَ سَدَنَتَهَا بَنُو شَيْبَانَ بْنِ سُلَيْمٍ حُلَفَاءُ بَنِي هَاشِمٍ، فَلَمَّا سَمِعَ صَاحِبُهَا بِمَسِيرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَيْهَا عَلَّقَ عَلَيْهَا سَيْفَهُ وَقَالَ: أَيَا عُزَّ شُدِّي شَدَّةً لَا شَوَى لَهَا ... عَلَى خَالِدٍ أَلْقِي الْقِنَاعَ وَشَمِّرِي فَلَمَّا انْتَهَى خَالِدٌ إِلَيْهَا جَعَلَ السَّادِنُ يَقُولُ: أَعُزَّى، بَعْضَ غَضِبَاتِكِ، فَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ حَبَشِيَّةٌ عُرْيَانَةٌ مُوَلْوِلَةٌ، فَقَتَلَهَا وَكَسَرَ الصَّنَمَ وَهَدَمَ الْبَيْتَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «تِلْكَ الْعُزَّى، لَا تُعْبَدُ أَبَدًا» . وَفِيهَا هَدَمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ سُوَاعَ، وَكَانَ بُرْهَاطَ لَهُذَيْلٍ، فَلَمَّا كَسَرَ الصَّنَمَ أَسْلَمَ سَادِنُهُ، وَلَمْ يَجِدْ فِي خِزَانَتِهِ شَيْئًا. وَفِيهَا هَدَمَ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَشْهَلِيُّ مَنَاةَ بِالْمُشَلَّلِ. [ذِكْرُ غَزْوَةِ هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ] وَكَانَتْ فِي شَوَّالٍ، وَسَبَبُهَا أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَتْ هَوَازِنُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ مَكَّةَ جَمَعَهَا مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ، وَكَانُوا مُشْفِقِينَ مِنْ أَنْ يَغْزُوَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقَالُوا: لَا مَانِعَ لَهُ مِنْ غَزْوِنَا، وَالرَّأْيُ أَنْ نَغْزُوَهُ
قَبْلَ أَنْ يَغْزُوَنَا. وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ ثَقِيفٌ يَقُودُهَا قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ سَيِّدُ الْأَحْلَافِ، وَذُو الْخِمَارِ سُبَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ، وَأَخُوهُ الْأَحْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ سَيِّدُ بَنِي مَالِكٍ، وَلَمْ يَحْضُرْهَا مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ إِلَّا نَصْرٌ وَجُشَمُ وَسَعْدُ بْنُ بَكْرٍ، وَنَاسٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ، وَلَمْ يَحْضُرْهَا كَعْبٌ وَلَا كِلَابٌ، وَفِي جُشَمَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ، شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ إِلَّا التَّيَمُّنُ بِرَأْيِهِ، وَكَانَ شَيْخًا مُجَرِّبًا فَلَمَّا أَجْمَعَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ الْمَسِيرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَطَّ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلُوا أَوْطَاسَ جَمَعَ النَّاسَ، وَفِيهِمْ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ، فَقَالَ دُرَيْدٌ: بِأَيِّ وَادٍ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: بِأَوْطَاسَ. قَالَ: نِعْمَ مَجَالُ الْخَيْلِ، لَا حَزْنٌ شَرِسٌ، وَلَا سَهْلٌ دَهِسٌ، مَا لِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ، وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ، وَيُعَارَ الشَّاءِ، وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ؟ قَالُوا: سَاقَ مَالِكٌ مَعَ النَّاسِ ذَلِكَ. فَقَالَ: يَا مَالِكُ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: سُقْتُهُمْ مَعَ النَّاسِ لِيُقَاتِلَ كُلُّ إِنْسَانٍ عَنْ حَرِيمِهِ وَمَالِهِ. قَالَ دُرَيْدٌ: رَاعِي ضَأْنٍ وَاللَّهِ، هَلْ يَرُدُّ الْمُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟ إِنَّهَا إِنْ كَانَتْ لَكَ لَمْ يَنْفَعْكَ إِلَّا رَجُلٌ بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْكَ فُضِحْتَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ. وَقَالَ: مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ؟ قَالُوا: لَمْ يَشْهَدْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ. قَالَ: غَابَ الْجِدُّ وَالْحَدُّ، لَوْ كَانَ يَوْمُ عَلَاءٍ وَرِفْعَةٍ لَمْ تَغِبْ عَنْهُ كَعْبٌ وَلَا كِلَابٌ، وَوَدِدْتُ أَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلَا. ثُمَّ قَالَ: يَا مَالِكُ، ارْفَعْ مَنْ مَعَكَ إِلَى عُلْيَا بِلَادِهِمْ، ثُمَّ أَلْقِ الصُّبَّاءَ عَلَى الْخَيْلِ، فَإِنْ كَانَتْ لَكَ لَحِقَ بِكَ مَنْ وَرَاءَكَ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْكَ كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ أَهْلَكَ وَمَالَكَ. قَالَ مَالِكٌ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ، إِنَّكَ قَدْ كَبِرْتَ وَكَبِرَ عِلْمُكَ، وَاللَّهِ لَتُطِيعُنَّنِي يَا مَعْشَرَ هَوَازِنَ، أَوْ لَأَتَّكِيَّنَ عَلَى هَذَا السَّيْفِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي. وَكَرِهَ أَنْ يَكُونَ لِدُرَيْدٍ فِيهَا ذِكْرٌ. فَقَالَ دُرَيْدٌ: هَذَا يَوْمٌ لَمْ أَشْهَدْهُ، وَلَمْ يَفُتْنِي. ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِذَا رَأَيْتُمُ الْقَوْمَ فَاكْسِرُوا جُفُونَ سُيُوفِكُمْ، وَشُدُّوا عَلَيْهِمْ شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ. وَبَعَثَ مَالِكٌ عُيُونَهُ لِيَأْتُوهُ بِالْخَبَرِ، فَرَجَعُوا إِلَيْهِ وَقَدْ تَفَرَّقَتْ أَوْصَالُهُمْ، فَقَالَ: مَا
شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَا رِجَالًا بِيضًا عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ، فَوَاللَّهِ مَا تَمَاسَكْنَا أَنْ حَلَّ بِنَا مَا تَرَى! فَلَمْ يَنْهَهُ ذَلِكَ عَنْ وَجْهِهِ أَنْ مَضَى عَلَى مَا يُرِيدُ. وَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَبَرُ هَوَازِنَ أَجْمَعَ الْمَسِيرَ إِلَيْهِمْ، وَبَلَغَهُ أَنَّ عِنْدَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ أَدْرَاعًا وَسِلَاحًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ: أَعِرْنَا سِلَاحَكَ نَلْقَ فِيهِ عَدُوَّنَا. فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ: بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ نُؤَدِّيهَا إِلَيْكَ. قَالَ: لَيْسَ بِهَذَا بَأْسٌ، فَأَعْطَاهُ مِائَةَ دِرْعٍ بِمَا يُصْلِحُهَا مِنَ السِّلَاحِ. ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ أَلْفَانِ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ مَعَ عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثْرَةَ مَنْ مَعَهُ قَالَ: لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 25] ، وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَهَا رَجُلٌ مِنْ بَكْرٍ. وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ بِمَكَّةَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ. قَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا اسْتَقْبَلْنَا وَادِي حُنَيْنٍ انْحَدَرْنَا فِي وَادٍ أَجْوَفَ حَطُوطٍ، إِنَّمَا نَنْحَدِرُ فِيهِ انْحِدَارًا فِي عَمَايَةِ الصُّبْحِ، وَكَانَ الْقَوْمُ قَدْ سَبَقُونَا إِلَى الْوَادِي، فَكَمَنُوا لَنَا فِي شِعَابِهِ وَمَضَايِقِهِ، قَدْ تَهَيَّئُوا وَأَعَدُّوا، فَوَاللَّهِ مَا رَاعَنَا وَنَحْنُ مُنْحَطُّونَ إِلَّا الْكَتَائِبُ قَدْ شَدَّتْ عَلَيْنَا شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَانْهَزَمَ النَّاسُ أَجْمَعُونَ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَانْحَازَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ الْيَمِينِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَيَّ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» ، قَالَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ احْتَمَلَتِ الْإِبِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَالْعَبَّاسُ، وَابْنُهُ الْفَضْلُ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ، وَرَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَأَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ. قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ بِيَدِهِ رَايَةٌ سَوْدَاءُ أَمَامَ النَّاسِ، فَإِذَا أَدْرَكَ رَجُلًا طَعَنَهُ ثُمَّ رَفَعَ رَايَتَهُ لِمَنْ وَرَاءَهُ فَاتَّبَعُوهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ. وَلَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ تَكَلَّمَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الضِّغْنِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: لَا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبَحْرِ، وَالْأَزْلَامُ مَعَهُ. وَقَالَ كَلَدَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ، وَهُوَ أَخُو صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ لِأُمِّهِ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا: الْآنَ بَطَلَ السِّحْرُ.
فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: اسْكُتْ فَضَّ اللَّهُ فَاكَ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ! وَقَالَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ: الْيَوْمَ أُدْرِكُ ثَأْرِي مِنْ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ أَبُوهُ قُتِلَ بِأُحُدٍ، قَالَ: فَأَدَرْتُ بِهِ لِأَقْتُلَهُ، فَأَقْبَلَ شَيْءٌ حَتَّى تَغَشَّ فُؤَادِي، فَلَمْ أُطِقْ ذَلِكَ. وَكَانَ الْعَبَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آخِذًا بِحَكَمَةِ بَغْلَتِهِ دُلْدُلَ وَهُوَ عَلَيْهَا، وَكَانَ الْعَبَّاسُ جَسِيمًا شَدِيدَ الصَّوْتِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَبَّاسُ، اصْرُخْ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ! فَفَعَلَ، فَأَجَابُوهُ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ! فَكَانَ الرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يُثْنِيَ بَعِيرَهُ فَلَا يَقْدِرُ، فَيَأْخُذُ سِلَاحَهُ ثُمَّ يَنْزِلُ عَنْهُ وَيَؤُمُّ الصَّوْتَ، فَاجْتَمَعَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِائَةُ رَجُلٍ فَاسْتَقْبَلَ بِهِمُ الْقَوْمَ وَقَاتَلَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شِدَّةَ الْقِتَالِ قَالَ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَهَا. وَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَغْلَتِهِ دُلْدُلٍ: الْبُدِي دُلْدُلُ، فَوَضَعَتْ بَطْنَهَا عَلَى الْأَرْضِ، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ، فَرَمَى بِهِ فِي وُجُوهِهِمْ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ، فَمَا رَجَعَ النَّاسُ إِلَّا وَالْأُسَارَى فِي الْحِبَالِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقِيلَ: بَلْ أَقْبَلَ شَيْءٌ أَسْوَدُ مِنَ السَّمَاءِ مِثْلُ الْبِجَادِ حَتَّى سَقَطَ بَيْنَ الْقَوْمِ، فَإِذَا نَمْلٌ أَسْوَدُ مَبْثُوثٌ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ. وَلَمَّا انْهَزَمَتْ هَوَازِنُ قُتِلَ مِنْ ثَقِيفٍ وَبَنِي مَالِكٍ سَبْعُونَ رَجُلًا، فَأَمَّا الْأَخْلَافُ مِنْ ثَقِيفٍ فَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ غَيْرُ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّهُمُ انْهَزَمُوا سَرِيعًا. وَقَصَدَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ الطَّائِفَ وَمَعَهُمْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وَاتَّبَعَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُشْرِكِينَ فَقَتَلَهُمْ، فَأَدْرَكَ رَبِيعَةُ بْنُ يَرْبُوعٍ السُّلَمِيُّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ وَلَمْ يَعْرِفْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي شِجَارٍ لِكِبَرِهِ، وَأَنَاخَ بِعِيرَهُ
فَإِذَا هُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَقَالَ لَهُ دُرَيْدٌ: مَاذَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أَقْتُلُكَ. قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ فَانْتَسَبَ لَهُ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ فَلَمْ يُغْنِ شَيْئًا. فَقَالَ دُرَيْدٌ: بِئْسَ مَا سَلَّحَتْكَ أُمُّكَ، خُذْ سَيْفِي فَاضْرِبْ بِهِ، ثُمَّ ارْفَعْ عَنِ الْعِظَامِ وَاخْفِضْ عَنِ الدِّمَاغِ، فَإِنِّي كَذَلِكَ كُنْتُ أَقْتُلُ الرِّجَالَ، وَإِذَا أَتَيْتَ أُمَّكَ فَأَخْبِرْهَا أَنَّكَ قَتَلْتَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ، فَرُبَّ يَوْمٍ قَدْ مَنَعْتُ فِيهِ نِسَاءَكَ. فَقَتَلَهُ. فَلَمَّا أَخْبَرَ أُمَّهُ قَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْتَقَ أُمَّهَاتٍ لَكَ ثَلَاثًا. وَاسْتَلَبَ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ يَوْمَ حُنَيْنٍ عِشْرِينَ رَجُلًا وَحْدَهُ، وَقَتَلَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» . وَقَتَلَ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ قَتِيلًا، وَأَجْهَضَهُ الْقِتَالُ عَنْ أَخْذِ سَلَبِهِ، فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ، فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ قَامَ أَبُو قَتَادَةَ فَقَالَ: قَتَلْتُ قَتِيلًا وَأَخَذَ غَيْرِي سَلَبَهُ. فَقَالَ الَّذِي أَخَذَ السَّلَبَ: هُوَ عِنْدِي فَارْضِهِ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا وَاللَّهِ، لَا تَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسُدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ تُقَاسِمُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَبَ. وَكَانَ لِبَعْضِ ثَقِيفٍ غُلَامٌ نَصْرَانِيٌّ، فَقُتِلَ، فَبَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَسْتَلِبُ قَتْلَى ثَقِيفٍ إِذْ كَشَفَ الْعَبْدَ فَرَآهُ أَغْرَلَ، فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ، إِنَّ ثَقِيفًا لَا تَخْتَتِنُ. فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: لَا تَقُلْ هَذَا، إِنَّمَا هُوَ غُلَامٌ نَصْرَانِيٌّ، وَأَرَاهُ قَتْلَى ثَقِيفٍ مُخْتَتِنِينَ. «وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطَّرِيقِ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ، فَقَالَ: مَنْ قَتَلَهَا؟ قَالُوا: خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. فَقَالَ لِبَعْضِ مَنْ مَعَهُ: أَدْرِكْ خَالِدًا فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَنْهَاكَ أَنْ تَقْتُلَ امْرَأَةً أَوْ وَلِيدًا أَوْ عَسِيفًا.» وَالْعَسِيفُ الْأَجِيرُ. وَكَانَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ بِأَوْطَاسٍ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيَّ، عَمَّ أَبِي مُوسَى، فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ بِسَهْمٍ، قِيلَ رَمَاهُ سَلَمَةُ بْنُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ، وَقَتَلَ أَبُو مُوسَى سَلَمَةَ هَذَا بِعَمِّهِ أَبِي عَامِرٍ، وَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ بِأَوْطَاسٍ، وَظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِالْغَنَائِمِ
ذكر حصار الطائف
وَالسَّبَايَا، فَسَاقُوا فِي السَّبْيِ الشَّيْمَاءَ ابْنَةَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، فَقَالَتْ لَهُمْ: إِنِّي وَاللَّهِ أُخْتُ صَاحِبِكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهَا حَتَّى أَتَوْا بِهَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي أُخْتُكَ. قَالَ: «وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: عَضَّةٌ عَضَضْتَنِيهَا فِي ظَهْرِي وَأَنَا مُتَوَرِّكَتُكَ. فَعَرَفَهَا وَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ وَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ، وَخَيَّرَهَا فَقَالَ: إِنْ أَحْبَبْتِ فَعِنْدِي مُكَرَّمَةٌ مُحَبَّبَةٌ، وَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُمَتِّعَكِ وَتَرْجِعِي إِلَى قَوْمِكِ. قَالَتْ: بَلْ تُمَتِّعُنِي وَتَرُدُّنِي إِلَى قَوْمِي، فَفَعَلَ» . وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالسَّبَايَا وَالْأَمْوَالِ، فَجُمِعَتْ إِلَى الْجِعْرَانَةِ، وَجَعَلَ عَلَيْهَا بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ. وَاسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِحُنَيْنٍ أَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وَيَزِيدُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَغَيْرُهُمَا. [ذِكْرُ حِصَارِ الطَّائِفِ] لَمَّا قَدِمَ الْمُنْهَزِمُونَ مِنْ ثَقِيفٍ وَمَنِ انْضَمَّ إِلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ إِلَى الطَّائِفِ أَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ مَدِينَتَهُمْ، وَاسْتَحْصَرُوا، وَجَمَعُوا مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. فَسَارَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا كَانَ بِبُحْرَةِ الرُّغَاءِ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الطَّائِفِ قَتَلَ بِهَا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ قِصَاصًا، كَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَسَارَ إِلَى ثَقِيفٍ فَحَصَرَهُمْ بِالطَّائِفِ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَنَصَبَ عَلَيْهِمْ مَنْجَنِيقًا أَشَارَ بِهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الشَّدْخَةِ عِنْدَ جِدَارِ الطَّائِفِ، دَخَلَ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَحْتَ دَبَّابَةٍ عَمِلُوهَا، ثُمَّ زَحَفُوا بِهَا إِلَى جِدَارِ الطَّائِفِ، فَأَرْسَلَتْ عَلَيْهِمْ ثَقِيفٌ سِكَكَ الْحَدِيدِ الْمُحْمَاةِ، فَخَرَجُوا مِنْ تَحْتِهَا، فَرَمَاهُمْ مَنْ بِالطَّائِفِ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا رِجَالًا. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَطْعِ أَعْنَابِ ثَقِيفٍ، فَقُطِعَتْ. وَنَزَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَفَرٌ مِنْ رَقِيقِ أَهْلِ الطَّائِفِ
فَأَعْتَقَهُمْ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرَةَ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ: أَبُو بَكْرَةَ بِبَكْرَةٍ نَزَلَ فِيهَا، وَغَيْرُهُ. فَلَمَّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطَّائِفِ تَكَلَّمَتْ سَادَاتُ أُولَئِكَ الْعَبِيدِ فِي أَنْ يَرُدَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الرِّقِّ فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ، أُولَئِكَ عُتَقَاءُ اللَّهِ. ثُمَّ إِنَّ خُوَيْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةَ، وَهِيَ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ الطَّائِفَ حُلِيَّ بَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلَانَ، أَوْ حُلِيَّ الْفَارِعَةِ بِنْتِ عَقِيلٍ، وَكَانَتَا مِنْ أَكْثَرِ النِّسَاءِ حُلِيًّا. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَأَيْتِ إِنْ كَانَ لَمْ يُؤْذَنْ لِي فِي ثَقِيفٍ يَا خُوَيْلَةُ؟ فَخَرَجَتْ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَدِيثٌ حَدَّثَتْنِيهِ خُوَيْلَةُ أَنَّكَ قَدْ قُلْتَهُ؟ قَالَ: قَدْ قُلْتُهُ. قَالَ: أَفَلَا أُؤَذِّنُ بِالرَّحِيلِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَذَّنَ بِالرَّحِيلِ. وَقِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَشَارَ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الدُّثْلِيَّ فِي الْمُقَامِ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَعْلَبٌ فِي جُحْرٍ، إِنْ أَقَمْتَ عَلَيْهِ أَخَذْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَضُرَّكَ، فَأَذَّنَ بِالرَّحِيلِ. فَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ عَلَى ثَقِيفٍ. قَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا وَأْتِ بِهِمْ» . فَلَمَّا رَأَتْ ثَقِيفٌ النَّاسَ قَدْ رَحَلُوا عَنْهُمْ نَادَى سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ: أَلَا إِنَّ الْحَيَّ مُقِيمٌ. فَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَجَلْ وَاللَّهِ، مَجَدَةً كِرَامًا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: قَاتَلَكَ اللَّهُ يَا عُيَيْنَةُ، أَتَمْدَحُهُمْ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا جِئْتُ لِأُقَاتِلَ مَعَكُمْ ثَقِيفًا، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُصِيبَ مِنْ ثَقِيفٍ جَارِيَةً، لَعَلَّهَا تَلِدُ لِي رَجُلًا، فَإِنَّ ثَقِيفًا قَوْمٌ مَنَاكِيرُ. وَاسْتُشْهِدَ بِالطَّائِفِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيُّ، وَأُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رُمِيَ بِسَهْمٍ فَمَاتَ مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالسَّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيٍّ، وَغَيْرُهُمْ. (وَهَذِهِ بَادِيَةُ بِنْتُ غَيْلَانَ قَالَ فِيهَا هِيتٌ الْمُخَنَّثُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ فَسَلْ رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يُنَفِّلَكَ بَادِيَةَ بِنْتَ غَيْلَانَ، فَإِنَّهَا هَيْفَاءُ شَمُوعٌ نَجْلَاءُ، إِنْ تَكَلَّمَتْ تَغَنَّتْ، وَإِنْ قَامَتْ تَثَنَّتْ، وَإِنْ مَشَتِ ارْتَجَّتْ، وَإِنْ قَعَدَتْ تَبَنَّتْ، تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، بِثَغْرٍ كَالْأُقْحُوَانِ، بَيْنَ رِجْلَيْهَا كَالْقَعْبِ الْمُكْفَأِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ عَلِمْتَ
ذكر قسمة غنائم حنين
الصِّفَةَ. وَمَنَعَهُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى نِسَائِهِ) . [ذِكْرُ قِسْمَةِ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ] لَمَّا رَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الطَّائِفِ سَارَ حَتَّى نَزَلَ الْجِعْرَانَةَ، وَأَتَتْهُ وُفُودُ هَوَازِنَ بِالْجِعْرَانَةِ وَقَدْ أَسْلَمُوا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَصْلٌ وَعَشِيرَةٌ، وَقَدْ أَصَابَنَا مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَقَامَ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَهُمُ الَّذِينَ أَرْضَعُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا فِي الْحَظَائِرِ عَمَّاتُكَ وَخَالَاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ، وَلَوْ أَنَّا أَرْضَعْنَا الْحَارِثَ بْنَ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيَّ أَوِ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ لَرَجَوْنَا عَطْفَهُ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمَكْفُولِينَ! ثُمَّ قَالَ: امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَدَّخِرُ امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ مُمَزَّقٌ شَمْلُهَا فِي دَهْرِهَا غِيَرُ فِي أَبْيَاتٍ. فَخَيَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَبَيْنَ أَمْوَالِهِمْ، فَاخْتَارُوا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ، فَقَالَ: أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، فَإِذَا أَنَا صَلَّيْتُ بِالنَّاسِ فَقُولُوا: إِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَبِالْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي أَبْنَائِنَا وَنِسَائِنَا، فَسَأُعْطِيكُمْ وَأَسْأَلُ فِيكُمْ. فَلَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ. وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ. وَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي تَمِيمٍ فَلَا. وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: مَا كَانَ لِي وَلِفَزَارَةَ فَلَا. وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: مَا كَانَ لِي وَلِسُلَيْمٍ فَلَا. فَقَالَتْ بَنُو سُلَيْمٍ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَ: وَهَّنْتُمُونِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ تَمَسَّكَ بِحَقِّهِ مِنَ السَّبْيِ فَلَهُ بِكُلِّ إِنْسَانٍ سِتُّ فَرَائِضَ، مِنْ أَوَّلِ شَيْءٍ نُصِيبُهُ، فَرَدُّوا عَلَى النَّاسِ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ. وَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ، فَقِيلَ: إِنَّهُ بِالطَّائِفِ. فَقَالَ: أَخْبِرُوهُ إِنْ أَتَانِي مُسْلِمًا رَدَدْتُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَأَعْطَيْتُهُ مِائَةَ بَعِيرٍ. فَأُخْبِرَ مَالِكٌ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ مِنَ الطَّائِفِ سِرًّا وَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ -
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَوْمِهِ، وَعَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ الَّتِي حَوْلَ الطَّائِفِ، فَأَعْطَاهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَمِائَةَ بَعِيرٍ. وَكَانَ يُقَاتِلُ بِمَنْ أَسْلَمَ مَعَهُ مِنْ ثُمَالَةَ وَفَهْمٍ وَسَلَمَةَ - ثَقِيفًا، لَا يَخْرُجُ لَهُمْ سَرْحٌ إِلَّا أَغَارَ عَلَيْهِ، حَتَّى ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ. «وَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رَدِّ سَبَايَا هَوَازِنَ رَكِبَ، وَاتَّبَعَهُ النَّاسُ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْسِمْ عَلَيْنَا فَيْئَنَا، حَتَّى أَلْقَوْهُ إِلَى شَجَرَةٍ، فَاخْتُطِفَ رِدَاؤُهُ، فَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي أَيُّهَا النَّاسُ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ شَجَرِ تِهَامَةَ نَعَمٌ لَقَسَمْتُهَا عَلَيْكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا. ثُمَّ رَفَعَ وَبَرَةً مِنْ سَنَامِ بَعِيرٍ وَقَالَ: لَيْسَ لِي مِنْ فَيْئِكُمْ وَلَا هَذِهِ الْوَبَرَةِ، إِلَّا الْخُمْسُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» . ثُمَّ أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ، وَكَانُوا مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، يَتَأَلَّفُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ وَابْنَهُ مُعَاوِيَةَ وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ، وَالْعَلَاءَ بْنَ جَارِيَةَ الثَّقَفِيَّ، وَالْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى، وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، وَمَالِكَ بْنَ عَوْفٍ النَّصْرِيَّ، كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى دُونَ الْمِائَةِ رِجَالًا، مِنْهُمْ: مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الزُّهْرِيُّ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ، وَهِشَامُ بْنُ عَمْرٍو، وَسَعِيدُ بْنُ يَرْبُوعٍ، وَأَعْطَى الْعَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ أَبَاعِرَ، فَسَخِطَهَا وَقَالَ: كَانَتْ نِهَابًا تَلَافَيْتُهَا ... بِكَرِّي عَلَى الْمُهْرِ فِي الْأَجْرَعِ وَإِيقَاظِيَ الْقَوْمَ أَنْ يَرْقُدُوا ... إِذَا هَجَعَ النَّاسُ لَمْ أَهْجَعِ فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعُبَيْ ... دِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرْبِ ذَا تُدْرَأِ ... فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ إِلَّا أَفَائِلَ أُعْطِيتُهَا عَدِيدَ قَوَائِمِهَا الْأَرْبَعِ ... وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ ... وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَضَعُ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ فَأَعْطَاهُ حَتَّى رَضِيَ. «وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعَ، وَتَرَكْتَ جُعَيْلَ بْنَ
سُرَاقَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَجُعَيْلٌ خَيْرٌ مِنْ طِلَاعِ الْأَرْضِ رِجَالًا، كُلُّهُمْ مِثْلُ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ. وَلَكِنِّي تَأَلَّفْتُهُمَا، وَوَكَلْتُ جُعَيْلًا إِلَى إِسْلَامِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ ذَا الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيَّ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكَ لَمْ تَعْدِلِ الْيَوْمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ ! فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَلَا نَقْتُلُهُ؟ ! فَقَالَ: دَعُوهُ، سَتَكُونُ لَهُ شِيعَةٌ يَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّينِ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهُ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» . وَقِيلَ إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ كَانَ فِي مَالٍ بَعَثَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَسَّمَهُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: عُيَيْنَةُ، وَالْأَقْرَعُ، وَزَيْدُ الْخَيْلِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْغَنَائِمِ فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يُعْطَ الْأَنْصَارُ شَيْئًا - وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْمَهُ. فَأَخْبَرَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: فَأَيْنَ أَنْتَ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: أَنَا مِنْ قَوْمِي. قَالَ: فَاجْمَعْ قَوْمَكَ لِي، فَجَمَعَهُمْ. فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا، فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَفُقَرَاءَ، فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَأَعْدَاءَ، فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بِي؟ قَالُوا: بَلَى - وَاللَّهِ - يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِلَّهِ وَرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ. فَقَالَ: أَلَا تُجِيبُونِي؟ قَالُوا: بِمَاذَا نُجِيبُكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ، فَصَدَقْتُمْ: أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلًا فَوَاسَيْنَاكَ، أَوَجَدْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِكُمْ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ، أَفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا؛ لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ. قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا. وَتَفَرَّقُوا» . ثُمَّ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْجِعْرَانَةِ، وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ، وَتَرَكَ مَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يُفَقِّهُ النَّاسَ، وَحَجَّ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ بِالنَّاسِ، وَحَجَّ
النَّاسُ تِلْكَ السَّنَةَ عَلَى مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَحُجُّ، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمَدِينَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ أَوْ ذِي الْحَجَّةِ. وَفِيهَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرٍ وَعِيَاذٍ ابْنَيِ الْجُلَنْدَى مِنَ الْأَزْدِ بِعُمَانَ مُصَدِّقًا، فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَرَدَّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ، وَهُمْ كَانُوا أَهْلَ الْبَلَدِ وَكَانَ الْعَرَبُ حَوْلَهَا. وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ. وَفِيهَا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكِلَابِيَّةَ، وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ، فَاخْتَارَتِ الدُّنْيَا، وَقِيلَ: إِنَّهَا اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ فَفَارَقَهَا. وَفِيهَا وَلَدَتْ مَارِيَةُ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذِي الْحَجَّةِ، فَدَفَعَهُ إِلَى أُمِّ بُرْدَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيَّةِ فَكَانَتْ تُرْضِعُهُ، وَزَوْجُهَا الْبَرَاءُ بْنُ أَوْسٍ الْأَنْصَارِيُّ. وَكَانَتْ قَابِلَتَهَا سَلْمَى مَوْلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَرْسَلَتْ أَبَا رَافِعٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُبَشِّرُهُ بِإِبْرَاهِيمَ، فَوَهَبَ لَهُ مَمْلُوكًا، وَغَارَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَظُمَ عَلَيْهِنَّ حِينَ رُزِقَتْ مَارِيَةُ مِنْهُ وَلَدًا. وَفِيهَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَعْبَ بْنَ عُمَيْرٍ إِلَى ذَاتِ إِطْلَاحٍ مِنَ الشَّامِ، إِلَى نَفَرٍ مِنْ قُضَاعَةَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَمَعَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَوَصَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ، وَكَانَ رَئِيسُ قُضَاعَةَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ سَدُوسٌ، فَقَتَلُوا الْمُسْلِمِينَ وَنَجَا عُمَيْرٌ، فَتَقَدَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَفِيهَا بَعَثَ أَيْضًا عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الْفَزَارِيَّ إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ مِنْ تَمِيمٍ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ وَسَبَى مِنْهُمْ نِسَاءً، وَكَانَ عَلَى عَائِشَةَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا سَبْيُ بَنِي الْعَنْبَرِ يَقْدَمُ عَلَيْنَا، فَنُعْطِيكِ إِنْسَانًا فَتُعْتِقِينَهُ.
ثم دخلت سنة تسع
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ] [ذِكْرُ إِسْلَامِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ] 9 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ ذِكْرُ إِسْلَامِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ قِيلَ: خَرَجَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى، وَأَبُو سُلْمَى رَبِيعَةُ الْمُزَنِيُّ، وَمَعَهُ أَخُوهُ بُجَيْرٌ حَتَّى أَتَيَا أَبْرَقَ الْعَزَّافَ، فَقَالَ لَهُ بُجَيْرٌ: اثْبُتْ فِي غَنَمِنَا حَتَّى آتِيَ هَذَا الرَّجُلَ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْمَعَ مِنْهُ. فَأَقَامَ كَعْبٌ وَسَارَ بُجَيْرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمَ، وَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ: أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً ... عَلَى أَيِّ شَيْءٍ وَيْبَ غَيْرِكَ دَلَّكًا عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمًّا وَلَا أَبًا ... عَلَيْهِ وَلَمْ تُدْرِكْ عَلَيْهِ أَخًا لَكَا سَقَاكَ أَبُو بَكْرٍ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ ... فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُورُ مِنْهَا وَعَلَّكَا فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ غَضِبَ وَأَهْدَرَ دَمَهُ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ بُجَيْرٍ إِلَى أَخِيهِ بَعْدَ عَوْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الطَّائِفِ، وَقَالَ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ، وَمَا أَدْرِي أَنْ تَتَفَلَّتَ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ: إِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَأَسْلِمْ، وَأَقْبِلْ إِلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مَعَ الْإِسْلَامِ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ. فَأَسْلَمَ كَعْبٌ، وَجَاءَ حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَصْحَابِهِ، قَالَ كَعْبٌ: فَعَرَفْتُهُ بِالصِّفَةِ، فَتَخَطَّيْتُ النَّاسَ إِلَيْهِ فَأَسْلَمْتُ وَقُلْتُ: الْأَمَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ. قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ. قَالَ: الَّذِي يَقُولُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ قَالَ؟ فَأَنْشَدَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْيَاتَ الَّتِي أَوَّلُهَا:
أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً فَقَالَ كَعْبٌ: مَا هَكَذَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قُلْتُ: سَقَاكَ أَبُو بَكْرٍ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ ... فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَأْمُونٌ وَاللَّهِ. فَتَجَهَّمَتْهُ الْأَنْصَارُ وَأَغْلَظَتْ لَهُ، وَلَانَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وَأَحَبَّتْ إِسْلَامَهُ، فَأَنْشَدَهُ قَصِيدَتَهُ الَّتِي أَوَّلُهَا: بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ ... مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: وَقَالَ كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ آمُلُهُ ... لَا أُلْهِينَكَ إِنِّي عَنْهُ مَشْغُولُ نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي ... وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ فِي فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ ... بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا زَالُوا فَمَا زَالَ أَنْكَاسٌ وَلَا كُشُفٌ ... عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ لَا يَقَعُ الطَّعْنُ إِلَّا فِي نُحُورِهِمْ ... وَمَا لَهُمْ عَنْ حِياضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى قُرَيْشٍ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ أَنِ اسْمَعُوا، حَتَّى قَالَ: يَمْشُونَ مَشْيَ الْجِمَالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ ... ضَرْبٌ إِذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ يُعَرِّضُ بِالْأَنْصَارِ لِغِلْظَتِهِمُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَتْ قُرَيْشٌ قَوْلَهُ وَقَالُوا: لَمْ تَمْدَحْنَا إِذْ هَجَوْتَهُمْ، وَلَمْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنْهُ، وَعَظُمَ عَلَى الْأَنْصَارِ هَجْوُهُ، فَشَكَوْهُ، فَقَالَ يَمْدَحُهُمْ: مَنْ سَرَّهُ كَرَمُ الْحَيَاةِ فَلَا يَزَلْ ... فِي مِقْنَبٍ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَارِ الْبَاذِلِينَ نُفُوسَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ ... يَوْمَ الْهِيَاجِ وَسَطْوَةِ الْجَبَّارِ يَتَطَهَّرُونَ كَأَنَّهُ نُسْكٌ لَهُمْ ... بِدِمَاءِ مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْكُفَّارِ فِي أَبْيَاتٍ. فَكَسَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ مُعَاوِيَةَ أَرْسَلَ إِلَى
ذكر غزوة تبوك
كَعْبٍ: أَنْ بِعْنَا بُرْدَةَ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأُوثِرَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ أَحَدًا. فَلَمَّا مَاتَ كَعْبٌ اشْتَرَاهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ أَوْلَادِهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَهِيَ الْبُرْدَةُ الَّتِي عِنْدَ الْخُلَفَاءِ الْآنَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِهِ وَقَطْعِ لِسَانِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَشَبَّبَ بِأُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ. (أَبُو سُلْمَى بِضَمِّ السِّينِ وَالْإِمَالَةِ. وَالْمَأْمُورُ بِالرَّاءِ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَقُولُ لِكُلِّ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِالشَّيْءِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ: مَأْمُورٌ، بِالرَّاءِ، يُرِيدُونَ أَنَّ الَّذِي يَقُولُهُ تَأْمُرُهُ بِهِ الْجِنُّ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَأْمُورًا مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَلَكِنَّهُ كَرِهَهُ لِعَادَتِهِمْ، فَلَمَّا قَالَ: الْمَأْمُونُ بِالنُّونِ، رَضِيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ عَلَى الْوَحْيِ. وَبُجَيْرٌ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَبِالْجِيمِ) . [ذِكْرُ غَزْوَةِ تَبُوكَ] لَمَّا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنَ الطَّائِفِ مَا بَيْنَ ذِي الْحَجَّةِ إِلَى رَجَبٍ، ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ بِالتَّجَهُّزِ لِغَزْوِ الرُّومِ، وَأَعْلَمَ النَّاسَ مَقْصِدَهُمْ لِبُعْدِ الطَّرِيقِ، وَشِدَّةِ الْحَرِّ، وَقُوَّةِ الْعَدُوِّ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا. وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلَغَهُ أَنَّ هِرَقْلَ مِلْكَ الرُّومِ وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ مُتَنَصِّرَةِ الْعَرَبِ - قَدْ عَزَمُوا عَلَى قَصْدِهِ، فَتَجَهَّزَ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ وَسَارُوا إِلَى الرُّومِ. وَكَانَ الْحَرُّ شَدِيدًا، وَالْبِلَادُ مُجْدِبَةٌ، وَالنَّاسُ فِي عُسْرَةٍ، وَكَانَتِ الثِّمَارُ قَدْ طَابَتْ، فَأَحَبَّ النَّاسُ الْمُقَامَ فِي ثِمَارِهِمْ، فَتَجَهَّزُوا عَلَى كُرْهٍ، فَكَانَ ذَلِكَ الْجَيْشُ يُسَمَّى جَيْشَ الْعُسْرَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ الْمُنَافِقِينَ: هَلْ لَكَ فِي جِلَادِ بَنِي
الْأَصْفَرِ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي حُبِّي لِلنِّسَاءِ، وَأَخْشَى أَنْ لَا أَصْبِرَ عَلَى نِسَاءِ بَنِي الْأَصْفَرِ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَأْذَنَ لِي وَلَا تَفْتِنِّي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي} [التوبة: 49] الْآيَةَ، وَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ - تَعَالَى: {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا} [التوبة: 81] . ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَجَهَّزَ وَأَمَرَ بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنْفَقَ أَهْلُ الْغِنَى، وَأَنْفَقَ أَبُو بَكْرٍ جَمِيعَ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ مَالِهِ، وَأَنْفَقَ عُثْمَانُ نَفَقَةً عَظِيمَةً لَمْ يُنْفِقْ أَحَدٌ أَعْظَمَ مِنْهَا، قِيلَ: كَانَتْ ثَلَاثَمِائَةِ بَعِيرٍ وَأَلْفَ دِينَارٍ. ثُمَّ إِنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمُ الْبَكَّاءُونَ، وَكَانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ حَاجَةٍ، فَاسْتَحْمَلُوهُ. فَقَالَ: لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ. فَتَوَلَّوْا يَبْكُونَ، فَلَقِيَهُمْ يَامِينُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ كَعْبٍ النَّضْرِيُّ، فَسَأَلَهُمْ عَمَّا يُبْكِيهِمْ فَأَعْلَمُوهُ، فَأَعْطَى أَبَا لَيْلَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيَّ بَعِيرًا، فَكَانَا يَعْتَقِبَانِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ فَاعْتَذَرُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَعْذُرْهُمُ اللَّهُ، وَكَانَ عِدَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَخَلَّفُوا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، مِنْهُمْ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ. فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الْمُنَافِقُ فِيمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ، «وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ، وَعَلَى أَهْلِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَرْجَفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا: مَا خَلَّفَهُ إِلَّا اسْتِثْقَالًا لَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ عَلِيٌّ ذَلِكَ أَخَذَ سِلَاحَهُ وَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ الْمُنَافِقُونَ، فَقَالَ: كَذَبُوا، وَإِنَّمَا خَلَّفْتُكَ لِمَا وَرَائِي، فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِكَ، أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ
مُوسَى؟ إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» . فَرَجَعَ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ثُمَّ إِنَّ أَبَا خَيْثَمَةَ أَقَامَ أَيَّامًا، فَجَاءَ يَوْمًا إِلَى أَهْلِهِ، وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، وَقَدْ رَشَّتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا، وَبَرَّدَتْ لَهُ مَاءً، وَصَنَعَتْ طَعَامًا، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَرِّ وَالرِّيحِ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ فِي الظِّلِّ الْبَارِدِ، وَالْمَاءِ الْبَارِدِ مُقِيمٌ! مَا هَذَا بِالنَّصَفِ، وَاللَّهِ مَا أَحَلُّ عَرِيشًا مِنْهَا حَتَّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَهَيَّأَ زَادَهُ وَخَرَجَ إِلَى نَاضِحِهِ فَرَكِبَهُ، وَطَلَبَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَدْرَكَهُ بِتَبُوكَ، فَقَالَ النَّاسُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَاكِبٌ مُقْبِلٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ. فَقَالُوا: هُوَ وَاللَّهِ أَبُو خَيْثَمَةَ. وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ بِخَبَرِهِ، فَدَعَا لَهُ» . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ مَرَّ بِالْحِجْرِ، وَهُوَ بِطَرِيقِهِ، وَهُوَ مَنْزِلُ ثَمُودَ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «لَا تَشْرَبُوا مِنْ هَذَا الْمَاءِ شَيْئًا، وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْهُ، وَمَا كَانَ مِنْ عَجِينٍ فَأَلْقُوهُ وَاعْلِفُوهُ الْإِبِلَ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا يَخْرُجِ اللَّيْلَةَ أَحَدٌ إِلَّا مَعَ صَاحِبٍ لَهُ» . فَفَعَلَ ذَلِكَ النَّاسُ وَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، خَرَجَ أَحَدُهُمَا لِحَاجَةٍ فَأَصَابَهُ جُنُونٌ، وَأَمَّا الَّذِي طَلَبَ بِعِيرَهُ فَاحْتَمَلَهُ الرِّيحُ إِلَى جَبَلَيْ طَيِّئٍ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ لَا يَخْرُجَ أَحَدٌ إِلَّا مَعَ صَاحِبٍ لَهُ» ؟ فَأَمَّا الَّذِي خُنِقَ فَدَعَا لَهُ فَشُفِيَ، وَأَمَّا الَّذِي حَمَلَتْهُ الرِّيحُ فَأَهْدَتْهُ طَيِّئٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ عَوْدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَأَصْبَحَ النَّاسُ بِالْحِجْرِ وَلَا مَاءَ مَعَهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَا اللَّهَ، فَأَرْسَلَ سَحَابَةً فَأَمْطَرَتْ حَتَّى رُوِيَ النَّاسُ. وَكَانَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا جَاءَ الْمَطَرُ قَالَ لَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: هَلْ بَعُدَ هَذَا الشَّيْءُ؟ قَالَ: سَحَابَةٌ مَارَّةٌ. وَضَلَّتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ، وَفِيهِمْ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ، وَهُوَ عَقَبِيٌّ بَدْرِيٌّ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يُخْبِرُكُمُ الْخَبَرَ مِنَ السَّمَاءِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَهِيَ فِي الْوَادِي فِي شِعْبِ كَذَا، قَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا، فَانْطَلَقُوا فَأَتَوْهُ بِهَا، فَرَجَعَ عُمَارَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَخَبَّرَهُمْ بِمَا قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ النَّاقَةِ تَعَجُّبًا مِمَّا رَأَى. وَكَانَ زَيْدُ بْنُ لُصَيْتٍ الْقَيْنُقَاعِيُّ مُنَافِقًا، وَهُوَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ قَدْ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، فَأُخْبِرَ عُمَارَةُ بِأَنَّ زَيْدًا قَدْ قَالَهَا، فَقَامَ عُمَارَةُ يَطَأُ عُنُقَهُ وَهُوَ يَقُولُ: فِي رَحْلِي دَاهِيَةٌ وَلَا أَدْرِي! اخْرُجْ عَنِّي يَا عَدُوَّ اللَّهِ! فَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ زَيْدًا تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَقِيلَ: لَمْ يَزَلْ مُتَّهَمًا حَتَّى هَلَكَ. وَوَقَفَ بِأَبِي ذَرٍّ جَمَلُهُ فَتَخَلَّفَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ. فَقَالَ: ذَرُوهُ، فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ، فَكَانَ يَقُولُهَا لِكُلِّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَوَقَفَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى جَمَلِهِ، فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ رَحْلَهُ عَنْهُ، وَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَتَبِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاشِيًا. فَنَظَرَ النَّاسُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ عَلَى الطَّرِيقِ وَحْدَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْ أَبَا ذَرٍّ. فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ النَّاسُ قَالُوا: هُوَ أَبُو ذَرٍّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ، يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ. وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ، وَيَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» . فَلَمَّا نَفَى عُثْمَانُ أَبَا ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَةِ أَصَابَهُ بِهَا أَجَلُهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا امْرَأَتُهُ وَغُلَامُهُ، فَأَوْصَاهُمَا أَنْ يُغَسِّلَاهُ وَيُكَفِّنَاهُ، ثُمَّ يَضَعَاهُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّ بِهِمَا يَسْتَعِينَانِ بِهِمْ عَلَى دَفْنِهِ، فَفَعَلَا ذَلِكَ، فَاجْتَازَ بِهِمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَعْلَمَتْهُ امْرَأَةُ أَبِي ذَرٍّ بِمَوْتِهِ. فَبَكَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمْشِي وَحْدَكَ، وَتَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ، ثُمَّ وَارَوْهُ. وَانْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى تَبُوكَ، فَأَتَى يُوحَنَّا بْنَ رُؤْبَةَ صَاحِبَ أَيْلَةَ، فَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا، فَبَلَغَتْ جِزْيَتُهُمْ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، ثُمَّ زَادَ فِيهَا الْخُلَفَاءُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ. فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمْ غَيْرَ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَصَالَحَ أَهْلَ أَذْرُحَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فِي كُلِّ رَجَبٍ. وَصَالَحَ أَهْلَ جَرْبَاءَ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَصَالَحَ أَهْلَ مَقْنَا عَلَى رُبْعِ ثِمَارِهِمْ. «وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ صَاحِبِ دُومَةِ
الْجَنْدَلِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا مِنْ كِنْدَةَ، فَقَالَ لِخَالِدٍ: إِنَّكَ تَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ» . فَخَرَجَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ حِصْنِهِ عَلَى مَنْظَرِ الْعَيْنِ، وَأُكَيْدِرُ عَلَى سَطْحِ دَارِهِ، فَبَاتَتِ الْبَقَرُ تَحُكُّ بِقُرُونِهَا بَابَ الْحِصْنِ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا قَطُّ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، ثُمَّ نَزَلَ وَرَكِبَ فَرَسَهُ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَطْلُبُ الْبَقَرَ، فَتَلَقَّتْهُمْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخَذَتْهُ، وَقَتَلُوا أَخَاهُ حَسَّانًا، «وَأَخَذَ خَالِدٌ مِنْ أُكَيْدِرَ قَبَاءَ دِيبَاجٍ مُخَوَّصٍ بِالذَّهَبِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَلْمِسُونَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا» . وَقَدِمَ خَالِدٌ بِأُكَيْدِرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحُقِنَ دَمُهُ وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ. وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَبُوكَ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَلَمْ يُجَاوِزْهَا، وَلَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ الرُّومُ وَالْعَرَبُ الْمُتَنَصِّرَةُ، فَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَكَانَ فِي الطَّرِيقِ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ وَشَلٍ لَا يَرْوِي إِلَّا الرَّاكِبَ وَالرَّاكِبَيْنِ، بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ: وَادِي الْمُشَقَّقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَبَقَنَا فَلَا يَسْتَقِيَنَّ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَهُ. فَسَبَقَهُ نَفَرٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فَاسْتَقَوْا مَا فِيهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرُوهُ بِفِعْلِهِمْ، فَلَعَنَهُمْ وَدَعَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ فَوَضَعَ يَدَهُ تَحْتَهُ، وَجَعَلَ يَصُبُّ إِلَيْهَا يَسِيرًا مِنَ الْمَاءِ، فَدَعَا فِيهِ وَنَضَحَهُ فِي الْوَشَلِ، فَانْخَرَقَ الْمَاءُ جَرْيًا شَدِيدًا، فَشَرِبَ النَّاسُ وَاسْتَقَوْا» . وَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى قَارَبَ الْمَدِينَةَ، فَأَتَاهُ خَبَرُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ، فَأَرْسَلَ مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ فَحَرَقَهُ وَهَدَمَهُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 107] الْآيَاتِ. وَكَانَ الَّذِينَ بَنَوْهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وَكَانَ قَدْ أُخْرِجَ مِنْ دَارِ خِذَامِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْهُ رَهْطٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَأَتَوْهُ يَحْلِفُونَ لَهُ وَيَعْتَذِرُونَ، فَصَفَحَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَعْذُرْهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَتَخَلَّفَ أُولَئِكَ النَّفَرُ الثَّلَاثَةُ، وَهُمْ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، تَخَلَّفُوا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا نِفَاقٍ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَلَامِهِمْ، فَاعْتَزَلَهُمُ النَّاسُ، فَبَقُوا كَذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ} [التوبة: 118]
ذكر قدوم عروة بن مسعود الثقفي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
الْآيَاتِ، إِلَى قَوْلِهِ: صَادِقِينَ، وَكَانَ قُدُومُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ مِنْ تَبُوكَ فِي رَمَضَانَ. (يَامِينُ النَّضْرِيُّ بِالنُّونِ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ. وَزَيْدُ بْنُ لُصَيْتٍ بِاللَّامِ الْمَضْمُومَةِ، وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَآخِرُهُ تَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقِهَا. وَخِذَامُ بْنُ خَالِدٍ بِالْخَاءِ الْمَكْسُورَةِ، وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ. وَأُكَيْدِرٌ بِالْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَالْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ) . [ذِكْرُ قُدُومِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] وَفِيهَا قَدِمَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْلِمًا، وَقِيلَ: بَلْ أَدْرَكَهُ فِي الطَّرِيقِ مَرْجِعَهُ مِنَ الطَّائِفِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى قَوْمِهِ بِالْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ، فَقَالَ: أَنَا أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْكَارِهِمْ، وَرَجَا أَنْ يُوَافِقُوهُ لِمَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الطَّائِفِ صَعِدَ إِلَى عِلِّيَّةٍ لَهُ، وَأَشْرَفَ مِنْهَا عَلَيْهِمْ، وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ، فَرَمَوْهُ بِالنَّبْلِ، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، فَقِيلَ لَهُ: مَا تَرَى فِي دَمِكَ؟ فَقَالَ: كَرَامَةٌ أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِهَا، وَشَهَادَةٌ سَاقَهَا إِلَيَّ، لَيْسَ فِيَّ إِلَّا مَا فِي الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، فَادْفِنُونِي مَعَهُمْ. فَلَمَّا مَاتَ دَفَنُوهُ مَعَهُمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ: إِنَّ مَثَلَهُ فِي قَوْمِهِ كَمَثَلِ صَاحِبِ يس فِي قَوْمِهِ» . [ذِكْرُ قُدُومِ وَفْدِ ثَقِيفٍ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَمَضَانَ قَدِمَ وَفْدُ ثَقِيفٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ رَأَوْا مَنْ يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ قَدْ نَصَبُوا لَهُمُ الْقِتَالَ، وَشَنُّوا الْغَارَاتِ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ أَشَدَّهُمْ فِي ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْرِيُّ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ مَالٌ إِلَّا نُهِبَ، وَلَا إِنْسَانٌ إِلَّا أُخِذَ، فَلَمَّا رَأَوْا عَجْزَهُمُ اجْتَمَعُوا وَأَرْسَلُوا عَبْدَ يَا لَيْلَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَالْحَكَمَ بْنَ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ غَيْلَانَ، وَهَؤُلَاءِ مِنَ الْأَحْلَافِ، وَأَرْسَلُوا مِنْ بَنِي مَالِكٍ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَأَوْسَ بْنَ عَوْفٍ، وَنُمَيْرَ بْنَ خَرَشَةَ، فَخَرَجُوا حَتَّى
ذكر غزوة طيئ وإسلام عدي بن حاتم
قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَهُمْ فِي قُبَّةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ يَمْشِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ مَا يَأْكُلُونَهُ مَعَ خَالِدٍ، وَكَانُوا لَا يَأْكُلُونَ طَعَامًا حَتَّى يَأْكُلَ خَالِدٌ مِنْهُ، حَتَّى أَسْلَمُوا. وَكَانَ فِيمَا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَدَعَ الطَّاغِيَةَ، وَهِيَ اللَّاتُ، لَا يَهْدِمُهَا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ، وَكَانَ قَصْدُهُمْ بِذَلِكَ أَنْ يَتَسَلَّمُوا بِتَرْكِهَا مِنْ سُفَهَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَنَزَلُوا إِلَى شَهْرٍ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُعْفِيَهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ فَقَالَ: «لَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا صَلَاةَ فِيهِ» . فَأَجَابُوا وَأَسْلَمُوا. وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ، لِمَا رَأَى مِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ. ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُمُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ؛ لِيَهْدِمَا الطَّاغِيَةَ، فَتَقَدَّمَ الْمُغِيرَةُ فَهَدَمَهَا، وَقَامَ قَوْمُهُ مِنْ بَنِي شُعَيْبٍ دُونَهُ؛ خَوْفًا أَنْ يُرْمَى بِسَهْمٍ، وَخَرَجَ نِسَاءُ ثَقِيفٍ حُسَّرًا يَبْكِينَ عَلَيْهَا، وَأُخِذَ حُلِيُّهَا وَمَالُهَا. وَكَانَ أَبُو مَلِيحِ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَقَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ - قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قُتِلَ عُرْوَةُ وَالْأَسْوَدُ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقْضِيَا مِنْهُ دَيْنَ عُرْوَةَ وَالْأَسْوَدِ ابْنَيْ مَسْعُودٍ، فَفَعَلَا، «وَكَانَ الْأَسْوَدُ مَاتَ كَافِرًا، فَسَأَلَ ابْنُهُ قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ أَبِيهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَافِرٌ. فَقَالَ: يَصِلُ مُسْلِمٌ ذَا قَرَابَتِهِ» . يَعْنِي أَنَّهُ أَسْلَمَ فَيَصِلُ أَبَاهُ وَإِنْ كَانَ مُشْرِكًا. [ذِكْرُ غَزْوَةِ طَيِّئٍ وَإِسْلَامِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ أَرْسَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى دِيَارِ طَيِّئٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَهْدِمَ صَنَمَهُمُ الْفَلْسَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَأَغَارَ عَلَيْهِمْ، فَغَنِمَ وَسَبَى وَكَسَرَ الصَّنَمَ، وَكَانَ مُتَقَلِّدًا سَيْفَيْنِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: مِخْذَمُ، وَلِلْآخَرِ: رَسُوبُ، فَأَخَذَهُمَا عَلِيٌّ وَحَمَلَهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ أَهْدَى السَّيْفَيْنِ لِلصَّنَمِ، فَعُلِّقَا عَلَيْهِ، وَأَسَرَ بِنْتًا لِحَاتِمٍ الطَّائِيِّ، وَحُمِلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ، فَأَطْلَقَهَا. وَأَمَّا إِسْلَامُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فَقَالَ عَدِيٌّ: جَاءَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذُوا أُخْتِي وَنَاسًا، فَأَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ أُخْتِي: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْوَالِدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ،
ذكر قدوم الوفود على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. فَقَالَ: وَمَنْ وَافِدُكِ؟ قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ. قَالَ: الَّذِي فَرَّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ! فَمَنَّ عَلَيْهَا، وَإِلَى جَانِبِهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: سَلِيهِ حُمْلَانًا. فَسَأَلَتْهُ، فَأَمَرَ لَهَا بِهِ وَكَسَاهَا، وَأَعْطَاهَا نَفَقَةً» . قَالَ عَدِيٌّ: وَكُنْتُ مَلِكَ طَيِّئٍ آخُذُ مِنْهُمُ الْمِرْبَاعَ وَأَنَا نَصْرَانِيٌّ، فَلَمَّا قَدِمَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَرَبْتُ إِلَى الشَّامِ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَقُلْتُ: أَكُونُ عِنْدَ أَهْلِ دِينِي، فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ إِذْ جَاءَتْ أُخْتِي، وَأَخَذَتْ تَلُومُنِي عَلَى تَرْكِهَا وَهَرَبِي بِأَهْلِي دُونَهَا، ثُمَّ قَالَتْ لِي: أَرَى أَنْ تَلْحَقَ بِمُحَمَّدٍ سَرِيعًا، فَإِنْ كَانَ نَبِيًّا كَانَ لِلسَّابِقِ فَضْلُهُ، وَإِنْ كَانَ مَلِكًا كُنْتَ فِي عِزٍّ وَأَنْتَ أَنْتَ. قَالَ: «فَقَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَعَرَّفْتُهُ نَفْسِي، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى بَيْتِهِ، فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ فَاسْتَوْقَفَتْهُ، فَوَقَفَ لَهَا طَوِيلًا تُكَلِّمُهُ فِي حَاجَتِهَا، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِمَلِكٍ، ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَهُ فَأَجْلَسَنِي عَلَى وِسَادَةٍ، وَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا هَذَا مَلِكٌ. فَقَالَ لِي: يَا عَدِيُّ، إِنَّكَ تَأْخُذُ الْمِرْبَاعَ وَهُوَ لَا يَحِلُّ فِي دِينِكَ، وَلَعَلَّكَ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْإِسْلَامِ مَا تَرَى مِنْ حَاجَتِنَا وَكَثْرَةِ عَدُوِّنَا، وَاللَّهِ لَيَفِيضَنَّ الْمَالُ فِيهِمْ حَتَّى لَا يُوجَدَ مَنْ يَأْخُذُهُ، وَوَاللَّهِ لَتَسْمَعَنَّ بِالْمَرْأَةِ تَسِيرُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرِهَا حَتَّى تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ، لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَوَاللَّهِ لَتَسْمَعَنَّ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ بَابِلَ وَقَدْ فُتِحَتْ. قَالَ: فَأَسْلَمْتُ، فَقَدْ رَأَيْتُ الْقُصُورَ الْبِيضَ وَقَدْ فُتِحَتْ، وَرَأَيْتُ الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ إِلَى الْبَيْتِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَوَاللَّهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ لَيَفِيضَنَّ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ» . [ذِكْرُ قُدُومِ الْوُفُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ وَأَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ، وَفَرَغَ مِنْ تَبُوكَ - ضَرَبَتْ إِلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَنْتَظِرُ بِإِسْلَامِهَا قُرَيْشًا؛ إِذْ كَانُوا أَمَامَ النَّاسِ، وَأَهْلَ الْحَرَمِ، وَصَرِيحَ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا تُنْكِرُ الْعَرَبُ ذَلِكَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي نَصَبَتِ الْحَرْبَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخِلَافَهُ، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وَأَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ عَرَفَتِ الْعَرَبُ أَنَّهَا لَا طَاقَةَ لَهَا بِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَدَاوَتِهِ، فَدَخَلُوا فِي الدِّينِ أَفْوَاجًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1 - 3] .
وَقَدِمَتْ وُفُودُهُمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، قَدِمَ وَفْدُ بَنِي أَسَدٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالُوا: أَتَيْنَاكَ قَبْلَ أَنْ تُرْسِلَ إِلَيْنَا رَسُولًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا} [الحجرات: 17] ، الْآيَةَ. وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَلِيٍّ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ الدَّارِيِّينَ، وَهُمْ عَشَرَةُ نَفَرٍ. وَفِيهَا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ مَعَ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسٍ، وَفِيهِمْ: الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَالْخَتَّاتُ، وَمُعْتَمِرُ بْنُ زَيْدٍ، فِي وَفْدٍ عَظِيمٍ، وَمَعَهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ نَادَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَرَاءِ حُجُرَاتِهِ: أَنِ اخْرُجْ إِلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ، فَآذَى ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: جِئْنَا نُفَاخِرُكَ، فَأْذَنْ لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَقَامَ عُطَارِدُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْنَا الْفَضْلُ الَّذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَوَهَبَ لَنَا أَمْوَالًا عِظَامًا نَفْعَلُ فِيهَا الْمَعْرُوفَ، وَجَعَلَنَا أَعَزَّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَأَكْثَرَهُمْ عَدَدًا، فَمَنْ يُفَاخِرُنَا فَلْيُعَدِّدْ مِثْلَ عَدَدِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ: أَجِبِ الرَّجُلَ. فَقَامَ ثَابِتٌ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ خَلْقُهُ، قَضَى فِيهِنَّ أَمْرَهُ، وَوَسِعَ كُرْسِيُّهُ عِلْمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَطُّ إِلَّا مِنْ فَضْلِهِ، ثُمَّ كَانَ مِنْ قُدْرَتِهِ أَنْ جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَاصْطَفَى مِنْ خَيْرِ خَلْقِهِ رَسُولًا، أَكْرَمَهُمْ نَسَبًا، وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وَأَفْضَلَهُمْ حَسَبًا، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ، وَائْتَمَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ، فَكَانَ خِيرَةَ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنَ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ، فَآمَنَ بِهِ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قَوْمِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ، أَكْرَمُ النَّاسِ نَسَبًا، وَأَحْسَنُ النَّاسِ وُجُوهًا، وَخَيْرُ النَّاسِ فِعَالًا. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ الْخَلْقِ اسْتِجَابَةً لِلَّهِ حِينَ دَعَاهُ نَحْنُ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وَوُزَرَاءُ رَسُولِهِ، نُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يُؤْمِنُوا، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مَنَعَ مَالَهُ وَدَمَهُ، وَمَنْ كَفَرَ جَاهَدْنَاهُ فِي اللَّهِ أَبَدًا، وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَيْنَا يَسِيرًا، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِشَاعِرِنَا، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَامَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ فَقَالَ:
نَحْنُ الْكِرَامُ فَلَا حَيٌّ يُعَادِلُنَا ... مِنَّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ الْبِيَعُ وَكَمْ قَسَرْنَا مِنَ الْأَحْيَاءِ كُلِّهِمُ ... عِنْدَ النِّهَابِ وَفَضْلُ الْعُرْبِ يُتَّبَعُ وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مُطْعِمُنَا ... مِنَ الشِّوَاءِ إِذَا لَمْ يُؤْنَسِ الْقَزَعُ بِمَا تَرَى النَّاسَ تَأْتِينَا سَرَاتُهُمُ ... مِنْ كُلِّ أَرْضٍ هُوِيًّا ثُمَّ نَصْطَنِعُ فَنَنْحَرُ الْكُومَ عَبْطًا فِي أَرُومَتِنَا ... لِلنَّازِلِينَ إِذَا مَا أُنْزِلُوا شَبِعُوا فَلَا تَرَانَا إِلَى حَيٍّ نُفَاخِرُهُمْ ... إِلَّا اسْتَقَادُوا وَكَادَ الرَّأْسُ يُقْتَطَعُ إِنَّا أَبَيْنَا وَلَنْ يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ ... إِنَّا كَذَلِكَ عِنْدَ الْفَخْرِ نَرْتَفِعُ فَمَنْ يُفَاخِرُنَا فِي ذَاكَ يَعْرِفُنَا ... فَيَرْجِعُ الْقَوْلُ وَالْأَخْبَارُ تُسْتَمَعُ قَالَ: وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ غَائِبًا، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُجِيبَ شَاعِرَهُمْ. قَالَ حَسَّانُ: فَلَمَّا سَمِعْتُ قَوْلَهُ قُلْتُ عَلَى نَحْوِهِ: إِنَّ الذَّوَائِبَ مِنْ فِهْرٍ وَإِخْوَتِهِمْ ... قَدْ بَيَّنُوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ ... أَوْ حَاوَلُوا النَّفْعَ فِي أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا يَرْضَى بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ ... تَقْوَى الْإِلَهِ، وَكُلُّ الْبِرِّ يُصْطَنَعُ سَجِيَّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ ... إِنَّ الْخَلَائِقَ، فَاعْلَمْ، شَرُّهَا الْبِدَعُ إِنْ كَانَ فِي النَّاسِ سَبَّاقُونَ بَعْدَهُمُ ... فَكُلُّ سَبْقٍ لِأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ لَا يُرْقِعُ النَّاسُ مَا أَوْهَتْ أَكُفُّهُمُ ... عِنْدَ الدِّفَاعِ وَلَا يُوهُونَ مَا رَقَعُوا إِنْ سَابَقُوا النَّاسَ يَوْمًا فَازَ سَبْقُهُمْ ... أَوْ وَازَنُوا أَهْلَ مَجْدٍ بِالنَّدَى مَتَعُوا أَعِفَّةٌ ذُكِرَتْ فِي الْوَحْيِ عِفَّتُهُمْ ... لَا يَطْعَبُونَ وَلَا يُزْرِي بِهِمْ طَمَعُ لَا يَبْخَلُونَ عَلَى جَارٍ بِفَضْلِهِمُ ... وَلَا يَمَسُّهُمْ مِنْ مَطْمَعٍ طَبَعُ
إِذَا نَصَبْنَا لِحَيٍّ لَمْ نَدِبَّ لَهُمُ كَمَا يَدِبُّ إِلَى الْوَحْشِيَّةِ الذَّرَعُ ... كَأَنَّهُمْ فِي الْوَغَى وَالْمَوْتِ مُكْتَنِعُ أُسْدٌ بِحَلْيَةَ فِي أَرْسَاغِهَا فَدَعُ ... أَكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللَّهِ شِيعَتُهُمْ إِذَا تَفَرَّقَتِ الْأَهْوَاءُ وَالشِّيَعُ ... فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ الْأَحْيَاءِ كُلِّهِمُ إِنْ جَدَّ بِالنَّاسِ جِدُّ الْقَوْلِ أَوْ شَمَعُوا فَلَمَّا فَرَغَ حَسَّانُ قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لِمُؤْتًى لَهُ، خَطِيبُهُمْ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا، وَشَاعِرُهُمْ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، ثُمَّ أَسْلَمُوا وَأَجَازَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [الحجرات: 4] الْآيَاتِ. (الْخَتَّاتُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَاءَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتُ، وَنُونٍ) . وَفِيهَا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُتُبُ مُلُوكِ حِمْيَرَ مُقِرِّينَ بِالْإِسْلَامِ، مَعَ رَسُولِهِمُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، وَالنُّعْمَانِ - قِيلَ: ذِي رُعَيْنٍ - وَهَمْدَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ زُرْعَةُ ذُو يَزَنَ مَالِكَ بْنَ مُرَّةَ الرُّهَاوِيَّ بِإِسْلَامِهِمْ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُهُمْ بِمَا عَلَيْهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَيَنْهَاهُمْ عَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ. وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَهْرَاءَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلُوا عَلَى الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو. وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي الْبَكَّاءِ. وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي فَزَارَةَ، فِيهِمْ خَارِجَةُ بْنُ حِصْنٍ. وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ ثَعْلَبَةَ بْنِ مُنْقِذٍ. وَفِيهَا «قَدِمَ وَفْدُ سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَكَانَ وَافِدُهُمْ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَأَسْلَمَ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ» ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: بِئْسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى! فَقَالُوا: اتَّقِ الْبَرَصَ وَالْجُذَامَ وَالْجُنُونَ. فَقَالَ: وَيْحَكُمْ! إِنَّهُمَا لَا يَضُرَّانِ وَلَا
ذكر حج أبي بكر - رضي الله عنه -
يَنْفَعَانِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا، وَقَدِ اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ. وَأَظْهَرَ إِسْلَامَهُ، فَمَا أَمْسَى ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ مُشْرِكٌ وَلَا امْرَأَةٌ مُشْرِكَةٌ، فَمَا سُمِعَ بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. [ذِكْرُ حَجِّ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] وَفِيهَا «حَجَّ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ وَمَعَهُ عِشْرُونَ بَدَنَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِنَفْسِهِ خَمْسُ بَدَنَاتٍ، وَكَانَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَثَرِهِ عَلِيًّا، وَأَمَرَهُ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ " بَرَاءَةٌ " عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَعَادَ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَا يُبَلِّغُ عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنِّي، أَلَا تَرْضَى يَا أَبَا بَكْرٍ أَنَّكَ كُنْتَ مَعِي فِي الْغَارِ وَصَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ؟ قَالَ: بَلَى، فَسَارَ أَبُو بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْمَوْسِمِ، فَأَقَامَ النَّاسُ الْحَجَّ، وَحَجَّتِ الْعَرَبُ الْكُفَّارُ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَعَلِيٌّ يُؤَذِّنُ بِ " بَرَاءَةٌ "، فَنَادَى يَوْمَ الْأَضْحَى: لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَهْدٌ؛ فَأَجَلُهُ إِلَى مُدَّتِهِ» . وَرَجَعَ الْمُشْرِكُونَ، فَلَامَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَقَالُوا: مَا تَصْنَعُونَ وَقَدْ أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ؟ فَأَسْلَمُوا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُرِضَتِ الصَّدَقَاتُ، وَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا عُمَّالَهُ. وَفِيهَا فِي شَعْبَانَ تُوُفِّيَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ زَوْجُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَغَسَّلَتْهَا أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَصَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقِيلَ: غَسَّلَتْهَا نِسْوَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، مِنْهُنَّ أُمُّ عَطِيَّةَ، وَصَلَّى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَزَلَ فِي حُفْرَتِهَا أَبُو طَلْحَةَ. وَفِيهَا «مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ مَرَضِهِ فِي شَوَّالٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ قَمِيصَهُ، فَأَعْطَاهُ فَكَفَّنَهُ فِيهِ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا؟ يُعَدِّدُ أَيَّامَهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَبَسَّمُ ثُمَّ قَالَ: أَخِّرْ عَنِّي عُمَرُ، قَدْ خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، قَدْ قِيلَ لِي: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80]
وَلَوْ عَلِمْتُ أَنْ لَوْ زِدْتُ عَلَى السَبْعِينِ غُفِرَ لَهُمْ لَزِدْتُ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ، وَقَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] الْآيَةَ» . وَفِيهَا نَعَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّجَاشِيَّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ.
ذكر الأحداث في سنة عشر
[ذِكْرُ الْأَحْدَاثِ فِي سَنَةِ عَشْرٍ] [ذِكْرُ وَفْدِ نَجْرَانَ مَعَ الْعَاقِبِ وَالسَّيِّدِ] 10 - ذِكْرُ الْأَحْدَاثِ فِي سَنَةِ عَشْرٍ ذِكْرُ وَفْدِ نَجْرَانَ مَعَ الْعَاقِبِ وَالسَّيِّدِ وَفِيهَا أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بِنَجْرَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابُوا أَقَامَ فِيهِمْ وَعَلَّمَهُمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلَهُمْ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَجَابُوا وَأَسْلَمُوا، فَأَقَامَ فِيهِمْ، وَكَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْلِمُهُ إِسْلَامَهُمْ، وَعَادَ خَالِدٌ وَمَعَهُ وَفْدُهُمْ، فِيهِمْ قَيْسُ بْنُ الْحُصَيْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ قَيْنَانَ ذِي الْغُصَّةِ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ وَغَيْرُهُمَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ عَادُوا عَنْهُ فِي بَقِيَّةِ شَوَّالٍ أَوْ فِي ذِي الْحَجَّةِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ يُعَلِّمُهُمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، وَيَأْخُذُ صَدَقَاتِهِمْ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا، وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَمْرُو بْنُ حَزْمٍ عَلَى نَجْرَانَ. وَأَمَّا نَصَارَى نَجْرَانَ فَإِنَّهُمْ أَرْسَلُوا الْعَاقِبَ وَالسَّيِّدَ فِي نَفَرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَرَادُوا مُبَاهَلَتَهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ قَالُوا: هَذِهِ وُجُوهٌ لَوْ أَقْسَمَتْ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُزِيلَ الْجِبَالَ لَأَزَالَهَا، وَلَمْ يُبَاهِلُوهُ، وَصَالَحُوهُ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ، ثَمَنُ كُلِّ حُلَّةٍ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَعَلَى أَنْ يُضِيفُوا رُسُلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَعَهْدَهُ أَلَّا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ، وَلَا يُعَشَّرُوا، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَأْكُلُوا الرِّبَا وَلَا يَتَعَامَلُوا بِهِ. فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ عَامَلَهُمْ بِذَلِكَ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ أَجْلَى أَهْلَ الْكِتَابِ عَنِ الْحِجَازِ، وَأَجْلَى أَهْلَ نَجْرَانَ، فَخَرَجَ بَعْضُهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى نَجْرَانِيَّةِ الْكُوفَةِ، وَاشْتَرَى مِنْهُمْ عَقَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ.
وَقِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ كَثُرُوا، فَبَلَغُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَتَحَاسَدُوا بَيْنَهُمْ، فَأَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَالُوا: أَجْلِنَا، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ خَافَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَاغْتَنَمَهَا، فَأَجْلَاهُمْ، فَنَدِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَقَالُوهُ فَأَبَى، فَبَقُوا كَذَلِكَ إِلَى خِلَافَةِ عُثْمَانَ. فَلَمَّا وَلِيَ عَلِيٌّ أَتَوْهُ وَقَالُوا: نَنْشُدُكَ اللَّهَ خَطَّكَ بِيَمِينِكَ. فَقَالَ: إِنَّ عُمَرَ كَانَ رَشِيدَ الْأَمْرِ، وَأَنَا أَكْرَهُ خِلَافَهُ، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ أَسْقَطَ عَنْهُمْ مِائَتَيْ حُلَّةٍ، وَكَانَ صَاحِبُ النَّجْرَانِيَّةِ بِالْكُوفَةِ يَبْعَثُ إِلَى مَنْ بِالشَّامِ وَالنَّوَاحِي مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يَجْبُونَهُمُ الْحُلَلَ. فَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ شَكَوْا إِلَيْهِ تَفَرُّقَهُمْ، وَمَوْتَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، وَإِسْلَامَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، وَكَانُوا قَدْ قَلُّوا، وَأَرَوْهُ كِتَابَ عُثْمَانَ، فَوَضَعَ عَنْهُمْ مِائَتَيْ حُلَّةٍ تَكْمِلَةَ أَرْبَعِمِائَةِ حُلَّةٍ. فَلَمَّا وَلِيَ الْحَجَّاجُ الْعِرَاقَ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ - اتَّهَمَ الدَّهَاقِينَ بِمُوَالَاتِهِ، وَاتَّهَمَهُمْ مَعَهُمْ، فَرَدَّهُمْ إِلَى أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ حُلَّةٍ، وَأَخَذَهُمْ بِحُلَلٍ وَشَيْءٍ. فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ شَكَوْا إِلَيْهِ فَنَاءَهُمْ وَنَقْصَهُمْ، وَإِلْحَاحَ الْعَرَبِ عَلَيْهِمْ بِالْغَارَةِ، وَظُلْمَ الْحَجَّاجِ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَأُحْصَوْا، وَوُجِدُوا عَلَى الْعُشْرِ مِنْ عِدَّتِهِمُ الْأُولَى، فَقَالَ: أَرَى هَذَا الصُّلْحَ جِزْيَةً، وَلَيْسَ عَلَى أَرْضِهِمْ شَيْءٌ، وَجِزْيَةُ الْمُسْلِمِ وَالْمَيِّتِ سَاقِطَةٌ، فَأَلْزَمَهُمْ مِائَتَيْ حُلَّةٍ. فَلَمَّا تَوَلَّى يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ رَدَّهُمْ إِلَى أَمْرِهِمُ الْأَوَّلِ عَصَبِيَّةً لِلْحَجَّاجِ. فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ السَّفَّاحُ عَمَدُوا إِلَى طَرِيقِهِ يَوْمَ ظُهُورِهِ مِنَ الْكُوفَةِ، فَأَلْقَوْا فِيهَا الرَّيْحَانَ وَنَثَرُوا عَلَيْهِ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، ثُمَّ رَفَعُوا إِلَيْهِ أَمْرَهُمْ، وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِأَخْوَالِهِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، فَكَلَّمَهُ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، فَرَدَّهُمْ إِلَى مِائَتَيْ حُلَّةٍ. فَلَمَّا وَلِيَ الرَّشِيدُ شَكَوْا إِلَيْهِ الْعُمَّالَ فَأَمَرَ أَنْ يُعْفَوْا مِنَ الْعُمَّالِ، وَأَنْ يَكُونَ مُؤَدَّاهُمْ بَيْتَ الْمَالِ. وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ سَلَامَانَ فِي شَوَّالٍ، وَهُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ، رَأَسَهُمْ حَبِيبٌ السَّلَامَانِيُّ. وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ غَسَّانَ فِي رَمَضَانَ، وَوَفْدُ غَامِدٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَيْضًا.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ الْأَزْدِ، رَأَسَهُمْ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فِي بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَسْلَمَ، وَأَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُجَاهِدَ الْمُشْرِكِينَ، فَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ جُرَشَ، وَفِيهَا قَبَائِلُ مِنَ الْيَمَنِ فِيهِمْ خَثْعَمُ، فَحَاصَرَهُمْ قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، فَامْتَنَعُوا مِنْهُ، فَرَجَعَ حَتَّى كَانَ بِجَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: كَشَرُ، فَظَنَّ أَهْلُ جُرَشَ أَنَّهُ مُنْهَزِمٌ، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ فَأَدْرَكُوهُ، فَعَطَفَ عَلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ «كَانَ أَهْلُ جُرَشَ بَعَثُوا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُرَانِ حَالَهُ. فَبَيْنَمَا هُمَا عِنْدَهُ إِذْ قَالَ: بِأَيِّ بِلَادِ اللَّهِ شَكَرُ؟ فَقَالَا: بِبِلَادِنَا جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ كَشَرُ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِكَشَرَ، وَلَكِنَّهُ شَكَرُ، وَإِنَّ بُدْنَ اللَّهِ لَتُنْحَرُ عِنْدَهُ الْآنَ. فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ أَوْ عُثْمَانُ: وَيْحَكُمَا! إِنَّهُ يَنْعِي لَكُمَا قَوْمَكُمَا، فَاسْأَلَاهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ يَرْفَعُ عَنْهُمْ، فَفَعَلَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهُمْ، فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ إِلَى قَوْمِهِمَا، فَوَجَدَاهُمْ قَدْ أُصِيبُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَالَهُمْ، وَخَرَجَ وَفْدُ جُرَشَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمُوا» . وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ مُرَادٍ مَعَ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُفَارِقًا لِمُلُوكِ كِنْدَةَ، وَقَدْ كَانَ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ بَيْنَ مُرَادٍ وَهَمْدَانَ وَقْعَةٌ ظَفِرَتْ فِيهَا هَمْدَانُ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِي مُرَادٍ، وَكَانَ يُقَالُ لِذَلِكَ الْيَوْمِ: يَوْمُ الرَّزْمِ، وَكَانَ رَئِيسَ هَمْدَانَ الْأَجْدَعُ بْنُ مَالِكٍ وَالِدُ مَسْرُوقٍ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ فَرْوَةُ: فَإِنْ نَغْلِبْ فَغَلَّابُونَ قِدْمًا ... وَإِنْ نُهْزَمْ فَغَيْرُ مُهَزَّمِينَا وَمَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ ... مَنَايَانَا وَدَوْلَةُ آخَرِينَا كَذَاكَ الدَّهْرُ دَوْلَتُهُ سِجَالٌ ... تَكُرُّ صُرُوفُهُ حِينًا وَحِينَا فَبَيْنَا مَا يُسَرُّ بِهِ وَيُرْضَى ... وَلَوْ لُبِسَتْ غَضَارَتُهُ سِنِينَا إِذِ انْقَلَبَتْ بِهِ كُرَّاتُ دَهْرٍ ... فَأَلْفَى لِلْأُولَى غَبَطُوا طَحِينًا وَمَنْ يُغْبَطْ بِرَيْبِ الدَّهْرِ مِنْهُمْ ... يَجِدْ رَيْبَ الزَّمَانِ لَهُ خَئُونًا فَلَوْ خَلَدَ الْمُلُوكُ إِذًا خَلَدْنَا ... وَلَوْ بَقِيَ الْكِرَامُ إِذًا بَقِينَا
فَأَفْنَى ذَاكُمُ سَرَوَاتِ قَوْمٍ كَمَا أَفْنَى الْقُرُونَ الْأَوَّلِينَا وَلَمَّا تَوَّجَهَ فَرْوَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُفَارِقًا لِقَوْمِهِ قَالَ: لَمَّا رَأَيْتُ مُلُوكَ كِنْدَةَ أَعْرَضَتْ ... كَالرِّجْلِ خَانَ الرِّجْلَ عِرْقَ نَسَائِهَا يَمَّمْتُ رَاحِلَتِي أَؤُمُّ مُحَمَّدًا ... أَرْجُو فَضَائِلَهَا وَحُسْنَ ثَرَائِهَا فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: يَا فَرْوَةُ، هَلْ سَاءَكَ مَا أَصَابَ قَوْمَكَ يَوْمَ الرِّزْمِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ ذَا يُصِيبُ قَوْمَهُ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمِي، وَلَمْ يَسُؤْهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ ذَلِكَ لَا يَزِيدُ قَوْمَكَ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا خَيْرًا. فَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مُرَادٍ وَزُبَيْدٍ وَمَذْحِجٍ كُلِّهَا، وَبَعَثَ مَعَهُ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَكَانَ عَلَى الصَّدَقَاتِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَفِيهَا أَرْسَلَ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو الْجُذَامِيُّ، ثُمَّ النُّفَاثِيُّ، رَسُولًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِسْلَامِهِ، وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَانَ فَرْوَةُ عَامِلًا لِلرُّومِ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْعَرَبِ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ مُعَانَ فِي أَرْضِ الشَّامِ، فَلَمَّا بَلَغَ الرُّومَ إِسْلَامُهُ طَلَبُوهُ حَتَّى أَسَرُوهُ، فَحَبَسُوهُ، فَقَالَ فِي مَحْبَسِهِ ذَلِكَ: طَرَقَتْ سُلَيْمِي مُوهِنًا فَشَجَانِي ... وَالرُّومُ بَيْنَ الْبَابِ وَالْقُرْبَانِ صَدَّ الْخَيَالُ وَسَاءَهُ مَا قَدْ رَأَى ... وَهَمَمْتُ أَنْ أُغْفِيَ وَقَدْ أَبْكَانِي لَا تُكْحِلِنَّ الْعَيْنَ بَعْدِي إِثْمِدًا ... سَلْمَى وَلَا تَدْنِنَّ لِلْإِنْسَانِ فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الرُّومُ لِصَلْبِهِ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: عِفْرَى، بِفِلَسْطِينَ قَالَ:
أَلَا هَلْ أَتَى سَلْمَى بِأَنَّ خَلِيلَهَا ... عَلَى مَاءِ عِفْرَى فَوْقَ إِحْدَى الرَّوَاحِلِ عَلَى نَاقَةٍ لَمْ يُلَقِّحِ الْفَحْلُ أُمَّهَا ... مُشَذَّبَةٍ أَطْرَافُهَا بِالْمَنَاجِلِ وَهَذَا مِنْ أَبْيَاتِ الْمَعَانِي. فَلَمَّا قَدَّمُوهُ لِيَصْلُبُوهُ قَالَ: بَلِّغْ سَرَاةَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنِّنِي ... سَلْمٌ لِرَبِّي أَعْظُمِي وَمَقَامِي ثُمَّ ضَرَبُوا عُنُقَهُ، وَصَلَبُوهُ. وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ زُبَيْدٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى زُبَيْدٍ وَمُرَادٍ فَرْوَةَ بْنَ مُسَيْكٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبْلَ قُدُومِ عَمْرٍو، فَلَمَّا عَادَ عَمْرٌو مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ فِي قَوْمِهِ بَنِي زُبَيْدٍ وَعَلَيْهِمْ فَرْوَةُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ارْتَدَّ عَمْرٌو. وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِمُ الْجَارُودُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَ مَنْ مَعَهُ، وَكَانَ الْجَارُودُ حَسَنَ الْإِسْلَامِ، نَهَى قَوْمَهُ عَنِ الرِّدَّةِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ارْتَدُّوا مَعَ الْغَرُورِ، وَهُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ قَبْلَ الْفَتْحِ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ، فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبْلَ رِدَّةِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْعَلَاءُ أَمِيرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ. وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ وَفِيهِمْ مُسَيْلِمَةُ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ فِي دَارِ ابْنَةِ الْحَارِثِ، امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَاجْتَمَعَ مُسَيْلِمَةُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ عَادَ إِلَى الْيَمَامَةِ وَتَنَبَّأَ، وَتَكَذَّبَ لَهُمْ، وَادَّعَى أَنَّهُ شَرِيكُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النُّبُوَّةِ، فَاتَّبَعَهُ بَنُو حَنِيفَةَ.
وَفِيهَا «قَدِمَ وَفْدُ كِنْدَةَ مَعَ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا، فَقَالَ الْأَشْعَثُ: نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمِرَارِ، وَأَنْتَ ابْنُ آكِلِ الْمِرَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ لَا نَقْفُو أُمَّنَا، وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا» . وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ مُحَارِبٍ. وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ الرَّهَاوِيِّينَ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ مَذْحِجٍ (وَرَهَاءُ بِفَتْحِ الرَّاءِ، قَالَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ) . وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ عَبْسٍ. وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ صَدِفٍ، وَافَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ خَوْلَانَ، وَكَانُوا عَشْرَةً. وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فِيهِمْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَأَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ، وَجَبَّارُ بْنُ سُلْمَى - بِضَمِّ السِّينِ وَبِالْإِمَالَةِ - بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَكَانَ عَامِرٌ يُرِيدُ الْغَدْرَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا فَأَسْلِمْ. فَقَالَ: لَا أَتْبَعُ عَقِبَ هَذَا الْفَتَى، ثُمَّ قَالَ لِأَرْبَدَ: إِذَا قَدِمْنَا عَلَيْهِ فَإِنِّي شَاغِلُهُ عَنْكَ، فَاعْلُهُ بِالسَّيْفِ مِنْ خَلْفِهِ. فَلَمَّا قَدِمُوا جَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْغَلُهُ لِيَفْتِكَ بِهِ أَرْبَدُ، فَلَمْ يَفْعَلْ أَرْبَدُ شَيْئًا، فَقَالَ عَامِرٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَرِجَالًا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي عَامِرًا» . فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ عَامِرٌ لِأَرْبَدَ: لِمَ لَمْ تَقْتُلْهُ؟ قَالَ: كُلَّمَا هَمَمْتُ بِقَتْلِهِ دَخَلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى مَا أَرَى غَيْرَكَ، أَفَأَضْرِبُكَ بِالسَّيْفِ؟ وَرَجَعُوا، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ الطَّاعُونَ فَقَتَلَهُ، وَإِنَّهُ لَفِي بَيْتِ امْرَأَةٍ سَلُولِيَّةٍ، فَمَاتَ وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا بَنِي عَامِرٍ، أَغُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ، وَمَوْتٌ فِي بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ! وَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَى أَرْبَدَ صَاعِقَةً فَأَحْرَقَتْهُ، وَكَانَ أَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ أَخَا لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ لِأُمِّهِ.
ذكر إرسال علي إلى اليمن وإسلام همدان
وَفِيهَا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفْدُ طَيِّئٍ فِيهِمْ زِيدُ الْخَيْلِ، وَهُوَ سَيِّدُهُمْ، فَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا ذُكِرَ لِي رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ بِفَضْلٍ ثُمَّ جَاءَنِي إِلَّا رَأَيْتُهُ دُونَ مَا يُقَالُ فِيهِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ زَيْدِ الْخَيْلِ. ثُمَّ سَمَّاهُ زَيْدُ الْخَيْرِ» ، وَأَقْطَعَ لَهُ فَيْدَ وَأَرَضِينَ مَعَهَا. فَلَمَّا رَجَعَ أَصَابَتْهُ الْحُمَّى بِقَرْيَةٍ مِنْ نَجْدٍ، فَمَاتَ بِهَا. وَفِيهَا كَتَبَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْكُرُ أَنَّهُ شَرِيكُهُ فِي النُّبُوَّةِ، وَأَرْسَلَ الْكِتَابَ مَعَ رَسُولَيْنِ، فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ فَصَدَّقَاهُ. فَقَالَ لَهُمَا: لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمَا. وَكَانَ كِتَابُ مُسَيْلِمَةَ: مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ مَعَكَ فِي الْأَمْرِ، وَإِنَّ لَنَا نِصْفَ الْأَرْضِ وَلِقُرَيْشٍ نِصْفَهَا، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، أَمَّا بَعْدُ، فَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، فَإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» . وَقِيلَ: إِنِّ دَعْوَى مُسَيْلِمَةَ وَغَيْرِهِ النُّبُوَّةَ كَانَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَمَرْضَتِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا. فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ بِمَرَضِهِ وَثَبَ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ بِالْيَمَنِ، وَمُسَيْلِمَةُ بِالْيَمَامَةِ، وَطُلَيْحَةُ فِي بَنِي أَسَدٍ. [ذِكْرُ إِرْسَالِ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ وَإِسْلَامِ هَمْدَانَ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا إِلَى الْيَمَنِ، وَقَدْ كَانَ أَرْسَلَ قَبْلَهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَأَرْسَلَ عَلِيًّا وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْقِلَ خَالِدًا وَمَنْ شَاءَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَفَعَلَ، وَقَرَأَ عَلِيٌّ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، فَأَسْلَمَتْ هَمْدَانُ كُلُّهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَى هَمْدَانَ، يَقُولُهُ ثَلَاثًا» . ثُمَّ تَتَابَعَ أَهْلُ الْيَمَنِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ - تَعَالَى -.
ذكر بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمراءه على الصدقات
[ذِكْرُ بَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَرَاءَهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ] وَفِيهَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَرَاءَهُ وَعُمَّالَهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ، فَبَعَثَ الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ إِلَى صَنْعَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْعَنْسِيُّ وَهُوَ بِهَا، وَبَعَثَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ إِلَى حَضْرَمَوْتَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ، وَبَعَثَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ الطَّائِيَّ عَلَى صَدَقَاتِ طَيِّئٍ وَأَسَدٍ، وَبَعَثَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي حَنْظَلَةَ، وَجَعَلَ الزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ وَقَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ عَلَى صَدَقَاتِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَبَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، وَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَى نَجْرَانَ، لِيَجْمَعَ صَدَقَاتِهِمْ وَجِزْيَتَهُمْ وَيَعُودَ، فَفَعَلَ وَعَادَ، وَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْجَيْشِ الَّذِي مَعَهُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَسَبَقَهُمْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَقِيَهُ بِمَكَّةَ، فَعَقَدَ الرَّجُلُ إِلَى الْجَيْشِ، فَكَسَاهُمْ، كُلَّ رَجُلٍ حُلَّةً مِنَ الْبَزِّ الَّذِي مَعَ عَلِيٍّ، فَلَمَّا دَنَا الْجَيْشُ خَرَجَ عَلِيٌّ لِيَتَلَقَّاهُمْ، فَرَأَى عَلَيْهِمُ الْحُلَلَ، فَنَزَعَهَا عَنْهُمْ، فَشَكَاهُ الْجَيْشُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطِيبًا فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَشْكُوا عَلِيًّا، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَخْشَنُ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
ذكر حجة الوداع
[ذِكْرُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ] خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْحَجِّ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، لَا يُذَكِّرُ النَّاسَ إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا كَانَ بِسَرِفَ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُحِلُّوا بِعُمْرَةٍ إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ سَاقَ الْهَدْيَ وَنَاسٌ مَعَهُ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَدْ لَقِيَهُ مُحْرِمًا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حِلَّ كَمَا حَلَّ أَصْحَابُكَ. فَقَالَ: إِنِّي قَدْ أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ. فَبَقِيَ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْهَدْيَ عَنْهُ وَعَنْ عَلِيٍّ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ فَأَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، وَعَلَّمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا لِلنَّاسِ مَا بَيَّنَ، وَكَانَ الَّذِي يُبَلِّغُ عَنْهُ بِعَرَفَةَ رَبِيعَةُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، لِكَثْرَةِ النَّاسِ، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ: «أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي، فَلَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا. أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكُلُّ رِبًا مَوْضُوعٌ، لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، وَإِنَّ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَكُلُّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلُ. أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ يُطَاعُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، وَقَدْ رَضِيَ بِمَا تُحَقِّرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ. أَيُّهَا النَّاسُ، {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37] ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَ {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} [التوبة: 36] . أَيُّهَا النَّاسُ، اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ
خَيْرًا» . وَهِيَ خُطْبَةٌ طَوِيلَةٌ. وَقَالَ حِينَ وَقَفَ بِعَرَفَةَ: «هَذَا الْمَوْقِفُ - لِلْجَبَلِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ - وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ» . وَقَالَ بِالْمُزْدَلِفَةِ: «هَذَا الْمَوْقِفُ، وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ» . وَلَمَّا نَحَرَ بِمِنَى قَالَ: «هَذَا الْمَنْحَرُ، وَكُلُّ مِنَى مَنْحَرٌ» . فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَجَّ، وَكَانَتْ حَجَّةُ الْوَدَاعِ وَحَجَّةُ الْبَلَاغِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحُجَّ بَعْدَهَا، وَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَعَلَّمَهُمْ حَجَّهُمْ. ذِكْرُ عَدَدِ غَزَوَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَرَايَاهُ وَكَانَ آخِرَ غَزْوَةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَفْسِهِ - غَزْوَةُ تَبُوكَ، وَجَمِيعُ غَزَوَاتِهِ بِنَفْسِهِ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: هَكَذَا يَرْوِيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ زَيْدًا غَزَا مُؤْتَةَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَهُوَ رَدِيفُهُ عَلَى رَحْلِهِ، وَلَمْ يَغْزُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَ ثَلَاثِ غَزَوَاتٍ أَوْ أَرْبَعٍ، وَقِيلَ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِتًّا وَعِشْرِينَ غَزْوَةً، وَقِيلَ: سَبْعًا وَعِشْرِينَ، فَمَنْ قَالَ سِتًّا وَعِشْرِينَ جَعَلَ غَزْوَةَ خَيْبَرَ وَوَادِيَ الْقُرَى وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا جَعَلَ غَزَوَاتِهِ سَبْعًا وَعِشْرِينَ، وَجَعَلَ خَيْبَرَ غَزْوَةً، وَوَادِيَ الْقُرَى غَزْوَةً. وَأَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا وَدَّانُ، وَهِيَ الْأَبْوَاءُ، ثُمَّ بُوَاطُ بِنَاحِيَةِ رَضْوَى، ثُمَّ الْعَشِيرَةُ، ثُمَّ بَدْرٌ الْأُولَى لِطَلَبِ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ، ثُمَّ بَدْرٌ الَّتِي قَتَلَ فِيهَا قُرَيْشًا، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ السَّوِيقِ، ثُمَّ غَزْوَةُ غَطَفَانَ، وَهِيَ غَزْوَةُ ذِي أَمَرٍّ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَحْرَانَ بِالْحِجَازِ، ثُمَّ غَزْوَةُ أُحُدٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ حَمْرَاءِ الْأَسَدِ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ، ثُمَّ غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْآخِرَةِ، ثُمَّ غَزْوَةُ دُومَةِ الْجَنْدَلِ، ثُمَّ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي لَحْيَانَ مِنْ هُذَيْلٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ ذِي قَرَدٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، ثُمَّ غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ غَزْوَةُ خَيْبَرَ، ثُمَّ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ، ثُمَّ غَزْوَةُ فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ غَزْوَةُ حُنَيْنٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ الطَّائِفِ، ثُمَّ
غَزْوَةُ تَبُوكَ، قَاتَلَ مِنْهَا فِي تِسْعِ غَزَوَاتٍ: بَدْرٍ، وَأُحُدٍ، وَالْخَنْدَقِ، وَقُرَيْظَةَ، وَالْمُصْطَلِقِ، وَخَيْبَرَ، وَالْفَتْحِ، وَحُنَيْنٍ، وَالطَّائِفِ. وَاخْتُلِفَ فِي عَدَدِ سَرَايَاهُ، فَقِيلَ: كَانَتْ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ مَا بَيْنَ سَرِيَّةٍ وَبَعْثٍ، وَقِيلَ: ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ فِي رَمَضَانَ مُسْلِمًا، فَبَعَثَهُ إِلَى ذِي الْخَلَصَةِ فَهَدَمَهَا، وَكَانَ مِنْ حَجَرٍ أَبْيَضَ بِتَبَالَةَ، وَهُوَ صَنَمُ بَجِيلَةَ وَخَثْعَمَ وَأَزْدِ السَّرَاةِ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَبَرُ هَدْمِهِ سَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ - تَعَالَى -. وَفِيهَا أَسْلَمَ بَاذَانُ بِالْيَمَنِ، وَبَعَثَ بِإِسْلَامِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ذِكْرُ عَدَدِ حَجَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعُمَرِهِ «قَالَ جَابِرٌ: حَجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّتَيْنِ، حَجَّةً قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وَحَجَّةً بَعْدَ مَا هَاجَرَ، مَعَهَا عُمْرَةٌ» . «وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ عُمَرٍ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَرْبَعَ عُمَرٍ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ» . ذِكْرُ صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَسْمَائِهِ وَخَاتَمِ النُّبُوَّةِ «قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، ضَخْمَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ، مُشْرَبًا وَجْهُهُ حُمْرَةً، طَوِيلَ الْمَسْرُبَةِ، إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَكَانَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ، سَبْطَ الشَّعْرِ، سَهْلَ الْخَدَّيْنِ، ذَا وَفْرَةٍ، كَأَنَّ عُنُقَهُ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا، كَأَنَّ الْعَرَقَ فِي وَجْهِهِ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ لِطِيبِ عَرَقِهِ وَرِيحِهِ» . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، يَعْنِي أَنَّهُمَا إِلَى الْغِلَظِ أَقْرَبُ، وَقَوْلُهُ: ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ، يَعْنِي أَلْوَاحَ الْأَكْتَافِ، وَالْمَسْرُبَةُ: الشَّعْرُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَاللَّبَّةِ،
وَالصَّبَبُ: الِانْحِدَارُ، وَالدَّعَجُ فِي الْعَيْنِ السَّوَادُ، وَالسَّبْطُ مِنَ الشَّعْرِ ضِدُّ الْجَعْدِ. وَكَانَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ بَضْعَةٌ نَاشِزَةٌ حَوْلَهَا شَعْرٌ. وَأَمَّا أَسْمَاؤُهُ فَهِيَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَالْمُقَفَّى، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ، وَالْعَاقِبُ، وَالْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ. وَالْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِهِ. وَالْعَاقِبُ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ» . وَأَمَّا شَعْرُهُ وَشَيْبُهُ فَقَالَ أَنَسٌ: لَمْ يَشِنْهُ اللَّهُ بِالشَّيْبِ، وَقِيلَ: كَانَ فِي مُقَدَّمِ لِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ، وَلَمْ يَخْضِبْ. قَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: وَكَانَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ، إِذَا دَهَنَهُ غَطَّاهُنَّ الدُّهْنُ، وَأَخْرَجَتْ أُمُّ سَلَمَةَ شَعْرَهُ مَخْضُوبًا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ. وَقَالَ أَبُو رِمْثَةَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْضِبُ، وَكَانَ شَعْرُهُ يَبْلُغُ كَتِفَيْهِ أَوْ مَنْكِبَيْهِ» . وَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: كَانَ لَهُ ضَفَائِرُ أَرْبَعُ. ذِكْرُ شَجَاعَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجُودِهِ قَالَ أَنَسٌ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَسْمَحَ النَّاسِ، وَأَحْسَنَ النَّاسِ،
وَقَعَ فِي الْمَدِينَةِ فَزَعٌ، فَرَكِبَ فَرَسًا عُرْيًا، فَسَبَقَ النَّاسَ إِلَيْهِ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا» . «وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: كُنَّا إِذَا اشْتَدَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ أَقْرَبَنَا إِلَى الْعَدُوِّ» . وَكَفَى بِهَذَا شَجَاعَةً أَنَّ مِثْلَ عَلِيٍّ الَّذِي هُوَ هُوَ فِي شَجَاعَتِهِ يَقُولُ هَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزَوَاتِهِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَمَكُّنِهِ مِنَ الشَّجَاعَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُقَارِبْهُ فِيهَا أَحَدٌ. ذِكْرُ عَدَدِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَرَارِيِّهِ وَأَوْلَادِهِ قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَدَخَلَ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَجَمَعَ بَيْنَ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَتُوُفِّيَ عَنْ تِسْعٍ. وَأَوَّلُ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَكَانَ تَزَوَّجَهَا قَبْلَهُ عَتِيقُ بْنُ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَخْزُومٍ، وَمَاتَ عَنْهَا، وَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ عَتِيقٍ أَبُو هَالَةَ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ نَبَّاشٍ التَّمِيمِيُّ، فَوَلَدَتْ لَهُ هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ، ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا، فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَلَدَتْ لَهُ ثَمَانِيَةً: الْقَاسِمُ، وَالطَّيِّبُ، وَالطَّاهِرُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَزَيْنَبُ، وَرُقَيَّةُ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ، وَفَاطِمَةُ، فَأَمَّا الذُّكُورُ فَمَاتُوا وَهُمْ صِغَارٌ، وَأَمَّا الْإِنَاثُ فَبَلَغْنَ وَنَكَحْنَ وَوَلَدْنَ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَى خَدِيجَةَ فِي حَيَاتِهَا أَحَدًا، وَكَانَ مَوْتُهَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَلَمْ يُولَدْ لَهُ وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهَا إِلَّا إِبْرَاهِيمُ. فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ نَكَحَ بَعْدَهَا سَوْدَةَ بِنْتَ زَمَعَةَ، وَقِيلَ: عَائِشَةُ، فَأَمَّا عَائِشَةُ فَكَانَتْ يَوْمَ تَزَوَّجَهَا صَغِيرَةً بِنْتَ سِتِّ سِنِينَ، وَأَمَّا سَوْدَةُ فَكَانَتِ امْرَأَةً ثَيِّبًا، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ
السَّكْرَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ أَخِي سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ، فَتَنَصَّرَ بِهَا وَمَاتَ، فَخَلَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ الَّذِي خَطَبَهَا عَلَيْهِ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ زَوْجَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، فَدَخَلَ بِسَوْدَةَ بِمَكَّةَ، زَوَّجَهَا مِنْهُ أَبُوهَا زَمَعَةُ بْنُ قَيْسٍ، فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا كَانَ أَخُوهَا عَبْدُ بْنُ زَمَعَةَ غَائِبًا، فَلَمَّا قَدِمَ جَعَلَ يَحْثِي التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، فَلَمَّا أَسْلَمَ قَالَ: إِنِّي سَفِيهٌ حَيْثُ فَعَلْتُ ذَلِكَ، وَنَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ. وَأَمَّا عَائِشَةُ فَدَخَلَ بِهَا بِالْمَدِينَةِ وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعِ سِنِينَ، وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ ابْنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا، وَمَاتَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ. ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ (خُنَيْسٌ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَالنُّونِ، وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ) وَكَانَ بَدْرِيًّا، وَلَمْ يَشْهَدْ مِنْ بَنِي سَهْمٍ بَدْرًا غَيْرُهُ، وَلَمْ تَلِدْ لَهُ شَيْئًا، وَمَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ. ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا أُمَّ سَلَمَةَ ابْنَةَ أَبِي أُمَيَّةَ زَادَ الرَّكْبِ الْمَخْزُومِيَّةَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيِّ، شَهِدَ بَدْرًا، وَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَمَاتَ مِنْهَا، وَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ الْأَحْزَابِ، وَمَاتَتْ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: بَعْدَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. ثُمَّ تَزَوَّجَ زَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَيُقَالُ لَهَا: أُمُّ الْمَسَاكِينِ، وَتُوُفِّيَتْ فِي حَيَاتِهِ، وَلَمْ يَمُتْ فِي حَيَاتِهِ غَيْرُهَا، وَغَيْرُ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ قَبْلَهُ عِنْدَ الطُّفَيْلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. ثُمَّ تَزَوَّجَ عَامَ الْمُرَيْسِيعِ جُوَيْرِيَةَ ابْنَةَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ الْخُزَاعِيَّةَ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ مَالِكِ بْنِ صَفْوَانَ الْمُصْطَلِقِيِّ، لَمْ تَلِدْ لَهُ شَيْئًا. ثُمَّ تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَكَانَتْ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَكَانَ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ فَتَنَصَّرَ وَمَاتَ بِهَا، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى النَّجَاشِيِّ فَخَطَبَهَا عَلَيْهِ، وَتَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِالْحَبَشَةِ، وَزَوَّجَهَا مِنْهُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَقِيلَ: بَلْ خَطَبَهَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَزَوَّجَهَا مِنْهُ، وَبَعَثَ فِيهَا إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَسَاقَ مِنْهُ الْمَهْرَ أَرْبَعَمِائَةِ
دِينَارٍ وَأَرْسَلَهَا إِلَيْهِ، وَتُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ أَخِيهَا مُعَاوِيَةَ، فَلَمْ تَلِدْ لَهُ شَيْئًا. ثُمَّ تَزَوَّجَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ، فَلَمْ تَلِدْ لَهُ شَيْئًا، فَزَوَّجَهَا اللَّهُ إِيَّاهُ وَبَعَثَ فِي ذَلِكَ جِبْرَائِيلَ، وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَقُولُ: أَنَا أَكْرَمُهُنَّ وَلِيًّا وَسَفِيرًا، وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ أَزْوَاجِهِ، تُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ. ثُمَّ تَزَوَّجَ عَامَ خَيْبَرَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ سَلَّامِ بْنِ مِشْكَمٍ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا، وَخَلَفَ عَلَيْهَا كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، فَقَتَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ صَبْرًا بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَعْتَقَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَزَوَّجَهَا سَنَةَ سِتٍّ، وَمَاتَتْ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. ثُمَّ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ ابْنَةَ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عُمَيْرِ بْنِ عُمَرَ الثَّقَفِيِّ، وَلَمْ تَلِدْ لَهُ شَيْئًا، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا أَبُو زُهَيْرِ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى بَعْدَ عُمَيْرٍ، ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهُ، وَهِيَ خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَتَزَوَّجَهَا فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ بِسَرِفَ. ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي كِلَابٍ يُقَالُ لَهَا النَّشَا بِنْتُ رِفَاعَةَ، وَقِيلَ: هِيَ شَنَبَا ابْنَةُ أَسْمَاءِ بْنِ الصَّلْتِ، وَقِيلَ: ابْنَةُ الصَّلْتِ بْنِ حَبِيبٍ، وَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا. ثُمَّ تَزَوَّجَ الشَّنَبَا ابْنَةَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّةَ، وَقِيلَ الْكِنَانِيَّةُ، فَمَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَقَالَتْ: لَوْ كَانَ نَبِيًّا مَا مَاتَ ابْنُهُ، فَطَلَّقَهَا. ثُمَّ تَزَوَّجَ غَزِيَّةَ ابْنَةَ جَابِرٍ الْكِلَابِيَّةَ، خَطَبَهَا عَلَيْهِ أَبُو أُسَيْدٍ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ - السَّاعِدِيُّ، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعَاذَتْ بِاللَّهِ مِنْهُ، فَفَارَقَهَا. ثُمَّ تَزَوَّجَ أَسْمَاءَ ابْنَةَ النُّعْمَانِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ شَرَاحِيلَ الْكِنْدِيِّ، فَلَمَّا دَخَلَ بِهَا وَجَدَ
بِهَا بَيَاضًا، فَمَتَّعَهَا وَرَدَّهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَقِيلَ: بَلِ اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ أَيْضًا، فَرَدَّهَا. وَالْعَالِيَةَ ابْنَةَ ظَبْيَانَ، فَجَمَعَهَا، ثُمَّ فَارَقَهَا. وَقُتَيْلَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أُخْتَ الْأَشْعَثِ، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَارْتَدَّتْ. وَفَاطِمَةَ ابْنَةَ شُرَيْحٍ. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: غَزِيَّةُ هِيَ أُمُّ شَرِيكٍ. قَالَ: وَقِيلَ: إِنَّهُ تَزَوَّجَ خَوْلَةَ ابْنَةَ الْهُذَيْلِ بْنِ هُبَيْرَةَ. وَلَيْلَى ابْنَةَ الْخُطَيْمِ الْأَنْصَارِيَّةَ عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ فَتَزَوَّجَهَا، فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا، فَقَالُوا: أَنْتَ غَيُورٌ وَلَهُ نِسَاءٌ، فَاسْتَقِيلِيهِ، فَأَقَالَتْهُ، فَفَارَقَهَا. وَأَمَّا مَنْ خَطَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ النِّسَاءِ وَلَمْ يَنْكِحْهَا، فَمِنْهُنَّ أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، خَطَبَهَا وَلَمْ يَتَزَوَّجْهَا. وَمِنْهُنَّ ضُبَاعَةُ بِنْتُ عَامِرٍ مِنْ بَنِي قُشَيْرٍ. وَمِنْهُنَّ صَفِيَّةُ بِنْتُ بَشَّامَةَ أُخْتُ الْأَعْوَرِ الْعَنْبَرِيِّ. وَمِنْهُنَّ أُمُّ حَبِيبَةَ ابْنَةُ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ، فَوَجَدَ الْعَبَّاسَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَتَرَكَهَا. وَمِنْهُنَّ جَمْرَةُ ابْنَةُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ، خَطَبَهَا، فَقَالَ أَبُوهَا: بِهَا سُوءٌ، وَلَمْ يَكُنْ
بِهَا، فَرَجَعَ إِلَيْهَا فَوَجَدَهَا قَدْ بَرِصَتْ. وَأَمَّا سَرَارِيُّهِ، فَهِيَ مَارِيَةُ ابْنَةُ شَمْعُونَ الْقِبْطِيَّةُ، وَوَلَدَتْ لَهُ إِبْرَاهِيمَ. وَرَيْحَانَةُ ابْنَةُ زَيْدٍ الْقُرَظِيَّةُ، وَقِيلَ: هِيَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ. ذِكْرُ مَوَالِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَابْنُهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَثَوْبَانُ، وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَصْلُهُ مِنَ السَّرَاةِ، وَسَكَنَ حِمْصَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: سَكَنَ الرَّمْلَةَ، وَلَا عَقِبَ لَهُ. وَشُقْرَانُ، وَكَانَ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَقِيلَ مِنَ الْفُرْسِ، وَاسْمُهُ صَالِحُ بْنُ عَدِيٍّ، وَاخْتُلِفَ فِي أَمْرِهِ، فَقِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ، وَقِيلَ: كَانَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَوَهَبَهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْقَبَ. وَأَبُو رَافِعٍ، وَاسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ، وَقِيلَ: أُوَيْقِعُ، فَقِيلَ: كَانَ لِلْعَبَّاسِ فَوَهَبَهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ: كَانَ لِأَبِي أُحَيْحَةَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَأَعْتَقَ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِيهِ أَنْصِبَاءَهُمْ مِنْهُ، وَشَهِدَ مَعَهُمْ بَدْرًا وَهُمْ كُفَّارٌ، وَقُتِلُوا يَوْمَئِذٍ، وَوَهَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ نَصِيبَهُ مِنْهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْتَقَهُ وَابْنَهُ الْبَهِيَّ، وَاسْمُهُ رَافِعٌ، وَأَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، كَانَ يَكْتُبُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، وَقِيلَ: مِنْ أَهْلِ رَامَهُرْمُزَ، أَصَابَهُ سَبْيًا بَعْضٌ مِنْ كَلْبٍ، وَبِيعَ مِنْ يَهُودِيٍّ بِوَادِي الْقُرَى، فَكَاتَبَ الْيَهُودِيَّ، وَأَعَانَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى عُتِقَ. وَسَفِينَةُ، كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ، فَأَعْتَقَتْهُ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ خِدْمَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيَاتَهُ. قِيلَ: اسْمُهُ مِهْرَانُ، وَقِيلَ: رَبَاحٌ، وَقِيلَ: كَانَ مِنْ عَجَمِ الْفُرْسِ.
وَأَنَسَةُ يُكَنَّى أَبَا مَسْرُوحٍ، وَهُوَ مِنْ مُوَلَّدِي السَّرَاةِ، وَكَانَ يَأْذَنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَهِدَ مَعَهُ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَقِيلَ: كَانَ مِنَ الْفُرْسِ. وَأَبُو كَبْشَةَ، وَاسْمُهُ سُلَيْمٌ، قِيلَ: كَانَ مِنْ مَوَالِي مَكَّةَ، وَقِيلَ: كَانَ مِنْ مُوَلَّدِي أَرْضِ دَوْسٍ، اشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْتَقَهُ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. وَرُوَيْقِعُ أَبُو مُوَيْهِبَةَ، كَانَ مِنْ مُوَلَّدِي مُزَيْنَةَ، فَاشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْتَقَهُ. وَرَبَاحٌ الْأَسْوَدُ، كَانَ يَأْذَنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَفَضَالَةُ نَزَلَ الشَّامَ. وَمِدْعَمُ قُتِلَ بِوَادِي الْقُرَى. وَأَبُو ضُمَيْرَةَ، قِيلَ: كَانَ مِنَ الْفُرْسِ مِنْ وَلَدِ بَشْتَاسَبِ الْمَلِكِ، فَأَصَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ وَقَائِعِهِ فَأَعْتَقَهُ، وَهُوَ جَدُّ أَبِي حُسَيْنٍ. وَيَسَارٌ - وَكَانَ نُوبِيًّا - أَصَابَهُ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فَأَعْتَقَهُ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ الْعُرَنِيُّونَ الَّذِينَ أَغَارُوا عَلَى لِقَاحِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمِهْرَانُ مَوْلَاهُ، حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَكَانَ لَهُ خَصِيٌّ يُقَالُ لَهُ: مَابُوزُ، أَهْدَاهُ لَهُ الْمُقَوْقِسُ مَعَ مَارِيَةَ وَشِيرِينَ، قِيلَ: إِنَّهُ الَّذِي قُذِفَتْ مَارِيَةُ بِهِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا لِيَقْتُلَهُ، فَرَآهُ خَصِيًّا فَتَرَكَهُ. وَخَرَجَ إِلَيْهِ
مِنَ الطَّائِفِ وَهُوَ مُحَاصِرُهُمْ، أَرْبَعَةُ أَعْبُدٍ فَأَعْتَقَهُمْ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرَةَ. ذِكْرُ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذُكِرَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَكْتُبُ لَهُ أَحْيَانًا، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَحْيَانًا، وَخَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ، وَالْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ. وَأَوَّلُ مَنْ كَتَبَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَكَتَبَ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَتَبَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَرَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَكَتَبَ لَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَحَنْظَلَةُ الْأُسَيِّدِيُّ (بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، كَذَلِكَ يَقُولُهُ الْمُحَدِّثُونَ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى أُسَيِّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، بِالتَّشْدِيدِ، إِجْمَاعًا. ذِكْرُ أَسْمَاءِ خَيْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ: أَوَّلُ فَرَسٍ مَلَكَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَسٌ اشْتَرَاهُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ أَعْرَابِيٍّ مِنْ فَزَارَةَ بِعَشْرِ أَوَاقٍ، وَسَمَّاهُ السَّكْبَ، وَأَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا عَلَيْهِ أُحُدٌ. وَفَرَسٌ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ اسْمُهُ مُلَاوِحٌ. وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ يُدْعَى الْمُرْتَجِزُ، وَهُوَ الْفَرَسُ الَّذِي شَهِدَ بِهِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَانَ صَاحِبُهُ مِنْ بَنِي مُرَّةَ. وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَفْرَاسٍ: لِزَازُ، وَالظَّرِبُ، وَاللَّحِيفُ؛ فَأَمَّا لِزَازٌ فَأَهْدَاهُ لَهُ الْمُقَوْقِسُ، وَأَمَّا اللَّحِيفُ فَأَهْدَاهُ لَهُ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي الْبَرَاءِ، وَأَمَّا الظَّرِبُ فَأَهْدَاهُ لَهُ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو الْجُذَامِيُّ.
وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ: الْوَرْدُ، أَهْدَاهُ لَهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ، فَوَهَبَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ. وَقِيلَ: كَانَ لَهُ فَرَسٌ اسْمُهُ الْيَعْسُوبُ. تَفْسِيرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ: السَّكْبُ: الْكَثِيرُ الْجَرْيِ، كَأَنَّمَا يُصَبُّ جَرْيُهُ صَبًّا. وَاللَّحِيفُ: سُمِّيَ بِهِ لِطُولِ ذَنَبِهِ، كَأَنَّهُ يُلْحِفُ الْأَرْضَ بِذَنَبِهِ، أَيْ يُغَطِّيهَا. وَلِزَازٌ: سُمِّيَ بِهِ لِشِدَّةِ تَلَزُّزِهِ، وَالظَّرِبُ: سُمِّيَ بِهِ لِشِدَّةِ خَلْقِهِ، سُمِّي بِالْجَبَلِ الصَّغِيرِ. وَالْمُرْتَجِزُ: سُمِّيَ بِهِ لِحُسْنِ صَهِيلِهِ. وَالْيَعْسُوبُ: سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ أَجْوَدُ خَيْلِهِ، لِأَنَّ الْيَعْسُوبَ الرَّئِيسُ. ذِكْرُ بِغَالِهِ وَحَمِيرِهِ وَإِبِلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ لَهُ دُلْدُلُ، وَهِيَ أَوَّلُ بَغْلَةٍ رُؤِيَتْ فِي الْإِسْلَامِ، أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ وَمَعَهَا حِمَارٌ اسْمُهُ عُفَيْرٌ، وَبَقِيَتِ الْبَغْلَةُ إِلَى زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، وَأَهْدَى لَهُ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو بَغْلَةً يُقَالُ لَهَا: فِضَّةُ، فَوَهَبَهَا لِأَبِي بَكْرٍ، وَحِمَارُهُ يَعْفُورُ بَقِيَ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَأَمَّا إِبِلُهُ فَكَانَتْ لَهُ الْقَصْوَى، وَهِيَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَهَاجَرَ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ مِنْ نَعَمِ بَنِي الْحُرَيْشِ، وَبَقِيَتْ مُدَّةً، وَهِيَ الْعَضْبَاءُ وَالْجَدْعَاءُ أَيْضًا. قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ فِي أَطْرَافِ أُذُنِهَا جَدْعٌ، وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ بِهَا جَدْعٌ. وَأَمَّا لِقَاحُهُ فَكَانَ لَهُ عِشْرُونَ لِقْحَةً بِالْغَابَةِ، وَهِيَ الَّتِي أَغَارَ عَلَيْهَا الْقَوْمُ، يَأْتِي لَبَنُهَا أَهْلَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ. وَكَانَ لَهُ لِقَاحٌ غِزَارٌ، مِنْهُنَّ: الْحِنَّاءُ، وَالسَّمْرَاءُ، وَالْعَرِيسُ، وَالسَّعْدِيَّةُ، وَالْبَغُومُ، وَالْيَسِيرَةُ، وَالرَّيَّا، وَمُهْرَةُ، وَالشَّقْرَاءُ.
وَأَمَّا مَنَائِحُهُ فَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مَنَائِحَ مِنَ الْغَنَمِ: عَجْوَةُ، وَزَمْزَمُ، وَسُقْيَا، وَبَرَكَةُ، وَوَرَسَةُ، وَأَطْلَالُ، وَأَطْرَافُ، وَسَبْعُ أَعْنُزٍ يَرْعَاهُنَّ أَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ. تَفْسِيرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ: عُفَيْرٌ: تَصْغِيرُ تَرْخِيمِ الْأَعْفَرِ، وَهُوَ الْأَبْيَضُ بَيَاضًا غَيْرَ خَالِصٍ، وَمِنْهُ أَيْضًا اسْمُ حِمَارِهِ يَعْفُورُ، كَأَخْضَرَ وَيَخْضُورَ. الْبَغَامُ: صَوْتُ الْإِبِلِ، وَمِنْهُ الْبَغُومُ. وَالْبَاقِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ. ذِكْرُ أَسْمَاءِ سِلَاحِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَهُ ذُو الْفَقَارِ، غَنِمَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ لِمُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَقِيلَ لِغَيْرِهِ، وَغَنِمَ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ ثَلَاثَةَ أَسْيَافٍ: سَيْفًا قَلَعِيًّا، وَسَيْفًا يُدْعَى بَتَّارًا، وَسَيْفًا يُدْعَى الْحَتْفَ. وَكَانَ لَهُ الْمِخْذَمُ، وَرَسُوبُ، وَقَدِمَ مَعَهُ الْمَدِينَةَ سَيْفَانِ، شَهِدَ بِأَحَدِهِمَا بَدْرًا، يُسَمَّى الْعَضْبُ. وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْمَاحٍ، وَثَلَاثُ قِسِيٍّ، قَوْسٌ اسْمُهَا الرَّوْحَاءُ، وَقَوْسٌ تُدْعَى الْبَيْضَاءَ، وَقَوْسٌ نَبْعٌ تُدْعَى الصَّفْرَاءَ. وَكَانَ لَهُ دِرْعٌ يُقَالُ لَهَا: الصُّعْدِيَّةُ، وَكَانَ لَهُ دِرْعٌ يُقَالُ لَهَا: فِضَّةُ، غَنِمَهَا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَانَ لَهُ دِرْعٌ تُسَمَّى ذَاتَ الْفُضُولِ، كَانَتْ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ، هِيَ وَفِضَّةُ.
وَكَانَ لَهُ تُرْسٌ فِيهِ تِمْثَالُ رَأْسِ كَبْشٍ، فَكَرِهَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَصْبَحَ وَقَدْ أَذْهَبَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -. تَفْسِيرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ: سُمِّيَ السَّيْفُ ذُو الْفَقَارِ لِحُفَرٍ فِيهِ، وَالسَّيْفُ الْمِخْذَمُ: الْقَاطِعُ. وَالرَّسُوبُ: الَّذِي يَمْضِي فِي الضَّرْبَةِ، وَيَثْبُتُ فِيهَا.
ذكر أحداث سنة إحدى عشرة
[ذِكْرُ أَحْدَاثِ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ] [ذِكْرُ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَفَاتِهِ] 11 - ذِكْرُ أَحْدَاثِ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ «ضَرَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْثًا إِلَى الشَّامِ، وَأَمِيرُهُمْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ مَوْلَاهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُوطِئَ الْخَيْلَ تُخُومَ الْبَلْقَاءِ وَالدَّارُومِ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، فَتَكَلَّمَ الْمُنَافِقُونَ فِي إِمَارَتِهِ، وَقَالُوا: أَمَّرَ غُلَامًا عَلَى جِلَّةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّهُ لَخَلِيقٌ لِلْإِمَارَةِ، وَكَانَ أَبُوهُ خَلِيقًا لَهَا. وَأَوْعَبَ مَعَ أُسَامَةَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ، مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» ، فَبَيْنَمَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ ابْتُدِئَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَضُهُ. ذِكْرُ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَفَاتِهِ ابْتُدِئَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَضُهُ أَوَاخِرَ صَفَرٍ، فِي بَيْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ حَتَّى اشْتَدَّ مَرَضُهُ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَجَمَعَ نِسَاءَهُ، فَأَسْتَأْذَنَهُنَّ أَنْ يَتَمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، وَوَصَلَتْ أَخْبَارٌ بِظُهُورِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ بِالْيَمَنِ، وَمُسَيْلِمَةَ بِالْيَمَامَةِ، وَطُلَيْحَةَ فِي بَنِي أَسَدٍ، وَعَسْكَرَ بِسُمَيْرَاءَ، وَسَيَجِيءُ ذِكْرُ أَخْبَارِهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. فَتَأَخَّرَ مَسِيرُ أُسَامَةَ لِمَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِخَبَرِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ وَمُسَيْلِمَةَ، «فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَاصِبًا رَأْسَهُ مِنَ الصُّدَاعِ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ أَنَّ فِي عَضُدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا بِكَذَّابِ الْيَمَامَةِ وَكَذَّابِ صَنْعَاءَ. وَأَمَرَ بِإِنْفَاذِ جَيْشِ أُسَامَةَ وَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» .
وَخَرَجَ أُسَامَةُ فَضَرَبَ الْجُرُفَ الْعَسْكَرُ وَتَمَهَّلَ النَّاسُ، وَثُقِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَشْغَلْهُ شِدَّةُ مَرَضِهِ عَنْ إِنْفَاذِ أَمْرِ اللَّهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي أَمْرِ الْأَسْوَدِ، فَأُصِيبَ الْأَسْوَدُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ وَفَاتِهِ بِيَوْمٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ يَحُثُّهُمْ عَلَى جِهَادِ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ. «وَقَالَ أَبُو مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيْقَظَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً وَقَالَ: إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ، فَانْطَلِقْ مَعِي. فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: لِيَهْنِئْكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ، قَدْ أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. ثُمَّ قَالَ: قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَالْخُلْدِ بِهَا، ثُمَّ الْجَنَّةَ، وَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي، فَاخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي. ثُمَّ اسْتَغْفَرْ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَبُدِئَ بِمَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ» . «قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا رَجَعَ مِنَ الْبَقِيعِ وَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا وَأَنَا أَقُولُ: وَارَأْسَاهُ! قَالَ: بَلْ أَنَا وَاللَّهِ يَا عَائِشَةُ وَارَأْسَاهُ! ثُمَّ قَالَ: مَا ضَرَّكِ لَوْ مُتِّ قَبْلِي، فَقُمْتُ عَلَيْكِ وَكَفَّنْتُكِ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ؟ فَقُلْتُ: كَأَنِّي بِكَ وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ، فَرَجَعْتَ إِلَى بَيْتِي فَعَرَّسْتَ بِبَعْضِ نِسَائِكَ. فَتَبَسَّمَ، وَتَتَامَّ بِهِ وَجَعُهُ، وَتَمَرَّضَ فِي بَيْتِي. فَخَرَجَ مِنْهُ يَوْمًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَالْآخَرُ عَلِيٌّ، قَالَ الْفَضْلُ: فَأَخْرَجْتُهُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ صَلَّى عَلَى أَصْحَابِ أُحُدٍ، فَأَكْثَرَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ قَدْ دَنَا مِنِّي حُقُوقُ مَنْ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، فَمَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْرًا فَهَذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضًا فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَمَنْ أَخَذْتُ لَهُ مَالًا فَهَذَا مَالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ، وَلَا يَخْشَ الشَّحْنَاءَ مِنْ قِبَلِي، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِي، أَلَا وَإِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ
مِنِّي حَقًّا إِنْ كَانَ لَهُ، أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيتُ رَبِّي وَأَنَا طَيِّبُ النَّفْسِ. ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَعَادَ لِمَقَالَتِهِ الْأُولَى. فَادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلٌ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، فَأَعْطَاهُ عِوَضًا. ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيُؤَدِّهِ، وَلَا يَقُلْ: فُضُوحُ الدُّنْيَا، أَلَا وَإِنَّ فُضُوحَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ فُضُوحِ الْآخِرَةِ. ثُمَّ صَلَّى عَلَى أَصْحَابِ أُحُدٍ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ. فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِأَنْفُسِنَا وَآبَائِنَا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَبْقَيَّنَ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَفْضَلَ فِي الصُّحْبَةِ عِنْدِي مِنْهُ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ. ثُمَّ أَوْصَى بِالْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، أَصْبَحْتُمْ تَزِيدُونَ، وَأَصْبَحَتِ الْأَنْصَارُ لَا تَزِيدُ، وَالْأَنْصَارُ عَيْبَتِي الَّتِي أَوَيْتُ إِلَيْهَا، فَأَكْرِمُوا كَرِيمَهُمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ» . «قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَعَى إِلَيْنَا نَبِيُّنَا وَحَبِيبُنَا نَفْسَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ. فَلَمَّا دَنَا الْفِرَاقُ جَمَعَنَا فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا فَشَدَّدَ، وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ: مَرْحَبًا بِكُمْ، حَيَّاكُمُ اللَّهُ، رَحِمَكُمُ اللَّهُ، آوَاكُمُ اللَّهُ، حَفِظَكُمُ اللَّهُ، رَفَعَكُمُ اللَّهُ، وَفَّقَكُمُ اللَّهُ، سَلَّمَكُمُ اللَّهُ، قَبِلَكُمُ اللَّهُ، أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأُوصِي اللَّهَ بِكُمْ، وَأَسْتَخْلِفُهُ عَلَيْكُمْ، وَأُؤَدِّيكُمْ إِلَيْهِ، إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ، أَلَّا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ لِي وَلَكُمْ: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] . قُلْنَا: فَمَتَى أَجَلُكَ؟ قَالَ: دَنَا الْفِرَاقُ، وَالْمُنْقَلَبُ إِلَى اللَّهِ، وَسِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَجَنَّةِ الْمَأْوَى. فَقُلْنَا: مَنْ يُغَسِّلُكَ؟ قَالَ: أَهْلِي. قُلْنَا: فِيمَ نُكَفِّنُكَ؟ قَالَ: فِي ثِيَابِي أَوْ فِي بَيَاضٍ. قُلْنَا: فَمَنْ يُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: مَهْلًا، غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ وَجَزَاكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ خَيْرًا.
فَبَكَيْنَا وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: ضَعُونِي عَلَى سَرِيرِي عَلَى شَفِيرِ قَبْرِي، ثُمَّ اخْرُجُوا عَنِّي سَاعَةً لِيُصَلِّيَ عَلَيَّ جِبْرَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ ادْخُلُوا عَلَيَّ فَوْجًا فَصَلُّوا عَلَيَّ، وَلَا تُؤْذُونِي بِتَزْكِيَةٍ وَلَا رَنَّةٍ، أَقْرِئُوا أَنْفُسَكُمْ مِنِّي السَّلَامَ، وَمَنْ غَابَ مِنْ أَصْحَابِي فَأَقْرِئُوهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَمَنْ تَابَعَكُمْ عَلَى دِينِي فَأَقْرِئُوهُ السَّلَامَ» . «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ! - ثُمَّ جَرَتْ دُمُوعُهُ عَلَى خَدَّيْهِ - اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَضُهُ وَوَجَعُهُ، فَقَالَ: ايتُونِي بِدَوَاةٍ وَبَيْضَاءَ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعْدِي أَبَدًا. فَتَنَازَعُوا - وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ - فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَهْجُرُ. فَجَعَلُوا يُعِيدُونَ عَلَيْهِ فَقَالَ: دَعُونِي، فَمَا أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ. فَأَوْصَى بِثَلَاثٍ: أَنْ يُخْرَجَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَنْ يُجَازَ الْوَفْدُ بِنَحْوٍ مِمَّا كَانَ يُجِيزُهُمْ. وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ عَمْدًا، أَوْ قَالَ: نَسِيتُهَا» . وَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ. فَقَالَ النَّاسُ: كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا. فَأَخَذَ بِيَدِهِ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: أَنْتَ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَبْدُ الْعَصَا، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَيَتَوَفَّى فِي مَرَضِهِ هَذَا، وَإِنِّي لَأَعْرِفُ الْمَوْتَ فِي وُجُوهِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَاذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْأَلْهُ فِيمَنْ يَكُونُ هَذَا الْأَمْرُ، فَإِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا أَمْرُهُ أَوْصَى بِنَا. فَقَالَ عَلِيٌّ: لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنَعَنَاهَا، لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ أَبَدًا، وَاللَّهِ لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَدًا. قَالَ: فَمَا اشْتَدَّ الضُّحَى حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. «قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ: مَا وَجَعُهُ إِلَّا ذَاتُ الْجَنْبِ، فَلَوْ لَدَدْتُمُوهُ، فَفَعَلُوا. فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: لِمَ فَعَلْتُمْ هَذَا؟ قَالُوا: ظَنَنَّا أَنَّ بِكَ ذَاتَ الْجَنْبِ. قَالَ: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيُسَلِّطَهَا عَلَيَّ. ثُمَّ قَالَ: لَا تُبْقُنَّ أَحَدًا لَدَدْتُمُوهُ إِلَّا عَمِّي، وَكَانَ الْعَبَّاسُ حَاضِرًا، فَفَعَلُوا» . قَالَ أُسَامَةُ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَبَطْتُ أَنَا وَمَنْ مَعِي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَقَدْ صَمَتَ فَلَا يَتَكَلَّمُ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَيَّ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يَدْعُو لِي.
«قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ كَثِيرًا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْبِضْ نَبِيًّا حَتَّى يُخَيِّرَهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا احْتُضِرَ كَانَ آخِرُ كَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْهُ وَهُوَ يَقُولُ: بَلِ الرَّفِيقُ الْأَعْلَى. قَالَتْ: قُلْتُ: إِذًا وَاللَّهِ لَا يَخْتَارُنَا، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ تُخُيِّرَ» . وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أَذَّنَهُ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُومُ مَقَامَكَ لَا يُطِيقُ ذَلِكَ. فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ. فَقُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ. فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِفَّةً فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ تَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ قُمْ مَقَامَكَ، فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ جَالِسًا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ النَّبِيِّ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ. وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ سَبْعَ عَشْرَةَ صَلَاةً، وَقِيلَ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ إِلَى النَّاسِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَكَادَ النَّاسُ يَفْتَتِنُونَ فِي صَلَاتِهِمْ؛ فَرَحًا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَحًا لِمَا رَأَى مِنْ هَيْئَتِهِمْ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ وَانْصَرَفَ النَّاسُ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَفَاقَ مِنْ وَجَعِهِ، وَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى مَنْزِلِهِ بِالسُّنْحِ.
«قَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَمُوتُ وَعِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ، يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ. قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ بَعْضُ آلِ أَبِي بَكْرٍ وَفِي يَدِهِ سِوَاكٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ نَظَرًا عَرَفْتُ أَنَّهُ يُرِيدُهُ، فَأَخَذْتُهُ فَلَيَّنْتُهُ، ثُمَّ نَاوَلْتُهُ إِيَّاهُ، فَاسْتَنَّ بِهِ ثُمَّ وَضَعَهُ، ثُمَّ ثَقُلَ فِي حِجْرِي، قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ، وَإِذَا بَصَرُهُ قَدْ شَخَصَ وَهُوَ يَقُولُ: بَلِ الرَّفِيقُ الْأَعْلَى. فَقُبِضَ» . قَالَتْ: تُوُفِّيَ وَهُوَ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، فَمِنْ سَفَهِي وَحَدَاثَةِ سِنِّي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُبِضَ فِي حِجْرِي، فَوَضَعْتُ رَأْسَهُ عَلَى وِسَادَةٍ، وَقُمْتُ أَلْتَدِمُ مَعَ النِّسَاءِ وَأَضْرِبُ وَجْهِي. «وَلَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعُهُ، وَنَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ - جَعَلَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِيَدِهِ وَيَجْعَلُهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: وَاكَرْبَاهُ! فَتَقُولُ فَاطِمَةُ: وَاكَرْبِي لِكَرْبِكَ يَا أَبَتِي! فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَلَمَّا رَأَى شِدَّةَ جَزَعِهَا اسْتَدْنَاهَا وَسَارَّهَا، فَبَكَتْ، ثُمَّ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَتْهَا عَائِشَةُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَتْ: أَخْبَرَنِي أَنَّهُ مَيِّتٌ، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ، فَضَحِكْتُ» . وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: ثُمَّ سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، وَأَخْبَرَنِي أَنِّي سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَضَحِكْتُ. وَكَانَ مَوْتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَدُفِنَ مِنَ الْغَدِ نِصْفَ النَّهَارِ، وَقِيلَ: مَاتَ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ بِمَنْزِلِهِ بِالسُّنْحِ، وَعُمَرُ حَاضِرٌ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ قَامَ عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُوُفِّيَ، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مَاتَ، وَلَكِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى رَبِّهِ كَمَا ذَهَبَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، وَاللَّهِ لَيَرْجِعَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِي
رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ مَاتَ. وَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُسَجًّى فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَبَّلَهُ، وَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكَ فَقَدْ ذُقْتَهَا. ثُمَّ رَدَّ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَأَمَرَهُ بِالسُّكُوتِ فَأَبَى، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى النَّاسِ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ كَلَامَهُ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] . قَالَ: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ مَا سَمِعُوهَا إِلَّا مِنْهُ. قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا إِذْ سَمِعْتُهَا فَعَقِرْتُ حَتَّى وَقَعْتُ عَلَى الْأَرْضِ مَا تَحْمِلُنِي رِجْلَايَ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ مَاتَ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَصَلَ خَبَرُهُ إِلَى مَكَّةَ، وَعَامِلِهِ عَلَيْهَا عَتَّابِ بْنِ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، اسْتَخْفَى عَتَّابُ وَارْتَجَّتْ مَكَّةُ، وَكَادَ أَهْلُهَا يَرْتَدُّونَ، فَقَامَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَصَاحَ بِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لَا تَكُونُوا آخِرَ مَنْ أَسْلَمَ وَأَوَّلَ مَنِ ارْتَدَّ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ كَمَا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ قَائِمًا مَقَامِي هَذَا وَحْدَهُ وَهُوَ يَقُولُ: قُولُوا مَعِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَدِنْ لَكُمُ الْعَرَبُ، وَتُؤَدِّ إِلَيْكُمُ الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ، وَاللَّهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - فَمِنْ بَيْنِ مُسْتَهْزِئٍ وَمُصَدِّقٍ، فَكَانَ مَا رَأَيْتُمْ، وَاللَّهِ لَيَكُونَنَّ الْبَاقِي. فَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنَ الرِّدَّةِ. وَهَذَا الْمَقَامُ الَّذِي قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي بَدْرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَقَدْ ذُكِرَ هُنَاكَ.
حديث السقيفة وخلافة أبي بكر - رضي الله عنه وأرضاه
[حَدِيثُ السَّقِيفَةِ وَخِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ] لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْتَمَعَ الْأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ لِيُبَايِعُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، فَأَتَاهُمْ وَمَعَهُ عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مِنَّا الْأُمَرَاءُ، وَمِنْكُمُ الْوُزَرَاءُ. ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ عُمَرَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَيُّكُمْ يَطِيبُ نَفْسًا أَنْ يَخْلُفَ قَدَمَيْنِ قَدَّمَهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَبَايَعَهُ عُمَرُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ. فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ أَوْ بَعْضُ الْأَنْصَارِ: لَا نُبَايِعُ إِلَّا عَلِيًّا. قَالَ: وَتَخَلَّفَ عَلِيٌّ، وَبَنُو هَاشِمٍ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ - عَنِ الْبَيْعَةِ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ: لَا أُغْمِدُ سَيْفًا حَتَّى يُبَايَعَ عَلِيٌّ. فَقَالَ عُمَرُ: خُذُوا سَيْفَهُ وَاضْرِبُوا بِهِ الْحَجَرَ، ثُمَّ أَتَاهُمْ عُمَرُ، فَأَخَذَهُمْ لِلْبَيْعَةِ. وَقِيلَ: لَمَّا سَمِعَ عَلِيٌّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ خَرَجَ فِي قَمِيصٍ مَا عَلَيْهِ إِزَارٌ وَلَا رِدَاءٌ عَجِلًا، حَتَّى بَايَعَهُ، ثُمَّ اسْتَدْعَى إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ فَتَجَلَّلَهُ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا بَايَعَ إِلَّا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: لَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ أَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَهُوَ يَقُولُ: إِنِّي لَأَرَى عَجَاجَةً لَا يُطْفِئُهَا إِلَّا دَمٌ! يَا آلَ عَبْدِ مَنَافٍ، فِيمَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أُمُورِكُمْ؟ أَيْنَ الْمُسْتَضْعَفَانِ؟ أَيْنَ الْأَذَلَّانِ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ؟ مَا بَالُ هَذَا الْأَمْرِ فِي أَقَلِّ حَيٍّ مِنْ قُرَيْشٍ؟ ثُمَّ قَالَ لَعَلِيٍّ: ابْسُطْ
يَدَكَ أُبَايِعْكَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ شِئْتَ لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْهِ خَيْلًا وَرَجْلًا. فَأَبَى عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ الْمُتَلَمِّسِ: وَلَنْ يُقِيمَ عَلَى خَسْفٍ يُرَادُ بِهِ ... إِلَّا الْأَذَلَّانِ عَيْرُ الْحَيِّ وَالْوَتَدُ هَذَا عَلَى الْخَسْفِ مَعْكُوسٌ بِرُمَّتِهِ ... وَذَا يُشَجُّ فَلَا يَبْكِي لَهُ أَحَدُ فَزَجَرَهُ عَلِيٌّ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكَ مَا أَرَدْتَ بِهَذَا إِلَّا الْفِتْنَةَ، وَإِنَّكَ وَاللَّهِ طَالَمَا بَغَيْتَ لِلْإِسْلَامِ شَرًّا! لَا حَاجَةَ لَنَا فِي نَصِيحَتِكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أُقْرِئُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ الْقُرْآنَ، فَحَجَّ عُمَرُ وَحَجَجْنَا مَعَهُ، فَقَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ: شَهِدْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ بِمِنًى، وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: سَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ: لَوْ مَاتَ عُمَرُ لَبَايَعْتُ فُلَانًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ أُحَذِّرُهُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْتَصِبُوا النَّاسَ أَمْرَهُمْ. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رِعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى مَجْلِسِكَ، وَأَخَافُ أَنْ تَقُولَ مَقَالَةً لَا يَعُوهَا وَلَا يَحْفَظُوهَا وَيَطَّيَّرُوا بِهَا، وَلَكِنْ أَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةِ، وَتَخْلُصَ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَقُولَ مَا قُلْتَ، فَيَعُوا مَقَالَتَكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَقُومَنَّ بِهَا أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ هَجَرْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا جَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الرَّجْمَ وَمَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ فِيهِ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا مِنْكُمْ يَقُولُ: لَوْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَايَعْتُ فُلَانًا، فَلَا يَغُرَّنَّ امْرَأً أَنْ يَقُولَ: إِنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فِتْنَةً، فَقَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا، وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ إِلَيْهِ الْأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّهُ كَانَ خَيْرَنَا حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَمَنْ مَعَهُمَا تَخَلَّفُوا عَنَّا فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ، وَتَخَلَّفَ عَنَّا الْأَنْصَارُ، وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ لَهُ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْطَلَقْنَا نَحْوَهُمْ، فَلَقِيَنَا رَجُلَانِ صَالِحَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ، أَحَدُهُمَا عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، وَالثَّانِي مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ، فَقَالَا
لَنَا: ارْجِعُوا اقْضُوا أَمْرَكُمْ بَيْنَكُمْ. قَالَ: فَأَتَيْنَا الْأَنْصَارَ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَبَيْنَ أَظْهُرِهُمْ رَجُلٌ مُزَمَّلٌ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَجِعٌ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَنَحْنُ الْأَنْصَارُ، وَكَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ رَهْطٌ بَيْنَنَا، وَقَدْ دَفَّتْ إِلَيْنَا دَافَّةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ، فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُونَا الْأَمْرَ. فَلَمَّا سَكَتَ وَكُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي مَقَالَةً أَقُولُهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى رِسْلِكَ! فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَمَا تَرَكَ شَيْئًا كُنْتُ زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي إِلَّا جَاءَ بِهِ أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهُ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، إِنَّكُمْ لَا تَذْكُرُونَ فَضْلًا إِلَّا وَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ، وَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْرِفُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِقُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا وَنَسَبًا، وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ. وَأَخَذَ بِيَدِي وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا كَرِهْتُ مِنْ كَلَامِهِ كَلِمَةً غَيْرَهَا، إِنْ كُنْتُ أُقَدَّمُ فَتُضْرَبُ عُنُقِي فِيمَا لَا يُقَرِّبُنِي إِلَى إِثْمٍ، أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُؤَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ. فَلَمَّا قَضَى أَبُو بَكْرٍ كَلَامَهُ قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ، وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ وَاللَّغَطُ، فَلَمَّا خِفْتُ الِاخْتِلَافَ قُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ، ثُمَّ نَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ قَائِلُهُمْ: قَتَلْتُمْ سَعْدًا. فَقُلْتُ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدًا. وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا أَمْرًا هُوَ أَقْوَى مِنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ، خَشِيتُ إِنْ فَارَقْتُ الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُحْدِثُوا بَعْدَنَا بَيْعَةً، فَإِمَّا أَنْ نُتَابِعَهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى بِهِ، وَإِمَّا أَنْ نُخَالِفَهُمْ فَيَكُونُ فَسَادًا. وَقَالَ أَبُو عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ: لَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَأَخْرَجُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لِيُوَلُّوهُ الْأَمْرَ، وَكَانَ مَرِيضًا فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، لَكُمْ سَابِقَةٌ وَفَضِيلَةٌ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ، إِنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبِثَ فِي
قَوْمِهِ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً يَدْعُوهُمْ، فَمَا آمَنَ إِلَّا الْقَلِيلُ، مَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى مَنْعِهِ وَلَا عَلَى إِعْزَازِ دِينِهِ، وَلَا عَلَى دَفْعِ ضَيْمٍ، حَتَّى إِذَا أَرَادَ بِكُمُ الْفَضِيلَةَ سَاقَ إِلَيْكُمُ الْكَرَامَةَ، وَرَزَقَكُمُ الْإِيمَانَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَالْمَنْعَ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ، وَالْإِعْزَازَ لَهُ وَلِدِينِهِ، وَالْجِهَادَ لِأَعْدَائِهِ، فَكُنْتُمْ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى عَدُوِّهِ حَتَّى اسْتَقَامَتِ الْعَرَبُ لِأَمْرِ اللَّهِ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَأَعْطَى الْبَعِيدُ الْمُقَادَةَ صَاغِرًا، فَدَانَتْ لِرَسُولِهِ بِأَسْيَافِكُمُ الْعَرَبُ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ قَرِيرُ الْعَيْنِ. اسْتَبِدُّوا بِهَذَا الْأَمْرِ دُونَ النَّاسِ، فَإِنَّهُ لَكُمْ دُونَهُمْ. فَأَجَابُوهُ بِأَجْمَعِهِمْ: أَنْ قَدْ وُفِّقْتَ وَأَصَبْتَ الرَّأْيَ، وَنَحْنُ نُوَلِّيكَ هَذَا الْأَمْرَ، فَإِنَّكَ مَقْنَعٌ وَرِضًا لِلْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ إِنَّهُمْ تَرَادُّوا الْكَلَامَ فَقَالُوا: وَإِنْ أَبَى الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَالُوا: نَحْنُ الْمُهَاجِرُونَ وَأَصْحَابُهُ الْأَوَّلُونَ، وَعَشِيرَتُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ؟ ! فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: فَإِنَّا نَقُولُ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، وَلَنْ نَرْضَى بِدُونِ هَذَا أَبَدًا. فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا أَوَّلُ الْوَهَنِ. وَسَمِعَ عُمَرُ الْخَبَرَ فَأَتَى مَنْزِلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ فِيهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنِ اخْرُجْ إِلَيَّ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: إِنِّي مُشْتَغِلٌ. فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ لَابُدَّ لَكَ مِنْ حُضُورِهِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَأَعْلَمَهُ الْخَبَرَ، فَمَضَيَا مُسْرِعِينَ نَحْوَهُمْ وَمَعَهُمَا أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالَ عُمَرُ: فَأَتَيْنَاهُمْ وَقَدْ كُنْتُ زَوَّرْتُ كَلَامًا أَقُولُهُ لَهُمْ، فَلَمَّا دَنَوْتُ أَقُولُ أَسْكَتَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَتَكَلَّمَ بِكُلِّ مَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ فِينَا رَسُولًا شَهِيدًا عَلَى أُمَّتِهِ لِيَعْبُدُوهُ وَيُوَحِّدُوهُ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً شَتَّى مِنْ حَجَرٍ وَخَشَبٍ، فَعَظُمَ عَلَى الْعَرَبِ أَنْ يَتْرُكُوا دِينَ آبَائِهِمْ. فَخَصَّ اللَّهُ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ قَوْمِهِ بِتَصْدِيقِهِ وَالْمُوَاسَاةِ لَهُ، وَالصَّبْرِ مَعَهُ عَلَى شِدَّةِ أَذَى قَوْمِهِمْ لَهُمْ وَتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُمْ، وَكُلُّ النَّاسِ لَهُمْ مُخَالِفٌ زَارٍ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَوْحِشُوا لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وَشَنَفِ النَّاسِ لَهُمْ، فَهُمْ أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ، وَهُمْ أَوْلِيَاؤُهُ وَعَشِيرَتُهُ، وَأَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ، لَا يُنَازِعُهُمْ إِلَّا ظَالِمٌ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، مَنْ لَا يُنْكَرُ فَضْلُهُمْ فِي الدِّينِ وَلَا سَابِقَتُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، رَضِيَكُمُ اللَّهُ أَنْصَارًا لِدِينِهِ وَرَسُولِهِ، وَجَعَلَ إِلَيْكُمْ هِجْرَتَهُ، فَلَيْسَ بَعْدَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَتِكُمْ، فَنَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ، لَا تُفَاوَتُونَ بِمَشُورَةٍ، وَلَا تُقْضَى دُونَكُمُ الْأُمُورُ. فَقَامَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، امْلِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْرَكُمْ،
فَإِنَّ النَّاسَ فِي ظِلِّكُمْ، وَلَنْ يَجْتَرِئَ مُجْتَرِئٌ عَلَى خِلَافِكُمْ، وَلَا يَصْدُرُوا إِلَّا عَنْ رَأْيِكُمْ، أَنْتُمْ أَهْلُ الْعِزِّ وَأُولُو الْعَدَدِ وَالْمَنْعَةِ وَذَوُو الْبَأْسِ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ النَّاسُ مَا تَصْنَعُونَ، وَلَا تَخْتَلِفُوا فَيَفْسَدَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ، أَبَى هَؤُلَاءِ إِلَّا مَا سَمِعْتُمْ، فَمِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. فَقَالَ عُمَرُ: هَيْهَاتَ، لَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ فِي قَرْنٍ! وَاللَّهِ لَا تَرْضَى الْعَرَبُ أَنْ تُؤَمِّرَكُمْ وَنَبِيُّنَا مِنْ غَيْرِكُمْ، وَلَا تَمْتَنِعُ الْعَرَبُ أَنْ تُوَلِّيَ أَمْرَهَا مَنْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ فِيهِمْ، وَلَنَا بِذَلِكَ الْحُجَّةُ الظَّاهِرَةُ، مَنْ يُنَازِعُنَا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ وَنَحْنُ أَوْلِيَاؤُهُ وَعَشِيرَتُهُ؟ ! فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، امْلِكُوا عَلَى أَيْدِيكُمْ، وَلَا تَسْمَعُوا مَقَالَةَ هَذَا وَأَصْحَابِهِ فَيَذْهَبُوا بِنَصِيبِكُمْ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، فَإِنْ أَبَوْا عَلَيْكُمْ فَأَجْلُوهُمْ عَنْ هَذِهِ الْبِلَادِ، وَتَوَلُّوا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْأُمُورَ، فَأَنْتُمْ وَاللَّهِ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ بِأَسْيَافِكُمْ دَانَ النَّاسُ لِهَذَا الدِّينِ، أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ! أَنَا أَبُو شِبْلٍ فِي عَرِينَةِ الْأَسَدِ، وَاللَّهِ لَئِنْ شِئْتُمْ لَنُعِيدَنَّهَا جَذَعَةً. فَقَالَ عُمَرُ: إِذًا لَيَقْتُلُكَ اللَّهُ! فَقَالَ: بَلْ إِيَّاكَ يَقْتُلُ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، إِنَّكُمْ أَوَّلُ مَنْ نَصَرَ، فَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ بَدَّلَ وَغَيَّرَ! فَقَامَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ أَبُو النُّعْمَانِ بْنُ بَشِيرٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، إِنَّا وَاللَّهِ وَإِنْ كُنَّا أُولِي فَضِيلَةٍ فِي جِهَادِ الْمُشْرِكِينَ، وَسَابِقَةٍ فِي الدِّينِ، مَا أَرَدْنَا بِهِ إِلَّا رِضَى رَبِّنَا، وَطَاعَةَ نَبِيِّنَا، وَالْكَدْحَ لِأَنْفُسِنَا، فَمَا يَنْبَغِي أَنْ نَسْتَطِيلَ عَلَى النَّاسِ بِذَلِكَ، وَلَا نَبْتَغِيَ بِهِ الدُّنْيَا، أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَوْمُهُ أَوْلَى بِهِ، وَايْمُ اللَّهِ لَا يَرَانِي اللَّهُ أُنَازِعُهُمْ هَذَا الْأَمْرَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخَالِفُوهُمْ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَبَايِعُوا. فَقَالَا: وَاللَّهِ لَا نَتَوَلَّى هَذَا الْأَمْرَ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ أَفْضَلُ الْمُهَاجِرِينَ وَخَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ، وَهِيَ أَفْضَلُ دِينِ الْمُسْلِمِينَ، ابْسُطْ يَدَكَ نُبَايِعْكَ. فَلَمَّا ذَهَبَا يُبَايِعَانِهِ سَبَقَهُمَا بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ فَبَايَعَهُ، فَنَادَاهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: عَقَّتْكَ عَقَاقِ! أَنَفِسْتَ عَلَى ابْنِ عَمِّكَ الْإِمَارَةَ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُنَازِعَ الْقَوْمَ حَقَّهُمْ. وَلَمَّا رَأَتِ الْأَوْسُ مَا صَنَعَ بَشِيرٌ وَمَا تَطْلُبُ الْخَزْرَجُ مِنْ تَأْمِيرِ سَعْدٍ - قَالَ بَعْضُهُمْ
لِبَعْضٍ، وَفِيهِمْ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَكَانَ نَقِيبًا: وَاللَّهِ لَئِنْ وَلِيَتْهَا الْخَزْرَجُ مَرَّةً لَا زَالَتْ لَهُمْ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ الْفَضِيلَةُ، وَلَا جَعَلُوا لَكُمْ فِيهَا نَصِيبًا أَبَدًا، فَقُومُوا فَبَايِعُوا أَبَا بَكْرٍ. فَبَايَعُوهُ، فَانْكَسَرَ عَلَى سَعْدٍ وَالْخَزْرَجِ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَأَقْبَلَ النَّاسُ يُبَايِعُونَ أَبَا بَكْرٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. ثُمَّ تَحَوَّلَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ إِلَى دَارِهِ فَبَقِيَ أَيَّامًا، وَأُرْسِلَ إِلَيْهِ لِيُبَايِعَ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ بَايَعُوا، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، حَتَّى أَرْمِيَكُمْ بِمَا فِي كِنَانَتِي، وَأَخْضِبَ سِنَانَ رُمْحِي، وَأَضْرِبَ بِسَيْفِي، وَأُقَاتِلَكُمْ بِأَهْلِ بَيْتِي وَمَنْ أَطَاعَنِي، وَلَوِ اجْتَمَعَ مَعَكُمُ الْجِنُّ وَالْأِنْسُ مَا بَايَعْتُكُمْ حَتَّى أُعْرَضَ عَلَى رَبِّي. فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَدْعُهُ حَتَّى يُبَايِعَ. فَقَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: إِنَّهُ قَدْ لَجَّ وَأَبَى، وَلَا يُبَايِعُكُمْ حَتَّى يُقْتَلَ، وَلَيْسَ بِمَقْتُولٍ حَتَّى يُقْتَلَ مَعَهُ أَهْلُهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ عَشِيرَتِهِ، وَلَا يَضُرُّكُمْ تَرْكُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ وَاحِدٌ. فَتَرَكُوهُ. وَجَاءَتْ أَسْلَمُ فَبَايَعَتْ، فَقَوِيَ أَبُو بَكْرٍ بِهِمْ، وَبَايَعَ النَّاسُ بَعْدُ. قِيلَ إِنَّ عُمَرَ بْنَ حُرَيْثٍ قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ: مَتَى بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: يَوْمَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرِهُوا أَنْ يَبْقُوا بَعْضَ يَوْمٍ وَلَيْسُوا فِي جَمَاعَةٍ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: بَقِيَ عَلِيٌّ وَبَنُو هَاشِمٍ وَالزُّبَيْرُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ لَمْ يُبَايِعُوا أَبَا بَكْرٍ حَتَّى مَاتَتْ فَاطِمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَبَايَعُوهُ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَبَايَعَهُ النَّاسُ بَيْعَةً عَامَّةً، ثُمَّ تَكَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ وُلِّيتَ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي، الصِّدْقُ أَمَانَةٌ، وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ، وَالضَّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيٌّ عِنْدِي حَتَّى آخُذَ لَهُ حَقَّهُ، وَالْقَوِيُّ ضَعِيفٌ عِنْدِي حَتَّى آخُذَ مِنْهُ الْحَقَّ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لَا يَدَعُ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجِهَادَ، فَإِنَّهُ لَا يَدَعُهُ قَوْمٌ إِلَّا ضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ، أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصْيَتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ، قُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ - رَحِمَكُمُ اللَّهُ -. (أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ) .
ذكر تجهيز النبي - صلى الله عليه وسلم - ودفنه
[ذِكْرُ تَجْهِيزِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَفْنِهِ] فَلَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ أَقْبَلَ النَّاسُ عَلَى جَهَازِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَقِيلَ: بَقِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يُدْفَنْ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَكَانَ الَّذِي يَلِي غَسْلَهُ: عَلِيٌّ، وَالْعَبَّاسُ، وَالْفَضْلُ وَقُثَمُ ابْنَا الْعَبَّاسِ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَشُقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَضَرَهُمْ أَوْسُ بْنُ خَوْلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ بَدْرِيًّا، وَكَانَ الْعَبَّاسُ وَابْنَاهُ يُقَلِّبُونَهُ، وَأُسَامَةُ وَشُقْرَانُ يَصُبَّانِ الْمَاءَ، وَعَلِيٌّ يَغْسِلُهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ وَهُوَ يَقُولُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَطْيَبُكَ حَيًّا وَمَيِّتًا! وَلَمْ يُرَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُرَى مِنْ مَيِّتٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي غَسْلِهِ فِي ثِيَابِهِ أَوْ مُجَرَّدًا، فَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمُ النُّوَّمَ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ: أَنْ غَسِّلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. وَكُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ: ثَوْبَيْنِ صُحَارِيِّيْنِ، وَبُرْدِ حِبَرَةٍ أُدْرِجَ فِيهَا إِدْرَاجًا. وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ دَفْنِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلَّا دُفِنَ حَيْثُ قُبِضَ» ، فَرُفِعَ فِرَاشُهُ وَدُفِنَ مَوْضِعَهُ، وَحَفَرَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ
ذكر إنفاذ جيش أسامة بن زيد
لَحْدًا، وَدَخَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ أَرْسَالًا: الرِّجَالُ، ثُمَّ النِّسَاءُ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ الْعَبِيدُ، وَدُفِنَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ. وَكَانَ الَّذِي نَزَلَ قَبْرَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْفَضْلُ وَقُثَمُ ابْنَا الْعَبَّاسِ، وَشُقْرَانُ. وَقَالَ أَوْسُ بْنُ خَوْلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ لِعَلِيٍّ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ وَحَظَّنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُ بِالنُّزُولِ فَنَزَلَ. وَكَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يَدَّعِي أَنَّهُ أَحْدَثُ النَّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقُولُ: أَلْقَيْتُ خَاتَمِي فِي قَبْرِهِ عَمْدًا فَنَزَلْتُ لِآخُذَهُ، وَسَأَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِالْعِرَاقِ عَلِيًّا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: كَذَبَ الْمُغِيرَةُ، أَحْدَثُنَا عَهْدًا بِهِ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ. وَاخْتَلَفُوا فِي عُمْرِهِ يَوْمَ مَاتَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، وَمُعَاوِيَةُ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ عُمُرُهُ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَدَغْفَلُ بْنُ حَنْظَلَةَ: كَانَ عُمْرُهُ خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً. وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَ عُمْرُهُ سِتِّينَ سَنَةً. [ذِكْرُ إِنْفَاذِ جَيْشِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ] قَدْ ذَكَرْنَا اسْتِعْمَالَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ عَلَى جَيْشٍ، وَأَمْرَهُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى
الشَّامِ، وَكَانَ قَدْ ضَرَبَ الْبَعْثَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا، وَفِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَسِرِ الْجَيْشُ، وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ إِمَّا عَامَّةً أَوْ خَاصَّةً مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ، وَظَهَرَ النِّفَاقُ، وَاشْرَأَبَّتْ يَهُودُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ، وَبَقِيَ الْمُسْلِمُونَ كَالْغَنَمِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ؛ لِفَقْدِ نَبِيِّهِمْ، وَقِلَّتِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ. فَقَالَ النَّاسُ لِأَبِي بَكْرٍ: إِنَّ هَؤُلَاءِ - يَعْنُونَ جَيْشَ أُسَامَةَ - جُنْدُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْعَرَبُ عَلَى مَا تَرَى قَدِ انْتَقَضَتْ بِكَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُفَرِّقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ عَنْكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّ السِّبَاعَ تَخْتَطِفُنِي لَأَنْفَذْتُ جَيْشَ أُسَامَةَ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَخَاطَبَ النَّاسَ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّجَهُّزِ لِلْغَزْوِ، وَأَنْ يَخْرُجَ كُلُّ مَنْ هُوَ مِنْ جَيْشِ أُسَامَةَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ بِالْجُرُفِ، فَخَرَجُوا كَمَا أَمَرَهُمْ، وَجَيَّشَ أَبُو بَكْرٍ مَنْ بَقِيَ مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ الَّتِي كَانَتْ لَهُمُ الْهِجْرَةُ فِي دِيَارِهِمْ، فَصَارُوا مَسَالِحَ حَوْلَ قَبَائِلِهِمْ، وَهُمْ قَلِيلٌ. فَلَمَّا خَرَجَ الْجَيْشُ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ بِالْجُرُفِ وَتَكَامَلُوا - أَرْسَلَ أُسَامَةُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَكَانَ مَعَهُ فِي جَيْشِهِ، إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ، وَقَالَ: إِنَّ مَعِي وُجُوهَ النَّاسِ وَحْدَهُمْ، وَلَا آمَنُ عَلَى خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَحُرُمِ رَسُولِ اللَّهِ وَالْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَخَطَّفَهُمُ الْمُشْرِكُونَ. وَقَالَ مَنْ مَعَ أُسَامَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ نَمْضِيَ فَأَبْلِغْهُ عَنَّا، وَاطْلُبْ إِلَيْهِ أَنْ يُوَلِّيَ أَمْرَنَا رَجُلًا أَقْدَمَ سِنًّا مِنْ أُسَامَةَ. فَخَرَجَ عُمَرُ بِأَمْرِ أُسَامَةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ أُسَامَةُ. فَقَالَ: لَوْ خَطَفَتْنِي الْكِلَابُ وَالذِّئَابُ لَأَنْفَذْتُهُ كَمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَرُدُّ قَضَاءً قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ لَمْ يَبْقَ فِي الْقُرَى غَيْرِي لَأَنْفَذْتُهُ. قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّ الْأَنْصَارَ تَطْلُبُ رَجُلًا أَقْدَمَ سِنًّا مِنْ أُسَامَةَ. فَوَثَبَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ جَالِسًا، وَأَخَذَ بِلِحْيَةِ عُمَرَ وَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَأْمُرُنِي أَنْ أَعْزِلَهُ؟ ! ثُمَّ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَتَاهُمْ وَأَشْخَصَهُمْ وَشَيَّعَهُمْ، وَهُوَ مَاشٍ وَأُسَامَةُ رَاكِبٌ، فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، لَتَرْكَبَنَّ أَوْ لَأَنْزِلَنَّ! فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا نَزَلْتَ وَلَا أَرْكَبُ، وَمَا عَلَيَّ أَنْ أُغَبِّرَ قَدَمَيَّ سَاعَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ! فَإِنَّ لِلْغَازِي بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ تُكْتَبُ لَهُ، وَسَبْعَمِائَةِ دَرَجَةٍ تُرْفَعُ لَهُ، وَسَبْعَمِائَةِ سَيِّئَةٍ تُمْحَى عَنْهُ.
ذكر أخبار الأسود العنسي باليمن
فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ قَالَ لِأُسَامَةَ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُعِينَنِي بِعُمَرَ فَافْعَلْ، فَأَذِنَ لَهُ، ثُمَّ وَصَّاهُمْ فَقَالَ: لَا تَخُونُوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا طِفْلًا وَلَا شَيْخًا كَبِيرًا وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَعْقِرُوا نَخْلًا وَتُحْرِقُوهُ، وَلَا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً، وَلَا تَذْبَحُوا شَاةً وَلَا بَقَرَةً وَلَا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ، وَسَوْفَ تَمُرُّونَ بِأَقْوَامٍ قَدْ فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ، فَدَعُوهُمْ وَمَا فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ، وَسَوْفَ تَقْدَمُونَ عَلَى قَوْمٍ قَدْ فَحَصُوا أَوْسَاطَ رُءُوسِهِمْ، وَتَرَكُوا حَوْلَهَا مِثْلَ الْعَصَائِبِ، فَاخْفِقُوهُمْ بِالسَّيْفِ خَفْقًا. انْدَفِعُوا بِاسْمِ اللَّهِ. وَأَوْصَى أُسَامَةَ أَنْ يَفْعَلَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَسَارَ وَأَوْقَعَ بِقَبَائِلَ مِنْ نَاسِ قُضَاعَةَ الَّتِي ارْتَدَّتْ، وَغَنِمَ وَعَادَ، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ: سَبْعِينَ يَوْمًا. وَكَانَ إِنْفَاذُ جَيْشِ أُسَامَةَ أَعْظَمَ الْأُمُورِ نَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْعَرَبَ قَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِمْ قُوَّةٌ لَمَا أَرْسَلُوا هَذَا الْجَيْشَ، فَكَفُّوا عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا كَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلُوهُ. [ذِكْرُ أَخْبَارِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ بِالْيَمَنِ] وَاسْمُهُ عَيْهَلَةُ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَوْفٍ الْعَنْسِيُّ، بِالنُّونِ، وَعَنْسٌ بَطْنٌ مِنْ مَذْحِجٍ، وَكَانَ يُلَقَّبُ ذَا الْخِمَارِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُعْتَمًّا مُتَخَمِّرًا أَبَدًا. وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ جَمَعَ لِبَاذَانَ حِينَ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَ أَهْلُ الْيَمَنِ - عَمَلَ الْيَمَنِ جَمِيعَهُ، وَأَمَّرَهُ عَلَى جَمِيعِ مُخَالِفِيهِ، فَلَمْ يَزَلْ عَامِلًا عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ. فَلَمَّا مَاتَ بَاذَانُ فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَرَاءَهُ فِي الْيَمَنِ، فَاسْتَعْمَلَ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ عَلَى نَجْرَانَ، وَخَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى مَا بَيْنَ نَجْرَانَ وَزَبِيدَ، وَعَامِرَ بْنَ شَهْرٍ عَلَى هَمْدَانَ، وَعَلَى صَنْعَاءَ شَهْرَ بْنَ بَاذَانَ، وَعَلَى عَكٍّ وَالْأَشْعَرِيِّينَ الطَّاهِرَ بْنَ أَبِي هَالَةَ، وَعَلَى مَأْرِبَ أَبَا مُوسَى، وَعَلَى الْجَنَدِ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ، وَكَانَ مُعَاذُ مُعَلِّمًا يَتَنَقَّلُ فِي عَمَالَةِ كُلِّ عَامِلٍ بِالْيَمَنِ وَحَضْرَمَوْتَ.
وَاسْتَعْمَلَ عَلَى أَعْمَالِ حَضْرَمَوْتَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَعَلَى السَّكَاسِكِ وَالسَّكُونِ عُكَّاشَةَ بْنَ ثَوْرٍ، وَعَلَى بَنِي مُعَاوِيَةَ ابْنَ كِنْدَةَ عَبْدَ اللَّهِ أَوِ الْمُهَاجِرَ، فَاشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَذْهَبْ حَتَّى وَجَّهَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَمَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَؤُلَاءِ عُمَّالُهُ عَلَى الْيَمَنِ وَحَضْرَمَوْتَ. وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اعْتَرَضَ الْأَسْوَدَ الْكَاذِبَ - شَهْرُ، وَفَيْرُوزُ، وَدَاذَوَيْهِ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ لَمَّا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَتَمَرَّضَ مِنَ السَّفَرِ غَيْرَ مَرَضِ مَوْتِهِ بَلَغَهُ ذَلِكَ، فَادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَكَانَ مُشَعْبِذًا يُرِيهِمُ الْأَعَاجِيبَ، فَاتَّبَعَتْهُ مَذْحِجٌ، وَكَانَتْ رِدَّةُ الْأَسْوَدِ أَوَّلَ رِدَّةٍ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَزَا نَجْرَانَ، فَأَخْرَجَ عَنْهَا عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ وَخَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ، وَوَثَبَ قَيْسُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ مَكْشُوحٍ عَلَى فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ، وَهُوَ عَلَى مُرَادٍ، فَأَجْلَاهُ وَنَزَلَ مَنْزِلَهُ، وَسَارَ الْأَسْوَدُ عَنْ نَجْرَانَ إِلَى صَنْعَاءَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ شَهْرُ بْنُ بَاذَانَ فَلَقِيَهُ، فَقُتِلَ شَهْرٌ لِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً مِنْ خُرُوجِ الْأَسْوَدِ، وَخَرَجَ مُعَاذٌ هَارِبًا حَتَّى لَحِقَ بِأَبِي مُوسَى وَهُوَ بِمَأْرِبَ، فَلَحِقَا بِحَضْرَمَوْتَ، وَلَحِقَ بِفَرْوَةَ مَنْ تَمَّ عَلَى إِسْلَامِهِ مِنْ مَذْحِجٍ. وَاسْتَتَبَّ لِلْأَسْوَدِ مُلْكُ الْيَمَنِ، وَلَحِقَ أُمَرَاءُ الْيَمَنِ إِلَى الطَّاهِرِ بْنِ أَبِي هَالَةَ، إِلَّا عَمْرًا وَخَالِدًا؛ فَإِنَّهُمَا رَجَعَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالطَّاهِرُ بِجِبَالِ عَكٍّ وَجِبَالِ صَنْعَاءَ، وَغَلَبَ الْأَسْوَدُ عَلَى مَا بَيْنَ مَفَازَةِ حَضْرَمَوْتَ إِلَى الطَّائِفِ، إِلَى الْبَحْرَيْنِ وَالْأَحْسَاءِ، إِلَى عَدَنَ، وَاسْتَطَارَ أَمْرُهُ كَالْحَرِيقِ، وَكَانَ مَعَهُ سَبْعُمِائَةِ فَارِسٍ يَوْمَ لَقِيَ شَهْرًا سِوَى الرُّكْبَانِ، وَاسْتَغْلَظَ أَمْرُهُ، وَكَانَ خَلِيفَتَهُ فِي مَذْحِجٍ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، وَكَانَ خَلِيفَتَهُ عَلَى جُنْدِهِ قَيْسُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وَأَمْرُ الْأَبْنَاءِ إِلَى فَيْرُوزَ وَدَاذَوَيْهِ. وَكَانَ الْأَسْوَدُ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ شَهْرِ بْنِ بَاذَانَ بَعْدَ قَتْلِهِ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ فَيْرُوزَ. وَخَافَ مَنْ بِحَضْرَمَوْتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا، أَوْ يَظْهَرَ بِهَا كَذَّابٌ مِثْلُ الْأَسْوَدِ، فَتَزَوَّجَ مُعَاذٌ إِلَى السَّكُونِ، فَعَطَفُوا عَلَيْهِ. وَجَاءَ إِلَيْهِمْ وَإِلَى مَنْ بِالْيَمَنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كُتُبُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُهُمْ بِقِتَالِ الْأَسْوَدِ، فَقَامَ مُعَاذٌ فِي ذَلِكَ، وَقَوِيَتْ نُفُوسُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ الَّذِي قَدِمَ بِكِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَرُ
بْنُ يُحَنَّسَ الْأَزْدِيُّ، قَالَ جِشْنَسُ الدَّيْلَمِيُّ: فَجَاءَتْنَا كُتُبُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا بِقِتَالِهِ، إِمَّا مُصَادَمَةً أَوْ غِيلَةً - يَعْنِي إِلَيْهِ، وَإِلَى فَيْرُوزَ وَدَاذَوَيْهِ - وَأَنْ نُكَاتِبَ مَنْ عِنْدَهُ دِينٌ. فَعَمِلْنَا فِي ذَلِكَ، فَرَأَيْنَا أَمْرًا كَثِيفًا، وَكَانَ قَدْ تَغَيَّرَ لِقَيْسِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقُلْنَا: إِنَّ قَيْسًا يَخَافُ عَلَى دَمِهِ، فَهُوَ لِأَوَّلِ دَعْوَةٍ، فَدَعَوْنَاهُ وَأَبْلَغْنَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَأَنَّمَا نَزَلْنَا عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَجَابَنَا، وَكَاتَبْنَا النَّاسَ. فَأَخْبَرَهُ الشَّيْطَانُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَدَعَا قَيْسًا فَأَخْبَرَهُ أَنَّ شَيْطَانَهُ يَأْمُرُهُ بِقَتْلِهِ؛ لِمَيْلِهِ إِلَى عَدُوِّهِ، فَحَلَفَ قَيْسٌ: لَأَنْتَ أَعْظَمُ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ أُحَدِّثَ نَفْسِي بِذَلِكَ. ثُمَّ أَتَانَا فَقَالَ: يَا جِشْنَسُ، وَيَا فَيْرُوزُ، وَيَا دَاذَوَيْهِ، فَأَخْبَرَنَا بِقَوْلِ الْأَسْوَدِ. فَبَيْنَا نَحْنُ مَعَهُ يُحَدِّثُنَا إِذْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا فَتَهَدَّدَنَا، فَاعْتَذَرْنَا إِلَيْهِ وَنَجَوْنَا مِنْهُ وَلَمْ نَكَدْ، وَهُوَ مُرْتَابٌ بِنَا وَنَحْنُ نُحَذِّرُهُ. فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ جَاءَتْنَا كُتُبُ عَامِرِ بْنِ شَهْرٍ، وَذِي زُودٍ، وَذِي مُرَّانَ، وَذِي الْكُلَاعِ، وَذِي ظُلَيْمٍ، يَبْذُلُونَ لَنَا النَّصْرَ، فَكَاتَبْنَاهُمْ وَأَمَرْنَاهُمْ أَنْ لَا يَفْعَلُوا شَيْئًا حَتَّى نُبْرِمَ أَمْرَنَا، وَإِنَّمَا اهْتَاجُوا لِذَلِكَ حِينَ كَاتَبَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَتَبَ أَيْضًا إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ فَأَجَابُوهُ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الْأَسْوَدُ، وَأَحَسَّ بِالْهَلَاكِ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى آزَادَ، وَهِيَ امْرَأَتُهُ الَّتِي تَزَوَّجَهَا بَعْدَ قَتْلِ زَوْجِهَا شَهْرِ بْنِ بَاذَانَ، فَدَعَوْتُهَا إِلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، وَذَكَّرْتُهَا قَتْلَ زَوْجِهَا شَهْرٍ وَإِهْلَاكَ عَشِيرَتِهَا، وَفَضِيحَةَ النِّسَاءِ. فَأَجَابَتْ وَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا خَلَقَ اللَّهُ شَخْصًا أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ، مَا يَقُومُ لِلَّهِ عَلَى حَقٍّ، وَلَا يَنْتَهِي عَنْ مُحَرَّمٍ، فَأَعْلِمُونِي أَمْرَكُمْ أُخْبِرْكُمْ بِوَجْهِ الْأَمْرِ. قَالَ: فَخَرَجْتُ وَأَخْبَرْتُ فَيْرُوزَ وَدَاذَوَيْهِ وَقَيْسًا. قَالَ: وَإِذْ قَدْ جَاءَ رَجُلٌ فَدَعَا قَيْسًا إِلَى الْأَسْوَدِ، فَدَخَلَ فِي عَشَرَةٍ مِنْ مَذْحِجٍ وَهَمْدَانَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَتْلِهِ مَعَهُمْ وَقَالَ لَهُ: أَلَمْ أُخْبِرْكَ الْحَقَّ، وَتُخْبِرُنِي الْكَذِبَ؟ إِنَّهُ - يَعْنِي شَيْطَانَهُ - يَقُولُ لِي: إِلَّا تَقْطَعْ مِنْ قَيْسٍ يَدَهُ يَقْطَعْ رَقَبَتَكَ. فَقَالَ قَيْسٌ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ أَهْلَكَ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَمُرْنِي بِمَا أَحْبَبْتَ أَوِ اقْتُلْنِي، فَمَوْتُةُ أَهْوَنُ مِنْ مَوْتَاتٍ. فَرَقَّ لَهُ وَتَرَكَهُ، وَخَرَجَ قَيْسٌ فَمَرَّ بِنَا وَقَالَ: اعْمَلُوا عَمَلَكُمْ. وَلَمْ يَقْعُدْ عِنْدَنَا. فَخَرَجَ عَلَيْنَا الْأَسْوَدُ فِي جَمْعٍ، فَقُمْنَا لَهُ وَبِالْبَابِ مِائَةٌ، مَا بَيْنَ بَقَرَةٍ وَبَعِيرٍ، فَنَحَرَهَا ثُمَّ خَلَّاهَا، ثُمَّ قَالَ: أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ يَا فَيْرُوزُ؟ - وَبَوَّأَ لَهُ الْحَرْبَةَ - لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْحَرَكَ. فَقَالَ: اخْتَرْتَنَا لِصِهْرِكَ وَفَضَّلْتَنَا، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ نَبِيًّا لَمَا بِعْنَا نَصِيبَنَا مِنْكَ بِشَيْءٍ، فَكَيْفَ وَقَدِ اجْتَمَعَ لَنَا بِكَ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ! فَقَالَ لَهُ: اقْسِمْ هَذِهِ، فَقَسَمَهَا، وَلَحِقَ بِهِ وَهُوَ يَسْمَعُ سَعَايَةَ رَجُلٍ بِفَيْرُوزَ، وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: أَنَا قَاتِلُهُ غَدًا وَأَصْحَابَهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا فَيْرُوزُ، فَأَخْبَرَهُ بِقِسْمَتِهَا، وَدَخَلَ الْأَسْوَدُ وَرَجَعَ فَيْرُوزُ فَأَخْبَرَنَا الْخَبَرَ، فَأَرْسَلْنَا إِلَى قَيْسٍ فَجَاءَنَا، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى أَنْ أَعُودَ إِلَى الْمَرْأَةِ فَأُخْبِرَهَا بِعَزِيمَتِنَا وَنَأْخُذُ رَأْيَهَا، فَأَتَيْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا، فَقَالَتْ: هُوَ مُتَحَرِّزٌ، وَلَيْسَ مِنَ الْقَصْرِ شَيْءٌ إِلَّا وَالْحَرَسُ مُحِيطُونَ بِهِ غَيْرَ هَذَا الْبَيْتِ، فَإِنَّ ظَهْرَهُ إِلَى
مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ فَانْقُبُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّكُمْ مِنْ دُونِ الْحَرَسِ، وَلَيْسَ دُونَ قَتْلِهِ شَيْءٌ، وَسَتَجِدُونَ فِيهِ سِرَاجًا وَسِلَاحًا. فَتَلَقَّانِي الْأَسْوَدُ خَارِجًا مِنْ بَعْضِ مَنَازِلِهِ فَقَالَ: مَا أَدْخَلَكَ عَلَيَّ؟ وَوَجَأَ رَأْسِي حَتَّى سَقَطْتُ، وَكَانَ شَدِيدًا، فَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ فَأَدْهَشَتْهُ، وَقَالَتْ: جَاءَنِي ابْنُ عَمِّي زَائِرًا فَفَعَلْتَ بِهِ هَذَا؟ فَتَرَكَنِي، فَأَتَيْتُ أَصْحَابِي فَقُلْتُ: النَّجَاءُ! الْهَرَبُ! وَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ. فَإِنَّا عَلَى ذَلِكَ حَيَارَى إِذْ جَاءَنَا رَسُولُهَا يَقُولُ: لَا تَدَعَنَّ مَا فَارَقْتُكَ عَلَيْهِ، فَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى اطْمَأَنَّ. فَقُلْنَا لِفَيْرُوزَ: إِيتِهَا فَتَثَبَّتْ مِنْهَا. فَفَعَلَ، فَلَمَّا أَخْبَرَتْهُ قَالَ: نُنَقِّبُ عَلَى بُيُوتٍ مُبَطَّنَةٍ، فَدَخَلَ فَاقْتَلَعَ الْبِطَانَةَ، وَجَلَسَ عِنْدَهَا كَالزَّائِرِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا الْأَسْوَدُ فَأَخَذَتْهُ غَيْرَةٌ، فَأَخْبَرَتْهُ بِرَضَاعٍ وَقَرَابَةٍ مِنْهَا عِنْدَهُ مَحْرَمٌ، فَأَخْرَجَهُ. فَلَمَّا أَمْسَيْنَا عَمِلْنَا فِي أَمْرِنَا، وَأَعْلَمْنَا أَشْيَاعَنَا، وَعَجِلْنَا عَنْ مُرَاسِلَةِ الْهَمْدَانِيِّينَ وَالْحِمْيَرِيِّينَ فَنَقَبْنَا الْبَيْتَ وَدَخَلْنَا، وَفِيهِ سِرَاجٌ تَحْتَ جَفْنَةٍ، وَاتَّقَيْنَا بِفَيْرُوزَ، كَانَ أَشَدَّنَا، فَقُلْنَا: انْظُرْ مَاذَا تَرَى، فَخَرَجَ وَنَحْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَسِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ بَابِ الْبَيْتِ سَمِعَ غَطِيطًا شَدِيدًا، وَالْمَرْأَةُ قَاعِدَةٌ، فَلَمَّا قَامَ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ أَجْلَسَهُ الشَّيْطَانُ وَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِهِ، وَقَالَ: مَا لِي وَلَكَ يَا فَيْرُوزُ! فَخَشِيَ إِنْ رَجَعَ أَنْ يَهْلِكَ وَتَهْلِكَ الْمَرْأَةُ، فَعَاجَلَهُ وَخَالَطَهُ وَهُوَ مِثْلُ الْجَمَلِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِهِ فَقَتَلَهُ وَدَقَّ عُنُقَهُ، وَوَضَعَ رُكْبَتَهُ فِي ظَهْرِهِ فَدَقَّهُ، ثُمَّ قَامَ لِيَخْرُجَ، فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ بِثَوْبِهِ وَهِيَ تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ. فَقَالَ: قَدْ قَتَلْتُهُ وَأَرَحْتُكِ مِنْهُ، وَخَرَجَ فَأَخْبَرَنَا، فَدَخَلْنَا مَعَهُ، فَخَارَ كَمَا يَخُورُ الثَّوْرُ، فَقَطَعْتُ رَأْسَهُ بِالشَّفْرَةِ، وَابْتَدَرَ الْحَرَسُ الْمَقْصُورَةَ يَقُولُونَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: النَّبِيُّ يُوحَى إِلَيْهِ فَخَمَدُوا، وَقَعَدْنَا نَأْتَمِرُ بَيْنَنَا، فَيْرُوزُ وَدَاذَوَيْهِ وَقَيْسٌ، كَيْفَ نُخْبِرُ أَشْيَاعَنَا، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى النِّدَاءِ، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ نَادَيْنَا بِشِعَارِنَا الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَصْحَابِنَا، فَفَزِعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْكَافِرُونَ، ثُمَّ نَادَيْنَا بِشِعَارِنَا بِالْأَذَانِ فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ عَيْهَلَةَ كَذَّابٌ! وَأَلْقَيْنَا إِلَيْهِمْ رَأَسَهُ، وَأَحَاطَ بِنَا أَصْحَابُهُ وَحَرَسُهُ، وَشَنُّوا الْغَارَةَ، وَأَخَذُوا صِبْيَانًا كَثِيرَةً وَانْتَهَبُوا. فَنَادَيْنَا أَهْلَ صَنْعَاءَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْهُمْ فَأَمْسِكْهُ، فَفَعَلُوا. فَلَمَّا خَرَجَ أَصْحَابُهُ فَقَدُوا سَبْعِينَ رَجُلًا، فَرَاسَلُونَا، وَرَاسَلْنَاهُمْ عَلَى أَنْ يَتْرُكُوا لَنَا مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَنَتْرُكَ مَا فِي أَيْدِينَا، فَفَعَلْنَا، وَلَمْ يَظْفَرُوا مِنَّا بِشَيْءٍ، وَتَرَدَّدُوا فِيمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَنَجْرَانَ. وَتَرَاجَعَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَعْمَالِهِمْ، وَكَانَ يُصَلِّي بِنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَكَتَبْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَبَرِهِ، وَذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ.
وَأَتَاهُ الْخَبَرُ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَقَدِمَتْ رُسُلُنَا، وَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَابَنَا أَبُو بَكْرٍ. «قَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَتَى الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لَيْلَتِهِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا، فَقَالَ: قُتِلَ الْعَنْسِيُّ، قَتَلَهُ رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مُبَارَكِينَ، قِيلَ: مَنْ قَتَلَهُ؟ قَالَ: قَتَلَهُ فَيْرُوزُ» . قِيلَ: كَانَ أَوَّلُ أَمْرِ الْعَنْسِيِّ إِلَى آخِرِهِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ قُدُومُ الْبَشِيرِ بِقَتْلِهِ فِي آخِرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ أَوَّلَ بِشَارَةٍ أَتَتْ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ فَيْرُوزُ: لَمَّا قَتَلْنَا الْأَسْوَدَ عَادَ أَمْرُنَا كَمَا كَانَ، وَأَرْسَلْنَا إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فَصَلَّى بِنَا وَنَحْنُ رَاجُونَ مُؤَمِّلُونَ، لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ نَكْرَهُهُ إِلَّا تِلْكَ الْخُيُولُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَسْوَدِ، فَأَتَى مَوْتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْتَقَضَتِ الْأُمُورُ وَاضْطَرَبَتِ الْأَرْضُ. (الْعَنْسِيُّ بِالْعَيْنِ وَالنُّونِ) وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً أَوْ نَحْوِهَا، وَقِيلَ: تُوُفِّيَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَغَسَّلَهَا عَلِيٌّ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَصَلَّى عَلَيْهَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَدَخَلَ قَبْرَهَا الْعَبَّاسُ، وَعَلِيٌّ، وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَكَانَ أَصَابَهُ سَهْمٌ بِالطَّائِفِ وَهُوَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَاهُ بِهِ أَبُو مِحْجَنٍ، ثُمَّ انْتَقَضَ عَلَيْهِ فَمَاتَ فِي شَوَّالٍ. وَفِي هَذَا الْعَامِ الَّذِي بُويِعَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ مَلَكَ يَزْدَجِرْدُ بِلَادَ فَارِسَ. وَفِيهِ، أَعْنِي سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، اشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَوْلَاهُ أَسْلَمَ بِمَكَّةَ مِنْ نَاسٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ.
ذكر أخبار الردة
[ذِكْرُ أَخْبَارِ الرِّدَّةِ] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَقَدْ قُمْنَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقَامًا كِدْنَا نَهْلِكُ فِيهِ، لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَيْنَا بِأَبِي بَكْرٍ، أَجْمَعْنَا عَلَى أَنْ لَا نُقَاتِلَ عَلَى ابْنَةِ مَخَاضٍ وَابْنَةِ لَبُونٍ، وَأَنْ نَأْكُلَ قُرًى عَرَبِيَّةً، وَنَعْبُدَ اللَّهَ حَتَّى يَأْتِيَنَا الْيَقِينُ، فَعَزَمَ اللَّهُ لِأَبِي بَكْرٍ عَلَى قِتَالِهِمْ، فَوَاللَّهِ مَا رَضِيَ مِنْهُمْ إِلَّا بِالْخُطَّةِ الْمُخْزِيَةِ أَوِ الْحَرْبِ الْمُجْلِيَةِ؛ فَأَمَّا الْخُطَّةُ الْمُخْزِيَةُ أَنْ يُقِرُّوا بِأَنَّ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فِي النَّارِ، وَمَنْ قُتِلَ مِنَّا فِي الْجَنَّةِ، وَأَنْ يَدُوا قَتْلَانَا وَنَغْنَمَ مَا أَخَذْنَا مِنْهُمْ، وَأَنَّ مَا أَخَذُوا مِنَّا مَرْدُودٌ عَلَيْنَا. وَأَمَّا الْحَرْبُ الْمُجْلِيَةُ فَأَنْ يُخْرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ. وَأَمَّا أَخْبَارُ الرِّدَّةِ فَإِنَّهُ لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَيَّرَ أَبُو بَكْرٍ جَيْشَ أُسَامَةَ ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ وَتَضَرَّمَتِ الْأَرْضُ نَارًا، وَارْتَدَّتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ، عَامَّةً أَوْ خَاصَّةً، إِلَّا قُرَيْشًا وَثَقِيفًا، وَاسْتَغْلَظَ أَمْرُ مُسَيْلِمَةَ وَطُلَيْحَةَ، وَاجْتَمَعَ عَلَى طُلَيْحَةَ عَوَامُّ طَيِّئٍ وَأَسَدٍ، وَارْتَدَّتْ غَطَفَانُ تَبَعًا لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: نَبِيٌّ مِنَ الْحَلِيفَيْنِ - يَعْنِي أَسَدًا وَغَطَفَانَ - أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ نَبِيٍّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ مَاتَ مُحَمَّدٌ وَطُلَيْحَةُ حَيٌّ. فَاتَّبَعَهُ وَتَبِعَتْهُ غَطَفَانُ. وَقَدِمَتْ رُسُلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْيَمَامَةِ وَأَسَدٍ وَغَيْرِهِمَا وَقَدْ مَاتَ، فَدَفَعُوا كُتُبَهُمْ لِأَبِي بَكْرٍ، وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ عَنْ مُسَيْلِمَةَ وَطُلَيْحَةَ، فَقَالَ: لَا تَبْرَحُوا حَتَّى تَجِيءَ رُسُلُ أُمَرَائِكُمْ وَغَيْرِهِمْ بِأَدْهَى مِمَّا وَصَفْتُمْ، فَكَانَ كَذَلِكَ، وَقَدِمَتْ كُتُبُ أُمَرَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ كُلِّ مَكَانٍ بِانْتِفَاضِ الْعَرَبِ عَامَّةً أَوْ خَاصَّةً، وَتَسَلُّطِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَحَارَبَهُمْ أَبُو بَكْرٍ بِمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَارِبُهُمْ؛ بِالرُّسُلِ، فَرَدَّ رُسُلَهُمْ بِأَمْرِهِ، وَأَتْبَعَ رُسُلَهُمْ رُسُلًا، وَانْتَظَرَ بِمُصَادَمَتِهِمْ قُدُومَ أُسَامَةَ، فَكَانَ عُمَّالُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قُضَاعَةَ وَكَلْبٍ: امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ الْأَصْبَغِ الْكَلْبِيُّ، وَعَلَى الْقَيْنِ: عَمْرُو بْنُ الْحَكَمِ، وَعَلَى سَعْدِ هُذَيْمٍ: مُعَاوِيَةُ الْوَالِبِيُّ، فَارْتَدَّ وَدِيعَةُ الْكَلْبِيُّ فِيمَنْ تَبِعَهُ، وَبَقِيَ امْرُؤُ الْقَيْسِ عَلَى دِينِهِ، وَارْتَدَّ زُمَيْلُ بْنُ قُطْبَةَ الْقَيْنِيُّ، وَبَقِيَ عَمْرٌو، وَارْتَدَّ مُعَاوِيَةُ فِيمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ سَعْدِ هُذَيْمٍ، فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى امْرِئِ الْقَيْسِ، وَهُوَ جَدُّ سُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، فَسَارَ بِوَدِيعَةَ إِلَى عَمْرٍو، فَأَقَامَ لِزُمَيْلٍ، وَإِلَى مُعَاوِيَةَ الْعُذْرِيِّ، وَتَوَسَّطَتْ خَيْلُ أُسَامَةَ بِبِلَادِ قُضَاعَةَ، فَشَنَّ الْغَارَةَ فِيهِمْ، فَغَنِمُوا وَعَادُوا سَالِمِينَ.
