الجامع لمسائل المدونة
ابن يونس الصقلي
المقدمة
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم قال أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي رحمة الله عليه: الحمد لله المنعم بهدايته، المتمم لنعمته، المتفضل على جميع بريته، أحمده على جميع آلائه، وسوابغ نعمه، حمد مقر بربوبيته، عارف بوحدانيته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى كافه خلقه، بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً، فبلغ رسالته، وأدى أمانته، فهدى به من شاء بفضله، وأضل به من خذله بعدله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً. أما بعد:- يسرنا الله لهدايته، وهدانا إلى توفيقه: فقد انتهى إلي ما رغب فيه جماعة من طلبة العلم ببلدنا في اختصار كتب المدونة، والمختلطة، وتأليفها على التوالي، وبسط ألفاظها تيسيراً، وتتبع الآثار المروية فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه رضي الله عنهم، وإسقاط إسناد الآثار، وكثير من التكرار، وشرح ما أشكل من مسائلها، وبيان وجوهها، وتمامها من
غيرها من الكتب، فسارعت إلى ذلك رجاءَ النفع به، والمثوبة عليه إن شاء الله تعالى. وأدخلت فيه مقدمات أبواب كتاب الشيخ أبي محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى وزياداته، إلا اليسير منها، وطالعت في كثير منها ما نقله في النوادر، ونقلت كثيراً من الزيادات من كتاب ابن المواز، والمستخرجة ولم أخل من النظر إلى نقل أبي محمد واختصاره فيها، وعملت على الأتم عندي من ذلك، وربما قدمت، أو أخرت مسائل يسيرة إلى شكلها؛ [لئلا] تفوت
قراءتها قارئ موعده في الأمهات، ورأيت العناية بذلك محمودة، والخير فيه مأمول، وكل ينتهي من ذلك إلى ما يسر إليه، وأعين عليه بمن الله وفضله، وتسديده، وتوفيقه.
كتاب الطهارة
باب-1 في فصل العلم والحث عليه وأصوله. فصل 1: في الدلائل على فضل العلم والعلماء، وحكم طلب العلم. قال تعالى: {يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ { وقال تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ {قال ابن أبي زيد: ((بالعلم في الدنيا)). وفي قوله سبحانه: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرا {، فقد جاء في التفسير أنه الفقه في الدين وقاله مالك بن انس، وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)).
وقال: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم أن يتعلمه)). فطلب العلم فريضة، كفريضة الجهاد؛ لقوله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إليهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ {، فجعل ذلك فرضاً يحمله الخاص عن العام، إلا ما لا يسع جهله من اللوازم، من صفة الوضوء، والطهر، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج ففرض على كل من لزمه ذلك، معرفته. وقد سئل مالك عن طلب العلم أفريضة؟. فقال: أما على كل الناس فلا.
وذكر عن سحنون أنه قال: أما من كان فيه موضع لرجاء الإمامة، فواجب عليه قوة الطلب، أو كلاماً هذا معناه. [فصل-2: الجد. والمثابرة. وهداية الله سبب الحصول على العلم.] والعلم لا يأتي إلا بالعناية، والمباحثه والملازمة مع هداية الله تعالى وتوفيقه. قال ابن المسيب: ((أن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد)) وبذلك ساد أهل عصره، وكان يسمى سيد التابعين.
وقال مالك: أقمت خمسة عشر سنة أغدو من منزلي إلى منزل ابن هرمز وأقيم عنده إلى صلاة الظهر، مع ملازمته لغيره، وكثرة عنايته، وذيلك فاق أهل عصره، وسمي أمام دار الهجرة. وإقام ابن القاسم متغرباً عن وطنه في رحلته إلى مالك عشرين سنة ولم يرجع حتى مات مالك رحمه الله، ورحل أيضاً سحنون إلى ابن القاسم حتى هذب هذه المدونة، والمختلطة، وحصلت أصل علم المالكيين، ومقدمة على سائر الدواوين بعد موطأ مالك رحمه / الله. ويروي أن ما بعد كتاب الله تعالى اصح من موطأ مالك.
ومما تمثل به سحنون هذا الشعر: اخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومد من القرع للأبواب أن يلجأ. وقال مجاهد: ((لا يتعلم العلم مستحي، ولا مستكبر)). وقالت عائشة - رضي الله عنه -: ((نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين)). وسنذكر، أن شاء الله، كثيراً من هذا، ومن فضائل العلم في الجامع لهذا الكتاب. والله نسأل التوفيق، وإياه نستخير، وهو حسبي ونعم الوكيل. فصل -3 [في أصول علم الفقه] اعلم، وفقنا الله، أن الأصل في هذا العلم اتباع الكتاب، والسنة وإجماع الأمة، ثم النضر، والاستدلال، والقياس على ذلك. والدليل على ذلك قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ {
وقال: {فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه {. فوجب علينا لذلك اتباعه، ثم اتباع السنة؛ لقوله تعالى: {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ {. وقال: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا {. وقال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً {. ثم إجماع الأمة؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً {. وقال: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ {. فأمر باتباع سبيل المؤمنين، وقرن طاعتهم بطاعته، وطاعة رسوله. وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لن تجتمع أمتي على ضلالة)).
ثم النظر، والاستدلال، والقياس؛ لقوله تعالى: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ {وقوله: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ {، وقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ {. وقال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ
يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ {. فقد ثبت أصل ذلك من كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
كتاب الطهارة
باب، -1 - في فرض الوضوء، وسننه، وفضائله
باب، -1 - في فرض الوضوء، وسننه، وفضائله/ [فصل -1 - في حكم الطهارة. وشروط وجوبها] قال محمد بن عبد الله من يونس رحمه الله: ((الطهارة من الحدث فريضة واجبة على كل من لزمته الصلاة)). وشروط وجوبها خمسة: الإسلام، البلوغ، وثبات العقل، وارتفاع دم الحيض والنفاس، وحضور وقت الصلاة. قال ابن مسعود، وغيرة ((كان الطهر في أول الإسلام سنة حتى نزل
فرض الوضوء بالمدينة في سورة المائدة، وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ {إلى قوله {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً {. قال زيد بن اسلم: أذا قمتم يعني من النوم. وقيل: معناه، أذا قمتم محدثين. وقيل: كان هذا أمراً من الله تعالى بالوضوء لكل صلاة، ثم نسخ ذلك بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - تخفيفاً على أمته؛ لان ذلك كان يشق عليهم.