ذكر خبر طليحة الأسدي
[ذِكْرُ خَبَرِ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ] وَكَانَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيُّ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ قَدْ تَنَبَّأَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَّهَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضِرَارَ بْنَ الْأَزْوَرِ عَامِلًا عَلَى بَنِي أَسَدٍ، وَأَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ عَلَى مَنِ ارْتَدَّ، فَضَعُفَ أَمْرُ طُلَيْحَةَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَخْذُهُ، فَضَرَبَهُ بِسَيْفٍ، فَلَمْ يَصْنَعْ فِيهِ شَيْئًا، فَظَهَرَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ السِّلَاحَ لَا يَعْمَلُ فِيهِ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ. وَمَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَكَانَ طُلَيْحَةُ يَقُولُ: إِنَّ جِبْرَائِيلَ يَأْتِينِي، وَسَجَعَ لِلنَّاسِ الْأَكَاذِيبَ، وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِتَرْكِ السُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِتَعَفُّرِ وُجُوهِكُمْ وَتَقَبُّحِ أَدْبَارِكُمْ - شَيْئًا، اذْكُرُوا اللَّهَ أَعِفَّةً قِيَامًا. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَتَبِعَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ عَصَبِيَّةً، فَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ أَتْبَاعِهِ مِنْ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ وَطَيِّئٍ. فَسَارَتْ فَزَارَةُ وَغَطَفَانُ إِلَى جَنُوبِ طِيبَةَ، وَأَقَامَتْ طَيِّئُ عَلَى حُدُودِ أَرَاضِيهِمْ، وَأَسَدٌ بِسُمَيْرَاءَ، وَاجْتَمَعَتْ عَبْسٌ وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْدٍ وَمُرَّةُ بِالْأَبْرَقِ مِنَ الرِّبْذَةِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمْ نَاسٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، فَلَمْ تَحْمِلْهُمُ الْبِلَادُ فَافْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ، أَقَامَتْ فِرْقَةٌ بِالْأَبْرَقِ، وَسَارَتْ فِرْقَةٌ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ، وَأَمَدَّهُمْ طُلَيْحَةُ بِأَخِيهِ حِبَالٍ، فَكَانَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَنْ مَعَهُمْ مِنِ الدُّئِلِ وَلَيْثٍ وَمُدْلِجٍ، وَأَرْسَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ يَبْذُلُونَ الصَّلَاةَ وَيَمْنَعُونَ الزَّكَاةَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ. وَكَانَ عَقَلَ الصَّدَقَةَ عَلَى أَهْلِ الصَّدَقَةِ وَرَدَّهُمْ، فَرَجَعَ وَفْدُهُمْ، فَأَخْبَرُوهُمْ بِقِلَّةِ مَنْ فِي الْمَدِينَةِ وَأَطْمَعُوهُمْ فِيهَا. وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ مَسِيرَةِ الْوَفْدِ عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ عَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَأَلْزَمَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِحُضُورِ الْمَسْجِدِ خَوْفَ الْغَارَةِ مِنَ الْعَدُوِّ لِقُرْبِهِمْ، فَمَا لَبِثُوا إِلَّا ثَلَاثًا حَتَّى طَرَقُوا الْمَدِينَةَ غَارَةً مَعَ اللَّيْلِ، وَخَلَّفُوا بَعْضَهُمْ بِذِي حُسًى؛ لِيَكُونُوا لَهُمْ رِدْءًا، فَوَافَوْا لَيْلًا الْأَنْقَابَ وَعَلَيْهَا الْمُقَاتِلَةُ فَمَنَعُوهُمْ، وَأَرْسَلُوا إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِالْخَبَرِ، فَخَرَجَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ عَلَى النَّوَاضِحِ، فَرَدُّوا الْعَدُوَّ وَاتَّبَعُوهُمْ حَتَّى بَلَغُوا ذَا حُسًى، فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الرِّدْءُ بِأَنْحَاءَ قَدْ نَفَخُوهَا وَفِيهَا الْحِبَالُ، ثُمَّ دَهْدَهُوهَا عَلَى الْأَرْضِ، فَنَفَرَتْ إِبِلُ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ عَلَيْهَا، وَرَجَعَتْ بِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يُصْرَعْ مُسْلِمٌ. وَظَنَّ الْكُفَّارُ بِالْمُسْلِمِينَ الْوَهَنَ، وَبَعَثُوا إِلَى أَهْلِ ذِي الْقَصَّةِ بِالْخَبَرِ، فَقَدِمُوا عَلَيْهَا،
وَبَاتَ أَبُو بَكْرٍ يُعَبِّي النَّاسَ، وَخَرَجَ عَلَى تَعْبِيَةٍ يَمْشِي، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُقَرِّنٍ وَعَلَى أَهْلِ السَّاقَةِ سُوِيدُ بْنُ مُقَرِّنٍ. فَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ إِلَّا وَهُمْ وَالْعَدُوُّ عَلَى صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَمَا شَعَرُوا بِالْمُسْلِمِينَ حَتَّى وَضَعُوا فِيهِمُ السُّيُوفَ، فَمَا ذَرَّ قَرْنُ الشَّمْسِ حَتَّى وَلَّوْهُمُ الْأَدْبَارَ، وَغَلَبُوهُمْ عَلَى عَامَّةِ ظَهْرِهِمْ، وَقُتِلَ رِجَالٌ، وَاتَّبَعَهُمْ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى نَزَلَ بِذِي الْقَصَّةِ، وَكَانَ أَوَّلَ الْفَتْحِ، وَوَضَعَ بِهَا النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ فِي عَدَدٍ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَذَلَّ لَهُ الْمُشْرِكُونَ. فَوَثَبَ بَنُو عَبْسٍ وَذُبْيَانَ عَلَى مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوهُمْ، فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ لَيَقْتُلَنَّ فِي الْمُشْرِكِينَ بِمَنْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَزِيَادَةً، وَازْدَادَ الْمُسْلِمُونَ قُوَّةً وَثَبَاتًا. وَطَرَقَتِ الْمَدِينَةَ صَدَقَاتُ نَفَرٍ كَانُوا عَلَى صَدَقَةِ النَّاسِ، بِهِمْ صَفْوَانُ وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَذَلِكَ لِتَمَامِ سِتِّينَ يَوْمًا مِنْ مَخْرَجِ أُسَامَةَ، وَقَدِمَ أُسَامَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ، وَقِيلَ: كَانَتْ غَزْوَتُهُ وَعَوْدُهُ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا. فَلَمَّا قَدِمَ أُسَامَةُ اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمَدِينَةِ وَجُنْدُهُ مَعَهُ؛ لِيَسْتَرِيحُوا وَيُرِيحُوا ظَهْرَهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ فِيمَنْ كَانَ مَعَهُ، فَنَاشَدَهُ الْمُسْلِمُونَ لِيُقِيمَ، فَأَبَى وَقَالَ: لَأُوَاسِيَنَّكُمْ بِنَفْسِي. وَسَارَ إِلَى ذِي حُسًى وَذِي الْقَصَّةِ حَتَّى نَزَلَ بِالْأَبْرَقِ، فَقَاتَلَ مَنْ بِهِ، فَهَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ وَأُخِذَ الْحُطَيْئَةُ أَسِيرًا، فَطَارَتْ عَبْسٌ وَبَنُو بَكْرٍ، وَأَقَامَ أَبُو بَكْرٍ بِالْأَبْرَقِ أَيَّامًا، وَغَلَبَ عَلَى بَنِي ذُبْيَانَ وَبِلَادِهِمْ، وَحَمَاهَا لِدَوَابِّ الْمُسْلِمِينَ وَصَدَقَاتِهِمْ. وَلَمَّا انْهَزَمَتْ عَبْسٌ وَذُبْيَانُ رَجَعُوا إِلَى طُلَيْحَةَ وَهُوَ بِبُزَاخَةَ، وَكَانَ رَحَلَ مِنْ سُمَيْرَاءَ إِلَيْهَا، فَأَقَامَ عَلَيْهَا، وَعَادَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا اسْتَرَاحَ أُسَامَةُ وَجُنْدُهُ، وَكَانَ قَدْ جَاءَهُمْ صَدَقَاتٌ كَثِيرَةٌ تُفْضَلُ عَلَيْهِمْ - قَطَعَ أَبُو بَكْرٍ الْبُعُوثَ وَعَقَدَ الْأَلْوِيَةِ، فَعَقَدَ أَحَدَ عَشَرَ لِوَاءً، عَقَدَ لِوَاءً لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَأَمَرَهُ بِطُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ، فَإِذَا فَرَغَ سَارَ إِلَى مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ بِالْبُطَاحِ إِنْ أَقَامَ لَهُ، وَعَقَدَ لِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَأَمَرَهُ بِمُسَيْلِمَةَ، وَعَقَدَ لِلْمُهَاجِرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ وَأَمَرَهُ بِجُنُودِ الْعَنْسِيِّ، وَمَعُونَةِ الْأَبْنَاءِ عَلَى قَيْسِ بْنِ مَكْشُوحٍ، ثُمَّ يَمْضِي إِلَى كِنْدَةَ بِحَضْرَمَوْتَ، وَعَقَدَ لِخَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَبَعَثَهُ إِلَى مَشَارِفِ الشَّامِ، وَعَقَدَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَرْسَلَهُ إِلَى قُضَاعَةَ، وَعَقَدَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْغَلْفَانِيِّ وَأَمَرَهُ بِأَهْلِ دَبَا، وَعَقَدَ لِعَرْفَجَةَ
بْنِ هَرْثَمَةَ وَأَمَرَهُ بِمَهْرَةَ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَجْتَمِعَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي عَمَلِهِ. وَبَعَثَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ فِي أَثَرِ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَقَالَ: إِذَا فَرَغَ مِنَ الْيَمَامَةِ فَالْحَقْ بِقُضَاعَةَ وَأَنْتَ عَلَى خَيْلِكَ تُقَاتِلُ أَهْلَ الرِّدَّةِ. وَعَقَدَ لِمَعْنِ بْنِ حَاجِزٍ وَأَمَرَهُ بِبَنِي سُلَيْمٍ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ هَوَازِنَ، وَعَقَدَ لِسُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ وَأَمَرَهُ بِتِهَامَةَ بِالْيَمَنِ، وَعَقَدَ لِلْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ وَأَمَرَهُ بِالْبَحْرَيْنِ، فَفَصَلَتِ الْأُمَرَاءُ مِنْ ذِي الْقَصَّةِ، وَلَحِقَ بِكُلِّ أَمِيرٍ جُنْدُهُ، وَعَهِدَ إِلَى كُلِّ أَمِيرٍ، وَكَتَبَ إِلَى جَمِيعِ الْمُرْتَدِّينَ نُسْخَةً وَاحِدَةً، يَأْمُرُهُمْ بِمُرَاجَعَةِ الْإِسْلَامِ وَيُحَذِّرُهُمْ، وَسَيَّرَ الْكُتُبَ إِلَيْهِمْ مَعَ رُسُلِهِ. وَلَمَّا انْهَزَمَتْ عَبْسٌ وَذُبْيَانُ وَرَجَعُوا إِلَى طُلَيْحَةَ بِبُزَاخَةَ أَرْسَلَ إِلَى جَدِيلَةَ وَالْغَوْثِ مِنْ طَيِّئٍ يَأْمُرُهُمْ بِاللَّحَاقِ بِهِ، فَتَعَجَّلَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ، وَأَمَرُوا قَوْمَهُمْ بِاللَّحَاقِ بِهِمْ، فَقَدِمُوا عَلَى طُلَيْحَةَ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ بَعَثَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ قَبْلَ خَالِدٍ إِلَى طَيِّئٍ، وَأَتْبَعَهُ خَالِدًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْدَأَ بَطَيِّئٍ، وَمِنْهُمْ يَسِيرُ إِلَى بُزَاخَةَ، ثُمَّ يُثَلِّثُ بِالْبُطَاحِ، وَلَا يَبْرَحُ إِذَا فَرَغَ مِنْ قَوْمٍ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ. وَأَظْهَرَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ أَنَّهُ خَارِجٌ إِلَى خَيْبَرَ بِجَيْشٍ حَتَّى يُلَاقِيَ خَالِدًا، يُرْهِبُ الْعَدُوَّ بِذَلِكَ. وَقَدِمَ عَدِيٌّ عَلَى طَيِّئٍ فَدَعَاهُمْ وَخَوَّفَهُمْ، فَأَجَابُوهُ وَقَالُوا لَهُ: اسْتَقْبِلِ الْجَيْشَ فَأَخِّرْهُ عَنَّا حَتَّى نَسْتَخْرِجَ مَنْ عِنْدَ طُلَيْحَةَ مِنَّا؛ لِئَلَّا يَقْتُلَهُمْ. فَاسْتَقْبَلَ عَدِيٌّ خَالِدًا وَأَخْبَرَهُ بِالْخَبَرِ، فَتَأَخَّرَ خَالِدٌ، وَأَرْسَلَتْ طَيِّئٌ إِلَى إِخْوَانِهِمْ عِنْدَ طُلَيْحَةَ فَلَحِقُوا بِهِمْ، فَعَادَتْ طَيِّئٌ إِلَى خَالِدٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَلَحِقَ بِالْمُسْلِمِينَ أَلْفُ رَاكِبٍ مِنْهُمْ، وَكَانَ خَيْرَ مَوْلُودٍ فِي أَرْضِ طَيِّئٍ وَأَعْظَمَهُ بَرَكَةً عَلَيْهِمْ. وَأَرْسَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ وَثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ الْأَنْصَارِيَّ طَلِيعَةً، فَلَقِيَهُمَا حِبَالٌ أَخُو طُلَيْحَةَ فَقَتَلَاهُ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ طُلَيْحَةَ، فَخَرَجَ هُوَ وَأَخُوهُ سَلَمَةُ، فَقَتَلَ طُلَيْحَةُ عُكَّاشَةَ، وَقَتَلَ أَخُوهُ ثَابِتًا، وَرَجَعَا. وَأَقْبَلَ خَالِدٌ بِالنَّاسِ فَرَأَوْا عُكَّاشَةَ وَثَابِتًا قَتِيلَيْنِ، فَجَزِعَ لِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَانْصَرَفَ بِهِمْ خَالِدٌ نَحْوَ طَيِّئٍ، فَقَالَتْ لَهُ طَيِّئٌ: نَحْنُ نَكْفِيكَ قَيْسًا، فَإِنَّ بَنِي أَسَدٍ حُلَفَاؤُنَا. فَقَالَ: أَيُّ الطَّائِفَتَيْنِ شِئْتُمْ. فَقَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: لَوْ نَزَلَ هَذَا عَلَى الَّذِينَ هُمْ أُسْرَتِي الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ، وَاللَّهِ لَا أَمْتَنِعُ عَنْ جِهَادِ بَنِي أَسَدٍ لِحِلْفِهِمْ. فَقَالَ لَهُ
خَالِدٌ: إِنَّ جِهَادَ الْفَرِيقَيْنِ جِهَادٌ، لَا تُخَالِفْ رَأْيَ أَصْحَابِكَ، وَامْضِ بِهِمْ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ هُمْ لِقِتَالِهِمْ أَنْشَطُ، ثُمَّ تَعَبَّى لِقِتَالِهِمْ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى الْتَقَيَا عَلَى بُزَاخَةَ، وَبَنُو عَامِرٍ قَرِيبًا يَتَرَبَّصُونَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ، قَالَ: فَاقْتَتَلَ النَّاسُ عَلَى بُزَاخَةَ. وَكَانَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ مَعَ طُلَيْحَةَ فِي سَبْعِمِائَةٍ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ، فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَطُلَيْحَةُ مُتَلَفِّفٌ فِي كِسَائِهِ يَتَنَبَّأُ لَهُمْ، فَلَمَّا اشْتَدَّتِ الْحَرْبُ كَرَّ عُيَيْنَةُ عَلَى طُلَيْحَةَ وَقَالَ لَهُ: هَلْ جَاءَكَ جِبْرَائِيلُ بَعْدُ؟ قَالَ: لَا، فَرَجَعَ فَقَاتَلَ، ثُمَّ كَرَّ عَلَى طُلَيْحَةَ فَقَالَ لَهُ: لَا أَبَا لَكَ! أَجَاءَكَ جِبْرَائِيلُ؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ: حَتَّى مَتَى؟ قَدْ وَاللَّهِ بَلَغَ مِنَّا! ثُمَّ رَجَعَ فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا ثُمَّ كَرَّ عَلَى طُلَيْحَةَ فَقَالَ: هَلْ جَاءَكَ جِبْرَائِيلُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَاذَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ لِي: إِنَّ لَكَ رَحًا كَرَحَاهُ، وَحَدِيثًا لَا تَنْسَاهُ. فَقَالَ عُيَيْنَةُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَكُونُ حَدِيثٌ لَا تَنْسَاهُ، انْصَرِفُوا يَا بَنِي فَزَارَةَ فَإِنَّهُ كَذَّابٌ، فَانْصَرَفُوا وَانْهَزَمَ النَّاسُ. وَكَانَ طُلَيْحَةُ قَدْ أَعَدَّ فَرَسَهُ وَرَاحِلَتَهُ لِامْرَأَتِهِ النَّوَّارِ، فَلَمَّا غَشَوْهُ رَكِبَ فَرَسَهُ وَحَمَلَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ نَجَا بِهَا وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ فَزَارَةَ، مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَفْعَلَ هَكَذَا وَيَنْجُوَ بِامْرَأَتِهِ فَلْيَفْعَلْ. ثُمَّ انْهَزَمَ فَلَحِقَ بِالشَّامِ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَى كَلْبٍ، فَأَسْلَمَ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ أَسَدًا وَغَطَفَانَ قَدْ أَسْلَمُوا، وَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا فِي كَلْبٍ حَتَّى مَاتَ أَبُو بَكْرٍ. وَكَانَ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ وَمَرَّ بِجَنَبَاتِ الْمَدِينَةِ، فَقِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا طُلَيْحَةُ! فَقَالَ: مَا أَصْنَعُ بِهِ؟ قَدْ أَسْلَمَ! ثُمَّ أَتَى عُمَرَ فَبَايَعَهُ حِينَ اسْتُخْلِفَ. فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ قَاتِلُ عُكَّاشَةَ وَثَابِتٍ؟ وَاللَّهِ لَا أُحِبُّكَ أَبَدًا! فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُهِمُّكَ مِنْ رَجُلَيْنِ أَكْرَمَهُمَا اللَّهُ بِيَدِي، وَلَمْ يُهِنِّي بِأَيْدِيهِمَا! فَبَايَعَهُ عُمَرُ وَقَالَ لَهُ: مَا بَقِيَ مِنْ كَهَانَتِكَ؟ فَقَالَ؟ نَفْخَةٌ أَوْ نَفْخَتَانِ بِالْكِيرِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ حَتَّى خَرَجَ إِلَى الْعِرَاقِ. وَلَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ طُلَيْحَةَ أُسِرَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، فَقُدِمَ بِهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ لَهُ وَهُوَ مَكْتُوفٌ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، أَكَفَرْتَ بَعْدَ إِيمَانِكَ؟ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا آمَنْتُ بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ. فَتَجَاوَزَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَحَقَنَ دَمَهُ. وَأُخِذَ مِنْ أَصْحَابِ طُلَيْحَةَ رَجُلٌ كَانَ عَالِمًا بِهِ، فَسَأَلَهُ خَالِدٌ عَمَّا كَانَ يَقُولُ، فَقَالَ:
ذكر ردة بني عامر وهوازن وسليم
إِنَّ مِمَّا أَتَى بِهِ: وَالْحَمَامُ وَالْيَمَامُ، وَالصُّرَدُ الصُّوَّامُ، قَدْ صُمْنَ قَبْلَكُمْ بِأَعْوَامٍ، لَيَبْلُغَنَّ مُلْكُنَا الْعِرَاقَ وَالشَّامَ. قَالَ: وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ سَبْيٌ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَحْرَزُوا حَرِيمَهُمْ، فَلَمَّا انْهَزَمُوا أَقَرُّوا بِالْإِسْلَامِ خَشْيَةً عَلَى عِيَالَاتِهِمْ، فَآمَنَهُمْ. (حِبَالٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبَعْدَ الْأَلْفِ لَامٌ. وَذُو الْقَصَّةِ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ. وَذُو حُسًى بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ. وَدَبَا بِفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ، وَالْبَاءَ الْمُوَحَّدَةِ. وَبُزَاخَةُ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبِالزَّايِ، وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ) . [ذِكْرُ رِدَّةِ بَنِي عَامِرٍ وَهَوَازِنَ وَسُلَيْمٍ] وَكَانَتْ بَنُو عَامِرٍ تُقَدِّمُ إِلَى الرِّدَّةِ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى، وَتَنْظُرُ مَا تَصْنَعُ أَسَدٌ وَغَطَفَانُ، فَلَمَّا أُحِيطَ بِهِمْ وَبَنُو عَامِرٍ عَلَى قَادَتِهِمْ وَسَادَتِهِمْ - كَانَ قُرَّةُ بْنُ هُبَيْرَةَ فِي كَعْبٍ وَمَنْ لَافَّهَا، وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ فِي كِلَابٍ وَمَنْ لَافَّهَا، وَكَانَ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَحِقَ بِالشَّامِ بَعْدَ فَتْحِ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْبَلَ مُسْرِعًا حَتَّى عَسْكَرَ فِي بَنِي كَعْبٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ سَرِيَّةً عَلَيْهَا الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَقِيلَ: بَلْ قَعْقَاعُ بْنُ سَوْرٍ، وَقَالَ لَهُ لِيُغِيرَ عَلَى عَلْقَمَةَ لَعَلَّهُ يَقْتُلُهُ أَوْ يَسْتَأْسِرُهُ. فَخَرَجَ حَتَّى أَغَارَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي عَلَيْهِ عَلْقَمَةُ، وَكَانَ لَا يَبْرَحُ إِلَّا مُسْتَعِدًّا، فَسَابَقَهُمْ عَلَى فَرَسِهِ فَسَبَقَهُمْ، وَأَسْلَمَ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ، وَأَخَذَهُمُ الْقَعْقَاعُ وَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَجَحَدُوا أَنْ يَكُونُوا عَلَى حَالِ عَلْقَمَةَ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَبَا بَكْرٍ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ فَارَقُوا دَارَهُمْ، وَقَالُوا لَهُ: مَا ذَنْبُنَا فِيمَا صَنَعَ عَلْقَمَةُ؟ فَأَرْسَلَهُمْ. ثُمَّ أَسْلَمَ، فَقُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَأَقْبَلَتْ بَنُو عَامِرٍ بَعْدَ هَزِيمَةِ أَهْلِ بُزَاخَةَ يَقُولُونَ: نَدْخُلُ فِيمَا خَرَجْنَا مِنْهُ، وَنُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَتَوْا خَالِدًا فَبَايَعَهُمْ عَلَى مَا بَايَعَ أَهْلَ بُزَاخَةَ، وَأَعْطَوْهُ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَتْ بَيْعَتُهُ: عَلَيْكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ لَتُؤْمِنُنَّ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَتُقِيمُنَّ الصَّلَاةَ، وَلَتُؤْتُنَّ الزَّكَاةَ، وَتُبَايِعُونَ عَلَى ذَلِكَ أَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعَمْ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَسَدٍ، وَغَطَفَانَ، وَطَيِّئٍ، وَسُلَيْمٍ، وَعَامِرٍ - إِلَّا أَنْ يَأْتُوهُ بِالَّذِينَ حَرَّقُوا وَمَثَّلُوا وَعَدَوْا عَلَى
الْإِسْلَامِ فِي حَالِ رِدَّتِهِمْ، فَأَتَوْهُ بِهِمْ، فَمَثَّلَ بِهِمْ وَحَرَّقَهُمْ وَرَضَخَهُمْ بِالْحِجَارَةِ، وَرَمَى بِهِمْ مِنَ الْجِبَالِ، وَنَكَّسَهُمْ فِي الْآبَارِ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يُعْلِمُهُ مَا فَعَلَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قُرَّةَ بْنَ هُبَيْرَةَ وَنَفَرًا مَعَهُ مُوَثَّقِينَ، وَزُهَيْرًا أَيْضًا. وَأَمَّا أُمُّ زَمْلٍ فَاجْتَمَعَ فُلَّالُ غَطَفَانَ وَطَيِّئٍ وَسُلَيْمٍ وَهَوَازِنَ وَغَيْرِهَا إِلَى أُمِّ زَمْلٍ سَلْمَى بِنْتِ مَالِكِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَكَانَتْ أُمُّهَا أُمَّ قِرْفَةَ بِنْتَ رَبِيعَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَكَانَتْ أُمُّ زَمْلٍ قَدْ سُبِيَتْ أَيَّامَ أُمِّهَا أُمِّ قِرْفَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْغَزْوَةُ، فَوَقَعَتْ لِعَائِشَةَ، فَأَعْتَقَتْهَا وَرَجَعَتْ إِلَى قَوْمِهَا وَارْتَدَّتْ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهَا الْفَلُّ، فَأَمَرَتْهُمْ بِالْقِتَالِ، وَكَثُفَ جَمْعُهَا وَعَظُمَتْ شَوْكَتُهَا. فَلَمَّا بَلَغَ خَالِدًا أَمْرُهَا سَارَ إِلَيْهَا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا أَوَّلَ يَوْمٍ وَهِيَ وَاقِفَةٌ عَلَى جَمَلٍ كَانَ لِأُمِّهَا، وَهِيَ فِي مِثْلِ عِزِّهَا، فَاجْتَمَعَ عَلَى الْجَمَلِ فَوَارِسٌ فَعَقَرُوهُ وَقَتَلُوهَا، وَقُتِلَ حَوْلَ جَمَلِهَا مِائَةُ رَجُلٍ، وَبَعَثَ بِالْفَتْحِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ. وَأَمَّا خَبَرُ الْفُجَاءَةِ السُّلَمِيِّ، وَاسْمُهُ إِيَاسُ بْنُ عَبْدِ يَالِيلَ، فَإِنَّهُ جَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ: أَعِنِّي بِالسِّلَاحِ، أُقَاتِلُ بِهِ أَهْلَ الرِّدَّةِ. فَأَعْطَاهُ سِلَاحًا وَأَمَّرَهُ إِمْرَةً، فَخَالَفَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَخَرَجَ حَتَّى نَزَلَ بِالْجِوَاءِ، وَبَعَثَ نُخْبَةَ بْنَ أَبِي الْمَيْثَاءِ مِنْ بَنِي الشَّرِيدِ وَأَمَرَهُ بِالْمُسْلِمِينَ، فَشَنَّ الْغَارَةَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي سُلَيْمٍ، وَعَامِرٍ، وَهَوَازِنَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى طُرَيْفَةَ بْنِ حَاجِزٍ،، فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ وَيَسِيرَ إِلَيْهِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ الْحَاسِيَّ عَوْنًا، فَنَهَضَا إِلَيْهِ وَطَلَبَاهُ، فَلَاذَ مِنْهُمَا، ثُمَّ لَقِيَاهُ عَلَى الْجِوَاءِ فَاقْتَتَلُوا، وَقُتِلَ نُخْبَةُ وَهَرَبَ الْفُجَاءَةُ، فَلَحِقَهُ طُرَيْفَةُ فَأَسَرَهُ، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا قَدِمَ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ تُوقَدَ لَهُ نَارٌ فِي مُصَلَّى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ رُمِيَ بِهِ فِيهِ مَقْمُوطًا. وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي شَجَرَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى السُّلَمِيِّ، وَهُوَ ابْنُ الْخَنْسَاءِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدِ ارْتَدَّ فِيمَنِ ارْتَدَّ مِنْ سُلَيْمٍ، وَثَبَتَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ مَعَ مَعْنِ بْنِ حَاجِزٍ، وَكَانَ أَمِيرًا لِأَبِي بَكْرٍ. فَلَمَّا سَارَ خَالِدٌ إِلَى طُلَيْحَةَ كَتَبَ إِلَى مَعْنٍ أَنْ يَلْحَقَهُ فِيمَنْ مَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَسَارَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى عَمَلِهِ أَخَاهُ طُرَيْفَةَ بْنَ حَاجِزٍ. فَقَالَ أَبُو شَجَرَةَ حِينَ ارْتَدَّ: صَحَا الْقَلْبُ عَنْ مَيٍّ هَوَاهُ وَأَقْصَرَا ... وَطَاوَعَ فِيهَا الْعَاذِلِينَ فَأَبْصَرَا
ذكر قدوم عمرو بن العاص من عمان
أَلَا أَيُّهَا الْمُدْلِي بِكَثْرَةِ قَوْمِهِ وَحَظُّكَ مِنْهُمْ أَنْ تُضَامَ وَتُقْهَرَا ... سَلِ النَّاسَ عَنَّا كُلَّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ إِذَا مَا الْتَقَيْنَا دَارِعِينَ وَحُسَّرًا ... أَلَسْنَا نُعَاطِي ذَا الطِّمَاحِ لِجَامَهُ وَنَطْعَنُ فِي الْهَيْجَا إِذَا الْمَوْتُ أَقْفَرَا ... فَرَوَّيْتُ رُمْحِي مِنْ كَتِيبَةِ خَالِدٍ وَإِنِّي لَأَرْجُو بَعْدَهَا أَنْ أَعُمَّرَا ثُمَّ إِنَّ أَبَا شَجَرَةَ أَسْلَمَ، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَرَأَى عُمَرَ وَهُوَ يُقَسِّمُ فِي الْمَسَاكِينِ، فَقَالَ: أَعْطِنِي فَإِنِّي ذُو حَاجَةٍ، فَقَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا أَبُو شَجَرَةَ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى السُّلَمِيُّ. قَالَ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، لَا وَاللَّهِ! أَلَسْتَ الَّذِي تَقُولُ: فَرَوَّيْتُ رُمْحِي مِنْ كَتِيبَةِ خَالِدٍ ... وَإِنِّي لَأَرْجُو بَعْدَهَا أَنْ أَعُمِّرَا ؟ وَجَعَلَ يَعْلُوهُ بِالدِّرَّةِ فِي رَأْسِهِ حَتَّى سَبَقَهُ عَدْوًا إِلَى نَاقَتِهِ، فَرَكِبَهَا وَلَحِقَ بِقَوْمِهِ وَقَالَ: ضَنَّ عَلَيْنَا أَبُو حَفْصٍ بِنَائِلِهِ ... وَكُلُّ مُخْتَبِطٍ يَوْمًا لَهُ وَرَقُ فِي أَبْيَاتٍ. [ذِكْرُ قُدُومِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ عُمَانَ] كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَرْسَلَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرٍ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَمَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَمْرٌو بِعُمَانَ، فَأَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَحْرَيْنِ، فَوَجَدَ الْمُنْذِرَ بْنَ سَاوَى فِي الْمَوْتِ. ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ إِلَى بِلَادِ بَنِي عَامِرٍ فَنَزَلَ بِقُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَقُرَّةُ يَقُدِّمُ رِجْلًا وَيُؤَخِّرُ أُخْرَى، وَمَعَهُ عَسْكَرٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَذَبَحَ لَهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ. فَلَمَّا أَرَادَ الرِّحْلَةَ خَلَا بِهِ قُرَّةُ وَقَالَ: يَا هَذَا، إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَطِيبُ لَكُمْ نَفْسًا بِالْإِتَاوَةِ، فَإِنْ أَعْفَيْتُمُوهَا مِنْ أَخْذِ أَمْوَالِهَا فَسَتَسْمَعُ لَكُمْ وَتُطِيعُ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلَا تَجْتَمِعُ عَلَيْكُمْ. فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَكَفَرْتَ يَا قُرَّةُ؟ أَتُخَوِّفُنَا بِالْعَرَبِ؟ فَوَاللَّهِ لَأُوطِئَنَّ عَلَيْكَ الْخَيْلَ فِي حِفْشِ أُمِّكَ.
ذكر بني تميم وسجاح
وَالْحِفْشُ: بَيْتٌ تَنْفَرِدُ فِيهِ النُّفَسَاءُ. وَقَدِمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْمَدِينَةِ فَأَخْبَرَهُمْ، فَأَطَافُوا بِهِ يَسْأَلُونَهُ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْعَسَاكِرَ مُعَسْكِرَةٌ مِنْ دَبَا إِلَى الْمَدِينَةِ. فَتَفَرَّقُوا وَتَحَلَّقُوا حِلَقًا، وَأَقْبَلَ عُمَرُ يُرِيدُ التَّسْلِيمَ عَلَى عَمْرٍو، فَمَرَّ عَلَى حِلْقَةٍ فِيهَا عَلِيٌّ، وَعُثْمَانُ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَسَعْدٌ. فَلَمَّا دَنَا عُمَرُ مِنْهُمْ سَكَتُوا، فَقَالَ: فِيمَ أَنْتُمْ؟ فَلَمْ يُجِيبُوهُ. فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: مَا أَخَوْفَنَا عَلَى قُرَيْشٍ مِنَ الْعَرَبِ! قَالُوا: صَدَقْتَ. قَالَ: فَلَا تَخَافُوهُمْ، أَنَا وَاللَّهِ مِنْكُمْ عَلَى الْعَرَبِ أَخْوَفُ مِنِّي مِنَ الْعَرَبِ عَلَيْكُمْ، وَاللَّهِ لَوْ تَدْخُلُونَ، مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ، جُحْرًا لَدَخَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي آثَارِكُمْ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِيهِمْ. وَمَضَى عُمَرُ، فَلَمَّا قُدِمَ بِقُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَسِيرًا، اسْتَشْهَدَ بِعَمْرٍو عَلَى إِسْلَامِهِ، فَأَحْضَرَ أَبُو بَكْرٍ عَمْرًا فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ قُرَّةَ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى ذِكْرِ الزَّكَاةِ فَقَالَ قُرَّةُ: مَهْلًا يَا عَمْرُو! فَقَالَ: كَلَّا، وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّهُ بِجَمِيعِهِ. فَعَفَا عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَقَبِلَ إِسْلَامَهُ. [ذِكْرُ بَنِي تَمِيمٍ وَسَجَاحَ] وَأَمَّا بَنُو تَمِيمٍ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ فِيهِمْ عُمَّالَهُ، فَكَانَ الزِّبْرِقَانُ مِنْهُمْ، وَسَهْلُ بْنُ مِنْجَابٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ صَفْوَانَ، وَسَبْرَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَوَكِيعُ بْنُ مَالِكٍ، وَمَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ. فَلَمَّا وَقَعَ الْخَبَرُ بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَارَ صَفْوَانُ بْنُ صَفْوَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِصَدَقَاتِ بَنِي عَمْرٍو، وَأَقَامَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ يَنْظُرُ مَا الزِّبْرِقَانُ صَانِعٌ لِيُخَالِفَهُ، فَقَالَ حِينَ أَبْطَأَ عَلَيْهِ الزِّبْرِقَانُ فِي عَمَلِهِ: وَاوَيْلَتَاهُ مِنِ ابْنِ الْعُكْلِيَّةِ! وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ، لَئِنْ أَنَا بَعَثْتُ بِالصَّدَقَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَبَايَعْتُهُ، لَيَنْحَرَنَّ مَا مَعَهُ فِي بَنِي سَعْدٍ، فَيُسَوِّدُنِي عِنْدَهُ، فَقَسَّمَهَا عَلَى الْمَقَاعِسِ وَالْبُطُونِ، وَوَافَى الزِّبْرِقَانُ فَاتَّبَعَ صَفْوَانَ بْنَ صَفْوَانَ بِصَدَقَاتِ عَوْفٍ وَالْأَبْنَاءِ، وَهَذِهِ بُطُونٌ مِنْ تَمِيمٍ. ثُمَّ نَدِمَ قَيْسٌ، فَلَمَّا أَظَلَّهُ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَخْرَجَ الصَّدَقَةَ فَتَلَقَّاهُ بِهَا، ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُ وَتَشَاغَلَتْ تَمِيمٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ.
وَكَانَ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ الْحَنَفِيُّ تَأْتِيهِ أَمْدَادُ تَمِيمٍ، فَلَمَّا حَدَثَ هَذَا الْحَدَثُ أَضَرَّ ذَلِكَ بِثُمَامَةَ، وَكَانَ مُقَاتِلًا لِمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، فَبَيْنَمَا النَّاسُ بِبِلَادِ تَمِيمٍ مُسْلِمِهِمْ بِإِزَاءِ مَنْ أَرَادَ الرِّدَّةَ وَارْتَابَ - إِذْ جَاءَتْهُمْ سَجَاحُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ عُقْفَانَ التَّمِيمِيَّةُ، قَدْ أَقْبَلَتْ مِنَ الْجَزِيرَةِ، وَادَّعَتِ النُّبُوَّةَ، وَكَانَ وَرَهْطُهَا فِي أَخْوَالِهَا مِنْ تَغْلِبَ تَقُودُ أَفَنَاءَ رَبِيعَةَ، مَعَهَا الْهُذَيْلُ بْنُ عِمْرَانَ فِي بَنِي تَغْلِبَ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَتَرَكَ دِينَهُ وَتَبِعَهَا، وَعَقَّةُ بْنُ هِلَالٍ فِي النَّمِرِ، وَتَادُ بْنُ فُلَانٍ فِي إِيَادٍ، وَالسَّلِيلُ بْنُ قَيْسٍ فِي شَيْبَانَ، فَأَتَاهُمْ أَمْرٌ أَعْظَمُ مِمَّا هُمْ فِيهِ لِاخْتِلَافِهِمْ. وَكَانَتْ سَجَاحُ تُرِيدُ غَزْوَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ تَطْلُبُ الْمُوَادَعَةَ، فَأَجَابَهَا وَرَدَّهَا عَنْ غَزْوِهَا، وَحَمَلَهَا عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَجَابَتْهُ وَقَالَتْ: أَنَا امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ، فَإِنْ كَانَ مُلْكٌ فَهُوَ لَكُمْ. وَهَرَبَ مِنْهَا عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، وَسَادَةُ بَنِي مَالِكٍ، وَحَنْظَلَةُ - إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ، وَكَرِهُوا مَا صَنَعَ وَكِيعٌ، وَكَانَ قَدْ وَادَعَهَا، وَهَرَبَ مِنْهَا أَشْبَاهُهُمْ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ، وَكَرِهُوا مَا صَنَعَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ، وَاجْتَمَعَ مَالِكٌ وَوَكِيعٌ وَسَجَاحُ فَسَجَعَتْ لَهُمْ سَجَاحُ وَقَالَتْ: " أَعِدُّوا الرِّكَابْ، وَاسْتَعِدُّوا لِلنِّهَابْ، ثُمَّ أَغِيرُوا عَلَى الرِّبَابْ، فَلَيْسَ دُونَهُمْ حِجَابْ ". فَسَارُوا إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُمْ ضَبَّةُ وَعَبْدُ مَنَاةٍ، فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى كَثِيرَةٌ، وَأُسِرَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، ثُمَّ تَصَالَحُوا، وَقَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ شِعْرًا ظَهَرَ فِيهِ نَدَمُهُ عَلَى تَخَلُّفِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بِصَدَقَتِهِ. ثُمَّ سَارَتْ سَجَاحُ فِي جُنُودِ الْجَزِيرَةِ حَتَّى بَلَغَتِ النِّبَاجَ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ أَوْسُ بْنُ خُزَيْمَةَ الْهُجَيْمِيُّ فِي بَنِي عَمْرٍو، فَأَسَرَ الْهُذَيْلَ وَعَقَّةَ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يُطْلِقَ أَسْرَى سَجَاحَ، وَلَا يَطَأَ أَرْضَ أَوْسٍ وَمَنْ مَعَهُ. ثُمَّ خَرَجَتْ سَجَاحُ فِي الْجُنُودِ وَقَصَدَتِ الْيَمَامَةَ، وَقَالَتْ: عَلَيْكُمْ بِالْيَمَامَهْ، وَدُفُّوا دَفِيفَ الْحَمَامَهْ، فَإِنَّهَا غَزْوَةٌ صَرَّامَهْ، لَا يَلْحَقُكُمْ بَعْدَهَا مَلَامَهْ. فَقَصَدَتْ بَنِي حَنِيفَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُسَيْلِمَةَ، فَخَافَ إِنْ هُوَ شُغِلَ بِهَا أَنْ يَغْلِبَ ثُمَامَةُ وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ وَالْقَبَائِلُ التى حَوْلَهُمْ عَلَى حَجْرٍ، وَهِيَ الْيَمَامَةُ، فَأَهْدَى لَهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ يَسْتَأْمِنُهَا عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَأْتِيَهَا، فَآمَنَتْهُ، فَجَاءَهَا فِي أَرْبَعِينَ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، فَقَالَ مُسَيْلِمَةُ: لَنَا نِصْفُ الْأَرْضِ، وَكَانَ
لِقُرَيْشٍ نِصْفُهَا لَوْ عَدَلَتْ، وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكِ النِّصْفَ الَّذِي رَدَّتْ قُرَيْشٌ. وَكَانَ مِمَّا شَرَعَ لَهُمْ أَنَّ مَنْ أَصَابَ وَلَدًا وَاحِدًا ذَكَرًا لَا يَأْتِي النِّسَاءَ حَتَّى يَمُوتَ ذَلِكَ الْوَلَدُ، فَيَطْلُبُ الْوَلَدَ حَتَّى يُصِيبَ ابْنًا ثُمَّ يُمْسِكُ. وَقِيلَ: بَلْ تَحَصَّنَ مِنْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: انْزِلْ، فَقَالَ لَهَا: أَبْعِدِي أَصْحَابَكِ. فَفَعَلَتْ، وَقَدْ ضَرَبَ لَهَا قُبَّةً وَجَمَّرَهَا لِتَذْكُرَ بِطِيبِ الرِّيحِ الْجِمَاعَ، وَاجْتَمَعَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: مَا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ فَعَلَ بِالْحُبْلَى. أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً تَسْعَى، بَيْنَ صِفَاقٍ وَحَشًى؟ قَالَتْ: وَمَاذَا أَيْضًا؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ النِّسَاءَ أَفَرَاجَا، وَجَعَلَ الرِّجَالَ لَهُنَّ أَزْوَاجًا، فَتُولِجُ فِيهِنَّ قُعْسًا إِيلَاجًا، ثُمَّ تُخْرِجُهَا إِذْ تَشَاءُ إِخْرَاجًا، فَيُنْتِجْنَ لَنَا سِخَالًا إِنْتَاجًا. قَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ. قَالَ: هَلْ لَكِ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ وَآكُلَ بِقَوْمِي وَقَوْمِكِ الْعَرَبَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَا قُومِي إِلَى النَّيْكِ فَقَدْ هُيِّئَ لَكِ الْمَضْجَعْ فَإِنْ شِئْتِ فَفِي الْبَيْتِ وَإِنْ شِئْتِ فَفِي الْمَخْدَعْ وَإِنْ شِئْتِ سَلَقْنَاكِ وَإِنْ شِئْتِ عَلَى أَرْبَعْ وَإِنْ شِئْتِ بِثُلْثَيْهِ وَإِنْ شِئْتِ بِهِ أَجْمَعْ قَالَتْ: بَلْ بِهِ أَجْمَعَ فَإِنَّهُ أَجْمَعُ لِلشَّمْلِ. قَالَ: بِذَلِكَ أُوحِيَ إِلَيَّ. فَأَقَامَتْ عِنْدَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ انْصَرَفَتْ إِلَى قَوْمِهَا، فَقَالُوا لَهَا: مَا عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: كَانَ عَلَى الْحَقِّ فَتَبِعْتُهُ وَتَزَوَّجْتُهُ. قَالُوا: هَلْ أَصْدَقَكِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: لَا. قَالُوا: فَارْجِعِي فَاطْلُبِي الصَّدَاقَ، فَرَجَعَتْ. فَلَمَّا رَآهَا أَغْلَقَ بَابَ الْحِصْنِ وَقَالَ: مَا لَكِ؟ قَالَتْ: أَصْدِقْنِي. قَالَ: مَنْ مُؤَذِّنُكِ؟ قَالَتْ: شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ الرِّيَاحِيُّ، فَدَعَاهُ وَقَالَ لَهُ: نَادِ فِي أَصْحَابِكَ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ وَضَعَ عَنْكُمْ صَلَاتَيْنِ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ: صَلَاةَ الْفَجْرِ وَصَلَاةَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ. فَانْصَرَفَتْ وَمَعَهَا أَصْحَابُهَا، مِنْهُمْ: عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ،
ذكر مالك بن نويرة
وَغَيْلَانُ بْنُ خَرَشَةَ، وَشَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، فَقَالَ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ: أَمْسَتْ نَبِيَّتُنَا أُنْثَى نَطُوفُ بِهَا ... وَأَصْبَحَتْ أَنْبِيَاءُ النَّاسِ ذُكْرَانَا وَصَالَحَهَا مُسَيْلِمَةُ عَلَى غَلَّاتِ الْيَمَامَةِ، سَنَةً تَأْخُذُ النِّصْفَ وَتَتْرُكُ عِنْدَهُ مَنْ يَأْخُذُ النِّصْفَ، فَأَخَذَتِ النِّصْفَ وَانْصَرَفَتْ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَخَلَّفَتِ الْهُذَيْلَ وَعَقَّةَ وَزِيَادًا لِأَخْذِ النِّصْفِ الْبَاقِي، فَلَمْ يُفَاجِئْهُمْ إِلَّا دُنُوُّ خَالِدٍ إِلَيْهِمْ فَارْفَضُّوا. فَلَمْ تَزَلْ سَجَاحُ فِي تَغْلِبَ حَتَّى نَقَلَهُمْ مُعَاوِيَةُ عَامَ الْجَمَاعَةِ، وَجَاءَتْ مَعَهُمْ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ وَإِسْلَامُهَا، وَانْتَقَلَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ وَمَاتَتْ بِهَا، وَصَلَّى عَلَيْهَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ وَهُوَ عَلَى الْبَصْرَةِ لِمُعَاوِيَةَ، قَبْلَ قُدُومِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ مِنْ خُرَاسَانَ وَوِلَايَتِهِ الْبَصْرَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا لَمَّا قُتِلَ مُسَيْلِمَةُ سَارَتْ إِلَى أَخْوَالِهَا تَغْلِبَ بِالْجَزِيرَةِ، فَمَاتَتْ عِنْدَهُمْ وَلَمْ يُسْمَعْ لَهَا بِذِكْرٍ. [ذِكْرُ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ] لَمَّا رَجَعَتْ سَجَاحُ إِلَى الْجَزِيرَةِ ارْعَوَى مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ، وَنَدِمَ وَتَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ، وَعَرَفَ وَكِيعٌ وَسَمَاعَةُ قُبْحَ مَا أَتَيَا، فَرَاجَعَا رُجُوعًا حَسَنًا وَلَمْ يَتَجَبَّرَا، وَأَخْرَجَا الصَّدَقَاتِ فَاسْتَقْبَلَا بِهَا خَالِدًا. وَسَارَ خَالِدٌ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ فَزَارَةَ وَغَطَفَانَ وَأَسَدٍ وَطَيِّئٍ يُرِيدُ الْبُطَاحَ، وَبِهَا مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ قَدْ تَرَدَّدَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَتَخَلَّفَتِ الْأَنْصَارُ عَنْ خَالِدٍ وَقَالُوا: مَا هَذَا بِعَهْدِ الْخَلِيفَةِ إِلَيْنَا، إِنْ نَحْنُ فَرَغْنَا مِنْ بُزَاخَةَ أَنْ نُقِيمَ حَتَّى يَكْتُبَ إِلَيْنَا. فَقَالَ خَالِدٌ: قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ أَنْ أَمْضِيَ، وَأَنَا الْأَمِيرُ، وَلَوْ لَمْ يَأْتِ كِتَابٌ بِمَا رَأَيْتُهُ فُرْصَةً وَكُنْتُ إِنْ أَعْلَمْتُهُ فَاتَتْنِي - لَمْ أُعْلِمْهُ، وَكَذَلِكَ لَوِ ابْتُلِينَا بِأَمْرٍ لَيْسَ فِيهِ مِنْهُ عَهْدٌ؛ لَمْ نَدَعْ أَنْ نَرَى أَفْضَلَ مَا يَحْضُرُنَا، ثُمَّ نَعْمَلَ بِهِ، فَأَنَا قَاصِدٌ إِلَى مَالِكٍ وَمَنْ مَعِي، وَلَسْتُ أُكْرِهُهُمْ. وَمَضَى خَالِدٌ وَنَدِمَتِ الْأَنْصَارُ وَقَالُوا: إِنْ أَصَابَ الْقَوْمُ خَيْرًا حُرِمْتُمُوهُ، وَأَنْ أُصِيبُوا لَيَجْتَنِبَنَّكُمُ النَّاسُ. فَلَحِقُوهُ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى قَدِمَ الْبُطَاحَ، فَلَمْ يَجِدْ بِهَا أَحَدًا، وَكَانَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ قَدْ فَرَّقَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَنِ الِاجْتِمَاعِ، وَقَالَ: يَا بَنِي يَرْبُوعٍ، إِنَّا دُعِينَا إِلَى هَذَا الْأَمْرِ فَأَبْطَأْنَا عَنْهُ فَلَمْ نُفْلِحْ،
وَقَدْ نَظَرْتُ فِيهِ فَرَأَيْتُ الْأَمْرَ يَتَأَتَّى لَهُمْ بِغَيْرِ سِيَاسَةٍ، وَإِذَا الْأَمْرُ لَا يَسُوسُهُ النَّاسُ، فَإِيَّاكُمْ وَمُنَاوَأَةَ قَوْمٍ صُنِعَ لَهُمْ، فَتَفَرَّقُوا وَادْخُلُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ. فَتَفَرَّقُوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَمَّا قَدِمَ خَالِدٌ الْبُطَاحَ بَثَّ السَّرَايَا، وَأَمَرَهُمْ بِدَاعِيَةِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ يَأْتُوهُ بِكُلِّ مَنْ لَمْ يُجِبْ، وَإِنِ امْتَنَعَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، وَكَانَ قَدْ أَوْصَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُؤَذِّنُوا إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا، فَإِنَّ أَذَّنَ الْقَوْمُ فَكُفُّوا عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنُوا فَاقْتُلُوا وَانْهَبُوا، وَإِنْ أَجَابُوكُمْ إِلَى دَاعِيَةِ الْإِسْلَامِ فَسَائِلُوهُمْ عَنِ الزَّكَاةِ، فَإِنْ أَقَرُّوا فَاقْبَلُوا مِنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا فَقَاتِلُوهُمْ. قَالَ: فَجَاءَتْهُ الْخَيْلُ بِمَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ، فَاخْتَلَفَتِ السَّرِيَّةُ فِيهِمْ، وَكَانَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، فَكَانَ فِيمَنْ شَهِدَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذَّنُوا وَأَقَامُوا وَصَلَّوْا، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَمَرَ بِهِمْ فَحُبِسُوا فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ لَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ، فَأَمَرَ خَالِدٌ مُنَادِيًا فَنَادَى: أَدْفِئُوا أَسْرَاكُمْ، وَهِيَ فِي لُغَةِ كِنَانَةَ الْقَتْلُ، فَظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّهُ أَرَادَ الْقَتْلَ، وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الدِّفْءَ، فَقَتَلُوهُمْ، فَقَتَلَ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ مَالِكًا، وَسَمِعَ خَالِدٌ الْوَاعِيَةَ، فَخَرَجَ وَقَدْ فَرَغُوا مِنْهُمْ، فَقَالَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا أَصَابَهُ، وَتَزَوَّجَ خَالِدٌ أُمَّ تَمِيمٍ امْرَأَةَ مَالِكٍ. فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: إِنَّ سَيْفَ خَالِدٍ فِيهِ رَهَقٌ، وَأَكْثَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ: هِيهِ يَا عُمَرُ! تَأَوَّلَ فَأَخْطَأَ، فَارْفَعْ لِسَانَكَ عَنْ خَالِدٍ، فَإِنِّي لَا أَشِيمُ سَيْفًا سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْكَافِرِينَ. وَوَدَى مَالِكًا، وَكَتَبَ إِلَى خَالِدٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ، فَفَعَلَ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ وَقَدْ غَرَزَ فِي عِمَامَتِهِ أَسْهُمًا، فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَنَزَعَهَا وَحَطَّمَهَا وَقَالَ لَهُ: قَتَلْتَ امْرَأً مُسْلِمًا، ثُمَّ نَزَوْتَ عَلَى امْرَأَتِهِ، وَاللَّهِ لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ! وَخَالِدٌ لَا يُكَلِّمُهُ، يَظُنُّ أَنْ رَأْيَ أَبِي بَكْرٍ مِثْلُهُ، وَدَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَعَذَرَهُ وَتَجَاوَزَ عَنْهُ، وَعَنَّفَهُ فِي التَّزْوِيجِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ مِنْ كَرَاهَةِ أَيَّامِ الْحَرْبِ. فَخَرَجَ خَالِدٌ وَعُمَرُ جَالِسٌ فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَيَّ يَا ابْنَ أُمِّ سَلَمَةَ. فَعَرَفَ عُمَرُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ رَضِيَ عَنْهُ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا غَشَوْا مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ لَيْلًا - أَخَذُوا السِّلَاحَ فَقَالُوا: نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ. فَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: وَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ. قَالُوا لَهُمْ: ضَعُوا السِّلَاحَ، فَوَضَعُوهُ ثُمَّ صَلَّوْا، وَكَانَ يَعْتَذِرُ فِي قَتْلِهِ أَنَّهُ قَالَ: مَا إِخَالُ صَاحِبَكُمْ إِلَّا قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ لَهُ: أَوَمَا تَعُدُّهُ لَكَ صَاحِبًا؟ ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ. وَقَدِمَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَطْلُبُ بِدَمِ أَخِيهِ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ،
ذكر مسيلمة وأهل اليمامة
فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ بِرَدِّ السَّبْيِ، وَوَدَى مَالِكًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ قَالَ لَهُ: مَا بَلَغَ بِكَ الْوَجْدُ عَلَى أَخِيكَ؟ قَالَ: بَكَيْتُهُ حَوْلًا حَتَّى أَسْعَدَتْ عَيْنِي الذَّاهِبَةَ عَيْنِي الصَّحِيحَةُ، وَمَا رَأَيْتُ نَارًا قَطُّ إِلَّا كِدْتُ أَنْقَطِعُ أَسَفًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُوقِدُ نَارَهُ إِلَى الصُّبْحِ مَخَافَةَ أَنْ يَأْتِيَهُ ضَيْفٌ وَلَا يَعْرِفَ مَكَانَهُ. قَالَ: فَصِفْهُ لِي. قَالَ: كَانَ يَرْكَبُ الْفَرَسَ الْحَرُونَ، وَيَقُودُ الْجَمَلَ الثِّقَالَ، وَهُوَ بَيْنَ الْمَزَادَتَيْنِ النَّضُوخَتَيْنِ فِي اللَّيْلَةِ الْقَرَّةِ، وَعَلَيْهِ شَمْلَةٌ فَلُوتٌ، مُعْتَقِلًا رُمْحًا خَطِلًا، فَيَسْرِي لَيْلَتَهُ ثُمَّ يُصْبِحُ وَكَأَنَّ وَجْهَهُ فِلْقَةُ قَمَرٍ. قَالَ: أَنْشَدَنِي بَعْضَ مَا قُلْتَ فِيهِ، فَأَنْشَدَهُ مَرْثِيَّتَهُ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً ... مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا ... لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ كُنْتُ أَقُولُ الشِّعْرَ لَرَثَيْتُ أَخِي زَيْدًا. فَقَالَ مُتَمِّمٌ: وَلَا سَوَاءَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ كَانَ أَخِي صُرِعَ مَصْرَعَ أَخِيكَ لَمَا بَكَيْتُهُ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا عَزَّانِي أَحَدٌ بِأَحْسَنَ مِمَّا عَزَّيْتَنِي بِهِ. وَفِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ قُتِلَ الْوَلِيدُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ ابْنَا عُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ، وَهُمَا ابْنَا أَخِي خَالِدٍ، لَهُمَا صُحْبَةٌ. [ذِكْرُ مُسَيْلِمَةَ وَأَهْلِ الْيَمَامَةِ] قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مَجِيءَ مُسَيْلِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَلَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ السَّرَايَا إِلَى الْمُرْتَدِّينَ، أَرْسَلَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ فِي عَسْكَرٍ إِلَى مُسَيْلِمَةَ، وَأَتْبَعَهُ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ، فَعَجَّلَ عِكْرِمَةُ لِيَذْهَبَ بِصَوْتِهَا، فَوَاقَعَهُمْ فَنَكَبُوهُ، وَأَقَامَ شُرَحْبِيلُ بِالطَّرِيقِ حِينَ أَدْرَكَهُ الْخَبَرُ، وَكَتَبَ عِكْرِمَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِالْخَبَرِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ: لَا أَرَيَنَّكَ وَلَا تَرَانِي، لَا تَرْجِعَنَّ فَتُوهِنَ النَّاسَ، امْضِ إِلَى حُذَيْفَةَ وَعَرْفَجَةَ فَقَاتِلْ أَهْلَ عُمَانَ وَمَهْرَةَ، ثُمَّ تَسِيرُ أَنْتَ وَجُنْدُكَ تَسْتَبْرُونَ النَّاسَ، حَتَّى تَلْقَى مُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بِالْيَمَنِ
وَحَضْرَمَوْتَ. فَكَتَبَ إِلَى شُرَحْبِيلَ بِالْمُقَامِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ خَالِدٌ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ مُسَيْلِمَةَ تَلْحَقُ بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ تُعِينُهُ عَلَى قُضَاعَةَ. فَلَمَّا رَجَعَ خَالِدٌ مِنَ الْبُطَاحِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ - قَبِلَ عُذْرَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ، وَوَجَّهَهُ إِلَى مُسَيْلِمَةَ، وَأَوْعَبَ مَعَهُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ، وَعَلَى الْأَنْصَارِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَعَلَى الْمُهَاجِرِينَ أَبُو حُذَيْفَةَ وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَقَامَ خَالِدٌ بِالْبُطَاحِ يَنْتَظِرُ وُصُولَ الْبَعْثِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ سَارَ إِلَى الْيَمَامَةِ، وَبَنُو حَنِيفَةَ يَوْمَئِذٍ كَثِيرُونَ، كَانَتْ عِدَّتُهُمْ أَرْبَعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، وَعَجَّلَ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَبَادَرَ خَالِدًا بِقِتَالِ مُسَيْلِمَةَ، فَنُكِبَ، فَلَامَهُ خَالِدٌ، وَأَمَدَّ أَبُو بَكْرٍ خَالِدًا بِسَلِيطٍ؛ لِيَكُونَ رِدْءًا لَهُ، لِئَلَّا يُؤْتَى مِنْ خَلْفِهِ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: لَا أَسْتَعْمِلُ أَهْلَ بَدْرٍ، أَدَعُهُمْ حَتَّى يَلْقَوُا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِهِمْ وَبِالصَّالِحِينَ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْتَصِرُ بِهِمْ. وَكَانَ عُمَرُ يَرَى اسْتِعْمَالَهُمْ عَلَى الْجُنْدِ وَغَيْرِهِ. وَكَانَ مَعَ مُسَيْلِمَةَ نَهَارٌ الرَّجَّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ، وَكَانَ قَدْ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، وَفُقِّهَ فِي الدِّينِ، وَبَعَثَهُ مُعَلِّمًا لِأَهْلِ الْيَمَامَةِ، وَلْيَشْغَبْ عَلَى مُسَيْلِمَةَ، فَكَانَ أَعْظَمَ فِتْنَةً عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ مِنْ مُسَيْلِمَةَ، شَهِدَ أَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إِنَّ مُسَيْلِمَةَ قَدْ أُشْرِكَ مَعَهُ، فَصَدَّقُوهُ وَاسْتَجَابُوا لَهُ، وَكَانَ مُسَيْلِمَةُ يَنْتَهِي إِلَى أَمْرِهِ، وَكَانَ يُؤَذِّنُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النَّوَّاحَةِ، وَالَّذِي يُقِيمُ لَهُ حُجَيْرُ بْنُ عُمَيْرٍ، فَكَانَ حُجَيْرٌ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ: أَفْصِحْ حُجَيْرُ، فَلَيْسَ فِي الْمُجَمْجَمَةِ خَيْرٌ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَهَا. وَكَانَ مِمَّا جَاءَ بِهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ وَحْيٌّ: يَا ضُفْدَعُ بِنْتَ ضُفْدَعْ، نُقِّي مَا تُنَقِّينْ، أَعْلَاكِ فِي الْمَاءْ، وَأَسْفَلُكِ فِي الطِّينْ، لَا الشَّارِبَ تَمْنَعِينْ، وَلَا الْمَاءَ تُكَدِّرِينْ. وَقَالَ أَيْضًا: وَالْمُبْدَيَاتِ زَرْعًا، وَالْحَاصِدَاتِ حَصْدًا، وَالذَّارِيَاتِ قَمْحًا، وَالطَّاحِنَاتِ طَحْنًا، وَالْخَابِزَاتِ خُبْزًا، وَالثَّارِدَاتِ ثَرْدًا، وَاللَّاقِمَاتِ لُقْمًا، إِهَالَةً وَسَمْنًا، لَقَدْ فُضِّلْتُمْ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ، وَمَا سَبَقَكُمْ أَهْلُ الْمَدَرِ، رِيقُكُمْ فَامْنَعُوهُ، وَالْمُعْيِيَ فَأَوُّوهُ، وَالْبَاغِي فَنَاوِئُوهُ. وَأَتَتْهُ
امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ نَخَلْنَا لَسَحِيقٌ، وَإِنَّ آبَارَنَا لِجُرُزٌ، فَادْعُ اللَّهَ لِمَائِنَا وَنَخْلِنَا كَمَا دَعَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ هَزْمَانَ. فَسَأَلَ نَهَارًا عَنْ ذَلِكَ، فَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا لَهُمْ وَأَخَذَ مِنْ مَاءِ آبَارِهِمْ فَتَمَضْمَضَ مِنْهُ وَمَجَّهُ فِي الْآبَارِ، فَفَاضَتْ مَاءً، وَأَنْجَبَتْ كُلُّ نَخْلَةٍ، وَأَطْلَعَتْ فَسِيلًا قَصِيرًا مُكَمَّمًا، فَفَعَلَ مُسَيْلِمَةُ ذَلِكَ، فَغَارَ مَاءُ الْآبَارِ وَيَبِسَ النَّخْلُ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ ذَلِكَ بَعْدَ مَهْلِكِهِ. وَقَالَ لَهُ نَهَارٌ: أَمِرَّ يَدَكَ عَلَى أَوْلَادِ بَنِي حَنِيفَةَ مِثْلَ مُحَمَّدٍ، فَفَعَلَ وَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَحَنَّكَهُمْ، فَقَرَعَ كُلُّ صَبِيٍّ مَسَحَ رَأْسَهُ، وَلَثِغَ كُلُّ صَبِيٍّ حَنَّكَهُ، وَإِنَّمَا اسْتَبَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَهْلِكِهِ. وَقِيلَ: جَاءَهُ طَلْحَةُ النَّمِرِيُّ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ رَجُلٌ فِي ظُلْمَةٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الْكَاذِبُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَادِقٌ، وَلَكِنْ كَذَّابُ رَبِيعَةَ أَحَبُّ أَلْيَنَا مِنْ صَادِقِ مُضَرَ. فَقُتِلَ مَعَهُ يَوْمَ عُقْرَبَاءَ كَافِرًا. وَلَمَّا بَلَغَ مُسَيْلِمَةَ دُنُوُّ خَالِدٍ ضَرَبَ عَسْكَرَهَ بِعُقْرَبَاءَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَخَرَجَ مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ فِي سَرِيَّةٍ يَطْلُبُ ثَأْرًا لَهُمْ فِي بَنِي عَامِرٍ، فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ وَأَصْحَابَهُ، فَقَتَلَهُمْ خَالِدٌ وَاسْتَبْقَاهُ؛ لِشَرَفِهِ فِي بَنِي حَنِيفَةَ، وَكَانُوا مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ. وَتَرَكَ مُسَيْلِمَةُ الْأَمْوَالَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَقَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسَيْلِمَةَ: يَا بَنِي حَنِيفَةَ، قَاتِلُوا؛ فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ الْغَيْرَةِ، فَإِنِ انْهَزَمْتُمْ تُسْتَرْدَفُ النِّسَاءُ سَبِيَّاتٍ، وَيُنْكَحْنَ غَيْرَ خَطِيبَاتٍ، فَقَاتِلُوا عَنْ أَحِسَابِكُمْ، وَامْنَعُوا نِسَاءَكُمْ. فَاقْتَتَلُوا بِعُقْرَبَاءَ، وَكَانَتْ رَايَةُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصِ بْنِ غَانِمٍ، فَقُتِلَ، فَقَالُوا: تَخْشَى عَلَيْنَا مِنْ نَفْسِكَ شَيْئًا فَقَالَ: بِئْسَ حَامِلُ الْقُرْآنِ أَنَا إِذًا! وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ مَعَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ عَلَى رَايَاتِهِمْ، وَالْتَقَى النَّاسُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَ الْمُسْلِمِينَ نَهَارٌ الرَّجَّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ فَقُتِلَ، قَتَلَهُ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَلَمْ يَلْقَ الْمُسْلِمُونَ حَرْبًا مِثْلَهَا قَطُّ، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَخَلَصَ بَنُو حَنِيفَةَ إِلَى مَجَّاعَةَ وَإِلَى خَالِدٍ، فَزَالَ خَالِدٌ عَنِ الْفُسْطَاطِ، وَدَخَلُوا إِلَى مَجَّاعَةَ وَهُوَ عِنْدَ امْرَأَةِ خَالِدٍ، وَكَانَ سَلَّمَهُ إِلَيْهَا، فَأَرَادُوا قَتْلَهَا،
فَنَهَاهُمْ مَجَّاعَةُ عَنْ قَتْلِهَا وَقَالَ: أَنَا لَهَا جَارٌ، فَتَرَكُوهَا، وَقَالَ لَهُمْ: عَلَيْكُمْ بِالرِّجَالِ، فَقَطَعُوا الْفُسْطَاطَ. ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ تَدَاعَوْا، فَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ: بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي أَهْلَ الْيَمَامَةِ، وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا نَحُورُ بَعْدَ الرِّجَالِ، وَاللَّهِ لَا أَتَكَلَّمُ الْيَوْمَ حَتَّى نَهْزِمَهُمْ، أَوْ أُقْتَلَ فَأُكَلِّمَهُ بِحُجَّتِي. غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَعَضُّوا عَلَى أَضْرَاسِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، وَاضْرِبُوا فِي عَدُوِّكُمْ، وَامْضُوا قُدُمًا. وَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِالْفِعَالِ. وَحَمَلَ خَالِدٌ فِي النَّاسِ حَتَّى رَدُّوهُمْ إِلَى أَبْعَدَ مِمَّا كَانُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَتَذَامَرَتْ بَنُو حَنِيفَةَ، وَقَاتَلَتْ قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَتِ الْحَرْبُ يَوْمَئِذٍ تَارَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَتَارَةً لِلْكَافِرِينَ، وَقُتِلَ سَالِمٌ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ، وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أُولِي الْبَصَائِرِ. فَلَمَّا رَأَى خَالِدٌ مَا النَّاسُ فِيهِ قَالَ: امْتَازُوا أَيُّهَا النَّاسُ لِنَعْلَمَ بَلَاءَ كُلِّ حَيٍّ، وَلِنَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ نُؤْتَى. فَامْتَازُوا، وَكَانَ أَهْلُ الْبَوَادِي قَدْ جَنَّبُوا الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ، وَجَنَّبَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ. فَلَمَّا امْتَازُوا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: الْيَوْمَ يُسْتَحَى مِنَ الْفِرَارِ، فَمَا رُئِيَ يَوْمٌ كَانَ أَعْظَمَ نِكَايَةً مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَمْ يُدْرَ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ كَانَ أَعْظَمَ نِكَايَةً، غَيْرَ أَنَّ الْقَتْلَ كَانَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَهْلِ الْقُرَى أَكْثَرَ مِنْهُ فِي أَهْلِ الْبَوَادِي. وَثَبَتَ مُسَيْلِمَةُ فَدَارَتْ رَحَاهُمْ عَلَيْهِ، فَعَرَفَ خَالِدٌ أَنَّهَا لَا تَرْكُدُ إِلَّا بِقَتْلِ مُسَيْلِمَةَ، وَلَمْ تَحْفَلْ بَنُو حَنِيفَةَ بِمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ. ثُمَّ بَرَزَ خَالِدٌ وَدَعَا إِلَى الْبِرَازِ وَنَادَى بِشِعَارِهِمْ، وَكَانَ شِعَارُهُمْ: يَا مُحَمَّدَاهُ! فَلَمْ يَبْرُزْ إِلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا قَتَلَهُ. وَدَارَتْ رَحَا الْمُسْلِمِينَ، وَدَعَا خَالِدٌ مُسَيْلِمَةَ فَأَجَابَهُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ مِمَّا يَشْتَهِي مُسَيْلِمَةُ فَكَانَ إِذَا هَمَّ بِجَوَابِهِ أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ لِيَسْتَشِيرَ شَيْطَانَهُ، فَيَنْهَاهُ أَنْ يَقْبَلَ. فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ مَرَّةً، وَرَكِبَهُ خَالِدٌ وَأَرْهَقَهُ، فَأَدْبَرَ وَزَالَ أَصْحَابُهُ، وَصَاحَ خَالِدٌ فِي النَّاسِ فَرَكِبُوهُمْ، فَكَانَتْ هَزِيمَتُهُمْ، وَقَالُوا لِمُسَيْلِمَةَ: أَيْنَ مَا كُنْتَ تَعِدُنَا؟ فَقَالَ: قَاتِلُوا عَنْ أَحْسَابِكُمْ. وَنَادَى الْمُحَكَّمُ: يَا بَنِي حَنِيفَةَ، الْحَدِيقَةَ الْحَدِيقَةَ! فَدَخَلُوهَا وَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ بَابَهَا.
وَكَانَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ، وَهُوَ أَخُو أَسَدِ بْنِ مَالِكٍ، إِذَا حَضَرَ الْحَرْبَ أَخَذَتْهُ رِعْدَةٌ، حَتَّى يَقْعُدَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ثُمَّ يَبُولُ، فَإِذَا بَالَ ثَارَ كَمَا يَثُورُ الْأَسَدُ، فَأَصَابَهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا بَالَ وَثَبَ وَقَالَ: إِلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ، أَنَا الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ! إِلَيَّ إِلَيَّ! وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَلَمَّا دَخَلَتْ بَنُو حَنِيفَةَ الْحَدِيقَةَ قَالَ الْبَرَاءُ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَلْقُونِي عَلَيْهِمْ فِي الْحَدِيقَةِ. فَقَالُوا: لَا نَفْعَلُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتَطْرَحُنَّنِي عَلَيْهِمْ بِهَا! فَاحْتُمِلَ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى الْجِدَارِ فَاقْتَحَمَهَا عَلَيْهِمْ، وَقَاتَلَ عَلَى الْبَابِ وَفَتَحَهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَدَخَلُوهَا عَلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَكَثُرَ الْقَتْلَى فِي الْفَرِيقَيْنِ لَا سِيَّمَا فِي بَنِي حَنِيفَةَ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ مُسَيْلِمَةُ. وَاشْتَرَكَ فِي قَتْلِهِ وَحْشِيٌّ مَوْلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، أَمَّا وَحْشَيٌّ فَدَفَعَ عَلَيْهِ حَرْبَتَهُ، وَضَرَبَهُ الْأَنْصَارِيُّ بِسَيْفِهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَصَرَخَ رَجُلٌ: قَتَلَهُ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ، فَوَلَّتْ بَنُو حَنِيفَةَ عِنْدَ قَتْلِهِ مُنْهَزِمَةً، وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَأُخْبِرَ خَالِدٌ بِقَتْلِ مُسَيْلِمَةَ، فَخَرَجَ بِمَجَّاعَةَ يَرْسُفُ فِي الْحَدِيدِ؛ لِيَدُلَّهُ عَلَى مُسَيْلِمَةَ، فَجَعَلَ يَكْشِفُ لَهُ الْقَتْلَى حَتَّى مَرَّ بِمُحَكَّمِ الْيَمَامَةِ، وَكَانَ وَسِيمًا، فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ؟ فَقَالَ مَجَّاعَةُ: لَا، هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَكْرَمُ، هَذَا مُحَكَّمُ الْيَمَامَةِ، ثُمَّ دَخَلَ الْحَدِيقَةَ فَإِذَا رُوَيْجِلٌ أُصَيْفِرٌ أُخَيْنِسٌ، فَقَالَ مَجَّاعَةُ: هَذَا صَاحِبُكُمْ قَدْ فَرَغْتُمْ مِنْهُ. وَقَالَ خَالِدٌ: هَذَا الَّذِي فَعَلَ بِكُمْ مَا فَعَلَ. وَكَانَ الَّذِي قَتَلَ مُحَكَّمَ الْيَمَامَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، رَمَاهُ بِسَهْمٍ فِي نَحْرِهِ وَهُوَ يَخْطُبُ وَيُحَرِّضُ النَّاسَ، فَقَتَلَهُ. وَقَالَ مَجَّاعَةُ لِخَالِدٍ: مَا جَاءَكَ إِلَّا سَرَعَانُ النَّاسِ، وَإِنَّ الْحُصُونَ مَمْلُوَّةٌ، فَهَلُمَّ إِلَى الصُّلْحِ عَلَى مَا وَرَائِي. فَصَالَحَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ دُونَ النُّفُوسِ، وَقَالَ: أَنْطَلِقُ إِلَيْهِمْ فَأُشَاوِرُهُمْ. فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ وَلَيْسَ فِي الْحُصُونِ إِلَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَمَشْيَخَةٌ فَانِيَةٌ وَرِجَالٌ ضَعْفَى، فَأَلْبَسَهُمُ الْحَدِيدَ، وَأَمَرَ النِّسَاءِ أَنْ يَنْشُرْنَ شُعُورَهُنَّ وَيُشْرِفْنَ عَلَى الْحُصُونِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ. فَرَجَعَ إِلَى خَالِدٍ فَقَالَ: قَدْ أَبَوْا أَنْ يُجِيزُوا مَا صَنَعْتُ، فَرَأَى خَالِدٌ الْحُصُونَ مَمْلُوَّةً وَقَدْ نَهَكَتِ الْمُسْلِمِينَ الْحَرْبُ وَطَالَ اللِّقَاءُ، وَأَحَبُّوا أَنْ يَرْجِعُوا عَلَى الظَّفَرِ، وَلَمْ يَدْرُوا مَا هُوَ كَائِنٌ، وَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ، وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ غَيْرِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ، وَقُتِلَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، قَطَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رِجْلَهُ، فَأَخَذَهَا ثَابِتٌ وَضَرَبَهُ بِهَا فَقَتَلَهُ، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ بِعُقْرَبَاءَ سَبْعَةُ آلَافٍ، وَبِالْحَدِيقَةِ مِثْلُهَا، وَفِي الطَّلَبِ نَحْوٌ مِنْهَا. وَصَالَحَهُ خَالِدٌ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالسِّلَاحِ وَنِصْفِ السَّبْيِ، وَقِيلَ: رُبْعُهُ.
فَلَمَّا فُتِحَتِ الْحُصُونُ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالضُّعَفَاءُ، فَقَالَ خَالِدٌ لِمَجَّاعَةَ: وَيْحَكَ! خَدَعْتَنِي! فَقَالَ: هُمْ قَوْمِي، وَلَمْ أَسْتَطِعْ إِلَّا مَا صَنَعْتُ. وَوَصَلَ كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ إِلَى خَالِدٍ أَنْ يَقْتُلَ كُلَّ مُحْتَلِمٍ، وَكَانَ قَدْ صَالَحَهُمْ، فَوَفَى لَهُمْ وَلَمْ يَغْدِرْ. وَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ قَالَ عُمَرُ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ مَعَهُمْ: أَلَا هَلَكْتَ قَبْلَ زَيْدٍ؟ هَلَكَ زَيْدٌ وَأَنْتَ حَيٌّ! أَلَا وَارَيْتَ وَجْهَكَ عَنِّي؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ فَأُعْطِيَهَا، وَجَهَدْتُ أَنْ تُسَاقَ إِلَيَّ فَلَمْ أُعْطَهَا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ وَقْعَةِ الْيَمَامَةِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ لِمَا رَأَى مِنْ كَثْرَةِ مَنْ قُتِلَ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ لِئَلَّا يَذْهَبَ الْقُرْآنُ، وَسَيَرِدُ مُبَيَّنًا سَنَةَ ثَلَاثِينَ. وَمِمَّنْ قُتِلَ بِالْيَمَامَةِ شَهِيدًا مِنَ الصَّحَابَةِ: عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا وَغَيْرَهَا. وَقُتِلَ عَبَّادُ بْنُ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ شَهِدَ أُحُدًا. وَقُتِلَ بِهَا عُمَيْرُ بْنُ أَوْسِ بْنِ عَتِيكٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ شَهِدَ أُحُدًا. وَفِيهَا قُتِلَ عَامِرُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ سَلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ. وَفِيهَا قُتِلَ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ أَخُو عَمْرٍو، وَكَانَ بَدْرِيًّا. وَفِيهَا قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ لَهُ صُحْبَةٌ. وَقُتِلَ بِهَا عَائِذُ بْنُ مَاعِصٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَقِيلَ: قُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ. وَقُتِلَ فِيهَا فَرْوَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَقِيلَ: ابْنُ الْحَارِثِ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا. وَفِيهَا قُتِلَ قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ، عَمُّ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ بِأُحُدٍ. وَقُتِلَ بِهَا سَعْدُ بْنُ جَمَّازٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ أُحُدًا.
وَقُتِلَ بِهَا أَبُو دُجَانَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، وَقِيلَ بَلْ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقُتِلَ بِالْيَمَامَةِ سَلَمَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيُّ. وَقُتِلَ فِيهَا السَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ الْجُمَحِيُّ، وَهُوَ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا. وَقُتِلَ أَيْضًا السَّائِبُ بْنُ الْعَوَّامِ أَخُو الزُّبَيْرِ لِأَبَوَيْهِ. وَقُتِلَ بِهَا الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ، شَهِدَ خَيْبَرَ. وَقُتِلَ بِهَا زُرَارَةُ بْنُ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ، لَهُ صُحْبَةٌ. وَقُتِلَ فِيهَا مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو السُّلَمِيُّ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ. وَقُتِلَ مَالِكُ بْنُ أُمَيَّةَ السُّلَمِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ. وَمَالِكُ بْنُ عَوْسِ بْنِ عَتِيكٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ أُحُدًا. وَقُتِلَ بِهَا مَعْنُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْجَدِّ الْبَلَوِيُّ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَغَيْرَهُمَا. وَمَسْعُودُ بْنُ سِنَانٍ الْأَسْوَدُ حَلِيفُ بَنِي غَانِمٍ، وَشَهِدَ أُحُدًا. وَفِيهَا قُتِلَ النُّعْمَانُ بْنُ عَصَرِ بْنِ الرَّبِيعِ الْبَلَوِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ. (وَقِيلَ: هُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الصَّادِ، وَقِيلَ: بِفَتْحِهِمَا) . وَفِيهَا قُتِلَ صَفْوَانُ وَمَالِكٌ ابْنَا عَمْرٍو السُّلَمِيِّ، وَهُمَا بَدْرِيَّانِ. وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ الْأَسَدِيُّ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ بِأَمْرِ خَالِدٍ. وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، وَقِيلَ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بِالطَّائِفِ هُوَ وَأَخُوهُ السَّائِبُ. وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْرَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى الْعَامِرِيُّ عَامِرُ قَيْسٍ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَغَيْرَهَا.
ذكر ردة أهل البحرين
وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ قَاتِلُ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ. وَفِيهَا قُتِلَ شُجَاعُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْأَسَدِيُّ أَسَدُ خُزَيْمَةَ، شَهِدَ بَدْرًا. وَهُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُطَّلِبِيُّ الْقُرَشِيُّ، وَأَخُوهُ جُنَادَةَ. وَالْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، ابْنُ عَمِّ خَالِدٍ. وَقُتِلَ وَرَقَةُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ. وَيَزِيدُ بْنُ أَوْسٍ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَأَبُو حَبَّةَ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ أُحُدًا. وَأَبُو عَقِيلٍ الْبَلَوِيُّ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ. وَأَبُو قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ، شَهِدَ أُحُدًا. وَيَزِيدُ بْنُ ثَابِتٍ أَخُو زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. (الرَّجَّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ بِالرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ، وَبِالْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ، وَقِيلَ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ. وَمَجَّاعَةُ بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ. وَمُحَكَّمُ الْيَمَامَةِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْكَافِ الْمُشَدَّدَةِ. وَسَعْدُ بْنُ جَمَّازٍ بِالْجِيمِ، وَالْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ، وَآخِرُهُ زَايٌ) . [ذِكْرُ رِدَّةِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ] لَمَّا قَدِمَ الْجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى الْعَبْدِيُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَفَقَّهَ رَدَّهُ إِلَى قَوْمِهِ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَكَانَ فِيهِمْ. فَلَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى الْعَبْدِيُّ مَرِيضًا،
فَمَاتَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَلِيلٍ. فَلَمَّا مَاتَ الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى ارْتَدَّ بَعْدَهُ أَهْلُ الْبَحْرَيْنِ، فَأَمَّا بَكْرٌ فَتَمَّتْ عَلَى رِدَّتِهَا، وَأَمَّا عَبْدُ الْقَيْسِ فَإِنَّهُمْ جَمَعَهُمُ الْجَارُودُ، وَكَانَ بَلَغَهُ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: أَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ لِلَّهِ أَنْبِيَاءٌ فِيمَا مَضَى؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا فَعَلُوا؟ قَالُوا: مَاتُوا. قَالَ: فَإِنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ مَاتَ كَمَا مَاتُوا، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَأَسْلَمُوا وَثَبَتُوا عَلَى إِسْلَامِهِمْ. وَحَصَرَهُمْ أَصْحَابُ الْمُنْذِرِ بَعْدَهُ حَتَّى اسْتَنْقَذَهُمُ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ. وَاجْتَمَعَتْ رَبِيعَةُ بِالْبَحْرَيْنِ عَلَى الرِّدَّةِ إِلَّا الْجَارُودُ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقَالُوا: نَرُدُّ الْمُلْكَ فِي الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَكَانَ يُسَمَّى الْغَرُورُ. فَلَمَّا أَسْلَمَ كَانَ يَقُولُ: أَنَا الْمَغْرُورُ، وَلَسْتُ بِالْغَرُورِ. وَخَرَجَ الْحُطَمُ بْنُ ضُبَيْعَةَ أَخُو بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْمُرْتَدِّينَ مِمَّنْ لَمْ يَزَلْ مُشْرِكًا، حَتَّى نَزَلَ الْقَطِيفَ وَهَجَرَ، وَاسْتَغَوَوُا الْخَطَّ وَمَنْ بِهَا مِنَ الزُّطِّ وَالسَّبَابِجَةِ، وَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى دَارِينَ، وَبَعَثَ إِلَى جُوَاثَا فَحَصَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَاشْتَدَّ الْحَصْرُ عَلَى مَنْ بِهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَذَفَ، وَقَدْ قَتَلَهُمُ الْجُوعُ: أَلَا أَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ رَسُولًا ... وَفِتْيَانَ الْمَدِينَةِ أَجْمَعِينَا فَهَلْ لَكُمُ إِلَى قَوْمٍ كِرَامٍ ... قُعُودٍ فِي جُوَاثَا مُحْصَرِينَا كَأَنَّ دِمَاءَهُمْ فِي كُلِّ فَجٍّ ... شُعَاعُ الشَّمْسِ يَغْشَى النَّاظِرِينَا تَوَكَّلْنَا عَلَى الرَّحْمَنِ إِنَّا ... وَجَدْنَا النَّصْرَ لِلْمُتَوَكِّلِينَا وَكَانَ سَبَبُ اسْتِنْقَاذِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ إِيَّاهُمْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ قَدْ بَعَثَهُ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِالْبَحْرَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ بِحِيَالِ الْيَمَامَةِ لَحِقَ بِهِ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ الْحَنَفِيُّ فِي مُسْلِمَةِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَلَحِقَ بِهِ أَيْضًا قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ، وَأَعْطَاهُ بَدَلَ مَا كَانَ قُسِمَ مِنَ الصَّدَقَةِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَانْضَمَّ إِلَيْهِ عَمْرٌو وَالْأَبْنَاءُ وَسَعْدُ بْنُ تَمِيمٍ، وَالرَّبَابُ أَيْضًا لَحِقَتْهُ فِي مِثْلِ عُدَّتِهِ، فَسَلَكَ بِهِمُ الدَّهْنَاءَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا فِي بُحْبُوحَتِهَا نَزَلَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالنُّزُولِ
فِي اللَّيْلِ، فَنَفَرَتْ إِبِلُهُمْ بِأَحْمَالِهَا، فَمَا بَقِيَ عِنْدَهُمْ بَعِيرٌ وَلَا زَادٌ وَلَا مَاءٌ، فَلَحِقَهُمْ مِنَ الْغَمِّ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَوَصَّى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَدَعَاهُمُ الْعَلَاءُ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي غَلَبَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْغَمِّ؟ فَقَالُوا: كَيْفَ نُلَامُ وَنَحْنُ إِنْ بَلَغْنَا غَدًا لَمْ تُحْمَ الشَّمْسُ حَتَّى نَهْلِكَ؟ ! فَقَالَ: لَنْ تُرَاعُوا، أَنْتُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنْصَارُ اللَّهِ، فَأَبْشِرُوا، فَوَاللَّهِ لَنْ تُخْذَلُوا. فَلَمَّا صَلَّوُا الصُّبْحَ دَعَا الْعَلَاءُ وَدَعَوْا مَعَهُ، فَلَمَعَ لَهُمُ الْمَاءُ، فَمَشَوْا إِلَيْهِ وَشَرِبُوا وَاغْتَسَلُوا. فَمَا تَعَالَى النَّهَارُ حَتَّى أَقْبَلَتِ الْإِبِلُ تُجْمَعُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَأَنَاخَتْ إِلَيْهِمْ فَسَقَوْهَا. وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِيهِمْ، فَلَمَّا سَارُوا عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ قَالَ لِمِنْجَابِ بْنِ رَاشِدٍ: كَيْفَ عِلْمُكَ بِمَوْضِعِ الْمَاءِ؟ قَالَ: عَارِفٌ بِهِ. فَقَالَ لَهُ: كُنْ مَعِي حَتَّى تُقِيمَنِي عَلَيْهِ. قَالَ: فَرَجَعْتُ بِهِ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَلَمْ نَجِدْ إِلَّا غَدِيرَ الْمَاءِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ لَوْلَا الْغَدِيرُ لَأَخْبَرْتُكَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَكَانُ، وَمَا رَأَيْتُ بِهَذَا الْمَكَانِ مَاءً قَبْلَ الْيَوْمِ، وَإِذَا إِدَاوَةٌ مَمْلُوَّةٌ مَاءً. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هَذَا وَاللَّهِ الْمَكَانُ، وَلِهَذَا رَجَعْتُ بِكَ، وَمَلَأْتُ إِدَاوَتِي ثُمَّ وَضَعْتُهَا عَلَى شَفِيرِ الْغَدِيرِ وَقُلْتُ: إِنْ كَانَ مَنَّا مِنَ الْمَنِّ عَرَفْتُهُ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا عَرَفْتُهُ، فَإِذَا مَنٌّ مِنَ الْمَنِّ. فَحَمِدَ اللَّهَ. ثُمَّ سَارُوا فَنَزَلُوا بِهَجَرَ، وَأَرْسَلَ الْعَلَاءُ إِلَى الْجَارُودِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَنْزِلَ بِعَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى الْحُطَمِ مِمَّا يَلِيهِ، وَسَارَ هُوَ فِيمَنْ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ مِمَّا يَلِي هَجَرَ، فَاجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ كُلُّهُمْ إِلَى الْحُطَمِ إِلَّا أَهْلَ دَارِينَ، وَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْعَلَاءِ، وَخَنْدَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَالْمُشْرِكُونَ، وَكَانُوا يَتَرَاوَحُونَ الْقِتَالَ وَيَرْجِعُونَ إِلَى خَنْدَقِهِمْ، فَكَانُوا كَذَلِكَ شَهْرًا. فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ ضَوْضَاءَ هَزِيمَةٍ أَوْ قِتَالٍ، فَقَالَ الْعَلَاءُ: مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَذْفٍ: أَنَا، فَخَرَجَ حَتَّى دَنَا مِنْ خَنْدَقِهِمْ، فَأَخَذُوهُ. وَكَانَتْ أُمُّهُ عِجْلِيَّةً، فَجَعَلَ يُنَادِي: يَا أَبْجَرَاهُ! فَجَاءَ أَبْجَرُ بْنُ بُجَيْرٍ فَعَرَفَهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: عَلَامَ أُقْبِلُ وَحَوْلِي عَسَاكِرُ مِنْ عِجْلٍ وَتَيْمِ اللَّاتِ وَغَيْرِهِمَا؟ فَخَلَّصَهُ، فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ بِئْسَ ابْنُ أُخْتٍ أَتَيْتَ اللَّيْلَةَ أَخْوَالَكَ. فَقَالَ: دَعْنِي مِنْ هَذَا وَأَطْعِمْنِي؛ فَقَدْ مُتُّ جُوعًا. فَقَرَّبَ لَهُ طَعَامًا فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: زَوِّدْنِي وَاحْمِلْنِي، يَقُولُ هَذَا لِرَجُلٍ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ السُّكْرُ، فَحَمَلَهُ عَلَى بَعِيرٍ وَزَوَّدَهُ وَجَوَّزَهُ، فَدَخَلَ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْقَوْمَ سُكَارَى، فَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، فَوَضَعُوا فِيهِمُ السَّيْفَ كَيْفَ شَاءُوا، وَهَرَبَ الْكُفَّارُ،
فَمِنْ بَيْنِ مُرْتَدٍّ وَنَاجٍ وَمَقْتُولٍ وَمَأْسُورٍ، وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْعَسْكَرِ، وَلَمْ يُفْلِتْ رَجُلٌ إِلَّا بِمَا عَلَيْهِ. فَأَمَّا أَبْجَرُ فَأَفْلَتَ، وَأَمَّا الْحُطَمُ فَقُتِلَ، قَتَلَهُ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ عَفِيفُ بْنُ الْمُنْذِرِ التَّيْمِيُّ رِجْلَهُ. وَطَلَبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَأَسَرَ عَفِيفٌ الْمُنْذِرَ بْنَ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ الْغَرُورَ فَأَسْلَمَ. وَأَصْبَحَ الْعَلَاءُ فَقَسَّمَ الْأَنْفَالَ، وَنَفَّلَ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْبَلَاءِ ثِيَابًا، فَأَعْطَى ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ الْحَنَفِيَّ خَمِيصَةً ذَاتَ أَعْلَامٍ كَانَتْ لِلْحُطَمِ يُبَاهِي بِهَا. فَلَمَّا رَجَعَ ثُمَامَةُ بَعْدَ فَتْحِ دَارِينَ رَآهَا بَنُو قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ قَتَلْتَ الْحُطَمَ! فَقَالَ: لَمْ أَقْتُلْهُ، وَلَكِنِّي اشْتَرَيْتُهَا مِنَ الْمَغْنَمِ. فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ. وَقَصَدَ عُظْمُ الْفُلَّالِ إِلَى دَارِينَ، فَرَكِبُوا إِلَيْهَا السُّفُنَ، وَلَحِقَ الْبَاقُونَ بِبِلَادِ قَوْمِهِمْ، فَكَتَبَ الْعَلَاءُ إِلَى مَنْ ثَبَتَ عَلَى إِسْلَامِهِ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، مِنْهُمْ عُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ وَالْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ وَغَيْرُهُمَا، يَأْمُرُهُمْ بِالْقُعُودِ لِلْمُنْهَزِمِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ بِكُلِّ طَرِيقٍ، فَفَعَلُوا، وَجَاءَتْ رُسُلُهُمْ إِلَى الْعَلَاءِ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ أَنْ يُؤْتَى مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، فَنَدَبَ حِينَئِذٍ النَّاسَ إِلَى دَارِينَ وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ أَرَاكُمُ اللَّهُ مِنْ آيَاتِهِ فِي الْبَرِّ لِتَعْتَبِرُوا بِهَا فِي الْبَحْرِ، فَانْهَضُوا إِلَى عَدُوِّكُمْ وَاسْتَعْرِضُوا الْبَحْرَ. وَارْتَحَلَ وَارْتَحَلُوا حَتَّى اقْتَحَمَ الْبَحْرَ عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْحَمِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِيهِمُ الرَّاجِلُ، وَدَعَا وَدَعَوْا. وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِمْ: يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، يَا كَرِيمُ، يَا حَلِيمُ، يَا صَمَدُ، يَا حَيُّ، يَا مُحْيِيَ الْمَوْتَى، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ يَا رَبَّنَا! فَاجْتَازُوا ذَلِكَ الْخَلِيجَ بِإِذْنِ اللَّهِ يَمْشُونَ عَلَى مِثْلِ رَمْلَةٍ فَوْقَهَا مَاءٌ يَغْمُرُ أَخْفَافَ الْإِبِلِ، وَبَيْنَ السَّاحِلِ وَدَارِينَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِسُفُنِ الْبَحْرِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ وَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَأَكْثَرَ الْمُسْلِمُونَ الْقَتْلَ فِيهِمْ فَمَا تَرَكُوا بِهَا مُخْبِرًا وَغَنِمُوا وَسَبَوْا، فَلَمَّا فَرَغُوا رَجَعُوا حَتَّى عَبَرُوا، وَضَرَبَ الْإِسْلَامُ فِيهَا بِجِرَانِهِ. وَكَتَبَ الْعَلَاءُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يُعَرِّفُهُ هَزِيمَةَ الْمُرْتَدِّينَ وَقَتْلَ الْحُطَمِ. وَكَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ رَاهِبٌ مِنْ أَهْلِ هَجَرَ، فَأَسْلَمَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ خَشِيتُ أَنْ يَمْسَخَنِي اللَّهُ بَعْدَهَا: فَيْضٌ فِي الرِّمَالِ، وَتَمْهِيدُ أَثْبَاجِ الْبَحْرِ، وَدُعَاءٌ سَمِعْتُهُ فِي عَسْكَرِهِمْ فِي الْهَوَاءِ سَحَرًا: اللَّهُمَّ أَنْتَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، لَا إِلَهَ غَيْرُكَ، وَالْبَدِيعُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَالدَّائِمُ غَيْرُ الْغَافِلِ، الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَخَالِقُ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، وَكُلُّ
ذكر ردة أهل عمان ومهرة
يَوْمٍ أَنْتَ فِي شَأْنٍ، عَلِمْتَ كُلَّ شَيْءٍ بِغَيْرِ تَعَلُّمٍ - فَعَلِمْتُ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يُعَانُوا بِالْمَلَائِكَةِ إِلَّا وَهُمْ عَلَى حَقٍّ، فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْمَعُونَ هَذَا مِنْهُ بَعْدُ. (عُتَيْبَةُ بَعْدَ الْعَيْنِ تَاءٌ مُعْجَمَةٌ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ فَوْقِهَا، وَيَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، ثُمَّ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ. وَحَارِثَةُ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَثَاءٍ مُثُلَّثَةٍ) . [ذِكْرُ رِدَّةَ أَهْلِ عُمَانَ وَمَهْرَةَ] قَدِ اخْتُلِفَ فِي تَارِيخِ حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدِّينَ، فَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ فَتْحُ الْيَمَامَةِ وَالْيَمَنِ وَالْبَحْرَيْنِ وَبَعْثُ الْجُنُودِ إِلَى الشَّامِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ. وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ، وَيَزِيدُ بْنُ عِيَاضِ بْنِ جُعْدُبَةَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: إِنَّ فُتُوحَ الرِّدَّةِ كُلَّهَا لِخَالِدٍ وَغَيْرِهِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، إِلَّا أَمْرَ رَبِيعَةَ بْنِ بُجَيْرٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَقِصَّتُهُ: أَنَّهُ بَلَغَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنَّ رَبِيعَةَ بِالْمُصَيِّخِ وَالْحَصِيدِ فِي جَمْعٍ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ، فَقَاتَلَهُ وَغَنِمَ وَسَبَى وَأَصَابَ ابْنَةً لِرَبِيعَةَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَصَارَتْ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَأَمَّا عُمَانُ فَإِنَّهُ نَبَغَ بِهَا ذُو التَّاجِ لَقِيطُ بْنُ مَالِكٍ الْأَزْدِيُّ، وَكَانَ يُسَامِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْجُلُنْدَى، وَادَّعَى بِمِثْلِ مَا ادَّعَى مَنْ تَنَبَّأَ، وَغَلَبَ عَلَى عُمَانَ مُرْتَدًّا، وَالْتَجَأَ جَيْفَرٌ وَعِيَاذٌ إِلَى الْجِبَالِ، وَبَعَثَ جَيْفَرٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يُخْبِرُهُ وَيَسْتَمِدُّهُ عَلَيْهِ، وَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ حُذَيْفَةَ بْنَ مِحْصَنٍ الْغَلْفَانِيَّ مِنْ حِمْيَرَ، وَعَرْفَجَةَ الْبَارِقِيَّ مِنَ الْأَزْدِ؛ حُذَيْفَةَ إِلَى عُمَانَ، وَعَرْفَجَةَ إِلَى مَهْرَةَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَمِيرٌ عَلَى صَاحِبِهِ فِي وَجْهِهِ، فَإِذَا قَرُبَا مِنْ عُمَانَ يُكَاتِبَانِ جَيْفَرًا. فَسَارَ إِلَى عُمَانَ، وَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَكَانَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَامَةِ، فَأُصِيبَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَلْحَقَ بِحُذَيْفَةَ وَعَرْفَجَةَ بِمَنْ مَعَهُ يُسَاعِدُهُمَا عَلَى أَهْلِ عُمَانَ وَمَهْرَةَ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْهُمْ سَارَ إِلَى الْيَمَنِ. فَلَحِقَهُمَا عِكْرِمَةُ قِبَلَ عُمَانَ، فَلَمَّا وَصَلُوا رِجَامًا، وَهِيَ قَرِيبٌ
ذكر خبر ردة اليمن
مِنْ عُمَانَ، كَاتَبُوا جَيْفَرًا وَعِيَاذًا، وَجَمَعَ لَقِيطٌ جُمُوعَهُ وَعَسْكَرَ بِدَبَا، وَخَرَجَ جَيْفَرٌ وَعِيَاذٌ وَعَسْكَرَا بِصُحَارٍ، وَأَرْسَلَا إِلَى حُذَيْفَةَ وَعِكْرِمَةَ وَعَرْفَجَةَ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِمَا، وَكَاتَبُوا رُؤَسَاءَ مِنْ لَقِيطٍ وَارْفَضُّوا عَنْهُ، ثُمَّ الْتَقَوْا عَلَى دَبَا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَاسْتَعْلَى لَقِيطٌ، وَرَأَى الْمُسْلِمُونَ الْخَلَلَ، وَرَأَى الْمُشْرِكُونَ الظَّفَرَ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ جَاءَتِ الْمُسَلِمِينَ مَوَادُّهُمُ الْعُظْمَى مِنْ بَنِي نَاجِيَةَ، وَعَلَيْهِمُ الْخِرِّيتُ بْنُ رَاشِدٍ، وَمِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ وَعَلَيْهِمْ سَيْحَانُ بْنُ وُصْحَانَ، وَغَيْرِهِمْ، فَقَوَّى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ، فَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ الْأَدْبَارَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَرَكِبُوهُمْ حَتَّى أَثْخَنُوا فِيهِمْ، وَسَبَوُا الذَّرَارِيَّ وَقَسَّمُوا الْأَمْوَالَ، وَبَعَثُوا بِالْخُمْسِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ مَعَ عَرْفَجَةَ، وَأَقَامَ حُذَيْفَةُ بِعُمَانَ يُسَكِّنُ النَّاسَ. وَأَمَّا مَهْرَةُ فَإِنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ سَارَ إِلَيْهِمْ لَمَّا فَرَغَ مِنْ عُمَانَ وَمَعَهُ مَنِ اسْتَنْصَرَ مِنْ نَاجِيَةَ وَعَبْدِ الْقَيْسِ وَرَاسِبٍ وَسَعْدٍ، فَاقْتَحَمَ عَلَيْهِمْ بِلَادَهُمْ، فَوَافَقَ بِهَا جَمْعَيْنِ مِنْ مَهْرَةَ؛ أَحَدُهُمَا مَعَ سِخْرِيتٍ، رَجُلٌ مِنْهُمْ، وَالثَّانِي مَعَ الْمُصَبَّحِ، أَحَدُ بَنِي مُحَارِبٍ، وَمُعْظَمُ النَّاسِ مَعَهُ، وَكَانَا مُخْتَلِفَيْنِ. فَكَاتَبَ عِكْرِمَةُ سِخْرِيتًا، فَأَجَابَهُ وَأَسْلَمَ، وَكَاتَبَ الْمُصَبَّحَ يَدْعُوهُ فَلَمْ يُجِبْ، فَقَاتَلَهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْمُرْتَدُّونَ وَقُتِلَ رَئِيسُهُمْ، وَرَكِبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَقَتَلُوا مَنْ شَاءُوا مِنْهُمْ، وَأَصَابُوا مَا شَاءُوا مِنَ الْغَنَائِمِ، وَبَعَثَ الْأَخْمَاسَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ مَعَ سِخْرِيتٍ، وَازْدَادَ عِكْرِمَةُ وَجُنْدُهُ قُوَّةً بِالظَّهْرِ وَالْمَتَاعِ، وَأَقَامَ عِكْرِمَةُ حَتَّى اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى الَّذِي يُحِبُّ، وَبَايَعُوا عَلَى الْإِسْلَامِ. (دَبَا بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُخَفَّفَةِ، وَفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ. وَالْخِرِّيتُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ، ثُمَّ يَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتِهَا، وَآخِرُهُ تَاءٌ. وَسَيْحَانُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ نُونٌ) . [ذِكْرُ خَبَرِ رِدَّةِ الْيَمَنِ] لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى مَكَّةَ وَأَرْضِهَا عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ، وَعَلَى عَكٍّ وَالْأَشْعَرِيِّينَ الطَّاهِرُ بْنُ أَبِي هَالَةَ، وَعَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْرِيُّ، وَعُثْمَانُ عَلَى الْمُدُنِ، وَمَالِكٌ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ، وَبِصَنْعَاءَ فَيْرُوزُ وَدَاذَوَيْهِ يُسَانِدُهُ،
وَقَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ، وَعَلَى الْجُنْدِ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، وَعَلَى مَأْرِبَ أَبُو مُوسَى، وَكَانَ مِنْهُمْ مَعَ الْأَسْوَدِ الْكَذَّابِ مَا ذَكَرْنَاهُ. فَلَمَّا أَهْلَكَ اللَّهُ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ بَقِيَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ صَنْعَاءَ وَنَجْرَانَ، لَا يَأْوُونَ إِلَى أَحَدٍ. وَمَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ فَارْتَدَّ النَّاسُ، فَكَتَبَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يُعَرِّفُهُ خَبَرَ مَنِ ارْتَدَّ فِي عَمَلِهِ، وَبَعَثَ عَتَّابٌ أَخَاهُ خَالِدًا إِلَى أَهْلِ تِهَامَةَ، وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ مُدْلِجٍ وَخُزَاعَةَ وَأَبْنَاءِ كِنَانَةَ. وَأَمَّا كِنَانَةُ عَلَيْهِمْ جُنْدُبُ بْنُ سَلْمَى، فَالْتَقَوْا بِالْأَبَارِقِ، فَقَتَلَهُمْ خَالِدٌ وَفَرَّقَهُمْ، وَأَفْلَتَ جُنْدُبُ بْنُ سَلْمَى وَعَادَ، وَبَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بَعْثًا إِلَى شَنُوءَةَ وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَزْدِ، وَبَجِيلَةُ، وَخَثْعَمُ، وَعَلَيْهِمْ حُمَيْضَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَاسْتَعْمَلَ عُثْمَانُ عَلَى السَّرِيَّةِ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، فَالْتَقَوْا بِشَنُوءَةَ، فَانْهَزَمَ الْكُفَّارُ وَتَفَرَّقُوا، وَهَرَبَ حُمَيْضَةُ فِي الْبِلَادِ. وَأَمَّا الْأَخَابِثُ مِنَ الْعَكِّ فَكَانُوا أَوَّلَ مُنْتَقِضٍ بِتِهَامَةَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ تَجَمَّعَ عَكٌّ وَالْأَشْعَرِيُّونَ، وَأَقَامُوا عَلَى الْأَعْلَابِ، فَسَارَ إِلَيْهِمُ الطَّاهِرُ بْنُ أَبِي هَالَةَ وَمَعَهُ مَسْرُوقٌ وَقَوْمُهُ مِنْ عَكٍّ مِمَّنْ لَمْ يَرْتَدَّ، فَالْتَقَوْا عَلَى الْأَعْلَابِ، فَانْهَزَمَتْ عَكٌّ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَكَانَ ذَلِكَ فَتْحًا عَظِيمًا. وَوَرَدَ كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى الطَّاهِرِ يَأْمُرُهُ بِقِتَالِهِمْ، وَسَمَّاهُمُ الْأَخَابِثَ، وَسَمَّى طَرِيقَهُمْ طَرِيقَ الْأَخَابِثِ، فَبَقِيَ الِاسْمُ عَلَيْهِمْ إِلَى الْآنَ. وَأَمَّا أَهْلُ نَجْرَانَ فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَوْتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلُوا وَفْدًا لِيُجَدِّدُوا عَهْدَهُمْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ كِتَابًا. وَأَمَّا بَجِيلَةُ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَدَّ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَنْفِرَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ ثَبَتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيُقَاتِلَ بِهِمْ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ يَأْتِيَ خَثْعَمَ فَيُقَاتِلَ مَنْ خَرَجَ غَضَبًا لِذِي الْخَلَصَةِ، فَخَرَجَ جَرِيرٌ وَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ، فَلَمْ يَقُمْ لَهُ أَحَدٌ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ، فَقَتَلَهُمْ وَتَتَبَّعَهُمْ. (حُمَيْضَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ) . ذِكْرُ خَبَرِ رِدَّةِ الْيَمَنِ ثَانِيَةً وَكَانَ مِمَّنِ ارْتَدَّ ثَانِيَةً قَيْسُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ مَكْشُوحٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُ
النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمِلَ فِي قَتْلِ فَيْرُوزَ وَجِشْنَسَ، وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عُمَرَ ذِي مُرَّانَ، وَإِلَى سَعِيدٍ ذِي زُودٍ، وَإِلَى الْكَلَاعِ، وَإِلَى حَوْشَبٍ ذِي ظُلَيْمٍ، وَإِلَى شَهْرٍ ذِي نِيَافٍ يَأْمُرُهُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِهِمْ وَالْقِيَامِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِإِعَانَةِ الْأَبْنَاءِ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ، وَالسَّمْعِ لِفَيْرُوزَ، وَكَانَ فَيْرُوزُ وَدَاذَوَيْهِ وَقَيْسٌ قَبْلَ ذَلِكَ مُتَسَانِدِينَ. فَلَمَّا سَمِعَ قَيْسٌ بِذَلِكَ كَتَبَ إِلَى ذِي الْكُلَاعِ وَأَصْحَابِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى قَتْلِ الْأَبْنَاءِ وَإِخْرَاجِ أَهْلِهِمْ مِنَ الْيَمَنِ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ وَلَمْ يَنْصُرُوا الْأَبْنَاءَ. فَاسْتَعَدَّ لَهُمْ قَيْسٌ، وَكَاتَبَ أَصْحَابَ الْأَسْوَدِ الْمُتَرَدِّدِينَ فِي الْبِلَادِ سِرًّا، يَدْعُوهُمْ لِيَجْتَمِعُوا مَعَهُ، فَجَاءُوا إِلَيْهِ، فَسَمِعَ بِهِمْ أَهْلُ صَنْعَاءَ، فَقَصَدَ قَيْسٌ فَيْرُوزَ وَدَاذَوَيْهِ، فَاسْتَشَارَهُمَا فِي أَمْرِهِ خَدِيعَةً مِنْهُ لِيُلَبِّسَ عَلَيْهِمَا، فَاطْمَأَنَّا إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ قِيْسًا صَنَعَ مِنَ الْغَدِ طَعَامًا وَدَعَا دَاذَوَيْهِ وَفَيْرُوزَ وَجِشْنَسَ، فَخَرَجَ دَاذَوَيْهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وَجَاءَ إِلَيْهِ فَيْرُوزُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ سَمِعَ امْرَأَتَيْنِ تَتَحَدَّثَانِ، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا: هَذَا مَقْتُولٌ كَمَا قُتِلَ دَاذَوَيْهِ، فَخَرَجَ. فَطَلَبَهُ أَصْحَابُ قَيْسٍ، فَخَرَجَ يَرْكُضُ، وَلَقِيَهُ جِشْنَسُ فَرَجَعَ مَعَهُ، فَتَوَجَّهَا نَحْوَ جَبَلِ خَوْلَانَ، وَهُمْ أَخْوَالُ فَيْرُوزَ، فَصَعِدَا الْجَبَلَ، وَرَجَعَتْ خُيُولُ قَيْسٍ فَأَخْبَرُوهُ، فَثَارَ بِصَنْعَاءَ وَمَا حَوْلَهَا، وَأَتَتْهُ خُيُولُ الْأَسْوَدِ. وَاجْتَمَعَ إِلَى فَيْرُوزَ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يُخْبِرُهُ، وَاجْتَمَعَ إِلَى قَيْسٍ عَوَامُّ قَبَائِلِ مَنْ كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رُؤَسَائِهِمْ، وَاعْتَزَلَ الرُّؤَسَاءُ، وَعَمَدَ قَيْسٌ إِلَى الْأَنْبَاءِ فَفَرَّقَهُمْ ثَلَاثَ فِرَقٍ: مَنْ أَقَامَ أَقَرَّ عِيَالَهُ، وَالَّذِينَ سَارُوا مَعَ فَيْرُوزَ فَرَّقَ عِيَالَهُمْ فِرْقَتَيْنِ، فَوَجَّهَ إِحْدَاهَا إِلَى عَدَنَ لِيَحْمِلُوا فِي الْبَحْرِ، وَحَمَلَ الْأُخْرَى فِي الْبَرِّ، وَقَالَ لَهُمْ جَمِيعِهِمْ: الْحَقُوا بِأَرْضِكُمْ. فَلَمَّا عَلِمَ فَيْرُوزُ ذَلِكَ جَدَّ فِي حَرْبِهِ وَتَجَرَّدَ لَهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي عُقَيْلِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ يَسْتَمِدُّهُمْ، وَإِلَى عَكٍّ يَسْتَمِدُّهُمْ، فَرَكِبَتْ عُقَيْلٌ، فَلَقُوا خَيْلَ قَيْسِ بْنِ عَامِرٍ وَمَعَهُمْ عِيَالَاتُ الْأَبْنَاءِ الَّذِينَ كَانَ قَدْ سَيَّرَهُمْ قَيْسٌ، فَاسْتَنْقَذُوهُمْ وَقَتَلُوا خَيْلَ قَيْسٍ. وَسَارَتْ عَكٌّ فَاسْتَنْقَذُوا طَائِفَةً أُخْرَى مِنْ عِيَالَاتِ الْأَبْنَاءِ، وَقَتَلُوا مَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ قَيْسٍ، وَأَمَدَّتْ عُقَيْلٌ وَعَكٌّ فَيْرُوزَ بِالرِّجَالِ. فَلَمَّا أَتَتْهُ أَمْدَادُهُمْ خَرَجَ بِهِمْ وَبِمَنِ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ، فَلَقُوا قَيْسًا دُونَ صَنْعَاءَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ قَيْسٌ وَأَصْحَابُهُ، وَتَذَبْذَبَ أَصْحَابُ الْعَنْسِيِّ وَقَيْسٌ مَعَهُمْ فِيمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَنَجْرَانَ.
ذكر ردة حضرموت وكندة
قِيلَ: وَكَانَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْلِمًا، فَاسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى صَدَقَاتِ مُرَادٍ، وَمَنْ نَازَلَهُمْ وَنَزَلَ دَارَهُمْ. وَكَانَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ الزُّبَيْدِيُّ قَدْ فَارَقَ قَوْمَهُ سَعْدَ الْعَشِيرَةِ، وَانْحَازَ إِلَيْهِمْ وَأَسْلَمَ مَعَهُمْ، فَلَمَّا ارْتَدَّ الْعَنْسِيُّ وَمَعَهُ مَذْحِجٌ ارْتَدَّ عَمْرٌو فِيمَنِ ارْتَدَّ، وَكَانَ عَمْرٌو مَعَ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَلَمَّا ارْتَدَّ سَارَ إِلَيْهِ خَالِدٌ فَلَقِيَهُ، فَضَرَبَهُ خَالِدٌ عَلَى عَاتِقِهِ فَهَرَبَ مِنْهُ، وَأَخَذَ خَالِدٌ سَيْفَهُ الصَّمْصَامَةَ وَفَرَسَهُ، فَلَمَّا ارْتَدَّ عَمْرٌو جَعَلَهُ الْعَنْسِيُّ بِإِزَاءِ فَرْوَةَ، فَامْتَنَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْبَرَاحِ لِمَكَانِ صَاحِبِهِ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ قَدِمَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ أَبْيَنَ مِنْ مَهْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِتَالِ مَهْرَةَ، وَمَعَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنْ مَهْرَةَ وَغَيْرِهِمْ، فَاسْتَبْرَى النَّخْعَ وَحِمْيَرَ، وَقَدِمَ أَيْضًا الْمُهَاجِرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ فِي جَمْعٍ مِنْ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَبَجِيلَةَ مَعَ جَرِيرٍ إِلَى نَجْرَانَ، فَانْضَمَّ إِلَيْهِ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيُّ، فَأَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ مُسْتَجِيبًا، حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمُهَاجِرِ مِنْ غَيْرِ أَمَانٍ، فَأَوْثَقَهُ الْمُهَاجِرُ، وَأَخَذَ قَيْسًا أَيْضًا فَأَوْثَقَهُ، وَسَيَّرَهُمَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا قَيْسُ، قَتَلْتَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاتَّخَذْتَ الْمُرْتَدِّينَ وَلِيَجِةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ! فَانْتَفَى قَيْسٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَارَفَ مِنْ أَمْرِ دَاذَوَيْهِ شَيْئًا، وَكَانَ قَتَلَهُ سِرًّا، فَتَجَافَى لَهُ عَنْ دَمِهِ، وَقَالَ لِعَمْرٍو: أَمَا تَسْتَحِي أَنَّكَ كُلَّ يَوْمٍ مَهْزُومٌ أَوْ مَأْسُورٌ؟ لَوْ نَصَرْتَ هَذَا الدِّينَ لَرَفَعَكَ اللَّهُ، فَقَالَ: لَا جَرَمَ، لَأُقْبِلَّنَ وَلَا أَعُودُ. وَرَجَعَا إِلَى عَشَائِرِهِمَا. فَسَارَ الْمُهَاجِرُ مِنْ نَجْرَانَ وَالْتَقَتِ الْخُيُولُ عَلَى أَصْحَابِ الْعَنْسِيِّ، فَاسْتَأْمَنُوا فَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ، وَقَتَلَهُمْ بِكُلِّ سَبِيلٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَى صَنْعَاءَ فَدَخَلَهَا، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِذَلِكَ. [ذِكْرُ رِدَّةِ حَضْرَمَوْتَ وَكِنْدَةَ] لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعُمَّالُهُ عَلَى بِلَادِ حَضْرَمَوْتَ: زِيَادُ بْنُ أَبِي لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَلَى حَضْرَمَوْتَ، وَعَكَّاشَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَى السَّكَاسِكِ وَالسَّكُونِ «وَالْمُهَاجِرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَى كِنْدَةَ، اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهَا حَتَّى تُوُفِّيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ إِلَى قِتَالِ مَنْ بِالْيَمَنِ، ثُمَّ الْمَسِيرُ بَعْدُ إِلَى عَمَلِهِ، وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَبُوكَ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَاتِبٌ عَلَيْهِ، فَبَيْنَمَا أُمُّ سَلَمَةَ تَغْسِلُ رَأْسَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: كَيْفَ يَنْفَعُنِي عَيْشٌ وَأَنْتَ عَاتِبٌ عَلَى أَخِي؟ فَرَأَتْ
مِنْهُ رِقَّةً، فَأَوْمَأَتْ إِلَى خَادِمِهَا فَدَعَتْهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْكُرُ عُذْرَهُ حَتَّى رَضِيَ عَنْهُ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى كِنْدَةَ. فَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَسِرْ إِلَى عَمَلِهِ، ثُمَّ سَارَ بَعْدَهُ» . وَكَانَ سَبَبُ رِدَّةِ كِنْدَةَ وَإِجَابَتِهِمُ الْأَسْوَدَ الْكَذَّابَ حَتَّى لَعَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُلُوكَ الْأَرْبَعَةَ مِنْهُمْ - أَنَّهُمْ لَمَّا أَسْلَمُوا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُوضَعَ بَعْضُ صَدَقَةِ حَضْرَمَوْتَ فِي كِنْدَةَ، وَبَعْضُ صَدَقَةِ كِنْدَةَ فِي حَضْرَمَوْتَ، وَبَعْضُ صَدَقَةِ حَضْرَمَوْتَ فِي السَّكُونِ، وَبَعْضُ صَدَقَةِ السَّكُونِ فِي حَضْرَمَوْتَ، فَقَالَ بَعْضُ بَنِي وَلَيْعَةَ: مِنْ كِنْدَةَ لِحَضْرَمَوْتَ لَيْسَ لَنَا ظَهْرٌ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَبْعَثُوا إِلَيْنَا بِذَلِكَ عَلَى ظَهْرٍ. قَالُوا: فَإِنَّا نَنْظُرُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ ظَهْرٌ فَعَلْنَا. فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ بَنُو وَلَيْعَةَ: أَبْلِغُونَا كَمَا وَعَدْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -! فَقَالُوا: إِنْ لَكُمْ ظَهْرًا فَاحْتَمِلُوا، فَقَالُوا لِزِيَادٍ: أَنْتَ مَعَهُمْ عَلَيْنَا. فَأَبَى الْحَضْرَمِيُّونَ، وَلَحَّ الْكِنْدِيُّونَ وَرَجَعُوا إِلَى دَارِهِمْ، وَتَرَدَّدُوا فِي أَمْرِهِمْ، وَأَمْسَكَ عَنْهُمْ زِيَادٌ انْتِظَارًا لِلْمُهَاجِرِ. وَكَانَ الْمُهَاجِرُ لَمَّا تَأَخَّرَ بِالْمَدِينَةِ قَدِ اسْتَخْلَفَ زِيَادًا عَلَى عَمَلِهِ، وَسَارَ الْمُهَاجِرُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى عَمَلِهِ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ أَيْضًا، فَنَزَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْأَسْوَدِ، وَالْآخَرُ عَلَى وَائِلٍ، وَكَانَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ قَدْ وَلِيَ صَدَقَاتِ بَنِي عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ مِنْ كِنْدَةَ بِنَفْسِهِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ انْتَهَى مِنْهُمْ شَيْطَانُ بْنُ حُجْرٍ، فَأَخَذَ مِنْهُمْ بَكْرَةً وَوَسَمَهَا، فَإِذَا النَّاقَةُ لِلْعَدَّاءِ بْنِ حُجْرٍ أَخِي شَيْطَانٍ، وَكَانَ أَخُوهُ قَدْ أُوهِمَ حِينَ أَخْرَجَهَا، وَكَانَ اسْمُهَا شَذْرَةً، وَظَنَّهَا غَيْرَهَا. فَقَالَ الْعَدَّاءُ: هَذِهِ نَاقَتِي. فَقَالَ شَيْطَانٌ: صَدَقَ، فَأَطْلِقْهَا وَخُذْ غَيْرَهَا. فَاتَّهَمَهُ زِيَادٌ بِالْكُفْرِ وَمُبَاعَدَةِ الْإِسْلَامِ. فَمَنَعَهُمَا عَنْهَا وَقَالَ: صَارَتْ فِي حَقِّ اللَّهِ. فَلَجَأَ فِي أَخْذِهَا، فَقَالَ لَهَا: لَا تَكُونَنَّ شَذْرَةً عَلَيْكُمْ كَالْبَسُوسِ. فَنَادَى الْعَدَّاءُ: يَا آلَ عَمْرٍو، أُضَامُ وَأُضْطَهَدُ! إِنَّ الذَّلِيلَ مَنْ أُكِلَ فِي دَارِهِ! وَنَادَى حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، فَأَقْبَلَ إِلَى زِيَادٍ وَهُوَ وَاقِفٌ، فَقَالَ: أَطْلِقْ بَكْرَةَ الرَّجُلِ وَخُذْ غَيْرَهَا. فَقَالَ زِيَادٌ: مَا لِي إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ. فَقَالَ حَارِثَةُ: ذَاكَ إِذَا كُنْتَ يَهُودِيًّا، وَأَطْلَقَ عِقَالَهَا وَبَعَثَهَا وَقَامَ دُونَهَا، فَأَمَرَ زِيَادٌ شَبَابًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَالسَّكُونِ فَمَنَعُوهُ وَكَتَّفُوهُ، وَكَتَّفُوا أَصْحَابَهُ وَأَخَذُوا الْبَكْرَةَ، وَتَصَايَحَتْ كِنْدَةُ، وَغَضِبَتْ بَنُو مُعَاوِيَةَ لِحَارِثَةَ وَأَظْهَرُوا أَمْرَهُمْ، وَغَضِبَتْ حَضْرَمَوْتُ وَالسَّكُونُ لِزِيَادٍ، وَتَوَافَى عَسْكَرَانِ عَظِيمَانِ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَلَمْ يُحْدِثْ بَنُو مُعَاوِيَةَ شَيْئًا لِمَكَانِ أُسَرَائِهِمْ، وَلَمْ يَجِدْ أَصْحَابُ زِيَادٍ سَبِيلًا يَتَعَلَّقُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُمْ زِيَادٌ بِوَضْعِ السِّلَاحِ
فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَطَلَبُوا أُسَرَاءَهُمْ فَلَمْ يُطْلِقْهُمْ، وَنَهَدَ إِلَيْهِمْ لَيْلًا فَقَتَلَ مِنْهُمْ وَتَفَرَّقُوا، فَلَمَّا تَفَرَّقُوا أَطْلَقَ حَارِثَةَ وَمَنْ مَعَهُ. فَلَمَّا رَجَعَ الْأَسْرَى إِلَى أَصْحَابِهِمْ حَرَّضُوهُمْ عَلَى زِيَادٍ وَمَنْ مَعَهُ، وَاجْتَمَعَ مِنْهُمْ عَسْكَرٌ كَثِيرٌ، وَنَادَوْا بِمَنْعِ الصَّدَقَةِ، فَأَرْسَلَ الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ، وَسَكَنَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، فَأَقَامُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَسِيرًا. ثُمَّ إِنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ مِنْ كِنْدَةَ نَزَلُوا الْمَحَاجِرَ، وَهِيَ أَحْمَاءٌ حَمَوْهَا، فَنَزَلَ جَمَدٌ مَحْجَرًا، وَمِخْوَصٌ مَحْجَرًا، وَمِشْرَحٌ مَحْجَرًا، وَأَبْضَعَةُ مَحْجَرًا، وَأُخْتُهُمُ الْعَمَرَّدَةُ مَحْجَرًا، وَهُمُ الْمُلُوكُ الْأَرْبَعَةُ رُؤَسَاءُ عَمْرٍو الَّذِينَ لَعَنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ذُكِرُوا قَبْلُ. وَنَزَلَتْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَحَاجِرَهَا، فَنَزَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ مَحْجَرًا، وَالسِّمْطُ بْنُ الْأَسْوَدِ مَحْجَرًا، وَأَطْبَقَتْ بَنُو مُعَاوِيَةَ كُلُّهَا عَلَى مَنْعِ الصَّدَقَةِ، إِلَّا شُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ وَابْنَهُ، فَإِنَّهُمَا قَالَا لِبَنِي مُعَاوِيَةَ: إِنَّهُ لَقَبِيحٌ بِالْأَحْرَارِ التَّنَقُّلُ، إِنَّ الْكِرَامَ لَيَلْزَمُونَ الشُّبْهَةَ فَيَتَكَرَّمُونَ أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى أَوْضَحَ مِنْهَا مَخَافَةَ الْعَارِ، فَكَيْفَ الِانْتِقَالُ مِنَ الْأَمْرِ الْحَسَنِ الْجَمِيلِ وَالْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ وَالْقَبِيحِ! اللَّهُمَّ إِنَّا نُمَالِئُ قَوْمَنَا عَلَى ذَلِكَ. وَانْتَقَلَ وَنَزَلَ مَعَ زِيَادٍ وَمَعَهُمَا امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَابِسٍ، وَقَالَا لَهُ: بَيِّتِ الْقَوْمَ؛ فَإِنَّ أَقْوَامًا مِنَ السَّكَاسِكِ وَالسَّكُونِ قَدِ انْضَمُّوا إِلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ شُذَّاذٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ خَشِينَا أَنْ تَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنَّا إِلَيْهِمْ. فَأَجَابَهُمْ إِلَى تَبْيِيتِ الْقَوْمِ، فَاجْتَمَعُوا وَطَوَّقُوهُمْ فِي مَحَاجِرِهِمْ، فَوَجَدُوهُمْ جُلُوسًا حَوْلَ نِيرَانِهِمْ، فَأَكَبُّوا عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَفِيهِمُ الْعَدَدُ وَالشَّوْكَةُ - مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ، فَأَصَابُوا مِشْرَحًا وَمِخْوَصًا وَجَمَدًا وَأَبْضَعَةَ وَأُخْتَهُمُ الْعَمَرَّدَةَ، وَأَدْرَكَتْهُمْ لَعْنَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَهَرَبَ مَنْ أَطَاقَ الْهَرَبَ، وَعَادَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ بِالْأَمْوَالِ وَالسَّبْيِ، وَاجْتَازُوا بِالْأَشْعَثِ، فَثَارَ فِي قَوْمِهِ، فَاسْتَنْقَذَهُمْ وَجَمَعَ الْجُمُوعَ. وَكَتَبَ زِيَادٌ إِلَى الْمُهَاجِرِ يَسْتَحِثُّهُ، فَلَقِيَهُ الْكِتَابُ بِالطَّرِيقِ فَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْجُنْدِ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، وَتَعَجَّلَ فِي سَرَعَانِ النَّاسِ، وَقَدِمَ عَلَى زِيَادٍ وَسَارَ إِلَى كِنْدَةَ، فَالْتَقَوْا بِمَحْجَرِ الزُّرْقَانِ فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتْ كِنْدَةُ وَقُتِلَتْ، وَخَرَجُوا هُرَّابًا فَالْتَجَئُوا إِلَى النُّجَيْرِ، وَقَدْ رَمُّوهُ وَأَصْلَحُوهُ. وَسَارَ الْمُهَاجِرُ فَنَزَلَ عَلَيْهِمْ، وَاجْتَمَعَتْ كِنْدَةُ فِي النُّجَيْرِ فَتَحَصَّنُوا بِهِ، فَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَقَدِمَ إِلَيْهِمْ عِكْرِمَةُ، فَاشْتَدَّ الْحَصْرُ عَلَى كِنْدَةَ، وَتَفَرَّقَتِ السَّرَايَا فِي طَلَبِهِمْ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ، وَخَرَجَ مَنْ بِالنُّجَيْرِ مِنْ كِنْدَةَ وَغَيْرِهِمْ، فَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ فَكَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ، فَرَجَعُوا إِلَى حِصْنِهِمْ، وَخَشَعَتْ نُفُوسُهُمْ وَخَافُوا الْقَتْلَ،
وَخَافَ الرُّؤَسَاءُ عَلَى نُفُوسِهِمْ. فَخَرَجَ الْأَشْعَثُ وَمَعَهُ تِسْعَةُ نَفَرٍ، فَطَلَبُوا مِنْ زِيَادٍ أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ وَأَهْلِيَهُمْ عَلَى أَنْ يَفْتَحُوا لَهُ الْبَابَ. فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَقَالَ: اكْتُبُوا مَا شِئْتُمْ ثُمَّ هَلُمُّوا الْكِتَابَ حَتَّى أَخْتِمَهُ. فَفَعَلُوا، وَنَسِيَ الْأَشْعَثُ أَنْ يَكْتُبَ نَفْسَهُ لِأَنَّ جَحْدَمًا وَثَبَ عَلَيْهِ بِسِكِّينٍ، فَقَالَ: تَكْتُبُنِي أَوْ أَقْتُلُكَ؟ فَكَتَبَهُ وَنَسِيَ نَفْسَهُ، فَفَتَحُوا الْبَابَ، فَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ فَلَمْ يَدَعُوا مُقَاتِلًا إِلَّا قَتَلُوهُ، وَضَرَبُوا أَعْنَاقَهُمْ صَبْرًا، وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ وَالسَّبْيَ. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْهُمْ دَعَا الْأَشْعَثُ أُولَئِكَ النَّفَرَ وَالْكِتَابَ مَعَهُمْ فَعَرَضَهُمْ، فَأَجَارَ مَنْ فِي الْكِتَابِ، فَإِذَا الْأَشْعَثُ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَقَالَ الْمُهَاجِرُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَطَّأَ فَاكَ يَا أَشْعَثُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ! قَدْ كُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ يُخْزِيَكَ اللَّهُ! وَشَدَّهُ كِتَافًا، فَقِيلَ لَهُ: أَخِّرْهُ وَسَيِّرْهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ؛ فَهُوَ أَعْلَمُ بِالْحُكْمِ فِيهِ. فَسَيَّرَهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ مَعَ السَّبْيِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْحِصَارَ لَمَّا اشْتَدَّ عَلَى مَنْ بِالنُّجَيْرِ نَزَلَ الْأَشْعَثُ إِلَى الْمُهَاجِرِ وَزِيَادٍ وَالْمُسْلِمِينَ، فَسَأَلَهُمُ الْأَمَانَ عَلَى دَمِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَقْدَمُوا بِهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ، عَلَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُمُ النُّجَيْرَ وَيُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ مَنْ فِيهِ، وَغَدَرَ بِأَصْحَابِهِ، فَقَبِلُوا ذَلِكَ مِنْهُ، فَفَتَحَ لَهُمُ الْحِصْنَ، فَاسْتَنْزَلُوا مَنْ فِيهِ مِنَ الْمُلُوكِ فَقَتَلُوهُمْ وَأَوْثَقُوا الْأَشْعَثَ وَأَرْسَلُوهُ مَعَ السَّبْيِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَلْعَنُونَهُ وَيَلْعَنُهُ سَبَايَا قَوْمِهِ، وَسَمَّاهُ نِسَاءُ قَوْمِهِ عُرْفَ النَّارِ، وَهُوَ اسْمُ الْغَادِرِ عِنْدَهُمْ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: مَا تَرَانِي أَصْنَعُ بِكَ؟ قَالَ: لَا أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنِّي أَقْتُلُكَ. قَالَ: فَأَنَا الَّذِي رَاوَضْتُ الْقَوْمَ فِي عَشْرَةٍ فَمَا يَحِلُّ دَمِي. قَالَ: إِنَّمَا وَجَبَ الصُّلْحُ بَعْدَ خَتْمِ الصَّحِيفَةِ عَلَى مَنْ فِيهَا، وَإِنَّمَا كُنْتَ قَبْلَ ذَلِكَ مُرَاوِضًا. فَلَمَّا خَشِيَ الْقَتْلَ قَالَ: أَوَتَحْتَسِبُ فِيَّ خَيْرًا، فَتُطْلِقُ إِسَارِيْ وَتُقِيلُنِي عَثْرَتِي، وَتَفْعَلُ بِي مِثْلَ مَا فَعَلْتَ بِأَمْثَالِي، وَتَرُدُّ عَلَيَّ زَوْجَتِي؟ - وَقَدْ كَانَ خَطَبَ أُمَّ فَرْوَةَ أُخْتَ أَبِي بَكْرٍ لَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخَّرَهَا إِلَى أَنْ يَقْدَمَ الثَّانِيَةَ، فَمَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَارْتَدَّ - فَإِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ تَجِدُنِي خَيْرَ أَهْلِ بِلَادِي لِدِينِ اللَّهِ. فَحَقَنَ دَمَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ أَهْلَهُ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى فَتَحَ الْعِرَاقَ، وَقَسَّمَ الْغَنَائِمَ بَيْنَ النَّاسِ. وَقِيلَ: إِنَّ عِكْرِمَةَ قَدِمَ بَعْدَ الْفَتْحِ، فَقَالَ زِيَادٌ وَالْمُهَاجِرُ لِمَنْ مَعَهُمَا: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدِمُوا مَدَدًا لَكُمْ، فَأَشْرِكُوهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ، فَفَعَلُوا وَأَشْرَكُوهُمْ. وَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنَّهُ لَقَبِيحٌ بِالْعَرَبِ أَنْ يَمْلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَفَتَحَ الْأَعَاجِمَ. وَاسْتَشَارَ فِي فِدَاءِ سَبَايَا الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ،
ثم دخلت سنة اثنتي عشرة
إِلَّا امْرَأَةً وَلَدَتْ لِسَيِّدِهَا، وَجَعَلَ فِدَاءً لِكُلِّ إِنْسَانٍ سِتَّةَ أَبْعِرَةٍ أَوْ سَبْعَةً، إِلَّا حَنِيفَةَ وَكِنْدَةَ، فَإِنَّهُ خَفَّفَ عَلَيْهِمْ لِقَتْلِ رِجَالِهِمْ، فَتَتَبَّعَ النِّسَاءُ بِكُلِّ مَكَانٍ فَقَدُوهُنَّ. وَفِيهَا انْصَرَفَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مِنَ الْيَمَنِ. وَفِيهَا اسْتَقْضَى أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَكَانَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ خِلَافَتَهُ كُلَّهَا. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ، وَقِيلَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ. (النُّجَيْرُ - بِضَمِّ النُّونِ، وَفَتْحِ الْجِيمِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ: حِصْنٌ بِالْيَمَنِ مَنِيعٌ) . [ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ] ذِكْرُ مَسِيرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى الْعِرَاقِ وَصُلْحِ الْحِيرَةِ
12 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ذِكْرُ مَسِيرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى الْعِرَاقِ وَصُلْحِ الْحِيرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا أَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَهُوَ بِالْيَمَامَةِ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَقِيلَ: بَلْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنَ الْيَمَامَةِ، فَسَيَّرَهُ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِبَانِقْيَا وَبَارُوسْمَا وَأُلَّيْسَ، وَصَالَحَهُ أَهْلُهَا. وَكَانَ الَّذِي صَالَحَهُ عَلَيْهَا ابْنُ صَلُوبَا عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ سِوَى حَرَزَةِ كِسْرَى، وَكَانَتْ عَلَى كُلِّ رَأْسٍ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَشْرَافُهَا مَعَ إِيَاسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطَّائِيِّ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا بَعْدَ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، فَدَعَاهُمْ خَالِدٌ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ أَوِ الْمُحَارَبَةِ، فَاخْتَارُوا الْجِزْيَةَ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى تِسْعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَكَانَتْ أَوَّلَ جِزْيَةٍ أُخِذَتْ مِنَ الْفُرْسِ فِي الْإِسْلَامِ هِيَ وَالْقُرَيَّاتِ الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: إِنَّمَا أَمَرَهُ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأُبُلَّةِ، وَكَتَبَ إِلَى عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ أَنْ يَقْصِدَ الْعِرَاقَ وَيَبْدَأَ بِالْمُصَيَّحِ، وَيَدْخُلَ الْعِرَاقَ مِنْ أَعْلَاهُ، وَيَسِيرَ حَتَّى يَلْقَى خَالِدًا، وَكَانَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ قَدِ اسْتَأْذَنَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَغْزُوَ بِالْعِرَاقِ فَأَذِنَ لَهُ، فَكَانَ يَغْزُوهُمْ قَبْلَ
قُدُومِ خَالِدٍ، وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ خَالِدًا وَعِيَاضًا أَنْ يَسْتَنْفِرَا مَنْ قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ، وَأَنْ لَا يَغْزُوَنَّ مَعَهُمَا مُرْتَدٌّ، فَفَعَلَا وَكَتَبَا إِلَيْهِ يَسْتَمِدَّانِهِ، فَأَمَدَّ خَالِدًا بِالْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو التَّمِيمِيِّ، فَقِيلَ لَهُ: أَتُمِدُّهُ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: لَا يُهْزَمُ جَيْشٌ فِيهِمْ مِثْلُ هَذَا. وَأَمَدَّ عِيَاضًا بِعَبْدِ بْنِ غَوْثٍ الْحِمْيَرِيِّ. وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْمُثَنَّى وَحَرْمَلَةَ وَمَعْذُورٍ وَسُلْمَى أَنْ يَلْحَقُوا بِخَالِدٍ بِالْأُبُلَّةِ. فَقَدِمَ خَالِدٌ وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَكَانَ مَعَ الْمُثَنَّى وَأَصْحَابِهِ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ. وَلَمَّا قَدِمَ خَالِدٌ فَرَّقَ جُنْدَهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ، وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدٍ، عَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْمُثَنَّى وَبَعْدَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَجَاءَ خَالِدٌ بَعْدَهُمَا، وَوَعَدَهُمَا الْحَفِيرَ لِيُصَادِمُوا عَدُوَّهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَعْظَمَ فُرُوجِ فَارِسَ وَأَشَدَّهَا شَوْكَةً، فَكَانَ صَاحِبَهُ أُسْوَارُ اسْمُهُ هُرْمُزُ، فَكَانَ يُحَارِبُ الْعَرَبَ فِي الْبَرِّ وَالْهِنْدَ فِي الْبَحْرِ. فَلَمَّا سَمِعَ هُرْمُزُ بِهِمْ كَتَبَ إِلَى أَرْدَشِيرَ الْمَلِكِ بِالْخَبَرِ، وَتَعَجَّلَ هُوَ إِلَى الْكَوَاظِمِ فِي سَرَعَانِ أَصْحَابِهِ، فَسَمِعَ أَنَّهُمْ تَوَاعَدُوا الْحَفِيرَ، فَسَبَقَهُمْ إِلَيْهِ وَنَزَلَ بِهِ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ قُبَاذَ وَأُنُوشَجَانَ، وَكَانَا مِنْ أَوْلَادِ أَرْدَشِيرَ الْأَكْبَرِ، وَاقْتَرَنُوا فِي السَّلَاسِلِ لِئَلَّا يَفْجُرُوا، فَسَمِعَ بِهِمْ خَالِدٌ، فَمَالَ بِالنَّاسِ إِلَى كَاظِمَةَ، فَسَبَقَهُ هُرْمُزُ إِلَيْهَا، وَكَانَ سَيِّئَ الْمُجَاوَرَةِ لِلْعَرَبِ، فَكُلُّهُمْ عَلَيْهِ حَنِقٌ، وَكَانُوا يَضْرِبُونَهُ مَثَلًا فَيَقُولُونَ: أَكْفَرُ مِنْ هُرْمُزَ. وَقَدِمَ خَالِدٌ فَنَزَلَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ: مَا تَفْعَلُ؟ فَقَالَ لَهُمْ: لَعَمْرِي لَيَصِيرَنَّ الْمَاءُ لِأَصْبَرِ الْفَرِيقَيْنِ، فَحَطُّوا أَثْقَالَهُمْ، وَتَقَدَّمَ خَالِدٌ إِلَى الْفُرْسِ فَلَاقَاهُمْ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - فَأَغْدَرَتْ وَرَاءَ صَفِّ الْمُسْلِمِينَ، فَقَوِيَتْ قُلُوبُهُمْ، وَخَرَجَ هُرْمُزُ وَدَعَا خَالِدًا إِلَى الْبِرَازِ، وَأَوْطَأَ أَصْحَابَهُ عَلَى الْغَدْرِ بِخَالِدٍ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ خَالِدٌ وَمَشَى نَحْوَهُ رَاجِلًا، وَنَزَلَ هُرْمُزُ أَيْضًا وَتَضَارَبَا، فَاحْتَضَنَهُ خَالِدٌ، وَحَمَلَ أَصْحَابُ هُرْمُزَ، فَمَا شَغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ قَتْلِهِ، وَحَمَلَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فَأَزَاحَهُمْ، وَانْهَزَمَ أَهْلُ فَارِسَ وَرَكِبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَسُمِّيَتِ الْوَقْعَةُ ذَاتَ السَّلَاسِلِ، وَنَجَا قُبَاذُ وَأُنُوشَجَانُ، وَأَخَذَ خَالِدٌ سَلَبَ هُرْمُزَ، وَكَانَتْ قَلَنْسُوَتُهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ تَمَّ شَرَفُهُ فِي الْفُرْسِ، وَكَانَتْ هَذِهِ عَادَتُهُمْ، إِذَا تَمَّ شَرَفُ الْإِنْسَانِ تَكُونُ قَلَنْسُوَتُةُ بِمِائَةِ أَلْفٍ. وَبَعَثَ خَالِدٌ بِالْفَتْحِ وَالْأَخْمَاسِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِمَوْضِعِ الْجِسْرِ الْأَعْظَمِ بِالْبَصْرَةِ، وَبَعَثَ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ فِي آثَارِهِمْ، وَأَرْسَلَ مَعْقِلَ بْنَ مُقَرِّنٍ إِلَى الْأُبُلَّةِ فَفَتَحَهَا، فَجَمَعَ الْأَمْوَالَ بِهَا وَالسَّبْيَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ خِلَافُ مَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ النَّقْلِ؛ لِأَنَّ فَتْحَ الْأُبُلَّةِ كَانَ عَلَى يَدِ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ أَيَّامَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَحَاصَرَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ حِصْنَ الْمَرْأَةِ، وَأَسْلَمَتْ، وَلَمْ يَعْرِضْ خَالِدٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْفَلَّاحِينَ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ. ذِكْرُ وَقْعَةِ الثِّنْيِ لَمَّا وَصَلَ كِتَابُ هُرْمُزَ إِلَى أَرْدَشِيرَ بِخَبَرِ خَالِدٍ أَمَدَّهُ بِقَارِنَ بْنِ قِرْيَانِسَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْمِذَارِ لَقِيَهُ الْمُنْهَزِمُونَ، فَاجْتَمَعُوا وَرَجَعُوا وَمَعَهُمْ قُبَاذُ وَأُنُوشَجَانُ، وَنَزَلُوا الثِّنْيَ، وَهُوَ النَّهْرُ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ خَالِدٌ فَلَقِيَهُمْ وَاقْتَتَلُوا، فَبَرَزَ قَارِنُ فَقَتَلَهُ مَعْقِلُ بْنُ الْأَعْشَى بْنِ النَّبَّاشِ، وَقَتَلَ عَاصِمٌ أُنُوشَجَانَ، وَقَتَلَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ قُبَاذَ، وَكَانَ شَرَفُ قَارِنَ انْتَهَى. وَلَمْ يُقَاتِلِ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ أَحَدًا انْتَهَى شَرَفُهُ، وَقُتِلَ مِنَ الْفُرْسِ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ يَبْلُغُونَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، سِوَى مَنْ غَرِقَ، وَمَنَعَتِ الْمِيَاهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ طَلَبِهِمْ. وَقَسَّمَ الْفَيْءَ، وَأَنْفَذَ الْأَخْمَاسَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَعْطَى الْأَسْلَابَ مَنْ سَلَبَهَا، وَكَانَتِ الْغَنِيمَةُ عَظِيمَةً، وَسَبَى عِيَالَاتِ الْمُقَاتِلَةَ، وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْفَلَّاحِينَ وَصَارُوا ذِمَّةً. وَكَانَ فِي السَّبْيِ أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، وَأَمَّرَ عَلَى الْجُنْدِ سَعِيدَ بْنَ النُّعْمَانِ، وَعَلَى الْجُنْدِ سُوِيدَ بْنَ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيَّ، وَأَمَرَهُ بِنُزُولِ الْحَفِيرِ، وَأَقَامَ يَتَجَسَّسُ الْأَخْبَارَ. ذِكْرُ وَقْعَةِ الْوَلَجَةِ وَلَمَّا فَرَغَ خَالِدٌ مِنَ الثِّنْيِ وَأَتَى الْخَبَرُ أَرْدَشِيرَ بَعَثَ الْأَنْدَرْزَعَزَّ، وَكَانَ فَارِسًا مِنْ مُوَلَّدِي السَّوَادِ، وَأَرْسَلَ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ فِي أَثَرِهِ فِي جَيْشٍ، وَحَشَرَ إِلَى الْأَنْدَرْزَعَزَّ مِنْ بَيْنِ الْحِيرَةِ وَكَسْكَرَ وَمِنْ عَرَبِ الضَّاحِيَةِ وَالدَّهَاقِينِ وَعَسْكَرُوا بِالْوَلَجَةِ. وَسَمِعَ بِهِمْ خَالِدٌ فَسَارَ
إِلَيْهِمْ مِنَ الثِّنْيِ فَلَقِيَهُمْ بِالْوَلَجَةِ، وَكَمَنَ لَهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا أَشَدَّ مِنَ الْأَوَّلِ، حَتَّى ظَنَّ الْفَرِيقَانِ أَنَّ الصَّبْرَ قَدْ أُفْرِغَ، وَاسْتَبْطَأَ خَالِدٌ كَمِينَهُ، فَخَرَجُوا مِنْ نَاحِيَتَيْنِ، فَانْهَزَمَتِ الْأَعَاجِمُ، وَأَخَذَ خَالِدٌ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَالْكَمِينُ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَمَضَى الْأَنْدَرْزَعَزُّ مُنْهَزِمًا فَمَاتَ عَطَشًا، وَأَصَابَ خَالِدٌ ابْنًا لِجَابِرِ بْنِ وَائِلٍ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْوَلَجَةِ فِي صَفَرٍ، وَبَذَلَ الْأَمَانَ لِلْفَلَّاحِينَ، فَعَادُوا وَصَارُوا ذِمَّةً، وَسَبَى ذَرَارِيَّ الْمُقَاتِلَةِ وَمَنْ أَعَانَهُمْ. ذِكْرُ وَقْعَةِ أُلَّيْسَ وَهُوَ عَلَى الْفُرَاتِ لَمَّا أَصَابَ خَالِدٌ يَوْمَ الْوَلَجَةِ مَا أَصَابَ مِنْ نَصَارَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ الَّذِينَ أَعَانُوا الْفُرْسَ - غَضِبَ لَهُمْ نَصَارَى قَوْمِهِمْ، فَكَاتَبُوا الْفُرْسَ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى أُلَّيْسَ وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ الْأَسْوَدِ الْعِجْلِيُّ، وَكَانَ مُسْلِمُو بَنِي عِجْلٍ، مِنْهُمْ: عُتْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ، وَسَعِيدُ بْنُ مُرَّةَ، وَفُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ، وَمَذْعُورُ بْنُ عَدِيٍّ، وَالْمُثَنَّى بْنُ لَاحِقٍ - أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى أُولَئِكَ النَّصَارَى. وَكَتَبَ أَرْدَشِيرُ إِلَى بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ، وَهُوَ بِقَشْيَنَاثَا، يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ عَلَى نَصَارَى الْعَرَبِ بِأُلَّيْسَ، فَقَدِمَ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ جَابَانَ إِلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُ بِالتَّوَقُّفِ عَنِ الْمُحَارَبَةِ إِلَى أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ، وَرَجَعَ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ إِلَى أَرْدَشِيرَ لِيُشَاوِرَهُ فِيمَا يَفْعَلُ، فَوَجَدَهُ مَرِيضًا، فَتَوَقَّفَ عَلَيْهِ، فَاجْتَمَعَ عَلَى جَابَانَ نَصَارَى عِجْلٍ، وَتَيْمُ اللَّاتِ وَضُبَيْعَةُ وَجَابِرُ بْنُ بُجَيْرٍ وَعَرَبُ الضَّاحِيَةِ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ. وَكَانَ خَالِدٌ لَمَّا بَلَغَهُ تَجَمُّعُ نَصَارَى بَكْرٍ وَغَيْرِهِمْ سَارَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَشْعُرُ بِدُنُوِّ جَابَانَ. فَلَمَّا طَلَعَ جَابَانُ بِأُلَّيْسَ قَالَتِ الْعَجَمُ لَهُ: أَنُعَاجِلُهُمْ أَمْ نُغَدِّي النَّاسَ وَلَا نُرِيهِمْ أَنَّا نَحْفَلُ بِهِمْ، ثُمَّ نُقَاتِلُهُمْ؟ فَقَالَ جَابَانُ: إِنْ تَرَكُوكُمْ فَتَهَاوَنُوا بِهِمْ. فَعَصَوْهُ وَبَسَطُوا الطَّعَامَ، وَانْتَهَى خَالِدٌ إِلَيْهِمْ وَحَطَّ الْأَثْقَالَ، فَلَمَّا وُضِعَتْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ، وَطَلَبَ مُبَارَزَةَ عَبْدِ الْأَسْوَدِ وَابْنِ أَبْجَرَ وَمَالِكِ بْنِ قَيْسٍ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَقَتَلَهُ خَالِدٌ وَأَعْجَلَ الْأَعَاجِمَ عَنْ طَعَامِهِمْ. فَقَالَ لَهُمْ جَابَانُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ، وَاللَّهِ مَا دَخَلَتْنِي مِنْ مُقَدَّمِ جَيْشٍ وَحْشَةٌ إِلَّا هَذَا؟ وَقَالَ لَهُمْ: حَيْثُ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَى الْأَكْلِ فَسُمُّوا الطَّعَامَ، فَإِنْ ظَفِرْتُمْ فَأَيْسَرُ هَالِكٍ، وَإِنْ
كَانَتْ لَهُمْ هَلَكُوا بِأَكْلِهِ. فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَالْمُشْرِكُونَ يَزِيدُهُمْ ثُبُوتًا تَوَقُّعُهُمْ قُدُومَ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ، فَصَابَرُوا الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ خَالِدٌ:: اللَّهُمَّ إِنْ هَزَمْتَهُمْ فَعَلَيَّ أَنْ لَا أَسْتَبْقِيَ مِنْهُمْ مَنْ أَقْدِرُ عَلَيْهِ حَتَّى أُجْرِيَ مِنْ دِمَائِهِمْ نَهْرَهُمْ. فَانْهَزَمَتْ فَارِسُ فَنَادَى مُنَادِي خَالِدٍ: الْأُسَرَاءُ الْأُسَرَاءُ إِلَّا مَنِ امْتَنَعَ فَاقْتُلُوهُ. فَأَقْبَلَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ أُسَرَاءَ، وَوَكَّلَ بِهِمْ مَنْ يَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ يَوْمًا وَلَيْلَةً. فَقَالَ لَهُ الْقَعْقَاعُ وَغَيْرُهُ: لَوْ قَتَلْتَ أَهْلَ الْأَرْضِ لَمْ تَجْرِ دِمَاؤُهُمْ، فَأَرْسِلْ عَلَيْهَا الْمَاءَ تُبِرَّ يَمِينَكَ، فَفَعَلَ، وَسُمِّيَ نَهْرُ الدَّمِ، وَوَقَفَ خَالِدٌ عَلَى الطَّعَامِ وَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَدْ نَفَّلْتُكُمُوهُ، فَتَعَشَّى بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَجَعَلَ مَنْ لَمْ يَرَ الرُّقَاقَ يَقُولُ: مَا هَذِهِ الرِّقَاعُ الْبَيْضُ؟ ! وَبَلَغَ عَدَدُ الْقَتْلَى سَبْعِينَ أَلْفًا، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ فِي صَفَرٍ. ذِكْرُ وَقْعَةِ أَمْغِيشِيَّا فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أُلَّيْسَ سَارَ إِلَى أَمْغِيشِيَّا، وَقِيلَ اسْمُهَا مَنِيشِيَّا، فَأَصَابُوا فِيهَا مَا لَمْ يُصِيبُوا مِثْلَهَا؛ لِأَنَّ أَهْلَهَا أَعْجَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَنْقُلُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَثَاثَهُمْ وَكُرَاعَهُمْ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِالْفَتْحِ وَمَبْلَغِ الْغَنَائِمِ وَالسَّبْيِ وَأَخْرَبَ أَمْغِيشِيَّا. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: عَجَزَ النِّسَاءُ أَنْ يَلِدْنَ مِثْلَ خَالِدٍ. ذِكْرُ وَقْعَةِ يَوْمِ فُرَاتِ بَادَقْلَى، وَفَتْحِهِ الْحِيرَةَ ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ مِنْ أَمْغِيشِيَّا إِلَى الْحِيرَةِ وَحَمَلَ الرِّحَالَ وَالْأَثْقَالَ فِي السُّفُنِ، فَخَرَجَ مَرْزُبَانُ الْحِيرَةِ، وَهُوَ الْأَزَاذَبَهْ، فَعَسْكَرَ عِنْدَ الْغَرِيِّينَ، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ فَقَطَعَ الْمَاءَ عَنِ السُّفُنِ، فَبَقِيَتْ عَلَى الْأَرْضِ. فَسَارَ خَالِدٌ فِي خَيْلٍ نَحْوَ ابْنِ الْأَزَاذَبَهْ فَلَقِيَهُ عَلَى فُرَاتِ بَادَقْلَى، فَضَرَبَهُ وَقَتَلَهُ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ، وَسَارَ نَحْوَ الْحِيرَةِ، فَهَرَبَ مِنْهُ الْأَزَاذَبَهْ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ مَوْتُ أَرْدَشِيرَ وَقَتْلُ ابْنِهِ، فَهَرَبَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَنَزَلَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ الْغَرِيِّينَ، وَتَحَصَّنَ أَهْلُ الْحِيرَةِ فَحَصَرَهُمْ فِي قُصُورِهِمْ. وَكَانَ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ مُحَاصِرًا الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ وَفِيهِ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ، وَكَانَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَاصِرًا قَصْرَ الْغَرِيِّينَ وَفِيهِ عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ
الْمَقْتُولُ، وَكَانَ ضِرَارُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ عَاشِرَ عَشَرَةِ إِخْوَةٍ مُحَاصِرًا قَصْرَ ابْنِ مَازِنٍ وَفِيهِ ابْنُ أَكَّالٍ، وَكَانَ الْمُثَنَّى مُحَاصِرًا قَصْرَ ابْنِ بُقَيْلَةَ وَفِيهِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْمَسِيحِ بْنِ بُقَيْلَةَ، فَدَعَوْهُمْ جَمِيعًا وَأَجْلَوْهُمْ يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَأَبَى أَهْلُ الْحِيرَةِ، وَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَافْتَتَحُوا الدُّورَ وَالدِّيرَاتِ وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ. فَنَادَى الْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ: يَا أَهْلَ الْقَصْرِ، مَا يَقْتُلُنَا غَيْرُكُمْ! فَنَادَى أَهْلُ الْقُصُورِ الْمُسْلِمِينَ: قَدْ قَبِلْنَا وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ، وَهِيَ إِمَّا الْإِسْلَامُ أَوِ الْجِزْيَةُ أَوِ الْمُحَارَبَةُ، فَكَفُّوا عَنْهُمْ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْمَسِيحِ بْنِ قَيْسِ بْنِ حَيَّانَ بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ بُقَيْلَةُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بُقَيْلَةَ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي بُرْدَيْنِ أَخْضَرَيْنِ، فَقَالُوا: مَا أَنْتَ إِلَّا بُقَيْلَةُ خَضْرَاءُ، فَأَرْسَلُوهُمْ إِلَى خَالِدٍ، فَكَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ عَنْهُمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْمَسِيحِ، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: كَمْ أَتَى عَلَيْكَ؟ قَالَ: مِئُو سِنِينَ. قَالَ: فَمَا أَعْجَبُ مَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ الْقُرَى مَنْظُومَةً مَا بَيْنَ دِمَشْقَ وَالْحِيرَةِ، وَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ فَلَا تَتَزَوَّدُ إِلَّا رَغِيفًا. فَتَبَسَّمَ خَالِدٌ وَقَالَ لِأَهْلِ الْحِيرَةِ: أَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّكُمْ خَبَثَةٌ خَدَعَةٌ، فَمَا بَالُكُمْ تَتَنَاوَلُونَ حَوَائِجَكُمْ بِخَرِفٍ لَا يُدْرَى مِنْ أَيْنَ جَاءَ؟ فَأَحَبَّ عَمْرٌو أَنْ يُرِيَهُ مِنْ نَفْسِهِ مَا يَعْرِفُ بِهِ عَقْلَهُ وَصِحَّةَ مَا حَدَّثَهُ بِهِ، قَالَ: وَحَقِّكَ إِنِّي لَأَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ جِئْتُ! قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ خَرَجْتَ؟ قَالَ: مِنْ بَطْنِ أُمِّي. قَالَ: فَأَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أَمَامِي. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الْآخِرَةُ. قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ أَقْصَى أَثَرِكَ؟ قَالَ: مِنْ صُلْبِ أَبِي. قَالَ: فَفِيمَ أَنْتَ؟ قَالَ: فِي ثِيَابِي. قَالَ: أَتَعْقِلُ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ وَأُقَيِّدُ. قَالَ خَالِدٌ: إِنَّمَا أَسْأَلُكَ! قَالَ: فَأَنَا أُجِيبُكَ. قَالَ: أَسِلْمٌ أَنْتَ أَمْ حَرْبٌ؟ قَالَ: بَلْ سِلْمٌ. قَالَ: فَمَا هَذِهِ الْحُصُونُ؟ قَالَ: بَنَيْنَاهَا لِلسَّفِيهِ نَحْبِسُهُ حَتَّى يَنْهَاهُ الْحَلِيمُ. قَالَ خَالِدٌ: قَتَلَتْ أَرْضٌ جَاهِلَهَا، وَقَتَلَ أَرْضًا عَالِمُهَا، الْقَوْمُ أَعْلَمُ بِمَا فِيهِمْ. وَكَانَ مَعَ ابْنِ بُقَيْلَةَ خَادِمٌ مَعَهُ كِيسٌ فِيهِ سُمٌّ، فَأَخَذَهُ خَالِدٌ وَنَثَرَهُ فِي يَدِهِ وَقَالَ: لِمَ تَسْتَصْحِبُ هَذَا؟ قَالَ: خَشِيتُ أَنْ تَكُونُوا عَلَى غَيْرِ مَا رَأَيْتُ، فَكَانَ الْمَوْتُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ مَكْرُوهٍ أُدْخِلُهُ عَلَى قَوْمِي. فَقَالَ خَالِدٌ: إِنَّهَا لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى أَجَلِهَا، وَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الْأَسْمَاءِ، رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ دَاءٌ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَابْتَلَعَ السُّمَّ. فَقَالَ ابْنُ بُقَيْلَةَ: وَاللَّهِ لَتَبْلُغُنَّ مَا أَرَدْتُمْ مَا دَامَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَكَذَا. وَأَبَى خَالِدٌ أَنْ يُصَالِحَهُمْ إِلَّا عَلَى تَسْلِيمِ كَرَامَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَسِيحِ إِلَى شُوَيْلٍ، فَأَبَوْا، فَقَالَتْ: هَوِّنُوا عَلَيْهِمْ وَأَسْلِمُونِي، فَإِنِّي سَأَفْتَدِي. فَفَعَلُوا، فَأَخَذَهَا شُوَيْلٌ، فَافْتَدَتْ مِنْهُ بِأَلْفِ
دِرْهَمٍ، فَلَامَهُ النَّاسُ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ عَدَدًا أَكْثَرَ مِنْ هَذَا. وَكَانَ سَبَبُ تَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ذَكَرَ اسْتِيلَاءَ أُمَّتِهِ عَلَى مُلْكِ فَارِسَ وَالْحِيرَةِ - سَأَلَهُ شُوَيْلٌ أَنْ يُعْطَى كَرَامَةَ ابْنَةَ عَبْدِ الْمَسِيحِ، وَكَانَ رَآهَا شَابَّةً فَمَالَ إِلَيْهَا، فَوَعَدَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ، فَلَمَّا فُتِحَتِ الْحِيرَةُ طَلَبَهَا وَشَهِدَ لَهُ شُهُودٌ بِوَعْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ خَالِدٌ. وَصَالَحَهُمْ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ وَتِسْعِينَ أَلْفًا، وَقِيلَ: عَلَى مِائَتَيْ أَلْفٍ وَتِسْعِينَ أَلْفًا، وَأَهْدَوْا لَهُ هَدَايَا. فَبَعَثَ بِالْفَتْحِ وَالْهَدَايَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَبِلَهَا أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْجَزَاءِ، وَكَتَبَ إِلَى خَالِدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ بَقِيَّةَ الْجِزْيَةِ، وَيَحْسِبَ لَهُمُ الْهَدِيَّةَ. وَكَانَ فَتْحُ الْحِيرَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَكَتَبَ لَهُمْ خَالِدٌ كِتَابًا، فَلَمَّا كَفَرَ أَهْلُ السَّوَادِ ضَيَّعُوا الْكِتَابَ، فَلَمَّا افْتَتَحَهُ الْمُثَنَّى ثَانِيَةً عَادَ بِشَرْطٍ آخَرَ، فَلَمَّا عَادُوا كَفَرُوا، وَافْتَتَحَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَوَضَعَ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ خَالِدٌ: مَا لَقِيتُ قَوْمًا كَأَهْلِ فَارِسَ، وَمَا لَقِيتُ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ كَأَهْلِ أُلَّيْسَ. ذِكْرُ مَا بَعْدُ الْحِيرَةِ قِيلَ: كَانَ الدَّهَاقِينُ يَتَرَبَّصُونَ بِخَالِدٍ وَيَنْظُرُونَ مَا يَصْنَعُ أَهْلُ الْحِيرَةِ، فَلَمَّا صَالَحَهُمْ وَاسْتَقَامُوا لَهُ أَتَتْهُ الدَّهَاقِينُ مِنْ تِلْكَ النَّوَاحِي، أَتَاهُ دَهْقَانُ فُرَاتٍ سِرْيَا وَصَلُوبَا ابْنُ نَسْطُونَا وَنَسْطُونَا، فَصَالَحُوهُ عَلَى مَا بَيْنَ الْفَلَالِيجِ إِلَى هُرْمُزْجَرْدَ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفٍ، وَقِيلَ: أَلْفُ أَلْفٍ سِوَى مَا كَانَ لِآلِ كِسْرَى، وَبَعَثَ خَالِدٌ عُمَّالَهُ وَمَسَالِحَهُ، وَبَعَثَ ضِرَارَ بْنَ الْأَزْوَرِ، وَضِرَارَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَالْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو، وَالْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ، وَعُتَيْبَةَ بْنَ النَّهَّاسِ، فَنَزَلُوا عَلَى السِّيبِ، وَهُمْ كَانُوا أُمَرَاءَ الثُّغُورِ مَعَ خَالِدٍ، وَأَمَرَهُمْ بِالْغَارَةِ، فَمَخَرُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ إِلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ، وَكَتَبَ خَالِدٌ إِلَى أَهْلِ فَارِسَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوا وَإِلَّا حَارَبَهُمْ، فَكَانَ الْعَجَمُ مُخْتَلِفِينَ بِمَوْتِ أَرْدَشِيرَ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَدْ أُنْزِلُوا
بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ بَهُرَسِيرَ وَمَعَهُ غَيْرُهُ كَأَنَّهُ مُقَدِّمَةٌ لَهُمْ، وَجَبَى خَالِدٌ الْخَرَاجَ فِي خَمْسِينَ لَيْلَةً وَأَعْطَاهُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَبْقَ لِأَهْلِ فَارِسَ فِيمَا بَيْنَ الْحِيرَةِ وَدِجْلَةَ أَمْرٌ؛ لِاخْتِلَافِهِمْ بِمَوْتِ أَرْدَشِيرَ، إِلَّا أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى حَرْبِ خَالِدٍ، وَخَالِدٌ مُقِيمٌ بِالْحِيرَةِ يَصْعَدُ وَيُصَوِّبُ سَنَةً قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى الشَّامِ، وَالْفُرْسُ يَخْلَعُونَ وَيَمْلِكُونَ لَيْسَ إِلَّا الدَّفْعُ عَنْ بَهُرَسِيرَ، وَذَلِكَ أَنْ شِيرَى بْنَ كِسْرَى قَتَلَ كُلَّ مَنْ كَانَ يُنَاسِبُهُ إِلَى أُنُوشُرْوَانَ، وَقَتَلَ أَهْلُ فَارِسٍ بَعْدَهُ وَبَعْدَ أَرْدَشِيرَ ابْنَهُ - مَنْ كَانَ بَيْنَ أُنُوشُرْوَانَ وَبَيْنَ بَهْرَامَ جُورَ، فَبَقُوا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مَنْ يُمَلِّكُونَهُ مِمَّنْ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا وَصَلَهُمْ كُتُبُ خَالِدٍ تَكَلَّمَ نِسَاءُ آلِ كِسْرَى عَلَى مَنْ يُمَلِّكُونَهُ إِنْ وَجَدُوهُ. وَوَصَلَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ إِلَى خَالِدٍ بَعْدَ فَتْحِ الْحِيرَةِ، وَكَانَ سَبَبُ وُصُولِهِ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ مَعَ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالشَّامِ، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْمَصِيرِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ لِيُكَلِّمَهُ فِي قَوْمِهِ لِيَجْمَعَهُمْ لَهُ، وَكَانُوا أَوْزَاعًا مُتَفَرِّقِينَ فِي الْعَرَبِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَدَهُ بِهِ وَشَهِدَ لَهُ شُهُودٌ، فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: تَرَى شُغْلَنَا وَمَا نَحْنُ فِيهِ بِغَوْثِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ بِإِزَائِهِمْ مِنْ فَارِسَ وَالرُّومِ، ثُمَّ أَنْتَ تُكَلِّفُنِي مَا لَا يُغْنِي؟ ! وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَسَارَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ بَعْدَ فَتْحِ الْحِيرَةِ، وَلَمْ يَشْهَدْ شَيْئًا مِمَّا قَبْلَهَا بِالْعِرَاقِ، وَلَا شَيْئًا مِمَّا كَانَ خَالِدٌ فِيهِ مِنْ قَتْلِ أَهْلِ الرِّدَّةِ. (عُتَيْبَةُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقِهَا، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) . ذِكْرُ فَتْحِ الْأَنْبَارِ ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ عَلَى تَعْبِيَتِهِ إِلَى الْأَنْبَارِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْأَنْبَارُ لِأَنَّ أَهْرَاءَ الطَّعَامِ كَانَتْ بِهَا أَنَابِيرُ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ. فَلَمَّا بَلَغَهَا أَطَافَ بِهَا وَأَنْشَبَ الْقِتَالَ، وَكَانَ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، وَتَقَدَّمَ إِلَى رُمَاتِهِ أَنْ يَقْصِدُوا عُيُونَهُمْ، فَرَمَوْا رَشْقًا وَاحِدًا، ثُمَّ تَابَعُوا فَأَصَابُوا أَلْفَ عَيْنٍ، فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الْوَقْعَةُ ذَاتَ الْعُيُونِ. وَكَانَ مَنْ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ شِيرْزَادُ صَاحِبُ سَابَاطَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَرْسَلَ يَطْلُبُ الصُّلْحَ عَلَى أَمْرٍ يَرْضَهُ خَالِدٌ، فَرَدَّ رُسُلَهُ وَنَحَرَ مِنْ إِبِلِ الْعَسْكَرِ كُلَّ ضَعِيفٍ وَأَلْقَاهُ فِي خَنْدَقِهِمْ، ثُمَّ عَبَرَهُ، فَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ
فِي الْخَنْدَقِ، فَأَرْسَلَ شِيرْزَادُ إِلَى خَالِدٍ وَبَذَلَ لَهُ مَا أَرَادَ، فَصَالَحَهُ عَلَى أَنْ يُلْحِقَهُ بِمَأْمَنِهِ فِي جَرِيدَةٍ لَيْسَ مَعَهُمْ مِنْ مَتَاعٍ شَيْءٌ، وَخَرَجَ شِيرْزَادُ إِلَى بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ، ثُمَّ صَالَحَ خَالِدٌ مَنْ حَوْلَ الْأَنْبَارِ وَأَهْلَ كَلْوَاذَى. ذِكْرُ فَتْحِ عَيْنِ التَّمْرِ وَلَمَّا فَرَغَ خَالِدٌ مِنَ الْأَنْبَارِ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ، وَسَارَ إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ وَبِهَا مِهْرَانُ بْنُ بَهْرَامَ جُوبِينَ، فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنَ الْعَجَمِ، وَعَقَّةُ بْنُ أَبِي عَقَّةَ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنَ الْعَرَبِ مِنَ النَّمِرِ وَتَغْلِبَ وَإِيَادٍ وَغَيْرِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِخَالِدٍ قَالَ عَقَّةُ لِمِهْرَانَ: إِنَّ الْعَرَبَ أَعْلَمُ بِقِتَالِ الْعَرَبِ فَدَعْنَا وَخَالِدًا. قَالَ: صَدَقْتَ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِقِتَالِ الْعَرَبِ، وَإِنَّكُمْ لَمِثْلُنَا فِي قِتَالِ الْعَجَمِ. فَخَدَعَهُ وَاتَّقَى بِهِ وَقَالَ: إِنِ احْتَجْتُمْ إِلَيْنَا أَعَنَّاكُمْ. فَلَامَهُ أَصْحَابُهُ مِنَ الْفُرْسِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ قَتْلِ مُلُوكِكُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَفَلَّ حَدُّكُمْ، فَاتَّقَيْتُهُ بِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ لَكُمْ عَلَى خَالِدٍ فَهِيَ لَكُمْ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى لَمْ تَبْلُغُوا مِنْهُمْ حَتَّى يَهِنُوا، فَنُقَاتِلُهُمْ وَنَحْنُ أَقْوِيَاءُ. فَاعْتَرَفُوا لَهُ، وَسَارَ عَقَّةُ إِلَى خَالِدٍ فَالْتَقَوْا، فَحَمَلَ خَالِدٌ بِنَفْسِهِ عَلَى عَقَّةَ وَهُوَ يُقِيمُ صُفُوفَهُ، فَاحْتَضَنَهُ وَأَخَذَهُ أَسِيرًا، وَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ فَأُسِرَ أَكْثَرُهُمْ. فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ مِهْرَانَ هَرَبَ فِي جُنْدِهِ وَتَرَكُوا الْحِصْنَ، فَلَمَّا انْتَهَى الْمُنْهَزِمُونَ إِلَيْهِ تَحَصَّنُوا بِهِ، فَنَازَلَهُمْ خَالِدٌ، فَطَلَبُوا مِنْهُ الْأَمَانَ فَأَبَى، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَأَخَذَهُمْ أَسْرَى وَقَتَلَ عَقَّةَ ثُمَّ قَتَلَهُمْ أَجْمَعِينَ، وَسَبَى كُلَّ مَنْ فِي الْحِصْنِ وَغَنِمَ مَا فِيهِ، وَوَجَدَ فِي بَيْعَتِهِمْ أَرْبَعِينَ غُلَامًا يَتَعَلَّمُونَ الْإِنْجِيلَ، فَأَخَذَهُمْ فَقَسَّمَهُمْ فِي أَهْلِ الْبَلَاءِ، مِنْهُمْ: سِيرِينُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَنُصَيْرُ أَبُو مُوسَى، وَحُمْرَانُ مَوْلَى عُثْمَانَ. وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِالْخَبَرِ وَالْخُمْسِ.
وَفِي عَيْنِ التَّمْرِ قُتِلَ عُمَيْرُ بْنُ رِئَابٍ السَّهْمِيُّ، وَكَانَ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ، وَمَاتَ بِهَا بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَالِدُ النُّعْمَانِ، فَدُفِنَ بِهَا إِلَى جَانِبِ عُمَيْرٍ. ذِكْرُ خَبَرِ دُومَةِ الْجَنْدَلِ وَلَمَّا فَرَغَ خَالِدٌ مِنْ عَيْنِ التَّمْرِ أَتَاهُ كِتَابُ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ يَسْتَمِدُّهُ عَلَى مَنْ بِإِزَائِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسَارَ خَالِدٌ إِلَيْهِ، فَكَانَ بِإِزَائِهِ بَهْرَاءُ وَكَلْبٌ وَغَسَّانُ وَتَنُوخُ وَالضَّجَاعِمُ، وَكَانَتْ دُومَةُ عَلَى رَئِيسَيْنِ: أُكَيْدِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْجُودِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ، فَأَمَّا أُكَيْدِرُ فَلَمْ يَرَ قِتَالَ خَالِدٍ وَأَشَارَ بِصُلْحِهِ خَوْفًا، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، فَخَرَجَ عَنْهُمْ، وَسَمِعَ خَالِدٌ بِمَسِيرِهِ فَأَرْسَلَ إِلَى طَرِيقِهِ فَأَخَذَهُ أَسِيرًا فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ مَا كَانَ مَعَهُ، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى أَهْلِ دُومَةِ الْجَنْدَلِ، فَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِيَاضٍ. فَلَمَّا اطْمَأَنَّ خَالِدٌ خَرَجَ إِلَيْهِ الْجُودِيُّ فِي جَمْعٍ مِمَّنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَرَبِ لِقِتَالِهِ، وَأَخْرَجَ طَائِفَةً أُخْرَى إِلَى عِيَاضٍ، فَقَاتَلَهُمْ عِيَاضٌ فَهَزَمَهُمْ، فَهَزَمَ خَالِدٌ مَنْ يَلِيهِ، وَأَخَذَ الْجُودِيَّ أَسِيرًا وَانْهَزَمُوا إِلَى الْحِصْنِ، فَلَمَّا امْتَلَأَ أَغْلَقُوا الْبَابَ دُونَ أَصْحَابِهِمْ فَبَقُوا حَوْلَهُ، فَأَخَذَهُمْ خَالِدٌ فَقَتَلَهُمْ حَتَّى سَدَّ بَابَ الْحِصْنِ، وَقَتَلَ الْجُودِيَّ وَقَتَلَ الْأَسْرَى إِلَّا أَسْرَى كَلْبٍ، فَإِنَّ تَمِيمًا قَالُوا لِخَالِدٍ: قَدْ أَمَّنَّاهُمْ، وَكَانُوا حُلَفَاءَهُمْ، فَتَرَكَهُمْ. ثُمَّ أَخَذَ الْحِصْنَ قَهْرًا فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ وَالسَّرْحَ، فَبَاعَهُمْ، وَاشْتَرَى خَالِدٌ ابْنَةَ الْجُودِيِّ، وَكَانَتْ مَوْصُوفَةً. وَأَقَامَ خَالِدٌ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ، فَطَمِعَ الْأَعَاجِمُ، وَكَاتَبَهُمْ عَرَبُ الْجَزِيرَةِ غَضَبًا لِعَقَّةَ، فَخَرَجَ زُرْمِهْرُ وَرُوزْبَهْ يُرِيدَانِ الْأَنْبَارَ، وَاتَّعَدَا حُصَيْدًا وَالْخَنَافِسَ، فَسَمِعَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُوَ خَلِيفَةُ خَالِدٍ عَلَى الْحِيرَةِ، فَأَرْسَلَ أَعْبَدَ بْنَ فَدَكِيٍّ وَأَمَرَهُ بِالْحُصَيْدِ، وَأَرْسَلَ عُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ الْبَارِقِيَّ إِلَى الْخَنَافِسِ، فَخَرَجَا، فَحَالَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الرِّيفِ، وَرَجَعَ خَالِدٌ إِلَى الْحِيرَةِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ عَازِمًا عَلَى مُصَادَمَةِ أَهْلِ الْمَدَائِنِ، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ كَرَاهِيَةُ مُخَالَفَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَعَجَّلَ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو وَأَبَا لَيْلَى بْنَ فَدَكِيٍّ إِلَى رُوزْبَهْ وَزُرْمِهْرَ، وَوَصَلَ إِلَى خَالِدٍ أَنَّ الْهُذَيْلَ بْنَ عِمْرَانَ قَدْ عَسْكَرَ بِالْمُصَيَّخِ، فَنَزَلَ رَبِيعَةُ بْنُ بُجَيْرٍ بِالثِّنْيِ وَبِالْبِشْرِ غَضَبًا لِعَقَّةَ، يُرِيدَانِ زُرْمِهْرَ وَرُوزْبَهْ، فَخَرَجَ خَالِدٌ وَسَارَ إِلَى الْقَعْقَاعِ وَأَبِي لَيْلَى، فَاجْتَمَعَ بِهِمَا بِالْعَيْنِ، فَبَعَثَ الْقَعْقَاعَ إِلَى حُصَيْدٍ، وَبَعَثَ أَبَا لَيْلَى إِلَى الْخَنَافِسِ.
ذِكْرُ وَقْعَةِ حُصَيْدٍ وَالْخَنَافِسِ فَسَارَ الْقَعْقَاعُ نَحْوَ حُصَيْدٍ، وَقَدِ اجْتَمَعَ بِهَا رُوزْبَهْ وَزُرْمِهْرُ، فَالْتَقَوْا بِحُصَيْدٍ، فَقُتِلَ مِنَ الْعَجَمِ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، فَقَتَلَ الْقَعْقَاعُ زُرْمِهْرَ، وَقَتَلَ عِصْمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَحَدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ طَرِيفٍ الضَّبِّيِّ رُوزْبَهْ - وَكَانَ عِصْمَةُ مِنَ الْبَرَرَةِ، وَهُمْ كُلُّ فَخِذٍ هَاجَرَتْ بِأَسْرِهَا، وَالْخَيِّرَةُ كُلُّ قَوْمٍ هَاجَرُوا مِنْ بَطْنٍ - وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مَا فِي حُصَيْدٍ، وَانْهَزَمَتِ الْأَعَاجِمُ إِلَى الْخَنَافِسِ، وَسَارَ أَبُو لَيْلَى بِمَنْ مَعَهُ إِلَى الْخَنَافِسِ وَبِهَا الْمَهْبُوذَانُ عَلَى الْعَسْكَرِ، فَلَمَّا أَحَسَّ الْمَهْبُوذَانُ بِهِمْ هَرَبَ إِلَى الْمُصَيَّخِ إِلَى الْهُذَيْلِ بْنِ عِمْرَانَ. ذِكْرُ وَقْعَةِ مُصَيَّخِ بَنِي الْبَرْشَاءِ وَلَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى خَالِدٍ بِمُصَابِ أَهْلِ الْحُصَيْدِ وَهَرَبَ أَهْلُ الْخَنَافِسِ - كَتَبَ إِلَى الْقَعْقَاعِ وَأَبِي لَيْلَى وَأَعْبَدَ وَعُرْوَةَ، وَوَاعَدَهُمْ لَيْلَةً وَسَاعَةً يَجْتَمِعُونَ فِيهَا إِلَى الْمُصَيَّخِ، وَخَرَجَ خَالِدٌ مِنَ الْعَيْنِ قَاصِدًا إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا كَانَ تِلْكَ السَّاعَةَ مِنْ لَيْلَةِ الْمَوْعِدِ اتَّفَقُوا جَمِيعًا بِالْمُصَيَّخِ، فَأَغَارُوا عَلَى الْهُذَيْلِ وَمَنْ مَعَهُ وَهُمْ نَائِمُونَ، مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، فَقَتَلُوهُمْ، وَأَفْلَتَ الْهُذَيْلُ فِي نَاسٍ قَلِيلٍ وَكَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ، وَكَانَ مَعَ الْهُذَيْلِ الْعُزَّى بْنُ أَبِي رُهْمٍ أَخُو أَوْسِ مَنَاةَ وَلِبَيْدُ بْنُ جَرِيرٍ، وَكَانَا قَدْ أَسْلَمَا وَمَعَهُمَا كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ بِإِسْلَامِهِمَا، فَقُتِلَا فِي الْمَعْرَكَةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ وَقَوْلُ عَبْدِ الْعُزَّى: أَقُولُ إِذْ طَرَقَ الصَّبَاحُ بِغَارَةٍ ... سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّ مُحَمَّدِ سُبْحَانَ رَبِّي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ... رَبَّ الْبِلَادِ وَرَبَّ مَنْ يَتَوَرَّدُ فَوَدَاهُمَا وَأَوْصَى بِأَوْلَادِهِمَا، فَكَانَ عُمَرُ يَعْتَدُّ بِقَتْلِهِمَا وَقَتْلِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ عَلَى خَالِدٍ، فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: كَذَلِكَ يَلْقَى مَنْ نَازَلَ أَهْلَ الشِّرْكِ. وَقَدْ كَانَ حُرْقُوصُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ النَّمِرِ قَدْ نَصَحَهُمْ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، فَجَلَسَ مَعَ زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ يَشْرَبُونَ، فَقَالَ لَهُمْ: اشْرَبُوا شَرَابَ مُوَدِّعٍ، هَذَا خَالِدٌ بِالْعَيْنِ وَجُنُودُهُ بِالْحَصِيدِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا سَقِّيَانِي قَبْلَ خَيْلِ أَبِي بَكْرٍ ... لَعَلَّ مَنَايَانَا قَرِيبٌ وَمَا نَدْرِي فَضُرِبَ رَأْسُهُ، فَإِذَا هُوَ فِي جَفْنَةٍ فِيهَا الْخَمْرُ، وَقَتَلُوا أَوْلَادَهُ وَأَخَذُوا بَنَاتَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ قَتْلَ حُرْقُوصَ، وَهَذِهِ الْوَقْعَةَ، وَوَقْعَةَ الثِّنْيِ - كَانَ فِي مَسِيرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مِنْ
الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ، وَسَيُذْكَرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. ذِكْرُ وَقْعَةِ الثِّنْيِ وَالزُّمَيْلِ وَكَانَ رَبِيعَةُ بْنُ بُجَيْرٍ التَّغْلِبِيِّ بِالثِّنْيِ وَالْبِشْرِ، وَهُوَ الزُّمَيْلُ، وَهُمَا شَرْقِيِّ الرُّصَافَةِ - قَدْ خَرَجَ غَضَبًا لِعَقَّةَ، وَوَاعَدَ رُوزْبَهْ وَزُرْمِهْرَ وَالْهُذَيْلَ، وَلَمَّا أَصَابَ خَالِدٌ أَهْلَ الْمُصَيَّخِ وَاعَدَ الْقَعْقَاعَ وَأَبَا لَيْلَى لَيْلَةً، وَأَمَرَهُمَا بِالْمَسِيرِ لِيُغِيرُوا عَلَيْهِمْ، فَسَارَ خَالِدٌ مِنَ الْمُصَيَّخِ، فَاجْتَمَعَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالثِّنْيِ، فَبَيَّتَهُمْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ وَجَرَّدُوا فِيهِمُ السُّيُوفَ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ مُخْبِرٌ، وَغَنِمَ وَسَبَى وَبَعَثَ بِالْخَبَرِ وَالْخُمْسِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَاشْتَرَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - بِنْتَ رَبِيعَةَ بْنِ بُجَيْرٍ التَّغْلِبِيِّ، فَوَلَدَتْ لَهُ عُمَرَ وَرُقَيَّةَ. وَلَمَّا انْهَزَمَ الْهُذَيْلُ بِالْمُصَيَّخِ لَحِقَ بِعَتَّابِ بْنِ فُلَانٍ، وَهُوَ بِالْبِشْرِ، فِي عَسْكَرٍ ضَخْمٍ، فَبَيَّتَهُمْ خَالِدٌ بِغَارَةٍ شَعْوَاءَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِمْ خَبَرُ رَبِيعَةَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً لَمْ يُقْتَلُوا مِثْلَهَا، وَقَسَّمَ الْغَنَائِمَ، وَبَعَثَ الْخُمْسَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَسَارَ خَالِدٌ مِنَ الْبِشْرِ إِلَى الرُّضَابِ، وَبِهَا هِلَالُ بْنُ عَقَّةَ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَسَارَ هِلَالٌ عَنْهُ فَلَمْ يَلْقَ خَالِدٌ بِهَا كَيْدًا. ذِكْرُ وَقْعَةِ الْفِرَاضِ ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ مِنَ الرُّضَابِ إِلَى الْفِرَاضِ، وَهِيَ تُخُومُ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَالْجَزِيرَةِ، وَأَفْطَرَ بِهَا رَمَضَانَ لِاتِّصَالِ الْغَزَوَاتِ، وَحَمِيَتِ الرُّومُ وَاسْتَعَانُوا بِمَنْ يَلِيهِمْ مِنْ مَسَالِحِ الْفُرْسِ فَأَعَانُوهُمْ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ تَغْلِبُ وَإِيَادٌ وَالنَّمِرُ، وَسَارُوا إِلَى خَالِدٍ. فَلَمَّا بَلَغُوا الْفُرَاتَ قَالُوا لَهُ: إِمَّا أَنْ تَعْبُرُوا إِلَيْنَا، وَإِمَّا أَنْ نَعْبُرَ إِلَيْكُمْ. قَالَ خَالِدٌ: اعْبُرُوا. قَالُوا لَهُ: تَنَحَّ عَنْ طَرِيقِنَا حَتَّى نَعْبُرَ. قَالَ: لَا أَفْعَلُ، وَلَكِنِ اعْبُرُوا أَسْفَلَ مِنَّا، فَعَبَرُوا أَسْفَلَ مِنْ خَالِدٍ، وَعَظُمَ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَقَالَتِ الرُّومُ: امْتَازُوا حَتَّى نَعْرِفَ الْيَوْمَ مَنْ يَثْبُتُ مِمَّنْ يُوَلِّي. فَفَعَلُوا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا عَظِيمًا وَانْهَزَمَتِ الرُّومُ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَأَمَرَ خَالِدٌ الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يَرْفَعُوا عَنْهُمْ، فَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَفِي الطَّلَبِ مِائَةُ أَلْفٍ، وَأَقَامَ خَالِدٌ عَلَى الْفِرَاضِ عَشْرًا، ثُمَّ أَذِنَ
بِالرُّجُوعِ إِلَى الْحِيرَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، وَجَعَلَ شَجَرَ بْنَ الْأَعَزِّ عَلَى السَّاقَةِ، وَأَظْهَرَ خَالِدٌ أَنَّهُ فِي السَّاقَةِ. ذِكْرُ حَجَّةِ خَالِدٍ ثُمَّ خَرَجَ خَالِدٌ حَاجًّا مِنَ الْفِرَاضِ سِرًّا وَمَعَهُ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعْتَسِفُ الْبِلَادَ، فَأَتَى مَكَّةَ وَحَجَّ وَرَجَعَ، فَمَا تَوَافَى جُنْدُهُ بِالْخَبَرِ حَتَّى وَافَاهُمْ مَعَ صَاحِبِ السَّاقَةِ، فَقَدِمَا مَعًا وَخَالِدٌ وَأَصْحَابُهُ مُحَلِّقُونَ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِحَجِّهِ إِلَّا مَنْ أَعْلَمَهُ بِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ رُجُوعِهِ، فَعَتَبَ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ عُقُوبَتُهُ إِيَّاهُ أَنْ صَرَفَهُ إِلَى الشَّامِ مِنَ الْعِرَاقِ مُمِدًّا جُمُوعَ الْمُسْلِمِينَ بِالْيَرْمُوكِ، وَكَانَ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَيَّامَ عَلِيٍّ إِذَا بَلَغَهُمْ عَنْ مُعَاوِيَةَ شَيْءٌ يَقُولُونَ: نَحْنُ أَصْحَابُ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، وَيُسَمُّونَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفِرَاضِ، وَلَا يَذْكُرُونَ مَا بَعْدَ الْفِرَاضِ احْتِقَارًا لِلَّذِي كَانَ بَعْدَهَا. وَأَغَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى سُوقِ بَغْدَادَ، وَوَجَّهَ الْمُثَنَّى فَأَغَارَ عَلَى سُوقٍ فِيهَا جَمْعٌ لِقُضَاعَةَ وَبَكْرٍ، وَأَغَارَ أَيْضًا عَلَى مَسْكِنَ وَقُطْرَبُّلَ، وَتَلِّ عَقْرَقُوفَ، وَبَادُورَيَا، قَالَ الشَّاعِرُ: وَلِلْمُثَنَّى بِالْعَالِ مَعْرَكَةٌ ... شَاهَدَهَا مِنْ قَبِيلِهِ بَشَرُ كَتِيبَةٌ أَفْزَعَتْ بِوَقْعَتِهَا ... كِسْرَى وَكَادَ الْإِيوَانُ يَنْفَطِرُ وَشَجَّعَ الْمُسْلِمِينَ إِذْ حَذَرُوا ... وَفِي صُرُوفِ التَّجَارِبِ الْعِبَرُ سَهَّلَ نَهْجَ السَّبِيلِ فَاقْتَفَرُوا ... آثَارَهُ وَالْأُمُورُ تُقْتَفَرُ
يَعْنِي بِالْعَالِ: الْأَنْبَارَ، وَمَسْكِنَ، وَقُطْرَبُّلَ، وَبَادُورَيَا. وَفِيهَا تَزَوَّجَ عُمَرُ عَاتِكَةَ بِنْتَ زَيْدٍ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ فِي ذِي الْحَجَّةِ وَأَوْصَى إِلَى الزُّبَيْرِ، وَتَزَوَّجَ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ابْنَةَ أُمَامَةَ، وَأُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَفِيهَا اشْتَرَى عُمَرُ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ، فِي قَوْلٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ أَبُو بَكْرٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَقِيلَ: حَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَوْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ. الْوَفَيَاتُ وَفِيهَا مَاتَ أَبُو مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، وَكَانَ ابْنُهُ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ قَدْ قُتِلَ بِالرَّجِيعِ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ أَيْضًا.
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ] [ذِكْرُ فُتُوحِ الشَّامِ] 13 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. ذِكْرُ فُتُوحِ الشَّامِ قِيلَ: فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَجَّهَ أَبُو بَكْرٍ الْجُنُودَ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنَ الْحَجِّ، فَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا سَيَّرَهُ لَمَّا سَيَّرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَكَانَ أَوَّلَ لِوَاءٍ عَقَدَهُ إِلَى الشَّامِ لِوَاءُ خَالِدٍ، ثُمَّ عَزَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَسِيرَ. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّهُ تَرَبَّصَ بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ شَهْرَيْنِ، وَلَقِيَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَغُلِبْتُمْ عَلَيْهَا؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: أَمُغَالَبَةً تَرَى أَمْ خِلَافَةً؟ فَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يُحْقِدْهَا عَلَيْهِ، وَأَمَّا عُمَرُ فَاضْطَغَنَهَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا وَلَّاهُ أَبُو بَكْرٍ لَمْ يَزَلْ بِهِ عُمَرُ حَتَّى عَزَلَهُ عَنِ الْإِمَارَةِ، وَجَعَلَهُ رِدْءًا لِلْمُسْلِمِينَ بِتَيْمَاءَ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُفَارِقَهَا إِلَّا بِأَمْرِهِ، وَأَنْ يَدْعُوَ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا مَنِ ارْتَدَّ، وَأَنْ لَا يُقَاتِلَ إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُ. فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، وَبَلَغَ خَبَرُهُ الرُّومَ فَضَرَبُوا الْبَعْثَ عَلَى الْعَرَبِ الضَّاحِيَةِ بِالشَّامِ مِنْ: بَهْرَاءَ، وَسَلِيحٍ، وَغَسَّانَ، وَكَلْبٍ، وَلَخْمٍ، وَجُذَامَ، فَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ: أَقْدِمْ وَلَا تَقْتَحِمَنَّ. فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ تَفَرَّقُوا، فَنَزَلَ مَنْزِلَهُمْ وَكَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِذَلِكَ، فَأَمَرَهُ بِالْإِقْدَامِ بِحَيْثُ لَا يُؤْتَى مِنْ خَلْفِهِ. فَسَارَ حَتَّى جَازَهُ قَلِيلًا وَنَزَلَ، فَسَارَ إِلَيْهِ بَطْرِيقٌ مِنْ بَطَارِقَةِ الرُّومِ يُدْعَى بَاهَانَ، فَقَاتَلَهُ فَهَزَمَهُ وَقَتَلَ مِنْ جُنْدِهِ، فَكَتَبَ خَالِدٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْتَمِدُّهُ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَوَائِلُ مُسْتَنْفِرِي
الْيَمَنِ وَفِيهِمْ ذُو الْكَلَاعِ، وَقَدِمَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ تِهَامَةَ، وَعُمَانَ، وَالْبَحْرَيْنِ، وَالسَّرْوِ، فَكَتَبَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى أُمَرَاءِ الصَّدَقَاتِ أَنْ يُبْدِلُوا مَنِ اسْتَبْدَلَ، فَكُلُّهُمُ اسْتَبْدَلَ، فَسُمِّيَ جَيْشُ الْبِدَالِ، وَقَدِمُوا عَلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ. وَعَنْهَا اهْتَمَّ أَبُو بَكْرٍ بِالشَّامِ وَعَنَاهُ أَمْرُهُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ رَدَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى عَمَلِهِ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَّاهُ إِيَّاهُ مِنْ صَدَقَاتِ سَعْدِ هُذَيْمٍ وَعُذْرَةَ وَغَيْرِهِمْ قَبْلَ ذَهَابِهِ إِلَى عُمَانَ، وَوَعَدَهُ أَنْ يُعِيدَهُ إِلَى عَمَلِهِ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنْ عُمَانَ، فَأَنْجَزَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ عِدَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى قَصْدِ الشَّامِ كَتَبَ لَهُ: إِنِّي كُنْتُ قَدْ رَدَدْتُكَ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي وَلَّاكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً، وَوَعَدَكَ بِهِ أُخْرَى؛ إِنْجَازًا لِمَوَاعِيدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ وَلَيْتَهُ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُفْرِغَكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ أَحَبَّ إِلَيْكَ. فَكَتَبَ عَمْرٌو: إِنِّي سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْتَ بَعْدَ اللَّهِ الرَّامِي بِهَا وَالْجَامِعُ لَهَا، فَانْظُرْ أَشَدَّهَا وَأَخْشَاهَا وَأَفْضَلَهَا فَارْمِ بِهِ. فَأَمَرَهُ وَأَمَرَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، وَكَانَ عَلَى بَعْضِ صَدَقَاتِ قُضَاعَةَ، أَنْ يَجْمَعَا الْعَرَبَ، فَفَعَلَا، وَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَمْرٍو بَعْضَ مَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ، وَأَمَرَهُ بِطَرِيقٍ سَمَّاهَا لَهُ إِلَى فِلَسْطِينَ، وَأَمَرَ الْوَلِيدَ بِالْأُرْدُنِّ وَأَمَدَّهُ بِبَعْضِهِمْ، وَأَمَّرَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى جَيْشٍ عَظِيمٍ هُوَ جُمْهُورُ مَنِ انْتَدَبَ إِلَيْهِ، فِيهِمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي أَمْثَالِهِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَشَيَّعَهُ مَاشِيًا، وَأَوْصَاهُ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَكَانَ مِمَّا قَالَ لِيَزِيدَ: إِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ لِأَبْلُوَكَ وَأُجَرِّبَكَ وَأُخَرِّجَكَ، فَإِنْ أَحْسَنْتَ رَدَدْتُكَ إِلَى عَمَلِكَ وَزِدْتُكَ، وَإِنْ أَسَأْتَ عَزَلْتُكَ، فَعَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ يَرَى مِنْ بَاطِنِكَ مِثْلَ الَّذِي مِنْ ظَاهِرِكَ، وَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ أَشَدُّهُمْ تَوَلِّيًا لَهُ، وَأَقْرَبُ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ أَشَدُّهُمْ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ بِعَمَلِهِ، وَقَدْ وَلَّيْتُكَ عَمَلَ خَالِدٍ، فَإِيَّاكَ وَعُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُهَا وَيُبْغِضُ أَهْلَهَا، وَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى جُنْدِكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمْ، وَابْدَأْهُمْ بِالْخَيْرِ وَعِدْهُمْ إِيَّاهُ، وَإِذَا وَعَظْتَهُمْ فَأَوْجِزْ؛ فَإِنَّ كَثِيرَ الْكَلَامِ يُنْسِي بَعْضُهُ بَعْضًا، وَأَصْلِحْ نَفْسَكَ يَصْلُحْ لَكَ النَّاسُ، وَصَلِّ الصَّلَوَاتِ لِأَوْقَاتِهَا بِإِتْمَامِ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَالتَّخَشُّعِ فِيهَا، وَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ رُسُلُ عَدُوِّكَ فَأَكْرِمْهُمْ، وَأَقْلِلْ لُبْثَهُمْ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ عَسْكَرِكَ وَهُمْ جَاهِلُونَ بِهِ، وَلَا تُرِيَنَّهُمْ فَيَرَوْا خَلَلَكَ وَيَعْلَمُوا عِلْمَكَ،
وَأَنْزِلْهُمْ فِي ثَرْوَةِ عَسْكَرِكَ، وَامْنَعْ مَنْ قِبَلَكَ مِنْ مُحَادَثَتِهِمْ، وَكُنْ أَنْتَ الْمُتَوَلِّي لِكَلَامِهِمْ، وَلَا تَجْعَلْ سِرَّكَ لِعَلَانِيَتِكَ فَيَخْلِطُ أَمْرُكُ، وَإِذَا اسْتَشَرْتَ فَاصْدُقِ الْحَدِيثَ تُصْدَقِ الْمَشُورَةَ، وَلَا تُخْزِنْ عَنِ الْمُشِيرِ خَبَرَكَ فَتُؤْتَى مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ، وَاسْمِرْ بِاللَّيْلِ فِي أَصْحَابِكَ تَأْتِكَ الْأَخْبَارُ وَتَنْكَشِفْ عِنْدَكَ الْأَسْتَارُ، وَأَكْثِرْ حَرَسَكَ وَبَدِّدْهُمْ فِي عَسْكَرِكَ، وَأَكْثِرْ مُفَاجَأَتَهُمْ فِي مَحَارِسِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُمْ بِكَ، فَمَنْ وَجَدْتَهُ غَفَلَ عَنْ مَحْرَسِهِ فَأَحْسِنْ أَدَبَهُ وَعَاقِبْهُ فِي غَيْرِ إِفْرَاطٍ، وَأَعْقِبْ بَيْنَهُمْ بِاللَّيْلِ، وَاجْعَلِ النَّوْبَةَ الْأُولَى أَطْوَلَ مِنَ الْأَخِيرَةِ؛ فَإِنَّهَا أَيْسَرُهُمَا لِقُرْبِهَا مِنَ النَّهَارِ، وَلَا تَخَفْ مِنْ عُقُوبَةِ الْمُسْتَحِقِّ، وَلَا تَلِجَّنَّ فِيهَا، وَلَا تُسْرِعْ إِلَيْهَا، وَلَا تَخْذُلْهَا مَدْفَعًا، وَلَا تَغْفُلْ عَنْ أَهْلِ عَسْكَرِكَ فَتُفْسِدَهُ، وَلَا تَجَسَّسْ عَلَيْهِمْ فَتَفْضَحَهُمْ، وَلَا تَكْشِفِ النَّاسَ عَنْ أَسْرَارِهِمْ، وَاكْتَفِ بِعَلَانِيَتِهِمْ، وَلَا تُجَالِسِ الْعَبَّاثِينَ، وَجَالِسْ أَهْلَ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ، وَاصْدُقِ اللِّقَاءَ، وَلَا تَجْبُنْ فَيَجْبُنَ النَّاسُ، وَاجْتَنِبِ الْغُلُولَ فَإِنَّهُ يُقَرِّبُ الْفَقْرَ وَيَدْفَعُ النَّصْرَ، وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ فَدَعْهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ. وَهَذِهِ مِنْ أَحْسَنِ الْوَصَايَا وَأَكْثَرِهَا نَفْعًا لِوُلَاةِ الْأَمْرِ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَعْمَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ عَلَى مَنِ اجْتَمَعَ وَأَمَرَهُ بِحِمْصَ، وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى بَابٍ مِنَ الْبَلْقَاءِ فَقَاتَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ صَالَحُوهُ، فَكَانَ أَوَّلَ صُلْحٍ فِي الشَّامِ. وَاجْتَمَعَ لِلرُّومِ جَمْعٌ بِالْعَرَبَةِ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ فَهَزَمَهُمْ، فَكَانَ أَوَّلَ قِتَالٍ بِالشَّامِ بَعْدَ سَرِيَّةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. ثُمَّ أَتَوُا الدَّائِنَ فَهَزَمَهُمْ أَبُو أُمَامَةَ أَيْضًا، ثُمَّ مَرْجَ الصُّفَّرِ اسْتُشْهِدَ فِيهَا ابْنٌ لِخَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَقِيلَ: اسْتُشْهِدَ فِيهَا خَالِدٌ أَيْضًا، وَقِيلَ: بَلْ سَلِمَ وَانْهَزَمَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ تَوْجِيهَ الْأُمَرَاءِ بِالْجُنُودِ بَادَرَ لِقِتَالِ الرُّومِ، فَاسْتَطْرَدَ لَهُ بَاهَانُ فَاتَّبَعَهُ خَالِدٌ وَمَعَهُ ذُو الْكَلَاعِ
وَعِكْرِمَةُ وَالْوَلِيدُ فَنَزَلَ مَرْجَ الصُّفَّرِ، فَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مَسَالِحُ بَاهَانَ وَأَخَذُوا الطُّرُقَ، وَخَرَجَ بَاهَانُ فَرَأَى ابْنَ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ فَقَتَلَهُ وَمَنْ مَعَهُ، فَسَمِعَ خَالِدٌ فَانْهَزَمَ، فَوَصَلَ فِي هَزِيمَتِهِ إِلَى ذِي الْمَرْوَةِ قَرِيبَ الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ بِالْمُقَامِ بِهَا، وَبَقِيَ عِكْرِمَةُ فِي النَّاسِ رِدْءًا لِلْمُسْلِمِينَ يَمْنَعُ مَنْ يَطْلُبُهُمْ. وَكَانَ قَدْ قَدِمَ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ مِنْ عِنْدِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَافِدًا، فَأَمَرَهُ أَبُو بَكْرٍ بِالشَّامِ وَنَدَبَ مَعَهُ النَّاسَ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى عَمَلِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ. فَأَتَى شُرَحْبِيلُ عَلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ فَفَصَلَ عَنْهُ بِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَاجْتَمَعَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ نَاسٌ فَأَرْسَلَهُمْ مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَمَرَهُ بِاللَّحَاقِ بِأَخِيهِ يَزِيدَ، فَلَمَّا مَرَّ بِخَالِدٍ فَصَلَ عَنْهُ بِبَاقِي أَصْحَابِهِ. فَأَذِنَ أَبُو بَكْرٍ لِخَالِدٍ بِدُخُولِ الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا وَصَلَ الْأُمَرَاءُ إِلَى الشَّامِ نَزَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْجَابِيَةَ، وَنَزَلَ يَزِيدُ الْبَلْقَاءَ، وَنَزَلَ شُرَحْبِيلُ الْأُرْدُنَّ، وَقِيلَ: بُصْرَى، وَنَزَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ الْعَرَبَةَ. فَبَلَغَ الرُّومُ ذَلِكَ فَكَتَبُوا إِلَى هِرَقْلَ، وَكَانَ بِالْقُدْسِ، فَقَالَ: أَرَى أَنْ تُصَالِحُوا الْمُسْلِمِينَ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ تُصَالِحُوهُمْ عَلَى نِصْفِ مَا يَحْصُلُ مِنَ الشَّامِ وَيَبْقَى لَكُمْ نَصِفُهُ مَعَ بِلَادِ الرُّومِ - أَحَبُّ إِلَيْكُمْ مِنْ أَنْ يَغْلِبُوكُمْ عَلَى الشَّامِ وَنِصْفِ بِلَادِ الرُّومِ. فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ وَعَصَوْهُ، فَجَمَعَهُمْ وَسَارَ بِهِمْ إِلَى حِمْصَ، فَنَزَلَهَا وَأَعَدَّ الْجُنُودَ وَالْعَسَاكِرَ، وَأَرَادَ إِشْغَالَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِطَائِفَةٍ مِنْ عَسْكَرِهِ؛ لِكَثْرَةِ جُنْدِهِ؛ لِتَضْعُفَ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَمَّنْ بِإِزَائِهِ، فَأَرْسَلَ تَذَارِقَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ فِي تِسْعِينَ أَلْفًا إِلَى عَمْرٍو، وَأَرْسَلَ جَرَجَةَ بْنَ تُوذَرَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَبَعَثَ الْقَيْقَارَ بْنَ نَسْطُوسَ فِي سِتِّينَ أَلْفًا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَبَعَثَ الدُّرَاقِصَ نَحْوَ شُرَحْبِيلَ، فَهَابَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَكَاتَبُوا عَمْرًا مَا الرَّأْيُ، فَأَجَابَهُمْ: إِنَّ الرَّأْيَ لِمِثْلِنَا الِاجْتِمَاعُ، فَإِنَّ مِثْلَنَا إِذَا اجْتَمَعْنَا لَا نُغْلَبُ مِنْ قِلَّةٍ، فَإِنَّ تَفَرُّقَنَا لَا يَقُومُ كُلُّ فِرْقَةٍ لَهُ بِمَنِ اسْتَقْبَلَهَا لِكَثْرَةِ عَدُوِّنَا. وَكَتَبُوا إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَجَابَهُمْ مِثْلَ جَوَابِ عَمْرٍو وَقَالَ: إِنَّ مِثْلَكُمْ لَا يُؤْتَى مِنْ قِلَّةٍ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى الْعَشْرَةُ آلَافٍ مِنَ الذُّنُوبِ، فَاحْتَرِسُوا مِنْهَا، فَاجْتَمَعُوا بِالْيَرْمُوكِ مُتَسَانِدِينَ، وَلْيَصِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِأَصْحَابِهِ. فَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْيَرْمُوكِ، وَالرُّومُ أَيْضًا وَعَلَيْهِمْ
ذكر مسير خالد بن الوليد من العراق إلى الشام
التَّذَارِقُ، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ جَرَجَةُ، وَعَلَى الْمُجَنِّبَةِ بَاهَانُ، وَلَمْ يَكُنْ وَصَلَ بَعْدُ إِلَيْهِمْ، وَالدُّرَاقِصُ عَلَى الْأُخْرَى، وَعَلَى الْحَرْبِ الْقَيْقَارُ. فَنَزَلَ الرُّومُ وَصَارَ الْوَادِي خَنْدَقًا لَهُمْ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَتَأَنَّسَ الرُّومُ بِالْمُسْلِمِينَ لِتَرْجِعَ إِلَيْهِمْ قُلُوبُهُمْ، وَنَزَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى طَرِيقِهِمْ، لَيْسَ لِلرُّومِ طَرِيقٌ إِلَّا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عَمْرٌو: أَبْشِرُوا! حُصِرَتِ الرُّومُ، وَقَلَّ مَا جَاءَ مَحْصُورٌ بِخَيْرٍ. وَأَقَامُوا صَفَرًا عَلَيْهِمْ وَشَهْرَيْ رَبِيعٍ لَا يَقْدِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْوَادِي وَالْخَنْدَقِ، وَلَا يَخْرُجُ الرُّومُ خَرْجَةً إِلَّا أُدِيلَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ. [ذِكْرُ مَسِيرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ] لَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ مُطَاوَلَةَ الرُّومِ اسْتَمَدُّوا أَبَا بَكْرٍ، فَكَتَبَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ، وَبِالْحَثِّ، وَأَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ النَّاسِ وَيَسْتَخْلِفَ عَلَى النِّصْفِ الْآخَرِ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيَّ، وَلَا يَأْخُذَنَّ مَنْ فِيهِ نَجْدَةٌ إِلَّا وَيَتْرُكَ عِنْدَ الْمُثَنَّى مِثْلَهُ، وَإِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رَجَعَ خَالِدٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْعِرَاقِ. فَاسْتَأْثَرَ خَالِدٌ بِأَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمُثَنَّى، وَتَرَكَ لِلْمُثَنَّى عِدَادَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقَنَاعَةِ مَنْ لَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ، ثُمَّ قَسَمَ الْجُنْدَ نِصْفَيْنِ، فَقَالَ الْمُثَنَّى: وَاللَّهِ لَا أُقِيمُ إِلَّا عَلَى إِنْفَاذِ أَمْرِ أَبِي بَكْرٍ، وَبِاللَّهِ مَا أَرْجُو النَّصْرَ إِلَّا بِأَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَلَمَّا رَأَى خَالِدٌ ذَلِكَ أَرْضَاهُ. وَقِيلَ: سَارَ مِنَ الْعِرَاقِ فِي ثَمَانِمِائَةٍ، وَقِيلَ: فِي سِتِّمِائَةٍ، وَقِيلَ: فِي خَمْسِمِائَةٍ، وَقِيلَ: فِي تِسْعَةِ آلَافٍ، وَقِيلَ: فِي سِتَّةِ آلَافٍ. وَقِيلَ: إِنَّمَا أَمَرَهُ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ الْقُوَّةِ وَالنَّجْدَةِ، فَأَتَى حَدَوْدَاءَ فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا فَظَفِرَ بِهِمْ، وَأَتَى الْمُصَيَّخَ وَبِهِ جَمْعٌ مِنْ تَغْلِبَ فَقَاتَلَهُمْ وَظَفِرَ بِهِمْ، وَسَبَى وَغَنِمَ.