وقيل: معنى قوله: {إِذَا قُمْتُمْ {أذا أردتم القيام إلى الصلاة. قال محمد بن سلمة، وغيره: آية الوضوء فيها تقديم، وتأخير، والمعنى فيها: يا إيها الذين آمنوا أذا قمتم إلى الصلاة، أو جاء احد منكم الغائط، أو لامستهم النساء فاغسلوا وجوهكم، وأيديكم إلى المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم، وان كنتم جنباً فاطروا /، وان كنتم مرضى، أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم، وأيديكم منه ما يريد الله؛ ليجعل عليكم من حرج، أي من ضيق، ولكن يريد ليطهركم، أي من الذنوب، بامتثال ما أمركم به، وفعل ما افترض عليكم. وإنما قدرت هذا التقدير؛ ليكون ذكر هذه الإحداث معطوف متصلاً بقوله: {إِذَا قُمْتُمْ {فيتضح أن قوله: {إِذَا قُمْتُمْ {يعنى من النوم، كما قال زيد. ويبعد قوله من تأول قوله {إِذَا قُمْتُمْ {، أي محدثين؛ لاتصال ذكر الإحداث بقوله {إِذَا قُمْتُمْ {، فيكون تكريراً في اللفظ بمعنى واحد، فحملها على فائدتين أولى وليكون - أيضاً - قوله {وَأَرْجُلَكُمْ {عطفاً متصلاً على غسل اليدين، فيكون حجة على من قال فيهما بالمسح، وجعل إنهما مطوفتان على مسح الرأس. ولذلك قال ابن مسلمة: فيها تقديم وتأخير.
والتقديم والتأخير في كتاب الله تعالى كثير / قال الله تعالى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ {، والمعنى: واركعي واسجدي؛ لأن الركوع قبل السجود باتفاق، والواو لا توجب رتبة في كلام العرب. وقوله تعالى: {جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ {يعني: السببين: الغائط، والبول، وقوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ {يعني الملامسة الصغرى، دون الجماع، وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا {، أي فاغتسلوا، وقوله: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى {يعني: لا تستطيعون مس الماء أو على سفر، وانتم على هذه الأحوال التي تقدم ذكرها، فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً. وقيل: بل الآية على تلاوتها، لا تقديم فيها ولا تأخير فيها، لان التلاوة موافقة لصفة وضوئه عليه السلام، ولما عليه العمل. وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى {. يعني: لا تستطيعون مس الماء أو على سفر، أو جاء احد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً يعني: أن كنتم مسافرين، أو محدثين مقيمين وأردتم القيام إلى الصلاة فلم تجدوا ماء فتيمموا.
وهذا كله كلام مستقيم، لا يحتاج فيه إلى تقديم، ولا تأخير. والله اعلم. فصل -2 [في أنواع الطهارة] قال عبد الوهاب: الطهارة من الحدث الفريضة الواجبة على كل من لزمته الصلاة، وهى ثلاثة أنواع: وضوء، وغسل، وبدل منهما عند تعذرهما، وهو التيمم، وهو طهارة على الحقيقة، وان كان لا يرفع الحدث. وقال غيره: لا أقول أن التيمم بدل منهما، وإنما أقول: أنها عبادة مستأنفة وليس بدل؛ لان البدل يقوم مقام المبدل منه في كل الأحوال، والتيمم لا يقوم مقام الطهارة بالماء في كل الأحوال؛ لأنه لا يرقع الحدث رأساً، ولا يصلى به
صلاتين. [فصل -3: في إحكام الوضوء] قال عبد الوهاب: وإحكام الوضوء ثلاثة أنواع: فرض، وسنة، وفضيلة/، والسنة أوكد من الفضيلة. ففروضه من غير المتطهر من جنابة، أو حيض سبعة، وهى: النية، والماء الطاهر، وغسل جميع الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح ارأس كله عند مالك، وغسل الرجلين إلى الكعبين، والموالاة مع الذكر، ولا يفسده قليل التفريق. وقد قيل: أن الموالاة سنة، والظاهر من قول مالك أنها واجبة.
وسننه سبع- أيضاً: غسل اليدين قبل/ إدخالها في الإناء، والمضمد، والاستنشاق، ورد اليدين في مسح الرأس إلى حيث بدأ منه، ومسح داخل الإذنين، وفى ظاهرهما اختلاف، فقيل: فرض، وقيل: سنة، وتجيد الماء لهما سنة، والترتيب سنة. وفضائله سبع- أيضاً -، وهى: أن لا يتوضأ في الخلاء، وان يضع الإناء على يمينه، وان يسمى الله تعالى أذا شرع، والسواك قبله، وان يبدأ بالميامن، وان يبدأ بمقدم الرأس أذا مسح، وتكرار مغسولة مرتين أو ثلاثاً.
وقد اختلف الناس في هذه السنن، والفضائل، وهذا الذي ذكرت أحسن ما رأيت. وبالله التوفيق. [فصل -4] ذكر الأدلة في فرائض الطهارة. أول ذلك النية، قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ {، والإخلاص هو القصد، والوضوء والغسل من الدين فيجب أن يخلصها لله تعالى. قال الله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ {جاء في التفسير على نيته.
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((الأعمال بالنيات)). فعم جميع الأعمال، والطهارة عمل ثم قال: (وإنما لامرئ ما نوى)) فدل على أن ما لم ينوه لا يكون له، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((الوضوء شطر الإيمان)). واتفقنا أن الإيمان لا يصح إلا بنية، فكذلك شطره، ولا فرق بين الوضوء، وبن الصلاة، والصيام، الذي اتفقنا إنهما لا يصحان إلا بنية؛ لان جميع ذلك عبادة واجبة يتقرب بها إلى الله تعالى فاستويا؛ ولأنهما طهارة عن حدث، كالتيمم. فان قيل: فقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - الإعرابي الوضوء، ولم يذكر له نية. قيل: وقد علمه الصلاة، ولم يذكر له نية، فلم يدل ذلك على سقوط النية فيها، بل قال له: ((توضأ كما أمرك الله به)) والله قد أمرنا بالنية فيما بينا.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الطهارة لا تفتقر إلى نية، بخلاف التيمم الثاني: الماء المطلق. لقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ {؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه / أو طعمه أو ريحه)) وإيعاب الحجة فيه في موضع الكلام على المياه.
الثالث: غسل جميع الوجه. أجمعت الأمة على إيجاب غسله؛ لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ {. الرابع: غسل الذراعين / مثله. أجمعت الأمة على غسلهما، واختلفوا في إدخال المرفقين في الغسل؛ واختلف في قول مالك. فوجه قول من قال: لا يدخلهما أن "إلى" موضوعها في اللغة الانتهاء فرآها مالك في هذا القول غاية، والصواب قوله بدخولهما في الغسل؛ لان "إلى" قد تكون بمعنى مع كقوله تعالى: {مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ {أي مع الله. وقوله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ {أي: مع شياطينهم، فلما كانت
تصلح للمعنيين وقع الخلاف. وروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ، وأدار يده على مرفقيه فكان فعله بياناً، ورفعاً للإشكال. ويأتي بعد هذا شيء من ذكر الحجة في ذلك. الخامس: مسح الرأس. اختلفوا في مسحه، فذهب مالك رحمة الله إلى مسح جميعه، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، وقال محمد بن مسلمة: أن مسح ثلثيه أجزأه. وقال
أبو الفرج: أن مسح ثلثه أجزاه. والدليل لمالك، قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ {فهو كقوله في التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ {. فلما لم يجز أن يقتصر على مسح بعض الوجه باتفاق، وجب أن لا يقتصر على مسح بعض الرأس. وكقوله: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ {، الذي لا يجوز الاقتصار فيه على بعض الطواف؛ ولان الباء إنما دخلت للإلصاق، كقولك: كتبت بالقلم، أي ألصقت الكتابة به، وليس هو كما زعموا أنها للتبعيض.
دليلنا: أن الاستثناء يصح فيما ذكرنا، ولا يصح فيما كان للتبعيض، لو قلت: امسح برأسك، إلا بعضه جاز، وكأنك قلت: امسح رأسك، إلا بعضه، ولا يجوز امسح ببعض رأسك إلا بعضه؛ لأنك استثنيت مجهولاً من مجهول، ولو صح أنها تصلح للمعنيين وأشكل ذلك فقد رفع الإشكال فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ ومسح جميع رأسه، وقال: ((هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به)). فان قيل: فقد روي أنه مسح ببعض رأسه فدل أنه الواجب، وما رويتموه استجاباً أذا إنما يقتدي في مثل هذا بالأقل. قيل: بل ما رويناه هو الواجب؛ لإجماع الصحابة عليه رواية وفعلاً، وإنما شذت رواية أنه مسح برأسه، ويمكن أن يكون فعل ذلك لعلة، أو فعله مجدداً. ومذهب مالك رحمه الله: أن لا يمسح الرأس على حائل، إلا لعلة، وبه
قال فقهاء الأمصار، إلا الثوري وابن حنبل، فأنهما أجازا أن يمسح الرأس على حائل، عمامة أو غيرها، وان كان لغير عذر. فالدليل لمالك، قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ {، فمن مسح على حائل فلم يمسح على رأسه. ولما روي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مسح رأسه بيديه مباشراً له، وتمادى فعله وفعل أصحابه عليه، وانه توضأ، وعليه عمامة، فادخل يديه من تحتها ومسح برأسه.
فإن قيل: فقد روي أيضا أنه مسح على عمامته. قيل: هذا حديث مضطرب فيه، غير معتمد عليه، ولو صح فهي فعلة واحدة يمكن أن تكون لعذر أو لتجديد. السادس: غسل الرجلين: فمذهب مالك غسل جميعهما إلى الكعبين، وهو مذهب، فقهاء الأمصار، إلا شذوذ طائفة من أهل الشيعة. ذهبوا إلى المسح، ولا يعد مثل ذلك خلافاً. ومن الدليل لمالك قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ {، نصباً عطفاً على غسل الوجه واليدين؛ ولىنه إلى الكعبين كما حدد إلى المرفقين. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ويل للإعقاب من النار)) يدل على أنه الغسل، وكذل فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسلف هذه الأمة.
وحديث ((ويل للأعقاب من النار))، رواه مالك في الموطأ عن عائشة رضى الله عنها عن النبي عليه السلام، وروى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: تخلف النبي - صلى الله عليه وسلم - عنا في سفرة سافرناها معه فأدركنا وقد رهقتنا الصلاة، ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته ((ويل للإعقاب من النار، مرتين أو ثلاثاً)). فان قيل: فقد قرئ / {وَأَرْجُلَكُمْ {بالخفض عطفاً على مسح الرأس. قيل: فان الأئمة الذين قرءا بالخفض كانوا يغسلون، وحجتهم في القراءة أن من شأن العرب الاتباع على المجاورة، كقولهم: هذا جحر ضب خرب، فيخفضون خرباً على الجوار، والاتباع لضب، ومعناه خرب، لأنه صفة للجحر؛ لان الضب لا يخرب. قال الشاعر: لقد كان في حول ثواء ثويته.
فخفض الثواء على مجاورة الحول. فإن قيل: فقد وصف ابن عباس وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - فمسح على رجليه. قيل: يمكن أن يكون مسح على خفيه. دليله أن قراءة ابن عباس {وَأَرْجُلَكُمْ {بالنصب. السابع: الموالاة مع الذكر. فرض، خلافا لأبي حنيفة، والشافعي. ودليلنا على ذلك قوله تعالى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ {، والأمر المطلق
على الفور. ولما رُوى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ووالى، وقال: ((هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به)). وهو قول عمر بن الخطاب، ولم يخالفه صحابي، فهذا كالإجماع؛ ولأنها عبادة تبطل بالحدث، فكان للتفريق تأثير في بطلانها، أصله الصلاة. وما روى أن ابن عمر توضأ، ثم خرج إلى السوق، فدُعِي لجنازة، فمسح على خفية. فيحتمل أن يكون ذلك بالقرب، أو يكون نسيهما ذكرهما. فإن قيل: لو كان وجبًا؛ لما افترق عمده وسهوه؟ قيل: هذا غير لازم. دليله: الأكل في الصيام، والكلام في الصلاة أن عمده مفارق لسهوه. وجميع ما ذكرته هو لأصحابنا البغداديين، إلا ما اختصرت وبينت أنه منه. [فصل-5] ذكر أدلة السنن: فأول ذلك: غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، ثم المضمضة، ثم
الاستنشاق فليس لذلك نص في كتاب الله تعالى فسقط أن يكون ذلك فرضًا. وثبت فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - لذلك في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم، وحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه حين وصفا وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدل / أن ذلك سنة. وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - المستيقظ من نومه أن يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها، فإن أحدكم لا يدرى أين باتت يده، وهو في الموطأ، ورواه البخاري. وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من الفطرة خمس في الرأس)) فذكر ((المضمضة، والاستنشاق))، والفطرة هي السنة.