وَكَانَ مِنَ السَّبْيِ الصَّهْبَاءُ بِنْتُ حَبِيبِ بْنِ بُجَيْرٍ، وَهِيَ أُمُّ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقِيلَ فِي أَمْرِهَا مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: سَارَ خَالِدٌ فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قُرَاقِرَ، وَهُوَ مَاءٌ لِكَلْبٍ، أَغَارَ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَرَادَ أَنْ يَسِيرَ مِنْهُمْ مُفَوَّزًا إِلَى سُوَى، وَهُوَ مَاءٌ لِبَهْرَاءَ بَيْنَهُمَا خَمْسُ لَيَالٍ، فَالْتَمَسَ دَلِيلًا، فَدُلَّ عَلَى رَافِعِ بْنِ عَمِيرَةَ الطَّائِيِّ، فَقَالَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ رَافِعٌ: إِنَّكَ لَنْ تُطِيقَ ذَلِكَ بِالْخَيْلِ وَالْأَثْقَالِ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّاكِبَ الْمُفْرَدَ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَابُدَّ لِي مِنْ ذَلِكَ لِأَخْرُجَ مِنْ وَرَاءِ جُمُوعِ الرُّومِ؛ لِئَلَّا يَحْبِسَنِي عَنْ غِيَاثِ الْمُسْلِمِينَ. فَأَمَرَ صَاحِبَ كُلِّ جَمَاعَةٍ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ لِلشُّعْبَةِ لِخَمْسٍ، وَأَنْ يُعَطِّشَ مِنَ الْإِبِلِ الشُّرُفَ مَا يَكْتَفِي بِهِ، ثُمَّ يَسْقُوهَا عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ - وَالْعَلَلُ الشَّرْبَةُ الثَّانِيَةُ، وَالنَّهَلُ الْأُولَى - ثُمَّ يُصِرُّوا آذَانَ الْإِبِلِ وَيَشُدُّوا مَشَافِرَهَا؛ لِئَلَّا تَجْتَرَّ. ثُمَّ رَكِبُوا مِنْ قُرَاقِرَ، فَلَمَّا سَارُوا يَوْمًا وَلَيْلَةً شَقُّوا لِعِدَّةٍ مِنَ الْخَيْلِ بُطُونَ عَشَرَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، فَمَزَجُوا مَاءً فِي كُرُوشِهَا بِمَا كَانَ مِنَ الْأَلْبَانِ، وَسَقَوُا الْخَيْلَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ. فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْعَلَمَيْنِ قَالَ لِلنَّاسِ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ شَجَرَةَ عَوْسَجٍ كَقَعْدَةِ الرَّجُلِ؟ فَقَالُوا: مَا نَرَاهَا. فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، هَلَكْتُمْ وَاللَّهِ وَهَلَكْتُ مَعَكُمْ! وَكَانَ أَرْمَدَ. فَقَالَ لَهُمْ: انْظُرُوا وَيْحَكُمْ! فَنَظَرُوا فَرَأَوْهَا قَدْ قُطِعَتْ وَبَقِيَ مِنْهَا بَقِيَّةٌ. فَلَمَّا رَأَوْهَا كَبَّرُوا، فَقَالَ رَافِعٌ: احْفِرُوا فِي أَصْلِهَا. فَحَفَرُوا وَاسْتَخْرَجُوا عَيْنًا، فَشَرِبُوا حَتَّى رُوِيَ النَّاسُ. فَقَالَ رَافِعٌ: وَاللَّهِ مَا وَرَدْتُ هَذَا الْمَاءَ قَطُّ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً مَعَ أَبِي وَأَنَا غُلَامٌ. فَقَالَ شَاعِرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: لِلَّهِ عَيْنَا رَافِعٍ أَنَّى اهْتَدَى فَوَّزَ مِنْ قُرَاقِرَ إِلَى سُوَى خَمْسًا إِذَا مَا سَارَ الْجَيْشُ بَكَى مَا سَارَهَا قَبْلَكَ إِنْسِيٌّ يُرَى
فَلَمَّا انْتَهَى خَالِدٌ إِلَى سُوَى أَغَارَ عَلَى أَهْلِهَا - وَهُمْ بَهْرَاءُ - وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَمُغَنِّيهِمْ يَقُولُ: أَلَا عَلِّلَانِي قَبْلَ جَيْشِ أَبِي بَكْرِ ... لَعَلَّ مَنَايَانَا قَرِيبٌ وَلَا نَدْرِي أَلَا عَلِّلَانِي بِالزُّجَاجِ وَكَرِّرُوا ... عَلَيَّ كُمَيْتَ اللَّوْنِ صَافِيَةً تَجْرِي أَلَا عَلِّلَانِي مِنْ سُلَافَةِ قَهْوَةٍ تُسَلِّي ... هُمُومَ النَّفْسِ مِنْ جَيِّدِ الْخَمْرِ أَظُنُّ خُيُولَ الْمُسْلِمِينَ وَخَالِدًا ... سَتَطْرُقُكُمْ قَبْلَ الصَّبَاحِ مَعَ النَّسْرِ فَهَلْ لَكُمُ فِي السَّيْرِ قَبْلَ قِتَالِكُمْ ... وَقَبْلَ خُرُوجِ الْمُعْصِرَاتِ مِنَ الْخِدْرِ فَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مُغَنِّيهِمْ وَسَالَ دَمُهُ فِي تِلْكَ الْجَفْنَةِ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، وَقُتِلَ حُرْقُوصُ بْنُ النُّعْمَانِ الْبَهْرَانِيُّ. ثُمَّ أَتَى أَرَكَ فَصَالَحُوهُ، ثُمَّ أَتَى تَدْمُرَ فَتَحَصَّنَ أَهْلُهُ ثُمَّ صَالَحُوهُ، ثُمَّ أَتَى الْقَرْيَتَيْنِ فَقَاتَلَهُمْ فَظَفِرَ بِهِمْ وَغَنِمَ، وَأَتَى حُوَّارَيْنِ فَقَاتَلَ أَهْلَهَا فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ وَسَبَى، وَأَتَى قُصَمَ فَصَالَحَهُ بَنُو مَشْجَعَةَ مِنْ قُضَاعَةَ، وَسَارَ فَوَصَلَ إِلَى ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ عِنْدَ دِمَشْقَ نَاشِرًا رَايَتَهُ، وَهِيَ رَايَةٌ سَوْدَاءُ، وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُسَمَّى الْعُقَابُ، وَقِيلَ: كَانَتْ رَايَتُهُ تُسَمَّى الْعُقَابَ فَسُمِّيَتِ الثَّنْيَةُ بِهَا، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِعُقَابٍ مِنَ الطَّيْرِ سَقَطَتْ عَلَيْهَا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. ثُمَّ سَارَ فَأَتَى مَرْجَ رَاهِطٍ فَأَغَارَ عَلَى غَسَّانَ فِي يَوْمِ فِصْحِهِمْ فَقَتَلَ وَسَبَى،
ذكر وقعة اليرموك
وَأَرْسَلَ سَرِيَّةً إِلَى كَنِيسَةٍ بِالْغُوطَةِ، فَقَتَلُوا الرِّجَالَ وَسَبَوُا النِّسَاءَ وَسَاقُوا الْعِيَالَ إِلَى خَالِدٍ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى بُصْرَى، فَقَاتَلَ مَنْ بِهَا فَظَفِرَ بِهِمْ وَصَالَحَهُمْ، فَكَانَتْ بُصْرَى أَوَّلَ مَدِينَةٍ فُتِحَتْ بِالشَّامِ عَلَى يَدِ خَالِدٍ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ. وَبَعَثَ بِالْأَخْمَاسِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ. ثُمَّ سَارَ فَطَلَعَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي رَبِيعِ الْآخَرِ، وَطَلَعَ بَاهَانُ عَلَى الرُّومِ وَمَعَهُ الشَّمَامِسَةُ وَالْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ يُحَرِّضُونَ الرُّومَ عَلَى الْقِتَالِ، وَخَرَجَ بَاهَانُ كَالْمُعْتَذِرِ، فَوَلِيَ خَالِدٌ قِتَالَهُ، وَقَاتَلَ الْأُمَرَاءُ مَنْ بِإِزَائِهِمْ، وَرَجَعَ بَاهَانُ وَالرُّومُ إِلَى خَنْدَقِهِمْ وَقَدْ نَالَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ. (عَمِيرَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ) . [ذِكْرُ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ] فَلَمَّا تَكَامَلَ جَمْعُ الْمُسْلِمِينَ بِالْيَرْمُوكِ، وَكَانُوا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا، قَدِمَ خَالِدٌ فِي تِسْعَةِ آلَافٍ، فَصَارُوا سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا سِوَى عِكْرِمَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ رِدْءًا لَهُمْ، وَقِيلَ: بَلْ كَانُوا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا وَثَلَاثَةَ آلَافٍ مِنْ فُلَّالِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَشَرَةَ آلَافٍ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَصَارُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا سِوَى سِتَّةِ آلَافٍ مَعَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَقِيلَ فِي عَدَدِهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ فِيهِمْ أَلْفُ صَحَابِيٍّ، مِنْهُمْ نَحْوُ مِائَةٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا. وَكَانَ الرُّومُ فِي مِائَتَيْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، مِنْهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفَ مُقَيَّدٍ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ مُسَلْسَلٍ لِلْمَوْتِ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا مُرَبَّطُونَ بِالْعَمَائِمِ لِئَلَّا يَفِرُّوا، وَثَمَانُونَ أَلْفَ رَاجِلٍ، وَقِيلَ: كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ، وَكَانَ قِتَالُ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ عَلَى تَسَانُدٍ، كُلُّ أَمِيرٍ عَلَى أَصْحَابِهِ لَا يَجْمَعُهُمْ أَحَدٌ، حَتَّى قَدِمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنَ الْعِرَاقِ، وَكَانَ الْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ يُحَرِّضُونَ الرُّومَ شَهْرًا، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى الْقِتَالِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ قِتَالٌ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ. فَلَمَّا أَحَسَّ الْمُسْلِمُونَ بِخُرُوجِهِمْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ مُتَسَانِدِينَ، فَسَارَ فِيهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ لَا يَنْبَغِي فِيهِ الْفَخْرُ وَلَا
الْبَغْيُ، أَخْلِصُوا جِهَادَكُمْ وَأَرِيدُوا اللَّهَ بِعَمَلِكُمْ، فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ، وَلَا تُقَاتِلُوا قَوْمًا عَلَى نِظَامٍ وَتَعْبِيَةٍ وَأَنْتُمْ مُتَسَانِدُونَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ وَلَا يَنْبَغِي، وَإِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ لَوْ يَعْلَمُ عِلْمَكُمْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ هَذَا، فَاعْمَلُوا فِيمَا لَمْ تُؤْمَرُوا بِهِ بِالَّذِي تَرَوْنَ أَنَّهُ رَأْيٌ مِنْ وَالِيكُمْ وَمَحَبَّتِهِ. قَالُوا: هَاتِ، فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَبْعَثْنَا إِلَّا وَهُوَ يَرَى أَنَّا سَنَتَيَاسَرُ، وَلَوْ عَلِمَ بِالَّذِي كَانَ وَيَكُونُ، لَقَدْ جَمَعَكُمْ، إِنَّ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ أَشَدُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِمَّا قَدْ غَشِيَهُمْ، وَأَنْفَعُ لِلْمُشْرِكِينَ مِنْ أَمْدَادِهِمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الدُّنْيَا فَرَّقَتْ بَيْنَكُمْ، فَاللَّهَ اللَّهَ! فَقَدْ أُفْرِدَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِبَلَدٍ لَا يَنْتَقِصُهُ مِنْهُ إِنْ دَانَ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَلَا يَزِيدُهُ عَلَيْهِ إِنْ دَانُوا لَهُ. إِنَّ تَأْمِيرَ بَعْضِكُمْ لَا يَنْتَقِصُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا عِنْدَ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلُمُّوا، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ تَهَيَّئُوا، وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ، إِنْ رَدَدْنَاهُمْ إِلَى خَنْدَقِهِمُ الْيَوْمَ لَمْ نَزَلْ نَرُدُّهُمْ، وَإِنْ هَزَمُونَا لَمْ نُفْلِحْ بَعْدَهَا. فَهَلُمُّوا فَلْنَتَعَاوَرِ الْإِمَارَةَ، فَلْيَكُنْ بَعْضُنَا الْيَوْمَ، وَالْآخَرُ بَعْدَ غَدٍ، حَتَّى تَتَأَمَّرُوا كُلُّكُمْ، وَدَعُونِي أَتَأَمَّرُ الْيَوْمَ. فَأَمَّرُوهُ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهَا كَخَرَجَاتِهِمْ، وَأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَطُولُ. فَخَرَجَتِ الرُّومُ فِي تَعْبِيَةٍ لَمْ يَرَ الرَّاءُونَ مِثْلَهَا قَطُّ، وَخَرَجَ خَالِدٌ فِي تَعْبِيَةٍ لَمْ تُعِبَّهَا الْعَرَبُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ كُرْدُوسًا إِلَى الْأَرْبَعِينَ، وَقَالَ: إِنَّ عَدُوَّكُمْ كَثِيرٌ، وَلَيْسَ تَعْبِيَةً أَكْثَرَ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ مِنَ الْكَرَادِيسِ. فَجَعَلَ الْقَلْبَ كَرَادِيسَ، وَأَقَامَ فِيهِ أَبَا عُبَيْدَةَ، وَجَعَلَ الْمَيْمَنَةَ كَرَادِيسَ وَعَلَيْهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَجَعَلَ الْمَيْسَرَةَ كَرَادِيسَ وَعَلَيْهَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ عَلَى كُرْدُوسٍ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ كُرْدُوسٍ رَجُلًا مِنَ الشُّجْعَانِ، وَكَانَ الْقَاضِي أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَكَانَ الْقَاصُّ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلَى الطَّلَائِعِ قَبَاثُ بْنُ أَشْيَمَ، وَعَلَى الْأَقْبَاضِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. وَقَالَ رَجُلٌ لِخَالِدٍ: مَا أَكْثَرَ الرُّومَ وَأَقَلَّ الْمُسْلِمِينَ! فَقَالَ خَالِدٌ: مَا أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ وَأَقَلَّ الرُّومِ، إِنَّمَا تَكْثُرُ الْجُنُودُ بِالنَّصْرِ وَتَقِلُّ بِالْخِذْلَانِ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ الْأَشْقَرَ - يَعْنِي
فَرَسَهُ - بَرَاءٌ مِنْ تَوَجِّيهِ، وَأَنَّهُمْ أُضْعِفُوا فِي الْعَدَدِ. وَكَانَ قَدْ حَفِيَ فِي مَسِيرِهِ. فَأَمَرَ خَالِدٌ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ وَالْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو فَأَنْشَبَا الْقِتَالَ، وَالْتَحَمَ النَّاسُ وَتَطَارَدَ الْفُرْسَانُ وَتَقَاتَلُوا، فَإِنَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَدِمُ الْبَرِيدُ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَاسْمُهُ مَحْمِيَةُ بْنُ زُنَيْمٍ، فَسَأَلُوهُ الْخَبَرَ، فَأَخْبَرَهُمْ بِسَلَامَةٍ وَأَمْدَادٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِمَوْتِ أَبِي بَكْرٍ وَتَأْمِيرِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَبَلَّغُوهُ خَالِدًا، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ أَبِي بَكْرٍ سِرًّا. وَخَرَجَ جَرَجَةُ إِلَى بَيْنِ الصَّفَّيْنِ وَطَلَبَ خَالِدًا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَآمَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ جَرَجَةُ: يَا خَالِدُ اصْدُقْنِي وَلَا تَكْذِبْنِي، فَإِنَّ الْحُرَّ لَا يَكْذِبُ، وَلَا تُخَادِعْنِي، فَإِنَّ الْكَرِيمَ لَا يُخَادِعُ الْمُسْتَرْسِلَ، هَلْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ سَيْفًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَعْطَاكَهُ، فَلَا تَسُلَّهُ عَلَى قَوْمٍ إِلَّا هَزَمْتَهُمْ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَفِيمَ سُمِّيتَ سَيْفَ اللَّهِ؟ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ فِينَا نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكُنْتُ فِيمَنْ كَذَّبَهُ وَقَاتَلَهُ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ هَدَانِي فَتَابَعْتُهُ، فَقَالَ: أَنْتَ سَيْفُ اللَّهِ، سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَدَعَا لِي بِالنَّصْرِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي إِلَى مَا تَدْعُونِي. قَالَ خَالِدٌ: إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ أَوِ الْحَرْبِ. قَالَ: فَمَا مَنْزِلَةُ مَنِ الَّذِي يُجِيبُكُمْ وَيَدْخُلُ فِيكُمْ؟ قَالَ: مَنْزِلَتُنَا وَاحِدَةٌ. قَالَ: فَهَلْ لَهُ مِثْلُكُمْ مِنَ الْأَجْرِ وَالذُّخْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَأَفْضَلُ؛ لِأَنَّنَا اتَّبَعْنَا نَبِيَّنَا وَهُوَ حَيٌّ، يُخْبِرُنَا بِالْغَيْبِ وَنَرَى مِنْهُ الْعَجَائِبَ وَالْآيَاتِ، وَحُقَّ لِمَنْ رَأَى مَا رَأَيْنَا وَسَمِعَ مَا سَمِعْنَا أَنْ يُسْلِمَ، وَأَنْتُمْ لَمْ تَرَوْا مِثْلَنَا وَلَمْ تَسْمَعُوا مِثْلَنَا، فَمَنْ دَخَلَ بِنِيَّةٍ وَصِدْقٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنَّا. فَقَلَبَ جَرَجَةُ تُرْسَهُ وَمَالَ مَعَ خَالِدٍ وَأَسْلَمَ، وَعَلَّمَهُ الْإِسْلَامَ وَاغْتَسَلَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ مَعَ خَالِدٍ فَقَاتَلَ الرُّومَ. وَحَمَلَتِ الرُّومُ حَمْلَةً أَزَالُوا الْمُسْلِمِينَ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ إِلَّا الْمُحَامِيَةَ، عَلَيْهِمْ عِكْرِمَةُ وَعَمُّهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ يَوْمَئِذٍ: قَاتَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ مَوْطِنٍ، ثُمَّ أَفِرُّ الْيَوْمَ؟ ! ثُمَّ نَادَى: مَنْ يُبَايِعُ عَلَى الْمَوْتِ؟ فَبَايَعَهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ وَفُرْسَانِهِمْ، فَقَاتَلُوا قُدَّامَ فُسْطَاطِ خَالِدٍ حَتَّى أُثْبِتُوا جَمِيعًا جِرَاحًا، فَمِنْهُمْ مَنْ بَرَأَ وَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ. وَقَاتَلَ خَالِدٌ وَجَرَجَةُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ جَرَجَةُ عِنْدَ آخِرِ النَّهَارِ، وَصَلَّى النَّاسُ الْأُولَى وَالْعَصْرَ إِيمَاءً، وَتَضَعْضَعَ الرُّومُ، وَنَهَدَ خَالِدٌ بِالْقَلْبِ حَتَّى كَانَ بَيْنَ خَيْلِهِ وَرَجْلِهِمْ، فَانْهَزَمَ الْفُرْسَانُ وَتَرَكُوا الرَّجَّالَةَ. وَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ خَيْلَ الرُّومِ قَدْ تَوَجَّهَتْ لِلْمَهْرَبِ أَفْرَجُوا لَهَا، فَتَفَرَّقَتْ وَقُتِلَ
الرَّجَّالَةُ، وَاقْتَحَمُوا فِي خَنْدَقِهِمْ، فَاقْتَحَمَهُ عَلَيْهِمْ، فَعَمَدُوا إِلَى الْوَاقُوصَةِ حَتَّى هَوَى فِيهَا الْمُقْتَرِنُونَ وَغَيْرُهُمْ، ثَمَانُونَ أَلْفًا مِنَ الْمُقْتَرِنِينَ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ مُطْلَقٍ، سِوَى مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَتَجَلَّلَ الْفَيْقَارُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَشْرَافِ الرُّومِ بَرَانِسَهُمْ وَجَلَسُوا، فَقُتِلُوا مُتَزَمِّلِينَ. وَدَخَلَ خَالِدٌ الْخَنْدَقَ وَنَزَلَ فِي رِوَاقِ تَذَارِقَ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا أُتِيَ خَالِدٌ بِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ جَرِيحًا، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِهِ، وَبِعَمْرِو بْنِ عِكْرِمَةَ فَجَعَلَ رَأَسَهُ عَلَى سَاقِهِ، وَمَسَحَ وُجُوهَهُمَا وَقَطَّرَ فِي حُلُوقِهِمَا الْمَاءَ، وَقَالَ: زَعَمَ ابْنُ حَنْتَمَةَ - يَعْنِي عُمَرَ - أَنَّا لَا نُسْتَشْهَدُ! وَقَاتَلَ النِّسَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَأَبْلَيْنَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بِالْيَرْمُوكِ وَأَنَا صَبِيٌّ لَا أُقَاتِلُ، فَلَمَّا اقْتَتَلَ النَّاسُ نَظَرْتُ إِلَى نَاسٍ عَلَى تَلٍّ لَا يُقَاتِلُونَ، فَرَكِبْتُ وَذَهَبْتُ إِلَيْهِمْ وَإِذْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَمَشْيَخَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْفَتْحِ، فَرَأَوْنِي حَدَثًا فَلَمْ يَتَّقُونِي، قَالَ: فَجَعَلُوا وَاللَّهِ إِذَا مَالَ الْمُسْلِمُونَ وَرَكِبَتْهُمُ الرُّومُ يَقُولُونَ: إِيهِ بَنِي الْأَصْفَرِ! فَإِذَا مَالَتِ الرُّومُ وَرَكِبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: وَيْحَ بَنِي الْأَصْفَرِ! فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الرُّومَ أَخْبَرْتُ أَبِي فَضْحِكَ فَقَالَ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ! أَبَوْا إِلَّا ضِغْنًا، لَنَحْنُ خَيْرٌ لَهُمْ مِنَ الرُّومِ! وَفِي الْيَرْمُوكِ أُصِيبَتْ عَيْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ. وَلَمَّا انْهَزَمَتِ الرُّومُ كَانَ هِرَقْلَ بِحِمْصَ، فَنَادَى بِالرَّحِيلِ عَنْهَا قَرِيبًا، وَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّرَ عَلَيْهَا أَمِيرًا كَمَا أَمَّرَ عَلَى دِمَشْقَ. وَكَانَ مَنْ أُصِيبُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، مِنْهُمْ عِكْرِمَةُ وَابْنُهُ عَمْرٌو، وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ، وَجُنْدُبُ بْنُ عَمْرٍو، وَالطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَطُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ، وَعِيَاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. (عِيَاشٌ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ) . وَفِيهَا قُتِلَ سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، وَهُوَ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ.
ذكر حال المثنى بن حارثة بالعراق
وَفِيهَا قُتِلَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحَّامُ الْعَدَوِيُّ عَدِيُّ قُرَيْشٍ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ عُمَرَ. وَفِيهَا قُتِلَ النُّضَيْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ، وَهُوَ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ، وَهُوَ أَخُو النَّضْرِ الَّذِي قُتِلَ بِبَدْرٍ كَافِرًا. وَقُتِلَ فِيهَا أَبُو الرُّومِ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمٍ الْعَبْدَرِيُّ أَخُو مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَهُوَ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ، شَهِدَ أُحُدًا. وَقِيلَ: قُتِلُوا يَوْمَ أَجْنَادِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [ذِكْرُ حَالِ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ بِالْعِرَاقِ] وَأَمَّا الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ فَإِنَّهُ لَمَّا وَدَّعَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَارَ خَالِدٌ إِلَى الشَّامِ فِيمَنْ مَعَهُ بِالْجُنْدِ، أَقَامَ بِالْحِيرَةِ وَوَضَعَ الْمَسْلَحَةَ وَأَذْكَى الْعُيُونَ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُ فَارِسٍ بَعْدَ مَسِيرِ خَالِدٍ مِنَ الْحِيرَةِ بِقَلِيلٍ، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، عَلَى شَهْرِيرَانَ بْنِ أَرْدَشِيرَ بْنِ شَهْرَيَارَ سَابُورَ، فَوَجَّهَ إِلَى الْمُثَنَّى جُنْدًا عَظِيمًا عَلَيْهِمْ هُرْمُزُ جَاذَوَيْهِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَخَرَجَ الْمُثَنَّى مِنَ الْحِيرَةِ نَحْوَهُ وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ الْمُعَنَّى وَمَسْعُودٌ أَخَوَاهُ، فَأَقَامَ بِبَابِلَ، وَأَقْبَلَ هُرْمُزُ نَحْوَهُ، وَكَتَبَ كِسْرَى شَهْرِيرَانَ إِلَى الْمُثَنَّى كِتَابًا: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ جُنْدًا مِنْ وَخْشِ أَهْلِ فَارِسَ، إِنَّمَا هُمْ رِعَاءُ الدَّجَاجِ وَالْخَنَازِيرِ، وَلَسْتُ أُقَاتِلُكَ إِلَّا بِهِمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُثَنَّى: إِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إِمَّا بَاغٍ، فَذَلِكَ شَرٌّ لَكَ وَخَيْرٌ لَنَا، وَإِمَّا كَاذِبٌ، فَأَعْظَمُ الْكَاذِبِينَ فَضِيحَةً عِنْدَ اللَّهِ وَفِي النَّاسِ الْمُلُوكُ، وَأَمَّا الَّذِي يَدُلُّنَا عَلَيْهِ الرَّأْيُ فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا أَضْرَرْتُمْ إِلَيْهِمْ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَكُمْ إِلَى رُعَاةِ الدَّجَاجِ وَالْخَنَازِيرِ. فَجَزِعَ الْفُرْسُ مِنْ كِتَابِهِ، فَالْتَقَى الْمُثَنَّى وَهُرْمُزُ بِبَابِلَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَ فِيلُهُمْ يُفَرِّقُ الْمُسْلِمِينَ، فَانْتَدَبَ لَهُ الْمُثَنَّى وَمَعَهُ نَاسٌ فَقَتَلُوهُ، وَانْهَزَمَ الْفُرْسُ وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْمَدَائِنِ يَقْتُلُونَهُمْ. وَمَاتَ شَهْرِيرَانُ لَمَّا انْهَزَمَ هُرْمُزُ جَاذَوَيْهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ فَارِسَ، وَبَقِيَ مَا دُونَ دِجْلَةَ بِيَدِ الْمُثَنَّى. ثُمَّ اجْتَمَعَتِ الْفُرْسُ عَلَى دُخْتَ زَنَانَ ابْنَةِ كِسْرَى، فَلَمْ يَنْفُذْ لَهَا أَمْرٌ وَخُلِعَتْ، وَمَلَكَ سَابُورُ بْنُ شَهْرِيرَانَ. فَلَمَّا مَلَكَ قَامَ بِأَمْرِهِ الْفَرُّخْزَادُ بْنُ الْبِنْذَوَانِ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ
ذكر وقعة أجنادين
آزَرْمِيدُخْتَ بِنْتَ كِسْرَى، فَأَجَابَهُ. فَغَضِبَتْ آزَرْمِيدُخْتَ فَأَرْسَلَتْ إِلَى سَيَاوَخَشْ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ الْعُرْسِ أَقْبَلَ الْفَرُّخْزَادُ حَتَّى دَخَلَ، فَثَارَ بِهِ سَيَاوَخَشْ فَقَتَلَهُ، وَقَصَدَتْ آزَرْمِيدُخْتَ وَمَعَهَا سَيَاوَخَشْ سَابُورَ فَحَصَرُوهُ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، وَمَلَكَتْ آزَرْمِيدُخْتَ ثُمَّ تَشَاغَلُوا بِذَلِكَ. وَأَبْطَأَ خَبَرُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى الْمُثَنَّى، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَشِيرَ بْنَ الْخَصَاصِيَّةِ وَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ لِيُخْبِرَهُ خَبَرَ الْمُشْرِكِينَ، وَيَسْتَأْذِنَهُ فِي الِاسْتِعَانَةِ بِمَنْ حَسُنَتْ تَوْبَتُهُ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ، فَإِنَّهُمْ أَنْشَطُ إِلَى الْقِتَالِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَأَبُو بَكْرٍ مَرِيضٌ قَدْ أَشَفَى، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَاسْتَدْعَى عُمَرَ وَقَالَ لَهُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَمُوتَ يَوْمِي هَذَا، فَإِذَا مُتُّ فَلَا تُمْسِيَنَّ حَتَّى تَنْدُبَ النَّاسَ مَعَ الْمُثَنَّى، وَلَا تَشْغَلَنَّكُمْ مُصِيبَةٌ عَنْ أَمْرِ دِينِكُمْ وَوَصِيَّةِ رَبِّكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُنِي مُتَوَفَّى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا صَنَعْتُ وَمَا أُصِيبَ الْخَلْقُ بِمِثْلِهِ، وَإِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ فَارْدُدْ أَهْلَ الْعِرَاقِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُهُ وَوُلَاةُ أَمْرِهِ وَأَهْلُ الْجُرْأَةِ عَلَيْهِمْ. وَمَاتَ أَبُو بَكْرٍ لَيْلًا فَدَفَنَهُ عُمَرُ وَنَدَبَ النَّاسَ مَعَ الْمُثَنَّى، وَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ يَسُوءُنِي أَنْ أُؤَمِّرَ خَالِدًا، فَلِهَذَا أَمَرَنِي أَنْ أَرُدَّ أَصْحَابَ خَالِدٍ، وَتَرَكَ ذِكْرَهُ مَعَهُمْ. وَإِلَى آزَرْمِيدُخْتَ انْتَهَى شَأْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَهَذَا حَدِيثُ الْعِرَاقِ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. [ذِكْرُ وَقْعَةِ أَجْنَادَيْنِ] قَدْ ذَكَرَهَا أَبُو جَعْفَرٍ عُقَيْبَ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ، وَرَوَى خَبَرَهَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنِ اجْتِمَاعِ الْأُمَرَاءِ وَمَسِيرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ: فَسَارَ خَالِدٌ مِنْ مَرْجِ رَاهِطٍ إِلَى بُصْرَى وَعَلَيْهَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَصَالَحَهُمْ أَهْلُهَا عَلَى الْجِزْيَةِ، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَدِينَةٍ فُتِحَتْ بِالشَّامِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ. ثُمَّ سَارُوا جَمِيعًا إِلَى فِلَسْطِينَ مَدَدًا لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ مُقِيمٌ بِالْعَرَبَاتِ، وَاجْتَمَعَتِ الرُّومُ بِأَجْنَادَيْنِ وَعَلَيْهِمْ تَذَارِقُ أَخُو هِرَقْلَ لِأَبَوَيْهِ، وَقِيلَ كَانَ عَلَى الرُّومِ الْقُبُقْلَارُ، وَأَجْنَادَيْنِ بَيْنَ الرَّمْلَةِ وَبَيْتِ جِبْرِينَ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، وَسَارَ عَمْرُو بْنُ
الْعَاصِ حِينَ سَمِعَ بِالْمُسْلِمِينَ فَلَقِيَهُمْ، وَنَزَلُوا بِأَجْنَادَيْنِ وَعَسْكَرُوا عَلَيْهِمْ، فَبَعَثَ الْقُبُقْلَارُ عَرَبِيًّا إِلَى الْمُسْلِمِينَ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ، فَدَخَلَ فِيهِمْ وَأَقَامَ يَوْمًا وَلَيْلَةً ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ فَقَالَ: بِاللَّيْلِ رُهْبَانٌ وَبِالنَّهَارِ فُرْسَانٌ، وَلَوْ سَرَقَ ابْنُ مَلِكِهِمْ قَطَعُوهُ، وَلَوْ زَنَى رُجِمَ لِإِقَامَةِ الْحَقِّ فِيهِمْ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَنِي لَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ لِقَاءِ هَؤُلَاءِ عَلَى ظَهْرِهَا. وَالْتَقَوْا يَوْمَ السَّبْتِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، فَظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ وَهُزِمَ الْمُشْرِكُونَ، وَقُتِلَ الْقُبُقْلَارُ وَتَذَارِقُ، وَاسْتُشْهِدَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، مِنْهُمْ: سَلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَنُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّحَامُ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ بِالْيَرْمُوكِ، وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ قَالَ: ثُمَّ جَمَعَ هِرَقْلُ لِلْمُسْلِمِينَ فَالْتَقَوْا بِالْيَرْمُوكِ، وَجَاءَهُمْ خَبَرُ وَفَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَهُمْ مُصَافُّونَ، وَوِلَايَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ فِي رَجَبٍ. هَذِهِ سِيَاقَةُ الْخَبَرِ وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ الْفِهْرِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَهُوَ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ، وَقُتِلَ بِالْيَرْمُوكِ، وَمِمَّنْ قُتِلَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَقِيلَ: قُتِلَ بِمَرْجِ الصُّفَّرِ، وَقِيلَ: مَاتَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسٍ. وَفِيهَا قُتِلَ طُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ الْقُرَشِيُّ، وَقُتِلَ بِالْيَرْمُوكِ، شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ. وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَهْمٍ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ جَمْعًا مِنَ الرُّومِ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَ ثَلَاثِينَ سَنَةً. وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الطُّفَيْلِ الدَّوْسِيُّ، وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِذِي النُّورِ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، قَدِيمَ الْإِسْلَامِ، هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ.
ذكر وفاة أبي بكر
(أَجْنَادَيْنِ بَعْدَ الْجِيمِ نُونٌ، وَدَالٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُهَا، ثُمَّ يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتِهَا سَاكِنَةٌ، وَآخِرُهُ نُونٌ) . وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ وَقْعَةَ أَجْنَادَيْنِ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. [ذِكْرُ وَفَاةِ أَبِي بَكْرٍ] كَانَتْ وَفَاةُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِثَمَانِي لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ سَمَّهُ الْيَهُودُ فِي أَرُزٍّ، وَقِيلَ فِي حَرِيرَةٍ، وَهِيَ الْحَسْوُ، فَأَكَلَ هُوَ وَالْحَارِثُ بْنُ كَلَدَةَ، فَكَفَّ الْحَارِثُ وَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَكَلْنَا طَعَامًا مَسْمُومًا سُمَّ سَنَةً. فَمَاتَا بَعْدَ سَنَةٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ اغْتَسَلَ وَكَانَ يَوْمًا بَارِدًا، فَحُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يَخْرُجُ إِلَى صَلَاةٍ، فَأَمَرَ عُمَرَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. وَلَمَّا مَرِضَ قَالَ لَهُ النَّاسُ: أَلَا نَدْعُوَ الطَّبِيبَ؟ قَالَ: قَدْ أَتَانِي وَقَالَ لِي: أَنَا فَاعِلٌ مَا أُرِيدُ. فَعَلِمُوا مُرَادَهُ وَسَكَتُوا عَنْهُ، ثُمَّ مَاتَ. وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرَ لَيَالٍ، وَقِيلَ: كَانَتْ سَنَتَيْنِ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إِلَّا أَرْبَعَ لَيَالٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَلَاثِ سِنِينَ. وَأَوْصَى أَنْ تُغَسِّلَهُ زَوْجَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْهِ وَيُشْتَرَى مَعَهُمَا ثَوْبٌ ثَالِثٌ، وَقَالَ: الْحَيُّ أَحْوَجُ إِلَى الْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ وَالصَّدِيدِ. وَدُفِنَ لَيْلًا وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَحُمِلَ عَلَى السَّرِيرِ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَخَلَ قَبْرَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ، وَجُعِلَ رَأْسُهُ عِنْدَ كَتِفَيِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَلْصَقُوا لَحْدَهُ بِلَحْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجُعِلَ قَبْرُهُ مِثْلَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسَطَّحًا. وَأَقَامَتْ عَائِشَةُ عَلَيْهِ النَّوْحَ، فَنَهَاهُنَّ عَنِ الْبُكَاءِ عُمَرُ، فَأَبَيْنَ، فَقَالَ لِهِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ: ادْخُلْ فَأَخْرِجْ إِلَيَّ ابْنَةَ أَبِي قُحَافَةَ،
أسماء قضاته وعماله وكتابه
فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ أُمَّ فَرْوَةَ ابْنَةَ أَبِي قُحَافَةَ، فَعَلَاهَا بِالدِّرَّةِ ضَرَبَاتٍ، فَتَفَرَّقَ النَّوْحُ حِينَ سَمِعْنَ ذَلِكَ. وَكَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. وَكَانَ أَبْيَضَ خَفِيفَ الْعَارِضَتَيْنِ، أَحْنَى، لَا يَسْتَمْسِكُ إِزَارَهُ، مَعْرُوقَ الْوَجْهِ، نَحِيفًا، أَقْنَى، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَكَانَ أَبُوهُ حَيًّا بِمَكَّةَ لَمَّا تُوُفِّيَ. وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ، وَقِيلَ: عَتِيقُ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ، يَجْتَمِعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ الْخَيْرِ سَلْمَى بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ. وَقِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: أَنْتَ عَتِيقٌ مِنَ النَّارِ، فَلَزِمَهُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا قِيلَ لَهُ عَتِيقٌ لِرِقَّةِ حُسْنِهِ وَجَمَالِهِ. وَأَسْلَمَتْ أُمُّهُ قَدِيمًا بَعْدَ إِسْلَامِ أَبِي بَكْرٍ، وَتَزَوَّجَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قُتَيْلَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَأَسْمَاءَ، وَتَزَوَّجَ أَيْضًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أُمَّ رُومَانَ، وَاسْمُهَا دَعْدُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنَانِيَّةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَعَائِشَةَ، وَتَزَوَّجَ فِي الْإِسْلَامِ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَتَزَوَّجَ أَيْضًا فِي الْإِسْلَامِ حَبِيبَةَ بِنْتَ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ أُمَّ كُلْثُومٍ. [أَسْمَاءُ قُضَاتِهِ وَعُمَّالِهِ وَكُتَّابِهِ] لَمَّا وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَا أَكْفِيكَ الْمَالَ. وَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنَا أَكْفِيكَ الْقَضَاءَ. فَمَكَثَ عُمَرُ سَنَةً لَا يَأْتِيهِ رَجُلَانِ. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَكْتُبُ لَهُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَكَانَ يَكْتُبُ لَهُ مَنْ حَضَرَ.
ذكر بعض أخباره ومناقبه
وَكَانَ عَامِلُهُ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ، وَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ، وَقِيلَ: مَاتَ بَعْدَهُ، وَكَانَ عَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَعَلَى صَنْعَاءَ الْمُهَاجِرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَعَلَى حَضْرَمَوْتَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَعَلَى خَوْلَانَ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ، وَعَلَى زَبِيدٍ وَرِمَعَ أَبُو مُوسَى، وَعَلَى الْجَنَدِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعَلَى الْبَحْرَيْنِ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ. وَبَعَثَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى نَجْرَانَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَوْرٍ إِلَى جُرَشَ، وَعِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ. وَكَانَ بِالشَّامِ أَبُو عُبَيْدَةَ وَشُرَحْبِيلُ وَيَزِيدُ وَعَمْرٌو، وَكُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى جُنْدٍ وَعَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: نِعْمَ الْقَادِرُ اللَّهُ. وَعَاشَ أَبُوهُ بَعْدَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، وَمَاتَ وَلَهُ سَبْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً. [ذِكْرُ بَعْضِ أَخْبَارِهِ وَمَنَاقِبِهِ] كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَوَّلَ النَّاسِ إِسْلَامًا فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا كَانَتْ لَهُ عَنْهُ كَبْوَةٌ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ» . وَالَّذِي وَرَدَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمَنَاقِبِ كَثِيرٌ، كَشَهَادَتِهِ لَهُ الْجَنَّةَ، وَعِتْقَهُ مِنَ النَّارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْإِخْبَارِ بِخِلَافَتِهِ تَعْرِيضًا، كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمَرْأَةِ: «إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ» ، وَكَقَوْلِهِ: «اقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ» . وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمَشَاهِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْتَقَ سَبْعَةَ نَفَرٍ كُلُّهُمْ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْهُمْ: بِلَالٌ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وُزِنِّيرَةُ، وَالنَّهْدِيَّةُ وَابْنُهَا، وَجَارِيَةُ بَنِي مُؤَمَّلٍ، وَأُمُّ عُبَيْسٍ وَأَسْلَمُ. وَلَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفًا أَنْفَقَهَا فِي اللَّهِ مَعَ مَا كَسَبَ فِي التِّجَارَةِ. وَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ خَرَجَ شَاهِرًا سَيْفَهُ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ، فَجَاءَهُ عَلِيٌّ وَأَخَذَ بِزِمَامِ رَاحِلَتِهِ وَقَالَ لَهُ: أَيْنَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -! أَقُولُ لَكَ مَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ: شِمْ سَيْفَكَ، لَا تُفْجِعْنَا بِنَفْسِكَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ أُصِبْنَا بِكَ لَا يَكُونُ لِلْإِسْلَامِ نِظَامٌ. فَرَجَعَ وَأَمْضَى الْجَيْشَ. وَكَانَ لَهُ بَيْتُ مَالٍ بِالسُّنْحِ، وَكَانَ يَسْكُنُهُ إِلَى أَنِ انْتَقَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقِيلَ لَهُ:
أَلَا نَجْعَلُ عَلَيْهِ مَنْ يَحْرُسُهُ؟ قَالَ: لَا. فَكَانَ يُنْفِقُ جَمِيعَ مَا فِيهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ، فَلَمَّا انْتَقَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ جَعَلَ بَيْتَ الْمَالِ مَعَهُ فِي دَارِهِ. وَفِي خِلَافَتِهِ افْتَتَحَ مَعْدِنَ بَنِي سُلَيْمٍ، وَكَانَ يُسَوِّي فِي قِسْمَتِهِ بَيْنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَبَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، فَقِيلَ لَهُ: لِتُقَدِّمْ أَهْلَ السَّبْقِ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَسْلَمُوا لِلَّهِ، وَوَجَبَ أَجْرُهُمْ عَلَيْهِ يُوَفِّيهِمْ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الدُّنْيَا بَلَاغٌ. وَكَانَ يَشْتَرِي الْأَكْسِيَةَ وَيُفَرِّقُهَا فِي الْأَرَامِلِ فِي الشِّتَاءِ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ جَمَعَ عُمَرُ الْأُمَنَاءِ وَفَتَحَ بَيْتَ الْمَالِ، فَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ شَيْئًا غَيْرَ دِينَارٍ سَقَطَ مِنْ غِرَارَةٍ، فَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ الْغِفَارِيُّ: كَانَ عُمَرُ يَتَعَهَّدُ امْرَأَةً عَمْيَاءَ فِي الْمَدِينَةِ بِاللَّيْلِ، فَيَقُومُ بِأَمْرِهَا، فَكَانَ إِذَا جَاءَهَا وَجَدَ غَيْرَهُ قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا، فَفَعَلَ مَا أَرَادَتْ. فَرَصَدَهُ عُمَرُ فَإِذَا هُوَ أَبُو بَكْرٍ، كَانَ يَأْتِيهَا وَيَقْضِي أَشْغَالَهَا سِرًّا وَهُوَ خَلِيفَةٌ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ هُوَ لَعَمْرِي! قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا بَكْرٍ الْوَفَاةُ حَضَرَتْهُ عَائِشَةُ وَهُوَ يُعَالِجُ الْمَوْتَ فَتَمَثَّلَتْ: لَعُمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ فَنَظَرَ إِلَيْهَا كَالْغَضْبَانِ ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19] ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ نَحَلْتُكِ حَائِطَ كَذَا وَفِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ، فَرُدِّيهِ عَلَى الْمِيرَاثِ، فَرَدَّتْهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ. قَالَتْ: مَنِ الثَّانِيَةُ؟ إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ. قَالَ: ذَاتُ بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ، يَعْنِي زَوْجَتَهُ، وَكَانَتْ حَامِلًا فَوَلَدَتْ أُمَّ كُلْثُومٍ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَقَالَ لَهَا: أَمَا إِنَّا مُنْذُ وَلِينَا أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ نَأْكُلْ لَهُمْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَلَكِنَّا قَدْ أَكَلْنَا مِنْ جَرِيشِ طَعَامِهِمْ، وَلَبِسْنَا مَنْ خَشِنِ ثِيَابِهِمْ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا هَذَا الْعَبْدُ وَهَذَا الْبَعِيرُ وَهَذِهِ الْقَطِيفَةُ، فَإِذَا مُتُّ فَابْعَثِي بِالْجَمِيعِ إِلَى عُمَرَ. فَلَمَّا مَاتَ بَعَثَتْهُ إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا رَآهُ بَكَى حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُهُ إِلَى الْأَرْضِ وَجَعَلَ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ! لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ. وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ. وَأَمَرَ بِرَفْعِهِ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَسْلُبُ عِيَالَ أَبِي بَكْرٍ عَبْدًا وَنَاضِحًا وَسَحَقَ قَطِيفَةٍ ثَمَنُهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَلَوْ أَمَرْتَ بِرَدِّهَا عَلَيْهِمْ. فَقَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَكُونُ هَذَا فِي وِلَايَتِي، وَلَا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مِنْهُ وَأَتَقَلَّدُهُ أَنَا. وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُرَدَّ جَمِيعُ مَا أَخَذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِنَفَقَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ زَوْجَتَهُ اشْتَهَتْ حُلْوًا فَقَالَ: لَيْسَ لَنَا مَا نَشْتَرِي بِهِ، فَقَالَتْ: أَنَا أَسْتَفْضِلُ فِي عِدَّةِ أَيَّامٍ مَا نَشْتَرِي بِهِ. قَالَ: افْعَلِي، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ لَهَا فِي أَيَّامٍ
ذكر استخلافه عمر بن الخطاب
كَثِيرَةٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَلَمَّا عَرَّفَتْهُ لِيَشْتَرِيَ بِهِ حُلْوًا أَخَذَهُ، فَرَدَّهُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَقَالَ: هَذَا يَفْضُلُ عَنْ قُوتِنَا، وَأَسْقَطَ مِنْ نَفَقَتِهِ بِمِقْدَارِ مَا نَقَصَتْ كُلَّ يَوْمٍ، وَغَرَمَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ مِنْ مِلْكٍ كَانَ لَهُ. هَذَا وَاللَّهِ هُوَ التَّقْوَى الَّذِي لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَبِحَقٍّ قَدَّمَهُ النَّاسُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَكَانَ مَنْزِلُ أَبِي بَكْرٍ بِالسُّنْحِ عِنْدَ زَوْجَتِهِ حَبِيبَةَ بِنْتِ خَارِجَةَ، فَأَقَامَ هُنَالِكَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ بَعْدَمَا بُويِعَ لَهُ، وَكَانَ يَغْدُو عَلَى رِجْلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَرُبَّمَا رَكِبَ فَرَسَهُ، فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَإِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ رَجَعَ إِلَى السُّنْحِ، وَكَانَ إِذَا غَابَ صَلَّى بِالنَّاسِ عُمَرُ. وَكَانَ يَغْدُو كُلَّ يَوْمٍ إِلَى السُّوقِ فَيَبِيعُ وَيَبْتَاعُ، وَكَانَتْ لَهُ قِطْعَةُ غَنَمٍ تَرُوحُ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا خَرَجَ هُوَ بِنَفْسِهِ فِيهَا، وَرُبَّمَا رُعِيَتْ لَهُ، وَكَانَ يَحْلِبُ لِلْحَيِّ أَغْنَامَهُمْ، فَلَمَّا بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ قَالَتْ جَارِيَةٌ مِنْهُمْ: الْآنَ لَا يَحْلِبُ لَنَا مَنَائِحَ دَارِنَا، فَسَمِعَهَا فَقَالَ: بَلَى لَعَمْرِي لَأَحْلِبَنَّهَا لَكُمْ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يُغَيِّرَ بِي مَا دَخَلْتُ فِيهِ. فَكَانَ يَحْلِبُ لَهُمْ. ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ خِلَافَتِهِ وَقَالَ: مَا تَصْلُحُ أُمُورُ النَّاسِ مَعَ التِّجَارَةِ، وَمَا يَصْلُحُ إِلَّا التَّفَرُّغُ لَهُمْ وَالنَّظَرُ فِي شَأْنِهِمْ. فَتَرَكَ التِّجَارَةَ، وَأَنْفَقَ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُصْلِحُهُ وَعِيَالَهُ يَوْمًا بِيَوْمٍ، وَيَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ، فَكَانَ الَّذِي فَرَضُوا لَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ سِتَّةَ آلَافِ دِرْهَمٍ. وَقِيلَ: فَرَضُوا لَهُ مَا يَكْفِيهِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى أَنْ تُبَاعَ أَرْضٌ لَهُ وَيُصْرَفَ ثَمَنُهَا عِوَضَ مَا أَخَذَهُ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ أَوَّلَ وَالٍ فَرَضَ لَهُ رَعِيَّتُهُ نَفَقَتَهُ، وَأَوَّلَ خَلِيفَةٍ وَلِيَ وَأَبُوهُ حَيٌّ، وَأَوَّلَ مَنْ سَمَّى مُصْحَفَ الْقُرْآنِ مُصْحَفًا، وَأَوَّلَ مَنْ سُمِّيَ خَلِيفَةً. (زِنِّيرَةُ بِكَسْرِ الزَّايِ، وَالنُّونُ مُشَدَّدَةٌ. وَعُبَيْسٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ، ثُمَّ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ. وَمُنْيَةُ بِالنُّونِ السَّاكِنَةِ، وَالْيَاءُ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ) . [ذِكْرُ اسْتِخْلَافِهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ] لَمَّا نَزَلَ بِأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْمَوْتُ دَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ. فَقَالَ: إِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ رَأْيِكَ إِلَّا أَنَّهُ فِيهِ غِلْظَةٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَرَانِي رَقِيقًا، وَلَوْ أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَيْهِ لَتَرَكَ كَثِيرًا مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ، وَقَدْ رَمَقْتُهُ فَكُنْتُ إِذَا غَضِبْتُ عَلَى رَجُلٍ أَرَانِي الرِّضَاءَ عَنْهُ، وَإِذَا لِنْتُ لَهُ أَرَانِي الشِّدَّةَ عَلَيْهِ. وَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَقَالَ
لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ. فَقَالَ: سَرِيرَتُهُ خَيْرٌ مِنْ عَلَانِيَتِهِ، وَلَيْسَ فِينَا مِثْلُهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَهُمَا: لَا تَذْكُرَا مِمَّا قُلْتُ لَكُمَا شَيْئًا، وَلَوْ تَرَكْتُهُ مَا عَدَوْتُ عُثْمَانَ، وَالْخِيرَةُ لَهُ أَنْ لَا يَلِيَ مِنْ أُمُورِكُمْ شَيْئًا، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مِنْ أُمُورِكُمْ خِلْوًا، وَكُنْتُ فِيمَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِكُمْ. وَدَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: اسْتَخْلَفْتَ عَلَى النَّاسِ عُمَرَ وَقَدْ رَأَيْتَ مَا يَلْقَى النَّاسُ مِنْهُ وَأَنْتَ مَعَهُ، وَكَيْفَ بِهِ إِذَا خَلَا بِهِمْ وَأَنْتَ لَاقٍ رَبَّكَ فَسَائِلُكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَجْلِسُونِي، فَأَجْلَسُوهُ، فَقَالَ: أَبِاللَّهِ تُخَوِّفُنِي! إِذَا لَقِيتُ رَبِّي فَسَأَلَنِي قُلْتُ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَى أَهْلِكَ خَيْرَ أَهْلِكَ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَحْضَرَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ خَالِيًا لِيَكْتُبَ عَهْدَ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا عَهِدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا بَعْدُ 000 - ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ - فَكَتَبَ عُثْمَانُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَلَمْ آلُكُمْ خَيْرًا. ثُمَّ أَفَاقَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: اقْرَأْ عَلَيَّ. فَقَرَأَ عَلَيْهِ، فَكَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: أَرَاكَ خِفْتَ أَنْ يَخْتَلِفَ النَّاسُ إِنْ مُتُّ فِي غَشْيَتِي. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا عَنِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. فَلَمَّا كُتِبَ الْعَهْدُ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى النَّاسِ، فَجَمَعَهُمْ وَأَرْسَلَ الْكِتَابَ مَعَ مَوْلًى لَهُ وَمَعَهُ عُمَرُ، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّاسِ: أَنْصِتُوا وَاسْمَعُوا لِخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ لَمْ يَأْلُكُمْ نُصْحًا. فَسَكَنَ النَّاسُ، فَلَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابُ سَمِعُوا وَأَطَاعُوا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَشْرَفَ عَلَى النَّاسِ وَقَالَ: أَتَرْضُونَ بِمَنِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ؟ فَإِنِّي مَا اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ ذَا قَرَابَةٍ، وَإِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَلَوْتُ مِنْ جُهْدِ الرَّأْيِ. فَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. ثُمَّ أَحْضَرَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ، إِنَّ لِلَّهِ حَقًّا بِاللَّيْلِ لَا يَقْبَلُهُ فِي النَّهَارِ، وَحَقًّا فِي النَّهَارِ لَا يَقْبَلُهُ بِاللَّيْلِ، وَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ نَافِلَةً حَتَّى تُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ، أَلَمْ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ وَثِقْلِهِ عَلَيْهِمْ، وَحُقَّ لِمِيزَانٍ لَا يُوضَعُ فِيهِ غَدًا إِلَّا حَقٌّ أَنْ يَكُونَ
ذكر فتح دمشق
ثَقِيلًا. أَلَمْ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّمَا خَفَّتْ مَوَازِينُ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ وَخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وَحُقَّ لِمِيزَانٍ لَا يُوضَعُ فِيهِ غَدًا إِلَّا بَاطِلٌ أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا. أَلَمْ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّمَا نَزَلَتْ آيَةُ الرَّخَاءِ مَعَ آيَةِ الشِّدَّةِ، وَآيَةُ الشِّدَّةِ مَعَ آيَةِ الرَّخَاءِ؛ لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُ رَاغِبًا رَاهِبًا، لَا يَرْغَبُ رَغْبَةً يَتَمَنَّى فِيهَا عَلَى اللَّهِ مَا لَيْسَ لَهُ، وَلَا يَرْهَبُ رَهْبَةً يَلْقَى فِيهَا بِيَدَيْهِ. أَوَلَمْ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ أَهْلَ النَّارِ بِأَسْوَأِ أَعْمَالِهِمْ، فَإِذَا ذَكَرْتُهُمْ قُلْتُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا أَكُونَ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُ يُجَاوِزُ لَهُمْ مَا كَانَ مِنْ سَيِّئٍ، فَإِذَا ذَكَرْتُهُمْ قُلْتُ أَيْنَ عَمَلِي مِنْ أَعْمَالِهِمْ؟ فَإِنْ حَفِظْتَ وَصِيَّتِي فَلَا يَكُونَنَّ غَائِبٌ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ حَاضِرٍ مِنَ الْمَوْتِ، وَلَسْتَ بِمُعْجِزِهِ. وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا دُفِنَ صَعِدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَخَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ الْعَرَبِ مَثَلُ جَمَلٍ أَنِفٍ اتَّبَعَ قَائِدَهُ، فَلْيَنْظُرْ قَائِدُهُ حَيْثُ يَقُودُهُ، وَأَمَّا أَنَا فَوَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَأَحْمِلَنَّكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ! وَكَانَ أَوَّلَ كِتَابٍ كَتَبَهُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ بِتَوْلِيَةِ جُنْدِ خَالِدٍ، وَبِعَزْلِ خَالِدٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ سَاخِطًا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ كُلِّهَا؛ لِوَقْعَتِهِ بِابْنِ نُوَيْرَةَ، وَمَا كَانَ يَعْمَلُ فِي حَرْبِهِ، وَأَوَّلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ عَزْلُ خَالِدٍ وَقَالَ: لَا يَلِي لِي عَمَلًا أَبَدًا، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ: إِنْ أَكْذَبَ خَالِدٌ نَفْسَهُ فَهُوَ الْأَمِيرُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكْذِبْ نَفْسَهُ فَأَنْتَ الْأَمِيرُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَانْزِعْ عِمَامَتَهُ عَنْ رَأْسِهِ، وَقَاسِمْهُ مَالَهُ. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِخَالِدٍ، فَاسْتَشَارَ أُخْتَهُ فَاطِمَةَ، وَكَانَتْ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَقَالَتْ لَهُ: وَاللَّهِ لَا يُحِبُّكَ عُمَرُ أَبَدًا، وَمَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ تُكَذِّبَ نَفْسَكَ ثُمَّ يَنْزِعُكَ. فَقَبَّلَ رَأْسَهَا وَقَالَ: صَدَقْتِ، فَأَبَى أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَنَزَعَ عِمَامَةَ خَالِدٍ وَقَاسَمَهُ مَالَهُ، ثُمَّ قَدِمَ خَالِدٌ عَلَى عُمَرَ بِالْمَدِينَةِ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ أَقَامَ بِالشَّامِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ. وَهُوَ أَصَحُّ. [ذِكْرُ فَتْحِ دِمَشْقَ] قِيلَ: وَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ أَهْلَ الْيَرْمُوكِ اسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْيَرْمُوكِ بَشِيرَ بْنَ كَعْبٍ الْحِمْيَرِيَّ، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِالصُّفَّرِ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ الْمُنْهَزِمِينَ اجْتَمَعُوا بِفِحْلٍ، وَأَتَاهُ الْخَبَرُ أَيْضًا بِأَنَّ الْمَدَدَ قَدْ أَتَى أَهْلَ دِمَشْقَ مِنْ حِمْصَ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ عُمَرُ
يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَبْدَأَ بِدِمَشْقَ، فَإِنَّهَا حِصْنُ الشَّامِ وَبَيْتُ مَلِكِهِمْ، وَأَنْ يَشْغَلَ أَهْلُ فِحْلٍ بِخَيْلٍ تَكُونُ بِإِزَائِهِمْ، وَإِذَا فَتَحَ دِمَشْقَ سَارَ إِلَى فِحْلٍ، فَإِذَا فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ سَارَ هُوَ وَخَالِدٌ إِلَى حِمْصَ، وَتَرَكَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ وَعَمْرًا بِالْأُرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ. فَأَرْسَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِحْلٍ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهَا، وَبَثَقَ الرُّومُ الْمَاءَ حَوْلَ فِحْلٍ فَوَحِلَتِ الْأَرْضُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَحْصُورٍ بِالشَّامِ أَهْلُ فِحْلٍ، ثُمَّ أَهْلُ دِمَشْقَ. وَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ جُنْدًا فَنَزَلُوا بَيْنَ حِمْصَ وَدِمَشْقَ، وَأَرْسَلَ جُنْدًا آخَرَ، فَكَانُوا بَيْنَ دِمَشْقَ وَفِلَسْطِينَ، وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَخَالِدٌ فَقَدِمُوا عَلَى دِمَشْقَ وَعَلَيْهَا نِسْطَاسُ، فَنَزَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى نَاحِيَةٍ، وَخَالِدٌ عَلَى نَاحِيَةٍ، وَعَمْرٌو عَلَى نَاحِيَةٍ، وَكَانَ هِرَقْلُ قَرِيبَ حِمْصَ، فَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ سَبْعِينَ لَيْلَةً حِصَارًا شَدِيدًا، وَقَاتَلُوهُمْ بِالزَّحْفِ وَالْمَجَانِيقِ، وَجَاءَتْ خُيُولُ هِرَقْلَ مُغِيثَةً دِمَشْقَ، فَمَنَعَتْهَا خُيُولُ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي عِنْدَ حِمْصَ، فَخُذِلَ أَهْلُ دِمَشْقَ، وَطَمِعَ فِيهِمُ الْمُسْلِمُونَ. وَوُلِدَ لِلْبِطْرِيقِ الَّذِي عَلَى أَهْلِهَا مَوْلُودٌ، فَصَنَعَ طَعَامًا، فَأَكَلَ الْقَوْمُ وَشَرِبُوا، وَتَرَكُوا مَوَاقِفَهُمْ، وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ خَالِدٍ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَنَامُ وَلَا يُنِيمُ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِهِمْ شَيْءٌ، وَكَانَ قَدِ اتَّخَذَ حِبَالًا كَهَيْئَةِ السَّلَالِيمِ وَأَوْهَاقًا، فَلَمَّا أَمْسَى ذَلِكَ الْيَوْمَ نَهَدَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ جُنْدِهِ الَّذِينَ قُدِّمَ عَلَيْهِمْ، وَتَقَدَّمَهُمْ هُوَ وَالْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو وَمَذْعُورُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَمْثَالُهُ، وَقَالُوا: إِذَا سَمِعْتُمْ تَكْبِيرًا عَلَى السُّورِ فَارْقَوْا إِلَيْنَا، وَاقْصُدُوا الْبَابَ. فَلَمَّا وَصَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى السُّورِ أَلْقَوُا الْحِبَالَ، فَعَلِقَ بِالشُّرَفِ مِنْهَا حَبْلَانِ، فَصَعِدَ فِيهِمَا الْقَعْقَاعُ وَمَذْعُورٌ وَأَثْبَتَا الْحِبَالَ بِالشُّرَفِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ أَحْصَنَ مَوْضِعٍ بِدِمَشْقَ، وَأَكْثَرَهُ مَاءً، فَصَعِدَ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ انْحَدَرَ خَالِدٌ وَأَصْحَابُهُ وَتُرِكَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ مَنْ يَحْمِيهِ وَأَمَرَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ، فَكَبَّرُوا، فَأَتَاهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْبَابِ وَإِلَى الْحِبَالِ، وَانْتَهَى خَالِدٌ إِلَى مَنْ يَلِيهِ فَقَتَلَهُمْ، وَقَصَدَ الْبَابَ فَقَتَلَ الْبَوَّابِينَ، وَثَارَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يَدْرُونَ مَا الْحَالُ، وَتَشَاغَلَ أَهْلُ كُلِّ نَاحِيَةٍ بِمَا يَلِيهِمْ، وَفَتَحَ خَالِدٌ الْبَابَ وَقَتَلَ كُلَّ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الرُّومِ. فَلَمَّا رَأَى الرُّومُ ذَلِكَ قَصَدُوا أَبَا عُبَيْدَةَ وَبَذَلُوا لَهُ الصُّلْحَ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ وَفَتَحُوا لَهُ الْبَابَ
ذكر غزوة فحل
وَقَالُوا لَهُ: ادْخُلْ وَامْنَعْنَا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْجَانِبِ، وَدَخَلَ أَهْلُ كُلِّ بَابٍ بِصُلْحٍ مِمَّا يَلِيهِمْ. وَدَخَلَ خَالِدٌ عَنْوَةً، فَالْتَقَى خَالِدٌ وَالْقُوَّادُ فِي وَسَطِهَا، هَذَا قَتْلًا وَنَهْبًا، وَهَذَا صَفْحًا وَتَسْكِينًا، فَأَجْرَوْا نَاحِيَةَ خَالِدٍ مَجْرَى الصُّلْحِ، وَكَانَ صُلْحُهُمْ عَلَى الْمُقَاسَمَةِ، وَقَسَمُوا مَعَهُمْ لِلْجُنُودِ الَّتِي عِنْدَ فِحْلٍ وَعِنْدَ حِمْصَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ هُوَ رِدْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَأَرْسَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ، فَوَصَلَ كِتَابُ عُمَرَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ جُنْدِ الْعِرَاقِ نَحْوَ الْعِرَاقِ إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَأَرْسَلَهُمْ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ الْمِرْقَالَ، وَكَانُوا قَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ، فَأَرْسَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ عِوَضَ مَنْ قُتِلَ، وَكَانَ مِمَّنْ أَرْسَلَ الْأَشْتَرُ وَغَيْرُهُ، وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِحْلٍ. [ذِكْرُ غَزْوَةِ فِحْلٍ] فَلَمَّا فُتِحَتْ دِمَشْقُ سَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِحْلٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى دِمَشْقَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، وَعَلَى النَّاسِ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَكَانَ عَلَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ أَبُو عُبَيْدَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَعَلَى الْخَيْلِ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، وَعَلَى الرِّجَالِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ، وَكَانَ أَهْلُ فِحْلٍ قَدْ قَصَدُوا بَيْسَانَ، فَهَمَّ بِهَا، فَنَزَلَ شُرَحْبِيلُ بِالنَّاسِ فِحْلًا، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرُّومِ تِلْكَ الْمِيَاهُ وَالْأَوْحَالُ، وَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي تِلْكَ الْغَزَاةَ ذَاتَ الرَّدَغَةِ وَبَيْسَانَ وَفِحْلٍ. وَأَقَامَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ كِتَابَ عُمَرَ، فَاعْتَرَّهُمُ الرُّومُ، فَخَرَجُوا وَعَلَيْهِمْ سَقَلَّارُ بْنُ مِخْرَاقٍ، فَأَتَوْهُمْ وَالْمُسْلِمُونَ حَذِرُونَ، وَكَانَ شُرَحْبِيلُ لَا يَبِيتُ وَلَا يُصْبِحُ إِلَّا عَلَى تَعْبِيَةٍ، فَلَمَّا هَجَمُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُنَاظِرُوهُمْ فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ كَانَ لَهُمْ لَيْلَتَهُمْ وَيَوْمَهُمْ إِلَى اللَّيْلِ، وَأَظْلَمَ اللَّيْلُ عَلَيْهِمْ وَقَدْ حَارُوا، فَانْهَزَمَ الرُّومُ وَهُمْ حَيَارَى، وَقَدْ أُصِيبَ رَئِيسُهُمْ سَقَلَّارُ وَالَّذِي يَلِيهِ فِيهِمْ نِسْطُورَسُ، وَظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ وَرَكِبُوهُمْ، وَلَمْ تَعْرِفِ الرُّومُ مَأْخَذَهُمْ، فَانْتَهَتْ بِهِمُ الْهَزِيمَةُ إِلَى الْوَحْلِ فَرَكِبُوهُ، وَلَحِقَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَأَخَذُوهُمْ، وَلَا يَمْنَعُونَ يَدَ لَامِسٍ، فَوَخَزُوهُمْ بِالرِّمَاحِ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِفِحْلٍ وَالْقَتْلُ بِالرِّدَاغِ، فَأُصِيبَ الرُّومُ وَهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفًا، لَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَقَدْ كَانَ اللَّهُ
ذكر فتح بلاد ساحل دمشق
يَصْنَعُ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُمْ كَارِهُونَ، كَرِهُوا الْبُثُوقَ وَالْوَحْلَ، فَكَانَتْ عَوْنًا لَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ فَاقْتَسَمُوهَا. وَانْصَرَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِخَالِدٍ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى حِمْصَ. وَمِمَّنْ قُتِلَ فِي هَذِهِ الْحَرْبِ السَّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، لَهُ صُحْبَةٌ. (فِحْلٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ لَامٌ) . [ذِكْرُ فَتْحِ بِلَادِ سَاحِلِ دِمَشْقَ] لَمَّا اسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى دِمَشْقَ، وَسَارَ إِلَى فِحْلٍ - سَارَ يَزِيدُ إِلَى مَدِينَةِ صَيْدَا وَعِرْقَةَ وَجُبَيْلٍ وَبَيْرُوتَ، وَهِيَ سَوَاحِلُ دِمَشْقَ، عَلَى مُقَدِّمَتِهِ أَخُوهُ مُعَاوِيَةَ، فَفَتَحَهَا فَتْحًا يَسِيرًا، وَجَلَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا، وَتَوَلَّى فَتْحَ عِرْقَةَ مُعَاوِيَةُ بِنَفْسِهِ فِي وِلَايَةِ يَزِيدَ. ثُمَّ إِنَّ الرُّومَ غَلَبُوا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ السَّوَاحِلِ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ وَأَوَّلِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَقَصَدَهُمْ مُعَاوِيَةُ فَفَتَحَهَا، ثُمَّ رَمَّهَا وَشَحَنَهَا بِالْمُقَاتِلَةِ وَأَعْطَاهُمُ الْقَطَائِعَ. وَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ الْخِلَافَةَ وَجَمَعَ لِمُعَاوِيَةَ الشَّامَ وَجَّهَ مُعَاوِيَةُ سُفْيَانَ بْنَ مُجِيبٍ الْأَزْدِيَّ إِلَى طَرَابُلُسَ، وَهِيَ ثَلَاثُ مُدُنٍ مُجْتَمِعَةٌ، ثُمَّ بَنَى فِي مَرْجٍ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْهَا حِصْنًا سُمِّيَ حِصْنَ سُفْيَانَ، وَقَطَعَ الْمَادَّةَ عَنْ أَهْلِهَا مِنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَحَاصَرَهُمْ، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ اجْتَمَعُوا فِي أَحَدِ الْحُصُونِ الثَّلَاثَةِ وَكَتَبُوا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُمِدَّهُمْ أَوْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ بِمَرَاكِبَ يَهْرُبُونَ فِيهَا إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ بِمَرَاكِبَ كَثِيرَةٍ رَكِبُوا فِيهَا لَيْلًا وَهَرَبُوا. فَلَمَّا أَصْبَحَ سُفْيَانُ، وَكَانَ يَبِيتُ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ فِي حِصْنِهِ ثُمَّ يَغْدُو عَلَى الْعَدُوِّ، وَجَدَ الْحِصْنَ خَالِيًا فَدَخَلَهُ، وَكَتَبَ بِالْفَتْحِ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَسْكَنَهُ مُعَاوِيَةُ جَمَاعَةً كَثِيرَةً
ذكر فتح بيسان وطبرية
مِنَ الْيَهُودِ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْمِينَا الْيَوْمَ، ثُمَّ بَنَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَحَصَّنَهُ، ثُمَّ نَقَضَ أَهْلُهُ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَفَتَحَهُ ابْنُهُ الْوَلِيدُ فِي زَمَانِهِ. [ذِكْرُ فَتْحِ بَيْسَانَ وَطَبَرِيَّةَ] لَمَّا قَصَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ حِمْصَ مِنْ فِحْلٍ أَرْسَلَ شُرَحْبِيلَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى بَيْسَانَ، فَقَاتَلُوا أَهْلَهَا، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ صَالَحَهُمْ مَنْ بَقِيَ عَلَى صُلْحِ دِمَشْقَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ قَدْ بَعَثَ بِالْأَعْوَرِ إِلَى طَبَرِيَّةَ يُحَاصِرُهَا، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى صُلْحِ دِمَشْقَ أَيْضًا، وَأَنْ يُشَاطِرُوا الْمُسْلِمِينَ الْمَنَازِلَ، فَنَزَلَهَا الْقُوَّادُ وَخُيُولُهَا، وَكَتَبُوا بِالْفَتْحِ إِلَى عُمَرَ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَيِّ هَذِهِ الْغَزَوَاتِ كَانَ قَبْلَ الْأُخْرَى، فَقِيلَ مَا ذَكَرْنَا، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا فَرَغُوا مِنْ أَجْنَادَيْنِ اجْتَمَعَ الْمُنْهَزِمُونَ بِفِحْلٍ، فَقَصَدَهَا الْمُسْلِمُونَ فَظَفِرُوا بِهَا. ثُمَّ لَحِقَ الْمُنْهَزِمُونَ مِنْ فِحْلٍ بِدِمَشْقَ، فَقَصَدَهَا الْمُسْلِمُونَ فَحَاصَرُوهَا وَفَتَحُوهَا، وَقَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعَزْلِ خَالِدٍ وَوِلَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَهُمْ مُحَاصِرُونَ دِمَشْقَ، فَلَمْ يُعَرِّفْهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَلِكَ حَتَّى فَرَغُوا مِنْ صُلْحِ دِمَشْقَ، وَكَتَبَ الْكِتَابَ بَاسِمِ خَالِدٍ، وَأَظْهَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَزْلَهُ، وَكَانَتْ فِحْلٌ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَفَتْحُ دِمَشْقَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ وَقْعَةَ الْيَرْمُوكِ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَلَمْ تَكُنْ لِلرُّومِ بَعْدَهَا وَقْعَةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا لِقُرْبِ بَعْضِ ذَلِكَ مِنْ بَعْضٍ.
ذكر خبر المثنى بن حارثة وأبي عبيد بن مسعود
[ذِكْرُ خَبَرِ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ وَأَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ] قَدْ ذَكَرْنَا قُدُومَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيِّ مِنَ الْعِرَاقِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَوَصِيَّةَ أَبِي بَكْرٍ عُمَرَ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى إِرْسَالِ الْجُيُوشِ مَعَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ عُمَرُ مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ أَوَّلُ مَا عَمِلَ أَنْ نَدَبَ النَّاسَ مَعَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيِّ إِلَى أَهْلِ فَارِسَ، ثُمَّ بَايَعَ النَّاسَ، ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ وَهُوَ يُبَايِعُهُمْ، ثَلَاثًا، وَلَا يَنْتَدِبُ أَحَدٌ إِلَى فَارِسَ، وَكَانُوا أَثْقَلَ الْوُجُوهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَكْرَهَهُمْ إِلَيْهِمْ لِشِدَّةِ سُلْطَانِهِمْ وَشَوْكَتِهِمْ وَقَهْرِهِمُ الْأُمَمَ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ نَدَبَ النَّاسَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَكَانَ أَوَّلَ مُنْتَدِبٍ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ وَالِدُ الْمُخْتَارِ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَسَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَتَتَابَعَ النَّاسُ. وَتَكَلَّمَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَعْظُمَنَّ عَلَيْكُمْ هَذَا الْوَجْهُ، فَإِنَّا قَدْ فَتَحْنَا رِيفَ فَارِسَ، وَغَلَبْنَاهُمْ عَلَى خَيْرِ شِقَيِّ السَّوَادِ، وَنِلْنَا مِنْهُمْ، وَاجْتَرَأْنَا عَلَيْهِمْ، وَلَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا بَعْدَهَا. فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَقِيلَ لِعُمَرَ: أَمِّرْ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ السَّابِقِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَوِ الْأَنْصَارِ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ، إِنَّمَا رَفَعَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِسَبْقِهِمْ وَمُسَارَعَتِهِمْ إِلَى الْعَدُوِّ، فَإِذَا فَعَلَ فِعْلَهُمْ قَوْمٌ وَتَثَاقَلُوا كَانَ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ خِفَافًا وَثِقَالًا وَيَسْبِقُونَ إِلَى الرَّفْعِ أَوْلَى بِالرِّئَاسَةِ مِنْهُمْ، وَاللَّهِ لَا أُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ إِلَّا أَوَّلَهُمُ انْتِدَابًا، ثُمَّ دَعَا أَبَا عُبَيْدٍ، وَسَعْدًا وَسَلِيطًا، وَقَالَ لَهُمَا: لَوْ سَبَقْتُمَاهُ لَوَلَيَّتُكُمَا، وَلَأَدْرَكْتُمَا بِهَا إِلَى مَا لَكُمَا مِنَ السَّابِقَةِ. فَأَمَّرَ أَبَا عُبَيْدٍ وَقَالَ لَهُ: اسْمَعْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَشْرِكْهُمْ فِي الْأَمْرِ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُؤَمِّرَ سَلِيطًا إِلَّا سُرْعَتُهُ إِلَى الْحَرْبِ، وَفِي التَّسَرُّعِ إِلَى الْحَرْبِ ضَيَاعُ الْأَعْرَابِ، فَإِنَّهُ لَا يُصْلِحُهَا إِلَّا الرَّجُلُ الْمَكِيثُ. وَأَوْصَاهُ بِجُنْدِهِ. فَكَانَ بَعْثُ أَبِي عُبَيْدٍ أَوَّلَ جَيْشٍ سَيَّرَهُ عُمَرُ، ثُمَّ بَعْدَهُ سَيَّرَ يَعْلَى بْنَ مُنْيَةَ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَهُ بِإِجْلَاءِ أَهْلِ نَجْرَانَ بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْ لَا يَجْتَمِعَ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ.
ذكر خبر النمارق
[ذِكْرُ خَبَرِ النَّمَارِقِ] فَسَارَ أَبُو عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَسَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيَّانِ، وَالْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ أَحَدُ بَنِي هِنْدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَ عُمَرُ الْمُثَنَّى بِالتَّقَدُّمِ إِلَى أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَأَمَرَهُمْ بِاسْتِنْفَارِ مَنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَارَ الْمُثَنَّى فَقَدِمَ الْحِيرَةَ، وَكَانَتِ الْفُرْسُ تَشَاغَلَتْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتِ شَهْرِيرَانَ حَتَّى اصْطَلَحُوا عَلَى سَابُورَ بْنِ شَهْرَيَارَ بْنِ أَرْدَشِيرَ، فَثَارَتْ بِهِ آزَرْمِيدُخْتَ، فَقَتَلَتْهُ وَقَتَلَتِ الْفَرُّخْزَادَ، وَمَلَكَتْ بُورَانَ، وَكَانَتْ عَدْلًا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رُسْتُمَ بْنِ الْفَرُّخْزَادَ بِالْخَبَرِ وَتَحُثُّهُ عَلَى السَّيْرِ، وَكَانَ عَلَى فَرْجِ خُرَاسَانَ، فَأَقْبَلَ لَا يَلْقَى جَيْشًا لِآزَرْمِيدُخْتَ إِلَّا هَزَمَهُ، حَتَّى دَخَلَ الْمَدَائِنَ، فَاقْتَتَلُوا، وَهَزَمَ سَيَاوَخْشَ وَحَصَرَهُ وَآزَرْمِيدُخْتُ بِالْمَدَائِنِ. ثُمَّ افْتَتَحَهَا رُسْتُمُ وَقَتَلَ سَيَاوَخْشَ وَفَقَأَ عَيْنَ آزَرْمِيدُخْتَ، وَنَصَّبَ بُورَانَ عَلَى أَنْ تُمَلِّكَهُ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ يَكُونُ الْمُلْكُ فِي آلِ كِسْرَى إِنْ وَجَدُوا مِنْ غِلْمَانِهِمْ أَحَدًا، وَإِلَّا فَفِي نِسَائِهِمْ، وَدَعَتْ مَرَازِبَةَ فَارِسَ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا، وَتَوَّجَتْهُ، فَدَانَتْ لَهُ فَارِسُ قَبْلَ قُدُومِ أَبِي عُبَيْدٍ. وَكَانَ مُنَجِّمًا حَسَنَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ وَبِالْحَوَادِثِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ وَأَنْتَ تَرَى مَا تَرَى؟ قَالَ: حُبُّ الشَّرَفِ وَالطَّمَعُ. ثُمَّ قَدِمَ الْمُثَنَّى إِلَى الْحِيرَةِ فِي عَشْرٍ، وَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدٍ بَعْدَهُ بِشَهْرٍ. فَكَتَبَ رُسْتُمُ إِلَى الدَّهَاقِينِ أَنْ يَثُورُوا بِالْمُسْلِمِينَ، وَبَعَثَ فِي كُلِّ رُسْتَاقٍ رَجُلًا يَثُورُ بِأَهْلِهِ، فَبَعَثَ جَابَانَ إِلَى فُرَاتِ بَادَقْلَى، وَبَعَثَ نَرْسِي إِلَى كَسْكَرَ وَوَعَدَهُمْ يَوْمًا، وَبَعَثَ جُنْدًا لِمُصَادَمَةِ الْمُثَنَّى، وَبَلَغَ الْمُثَنَّى الْخَبَرُ فَحَذِرَ، وَعَجَّلَ جَابَانُ وَنَزَلَ النَّمَارِقَ، وَثَارُوا وَتَوَالَوْا عَلَى الْخُرُوجِ، وَخَرَجَ أَهْلُ الرَّسَاتِيقِ مِنْ أَعْلَى الْفُرَاتِ إِلَى أَسْفَلِهِ، وَخَرَجَ الْمُثَنَّى مِنَ الْحِيرَةِ، فَنَزَلَ خَفَّانَ لِئَلَّا يُؤْتَى مِنْ خَلْفِهِ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ، وَأَقَامَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ. فَلَمَّا قَدِمَ لَبِثَ أَيَّامًا يَسْتَرِيحُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَاجْتَمَعَ إِلَى جَابَانَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَنَزَلَ النَّمَارِقَ، وَسَارَ إِلَيْهِ
ذكر وقعة السقاطية بكسكر
أَبُو عُبَيْدٍ فَجَعَلَ الْمُثَنَّى عَلَى الْخَيْلِ، وَكَانَ عَلَى مُجَنِّبَتِي جَابَانَ جِشْنَسَ مَاهْ وَمَرْدَانْشَاهْ، فَاقْتَتَلُوا بِالنَّمَارِقِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَهَزَمَ اللَّهُ أَهْلَ فَارِسَ وَأُسِرَ جَابَانُ، أَسَرَهُ مَطَرُ بْنُ فِضَّةَ التَّيْمِيُّ، وَأُسِرَ مَرْدَانْشَاهْ، أَسَرَهُ أَكْتَلُ بْنُ شَمَّاخٍ الْعُكْلِيُّ فَقَتَلَهُ. وَأَمَّا جَابَانُ فَإِنَّهُ خَدَعَ مَطَرًا وَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ أَنْ تُؤَمِّنَنِي وَأُعْطِيكَ غُلَامَيْنِ أَمْرَدَيْنِ خَفِيفَيْنِ فِي عَمَلِكَ، وَكَذَا وَكَذَا؟ فَفَعَلَ، فَخَلَّى عَنْهُ، فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ وَأَتَوْا بِهِ أَبَا عُبَيْدٍ وَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ جَابَانُ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ. فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ أَنْ أَقْتُلَهُ وَقَدْ آمَنُهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، وَالْمُسْلِمُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، مَا لَزِمَ بَعْضَهُمْ فَقَدْ لَزِمَ كُلَّهُمْ، وَتَرَكُوهُ. وَأَرْسَلَ فِي طَلَبِ الْمُنْهَزِمِينَ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ عَسْكَرَ نَرْسِي، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ. (أَكْتَلُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الْكَافِ، وَفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ فَوْقِهَا، وَفِي آخِرِهِ لَامٌ) . [ذِكْرُ وَقْعَةِ السَّقَاطِيَّةِ بِكَسْكَرَ] وَلَحِقَ الْمُنْهَزِمُونَ نَحْوَ كَسْكَرَ وَبِهَا نَرْسِي، وَهُوَ ابْنُ خَالَةِ الْمَلِكِ، وَكَانَ لَهُ النِّرْسَيَانُ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ يَحْمِيهِ، لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا مَلِكُ الْفُرْسِ أَوْ مَنْ أَكْرَمُوهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا يَغْرِسُهُ غَيْرُهُمْ، وَاجْتَمَعَ إِلَى النَّرْسِي الْفَالَّةُ، وَهُوَ فِي عَسْكَرِهِ، فَسَارَ أَبُو عُبَيْدٍ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّمَارِقِ، وَكَانَ عَلَى مُجَنِّبَتَيْ نَرْسِي بِنَدْوَيْهِ وَتِيرَوَيْهِ ابْنَا بِسْطَامَ خَالِ الْمَلِكِ، وَمَعَهُ أَهْلُ بَارُوسْمَا وَالزَّوَابِي. وَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ بُورَانَ وَرُسْتُمَ بِهَزِيمَةِ جَابَانَ بَعَثَا الْجَالِينُوسَ إِلَى نَرْسِي، فَلَحِقَهُ قَبْلَ الْحَرْبِ، فَعَاجَلَهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ، فَالْتَقَوْا أَسْفَلَ مِنْ كَسْكَرَ، بِمَكَانٍ يُدْعَى السَّقَاطِيَّةَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ثُمَّ انْهَزَمَتْ فَارِسُ وَهَرَبَ نَرْسِي، وَغَلَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَسْكَرِهِ وَأَرْضِهِ وَجَمَعُوا الْغَنَائِمَ، فَرَأَى أَبُو عُبَيْدٍ مِنَ الْأَطْعِمَةِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَنَفَّلَهُ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْعَرَبِ، وَأَخَذُوا النِّرْسِيَانَ فَأَطْعَمُوهُ الْفَلَّاحِينَ، وَبَعَثُوا بِخُمُسِهِ إِلَى عُمَرَ وَكَتَبُوا إِلَيْهِ: إِنَّ اللَّهَ أَطْعَمَنَا مَطَاعِمَ كَانَتِ الْأَكَاسِرَةُ تَحْمِيهَا، وَأَحْبَبْنَا أَنْ تَرَوْهَا؛ لِتَشْكُرُوا إِنْعَامَ اللَّهِ وَإِفْضَالَهُ. وَأَقَامَ أَبُو عُبَيْدٍ.
ذكر وقعة الجالينوس
وَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدٍ الْمَثَنَّى إِلَى بَارُوسْمَا، وَبَعَثَ وَالِقًا إِلَى الزَّوَابِي، وَعَاصِمًا إِلَى نَهْرِ جَوْبَرَ، فَهَزَمُوا مَنْ كَانَ تَجَمَّعَ، وَأَخْرَجُوا وَسَبَوْا أَهْلَ زَنْدَوَرْدَ وَغَيْرِهَا، وَبَذَلَ لَهُمْ فَرُّوخُ وَفَرَاوَنْدَادُ عَنْ أَهْلِ بَارُوسْمَا وَالزَّوَابِي وَكَسْكَرَ - الْجَزَاءَ مُعَجَّلًا، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ وَصَارُوا صُلْحًا، وَجَاءَ فَرُّوخُ وَفَرَاوَنْدَادُ إِلَى أَبِي عُبَيْدٍ بِأَنْوَاعِ الطَّعَامِ وَالْأَخْصِبَةِ وَغَيْرِهَا، فَقَالَ: هَلْ أَكْرَمْتُمُ الْجُنْدَ بِمِثْلِهَا؟ فَقَالُوا: لَمْ يَتَسَيَّرْ وَنَحْنُ فَاعِلُونَ. وَكَانُوا يَتَرَبَّصُونَ قُدُومَ الْجَالِينُوسِ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، بِئْسَ الْمَرْءُ أَبُو عُبَيْدٍ إِنْ صَحِبَ قَوْمًا مِنْ بِلَادِهِمُ اسْتَأْثَرَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا اللَّهِ لَا آكُلُ مَا أَتَيْتُمْ بِهِ وَلَا مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ إِلَّا مِثْلَ مَا يَأْكُلُ أَوْسَاطُهُمْ. فَلَمَّا هُزِمَ الْجَالِينُوسُ أَتَوْهُ بِالْأَطْعِمَةِ أَيْضًا، فَقَالَ: مَا آكُلُ هَذَا دُونَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالُوا لَهُ: لَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ أَتَى بِمِثْلِ هَذَا، فَأَكَلَ حِينَئِذٍ. [ذِكْرُ وَقْعَةِ الْجَالِينُوسِ] وَلَمَّا بَعَثَ رُسْتُمُ الْجَالِينُوسَ أَمَرَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِنَرْسِي، ثُمَّ يُقَاتِلَ أَبَا عُبَيْدٍ، فَبَادَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ إِلَى نَرْسِي فَهَزَمَهُ، وَجَاءَ الْجَالِينُوسُ فَنَزَلَ بِبَاقُسْيَاثَا مِنْ بَارُوسْمَا، فَسَارَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ وَهُوَ عَلَى تَعْبِيَتِهِ، فَالْتَقَوْا بِهَا، فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَهَرَبَ الْجَالِينُوسُ، وَغَلَبَ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ حَتَّى قَدِمَ الْحِيرَةَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى أَرْضِ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ وَالْخِيَانَةِ وَالْجَبْرِيَّةِ، تُقْدِمُ عَلَى قَوْمٍ تَجَرَّءُوا عَلَى الشَّرِّ فَعَلِمُوهُ، وَتَنَاسَوُا الْخَيْرَ فَجَهِلُوهُ، فَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ، وَاحْرِزْ لِسَانَكَ، وَلَا تُفْشِيَنَّ سِرَّكَ، فَإِنَّ صَاحِبَ السِّرِّ مَا يَضْبُطُهُ مُتَحَصِّنٌ لَا يُؤْتَى مِنْ وَجْهٍ يَكْرَهُهُ، وَإِذَا ضَيَّعَهُ كَانَ بِمَضْيَعَةٍ. [ذِكْرُ وَقْعَةِ قُسِّ النَّاطِفِ وَيُقَالُ لَهَا الْجِسْرُ وَيُقَالُ الْمَرْوَحَةُ وَقَتْلِ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ] وَلَمَّا رَجَعَ الْجَالِينُوسُ إِلَى رُسْتُمَ مُنْهَزِمًا وَمَنْ مَعَهُ مِنْ جُنْدِهِ قَالَ رُسْتُمُ: أَيُّ الْعَجَمِ
أَشَدُّ عَلَى الْعَرَبِ؟ قَالَ: بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ الْمَعْرُوفُ بِذِي الْحَاجِبِ - وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذُو الْحَاجِبِ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْصِبُ حَاجِبَيْهِ بِعِصَابَةٍ لِيَرْفَعَهُمَا كِبْرًا. فَوَجَّهَهُ وَمَعَهُ فِيَلَةٌ، وَرَدَّ الْجَالِينُوسَ مَعَهُ وَقَالَ لِبَهْمَنَ: إِنِ انْهَزَمَ الْجَالِينُوسُ ثَانِيَةً فَاضْرِبْ عُنُقَهُ. فَأَقْبَلَ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ وَمَعَهُ دِرَفْشَ كَابِيَانَ رَايَةُ كِسْرَى، وَكَانَتْ مِنْ جُلُودِ النَّمِرِ، عَرْضَ ثَمَانِيَةِ أَذْرُعٍ، وَطُولَ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا، فَنَزَلَ بِقُسِّ النَّاطِفِ. وَأَقْبَلَ أَبُو عُبَيْدٍ فَنَزَلَ بِالْمَرْوَحَةِ، فَرَأَتْ دَوْمَةُ - امْرَأَتُهُ أُمُّ الْمُخْتَارِ ابْنِهِ - أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ، فَشَرِبَ أَبُو عُبَيْدٍ وَمَعَهُ نَفَرٌ، فَأَخْبَرَتْ بِهَا أَبَا عُبَيْدٍ فَقَالَ: لِهَذِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ شَهَادَةٌ! وَعَهِدَ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: إِنْ قُتِلْتُ فَعَلَى النَّاسِ فُلَانٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَلَيْهِمْ فُلَانٌ، حَتَّى أَمَّرَ الَّذِينَ شَرِبُوا مِنَ الْإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُتِلَ فَعَلَى النَّاسِ الْمُثَنَّى. وَبَعَثَ إِلَيْهِ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ: إِمَّا أَنْ تَعْبُرَ إِلَيْنَا وَنَدَعَكُمْ وَالْعُبُورَ، وَإِمَّا أَنْ تَدَعُونَا نَعْبُرُ إِلَيْكُمْ. فَنَهَاهُ النَّاسُ عَنِ الْعُبُورِ، وَنَهَاهُ سَلِيطٌ أَيْضًا، فَلَجَّ وَتَرَكَ الرَّأْيَ وَقَالَ: لَا يَكُونُوا أَجْرَأَ عَلَى الْمَوْتِ مِنَّا. فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ عَلَى جِسْرٍ عَقَدَهُ ابْنُ صَلُوبَا لِلْفَرِيقَيْنِ، وَضَاقَتِ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا وَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا نَظَرَتِ الْخُيُولُ إِلَى الْفِيَلَةِ، وَالْخَيْلُ عَلَيْهَا التَّجَافِيفُ، رَأَتْ شَيْئًا مُنْكَرًا لَمْ تَكُنْ رَأَتْ مِثْلَهُ، فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا حَمَلُوا عَلَيْهِمْ لَمْ تُقْدِمْ عَلَيْهِمْ خُيُولُهُمْ، وَإِذَا حَمَلَتِ الْفُرْسُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْفِيَلَةِ وَالْجَلَاجِلِ فَرَقَّتْ خُيُولَهُمْ وَكَرَادِيسَهُمْ وَرَمَوْهُمْ بِالنِّشَابِ. وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ بِالْمُسْلِمِينَ، فَتَرَجَّلَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالنَّاسُ، ثُمَّ مَشَوْا إِلَيْهِمْ ثُمَّ صَافَحُوهُمْ بِالسُّيُوفِ، فَجَعَلَتِ الْفِيَلَةُ لَا تَحْمِلُ عَلَى جَمَاعَةٍ إِلَّا دَفَعَتْهُمْ، فَنَادَى أَبُو عُبَيْدٍ: احْتَوِشُوا الْفِيَلَةَ وَاقْطَعُوا بِطَانَهَا وَاقْلِبُوا عَنْهَا أَهْلَهَا، وَوَثَبَ هُوَ عَلَى الْفِيلِ الْأَبْيَضِ فَقَطَعَ بِطَانَهُ وَوَقَعَ الَّذِينَ عَلَيْهِ، وَفَعَلَ الْقَوْمُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَمَا تَرَكُوا فِيلًا إِلَّا حَطُّوا رَحْلَهُ وَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ. وَأَهْوَى الْفِيلُ لِأَبِي عُبَيْدٍ، فَضَرَبَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِالسَّيْفِ، وَخَبَطَهُ الْفِيلُ بِيَدِهِ فَوَقَعَ، فَوَطِئَهُ الْفِيلُ وَقَامَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا بَصُرَ بِهِ النَّاسُ تَحْتَ الْفِيلِ خَشَعَتْ أَنْفُسُ بَعْضِهِمْ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ الَّذِي كَانَ أَمَّرَهُ بَعْدَهُ، فَقَاتَلَ حَتَّى تَنَحَّى عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ فَأَحْرَزُوهُ، ثُمَّ قَتَلَ الْفِيلُ الْأَمِيرَ الَّذِي بَعْدَ أَبِي عُبَيْدٍ، وَتَتَابَعَ سَبْعَةُ أَنْفُسٍ مِنْ ثَقِيفٍ، كُلُّهُمْ يَأْخُذُ اللِّوَاءَ وَيُقَاتِلُ حَتَّى يَمُوتَ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ الْمُثَنَّى، فَهَرَبَ عَنْهُ النَّاسُ.
فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَرْثَدٍ الثَّقَفِيُّ مَا لَقِيَ أَبُو عُبَيْدٍ وَخُلَفَاؤُهُ، وَمَا يَصْنَعُ النَّاسُ بَادَرَهُمْ إِلَى الْجِسْرِ فَقَطَعَهُ وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ أُمَرَاؤُكُمْ أَوْ تَظْفَرُوا! وَحَازَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْجِسْرِ، فَتَوَاثَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْفُرَاتِ فَغَرِقَ مَنْ لَمْ يَصْبِرْ، وَأَسْرَعُوا فِيمَنْ صَبَرَ. وَحَمَى الْمُثَنَّى وَفُرْسَانٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ النَّاسَ وَقَالَ: إِنَّا دُونَكُمْ فَاعْبُرُوا عَلَى هَيْنَتِكُمْ، وَلَا تَدْهَشُوا، وَلَا تُغَرِّقُوا نُفُوسَكُمْ. وَقَاتَلَ عُرْوَةُ بْنُ زَيْدِ الْخَيْلِ قِتَالًا شَدِيدًا وَأَبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ، وَقَاتَلَ أَبُو زُبَيْدٍ الطَّائِيُّ حَمِيَّةً لِلْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا قَدِمَ الْحِيرَةَ لِبَعْضِ أَمْرِهِ، وَنَادَى الْمُثَنَّى: مَنْ عَبَرَ نَجَا. فَجَاءَ الْعُلُوجُ فَعَقَدُوا الْجِسْرَ وَعَبَرَ النَّاسُ. وَكَانَ آخِرَ مَنْ قُتِلَ عِنْدَ الْجِسْرِ سَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَبَرَ الْمُثَنَّى وَحَمَى جَانِبَهُ، فَلَمَّا عَبَرَ ارْفَضَّ عَنْهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَبَقِيَ الْمُثَنَّى فِي قِلَّةٍ، وَكَانَ قَدْ جُرِحَ وَأُثْبِتَ فِيهِ حَلَقٌ مِنْ دِرْعِهِ. وَأُخْبِرَ عُمَرُ عَمَّنْ سَارَ فِي الْبِلَادِ مِنَ الْهَزِيمَةِ اسْتِحْيَاءً، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ فِي حِلٍّ مِنِّي، أَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ، يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدٍ! لَوْ كَانَ انْحَازَ إِلَيَّ لَكُنْتُ لَهُ فِئَةً. وَهَلَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ بَيْنَ قَتِيلٍ وَغَرِيقٍ، وَهَرَبَ أَلْفَانِ، وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْفُرْسِ سِتَّةُ آلَافٍ. وَأَرَادَ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ الْعُبُورَ خَلْفَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِاخْتِلَافِ الْفُرْسِ، وَأَنَّهُمْ قَدْ ثَارُوا بِرُسْتُمَ، وَنَقَضُوا الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَصَارُوا فَرِيقَيْنِ: الْفَهْلُوجُ عَلَى رُسْتُمَ، وَأَهْلُ فَارِسَ عَلَى الْفَيْرُزَانِ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدَائِنِ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ فِي شَعْبَانَ.
ذكر وقعة البويب
وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ بِالْجِسْرِ عُقْبَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا قَيْظَى بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَا شَهِدَا أُحُدًا، وَقُتِلَ مَعَهُمَا أَخُوهُمَا عَبَّادٌ، وَلَمْ يَشْهَدْ مَعَهُمَا أُحُدًا، وَقُتِلَ أَيْضًا قَيْسُ بْنُ السَّكَنِ بْنِ قَيْسٍ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ لَا عَقِبَ لَهُ، وَقُتِلَ يَزِيدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْحُطَيْمِ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ أُحُدًا، وَفِيهَا قُتِلَ أَبُو أُمَيَّةَ الْفَزَارِيُّ، لَهُ صُحْبَةٌ، وَالْحَكَمُ بْنُ مَسْعُودٍ أَخُو أَبِي عُبَيْدٍ، وَابْنُهُ جَبْرُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ مَسْعُودٍ. ذِكْرُ خَبَرِ أُلَّيْسَ الصُّغْرَى لَمَّا عَادَ ذُو الْحَاجِبِ لَمْ يَشْعُرْ جَابَانُ وَمَرْدَانْشَاهْ بِمَا جَاءَهُ مِنَ الْخَبَرِ، فَخَرَجَا حَتَّى أَخَذَا بِالطَّرِيقِ، وَبَلَغَ الْمُثَنَّى فِعْلُهُمَا، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى النَّاسِ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو، وَخَرَجَ فِي جَرِيدَةِ خَيْلٍ يُرِيدُهُمَا، فَظَنَّا أَنَّهُ هَارِبٌ فَاعْتَرَضَاهُ، فَأَخَذَهُمَا أَسِيرَيْنِ، وَخَرَجَ أَهْلُ أُلَّيْسَ عَلَى أَصْحَابِهِمَا فَأَتَوْهُ بِهِمْ أَسْرَى، وَعَقَدَ لَهُمْ بِهَا ذِمَّةً، وَقَتَلَهُمَا وَقَتَلَ الْأَسْرَى. وَهَرَبَ أَبُو مِحْجَنٍ مِنْ أُلَّيْسَ، وَلَمْ يَرْجِعْ مَعَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ. [ذِكْرُ وَقْعَةِ الْبُوَيْبِ] لَمَّا بَلَغَ عُمَرَ خَبَرُ وَقْعَةِ أَبِي عُبَيْدٍ بِالْجِسْرِ نَدَبَ النَّاسَ إِلَى الْمُثَنَّى، وَكَانَ فِيمَنْ نَدَبَ بَجِيلَةُ، وَأَمْرُهُمْ إِلَى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ جَمَعَهُمْ مِنَ الْقَبَائِلِ وَكَانُوا مُتَفَرِّقِينَ فِيهَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَجْمَعَهُمْ فَوَعَدَهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ طَلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: إِنَّهُ مَنْ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى بَجِيلَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَثَبَتَ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَأَخْرِجُوهُ إِلَى جَرِيرٍ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَمَرَهُمْ عُمَرُ الْعِرَاقَ، وَأَبَوْا إِلَّا الشَّامَ، فَعَزَمَ عُمَرُ عَلَى الْعِرَاقِ، وَيُنَفِّلُهُمْ رُبْعَ الْخُمْسِ، فَأَجَابُوا، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ، وَبَعَثَ عِصْمَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيَّ فِيمَنْ تَبِعَهُ إِلَى الْمُثَنَّى، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ فَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ إِلَّا رَمَى بِهِ الْمُثَنَّى، وَبَعَثَ الْمُثَنَّى الرُّسُلَ فِيمَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ، فَتَوَافَوْا إِلَيْهِ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ. وَكَانَ فِيمَنْ جَاءَهُ أَنَسُ بْنُ هِلَالٍ النَّمِرِيُّ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنَ النَّمِرِ نَصَارَى، وَقَالُوا: نُقَاتِلُ مَعَ قَوْمِنَا.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ رُسْتُمَ وَالْفَيْرُزَانَ، فَبَعَثَا مِهْرَانَ الْهَمْذَانِيَّ إِلَى الْحِيرَةِ، فَسَمِعَ الْمُثَنَّى ذَلِكَ وَهُوَ بَيْنَ الْقَادِسِيَّةِ وَخُفَّانَ، فَاسْتَبْطَنَ فُرَاتَ بَادَقْلَى، وَكَتَبَ إِلَى جَرِيرٍ وَعِصْمَةَ وَكُلِّ مَنْ أَتَاهُ مُمِدًّا لَهُ يُعْلِمُهُمُ الْخَبَرَ، وَيَأْمُرُهُمْ بِقَصْدِ الْبُوَيْبِ، فَهُوَ الْمَوْعِدُ، فَانْتَهَوْا إِلَى الْمُثَنَّى وَهُوَ بِالْبُوَيْبِ وَمِهْرَانُ بِإِزَائِهِ مِنْ وَرَاءِ الْفُرَاتِ، فَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْبُوَيْبِ مِمَّا يَلِي الْكُوفَةَ الْيَوْمَ، وَأَرْسَلَ مِهْرَانُ إِلَى الْمُثَنَّى يَقُولُ: إِمَّا أَنْ تَعْبُرَ إِلَيْنَا، وَإِمَّا أَنْ نَعْبُرَ إِلَيْكَ. فَقَالَ الْمُثَنَّى: اعْبُرُوا. فَعَبْرَ مِهْرَانُ، فَنَزَلَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، وَعَبَّى الْمُثَنَّى أَصْحَابَهُ، وَكَانَ فِي رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُمْ بِالْإِفْطَارِ لِيَقْوَوْا عَلَى عَدُوِّهِمْ، فَأَفْطَرُوا. وَكَانَ عَلَى مُجَنِّبَتَيِ الْمُثَنَّى بَشِيرُ بْنُ الْخَصَاصِيَّةِ، وَبُسْرُ بْنُ أَبِي رُهْمٍ، وَعَلَى مُجَرَّدَتِهِ الْمُعَنَّى أَخُوهُ، وَعَلَى الرَّجُلِ مَسْعُودٌ أَخُوهُ، وَعَلَى الرِّدْءِ مَذْعُورٌ، وَكَانَ عَلَى مُجَنِّبَتَيْ مِهْرَانَ بْنِ الْأَزَاذَبَهْ مَرْزُبَانُ الْحِيرَةِ وَمَرْدَانْشَاهْ. وَأَقْبَلَ الْفُرْسُ فِي ثَلَاثَةِ صُفُوفٍ، مَعَ كُلِّ صَفٍّ فِيلٌ، وَرَجْلُهُمْ أَمَامَ فِيلِهِمْ وَلَهُمْ زُجَّلٌ، فَقَالَ الْمُثَنَّى لِلْمُسْلِمِينَ: إِنَّ الَّذِي تَسْمَعُونَ فَشَلٌ، فَالْزَمُوا الصَّمْتَ. وَدَنَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَطَافَ الْمُثَنَّى فِي صُفُوفِهِ يَعْهَدُ إِلَيْهِمْ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ الشَّمُوسِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِلِينِهِ، وَكَانَ لَا يَرْكَبُهُ إِلَّا إِذَا قَاتَلَ، فَوَقَفَ عَلَى الرَّايَاتِ يُحَرِّضُهُمْ وَيَهُزُّهُمْ، وَلِكُلِّهِمْ يَقُولُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يُؤْتَى النَّاسُ مِنْ قِبَلِكُمُ الْيَوْمَ، وَاللَّهِ مَا يَسُرُّنِي الْيَوْمَ لِنَفْسِي شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ يَسُرُّنِي لِعَامَّتِكُمْ، فَيُجِيبُونَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَأَنْصَفَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَخَلَطَ النَّاسَ فِي الْمَحْبُوبِ وَالْمَكْرُوهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَعِيبَ لَهُ قَوْلًا وَلَا فِعْلًا، وَقَالَ: إِنِّي مُكَبِّرٌ ثَلَاثًا، فَتَهَيَّئُوا، ثُمَّ احْمِلُوا فِي الرَّابِعَةِ. فَلَمَّا كَبَّرَ أَوَّلَ تَكْبِيرَةٍ أَعْجَلَتْهُمْ فَارِسُ وَخَالَطُوهُمْ، وَرَكَدَتْ خَيْلُهُمْ وَحَرْبُهُمْ مَلِيًّا، فَرَأَى الْمُثَنَّى خَلَلًا فِي بَنِي عِجْلٍ، فَجَعَلَ يَمُدُّ لِحْيَتَهُ لِمَا يَرَى مِنْهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَقُولُ: الْأَمِيرُ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: لَا تَفْضَحُوا الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ. فَقَالُوا: نَعَمْ، وَاعْتَدَلُوا. فَضَحِكَ فَرَحًا. فَلَمَّا طَالَ الْقِتَالُ وَاشْتَدَّ قَالَ الْمُثَنَّى لِأَنَسِ بْنِ هِلَالٍ النَّمِرِيِّ: إِنَّكَ امْرُؤٌ عَرَبِيٌّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى دِينِنَا، فَإِذَا حَمَلْتُ عَلَى مِهْرَانَ فَاحْمِلْ مَعِي، فَأَجَابَهُ، فَحَمَلَ الْمُثَنَّى عَلَى مِهْرَانَ فَأَزَالَهُ حَتَّى دَخَلَ فِي مَيْمَنَتِهِ، ثُمَّ خَالَطُوهُمْ وَاجْتَمَعَ الْقَلْبَانِ، وَارْتَفَعَ الْغُبَارُ وَالْمُجَنَّبَاتُ تُقْتَلُ، لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَفْرَغُوا لِنَصْرِ أَمِيرِهِمْ، لَا الْمُسْلِمُونَ وَلَا الْمُشْرِكُونَ، وَارْتَثَّ مَسْعُودٌ أَخُو الْمُثَنَّى يَوْمَئِذٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا أُصِيبَ مَسْعُودٌ تَضَعْضَعَ مَنْ
مَعَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بَكْرٍ، ارْفَعُوا رَايَتَكُمْ رَفَعَكُمُ اللَّهُ، وَلَا يَهُولَنَّكُمْ مَصْرَعِي. وَكَانَ الْمُثَنَّى قَالَ لَهُمْ: إِذَا رَأَيْتُمُونَا أَصَبْنَا فَلَا تَدَعُوا مَا أَنْتُمْ فِيهِ، الْزَمُوا مَصَافَّكُمْ وَأَغْنُوا غَنَاءَ مَنْ يَلِيكُمْ. وَأَوْجَعَ قَلْبُ الْمُسْلِمِينَ فِي قَلْبِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَتَلَ غُلَامٌ نَصْرَانِيٌّ مِنْ تَغْلِبَ مِهْرَانَ وَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، فَجَعَلَ الْمُثَنَّى سَلَبَهُ لِصَاحِبِ خَيْلِهِ، وَكَانَ التَّغْلِبِيُّ قَدْ جَلَبَ خَيْلًا هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ تَغْلِبَ، فَلَمَّا رَأَوُا الْقِتَالَ قَاتَلُوا مَعَ الْعَرَبِ، قَالَ: وَأَفْنَى الْمُثَنَّى قَلْبَ الْمُشْرِكِينَ، وَالْمُجَنَّبَاتُ بَعْضُهَا يُقَاتِلُ بَعْضًا. فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ أَزَالَ الْقَلْبَ وَأَفْنَى أَهْلَهُ وَثَبَ مُجَنَّبَاتُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مُجَنَّبَاتِ الْمُشْرِكِينَ، وَجَعَلُوا يَرُدُّونَ الْأَعَاجِمَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ، وَجَعَلَ الْمُثَنَّى وَالْمُسْلِمُونَ فِي الْقَلْبِ يَدْعُونَ لَهُمْ بِالنَّصْرِ، وَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ مَنْ يَذْمُرُهُمْ وَيَقُولُ لَهُمْ: عَادَاتُكُمْ فِي أَمْثَالِكُمْ، انْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ، حَتَّى هَزَمُوا الْفُرْسَ، وَسَبَقَهُمُ الْمُثَنَّى إِلَى الْجِسْرِ وَأَخَذَ طَرِيقَ الْأَعَاجِمِ، فَافْتَرَقُوا مُصَعِّدِينَ وَمُنْحَدِرِينَ، وَأَخَذَتْهُمْ خُيُولُ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى قَتَلُوهُمْ وَجَعَلُوهُمْ جُثًّا. فَمَا كَانَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْفُرْسِ وَقْعَةٌ أَبْقَى رِمَّةً مِنْهَا، بَقِيَتْ عِظَامُ الْقَتْلَى دَهْرًا طَوِيلًا، وَكَانُوا يَحْزِرُونَ الْقَتْلَى مِائَةَ أَلْفٍ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْأَعْشَارَ، أُحْصِيَ مِائَةُ رَجُلٍ قَتَلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَشْرَةً. وَكَانَ عُرْوَةُ بْنُ زَيْدِ الْخَيْلِ مِنْ أَصْحَابِ التِّسْعَةِ، وَغَالِبٌ الْكِنَانِيُّ وَعَرْفَجَةُ الْأَزْدِيُّ مِنْ أَصْحَابِ التِّسْعَةِ. وَقُتِلَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَ السَّكُونِ الْمُثَنَّى عَلَى أَخْذِهِ بِالْجِسْرِ وَقَالَ: عَجَزْتُ عَجْزَةً وَقَى اللَّهُ شَرَّهَا بِمُسَابَقَتِي إِيَّاهُمْ إِلَى الْجِسْرِ حَتَّى أَحْرَجْتُهُمْ، فَلَا تَعُودُوا أَيُّهَا النَّاسُ إِلَى مِثْلِهَا، فَإِنَّهَا كَانَتْ زَلَّةً، فَلَا يَنْبَغِي إِحْرَاجُ مَنْ لَا يَقْوَى عَلَى امْتِنَاعٍ. وَمَاتَ أُنَاسٌ مِنَ الْجَرْحَى، مِنْهُمْ: مَسْعُودٌ أَخُو الْمُثَنَّى، وَخَالِدُ بْنُ هِلَالٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِمُ الْمُثَنَّى وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيُهَوِّنُ وَجْدِي أَنْ صَبَرُوا وَشَهِدُوا الْبُوَيْبَ، وَلَمْ يَنْكِلُوا. وَكَانَ قَدْ أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ غَنَمًا وَدَقِيقًا وَبَقَرًا، فَبَعَثُوا بِهِ إِلَى عِيَالِ مَنْ قَدِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَهُمْ بِالْقَوَادِسِ. وَأَرْسَلَ الْمُثَنَّى الْخَيْلَ فِي طَلَبِ الْعَجَمِ، فَبَلَغُوا السِّيبَ وَغَنِمُوا مِنَ الْبَقْرِ وَالسَّبْيِ وَسَائِرِ الْغَنَائِمِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَقَسَّمَهُ فِيهِمْ، وَنَفَّلَ أَهْلَ الْبِلَادِ، وَأَعْطَى بَجِيلَةَ رُبْعَ الْخُمْسِ، وَأَرْسَلَ الَّذِينَ تَبِعُوا الْمُنْهَزِمِينَ إِلَى الْمُثَنَّى يُعَرِّفُونَهُ سَلَامَتَهُمْ، وَأَنَّهُ لَا مَانِعَ
ذكر خبر الخنافس وسوق بغداد
دُونَ الْقَوْمِ، وَيَسْتَأْذِنُونَهُ فِي الْإِقْدَامِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَغَارُوا حَتَّى بَلَغُوا سَابَاطَ، وَتَحَصَّنَ أَهْلُهُ مِنْهُمْ وَاسْتَبَاحُوا الْقُرَى، ثُمَّ مَخَرُوا السَّوَادَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ دِجْلَةَ، لَا يَخَافُونَ كَيْدًا وَلَا يَلْقَوْنَ مَانِعًا، وَرَجَعَتْ مَسَالِحُ الْعَجَمِ إِلَيْهِمْ، وَسَرَّهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا مَا وَرَاءَ دِجْلَةَ. (بُسْرُ بْنُ أَبِي رُهْمٍ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ) . [ذِكْرُ خَبَرِ الْخَنَافِسِ وَسُوقِ بَغْدَادَ] ثُمَّ خَلَّفَ الْمُثَنَّى بِالْحِيرَةِ بَشِيرَ بْنَ الْخَصَاصِيَّةِ، وَسَارَ يَمْخُرُ السَّوَادَ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَيْسَانَ وَدَسْتُمَيْسَانَ، وَأَذْكَى الْمَسَالِحَ، وَنَزَلَ أُلَّيْسَ، قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْأَنْبَارِ، وَهَذِهِ الْغَزْوَةُ تُدْعَى غَزْوَةَ الْأَنْبَارِ الْآخِرَةِ، وَغَزْوَةَ أُلَّيْسَ الْآخِرَةِ. وَجَاءَ الْمُثَنَّى رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْبَارِيٌّ فَدَلَّهُ عَلَى سُوقِ الْخَنَافِسِ، وَالثَّانِي حِيرِيٌّ دَلَّهُ عَلَى بَغْدَادَ، فَقَالَ الْمُثَنَّى: أَيَّتُهُمَا قَبْلَ صَاحِبَتِهَا؟ فَقَالَا: بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ أَيَّامٍ. قَالَ: أَيُّهُمَا أَعْجَلُ؟ قَالَا: سُوقُ الْخَنَافِسِ يَجْتَمِعُ بِهَا تُجَّارُ مَدَائِنِ كِسْرَى، وَالسَّوَادُ وَرَبِيعَةُ وَقُضَاعَةُ يَخْفِرُونَهُمْ. فَرَكِبَ الْمُثَنَّى وَأَغَارَ عَلَى الْخَنَافِسِ يَوْمَ سُوقِهَا، وَبِهَا خَيْلَانِ مِنْ رَبِيعَةَ وَقُضَاعَةَ، وَعَلَى قُضَاعَةَ رُومَانِسُ بْنُ وَبَرَةَ، وَعَلَى رَبِيعَةَ السَّلِيلُ بْنُ قَيْسٍ وَهُمُ الْخُفَرَاءُ، فَانْتَسَفَ السُّوقَ وَمَا فِيهَا، وَسَلَبَ الْخُفَرَاءَ. ثُمَّ رَجَعَ فَأَتَى الْأَنْبَارَ فَتَحَصَّنَ أَهْلُهَا مِنْهُ، فَلَمَّا عَرَفُوهُ نَزَلُوا إِلَيْهِ وَأَتَوْهُ بِالْأَعْلَافِ وَالزَّادِ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْأَدِلَّاءَ عَلَى سُوقِ بَغْدَادَ، وَأَظْهَرَ لِدِهْقَانِ الْأَنْبَارِ أَنَّهُ يُرِيدُ الْمَدَائِنَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى بَغْدَادَ لَيْلًا، وَعَبَرَ إِلَيْهِمْ وَصَبَّحَهُمْ فِي أَسْوَاقِهِمْ، فَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ وَأَخَذَ مَا شَاءَ. وَقَالَ الْمُثَنَّى: لَا تَأْخُذُوا إِلَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَالْحُرَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. ثُمَّ عَادَ رَاجِعًا حَتَّى نَزَلَ بِنَهْرِ السَّالِحِينَ بِالْأَنْبَارِ، فَسَمِعَ أَصْحَابَهُ
يَقُولُونَ: مَا أَسْرَعَ الْقَوْمَ فِي طَلَبِنَا، فَخَطَبَهُمْ وَقَالَ: احْمَدُوا اللَّهَ وَسَلُوهُ الْعَافِيَةَ، وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَانْظُرُوا فِي الْأُمُورِ وَقَدِّرُوهَا ثُمَّ تَكَلَّمُوا، إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغِ النَّذِيرُ مَدِينَتَهُمْ بَعْدُ، وَلَوْ بَلَغَهُمْ لَحَالَ الرُّعْبُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ طَلَبِكُمْ، إِنَّ لِلْغَارَاتِ رَوْعَاتٍ تُضْعِفُ الْقُلُوبَ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ، وَلَوْ طَلَبَكُمُ الْمُحَامُونَ مِنْ رَأْيِ الْعَيْنِ مَا أَدْرَكُوكُمْ وَأَنْتُمْ عَلَى الْعِرَابِ حَتَّى تَنْتَهُوا إِلَى عَسْكَرِكُمْ، وَلَوْ أَدْرَكُوكُمْ لَقَاتَلْتُهُمُ الْتِمَاسَ الْأَجْرِ وَرَجَاءَ النَّصْرِ، فَثِقُوا بِاللَّهِ وَأَحْسِنُوا بِهِ الظَّنَّ، فَقَدْ نَصَرَكُمْ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ. ثُمَّ سَارَ بِهِمْ إِلَى الْأَنْبَارِ، وَكَانَ مَنْ خَلْفَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَمْخَرُونَ السَّوَادَ وَيَشُنُّونَ الْغَارَاتِ مَا بَيْنَ أَسْفَلَ كَسْكَرَ وَأَسْفَلَ الْفُرَاتِ، وَجَسُّوا مِثْقَبًا إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ وَفِي أَرْضِ الْفَلَالِيجِ، وَالْمُثَنَّى بِالْأَنْبَارِ. وَلَمَّا رَجَعَ الْمُثَنَّى مِنْ بَغْدَادَ إِلَى الْأَنْبَارِ بَعَثَ الْمُضَارِبَ الْعِجْلِيَّ فِي جَمْعٍ إِلَى الْكَبَاثِ وَعَلَيْهِ فَارِسُ الْعُنَابِ التَّغْلِبِيُّ، ثُمَّ لَحِقَهُمُ الْمُثَنَّى فَسَارَ مَعَهُمْ، فَوَجَدُوا الْكَبَاثَ قَدْ سَارَ مَنْ كَانَ بِهِ، وَمَعَهُمْ فَارِسُ الْعُنَابِ، فَسَارَ الْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ فَلَحِقُوهُ وَقَدْ رَحَلَ مِنَ الْكَبَاثِ، فَقَتَلُوا فِي أُخْرَيَاتِ أَصْحَابِهِ وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ. فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى الْأَنْبَارِ سَرَّحَ فُرَاتَ بْنَ حَيَّانَ التَّغْلِبِيَّ وَعُتَيْبَةَ بْنَ النَّهَّاسِ وَأَمَرَهُمَا بِالْغَارَةِ عَلَى أَحْيَاءَ مِنْ تَغْلِبَ بِصِفِّينَ، ثُمَّ اتَّبَعَهُمَا الْمُثَنَّى وَاسْتَخْلَفَ عَلَى النَّاسِ عَمْرَو بْنَ أَبِي سُلْمَى الْهُجَيْمِيَّ. فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ صِفِّينَ فَرَّ مَنْ بِهَا وَعَبَرُوا الْفُرَاتَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَفَنِيَ الزَّادُ الَّذِي مَعَ الْمُثَنَّى وَأَصْحَابِهِ، فَأَكَلُوا رَوَاحِلَهُمْ إِلَّا مَا لَابُدَّ مِنْهُ حَتَّى جُلُودِهَا، ثُمَّ أَدْرَكُوا عِيرًا مِنْ أَهْلِ دَبَا وَحَوْرَانَ، فَقَتَلُوا مَنْ بِهَا، وَأَخَذُوا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْ تَغْلِبَ كَانُوا خُفَرَاءَ، وَأَخَذُوا الْعِيرَ، فَقَالَ لَهُمْ: دُلُّونِي. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: آمِنُونِي عَلَى أَهْلِي وَمَالِي، وَأَدُلُّكُمْ عَلَى حَيٍّ مِنْ تَغْلِبَ. فَآمَنَهُ الْمُثَنَّى وَسَارَ مَعَهُمْ يَوْمَهُ، فَهَجَمَ الْعَشِيُّ عَلَى الْقَوْمِ، وَالنَّعَمُ صَادِرَةٌ عَنِ الْمَاءِ، وَأَصْحَابُهَا جُلُوسٌ بِأَفْنِيَةِ الْبُيُوتِ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ، وَاسْتَاقَ الْأَمْوَالَ، وَكَانَ التَّغْلِبِيُّونَ بَنِي ذِي الرُّوَيْحِلَةِ، فَاشْتَرَى مَنْ كَانَ مَعَ الْمُثَنَّى مِنْ رَبِيعَةَ السَّبَايَا بِنَصِيبِهِ مِنَ الْفَيْءِ وَأَعْتَقُوهُمْ، وَكَانَتْ رَبِيعَةُ لَا تُسَابِي، إِذِ الْعَرَبُ يَتَسَابَوْنَ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ.
ذكر الخبر عن الذي هيج أمر القادسية وملك يزدجرد
وَأُخْبِرَ الْمُثَنَّى أَنَّ جُمْهُورَ مَنْ سَلَكَ الْبِلَادَ قَدِ انْتَجَعَ شَاطِئَ دِجْلَةَ، فَخَرَجَ الْمُثَنَّى وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ النُّعْمَانُ بْنُ عَوْفٍ وَمَطَرُ الشَّيْبَانِيَّانِ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْغَلْفَانِيُّ، فَسَارُوا فِي طَلَبِهِمْ فَأَدْرَكُوهُمْ بِتَكْرِيتَ، فَأَصَابُوا مَا شَاءُوا مِنَ النَّعَمِ، وَعَادَ إِلَى الْأَنْبَارِ. وَمَضَى عُتَيْبَةُ وَفُرَاتُ وَمَنْ مَعَهُمَا حَتَّى أَغَارُوا عَلَى صِفِّينَ وَبِهَا النَّمِرُ وَتَغْلِبُ مُتَسَانِدِينَ، فَأَغَارُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى رَمَوْا طَائِفَةً مِنْهُمْ فِي الْمَاءِ، فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُمْ: الْغَرَقَ الْغَرَقَ! وَجَعَلَ عُتَيْبَةُ وَفُرَاتُ يَذْمُرَانِ النَّاسَ وَيُنَادِيَانِهِمْ: تَغْرِيقٌ بِتَحْرِيقٍ! يُذَكِّرَانِهِمْ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ أَحْرَقُوا فِيهِ قَوْمًا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فِي غَيْضَةٍ مِنَ الْغِيَاضِ. ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمُثَنَّى وَقَدْ غَرَّقُوهُمْ، وَقَدْ بَلَغَ الْخَبَرُ عُمَرَ فَبَعَثَ إِلَى عُتَيْبَةَ وَفُرَاتَ فَاسْتَدْعَاهُمَا، فَسَأَلَهُمَا عَنْ قَوْلِهِمَا، فَأَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا لَمْ يَفْعَلَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ طَلَبِ ذَحْلٍ، إِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ فَاسْتَحْلَفَهُمَا وَرَدَّهُمَا إِلَى الْمُثَنَّى. (عُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقِهَا، وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) . [ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنِ الَّذِي هَيَّجَ أَمْرَ الْقَادِسِيَّةِ وَمَلِكَ يَزْدَجِرْدَ] لَمَّا رَأَى أَهْلُ فَارِسَ مَا يَفْعَلُ الْمُسْلِمُونَ بِالسَّوَادِ قَالُوا لِرُسْتُمَ وَالْفَيْرُزَانَ، وَهُمَا عَلَى أَهْلِ فَارِسَ: لَمْ يَبْرَحْ بِكُمَا الِاخْتِلَافُ حَتَّى وَهَّنْتُمَا أَهْلَ فَارِسَ، وَأَطْمَعْتُمَا فِيهِمْ عَدُوَّهُمْ، وَلَمْ يَبْلُغْ مِنْ أَمْرِكُمَا أَنَّ نُقِرَّكُمَا عَلَى هَذَا الرَّأْيِ، وَأَنْ تُعَرِّضَاهَا لِلْهَلَكَةِ، مَا بَعْدَ بَغْدَادَ وَسَابَاطَ وَتَكْرِيتَ إِلَّا الْمَدَائِنَ، وَاللَّهِ لَتَجْتَمِعَانِ أَوْ لَنَبْدَأَنَّ بِكُمَا، ثُمَّ نَهْلِكُ وَقَدِ اشْتَفَيْنَا مِنْكُمَا. فَقَالَ الْفَيْرُزَانُ وَرُسْتُمُ لِبُورَانَ ابْنَةِ كِسْرَى: اكْتُبِي لَنَا نِسَاءَ كِسْرَى وَسَرَارِيَّهُ وَنِسَاءَ آلِ كِسْرَى وَسَرَارِيَّهُمْ، فَفَعَلَتْ، فَأَحْضَرُوهُنَّ جَمِيعَهُنَّ، وَأَخَذُوهُنَّ بِالْعَذَابِ يَسْتَدِلُّونَهُنَّ عَلَى ذَكَرٍ مِنْ أَبْنَاءِ كِسْرَى، فَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَحَدٌ، وَقَالَ بِعَضُهُنَّ: لَمْ يَبْقَ إِلَّا غُلَامٌ يُدْعَى يَزْدَجِرْدَ مِنْ وَلَدِ شَهْرَيَارَ بْنِ كِسْرَى، وَأُمُّهُ مِنْ أَهْلِ بَادُورَيَا. فَأَرْسَلُوا إِلَيْهَا وَطَلَبُوهُ مِنْهَا، وَكَانَتْ قَدْ أَنْزَلَتْهُ أَيَّامَ شِيرَى حِينَ جَمَعَهُنَّ فَقَتَلَ الذُّكُورَ، وَأَرْسَلَتْهُ إِلَى أَخْوَالِهِ، فَلَمَّا سَأَلُوهَا عَنْهُ دَلَّتْهُمْ عَلَيْهِ، فَجَاءُوا بِهِ فَمَلَّكُوهُ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، فَاطْمَأَنَّتْ فَارِسُ وَاسْتَوْثَقُوا، وَتَبَارَى الْمَرَازِبَةُ فِي طَاعَتِهِ وَمَعُونَتِهِ، فَسَمَّى الْجُنُودَ لِكُلِّ مَسْلَحَةٍ وَثَغْرٍ، فَسَمَّى جُنْدَ الْحِيرَةِ وَالْأُبُلَّةِ وَالْأَنْبَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمُ الْمُثَنَّى وَالْمُسْلِمِينَ، فَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِمَا يَنْتَظِرُونَ
مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ، فَلَمْ يَصِلِ الْكِتَابُ إِلَى عُمَرَ حَتَّى كَفَرَ أَهْلُ السَّوَادِ مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، فَخَرَجَ الْمُثَنَّى حَتَّى نَزَلَ بِذِي قَارٍ، وَنَزَلَ النَّاسُ بِالطَّفِّ فِي عَسْكَرٍ وَاحِدٍ. وَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ الْمُثَنَّى إِلَى عُمَرَ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ مُلُوكَ الْعَجَمِ بِمُلُوكِ الْعَرَبِ! فَلَمْ يَدَعْ رَئِيسًا وَلَا ذَا رَأْيٍ وَذَا شَرَفٍ وَبَسْطَةٍ وَلَا خَطِيبًا وَلَا شَاعِرًا إِلَّا رَمَاهُمْ بِهِ، فَرَمَاهُمْ بِوُجُوهِ النَّاسِ وَغُرَرِهِمْ. وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْمُثَنَّى وَمَنْ مَعَهُ يَأْمُرُهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ بَيْنِ الْعَجَمِ وَالتَّفَرُّقِ فِي الْمِيَاهِ الَّتِي تَلِي الْعَجَمِ، وَأَنْ لَا يَدَعُوا فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ وَحُلَفَائِهِمْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ النَّجْدَاتِ وَلَا فَارِسًا إِلَّا أَحْضَرُوهُ إِمَّا طَوْعًا أَوْ كُرْهًا. وَنَزَلَ النَّاسُ بِالْجُلِّ وَشَرَافَ إِلَى غُضَيٍّ، وَهُوَ جَبَلُ الْبَصْرَةِ، وَبِسَلْمَانَ، بَعْضُهُمْ يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ، وَيُغِيثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَذَلِكَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. وَأَرْسَلَ عُمَرُ فِي ذِي الْحَجَّةِ مِنَ السَّنَةِ مُخْرَجَهُ إِلَى الْحَجِّ إِلَى عُمَّالِهِ عَلَى الْعَرَبِ أَنْ لَا يَدَعُوا مَنْ لَهُ نَجْدَةٌ أَوْ فَرَسٌ أَوْ سِلَاحٌ أَوْ رَأْيٌ إِلَّا وَجَّهُوهُ إِلَيْهِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى النِّصْفِ مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ فَجَاءَ إِلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ لَمَّا عَادَ مِنَ الْحَجِّ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْعِرَاقِ فَانْضَمَّ إِلَى الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ، وَجَاءَتْ أَمْدَادُ الْعَرَبِ إِلَى عُمَرَ. وَحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالنَّاسِ، وَحَجَّ سِنِيهِ كُلَّهَا. وَكَانَ عَامِلُ عُمَرَ عَلَى مَكَّةَ هَذِهِ السَّنَةَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ فِيمَا قَالَ بَعْضُهُمْ، وَعَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَعَلَى الْيَمَنِ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ، وَعَلَى عُمَانَ وَالْيَمَامَةِ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَعَلَى الْبَحْرَيْنِ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَعَلَى الشَّامِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَلَى فَرْجِ الْكُوفَةِ وَمَا فُتِحَ مِنْ أَرْضِهَا الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ.
وَكَانَ عَلَى الْقَضَاءِ فِيمَا ذُكِرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ أَبُو كَبْشَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَفِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ مَاتَ سَهْلُ بْنُ عَمْرٍو أَخُو سُهَيْلٍ، وَهُوَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ. وَفِي خِلَافَتِهِ مَاتَ الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيُّ. وَفِي أَوَّلِ خِلَافَتِهِ مَاتَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ قَدْ جُرِحَ فِي حِصَارِ الطَّائِفِ، ثُمَّ انْتَقَضَ عَلَيْهِ جُرْحُهُ فَمَاتَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ يَوْمَ مَاتَ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَخْفِيًا بِدَارِهِ بِمَكَّةَ أَوَّلَ مَا أُرْسِلَ.
ثم دخلت سنة أربع عشرة
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ] [ذِكْرُ ابْتِدَاءِ أَمْرِ الْقَادِسِيَّةِ] 14 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. ذِكْرُ ابْتِدَاءِ أَمْرِ الْقَادِسِيَّةِ لَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَى عُمَرَ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَاءٍ يُدْعَى صِرَارًا، فَعَسْكَرَ بِهِ، وَلَا يَدْرِي النَّاسُ مَا يُرِيدُ أَيَسِيرُ أَمْ يُقِيمُ، وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ رَمَوْهُ بِعُثْمَانَ أَوْ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ هَذَانِ عَلَى عَمَلِ شَيْءٍ مِمَّا يُرِيدُ ثَلَّثُوا بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَسَأَلَهُ عُثْمَانُ عَنْ سَبَبِ حَرَكَتِهِ، فَأَحْضَرَ النَّاسَ فَأَعْلَمَهُمُ الْخَبَرَ وَاسْتَشَارَهُمْ فِي الْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَقَالَ الْعَامَّةُ: سِرْ وَسِرْ بِنَا مَعَكَ. فَدَخَلَ مَعَهُمْ فِي رَأْيِهِمْ وَقَالَ: اغْدُوا وَاسْتَعِدُّوا، فَإِنِّي سَائِرٌ إِلَّا أَنْ يَجِيءَ رَأْيٌ هُوَ أَمْثَلُ مِنْ هَذَا. ثُمَّ جَمَعَ وُجُوهَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ، وَكَانَ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتَاهُ، وَإِلَى طَلْحَةَ، وَكَانَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، وَإِلَى الزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَا عَلَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ، فَحَضَرَا، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فَاجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَبْعَثَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَرْمِيهِ بِالْجُنُودِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَشْتَهِي فَهُوَ الْفَتْحُ، وَإِلَّا أَعَادَ رَجُلًا وَبَعَثَ آخَرَ، فَفِي ذَلِكَ غَيْظُ الْعَدُوِّ فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ وَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي كُنْتُ عَزَمْتُ عَلَى الْمَسِيرِ حَتَّى صَرَفَنِي ذَوُو الرَّأْيِ مِنْكُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُقِيمَ وَأَبْعَثَ رَجُلًا، فَأَشِيرُوا عَلَيَّ بِرَجُلٍ.
وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى صَدَقَاتِ هَوَازِنَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بِانْتِخَابِ ذَوِي الرَّأْيِ وَالنَّجْدَةِ وَالسِّلَاحِ، فَجَاءَهُ كِتَابُ سَعْدٍ، وَعُمَرُ يَسْتَشِيرُ فِيمَنْ يَبْعَثُهُ، يَقُولُ: قَدِ انْتَخَبْتُ لَكَ أَلْفَ فَارِسٍ كُلُّهُمْ لَهُ نَجْدَةٌ وَرَأْيٌ وَصَاحِبُ حَيْطَةٍ يَحُوطُ حَرِيمَ قَوْمِهِ، إِلَيْهِمُ انْتَهَتْ أَحْسَابُهُمْ وَرَأْيُهُمْ. فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ قَالُوا لِعُمَرَ: قَدْ وَجَدْتَهُ قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالُوا: الْأَسَدُ عَادِيًا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، فَانْتَهَى إِلَى قَوْلِهِمْ وَأَحْضَرَهُ، وَأَمَّرَهُ عَلَى حَرْبِ الْعِرَاقِ وَوَصَّاهُ وَقَالَ: لَا يَغُرَّنَّكَ مِنَ اللَّهِ أَنْ قِيلَ: خَالُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ، وَلَكِنَّهُ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ، وَلَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ نَسَبٌ إِلَّا طَاعَتُهُ، فَالنَّاسُ فِي ذَاتِ اللَّهِ سَوَاءٌ، اللَّهُ رَبُّهُمْ وَهُمْ عِبَادُهُ يَتَفَاضَلُونَ بِالْعَافِيَةِ، وَيُدْرِكُونَ مَا عِنْدَهُ بِالطَّاعَةِ، فَانْظُرِ الْأَمْرَ الَّذِي رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْزَمُهُ فَالْزَمْهُ. وَوَصَّاهُ بِالصَّبْرِ وَسَرَّحَهُ فِيمَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْ نَفَرِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فِيهِمْ حُمَيْضَةُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ حُمَيْضَةَ عَلَى بَارِقٍ، وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، وَأَبُو سَبْرَةَ بْنُ ذُؤَيْبٍ عَلَى مَذْحِجٍ، وَيَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ الصُّدَائِيُّ عَلَى صُدَاءَ، وَحَبِيبُ وَمُسْلِيَةُ وَبِشْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهِلَالِيُّ فِي قَيْسِ عَيْلَانَ وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ، فَمَرَّ بِفِتْيَةٍ مِنَ السَّكُونِ مَعَ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ دُلَمٍ سِبَاطٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ، فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ وَهَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: مَا مَرَّ بِي قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ أَكْرَهُ إِلَيَّ مِنْهُمْ. ثُمَّ أَمْضَاهُمْ فَكَانَ بَعْدُ يُذَكِّرُهُمْ بِالْكَرَاهَةِ، فَكَانَ مِنْهُمْ سُودَانُ بْنُ حُمْرَانَ قَتَلَ عُثْمَانَ، وَابْنُ مُلْجِمٍ قَتَلَ عَلِيًّا، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ جَرَّدَ السَّيْفَ فِي الْمُسْلِمِينَ، يُظْهِرُ الْأَخْذَ بِثَأْرِ عُثْمَانَ، وَحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ فِي قِتَالِ عَلِيٍّ. ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ أَخَذَ بِوَصِيَّتِهِمْ وَبِعِظَتِهِمْ ثُمَّ سَيَّرَهُمْ، وَأَمَدَّ عُمَرُ سَعْدًا بَعْدَ خُرُوجِهِ بِأَلْفَيْ يَمَانِيٍّ نَجْدِيٍّ، وَكَانَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ فِي ثَمَانِيَةِ آلَافٍ، وَسَارَ سَعْدٌ وَالْمُثَنَّى يَنْتَظِرُ قُدُومَهُ، فَمَاتَ الْمُثَنَّى قَبْلَ قُدُومِ سَعْدٍ مِنْ جِرَاحَةٍ انْتَفَضَتْ عَلَيْهِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى النَّاسِ بَشِيرَ بْنَ الْخَصَاصِيَّةِ وَسَعْدٌ يَوْمَئِذٍ بِزَرُودَ، وَقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، وَأَمَرَ عُمَرُ بَنِي أَسَدٍ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حَدِّ أَرْضِهِمْ بَيْنَ الْحَزْنِ وَالْبَسِيطَةِ، فَنَزَلُوا فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَسَارَ سَعْدٌ إِلَى
شَرَافَ فَنَزَلَهَا، وَلَحِقَهُ بِهَا الْأَشْعَبُ بْنُ قَيْسٍ فِي أَلْفٍ وَسَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَكَانَ جَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَجَمِيعُ مَنْ قُسِمَ عَلَيْهِ فَيْئُهَا نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَجْرَأَ عَلَى أَهْلِ فَارِسَ مِنْ رَبِيعَةَ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَهُمْ رَبِيعَةَ الْأَسَدِ إِلَى رَبِيعَةِ الْفَرَسِ، وَلَمْ يَدَعْ عُمَرُ ذَا رَأْيٍ وَلَا شَرَفٍ وَلَا خَطِيبًا وَلَا شَاعِرًا وَلَا وَجِيهًا مِنْ وُجُوهِ النَّاسِ إِلَّا سَيَّرَهُ إِلَى سَعْدٍ. وَجَمَعَ سَعْدٌ مَنْ كَانَ بِالْعِرَاقِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَسْكَرِ الْمُثَنَّى، فَاجْتَمَعَ بِشَرَافَ، فَعَبَّأَهُمْ وَأَمَّرَ الْأُمَرَاءَ، وَعَرَّفَ عَلَى كُلِّ عَشَرَةٍ عَرِيفًا، وَجَعَلَ عَلَى الرَّايَاتِ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ السَّابِقَةِ، وَوَلَّى الْحُرُوبَ رِجَالًا عَلَى سَاقَتِهَا وَمُقَدِّمَتِهَا وَرَجْلِهَا وَطَلَائِعِهَا وَمُجَنِّبَاتِهَا، وَلَمْ يَفْصِلْ إِلَّا بِكِتَابِ عُمَرَ، فَجَعَلَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ زُهْرَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ الْحَوِيَّةِ، فَانْتَهَى إِلَى الْعُذَيْبِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعَلَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعْتَمِّ، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَيْضًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَيْسَرَةِ شُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ الْكِنْدِيَّ، وَجَعَلَ خَلِيفَتَهُ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ حَلِيفَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَجَعَلَ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو التَّمِيمِيَّ عَلَى السَّاقَةِ، وَسَوَادَ بْنَ مَالِكٍ التَّمِيمِيَّ عَلَى الطَّلَائِعِ، وَسَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ عَلَى الْمُجَرَّدَةِ، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ حَمَّالَ بْنَ مَالِكٍ الْأَسَدِيَّ، وَعَلَى الرُّكْبَانِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ذِي السَّهْمَيْنِ الْخَثْعَمِيَّ، وَجَعَلَ عُمَرُ عَلَى الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ، وَعَلَى قِسْمَةِ الْفَيْءِ أَيْضًا، وَجَعَلَ رَائِدَهُمْ وَدَاعِيَتَهُمْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ، وَالْكَاتِبَ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ. وَقَدِمَ الْمُعَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ وَسَلْمَى بِنْتُ خَصَفَةَ زَوْجُ الْمُثَنَّى بِشَرَافَ، وَكَانَ الْمُعَنَّى بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ قَدْ سَارَ إِلَى قَابُوسَ بْنِ قَابُوسَ بْنِ الْمُنْذِرِ بِالْقَادِسِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ بَعَثَهُ إِلَيْهَا الْفُرْسُ يَسْتَنْفِرُ الْعَرَبَ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْمُعَنَّى فَقَفَلَهُ فَأَنَامَهُ وَمَنْ مَعَهُ، وَرَجَعَ إِلَى ذِي قَارٍ، وَسَارَ إِلَى سَعْدٍ يُعْلِمُهُ بِرَأْيِ الْمُثَنَّى لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ، يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا الْفُرْسَ عَلَى حُدُودِ أَرْضِهِمْ عَلَى أَدْنَى حَجَرٍ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ، وَلَا يُقَاتِلُوهُمْ بِعُقْرِ دَارِهِمْ، فَإِنْ يُظْهِرِ اللَّهُ
الْمُسْلِمِينَ فَلَهُمْ مَا وَرَاءَهُمْ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى رَجَعُوا إِلَى فِئَةٍ ثُمَّ يَكُونُوا أَعْلَمَ بِسَبِيلِهِمْ، وَأَجْرَأَ عَلَى أَرْضِهِمْ، إِلَى أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ. فَتَرَحَّمَ سَعْدٌ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْمُثَنَّى، وَجَعَلَ الْمُعَنَّى عَلَى عَمَلِهِ وَأَوْصَى بِأَهْلِ بَيْتِهِ خَيْرًا، ثُمَّ تَزَوَّجَ سَعْدٌ سَلْمَى زَوْجَ الْمُثَنَّى، وَكَانَ مَعَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ بَدْرِيًّا، وَثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ مِمَّنْ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ فِيمَا بَيْنَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ إِلَى مَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَثَلَاثُمِائَةٍ مِمَّنْ شَهِدَ الْفَتْحَ، وَسَبْعُمِائَةٍ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ. وَقَدِمَ عَلَى سَعْدٍ كِتَابُ عُمَرَ بِمِثْلِ رَأْيِ الْمُثَنَّى، وَكَتَبَ عُمَرُ أَيْضًا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ لِيَصْرِفَ أَهْلَ الْعِرَاقِ وَمَنِ اخْتَارَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ إِلَى الْعِرَاقِ. وَكَانَ لِلْفُرْسِ رَابِطَةٌ بِقَصْرِ ابْنِ مُقَاتِلٍ، عَلَيْهَا النُّعْمَانُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ قَبِيصَةَ بْنِ إِيَاسٍ صَاحِبِ الْحِيرَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِمَجِيءِ سَعْدٍ سَأَلَ عَنْهُ وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانِ بْنِ خُزَيْمٍ الْأَسَدِيُّ، فَقِيلَ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأُحَادَّنَّهُ الْقِتَالَ، فَإِنَّ قُرَيْشًا عَبِيدُ مَنْ غَلَبَ، وَاللَّهِ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ بِلَادِهِمْ إِلَّا بِخُفَّيْنِ! فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانٍ مِنْ قَوْلِهِ وَأَمْهَلَهُ حَتَّى دَخَلَ قُبَّتَهُ فَقَتَلَهُ، وَلَحِقَ بِسَعْدٍ وَأَسْلَمَ. وَسَارَ سَعْدٌ مِنْ شَرَافَ فَنَزَلَ الْعُذَيْبَ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ الْقَادِسِيَّةَ بَيْنَ الْعَتِيقِ وَالْخَنْدَقِ بِحِيَالِ الْقَنْطَرَةِ، وَقُدَيْسٍ أَسْفَلَ مِنْهَا بِمِيلٍ. وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: إِنِّي أُلْقِيَ فِي رُوعِي أَنَّكُمْ إِذَا لَقِيتُمُ الْعَدُوَّ هَزَمْتُمُوهُمْ، فَمَتَى لَاعَبَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنَ الْعَجَمِ بِأَمَانٍ أَوْ بِإِشَارَةٍ أَوْ بِلِسَانٍ كَانَ عِنْدَهُمْ أَمَانًا - فَأَجْرُوا لَهُ ذَلِكَ مَجْرَى الْأَمَانِ وَالْوَفَاءِ؛ فَإِنَّ الْخَطَأَ بِالْوَفَاءِ بَقِيَّةٌ، وَإِنَّ الْخَطَأَ بِالْغَدْرِ هَلَكَةٌ، وَفِيهَا وَهْنُكُمْ وَقُوَّةُ عَدُوِّكُمْ، فَلَمَّا نَزَلَ زُهْرَةُ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَأَمْسَى بَعَثَ سَرِيَّةً فِي ثَلَاثِينَ مَعْرُوفِينَ بِالنَّجْدَةِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْغَارَةِ عَلَى الْحِيرَةِ، فَلَمَّا جَازُوا السَّيْلَحِينَ سَمِعُوا جَلَبَةً، فَمَكَثُوا حَتَّى حَاذُوهُمْ، وَإِذَا أُخْتُ آزَادُمَرْدَ بْنِ آزَاذَبَهْ مَرْزُبَانِ الْحِيرَةِ تُزَفُّ إِلَى صَاحِبِ الصِّنَّيْنِ، وَهُوَ مِنْ أَشْرَافِ الْعَجَمِ، فَحَمَلَ بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيُّ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ عَلَى شِيرَزَادَ بْنِ آزَاذَبَهْ فَدَقَّ صُلْبَهُ، وَطَارَتِ الْخَيْلُ عَلَى وُجُوهِهَا، وَأَخَذُوا الْأَثْقَالَ وَابْنَةَ آزَاذَبَهْ فِي ثَلَاثِينَ امْرَأً مِنْ
الدَّهَاقِينِ وَمِائَةٍ مِنَ التَّوَابِعِ، وَمَعَهُمْ مَا لَا يُدْرَى قِيمَتُهُ، فَاسْتَاقَ ذَلِكَ وَرَجَعَ فَصَبَّحَ سَعْدًا بِعُذَيْبِ الْهِجَانَاتِ، فَقَسَّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتَرَكَ الْحَرِيمَ بِالْعُذَيْبِ وَمَعَهَا خَيْلٌ تَحُوطُهَا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ. وَنَزَلَ سَعْدٌ الْقَادِسِيَّةَ وَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا لَمْ يَأْتِهِ مِنَ الْفُرْسِ أَحَدٌ، فَأَرْسَلَ سَعْدٌ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو إِلَى مَيْسَانَ، فَطَلَبَ غَنَمًا أَوْ بَقَرًا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، وَتَحَصَّنَ مِنْهُ مَنْ هُنَاكَ، فَأَصَابَ عَاصِمٌ رَجُلًا بِجَانِبِ أَجَمَةٍ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ. فَصَاحَ ثَوْرٌ مِنَ الْأَجَمَةِ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، هَا نَحْنُ! فَدَخَلَ فَاسْتَاقَ الْبَقَرَ فَأَتَى بِهَا الْعَسْكَرَ، فَقَسَّمَهُ سَعْدٌ عَلَى النَّاسِ، فَأَخْصَبُوا أَيَّامًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَجَّاجَ فِي زَمَانِهِ فَأَرْسَلَ إِلَى جَمَاعَةٍ فَسَأَلَهُمْ، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا ذَلِكَ وَشَاهَدُوهُ، فَقَالَ: كَذَبْتُمْ. قَالُوا: ذَلِكَ إِنْ كُنْتَ شَهِدْتَهَا وَغِبْنَا عَنْهَا. قَالَ: صَدَقْتُمْ، فَمَا كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ؟ قَالُوا: وَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى رِضَى اللَّهِ وَفَتْحِ عَدُوِّنَا، فَقَالَ: مَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا وَالْجَمْعُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ. قَالُوا: مَا نَدْرِي مَا أَجَنَّتْ قُلُوبُهُمْ، فَأَمَّا مَا رَأَيْنَا فَمَا رَأَيْنَا قَطُّ أَزْهَدَ فِي دُنْيَا مِنْهُمْ، وَلَا أَشَدَّ بُغْضًا لَهَا، لَيْسَ فِيهِمْ جَبَانٌ وَلَا غَارٌّ وَلَا غَدَّارٌ. وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَبَاقِرِ. وَبَثَّ سَعْدٌ الْغَارَاتِ وَالنَّهْبَ بَيْنَ كَسْكَرَ وَالْأَنْبَارِ، فَحَوَوْا مِنَ الْأَطْعِمَةِ مَا اسْتَكْفَوْا بِهِ زَمَانًا، وَكَانَ بَيْنَ نُزُولِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْعِرَاقَ وَبَيْنَ نُزُولِ سَعْدٍ الْقَادِسِيَّةَ وَالْفَرَاغِ مِنْهَا سَنَتَانِ وَشَيْءٌ، وَكَانَ مُقَامُ سَعْدٍ بِالْقَادِسِيَّةِ شَهْرَيْنِ وَشَيْئًا حَتَّى ظَفِرَ. فَاسْتَغَاثَ أَهْلُ السَّوَادِ إِلَى يَزْدَجِرْدَ، وَأَعْلَمُوهُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ نَزَلُوا الْقَادِسِيَّةَ وَلَا يَبْقَى عَلَى فِعْلِهِمْ شَيْءٌ، وَقَدْ أَخْرَبُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْفُرَاتِ، وَنَهَبُوا الدَّوَابَّ وَالْأَطْعِمَةَ، وَإِنْ أَبْطَأَ الْغِيَاثُ أَعْطَيْنَاهُمْ بِأَيْدِينَا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ الَّذِينَ لَهُمُ الضِّيَاعُ بِالطَّفِّ، وَهَيَّجُوهُ عَلَى إِرْسَالِ الْجُنُودِ، فَأَرْسَلَ يَزْدَجِرْدُ إِلَى رُسْتُمَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنَّ أُوَجِّهَكَ فِي هَذَا الْوَجْهِ، فَأَنْتَ رَجُلُ فَارِسَ الْيَوْمَ، وَقَدْ تَرَى مَا حَلَّ بِالْفُرْسِ مِمَّا لَمْ يَأْتِهِمْ مِثْلُهُ. فَأَظْهَرَ لَهُ الْإِجَابَةَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: دَعْنِي، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَزَالُ تَهَابُ الْعَجَمَ مَا لَمْ تَضْرِبْهُمْ بِي، وَلَعَلَّ الدَّوْلَةَ أَنْ تَثْبُتَ بِي إِذَا لَمْ أَحْضُرِ الْحَرْبَ، فَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ كَفَى، وَنَكُونُ قَدْ أَصَبْنَا الْمَكِيدَةَ، وَالرَّأْيُ فِي الْحَرْبِ أَنْفَعُ مِنْ بَعْضِ الظَّفَرِ، وَالْأَنَاةُ خَيْرٌ مِنَ الْعَجَلَةِ، وَقِتَالُ جَيْشٍ بَعْدَ جَيْشٍ أَمْثَلُ مِنْ هَزِيمَةٍ بِمَرَّةٍ وَأَشَدُّ عَلَى عَدُوِّنَا. فَأَبَى عَلَيْهِ، وَأَعَادَ رُسْتُمُ كَلَامَهُ وَقَالَ: قَدِ اضْطَرَّنِي تَضْيِيعُ الرَّأْيِ إِلَى إِعْظَامِ نَفْسِي وَتَزْكِيَتِهَا، وَلَوْ أَجِدُ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهِ، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ
فِي نَفْسِكَ وَمُلْكِكَ دَعْنِي أَقِمْ بِعَسْكَرِي وَأُسَرِّحِ الْجَالِينُوسَ، فَإِنْ تَكُنْ لَنَا فَذَلِكَ، وَإِلَّا بَعَثْنَا غَيْرَهُ، حَتَّى إِذَا لَمْ نَجِدْ بُدًّا صَبَرْنَا لَهُمْ وَقَدْ وَهَّنَّاهُمْ وَنَحْنُ جَامُّونَ، فَإِنِّي لَا أَزَالُ مَرْجُوًّا فِي أَهْلِ فَارِسَ مَا لَمْ أُهْزَمْ. فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَسِيرَ، فَخَرَجَ حَتَّى ضَرَبَ عَسْكَرَهُ بِسَابَاطَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ لِيُعْفِيَهُ فَأَبَى. وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى سَعْدٍ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: لَا يَكْرُبَنَّكَ مَا يَأْتِيكَ عَنْهُمْ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، وَابْعَثْ إِلَيْهِ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْمُنَاظَرَةِ وَالرَّأْيِ وَالْجَلَدِ يَدْعُونَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ دُعَاءَهُمْ تَوْهِينًا لَهُمْ. فَأَرْسَلَ سَعْدٌ نَفَرًا، مِنْهُمْ: النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَبُسْرُ بْنُ أَبِي رُهْمٍ، وَحَمَلَةُ بْنُ حَوِيَّةَ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَفُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ، وَعَدِيُّ بْنُ سُهَيْلٍ، وَعُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ النَّبَّاشِ الْأَسَدِيُّ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ حَسَّانَ، وَعَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَالْمُعَنَّى بْنُ حَارِثَةَ - إِلَى يَزْدَجِرْدَ دُعَاةً، فَخَرَجُوا مِنَ الْعَسْكَرِ فَقَدِمُوا عَلَى يَزْدَجِرْدَ، وَطَوَوْا رُسْتُمَ وَاسْتَأْذَنُوا عَلَى يَزْدَجِرْدَ فَحُبِسُوا، وَأَحْضَرَ وُزَرَاءَهُ وَرُسْتُمَ مَعَهُمْ، وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَصْنَعُ وَيَقُولُهُ لَهُمْ. وَاجْتَمَعَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ وَتَحْتَهُمْ خُيُولٌ كُلُّهَا صُهَّالٌ، وَعَلَيْهِمُ الْبُرُودُ وَبِأَيْدِيهِمُ السِّيَاطُ، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَحْضَرَ التُّرْجُمَانَ وَقَالَ لَهُ: سَلْهُمْ مَا جَاءَ بِكُمْ وَمَا دَعَاكُمْ إِلَى غَزْوِنَا وَالْوَلُوعِ بِبِلَادِنَا؟ أَمِنْ أَجْلِ أَنَّنَا تَشَاغَلْنَا عَنْكُمُ اجْتَرَأْتُمْ عَلَيْنَا؟ فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ لِأَصْحَابِهِ: إِنْ شِئْتُمْ تَكَلَّمْتُ عَنْكُمْ، وَمَنْ شَاءَ آثَرْتُهُ. فَقَالُوا: بَلْ تَكَلَّمْ. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ رَحِمَنَا فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا يَأْمُرُنَا بِالْخَيْرِ وَيَنْهَانَا عَنِ الشَّرِّ، وَوَعَدَنَا عَلَى إِجَابَتِهِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَمْ يَدْعُ قَبِيلَةً إِلَّا وَقَارَبَهُ مِنْهَا فِرْقَةٌ وَتَبَاعَدَ عَنْهُ بِهَا فِرْقَةٌ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يَنْبِذَ إِلَى مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْعَرَبِ، فَبَدَأَ بِهِمْ، فَدَخَلُوا مَعَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: مُكْرَهٌ عَلَيْهِ فَاغْتَبَطَ، وَطَائِعٌ أَتَاهُ فَازْدَادَ، فَعَرَفْنَا جَمِيعًا فَضْلَ مَا جَاءَ بِهِ عَلَى الَّذِي كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالضِّيقِ، ثُمَّ أَمَرَنَا أَنْ نَبْدَأَ بِمَنْ يَلِينَا مِنَ الْأُمَمِ فَنَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِنْصَافِ، فَنَحْنُ نَدْعُوكُمْ إِلَى دِينِنَا، وَهُوَ دِينٌ حَسَّنَ الْحَسَنَ وَقَبَّحَ الْقَبِيحَ كُلَّهُ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَأَمْرٌ مِنَ الشَّرِّ هُوَ أَهْوَنُ مِنْ آخَرَ شَرٌّ مِنْهُ: الْجِزْيَةُ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْمُنَاجَزَةُ، فَإِنْ أَجَبْتُمْ إِلَى دِينِنَا خَلَّفْنَا فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ، وَأَقَمْنَا عَلَى أَنْ
تَحْكُمُوا بِأَحْكَامِهِ، وَنَرْجِعُ عَنْكُمْ وَشَأْنُكُمْ وَبِلَادَكُمْ، وَإِنْ بَذَلْتُمُ الْجَزَاءَ قَبِلْنَا وَمَنَعْنَاكُمْ، وَإِلَّا قَاتَلْنَاكُمْ. فَتَكَلَّمَ يَزْدَجِرْدُ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أُمَّةً أَشْقَى وَلَا أَقَلَّ عَدَدًا وَلَا أَسْوَأَ ذَاتَ بَيْنٍ مِنْكُمْ، قَدْ كُنَّا نُوكِلُ بِكُمْ قُرَى الضَّوَاحِي فَيَكْفُونَنَا أَمْرَكُمْ، وَلَا تَطْمَعُوا أَنْ تَقُومُوا لِفَارِسٍ، فَإِنْ كَانَ غَرَرٌ لَحِقَكُمْ فَلَا يَغُرَنَّكُمْ مِنَّا، وَإِنْ كَانَ الْجُهْدُ فَرَضْنَا لَكُمْ قُوتًا إِلَى خِصْبِكُمْ، وَأَكْرَمْنَا وُجُوهَكُمْ وَكَسَوْنَاكُمْ، وَمَلَّكْنَا عَلَيْكُمْ مَلِكًا يَرْفُقُ بِكُمْ. فَأَسْكَتَ الْقَوْمَ، فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ زُرَارَةَ فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّ هَؤُلَاءِ رُءُوسُ الْعَرَبِ وَوُجُوهُهُمْ، وَهُمْ أَشْرَافٌ يَسْتَحْيُونَ مِنَ الْأَشْرَافِ، وَإِنَّمَا يُكْرِمُ الْأَشْرَافَ وَيُعَظِّمُ حَقَّهُمُ الْأَشْرَافُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا أُرْسِلُوا بِهِ قَالُوهُ، وَلَا كُلُّ مَا تَكَلَّمْتَ بِهِ أَجَابُوكَ عَلَيْهِ، فَجَاوِبْنِي لِأَكُونَ الَّذِي أُبْلِغُكَ وَهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ لِي، فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ سُوءِ الْحَالِ فَهِيَ عَلَى مَا وَصَفْتَ وَأَشَدُّ. ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ سُوءِ عَيْشِ الْعَرَبِ وَإِرْسَالِ اللَّهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِمْ نَحْوَ قَوْلِ النُّعْمَانِ، وَقِتَالِ مَنْ خَالَفَهُمْ أَوِ الْجِزْيَةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اخْتَرْ إِنْ شِئْتَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَأَنْتَ صَاغِرٌ، وَإِنْ شِئْتَ فَالسَّيْفُ، أَوْ تُسْلِمُ فَتُنْجِي نَفْسَكَ. فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمْ! لَا شَيْءَ لَكُمْ عِنْدِي. ثُمَّ اسْتَدْعَى بِوِقْرٍ مِنْ تُرَابٍ فَقَالَ: احْمِلُوهُ عَلَى أَشْرَافِ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ سُوقُوهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَدَائِنِ، ارْجِعُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ فَأَعْلِمُوهُ أَنِّي مُرْسِلٌ إِلَيْهِ رُسْتُمَ حَتَّى يَدْفِنَهُ وَيَدْفِنَكُمْ مَعَهُ فِي خَنْدَقِ الْقَادِسِيَّةِ، ثُمَّ أُورِدُهُ بِلَادَكُمْ حَتَّى أُشْغِلَكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ بِأَشَدَّ مِمَّا نَالَكُمْ مِنْ سَابُورَ. فَقَامَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو لِيَأْخُذَ التُّرَابَ وَقَالَ: أَنَا أَشْرَفُهُمْ، أَنَا سَيِّدُ هَؤُلَاءِ. فَحَمَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ وَخَرَجَ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا، وَأَخَذَ التُّرَابَ وَقَالَ لِسَعْدٍ: أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَانَا اللَّهُ أَقَالِيدَ مُلْكِهِمْ. وَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى جُلَسَاءِ الْمَلِكِ، وَقَالَ الْمَلِكُ لِرُسْتُمَ، وَقَدْ حَضَرَ عِنْدَهُ مِنْ سَابَاطَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ فِي الْعَرَبِ مِثْلَ هَؤُلَاءِ، مَا أَنْتُمْ بِأَحْسَنَ جَوَابًا مِنْهُمْ، وَلَقَدْ صَدَقَنِي الْقَوْمُ، لَقَدْ وُعِدُوا أَمْرًا لَيُدْرِكُنَّهُ أَوْ لَيَمُوتُنَّ عَلَيْهِ، عَلَى أَنِّي وَجَدْتُ أَفْضَلَهُمْ أَحْمَقَهُمْ حَيْثُ حَمَلَ
التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ. فَقَالَ رُسْتُمُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ أَعْقَلُهُمْ. وَتَطَيَّرَ إِلَى ذَلِكَ وَأَبْصَرَهَا دُونَ أَصْحَابِهِ، وَخَرَجَ رُسْتُمُ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ غَضْبَانَ كَئِيبًا، وَبَعَثَ فِي أَثَرِ الْوَفْدِ وَقَالَ لِثِقَتِهِ: إِنْ أَدْرَكَهُمُ الرَّسُولُ تَلَافَيْنَا أَرْضَنَا، وَإِنْ أَعْجَزَهُ سَلَبَكُمُ اللَّهُ أَرْضَكُمْ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ مِنَ الْحِيرَةِ بِفَوَاتِهِمْ، فَقَالَ: ذَهَبَ الْقَوْمُ بِأَرْضِكُمْ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ. وَكَانَ مُنَجِّمًا كَاهِنًا. وَأَغَارَ سَوَادُ بْنُ مَالِكٍ التَّمِيمِيُّ بَعْدَ مَسِيرِ الْوَفْدِ إِلَى يَزْدَجِرْدَ عَلَى النِّجَافِ وَالْفِرَاضِ، فَاسْتَاقَ دَابَّةً مِنْ بَيْنِ بَغْلٍ وَحِمَارٍ وَثَوْرٍ وَأَوْقَرَهَا سُمْكًا، وَصَبَّحَ الْعَسْكَرَ، فَقَسَمَهُ سَعْدٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَهَذَا يَوْمُ الْحِيتَانِ، وَكَانَتِ السَّرَايَا تَسْرِي لِطَلَبِ اللُّحُومِ، فَإِنَّ الطَّعَامَ كَانَ كَثِيرًا عِنْدَهُمْ، فَكَانُوا يُسَمُّونَ الْأَيَّامَ بِهَا: يَوْمُ الْأَبَاقِرِ وَيَوْمُ الْحِيتَانِ. وَبَعَثَ سَعْدٌ سَرِيَّةً أُخْرَى فَأَغَارُوا فَأَصَابُوا إِبِلًا لِبَنِي تَغْلِبَ وَالنَّمِرِ وَاسْتَاقُوهَا وَمَنْ فِيهَا، فَنَحَرَ سَعْدٌ الْإِبِلَ وَقَسَمَهَا فِي النَّاسِ فَأَخْصَبُوا، وَأَغَارَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَلَى النَّهْرَيْنِ فَاسْتَاقَ مَوَاشِيَ كَثِيرَةً وَعَادَ. وَسَارَ رُسْتُمُ مِنْ سَابَاطَ، وَجَمَعَ آلَةَ الْحَرْبِ وَبَعَثَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْجَالِينُوسَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَخَرَجَ هُوَ فِي سِتِّينَ أَلْفًا، وَفِي سَاقَتِهِ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَجَعَلَ فِي مَيْمَنَتِهِ الْهُرْمُزَانَ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ مِهْرَانَ بْنَ بَهْرَامَ الرَّازِيَّ، وَقَالَ رُسْتُمُ لِلْمَلِكِ يُشَجِّعُهُ بِذَلِكَ: إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا الْقَوْمَ فَتَوَجَّهْنَا إِلَى مِلْكِهِمْ فِي دَارِهِمْ حَتَّى نُشْغِلَهُمْ فِي أَصْلِهِمْ وَبِلَادِهِمْ إِلَى أَنْ يَقْبَلُوا الْمُسَالَمَةَ. وَكَانَ خُرُوجُ رُسْتُمَ مِنَ الْمَدَائِنِ فِي سِتِّينَ أَلْفَ مَتْبُوعٍ، وَمَسِيرُهُ عَنْ سَابَاطَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ مَتْبُوعٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَلَمَّا فَصَلَ رُسْتُمُ عَنْ سَابَاطَ كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ الْبِنْذَوَانِ: أَمَّا بَعْدُ فَرُمُّوا حُصُونَكُمْ وَأَعِدُّوا وَاسْتَعِدُّوا، فَكَأَنَّكُمْ بِالْعَرَبِ قَدْ قَارَعُوكُمْ عَنْ أَرْضِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ، وَقَدْ كَانَ مِنْ رَأْيِي مُدَافَعَتُهُمْ وَمُطَاوَلَتُهُمْ حَتَّى تَعُودَ سُعُودُهُمْ نُحُوسًا، فَإِنَّ السَّمَكَةَ قَدْ كَدَّرَتِ الْمَاءَ، وَإِنَّ النَّعَائِمَ قَدْ حَسُنَتْ، وَالزُّهْرَةُ قَدْ حَسُنَتْ، وَاعْتَدَلَ الْمِيزَانُ، وَذَهَبَ بَهْرَامُ، وَلَا أَرَى هَؤُلَاءِ
الْقَوْمَ إِلَّا سَيَظْهَرُونَ عَلَيْنَا، وَيَسْتَوْلُونَ عَلَى مَا يَلِينَا، وَإِنَّ أَشَدَّ مَا رَأَيْتُ أَنَّ الْمَلِكَ قَالَ: لَتَسِيرُنَّ أَوْ لَأَسِيرَنَّ بِنَفْسِي. وَلَقِيَ جَابَانُ رُسْتُمَ عَلَى قَنْطَرَةِ سَابَاطَ، وَكَانَا مُنَجِّمَيْنِ، فَشَكَا إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: أَلَا تَرَى مَا أَرَى؟ فَقَالَ لَهُ رُسْتُمُ: أَمَّا أَنَا فَأُقَادُ بِخِشَاشٍ وَزِمَامٍ، وَلَا أَجِدُ بُدًّا مِنَ الِانْقِيَادِ. ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ بِكُوثَى، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بِكُمْ وَمَاذَا تَطْلُبُونَ؟ فَقَالَ: جِئْنَا نَطْلُبُ مَوْعُودَ اللَّهِ بِمِلْكِ أَرْضِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ إِنْ أَبَيْتُمْ أَنْ تُسْلِمُوا. قَالَ رُسْتُمُ: فَإِنْ قُتِلْتُمْ قَبْلَ ذَلِكَ! قَالَ: مَنْ قُتِلَ مِنَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا أَنْجَزَهُ اللَّهُ مَا وَعَدَهُ، فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ. فَقَالَ رُسْتُمُ: قَدْ وَضَعَنَا إِذَنْ فِي أَيْدِيكُمْ! فَقَالَ: أَعْمَالُكُمْ وَضَعَتْكُمْ فَأَسْلَمَكُمُ اللَّهُ بِهَا، فَلَا يَغُرَنَّكَ مَنْ تَرَى حَوْلَكَ، فَإِنَّكَ لَسْتَ تُجَاوِلُ الْإِنْسَ إِنَّمَا تُجَاوِلُ الْقَدَرَ. فَضَرَبَ عُنُقَهُ، ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ الْبُرْسَ، فَغَصَبَ أَصْحَابُهُ النَّاسَ أَبْنَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَوَقَعُوا عَلَى النِّسَاءِ وَشَرِبُوا الْخُمُورَ، فَضَجَّ أَهْلُهَا إِلَى رُسْتُمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ فَارِسَ، وَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقَ الْعَرَبِيُّ، وَاللَّهِ مَا أَسْلَمَنَا إِلَّا أَعْمَالُنَا، وَاللَّهِ إِنَّ الْعَرَبَ مَعَ هَؤُلَاءِ وَهُمْ لَهُمْ حَرْبٌ أَحْسَنُ سِيرَةً مِنْكُمْ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ يَنْصُرُكُمْ عَلَى الْعَدُوِّ وَيُمَكِّنُ لَكْمُ فِي الْبِلَادِ بِحُسْنِ السِّيرَةِ، وَكَفِّ الظُّلْمِ وَالْوَفَاءِ وَالْإِحْسَانِ، فَإِذَا تَغَيَّرْتُمْ فَلَا يُرَى اللَّهُ إِلَّا مُغَيِّرًا مَا بِكُمْ، وَمَا أَنَا بِآمِنٍ مِنْ أَنْ يَنْزِعَ اللَّهُ سُلْطَانَهُ مِنْكُمْ. وَأُتِيَ بِبَعْضِ مَنْ يُشْكَى مِنْهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةَ، وَدَعَا أَهْلَهَا وَتَهَدَّدَهُمْ وَهَمَّ بِهِمْ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ بُقَيْلَةَ: لَا تَجْمَعْ عَلَيْنَا أَنْ تَعْجِزَ عَنْ نُصْرَتِنَا، وَتَلُومَنَا عَلَى الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِنَا. وَلَمَّا نَزَلَ رُسْتُمُ بِالنَّجَفِ رَأَى كَأَنَّ مَلَكًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَمَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعُمَرُ، فَأَخَذَ الْمَلِكُ سِلَاحَ أَهْلِ فَارِسَ فَخَتَمَهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَفَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عُمَرَ، فَأَصْبَحَ رُسْتُمُ حَزِينًا. وَأَرْسَلَ سَعْدٌ السَّرَايَا وَرُسْتُمُ بِالنَّجَفِ، وَالْجَالِينُوسُ بَيْنَ النَّجَفِ وَالسَّيْلَحِينِ، فَطَافَتْ فِي السَّوَادِ، فَبَعَثَ سَوَادًا وَحُمَيْضَةَ فِي مِائَةِ مِائَةٍ، فَأَغَارُوا عَلَى النَّهْرَيْنِ، وَبَلَغَ رُسْتُمَ الْخَبَرُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ خَيْلًا، وَسَمِعَ سَعْدٌ أَنَّ خَيْلَهُ قَدْ وَغَلَتْ فَأَرْسَلَ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو وَجَابِرًا
الْأَسَدِيَّ فِي آثَارِهِمْ، فَلَقِيَهُمْ عَاصِمٌ وَخَيْلُ فَارِسَ تَحُوشُهُمْ لِيُخَلِّصُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْفُرْسُ هَرَبُوا وَرَجَعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْغَنَائِمِ. وَأَرْسَلَ سَعْدٌ عَمْرَو بْنَ مَعْدِي كَرِبَ وَطُلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّ طَلِيعَةً، فَسَارَا فِي عَشَرَةٍ، فَلَمْ يَسِيرُوا إِلَّا فَرْسَخًا وَبَعْضَ آخَرَ حَتَّى رَأَوْا مَسَالِحَهُمْ وَسَرْحَهُمْ عَلَى الطُّفُوفِ قَدْ مَلَئُوهَا، فَرَجَعَ عَمْرٌو وَمَنْ مَعَهُ، وَأَبَى طُلَيْحَةُ إِلَّا التَّقَدُّمَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ رَجُلٌ فِي نَفْسِكَ غَدْرٌ، وَلَنْ تُفْلِحَ بَعْدَ قَتْلِ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، فَارْجِعْ مَعَنَا. فَأَبَى، فَرَجَعُوا إِلَى سَعْدٍ فَأَخْبَرُوهُ بِقُرْبِ الْقَوْمِ. وَمَضَى طُلَيْحَةُ حَتَّى دَخَلَ عَسْكَرَ رُسْتُمَ، وَبَاتَ فِيهِ يَجُوسُهُ وَيَتَوَسَّمُ، فَهَتَكَ أَطْنَابَ بَيْتِ رَجُلٍ عَلَيْهِ وَاقْتَادَ فَرَسَهُ، ثُمَّ هَتَكَ عَلَى آخَرَ بَيْتَهُ وَحَلَّ فَرَسَهُ، ثُمَّ فَعَلَ بِآخَرَ كَذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ يَعْدُو بِهِ فَرَسُهُ، وَنَذَرَ بِهِ النَّاسُ فَرَكِبُوا فِي طَلَبِهِ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَحِقَهُ فَارِسٌ مِنَ الْجُنْدِ فَقَتَلَهُ طُلَيْحَةُ، ثُمَّ آخَرُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ لَحِقَ بِهِ ثَالِثٌ فَرَأَى مَصْرَعَ صَاحِبَيْهِ، وَهُمَا ابْنَا عَمِّهِ، فَازْدَادَ حَنَقًا، فَلَحِقَ طُلَيْحَةَ، فَكَرَّ عَلَيْهِ طُلَيْحَةُ وَأَسَرَهُ، وَلَحِقَهُ النَّاسُ، فَرَأَوْا فَارِسَيِ الْجُنْدِ قَدْ قُتِلَا وَأُسِرَ الثَّالِثُ وَقَدْ شَارَفَ طُلَيْحَةُ عَسْكَرَهُ، فَأَحْجَمُوا عَنْهُ، وَدَخَلَ طُلَيْحَةُ عَلَى سَعْدٍ وَمَعَهُ الْفَارِسِيُّ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَسَأَلَ التُّرْجُمَانُ الْفَارِسِيَّ، فَطَلَبَ الْأَمَانَ، فَآمَنَهُ سَعْدٌ، قَالَ: أُخْبِرُكُمْ عَنْ صَاحِبِكُمْ هَذَا قَبْلَ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَمَّنْ قِبَلِي، بَاشَرْتُ الْحُرُوبَ مُنْذُ أَنَا غُلَامٌ إِلَى الْآنِ، وَسَمِعْتُ بِالْأَبْطَالِ، وَلَمْ أَسْمَعْ بِمِثْلِ هَذَا، أَنَّ رَجُلًا قَطَعَ فَرْسَخَيْنِ إِلَى عَسْكَرٍ فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفًا، يَخْدِمُ الرَّجُلَ مِنْهُمُ الْخَمْسَةُ وَالْعَشَرَةُ، فَلَمْ يَرْضَ أَنْ يَخْرُجَ كَمَا دَخَلَ حَتَّى سَلَبَ فُرْسَانَ الْجُنْدِ، وَهَتَكَ عَلَيْهِمُ الْبُيُوتَ، فَلَمَّا أَدْرَكْنَاهُ قَتَلَ الْأَوَّلَ وَهُوَ يُعَدُّ بِأَلْفِ فَارِسٍ، ثُمَّ الثَّانِي وَهُوَ نَظِيرُهُ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ أَنَا وَلَا أَظُنُّ أَنَّنِي خَلَّفْتُ مِنْ بَعْدِي مَنْ يَعْدِلُنِي وَأَنَا الثَّائِرُ بِالْقَتِيلَيْنِ، فَرَأَيْتُ الْمَوْتَ وَاسْتُؤْسِرْتُ. ثُمَّ أَخْبَرَهُ عَنِ الْفُرْسِ، وَأَسْلَمَ وَلَزِمَ طُلَيْحَةَ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَاءِ بِالْقَادِسِيَّةِ، وَسَمَّاهُ سَعْدٌ مُسْلِمًا. ثُمَّ سَارَ رُسْتُمُ وَقَدِمَ الْجَالِينُوسُ وَذَا الْحَاجِبِ، فَنَزَلَ الْجَالِينُوسُ بِحِيَالِ زُهْرَةَ مِنْ دُونِ الْقَنْطَرَةِ، وَنَزَلَ ذُو الْحَاجِبِ بِطِيزَنَابَاذَ، وَنَزَلَ رُسْتُمُ بِالْخَرَّارَةِ، ثُمَّ سَارَ رُسْتُمُ فَنَزَلَ بِالْقَادِسِيَّةِ، وَكَانَ بَيْنَ مَسِيرِهِ مِنَ الْمَدَائِنِ وَوُصُولِهِ الْقَادِسِيَّةَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، لَا يَقْدَمُ رَجَاءَ أَنْ
يَضْجَرُوا بِمَكَانِهِمْ فَيَنْصَرِفُوا، وَخَافَ أَنْ يَلْقَى مَا لَقِيَ مَنْ قَبْلَهُ، وَطَاوَلَهُمْ لَوْلَا مَا جَعَلَ الْمَلِكُ يَسْتَعْجِلُهُ وَيُنْهِضُهُ وَيُقَدِّمُهُ، حَتَّى أَقْحَمَهُ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ كَتَبَ إِلَى سَعْدٍ يَأْمُرُهُ بِالصَّبْرِ وَالْمُطَاوَلَةِ أَيْضًا، فَأَعَدَّ لِلْمُطَاوَلَةِ. فَلَمَّا وَصَلَ رُسْتُمُ الْقَادِسِيَّةَ وَقَفَ عَلَى الْعَتِيقِ بِحِيَالِ عَسْكَرِ سَعْدٍ وَنَزَلَ النَّاسُ، فَمَا زَالُوا يَتَلَاحَقُونَ حَتَّى أَعْتَمُوا مِنْ كَثْرَتِهِمْ، وَالْمُسْلِمُونَ مُمْسِكُونَ عَنْهُمْ. وَكَانَ مَعَ رُسْتُمَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ فِيلًا، مِنْهَا فِيلُ سَابُورَ الْأَبْيَضُ، وَكَانَتِ الْفِيَلَةُ تَأْلَفُهُ، فَجَعَلَ فِي الْقَلْبِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فِيلًا، وَفِي الْمُجَنِّبَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ فِيلًا. فَلَمَّا أَصْبَحَ رُسْتُمُ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ رَكِبَ وَسَايَرَ الْعَتِيقَ نَحْوَ خُفَّانَ، حَتَّى أَتَى عَلَى مُنْقَطَعِ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْقَنْطَرَةِ، فَتَأَمَّلَ الْمُسْلِمِينَ وَوَقَفَ عَلَى مَوْضِعٍ يُشْرِفُ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفَ عَلَى الْقَنْطَرَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى زُهْرَةَ فَوَاقَفَهُ، فَأَرَادَهُ عَلَى أَنْ يُصَالِحَهُ وَيَجْعَلَ لَهُ جُعْلًا عَلَى أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصَرِّحَ لَهُ بِذَلِكَ، بَلْ يَقُولُ لَهُ: كُنْتُمْ جِيرَانَنَا، وَكُنَّا نُحْسِنُ إِلَيْكُمْ وَنَحْفَظُكُمْ. وَيُخْبِرُهُ عَنْ صَنِيعِهِمْ مَعَ الْعَرَبِ. فَقَالَ لَهُ زُهْرَةُ: لَيْسَ أَمْرُنَا أَمْرَ أُولَئِكَ، إِنَّنَا لَمْ نَأْتِكُمْ لِطَلَبِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا طَلِبَتُنَا وَهِمَّتُنَا الْآخِرَةُ، وَقَدْ كُنَّا كَمَا ذَكَرْتَ إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ فِينَا رَسُولًا، فَدَعَانَا إِلَى رَبِّهِ، فَأَجَبْنَاهُ، فَقَالَ لِرَسُولِهِ: إِنِّي سَلَّطْتُ هَذِهِ الطَّائِفَةَ عَلَى مَنْ لَمْ يَدِنْ بِدِينِي، فَأَنَا مُنْتَقِمٌ بِهِ مِنْهُمْ، وَأَجْعَلُ لَهُمُ الْغَلَبَةَ مَا دَامُوا مُقِرِّينَ بِهِ، وَهُوَ دِينُ الْحَقِّ لَا يَرْغَبُ عَنْهُ أَحَدٌ إِلَّا ذَلَّ، وَلَا يَعْتَصِمُ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا عَزَّ. فَقَالَ لَهُ رُسْتُمُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: أَمَّا عَمُودُهُ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِهِ فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَيْضًا؟ قَالَ: وَإِخْرَاجُ الْعِبَادِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَحَوَّاءَ إِخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ. قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا! ثُمَّ قَالَ رُسْتُمُ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَجَبْتُ إِلَى هَذَا وَمَعِي قَوْمِي، كَيْفَ يَكُونُ أَمْرُكُمْ، أَتَرْجِعُونَ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ. قَالَ: صَدَقْتَنِي، أَمَّا إِنَّ أَهْلَ فَارِسَ مُنْذُ وَلِيَ أَرْدَشِيرُ لَمْ يَدَعُوا أَحَدًا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ مِنَ السِّفْلَةِ، كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا خَرَجُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ تَعَدُّوا طَوْرَهُمْ وَعَادُوا أَشْرَافَهُمْ. فَقَالَ زُهْرَةُ: نَحْنُ خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ، فَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَكُونَ كَمَا تَقُولُونَ، بَلْ نُطِيعُ اللَّهَ فِي السِّفْلَةِ، وَلَا يَضُرُّنَا مَنْ عَصَى اللَّهَ فِينَا. فَانْصَرَفَ عَنْهُ وَدَعَا رِجَالَ فَارِسَ فَذَاكَرَهُمْ هَذَا فَأَنِفُوا. فَأَرْسَلَ إِلَى سَعْدٍ: أَنِ
ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا نُكَلِّمُهُ وَيُكَلِّمُنَا. فَدَعَا سَعْدٌ جَمَاعَةً لِيُرْسِلَهُمْ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ لَهُ رِبْعِيُّ بْنُ عَامِرٍ: مَتَى نَأْتِهِمْ جَمِيعًا يَرَوْا أَنَا قَدِ احْتَفَلْنَا بِهِمْ، فَلَا تَزِدْهُمْ عَلَى رَجُلٍ. فَأَرْسَلَهُ وَحْدَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَحَبَسُوهُ عَلَى الْقَنْطَرَةِ. وَأُعْلِمَ رُسْتُمُ بِمَجِيئِهِ فَأَظْهَرَ زِينَتَهُ، وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَبَسَطَ الْبُسُطَ وَالنَّمَارِقَ وَالْوَسَائِدَ الْمَنْسُوجَةَ بِالذَّهَبِ، وَأَقْبَلَ رِبْعِيٌّ عَلَى فَرَسِهِ وَسَيْفُهُ فِي خِرْقَةٍ، وَرُمْحُهُ مَشْدُودٌ بِعَصَبٍ وَقَدٍّ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبُسُطِ قِيلَ لَهُ: انْزِلْ، فَحَمَلَ فَرَسَهُ عَلَيْهَا وَنَزَلَ، وَرَبَطَهَا بِوِسَادَتَيْنِ شَقَّهُمَا، وَأَدْخَلَ الْحَبْلَ فِيهِمَا، فَلَمْ يَنْهَوْهُ وَأَرَوْهُ التَّهَاوُنَ، وَعَلَيْهِ دِرْعٌ، وَأَخَذَ عَبَاءَةَ بِعِيرِهِ فَتَدَرَّعَهَا وَشَدَّهَا عَلَى وَسَطِهِ. فَقَالُوا: ضَعْ سِلَاحَكَ. فَقَالَ: لَمْ آتِكُمْ فَأَضَعَ سِلَاحِي بِأَمْرِكُمْ، أَنْتُمْ دَعَوْتُمُونِي. فَأَخْبَرُوا رُسْتُمَ، فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ. فَأَقْبَلَ يَتَوَكَّأُ عَلَى رُمْحِهِ وَيُقَارِبُ خَطْوَهُ، فَلَمْ يَدْعُ لَهُمْ نُمْرُقًا وَلَا بِسَاطًا إِلَّا أَفْسَدَهُ وَهَتَكَهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ رُسْتُمَ جَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ، وَرَكَّزَ رُمْحَهُ عَلَى الْبُسُطِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: إِنَّا لَا نَسْتَحِبُّ الْقُعُودَ عَلَى زِينَتِكُمْ. فَقَالَ لَهُ تُرْجُمَانُ رُسْتُمَ، وَاسْمُهُ عَبُودٌ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالَ: اللَّهُ جَاءَ بِنَا، وَهُوَ بَعَثَنَا لِنُخْرِجَ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سِعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الْإِسْلَامِ، فَأَرْسَلَنَا بِدِينِهِ إِلَى خَلْقِهِ، فَمَنْ قَبِلَهُ قَبِلْنَا مِنْهُ، وَرَجَعْنَا عَنْهُ وَتَرَكْنَاهُ وَأَرْضَهُ دُونَنَا، وَمَنْ أَبَى قَاتَلْنَاهُ حَتَّى نُفْضِيَ إِلَى الْجَنَّةِ أَوِ الظَّفَرِ. فَقَالَ رُسْتُمُ: قَدْ سَمِعْنَا قَوْلَكُمْ، فَهَلْ لَكُمْ أَنْ تُؤَخِّرُوا هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى نَنْظُرَ فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنَّ مِمَّا سَنَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا نُمَكِّنَ الْأَعْدَاءَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، فَنَحْنُ مُتَرَدِّدُونَ عَنْكُمْ ثَلَاثًا، فَانْظُرْ فِي أَمْرِكَ، وَاخْتَرْ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ بَعْدَ الْأَجَلِ: إِمَّا الْإِسْلَامُ وَنَدَعَكَ وَأَرْضَكَ، أَوِ الْجَزَاءُ فَنَقْبَلُ وَنَكُفُّ عَنْكَ، وَإِنِ احْتَجْتَ إِلَيْنَا نَصَرْنَاكَ، أَوِ الْمُنَابَذَةُ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، إِلَّا أَنْ تَبْدَأَ بِنَا، أَنَا كَفِيلٌ بِذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِي. قَالَ أَسَيِّدُهُمْ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، يُجِيرُ أَدْنَاهُمْ عَلَى أَعْلَاهُمْ. فَخَلَا رَسْتُمُ بِرُؤَسَاءِ قَوْمِهِ فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتُمْ كَلَامًا قَطُّ أَعَزَّ وَأَوْضَحَ مِنْ كَلَامِ هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَمِيلَ إِلَى دِينِ هَذَا الْكَلْبِ! أَمَا تَرَى إِلَى ثِيَابِهِ؟ فَقَالَ: وَيْحَكُمْ! لَا تَنْظُرُوا إِلَى الثِّيَابِ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى الرَّأْيِ وَالْكَلَامِ وَالسِّيرَةِ، إِنَّ الْعَرَبَ تَسْتَخِفُّ بِاللِّبَاسِ وَتَصُونُ الْأَحْسَابَ، لَيْسُوا مِثْلَكُمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَرْسَلَ رُسْتُمُ إِلَى سَعْدٍ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا ذَلِكَ الرَّجُلَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ حَذِيفَةَ بْنَ مِحْصَنٍ، فَأَقْبَلَ فِي نَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ الزِّيِّ، وَلَمْ يَنْزِلْ عَنْ فَرَسِهِ، وَوَقَفَ عَلَى
رُسْتُمَ رَاكِبًا. قَالَ لَهُ: انْزِلْ. قَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَقَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بِكَ وَلَمْ يَجِئِ الْأَوَّلُ؟ قَالَ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَنَا يُحِبُّ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَنَا فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَهَذِهِ نَوْبَتِي. فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ فَأَجَابَهُ مِثْلَ الْأَوَّلِ. فَقَالَ رُسْتُمُ: أَوِ الْمُوَادَعَةُ إِلَى يَوْمٍ مَا؟ قَالَ: نَعَمْ، ثَلَاثًا مِنْ أَمْسِ. فَرَدَّهُ وَأَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: وَيْحَكُمْ! أَمَا تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ جَاءَنَا الْأَوَّلُ بِالْأَمْسِ فَغَلَبَنَا عَلَى أَرْضِنَا، وَحَقَّرَ مَا نُعَظِّمُ وَأَقَامَ فَرَسَهُ عَلَى زِبْرِجِنَا، وَجَاءَ هَذَا الْيَوْمَ فَوَقَفَ عَلَيْنَا وَهُوَ فِي يُمْنِ الطَّائِرِ، يَقُومُ عَلَى أَرْضِنَا دُونَنَا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَرْسَلَ: ابْعَثُوا إِلَيْنَا رَجُلًا. فَبَعَثَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ وَعَلَيْهِمُ التِّيجَانُ وَالثِّيَابُ الْمَنْسُوجَةُ بِالذَّهَبِ، وَبُسُطُهُمْ عَلَى غُلْوَةٍ، لَا يُوصَلُ إِلَى صَاحِبِهِمْ حَتَّى يُمْشَى عَلَيْهَا، فَأَقْبَلَ الْمُغِيرَةُ حَتَّى جَلَسَ مَعَ رُسْتُمَ عَلَى سَرِيرِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ وَأَنْزَلُوهُ وَمَعَكُوهُ، وَقَالَ: قَدْ كَانَتْ تَبْلُغُنَا عَنْكُمُ الْأَحْلَامُ، وَلَا أَرَى قَوْمًا أَسْفَهَ مِنْكُمْ، إِنَّا مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَا نَسْتَعْبِدُ بَعْضَنَا بَعْضًا، فَظَنَنْتُ أَنَّكُمْ تُوَاسُونَ قَوْمَكُمْ كَمَا نَتَوَاسَى، فَكَانَ أَحْسَنَ مِنَ الَّذِي صَنَعْتُمْ أَنْ تُخْبِرُونِي أَنَّ بَعْضَكُمْ أَرْبَابُ بَعْضٍ، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَسْتَقِيمُ فِيكُمْ وَلَا يَصْنَعُهُ أَحَدٌ، وَإِنِّي لَمْ آتِكُمْ وَلَكِنْ دَعَوْتُمُونِي، الْيَوْمَ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ مُغَلَّبُونَ، وَأَنَّ مُلْكًا لَا يَقُومُ عَلَى هَذِهِ السِّيرَةِ وَلَا عَلَى هَذِهِ الْعُقُولِ. فَقَالَتِ السِّفْلَةُ: صَدَقَ وَاللَّهِ الْعَرَبِيُّ. وَقَالَتِ الدَّهَاقِينُ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَمَى بِكَلَامٍ لَا تَزَالُ عَبِيدُنَا يَنْزِعُونَ إِلَيْهِ، قَاتَلَ اللَّهُ أَوَّلِينَا حِينَ كَانُوا يُصَغِّرُونَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ! ثُمَّ تَكَلَّمَ رُسْتُمُ فَحَمِدَ قَوْمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُمْ وَقَالَ: لَمْ نَزَلْ مُتَمَكِّنِينَ فِي الْبِلَادِ، ظَاهِرِينَ عَلَى الْأَعْدَاءِ، أَشْرَافًا فِي الْأُمَمِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِثْلُ عِزِّنَا وَسُلْطَانِنَا، نُنْصَرُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُنْصَرُونَ عَلَيْنَا، إِلَّا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالشَّهْرَ لِلذُّنُوبِ، فَإِذَا انْتَقَمَ اللَّهُ مِنَّا وَرَضِيَ عَلَيْنَا رَدَّ لَنَا الْكَرَّةَ عَلَى عَدُوِّنَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأُمَمِ أُمَّةٌ أَصْغَرَ عِنْدَنَا أَمْرًا مِنْكُمْ، كُنْتُمْ أَهْلَ قَشَفٍ وَمَعِيشَةٍ سَيِّئَةٍ لَا نَرَاكُمْ شَيْئًا، وَكُنْتُمْ تَقْصِدُونَنَا إِذَا قَحَطَتْ بِلَادُكُمْ، فَنَأْمُرُ لَكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ثُمَّ نَرُدُّكُمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْكُمْ عَلَى مَا صَنَعْتُمْ إِلَّا الْجُهْدُ فِي بِلَادِكُمْ، فَأَنَا آمِرٌ لِأَمِيرِكُمْ بِكُسْوَةٍ وَبَغْلٍ وَأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَآمِرٌ لِكُلٍّ مِنْكُمْ بِوِقْرِ تَمْرٍ وَتَنْصَرِفُونَ عَنَّا، فَإِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَقْتُلَكُمْ.
فَتَكَلَّمَ الْمُغِيرَةُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَازِقُهُ، فَمَنْ صَنَعَ شَيْئًا فَإِنَّمَا هُوَ يَصْنَعُهُ، وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرْتَ بِهِ نَفْسَكَ وَأَهْلَ بِلَادِكَ فَنَحْنُ نَعْرِفُهُ، فَاللَّهُ صَنَعَهُ بِكُمْ وَوَضَعَهُ فِيكُمْ، وَهُوَ لَهُ دُونَكُمْ، وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرْتَ فِينَا مِنْ سُوءِ الْحَالِ وَالضِّيقِ وَالِاخْتِلَافِ فَنَحْنُ نَعْرِفُهُ وَلَسْنَا نُنْكِرُهُ، وَاللَّهُ ابْتَلَانَا بِهِ وَالدُّنْيَا دُوَلٌ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الشَّدَائِدِ يَتَوَقَّعُونَ الرَّخَاءَ حَتَّى يَصِيرُوا إِلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الرَّخَاءِ يَتَوَقَّعُونَ الشَّدَائِدَ حَتَّى تَنْزِلَ بِهِمْ، وَلَوْ شَكَرْتُمْ مَا آتَاكُمُ اللَّهُ لَكَانَ شُكْرُكُمْ يُقَصِّرُ عَمَّا أُوتِيتُمْ، وَأَسْلَمَكُمْ ضُعْفُ الشُّكْرِ إِلَى تَغَيُّرِ الْحَالِ، وَلَوْ كُنَّا فِيمَا ابْتُلِينَا بِهِ أَهْلَ كُفْرٍ لَكَانَ عَظِيمُ مَا ابْتُلِينَا بِهِ مُسْتَجْلِبًا مِنَ اللَّهِ رَحْمَةً يُرَفِّهُ بِهَا عَنَّا، إِنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - بَعَثَ فِينَا رَسُولًا. ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ الْإِسْلَامِ وَالْجِزْيَةِ وَالْقِتَالِ، وَقَالَ لَهُ: وَإِنَّ عِيَالَنَا قَدْ ذَاقُوا طَعَامَ بِلَادِكُمْ، فَقَالُوا: لَا صَبْرَ لَنَا عَنْهُ. فَقَالَ رُسْتُمُ: إِذًا تَمُوتُونَ دُونَهَا. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: يَدْخُلُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا الْجَنَّةَ وَمَنْ قُتِلَ مِنْكُمُ النَّارَ، وَيَظْفَرُ مَنْ بَقِيَ مِنَّا بِمَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ. فَاسْتَشَاطَ رُسْتُمُ غَضَبًا ثُمَّ حَلَفَ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ الصُّبْحُ غَدًا حَتَّى نَقْتُلَكُمْ أَجْمَعِينَ. وَانْصَرَفَ الْمُغِيرَةُ وَخَلَصَ رُسْتُمُ بِأَهْلِ فَارِسَ وَقَالَ: أَيْنَ هَؤُلَاءِ مِنْكُمْ! هَؤُلَاءِ وَاللَّهِ الرِّجَالُ، صَادِقِينَ كَانُوا أَمْ كَاذِبِينَ، وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ بَلَغَ مِنْ عَقْلِهِمْ وَصَوْنِهِمْ لِسِرِّهِمْ أَنْ لَا يَخْتَلِفُوا، فَمَا قَوْمٌ أَبْلَغَ لِمَا أَرَادُوا مِنْهُمْ، وَلَئِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فَمَا يَقُومُ لِهَؤُلَاءِ شَيْءٌ! فَلُجُّوا وَتَجَلَّدُوا. فَأَرْسَلَ رُسْتُمُ مَعَ الْمُغِيرَةِ وَقَالَ لَهُ: إِذَا قَطَعَ الْقَنْطَرَةَ فَأَعْلِمْهُ أَنَّ عَيْنَهُ تُفْقَأُ غَدًا، فَأَعْلَمَهُ الرَّسُولُ ذَلِكَ: فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: بَشَّرْتَنِي بِخَيْرٍ وَأَجْرٍ، وَلَوْلَا أَنْ أُجَاهِدَ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ أَشْبَاهَكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَتَمَنَّيْتُ أَنَّ الْأُخْرَى ذَهَبَتْ. فَرَجَعَ إِلَى رُسْتُمَ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: أَطِيعُونِي يَا أَهْلَ فَارِسَ، إِنِّي لَأَرَى لِلَّهِ فِيكُمْ نِقْمَةً لَا تَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ سَعْدٌ بَقِيَّةَ ذَوِي الرَّأْيِ فَسَارُوا، وَكَانُوا ثَلَاثَةً، إِلَى رُسْتُمَ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ أَمِيرَنَا يَدْعُوكَ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَنَا وَلَكَ، الْعَافِيَةُ أَنْ تَقْبَلَ مَا دَعَاكَ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَنَرْجِعُ إِلَى أَرْضِنَا، وَتَرْجِعُ إِلَى أَرْضِكَ، وَدَارُكُمْ لَكُمْ وَأَمْرُكُمْ فِيكُمْ، وَمَا أَصَبْتُمْ كَانَ زِيَادَةً لَكُمْ دُونَنَا، وَكُنَّا عَوْنًا لَكُمْ عَلَى أَحَدٍ إِنْ أَرَادَكُمْ، فَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا يَكُونَنَّ هَلَاكُ قَوْمِكَ عَلَى يَدِكَ، وَلَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَنْ تُغْبَطَ بِهَذَا الْأَمْرِ إِلَّا أَنْ تَدْخُلَ فِيهِ، وَتَطْرُدَ بِهِ الشَّيْطَانَ عَنْكَ.
فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْأَمْثَالَ أَوْضَحُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْكَلَامِ، إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَهْلَ جَهْدٍ وَقَشَفٍ لَا تَنْتَصِفُونَ وَلَا تَمْتَنِعُونَ فَلَمْ نُسِئْ جِوَارَكُمْ، وَكُنَّا نَمِيرُكُمْ وَنُحْسِنُ إِلَيْكُمْ، فَلَمَّا طَعِمْتُمْ طَعَامَنَا وَشَرِبْتُمْ شَرَابَنَا وَصَفْتُمْ لِقَوْمِكُمْ ذَلِكَ، وَدَعَوْتُمُوهُمْ ثُمَّ أَتَيْتُمُونَا، وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُنَا كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَ لَهُ كَرْمٌ فَرَأَى فِيهِ ثَعْلَبًا، فَقَالَ: وَمَا ثَعْلَبٌ! فَانْطَلَقَ الثَّعْلَبُ، فَدَعَا الثَّعَالِبَ إِلَى ذَلِكَ الْكَرْمِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ سَدَّ صَاحِبُ الْكَرْمِ النَّقْبَ الَّذِي كُنَّ يَدْخُلْنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُنَّ ; فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الَّذِي حَمَلَكُمْ عَلَى هَذَا: الْحِرْصُ وَالْجَهْدُ، فَارْجِعُوا وَنَحْنُ نَمِيرُكُمْ، فَإِنِّي لَا أَشْتَهِي أَنْ أَقْتُلَكُمْ، وَمَثَلُكُمْ أَيْضًا كَالذُّبَابِ يَرَى الْعَسَلَ فَيَقُولُ: مَنْ يُوصِلُنِي إِلَيْهِ وَلَهُ دِرْهَمَانِ؟ فَإِذَا دَخَلَهُ غَرِقَ وَنَشِبَ، فَيَقُولُ: مَنْ يُخْرِجُنِي وَلَهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ؟ وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّ رَجُلًا وَضَعَ سَلَّةً وَجَعَلَ طَعَامًا فِيهَا، فَأَتَى الْجُرْذَانُ فَخَرَقْنَ السَّلَّةَ، فَدَخَلْنَ فِيهَا، فَأَرَادَ سَدَّهَا فَقِيلَ لَهُ: لَا تَفْعَلْ إِذَنْ يَخْرِقْنَهُ، لَكِنِ انْقُبْ بِحِيَالِهِ، ثُمَّ اجْعَلْ (فِيهَا) قَصَبَةً مُجَوَّفَةً، فَإِذَا دَخَلَهَا الْجُرْذَانُ وَخَرَجْنَ مِنْهَا فَاقْتُلْ كُلَّ مَا خَرَجَ مِنْهَا، وَقَدْ سَدَدْتُ عَلَيْكُمْ (فَإِيَّاكُمْ) أَنْ تَقْتَحِمُوا الْقَصَبَةَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ، فَمَا دَعَاكُمْ إِلَى مَا صَنَعْتُمْ وَلَا أَرَى عَدَدًا وَلَا عُدَّةً! . قَالَ: فَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ، وَذَكَرُوا سُوءَ حَالِهِمْ، وَمَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ إِرْسَالِ رَسُولِهِ، وَاخْتِلَافِهِمْ أَوَّلًا، ثُمَّ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الْجِهَادِ، وَقَالُوا: وَأَمَّا مَا ضَرَبْتَ لَنَا مِنَ الْأَمْثَالِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ إِنَّمَا مَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ غَرَسَ أَرْضًا وَاخْتَارَ لَهَا الشَّجَرَ، وَأَجْرَى إِلَيْهَا الْأَنْهَارَ، وَزَيَّنَهَا بِالْقُصُورِ، وَأَقَامَ فِيهَا فَلَّاحِينَ يَسْكُنُونَ قُصُورَهَا وَيَقُومُونَ عَلَى جِنَانِهَا، فَخَلَا الْفَلَّاحُونَ فِي الْقُصُورِ عَلَى مَا لَا يُحِبُّ، فَأَطَالَ إِمْهَالَهُمْ فَلَمْ يَسْتَحْيُوا، فَدَعَا إِلَيْهَا غَيْرَهُمْ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْهَا، فَإِنْ ذَهَبُوا عَنْهَا تَخَطَّفَهُمُ النَّاسُ وَإِنْ أَقَامُوا فِيهَا صَارُوا خَوَلًا لِهَؤُلَاءِ فَيَسُومُونَهُمُ الْخَسْفَ أَبَدًا ; وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَا نَقُولُ حَقًّا، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا الدُّنْيَا، لَمَا صَبَرْنَا عَنِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنْ لَذِيذِ عَيْشِكُمْ، وَرَأَيْنَا مَنْ بُزُرْجُكُمْ، وَلَقَارَعْنَاكُمْ عَلَيْهِ! . فَقَالَ رُسْتُمُ: أَتَعْبُرُونَ إِلَيْنَا أَمْ نَعْبُرُ إِلَيْكُمْ؟ فَقَالُوا: بَلِ اعْبُرُوا إِلَيْنَا. وَرَجَعُوا مِنْ عِنْدِهِ عَشِيًّا، وَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى النَّاسِ أَنْ يَقِفُوا مَوَاقِفَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: شَأْنُكَمْ وَالْعُبُورَ، فَأَرَادُوا الْقَنْطَرَةَ فَقَالَ: لَا وَلَا كَرَامَةَ! أَمَّا شَيْءٌ غَلَبْنَاكُمْ عَلَيْهِ فَلَنْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ. فَبَاتُوا يُسَكِّرُونَ الْعَتِيقَ حَتَّى الصَّبَاحِ بِالتُّرَابِ وَالْقَصَبِ وَالْبَرَاذِعِ حَتَّى جَعَلُوهُ طَرِيقًا، وَاسْتَتَمَّ بَعْدَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ.
ذكر يوم أرماث
وَرَأَى رُسْتُمُ مِنَ اللَّيْلِ كَأَنَّ مَلَكًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَخَذَ قِسِيَّ أَصْحَابِهِ، فَخَتَمَ عَلَيْهَا، ثُمَّ صَعِدَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاسْتَيْقَظَ مَهْمُومًا وَاسْتَدْعَى خَاصَّتَهُ، فَقَصَّهَا عَلَيْهِمْ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَعِظُنَا لَوِ اتَّعَظْنَا. وَلَمَّا رَكِبَ رُسْتُمُ لِيَعْبُرَ كَانَ عَلَيْهِ دِرْعَانِ وَمِغْفَرٌ، وَأَخَذَ سِلَاحَهُ وَوَثَبَ، فَإِذَا هُوَ عَلَى فَرَسِهِ لَمْ يَضَعْ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ، وَقَالَ: غَدًا نَدُقُّهُمْ دَقًّا! فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَالَ: وَإِنْ لَمْ يَشَأْ! ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا ضَغَا الثَّعْلَبُ حِينَ مَاتَ الْأَسَدُ - يَعْنِي كِسْرَى - وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ سُنَّةَ الْقُرُودِ! فَإِنَّمَا قَالَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَوْهِينًا لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْفُرْسِ، وَإِلَّا فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ الْخَوْفُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَظْهَرَ ذَلِكَ إِلَى مَنْ يَثِقُ بِهِ. [ذِكْرُ يَوْمِ أَرْمَاثَ] لَمَّا عَبَرَ الْفُرْسُ الْعَتِيقَ، جَلَسَ رُسْتُمُ عَلَى سَرِيرِهِ وَضُرِبَ عَلَيْهِ طَيَّارَةٌ، وَعَبَّى فِي الْقَلْبِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فِيلًا، عَلَيْهَا صَنَادِيقُ وَرِجَالٌ، وَفِي الْمُجَنِّبَتَيْنِ ثَمَانِيَةً وَسَبْعَةً، وَأَقَامَ الْجَالِينُوسُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُسْتُمَ رِجَالًا عَلَى كُلِّ دَعْوَةٍ رَجُلًا، أَوَّلُهُمْ عَلَى بَابِ إِيوَانِهِ وَآخِرُهُمْ مَعَ رُسْتُمَ، فَكُلَّمَا فَعَلَ رُسْتُمُ شَيْئًا قَالَ الَّذِي مَعَهُ لِلَّذِي يَلِيهِ: كَانَ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ يَقُولُ الثَّانِي لِلَّذِي يَلِيهِ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى يَزْدَجِرْدَ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ. وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ مَصَافَّهُمْ. وَكَانَ بِسَعْدٍ دَمَامِيلُ وَعِرْقُ النَّسَا فَلَا يَسْتَطِيعُ الْجُلُوسَ، إِنَّمَا هُوَ مُكِبٌّ عَلَى وَجْهِهِ، فِي صَدْرِهِ وِسَادَةٌ عَلَى سَطْحِ الْقَصْرِ يُشْرِفُ عَلَى النَّاسِ، وَالصَّفُّ فِي أَصْلِ حَائِطِهِ، لَوْ أَعْرَاهُ الصَّفُّ فَوَاقَ نَاقَةٍ لَأُخِذَ بِرُمَّتِهِ، فَمَا كَرَثَهُ هَوْلُ تِلْكَ الْأَيَّامِ شَجَاعَةً، وَذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ، وَعَابَهُ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ: نُقَاتِلُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ ... وَسَعْدٌ بِبَابِ الْقَادِسِيَّةِ مُعْصَمُ فَأُبْنَا وَقَدْ آمَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ ... وَنِسْوَةُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أَيِّمُ
فَبَلَغَتْ أَبْيَاتُهُ سَعْدًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا كَاذِبًا وَقَالَ الَّذِي قَالَهُ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَاقْطَعْ عَنِّي لِسَانَهُ! فَإِنَّهُ لَوَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَئِذٍ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَأَصَابَ لِسَانَهُ، فَمَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ، وَنَزَلَ سَعْدٌ إِلَى النَّاسِ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَأَرَاهُمْ مَا بِهِ مِنَ الْقُرُوحِ فِي فَخِذَيْهِ وَأَلْيَتَيْهِ، فَعَذَرَهُ النَّاسُ وَعَلِمُوا حَالَهُ، وَلَمَّا عَجَزَ عَنِ الرُّكُوبِ اسْتَخْلَفَ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ عَلَى النَّاسِ، فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ نَفَرًا مِمَّنْ شَغَبَ عَلَيْهِ فَحَبَسَهُمْ فِي الْقَصْرِ، مِنْهُمْ: أَبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ، وَقَيَّدَهُمْ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ حَبْسُ أَبِي مِحْجَنٍ بِسَبَبِ الْخَمْرِ، وَأَعْلَمَ النَّاسَ أَنَّهُ قَدِ اسْتَخْلَفَ خَالِدًا وَإِنَّمَا يَأْمُرُهُمْ خَالِدٌ، فَسَمِعُوا وَأَطَاعُوا، وَخَطَبَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَذَكَّرَهُمْ مَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَتْحِ الْبِلَادِ، وَمَا نَالَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفُرْسِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَمِيرُ كُلِّ قَوْمٍ، وَأَرْسَلَ سَعْدٌ نَفَرًا مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ وَالنَّجْدَةِ، مِنْهُمُ: الْمُغِيرَةُ، وَحُذَيْفَةُ، وَعَاصِمٌ، وَطُلَيْحَةُ، وَقَيْسٌ الْأَسَدِيُّ، وَغَالِبٌ، وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ وَأَمْثَالُهُمْ، وَمِنَ الشُّعَرَاءِ: الشَّمَّاخُ، وَالْحُطَيْئَةُ، وَأَوْسُ بْنُ مَغْرَاءَ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ وَغَيْرُهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِتَحْرِيضِ النَّاسِ عَلَى الْقِتَالِ، فَفَعَلُوا. وَكَانَ صَفُّ الْمُشْرِكِينَ عَلَى شَفِيرِ الْعَتِيقِ، وَكَانَ صَفُّ الْمُسْلِمِينَ مَعَ حَائِطِ قُدَيْسٍ وَالْخَنْدَقِ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَالْعَتِيقِ، وَمَعَ الْفُرْسِ ثَلَاثُونَ أَلْفَ مُسَلْسَلٍ، وَأَمَرَ سَعْدٌ النَّاسَ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ الْجِهَادِ - وَهِيَ الْأَنْفَالُ - فَلَمَّا قُرِئَتْ هَشَّتْ قُلُوبُ النَّاسِ وَعُيُونُهُمْ وَعَرَفُوا السَّكِينَةَ مَعَ قِرَاءَتِهَا. فَلَمَّا فَرَغَ الْقُرَّاءُ مِنْهَا قَالَ سَعْدٌ: الْزَمُوا مَوَاقِفَكُمْ حَتَّى تُصَلُّوا الظُّهْرَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَإِنِّي مُكَبِّرٌ تَكْبِيرَةً، فَكَبِّرُوا وَاسْتَعِدُّوا، فَإِذَا سَمِعْتُمُ الثَّانِيَةَ فَكَبِّرُوا وَالْبَسُوا عُدَّتَكُمْ، ثُمَّ إِذَا كَبَّرْتُ الثَّالِثَةَ فَكَبِّرُوا، وَلْيُنَشِّطْ فُرْسَانُكُمُ النَّاسَ، فَإِذَا كَبَّرْتُ الرَّابِعَةَ فَازْحَفُوا جَمِيعًا حَتَّى تُخَالِطُوا عَدُوَّكُمْ، وَقُولُوا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. فَلَمَّا كَبَّرَ سَعْدٌ الثَّالِثَةَ بَرَزَ أَهْلُ النَّجَدَاتِ فَأَنْشَبُوا الْقِتَالَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْفُرْسِ أَمْثَالُهُمْ، فَاعْتَوَرُوا الطَّعْنَ وَالضَّرْبَ، وَقَالَ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ:
قَدْ عَلِمَتْ وَارِدَةُ الْمَشَائِحِ ... ذَاتُ اللَّبَانِ وَالْبَيَانِ الْوَاضِحِ أَنِّي سِمَامٌ بَطَلُ الْمَسَالِحِ ... وَفَارِجُ الْأَمْرِ الْمُهِمِّ الْفَادِحِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ هُرْمُزُ، وَكَانَ مِنْ مُلُوكِ الْبَابِ، وَكَانَ مُتَوَّجًا، فَأَسَرَهُ غَالِبٌ، فَجَاءَ بِهِ سَعْدًا وَرَجَعَ، وَخَرَجَ عَاصِمٌ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ بَيْضَاءُ صَفْرَاءُ اللَّبَبْ ... مِثْلُ اللُّجَيْنِ إِذْ تَغَشَّاهُ الذَّهَبْ أَنِّي امْرُؤٌ لَا مَنْ يَعِيبُهُ السَّبَبْ ... مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ يُغْرِيهِ الْعَتَبْ فَطَارَدَ فَارِسِيًّا فَانْهَزَمَ، فَاتَّبَعَهُ عَاصِمٌ حَتَّى خَالَطَ صَفَّهُمْ، فَحَمَوْهُ، فَأَخَذَ عَاصِمٌ رَجُلًا عَلَى بَغْلٍ وَعَادَ بِهِ، وَإِذَا هُوَ خَبَّازُ الْمَلِكِ مَعَهُ مِنْ طَعَامِ الْمَلِكِ وَخَبِيصٌ، فَأَتَى بِهِ سَعْدًا فَنَفَّلَهُ أَهْلَ مَوْقِفِهِ. وَخَرَجَ فَارِسِيٌّ فَطَلَبَ الْبِرَازَ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيِ كَرِبَ، فَأَخَذَهُ وَجَلَدَ بِهِ الْأَرْضَ، فَذَبَحَهُ وَأَخَذَ سِوَارَيْهِ وَمِنْطَقَتَهُ. وَحَمَلَتِ الْفِيَلَةُ عَلَيْهِمْ فَفَرَّقَتْ بَيْنَ الْكَتَائِبِ، فَنَفَرَتِ الْخَيْلُ، وَكَانَتِ الْفُرْسُ قَدْ قَصَدَتْ بَجِيلَةَ بِسَبْعَةَ عَشَرَ فِيلًا، فَنَفَرَتْ خَيْلُ بَجِيلَةَ، فَكَادَتْ بَجِيلَةُ تَهْلِكُ لِنِفَارِ خَيْلِهَا عَنْهَا وَعَمَّنْ مَعَهَا، وَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى بَنِي أَسَدٍ أَنْ دَافِعُوا عَنْ بَجِيلَةَ وَعَمَّنْ مَعَهَا مِنَ النَّاسِ. فَخَرَجَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَحَمَّالُ بْنُ مَالِكٍ فِي كَتَائِبِهِمَا، فَبَاشَرُوا الْفِيَلَةَ حَتَّى عَدَلَهَا رُكْبَانُهَا. وَخَرَجَ إِلَى طُلَيْحَةَ عَظِيمٌ مِنْهُمْ، فَقَتَلَهُ طُلَيْحَةُ، وَقَامَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فِي كِنْدَةَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ لِلَّهِ دَرُّ بَنِي أَسَدٍ! أَيُّ فَرْيٍّ يَفْرُونَ، وَأَيُّ هَذٍّ يَهُذُّونَ عَنْ مَوْقِفِهِمْ،
أَغْنَى كُلُّ قَوْمٍ مَا يَلِيهِمْ، وَأَنْتُمْ تَنْتَظِرُونَ مَنْ يَكْفِيكُمْ، أَشْهَدُ مَا أَحْسَنْتُمْ أُسْوَةَ قَوْمِكُمْ مِنَ الْعَرَبِ. فَنَهَدَ وَنَهَدُوا، فَأَزَالُوا الَّذِينَ بِإِزَائِهِمْ. فَلَمَّا رَأَى الْفُرْسُ مَا يَلْقَى النَّاسُ وَالْفِيَلَةُ مِنْ أَسَدٍ رَمَوْهُمْ بِحَدِّهِمْ وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ وَفِيهِمْ ذُو الْحَاجِبِ، وَالْجَالِينُوسُ. وَالْمُسْلِمُونَ يَنْتَظِرُونَ التَّكْبِيرَةَ الرَّابِعَةَ مِنْ سَعْدٍ، فَاجْتَمَعَتْ حَلْبَةُ فَارِسَ عَلَى أَسَدٍ وَمَعَهُمْ تِلْكَ الْفِيَلَةُ، فَثَبَتُوا لَهُمْ، وَكَبَّرَ سَعْدٌ الرَّابِعَةَ، وَزَحَفَ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ وَرَحَا الْحَرْبِ تَدُورُ عَلَى أَسَدٍ، وَحَمَلَتِ الْفُيُولُ عَلَى الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ فَكَانَتِ الْخُيُولُ تَحِيدُ عَنْهَا. فَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو التَّمِيمِيِّ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بَنِي تَمِيمٍ، أَمَا عِنْدَكُمْ لِهَذِهِ الْفِيَلَةِ مِنْ حِيلَةٍ؟ قَالُوا: بَلَى وَاللَّهِ! ثُمَّ نَادَى فِي رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ رُمَاةٍ، وَآخَرِينَ لَهُمْ ثَقَافَةٌ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّمَاةِ، ذُبُّوا رُكْبَانَ الْفِيَلَةِ عَنْهُمْ بِالنَّبْلِ. وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الثَّقَافَةِ، اسْتَدْبِرُوا الْفِيَلَةَ فَقَطِّعُوا وُضُنَهَا، وَخَرَجَ يَحْمِيهِمْ، وَرَحَا الْحَرْبِ تَدُورُ عَلَى أَسَدٍ، وَقَدْ جَالَتِ الْمَيْمَنَةُ وَالْمَيْسَرَةُ غَيْرَ بَعِيدٍ، وَأَقْبَلَ أَصْحَابُ عَاصِمٍ عَلَى الْفِيَلَةِ فَأَخَذُوا بِأَذْنَابِ تَوَابِيتِهَا، فَقَطَعُوا وُضُنَهَا، وَارْتَفَعَ عُوَاؤُهُمْ، فَمَا بَقِيَ لَهُمْ فِيلٌ إِلَّا أَوَى، وَقُتِلَ أَصْحَابُهَا، وَنُفِّسَ عَنْ أَسَدٍ، وَرَدُّوا فَارِسَ عَنْهُمْ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ، وَاقْتَتَلُوا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ حَتَّى ذَهَبَتْ هَدْأَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ رَجَعَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَأُصِيبَ مِنْ أَسَدٍ تِلْكَ الْعَشِيَّةَ خَمْسُمِائَةٍ، وَكَانُوا رِدْءًا لِلنَّاسِ، وَكَانَ عَاصِمٌ حَامِيَةً لِلنَّاسِ، وَهَذَا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ يَوْمُ أَرْمَاثَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ شَأْسٍ الْأَسَدِيُّ: جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ أَكْنَافِ نِيقٍ ... إِلَى كِسْرَى فَوَافَقَهَا رِعَالَا تَرَكْنَ لَهُمْ عَلَى الْأَقْسَامِ شَجْوًا ... وَبِالْحَقْوَيْنِ أَيَّامًا طِوَالَا قَتَلْنَا رُسْتُمًا وَبَنِيهِ قَسْرًا ... تُشِيرُ الْخَيْلُ فَوْقَهُمُ الْهَيَالَا الْأَبْيَاتِ.
ذكر يوم أغواث
وَكَانَ سَعْدٌ قَدْ تَزَوَّجَ سَلْمَى امْرَأَةَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيِّ بَعْدَهُ بِشَرَافَ، فَلَمَّا جَالَ النَّاسُ يَوْمَ أَرْمَاثَ، وَكَانَ سَعْدٌ لَا يُطِيقُ الْجُلُوسَ، جَعَلَ سَعْدٌ يَتَمَلْمَلُ جَزَعًا فَوْقَ الْقَصْرِ، فَلَمَّا رَأَتْ سَلْمَى مَا يَصْنَعُ الْفُرْسُ قَالَتْ: وَامُثَنَّيَاهْ! وَلَا مُثَنَّى لِلْخَيْلِ الْيَوْمَ! قَالَتْ ذَلِكَ عِنْدَ رَجُلٍ ضَجِرٍ مِمَّا يَرَى فِي أَصْحَابِهِ وَنَفْسِهِ، فَلَطَمَ وَجْهَهَا وَقَالَ: أَيْنَ الْمُثَنَّى عَنْ هَذِهِ الْكَتِيبَةِ الَّتِي تَدُورُ عَلَيْهَا الرَّحَا! يَعْنِي أَسَدًا وَعَاصِمًا. فَقَالَتْ: أَغَيْرَةً وَجُبْنًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَعْذِرُنِي الْيَوْمَ أَحَدٌ إِنْ لَمْ تَعْذِرِينِي وَأَنْتِ تَرَيْنَ مَا بِي! فَتَعَلَّقَهَا النَّاسُ لَمْ يَبْقَ شَاعِرٌ إِلَّا اعْتَدَّ بِهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ غَيْرَ جَبَانٍ وَلَا مَلُومٍ. [ذِكْرُ يَوْمِ أَغْوَاثٍ] وَلَمَّا أَصْبَحَ الْقَوْمُ، وَكَّلَ سَعْدٌ بِالْقَتْلَى وَالْجَرْحَى مَنْ يَنْقُلُهُمْ، فَسُلِّمَ الْجَرْحَى إِلَى النِّسَاءِ لِيَقُمْنَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا الْقَتْلَى فَدُفِنُوا هُنَالِكَ عَلَى مُشَرِّقٍ، وَهُوَ وَادٍ بَيْنَ الْعُذَيْبِ وَعَيْنِ الشَّمْسِ. فَلَمَّا نَقَلَ سَعْدٌ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى طَلَعَتْ نَوَاصِي الْخَيْلِ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَ فَتْحُ دِمَشْقَ قَبْلَ الْقَادِسِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ بِإِرْسَالِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، سَيَّرَهُمْ وَعَلَيْهِمْ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو التَّمِيمِيُّ، فَتَعَجَّلَ الْقَعْقَاعُ، فَقَدِمَ عَلَى النَّاسِ صَبِيحَةَ هَذَا الْيَوْمِ، وَهُوَ يَوْمُ أَغْوَاثٍ، وَقَدْ عَهِدَ إِلَى أَصْحَابِهِ أَنْ يَتَقَطَّعُوا أَعْشَارًا، وَهُمْ أَلْفٌ، كُلَّمَا بَلَغَ عَشَرَةٌ مَدَى الْبَصَرِ سَرَّحُوا عَشَرَةً، فَقَدِمَ أَصْحَابُهُ فِي عَشَرَةٍ، فَأَتَى النَّاسَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَبَشَّرَهُمْ بِالْجُنُودِ، وَحَرَّضَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَقَالَ: اصْنَعُوا كَمَا أَصْنَعُ، وَطَلَبَ الْبِرَازَ، فَقَالُوا فِيهِ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَا يُهْزَمُ جَيْشٌ فِيهِمْ مِثْلُ هَذَا. فَخَرَجَ إِلَيْهِ ذُو الْحَاجِبِ، فَعَرَفَهُ الْقَعْقَاعُ فَنَادَى: يَا لِثَارَاتِ أَبِي عُبَيْدٍ، وَسَلِيطٍ، وَأَصْحَابِ الْجِسْرِ! وَتَضَارَبَا، فَقَتَلَهُ الْقَعْقَاعُ، وَجَعَلَتْ خَيْلُهُ تَرِدُ إِلَى اللَّيْلِ وَتُنَشِّطُ النَّاسَ، وَكَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِالْأَمْسِ مُصِيبَةٌ، وَفَرِحُوا بِقَتْلِ ذِي الْحَاجِبِ، وَانْكَسَرَتِ الْأَعَاجِمُ بِذَلِكَ. وَطَلَبَ الْقَعْقَاعُ الْبِرَازَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْفَيْرُزَانُ وَالْبَنْذَوَانُ، فَانْضَمَّ إِلَى الْقَعْقَاعِ الْحَارِثُ بْنُ ظَبْيَانِ بْنِ الْحَارِثِ - أَحَدُ بَنِي تَيْمِ اللَّاتِ - فَتَبَارَزُوا، فَقَتَلَ الْقَعْقَاعُ الْفَيْرُزَانَ، وَقَتَلَ الْحَارِثُ الْبِنْذَوَانَ، وَنَادَى الْقَعْقَاعُ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، بَاشِرُوهُمْ بِالسُّيُوفِ، فَإِنَّمَا يُحْصَدُ النَّاسُ
بِهَا! فَاقْتَتَلُوا حَتَّى الْمَسَاءِ، فَلَمْ يَرَ أَهْلُ فَارِسَ فِي هَذَا الْيَوْمِ (شَيْئًا) مِمَّا يُعْجِبُهُمْ، وَأَكْثَرَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمُ الْقَتْلَ، وَلَمْ يُقَاتِلُوا فِي هَذَا الْيَوْمِ عَلَى فِيَلٍ، كَانَتْ تَوَابِيتُهَا تَكَسَّرَتْ بِالْأَمْسِ، فَاسْتَأْنَفُوا عَمَلَهَا فَلَمْ يَفْرَغُوا مِنْهَا حَتَّى كَانَ الْغَدُ. وَجَعَلَ الْقَعْقَاعُ كُلَّمَا طَلَعَتْ قِطْعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ، وَيَحْمِلُ وَيَحْمِلُونَ، وَحَمَلَ بَنُو عَمٍّ لِلْقَعْقَاعِ عَشَرَةً عَشَرَةً عَلَى إِبِلٍ قَدْ أَلْبَسُوهَا وَهِيَ مُجَلَّلَةٌ مُبَرْقَعَةٌ، وَأَطَافَتْ بِهِمْ خُيُولُهُمْ تَحْمِيهِمْ، وَأَمَرَهُمُ الْقَعْقَاعُ أَنْ يَحْمِلُوهَا عَلَى خَيْلِ الْفُرْسِ يَتَشَبَّهُونَ بِالْفِيَلَةِ، فَفَعَلُوا بِهِمْ هَذَا الْيَوْمَ، وَهُوَ يَوْمُ أَغْوَاثٍ، كَمَا فَعَلَتْ فَارِسُ يَوْمَ أَرْمَاثَ، فَجَعَلَتْ خَيْلُ الْفُرْسِ تَفِرُّ مِنْهَا، وَرَكِبَتْهَا خُيُولُ الْمُسْلِمِينَ. فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ اسْتَنُّوا بِهِمْ، فَلَقِيَ الْفُرْسُ مِنَ الْإِبِلِ أَعْظَمَ مِمَّا لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْفِيَلَةِ. وَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ تَمِيمٍ عَلَى رُسْتُمَ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَقُتِلَ دُونَهُ. وَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ فَارِسَ يُبَارِزُ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ الْأَعْرَفُ بْنُ الْأَعْلَمِ الْعَقِيلِيُّ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ إِلَيْهِ آخَرُ فَقَتَلَهُ، وَأَحَاطَتْ بِهِ فَوَارِسُ مِنْهُمْ فَصَرَعُوهُ وَأَخَذُوا سِلَاحَهُ، فَغَبَّرَ فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ حَتَّى رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ. وَحَمَلَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَئِذٍ ثَلَاثِينَ حَمْلَةً، كُلَّمَا طَلَعَتْ قِطْعَةٌ حَمَلَ حَمْلَةً وَأَصَابَ فِيهَا وَقَتَلَ، كَانَ آخِرُهُمْ بُزُرْجُمِهْرَ الْهَمَذَانِيَّ. وَبَارَزَ الْأَعْوَرُ بْنُ قُطْبَةَ شَهْرَيَارَ سِجِسْتَانَ فَقَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَقَاتَلَتِ الْفُرْسَانُ إِلَى انْتِصَافِ النَّهَارِ. فَلَمَّا اعْتَدَلَ النَّهَارُ تَزَاحَفَ النَّاسُ، فاَقْتَتَلُوا حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ، فَكَانَتْ لَيْلَةُ أَرْمَاثَ تُدْعَى الْهَدْأَةَ، وَلَيْلَةُ أَغَوَاثٍ تُدْعَى السَّوَادَ، وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ (فِي) يَوْمِ أَغْوَاثٍ الظَّفَرَ، وَقَتَلُوا فِيهِ عَامَّةَ أَعْلَامِهِمْ، وَحَالَتْ فِيهِ خَيْلُ الْقَلْبِ وَثَبَتَ رَجْلُهُمْ، فَلَوْلَا أَنَّ خَيْلَهُمْ عَادَتْ أُخِذَ رُسْتُمُ أَخْذًا. وَبَاتَ النَّاسُ عَلَى مَا بَاتَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ لَيْلَةَ أَرْمَاثَ، وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ يَنْتَمُونَ. فَلَمَّا سَمِعَ سَعْدٌ ذَلِكَ قَالَ لِبَعْضِ مَنْ عِنْدَهُ: إِنْ تَمَّ النَّاسُ عَلَى الِانْتِمَاءِ فَلَا تُوقِظْنِي فَإِنَّهُمْ أَقْوِيَاءُ، وَإِنْ سَكَتُوا وَلَمْ يَنْتَمِ الْآخَرُونَ فَلَا تُوقِظْنِي، فَإِنَّهُمْ عَلَى السَّوَاءِ، فَإِنْ سَمِعْتَهُمْ يَنْتَمُونَ فَأَيْقِظْنِي فَإِنَّ انْتِمَائَهُمْ عَنِ السَّوْءِ. وَلَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَكَانَ أَبُو مِحْجَنٍ قَدْ حُبِسَ وَقُيِّدَ فَهُوَ فِي الْقَصْرِ، قَالَ لِسَلْمَى زَوْجِ سَعْدٍ: هَلْ لَكِ أَنْ تُخَلِّي عَنِّي وَتُعِيرِينِي الْبَلْقَاءَ؟ فَلِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكِ حَتَّى أَضَعَ رِجْلِي فِي قَيْدِي. فَأَبَتْ، فَقَالَ:
كَفَى حَزَنًا أَنْ تَرْدَى الْخَيْلُ بِالْقَنَا ... وَأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَيَّ وَثَاقِيَا إِذَا قُمْتُ عَنَّانِي الْحَدِيدُ وَأُغْلِقَتْ ... مَصَارِيعُ دُونِي قَدْ تُصِمُّ الْمُنَادِيَا وَقَدْ كُنْتُ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَإِخْوَةٍ ... فَقَدْ تَرَكُونِي وَاحِدًا لَا أَخَا لِيَا وَلِلَّهِ عَهْدٌ لَا أَخِيسُ بِعَهْدِهِ ... لَئِنْ فُرِّجَتْ أَنْ لَا أَزُورَ الْحَوَانِيَا فَرَقَّتْ لَهُ سَلْمَى وَأَطْلَقَتْهُ، وَأَعْطَتْهُ الْبَلْقَاءَ فَرَسَ سَعْدٍ، فَرَكِبَهَا حَتَّى إِذَا كَانَ بِحِيَالِ الْمَيْمَنَةِ كَبَّرَ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى مَيْسَرَةِ الْفُرْسِ، ثُمَّ رَجَعَ خَلْفَ الْمُسْلِمِينَ، وَحَمَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ، وَكَانَ يَقْصِفُ النَّاسَ قَصْفًا مُنْكَرًا، وَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْهُ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مِنْ أَصْحَابِ هَاشِمٍ أَوْ هَاشِمٌ نَفْسُهُ، وَكَانَ سَعْدٌ يَقُولُ: لَوْلَا مَحْبَسُ أَبِي مِحْجَنٍ لَقُلْتُ هَذَا أَبُو مِحْجَنٍ وَهَذِهِ الْبَلْقَاءُ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذَا الْخَضِرُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْلَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تُبَاشِرُ الْحَرْبَ لَقُلْنَا إِنَّهُ مَلَكٌ. فَلَمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ وَتَرَاجَعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْفُرْسُ عَنِ الْقِتَالِ أَقْبَلَ أَبُو مِحْجَنٍ فَدَخَلَ الْقَصْرَ وَأَعَادَ رِجْلَيْهِ فِي الْقَيْدِ وَقَالَ: لَقَدْ عَلِمَتْ ثَقِيفٌ غَيْرَ فَخْرٍ بِأَنَّا نَحْنُ أَكْرَمُهُمْ سُيُوفَا وَأَكْثَرُهُمْ دُرُوعًا سَابِغَاتٍ وَأَصْبَرُهُمْ إِذَا كَرِهُوا الْوُقُوفَا
ذكر يوم عماس
وَأَنَا وَفْدُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ ... فَإِنْ عُمُّوا فَسَلْ بِهِمْ عَرِيفَا وَلَيْلَةَ قَادِسٍ لَمْ يَشْعُرُوا بِي ... وَلَمْ أُشْعِرْ بِمَخْرَجِي الزُّحُوفَا فَإِنْ أُحْبَسْ فَذَلِكُمْ بَلَائِي ... وَإِنْ أُتْرَكْ أُذِيقُهُمُ الْحُتُوفَا فَقَالَتْ لَهُ سَلْمَى: فِي أَيِّ شَيْءٍ حَبَسَكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا حَبَسَنِي بِحَرَامٍ أَكَلْتُهُ وَلَا شَرِبْتُهُ، وَلَكِنَّنِي كُنْتُ صَاحِبَ شَرَابٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَا امْرُؤٌ شَاعِرٌ يَدِبُّ الشِّعْرُ عَلَى لِسَانِي، فَقُلْتُ: إِذَا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى أَصْلِ كَرْمَةٍ ... تُرّوِّي عِظَامِي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقُهَا وَلَا تَدْفِنَنِّي بِالْفَلَاةِ فَإِنَّنِي ... أَخَافُ إِذَا مَا مِتُّ أَنْ لَا أَذُوقَهَا فَلِذَلِكَ حَبَسَنِي. فَلَمَّا أَصْبَحَتْ أَتَتْ سَعْدًا فَصَالَحَتْهُ، وَكَانَتْ مُغَاضِبَةً لَهُ، وَأَخْبَرَتْهُ بِخَبَرِ أَبِي مِحْجَنٍ، فَأَطْلَقَهُ فَقَالَ: اذْهَبْ فَمَا أَنَا مُؤَاخِذُكَ بِشَيْءٍ تَقُولُهُ حَتَّى تَفْعَلَهُ. قَالَ: لَا جَرَمَ، [وَاللَّهِ] لَا أُجِيبُ لِسَانِي إِلَى [صِفَةِ] قَبِيحٍ أَبَدًا! [ذِكْرُ يَوْمِ عِمَاسَ] ثُمَّ أَصْبَحُوا الْيَوْمَ الثَّالِثَ وَهُمْ عَلَى مَوَاقِفِهِمْ، وَبَيْنَ الصَّفَّيْنِ مِنْ قَتْلَى الْمُسْلِمِينَ أَلْفَانِ مِنْ جَرِيحٍ وَمَيِّتٍ، وَمِنَ الْمُشْرِكِينَ عَشَرَةُ آلَافٍ، فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَنْقُلُونَ قَتْلَاهُمْ إِلَى الْمَقَابِرِ وَالْجَرْحَى إِلَى النِّسَاءِ، وَكَانَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَحْفِرُونَ الْقُبُورَ، وَكَانَ عَلَى الشُّهَدَاءِ حَاجِبُ بْنُ زَيْدٍ. وَأَمَّا قَتْلَى الْمُشْرِكِينَ فَبَيْنَ الصَّفَّيْنِ لَمْ يُنْقَلُوا، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا
قَوَّى الْمُسْلِمِينَ، وَبَاتَ الْقَعْقَاعُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ يُسَرِّبُ أَصْحَابَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي فَارَقَهُمْ فِيهِ وَقَالَ: إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَقْبِلُوا مِائَةً مِائَةً، فَإِنْ جَاءَ هَاشِمٌ فَذَاكَ وَإِلَّا جَدَّدْتُمْ لِلنَّاسِ رَجَاءً وَجِدًّا وَلَا يَشْعُرُ بِهِ أَحَدٌ. وَأَصْبَحَ النَّاسُ عَلَى مَوَاقِفِهِمْ، فَلَمَّا ذَرَّ قَرْنُ الشَّمْسِ أَقْبَلَ أَصْحَابُ الْقَعْقَاعِ، فَحِينَ رَآهُمْ كَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ وَتَقَدَّمُوا وَتَكَتَّبَتِ الْكَتَائِبُ وَاخْتَلَفُوا الضَّرْبَ وَالطَّعْنَ وَالْمَدَدُ مُتَتَابِعٌ، فَمَا جَاءَ آخِرُ أَصْحَابِ الْقَعْقَاعِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ هَاشِمٌ، فَأُخْبِرَ بِمَا صَنَعَ الْقَعْقَاعُ، فَعَبَّى أَصْحَابَهُ سَبْعِينَ سَبْعِينَ، وَكَانَ فِيهِمْ قَيْسُ بْنُ هُبَيْرَةَ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الْمَعْرُوفُ بِقَيْسِ بْنِ الْمَكْشُوفِ الْمُرَادِيِّ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْأَيَّامِ إِنَّمَا كَانَ بِالْيَرْمُوكِ، فَانْتُدِبَ مَعَ هَاشِمٍ حَتَّى إِذَا خَالَطَ الْقَلْبَ كَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالَ: أَوَّلُ قِتَالٍ الْمُطَارَدَةُ ثُمَّ الْمُرَامَاةُ ; ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ يُقَاتِلُهُمْ حَتَّى خَرَقَ صَفَّهُمْ إِلَى الْعَتِيقِ ثُمَّ عَادَ. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ بَاتُوا يَعْمَلُونَ تَوَابِيتَهُمْ، حَتَّى أَعَادُوا وَأَصْبَحُوا عَلَى مَوَاقِفِهِمْ، وَأَقْبَلَتِ الرَّجَّالَةُ مَعَ الْفِيَلَةِ يَحْمُونَهَا أَنْ تُقْطَعَ وُضُنُهَا، وَمَعَ الرَّجَّالَةِ فُرْسَانٌ يَحْمُونَهُمْ، فَلَمْ تَنْفِرِ الْخَيْلُ مِنْهُمْ كَمَا كَانَتْ بِالْأَمْسِ، لِأَنَّ الْفِيلَ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ كَانَ أَوْحَشَ، وَإِذَا طَافُوا بِهِ كَانَ آنَسَ، وَكَانَ يَوْمُ عِمَاسَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ شَدِيدًا، الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَلَا تَكُونُ بَيْنَهُمْ نُقْطَةٌ إِلَّا أَبْلَغُوهَا يَزْدَجِرْدَ بِالْأَصْوَاتِ، فَيَبْعَثُ إِلَيْهِمْ أَهْلَ النَّجَدَاتِ مِمَّنْ عِنْدَهُ، فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَلْهَمَ الْقَعْقَاعَ مَا فَعَلَ فِي الْيَوْمَيْنِ وَإِلَّا كَسَرَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَاتَلَ قَيْسُ بْنُ الْمَكْشُوحِ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ مَعَ هَاشِمٍ، قِتَالًا شَدِيدًا وَحَرَّضَ أَصْحَابَهُ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: إِنِّي حَامِلٌ عَلَى الْفِيلِ وَمَنْ حَوْلَهُ، لِفِيلٍ بِإِزَائِهِ، فَلَا تَدَعُونِي أَكْثَرَ مِنْ جَزْرِ جَزُورٍ، فَإِنْ تَأَخَّرْتُمْ عَنِّي فَقَدْتُمْ أَبَا ثَوْرٍ، يَعْنِي نَفْسَهُ، وَأَيْنَ لَكُمْ مِثْلُ أَبِي ثَوْرٍ! فَحَمَلَ وَضَرَبَ فِيهِمْ حَتَّى سَتَرَهُ الْغُبَارُ وَحَمَلَ بِأَصْحَابِهِ فَأَفْرَجَ الْمُشْرِكُونَ عَنْهُ بَعْدَمَا صَرَعُوهُ، وَإِنَّ سَيْفَهُ لَفِي يَدِهِ يُصَارِمُهُمْ، وَقَدْ طُعِنَ فَرَسُهُ، فَأَخَذَ بِرِجْلِ فَرَسٍ أَعْجَمِيٍّ فَلَمْ يُطِقِ الْجَرْيَ، فَنَزَلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ إِلَى أَصْحَابِهِ وَرَكِبَ عَمْرٌو. وَبَرَزَ فَارِسِيٌّ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهُ شَبْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَكَانَ قَصِيرًا، فَتَرَجَّلَ الْفَارِسِيُّ إِلَيْهِ فَاحْتَمَلَهُ وَجَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ أَخَذَ سَيْفَهُ لِيَذْبَحَهُ، وَمِقْوَدُ فَرَسِهِ مَشْدُودٌ فِي مِنْطَقَتِهِ، فَلَمَّا
ذكر ليلة الهرير وقتل رستم
سَلَّ سَيْفَهُ نَفَرَ الْفَرَسُ، فَجَذَبَهُ الْمِقْوَدُ فَقَلَبَهُ عَنْهُ، وَتَبِعَهُ الْمُسْلِمُ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ فَبَاعَهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. فَلَمَّا رَأَى سَعْدٌ الْفُيُولَ قَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْكَتَائِبِ وَعَادَتْ لِفِعْلِهَا، أَرْسَلَ إِلَى الْقَعْقَاعِ وَعَاصِمِ ابْنَيْ عَمْرٍو: اكْفِيَانِي الْأَبْيَضَ، وَكَانَتْ كُلُّهَا آلِفَةً لَهُ، وَكَانَ بِإِزَائِهِمَا، وَقَالَ لِحَمَّالٍ وَالرِّبِّيلِ: اكْفِيَانِي الْأَجْرَبَ، وَكَانَ بِإِزَائِهِمَا، فَأَخَذَ الْقَعْقَاعُ وَعَاصِمٌ رُمْحَيْنِ، وَتَقَدَّمَا فِي خَيْلٍ وَرَجْلٍ، وَفَعَلَ حَمَّالٌ وَالرِّبِّيلُ مِثْلَ فِعْلِهِمَا، فَحَمَلَ الْقَعْقَاعُ وَعَاصِمٌ فَوَضَعَا رُمْحَيْهِمَا فِي عَيْنِ الْفِيلِ الْأَبْيَضِ فَنَفَضَ رَأْسَهُ فَطَرَحَ سَائِسَهُ وَدَلَّى مِشْفَرَهُ، فَضَرَبَهُ الْقَعْقَاعُ فَرَمَى بِهِ، وَوَقَعَ لِجَنْبِهِ، وَقَتَلُوا مَنْ كَانَ عَلَيْهِ، وَحَمَلَ حَمَّالٌ وَالرِّبِّيلُ الْأَسَدِيَّانِ عَلَى الْفِيلِ الْآخَرِ فَطَعَنَهُ حَمَّالٌ فِي عَيْنِهِ، فَأَقْعَى ثُمَّ اسْتَوَى، وَضَرَبَهُ الرِّبِّيلُ فَأَبَانَ مِشْفَرَهُ، وَبَصُرَ بِهِ سَائِسُهُ فَبَقَرَ أَنْفَهَ وَجَبِينَهُ بِالطَّبْرَزِينَ، فَأَفْلَتَ الرِّبِّيلُ جَرِيحًا، فَبَقِيَ الْفِيلُ جَرِيحًا مُتَحَيِّرًا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، كُلَّمَا جَاءَ صَفَّ الْمُسْلِمِينَ وَخَزُوهُ، وَإِذَا أَتَى صَفَّ الْمُشْرِكِينَ نَخَسُوهُ. وَوَلَّى الْفِيلُ، وَكَانَ يُدْعَى الْأَجْرَبَ، وَقَدْ عَوَّرَ حَمَّالٌ عَيْنَيْهِ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْعَتِيقِ، فَاتَّبَعَتْهُ الْفِيَلَةُ فَخَرَقَتْ صَفَّ الْأَعَاجِمِ، فَعَبَرَتْ فِي أَثَرِهِ، فَأَتَتِ الْمَدَائِنَ فِي تَوَابِيتِهَا، وَهَلَكَ مَنْ فِيهَا. فَلَمَّا ذَهَبَتِ الْفِيَلَةُ وَخَلَصَ الْمُسْلِمُونَ وَالْفُرْسُ، وَمَالَ الظِّلُّ، تَزَاحَفَ الْمُسْلِمُونَ، فَاجْتَلَدُوا حَتَّى أَمْسَوْا وَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ. فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ اشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ فَخَرَجَا عَلَى السَّوَاءِ. [ذِكْرُ لَيْلَةِ الْهَرِيرِ وَقَتْلِ رُسْتُمَ] قِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَرْكِهِمُ الْكَلَامَ إِنَّمَا كَانُوا يَهِرُّونَ هَرِيرًا، وَأَرْسَلَ سَعْدٌ طُلَيْحَةَ وَعَمْرًا لَيْلَةَ الْهَرِيرِ إِلَى مَخَاضَةٍ أَسْفَلَ الْعَسْكَرِ، لِيَقُومُوا عَلَيْهَا خَشْيَةَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْقَوْمُ مِنْهَا. فَلَمَّا أَتَيَاهَا قَالَ طُلَيْحَةُ: لَوْ خُضْنَا وَأَتَيْنَا الْأَعَاجِمَ مِنْ خَلْفِهِمْ. قَالَ عَمْرٌو: بَلْ نَعْبُرُ أَسْفَلَ. فَافْتَرَقَا، وَأَخَذَ طُلَيْحَةُ وَرَاءَ الْعَسْكَرِ وَكَبَّرَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ ذَهَبَ وَقَدِ ارْتَاعَ أَهْلُ فَارِسَ وَتَعَجَّبَ الْمُسْلِمُونَ، وَطَلَبَهُ الْأَعَاجِمُ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ.
وَأَمَّا عَمْرٌو فَإِنَّهُ أَغَارَ أَسْفَلَ الْمَخَاضَةِ وَرَجَعَ، وَخَرَجَ مَسْعُودُ بْنُ مَالِكٍ الْأَسَدِيُّ، وَعَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو، وَابْنُ ذِي الْبُرْدَيْنِ الْهِلَالِيُّ، وَابْنُ ذِي السَّهْمَيْنِ، وَقَيْسُ بْنُ هُبَيْرَةَ الْأَسَدِيُّ وَأَشْبَاهُهُمْ فَطَارَدُوا الْقَوْمَ، فَإِذَا هُمْ لَا يَشُدُّونَ وَلَا يُرِيدُونَ غَيْرَ الزَّحْفِ، فَقَدَّمُوا صُفُوفَهُمْ وَزَاحَفَهُمُ النَّاسُ بِغَيْرِ إِذَنْ سَعْدٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ زَاحَفَهُمُ الْقَعْقَاعُ، وَقَالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ اغْفِرْهَا لَهُ وَانْصُرْهُ، فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ إِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنِّي. ثُمَّ قَالَ: أَرَى الْأَمْرَ مَا فِيهِ هَذَا، فَإِذَا كَبَّرْتُ ثَلَاثًا فَاحْمِلُوا، وَكَبَّرَ وَاحِدَةً فَلَحِقَهُمْ أَسَدٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْهَا لَهُمْ وَانْصُرْهُمْ. ثُمَّ حَمَلَتِ النَّخَعُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْهَا لَهُمْ وَانْصُرْهُمْ. ثُمَّ حَمَلَتْ بَجِيلَةُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْهَا لَهُمْ وَانْصُرْهُمْ. ثُمَّ حَمَلَتْ كِنْدَةُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْهَا لَهُمْ وَانْصُرْهُمْ. ثُمَّ زَحَفَ الرُّؤَسَاءُ وَرَحَا الْحَرْبِ تَدُورُ عَلَى الْقَعْقَاعِ، وَتَقَدَّمَ حَنْظَلَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأُمَرَاءُ الْأَعْشَارِ، وَطُلَيْحَةُ، وَغَالِبٌ، وَحَمَّالٌ، وَأَهْلُ النَّجَدَاتِ، وَلَمَّا كَبَّرَ الثَّالِثَةَ لَحِقَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَخَالَطُوا الْقَوْمَ، وَاسْتَقَبَلُوا اللَّيْلَ اسْتِقْبَالًا بَعْدَمَا صَلَّوُا الْعِشَاءَ، وَكَانَ صَلِيلُ الْحَدِيدِ فِيهَا كَصَوْتِ الْقُيُونِ لَيْلَتَهُمْ إِلَى الصَّبَاحِ، وَأَفْرَغَ اللَّهُ الصَّبْرَ عَلَيْهِمْ إِفْرَاغًا، وَبَاتَ سَعْدٌ بِلَيْلَةٍ لَمْ يَبِتْ بِمِثْلِهَا، وَرَأَى الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ أَمْرًا لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ، وَانْقَطَعَتِ الْأَخْبَارُ وَالْأَصْوَاتُ عَنْ سَعْدٍ وَرُسْتُمَ، وَأَقْبَلَ سَعْدٌ عَلَى الدُّعَاءِ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ انْتَمَى النَّاسُ، فَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمُ الْأَعْلَوْنَ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعَهُ نِصْفَ اللَّيْلِ الْبَاقِي صَوْتَ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ يَقُولُ: نَحْنُ قَتَلْنَا مَعْشَرًا وَزَائِدًا ... أَرْبَعَةً وَخَمْسَةً وَوَاحِدَا نُحْسَبُ فَوْقَ اللِّبَدِ وَالْأَسَاوِدَا ... حَتَّى إِذَا مَاتُوا دَعَوْتُ جَاهِدَا اللَّهُ رَبِّي وَاحْتَرَزْتُ عَامِدَا وَقَتَلَتْ كِنْدَةُ تُرْكًا الطَّبَرِيَّ، وَكَانَ مُقَدَّمًا فِيهِمْ. وَأَصْبَحَ النَّاسُ لَيْلَةَ الْهَرِيرِ وَتُسَمَّى لَيْلَةَ الْقَادِسِيَّةِ مِنْ بَيْنِ تِلْكَ اللَّيَالِي وَهُمْ حَسْرَى، لَمْ يُغْمِضُوا لَيْلَتَهُمْ كُلَّهَا. فَسَارَ الْقَعْقَاعُ فِي النَّاسِ فَقَالَ: إِنَّ الدَّائِرَةَ بَعْدَ سَاعَةٍ لِمَنْ بَدَأَ الْقَوْمَ، فَاصْبِرُوا سَاعَةً وَاحْمِلُوا، فَإِنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ. فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّؤَسَاءِ وَصَمَدُوا لِرُسْتُمَ حَتَّى خَالَطُوا الَّذِينَ دُونَهُ مَعَ الصُّبْحِ. فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ الْقَبَائِلُ قَامَ فِيهَا رُؤَسَاؤُهُمْ وَقَالُوا: لَا يَكُونَنَّ هَؤُلَاءِ أَجَدَّ فِي أَمْرِ اللَّهِ مِنْكُمْ، وَلَا هَؤُلَاءِ، يَعْنِي الْفُرْسَ، أَجْرَأَ عَلَى الْمَوْتِ مِنْكُمْ. فَحَمَلُوا فِيمَا يَلِيهِمْ، وَخَالَطُوا مَنْ بِإِزَائِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا حَتَّى
قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ زَالَ الْفَيْرُزَانُ وَالْهُرْمُزَانُ، فَتَأَخَّرَا وَثَبَتَا حَيْثُ انْتَهَيَا، وَانْفَرَجَ الْقَلْبُ، وَرَكَدَ عَلَيْهِمُ النَّقْعُ وَهَبَّتْ رِيحٌ عَاصِفٌ فَقَلَعَتْ طَيَّارَةَ رُسْتُمَ عَنْ سَرِيرِهِ، فَهَوَتْ فِي الْعَتِيقِ، وَهِيَ دَبُورُ، وَمَالَ الْغُبَارُ عَلَيْهِمْ، وَانْتَهَى الْقَعْقَاعُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى السَّرِيرِ فَعَثَرُوا بِهِ، وَقَدْ قَامَ رُسْتُمُ عَنْهُ حِينَ أَطَارَتِ الرِّيحُ الطَّيَّارَةَ إِلَى بِغَالٍ قَدْ قَدِمَتْ عَلَيْهِ بِمَالٍ، فَهِيَ وَاقِفَةٌ، فَاسْتَظَلَّ فِي ظِلِّ بَغْلٍ وَحِمْلِهِ، وَضَرَبَ هِلَالُ بْنُ عُلَّفَةَ الْحِمْلَ الَّذِي تَحْتَهُ رُسْتُمُ، فَقَطَعَ حِبَالَهُ، وَوَقَعَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْعِدْلَيْنِ، وَلَا يَرَاهُ هِلَالٌ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ، فَأَزَالَ عَنْ ظَهْرِهِ فَقَارًا، وَضَرَبَهُ هِلَالٌ ضَرْبَةً فَنَفَحَتْ مِسْكًا. وَمَضَى رُسْتُمُ نَحْوَ الْعَتِيقِ فَرَمَى بِنَفْسِهِ فِيهِ، وَاقْتَحَمَهُ هِلَالٌ عَلَيْهِ وَأَخَذَ بِرِجْلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ فَضَرَبَ جَبِينَهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهُ، ثُمَّ أَلْقَاهُ بَيْنَ أَرْجُلِ الْبِغَالِ، ثُمَّ صَعِدَ السَّرِيرَ وَقَالَ: قَتَلْتُ رُسْتُمَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! إِلَيَّ إِلَيَّ! فَأَطَافُوا بِهِ وَكَبَّرُوا، فَنَفَّلَهُ سَعْدٌ سَلَبَهُ، وَكَانَ قَدْ أَصَابَهُ الْمَاءُ وَلَمْ يَظْفَرْ بِقَلَنْسُوَتِهِ، وَلَوْ ظَفِرَ بِهَا لَكَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَةَ أَلْفٍ. وَقِيلَ: إِنَّ هِلَالًا لَمَّا قَصَدَ رُسْتُمَ رَمَاهُ رُسْتُمُ بِنَشَّابَةٍ أَثْبَتْ قَدَمَهُ بِالرِّكَابِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ هِلَالٌ فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ احْتَزَّ رَأْسَهُ وَعَلَّقَهُ وَنَادَى: قَتَلْتُ رُسْتُمَ! فَانْهَزَمَ قَلْبُ الْمُشْرِكِينَ. وَقَامَ الْجَالِينُوسُ عَلَى الرَّدْمِ، وَنَادَى الْفُرْسَ إِلَى الْعُبُورِ، وَأَمَّا الْمُقْتَرِنُونَ فَإِنَّهُمْ جَشِعُوا فَتَهَافَتُوا فِي الْعَتِيقِ، فَوَخَزَهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِرِمَاحِهِمْ، فَمَا أَفْلَتَ مُخْبِرٌ، وَهُمْ ثَلَاثُونَ أَلْفًا. وَأَخَذَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ " دِرَقْشَ كَابِيَانَ "، وَهُوَ الْعَلَمُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ لِلْفُرْسِ، فَعُوِّضَ مِنْهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَكَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ. وَقَتَلُوا فِي الْمَعْرَكَةِ عَشَرَةَ آلَافٍ سِوَى مَنْ قَتَلُوا فِي الْأَيَّامِ قَبْلَهُ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ لَيْلَةِ الْهِرِيرِ أَلْفَانِ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَقُتِلَ لَيْلَةَ الْهَرِيرِ وَيَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ سِتَّةُ آلَافٍ، فَدُفِنُوا فِي الْخَنْدَقِ حِيَالَ مُشَرِّقٍ، وَدُفِنَ مَا كَانَ قَبْلَ لَيْلَةِ الْهَرِيرِ عَلَى مُشَرِّقٍ، وَجُمِعَتِ الأَسْلَابُ وَالْأَمْوَالُ فَجُمِعَ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يُجْمَعْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلُهُ. وَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى هِلَالٍ فَسَأَلَهُ عَنْ رُسْتُمَ، فَأَحْضَرَهُ، فَقَالَ: جَرِّدْهُ إِلَّا مَا شِئْتَ.
فَأَخَذَ سَلَبَهُ فَلَمْ يَدَعْ عَلَيْهِ شَيْئًا. وَأَمَرَ الْقَعْقَاعَ، وَشُرَحْبِيلَ بِاتِّبَاعِهِمْ، حَتَّى بَلَغَا مِقْدَارَ الْخَرَّارَةِ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ، وَخَرَجَ زُهْرَةُ بْنُ الْحَوِيَّةِ التَّمِيمِيُّ فِي أَثَارِهِمْ، فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ النَّاسُ فَلَحِقَ الْمُنْهَزِمِينَ وَالْجَالِينُوسُ يَجْمَعُهُمْ، فَقَتَلَهُ زُهْرَةُ وَأَخَذَ سَلَبَهُ، وَقَتَلُوا مَا بَيْنَ الْخَرَّارَةِ إِلَى السَّيْلَحِينِ إِلَى النَّجَفِ، وَعَادُوا مِنْ أَثَرِ الْمُنْهَزِمِينَ وَمَعَهُمُ الْأَسْرَى، فَرُئِيَ شَبَابٌ مِنَ النَّخَعِ وَهُوَ يَسُوقُ ثَمَانِينَ رَجُلًا أَسْرَى مِنَ الْفُرْسِ. وَاسْتَكْثَرَ سَعْدٌ سَلَبَ الْجَالِينُوسِ، فَكَتَبَ فِيهِ إِلَى عُمَرَ. فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: تَعْمَدُ إِلَى مِثْلِ زُهْرَةَ وَقَدْ صَلِيَ بِمِثْلِ مَا صَلِيَ بِهِ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ حَرْبِكَ مَا بَقِيَ، تُفْسِدُ قَلْبَهُ، أَمْضِ لَهُ سَلَبَهُ وَفَضِّلْهُ عَلَى أَصْحَابِهِ عِنْدَ عَطَائِهِ بِخَمْسِمِائَةٍ. وَلَمَّا اتَّبَعَ الْمُسْلِمُونَ الْفُرْسَ كَانَ الرَّجُلُ يُشِيرُ إِلَى الْفَارِسِيِّ فَيَأْتِيهِ فَيَقْتُلُهُ، وَرُبَّمَا أَخَذَ سِلَاحَهُ فَقَتَلَهُ بِهِ، وَرُبَّمَا أَمَرَ رَجُلَيْنِ فَيَقْتُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ. وَلَحِقَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَبِيعَةَ بِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ قَدْ نَصَبُوا رَايَةً وَقَالُوا: لَا نَبْرَحُ حَتَّى نَمُوتَ، فَقَتَلَهُمْ سَلْمَانُ وَمَنْ مَعَهُ. وَكَانَ قَدْ ثَبَتَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ بِضْعٌ وَثَلَاثُونَ كَتِيبَةً اسْتَحْيَوْا مِنَ الْفِرَارِ، وَقَصَدَهُمْ بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنْ رُؤَسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، لِكُلِّ كَتِيبَةٍ مِنْهَا رَئِيسٌ. وَكَانَ قِتَالُ أَهْلِ الْكَتَائِبِ مِنَ الْفُرْسِ عَلَى وَجْهَيْنِ، مِنْهُمْ مَنْ هَرَبَ، وَمِنْهُمْ مَنْ ثَبَتَ حَتَّى قُتِلَ، وَكَانَ مِمَّنْ هَرَبَ مِنْ أُمَرَاءِ الْكَتَائِبِ الْهُرْمُزَانُ، وَكَانَ بِإِزَاءِ عُطَارِدٍ، وَمِنْهُمْ أَهْوَذُ، وَكَانَ بِإِزَاءِ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّبِيعِ، وَهُوَ كَاتِبُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْهُمْ زَادُ بْنُ بُهَيْشْ، وَكَانَ بِإِزَاءِ عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو، وَمِنْهُمْ قَارَنُ، وَكَانَ بِإِزَاءِ الْقَعْقَاعِ ; وَكَانَ مِمَّنْ ثَبَتَ وَقُتِلَ شَهْرَيَارُ بْنُ كُنَارَا، وَكَانَ بِإِزَاءِ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَابْنُ الْهِرْبِذِ، وَكَانَ بِإِزَاءِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْفُرُّخَانُ الْأَهْوَازِيُّ، وَكَانَ بِإِزَاءِ بُسْرِ بْنِ أَبِي رُهْمٍ الْجُهَنِيِّ، وَمِنْهُمْ خُشْدَسُومُ الْهَمَذَانِيُّ، وَكَانَ بِإِزَاءِ ابْنِ الْهُذَيْلِ الْكَاهِلِيِّ.
وَتَرَاجَعَ النَّاسُ مِنْ طَلَبِ الْمُنْهَزِمِينَ، وَقَدْ قُتِلَ مُؤَذِّنُهُمْ، فَتَشَاجَّ الْمُسْلِمُونَ فِي الْأَذَانِ حَتَّى كَادُوا يَقْتَتِلُونَ، وَأَقْرَعَ سَعْدٌ بَيْنَهُمْ فَخَرَجَ سَهْمُ رَجُلٍ، فَأَذَّنَ. وَفُضِّلَ أَهْلُ الْبَلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ عِنْدَ الْعَطَاءِ بِخَمْسِمِائَةٍ خَمْسِمِائَةٍ، وَهُمْ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، مِنْهُمْ: زُهْرَةُ وَعِصْمَةُ الضَّبِّيُّ وَالْكَلَجُ، وَأَمَّا أَهْلُ الْأَيَّامِ قَبْلَهَا فَإِنَّهُمْ فُرِضَ لَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافٍ، فُضِّلُوا عَلَى أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ، فَقِيلَ لِعُمَرَ: لَوْ أَلْحَقْتَ بِهِمْ أَهْلَ الْقَادِسِيَّةِ. فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُلْحِقَ بِهِمْ مَنْ لَمْ يُدْرِكْهُمْ. وَقِيلَ لَهُ: لَوْ فَضَّلْتَ مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ عَلَى مَنْ قَاتَلَهُمْ بِفِنَائِهِ. قَالَ: كَيْفَ أُفَضِّلُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ شَجَنُ الْعَدُوِّ! فَهَلَّا فَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ بِالْأَنْصَارِ هَذَا! وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَتَوَقَّعُ وَقْعَةَ الْعَرَبِ وَأَهْلِ فَارِسَ بِالْقَادِسِيَّةِ، فِيمَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ إِلَى عَدَنَ أَبْيَنَ، وَفِيمَا بَيْنَ الْأُبُلَّةِ وَأَيْلَةَ، يَرَوْنَ أَنَّ ثَبَاتَ مُلْكِهِمْ وَزَاوَلَهُ بِهَا ; وَكَانَتْ فِي كُلِّ بَلَدٍ مُصِيخَةٌ إِلَيْهَا، تَنْظُرُ مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهَا. فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ الْقَادِسِيَّةِ سَارَتْ بِهَا الْجِنُّ، فَأَتَتْ بِهَا أُنَاسًا مِنَ الْإِنْسِ، فَسَبَقَتْ أَخْبَارُ الْإِنْسِ [إِلَيْهِمْ] . وَكَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عَمْرٍو بِالْفَتْحِ، وَبِعِدَّةِ مَنْ قُتِلُوا، وَبِعِدَّةِ مَنْ أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - وَسَمَّى مَنْ يَعْرِفُ - مَعَ سَعْدِ بْنِ عُمَيْلَةَ الْفَزَارِيِّ. وَكَانَ عُمَرُ يَسْأَلُ الرُّكْبَانَ مِنْ حِينِ يُصْبِحُ إِلَى انْتِصَافِ النَّهَارِ عَنْ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ وَمَنْزِلِهِ، قَالَ: فَلَمَّا لَقِيَ الْبَشِيرَ سَأَلَهُ مِنْ أَيْنَ؟ فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ حَدِّثْنِي. قَالَ: هَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ. وَعُمَرُ يَخِبُّ مَعَهُ يَسْأَلُهُ، وَالْآخَرُ يَسِيرُ عَلَى نَاقَتِهِ، لَا يَعْرِفُهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَإِذَا النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ الْبَشِيرُ: هَلَّا أَخْبَرْتَنِي - رَحِمَكَ اللَّهُ - أَنَّكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ! فَقَالَ عُمَرُ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ يَا أَخِي. وَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ بِالْقَادِسِيَّةِ فِي انْتِظَارِ قُدُومِ الْبَشِيرِ، وَأَمَرَ عُمَرُ النَّاسَ أَنْ يَقُومُوا عَلَى أَقْبَاضِهِمْ، وَيُصْلِحُوا أَحْوَالَهُمْ، وَيُتَابِعَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الشَّامِ مِمَّنْ شَهِدَ الْيَرْمُوكَ وَدِمَشْقَ مُمِدِّينَ لَهُمْ، وَجَاءَ أَوَّلُهُمْ يَوْمَ أَغْوَاثٍ، وَآخِرُهُمْ بَعْدَ الْغَدِ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَكَتَبُوا فِيهِمْ إِلَى عُمَرَ يَسْأَلُونَهُ
ذكر ولاية عتبة بن غزوان البصرة
عَمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُشَارَ فِيهِ مَعَ نَذِيرِ بْنِ عَمْرٍو. وَقِيلَ: كَانَتْ وَقْعَةُ الْقَادِسِيَّةِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، قَالَ: وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَقُولُ: إِنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ (حُمَيْضَةُ بْنُ النُّعْمَانِ: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْمِيمِ، وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ. بُسْرُ بْنُ أَبِي رُهْمٍ: بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ. وَالْحَوِيَّةُ: بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ الْوَاوِ، وَقِيلَ بِالْجِيمِ الْمَضْمُومَةِ، وَفَتْحِ الْوَاوِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَحَمَّالٌ: بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ. وَالْمُعَنَّى: بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ. وَحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ: بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الصَّادِ. وَمُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ: بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَآخِرُهُ جِيمٌ. وَالْمُعْتَمُّ: بِضَمِّ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ التَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ مِيمٌ مُشَدَّدَةٌ. وَصِرَارٌ: بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالرَّائَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ: مَوْضِعٌ عِنْدَ الْمَدِينَةِ. وَصِنَّيْنُ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ مُعْجَمَةٌ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتِهَا، وَآخِرُهُ نُونٌ: مَوْضِعٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ) . انْتَهَى خَبَرُ الْقَادِسِيَّةِ. [ذِكْرُ وِلَايَةِ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ الْبَصْرَةَ] قِيلَ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ عُمَرُ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَكَانَ بِهَا قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ السَّدُوسِيُّ يُغِيرُ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ، كَمَا كَانَ يُغِيرُ الْمُثَنَّى بِنَاحِيَةِ الْحِيرَةِ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ يُعْلِمُهُ مَكَانَهُ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ عَدَدٌ يَسِيرٌ ظَفِرَ بِمَنْ كَانَ قِبَلَهُ مِنَ الْعَجَمِ، فَنَفَاهُمْ عَنْ بِلَادِهِمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ يَأْمُرُهُ بِالْمُقَامِ وَالْحَذَرِ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ شُرَيْحَ بْنَ عَامِرٍ أَحَدَ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَأَقْبَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَتَرَكَ بِهَا قُطْبَةَ، وَمَضَى إِلَى الْأَهْوَازِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى دَارِسَ، وَفِيهَا مَسْلَحَةُ الْأَعَاجِمِ، فَقَتَلُوهُ، فَبَعَثَ عُمَرُ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ، [وَ] قَالَ لَهُ حِينَ وَجَّهَهُ: يَا عُتْبَةُ، إِنِّي قَدِ اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَى أَرْضِ الْهِنْدِ، وَهِيَ حَوْمَةٌ مِنْ حَوْمَةِ الْعَدُوِّ، وَأَرْجُو
أَنْ يَكْفِيَكَ اللَّهُ مَا حَوْلَهَا، وَيُعِينَكَ عَلَيْهَا، وَقَدْ كَتَبْتُ إِلَى الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنْ يُمِدَّكَ بِعَرْفَجَةَ بْنِ هَرْثَمَةَ، وَهُوَ ذُو مُجَاهَدَةٍ وَمُكَايَدَةٍ لِلْعَدُوِّ، فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ فَاسْتَشِرْهُ، وَادْعُ إِلَى اللَّهِ، فَمَنْ أَجَابَكَ فَاقْبَلْ مِنْهُ، وَمَنْ أَبَى فَالْجِزْيَةُ وَإِلَّا فَالسَّيْفُ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا وُلِّيتَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُنَازِعَكَ نَفْسُكَ إِلَى كِبْرٍ مِمَّا يُفْسِدُ عَلَيْكَ إِخْوَتَكَ، وَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعُزِّزْتَ بِهِ بَعْدَ الذِّلَّةِ، وَقُوِّيتَ بِهِ بَعْدَ الضَّعْفِ، حَتَّى صِرْتَ أَمِيرًا مُسَلَّطًا وَمَلِكًا مُطَاعًا، تَقُولُ فَيُسْمَعُ مِنْكَ، وَتَأْمُرُ فَيُطَاعُ أَمْرُكَ، فَيَا لَهَا نِعْمَةٌ! إِنْ لَمْ تَرْفَعْكَ فَوْقَ قَدْرِكَ وَتَبْطَرْكَ عَلَى مَنْ دُونَكَ، وَاحْتَفِظْ مِنَ النِّعْمَةِ احْتِفَاظَكَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَلَهِيَ أَخْوَفُهُمَا عِنْدِي عَلَيْكَ أَنْ تَسْتَدْرِجَكَ وَتَخْدَعَكَ، فَتَسْقُطَ سَقْطَةً تَصِيرُ بِهَا إِلَى جَهَنَّمَ، أُعِيذُكَ بِاللَّهِ وَنَفْسِي مِنْ ذَلِكَ. إِنَّ النَّاسَ أَسْرَعُوا إِلَى اللَّهِ حِينَ رُفِعَتْ لَهُمُ الدُّنْيَا فَأَرَادُوهَا، فَأَرِدِ اللَّهَ وَلَا تُرِدِ الدُّنْيَا، وَاتَّقِ مَصَارِعَ الظَّالِمِينَ. انْطَلِقْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي أَقْصَى الْعَرَبِ وَأَدْنَى أَرْضِ الْعَجَمِ فَأَقِيمُوا. فَسَارَ عُتْبَةُ وَمَنْ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْمِرْبَدِ تَقَدَّمُوا حَتَّى بَلَغُوا حِيَالَ الْجِسْرِ الصَّغِيرِ فَنَزَلُوا. فَبَلَغَ صَاحِبَ الْفُرَاتِ خَبَرُهُمْ، فَأَقْبَلَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَالْتَقَوْا، فَقَاتَلَهُمْ عُتْبَةُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَكَانَ فِي خَمْسِمِائَةٍ، فَقَتَلَهُمْ أَجْمَعِينَ، وَلَمْ يُبْقِ إِلَّا صَاحِبَ الْفُرَاتِ فَأَخَذَهُ أَسِيرًا، ثُمَّ خَطَبَ عُتْبَةُ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ، أَلَا وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارِ الْقَرَارِ، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ، وَقَدْ ذُكِرَ لِي: لَوْ أَنَّ صَخْرَةً أُلْقِيَتْ مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ لَهَوَتْ سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَلَتُمْلَأَنَّهُ ; أَوَعَجِبْتُمْ! وَلَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ، [بِزِحَامٍ] ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا سَابِعُ سَبْعَةٍ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ السَّمُرِ حَتَّى تَقَرَّحَتْ أَشْدَاقُنَا، وَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدٍ، فَمَا مِنَّا [مِنْ] أُولَئِكَ السَّبْعَةِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ أَمِيرُ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ،
وَسَيُجَرِّبُونَ النَّاسَ بَعْدَنَا. وَكَانَ نُزُولُهُ الْبَصْرَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَوِ الْآخِرِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْبَصْرَةَ مُصِّرَتْ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ بَعْدَ جَلُولَاءَ وَتَكْرِيتَ، أَرْسَلَهُ سَعْدٌ إِلَيْهَا بِأَمْرِ عُمَرَ. وَإِنَّ عُتْبَةَ لَمَّا نَزَلَ الْبَصْرَةَ أَقَامَ نَحْوَ شَهْرٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْأُبُلَّةِ، وَكَانَ بِهَا خَمْسُمِائَةِ أُسْوَارٍ يَحْمُونَهَا، وَكَانَتْ مَرْفَأَ السُّفُنِ مِنَ الصِّينِ، فَقَاتَلَهُمْ عُتْبَةُ فَهَزَمَهُمْ حَتَّى دَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَرَجَعَ عُتْبَةُ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَأَلْقَى اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الْفُرْسِ، فَخَرَجُوا عَنِ الْمَدِينَةِ وَحَمَلُوا مَا خَفَّ وَعَبَرُوا الْمَاءَ، وَأَخْلَوُا الْمَدِينَةَ، وَدَخَلَهَا الْمُسْلِمُونَ، فَأَصَابُوا مَتَاعًا وَسِلَاحًا وَسَبْيًا فَاقْتَسَمُوهُ، وَأَخْرَجَ الْخُمُسَ مِنْهُ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ ثَلَاثَمِائَةٍ. وَكَانَ فَتْحُهَا فِي رَجَبٍ أَوْ فِي شَعْبَانَ. ثُمَّ نَزَلَ مَوْضِعَ الرِّزْقِ، وَخَطَّ مَوْضِعَ الْمَسْجِدِ وَبَنَاهُ بِالْقَصَبِ. وَكَانَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ بِهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ، فَلَمَّا وُلِدَ ذَبَحَ أَبُوهُ جَزُورًا، فَكَفَتْهُمْ لِقِلَّةِ النَّاسِ. وَجَمَعَ لَهُمْ أَهْلُ دَسْتُمِيسَانَ، فَلَقِيَهُمْ عُتْبَةُ فَهَزَمَهُمْ وَأَخَذَ مَرْزُبَانَهَا أَسِيرًا، وَأَخَذَ قَتَادَةُ مِنْطَقَتَهُ، فَبَعَثَ بِهَا مَعَ أَنَسِ بْنِ حَجْنَةَ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: كَيْفَ النَّاسُ؟ فَقَالَ: انْثَالَتْ عَلَيْهِمُ الدُّنْيَا، فَهُمْ يَهِيلُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ. فَرَغِبَ النَّاسُ فِي الْبَصْرَةِ فَأَتَوْهَا. وَاسْتَعْمَلَ عُتْبَةُ مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ عَلَى جَمَاعَةٍ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْفُرَاتِ، وَاسْتَخْلَفَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ إِلَى أَنْ يَقْدَمَ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَإِذَا قَدِمَ فَهُوَ الْأَمِيرُ، وَسَارَ عُتْبَةُ إِلَى عُمَرَ. فَظَفِرَ مُجَاشِعٌ بِأَهْلِ الْفُرَاتِ وَجَمَعَ الْفَلِيكَانُ، عَظِيمٌ مِنَ الْفُرْسِ، لِلْمُسْلِمِينَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَلَقِيَهُمْ بِالْمَرْغَابِ فَاقْتَتَلُوا. فَقَالَ نِسَاءُ الْمُسْلِمِينَ: لَوْ لَحِقْنَا بِهِمْ فَكُنَّا مَعَهُمْ، فَاتَّخَذْنَ مِنْ خُمُرِهِنَّ رَايَاتٍ وَسِرْنَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ.
فَلَمَّا رَأَى الْمُشْرِكُونَ الرَّايَاتِ ظَنُّوا أَنَّ مَدَدًا لِلْمُسْلِمِينَ قَدْ أَقْبَلَ، فَانْهَزَمُوا وَظَفِرَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ. وَكُتِبَ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ، فَقَالَ عُمَرُ لِعُتْبَةَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ؟ فَقَالَ: مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ. قَالَ: أَتَسْتَعْمِلُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ عَلَى أَهْلِ الْمَدَرِ؟ وَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنَ الْمُغِيرَةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى عَمَلِهِ، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ، وَقِيلَ فِي مَوْتِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَكَانَ مِنْ سَبْيِ مَيْسَانَ يَسَارُ أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَأَرْطَبَانُ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنِ بْنِ أَرْطَبَانَ. وَقِيلَ: إِنَّ إِمَارَةَ عُتْبَةَ الْبَصْرَةَ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سِتَّ عَشْرَةَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَكَانَتْ إِمَارَتُهُ عَلَيْهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ. وَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ عَلَى الْبَصْرَةِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَبَقِيَ سَنَتَيْنِ ثُمَّ رُمِيَ بِمَا رُمِيَ، وَاسْتَعْمَلَ أَبَا مُوسَى، وَقِيلَ: اسْتَعْمَلَ بَعْدَ عُتْبَةَ أَبَا مُوسَى وَبَعْدَهُ الْمُغِيرَةَ. وَفِيهَا - أَعْنِي سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ - ضَرَبَ عُمَرُ ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ وَأَصْحَابَهُ فِي شَرَابٍ شَرِبُوهُ، وَأَبَا مِحْجَنٍ. وَفِيهَا أَمَرَ عُمَرُ بِالْقِيَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي الْمَسَاجِدِ بِالْمَدِينَةِ، وَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَتَبَ إِلَى الْأَمْصَارِ بِذَلِكَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ فِي قَوْلٍ، وَعَلَى الْيَمَنِ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ، وَعَلَى الْكُوفَةِ سَعْدٌ، وَعَلَى الشَّامِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَلَى الْبَحْرَيْنِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَقِيلَ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَعَلَى عُمَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ.
[الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ أَبُو قُحَافَةَ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بَعْدَ مَوْتِ ابْنِهِ. وَفِيهَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَفِيهَا قُتِلَ سَلِيطُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَفِيهَا مَاتَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أُمُّ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ إِسْلَامُهَا يَوْمَ الْفَتْحِ.
ثم دخلت سنة خمس عشرة
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ] 15 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَقِيلَ: إِنَّ الْكُوفَةَ مَصَّرَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، دَلَّهُمْ عَلَى مَوْضِعِهَا ابْنُ بُقَيْلَةَ، قَالَ لِسَعْدٍ: أَدُلُّكَ عَلَى أَرْضٍ لِلَّهِ ارْتَفَعَتْ مِنَ الْبَقِّ وَانْحَدَرَتْ عَنِ الْفَلَاةِ! فَدَلَّهُ عَلَى مَوْضِعِهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَيَأْتِي ذِكْرُهُ ذِكْرُ الْوَقْعَةِ بِمَرْجِ الرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتِ الْوَقْعَةُ بِمَرْجِ الرُّومِ، وَكَانَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ سَارَا بِمَنْ مَعَهُمَا مِنْ فِحْلٍ قَاصِدِينَ حِمْصَ، فَنَزَلَا عَلَى ذِي الْكَلَاعِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ هِرَقْلَ. فَبَعَثَ تُوذَرَ الْبِطْرِيقَ، حَتَّى نَزَلَ بِمَرْجِ الرُّومِ غَرْبَ دِمَشْقَ، وَنَزَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَرْجِ الرُّومِ أَيْضًا، وَنَازَلَهُ يَوْمَ نُزُولِهِ شَنَشُ الرُّومِيُّ فِي مِثْلِ خَيْلِ تُوذَرَ، إِمْدَادًا لِتُوذَرَ وَرِدْءًا لِأَهْلِ حِمْصَ. فَلَمَّا نَزَلَ أَصْبَحَتِ الْأَرْضُ مِنْ تُوذَرَ بِلَاقِعُ، وَكَانَ خَالِدٌ بِإِزَائِهِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بِإِزَاءِ شَنَشَ، وَسَارَ تُوذَرُ يَطْلُبُ دِمَشْقَ، فَسَارَ خَالِدٌ وَرَاءَهُ فِي جَرِيدَةٍ، وَبَلَغَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فِعْلُ تُوذَرَ فَاسْتَقْبَلَهُ فَاقْتَتَلُوا، وَلَحِقَ بِهِمْ خَالِدٌ وَهُمْ يَقْتَتِلُونَ فَأَخَذَهُمْ مِنْ خَلْفِهِمْ وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مَا مَعَهُمْ، فَقَسَّمَهُ يَزِيدُ فِي أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ خَالِدٍ، وَعَادَ يَزِيدُ إِلَى دِمَشْقَ، وَرَجَعَ خَالِدٌ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَدْ قُتِلَ تُوذَرُ. وَقَاتَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بَعْدَ مَسِيرِ خَالِدٍ شَنَشَ، فَاقْتَتَلُوا بِمَرْجِ الرُّومِ، فَقُتِلَتِ الرُّومُ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَقُتِلَ شَنَشُ، وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى حِمْصَ، فَلَمَّا بَلَغَ هِرَقْلَ ذَلِكَ أَمَرَ بِطْرِيقَ حِمْصَ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهَا، وَسَارَ هُوَ إِلَى الرُّهَاءِ، وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى حِمْصَ.
ذِكْرُ فَتْحِ حِمْصَ وَبَعْلَبَكَّ وَغَيْرِهِمَا فَلَمَّا فَرَغَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ دِمَشْقَ سَارَ إِلَى حِمْصَ، فَسَلَكَ طَرِيقَ بَعْلَبَكَّ فَحَصَرَهَا، فَطَلَبَ أَهْلُهَا الْأَمَانَ فَآمَنَهُمْ وَصَالَحَهُمْ، وَسَارَ عَنْهُمْ فَنَزَلَ عَلَى حِمْصَ وَمَعَهُ خَالِدٌ وَقِيلَ: إِنَّمَا سَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى حِمْصَ مِنْ مَرْجِ الرُّومِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. فَلَمَّا نَزَلُوهَا قَاتَلُوا أَهْلَهَا فَكَانُوا يُغَادُونَهُمُ الْقِتَالَ وَيُرَاوِحُونَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ بَارِدٍ، وَلَقِيَ الْمُسْلِمُونَ بَرْدًا شَدِيدًا، وَالرُّومُ حِصَارًا طَوِيلًا، فَصَبَرَ الْمُسْلِمُونَ وَالرُّومُ، وَكَانَ هِرَقْلُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ حِمْصَ يَعِدُهُمُ الْمَدَدَ، وَأَمَرَ أَهْلَ الْجَزِيرَةِ جَمِيعِهَا بِالتَّجْهِيزِ إِلَى حِمْصَ فَسَارُوا نَحْوَ الشَّامِ لِيَمْنَعُوا حِمْصَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ. فَسَيَّرَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ السَّرَايَا مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى هِيتَ وَحَصَرُوهَا، وَسَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى قَرْقِيسِيَا، فَتَفَرَّقَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ وَعَادُوا عَنْ نَجْدَةِ أَهْلِ حِمْصَ، فَكَانَ أَهْلُهَا يَقُولُونَ: تَمَسَّكُوا بِمَدِينَتِكُمْ فَإِنَّهُمْ حُفَاةٌ، فَإِذَا أَصَابَهُمُ الْبَرْدُ تَقَطَّعَتْ أَقْدَامُهُمْ. فَكَانَتْ أَقْدَامُ الرُّومِ تَسْقُطُ وَلَا يَسْقُطُ لِلْمُسْلِمِينَ إِصْبَعٌ. فَلَمَّا خَرَجَ الشِّتَاءُ قَامَ شَيْخٌ مِنَ الرُّومِ فَدَعَاهُمْ إِلَى مُصَالَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ، وَقَامَ آخَرُ فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَنَاهَدَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَكَبَّرُوا تَكْبِيرَةً، فَانْهَدَمَ كَثِيرٌ مِنْ دُورِ حِمْصَ، وَزُلْزِلَتْ حِيطَانُهُمْ فَتَصَدَّعَتْ، فَكَبَّرُوا ثَانِيَةً فَأَصَابَهُمْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ أَهْلُهَا إِلَيْهِمْ يَطْلُبُونَ الصُّلْحَ، وَلَا يَعْلَمُ الْمُسْلِمُونَ بِمَا حَدَثَ فِيهِمْ، فَأَجَابُوهُمْ وَصَالَحُوهُمْ عَلَى صُلْحِ دِمَشْقَ، وَأَنْزَلَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ السِّمْطَ بْنَ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيَّ فِي بَنِي مُعَاوِيَةَ، وَالْأَشْعَثَ بْنَ مِينَاسٍ فِي السَّكُونِ، وَالْمِقْدَادَ فِي بَلِيٍّ، وَأَنْزَلَهَا غَيْرَهُمْ، وَبَعَثَ بِالْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ: أَنْ أَقِمْ بِمَدِينَتِكَ وَارْعَ أَهْلَ الْقُوَّةَ مِنْ عَرَبِ الشَّامِ، فَإِنِّي غَيْرُ تَارِكٍ الْبَعْثَةَ إِلَيْكَ. ثُمَّ اسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى حِمْصَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، وَسَارَ إِلَى حَمَاةَ، فَتَلَقَّاهُ أَهْلُهَا مُذْعِنِينَ، فَصَالَحَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ لِرُءُوسِهِمْ وَالْخَرَاجِ عَلَى أَرْضِهِمْ،
وَمَضَى نَحْوَ شَيْزَرَ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ يَسْأَلُونَ الصُّلْحَ عَلَى مَا صَالَحَ عَلَيْهِ أَهْلَ حَمَاةَ، وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى مَعَرَّةِ حِمْصَ، وَهِيَ مَعَرَّةُ النُّعْمَانِ، نُسِبَتْ بَعْدُ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ، فَأَذْعَنُوا لَهُ بِالصُّلْحِ عَلَى مَا صَالَحَ عَلَيْهِ أَهْلَ حِمْصَ. ثُمَّ أَتَى اللَّاذِقِيَّةَ فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، وَكَانَ لَهَا بَابٌ عَظِيمٌ يَفْتَحُهُ جَمْعٌ مِنَ النَّاسِ، فَعَسْكَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بُعْدٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَمَرَ فَحُفِرَ حَفَائِرُ عَظِيمَةٌ، تَسْتُرُ الْحُفْرَةُ مِنْهَا الْفَارِسَ رَاكِبًا، ثُمَّ أَظْهَرُوا أَنَّهُمْ عَائِدُونَ عَنْهَا وَرَحَلُوا، فَلَمَّا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ عَادُوا وَاسْتَتَرُوا فِي تِلْكَ الْحَفَائِرِ، وَأَصْبَحَ أَهْلُ اللَّاذِقِيَّةِ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدِ انْصَرَفُوا عَنْهُمْ، فَأَخْرَجُوا سَرْحَهُمْ وَانْتَشَرُوا بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا وَالْمُسْلِمُونَ يَصِيحُونَ بِهِمْ، وَدَخَلُوا مَعَهُمُ الْمَدِينَةَ وَمُلِكَتْ عَنْوَةً، وَهَرَبَ قَوْمٌ مِنَ النَّصَارَى، ثُمَّ طَلَبُوا الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى أَرْضِهِمْ، فَقُوطِعُوا عَلَى خَرَاجٍ يُؤَدُّونَهُ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا، وَتُرِكَتْ لَهُمْ كَنِيسَتُهُمْ، وَبَنَى الْمُسْلِمُونَ بِهَا مَسْجِدًا جَامِعًا، بَنَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، ثُمَّ وُسِّعَ فِيهِ بَعْدُ. وَلَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ اللَّاذِقِيَّةَ جَلَا أَهْلُ جَبَلَةَ مِنَ الرُّومِ عَنْهَا، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ مُعَاوِيَةَ بَنَى حِصْنًا خَارِجَ الْحِصْنِ الرُّومِيِّ وَشَحَنَهُ بِالرِّجَالِ. وَفَتَحَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنْطَرْطُوسَ، وَكَانَ حَصِينًا، فَجَلَا عَنْهُ أَهْلُهُ، فَبَنَى مُعَاوِيَةُ مَدِينَةَ أَنْطَرْطُوسَ، وَمَصَّرَهَا، وَأَقْطَعَ بِهَا الْقَطَائِعَ لِلْمُقَاتِلَةِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِبَانْيَاسَ وَفُتِحَتْ سَلَمْيَةُ أَيْضًا، وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ سَلَمْيَةَ لِأَنَّهُ كَانَ بِقُرْبِهَا مَدِينَةٌ تُدْعَى الْمُؤْتَفِكَةَ انْقَلَبَتْ بِأَهْلِهَا وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ غَيْرُ مِائَةِ نَفْسٍ، فَبَنَوْا لَهُمْ مِائَةَ مَنْزِلٍ، وَسُمِّيَتْ سَلِمَ مِائَةٌ، ثُمَّ حَرَّفَ النَّاسُ فَقَالُوا: سَلَمْيَةُ، وَهَذَا يَتَمَشَّى لِقَائِلِهِ لَوْ كَانَ أَهْلُهَا عَرَبًا وَلِسَانُهُمْ عَرَبِيًّا، وَأَمَّا إِذْ كَانَ لِسَانُهُمْ أَعْجَمِيًّا فَلَا يَسُوغُ هَذَا الْقَوْلُ. ثُمَّ إِنَّ صَالِحَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ اتَّخَذَهَا دَارًا وَبَنَى [وَ] وَلَدُهُ فِيهَا وَمَصَّرُوهَا، وَنَزَلَهَا مَنْ نَزَلَهَا مِنْ وَلَدِهُ، فَهِيَ وَأَرَضُوهَا لَهُمْ.
ذِكْرُ فَتْحِ قِنَّسْرِينَ وَدُخُولِ هِرَقْلَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ ثُمَّ أَرْسَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى قِنَّسْرِينَ. فَلَمَّا نَزَلَ الْحَاضِرَ زَحَفَ إِلَيْهِمُ الرُّومُ وَعَلَيْهِمْ مِينَاسُ، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الرُّومِ بَعْدَ هِرَقْلَ، فَاقْتَتَلُوا فَقُتِلَ مِينَاسُ وَمَنْ مَعَهُ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً لَمْ يُقْتَلُوا مِثْلَهَا، فَمَاتُوا عَلَى دَمٍ وَاحِدٍ. وَسَارَ خَالِدٌ حَتَّى نَزَلَ عَلَى قِنَّسْرِينَ فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ، فَقَالُوا: لَوْ كُنْتُمْ فِي السَّحَابِ لَحَمَلَنَا اللَّهُ إِلَيْكُمْ أَوْ لَأَنْزَلَكُمْ إِلَيْنَا. فَنَظَرُوا فِي أَمْرِهِمْ وَرَأَوْا مَا لَقِيَ أَهْلُ حِمْصَ فَصَالَحُوهُمْ عَلَى صُلْحِ حِمْصَ، فَأَبَى خَالِدٌ إِلَّا عَلَى إِخْرَابِ الْمَدِينَةِ فَأَخْرَبَهَا. فَعِنْدَ ذَلِكَ دَخَلَ هِرَقْلُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ ; وَسَبَبُهُ: أَنَّ خَالِدًا وَعِيَاضًا أَدْرَبَا إِلَى هِرَقْلَ مِنَ الشَّامِ، وَأَدْرَبَ عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ مِنَ الْكُوفَةِ، فَخَرَجَ مِنْ نَاحِيَةِ قَرْقِيسِيَا، وَأَدْرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَوْصِلِ، ثُمَّ رَجَعُوا، فَعِنْدَهَا دَخَلَ هِرَقْلُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مُدْرِبَةٍ فِي الْإِسْلَامِ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سِتَّ عَشْرَةَ. فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ صَنِيعُ خَالِدٍ قَالَ: أَمَّرَ خَالِدٌ نَفْسَهُ، يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ هُوَ كَانَ أَعْلَمَ بِالرِّجَالِ مِنِّي! وَقَدْ كَانَ عَزَلَهُ وَالْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُمَا عَنْ رِيبَةٍ وَلَكِنَّ النَّاسَ عَظَّمُوهُمَا فَخَشِيتُ أَنْ يُوكَلُوا إِلَيْهِمَا. فَأَمَّا الْمُثَنَّى فَإِنَّهُ رَجَعَ عَنْ رَأْيِهِ فِيهِ لَمَّا قَامَ بَعْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَجَعَ عَنْ خَالِدٍ بَعْدَ قِنَّسْرِينَ. وَأَمَّا هِرَقْلُ فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنَ الرُّهَاءِ ; وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَنَبَحَ كِلَابَهَا وَنَفَّرَ دَجَاجَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ زِيَادُ بْنُ حَنْظَلَةَ - وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ -، وَسَارَ هِرَقْلُ فَنَزَلَ بِشِمْشَاطَ، ثُمَّ أَدْرَبَ مِنْهَا نَحْوَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ. فَلَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ مِنْهَا عَلَا عَلَى نَشَزٍ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الشَّامِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا سُورِيَةُ، سَلَامٌ لَا اجْتِمَاعَ بَعْدَهُ، وَلَا يَعُودُ إِلَيْكِ رُومِيٌّ أَبَدًا إِلَّا خَائِفًا، حَتَّى يُولَدَ الْمَوْلُودُ الْمَشْئُومُ، يَا لَيْتَهُ لَا يُولَدُ! فَمَا أَحْلَى فِعْلَهُ وَأَمَرَّ فِتْنَتَهُ عَلَى الرُّومِ! . ثُمَّ سَارَ فَدَخَلَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَأَخَذَ أَهْلَ الْحُصُونِ الَّتِي بَيْنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَطَرَسُوسَ مَعَهُ لِئَلَّا يَسِيرَ الْمُسْلِمُونَ فِي عِمَارَةٍ مَا بَيْنَ أَنْطَاكِيَةَ وَبِلَادِ الرُّومِ، وَشَعَّثَ الْحُصُونَ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا
يَجِدُونَ بِهَا أَحَدًا، وَرُبَّمَا كَمَّنَ عِنْدَهَا الرُّومُ فَأَصَابُوا غِرَّةً الْمُتَخَلِّفِينَ، فَاحْتَاطَ الْمُسْلِمُونَ لِذَلِكَ. ذِكْرُ فَتْحِ حَلَبَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعَوَاصِمِ لَمَّا فَرَغَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ قِنَّسْرِينَ سَارَ إِلَى حَلَبَ، فَبَلَغَهُ أَنَّ أَهْلَ قِنَّسْرِينَ نَقَضُوا وَغَدَرُوا، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ السِّمْطَ الْكِنْدِيَّ فَحَصَرَهُمْ وَفَتَحَهَا، وَأَصَابَ فِيهَا بَقَرًا وَغَنَمًا، فَقَسَّمَ بَعْضَهُ فِي جَيْشِهِ، وَجَعَلَ بَقِيَّتَهُ فِي الْمَغْنَمِ. وَوَصَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى حَاضِرِ حَلَبَ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهَا فَجَمَعَ أَصْنَافًا مِنَ الْعَرَبِ، فَصَالَحَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ، ثُمَّ أَسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَتَى حَلَبَ وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ الْفِهْرِيُّ، فَتَحَصَّنَ أَهْلُهَا وَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ طَلَبُوا الصُّلْحَ وَالْأَمَانَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَمَدِينَتِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَحِصْنِهِمْ، فَأُعْطُوا ذَلِكَ، وَاسْتُثْنِيَ عَلَيْهِمْ مَوْضِعُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ الَّذِي صَالَحَهُمْ عِيَاضٌ، فَأَجَازَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: صُولِحُوا عَلَى أَنْ يُقَاسَمُوا مَنَازِلَهُمْ وَكَنَائِسَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يُصَادِفْ بِحَلَبَ أَحَدًا لِأَنَّ أَهْلَهَا انْتَقَلُوا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ وَرَاسَلُوا فِي الصُّلْحِ، فَلَمَّا تَمَّ ذَلِكَ رَجَعُوا إِلَيْهَا. وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ حَلَبَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، وَقَدْ تَحَصَّنَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ مِنْ قِنَّسْرِينَ وَغَيْرِهَا. فَلَمَّا فَارَقَهَا لَقِيَهُ جَمْعُ الْعَدُوِّ، فَهَزَمَهُمْ فَأَلْجَأَهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَحَاصَرَهَا مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهَا، ثُمَّ إِنَّهُمْ صَالَحُوهُمْ عَلَى الْجَلَاءِ أَوِ الْجِزْيَةِ، فَجَلَا بَعْضٌ وَأَقَامَ بَعْضٌ فَآمَنَهُمْ، ثُمَّ نَقَضُوا، فَوَجَّهَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَيْهِمْ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ وَحَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ، فَفَتَحَاهَا عَلَى الصُّلْحِ الْأَوَّلِ. وَكَانَتْ أَنْطَاكِيَةُ عَظِيمَةَ الذِّكْرِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا فُتِحَتْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنْ رَتِّبْ بِأَنْطَاكِيَةَ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَاجْعَلْهُمْ بِهَا مُرَابِطَةً، وَلَا تَحْبِسْ عَنْهُمُ الْعَطَاءَ. وَبَلَغَ أَبَا عُبَيْدَةَ أَنْ جَمْعًا مِنَ الرُّومِ بَيْنَ مَعَرَّةَ مَصْرِينَ وَحَلَبَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَلَقِيَهُمْ
فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ عِدَّةَ بَطَارِقَةٍ، وَسَبَى وَغَنِمَ، وَفَتَحَ مَعَرَّةَ مَصْرِينَ عَلَى مِثْلِ صُلْحِ حَلَبَ، وَجَالَتْ خُيُولُهُ فَبَلَغَتْ بُوقَا، وَفُتِحَتْ قُرَى الْجُومَةَ وَسَرْمِينَ وَتِيزِينَ، وَغَلَبُوا عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ قِنَّسْرِينَ وَأَنْطَاكِيَةَ. ثُمَّ أَتَى أَبُو عُبَيْدَةَ حَلَبَ وَقَدِ الْتَاثَ أَهْلُهَا، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى أَذْعَنُوا وَفَتَحُوا الْمَدِينَةَ. وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُرِيدُ قُورُسَ وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ عِيَاضٌ، فَلَقِيَهُ رَاهِبٌ مِنْ رُهْبَانِهَا يَسْأَلُهُ الصُّلْحَ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فَصَالَحَهُ عَلَى صُلْحِ أَنْطَاكِيَةَ، وَبَثَّ خَيْلَهُ فَغَلَبَ عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ قُورُسَ وَفَتَحَ تَلَّ عَزَازَ، وَكَانَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ فِي جَيْشِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَنَزَلَ فِي حِصْنٍ بِقُورُسَ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ، فَهُوَ يُعْرَفُ بِحِصْنِ سَلْمَانَ. ثُمَّ سَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى مَنْبِجَ وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ عِيَاضٌ، فَلَحِقَهُ وَقَدْ صَالَحَ أَهْلَهَا عَلَى مِثْلِ صُلْحِ أَنْطَاكِيَةَ، وَسَيَّرَ عِيَاضًا إِلَى نَاحِيَةِ دُلُوكَ وَرَعْبَانَ فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى مِثْلِ صُلْحِ مَنْبِجَ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُخْبِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِخَبَرِ الرُّومِ. وَوَلَّى أَبُو عُبَيْدَةَ كُلَّ كُورَةٍ فَتَحَهَا عَامِلًا، وَضَمَّ إِلَيْهِ جَمَاعَةً، وَشَحَنَ النَّوَاحِيَ الْمَخُوفَةَ. وَسَارَ إِلَى بَالِسَ، وَبَعَثَ جَيْشًا مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ إِلَى قَاصِرِينَ، فَصَالَحَهُمْ أَهْلُهَا عَلَى الْجِزْيَةِ أَوِ الْجَلَاءِ، فَجَلَا أَكْثَرُهُمْ إِلَى بَلَدِ الرُّومِ وَأَرْضِ الْجَزِيرَةِ وَقَرْيَةِ جِسْرِ مَنْبِجَ، وَلَمْ يَكُنِ الْجِسْرُ يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّمَا اتُّخِذَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ لِلصَّوَائِفِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ لَهُ رَسْمٌ قَدِيمٌ. وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى الشَّامِ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ إِلَى الْفُرَاتِ، وَعَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِلَسْطِينَ. وَكَانَ بِجَبَلِ اللُّكَّامِ مَدِينَةٌ يُقَالُ لَهَا جُرْجُومَةُ، وَأَهْلُهَا يُقَالُ لَهُمُ الْجَرَاجِمَةُ، فَسَارَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ إِلَيْهَا مِنْ أَنْطَاكِيَةَ، فَافْتَتَحَهَا صُلْحًا، عَلَى أَنْ يَكُونُوا أَعْوَانًا لِلْمُسْلِمِينَ.
وَفِيهَا سَيَّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ جَيْشًا مَعَ مَيْسَرَةَ بْنِ مَسْرُوقٍ الْعَبْسِيِّ، فَسَلَكُوا دَرْبَ بَغْرَاسَ مِنْ أَعْمَالِ أَنْطَاكِيَةَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَلَكَ ذَلِكَ الدَّرْبَ، فَلَقِيَ جَمْعًا لِلرُّومِ مَعَهُمْ عَرَبٌ مِنْ غَسَّانَ وَتَنُوخَ وَإِيَادٍ يُرِيدُونَ اللَّحَاقَ بِهِرَقْلَ، فَأَوْقَعَ مِنْهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، ثُمَّ لَحِقَ بِهِ مَالِكٌ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ مَدَدًا مِنْ قِبَلِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَهُوَ بِأَنْطَاكِيَةَ، فَسَلِمُوا وَعَادُوا. وَسَيَّرَ جَيْشًا آخَرَ إِلَى مَرْعَشَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَفَتَحَهَا عَلَى إِجْلَاءِ أَهْلِهَا بِالْأَمَانِ وَأَخْرَبَهَا. وَسَيَّرَ جَيْشًا آخَرَ مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ إِلَى حِصْنِ الْحَدَثِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْحَدَثَ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَقُوا عَلَيْهِ غُلَامًا حَدَثًا فَقَاتَلَهُمْ فِي أَصْحَابِهِ، فَقِيلَ دَرْبُ الْحَدَثِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أُصِيبُوا بِهِ فَقِيلَ دَرْبُ الْحَدَثِ، وَكَانَ بَنُو أُمَيَّةَ يُسَمُّونَهُ دَرْبَ السَّلَامَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى. ذِكْرُ فَتْحِ قَيْسَارِيَّةَ وَحَصْرِ غَزَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتْ قَيْسَارِيَّةُ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ عِشْرِينَ. وَكَانَ سَبَبُهَا: أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنْ يُرْسِلَ مُعَاوِيَةَ إِلَى قَيْسَارِيَّةَ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ، فَسَارَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهَا فَحَصَرَ أَهْلَهَا، فَجَعَلُوا يُزَاحِفُونَهُ وَهُوَ يَهْزِمُهُمْ وَيَرُدُّهُمْ إِلَى حِصْنِهِمْ. ثُمَّ زَاحَفُوهُ آخِرَ ذَلِكَ مُسْتَمِيتِينَ، وَبَلَغَتْ قَتْلَاهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ ثَمَانِينَ أَلْفًا، وَكَمَّلَهَا فِي هَزِيمَتِهِمْ مِائَةَ أَلْفٍ وَفَتَحَهَا، وَكَانَ عَلْقَمَةُ بْنُ مُجَزِّزٍ قَدْ حَصَرَ الْقِيقَارَ بِغَزَّةَ وَجَعَلَ يُرَاسِلُهُ، فَلَمْ يُشْفِهُ أَحَدٌ بِمَا يُرِيدُ، فَأَتَاهُ كَأَنَّهُ رَسُولُ عَلْقَمَةَ، فَأَمَرَ الْقِيقَارُ رَجُلًا أَنْ يَقْعُدَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَإِذَا مَرَّ بِهِ قَتَلَهُ، فَفَطِنَ عَلْقَمَةُ فَقَالَ: إِنَّ مَعِيَ نَفَرًا يُشْرِكُونَنِي فِي الرَّأْيِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِيكَ بِهِمْ، فَبَعَثَ الْقِيقَارُ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ لَا يَعْرِضَ لَهُ، فَخَرَجَ عَلْقَمَةُ مِنْ عِنْدِهِ فَلَمْ يَعُدْ، وَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ عَمْرٌو بِالْأَرْطَبُونِ. (مُجَزِّزٌ: بِجِيمٍ وَزَايَيْنِ الْأُولَى مَكْسُورَةٌ [مُشَدَّدَةٌ] ) .
ذِكْرُ فَتْحِ بَيْسَانَ وَوَقْعَةِ أَجْنَادَيْنِ وَلَمَّا انْصَرَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَخَالِدٌ إِلَى حِمْصَ نَزَلَ عَمْرٌو وَشُرَحْبِيلُ عَلَى أَهْلِ بَيْسَانَ، فَافْتَتَحَاهَا وَصَالَحَا أَهْلَ الْأُرْدُنِّ، وَاجْتَمَعَ عَسْكَرُ الرُّومِ بِغَزَّةَ وَأَجْنَادَيْنِ وَبَيْسَانَ، وَسَارَ عَمْرٌو وَشُرَحْبِيلَ إِلَى الْأَرْطَبُونِ وَمَنْ مَعَهُ وَهُوَ بِأَجْنَادَيْنِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْأُرْدُنِّ أَبَا الْأَعْوَرِ، فَنَزَلَ بِالْأَرْطَبُونِ وَمَعَهُ الرُّومُ. وَكَانَ الْأَرْطَبُونُ أَدْهَى الرُّومِ وَأَبْعَدَهَا غَوْرًا، وَكَانَ قَدْ وَضَعَ بِالرَّمْلَةِ جُنْدًا عَظِيمًا، وَبِإِيلِيَاءَ جُنْدًا عَظِيمًا. فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْخَبَرُ قَالَ: قَدْ رَمَيْنَا أَرْطَبُونَ الرُّومِ بِأَرْطَبُونِ الْعَرَبِ، فَانْظُرُوا عَمَّ تَنْفَرِجُ. وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدْ شَغَلَ أَهْلَ قَيْسَارِيَّةَ عَنْ عَمْرٍو، وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ جَعَلَ عَلْقَمَةَ بْنَ حَكِيمٍ الْفَارِسِيَّ وَمَسْرُوقَ بْنَ فُلَانٍ الْعَكِّيَّ عَلَى قِتَالِ إِيلِيَاءَ، فَشَغَلُوا مَنْ بِهِ عَنْهُ، وَجَعَلَ أَيْضًا أَبَا أَيُّوبَ الْمَالِكِيَّ عَلَى مَنْ بِالرَّمْلَةِ مِنَ الرُّومِ، فَشَغَلَهُمْ عَنْهُ، وَتَتَابَعَتِ الْأَمْدَادُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ إِلَى عَمْرٍو، فَأَقَامَ عَمْرٌو عَلَى أَجْنَادَيْنِ لَا يَقْدِرُ مِنَ الْأَرْطَبُونِ عَلَى شَيْءٍ، وَلَا تُشْفِيهِ الرُّسُلُ، فَسَارَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ رَسُولٌ، فَفَطِنَ بِهِ الْأَرْطَبُونُ وَقَالَ: لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَمِيرُ أَوْ مَنْ يَأْخُذُ الْأَمِيرُ بِرَأْيِهِ، فَأَمَرَ إِنْسَانًا أَنْ يَقْعُدَ عَلَى طَرِيقِهِ لِيَقْتُلَهُ إِذَا مَرَّ بِهِ، وَفَطِنَ عَمْرٌو لِفِعْلِهِ فَقَالَ لَهُ: قَدْ سَمِعْتَ مِنِّي وَسَمِعْتُ مِنْكَ، وَقَدْ وَقَعَ قَوْلُكَ مِنِّي مَوْقِعًا، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، بَعَثَنَا عُمَرُ إِلَى هَذَا الْوَالِي لِنُكَانِفَهُ، فَأَرْجِعُ فَآتِيكَ بِهِمُ الْآنَ، فَإِنْ رَأَوُا الَّذِي عَرَضْتَ عَلَيَّ الْآنَ فَقَدْ رَآهُ الْأَمِيرُ وَأَهْلُ الْعَسْكَرِ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ رَدَدْتَهُمْ إِلَى مَأْمَنِهِمْ. فَقَالَ: نَعَمْ، وَرَدَّ الرَّجُلَ الَّذِي أَمَرَ بِقَتْلِهِ. فَخَرَجَ عَمْرٌو مِنْ عِنْدِهِ، وَعَلِمَ الرُّومِيُّ أَنَّهَا خُدْعَةٌ اخْتَدَعَهُ بِهَا فَقَالَ: هَذَا أَدْهَى الْخَلْقِ! وَبَلَغَتْ خَدِيعَتُهُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّ عَمْرٍو! وَعَرَفَ عَمْرٌو مَأْخَذَهُ فَلَقِيَهُ، فَاقْتَتَلُوا بِأَجْنَادَيْنِ قِتَالًا شَدِيدًا كَقِتَالِ الْيَرْمُوكِ، حَتَّى كَثُرَتِ الْقَتْلَى بَيْنَهُمْ. وَانْهَزَمَ أَرْطَبُونُ إِلَى إِيلِيَاءَ، وَنَزَلَ عَمْرٌو أَجْنَادَيْنِ، وَأَفْرَجَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ يَحْصُرُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِأَرْطَبُونَ، فَدَخَلَ إِيلِيَاءَ وَأَزَاحَ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُ إِلَى عَمْرٍو. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وَقْعَةِ أَجْنَادَيْنِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهَا قَبْلَ الْيَرْمُوكِ، وَسِيَاقُهَا عَلَى غَيْرِ هَذِهِ السِّيَاقَةِ، فَلِهَذَا ذَكَرْنَاهَا هُنَالِكَ وَهَاهُنَا.
ذِكْرُ فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ إِيلِيَاءُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ أَرْطَبُونُ إِيلِيَاءَ، فَتَحَ عَمْرٌو غَزَّةَ، وَقِيلَ: كَانَ فَتْحُهَا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ فَتَحَ سَبَسْطِيَةَ، وَفِيهَا قَبْرُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفَتَحَ نَابُلُسَ بِأَمَانٍ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَفَتَحَ مَدِينَةَ لُدٍّ، ثُمَّ فَتَحَ يُبْنَى وَعَمَوَاسَ وَبَيْتَ جِبْرِينَ، وَفَتَحَ يَافَا، وَقِيلَ: فَتَحَهَا مُعَاوِيَةُ، وَفَتَحَ عَمْرٌو رَفَحَ. فَلَمَّا تَمَّ لَهُ ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى أَرْطَبُونَ رَجُلًا يَتَكَلَّمُ بِالرُّومِيَّةِ وَقَالَ لَهُ: اسْمَعْ مَا يَقُولُ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا، فَوَصَلَ الرَّسُولُ، وَدَفَعَ الْكِتَابَ إِلَى أَرْطَبُونَ وَعِنْدَهُ وُزَرَاؤُهُ، فَقَالَ أَرْطَبُونُ: لَا يَفْتَحُ - وَاللَّهِ - عَمْرٌو شَيْئًا مِنْ فِلَسْطِينَ بَعْدَ أَجْنَادَيْنِ. فَقَالُوا لَهُ: مَنْ أَيْنَ عَلِمْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: صَاحِبُهَا رَجُلٌ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، وَذَكَرَ صِفَةَ عُمَرَ. فَرَجَعَ الرَّسُولُ إِلَى عَمْرٍو فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَقُولُ: إِنِّي أُعَالِجُ عَدُوًّا شَدِيدًا وَبِلَادًا قَدِ ادُّخِرَتْ لَكَ، فَرَأْيَكَ. فَعَلِمَ عُمَرُ أَنَّ عَمْرًا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إِلَّا بِشَيْءٍ سَمِعَهُ، فَسَارَ عُمَرُ عَنِ الْمَدِينَةِ وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ قُدُومِ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ حَصَرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَلَبَ أَهْلُهُ مِنْهُ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى صُلْحِ أَهْلِ مُدُنِ الشَّامِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُتَوَلِّي لِلْعَقْدِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، فَسَارَ عَنِ الْمَدِينَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَيْنَ تَخْرُجُ بِنَفْسِكَ؟ إِنَّكَ تُرِيدُ عَدُوًّا كَلِبًا. فَقَالَ عُمَرُ: أُبَادِرُ بِالْجِهَادِ قَبْلَ مَوْتِ الْعَبَّاسِ، إِنَّكُمْ لَوْ فَقَدْتُمُ الْعَبَّاسَ لَانْتَقَضَ بِكُمُ الشَّرُّ كَمَا يَنْتَقِضُ [أَوَّلُ] الْحَبْلِ. فَمَاتَ الْعَبَّاسُ لِسِتِّ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَانْتَقَضَ بِالنَّاسِ الشَّرُّ وَسَارَ عُمَرُ فَقَدِمَ الْجَابِيَةَ عَلَى فَرَسٍ، وَجَمِيعُ مَا قَدِمَ الشَّامَ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ: الْأُولَى عَلَى
فَرَسٍ، الثَّانِيَةُ عَلَى بَعِيرٍ، وَالثَّالِثَةُ عَلَى بَغْلٍ - رَجَعَ لِأَجْلِ الطَّاعُونِ - وَالرَّابِعَةُ عَلَى حِمَارٍ. وَكَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ يُوَافُوهُ بِالْجَابِيَةِ لِيَوْمٍ سَمَّاهُ لَهُمْ فِي الْمُجَرَّدَةِ، وَيَسْتَخْلِفُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ، فَلَقُوهُ حَيْثُ رُفِعَتْ لَهُمُ الْجَابِيَةُ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَهُ يَزِيدُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ ثُمَّ خَالِدٌ عَلَى الْخُيُولِ، عَلَيْهِمُ الدِّيبَاجُ وَالْحَرِيرُ، فَنَزَلَ وَأَخَذَ الْحِجَارَةَ وَرَمَاهُمْ بِهَا وَقَالَ: مَا أَسْرَعَ مَا رَجَعْتُمْ عَنْ رَأْيِكُمْ! إِيَّايَ تَسْتَقْبِلُونَ فِي هَذَا الزِّيِّ وَإِنَّمَا شَبِعْتُمْ مُذْ سَنَتَيْنِ! وَبِاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ هَذَا عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ لَاسْتَبْدَلْتُ بِكُمْ غَيْرَكُمْ. فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهَا يَلَامِقَةُ، وَإِنَّ عَلَيْنَا السِّلَاحَ. قَالَ: فَنَعَمْ إِذَنْ. وَرَكِبَ حَتَّى دَخَلَ الْجَابِيَةَ وَعَمْرٌو وَشُرَحْبِيلُ كَأَنَّهُمَا لَمْ يَتَحَرَّكَا. فَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ الْجَابِيَةَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ لَا تَرْجِعُ إِلَى بِلَادِكَ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ إِيلِيَاءَ، وَكَانُوا قَدْ شَجُّوا عَمْرًا وَشَجَّهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى الرَّمْلَةِ. فَبَيْنَمَا عُمَرُ مُعَسْكِرٌ بِالْجَابِيَةِ فَزِعَ النَّاسُ إِلَى السِّلَاحِ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى إِلَى الْخَيْلِ وَالسُّيُوفِ؟ فَنَظَرَ فَإِذَا كُرْدُوسٌ يُلْمِعُونَ بِالسُّيُوفِ. فَقَالَ عُمَرُ: مُسْتَأْمِنَةٌ فَلَا تُرَاعُوا، فَأَمِّنُوهُمْ، وَإِذَا أَهْلُ إِيلِيَاءَ وَحَيِّزِهَا، فَصَالَحَهُمْ عَلَى الْجِزْيَةِ وَفَتَحُوهَا لَهُ. وَكَانَ الَّذِي صَالَحَهُ الْعَوَّامُّ، لِأَنَّ أَرْطَبُونَ وَالتَّذَارِقَ دَخَلَا مِصْرَ لَمَّا وَصَلَ عُمَرُ إِلَى الشَّامِ، وَأَخَذُوا كِتَابَهُ عَلَى إِيلِيَاءَ وَحَيِّزِهَا وَالرَّمْلَةِ وَحَيِّزِهَا، فَشَهِدَ ذَلِكَ الْيَهُودِيُّ الصُّلْحَ. فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنِ الدَّجَّالِ، وَكَانَ كَثِيرَ السُّؤَالِ عَنْهُ. فَقَالَ لَهُ: وَمَا مَسْأَلَتُكَ عَنْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ أَنْتُمْ وَاللَّهِ تَقْتُلُونَهُ دُونَ بَابِ لُدٍّ بِبِضْعَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا. وَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَيْهِمْ بِالْأَمَانِ وَجَعَلَ عَلْقَمَةَ بْنَ حَكِيمٍ عَلَى نِصْفِ فِلَسْطِينَ وَأَسْكَنَهُ الرَّمْلَةِ، وَجَعَلَ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزِّزٍ عَلَى نِصْفِهَا الْآخَرِ وَأَسْكَنَهُ إِيلِيَاءَ. وَضَمَّ عَمْرًا وَشُرَحْبِيلَ إِلَيْهِ بِالْجَابِيَةِ فَلَقِيَاهُ رَاكِبًا فَقَبَّلَا رُكْبَتَيْهِ، وَضَمَّ عُمَرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَضِنَهُمَا. ثُمَّ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنَ الْجَابِيَةِ فَرَكِبَ فَرَسَهُ فَرَأَى بِهِ عَرَجًا، فَنَزَلَ عَنْهُ وَأُتِيَ
بِبِرْذَوْنٍ فَرَكِبَهُ، فَجَعَلَ يَتَجَلْجَلُ بِهِ، فَنَزَلَ وَضَرَبَ وَجْهَهُ وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ مَنْ عَلَّمَكَ هَذِهِ الْخُيَلَاءَ! ثُمَّ لَمْ يَرْكَبْ بِرْذَوْنًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. وَفُتِحَتْ إِيلِيَاءُ وَأَهْلُهَا عَلَى يَدَيْهِ. وَقِيلَ: كَانَ فَتْحُهَا سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، وَلَحِقَ أَرْطَبُونُ وَمَنْ أَبَى الصُّلْحَ مِنَ الرُّومِ بِمِصْرَ، فَلَمَّا مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ مِصْرَ قُتِلَ، وَقِيلَ: بَلْ لَحِقَ بِالرُّومِ، فَكَانَ يَكُونُ عَلَى صَوَائِفِهِمْ، وَالْتَقَى هُوَ وَصَاحِبُ صَائِفَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ يُقَالُ لَهُ ضُرَيْسٌ، فَقَطَعَ يَدَ الْقَيْسِيِّ وَقَتَلَهُ الْقَيْسِيُّ، فَقَالَ فِيهِ: فَإِنْ يَكُنْ أَرْطَبُونُ الرُّومِ أَفْسَدَهَا فَإِنَّ فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَفَعَا وَإِنْ يَكُنْ أَرْطَبُونُ الرُّومِ قَطَّعَهَا فَقَدْ تَرَكْتُ بِهَا أَوْصَالَهُ قِطَعَا ذِكْرُ فَرْضِ الْعَطَاءِ وَعَمَلِ الدِّيوَانِ وَفِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرَضَ عُمَرُ لِلْمُسْلِمِينَ الْفُرُوضَ، وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وَأَعْطَى الْعَطَايَا عَلَى السَّابِقَةِ، وَأَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وَالْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فِي أَهْلِ الْفَتْحِ أَقَلَّ مَا أَخَذَ مَنْ قَبْلَهُمْ، فَامْتَنَعُوا مِنْ أَخْذِهِ وَقَالُوا: لَا نَعْتَرِفُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَكْرَمَ مِنَّا. فَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا أَعْطَيْتُكُمْ عَلَى السَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ لَا عَلَى الْأَحْسَابِ. قَالُوا: فَنَعَمْ إِذًا، وَأَخَذُوا، وَخَرَجَ الْحَارِثُ وَسُهَيْلٌ بِأَهْلَيْهِمَا نَحْوَ الشَّامِ، فَلَمْ يَزَالَا مُجَاهِدَيْنِ حَتَّى أُصِيبَا فِي بَعْضِ تِلْكَ الدُّرُوبِ، وَقِيلَ: مَاتَا فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ. وَلَمَّا أَرَادَ عُمَرُ وَضْعَ الدِّيوَانِ قَالَ لَهُ عَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ. قَالَ: لَا بَلْ أَبْدَأُ بِعَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ ; فَفَرَضَ لِلْعَبَّاسِ وَبَدَأَ بِهِ، ثُمَّ فَرَضَ لِأَهْلِ بَدْرٍ خَمْسَةَ آلَافٍ خَمْسَةَ آلَافٍ، ثُمَّ فَرَضَ لِمَنْ بَعْدَ بَدْرٍ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، ثُمَّ فَرَضَ لِمَنْ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَى أَنْ أَقْلَعَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثَلَاثَةَ آلَافٍ (فِي ذَلِكَ مَنْ شَهِدَ الْفَتْحَ وَقَاتَلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَمَنْ وَلِيَ الْأَيَّامَ قَبْلَ الْقَادِسِيَّةِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثَلَاثَةَ آلَافٍ) ، ثُمَّ فَرَضَ لِأَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ وَأَهْلِ الشَّامِ
أَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ، وَفَرَضَ لِأَهْلِ الْبَلَاءِ النَّازِعِ مِنْهُمْ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةٍ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةٍ. فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أَلْحَقْتَ الْقَادِسِيَّةَ بِأَهْلِ الْأَيَّامِ، فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُلْحِقَهُمْ بِدَرَجَةِ مَنْ لَمْ يُدْرِكُوا. وَقِيلَ لَهُ: قَدْ سَوَّيْتَ مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ بِمَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ وَقَاتَلَهُمْ عَنْ فِنَائِهِ. فَقَالَ: مَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ أَحَقُّ بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا رِدْءًا لِلْحُتُوفِ وَشَجًى لِلْعَدُوِّ، فَهَلَّا قَالَ الْمُهَاجِرُونَ مِثْلَ قَوْلِكُمْ حِينَ سَوَّيْنَا بَيْنَ السَّابِقِينَ مِنْهُمْ وَالْأَنْصَارَ! فَقَدْ كَانَتْ نُصْرَةُ الْأَنْصَارِ بِفِنَائِهِمْ وَهَاجَرَ إِلَيْهِمُ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ بَعْدُ. وَفَرَضَ لِمَنْ بَعْدَ الْقَادِسِيَّةِ وَالْيَرْمُوكِ أَلْفًا أَلْفًا، ثُمَّ فَرَضَ لِلرَّوَادِفِ الْمُثَنَّى خَمْسَمِائَةٍ خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ لِلرَّوَادِفِ الثَّلِيثِ بَعْدَهُمْ ثَلَاثَمِائَةٍ، سَوَّى كُلَّ طَبَقَةٍ فِي الْعَطَاءِ قَوِيَّهُمْ وَضَعِيفَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، وَفَرَضَ لِلرَّوَادِفِ الرَّبِيعِ عَلَى مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَفَرَضَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ - وَهُمْ أَهْلُ هَجَرَ وَالْعِبَادِ - عَلَى مِائَتَيْنِ، وَأَلْحَقَ بِأَهْلِ بَدْرٍ أَرْبَعَةً مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا: الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَأَبَا ذَرٍّ وَسَلْمَانَ. وَكَانَ فَرَضَ لِلْعَبَّاسِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَقِيلَ: اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَأَعْطَى نِسَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عَشَرَةَ آلَافٍ عَشَرَةَ آلَافٍ، إِلَّا مَنْ جَرَى عَلَيْهَا الْمِلْكُ. فَقَالَ نِسْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفَضِّلُنَا عَلَيْهِنَّ فِي الْقِسْمَةِ، فَسَوِّ بَيْنَنَا ; فَفَعَلَ وَفَضَّلَ عَائِشَةَ بِأَلْفَيْنِ لِمَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إِيَّاهَا، فَلَمْ تَأْخُذْ. وَجَعَلَ نِسَاءَ أَهْلِ بَدْرٍ فِي خَمْسِمِائَةٍ خَمْسِمِائَةٍ، وَنِسَاءَ مَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَرْبَعِمِائَةٍ أَرْبَعِمِائَةٍ، وَنِسَاءَ مَنْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْأَيَّامِ ثَلَاثِمِائَةٍ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَنِسَاءَ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ مِائَتَيْنِ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ سَوَّى بَيْنَ النِّسَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَجَعَلَ الصِّبْيَانَ سَوَاءً عَلَى مِائَةٍ مِائَةٍ، ثُمَّ جَمَعَ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَأَطْعَمَهُمُ الْخُبْزَ، فَأَحْصَوْا مَا أَكَلُوا فَوَجَدُوهُ يَخْرُجُ مِنْ جَرِيبَتَيْنِ، فَفَرَضَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَلِعِيَالِهِ جَرِيبَتَيْنِ فِي الشَّهْرِ. وَقَالَ عُمَرُ قَبْلَ مَوْتِهِ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَجْعَلَ الْعَطَاءَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، أَلْفًا يَجْعَلُهَا الرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ، وَأَلْفًا يُزَوَّدُهَا مَعَهُ، وَأَلْفًا يَتَجَهَّزُ بِهَا، وَأَلْفًا يَتَرَفَّقُ بِهَا. فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ.
وَقَالَ لَهُ قَائِلٌ عِنْدَ فَرْضِ الْعَطَاءِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ تَرَكْتَ فِي بُيُوتِ الْأَمْوَالِ عِدَّةً لِكَوْنٍ إِنْ كَانَ. فَقَالَ: كَلِمَةٌ أَلْقَاهَا الشَّيْطَانُ عَلَى فِيكَ وَقَانِي اللَّهُ شَرَّهَا، وَهِيَ فِتْنَةٌ لِمَنْ بَعْدِي، بَلْ أُعِدُّ لَهُمْ مَا أَعَدَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ طَاعَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، هُمَا عُدَّتُنَا الَّتِي بِهَا أَفْضَيْنَا إِلَى مَا تَرَوْنَ، فَإِذَا كَانَ الْمَالُ ثَمَنَ دِينِ أَحَدِكُمْ هَلَكْتُمْ. وَقَالَ عُمَرُ لِلْمُسْلِمِينَ: إِنِّي كُنْتُ امْرَأً تَاجِرًا يُغْنِي اللَّهُ عِيَالِي بِتِجَارَتِي، وَقَدْ شَغَلْتُمُونِي بِأَمْرِكُمْ هَذَا، فَمَا تَرَوْنَ أَنَّهُ يَحِلُّ لِي فِي هَذَا الْمَالِ؟ وَعَلِيٌّ سَاكِتٌ. فَأَكْثَرَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا عَلِيُّ؟ فَقَالَ: مَا أَصْلَحَكَ وَعِيَالَكَ بِالْمَعْرُوفِ لَيْسَ لَكَ غَيْرُهُ. فَقَالَ الْقَوْمُ: الْقَوْلُ مَا قَالَ عَلِيٌّ. فَأَخَذَ قُوتَهُ وَاشْتَدَّتْ حَاجَةُ عُمَرَ، فَاجْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فَقَالُوا: لَوْ قُلْنَا لِعُمَرَ فِي زِيَادَةٍ نَزِيدُهُ إِيَّاهَا فِي رِزْقِهِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: هَلُمُّوا فَلْنَسْتَبْرِئْ مَا عِنْدَهُ مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، فَأَتَوْا حَفْصَةَ ابْنَتَهُ فَأَعْلَمُوهَا الْحَالَ وَاسْتَكْتَمُوهَا أَنْ لَا تُخْبِرَ بِهِمْ عُمَرَ. فَلَقِيَتْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ لِأَسَوءَهُمْ؟ قَالَتْ: لَا سَبِيلَ إِلَى عِلْمِهِمْ. قَالَ: أَنْتِ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، مَا أَفْضَلُ مَا اقْتَنَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِكِ مِنَ الْمَلْبَسِ؟ قَالَتْ: ثَوْبَيْنِ مُمَشَّقَيْنِ كَانَ يَلْبَسُهُمَا لِلْوَفْدِ وَالْجُمَعِ. قَالَ: فَأَيُّ الطَّعَامِ نَالَهُ عِنْدَكِ أَرْفَعُ؟ قَالَتْ: حَرْفًا مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ فَصَبَبْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ حَارٌّ أَسْفَلَ عُكَّةٍ لَنَا، فَجَعَلْتُهَا دَسِمَةً حُلْوَةً فَأَكَلَ مِنْهَا. وَقَالَ: وَأَيُّ مُبْسَطٍ كَانَ يُبْسَطُ عِنْدَكِ كَانَ أَوْطَأَ؟ قَالَتْ: كِسَاءٌ ثَخِينٌ كُنَّا نُرَبِّعُهُ فِي الصَّيْفِ، فَإِذَا كَانَ الشِّتَاءُ بَسَطْنَا نِصْفَهُ وَتَدَثَّرْنَا بِنِصْفِهِ. قَالَ: يَا حَفْصَةُ فَأَبْلِغِيهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّرَ فَوَضَعَ الْفُضُولَ مَوَاضِعَهَا وَتَبَلَّغَ بِالتَّزْجِيَةِ، فَوَاللَّهِ لَأَضَعَنَّ الْفُضُولَ مَوَاضِعَهَا وَلَأَتَبَلَّغَنَّ بِالتَّزْجِيَةِ، وَإِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ صَاحِبَيَّ كَثَلَاثَةٍ سَلَكُوا طَرِيقًا، فَمَضَى الْأَوَّلُ وَقَدْ تَزَوَّدَ فَبَلَغَ الْمَنْزِلَ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ الْآخَرُ فَسَلَكَ طَرِيقَهُ فَأَفْضَى إِلَيْهِ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ الثَّالِثُ فَإِنْ لَزِمَ طَرِيقَهُمَا وَرَضِيَ بِزَادِهِمَا أُلْحِقَ بِهِمَا، وَإِنْ سَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِهِمَا لَمْ يُجَامِعْهُمَا.
ذِكْرُ الْحُرُوبِ إِلَى آخِرِ السَّنَةِ فَمِنْ ذَلِكَ يَوْمُ بُرْسَ وَبَابِلَ وَكُوثَى لَمَّا فَرَغَ سَعْدٌ مِنْ أَمْرِ الْقَادِسِيَّةِ أَقَامَ بِهَا بَعْدَ الْفَتْحِ شَهْرَيْنِ، وَكَاتَبَ عُمَرَ فِيمَا يَفْعَلُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَأَنْ يُخَلِّفَ النِّسَاءَ وَالْعِيَالَ بِالْعَتِيقِ، وَأَنْ يَجْعَلَ مَعَهُمْ جُنْدًا كَثِيفًا وَأَنْ يُشْرِكَهُمْ فِي كُلِّ مَغْنَمٍ مَا دَامُوا يَخْلُفُونَ الْمُسْلِمِينَ فِي عِيَالَاتِهِمْ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَارَ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ لِأَيَّامٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ، وَكُلُّ النَّاسِ مُؤَدٍّ مُذْ نَقَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مَا كَانَ فِي عَسْكَرِ الْفُرْسِ. فَلَمَّا وَصَلَتْ مُقَدَّمَةُ الْمُسْلِمِينَ بُرْسَ وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ وَزُهْرَةُ بْنُ حَوِيَّةَ وَشُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ لَقِيَهُمْ بِهَا بَصْبُهْرَا فِي جَمْعٍ مِنَ الْفُرْسِ، فَهَزَمَهُ الْمُسْلِمُونَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى بَابِلَ، وَبِهَا فَالَّةُ الْقَادِسِيَّةِ وَبَقَايَا رُؤَسَائِهِمُ النَّخِيرَخَانُ، وَمِهْرَانُ الرَّازِيُّ، وَالْهُرْمُزَانُ، وَأَشْبَاهُهُمْ، وَقَدِ اسْتَعْمَلُوا عَلَيْهِمُ الْفَيْرُزَانَ، وَقَدِمَ بَصْبُهْرَا مُنْهَزِمًا مِنْ بُرْسَ، فَوَقَعَ فِي النَّهْرِ، وَمَاتَ مِنْ طَعْنَةٍ كَانَ طَعَنَهُ زُهْرَةُ. وَلَمَّا هُزِمَ بَصْبُهْرَا أَقْبَلَ بِسْطَامُ دِهْقَانُ بُرْسَ فَصَالَحَ زُهْرَةَ، وَعَقَدَ لَهُ الْجُسُورَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَنِ اجْتَمَعَ بِبَابِلَ، فَأَرْسَلَ زُهْرَةُ إِلَى سَعْدٍ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ. فَقَدِمَ عَلَيْهِ سَعْدٌ بِبُرْسَ وَسَيَّرَهُ فِي الْمُقَدَّمَةِ، وَأَتْبَعَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَشُرَحْبِيلَ وَهَاشِمًا الْمِرْقَالَ، وَاتَّبَعَهُمْ، فَنَزَلُوا عَلَى الْفَيْرُزَانَ بِبَابِلَ وَقَدْ قَالُوا: نُقَاتِلُهُمْ قَبْلَ أَنْ نَفْتَرِقَ، فَاقْتَتَلُوا فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَانْطَلَقُوا عَلَى وَجْهَيْنِ، فَسَارَ الْهُرْمُزَانُ نَحْوَ الْأَهْوَازِ فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا، وَخَرَجَ الْفَيْرُزَانُ نَحْوَ نَهَاوَنْدَ، فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا وَبِهَا كُنُوزُ كِسْرَى، وَأَكَلَ الْمَاهَيْنَ، وَسَارَ النَّخِيرَخَانُ وَمِهْرَانُ إِلَى الْمَدَائِنِ وَقَطَعَا الْجِسْرَ. وَأَقَامَ سَعْدٌ بِبَابِلَ، فَقَدَّمَ زُهْرَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ وَكَثِيرَ بْنَ شِهَابٍ السَّعْدِيَّ حَتَّى عَبَرَا الصَّرَاةَ، فَلَحِقَا بِأُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ، وَفِيهِمْ فُيُومَانُ وَالْفَرُّخَانُ، فَقَتَلَ بُكَيْرٌ الْفَرُّخَانَ وَقَتَلَ كَثِيرٌ فُيُومَانَ بِسُورَاءَ، وَجَاءَ زُهْرَةُ فَجَازَ سُورَاءَ وَنَزَلَ، وَجَاءَ سَعْدٌ وَهَاشِمٌ
وَالنَّاسُ وَنَزَلُوا عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ زُهْرَةُ نَحْوَ الْفُرْسِ، وَكَانُوا قَدْ نَزَلُوا بَيْنَ الدَّيْرِ وَكُوثَى، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ النَّخِيرَخَانُ وَمِهْرَانُ عَلَى جُنُودِهِمَا شَهْرَيَارَ، فَنَازَلَهُمْ زُهْرَةُ، فَبَرَزُوا إِلَى قِتَالِهِ، وَخَرَجَ شَهْرَيَارُ يَطْلُبُ الْمُبَارَزَةَ، فَأَخْرَجَ زُهْرَةُ إِلَيْهِ أَبَا نُبَاتَةَ نَائِلَ بْنَ جَشْعَمٍ الْأَعْرَجِيَّ، وَكَانَ مِنْ شُجْعَانِ بَنِي تَيْمٍ، وَكِلَاهُمَا وَثِيقُ الْخَلْقِ. فَلَمَّا رَأَى شَهْرَيَارُ نَائِلًا أَلْقَى الرُّمْحَ لِيَعْتَنِقَهُ، وَأَلْقَى أَبُو نُبَاتَةَ رُمْحَهُ لِيَعْتَنِقَهُ أَيْضًا، وَانْتَضَيَا سَيْفَيْهِمَا فَاجْتَلَدَا، ثُمَّ اعْتَنَقَا فَسَقَطَا عَنْ دَابَّتِهِمَا، فَوَقَعَ شَهْرَيَارُ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ جَمَلٌ، فَضَغَطَهُ بِفَخِذِهِ، وَأَخَذَ الْخِنْجَرَ وَأَرَادَ حَلَّ أَزْرَارَ دِرْعِهِ، فَوَقَعَتْ إِصْبَعُهُ فِي نَائِلٍ فَكَسَرَ عَظْمَهَا، وَرَأَى مِنْهُ فُتُورًا فَبَادَرَ وَجَلَدَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَعَدَ عَلَى صَدْرِهِ وَأَخَذَ خِنْجَرَهُ وَكَشَفَ دِرْعَهُ عَنْ بَطْنِهِ، وَطَعَنَ بِهِ بَطْنَهُ وَجَنْبَهُ حَتَّى مَاتَ، وَأَخَذَ فَرَسَهُ وَسِوَارَيْهِ وَسَلَبَهُ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فَذَهَبُوا فِي الْبِلَادِ، وَأَقَامَ زُهْرَةُ بِكُوثَى حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ سَعْدٌ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ نَائِلًا وَأَلْبَسَهُ سِلَاحَ شَهْرَيَارَ وَسِوَارَيْهِ وَأَرْكَبَهُ بِرْذَوْنَهُ وَغَنَّمَهُ الْجَمِيعَ، فَكَانَ أَوَّلَ أَعْرَجِيٍّ سُوِّرَ بِالْعِرَاقِ، وَقَامَ بِهَا سَعْدٌ أَيَّامًا وَزَارَ مَجْلِسَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَقِيلَ: كَانَتْ هَذِهِ الْوَقَعَاتُ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ. (نَائِلٌ بِالنُّونِ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ لَامٌ) . ذِكْرُ بَهُرَسِيرَ وَهِيَ الْمَدِينَةُ الْعَتِيقَةُ وَهِيَ الْمَدَائِنُ الدُّنْيَا مِنَ الْغَرْبِ ثُمَّ إِنَّ سَعْدًا قَدَّمَ زُهْرَةَ إِلَى بَهُرَسِيرَ فَمَضَى فِي الْمُقَدَّمَاتِ، فَتَلَقَّاهُ شِيرَازَادُ دِهْقَانُ سَابَاطَ بِالصُّلْحِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى سَعْدٍ، فَصَالَحَهُ عَلَى تَأْدِيَةِ الْجِزْيَةِ. وَلَقِيَ زُهْرَةُ كَتِيبَةَ بِنْتِ كِسْرَى الَّتِي تُدْعَى بُورَانُ، وَكَانُوا يَحْلِفُونَ كُلَّ يَوْمٍ أَنْ لَا يَزُولَ مُلْكُ فَارِسٍ مَا عِشْنَا، فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ - وَهُوَ ابْنُ أَخِي سَعْدٍ - الْمُقَرَّطَ - وَهُوَ
أَسَدٌ كَانَ لِكِسْرَى قَدْ أَلِفَهُ، فَقَبَّلَ سَعْدٌ رَأْسَ هَاشِمٍ، وَقَبَّلَ هَاشِمٌ قَدَمَ سَعْدٍ، وَأَرْسَلَهُ سَعْدٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ إِلَى بَهُرَسِيرَ، فَنَزَلَ إِلَى الْمُظْلِمِ، وَقَرَأَ: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} [إبراهيم: 44] ; ثُمَّ ارْتَحَلَ فَنَزَلَ عَلَى بَهُرَسِيرَ، وَوَصَلَهَا سَعْدٌ وَالْمُسْلِمُونَ فَرَأَوُا الْإِيوَانَ، فَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ: اللَّهُ أَكْبَرُ! أَبْيَضُ كِسْرَى! هَذَا مَا وَعَدَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَانُوا كُلَّمَا وَصَلَتْ طَائِفَةٌ كَبَّرُوا، ثُمَّ نَزَلُوا عَلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ نُزُولُهُمْ عَلَيْهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. وَكَانَ عَامِلُهُ فِيهَا عَلَى مَكَّةَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ فِي الْقَوْلِ، وَعَلَى الطَّائِفِ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ، وَعَلَى الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَعَلَى عُمَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَعَلَى الشَّامِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ وَأَرْضِهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَقِيلَ: تُوُفِّيَّ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ. وَنَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ أَسَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ.
ثم دخلت سنة ست عشرة
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ] [ذِكْرُ فَتْحِ الْمَدَائِنِ الْغَرْبِيَّةِ وَهِيَ بَهُرَسِيرُ] 16 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ ذِكْرُ فَتْحِ الْمَدَائِنِ الْغَرْبِيَّةِ وَهِيَ بَهُرَسِيرُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - فِي صَفَرٍ - دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ بَهُرَسِيرَ، وَكَانَ سَعْدٌ مُحَاصِرًا لَهَا، وَأَرْسَلَ الْخُيُولَ فَأَغَارَتْ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ، فَأَصَابُوا مِائَةَ أَلْفِ فَلَّاحٍ، فَأَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَلَّاحًا، لِأَنَّ كُلَّ الْمُسْلِمِينَ كَانَ فَارِسًا، فَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ يَسْتَأْذِنُهُ، فَأَجَابَهُ: إِنَّ مَنْ جَاءَكُمْ مِنَ الْفَلَّاحِينَ مِمَّنْ لَمْ يُعِينُوا عَلَيْكُمْ فَهُوَ أَمَانُهُمْ، وَمَنْ هَرَبَ فَأَدْرَكْتُمُوهُ فَشَأْنُكُمْ بِهِ. فَخَلَّى سَعْدٌ عَنْهُمْ وَأَرْسَلَ إِلَى الدَّهَاقِينِ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ وَلَهُمُ الذِّمَّةُ، فَتَرَاجَعُوا وَلَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ مَا كَانَ لِآلِ كِسْرَى، فَلَمْ يَبْقَ فِي غَرْبَيِّ دِجْلَةَ إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ سَوَادِيٌّ إِلَّا أَمِنَ وَاغْتَبَطَ بِمُلْكِ الْإِسْلَامِ. وَأَقَامُوا عَلَى بَهُرَسِيرَ شَهْرَيْنِ يَرْمُونَهُمْ بِالْمَجَانِيقِ، وَيَدِبُّونَ إِلَيْهِمْ بِالدَّبَّابَاتِ وَيُقَاتِلُونَهُمْ بِكُلِّ عُدَّةٍ، وَنَصَبُوا عَلَيْهَا عِشْرِينَ مَنْجِنِيقًا فَشَغَلُوهُمْ بِهَا، وَرُبَّمَا خَرَجَ الْعَجَمُ فَقَاتَلُوهُمْ فَلَا يَقُومُونَ لَهُمْ، وَكَانَ آخِرُ مَا خَرَجُوا مُتَجَرِّدِينَ لِلْحَرْبِ وَتَبَايَعُوا عَلَى الصَّبْرِ، فَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ. وَكَانَ عَلَى زُهْرَةَ بْنِ الْحَوِيَّةِ دِرْعٌ مَفْصُومَةٌ، فَقِيلَ: لَوْ أَمَرْتَ بِهَذَا الْفَصْمِ فَسُرِدَ. فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي عَلَى اللَّهِ لَكَرِيمٌ، أَنْ تَرَكَ سَهْمُ فَارِسَ الْجُنْدَ كُلَّهُمْ ثُمَّ أَتَانِي مِنْ هَذَا الْفَصْمِ حَتَّى يَثْبُتَ فِيَّ! فَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ
ذكر فتح المدائن التي فيها إيوان كسرى
هُوَ، بِنُشَّابَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْفَصْمِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: انْزِعُوهَا. فَقَالَ: دَعُونِي فَإِنَّ نَفْسِي مَعِي مَا دَامَتْ فِيَّ لَعَلِّي أَنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ بِطَعْنَةٍ أَوْ ضَرْبَةٍ. فَمَضَى نَحْوَ الْعَدُوِّ فَضَرَبَ بِسَيْفِهِ شَهْرَيَارَ مِنْ أَهْلِ إِصْطَخْرَ فَقَتَلَهُ، وَأُحِيطَ بِهِ فَقُتِلَ وَمَا انْكَشَفُوا. وَقِيلَ: إِنْ زُهْرَةَ عَاشَ إِلَى أَيَّامِ الْحَجَّاجِ فَقَتَلَهُ شَبِيبٌ الْخَارِجِيُّ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ. وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ بِأَهْلِ الْمَدَائِنِ الْغَرْبِيَّةِ حَتَّى أَكَلُوا السَّنَانِيرَ وَالْكِلَابَ، وَصَبَرُوا مِنْ شِدَّةِ الْحِصَارِ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، فَبَيْنَا هُمْ يُحَاصِرُونَهُمْ إِذْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ الْمَلِكِ، فَقَالَ: الْمَلِكُ يَقُولُ لَكُمْ: هَلْ لَكُمْ إِلَى الْمُصَالَحَةِ عَلَى أَنَّ لَنَا مَا يَلِينَا مِنْ دِجْلَةَ إِلَى جَبَلِنَا، وَلَكُمْ مَا يَلِيكُمْ مِنْ دِجْلَةَ إِلَى جَبَلِكُمْ؟ أَمَا شَبِعْتُمْ لَا أَشْبَعَ اللَّهُ بُطُونَكُمْ! فَقَالَ لَهُمْ أَبُو مُفَزِّرٍ الْأَسْوَدُ بْنُ قُطْبَةَ، وَقَدْ أَنْطَقَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِمَا لَا يَدْرِي مَا هُوَ وَلَا مَنْ مَعَهُ. فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَقَطَعُوا دِجْلَةَ إِلَى الْمَدَائِنِ الشَّرْقِيَّةِ الَّتِي فِيهَا الْإِيوَانُ، فَقَالَ لَهُ مَنْ مَعَهُ: يَا أَبَا مُفَزِّرٍ مَا قُلْتَ لَهُ؟ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا أَدْرِي! وَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ قَدْ نَطَقْتُ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ. وَسَأَلَهُ سَعْدٌ وَالنَّاسُ عَمَّا قَالَ فَلَمْ يَعْلَمْ. فَنَادَى سَعْدٌ فِي النَّاسِ، فَنَهَدُوا إِلَيْهِمْ، فَمَا ظَهَرَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَحَدٌ، وَلَا خَرَجَ رَجُلٌ إِلَّا رَجُلٌ يُنَادِي بِالْأَمَانِ، فَآمَنُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا بَقِيَ بِالْمَدِينَةِ مَنْ يَمْنَعُكُمْ. فَدَخَلُوا فَمَا وَجَدُوا فِيهَا شَيْئًا وَلَا أَحَدًا إِلَّا أُسَارَى وَذَلِكَ الرَّجُلَ، فَسَأَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ هَرَبُوا؟ فَقَالَ: بَعَثَ الْمَلِكُ إِلَيْكُمْ يَعْرِضُ عَلَيْكُمُ الصُّلْحَ، فَأَجَبْتُمُوهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ صُلْحٌ أَبَدًا حَتَّى نَأْكُلَ عَسَلَ أَفْرِيدُونَ بِأُتْرُجِّ كُوثَى. فَقَالَ الْمَلِكُ: يَا مَيْلَتَيْهِ! إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَكَلَّمُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ تَرُدُّ عَلَيْنَا. فَسَارُوا إِلَى الْمَدِينَةِ الْقُصْوَى. فَلَمَّا دَخَلَهَا الْمُسْلِمُونَ أَنْزَلَهُمْ سَعْدٌ الْمَنَازِلَ، وَأَرَادُوا الْعُبُورَ إِلَى الْمَدَائِنِ فَوَجَدُوا الْمَعَابِرَ قَدْ أَخَذُوهَا مَا بَيْنَ الْمَدَائِنِ وَتَكْرِيتَ. [ذكر فَتْحِ الْمَدَائِنِ الَّتِي فِيهَا إِيوَانُ كِسْرَى] وَكَانَ فَتْحُهَا فِي صَفَرٍ أَيْضًا سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، قِيلَ: وَأَقَامَ سَعْدٌ بِبَهُرَسِيرَ أَيَّامًا مِنْ
صَفَرٍ، فَأَتَاهُ عِلْجٌ فَدَلَّهُ عَلَى مَخَاضَةٍ تُخَاضُ إِلَى صُلْبِ الْفُرْسِ، فَأَبَى وَتَرَدَّدَ عَنْ ذَلِكَ، وَقَحَمَهُمُ الْمَدُّ، وَكَانَتِ السَّنَةُ كَثِيرَةَ الْمُدُودِ، وَدِجْلَةُ تَقْذِفُ بِالزَّبَدِ، فَأَتَاهُ عِلْجٌ فَقَالَ: مَا يُقِيمُكَ؟ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ ثَلَاثَةٌ حَتَّى يَذْهَبَ يَزْدَجِرْدُ بِكُلِّ شَيْءٍ فِي الْمَدَائِنِ. فَهَيَّجَهُ ذَلِكَ عَلَى الْعُبُورِ، وَرَأَوْا رُؤْيَا: أَنَّ خُيُولَ الْمُسْلِمِينَ اقْتَحَمَتْ دِجْلَةَ فَعَبَرَتْ، فَعَزَمَ سَعْدٌ لِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا، فَجَمَعَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ عَدُوَّكُمْ قَدِ اعْتَصَمَ مِنْكُمْ بِهَذَا الْبَحْرِ، فَلَا تَخْلُصُونَ إِلَيْهِ مَعَهُ وَيَخْلُصُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا شَاءُوا فِي سُفُنِهِمْ فَيُنَاوِشُونَكُمْ، وَلَيْسَ وَرَاءَكُمْ شَيْءٌ تَخَافُونَ أَنْ تُؤْتَوْا مِنْهُ، قَدْ كَفَاكُمْ أَهْلُ الْأَيَّامِ وَعَطَّلُوا ثُغُورَهُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُ مِنَ الرَّأْيِ أَنْ تُجَاهِدُوا الْعَدُوَّ قَبْلَ أَنْ تَحْصُدَكُمُ الدُّنْيَا، أَلَا إِنِّي قَدْ عَزَمْتُ عَلَى قَطْعِ هَذَا الْبَحْرِ إِلَيْهِمْ. فَقَالُوا جَمِيعًا: عَزَمَ اللَّهُ لَنَا وَلَكَ عَلَى الرُّشْدِ فَافْعَلْ. فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى الْعُبُورِ وَقَالَ: مَنْ يَبْدَأُ وَيَحْمِي لَنَا الْفِرَاضَ حَتَّى تَتَلَاحَقَ بِهِ النَّاسُ لِكَيْلَا يَمْنَعُوهُمْ مِنَ الْعُبُورِ؟ فَانْتُدِبَ لَهُ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو ذُو الْبَأْسِ، فِي سِتِّمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ النَّجَدَاتِ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَاصِمًا، فَتَقَدَّمَهُمْ عَاصِمٌ فِي سِتِّينَ فَارِسًا، وَجَعَلَهُمْ عَلَى خَيْلٍ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ لِيَكُونَ أَسْلَسَ لِسِبَاحَةِ الْخَيْلِ، ثُمَّ اقْتَحَمُوا دِجْلَةَ. فَلَمَّا رَآهُمُ الْأَعَاجِمُ وَمَا صَنَعُوا أَخْرَجُوا لِلْخَيْلِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مِثْلَهَا فَاقْتَحَمُوا عَلَيْهِمْ دِجْلَةَ، فَلَقُوا عَاصِمًا وَقَدْ دَنَا مِنَ الْفِرَاضِ. فَقَالَ عَاصِمٌ: الرِّمَاحَ الرِّمَاحَ! أَشْرِعُوهَا وَتَوَخُّوا الْعُيُونَ. فَالْتَقَوْا فَاطَّعَنُوا، وَتَوَخَّى الْمُسْلِمُونَ عُيُونَهُمْ فَوَلَّوْا، وَلَحِقَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَقَتَلُوا أَكْثَرَهُمْ، وَمَنْ نَجَا مِنْهُمْ صَارَ أَعْوَرَ مِنَ الطَّعْنِ، وَتَلَاحَقَ السِّتُّمِائَةِ بِالسِّتِّينَ غَيْرَ مُتْعَبِينَ. وَلَمَّا رَأَى سَعْدٌ عَاصِمًا عَلَى الْفِرَاضِ قَدْ مَنَعَهَا، أَذِنَ لِلنَّاسِ فِي الِاقْتِحَامِ وَقَالَ: قُولُوا نَسْتَعِينُ بِاللَّهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَاللَّهِ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ وَلِيَّهُ وَلَيُظْهِرَنَّ دِينَهُ وَلَيَهْزِمَنَّ عَدُوَّهُ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ! . وَتَلَاحَقَ النَّاسُ فِي دِجْلَةَ وَإِنَّهُمْ يَتَحَدَّثُونَ كَمَا يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَرِّ، وَطَبَّقُوا دِجْلَةَ حَتَّى مَا يُرَى مِنَ الشَّاطِئِ شَيْءٌ. وَكَانَ الَّذِي يُسَايِرُ سَعْدًا سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ، فَعَامَتْ بِهِمْ خُيُولُهُمْ، وَسَعْدٌ يَقُولُ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَاللَّهِ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ وَلِيَّهُ، وَلَيُظْهِرَنَّ دِينَهُ وَلَيَهْزِمَنَّ عَدُوَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَيْشِ
بَغْيٌ أَوْ ذُنُوبٌ تَغْلِبُ الْحَسَنَاتِ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: الْإِسْلَامُ جَدِيدٌ، ذُلِّلَتْ لَهُمُ الْبُحُورُ كَمَا ذُلِّلَ لَهُمُ الْبَرُّ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ لَيَخْرُجُنَّ مِنْهُ أَفْوَاجًا كَمَا دَخَلُوا فِيهِ أَفْوَاجًا. فَخَرَجُوا مِنْهُ كَمَا قَالَ سَلْمَانُ لَمْ يَفْقِدُوا شَيْئًا، إِلَّا أَنَّ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ الْعَنْبَرِيَّ سَقَطَ مِنْهُ قَدَحٌ فَذَهَبَتْ بِهِ جَرْيَةُ الْمَاءِ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي يُسَايِرُهُ مُعَيِّرًا لَهُ: أَصَابَهُ الْقَدَرُ فَطَاحَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَعَلَى حَالَةٍ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَسْلُبَنِي قَدَحِي مِنْ بَيْنِ الْعَسْكَرَيْنِ. فَلَمَّا عَبَرُوا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ إِلَى الشَّاطِئِ فَتَنَاوَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ وَعَرَفَهُ صَاحِبُهُ فَأَخَذَهُ. وَلَمْ يَغْرَقْ مِنْهُمْ أَحَدٌ غَيْرَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَارِقٍ يُدْعَى غَرْقَدَةَ زَالَ عَنْ ظَهْرِ فَرَسٍ لَهُ أَشْقَرَ، فَثَنَى الْقَعْقَاعُ عِنَانَ فَرَسِهِ إِلَيْهِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَخْرَجَهُ سَالِمًا. وَخَرَجَ النَّاسُ سَالِمِينَ وَخَيْلُهُمْ تَنْفُضُ أَعْرَافَهَا. فَلَمَّا رَأَى الْفُرْسُ ذَلِكَ، وَأَتَاهُمْ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِمْ خَرَجُوا هَارِبِينَ نَحْوَ حُلْوَانَ، وَكَانَ يَزْدَجِرْدُ قَدْ قَدَّمَ عِيَالَهُ إِلَى حُلْوَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَخَلَّفَ مِهْرَانَ الرَّازِيَّ وَالنَّخِيرَخَانَ، وَكَانَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ بِالنَّهْرَوَانِ، وَخَرَجُوا مَعَهُمْ بِمَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ خَيْرِ مَتَاعِهِمْ وَخَفِيفِهِ، وَمَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَبِالنِّسَاءِ وَالذَّرَارِي، وَتَرَكُوا فِي الْخَزَائِنِ مِنَ الثِّيَابِ وَالْمَتَاعِ وَالْآنِيَةِ وَالْفُصُوصِ وَالْأَلْطَافِ مَا لَا يُدْرَى قِيمَتُهُ، وَخَلَّفُوا مَا كَانُوا أَعَدُّوا لِلْحِصَارِ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْأَطْعِمَةِ. وَكَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ ثَلَاثَةُ آلَافِ أَلْفِ أَلْفِ أَلْفٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَخَذَ مِنْهَا رُسْتُمُ عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ النِّصْفَ وَبَقِيَ النِّصْفُ. وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ الْمَدَائِنَ كَتِيبَةُ الْأَهْوَالِ، وَهِيَ كَتِيبَةُ عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو، ثُمَّ كَتِيبَةُ الْخَرْسَاءِ، وَهِيَ كَتِيبَةُ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو، فَأَخَذُوا فِي سِكَكِهَا لَا يَلْقَوْنَ فِيهَا أَحَدًا يَخْشَوْنَهُ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ، فَأَحَاطُوا بِهِمْ وَدَعَوْهُمْ فَاسْتَجَابُوا عَلَى تَأْدِيَةِ الْجِزْيَةِ وَالذِّمَّةِ، فَتَرَاجَعَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَدَائِنِ عَلَى مِثْلِ عَهْدِهِمْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا كَانَ لِآلِ كِسْرَى.
وَنَزَلَ سَعْدٌ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ، وَسَرَّحَ سَعْدٌ زُهْرَةَ فِي آثَارِهِمْ إِلَى النَّهْرَوَانَ، وَمِقْدَارِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ. وَكَانَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رَائِدَ الْمُسْلِمِينَ وَدَاعِيَتَهُمْ، دَعَا أَهْلَ بَهُرَسِيرَ ثَلَاثًا وَأَهْلَ الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ ثَلَاثًا، وَاتَّخَذَ سَعْدٌ إِيوَانَ كِسْرَى مُصَلًّى وَلَمْ يُغَيِّرْ مَا فِيهِ مِنَ التَّمَاثِيلِ. وَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدَائِنِ أَعْجَبُ مِنْ عُبُورِ الْمَاءِ، وَكَانَ يُدْعَى يَوْمَ الْجَرَاثِيمِ، لَا يَبْغِي أَحَدٌ إِلَّا اشْمَخَرَّتْ لَهُ جُرْثُومَةٌ مِنَ الْأَرْضِ يَسْتَرِيحُ عَلَيْهَا مَا يُبْلُغُ الْمَاءُ حِزَامَ فَرَسِهِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ أَبُو بُجَيْدٍ نَافِعُ بْنُ الْأَسْوَدِ: وَأَسَلْنَا عَلَى الْمَدَائِنِ خَيْلًا بَحْرُهَا مِثْلُ بَرِّهِنَّ أَرِيضَا فَانْتَثَلْنَا خَزَائِنَ الْمَرْءِ كِسْرَى يَوْمَ وَلَّوْا وَخَاضَ مِنْهَا جَرِيضَا وَلَمَّا دَخَلَ سَعْدٌ الْإِيوَانَ قَرَأَ: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ} [الدخان: 25] إِلَى قَوْلِهِ: {قَوْمًا آخَرِينَ} [الدخان: 28] ، وَصَلَّى فِيهِ صَلَاةَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ وَلَا يُصَلِّي جَمَاعَةً، وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ نَوَى الْإِقَامَةَ، وَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ بِالْعِرَاقِ، وَجُمِّعَتْ بِالْمَدَائِنِ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ. وَلَمَّا سَارَ الْمُسْلِمُونَ وَرَاءَهُمْ أَدْرَكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَارِسِيًّا يَحْمِي أَصْحَابَهُ، فَضَرَبَ فَرَسَهُ لِيَقْدُمَ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَأَحْجَمَ وَأَرَادَ الْفِرَارَ فَتَقَاعَسَ، فَأَدْرَكَهُ الْمُسْلِمُ فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ سَلَبَهُ. وَأَدْرَكَ رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةً مِنَ الْفُرْسِ يَتَلَاوَمُونَ، وَقَدْ نَصَبُوا لِأَحَدِهِمْ كُرَةً، وَهُوَ يَرْمِيهَا لَا يُخْطِئُهَا، فَرَجَعُوا فَلَقِيَهُمُ الْمُسْلِمُ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْفَارِسِيُّ فَرَمَاهُ بِأَقْرَبَ مِمَّا كَانَتِ الْكُرَةُ فَلَمْ يُصِبْهُ، فَوَصَلَ الْمُسْلِمُ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ وَهَرَبَ أَصْحَابُهُ.
(أَبُو بُجَيْدٍ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ: وَفَتْحِ الْجِيمِ، وَبَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَدَالٌ مُهْمَلَةٌ) . ذكر مَا جُمِعَ مِنْ غَنَائِمِ أَهْلِ الْمَدَائِنِ وَقِسْمَتِهَا كَانَ سَعْدٌ قَدْ جَعَلَ عَلَى الْأَقْبَاضِ عَمْرَو بْنَ عَمْرِو بْنِ مُقَرِّنٍ، وَعَلَى الْقِسْمَةِ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ، فَجَمَعَ مَا فِي الْقَصْرِ وَالْإِيوَانِ وَالدُّورِ، وَأَحْصَى مَا يَأْتِيهِ بِهِ الطَّلَبُ، وَكَانَ أَهْلُ الْمَدَائِنِ قَدْ نَهَبُوهَا عِنْدَ الْهَزِيمَةِ، وَهَرَبُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَمَا أَفْلَتَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا أَدْرَكَهُمُ الطَّلَبُ، فَأَخَذُوا مَا مَعَهُمْ، وَرَأَوْا بِالْمَدَائِنِ قِبِابًا تُرْكِيَّةً مَمْلُوَّةً سِلَالًا مَخْتُومَةً بِرَصَاصٍ فَحَسِبُوهَا طَعَامًا، فَإِذَا فِيهَا آنِيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَطُوفُ لِيَبِيعَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ مُتَمَاثِلَيْنِ. وَرَأَوْا كَافُورًا كَثِيرًا فَحَسِبُوهُ مِلْحًا، فَعَجَنُوا بِهِ فَوَجَدُوهُ مُرًّا. وَأَدْرَكَ الطَّلَبُ مَعَ زُهْرَةَ جَمَاعَةً مِنَ الْفُرْسِ عَلَى جِسْرِ النَّهْرَوَانِ فَازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، فَوَقَعَ مِنْهُمْ بَغْلٌ فِي الْمَاءِ فَعَجِلُوا وَكَبُّوا عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّ لِهَذَا الْبَغْلِ لَشَأْنًا، فَجَالَدَهُمُ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ حَتَّى أَخَذُوهُ، وَفِيهِ حِلْيَةُ كِسْرَى، ثِيَابُهُ وَخَرَزَاتُهُ وَوِشَاحُهُ وَدِرْعُهُ الَّتِي فِيهَا الْجَوْهَرُ، وَكَانَ يَجْلِسُ فِيهَا لِلْمُبَاهَاةِ، وَلَحِقَ الْكَلَجُ بَغْلَيْنِ مَعَهُمَا فَارِسِيَّانِ، فَقَتَلَهُمَا وَأَخَذَ الْبَغْلَيْنِ فَأَبْلَغَهُمَا صَاحِبَ الْأَقْبَاضِ، وَهُوَ يَكْتُبُ مَا يَأْتِيهِ بِهِ الرِّجَالُ، فَقَالَ لَهُ: قِفْ حَتَّى نَنْظُرَ مَا مَعَكَ. فَحَطَّ عَنْهُمَا فَإِذَا سَفَطَانِ فِيهِمَا تَاجُ كِسْرَى مُرَصَّعًا، وَكَانَ لَا يَحْمِلُهُ إِلَّا أُسْطُونَتَانِ وَفِيهِ الْجَوْهَرُ، وَعَلَى الْبَغْلِ الْآخَرِ سَفَطَانِ فِيهِمَا ثِيَابُ كِسْرَى الَّتِي كَانَ يَلْبَسُ مِنَ الدِّيبَاجِ الْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ الْمَنْظُومِ بِالْجَوْهَرِ وَغَيْرِ الدِّيبَاجِ مَنْسُوجًا مَنْظُومًا. وَأَدْرَكَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فَارِسِيًّا فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ مِنْهُ عَيْبَتَيْنِ فِي إِحْدَاهُمَا خَمْسَةُ
أَسْيَافٍ، وَفِي الْأُخْرَى سِتَّةُ أَسْيَافٍ وَأَدْرُعٌ، مِنْهَا دِرْعُ كِسْرَى وَمَغَافِرُهُ، وَدِرْعُ هِرَقْلَ، وَدِرْعُ خَاقَانَ مَلِكِ التُّرْكِ، وَدِرْعُ دَاهِرَ مَلِكُ الْهِنْدِ، وَدِرْعُ بَهْرَامَ جُوبِينَ، وَدِرْعُ سَيَاوُخْشَ، وَدِرْعُ النُّعْمَانِ، اسْتَلَبَهَا الْفُرْسُ أَيَّامَ غَزَاهُمْ خَاقَانُ وَهِرَقْلُ وَدَاهِرُ، وَأَمَّا النُّعْمَانُ وَجُوبِينُ فَحِينَ هَرَبَا مِنْ كِسْرَى، وَالسُّيُوفُ مِنْ سُيُوفِ كِسْرَى وَهُرْمُزَ وَقُبَاذَ وَفَيْرُوزَ وَهِرَقْلَ وَخَاقَانَ وَدَاهِرَ وَبَهْرَامَ وَسَيَاوُخْشَ وَالنُّعْمَانِ، فَأَحْضَرَ الْقَعْقَاعُ الْجَمِيعَ عِنْدَ سَعْدٍ، فَخَيَّرَهُ بَيْنَ الْأَسْيَافِ فَاخْتَارَ سَيْفَ هِرَقْلَ، وَأَعْطَاهُ دِرْعَ بَهْرَامَ، وَنَفَّلَ سَائِرَهَا فِي الْخَرْسَاءِ، إِلَّا سَيْفَ كِسْرَى وَالنُّعْمَانِ، بَعَثَ بِهِمَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِتَسْمَعَ الْعَرَبُ بِذَلِكَ وَحَسَبُوهُمَا فِي الْأَخْمَاسِ، وَبَعَثُوا بِتَاجِ كِسْرَى وَحِلْيَتِهِ وَثِيَابِهِ إِلَى عُمَرَ لِيَرَاهُ الْمُسْلِمُونَ. وَأَدْرَكَ عِصْمَةُ بْنُ خَالِدٍ الضَّبِّيُّ رَجُلَيْنِ مَعَهُمَا حِمَارَانِ، فَقَتَلَ أَحَدَهُمَا وَهَرَبَ الْآخَرُ، وَأَخَذَ الْحِمَارَيْنِ فَأَتَى بِهِمَا صَاحِبَ الْأَقْبَاضِ، فَإِذَا عَلَى أَحَدِهِمَا سَفَطَانِ فِي أَحَدِهِمَا فَرَسٌ مِنْ ذَهَبٍ بِسَرْجٍ مِنْ فِضَّةٍ مُكَلَّلٍ بِالْجَوْهَرِ، وَفِي الْآخَرِ نَاقَةٌ مِنْ فِضَّةٍ عَلَيْهَا شَلِيلٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَبِطَانٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَلَهَا زِمَامٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَنْظُومٌ بِالْيَاقُوتِ، وَعَلَيْهَا رَجُلٌ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٌ بِالْجَوَاهِرِ، كَانَ كِسْرَى يَضَعُهَا عَلَى أُسْطُوَانَتَيِ التَّاجِ. وَأَقْبَلَ رَجُلٌ بِحُقٍّ إِلَى صَاحِبِ الْأَقْبَاضِ، فَقَالَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا [خَطُّ] ، مَا يَعْدِلُهُ مَا عِنْدَنَا وَلَا يُقَارِبُهُ. فَقَالُوا: هَلْ أَخَذْتَ مِنْهُ شَيْئًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا أَتَيْتُكُمْ بِهِ. فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُخْبِرُكُمْ فَتَحْمَدُونِي وَلَكِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ وَأَرْضَى بِثَوَابِهِ. فَأَتْبَعُوهُ رَجُلًا، فَسَأَلَ عَنْهُ فَإِذَا هُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ. وَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ إِنَّ الْجَيْشَ لَذُو أَمَانَةٍ، وَلَوْلَا مَا سَبَقَ لِأَهْلِ بَدْرٍ لَقُلْتُ إِنَّهُمْ عَلَى فَضْلِ أَهْلِ بَدْرٍ، لَقَدْ تَتَبَّعْتُ مِنْهُمْ هَنَاتٍ مَا أَحْسَبُهَا مِنْ هَؤُلَاءِ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا اطَّلَعْنَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ
أَنَّهُ يُرِيدُ الدُّنْيَا مَعَ الْآخِرَةِ، فَلَقَدِ اتَّهَمْنَا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، فَمَا رَأَيْنَا كَأَمَانَتِهِمْ وَزُهْدِهِمْ، وَهُمْ: طُلَيْحَةُ، وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، وَقَيْسُ بْنُ الْمَكْشُوحِ. وَقَالَ عُمَرُ لَمَّا قُدِمَ عَلَيْهِ بِسَيْفِ كِسْرَى وَمِنْطَقَتِهِ وَبِزُبْرِجِهِ: إِنَّ قَوْمًا أَدَّوْا هَذَا لَذَوُو أَمَانَةٍ. فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّكَ عَفَفْتَ فَعَفَّتِ الرَّعِيَّةُ. فَلَمَّا جُمِعَتِ الْغَنَائِمُ قَسَّمَ سَعْدٌ الْفَيْءَ بَيْنَ النَّاسِ بَعْدَمَا خَمَّسَهُ، وَكَانُوا سِتِّينَ أَلْفًا، فَأَصَابَ الْفَارِسَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَكُلُّهُمْ كَانَ فَارِسًا لَيْسَ فِيهِمْ رَاجِلٌ، وَنَفَّلَ مِنَ الْأَخْمَاسِ فِي أَهْلِ الْبَلَاءِ، وَقَسَّمَ الْمَنَازِلَ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَحْضَرَ الْعِيَالَاتِ فَأَنْزَلَهُمُ الدُّورَ، فَأَقَامُوا بِالْمَدَائِنِ حَتَّى فَرَغُوا مِنْ جَلُولَاءَ وَحُلْوَانَ وَتَكْرِيتَ وَالْمَوْصِلِ ثُمَّ تَحَوَّلُوا إِلَى الْكُوفَةِ. وَأَرْسَلَ سَعْدٌ فِي الْخُمُسِ كُلَّ شَيْءٍ أَرَادَ أَنْ يَعْجَبَ مِنْهُ الْعَرَبُ، وَمَا كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يَقَعَ، وَأَرَادَ إِخْرَاجَ خُمُسِ الْقِطْفِ، فَلَمْ تَعْتَدِلْ قِسْمَتُهُ، وَهُوَ بُهَارُ كِسْرَى، فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: هَلْ تَطِيبُ أَنْفُسُكُمْ عَنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهِ فَنَبْعَثُ بِهِ إِلَى عُمَرَ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ فَإِنَّا لَا نَرَاهُ يَنْقَسِمُ، وَهُوَ بَيْنَنَا قَلِيلٌ، وَهُوَ يَقَعُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَوْقِعًا؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَبَعَثَهُ إِلَى عُمَرَ. وَالْقِطْفُ بِسَاطٌ وَاحِدٌ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، وَعَرْضُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، مِقْدَارَ جُرَيْبٍ، كَانَتِ الْأَكَاسِرَةُ تُعِدُّهُ لِلشِّتَاءِ إِذَا ذَهَبَتِ الرَّيَاحِينُ شَرِبُوا عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُمْ فِي رِيَاضٍ، فِيهِ طُرُقٌ كَالصُّوَرِ، وَفِيهِ فُصُوصٌ كَالْأَنْهَارِ أَرْضُهَا مُذَهَّبَةٌ، وَخِلَالَ ذَلِكَ فُصُوصٌ كَالدُّرِّ، وَفِي حَافَّاتِهِ كَالْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ وَالْأَرْضِ الْمُبْقِلَةِ بِالنَّبَاتِ فِي الرَّبِيعِ، وَالْوَرَقُ مِنَ الْحَرِيرِ عَلَى قُضْبَانِ الذَّهَبِ، وَزَهْرُهُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَثَمَرُهُ الْجَوْهَرُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِ الْقِطْفَ. فَلَمَّا قَدِمَتِ الْأَخْمَاسُ عَلَى عُمَرَ نَفَّلَ مِنْهَا مَنْ غَابَ وَمَنْ شَهِدَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَاءِ، ثُمَّ قَسَّمَ الْخُمُسَ فِي مَوَاضِعِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي هَذَا الْقِطْفِ: فَمِنْ بَيْنِ مُشِيرٍ بِقَبْضِهِ، وَآخَرَ مُفَوِّضٍ إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ عِلْمَكَ جَهْلًا وَيَقِينَكَ شَكًّا، إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا أَعْطَيْتَ فَأَمْضَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، وَإِنَّكَ إِنْ تُبْقِهِ عَلَى هَذَا الْيَوْمَ لَمْ تَعْدَمْ فِي غَدٍ مَنْ يَسْتَحِقُّ بِهِ مَا لَيْسَ لَهُ. فَقَالَ: صَدَقْتَنِي
ذكر وقعة جلولاء وفتح حلوان
وَنَصَحْتَنِي، فَقَطَّعَهُ بَيْنَهُمْ، فَأَصَابَ عَلِيًّا قِطْعَةٌ مِنْهُ فَبَاعَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفًا، وَمَا هِيَ بِأَجْوَدِ تِلْكَ الْقِطَعِ. وَكَانَ الَّذِي سَارَ بِالْأَخْمَاسِ بَشِيرُ بْنُ الْخَصَاصِيَّةِ، وَأَثْنَى النَّاسُ عَلَى أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ، فَقَالَ عُمَرُ: أُولَئِكَ أَعْيَانُ الْعَرَبِ. وَلَمَّا رَأَى عُمَرُ سَيْفَ النُّعْمَانِ سَأَلَ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ عَنْ نَسَبِ النُّعْمَانِ. فَقَالَ جُبَيْرٌ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَنْسُبُهُ إِلَى أَشْلَاءِ قَنَصٍ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي عَجَمَ بْنِ قَنَصٍ، فَجَهِلَ النَّاسُ عَجَمَ فَقَالُوا لَخْمٌ، فَنَفَّلَهُ سَيْفَهُ. وَوَلَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ صَلَاةَ مَا غَلَبَ عَلَيْهِ وَحَرْبَهُ، وَوَلَّى الْخَرَاجَ النُّعْمَانَ وَسُوَيْدًا ابْنَيْ مُقَرِّنٍ، سُوَيْدًا عَلَى مَا سَقَتِ الْفُرَاتُ، وَالنُّعْمَانَ عَلَى مَا سَقَتْ دِجْلَةُ، ثُمَّ اسْتَعْفَيَا، فَوَلَّى عَمَلَهُمَا حُذَيْفَةَ بْنَ أَسِيدٍ وَجَابِرَ بْنَ عَمْرٍو الْمُزَنِيَّ، ثُمَّ وَلَّى عَمَلَهُمَا بَعْدُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ. (حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ السِّينِ) . [ذكر وَقْعَةِ جَلُولَاءَ وَفَتْحِ حُلْوَانَ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَقْعَةُ جَلُولَاءَ. وَسَبَبُهَا أَنَّ الْفُرْسَ لَمَّا انْتَهَوْا بَعْدَ الْهَرَبِ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَى جَلُولَاءَ، وَافْتَرَقَتِ الطُّرُقُ بِأَهْلِ أَذْرَبِيجَانَ وَالْبَابِ وَأَهْلِ الْجِبَالِ وَفَارِسَ قَالُوا: لَوِ افْتَرَقْتُمْ لَمْ تَجْتَمِعُوا أَبَدًا، وَهَذَا مَكَانٌ يُفَرِّقُ بَيْنَنَا، فَهَلُمُّوا فَلْنَجْتَمِعْ لِلْعَرَبِ بِهِ وَلْنُقَاتِلْهُمْ، فَإِنْ كَانَتْ لَنَا فَهُوَ الَّذِي نُحِبُّ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى كُنَّا قَدْ قَضَيْنَا الَّذِي عَلَيْنَا وَأَبْلَيْنَا عُذْرًا. فَاحْتَفَرُوا خَنْدَقًا، وَاجْتَمَعُوا فِيهِ عَلَى مِهْرَانَ الرَّازِيِّ، وَتَقَدَّمَ يَزْدَجِرْدُ إِلَى حُلْوَانَ، وَأَحَاطُوا خَنْدَقَهُمْ بِحَسَكِ الْحَدِيدِ إِلَّا طُرُقَهُمْ. فَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدًا فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنْ سَرِّحْ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ إِلَى جَلُولَاءَ وَاجْعَلْ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو، وَإِنْ هَزَمَ اللَّهُ الْفُرْسَ فَاجْعَلِ الْقَعْقَاعَ بَيْنَ
السَّوَادِ وَالْجَبَلِ، وَلْيَكُنِ الْجُنْدُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. فَفَعَلَ سَعْدٌ ذَلِكَ، وَسَارَ هَاشِمٌ مِنَ الْمَدَائِنِ بَعْدَ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، مِنْهُمْ وُجُوهُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَعْلَامُ الْعَرَبِ مِمَّنْ كَانَ ارْتَدَّ وَمَنْ لَمْ يَرْتَدَّ، فَسَارَ مِنَ الْمَدَائِنِ فَمَرَّ بِبَابِلَ مَهْرُوذَ، فَصَالَحَهُ دِهْقَانُهَا عَلَى أَنْ يَفْرِشَ لَهُ جَرِيبَ الْأَرْضِ دَرَاهِمَ فَفَعَلَ وَصَالَحَهُ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى قَدِمَ جَلُولَاءَ، فَحَاصَرَهُمْ فِي خَنَادِقِهِمْ وَأَحَاطَ بِهِمْ، وَطَاوَلَهُمُ الْفُرْسُ وَجَعَلُوا لَا يَخْرُجُونَ إِلَّا إِذَا أَرَادُوا، وَزَاحَفَهُمُ الْمُسْلِمُونَ نَحْوَ ثَمَانِينَ يَوْمًا، كُلُّ ذَلِكَ يُنْصَرُ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَتِ الْأَمْدَادُ تَرِدُ مِنْ يَزْدَجِرْدَ إِلَى مِهْرَانَ، وَأَمَدَّ سَعْدٌ الْمُسْلِمِينَ، وَخَرَجَتِ الْفُرْسُ وَقَدِ احْتَفَلُوا، فَاقْتَتَلُوا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ حَتَّى أَظْلَمَتْ عَلَيْهِمُ الْبِلَادُ فَتَحَاجَزُوا فَسَقَطَ فُرْسَانُهُمْ فِي الْخَنْدَقِ، فَجَعَلُوا فِيهِ طُرُقًا مِمَّا يَلِيهِمْ يَصْعَدُ مِنْهُ خَيْلُهُمْ، فَأَفْسَدُوا حِصْنَهُمْ. وَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ فَنَهَضُوا إِلَيْهِمْ وَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يَقْتَتِلُوا مِثْلَهُ وَلَا لَيْلَةَ الْهَرِيرِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ أَعْجَلَ. وَانْتَهَى الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي زَحَفَ فِيهِ إِلَى بَابِ خَنْدَقِهِمْ فَأَخَذَ بِهِ وَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا أَمِيرُكُمْ قَدْ دَخَلَ الْخَنْدَقَ وَأَخَذَ بِهِ، فَأَقْبِلُوا إِلَيْهِ وَلَا يَمْنَعْكُمْ مَنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مِنْ دُخُولِهِ. وَإِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ لِيُقَوِّيَ الْمُسْلِمِينَ. فَحَمَلُوا وَلَا يَشُكُّونَ بِأَنَّ هَاشِمًا فِي الْخَنْدَقِ، فَإِذَا هُمْ بِالْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَقَدْ أَخَذَ بِهِ، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْمَجَالِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، فَهَلَكُوا فِيمَا أَعَدُّوا مِنَ الْحَسَكِ، فَعُقِرَتْ دَوَابُّهُمْ وَعَادُوا رَجَّالَةً، وَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ لَا يُعَدُّ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنْهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ، فَحَلَّلَتِ الْقَتْلَى الْمَجَالَ وَمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا خَلْفَهُ، فَسُمِيَتْ جَلُولَاءَ بِمَا جَلَّلَهَا مِنْ قَتْلَاهُمْ، فَهِيَ جَلُولَاءُ الْوَقِيعَةِ. فَسَارَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فِي الطَّلَبِ حَتَّى بَلَغَ خَانِقِينَ. وَلَمَّا بَلَغَتِ الْهَزِيمَةُ يَزْدَجِرْدَ سَارَ مِنْ حُلْوَانَ نَحْوَ الرَّيِّ، وَقَدِمَ الْقَعْقَاعُ حُلْوَانَ فَنَزَلَهَا فِي جُنْدٍ مِنَ الْأَفْنَاءِ وَالْحَمْرَاءِ. وَكَانَ فَتْحُ جَلُولَاءَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ.
وَلَمَّا سَارَ يَزْدَجِرْدُ عَنْ حُلْوَانَ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا خَشْرَشْنُومَ، فَلَمَّا وَصَلَ الْقَعْقَاعُ قَصْرَ شِيرِينَ خَرَجَ عَلَيْهِ خَشْرَشْنُومُ وَقَدِمَ إِلَيْهِ الزَّيْنَبِيُّ دِهْقَانُ حُلْوَانَ، فَلَقِيَهُ الْقَعْقَاعُ، فَقَتَلَ الزَّيْنَبِيَّ، وَهَرَبَ خَشْرَشْنُومُ، وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى حُلْوَانَ، وَبَقِيَ الْقَعْقَاعُ بِهَا إِلَى أَنْ تَحَوَّلَ سَعْدٌ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَحِقَهُ الْقَعْقَاعُ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى حُلْوَانَ قُبَاذَ، وَكَانَ أَصْلُهُ خُرَسَانِيًّا. وَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ وَبِنُزُولِ الْقَعْقَاعِ حُلْوَانَ، وَاسْتَأْذَنُوهُ فِي اتِّبَاعِهِمْ، فَأَبَى وَقَالَ: لَوَدِدْتُ أَنَّ بَيْنَ السَّوَادِ وَبَيْنَ الْجَبَلِ سَدًّا لَا يَخْلُصُونَ إِلَيْنَا وَلَا نَخْلُصُ إِلَيْهِمْ، حَسْبُنَا مِنَ الرِّيفِ السَّوَادَ، إِنِّي آثَرْتُ سَلَامَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْأَنْفَالِ. وَأَدْرَكَ الْقَعْقَاعُ فِي اتِّبَاعِهِ الْفُرْسَ مِهْرَانَ بِخَانِقِينَ فَقَتَلَهُ، وَأَدْرَكَ الْفَيْرُزَانَ فَنَزَلَ وَتَوَغَّلَ فِي الْجَبَلِ فَتَحَامَى، وَأَصَابَ الْقَعْقَاعُ سَبَايَا فَأَرْسَلَهُنَّ إِلَى هَاشِمٍ فَقَسَّمَهُنَّ، فَاتُّخِذْنَ فَوَلَدْنَ، وَمِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى ذَلِكَ السَّبْيِ أُمُّ الشَّعْبِيِّ. وَقُسِّمَتِ الْغَنِيمَةُ، وَأَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَوَارِسِ تِسْعَةَ آلَافٍ وَتِسْعَةً مِنَ الدَّوَابِّ. وَقِيلَ: إِنَّ الْغَنِيمَةَ كَانَتْ ثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَقَسَّمَهَا سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَبَعَثَ سَعْدٌ بِالْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ، وَبَعَثَ الْحِسَابَ مَعَ زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ، فَكَلَّمَ عُمَرَ فِيمَا جَاءَ لَهُ وَوَصَفَ لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ فِي النَّاسِ بِمِثْلِ مَا كَلَّمْتَنِي بِهِ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ أَهْيَبُ فِي صَدْرِي مِنْكَ، فَكَيْفَ لَا أَقْوَى عَلَى هَذَا مِنْ غَيْرِكَ! فَقَامَ فِي النَّاسِ بِمَا أَصَابُوا وَمَا صَنَعُوا، وَبِمَا يَسْتَأْنِفُونَ مِنَ الِانْسِيَاحِ فِي الْبِلَادِ. فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا الْخَطِيبُ الْمِصْقَعُ. فَقَالَ: إِنَّ جُنْدَنَا أَطْلَقُوا أَلْسِنَتَنَا. فَلَمَّا قَدِمَ الْخَمُسُ عَلَى عُمَرَ قَالَ: وَاللَّهِ لَا يُجِنُّهُ سَقْفٌ حَتَّى أُقَسِّمَهُ. فَبَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ يَحْرُسَانِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ فِي النَّاسِ فَكَشَفَ عَنْهُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى يَاقُوتِهِ وَزَبَرْجَدِهِ وَجَوْهَرِهِ بَكَى، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَمَوْطِنُ شُكْرٍ! . فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا ذَلِكَ يُبْكِينِي،
ذكر تكريت والموصل
وَبِاللَّهِ مَا أَعْطَى اللَّهُ هَذَا قَوْمًا إِلَّا تَحَاسَدُوا وَتَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا إِلَّا أَلْقَى اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ. وَمَنَعَ عُمَرُ مِنْ قِسْمَةِ السَّوَادِ، لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْآجَامِ وَالْغِيَاضِ وَمَغِيضِ الْمِيَاهِ، وَمَا كَانَ لِبُيُوتِ النَّارِ وَلِسِكَكِ الْبُرُدِ، وَمَا كَانَ لِكِسْرَى وَمَنْ جَامَعَهُ، وَمَا كَانَ لِمَنْ قُتِلَ وَالْأَرْحَاءِ ; وَخَافَ أَيْضًا الْفِتْنَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنَعَ مِنْ بِيعِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَسَّمْ، وَأَقَرُّوهَا حَبِيسًا يُوَلُّونَهَا مَنْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ بِالرِّضَا، وَكَانُوا لَا يُجْمِعُونَ إِلَّا عَلَى الْأُمَرَاءِ، فَلَا يَحِلُّ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ مَا بَيْنَ حُلْوَانَ وَالْقَادِسِيَّةِ، وَاشْتَرَى جَرِيرٌ أَرْضًا عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، فَرَدَّ عُمَرُ ذَلِكَ الشِّرَاءَ وَكَرِهَهُ. [ذكر تَكْرِيتَ وَالْمَوْصِلِ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتْ تَكْرِيتُ فِي جُمَادَى. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَنْطَاقَ سَارَ مِنَ الْمَوْصِلِ إِلَى تَكْرِيتَ، وَخَنْدَقَ عَلَيْهِ لِيَحْمِيَ أَرْضَهُ وَمَعَهُ الرُّومُ وَإِيَادُ وَتَغْلِبُ وَالنَّمِرُ وَالشَّهَارِجَةُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدًا فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنْ سَرِّحْ إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعْتَمِّ، وَاسْتَعْمِلْ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ رِبْعِيَّ بْنَ الْأَفْكَلِ، وَعَلَى الْخَيْلِ عَرْفَجَةَ بْنَ هَرْثَمَةَ. فَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى تَكْرِيتَ وَنَزَلَ عَلَى الْأَنْطَاقِ، فَحَصَرَهُ وَمَنْ مَعَهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَتَزَاحَفُوا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ زَحْفًا، وَكَانُوا أَهْوَنَ شَوْكَةً مِنْ أَهْلِ جَلُولَاءَ، وَأَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ إِلَى الْعَرَبِ الَّذِينَ مَعَ الْأَنْطَاقِ يَدْعُوهُمْ إِلَى نُصْرَتِهِ، وَكَانُوا لَا يُخْفُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا. وَلَمَّا رَأَتِ الرُّومُ الْمُسْلِمِينَ ظَاهِرِينَ عَلَيْهِمْ تَرَكُوا أُمَرَاءَهُمْ وَنَقَلُوا مَتَاعَهُمْ إِلَى السُّفُنِ، فَأَرْسَلَتْ تَغْلِبُ وَإِيَادٌ وَالنَّمِرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بِالْخَبَرِ، وَسَأَلُوهُ الْأَمَانَ وَأَعْلَمُوهُ أَنَّهُمْ مَعَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَسْلِمُوا. فَأَجَابُوهُ وَأَسْلَمُوا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ: إِذَا سَمِعْتُمْ تَكْبِيرَنَا فَاعْلَمُوا أَنَّا أَخَذْنَا أَبْوَابَ الْخَنْدَقِ، فَخُذُوا الْأَبْوَابَ الَّتِي تَلِي دِجْلَةَ وَكَبِّرُوا وَاقْتُلُوا مَنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ. وَنَهَدَ عَبْدُ اللَّهِ وَالْمُسْلِمُونَ وَكَبَّرُوا وَكَبَّرَتْ تَغْلِبُ وَإِيَادٌ وَالنَّمِرُ وَأَخَذُوا الْأَبْوَابَ،
فَظَنَّ الرُّومُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَتَوْهُمْ مِنْ خَلْفِهِمْ مِمَّا يَلِي دِجْلَةَ، فَقَصَدُوا الْأَبْوَابَ الَّتِي عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، فَأَخَذَتْهُمْ سُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ وَسُيُوفُ الرِّبْعِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْ أَهْلِ الْخَنْدَقِ إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ مِنْ تَغْلِبَ وَإِيَادٍ وَالنَّمِرِ. وَأَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ رِبْعِيَّ بْنَ الْأَفْكَلِ إِلَى الْحِصْنَيْنِ، وَهُمَا نِيْنَوَى وَالْمَوْصِلُ، تُسَمَّى نِيْنَوَى الْحِصْنَ الشَّرْقِيَّ وَتُسَمَّى الْمَوْصِلُ الْحِصْنَ الْغَرْبِيَّ، وَقَالَ: اسْبِقِ الْخَبَرَ، وَسَرِّحْ مَعَهُ تَغْلِبَ وَإِيَادًا وَالنَّمِرَ. فَقَدَّمَهُمُ ابْنُ الْأَفْكَلِ إِلَى الْحِصْنَيْنِ، فَسَبَقُوا الْخَبَرَ، وَأَظْهَرُوا الظَّفَرَ وَالْغَنِيمَةَ وَبَشَّرُوهُمْ وَوَقَفُوا بِالْأَبْوَابِ، وَأَقْبَلَ ابْنُ الْأَفْكَلِ فَاقْتَحَمَ عَلَيْهِمُ الْحِصْنَيْنِ وَكَلَّبُوا أَبْوَابَهُمَا، فَنَادَوْا بِالْإِجَابَةِ إِلَى الصُّلْحِ وَصَارُوا ذِمَّةً. وَقَسَّمُوا الْغَنِيمَةَ فَكَانَ سَهْمُ الْفَارِسِ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَسَهْمُ الرَّاجِلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَبَعَثُوا بِالْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ، وَوَلَّى حَرْبَ الْمَوْصِلِ رِبْعِيَّ بْنَ الْأَفْكَلِ، وَالْخَرَاجَ عَرْفَجَةَ بْنَ هَرْثَمَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ عَلَى قَصْدِ الْمَوْصِلِ، وَفَتْحِهَا سَنَةَ عِشْرِينَ، فَأَتَاهَا فَقَاتَلَهُ أَهْلُ نِيْنَوَى، فَأَخَذَ حِصْنَهَا، وَهُوَ الشَّرْقِيُّ، عَنْوَةً، وَعَبَرَ دِجْلَةَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُ الْحِصْنِ الْغَرْبِيِّ، وَهُوَ الْمَوْصِلُ، عَلَى الْجِزْيَةِ، ثُمَّ فَتَحَ الْمَرْجَ وَبَانْهَذْرَا، وَبَاعَذْرَا وَدَاسِنْ وَجَمِيعَ مَعَاقِلِ الْأَكْرَادِ وَقَرْدَى وَبَازَبْدَى وَجَمِيعَ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ فَصَارَتْ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقِيلَ: إِنَّ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ لَمَّا فَتَحَ بَلَدًا، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، أَتَى الْمَوْصِلَ فَفَتَحَ أَحَدَ الْحِصْنَيْنِ وَبَعَثَ عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ إِلَى الْحِصْنِ الْآخَرِ فَفَتَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الْمُعْتَمُّ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ مِيمٌ مُشَدَّدَةٌ) . ذِكْرُ فَتْحِ مَاسَبَذَانَ
وَلَمَّا رَجَعَ هَاشِمٌ مِنْ جَلُولَاءَ إِلَى الْمَدَائِنِ بَلَغَ سَعْدًا أَنَّ آذِينَ بْنَ الْهُرْمُزَانِ قَدْ جَمَعَ جَمْعًا وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى السَّهْلِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ ضِرَارَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي جَيْشٍ، فَالْتَقَوْا بِسَهْلِ مَاسَبَذَانَ فَاقْتَتَلُوا، فَأَسْرَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمُشْرِكِينَ وَأَخَذَ ضِرَارٌ آذِينَ أَسِيرًا فَضَرَبَ رَقَبَتَهُ. ثُمَّ خَرَجَ فِي الطَّلَبِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى السَّيْرَوَانِ، فَأَخَذَ مَاسَبَذَانَ عَنْوَةً، فَهَرَبَ أَهْلُهَا فِي الْجِبَالِ، فَدَعَاهُمْ فَاسْتَجَابُوا لَهُ، وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى تَحَوَّلَ سَعْدٌ إِلَى الْكُوفَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَنَزَلَ الْكُوفَةَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى مَاسَبَذَانَ ابْنَ الْهُذَيْلِ الْأَسَدِيَّ، فَكَانَتْ أَحَدَ فُرُوجِ الْكُوفَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ فَتْحَهَا كَانَ بَعْدَ وَقْعَةِ نَهَاوَنْدَ. ذكر فَتْحِ قَرْقِيسِيَا وَلَمَّا رَجَعَ هَاشِمٌ مِنْ جَلُولَاءَ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَقَدِ اجْتَمَعَتْ جُمُوعُ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ، فَأَمَدُّوا هِرَقْلَ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ، وَبَعَثُوا جُنْدًا إِلَى أَهْلِ هِيتَ، أَرْسَلَ سَعْدٌ عُمَرَ بْنَ مَالِكِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فِي جُنْدٍ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ الْحَارِثَ بْنَ يَزِيدَ الْعَامِرِيَّ، فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ فِي جُنْدِهِ نَحْوَ هِيتَ، فَنَازَلَ مَنْ بِهَا وَقَدْ خَنْدَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ اعْتِصَامَهُمْ بِخَنْدَقِهِمْ تَرَكَ الْأَخْبِيَةَ عَلَى حَالِهَا، وَخَلَّفَ عَلَيْهِمُ الْحَارِثَ بْنَ يَزِيدَ يُحَاصِرُهُمْ، وَخَرَجَ فِي نِصْفِ النَّاسِ، فَجَاءَ قَرْقِيسِيَا عَلَى غِرَّةٍ، فَأَخَذَهَا عَنْوَةً، فَأَجَابُوا إِلَى الْجِزْيَةِ، وَكَتَبَ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ: إِنْ هُمُ اسْتَجَابُوا فَخَلِّ عَنْهُمْ فَلْيَخْرُجُوا، وَإِلَّا فَخَنْدِقْ عَلَى خَنْدَقِهِمْ خَنْدَقًا بِأَبْوَابِهِ، مِمَّا يَلِيكَ، حَتَّى أَرَى رَأْيِي. فَرَاسَلَهُمُ الْحَارِثُ، فَأَجَابُوا إِلَى الْعَوْدِ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَتَرَكَهُمْ وَسَارَ الْحَارِثُ إِلَى عُمَرَ بْنِ مَالِكٍ.