وقال عليه السلام: ((من توضأ فانتشر من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج))، فهذا يؤيد -أيضا- أن ذلك غير واجب، كوجوب الفرائض، خلافًا لأبي حنيفة والثوري. وأما مسح ظاهر الأذنين، فالظاهر من قول مالك رحمه الله، وقو أكثر أصحابه: أنهما سنة. وقال بعض أصحابنا البغداديين: أنهما داخلتان في فرض الرأس،
واستدلوا بما روى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الأذنان من الرأس))، ويستأنف لهما الماء، قالوا: ومعلوم أنه لا يعلمنا المشاهدات، وإنما يعلمنا الأحكام، وينبهنا عليها، وهذا من أوكد أدلتهم، وليس في ما ذكروه، تحقيق وجوب فرضهما، وإنما أورد -والله أعلم- بقوله: ((الأذنان من الرأس)) أنهما من سنن الرأس سنتهما المسح، كما أن فرض الرأس المسح، كقولنا: إن الأنف والفم من الوجه وسنتهما الغسل، كما أن فرض الوجه الغسل، فأبان - صلى الله عليه وسلم - أن في الرأس فرضًا وسنة كما أن في الوجه فرضًا وسنة، فإذا كان المراد ما ذكرناه لم يكن لهم فيما رووا حجة.
والدليل على صحة قولنا: قوله تعالى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ {إلى أخر الآية ولم يذكر تعالى غسل فم، ولا أنف، ولا مسح أذن، فدل أن ذلك سنة. وأيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((خمس من الفطرة في الرأس)) فذكر ((المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين، فدل أنهما سنة، والفطرة هي السنة، ولا اختلاف بين المالكيين في المضمضة، والاستنشاق أنها سنة، فكذلك الأذنان؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن جميع ذلك من الفطرة)). وقد روى /ابن شعبان عن عائشة رضي الله عنها: أن الأذنين من الرأس، وليس المسح عليها فريضة، فهذا نص، وهو كتأويلنا للحديث. وقد قال ابن حبيب، وأبو محمد بن أبى زيد رحمهما الله تعالى -وهما
من أئمة الهدى- وسن الرسول - صلى الله عليه وسلم - المضمضة، والاستنشاق، ومسح الأذنين. أفتراهما يقولان: سن فيما لم يصح عندهما أنه سنة؟ وقد فرق مالك رحمه الله بين حكمهما، وحكم الرأس، فقال: من ترك شيئًا من مسح رأسه/ عامدًا أو ساهيًا حتى صلى أعاد الصلاة أبدًا، ومن ترك مسح أذنيه عامدًا أو ساهيًا حتى صلى، فلا إعادة عليه ويمسحهما لما يستقبل، كقوله في من ترك المضمضة والاستنشاق فهذا يدل أنههما عنده سواء. وبالله التوفيق/. الرابع: تجديد الماء لأذنيه. فلما روىَ أن الأذنين من الرأس، ويستأنف لهما الماء، ولا خلاف بيننا في ذلك. الخامس: مسح داخل الأذنين. فلما روىَ ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا توضأ أدخل إصبعيه في حجرتي أذنيه)).
وروي أنه كان إذا توضأ أدخل إصبعيه في صماخيه. السادس: رد اليدين في الرأس إلى حيث بدأ. فلما روى في صفة عبد الله بن زيد حين وصف وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: بدأ من مقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي منه بدأ. ولا خلاف أن رد اليدين ثانية بعد استيعاب مسح الرأس ليس بفرض، وهو عند مالك وأصحابه سنة. قال ابن القصار: ((ولو بدأ بالمسح من مؤخر الرأس لكان المسنون أن يرد يديه من المقدم إلى المؤخر)). قال ابن شعبان: والمسنون أن يبدأ بالمقدم، ويُنهى من بدأ بالمؤخر عن العودة.
السابع: الترتيب. فلما روى في حديث عثمان بن عفان، وعبد الله بن زيد. فإن قيل /: فإن هذا يدل على أنه وجب؛ لأن أفعاله - صلى الله عليه وسلم - على الوجوب، وقد قال تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ {فقد وافق ذلك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فدل على أنه الواجب، وهو قول الشافعي. فالجواب لهم عن ذلك إجماع النحويين أن الواو لا توجب رتبةً في لغة
العرب التي نزل القرآن بلسانها، ولا حجة لهم أن الحديث أيد وجوبه، لما روى ابن عباس أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - توضأ، فغسل وجهه، ثم ذراعيه، ثم رجليه، ثم مسح برأسه، وروى عن عثمان رضي الله عنه أنه توضأ وعكس وضوئه بملأ من الصحابة، فقال: هكذا رأيتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ؟ فقالوا: نعم، وأن عليًا وابن مسعود قالا: ما نبالي بدأنا بأيماننا أو بأيسارنا، وقالا أيضا: ما نبالي إذا عممنا الوضوء بأي الأعضاء بدأنا. فدل ذلك على بطلان وجوب الترتيب. فإن قيل: فإن الفاء في لغة العرب للتعقيب، وقد قال الله تعالى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ {، فأمر بغسله عقيب القيام
للصلاة، وأنتم تجيزون غسل الرجلين واليدين قبل ذلك. قيل: الفاء عند النحويين إذا جاءت جواباً للشرط لم تكن للتعقيب، وإنما تكون للتعقيب إذا كانت العاطفة، كقولك: "جاءني زيد فعمرو"، وفي الأمر، كقولك إعط زيداً/ فعمراً، وبالله التوفيق. [فصل-6] ذكر أدلة الفضائل: فأول ذلك أن لا يتوضأ في الخلاء؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك مخافة الوسواس. وتحويل الإناء عن يمينه؛ لفعله صلى الله عليه وسلم لذلك؛ ولأنه أمكن لنقل الماء إلى الأعضاء.
والتسمية فضيلة؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم فعله، وليس له نص في كتاب الله ولا ثبات في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: فقد روي ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله)). قيل: هذا حديث لم يصح، أوقفه أئمة الحديث ابن حنبل وغيره. والسواك، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل
وضوء)). وهو في الموطأ/ وأن يبدأ بالميامن؛ لما روىّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إن توضأ أحدكم، فليبدأ بميامنه)). وأن يبدأ بمقدم رأسه؛ لما روُى أن الرسول صلى الله عليه وسلم فعله. وتكرار مغسوله؛ فلما روُىّ أنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، وقال: ((هذا وضوء
لا يقبل الله الصلاة إلا به))، يريد لا تجزئ بأقل منه، ثم توضأ مرتين مرتين وقال: ((من توضأ مثله أوتى أجره مرتين))، ثم توضأ/ ثلاثاً، وقال: ((هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي)). قال الأبهري: فمرة هو الفرض، ومرتان مستحب، وثلاث فضل، فمن توضأ ثلاثا، فقد أتى بالفرض، والاستحباب، والفضل. وذكر عبد الوهاب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الوضوء:
((مرة ومرتين وثلاثا، فمن زاد، فقد أساء، وأخطأ)). قال: وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: الثالثة في الوضوء شرف، والرابعة سرف. [فصل-7] في توقيت الوضوء وصفته. قال ابن القاسم: لم يوقت مالك في الوضوء واحدة، ولا اثنتين، ولا ثلاثا، إلا ما أسبغ. وقد قال الله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)، ولم يوقت واحدة من ثلاث.
وقد اختلفت الآثار في التوقيت: فروى مالك في الموطأ أن عبد الله بن زيد بن عاصم، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما، وأدبر، بأمن مقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي منه بدأ، ثم غسل رجليه. قال ابن وهب: ((قال مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة: أحسن ما سمعنا في ذلك/، وأعمه عندنا في مسح الرأس هذا)).
وروى ابن وهب، وهو في البخاري أن عثمان بن عفان توضأ، فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنشر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات ثم غسل يده اليمني إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسري مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين لا يحدث نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه)). قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون هذا الوضوء أسبغ ما توضأ به أحد للصلاة. وفي صفة ابن عباس لوضوء النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ مرة مرة، ذكره البخاري أيضاً، وأن عمر بن الخطاب توضأ مرتين مرتين. أبو محمد: قال ابن عباس: ((الواحدة تجزئ، والاثنتان تسبغان، والثلاث شرف، والأربع سرف)). البخاري: وقال ابن عمر: إسباغ الوضوء الإنقاء.
قال ابن حبيب: ليس في الوضوء عدد مؤقت، إلا الإسباغ، وإسباغه كماله وإتمام حدده، لا كثرة صب الماء، وأكمله ثلاث، وأدناه واحدة. قال مالك: ولا أحب الواحدة إلا من العالم بالوضوء، ولا أحب أن ينقص من اثنتين إذا عمتا، ولا يزاد على ثلاث، ولا يزاد في المسح على واحدة، وأما غسل القدمين فلا حد في غسلهما، وينبغي أن يتعاهد عقبيه في وضوئه بالماء. قال غيره: ويجيد عرك مالا يداخله الماء بسرعة لجسارة برجليه أو عرقوبية أو شقوق برجليه حتى يسبغه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويل للأعقاب من النار)).
[باب-2] في غسل اليدين والمضمضة والاستنشاق والاستثار وغسل الوجه والذراعين ومسح الرأس/ وغسل الرجلين
[باب-2] في غسل اليدين والمضمضة والاستنشاق والاستثار وغسل الوجه والذراعين ومسح الرأس/ وغسل الرجلين. [فصل-1 - في غسل الكفين قبل إدخالهما في الإناء] من الواضحة وغيرها: نهى النبي صلى الله عليه وسلم المستيقظ من نومه أن يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها)). فقيل: إن ذلك لما لعله قد مس من نجاسة خرجت منه، لا يعلم بها، أو غير نجاسة مما يتقذر، وقيل أيضاً: وقد يكو ذلك؛ لأن أكثرهم كان يستجمر بالحجارة، وقد يمس موضع الأذى. والله أعلم. وقال الحسن: معنى ذلك في الجنب من احتلام.
وقال ابن حبيب: ((أو جنب لا يدري ما أصاب يده من ذلك، قال: فإن أدخل هذا يده قبل أن يغسلها أفسد الماء. ولمالك في المجموعة في إدخال يده في الإناء نحوه. وقال أيضاً مالك في المجموعة والمختصر في من أدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها من جنب، أو حائض، أو من مس فرجه، أو أنثييه في نومه فلا يفسد الماء، وإن كان قليلاً، إلا أن يوقن بنجاسة في يده، ولا ينبغي له ذلك، وإن كانت يده طاهرة، وكذلك من انتقض وضووُه)). ومن العتبية قال أشهب: استحب مالك للمتوضئ أن يفرغ الماء على يده اليمنى فيغسلها-يريد-ثم يفرغ بها على اليسري/ فيغسلها. قال عيسى عن ابن القاسم: أحب إلى كما جاء في الحديث: أن يفرغ
على يديه فيغسلها ثلاثا، فإن غسيل يمينه، ثم أدخلها في الإناء أجزأه. قال ابن القاسم: ومن توضأ بعض وضوئه، ثم خرج منه ريح فليعد غسل يده قبل أن يدخلها في الإناء. وقال عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب: ومن استنجى ثم قطر منه بول فحلب ذكره فليعد غسل يده قبل أن يدخلها في الإناء، وكذلك من أتم وضوءه، ثم خرج منه ريح قاله مالك استحبابا. وقال أشهب: ليس ذلك عليه إن لم تصب يده نجاسة، وعهده بالماء قريب، إلا أن يبعد ذلك. فصل -2 {حكم ترتيب الأعضاء في الوضوء { م ومن ابتدأ وضوءه فغسل يديه قبل إدخالهما في الإناء، ثم بني/ على
وضوئه، ولم يعد الماء لكفيه، فإن كان إنما قصد بذلك السنة فلا يجزئه، ويعيد ما صلى/ بذلك، وإن قصد بذلك الفرض فتجزئة صلاته، إلا أنه يصير كمن نكس وضوءه. وقيل: لا يجزئه، لأنه غسل يديه قبل وجهه، وقد قال الله تعالى: (إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ)، وهذا قد غسل يديه قبل وجهه، قاله أبو بكر بن عبد الرحمن وإلى هذا رجع الشيخ أبو محمد بعد أن قال: يجزئه. فصل-3: {المضمضة والاستنشاق من غرفة { قال ابن وهب: "إن النبي (ص) تمضمض واستنثر- ثلاث مرات-، من غرفة واحدة. م ذكر البخاري في بعض رواياته عن عبد الله بن زيد أنه تمضمض واستنثر
ثلاث مرات من غرفة واحدة. وذكر في رواية أخرى عنه: أنه تمضمض واستنثر من كفة واحدة فعل ذلك ثلاث. قال ابن حبيب: "وليبالغ في الاستنشاق ما لم يكن صائماً، كما جاء في الأثر". قال مالك في العتبية: والاستنثار أن يجعل يده على أنفه ويستنثر. وقال
ابن حبيب في شرح غريب الموطأ: الاستنشاق، جبذه الماء بنفسه إلى خياشيمه، والاستنثار نثر ذلك الماء بنفسه إلى خارج. وقال ابن قتيبة في شرح غريب الحديث: "الاستنشاق والاستنثار واحد، وسمي بذلك؛ لأن النثرة هي الأنف، فإذا أدخل الماء في نثرته قيل: استنشق واستنثر. م والأول أبين، لقول النبي (ص): "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء،
ثم لينثر"، وهو في الموطأ ورواه البخاري أيضاً. فصل -4 [حد الوجه في الوضوء]: قال سحنون في العتبية: حد الوجه في الوضوء دور الوجه كله، واللحي الأسفل منه، وإن كان لا موضحة فيه، كالأنف هو من الوجه، ولا موضحة فيه. وقال ابن وهب: قال مالك: وليس ما خلف الصدغ الذي من وراء شعر اللحية إلى الأذن من الوجه.