وَفِيهَا غَرَّبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا مِحْجَنٍ الثَّقَفِيَّ إِلَى بَاضِعٍ. وَفِيهَا تَزَوَّجَ ابْنُ عُمَرَ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أُخْتَ الْمُخْتَارِ. وَفِيهَا حَمَى عُمَرُ الرَّبَذَةَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِيهَا مَاتَتْ مَارِيَةُ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَلَّى عَلَيْهَا عُمَرُ وَدَفَنَهَا بِالْبَقِيعِ فِي الْمُحَرَّمِ. وَفِيهَا كَتَبَ عُمَرُ التَّارِيخَ بِمَشُورَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ. وَكَانَ عُمَّالُهُ عَلَى الْبِلَادِ الَّذِينَ كَانُوا فِي السَّنَةِ قَبْلَهَا، وَكَانَ عَلَى حَرْبِ الْمَوْصِلِ رِبْعِيُّ بْنُ الْأَفْكَلِ، وَعَلَى خَرَاجِهَا عَرْفَجَةُ بْنُ هَرْثَمَةَ، وَقِيلَ: كَانَ عَلَى الْحَرْبِ وَالْخَرَاجِ بِهَا عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَمِّ. وَعَلَى الْجَزِيرَةِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ.
ثم دخلت سنة سبع عشرة
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ] [ذكر بِنَاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ] 17 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ ذكر بِنَاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اخْتُطَّتِ الْكُوفَةُ، وَتَحَوَّلَ سَعْدٌ إِلَيْهَا مِنَ الْمَدَائِنِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ سَعْدًا أَرْسَلَ وَفْدًا إِلَى عُمَرَ بِهَذِهِ الْفُتُوحِ الْمَذْكُورَةِ، فَلَمَّا رَآهُمْ عُمَرُ سَأَلَهُمْ عَنْ تَغَيُّرِ أَلْوَانِهِمْ وَحَالِهِمْ، فَقَالُوا: وُخُومَةُ الْبِلَادِ غَيَّرَتْنَا فَأَمَرَهُمْ عُمَرُ أَنْ يَرْتَادُوا مَنْزِلًا يَنْزِلَهُ النَّاسُ، وَكَانَ قَدْ حَضَرَ مَعَ الْوَفْدِ نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ لِيُعَاقِدُوا عُمَرَ عَلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: أُعَاقِدُهُمْ عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ كَانَ لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أَبَى فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ. فَقَالُوا: إِذَنْ يَهْرُبُونَ وَيَصِيرُونَ عَجَمًا، وَبَذَلُوا لَهُ الصَّدَقَةَ، فَأَبَى، فَجَعَلُوا جِزْيَتَهُمْ مِثْلَ صَدَقَةِ الْمُسْلِمِ، فَأَجَابَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُنَصِّرُوا وَلِيدًا، فَهَاجَرَ هَؤُلَاءِ التَّغْلِبِيُّونَ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ مِنَ النَّمِرِ وَإِيَادٍ إِلَى سَعْدٍ بِالْمَدَائِنِ، وَنَزَلُوا بِالْمَدَائِنِ وَنَزَلُوا مَعَهُ بَعْدُ بِالْكُوفَةَ. وَقِيلَ: بَلْ كَتَبَ حُذَيْفَةُ إِلَى عُمَرَ: إِنَّ الْعَرَبَ قَدْ رَقَّتْ بُطُونُهَا، وَجَفَّتْ أَعْضَادُهَا وَتَغَيَّرَتْ أَلْوَانُهَا. وَكَانَ مَعَ سَعْدٍ فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: أَخْبِرْنِي مَا الَّذِي غَيَّرَ أَلْوَانَ الْعَرَبِ وَلُحُومَهُمْ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ: إِنَّ الَّذِي غَيَّرَهُمْ وُخُومَةُ الْبِلَادِ، وَإِنَّ الْعَرَبَ لَا يُوَافِقُهَا إِلَّا مَا وَافَقَ إِبِلَهَا مِنَ الْبُلْدَانِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنِ ابْعَثْ سَلْمَانَ وَحُذَيْفَةَ رَائِدَيْنِ فَلْيَرْتَادَا مَنْزِلًا بَرِّيًّا بَحْرِيًّا لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فِيهِ بَحْرٌ وَلَا جِسْرٌ. فَأَرْسَلَهُمَا سَعْدٌ، فَخَرَجَ سَلْمَانُ حَتَّى يَأْتِيَ الْأَنْبَارَ فَسَارَ فِي غَرْبَيِّ الْفُرَاتِ لَا يَرْضَى شَيْئًا حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ، وَسَارَ
حُذَيْفَةُ فِي شَرْقَيِّ الْفُرَاتِ لَا يَرْضَى شَيْئًا حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ، وَكُلُّ رَمْلٍ وَحَصْبَاءَ مُخْتَلِطَيْنِ فَهُوَ كُوفَةٌ، فَأَتَيَا عَلَيْهَا وَفِيهَا دِيرَاتٌ ثَلَاثَةٌ: دَيْرُ حُرْمَةَ، وَدَيْرُ أُمِّ عَمْرٍو، وَدَيْرُ سِلْسِلَةَ، وَخِصَاصٌ خِلَالَ ذَلِكَ، فَأَعْجَبَتْهُمَا الْبُقْعَةُ فَنَزَلَا فَصَلَّيَا وَدَعَوُا اللَّهَ - تَعَالَى - أَنْ يَجْعَلَهَا مَنْزِلَ الثَّبَاتِ. فَلَمَّا رَجَعَا إِلَى سَعْدٍ بِالْخَبَرِ وَقَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ إِلَيْهِ أَيْضًا كَتَبَ سَعْدٌ إِلَى الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَمِّ أَنْ يَسْتَخْلِفَا عَلَى جُنْدِهِمَا وَيَحْضُرَا عِنْدَهُ، فَفَعَلَا. فَارْتَحَلَ سَعْدٌ مِنَ الْمَدَائِنِ حَتَّى نَزَلَ الْكُوفَةَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَكَانَ بَيْنَ نُزُولِ الْكُوفَةِ وَوَقْعَةِ الْقَادِسِيَّةِ سَنَةٌ وَشَهْرَانِ، وَكَانَ فِيمَا بَيْنَ قِيَامِ عُمَرَ وَاخْتِطَاطِ الْكُوفَةِ ثَلَاثُ سِنِينَ وَثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ. وَلَمَّا نَزَلَهَا سَعْدٌ وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنِّي قَدْ نَزَلْتُ بِالْكُوفَةِ مَنْزِلًا فِيمَا بَيْنَ الْحِيرَةِ وَالْفُرَاتِ بَرِّيًّا وَبَحْرِيًّا يُنْبِتُ الْحَلْفَاءَ وَالنَّصِّيَّ، وَخَيَّرْتُ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدَائِنِ فَمَنْ أَعْجَبَهُ الْمُقَامُ بِالْمَدَائِنِ تَرَكْتُهُ فِيهَا كَالْمَسْلَحَةِ. وَلَمَّا اسْتَقَرُّوا بِهَا عَرَفُوا أَنْفُسَهُمْ وَرَجَعَ إِلَيْهِمْ مَا كَانُوا فَقَدُوا مِنْ قُوَّتِهِمْ، وَاسْتَأْذَنَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي بُنْيَانِ الْقَصَبِ، وَاسْتَأْذَنَ فِيهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ أَيْضًا، وَاسْتَقَرَّ مَنْزِلُهُمْ فِيهَا فِي الشَّهْرِ الَّذِي نَزَلَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بَعْدَ ثَلَاثِ نَزَلَاتٍ قَبْلَهَا. فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: إِنَّ الْعَسْكَرَ أَشَدُّ لِحَرْبِكُمْ وَأَذْكَرُ لَكُمْ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَكُمْ. فَابْتَنَى أَهْلُ الْمِصْرَيْنِ بِالْقَصَبِ. ثُمَّ إِنَّ الْحَرِيقَ وَقَعَ فِي الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَكَانَتِ الْكُوفَةُ أَشَدَّ حَرِيقًا فِي شَوَّالٍ، فَبَعَثَ سَعْدٌ نَفَرًا مِنْهُمْ إِلَى عُمَرَ يَسْتَأْذِنُونَهُ فِي الْبُنْيَانِ بِاللَّبِنِ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْحَرِيقِ
وَاسْتِئْذَانِهِ أَيْضًا، فَقَالَ: افْعَلُوا وَلَا يَزِيدَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَبْيَاتٍ، وَلَا تَطَاوَلُوا فِي الْبُنْيَانِ، وَالْزَمُوا السُّنَّةَ تَلْزَمْكُمُ الدَّوْلَةُ. فَرَجَعَ الْقَوْمُ إِلَى الْكُوفَةِ بِذَلِكَ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْبَصْرَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ. وَكَانَ عَلَى تَنْزِيلِ الْكُوفَةِ أَبُو هَيَّاجِ بْنُ مَالِكٍ، وَعَلَى تَنْزِيلِ الْبَصْرَةِ عَاصِمُ بْنُ دُلَفٍ أَبُو الْجَرْبَاءِ، وَقَدَّرَ الْمَنَاهِجَ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ عِشْرِينَ ذِرَاعًا، وَالْأَزِقَّةَ سَبْعَ أَذْرُعٍ، وَالْقَطَائِعَ سِتِّينَ ذِرَاعًا، وَأَوَّلُ شَيْءٍ خُطَّ فِيهِمَا وَبُنِيَ مَسْجِدَاهُمَا، وَقَامَ فِي وَسَطِهِمَا رَجُلٌ شَدِيدُ النَّزْعِ، فَرَمَى فِي كُلِّ جِهَةٍ بِسَهْمٍ، وَأَمَرَ أَنْ يُبْنَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَبَنَى ظُلَّةً فِي مُقَدِّمَةِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ عَلَى أَسَاطِينَ رُخَامٍ مِنْ بِنَاءِ الْأَكَاسِرَةِ فِي الْحِيرَةِ، وَجَعَلُوا عَلَى الصَّحْنِ خَنْدَقًا لِئَلَّا يَقْتَحِمَهُ أَحَدٌ بِبُنْيَانٍ، وَبَنَوْا لِسَعْدٍ دَارًا بِحِيَالِهِ، وَهِيَ قَصْرُ الْكُوفَةِ الْيَوْمَ، بَنَاهُ رَوْزَبَهْ مِنْ آجُرِّ بُنْيَانِ الْأَكَاسِرَةِ بِالْحِيرَةِ، وَجَعَلَ الْأَسْوَاقَ عَلَى شِبْهِ الْمَسَاجِدِ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَقْعَدٍ فَهُوَ لَهُ، حَتَّى يَقُومَ مِنْهُ إِلَى بَيْتِهِ أَوْ يَفْرَغَ مِنْ بَيْعِهِ. وَبَلَغَ عُمَرُ أَنَّ سَعْدًا قَالَ وَقَدْ سَمِعَ أَصْوَاتَ النَّاسِ مِنَ الْأَسْوَاقِ: سَكِّنُوا عَنِّي الصُّوَيْتَ، وَأَنَّ النَّاسَ يُسَمُّونَهُ قَصْرَ سَعْدٍ، فَبَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرِقَ بَابَ الْقَصْرِ ثُمَّ يَرْجِعَ، فَفَعَلَ، فَبَلَغَ سَعْدًا ذَلِكَ فَقَالَ: هَذَا رَسُولٌ أُرْسِلَ لِهَذَا، فَاسْتَدْعَاهُ سَعْدٌ، فَأَبَى أَنْ يَدْخُلَ إِلَيْهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ سَعْدٌ وَعَرَضَ عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ، فَلَمْ يَأْخُذْ، وَأَبْلَغَهُ كِتَابَ عُمَرَ إِلَيْهِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ اتَّخَذْتَ قَصْرًا جَعَلْتَهُ حِصْنًا، وَيُسَمَّى قَصْرَ سَعْدٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ بَابٌ فَلَيْسَ بِقَصْرِكَ وَلَكِنَّهُ قَصْرُ الْخَبَالِ، انْزِلْ مِنْهُ [مَنْزِلًا] مِمَّا يَلِي بُيُوتَ الْأَمْوَالِ، وَأَغْلِقْهُ وَلَا تَجْعَلْ عَلَى الْقَصْرِ بَابًا يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ دُخُولِهِ. فَحَلَفَ لَهُ سَعْدٌ مَا قَالَ الَّذِي قَالُوا، فَرَجَعَ مُحَمَّدٌ فَأَبْلَغَ عُمَرَ قَوْلَ سَعْدٍ، فَصَدَّقَهُ. وَكَانَتْ ثُغُورُ الْكُوفَةِ أَرْبَعَةً: حُلْوَانَ وَعَلَيْهَا الْقَعْقَاعُ، وَمَاسَبَذَانَ وَعَلَيْهَا ضِرَارُ بْنُ
ذكر خبر حمص حين قصد هرقل من بها من المسلمين
الْخَطَّابِ، وَقَرْقِيسِيَا وَعَلَيْهَا عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ، أَوْ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَالْمَوْصِلَ وَعَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ، وَكَانَ بِهَا خُلَفَاؤُهُمْ إِذَا غَابُوا عَنْهَا. وَوَلِيَ سَعْدٌ الْكُوفَةَ بَعْدَمَا اخْتُطَّتْ ثَلَاثَ سِنِينَ وَنِصْفًا سِوَى مَا كَانَ بِالْمَدَائِنِ قَبْلَهَا. [ذكر خَبَرِ حِمْصَ حِينَ قَصَدَ هِرَقْلُ مَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَصَدَ الرُّومُ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِحِمْصَ، وَكَانَ الْمُهَيِّجُ لِلرُّومِ أَهْلَ الْجَزِيرَةِ، فَإِنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَى مَلِكِهِمْ وَبَعَثُوهُ عَلَى إِرْسَالِ الْجُنُودِ إِلَى الشَّامِ، وَوَعَدُوا مِنْ أَنْفُسِهِمُ الْمُعَاوَنَةَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِاجْتِمَاعِهِمْ ضَمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَيْهِ مَسَالِحَهُمْ، وَعَسْكَرَ بِفِنَاءِ مَدِينَةِ حِمْصَ، وَأَقْبَلَ خَالِدٌ مِنْ قِنَّسْرِينَ إِلَيْهِمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمُنَاجَزَةِ أَوِ التَّحْصِينِ إِلَى مَجِيءِ الْغِيَاثِ، فَأَشَارَ خَالِدٌ بِالْمُنَاجَزَةِ، وَأَشَارَ سَائِرُهُمْ بِالتَّحْصِينِ وَمُكَاتَبَةِ عُمَرَ، فَأَطَاعَهُمْ وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بِذَلِكَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدِ اتَّخَذَ فِي كُلِّ مِصْرٍ خُيُولًا عَلَى قَدْرِهِ مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ عُدَّةً لِكَوْنٍ إِنْ كَانَ، فَكَانَ بِالْكُوفَةِ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ آلَافِ فَرَسٍ، وَكَانَ الْقَيِّمَ عَلَيْهَا سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ وَنَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَفِي كُلِّ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ الثَّمَانِيَةِ عَلَى قَدْرِهِ، فَإِنْ تَأْتِهِمْ آتِيَةٌ رَكِبَهَا النَّاسُ وَسَارُوا إِلَى أَنْ يَتَجَهَّزَ النَّاسُ. فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ الْخَبَرَ كَتَبَ إِلَى سَعْدٍ: أَنِ انْدِبِ النَّاسَ مَعَ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَسَرِّحْهُمْ مِنْ يَوْمِهِمْ، فَإِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدْ أُحِيطَ بِهِ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا: سَرِّحْ سُهَيْلَ بْنَ عَدِيٍّ إِلَى الرَّقَّةِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْجِزْيَةِ هُمُ الَّذِينَ اسْتَثَارُوا الرُّومَ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُسَرِّحَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِتْبَانَ إِلَى نَصِيبِينَ، ثُمَّ لِيَقْصِدْ حَرَّانَ وَالرُّهَاءَ، وَأَنْ يُسَرِّحَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ عَلَى عَرَبِ الْجَزِيرَةِ مِنْ رَبِيعَةَ وَتَنُوخَ، وَأَنْ يُسَرِّحَ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ، فَإِنْ كَانَ قِتَالٌ فَأَمْرُهُمْ إِلَى عِيَاضٍ. فَمَضَى الْقَعْقَاعُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنْ يَوْمِهِمْ إِلَى حِمْصَ، وَخَرَجَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ
ذكر فتح الجزيرة وأرمينية
وَأُمَرَاءُ الْجَزِيرَةِ، وَأَخَذُوا طَرِيقَ الْجَزِيرَةِ، وَتَوَجَّهَ كُلُّ أَمِيرٍ إِلَى الْكُورَةِ الَّتِي أُمِّرَ عَلَيْهَا، وَخَرَجَ عُمَرُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَأَتَى الْجَابِيَةَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ مُغِيثًا يُرِيدُ حِمْصَ. وَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَ الْجَزِيرَةِ الَّذِينَ أَعَانُوا الرُّومَ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ، وَهُمْ مَعَهُمْ، خَبَرُ الْجُنُودِ الْإِسْلَامِيَّةِ تَفَرَّقُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَفَارَقُوا الرُّومَ، فَلَمَّا فَارَقُوهُمُ اسْتَشَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ خَالِدًا فِي الْخُرُوجِ إِلَى الرُّومِ، فَأَشَارَ بِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَقَدِمَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو بَعْدَ الْوَقْعَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ وَبِقُدُومِ الْمَدَدِ عَلَيْهِمْ وَالْحُكْمِ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: أَنْ أَشْرِكُوهُمْ فَإِنَّهُمْ نَفَرُوا إِلَيْكُمْ وَانْفَرَقَ لَهُمْ عَدُوُّكُمْ، وَقَالَ: جَزَى اللَّهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ خَيْرًا، يَكْفُونَ حَوْزَتَهُمْ وَيَمُدُّونَ أَهْلَ الْأَمْصَارِ. فَلَمَّا فَرَغُوا رَجَعُوا. [ذكر فَتْحِ الْجَزِيرَةِ وَأَرْمِينِيَّةَ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتِ الْجَزِيرَةُ. قَدْ ذَكَرْنَا إِرْسَالَ سَعْدٍ الْعَسَاكِرَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَخَرَجَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ وَمَنْ مَعَهُ، فَأَرْسَلَ سُهَيْلَ بْنَ عَدِيٍّ إِلَى الرَّقَّةِ وَقَدِ ارْفَضَّ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ عَنْ حِمْصَ إِلَى كُوَرِهِمْ، حِينَ سَمِعُوا بِأَهْلِ الْكُوفَةِ، فَنَزَلَ عَلَيْهِمْ فَأَقَامَ يُحَاصِرُهُمْ حَتَّى صَالَحُوهُ، فَبَعَثُوا فِي ذَلِكَ إِلَى عِيَاضٍ وَهُوَ فِي مَنْزِلٍ وَسَطٍ بَيْنَ الْجَزِيرَةِ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ وَصَالَحَهُمْ، وَصَارُوا ذِمَّةً، وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِتْبَانَ عَلَى الْمَوْصِلِ إِلَى نَصِيبِينَ، فَلَقُوهُ بِالصُّلْحِ، وَصَنَعُوا كَصُنْعِ أَهْلِ الرَّقَّةِ، فَكَتَبُوا إِلَى عِيَاضٍ فَقَبِلَ مِنْهُمْ وَعَقَدَ لَهُمْ. وَخَرَجَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ فَقَدِمَ عَلَى عَرَبِ الْجَزِيرَةِ، فَنَهَضَ مَعَهُ مُسْلِمُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، إِلَّا إِيَادَ بْنَ نِزَارٍ، فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا أَرْضَ الرُّومِ، فَكَتَبَ الْوَلِيدُ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ. وَلَمَّا أَخَذُوا الرَّقَّةَ وَنَصِيبِينَ ضَمَّ عِيَاضٌ إِلَيْهِ سُهَيْلًا وَعَبْدَ اللَّهِ، وَسَارَ بِالنَّاسِ إِلَى حَرَّانَ، فَلَمَّا وَصَلَ أَجَابَهُ أَهْلُهَا إِلَى الْجِزْيَةِ فَقَبِلَ مِنْهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عِيَاضًا سَرَّحَ سُهَيْلًا وَعَبْدَ اللَّهِ إِلَى الرُّهَاءِ فَأَجَابُوهُمَا إِلَى الْجِزْيَةِ، وَأَجْرَوْا كُلَّ مَا أَخَذُوهُ مِنَ الْجَزِيرَةِ عَنْوَةً مَجْرَى الذِّمَّةِ، فَكَانَتِ الْجَزِيرَةُ أَسْهَلَ الْبُلْدَانِ فَتْحًا. وَرَجَعَ سُهَيْلٌ وَعَبْدُ اللَّهِ إِلَى الْكُوفَةِ. وَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ
الْجَابِيَةِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ إِذَا أَخَذَ خَالِدًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَصَرَفَهُ إِلَيْهِ، فَاسْتَعْمَلَ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ عَلَى عَجَمِ الْجَزِيرَةِ وَحَرْبِهَا، وَالْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ عَلَى عَرَبِهَا. فَلَمَّا قَدِمَ كِتَابُ الْوَلِيدِ عَلَى عُمَرَ بِمَنْ دَخَلَ الرُّومَ مِنَ الْعَرَبِ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ: بَلَغَنِي أَنَّ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ تَرَكَ دَارَنَا وَأَتَى دَارَكَ، فَوَاللَّهِ لَتُخْرِجَنَّهُ إِلَيْنَا أَوْ لَنُخْرِجَنَّ النَّصَارَى إِلَيْكَ. فَأَخْرَجَهُمْ مَلِكُ الرُّومِ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَتَفَرَّقَ بَقِيَّتُهُمْ فِي مَا يَلِي الشَّامَ وَالْجَزِيرَةَ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، فَكُلُّ إِيَادِيٍّ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ مِنْ أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ آلَافٍ. وَأَبَى الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ تَغْلِبَ إِلَّا الْإِسْلَامَ، فَكَتَبَ فِيهِمْ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِنَّمَا ذَلِكَ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ [فِيهَا] إِلَّا الْإِسْلَامُ، فَدَعْهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُنَصِّرُوا وَلِيدًا وَلَا يَمْنَعُوا أَحَدًا مِنْهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ. وَكَانَ فِي تَغْلِبَ عِزٌّ وَامْتِنَاعٌ، فَهَمَّ بِهِمُ الْوَلِيدُ فَخَافَ عُمَرُ أَنْ يَسْطُوَ عَلَيْهِمْ فَعَزَلَهُ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ فُرَاتَ بْنَ حَيَّانَ وَهِنْدَ بْنَ عَمْرٍو الْجَمَلِيَّ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ فَتْحَ الْجَزِيرَةِ كَانَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَقَالَ: إِنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: إِذَا فَتَحَ اللَّهُ الشَّامَ وَالْعِرَاقَ فَابْعَثْ جُنْدًا إِلَى الْجَزِيرَةِ وَأَمِّرْ عَلَيْهِ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ أَوْ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ أَوْ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ. قَالَ سَعْدٌ: مَا أَخَّرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عِيَاضًا إِلَّا لِأَنَّ لَهُ فِيهِ هَوًى وَأَنَا مُوَلِّيهِ، فَبَعَثَهُ وَبَعَثَ مَعَهُ جَيْشًا فِيهِ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَابْنُهُ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فَسَارَ عِيَاضٌ وَنَزَلَ بِجُنْدِهِ عَلَى الرُّهَاءِ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهُ مُصَالَحَةَ حَرَّانَ، وَبَعَثَ أَبَا مُوسَى إِلَى نَصِيبِينَ فَافْتَتَحَهَا، وَسَارَ عِيَاضٌ بِنَفْسِهِ إِلَى دَارَا فَافْتَتَحَهَا، وَوَجَّهَ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ الرَّابِعَةِ فَقَاتَلَ أَهْلَهَا، فَاسْتَشْهَدَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ، وَصَالَحَ أَهْلُهَا عُثْمَانَ عَلَى الْجِزْيَةِ. ثُمَّ كَانَ فَتْحُ قَيْسَارِيَّةَ مِنْ فِلَسْطِينَ وَهَرَبَ هِرَقْلُ. فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ الْجَزِيرَةُ مِنْ فُتُوحِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ فُتُوحِ أَهْلِ الشَّامِ، فَإِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ سَيَّرَ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ إِلَى الْجَزِيرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمَّا تُوُفِّيَّ اسْتَخْلَفَ عِيَاضًا فَوَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ عُمَرَ بِوِلَايَتِهِ حِمْصَ وَقِنَّسْرِينَ وَالْجَزِيرَةِ، فَسَارَ إِلَى الْجَزِيرَةِ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ لِلنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ سَعِيدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حِذْيَمٍ الْجُمَحِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ صَفْوَانُ بْنُ
الْمُعَطَّلِ، وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ هُبَيْرَةُ بْنُ مَسْرُوقٍ، فَانْتَهَتْ طَلِيعَةُ عِيَاضٍ إِلَى الرَّقَّةِ، فَأَغَارُوا عَلَى الْفَلَّاحِينَ وَحَصَرُوا الْمَدِينَةَ، وَبَثَّ عِيَاضٌ السَّرَايَا فَأَتَوْهُ بِالْأَسْرَى وَالْأَطْعِمَةِ، وَكَانَ حَصْرُهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ، فَطَلَبَ أَهْلُهَا الصُّلْحَ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَمَدِينَتِهِمْ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الْأَرْضُ لَنَا قَدْ وَطِئْنَاهَا وَمَلَكْنَاهَا، فَأَقَرَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى الْخَرَاجِ وَوَضْعِ الْجِزْيَةِ. ثُمَّ سَارَ إِلَى حَرَّانَ فَجَعَلَ عَلَيْهَا عَسْكَرًا يَحْصُرُهَا، عَلَيْهِمْ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ وَحَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَسَارَ هُوَ إِلَى الرُّهَاءِ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا ثُمَّ انْهَزَمُوا وَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي مَدِينَتِهِمْ، فَطَلَبَ أَهْلُهَا الصُّلْحَ فَصَالَحَهُمْ، وَعَادَ إِلَى حَرَّانَ فَوَجَدَ صَفْوَانَ وَحَبِيبًا وَقَدْ غَلَبَا عَلَى حُصُونٍ وَقُرًى مِنْ أَعْمَالِ حَرَّانَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى مِثْلِ صُلْحِ الْرُّهَاءِ. وَكَانَ عِيَاضٌ يَغْزُو وَيَعُودُ إِلَى الرُّهَاءِ، وَفَتَحَ سُمَيْسَاطَ، وَأَتَى سَرُوجَ وَرَأْسَ كَيْفَا وَالْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى صُلْحِ الرُّهَاءِ. ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ سُمَيْسَاطَ غَدَرُوا، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ عِيَاضٌ فَحَاصَرَهُمْ حَتَّى فَتَحَهَا، ثُمَّ أَتَى قُرَيَّاتٍ عَلَى الْفُرَاتِ، وَهِيَ جِسْرُ مَنْبِجَ وَمَا يَلِيهَا، فَفَتَحَهَا وَسَارَ إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ، وَهِيَ عَيْنُ الْوَرْدَةِ، فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ وَتَرَكَهَا وَسَارَ إِلَى تَلِّ مَوْزَنَ، فَفَتَحَهَا عَلَى صُلْحِ الرُّهَاءِ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَسَارَ إِلَى آمِدٍ فَحَصَرَهَا، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا ثُمَّ صَالَحُوهُ عَلَى صُلْحِ الرُّهَاءِ، وَفَتَحَ مَيَّافَارِقِينَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَكَفْرَتُوثَا، فَسَارَ إِلَى نَصِيبِينَ فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا ثُمَّ صَالَحُوهُ عَلَى مِثْلِ صُلْحِ الرُّهَاءِ، وَفَتَحَ طُورَ عَبْدَيْنِ وَحِصْنَ مَارِدِينَ، وَقَصَدَ الْمَوْصِلَ فَفَتَحَ أَحَدَ الْحِصْنَيْنِ، وَقِيلَ: لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا، وَأَتَاهُ بِطْرِيقُ الزَّوْزَانِ فَصَالَحَهُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى أَرْزَنَ فَفَتَحَهَا، وَدَخَلَ الدَّرْبَ فَأَجَازَهُ بَدْلِيسُ وَبَلَغَ خِلَاطَ فَصَالَحَهُ بِطْرِيقُهَا، وَانْتَهَى إِلَى الْعَيْنِ الْحَامِضَةِ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الرَّقَّةِ وَمَضَى إِلَى حِمْصَ فَمَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ. وَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ سَعِيدَ بْنَ حِذْيَمٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى مَاتَ، فَاسْتَعْمَلَ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيَّ، فَفَتَحَ رَأْسَ عَيْنٍ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ. وَقِيلَ: إِنَّ عِيَاضًا أَرْسَلَ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ فَفَتَحَهَا بَعْدَ أَنِ اشْتَدَّ قِتَالُهُ عَلَيْهَا.
ذكر عزل خالد بن الوليد
وَقِيلَ: إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ بَعْدَ وَفَاةِ عِيَاضٍ. وَقِيلَ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ حَضَرَ فَتْحَ الْجَزِيرَةِ مَعَ عِيَاضٍ وَدَخَلَ حَمَّامًا بِآمِدٍ فَاطَّلَى بِشَيْءٍ فِيهِ خَمْرٌ فَعَزَلَهُ عُمَرُ. وَقِيلَ: إِنَّ خَالِدًا لَمْ يَسِرْ تَحْتَ لِوَاءِ أَحَدٍ غَيْرِ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا فَتَحَ عِيَاضٌ سُمَيْسَاطَ بَعَثَ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ إِلَى مَلَطْيَةَ فَفَتَحَهَا عَنْوَةً، ثُمَّ نَقَضَ أَهْلُهَا الصُّلْحَ، فَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ الشَّامَ وَالْجَزِيرَةَ وَجَّهَ إِلَيْهَا حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ أَيْضًا فَفَتَحَهَا عَنْوَةً وَرَتَّبَ فِيهَا جُنْدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ عَامِلِهَا. [ذكر عَزْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهِيَ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ، عُزِلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ التَّقَدُّمِ عَلَى الْجُيُوشِ وَالسَّرَايَا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَدْرَبَ هُوَ وَعِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ، فَأَصَابَا أَمْوَالًا عَظِيمَةً، وَكَانَا تَوَجَّهَا مِنَ الْجَابِيَةِ مَرْجِعَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَعَلَى حِمْصَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَخَالِدٌ تَحْتَ يَدِهِ عَلَى قِنَّسْرِينَ، وَعَلَى الْأُرْدُنِّ مُعَاوِيَةُ، وَعَلَى فِلَسْطِينَ عَلْقَمَةُ بْنُ مُجَزِّزٍ، وَعَلَى السَّاحِلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، فَبَلَغَ النَّاسَ مَا أَصَابَ خَالِدٌ فَانْتَجَعَهُ رِجَالٌ، وَكَانَ مِنْهُمُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَأَجَازَهُ بِعَشَرَةِ آلَافٍ. وَدَخَلَ خَالِدٌ الْحَمَّامَ، فَتَدَلَّكَ بِغُسْلٍ فِيهِ خَمْرٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَدَلَّكْتَ بِخَمْرٍ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ظَاهِرَ الْخَمْرِ وَبَاطِنَهُ وَمَسَّهُ، فَلَا تُمِسُّوهَا أَجْسَادَكُمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدٌ: إِنَّا قَتَلْنَاهَا فَعَادَتْ غَسُولًا غَيْرَ خَمْرٍ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِنَّ آلَ الْمُغِيرَةِ ابْتُلُوا بِالْجَفَاءِ فَلَا أَمَاتَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا فَرَّقَ خَالِدٌ فِي الَّذِينَ انْتَجَعُوهُ الْأَمْوَالَ سَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَكَانَ لَا
ذكر بناء المسجد الحرام والتوسعة فيه
يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِ، فَدَعَا عُمَرُ الْبَرِيدَ، فَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنْ يُقِيمَ خَالِدًا وَيَعْقِلَهُ بِعِمَامَتِهِ، وَيَنْزِعَ عَنْهُ قَلَنْسُوَتَهُ حَتَّى يُعْلِمَكُمْ مِنْ أَيْنَ أَجَازَ الْأَشْعَثَ، أَمِنْ مَالِهِ أَمْ مِنْ مَالِ إِصَابَةٍ أَصَابَهَا، فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ فَرَّقَهُ مِنْ إِصَابَةٍ أَصَابَهَا فَقَدْ أَقَرَّ بِخِيَانَةٍ، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ مَالِهِ فَقَدْ أَسْرَفَ، وَاعْزِلْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ عَمَلَهُ. فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى خَالِدٍ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ وَجَلَسَ لَهُمْ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَامَ الْبَرِيدُ فَسَأَلَ خَالِدًا مِنْ أَيْنَ أَجَازَ الْأَشْعَثَ، فَلَمْ يُجِبْهُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ سَاكِتٌ لَا يَقُولُ شَيْئًا، فَقَامَ بِلَالٌ فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَ فِيكَ بِكَذَا وَكَذَا، وَنَزَعَ عِمَامَتَهُ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ سَمْعًا وَطَاعَةً، وَوَضَعَ قَلَنْسُوَتَهُ، ثُمَّ أَقَامَ فَعَقَلَهُ بِعِمَامَتِهِ وَقَالَ: بَلْ مِنْ مَالِي، فَأَطْلَقَهُ وَأَعَادَ قَلَنْسُوَتَهُ، ثُمَّ عَمَّمَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: نَسْمَعُ وَنُطِيعُ لِوُلَاتِنَا وَنُفَخِّمُ وَنَخْدِمُ مَوَالِيَنَا. قَالَ: وَأَقَامَ خَالِدٌ مُتَحَيِّرًا لَا يَدْرِي أَمَعْزُولٌ أَمْ غَيْرُ مَعْزُولٍ، وَلَا يُعْلِمُهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِذَلِكَ تَكْرِمَةً وَتَفْخِمَةً. فَلَمَّا تَأَخَّرَ قُدُومُهُ عَلَى عُمَرَ ظَنَّ الَّذِي كَانَ، فَكَتَبَ إِلَى خَالِدٍ بِالْإِقْبَالِ إِلَيْهِ، فَرَجَعَ إِلَى قِنَّسْرِينَ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَوَدَّعَهُمْ، وَرَجَعَ إِلَى حِمْصَ فَخَطَبَهُمْ ثُمَّ سَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ شَكَاهُ وَقَالَ: قَدْ شَكَوْتُكَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَبِاللَّهِ إِنَّكَ فِي أَمْرِي لَغَيْرُ مُجْمِلٍ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مِنْ أَيْنَ هَذَا الثَّرَاءُ؟ قَالَ: مِنَ الْأَنْفَالِ وَالسُّهْمَانِ، مَا زَادَ عَلَى سِتِّينَ أَلْفًا فَلَكَ، فَقَوَّمَ عُمَرُ مَالَهُ فَزَادَ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَجَعَلَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ قَالَ: يَا خَالِدُ وَاللَّهِ إِنَّكَ عَلَيَّ لَكَرِيمٌ، وَإِنَّكَ إِلَيَّ لَحَبِيبٌ. وَكَتَبَ إِلَى الْأَمْصَارِ: إِنِّي لَمْ أَعْزِلْ خَالِدًا عَنْ سُخْطَةٍ وَلَا خِيَانَةٍ، وَلَكِنَّ النَّاسَ فَخَّمُوهُ وَفُتِنُوا بِهِ، فَخِفْتُ أَنْ يُوكَلُوا إِلَيْهِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الصَّانِعُ، وَأَنْ لَا يَكُونُوا بِعَرَضِ فِتْنَةٍ. وَعَوَّضَهُ عَمَّا أُخِذَ مِنْهُ. [ذكر بِنَاءِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالتَّوْسِعَةِ فِيهِ] وَفِيهَا، أَعْنِي سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، اعْتَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَبَنَى الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَوَسَّعَ فِيهِ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَهَدَمَ عَلَى قَوْمٍ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوا، وَوَضَعَ أَثْمَانَ دُورِهِمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَتَّى أَخَذُوهَا، وَكَانَتْ عُمْرَتُهُ فِي رَجَبٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَأَمَرَ بِتَجْدِيدِ أَنْصَابِ الْحَرَمِ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَالْأَزْهَرَ بْنَ عَبْدِ عَوْفٍ
ذكر غزوة فارس من البحرين
وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى وَسَعِيدَ بْنَ يَرْبُوعٍ، وَاسْتَأْذَنَهُ أَهْلُ الْمِيَاهِ فِي أَنْ يَبْنُوا مَنَازِلَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ أَحَقُّ بِالظِّلِّ وَالْمَاءِ. وَفِيهَا تَزَوَّجَ عُمَرُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهِيَ ابْنَةُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَخَلَ بِهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ. [ذكر غَزْوَةِ فَارِسَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ] قِيلَ: كَانَ عُمَرُ يَقُولُ لَمَّا أُخِذَتِ الْأَهْوَازُ وَمَا يَلِيهَا: وَدِدْتُ أَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ فَارِسٍ حَبْلًا مِنْ نَارٍ لَا نَصِلُ إِلَيْهِمْ مِنْهُ وَلَا يَصِلُونَ إِلَيْنَا. وَقَدْ كَانَ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ أَيَّامَ أَبِي بَكْرٍ، فَعَزَلَهُ عُمَرُ وَجَعَلَ مَوْضِعَهُ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ، ثُمَّ عَزَلَ قُدَامَةَ وَأَعَادَ الْعَلَاءَ يُنَاوِئُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، فَفَازَ الْعَلَاءُ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِالْفَضْلِ، فَلَمَّا ظَفِرَ سَعْدٌ بِأَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ وَأَزَاحَ الْأَكَاسِرَةَ جَاءَ بِأَعْظَمَ مِمَّا فَعَلَهُ الْعَلَاءُ، فَأَرَادَ الْعَلَاءُ أَنْ يَصْنَعَ فِي الْفُرْسِ شَيْئًا، وَلَمْ يَنْظُرْ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ نَهَاهُ عَنِ الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ، وَنَهَى غَيْرَهُ أَيْضًا اتِّبَاعًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَخَوْفَ الْغَرَرِ. فَنَدَبَ الْعَلَاءُ النَّاسَ إِلَى فَارِسَ فَأَجَابُوهُ، وَفَرَّقَهُمْ أَجْنَادًا، عَلَى أَحَدِهَا الْجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى، وَعَلَى الْآخَرِ سَوَّارُ بْنُ هَمَّامٍ، وَعَلَى الْآخَرِ خُلَيْدُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوِي، وَخُلَيْدٌ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَحَمَلَهُمْ فِي الْبَحْرِ إِلَى فَارِسَ بِغَيْرِ إِذْنِ عُمَرَ، فَعَبَرَتِ الْجُنُودُ مِنَ الْبَحْرَيْنِ إِلَى فَارِسَ، فَخَرَجُوا إِلَى إِصْطَخْرَ وَبِإِزَائِهِمْ أَهْلُ فَارِسَ وَعَلَيْهِمُ الْهِرْبِذُ، فَجَالَتِ الْفُرْسُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ سُفُنِهِمْ، فَقَامَ خُلَيْدٌ فِي النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَدْعُوكُمْ إِلَى حَرْبِهِمْ، وَإِنَّمَا جِئْتُمْ لِمُحَارَبَتِهِمْ، وَالسُّفُنُ وَالْأَرْضُ لِمَنْ غَلَبَ، {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ ثُمَّ صَلَّوُا الظُّهْرَ ثُمَّ نَاهَدُوهُمْ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا
بِمَكَانٍ يُدْعَى طَاوُسَ فَقُتِلَ سَوَّارٌ وَالْجَارُودُ. وَكَانَ خُلَيْدٌ قَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُقَاتِلُوا رَجَّالَةً فَفَعَلُوا، فَقَتَلَ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، ثُمَّ خَرَجُوا يُرِيدُونَ الْبَصْرَةَ، وَلَمْ يَجِدُوا إِلَى الرُّجُوعِ فِي الْبَحْرِ سَبِيلًا، وَأَخَذَتِ الْفُرْسُ مِنْهُمْ طُرُقَهُمْ فَعَسْكَرُوا وَامْتَنَعُوا. وَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ صَنِيعُ الْعَلَاءِ أَرْسَلَ إِلَى عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ يَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِ جُنْدٍ كَثِيفٍ إِلَى الْمُسْلِمِينَ بِفَارِسَ قَبْلَ أَنْ يَهْلَكُوا، وَقَالَ: فَإِنِّي قَدْ أُلْقِيَ فِي رُوعِي كَذَا وَكَذَا نَحْوَ الَّذِي كَانَ، وَأَمَرَ الْعَلَاءَ بِأَثْقَلِ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِ، تَأْمِيرِ سَعْدٍ عَلَيْهِ. فَشَخَصَ الْعَلَاءُ إِلَى سَعْدٍ بِمَنْ مَعَهُ، وَأَرْسَلَ عُتْبَةُ جَيْشًا كَثِيفًا فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فِيهِمْ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَرْفَجَةُ بْنُ هَرْثَمَةَ، وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ وَغَيْرُهُمْ، فَخَرَجُوا عَلَى الْبِغَالِ يُجْنِبُونَ الْخَيْلَ، وَعَلَيْهِمْ أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمٍ أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَسَارَ بِالنَّاسِ وَسَاحَلَ بِهِمْ، لَا يَعْرِضُ لَهُ أَحَدٌ حَتَّى الْتَقَى أَبُو سَبْرَةَ وَخُلَيْدٌ، بِحَيْثُ أُخِذَ عَلَيْهِمُ الطَّرِيقُ عَقِيبَ وَقْعَةِ طَاوُسَ، وَإِنَّمَا كَانَ وَلِيَ قِتَالَهُمْ أَهْلُ إِصْطَخْرَ وَحْدَهُمْ، وَمَنْ شَذَّ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَانَ أَهْلُ إِصْطَخْرَ حَيْثُ أَخَذُوا الطَّرِيقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَجَمَعُوا أَهْلَ فَارِسَ عَلَيْهِمْ فَجَاءُوا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَالْتَقَوْا هُمْ وَأَبُو سَبْرَةَ بَعْدَ طَاوُسَ، وَقَدْ تَوَافَتْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ أَمْدَادُهُمْ، وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ سَهْرَكُ، فَاقْتَتَلُوا فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَتَلَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ مَا شَاءُوا، وَهِيَ الْغَزْوَةُ الَّتِي شَرُفَتْ فِيهَا نَابِتَةُ الْبَصْرَةِ، وَكَانُوا أَفْضَلَ نَوَابِتِ الْأَمْصَارِ، ثُمَّ انْكَفَأُوا بِمَا أَصَابُوا، وَكَانَ عُتْبَةُ كَتَبَ إِلَيْهِمْ بِالْحَثِّ وَقِلَّةِ الْعُرْجَةِ، فَرَجَعُوا إِلَى الْبَصْرَةِ سَالِمِينَ. وَلَمَّا أَحْرَزَ عُتْبَةُ الْأَهْوَازَ وَأَوْطَأَ فَارِسَ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ فِي الْحَجِّ فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا قَضَى حَجَّهُ اسْتَعْفَاهُ فَأَبَى أَنْ يُعْفِيَهُ، وَعَزَمَ عَلَيْهِ لَيَرْجِعَنَّ إِلَى عَمَلِهِ، فَدَعَا اللَّهَ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَمَاتَ فِي بَطْنِ نَخْلَةَ فَدُفِنَ، وَبَلَغَ عُمَرَ مَوْتُهُ، فَمَرَّ بِهِ زَائِرًا لِقَبْرِهِ وَقَالَ: أَنَا قَتَلْتُكَ لَوْلَا أَنَّهُ أَجَلٌ مَعْلُومٌ. وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا وَلَمْ يَخْتَطَّ فِيمَنِ اخْتَطَّ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّمَا وَرِثَ وَلَدُهُ مَنْزِلَهُمْ مِنْ فَاخِتَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَكَانَ حُبَابٌ مَوْلَاهُ قَدْ لَزِمَ شِيمَتَهُ فَلَمْ يَخْتَطَّ، وَمَاتَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ مُفَارَقَةِ سَعْدٍ، وَذَلِكَ
ذكر عزل المغيرة عن البصرة وولاية أبي موسى
بَعْدَ أَنِ اسْتَنْفَذَ الْجُنْدَ الَّذِينَ بِفَارِسَ وَنُزُولِهِمُ الْبَصْرَةَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى النَّاسِ أَبَا سَبْرَةَ بْنَ أَبِي رُهْمٍ بِالْبَصْرَةِ، فَأَقَرَّهُ عُمَرُ بَقِيَّةَ السَّنَةِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَنْتَقِضْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَلَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا إِلَّا مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرَةَ. ثُمَّ اسْتَعْمَلَ أَبَا مُوسَى عَلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ صُرِفَ إِلَى الْكُوفَةِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عُمَرَ بْنَ سُرَاقَةَ، ثُمَّ صُرِفَ ابْنُ سُرَاقَةَ إِلَى الْكُوفَةِ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَصُرِفَ أَبُو مُوسَى مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَعَمِلَ عَلَيْهَا ثَانِيَةً. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وِلَايَةِ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ الْبَصْرَةَ وَالِاخْتِلَافِ فِيهَا سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. [ذكر عَزْلِ الْمُغِيرَةِ عَنِ الْبَصْرَةِ وَوِلَايَةِ أَبِي مُوسَى] فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عُمَرُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا أَبَا مُوسَى، وَأَمَرَهُ أَنْ يُشْخِصَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ; قَالَهُ الْوَاقِدِيٌّ. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَبِي بَكْرَةَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مُنَافَرَةٌ، وَكَانَا مُتَجَاوِرَيْنِ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ، وَكَانَا فِي مَشْرَبَتَيْنِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كُوَّةٌ مُقَابِلَةُ الْأُخْرَى، فَاجْتَمَعَ إِلَى أَبِي بَكْرَةَ نَفَرٌ يَتَحَدَّثُونَ فِي مَشْرَبَتِهِ، فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَفَتَحَتْ بَابَ الْكُوَّةِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرَةَ لِيَسُدَّهُ، فَبَصُرَ بِالْمُغِيرَةِ وَقَدْ فَتَحَتِ الرِّيحُ بَابَ كُوَّةِ مَشْرَبَتِهِ، وَهُوَ بَيْنَ رِجْلَيِ امْرَأَةٍ، فَقَالَ لِلنَّفَرِ: قُومُوا فَانْظُرُوا. فَقَامُوا فَنَظَرُوا، وَهُمْ أَبُو بَكْرَةَ وَنَافِعُ بْنُ كَلَدَةَ وَزِيَادُ بْنُ أَبِيهِ، وَهُوَ أَخُو أَبِي بَكْرَةَ لِأُمِّهِ، وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ الْبَجَلِيُّ، فَقَالَ لَهُمْ: اشْهَدُوا، قَالُوا: وَمَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أَمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ الْأَفْقَمِ، وَكَانَتْ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَكَانَتْ تَغْشَى الْمُغِيرَةَ وَالْأُمَرَاءَ، وَكَانَ بَعْضُ النِّسَاءِ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ فِي زَمَانِهَا، فَلَمَّا قَامَتْ عَرَفُوهَا. فَلَمَّا خَرَجَ الْمُغِيرَةُ إِلَى الصَّلَاةِ مَنَعَهُ أَبُو بَكْرَةَ وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ، فَبَعَثَ عُمَرُ أَبَا مُوسَى أَمِيرًا عَلَى الْبَصْرَةِ وَأَمَرَهُ بِلُزُومِ السُّنَّةِ، فَقَالَ: أَعِنِّي بِعِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَالْمِلْحِ. قَالَ لَهُ: خُذْ مَنْ أَحْبَبْتَ. فَأَخَذَ مَعَهُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا، مِنْهُمْ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَهِشَامُ بْنُ عَامِرٍ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ فَقَدِمَ الْبَصْرَةَ، فَدَفَعَ الْكِتَابَ بِإِمَارَتِهِ إِلَى الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ أَوْجَزُ كِتَابٍ وَأَبْلَغُهُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي نَبَأٌ عَظِيمٌ، فَبَعَثْتُ أَبَا مُوسَى أَمِيرًا، فَسَلِّمْ إِلَيْهِ مَا فِي يَدِكَ وَالْعَجَلَ. فَأَهْدَى إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ وَلِيدَةً تُسَمَّى عَقِيلَةَ. وَرَحَلَ الْمُغِيرَةُ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرَةَ وَالشُّهُودُ، فَقَدِمُوا عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ: سَلْ
ذكر الخبر عن فتح الأهواز ومناذر ونهر تيرى
هَؤُلَاءِ الْأَعْبُدَ كَيْفَ رَأَوْنِي أَمُسْتَقْبِلُهُمْ أَمْ مُسْتَدْبِرُهُمْ، وَكَيْفَ رَأَوُا الْمَرْأَةَ أَوْ عَرَفُوهَا، فَإِنْ كَانُوا مُسْتَقْبِلِيَّ فَكَيْفَ لَمْ أَسْتَتِرْ، أَوْ مُسْتَدْبِرِيَّ فَبِأَيِّ شَيْءٍ اسْتَحَلُّوا النَّظَرَ إِلَيَّ فِي مَنْزِلِي عَلَى امْرَأَتِي؟ وَاللَّهِ مَا أَتَيْتُ إِلَّا امْرَأَتِي! وَكَانَتْ تُشْبِهُهَا. فَشَهِدَ أَبُو بَكْرَةَ أَنَّهُ رَآهُ عَلَى أُمِّ جَمِيلٍ يُدْخِلُهُ كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَأَنَّهُ رَآهُمَا مُسْتَدْبِرَيْنِ، وَشَهِدَ شِبْلٌ وَنَافِعٌ مِثْلَ ذَلِكَ. وَأَمَّا زِيَادٌ فَإِنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُهُ جَالِسًا بَيْنَ رِجْلَيِ امْرَأَةٍ، فَرَأَيْتُ قَدَمَيْنِ مَخْضُوبَتَيْنِ تَخْفِقَانِ، وَاسْتَيْنِ مَكْشُوفَتَيْنِ وَسَمِعْتُ حَفْزًا شَدِيدًا. قَالَ: هَلْ رَأَيْتَ كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: هَلْ تَعْرِفُ الْمَرْأَةَ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ أُشَبِّهُهَا. قَالَ: فَتَنَحَّ. وَأَمَرَ بِالثَّلَاثَةِ فَجُلِدُوا الْحَدَّ. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: اشْفِنِي مِنَ الْأَعْبُدِ. قَالَ: اسْكُتْ أَسْكَتَ اللَّهُ نَأْمَتَكَ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ تَمَّتِ الشَّهَادَةُ لَرَجَمْتُكَ بِأَحْجَارِكَ! [ذكر الْخَبَرِ عَنْ فَتْحِ الْأَهْوَازِ وَمَنَاذِرَ وَنَهْرِ تِيرَى] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتِ الْأَهْوَازُ وَمَنَاذِرُ وَنَهْرُ تِيرَى، وَقِيلَ: كَانَتْ سِتَ عَشْرَةَ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي هَذَا الْفَتْحِ أَنَّهُ لَمَّا انْهَزَمَ الْهُرْمُزَانُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْبُيُوتَاتِ السَّبْعَةِ فِي أَهْلِ فَارِسَ، وَكَانَتْ أُمَّتَهُ مِنْهُمْ مِهْرَجَانْقَذَقَ وَكُوَرَ الْأَهْوَازِ، فَلَمَّا انْهَزَمَ قَصَدَ خُوزِسْتَانَ فَمَلَكَهَا وَقَاتَلَ بِهَا مَنْ أَرَادَهُمْ، فَكَانَ الْهُرْمُزَانُ يُغِيرُ عَلَى أَهْلِ مَيْسَانَ وَدَسْتِمَيْسَانَ مِنْ مَنَاذِرَ وَنَهْرِ تِيرَى. فَاسْتَمَدَّ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ سَعْدًا فَأَمَدَّهُ بِنُعَيْمِ بْنِ مُقَرِّنٍ وَنُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَأْتِيَا أَعْلَى مَيْسَانَ وَدَسْتِمَيْسَانَ حَتَّى يَكُونَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نَهْرِ تِيرَى، وَوَجَّهَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ سُلْمَى بْنَ الْقَيْنِ وَحَرْمَلَةَ بْنَ مُرَيْطَةَ، وَكَانَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمَا مِنْ بَنِي الْعَدَوِيَّةِ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ، فَنَزَلَا عَلَى حُدُودِ مَيْسَانَ وَدَسْتِمَيْسَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنَاذِرَ، وَدَعَوْا بَنِي الْعَمِّ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ غَالِبٌ الْوَائِلِيُّ وَكُلَيْبُ بْنُ وَائِلٍ الْكُلَيْبِيُّ،
فَتَرَكَا نُعَيْمًا وَنُعَيْمًا وَأَتَيَا سُلْمَى وَحَرْمَلَةَ وَقَالَا: أَنْتُمَا مِنَ الْعَشِيرَةِ وَلَيْسَ لَكُمَا مَنْزِلٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ كَذَا وَكَذَا فَانْهَدَا لِلْهُرْمُزَانِ، فَإِنَّ أَحَدَنَا يَثُورُ بِمَنَاذِرَ، وَالْآخَرَ بِنَهْرِ تِيرَى، فَنَقْتُلُ الْمُقَاتِلَةَ، ثُمَّ يَكُونُ وَجْهُنَا إِلَيْكُمْ، فَلَيْسَ دُونَ الْهُرْمُزَانِ شَيْءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَرَجَعَا وَقَدِ اسْتَجَابَا، وَاسْتَجَابَ قَوْمُهُمَا بَنُو الْعَمِّ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانُوا يَنْزِلُونَ خُوزِسْتَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَأَهْلُ الْبِلَادِ يَأْمَنُونَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَةُ لَيْلَةَ الْمَوْعِدِ بَيْنَ سُلْمَى وَحَرْمَلَةَ وَغَالِبٍ وَكُلَيْبٍ، وَكَانَ الْهُرْمُزَانُ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ نَهْرِ تِيرَى وَبَيْنَ دُلُثَ، وَخَرَجَ سُلْمَى وَحَرْمَلَةُ صَبِيحَتَهُمَا فِي تَعْبِئَةٍ وَأَنْهَضَا نُعَيْمًا وَمَنْ مَعَهُ، فَالْتَقَوْا هُمْ وَالْهُرْمُزَانُ بَيْنَ دُلُثَ وَنَهْرِ تِيرَى، وَسُلْمَى بْنُ الْقَيْنِ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَنُعَيْمُ بْنُ مُقَرِّنٍ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَاقْتَتَلُوا. فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ مَدَدٌ مِنْ قِبَلِ غَالِبٍ وَكُلَيْبٍ، وَأَتَى الْهُرْمُزَانَ الْخَبَرُ بِأَنَّ مَنَاذِرَ نَهْرِ تِيرَى قَدْ أُخِذُوا، فَكَسَرَ ذَلِكَ قَلْبَ الْهُرْمُزَانِ وَمَنْ مَعَهُ، وَهَزَمَهُ اللَّهُ وَإِيَّاهُمْ، فَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ مَا شَاءُوا وَأَصَابُوا مَا شَاءُوا، وَاتَّبَعُوهُمْ حَتَّى وَقَفُوا عَلَى شَاطِئِ دُجَيْلٍ، وَأَخَذُوا مَا دُونَهُ وَعَسْكَرُوا بِحِيَالِ سُوقِ الْأَهْوَازِ، وَعَبَرَ الْهُرْمُزَانُ جِسْرَ سُوقِ الْأَهْوَازِ وَأَقَامَ، وَصَارَ دُجَيْلٌ بَيْنَ الْهُرْمُزَانِ وَالْمُسْلِمِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْهُرْمُزَانُ مَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ طَلَبَ الصُّلْحَ، فَاسْتَأْمَرُوا عُتْبَةَ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ عَلَى الْأَهْوَازِ كُلِّهَا وَمِهْرَجَانَقَذَقَ، مَا خَلَا نَهْرَ تِيرَى وَمَنَاذِرَ، وَمَا غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنْ سُوقِ الْأَهْوَازِ فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَ سُلْمَى عَلَى مَنَاذِرَ مَسْلَحَةً وَأَمْرُهَا إِلَى غَالِبٍ، وَحَرْمَلَةَ عَلَى نَهْرِ تِيرَى وَأَمْرُهَا إِلَى كُلَيْبٍ، فَكَانَا عَلَى مَسَالِحِ الْبَصْرَةِ. وَهَاجَرَتْ طَوَائِفُ مِنْ بَنِي الْعَمِّ فَنَزَلُوا الْبَصْرَةَ. وَوَفَّدَ عُتْبَةُ وَفْدًا إِلَى عُمَرَ، مِنْهُمْ: سُلْمَى وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَأَمَرَهُمْ عُمَرُ أَنْ يَرْفَعُوا حَوَائِجَهُمْ، فَكَلَّمَهُمْ قَالَ: أَمَّا الْعَامَّةُ فَأَنْتَ صَاحَبُهَا، وَطَلَبُوا لِأَنْفُسِهِمْ، إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ كَمَا ذَكَرُوا، وَلَقَدْ يَعْزُبُ عَنْكَ مَا يَحِقُّ عَلَيْنَا إِنْهَاؤُهُ إِلَيْكَ مِمَّا فِيهِ صَلَاحُ الْعَامَّةِ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ الْوَالِي فِيمَا غَابَ عَنْهُ بِأَعْيُنِ أَهْلِ الْخَبَرِ وَيَسْمَعُ بِآذَانِهِمْ، فَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ نَزَلُوا فِي مِثْلِ حَدَقَةِ الْبَعِيرِ الْغَاسِقَةِ مِنَ الْعُيُونِ الْعِذَابِ وَالْجِنَانِ الْخِصَابِ فَتَأْتِيهِمْ ثِمَارُهُمْ وَلَمْ يَحْصُدُوا، وَإِنَّا مَعْشَرَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ نَزَلْنَا سَبَخَةً وَزَعَقَّةً نَشَّاشَةً، طَرَفٌ لَهَا فِي الْفَلَاةِ وَطَرَفٌ لَهَا فِي الْبَحْرِ
ذكر صلح الهرمزان وأهل تستر مع المسلمين
الْأُجَاجِ، يَجْرِي إِلَيْهَا مَا جَرَى فِي مِثْلِ مَرِيءِ النَّعَامَةِ، دَارُنَا فَعْمَةٌ، وَوَظِيفَتُنَا ضَيِّقَةٌ، وَعَدَدُنَا كَثِيرٌ، وَأَشْرَافُنَا قَلِيلٌ، وَأَهْلُ الْبَلَاءِ فِينَا كَثِيرٌ، وَدِرْهَمُنَا كَبِيرٌ، وَقَفِيزُنَا صَغِيرٌ، وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَزَادَنَا فِي أَرْضِنَا، فَوَسِّعْ عَلَيْنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَزِدْنَا وَظِيفَةً تُوَظَّفُ عَلَيْنَا وَنَعِيشُ بِهَا. فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ قَوْلَهُ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَأَقْطَعَهُمْ مِمَّا كَانَ فَيْئًا لِأَهْلِ كِسْرَى وَزَادَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْفَتَى سَيِّدُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. وَكَتَبَ إِلَى عُتْبَةَ فِيهِ بِأَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ وَيَرْجِعَ إِلَى رَأْيِهِ، وَرَدَّهُمْ إِلَى بَلَدِهِمْ. وَبَيْنَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ ذِمَّتِهِمْ مَعَ الْهُرْمُزَانِ، وَقَعَ بَيْنَ الْهُرْمُزَانِ وَغَالِبٍ وَكُلَيْبٍ فِي حُدُودِ الْأَرَضِينَ اخْتِلَافٌ، فَحَضَرَ سُلْمَى وَحَرْمَلَةُ لِيَنْظُرَا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَوَجَدَا غَالِبًا وَكُلَيْبًا مُحِقَّيْنِ وَالْهُرْمُزَانَ مُبْطِلًا، فَحَالَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ، فَكَفَرَ الْهُرْمُزَانُ وَمَنَعَ مَا قِبَلَهُ، وَاسْتَعَانَ بِالْأَكْرَادِ وَكَفَّ جُنْدَهُ، وَكَتَبَ سُلْمَى وَمَنْ مَعَهُ إِلَى عُتْبَةَ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ عُتْبَةُ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ يَأْمُرُهُ بِقَصْدِهِ، وَأَمَدَّ الْمُسْلِمِينَ بِحُرْقُوصِ بْنِ زُهَيْرٍ السَّعْدِيِّ، كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَّرَهُ عَلَى الْقِتَالِ وَعَلَى مَا غَلَبَ عَلَيْهِ. وَسَارَ الْهُرْمُزَانُ وَمَنْ مَعَهُ، وَسَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى جِسْرِ سُوقِ الْأَهْوَازِ وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ: إِمَّا أَنْ تَعْبُرَ إِلَيْنَا أَوْ نَعْبُرَ إِلَيْكُمْ. فَقَالَ: اعْبُرُوا إِلَيْنَا، فَعَبَرُوا فَوْقَ الْجِسْرِ فَاقْتَتَلُوا مِمَّا يَلِي سُوقَ الْأَهْوَازِ، فَانْهَزَمَ الْهُرْمُزَانُ وَسَارَ إِلَى رَامَهُرْمُزَ، وَفَتَحَ حُرْقُوصٌ سُوقَ الْأَهْوَازِ، وَنَزَلَ بِهَا وَاتَّسَعَتْ لَهُ بِلَادُهَا إِلَى تُسْتَرَ، وَوَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَكَتَبَ بِالْفَتْحِ إِلَى عُمَرَ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْأَخْمَاسَ. [ذكر صُلْحِ الْهُرْمُزَانِ وَأَهْلِ تُسْتَرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتْ تُسْتَرُ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ. قِيلَ: وَلَمَّا انْهَزَمَ الْهُرْمُزَانُ يَوْمَ سُوقِ الْأَهْوَازِ وَافْتَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ بَعَثَ حُرْقُوصٌ جَزَءَ بْنَ مُعَاوِيَةَ فِي أَثَرِهِ بِأَمْرِ عُمَرَ إِلَى سُوقِ الْأَهْوَازِ، فَمَا زَالَ يَقْتُلُهُمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَرْيَةِ الشَّغَرِ وَيُعْجِزُهُ الْهُرْمُزَانُ، فَمَالَ جَزَءٌ إِلَى دَوْرَقَ، وَهِيَ مَدِينَةُ سُرَّقَ، فَأَخَذَهَا
ذكر فتح رامهرمز وتستر وأسر الهرمزان
صَافِيَةً، وَدَعَا مَنْ هَرَبَ إِلَى الْجِزْيَةِ، فَأَجَابُوهُ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ وَعُتْبَةَ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى حُرْقُوصٍ وَإِلَيْهِ بِالْمُقَامِ فِيمَا غَلَبَا عَلَيْهِ، حَتَّى يَأْمُرَهُمَا بِأَمْرِهِ، فَعَمَرَ جَزَءٌ الْبِلَادَ، وَشَقَّ الْأَنْهَارَ وَأَحْيَا الْمَوَاتَ. وَرَاسَلَهُمُ الْهُرْمُزَانُ يَطْلُبُ الصُّلْحَ، فَأَجَابَ عُمَرُ إِلَى ذَلِكَ وَأَنْ يَكُونَ مَا أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ بِأَيْدِيهِمْ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ، وَأَقَامَ الْهُرْمُزَانُ وَالْمُسْلِمُونَ يَمْنَعُونَهُ إِذَا قَصَدَهُ الْأَكْرَادُ وَيَجِيءُ إِلَيْهِمْ. وَنَزَلَ حُرْقُوصٌ جَبَلَ الْأَهْوَازِ، وَكَانَ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ الِاخْتِلَافُ إِلَيْهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِنُزُولِ السَّهْلِ، وَأَنْ لَا يَشُقَّ عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا مُعَاهَدٍ وَلَا تُدْرِكْكَ فَتْرَةٌ وَلَا عَجَلَةٌ، فَتُكَدِّرَ دُنْيَاكَ وَتُذْهِبَ آخِرَتَكَ. وَبَقِيَ حُرْقُوصٌ إِلَى يَوْمِ صِفِّينَ، وَصَارَ حَرُورِيًّا وَشَهِدَ النَّهْرَوَانَ مَعَ الْخَوَارِجِ. [ذكر فَتْحِ رَامَهُرْمُزَ وَتُسْتَرَ وَأَسْرِ الْهُرْمُزَانِ] قِيلَ: كَانَ فَتْحُ رَامَهُرْمُزَ وَتُسْتَرَ وَالسُّوسَ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ عِشْرِينَ. وَكَانَ سَبَبُ فَتْحِهَا أَنْ يَزْدَجِرْدَ لَمْ يَزَلْ وَهُوَ بِمُرْوٍ يُثِيرُ أَهْلَ فَارِسَ أَسَفًا عَلَى مَا خَرَجَ مِنْ مُلْكِهِمْ، فَتَحَرَّكُوا وَتَكَاتَبُوا هُمْ وَأَهْلُ الْأَهْوَازِ، وَتَعَاقَدُوا عَلَى النُّصْرَةِ، فَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ حُرْقُوصَ بْنَ زُهَيْرٍ وَجَزَءًا وَسُلْمَى وَحَرْمَلَةَ، فَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ بِالْخَبَرِ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: أَنِ ابْعَثْ إِلَى الْأَهْوَازِ جُنْدًا كَثِيفًا مَعَ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، وَعَجِّلْ فَلْيَنْزِلُوا بِإِزَاءِ الْهُرْمُزَانِ وَيَتَحَقَّقُوا أَمْرَهُ. وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى: أَنِ ابْعَثْ إِلَى الْأَهْوَازِ جُنْدًا كَثِيفًا، وَأَمِّرْ عَلَيْهِمْ سَهْلَ بْنَ عَدِيٍّ أَخَا سُهَيْلٍ، وَابْعَثْ مَعَهُ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ وَمَجْزَأَةَ بْنَ ثَوْرٍ وَعَرْفَجَةَ بْنَ هَرْثَمَةَ وَغَيْرَهُمْ، وَعَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ جَمِيعًا أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمٍ. فَخَرَجَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ فَسَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ عَلَى الْبِغَالِ يُجَنِّبُونَ الْخَيْلَ، فَخَلَّفَ حُرْقُوصًا وَسُلْمَى وَحَرْمَلَةَ وَسَارَ نَحْوَ الْهُرْمُزَانِ، وَهُوَ بِرَامَهُرْمُزَ. فَلَمَّا سَمِعَ الْهُرْمُزَانُ بِمَسِيرِ النُّعْمَانِ إِلَيْهِ بَادَرَهُ الشِّدَّةَ وَرَجَا أَنْ يَقْتَطِعَهُ وَمَعَهُ أَهْلُ فَارِسَ، فَالْتَقَى
النُّعْمَانُ وَالْهُرْمُزَانُ بِأَرْبُكَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - هَزَمَ الْهُرْمُزَانَ، فَتَرَكَ رَامَهُرْمُزَ وَلَحِقَ بِتُسْتَرَ، وَسَارَ النُّعْمَانُ إِلَى رَامَهُرْمُزَ وَنَزَلَهَا وَصَعِدَ إِلَى إِيذَجَ، فَصَالَحَهُ تِيرَوَيْهِ عَلَى إِيذَجَ، وَرَجَعَ إِلَى رَامَهُرْمُزَ فَأَقَامَ بِهَا. وَوَصَلَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ فَنَزَلُوا سُوقَ الْأَهْوَازِ، وَهُمْ يُرِيدُونَ رَامَهُرْمُزَ، فَأَتَاهُمْ خَبَرُ الْوَقْعَةِ وَهُمْ بِسُوقِ الْأَهْوَازِ، وَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ أَنَّ الْهُرْمُزَانَ قَدْ لَحِقَ بِتُسْتَرَ، فَسَارُوا نَحْوَهُ، وَسَارَ النُّعْمَانُ أَيْضًا، وَسَارَ حُرْقُوصٌ وَسُلْمَى وَحَرْمَلَةُ وَجَزَءٌ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى تُسْتَرَ وَبِهَا الْهُرْمُزَانُ وَجُنُودُهُ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ وَالْجِبَالِ وَالْأَهْوَازِ فِي الْخَنَادِقِ، وَأَمَدَّهُمْ عُمَرُ بِأَبِي مُوسَى، وَجَعَلَهُ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعَلَى الْجَمِيعِ أَبُو سَبْرَةَ، فَحَاصَرُوهُمْ أَشْهُرًا وَأَكْثَرُوا فِيهِمُ الْقَتْلَ، وَقَتَلَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ، وَهُوَ أَخُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فِي ذَلِكَ الْحِصَارِ إِلَى الْفَتْحِ مِائَةً مُبَارَزَةً، سِوَى مَنْ قَتَلَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَتَلَ مِثْلَهُ مَجْزَأَةُ بْنُ ثَوْرٍ وَكَعْبُ بْنُ ثَوْرٍ وَعِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَزَاحَفَهُمُ الْمُشْرِكُونَ أَيَّامَ تُسْتَرَ ثَمَانِينَ زَحْفًا، يَكُونُ لَهُمْ مَرَّةً، وَمَرَّةً عَلَيْهِمْ. فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ زَحْفٍ مِنْهَا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا بَرَاءُ أَقْسِمْ عَلَى رَبِّكَ لَيَهْزِمَنَّهُمْ لَنَا. قَالَ: اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ لَنَا وَاسْتَشْهِدْنِي، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، فَهَزَمُوهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ خَنَادِقَهُمْ ثُمَّ اقْتَحَمُوهَا عَلَيْهِمْ ثُمَّ دَخَلُوا مَدِينَتَهُمْ وَأَحَاطَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ ضَاقَتِ الْمَدِينَةُ بِهِمْ وَطَالَتْ حَرْبُهُمْ، خَرَجَ رَجُلٌ إِلَى النُّعْمَانِ يَسْتَأْمِنُهُ، عَلَى أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَدْخَلٍ يَدْخُلُونَ مِنْهُ، وَرَمَى فِي نَاحِيَةِ أَبِي مُوسَى بِسَهْمٍ: إِنْ آمَنْتُمُونِي دَلَلْتُكُمْ عَلَى مَكَانٍ تَأْتُونَ الْمَدِينَةَ مِنْهُ. فَآمَنُوهُ فِي نُشَّابَةٍ. فَرَمَى إِلَيْهِمْ بِأُخْرَى وَقَالَ: انْهَدُوا مِنْ قِبَلِ مَخْرَجِ الْمَاءِ فَإِنَّكُمْ تَقْتَحِمُونَهَا. فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَيْهِ، فَانْتُدِبَ لَهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ وَبَشَرٌ كَثِيرٌ وَنَهَدُوا لِذَلِكَ الْمَكَانِ لَيْلًا، وَقَدْ نَدَبَ النُّعْمَانُ أَصْحَابَهُ لِيَسِيرُوا مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي يَدُلُّهُمْ عَلَى الْمَدْخَلِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَانْتُدِبَ لَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَالْتَقَوْا هُمْ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَخْرَجِ، فَدَخَلُوا فِي السَّرَبِ وَالنَّاسُ مِنْ خَارِجٍ. فَلَمَّا دَخَلُوا الْمَدِينَةَ كَبَّرُوا فِيهَا وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ خَارِجٍ، وَفُتِحَتِ الْأَبْوَابُ، فَاجْتَلَدُوا فِيهَا فَأَنَامُوا كُلَّ مُقَاتِلٍ، وَقَصَدَ الْهُرْمُزَانُ الْقَلْعَةَ فَتَحَصَّنَ بِهَا، وَأَطَافَ بِهِ الَّذِينَ دَخَلُوا، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ عَلَى حُكْمِ عُمَرَ، فَأَوْثَقُوهُ وَاقْتَسَمُوا مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ سَهْمُ الْفَارِسِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَسَهْمُ الرَّاجِلِ أَلْفًا. وَجَاءَ صَاحِبُ الرَّمْيَةِ وَالرَّجُلُ الَّذِي خَرَجَ بِنَفْسِهِ فَأَمَّنُوهُمَا وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ مَعَهُمَا.
وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَمِمَّنْ قَتَلَ الْهُرْمُزَانَ بِنَفْسِهِ مَجْزَأَةُ بْنُ ثَوْرٍ وَالْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ. وَخَرَجَ أَبُو سَبْرَةَ بِنَفْسِهِ فِي أَثَرِ الْمُنْهَزِمِينَ إِلَى السُّوسِ، وَنَزَلَ عَلَيْهَا وَمَعَهُ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ وَأَبُو مُوسَى، وَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى بِرَدِّهِ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَهِيَ الْمَرَّةُ الثَّالِثَةُ، فَانْصَرَفَ إِلَيْهَا مِنْ عَلَى السُّوسِ. وَسَارَ زِرُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُلَيْبٍ الْفُقَيْمِيُّ إِلَى جُنْدَيْسَابُورَ فَنَزَلَ عَلَيْهَا، وَهُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَأَمَّرَ عُمَرُ عَلَى جُنْدِ الْبَصْرَةِ الْمُقْتَرِبَ، وَهُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ رَبِيعَةَ أَحَدُ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ أَيْضًا، وَكَانَا مُهَاجِرَيْنِ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ قَدْ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: جِئْتُ لِأَقْتَرِبَ إِلَى اللَّهِ بِصُحْبَتِكَ، فَسَمَّاهُ الْمُقْتَرِبَ. وَأَرْسَلَ أَبُو سَبْرَةَ وَفْدًا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فِيهِمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ وَمَعَهُمُ الْهُرْمُزَانُ، فَقَدِمُوا بِهِ الْمَدِينَةَ وَأَلْبَسُوهُ كِسْوَتَهُ مِنَ الدِّيبَاجِ الَّذِي فِيهِ الذَّهَبُ وَتَاجَهُ، وَكَانَ مُكَلَّلًا بِالْيَاقُوتِ، وَحِلْيَتَهُ لِيَرَاهُ عُمَرُ وَالْمُسْلِمُونَ، فَطَلَبُوا عُمَرَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَسَأَلُوا عَنْهُ فَقِيلَ: جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ لِوَفْدٍ مِنَ الْكُوفَةِ، فَوَجَدُوهُ فِي الْمَسْجِدِ مُتَوَسِّدًا بُرْنُسَهُ، وَكَانَ قَدْ لَبِسَهُ لِلْوَفْدِ، فَلَمَّا قَامُوا عَنْهُ تَوَسَّدَهُ وَنَامَ، فَجَلَسُوا دُونَهُ وَهُوَ نَائِمٌ وَالدُّرَّةُ فِي يَدِهِ، فَقَالَ الْهُرْمُزَانُ: أَيْنَ عُمَرُ؟ قَالُوا: هُوَ ذَا. فَقَالَ: أَيْنَ حَرَسُهُ وَحُجَّابُهُ؟ قَالُوا: لَيْسَ لَهُ حَارِسٌ وَلَا حَاجِبٌ وَلَا كَاتِبٌ. قَالَ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا. قَالُوا: بَلْ يَعْمَلُ بِعَمَلِ الْأَنْبِيَاءِ. فَاسْتَيْقَظَ عُمَرُ بِجَلَبَةِ النَّاسِ فَاسْتَوَى جَالِسًا ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْهُرْمُزَانِ، فَقَالَ: الْهُرْمُزَانُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذَلَّ بِالْإِسْلَامِ هَذَا وَغَيْرَهُ أَشْبَاهَهُ! فَأَمَرَ بِنَزْعِ مَا عَلَيْهِ، فَنَزَعُوهُ وَأَلْبَسُوهُ ثَوْبًا صَفِيقًا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا هُرْمُزَانُ، كَيْفَ رَأَيْتَ عَاقِبَةَ الْغَدْرِ وَعَاقِبَةَ أَمْرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: يَا عُمَرُ، إِنَّا وَإِيَّاكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ اللَّهُ قَدْ خَلَّى بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فَغَلَبْنَاكُمْ، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ مَعَكُمْ غَلَبْتُمُونَا. ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا حُجَّتُكَ وَمَا عُذْرُكَ فِي انْتِقَاضِكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى؟ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ تَقْتُلَنِي قَبْلَ أَنْ أُخْبِرَكَ. قَالَ: لَا تَخَفْ ذَلِكَ. وَاسْتَسْقَى مَاءً فَأُتِيَ بِهِ فِي قَدَحٍ غَلِيظٍ، فَقَالَ: لَوْ مِتُّ عَطَشًا لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَشْرَبَ فِي مِثْلِ هَذَا! فَأُتِيَ بِهِ فِي إِنَاءٍ يَرْضَاهُ، قَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أُقْتَلَ وَأَنَا أَشْرَبُ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ حَتَّى تَشْرَبَهُ. فَأَكْفَأَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَعِيدُوا عَلَيْهِ وَلَا تَجْمَعُوا عَلَيْهِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْعَطَشِ. فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي الْمَاءِ، إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَأْمِنَ بِهِ. فَقَالَ عُمَرُ لَهُ: إِنِّي قَاتِلُكَ. فَقَالَ: قَدْ آمَنْتَنِي. فَقَالَ: كَذَبْتَ. قَالَ أَنَسٌ: صَدَقَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ آمَنْتَهُ. قَالَ عُمَرُ: يَا أَنَسُ، أَنَا أُؤَمِّنُ قَاتِلَ مَجْزَأَةَ بْنِ ثَوْر وَالْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ! وَاللَّهِ لَتَأْتِيَنَّ بِمَخْرَجٍ أَوْ لَأُعَاقِبَنَّكَ. قَالَ: قُلْتَ لَهُ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ حَتَّى تُخْبِرَنِي وَلَا بَأْسَ عَلَيْكَ حَتَّى تَشْرَبَهُ. وَقَالَ لَهُ مَنْ حَوْلَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَأَقْبَلَ عَلَى
ذكر فتح السوس
الْهُرْمُزَانِ وَقَالَ: خَدَعْتَنِي، وَاللَّهِ لَا أَنْخَدِعُ إِلَّا أَنْ تُسْلِمَ. فَأَسْلَمَ، فَفَرَضَ لَهُ فِي أَلْفَيْنِ وَأَنْزَلَهُ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ الْمُتَرْجِمُ بَيْنَهُمَا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، وَكَانَ يَفْقَهُ شَيْئًا مِنَ الْفَارِسِيَّةِ، إِلَى أَنْ جَاءَ الْمُتَرْجِمُ. وَقَالَ عُمَرُ لِلْوَفْدِ: لَعَلَّ الْمُسْلِمِينَ يُؤْذُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ فَلِهَذَا يَنْتَقِضُونَ بِكُمْ؟ قَالُوا: مَا نَعْلَمُ إِلَّا وَفَاءً. قَالَ: فَكَيْفَ هَذَا؟ فَلَمْ يُشْفِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، إِلَّا أَنَّ الْأَحْنَفَ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ نَهَيْتَنَا عَنِ الِانْسِيَاحِ فِي الْبِلَادِ، وَإِنَّ مَلِكَ فَارِسَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَنَا مَا دَامَ مَلِكُهُمْ فِيهِمْ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ مَلِكَانِ مُتَّفِقَانِ حَتَّى يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَقَدْ رَأَيْتَ أَنَّا لَمْ نَأْخُذْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إِلَّا بِانْبِعَاثِهِمْ وَغَدْرِهِمْ، وَأَنَّ مَلِكَهُمْ هُوَ الَّذِي يَبْعَثُهُمْ، وَلَا يَزَالُ هَذَا دَأْبَهُمْ حَتَّى تَأْذَنَ لَنَا بِالِانْسِيَاحِ فَنَسِيحَ فِي بِلَادِهِمْ وَنُزِيلَ مُلْكَهُمْ، فَهُنَالِكَ يَنْقَطِعُ رَجَاءُ أَهْلِ فَارِسَ. فَقَالَ: صَدَقْتَنِي وَاللَّهِ! وَنَظَرَ فِي حَوَائِجِهِمْ وَسَرَّحَهُمْ، وَأَتَى عُمَرَ الْكِتَابُ بِاجْتِمَاعِ أَهْلِ نَهَاوَنْدَ، فَأَذِنَ فِي الِانْسِيَاحِ فِي بِلَادِ الْفُرْسِ. (وَقُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ شَهِيدًا عَلَى تُسْتَرَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ) . (أَرْبُكُ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفِي آخِرِهِ كَافٌ، مَوْضِعٌ عِنْدَ الْأَهْوَازِ. [ذكر فَتْحِ السُّوسِ] قِيلَ: وَلَمَّا نَزَلَ أَبُو سَبْرَةَ عَلَى السُّوسِ، وَبِهَا شَهْرَيَارُ أَخُو الْهُرْمُزَانِ أَحَاطَ الْمُسْلِمُونَ بِهَا وَنَاوَشُوهُمُ الْقِتَالَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُصِيبُ أَهْلُ السُّوسِ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمُ الرُّهْبَانُ وَالْقِسِّيسُونَ فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ إِنْ مِمَّا عَهِدَ إِلَيْنَا عُلَمَاؤُنَا أَنَّهُ لَا يَفْتَحُ السُّوسَ إِلَّا الدَّجَّالُ أَوْ قَوْمٌ فِيهِمُ الدَّجَّالُ، فَإِنْ كَانَ فِيكُمْ فَسَتَفْتَحُونَهَا. وَسَارَ أَبُو مُوسَى إِلَى الْبَصْرَةِ مِنَ السُّوسِ، وَصَارَ مَكَانَهُ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ بِالسُّوسِ الْمُقْتَرِبُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَاجْتَمَعَ الْأَعَاجِمُ بِنَهَاوَنْدَ، وَالنُّعْمَانُ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ مُحَاصِرًا أَهْلَ
السُّوسِ مَعَ أَبِي سَبْرَةَ، وَزِرٌّ مُحَاصِرًا أَهْلَ جُنْدَيْسَابُورَ. فَجَاءَ كِتَابُ عُمَرَ بِصَرْفِ النُّعْمَانِ إِلَى أَهْلِ نَهَاوَنْدَ مِنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ، فَنَاوَشَهُمُ الْقِتَالَ قَبْلَ مَسِيرِهِ، فَصَاحَ أَهْلُهَا بِالْمُسْلِمِينَ وَنَاوَشُوهُمْ وَغَاظُوهُمْ، وَكَانَ صَافِي بْنُ صَيَّادٍ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي خَيْلِ النُّعْمَانِ، فَأَتَى صَافِي بَابَ السُّوسِ فَدَقَّهُ بِرِجْلِهِ فَقَالَ: انْفَتِحْ بَظَارَ! وَهُوَ غَضْبَانُ، فَتَقَطَّعَتِ السَّلَاسِلُ وَتَكَسَّرَتِ الْأَغْلَاقُ وَتَفَتَّحَتِ الْأَبْوَابُ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَلْقَى الْمُشْرِكُونَ بِأَيْدِيهِمْ وَنَادَوْا: الصُّلْحَ الصُّلْحَ. فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَمَا دَخَلُوهَا عَنْوَةً، وَاقْتَسَمُوا مَا أَصَابُوا. ثُمَّ افْتَرَقُوا فَسَارَ النُّعْمَانُ حَتَّى أَتَى نَهَاوَنْدَ، وَسَارَ الْمُقْتَرِبُ حَتَّى نَزَلَ عَلَى جُنْدَيْسَابُورَ مَعَ زِرٍّ. وَقِيلَ لِأَبِي سَبْرَةَ: هَذَا جَسَدُ دَانْيَالَ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ. قَالَ: وَمَا عَلَيَّ بِذَلِكَ! فَأَقَرَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ. وَكَانَ دَانْيَالُ قَدْ لَزِمَ نَوَاحِيَ فَارِسَ بَعْدَ بُخْتِ نَصَّرَ. فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَلَمْ يَرَ أَحَدًا عَلَى الْإِسْلَامِ أَكْرَمَ كِتَابَ اللَّهِ عَمَّنْ لَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ لِابْنِهِ: ائْتِ سَاحِلَ الْبَحْرِ فَاقْذِفْ بِهَذَا الْكِتَابِ فِيهِ، فَأَخَذَهُ الْغُلَامُ وَغَابَ عَنْهُ وَعَادَ وَقَالَ لَهُ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: مَا صَنَعَ الْبَحْرُ؟ قَالَ: مَا صَنَعَ شَيْئًا. فَغَضِبَ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا فَعَلْتَ الَّذِي أَمَرْتُكَ بِهِ! فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَفَعَلَ فِعْلَتَهُ الْأُولَى. فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتَ الْبَحْرَ صَنَعَ؟ قَالَ: مَاجَ وَاصْطَفَقَ. فَغَضِبَ أَشَدَّ مِنَ الْأَوَّلِ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا فَعَلْتَ الَّذِي أَمَرْتُكَ بِهِ. فَعَادَ إِلَى الْبَحْرِ وَأَلْقَاهُ فِيهِ، فَانْفَلَقَ الْبَحْرُ عَنِ الْأَرْضِ وَانْفَجَرَتْ لَهُ الْأَرْضُ عَنْ مِثْلِ التَّنُّورِ، فَهَوَى فِيهَا ثُمَّ انْطَبَقَتْ عَلَيْهِ وَاخْتَلَطَ الْمَاءُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ بِمَا رَأَى قَالَ: الْآنَ صَدَقْتَ. وَمَاتَ دَانْيَالُ بِالسُّوسِ، وَكَانَ هُنَاكَ يُسْتَسْقَى بِجَسَدِهِ، فَاسْتَأْذَنُوا عُمَرَ فِيهِ فَأَمَرَ بِدَفْنِهِ. وَقِيلَ فِي أَمْرِ السُّوسِ: إِنَّ يَزْدَجِرْدَ سَارَ بَعْدَ وَقْعَةِ جَلُولَاءَ فَنَزَلَ إِصْطَخْرَ وَمَعَهُ سَيَاهُ فِي سَبْعِينَ مِنْ عُظَمَاءِ الْفُرْسِ، فَوَجَّهَهُ إِلَى السُّوسِ وَالْهُرْمُزَانَ إِلَى تُسْتَرَ، فَنَزَلَ سِيَاهُ الْكَلْتَانِيَّةَ، وَبَلَغَ أَهْلَ السُّوسِ أَمْرُ جَلُولَاءَ وَنُزُولُ يَزْدَجِرْدَ إِصْطَخْرَ، فَسَأَلُوا أَبَا مُوسَى
الصُّلْحَ، وَكَانَ مُحَاصِرًا لَهُمْ، فَصَالَحَهُمْ وَسَارَ إِلَى رَامَهُرْمُزَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى تُسْتَرَ، وَنَزَلَ سِيَاهُ بَيْنَ رَامَهُرْمُزَ وَتُسْتَرَ، وَدَعَا مَنْ مَعَهُ مِنْ عُظَمَاءِ الْفُرْسِ وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّا كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيَغْلِبُونَ عَلَى هَذِهِ الْمَمْلَكَةِ وَتَرُوثُ دَوَابُّهُمْ فِي إِيوَانَاتِ إِصْطَخْرَ، وَيَشُدُّونَ خُيُولَهُمْ فِي شَجَرِهَا، وَقَدْ غَلَبُوا عَلَى مَا رَأَيْتُمْ، فَانْظُرُوا لِأَنْفُسِكُمْ. قَالُوا: رَأْيُنَا رَأْيُكَ. قَالَ: أَرَى أَنْ تَدْخُلُوا فِي دِينِهِمْ. وَوَجَّهُوا شِيرَوَيْهِ فِي عَشَرَةٍ مِنَ الْأَسَاوِرَةِ إِلَى أَبِي مُوسَى، فَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُ الْعَجَمَ وَلَا يُقَاتِلُوا الْعَرَبَ، وَإِنْ قَاتَلَهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ مَنَعَهُمْ مِنْهُمْ، وَيَنْزِلُوا حَيْثُ شَاءُوا، وَيَلْحَقُوا بِأَشْرَفِ الْعَطَاءِ، وَيَعْقِدَ لَهُمْ ذَلِكَ عُمَرُ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا، فَأَعْطَاهُمْ عُمَرُ مَا سَأَلُوا، فَأَسْلَمُوا وَشَهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ حِصَارَ تُسْتَرَ. وَمَضَى سِيَاهُ إِلَى حِصْنٍ قَدْ حَاصَرَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي زِيِّ الْعَجَمِ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ إِلَى جَانِبِ الْحِصْنِ وَنَضَحَ ثِيَابَهُ بِالدَّمِ، فَرَآهُ أَهْلُ الْحِصْنِ صَرِيعًا فَظَنُّوهُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَفَتَحُوا بَابَ الْحِصْنِ لِيُدْخِلُوهُ إِلَيْهِمْ، فَوَثَبَ وَقَاتَلَهُمْ حَتَّى خَلَّوْا عَنِ الْحِصْنِ وَهَرَبُوا، فَمَلَكَهُ وَحْدَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْفِعْلَ كَانَ مِنْهُ بِتُسْتَرَ. ذكر مُصَالَحَةِ جُنْدَيْسَابُورَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمُسْلِمُونَ عَنِ السُّوسِ فَنَزَلُوا بِجُنْدَيْسَابُورَ، وَزِرُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مُحَاصِرُهُمْ، فَأَقَامُوا عَلَيْهَا يُقَاتِلُونَهُمْ، فَرُمِيَ إِلَى مَنْ بِهَا مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَمَانِ، فَلَمْ يَفْجَأِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا وَقَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَأَخْرَجُوا أَسْوَاقَهُمْ وَخَرَجَ أَهْلُهَا، فَسَأَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: رَمَيْتُمْ بِالْأَمَانِ فَقَبِلْنَاهُ وَأَقْرَرْنَا بِالْجِزْيَةِ. فَقَالُوا: مَا فَعَلْنَا! وَسَأَلَ الْمُسْلِمُونَ فَإِذَا عَبْدٌ يُدْعَى مَكْثَفًا كَانَ أَصْلُهُ مِنْهَا فَعَلَ هَذَا، فَقَالُوا: هُوَ عَبْدٌ. فَقَالَ أَهْلُهَا: لَا نَعْرِفُ الْعَبْدَ مِنَ الْحُرِّ، وَقَدْ قَبِلْنَا الْجِزْيَةَ وَمَا بَدَّلْنَا، فَإِنْ شِئْتُمْ فَاغْدِرُوا. فَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ فَأَجَازَ أَمَانَهُمْ، فَآمَنُوهُمْ وَانْصَرَفُوا عَنْهُمْ. ذكر مَسِيرِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى كَرْمَانَ وَغَيْرِهَا قِيلَ: فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ أَذِنَ عُمَرُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الِانْسِيَاحِ فِي بِلَادِ فَارِسَ، وَانْتَهَى
فِي ذَلِكَ إِلَى رَأْيِ الْأَحْنَفِ، فَأَمَرَ أَبَا مُوسَى أَنْ يَسِيرَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى مُنْقَطَعِ ذِمَّةِ الْبَصْرَةِ فَيَكُونَ هُنَاكَ حَتَّى يَأْتِيَهُ أَمْرُهُ، وَبَعَثَ بِأَلْوِيَةِ مَنْ وَلَّى مَعَ سُهَيْلِ بْنِ عَدِيٍّ، فَدَفَعَ لِوَاءَ خُرَاسَانَ إِلَى الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، وَلِوَاءَ أَرْدَشِيرَ خُرَّهْ وَسَابُورَ إِلَى مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ السُّلَمِيِّ، وَلِوَاءَ إِصْطَخْرَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ، وَلِوَاءَ فَسَا وَدَارَابَجِرْدَ إِلَى سَارِيَةَ بْنِ زُنَيْمٍ الْكِنَانِيِّ، وَلِوَاءَ كَرْمَانَ إِلَى سُهَيْلِ بْنِ عَدِيٍّ، وَلِوَاءَ سِجِسْتَانَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلِوَاءَ مُكْرَانَ إِلَى الْحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ التَّغْلِبِيِّ، فَخَرَجُوا وَلَمْ يَتَهَيَّأْ مِسِيرُهُمْ إِلَى سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ، وَأَمَدَّهُمْ عُمَرُ بِنَفَرٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَأَمَدَّ سُهَيْلَ بْنَ عَدِيٍّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ، وَأَمَدَّ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ الْأَشْجَعِيِّ، وَأَمَدَّ الْحَكَمَ بْنَ عُمَيْرٍ بِشِهَابِ بْنِ الْمُخَارِقِ فِي جُمُوعٍ. وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَسَنَذْكُرُ كَيْفِيَّةَ فَتْحِهَا هُنَاكَ وَذِكْرَ أَسْبَابِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ هَذِهِ السَّنَةَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ فِي قَوْلٍ، وَعَلَى الْيَمَنِ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ، وَعَلَى الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَعَلَى عُمَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَعَلَى الشَّامِ مَنْ ذُكِرَ قَبْلُ، وَعَلَى الْكُوفَةِ وَأَرْضِهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَلَى قَضَائِهَا أَبُو قُرَّةَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ وَأَرْضِهَا أَبُو مُوسَى، وَعَلَى الْقَضَاءِ أَبُو مَرْيَمَ الْحَنَفِيُّ، وَقَدْ ذُكِرَ مَنْ كَانَ عَلَى الْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ قَبْلُ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
ثم دخلت سنة ثمان عشرة
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِ عَشْرَةَ] 18 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِ عَشْرَةَ ذكر الْقَحْطِ وَعَامِ الرَّمَادَةِ فِي سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ وَجَدْبٌ وَقَحْطٌ، وَهُوَ عَامُ الرَّمَادَةِ، وَكَانَتِ الرِّيحُ تَسْفِي تُرَابًا كَالرَّمَادِ فَسُمِّيَ عَامَ الرَّمَادَةِ، وَاشْتَدَّ الْجُوعُ حَتَّى جَعَلَتِ الْوَحْشُ تَأْوِي إِلَى الْإِنْسِ، وَحَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَذْبَحُ الشَّاةَ فَيَعَافُهَا مِنْ قَيْحِهَا. وَفِيهِ أَيْضًا كَانَ طَاعُونُ عَمَوَاسَ. وَفِيهِ وَرَدَ كِتَابُ أَبِي عُبَيْدَةَ عَلَى عُمَرَ يَذْكُرُ فِيهِ أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَصَابُوا الشَّرَابَ، مِنْهُمْ: ضِرَارٌ وَأَبُو جَنْدَلٍ، فَسَأَلْنَاهُمْ فَتَابُوا، وَقَالُوا: خُيِّرْنَا فَاخْتَرْنَا. قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟ وَلَمْ يَعْزِمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِنَّمَا مَنَعْنَاهُ، فَانْتَهَوْا، وَقَالَ لَهُ: ادْعُهُمْ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ وَسَلْهُمْ أَحَلَالٌ الْخَمْرُ أَمْ حَرَامٌ، فَإِنْ قَالُوا: حَرَامٌ، فَاجْلِدْهُمْ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ، وَإِنْ قَالُوا: حَلَالٌ، فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ. فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا: بَلْ حَرَامٌ، فَجَلَدَهُمْ، وَنَدِمُوا عَلَى لَجَاجَتِهِمْ، وَقَالَ: لَيَحْدُثَنَّ فِيكُمْ يَا أَهْلَ الشَّامِ حَدَثٌ، فَحَدَثَ عَامُ الرَّمَادَةِ. وَأَقْسَمَ عُمَرُ أَنْ لَا يَذُوقَ سَمْنًا وَلَا لَبَنًا وَلَا لَحْمًا حَتَّى يَحْيَا النَّاسُ. فَقَدِمَتِ السُّوقَ
عُكَّةُ سَمْنٍ وَوَطْبٌ مِنْ لَبَنٍ، فَاشْتَرَاهَا غُلَامٌ لِعُمَرَ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَبَرَّ اللَّهُ يَمِينَكَ وَعَظَّمَ أَجْرَكَ، قَدِمَ السُّوقَ وَطْبٌ مِنْ لَبَنٍ وَعُكَّةٌ مِنْ سَمْنٍ ابْتَعْتُهُمَا بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا. فَقَالَ عُمَرُ: أَغْلَيْتَ بِهِمَا فَتَصَدَّقْ بِهِمَا فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ آكُلَ إِسْرَافًا. وَقَالَ: كَيْفَ يَعْنِينِي شَأْنُ الرَّعِيَّةِ إِذَا لَمْ يُصِبْنِي مَا أَصَابَهُمْ! وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَمْصَارِ يَسْتَغِيثُهُمْ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَيَسْتَمِدُّهُمْ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ رَاحِلَةٍ مِنْ طَعَامٍ، فَوَلَّاهُ قِسْمَتَهَا فِيمَنْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، فَقَسَّمَهَا وَانْصَرَفَ إِلَى عَمَلِهِ، وَتَتَابَعَ النَّاسُ وَاسْتَغْنَى أَهْلُ الْحِجَازِ. وَأَصْلَحَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بَحْرَ الْقُلْزُمِ، وَأَرْسَلَ فِيهِ الطَّعَامَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَصَارَ الطَّعَامُ بِالْمَدِينَةِ كَسِعْرِ مِصْرَ، وَلَمْ يَرَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بَعْدَ الرَّمَادَةِ مِثْلَهَا حَتَّى حُبِسَ عَنْهُمُ الْبَحْرُ مَعَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، فَذَلُّوا وَتَقَاصَرُوا، وَكَانَ النَّاسُ بِذَلِكَ وَعُمَرُ كَالْمَحْصُورِ عَنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ. فَقَالَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ مُزَيْنَةَ لِصَاحِبِهِمْ، وَهُوَ بِلَالُ بْنُ الْحَارِثِ: قَدْ هَلَكْنَا فَاذْبَحْ لَنَا شَاةً. قَالَ: لَيْسَ فِيهِنَّ شَيْءٌ. فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى ذَبَحَ فَسَلَخَ عَنْ عَظْمٍ أَحْمَرَ، فَنَادَى: يَا مُحَمَّدَاهُ! فَأُرِيَ فِي الْمَنَامِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَاهُ فَقَالَ: أَبْشِرْ بِالْحَيَا، إِيتِ عُمَرَ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ إِنِّي عَهِدْتُكَ وَأَنْتَ وَفِيُّ الْعَهْدِ شَدِيدُ الْعَقْدِ، فَالْكَيْسَ الْكَيْسَ يَا عُمَرُ! فَجَاءَ حَتَّى أَتَى بَابَ عُمَرَ فَقَالَ لِغُلَامِهِ: اسْتَأْذِنْ لِرَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ، فَفَزِعَ وَقَالَ: رَأَيْتَ بِهِ مَسًّا؟ قَالَ: لَا، فَأَدْخَلَهُ، وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَخَرَجَ فَنَادَى فِي النَّاسِ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: نَشَدْتُكُمُ اللَّهَ الَّذِي هَدَاكُمْ هَلْ رَأَيْتُمْ مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُونَ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا، وَلِمَ ذَاكَ؟ فَأَخْبَرَهُمْ فَفَطِنُوا وَلَمْ يَفْطَنْ عُمَرُ، فَقَالُوا: إِنَّمَا اسْتَبْطَأَكَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ فَاسْتَسْقِ بِنَا. فَنَادَى فِي النَّاسِ، وَخَرَجَ مَعَهُ الْعَبَّاسُ مَاشِيًا، فَخَطَبَ وَأَوْجَزَ وَصَلَّى ثُمَّ جَثَا لِرُكْبَتَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَجَزَتْ عَنَّا أَنْصَارُنَا وَعَجَزَ عَنَّا حَوْلُنَا وَقُوَّتُنَا وَعَجَزَتْ عَنَّا أَنْفُسُنَا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ، اللَّهُمَّ فَاسْقِنَا وَأَحْيِ الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ! وَأَخَذَ بِيَدِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّ دُمُوعَ الْعَبَّاسِ لَتَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ،
فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَقِيَّةِ آبَائِهِ وَكُبْرِ رِجَالِهِ، فَإِنَّكَ تَقُولُ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} [الكهف: 82] فَحَفِظْتَهُمَا بِصَلَاحِ آبَائِهِمَا، فَاحْفَظِ اللَّهُمَّ نَبِيَّكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَمِّهِ، فَقَدْ دَلَوْنَا بِهِ إِلَيْكَ مُسْتَشْفِعِينَ مُسْتَغْفِرِينَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] . وَكَانَ الْعَبَّاسُ قَدْ طَالَ عُمُرُهُ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ وَلِحْيَتُهُ تَجُولُ عَلَى صَدْرِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الرَّاعِي فَلَا تُهْمِلِ الضَّالَّةَ، وَلَا تَدَعِ الْكَسِيرَ بِدَارِ مَضْيَعَةٍ، فَقَدْ صَرَخَ الصَّغِيرُ وَرَقَّ الْكَبِيرُ وَارْتَفَعَتِ الشَّكْوَى، وَأَنْتَ تَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، اللَّهُمَّ فَأَغْنِهِمْ بِغِنَاكَ قَبْلَ أَنْ يَقْنَطُوا فَيَهْلِكُوا، فَإِنَّهُ لَا يَيْأَسُ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ. فَنَشَأَتْ طَرِيرَةٌ مِنْ سَحَابٍ، فَقَالَ النَّاسُ: تَرَوْنَ تَرَوْنَ! ثُمَّ الْتَأَمَتْ وَمَشَتْ فِيهَا رِيحٌ ثُمَّ هَدَأَتْ وَدَرَّتْ، فَوَاللَّهِ مَا تَرَوَّحُوا حَتَّى اعْتَنَقُوا الْجِدَارَ وَقَلَّصُوا الْمَآزِرَ، فَطَفِقَ النَّاسُ بِالْعَبَّاسِ يَمْسَحُونَ أَرْكَانَهُ وَيَقُولُونَ: هَنِيئًا لَكَ سَاقِيَ الْحَرَمَيْنِ! فَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ: بِعَمِّي سَقَى اللَّهُ الْحِجَازَ وَأَهْلَهُ ... عَشِيَّةَ يَسْتَسْقِي بِشَيْبَتِهِ عُمَرْ تَوَجَّهَ بِالْعَبَّاسِ فِي الْجَدْبِ رَاغِبًا ... إِلَيْهِ فَمَا إِنْ رَامَ حَتَّى أَتَى الْمَطَرْ وَمِنَّا رَسُولُ اللَّهِ فِينَا تُرَاثُهُ ... فَهَلْ فَوْقَ هَذَا لِلْمُفَاخِرِ مُفْتَخَرْ ذكر طَاعُونِ عَمَوَاسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ طَاعُونُ عَمَوَاسَ بِالشَّامِ، فَمَاتَ فِيهِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَهُوَ أَمِيرُ النَّاسِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَعُتْبَةُ بْنُ سُهَيْلٍ، وَعَامِرُ بْنُ غَيْلَانَ الثَّقَفِيُّ، مَاتَ وَأَبُوهُ حَيٌّ، وَتَفَانَى النَّاسُ مِنْهُ. قَالَ طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ: أَتَيْنَا أَبَا مُوسَى فِي دَارِهِ بِالْكُوفَةِ نَتَحَدَّثُ عِنْدَهُ فَقَالَ: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَخِفُّوا فَقَدْ أُصِيبَ فِي الدَّارِ إِنْسَانٌ، وَلَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَزَّهُوا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ فَتَخْرُجُوا فِي فُسَحِ بِلَادِكُمْ وَنُزَهِهَا حَتَّى يُرْفَعَ هَذَا الْوَبَاءُ، وَسَأُخْبِرُكُمْ بِمَا يُكْرَهُ وَيُتَّقَى،
مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَظُنَّ مَنْ خَرَجَ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ مَاتَ، وَيَظُنَّ مَنْ أَقَامَ فَأَصَابَهُ لَوْ خَرَجَ لَمْ يُصِبْهُ، فَإِذَا لَمْ يَظُنَّ الْمُسْلِمُ هَذَا فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ، إِنِّي كُنْتُ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ بِالشَّامِ عَامَ طَاعُونِ عَمَوَاسَ، فَلَمَّا اشْتَعَلَ الْوَجَعُ، وَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ لِيَسْتَخْرِجَهُ مِنْهُ: أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَرَضَتْ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ أُرِيدُ أَنْ أُشَافِهَكَ فِيهَا، فَعَزَمْتُ عَلَيْكَ إِذَا أَنْتَ نَظَرْتَ فِي كِتَابِي هَذَا أَلَّا تَضَعَهُ مِنْ يَدِكَ حَتَّى تُقْبِلَ. فَعَرَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَا أَرَادَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ عَرَفْتُ حَاجَتَكَ إِلَيَّ وَإِنِّي فِي جُنْدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا أَجِدُ بِنَفْسِي رَغْبَةً عَنْهُمْ، فَلَسْتُ أُرِيدُ فِرَاقَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيَّ وَفِيهِمْ أَمْرَهُ وَقَضَاءَهُ، فَحَلِّلْنِي مِنْ عَزِيمَتِكَ. فَلَمَّا قَرَأَ عُمَرُ الْكِتَابَ بَكَى، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَاتَ أَبُو عُبَيْدَةَ؟ فَقَالَ: لَا، وَكَأَنْ قَدْ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ لَيَرْفَعَنَّ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ، فَدَعَا أَبَا مُوسَى فَقَالَ لَهُ: ارْتَدْ لِلْمُسْلِمِينَ مَنْزِلًا. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي لِأَرْتَحِلَ فَوَجَدْتُ صَاحِبَتِي قَدْ أُصِيبَتْ. فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ فِي أَهْلِي حَدَثٌ. فَقَالَ: لَعَلَّ صَاحِبَتَكَ أُصِيبَتْ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَمَرَ بِبَعِيرِهِ فَرُحِّلَ لَهُ. فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي غَرْزِهِ طُعِنَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أُصِبْتُ! ثُمَّ سَارَ بِالنَّاسِ حَتَّى نَزَلَ الْجَابِيَةَ. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ قَدْ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَقْسِمَ لَهُ مِنْهُ حَظَّهُ، فَطُعِنَ فَمَاتَ. وَاسْتُخْلِفَ عَلَى النَّاسِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَقَامَ خَطِيبًا بَعْدَهُ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ مُعَاذًا يَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَقْسِمَ لِآلِ مُعَاذٍ حَظَّهُمْ. فَطُعِنَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَمَاتَ، ثُمَّ قَامَ فَدَعَا بِهِ لِنَفْسِهِ فَطُعِنَ فِي رَاحَتِهِ، فَلَقَدْ كَانَ يُقَبِّلُهَا ثُمَّ يَقُولُ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِمَا فِيكِ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا. فَلَمَّا مَاتَ اسْتُخْلِفَ عَلَى النَّاسِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَخَرَجَ بِالنَّاسِ إِلَى الْجِبَالِ، وَرَفَعَهُ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَكْرَهْ عُمَرُ ذَلِكَ مِنْ عَمْرٍو. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَدِمَ الشَّامَ، فَلَمَّا كَانَ بِسَرْغٍ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ، فِيهِمْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَأَخْبَرُوهُ بِالْوَبَاءِ وَشِدَّتِهِ، وَكَانَ مَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، خَرَجَ غَازِيًا، فَجَمَعَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَالْأَنْصَارَ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، فَمِنْهُمُ الْقَائِلُ:
خَرَجْتَ لِوَجْهِ اللَّهِ فَلَا يَصُدَّكَ عَنْهُ هَذَا، وَمِنْهُمُ الْقَائِلُ: إِنَّهُ بَلَاءٌ وَفَنَاءٌ فَلَا نَرَى أَنْ تَقْدَمَ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُمْ: قُومُوا، ثُمَّ أَحْضَرَ مُهَاجِرَةَ الْفَتْحِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ وَأَشَارُوا بِالْعَوْدِ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطْتَ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ، إِحْدَاهُمَا مُخْصِبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصِبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟ فَسَمِعَ بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهَذَا الْوَبَاءِ بِبَلَدٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِبَلَدٍ وَأَنْتُمْ بِهِ فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» ". فَانْصَرَفَ عُمَرُ بِالنَّاسِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ، فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا أَخْرَجَاهَا فِي صَحِيحَيْهِمَا، (وَلِأَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ بِالْبَصْرَةِ وَلَمْ يَكُنْ بِالشَّامِ، لَكِنْ هَكَذَا ذَكَرَهُ وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَاهُ لِنُنَبِّهَ عَلَيْهِ) . (عَمَوَاسُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ وَالْوَاوِ، وَبَعْدَ الْأَلْفِ سِينٌ مُهْمَلَةٌ. وَسَرْغٌ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ غَيْنٌ مُعْجَمَةٌ) . وَمَعْنَى قَوْلِهِ: دَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ، حِينَ «جَاءَهُ جِبْرَائِيلُ فَقَالَ: فَنَاءُ أُمَّتِكَ بِالطَّعْنِ أَوِ الطَّاعُونِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَبِالطَّاعُونِ» . وَلَمَّا هَلَكَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ اسْتَعْمَلَ عُمَرُ أَخَاهُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى دِمَشْقَ وَخَرَاجِهَا، وَاسْتَعْمَلَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ عَلَى جُنْدِ الْأُرْدُنِّ وَخَرَاجِهَا. وَأَصَابَ النَّاسَ مِنْ
الْمَوْتِ مَا لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ، وَطَمِعَ لَهُ الْعَدُوُّ فِي الْمُسْلِمِينَ لِطُولِ مُكْثِهِ، مَكَثَ شُهُورًا، وَأَصَابَ النَّاسَ بِالْبَصْرَةِ مِثْلُهُ، وَكَانَ عِدَّةُ مَنْ مَاتَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا. ذكر قُدُومِ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ الطَّاعُونِ لَمَّا هَلَكَ النَّاسُ فِي الطَّاعُونِ كَتَبَ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ إِلَى عُمَرَ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْمَوَارِيثِ، فَجَمَعَ النَّاسَ وَاسْتَشَارَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ أَطُوفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي بُلْدَانِهِمْ لِأَنْظُرَ فِي آثَارِهِمْ، فَأَشِيرُوا عَلَيَّ، وَفِي الْقَوْمِ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، وَفِي تِلْكَ السَّنَةِ أَسْلَمَ، فَقَالَ كَعْبٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِأَيِّهَا تُرِيدُ أَنْ تَبْدَأَ؟ قَالَ: بِالْعِرَاقِ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ فَإِنَّ الشَّرَّ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةٌ مِنْهَا بِالْمَشْرِقِ وَجُزْءٌ بِالْمَغْرِبِ، وَالْخَيْرَ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ بِالْمَغْرِبِ وَجُزْءٌ بِالْمَشْرِقِ، وَبِهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ وَكُلُّ دَاءٍ عُضَالٍ. فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْكُوفَةَ لَلْهِجْرَةُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَإِنَّهَا لَقُبَّةُ الْإِسْلَامِ، لَيَأْتِيَنَّهَا يَوْمٌ لَا يَبْقَى مُسْلِمٌ إِلَّا وَحَنَّ إِلَيْهَا، لَيُنْتَصَرَنَّ بِأَهْلِهَا كَمَا انْتُصِرَ بِالْحِجَارَةِ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ مَوَارِيثَ أَهْلِ عَمَوَاسَ قَدْ ضَاعَتْ، أَبْدَأُ بِالشَّامِ فَأُقَسِّمُ الْمَوَارِيثَ وَأُقِيمُ لَهُمْ مَا فِي نَفْسِي، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَتَقَلَّبُ فِي الْبِلَادِ وَأُبْدِي إِلَيْهِمْ أَمْرِي. فَسَارَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَاتَّخَذَ أَيْلَةَ طَرِيقًا، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا رَكِبَ بَعِيرَهُ وَعَلَى رَحْلِهِ فَرْوٌ مَقْلُوبٌ، وَأَعْطَى غُلَامَهُ مَرْكَبَهُ، فَلَمَّا تَلَقَّاهُ النَّاسُ قَالُوا: أَيْنَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: أَمَامَكُمْ، يَعْنِي نَفْسَهُ، فَسَارُوا أَمَامَهُمْ، وَانْتَهَى هُوَ إِلَى أَيْلَةَ فَنَزَلَهَا، وَقِيلَ لِلْمُتَلَقِّينَ: قَدْ دَخَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهَا وَنَزَلَهَا، فَرَجَعُوا [إِلَيْهِ] . وَأَعْطَى عُمَرُ الْأُسْقُفَّ بِهَا قَمِيصَهُ، وَقَدْ تَخَرَّقَ ظَهْرُهُ، لِيَغْسِلَهُ وَيُرَقِّعَهُ، فَفَعَلَ، وَأَخَذَهُ وَلَبِسَهُ، وَخَاطَ لَهُ الْأُسْقُفُّ قَمِيصًا غَيْرَهُ فَلَمْ يَأْخُذْهُ. فَلَمَّا قَدِمَ الشَّامَ قَسَّمَ الْأَرْزَاقَ، وَسَمَّى الشَّوَاتِيَ
وَالصَّوَائِفَ، وَسَدَّ فُرُوجَ الشَّامِ وَمَسَالِحَهَا، وَأَخَذَ يُدَوِّرُهَا، وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ عَلَى السَّوَاحِلِ مِنْ كُلِّ كُورَةٍ، وَاسْتَعْمَلَ مُعَاوِيَةَ، وَعَزَلَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ وَقَامَ بِعُذْرِهِ فِي النَّاسِ وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ عَنْ سُخْطَةٍ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ رَجُلًا أَقْوَى مِنْ رَجُلٍ. وَاسْتَعْمَلَ عَمْرَو بْنَ عُتْبَةَ عَلَى الْأَهْرَاءِ. وَقَسَّمَ مَوَارِيثَ أَهْلِ عَمَوَاسَ، فَوَرَّثَ بَعْضَ الْوَرَثَةِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَخْرَجَهَا إِلَى الْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَةِ كُلٍّ مِنْهُمْ. وَخَرَجَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْهُمْ إِلَّا أَرْبَعَةٌ. وَرَجَعَ عُمَرُ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ. وَلَمَّا كَانَ بِالشَّامِ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ قَالَ لَهُ النَّاسُ: لَوْ أَمَرْتَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، فَأَمَرَهُ فَأَذَّنَ، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِلَالٌ يُؤَذِّنُ إِلَّا وَبَكَى حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، وَعُمَرُ أَشَدُّهُمْ بُكَاءً، وَبَكَى مَنْ لَمْ يُدْرِكْهُ بِبُكَائِهِمْ وَلِذِكْرِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْوَاقِدِيُّ: إِنَّ الرُّهَاءَ وَحَرَّانَ وَالرَّقَّةَ فُتِحَتْ هَذِهِ السَّنَةَ عَلَى يَدِ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ، وَإِنَّ عَيْنَ الْوَرْدَةِ، وَهِيَ رَأْسُ عَيْنٍ، فُتِحَتْ فِيهَا عَلَى يَدِ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ فَتْحِهَا. فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ حَوَّلَ عُمَرُ الْمَقَامَ إِلَى مَوْضِعِهِ الْيَوْمَ، وَكَانَ مُلْصَقًا بِالْبَيْتِ.
وَفِيهَا اسْتَقْضَى عُمَرُ شُرَيْحَ بْنَ الْحَارِثِ الْكِنْدِيَّ عَلَى الْكُوفَةِ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ كَعْبَ بْنَ سُورٍ الْأَزْدِيَّ. وَكَانَتِ الْوُلَاةُ عَلَى الْأَمْصَارِ الْوُلَاةَ [الَّذِينَ كَانُوا عَلَيْهَا] فِي السَّنَةِ قَبْلَهَا. وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
ثم دخلت سنة تسع عشرة
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ] 19 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ فَتْحَ جَلُولَاءَ وَالْمَدَائِنِ كَانَ [فِي] هَذِهِ السَّنَةِ [عَلَى يَدِ سَعْدٍ] ، وَكَذَلِكَ فَتْحُ الْجَزِيرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ فَتْحِ الْجَمِيعِ وَالْخِلَافِ فِيهِ. وَقِيلَ: فِيهَا كَانَ فَتْحُ قَيْسَارِيَّةَ عَلَى يَدِ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ عِشْرِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا ذَلِكَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَالَتْ حَرَّةُ لَيْلَى، وَهِيَ قَرِيبُ الْمَدِينَةِ، نَارًا، فَأَمَرَ عُمَرُ بِالصَّدَقَةِ، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ فَانْطَفَأَتْ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عُمَرُ. وَكَانَ عُمَّالُهُ فِيهَا مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا قُتِلُ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ آخِرَ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. وَفِيهَا مَاتَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ: وَقِيلَ: اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثم دخلت سنة عشرين
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ] 20 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ ذكر فَتْحِ مِصْرَ قِيلَ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتْ مِصْرُ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، عَلَى يَدِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةُ أَيْضًا. وَقِيلَ: فُتِحَتِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةُ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: فُتِحَتْ مِصْرُ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فَتْحُهَا قَبْلَ عَامِ الرَّمَادَةِ، لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ حَمَلَ الطَّعَامَ فِي بَحْرِ الْقُلْزُمِ مِنْ مِصْرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَأَمَّا فَتْحُهَا فَإِنَّهُ لَمَّا فَتَحَ عُمَرُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَأَقَامَ بِهِ أَيَّامًا، وَأَمْضَى عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى مِصْرَ، وَاتَّبَعَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، فَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ بَابَ الْيُونَ، وَسَارُوا إِلَى مِصْرَ، فَلَقِيَهُمْ هُنَاكَ أَبُو مَرْيَمَ، جَاثَلِيقُ مِصْرَ، وَمَعَهُ الْأُسْقُفُّ بَعَثَهُ الْمُقَوْقِسُ لِمَنْعِ بِلَادِهِمْ، فَلَمَّا نَزَلَ بِهِمْ عَمْرٌو قَاتَلُوهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: لَا تَعَجَّلُونَا حَتَّى نُعْذِرَ إِلَيْكُمْ، وَلْيَبْرُزْ إِلَيَّ أَبُو مَرْيَمَ وَأَبُو مَرْيَامَ، فَكَفُّوا، وَخَرَجَا إِلَيْهِ، فَدَعَاهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ، وَأَخْبَرَهُمَا بِوَصِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَهْلِ مِصْرَ بِسَبَبِ هَاجَرَ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالُوا: قَرَابَةٌ بَعِيدَةٌ لَا يَصِلُ مِثْلَهَا إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ، آمِنَّا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكَ. فَقَالَ عَمْرٌو: مِثْلِي لَا يُخْدَعُ، وَلَكِنِّي أُؤَجِّلُكُمَا ثَلَاثًا لِتَنْظُرَا. فَقَالَا: زِدْنَا، فَزَادَهُمَا يَوْمًا، فَرَجَعَا إِلَى الْمُقَوْقِسِ. فَأَبَى أَرْطَبُونُ أَنْ يُجِيبَهُمَا وَأَمَرَ بِمُنَاهَدَتِهِمْ. فَقَالَ لِأَهْلِ مِصْرَ: أَمَّا نَحْنُ فَسَنَجْهَدُ أَنْ نَدْفَعَ عَنْكُمْ. فَلَمْ يَفْجَأْ عَمْرًا إِلَّا الْبَيَاتُ وَهُوَ عَلَى عُدَّةٍ، فَلَقُوهُ فَقُتِلَ أَرْطَبُونُ وَكَثِيرٌ مِمَّنْ مَعَهُ وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ، وَسَارَ عَمْرٌو وَالزُّبَيْرُ إِلَى عَيْنِ الشَّمْسِ وَبِهَا جَمْعُهُمْ، وَبَعَثَ إِلَى فَرَمَا أَبْرَهَةَ بْنَ
الصَّبَّاحِ، وَبَعَثَ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَنَزَلَ عَلَيْهَا. قِيلَ: وَكَانَ الْإِسْكَنْدَرُ وَفَرَمَا أَخَوَيْنِ، وَنَزَلَ عَمْرٌو بِعَيْنِ الشَّمْسِ، فَقَالَ أَهْلُ مِصْرَ لِمَلِكِهِمْ: مَا تُرِيدُ إِلَى قِتَالِ قَوْمٍ هَزَمُوا كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَغَلَبُوهُمْ عَلَى بِلَادِهِمْ! فَلَا تَعْرِضْ لَهُمْ وَلَا تُعَرِّضْنَا [لَهُمْ]- وَذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ -[فَأَبَى] وَنَاهَدُوهُمْ وَقَاتَلُوهُمْ. فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْمُقَوْقِسُ بِعَيْنِ الشَّمْسِ وَاقْتَتَلُوا جَالَ الْمُسْلِمُونَ، فَذَمَّرَهُمْ عَمْرٌو، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَمَنِ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ مِنْ حَدِيدٍ. فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: اسْكُتْ، إِنَّمَا أَنْتَ كَلْبٌ. قَالَ: فَأَنْتَ أَمِيرُ الْكِلَابِ. فَنَادَى عَمْرٌو بِأَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَابُوهُ، فَقَالَ: تَقَدَّمُوا فَبِكُمْ يَنْصُرُ اللَّهُ، فَتَقَدَّمُوا وَفِيهِمْ أَبُو بُرْدَةَ وَأَبُو بَرْزَةَ وَتَبِعَهُمُ النَّاسُ، وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَظَفِرُوا وَهَزَمُوا الْمُشْرِكِينَ، فَارْتَقَى الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ سُورَهَا، فَلَمَّا أَحَسُّوهُ فَتَحُوا الْبَابَ لِعَمْرٍو، وَخَرَجُوا إِلَيْهِ مُصَالِحِينَ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ. وَنَزَلَ الزُّبَيْرُ عَلَيْهِمْ عَنْوَةً، حَتَّى خَرَجَ عَلَى عَمْرٍو مِنَ الْبَابِ مَعَهُمْ، فَاعْتَقَدُوا صُلْحًا بَعْدَمَا أَشْرَفُوا عَلَى الْهَلَكَةِ، فَأَجْرَوْا مَا أَخَذُوا عَنْوَةً مَجْرَى الصُّلْحِ، فَصَارُوا ذِمَّةً، وَأَجْرَوْا مَنْ دَخَلَ فِي صُلْحِهِمْ مِنَ الرُّومِ وَالنُّوبَةِ مَجْرَى أَهْلِ مِصْرَ، وَمَنِ اخْتَارَ الذَّهَابَ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ. وَاجْتَمَعَتْ خُيُولُ الْمُسْلِمِينَ بِمِصْرَ، وَبَنَوُا الْفُسْطَاطَ وَنَزَلُوهُ، وَجَاءَ أَبُو مَرْيَمَ وَأَبُو مَرْيَامَ إِلَى عَمْرٍو، وَطَلَبَا مِنْهُ السَّبَايَا الَّتِي أُصِيبَتْ بَعْدَ الْمَعْرَكَةِ، فَطَرَدَهُمَا، فَقَالَا: كُلُّ شَيْءٍ أَصَبْتُمُوهُ مُنْذُ فَارَقْنَاكُمْ إِلَى أَنْ رَجَعْنَا إِلَيْكُمْ فَفِي ذِمَّةٍ. فَقَالَ عَمْرٌو لَهُمَا: أَتُغِيرُونَ عَلَيْنَا وَتَكُونُونَ فِي ذِمَّةٍ؟ قَالَا: نَعَمْ. فَقَسَّمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ السَّبْيَ عَلَى النَّاسِ، وَتَفَرَّقَ فِي بُلْدَانِ الْعَرَبِ. وَبَعَثَ بِالْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمَعَهَا وَفْدٌ، فَأَخْبَرُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِحَالِهِمْ كُلِّهِ وَبِمَا قَالَ أَبُو مَرْيَمَ، فَرَدَّ عُمَرُ عَلَيْهِمْ سَبْيَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الْأَرْبَعَةِ، وَتَرَكَ سَبْيَ مَنْ قَاتَلَهُمْ فَرَدُّوهُمْ. وَحَضَرَتِ الْقِبْطُ بَابَ عَمْرٍو، وَبَلَغَ عَمْرًا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَا أَرَثَّ الْعَرَبَ! مَا رَأَيْنَا مِثْلَنَا دَانَ لَهُمْ. فَخَافَ أَنْ يُطْمِعَهُمْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِجُزُرٍ فَطُبِخَتْ وَدَعَا أُمَرَاءَ الْأَجْنَادِ فَأَعْلَمُوا أَصْحَابَهُمْ، فَحَضَرُوا عِنْدَهُ وَأَكَلُوا أَكْلًا عَرَبِيًّا، انْتَشَلُوا وَحَسَوْا وَهُمْ فِي الْعَبَاءِ بِغَيْرِ
سِلَاحٍ، فَازْدَادَ طَمَعُهُمْ، وَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ [أَنْ] يَحْضُرُوا الْغَدَ فِي ثِيَابِ [أَهْلِ] مِصْرَ وَأَحْذِيَتِهِمْ، فَفَعَلُوا، وَأَذِنَ لِأَهْلِ مِصْرَ، فَرَأَوْا شَيْئًا غَيْرَ مَا رَأَوْا بِالْأَمْسِ، وَقَامَ عَلَيْهِمُ الْقُوَّامُ بِأَلْوَانِ مِصْرَ، فَأَكَلُوا أَكْلَ أَهْلِ مِصْرَ، فَارْتَابَ الْقِبْطُ، وَبَعَثَ أَيْضًا إِلَى الْمُسْلِمِينَ: تَسَلَّحُوا لِلْعَرْضِ غَدًا، وَغَدَا عَلَى الْعَرْضِ، وَأَذِنَ لَهُمْ فَعَرَضَهُمْ عَلَيْهِمْ وَقَالَ لَهُمْ: عَلِمْتُ حَالَكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُ اقْتِصَادَ الْعَرَبِ، فَخَشِيتُ أَنْ تَهْلِكُوا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ حَالَهُمْ فِي أَرْضِهِمْ كَيْفَ كَانَتْ، ثُمَّ حَالَهُمْ فِي أَرْضِكُمْ، ثُمَّ حَالَهُمْ فِي الْحَرْبِ، فَقَدْ رَأَيْتُمْ ظَفَرَهُمْ بِكُمْ وَذَلِكَ عَيْشُهُمْ، وَقَدْ كَلِبُوا عَلَى بِلَادِكُمْ بِمَا نَالُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَأَرَدْتُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ مَا رَأَيْتُمْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ غَيْرُ تَارِكٍ عَيْشَ الْيَوْمِ الثَّانِي، وَرَاجِعٌ إِلَى عَيْشِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ. فَتَفَرَّقُوا وَهُمْ يَقُولُونَ: لَقَدْ رَمَتْكُمُ الْعَرَبُ بِرَجُلِهِمْ. وَبَلَغَ عُمَرَ ذَلِكَ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ حَرْبَهُ لَلَيِّنَةٌ مَا لَهَا سَطْوَةٌ وَلَا سَوْرَةٌ كَسَوْرَاتِ الْحُرُوبِ مِنْ غَيْرِهِ. ثُمَّ إِنَّ عَمْرًا سَارَ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَكَانَ مَنْ بَيْنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَالْفُسْطَاطِ مِنَ الرُّومِ وَالْقِبْطِ قَدْ تَجَمَّعُوا لَهُ وَقَالُوا: نَغْزُوهُ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوَنَا وَيَرُومَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ. فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَسَارَ حَتَّى بَلَغَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، فَوَجَدَ أَهْلَهَا مُعِدِّينَ لِقِتَالِهِ. فَأَرْسَلَ الْمُقَوْقِسُ إِلَى عَمْرٍو يَسْأَلُهُ الْهُدْنَةَ إِلَى مُدَّةٍ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ وَقَالَ: لَقَدْ لَقِينَا مَلِكَكُمُ الْأَكْبَرَ هِرَقْلَ فَكَانَ مِنْهُ مَا بَلَغَكُمْ. فَقَالَ الْمُقَوْقِسُ لِأَصْحَابِهِ: صَدَقَ فَنَحْنُ أَوْلَى بِالْإِذْعَانِ. فَأَغْلَظُوا لَهُ فِي الْقَوْلِ وَامْتَنَعُوا، فَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَحَصَرُوهُمْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَفَتَحَهَا عَمْرٌو عَنْوَةً وَغَنِمَ مَا فِيهَا وَجَعَلَهُمْ ذِمَّةً. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُقَوْقِسَ صَالَحَ عَمْرًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ وَيُقِيمَ مَنْ أَرَادَ الْقِيَامَ، وَجَعَلَ فِيهَا عَمْرٌو جُنْدًا. وَلَمَّا فُتِحَتْ مِصْرُ غَزَوُا النُّوبَةَ، فَرَجَعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْجِرَاحَاتِ وَذَهَابِ الْحَدَقِ لِجَوْدَةِ
رَمْيِهِمْ، فَسَمَّوْهُمْ رُمَاةَ الْحَدَقِ. فَلَمَّا وَلِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ مِصْرَ أَيَّامَ عُثْمَانَ صَالَحَهُمْ عَلَى هَدِيَّةٍ عِدَّةِ رُءُوسٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَيُهْدِي إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ كُلَّ سَنَةٍ طَعَامًا مُسَمًّى وَكُسْوَةً، وَأَمْضَى ذَلِكَ الصُّلْحَ عُثْمَانُ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا انْتَهَوْا إِلَى بَلْهِيبَ وَقَدْ بَلَغَتْ سَبَايَاهُمْ إِلَى الْيَمَنِ، أَرْسَلَ صَاحِبُهُمْ إِلَى عَمْرٍو: إِنَّنِي كُنْتُ أُخْرِجُ الْجِزْيَةَ إِلَى مَنْ هُوَ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْكُمْ: فَارِسَ وَالرُّومَ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَنْ تَرُدَّ مَا سَبَيْتُمْ مِنْ أَرْضِي فَعَلْتُ. فَكَتَبَ عَمْرٌو إِلَى عُمَرَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي ذَلِكَ، وَرَفَعُوا الْحَرْبَ إِلَى أَنْ يَرِدَ كِتَابُ عُمَرَ. فَوَرَدَ الْجَوَابُ مِنْ عُمَرَ: لَعَمْرِي جِزْيَةٌ قَائِمَةٌ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ غَنِيمَةٍ تُقَسَّمُ، ثُمَّ كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ، وَأَمَّا السَّبْيُ فَإِنْ أَعْطَاكَ مَلِكُهُمُ الْجِزْيَةَ عَلَى أَنْ تُخَيِّرُوا مَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْهُمْ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَدِينِ قَوْمِهِ، فَمَنِ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ فَهُوَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنِ اخْتَارَ دِينَ قَوْمِهِ فَضَعْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، وَأَمَّا مَنْ تَفَرَّقَ فِي الْبُلْدَانِ فَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِمْ. فَعَرَضَ عَمْرٌو ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَأَجَابَ إِلَيْهِ، فَجَمَعُوا السَّبْيَ، وَاجْتَمَعَتِ النَّصَارَى وَخَيَّرُوهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، فَمَنِ اخْتَارَ الْمُسْلِمِينَ كَبَّرُوا، وَمَنِ اخْتَارَ النَّصَارَى نَخَرُوا وَصَارَ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ، حَتَّى فَرَغُوا. وَكَانَ مِنَ السَّبْيِ أَبُو مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَاخْتَارَ الْإِسْلَامَ وَصَارَ عَرِّيفَ زَبِيدٍ. وَكَانَ مُلُوكُ بَنِي أُمَيَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مِصْرَ دُخِلَتْ عَنْوَةً وَأَهْلَهَا عَبِيدُنَا نَزِيدُ عَلَيْهِمْ كَيْفَ شِئْنَا. وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ. ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَعْنِي سَنَةَ عِشْرِينَ، غَزَا أَبُو بَحْرِيَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ أَرْضَ الرُّومِ،
وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دَخَلَهَا فِيمَا قِيلَ، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ دَخَلَهَا مَيْسَرَةُ بْنُ مَسْرُوقٍ الْعَبْسِيُّ وَغَنِمَ. وَقِيلَ: فِيهَا عَزَلَ عُمَرُ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ وَحَدَّهُ فِي الْخَمْرِ، وَاسْتَعْمَلَ أَبَا بَكْرَةَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَامَةِ. وَفِيهَا تَزَوَّجَ عُمَرُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْوَلِيدِ أُمَّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ. وَفِيهَا عَزَلَ عُمَرُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الْكُوفَةِ لِشِكَايَتِهِمْ إِيَّاهُ وَقَالُوا: لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي. وَفِيهَا قَسَّمَ عُمَرُ خَيْبَرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَجْلَى الْيَهُودَ عَنْهَا وَقَسَّمَ وَادِيَ الْقُرَى. وَفِيهَا أَجْلَى يَهُودَ نَجْرَانَ إِلَى الْكُوفَةِ. وَفِيهَا بَعَثَ عُمَرُ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيَّ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَكَانَتْ تَطَرَّقَتْ بِلَادَ الْإِسْلَامِ فَأُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ، فَجَعَلَ عُمَرُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَحْمِلَ فِي الْبَحْرِ أَحَدًا أَبَدًا - يَعْنِي لِلْغَزْوِ -، وَقِيلَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ. (مُجَزِّزٌ: بِجِيمٍ وَزَايَيْنِ الْأُولَى مَكْسُورَةٌ مُشَدَّدَةٌ) . [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ - أُسَيْدٌ تَصْغِيرُ أَسَدٍ -، وَحُضَيْرٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ
الْمَضْمُومَةِ، وَالضَّادِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالرَّاءِ. وَفِيهَا مَاتَ هِرَقْلُ وَمَلَكَ ابْنُهُ قُسْطَنْطِينُ. وَفِيهَا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَابْنُ أَخِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ. وَكَانَ عُمَّالُهُ عَلَى الْأَمْصَارِ مَنْ كَانَ قَبْلَ هَذِهِ السَّنَةِ إِلَّا مَنْ ذَكَرْتُ أَنَّهُ عَزَلَهُ. وَكَانَ قُضَاتُهُ فِيهَا الْقُضَاةَ فِي السَّنَةِ قَبْلَهَا. وَفِيهَا مَاتَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ، وَهُوَ الَّذِي فَتَحَ الْجَزِيرَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَازَ الدَّرْبَ إِلَى الرُّومِ. وَفِيهَا مَاتَ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدِمَشْقَ، وَقِيلَ بِحَلَبَ.
وَفِيهَا مَاتَ أُنَيْسُ بْنُ مَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ، وَلَهُ وَلِأَبِيهِ وَلِجَدِّهِ صُحْبَةٌ، وَقُتِلَ أَبُوهُ فِي غَزْوَةِ الرَّجِيعِ. وَفِيهَا مَاتَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حِذْيَمٍ الْجُمَحِيُّ، شَهِدَ فَتَحَ خَيْبَرَ، وَكَانَ فَاضِلًا، وَكَانَ عَلَى حِمْصَ حَتَّى مَاتَ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَعُمْرُهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَفِيهَا مَاتَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَفِيهَا قُتِلَ الْمُظَهِّرُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَدِمَ مِنَ الشَّامِ وَمَعَهُ مِنْ عُلُوجِ الشَّامِ، فَلَمَّا كَانَ بِخَيْبَرَ أَمَرَهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَتَلُوهُمْ، فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ. (الْمُظَهِّرُ: بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَشْدِيدِ الْهَاءِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ.)
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ] [ذِكْرُ وَقْعَةِ نَهَاوَنْدَ] 21 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ذِكْرُ وَقْعَةِ نَهَاوَنْدَ قِيلَ: فِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ نَهَاوَنْدَ، وَقِيلَ: كَانَتْ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ، وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ. وَكَانَ الَّذِي هَيَّجَ أَمْرَ نَهَاوَنْدَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا خَلَّصُوا جُنْدَ الْعَلَاءِ مِنْ بِلَادِ فَارِسَ وَفَتَحُوا الْأَهْوَازَ كَاتَبَتِ الْفُرْسُ مَلِكَهُمْ وَهُوَ بِمُرْوٍ فَحَرَّكُوهُ، وَكَاتَبَ الْمُلُوكَ بَيْنَ الْبَابِ وَالسِّنْدِ وَخُرَاسَانَ وَحُلْوَانَ، فَتَحَرَّكُوا وَتَكَاتَبُوا وَاجْتَمَعُوا إِلَى نَهَاوَنْدَ، وَلَمَّا وَصَلَهَا أَوَائِلُهُمْ بَلَغَ سَعْدًا الْخَبَرُ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ، وَثَارَ بِسَعْدٍ قَوْمٌ سَعَوْا بِهِ وَأَلَّبُوا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَشْغَلْهُمْ مَا نَزَلَ بِالنَّاسِ ; وَكَانَ مِمَّنْ تَحَرَّكَ فِي أَمْرِهِ الْجَرَّاحُ بْنُ سِنَانٍ الْأَسَدِيُّ فِي نَفَرٍ. فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُنِي مَا نَزَلَ بِكُمْ مِنَ النَّظَرِ فِيمَا لَدَيْكُمْ. فَبَعَثَ عُمَرُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ وَالنَّاسُ فِي الِاسْتِعْدَادِ لِلْفُرْسِ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ صَاحِبَ الْعُمَّالِ يَقْتَصُّ آثَارَ مَنْ شَكَا زَمَانَ عُمَرَ، فَطَافَ بِسَعْدٍ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ يَسْأَلُ عَنْهُ، فَمَا سَأَلَ عَنْهُ جَمَاعَةً إِلَّا أَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا سِوَى مَنْ مَالَأَ الْجَرَّاحَ الْأَسَدِيَّ، فَإِنَّهُمْ سَكَتُوا وَلَمْ يَقُولُوا سُوءًا وَلَا يَسُوغُ لَهُمْ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَنِي
عَبْسٍ فَسَأَلَهُمْ، فَقَالَ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ، وَلَا يَغْزُو فِي السَّرِيَّةِ. فَقَالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ قَالَهَا رِيَاءً وَكَذِبًا وَسُمْعَةً فَأَعْمِ بَصَرَهُ، وَأَكْثِرْ عِيَالَهُ، وَعَرِّضْهُ لِمُضِلَّاتِ الْفِتَنِ. فَعَمِيَ، وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ عَشْرُ بَنَاتٍ، وَكَانَ يَسْمَعُ بِالْمَرْأَةِ فَيَأْتِيهَا حَتَّى يَجُسَّهَا، فَإِذَا عُثِرَ عَلَيْهِ قَالَ: دَعْوَةُ سَعْدٍ الرَّجُلِ الْمُبَارَكِ. ثُمَّ دَعَا سَعْدٌ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانُوا خَرَجُوا أَشَرًا وَبَطَرًا وَرِيَاءً فَاجْهَدْ بِلَادَهُمْ. فَجُهِدُوا، وَقُطِّعَ الْجَرَّاحُ بِالسُّيُوفِ يَوْمَ بَادَرَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِيَغْتَالَهُ بِسَابَاطَ، وَشُدِخَ قَبِيصَةُ بِالْحِجَارَةِ، وَقُتِلَ أَرْبَدُ بِالْوَجْءِ وَنِعَالِ السُّيُوفِ. وَقَالَ سَعْدٌ: إِنِّي أَوَّلُ رَجُلٍ أَهْرَاقَ دَمًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَوَيْهِ وَمَا جَمَعَهُمَا لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي خُمُسَ الْإِسْلَامِ، وَبَنُو أَسَدٍ تَزْعُمُ أَنِّي لَا أُحْسِنُ أُصَلِّي وَأَنَّ الصَّيْدَ يُلْهِينِي. وَخَرَجَ مُحَمَّدٌ بِسَعْدٍ وَبِهِمْ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَدِمُوا عَلَى عُمَرَ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: كَيْفَ تُصَلِّي يَا سَعْدُ؟ قَالَ أُطِيلُ الْأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ الْأُخْرَيَيْنِ. فَقَالَ: هَكَذَا الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ وَلَوْلَا الِاحْتِيَاطُ لَكَانَ سَبِيلُهُمْ بَيِّنًا. وَقَالَ: مَنْ خَلِيفَتُكَ يَا سَعْدُ عَلَى الْكُوفَةِ؟
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ. فَأَقَرَّهُ. فَكَانَ سَبَبُ نَهَاوَنْدَ وَبَعْثُهَا زَمَنَ سَعْدٍ. وَأَمَّا الْوَقْعَةُ فَهِيَ زَمَنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَنَفَرَتِ الْأَعَاجِمُ بِكِتَابِ يَزْدَجِرْدَ، فَاجْتَمَعُوا بِنَهَاوَنْدَ عَلَى الْفَيْرُزَانِ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا وَمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَكَانَ سَعْدٌ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بِالْخَبَرِ ثُمَّ شَافَهَهُ بِهِ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ يَسْتَأْذِنُونَكَ فِي الِانْسِيَاحِ وَأَنْ يَبْدَءُوهُمْ بِالشِّدَّةِ لِيَكُونَ أَهْيَبَ لَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ. فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ وَاسْتَشَارَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ، وَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَسِيرَ فِيمَنْ قِبَلِي وَمَنْ قَدَرْتُ عَلَيْهِ فَأَنْزِلَ مَنْزِلًا وَسَطًا بَيْنَ هَذَيْنِ الْمِصْرَيْنِ ثُمَّ أَسْتَنْفِرَهُمْ وَأَكُونَ لَهُمْ رِدْءًا حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَيَقْضِيَ مَا أَحَبَّ، فَإِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَبَبْتُهُمْ فِي بُلْدَانِهِمْ. فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَحْكَمَتْكَ الْأُمُورُ، وَعَجَمَتْكَ الْبَلَابِلُ، وَاحْتَنَكَتْكَ التَّجَارِبُ، وَأَنْتَ وَشَأْنَكَ وَرَأْيَكَ، لَا نَنْبُو فِي يَدَيْكَ وَلَا نَكِلُّ عَلَيْكَ، إِلَيْكَ هَذَا الْأَمْرُ، فَمُرْنَا نُطِعْ، وَادْعُنَا نُجِبْ وَاحْمِلْنَا نَرْكَبْ، وَقُدْنَا نَنْقَدْ، فَإِنَّكَ وَلِيُّ هَذَا الْأَمْرِ، وَقَدْ بَلَوْتَ وَجَرَّبْتَ وَاحْتَرَبْتَ فَلَمْ يَنْكَشِفْ شَيْءٌ مِنْ عَوَاقِبِ قَضَاءِ اللَّهِ لَكَ إِلَّا عَنْ خِيَارِهِمْ. ثُمَّ جَلَسَ. فَعَادَ عُمَرُ، فَقَامَ عُثْمَانُ فَقَالَ: أَرَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ فَيَسِيرُوا مِنْ شَامِهِمْ، وَإِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ فَيَسِيرُوا مِنْ يَمَنِهِمْ، ثُمَّ تَسِيرَ أَنْتَ بِأَهْلِ الْحَرَمَيْنِ إِلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ فَتَلْقَى جَمْعَ الْمُشْرِكِينَ بِجَمْعِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّكَ إِذَا سِرْتَ قَلَّ عِنْدَكَ مَا قَدْ تَكَاثَرَ مِنْ عَدَدِ الْقَوْمِ، وَكُنْتَ أَعَزَّ عِزًّا وَأَكْثَرَ. يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ لَا تَسْتَبْقِي بَعْدَ نَفْسِكَ مِنَ الْعَرَبِ بَاقِيَةً، وَلَا تَمْتَعُ مِنَ الدُّنْيَا بِعَزِيزٍ، وَلَا تَلُوذُ مِنْهَا بِحَرِيزٍ. إِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا
بَعْدَهُ مِنَ الْأَيَّامِ، فَاشْهَدْهُ بِرَأْيِكَ وَأَعْوَانِكَ وَلَا تَغِبْ عَنْهُ. وَجَلَسَ. فَعَادَ عُمَرُ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّكَ إِنْ أَشْخَصْتَ أَهْلَ الشَّامِ مِنْ شَامِهِمْ سَارَتِ الرُّومُ إِلَى ذَرَارِيِّهِمْ، وَإِنْ أَشْخَصْتَ أَهْلَ الْيَمَنِ مِنْ يَمَنِهِمْ سَارَتِ الْحَبَشَةُ إِلَى ذَرَارِيِّهِمْ، وَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا وَأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ مِنَ الْعَوْرَاتِ وَالْعِيَالَاتِ، أَقْرِرْ هَؤُلَاءِ فِي أَمْصَارِهِمْ وَاكْتُبْ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَلْيَتَفَرَّقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ فِي حُرَمِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَفِرْقَةٌ فِي أَهْلِ عَهْدِهِمْ حَتَّى لَا يَنْتَقِضُوا، وَلْتَسِرْ فِرْقَةٌ إِلَى إِخْوَانِهِمْ بِالْكُوفَةِ مَدَدًا لَهُمْ ; إِنَّ الْأَعَاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَدًا قَالُوا: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَمِيرُ الْعَرَبِ وَأَصْلُهَا، فَكَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ عَلَيْكَ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ الْقَوْمِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ، وَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ، وَأَمَّا عَدَدُهُمْ فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثْرَةِ وَلَكِنْ بِالنَّصْرِ. فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا هُوَ الرَّأْيُ، كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أُتَابَعَ عَلَيْهِ، فَأَشِيرُوا عَلَيَّ بِرَجُلٍ أُوَلِّيهِ. وَقِيلَ: إِنَّ طَلْحَةَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرَهُمَا أَشَارُوا عَلَيْهِ بِالْمَقَامِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَلَمَّا قَالَ عُمَرُ: أَشِيرُوا عَلَيَّ بِرَجُلٍ أُوَلِّيهِ ذَلِكَ الثَّغْرَ وَلْيَكُنْ عِرَاقِيًّا، قَالُوا: أَنْتَ أَعْلَمُ بِجُنْدِكَ وَقَدْ وَفَدُوا عَلَيْكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأُوَلِّيَنَّ أَمْرَهُمْ رَجُلًا يَكُونُ أَوَّلَ الْأَسِنَّةِ إِذَا لَقِيَهَا غَدًا. فَقِيلَ: مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ. فَقَالُوا: هُوَ لَهَا. وَكَانَ النُّعْمَانُ يَوْمَئِذٍ مَعَهُ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَدِ اقْتَحَمُوا جُنْدَيْسَابُورَ وَالسُّوسَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى مَاهٍ لِتَجْتَمِعَ الْجُيُوشُ عَلَيْهِ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ سَارَ بِهِمْ إِلَى الْفَيْرُزَانَ وَمَنْ مَعَهُ. وَقِيلَ بَلْ كَانَ النُّعْمَانُ بِكَسْكَرَ. فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ يَسْأَلُهُ أَنْ يَعْزِلَهُ وَيَبْعَثَهُ إِلَى جَيْشٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ يَأْمُرُهُ بِنَهَاوَنْدَ، فَسَارَ. فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ لِيَسْتَنْفِرَ النَّاسَ مَعَ النُّعْمَانِ كَذَا وَكَذَا
وَيَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ بِمَاهٍ. فَنَدَبَ النَّاسَ، فَكَانَ أَسْرَعَهُمْ إِلَى ذَلِكَ الرَّوَادِفُ لِيُبْلُوا فِي الدِّينِ وَلْيُدْرِكُوا حَظًّا. فَخَرَجَ النَّاسُ مِنْهَا وَعَلَيْهِمْ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَمَعَهُ نُعَيْمُ بْنُ مُقَرِّنٍ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى النُّعْمَانِ، وَتَقَدَّمَ عُمَرُ إِلَى الْجُنْدِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْأَهْوَازِ لِيَشْغَلُوا فَارِسًا عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمُ الْمُقْتَرِبُ وَحَرْمَلَةُ وَزِرٌّ، فَأَقَامُوا بِتُخُومِ أَصْبَهَانَ وَفَارِسَ وَقَطَعُوا أَمْدَادَ فَارِسَ عَنْ أَهْلِ نَهَاوَنْدَ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى النُّعْمَانِ وَفِيهِمْ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَغَيْرُهُمْ، فَأَرْسَلَ النُّعْمَانُ طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ، وَعَمْرَوبْنَ مَعْدِ يكَرِبَ، وَعَمْرَوبْنَ ثُنَيٍّ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي سُلْمَى - لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِهِمْ. وَخَرَجُوا وَسَارُوا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ عَمْرُوبْنُ ثُنَيٍّ، فَقَالُوا: مَا رَجَعَكَ؟ فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ فِي أَرْضِ الْعَجَمِ، وَقَتَلَتْ أَرْضٌ جَاهِلَهَا، وَقَتَلَ أَرْضًا عَالِمُهَا. وَمَضَى طُلَيْحَةُ وَعَمْرُوبْنُ مَعْدِ يكَرِبَ. فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ رَجَعَ عَمْرٌو، فَقَالُوا: مَا رَجَعَكَ؟ قَالَ: سِرْنَا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلَمْ نَرَ شَيْئًا فَرَجَعْتُ. وَمَضَى طُلَيْحَةُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى نَهَاوَنْدَ. وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي هُمْ بِهِ وَنَهَاوَنْدَ بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ فَرْسَخًا. فَقَالَ النَّاسُ: ارْتَدَّ طُلَيْحَةُ الثَّانِيَةَ. فَعَلِمَ كَلَامَ الْقَوْمِ وَرَجَعَ. فَلَمَّا رَأَوْهُ كَبَّرُوا. فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ فَأَعْلَمُوهُ بِالَّذِي خَافُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ دِينٌ إِلَّا الْعَرَبِيُّ مَا كُنْتُ لِأُجْزِرَ الْعُجْمَ الطَّمَاطِمَ هَذِهِ الْعَرَبَ الْعَارِبَةَ. فَأَعْلَمَ النُّعْمَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نَهَاوَنْدَ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ وَلَا أَحَدٌ. فَرَحَلَ النُّعْمَانُ وَعَبَّى أَصْحَابَهُ، وَهُمْ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، فَجَعَلَ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ نُعَيْمَ بْنَ مُقَرِّنٍ وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَسُوَيْدَ بْنَ مُقَرِّنٍ، وَعَلَى الْمُجَرَّدَةِ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو، وَعَلَى السَّاقَةِ مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ. وَقَدْ تَوَافَتْ إِلَيْهِ أَمْدَادُ الْمَدِينَةِ فِيهِمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَانْتَهَوْا إِلَى إِسْبِيذُهَانَ وَالْفُرْسُ وُقُوفٌ عَلَى تَعْبِيَتِهِمْ، وَأَمِيرُهُمُ الْفَيْرُزَانُ وَعَلَى
مُجَنِّبَتَيْهِ الزُّرْدُقُ وَبَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ الَّذِي جُعِلَ مَكَانَ ذِي الْحَاجِبِ. وَقَدْ تَوَافَى إِلَيْهِمُ الْأَمْدَادُ بِنَهَاوَنْدَ، كُلُّ مَنْ غَابَ عَنِ الْقَادِسِيَّةِ لَيْسُوا بِدُونِهِمْ، فَلَمَّا رَآهُمُ النُّعْمَانُ كَبَّرَ وَكَبَّرَ مَعَهُ النَّاسُ فَتَزَلْزَلَتِ الْأَعَاجِمُ وَحَطَّتِ الْعَرَبُ الْأَثْقَالَ، وَضُرِبَ فُسْطَاطُ النُّعْمَانِ، فَابْتَدَرَ أَشْرَافُ الْكُوفَةِ فَضَرَبُوهُ، مِنْهُمْ: حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَبَشِيرُ بْنُ الْخَصَاصِيَّةِ، وَحَنْظَلَةُ الْكَاتِبُ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَوَائِلُ بْنُ حُجْرٍ وَغَيْرُهُمْ. فَلَمْ يُرَ بُنَّاءُ فُسْطَاطٍ بِالْعِرَاقِ كَهَؤُلَاءِ. وَأَنْشَبَ النُّعْمَانُ الْقِتَالَ بَعْدَ حَطِّ الْأَثْقَالِ، فَاقْتَتَلُوا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ وَالْحَرْبُ بَيْنَهُمْ سِجَالٌ وَإِنَّهُمُ انْجَحَرُوا فِي خَنَادِقِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَأَقَامُوا عَلَيْهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَالْفُرْسُ بِالْخِيَارِ لَا يَخْرُجُونَ إِلَّا إِذَا أَرَادُوا الْخُرُوجَ، فَخَافَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَطُولَ أَمْرُهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتُ يَوْمٍ فِي جُمُعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ تَجَمَّعَ أَهْلُ الرَّأْيِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: نَرَاهُمْ عَلَيْنَا بِالْخِيَارِ. وَأَتَوُا النُّعْمَانَ فِي ذَلِكَ فَوَافَوْهُ وَهُوَ يُرَوِّي فِي الَّذِي رَوَّوْا فِيهِ فَأَخْبَرُوهُ، فَبَعَثَ إِلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ النَّجَدَاتِ وَالرَّأْيِ فَأَحْضَرَهُمْ، فَتَكَلَّمَ النُّعْمَانُ فَقَالَ: قَدْ تَرَوْنَ الْمُشْرِكِينَ وَاعْتِصَامَهُمْ بِخَنَادِقِهِمْ وَمُدُنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ إِلَيْنَا إِلَّا إِذَا شَاءُوا وَلَا يَقْدِرُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِخْرَاجِهِمْ. وَقَدْ تَرَوْنَ الَّذِي فِيهِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ التَّضَايُقِ، فَمَا الرَّأْيُ الَّذِي بِهِ نَسْتَخْرِجُهُمْ إِلَى الْمُنَاجَزَةِ وَتَرْكِ التَّطْوِيلِ؟ فَتَكَلَّمَ عَمْرُوبْنُ ثُنَيٍّ، وَكَانَ أَكْبَرَ النَّاسِ، وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ عَلَى الْأَسْنَانِ، فَقَالَ: التَّحَصُّنُ عَلَيْهِمْ أَشَدُّ مِنَ الْمُطَاوَلَةِ عَلَيْكُمْ فَدَعْهُمْ وَقَاتِلْ مَنْ أَتَاكَ مِنْهُمْ. فَرَدُّوا عَلَيْهِ رَأْيَهُ. وَتَكَلَّمَ عَمْرُوبْنُ مَعْدِ يكَرِبَ فَقَالَ: نَاهِدْهُمْ وَكَابِرْهُمْ وَلَا تَخَفْهُمْ، فَرَدُّوا جَمِيعًا عَلَيْهِ رَأْيَهُ وَقَالُوا: إِنَّمَا يُنَاطِحُ بِنَا الْجُدْرَانَ وَهِيَ أَعْوَانٌ عَلَيْنَا. وَقَالَ طُلَيْحَةُ: أَرَى أَنْ نَبْعَثَ خَيْلًا لِيُنْشِبُوا الْقِتَالَ، فَإِذَا اخْتَلَطُوا بِهِمْ رَجَعُوا إِلَيْنَا اسْتِطْرَادًا، فَإِنَّا لَمْ نَسْتَطْرِدْ لَهُمْ فِي طُولِ مَا قَاتَلْنَاهُمْ، فَإِذَا رَأَوْا ذَلِكَ طَمِعُوا وَخَرَجُوا
فَقَاتَلْنَاهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيهِمْ وَفِينَا مَا أَحَبَّ. فَأَمَرَ [النُّعْمَانُ] الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو، وَكَانَ عَلَى الْمُجَرَّدَةِ، فَأَنْشَبَ الْقِتَالَ، فَأَخْرَجَهُمْ مِنْ خَنَادِقِهِمْ كَأَنَّهُمْ جِبَالُ حَدِيدٍ قَدْ تَوَاثَقُوا أَنْ لَا يَفِرُّوا، وَقَدْ قَرَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا كُلُّ سَبْعَةٍ فِي قِرَانٍ، وَأَلْقَوْا حَسَكَ الْحَدِيدِ خَلْفَهُمْ لِئَلَّا يَنْهَزِمُوا. فَلَمَّا خَرَجُوا نَكَصَ ثُمَّ نَكَصَ، وَاغْتَنَمَهَا الْأَعَاجِمُ فَفَعَلُوا كَمَا ظَنَّ طُلَيْحَةُ وَقَالُوا: هِيَ هِيَ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا مَنْ يَقُومُ عَلَى الْأَبْوَابِ وَرَكِبُوهُمْ. وَلَحِقَ الْقَعْقَاعُ بِالنَّاسِ، وَانْقَطَعَ الْفُرْسُ عَنْ حِصْنِهِمْ بَعْضَ الِانْقِطَاعِ وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى تَعْبِيَةٍ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ صَدْرَ النَّهَارِ، وَقَدْ عَهِدَ النُّعْمَانُ إِلَى النَّاسِ عَهْدَهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَلْزَمُوا الْأَرْضَ وَلَا يُقَاتِلُوا حَتَّى يَأْذَنَ لَهُمْ، فَفَعَلُوا وَاسْتَتَرُوا بِالْحَجَفِ مِنَ الرَّمْيِ، وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ يَرْمُونَهُمْ حَتَّى أَفْشَوْا فِيهِمُ الْجِرَاحَ. وَشَكَا بَعْضُ النَّاسِ وَقَالُوا لِلنُّعْمَانِ: أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَمَا تَنْتَظِرُ بِهِمْ؟ ائْذَنْ لِلنَّاسِ فِي قِتَالِهِمْ. فَقَالَ رُوَيْدًا رُوَيْدًا. وَانْتَظَرَ النُّعْمَانُ بِالْقِتَالِ أَحَبَّ السَّاعَاتِ كَانَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَلْقَى الْعَدُوَّ فِيهَا وَذَلِكَ عِنْدَ الزَّوَالِ، فَلَمَّا كَانَ قَرِيبًا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ رَكِبَ فَرَسَهُ وَسَارَ فِي النَّاسِ، وَوَقَفَ عَلَى كُلِّ رَايَةٍ يُذَكِّرُهُمْ وَيُحَرِّضُهُمْ وَيُمَنِّيهِمُ الظَّفَرَ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي مُكَبِّرٌ ثَلَاثًا، فَإِذَا كَبَّرْتُ الثَّالِثَةَ فَإِنِّي حَامِلٌ فَاحْمِلُوا، وَإِنْ قُتِلْتُ فَالْأَمِيرُ بَعْدِي حُذَيْفَةُ، فَإِنْ قُتِلَ فَفُلَانٌ، حَتَّى عَدَّ سَبْعَةً آخِرُهُمُ الْمُغِيرَةُ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَعْزِزْ دِينَكَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ، وَاجْعَلِ النُّعْمَانَ أَوَّلَ شَهِيدٍ الْيَوْمَ عَلَى إِعْزَازِ دِينِكَ وَنَصْرِ عِبَادِكَ. وَقِيلَ: بَلْ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُقِرَّ عَيْنِي الْيَوْمَ بِفَتْحٍ يَكُونُ فِيهِ عِزُّ الْإِسْلَامِ وَاقْبِضْنِي شَهِيدًا. فَبَكَى النَّاسُ. وَرَجَعَ إِلَى مَوْقِفِهِ فَكَبَّرَ ثَلَاثًا وَالنَّاسُ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ مُسْتَعِدُّونَ لِلْقِتَالِ، وَحَمَلَ النُّعْمَانُ وَالنَّاسُ مَعَهُ وَانْقَضَّتْ رَايَتُهُ انْقِضَاضَ الْعُقَابِ وَالنُّعْمَانُ مُعَلَّمٌ بِبَيَاضِ الْقَبَاءِ وَالْقَلَنْسُوَةِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يَسْمَعِ السَّامِعُونَ بِوَقْعَةٍ كَانَتْ أَشَدَّ مِنْهَا، وَمَا كَانَ يُسْمَعُ إِلَّا وَقْعُ الْحَدِيدِ، وَصَبَرَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ صَبْرًا عَظِيمًا، وَانْهَزَمَ الْأَعَاجِمُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَا بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْإِعْتَامِ مَا طَبَّقَ أَرْضَ الْمَعْرَكَةِ دَمًا يُزْلِقُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ.
فَلَمَّا أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَ النُّعْمَانِ بِالْفَتْحِ اسْتَجَابَ لَهُ فَقُتِلَ شَهِيدًا، زَلَقَ بِهِ فَرَسُهُ فَصُرِعَ. وَقِيلَ: بَلْ رُمِيَ بِسَهْمٍ فِي خَاصِرَتِهِ فَقَتَلَهُ، فَسَجَّاهُ أَخُوهُ نُعَيْمٌ بِثَوْبٍ، وَأَخَذَ الرَّايَةَ وَنَاوَلَهَا حُذَيْفَةَ، فَأَخَذَهَا وَتَقَدَّمَ إِلَى مَوْضِعِ النُّعْمَانِ وَتَرَكَ نُعَيْمًا مَكَانَهُ. وَقَالَ لَهُمُ الْمُغِيرَةُ: اكْتُمُوا مُصَابَ أَمِيرِكُمْ حَتَّى نَنْتَظِرَ مَا يَصْنَعُ اللَّهُ فِينَا وَفِيهِمْ لِئَلَّا يَهِنَ النَّاسُ. فَاقْتَتَلُوا. فَلَمَّا أَظْلَمَ اللَّيْلُ عَلَيْهِمُ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَذَهَبُوا، وَلَزِمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَعُمِّيَ عَلَيْهِمْ قَصْدُهُمْ فَتَرَكُوهُ وَأَخَذُوا نَحْوَ اللَّهَبِ الَّذِي كَانُوا دُونَهُ بَإِسْبِيذُهَانَ فَوَقَعُوا فِيهِ، فَكَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَقَعُ فَيَقَعُ عَلَيْهِ سِتَّةٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِهِمْ فِي قِيَادٍ وَاحِدٍ فَيُقْتَلُونَ جَمِيعًا، وَجَعَلَ يَعْقِرُهُمْ حَسَكُ الْحَدِيدِ، فَمَاتَ مِنْهُمْ فِي اللَّهَبِ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ سِوَى مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ. وَقِيلَ: قُتِلَ فِي اللَّهَبِ ثَمَانُونَ أَلْفًا، وَفِي الْمَعْرَكَةِ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، سِوَى مَنْ قُتِلَ فِي الطَّلَبِ، وَلَمْ يُفْلِتْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَنَجَا الْفَيْرُزَانُ مِنْ بَيْنِ الصَّرْعَى فَهَرَبَ نَحْوَ هَمَذَانَ، فَاتَّبَعَهُ نُعَيْمُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَقَدَّمَ الْقَعْقَاعَ قُدَّامَهُ فَأَدْرَكَهُ بِثَنِيَّةِ هَمَذَانَ، وَهِيَ إِذْ ذَاكَ مَشْحُونَةٌ مِنْ بِغَالٍ وَحَمِيرٍ مُوقَرَةٍ عَسَلًا، فَحَبَسَهُ الدَّوَابُّ عَلَى أَجَلِهِ. فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ وَصَعِدَ فِي الْجَبَلِ، فَتَبِعَهُ الْقَعْقَاعُ رَاجِلًا فَأَدْرَكَهُ فَقَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الثَّنِيَّةِ وَقَالُوا: إِنَّ لِلَّهِ جُنُودًا مِنْ عَسَلٍ. وَاسْتَاقُوا الْعَسَلَ وَمَا مَعَهُ مِنَ الْأَحْمَالِ. وَسُمِّيَتِ الثَّنِيَّةُ ثَنِيَّةَ الْعَسَلِ. وَدَخَلَ الْمُشْرِكُونَ هَمَذَانَ وَالْمُسْلِمُونَ فِي آثَارِهِمْ فَنَزَلُوا عَلَيْهَا وَأَخَذُوا مَا حَوْلَهَا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خُسْرَوْشُنُومُ اسْتَأْمَنَهُمْ، وَلَمَّا تَمَّ الظَّفَرُ لِلْمُسْلِمِينَ جَعَلُوا يَسْأَلُونَ عَنْ أَمِيرِهِمُ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، فَقَالَ لَهُمْ أَخُوهُ مَعْقِلٌ: هَذَا أَمِيرُكُمْ قَدْ أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ بِالْفَتْحِ وَخَتَمَ لَهُ بِالشَّهَادَةِ فَاتَّبِعُوا حُذَيْفَةَ. وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ نَهَاوَنْدَ يَوْمَ الْوَقْعَةِ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ وَاحْتَوَوْا مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَغَيْرِهَا وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْأَسْلَابِ وَالْأَثَاثِ وَجَمَعُوا إِلَى صَاحِبِ الْأَقْبَاضِ السَّائِبِ بْنِ الْأَقْرَعِ. وَانْتَظَرَ مَنْ بِنَهَاوَنْدَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ عَلَى هَمَذَانَ مَعَ الْقَعْقَاعِ وَنُعَيْمٍ، فَأَتَاهُمُ الْهِرْبِذُ صَاحِبُ بَيْتِ النَّارِ عَلَى أَمَانٍ، فَأُبْلِغَ حُذَيْفَةُ، فَقَالَ: أَتُؤَمِّنُنِي وَمَنْ شِئْتُ عَلَى أَنْ أُخْرِجَ لَكَ ذَخِيرَةً لِكِسْرَى تُرِكَتْ عِنْدِي لِنَوَائِبِ الزَّمَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَحْضَرَ جَوْهَرًا نَفِيسًا فِي سَفَطَيْنِ، فَأَرْسَلَهُمَا مَعَ الْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ. وَكَانَ حُذَيْفَةُ قَدْ نَفَّلَ مِنْهَا وَأَرْسَلَ الْبَاقِيَ مَعَ السَّائِبِ بْنِ
الْأَقْرَعِ الثَّقَفِيِّ، وَكَانَ كَاتِبًا حَاسِبًا، أَرْسَلَهُ عُمَرُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ لَهُ: إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَاقْسِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيْئَهُمْ وَخُذِ الْخُمُسَ، وَإِنْ هَلَكَ هَذَا الْجَيْشُ فَاذْهَبْ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ ظَهْرِهَا. قَالَ السَّائِبُ: فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَحْضَرَ الْفَارِسِيُّ السَّفَطَيْنِ اللَّذَيْنِ أَوْدَعَهُمَا عِنْدَهُ النَّخَيْرَجَانُ فَإِذَا فِيهِمَا اللُّؤْلُؤُ وَالزَّبَرْجَدُ وَالْيَاقُوتُ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الْقِسْمَةِ احْتَمَلْتُهُمَا مَعِي وَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ قَدْ قَدَّرَ الْوَقْعَةَ فَبَاتَ يَتَمَلْمَلُ وَيَخْرُجُ وَيَتَوَقَّعُ الْأَخْبَارَ، فَبَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَرَجَ فِي بَعْضِ حَوَائِجِهِ فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيْلًا، فَمَرَّ بِهِ رَاكِبٌ فَسَأَلَهُ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلَ؟ فَقَالَ: مِنْ نَهَاوَنْدَ، وَأَخْبَرَهُ بِالْفَتْحِ وَقَتْلِ النُّعْمَانِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الرَّجُلُ تَحَدَّثَ بِهَذَا بَعْدَ ثَلَاثٍ مِنَ الْوَقْعَةِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ عُمَرَ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ذَلِكَ بَرِيدُ الْجِنِّ. ثُمَّ قَدِمَ الْبَرِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِمَا يَسُرُّهُ وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِقَتْلِ النُّعْمَانِ. قَالَ السَّائِبُ: فَخَرَجَ عُمَرُ مِنَ الْغَدِ يَتَوَقَّعُ الْأَخْبَارَ. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ فَقُلْتُ: خَيْرًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَأَعْظَمَ الْفَتْحَ، وَاسْتُشْهِدَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. ثُمَّ بَكَى فَنَشَجَ حَتَّى بَانَتْ فُرُوعُ كَتِفَيْهِ فَوْقَ كَتِدِهِ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ وَمَا لَقِيَ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أُصِيبَ بَعْدَهُ رَجُلٌ يُعْرَفُ وَجْهُهُ. فَقَالَ: أُولَئِكَ الْمُسْتَضْعَفُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَكِنَّ الَّذِي أَكْرَمَهُمْ بِالشَّهَادَةِ يَعْرِفُ وُجُوهَهُمْ وَأَنْسَابَهُمْ، وَمَا يَصْنَعُ أُولَئِكَ بِمَعْرِفَةِ عُمَرَ! ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ بِالسَّفَطَيْنِ فَقَالَ: أَدْخِلْهُمَا بَيْتَ الْمَالِ حَتَّى نَنْظُرَ فِي شَأْنِهِمَا وَالْحَقْ بِجُنْدِكَ. قَالَ: فَفَعَلْتُ وَخَرَجْتُ سَرِيعًا إِلَى الْكُوفَةِ. وَبَاتَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بَعَثَ فِي أَثَرِي رَسُولًا، فَمَا أَدْرَكَنِي حَتَّى دَخَلْتُ الْكُوفَةَ فَأَنَخْتُ بَعِيرِي وَأَنَاخَ بِعِيرَهُ عَلَى عُرْقُوبَيْ بَعِيرِي فَقَالَ: الْحَقْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ بَعَثَنِي فِي طَلَبِكَ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْكَ إِلَّا الْآنَ. قَالَ: فَرَكِبْتُ مَعَهُ فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: إِلَيَّ وَمَا لِي وَلِلسَّائِبِ! قُلْتُ: وَلِمَاذَا؟ قَالَ: وَيْحَكَ وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ نِمْتُ اللَّيْلَةَ الَّتِي خَرَجْتَ فِيهَا فَبَاتَتِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَحِبُنِي إِلَى السَّفَطَيْنِ يَشْتَعِلَانِ نَارًا فَيَقُولُونَ: لَنَكْوِيَنَّكَ بِهِمَا، فَأَقُولُ: إِنِّي سَأُقَسِّمُهُمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. فَخُذْهُمَا عَنِّي فَبِعْهُمَا فِي أَعْطِيَةِ الْمُسْلِمِينَ
وَأَرْزَاقِهِمْ. قَالَ: فَخَرَجْتُ بِهِمَا فَوَضَعْتُهُمَا فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، فَابْتَاعَهُمَا مِنِّي عَمْرُوبْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ بِأَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا إِلَى أَرْضِ الْأَعَاجِمِ فَبَاعَهُمَا بِأَرْبَعَةِ آلَافِ أَلْفٍ، فَمَا زَالَ أَكْثَرَ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَالًا. وَكَانَ سَهْمُ الْفَارِسِ بِنَهَاوَنْدَ سِتَّةَ آلَافٍ وَسَهْمُ الرَّاجِلِ أَلْفَيْنِ. وَلَمَّا قَدِمَ سَبْيُ نَهَاوَنْدَ الْمَدِينَةَ جَعَلَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لَا يَلْقَى مِنْهُمْ صَغِيرًا إِلَّا مَسَحَ رَأْسَهُ وَبَكَى وَقَالَ لَهُ: أَكَلَ عُمَرُ كَبِدِي! وَكَانَ مِنْ نَهَاوَنْدَ فَأَسَرَتْهُ الرُّومُ وَأَسَرَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الرُّومِ فَنُسِبَ إِلَى حَيْثُ سُبِيَ. وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَ فَتْحَ نَهَاوَنْدَ فَتْحَ الْفُتُوحِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْفُرْسِ بَعْدَهُ اجْتِمَاعٌ. وَمَلَكَ الْمُسْلِمُونَ بِلَادَهُمْ. ذكر فَتْحِ الدِّينَوَرِ وَالصَّيْمَرَةِ وَغَيْرِهِمَا لَمَّا انْصَرَفَ أَبُو مُوسَى مِنْ نَهَاوَنْدَ، وَكَانَ قَدْ جَاءَ مَدَدًا عَلَى بَعْثِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَمَرَّ بِالدِّينَوَرِ فَأَقَامَ عَلَيْهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى الْجِزْيَةِ وَمَضَى، فَصَالَحَهُ أَهْلُ سِيرَوَانَ عَلَى مِثْلِ صُلْحِهِمْ، وَبَعَثَ السَّائِبَ بْنَ الْأَقْرَعِ الثَّقَفِيَّ إِلَى الصَّيْمَرَةِ مَدِينَةِ مِهْرِجَانَ قَذَقَ فَفَتَحَهَا صُلْحًا، وَقِيلَ: إِنَّهُ وَجَّهَ السَّائِبَ مِنَ الْأَهْوَازِ فَفَتَحَ وِلَايَةَ مِهْرِجَانَ قَذَقَ. ذكر فَتْحِ هَمَذَانَ وَالْمَاهَيْنِ وَغَيْرِهِمَا لَمَّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ دَخَلَ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ هَمَذَانَ وَحَاصَرَهُمْ نُعَيْمُ بْنُ مُقَرِّنٍ
وَالْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خُسْرَوْشُنُومُ اسْتَأْمَنَهُمْ وَقَبِلَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ عَلَى أَنْ يَضْمَنَ مِنْهُمْ هَمَذَانَ وَدَسْتَبَى وَأَلَّا يُؤْتَى الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَآمَنُوهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْفُرْسِ، وَأَقْبَلَ كُلُّ مَنْ كَانَ هَرَبَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْمَاهَيْنِ بِفَتْحِ هَمَذَانَ وَمُلْكِهَا وَنُزُولِ نُعَيْمٍ وَالْقَعْقَاعِ بِهَا، فَاقْتَدَوْا بِخُسْرَوْشُنُومَ فَرَاسَلُوا حُذَيْفَةَ فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا وَأَجْمَعُوا عَلَى الْقَبُولِ وَأَجْمَعُوا عَلَى إِتْيَانِ حُذَيْفَةَ، فَخَدَعَهُمْ دِينَارٌ وَهُوَ أَحَدُ أُولَئِكَ الْمُلُوكِ، وَكَانَ أَشْرَفَهُمْ قَارِنُ، وَقَالَ: لَا تَلْقَوْهُمْ فِي جَمَالِكُمْ، فَفَعَلُوا، وَخَالَفَهُمْ فَأَتَاهُمْ فِي الدِّيبَاجِ وَالْحُلِيِّ فَأَعْطَاهُمْ حَاجَتَهُمْ، وَاحْتَمَلَ الْمُسْلِمُونَ مَا أَرَادُوا وَعَاقَدُوهُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَجِدِ الْآخَرُونَ بُدًّا مِنْ مُتَابَعَتِهِ وَالدُّخُولِ فِي أَمْرِهِ، فَقِيلَ " مَاهَ دِينَارٌ " لِذَلِكَ. وَكَانَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ قَدْ عَاقَدَ بِهْرَاذَانَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَنُسِبَ إِلَى بِهْرَاذَانَ، وَكَانَ قَدْ وَكَّلَ النُّسَيْرَ بْنَ ثَوْرٍ بِقَلْعَةٍ قَدْ لَجَأَ إِلَيْهَا قَوْمٌ فَجَاهَدَهُمْ فَافْتَتَحَهَا فَنُسِبَتْ إِلَى النُّسَيْرِ وَهُوَ تَصْغِيرُ نَسْرٍ. قِيلَ: دَخَلَ دِينَارٌ الْكُوفَةَ أَيَّامَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ إِنَّكُمْ أَوَّلَ مَا مَرَرْتُمْ بِنَا كُنْتُمْ خِيَارَ النَّاسِ، فَبَقِيتُمْ كَذَلِكَ زَمَنَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، ثُمَّ تَغَيَّرْتُمْ وَفَشَتْ فِيكُمْ خِصَالٌ أَرْبَعٌ: بُخْلٌ، وَخِبٌّ، وَغَدْرٌ، وَضِيقٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَقَدْ رَمَقْتُكُمْ فَرَأَيْتُ ذَلِكَ فِي مُوَلَّدِيكُمْ فَعَلِمْتُ مِنْ أَيْنَ أُتِيتُمْ، فَإِذَا الْخِبُّ مِنْ قِبَلِ النَّبَطِ، وَالْبُخْلُ مِنْ قِبَلِ فَارِسَ، وَالْغَدْرُ مِنْ قِبَلِ خُرَاسَانَ، وَالضِّيقُ مِنْ قِبَلِ الْأَهْوَازِ. ذكر دُخُولِ الْمُسْلِمِينَ بِلَادَ الْأَعَاجِمِ وَفِيهَا أَمَرَ عُمَرُ الْمُسْلِمِينَ بِالِانْسِيَاحِ فِي بِلَادِ الْعَجَمِ وَطَلَبِ الْفُرْسِ أَيْنَ كَانُوا، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ يَزْدَجِرْدَ وَبَعْثِهِ الْجُنُودَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَوَجَّهَ الْأُمَرَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ بَعْدَ فَتْحِ نَهَاوَنْدَ، وَكَانَ بَيْنَ عَمَلِ سَعْدٍ وَعَمَلِ عَمَّارٍ أَمِيرَانِ، أَحَدُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ، وَفِي زَمَانِهِ كَانَتْ وَقْعَةُ نَهَاوَنْدَ، وَالْآخَرُ زِيَادُ بْنُ حَنْظَلَةَ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ، وَفِي زَمَانِهِ أُمِرَ بِالِانْسِيَاحِ وَعُزِلَ عَبْدُ اللَّهِ وَبُعِثَ فِي وَجْهٍ آخَرَ، وَوُلِّيَ زِيَادٌ، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَعَمِلَ
ذكر فتح أصبهان
قَلِيلًا وَأَلَحَّ فِي الِاسْتِعْفَاءِ فَأَعْفَاهُ عُمَرُ، وَوَلَّى عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ: إِنِّي بَعَثْتُ عَمَّارًا أَمِيرًا وَجَعَلْتُ مَعَهُ ابْنَ مَسْعُودٍ مُعَلِّمًا. وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِحِمْصَ فَسَيَّرَهُ عُمَرُ إِلَى الْكُوفَةِ، وَأَمَدَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَمَدَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ بِأَبِي مُوسَى. وَكَانَ أَهْلُ هَمَذَانَ قَدْ كَفَرُوا بَعْدَ الصُّلْحِ، فَبَعَثَ عُمَرُ لِوَاءً إِلَى نُعَيْمِ بْنِ مُقَرِّنٍ وَأَمَرَهُ بِقَصْدِ هَمَذَانَ، فَإِذَا فَتَحَهَا سَارَ إِلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَبَعَثَ عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ وَبُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا مِنْ حُلْوَانَ وَالْآخَرُ مِنَ الْمَوْصِلِ، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَأَمَّرَ عُمَرُ سُرَاقَةَ عَلَى الْبَصْرَةِ. [ذكر فَتْحِ أَصْبَهَانَ] وَفِيهَا بَعَثَ عُمَرُ إِلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ، وَكَانَ شُجَاعًا مِنْ أَشْرَافِ الصَّحَابَةِ وَمِنْ وُجُوهِ الْأَنْصَارِ حَلِيفًا لِبَنِي الْحُبُلِيِّ، وَأَمَدَّهُ بِأَبِي مُوسَى، وَجَعَلَ عَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيَّ وَعِصْمَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَارُوا إِلَى نَهَاوَنْدَ، وَرَجَعَ حُذَيْفَةُ إِلَى عَمَلِهِ عَلَى مَا سَقَتْ دِجْلَةُ وَمَا وَرَاءَهَا، وَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَنْ كَانَ مَعَهُ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ جُنْدِ النُّعْمَانِ بِنَهَاوَنْدَ نَحْوَ أَصْبَهَانَ، وَعَلَى جُنْدِهَا الْأَسْبِيدَانُ، وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ شَهْرَيَارُ بْنُ جَاذَوَيْهِ، شَيْخٌ كَبِيرٌ، فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، وَمُقَدَّمَةُ الْمُشْرِكِينَ بِرُسْتَاقٍ لِأَصْبَهَانَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَدَعَا الشَّيْخُ إِلَى الْبِرَازِ، فَبَرَزَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيُّ فَقَتَلَهُ، وَانْهَزَمَ أَهْلُ أَصْبَهَانَ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الرُّسْتَاقُ رُسْتَاقَ الشَّيْخِ إِلَى الْيَوْمِ، وَصَالَحَهُمُ الْأَسْبِيدَانُ عَلَى رُسْتَاقِ الشَّيْخِ، وَهُوَ أَوَّلُ رُسْتَاقٍ أُخِذَ مِنْ أَصْبَهَانَ. ثُمَّ سَارَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى مَدِينَةِ جَيٍّ وَهِيَ مَدِينَةُ أَصْبَهَانَ، فَانْتَهَى إِلَيْهَا وَالْمَلِكُ بِأَصْبَهَانَ الْفَاذُوسْفَانُ، فَنَزَلَ بِالنَّاسِ عَلَى جَيٍّ وَحَاصَرَهَا وَقَاتَلَهَا، ثُمَّ صَالَحَهُ الْفَاذُوسْفَانُ عَلَى أَصْبَهَانَ وَأَنَّ عَلَى مَنْ أَقَامَ الْجِزْيَةَ وَأَقَامَ عَلَى مَالِهِ وَأَنْ يَجْرِيَ مَنْ أُخِذَتْ أَرْضُهُ عَنْوَةً مَجْرَاهُمْ وَمَنْ أَبَى وَذَهَبَ كَانَ لَكُمْ أَرْضُهُ، وَقَدِمَ أَبُو مُوسَى عَلَى عَبْدِ اللَّهِ مِنْ نَاحِيَةِ
الْأَهْوَازِ وَقَدْ صَالَحَ، فَخَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ جَيٍّ وَدَخَلُوا فِي الذِّمَّةِ إِلَّا ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ لَحِقُوا بِكَرْمَانَ. وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو مُوسَى جَيًّا، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ. فَقَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ: أَنْ سِرْ حَتَّى تَقْدُمَ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ عَدِيٍّ فَتَكُونَ مَعَهُ عَلَى قِتَالِ مَنْ بِكَرْمَانَ، فَسَارَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى أَصْبَهَانَ السَّائِبَ بْنَ الْأَقْرَعِ، وَلَحِقَ بِسُهَيْلٍ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى كَرْمَانَ. قِيلَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ الْأَمِيرَ كَانَ عَلَى الْجُنْدِ الَّذِينَ فَتَحُوا أَصْبَهَانَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَأَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى أَصْبَهَانَ وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنْ يُمِدُّوهُ، فَسَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ وَبِهَا مَلِكُهَا ذُو الْحَاجِبَيْنِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ وَعَادَ مِنْ عِنْدِهِ فَقَاتَلَهُمْ، وَقُتِلَ النُّعْمَانُ وَوَقَعَ ذُو الْحَاجِبَيْنِ عَنْ دَابَّتِهِ فَانْشَقَّتْ بَطْنُهُ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ. قَالَ مَعْقِلٌ: فَأَتَيْتُ النُّعْمَانَ وَهُوَ صَرِيعٌ فَجَعَلْتُ عَلَيْهِ عَلَمًا. فَلَمَّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ أَتَيْتُهُ، وَمَعِي إِدَاوَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَغَسَلْتُ عَنْ وَجْهِهِ التُّرَابَ فَقَالَ: مَا فَعَلَ النَّاسُ؟ فَقُلْتُ: فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ! وَمَاتَ. هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ النُّعْمَانَ قُتِلَ بِنَهَاوَنْدَ وَافْتَتَحَ أَبُو مُوسَى قُمَّ وَقَاشَانَ. ذكر وِلَايَةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَلَى الْكُوفَةِ وَفِيهَا وَلَّى عُمَرُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ عَلَى الْكُوفَةِ، وَابْنَ مَسْعُودٍ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ. فَشَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ عَمَّارًا، فَاسْتَعْفَى عَمَّارٌ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَوَلَّى عُمَرُ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ الْكُوفَةَ، وَقَالَ لَهُ: لَا تَذْكُرْهُ لِأَحَدٍ. فَسَمِعَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ عُمَرَ خَلَا بِجُبَيْرٍ، فَأَرْسَلَ امْرَأَتَهُ إِلَى امْرَأَةِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ لِتَعْرِضَ عَلَيْهَا طَعَامَ السَّفَرِ، فَفَعَلَتْ، فَقَالَتْ: نِعْمَ مَا حَيَّيْتِنِي بِهِ. فَلَمَّا عَلِمَ الْمُغِيرَةُ جَاءَ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَنْ وَلَّيْتَ! وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَعَزَلَهُ وَوَلَّى الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ الْكُوفَةَ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ عُمَرُ. وَقِيلَ: إِنَّ عَمَّارًا عُزِلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَوَلِيَ بَعْدَهُ أَبُو مُوسَى. وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
قِيلَ وَفِيهَا بَعَثَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عُقْبَةَ بْنَ نَافِعٍ الْفِهْرِيَّ فَافْتَتَحَ زَوِيلَةَ صُلْحًا، وَمَا بَيْنَ بَرْقَةَ وَزَوِيلَةَ سِلْمٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقِيلَ سَنَةَ عِشْرِينَ. كَانَ الْأُمَرَاءُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ: عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ عَلَى دِمَشْقَ وَحَوْرَانَ وَحِمْصَ وَقِنَّسْرِينَ وَالْجَزِيرَةِ، وَمُعَاوِيَةَ عَلَى الْبَلْقَاءِ وَالْأُرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ وَالسَّوَاحِلِ وَأَنْطَاكِيَةَ وَقِلِقِيَّةَ وَمَعَرَّةَ مَصْرِينَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ صَالَحَ أَبُو هَاشِمِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ عَلَى قِلِقِيَّةَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَمَعَرَّةَ مَصْرِينَ. وَفِيهَا وُلِدَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ. وَكَانَ عَامِلُهُ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالْيَمَنِ وَالْيَمَامَةِ وَمِصْرَ وَالْبَصْرَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَشُرَيْحٌ عَلَى الْقَضَاءِ. وَفِيهَا بَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بَعْثًا إِلَى سَاحِلِ فَارِسَ فَحَارَبُوهُمْ وَمَعَهُمُ الْجَارُودُ الْعَبْدِيُّ، فَقُتِلَ الْجَارُودُ بِعَقَبَةٍ تُعْرَفُ بِعَقَبَةِ الْجَارُودِ. وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ بِنَهَاوَنْدَ مَعَ النُّعْمَانِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ حَمَمَةُ، وَهُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ، بِأَصْبَهَانَ بَعْدَ فَتْحِهَا. وَالْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ وَهُوَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، فَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ مَكَانَهُ أَبَا هُرَيْرَةَ. وَفِيهَا مَاتَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحِمْصَ وَأَوْصَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: مَاتَ بِالْمَدِينَةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ] 22 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ افْتُتِحَتْ أَذْرَبِيجَانُ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ هَمَذَانَ وَالرَّيِّ وَجُرْجَانَ، فَنَبْدَأُ بِذِكْرِ فَتْحِ هَذِهِ الْبِلَادِ ثُمَّ نَذْكُرُ أَذْرَبِيجَانَ بَعْدَهَا. ذكر فَتْحِ هَمَذَانَ ثَانِيًا قَدْ تَقَدَّمَ مَسِيرُ نُعَيْمِ بْنِ مُقَرِّنٍ إِلَى هَمَذَانَ وَفَتْحِهَا عَلَى يَدِهِ وَيَدِ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو، فَلَمَّا رَجَعَا عَنْهَا كَفَرَ أَهْلُهَا مَعَ خُسْرَوْشُنُومَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَهْدُ نُعَيْمٍ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ وَدَّعَ حُذَيْفَةَ وَسَارَ يُرِيدُ هَمَذَانَ وَعَادَ حُذَيْفَةُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَخَرَجَ نُعَيْمُ بْنُ مُقَرِّنٍ عَلَى تَعْبِيَةٍ إِلَى هَمَذَانَ فَاسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِهَا جَمِيعًا وَحَاصَرَهَا، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُهَا ذَلِكَ سَأَلُوا الصُّلْحَ فَفَعَلَ وَقَبِلَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ فَتْحَهَا كَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ بَعْدَ مَقْتَلِ عُمَرَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ. فَبَيْنَمَا نُعَيْمٌ بِهَمَذَانَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الْجُنْدِ كَاتَبَ الدَّيْلَمَ وَأَهْلَ الرَّيِّ وَأَذْرَبِيجَانَ، إِذْ خَرَجَ مُوتَا فِي الدَّيْلَمِ حَتَّى نَزَلَ بِوَاجِ رُوذَ، وَأَقْبَلَ الزَّيْنَبِيُّ أَبُو الْفَرُّخَانِ فِي أَهْلِ الرَّيِّ، وَأَقْبَلَ أَسْفَنْدِيَارُ أَخُو رُسْتُمَ فِي أَهْلِ أَذْرَبِيجَانَ، فَاجْتَمَعُوا وَتَحَصَّنَ مِنْهُمْ أُمَرَاءُ الْمَسَالِحِ وَبَعَثُوا إِلَى نُعَيْمٍ بِالْخَبَرِ، فَاسْتَخْلَفَ يَزِيدَ بْنَ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيَّ وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا بِوَاجِ رُوذَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَتْ وَقْعَةً عَظِيمَةً تَعْدِلُ بِنَهَاوَنْدَ، فَانْهَزَمَ الْفُرْسُ هَزِيمَةً قَبِيحَةً وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ كَبِيرَةٌ لَا يُحْصَوْنَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى عُمَرَ مُبَشِّرًا، فَأَمَرَ عُمَرُ نُعَيْمًا بِقَصْدِ الرَّيِّ وَقِتَالِ مَنْ بِهَا وَالْمُقَامِ بِهَا بَعْدَ فَتْحِهَا، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، وَهُوَ عَامِلٌ عَلَى الْكُوفَةِ،
أَرْسَلَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى هَمَذَانَ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا وَأُصِيبَتْ عَيْنُهُ بِسَهْمٍ، فَقَالَ: احْتَسَبْتُهَا عِنْدَ اللَّهِ الَّذِي زَيَّنَ بِهَا وَجْهِي وَنَوَّرَ لِي مَا شَاءَ ثُمَّ سَلَبَنِيهَا فِي سَبِيلِهِ. ثُمَّ فَتَحَهَا عَلَى مِثْلِ صُلْحِ نَهَاوَنْدَ وَغَلَبَ عَلَى أَرْضِهَا قَسْرًا. وَقِيلَ: كَانَ فَتْحُهَا عَلَى يَدِ الْمُغِيرَةِ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ جَرِيرٌ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ. وَقِيلَ: فَتَحَهَا قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ. ذكر فَتْحِ قَزْوِينَ وَزَنْجَانَ لَمَّا سَيَّرَ الْمُغِيرَةُ جَرِيرًا إِلَى هَمَذَانَ فَفَتَحَهَا سَيَّرَ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ فِي جَيْشٍ إِلَى قَزْوِينَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهَا، فَإِنْ فَتَحَهَا غَزَا الدَّيْلَمَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا كَانَ مَغْزَاهُمْ قَبْلُ مِنْ دَسْتَبَى. فَسَارَ الْبَرَاءُ حَتَّى أَتَى أَبْهَرَ، وَهُوَ حِصْنٌ، فَقَاتَلُوهُ، ثُمَّ طَلَبُوا الْأَمَانَ فَآمَنَهُمْ وَصَالَحَهُمْ، ثُمَّ غَزَا قَزْوِينَ، فَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَهَا الْخَبَرُ أَرْسَلُوا إِلَى الدَّيْلَمِ يَطْلُبُونَ النُّصْرَةَ فَوَعَدُوهُمْ، وَوَصَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ فَخَرَجُوا لِقِتَالِهِمْ، وَالدَّيْلَمُ وُقُوفٌ عَلَى الْجَبَلِ لَا يَمُدُّونَ يَدًا، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ قَزْوِينَ ذَلِكَ طَلَبُوا الصُّلْحَ عَلَى صُلْحِ أَبْهَرَ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: قَدْ عَلِمَ الدَّيْلَمُ إِذْ تُحَارِبْ حِينَ أَتَى فِي جَيْشِهِ ابْنُ عَازِبْ ... بِأَنَّ ظَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَاذِبْ فَكَمْ قَطَعْنَا فِي دُجَى الْغَيَاهِبْ مِنْ جَبَلٍ وَعْرٍ وَمِنْ سَبَاسِبْ وَغَزَا الْبَرَاءُ الدَّيْلَمَ حَتَّى أَدَّوْا إِلَيْهِ الْإِتَاوَةَ، وَغَزَا جِيلَانَ وَالطَّيْلَسَانَ، وَفَتَحَ زَنْجَانَ عَنْوَةً. وَلَمَّا وَلِيَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ الْكُوفَةَ غَزَا الدَّيْلَمَ، وَجِيلَانَ، وَمُوقَانَ، وَالْبَبَرَ،
وَالطَّيْلَسَانَ ثُمَّ انْصَرَفَ. ذكر فَتْحِ الرَّيِّ ثُمَّ انْصَرَفَ نُعَيْمٌ مِنْ وَاجِ رُوذَ حَتَّى قَدِمَ الرَّيَّ، وَخَرَجَ الزَّيْنَبِيُّ أَبُو الْفَرُّخَانِ مِنَ الرَّيِّ فَلَقِيَ نُعَيْمًا طَالِبًا الصُّلْحَ وَمُسَالِمًا لَهُ وَمُخَالِفًا لِمَلِكِ الرَّيِّ، وَهُوَ سِيَاوَخْشُ بْنُ مِهْرَانَ بْنِ بَهْرَامَ جُوبِينَ، فَاسْتَمَدَّ سِيَاوَخْشُ أَهْلَ دُنْبَاوَنْدَ وَطَبَرِسْتَانَ وَقُومِسَ وَجُرْجَانَ فَأَمَدُّوهُ خَوْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَالْتَقَوْا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي سَفْحِ جَبَلِ الرَّيِّ إِلَى جَنْبِ مَدِينَتِهَا، فَاقْتَتَلُوا بِهِ، وَكَانَ الزَّيْنَبِيُّ قَالَ لِنُعَيْمٍ: إِنَّ الْقَوْمَ كَثِيرٌ وَأَنْتَ فِي قِلَّةٍ، فَابْعَثْ مَعِي خَيْلًا أَدْخُلْ بِهِمْ مَدِينَتَهُمْ مِنْ مَدْخَلٍ لَا يَشْعُرُونَ بِهِ، وَنَاهِدْهُمْ أَنْتَ، فَإِنَّهُمْ إِذَا خَرَجْنَا عَلَيْهِمْ لَمْ يَثْبُتُوا لَكَ. فَبَعَثَ مَعَهُ نُعَيْمٌ خَيْلًا مِنَ اللَّيْلِ، عَلَيْهِمُ ابْنُ أَخِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، فَأَدْخَلَهُمُ الزَّيْنَبِيُّ الْمَدِينَةَ، وَلَا يَشْعُرُ الْقَوْمُ، وَبَيَّتَهُمْ نُعَيْمٌ بَيَاتًا فَشَغَلَهُمْ عَنْ مَدِينَتِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا وَصَبَرُوا لَهُ حَتَّى سَمِعُوا التَّكْبِيرَ مِنْ وَرَائِهِمْ فَانْهَزَمُوا، فَقُتِلُوا مَقْتَلَةً عُدُّوا بِالْقَصَبِ فِيهَا، وَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالرَّيِّ نَحْوًا مِمَّا فِي الْمَدَائِنِ، وَصَالَحَهُ الزَّيْنَبِيُّ عَلَى الرَّيِّ، وَمَرْزَبَهُ عَلَيْهِمْ نُعَيْمٌ، فَلَمْ يَزَلْ شَرَفُ الرَّيِّ فِي أَهْلِ الزَّيْنَبِيِّ، وَأَخْرَبَ نُعَيْمٌ مَدِينَتَهُمْ، وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الْعَتِيقَةُ، وَأَمَرَ الزَّيْنَبِيَّ فَبَنَى مَدِينَةَ الرَّيِّ الْحُدْثَى. وَكَتَبَ نُعَيْمٌ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ وَأَنْفَذَ الْأَخْمَاسَ، وَكَانَ الْبَشِيرُ الْمُضَارِبَ الْعِجْلِيَّ. وَرَاسَلَهُ الْمُصْمُغَانُ فِي الصُّلْحِ عَلَى شَيْءٍ يَفْتَدِي بِهِ مِنْهُ عَلَى دُنْبَاوَنْدَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ فَتْحَ الرَّيِّ كَانَ عَلَى يَدِ قَرَظَةَ بْنَ كَعْبٍ، وَقِيلَ: كَانَ فَتْحُهَا سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذكر فَتْحِ قُومِسَ وَجُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ لَمَّا أَرْسَلَ نُعَيْمٌ إِلَى عُمَرَ بِالْبِشَارَةِ وَأَخْمَاسِ الرَّيِّ كَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ أَخِيهِ
سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ وَمَعَهُ هِنْدُ بْنُ عَمْرٍو الْجَمَلِيُّ وَغَيْرُهُ إِلَى قُومِسَ، فَسَارَ سُوَيْدٌ نَحْوَ قُومِسَ، فَلَمْ يَقُمْ لَهُ أَحَدٌ، فَأَخَذَهَا سِلْمًا وَعَسْكَرَ بِهَا، وَكَاتَبَهُ الَّذِينَ لَجَأُوا إِلَى طَبَرِسْتَانَ مِنْهُمْ وَالَّذِينَ أَخَذُوا الْمَفَاوِزَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى الصُّلْحِ وَالْجِزْيَةِ وَكَتَبَ لَهُمْ بِذَلِكَ. ثُمَّ سَارَ سُوَيْدٌ إِلَى جُرْجَانَ فَعَسْكَرَ بِهَا بِبَسْطَامَ وَكَتَبَ إِلَى مَلِكِ جُرْجَانَ، وَهُوَ زُرْنَانُ صُولُ، وَكَاتَبَهُ زُرْنَانُ صُولُ وَصَالَحَهُ عَلَى جُرْجَانَ عَلَى الْجِزْيَةِ وَكِفَايَةِ حَرْبِ جُرْجَانَ وَأَنْ يُعِينَهُ سُوَيْدٌ إِنْ غَلَبَ، فَأَجَابَهُ سُوَيْدٌ إِلَى ذَلِكَ، وَتَلَقَّاهُ زُرْنَانُ صُولُ قَبْلَ دُخُولِهِ جُرْجَانَ فَدَخَلَ مَعَهُ وَعَسْكَرَ بِهَا حَتَّى جَبَى الْخَرَاجَ وَسَمَّى فُرُوجَهَا، فَسَدَّهَا بِتُرْكِ دِهِسْتَانَ، وَرَفَعَ الْجِزْيَةَ عَمَّنْ قَامَ بِمَنْعِهَا وَأَخَذَهَا مِنَ الْبَاقِينَ. وَقِيلَ: كَانَ فَتْحُهَا سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ. وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ زَمَنَ عُثْمَانَ. وَقِيلَ: وَرَاسَلَ الْإِصْبَهْبَذُ صَاحِبُ طَبَرِسْتَانَ سُوَيْدًا فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يَتَوَادَعَا وَيَجْعَلَ لَهُ شَيْئًا عَلَى غَيْرِ نَصْرٍ وَلَا مَعُونَةٍ عَلَى أَحَدٍ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا. ذكر فَتْحِ طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ وَبَرْقَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ مِصْرَ إِلَى بَرْقَةَ فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى الْجِزْيَةِ وَأَنْ يَبِيعُوا مِنْ أَبْنَائِهِمْ مَنْ أَرَادُوا بَيْعَهُ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَرْقَةَ سَارَ إِلَى طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ فَحَاصَرَهَا شَهْرًا فَلَمْ يَظْفَرْ بِهَا، وَكَانَ قَدْ نَزَلَ شَرْقِيَّهَا، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ يَتَصَيَّدُ فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ، وَسَلَكُوا غَرْبَ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا رَجَعُوا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحَرُّ فَأَخَذُوا عَلَى جَانِبِ الْبَحْرِ، وَلَمْ يَكُنِ السُّورُ مُتَّصِلًا بِالْبَحْرِ، وَكَانَتْ سُفُنُ الرُّومِ فِي مَرْسَاهَا مُقَابِلَ بُيُوتِهِمْ، فَرَأَى الْمُدْلِجِيُّ وَأَصْحَابُهُ مَسْلَكًا بَيْنَ الْبَحْرِ وَالْبَلَدِ فَدَخَلُوا مِنْهُ وَكَبَّرُوا، فَلَمْ يَكُنْ لِلرُّومِ مَلْجَأٌ إِلَّا سُفُنُهُمْ، لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ دَخَلُوا الْبَلَدَ، وَنَظَرَ عَمْرٌو وَمَنْ مَعَهُ فَرَأَى السُّيُوفَ فِي
الْمَدِينَةِ وَسَمِعُوا الصِّيَاحَ، فَأَقْبَلَ بِجَيْشِهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمُ الْبَلَدَ، فَلَمْ يُفْلِتِ الرُّومُ إِلَّا بِمَا خَفَّ مَعَهُمْ فِي مَرَاكِبِهِمْ. وَكَانَ أَهْلُ حِصْنِ سَبْرَةَ قَدْ تَحَصَّنُوا لَمَّا نَزَلَ عَمْرٌو عَلَى طَرَابُلُسَ، فَلَمَّا امْتَنَعُوا عَلَيْهِ بِطَرَابُلُسَ أَمِنُوا وَاطْمَأَنُّوا، فَلَمَّا فُتِحَتْ طَرَابُلُسُ جَنَّدَ عَمْرٌو عَسْكَرًا كَثِيفًا وَسَيَّرَهُ إِلَى سَبْرَةَ، فَصَبَّحُوهَا وَقَدْ فَتَحَ أَهْلُهَا الْبَابَ وَأَخْرَجُوا مَوَاشِيَهُمْ لِتَسْرَحَ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُمْ خَبَرُ طَرَابُلُسَ، فَوَقَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ وَدَخَلُوا الْبَلَدَ مُكَابَرَةً وَغَنِمُوا مَا فِيهِ وَعَادُوا إِلَى عَمْرٍو. ثُمَّ سَارَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى بَرْقَةَ وَبِهَا لُوَاتَةُ، وَهُمْ مِنَ الْبَرْبَرِ. وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِ الْبَرْبَرِ إِلَيْهَا وَإِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْغَرْبِ أَنَّهُمْ كَانُوا بِنَوَاحِي فِلَسْطِينَ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَ مَلِكُهُمْ جَالُوتَ، فَلَمَّا قُتِلَ سَارَتِ الْبَرَابِرُ وَطَلَبُوا الْغَرْبَ، حَتَّى إِذَا انْتَهَوْا إِلَى لُوبِيَّةَ وَمَرَاقِيَّةَ، وَهُمَا كُورَتَانِ مِنْ كُوَرِ مِصْرَ الْغَرْبِيَّةِ، تَفَرَّقُوا فَسَارَتْ زَنَاتَةُ وَمُغِيلَةُ، وَهُمَا قَبِيلَتَانِ مِنَ الْبَرْبَرِ إِلَى الْغَرْبِ فَسَكَنُوا الْجِبَالَ، وَسَكَنَتْ لُوَاتَةُ أَرْضَ بَرْقَةَ، وَتُعْرَفُ قَدِيمًا بِأَنْطَابُلُسَ، وَانْتَشَرُوا فِيهَا حَتَّى بَلَغُوا السُّوسَ، وَنَزَلَتْ هَوَّارَةُ مَدِينَةَ لَبْدَةَ، وَنَزَلَتْ نَفُوسَةُ إِلَى مَدِينَةِ سَبْرَةَ وَجَلَا مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الرُّومِ لِذَلِكَ، وَقَامَ الْأَفَارِقُ، وَهُمْ خَدَمُ الرُّومِ، عَلَى صُلْحٍ يُؤَدُّونَهُ إِلَى مَنْ غَلَبَ عَلَى بِلَادِهِمْ. وَسَارَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ - كَمَا ذَكَرْنَا - فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ يُؤَدُّونَهَا جِزْيَةً، وَشَرَطُوا أَنْ يَبِيعُوا مَنْ أَرَادُوا مِنْ أَوْلَادِهِمْ فِي جِزْيَتِهِمْ. ذكر فَتْحِ أَذْرَبِيجَانَ قَالَ: فَلَمَّا افْتَتَحَ نُعَيْمٌ الرَّيَّ بَعَثَ سِمَاكَ بْنَ خَرَشَةَ الْأَنْصَارِيَّ، وَلَيْسَ بِأَبِي دُجَانَةَ، مُمِدًّا لَبُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِأَذْرَبِيجَانَ، أَمَرَهُ عُمَرُ بِذَلِكَ، فَسَارَ سِمَاكٌ نَحْوَ بُكَيْرٍ، وَكَانَ بُكَيْرٌ حِينَ بُعِثَ إِلَيْهَا سَارَ حَتَّى إِذَا طَلَعَ بِجِبَالِ جَرْمِيذَانَ طَلَعَ عَلَيْهِمُ اسْفَنْدِيَارُ بْنُ فَرُّخْزَاذَ مَهْزُومًا مِنْ وَاجِ رُوذَ، فَكَانَ أَوَّلَ قِتَالٍ لَقِيَهُ بِأَذْرَبِيجَانَ، فَاقْتَتَلُوا، فَهُزِمَ الْفُرْسُ وَأَخَذَ بُكَيْرٌ اسْفَنْدِيَارَ أَسِيرًا. فَقَالَ لَهُ اسْفَنْدِيَارُ: الصُّلْحُ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمِ الْحَرْبُ؟ قَالَ: بَلِ الصُّلْحُ.
قَالَ: أَمْسِكْنِي عِنْدَكَ فَإِنَّ أَهْلَ أَذْرَبِيجَانَ إِنْ لَمْ أُصَالِحْ عَلَيْهِمْ أَوْ أَجِئْ إِلَيْهِمْ لَمْ يَقُومُوا لَكَ، وَجَلَوْا إِلَى الْجِبَالِ الَّتِي حَوْلَهَا، وَمَنْ كَانَ عَلَى التَّحَصُّنِ تَحَصَّنَ إِلَى يَوْمٍ مَا. فَأَمْسَكَهُ عِنْدَهُ، وَصَارَتِ الْبِلَادُ إِلَيْهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ حِصْنٍ. وَقَدِمَ عَلَيْهِ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ مُمِدًّا، وَاسْفَنْدِيَارُ فِي إِسَارِهِ وَقَدِ افْتَتَحَ مَا يَلِيهِ، وَافْتَتَحَ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ مَا يَلِيهِ. وَكَتَبَ بُكَيْرٌ إِلَى عُمَرَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي التَّقَدُّمِ، فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ نَحْوَ الْبَابِ، وَأَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى مَا افْتَتَحَهُ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِ عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ، فَأَقَرَّ عُتْبَةُ سِمَاكَ بْنَ خَرَشَةٍ عَلَى عَمَلِ بُكَيْرٍ الَّذِي كَانَ افْتَتَحَهُ، وَجَمَعَ عُمَرُ أَذْرَبِيجَانَ كُلَّهَا لِعُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ. وَكَانَ بَهْرَامُ بْنُ فَرُّخْزَاذَ قَصَدَ طَرِيقَ عُتْبَةَ، وَأَقَامَ بِهِ فِي عَسْكَرِهِ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ عُتْبَةُ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ بَهْرَامُ، فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهُ اسْفَنْدِيَارَ وَهُوَ فِي الْأَسْرِ عِنْدَ بُكَيْرٍ قَالَ: الْآنَ تَمَّ الصُّلْحُ وَطُفِئَتِ الْحَرْبُ. فَصَالَحَهُ وَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ أَهْلُ أَذْرَبِيجَانَ كُلُّهُمْ، وَعَادَتْ أَذْرَبِيجَانُ سِلْمًا. وَكَتَبَ بِذَلِكَ بُكَيْرٌ وَعُتْبَةُ إِلَى عُمَرَ وَبَعَثَا بِمَا خَمَّسَا. وَلَمَّا جَمَعَ عُمَرُ لِعُتْبَةَ عَمَلَ بُكَيْرٍ كَتَبَ لِأَهْلِ أَذْرَبِيجَانَ كِتَابًا بِالصُّلْحِ. وَفِيهَا قَدِمَ عُتْبَةُ عَلَى عُمَرَ بِالْخَبِيصِ الَّذِي كَانَ أُهْدِيَ لَهُ. وَكَانَ عُمَرُ يَأْخُذُ عُمَّالَهُ بِمُوَافَاةِ الْمَوْسِمِ كُلَّ سَنَةٍ يَمْنَعُهُمْ بِذَلِكَ عَنِ الظُّلْمِ. ذكر فَتْحِ الْبَابِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ فَتْحُ الْبَابِ، وَكَانَ عُمَرُ رُدَّ أَبَا مُوسَى إِلَى الْبَصْرَةِ وَبَعَثَ سُرَاقَةَ بْنَ عَمْرٍو، وَكَانَ يُدْعَى ذَا النُّورِ، إِلَى الْبَابِ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ، وَكَانَ أَيْضًا يُدْعَى ذَا النُّورِ، وَجَعَلَ عَلَى إِحْدَى مُجَنِّبَتَيْهِ حُذَيْفَةَ بْنَ أَسِيدٍ الْغِفَارِيَّ، وَعَلَى الْأُخْرَى بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ، وَكَانَ بُكَيْرٌ سَبَقَهُ إِلَى الْبَابِ. وَجَعَلَ عَلَى الْمَقَاسِمِ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ. فَسَارَ سُرَاقَةُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ قَدِمَ بُكَيْرٌ إِلَى الْبَابِ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ أَمَدَّ سُرَاقَةَ بِحَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ مِنَ الْجَزِيرَةِ وَجَعَلَ مَكَانَهُ زِيَادَ بْنَ حَنْظَلَةَ. وَلَمَّا أَطَلَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَبِيعَةَ عَلَى الْبَابِ، وَالْمَلِكُ بِهَا يَوْمَئِذٍ شَهْرَيَارُ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ شَهْرَيَارَ الَّذِي أَفْسَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَغْزَى الشَّامَ بِهِمْ، فَكَاتَبَهُ شَهْرَيَارُ وَاسْتَأْمَنَهُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُ، فَفَعَلَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي بِإِزَاءِ عَدُوٍّ كَلِبٍ وَأُمَمٍ مُخْتَلِفَةٍ لَيْسَتْ لَهُمْ أَحْسَابٌ وَلَا يَنْبَغِي لِذِي الْحَسَبِ
وَالْعَقْلِ أَنْ يُعِينَهُمْ عَلَى ذِي الْحَسَبِ، وَلَسْتُ مِنَ الْقَبْجِ وَلَا الْأَرْمَنِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّكُمْ قَدْ غَلَبْتُمْ عَلَى بِلَادِي وَأُمَّتِي، فَأَنَا مِنْكُمْ وَيَدِي مَعَ أَيْدِيكُمْ، وَجِزْيَتِي إِلَيْكُمْ وَالنَّصْرُ لَكُمْ، وَالْقِيَامُ بِمَا تُحِبُّونَ، فَلَا تَسُومُونَنَا الْجِزْيَةَ فَتُوَهِّنُونَا بِعَدُوِّكُمْ. قَالَ: فَسَيَّرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى سُرَاقَةَ، فَلَقِيَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقَبِلَ مِنْهُ سُرَاقَةُ ذَلِكَ، وَقَالَ: لَا بُدَّ مِنَ الْجِزْيَةِ مِمَّنْ يُقِيمُ وَلَا يُحَارِبُ الْعَدُوَّ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. وَكَتَبَ سُرَاقَةُ فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ فَأَجَازَهُ عُمَرُ وَاسْتَحْسَنَهُ. ذكر فَتْحِ مُوقَانَ لَمَّا فَرَغَ سُرَاقَةُ مِنَ الْبَابِ أَرْسَلَ بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وَحُذَيْفَةَ بْنَ أَسِيدٍ، وَسَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ إِلَى أَهْلِ تِلْكَ الْجِبَالِ الْمُحِيطَةِ بِأَرْمِينِيَّةَ، فَوَجَّهَ بُكَيْرًا إِلَى مُوقَانَ، وَحَبِيبًا إِلَى تَفْلِيسَ، وَحُذَيْفَةَ إِلَى جِبَالِ اللَّانِ، وَسَلْمَانَ إِلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ. وَكَتَبَ سُرَاقَةُ بِالْفَتْحِ إِلَى عُمَرَ، وَبِإِرْسَالِ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ إِلَى الْجِهَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَأَتَى عُمَرَ أَمْرٌ لَمْ يَظُنَّ أَنْ يَتِمَّ لَهُ بِغَيْرِ مَؤُونَةٍ ; لِأَنَّهُ فَرْجٌ عَظِيمٌ وَجُنْدٌ عَظِيمٌ، فَلَمَّا اسْتَوْسَقُوا وَاسْتَحْلَوُا الْإِسْلَامَ وَعَدْلَهُ مَاتَ سُرَاقَةُ، وَاسْتَخْلَفَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ. وَلَمْ يَفْتَتِحْ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ الْقُوَّادِ إِلَّا بُكَيْرٌ، فَإِنَّهُ فَضَّ أَهْلَ مُوقَانَ، ثُمَّ تَرَاجَعُوا عَلَى الْجِزْيَةِ، عَنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارٌ. وَكَانَ فَتْحُهَا سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. وَلَمَّا بَلَّغَ عُمَرَ مَوْتُ سُرَاقَةَ وَاسْتِخْلَافُهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ أَقَرَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَلَى فَرْجِ الْبَابِ وَأَمَرَهُ بِغَزْوِ التُّرْكِ. (أَسِيدٌ فِي هَذِهِ التَّرَاجِمِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ. وَالنُّورُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالرَّاءِ) . ذكر غَزْوِ التُّرْكِ لَمَّا أُمِرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَبِيعَةَ بِغَزْوِ التُّرْكِ خَرَجَ بِالنَّاسِ حَتَّى قَطَعَ الْبَابَ. فَقَالَ لَهُ شَهْرَيَارُ: مَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ؟ قَالَ: أُرِيدُ غَزْوَ بَلَنْجَرَ وَالتُّرْكِ. قَالَ: إِنَّا لَنَرْضَى مِنْهُمْ أَنْ يَدَعُونَا مِنْ دُونِ الْبَابِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَكِنَّا لَا نَرْضَى حَتَّى نَغْزُوَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ، وَبِاللَّهِ
إِنَّ مَعَنَا أَقْوَامًا لَوْ يَأْذَنُ لَهُمْ أَمِيرُنَا فِي الْإِمْعَانِ لَبَلَغْتُ بِهِمُ الرُّومَ. قَالَ: وَمَا هُمْ؟ قَالَ: أَقْوَامٌ صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَدَخَلُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ بِنِيَّةٍ، وَلَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ لَهُمْ دَائِمًا وَلَا يَزَالُ النَّصْرُ مَعَهُمْ حَتَّى يُغَيِّرَهُمْ مَنْ يَغْلِبُهُمْ، وَحَتَّى يُلْفَتُوا عَنْ حَالِهِمْ. فَغَزَا بَلَنْجَرَ غَزَاةً فِي زَمَنِ عُمَرَ فَقَالُوا: مَا اجْتَرَأَ عَلَيْنَا إِلَّا وَمَعَهُ الْمَلَائِكَةُ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الْمَوْتِ، فَهَرَبُوا مِنْهُ وَتَحَصَّنُوا، فَرَجَعَ بِالْغَنِيمَةِ وَالظَّفَرِ، وَقَدْ بَلَغَتْ خَيْلُهُ الْبَيْضَاءَ عَلَى رَأْسِ مِائَتَيْ فَرْسَخٍ مِنْ بَلَنْجَرَ، وَعَادُوا وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ. ثُمَّ غَزَاهُمْ أَيَّامَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ غَزَوَاتٍ، فَظَفِرَ كَمَا كَانَ يَظْفَرُ، حَتَّى تَبَدَّلَ أَهْلُ الْكُوفَةِ لِاسْتِعْمَالِ عُثْمَانَ مَنْ كَانَ ارْتَدَّ اسْتِصْلَاحًا لَهُمْ فَزَادَهُمْ فَسَادًا، فَغَزَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَبِيعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَتَذَامَرَتِ التُّرْكُ، وَاجْتَمَعُوا فِي الْغِيَاضِ، فَرَمَى رَجُلٌ مِنْهُمْ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى غِرَّةٍ فَقَتَلَهُ، وَهَرَبَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فَخَرَجُوا عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ، فَاقْتَتَلُوا وَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ، وَنَادَى مُنَادٍ مِنَ الْجَوِّ: صَبْرًا عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَمَوْعِدُكُمُ الْجَنَّةُ! فَقَاتَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَتَّى قُتِلَ، وَانْكَشَفَ أَصْحَابُهُ، وَأَخَذَ الرَّايَةَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ أَخُوهُ فَقَاتَلَ بِهَا، وَنَادَى مُنَادٍ مِنَ الْجَوِّ: صَبْرًا آلَ سَلْمَانَ! فَقَالَ سَلْمَانُ: أَوَتَرَى جَزَعًا؟ وَخَرَجَ سَلْمَانُ بِالنَّاسِ مَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيُّ عَلَى جِيلَانَ، فَقَطَعُوهَا إِلَى جُرْجَانَ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ ذَلِكَ مِنْ إِنْجَاءِ جَسَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَهُمْ يَسْتَسْقُونَ بِهِ إِلَى الْآنَ. ذكر تَعْدِيلِ الْفُتُوحِ بَيْنَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَدَّلَ عُمَرُ فُتُوحَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ بَيْنَهُمْ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ سُرَاقَةَ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَذْكُرُ لَهُ كَثْرَةَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعَجْزَ خَرَاجِهِمْ عَنْهُمْ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَزِيدَهُمْ أَحَدَ الْمَاهَيْنِ أَوْ مَاسَبَذَانَ، وَبَلَغَ أَهْلَ الْكُوفَةِ ذَلِكَ، وَقَالُوا لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ أَمِيرًا سَنَةً وَبَعْضَ أُخْرَى: اكْتُبْ إِلَى عُمَرَ أَنَّ رَامَهُرْمُزَ وَإِيذَجَ لَنَا دُونَهُمْ لَمْ يُعِينُونَا عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَلْحَقُونَا حَتَّى افْتَتَحْنَاهُمَا، فَلَمْ يَفْعَلْ عَمَّارٌ، فَقَالَ لَهُ عُطَارِدٌ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الْأَجْدَعُ فَعَلَامَ تَدَعُ فَيْئَنَا؟ فَقَالَ: لَقَدْ سَبَبْتَ أَحَبَّ أُذُنَيَّ إِلَيَّ! فَأَبْغَضُوهُ لِذَلِكَ. وَاخْتَصَمَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَادَّعَى أَهْلُ الْبَصْرَةِ قُرًى افْتَتَحَهَا أَبُو مُوسَى دُونَ أَصْبَهَانَ، أَيَّامَ أَمَدَّ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَهْلَ الْكُوفَةِ. فَقَالَ لَهُمْ
أَهْلُ الْكُوفَةِ: أَتَيْتُمُونَا مَدَدًا، وَقَدِ افْتَتَحْنَا الْبِلَادَ فَأَنْشَبْنَاكُمْ فِي الْمَغَانِمِ، وَالذِّمَّةُ ذِمَّتُنَا وَالْأَرْضُ أَرْضُنَا. فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقُوا. فَقَالَ أَهْلُ الْأَيَّامِ وَالْقَادِسِيَّةِ مِمَّنْ سَكَنَ الْبَصْرَةَ: فَلْتُعْطُونَا نَصِيبَنَا مِمَّا نَحْنُ شُرَكَاؤُكُمْ فِيهِ مِنْ سَوَادِهِمْ وَحَوَاشِيهِمْ. فَأَعْطَاهُمْ عُمَرُ مِائَةَ دِينَارٍ بِرِضَا أَهْلِ الْكُوفَةِ، أَخَذَهَا مَنْ شَهِدَ الْأَيَّامَ وَالْقَادِسِيَّةَ. وَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي جَنَّدَ قِنَّسْرِينَ مِمَّنْ أَتَاهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ أَيَّامَ عَلِيٍّ، وَإِنَّمَا كَانَ قِنَّسْرِينُ رُسْتَاقًا مِنْ رَسَاتِيقِ حِمْصَ، فَأَخَذَ لَهُمْ مُعَاوِيَةُ حِينَ وَلِيَ نَصِيبَهُمْ مِنْ فُتُوحِ الْعِرَاقِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَالْمَوْصِلِ وَالْبَابِ، لِأَنَّهُ مِنْ فُتُوحِ أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَكَانَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ يَوْمَئِذٍ نَاقِلَةً، انْتَقَلَ إِلَيْهَا كُلُّ مَنْ نَزَلَ بِهِجْرَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدَيْنِ أَيَّامَ عَلِيٍّ، فَأَعْطَاهُمْ مُعَاوِيَةُ مِنْ ذَلِكَ نَصِيبًا. وَكَفَرَ أَهْلُ أَرْمِينِيَّةَ أَيَّامَ مُعَاوِيَةَ، وَقَدْ أَمَّرَ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ عَلَى الْبَابِ، وَحَبِيبٌ يَوْمَئِذٍ بِجُرْزَانَ، وَكَاتَبَ أَهْلَ تَفْلِيسَ وَتِلْكَ الْجِبَالِ مَنْ جُرْزَانَ فَاسْتَجَابُوا لَهُ. ذكر عَزْلِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنِ الْكُوفَةِ وَوِلَايَةِ أَبِي مُوسَى وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَفِيهَا عَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ عَنِ الْكُوفَةِ، وَاسْتَعْمَلَ أَبَا مُوسَى. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ شَكَوْهُ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ مَا هُوَ فِيهِ وَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَمِينٍ، وَنَزَا بِهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ. فَدَعَاهُ عُمَرُ، فَخَرَجَ مَعَهُ وَفْدٌ يُرِيدُ أَنَّهُمْ مَعَهُ، فَكَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهِ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، وَقَالُوا: إِنَّهُ غَيْرُ كَافٍ وَعَالِمٍ بِالسِّيَاسَةِ، وَلَا يَدْرِي عَلَى مَا اسْتَعْمَلْتَهُ. وَكَانَ مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ - عَمُّ الْمُخْتَارِ -، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَعَيَا بِهِ، فَعَزَلَهُ عُمَرُ. وَقَالَ عُمَرُ لِعَمَّارٍ: أَسَاءَكَ الْعَزْلُ؟ قَالَ: مَا سَرَّنِي حِينَ اسْتُعْمِلْتُ وَلَقَدْ سَاءَنِي حِينَ عُزِلْتُ. فَقَالَ لَهُ: قَدْ عَلِمْتُ مَا أَنْتَ بِصَاحِبِ عَمَلٍ، وَلَكِنِّي تَأَوَّلْتُ: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 5] .
ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ فَقَالَ: مَنْ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: أَبَا مُوسَى. فَأَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ عَمَّارٍ. فَأَقَامَ عَلَيْهِمْ سَنَةً فَبَاعَ غُلَامُهُ الْعَلَفَ، فَشَكَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ وَقَالُوا: إِنَّ غُلَامَهُ يَتَّجِرُ فِي جِسْرِنَا، فَعَزَلَهُ عَنْهُمْ وَصَرَفَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ. وَصَرَفَ عُمَرَ بْنَ سُرَاقَةَ إِلَى الْجَزِيرَةِ. وَخَلَا عُمَرُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَنَامَ، فَأَتَاهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَحَرَسَهُ حَتَّى اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: مَا فَعَلْتُ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا مِنْ عَظِيمٍ. فَقَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَعْظَمُ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ لَا يَرْضَوْنَ عَنْ أَمِيرٍ وَلَا يَرْضَى عَنْهُمْ أَمِيرٌ؟ وَأُحِيطَتِ الْكُوفَةُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ. وَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَدْ عَضَّلُونِي. وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ. وَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي تَوْلِيَةِ رَجُلٍ ضَعِيفٍ مُسْلِمٍ أَوْ رَجُلٍ قَوِيٍّ مُسَدِّدٍ؟ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: أَمَّا الضَّعِيفُ الْمُسْلِمُ فَإِنَّ إِسْلَامَهُ لِنَفْسِهِ وَضَعْفَهُ عَلَيْكَ، وَأَمَّا الْقَوِيُّ الْمُسَدِّدُ فَإِنَّ سَدَادَهُ لِنَفْسِهِ وَقُوَّتَهُ لِلْمُسْلِمِينَ. فَوَلَّى الْمُغِيرَةَ الْكُوفَةَ، فَبَقِيَ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ عُمَرُ، وَذَلِكَ نَحْوَ سَنَتَيْنِ وَزِيَادَةٍ. وَقَالَ لَهُ حِينَ بَعَثَهُ: يَا مُغِيرَةُ لِيَأْمَنْكَ الْأَبْرَارُ، وَلْيَخَفْكَ الْفُجَّارُ. ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَبْعَثَ سَعْدًا عَلَى عَمَلِ الْمُغِيرَةِ، فَقُتِلَ عُمَرُ قَبْلَ ذَلِكَ فَأَوْصَى بِهِ. ذكر فَتْحِ خُرَاسَانَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ خُرَاسَانَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنْ يَزْدَجِرْدَ لَمَّا سَارَ إِلَى الرَّيِّ بَعْدَ هَزِيمَةِ أَهْلِ جَلُولَاءَ، وَانْتَهَى إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا أَبَانُ جَاذَوَيْهِ وَثَبَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ. فَقَالَ يَزْدَجِرْدُ: يَا أَبَانُ تَغْدِرُ بِي! قَالَ: لَا وَلَكِنْ قَدْ تَرَكْتَ مُلْكَكَ، فَصَارَ فِي يَدِ غَيْرِكَ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكْتَتِبَ عَلَى مَا كَانَ لِي مِنْ شَيْءٍ. وَأَخَذَ خَاتَمَ يَزْدَجِرْدَ وَاكْتَتَبَ الصِّكَاكَ بِكُلِّ مَا أَعْجَبَهُ، ثُمَّ خَتَمَ عَلَيْهَا وَرَدَّ الْخَاتَمَ، ثُمَّ أَتَى بَعْدُ سَعْدًا فَرَدَّ عَلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ فِي كِتَابِهِ.
وَسَارَ يَزْدَجِرْدُ مِنَ الرَّيِّ إِلَى أَصْبَهَانَ، ثُمَّ مِنْهَا إِلَى كَرْمَانَ وَالنَّارُ مَعَهُ، ثُمَّ قَصَدَ خُرَاسَانَ فَأَتَى مَرْوًا فَنَزَلَهَا وَبَنَى لِلنَّارِ بَيْتًا، وَاطْمَأَنَّ وَأَمِنَ أَنْ يُؤْتَى، وَدَانَ لَهُ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْأَعَاجِمِ. وَكَاتَبَ الْهُرْمُزَانَ وَأَثَارَ أَهْلَ فَارِسَ، فَنَكَثُوا، وَأَثَارَ أَهْلَ الْجِبَالِ وَالْفَيْرُزَانِ، فَنَكَثُوا، فَأَذِنَ عُمَرُ لِلْمُسْلِمِينَ فَدَخَلُوا بِلَادَ الْفُرْسِ، فَسَارَ الْأَحْنَفُ إِلَى خُرَاسَانَ، فَدَخَلَهَا مِنَ الطَّبَسَيْنِ، فَافْتَتَحَ هَرَاةَ عَنْوَةً، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا صُحَارَ بْنَ فُلَانٍ الْعَبْدِيَّ، ثُمَّ سَارَ نَحْوَ مَرْوِ الشَّاهْجَانِ، فَأَرْسَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَإِلَى سَرْخَسَ الْحَارِثَ بْنَ حَسَّانَ، فَلَمَّا دَنَا الْأَحْنَفُ مِنْ مَرْوِ الشَّاهْجَانِ خَرَجَ مِنْهَا يَزْدَجِرْدُ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ حَتَّى نَزَلَهَا، وَنَزَلَ الْأَحْنَفُ مَرْوَ الشَّاهْجَانِ، وَكَتَبَ يَزْدَجِرْدُ، وَهُوَ بِمَرْوِ الرُّوذِ، إِلَى خَاقَانَ وَإِلَى مَلِكِ الصُّغْدِ وَإِلَى مَلِكِ الصِّينِ يَسْتِمِدُّهُمْ. وَخَرَجَ الْأَحْنَفُ مِنْ مَرْوِ الشَّاهْجَانِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا حَارِثَةَ بْنَ النُّعْمَانِ الْبَاهِلِيَّ بَعْدَمَا لَحِقَتْ بِهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَسَارَ نَحْوَ مَرْوِ الرُّوذِ. فَلَمَّا سَمِعَ يَزْدَجِرْدُ سَارَ عَنْهَا إِلَى بَلْخَ، وَنَزَلَ الْأَحْنَفُ مَرْوَ الرُّوذِ. وَقَدِمَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى يَزْدَجِرْدَ وَاتَّبَعَهُمُ الْأَحْنَفُ، فَالْتَقَى أَهْلُ الْكُوفَةِ وَيَزْدَجِرْدُ بِبَلْخَ، فَانْهَزَمَ يَزْدَجِرْدُ وَعَبَرَ النَّهْرَ، وَلَحِقَ الْأَحْنَفُ بِأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَبَلْخُ مِنْ فُتُوحِهِمْ. وَتَتَابَعَ أَهْلُ خُرَاسَانَ مَنْ هَرَبَ وَشَذَّ عَلَى الصُّلْحِ فِيمَا بَيْنَ نَيْسَابُورَ إِلَى طُخَارِسْتَانَ، وَعَادَ الْأَحْنَفُ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ فَنَزَلَهَا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى طُخَارِسْتَانَ رِبْعِيَّ بْنَ عَامِرٍ، وَكَتَبَ الْأَحْنَفُ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ، فَقَالَ عُمَرُ: وَدِدْتُ أَنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا بَحْرًا مِنْ نَارٍ. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَلِمَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: لِأَنَّ أَهْلَهَا سَيَنْفَضُّونَ مِنْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيُجْتَاحُونَ فِي الثَّالِثَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ بِأَهْلِهَا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ. وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْأَحْنَفِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَا دُونَ النَّهْرِ وَلَا يَجُوزَهُ. وَلَمَّا عَبَرَ يَزْدَجِرْدُ النَّهْرَ مَهْزُومًا أَنْجَدَهُ خَاقَانُ فِي التُّرْكِ وَأَهْلِ فَرْغَانَةَ وَالصُّغْدِ، فَرَجَعَ يَزْدَجِرْدُ وَخَاقَانُ إِلَى خُرَاسَانَ فَنَزَلَا بَلْخَ، وَرَجَعَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى الْأَحْنَفِ بِمَرْوِ الرُّوذِ، وَنَزَلَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِ بِمَرْوٍ أَيْضًا. وَكَانَ الْأَحْنَفُ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ عُبُورِ يَزْدَجِرْدَ وَخَاقَانَ النَّهْرَ إِلَيْهِ خَرَجَ لَيْلًا يَتَسَمَّعُ هَلْ يَسْمَعُ بِرَأْيٍ يَنْتَفِعُ بِهِ، فَمَرَّ بِرَجُلَيْنِ يُنَقِّيَانِ عَلَفًا، وَأَحَدُهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: لَوْ أَسْنَدَنَا الْأَمِيرُ إِلَى هَذَا الْجَبَلِ، فَكَانَ النَّهْرُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَدُوِّنَا خَنْدَقًا، وَكَانَ الْجَبَلُ فِي ظُهُورِنَا فَلَا يَأْتُونَا
مِنْ خَلْفِنَا، وَكَانَ قِتَالُنَا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ رَجَوْتُ أَنْ يَنْصُرَنَا اللَّهُ. فَرَجَعَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَمَعَ النَّاسَ وَرَحَلَ بِهِمْ إِلَى سَفْحِ الْجَبَلِ، وَكَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَشَرَةُ آلَافٍ وَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ نَحْوٌ مِنْهُمْ، وَأَقْبَلَتِ التُّرْكُ وَمَنْ مَعَهَا، فَنَزَلَتْ وَجَعَلُوا يُغَادُونَهُمُ الْقِتَالَ وَيُرَاوِحُونَهُمْ، وَفِي اللَّيْلِ يَتَنَحَّوْنَ عَنْهُمْ. فَخَرَجَ الْأَحْنَفُ لَيْلَةً طَلِيعَةً لِأَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ عَسْكَرِ خَاقَانَ وَقَفَ، فَلَمَّا كَانَ وَجْهُ الصُّبْحِ خَرَجَ فَارِسٌ مِنَ التُّرْكِ بِطَوْقِهِ، فَضَرَبَ بِطَبْلِهِ، ثُمَّ وَقَفَ مِنَ الْعَسْكَرِ مَوْقِفًا يَقِفُهُ مِثْلُهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ الْأَحْنَفُ فَتَقَاتَلَا، فَطَعَنَهُ الْأَحْنَفُ فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ طَوْقَ التُّرْكِيِّ وَوَقَفَ، فَخَرَجَ آخَرُ مِنَ التُّرْكِ فَفَعَلَ فِعْلَ صَاحِبِهِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ الْأَحْنَفُ فَتَقَاتَلَا، فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ طَوْقَهُ وَوَقَفَ، ثُمَّ خَرَجَ الثَّالِثُ مِنَ التُّرْكِ فَفَعَلَ فِعْلَ الرَّجُلَيْنِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ الْأَحْنَفُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ الْأَحْنَفُ إِلَى عَسْكَرِهِ. وَكَانَتْ عَادَةُ التُّرْكِ أَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثَةٌ مِنْ فُرْسَانِهِمْ أَكْفَاءٌ، كُلُّهُمْ يَضْرِبُ بِطَبْلِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ بَعْدَ خُرُوجِ الثَّالِثِ. فَلَمَّا خَرَجُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ بَعْدَ الثَّالِثِ فَأَتَوْا عَلَى فُرْسَانِهِمْ مُقَتَّلِينَ تَشَاءَمَ خَاقَانُ وَتَطَيَّرَ فَقَالَ: قَدْ طَالَ مُقَامُنَا وَقَدْ أُصِيبَ فُرْسَانُنَا، مَا لَنَا فِي قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ خَيْرٌ ; فَرَجَعُوا. وَارْتَفَعَ النَّهَارُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَرَوْا مِنْهُمْ أَحَدًا، وَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِانْصِرَافِ خَاقَانَ وَالتُّرْكِ إِلَى بَلْخَ، وَقَدْ كَانَ يَزْدَجِرْدُ تَرَكَ خَاقَانَ مُقَابِلَ الْمُسْلِمِينَ بِمَرْوِ الرُّوذِ، وَانْصَرَفَ إِلَى مَرْوِ الشَّاهْجَانِ، فَتَحَصَّنَ حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ وَمَنْ مَعَهُ، فَحَصَرَهُمْ وَاسْتَخْرَجَ خَزَائِنَهُ مِنْ مَوْضِعِهَا، وَخَاقَانُ مُقِيمٌ بِبَلْخَ. فَلَمَّا جَمَعَ يَزْدَجِرْدُ خَزَائِنَهُ، وَكَانَتْ كَبِيرَةً عَظِيمَةً، وَأَرَادَ أَنْ يَلْحَقَ بِخَاقَانَ قَالَ لَهُ أَهْلُ فَارِسَ: أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ؟ قَالَ: أُرِيدُ اللَّحَاقَ بِخَاقَانَ فَأَكُونُ مَعَهُ أَوْ بِالصِّينِ. قَالُوا لَهُ: إِنَّ هَذَا رَأْيُ سُوءٍ، ارْجِعْ بِنَا إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَنُصَالِحَهُمْ فَإِنَّهُمْ أَوْفِيَاءُ وَهُمْ أَهْلُ دِينٍ، وَإِنَّ عَدُوًّا يَلِينَا فِي بِلَادِنَا أَحَبُّ إِلَيْنَا مَمْلَكَةً مِنْ عَدُوٍّ يَلِينَا فِي بِلَادِهِ وَلَا دِينَ لَهُمْ، وَلَا نَدْرِي مَا وَفَاؤُهُمْ. فَأَبَى عَلَيْهِمْ. فَقَالُوا: دَعْ خَزَائِنَنَا نَرُدَّهَا إِلَى بِلَادِنَا وَمَنْ يَلِينَا لَا تُخْرِجْهَا مِنْ بِلَادِنَا. فَأَبَى، فَاعْتَزَلُوهُ وَقَاتَلُوهُ فَهَزَمُوهُ وَأَخَذُوا الْخَزَائِنَ وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا، وَانْهَزَمَ مِنْهُمْ وَلَحِقَ بِخَاقَانَ، وَعَبَرَ النَّهْرَ مِنْ بَلْخَ إِلَى فَرْغَانَةَ، وَأَقَامَ يَزْدَجِرْدُ بِبَلَدِ التُّرْكِ، فَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا زَمَنَ عُمَرَ كُلَّهُ إِلَى أَنْ كَفَرَ أَهْلُ خُرَاسَانَ زَمَنَ عُثْمَانَ، وَكَانَ يُكَاتِبُهُمْ وَيُكَاتِبُونَهُ. وَسَيَرِدُ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ أَهْلُ فَارِسَ بَعْدَ رَحِيلِ يَزْدَجِرْدَ عَلَى الْأَحْنَفِ، فَصَالَحُوهُ وَدَفَعُوا إِلَيْهِ تِلْكَ الْخَزَائِنَ وَالْأَمْوَالَ، وَتَرَاجَعُوا إِلَى بُلْدَانِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ عَلَى أَفْضَلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ زَمَنَ الْأَكَاسِرَةِ، وَاغْتَبَطُوا بِمُلْكِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَصَابَ الْفَارِسُ يَوْمَ يَزْدَجِرْدَ كَسَهْمِهِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ.
وَسَارَ الْأَحْنَفُ إِلَى بَلْخَ فَنَزَلَهَا بَعْدَ عُبُورِ خَاقَانَ النَّهْرَ مِنْهَا، وَنَزَلَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي كُوَرِهَا الْأَرْبَعِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ فَنَزَلَهَا، وَكَتَبَ بِفَتْحِ خَاقَانَ وَيَزْدَجِرْدَ إِلَى عُمَرَ. وَلَمَّا عَبَرَ خَاقَانُ وَيَزْدَجِرْدُ النَّهْرَ لَقِيَا رَسُولَ يَزْدَجِرْدَ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى مَلِكِ الصِّينِ، فَأَخْبَرَهُمَا أَنَّ مَلِكَ الصِّينِ قَالَ لَهُ: صِفْ لِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ بِلَادِكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكَ تَذْكُرُ قِلَّةً مِنْهُمْ وَكَثْرَةً مِنْكُمْ، وَلَا يَبْلُغُ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الْقَلِيلِ مِنْكُمْ مَعَ كَثْرَتِكُمْ، إِلَّا بِخَيْرٍ عِنْدَهُمْ وَشَرٍّ فِيكُمْ. فَقُلْتُ: سَلْنِي عَمَّا أَحْبَبْتَ. فَقَالَ: أَيُوفُونَ بِالْعَهْدِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَمَا يَقُولُونَ لَكُمْ قَبْلَ الْقِتَالِ؟ قَالَ قُلْتُ: يَدْعُونَنَا إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ: إِمَّا دِينِهِمْ، فَإِنْ أَجَبْنَا أَجْرَوْنَا مَجْرَاهُمْ، أَوِ الْجِزْيَةِ وَالْمَنَعَةِ، أَوِ الْمُنَابَذَةِ. قَالَ: فَكَيْفَ طَاعَتُهُمْ أُمَرَاءَهُمْ؟ قُلْتُ: أَطْوَعُ قَوْمٍ وَأَرْشَدُهُمْ. قَالَ: فَمَا يُحِلُّونَ وَمَا يُحَرِّمُونَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ: هَلْ يُحِلُّونَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُحَرِّمُونَ مَا حُلِّلَ لَهُمْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَا يَزَالُونَ عَلَى ظَفَرٍ حَتَّى يُحِلُّوا حَرَامَهُمْ أَوْ يُحَرِّمُوا حَلَالَهُمْ. ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ لِبَاسِهِمْ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، وَعَنْ مَطَايَاهُمْ؟ فَقُلْتُ: الْخَيْلُ الْعِرَابُ، وَوَصَفْتُهَا لَهُ. فَقَالَ: نِعْمَتِ الْحُصُونُ! وَوَصَفْتُ لَهُ الْإِبِلَ وَبُرُوكَهَا وَقِيَامَهَا بِحِمْلِهَا. فَقَالَ: هَذِهِ صِفَةُ دَوَابٍّ طِوَالِ الْأَعْنَاقِ. وَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى يَزْدَجِرْدَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَبْعَثَ إِلَيْكَ بِجُنْدٍ أَوَّلُهُ بِمَرْوٍ وَآخِرُهُ بِالصِّينِ الْجَهَالَةُ بِمَا يَحِقُّ عَلَيَّ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ وَصَفَ لِي رَسُولُكَ لَوْ يُحَاوِلُونَ الْجِبَالَ لَهَدُّوهَا، وَلَوْ خَلَا لَهُمْ سَرْبُهُمْ أَزَالُونِي مَا دَامُوا عَلَى [مَا] وَصَفَ، فَسَالِمْهُمْ وَارْضَ مِنْهُمْ بِالْمُسَاكَنَةِ، وَلَا تُهَيِّجْهُمْ مَا لَمْ يُهَيِّجُوكَ. فَأَقَامَ يَزْدَجِرْدُ بِفَرْغَانَةَ وَمَعَهُ آلُ كِسْرَى بِعَهْدٍ مِنْ خَاقَانَ. وَلَمَّا وَصَلَ خَبَرُ الْفَتْحِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ جَمَعَ النَّاسَ، وَخَطَبَهُمْ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ الْفَتْحِ، وَحَمِدَ اللَّهَ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى إِنْجَازِ وَعْدِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَإِنَّ مُلْكَ الْمَجُوسِيَّةِ قَدْ هَلَكَ، فَلَيْسُوا يَمْلِكُونَ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا يَضُرُّ بِمُسْلِمٍ. أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَلَا تُبَدِّلُوا فَيَسْتَبْدِلُ اللَّهُ بِكُمْ غَيْرَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَخَافُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنْ تُؤْتَى إِلَّا مِنْ قِبَلِكُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ فَتْحَ خُرَاسَانَ كَانَ زَمَنَ عُثْمَانَ، وَسَيَرِدُ هُنَاكَ. ذِكْرُ فَتْحِ شَهْرَزُورَ وَالصَّامَغَانَ
لَمَّا اسْتَعْمَلَ عُمَرُ عَزْرَةَ بْنَ قَيْسٍ عَلَى حُلْوَانَ حَاوَلَ فَتْحَ شَهْرَزُورَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، فَغَزَاهَا عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ، فَفَتَحَهَا بَعْدَ قِتَالٍ عَلَى مِثْلِ صُلْحِ حُلْوَانَ، فَكَانَتِ الْعَقَارِبُ تُصِيبُ الرَّجُلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَمُوتُ. وَصَالَحَ أَهْلَ الصَّامَغَانَ وَدَارَابَاذَ عَلَى الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ، وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْأَكْرَادِ. وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنَّ فُتُوحِي قَدْ بَلَغَتْ أَذْرَبِيجَانَ. فَوَلَّاهُ إِيَّاهَا وَوَلَّى هَرْثَمَةَ بْنَ عَرْفَجَةَ الْمَوْصِلَ. وَلَمْ تَزَلْ شَهْرَزُورُ وَأَعْمَالُهَا مَضْمُومَةً إِلَى الْمَوْصِلِ حَتَّى أُفْرِدَتْ عَنْهَا آخِرَ خِلَافَةِ الرَّشِيدِ. ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مُعَاوِيَةُ بِلَادَ الرُّومِ وَدَخَلَهَا فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَفِيهَا وُلِدَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَكَانَ عُمَّالُهُ عَلَى الْأَمْصَارِ فِيهَا عُمَّالَهُ فِي السَّنَةِ قَبْلَهَا إِلَّا الْكُوفَةَ، فَإِنَّ عَامِلَهُ كَانَ عَلَيْهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَإِلَّا الْبَصْرَةَ فَإِنَّ عَامِلَهُ عَلَيْهَا صَارَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ] 23 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ فَتْحُ إِصْطَخْرَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: كَانَ فَتْحُهَا بَعْدَ تَوَّجَ الْآخِرَةِ. ذكر الْخَبَرِ عَنْ فَتْحِ تَوَّجَ لَمَّا خَرَجَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا إِلَى فَارِسَ أُمَرَاءَ عَلَيْهَا، وَكَانَ مَعَهُمْ سَارِيَةُ بْنُ زُنَيْمٍ الْكِنَانِيُّ، فَسَارُوا وَأَهْلُ فَارِسَ مُجْتَمِعُونَ بِتَوَّجَ فَلَمْ يَقْصِدْهُمُ الْمُسْلِمُونَ، بَلْ تَوَجَّهَ كُلُّ أَمِيرٍ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا. وَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ فَارِسَ، فَافْتَرَقُوا إِلَى بُلْدَانِهِمْ كَمَا افْتَرَقَ الْمُسْلِمُونَ، فَكَانَتْ تِلْكَ هَزِيمَتَهُمْ وَتَشَتُّتَ أُمُورِهِمْ. فَقَصَدَ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ لِسَابُورَ وَأَرْدِشِيرَ خُرَّهَ، فَالْتَقَى هُوَ وَالْفُرْسُ بِتَوَّجَ، فَاقْتَتَلُوا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ انْهَزَمَ الْفُرْسُ، وَقَتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ كَيْفَ شَاءُوا كُلَّ قِتْلَةٍ، وَغَنِمُوا مَا فِي عَسْكَرِهِمْ، وَحَصَرُوا تَوَّجَ فَافْتَتَحُوهَا، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا وَغَنِمُوا مَا فِيهَا، وَهَذِهِ تَوَّجَ الْآخِرَةِ، وَالْأُولَى هِيَ الَّتِي اسْتَقْدَمَتْهَا جُنُودُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَيَّامَ طَاوُسٍ. ثُمَّ دُعُوا إِلَى الْجِزْيَةِ، فَرَجَعُوا وَأَقَرُّوا بِهَا. وَأَرْسَلَ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ السُّلَمِيُّ بِالْبِشَارَةِ وَالْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. ذِكْرُ فَتْحِ إِصْطَخْرَ وَجُورَ وَغَيْرِهِمَا
وَقَصَدَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيَّ لِإِصْطَخْرَ، فَالْتَقَى هُوَ وَأَهْلُ إِصْطَخْرَ بِجُورَ، فَاقْتَتَلُوا وَانْهَزَمَ الْفُرْسُ، وَفَتَحَ الْمُسْلِمُونَ جُورَ ثُمَّ إِصْطَخْرَ، وَقَتَلُوا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ فَرَّ مَنْ فَرَّ، فَدَعَاهُمْ عُثْمَانُ إِلَى الْجِزْيَةِ وَالذِّمَّةِ، فَأَجَابَهُ الْهِرْبِذُ إِلَيْهَا، فَتَرَاجَعُوا، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ جَمَعَ الْغَنَائِمَ لَمَّا هَزَمَهُمْ، فَبَعَثَ بِخُمُسِهَا إِلَى عُمَرَ وَقَسَّمَ الْبَاقِيَ فِي النَّاسِ. وَفَتَحَ عُثْمَانُ كَازَرُونَ وَالنُّوبَنْدَجَانَ وَغَلَبَ عَلَى أَرْضِهَا، وَفَتَحَ هُوَ وَأَبُو مُوسَى مَدِينَةَ شِيرَازَ وَأَرَّجَانَ، وَفَتَحَا سِينِيزَ عَلَى الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ. وَقَصَدَ عُثْمَانُ أَيْضًا جَنَّابَا فَفَتَحَهَا، وَلَقِيَهُ جَمْعُ الْفُرْسِ بِنَاحِيَةِ جَهْرَمَ فَهَزَمَهُمْ وَفَتَحَهَا. ثُمَّ إِنَّ شَهْرَكَ خَلَعَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ وَأَوَّلِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ. فَوُجِّهَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ ثَانِيَةً وَأَتَتْهُ الْأَمْدَادُ مِنَ الْبَصْرَةِ وَأَمِيرُهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْمَرٍ وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ، فَالْتَقَوْا بِأَرْضِ فَارِسَ. فَقَالَ شَهْرَكُ لِابْنِهِ وَهُمَا فِي الْمَعْرَكَةِ، وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ قَرْيَةٍ لَهُمَا تُدْعَى رِيشَهْرَ ثَلَاثَةُ فَرَاسِخَ: يَا بُنَيَّ أَيْنَ يَكُونُ غَدَاؤُنَا هَاهُنَا أَمْ بِرِيشَهْرَ؟ قَالَ لَهُ: يَا أَبَهْ، إِنْ تَرَكُونَا فَلَا يَكُونُ غَدَاؤُنَا هَاهُنَا وَلَا بِرِيشَهْرَ وَلَا نَكُونَنَّ إِلَّا فِي الْمَنْزِلِ، [وَلَكِنْ وَاللَّهِ] مَا أَرَاهُمْ يَتْرُكُونَنَا. فَمَا فَرَغَا مِنْ كَلَامِهِمَا حَتَّى أَنْشَبَ الْمُسْلِمُونَ الْحَرْبَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا
شَدِيدًا، وَقُتِلَ شَهْرَكُ وَابْنُهُ وَخَلْقٌ عَظِيمٌ. وَالَّذِي قَتَلَ شَهْرَكَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ أَخُو عُثْمَانَ. وَقِيلَ: قَتَلَهُ سَوَّارُ بْنُ هَمَّامٍ الْعَبْدِيُّ حَمَلَ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ. وَحَمَلَ ابْنُ شَهْرَكَ عَلَى سَوَّارٍ فَقَتَلَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ إِصْطَخْرَ كَانَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، وَكَانَتْ فَارِسُ الْآخِرَةُ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَرْسَلَ أَخَاهُ الْحَكَمَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فِي أَلْفَيْنِ إِلَى فَارِسَ، فَفَتَحَ جَزِيرَةَ بَرْكَاوَانَ فِي طَرِيقِهِ ثُمَّ سَارَ إِلَى تَوَّجَ، وَكَانَ كِسْرَى أَرْسَلَ شَهْرَكَ فَالْتَقَوْا مَعَ شَهْرَكَ، وَكَانَ الْجَارُودُ وَأَبُو صُفْرَةَ عَلَى مُجَنِّبَتَيِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَبُو صُفْرَةَ هَذَا هُوَ وَالِدُ الْمُهَلَّبِ، فَحَمَلَ الْفُرْسُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهَزَمُوهُمْ. فَقَالَ الْجَارُودُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ ذَهَبَ الْجُنْدُ. فَقَالَ: سَتَرَى أَمْرَكَ. قَالَ: فَمَا لَبِثُوا حَتَّى رَجَعَتْ خَيْلٌ لَهُمْ لَيْسَ عَلَيْهَا فُرْسَانُهَا وَالْمُسْلِمُونَ يَتْبَعُونَهُمْ يَقْتُلُونَهُمْ، فَنُثِرَتِ الرُّءُوسُ فَرَأَى الْمُكَعْبِرُ رَأْسًا ضَخْمًا فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ هَذَا رَأْسُ الِازْدِهَاقَ - يَعْنِي شَهْرَكَ -. وَحُوصِرَ الْفُرْسُ بِمَدِينَةِ سَابُورَ، فَصَالَحَ عَلَيْهَا مَلِكُهَا أَرْزَنْبَانُ، فَاسْتَعَانَ بِهِ الْحَكَمُ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ إِصْطَخْرَ. وَمَاتَ عُمَرُ. وَبَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْمَرٍ مَكَانَهُ، فَبَلَغَ عُبَيْدَ اللَّهِ أَنَّ أَرْزَنْبَانَ يُرِيدُ الْغَدْرَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: أُحِبُّ أَنْ تَتَّخِذَ لِأَصْحَابِي طَعَامًا وَتَذْبَحَ لَهُمْ بَقَرَةً وَتَجْعَلَ عِظَامَهَا فِي الْجَفْنَةِ الَّتِي تَلِينِي فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَتَمَشَّشَ الْعِظَامَ، فَفَعَلَ وَجَعَلَ يَأْخُذُ الْعَظْمَ الَّذِي لَا يُكْسَرُ إِلَّا بِالْفُؤُوسِ فَيَكْسِرُهُ بِيَدِهِ وَيَأْخُذُ مُخَّهُ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ، فَقَامَ أَرْزَنْبَانُ فَأَخَذَ بِرِجْلِهِ وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ! فَأَعْطَاهُ عَهْدًا. وَأَصَابَ عُبَيْدَ اللَّهِ مَنْجَنِيقٌ فَأَوْصَاهُمْ وَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ هَذِهِ الْمَدِينَةَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - فَاقْتُلُوهُمْ بِي سَاعَةً فِيهَا، فَفَعَلُوا، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ بَشَرًا كَثِيرًا، وَمَاتَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْمَرٍ. وَقِيلَ: إِنَّ قَتْلَهُ كَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ. ذِكْرُ فَتْحِ فَسَا وَدَارَابْجِرْدَ
وَقَصَدَ سَارِيَةُ بْنُ زُنَيْمٍ الدِّئَلِيُّ فَسَا وَدَارَابْجِرْدَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى عَسْكَرِهِمْ، فَنَزَلَ عَلَيْهِمْ وَحَاصَرَهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إِنَّهُمُ اسْتَمَدُّوا وَتَجَمَّعُوا، وَتَجَمَّعَتْ إِلَيْهِمْ أَكْرَادُ فَارِسَ، فَدَهَمَ الْمُسْلِمِينَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَجَمْعٌ كَثِيرٌ، وَأَتَاهُمُ الْفُرْسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَرَأَى عُمَرُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَعْرَكَتَهُمْ وَعَدَدَهُمْ فِي سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ، فَنَادَى مِنَ الْغَدِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ! حَتَّى إِذَا كَانَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي رَأَى فِيهَا مَا رَأَى خَرَجَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ ابْنُ زُنَيْمٍ وَالْمُسْلِمُونَ بِصَحْرَاءَ إِنْ أَقَامُوا فِيهَا أُحِيطَ بِهِمْ، وَإِنِ اسْتَنَدُوا إِلَى جَبَلٍ مِنْ خَلْفِهِمْ لَمْ يُؤْتَوْا إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ. فَقَامَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي رَأَيْتُ هَذَيْنِ الْجَمْعَيْنِ، وَأَخْبَرَ بِحَالِهِمَا، وَصَاحَ عُمَرُ وَهُوَ يَخْطُبُ: يَا سَارِيَةُ بْنَ زُنَيْمٍ، الْجَبَلَ الْجَبَلَ! ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: إِنَّ لِلَّهِ جُنُودًا، وَلَعَلَّ بَعْضَهَا أَنْ يُبْلِغَهُمْ. فَسَمِعَ سَارِيَةُ وَمَنْ مَعَهُ الصَّوْتَ فَلَجَئُوا إِلَى الْجَبَلِ، ثُمَّ قَاتَلُوهُمْ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ وَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ مَغَانِمَهُمْ، وَأَصَابُوا فِي الْغَنَائِمِ سَفَطًا فِيهِ جَوْهَرٌ، فَاسْتَوْهَبَهُ مِنْهُمْ سَارِيَةُ وَبَعَثَ بِهِ وَبِالْفَتْحِ مَعَ رَجُلٍ إِلَى عُمَرَ. فَقَدِمَ عَلَى عُمَرَ وَهُوَ يُطْعِمُ الطَّعَامَ، فَأَمَرَهُ فَجَلَسَ وَأَكَلَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ عُمَرُ اتَّبَعَهُ الرَّسُولُ، فَظَنَّ عُمَرُ أَنَّهُ لَمْ يَشْبَعْ، فَأَمَرَهُ فَدَخَلَ بَيْتَهُ، فَلَمَّا جَلَسَ أُتِيَ عُمَرُ بِغَدَائِهِ خُبْزٍ وَزَيْتٍ وَمِلْحٍ جَرِيشٍ فَأَكَلَا. فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ الرَّجُلُ: أَنَا رَسُولُ سَارِيَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا. ثُمَّ أَدْنَاهُ حَتَّى مَسَّتْ رُكْبَتُهُ رُكْبَتَهُ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخْبَرَهُ بِقِصَّةِ الدُّرْجِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَصَاحَ بِهِ: لَا وَلَا كَرَامَةَ حَتَّى يَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ الْجُنْدِ فَيُقَسِّمَهُ بَيْنَهُمْ. فَطَرَدَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي قَدْ أَنْضَيْتُ جَمَلِي وَاسْتَقْرَضْتُ فِي جَائِزَتِي فَأَعْطِنِي مَا أَتَبَلَّغُ بِهِ. فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى أَبْدَلَهُ بَعِيرًا مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَجَعَلَ بَعِيرَهُ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَرَجَعَ الرَّسُولُ مَغْضُوبًا عَلَيْهِ مَحْرُومًا. وَسَأَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الرَّسُولَ هَلْ سَمِعُوا شَيْئًا يَوْمَ الْوَقْعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْنَا: يَا سَارِيَةُ، الْجَبَلَ الْجَبَلَ، وَقَدْ كِدْنَا نَهْلِكُ فَلَجَأْنَا إِلَيْهِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا. ذِكْرُ فَتْحِ كَرْمَانَ
ثُمَّ قَصَدَ سُهَيْلُ بْنُ عَدِيٍّ كَرْمَانَ، وَلَحِقَهُ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ، وَحَشَدَ لَهُمْ أَهْلُ كَرْمَانَ وَاسْتَعَانُوا عَلَيْهِمْ بِالْقُفْصِ، فَاقْتَتَلُوا فِي أَدَانِي أَرْضِهِمْ، فَفَضَّ اللَّهُ - تَعَالَى - الْمُشْرِكِينَ وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمُ الطَّرِيقَ. وَقَتَلَ النُّسَيْرُ بْنُ عَمْرٍو الْعِجْلِيُّ مَرْزُبَانَهَا، فَدَخَلَ سُهَيْلٌ مِنْ قِبَلِ طَرِيقِ الْقُرَى الْيَوْمَ إِلَى جِيرَفْتَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ مَفَازَةِ سِيرَ، فَأَصَابُوا مَا أَرَادُوا مِنْ بَعِيرٍ أَوْ شَاءٍ، فَقَوَّمُوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَتَحَاصُّوهَا بِالْأَثْمَانِ لِعِظَمِ الْبُخْتِ عَلَى الْعِرَابِ، وَكَرِهُوا أَنْ يَزِيدُوا، وَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ بِذَلِكَ، فَأَجَابَهُمْ: إِذَا رَأَيْتُمْ أَنَّ فِي الْبُخْتِ فَضْلًا فَزِيدُوا. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي فَتَحَ كَرْمَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، ثُمَّ أَتَى الطَّبَسَيْنِ مِنْ كَرْمَانَ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: أَقْطِعْنِي الطَّبَسَيْنِ، فَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ، فَقِيلَ: إِنَّهُمَا رُسْتَاقَانِ، فَامْتَنَعَ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ. ذكر فَتْحِ سِجِسْتَانَ وَقَصَدَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو سِجِسْتَانَ، وَلَحِقَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ أَهْلُهَا، فَالْتَقَوْا هُمْ وَأَهْلُ سِجِسْتَانَ فِي أَدَانِي أَرَضِيهِمْ، فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ اتَّبَعُوهُمْ حَتَّى
حَصَرُوهُمْ بِزَرَنْجَ، وَمَخَرُوا أَرْضَ سِجِسْتَانَ مَاهْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ طَلَبُوا الصُّلْحَ عَلَى زَرَنْجَ وَمَا احْتَازُوا مِنَ الْأَرَضِينَ فَأُعْطُوا، وَكَانُوا قَدِ اشْتَرَطُوا فِي صُلْحِهِمْ أَنَّ فَدَافِدَهَا حِمًى، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَجَنَّبُونَهَا خَشْيَةَ أَنْ يُصِيبُوا مِنْهَا شَيْئًا فَيُخْفِرُوا، وَأُقِيمَ أَهْلُ سِجِسْتَانَ عَلَى الْخَرَاجِ، وَكَانَتْ سِجِسْتَانُ أَعْظَمَ مِنْ خُرَاسَانَ وَأَبْعَدَ فُرُوجًا، يُقَاتِلُونَ الْقُنْدُهَارَ وَالتُّرْكَ وَأُمَمًا كَثِيرَةً، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ زَمَنُ مُعَاوِيَةَ، فَهَرَبَ الشَّاهُ مِنْ أَخِيهِ رُتْبِيلَ إِلَى بَلَدٍ فِيهَا يُدْعَى آمُلَ، وَدَانَ لِسَلْمِ بْنِ زِيَادٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِجِسْتَانَ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ وَعَقَدَ لَهُمْ وَأَنْزَلَهُمُ الْبِلَادَ وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِذَلِكَ يُرِي أَنَّهُ فُتِحَ عَلَيْهِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّ ابْنَ أَخِي لَيَفْرَحُ بِأَمْرٍ إِنَّهُ لَيُحْزِنُنِي وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْزِنَهُ. قَالَ: وَلِمَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: إِنَّ آمُلَ بَلْدَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَرَنْجَ صُعُوبَةٌ وَتَضَايُقٌ، وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ غُدُرٌ، فَإِذَا اضْطَرَبَ الْحَبْلُ غَدًا فَأَهْوَنُ مَا يَجِيءُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَغْلِبُونَ عَلَى بِلَادِ آمُلَ بِأَسْرِهَا. وَأَقَرَّهُمْ عَلَى عَهْدِ سَلْمِ بْنِ زِيَادٍ. فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَعْدَ مُعَاوِيَةَ كَفَرَ الشَّاهُ وَغَلَبَ عَلَى آمُلَ وَاعْتَصَمَ مِنْهُ رُتْبِيلُ بِمَكَانِهِ، وَلَمْ يُرْضِهِ ذَلِكَ حِينَ تَشَاغَلَ عَنْهُ النَّاسُ حَتَّى طَمِعَ فِي زَرَنْجَ فَغَزَاهَا وَحَصَرَ مَنْ بِهَا حَتَّى أَتَتْهُمُ الْأَمْدَادُ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَصَارَ رُتْبِيلُ وَالَّذِينَ مَعَهُ عُصْبَةً، وَكَانَتْ تِلْكَ الْبِلَادُ مُذَلَّلَةً إِلَى أَنْ مَاتَ مُعَاوِيَةُ. وَقِيلَ فِي فَتْحِ سِجِسْتَانَ غَيْرُ هَذَا، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. ذكر فَتْحِ مُكْرَانَ وَقَصَدَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو التَّغْلِبِيُّ مُكْرَانَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهَا، وَلَحِقَ بِهِ شِهَابُ بْنُ الْمُخَارِقِ وَسُهَيْلُ بْنُ عَدِيٍّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ، فَانْتَهَوْا إِلَى دُوَيْنِ النَّهْرِ، وَأَهْلُ مُكْرَانَ عَلَى شَاطِئِهِ، فَاسْتَمَدَّ مَلِكُهُمْ مَلِكَ السِّنْدِ، فَأَمَدَّهُ بِجَيْشٍ كَثِيفٍ، فَالْتَقَوْا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَانْهَزَمُوا، وَقُتِلَ مِنْهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَهُمْ
أَيَّامًا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى النَّهْرِ، وَرَجَعَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مُكْرَانَ فَأَقَامُوا بِهَا. وَكَتَبَ الْحَكَمُ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِالْأَخْمَاسِ مَعَ صُحَارٍ الْعَبْدِيِّ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ مُكْرَانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هِيَ أَرْضٌ سَهْلُهَا جَبَلٌ، وَمَاؤُهَا وَشَلٌ، وَتَمْرُهَا دَقَلٌ، وَعَدُوُّهَا بَطَلٌ، وَخَيْرُهَا قَلِيلٌ، وَشَرُّهَا طَوِيلٌ، وَالْكَثِيرُ فِيهَا قَلِيلٌ، وَالْقَلِيلُ فِيهَا ضَائِعٌ، وَمَا وَرَاءَهَا شَرٌّ مِنْهَا. فَقَالَ: أَسَجَّاعٌ أَنْتَ أَمْ مُخْبِرٌ؟ لَا وَاللَّهِ لَا يَغْزُوهَا جَيْشٌ لِي أَبَدًا. وَكَتَبَ إِلَى سُهَيْلٍ وَالْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو: أَنْ لَا يَجُوزَنَّ مُكْرَانَ أَحَدٌ مِنْ جُنُودِكُمَا. وَأَمَرَهُمَا بِبَيْعِ الْفِيَلَةِ الَّتِي غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ. (وَقَسْمِ أَثْمَانِهَا عَلَى الْغَانِمِينَ) . (مُكْرَانَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ) . ذكر خَبَرِ بَيْرُوذَ مِنَ الْأَهْوَازِ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْخُيُولُ إِلَى الْكُوَرِ، اجْتَمَعَ بِبَيْرُوذَ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنَ الْأَكْرَادِ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ عَهِدَ إِلَى أَبِي مُوسَى أَنْ يَسِيرَ إِلَى أَقْصَى ذِمَّةِ الْبَصْرَةِ، حَتَّى لَا يُؤْتَى الْمُسْلِمُونَ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَخَشِيَ أَنْ يَهْلِكَ بَعْضُ جُنُودِهِ أَوْ يُخْلَفُوا فِي أَعْقَابِهِمْ، فَاجْتَمَعَ الْأَكْرَادُ بِبَيْرُوذَ، وَأَبْطَأَ أَبُو مُوسَى حَتَّى تَجَمَّعُوا، ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ بِهِمْ بِبَيْرُوذَ، فَالْتَقَوْا فِي رَمَضَانَ بَيْنَ نَهْرِ تِيرَى وَمَنَاذِرَ، فَقَامَ الْمُهَاجِرُ بْنُ زِيَادٍ وَقَدْ تَحَنَّطَ وَاسْتَقْتَلَ، وَعَزَمَ أَبُو مُوسَى عَلَى النَّاسِ فَأَفْطَرُوا، وَتَقَدَّمَ الْمُهَاجِرُ فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى قُتِلَ. وَوَهَّنَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى تَحَصَّنُوا فِي قِلَّةٍ وَذِلَّةٍ، وَاشْتَدَّ جَزَعُ الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ عَلَى أَخِيهِ الْمُهَاجِرِ، وَعَظُمَ عَلَيْهِ فَقْدُهُ، فَرَقَّ لَهُ أَبُو مُوسَى فَاسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهِمْ فِي جُنْدٍ، وَخَرَجَ أَبُو مُوسَى حَتَّى بَلَغَ أَصْبَهَانَ، وَاجْتَمَعَ بِهَا بِالْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُحَاصِرُونَ جَيًّا، فَلَمَّا فُتِحَتْ رَجَعَ أَبُو مُوسَى إِلَى الْبَصْرَةِ، وَفَتَحَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ الْحَارِثِيُّ بَيْرُوذَ مِنْ نَهْرِ تِيرَى وَغَنِمَ مَا مَعَهُمْ. وَوَفَّدَ أَبُو مُوسَى وَفْدًا مَعَهُمُ الْأَخْمَاسُ، فَطَلَبَ ضَبَّةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْعَنَزِيُّ أَنْ يَكُونَ فِي
الْوَفْدِ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَبُو مُوسَى، وَكَانَ أَبُو مُوسَى قَدِ اخْتَارَ مِنْ سَبْيِ بَيْرُوذَ سِتِّينَ غُلَامًا، فَانْطَلَقَ ضَبَّةُ إِلَى عُمَرَ شَاكِيًا، وَكَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ يُخْبِرُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ ضَبَّةُ عَلَى عُمَرَ سَلَّمَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا! فَقَالَ: أَمَّا الْمَرْحَبُ فَمِنَ اللَّهِ، وَأَمَّا الْأَهْلُ فَلَا أَهْلَ. ثُمَّ سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا مُوسَى انْتَقَى سِتِّينَ غُلَامًا مِنْ أَبْنَاءِ الدَّهَاقِينِ لِنَفْسِهِ، وَلَهُ جَارِيَةٌ تُغَدَّى جَفْنَةً وَتُعَشَّى جَفْنَةً تُدْعَى عَقِيلَةَ، وَلَهُ قَفِيزَانِ وَلَهُ خَاتَمَانِ، وَفَوَّضَ إِلَى زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أُمُورَ الْبَصْرَةِ، وَأَجَازَ الْحُطَيْئَةَ بِأَلْفٍ. فَاسْتَدْعَى عُمَرُ أَبَا مُوسَى. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ حَجَبَهُ أَيَّامًا، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَسَأَلَ عُمَرُ ضَبَّةَ عَمَّا قَالَ فَقَالَ: أَخَذَ سِتِّينَ غُلَامًا لِنَفْسِهِ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: دُلِلْتُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ لَهُمْ فِدَاءٌ فَفَدَيْتُهُمْ وَقَسَّمْتُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ ضَبَّةُ: مَا كَذَبَ وَلَا كَذَبْتُ. فَقَالَ: لَهُ قَفِيزَانِ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: قَفِيزٌ لِأَهْلِي أَقُوتُهُمْ بِهِ، وَقَفِيزٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَيْدِيهِمْ يَأْخُذُونَ بِهِ أَرْزَاقَهُمْ. فَقَالَ ضَبَّةُ: مَا كَذَبَ وَلَا كَذَبْتُ. فَلَمَّا ذَكَرَ عَقِيلَةَ سَكَتَ أَبُو مُوسَى وَلَمْ يَعْتَذِرْ. فَعَلِمَ أَنَّ ضَبَّةَ قَدْ صَدَقَهُ، قَالَ: وَوَلَّى زِيَادًا. قَالَ: رَأَيْتُ لَهُ رَأْيًا وَنُبْلًا فَأَسْنَدْتُ إِلَيْهِ عَمَلِي. قَالَ: وَأَجَازَ الْحُطَيْئَةَ بِأَلْفٍ. قَالَ: سَدَدْتُ فَمَهُ بِمَالِي أَنْ يَشْتُمَنِي. فَرَدَّهُ عُمَرُ وَأَمَرَهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ زِيَادًا وَعَقِيلَةَ، فَفَعَلَ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ زِيَادٌ سَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ وَعَطَائِهِ وَالْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالْقُرْآنِ، فَرَآهُ فَقِيهًا، فَرَدَّهُ وَأَمَرَ أُمَرَاءَ الْبَصْرَةِ أَنْ يَسِيرُوا بِرَأْيِهِ، وَحَبَسَ عَقِيلَةَ بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ عُمَرُ: أَلَا إِنَّ ضَبَّةَ غَضِبَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَفَارَقَهُ مُرَاغِمًا أَنْ فَاتَهُ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، فَصَدَقَ عَلَيْهِ وَكَذَبَ، فَأَفْسَدَ كَذِبُهُ صِدْقَهُ، فَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّهُ يَهْدِي إِلَى النَّارِ. (بَيْرُوذَ: بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَضَمِّ الرَّاءِ، وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَآخِرُهُ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ) . ذكر خَبَرِ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ وَالْأَكْرَادِ كَانَ عُمَرُ إِذَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَيْشٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَيْشٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ سَلَمَةَ بْنَ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيَّ. فَقَالَ: سِرْ بَاسْمِ اللَّهِ، قَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ عَدُوَّكُمْ فَادْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوا وَأَقَامُوا بِدَارِهِمْ فَعَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْفَيْءِ نَصِيبٌ، وَإِنْ سَارُوا مَعَكُمْ فَلَهُمْ مِثْلُ الَّذِي لَكُمْ وَعَلَيْهِمْ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَإِنْ أَبَوْا فَادْعُوهُمْ إِلَى الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوا فَاقْبَلُوا مِنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا فَقَاتِلُوهُمْ، وَإِنْ تَحَصَّنُوا مِنْكُمْ وَسَأَلُوكُمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ. أَوْ (ذِمَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) فَلَا تُجِيبُوهُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ أَتُصِيبُونَ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَذِمَّتَهُمَا أَمْ لَا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَلَا تُمَثِّلُوا. قَالَ: فَسَارُوا حَتَّى لَقُوا عَدُوًّا مِنَ الْأَكْرَادِ الْمُشْرِكِينَ فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ، فَلَمْ يُجِيبُوا، فَقَاتَلُوهُمْ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوا الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَوُا الذُّرِّيَّةَ، فَقَسَّمَهُ بَيْنَهُمْ، وَرَأَى سَلَمَةُ جَوْهَرًا فِي سَفَطٍ، فَاسْتَرْضَى عَنْهُ الْمُسْلِمِينَ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى عُمَرَ. فَقَدِمَ الرَّسُولُ بِالْبِشَارَةِ وَالسَّفَطِ عَلَى عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أُمُورِ النَّاسِ وَهُوَ يُخْبِرُهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ بِالسَّفَطِ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَأَمَرَ بِهِ فَوُجِئَ بِهِ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ: إِنْ تَفَرَّقَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ تَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وَيُقَسِّمَهُ سَلَمَةُ فِيهِمْ لَأَسُوءَنَّكَ. فَسَارَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى سَلَمَةَ فَبَاعَهُ وَقَسَّمَهُ فِي النَّاسِ. وَكَانَ الْفَصُّ يُبَاعُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَقِيمَتُهُ عِشْرُونَ أَلْفًا. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَحَجَّ مَعَهُ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا. وَفِيهَا قُتِلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. ذكر الْخَبَرِ عَنْ مَقْتَلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَطُوفُ يَوْمًا فِي السُّوقِ، فَلَقِيَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعِدْنِي عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَإِنَّ عَلَيَّ خَرَاجًا كَثِيرًا. قَالَ: وَكَمْ خَرَاجُكَ؟ قَالَ: دِرْهَمَانِ كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: وَأَيْشٍ صِنَاعَتُكَ؟ قَالَ: نَجَّارٌ، نَقَّاشٌ، حَدَّادٌ. قَالَ: فَمَا أَرَى خَرَاجَكَ كَثِيرًا عَلَى مَا تَصْنَعُ مِنَ الْأَعْمَالِ، قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَصْنَعَ رَحًى تَطْحَنُ بِالرِّيحِ لَفَعَلْتُ! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاعْمَلْ لِي رَحًى. قَالَ: لَئِنْ سَلِمْتَ لَأَعْمَلَنَّ لَكَ رَحًى يَتَحَدَّثُ بِهَا مَنْ بِالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ! ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ أَوْعَدَنِي الْعَبْدُ الْآنَ. ثُمَّ انْصَرَفَ عُمَرُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَاءَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اعْهَدْ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ. قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ: أَجِدُهُ فِي كِتَابِ التَّوْرَاةِ. قَالَ عُمَرُ: [آللَّهَ! إِنَّكَ] لَتَجِدُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا وَلَكِنِّي
أَجِدُ حِلْيَتَكَ وَصِفَتَكَ وَأَنَّكَ قَدْ فَنِيَ أَجْلُكَ. قَالَ: وَعُمَرُ لَا يُحِسُّ وَجَعًا! فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَاءَهُ كَعْبٌ فَقَالَ: بَقِيَ يَوْمَانِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَاءَهُ كَعْبٌ فَقَالَ: مَضَى يَوْمَانِ وَبَقِيَ يَوْمٌ. فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَ عُمَرُ إِلَى الصَّلَاةِ وَكَانَ يُوَكِّلُ بِالصُّفُوفِ رِجَالًا فَإِذَا اسْتَوَتْ كَبَّرَ، وَدَخَلَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ فِي النَّاسِ وَبِيَدِهِ خِنْجَرٌ لَهُ رَأْسَانِ نِصَابُهُ فِي وَسَطِهِ، فَضَرَبَ عُمَرَ سِتَّ ضَرَبَاتِ إِحْدَاهُنَّ تَحْتَ سُرَّتِهِ وَهِيَ الَّتِي قَتَلَتْهُ، وَقَتَلَ مَعَهُ كُلَيْبَ بْنَ أَبِي الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيَّ وَكَانَ خَلْفَهُ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً غَيْرَهُ. فَلَمَّا وَجَدَ عُمَرُ حَرَّ السِّلَاحِ سَقَطَ، وَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، وَعُمَرُ طَرِيحٌ، فَاحْتُمِلَ فَأُدْخِلَ بَيْتَهُ، وَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْهَدَ إِلَيْكَ. قَالَ: أَتُشِيرُ عَلَيَّ بِذَلِكَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَدْخُلُ فِيهِ أَبَدًا. قَالَ: فَهَبْنِي صَمْتًا حَتَّى أَعْهَدَ إِلَى النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ. ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَالزُّبَيْرَ وَسَعْدًا فَقَالَ: انْتَظِرُوا أَخَاكُمْ طَلْحَةَ ثَلَاثًا، فَإِنْ جَاءَ وَإِلَّا فَاقْضُوا أَمْرَكُمْ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عَلِيُّ إِنْ وَلِيتَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا أَنْ تَحْمِلَ بَنِي هَاشِمٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ إِنْ وَلِيتَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا أَنْ تَحْمِلَ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا سَعْدُ إِنْ وَلِيتَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا أَنْ تَحْمِلَ أَقَارِبَكَ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، قُومُوا فَتَشَاوَرُوا ثُمَّ اقْضُوا أَمْرَكُمْ وَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ صُهَيْبٌ. ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ، فَقَالَ: قُمْ عَلَى بَابِهِمْ فَلَا تَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلُ إِلَيْهِمْ. وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْأَنْصَارِ الَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ، أَنْ يُحْسِنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ وَيَعْفُوَ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ بِالْعَرَبِ، فَإِنَّهُمْ مَادَّةُ الْإِسْلَامِ، أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ صَدَقَاتِهِمْ حَقَّهَا فَتُوضَعَ فِي فُقَرَائِهِمْ، وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ بِذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُوفِيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ لَقَدْ تَرَكْتُ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي عَلَى أَنْقَى مِنَ الرَّاحَةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اخْرُجْ فَانْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَتَلَكَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مَنِيَّتِي بِيَدِ رَجُلٍ سَجَدَ لِلَّهِ سَجْدَةً وَاحِدَةً! يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى عَائِشَةَ فَسَلْهَا أَنْ تَأْذَنَ لِي أَنْ أُدْفَنَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ. يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنِ اخْتَلَفَ الْقَوْمُ فَكُنْ مَعَ الْأَكْثَرِ، فَإِنْ تَشَاوَرُوا فَكُنْ مَعَ الْحِزْبِ الَّذِي فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، يَا
عَبْدَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِلنَّاسِ. فَجَعَلَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُمْ: أَهَذَا عَنْ مَلَإٍ مِنْكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَعَاذَ اللَّهِ! قَالَ: وَدَخَلَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ مَعَ النَّاسِ فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ قَالَ: تَوَعَّدَنِي كَعْبٌ ثَلَاثًا أَعُدُّهَا ... وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَ لِي كَعْبُ وَمَا بِي حِذَارُ الْمَوْتِ، إِنِّي لَمَيِّتٌ ، وَلَكِنْ حِذَارُ الذَّنْبِ يَتْبَعُهُ الذَّنْبُ وَدَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ لِي بِهَذَا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ أَنْ قُلْ نَعَمْ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَغُرَّنِي أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ. ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، خُذْ رَأْسِي عَنِ الْوِسَادَةِ فَضَعْهُ فِي التُّرَابِ لَعَلَّ اللَّهَ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَنْظُرُ إِلَيَّ فَيَرْحَمُنِي، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ. وَدُعِيَ لَهُ طَبِيبٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ فَسَقَاهُ نَبِيذًا فَخَرَجَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ، فَسَقَاهُ لَبَنًا فَخَرَجَ كَذَلِكَ أَيْضًا، فَقَالَ لَهُ: اعْهَدْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: قَدْ فَرَغْتُ. وَلَمَّا احْتُضِرَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ وَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ظَلُومٌ لِنَفْسِي غَيْرَ أَنِّيَ مُسْلِمٌ ... أُصَلِّي الصَّلَاةَ كُلَّهَا وَأَصُومُ وَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُدِيمُ الشَّهَادَةَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَّ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: طُعِنَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَدُفِنَ يَوْمَ الْأَحَدِ هِلَالَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَبُويِعَ عُثْمَانُ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ. وَقِيلَ: كَانَتْ وَفَاتُهُ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ
ذِي الْحِجَّةِ، وَاسْتَقْبَلَ بِخِلَافَتِهِ هِلَالَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. وَكَانَتْ خِلَافَةُ عُمَرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ عَشْرَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ. وَصَلَّى عَلَيْهِ صُهَيْبٌ، وَحُمِلَ إِلَى بَيْتِ عَائِشَةَ، وَدُفِنَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ، وَنَزَلَ فِي قَبْرِهِ عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. ذكر نَسَبِ عُمَرَ وَصِفَتِهِ وَعُمُرِهِ فَأَمَّا نَسَبُهُ فَهُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رِزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو حَفْصٍ، وَأُمُّهُ حَنْتَمَةُ بِنْتُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ أَبِي جَهْلٍ، وَقَدْ زَعَمَ مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ أَنَّهَا أُخْتُ أَبِي جَهْلٍ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفَارُوقَ، وَقِيلَ: بَلْ سَمَّاهُ أَهْلُ الْكِتَابِ. وَأَمَّا صِفَتُهُ فَكَانَ طَوِيلًا آدَمَ أَصْلَعَ أَعْسَرَ يَسَرًا - يَعْنِي يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ - وَكَانَ لِطُولِهِ كَأَنَّهُ رَاكِبٌ. وَقِيلَ: كَانَ أَبْيَضَ أَبْهَقَ - يَعْنِي شَدِيدَ الْبَيَاضِ - تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ، طُوَالًا أَصْلَعَ أَشْيَبَ، وَكَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ وَيُرَجِّلُ رَأْسَهُ. وَكَانَ مَوْلِدُهُ قَبْلَ الْفِجَارِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، وَكَانَ عُمُرُهُ
خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ابْنُ سِتِّينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَأَشْهُرٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: ابْنُ إِحْدَى وَسِتِّينَ سَنَةً. (رِيَاحٌ: بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ) . ذكر أَسْمَاءِ وَلَدِهِ وَنِسَائِهِ تَزَوَّجَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ زَيْنَبَ بِنْتَ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَكْبَرَ، وَحَفْصَةَ. وَتَزَوَّجَ مُلَيْكَةَ بِنْتَ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِيِّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَفَارَقَهَا فِي الْهُدْنَةِ، فَخَلَفَ عَلَيْهَا أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ، وَقُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بِصِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ: كَانَتْ أُمُّهُ أُمَّ زَيْدٍ الْأَصْغَرِ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِيِّ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عُمَرَ. وَتَزَوَّجَ قُرَيْبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَفَارَقَهَا فِي الْهُدْنَةِ أَيْضًا، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَكَانَا سِلْفَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ قُرَيْبَةَ أُخْتُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَزَوَّجَ أُمَّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ فِي الْإِسْلَامِ، فَوَلَدَتْ لَهُ فَاطِمَةَ فَطَلَّقَهَا، وَقِيلَ لَمْ يُطَلِّقْهَا. وَتَزَوَّجَ جَمِيلَةَ أُخْتَ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ الْأَوْسِيِّ الْأَنْصَارِيِّ فِي الْإِسْلَامِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَاصِمًا فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَصْدَقَهَا أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَوَلَدَتْ لَهُ رُقَيَّةَ وَزَيْدًا. وَتَزَوَّجَ لُهَيَّةَ امْرَأَةً مِنَ الْيَمَنِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَوْسَطَ، وَقِيلَ الْأَصْغَرَ، وَقِيلَ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ فُكَيْهَةُ أُمُّ وَلَدٍ فَوَلَدَتْ لَهُ زَيْنَبَ، وَهِيَ أَصْغَرُ وَلَدِ عُمَرَ. وَتَزَوَّجَ عَاتِكَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقُتِلَ عَنْهَا، فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ تَزَوَّجَهَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، فَقُتِلَ عَنْهَا أَيْضًا، فَخَطَبَهَا عَلِيٌّ، فَقَالَتْ: لَا أَفْعَلُ، إِنِّي أَضِنُّ بِكَ عَنِ الْقَتْلِ فَإِنَّكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ. فَتَرَكَهَا.
وَخَطَبَ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، إِنَّهُ خَشِنُ الْعَيْشِ شَدِيدٌ عَلَى النِّسَاءِ. فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ: أَنَا أَكْفِيكِ. فَأَتَى عُمَرَ فَقَالَ: بَلَغَنِي خَبَرٌ أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنْهُ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: خَطَبْتَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ نَعَمْ، أَفَرَغِبْتَ بِي عَنْهَا أَمْ رَغِبْتَ بِهَا عَنِّي؟ قَالَ: وَلَا وَاحِدَةَ، وَلَكِنَّهَا حَدَثَةٌ نَشَأَتْ تَحْتَ كَنَفِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي لِينٍ وَرِفْقٍ، وَفِيكَ غِلْظَةٌ، وَنَحْنُ نَهَابُكَ وَمَا نَقْدِرُ أَنْ نَرُدَّكَ عَنْ خُلُقٍ مِنْ أَخْلَاقِكَ، فَكَيْفَ بِهَا إِنْ خَالَفَتْكَ فِي شَيْءٍ فَسَطَوْتَ بِهَا كُنْتَ قَدْ خَلَفْتَ أَبَا بَكْرٍ فِي وَلَدِهِ بِغَيْرِ مَا يَحِقُّ عَلَيْكَ. وَقَالَ: فَكَيْفَ بِعَائِشَةَ وَقَدْ كَلَّمَتْهَا؟ قَالَ: أَنَا لَكَ بِهَا وَأَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْهَا، أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ تَعَلَّقْ مِنْهَا بِسَبَبٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَخَطَبَ أُمَّ أَبَانَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَكَرِهَتْهُ وَقَالَتْ: يُغْلِقُ بَابَهُ، وَيَمْنَعُ خَيْرَهُ، وَيَدْخُلُ عَابِسًا وَيَخْرُجُ عَابِسًا. ذكر بَعْضِ سِيرَتِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ عُمَرُ: إِنَّمَا مَثَلُ الْعَرَبِ مَثَلُ جَمَلٍ أَنِفٍ اتَّبَعَ قَائِدَهُ، فَلْيَنْظُرْ قَائِدُهُ حَيْثُ يَقُودُهُ، فَأَمَّا أَنَا فَوَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَأَحْمِلَنَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ! قَالَ نَافِعٌ الْعَيْشِيُّ: دَخَلْتُ حَيْرَ الصَّدَقَةِ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: فَجَلَسَ عُثْمَانُ فِي الظِّلِّ يَكْتُبُ، وَقَامَ عَلِيٌّ عَلَى رَأْسِهِ يُمْلِي عَلَيْهِ مَا يَقُولُ عُمَرُ، وَعُمَرُ قَائِمٌ فِي الشَّمْسِ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ عَلَيْهِ بُرْدَانِ أَسْوَدَانِ اتَّزَرَ بِأَحَدِهِمَا وَلَفَّ الْآخَرَ عَلَى رَأْسِهِ، يَعُدُّ إِبِلَ الصَّدَقَةِ، يَكْتُبُ أَلْوَانَهَا وَأَسْنَانَهَا. فَقَالَ عَلِيٌّ لِعُثْمَانَ: فِي كِتَابِ اللَّهِ {يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26] . ثُمَّ أَشَارَ عَلِيٌّ بِيَدِهِ إِلَى عُمَرَ وَقَالَ: هَذَا الْقَوِيُّ الْأَمِينُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: رَأَيْتُ عُمَرَ أَخَذَ بِتِبْنَةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ: يَا لَيْتَنِي هَذِهِ التِّبْنَةُ، يَا لَيْتَنِي لَمْ أَكُ شَيْئًا، يَا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي، يَا لَيْتَنِي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا. وَقَالَ
الْحَسَنُ: قَالَ عُمَرُ: لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَأَسِيرَنَّ فِي الرَّعِيَّةِ حَوْلًا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ لِلنَّاسِ حَوَائِجَ تُقْطَعُ دُونِي، أَمَّا عُمَّالُهُمْ فَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَيَّ، وَأَمَّا هُمْ فَلَا يَصِلُونَ إِلَيَّ، فَأَسِيرُ إِلَى الشَّامِ فَأُقِيمُ شَهْرَيْنِ، وَبِالْجَزِيرَةِ شَهْرَيْنِ، وَبِمِصْرَ شَهْرَيْنِ، وَبِالْبَحْرَيْنِ شَهْرَيْنِ، وَبِالْكُوفَةِ شَهْرَيْنِ، وَبِالْبَصْرَةِ شَهْرَيْنِ، وَاللَّهِ لَنِعْمَ الْحَوْلُ هَذَا! وَقِيلَ لِعُمَرَ: إِنَّ هَاهُنَا رَجُلًا مِنَ الْأَنْبَارِ لَهُ بَصَرٌ بِالدِّيوَانِ لَوِ اتَّخَذْتَهُ كَاتِبًا. فَقَالَ: لَقَدِ اتَّخَذْتُ إِذَنْ بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. قِيلَ: خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَقِّ لَوْ أَنَّ جَمَلًا هَلَكَ ضَيَاعًا بِشَطِّ الْفُرَاتِ لَخَشِيتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ أَبُو فِرَاسٍ: خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي مَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ عُمَّالًا لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ وَلَا لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ، وَإِنَّمَا أُرْسِلُهُمْ إِلَيْكُمْ لِيُعَلِّمُوكُمْ دِينَكُمْ وَسُنَّتَكُمْ، فَمَنْ فُعِلَ بِهِ شَيْءٌ سِوَى ذَلِكَ فَلْيَرْفَعْهُ إِلَيَّ، فَوَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لَأُقِصَّنَّهُ مِنْهُ. فَوَثَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ [أُمَرَاءِ] الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَعِيَّةٍ، فَأَدَّبَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ إِنَّكَ لَتُقِصُّهُ مِنْهُ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ إِذَنْ لَأُقِصَّنَّهُ مِنْهُ، وَكَيْفَ لَا أُقِصُّهُ مِنْهُ وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقِصُّ مِنْ نَفْسِهِ! أَلَا لَا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَتُذِلُّوهُمْ، وَلَا تَحْمَدُوهُمْ فَتَفْتِنُوهُمْ، وَلَا تَمْنَعُوهُمْ حُقُوقَهُمْ فَتُكَفِّرُوهُمْ، وَلَا تُنْزِلُوهُمُ الْغِيَاضَ فَتُضَيِّعُوهُمْ. قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَهُوَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ لَيْلًا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا جَاءَ بِكَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ؟ قَالَ: رُفْقَةٌ نَزَلَتْ فِي نَاحِيَةِ السُّوقِ خَشِيتُ عَلَيْهِمْ سُرَّاقَ الْمَدِينَةِ، فَانْطَلِقْ فَلْنَحْرُسْهُمْ. فَأَتَيَا السُّوقَ فَقَعَدَا عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ يَتَحَدَّثَانِ، فَرُفِعَ لَهُمَا مِصْبَاحٌ فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ أَنْهَ عَنِ الْمَصَابِيحِ بَعْدَ النَّوْمِ؟ فَانْطَلَقَا فَإِذَا قَوْمٌ عَلَى شَرَابٍ لَهُمْ. قَالَ: انْطَلِقْ فَقَدْ عَرَفْتُهُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ قَالَ: يَا فُلَانُ كُنْتَ وَأَصْحَابُكَ الْبَارِحَةَ عَلَى شَرَابٍ! قَالَ: وَمَا أَعْلَمَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: شَيْءٌ شَهِدْتُهُ. قَالَ: أَوَلَمْ يَنْهَكَ اللَّهُ عَنِ التَّجَسُّسِ؟ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ. وَإِنَّمَا نَهَى عُمَرُ عَنِ الْمَصَابِيحِ لِأَنَّ الْفَأْرَةَ تَأْخُذُ الْفَتِيلَةَ فَتَرْمِي بِهَا فِي سَقْفِ الْبَيْتِ
فَتُحْرِقُهُ، وَكَانَتِ السُّقُوفُ مِنْ جَرِيدٍ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ذَلِكَ قَبْلَهُ. وَقَالَ أَسْلَمُ: وَخَرَجَ عُمَرُ إِلَى حَرَّةِ وَاقِمٍ وَأَنَا مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِصِرَارٍ إِذَا نَارٌ تَسَعَّرُ. فَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِمْ. فَهَرْوَلْنَا حَتَّى دَنَوْنَا مِنْهُمْ، فَإِذَا بِامْرَأَةٍ مَعَهَا صِبْيَانٌ لَهَا وَقِدْرٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى نَارٍ وَصِبْيَانُهَا يَتَضَاغَوْنَ. فَقَالَ عُمَرُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَصْحَابَ الضَّوْءِ. وَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ: يَا أَصْحَابَ النَّارِ. قَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ. قَالَ: أَدْنُوا؟ قَالَتْ: ادْنُ بِخَيْرٍ أَوْ دَعْ. فَدَنَا فَقَالَ: مَا بَالُكُمْ؟ قَالَتْ: قَصَّرَ بِنَا اللَّيْلُ وَالْبَرْدُ. قَالَ: فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الصِّبْيَةِ يَتَضَاغَوْنَ؟ قَالَتْ: [مِنْ] الْجُوعِ. قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْقِدْرِ؟ قَالَتْ: مَا لِي مَا أُسْكِتُهُمْ حَتَّى يَنَامُوا، فَأَنَا أُعَلِّلُهُمْ وَأُوهِمُهُمْ أَنِّي أُصْلِحُ لَهُمْ شَيْئًا حَتَّى يَنَامُوا، اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عُمَرَ! قَالَ: أَيْ رَحِمَكِ اللَّهُ، مَا يُدْرِي بِكُمْ عُمَرَ؟ قَالَتْ: يَتَوَلَّى أَمْرَنَا وَيَغْفُلُ عَنَّا. فَأَقْبَلَ عَلَيَّ وَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا. فَخَرَجْنَا نُهَرْوِلُ حَتَّى أَتَيْنَا دَارَ الدَّقِيقِ، فَأَخْرَجَ عِدْلًا فِيهِ كُبَّةُ شَحْمٍ فَقَالَ: احْمِلْهُ عَلَى ظَهْرِي. قَالَ أَسْلَمُ: فَقُلْتُ: أَنَا أَحْمِلُهُ عَنْكَ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. فَقَالَ آخِرَ ذَلِكَ: أَنْتَ تَحْمِلُ عَنِّي وِزْرِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا أُمَّ لَكَ! فَحَمَلْتُهُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ نُهَرْوِلُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا، فَأَلْقَى ذَلِكَ عِنْدَهَا وَأَخْرَجَ مِنَ الدَّقِيقِ شَيْئًا فَجَعَلَ يَقُولُ لَهَا: ذُرِّي عَلَيَّ وَأَنَا أُحَرِّكُ لَكِ، وَجَعَلَ يَنْفُخُ تَحْتَ الْقِدْرِ، وَكَانَ ذَا لِحْيَةٍ عَظِيمَةٍ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الدُّخَانِ مِنْ خَلَلِ لِحْيَتِهِ حَتَّى أَنْضَجَ ثُمَّ أَنْزَلَ الْقِدْرَ، فَأَتَتْهُ بِصَحْفَةٍ فَأَفْرَغَهَا فِيهَا ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمِيهِمْ وَأَنَا أُسَطِّحُ لَكِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَلَّى عِنْدَهَا فَضْلَ ذَلِكَ، وَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ، فَجَعَلَتْ تَقُولُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، أَنْتَ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ! فَيَقُولُ: قُولِي خَيْرًا، فَإِنَّكِ إِذَا جِئْتِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَجَدْتِنِي هُنَاكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ -! ثُمَّ تَنَحَّى نَاحِيَةً، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهَا وَرَبَضَ لَا يُكَلِّمُنِي حَتَّى رَأَى الصِّبْيَةَ يَضْحَكُونَ وَيَصْطَرِعُونَ، ثُمَّ نَامُوا وَهَدَأُوا، فَقَامَ وَهُوَ يَحْمَدُ اللَّهَ، فَقَالَ: يَا أَسْلَمُ، الْجُوعُ أَسْهَرَهُمْ وَأَبْكَاهُمْ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَنْصَرِفَ حَتَّى أَرَى مَا رَأَيْتُ مِنْهُمْ. (صِرَارٌ: بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَرَائَيْنِ) . قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: كَانَ عُمَرُ إِذَا نَهَى النَّاسَ عَنْ شَيْءٍ جَمَعَ أَهْلَهُ فَقَالَ: إِنِّي نَهَيْتُ النَّاسَ عَنْ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ نَظَرَ الطَّيْرِ إِلَى اللَّحْمِ، وَأُقْسِمُ
بِاللَّهِ لَا أَجِدُ أَحَدًا [مِنْكُمْ] فَعَلَهُ إِلَّا أَضْعَفْتُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ. قَالَ سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ: وَكَانَ عُمَرُ إِذَا احْتَاجَ أَتَى صَاحِبَ بَيْتِ الْمَالِ فَاسْتَقْرَضَهُ، فَرُبَّمَا أَعْسَرَ فَيَأْتِيهِ صَاحِبُ بَيْتِ الْمَالِ يَتَقَاضَاهُ، فَيَلْزَمُهُ فَيَحْتَالُ لَهُ عُمَرُ، وَرُبَّمَا خَرَجَ عَطَاؤُهُ فَقَضَاهُ. قَالَ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دُعِيَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَلِيَ قَالُوا لَهُ: يَا خَلِيفَةَ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا أَمْرٌ يَطُولُ، كُلَّمَا جَاءَ خَلِيفَةٌ قَالُوا يَا خَلِيفَةَ خَلِيفَةِ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، بَلْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَنَا أَمِيرُكُمْ، فَسُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ التَّارِيخَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ بَيْتَ الْمَالِ، وَأَوَّلُ مَنْ عَسَّ اللَّيْلَ، وَأَوَّلُ مَنْ عَاقَبَ عَلَى الْهِجَاءِ، وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ النَّاسَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُصَلُّونَ أَرْبَعًا وَخَمْسًا وَسِتًّا. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى إِمَامٍ يُصَلِّي بِهِمُ التَّرَاوِيحَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَتَبَ بِهِ إِلَى الْبُلْدَانِ وَأَمَرَهُمْ بِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ حَمَلَ الدِّرَّةَ وَضَرَبَ بِهَا، وَأَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ فِي الْإِسْلَامِ. قَالَ زَاذَانُ: قَالَ عُمَرُ لِسَلْمَانَ: أَمَلِكٌ أَنَا أَمْ خَلِيفَةٌ؟ قَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنْ أَنْتَ جَبَيْتَ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ دِرْهَمًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَوَضَعْتَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، فَأَنْتَ مَلِكٌ غَيْرُ خَلِيفَةٍ. فَبَكَى عُمَرُ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةُ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ حَنْتَمَةَ! لَقَدْ رَأَيْتُهُ عَامَ الرَّمَادَةِ وَإِنَّهُ لَيَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ جِرَابَيْنِ وَعُكَّةَ زَيْتٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَيَعْتَقِبُ هُوَ وَأَسْلَمُ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: مِنْ أَيْنَ يَا أَبَا
هُرَيْرَةَ؟ قُلْتُ: قَرِيبًا، فَأَخَذْتُ أَعْقُبُهُ فَحَمَلْنَاهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى صِرَارٍ، فَإِذَا نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ بَيْتًا مِنْ مُحَارِبٍ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا أَقْدَمَكُمْ؟ قَالُوا: الْجَهْدُ، وَأَخْرَجُوا لَنَا جِلْدَ الْمَيْتَةِ مَشْوِيًّا كَانُوا يَأْكُلُونَهُ، وَرِمَّةَ الْعِظَامِ مَسْحُوقَةً كَانُوا يَسْتَفُّونَهَا، فَرَأَيْتُ عُمَرَ طَرَحَ رِدَاءَهُ ثُمَّ اتَّزَرَ، فَمَا زَالَ يَطْبُخُ حَتَّى أَشْبَعَهُمْ، ثُمَّ أَرْسَلَ أَسْلَمَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَاءَنَا بِأَبْعِرَةٍ، فَحَمَلَهُمْ عَلَيْهَا حَتَّى أَنْزَلَهُمُ الْجَبَّانَةَ، ثُمَّ كَسَاهُمْ، وَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى غَيْرِهِمْ حَتَّى رَفَعَ اللَّهُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ: رَأَتِ الشِّفَاءُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ فِتْيَانًا يَقْصِدُونَ فِي الْمَشْيِ وَيَتَكَلَّمُونَ رُوَيْدًا فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: نُسَّاكٌ، فَقَالَتْ: كَانَ وَاللَّهِ عُمَرُ إِذَا تَكَلَّمَ أَسْمَعَ، وَإِذَا مَشَى أَسْرَعَ، وَإِذَا ضَرَبَ أَوْجَعَ، وَهُوَ وَاللَّهِ نَاسِكٌ حَقًا. قَالَ الْحَسَنُ: خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً مِنْهَا أَدَمٌ. قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ: رَأَيْتُ عُمَرَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ مُرَقَّعٌ بِقِطْعَةِ جِرَابٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ: رَأَيْتُ عُمَرَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ فِيهِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ رُقْعَةً فِيهَا مِنْ أَدَمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ عُمَرُ يَمُرُّ بِالْآيَةِ مِنْ وِرْدِهِ فَيَسْقُطُ حَتَّى يُعَادَ كَمَا يُعَادُ الْمَرِيضُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ سَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ (وَالطَّوْرِ) ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ - مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ} [الطور: 7 - 8] ، سَقَطَ ثُمَّ تَحَامَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَمَرِضَ شَهْرًا مِنْ ذَلِكَ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ عُمَرُ يَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ حَيْثُ أَدْرَكَهُ الْخُصُومُ. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: أَتَى رَهْطٌ إِلَى عُمَرَ فَقَالُوا لَهُ: كَثُرَ الْعِيَالُ وَاشْتَدَّتِ الْمَؤُونَةُ فَزِدْنَا فِي عَطَائِنَا. قَالَ: فَعَلْتُمُوهَا، جَمَعْتُمْ بَيْنَ الضَّرَائِرِ وَاتَّخَذْتُمُ الْخَدَمَ مِنْ مَالِ اللَّهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي وَإِيَّاكُمْ فِي سَفِينَةٍ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ تَذْهَبُ بِنَا شَرْقًا وَغَرْبًا، فَلَنْيَعْجِزَ النَّاسُ أَنْ يُوَلُّوا رَجُلًا مِنْهُمْ، فَإِنِ اسْتَقَامَ اتَّبَعُوهُ، وَإِنْ جَنَفَ قَتَلُوهُ. فَقَالَ طَلْحَةُ: وَمَا عَلَيْكَ لَوْ قُلْتَ: وَإِنْ تَعَوَّجَ عَزَلُوهُ؟ قَالَ: لَا، الْقَتْلُ أَنْكَلُ لِمَنْ بَعْدَهُ، احْذَرُوا فَتَى ابْنِ قُرَيْشٍ وَابْنِ كَرِيمِهَا
الَّذِي لَا يَنَامُ إِلَّا عَلَى الرِّضَا، وَيَضْحَكُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُمَنْفَوْقَهُوَمَنْتَحْتَهُ. قَالَ مُجَالِدٌ: ذُكِرَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَاضِلٌ لَا يَعْرِفُ مِنَ الشَّرِّ شَيْئًا. قَالَ: ذَاكَ أَوْقَعُ لَهُ فِيهِ. قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: لَمَّا دُفِنَ عُمَرُ أَتَيْتُ عَلِيًّا، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ مِنْهُ فِي عُمَرَ شَيْئًا، فَخَرَجَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَقَدِ اغْتَسَلَ وَهُوَ مُلْتَحِفٌ بِثَوْبٍ لَا يَشُكُّ أَنَّ الْأَمْرَ يَصِيرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ الْخَطَّابِ، لَقَدْ صَدَقَتِ ابْنَةُ أَبِي حَثْمَةَ، ذَهَبَ بِخَيْرِهَا وَنَجَا مِنْ شَرِّهَا، أَمَا وَاللَّهِ مَا قَالَتْ وَلَكِنْ قُوِّلَتْ. وَقَالَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو فِي عُمَرَ: فَجَّعَنِي فَيْرُوزُ لَا دَرَّ دَرُّهُ ... بِأَبْيَضَ تَالٍ لِلْكِتَابِ نَجِيبِ رَءُوفٍ عَلَى الْأَدْنَى غَلِيظٍ عَلَى الْعِدَا ... أَخِي ثِقَةٍ فِي النَّائِبَاتِ مُنِيبِ مَتَى مَا يَقُلْ لَا يُكْذِبِ الْقَوْلَ فِعْلُهُ ... سَرِيعٍ إِلَى الْخَيْرَاتِ غَيْرِ قَطُوبِ وَقَالَتْ أَيْضًا: عَيْنِ جُودِي بِعَبْرَةٍ وَنَحِيبِ ... لَا تَمَلِّي عَلَى الْإِمَامِ النَّجِيبِ فَجَعَتْنِي الْمَنُونُ بِالْفَارِسِ الْمُعْ ... لِمِ يَوْمَ الْهِيَاجِ وَالتَّلْبِيبِ عِصْمَةِ النَّاسِ وَالْمُعِينِ عَلَى الدَّهْ ... رِ وَغَيْثِ الْمُنْتَابِ وَالْمَحْرُوبِ قُلْ لِأَهْلِ الثَّرَاءِ وَالْبُؤْسِ مُوتُوا ... قَدْ سَقَتْهُ الْمَنُونُ كَأْسَ شَعُوبِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: وَحَجَّ عُمَرُ فَلَمَّا كَانَ بِضَجْنَانَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْعَلِيُّ الْمُعْطِي مَا شَاءَ مَنْ شَاءَ، كُنْتُ أَرْعَى إِبِلَ الْخَطَّابِ فِي هَذَا الْوَادِي فِي مِدْرَعَةِ صُوفٍ، وَكَانَ فَظًّا يُتْعِبُنِي إِذَا عَمِلْتُ، وَيَضْرِبُنِي إِذَا قَصَّرْتُ، وَقَدْ أَمْسَيْتُ وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ أَحَدٌ، ثُمَّ تَمَثَّلَ:
لَا شَيْءَ فِيمَا تَرَى تَبْقَى بَشَاشَتُهُ ... يَبْقَى الْإِلَهُ وَيُودِي الْمَالُ وَالْوَلَدُ لَمْ تُغْنِ عَنْ هُرْمُزٍ يَوْمًا خَزَائِنُهُ ... وَالْخُلْدَ قَدْ حَاوَلَتْ عَادٌ فَمَا خَلَدُوا وَلَا سُلَيْمَانَ إِذْ تَجْرِي الرِّيَاحُ بِهِ ... وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ فِيمَا بَيْنَهَا يَرِدُ أَيْنَ الْمُلُوكُ الَّتِي كَانَتْ نَوَافِلُهَا ... مِنْ كُلِّ أَوْبٍ إِلَيْهَا رَاكِبٌ يَفِدُ حَوْضًا هُنَالِكَ مَوْرُودًا بِلَا كَذِبٍ ... لَا بُدَّ مِنْ وِرْدِهِ يَوْمًا كَمَا وَرَدُوا قَالَ أَسْلَمُ: إِنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ اسْتَقْرَضَتْ عُمَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ تَتَّجِرُ فِيهَا وَتَضْمَنُهَا، فَأَقْرَضَهَا، فَخَرَجَتْ فِيهَا إِلَى بِلَادِ كَلْبٍ فَاشْتَرَتْ وَبَاعَتْ، فَبَلَغَهَا أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَابْنَهُ عَمْرًا أَتَيَا مُعَاوِيَةَ، فَعَدَلَتْ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ طَلَّقَهَا، فَقَالَ لَهَا مُعَاوِيَةُ: مَا أَقْدَمَكِ أَيْ أُمَّهْ؟ قَالَتْ: النَّظَرُ إِلَيْكَ أَيْ بُنَيَّ، إِنَّهُ عُمَرُ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ لِلَّهِ وَقَدْ أَتَاكَ أَبُوكَ فَخَشِيتُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَهْلُ ذَلِكَ هُوَ، وَلَا يَعْلَمُ النَّاسُ مِنْ أَيْنَ أَعْطَيْتَهُ فَيُؤَنِّبُوكَ وَيُؤَنِّبُكَ عُمَرُ فَلَا يَسْتَقِيلُهَا أَبَدًا. فَبَعَثَ إِلَى أَبِيهِ وَإِلَى أَخِيهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَكَسَاهُمَا وَحَمَلَهُمَا، فَتَسَخَّطَهَا عَمْرٌو، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا تَسَخَّطْهَا فَإِنَّ هَذَا عَطَاءٌ لَمْ تَغِبْ عَنْهُ هِنْدٌ، وَرَجَعُوا جَمِيعًا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِهِنْدٍ: أَرَبِحْتِ؟ قَالَتْ: اللَّهُ أَعْلَمُ. فَلَمَّا أَتَتِ الْمَدِينَةَ وَبَاعَتْ شَكَتِ الْوَضِيعَةَ، فَقَالَ لَهَا عُمَرُ: لَوْ كَانَ مَالِي لَتَرَكْتُهُ لَكِ، وَلَكِنَّهُ مَالُ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ: بِكَمْ أَجَازَكَ مُعَاوِيَةُ؟ قَالَ: بِمِائَةِ دِينَارٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَصْحَابُهُ يَتَذَاكَرُونَ الشِّعْرَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فُلَانٌ أَشْعَرُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ فُلَانٌ أَشْعَرُ، قَالَ: فَأَقْبَلْتُ فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ جَاءَكُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَا، مَنْ أَشْعَرُ الشُّعَرَاءِ؟ قَالَ: قُلْتُ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى. فَقَالَ: هَلُمَّ مِنْ شِعْرِهِ مَا نَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرْتَ. فَقُلْتُ: امْتَدَحَ قَوْمًا مِنْ غَطَفَانَ فَقَالَ: لَوْ كَانَ يَقْعُدُ فَوْقَ الشَّمْسِ مِنْ كَرَمٍ ... قَوْمٌ لِأَوَّلِهِمْ يَوْمًا إِذَا قَعَدُوا
قَوْمٌ أَبُوهُمْ سِنَانٌ حِينَ تَنْسُبُهُمْ طَابُوا وَطَابَ مِنَ الْأَوْلَادِ مَا وَلَدُوا ... جِنٌّ إِذَا فَزِعُوا إِنْسٌ إِذَا أَمِنُوا مُمَرَّدُونَ بَهَالِيلُ إِذَا جَهِدُوا ... مُحَسَّدُونَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ نِعَمٍ لَا يَنْزِعُ اللَّهُ مِنْهُمْ مَا لَهُ حُسِدُوا فَقَالَ عُمَرُ: أَحْسَنَ وَاللَّهِ، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْلَى بِهَذَا الشِّعْرِ مِنْ هَذَا الْحَيِّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ; لِفَضْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَرَابَتِهِمْ مِنْهُ. فَقُلْتُ: وُفِّقْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ تَزَلْ مُوَفَّقًا! فَقَالَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَتَدْرِي مَا مَنَعَ قَوْمَكُمْ مِنْهُمْ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَكَرِهْتُ أَنْ أُجِيبَهُ فَقُلْتُ: إِنْ لَمْ أَكُنْ أَدْرِي فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُدْرِينِي! فَقَالَ عُمَرُ: كَرِهُوا أَنْ يَجْمَعُوا لَكُمُ النُّبُوَّةَ وَالْخِلَافَةَ، فَتَبَجَّحُوا عَلَى قَوْمِكُمْ بَجَحًا بَجَحًا، فَاخْتَارَتْ قُرَيْشٌ لِأَنْفُسِهَا فَأَصَابَتْ وَوُفِّقَتْ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ تَأْذَنْ لِي فِي الْكَلَامِ وَتُمِطْ عَنِّي الْغَضَبَ تَكَلَّمْتُ. قَالَ: تَكَلَّمْ. قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: اخْتَارَتْ قُرَيْشٌ لِأَنْفُسِهَا فَأَصَابْتَ وَوَفِّقْتَ، فَلَوْ أَنَّ قُرَيْشًا اخْتَارَتْ لِأَنْفُسِهَا حِينَ اخْتَارَ اللَّهُ لَهَا لَكَانَ الصَّوَابُ بِيَدِهَا غَيْرَ مَرْدُودٍ وَلَا مَحْسُودٍ. وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ تَكُونَ لَنَا النُّبُوَّةُ وَالْخِلَافَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - وَصَفَ قَوْمًا بِالْكَرَاهَةِ فَقَالَ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9] . فَقَالَ عُمَرُ: هَيْهَاتَ وَاللَّهِ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، قَدْ كَانَتْ تَبْلُغُنِي عَنْكَ أَشْيَاءُ كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ أُقِرَّكَ عَلَيْهَا فَتُزِيلَ مَنْزِلَتَكَ مِنِّي. فَقُلْتُ: مَا هِيَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَإِنْ كَانَتْ حَقًّا فَمَا يَنْبَغِي أَنْ تُزِيلَ مَنْزِلَتِي مِنْكَ، وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلًا فَمِثْلِي أَمَاطَ الْبَاطِلَ عَنْ نَفْسِهِ. فَقَالَ عُمَرُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: إِنَّمَا صَرَفُوهَا عَنْكَ حَسَدًا وَبَغْيًا وَظُلْمًا. فَقُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: ظُلْمًا، فَقَدْ تَبَيَّنَ لِلْجَاهِلِ وَالْحَلِيمِ، وَأَمَّا قَوْلُكَ: حَسَدًا، فَإِنَّ آدَمَ حُسِدَ وَنَحْنُ وَلَدُهُ الْمُحَسَّدُونَ. فَقَالَ عُمَرُ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! أَبَتْ وَاللَّهِ قُلُوبُكُمْ يَا بَنِي هَاشِمٍ إِلَّا حَسَدًا لَا يَزُولُ. فَقُلْتُ: مَهْلًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَصِفْ قُلُوبَ قَوْمٍ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرًا بِالْحَسَدِ وَالْغِشِّ، فَإِنَّ قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قُلُوبِ بَنِي هَاشِمٍ. فَقَالَ عُمَرُ: إِلَيْكَ عَنِّي
يَا ابْنَ عَبَّاسٍ. فَقُلْتُ: أَفْعَلُ. فَلَمَّا ذَهَبْتُ لِأَقُومَ اسْتَحْيَا مِنِّي فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَكَانَكَ! فَوَاللَّهِ إِنِّي لَرَاعٍ لِحَقِّكَ مُحِبٌّ لِمَا سَرَّكَ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ لِي عَلَيْكَ حَقًّا وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ حَفِظَهُ فَحَظَّهُ أَصَابَ، وَمَنْ أَضَاعَهُ فَحَظَّهُ أَخْطَأَ. ثُمَّ قَامَ فَمَضَى. ذِكْرُ قِصَّةِ الشُّورَى قَالَ عُمَرُو بْنُ مَيْمُونَ الْأَوْدِيُّ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا طُعِنَ قِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوِ اسْتَخْلَفْتَ. فَقَالَ: لَوْ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَيًّا لَاسْتَخْلَفْتُهُ وَقُلْتُ لِرَبِّي إِنْ سَأَلَنِي: سَمِعْتُ نَبِيَّكَ يَقُولُ: " «إِنَّهُ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» ". وَلَوْ كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ حَيًّا لَاسْتَخْلَفْتُهُ وَقُلْتُ لِرَبِّي إِنْ سَأَلَنِي: سَمِعْتُ نَبِيَّكَ يَقُولُ: " «إِنَّ سَالِمًا شَدِيدُ الْحُبِّ لِلَّهِ تَعَالَى» ". فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَدُلُّكَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ: قَاتَلَكَ اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ اللَّهَ بِهَذَا! وَيْحَكَ! كَيْفَ أَسْتَخْلِفُ رَجُلًا عَجَزَ عَنْ طَلَاقِ امْرَأَتِهِ؟ لَا أَرَبَ لَنَا فِي أُمُورِكُمْ، فَمَا حَمِدْتُهَا فَأَرْغَبَ فِيهَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، إِنْ كَانَ خَيْرًا فَقَدْ أَصَبْنَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَقَدْ صُرِفَ عَنَّا، بِحَسْبِ آلِ عُمَرَ أَنْ يُحَاسَبَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَيُسْأَلَ عَنْ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، أَمَا لَقَدْ جَهَدْتُ نَفْسِي وَحَرَمْتُ أَهْلِي، وَإِنْ نَجَوْتُ كِفَافًا لَا وِزْرَ وَلَا أَجْرَ إِنِّي لَسَعِيدٌ، وَأَنْظُرُ فَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، وَلَنْ يُضَيِّعَ اللَّهُ دِينَهُ. فَخَرَجُوا ثُمَّ رَاحُوا فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ عَهِدْتَ عَهْدًا. فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ
أَجْمَعْتُ بَعْدَ مَقَالَتِي أَنْ أَنْظُرَ، فَأُوَلِّيَ رَجُلًا أَمْرَكُمْ هُوَ أَحْرَاكُمْ أَنْ يَحْمِلَكُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَشَارَ إِلَى عَلِيٍّ، فَرَهِقَتْنِي غَشْيَةٌ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا دَخَلَ جَنَّةً فَجَعَلَ يَقْطِفُ كُلَّ غَضَّةٍ وَيَانِعَةٍ فَيَضُمُّهُ إِلَيْهِ وَيُصَيِّرُهُ تَحْتَهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، فَمَا أَرَدْتُ أَنْ أَتَحَمَّلَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا، عَلَيْكُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ، وَهُمْ عَلِيٌّ، وَعُثْمَانُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَسَعْدٌ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَلْيَخْتَارُوا مِنْهُمْ رَجُلًا، فَإِذَا وَلَّوْا وَالِيًا فَأَحْسِنُوا مُوَازَرَتَهُ وَأَعِينُوهُ. فَخَرَجُوا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِعَلِيٍّ: لَا تَدْخُلْ مَعَهُمْ، قَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ الْخِلَافَ. قَالَ: إِذَنْ تَرَى مَا تَكْرَهُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ عُمَرُ دَعَا عَلِيًّا، وَعُثْمَانَ، وَسَعْدًا، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَالزُّبَيْرَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي نَظَرْتُ فَوَجَدْتُكُمْ رُؤَسَاءَ النَّاسِ وَقَادَتَهُمْ، وَلَا يَكُونُ هَذَا الْأَمْرُ إِلَّا فِيكُمْ، وَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ، وَإِنِّي لَا أَخَافُ النَّاسَ عَلَيْكُمْ إِنِ اسْتَقَمْتُمْ وَلَكِنِّي أَخَافُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَيَخْتَلِفُ النَّاسُ، فَانْهَضُوا إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ بِإِذْنِهَا فَتَشَاوَرُوا فِيهَا. وَوَضَعَ رَأْسَهُ وَقَدْ نَزَفَهُ الدَّمُ. فَدَخَلُوا فَتَنَاجَوْا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَمُتْ بَعْدُ. فَسَمِعَهُ عُمَرُ فَانْتَبَهَ وَقَالَ: [أَلَا] أَعْرِضُوا عَنْ هَذَا، فَإِذَا مِتُّ فَتَشَاوَرُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ صُهَيْبٌ، وَلَا يَأْتِينَّ الْيَوْمُ الرَّابِعُ إِلَّا وَعَلَيْكُمْ أَمِيرٌ مِنْكُمْ، وَيَحْضُرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُشِيرًا، وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ، وَطَلْحَةُ شَرِيكُكُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِنْ قَدِمَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ فَأَحْضِرُوهُ أَمْرَكُمْ، وَإِنْ مَضَتِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ قَبْلَ قُدُومِهِ فَأَمْضُوا أَمْرَكُمْ، وَمَنْ لِي بِطَلْحَةَ؟ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَا لَكَ بِهِ وَلَا يُخَالِفُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. فَقَالَ عُمَرُ: أَرْجُو أَنْ لَا يُخَالِفَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ -، وَمَا أَظُنُّ يَلِي إِلَّا أَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: عَلِيٍّ أَوْ عُثْمَانَ، فَإِنْ وَلِيَ عُثْمَانُ فَرَجُلٌ فِيهِ لِينٌ، وَإِنْ وَلِيَ عَلِيٌّ فَفِيهِ دُعَابَةٌ، وَأَحْرَى بِهِ أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ، وَإِنْ تُوَلُّوا سَعْدًا فَأَهْلُهُ هُوَ، وَإِلَّا فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ الْوَالِي، فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ عَنْ ضَعْفٍ وَلَا خِيَانَةٍ، وَنِعْمَ ذُو الرَّأْيِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَاسْمَعُوا مِنْهُ وَأَطِيعُوا. وَقَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ: يَا أَبَا طَلْحَةَ، إِنَّ اللَّهَ طَالَمَا أَعَزَّ بِكُمُ الْإِسْلَامَ فَاخْتَرْ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَاسْتَحِثَّ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ حَتَّى يَخْتَارُوا رَجُلًا مِنْهُمْ. وَقَالَ لِلْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ: إِذَا وَضَعْتُمُونِي فِي حُفْرَتِي فَاجْمَعْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ فِي بَيْتٍ حَتَّى يَخْتَارُوا رَجُلًا.
وَقَالَ لِصُهَيْبٍ: صَلِّ بِالنَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَدْخِلْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ بَيْتًا وَقُمْ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَإِنِ اجْتَمَعَ خَمْسَةٌ وَأَبَى وَاحِدٌ فَاشْدَخْ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ، وَإِنِ اتَّفَقَ أَرْبَعَةٌ وَأَبَى اثْنَانِ فَاضْرِبْ رُءُوسَهُمَا، وَإِنْ رَضِيَ ثَلَاثَةٌ رَجُلًا وَثَلَاثَةٌ رَجُلًا فَحَكِّمُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا بِحُكْمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَكُونُوا مَعَ الَّذِينَ فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَاقْتُلُوا الْبَاقِينَ إِنْ رَغِبُوا عَمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ النَّاسُ. فَخَرَجُوا، فَقَالَ عَلِيٌّ لِقَوْمٍ مَعَهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ: إِنْ أُطِيعَ فِيكُمْ قَوْمُكُمْ لَمْ تُؤَمَّرُوا أَبَدًا، وَتَلَقَّاهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: عَدَلْتَ عَنَّا! فَقَالَ: وَمَا عِلْمُكَ؟ قَالَ: قُرُّنَّ بَنِي عُثْمَانَ، وَقَالَ: كُونُوا مَعَ الْأَكْثَرِ، فَإِنْ رَضِيَ رَجُلَانِ رَجُلًا وَرَجُلَانِ رَجُلًا فَكُونُوا مَعَ الَّذِينَ فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَسَعْدٌ لَا يُخَالِفُ ابْنَ عَمِّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ صِهْرُ عُثْمَانَ لَا يَخْتَلِفُونَ فَيُوَلِّيهَا أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَلَوْ كَانَ الْآخَرَانِ مَعِي لَمْ يَنْفَعَانِي. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: لَمْ أَرْفَعْكَ فِي شَيْءٍ إِلَّا رَجَعْتَ إِلَيَّ مُسْتَأْخِرًا لِمَا أَكْرَهُ، أَشَرْتُ عَلَيْكَ عِنْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَسْأَلَهُ فِيمَنْ هَذَا الْأَمْرُ فَأَبَيْتَ، فَأَشَرْتُ عَلَيْكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَنْ تُعَاجِلَ الْأَمْرَ فَأَبَيْتَ، وَأَشَرْتُ عَلَيْكَ حِينَ سَمَّاكَ عُمَرُ فِي الشُّورَى أَنْ لَا تَدْخُلَ مَعَهُمْ فَأَبَيْتَ، احْفَظْ عَنِّي وَاحِدَةً: كُلَّمَا عَرَضَ عَلَيْكَ الْقَوْمُ فَقُلْ: لَا، إِلَّا أَنْ يُوَلُّوكَ، وَاحْذَرْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ فَإِنَّهُمْ لَا يَبْرَحُونَ يَدْفَعُونَنَا عَنْ هَذَا الْأَمْرِ حَتَّى يَقُومَ بِهِ لَنَا غَيْرُنَا، وَايْمُ اللَّهِ لَا يَنَالُهُ إِلَّا بَشَرٌ لَا يَنْفَعُ مَعَهُ خَيْرٌ! فَقَالَ عَلِيٌّ: أَمَا لَئِنْ بَقِيَ عُثْمَانُ لَأُذَكِّرَنَّهُ مَا أَتَى، وَلَئِنْ مَاتَ لَيَتَدَاوَلُنَّهَا بَيْنَهُمْ، وَلَئِنْ فَعَلُوا لَتَجِدَنِّي حَيْثُ يَكْرَهُونَ، ثُمَّ تَمَثَّلَ: حَلَفْتُ بِرَبِّ الرَّاقِصَاتِ عَشِيَّةً ... غَدَوْنَ خِفَافًا فَابْتَدَرْنَ الْمُحَصَّبَا لَيَخْتَلِيَنْ رَهْطُ ابْنِ يَعْمَرَ قَارِنًا ... نَجِيعًا بَنُو الشُّدَّاخِ وِرْدًا مُصَلَّبًا وَالْتَفَتَ فَرَأَى أَبَا طَلْحَةَ فَكَرِهَ مَكَانَهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: لَنْ تُرَاعَ أَبَا الْحَسَنِ. فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ وَأُخْرِجَتْ جِنَازَتُهُ صَلَّى عَلَيْهِ صُهَيْبٌ، فَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ جَمَعَ الْمِقْدَادُ أَهْلَ الشُّورَى فِي بَيْتِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَقِيلَ: فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَقِيلَ: فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ بِإِذْنِهَا، وَطَلْحَةُ غَائِبٌ، وَأَمَرُوا أَبَا طَلْحَةَ أَنْ يَحْجُبَهُمْ، وَجَاءَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَجَلَسَا بِالْبَابِ، فَحَصَبَهُمَا سَعْدٌ وَأَقَامَهُمَا وَقَالَ: تُرِيدَانِ أَنْ تَقُولَا: حَضَرْنَا وَكُنَّا فِي
أَهْلِ الشُّورَى! فَتَنَافَسَ الْقَوْمُ فِي الْأَمْرِ، وَكَثُرَ فِيهِمُ الْكَلَامُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا كُنْتُ لَأَنْ تَدْفَعُوهَا أَخْوَفَ مِنِّي لَأَنْ تَتَنَافَسُوهَا، وَالَّذِي ذَهَبَ بِنَفْسِ عُمَرَ لَا أَزِيدُكُمْ عَلَى الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي أَمَرَ، ثُمَّ أَجْلِسُ فِي بَيْتِي فَأَنْظُرُ مَا تَصْنَعُونَ! فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَيُّكُمْ يُخْرِجُ مِنْهَا نَفْسَهُ وَيَتَقَلَّدُهَا عَلَى أَنْ يُوَلِّيَهَا أَفْضَلَكُمْ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ. فَقَالَ: فَأَنَا أَنْخَلِعُ مِنْهَا. فَقَالَ عُثْمَانُ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ رَضِيَ. فَقَالَ الْقَوْمُ: قَدْ رَضِينَا. وَعَلِيٌّ سَاكِتٌ. فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ؟ قَالَ: أَعْطِنِي مَوْثِقًا لَتُؤْثِرَنَّ الْحَقَّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى وَلَا تَخُصَّ ذَا رَحِمٍ وَلَا تَأْلُو الْأُمَّةَ نُصْحًا. فَقَالَ: أَعْطُونِي مَوَاثِيقَكُمْ عَلَى أَنْ تَكُونُوا مَعِيَ عَلَى مَنْ بَدَّلَ وَغَيَّرَ وَأَنْ تَرْضَوْا مَنِ اخْتَرْتُ لَكُمْ، وَعَلَيَّ مِيثَاقُ اللَّهِ أَنْ لَا أَخُصَّ ذَا رَحِمٍ لِرَحِمِهِ وَلَا آلُو الْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقًا وَأَعْطَاهُمْ مِثْلَهُ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: تَقُولُ إِنِّي أَحَقُّ مَنْ حَضَرَ بِهَذَا الْأَمْرِ ; لِقَرَابَتِكَ وَسَابِقَتِكَ وَحُسْنِ أَثَرِكَ فِي الدِّينِ وَلَمْ تُبْعِدْ، وَلَكِنْ أَرَأَيْتَ لَوْ صُرِفَ هَذَا الْأَمْرُ عَنْكَ، فَلَمْ تَحْضُرْ، مَنْ كُنْتَ تَرَى مِنْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ أَحَقَّ بِهِ؟ قَالَ: عُثْمَانُ. وَخَلَا بِعُثْمَانَ فَقَالَ: تَقُولُ شَيْخٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَصِهْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَابْنُ عَمِّهِ، وَلِي سَابِقَةٌ وَفَضْلٌ، فَأَيْنَ يُصْرَفُ هَذَا الْأَمْرُ عَنِّي؟ وَلَكِنْ لَوْ لَمْ تَحْضُرْ؛ أَيَّ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ تَرَاهُ أَحَقَّ بِهِ؟ قَالَ: عَلِيٌّ. وَلَقِيَ عَلِيٌّ سَعْدًا فَقَالَ لَهُ: {اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1] ، أَسْأَلُكَ بِرَحِمِ ابْنِي هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِرَحِمِ عَمِّي حَمْزَةَ مِنْكَ أَنْ تَكُونَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِعُثْمَانَ ظَهِيرًا. وَدَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَيَالِيَهُ يَلْقَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَنْ وَافَى الْمَدِينَةَ مِنْ أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ يُشَاوِرُهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلَةُ الَّتِي صَبِيحَتُهَا تَسْتَكْمِلُ الْأَجَلَ، أَتَى مَنْزِلَ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، فَأَيْقَظَهُ وَقَالَ لَهُ: لَمْ أَذُقْ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ كَبِيرَ غَمْضٍ، انْطَلِقْ فَادْعُ الزُّبَيْرَ وَسَعْدًا. فَدَعَاهُمَا. فَبَدَأَ بِالزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهُ: خَلِّ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَهَذَا الْأَمْرَ. قَالَ: نَصِيبِي لِعَلِيٍّ. وَقَالَ لِسَعْدٍ: اجْعَلْ نَصِيبَكَ لِي. فَقَالَ: إِنِ اخْتَرْتَ نَفْسَكَ فَنَعَمْ، وَإِنِ اخْتَرْتَ عُثْمَانَ فَعَلِيٌّ أَحَبُّ إِلَيَّ، أَيُّهَا الرَّجُلُ، بَايِعْ لِنَفْسِكَ وَأَرِحْنَا وَارْفَعْ رُءُوسَنَا. فَقَالَ لَهُ: قَدْ خَلَعْتُ نَفْسِي عَلَى أَنْ أَخْتَارَ، وَلَوْ لَمْ أَفْعَلْ لَمْ أَرُدَّهَا، إِنِّي رَأَيْتُ رَوْضَةً خَضْرَاءَ كَثِيرَةَ الْعُشْبِ، فَدَخَلَ فَحْلٌ مَا رَأَيْتُ أَكْرَمَ مِنْهُ فَمَرَّ كَأَنَّهُ سَهْمٌ، لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى قَطَعَهَا لَمْ يُعَرِّجْ، وَدَخَلَ بَعِيرٌ يَتْلُوهُ فَاتَّبَعَ أَثَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا، ثُمَّ
دَخَلَ فَحْلٌ عَبْقَرِيٌّ يَجُرُّ خِطَامَهُ، وَمَضَى قَصْدَ الْأَوَّلَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ بَعِيرٌ رَابِعٌ فَرَتَعَ فِي الرَّوْضَةِ، وَلَا وَاللَّهِ لَا أَكُونُ الرَّابِعَ وَلَا يَقُومُ مَقَامَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بَعْدَهُمَا أَحَدٌ فَيَرْضَى النَّاسُ عَنْهُ. قَالَ: وَأَرْسَلَ الْمِسْوَرَ فَاسْتَدْعَى عَلِيًّا، فَنَاجَاهُ طَوِيلًا وَهُوَ لَا يَشُكُّ أَنَّهُ صَاحِبُ الْأَمْرِ، ثُمَّ نَهَضَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى عُثْمَانَ فَتَنَاجَيَا حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الصُّبْحُ. قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا كَلَّمَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ، فَقَدْ قَالَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَوَقَعَ قَضَاءُ رَبِّكَ عَلَى عُثْمَانَ. فَلَمَّا صَلَّوُا الصُّبْحَ جَمَعَ الرَّهْطَ، وَبَعَثَ إِلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَأَهْلِ السَّابِقَةِ وَالْفَضْلِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَإِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فَاجْتَمَعُوا حَتَّى الْتَجَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَجْمَعُوا أَنْ يَرْجِعَ أَهْلُ الْأَمْصَارِ إِلَى أَمْصَارِهِمْ، فَأَشِيرُوا عَلَيَّ. فَقَالَ عَمَّارٌ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ الْمُسْلِمُونَ فَبَايِعْ عَلِيًّا. فَقَالَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ: صَدَقَ عَمَّارٌ، إِنْ بَايَعْتَ عَلِيًّا قُلْنَا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. قَالَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ لَا تَخْتَلِفَ قُرَيْشٌ فَبَايِعْ عُثْمَانَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: صَدَقْتَ إِنْ بَايَعْتَ عُثْمَانَ قُلْنَا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. فَشَتَمَ عَمَّارٌ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ وَقَالَ: مَتَى كُنْتَ تَنْصَحُ الْمُسْلِمِينَ؟ فَتَكَلَّمَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو أُمَيَّةَ فَقَالَ عَمَّارٌ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمَنَا بِنَبِيِّهِ وَأَعَزَّنَا بِدِينِهِ فَأَنَّى تَصْرِفُونَ هَذَا الْأَمْرَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: لَقَدْ عَدَوْتَ طَوْرَكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ، وَمَا أَنْتَ وَتَأْمِيرُ قُرَيْشٍ لِأَنْفُسِهَا! فَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، افْرُغْ قَبْلَ أَنْ يُفْتَنَ النَّاسُ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ وَشَاوَرْتُ، فَلَا تَجْعَلُنَّ أَيُّهَا الرَّهْطُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ سَبِيلًا، وَدَعَا عَلِيًّا وَقَالَ: عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ لَتَعْمَلَنَّ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَسِيرَةِ الْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ: أَرْجُو أَنْ أَفْعَلَ فَأَعْمَلَ بِمَبْلَغِ عِلْمِي وَطَاقَتِي، وَدَعَا عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِعَلِيٍّ، فَقَالَ: نَعَمْ نَعْمَلُ. فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى سَقْفِ الْمَسْجِدِ وَيَدُهُ فِي يَدِ عُثْمَانَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْمَعْ وَاشْهَدْ. اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ جَعَلْتُ مَا فِي رَقَبَتِي مِنْ ذَلِكَ فِي رَقَبَةِ عُثْمَانَ، فَبَايَعَهُ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ هَذَا أَوَّلَ يَوْمٍ تَظَاهَرْتُمْ فِيهِ عَلَيْنَا، {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] ، وَاللَّهِ مَا وَلَّيْتَ عُثْمَانَ إِلَّا لِيُرَدَّ الْأَمْرُ إِلَيْكَ، وَاللَّهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ! فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا عَلِيُّ، لَا تَجْعَلْ عَلَى نَفْسِكَ حُجَّةً وَسَبِيلًا. فَخَرَجَ عَلِيٌّ وَهُوَ يَقُولُ: سَيَبْلُغُ الْكِتَابُ أَجَلَهُ. فَقَالَ الْمِقْدَادُ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتَهُ وَإِنَّهُ مِنَ الَّذِينَ يَقْضُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ. فَقَالَ: يَا مِقْدَادُ، وَاللَّهِ لَقَدِ اجْتَهَدْتُ لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ: إِنْ كُنْتَ أَرَدْتَ اللَّهَ فَأَثَابَكَ اللَّهُ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ. فَقَالَ الْمِقْدَادُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا أَتَى إِلَى أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، إِنِّي لَأَعْجَبُ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّهُمْ تَرَكُوا رَجُلًا مَا أَقُولُ وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ رَجُلًا أَقْضَى بِالْعَدْلِ وَلَا أَعْلَمَ مِنْهُ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَجِدُ أَعْوَانًا عَلَيْهِ! فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا مِقْدَادُ اتَّقِ اللَّهَ فَإِنِّي خَائِفٌ عَلَيْكَ الْفِتْنَةَ. فَقَالَ رَجُلٌ لِلْمِقْدَادِ: رَحِمَكَ اللَّهُ، مَنْ أَهْلُ هَذَا الْبَيْتِ وَمَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟ قَالَ: أَهْلُ الْبَيْتِ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالرَّجُلُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إِلَى قُرَيْشٍ وَقُرَيْشٌ تَنْظُرُ بَيْنَهَا فَتَقُولُ: إِنْ وَلِيَ عَلَيْكُمْ بَنُو هَاشِمٍ لَمْ تَخْرُجْ مِنْهُمْ أَبَدًا، وَمَا كَانَتْ فِي غَيْرِهِمْ تَدَاوَلْتُمُوهَا بَيْنَكُمْ. وَقَدِمَ طَلْحَةُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي بُويِعَ فِيهِ لِعُثْمَانَ فَقِيلَ لَهُ: بَايَعُوا لِعُثْمَانَ. فَقَالَ: كُلُّ قُرَيْشٍ رَاضٍ بِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَأَتَى عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكَ وَإِنْ أَبَيْتَ رَدَدْتُهَا. قَالَ: أَتَرُدُّهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَكُلُّ النَّاسِ بَايَعُوكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قَدْ رَضِيتُ لَا أَرْغَبُ عَمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ. وَبَايَعَهُ. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ قَدْ أَصَبْتَ أَنْ بَايَعْتَ عُثْمَانَ. وَقَالَ لِعُثْمَانَ: وَلَوْ بَايَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ غَيْرَكَ مَا رَضِينَا. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: كَذَبْتَ يَا أَعْوَرُ، لَوْ بَايَعْتُ غَيْرَهُ لَبَايَعْتَهُ، وَلَقُلْتَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ. قَالَ: وَكَانَ الْمِسْوَرُ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا بَذَّ قَوْمًا فِيمَا دَخَلُوا فِيهِ بِمِثْلِ مَا بَذَّهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. قُلْتُ: قَوْلُهُ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ صِهْرُ عُثْمَانَ، يَعْنِي: عَبْدُ الرَّحْمَنِ تَزَوَّجَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَهِيَ أُخْتُ عُثْمَانَ لِأُمِّهِ، خَلَفَ عَلَيْهَا عُقْبَةُ بَعْدَ عُثْمَانَ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ رِوَايَةً أُخْرَى فِي الشُّورَى عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَهِيَ تَمَامُ
حَدِيثِ مَقْتَلِ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ هَاهُنَا قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي تَقَدَّمَ آنِفَا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا دُفِنَ عُمَرُ جَمَعَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَخَطَبَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ وَتَرْكِ التَّفَرُّقِ، فَتَكَلَّمَ عُثْمَانُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اتَّخَذَ مُحَمَّدًا نَبِيًّا، وَبَعَثَهُ رَسُولًا، وَصَدَقَهُ وَعْدَهُ، وَوَهَبَ لَهُ نَصْرَهُ عَلَى كُلِّ مَنْ بَعُدَ نَسَبًا أَوْ قَرُبَ رَحِمًا، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، جَعَلَنَا اللَّهُ لَهُ تَابِعِينَ، وَبِأَمْرِهِ مُهْتَدِينَ، فَهُوَ لَنَا نُورٌ، وَنَحْنُ بِأَمْرِهِ نَقُومُ عِنْدَ تَفَرُّقِ الْأَهْوَاءِ وَمُجَادَلَةِ الْأَعْدَاءِ، جَعَلَنَا اللَّهُ بِفَضْلِهِ أَئِمَّةً، وَبِطَاعَتِهِ أُمَرَاءَ، لَا يَخْرُجُ أَمْرُنَا مِنَّا، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا غَيْرُنَا، إِلَّا مَنْ سَفِهَ الْحَقَّ، وَنَكَلَ عَنِ الْقَصْدِ، وَأَحْرِ بِهَا يَا ابْنَ عَوْفٍ أَنْ تُتْرَكَ، وَأَجْدِرِ بِهَا أَنْ تَكُونَ إِنْ خُولِفَ أَمْرُكَ وَتُرِكَ دُعَاؤُكَ، فَأَنَا أَوَّلُ مُجِيبٍ لَكَ وَدَاعٍ إِلَيْكَ وَكَفِيلٌ بِمَا أَقُولُ زَعِيمٌ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ. ثُمَّ تَكَلَّمَ الزُّبَيْرُ بَعْدَهُ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ دَاعِيَ اللَّهِ لَا يُجْهَلُ، وَمُجِيبَهُ لَا يُخْذَلُ عِنْدَ تَفَرُّقِ الْأَهْوَاءِ وَلَيِّ الْأَعْنَاقِ، وَلَنْ يُقَصِّرَ عَمَّا قُلْتُ إِلَّا غَوِيٌّ، وَلَنْ يَتْرُكَ مَا دَعَوْتُ إِلَيْهِ إِلَّا شَقِيٌّ، وَلَوْلَا حُدُودٌ لِلَّهِ فُرِضَتْ، وَفَرَائِضُ لِلَّهِ حُدَّتْ، تُرَاحُ عَلَى أَهْلِهَا وَتَحْيَا وَلَا تَمُوتُ، لَكَانَ الْمَوْتُ مِنَ الْإِمَارَةِ نَجَاةً، وَالْفِرَارُ مِنَ الْوِلَايَةِ عِصْمَةً، وَلَكِنْ لِلَّهِ عَلَيْنَا إِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَإِظْهَارُ السُّنَّةِ، لِئَلَّا نَمُوتَ مَوْتَةً عِمِّيَّةً، وَلَا نَعْمَى عَمَى الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَنَا مُجِيبُكَ إِلَى مَا دَعَوْتَ، وَمُعِينُكَ عَلَى مَا أَمَرْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ. ثُمَّ تَكَلَّمَ سَعْدٌ فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ: وَبِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنَارَتِ الطُّرُقُ وَاسْتَقَامَتِ السُّبُلُ، وَظَهَرَ كُلُّ حَقٍّ، وَمَاتَ كُلُّ بَاطِلٍ، إِيَّاكُمْ أَيُّهَا النَّفَرُ وَقَوْلَ الزُّورِ، وَأُمْنِيَةَ أَهْلِ الْغُرُورِ، وَقَدْ سَلَبَتِ الْأَمَانِيُّ قَوْمًا قَبْلَكُمْ، وَرِثُوا مَا وَرِثْتُمْ وَنَالُوا مَا نِلْتُمْ فَاتَّخَذَهُمُ اللَّهُ عَدُوًّا، وَلَعَنَهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا. قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [المائدة: 78] إِلَى قَوْلِهِ: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79] ، إِنِّي نَكَبْتُ قَرْنِي وَأَخَذْتُ سَهْمِي الْفَالِجَ وَأَخَذْتُ لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَا ارْتَضَيْتُ لِنَفْسِي، فَأَنَا بِهِ كَفِيلٌ وَبِمَا أَعْطَيْتُ عَنْهُ زَعِيمٌ، وَالْأَمْرُ إِلَيْكَ يَا ابْنَ عَوْفٍ بِجُهْدِ النَّفْسِ وَقَصْدِ النُّصْحِ، وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ، وَإِلَيْهِ الرُّجُوعُ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ مُخَالَفَتِكُمْ.
ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا مِنَّا نَبِيًّا، وَبَعَثَهُ إِلَيْنَا رَسُولًا، فَنَحْنُ بَيْتُ النُّبُوَّةِ، وَمَعْدِنُ الْحِكْمَةِ، وَأَمَانُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَنَجَاةٌ لِمَنْ طَلَبَ، لَنَا حَقٌّ إِنْ نُعْطَهُ نَأْخُذْهُ، وَإِنْ نُمْنَعْهُ نَرْكَبْ أَعْجَازَ الْإِبِلِ وَلَوْ طَالَ السُّرَى، لَوْ عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَهْدًا لَأَنْفَذْنَا عَهْدَهُ، وَلَوْ قَالَ لَنَا قَوْلًا لَجَادَلْنَا عَلَيْهِ حَتَّى نَمُوتَ، لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٍّ وَصِلَةِ رَحِمٍ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، اسْمَعُوا كَلَامِي وَعُوا مَنْطِقِي، عَسَى أَنْ تَرَوْا (هَذَا الْأَمْرَ) بَعْدَ هَذَا الْمَجْمَعِ تُنْتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ، وَتُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ، حَتَّى تَكُونُوا جَمَاعَةً، وَيَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ وَشِيعَةً لِأَهْلِ الْجَهَالَةِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ تَكُ جَاسِمٌ هَلَكَتْ فَإِنِّي ... بِمَا فَعَلَتْ بَنُو عَبْدِ بْنِ ضَجْمِ مُطِيعٌ فِي الْهَوَاجِرِ كُلَّ غَيٍّ ... بَصِيرٌ بِالنَّوَى مِنْ كُلِّ نَجْمِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَيُّكُمْ يَطِيبُ نَفْسًا أَنْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ؟ وَذَكَرَ قَرِيبًا مِمَّا تَقَدَّمَ. ثُمَّ جَلَسَ عُثْمَانُ فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ بَيْعَتِهِ، وَدَعَا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَكَانَ قَتَلَ [قَاتِلَ] أَبِيهِ أَبَا لُؤْلُؤَةَ، وَقَتَلَ جُفَيْنَةَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ، كَانَ ظَهِيرًا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، وَقَتَلَ الْهُرْمُزَانَ، فَلَمَّا ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ! فَلَمَّا قَتَلَ هَؤُلَاءِ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَحَبَسَهُ فِي دَارِهِ وَأَخَذَ سَيْفَهُ وَأَحْضَرَهُ عِنْدَ عُثْمَانَ، وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ رِجَالًا مِمَّنْ شَرَكَ فِي دَمِ أَبِي، يُعَرِّضُ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَإِنَّمَا قَتَلَ هَؤُلَاءِ النَّفَرَ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ قَالَ غَدَاةَ قُتِلَ عُمَرُ: رَأَيْتُ عَشِيَّةَ أَمْسِ الْهُرْمُزَانَ وَأَبَا لُؤْلُؤَةَ وَجُفَيْنَةَ وَهُمْ يَتَنَاجَوْنَ، فَلَمَّا رَأَوْنِي ثَارُوا وَسَقَطَ مِنْهُمْ خِنْجَرٌ لَهُ رَأْسَانِ نِصَابُهُ فِي وَسَطِهِ، وَهُوَ الْخِنْجَرُ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ عُمَرُ، فَقَتَلَهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ. فَلَمَّا أَحْضَرَهُ عُثْمَانُ قَالَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي فَتَقَ فِي الْإِسْلَامِ مَا فَتَقَ! فَقَالَ عَلِيٌّ: أَرَى أَنْ تَقْتُلَهُ. فَقَالَ بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ: قُتِلَ عُمَرُ أَمْسِ وَيُقْتَلُ ابْنُهُ الْيَوْمَ! فَقَالَ
عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْفَاكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدَثُ وَلَكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سُلْطَانٌ. فَقَالَ عُثْمَانُ: أَنَا وَلِيُّهُ، وَقَدْ جَعَلْتُهَا دِيَةً وَأَحْتَمِلُهَا فِي مَالِي. وَكَانَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْبَيَاضِيُّ الْأَنْصَارِيُّ إِذَا رَأَى عُبَيْدَ اللَّهِ يَقُولُ: أَلَا يَا عُبَيْدَ اللَّهِ مَا لَكَ مَهْرَبٌ ... وَلَا مَلْجَأٌ مِنِ ابْنِ أَرْوَى وَلَا خَفَرْ أَصَبْتَ دَمًا وَاللَّهِ فِي غَيْرِ حِلِّهِ ... حَرَامًا وَقَتْلُ الْهُرْمُزَانِ لَهُ خَطَرْ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ قَالَ قَائِلٌ ... أَتَتَّهِمُونَ الْهُرْمُزَانَ عَلَى عُمَرْ فَقَالَ سَفِيهٌ، وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ : نَعَمِ اتَّهِمْهُ قَدْ أَشَارَ وَقَدْ أَمَرْ ... وَكَانَ سِلَاحُ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ يُقَلِّبُهَا وَالْأَمْرُ بِالْأَمْرِ يُعْتَبَرْ فَشَكَا عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى عُثْمَانَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ، فَنَهَى عُثْمَانُ زِيَادًا، فَقَالَ فِي عُثْمَانَ: أَبَا عَمْرٍو عُبَيْدُ اللَّهِ رَهْنٌ ... فَلَا تَشْكُكْ بِقَتْلِ الْهُرْمُزَانِ فَإِنَّكَ إِنْ غَفَرْتَ الْجُرْمَ عَنْهُ ... وَأَسْبَابُ الْخَطَا فَرَسَا رِهَانِ أَتَعْفُو إِذْ عَفَوْتَ بِغَيْرِ حَقٍّ ... فَمَا لَكَ بِالَّذِي تَحْكِي يَدَانِ فَدَعَا عُثْمَانُ زِيَادًا فَنَهَاهُ وَشَذَّبَهُ وَقِيلَ فِي فِدَاءِ عُبَيْدِ اللَّهِ غَيْرُ ذَلِكَ، قَالَ الْغَمَاذَيَانُ بْنُ الْهُرْمُزَانِ: كَانَتِ الْعَجَمُ بِالْمَدِينَةِ يَسْتَرْوِحُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، (فَمَرَّ فَيْرُوزُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ بِالْهُرْمُزَانِ وَمَعَهُ خِنْجَرٌ) لَهُ رَأْسَانِ فَتَنَاوَلَهُ مِنْهُ وَقَالَ: مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: أَسِنُّ بِهِ. فَرَآهُ رَجُلٌ، فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ قَالَ: رَأَيْتُ الْهُرْمُزَانَ دَفَعَهُ إِلَى فَيْرُوزَ، فَأَقْبَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ أَمْكَنَنِي مِنْهُ، فَخَرَجْتُ بِهِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا مَعِي، إِلَّا أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَلِي قَتْلَهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَسَبُّوا عُبَيْدَ اللَّهِ، قَلْتُ لَهُمْ: أَفَلَكُمْ مَنَعَةٌ؟ قَالُوا: لَا، وَسَبُّوهُ، فَتَرَكْتُهُ لِلَّهِ وَلَهُمْ، فَحَمَلُونِي، فَوَاللَّهِ مَا بَلَغْتُ الْمَنْزِلَ إِلَّا عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فِي إِطْلَاقِ عُبَيْدِ اللَّهِ لِأَنَّ عَلِيًّا لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ أَرَادَ قَتْلَهُ، فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، وَلَوْ كَانَ إِطْلَاقُهُ بِأَمْرِ وَلِيِّ الدَّمِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ عَلِيٌّ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
كَانَ الْعُمَّالُ فِيهَا عَلَى مَكَّةَ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ الْخُزَاعِيَّ، وَعَلَى الطَّائِفِ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ، وَعَلَى صَنْعَاءَ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ، وَعَلَى الْجَنَدِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَلَى الْكُوفَةِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَعَلَى مِصْرَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَعَلَى حِمْصَ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَلَى دِمَشْقَ مُعَاوِيَةُ، وَعَلَى الْبَحْرَيْنِ وَمَا وَالَاهَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ. وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ الصَّائِفَةَ، وَمَعَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَشَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ. وَفِيهَا فَتَحَ مُعَاوِيَةُ عَسْقَلَانَ عَلَى صُلْحٍ. وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحٌ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ كَعْبُ بْنُ سُورٍ، وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا قَاضٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَّ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي رَدَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
عَيْنَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، وَقِيلَ: تُوُفِّيَّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. وَفِي خِلَافَةِ عُمَرَ تُوُفِّيَّ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، وَرَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ أَسَنُّ مِنَ الْعَبَّاسِ، وَعُمَيْرُ بْنُ عَوْفٍ مَوْلَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبِ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ، شَهِدَ أُحُدًا، وَعُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ شَهِدَ أُحُدًا، وَعَدِيُّ بْنُ أَبِي
الزَّغْبَاءِ الْجُهَنِيُّ، وَهُوَ عَيْنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يَوْمَ بَدْرٍ وَشَهِدَ غَيْرَهَا أَيْضًا. وَفِيهَا مَاتَ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ عَقَبِيٌّ بَدْرِيٌّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَنْ بَلِيٍّ، وَلَهُ حِلْفٌ فِي الْأَنْصَارِ. وَفِيهَا مَاتَ سُهَيْلُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا. وَمَسْعُودُ بْنُ أَوْسِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَقِيلَ: بَلْ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَّ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ حَلِيفُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْإِسْلَامِ وَقَتَلَ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَارَ الْأَرْقَمِ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَدْرِيًّا، وَلَمْ يَشْهَدْهَا أَبُو جَنْدَلٍ ; لِأَنَّ أَبَاهُ سَجَنَهُ بِمَكَّةَ وَمَنَعَهُ مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَى يَوْمِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَيْفَ خُلِّصَ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو خَالِدٍ الْحَارِثُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ، وَكَانَ أَصَابَهُ جُرْحٌ
بِالْيَمَامَةِ فَانْدَمَلَ، ثُمَّ انْتَقَضَ عَلَيْهِ فَمَاتَ مِنْهُ، وَهُوَ عَقَبِيٌّ بَدْرِيٌّ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيُّ الشَّاعِرُ، وَخَبَرُ مَوْتِهِ مَشْهُورٌ. وَفِيهَا تُوُفِّيَّ غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ الَّذِي أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشَرَةُ نِسْوَةٍ. وَفِيهَا فِي آخِرِهَا مَاتَ الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ بْنِ قَيْسٍ اللَّيْثِيُّ.
ثم دخلت سنة أربع وعشرين
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ] 24 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ذكر بَيْعَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِالْخِلَافَةِ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنْهُ بُويِعَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ هَذَا الْعَامُ يُسَمَّى عَامَ الرُّعَافِ لِكَثْرَتِهِ فِيهِ بِالنَّاسِ. وَاجْتَمَعَ أَهْلُ الشُّورَى عَلَيْهِ، وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ صُهَيْبٍ، وَاجْتَمَعُوا بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، فَخَرَجَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ وَزَادَهُمْ مِائَةً مِائَةً، وَوَفَدَ أَهْلُ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ، وَقَصَدَ الْمِنْبَرَ وَهُوَ أَشَدُّهُمْ كَآبَةً، فَخَطَبَ النَّاسَ وَوَعَظَهُمْ وَأَقْبَلُوا يُبَايِعُونَهُ. ذكر عَزْلِ الْمُغِيرَةِ عَنِ الْكُوفَةِ وَوِلَايَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَفِيهَا عَزَلَ عُثْمَانُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَنِ الْكُوفَةِ، وَاسْتَعْمَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَيْهَا بِوَصِيَّةِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ قَالَ: أُوصِي الْخَلِيفَةَ بَعْدِي أَنْ يَسْتَعْمِلَ سَعْدًا، فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ عَنْ سُوءٍ وَلَا خِيَانَةٍ، فَكَانَ أَوَّلَ عَامِلٍ بَعَثَهُ عُثْمَانُ، فَعَمِلَ عَلَيْهَا سَعْدٌ سَنَةً وَبَعْضَ أُخْرَى، وَقِيلَ: بَلْ أَقَرَّ عُثْمَانُ عُمَّالَ عُمَرَ جَمِيعَهُمْ سَنَةً لِأَنَّ عُمَرَ أَوْصَى بِذَلِكَ، ثُمَّ عَزَلَ الْمُغِيرَةَ بَعْدَ سَنَةٍ وَاسْتَعْمَلَ سَعْدًا، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ إِمَارَةُ سَعْدٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُثْمَانُ، وَقِيلَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأَمْرِ عُثْمَانَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْفُتُوحِ الَّتِي ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا كَانَتْ زَمَنَ عُثْمَانَ وَذَكَرْتُ الْخِلَافَ هُنَالِكَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، وَهُوَ أَحَدُ الْبَكَّائِينَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَسُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيُّ، وَقِيلَ: مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هِجْرَتِهِ.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ] 25 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ذكر خِلَافِ أَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَنَقَضُوا صُلْحَهُمْ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الرُّومَ عَظُمَ عَلَيْهِمْ فَتْحُ الْمُسْلِمِينَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمُ الْمُقَامُ بِبِلَادِهِمْ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ عَنْ مُلْكِهِمْ، فَكَاتَبُوا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الرُّومِ وَدَعَوْهُمْ إِلَى نَقْضِ الصُّلْحِ، فَأَجَابُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ. فَسَارَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ جَيْشٌ كَثِيرٌ، وَعَلَيْهِمْ مَنَوِيلُ الْخَصِيُّ، فَأَرْسَوْا بِهَا، وَاتَّفَقَ مَعَهُمْ مَنْ بِهَا مِنَ الرُّومِ، وَلَمْ يُوَافِقْهُمُ الْمُقَوْقِسُ بَلْ ثَبَتَ عَلَى صُلْحِهِ. فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سَارَ إِلَيْهِمْ، وَسَارَ الرُّومُ إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الرُّومُ وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَنْ أَدْخَلُوهُمُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ فِي الْبَلَدِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، مِنْهُمْ مَنَوِيلُ الْخَصِيُّ. وَكَانَ الرُّومُ لَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ قَدْ أَخَذُوا أَمْوَالَ أَهْلِ تِلْكَ الْقُرَى مَنْ وَافَقَهُمْ وَمَنْ خَالَفَهُمْ. فَلَمَّا ظَفِرَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ جَاءَ أَهْلُ الْقُرَى الَّذِينَ خَالَفُوهُمْ فَقَالُوا لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّ الرُّومَ أَخَذُوا دَوَابَّنَا وَأَمْوَالَنَا، وَلَمْ نُخَالِفْ نَحْنُ عَلَيْكُمْ وَكُنَّا عَلَى الطَّاعَةِ. فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مَا عَرَفُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ بَعْدَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ. وَهَدَمَ عَمْرٌو سُورَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَتَرَكَهَا بِغَيْرِ سُورٍ. وَفِيهَا بَلَغَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَهْلِ الرَّيِّ عَزْمٌ عَلَى نَقْضِ الْهُدْنَةِ وَالْغَدْرِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصْلَحَهُمْ وَغَزَا الدَّيْلَمَ ثُمَّ انْصَرَفَ.
ذِكْرُ عَزْلِ سَعْدٍ عَنِ الْكُوفَةِ وَوِلَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الْكُوفَةِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَاسْتَعْمَلَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَاسْمُ أَبِي مُعَيْطٍ أَبَانُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، وَاسْمُهُ ذَكْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَهُوَ أَخُو عُثْمَانَ لِأُمِّهِ، (أُمُّهُمَا أَرْوَى بِنْتُ كُرَيْزٍ، وَأُمُّهَا الْبَيْضَاءُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) . وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ سَعْدًا اقْتَرَضَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَرْضًا، فَلَمَّا تَقَاضَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ قَضَاؤُهُ فَارْتَفَعَ بَيْنَهُمَا الْكَلَامُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا أَرَاكَ إِلَّا سَتَلْقَى شَرًّا، هَلْ أَنْتَ إِلَّا ابْنُ مَسْعُودٍ عَبْدٌ مِنْ هُذَيْلٍ؟ فَقَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنِّي لَابْنُ مَسْعُودٍ وَإِنَّكَ لَابْنُ حُمَيْنَةَ. وَكَانَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حَاضِرًا فَقَالَ: إِنَّكُمَا لَصَاحِبَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يَنْظُرُ إِلَيْكُمَا. فَرَفَعَ سَعْدٌ يَدَهُ لِيَدْعُوَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَانَ فِيهِ حِدَّةٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَيْلَكَ قُلْ خَيْرًا وَلَا تَلْعَنْ. فَقَالَ سَعْدٌ عِنْدَ ذَلِكَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا اتِّقَاءُ اللَّهِ لَدَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً لَا تُخْطِئُكَ. فَوَلَّى عَبْدُ اللَّهِ سَرِيعًا حَتَّى خَرَجَ، ثُمَّ اسْتَعَانَ عَبْدُ اللَّهِ بِأُنَاسٍ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْمَالِ، وَاسْتَعَانَ سَعْدٌ بِأُنَاسٍ عَلَى إِنْظَارِهِ، فَافْتَرَقُوا وَبَعْضُهُمْ يَلُومُ بَعْضًا، يَلُومُ هَؤُلَاءِ سَعْدًا وَهَؤُلَاءِ عَبْدَ اللَّهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا نُزِغَ بِهِ بَيْنَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَأَوَّلَ مِصْرٍ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَ أَهْلِهِ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ عُثْمَانَ فَغَضِبَ عَلَيْهِمَا فَعَزَلَ سَعْدًا وَأَقَرَّ عَبْدَ اللَّهِ، وَاسْتَعْمَلَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ مَكَانَ سَعْدٍ، وَكَانَ عَلَى عَرَبِ الْجَزِيرَةِ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بَعْدَهُ، فَقَدِمَ الْكُوفَةَ وَالِيًا عَلَيْهَا، (وَأَقَامَ عَلَيْهَا خَمْسَ سِنِينَ، وَهُوَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَى أَهْلِهَا) . فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ لَهُ سَعْدٌ: أَكِسْتَ بَعْدَنَا أَمْ حَمُقْنَا بَعْدَكَ؟ فَقَالَ: لَا تَجْزَعَنَّ يَا أَبَا إِسْحَاقَ، كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَإِنَّمَا هُوَ الْمُلْكُ يَتَغَدَّاهُ قَوْمٌ وَيَتَعَشَّاهُ آخَرُونَ. فَقَالَ سَعْدٌ: أَرَاكُمْ جَعَلْتُمُوهَا مُلْكًا! وَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا أَدْرِي أَصَلُحَتْ بَعْدَنَا أَمْ فَسَدَ النَّاسُ!
ذِكْرُ صُلْحِ أَهْلِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ لَمَّا اسْتَعْمَلَ عُثْمَانُ الْوَلِيدَ عَلَى الْكُوفَةِ عَزَلَ عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ عَنْ أَذْرَبِيجَانَ، فَنَقَضُوا، فَغَزَاهُمُ الْوَلِيدُ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُبَيْلٍ الْأَحْمَسِيُّ، فَأَغَارَ عَلَى أَهْلِ مُوقَانَ وَالْبَبَرَ وَالطَّيْلَسَانَ فَفَتَحَ وَغَنِمَ وَسَبَى، فَطَلَبَ أَهْلُ كُوَرِ أَذْرَبِيجَانَ الصُّلْحَ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى صُلْحِ حُذَيْفَةَ، وَهُوَ ثَمَانُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَبَضَ الْمَالَ. ثُمَّ بَثَّ سَرَايَاهُ، وَبَعَثَ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ إِلَى أَهْلِ أَرْمِينِيَّةَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَسَارَ فِي أَرْمِينِيَّةَ يَقْتُلُ وَيَسْبِي وَيَغْنَمُ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ مَلَأَ يَدَيْهِ حَتَّى أَتَى الْوَلِيدَ، فَعَادَ الْوَلِيدُ، وَقَدْ ظَفِرَ وَغَنِمَ وَجَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى الْمَوْصِلِ، ثُمَّ أَتَى الْحَدِيثَةَ فَنَزَلَهَا، فَأَتَاهُ بِهَا كِتَابُ عُثْمَانَ فِيهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَتَبَ إِلَيَّ يُخْبِرُنِي أَنَّ الرُّومَ قَدْ أَجْلَبَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي جُمُوعٍ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ يَمُدَّهُمْ إِخْوَانُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلًا لَهُ نَجْدَةٌ وَبَأْسٌ فِي ثَمَانِيَةِ آلَافٍ أَوْ تِسْعَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يَأْتِيكَ كِتَابِي فِيهِ وَالسَّلَامُ. فَقَامَ الْوَلِيدُ فِي النَّاسِ وَأَعْلَمَهُمُ الْحَالَ، وَنَدَبَهُمْ مَعَ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيِّ، فَانْتَدَبَ مَعَهُ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، فَمَضَوْا حَتَّى دَخَلُوا مَعَ أَهْلِ الشَّامِ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ، فَشَنُّوا الْغَارَاتِ عَلَى أَرْضِ الرُّومِ، فَأَصَابَ النَّاسُ مَا شَاءُوا، وَافْتَتَحُوا حُصُونًا كَثِيرَةً. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي أَمَدَّ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ بِسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ كَانَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عُثْمَانَ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَأْمُرُهُ أَنْ يُغْزِيَ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ فِي أَهْلِ الشَّامِ أَرْمِينِيَّةَ، فَوَجَّهَهُ إِلَيْهَا، فَأَتَى قَالِيقَلَا فَحَصَرَهَا وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهَا، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ عَلَى الْجَلَاءِ أَوِ الْجِزْيَةِ، فَجَلَا كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَلَحِقُوا بِبِلَادِ الرُّومِ، وَأَقَامَ حَبِيبٌ بِهَا فِيمَنْ مَعَهُ أَشْهُرًا. وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ قَالِيقَلَا لِأَنَّ امْرَأَةً بِطَرِيقِ أَرْمِينَاقَسَ كَانَ اسْمُهَا قَالِي بَنَتَ هَذِهِ الْمَدِينَةَ فَسَمَّتْهَا قَالِي قَلَهْ، تَعْنِي إِحْسَانَ قَالِي، فَعَرَّبَتْهَا الْعَرَبُ فَقَالَتْ: قَالِيقَلَا. ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ بِطْرِيقَ أَرْمِينَاقَسَ - وَهِيَ الْبِلَادُ الَّتِي هِيَ الْآنَ بِيَدِ أَوْلَادِ السُّلْطَانِ قَلْجَ
رَسْلَانَ - وَهِيَ مَلَطْيَةُ وَسِيوَاسُ وَأَقْصَرَا وَقُونِيَّةُ، وَمَا وَالَاهَا مِنَ الْبِلَادِ إِلَى خَلِيجِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَاسْمُهُ الْمَوْرِيَانُ، قَدْ تَوَجَّهَ نَحْوَهُ فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا مِنَ الرُّومِ. فَكَتَبَ حَبِيبٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُخْبِرُهُ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ يَأْمُرُهُ بِإِمْدَادِ حَبِيبٍ، فَأَمَدَّهُ بِسَلْمَانَ فِي سِتَّةِ آلَافٍ، وَأَجْمَعَ حَبِيبٌ عَلَى تَبْيِيتِ الرُّومِ، فَسَمِعَتْهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتُ يَزِيدَ الْكَلْبِيَّةُ فَقَالَتْ أَيْنَ مَوْعِدُكَ؟ فَقَالَ: سُرَادِقُ الْمَوْرِيَانِ. ثُمَّ بَيَّتَهُمْ فَقَتَلَ مَنْ وَقَفَ لَهُ، ثُمَّ أَتَى السُّرَادِقَ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ سَبَقَتْهُ إِلَيْهِ، فَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ مِنَ الْعَرَبِ ضُرِبَ عَلَيْهَا حِجَابُ سُرَادِقٍ. وَمَاتَ عَنْهَا حَبِيبٌ فَخَلَفَ عَلَيْهَا الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ، فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ. وَلَمَّا انْهَزَمَتِ الرُّومُ عَادَ حَبِيبٌ إِلَى قَالِيقَلَا، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا فَنَزَلَ مِرْبَالَا، فَأَتَاهُ بِطْرِيقُ خِلَاطَ بِكِتَابِ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ بِأَمَانِهِ، فَأَجْرَاهُ عَلَيْهِ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ الْبِطْرِيقُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ، وَنَزَلَ حَبِيبٌ خِلَاطَ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا فَلَقِيَهُ صَاحِبُ مُكْسَ، وَهِيَ مِنَ الْبُسْفُرْجَانِ، فَقَاطَعَهُ عَلَى بِلَادِهِ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى أَزْدِشَاطَ، وَهِيَ الْقَرْيَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْقِرْمِزُ الَّذِي يُصْبَغُ بِهِ، فَنَزَلَ عَلَى نَهْرِ دَبِيلَ، وَسَرَّحَ الْخُيُولَ إِلَيْهَا فَحَصَرَهَا، فَتَحَصَّنَ أَهْلُهَا، فَنَصَبَ عَلَيْهِمْ مَنْجَنِيقًا، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ وَبَثَّ السَّرَايَا، فَبَلَغَتْ خَيْلُهُ ذَاتَ اللُّجُمِ ; وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ ذَاتَ اللُّجُمِ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَخَذُوا لُجُمَ خُيُولِهُمْ فَكَبَسَهُمُ الرُّومُ قَبْلَ أَنْ يُلْجِمُوهَا، ثُمَّ أَلْجَمُوهَا وَقَاتَلُوهُمْ فَظَفِرُوا بِهِمْ، وَوَجَّهَ سَرِيَّةً إِلَى سِرَاجِ طَيْرٍ وَبَغْرَوَنْدَ، فَصَالَحَهُ بِطْرِيقُهَا عَلَى إِتَاوَةٍ. وَقَدِمَ عَلَيْهِ بِطْرِيقُ الْبُسْفُرْجَانِ فَصَالَحَهُ عَلَى جَمِيعِ بِلَادِهِ. وَأَتَى السِّيسَجَانَ فَحَارَبَهُ أَهْلُهَا، فَهَزَمَهُمْ وَغَلَبَ عَلَى حُصُونِهِمْ وَسَارَ إِلَى
جُرْزَانَ، فَأَتَاهُ رَسُولُ بِطْرِيقِهَا يَطْلُبُ الصُّلْحَ فَصَالَحَهُ. وَسَارَ إِلَى تَفْلِيسَ فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا، وَهِيَ مِنْ جُرْزَانَ، وَفَتَحَ عِدَّةَ حُصُونٍ وَمُدُنٍ تُجَاوِرُهَا صُلْحًا. وَسَارَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ إِلَى أَرَّانَ، فَفَتَحَ الْبَيْلَقَانَ صُلْحًا عَلَى أَنْ آمَنَهُمْ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَحِيطَانِ مَدِينَتِهِمْ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ وَالْخَرَاجَ. ثُمَّ أَتَى سَلْمَانُ مَدِينَةَ بَرْذَعَةَ فَعَسْكَرَ عَلَى الثُّرْثَوْرِ، نَهْرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا نَحْوُ فَرْسَخٍ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا أَيَّامًا، وَشَنَّ الْغَارَاتِ فِي قُرَاهَا، فَصَالَحُوهُ عَلَى مِثْلِ صُلْحِ الْبَيْلَقَانِ وَدَخَلَهَا، وَوَجَّهَ خَيْلَهُ فَفَتَحَتْ رَسَاتِيقَ الْوِلَايَةِ، وَدَعَا أَكْرَادَ الْبَلَاشِجَانِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَاتَلُوهُ فَظَفِرَ بِهِمْ، فَأَقَرَّ بَعْضَهُمْ عَلَى الْجِزْيَةِ وَأَدَّى بَعْضُهُمُ الصَّدَقَةَ، وَهُمْ قَلِيلٌ، وَوَجَّهَ سَرِيَّةً إِلَى شَمْكُورَ فَفَتَحُوهَا، وَهِيَ مَدِينَةٌ قَدِيمَةٌ، وَلَمْ تَزَلْ مَعْمُورَةً حَتَّى أَخْرَبَهَا السَّنَاوِرْدِيَّةُ، وَهُمْ قَوْمٌ تَجَمَّعُوا لَمَّا انْصَرَفَ يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ عَنْ أَرْمِينِيَّةَ فَعَظُمَ أَمْرُهُمْ، فَعَمَّرَهَا بُغَا سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَسَمَّاهَا الْمُتَوَكِّلِيَّةَ نِسْبَةً إِلَى الْمُتَوَكِّلِ. وَسَارَ سَلْمَانُ إِلَى مَجْمَعِ أَرَسَ وَالْكُرِّ فَفَتَحَ قَبَلَةَ، وَصَالَحَهُ صَاحِبُ سُكَرَ وَغَيْرِهَا عَلَى الْإِتَاوَةِ، وَصَالَحَهُ مَلِكُ شَرْوَانَ وَسَائِرُ مُلُوكِ الْجِبَالِ وَأَهْلُ مَسْقَطٍ وَالشَّابَرَانِ وَمَدِينَةُ الْبَابِ ثُمَّ امْتَنَعَتْ بَعْدَهُ. ذكر غَزْوَةِ مُعَاوِيَةَ الرُّومَ وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ الرُّومَ فَبَلَغَ عَمُّورِيَّةَ، فَوَجَدَ الْحُصُونَ الَّتِي بَيْنَ أَنْطَاكِيَةَ وَطَرَسُوسَ خَالِيَةً، فَجَعَلَ عِنْدَهَا جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْ غَزَاتِهِ، ثُمَّ
أَغْزَى بَعْدَ ذَلِكَ يَزِيدَ بْنَ الْحُرِّ الْعَبْسِيَّ الصَّائِفَةَ وَأَمَرَهُ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَمَّا خَرَجَ هَدَمَ الْحُصُونَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ. ذكر غَزْوَةِ إِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ إِلَى أَطْرَافِ إِفْرِيقِيَّةَ غَازِيًا بِأَمْرِ عُثْمَانَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ جُنْدِ مِصْرَ، فَلَمَّا سَارَ إِلَيْهَا أَمَدَّهُ عَمْرٌو بِالْجُنُودِ فَغَنِمَ هُوَ وَجُنْدُهُ، فَلَمَّا عَادَ عَبْدُ اللَّهِ كَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي غَزْوِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ. ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا أَرْسَلَ عُثْمَانُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ إِلَى كَابُلَ، وَهِيَ عِمَالَةُ سِجِسْتَانَ، فَبَلَغَهَا فِي قَوْلٍ، فَكَانَتْ أَعْظَمَ مِنْ خُرَاسَانَ، حَتَّى مَاتَ مُعَاوِيَةُ وَامْتَنَعَ أَهْلُهَا. وَفِيهَا وُلِدَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ. وَفِيهَا كَانَتْ [غَزْوَةُ] سَابُورَ الْأُولَى، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُثْمَانُ.
ثم دخلت سنة ست وعشرين
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ] 26 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ ذكر الزِّيَادَةِ فِي الْحَرَمِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ عُثْمَانُ بِتَجْدِيدِ أَنْصَابِ الْحَرَمِ. وَفِيهَا زَادَ عُثْمَانُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَوَسَّعَهُ، وَابْتَاعَ مِنْ قَوْمٍ، فَأَبَى آخَرُونَ، فَهَدَمَ عَلَيْهِمْ وَوَضَعَ الْأَثْمَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ. فَصَاحُوا بِعُثْمَانَ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَحُبِسُوا، وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ فَعَلَ هَذَا بِكُمْ عُمَرُ فَلَمْ تَصِيحُوا بِهِ. فَكَلَّمَهُ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ فَأَطْلَقَهُمْ. (أَسِيدٌ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ) .
ثم دخلت سنة سبع وعشرين
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ] 27 - [ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ] ذكر وِلَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ مِصْرَ وَفَتْحِ إِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَنْ خَرَاجِ مِصْرَ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَكَانَ أَخَا عُثْمَانَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَتَبَاغَيَا، فَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى عُثْمَانَ يَقُولُ: إِنَّ عَمْرًا كَسَرَ عَلَى الْخَرَاجِ. وَكَتَبَ عَمْرٌو يَقُولُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَدْ كَسَرَ عَلَى مَكِيدَةِ الْحَرْبِ. فَعَزَلَ عُثْمَانُ عَمْرًا وَاسْتَقْدَمَهُ، وَاسْتَعْمَلَ بَدَلَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلَى حَرْبِ مِصْرَ وَخَرَاجِهَا، فَقَدِمَ عَمْرٌو مُغْضَبًا، فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مَحْشُوَّةٌ [قُطْنًا] ، فَقَالَ لَهُ: مَا حَشْوُ جُبَّتِكَ؟ قَالَ: عَمْرٌو. قَالَ: قَدْ عَلِمْتَ [أَنَّ حَشْوَهَا عَمْرٌو] وَلَمْ أُرِدْ هَذَا، [إِنَّمَا سَأَلْتُ أَقُطْنٌ هُوَ أَمْ غَيْرُهُ؟] . وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ جُنْدِ مِصْرَ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَهُ عُثْمَانُ بِغَزْوِ إِفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ فَلَكَ مِنَ الْفَيْءِ خُمُسُ الْخُمُسِ نَفْلًا. وَأَمَّرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعِ بْنِ الْحَارِثِ عَلَى جُنْدٍ، وَسَرَّحَهُمَا [إِلَى الْأَنْدَلُسِ] ، وَأَمَرَهُمَا بِالِاجْتِمَاعِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَلَى صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ، ثُمَّ يُقِيمُ
عَبْدُ اللَّهِ فِي عَمَلِهِ. فَخَرَجُوا حَتَّى قَطَعُوا أَرْضَ مِصْرَ وَوَطِئُوا أَرْضَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانُوا فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ عُدَّتُهُمْ آلَافٌ مِنْ شُجْعَانِ الْمُسْلِمِينَ، فَصَالَحَهُمْ أَهْلُهَا عَلَى مَالٍ يُؤَدُّونَهُ وَلَمْ يُقْدِمُوا عَلَى دُخُولِ إِفْرِيقِيَّةَ وَالتَّوَغُّلِ فِيهَا لِكَثْرَةِ أَهْلِهَا. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ لَمَّا وُلِّيَ أَرْسَلَ إِلَى عُثْمَانَ فِي غَزْوِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَالِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْجُمُوعِ عَلَيْهَا وَفَتْحِهَا، فَاسْتَشَارَ عُثْمَانُ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَأَشَارَ أَكْثَرُهُمْ بِذَلِكَ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِ الْعَسَاكِرَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَفِيهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، فَسَارَ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى بَرْقَةَ لَقِيَهُمْ عُقْبَةُ بْنُ نَافِعٍ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانُوا بِهَا، وَسَارُوا إِلَى طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ فَنَهَبُوا مَنْ عِنْدَهَا مِنَ الرُّومِ. وَسَارَ نَحْوَ إِفْرِيقِيَّةَ وَبَثَّ السَّرَايَا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَكَانَ مَلِكُهُمُ اسْمُهُ جُرْجِيرُ، وَمُلْكُهُ مِنْ طَرَابُلُسَ إِلَى طَنْجَةَ، وَكَانَ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ قَدْ وَلَّاهُ إِفْرِيقِيَّةَ، فَهُوَ يَحْمِلُ إِلَيْهِ الْخَرَاجَ كُلَّ سَنَةٍ. فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ الْمُسْلِمِينَ تَجَهَّزَ وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَأَهْلَ الْبِلَادِ، فَبَلَغَ عَسْكَرُهُ مِائَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَالْتَقَى هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ بِمَكَانٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَدِينَةِ سُبَيْطِلَةَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَهَذِهِ الْمَدِينَةُ كَانَتْ ذَلِكَ الْوَقْتَ دَارَ الْمُلْكِ، فَأَقَامُوا هُنَاكَ يَقْتَتِلُونَ كُلَّ يَوْمٍ، وَرَاسَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ، فَامْتَنَعَ مِنْهُمَا وَتَكَبَّرَ عَنْ قَبُولِ أَحَدِهِمَا. وَانْقَطَعَ خَبَرُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ عُثْمَانَ، فَسَيَّرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فِي جَمَاعَةٍ إِلَيْهِمْ لِيَأْتِيَهُ بِأَخْبَارِهِمْ، فَسَارَ مُجِدًّا وَوَصَلَ إِلَيْهِمْ وَأَقَامَ مَعَهُمْ، وَلَمَّا وَصَلَ كَثُرَ الصِّيَاحُ وَالتَّكْبِيرُ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَسَأَلَ جُرْجِيرُ عَنِ الْخَبَرِ فَقِيلَ قَدْ أَتَاهُمْ عَسْكَرٌ، فَفَتَّ ذَلِكَ فِي عَضُدِهِ. وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ بَكْرَةٍ إِلَى الظُّهْرِ، فَإِذَا أَذَّنَ الظُّهْرُ عَادَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى خِيَامِهِ، وَشَهِدَ الْقِتَالَ مِنَ الْغَدِ فَلَمْ يَرَ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ مَعَهُمْ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ إِنَّهُ سَمِعَ مُنَادِيَ جُرْجِيرَ يَقُولُ: مَنْ قَتَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ فَلَهُ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ وَأُزَوِّجُهُ ابْنَتِي، وَهُوَ يَخَافُ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ وَقَالَ لَهُ: تَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي: مَنْ أَتَانِي بِرَأْسِ جُرْجِيرَ نَفَّلْتُهُ مِائَةَ أَلْفٍ وَزَوَّجْتُهُ ابْنَتَهُ وَاسْتَعْمَلْتُهُ عَلَى بِلَادِهِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَصَارَ جُرْجِيرُ يَخَافُ أَشَدَّ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ: إِنْ أَمْرَنَا يَطُولُ مَعَ هَؤُلَاءِ، وَهُمْ فِي أَمْدَادٍ مُتَّصِلَةٍ وَبِلَادٍ هِيَ لَهُمْ، وَنَحْنُ مُنْقَطِعُونَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَبِلَادِهِمْ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ نَتْرُكَ غَدًا جَمَاعَةً صَالِحَةً مِنْ أَبْطَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي خِيَامِهِمْ مُتَأَهِّبِينَ، وَنُقَاتِلُ نَحْنُ الرُّومَ فِي بَاقِي الْعَسْكَرِ إِلَى أَنْ يَضْجَرُوا وَيَمَلُّوا، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى خِيَامِهِمْ وَرَجَعَ الْمُسْلِمُونَ رَكِبَ مَنْ كَانَ
فِي الْخِيَامِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَشْهَدُوا الْقِتَالَ وَهُمْ مُسْتَرِيحُونَ، وَنَقْصِدُهُمْ عَلَى غِرَّةٍ، فَلَعَلَّ اللَّهَ يَنْصُرُنَا عَلَيْهِمْ، فَأَحْضَرَ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ وَاسْتَشَارَهُمْ فَوَافَقُوهُ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَأَقَامَ جَمِيعُ شُجْعَانِ الْمُسْلِمِينَ فِي خِيَامِهِمْ، وَخُيُولُهُمْ عِنْدَهُمْ مُسْرَجَةٌ، وَمَضَى الْبَاقُونَ فَقَاتَلُوا الرُّومَ إِلَى الظُّهْرِ قِتَالًا شَدِيدًا. فَلَمَّا أُذِّنَ بِالظُّهْرِ هَمَّ الرُّومُ بِالِانْصِرَافِ عَلَى الْعَادَةِ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَلَحَّ عَلَيْهِمْ بِالْقِتَالِ حَتَّى أَتْعَبَهُمْ، ثُمَّ عَادَ عَنْهُمْ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ، فَكُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ أَلْقَى سِلَاحَهُ وَوَقَعَ تَعِبًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَنْ كَانَ مُسْتَرِيحًا مِنْ شُجْعَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَصَدَ الرُّومَ، فَلَمْ يَشْعُرُوا بِهِمْ حَتَّى خَالَطُوهُمْ، وَحَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَكَبَّرُوا، فَلَمْ يَتَمَكَّنِ الرُّومُ مِنْ لُبْسِ سِلَاحِهِمْ، حَتَّى غَشِيَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَقُتِلَ جُرْجِيرُ، قَتَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأُخِذَتِ ابْنَةُ الْمَلِكِ جُرْجِيرَ سَبِيَّةً. وَنَازَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ الْمَدِينَةَ، فَحَصَرَهَا حَتَّى فَتَحَهَا، وَرَأَى فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي غَيْرِهَا، فَكَانَ سَهْمُ الْفَارِسِ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَسَهْمُ الرَّاجِلِ أَلْفَ دِينَارٍ. وَلَمَّا فَتَحَ عَبْدُ اللَّهِ مَدِينَةَ سُبَيْطِلَةَ بَثَّ جُيُوشَهُ فِي الْبِلَادِ فَبَلَغَتْ قَفْصَةَ، فَسَبَوْا وَغَنِمُوا، وَسَيَّرَ عَسْكَرًا إِلَى حِصْنِ الْأَجَمِ، وَقَدِ احْتَمَى بِهِ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ، فَحَصَرَهُ وَفَتَحَهُ بِالْأَمَانِ، فَصَالَحَهُ أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَنَفَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ابْنَةَ الْمَلِكِ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى عُثْمَانَ بِالْبِشَارَةِ بِفَتْحِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَةَ الْمَلِكِ وَقَعَتْ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَرْكَبَهَا بَعِيرًا وَارْتَجَزَ بِهَا يَقُولُ: يَا ابْنَةَ جُرْجِيرَ تَمَشَّيْ عُقْبَتِكْ ... إِنَّ عَلَيْكِ بِالْحِجَازِ رَبَّتِكْ لَتَحْمِلِنَّ مِنْ قَبَاءَ قِرْبَتِكْ ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ عَادَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَ مُقَامُهُ بِإِفْرِيقِيَّةَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَلَمْ يَفْقِدْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، قُتِلَ مِنْهُمْ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ الشَّاعِرُ فَدُفِنَ هُنَاكَ، وَحُمِلَ خُمُسُ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَاشْتَرَاهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَوَضَعَهَا عَنْهُ عُثْمَانُ، وَكَانَ هَذَا مِمَّا أُخِذَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي خُمُسِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: أَعْطَى عُثْمَانُ خُمُسَ إِفْرِيقِيَّةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: أَعْطَاهُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ. وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّهُ أَعْطَى عَبْدَ اللَّهِ خُمُسَ الْغَزْوَةِ الْأُولَى، وَأَعْطَى مَرْوَانَ خُمُسَ الْغَزْوَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي افْتُتِحَتْ فِيهَا جَمِيعُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذكر انْتِقَاضِ إِفْرِيقِيَّةَ وَفَتْحِهَا ثَانِيَةً كَانَ هِرَقْلُ مَلِكُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ يُؤَدِّي إِلَيْهِ كُلُّ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ النَّصَارَى الْخَرَاجَ، فَهُمْ مِنْ مِصْرَ وَإِفْرِيقِيَّةَ وَالْأَنْدَلُسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمَّا صَالَحَ أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ أَرْسَلَ هِرَقْلُ إِلَى أَهْلِهَا بِطْرِيقًا لَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ مِثْلَ مَا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ، فَنَزَلَ الْبِطْرِيقُ فِي قَرْطَاجَنَّةَ، وَجَمَعَ أَهْلَ إِفْرِيقِيَّةَ وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا أَمَرَهُ الْمَلِكُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: نَحْنُ نُؤَدِّي مَا كَانَ يُؤْخَذُ مِنَّا، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَامِحَنَا لِمَا نَالَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَّا. وَكَانَ قَدْ قَامَ بِأَمْرِ إِفْرِيقِيَّةَ بَعْدَ قَتْلِ جُرْجِيرَ رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الرُّومِ، فَطَرَدَهُ الْبِطْرِيقُ. بَعْدَ فِتَنٍ كَثِيرَةٍ، فَسَارَ إِلَى الشَّامِ وَبِهِ مُعَاوِيَةُ وَقَدِ اسْتَقَرَّ لَهُ الْأَمْرُ بَعْدَ قَتْلِ عَلِيٍّ، فَوَصَفَ لَهُ إِفْرِيقِيَّةَ وَطَلَبَ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُ جَيْشًا، فَسَيَّرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ السَّكُونِيَّ. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ هَلَكَ الرُّومِيُّ، وَمَضَى ابْنُ حُدَيْجٍ فَوَصَلَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَهِيَ نَارٌ تَضْطَرِمُ، وَكَانَ مَعَهُ عَسْكَرٌ عَظِيمٌ، فَنَزَلَ عِنْدَ قَمُونِيَّةَ، وَأَرْسَلَ الْبِطْرِيقُ إِلَيْهِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ. فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ مُعَاوِيَةُ سَيَّرَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ، وَحَصَرَ حِصْنَ جَلُولَاءَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَانْهَدَمَ سُورُ الْحِصْنِ، فَمَلَكَهُ الْمُسْلِمُونَ وَغَنِمُوا مَا فِيهِ، وَبَثَّ السَّرَايَا، فَسَكَنَ النَّاسُ وَأَطَاعُوا، وَعَادَ إِلَى مِصْرَ. (حُدَيْجٌ: بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَآخِرُهُ جِيمٌ) . ثُمَّ لَمْ يَزَلْ أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ مِنْ أَطْوَعِ أَهْلِ الْبُلْدَانِ وَأَسْمَعِهِمْ، إِلَى زَمَانِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَتَّى دَبَّ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَاسْتَثَارُوهُمْ، فَشَقُّوا الْعَصَا، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمْ إِلَى الْيَوْمِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا نُخَالِفُ الْأَئِمَّةَ بِمَا تَجْنِي الْعُمَّالُ. فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّمَا يَعْمَلُ هَؤُلَاءِ بِأَمْرِ أُولَئِكَ. فَقَالُوا: حَتَّى نُخْبِرَهُمْ، فَخَرَجَ مَيْسَرَةُ فِي بِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا، فَقَدِمُوا عَلَى هِشَامٍ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ، فَدَخَلُوا عَلَى الْأَبْرَشِ فَقَالُوا: أَبْلِغْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ أَمِيرَنَا يَغْزُو بِنَا
وَبِجُنْدِهِ، فَإِذَا غَنِمْنَا نَفَّلَهُمْ، وَيَقُولُ: هَذَا أَخْلَصُ لِجِهَادِنَا، وَإِذَا حَاصَرْنَا مَدِينَةً قَدَّمَنَا وَأَخَّرَهُمْ، وَيَقُولُ: هَذَا ازْدِيَادٌ فِي الْأَجْرِ، وَمِثْلُنَا كَفَى إِخْوَانَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى مَاشِيتِنَا، فَجَعَلُونَا يَبْقُرُونَ بُطُونَهَا عَنْ سِخَالِهَا، يَطْلُبُونَ الْفِرَاءَ الْبِيضَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَقْتُلُونَ أَلْفَ شَاةٍ فِي جِلْدٍ، فَاحْتَمَلْنَا ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ سَامُونَا أَنْ يَأْخُذُوا كُلَّ جَمِيلَةٍ مِنْ بَنَاتِنَا، فَقُلْنَا: لَمْ نَجِدْ هَذَا فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ نَعْلَمَ أَعَنْ رَأْيِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا أَمْ لَا؟ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْمُقَامُ وَنَفِدَتْ نَفَقَاتُهُمْ، فَكَتَبُوا أَسْمَاءَهُمْ وَدَفَعُوهَا إِلَى وُزَرَائِهِ وَقَالُوا: إِنْ سَأَلَ عَنَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَأَخْبِرُوهُ. ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ فَخَرَجُوا عَلَى عَامِلِ هِشَامٍ، فَقَتَلُوهُ وَاسْتَوْلَوْا عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ هِشَامًا، فَسَأَلَ عَنِ النَّفَرِ فَعَرَفَ أَسْمَاءَهُمْ، فَإِذَا هُمُ الَّذِينَ صَنَعُوا ذَلِكَ. ذكر غَزْوَةِ الْأَنْدَلُسِ لَمَّا افْتُتِحَتْ إِفْرِيقِيَّةُ أَمَرَ عُثْمَانُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعِ بْنِ الْحُصَيْنِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ أَنْ يَسِيرَا إِلَى الْأَنْدَلُسِ، فَأَتَيَاهَا مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ، وَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَنِ انْتَدَبَ مَعَهُمَا: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ إِنَّمَا تُفْتَحُ مِنْ قِبَلِ الْأَنْدَلُسِ. فَخَرَجُوا وَمَعَهُمُ الْبَرْبَرُ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَزَادَ فِي سُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ إِفْرِيقِيَّةَ. وَلَمَّا عَزَلَ عُثْمَانُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ تَرَكَ فِي عَمَلِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَكَانَ عَلَيْهَا، وَرَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى مِصْرَ. وَبَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى عُثْمَانَ مَالًا قَدْ حَشَدَ فِيهِ، فَدَخَلَ عَمْرٌو عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ: يَا عَمْرُو هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ تِلْكَ اللِّقَاحَ دَرَّتْ بَعْدَكَ؟ قَالَ عَمْرٌو: إِنَّ فِصَالَهَا قَدْ هَلَكَتْ. ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عُثْمَانُ. وَفِيهَا كَانَ فَتْحُ إِصْطَخْرَ الثَّانِي عَلَى يَدِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ. وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ قِنَّسْرِينَ.
[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ الشَّاعِرُ بِمِصْرَ مُنْصَرِفًا مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فِي الْبَادِيَةِ، وَقِيلَ: مَاتَ بِبِلَادِ الرُّومِ، وَكُلُّهُمْ قَالُوا: مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو رِمْثَةَ الْبَلَوِيُّ بِإِفْرِيقِيَّةَ، لَهُ صُحْبَةٌ. وَفِيهَا مَاتَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقِيلَ: مَاتَتْ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ.
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ] 28 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ ذكر فَتْحِ قُبْرُسَ قِيلَ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ كَانَ فَتْحُ قُبْرُسَ عَلَى يَدِ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا غُزِيَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ لِأَنَّ أَهْلَهَا غَدَرُوا، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، فَغَزَاهَا الْمُسْلِمُونَ. وَلَمَّا غَزَاهَا مُعَاوِيَةُ هَذِهِ السَّنَةَ، غَزَا مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِمْ أَبُو ذَرٍّ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ أُمُّ حَرَامٍ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَشَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدْ لَجَّ عَلَى عُمَرَ فِي غَزْوِ الْبَحْرِ وَقُرْبِ الرُّومِ مِنْ حِمْصَ، وَقَالَ: إِنَّ قَرْيَةً مِنْ قُرَى حِمْصَ لِيَسْمَعُ أَهْلُهَا نُبَاحَ كِلَابِهِمْ وَصِيَاحَ دَجَاجِهِمْ. فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: صِفْ لِي الْبَحْرَ وَرَاكِبَهُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنِّي رَأَيْتُ خَلْقًا كَبِيرًا يَرْكَبُهُ خَلْقٌ صَغِيرٌ، لَيْسَ إِلَّا السَّمَاءُ وَالْمَاءُ، إِنْ رَكَدَ خَرَقَ الْقُلُوبَ، وَإِنَّ تَحَرَّكَ أَزَاغَ الْعُقُولَ، يَزْدَادُ فِيهِ الْيَقِينُ قِلَّةً، وَالشَّكُّ كَثْرَةً، هُمْ فِيهِ كَدُودٍ عَلَى عُودٍ، إِنْ مَالَ غَرِقَ، وَإِنْ نَجَا بَرِقَ. فَلَمَّا قَرَأَهُ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بِالْحَقِّ لَا أَحْمِلُ فِيهِ مُسْلِمًا أَبَدًا، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَحْرَ الشَّامِ يُشْرِفُ عَلَى أَطْوَلِ شَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَيَسْتَأْذِنُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي أَنْ يُغْرِقَ الْأَرْضَ، فَكَيْفَ أَحْمِلُ الْجُنُودَ عَلَى هَذَا
الْكَافِرِ! وَبِاللَّهِ لَمُسْلِمٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا حَوَتِ الرُّومُ. وَإِيَّاكَ أَنْ تَعَرَّضَ إِلَيَّ، فَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَقِيَ الْعَلَاءُ مِنِّي. قَالَ: وَتَرَكَ مَلِكُ الرُّومِ الْغَزْوَ وَكَاتَبَ عُمَرَ وَقَارَبَهُ. وَبَعَثَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، زَوْجُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، إِلَى امْرَأَةِ مَلِكِ الرُّومِ بِطِيبٍ وَشَيْءٍ يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ مَعَ الْبَرِيدِ، فَأَبْلَغَهُ إِلَيْهَا، فَأَهْدَتِ امْرَأَةُ الْمَلِكِ إِلَيْهَا هَدِيَّةً، مِنْهَا عِقْدٌ فَاخِرٌ. فَلَمَّا رَجَعَ الْبَرِيدُ أَخَذَ عُمَرُ مَا مَعَهُ وَنَادَى: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعُوا، وَأَعْلَمَهُمُ الْخَبَرَ، فَقَالَ الْقَائِلُونَ: هُوَ لَهَا بِالَّذِي كَانَ لَهَا، وَلَيْسَتِ امْرَأَةُ الْمَلِكِ بِذِمَّةٍ فَتُصَانِعَكَ. وَقَالَ آخَرُونَ: قَدْ كُنَّا نُهْدِي لِنَسْتَثِيبَ. فَقَالَ عُمَرُ: لَكِنَّ الرَّسُولَ رَسُولُ الْمُسْلِمِينَ وَالْبَرِيدَ بَرِيدُهُمْ، وَالْمُسْلِمُونَ عَظَّمُوهَا فِي صَدْرِهَا فَأَمَرَ بَرَدِّهَا إِلَى بَيْتِ الْمَالِ وَأَعْطَاهَا بِقَدْرِ نَفَقَتِهَا. فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُثْمَانَ كَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي غَزْوِ الْبَحْرِ مِرَارًا، فَأَجَابَهُ عُثْمَانُ بِآخِرَةٍ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُ: لَا تَنْتَخِبِ النَّاسَ وَلَا تُقْرِعْ بَيْنَهُمْ، خَيِّرْهُمْ فَمَنِ اخْتَارَ الْغَزْوَ طَائِعًا فَاحْمِلْهُ وَأَعِنْهُ. فَفَعَلَ، وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ الْجَاسِيَّ حَلِيفَ بَنِي فَزَارَةَ، وَسَارَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الشَّامِ إِلَى قُبْرُسَ، وَسَارَ إِلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ مِنْ مِصْرَ، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهَا، فَصَالَحَهُمْ أَهْلُهَا عَلَى جِزْيَةٍ سَبْعَةِ آلَافِ دِينَارٍ كُلَّ سَنَةٍ، يُؤَدُّونَ إِلَى الرُّومِ مِثْلَهَا، لَا يَمْنَعُهُمُ الْمُسْلِمُونَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَنْعُهُمْ مِمَّنْ أَرَادَهُمْ مِمَّنْ وَرَاءَهُمْ، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْذِنُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَسِيرِ عَدُوِّهِمْ مِنَ الرُّومِ إِلَيْهِمْ، وَيَكُونَ طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ. قَالَ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ: وَلَمَّا فُتِحَتْ قُبْرُسُ وَنُهِبَ مِنْهَا السَّبْيُ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ يَبْكِي فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ فِي يَوْمٍ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ؟ قَالَ: فَضَرَبَ مَنْكِبِي بِيَدِهِ وَقَالَ: مَا أَهْوَنَ الْخَلْقَ عَلَى اللَّهِ إِذَا تَرَكُوا أَمْرَهُ، بَيْنَمَا هِيَ أُمَّةٌ ظَاهِرَةٌ قَاهِرَةٌ لِلنَّاسِ لَهُمُ الْمُلْكُ، إِذَا تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ فَصَارُوا إِلَى مَا تَرَى فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ السِّبَاءَ، وَإِذَا سَلَّطَ السِّبَاءَ عَلَى قَوْمٍ فَلَيْسَ لَهُ فِيهِمْ حَاجَةٌ.
وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ مَاتَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ الْأَنْصَارِيَّةُ، أَلْقَتْهَا بِغْلَتُهَا بِجَزِيرَةِ قُبْرُسَ فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا فَمَاتَتْ، تَصْدِيقًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حَيْثُ أَخْبَرَهَا أَنَّهَا فِي أَوَّلِ مَنْ يَغْزُو فِي الْبَحْرِ. وَبَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْجَاسِيُّ عَلَى الْبَحْرِ، فَغَزَا خَمْسِينَ غَزَاةً مِنْ بَيْنِ شَاتِيَةٍ وَصَائِفَةٍ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، لَمْ يَغْرَقْ أَحَدٌ وَلَمْ يُنْكَبْ، فَكَانَ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَهُ فِي جُنْدِهِ، فَأَجَابَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُ فِي جَسَدِهِ خَرَجَ فِي قَارِبٍ طَلِيعَةً، فَانْتَهَى إِلَى الْمَرْفَإِ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ وَعَلَيْهِ مَسَاكِينُ يَسْأَلُونَ، فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ، فَرَجَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ إِلَى قَرْيَتِهَا فَقَالَتْ لِلرِّجَالِ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ فِي الْمَرْفَإِ، فَثَارُوا إِلَيْهِ فَهَجَمُوا عَلَيْهِ فَقَاتَلُوهُ بَعْدَ أَنْ قَاتَلَهُمْ، فَأُصِيبَ وَحْدَهُ، وَنَجَا الْمَلَّاحُ حَتَّى أَتَى أَصْحَابَهُ، فَأَعْلَمَهُمْ فَجَاءُوا حَتَّى أَرْسَوْا بِالْمَرْفَإِ، وَالْخَلِيفَةُ عَلَيْهِمْ سُفْيَانُ بْنُ عَوْفٍ الْأَزْدِيُّ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ فَضَجِرَ، فَجَعَلَ يَشْتُمُ أَصْحَابَهُ. فَقَالَتْ جَارِيَةُ عَبْدِ اللَّهِ: مَا هَكَذَا كَانَ يَقُولُ حِينَ يُقَاتِلُ! فَقَالَ سُفْيَانُ: فَكَيْفَ كَانَ يَقُولُ؟ قَالَتْ: " الْغَمَرَاتُ ثُمَّ يَنْجَلِينَا " فَلَزِمَهَا بِقَوْلِهَا، وَأُصِيبَ فِي الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ. وَقِيلَ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ بَعْدُ: بِأَيِّ شَيْءٍ عَرَفْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ كَالتَّاجِرِ فَلَمَّا سَأَلْتُهُ أَعْطَانِي كَالْمَلِكِ فَعَرَفْتُهُ بِهَذَا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ سُورِيَّةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ.
وَفِيهَا تَزَوَّجَ عُثْمَانُ نَائِلَةَ بِنْتَ الْفَرَافِصَةِ، وَكَانَتْ نَصْرَانِيَّةً فَأَسْلَمَتْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا. وَفِيهَا بَنَى عُثْمَانُ الزَّوْرَاءَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُثْمَانُ هَذِهِ السَّنَةَ. (حَرَامٌ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ. وَالْجَاسِيُّ: بِالْجِيمِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ. وَالْفَرَافِصَةُ: بِفَتْحِ الْفَاءِ إِلَّا الْفَرَافِصَةَ بْنَ الْأَحْوَصِ الْكَلْبِيَّ الَّذِي مِنْ وَلَدِهِ نَائِلَةُ زَوْجُ عُثْمَانَ) .
ثم دخلت سنة تسع وعشرين
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ] 29 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ ذكر عَزْلِ أَبِي مُوسَى عَنِ الْبَصْرَةِ وَاسْتِعْمَالِ ابْنِ عَامِرٍ عَلَيْهَا قِيلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عُثْمَانُ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كَرِيزِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ (وَهُوَ ابْنُ خَالِ عُثْمَانَ) ، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِثَلَاثِ سِنِينَ مَضَتْ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّ أَهْلَ إِيذَجَ وَالْأَكْرَادِ كَفَرُوا فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَنَادَى أَبُو مُوسَى فِي النَّاسِ وَحَضَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، وَذَكَرَ مَنْ فَضَّلَ الْجِهَادَ مَاشِيًا، فَحَمَلَ نَفَرٌ عَلَى دَوَابِّهِمْ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا رَجَّالَةً. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُعَجِّلُ بِشَيْءٍ حَتَّى نَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ، فَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ فَعَلْنَا كَمَا يَفْعَلُ. فَلَمَّا خَرَجَ أَخْرَجَ ثَقَلَهُ مِنْ قَصْرِهِ عَلَى أَرْبَعِينَ بَغْلًا، فَتَعَلَّقُوا بِعِنَانِهِ وَقَالُوا: احْمِلْنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْفُضُولِ، وَارْغَبْ فِي الْمَشْيِ كَمَا رَغَّبْتَنَا. فَضَرَبَ الْقَوْمَ بِسَوْطِهِ، فَتَرَكُوا دَابَّتَهُ، فَمَضَى. وَأَتَوْا عُثْمَانَ فَاسْتَعْفَوْهُ مِنْهُ وَقَالُوا: مَا كُلُّ مَا نَعْلَمُ نُحِبُّ أَنْ تَسْأَلَنَا عَنْهُ، فَأَبْدِلْنَا بِهِ. فَقَالَ: مَنْ تُحِبُّونَ؟ فَقَالَ غَيْلَانُ بْنُ خَرَشَةَ: فِي كُلِّ أَحَدٍ عِوَضٌ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ الَّذِي قَدْ أَكَلَ أَرْضَنَا! أَمَا مِنْكُمْ خَسِيسٌ فَتَرْفَعُوهُ؟ أَمَا مِنْكُمْ فَقِيرٌ فَتُجِيرُوهُ؟ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى مَتَى يَأْكُلُ هَذَا الشَّيْخُ الْأَشْعَرِيُّ هَذِهِ الْبِلَادَ؟ فَانْتَبَهَ لَهَا عُثْمَانُ، فَعَزَلَ أَبَا مُوسَى وَوَلَّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو مُوسَى قَالَ: يَأْتِيكُمْ غُلَامٌ خَرَّاجٌ
وَلَّاجٌ، كَرِيمُ الْجَدَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ، يُجْمَعُ لَهُ الْجُنْدَانُ. (وَكَانَ عُمْرُ ابْنِ عَامِرٍ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً) ، وَجُمِعَ لَهُ جُنْدُ أَبِي مُوسَى وَجُنْدُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ مِنْ عُمَانَ وَالْبَحْرَيْنِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى خُرَاسَانَ عُمَيْرَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ، وَعَلَى سِجِسْتَانَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيَّ، وَهُوَ مِنْ ثَعْلَبَةَ، فَأَثْخَنَ فِيهَا إِلَى كَابُلَ، وَأَثْخَنَ عُمَيْرٌ فِي خُرَاسَانَ، حَتَّى بَلَغَ فَرْغَانَةَ، لَمْ يَدَعْ دُونَهَا كُورَةً إِلَّا أَصْلَحَهَا، وَبَعَثَ إِلَى مُكْرَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْمَرٍ، فَأَثْخَنَ فِيهَا حَتَّى بَلَغَ النَّهْرَ، وَبَعَثَ عَلَى كَرْمَانَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُبَيْسٍ، وَبَعَثَ إِلَى الْأَهْوَازِ وَفَارِسَ نَفَرًا، ثُمَّ عَزَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَيْرٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا سَنَةً ثُمَّ عَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو وَعَزَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُبَيْسٍ، وَأَعَادَ عَدِيَّ بْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَدِيٍّ، وَصَرَفَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْمَرٍ إِلَى فَارِسَ، وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ عُمَيْرَ بْنَ عُثْمَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى خُرَاسَانَ أُمَيْرَ بْنَ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيَّ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى سِجِسْتَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ عِمْرَانَ بْنَ الْفُضَيْلِ الْبَرْجَمِيَّ. وَمَاتَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو بِكَرْمَانَ. (عُبَيْسٌ: بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْيَاءُ الْمُثَنَّاةُ مِنْ تَحْتِهَا وَآخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ. وَأُمَيْرٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ [وَفَتْحِ الْمِيمِ وَآخِرُهُ رَاءٌ. وَكُرَيْزُ بْنُ رَبِيعَةَ بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ] ) . ذكر انْتِقَاضِ أَهْلِ فَارِسَ ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ فَارِسَ انْتَفَضُوا وَنَكَثُوا بِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَالْتَقَوْا عَلَى بَابِ إِصْطَخْرَ، فَقُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ، فَاسْتَنْفَرَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ وَسَارَ بِالنَّاسِ إِلَى فَارِسَ فَالْتَقَوْا بِإِصْطَخْرَ، وَكَانَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَلَى الْخَيْلِ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ، وَلِكُلِّهِمْ صُحْبَةٌ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَ الْفُرْسُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفُتِحَتْ إِصْطَخْرُ عَنْوَةً، وَأَتَى دَارَابْجِرْدَ وَقَدْ غَدَرَ أَهْلُهَا فَفَتَحَهَا، وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ جُورَ، وَهِيَ أَرْدَشِيرُ خُرَّهْ،
فَانْتَقَضَتْ إِصْطَخْرُ فَلَمْ يَرْجِعْ، وَتَمَّمَ السَّيَرَ إِلَى جُورَ وَحَاصَرَهَا، وَكَانَ هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ مُحَاصِرًا لَهَا، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحَاصِرُونَهَا وَيَنْصَرِفُونَ عَنْهَا فَيَأْتُونَ إِصْطَخْرَ وَيَغْزُونَ نَوَاحِيَ كَانَتْ تَنْتَقِضُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا نَزَلَ ابْنُ عَامِرٍ عَلَيْهَا فَتَحَهَا. وَكَانَ سَبَبُ فَتْحِهَا أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ قَامَ يُصَلِّي ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَإِلَى جَانِبِهِ جِرَابٌ لَهُ فِيهِ خُبْزٌ وَلَحْمٌ، فَجَاءَ كَلْبٌ فَجَرَّهُ وَعَدَا بِهِ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ مِنْ مَدْخَلٍ لَهَا خَفِيٍّ، فَلَزِمَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ الْمَدْخَلَ حَتَّى دَخَلُوهَا مِنْهُ وَفَتَحُوهَا عَنْوَةً. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا ابْنُ عَامِرٍ عَادَ إِلَى إِصْطَخْرَ فَفَتَحَهَا عَنْوَةً بَعْدَ أَنْ حَاصَرَهَا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ عَلَيْهَا، وَرُمِيَتْ بِالْمَجَانِيقِ، وَقَتَلَ بِهَا خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْأَعَاجِمِ، وَأُفْنِيَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ وَوُجُوهُ الْأَسَاوِرَةِ، وَكَانُوا قَدْ لَجَئُوا إِلَيْهَا. وَقِيلَ: إِنَّ أَهْلَ إِصْطَخْرَ لَمَّا نَكَثُوا عَادَ إِلَيْهَا ابْنُ عَامِرٍ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى جُورَ، فَمَلَكَهَا عَنْوَةً، وَعَادَ إِلَى جُورَ فَأَتَى دَارَابْجِرْدَ فَمَلَكَهَا، وَكَانَتْ مُنْتَقِضَةً أَيْضًا، وَوَطِئَ أَهْلَ فَارِسَ وَطْأَةً لَمْ يَزَالُوا مِنْهَا فِي ذُلٍّ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ بِالْخَبَرِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ عَلَى بِلَادِ فَارِسَ هَرِمَ بْنَ حَيَّانَ الْيَشْكُرِيَّ، وَهَرِمَ بْنَ حَيَّانَ الْعَبْدِيَّ، وَالْخِرِّيتَ بْنَ رَاشِدٍ، وَالْمِنْجَابَ بْنَ رَاشِدٍ، وَالتُّرْجُمَانَ الْهُجَيْمِيَّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُفَرِّقَ كُوَرَ خُرَاسَانَ عَلَى جَمَاعَةٍ، فَيَجْعَلَ الْأَحْنَفَ عَلَى الْمَرْوَيْنِ، وَحَبِيبَ بْنَ قُرَّةَ الْيَرْبُوعِيَّ عَلَى بَلْخَ، وَخَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُهَيْرٍ عَلَى هَرَاةَ، وَأُمَيْرَ بْنَ أَحْمَرَ عَلَى طُوسَ، وَقَيْسَ بْنَ هُبَيْرَةَ السُّلَمِيَّ عَلَى نَيْسَابُورَ، وَبِهِ تَخَرَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، ثُمَّ جَمَعَهَا عُثْمَانُ قَبْلَ مَوْتِهِ لِقَيْسٍ، وَاسْتَعْمَلَ أُمَيْرَ بْنَ أَحْمَرَ عَلَى سِجِسْتَانَ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، وَهُوَ مِنْ آلِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَمَاتَ عُثْمَانُ وَهُوَ عَلَيْهَا، وَمَاتَ وَعِمْرَانُ عَلَى مُكْرَانَ، وَعُمَيْرُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ عَلَى فَارِسَ، وَابْنُ كِنْدِيرَ الْقُشَيْرِيُّ عَلَى كَرْمَانَ. ثُمَّ وَفَّدَ قَيْسُ بْنُ الْهَيْثَمِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، وَكَانَ ابْنُ عَامِرٍ يُكْرِمُهُ، فَقَالَ لِابْنِ عَامِرٍ: اكْتُبْ لِي عَلَى خُرَاسَانَ عَهْدًا إِنْ خَرَجَ عَنْهَا قَيْسٌ. فَفَعَلَ، فَرَجَعَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَجَاشَ الْعَدُوُّ قَالَ ابْنُ خَازِمٍ لِقَيْسٍ: الرَّأْيُ أَنْ تَخْلُفَنِي وَتَمْضِيَ حَتَّى تَنْظُرَ فِيمَا يَنْظُرُونَ فِيهِ، فَفَعَلَ، فَأَخْرَجَ ابْنُ خَازِمٍ بَعْدَهُ عَهْدًا
بِخِلَافَتِهِ وَثَبَتَ عَلَى خُرَاسَانَ إِلَى أَنْ قَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَغَضِبَ قَيْسٌ مِنْ صَنِيعِ ابْنِ خَازِمٍ. (الْخِرِّيتُ: بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ وَآخِرُهُ تَاءٌ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ) . ذكر الزِّيَادَةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ السَّنَةِ زَادَ عُثْمَانُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَ يَنْقُلُ الْجِصَّ مِنْ بَطْنِ نَخْلٍ، وَبَنَاهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهَا رَصَاصٌ، وَجَعَلَ طُولَهُ سِتِّينَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَعَرْضَهُ خَمْسِينَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَجَعَلَ أَبْوَابَهُ عَلَى مَا كَانَتْ أَيَّامَ عُمَرَ سِتَّةَ أَبْوَابٍ. ذكر إِتْمَامِ عُثْمَانَ الصَّلَاةَ بِجَمْعٍ وَأَوَّلِ مَا تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُثْمَانُ، وَضَرَبَ فُسْطَاطَهُ بِمِنًى، وَكَانَ أَوَّلَ فُسْطَاطٍ ضَرَبَهُ عُثْمَانُ بِمِنًى، وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ بِهَا وَبِعَرَفَةَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّاسُ فِي عُثْمَانَ ظَاهِرًا حِينَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِمِنًى، فَعَابَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: مَا حَدَثَ أَمْرٌ وَلَا قَدُمَ عَهْدٌ، وَلَقَدْ عَهِدْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ وَأَنْتَ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِكَ، فَمَا أَدْرِي مَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ. فَقَالَ: رَأْيٌ رَأَيْتُهُ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَكَانَ مَعَهُ، فَجَاءَهُ وَقَالَ لَهُ: أَلَمْ تُصَلِّ فِي هَذَا الْمَكَانِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتَ أَنْتَ رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ بَعْضَ مَنْ حَجَّ مِنَ الْيَمَنِ وَجُفَاةِ النَّاسِ قَالُوا: إِنَّ الصَّلَاةَ لِلْمُقِيمِ رَكْعَتَانِ، وَاحْتَجُّوا بِصَلَاتِي، وَقَدِ اتَّخَذْتُ بِمَكَّةَ أَهْلًا وَلِي بِالطَّائِفِ مَالٌ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا فِي هَذَا عُذْرٌ، أَمَّا قَوْلُكَ: اتَّخَذْتُ بِهَا أَهْلًا، فَإِنَّ زَوْجَكَ بِالْمَدِينَةِ تَخْرُجُ بِهَا إِذَا شِئْتَ، وَإِنَّمَا تَسْكُنُ بِسُكْنَاكَ، وَأَمَّا مَالُكَ بِالطَّائِفِ فَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَأَمَّا قَوْلُكَ عَنْ حَاجِّ الْيَمَنِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَالْإِسْلَامُ قَلِيلٌ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَصَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ وَقَدْ ضَرَبَ الْإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: هَذَا رَأْيٌ رَأَيْتُهُ.
فَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَلَقِيَ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَبَا مُحَمَّدٍ، غُيِّرَ مَا تَعْلَمُ. قَالَ: فَمَا أَصْنَعُ؟ قَالَ: اعْمَلْ بِمَا تَرَى وَتَعْلَمُ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْخِلَافُ شَرٌّ وَقَدْ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي أَرْبَعًا. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَدْ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي رَكْعَتَيْنِ وَأَمَّا الْآنُ فَسَوْفَ أُصَلِّي أَرْبَعًا. وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ.
ثم دخلت سنة ثلاثين
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ] (30) ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ ذكر عَزْلِ الْوَلِيدِ عَنِ الْكُوفَةِ وَوِلَايَةِ سَعِيدٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عُثْمَانُ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ عَنِ الْكُوفَةِ وَوَلَّاهَا سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ وِلَايَةِ الْوَلِيدِ عَلَى الْكُوفَةِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَأَنَّهُ كَانَ مَحْبُوبًا إِلَى النَّاسِ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ خَمْسَ سِنِينَ وَلَيْسَ لِدَارِهِ بَابٌ، ثُمَّ إِنَّ شَبَابًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ نَقَبُوا عَلَى ابْنِ الْحَيْسُمَانِ الْخُزَاعِيِّ وَكَاثَرُوهُ، فَنَذِرَ بِهِمْ وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ وَصَرَخَ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ، وَكَانَ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْكُوفَةِ لِلْقُرْبِ مِنَ الْجِهَادِ، فَصَاحَ بِهِمْ أَبُو شُرَيْحٍ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا وَقَتَلُوا ابْنَ الْحَيْسُمَانِ، وَأَخَذَهُمُ النَّاسُ وَفِيهِمْ زُهَيْرُ بْنُ جُنْدُبٍ الْأَزْدِيُّ وَمُوَرِّعُ بْنُ أَبِي مُوَرِّعٍ الْأَسَدِيُّ، وَشُبَيْلُ بْنُ أُبَيٍّ الْأَزْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ، فَشَهِدَ عَلَيْهِمْ أَبُو شُرَيْحٍ وَابْنُهُ، فَكَتَبَ فِيهِمُ الْوَلِيدُ إِلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ بِقَتْلِهِمْ، فَقَتَلَهُمْ عَلَى بَابِ الْقَصْرِ، وَلِهَذَا السَّبَبِ أَخَذَ فِي الْقَسَامَةِ بِقَوْلِ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ عَنْ مَلَإٍ مِنَ النَّاسِ لِيَفْطِمَ النَّاسَ عَنِ الْقَتْلِ. وَكَانَ أَبُو زُبَيْدٍ الشَّاعِرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ فِي بَنِي تَغْلِبٍ، وَكَانُوا أَخْوَالَهُ، فَظَلَمُوهُ دَيْنًا لَهُ، فَأَخَذَ لَهُ الْوَلِيدُ حَقَّهُ إِذْ كَانَ عَامِلًا عَلَيْهِمْ، فَشَكَرَ أَبُو زُبَيْدٍ ذَلِكَ لَهُ، وَانْقَطَعَ إِلَيْهِ وَغَشِيَهُ بِالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فَأَسْلَمَ عِنْدَ الْوَلِيدِ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهُ أَتَى آتٍ أَبَا زَيْنَبَ وَأَبَا مُوَرِّعٍ وَجُنْدُبًا، وَكَانُوا يَحْفِرُونَ لِلْوَلِيدِ مُنْذُ قَتَلَ أَبْنَاءَهُمْ وَيَضَعُونَ لَهُ الْعُيُونَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْوَلِيدَ وَأَبَا زُبَيْدٍ يَشْرَبَانِ الْخَمْرَ، فَثَارُوا وَأَخَذُوا مَعَهُمْ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَاقْتَحَمُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَوْا، فَأَقْبَلُوا يَتَلَاوَمُونَ وَسَبَّهُمُ النَّاسُ، وَكَتَمَ الْوَلِيدُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ. وَجَاءَ جُنْدُبٌ وَرَهْطٌ مَعَهُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ الْوَلِيدَ يَعْتَكِفُ عَلَى الْخَمْرِ،
وَأَذَاعُوا ذَلِكَ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنِ اسْتَتَرَ عَنَّا لَمْ نَتَّبِعْ عَوْرَتَهُ. فَعَاتَبَهُ الْوَلِيدُ عَلَى قَوْلِهِ حَتَّى تَغَاضَبَا. ثُمَّ أُتِيَ الْوَلِيدُ بِسَاحِرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ يَسْأَلُهُ عَنْ حَدِّهِ، وَاعْتَرَفَ السَّاحِرُ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَانَ يُخَيِّلُ إِلَى النَّاسِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي دُبُرِ الْحِمَارِ وَيَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، فَأَمَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِقَتْلِهِ. فَلَمَّا أَرَادَ الْوَلِيدُ قَتْلَهُ أَقْبَلَ النَّاسُ وَمَعَهُمْ جُنْدُبٌ فَضَرَبَ السَّاحِرَ فَقَتَلَهُ، فَحَبَسَهُ الْوَلِيدُ وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ فِيهِ، وَأَمَرَهُ بِإِطْلَاقِهِ وَتَأْدِيبِهِ، فَغَضِبَ لِجُنْدُبٍ أَصْحَابُهُ، وَخَرَجُوا إِلَى عُثْمَانَ يَسْتَعْفُونَ مِنَ الْوَلِيدِ، فَرَدَّهُمْ خَائِبِينَ. فَلَمَّا رَجَعُوا أَتَاهُمْ كُلُّ مَوْتُورٍ فَاجْتَمَعُوا مَعَهُمْ عَلَى رَأْيِهِمْ، وَدَخَلَ أَبُو زَيْنَبَ وَأَبُو مُوَرِّعٍ وَغَيْرُهُمَا عَلَى الْوَلِيدِ فَتَحَدَّثُوا عِنْدَهُ، فَنَامَ فَأَخَذَا خَاتَمَهُ وَسَارَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاسْتَيْقَظَ الْوَلِيدُ فَلَمْ يَرَ خَاتَمَهُ، فَسَأَلَ نِسَاءَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرْنَهُ أَنَّ آخِرَ مَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ صِفَتُهُمَا كَذَا وَكَذَا. فَاتَّهَمَهُمَا وَقَالَ: هُمَا أَبُو زَيْنَبَ وَأَبُو مُوَرِّعٍ، وَأَرْسَلَ يَطْلُبُهُمَا، فَلَمْ يُوجَدَا. فَقَدِمَا عَلَى عُثْمَانَ وَمَعَهُمَا غَيْرُهُمَا، وَأَخْبَرَاهُ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْوَلِيدِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَدَعَا بِهِمَا عُثْمَانَ فَقَالَ: أَتَشْهَدَانِ أَنَّكُمَا رَأَيْتُمَاهُ يَشْرَبُ؟ فَقَالَا: لَا. قَالَ: فَكَيْفَ؟ قَالَا: اعْتَصَرْنَاهَا مِنْ لِحْيَتِهِ وَهُوَ يَقِيءُ الْخَمْرَ. فَأَمَرَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ فَجَلَدَهُ، فَأَوْرَثَ ذَلِكَ عَدَاوَةً بَيْنَ أَهْلَيْهِمَا، فَكَانَ عَلَى الْوَلِيدِ خَمِيصَةٌ فَأَمَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِنَزْعِهَا لَمَّا جُلِدَ. هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الَّذِي جَلَدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ ابْنَهُ الْحَسَنَ أَنْ يَجْلِدَهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا! فَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَجَلَدَهُ أَرْبَعِينَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَمْسِكْ، جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ عُثْمَانُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ. وَقِيلَ: إِنَّ الْوَلِيدَ سَكِرَ وَصَلَّى الصُّبْحَ بِأَهْلِ الْكُوفَةِ أَرْبَعًا ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: أَزِيدُكُمْ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا مَعَكَ فِي زِيَادَةٍ مُنْذُ الْيَوْمِ، وَشَهِدُوا عَلَيْهِ عِنْدَ عُثْمَانَ، فَأَمَرَ عَلِيًّا بِجَلْدِهِ، فَأَمَرَ عَلِيٌّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَجَلَدَهُ، وَقَالَ الْحُطَيْئَةُ: شَهِدَ الْحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ أَنَّ الْوَلِيدَ أَحَقُّ بِالْعُذْرِ نَادَى وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُمْ: أَأَزِيدُكُمْ؟ سُكْرًا وَمَا يَدْرِي فَأَبَوْا أَبَا وَهْبٍ وَلَوْ أَذِنُوا لَقَرَنْتَ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ كَفُّوا عِنَانَكَ إِذْ جَرَيْتَ وَلَوْ تَرَكُوا عِنَانَكَ لَمْ تَزَلْ تَجْرِي
فَلَمَّا عَلِمَ عُثْمَانُ مِنَ الْوَلِيدِ شُرْبَ الْخَمْرِ عَزَلَهُ، وَوَلَّى سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَ سَعِيدٌ قَدْ رُبِّيَ فِي حِجْرِ عُمَرَ، فَلَمَّا فُتِحَ الشَّامُ قَدِمَهُ، فَأَقَامَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَذَكَرَ عُمَرُ يَوْمًا قُرَيْشًا، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ بِالشَّامِ، فَاسْتَقْدَمَهُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ بَلَاءٌ وَصَلَاحٌ فَازْدَدْ يَزِدْكَ اللَّهُ خَيْرًا. وَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ مِنْ زَوْجَةٍ؟ قَالَ: لَا. وَجَاءَ عُمَرَ بَنَاتُ سُفْيَانَ بْنِ عُوَيْفٍ وَمَعَهُنَّ أُمُّهُنَّ، فَقَالَتْ أُمُّهُنَّ: هَلَكَ رِجَالُنَا وَإِذَا هَلَكَ الرِّجَالُ ضَاعَ النِّسَاءُ، فَضَعْهُنَّ فِي أَكْفَائِهِنَّ. فَزَوَّجَ سَعِيدًا إِحْدَاهُنَّ، وَزَوَّجَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أُخْرَى. وَأَتَاهُ بَنَاتُ مَسْعُودِ بْنِ نُعَيْمٍ النَّهْشَلِيُّ فَقُلْنَ لَهُ: قَدْ هَلَكَ رِجَالُنَا وَبَقِيَ الصِّبْيَانُ، فَضَعْنَا فِي أَكْفَائِنَا، فَزَوَّجَ سَعِيدًا إِحْدَاهُنَّ، وَجُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ الْأُخْرَى. وَكَانَ عُمُومَتُهُ ذَوِي بَلَاءٍ فِي الْإِسْلَامِ وَسَابِقَةٍ، فَلَمْ يَمُتْ عُمَرُ حَتَّى كَانَ سَعِيدٌ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ. فَلَمَّا اسْتَعْمَلَهُ عُثْمَانُ سَارَ حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ أَمِيرًا، وَرَجَعَ مَعَهُ الْأَشْتَرُ، وَأَبُو خَشَّةَ الْغِفَارِيُّ وَجُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَجَثَّامَةُ بْنُ صَعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، وَكَانُوا مِمَّنْ شَخَصَ مَعَ الْوَلِيدِ يُعِينُونَهُ فَصَارُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ الْكُوفَةِ: فَرَرْتُ مِنَ الْوَلِيدِ إِلَى سَعِيدٍ ... كَأَهْلِ الْحِجْرِ إِذْ جَزِعُوا فَبَارُوا يَلِينَا مِنْ قُرَيْشٍ كُلَّ عَامٍ ... أَمِيرٌ مُحْدَثٌ أَوْ مُسْتَشَارٌ لَنَا نَارٌ نُخَوَّفُهَا فَنَخْشَى ... وَلَيْسَ لَهُمْ، فَلَا يَخْشَوْنَ، نَارُ فَلَمَّا وَصَلَ سَعِيدٌ الْكُوفَةَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ وَإِنِّي لَكَارِهٌ، وَلَكِنِّي لَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذَا أُمِّرْتُ أَنْ أَتَّمِرَ، أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ قَدْ أَطْلَعَتْ خَطْمَهَا وَعَيْنَيْهَا، وَوَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ وَجْهَهَا حَتَّى أَقْمَعَهَا أَوْ تُعْيِينِي، وَإِنِّي لَرَائِدٌ نَفْسِيَ الْيَوْمَ. ثُمَّ نَزَلَ وَسَأَلَ عَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَعَرَفَ حَالَ أَهْلِهَا، فَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَدِ اضْطَرَبَ أَمْرُهُمْ، وَغُلِبَ أَهْلُ الشَّرَفِ مِنْهُمْ وَالْبُيُوتَاتِ وَالسَّابِقَةِ، وَالْغَالِبُ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ رَوَادِفُ قَدِمَتْ، وَأَعْرَابٌ لَحِقَتْ، حَتَّى لَا يُنْظَرَ إِلَى ذِي شَرَفٍ وَبَلَاءٍ مِنْ نَابِتَتِهَا وَلَا نَازِلَتِهَا.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ: أَمَّا بَعْدُ فَفَضْلُ أَهْلِ السَّابِقَةِ وَالْقُدْمَةِ وَمَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْبِلَادَ، وَلْيَكُنْ مَنْ نَزَلَهَا مِنْ غَيْرِهِمْ تَبَعًا لَهُمْ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا تَثَاقَلُوا عَنِ الْحَقِّ وَتَرَكُوا الْقِيَامَ بِهِ وَقَامَ بِهِ هَؤُلَاءِ، وَاحْفَظْ لِكُلٍّ مَنْزِلَتَهُ، وَأَعْطِهِمْ جَمِيعًا بِقِسْطِهِمْ مِنَ الْحَقِّ، فَإِنَّ الْمَعْرِفَةَ بِالنَّاسِ بِهَا يُصَابُ الْعَدْلُ. فَأَرْسَلَ سَعِيدٌ إِلَى أَهْلِ الْأَيَّامِ وَالْقَادِسِيَّةِ فَقَالَ: أَنْتُمْ وُجُوهُ النَّاسِ، وَالْوَجْهُ يُنْبِئُ عَنِ الْجَسَدِ، فَأَبْلِغُونَا حَاجَةَ ذِي الْحَاجَةِ. وَأَدْخَلَ مَعَهُمْ مَنْ يَحْتَمِلُ مِنَ اللَّوَاحِقِ وَالرَّوَادِفِ. وَجَعَلَ الْقُرَّاءَ فِي سَمَرِهِ، فَفَشَتِ الْقَالَةُ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَكَتَبَ سَعِيدٌ إِلَى عُثْمَانَ بِذَلِكَ، فَجَمَعَ النَّاسَ وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا كَتَبَ إِلَيْهِ. فَقَالُوا لَهُ: أَصَبْتَ، لَا تُطِعْهُمْ فِيمَا لَيْسُوا لَهُ بِأَهْلٍ، فَإِنَّهُ إِذَا نَهَضَ فِي الْأُمُورِ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهَا لَمْ يَحْتَمِلْهَا وَأَفْسَدَهَا. فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ اسْتَعِدُّوا وَاسْتَمْسِكُوا فَقَدْ دَبَّتْ إِلَيْكُمُ الْفِتَنُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَتَخَلَّصَنَّ لَكُمُ الَّذِي لَكُمْ حَتَّى أَنْقُلَهُ إِلَيْكُمْ إِنْ رَأَيْتُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ شَهِدَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ سَهْمَهُ، فَيُقِيمَ مَعَهُ فِي بِلَادِهِ. فَقَالُوا: كَيْفَ تَنْقُلُ إِلَيْنَا سَهْمَنَا مِنَ الْأَرَضِينَ؟ فَقَالَ: يَبِيعُهَا مَنْ شَاءَ بِمَا كَانَ لَهُ بِالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْبِلَادِ. فَفَرِحُوا وَفَتَحَ اللَّهُ لَهُمْ أَمْرًا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِمْ، وَفَعَلُوا ذَلِكَ وَاشْتَرَاهُ رِجَالٌ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ، وَجَازَ لَهُمْ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمْ وَمِنَ النَّاسِ وَإِقْرَارٍ بِالْحُقُوقِ. ذكر غَزْوِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ طَبَرِسْتَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ طَبَرِسْتَانَ، فَإِنَّهَا لَمْ يَغْزُهَا أَحَدٌ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ إِصْبَهْبَذَهَا صَالَحَ سُويدَ بْنَ مُقَرِّنٍ أَيَّامَ عُمَرَ عَلَى مَالٍ بَذَلَهُ. وَأَمَّا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَإِنَّ سَعِيدًا غَزَاهَا مِنَ الْكُوفَةِ سَنَةَ ثَلَاثِينَ، وَمَعَهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَخَرَجَ ابْنُ عَامِرٍ مِنَ الْبَصْرَةِ يُرِيدُ خُرَاسَانَ، فَسَبَقَ سَعِيدًا وَنَزَلَ نَيْسَابُورَ، وَنَزَلَ سَعِيدٌ قُومِسَ، وَهِيَ صُلْحٌ، صَالَحَهُمْ حُذَيْفَةُ بَعْدَ نَهَاوَنْدَ، فَأَتَى جُرْجَانَ فَصَالَحُوهُ عَلَى مِائَتَيْ أَلْفٍ، ثُمَّ أَتَى طَمِيسَةَ، وَهِيَ كُلُّهَا مِنْ طَبَرِسْتَانَ مُتَاخِمَةٌ جُرْجَانَ، عَلَى الْبَحْرِ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، فَصَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ، أَعْلَمَهُ حُذَيْفَةُ كَيْفِيَّتَهَا، وَهُمْ يَقْتَتِلُونَ. وَضَرَبَ سَعِيدٌ يَوْمَئِذٍ رَجُلًا بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، فَخَرَجَ السَّيْفُ مِنْ تَحْتِ مِرْفَقِهِ، وَحَاصَرَهُمْ، فَسَأَلُوا الْأَمَانَ، فَأَعْطَاهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَقْتُلَ مِنْهُمْ
رَجُلًا وَاحِدًا، (فَفَتَحُوا الْحِصْنَ فَقُتِلُوا جَمِيعًا إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا) ، وَحَوَى مَا فِي الْحِصْنِ، فَأَصَابَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي نَهْدٍ سَفَطًا عَلَيْهِ قُفْلٌ، فَظَنَّ أَنَّ فِيهِ جَوْهَرًا، وَبَلَغَ سَعِيدًا فَبَعَثَ إِلَى النَّهْدِيِّ فَأَتَاهُ بِالسَّفَطِ، فَكَسَرُوا قُفْلَهُ فَوَجَدُوا فِيهِ سَفَطًا، فَفَتَحُوهُ فَوَجَدُوا خِرْقَةً حَمْرَاءَ فَنَشَرُوهَا، فَإِذَا خِرْقَةٌ صَفْرَاءُ وَفِيهَا أَيْرَانُ كُمَيْتٍ وَوَرْدٍ. فَقَالَ شَاعِرٌ يَهْجُو بَنِي نَهْدٍ: آبَ الْكِرَامُ بِالسَّبَايَا غَنِيمَةً ... وَآبَ بَنُو نَهْدٍ بِأَيْرَيْنِ فِي سَفَطْ كُمَيْتٍ وَوَرْدٍ وَافِرَيْنِ كِلَاهُمَا ... فَظَنُّوهُمَا غُنْمًا فَنَاهِيكَ مِنْ غَلَطْ وَفَتَحَ سَعِيدٌ نَامِيَةَ، وَلَيْسَتْ بِمَدِينَةٍ، هِيَ صَحَارَى. وَمَاتَ مَعَ سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ جَدُّ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ. ثُمَّ رَجَعَ سَعِيدٌ، فَمَدَحَهُ كَعْبُ بْنُ جُعَيْلٍ فَقَالَ: فَنِعْمَ الْفَتَى إِذَا حَالَ جِيلَانُ دُونَهُ ... وَإِذْ هَبَطُوا مِنْ دَسْتَبَى ثُمَّ أَبْهَرَا فِي أَبْيَاتٍ. وَلَمَّا صَالَحَ سَعِيدٌ أَهْلَ جُرْجَانَ كَانُوا يَجْبُونَ أَحْيَانًا مِائَةَ أَلْفٍ، وَأَحْيَانًا مِائَتَيْ أَلْفٍ، وَأَحْيَانًا ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ، وَيَقُولُونَ: هَذَا صُلْحُ صُلْحِنَا، وَرُبَّمَا مَنَعُوهُ، ثُمَّ امْتَنَعُوا وَكَفَرُوا، فَانْقَطَعَ طَرِيقُ خُرَاسَانَ مِنْ نَاحِيَةِ قُومِسَ إِلَّا عَلَى خَوْفٍ شَدِيدٍ مِنْهُمْ. كَانَ الطَّرِيقُ إِلَى خُرَاسَانَ مِنْ فَارِسَ إِلَى كَرْمَانَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَأَوَّلُ مَنْ صَيَّرَ الطَّرِيقَ مِنْ قُومِسَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ حِينَ وَلِيَ خُرَاسَانَ. وَقَدِمَهَا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ فَصَالَحَ صُولَ، وَفَتَحَ الْبُحَيْرَةَ وَدِهِسْتَانَ، وَصَالَحَ أَهْلَ جُرْجَانَ عَلَى صُلْحِ سَعِيدٍ. ذكر غَزْوِ حُذَيْفَةَ الْبَابَ وَأَمْرِ الْمَصَاحِفِ وَفِيهَا صُرِفُ حُذَيْفَةُ عَنْ غَزْوِ الرَّيِّ إِلَى غَزْوِ الْبَابِ مَدَدًا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَخَرَجَ مَعَهُ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، فَبَلَغَ مَعَهُ أَذْرَبِيجَانَ، وَكَانُوا يَجْعَلُونَ النَّاسَ رِدْءًا، فَأَقَامَ حَتَّى
عَادَ حُذَيْفَةُ ثُمَّ رَجَعَا. فَلَمَّا عَادَ حُذَيْفَةُ قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: لَقَدْ رَأَيْتُ فِي سَفْرَتِي هَذِهِ أَمْرًا، لَئِنْ تُرِكَ النَّاسُ لَيَخْتَلِفُنَّ فِي الْقُرْآنِ، ثُمَّ لَا يَقُومُونَ عَلَيْهِ أَبَدًا. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ حِمْصَ يَزْعُمُونَ أَنَّ قِرَاءَتَهُمْ خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَةِ غَيْرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ أَخَذُوا الْقُرْآنَ عَنِ الْمِقْدَادِ، وَرَأَيْتُ أَهْلَ دِمَشْقَ يَقُولُونَ: إِنَّ قِرَاءَتَهُمْ خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَةِ غَيْرِهِمْ، وَرَأَيْتُ أَهْلَ الْكُوفَةِ يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِنَّهُمْ قَرَءُوا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَهْلَ الْبَصْرَةِ يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِنَّهُمْ قَرَءُوا عَلَى أَبِي مُوسَى، وَيُسَمُّونَ مُصْحَفَهُ لُبَابَ الْقُلُوبِ. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْكُوفَةِ أَخْبَرَ حُذَيْفَةُ النَّاسَ بِذَلِكَ وَحَذَّرَهُمْ مَا يَخَافُ، فَوَافَقَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ. وَقَالَ لَهُ أَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَا تُنْكِرُ؟ أَلَسْنَا نَقْرَأُهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ؟ فَغَضِبَ حُذَيْفَةُ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَقَالُوا: إِنَّمَا أَنْتُمْ أَعْرَابٌ فَاسْكُتُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى خَطَأٍ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: وَاللَّهِ لَئِنْ عِشْتُ لَآتِيَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَأُشِيرَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ ذَلِكَ. فَأَغْلَظَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَغَضِبَ سَعِيدٌ وَقَامَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَغَضِبَ حُذَيْفَةُ وَسَارَ إِلَى عُثْمَانَ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي رَأَى، وَقَالَ: أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ فَأَدْرِكُوا الْأُمَّةَ. فَجَمَعَ عُثْمَانُ الصَّحَابَةَ وَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَأَعْظَمُوهُ وَرَأَوْا جَمِيعًا مَا رَأَى حُذَيْفَةُ. فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخْهَا. وَكَانَتْ هَذِهِ الصُّحُفُ هِيَ الَّتِي كُتِبَتْ فِي أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّ الْقَتْلَ لَمَّا كَثُرَ فِي الصَّحَابَةِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ كَثُرَ وَاسْتَحَرَّ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فَيَذْهَبَ مِنَ الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَجَمَعَهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَّ عُمَرُ أَخَذَتْهَا حَفْصَةُ فَكَانَتْ عِنْدَهَا. فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَيْهَا [مَنْ] أَخَذَهَا مِنْهَا، وَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا. فَلَمَّا نَسَخُوا الصُّحُفَ رَدَّهَا عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ، وَحَرَقَ مَا سِوَى ذَلِكَ، وَأَمَرَ أَنْ يَعْتَمِدُوا عَلَيْهَا وَيَدَعُوا مَا سِوَى ذَلِكَ. فَكُلُّ النَّاسِ عَرَفَ فَضْلَ هَذَا الْفِعْلِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَإِنَّ الْمُصْحَفَ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ فَرِحَ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ وَمَنْ وَافَقَهُمُ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَعَابُوا النَّاسَ، فَقَامَ فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَقَالَ: وَلَا كُلُّ ذَلِكَ، فَإِنَّكُمْ وَاللَّهِ قَدْ سُبِقْتُمْ سَبْقًا بَيِّنًا، فَارْبِعُوا عَلَى ظَلْعِكُمْ. وَلَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ
الْكُوفَةَ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَعَابَ عُثْمَانَ بِجَمْعِ النَّاسِ عَلَى الْمُصْحَفِ، فَصَاحَ بِهِ وَقَالَ: اسْكُتْ فَعَنْ مَلَأٍ مِنَّا فَعَلَ ذَلِكَ، فَلَوْ وُلِّيتُ مِنْهُ مَا وُلِّيَ عُثْمَانُ لَسَلَكْتُ سَبِيلَهُ. ذكر سُقُوطِ خَاتَمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بِئْرِ أَرِيسٍ وَفِيهَا وَقَعَ خَاتَمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ يَدِ عُثْمَانَ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ، وَهِيَ عَلَى مِيلَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ قَلِيلَةَ الْمَاءِ، فَمَا أُدْرِكَ قَعْرُهَا بَعْدُ. «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتَّخَذَهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُكَاتِبَ الْأَعَاجِمَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى -، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعْمَلَ لَهُ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَلَمَّا عُمِلَ جَعَلَهُ فِي إِصْبَعِهِ، فَأَتَاهُ جِبْرَائِيلُ فَنَهَاهُ عَنْهُ، فَنَبَذَهُ، وَأَمَرَ فَعُمِلَ لَهُ خَاتَمٌ مِنْ نُحَاسٍ وَجَعَلَهُ فِي إِصْبَعِهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرَائِيلُ: انْبِذْهُ، فَنَبَذَهُ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَاتَمٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَصُنِعَ لَهُ، فَجَعَلَهُ فِي إِصْبَعِهِ، فَأَمَرَهُ جِبْرَائِيلُ أَنْ يُقِرَّهُ، فَأَقَرَّهُ. وَكَانَ نَقْشُهُ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ: مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَرَسُولٌ سَطْرٌ، وَاللَّهُ سَطْرٌ، فَتَخَتَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى تُوُفِّيَّ،» ثُمَّ تَخَتَّمَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى تُوُفِّيَّ، ثُمَّ عُمَرُ حَتَّى تُوُفِّيَّ، ثُمَّ تَخَتَّمَ بِهِ عُثْمَانُ سِتَّ سِنِينَ. فَحَفَرُوا بِئْرًا بِالْمَدِينَةِ شِرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَعَدَ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ فَجَعَلَ يَعْبَثُ بِالْخَاتَمِ فَسَقَطَ مِنْ يَدِهِ فِي الْبِئْرِ، فَطَلَبُوهُ فِيهَا وَنَزَحُوا مَا فِيهَا مِنَ الْمَاءِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَجَعَلَ فِيهِ مَالًا عَظِيمًا لِمَنْ جَاءَ بِهِ، وَاغْتَمَّ لِذَلِكَ غَمًّا شَدِيدًا. فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهُ صَنَعَ خَاتَمًا آخَرَ عَلَى مِثَالِهِ وَنَقْشِهِ فَبَقِيَ فِي إِصْبَعِهِ حَتَّى هَلَكَ، فَلَمَّا قُتِلَ ذَهَبَ الْخَاتَمُ فَلَمْ يُدْرَ مَنْ أَخَذَهُ. ذكر تَسْيِيرِ أَبِي ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ مَا ذُكِرَ فِي أَمْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَإِشْخَاصِ مُعَاوِيَةَ إِيَّاهُ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ، مِنْ سَبِّ مُعَاوِيَةَ إِيَّاهُ وَتَهْدِيدِهِ بِالْقَتْلِ، وَحَمْلِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنَ الشَّامِ بِغَيْرِ وِطَاءٍ، وَنَفْيِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّنِيعِ، لَا يَصِحُّ النَّقْلُ بِهِ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَذَرَ عَنْ عُثْمَانَ، فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَدِّبَ رَعِيَّتَهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ
الْأَعْذَارِ، لَا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلطَّعْنِ عَلَيْهِ، كَرِهْتُ ذِكْرَهَا. وَأَمَّا الْعَاذِرُونَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَمَّا وَرَدَ ابْنُ السَّوْدَاءِ إِلَى الشَّامِ لَقِيَ أَبَا ذَرٍّ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: الْمَالُ مَالُ اللَّهِ! أَلَا إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ لِلَّهِ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَحْتَجِبَهُ دُونَ النَّاسِ، وَيَمْحُوَ اسْمَ الْمُسْلِمِينَ. فَأَتَاهُ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ: مَا يَدْعُوكَ إِلَى أَنْ تُسَمِّيَ مَالَ الْمُسْلِمِينَ مَالَ اللَّهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا أَبَا ذَرٍّ! أَلَسْنَا عِبَادَ اللَّهِ وَالْمَالُ مَالُهُ؟ قَالَ: فَلَا تَقُلْهُ. قَالَ: سَأَقُولُ مَالَ الْمُسْلِمِينَ. وَأَتَى ابْنُ السَّوْدَاءِ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ: أَظُنُّكَ [وَاللَّهِ] يَهُودِيًّا! فَأَتَى عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ عُبَادَةُ وَأَتَى بِهِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي بَعَثَ عَلَيْكَ أَبَا ذَرٍّ. وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِ أَكْثَرُ مِنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، أَوْ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ يُعِدُّهُ لِكَرِيمٍ، وَيَأْخُذُ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ {الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] . فَكَانَ يَقُومُ بِالشَّامِ وَيَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْأَغْنِيَاءِ وَاسُوا الْفُقَرَاءَ، بَشِّرِ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَكَاوٍ مِنْ نَارٍ تُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ، فَمَا زَالَ حَتَّى وَلِعَ الْفُقَرَاءُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَأَوْجَبُوهُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، وَشَكَا الْأَغْنِيَاءُ مَا يَلْقَوْنَ مِنْهُمْ. فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي جُنْحِ اللَّيْلِ فَأَنْفَقَهَا. فَلَمَّا صَلَّى مُعَاوِيَةُ الصُّبْحَ دَعَا رَسُولَهُ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقُلْ لَهُ: أَنْقِذْ جَسَدِي مِنْ عَذَابِ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُ أَرْسَلَنِي إِلَى غَيْرِكَ وَإِنِّي أَخْطَأْتُ بِكَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ: يَا بُنَيَّ قُلْ لَهُ: وَاللَّهِ مَا أَصْبَحَ عِنْدَنَا مِنْ دَنَانِيرِكَ دِينَارٌ وَلَكِنْ أَخِّرْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى نَجْمَعَهَا. فَلَمَّا رَأَى مُعَاوِيَةُ أَنَّ فِعْلَهُ يَصْدُقُ قَوْلَهُ كَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ قَدْ ضَيَّقَ عَلَيَّ، وَقَدْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، لِلَّذِي يَقُولُهُ الْفُقَرَاءُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ: إِنَّ الْفِتْنَةَ قَدْ أَخْرَجَتْ خَطْمَهَا وَعَيْنَيْهَا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تَثِبَ، فَلَا تَنْكَأِ الْقَرْحَ، وَجَهِّزْ أَبَا ذَرٍّ إِلَيَّ، وَابْعَثْ مَعَهُ دَلِيلًا وَكَفْكِفِ النَّاسَ وَنَفْسَكَ مَا اسْتَطَعْتَ. وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَبِي ذَرٍّ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَرَأَى الْمَجَالِسَ فِي أَصْلِ جَبَلِ سَلْعٍ قَالَ: بِشِّرْ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِغَارَةٍ شَعْوَاءَ وَحَرْبٍ مِذْكَارٍ. وَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ: مَا لِأَهْلِ الشَّامِ يَشْكُونَ ذَرَبَ لِسَانِكَ؟
فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ عَلَيَّ أَنْ أَقْضِيَ مَا عَلَيَّ، وَأَنْ أَدْعُوَ الرَّعِيَّةَ إِلَى الِاجْتِهَادِ وَالِاقْتِصَادِ، وَمَا عَلَيَّ أَنْ أُجْبِرَهُمْ عَلَى الزُّهْدِ. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَا تَرْضَوْا مِنَ الْأَغْنِيَاءِ حَتَّى يَبْذُلُوا الْمَعْرُوفَ، وَيُحْسِنُوا إِلَى الْجِيرَانِ وَالْإِخْوَانِ، وَيَصِلُوا الْقَرَابَاتِ. فَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، وَكَانَ حَاضِرًا: مَنْ أَدَّى الْفَرِيضَةَ فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ. فَضَرَبَهُ أَبُو ذَرٍّ فَشَجَّهُ، وَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الْيَهُودِيَّةِ مَا أَنْتَ وَمَا هَاهُنَا؟ فَاسْتَوْهَبَ عُثْمَانُ كَعْبًا شَجَّتَهُ، فَوَهَبَهُ. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لِعُثْمَانَ: تَأْذَنُ لِي فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَنِي بِالْخُرُوجِ مِنْهَا إِذَا بَلَغَ الْبِنَاءُ سَلْعًا. فَأَذِنَ لَهُ، فَنَزَلَ الرَّبَذَةَ وَبَنَى بِهَا مَسْجِدًا، وَأَقْطَعَهُ عُثْمَانُ صِرْمَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَاهُ مَمْلُوكَيْنِ وَأَجْرَى عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ عَطَاءً، وَكَذَلِكَ عَلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ أَيْضًا عَنِ الْمَدِينَةِ لِشَيْءٍ سَمِعَهُ. وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ يَتَعَاهَدُ الْمَدِينَةَ مَخَافَةَ أَنْ يَعُودَ أَعْرَابِيًّا، أَخْرَجَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِ أَهْلَهُ، فَخَرَجُوا وَمَعَهُمْ جِرَابٌ مُثْقِلٌ يَدَ الرَّجُلِ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الَّذِي يَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا مَا عِنْدَهُ؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: وَاللَّهِ مَا هُوَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، وَلَكِنَّهَا فَلُوسٌ، كَانَ إِذَا خَرَجَ عَطَاؤُهُ ابْتَاعَ مِنْهُ فُلُوسًا لِحَوَائِجِنَا. وَلَمَّا نَزَلَ الرَّبَذَةَ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعَلَيْهَا رَجُلٌ يَلِي الصَّدَقَةَ، فَقَالَ: «تَقَدَّمْ يَا أَبَا ذَرٍّ. فَقَالَ: لَا، تَقَدَّمْ أَنْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِي: اسْمَعْ وَأَطِعْ وَإِنْ كَانَ عَلَيْكَ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ» ، فَأَنْتَ عَبْدٌ وَلَسْتَ بِأَجْدَعَ، وَكَانَ مِنْ رَقِيقِ الصَّدَقَةِ اسْمُهُ مُجَاشِعٌ. ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ زَادَ عُثْمَانُ النِّدَاءَ الثَّالِثَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الزَّوْرَاءِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ اللَّخْمِيُّ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ.
(حَاطِبٌ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. وَبَلْتَعَةُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، ثُمَّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ بِوَزْنِ مَقْرَعَةٍ) . وَفِيهَا مَاتَ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَرْحٍ الْفِهْرِيُّ، وَكَانَ بَدْرِيًّا. وَفِيهَا مَاتَ مَسْعُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَقِيلَ: ابْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو الْقَارِيُّ - مِنَ الْقَارَةِ - أَسْلَمَ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَارَ الْأَرْقَمِ، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ عُمْرُهُ قَدْ جَاوَزَ السِّتِّينَ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ عَلَى غَنَائِمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَظْعُونٍ أَخُو عُثْمَانَ وَكَانَ بَدْرِيًّا، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ أَيْضًا.
(جَبَّارٌ: بِالْجِيمِ وَآخِرُهُ رَاءٌ) .
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ] 31 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ ذكر غَزْوَةِ الصَّوَارِي قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ غَزْوَةُ الصَّوَارِي، وَقِيلَ: كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ كَانَتْ غَزْوَةُ الْأَسَاوِرَةِ، وَقِيلَ: كَانَتَا مَعًا سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَكَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُعَاوِيَةُ، وَكَانَ جُمِعَ الشَّامُ لَهُ أَيَّامَ عُثْمَانَ. وَسَبَبُ جَمْعِهِ لَهُ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ لَمَّا حَضَرَ اسْتَخْلَفَ عَلَى عَمَلِهِ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ، وَكَانَ خَالَهُ وَابْنَ عَمِّهِ، وَكَانَ جَوَادًا مَشْهُورًا، وَقِيلَ: اسْتَخْلَفَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَمَاتَ عِيَاضٌ وَاسْتَخْلَفَ عُمَرُ بَعْدَهُ سَعِيدَ بْنَ حِذَيْمٍ الْجُمَحِيَّ، وَمَاتَ سَعِيدٌ وَأَمَّرَ عُمَرُ مَكَانَهُ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَمَاتَ عُمَرُ وَعُمَيْرٌ عَلَى حِمْصَ وَقِنَّسْرِينَ، وَمَاتَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَجَعَلَ عُمَرُ مَكَانَهُ أَخَاهُ مُعَاوِيَةَ، فَاجْتَمَعَتْ لِمُعَاوِيَةَ الْأُرْدُنُّ وَدِمَشْقُ، وَمَرَضَ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ فَاسْتَعْفَى عُثْمَانَ وَاسْتَأْذَنَهُ فِي الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، وَضَمَّ عُثْمَانُ حِمْصَ وَقِنَّسْرِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَمَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَكَانَ عَلَى فِلَسْطِينَ، فَضَمَّ عُثْمَانُ عَمَلَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَاجْتَمَعَ الشَّامُ لِمُعَاوِيَةَ لِسَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَةِ عُثْمَانَ، فَهَذَا كَانَ سَبَبُ اجْتِمَاعِ الشَّامِ لَهُ. وَأَمَّا سَبَبُ هَذِهِ الْغَزْوَةِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا أَصَابُوا مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ وَقَتَلُوهُمْ وَسَبَوْهُمْ، خَرَجَ قُسْطَنْطِينُ بْنُ هِرَقْلَ فِي جَمْعٍ لَهُ لَمْ تَجْمَعِ الرُّومُ مِثْلَهُ مُذْ كَانَ الْإِسْلَامُ، فَخَرَجُوا فِي
خَمْسِمِائَةِ مَرْكَبٍ أَوْ سِتِّمِائَةٍ، وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ وَعَلَى أَهْلِ الشَّامِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَلَى الْبَحْرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَكَانَتِ الرِّيحُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَمَّا شَاهَدُوا الرُّومَ، فَأَرْسَى الْمُسْلِمُونَ وَالرُّومُ وَسَكَنَتِ الرِّيحُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: الْأَمَانُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، فَبَاتُوا لَيْلَتَهُمْ وَالْمُسْلِمُونَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيُصَلُّونَ وَيَدْعُونَ، وَالرُّومُ يَضْرِبُونَ بِالنَّوَاقِيسِ، وَقَرَّبُوا مِنَ الْغَدِ سُفُنَهُمْ، وَقَرَّبَ الْمُسْلِمُونَ سُفُنَهُمْ، فَرَبَطُوا بَعْضَهَا مَعَ بَعْضٍ، وَاقْتَتَلُوا بِالسُّيُوفِ وَالْخَنَاجِرِ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَقُتِلَ مِنَ الرُّومِ مَا لَا يُحْصَى، وَصَبَرُوا يَوْمَئِذٍ صَبْرًا لَمْ يَصْبِرُوا فِي مَوْطِنٍ قَطُّ مِثْلَهُ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَانْهَزَمَ قُسْطَنْطِينُ جَرِيحًا، وَلَمْ يَنْجُ مِنَ الرُّومِ إِلَّا الشَّرِيدُ. وَأَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ بِذَاتِ الصَّوَارِي بَعْدَ الْهَزِيمَةِ أَيَّامًا وَرَجَعَ. فَكَانَ أَوَّلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَأَظْهَرَا عَيْبَهُ، وَمَا غَيَّرَ وَمَا خَالَفَ بِهِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَيَقُولَانِ: اسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ رَجُلًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَبَاحَ دَمَهُ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِكُفْرِهِ، وَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْمًا أَدْخَلَهُمْ، وَنَزَعَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْتَعْمَلَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَابْنَ عَامِرٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ فَقَالَ: لَا تَرْكَبَا مَعَنَا، فَرَكِبَا فِي مَرْكَبٍ مَا مَعَهُمَا إِلَّا الْقِبْطُ، فَلَقُوا الْعَدُوَّ، فَكَانَا أَقَلَّ الْمُسْلِمِينَ نِكَايَةً وَقِتَالًا، فَقِيلَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَا: كَيْفَ نُقَاتِلُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ؟ اسْتَعْمَلَهُ عُثْمَانُ، وَعُثْمَانُ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا عَبْدُ اللَّهِ يَنْهَاهُمَا وَيَتَهَدَّدُهُمَا، فَفَسَدَ النَّاسُ بِقَوْلِهِمَا، وَتَكَلَّمُوا مَا لَمْ يَكُونُوا يَنْطِقُونَ بِهِ. وَأَمَّا قُسْطَنْطِينُ، فَإِنَّهُ سَارَ فِي مَرْكَبِهِ إِلَى صِقِلِّيَةَ، فَسَأَلَهُ أَهْلُهَا عَنْ حَالِهِ، فَأَخْبَرَهُمْ. فَقَالُوا: أَهْلَكْتَ النَّصْرَانِيَّةَ وَأَفْنَيْتَ رِجَالَهَا! لَوْ أَتَانَا الْعَرَبُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا مَنْ يَمْنَعُهُمْ. ثُمَّ
أَدْخَلُوهُ الْحَمَّامَ وَقَتَلُوهُ، وَتَرَكُوا مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَرْكَبِ (وَأَذِنُوا لَهُمْ فِي الْمَسِيرِ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ) . (وَقِيلَ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتْ أَرْمِينِيَّةُ عَلَى يَدِ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. ذكر مَقْتَلِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ شَهْرَيَارَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَرَبَ يَزْدَجِرْدُ مِنْ فَارِسَ إِلَى خُرَاسَانَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِ، وَكَانَ ابْنُ عَامِرٍ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْبَصْرَةِ حِينَ وَلِيَهَا إِلَى فَارِسَ فَافْتَتَحَهَا، وَهَرَبَ يَزْدَجِرْدُ مِنْ جُورَ، وَهِيَ أَرْدَشِيرْ خُرَّهْ، فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ، فَوَجَّهَ ابْنُ عَامِرٍ فِي أَثَرِهِ مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ، وَقِيلَ: هَرِمَ بْنَ حَيَّانَ الْعَبْدِيَّ، وَقِيلَ: هَرِمَ بْنَ حَيَّانَ الْيَشْكُرِيَّ، فَاتَّبَعَهُ إِلَى كَرْمَانَ، فَهَرَبَ يَزْدَجِرْدُ إِلَى خُرَاسَانَ. وَأَصَابَ مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ وَمَنْ مَعَهُ الثَّلْجُ وَالدَّمَقُ وَاشْتَدَّ الْبَرْدُ، وَكَانَ الثَّلْجُ قَيْدَ رُمْحٍ، فَهَلَكَ الْجُنْدُ، وَسَلِمَ مُجَاشِعٌ وَرَجُلٌ مَعَهُ جَارِيَةٌ، فَشَقَّ بَطْنَ بَعِيرٍ فَأَدْخَلَهَا فِيهِ وَهَرَبَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَاءَ فَوَجَدَهَا حَيَّةً فَحَمَلَهَا. فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْقَصْرُ قَصْرَ مُجَاشِعٍ لِأَنَّ جَيْشَهُ هَلَكُوا فِيهِ، وَهُوَ عَلَى خَمْسَةِ فَرَاسِخَ أَوْ سِتَّةٍ مِنَ السِّيرَجَانِ مِنْ أَعْمَالِ كَرْمَانَ. هَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ هَرَبَ يَزْدَجِرْدَ مِنْ فَارِسَ كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ. وَأَمَّا سَبَبُ قَتْلِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ (فَتْحِ فَارِسَ وَخُرَاسَانَ) ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سَبَبِ قَتْلِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ هَرَبَ مِنْ كَرْمَانَ فِي جَمَاعَةٍ إِلَى مَرْوَ، وَمَعَهُ خُرَّزَادُ أَخُو رُسْتُمَ، فَرَجَعَ عَنْهُ إِلَى الْعِرَاقِ، وَوَصَّى بِهِ مَاهَوَيْهِ مَرْزُبَانَ مَرْوَ، فَسَأَلَهُ يَزْدَجِرْدُ مَالًا فَمَنَعَهُ،
فَخَافَهُ أَهْلُ مَرْوَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَأَرْسَلُوا إِلَى التُّرْكِ يَسْتَنْصِرُونَهُمْ عَلَيْهِ، فَأَتَوْهُ فَبَيَّتُوهُ، فَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ، فَهَرَبَ يَزْدَجِرْدُ مَاشِيًا إِلَى شَطِّ الْمَرْغَابِ، فَأَوَى إِلَى بَيْتِ رَجُلٍ يَنْقُرُ الْأَرْحَاءَ، فَلَمَّا نَامَ قَتَلَهُ. وَقِيلَ: بَلْ بَيَّتَهُ أَهْلُ مَرْوَ، وَلَمْ يَسْتَنْصِرُوا بِالتُّرْكِ، فَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ وَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَقَتَلَهُ النَّقَّارُ، وَتَبِعُوا أَثَرَهُ إِلَى بَيْتِ الَّذِي يَنْقُرُ الْأَرْحَاءَ، فَأَخَذُوهُ وَضَرَبُوهُ، فَأَقَرَّ بِقَتْلِهِ فَقَتَلُوهُ وَأَهْلَهُ. وَكَانَ يَزْدَجِرْدُ قَدْ وَطِئَ امْرَأَةً بِهَا، فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا ذَاهِبَ الشِّقِّ، وَلَدَتْهُ بَعْدَ قَتْلِهِ فَسُمِّيَ الْمُخْدَجُ، فَوُلِدَ لَهُ أَوْلَادٌ بِخُرَاسَانَ، فَوَجَدَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ حِينَ افْتَتَحَ الصُّغْدَ وَغَيْرَهَا جَارِيَتَيْنِ مِنْ وَلَدِ الْمُخْدَجِ، فَبَعَثَ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا إِلَى الْحَجَّاجِ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَوَلَدَتْ لِلْوَلِيدِ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ النَّاقِصَ. وَأُخْرِجَ يَزْدَجِرْدُ مِنَ النَّهْرِ فِي تَابُوتٍ وَحُمِلَ إِلَى إِصْطَخْرَ فَوُضِعَ فِي نَاوُوسٍ هُنَاكَ. وَقِيلَ: إِنَّ يَزْدَجِرْدَ هَرَبَ بَعْدَ وَقْعَةِ نَهَاوَنْدَ إِلَى أَرْضِ أَصْبَهَانَ، وَبِهَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مِطْيَارُ كَانَ قَدْ أَصَابَ مِنَ الْعَرَبِ شَيْئًا يَسِيرًا، فَصَارَ لَهُ بِهَا مَحَلٌّ كَبِيرٌ، فَأَتَى مِطْيَارٌ يَزْدَجِرْدَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَحَجَبَهُ بَوَّابُهُ لِيَسْتَأْذِنَ لَهُ، فَضَرَبَهُ وَشَجَّهُ، فَدَخَلَ الْبَوَّابُ عَلَى يَزْدَجِرْدَ مُدْمًى، فَرَحَلَ عَنْ أَصْبَهَانَ مِنْ سَاعَتِهِ فَأَتَى الرَّيَّ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ صَاحِبُ طَبَرِسْتَانَ وَعَرَضَ عَلَيْهِ بِلَادَهُ وَأَخْبَرَهُ بِحَصَانَتِهَا، فَلَمْ يُجِبْهُ. وَقِيلَ: مَضَى مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ إِلَى سِجِسْتَانَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَرْوَ فِي أَلْفِ فَارِسٍ، وَقِيلَ: بَلْ قَصَدَ فَارِسَ فَأَقَامَ بِهَا أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ أَتَى كَرْمَانَ فَأَقَامَ بِهَا سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَطَلَبَ إِلَيْهِ دِهْقَانُهُ شَيْئًا، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَجَرَّهُ بِرِجْلِهِ وَطَرَدَهُ عَنْ بِلَادِهِ، فَسَارَ إِلَى سِجِسْتَانَ فَأَقَامَ بِهَا نَحْوًا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى قَصْدِ خُرَاسَانَ لِيَجْمَعَ الْجُمُوعَ وَيَسِيرَ بِهِمْ إِلَى الْعَرَبِ، فَسَارَ إِلَى مَرْوَ وَمَعَهُ الرَّهْنُ مِنْ أَوْلَادِ الدَّهَاقِينِ وَمَعَهُ فَرُّخَزَادُ. فَلَمَّا قَدِمَ مَرْوَ كَاتَبَ مُلُوكَ الصِّينِ وَمَلِكَ فَرْغَانَةَ وَمَلِكَ كَابُلَ وَمَلِكَ الْخَزَرِ يَسْتَمِدُّهُمْ، وَكَانَ الدِّهْقَانَ يَوْمَئِذٍ بِمَرْوَ مَاهَوَيْهِ أَبُو بَرَازَ، فَوَكَّلَ مَاهَوَيْهِ بِمَرْوَ ابْنَهُ بَرَازَ لِيَحْفَظَهَا، وَيَمْنَعَ عَنْهَا يَزْدَجِرْدَ خَوْفًا مِنْ مَكْرَهٍ، فَرَكِبَ يَزْدَجِرْدُ يَوْمًا وَطَافَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَرَادَ دُخُولَهَا مِنْ بَعْضِ أَبْوَابِهَا، فَمَنَعَهُ بَرَازُ، فَصَاحَ بِهِ أَبُوهُ لِيَفْتَحَ الْبَابَ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَبُوهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، فَفَطِنَ لَهُ
رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ يَزْدَجِرْدَ، فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ وَاسْتَأْذَنَهُ فِي قَتْلِهِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ يَزْدَجِرْدُ صَرْفَ الدَّهْقَنَةِ عَنْ مَاهَوَيْهِ إِلَى سَنْجَانَ ابْنِ أَخِيهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مَاهَوَيْهِ، فَعَمِلَ فِي هَلَاكِ يَزْدَجِرْدَ، فَكَتَبَ إِلَى نَيْزَكِ طَرْخَانَ يَدْعُوهُ إِلَى الْقُدُومِ عَلَيْهِ ; لِيَتَّفِقَا عَلَى قَتْلِهِ وَمُصَالَحَةِ الْعَرَبِ عَلَيْهِ، وَضَمِنَ لَهُ إِنْ فَعَلَ أَنْ يُعْطِيَهُ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ. فَكَتَبَ نَيْزَكُ إِلَى يَزْدَجِرْدَ يَعِدَهُ الْمُسَاعَدَةَ عَلَى الْعَرَبِ، وَأَنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ إِنْ أَبْعَدَ عَسْكَرَهُ وَفَرُّخَزَادَ عَنْهُ. فَاسْتَشَارَ يَزْدَجِرْدُ أَصْحَابَهُ فَقَالَ لَهُ سَنْجَانُ: لَسْتُ أَرَى أَنْ تُبْعِدَ عَنْكَ أَصْحَابَكَ وَفَرُّخَزَادَ. وَقَالَ أَبُو بَرَازَ: أَرَى أَنْ تَتَأَلَّفَ نَيْزَكَ وَتُجِيبَهُ إِلَى مَا سَأَلَ. فَقَبِلَ رَأْيَهُ وَفَرَّقَ عَنْهُ جُنْدَهُ، فَصَاحَ فَرُّخَزَادُ وَشَقَّ جَيْبَهُ وَقَالَ: أَظُنُّكُمْ قَاتِلِي هَذَا! وَلَمْ يَبْرَحْ فَرُّخَزَادُ حَتَّى كَتَبَ لَهُ يَزْدَجِرْدُ بِخَطِّ يَدِهِ أَنَّهُ آمِنٌ وَأَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ يَزْدَجِرْدَ وَأَهْلَهُ وَمَا مَعَهُ إِلَى مَاهَوَيْهِ، وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ. وَأَقْبَلَ نَيْزَكُ فَلَقِيَهُ يَزْدَجِرْدُ بِالْمَزَامِيرِ وَالْمَلَاهِي، أَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَبُو بَرَازَ، فَلَمَّا لَقِيَهُ تَأَخَّرَ عَنْهُ أَبُو بَرَازَ فَاسْتَقْبَلَهُ نَيْزَكُ مَاشِيًا، فَأَمَرَ لَهُ يَزْدَجِرْدُ بِجَنِيبَةٍ مِنْ جَنَائِبِهِ، فَرَكِبَهَا، فَلَمَّا تَوَسَّطَ عَسْكَرَهُ تَوَاقَفَا، فَقَالَ لَهُ نَيْزَكُ فِيمَا يَقُولُ: زَوِّجْنِي إِحْدَى بَنَاتِكَ حَتَّى أُنَاصِحَكَ فِي قِتَالِ عَدُوِّكَ. فَسَبَّهُ يَزْدَجِرْدُ، فَضَرَبَهُ نَيْزَكُ بِمِقْرَعَتِهِ، وَصَاحَ يَزْدَجِرْدُ، وَرَكَضَ مُنْهَزِمًا. وَقَتَلَ أَصْحَابُ نَيْزَكَ أَصْحَابَ يَزْدَجِرْدَ، وَانْتَهَى يَزْدَجِرْدُ إِلَى بَيْتِ طَحَّانٍ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا. فَقَالَ لَهُ الطَّحَّانُ: اخْرُجْ أَيُّهَا الشَّقِيُّ فَكُلْ طَعَامًا فَقَدْ جُعْتَ! فَقَالَ: لَسْتُ أَصِلُ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِزَمْزَمَةٍ، وَكَانَ عِنْدَ الطَّحَّانِ رَجُلٌ يُزَمْزِمُ، فَكَلَّمَهُ الطَّحَّانُ فِي ذَلِكَ فَفَعَلَ وَزَمْزَمَ لَهُ فَأَكَلَ. فَلَمَّا رَجَعَ الْمُزَمْزِمُ سَمِعَ بِذِكْرِ يَزْدَجِرْدَ، فَسَأَلَ عَنْ حِلْيَتِهِ، فَوَصَفُوهُ لَهُ، فَأَخْبَرَهُمْ بِهِ وَبِحِلْيَتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو بَرَازَ رَجُلًا مِنَ الْأَسَاوِرَةِ، وَأَمَرَهُ بِخَنْقِهِ وَإِلْقَائِهِ فِي النَّهْرِ، وَأَتَى الطَّحَّانَ فَضَرَبَهُ لِيَدُلَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَجَحَدَهُ. فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ عَنْهُ قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ مِسْكٍ ; وَنَظَرَ إِلَى طَرَفِ ثَوْبِهِ مِنْ دِيبَاجٍ فِي الْمَاءِ، فَجَذَبَهُ فَإِذَا هُوَ يَزْدَجِرْدُ، فَسَأَلَهُ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ وَلَا يَدُلَّ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ لَهُ خَاتَمَهُ وَمِنْطَقَتَهُ وَسِوَارَهُ. فَقَالَ لَهُ: أَعْطِنِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ وَأُخَلِّي عَنْكَ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَقَالَ: إِنَّ خَاتَمِي لَا يُحْصَى ثَمَنُهُ فَخُذْهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ يَزْدَجِرْدُ: قَدْ كُنْتُ أُخْبَرُ أَنِّي سَأَحْتَاجُ إِلَى أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ فَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ، ثُمَّ نَزَعَ أَحَدَ قُرْطَيْهِ، فَأَعْطَاهُ الطَّحَّانَ لِيَسْتُرَ عَلَيْهِ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ! إِنَّا نَجِدُ فِي كُتُبِنَا أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ الْمُلُوكَ عَاقَبَهُ اللَّهُ بِالْحَرِيقِ فِي الدُّنْيَا، فَلَا تَقْتُلُونِي وَاحْمِلُونِي إِلَى الدِّهْقَانِ أَوْ إِلَى الْعَرَبِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَبْقُونَ مِثْلِي! فَأَخَذُوا مَا عَلَيْهِ وَخَنَقُوهُ بِوَتَرِ الْقَوْسِ وَأَلْقَوْهُ فِي الْمَاءِ، فَأَخَذَهُ أَسْقُفُّ مَرْوَ وَجَعَلَهُ فِي تَابُوتٍ وَدَفَنَهُ. وَسَأَلَ أَبُو
بَرَازَ عَنْ أَحَدِ الْقُرْطَيْنِ، وَأَخَذَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ حَتَّى أَتَى عَلَى نَفْسِهِ. وَقِيلَ: بَلْ سَارَ يَزْدَجِرْدُ مِنْ كَرْمَانَ قَبْلَ وُرُودِ الْعَرَبِ إِلَيْهَا نَحْوَ مَرْوَ عَلَى الطَّبَسَيْنِ وَقُوهِسْتَانَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَلَمَّا قَارَبَ مَرْوَ لَقِيَهُ قَائِدَانِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا بَرَازُ، وَلِلْآخَرِ سَنْجَانَ وَكَانَا مُتَبَاغِضَيْنِ، فَسَعَى بَرَازُ بِسَنْجَانَ حَتَّى هَمَّ يَزْدَجِرْدُ بِقَتْلِهِ، وَأَفْشَى ذَلِكَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، فَفَشَا الْحَدِيثُ، فَجَمَعَ سَنْجَانُ أَصْحَابَهُ، وَقَصَدَ قَصْرَ يَزْدَجِرْدَ، فَهَرَبَ بَرَازُ وَخَافَ يَزْدَجِرْدُ فَهَرَبَ أَيْضًا إِلَى رَحَى عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ مَرْوَ، فَدَخَلَ بَيْتَ نَقَّارِ الرَّحَى، فَأَطْعَمَهُ الطَّحَّانُ، فَطَلَبَ مِنْهُ شَيْئًا فَأَعْطَاهُ مِنْطَقَتَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا يَكْفِينِي أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ، ثُمَّ نَامَ يَزْدَجِرْدُ فَقَتَلَهُ الطَّحَّانُ بِفَأْسٍ كَانَتْ مَعَهُ، وَأَخَذَ مَا عَلَيْهِ وَأَلْقَى جُثَّتَهُ فِي الْمَاءِ وَشَقَّ بَطْنَهُ وَثَقَّلَهُ. وَسَمِعَ بِقَتْلِهِ مُطْرَانٌ كَانَ بِمَرْوَ، فَجَمَعَ النَّصَارَى وَقَالَ: قُتِلَ ابْنُ شَهْرَيَارَ، وَإِنَّمَا شَهْرَيَارُ ابْنُ شِيرِينَ الْمُؤْمِنَةِ الَّتِي قَدْ عَرَفْتُمْ حَقَّهَا وَإِحْسَانَهَا إِلَى أَهْلِ مِلَّتِنَا، مَعَ مَا نَالَ النَّصَارَى فِي مُلْكِ جَدِّهِ أَنُوشِرْوَانَ مِنَ الشَّرَفِ، فَيَنْبَغِي أَنْ نَحْزَنَ لِقَتْلِهِ وَنَبْنِيَ لَهُ نَاوُوسًا، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَبَنَوْا لَهُ نَاوُوسًا وَأَخْرَجُوا جُثَّتَهُ وَكَفَّنُوهَا وَدَفَنُوهَا فِي النَّاوُوسِ. وَكَانَ مُلْكُهُ عِشْرِينَ سَنَةً، مِنْهَا أَرْبَعُ سِنِينَ فِي دَعَةٍ، وَسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً فِي تَعَبٍ مِنْ مُحَارَبَةِ الْعَرَبِ إِيَّاهُ وَغِلْظَتِهِمْ عَلَيْهِ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ مَلَكَ مِنْ آلِ أَرْدِشِيرَ بْنِ بَابَكَ وَصَفَا الْمُلْكُ بَعْدَهُ لِلْعَرَبِ. ذكر مَسِيرِ ابْنِ عَامِرٍ إِلَى خُرَاسَانَ وَفَتْحِهَا لَمَّا قُتِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نَقَضَ أَهْلُ خُرَاسَانَ وَغَدَرُوا. فَلَمَّا افْتَتَحَ ابْنُ عَامِرٍ فَارِسَ قَامَ إِلَيْهِ حَبِيبُ بْنُ أَوْسٍ التَّمِيمِيُّ فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيلُ، فَسِرْ فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكَ. قَالَ: أَوَلَمْ نُأْمَرْ بِالْمَسِيرِ؟ وَكَرِهَ أَنْ يُظْهِرَ أَنَّهُ قَبِلَ رَأْيَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ عَامِرٍ لَمَّا فَتَحَ فَارِسَ عَادَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى إِصْطَخْرَ شَرِيكَ بْنَ الْأَعْوَرِ الْحَارِثِيَّ، فَبَنَى شَرِيكٌ مَسْجِدَ إِصْطَخْرَ. فَلَمَّا دَخَلَ الْبَصْرَةَ أَتَاهُ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، وَقِيلَ غَيْرُهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ عَدُوَّكَ مِنْكَ هَارِبٌ، وَلَكَ هَائِبٌ، وَالْبِلَادُ
وَاسِعَةٌ، فَسِرْ فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكَ وَمُعِزٌّ دِينَهُ. فَتَجَهَّزَ وَسَارَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَصْرَةِ زِيَادًا، وَسَارَ إِلَى كَرْمَانَ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ السُّلَمِيَّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَأَمَرَهُ بِمُحَارَبَةِ أَهْلِهَا، وَكَانُوا قَدْ نَكَثُوا أَيْضًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى سِجِسْتَانَ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ الْحَارِثِيَّ، وَكَانُوا أَيْضًا قَدْ غَدَرُوا وَنَقَضُوا الصُّلْحَ. وَسَارَ ابْنُ عَامِرٍ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ، فَأَتَى الطَّبَسَيْنِ، وَهُمَا حِصْنَانِ، وَهُمَا بَابَا خُرَاسَانَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهُمَا، وَسَارَ إِلَى قُوهِسْتَانَ فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا، وَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَلْجَأَهُمْ إِلَى حِصْنِهِمْ، وَقَدِمَ عَلَيْهَا ابْنُ عَامِرٍ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى سِتِّمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَقِيلَ: كَانَ الْمُتَوَجِّهَ إِلَى قُوهِسْتَانَ أُمَيْرُ بْنُ أَحْمَرُ الْيَشْكُرِيُّ - وَهِيَ بِلَادُ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ - وَبَعَثَ ابْنُ عَامِرٍ سَرِيَّةً إِلَى رُسْتَاقِ زَامَ مِنْ أَعْمَالِ نَيْسَابُورَ، فَفَتَحَهُ عَنْوَةً، وَفَتَحَ بَاخَرْزَ مِنْ أَعْمَالِ نَيْسَابُورَ أَيْضًا، وَفَتَحَ جُوَيْنَ مِنْ أَعْمَالِ نَيْسَابُورَ أَيْضًا. وَوَجَّهَ ابْنُ عَامِرٍ الْأَسْوَدَ بْنَ كُلْثُومٍ الْعَدَوِيَّ مِنْ عَدِيِّ الرَّبَابِ، وَكَانَ نَاسِكًا، إِلَى بَيْهَقَ، مِنْ أَعْمَالِهِمَا أَيْضًا، فَقَصَدَ قَصَبَتَهُ وَدَخَلَ حِيطَانَ الْبَلَدِ مِنْ ثُلْمَةٍ كَانَتْ فِيهِ، وَدَخَلَتْ مَعَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذَ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الثُّلْمَةَ، فَقَاتَلَ الْأَسْوَدُ حَتَّى قُتِلَ هُوَ وَطَائِفَةٌ مِمَّنْ مَعَهُ، وَقَامَ بِأَمْرِ النَّاسِ بَعْدَهُ أَخُوهُ أَدْهَمُ بْنُ كُلْثُومٍ، فَظَفِرَ وَفَتَحَ بَيْهَقَ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَحْشُرَهُ مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ، فَلَمْ يُوَارِهِ أَخُوهُ، وَدَفَنَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَفَتَحَ ابْنُ عَامِرٍ بُشْتَ مِنْ نَيْسَابُورَ. (وَهَذِهِ بُشْتُ: بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَلَيْسَتْ بِبُسْتَ الَّتِي بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، تِلْكَ مِنْ بِلَادِ الدَّاوُنِ، وَهَذِهِ مِنْ خُرَاسَانَ مِنْ نَيْسَابُورَ) . وَافْتَتَحَ خَوَافَ وَأَسْفَرَايِينَ وَأَرْغِيَانَ، ثُمَّ قَصَدَ نَيْسَابُورَ بَعْدَمَا اسْتَوْلَى عَلَى أَعْمَالِهَا وَافْتَتَحَهَا، فَحَصَرَ أَهْلَهَا أَشْهُرًا، وَكَانَ عَلَى كُلِّ رُبْعٍ مِنْهَا مَرْزُبَانٌ لِلْفُرْسِ يَحْفَظُهُ، فَطَلَبَ صَاحِبُ رُبْعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَاعِ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يُدْخِلَ الْمُسْلِمِينَ الْمَدِينَةَ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، فَأَدْخَلَهُمْ لَيْلًا فَفَتَحُوا الْبَابَ وَتَحَصَّنَ مَرْزُبَانُهَا الْأَكْبَرُ فِي حِصْنِهَا، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، وَطَلَبَ الْأَمَانَ وَالصُّلْحَ عَلَى جَمِيعِ نَيْسَابُورَ، فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَوَلَّى نَيْسَابُورَ قَيْسَ بْنَ الْهَيْثَمِ السُّلَمِيَّ، وَسَيَّرَ جَيْشًا إِلَى نَسَا وَأَبِيوَرْدَ فَافْتَتَحُوهَا صُلْحًا، وَسَيَّرَ سَرِيَّةً
أُخْرَى إِلَى سَرْخَسَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ السُّلَمِيِّ، فَقَاتَلُوا أَهْلَهَا ثُمَّ طَلَبُوا الْأَمَانَ وَالصُّلْحَ عَلَى أَمَانِ مِائَةِ رَجُلٍ، فَأُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ، فَصَالَحَهُمْ مَرْزُبَانُهَا عَلَى ذَلِكَ، وَسَمَّى مِائَةَ رَجُلٍ وَلَمْ يَذْكُرْ نَفْسَهُ فَقَتَلَهُ، وَدَخَلَ سَرْخَسَ عَنْوَةً. وَأَتَى مَرْزُبَانُ طُوسَ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ فَصَالَحَهُ عَنْ طُوسَ عَلَى سِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَسَيَّرَ جَيْشًا إِلَى هَرَاةَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ، وَقِيلَ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ مَرْزُبَانَ هَرَاةَ ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ فَصَالَحَهُ عَنْ هَرَاةَ وَبَاذَغِيسَ وَبُوشَنْجَ. وَقِيلَ: بَلْ سَارَ ابْنُ عَامِرٍ فِي الْجَيْشِ إِلَى هَرَاةَ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا ثُمَّ صَالَحَهُ مَرْزُبَانُهَا عَلَى أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَمَّا غَلَبَ ابْنُ عَامِرٍ عَلَى هَذِهِ الْبِلَادِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَرْزُبَانُ مَرْوَ فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ ابْنُ عَامِرٍ حَاتِمَ بْنَ النُّعْمَانِ الْبَاهِلِيَّ إِلَى مَرْزُبَانِهَا، وَكَانَتْ مَرْوُ كُلُّهَا صُلْحًا إِلَّا قَرْيَةً مِنْهَا يُقَالُ لَهَا سِنْجُ، فَإِنَّهَا أُخِذَتْ عَنْوَةً (وَهِيَ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ السَّاكِنَةِ وَآخِرُهَا جِيمٌ) . وَوَجَّهَ ابْنُ عَامِرٍ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ إِلَى طُخَارِسْتَانَ، فَمَرَّ بِرُسْتَاقٍ يُعْرَفُ بِرُسْتَاقِ الْأَحْنَفِ، وَيُدْعَى سِوَانْجَرْدَ، فَحَصَرَ أَهْلَهَا، فَصَالَحُوهُ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ الْأَحْنَفُ: أُصَالِحُكُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ رَجُلٌ مِنَّا الْقَصْرَ فَيُؤَذِّنَ فِيهِ، وَيُقِيمَ فِيكُمْ حَتَّى يَنْصَرِفَ. فَرَضُوا بِذَلِكَ، وَمَضَى الْأَحْنَفُ إِلَى مَرْوِ الرُّوَذِ فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا فَقَتَلَهُمْ وَهَزَمَهُمْ وَحَصَرَهُمْ، وَكَانَ مَرْزُبَانُهَا مِنْ أَقَارِبِ بَاذَانَ صَاحِبِ الْيَمَنِ، فَكَتَبَ إِلَى الْأَحْنَفِ: إِنَّهُ دَعَانِي إِلَى الصُّلْحِ إِسْلَامُ بَاذَانَ، فَصَالَحَهُ عَلَى سِتِّمِائَةِ أَلْفٍ، وَسَيَّرَ الْأَحْنَفَ سَرِيَّةً، فَاسْتَوْلَتْ عَلَى رُسْتَاقِ بَغَ وَاسْتَاقَتْ مِنْهُ مَوَاشِيَ، ثُمَّ صَالَحُوا أَهْلَهُ. وَجُمِعَ لَهُ أَهْلُ طُخَارِسْتَانَ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْجُوزَجَانِ وَالطَّالَقَانِ وَالْفَارِيَابِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، وَحَمَلَ مَلِكُ الصَّغَانِيَانِ عَلَى الْأَحْنَفِ، فَانْتَزَعَ الْأَحْنَفُ الرُّمْحَ مِنْ يَدِهِ وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَقَتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ قَتْلًا ذَرِيعًا كَيْفَ شَاءُوا، وَعَادَ إِلَى مَرْوِ الرُّوَذِ، وَلَحِقَ بَعْضُ الْعَدُوِّ بِالْجُوزَجَانِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ الْأَحْنَفُ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ التَّمِيمِيَّ فِي
خَيْلٍ وَقَالَ: يَا بَنِي تَمِيمٍ تَحَابُّوا وَتَبَاذَلُوا تُعْدَلْ أُمُورُكُمْ، وَابْدَءُوا بِجِهَادِ بُطُونِكُمْ وَفُرُوجِكُمْ يَصْلُحْ لَكُمْ دِينُكُمْ، وَلَا تَغْلُوا يَسْلَمْ لَكُمْ جِهَادُكُمْ. فَسَارَ الْأَقْرَعُ فَلَقِيَ الْعَدُوَّ بِالْجُوزَجَانِ فَكَانَتْ بِالْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، ثُمَّ عَادُوا فَهَزَمُوا الْمُشْرِكِينَ وَفَتَحُوا الْجُوزَجَانَ عَنْوَةً، فَقَالَ ابْنُ الْغَرِيزَةِ النَّهْشَلِيُّ: سَقَى صَوْبُ السَّحَابِ إِذَا اسْتَهَلَّتْ ... مَصَارِعَ فِتْيَةٍ بِالْجُوزَجَانِ إِلَى الْقَصْرَيْنِ مِنْ رُسْتَاقِ خُوتٍ ... أَقَادَهُمْ هُنَاكَ الْأَقْرَعَانِ وَفَتَحَ الْأَحْنَفُ الطَّالَقَانَ صُلْحًا، وَفَتَحَ الْفَارِيَابَ، وَقِيلَ: بَلْ فَتَحَهَا أُمَيْرُ بْنُ أَحْمَرَ، ثُمَّ سَارَ الْأَحْنَفُ إِلَى بَلْخَ، وَهِيَ مَدِينَةُ طُخَارِسْتَانَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَقِيلَ: سَبْعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى بَلْخَ أَسِيدَ بْنَ الْمُتَشَمِّسِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى خَوَارِزْمَ، وَهِيَ عَلَى نَهْرِ جَيْحُونَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ لَهُ حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ: إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَمْرًا فَدَعْهُ ... وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ فَعَادَ إِلَى بَلْخَ وَقَدْ قَبَضَ أَسِيدٌ صُلْحَهَا، وَوَافَقَ وَهُوَ يُجِيبُهُمُ الْمَهْرَجَانَ، فَأَهْدَوْا لَهُ هَدَايَا كَثِيرَةً مِنْ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ وَدَوَابَّ وَأَوَانٍ وَثِيَابٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا صَالَحْنَاهُمْ عَلَى هَذَا! : فَقَالُوا لَا، وَلَكِنْ هَذَا شَيْءٌ نَفْعَلُهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِأُمَرَائِنَا. فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا وَلَعَلَّهُ مِنْ حَقِّي، وَلَكِنْ أَقْبِضُهُ حَتَّى أَنْظُرَ، فَقَبَضَهُ حَتَّى قَدِمَ الْأَحْنَفُ فَأَخْبَرَهُ، فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ، فَقَالُوا مَا قَالُوا لِأَسِيدٍ، فَحَمَلَهُ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ وَأَخْبَرَهُ عَنْهُ، فَقَالَ: خُذْهُ يَا أَبَا بَحْرٍ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. فَأَخَذَهُ ابْنُ عَامِرٍ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: فَضَمَّهُ الْقُرَشِيُّ ... ، وَكَانَ مُضِمًّا. وَلَمَّا تَمَّ لَابْنِ عَامِرٍ هَذَا الْفَتْحُ قَالَ لَهُ النَّاسُ: مَا فُتِحَ لِأَحَدٍ مَا فُتِحَ عَلَيْكَ، فَارِسُ وَكَرْمَانُ وَسِجِسْتَانُ وَخُرَاسَانُ. فَقَالَ: لَا جَرَمَ لَأَجْعَلَنَّ شُكْرِي لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ أَنْ أَخْرُجَ مُحْرِمًا مِنْ مَوْقِفِي هَذَا. فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ نَيْسَابُورَ وَقَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى خُرَاسَانَ قَيْسَ بْنَ الْهَيْثَمِ، فَسَارَ قَيْسٌ بَعْدَ شُخُوصِهِ فِي أَرْضِ طَخَارِسْتَانَ، فَلَمْ يَأْتِ بَلَدًا
مِنْهَا إِلَّا صَالَحَهُ أَهْلُهُ وَأَذْعَنُوا لَهُ، حَتَّى أَتَى سِمِنْجَانَ فَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ، فَحَصَرَهُمْ حَتَّى فَتَحَهَا عَنْوَةً. (أَسِيدٌ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ. وَحُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ: بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ) . ذكر فَتْحِ كَرْمَانَ لَمَّا سَارَ ابْنُ عَامِرٍ عَنْ كَرْمَانَ إِلَى خُرَاسَانَ وَاسْتَعْمَلَ مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ السُّلَمِيَّ عَلَى كَرْمَانَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، أَمَرَهُ أَنْ يَفْتَحَهَا، وَكَانَ أَهْلُهَا قَدْ نَكَثُوا وَغَدَرُوا، فَفَتَحَ هَمِيدَ عَنْوَةً وَاسْتَبْقَى أَهْلَهَا وَأَعْطَاهُمْ أَمَانًا، وَبَنَى بِهَا قَصْرًا يُعْرَفُ بِقَصْرِ مُجَاشِعٍ، وَأَتَى السِّيرَجَانَ، وَهِيَ مَدِينَةُ كَرْمَانَ، فَأَقَامَ عَلَيْهَا أَيَّامًا يَسِيرَةً وَأَهْلُهَا مُتَحَصِّنُونَ، فَقَاتَلَهُمْ وَفَتَحَهَا عَنْوَةً، فَجَلَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا عَنْهَا، وَفَتَحَ جِيرَفْتَ عَنْوَةً، وَسَارَ فِي كَرْمَانَ فَدَوَّخَ أَهْلَهَا، وَأَتَى الْقَفَصَ وَقَدْ تَجَمَّعَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعَاجِمِ الَّذِينَ جَلَوْا، فَقَاتَلَهُمْ فَظَفِرَ بِهِمْ وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ، وَهَرَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ كَرْمَانَ فَرَكِبُوا الْبَحْرَ، وَلَحِقَ بَعْضُهُمْ بِمُكْرَانَ وَبَعْضُهُمْ بِسِجِسْتَانَ، فَأُقْطِعَتِ الْعَرَبُ مَنَازِلَهُمْ وَأَرَاضِيَهُمْ فَعَمَّرُوهَا، وَاحْتَفَرُوا لَهَا الْقُنِيَّ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا، وَأَدَّوُا الْعُشْرَ مِنْهَا. ذكر فَتْحِ سِجِسْتَانَ وَكَابُلَ وَغَيْرِهِمَا قَدْ تَقَدَّمَ فَتْحُ سِجِسْتَانَ أَيَّامَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَهَا نَقَضُوا بَعْدَهُ. فَلَمَّا تَوَجَّهَ ابْنُ عَامِرٍ إِلَى خُرَاسَانَ سَيَّرَ إِلَيْهَا مِنْ كَرْمَانَ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ الْحَارِثِيَّ، فَقَطَعَ الْمَفَازَةَ حَتَّى أَتَى حِصْنَ زَالِقٍ، فَأَغَارَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ مَهْرَجَانٍ وَأَخَذَ الدِّهْقَانَ، فَافْتَدَى نَفْسَهُ بِأَنْ غَرَزَ عَنَزَةً وَغَمَرَهَا ذَهَبًا وَفِضَّةً، وَصَالَحَهُ عَلَى صُلْحِ فَارِسَ. ثُمَّ أَتَى بَلْدَةً يُقَالُ لَهَا كَرْكُوَيْهِ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا، وَسَارَ إِلَى زَرَنْجَ فَنَزَلَ عَلَى مَدِينَةِ رُوَشْتَ بِقُرْبِ زَرَنْجَ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا وَأُصِيبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأَتَى الرَّبِيعُ نَاشِرُوذَ فَفَتَحَهَا، ثُمَّ أَتَى شَرْوَاذَ فَغَلَبَ عَلَيْهَا، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى زَرَنْجَ فَنَازَلَهَا وَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا فَهَزَمَهُمْ وَحَصَرَهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَرْزُبَانُهَا لِيُصَالِحَهُ وَاسْتَأْمَنَهُ عَلَى نَفْسِهِ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ فَأَمَّنَهُ، وَجَلَسَ لَهُ الرَّبِيعُ عَلَى جَسَدٍ مِنْ أَجْسَادِ الْقَتْلَى وَاتَّكَأَ عَلَى آخَرَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَلَمَّا رَآهُمُ الْمَرْزُبَانُ هَالَهُ ذَلِكَ فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفِ وَصِيفٍ مَعَ كُلِّ وَصِيفٍ جَامٌ مَنْ ذَهَبٍ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْمَدِينَةَ. ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى سَنَارُوذَ، وَهِيَ وَادٍ، فَعَبَرَهُ وَأَتَى الْقَرْيَةَ الَّتِي بِهَا
مَرْبِطُ فَرَسِ رُسْتُمَ الشَّدِيدِ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، فَظَفِرَ بِهِمْ ثُمَّ عَادَ إِلَى زَرَنْجَ وَأَقَامَ بِهَا نَحْوَ سَنَةً، وَعَادَ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا عَامِلًا، فَأَخْرَجَ أَهْلُهَا الْعَامِلَ وَامْتَنَعُوا. فَكَانَتْ وِلَايَةُ الرَّبِيعِ سَنَةً وَنِصْفًا. وَسَبَى فِيهَا أَرْبَعِينَ أَلْفَ رَأْسٍ. وَكَانَ كَاتِبُهُ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ. فَاسْتَعْمَلَ ابْنُ عَامِرٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ عَلَى سِجِسْتَانَ، فَسَارَ إِلَيْهَا فَحَصَرَ زَرَنْجَ، فَصَالَحَهُ مَرْزُبَانُهَا عَلَى أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَلْفَيْ وَصِيفٍ. وَغَلَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى مَا بَيْنَ زَرَنْجَ وَالْكَشِّ مِنْ نَاحِيَةِ الْهِنْدِ، وَغَلَبَ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّخَّجِ عَلَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّاوَرِ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَلَدِ الدَّاوَرِ حَصَرَهُمْ فِي جَبَلِ الزَّوْرِ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ وَدَخَلَ عَلَى الزُّورِ، وَهُوَ صَنَمٌ مِنْ ذَهَبٍ، عَيْنَاهُ يَاقُوتَتَانِ، فَقَطَعَ يَدَهُ وَأَخَذَ الْيَاقُوتَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لِلْمَرْزُبَانِ: دُونَكَ الذَّهَبُ وَالْجَوْهَرُ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أُعْلِمَكَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ. وَفَتَحَ كَابُلَ وَزَابُلِسْتَانَ، وَهِيَ وِلَايَةُ غَزْنَةَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى زَرَنْجَ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى اضْطَرَبَ أَمْرُ عُثْمَانَ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا أُمَيْرَ بْنَ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيَّ وَانْصَرَفَ، فَأَخْرَجَ أَهْلُهَا أُمَيْرَ بْنَ أَحْمَرَ وَامْتَنَعُوا، وَلِأُمَيْرٍ يَقُولُ زِيَادُ بْنُ الْأَعْجَمِ: لَوْلَا أُمَيْرٌ هَلَكَتْ يَشْكُرُ ... وَيَشْكُرُ هَلْكَى عَلَى كُلِّ حَالٍ ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عُثْمَانُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الدَّرْدَاءِ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. وَفِيهَا
مَاتَ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ.
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ، وَهُوَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ. (أُسَيْدٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ) . وَفِيهَا مَاتَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، (وَأَخُوهُ
الطُّفَيْلُ) . (وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً) .
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ] (32) ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ (قِيلَ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ مَضِيقَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ قَرَظَةَ، وَقِيلَ فَاخِتَةُ) . ذكر ظَفَرِ التُّرْكِ وَقَتْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْتَصَرَتِ الْخَزَرُ وَالتُّرْكُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَسَبَبُهُ أَنَّ الْغَزَوَاتِ لَمَّا تَتَابَعَتْ عَلَيْهِمْ تَذَامَرُوا وَقَالُوا: كُنَّا [أُمَّةً] لَا يُقْرَنُ بِنَا أَحَدٌ، حَتَّى جَاءَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْقَلِيلَةُ فَصِرْنَا لَا نَقُومُ لَهَا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَمُوتُونَ وَمَا أُصِيبَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فِي غَزْوِهِمْ. وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ غَزُوهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلِهَذَا ظَنُّوا أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَفَلَا تُجَرِّبُونَ؟ فَكَمَنُوا لَهُمْ فِي الْغِيَاضِ، فَمَرَّ بِالْكَمِينِ نَفَرٌ مِنَ الْجُنْدِ فَرَمَوْهُمْ مِنْهَا فَقَتَلُوهُمْ، فَتَوَاعَدَ رُءُوسُهُمْ إِلَى حَرْبِهِمْ ثُمَّ اتَّعَدُوا يَوْمًا. وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ وَهُوَ عَلَى الْبَابِ: إِنَّ الرَّعِيَّةَ قَدْ أَبْطَرَهَا الْبِطْنَةُ، فَلَا تَقْتَحِمْ بِالْمُسْلِمِينَ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يُقْتَلُوا. فَلَمْ يَرْجِعْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ مَقْصِدِهِ، فَغَزَا نَحْوَ بَلَنْجَرَ، وَكَانَ التُّرْكُ قَدِ اجْتَمَعَتْ مَعَ الْخَزَرِ، فَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ قِتَالًا شَدِيدًا وَقُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ذُو النُّورِ، وَهُوَ اسْمُ سَيْفِهِ، فَأَخَذَ أَهْلُ بَلَنْجَرَ جَسَدَهُ وَجَعَلُوهُ فِي تَابُوتٍ فَهُمْ يَسْتَسْقُونَ بِهِ، فَلَمَّا قُتِلَ انْهَزَمَ النَّاسُ وَافْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً نَحْوَ الْبَابِ، فَلَقُوا سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ أَخَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَانَ قَدْ سَيَّرَهُ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ مَدَدًا
لِلْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِ عُثْمَانَ، فَلَمَّا لَقُوهُ نَجَوْا مَعَهُ، وَفِرْقَةً نَحْوَ جِيلَانَ وَجُرْجَانَ، فِيهِمْ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْعَسْكَرِ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيُّ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَمِعْضَدٌ الشَّيْبَانِيُّ، وَأَبُو مُفْرَزٍ التَّمِيمِيُّ فِي خِبَاءٍ وَاحِدٍ، وَعَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ، وَخَالِدُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَالْحِلْحَالُ بْنُ ذَرِيٍّ، وَالْقَرْثَعُ فِي خِبَاءٍ، فَكَانُوا مُتَجَاوِرِينَ فِي ذَلِكَ الْعَسْكَرِ، وَكَانَ الْقَرْثَعُ يَقُولُ: مَا أَحْسَنَ لَمْعَ الدِّمَاءِ عَلَى الثِّيَابِ! وَكَانَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ يَقُولُ لِقَبَاءٍ عَلَيْهِ: مَا أَحْسَنَ حُمْرَةَ الدِّمَاءِ عَلَى بَيَاضِكَ! وَرَأَى يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَّ غَزَالًا جِيءَ بِهِ لَمْ يُرَ أَحْسَنَ مِنْهُ فَلُفَّ فِي مِلْحَفَةٍ، ثُمَّ دُفِنَ فِي قَبْرٍ لَمْ يُرَ أَحْسَنَ مِنْهُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قُعُودٌ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ وَاقْتَتَلَ النَّاسُ رُمِيَ بِحَجَرٍ فَهَشَّمَ رَأْسَهُ فَمَاتَ، فَكَأَنَّمَا زُيِّنَ ثَوْبُهُ بِالدِّمَاءِ وَلَيْسَ بِتَلْطِيخٍ، فَدُفِنَ فِي قَبْرٍ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي رَأَى. وَقَالَ مِعْضَدٌ لِعَلْقَمَةَ: أَعِرْنِي بُرْدَكَ أَعْصِبُ بِهِ رَأْسِي، فَفَعَلَ، فَأَتَى بُرْجَ بَلَنْجَرَ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ يَزِيدُ فَرَمَاهُمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَأَتَاهُ حَجَرُ عَرَّادَةٍ فَفَضَخَ هَامَتَهُ، فَأَخَذَهُ أَصْحَابُهُ فَدَفَنُوهُ إِلَى جَنْبِ يَزِيدَ، وَأَخَذَ عَلْقَمَةُ الْبُرْدَ، فَكَانَ يَغْسِلُهُ فَلَا يَخْرُجُ أَثَرُ الدَّمِ مِنْهُ، وَكَانَ يَشْهَدُ فِيهِ الْجُمُعَةَ وَيَقُولُ: يَحْمِلُنِي عَلَى هَذَا أَنَّ دَمَ مِعْضَدٍ فِيهِ. وَأَصَابَ عَمْرَو بْنَ عُتْبَةَ جِرَاحَةٌ فَرَأَى قِبَاءَهُ كَمَا اشْتَهَى ثُمَّ قُتِلَ. وَأَمَّا الْقَرْثَعُ فَإِنَّهُ قَاتَلَ حَتَّى خُرِقَ بِالْحِرَابِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ عُثْمَانَ فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ، انْتَكَثَ أَهْلُ الْكُوفَةِ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِمْ وَأَقْبِلْ بِهِمْ! وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ كَتَبَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنْ يُنْفِذَ سَلْمَانَ إِلَى الْبَابِ لِلْغَزْوِ، فَسَيَّرَهُ فَلَقِيَ الْمَهْزُومِينَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَنَجَّاهُمُ اللَّهُ بِهِ. فَلَمَّا أُصِيبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ اسْتَعْمَلَ سَعِيدٌ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ عَلَى الْبَابِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْغَزْوِ بِأَهْلِ الْكُوفَةِ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، وَمَدَّهُمْ عُثْمَانُ بِأَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَتَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ سَلْمَانُ وَأَبُو حَبِيبٍ حَتَّى قَالَ أَهْلُ الشَّامِ: لَقَدْ هَمَمْنَا بِضَرْبِ سَلْمَانَ. فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِذَنْ وَاللَّهِ نَضْرِبُ حَبِيبًا وَنَحْبِسُهُ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ كَثُرَتِ الْقَتْلَى فِينَا وَفِيكُمْ، وَقَالَ أَوْسُ بْنُ مَغْرَاءَ فِي ذَلِكَ: إِنْ تَضْرِبُوا سَلْمَانَ نَضْرِبْ حَبِيبَكُمْ ... وَإِنْ تَرْحَلُوا نَحْوَ ابْنِ عَفَّانَ نَرْحَلُ وَإِنْ تُقْسِطُوا فَالثَّغْرُ ثَغْرُ أَمِيرِنَا ... وَهَذَا أَمِيرٌ فِي الْكَتَائِبِ مُقْبِلُ
وَنَحْنُ وُلَاةُ الْأَمْرِ كُنَّا حُمَاتَهُ لَيَالِيَ نَرْمِي كُلَّ ثَغْرٍ وَنَعْكِلُ وَأَرَادَ حَبِيبٌ أَنْ يَتَأَمَّرَ عَلَى صَاحِبِ الْبَابِ كَمَا يَتَأَمَّرُ أَمِيرُ الْجَيْشِ إِذَا جَاءَ مِنَ الْكُوفَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ اخْتِلَافٍ وَقَعَ بَيْنَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالشَّامِ. وَغَزَا حُذَيْفَةُ ثَلَاثَ غَزَوَاتٍ، فَقُتِلَ عُثْمَانُ فِي الثَّالِثَةِ، وَلَقِيَهُمْ مَقْتَلُ عُثْمَانَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: اللَّهُمَّ الْعَنْ قَتَلَتَهُ وَشُتَّامَهُ! اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نُعَاتِبُهُ وَيُعَاتِبُنَا فَاتَّخَذُوا ذَلِكَ سُلَّمًا إِلَى الْفِتْنَةِ! اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُمْ إِلَّا بِالسُّيُوفِ! ذكر وَفَاةِ أَبِي ذَرٍّ وَفِيهَا مَاتَ أَبُو ذَرٍّ، وَكَانَ قَدْ قَالَ لِابْنَتِهِ: اسْتَشْرِفِي يَا بُنَيَّةُ هَلْ تَرَيْنَ أَحَدًا؟ قَالَتْ:
لَا. قَالَ: فَمَا جَاءَتْ سَاعَتِي بَعْدُ. ثُمَّ أَمَرَهَا فَذَبَحَتْ شَاةً ثُمَّ طَبَخَتْهَا ثُمَّ قَالَ: إِذَا جَاءَكِ الَّذِينَ يَدْفِنُونَنِي فَإِنَّهُ سَيَشْهَدُنِي قَوْمٌ صَالِحُونَ فَقُولِي لَهُمْ: يُقْسِمُ عَلَيْكُمْ أَبُو ذَرٍّ أَنْ لَا تَرْكَبُوا حَتَّى تَأْكُلُوا. فَلَمَّا نَضِجَتْ قِدْرُهَا قَالَ لَهَا: انْظُرِي هَلْ تَرَيْنَ أَحَدًا؟ قَالَتْ: نَعَمْ هَؤُلَاءِ رَكْبٌ. قَالَ: اسْتَقْبِلِي بِي الْكَعْبَةَ، فَفَعَلَتْ. فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ مَاتَ، فَخَرَجَتِ ابْنَتُهُ فَتَلَقَّتْهُمْ وَقَالَتْ: رَحِمَكُمُ اللَّهُ! اشْهَدُوا أَبَا ذَرٍّ. قَالُوا: وَأَيْنَ هُوَ؟ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ، قَالُوا: نَعَمْ وَنُعْمَةُ عَيْنٍ! لَقَدْ أَكْرَمَنَا اللَّهَ بِذَلِكَ. «وَكَانَ فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَبَكَى وَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ» . فَغَسَّلُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ وَدَفَنُوهُ. وَقَالَتْ لَهُمُ ابْنَتُهُ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، وَأَقْسَمَ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَرْكَبُوا حَتَّى تَأْكُلُوا، فَفَعَلُوا وَحَمَلُوا أَهْلَهُ مَعَهُمْ حَتَّى أَقْدَمُوهُمْ مَكَّةَ وَنَعَوْهُ إِلَى عُثْمَانَ، فَضَمَّ ابْنَتَهُ إِلَى عِيَالِهِ وَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ وَيَغْفِرُ لَهُ نُزُولَهُ الرَّبَذَةَ. وَلَمَّا حَضَرُوا شَمُّوا مِنَ الْخِبَاءِ رِيحَ مِسْكٍ فَسَأَلُوهَا عَنْهُ فَقَالَتْ: إِنَّهُ لَمَّا حُضِرَ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ يَحْضُرُهُ شُهُودٌ يَجِدُونَ الرِّيحَ لَا يَأْكُلُونَ، فَدُوفِي مِسْكًا لَهُمْ بِمَاءٍ وَرُشِّي بِهِ الْخِبَاءَ. وَكَانَ النَّفَرُ الَّذِينَ شَهِدُوهُ: ابْنَ مَسْعُودٍ، وَأَبَا مُفْرَزٍ، وَبَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيَّيْنِ، وَالْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ قَيْسٍ، وَمَالِكَ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّيْنِ، وَالْحِلْحَالَ الضَّبِّيَّ، وَالْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ التَّمِيمِيَّ، وَعَمْرَو بْنَ عُتْبَةَ السُّلَمِيَّ، وَابْنَ رَبِيعَةَ السُّلَمِيَّ، وَأَبَا رَافِعٍ الْمُزَنِيَّ، وَسُوَيْدَ بْنَ شُعْبَةَ التَّمِيمِيَّ، وَزِيَادَ بْنَ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيَّ، وَأَخَا الْقَرْثَعِ الضَّبِّيَّ، وَأَخَا مَعْضِدٍ الشَّيْبَانِيَّ. وَقِيلَ: كَانَ مَوْتُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ.
وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَحْمِلْ أَهْلَ أَبِي ذَرٍّ مَعَهُ إِنَّمَا تَرَكَهُمْ حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ بِمَكَّةَ فَأَعْلَمَهُ بِمَوْتِهِ، فَجَعَلَ عُثْمَانُ طَرِيقَهُ عَلَيْهِمْ فَحَمَلَهُمْ مَعَهُ. ذكر خُرُوجِ قَارِنَ ثُمَّ جَمَعَ قَارِنُ جَمْعًا كَثِيرًا مِنْ نَاحِيَةِ الطَّبَسَيْنِ وَأَهْلِ بَاذَغِيسَ وَهَرَاةَ وَقُوهِسْتَانَ وَأَقْبَلَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَقَالَ قَيْسٌ لِابْنِ خَازِمٍ: مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تُخَلِّيَ الْبِلَادَ، فَإِنِّي أَمِيرُهَا وَمَعِي عَهْدٌ مِنِ ابْنِ عَامِرٍ إِذَا كَانَتْ حَرْبٌ بِخُرَاسَانَ فَأَنَا أَمِيرُهَا، وَأَخْرَجَ كِتَابًا كَانَ قَدِ افْتَعَلَهُ عَمْدًا، فَكَرِهَ قَيْسٌ مُنَازَعَتَهُ وَخَلَّاهُ وَالْبِلَادَ، وَأَقْبَلَ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ، فَلَامَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَقَالَ: قَدْ تَرَكْتَ الْبِلَادَ خَرَابًا وَأَقْبَلْتَ! قَالَ: جَاءَنِي بِعَهْدٍ مِنْكَ. قَالَ: فَسَارَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى قَارِنَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَأَمَرَ النَّاسَ فَحَمَلُوا الْوَدَكَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ قَارِنَ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُدْرِجَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى زُجِّ رُمْحِهِ خِرْقَةً أَوْ قُطْنًا، ثُمَّ يُكْثِرُوا دُهْنَهُ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَمْسَى، فَقَدَّمَ مُقَدَّمَتَهُ سِتَّمِائَةٍ ثُمَّ اتَّبَعَهُمْ، وَأَمَرَ النَّاسَ فَأَشْعَلُوا النِّيرَانَ فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ، فَانْتَهَتْ مُقَدَّمَتُهُ إِلَى مُعَسْكَرِ قَارِنَ نِصْفَ اللَّيْلِ فَنَاوَشُوهُمْ، وَهَاجَ النَّاسُ عَلَى دَهَشٍ وَكَانُوا آمِنِينَ مِنَ الْبَيَاتِ، وَدَنَا ابْنُ خَازِمٍ مِنْهُمْ فَرَأَوُا النِّيرَانَ يَمْنَةً وَيَسْرَةً تَتَقَدَّمُ وَتَتَأَخَّرُ وَتَنْخَفِضُ وَتَرْتَفِعُ، فَهَالَهُمْ ذَلِكَ، وَمُقَدَّمَةُ ابْنِ خَازِمٍ يُقَاتِلُونَهُمْ، ثُمَّ غَشِيَهُمُ ابْنُ خَازِمٍ بِالْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَ قَارِنَ، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَاتَّبَعُوهُمْ يَقْتُلُونَهُمْ كَيْفَ شَاءُوا، وَأَصَابُوا سَبْيًا كَثِيرًا. وَكَتَبَ ابْنُ خَازِمٍ بِالْفَتْحِ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ، فَرَضِيَ وَأَقَرَّهُ عَلَى خُرَاسَانَ، فَلَبِثَ عَلَيْهَا حَتَّى انْقَضَى أَمْرُ الْجَمَلِ، وَأَقْبَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَشَهِدَ وَقْعَةَ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَكَانَ مَعَهُ فِي دَارِ سَنْبِيلٍ. وَقِيلَ: لَمَّا جَمَعَ قَارِنُ اسْتَشَارَ قَيْسُ بْنُ الْهَيْثَمِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ فِيمَا يَصْنَعُ، فَقَالَ: أَرَى أَنَّكَ لَا تُطِيقُ كَثْرَةَ مَنْ قَدْ أَتَانَا، فَاخْرُجْ بِنَفْسِكَ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ فَتُخْبِرَهُ بِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ، وَنُقِيمُ نَحْنُ فِي الْحُصُونِ وَنُطَاوِلُهُمْ وَيَأْتِينَا مَدَدُكُمْ. فَخَرَجَ قَيْسٌ، فَلَمَّا أَمْعَنَ أَظْهَرَ ابْنُ خَازِمٍ عَهْدًا وَقَالَ: قَدْ وَلَّانِي ابْنُ عَامِرٍ خُرَاسَانَ، فَسَارَ إِلَى قَارِنَ فَظَفِرَ بِهِ وَكَتَبَ بِالْفَتْحِ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ فَأَقَرَّهُ عَلَى خُرَاسَانَ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْبَصْرَةِ يَغْزُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ صَالَحَ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، فَإِذَا عَادُوا تَرَكُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ نَجْدَةً.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ الْعَبَّاسُ عَمُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ ثَمَانِيًا وَثَمَانِينَ
سَنَةً، كَانَ أَسَنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَلَاثِ سِنِينَ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَعُمْرُهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَقِيلَ
عُثْمَانُ. وَتُوُفِّيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الَّذِي أُرِيَ الْأَذَانَ.
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ] 33 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ غَزْوَةُ مُعَاوِيَةَ حِصْنَ الْمَرْأَةِ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ بِنَاحِيَةِ مَلَطْيَةَ. وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ إِفْرِيقِيَّةَ الثَّانِيَةَ حِينَ نَقَضَ أَهْلُهَا الْعَهْدَ، وَفِيهَا كَانَ مَسِيرُ الْأَحْنَفِ إِلَى خُرَاسَانَ وَفَتْحِ الْمَرْوَيْنِ، وَمَسِيرُ ابْنِ عَامِرٍ إِلَى نَيْسَابُورَ وَفَتْحِهَا، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ قُبْرُسَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مُسْتَوْفًى، وَقِيلَ إِنَّ فَتْحَهَا كَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، فَلَمَّا كَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَعَانَ أَهْلُهَا الرُّومَ عَلَى الْغُزَاةِ فِي الْبَحْرِ بِمَرَاكِبَ أَعْطُوهُمْ إِيَّاهَا، فَغَزَاهُمْ مُعَاوِيَةُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فَفَتَحَهَا عَنْوَةً فَقَتَلَ وَسَبَى، ثُمَّ أَقَرَّهُمْ عَلَى صُلْحِهِمْ وَبَعَثَ إِلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَبَنَوُا الْمَسَاجِدَ وَبَنَى مَدِينَةً. وَقِيلَ: كَانَتْ غَزْوَتُهُ الثَّانِيَةُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ. ذكر تَسْيِيرِ مَنْ سُيِّرَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى الشَّامِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ عُثْمَانُ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى الشَّامِ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ لَمَّا وَلَّاهُ عُثْمَانُ الْكُوفَةَ حِينَ شَهِدَ عَلَى الْوَلِيدِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، أَمَرَهُ أَنْ يُسَيِّرَ الْوَلِيدَ إِلَيْهِ، فَقَدِمَ سَعِيدٌ الْكُوفَةَ وَسَيَّرَ الْوَلِيدَ وَغَسَلَ الْمِنْبَرَ، فَنَهَاهُ رِجَالٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ كَانُوا قَدْ خَرَجُوا مَعَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَاخْتَارَ سَعِيدٌ وُجُوهَ النَّاسِ وَأَهْلَ الْقَادِسِيَّةِ وَقُرَّاءَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَكَانَ هَؤُلَاءِ دَخْلَتُهُ إِذَا خَلَا، وَأَمَّا إِذَا خَرَجَ فَكُلُّ النَّاسِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ،
فَدَخَلُوا عَلَيْهِ يَوْمًا، فَبَيْنَا هُمْ يَتَحَدَّثُونَ قَالَ حُبَيْشُ بْنُ فُلَانٍ الْأَسَدِيُّ: مَا أَجْوَدَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ! فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَنْ لَهُ مِثْلُ النَّشَاسْتَجِ لَحَقِيقٌ أَنْ يَكُونَ جَوَادًا، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَهُ لَأَعَاشَكُمُ اللَّهُ بِهِ عَيْشًا رَغَدًا. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُبَيْشٍ، وَهُوَ حَدَثٌ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ هَذَا الْمِلْطَاطَ لَكَ، يَعْنِي لِسَعِيدٍ، وَهُوَ مَا كَانَ لِلْأَكَاسِرَةِ عَلَى جَانِبِ الْفُرَاتِ الَّذِي يَلِي الْكُوفَةَ. قَالُوا: فَضَّ اللَّهُ فَاكَ! وَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْنَا بِكَ! فَقَالَ أَبُوهُ: غُلَامٌ فَلَا تَجَاوَزُهُ. فَقَالُوا: يَتَمَنَّى لَهُ سَوَادَنَا. قَالَ: وَيَتَمَنَّى لَكُمْ أَضْعَافَهُ، فَثَارَ بِهِ الْأَشْتَرُ، وَجُنْدَبٌ، وَابْنُ ذِي الْحِنْكَةِ، وَصَعْصَعَةُ، وَابْنُ الْكَوَّاءِ، وَكُمَيْلٌ، وَعُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ فَأَخَذُوهُ، فَثَارَ أَبُوهُ لِيَمْنَعَ عَنْهُ، فَضَرَبُوهُمَا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِمَا، وَجَعَلَ سَعِيدٌ يُنَاشِدُهُمْ وَيَأْبَوْنَ حَتَّى قَضَوْا مِنْهُمَا وَطَرًا. فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ بَنُو أَسَدٍ فَجَاءُوا وَفِيهِمْ طُلَيْحَةُ، فَأَحَاطُوا بِالْقَصْرِ، وَرَكِبَتِ الْقَبَائِلُ فَعَاذُوا بِسَعِيدٍ، فَخَرَجَ سَعِيدٌ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ قَوْمٌ تَنَازَعُوا وَقَدْ رَزَقَ اللَّهُ الْعَافِيَةَ، فَرَدَّهُمْ فَتَرَاجَعُوا. وَأَفَاقَ الرَّجُلَانِ فَقَالَا: قَاتَلَنَا غَاشِيَتُكَ. فَقَالَ: لَا يَغْشَوْنِي أَبَدًا، فَكُفَّا أَلْسِنَتَكُمَا وَلَا تُحَزِّبَا النَّاسَ. فَفَعَلَا، وَقَعَدَ أُولَئِكَ النَّفَرُ فِي بُيُوتِهِمْ وَأَقْبَلُوا يَقَعُونَ فِي عُثْمَانَ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَسْمُرُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وُجُوهُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، مِنْهُمْ: مَالِكُ بْنُ كَعْبٍ الْأَرْحَبِيُّ وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ النَّخَعِيَّانِ، وَمَالِكٌ الْأَشْتَرُ، وَغَيْرُهُمْ، فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّمَا هَذَا السَّوَادُ بُسْتَانُ قُرَيْشٍ. فَقَالَ الْأَشْتَرُ: أَتَزْعُمُ أَنَّ السَّوَادَ الَّذِي أَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا بِأَسْيَافِنَا بُسْتَانٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ؟ وَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ مَعَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَسَدِيُّ، وَكَانَ عَلَى شُرْطَةِ سَعِيدٍ: أَتَرُدُّونَ عَلَى الْأَمِيرِ مَقَالَتَهُ؟ وَأَغْلَظَ لَهُمْ. فَقَالَ الْأَشْتَرُ: مَنْ هَاهُنَا؟ لَا يَفُوتَنَّكُمُ الرَّجُلُ! فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَوَطِئُوهُ وَطْأً شَدِيدًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ جُرَّ بِرِجْلِهِ، فَنُضِحَ بِمَاءٍ فَأَفَاقَ فَقَالَ: قَتَلَنِي مَنِ انْتَخَبْتُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَسْمُرُ عِنْدِي
أَحَدٌ أَبَدًا. فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ يَشْتُمُونَ عُثْمَانَ وَسَعِيدًا، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمُ النَّاسُ حَتَّى كَثُرُوا، فَكَتَبَ سَعِيدٌ وَأَشْرَافُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى عُثْمَانَ فِي إِخْرَاجِهِمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يُلْحِقُوهُمْ بِمُعَاوِيَةَ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: إِنَّ نَفَرًا قَدْ خُلِقُوا لِلْفِتْنَةِ فَأَقِمْ عَلَيْهِمْ وَانْهَهُمْ، فَإِنْ آنَسْتَ مِنْهُمْ رُشْدًا فَاقْبَلْ، وَإِنْ أَعْيَوْكَ فَارْدُدْهُمْ عَلَيَّ. فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ أَنْزَلَهُمْ كَنِيسَةَ مَرْيَمَ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمْ مَا كَانَ لَهُمْ بِالْعِرَاقِ بِأَمْرِ عُثْمَانَ، وَكَانَ يَتَغَدَّى وَيَتَعَشَّى مَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ يَوْمًا: إِنَّكُمْ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ لَكُمْ أَسْنَانٌ وَأَلْسِنَةٌ، وَقَدْ أَدْرَكْتُمْ بِالْإِسْلَامِ شَرَفًا، وَغَلَبْتُمُ الْأُمَمَ وَحَوَيْتُمْ مَوَارِيثَهُمْ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ نَقِمْتُمْ قُرَيْشًا، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ قُرَيْشٌ كُنْتُمْ أَذِلَّةً، إِنَّ أَئِمَّتَكُمْ لَكُمْ جُنَّةٌ فَلَا تَفْتَرِقُوا عَنْ جُنَّتِكُمْ، وَإِنَّ أَئِمَّتَكُمْ يَصْبِرُونَ لَكُمْ عَلَى الْجَوْرِ وَيَحْتَمِلُونَ مِنْكُمُ الْمَؤُونَةَ، وَاللَّهِ لَتَنْتَهُنَّ أَوْ لَيَبْتَلِيَنَّكُمُ اللَّهُ بِمَنْ يَسُومُكُمُ السُّوءَ وَلَا يَحْمَدُكُمْ عَلَى الصَّبْرِ، ثُمَّ تَكُونُونَ شُرَكَاءَهُمْ فِيمَا جَرَرْتُمْ عَلَى الرَّعِيَّةِ فِي حَيَاتِكُمْ وَبَعْدَ وَفَاتِكُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ صَعْصَعَةُ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ قُرَيْشٍ فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ الْعَرَبِ وَلَا أَمْنَعَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتُخَوِّفَنَا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْجُنَّةِ فَإِنَّ الْجُنَّةَ إِذَا اخْتُرِقَتْ خُلِصَ إِلَيْنَا. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: عَرَفْتُكُمُ الْآنَ وَعَلِمْتُ أَنَّ الَّذِي أَغْرَاكُمْ عَلَى هَذَا قِلَّةُ الْعُقُولِ، وَأَنْتَ خَطِيبُهُمْ وَلَا أَرَى لَكَ عَقْلًا، أُعَظِّمُ عَلَيْكَ أَمْرَ الْإِسْلَامِ وَتُذَكِّرُنِي بِالْجَاهِلِيَّةِ! أَخْزَى اللَّهُ قَوْمًا عَظَّمُوا أَمْرَكُمْ! افْقَهُوا عَنِّي، وَلَا أَظُنُّكُمْ تَفْقَهُونَ أَنَّ قُرَيْشًا لَمْ تُعَزَّ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ إِلَّا بِاللَّهِ تَعَالَى، لَمْ تَكُنْ بِأَكْثَرِ الْعَرَبِ وَلَا أَشَدِّهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَكْرَمَهُمْ أَحْسَابًا، وَأَمْحَضَهُمْ أَنْسَابًا، وَأَكْمَلَهُمْ مُرُوءَةً، وَلَمْ يَمْتَنِعُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَالنَّاسُ يَأْكُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، إِلَّا بِاللَّهِ، فَبَوَّأَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ! هَلْ تَعْرِفُونَ عَرَبِيًّا أَوْ عَجَمِيًّا أَوْ أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ إِلَّا وَقَدْ أَصَابَهُ الدَّهْرُ فِي بَلَدِهِ وَحُرْمَتِهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُرِدْهُمْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ بِكَيْدٍ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ خَدَّهُ الْأَسْفَلَ، حَتَّى أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَسْتَنْقِذَ مَنْ أَكْرَمَ وَاتَّبَعَ دِينَهُ مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا وَسُوءِ مَرَدِّ الْآخِرَةِ، فَارْتَضَى لِذَلِكَ خَيْرَ خَيْرِ خَلْقِهِ، ثُمَّ ارْتَضَى لَهُ أَصْحَابًا فَكَانَ خِيَارُهُمْ قُرَيْشًا، ثُمَّ بَنَى هَذَا الْمُلْكَ عَلَيْهِمْ، وَنَجْعَلُ هَذِهِ الْخِلَافَةَ فِيهِمْ، فَلَا
يَصْلُحُ ذَلِكَ إِلَّا عَلَيْهِمْ، فَكَانَ اللَّهُ يَحُوطُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، أَفَتَرَاهُ لَا يَحُوطُهُمْ وَهُمْ عَلَى دِينِهِ؟ أُفٍّ لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ! أَمَّا أَنْتَ يَا صَعْصَعَةُ فَإِنَّ قَرْيَتَكَ شَرُّ الْقُرَى! أَنْتَنُهَا بَيْتًا، وَأَعْمَقُهَا وَادِيًا، وَأَعْرَفُهَا بِالشَّرِّ، وَأَلْأَمُهَا جِيرَانًا! لَمْ يَسْكُنْهَا شَرِيفٌ قَطُّ وَلَا وَضِيعٌ إِلَّا سُبَّ بِهَا، ثُمَّ كَانُوا أَلْأَمَ الْعَرَبِ أَلْقَابًا وَأَصْهَارًا، نُزَّاعُ الْأُمَمِ، وَأَنْتُمْ جِيرَانُ الْخَطِّ، وَفَعَلَةُ فَارِسَ، حَتَّى أَصَابَتْكُمْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ تَسْكُنِ الْبَحْرَيْنِ فَتُشْرِكَهُمْ فِي دَعْوَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَنْتَ شَرُّ قَوْمِكَ، حَتَّى إِذَا أَبْرَزَكَ الْإِسْلَامُ وَخَلَطَكَ بِالنَّاسِ أَقْبَلْتَ تَبْغِي دِينَ اللَّهِ عِوَجًا، وَتَنْزِعُ إِلَى الذِّلَّةِ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ قُرَيْشًا وَلَا يَضَعُهُمْ، وَلَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ تَأْدِيَةِ مَا عَلَيْهِمْ، إِنَّ الشَّيْطَانَ عَنْكُمْ غَيْرُ غَافِلٍ، قَدْ عَرَفَكُمْ بِالشَّرِّ فَأَغْرَى بِكُمُ النَّاسَ، وَهُوَ صَارِعُكُمْ، وَلَا تُدْرِكُونَ بِالشَّرِّ أَمْرًا أَبَدًا إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شَرًّا مِنْهُ وَأَخْزَى. ثُمَّ قَامَ وَتَرَكَهُمْ فَتَقَاصَرَتْ إِلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُمْ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ فَاذْهَبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ لَا يَنْفَعُ اللَّهُ بِكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَلَا يَضُرُّهُ، وَلَا أَنْتُمْ بِرِجَالِ مَنْفَعَةٍ وَلَا مَضَرَّةٍ، فَإِنْ أَرَدْتُمُ النَّجَاةَ فَالْزَمُوا جَمَاعَتَكُمْ وَلَا يُبْطِرَنَّكُمُ الْإِنْعَامُ، فَإِنَّ الْبَطَرَ لَا يَعْتَرِي الْخِيَارَ، اذْهَبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ فَسَأَكْتُبُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِيكُمْ. فَلَمَّا خَرَجُوا دَعَاهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي مُعِيدٌ عَلَيْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مَعْصُومًا فَوَلَّانِي وَأَدْخَلَنِي فِي أَمْرِهِ، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ فَوَلَّانِي، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ عُمَرُ فَوَلَّانِي، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ عُثْمَانُ فَوَلَّانِي، وَلَمْ يُولِّنِي أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ، وَإِنَّمَا طَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَعْمَالِ أَهْلَ الْجَزَاءِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَالْغَنَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ ذُو سَطَوَاتٍ وَنَقَمَاتٍ يَمْكُرُ بِمَنْ مَكَرَ بِهِ، فَلَا تَعْرِضُوا لِأَمْرٍ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ غَيْرَ مَا تُظْهِرُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ غَيْرُ تَارِكِكُمْ حَتَّى يَخْتَبِرَكُمْ وَيُبْدِيَ لِلنَّاسِ سَرَائِرَكُمْ. وَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عُثْمَانَ: إِنَّهُ قَدِمَ عَلَى أَقْوَامٍ لَيْسَتْ لَهُمْ عُقُولٌ وَلَا أَدْيَانٌ، أَضْجَرَهُمُ الْعَدْلُ، لَا يُرِيدُونَ اللَّهَ بِشَيْءٍ، وَلَا يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَّةٍ، إِنَّمَا هَمُّهُمُ الْفِتْنَةُ وَأَمْوَالُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَاللَّهُ مُبْتَلِيهِمْ وَمُخْتَبِرُهُمْ ثُمَّ فَاضِحُهُمْ وَمُخْزِيهِمْ، وَلَيْسُوا بِالَّذِينَ يَنْكُونَ أَحَدًا إِلَّا مَعَ غَيْرِهِمْ، فَانْهَ سَعِيدًا وَمَنْ عِنْدَهُ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا لِأَكْثَرَ مِنْ شَغَبٍ وَنَكِيرٍ. فَخَرَجُوا مِنْ دِمَشْقَ فَقَالُوا: لَا تَرْجِعُوا بِنَا إِلَى الْكُوفَةِ، فَإِنَّهُمْ يَشْمَتُونَ بِنَا، وَلَكِنْ مَيِّلُوا
إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَسَمِعَ بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَانَ عَلَى حِمْصَ، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: يَا آلَةَ الشَّيْطَانِ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ وَلَا أَهْلًا، قَدْ رَجَعَ الشَّيْطَانُ مَحْسُورًا وَأَنْتُمْ بَعْدُ نِشَاطٌ، خَسَّرَ اللَّهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِنْ لَمْ يُؤَدِّبْكُمْ، يَا مَعْشَرَ مَنْ لَا أَدْرِي أَعَرَبٌ هُمْ أَمْ عَجَمٌ، لَا تَقُولُوا لِي مَا بَلَغَنِي أَنَّكُمْ قُلْتُمْ لِمُعَاوِيَةَ، أَنَا ابْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، أَنَا ابْنُ مَنْ قَدْ عَجَمَتْهُ الْعَاجِمَاتُ، أَنَا ابْنُ فَاقِئِ الرِّدَّةِ! وَاللَّهِ لَئِنْ بَلَغَنِي يَا صَعْصَعَةُ أَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ مَعِي دَقَّ أَنْفَكَ ثُمَّ أَمَصَّكَ لَأَطِيرَنَّ بِكَ طَيْرَةً بَعِيدَةَ الْمَهْوَى! فَأَقَامَهُمْ شَهْرًا كُلَّمَا رَكِبَ أَمْشَاهُمْ، فَإِذَا مَرَّ بِهِ صَعْصَعَةُ قَالَ: يَا ابْنَ الْحُطَيْئَةِ، أَعَلِمْتَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُصْلِحْهُ الْخَيْرُ أَصْلَحَهُ الشَّرُّ؟ مَا لَكَ لَا تَقُولُ كَمَا بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ لِسَعِيدٍ وَمُعَاوِيَةَ؟ فَيَقُولُونَ: نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، أَقِلْنَا أَقَالَكَ اللَّهُ. فَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى قَالَ: تَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ. وَسَرَّحَ الْأَشْتَرَ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَدِمَ إِلَيْهِ ثَانِيًا، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: احْلُلْ حَيْثُ شِئْتَ. فَقَالَ: مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ. فَقَالَ: ذَلِكَ إِلَيْكَ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ. قِيلَ: وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ، وَزَادُوا فِيهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا عَادَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْقَابِلَةِ وَذَكَّرَهُمْ كَانَ مِمَّا قَالَ لَهُمْ: وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا آمُرُكُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا وَقَدْ بَدَأْتُ فِيهِ بِنَفْسِي وَأَهْلِ بَيْتِي، وَقَدْ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ أَكْرَمَهَا وَابْنَ أَكْرَمِهَا إِلَّا مَا جَعَلَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ انْتَخَبَهُ وَأَكْرَمَهُ، وَإِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَوْ وَلَدَ النَّاسَ لَمْ يَلِدْ إِلَّا حَازِمًا. قَالَ صَعْصَعَةُ: قَدْ كَذَبْتَ! قَدْ وَلَدَهُمْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ مَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَهُ، وَكَانَ فِيهِمُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَالْأَحْمَقُ وَالْكَيِّسُ. فَخَرَجَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ عِنْدِهِمْ ثُمَّ أَتَاهُمُ الْقَابِلَةَ فَتَحَدَّثَ عِنْدَهُمْ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الْقَوْمُ رُدُّوا خَيْرًا أَوِ اسْكُتُوا وَتَفَكَّرُوا، وَانْظُرُوا فِيمَا يَنْفَعُكُمْ وَيَنْفَعُ أَهَالِيكُمْ وَالْمُسْلِمِينَ فَاطْلُبُوهُ. فَقَالَ صَعْصَعَةُ: لَسْتَ بِأَهْلِ ذَلِكَ وَلَا كَرَامَةَ لَكَ أَنْ تُطَاعَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ. فَقَالَ: أَلَيْسَ أَوَّلُ مَنِ ابْتَدَأْتُكُمْ بِهِ أَنْ أَمَرْتُكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَةِ نَبِيِّهِ، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا؟ قَالُوا: بَلْ أَمَرْتَ بِالْفُرْقَةِ وَخِلَافِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَقَالَ: إِنِّي آمُرُكُمُ الْآنَ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ فَأَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَآمُرُكُمْ بِتَقْوَاهُ وَطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ وَأَنْ تُوَقِّرُوا أَئِمَّتَكُمْ وَتَدُلُّوهُمْ عَلَى أَحْسَنِ مَا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ. فَقَالَ صَعْصَعَةُ: فَإِنَّا نَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ عَمَلَكَ فَإِنَّ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ، مَنْ كَانَ أَبُوهُ أَحْسَنَ قَدَمًا فِي الْإِسْلَامِ مِنْ أَبِيكَ وَهُوَ أَحْسَنُ فِي الْإِسْلَامِ قَدَمًا مِنْكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَدَمًا وَلَغَيْرِي كَانَ أَحْسَنَ قَدَمًا
مِنِّي، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ فِي زَمَانِي أَحَدٌ أَقْوَى عَلَى مَا أَنَا فِيهِ مِنِّي، وَلَقَدْ رَأَى ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَلَوْ كَانَ غَيْرِي أَقْوَى مِنِّي لَمْ تَكُنْ عِنْدَ عُمَرَ هَوَادَةٌ لِي وَلَا لِغَيْرِي، وَلَمْ أُحْدِثْ مِنَ الْحَدَثِ مَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَعْتَزِلَ عَمَلِي، وَلَوْ رَأَى ذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَكَتَبَ إِلَيَّ فَاعْتَزَلْتُ عَمَلَهُ، فَمَهْلًا فَإِنَّ فِي ذَلِكَ وَأَشْبَاهِهِ مَا يَتَمَنَّى الشَّيْطَانُ وَيَأْمُرُ، وَلَعَمْرِي لَوْ كَانَتِ الْأُمُورُ تُقْضَى عَلَى رَأْيِكُمْ وَأَمَانِيِّكُمْ مَا اسْتَقَامَتْ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً، فَعَاوِدُوا الْخَيْرَ وَقُولُوهُ، وَإِنَّ لِلَّهِ لَسَطَوَاتٍ، وَإِنِّي لَخَائِفٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تُتَابِعُوا فِي مُطَاوَعَةِ الشَّيْطَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّحْمَنِ، فَيُحِلَّكُمْ ذَلِكَ دَارَ الْهَوَانِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ. فَوَثَبُوا عَلَيْهِ وَأَخَذُوا رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، فَقَالَ: مَهْ إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِأَرْضِ الْكُوفَةِ، وَاللَّهِ لَوْ رَأَى أَهْلُ الشَّامِ مَا صَنَعْتُمْ بِي مَا مَلَكْتُ أَنْ أَنْهَاهُمْ عَنْكُمْ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ، فَلَعَمْرِي إِنَّ صَنِيعَكُمْ لَيُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا! ثُمَّ قَامَ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ نَحْوَ الْكِتَابِ الْمُتَقَدِّمِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ يَأْمُرُهُ أَنْ يَرُدَّهُمْ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْكُوفَةِ، فَرَدَّهُمْ فَأَطْلَقُوا أَلْسِنَتَهُمْ، فَضَجَّ سَعِيدٌ مِنْهُمْ إِلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ بِحِمْصَ، فَسَيَّرَهُمْ إِلَيْهَا، فَأَنْزَلَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَجْرَى عَلَيْهِمْ رِزْقًا، وَكَانُوا: الْأَشْتَرَ، وَثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَكُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ، وَزَيْدَ بْنَ صُوحَانَ، وَأَخَاهُ صَعْصَعَةَ، وَجُنْدَبَ بْنَ زُهَيْرٍ الْغَامِدِيَّ، وَجُنْدَبَ بْنَ كَعْبٍ الْأَزْدِيَّ، وَعُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ، وَعَمْرَو بْنَ الْحَمِقِ الْخُزَاعِيَّ، وَابْنَ الْكَوَّاءِ. قِيلَ: سَأَلَ مُعَاوِيَةُ ابْنَ الْكَوَّاءِ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ: أَنْتَ بَعِيدُ الثَّرَى كَثِيرُ الْمَرْعَى طَيِّبُ الْبَدِيهَةِ بَعِيدُ الْغَوْرِ، الْغَالِبُ عَلَيْكَ الْحِلْمُ، رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، سُدَّتْ بِكَ فُرْجَةٌ مَخُوفَةٌ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَهْلِ الْأَحْدَاثِ مِنَ الْأَمْصَارِ فَإِنَّكَ أَعْقَلُ أَصْحَابِكَ. قَالَ: أَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَهُمْ أَحْرَصُ الْأُمَّةِ عَلَى الشَّرِّ وَأَعْجَزُهُمْ عَنْهُ، وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ يَرِدُونَ جَمِيعًا وَيَصْدُرُونَ شَتَّى، وَأَمَّا أَهْلُ مِصْرَ فَهُمْ أَوْفَى النَّاسِ بِشَرٍّ وَأَسْرَعُهُمْ نَدَامَةً، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ فَهُمْ أَطْوَعُ النَّاسِ لِمُرْشِدِهِمْ وَأَعْصَاهُمْ لِمُغْوِيهِمْ. ذكر تَسْيِيرِ مَنْ سُيِّرَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِلَى الشَّامِ وَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاثُ سِنِينَ مِنْ إِمَارَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ بَلَغَهُ أَنَّ [فِي عَبْدِ الْقَيْسِ] رَجُلًا
نَازِلًا عَلَى حَكِيمِ بْنِ جَبَلَةَ الْعَبْدِيِّ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبَأٍ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ السَّوْدَاءِ، هُوَ الرَّجُلُ النَّازِلُ عَلَيْهِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَفَرٌ فَطَرَحَ إِلَيْهِمُ ابْنَ السَّوْدَاءِ وَلَمْ يُصَرِّحْ، فَقَبِلُوا مِنْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ عَامِرٍ فَسَأَلَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: رَغِبْتُ فِي الْإِسْلَامِ وَفِي جِوَارِكَ. فَقَالَ: مَا يَبْلُغُنِي ذَلِكَ، اخْرُجْ عَنِّي. فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ فَأُخْرِجَ مِنْهَا، فَقَصَدَ مِصْرَ فَاسْتَقَرَّ بِهَا وَجَعَلَ يُكَاتِبُهُمْ وَيُكَاتِبُونَهُ وَتَخْتَلِفُ الرِّجَالُ بَيْنَهُمْ. وَكَانَ حُمْرَانُ بْنُ أَبَانَ قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا فَفَرَّقَ عُثْمَانُ بَيْنَهُمَا وَضَرَبَهُ وَسَيَّرَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَلَزِمَ ابْنَ عَامِرٍ، فَتَذَاكَرُوا يَوْمًا الْمُرُورَ بِعَامِرِ بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَقَالَ حُمْرَانُ: أَلَا أَسْبِقُكُمْ فَأُخْبِرُهُ؟ فَخَرَجَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فَقَالَ: الْأَمِيرُ يُرِيدُ الْمُرُورَ بِكَ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْلِمَكَ، فَلَمْ يَقْطَعْ قِرَاءَتَهُ، فَقَامَ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَابِ لَقِيَهُ ابْنُ عَامِرٍ فَقَالَ: [جِئْتُكَ] مِنْ عِنْدِ امْرِئٍ لَا يَرَى لِآلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ فَضْلًا، وَدَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُ عَامِرٍ فَأَطْبَقَ الْمُصْحَفَ وَحَدَّثَهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَامِرٍ: أَلَا تَغْشَانَا؟ فَقَالَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي الْقَرْحَاءِ يُحِبُّ الشَّرَفَ. فَقَالَ: أَلَا نَسْتَعْمِلُكَ؟ فَقَالَ: حُصَيْنُ بْنُ الْحُرِّ يُحِبُّ الْعَمَلَ. فَقَالَ: أَلَا نُزَوِّجُكَ؟ فَقَالَ: رَبِيعَةُ بْنُ عَسَلٍ يُعْجِبُهُ النِّسَاءُ. فَقَالَ: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّكَ لَا تَرَى لِآلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْكَ فَضْلًا! فَتَصَفَّحَ الْمُصْحَفَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33] . فَسَعَى بِهِ حُمْرَانُ، وَأَقَامَ حُمْرَانُ بِالْبَصْرَةِ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَأَذِنَ لَهُ عُثْمَانُ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَمَعَهُ قَوْمٌ، فَسَعَوْا بِعَامِرِ بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ أَنَّهُ لَا يَرَى التَّزْوِيجَ وَلَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ وَلَا يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ، فَأَلْحَقَهُ بِمُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ رَأَى عِنْدَهُ ثَرِيدًا، فَأَكَلَ أَكْلًا عَرَبِيًّا، فَعَرَفَ أَنَّ الرَّجُلَ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ، فَعَرَّفَهُ مُعَاوِيَةُ سَبَبَ إِخْرَاجِهِ، فَقَالَ: أَمَّا الْجُمُعَةُ فَإِنِّي أَشْهَدُهَا فِي مُؤَخَّرِ الْمَجْلِسِ ثُمَّ أَرْجِعُ فِي أَوَائِلِ النَّاسِ، وَأَمَّا التَّزْوِيجُ فَإِنِّي خَرَجْتُ وَأَنَا يُخْطَبُ عَلَيَّ، وَأَمَّا اللَّحْمُ فَقَدْ رَأَيْتَ وَلَكِنِّي لَا آكُلُ ذَبَائِحَ الْقَصَّابِينَ مُنْذُ رَأَيْتُ قَصَّابًا يَجُرُّ شَاةً إِلَى مَذْبَحِهَا، ثُمَّ وَضَعَ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهَا فَمَا زَالَ يَقُولُ: النَّفَاقَ النَّفَاقَ، حَتَّى ذَبَحَهَا. قَالَ: فَارْجِعْ. قَالَ: لَا أَرْجِعُ إِلَى بَلَدٍ اسْتَحَلَّ أَهْلُهُ مِنِّي مَا اسْتَحَلُّوا، (فَكَانَ يَكُونُ) فِي السَّوَاحِلِ، فَكَانَ يَلْقَى مُعَاوِيَةَ فَيُكْثِرُ مُعَاوِيَةُ أَنْ يَقُولَ: مَا حَاجَتُكَ؟ فَيَقُولُ: لَا حَاجَةَ لِي. فَلَمَّا أَكْثَرَ
عَلَيْهِ قَالَ: تَرُدُّ عَلَيَّ مِنْ حَرِّ الْبَصْرَةِ شَيْئًا لَعَلَّ الصَّوْمَ أَنْ يَشْتَدَّ عَلَيَّ فَإِنَّهُ يَخِفُّ عَلَيَّ فِي بِلَادِكُمْ. ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُثْمَانُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْمَعْرُوفُ بِالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَّ الطُّفَيْلُ وَالْحُصَيْنُ ابْنَا الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَشَهِدَا بَدْرًا وَأُحُدًا، (وَقِيلَ: مَاتَا سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ) .
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ] (34) ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ قِيلَ: فِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ الصَّوَارِي، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. وَفِيهَا تَكَاتَبَ الْمُنْحَرِفُونَ عَنْ عُثْمَانَ لِلِاجْتِمَاعِ لِمُنَاظَرَتِهِ فِيمَا كَانُوا يَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ نَقِمُوا عَلَيْهِ. ذكر الْخَبَرِ عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ يَوْمِ الْجَرَعَةِ قَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَ الْمُسَيَّرِينَ مِنَ الْكُوفَةِ وَمُقَامَهُمْ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَوَفَدَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى عُثْمَانَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَكَانَ سَعِيدٌ قَدْ وَلَّى قَبْلَ مَخْرَجِهِ إِلَى عُثْمَانَ بِسَنَةٍ وَبَعْضِ أُخْرَى الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ أَذْرَبِيجَانَ، وَسَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ الرَّيَّ، وَالنُّسَيْرَ الْعِجْلِيَّ هَمَذَانَ، وَالسَّائِبَ بْنَ الْأَقْرَعِ أَصْبَهَانَ، وَمَالِكَ بْنَ حَبِيبٍ مَاهَ، وَحَكِيمَ بْنَ سَلَامٍ الْحِزَامِيَّ الْمَوْصِلَ، وَجَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَرْقِيسِيَا، وَسَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَابَ، وَجَعَلَ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو عَلَى الْحَرْبِ، وَعَلَى حُلْوَانَ عُتَيْبَةَ بْنَ النَّهَّاسِ، وَخَلَتِ الْكُوفَةُ مِنَ الرُّؤَسَاءِ. فَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ قَيْسٍ وَهُوَ يُرِيدُ خَلْعَ عُثْمَانَ، وَمَعَهُ الَّذِينَ كَانَ ابْنُ السَّوْدَاءِ يُكَاتِبُهُمْ، فَأَخَذَهُ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: إِنَّمَا نَسْتَعْفِي مِنْ سَعِيدٍ. فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ، فَتَرَكَهُ وَكَاتَبَ يَزِيدُ الْمُسَيَّرِينَ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَسَارَ الْأَشْتَرُ وَالَّذِينَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ، فَسَبَقَهُمُ الْأَشْتَرُ، فَلَمْ يَفْجَأِ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَالْأَشْتَرُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَقُولُ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ وَتَرَكْتُ سَعِيدًا يُرِيدُهُ عَلَى نُقْصَانِ نِسَائِكُمْ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ، وَرَدِّ أُولِي الْبَلَاءِ مِنْكُمْ إِلَى أَلْفَيْنِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ فَيْئَكُمْ بُسْتَانُ قُرَيْشٍ. فَاسْتَخَفَّ النَّاسُ وَجَعَلَ أَهْلُ الرَّأْيِ يَنْهَوْنَهُمْ فَلَا يُسْمَعُ مِنْهُمْ.
فَخَرَجَ يَزِيدُ وَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي: مَنْ شَاءَ أَنْ يَلْحَقَ بِيَزِيدَ لِرَدِّ سَعِيدٍ فَلْيَفْعَلْ، فَبَقِيَ أَشْرَافُ النَّاسِ وَحُلَمَاؤُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ. وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةُ سَعِيدٍ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَأَمَرَهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ وَالطَّاعَةِ، فَقَالَ لَهُ الْقَعْقَاعُ: أَتَرُدُّ السَّيْلَ عَنْ أَدْرَاجِهِ؟ هَيْهَاتَ لَا وَاللَّهِ لَا يُسْكِنُ الْغَوْغَاءَ إِلَّا الْمَشْرَفِيَّةُ، وَيُوشِكُ أَنْ تُنْتَضَى وَيَعُجُّونَ عَجِيجَ الْعَدَّانِ، وَيَتَمَنَّوْنَ مَا هُمْ فِيهِ الْيَوْمَ فَلَا يَرُدُّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، فَاصْبِرْ. قَالَ: أَصْبِرُ. وَتَحَوَّلَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ قَيْسٍ فَنَزَلَ الْجَرَعَةَ، وَهِيَ قَرِيبٌ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ، وَمَعَهُ الْأَشْتَرُ، فَوَصَلَ إِلَيْهِمْ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا بِكَ. قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكُمْ أَنْ تَبْعَثُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ رَجُلًا وَإِلَيَّ رَجُلًا، وَهَلْ يَخْرُجُ الْأَلْفُ لَهُمْ عُقُولٌ إِلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ؟ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُمْ، وَتَحَسَّوْا بِمَوْلًى لَهُ عَلَى بَعِيرٍ قَدْ حُسِرَ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كَانَ يَنْبَغِي لِسَعِيدٍ أَنْ يَرْجِعَ. فَقَتَلَهُ الْأَشْتَرُ. وَمَضَى سَعِيدٌ حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا فَعَلُوا وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْبَدَلَ وَأَنَّهُمْ يَخْتَارُونَ أَبَا مُوسَى، فَجَعَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ أَمِيرًا، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَمَّرْتُ عَلَيْكُمْ مَنِ اخْتَرْتُمْ وَأَعْفَيْتُكُمْ مِنْ سَعِيدٍ، وَاللَّهِ لَأُقْرِضَنَّكُمْ عِرْضِي وَلَأَبْذُلَنَّ لَكُمْ صَبْرِي وَلَأَسْتَصْلِحَنَّكُمْ بِجُهْدِي، فَلَا تَدَعُوا شَيْئًا أَحْبَبْتُمُوهُ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ إِلَّا سَأَلْتُمُوهُ، وَلَا شَيْئًا كَرِهْتُمُوهُ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ إِلَّا مَا اسْتَعْفَيْتُمْ مِنْهُ، أَنْزِلُ فِيهِ عِنْدَمَا أَحْبَبْتُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ لَكُمْ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ، وَلَنَصْبِرَنَّ كَمَا أُمِرْنَا حَتَّى تَبْلُغُوا مَا تُرِيدُونَ. وَرَجَعَ مِنَ الْأُمَرَاءِ مَنْ قَرُبَ مِنَ الْكُوفَةِ، فَرَجَعَ جَرِيرٌ مِنْ قَرْقِيسِيَا، وَعُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ مِنْ حُلْوَانَ، وَخَطَبَهُمْ أَبُو مُوسَى وَأَمَرَهُمْ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، (وَطَاعَةِ عُثْمَانَ) ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ وَقَالُوا: صَلِّ بِنَا فَقَالَ: لَا إِلَّا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعُثْمَانَ. قَالُوا: نَعَمْ. فَصَلَّى بِهِمْ وَأَتَاهُ وِلَايَتُهُ فَوَلِيَهُمْ. وَقِيلَ: سَبَبُ يَوْمِ الْجَرَعَةِ أَنَّهُ كَانَ قَدِ اجْتَمَعَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَتَذَاكَرُوا أَعْمَالَ عُثْمَانَ فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيَّ ثُمَّ الْعَنْبَرِيَّ، وَهُوَ الَّذِي
يُدْعَى عَامِرَ بْنَ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَأَتَاهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اجْتَمَعُوا وَنَظَرُوا فِي أَعْمَالِكَ، فَوَجَدُوكَ قَدْ رَكِبْتَ أُمُورًا عِظَامًا، فَاتَّقِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا فَإِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ قَارِئٌ، ثُمَّ هُوَ يَجِيءُ يُكَلِّمُنِي فِي الْمُحَقَّرَاتِ، وَوَاللَّهِ مَا يَدْرِي أَيْنَ اللَّهُ! فَقَالَ عَامِرٌ: بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأَدْرِي أَنَّ اللَّهَ لَبِالْمِرْصَادِ! فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ وَإِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ فَجَمَعَهُمْ فَشَاوَرَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ وُزَرَاءٌ وَنُصَحَاءُ، وَإِنَّكُمْ وُزَرَائِي وَنُصَحَائِي وَأَهْلُ ثِقَتِي، وَقَدْ صَنَعَ النَّاسُ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ وَطَلَبُوا إِلَيَّ أَنْ أَعْزِلَ عُمَّالِي، وَأَنْ أَرْجِعَ عَنْ جَمِيعِ مَا يَكْرَهُونَ إِلَى مَا يُحِبُّونَ، فَاجْتَهِدُوا رَأْيَكُمْ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَامِرٍ: أَرَى لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَشْغَلَهُمْ بِالْجِهَادِ عَنْكَ حَتَّى يَذِلُّوا لَكَ وَلَا يَكُونَ هِمَّةُ أَحَدِهِمْ إِلَّا فِي نَفْسِهِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ دُبُرِ دَابَّتِهِ وَقَمْلِ فَرْوَتِهُ. وَقَالَ سَعِيدٌ: احْسِمْ عَنْكَ الدَّاءَ فَاقْطَعْ عَنْكَ الَّذِي تَخَافُ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ قَاعِدَةً مَتَى تَهْلِكْ يَتَفَرَّقُوا وَلَا يَجْتَمِعْ لَهُمْ أَمْرٌ. فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ هَذَا هُوَ الرَّأْيُ لَوْلَا مَا فِيهِ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَأْمُرَ أُمَرَاءَ الْأَجْنَادِ فَيَكْفِيَكَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا قِبَلَهُ وَأَكْفِيَكَ أَنَا أَهْلَ الشَّامِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ: إِنَّ النَّاسَ أَهْلُ طَمَعٍ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ تَعْطِفْ عَلَيْكَ قُلُوبُهُمْ. ثُمَّ قَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ قَدْ رَكِبْتَ النَّاسَ بِمِثْلِ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقُلْتَ وَقَالُوا وَزُغْتَ وَزَاغُوا، فَاعْتَدِلْ أَوِ اعْتَزِلْ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَاعْتَزِمْ عَزْمًا وَاقْدُمْ قُدُمًا. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا لَكَ قَمِلَ فَرْوُكَ؟ أَهَذَا الْجِدُّ مِنْكَ؟ فَسَكَتَ عَمْرٌو حَتَّى تَفَرَّقُوا فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَأَنْتَ أَكْرَمُ عَلَيَّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي عَلِمْتُ أَنَّ بِالْبَابِ مَنْ يُبَلِّغُ النَّاسَ قَوْلَ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا، فَأَرَدْتُ أَنْ يَبْلُغَهُمْ قَوْلِي فَيَثِقُوا بِي، فَأَقُودَ إِلَيْكَ خَيْرًا وَأَدْفَعَ عَنْكَ شَرًّا. فَرَدَّ عُثْمَانُ عُمَّالَهُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ بِتَجْهِيزِ النَّاسِ فِي الْبُعُوثِ، وَعَزَمَ عَلَى تَحْرِيمِ أُعْطِيَّاتِهِمْ لِيُطِيعُوهُ، وَرَدَّ سَعِيدًا إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَقِيَهُ النَّاسُ مِنَ الْجَرَعَةِ وَرَدُّوهُ، كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. قَالَ أَبُو ثَوْرٍ الْحَدَّانِيُّ: جَلَسْتُ إِلَى حُذَيْفَةَ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ بِمَسْجِدِ الْكُوفَةِ يَوْمَ الْجَرَعَةِ، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: مَا أَرَى أَنْ تُرَدَّ عَلَى عَقِبَيْهَا حَتَّى يَكُونَ فِيهَا دِمَاءٌ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: وَاللَّهِ لَتُرَدَّنَّ عَلَى عَقِبَيْهَا وَلَا يَكُونُ فِيهَا مَحْجَمَةُ دَمٍ، وَمَا أَرَى الْيَوْمَ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ عَلِمْتُهُ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيٌّ. فَرَجَعَ سَعِيدٌ إِلَى عُثْمَانَ وَلَمْ يُسْفَكْ دَمٌ، وَجَاءَ أَبُو مُوسَى
أَمِيرًا، وَأَمَرَ عُثْمَانُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ أَنْ يَغْزُوَ الْبَابَ فَسَارَ نَحْوَهُ. ذكر ابْتِدَاءِ قَتْلِ عُثْمَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَكَاتَبَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَغَيْرُهُمْ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ: أَنِ اقْدَمُوا فَإِنَّ الْجِهَادَ عِنْدَنَا، وَعَظُمَ النَّاسُ عَلَى عُثْمَانَ وَنَالُوا مِنْهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَنْهَى وَلَا يَذُبُّ إِلَّا نَفَرٌ، مِنْهُمْ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَكَلَّمُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ: النَّاسُ وَرَائِي وَقَدْ كَلَّمُونِي فِيكَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ وَلَا أَعْرِفُ شَيْئًا تَجْهَلُهُ وَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ لَا تَعْرِفُهُ، إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا أَعْلَمُ، مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ، وَلَا خَلَوْنَا بِشَيْءٍ فَنُبَلِّغَكَهُ، وَمَا خُصِصْنَا بِأَمْرٍ دُونَكَ، وَقَدْ رَأَيْتُ وَصَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَمِعْتُ مِنْهُ وَنِلْتُ صِهْرَهُ، وَمَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الْحَقِّ مِنْكَ، وَلَا ابْنُ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِشَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ مِنْكَ، وَأَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَحِمًا، وَلَقَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ يَنَالَاهُ، وَمَا سَبَقَاكَ إِلَى شَيْءٍ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ وَاللَّهِ مَا تُبْصِرُ مِنْ عَمَى وَلَا تَعْلَمُ مِنْ جَهَالَةٍ، وَإِنَّ الطَّرِيقَ لَوَاضِحٌ بَيِّنٌ، وَإِنَّ أَعْلَامَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ. اعْلَمْ يَا عُثْمَانُ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِيَ وَهَدَى، فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً وَأَمَاتَ بِدْعَةً مَتْرُوكَةً، فَوَاللَّهِ إِنَّ كُلًّا لَبَيِّنٌ، وَإِنَّ السُّنَنَ لَقَائِمَةٌ لَهَا أَعْلَامٌ، وَإِنَّ الْبِدَعَ لَقَائِمَةٌ لَهَا أَعْلَامٌ، وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَأَضَلَّ، فَأَمَاتَ سُنَّةً مَعْلُومَةً وَأَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَةً، وَإِنِّي أُحَذِّرُكَ اللَّهَ وَسَطَوَاتِهِ وَنَقَمَاتِهِ، فَإِنَّ عَذَابَهُ شَدِيدٌ أَلِيمٌ، وَأُحَذِّرُكَ أَنْ تَكُونَ إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِي يُقْتَلُ فَيَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا وَيَتْرُكُهَا شِيَعًا لَا يُبْصِرُونَ الْحَقَّ لِعُلُوِّ الْبَاطِلِ، يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجًا، وَيَمْرَجُونَ فِيهَا مَرْجًا. فَقَالَ عُثْمَانُ: قَدْ عَلِمْتُ وَاللَّهِ لَيَقُولُنَّ الَّذِي قُلْتَ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ مَكَانِي مَا عَنَّفْتُكَ وَلَا أَسْلَمْتُكَ وَلَا عِبْتُ عَلَيْكَ وَلَا جِئْتُ مُنْكِرًا، أَنْ وَصَلْتَ رَحِمًا وَسَدَدْتَ خَلَّةً وَآوَيْتَ ضَائِعًا، وَوَلَّيْتَ شَبِيهًا بِمَنْ كَانَ عُمَرُ يُوَلِّي. أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عَلِيُّ هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ لَيْسَ هُنَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ وَلَّاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَلِمَ تَلُمْنِي أَنْ وَلَّيْتُ ابْنَ عَامِرٍ فِي رَحِمِهِ وَقَرَابَتِهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ عُمَرَ كَانَ يَطَأُ عَلَى صِمَاخِ مَنْ وَلَّى إِنْ
بَلَغَهُ عَنْهُ حَرْفٌ جَلَبَهُ، ثُمَّ بَلَغَ بِهِ أَقْصَى الْعُقُوبَةِ وَأَنْتَ لَا تَفْعَلُ، ضَعُفْتَ وَرَقَقْتَ عَلَى أَقْرِبَائِكَ. قَالَ عُثْمَانُ: وَهُمْ أَقْرِبَاؤُكَ أَيْضًا! قَالَ: أَجَلْ، إِنَّ رَحِمَهُمْ مِنِّي لَقَرِيبَةٌ، وَلَكِنَّ الْفَضْلَ فِي غَيْرِهِمْ. قَالَ عُثْمَانُ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ وَلَّى مُعَاوِيَةَ؟ فَقَدَ وَلَّيْتُهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ أَخْوَفَ لِعُمَرَ مِنْ يَرْفَأَ، غُلَامِ عُمَرَ، لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ يَقْتَطِعُ الْأُمُورَ دُونَكَ وَيَقُولُ لِلنَّاسِ هَذَا أَمْرُ عُثْمَانَ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ فَلَا تُغَيِّرُ عَلَيْهِ. ثُمَّ خَرَجَ عَلِيٌّ مِنْ عِنْدِهِ، وَخَرَجَ عُثْمَانُ عَلَى أَثَرِهِ فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ آفَةً وَلِكُلِّ أَمْرٍ عَاهَةً، وَإِنَّ آفَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَعَاهَةَ هَذِهِ النِّعْمَةِ عَيَّابُونَ طَعَّانُونَ يُرُونَكُمْ مَا تُحِبُّونَ وَيَسْتُرُونَ عَنْكُمْ مَا تَكْرَهُونَ، يَقُولُونَ لَكُمْ وَيَقُولُونَ، أَمْثَالَ النَّعَامِ يَتَّبِعُونَ أَوَّلَ نَاعِقٍ، أَحَبُّ مَوَارِدِهِمْ إِلَيْهِمُ الْبَعِيدُ، لَا يَشْرَبُونَ إِلَّا نَغَصًا وَلَا يَرِدُونَ إِلَّا عَكَرًا، [لَا] يَقُومُ لَهُمْ رَائِدٌ وَقَدْ أَعْيَتْهُمُ الْأُمُورُ، أَلَا فَقَدْ وَاللَّهِ عِبْتُمْ عَلَيَّ مَا أَقْرَرْتُمْ لِابْنِ الْخَطَّابِ بِمِثْلِهِ، وَلَكِنَّهُ وَطِئَكُمْ بِرِجْلِهِ وَضَرَبَكُمْ بِيَدِهِ وَقَمَعَكُمْ بِلِسَانِهِ، فَدِنْتُمْ لَهُ عَلَى مَا أَحْبَبْتُمْ وَكَرِهْتُمْ، وَلِنْتُ لَكُمْ وَأَوْطَأْتُكُمْ كَتِفِي وَكَفَفْتُ يَدِي وَلِسَانِي عَنْكُمْ، فَاجْتَرَأْتُمْ عَلَيَّ. أَمَا وَاللَّهِ لَأَنَا أَعَزُّ نَفَرًا وَأَقْرَبُ نَاصِرًا وَأَكْثَرُ عَدَدًا وَأَحْرَى، إِنْ قُلْتُ هَلُمَّ أُتِيَ إِلَيَّ، وَلَقَدْ عَدَدْتُ لَكُمْ أَقْرَانًا، وَأَفْضَلْتُ عَلَيْكُمْ فُضُولًا، وَكَشَّرْتُ لَكُمْ عَنْ نَابِي، وَأَخْرَجْتُمْ مِنِّي خُلُقًا لَمْ أَكُنْ أُحْسِنُهُ وَمَنْطِقًا لَمْ أَنْطِقْ بِهِ، فَكُفُّوا عَنِّي أَلْسِنَتَكُمْ وَعَيْبَكُمْ وَطَعْنَكُمْ عَلَى وُلَاتِكُمْ، فَإِنِّي كَفَفْتُ عَنْكُمْ مَنْ لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي يُكَلِّمُكُمْ لَرَضِيتُمْ مِنْهُ بِدُونِ مَنْطِقِي هَذَا. أَلَا فَمَا تَفْقِدُونَ مِنْ حَقِّكُمْ؟ وَاللَّهِ مَا قَصَّرْتُ عَنْ بُلُوغِ مَا بَلَغَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، وَلَمْ تَكُونُوا تَخْتَلِفُونَ عَلَيْهِ. فَقَامَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَقَالَ: إِنْ شِئْتُمْ حَكَّمْنَا وَاللَّهِ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ السَّيْفَ، نَحْنُ وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: فَرَشْنَا لَكُمْ أَعْرَاضَنَا فَنَبَتْ بِكُمْ ... مَعَارِسُكُمْ تَبْنُونَ فِي دِمَنِ الثَّرَى فَقَالَ عُثْمَانُ: اسْكُتْ لَا سَكَتَّ، دَعْنِي وَأَصْحَابِي، مَا مَنْطِقُكَ فِي هَذَا! أَلَمْ أَتَقَدَّمْ إِلَيْكَ أَنْ لَا تَنْطِقَ؟ فَسَكَتَ مَرْوَانُ وَنَزَلَ عُثْمَانُ. (عَنِ الْمِنْبَرِ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ عَلَى النَّاسِ وَعَظُمَ وَزَادَ تَأَلُّبُهُمْ عَلَيْهِ) .
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ [الْوَفَيَاتُ] وَحَجَّ هَذِهِ السَّنَةَ بِالنَّاسِ عُثْمَانُ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَّ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، وَهُوَ كَعْبُ بْنُ مَاتِعٍ، وَأَسْلَمَ أَيَّامَ عُمَرَ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو عَبْسٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا. وَفِيهَا مَاتَ مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ الْمُطَّلِبِيُّ، وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ:
بَلْ عَاشَ وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَكَانَ بَدْرِيًّا. وَفِيهَا تُوُفِّيَّ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَكَانَ نَقِيبًا بَدْرِيًّا. (وَعَاقِلُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ أَيْضًا) .
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ] [ذكر مَسِيرِ مَنْ سَارَ إِلَى حَصْرِ عُثْمَانَ] 35 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ ذكر مَسِيرِ مَنْ سَارَ إِلَى حَصْرِ عُثْمَانَ قِيلَ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ مَسِيرُ مَنْ سَارَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ إِلَى ذِي خُشُبٍ، وَمَسِيرُ مَنْ سَارَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى ذِي الْمَرْوَةِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَبَأٍ كَانَ يَهُودِيًّا، وَأَسْلَمَ أَيَّامَ عُثْمَانَ، ثُمَّ تَنَقَّلَ فِي الْحِجَازِ ثُمَّ بِالْبَصْرَةِ ثُمَّ بِالْكُوفَةِ ثُمَّ بِالشَّامِ يُرِيدُ إِضْلَالَ النَّاسِ، فَلَمْ يَقْدِرْ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَأَخْرَجَهُ أَهْلُ الشَّامِ، فَأَتَى مِصْرَ فَأَقَامَ فِيهِمْ وَقَالَ لَهُمْ: الْعَجَبُ مِمَّنْ يُصَدِّقُ أَنَّ عِيسَى يَرْجِعُ، وَيُكَذِّبُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَرْجِعُ، فَوَضَعَ لَهُمُ الرَّجْعَةَ، فَقُبِلَتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّهُ كَانَ لِكُلِّ نَبِيٍّ وَصِيٌّ، وَعَلِيٌّ وَصِيُّ مُحَمَّدٍ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ لَمْ يُجِزْ وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَثَبَ عَلَى وَصِيِّهِ، وَإِنَّ عُثْمَانَ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَانْهَضُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ وَابْتَدِءُوا بِالطَّعْنِ عَلَى أُمَرَائِكُمْ، وَأَظْهِرُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ تَسْتَمِيلُوا بِهِ النَّاسَ. وَبَثَّ دُعَاتَهُ، وَكَاتَبَ مَنِ اسْتَفْسَدَ فِي الْأَمْصَارِ وَكَاتَبُوهُ، وَدَعَوْا فِي السِّرِّ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ رَأْيُهُمْ، وَصَارُوا يَكْتُبُونَ إِلَى الْأَمْصَارِ بِكُتُبٍ يَضَعُونَهَا فِي عَيْبِ وُلَاتِهِمْ، وَيَكْتُبُ أَهْلُ كُلِّ مِصْرٍ مِنْهُمْ إِلَى مِصْرٍ آخَرَ بِمَا يَصْنَعُونَ، حَتَّى تَنَاوَلُوا بِذَلِكَ الْمَدِينَةَ وَأَوْسَعُوا بِذَلِكَ الْأَرْضَ إِذَاعَةً، فَيَقُولُ أَهْلُ كُلِّ مِصْرٍ: إِنَّا لَفِيَ عَافِيَةٍ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ هَؤُلَاءِ، إِلَّا أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُمْ جَاءَهُمْ ذَلِكَ عَنْ جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، فَقَالُوا: إِنَّا لَفِيَ عَافِيَةٍ مِمَّا فِيهِ النَّاسُ. فَأَتَوْا عُثْمَانَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيَأْتِيكَ عَنِ النَّاسِ الَّذِي يَأْتِينَا؟ فَقَالَ: مَا جَاءَنِي إِلَّا السَّلَامَةُ وَأَنْتُمْ شُرَكَائِي وَشُهُودُ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَشِيرُوا عَلَيَّ. قَالُوا: نُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَبْعَثَ رِجَالًا مِمَّنْ تَثِقُ بِهِمْ إِلَى الْأَمْصَارِ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَيْكَ بِأَخْبَارِهِمْ. فَدَعَا مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْكُوفَةِ، وَأَرْسَلَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ إِلَى الْبَصْرَةِ،
وَأَرْسَلَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ إِلَى مِصْرَ، وَأَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ، وَفَرَّقَ رِجَالًا سِوَاهُمْ، فَرَجَعُوا جَمِيعًا قَبْلَ عَمَّارٍ فَقَالُوا: مَا أَنْكَرْنَا شَيْئًا أَيُّهَا النَّاسُ وَلَا أَنْكَرَهُ أَعْلَامُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا عَوَامُّهُمْ. وَتَأَخَّرَ عَمَّارٌ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ قَدِ اغْتِيلَ، فَوَصَلَ كِتَابٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ يَذْكُرُ أَنَّ عَمَّارًا قَدِ اسْتَمَالَهُ قَوْمٌ وَانْقَطَعُوا إِلَيْهِ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّوْدَاءِ، وَخَالِدُ بْنُ مُلْجَمٍ، وَسَوْدَانُ بْنُ حُمْرَانَ، وَكِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ. فَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ: [أَمَّا بَعْدُ] فَإِنِّي آخِذٌ عُمَّالِي بِمُوَافَاتِي كُلَّ مَوْسِمٍ، وَقَدْ رَفَعَ إِلَيَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَنَّ أَقْوَامًا يُشْتَمُونَ وَيُضْرَبُونَ، فَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلْيُوَافِ الْمَوْسِمَ يَأْخُذْ حَقَّهُ حَيْثُ كَانَ مِنِّي أَوْ مِنْ عُمَّالِي، أَوْ تَصَّدَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ. فَلَمَّا قُرِئَ فِي الْأَمْصَارِ بَكَى النَّاسُ وَدَعَوْا لِعُثْمَانَ. وَبَعَثَ إِلَى عُمَّالِ الْأَمْصَارِ فَقَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَأَدْخَلَ مَعَهُمْ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَمْرًا، فَقَالَ: وَيْحَكُمُ مَا هَذِهِ الشِّكَايَةُ وَالْإِذَاعَةُ؟ إِنِّي وَاللَّهِ لَخَائِفٌ أَنْ تَكُونُوا مَصْدُوقًا عَلَيْكُمْ وَمَا يُعْصَبُ هَذَا إِلَّا بِي! فَقَالُوا لَهُ: أَلَمْ تَبْعَثْ؟ أَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْكَ الْخَبَرُ عَنِ الْعَوَامِّ؟ أَلَمْ يَرْجِعْ رُسُلُكَ وَلَمْ يُشَافِهْهُمْ أَحَدٌ بِشَيْءٍ؟ وَاللَّهِ مَا صَدَقُوا وَلَا بَرُّوا وَلَا نَعْلَمُ لِهَذَا الْأَمْرِ أَصْلًا، وَلَا يَحِلُّ الْأَخْذُ بِهَذِهِ الْإِذَاعَةِ! فَقَالَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ. فَقَالَ سَعِيدٌ: هَذَا أَمْرٌ مَصْنُوعٌ يُلْقَى فِي السِّرِّ فَيَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ، وَدَوَاءُ ذَلِكَ طَلَبُ هَؤُلَاءِ وَقَتْلُ الَّذِينَ يَخْرُجُ هَذَا مِنْ عِنْدِهِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ: خُذْ مِنَ النَّاسِ الَّذِي عَلَيْهِمْ إِذَا أَعْطَيْتُمُ الَّذِي لَهُمْ فَإِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ وَلَّيْتَنِي فَوُلِّيتُ قَوْمًا لَا يَأْتِيكَ عَنْهُمْ إِلَّا الْخَيْرُ، وَالرَّجُلَانِ أَعْلَمُ بِنَاحِيَتَيْهِمَا، وَالرَّأْيُ حُسْنُ الْأَدَبِ. وَقَالَ عَمْرٌو: أَرَى أَنَّكَ قَدْ لِنْتَ لَهُمْ وَرَخَيْتَ عَلَيْهِمْ وَزِدْتَهُمْ عَلَى مَا كَانَ يَصْنَعُ عُمَرُ، فَأَرَى أَنْ تَلْزَمَ طَرِيقَةَ صَاحِبَيْكَ فَتَشْتَدَّ فِي مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، وَتَلِينَ فِي مَوْضِعِ اللِّينِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: قَدْ سَمِعْتُ كُلَّ مَا أَشَرْتُمْ بِهِ عَلَيَّ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ بَابٌ يُؤْتَى مِنْهُ، إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي يُخَافُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ كَائِنٌ، وَإِنَّ بَابَهُ الَّذِي يُغْلَقُ عَلَيْهِ لَيُفْتَحَنَّ فَنُكَفْكِفُهُ بِاللِّينِ وَالْمُؤَاتَاةِ إِلَّا فِي حُدُودِ اللَّهِ، فَإِنْ فُتِحَ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ عَلَيَّ حُجَّةُ حَقٍّ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنِّي لَمْ آلُ النَّاسَ خَيْرًا، وَإِنَّ رَحَى الْفِتْنَةِ لَدَائِرَةٌ، فَطُوبَى لِعُثْمَانَ إِنْ مَاتَ وَلَمْ يُحَرِّكْهَا. سَكِّنُوا النَّاسَ وَهَبُوا لَهُمْ حُقُوقَهُمْ، فَإِذَا تُعُوطِيَتْ حُقُوقُ اللَّهِ فَلَا تُدْهِنُوا فِيهَا. فَلَمَّا نَفَرَ عُثْمَانُ وَشَخَصَ مُعَاوِيَةُ وَالْأُمَرَاءُ مَعَهُ وَاسْتَقَلَّ عَلَى الطَّرِيقِ رَجَزَ بِهِ الْحَادِي فَقَالَ:
قَدْ عَلِمَتْ ضَوَامِرُ الْمَطِيُّ ... وَضُمَّرَاتُ عُوَّجِ الْقِسِيِّ أَنَّ الْأَمِيرَ بَعْدَهُ عَلِيٌّ ... وَفِي الزُّبَيْرِ خَلَفٌ رَضِيٌّ [وَطَلْحَةُ الْحَامِي لَهَا وَلِيٌّ ] فَقَالَ كَعْبٌ: كَذَبْتَ بَلْ يَلِي بَعْدَهُ صَاحِبُ الْبَغْلَةِ الشَّهْبَاءِ - يَعْنِي مُعَاوِيَةَ - فَطَمِعَ فِيهَا مِنْ يَوْمِئِذٍ. فَلَمَّا قَدِمَ عُثْمَانُ الْمَدِينَةَ دَعَا عَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعِنْدَهُ مُعَاوِيَةُ، فَحَمِدَ اللَّهَ مُعَاوِيَةُ ثُمَّ قَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلَفِهِ وَوُلَاةُ أَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، لَا يَطْمَعُ فِيهِ أَحَدٌ غَيْرَكُمْ، اخْتَرْتُمْ صَاحِبَكُمْ عَنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ وَلَا طَمَعٍ، وَقَدْ كَبُرَ وَوَلَّى عُمْرُهُ، وَلَوِ انْتَظَرْتُمْ بِهِ الْهَرَمَ لَكَانَ قَرِيبًا، مَعَ أَنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَبْلُغَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ فَشَتْ مَقَالَةٌ خِفْتُهَا عَلَيْكُمْ فَمَا عَتَبْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ، فَهَذِهِ يَدِي لَكُمْ بِهِ، وَلَا تُطْمِعُوا النَّاسَ فِي أَمْرِكُمْ، فَوَاللَّهِ إِنْ طَمِعُوا فِيهِ لَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا أَبَدًا إِلَّا إِدْبَارًا. قَالَ عَلِيٌّ: مَا لَكَ وَلِذَلِكَ لَا أُمَّ لَكَ؟ قَالَ: دَعْ أُمِّي فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرِّ أُمَّهَاتِكُمْ، قَدْ أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَجِبْنِي عَمَّا أَقُولُ لَكَ. فَقَالَ عُثْمَانُ: صَدَقَ ابْنُ أَخِي، أَنَا أُخْبِرُكُمْ عَنِّي وَعَمَّا وُلِّيتُ، إِنَّ صَاحِبَيَّ اللَّذَيْنِ كَانَا قَبْلِي ظَلَمَا أَنْفُسَهُمَا وَمَنْ كَانَ مِنْهُمَا بِسَبِيلٍ احْتِسَابًا، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعْطِي قَرَابَتَهُ وَأَنَا فِي رَهْطٍ أَهْلِ عَيْلَةٍ وَقِلَّةِ مَعَاشٍ، فَبَسَطْتُ يَدِي فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِمَا أَقُومُ بِهِ فِيهِ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ ذَلِكَ خَطَأً فَرُدُّوهُ فَأَمْرِي لِأَمْرِكُمْ تَبَعٌ. فَقَالُوا: قَدْ أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ، قَدْ أَعْطَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَأَعْطَيْتَ مَرْوَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا. فَأُخِذَ مِنْهُمَا ذَلِكَ، فَرَضُوا وَخَرَجُوا رَاضِينَ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِعُثْمَانَ: اخْرُجْ مَعِي إِلَى الشَّامِ فَإِنَّهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ قَبْلَ أَنْ يَهْجُمَ عَلَيْكَ مَنْ لَا قِبَلَ لَكَ بِهِ. فَقَالَ: لَا أَبِيعُ جِوَارَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَيْءٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ خَيْطُ عُنُقِي. قَالَ: فَإِنْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ جُنْدًا مِنْهُمْ يُقِيمُ مَعَكَ لِنَائِبَةٍ إِنْ نَابَتْ؟ قَالَ: لَا أُضَيِّقُ عَلَى جِيرَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتُغْتَالَنَّ وَلَتُغْزَيَنَّ! فَقَالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ! ثُمَّ خَرَجَ مُعَاوِيَةُ فَمَرَّ عَلَى نَفَرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِيهِمْ عَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُ
السَّفَرِ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: إِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ كَانَ النَّاسُ يَتَغَالَبُونَ عَلَيْهِ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانُوا يَتَفَاضَلُونَ بِالسَّابِقَةِ وَالْقُدْمَةِ وَالِاجْتِهَادِ، فَإِنْ أَخَذُوا بِذَلِكَ فَالْأَمْرُ أَمْرُهُمْ وَالنَّاسُ لَهُمْ تَبَعٌ، وَإِنْ طَلَبُوا الدُّنْيَا بِالتَّغَالُبِ سُلِبُوا ذَلِكَ وَرَدَّهُ اللَّهُ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى الْبَدَلِ لَقَادِرٌ، وَإِنِّي قَدْ خَلَفْتُ فِيكُمْ شَيْخًا فَاسْتَوْصُوا بِهِ خَيْرًا وَكَانِفُوهُ تَكُونُوا أَسْعَدَ مِنْهُ بِذَلِكَ. ثُمَّ وَدَّعَهُمْ وَمَضَى. فَقَالَ عَلِيٌّ: [مَا] كُنْتُ أَرَى فِي هَذَا خَيْرًا. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ مَا كَانَ قَطُّ أَعْظَمَ فِي صَدْرِكَ وَصُدُورِنَا مِنْهُ الْيَوْمَ. وَاتَّعَدَ الْمُنْحَرِفُونَ عَنْ عُثْمَانَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ بِالْأَمْصَارِ جَمِيعًا إِذَا سَارَ عَنْهَا الْأُمَرَاءُ، فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُمْ ذَلِكَ، وَلَمَّا رَجَعَ الْأُمَرَاءُ وَلَمْ يَتِمَّ لَهُمُ الْوُثُوبُ صَارُوا يُكَاتِبُونَ فِي الْقُدُومِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لِيَنْظُرُوا فِيمَا يُرِيدُونَ وَيَسْأَلُوا عُثْمَانَ عَنْ أَشْيَاءَ لِتَطِيرَ فِي النَّاسِ. وَكَانَ بِمِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ يُحَرِّضَانِ عَلَى عُثْمَانَ. فَلَمَّا خَرَجَ الْمِصْرِيُّونَ خَرَجَ فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُدَيْسٍ الْبَلَوِيُّ فِي خَمْسِمِائَةٍ، وَقِيلَ: فِي أَلْفٍ، وَفِيهِمْ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ اللَّيْثِيُّ، وَسَوْدَانُ بْنُ حُمْرَانَ السَّكُونِيُّ، وَقُتَيْرَةُ بْنُ فُلَانٍ السَّكُونِيُّ، وَعَلَيْهِمْ جَمِيعًا الْغَافِقِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْعَكِّيُّ، وَخَرَجَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَفِيهِمْ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ الْعَبْدِيُّ، وَالْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ، وَزِيَادُ بْنُ النَّضْرِ الْحَارِثِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَصَمِّ الْعَامِرِيُّ، وَهُمْ فِي عِدَادِ أَهْلِ مِصْرَ، وَخَرَجَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ فِيهِمْ حُكَيْمُ بْنُ جَبَلَةَ الْعَبْدِيُّ، وَذُرَيْحُ بْنُ عَبَّادٍ، وَبِشْرُ بْنُ شُرَيْحٍ الْقَيْسِيُّ، وَابْنُ الْمُحْتَرِشِ، وَهُمْ بِعِدَادِ أَهْلِ مِصْرَ، وَأَمِيرُهُمْ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ السَّعْدِيُّ، فَخَرَجُوا جَمِيعًا فِي شَوَّالٍ وَأَظْهَرُوا أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْحَجَّ، فَلَمَّا كَانُوا مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثٍ، تَقَدَّمَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَنَزَلُوا ذَا خُشُبٍ، وَكَانَ هَوَاهُمْ فِي طَلْحَةَ، وَتَقَدَّمَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ هَوَاهُمْ فِي الزُّبَيْرِ، وَتَرَكُوا الْأَعْوَصَ، وَجَاءَهُمْ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، وَكَانَ هَوَاهُمْ فِي عَلِيٍّ، وَنَزَلُوا عَامَّتُهُمْ بِذِي الْمَرْوَةِ، وَمَشَى فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ مِصْرَ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ زِيَادُ بْنُ النَّضْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَصَمِّ وَقَالَا لَهُمْ: لَا تَعْجَلُوا حَتَّى نَدْخُلَ الْمَدِينَةَ وَنَرْتَادَ لَكُمْ، فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُمْ عَسْكَرُوا لَنَا، فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَ هَذَا حَقًّا وَاسْتَحَلُّوا قِتَالَنَا بَعْدَ عِلْمِ حَالِنَا إِنَّ أَمْرَنَا لَبَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي بَلَغَنَا بَاطِلًا رَجَعْنَا إِلَيْكُمْ بِالْخَبَرِ. قَالُوا: اذْهَبَا. فَذَهَبَا فَدَخَلَا الْمَدِينَةَ فَلَقِيَا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، فَقَالَا: إِنَّمَا نُرِيدُ هَذَا الْبَيْتَ وَنَسْتَعْفِي مِنْ بَعْضِ عُمَّالِنَا، وَاسْتَأْذَنَاهُمْ فِي الدُّخُولِ،
فَكَلَّمَهُمَا أُبَيٌّ وَنَهَاهُمَا، فَرَجَعَا إِلَى أَصْحَابِهِمَا. فَاجْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ فَأَتَوْا عَلِيًّا، وَنَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَأَتَوْا طَلْحَةَ، وَنَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَأَتَوُا الزُّبَيْرَ، وَقَالَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ: إِنْ بَايَعْنَا صَاحِبَنَا وَإِلَّا كَذَبْنَاهُمْ وَفَرَّقْنَا جَمَاعَتَهُمْ، ثُمَّ رَجَعْنَا عَلَيْهِمْ حَتَّى نُبْغِتَهُمْ. فَأَتَى الْمِصْرِيُّونَ عَلِيًّا وَهُوَ فِي عَسْكَرٍ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ مُتَقَلِّدًا سَيْفَهُ، وَقَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْحَسَنَ إِلَى عُثْمَانَ فِيمَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَعَرَضُوا عَلَيْهِ، فَصَاحَ بِهِمْ وَطَرَدَهُمْ وَقَالَ: لَقَدْ عَلِمَ الصَّالِحُونَ أَنَّ جَيْشَ ذِي الْمَرْوَةِ وَجَيْشَ ذِي خُشُبٍ وَالْأَعْوَصِ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْصَرَفُوا عَنْهُ. وَأَتَى الْبَصْرِيُّونَ طَلْحَةَ فَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَيْهِ إِلَى عُثْمَانَ، وَأَتَى الْكُوفِيُّونَ الزُّبَيْرَ فَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ إِلَى عُثْمَانَ. فَرَجَعُوا وَتَفَرَّقُوا عَنْ ذِي خُشُبٍ وَذِي الْمَرْوَةِ وَالْأَعْوَصِ إِلَى عَسْكَرِهِمْ لِيَتَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ثُمَّ يَرْجِعُوا إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا بَلَغُوا عَسْكَرَهُمْ تَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَرَجَعُوا بِهِمْ، فَلَمْ يَشْعُرْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَّا وَالتَّكْبِيرُ فِي نَوَاحِيهَا، وَنَزَلُوهَا وَأَحَاطُوا بِعُثْمَانَ وَقَالُوا: مَنْ كَفَّ يَدَهُ فَهُوَ آمِنٌ. وَصَلَّى عُثْمَانُ بِالنَّاسِ أَيَّامًا، وَلَزِمَ النَّاسُ بُيُوتَهُمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا النَّاسَ مِنْ كَلَامِهِ، وَأَتَاهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَفِيهِمْ عَلِيٌّ فَقَالَ لَهُمْ: مَا رَدَّكُمْ بَعْدَ ذَهَابِكُمْ؟ فَقَالُوا: أَخَذْنَا مَعَ بَرِيدٍ كِتَابًا بِقَتْلِنَا. وَأَتَى طَلْحَةُ الْكُوفِيِّينَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ عَوْدَتِهِمْ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ. وَأَتَى الزُّبَيْرُ الْبَصْرِيِّينَ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَقُولُ: نَحْنُ نَمْنَعُ إِخْوَانَنَا وَنَنْصُرُهُمْ، كَأَنَّمَا كَانُوا عَلَى مِيعَادٍ. فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ: كَيْفَ عَلِمْتُمْ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ وَيَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ بِمَا لَقِيَ أَهْلُ مِصْرَ وَقَدْ سِرْتُمْ مَرَاحِلَ حَتَّى رَجَعْتُمْ عَلَيْنَا؟ هَذَا وَاللَّهِ أَمْرٌ أُبْرِمَ بِلَيْلٍ! فَقَالُوا: ضَعُوهُ كَيْفَ شِئْتُمْ، لَا حَاجَةَ لَنَا فِي هَذَا الرَّجُلِ - لِيَعْتَزِلْ عَنَّا. وَعُثْمَانُ يُصَلِّي بِهِمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ خَلْفَهُ، وَهُمْ أَدَقُّ فِي عَيْنِهِ مِنَ التُّرَابِ، وَكَانُوا يَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنَ الِاجْتِمَاعِ. وَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ يَسْتَنْجِدُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ بِالْحَثِّ لِلْمَنْعِ عَنْهُ، وَيُعَرِّفُهُمْ مَا النَّاسُ فِيهِ. فَخَرَجَ أَهْلُ الْأَمْصَارِ عَلَى الصَّعْبِ وَالذَّلُولِ، فَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ، وَبَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ، وَخَرَجَ مِنَ الْكُوفَةِ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو وَقَامَ بِالْكُوفَةِ نَفَرٌ يَحُضُّونَ عَلَى إِعَانَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، مِنْهُمْ: عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَحَنْظَلَةُ الْكَاتِبُ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنَ التَّابِعِينَ: مَسْرُوقٌ،
وَالْأَسْوَدُ، وَشُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَامَ بِالْبَصْرَةِ: عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِشَامُ بْنُ عَامِرٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمِنَ التَّابِعِينَ: كَعْبُ بْنُ سُورٍ، وَهَرِمُ بْنُ حَيَّانَ، وَغَيْرُهُمَا، وَقَامَ بِالشَّامِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَكَذَلِكَ بِمِصْرَ. وَلَمَّا جَاءَتِ الْجُمُعَةُ الَّتِي عَلَى أَثَرِ دُخُولِهِمُ الْمَدِينَةَ، خَرَجَ عُثْمَانُ فَصَلَّى بِالنَّاسِ ثُمَّ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ، اللَّهَ اللَّهَ! فَوَاللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَيَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَامْحُوا الْخَطَأَ بِالصَّوَابِ. فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: أَنَا أَشْهَدُ بِذَلِكَ، فَأَقْعَدَهُ حَكِيمُ بْنُ جَبَلَةَ، وَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَأَقْعَدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي قُتَيْرَةَ، وَثَارَ الْقَوْمُ بِأَجْمَعِهِمْ فَحَصَبُوا النَّاسَ حَتَّى أَخْرَجُوهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَحَصَبُوا عُثْمَانَ حَتَّى صُرِعَ عَنِ الْمِنْبَرِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَأُدْخِلَ دَارَهُ وَاسْتَقْتَلَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَعَ عُثْمَانَ، مِنْهُمْ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عُثْمَانُ يَعْزِمُ عَلَيْهِمْ بِالِانْصِرَافِ، فَانْصَرَفُوا، وَأَقْبَلَ عَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، فَدَخَلُوا عَلَى عُثْمَانَ يَعُودُونَهُ مِنْ صَرْعَتِهِ، وَيَشْكُونَ إِلَيْهِ مَا يَجِدُونَ، وَكَانَ عِنْدَ عُثْمَانَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ فِيهِمْ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، فَقَالُوا كُلُّهُمْ لِعَلِيٍّ: أَهْلَكْتَنَا وَصَنَعْتَ هَذَا الصَّنِيعَ، وَاللَّهِ لَئِنْ بَلَغْتَ الَّذِي تُرِيدُ لَتَمُرَّنَ عَلَيْكَ الدُّنْيَا! فَقَامَ مُغْضَبًا وَعَادَ هُوَ وَالْجَمَاعَةُ إِلَى مَنَازِلِهِمْ. وَصَلَّى عُثْمَانُ بِالنَّاسِ بَعْدَمَا نَزَلُوا بِهِ فِي الْمَسْجِدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مَنَعُوهُ الصَّلَاةَ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ أَمِيرُهُمُ الْغَافِقِيُّ، وَتَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي حِيطَانِهِمْ وَلَزِمُوا بُيُوتَهُمْ لَا يَجْلِسُ أَحَدٌ وَلَا يَخْرُجُ إِلَّا بِسَيْفِهِ لِيَتَمَنَّعَ بِهِ، وَكَانَ الْحِصَارُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَمَنْ تَعَرَّضَ لَهُمْ وَضَعُوا فِيهِ السِّلَاحَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَمُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ كَانَا بِمِصْرَ يُحَرِّضَانِ عَلَى عُثْمَانَ، وَسَارَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ مَعَ مَنْ سَارَ إِلَى عُثْمَانَ، وَأَقَامَ ابْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بِمِصْرَ وَغَلَبَ عَلَيْهَا لَمَّا سَارَ عَنْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، عَلَى مَا يَأْتِي. فَلَمَّا خَرَجَ الْمِصْرِيُّونَ إِلَى قَصْدِ عُثْمَانَ أَظْهَرُوا أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْعُمْرَةَ وَخَرَجُوا فِي رَجَبٍ وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُدَيْسٍ
الْبَلَوِيُّ، وَبَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ رَسُولًا إِلَى عُثْمَانَ يُخْبِرُهُ بِحَالِهِمْ، وَأَنَّهُمْ قَدْ أَظْهَرُوا الْعُمْرَةَ وَقَصْدُهُمْ خَلْعُهُ أَوْ قَتْلُهُ، فَخَطَبَ عُثْمَانُ النَّاسَ وَأَعْلَمَهُمْ حَالَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُمْ قَدْ أَسْرَعُوا إِلَى الْفِتْنَةِ وَاسْتَطَالُوا عُمْرِي، وَاللَّهِ لَئِنْ فَارَقْتُهُمْ لِيَتَمَنَّوْنَ أَنَّ عُمْرِي كَانَ عَلَيْهِمْ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ سَنَةً مِمَّا يَرَوْنَ مِنَ الدِّمَاءِ الْمَسْفُوكَةِ وَالْإِحَنِ وَالْأَثَرَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْأَحْكَامِ الْمُغَيَّرَةِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ قَدْ خَرَجَ إِلَى عُثْمَانَ فِي آثَارِ الْمِصْرِيِّينَ بِإِذْنِهِ لَهُ، فَلَمَّا كَانَ بِأَيْلَةَ بَلَغَهُ أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ رَجَعُوا إِلَى عُثْمَانَ فَحَصَرُوهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ غَلَبَ عَلَى مِصْرَ وَاسْتَجَابُوا لَهُ، فَعَادَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى مِصْرَ فَمُنِعَ عَنْهَا، فَأَتَى فِلَسْطِينَ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ عُثْمَانُ. فَلَمَّا نَزَلَ الْقَوْمُ ذَا خُشُبٍ يُرِيدُونَ قَتْلَ عُثْمَانَ إِنْ لَمْ يَنْزِعْ عَمَّا يَكْرَهُونَ، وَلَمَّا رَأَى عُثْمَانُ ذَلِكَ جَاءَ إِلَى عَلِيٍّ فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ عَمِّ، إِنَّ قَرَابَتِي قَرِيبَةٌ وَلِي عَلَيْكَ حَقٌّ عَظِيمٌ، وَقَدْ جَاءَ مَا تَرَى مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَهُمْ مُصَبِّحِيَّ، وَلَكَ عِنْدَ النَّاسِ قَدْرٌ وَهُمْ يَسْمَعُونَ مِنْكَ، وَأُحِبُّ أَنْ تَرْكَبَ إِلَيْهِمْ فَتَرُدَّهُمْ عَنِّي، فَإِنَّ فِي دُخُولِهِمْ عَلَيَّ تَوْهِينًا لِأَمْرِي وَجُرْأَةً عَلَيَّ! فَقَالَ عَلِيٌّ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ أَرُدُّهُمْ عَنْكَ؟ قَالَ: عَلَى أَنْ أَصِيرَ إِلَى مَا أَشَرْتَ إِلَيْهِ وَرَأَيْتَهُ لِي. فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنِّي قَدْ كَلَّمْتُكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَكُلُّ ذَلِكَ نَخْرُجُ وَنَقُولُ ثُمَّ تَرْجِعُ عَنْهُ، وَهَذَا مِنْ فِعْلِ مَرْوَانَ، وَابْنِ عَامِرٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، فَإِنَّكَ أَطَعْتَهُمْ وَعَصَيْتَنِي. قَالَ عُثْمَانُ: فَأَنَا أَعْصِيهِمْ وَأُطِيعُكَ. فَأَمَرَ النَّاسَ فَرَكِبَ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ثَلَاثُونَ رَجُلًا فِيهِمْ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو جَهْمٍ الْعَدَوِيُّ، وَجَبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَمَرْوَانُ وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، وَمِنَ الْأَنْصَارِ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، وَأَبُو حُمَيْدٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَمِنَ الْعَرَبِ نِيَارُ بْنُ مِكْرَزٍ، فَأَتَوُا الْمِصْرِيِّينَ فَكَلَّمُوهُمْ، وَكَانَ الَّذِي يُكَلِّمُهُمْ عَلِيٌّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَسَمِعُوا مَقَالَتَهُمْ وَرَجَعُوا إِلَى مِصْرَ. فَقَالَ ابْنُ عُدَيْسٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ: أَتُوصِينَا بِحَاجَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، تَتَّقِي اللَّهَ وَتَرُدُّ مَنْ قِبَلَكَ عَنْ إِمَامِهِمْ، فَإِنَّهُ قَدْ وَعَدَنَا أَنْ يَرْجِعَ وَيَنْزِعَ. قَالَ ابْنُ عُدَيْسٍ: أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَرَجَعَ عَلِيٌّ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَأَخْبَرَهُ بِرُجُوعِهِمْ وَكَلَّمَهُ بِمَا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَمَكَثَ عُثْمَانُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَجَاءَهُ مَرْوَانُ بُكْرَةَ الْغَدِ فَقَالَ لَهُ:
تَكَلَّمْ وَأَعْلِمِ النَّاسَ أَنَّ أَهْلَ مِصْرَ قَدْ رَجَعُوا، وَأَنَّ مَا بَلَغَهُمْ عَنْ إِمَامِهِمْ كَانَ بَاطِلًا قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ النَّاسُ إِلَيْكَ مِنْ أَمْصَارِهِمْ وَيَأْتِيَكَ مَا لَا تَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ. فَفَعَلَ عُثْمَانُ، فَلَمَّا خَطَبَ النَّاسَ قَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّكَ قَدْ رَكِبْتَ أُمُورًا وَرَكِبْنَاهَا مَعَكَ، فَتُبْ إِلَى اللَّهِ نَتُبْ. فَنَادَاهُ عُثْمَانُ: وَإِنَّكَ هُنَالِكَ يَا ابْنَ النَّابِغَةِ! قَمِلَتْ وَاللَّهِ جُبَّتُكَ مُنْذُ عَزَلْتُكَ عَنِ الْعَمَلِ! فَنُودِيَ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى: تُبْ إِلَى اللَّهِ. فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ تَائِبٍ! وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى مَنْزِلِهِ بِفِلَسْطِينَ، وَكَانَ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي كُنْتُ لَأَلْقَى الرَّاعِيَ فَأُحَرِّضُهُ عَلَى عُثْمَانَ. وَأَتَى عَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ فَحَرَّضَهُمْ عَلَى عُثْمَانَ، (فَبَيْنَمَا هُوَ بِقَصْرِهِ بِفِلَسْطِينَ وَمَعَهُ ابْنَاهُ مُحَمَّدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ، وَسَلَامَةُ بْنُ رَوْحٍ الْجِذَامِيُّ إِذْ مَرَّ بِهِ رَاكِبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ عَمْرٌو عَنْ عُثْمَانَ، فَقَالَ: هُوَ مَحْصُورٌ. قَالَ عَمْرٌو: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَدْ يَضْرِطُ الْعِيرُ وَالْمِكْوَاةُ فِي النَّارِ. ثُمَّ مَرَّ بِهِ رَاكِبٌ آخَرُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: قُتِلَ عُثْمَانُ. فَقَالَ عَمْرٌو: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، إِذَا حَكَكْتُ قُرْحَةً نَكَأْتُهَا. فَقَالَ لَهُ سَلَامَةُ بْنُ رَوْحٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْعَرَبِ بَابٌ فَكَسَرْتُمُوهُ! فَقَالَ: أَرَدْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَةِ الْبَاطِلِ لِيَكُونَ النَّاسُ فِي الْحَقِّ شَرَعًا سَوَاءً) . وَقِيلَ: إِنَّ عَلِيًّا لَمَّا رَجَعَ مِنْ عِنْدِ الْمِصْرِيِّينَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ إِلَى عُثْمَانَ قَالَ لَهُ: تَكَلَّمْ كَلَامًا يَسْمَعُهُ النَّاسُ مِنْكَ وَيَشْهَدُونَ عَلَيْكَ، وَيَشْهَدُ اللَّهُ عَلَى مَا فِي قَلْبِكَ مِنَ النُّزُوعِ وَالْأَمَانَةِ، فَإِنَّ الْبِلَادَ قَدْ تَمَخَّضَتْ عَلَيْكَ، فَلَا آمَنُ أَنْ يَجِيءَ رَكْبٌ آخَرُ مِنَ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ فَتَقُولَ: يَا عَلِيُّ ارْكَبْ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ رَأَيْتَنِي قَدْ قَطَعْتُ رَحِمَكَ وَاسْتَخْفَفْتُ بِحَقِّكَ. فَخَرَجَ عُثْمَانُ فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الَّتِي نَزَعَ فِيهَا وَأَعْطَى النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ التَّوْبَةَ وَقَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنِ اتَّعَظَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا فَعَلْتُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَمِثْلِي نَزَعَ وَتَابَ، فَإِذَا نَزَلْتُ فَلْيَأْتِنِي أَشْرَافُكُمْ فَلْيَرَوْا فِيَّ رَأْيَهُمْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ رَدَّنِي الْحَقُّ عَبْدًا لَأَسْتَنَّنَّ بِسُنَّةِ الْعَبْدِ وَلَأَذِلَّنَّ ذُلَّ الْعَبْدِ، وَمَا عَنِ اللَّهِ مَذْهَبٌ إِلَّا إِلَيْهِ، فَوَاللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكُمُ الرِّضَا وَلَأُنَحِّيَنَّ مَرْوَانَ وَذَوِيهِ، وَلَا أَحْتَجِبُ عَنْكُمْ! فَرَقَّ النَّاسُ وَبَكَوْا حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَبَكَى هُوَ أَيْضًا. فَلَمَّا نَزَلَ عُثْمَانُ وَجَدَ مَرْوَانَ وَسَعِيدًا وَنَفَرًا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ فِي مَنْزِلِهِ لَمْ يَكُونُوا شَهِدُوا
خُطْبَتَهُ، فَلَمَّا جَلَسَ قَالَ مَرْوَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَكَلَّمُ أَمْ أَسْكُتُ؟ فَقَالَتْ نَائِلَةُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ: لَا بَلِ اصْمُتْ فَإِنَّهُمْ وَاللَّهِ قَاتِلُوهُ وَمُؤَثِّمُوهُ، إِنَّهُ قَدْ قَالَ مَقَالَةً لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْزِعَ عَنْهَا. فَقَالَ لَهَا مَرْوَانُ: مَا أَنْتِ وَذَاكَ! فَوَاللَّهِ قَدْ مَاتَ أَبُوكِ وَمَا يُحْسِنُ يَتَوَضَّأُ! فَقَالَتْ: مَهْلًا يَا مَرْوَانُ عَنْ ذِكْرِ (الْآبَاءِ! تُخْبِرُ) عَنْ أَبِي وَهُوَ غَائِبٌ تَكْذِبُ عَلَيْهِ، وَإِنَّ أَبَاكَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّهُ عَمُّهُ. (وَأَنَّهُ يَنَالُهُ غَمُّهُ) لَأَخْبَرْتُكَ عَنْهُ مَا لَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ. قَالَتْ: فَأَعْرَضَ عَنْهَا مَرْوَانُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَكَلَّمُ أَمْ أَسْكُتُ؟ قَالَ: تَكَلَّمْ. فَقَالَ مَرْوَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ مَقَالَتَكَ هَذِهِ كَانَتْ وَأَنْتَ مُمْتَنِعٌ فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ رَضِيَ بِهَا وَأَعَانَ عَلَيْهَا، وَلَكِنَّكَ قُلْتَ مَا قُلْتَ وَقَدْ بَلَغَ الْحِزَامُ الطِّبْيَيْنِ وَخَلَّفَ السَّيْلُ الزُّبَى، وَحِينَ أَعْطَى الْخُطَّةَ الذَّلِيلَةَ الذَّلِيلُ، وَاللَّهِ لَإِقَامَةٌ عَلَى خَطِيئَةٍ يُسْتَغْفَرُ مِنْهَا أَجْمَلُ مِنْ تَوْبَةٍ يُخَوَّفُ عَلَيْهَا، وَأَنْتَ إِنْ شِئْتَ تَقَرَّبْتَ بِالتَّوْبَةِ وَلَمْ تُقِرَّ بِالْخَطِيئَةِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ بِالْبَابِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ مِنَ النَّاسِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَكَلِّمْهُمْ فَإِنِّي أَسْتَحْيِي أَنْ أُكَلِّمَهُمْ. فَخَرَجَ مَرْوَانُ إِلَى الْبَابِ وَالنَّاسُ يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ قَدِ اجْتَمَعْتُمْ كَأَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ لِنَهْبٍ؟ شَاهَتِ الْوُجُوهُ! أَلَا مَنْ أُرِيدَ؟ جِئْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْزِعُوا مُلْكَنَا مِنْ أَيْدِينَا! اخْرُجُوا عَنَّا، وَاللَّهِ لَئِنْ رُمْتُمُونَا لَيَمُرَّنَّ عَلَيْكُمْ مِنَّا أَمْرٌ لَا يَسُرُّكُمْ وَلَا تَحْمَدُوا غِبَّ رَأْيِكُمْ. ارْجِعُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ فَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَحْنُ بِمَغْلُوبِينَ عَلَى مَا فِي أَيْدِينَا. فَرَجَعَ النَّاسُ وَأَتَى بَعْضُهُمْ عَلِيًّا فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ. فَأَقْبَلَ عَلِيٌّ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ فَقَالَ: أَحَضَرْتَ خُطْبَةَ عُثْمَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَحَضَرْتَ مَقَالَةَ مَرْوَانَ لِلنَّاسِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ! يَا لَلْمُسْلِمِينَ! إِنِّي إِنْ قَعَدْتُ فِي بَيْتِي قَالَ لِي: تَرَكْتَنِي وَقَرَابَتِي وَحَقِّي، وَإِنِّي إِنْ تَكَلَّمْتُ فَجَاءَ مَا يُرِيدُ يَلْعَبُ بِهِ مَرْوَانُ فَصَارَ سَيِّقَةً لَهُ يَسُوقُهُ حَيْثُ يَشَاءُ بَعْدَ كِبَرِ السِّنِّ وَصُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَامَ مُغْضَبًا حَتَّى دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ: أَمَا رَضِيتَ مِنْ مَرْوَانَ وَلَا رَضِيَ مِنْكَ إِلَّا بِتَحَرُّفِكَ عَنْ دِينِكَ وَعَنْ عَقْلِكَ مِثْلَ جَمَلِ الظَّعِينَةِ يُقَادُ حَيْثُ يُسَارُ بِهِ؟
وَاللَّهِ مَا مَرْوَانُ بِذِي رَأْيٍ فِي دِينِهِ وَلَا نَفْسِهِ! وَايْمُ اللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ يُورِدُكَ وَلَا يُصْدِرُكَ! وَمَا أَنَا عَائِدٌ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا لِمُعَاتَبَتِكَ، أَذْهَبْتَ شَرَفَكَ وَغُلِبْتَ عَلَى رَأْيِكَ. (فَلَمَّا خَرَجَ عَلِيٌّ دَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ نَائِلَةُ ابْنَةُ الْفَرَافِصَةِ فَقَالَتْ: قَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ عَلِيٍّ وَلَيْسَ يُعَاوِدُكَ، وَقَدْ أَطَعْتَ مَرْوَانَ يَقُودُكَ حَيْثُ شَاءَ. قَالَ: فَمَا أَصْنَعُ؟ قَالَتْ: تَتَّقِي اللَّهَ وَتَتَّبِعُ سُنَّةَ صَاحِبَيْكَ، فَإِنَّكَ مَتَى أَطَعْتَ مَرْوَانَ قَتَلَكَ، وَمَرْوَانُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ النَّاسِ قَدْرٌ وَلَا هَيْبَةٌ وَلَا مَحَبَّةٌ، وَإِنَّمَا تَرَكَكَ النَّاسُ لِمَكَانِهِ، فَأَرْسِلْ إِلَى عَلِيٍّ فَاسْتَصْلِحْهُ فَإِنَّ لَهُ قَرَابَةً وَهُوَ لَا يُعْصَى. فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى عَلِيٍّ فَلَمْ يَأْتِهِ وَقَالَ: قَدْ أَعْلَمْتُهُ أَنِّي غَيْرُ عَائِدٍ. فَبَلَغَ مَرْوَانَ مَقَالَةُ نَائِلَةَ فِيهِ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ عُثْمَانَ فَقَالَ: يَا ابْنَةَ الْفَرَافِصَةِ! فَقَالَ عُثْمَانُ: لَا تَذْكُرَنَّهَا بِحَرْفٍ فَأُسَوِّدَ وَجْهَكَ، فَهِيَ وَاللَّهِ أَنْصَحُ لِي! فَكَفَّ مَرْوَانُ) . وَأَتَى عُثْمَانُ إِلَى عَلِيٍّ بِمَنْزِلِهِ لَيْلًا وَقَالَ لَهُ: إِنِّي غَيْرُ عَائِدٍ، وَإِنِّي فَاعِلٌ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: بَعْدَمَا تَكَلَّمْتَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَعْطَيْتَ مِنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَخَرَجَ مَرْوَانُ إِلَى النَّاسِ يَشْتُمُهُمْ عَلَى بَابِكَ وَيُؤْذِيهِمْ. فَخَرَجَ عُثْمَانُ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: خَذَلْتَنِي وَجَرَّأْتَ النَّاسَ عَلَيَّ. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَكْثَرُ النَّاسِ ذَبًّا عَنْكَ، وَلَكِنِّي كُلَّمَا جِئْتُ بِشَيْءٍ أَظُنُّهُ لَكَ رِضًا جَاءَ مَرْوَانُ بِأُخْرَى فَسَمِعْتَ قَوْلَهُ وَتَرَكْتَ قَوْلِي. وَلَمْ يَعُدْ عَلِيٌّ يَعْمَلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ إِلَى أَنْ مُنِعَ عُثْمَانُ الْمَاءَ. فَقَالَ عَلِيٌّ لِطَلْحَةَ (أُرِيدُ أَنْ) تُدْخَلَ عَلَيْهِ الرَّوَايَا، وَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى دَخَلَتِ الرَّوَايَا عَلَى عُثْمَانَ. قَالَ: وَقَدْ قِيلَ إِنْ عَلِيًّا كَانَ عِنْدَ حَصْرِ عُثْمَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عِنْدَ طَلْحَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ لَهُ فِيهِ أَثَرٌ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ أَتَاهُ عُثْمَانُ وَقَالَ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ لِي حَقَّ الْإِسْلَامِ وَحَقَّ الْإِخَاءِ وَالْقَرَابَةِ وَالصِّهْرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَكُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَكَانَ عَارًا عَلَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْ يَنْتَزِعَ أَخُو بَنِي تَيْمٍ، يَعْنِي طَلْحَةَ أَمْرَهُمْ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: سَيَأْتِيكَ الْخَبَرُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَرَأَى أُسَامَةَ فَتَوَكَّأَ عَلَى يَدِهِ حَتَّى دَخَلَ دَارَ طَلْحَةَ، وَهُوَ [فِي] خَلْوَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ: يَا طَلْحَةُ مَا هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي وَقَعْتَ فِيهِ؟ فَقَالَ يَا أَبَا
ذكر مقتل عثمان
الْحَسَنِ بَعْدَمَا مَسَّ الْحِزَامُ الطِّبْيَيْنِ. فَانْصَرَفَ عَلِيٌّ حَتَّى أَتَى بَيْتَ الْمَالِ فَقَالَ: افْتَحُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوا الْمَفَاتِيحَ، فَكَسَرَ الْبَابَ وَأَعْطَى النَّاسَ، فَانْصَرَفُوا مِنْ عِنْدِ طَلْحَةَ حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ، وَسُرَّ بِذَلِكَ عُثْمَانُ، وَجَاءَ طَلْحَةُ فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرَدْتُ أَمْرًا فَحَالَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ! فَقَالَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ مَا جِئْتَ تَائِبًا، وَلَكِنْ جِئْتَ مَغْلُوبًا، اللَّهُ حَسِيبُكَ يَا طَلْحَةُ! [ذكر مَقْتَلِ عُثْمَانَ] قَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ مَسِيرِ النَّاسِ إِلَى قَتْلِ عُثْمَانَ. وَقَدْ تَرَكْنَا كَثِيرًا مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا النَّاسُ ذَرِيعَةً إِلَى قَتْلِهِ لِعِلَلٍ دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ، وَنَذْكُرُ الْآنَ كَيْفَ قُتِلَ، وَمَا كَانَ بَدْءُ ذَلِكَ وَابْتِدَاءُ الْجُرْأَةِ عَلَيْهِ قَبْلَ قَتْلِهِ. فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ إِبِلًا مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ قُدِمَ بِهَا عَلَى عُثْمَانَ، فَوَهَبَهَا لِبَعْضِ بَنِي الْحَكَمِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَأَخَذَهَا وَقَسَّمَهَا بَيْنَ النَّاسِ وَعُثْمَانُ فِي الدَّارِ. قِيلَ: وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اجْتَرَأَ عَلَى عُثْمَانَ بِالْمَنْطِقِ جَبَلَةُ بْنُ عَمْرٍو السَّاعِدِيُّ، مَرَّ بِهِ عُثْمَانُ وَهُوَ فِي نَادِي قَوْمِهِ وَبِيَدِهِ جَامِعَةٌ، فَسَلَّمَ فَرَدَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ جَبَلَةُ: لِمَ تَرُدُّونَ عَلَى رَجُلٍ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا؟ ثُمَّ قَالَ لِعُثْمَانَ: وَاللَّهِ لَأَطْرَحَنَّ هَذِهِ الْجَامِعَةَ فِي عُنُقِكَ أَوْ لَتَتْرُكَنَّ بِطَانَتَكَ هَذِهِ الْخَبِيثَةَ: مَرْوَانَ، وَابْنَ عَامِرٍ، وَابْنَ سَعْدٍ، مِنْهُمْ مَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِذَمِّهِ وَأَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَمَهُ. فَاجْتَرَأَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لَهُ فِي خُطْبَتِهِ. قِيلَ: وَخَطَبَ يَوْمًا وَبِيَدِهِ عَصًا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَخْطُبُونَ عَلَيْهَا، فَأَخَذَهَا جَهْجَاهُ الْغِفَارِيُّ مِنْ يَدِهِ وَكَسَرَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ، فَرُمِيَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ بِأَكِلَةٍ.