قال عبد الوهاب البغدادي: غسله سنة، ولم أره لغيره. قال ابن القاسم عن مالك: واللحية من الوجه، وليمر عليها يده من فضل ماء/ الوجه من غير تخليل، ولا يجدده لها. قال سحنون: ومن لم يمر عليها الماء أعاد، ولم تجزئه صلاته. وأعاب مالك أن يخللها في الوضوء. قال أبو إسحاق في البياض الذي بين الصدغ والأذن: قد اختلف فيه. فقيل: لا يغسل، سواء كان من أمرد أو ملتح، وقيل: يغسل، وقيل: تغسله المرأة والأمرد، ولا يغسله الملتحي. واحتج من قال: لا يغسل: بأنه ليس من الوجه، وأن المرأة تغطيه في
الإحرام فلو كان من الوجه لكشفته؛ لأن إحرامها في كفيها ووجهها. وقال في المجموعة: ولم يأت أن النبي (ص) خلل في وضوئه، وجاء أنه خلل أصول شعره في الجنابة. قال في المختصر: ويحركها في الوضوء إن كانت كبيرة، ولا يخللها/، وأما في الغسل فليحركها، وإن صغرت، ويخللها أحب إلي. أبو محمد: وقال بعض أصحابنا: ومعنى تحريكها في الوضوء: تحريك اليد عليها عند مره الماء عليها؛ ليداخلها الماء؛ لأن الشعر ينبو عنه الماء. ومحمد بن عبد الحكم يرى تخليلها في الوضوء.
قال غيره: وليتحفظ من غسل ما تحت مارنه بيده، وما غار من أجفائه وأسارير جبهته، وليس عليه غسل ما غار من جرح برئ على استغوار كبير أو كان خلقاً خلق به، ولا يجب غسل ما تحت ذقنه، ولا ما تحت اللحي الأسفل منه. {فصل-5: إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء { وفي المجموعة، قال ابن نافع عن مالك: وليس عليه أن يجاوز بالغسل المرفقين والكعبين في الوضوء، وإنما عليه أن يبلغ- الماء إليها. قال غيره: هذا قول مالك؛ ولأن إلى غاية. وقد قيل: بإدخالهما في الغسل وإليه نحا ابن القاسم في المدونة، وذكره أبو الفرج عن مالك. قال أبو الفرج: ويؤمر بغسلهما لتوعر التحفظ في مبلغ الغسل إليهما،
وليزال ريب الاحتراس بإدخالهما في الغسل. فصل -6 {صفة مسح الرأس في الوضوء {. قال ابن حبيب: وليأخذ الماء لمسح رأسه بيديه، ثم يرسله، ثم يمسح رأسه بيديه من أصل منابت شعر جبهته إلى آخر شعر قفاه، ثم يعيدهما إلى حديث بدأ. قال أبو محمد: "اختلف في معنى قوله: "بدأ من مقدم رأسه". فقيل أنه بدأ من حد منابت الشعر، وفيل بدأ بناحيته، وكل واسع والأول أصوب. وقد روى أشهب عن مالك: أنه يبدأ من حد منابت الشعر، قال غيره: لأن الرتبة المستحسنة أن يبدأ بأول كل عضو قال/ غيره: وشعر الصدغين من الرأس، يدخل في المسح. قال ابن القاسم في العتبية: ولو مسح رأسه بيد واحدة، أو بإصبع واحدة حتى أوعبة لأجزأه. قال غيره: ولا يؤمر بذلك.
قال مالك: ومن مسح مقدم رأسه أو بعضه وصلى فليعد أبداً، وقال أشهب: إن مسح المقدم لم يعد، وإن مسح البعض أعاد. وقد تقدم أن محمد ابن مسلمة يقول: إن مسح ثلثيه أجزأه، وأن أبا الفرح يقول: إن مسح ثلثه أجزاء. فصل-7 {:-معنى الكعب والعقب وتخليل اصابع الرجلين { قال مالك في العتبية: والكعب الذي إليه الوضوء هو الملتزق بالساق في ظهره المحاذي للعقب، وليس بالظاهر في ظهر القدم. وقيل: هما العظمان اللذان عند معقد شراك النعل. وقال غيره في غير العتبية: العقبان عند مالك مؤخر الرجل
قال ابن حبيب: "وحسن تخليل أصابع رجليه في الوضوء مرغب فيه، وليس كوجوبه في اليدين وأما في الطهر فلا بد من التخليل في ذلك". وقد روي عن مالك أنه ليس عليه تخليل أصابع رجليه في غسل ولا وضوء. قال أبو محمد: يحتمل أن مالكاًَ لم ير ذلك في الرجلين؛ لأنه إذا غسل أصابع رجليه بيديه وجب احتكاك بعض أصابعه ببعض فناب ذلك عن التخليل. وقال غيره: وإنما قال ذلك؛ لاختلاف الناس في غسل الرجلين إذ ثم من يقول فيهما بالمسح فخفف ترك التخليل فيهما لهذا. وقيل: إنما ذلك/ لأنهما كعضو مستور لاجتماعهما.- والله أعلم. فصل-8 {إيصال الماء إلى العضو وكراهة نفض الماء قبل بلوغه العضو { قال أصبغ: ولينقل المتوضئ الماء إلى كل عضو يغسله نقلا، وإن لم ينقل أعاد أبداً.
وسئل مالك عن الرجل يأخذ الماء لوضوئه فإذا حمل الماء نفض يديه منه قال: لا خير في ذلك، وكرهه ولا يجزئه إن فعل. قال عنه ابن وهب: هذا يريد أن يبرق وجهه. وفي البخاري قال أبو هريرة: سمعت رسول الله (ص) يقول: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل/. وأنكر مالك في المدونة قول من قال في الوضوء حتى يقطر أو يسيل، يعني أنه أنكر أن يكون ذلك حده. قال مالك: وقد كان بعض من مضى يتوضأ بثلث المد يعني مد هشام. قال في العتبية: ورأيت عياش بن عبد الله بن معبد، وكان رجلا صالحاً من أهل الفضل والفقه يتوضأ بثلث مد هشام، ويفضل له منه، ويصلي بالناس،
وهو إمام، فأعجبني ذلك منه. وروى البخاري أن النبي (ص) كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد. فصل-9: {في الدعاء بعد الوضوء { قال الشيخ أبو محمد:"وقال الرسول (ص): "من يتوضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمدأ عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء ". وقد استحب بعض العلماء أن يقول بإثر الوضوء: "اللهم اجعلني من التوابين
واجعلني من المتطهرين". ويجب عليه أن يعمل عمل الوضوء احتسابا لله تعالى لما أمره الله تعالى به يرجو تقبله وثوابه وتطهيره من الذنوب به، ويشعر نفسه أن ذلك تأهب وتنظف لمناجاة ربه والوقوف بين يديه؛ لأداء فرائضه، والخضوع له بالركوع والسجود، ويعمل على يقين بذلك، وتحفظ فيه، فإن تمام كل عمل بحسن النية فيه".
باب -3: في الوضوء بما بل فيه شيء من الطعام أو بماء مضاف أو وقع فيه خشاش
باب -3: في الوضوء بما بل فيه شيء من الطعام أو بماء مضاف أو وقع فيه خشاش قال الله تعالى: (وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) {فصل -1: في حد الماء الطهور { والطهور في اللغة: ما طهر غيره، وتكرر به الطهر. وقال رسول الله (ص): " خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه". فحكم للماء بالطهورية، إلا أن يتغير أحد أوصافه، لنجس حل فيه أو غيره. قال عبد الوهاب: إلا ما لا ينفك عنه غالباً، مما هو قرار له أو/ متولد عنه، كما لو تغير بطين، أو جرى على كبريت؛ لأنه قراره، أو تغير لطول مكثه،
أو بالطحلب/؛ لأنه متولد عن مكثه. فصل -2 {في حكم الوضوء بالماء إذا خالطه شيء طاهر { ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ولا يتوضأ بالماء الذي يُبل فيه الخبز. قال ابن القاسم: وكذلك الفول والعدس والحنطة، وشبه ذلك. وبلغني أن مالكا قال: لا بأس بالوضوء بماء وقع فيه جلد أو ثوب، فأخرج مكانه. قيل له: فما / بال الخبز، فقال مالك: أرأيت إن أخذ رجل جلداً فأنقعه في الماء أياما فابتل الجلد فيه أيتوضأ بذلك الماء؟ فقال: لا. فقال مالك: هذا مثل الخبز، ولكل شيء وجه.
م يريد لسرعة إضافة الخبز للماء، ولو بل رجل كعكاً يابساً في ماء، ثم أخرجه مكانه، ولم يتغير الماء، لم يكن بالوضوء منه بأس، ولو أنقع رجل جلداً مبلولاً فأخرجه مكانه، وقد غير الله، لم بتوضأ به، وإنما العلة تغير أحد أوصاف الماء. م واختلف المتأخرون من علمائنا، في الملح إذا طرح في الماء فذهب بعض شيوخنا: إلى أن ذلك يضيفه، إذا غيرته الإضافة، كوقوع الطعام فيه وخالفه غيره، ولم يجره مجرى الطعام، وترجح فيه ابن القصار. والصواب: أن لا يجوز الوضوء به؛ لأنه إذا فارق الأرض صار طعاماً لا يجوز التيمم عليه، فهو بخلاف التراب؛ لأن التراب لا يتغير حكمه، ولا تخلو بقعة الماء منه. م اختلف في الماء المضاف هل إذا أزال عين النجاسة يزول حكمها؟. والصواب: أن لا يزول حكمها؛ لأن المضاف لا تؤدى به الفرائض ولا النوافل.
فصل-3: [حكم الوضوء بالنبيذ ونحوه] ومن المدونة قال مالك: "ولا يتوضأ بشيء من الأنبذة ولا بالعسل الممزوج بالماء، والتيمم أحب إلى من ذلك كله، ولفظه أحب إلى هاهنا على الوجوب. قال مالك: ومن توضأ بشيء من ذلك وصلى أعاد الوضوء والصلاة أبداً. م قال بعض البغداديين: وقد قال الله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) فأمر بالتيمم عند عدم الماء، والنبيذ ليس بماء مطلق، ولا يطهر محدثاً إلا الماء المطلق؛ قوله تعالى: (ويُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ). وقول الرسول (ص): "خلق الله الماء طهوراً .. الحديث. فإن قيل: فقد روي أن النبي (ص) / قال لابن مسعود ليلة الجن: هل معك ماء؟ فقال: لا، إلا إداوة فيها نبيذ، فقال النبي:"ثمرة طيبة وماء
طهور" فأخذه، وتوضأ به. قيل: هذا الحديث ضعيف، ضعفه أئمة الحديث، وتكلموا في رواته، فأحدهم أبو زيد قد طعن فيه وضعف، والآخر أبو فزارة كان نباذاً بالكوفة، فروى هذا الحديث لتنفق سلعته، ولا يحتج بمثل هؤلاء في رفع موجب القرآن، ولو كان صحيحاً لنقله الأثبات من أصحاب ابن مسعود؛ لأنه كان يكون من مفاخرة لتفرده بالنبي (ص)، دون سائر أصحابه.
وقد روى أبو داود أن ابن مسعود قال: لم يكن منا مع رسول الله (ص) ليلة الجن أحد، وهو الصحيح. فصل-4: {في الوضوء مما مسته النار ومن أبوال الإبل وألبانها { ومن المدونة قال مالك: ولا يتوضأ من شيء من الطعام والشراب، ولا من أبوال الأبل، ولا من ألبانها، وأحب إلى أن يتمضمض من اللبن واللحم، ويغسل الغمر، إذا أراد الصلاة، ورواه مالك في الموطأ. وروى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم أكل سويقاً فمضمض، وصلى، ولم يتوضأ
وروي عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرب لبناً فمضمض وقال: "إن له دسماً". وقال مالك: وسواء كان طعاما مسته النار أم لا، خلافاً لمن أوجب الوضوء مما مست النار. قال ابن القصار: والدليل لمالك رضي الله عنه ما روى عن جابر أنه قال: كان آخر الأمرين من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مست النار، فذلك ناسخ لما قبله.