وَقِيلَ: كَتَبَ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى مَنْ بِالْآفَاقِ مِنْهُمْ: إِنْ أَرَدْتُمُ الْجِهَادَ فَهَلُمُّوا إِلَيْهِ فَإِنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَفْسَدَهُ خَلِيفَتُكُمْ فَأَقِيمُوهُ. فَاخْتَلَفَتْ قُلُوبُ النَّاسِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَجَاءَ الْمِصْرِيُّونَ - كَمَا ذَكَرْنَا - إِلَى الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ - كَمَا تَقَدَّمَ - فَكَلَّمَاهُمْ فَعَادُوا ثُمَّ رَجَعُوا، فَلَمَّا رَجَعُوا انْطَلَقَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ عَوْدَتِهِمْ، فَأَخْرَجُوا صَحِيفَةً فِي أُنْبُوبَةِ رَصَاصٍ وَقَالُوا: وَجَدْنَا غُلَامَ عُثْمَانَ بِالْبُوَيْبِ عَلَى بَعِيرٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا فِيهِ هَذِهِ الصَّحِيفَةَ يَأْمُرُ فِيهَا بِجَلْدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُدَيْسٍ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الْبَيَّاعِ وَحَبْسِهِمْ وَحَلْقِ رُءُوسِهِمْ وَلِحَاهُمْ وَصَلْبِ بَعْضِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي أُخِذَتْ مِنْهُ الصَّحِيفَةُ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ. فَلَمَّا رَأَوْهُ سَأَلُوهُ عَنْ مَسِيرِهِ وَهَلْ مَعَهُ كِتَابٌ فَقَالَ: لَا. فَسَأَلُوهُ فِي أَيِّ شَيْءٍ هُوَ، فَتَغَيَّرَ كَلَامُهُ، فَأَنْكَرُوهُ وَفَتَّشُوهُ وَأَخَذُوا الْكِتَابَ مِنْهُ وَعَادُوا وَعَادَ الْكُوفِيُّونَ وَالْبَصْرِيُّونَ. فَلَمَّا عَادَ أَهْلُ مِصْرَ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ وَقَالُوا لَهُ: قَدْ كَلَّمْنَا عَلِيًّا وَوَعَدَنَا أَنْ يُكَلِّمَهُ، وَكَلَّمْنَا سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ فَقَالَا: لَا نَدْخُلُ فِي أَمْرِكُمْ. وَقَالُوا لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ لِيَحْضُرَ مَعَ عَلِيٍّ عِنْدَ عُثْمَانَ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَوَعَدَهُمْ بِذَلِكَ، فَدَخَلَ عَلِيٌّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَلَى عُثْمَانَ فَاسْتَأْذَنَا لِلْمِصْرِيِّينَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَهُ مَرْوَانُ، فَقَالَ: دَعْنِي أُكَلِّمْهُمْ. فَقَالَ عُثْمَانُ: اسْكُتْ فَضَّ اللَّهُ فَاكَ! مَا أَنْتَ وَهَذَا الْأَمْرُ؟ اخْرُجْ عَنِّي! فَخَرَجَ مَرْوَانُ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَمُحَمَّدٌ لِعُثْمَانَ مَا قَالَ الْمِصْرِيُّونَ، فَأَقْسَمَ بِاللَّهِ: مَا كَتَبْتُهُ وَلَا عِلْمَ [لِي] بِهِ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: صَدَقَ، هَذَا مِنْ عَمَلِ مَرْوَانَ. وَدَخَلَ عَلَيْهِ الْمِصْرِيُّونَ فَلَمْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، فَعَرَفُوا الشَّرَّ فِيهِمْ، وَتَكَلَّمُوا فَذَكَرَ ابْنُ عُدَيْسٍ مَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ بِالْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَالِاسْتِئْثَارِ فِي الْغَنَائِمِ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ: هَذَا كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. وَذَكَرُوا شَيْئًا مِمَّا أَحْدَثَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالُوا لَهُ: وَخَرَجْنَا مِنْ مِصْرَ وَنَحْنُ نُرِيدُ قَتْلَكَ، فَرَدَّنَا عَلِيٌّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَضَمِنَا لَنَا النُّزُوعَ عَنْ كُلِّ مَا تَكَلَّمْنَا فِيهِ، فَرَجَعْنَا إِلَى بِلَادِنَا فَرَأَيْنَا غُلَامَكَ وَكِتَابَكَ وَعَلَيْهِ خَاتَمُكَ تَأْمُرُ عَبْدَ اللَّهِ بِجَلْدِنَا وَالْمُثْلَةِ بِنَا وَطُولِ الْحَبْسِ. فَحَلَفَ عُثْمَانُ أَنَّهُ مَا كَتَبَ وَلَا أَمَرَ وَلَا عَلِمَ. فَقَالَ عَلِيٌّ وَمُحَمَّدٌ: صَدَقَ عُثْمَانُ. قَالَ الْمِصْرِيُّونَ: فَمَنْ كَتَبَهُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. قَالُوا: فَيَجْتَرِأُ عَلَيْكَ وَيَبْعَثُ غُلَامَكَ وَجَمَلًا مِنَ الصَّدَقَةِ، وَيَنْقُشُ عَلَى خَاتَمِكَ، وَيَبْعَثُ إِلَى عَامِلِكَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: مَا أَنْتَ إِلَّا صَادِقٌ أَوْ كَاذِبٌ، فَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَقَدِ اسْتَحْقَقْتَ الْخَلْعَ لِمَا
أَمَرْتَ بِهِ مَنْ قَتْلِنَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدِ اسْتَحْقَقْتَ أَنْ تَخْلَعَ نَفْسَكَ لِضَعْفِكَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَغَفْلَتِكَ وَخُبْثِ بِطَانَتِكَ، وَلَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ بِيَدِ مَنْ تُقْطَعُ الْأُمُورُ دُونَهُ لِضَعْفِهِ وَغَفْلَتِهِ، فَاخْلَعْ نَفْسَكَ مِنْهُ كَمَا خَلَعَكَ اللَّهُ! فَقَالَ: لَا أَنْزِعُ قَمِيصًا أَلْبَسَنِيهِ اللَّهُ، وَلَكِنِّي أَتُوبُ وَأَنْزِعُ. قَالُوا: لَوْ كَانَ هَذَا أَوَّلَ ذَنْبٍ تُبْتَ مِنْهُ قَبِلْنَا، وَلَكِنَّا رَأَيْنَاكَ تَتُوبُ ثُمَّ تَعُودُ، وَلَسْنَا مُنْصَرِفِينَ حَتَّى نَخْلَعَكَ أَوْ نَقْتُلَكَ أَوْ تَلْحَقَ أَرْوَاحُنَا بِاللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ مَنَعَكَ أَصْحَابُكَ وَأَهْلُكَ قَاتَلْنَاهُمْ حَتَّى نَخْلُصَ إِلَيْكَ. فَقَالَ: أَمَّا أَنْ أَتَبَرَّأَ مِنْ خِلَافَةِ اللَّهِ فَالْقَتْلُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُكُمْ تُقَاتِلُونَ مَنْ مَنَعَنِي فَإِنِّي لَا آمُرُ أَحَدًا بِقِتَالِكُمْ، فَمَنْ قَاتَلَكُمْ فَبِغَيْرِ أَمْرِي قَاتَلَ، وَلَوْ أَرَدْتُ قِتَالَكُمْ لَكَتَبْتُ إِلَى الْأَجْنَادِ فَقَدِمُوا عَلَيَّ أَوْ لَحِقْتُ بِبَعْضِ أَطْرَافِي. وَكَثُرَتِ الْأَصْوَاتُ وَاللَّغَطُ. فَقَامَ عَلِيٌّ فَخَرَجَ وَأَخْرَجَ الْمِصْرِيِّينَ وَمَضَى عَلِيٌّ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَحَصَرَ الْمِصْرِيُّونَ عُثْمَانَ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَابْنِ عَامِرٍ وَأُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ يَسْتَنْجِدُهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْعَجَلِ وَإِرْسَالِ الْجُنُودِ إِلَيْهِ. فَتَرَبَّصَ بِهِ مُعَاوِيَةُ، فَقَامَ فِي أَهْلِ الشَّامِ يَزِيدُ بْنُ أَسَدٍ الْقَسْرِيُّ جَدُّ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ، فَتَبِعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى عُثْمَانَ، فَلَمَّا كَانُوا بِوَادِي الْقُرَى بَلَغَهُمْ قَتْلُ عُثْمَانَ فَرَجَعُوا. وَقِيلَ: بَلْ سَارَ مِنَ الشَّامِ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيُّ، وَسَارَ مِنَ الْبَصْرَةِ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ السُّلَمِيُّ، فَلَمَّا وَصَلُوا الرَّبَذَةَ وَنَزَلَتْ مُقَدَّمَتُهُمْ صِرَارًا بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ أَتَاهُمْ قَتْلُ عُثْمَانَ فَرَجَعُوا. وَكَانَ عُثْمَانُ قَدِ اسْتَشَارَ نُصَحَاءَهُ فِي أَمْرِهِ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَ إِلَى عَلِيٍّ يَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمْ وَيُعْطِيَهُمْ مَا يُرْضِيهِمْ لِيُطَاوِلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُ إِمْدَادُهُ. فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ التَّعَلُّلَ، وَقَدْ كَانَ مِنِّي فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى مَا كَانَ. فَقَالَ مَرْوَانُ: أَعْطِهُمْ مَا سَأَلُوكَ وَطَاوِلْهُمْ مَا طَاوَلُوكَ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ بَغَوْا عَلَيْكَ وَلَا عَهْدَ لَهُمْ. فَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ لَهُ: قَدْ تَرَى مَا كَانَ مِنَ النَّاسِ وَلَسْتُ آمَنُهُمْ عَلَى دَمِي، فَارْدُدْهُمْ عَنِّي فَإِنِّي أُعْطِيهِمْ مَا يُرِيدُونَ مِنَ الْحَقِّ مِنْ نَفْسِي وَغَيْرِي. فَقَالَ عَلِيٌّ: النَّاسُ إِلَى عَدْلِكَ أَحْوَجُ مِنْهُمْ إِلَى قَتْلِكَ، وَلَا يَرْضَوْنَ إِلَّا بِالرِّضَا، وَقَدْ كُنْتَ أَعْطَيْتَهُمْ أَوَّلًا عَهْدًا فَلَمْ تَفِ بِهِ فَلَا تَغُرَّنِي هَذِهِ الْمَرَّةَ، فَإِنِّي مُعْطِيهِمْ عَلَيْكَ الْحَقَّ. فَقَالَ: أَعْطِهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَفِيَنَّ لَهُمْ. فَخَرَجَ عَلِيٌّ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّمَا طَلَبْتُمُ الْحَقَّ وَقَدْ أُعْطِيتُمُوهُ وَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ مُنْصِفُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ. فَقَالَ النَّاسُ: قَبِلْنَا فَاسْتَوْثِقْ مِنْهُ لَنَا، فَإِنَّا لَا نَرْضَى بِقَوْلٍ دُونَ فِعْلٍ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ فَأَعْلَمَهُ فَقَالَ: اضْرِبْ بَيْنِي
وَبَيْنَهُمْ أَجَلًا فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى أَنْ أَرُدَّ مَا كَرِهُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلَا أَجَلَ فِيهِ، وَمَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ. قَالَ: نَعَمْ، فَأَجِّلْنِي فِيمَا فِي الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَتَبَ بَيْنَهُمْ كِتَابًا عَلَى رَدِّ كُلِّ مَظْلَمَةٍ وَعَزْلِ كُلِّ عَامِلٍ كَرِهُوهُ. فَكَفَّ النَّاسُ عَنْهُ، فَجَعَلَ يَتَأَهَّبُ لِلْقِتَالِ وَيَسْتَعِدُّ بِالسِّلَاحِ وَاتَّخَذَ جُنْدًا، فَلَمَّا مَضَتِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ وَلَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا ثَارَ بِهِ النَّاسُ، وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى الْمِصْرِيِّينَ فَأَعْلَمَهُمُ الْحَالَ، وَهُمْ بِذِي خُشُبٍ، فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَطَلَبُوا مِنْهُ عَزْلَ عُمَّالِهِ وَرَدَّ مَظَالِمِهِمْ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ مُسْتَعْمِلًا مَنْ أَرَدْتُمْ وَعَازِلًا مَنْ كَرِهْتُمْ فَلَسْتُ فِي شَيْءٍ وَالْأَمْرُ أَمْرُكُمْ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ أَوْ لَتُخْلَعَنَّ أَوْ لَتُقْتَلَنَّ. فَأَبَى عَلَيْهِمْ وَقَالَ: لَا أَنْزِعُ سِرْبَالًا سَرْبَلَنِيهُ اللَّهُ. فَحَصَرُوهُ وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فَحَضَرُوا، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اجْلِسُوا. فَجَلَسُوا الْمُحَارِبُ وَالْمُسَالِمُ. فَقَالَ لَهُمْ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُحْسِنَ عَلَيْكُمُ الْخِلَافَةَ مِنْ بَعْدِي، ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ دَعَوْتُمُ اللَّهَ عِنْدَ مُصَابِ عُمَرَ أَنْ يَخْتَارَ لَكُمْ وَيَجْمَعَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ؟ أَتَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكُمْ وَهُنْتُمْ عَلَيْهِ وَأَنْتُمْ أَهْلُ حَقِّهِ؟ أَمْ تَقُولُونَ: هَانَ عَلَى اللَّهِ دِينُهُ فَلَمْ يُبَالِ مَنْ وُلِّيَ وَالدِّينُ لَمْ يَتَفَرَّقْ أَهْلُهُ يَوْمَئِذٍ؟ أَمْ تَقُولُونَ: لَمْ يَكُنْ أَخْذٌ عَنْ مَشُورَةٍ، إِنَّمَا كَانَ مُكَابَرَةً، فَوَكَّلَ اللَّهُ الْأُمَّةَ إِذَا عَصَتْهُ وَلَمْ يُشَاوِرُوا فِي الْإِمَامَةِ؟ أَمْ تَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْلَمْ عَاقِبَةَ أَمْرِي! وَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَتَعْلَمُونَ لِي مِنْ سَابِقَةِ خَيْرٍ وَقَدَمِ خَيْرٍ قَدَّمَهُ اللَّهُ لِي مَا يُوجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ جَاءَ بَعْدِي أَنْ يَعْرِفُوا لِي فَضْلَهَا! فَمَهْلًا لَا تَقْتُلُونِي فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ إِلَّا قَتْلُ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ، أَوْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قَتَلْتُمُونِي وَضَعْتُمُ السَّيْفَ عَلَى رِقَابِكُمْ، ثُمَّ لَمْ يَرْفَعِ اللَّهُ عَنْكُمُ الِاخْتِلَافَ أَبَدًا. قَالُوا: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنِ اسْتِخَارَةِ النَّاسِ بَعْدَ عُمَرَ ثُمَّ وَلُّوكَ، فَإِنَّ كُلَّ مَا صَنَعَ اللَّهُ خِيرَةٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَكَ بَلِيَّةً ابْتَلَى بِهَا عِبَادَهُ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ قَدَمِكَ وَسَلَفِكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ كُنْتَ كَذَلِكَ وَكُنْتَ أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ، وَلَكِنْ أَحْدَثْتَ مَا عَلِمْتَهُ، وَلَا نَتْرُكُ إِقَامَةَ الْحَقِّ عَلَيْكَ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ عَامًا قَابِلًا، وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّهُ لَا يَحِلُّ إِلَّا قَتْلُ ثَلَاثَةٍ، فَإِنَّا نَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَتْلَ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ سَمَّيْتَ، قَتْلَ مَنْ سَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَقَتْلَ مَنْ
بَغَى ثُمَّ قَاتَلَ عَلَى بَغْيِهِ، وَقَتْلَ مَنْ حَالَ دُونَ شَيْءٍ مِنَ الْحَقِّ وَمَنَعَهُ وَقَاتَلَ دُونَهُ، وَقَدْ تَمَسَّكْتَ بِالْإِمَارَةِ عَلَيْنَا، فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّكَ لَمْ تُكَابِرْنَا عَلَيْهِ فَإِنَّ الَّذِينَ قَامُوا دُونَكَ وَمَنَعُوكَ مِنَّا إِنَّمَا يُقَاتِلُونَ لِتَمَسُّكٍ بِالْإِمَارَةِ، فَلَوْ خَلَعْتَ نَفْسَكَ لَانْصَرَفُوا عَنِ الْقِتَالِ مَعَكَ! فَسَكَتَ عُثْمَانُ وَلَزِمَ الدَّارَ، وَأَمَرَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِالرُّجُوعِ وَأَقْسَمَ عَلَيْهِمْ، فَرَجَعُوا إِلَّا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدَ بْنَ طَلْحَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَشْبَاهًا لَهُمْ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ كَثِيرٌ، فَكَانَتْ مُدَّةُ الْحِصَارِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا مَضَتْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً قَدِمَ رُكْبَانٌ مِنَ الْأَمْصَارِ، فَأَخْبَرُوا بِخَبَرِ مَنْ تَهَيَّأَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْجُنُودِ وَشَجَّعُوا النَّاسَ، فَعِنْدَهَا حَالُوا بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ عُثْمَانَ، وَمَنَعُوهُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْمَاءَ. فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى عَلِيٍّ سِرًّا وَإِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّهُمْ قَدْ مَنَعُونِي الْمَاءَ، فَإِنْ قَدَرْتُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَيْنَا مَاءً فَافْعَلُوا. فَكَانَ أَوَّلَهُمْ إِجَابَةً عَلِيٌّ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَجَاءَ عَلِيٌّ فِي الْغَلَسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الَّذِي تَفْعَلُونَ لَا يُشْبِهُ أَمْرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا أَمْرَ الْكَافِرِينَ، فَلَا تَقْطَعُوا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الْمَاءَ وَلَا الْمَادَّةَ، فَإِنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ لَتَأْسِرُ فَتُطْعِمُ وَتَسْقِي! فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ وَلَا نُعْمَةَ عَيْنٍ! فَرَمَى بِعِمَامَتِهِ فِي الدَّارِ بِأَنِّي قَدْ نَهَضْتُ وَرَجَعْتُ، وَجَاءَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهَا مُشْتَمِلَةً عَلَى إِدَاوَةٍ، فَضَرَبُوا وَجْهَ بَغْلَتِهَا فَقَالَتْ: إِنَّ وَصَايَا بَنِي أُمَيَّةَ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْهَا لِئَلَّا تَهْلِكَ أَمْوَالُ الْأَيْتَامِ وَالْأَرَامِلِ. فَقَالُوا: كَاذِبَةٌ، وَقَطَعُوا حَبْلَ الْبَغْلَةِ بِالسَّيْفِ، فَنَفَرَتْ وَكَادَتْ تَسْقُطُ عَنْهَا، فَتَلَقَّاهَا النَّاسُ فَأَخَذُوهَا وَذَهَبُوا بِهَا إِلَى بَيْتِهَا. فَأَشْرَفَ عُثْمَانُ يَوْمًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اشْتَرَيْتُ بِئْرَ رُومَةَ بِمَالِي لِيُسْتَعْذَبَ بِهَا، فَجَعَلْتُ رِشَائِي فِيهَا كَرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَلِمَ تَمْنَعُونِي أَنْ أَشْرَبَ مِنْهَا حَتَّى أُفْطِرَ عَلَى مَاءِ الْبَحْرِ؟ ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اشْتَرَيْتُ أَرْضَ كَذَا فَزِدْتُهَا فِي الْمَسْجِدِ؟ قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ أَحَدًا مُنِعَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ قَبْلِي؟ ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عَنِّي كَذَا وَكَذَا؟ أَشْيَاءُ فِي شَأْنِهِ. فَفَشَا النَّهْيُ فِي النَّاسِ يَقُولُونَ: مَهْلًا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَامَ الْأَشْتَرُ فَقَالَ: لَعَلَّهُ مُكِرَ بِهِ وَبِكُمْ. وَخَرَجَتْ عَائِشَةُ إِلَى الْحَجِّ وَاسْتَتْبَعَتْ أَخَاهَا مُحَمَّدًا فَأَبَى، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَطَعْتُ أَنْ يَحْرِمَهُمُ اللَّهُ مَا يُحَاوِلُونَ لَأَفْعَلَنَّ. فَقَالَ لَهُ حَنْظَلَةُ الْكَاتِبُ: تَسْتَتْبِعُكَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا تَتْبَعُهَا، وَتَتْبَعُ ذُؤْبَانَ الْعَرَبِ إِلَى مَا [لَا] يَحِلُّ؟ وَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ إِنْ صَارَ إِلَى التَّغَالُبِ غَلَبَكَ عَلَيْهِ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ. ثُمَّ رَجَعَ حَنْظَلَةُ إِلَى الْكُوفَةِ وَهُوَ يَقُولُ:
عَجِبْتُ لِمَا يَخُوضُ النَّاسُ فِيهِ ... يَرُومُونَ الْخِلَافَةَ أَنْ تَزُولَا وَلَوْ زَالَتْ لَزَالَ الْخَيْرُ عَنْهُمْ ... وَلَاقَوْا بَعْدَهَا ذُلًّا ذَلِيلَا وَكَانُوا كَالْيَهُودِ وَكَالنَّصَارَى ... سَوَاءً كُلُّهُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَا وَبَلَغَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ مَا لَقِيَ عَلِيٌّ وَأُمُّ حَبِيبَةَ، فَلَزِمُوا بُيُوتَهُمْ وَبَقِيَ عُثْمَانُ يَسْقِيهِ آلُ حَزْمٍ فِي الْغَفَلَاتِ. فَأَشْرَفَ عُثْمَانُ عَلَى النَّاسِ فَاسْتَدْعَى ابْنَ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ بِالنَّاسِ، وَكَانَ مِمَّنْ لَزِمَ الْبَابَ، فَقَالَ: جِهَادُ هَؤُلَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْحَجِّ فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ فَانْطَلَقَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: دَخَلْتُ عَلَى عُثْمَانَ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَسْمَعَنِي كَلَامَ مَنْ عَلَى بَابِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا تَنْتَظِرُونَ بِهِ؟ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: انْظُرُوا عَسَى أَنْ يُرَاجِعَ. قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ وَاقِفُونَ إِذْ مَرَّ طَلْحَةُ فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ عُدَيْسٍ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ فَنَاجَاهُ، ثُمَّ رَجَعَ ابْنُ عُدَيْسٍ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَتْرُكُوا أَحَدًا يَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ. فَقَالَ لِي عُثْمَانُ: هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ طَلْحَةُ، اللَّهُمَّ اكْفِنِي طَلْحَةَ فَإِنَّهُ حَمَلَ عَلَيَّ هَؤُلَاءِ وَأَلَّبَهُمْ عَلَيَّ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ مِنْهَا صِفْرًا وَأَنْ يُسْفَكَ دَمُهُ! قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَخْرُجَ فَمَنَعُونِي حَتَّى أَمَرَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَتَرَكُونِي أَخْرُجُ. وَقِيلَ: إِنَّ الزُّبَيْرَ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ عُثْمَانُ، وَقِيلَ: أَدْرَكَ قَتْلَهُ. وَلَمَّا رَأَى الْمِصْرِيُّونَ أَنَّ أَهْلَ الْمَوْسِمِ يُرِيدُونَ قَصْدَهُمْ، وَأَنْ يَجْمَعُوا ذَلِكَ إِلَى حَجِّهِمْ مَعَ مَا بَلَغَهُمْ مِنْ مَسِيرِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ قَالُوا: لَا يُخْرِجُنَا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي وَقَعْنَا فِيهِ إِلَّا قَتْلُ هَذَا الرَّجُلِ، فَيَشْتَغِلُ النَّاسُ عَنَّا بِذَلِكَ. فَرَامُوا الْبَابَ فَمَنَعَهُمُ الْحَسَنُ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، وَمَرْوَانُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ، وَاجْتَلَدُوا، فَزَجَرَهُمْ عُثْمَانُ وَقَالَ: أَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْ نُصْرَتِي، فَأَبَوْا، فَفَتَحَ الْبَابَ لِمَنْعِهِمْ، فَلَمَّا خَرَجَ وَرَآهُ الْمِصْرِيُّونَ رَجَعُوا، فَرَكِبَهُمْ هَؤُلَاءِ، وَأَقْسَمَ عُثْمَانُ عَلَى أَصْحَابِهِ لَيَدْخُلُنَّ فَدَخَلُوا فَأَغْلَقَ الْبَابَ دُونَ الْمِصْرِيِّينَ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهُ نِيَارُ بْنُ عِيَاضٍ، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَنَادَى عُثْمَانَ، فَبَيْنَا هُوَ يُنَاشِدُهُ أَنْ يَعْتَزِلَهُمْ إِذْ رَمَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ الْكِنْدِيُّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ. فَقَالُوا لِعُثْمَانَ عِنْدَ ذَلِكَ: ادْفَعْ إِلَيْنَا قَاتِلَهُ لِنَقْتُلَهُ بِهِ. قَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأَقْتُلَ رَجُلًا نَصَرَنِي وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ قَتْلِي. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ ثَارُوا إِلَى الْبَابِ، فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَحَدٌ مِنْهُ، وَالْبَابُ مُغْلَقٌ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الدُّخُولِ مِنْهُ، فَجَاءُوا بِنَارٍ فَأَحْرَقُوهُ وَالسَّقِيفَةَ الَّتِي عَلَى الْبَابِ، وَثَارَ أَهْلُ
الدَّارِ، وَعُثْمَانُ يُصَلِّي قَدِ افْتَتَحَ (طه) فَمَا شَغَلَهُ مَا سَمِعَ، مَا يُخْطِئُ وَمَا يَتَتَعْتَعُ، حَتَّى أَتَى عَلَيْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ جَلَسَ إِلَى الْمُصْحَفِ يَقْرَأُ فِيهِ، وَقَرَأَ: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] . فَقَالَ لِمَنْ عِنْدَهُ بِالدَّارِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا فَأَنَا صَابِرٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْرِقُوا الْبَابَ إِلَّا وَهُمْ يَطْلُبُونَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، فَأُحَرِّجُ عَلَى رَجُلٍ أَنْ يَسْتَقْتِلَ أَوْ يُقَاتِلَ، وَقَالَ لِلْحَسَنِ: إِنَّ أَبَاكَ الْآنَ لَفِي أَمْرٍ عَظِيمٍ مِنْ أَمْرِكَ، فَأَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمَا خَرَجْتَ إِلَيْهِ. فَتَقَدَّمُوا فَقَاتَلُوا وَلَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَهُ، فَبَرَزَ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وَكَانَ تَعَجَّلَ مِنَ الْحَجِّ، فِي عِصَابَةٍ لِيَنْصُرُوا عُثْمَانَ وَهُوَ مَعَهُ فِي الدَّارِ، وَارْتَجَزَ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ ذَاتُ الْقُرُونِ الْمِيلِ ... وَالْحَلْيِ وَالْأَنَامِلِ الطُّفُولِ لَتَصْدُقَنَّ بَيْعَتِي خَلِيلِي ... بِصَارِمٍ ذِي رَوْنَقٍ مَصْقُولِ لَا أَسْتَقِيلُ إِذْ أَقَلْتُ قِيلِي وَخَرَجَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَهُوَ يَقُولُ: لَا دِينُهُمْ دِينِي وَلَا أَنَا مِنْهُمُ ... حَتَّى أَسِيرَ إِلَى طَمَارِ شَمَامِ وَخَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا ابْنُ مَنْ حَامَى عَلَيْهِ بِأُحُدْ ... وَرَدَّ أَحْزَابًا عَلَى رَغْمِ مَعَدِّ وَخَرَجَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ وَهُوَ يَقُولُ: صَبْرَنَا غَدَاةَ الدَّارِ وَالْمَوْتُ وَاقِبٌ ... بِأَسْيَافِنَا دُونَ ابْنِ أَرْوَى نُضَارِبُ وَكُنَّا غَدَاةَ الرَّوْعِ فِي الدَّارِ نُصْرَةً ... نُشَافِهُهُمْ بِالضَّرْبِ وَالْمَوْتُ نَائِبُ
وَكَانَ آخِرَ مَنْ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَكَانَ يُحَدِّثُ عَنْ عُثْمَانَ بِآخِرِ مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَأَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَالنَّاسُ مُحْجِمُونَ فَقَالَ: هَذَا يَوْمٌ طَابَ فِيهِ الضَّرْبُ! وَنَادَى: {قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} [غافر: 41] ، وَبَرَزَ مَرْوَانُ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ ذَاتُ الْقُرُونِ الْمِيلِ ... وَالْكَفِّ وَالْأَنَامِلِ الطُّفُولِ أَنِّي أَرُوعُ أَوَّلَ الرَّعِيلِ ... بِغَارَةٍ مِثْلَ الْقَطَا الشَّلِيلِ فَبَرَزَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ يُدْعَى الْبَيَّاعَ، فَضَرَبَهُ مَرْوَانُ وَضَرَبَ هُوَ مَرْوَانَ عَلَى رَقَبَتِهِ فَأَثْبَتَهُ وَقَطَعَ إِحْدَى عِلْبَاوَيْهِ، فَعَاشَ مَرْوَانُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْقَصَ، وَقَامَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ بْنُ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيُّ لِيُدَفِّفَ عَلَيْهِ، فَقَامَتْ فَاطِمَةُ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَدِيٍّ، وَكَانَتْ أَرْضَعَتْ مَرْوَانَ وَأَرْضَعَتْ لَهُ، فَقَالَتْ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ قَتْلَهُ فَقَدْ قُتِلَ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَلْعَبَ بِلَحْمِهِ فَهَذَا قَبِيحٌ! فَتَرَكَهُ وَأَدْخَلَتْهُ بَيْتَهَا، فَعَرَفَ لَهَا بَنُوهُ ذَلِكَ، وَاسْتَعْمَلُوا ابْنَهَا إِبْرَاهِيمَ بَعْدُ. وَنَزَلَ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ رَجُلٌ فَقَتَلَ الْمُغِيرَةَ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسَ يَذْكُرُونَهُ قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُدَيْسٍ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ هَاتِفًا يَهْتِفُ فَقَالَ: بَشِّرْ قَاتِلَ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ بِالنَّارِ، فَابْتُلِيتُ بِهِ. وَاقْتَحَمَ النَّاسُ الدَّارَ مِنَ الدُّورِ الَّتِي حَوْلَهَا، وَدَخَلُوهَا مِنْ دَارِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إِلَى دَارِ عُثْمَانَ حَتَّى مَلَؤُهَا وَلَا يَشْعُرُ مَنْ بِالْبَابِ، وَغَلَبَ النَّاسُ عَلَى عُثْمَانَ وَنَدَبُوا رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَانْتُدِبَ لَهُ رَجُلٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْبَيْتَ فَقَالَ: اخْلَعْهَا وَنَدَعَكَ. فَقَالَ: وَيْحَكَ! وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ امْرَأَةً فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ وَلَا تَغَنَّيْتُ وَلَا تَمَنَّيْتُ وَلَا وَضَعْتُ يَمِينِي عَلَى عَوْرَتِي مُنْذُ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَسْتُ خَالِعًا قَمِيصًا كَسَانِيهِ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى يُكْرِمَ اللَّهُ أَهْلَ السَّعَادَةِ وَيُهِينَ أَهْلَ الشَّقَاوَةِ! فَخَرَجَ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يُنْجِينَا مِنَ النَّاسِ إِلَّا قَتْلُهُ وَلَا يَحِلُّ لَنَا قَتْلُهُ. فَأَدْخَلُوا عَلَيْهِ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ فَقَالَ لَهُ: لَسْتَ بِصَاحِبِي لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا لَكَ أَنْ تُحْفَظَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وَلَنْ تَضِيعَ. فَرَجَعَ عَنْهُ وَفَارَقَ الْقَوْمَ. وَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَغْفَرَ لَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا
فَلَنْ تُقَارِفَ دَمًا حَرَامًا. فَرَجَعَ وَفَارَقَ أَصْحَابَهُ. وَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ يَنْهَاهُمْ عَنْ قَتْلِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ لَا تَسُلُّوا سَيْفَ اللَّهِ فِيكُمْ، فَوَاللَّهِ إِنْ سَلَلْتُمُوهُ لَا تُغْمِدُوهُ! وَيْلَكُمْ! إِنَّ سُلْطَانَكُمُ الْيَوْمَ يُقَوِّمُ بِالدِّرَّةِ، فَإِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَا يُقَوِّمُ إِلَّا بِالسَّيْفِ. وَيْلَكُمْ! إِنَّ مَدِينَتَكُمْ مَحْفُوفَةٌ بِالْمَلَائِكَةِ فَإِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَيَتْرُكُنَّهَا. فَقَالُوا: يَا ابْنَ الْيَهُودِيَّةِ مَا أَنْتَ وَهَذَا! فَرَجَعَ عَنْهُمْ. وَكَانَ آخِرَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ مِمَّنْ رَجَعَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: وَيْلَكَ أَعَلَى اللَّهِ تَغْضَبُ؟ هَلْ لِي إِلَيْكَ جُرْمٌ إِلَّا حَقَّهُ أَخَذْتُهُ مِنْكَ؟ فَأَخَذَ مُحَمَّدٌ لِحْيَتَهُ وَقَالَ: قَدْ أَخْزَاكَ اللَّهُ يَا نَعْثَلُ! فَقَالَ: لَسْتُ بِنَعْثَلٍ وَلَكِنِّي عُثْمَانُ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانُوا يُلَقِّبُونَ بِهِ عُثْمَانَ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: مَا أَغْنَى عَنْكَ مُعَاوِيَةُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ! فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا ابْنَ أَخِي فَمَا كَانَ أَبُوكَ لِيَقْبِضَ عَلَيْهَا. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَوْ رَآكَ أَبِي تَعْمَلُ هَذِهِ الْأَعْمَالَ أَنْكَرَهَا عَلَيْكَ، وَالَّذِي أُرِيدَ بِكَ أَشَدُّ مِنْ قَبْضِي عَلَيْهَا! فَقَالَ عُثْمَانُ: أَسْتَنْصِرُ اللَّهَ عَلَيْكَ وَأَسْتَعِينُ بِهِ! فَتَرَكَهُ وَخَرَجَ. وَقِيلَ: بَلْ طَعَنَ جَبِينَهُ بِمِشْقَصٍ كَانَ فِي يَدِهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ مُحَمَّدٌ وَعَرَفُوا انْكِسَارَهُ ثَارَ قُتَيْرَةُ، وَسَوْدَانُ بْنُ حُمْرَانَ، وَالْغَافِقِيُّ، فَضَرَبَهُ الْغَافِقِيُّ بِحَدِيدَةٍ مَعَهُ وَضَرَبَ الْمُصْحَفَ بِرِجْلِهِ، فَاسْتَدَارَ الْمُصْحَفُ وَاسْتَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَسَالَتْ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ، وَجَاءَ سَوْدَانُ لِيَضْرِبَهُ، فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَاتَّقَتِ السَّيْفَ بِيَدِهَا، فَنَفَحَ أَصَابِعَهَا فَأَطَنَّ أَصَابِعَ يَدِهَا وَوَلَّتْ، فَغَمَزَ أَوْرَاكَهَا وَقَالَ: إِنَّهَا لَكَبِيرَةُ الْعَجُزِ! وَضَرَبَ عُثْمَانَ فَقَتَلَهُ. وَقِيلَ: الَّذِي قَتَلَهُ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ التُّجِيبِيُّ. وَكَانَ عُثْمَانُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ اللَّيْلَةَ يَقُولُ لَهُ: إِنَّكَ تُفْطِرُ اللَّيْلَةَ عِنْدَنَا. فَلَمَّا قُتِلَ سَقَطَ مِنْ دَمِهِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ} [البقرة: 137] . وَدَخَلَ غُلْمَةٌ لِعُثْمَانَ مَعَ الْقَوْمِ لِيَنْصُرُوهُ، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ أَعْتَقَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا ضَرَبَهُ سَوْدَانُ ضَرَبَ بَعْضُ الْغِلْمَانِ رَقَبَةَ سَوْدَانَ فَقَتَلَهُ، وَوَثَبَ قُتَيْرَةُ عَلَى الْغُلَامِ فَقَتَلَهُ، وَانْتَهَبُوا مَا فِي الْبَيْتِ وَخَرَجُوا، ثُمَّ أَغْلَقُوهُ عَلَى ثَلَاثَةِ قَتْلَى، فَلَمَّا خَرَجُوا
وَثَبَ غُلَامٌ لِعُثْمَانَ عَلَى قُتَيْرَةَ فَقَتَلَهُ، وَثَارَ الْقَوْمُ فَأَخَذُوا مَا وَجَدُوا حَتَّى أَخَذُوا مَا عَلَى النِّسَاءِ، وَأَخَذَ كُلْثُومٌ التُّجِيبِيُّ مُلَاءَةً مِنْ عَلَى نَائِلَةَ، فَضَرَبَهُ غُلَامٌ لِعُثْمَانَ فَقَتَلَهُ، وَتَنَادَوْا: أَدْرِكُوا بَيْتَ الْمَالِ وَلَا تُسْبَقُوا إِلَيْهِ، فَسَمِعَ أَصْحَابُ بَيْتِ الْمَالِ كَلَامَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا غِرَارَتَانِ، فَقَالُوا: النَّجَاءَ فَإِنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا يُحَاوِلُونَ الدُّنْيَا! فَهَرَبُوا، وَأَتَوْا بَيْتَ الْمَالِ فَانْتَهَبُوهُ وَمَاجَ النَّاسُ. وَقِيلَ إِنَّهُمْ نَدِمُوا عَلَى قَتْلِهِ. وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ فَوَثَبَ عَلَى صَدْرِهِ وَبِهِ رَمَقٌ فَطَعَنَهُ تِسْعَ طَعَنَاتٍ، قَالَ: فَأَمَّا ثَلَاثٌ مِنْهَا فَإِنِّي طَعَنْتُهُنَّ إِيَّاهُ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَأَمَّا سِتٌّ فَلِمَا كَانَ فِي صَدْرِي عَلَيْهِ. وَأَرَادُوا قَطْعَ رَأْسِهِ فَوَقَعَتْ نَائِلَةُ عَلَيْهِ وَأُمُّ الْبَنِينَ، فَصَاحَتَا وَضَرَبَتَا الْوُجُوهَ. فَقَالَ ابْنُ عُدَيْسٍ: اتْرُكُوهُ. وَأَقْبَلَ عُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ فَوَثَبَ عَلَيْهِ، فَكَسَرَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ وَقَالَ: سَجَنْتَ أَبِي حَتَّى مَاتَ فِي السِّجْنِ. وَكَانَ قَتْلُهُ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَّا اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ: إِلَّا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ قَتْلُهُ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَكَانَ عُمُرُهُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَمَانِيًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: تِسْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: سِتًّا وَثَمَانِينَ سَنَةً. ذكر الْمَوْضِعِ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ قِيلَ: بَقِيَ عُثْمَانُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يُدْفَنُ، ثُمَّ إِنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ الْقُرَشِيَّ، وَجُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ كَلَّمَا عَلِيًّا فِي أَنْ يَأْذَنَ فِي دَفْنِهِ، فَفَعَلَ، فَلَمَّا سَمِعَ مَنْ قَصَدَهُ بِذَلِكَ قَعَدُوا لَهُ فِي الطَّرِيقِ بِالْحِجَارَةِ، وَخَرَجَ بِهِ نَاسٌ يَسِيرٌ مَنْ أَهْلِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَفِيهِمُ الزُّبَيْرُ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ، وَمَرْوَانُ، بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَأَتَوْا بِهِ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ يُسَمَّى
ذكر بعض سيرة عثمان
حَشَّ كَوْكَبٍ، وَهُوَ خَارِجُ الْبَقِيعِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، وَقِيلَ: حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَقِيلَ: مَرْوَانُ، وَجَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لِيَمْنَعُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَرَكُوهُمْ خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ. وَأَرْسَلَ عَلِيٌّ إِلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يَرْجُمَ سَرِيرَهُ مِمَّنْ جَلَسَ عَلَى الطَّرِيقِ لَمَّا سَمِعَ بِهِمْ فَمَنَعَهُمْ عَنْهُ، وَدُفِنَ فِي حَشِّ كَوْكَبٍ. فَلَمَّا ظَهَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى النَّاسِ أَمَرَ بِذَلِكَ الْحَائِطِ، فَهُدِمَ. وَأُدْخِلَ فِي الْبَقِيعِ، وَأَمْرَ النَّاسَ فَدَفَنُوا أَمْوَاتَهُمْ حَوْلَ قَبْرِهِ حَتَّى اتَّصَلَ الدَّفْنُ بِمَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا دُفِنَ بِالْبَقِيعِ مِمَّا يَلِي حَشَّ كَوْكَبٍ. وَقِيلَ: شَهِدَ جِنَازَتَهُ عَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَعَامَّةُ مَنْ ثَمَّ مِنْ أَصْحَابِهِ. قَالَ: وَقِيلَ لَمْ يُغَسَّلْ وَكُفِّنَ فِي ثِيَابِهِ. [ذكر بَعْضِ سِيرَةِ عُثْمَانَ] قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا أَنَا بِعُثْمَانَ مُتَّكِئًا عَلَى رِدَائِهِ، فَأَتَاهُ سَقَّاءَانِ يَخْتَصِمَانِ إِلَيْهِ، فَقَضَى بَيْنَهُمَا. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ يَمُتْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى مَلَّتْهُ قُرَيْشٌ وَقَدْ كَانَ حَصَرَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ: أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ انْتِشَارُكُمْ فِي الْبِلَادِ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَيَسْتَأْذِنُهُ فِي الْغَزْوِ فَيَقُولُ: قَدْ كَانَ لَكَ فِي غَزْوِكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُبَلِّغُكَ، وَخَيْرٌ لَكَ مِنْ غَزْوِكَ الْيَوْمَ أَنْ لَا تَرَى الدُّنْيَا وَلَا تَرَاكَ. وَكَانَ يَفْعَلُ هَذَا بِالْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ بِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ خَلَّى عَنْهُمْ فَانْتَشَرُوا فِي الْبِلَادِ وَانْقَطَعَ إِلَيْهِمُ النَّاسُ، وَكَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ عُمَرَ. قِيلَ: وَحَجَّ عُثْمَانُ بِالنَّاسِ سَنَوَاتِ خِلَافَتِهِ كُلَّهَا، وَحَجَّ بِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا كَانَ يَصْنَعُ عُمَرُ. وَكَتَبَ إِلَى الْأَمْصَارِ أَنْ يُوَافِيَهُ الْعُمَّالُ فِي الْمَوْسِمِ وَمَنْ يَشْكُو مِنْهُمْ، وَأَنْ يَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنَّهُ مَعَ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ مَا دَامَ مَظْلُومًا. وَقِيلَ: كَانَ أَوَّلَ مُنْكَرٍ ظَهَرَ بِالْمَدِينَةِ حِينَ فَاضَتِ الدُّنْيَا طَيَرَانُ الْحَمَامِ وَالرَّمْيُ عَلَى
الْجُلَاهِقَاتِ، وَهِيَ قَوْسُ الْبُنْدُقِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عُثْمَانُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ خِلَافَتِهِ، فَقَصَّ الطُّيُورَ وَكَسَّرَ الْجُلَاهِقَاتِ. قِيلَ: وَسَأَلَ رَجُلٌ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ مَا دَعَاهُ إِلَى الْخُرُوجِ عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: كَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ عُثْمَانَ، وَكَانَ وَالِيَ أَيْتَامِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَمُحْتَمِلًا كَلَّهُمْ، فَسَأَلَ عُثْمَانَ الْعَمَلَ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ لَوْ كُنْتَ رِضًا لَاسْتَعْمَلْتُكَ. قَالَ فَأْذَنْ لِي فَأَخْرُجَ فَأَطْلُبَ الرِّزْقَ. قَالَ: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ، وَجَهَّزَهُ مِنْ عِنْدِهِ وَحَمَلَهُ وَأَعْطَاهُ، فَلَمَّا وَقَعَ إِلَى مِصْرَ كَانَ فِيمَنْ أَعَانَ عَلَيْهِ حِينَ مَنَعَهُ الْإِمَارَةَ. قَالَ: وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ؟ قَالَ: كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبَّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ كَلَامٌ فَضَرَبَهُمَا عُثْمَانُ فَأَوْرَثَ ذَلِكَ تَعَادِيًا بَيْنَ أَهْلِ عَمَّارٍ وَأَهْلِ عَبَّاسٍ، وَكَانَا تَقَاذَفَا. قِيلَ: سُئِلَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مَا دَعَاهُ إِلَى رُكُوبِ عُثْمَانَ. قَالَ: الْغَضَبُ وَالطَّمَعُ، كَانَ مِنَ الْإِسْلَامِ بِمَكَانٍ فَغَرَّهُ أَقْوَامٌ فَطَمِعَ، وَكَانَتْ لَهُ دَالَّةٌ فَلَزِمَهُ حَقٌّ، فَأَخَذَهُ عُثْمَانُ مِنْ ظَهْرِهِ، فَاجْتَمَعَ هَذَا إِلَى ذَلِكَ فَصَارَ مُذَمَّمًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُحَمَّدًا. قِيلَ: وَاسْتَخَفَّ رَجُلٌ بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَضَرَبَهُ عُثْمَانُ فَاسْتَحْسَنَ مِنْهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَيُفَخِّمُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّهُ وَأُرَخِّصُ فِي الِاسْتِخْفَافِ بِهِ! لَقَدْ خَالَفَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَرَضِيَ بِهِ. قِيلَ: وَكَانَ كَعْبُ بْنُ ذِي الْحَبَكَةِ النَّهْدَيُّ يَلْعَبُ بِالنَّارِنْجِيَّاتِ، فَبَلَغَ عُثْمَانَ، فَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ أَنْ يُوجِعَهُ ضَرْبًا، فَعَزَّرَهُ وَأَخْبَرَ النَّاسَ خَبَرَهُ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ عُثْمَانَ، وَفِيهِ: إِنَّهُ قَدْ جُدَّ بِكُمْ فَجِدُّوا وَإِيَّاكُمْ وَالْهَزْلَ. فَغَضِبَ كَعْبٌ وَكَانَ فِي الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَيْهِ، وَكَانَ سَيْرُهُ إِلَى دُنْبَاوَنْدَ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ لِلْوَلِيدِ: لَعَمْرِي لَئِنْ طَرَدْتَنِي مَا إِلَى الَّتِي ... طَمِعْتَ بِهَا مِنْ سَقْطَتِي لَسَبِيلُ رَجَوْتُ رُجُوعِي يَا ابْنَ أَرْوَى وَرَجْعَتِي ... إِلَى الْحَقِّ دَهْرًا، غَالَ ذَلِكَ غُولُ فَإِنَّ اغْتِرَابِي فِي الْبِلَادِ وَجَفْوَتِي ... وَشَتْمِي فِي ذَاتِ الْإِلَهِ قَلِيلُ
وَإِنَّ دُعَائِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَلَيْكَ بِدُنْبَاوَنْدِكُمْ لَطَوِيلُ قَالَ: وَأَمَّا ضَابِئُ بْنُ الْحَرْثِ الْبَرْجَمِيُّ فَإِنَّهُ اسْتَعَارَ فِي زَمَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ مِنْ قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَلْبًا يُدْعَى قَرْحَانَ يَصِيدُ الظِّبَاءَ فَحَبَسَهُ عَنْهُمْ، فَانْتَزَعَهُ الْأَنْصَارِيُّونَ مِنْهُ قَهْرًا، فَهَجَاهُمْ وَقَالَ: تَجَشَّمَ دُونِي وَفْدُ قَرْحَانَ خُطَّةً ... تُضِلُّ لَهَا الْوَجْنَاءُ وَهِيَ حَسِيرُ فَبَاتُوا شِبَاعًا طَاعِمِينَ كَأَنَّمَا ... حَبَاهُمْ بِبَيْتِ الْمَرْزُبَانِ أَمِيرُ فَكَلْبُكُمُ لَا تَتْرُكُوا فَهُوَ أُمُّكُمْ ... فَإِنَّ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ كَبِيرُ فَاسْتَعْدُوا عَلَيْهِ عُثْمَانَ، فَعَزَّرَهُ وَحَبَسَهُ، فَمَا زَالَ فِي السِّجْنِ حَتَّى مَاتَ فِيهِ. وَقَالَ فِي الْفَتْكِ مُعْتِذَرًا إِلَى أَصْحَابِهِ: هَمَمْتُ وَلَمْ أَفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي ... تَرَكْتُ عَلَى عُثْمَانَ تَبْكِي حَلَائِلُهْ وَقَائِلَةٍ قَدْ مَاتَ فِي السِّجْنِ ضَابِئٌ ... أَلَا مَنْ لِخَصْمٍ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُجَادِلُهْ فَلِذَلِكَ صَارَ ابْنُهُ عُمَيْرٌ سَبَئِيًّا. قَالَ: وَأَمَّا كُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ وَعُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ فَإِنَّهُمَا سَارَا إِلَى الْمَدِينَةِ لِقَتْلِ عُثْمَانَ، فَأَمَّا عُمَيْرٌ فَإِنَّهُ نَكَلَ عَنْهُ، وَأَمَّا كُمَيْلٌ فَإِنَّهُ جَسَرَ وَثَاوَرَهُ، فَوَجَأَ عُثْمَانُ وَجْهَهُ فَوَقَعَ عَلَى اسْتِهِ فَقَالَ: أَوْجَعْتَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَقَالَ: أَوَلَسْتَ بِفَاتِكٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: فَاسْتَقِدْ مِنِّي، وَقَالَ: دُونَكَ. فَعَفَا عَنْهُ، وَبَقِيَا إِلَى أَيَّامِ الْحَجَّاجِ فَقَتَلَهُمَا، وَسَيَرِدُ ذِكْرُ ذَلِكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. قِيلَ: وَكَانَ لِعُثْمَانَ عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ خَمْسُونَ أَلْفًا، فَقَالَ لَهُ يَوْمًا: قَدْ تَهَيَّأَ
مَالُكَ فَاقْبِضْهُ. قَالَ: هُوَ لَكَ مَعُونَةٌ عَلَى مُرُوءَتِكَ. قِيلَ: فَلَمَّا حُصِرَ عُثْمَانُ قَالَ عَلِيٌّ لِطَلْحَةَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَلَا رَدَدْتَ النَّاسَ عَنْ عُثْمَانَ! قَالَ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تُعْطِيَنِي بَنُو أُمَيَّةَ الْحَقَّ مِنْ أَنْفُسِهَا. وَكَانَ عُثْمَانُ يُلَقَّبُ ذَا النُّورَيْنِ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ ابْنَتَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: اسْتَعْمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ قَطَنَ بْنَ عَبْدِ عَوْفٍ عَلَى كِرْمَانَ، فَأَقْبَلَ جَيْشٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَمَنَعَهُمْ سَيْلٌ فِي وَادٍ مِنَ الْعُبُورِ، وَخَشِيَ قَطَنٌ الْفَوْتَ فَقَالَ: مَنْ عَبَرَ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ. فَحَمَلُوا أَنْفُسَهُمْ وَعَبَرُوا، وَكَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ، فَأَعْطَاهُمْ أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَبَى ابْنُ عَامِرٍ أَنْ يُجْرِيَ ذَلِكَ لَهُ وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ: أَنِ احْبِسْهَا لَهُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَعَانَ بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْجَوَائِزُ لِإِجَازَةِ الْوَادِي. وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ زَيْدٍ: سَمِعْتُ عَلِيًّا وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ وَيَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تُكْثِرُونَ فِيَّ وَفِي عُثْمَانَ، فَإِنَّ مِثْلِي وَمِثْلَهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47] . وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ - وَهُوَ بَدْرِيٌّ وَكَانَ مُجَانِبًا لِعُثْمَانَ - فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْنَا قَتْلَهُ، اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ أَنْ لَا أَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا وَلَا أَضْحَكَ حَتَّى أَلْقَاكَ. ذكر نَسَبِهِ وَصِفَتِهِ وَكُنْيَتِهِ أَمَّا نَسَبُهُ فَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهُ أَرْوَى بِنْتُ كُرَيْزِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَأَمَّا صِفَتُهُ فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، حَسَنَ الْوَجْهِ، رَقِيقَ الْبَشْرَةِ، بِوَجْهِهِ أَثَرُ جُدَرِيٍّ، كَبِيرَ اللِّحْيَةِ عَظِيمَهَا، أَسْمَرَ اللَّوْنِ، أَصْلَعَ، عَظِيمَ الْكَرَادِيسِ، عَظِيمَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ، وَقِيلَ كَانَ كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، أَرْوَحَ الرِّجْلَيْنِ.
وَأَمَّا كُنْيَتُهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بِوَلَدٍ جَاءَهُ مِنْ رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، تُوُفِّيَ وَعُمْرُهُ سِتُّ سِنِينَ، نَقَرَهُ دِيكٌ فِي عَيْنِهِ فَمَرِضَ فَمَاتَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: كَانَ يُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو. ذكر وَقْتِ إِسْلَامِهِ وَهِجْرَتِهِ قِيلَ: كَانَ إِسْلَامُهُ قَدِيمًا قَبْلَ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَارَ الْأَرْقَمِ، وَكَانَ مِمَّنْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَمَعَهُ فِيهِمَا امْرَأَتُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ذكر أَزْوَاجِهِ وَأَوْلَادِهِ تَزَوَّجَ رُقَيَّةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَلَدَتْ لَهُ رُقَيَّةُ عَبْدَ اللَّهِ، وَتَزَوَّجَ فَاخِتَةَ بِنْتَ غَزْوَانَ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ الْأَصْغَرَ، هَلَكَ، وَتَزَوَّجَ أُمَّ عَمْرٍو بِنْتَ جُنْدُبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ الدَّوْسِيَّةَ، وَلَدَتْ لَهُ عَمْرًا وَخَالِدًا وَأَبَانًا وَعُمَرَ وَمَرْيَمَ، وَتَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّةَ، وَلَدَتْ لَهُ الْوَلِيدَ وَسَعِيدًا وَأُمَّ سَعِيدٍ، وَتَزَوَّجَ أُمَّ الْبَنِينِ بِنْتَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيَّةَ، وَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ، هَلَكَ، وَتَزَوَّجَ رَمْلَةَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَلَدَتْ لَهُ عَائِشَةَ وَأُمَّ أَبَانٍ وَأُمَّ عَمْرٍو، وَتَزَوَّجَ نَائِلَةَ بِنْتَ الْفُرَافِصَةِ الْكَلْبِيَّةَ، وَلَدَتْ لَهُ مَرْيَمَ بِنْتَ عُثْمَانَ، وَقِيلَ: وَلَدَتْ لَهُ أُمُّ الْبَنِينِ بِنْتُ عُيَيْنَةَ عَبْدَ الْمَلِكِ وَعُتْبَةَ، وَوَلَدَتْ لَهُ نَائِلَةُ عَنْبَسَةَ، وَكَانَ لَهُ مِنْهَا أَيْضًا ابْنَةٌ تُدْعَى أُمَّ الْبَنِينِ، وَكَانَتْ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَقُتِلَ عُثْمَانُ وَعِنْدَهُ رَمْلَةُ ابْنَةُ شَيْبَةَ وَنَائِلَةُ وَأُمُّ الْبَنِينِ ابْنَةُ عُيَيْنَةَ وَفَاخِتَةُ بِنْتُ غَزْوَانَ، غَيْرَ أَنَّهُ طَلَّقَ أُمَّ الْبَنِينِ وَهُوَ مَحْصُورٌ. فَهَؤُلَاءِ أَزْوَاجُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَأَوْلَادُهُ. ذكر أَسْمَاءِ عُمَّالِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ عُمَّالُهُ هَذِهِ السَّنَةَ عَلَى مَكَّةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَعَلَى الطَّائِفِ الْقَاسِمُ بْنُ رَبِيعَةَ الثَّقَفِيُّ، وَعَلَى صَنْعَاءَ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ، وَعَلَى الْجُنْدِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، خَرَجَ مِنْهَا وَلَمْ يُوَلِّ عُثْمَانُ عَلَيْهَا أَحَدًا، وَعَلَى الشَّامِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي
سُفْيَانَ، وَعَامِلُ مُعَاوِيَةَ عَلَى حِمْصَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، وَعَلَى قِنَّسْرِينَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيُّ، وَعَلَى الْأُرْدُنِّ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، وَعَلَى فِلَسْطِينَ عَلْقَمَةُ بْنُ حَكِيمٍ الْكِنَانِيُّ، وَعَلَى الْبَحْرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْفَزَارِيُّ، وَعَلَى الْقَضَاءِ أَبُو الدَّرْدَاءِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ، وَكَانَ عَامِلَ عُثْمَانَ عَلَى الْكُوفَةِ أَبُو مُوسَى عَلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَى خَرَاجِ السَّوَادِ جَابِرُ بْنُ فُلَانٍ الْمُزَنِيُّ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمُسَنَّاةِ إِلَى جَانِبِ الْكُوفَةِ، وَسِمَاكٌ الْأَنْصَارِيُّ، وَعَلَى حَرْبِهَا الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَلَى قَرْقِيسْيَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى أَذْرَبَيْجَانَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، وَعَلَى حُلْوَانَ عُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ، وَعَلَى مَاهَ مَالِكُ بْنُ حَبِيبٍ، وَعَلَى هَمَذَانَ النُّسَيْرُ، وَعَلَى الرَّيِّ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَلَى أَصْبَهَانَ السَّائِبُ بْنُ الْأَقْرَعِ، وَعَلَى مَاسَبْذَانَ خُنَيْسٌ، وَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ عُثْمَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ. (عُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ: بِالتَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَبَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ. وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: بِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَيَاءٌ ثَانِيَةٌ، وَآخِرُهُ نُونٌ، تَصْغِيرُ عَيْنٍ. وَالنُّسَيْرُ: بِالنُّونِ، وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، تَصْغِيرُ نَسْرٍ) . ذكر الْخَبَرِ عَمَّنْ كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ حُصِرَ عُثْمَانُ قِيلَ: وَجَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي مُنِعَ فِيهِ عُثْمَانُ الصَّلَاةَ سَعْدُ الْقَرَظِ - وَهُوَ الْمُؤَذِّنُ - إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ؟ فَقَالَ: ادْعُ خَالِدَ بْنَ زَيْدٍ، فَدَعَاهُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ عُرِفَ أَنَّ اسْمَ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ، فَصَلَّى أَيَّامًا ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ بِالنَّاسِ، وَقِيلَ: بَلْ أَمَرَ عَلِيٌّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى يَوْمِ الْعِيدِ، ثُمَّ صَلَّى عَلِيٌّ بِالنَّاسِ الْعِيدَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ حَتَّى قُتِلَ عُثْمَانُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي ذِكْرِ قَتْلِهِ.
ذِكْرُ مَا قِيلَ فِيهِ مِنَ الشِّعْرِ قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ: أَتَرَكْتُمُ غَزْوَ الدُّرُوبِ وَرَاءَكُمْ ... وَغَزَوْتُمُونَا عِنْدَ قَبْرِ مُحَمَّدِ فَلَبِئْسَ هَدْيُ الْمُسْلِمِينَ هَدَيْتُمُ ... وَلَبِئْسَ أَمْرُ الْفَاجِرِ الْمُتَعَمِّدِ إِنْ تَقْدَمُوا نَجْعَلْ قِرَى سَرَوَاتِكُمْ ... حَوْلَ الْمَدِينَةِ كُلَّ لَيْنٍ مِذْوَدِ أَوْ تُدْبِرُوا فَلَبِئْسَ مَا سَافَرْتُمُ ... وَلِمِثْلِ أَمْرِ أَمِيرِكُمْ لَمْ يُرْشَدِ وَكَأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ عَشِيَّةً ... بُدْنٌ تُذَبَّحُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ أَبْكِي أَبَا عَمْرٍو لِحُسْنِ بَلَائِهِ ... أَمْسَى ضَجِيعًا فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ وَقَالَ أَيْضًا: إِنْ تُمْسِ دَارُ ابْنِ أَرْوَى الْيَوْمَ خَاوِيَةً ... بَابٌ صَرِيعٌ وَبَابٌ مُحْرَقٌ خَرِبُ فَقَدْ يُصَادِفُ بَاغِي الْخَيْرِ حَاجَتَهُ ... فِيهَا وَيَهْوِي إِلَيْهَا الذِّكْرُ وَالْحَسَبُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَبْدُوا ذَاتَ أَنْفُسِكُمْ ... لَا يَسْتَوِي الصِّدْقُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْكَذِبُ قُومُوا بِحَقِّ مَلِيكِ النَّاسِ تَعْتَرِفُوا ... بِغَارَةٍ عُصَبٍ مِنْ خَلْفِهَا عُصَبُ فِيهِمْ حَبِيبٌ شِهَابُ الْمَوْتِ يَقْدُمُهُمْ ... مُسْتَلْئِمًا قَدْ بَدَا فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ سَرَّهُ الْمَوْتُ صِرْفًا لَا مِزَاجَ ... لَهُ فَلْيَأْتِ مَأْسَدَةً فِي دَارِ عُثْمَانَا مُسْتَشْعِرِي حَلَقِ الْمَاذِيِّ قَدْ شُفِعَتْ ... قَبْلَ الْمَخَاطِمِ بِيضٌ زَانَ أَبَدَانَا
صَبْرًا فِدًى لَكُمُ أُمِّي وَمَا وَلَدَتْ قَدْ ... يَنْفَعُ الصَّبْرُ فِي الْمَكْرُوهِ أَحْيَانَا فَقَدْ رَضِينَا بِأَهْلِ الشَّامِ نَافِرَةً ... وَبِالْأَمِيرِ وَبِالْإِخْوَانِ إِخْوَانَا إِنِّي لَمِنْهُمْ وَإِنْ غَابُوا وَإِنْ شَهِدُوا ... مَا دُمْتُ حَيًّا وَمَا سُمِّيتُ حَسَّانَا لَتَسْمَعُنَّ وَشِيكًا فِي دِيَارِهِمُ : اللَّهُ أَكْبَرُ يَا ثَارَاتِ عُثْمَانَا ... ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنَا قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ فَقَالَ: وَقَدْ زَادَ فِيهَا أَهْلُ الشَّامِ، وَلَمْ أَرَ لِذِكْرِهِ وَجْهًا - يَعْنِي مَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ عَلِيٍّ - وَهُوَ: يَا لَيْتَ شِعْرِي وَلَيْتَ الطَّيْرَ تُخْبِرُنِي ... مَا كَانَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَابْنِ عَفَّانَا وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ يُحَرِّضُ أَخَاهُ عُمَارَةَ: أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ قَتِيلُ ... التُّجِيبِيِّ الَّذِي جَاءَ مِنْ مِصْرِ فَإِنْ يَكُ ظَنِّي بِابْنِ أُمِّي صَادِقًا ... عُمَارَةَ لَا يَطْلُبُ بِذَحْلٍ وَلَا وِتْرِ يَبِيتُ وَأَوْتَارُ ابْنِ عَفَّانَ عِنْدَهُ ... مُخَيِّمَةٌ بَيْنَ الْخَوَرْنَقِ وَالْقَصْرِ فَأَجَابَهُ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ: أَتَطَلُبُ ثَأْرًا لَسْتَ مِنْهُ وَلَا لَهُ ... وَأَيْنَ ابْنُ ذَكْوَانَ الصَّفُورِيُّ مِنْ عَمْرِو كَمَا اتَّصَلَتْ بِنْتُ الْحِمَارِ بِأُمِّهَا ... وَتَنْسَى أَبَاهَا إِذْ تُسَامِي أُولِي الْفَخْرِ أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ وَصِيُّ ... النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى عِنْدَ ذِي الذِّكْرِ وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى وَصِنْوُ نَبِيِّهِ ... وَأَوَّلُ مَنْ أَرْدَى الْغُوَاةَ لَدَى بَدْرِ فَلَوْ رَأَتِ الْأَنْصَارُ ظُلْمَ ابْنِ أُمِّكُمْ ... بِزَعْمِكُمُ كَانُوا لَهُ حَاضِرِي النَّصْرِ كَفَى ذَاكَ عَيْبًا أَنْ يُشِيرُوا بِقَتْلِهِ ... وَأَنْ يُسْلِمُوهُ لِلْأَحَابِيشِ مِنْ مِصْرِ وَقَوْلُهُ: وَأَيْنَ ابْنُ ذَكْوَانَ، فَإِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو اسْمُهُ ذَكْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَيَذْكُرُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّسَّابِينَ أَنَّ ذَكْوَانَ مَوْلًى لِأُمَيَّةَ، فَتَبَنَّاهُ
ذكر بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
وَكَنَّاهُ أَبَا عَمْرٍو، وَيَعْنِي: إِنَّكَ مَوْلًى لَسْتَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ حَتَّى تَكُونَ مِمَّنْ يَطْلُبُ بِثَأْرِ عُثْمَانَ. وَقَالَ غَيْرُهُمْ مِنَ الشُّعَرَاءِ أَيْضًا بَعْدَ مَقْتَلِهِ فَمِنْ بَيْنِ مَادِحٍ وَهَاجٍ، وَمِنْ نَاعٍ وَبَاكٍ، وَمِنْ سَارٍّ فَرِحٍ، فَمِمَّنْ مَدَحَهُ حَسَّانُ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي آخَرِينَ غَيْرِهِمْ كَذَلِكَ. [ذكر بَيْعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ بَيْعَتِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ اجْتَمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَفِيهِمْ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَأَتَوْا عَلِيًّا فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ إِمَامٍ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي أَمْرِكُمْ فَمَنِ اخْتَرْتُمْ رَضِيتُ بِهِ. فَقَالُوا: مَا نَخْتَارُ غَيْرَكَ، وَتَرَدَّدُوا إِلَيْهِ مِرَارًا وَقَالُوا لَهُ فِي آخِرِ ذَلِكَ: إِنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ، لَا أَقْدَمَ سَابِقَةً، وَلَا أَقْرَبَ قَرَابَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا فَإِنِّي أَكُونُ وَزِيرًا خَيْرًا مِنْ أَنْ أَكُونَ أَمِيرًا. فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَحْنُ بِفَاعِلِينَ حَتَّى نُبَايِعَكَ. قَالَ: فَفِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ بَيْعَتِي لَا تَكُونُ خُفْيَةً وَلَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ. وَكَانَ فِي بَيْتِهِ، وَقِيلَ: فِي حَائِطٍ لَبَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ، فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ وَطَاقٌ وَعِمَامَةُ خَزٍّ وَنَعْلَاهُ فِي يَدِهِ مُتَوَكِّئًا عَلَى قَوْسٍ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ مِنَ النَّاسِ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ حَبِيبُ بْنُ ذُؤَيْبٍ فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ! أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْبَيْعَةِ يَدٌ شَلَّاءُ، لَا يَتِمُّ هَذَا الْأَمْرُ! وَبَايَعَهُ الزُّبَيْرُ. وَقَالَ لَهُمَا عَلِيٌّ: إِنْ أَحْبَبْتُمَا أَنْ تُبَايِعَانِي وَإِنْ أَحْبَبْتُمَا بَايَعْتُكُمَا. فَقَالَا: بَلْ نُبَايِعُكَ. وَقَالَا بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّمَا فَعَلْنَا ذَلِكَ خَشْيَةً عَلَى نُفُوسِنَا، وَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا يُبَايِعُنَا. وَهَرَبَا إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَبَايَعَهُ النَّاسُ، وَجَاءُوا بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ: بَايِعْ فَقَالَ: لَا، حَتَّى يُبَايِعَ النَّاسُ، وَاللَّهِ مَا عَلَيْكَ مِنِّي بَأْسٌ. فَقَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهُ. وَجَاءُوا بِابْنِ عُمَرَ فَقَالُوا:
بَايِعْ. قَالَ: لَا، حَتَّى يُبَايِعَ النَّاسُ. قَالَ: ائْتِنِي بِكَفِيلٍ. قَالَ: لَا أَرَى كَفِيلًا. قَالَ الْأَشْتَرُ: دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ! قَالَ عَلِيٌّ: دَعُوهُ أَنَا كَفِيلُهُ، إِنَّكَ مَا عَلِمْتُ لَسَيِّءُ الْخُلُقِ صَغِيرًا وَكَبِيرًا. وَبَايَعَتِ الْأَنْصَارُ إِلَّا نُفَيْرًا يَسِيرًا، مِنْهُمْ: حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَفَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَكَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، وَكَانُوا عُثْمَانِيَّةً، فَأَمَّا حَسَّانُ فَكَانَ شَاعِرًا لَا يُبَالِي مَا يَصْنَعُ، وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَوَلَّاهُ عُثْمَانُ الدِّيوَانَ وَبَيْتَ الْمَالِ، فَلَمَّا حُصِرَ عُثْمَانُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ كُونُوا أَنْصَارًا لِلَّهِ، مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو أَيُّوبَ: مَا تَنْصُرُهُ إِلَّا لِأَنَّهُ أَكْثَرَ لَكَ مِنَ الْعُبْدَانِ. وَأَمَّا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى صَدَقَةِ مُزَيْنَةَ وَتَرَكَ لَهُ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ، وَلَمْ يُبَايِعْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَقُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. فَأَمَّا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ فَإِنَّهُ أَخَذَ أَصَابِعَ نَائِلَةَ امْرَأَةِ عُثْمَانَ الَّتِي قُطِعَتْ وَقَمِيصَ عُثْمَانَ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ، وَهَرَبَ بِهِ فَلَحِقَ بِالشَّامِ، فَكَانَ مُعَاوِيَةُ يُعَلِّقُ قَمِيصَ عُثْمَانَ وَفِيهِ الْأَصَابِعُ، فَإِذَا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الشَّامِ ازْدَادُوا غَيْظًا وَجِدًّا فِي أَمْرِهِمْ، ثُمَّ رَفَعَهُ، فَإِذَا أَحَسَّ مِنْهُمْ بِفُتُورٍ يَقُولُ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: حَرِّكْ لَهَا حِوَارَهَا تَحِنُّ، فَيُعَلِّقُهَا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ إِنَّمَا بَايَعَا عَلِيًّا كَرْهًا، (وَقِيلَ: لَمْ يُبَايِعْهُ الزُّبَيْرُ وَلَا صُهَيْبٌ وَلَا سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ. فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ بَايَعَا كَرْهًا فَقَالَ) : إِنَّ عُثْمَانَ لَمَّا قُتِلَ بَقِيَتِ الْمَدِينَةُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَأَمِيرُهَا الْغَافِقِيُّ بْنُ حَرْبٍ يَلْتَمِسُونَ مَنْ يُجِيبُهُمْ إِلَى الْقِيَامِ بِالْأَمْرِ فَلَا يَجِدُونَهُ، وَوَجَدُوا طَلْحَةَ فِي حَائِطٍ لَهُ، وَوَجَدُوا سَعْدًا وَالزُّبَيْرَ قَدْ خَرَجَا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَوَجَدُوا بَنِي أُمَيَّةَ قَدْ هَرَبُوا إِلَّا مَنْ لَمْ يُطِقِ الْهَرَبَ، وَهَرَبَ سَعِيدٌ وَالْوَلِيدُ وَمَرْوَانُ إِلَى مَكَّةَ، وَتَبِعَهُمْ غَيْرُهُمْ، فَأَتَى الْمِصْرِيُّونَ عَلِيًّا فَبَاعَدَهُمْ، وَأَتَى الْكُوفِيُّونَ الزُّبَيْرَ فَبَاعَدَهُمْ، وَأَتَى الْبَصْرِيُّونَ طَلْحَةَ فَبَاعَدَهُمْ، وَكَانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ مُخْتَلِفِينَ فِيمَنْ يَلِي
الْخِلَافَةَ. فَأَرْسَلُوا إِلَى سَعْدٍ يَطْلُبُونَهُ، فَقَالَ: إِنِّي وَابْنُ عُمَرَ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا، فَأَتَوُا ابْنَ عُمَرَ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، فَبَقَوْا حَيَارَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَئِنْ رَجَعَ النَّاسُ إِلَى أَمْصَارِهِمْ بِغَيْرِ إِمَامٍ لَمْ نَأْمَنْ الِاخْتِلَافَ وَفَسَادَ الْأُمَّةِ. فَجَمَعُوا أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَقَالُوا لَهُمْ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْتُمْ أَهْلُ الشُّورَى، وَأَنْتُمْ تَعْقِدُونَ الْإِمَامَةَ، وَحُكْمُكُمْ جَائِزٌ عَلَى الْأُمَّةِ، فَانْظُرُوا رَجُلًا تَنْصِبُونَهُ وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ، وَقَدْ أَجَّلْنَاكُمْ يَوْمَكُمْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَفْرُغُوا لَنَقْتُلَنَّ غَدًا عَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَأُنَاسًا كَثِيرًا! فَغَشِيَ النَّاسُ عَلِيًّا فَقَالُوا: نُبَايِعُكَ فَقَدْ تَرَى مَا نَزَلَ بِالْإِسْلَامِ وَمَا ابْتُلِينَا بِهِ مِنْ بَيْنِ الْقُرَى. فَقَالَ عَلِيٌّ: دَعَوْنِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي، فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْرًا لَهُ وُجُوهٌ وَلَهُ أَلْوَانٌ لَا تَقُومُ بِهِ الْقُلُوبُ وَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ. فَقَالُوا: نَنْشُدُكَ اللَّهَ! أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى الْإِسْلَامَ؟ أَلَا تَرَى الْفِتْنَةَ؟ أَلَا تَخَافُ اللَّهَ؟ فَقَالَ: قَدْ أَجَبْتُكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَإِنَّمَا أَنَا كَأَحَدِكُمْ، إِلَّا أَنِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ. ثُمَّ افْتَرَقُوا عَلَى ذَلِكَ وَاتَّعَدُوا الْغَدَ. وَتَشَاوَرَ النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَقَالُوا: إِنْ دَخَلَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فَقَدِ اسْتَقَامَتْ، فَبَعَثَ الْبَصْرِيُّونَ إِلَى الزُّبَيْرِ حُكَيْمَ بْنَ جَبَلَةَ وَقَالُوا: احْذَرْ لَا تُحَابِهِ، وَمَعَهُ نَفَرٌ، فَجَاءُوا بِهِ يَحْدُونَهُ بِالسَّيْفِ، فَبَايَعَ، وَبَعَثُوا إِلَى طَلْحَةَ الْأَشْتَرَ وَمَعَهُ نَفَرٌ، فَأَتَى طَلْحَةُ، فَقَالَ: دَعْنِي أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ، فَلَمْ يَدَعْهُ، فَجَاءَ بِهِ يُتِلُّهُ تَلًّا عَنِيفًا، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَبَايَعَ. وَكَانَ الزُّبَيْرُ يَقُولُ: جَاءَنِي لِصٌّ مِنْ لُصُوصِ عَبْدِ الْقَيْسِ فَبَايَعْتُ وَالسَّيْفُ عَلَى عُنُقِي، وَأَهْلُ مِصْرَ فَرِحُونَ بِمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ خَشَعَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ أَنْ صَارُوا أَتْبَاعًا لِأَهْلِ مِصْرَ وَازْدَادُوا بِذَلِكَ عَلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ غَيْظًا. وَلَمَّا أَصْبَحُوا يَوْمَ الْبَيْعَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، حَضَرَ النَّاسُ الْمَسْجِدَ، وَجَاءَ عَلِيٌّ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، عَنْ مَلَإٍ وَإِذْنٍ، إِنَّ هَذَا أَمْرُكُمْ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ حَقٌّ إِلَّا مَنْ أَمَّرْتُمْ، وَقَدِ افْتَرَقْنَا بِالْأَمْسِ عَلَى أَمْرٍ وَكُنْتُ كَارِهًا لِأَمْرِكُمْ، فَأَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ أَكُونَ عَلَيْكُمْ، أَلَا وَإِنَّهُ لَيْسَ لِي دُونَكُمْ إِلَّا مَفَاتِيحُ مَا لَكَمَ مَعِي، وَلَيْسَ لِي أَنْ آخُذَ دِرْهَمًا دُونَكُمْ، فَإِنْ شِئْتُمْ قَعَدْتُ لَكُمْ وَإِلَّا فَلَا أَجِدُ عَلَى أَحَدٍ. فَقَالُوا: نَحْنُ عَلَى مَا فَارَقْنَاكَ عَلَيْهِ بِالْأَمْسِ.
فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ. وَلَمَّا جَاءُوا بِطَلْحَةَ لِيُبَايِعَ قَالَ: إِنَّمَا أُبَايِعُ كُرْهًا. فَبَايَعَ، وَكَانَ بِهِ شَلَلٌ، فَقَالَ رَجُلٌ يَعْتَافُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أَوَّلُ يَدٍ بَايَعَتْ يَدٌ شَلَّاءٌ، لَا يَتِمُّ هَذَا الْأَمْرُ! ثُمَّ جِيءَ بِالزُّبَيْرِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ وَبَايَعَ، وَفِي الزُّبَيْرِ اخْتِلَافٌ، ثُمَّ جِيءَ بَعْدَهُ بِقَوْمٍ كَانُوا قَدْ تَخَلَّفُوا فَقَالُوا: نُبَايِعُ عَلَى إِقَامَةِ كِتَابِ اللَّهِ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ وَالْعَزِيزِ وَالذَّلِيلِ، فَبَايَعَهُمْ، ثُمَّ قَامَ الْعَامَّةُ فَبَايَعُوا، وَصَارَ الْأَمْرُ أَمْرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَكَأَنَّهُمْ كَمَا كَانُوا فِيهِ وَتَفَرَّقُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ. وَبُويِعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالنَّاسُ يَحْسِبُونَ بَيْعَتَهُ مِنْ [يَوْمِ] قُتِلَ عُثْمَانُ. وَأَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا عَلِيٌّ حِينَ اسْتُخْلِفَ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ كِتَابًا هَادِيًا يُبَيِّنُ فِيهِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، فَخُذُوا بِالْخَيْرِ وَدَعُوا الشَّرَّ، الْفَرَائِضَ الْفَرَائِضَ أَدُّوهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يُؤَدِّكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ. إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ حُرُمَاتٍ غَيْرَ مَجْهُولَةٍ، وَفَضَّلَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرُمِ كُلِّهَا، وَشَدَّ بِالْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ، فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إِلَّا بِالْحَقِّ، لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِمَا يَجِبُ. بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّةِ، وَخَاصَّةُ أَحَدِكُمُ الْمَوْتُ، فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُمْ وَإِنَّ مَا [مِنْ] خَلْفِكُمُ السَّاعَةُ تَحْدُوكُمْ. تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإِنَّمَا يَنْتَظِرُ النَّاسُ أُخْرَاهُمْ. اتَّقَوُا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ فِي بِلَادِهِ وَعِبَادِهِ، إِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَالْبَهَائِمِ. أَطِيعُوا اللَّهَ فَلَا تَعْصَوْهُ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الْخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الشَّرَّ فَدَعُوهُ، {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 26] وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْخُطْبَةِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَتِ السَّبَئِيَّةُ: خُذْهَا إِلَيْكَ وَاحْذَرَنْ أَبَا حَسَنْ ... إِنَّا نُمِرُّ الْأَمْرَ إِمْرَارَ الرَّسَنْ صَوْلَةَ أَقْوَامٍ كَأَشْدَادِ السُّفُنْ ... بِمَشْرَفِيَّاتٍ كَغُدْرَانِ اللَّبَنْ وَنَطْعَنُ الْمَلْكَ بِلَيْنٍ كَالشَّطَنْ ... حَتَّى يُمَرَّنَّ عَلَى غَيْرِ عَنَنْ فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنِّي عَجَزْتُ عَجْزَةً لَا أَعْتَذِرْ ... سَوْفَ أَكِيسُ بَعْدَهَا وَأَسْتَمِرْ
إِنْ لَمْ يُشَاغِبْنِي الْعَجُولُ الْمُنْتَصِرْ إِنْ تَتْرُكُونِي وَالسِّلَاحَ يَبْتَدِرْ وَرَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى بَيْتِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فِي عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقَالُوا: يَا عَلِيُّ إِنَّا قَدِ اشْتَرَطْنَا إِقَامَةَ الْحُدُودِ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدِ اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِ هَذَا الرَّجُلِ وَأَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ. فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهُ إِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ، وَلَكِنْ كَيْفَ أَصْنَعُ بِقَوْمٍ يَمْلِكُونَنَا وَلَا نَمْلِكُهُمْ؟ هَا هُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ ثَارَتْ مَعَهُمْ عُبْدَانُكُمْ وَثَابَتْ إِلَيْهِمْ أَعْرَابُكُمْ وَهُمْ خُلَّاطُكُمْ يَسُومُونَكُمْ مَا شَاءُوا، فَهَلْ تَرَوْنَ مَوْضِعًا لِقُدْرَةٍ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَلَا وَاللَّهِ لَا أَرَى إِلَّا رَأْيًا تَرَوْنَهُ أَبَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ. إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ أَمْرُ جَاهِلِيَّةٍ، وَإِنَّ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مَادَّةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَمْ يُشْرِعْ شَرِيعَةً قَطُّ، فَيَبْرَحُ الْأَرْضَ [مَنْ] أَخَذَ بِهَا أَبَدًا. إِنَّ النَّاسَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ إِنْ حُرِّكَ عَلَى أُمُورٍ: فِرْقَةٌ تَرَى مَا تَرَوْنَ، وَفِرْقَةٌ تَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَفِرْقَةٌ لَا تَرَى هَذَا وَلَا هَذَا، حَتَّى يَهْدَأَ النَّاسُ وَتَقَعَ الْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا وَتُؤْخَذُ الْحُقُوقُ، فَاهْدَأُوا عَنِّي، وَانْظُرُوا مَاذَا يَأْتِيكُمْ ثُمَّ عُودُوا. وَاشْتَدَّ عَلَى قُرَيْشٍ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْخُرُوجِ عَلَى حَالِهَا، وَإِنَّمَا هَيَّجَهُ عَلَى ذَلِكَ هَرَبُ بَنِي أُمَيَّةَ وَتَفَرُّقُ الْقَوْمِ، فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ مَا قَالَ عَلِيٌّ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: نَقْضِي الَّذِي عَلَيْنَا وَلَا نُؤَخِّرُهُ، وَاللَّهِ إِنَّ عَلِيًّا لِمُسْتَغْنٍ بِرَأْيِهِ وَلَيَكُونَنَّ أَشَدَّ عَلَى قُرَيْشٍ مِنْ غَيْرِهِ. فَسَمِعَ ذَلِكَ فَخَطَبَهُمْ وَذَكَرُ فَضْلَهُمْ وَحَاجَتَهُ إِلَيْهِمْ وَنَظَرَهُ لَهُمْ وَقِيَامَهُ دُونَهُمْ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ سُلْطَانِهِمْ (إِلَّا ذَاكَ) وَالْأَجْرُ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَنَادَى: بَرِئَتِ الذِّمَّةُ مِنْ عَبْدٍ لَا يَرْجِعُ إِلَى مَوْلَاهُ. فَتَذَامَرَتِ السَّبِيئَةُ وَالْأَعْرَابُ وَقَالُوا: لَنَا غَدًا مِثْلُهَا وَلَا نَسْتَطِيعُ نَحْتَجُّ فِيهِمْ بِشَيْءٍ. وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَخْرِجُوا عَنْكُمُ الْأَعْرَابَ فَلْيَلْحَقُوا بِمِيَاهِهِمْ، فَأَبَتِ السَّبِيئَةُ وَأَطَاعَهُمُ الْأَعْرَابُ. فَدَخَلَ عَلِيٌّ بَيْتَهُ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: دُونَكُمْ ثَأْرَكُمْ فَاقْتُلُوهُ. فَقَالَ: (عَشَوْا عَنْ ذَلِكَ) . فَقَالَ: هُمْ وَاللَّهِ بَعْدَ الْيَوْمِ أَعْشَى! وَقَالَ: وَلَوْ أَنَّ قَوْمِي طَاوَعَتْنِي سُرَاتُهُمْ ... أَمَرْتُهُمُ أَمْرًا يُدِيخُ الْأَعَادِيَا وَقَالَ طَلْحَةُ: دَعْنِي آتِ الْبَصْرَةَ فَلَا يَفْجَأُكَ إِلَّا وَإِنَّا فِي خَيْلٍ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ: دَعْنِي آتِ الْكُوفَةَ فَلَا يَفْجَأُكَ إِلَّا وَأَنَا فِي خَيْلٍ. فَقَالَ: حَتَّى أَنْظُرَ فِي ذَلِكَ.
قِيلَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَيْتُ عَلِيًّا بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ عِنْدَ عَوْدِي مِنْ مَكَّةَ فَوَجَدْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ مُسْتَخْلِيًا بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا قَالَ لَكَ هَذَا؟ فَقَالَ: قَالَ لِي قَبْلَ مَرَّتِهِ هَذِهِ: إِنَّ لَكَ حَقَّ الطَّاعَةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَأَنْتَ بَقِيَّةُ النَّاسِ، وَإِنَّ الرَّأْيَ الْيَوْمَ تُحْرِزُ بِهِ مَا فِي غَدٍ، وَإِنَّ الضَّيَاعَ الْيَوْمَ يَضِيعُ بِهِ مَا فِي غَدٍ، أَقْرِرْ مُعَاوِيَةَ وَابْنَ عَامِرٍ وَعُمَّالَ عُثْمَانَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ حَتَّى تَأْتِيَكَ بَيْعَتُهُمْ وَيَسْكُنَ النَّاسُ، ثُمَّ اعْزِلْ مَنْ شِئْتَ، فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَقُلْتُ: لَا أُدَاهِنُ فِي دِينِي وَلَا أُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي أَمْرِي. قَالَ: فَإِنْ كُنْتَ أَبِيتُ عَلِيَّ فَانْزِعْ مَنْ شِئْتَ وَاتْرُكْ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّ فِي مُعَاوِيَةَ جُرْأَةً، وَهُوَ فِي أَهْلِ الشَّامِ يُسْتَمَعُ مِنْهُ، وَلَكَ حُجَّةٌ فِي إِثْبَاتِهِ، كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ وَلَّاهُ الشَّامَ. فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ لَا أَسْتَعْمِلُ مُعَاوِيَةَ يَوْمَيْنِ! ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْ عِنْدِي وَأَنَا أَعْرِفُ فِيهِ أَنَّهُ يَوَدُّ أَنِّي مُخْطِئٌ، ثُمَّ عَادَ إِلَيَّ الْآنَ فَقَالَ: إِنِّي أَشَرْتُ عَلَيْكَ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِالَّذِي أَشَرْتُ وَخَالَفَتْنِي فِيهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تَصْنَعَ الَّذِي رَأَيْتَ فَتَعْزِلَهُمْ وَتَسْتَعِينَ بِمَنْ تَثِقُ بِهِ، فَقَدْ كَفَى اللَّهُ وَهُمْ أَهْوَنُ شَوْكَةً مِمَّا كَانَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُلْتُ لَعَلِيٍّ: أَمَّا الْمَرَّةُ الْأُولَى فَقَدْ نَصَحَكَ، وَأَمَّا الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ فَقَدْ غَشَّكَ. قَالَ: وَلِمَ نَصَحَنِي؟ قُلْتُ: لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابَهُ أَهْلُ دُنْيَا فَمَتَى تُثَبِّتُهُمْ لَا يُبَالُوا مَنْ وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ، وَمَتَى تَعْزِلُهُمْ يَقُولُوا: أَخَذَ هَذَا الْأَمْرَ بِغَيْرِ شُورَى وَهُوَ قَتَلَ صَاحِبَنَا، وَيُؤَلِّبُونَ عَلَيْكَ، فَتَنْتَقِضَ عَلَيْكَ الشَّامُ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، مَعَ أَنِّي لَا آمَنُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ أَنْ يَكِرَّا عَلَيْكَ، وَأَنَا أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تُثَبِّتَ مُعَاوِيَةَ، فَإِنْ بَايَعَ لَكَ فَعَلَيَّ أَنْ أَقْلَعَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ لَا أُعْطِيهِ إِلَّا السَّيْفَ! ثُمَّ تَمَثَّلَ: وَمَا مِيتَةٌ إِنْ مِتُّهَا غَيْرَ عَاجِزٍ ... بِعَارٍ إِذَا مَا غَالَتِ النَّفْسَ غُولُهَا فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ رَجُلٌ شُجَاعٌ لَسْتَ صَاحِبَ رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ، أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ؟» فَقَالَ: بَلَى: فَقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ أَطَعْتَنِي لَأُصْدِرَنَّهُمْ بَعْدَ وِرْدٍ، وَلَأَتْرُكَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ فِي دُبُرِ الْأُمُورِ لَا يَعْرِفُونَ مَا كَانَ وَجْهَهَا فِي غَيْرِ نُقْصَانٍ عَلَيْكَ وَلَا إِثْمٍ لَكَ. فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ لَسْتُ مِنْ هَنَاتِكَ وَلَا مِنْ هَنَاتِ مُعَاوِيَةَ فِي شَيْءٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُلْتُ لَهُ: أَطِعْنِي وَالْحَقْ بِمَالِكَ بِيَنْبُعَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تَجُولُ جَوْلَةً وَتَضْطَرِبُ وَلَا تَجِدُ غَيْرَكَ، فَإِنَّكَ وَاللَّهِ لَئِنْ نَهَضَتْ مَعَ هَؤُلَاءِ الْيَوْمَ لَيُحَمِّلَنَّكَ النَّاسُ دَمَ عُثْمَانَ غَدًا. فَأَبَى عَلِيٌّ فَقَالَ: تُشِيرُ عَلَيَّ وَأَرَى فَإِذَا
عَصَيْتُكَ فَأَطِعْنِي. قَالَ: فَقُلْتُ: أَفْعَلُ، إِنَّ أَيْسَرَ مَا لَكَ عِنْدِي الطَّاعَةُ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: تَسِيرُ إِلَى الشَّامِ فَقَدْ وَلَّيْتُكَهَا. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا هَذَا بِرَأْيٍ، مُعَاوِيَةُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ عُثْمَانَ وَعَامِلُهُ وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقِي بِعُثْمَانَ، وَإِنَّ أَدْنَى مَا هُوَ صَانِعٌ أَنْ يَحْبِسَنِي فَيَتَحَكَّمَ عَلَيَّ لِقَرَابَتِي مِنْكَ، وَإِنَّ كُلَّ مَا حُمِلَ عَلَيْكَ حُمِلَ عَلَيَّ، وَلَكِنِ اكْتُبْ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَمَنِّهِ وَعِدْهُ. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا كَانَ هَذَا أَبَدًا! وَكَانَ الْمُغِيرَةُ يَقُولُ: نَصَحْتُهُ فَلَمَّا لَمْ يَقْبَلُ غَشَشْتُهُ. وَخَرَجَ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ. ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ - سَارَ قُسْطَنْطِينُ بْنُ هِرَقْلٍ فِي أَلْفِ مَرْكَبٍ يُرِيدُ أَرْضَ الْمُسْلِمِينَ (قَبْلَ قَتْلِ عُثْمَانَ) ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا عَاصِفًا فَغَرَّقَهُمْ، وَنَجَا قُسْطَنْطِينُ فَأَتَى صِقِلِّيَةَ، فَصَنَعُوا لَهُ حَمَّامًا، فَدَخَلَهُ فَقَتَلُوهُ فِيهِ وَقَالُوا: قَتَلْتَ رِجَالَنَا. هَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ. وَهَذَا قُسْطَنْطِينُ هُوَ الَّذِي هَزَمَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي غَزْوَةِ الصَّوَارِي سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَقَتَلَهُ أَهْلُ صِقِلِّيَةَ فِي الْحَمَّامِ، وَإِنْ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي السَّنَةِ الَّتِي كَانَتِ الْوَقْعَةُ فِيهَا، فَلَوْلَا قَوْلُهُ: إِنَّ الْمَرَاكِبَ غَرِقَتْ، لَكَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ هِيَ تِلْكَ، فَإِنَّهَا فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ: كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ مَاتَ أَوْسُ بْنُ خَوْلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ. وَفِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ أَيْضًا مَاتَ الْجُلَاسُ بْنُ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، وَفِيهَا مَاتَ الْحَرْثُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَرْثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالِدُ الْمُلَقَّبِ بِبَبَّةَ.
وَفِي آخِرِهَا مَاتَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَهُوَ وَالِدُ مَرْوَانَ وَعَمُّ عُثْمَانَ. وَفِيهَا مَاتَ حَبَّانُ بْنُ مُنْقِذٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ وَالِدُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ - بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ -، وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا. وَفِي خِلَافَتِهِ مَاتَ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيُّ - وَهُوَ عَقَبِيٌّ بَدْرِيٌّ -. وَفِي خِلَافَتِهِ مَاتَ زَيْدُ بْنُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ - وَهُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ -. وَفِيهَا قُتِلَ مَعْبَدُ بْنُ
الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ. وَفِيهَا مَاتَ مُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ، وَكَانَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَ عَلَى خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، وَفِيهَا مَاتَ مُطِيعُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْعَدَوِيُّ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَفِي خِلَافَتِهِ مَاتَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ مَعَ
مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَفِي خِلَافَتِهِ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيُّ - وَكَانَ فِيهِ دُعَابَةٌ -. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ وَالِدُ عُمَرَ الشَّاعِرِ، وَكَانَ قَدْ جَاءَ مِنَ الْيَمَنِ لِيَنْصُرَ عُثْمَانَ لَمَّا حُصِرَ فَسَقَطَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَاتَ. وَأَبُو رَافِعٍ مَوْلَى
رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقِيلَ: مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، وَهُوَ أَصَحُّ وَفِي خِلَافَتِهِ تُوَفِّي أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمٍ الْعَامِرِيُّ مِنْ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ - وَهُوَ بَدْرِيٌّ - وَفِيهَا مَاتَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ خَالُ مُعَاوِيَةَ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَكَانَ صَالِحًا. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَقِيلَ: عَاشَ بَعْدَهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
ثم دخلت سنة ست وثلاثين
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ] [ذكر تَفْرِيقِ عَلِيٍّ عُمَّالَهُ وَخِلَافِ مُعَاوِيَةَ] 36 - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ ذكر تَفْرِيقِ عَلِيٍّ عُمَّالَهُ وَخِلَافِ مُعَاوِيَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فَرَّقَ عَلِيٌّ عُمَّالَهُ عَلَى الْأَمْصَارِ، فَبَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَعِمَارَةَ بْنَ شِهَابٍ عَلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَتْ لَهُ هِجْرَةٌ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْيَمَنِ، وَقَيْسَ بْنَ سَعْدٍ عَلَى مِصْرَ، وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى الشَّامِ. فَأَمَّا سَهْلٌ فَإِنَّهُ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِتَبُوكَ لَقِيَتْهُ خَيْلٌ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَمِيرٌ. قَالُوا: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: عَلَى الشَّامِ. قَالُوا: إِنْ كَانَ بَعَثَكَ عُثْمَانُ فَحَيَّ هَلًا بِكَ، وَإِنْ كَانَ بَعَثَكَ غَيْرُهُ فَارْجِعْ. قَالَ: أَوَمَا سَمِعْتُمْ بِالَّذِي كَانَ؟ قَالُوا: بَلَى. فَرَجَعَ إِلَى عَلِيٍّ. وَأَمَّا قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ فَإِنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إِلَى أَيْلَةَ لَقِيَتْهُ خَيْلٌ، فَقَالُوا لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ فَالَّةِ عُثْمَانَ، فَأَنَا أَطْلُبُ مَنْ آوِي إِلَيْهِ فَأَنْتَصِرُ بِهِ لِلَّهِ. قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ. قَالُوا: امْضِ. فَمَضَى حَتَّى دَخَلَ مِصْرَ. فَافْتَرَقَ أَهْلُ مِصْرَ فِرَقًا، فِرْقَةٌ دَخَلَتْ فِي الْجَمَاعَةِ فَكَانُوا مَعَهُ، وَفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ بِخَرْنَبَا وَقَالُوا: إِنْ قُتِلَ قَتَلَةُ عُثْمَانُ فَنَحْنُ مَعَكُمْ، وَإِلَّا فَنَحْنُ عَلَى جَدِيلَتِنَا حَتَّى نُحَرِّكَ أَوْ نُصِيبَ حَاجَتَنَا، وَفِرْقَةٌ قَالُوا: نَحْنُ مَعَ عَلِيٍّ مَا لَمْ يُقِدْ مِنْ إِخْوَانِنَا، وَهُمْ فِي ذَلِكَ مَعَ الْجَمَاعَةِ. وَكَتَبَ قَيْسٌ إِلَى عَلِيٍّ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ فَسَارَ وَلَمْ يَرُدُّهُ أَحَدٌ عَنْ دُخُولِ الْبَصْرَةِ، وَلَمْ يَجِدْ لِابْنِ عَامِرٍ فِي ذَلِكَ رَأْيًا وَلَا اسْتِقْلَالًا بِحَرْبٍ، وَافْتَرَقَ النَّاسُ بِهَا، فَاتَّبَعَتْ فِرْقَةٌ الْقَوْمَ، وَدَخَلَتْ فِرْقَةٌ فِي الْجَمَاعَةِ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: نَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَنَصْنَعُ كَمَا صَنَعُوا. وَأَمَّا عِمَارَةُ بْنُ شِهَابٍ، فَلَمَّا بَلَغَ زُبَالَةَ لَقِيَهُ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَكَانَ خَرَجَ يَطْلُبُ بِثَأْرِ عُثْمَانَ وَهُوَ يَقُولُ: لَهْ فِي عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَسْبِقْنِي وَلَمْ أُدْرِكْهُ! وَكَانَ خُرُوجُهُ عِنْدَ عَوْدِ الْقَعْقَاعِ مِنْ إِغَاثَةِ عُثْمَانَ، فَلَمَّا لَقِيَ عِمَارَةَ قَالَ لَهُ: ارْجِعْ، فَإِنَّ الْقَوْمَ لَا يُرِيدُونَ بِأَمِيرِهِمْ بَدَلًا، فَإِنْ أَبَيْتَ ضُرِبَتْ عُنُقُكَ. فَرَجَعَ عِمَارَةُ إِلَى عَلِيٍّ بِالْخَبَرِ. وَانْطَلَقَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى الْيَمَنِ، فَجَمَعَ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْجِبَايَةِ وَخَرَجَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ، فَقَدِمَهَا بِالْمَالِ، وَدَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ الْيَمَنَ. وَلَمَّا رَجَعَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ مِنَ الشَّامِ، وَأَتَتْ عَلِيًّا الْأَخْبَارُ دَعَا طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ فَقَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ الَّذِي كُنْتُ أُحَذِّرُكُمْ قَدْ وَقَعَ، وَإِنَّ الَّذِي قَدْ وَقَعَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِإِمَاتَتِهِ، وَإِنَّهَا فِتْنَةٌ كَالنَّارِ كُلَّمَا سُعِّرَتِ ازْدَادَتْ وَاسْتَثَارَتْ. فَقَالَا لَهُ: ائْذَنْ لَنَا نَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَإِمَّا أَنْ نُكَاثِرَ وَإِمَّا أَنْ تَدَعَنَا. فَقَالَ: سَأُمْسِكُ الْأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ، فَإِذَا لَمْ أَجِدُ بُدًّا فَآخِرُ الدَّاءِ الْكَيُّ. وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَإِلَى أَبِي مُوسَى. فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى بِطَاعَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَبَيْعَتِهِمْ، وَبَيَّنَ الْكَارِهَ مِنْهُمْ لِلَّذِي كَانَ، وَالرَّاضِي، وَمَنْ بَيْنَ ذَلِكَ، حَتَّى كَانَ عَلِيٌّ كَأَنَّهُ يُشَاهِدُهُمْ. وَكَانَ رَسُولُ عَلِيٍّ إِلَى أَبِي مُوسَى مَعْبَدٌ الْأَسْلَمِيُّ، وَكَانَ رَسُولُهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ سَبْرَةُ الْجُهَنِيُّ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ مُعَاوِيَةُ بِشَيْءٍ، كُلَّمَا تَنَجَّزَ جَوَابَهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ: أَدِمْ إِدَامَةَ حِصْنٍ أَوْ خُذَا بِيَدِي حَرْبًا ... ضَرُوسًا تَشُبُّ الْجَزْلَ وَالضَّرَمَا فِي جَارِكُمْ وَابْنِكُمْ إِذْ كَانَ مَقْتَلُهُ ... شَنْعَاءَ شَيَّبَتِ الْأَصْدَاغَ وَاللِّمَمَا أَعْيَا الْمَسُودُ بِهَا وَالسَّيِّدُونَ ... فَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُنَا مَوْلًى وَلَا حَكَمًا
حَتَّى إِذَا كَانَ الشَّهْرُ الثَّالِثُ مِنْ مَقْتَلِ عُثْمَانَ فِي صَفَرٍ، دَعَا مُعَاوِيَةُ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْسٍ، يُدْعَى قَبِيصَةَ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ طُومَارًا مَخْتُومًا عُنْوَانُهُ: مِنْ مُعَاوِيَةَ إِلَى عَلِيٍّ، وَقَالَ لَهُ: إِذَا دَخَلْتَ الْمَدِينَةَ فَاقْبِضْ عَلَى أَسْفَلِ الطُّومَارِ، ثُمَّ أَوْصَاهُ بِمَا يَقُولُ، وَأَعَادَ رَسُولَ عَلِيٍّ مَعَهُ. فَخَرَجَا فَقَدِمَا الْمَدِينَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَدَخَلَهَا الْعَبْسِيُّ كَمَا أَمَرَهُ قَدْ رَفَعَ الطُّومَارُ، فَتَبِعَهُ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَعَلِمُوا أَنَّ مُعَاوِيَةَ مُعْتَرِضٌ، وَدَخْلَ الرَّسُولُ عَلَى عَلِيٍّ فَدَفَعَ إِلَيْهِ الطُّومَارَ، فَفَضَّ خَتْمَهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ كِتَابًا. فَقَالَ لِلرَّسُولِ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: آمِنٌ أَنَا؟ قَالَ: نَعَمٌ، إِنَّ الرَّسُولَ لَا يُقْتَلُ. قَالَ: وَرَائِي أَنِّي تَرَكْتُ قَوْمًا لَا يَرْضَوْنَ إِلَّا بِالْقَوَدِ. قَالَ: مِمَّنْ؟ قَالَ: مِنْ خَيْطِ رَقَبَتِكَ. وَتَرَكْتُ سِتِّينَ أَلْفَ شَيْخٍ تَبْكِي تَحْتَ قَمِيصِ عُثْمَانَ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ لَهُمْ قَدْ أَلْبَسُوهُ مِنْبَرَ دِمَشْقَ. قَالَ: أَمِنِّي يَطْلُبُونَ دَمَ عُثْمَانَ، أَلَسْتُ مَوْتُورًا كَتِرَةِ عُثْمَانَ؟ اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ! نَجَا وَاللَّهِ قَتَلَةُ عُثْمَانَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا أَصَابَهُ، اخْرُجْ. قَالَ: وَأَنَا آمِنٌ؟ قَالَ: وَأَنْتَ آمِنٌ. فَخَرَجَ الْعَبْسِيُّ، وَصَاحَتِ السَّبَئِيَّةُ وَقَالَتْ: هَذَا الْكَلْبُ رَسُولُ الْكِلَابِ، اقْتُلُوهُ! فَنَادَى: يَا آلَ مُضَرَ يَا آلَ قَيْسٍ! الْخَيْلَ وَالنَّبْلَ! أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَيَرُدَّنَّهَا عَلَيْكُمْ أَرْبَعَةُ آلَافِ خَصِيٍّ، فَانْظُرُوا كَمِ الْفُحُولُ وَالرِّكَابُ! وَتَعَاوَنُوا عَلَيْهِ، فَمَنَعَتْهُ مُضَرُ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ لَهُ: اسْكُتْ، فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ لَا يُفْلِحُ هَؤُلَاءِ أَبَدًا، أَتَاهُمْ مَا يُوعَدُونَ، لَقَدْ حَلَّ بِهِمْ مَا يَحْذَرُونَ، انْتَهَتْ وَاللَّهِ أَعْمَالُهُمْ وَذَهَبَتْ رِيحُهُمْ، فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَوْا حَتَّى عُرِفَ الذُّلُّ فِيهِمْ. وَأَحَبَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَنْ يَعْلَمُوا رَأْيَ عَلِيٍّ فِي مُعَاوِيَةَ وَقِتَالِهِ أَهْلَ الْقِبْلَةِ، أَيَجْسُرُ عَلَيْهِ أَمْ يَنْكُلُ عَنْهُ؟ وَقَدْ بَلَغَهُمْ أَنَّ ابْنَهُ الْحَسَنَ دَعَاهُ إِلَى الْقُعُودِ وَتَرْكِ النَّاسِ، فَدَسُّوا زِيَادَ بْنَ حَنْظَلَةَ التَّمِيمِيَّ، وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى عَلِيٍّ فَجَلَسَ إِلَيْهِ سَاعَةً، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا زِيَادَ تَيَسَّرْ، فَقَالَ: لِأَيِّ شَيْءٍ؟ فَقَالَ: لِغَزْوِ الشَّامِ. فَقَالَ زِيَادٌ: الْأَنَاةُ وَالرِّفْقُ أَمْثَلُ، وَقَالَ: وَمَنْ لَمْ يُصَانِعْ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ يُضَرَّسْ بِأَنْيَابٍ وَيُوطَأْ بِمَنْسِمِ فَتَمَثَّلَ عَلِيٌّ وَكَأَنَّهُ لَا يُرِيدُهُ:
ذكر ابتداء وقعة الجمل
مَتَّى تَجْمَعِ الْقَلْبَ الزَّكِيَّ وَصَارِمًا ... وَأَنْفًا حَمِيًّا تَجْتَنِبْكَ الْمَظَالِمُ فَخَرَجَ زِيَادٌ وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَهُ وَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ فَقَالَ: السَّيْفُ يَا قَوْمُ. فَعَرَفُوا مَا هُوَ فَاعِلٌ. وَاسْتَأْذَنَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فِي الْعُمْرَةِ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَلَحِقَا بِمَكَّةَ، وَدَعَا عَلِيٌّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ فَدَفَعَ إِلَيْهِ اللِّوَاءَ، وَوَلَّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ مَيْمَنَتَهُ، وَعُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَوْ عَمْرَو بْنَ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ وَلَّاهُ مَيْسَرَتَهُ، وَدَعَا أَبَا لَيْلَى بْنَ عُمَرَ بْنِ الْجَرَّاحِ ابْنَ أَخِي أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجِرَاحِ فَجَعَلَهُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قُثَمَ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَلَمْ يُوَلِّ مِمَّنْ خَرَجَ عَلَى عُثْمَانَ أَحَدًا. وَكَتَبَ إِلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، وَإِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، وَإِلَى أَبِي مُوسَى أَنْ يَنْدُبُوا النَّاسَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ، وَدَعَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِلَى قِتَالِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ فِي سُلْطَانِ اللَّهِ عِصْمَةُ أَمْرِكُمْ فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مَلْوِيَّةٍ وَلَا مُسْتَكْرَهٍ بِهَا، وَاللَّهِ لَتَفْعَلُنُّ أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اللَّهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَا يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَدًا حَتَّى يَأْرِزَ الْأَمْرُ إِلَيْهَا، انْهَضُوا إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ تَفْرِيقَ جَمَاعَتِكُمْ، لَعَلَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِكُمْ مَا أَفْسَدَ أَهْلُ الْآفَاقِ وَتَقْضُونَ الَّذِي عَلَيْكُمْ. (خَرْنَبَا بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَفَتْحِ النُّونِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَآخِرُهُ أَلْفٌ) . [ذكر ابْتِدَاءِ وَقْعَةِ الْجَمَلِ] فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ عَلَى التَّجَهُّزِ لِأَهْلِ الشَّامِ أَتَاهُمُ الْخَبَرُ عَنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَعَائِشَةَ
وَأَهْلِ (مَكَّةَ بِنَحْوٍ آخَرَ) وَأَنَّهُمْ عَلَى الْخِلَافِ، فَأَعْلَمَ عَلِيٌّ النَّاسَ ذَلِكَ، وَأَنَّ عَائِشَةَ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ، قَدْ سَخِطُوا إِمَارَتَهُ، وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى الْإِصْلَاحِ، وَقَالَ لَهُمْ: سَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ، وَأَكُفُّ إِنْ كَفُّوا، وَأَقْتَصِرُ عَلَى مَا بَلَغَنِي. ثُمَّ أَتَاهُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْبَصْرَةَ، فَسَرَّهُ ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّ الْكُوفَةَ فِيهَا رِجَالُ الْعَرَبِ وَبُيُوتَاتُهُمْ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الَّذِي سَرَّكَ مِنْ ذَلِكَ لَيَسُوءُنِي، إِنَّ الْكُوفَةَ فُسْطَاطٌ فِيهِ [أَعْلَامٌ] مِنْ أَعْلَامِ الْعَرَبِ، وَلَا يَحْمِلُهُمْ عِدَّةُ الْقَوْمِ، وَلَا يَزَالُ فِيهَا مَنْ يَسْمُو إِلَى أَمْرٍ لَا يَنَالُهُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ شَغَّبَ عَلَيَّ الَّذِي قَدْ نَالَ مَا يُرِيدُ حَتَّى تُكْسَرَ حِدَّتَهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ الْأَمْرَ لَيُشْبِهُ مَا تَقُولُ، وَتَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ، فَنَدَبَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لِلْمَسِيرِ مَعَهُمْ فَتَثَاقَلُوا، فَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كُمَيْلًا النَّخَعِيَّ، فَجَاءَ بِهِ، فَدَعَاهُ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ دَخَلُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ فَدَخَلْتُ مَعَهُمْ، فَإِنْ يَخْرُجُوا أَخْرُجْ مَعَهُمْ، وَإِنْ يَقْعُدُوا أَقْعُدْ. قَالَ: فَأَعْطِنِي كَفِيلًا. قَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: لَوْلَا مَا أَعْرِفُ مِنْ سُوءِ خُلُقِكَ صَغِيرًا وَكَبِيرًا لَأَنْكَرْتَنِي، دَعُوهُ فَأَنَا كَفِيلُهُ. فَرَجَعَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُمْ يَقُولُونَ: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ، إِنَّ الْأَمْرَ لَمُشْتَبِهٌ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ مُقِيمُونَ حَتَّى يُضِيءَ لَنَا. فَخَرَجَ مِنْ تَحْتِ لَيْلَتِهِ وَأَخْبَرَ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ عَلِيٍّ، وَهِيَ زَوْجَةُ عُمَرَ، بِالَّذِي سَمِعَ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مُعْتَمِرَا مُقِيمًا عَلَى طَاعَةِ عَلِيٍّ مَا خَلَا النُّهُوضَ. فَأَصْبَحَ عَلِيٌّ فَقِيلَ لَهُ: حَدَثَ اللَّيْلَةَ حَدَثٌ هُوَ أَشَدُّ مِنْ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَعَائِشَةَ، وَمُعَاوِيَةَ. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: خَرَجَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ فَأَتَى السُّوقَ وَأَعَدَّ الظَّهْرَ وَالرِّجَالَ، وَأَخَذَ لِكُلِّ طَرِيقٍ طُلَّابًا، وَمَاجَ النَّاسُ. فَسَمِعَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ، فَأَتَتْ عَلِيًّا فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ، فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَقَالَ: انْصَرِفُوا، وَاللَّهِ مَا كَذَبَتْ وَلَا كَذِبَ، وَاللَّهِ إِنَّهُ عِنْدِي ثِقَةٌ. فَانْصَرَفُوا. وَكَانَ سَبَبُ اجْتِمَاعِهِمْ بِمَكَّةَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ خَرَجَتْ إِلَيْهَا، وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ، ثُمَّ
خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ تُرِيدُ الْمَدِينَةَ. فَلَمَّا كَانَتْ بِسَرِفَ لَقِيَهَا رَجُلٌ مِنْ أَخْوَالِهَا مِنْ بَنِي لَيْثٍ يُقَالُ لَهُ عَبِيدُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَهُوَ ابْنُ أُمِّ كِلَابٍ، فَقَالَتْ لَهُ: مَهْيَمْ؟ قَالَ: قُتِلَ عُثْمَانُ وَبَقَوْا ثَمَانِيًا. قَالَتْ: ثُمَّ صَنَعُوا مَاذَا؟ قَالَ: اجْتَمَعُوا عَلَى بَيْعَةِ عَلِيٍّ. فَقَالَتْ: لَيْتَ هَذِهِ انْطَبَقَتْ عَلَى هَذِهِ إِنْ تَمَّ الْأَمْرُ لِصَاحِبِكَ! رُدُّونِي رُدُّونِي! فَانْصَرَفَتْ إِلَى مَكَّةَ وَهِيَ تَقُولُ: قُتِلَ وَاللَّهِ عُثْمَانُ مَظْلُومًا، وَاللَّهِ لَأَطْلُبَنَّ بِدَمِهِ! فَقَالَ لَهَا: وَلِمَ؟ وَاللَّهِ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَمَالَ حَرْفَهُ لَأَنْتِ، وَلَقَدْ كُنْتِ تَقُولِينَ: اقْتُلُوا نَعْثَلًا فَقَدْ كَفَرَ. قَالَتْ: إِنَّهُمُ اسْتَتَابُوهُ ثُمَّ قَتَلُوهُ، وَقَدْ قُلْتُ وَقَالُوا، وَقَوْلِي الْأَخِيرُ خَيْرٌ مِنْ قَوْلِي الْأَوَّلِ. فَقَالَ لَهَا ابْنُ أُمِّ كِلَابٍ: فَمِنْكِ الْبَدَاءُ وَمِنْكِ الْغِيَرْ ... وَمِنْكِ الرِّيَاحُ وَمِنْكِ الْمَطَرْ وَأَنْتِ أَمَرْتِ بِقَتْلِ الْإِمَامِ ... وَقُلْتِ لَنَا إِنَّهُ قَدْ كَفَرْ فَهَبْنَا أَطَعْنَاكِ فِي قَتْلِهِ ... وَقَاتِلُهُ عِنْدَنَا مَنْ أَمَرْ وَلَمْ يَسْقُطِ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِنَا ... وَلَمْ يَنْكَسِفْ شَمْسُنَا وَالْقَمَرْ وَقَدْ بَايَعَ النَّاسُ ذَا تُدْرَإٍ ... يُزِيلُ الشَّبَا وَيُقِيمُ الصَّعَرْ وَيَلْبَسُ لِلْحَرْبِ أَثْوَابَهَا ... وَمَا مَنْ وَفَى مِثْلُ مَنْ قَدْ غَدَرْ فَانْصَرَفَتْ إِلَى مَكَّةَ فَقَصَدَتِ الْحِجْرَ فَسَتَّرَتْ فِيهِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهَا. فَقَالَتْ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الْغَوْغَاءَ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَأَهْلِ الْمِيَاهِ وَعَبِيدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اجْتَمَعُوا عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الْمَقْتُولِ ظُلْمًا بِالْأَمْسِ، وَنَقَمُوا عَلَيْهِ اسْتِعْمَالَ مَنْ حَدَثَتْ سِنُّهُ، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ أَمْثَالُهُمْ قَبْلَهُ، وَمَوَاضِعَ مِنَ الْحِمَى حَمَاهَا لَهُمْ، فَتَابَعَهُمْ وَنَزَعَ لَهُمْ عَنْهَا. فَلَمَّا لَمْ يَجِدُوا حُجَّةً وَلَا عُذْرًا بَادَرُوا بِالْعُدْوَانِ فَسَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَاسْتَحَلُّوا الْبَلَدَ الْحَرَامَ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَأَخَذُوا الْمَالَ الْحَرَامَ، وَاللَّهِ لَإِصْبَعٌ مِنْ عُثْمَانَ خَيْرٌ مِنْ طِبَاقِ الْأَرْضِ أَمْثَالِهِمْ! وَوَاللَّهِ، لَوْ أَنَّ الَّذِي اعْتَدَوْا بِهِ عَلَيْهِ كَانَ ذَنْبًا لَخَلَصَ مِنْهُ كَمَا يَخْلُصُ الذَّهَبُ مِنْ خَبَثِهِ أَوِ الثَّوْبُ مِنْ دَرَنِهِ إِذْ مَاصُوهُ كَمَا يُمَاصُ الثَّوْبُ بِالْمَاءِ، أَيْ يُغْسَلُ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ الْحَضْرَمِيُّ، وَكَانَ عَامِلَ عُثْمَانَ عَلَى مَكَّةَ: هَا أَنَا أَوَّلُ طَالِبٍ! فَكَانَ أَوَّلَ مُجِيبٍ، وَتَبِعَهُ أُمَيَّةُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانُوا هَرَبُوا مِنَ الْمَدِينَةِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ إِلَى مَكَّةَ وَرَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمُوا بِالْحِجَازِ وَتَبِعَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ، وَسَائِرُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ مِنَ الْبَصْرَةِ بِمَالٍ كَثِيرٍ، وَيَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، وَهُوَ ابْنُ مُنْيَةَ، مِنَ الْيَمَنِ وَمَعَهُ سِتُّمِائَةِ بَعِيرٍ وَسِتُّمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَنَاخَ بِالْأَبْطَحِ. وَقَدِمَ طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلَقِيَا عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: مَا وَرَاءَكُمَا؟ فَقَالَا: إِنَّا تَحَمَّلْنَا هُرَّابًا مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ غَوْغَاءَ وَأَعْرَابٍ وَفَارَقْنَا قَوْمًا حَيَارَى لَا يَعْرِفُونَ حَقًّا وَلَا يُنْكِرُونَ بَاطِلًا وَلَا يَمْنَعُونَ أَنْفُسَهُمْ. فَقَالَتْ: انْهَضُوا إِلَى هَذِهِ الْغَوْغَاءِ. فَقَالُوا: نَأْتِي الشَّامَ. فَقَالَ ابْنُ عَامِرٍ: قَدْ كَفَاكُمُ الشَّامَ مُعَاوِيَةُ، فَأْتُوا الْبَصْرَةَ فَإِنَّ لِي بِهَا صَنَائِعَ، وَلَهُمْ فِي طَلْحَةَ هَوًى. قَالُوا: قَبَّحَكَ اللَّهُ! فَوَاللَّهِ مَا كُنْتَ بِالْمُسَالِمِ وَلَا بِالْمُحَارِبِ، فَهَلَّا أَقَمْتَ كَمَا أَقَامَ مُعَاوِيَةُ فَنُكْفَى بِكَ، ثُمَّ نَأْتِيَ الْكُوفَةَ فَنَسُدَّ عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمَذَاهِبَ؟ فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ جَوَابًا مَقْبُولًا، فَاسْتَقَامَ الرَّأْيُ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَقَالُوا لَهَا: نَتْرُكُ الْمَدِينَةَ فَإِنَّا خَرَجْنَا فَكَانَ مَعَنَا مَنْ لَا يُطِيقُ مَنْ بِهَا مِنَ الْغَوْغَاءِ وَنَأْتِي بَلَدًا مُضَيَّعًا سَيَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِبَيْعَةِ عَلِيٍّ فَتُنْهِضِينَهُمْ كَمَا أَنْهَضْتِ أَهْلَ مَكَّةَ، فَإِنْ أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمْرَ كَانَ الَّذِي أَرَدْنَا، وَإِلَّا دَفَعْنَا بِجُهْدِنَا حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ مَا أَرَادَ. فَأَجَابَتْهُمْ إِلَى ذَلِكَ. وَدَعَوْا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لِيَسِيرَ مَعَهُمْ، فَأَبَى وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَفْعَلُ مَا يَفْعَلُونَ. فَتَرَكُوهُ. وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهَا، عَلَى قَصْدِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا تَغَيَّرَ رَأْيُهَا إِلَى الْبَصْرَةِ تَرَكْنَ ذَلِكَ، وَأَجَابَتْهُمْ حَفْصَةُ إِلَى الْمَسِيرِ مَعَهُمْ، فَمَنَعَهَا أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَجَهَّزَهُمْ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ بِسِتِّمِائَةِ بَعِيرٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَجَهَّزَهُمُ ابْنُ عَامِرٍ بِمَالٍ كَثِيرٍ، وَنَادَى
مُنَادِيهَا: إِنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ شَاخِصُونَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَمَنْ أَرَادَ إِعْزَازَ الْإِسْلَامِ وَقِتَالَ الْمُحِلِّينَ وَالطَّلَبَ بِثَأْرِ عُثْمَانَ، وَلَيْسَ لَهُ مَرْكَبٌ وَجِهَازٌ فَلْيَأْتِ! فَحَمَلُوا سِتَّمِائَةٍ عَلَى سِتِّمِائَةِ بَعِيرٍ وَسَارُوا فِي أَلْفٍ. وَقِيلَ: فِي تِسْعِمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، وَلَحِقَهُمُ النَّاسُ، فَكَانُوا فِي ثَلَاثَةِ آلَافِ رَجُلٍ. وَبَعَثَتْ أُمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَرْثِ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ يُدْعَى ظَفَرًا، فَاسْتَأْجَرَتْهُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ عَلِيًّا بِالْخَبَرِ، فَقَدِمَ عَلَى عَلِيٍّ بِكِتَابِهَا. وَخَرَجَتْ عَائِشَةُ وَمَنْ مَعَهَا مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْهَا أَذَّنَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، ثُمَّ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فَقَالَ: عَلَى أَيِّكُمْ أُسَلِّمُ بِالْإِمْرَةِ وَأُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَبَاهُ الزُّبَيْرَ -. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ: عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ - يَعْنِي أَبَاهُ طَلْحَةَ -. فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إِلَى مَرْوَانَ وَقَالَتْ لَهُ: أَتُرِيدُ أَنْ تُفَرِّقَ أَمْرَنَا! لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ ابْنُ أُخْتِي - تَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ -. وَقِيلَ: بَلْ صَلَّى بِالنَّاسِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ حَتَّى قُتِلَ، فَكَانَ مُعَاذُ بْنُ عُبَيْدٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ ظَفِرْنَا لَاقْتَتَلْنَا، مَا كَانَ الزُّبَيْرُ يَتْرُكُ طَلْحَةَ وَالْأَمْرَ، وَلَا كَانَ طَلْحَةُ يَتْرُكُ الزُّبَيْرَ وَالْأَمْرَ. وَتَبِعَهَا أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى ذَاتِ عِرْقٍ، فَبَكَوْا عَلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ كَانَ أَكْثَرَ بَاكِيًا وَبَاكِيَةً مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَكَانَ يُسَمَّى يَوْمُ النَّحِيبِ. فَلَمَّا بَلَغُوا ذَاتَ عِرْقٍ لَقِيَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَأَصْحَابَهُ بِهَا فَقَالَ: أَيْنَ تَذْهَبُونَ وَتَتْرُكُونَ ثَأْرَكُمْ عَلَى أَعْجَازِ الْإِبِلِ وَرَاءَكُمْ؟ - يَعْنِي: عَائِشَةَ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ -. اقْتُلُوهُمْ ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ. فَقَالُوا: نَسِيرُ فَلَعَلَّنَا نَقْتُلُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ جَمِيعًا. فَخَلَا سَعِيدٌ بِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فَقَالَ: إِنْ ظَفِرْتُمَا لِمَنْ تَجْعَلَانِ الْأَمْرَ؟ أَصْدِقَانِي. قَالَا: نَجْعَلُهُ لِأَحَدِنَا أَيَّنَا اخْتَارَهُ النَّاسُ. قَالَ: بَلْ تَجْعَلُونَهُ لِوَلَدِ عُثْمَانَ، فَإِنَّكُمْ خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ بِدَمِهِ. فَقَالَا: نَدَعُ شُيُوخَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَجْعَلُهَا لِأَيْتَامٍ! قَالَ: فَلَا أَرَانِي أَسْعَى إِلَّا لِإِخْرَاجِهَا مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ. فَرَجَعَ وَرَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: الرَّأْيُ مَا قَالَ سَعِيدٌ، مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ ثَقِيفٍ فَلْيَرْجِعْ. فَرَجَعَ، وَمَضَى الْقَوْمُ وَمَعَهُمْ أَبَانٌ، وَالْوَلِيدُ ابْنَا عُثْمَانَ. وَأَعْطَى يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ عَائِشَةَ جَمَلًا اسْمُهُ عَسْكَرُ اشْتَرَاهُ بِثَمَانِينَ دِينَارًا، فَرَكِبَتْهُ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ جَمَلُهَا لِرَجُلٍ مِنْ عُرَيْنَةَ. قَالَ الْعُرَنِيُّ: بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ إِذْ عَرَضَ لِي رَاكِبٌ فَقَالَ: أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: بِكَمْ؟ قُلْتُ: بِأَلْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ: أَمْجَنُونٌ أَنْتَ؟ قُلْتُ: وَلِمَ؟ وَاللَّهِ مَا طَلَبْتُ عَلَيْهِ أَحَدًا إِلَّا أَدْرَكْتُهُ، وَلَا طَلَبَنِي وَأَنَا عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا فُتُّهُ. قَالَ: لَوْ تَعْلَمُ لِمَنْ نُرِيدُهُ! إِنَّمَا نُرِيدُهُ لِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ! فَقُلْتُ: خُذْهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ. قَالَ: بَلْ تَرْجِعُ مَعَنَا إِلَى الرَّحْلِ فَنُعْطِيكَ نَاقَةً وَدَرَاهِمَ. قَالَ: فَرَجَعْتُ مَعَهُ فَأَعْطَوْنِي نَاقَةً مَهْرِيَّةً وَأَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ سِتَّمِائَةٍ، وَقَالُوا لِي: يَا أَخَا عُرَيْنَةَ هَلْ لَكَ دِلَالَةٌ بِالطَّرِيقِ؟ قُلْتُ: أَنَا مِنْ أَدِلِّ النَّاسِ. قَالُوا: فَسِرْ مَعَنَا. فَسِرْتُ مَعَهُمْ فَلَا أَمُرُّ عَلَى وَادٍ إِلَّا سَأَلُونِي عَنْهُ، حَتَّى طَرَقْنَا الْحَوْأَبَ، وَهُوَ مَاءٌ، فَنَبَحَتْنَا كِلَابُهُ، فَقَالُوا: أَيُّ مَاءٍ هَذَا؟ فَقُلْتُ: هَذَا مَاءُ الْحَوْأَبِ. فَصَرَخَتْ عَائِشَةُ بِأَعْلَى صَوْتِهَا وَقَالَتْ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، إِنِّي لَهِيَهْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَقُولُ وَعِنْدَهُ نِسَاؤُهُ: " لَيْتَ شِعْرِي أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ "!» ثُمَّ ضَرَبَتْ عَضُدَ بَعِيرِهَا فَأَنَاخَتْهُ وَقَالَتْ: رُدُّونِي، أَنَا وَاللَّهِ صَاحِبَةُ مَاءِ الْحَوْأَبِ. فَأَنَاخُوا حَوْلَهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّهُ كَذِبَ، وَلَمْ يَزَلْ بِهَا وَهِيَ تَمْتَنِعُ، فَقَالَ لَهَا: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! قَدْ أَدْرَكَكُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَارْتَحَلُوا نَحْوَ الْبَصْرَةِ، فَلَمَّا كَانُوا بِفِنَائِهَا لَقِيَهُمْ عُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ وَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْشُدُكِ اللَّهَ أَنْ تَقْدَمِي الْيَوْمَ عَلَى قَوْمٍ لَمْ تُرَاسِلِي مِنْهُمْ أَحَدًا، فَعَجِّلِي ابْنَ عَامِرٍ، فَإِنَّ لَهُ بِهَا صَنَائِعَ، فَلْيَذْهَبْ إِلَيْهِمْ لِيَلْقَوُا النَّاسَ إِلَى أَنْ تَقْدَمِي وَيَسْمَعُوا مَا جِئْتُمْ بِهِ. فَأَرْسَلَتْهُ، فَانْدَسَّ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَأَتَى الْقَوْمَ، وَكَتَبَتْ عَائِشَةُ
إِلَى رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَإِلَى الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، وَصَبْرَةَ بْنِ شَيْمَانَ، وَأَمْثَالِهِمْ، وَأَقَامَتْ بِالْحَفِيرِ تَنْتَظِرُ الْجَوَابَ. وَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ دَعَا عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ عِمْرَانَ بْنَ حَصِينٍ - وَكَانَ رَجُلَ عَامَّةٍ - وَأَلَزَّهُ بِأَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ - وَكَانَ رَجُلَ خَاصَّةٍ - وَقَالَ لَهُمَا: انْطَلِقَا إِلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ فَاعْلَمَا عِلْمَهَا وَعِلْمَ مَنْ مَعَهَا. فَخَرَجَا فَانْتَهَيَا إِلَيْهَا بِالْحَفِيرِ، فَأَذِنَتْ لَهُمَا، فَدَخَلَا وَسَلَّمَا وَقَالَا: إِنَّ أَمِيرَنَا بَعَثَنَا إِلَيْكَ لِنَسْأَلَكَ عَنْ مَسِيرِكَ، فَهَلْ أَنْتِ مُخْبِرَتُنَا؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا مِثْلِي يُعْطِي لِبَنِيهِ الْخَبَرَ، إِنَّ الْغَوْغَاءَ وَنُزَّاعَ الْقَبَائِلِ غَزَوْا حَرَمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَحْدَثُوا فِيهِ وَآوَوُا الْمُحْدِثِينَ، فَاسْتَوْجَبُوا لَعْنَةَ اللَّهِ وَلَعْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ مَا نَالُوا مِنْ قَتْلِ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ بِلَا تِرَةٍ وَلَا عُذْرٍ، فَاسْتَحَلُّوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَسَفَكُوهُ، وَانْتَهَبُوا الْمَالَ الْحَرَامَ، وَأَحَلُّوا الْبَلَدَ الْحَرَامَ، وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ فِي الْمُسْلِمِينَ أُعَلِّمُهُمْ مَا أَتَى هَؤُلَاءِ، وَمَا النَّاسُ فِيهِ وَرَاءَنَا، وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ مِنْ إِصْلَاحِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَقَرَأْتُ: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ} [النساء: 114] الْآيَةَ، فَهَذَا شَأْنُنَا إِلَى مَعْرُوفٍ نَأْمُرُكُمْ بِهِ وَمُنْكَرٍ نَنْهَاكُمْ عَنْهُ. فَخَرَجَ عِمْرَانُ وَأَبُو الْأَسْوَدِ مِنْ عِنْدِهَا فَأَتَيَا طَلْحَةَ وَقَالَا: مَا أَقْدَمَكَ؟ فَقَالَ: الطَّلَبُ بِدَمِ عُثْمَانَ. فَقَالَا: أَلَمْ تُبَايِعْ عَلِيًّا؟ فَقَالَ: بَلَى وَالسَّيْفُ عَلَى عُنُقِي، وَمَا أَسْتَقِيلُ عَلِيًّا الْبَيْعَةَ إِنْ هُوَ لَمْ يَحُلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَتَلَةِ عُثْمَانَ. ثُمَّ أَتَيَا الزُّبَيْرَ فَقَالَا لَهُ مِثْلَ قَوْلِهِمَا لِطَلْحَةَ، وَقَالَ لَهُمَا مِثْلَ قَوْلِ طَلْحَةَ، فَرَجَعَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، وَنَادَى مُنَادِيهَا بِالرَّحِيلِ، فَدَخَلَا عَلَى عُثْمَانَ فَبَادَرَ أَبُو الْأَسْوَدِ عِمْرَانَ فَقَالَ: يَا ابْنَ حُنَيْفٍ قَدْ أُتِيتَ فَانْفِرِ ... وَطَاعِنِ الْقَوْمَ وَجَالِدْ وَاصْبِرِ وَابْرُزْ لَهُمْ مُسْتَلْئِمًا وَشَمِّرِ فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، دَارَتْ رَحَى الْإِسْلَامِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ فَانْظُرُوا بِأَيِّ زَيَفَانٍ تَزِيفُ. فَقَالَ عِمْرَانُ: إِيْ وَاللَّهِ لَتَعْرِكَنَّكُمْ عَرْكًا طَوِيلًا. قَالَ: فَأَشِرْ عَلَيَّ يَا عِمْرَانُ. قَالَ: اعْتَزِلْ فَإِنِّي قَاعِدٌ. قَالَ عُثْمَانُ: بَلْ أَمْنَعُهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ.
فَانْصَرَفَ عِمْرَانُ إِلَى بَيْتِهِ وَقَامَ عُثْمَانُ فِي أَمْرِهِ، فَأَتَاهُ هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي تُرِيدُهُ يُسْلِمُ إِلَى شَرٍّ مِمَّا تَكْرَهُ، إِنَّ هَذَا فَتْقٌ لَا يُرْتَقُ، وَصَدْعٌ لَا يُجْبَرُ، فَارْفُقْ بِهِمْ وَسَامِحْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ عَلِيٍّ. فَأَبَى وَنَادَى عُثْمَانُ فِي النَّاسِ وَأَمَرَهُمْ بِلُبْسِ السِّلَاحِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى الْمَسْجِدِ وَأَمَرَهُمْ بِالتَّجْهِيزِ، وَأَمَرَ رَجُلًا دَسَّهُ إِلَى النَّاسِ خَدِعًا كُوفِيًّا قَيْسِيًّا، فَقَامَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَنَا قَيْسُ بْنُ الْعَقَدِيَّةِ الْحُمَيْسِيُّ، إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ إِنْ كَانُوا جَاؤُوا خَائِفِينَ فَقَدْ أَتَوْا مِنْ بَلَدٍ يَأْمَنُ فِيهِ الطَّيْرُ، وَإِنْ كَانُوا جَاءُوا يَطْلُبُونَ بِدَمِ عُثْمَانَ، فَمَا نَحْنُ بِقَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَأَطِيعُونِي وَرَدُّوهُمْ مِنْ حَيْثُ جَاؤُوا. فَقَامَ الْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ السَّعْدِيُّ فَقَالَ: أَوَزَعَمُوا أَنَّا قَتَلَةُ عُثْمَانَ؟ إِنَّمَا أَتَوْا يَسْتَعِينُونَ بِنَا عَلَى قَتَلَةِ عُثْمَانَ مِنَّا وَمِنْ غَيْرِنَا. فَحَصَبَهُ النَّاسُ، فَعَرَفَ عُثْمَانُ أَنَّ لَهُمْ بِالْبَصْرَةِ نَاصِرًا، فَكَسَرَهُ ذَلِكَ. فَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ فِيمَنْ مَعَهَا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْمِرْبَدِ، فَدَخَلُوا مِنْ أَعْلَاهُ، وَوَقَفُوا حَتَّى خَرَجَ عُثْمَانُ فِيمَنْ مَعَهُ وَخَرَجَ إِلَيْهَا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا، فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ بِالْمِرْبَدِ، فَتَكَلَّمَ طَلْحَةُ وَهُوَ فِي مَيْمَنَةِ الْمِرْبَدِ، وَعُثْمَانُ فِي مَيْسَرَتِهِ، فَأَنْصَتُوا لَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ عُثْمَانَ وَفَضْلَهُ وَمَا اسْتَحَلَّ مِنْهُ، وَدَعَا إِلَى الطَّلَبِ بِدَمِهِ وَحَثَّهُمْ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الزُّبَيْرُ. فَقَالَ مَنْ فِي مَيْمَنَةِ الْمِرْبَدِ: صَدَقَا وَبَرَّا. وَقَالَ فِي مَيْسَرَتِهِ: فَجَرَا وَغَدَرَا وَأَمَرَا بِالْبَاطِلِ، فَقَدْ بَايَعَا عَلِيًّا ثُمَّ جَاءَا يَقُولَانِ، وَتَحَاثَى النَّاسُ وَتَحَاصَبُوا وَأَرْهَجُوا. فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ، وَكَانَتْ جَهْوَرِيَّةَ الصَّوْتِ، فَحَمِدَتِ اللَّهَ وَقَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَتَجَنَّوْنَ عَلَى عُثْمَانَ وَيَزْرُونَ عَلَى عُمَّالِهِ، وَيَأْتُونَنَا بِالْمَدِينَةِ فَيَسْتَشِيرُونَنَا فِيمَا يُخْبِرُونَنَا عَنْهُمْ، فَنَنْظُرُ فِي ذَلِكَ فَنَجِدُهُ بَرِيئًا تَقِيًّا وَفِيًّا، وَنَجِدُهُمْ فَجَرَةً غَدَرَةً كَذَبَةً، وَهُمْ يُحَاوِلُونَ غَيْرَ مَا يُظْهِرُونَ، فَلَمَّا قَوَوْا كَاثَرُوهُ، وَاقْتَحَمُوا عَلَيْهِ دَارَهُ، وَاسْتَحَلُّوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ، وَالْبَلَدَ الْحَرَامَ، بِلَا تِرَةٍ وَلَا عُذْرٍ، أَلَا إِنَّ مِمَّا يَنْبَغِي لَا يَنْبَغِي لَكُمْ غَيْرُهُ، أَخْذُ قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَإِقَامَةُ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَرَأَتْ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ} [آل عمران: 23] الْآيَةَ، فَافْتَرَقَ أَصْحَابُ عُثْمَانَ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٌ قَالَتْ: صَدَقَتْ وَبَرَّتْ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: كَذَبْتُمْ وَاللَّهِ مَا نَعْرِفُ مَا جِئْتُمْ بِهِ! فَتَحَاثَوْا وَتَحَاصَبُوا. فَلَمَّا رَأَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ انْحَدَرَتْ وَانْحَدَرَ أَهْلُ الْمَيْمَنَةِ مُفَارِقِينَ لِعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ حَتَّى وَقَفُوا فِي الْمِرْبَدِ فِي مَوْضِعِ الدَّبَّاغِينَ، وَبَقِيَ أَصْحَابُ عُثْمَانَ عَلَى حَالِهِمْ، وَمَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَائِشَةَ وَبَقِيَ بَعْضُهُمْ مَعَ عُثْمَانَ.
وَأَقْبَلُ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ السَّعْدِيُّ وَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ، لَقَتْلُ عُثْمَانَ أَهْوَنُ مِنْ خُرُوجِكِ مِنْ بَيْتِكِ عَلَى هَذَا الْجَمَلِ الْمَلْعُونِ عُرْضَةً لِلسِّلَاحِ! إِنَّهُ قَدْ كَانَ لَكِ مِنَ اللَّهِ سِتْرٌ وَحُرْمَةٌ، فَهَتَكْتِ سِتْرَكِ وَأَبَحْتِ حُرْمَتَكِ! إِنَّهُ مَنْ رَأَى قِتَالَكِ يَرَى قَتْلَكِ! لَئِنْ كُنْتِ أَتَيْتِنَا طَائِعَةً فَارْجِعِي إِلَى مَنْزِلِكِ، وَإِنْ كُنْتِ أَتَيْتِنَا مُكْرَهَةً فَاسْتَعِينِي بِالنَّاسِ. وَخَرَجَ غُلَامٌ شَابٌّ مِنْ بَنِي سَعْدٍ إِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فَقَالَ: أَمَّا أَنْتَ يَا زُبَيْرُ فَحَوَارِيُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَمَّا أَنْتَ يَا طَلْحَةَ فَوَقَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِكَ وَأَرَى أُمَّكُمَا مَعَكُمَا، فَهَلْ جِئْتُمَا بِنِسَائِكُمَا؟ قَالَا: لَا. قَالَ: فَمَا أَنَا مِنْكُمْ فِي شَيْءٍ، وَاعْتَزَلَ وَقَالَ فِي ذَلِكَ: صُنْتُمْ حَلَائِلَكُمْ وَقُدْتُمْ أُمَّكُمْ ... هَذَا لَعَمْرُكَ قِلَّةُ الْإِنْصَافِ أُمِرَتْ بِجَرِّ ذُيُولِهَا فِي بَيْتِهَا ... فَهَوَتْ تَشُقُّ الْبِيدَ بِالْإِيجَافِ غَرَضًا يُقَاتِلُ دُونَهَا أَبْنَاؤُهَا ... بِالنَّبْلِ وَالْخَطِّيِّ وَالْأَسْيَافِ هُتِكَتْ بِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ سُتُورُهَا ... هَذَا الْمُخَبَّرُ عَنْهُمُ وَالْكَافِي وَأَقْبَلَ حُكَيْمُ بْنُ جَبَلَةَ الْعَبْدِيُّ - وَهُوَ عَلَى الْخَيْلِ - فَأَنْشَبَ الْقِتَالَ، وَأَشْرَعَ أَصْحَابُ عَائِشَةَ رِمَاحَهُمْ، وَأَمْسَكُوا لِيُمْسِكَ حُكَيْمٌ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْتَهِ، وَقَاتَلَهُمْ وَأَصْحَابُ عَائِشَةَ كَافُّونَ يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَحَكِيمٌ يَذْمُرُ خَيْلَهُ وَيَرْكَبُهُمْ بِهَا، فَاقْتَتَلُوا عَلَى فَمِ السِّكَّةِ، وَأَمَرَتْ عَائِشَةُ أَصْحَابَهَا فَتَيَامَنُوا إِلَى مَقْبَرَةِ بَنِي مَازِنٍ، وَحَجَزَ اللَّيْلُ بَيْنَهُمْ، وَرَجَعَ عُثْمَانُ إِلَى الْقَصْرِ، وَأَتَى أَصْحَابُ عَائِشَةَ إِلَى نَاحِيَةِ دَارِ الرِّزْقِ، وَبَاتُوا يَتَأَهَّبُونَ، وَبَاتَ النَّاسُ يَأْتُونَهُمْ، وَاجْتَمَعُوا بِسَاحَةِ دَارِ الرِّزْقِ. فَغَادَاهُمْ حُكَيْمُ بْنُ جَبَلَةَ وَهُوَ يَسُبُّ وَبِيَدِهِ الرُّمْحُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ: مَنْ هَذَا الَّذِي تَسُبُّهُ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. قَالَ: يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ أَلِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ هَذَا؟ فَطَعَنَهُ حُكَيْمٌ فَقَتَلَهُ. ثُمَّ مَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهُوَ يَسُبُّهَا أَيْضًا، فَقَالَتْ لَهُ: أَلِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ هَذَا يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ؟ فَطَعَنَهَا فَقَتَلَهَا. ثُمَّ سَارَ فَاقْتَتَلُوا بِدَارِ الرِّزْقِ قِتَالًا شَدِيدًا إِلَى أَنْ زَالَ النَّهَارُ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ وَكَثُرَ الْجِرَاحُ فِي الْفَرِيقَيْنِ. فَلَمَّا عَضَّتْهُمُ الْحَرْبُ تَنَادَوْا إِلَى الصُّلْحِ وَتَوَادَعُوا، فَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا رَسُولًا إِلَى الْمَدِينَةِ يَسْأَلُ أَهْلَهَا، فَإِنْ كَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أُكْرِهَا خَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ عَنِ الْبَصْرَةِ وَأَخْلَاهَا لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا أُكْرِهَا خَرَجَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، وَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا بِذَلِكَ. وَسَارَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَسْأَلُهُمْ. فَلَمَّا قَدِمَهَا اجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ،
فَقَامَ وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَنَا رَسُولُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، نَسْأَلُكُمْ هَلْ أُكْرِهَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ عَلَى بَيْعَةِ عَلِيٍّ أَمْ أَتَيَاهَا طَائِعِينَ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَإِنَّهُ قَامَ وَقَالَ: أَنَّهُمَا بَايَعَا وَهُمَا مُكْرَهَانِ. فَأَمَرَ بِهِ تَمَّامُ بْنُ الْعَبَّاسِ، فَوَاثَبَهُ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٌ وَالنَّاسُ، وَثَارَ صُهَيْبٌ وَأَبُو أَيُّوبَ فِي عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حِينَ خَافُوا أَنْ يُقْتَلَ أُسَامَةُ فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَتَرَكُوهُ، وَأَخَذَ صُهَيْبٌ أُسَامَةَ بِيَدِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ وَقَالَ لَهُ: أَمَا وَسِعَكَ مَا وَسِعَنَا مِنَ السُّكُوتِ؟ قَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا أَرَى. فَرَجَعَ كَعْبٌ وَبَلَغَ عَلِيًّا الْخَبَرُ، فَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ يُعْجِزُهُ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُكْرِهَا عَلَى فُرْقَةٍ وَلَقَدْ أُكْرِهَا عَلَى جَمَاعَةٍ وَفَضْلٍ، فَإِنْ كَانَا يُرِيدَانِ الْخَلْعَ فَلَا عُذْرَ لَهُمَا، وَإِنْ كَانَا يُرِيدَانِ غَيْرَ ذَلِكَ نَظَرْنَا وَنَظَرُوا. فَقِدَمَ الْكِتَابُ عَلَى عُثْمَانَ، وَقَدِمَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ، فَأَرْسَلُوا إِلَى عُثْمَانَ لِيَخْرُجَ، فَاحْتَجَّ بِالْكِتَابِ وَقَالَ: هَذَا أَمْرٌ آخَرُ غَيْرُ مَا كُنَّا فِيهِ. فَجَمَعَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ الرِّجَالَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ ذَاتِ رِيَاحٍ وَمَطَرٍ، ثُمَّ قَصَدَا الْمَسْجِدَ فَوَافَقَا صَلَاةَ الْعِشَاءِ، وَكَانُوا يُؤَخِّرُونَهَا، فَأَبْطَأَ عُثْمَانُ، فَقَدَّمَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَتَّابٍ، فَشَهَرَ الزُّطُّ وَالسَّيَابِجَةُ السِّلَاحَ ثُمَّ وَضَعُوهُ فِيهِمْ، فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ فَاقْتَتَلُوا فِي الْمَسْجِدِ فَقُتِلُوا، وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، فَأَدْخَلَا الرِّجَالَ عَلَى عُثْمَانَ فَأَخْرَجُوهُ إِلَيْهِمَا. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمَا [تَوَطَّؤُوهُ] وَمَا بَقِيَتْ فِي وَجْهِهِ شَعْرَةٌ فَاسْتَعْظَمَا ذَلِكَ وَأَرْسَلَا إِلَى عَائِشَةَ يُعْلِمَانِهَا الْخَبَرَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمَا أَنْ خَلُّوا سَبِيلَهُ. وَقِيلَ: لَمَّا أُخِذَ عُثْمَانُ أَرْسَلُوا إِلَى عَائِشَةَ يَسْتَشِيرُونَهَا فِي أَمْرِهِ، فَقَالَتْ: اقْتُلُوهُ. فَقَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ: نَشَدْتُكِ اللَّهَ فِي عُثْمَانَ وَصُحْبَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -! فَقَالَتْ لَهُمْ: احْبِسُوهُ. فَقَالَ لَهُمْ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ: اضْرِبُوهُ وَأَنْتِفُوا لِحْيَتَهُ وَحَاجِبَيْهِ وَأَشْفَارَ عَيْنَيْهِ. فَضَرَبُوهُ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَنَتَفُوا لِحْيَتَهُ وَحَاجِبَيْهِ وَأَشْفَارَ عَيْنَيْهِ وَحَبَسُوهُ ثُمَّ أَطْلَقُوهُ وَجَعَلُوا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وَقَدْ قِيلَ فِي إِخْرَاجِ عُثْمَانَ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ أَنَّ عَائِشَةَ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ لَمَّا
قَدِمُوا الْبَصْرَةَ كَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ: مِنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ حَبِيبَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ابْنِهَا الْخَالِصِ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ، أَمَّا بَعْدُ فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَاقْدُمْ فَانْصُرْنَا، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَخَذِّلِ النَّاسَ عَنْ عَلِيٍّ. فَكَتَبَ إِلَيْهَا: أَمَّا بَعْدُ فَأَنَا ابْنُكِ الْخَالِصُ، لَئِنِ اعْتَزَلْتِ وَرَجَعْتِ إِلَى بَيْتِكِ، وَإِلَّا فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ نَابَذَكِ. وَقَالَ زَيْدٌ: رَحِمَ اللَّهُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! أُمِرَتْ أَنْ تَلْزَمَ بَيْتَهَا، وَأُمِرْنَا أَنْ نُقَاتِلَ، فَتَرَكَتْ مَا أُمِرَتْ وَأَمَرَتْنَا بِهِ، وَصَنَعَتْ مَا أُمِرْنَا بِهِ وَنَهَتْنَا عَنْهُ. وَكَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ عِنْدَ قُدُومِهَا عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ فَقَالَ لَهُمْ: مَا نَقَمْتُمْ عَلَى صَاحِبِكُمْ؟ فَقَالُوا: لَمْ نَرَهُ أَوْلَى بِهَا مِنَّا وَقَدْ صَنَعَ مَا صَنَعَ. قَالَ: فَإِنَّ الرَّجُلَ أَمَّرَنِي فَأَكْتُبُ إِلَيْهِ فَأُعْلِمُهُ مَا جِئْتُمْ بِهِ، عَلَى أَنْ أُصَلِّيَ أَنَا بِالنَّاسِ حَتَّى يَأْتِيَنَا كِتَابُهُ. فَوَقَفُوا عَنْهُ، فَكَتَبَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً حَتَّى وَثَبُوا عَلَى عُثْمَانَ عِنْدَ مَدِينَةِ الرِّزْقِ، فَظَفِرُوا بِهِ وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ خَشُوا غَضَبَ الْأَنْصَارِ، فَنَتَفُوا شَعْرَ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَحَاجِبَيْهِ وَضَرَبُوهُ وَحَبَسُوهُ. وَقَامَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ خَطِيبَيْنِ فَقَالَا: يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ تَوْبَةً لِحَوْبَةٍ، إِنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نَسْتَعْتِبَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ، فَغَلَبَ السُّفَهَاءُ الْحُلَمَاءَ فَقَتَلُوهُ! فَقَالَ النَّاسُ لِطَلْحَةَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ قَدْ كَانَتْ كُتُبُكَ تَأْتِينَا بِغَيْرِ هَذَا. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنِّي كِتَابٌ فِي شَأْنِهِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ قَتْلَ عُثْمَانَ وَأَظْهَرَ عَيْبَ عَلِيٍّ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ أَنْصِتْ حَتَّى نَتَكَلَّمَ. فَأَنْصَتَ. فَقَالَ الْعَبْدِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْتُمْ أَوَّلُ مَنْ أَجَابَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ لَكُمْ بِذَلِكَ فَضْلٌ، ثُمَّ دَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا دَخَلْتُمْ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَايَعْتُمْ رَجُلًا مِنْكُمْ فَرَضِينَا وَسَلَّمْنَا، وَلَمْ تَسْتَأْمِرُونَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَجَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي إِمَارَتِهِ بَرَكَةً، ثُمَّ مَاتَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْكُمْ رَجُلًا فَلَمْ تُشَاوِرُونَا فِي ذَلِكَ فَرَضِينَا وَسَلَّمْنَا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ جَعَلَ أَمْرَكُمْ إِلَى سِتَّةِ نَفَرٍ فَاخْتَرْتُمْ عُثْمَانَ وَبَايَعْتُمُوهُ عَنْ غَيْرِ مَشُورَتِنَا، ثُمَّ أَنْكَرْتُمْ مِنْهُ شَيْئًا فَقَتَلْتُمُوهُ عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَّا، ثُمَّ بَايَعْتُمْ عَلِيًّا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَّا، فَمَا الَّذِي نَقِمْتُمْ عَلَيْهِ فَنُقَاتِلُهُ؟ هَلِ اسْتَأْثَرَ بِفَيْءٍ، أَوْ عَمِلَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، أَوْ أَتَى شَيْئًا تُنْكِرُونَهُ فَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَمَا هَذَا؟ فَهَمُّوا
بِقَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَمَنَعَتْهُ عَشِيرَتُهُ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ وَثَبُوا عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ. وَبَقِيَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ بَعْدَ أَخْذِ عُثْمَانَ بِالْبَصْرَةِ وَمَعَهُمَا بَيْتُ الْمَالِ وَالْحَرَسُ وَالنَّاسُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا اسْتَتَرَ. وَبَلَغَ حُكَيْمَ بْنَ جَبَلَةَ مَا صُنِعَ بِعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ فَقَالَ: لَسْتُ أَخَافُ اللَّهَ إِنْ لَمْ أَنْصُرْهُ! فَجَاءَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ رَبِيعَةَ، وَتَوَجَّهَ نَحْوَ دَارِ الرِّزْقِ، وَبِهَا طَعَامٌ أَرَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنْ يُرْزَقَهُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: مَا لَكَ يَا حُكَيْمُ؟ قَالَ: نُرِيدُ أَنَّ نَرْتَزِقَ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ وَأَنْ تُخَلُّوا عُثْمَانَ، فَيُقِيمَ فِي دَارِ الْإِمَارَةِ عَلَى مَا كَتَبْتُمْ بَيْنَكُمْ حَتَّى يَقَدَمَ عَلِيٌّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَجِدُ أَعْوَانًا عَلَيْكُمْ مَا رَضِيَتُ بِهَذِهِ مِنْكُمْ حَتَّى أَقْتُلَكُمْ بِمَنْ قَتَلْتُمْ، وَلَقَدْ أَصْبَحْتُمْ وَإِنَّ دِمَاءَكُمْ لَنَا لَحَلَالٌ بِمَنْ قَتَلْتُمْ، أَمَا تَخَافُونَ اللَّهَ؟ بِمَ تَسْتَحِلُّونَ الدَّمَ الْحَرَامَ؟ قَالَ: بِدَمِ عُثْمَانَ. قَالَ: فَالَّذِينَ قَتَلْتُمْ هُمْ قَتَلُوا عُثْمَانَ؟ ! أَمَا تَخَافُونَ مَقْتَ اللَّهِ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: لَا نَرْزُقُكُمْ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ وَلَا نُخَلِّي سَبِيلَ عُثْمَانَ حَتَّى تَخْلَعَ عَلِيًّا. فَقَالَ حُكَيْمٌ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ حَكَمٌ عَدْلٌ فَاشْهَدْ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَسْتُ فِي شَكٍّ مِنْ قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَمَنْ كَانَ فِي شَكٍّ فَلْيَنْصَرِفْ. وَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَهُمْ. فَقَالَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَمَعَ لَنَا ثَأْرَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، اللَّهُمَّ لَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا! فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَمَعَ حُكَيْمٍ أَرْبَعَةُ قُوَّادٍ، فَكَانَ حُكَيْمٌ بِحِيَالِ طَلْحَةَ، وَذُرَيْحٌ بِحِيَالِ الزُّبَيْرِ، وَابْنُ الْمُحْتَرِشِ بِحِيَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابٍ، وَحُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ بِحِيَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَرْثِ بْنِ هِشَامٍ، فَزَحْفَ طَلْحَةُ لِحُكَيْمٍ وَهُوَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ، وَجَعَلَ حُكَيْمٌ يَضْرِبُ بِالسَّيْفِ وَيَقُولُ: أَضْرِبُهُمْ بِالْيَابِسِ ضَرْبَ غُلَامٍ عَابِسِ ... مِنَ الْحَيَاةِ آيِسِ فِي الْغُرُفَاتِ نَافَسِ فَضَرَبَ رَجُلٌ رِجْلَهُ فَقَطَعَهَا، (فَحَبَا حَتَّى) أَخَذَهَا فَرَمَى بِهَا صَاحِبَهُ فَصَرَعَهُ وَأَتَاهُ فَقَتَلَهُ ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَيْهِ وَقَالَ:
يَا سَاقِي لَنْ تُرَاعِي ... إِنَّ مَعِي ذِرَاعِي أَحْمِي بِهَا كُرَاعِي وَقَالَ أَيْضًا: لَيْسَ عَلَيَّ أَنْ أَمُوتَ عَارُ ... وَالْعَارُ فِي النَّاسِ هُوَ الْفِرَارُ وَالْمَجْدُ لَا يَفْضَحُهُ الدَّمَارُ فَأَتَى عَلَيْهِ رَجُلٌ وَهُوَ رَثِيثٌ، رَأْسُهُ عَلَى آخَرَ، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا حُكَيْمُ؟ قَالَ: قُتِلْتُ. قَالَ: مَنْ قَتَلَكَ؟ قَالَ: وِسَادَتِي. فَاحْتَمَلَهُ وَضَمَّهُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَتَكَلَّمَ يَوْمَئِذٍ حُكَيْمٌ وَإِنَّهُ لَقَائِمٌ عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّ السُّيُوفَ لَتَأْخُذُهُمْ وَمَا يَتَتَعْتَعُ وَيَقُولُ: إِنَّا خَلَّفْنَا هَذَيْنِ، وَقَدْ بَايَعَا عَلِيًّا وَأَعْطَيَاهُ الطَّاعَةَ ثُمَّ أَقْبَلَا مُخَالِفَيْنِ مُحَارِبَيْنِ يَطْلُبَانِ بِدَمِ عُثْمَانَ، فَفَرَّقَا بَيْنَنَا، وَنَحْنُ أَهْلُ دَارٍ وَجِوَارٍ، اللَّهُمَّ أَنَّهُمَا لَمْ يُرِيدَا عُثْمَانَ! فَنَادَاهُ مُنَادٍ: يَا خَبِيثُ! جَزِعْتَ حِينَ عَضَّكَ نَكَالُ اللَّهِ إِلَى الْكَلَامِ مِنْ نَصْبِكَ وَأَصْحَابِكَ بِمَا رَكِبْتُمْ مِنَ الْإِمَامِ الْمَظْلُومِ وَفَرَّقْتُمْ مِنَ الْجَمَاعَةِ وَأَصَبْتُمْ مِنَ الدِّمَاءِ، فَذُقْ وَبَالَ اللَّهِ وَانْتِقَامَهُ. وَقُتِلُوا وَقُتِلَ مَعَهُمْ، قَتَلَهَ يَزِيدُ بْنُ الْأَسْحَمِ الْحُدَّانِيُّ، فَوُجِدَ حُكَيْمٌ قَتِيلًا بَيْنَ يَزِيدَ وَأَخِيهِ كَعْبٍ. وَقِيلَ: قَتَلَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ضُخَيْمٌ، وَقُتِلَ مَعَهُ ابْنُهُ الْأَشْرَفُ وَأَخُوهُ الرِّعْلُ بْنُ جَبَلَةَ. وَلَمَّا قُتِلَ حُكَيْمٌ أَرَادُوا قَتْلَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ فَقَالَ لَهُمْ: أَمَا إِنَّ سَهْلًا بِالْمَدِينَةِ، فَإِنْ قَتَلْتُمُونِي انْتَصَرَ، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَقَصَدَ عَلِيًّا. وَقُتِلَ ذُرَيْحٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَفْلَتَ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَجَأُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، فَنَادَى مُنَادِي طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ: مَنْ كَانَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِمَّنْ غَزَا الْمَدِينَةَ فَلْيَأْتِنَا بِهِمْ، فَجِيءَ بِهِمْ فَقُتِلُوا، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ، فَإِنَّ عَشِيرَتَهُ بَنِي سَعْدٍ مَنَعُوهُ، وَكَانَ مِنْهُمْ، فَنَالَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ شَدِيدٌ، وَضَرَبُوا فِيهِ أَجَلًا وَخَشَّنُوا صُدُورَ بَنِي سَعِدٍ، وَكَانُوا عُثْمَانِيَّةً، فَاعْتَزَلُوا، وَغَضِبَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ حِينَ غَضِبَتْ سَعْدٌ لِمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْوَقْعَةِ وَمَنْ كَانَ هَرَبَ إِلَيْهِمْ إِلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ لُزُومِ
الطَّاعَةِ لِعَلِيٍّ، فَأَمَرَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ لِلنَّاسِ بِأُعْطِيَّاتِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ، وَفَضَّلَا أَهْلَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَخَرَجَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ وَكَثِيرٌ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ حِينَ مَنَعُوهُمُ الْفُضُولَ، فَبَادَرُوهُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَأَكَبَّ عَلَيْهِمُ النَّاسُ، فَأَصَابُوا مِنْهُمْ، وَخَرَجُوا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى طَرِيقِ عَلِيٍّ. وَأَقَامَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا ثَأْرٌ إِلَّا حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ، وَكَتَبُوا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ بِمَا صَنَعُوا وَصَارُوا إِلَيْهِ، وَكَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ، وَتَأْمُرُهُمْ أَنْ يُثَبِّطُوا النَّاسَ عَنْ عَلِيٍّ، وَتَحُثُّهُمْ عَلَى طَلَبِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، وَكَتَبَتْ إِلَى أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَإِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ أَيْضًا، وَسَيَّرَتِ الْكُتُبَ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. وَبَايَعَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، فَلَمَّا بَايَعُوهُمَا قَالَ الزُّبَيْرُ: أَلَا أَلْفُ فَارِسٍ أَسِيرُ بِهِمْ إِلَى عَلِيٍّ، أَقْتُلُهُ بَيَاتًا أَوْ صَبَاحًا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْنَا! فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ لَلْفِتْنَةُ الَّتِي كُنَّا نُحَدَّثُ عَنْهَا. فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: أَتُسَمِّيهَا فِتْنَةً وَتُقَاتِلُ فِيهَا؟ قَالَ: وَيْلَكَ! إِنَّا نُبَصَّرُ وَلَا نُبْصِرُ، مَا كَانَ أَمْرٌ قَطُّ إِلَّا وَإِنَّا أَعْلَمُ مَوْضِعَ قَدَمِي فِيهِ، غَيْرَ هَذَا الْأَمْرِ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي أَمُقْبِلٌ أَنَا فِيهِ أَمْ مُدْبِرٌ! وَقَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ اللِّيثِيُّ: لَمَّا خَرَجَ طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَائِشَةُ، رَأَيْتُ طَلْحَةَ وَأَحَبُّ الْمَجَالِسِ إِلَيْهِ أَخْلَاهَا وَهُوَ ضَارِبٌ بِلِحْيَتِهِ عَلَى صَدْرِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَرَى أَحَبَّ الْمَجَالِسِ إِلَيْكَ أَخْلَاهَا وَأَنْتَ ضَارِبٌ بِلِحْيَتِكَ عَلَى صَدْرِكَ، إِنْ كَرِهْتَ شَيِئًا فَاجْلِسْ. قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا عَلْقَمَةُ بَيْنَا نَحْنُ يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ سِوَانَا إِذْ صِرْنَا جَبَلَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ يَطْلُبُ بَعْضُنَا بَعْضًا، إِنَّهُ كَانَ مِنِّي فِي عُثْمَانَ شَيْءٌ لَيْسَ تَوْبَتِي إِلَّا أَنْ يُسْفَكَ دَمِي فِي طَلَبِ دَمِهِ. قَالَ: فَقُلْتُ: فَرُدَّ ابْنَكَ مُحَمَّدًا، فَإِنَّ لَكَ ضَيْعَةً وَعِيَالًا، فَإِنْ يَكُ شَيْءٌ يَخْلُفْكَ. قَالَ: فَامْنَعْهُ. قَالَ: فَأَتَيْتُ مُحَمَّدًا ابْنَهُ فَقُلْتُ لَهُ: لَوْ أَقَمْتَ فَإِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ كُنْتَ تَخْلُفُهُ فِي عِيَالِهِ وَضَيْعَتِهِ. قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ الرُّكْبَانَ. (يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَسُكُونِ النُّونِ، وَالْيَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتِهَا، وَهِيَ
أُمُّهُ، وَاسْمُ أَبِيهِ أُمَيَّةُ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أَسِيدٍ. جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ بِالْجِيمِ. حُكَيْمُ بْنُ جَبَلَةَ بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الْكَافِ، وَقِيلَ بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَكَسْرِ الْكَافِ. وَصُوحَانُ بِضَمِّ الصَّادِ، وَآخِرُهُ نُونٌ) . ذكر مَسِيرِ عَلِيٍّ إِلَى الْبَصْرَةِ وَالْوَقْعَةِ قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ تَجَهُّزَ عَلِيٍّ إِلَى الشَّامِ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَعَائِشَةَ مِنْ مَكَّةَ بِمَا عَزَمُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ دَعَا وُجُوهَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَخَطَبَهُمْ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ آخِرَ هَذَا الْأَمْرِ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِمَا صَلَحَ [بِهِ] أَوَّلُهُ، فَانْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُصْلِحْ لَكُمْ أَمْرَكُمْ. فَتَثَاقَلُوا، فَلَمَّا رَأَى زِيَادُ بْنُ حَنْظَلَةَ تَثَاقُلَ النَّاسِ انْتَدَبَ إِلَى عَلِيٍّ وَقَالَ لَهُ: مَنْ تَثَاقَلَ عَنْكَ فَإِنَّا نَخَفُّ مَعَكَ فَنُقَاتِلُ دُونَكَ. وَقَامَ رَجُلَانِ صَالِحَانِ مِنْ أَعْلَامِ الْأَنْصَارِ، أَحَدُهُمَا أَبُو الْهَيْثَمِ ابْنُ التَّيِّهَانِ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، وَالثَّانِي خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقِيلَ: [هُوَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ] ، وَقَالَ الْحَكَمُ: لَيْسَ بِذِي الشَّهَادَتَيْنِ، مَاتَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ أَيَّامَ عُثْمَانَ، فَأَجَابَهُ إِلَى نُصْرَتِهِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا نَهَضَ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ إِلَّا سِتَّةُ نَفَرٍ بَدْرِيُّونَ مَا لَهُمْ سَابِعٌ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: مَا اجْتَمَعَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَيْرٍ يَعْلَمُونَهُ إِلَّا وَعَلِيٌّ أَحَدُهُمْ. قِيلَ: وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ لَعَلِّيٍّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَلَّدَنِي هَذَا السَّيْفَ وَقَدْ أَغْمَدْتُهُ زَمَانًا، وَقَدْ حَانَ تَجْرِيدُهُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ [لَا] يَأْلُونَ الْأُمَّةَ غِشًّا، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تُقَدِّمَنِي فَقَدِّمْنِي. وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْلَا أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ وَأَنَّكَ لَا تَقْبَلُهُ مِنِّي لَخَرَجْتُ مَعَكَ، وَهَذَا ابْنُ عَمِّي، وَهُوَ وَاللَّهِ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ نَفْسِي، يَخْرُجُ مَعَكَ وَيَشْهَدُ مَشَاهِدَكَ. فَخَرَجَ مَعَهُ وَهُوَ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلِيٌّ عَلَى الْبَحْرِينِ، ثُمَّ عَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ النُّعْمَانَ بْنَ عَجْلَانَ الزُّرَقِيَّ. فَلَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ الْمَسِيرَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَكَانَ يَرْجُو أَنْ يُدْرِكَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ فَيَرُدَّهُمَا قَبْلَ وُصُولِهِمَا إِلَى الْبَصْرَةِ، أَوْ يُوقِعَ بِهِمَا، فَلَمَّا سَارَ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ تَمَّامَ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَعَلَى مَكَّةَ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ،
وَقِيلَ: أَمَّرَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ. وَسَارَ عَلِيٌّ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي تَعْبِيَتِهِ الَّتِي تَعَبَّاهَا لِأَهْلِ الشَّامِ آخِرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، فَقَالَتْ أُخْتُ عَلِيِّ بْنِ عَدِيٍّ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ: لَاهُمَّ فَاعْقِرْ بِعَلِيٍّ جَمَلَهْ ... وَلَا تُبَارِكْ فِي بَعِيرٍ حَمَلَهْ أَلَا عَلِيُّ بْنُ عَدِيٍّ لَيْسَ لَهْ وَخَرَجَ مَعَهُ مَنْ نَشِطَ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ مُتَخَفِّفِينَ فِي تِسْعِمِائَةٍ، وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يُدْرِكَهُمْ فَيَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْخُرُوجِ أَوْ يَأْخُذَهُمْ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَأَخَذَ بِعِنَانِهِ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَخْرُجْ مِنْهَا، فَوَاللَّهِ إِنْ خَرَجْتَ مِنْهَا لَا يَعُودُ إِلَيْهَا سُلْطَانُ الْمُسْلِمِينَ أَبَدًا! فَسَبُّوهُ. فَقَالَ: دَعُوا الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَسَارَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الرَّبَذَةِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهَا أَتَاهُ خَبَرُ سَبْقِهِمْ، فَأَقَامَ بِهَا يَأْتَمِرُ مَا يَفْعَلُ، وَأَتَاهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ أَمَرْتُكَ فَعَصَيْتَنِي فَتُقْتَلُ غَدًا بِمَضْيَعَةٍ لَا نَاصِرَ لَكَ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّكَ لَا تَزَالُ تَخِنُّ خَنِينَ الْجَارِيَةِ، وَمَا الَّذِي أَمَرْتَنِي فَعَصَيْتُكَ؟ قَالَ: أَمَرْتُكَ يَوْمَ أُحِيطَ بِعُثْمَانَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ فَيُقْتَلُ وَلَسْتَ بِهَا، ثُمَّ أَمَرَتُكَ يَوْمَ قُتِلَ أَنْ لَا تُبَايِعَ حَتَّى تَأْتِيَكَ وُفُودُ الْعَرَبِ وَبَيْعَةُ أَهْلِ كُلِّ مِصْرَ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَقْطَعُوا أَمْرًا دُونَكَ، فَأَبَيْتَ عَلَيَّ، وَأَمَرْتُكَ حِينَ خَرَجَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ وَهَذَانِ الرَّجُلَانِ أَنْ تَجْلِسَ فِي بَيْتِكَ حَتَّى يَصْطَلِحُوا فَإِنْ كَانَ الْفَسَادُ كَانَ عَلَى يَدِ غَيْرِكَ، فَعَصَيْتَنِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. فَقَالَ أَيْ بُنَيَّ! أَمَّا قَوْلُكَ: لَوْ خَرَجْتَ مِنَ الْمَدِينَةِ حِينَ أُحِيطَ بِعُثْمَانَ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ أُحِيطَ بِنَا كَمَا أُحِيطَ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُكَ: لَا تُبَايِعْ حَتَّى يُبَايِعَ أَهْلُ الْأَمْصَارِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ أَمْرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، (وَكَرِهْنَا أَنْ يَضِيعَ هَذَا الْأَمْرُ، وَلَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا أَرَى أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنِّي، فَبَايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَبَايَعْتُهُ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ (انْتَقَلَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ) وَمَا أَرَى أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنِّي، فَبَايَعَ النَّاسُ عُمَرَ فَبَايَعْتُهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ (انْتَقَلَ إِلَى رَحْمَةِ
اللَّهِ) وَمَا أَرَى أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنِّي، فَجَعَلَنِي سَهْمًا مِنْ سِتَّةِ أَسْهُمٍ، فَبَايَعَ النَّاسُ عُثْمَانَ فَبَايَعْتُهُ، ثُمَّ سَارَ النَّاسُ إِلَى عُثْمَانَ فَقَتَلُوهُ وَبَايَعُونِي طَائِعِينَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ، فَأَنَا مُقَاتِلٌ مَنْ خَالَفَنِي بِمَنْ أَطَاعَنِي حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ، وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) . وَأَمَّا قَوْلُكَ أَنْ أَجْلِسَ فِي بَيْتِي حِينَ خَرَجَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَكَيْفَ لِي بِمَا قَدْ لَزِمَنِي أَوَمَنْ تُرِيدُنِي؟ أَتُرِيدُنِي أَنْ أَكُونَ كَالضَّبُعِ الَّتِي يُحَاطُ بِهَا وَيُقَالُ لَيْسَتْ هَاهُنَا حَتَّى يُحَلَّ عُرْقُوبَاهَا حَتَّى تَخْرُجَ! وَإِذَا لَمْ أَنْظُرُ فِيمَا يَلْزَمُنِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ وَيَعْنِينِي فَمَنْ يَنْظُرُ فِيهِ؟ فَكُفَّ عَنْكَ يَا بُنَيَّ. وَلَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ الرَّبَذَةَ وَسَمِعَ بِهَا خَبَرَ الْقَوْمِ أَرْسَلَ مِنْهَا إِلَى الْكُوفَةِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَمُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: إِنِّي اخْتَرْتُكُمْ عَلَى الْأَمْصَارِ وَفَزِعْتُ إِلَيْكُمْ لِمَا حَدَثَ، فَكُونُوا لِدِينِ اللَّهِ أَعْوَانًا وَأَنْصَارًا وَانْهَضُوا إِلَيْنَا، فَالْإِصْلَاحَ نُرِيدُ ; لِتَعُودَ هَذِهِ الْأُمَّةُ إِخْوَانًا. فَمَضَيَا وَبَقِيَ عَلِيٌّ بِالرَّبَذَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتَاهُ مَا يُرِيدُهُ مِنْ دَابَّةٍ وَسِلَاحٍ، وَأَمَرَ أَمْرَهُ، وَقَامَ فِي النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - أَعَزَّنَا بِالْإِسْلَامِ وَرَفَعَنَا بِهِ، وَجَعَلَنَا بِهِ إِخْوَانًا بَعْدَ ذِلَّةٍ وَقِلَّةٍ وَتَبَاغُضٍ وَتَبَاعُدٍ، فَجَرَى النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، الْإِسْلَامُ دِينُهُمْ، وَالْحَقُّ فِيهِمْ، وَالْكِتَابُ إِمَامُهُمْ، حَتَّى أُصِيبَ هَذَا الرَّجُلُ بِأَيْدِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ نَزَغَهُمُ الشَّيْطَانُ لِيَنْزَغَ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ! أَلَا إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَا بُدَّ مُفْتَرِقَةٌ كَمَا افْتَرَقَتِ الْأُمَمُ قَبْلَهَا، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا هُوَ كَائِنٌ، (ثُمَّ عَادَ ثَانِيَةً وَقَالَ: إِنَّهُ لَا بُدَّ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ) أَنْ يَكُونَ، أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، شَرُّهَا فِرْقَةٌ تَنْتَحِلُنِي وَلَا تَعْمَلُ بِعَمَلِي، وَقَدْ أَدْرَكْتُمْ وَرَأَيْتُمْ، فَالْزَمُوا دِينَكُمْ، وَاهْدُوا بِهَدْيِي، فَإِنَّهُ هَدْيُ نَبِيِّكُمْ، وَاتَّبِعُوا سُنَّتَهُ، وَأَعْرِضُوا عَمَّا أُشْكِلَ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَعْرِضُوهُ عَلَى الْقُرْآنِ، فَمَا عَرَفَهُ الْقُرْآنُ فَالْزَمُوهُ، وَمَا أَنْكَرَهُ فَرُدُّوهُ، وَارْضُوا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ حَكَمًا وَإِمَامًا. فَلَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ مِنَ الرَّبَذَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ قَامَ إِلَيْهِ ابْنٌ لِرِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ وَأَيْنَ تَذْهَبُ بِنَا؟ فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي نُرِيدُ وَنَنْوِي فَالْإِصْلَاحُ إِنْ قَبِلُوا
مِنَّا وَأَجَابُونَا إِلَيْهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يُجِيبُونَا إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَدَعُهُمْ بِعُذْرِهِمْ وَنُعْطِيهِمُ الْحَقَّ وَنَصْبِرُ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا؟ قَالَ: نَدَعُهُمْ مَا تَرَكُونَا. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُونَا؟ قَالَ: امْتَنَعْنَا مِنْهُمْ. قَالَ: فَنَعَمْ إَذًا. وَقَامَ الْحَجَّاجُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: لَأُرْضِيَنَّكَ بِالْفِعْلِ كَمَا أَرْضَيْتَنِي بِالْقَوْلِ، وَقَالَ: دَرَاكِهَا دَرَاكِهَا قَبْلَ الْفَوْتْ ... فَانْفِرْ بِنَا وَاسْمُ بِنَا نَحْوَ الصَّوْتْ لَا وَأَلَتْ نَفْسِي إِنْ كَرِهْتُ الْمَوْتْ ... وَاللَّهِ لَنَنْصُرَنَّ اللَّهَ كَمَا سَمَّانَا أَنْصَارًا ! ثُمَّ أَتَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ طَيِّءٍ وَهُوَ بِالرَّبَذَةِ، فَقِيلَ لَعَلِيٍّ: هَذِهِ جَمَاعَةٌ قَدْ أَتَتْكَ، مِنْهُمْ مَنْ يُرِيدُ الْخُرُوجَ مَعَكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرِيدُ التَّسْلِيمَ عَلَيْكَ. قَالَ: جَزَى اللَّهُ كِلَيْهِمَا خَيْرًا، {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95] . فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: مَا شَهِدْتُمُونَا بِهِ؟ قَالُوا: شَهِدْنَاكَ بِكُلِّ مَا تُحِبُّ. فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَسْلَمْتُمْ طَائِعِينَ، وَقَاتَلْتُمُ الْمُرْتَدِّينَ، وَوَافَيْتُمْ بِصَدَقَاتِكُمُ الْمُسْلِمِينَ. فَنَهَضَ سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعَبِّرُ لِسَانُهُ عَمَّا فِي قَلْبِهِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِسَانِي يُعَبِّرُ عَمَّا فِي قَلْبِي، وَسَأَجْهَدُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، أَمَّا أَنَا فَسَأَنْصَحُ لَكَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَأُقَاتِلُ عَدُوَّكَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ، وَأَرَى مِنَ الْحَقِّ لَكَ مَا لَا أَرَاهُ لِأَحَدٍ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِكَ لِفَضْلِكَ وَقَرَابَتِكَ. فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ! قَدْ أَدَّى لِسَانُكَ عَمَّا يَجِنُّ ضَمِيرُكَ. فَقُتِلَ مَعَهُ بِصِفِّينِ. وَسَارَ عَلِيٌّ مِنَ الرَّبَذَةِ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ أَبُو لَيْلَى بْنُ عُمَرَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَالرَّايَةُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلِيٌّ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ يَقُودُ فَرَسًا كُمَيْتًا. فَلَمَّا نَزَلَ بِفَيْدَ أَتَتْهُ أَسَدٌ وَطَيِّءٌ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ أَنْفُسَهُمْ، فَقَالَ: الْزَمُوا قَرَارَكُمْ، فِي الْمُهَاجِرِينَ كِفَايَةٌ. وَأَتَاهُ رَجُلٌ بِفَيْدَ مِنَ الْكُوفَةِ، فَقَالَ لَهُ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: عَامِرُ بْنُ مَطَرٍ
الشَّيْبَانِيُّ. قَالَ: أَخْبِرْ عَمَّا وَرَاءَكَ. فَأَخْبَرَهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: إِنْ أَرَدْتَ الصُّلْحَ فَأَبُو مُوسَى صَاحِبُهُ، وَإِنْ أَرَدْتَ الْقِتَالَ فَلَيْسَ بِصَاحِبِهِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ مَا أُرِيدَ إِلَّا الصُّلْحَ حَتَّى يُرَدَّ عَلَيْنَا. وَلَمَّا نَزَلَ عَلِيٌّ الثَّعْلَبِيَّةَ أَتَا