وروي مثله عن ابن عباس، قال جابر: وقد أكلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم خبزاً ولحماً، فصلوا، ولم يتوضأوا. وروى مالك في الموطأ، ورواه البخاري عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكل كتف شاة، ثم صلي، ولم يتوضأ. ويحتمل أن يكون معنى ما روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ مما مست النار أنه الوضوء اللغوي، وكذلك فسره معاذ، وقال: إن قوماً سمعوا ولم يعوا كنا نسمي غسل الفم واليد وضوءاً وإنما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين أن يغسلوا أيديهم
وأفواههم مما مست النار. فصل-5] حكم الوضوء بالماء المستعمل [ ومن المدونة قال مالك: ولا يتوضأ بماء قد توضئ به مرة ولا خير فيه. قال ابن القاسم: فإن لم يجد غيره توضأ به، أحب إلي، إذا كان الذي توضأ به طاهراً، يريد طاهر الأعضاء من نجاسة أو وسخ. قال: وإن أصاب هذا الماء الذي توضئ به مرة ثوب رجل لم يفسده إذا كان الذي توضأ به طاهراً، يعني ها هنا طاهر الأعضاء من نجاسة فقط. وروى عن مالك أنه قال: لا يتوضأ به بحال، وقاله أصبغ. وقال أصبغ: ومن لم يجد إلا ماء قد توضئ به مرة فليتيمم لأنه غسالة
قال الشيخ أبو الحسن ابن القابسي: إنما كره مالك وغيره الوضوء به، أو الاغتسال منه، وإن لم يتغير، لأنه قد استعمل في الطهارة، ورجا أن يكون خرجت الخطايا معه، أو مع آخر قطرة، كما جاء في الحديث، وأجزأ من تطهر به، من قبل أن استعماله لم يحدث في أوصافه حدثاً. قال غير واحد من البغداديين: وهذه الرواية أولى، دليله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" وهذا ماء طاهر لم يلاق نجساً، ولا ما أحدث في أوصافه تغيراً، فهو كما لو غسل به شيء طاهر فلم يغيره. فإن قيل: فإنه ماء الذنوب.
قيل: إنما ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - المثل به، لا أن الذنوب تنماع فيه، أو تؤثر في حكمه، وإنما أراد أن المتوضئ به يصير كمن لا ذنب له. والله أعلم. وقيل في الماء الذي توضئ به مرة أنه يتيمم، ويتوضأ به، ويصلي. وذكر عن الشيخ أبي محمد في من لم يكن معه من الماء إلا مقدار ما يغسل به وجههه وذراعيه أنه إن كان يقدر على جمع ما يسقط من أعضائه فعل، ويغسل بذلك باقي أعضائه، ويصير كمن لم يجد إلا ماء قد توضئ به مرة أنه يتوضأ به، فإن لم يمكنه ذلك تيمم. وهذا على قوله: أنه لم يجد إلا ماء قد توضئ به مرة لا يمتنع أن يصلي فيه. قال القاضي أبو محمد بن حسين: يحتمل قوله: "في الكتاب" ثلاثة أوجه: أن يكون معناه لا يتوضأ به بحال، وإن كان المتوضئ به طاهراً، فإن لم يجد
غيره تيمم، وهو قول المغيرة، وروي لمالك، وليس القوي. والثاني: لا يتوضأ به على الانفراد، ويتيمم بعد الوضوء به مع وجود غيره، فإن لم يجد غيره توضأ به إذا كان الذي توضأ به طاهرا ً، وهذا قول ابن القاسم في المدونة وغيرها. وقوله طاهراً، يعني طاهر الأعضاء، وهذا القول أقيس. واستدل لما حكي عن ابن القاسم بأنا إذا أبقينا الاستعمال علمنا أنه لم يؤثر في عينه، فلم يؤثر في حكمه، ألا ترى أنه لم يؤثر في طهارته، فلا يؤثر في تطهيره؛ ولأن مجرد الاستعمال لا يمنع جواز الوضوء به، دليله الثوب يصلي به مراراً، ولو رمى بحجر، ثم رمى به أجزأه، وإن كرهاه؛ ولأن من كفر بطعام، ثم عاد إليه بميراث جاز أن يخرجه ثانية عن كفارة أخرى، فلا يعترض على هذا بالعتق في الكفارات؛ لأن العتق يزيل الملك، ولا يصح إلا في مملوك يفارق الطعام والكسوة الذي يصح عودتهما إلى الملك. فصل-6 {في الوضوء بالماء يقع فيه البصاق أو المخاط أو يقع فيه خشاش { ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بالوضوء بالماء تقع فيه النخاعة، والبصاق، والمخاط؛ لأن ذلك طاهر، يريد ما لم يكثر، فيغير الماء، ويصير/ مضافاً. قال مالك: وكل ما وقع فيه من خشاش الأرض في إناء فيه
ماء أو قدر فيه طعام، فإنه يتوضأ بالماء، ويؤكل ما في القدر. وخشاش الأرض مثل: الزنبور، والعقرب، والخنفساء، وبنات وردان، وشبه ذلك، خلافاً للشافعي في قوله: أنه ينجس. قال أبو جعفر الأبهري: وقد قال النبي (ص): "كل طعام أو شراب وقعت فيه دابة ليس لها دم سائل، فماتت فيه فهو حلال، أكله وشربه ووضوءه". ويدل على ذلك قوله عليه السلام:" إذا وقع الذباب في إناء أحدكم
فامقلوه، وفي مقله تعريض لقتله، فلو كان ينجس الماء لما أمر بمقله. قال أبو عبيد: والخشاش هو بفتح الخاء لا برفعها. قال القاضي أبو محمد بن حسين في هذه المسألة: وخشاش دواب الماء ما وقع منه في طعام أو ماء لا يفسد، أي لا ينجسه؛ لأن الأصل في كل ما ليس له لحم ولا دم سائل أن لا ينجس ما مات فيه، وكذلك عن النبي (ص). فإن قيل: والماء وإن ينجس، فإنه يراعى، فإذا لم يتغير فله حكم الطاهر وإن تغير كان مضافاً، ويشرب، ويؤكل الطعام، ولا يؤكل الخشاش؛ لأنه مات حتف أنفه، فلا يؤكل إلا بذكاة وذكاته مثل ذكاة الجراد. وقال أشهب عن مالك في العتيبة: وإذا باعه فليبين؛ لأنه عيب، قيل: لأجل الخلاف فيه/ وإن النفوس تحافة. قال الجوهري: والعلماء يحملهم على أن كل ما لا لحم له ولا دم سائل
لا ينجس ما وقع فيه إلا الشافعي وحده في أحد قوليه. قال في غير كتابه: وأما الوزغة وشبهها فيفسد ما مات فيه؛ لأن لها لحم ودم. م وإذا وقع الخشاش في طعام فتفرقت أجزاؤه فيه حتى لا يتميز فلا يؤكل الطعام، إلا أن يكون الطعام كثيراً والخشاش يسيراً فلا يضره ذلك، كما قيل في القملة تقع في الثريد فلا توجد أن الطعام يؤكل وهذا على قولهم: إن الخشاش لا يؤكل إلا بذكاة. وقيل: إن مسألة الخشاش مبنية على قوله في الجراد. قال مرة: لا يؤكل إذا مات حتف أنفه. وقال مرة: يؤكل، وهو ظاهر مذهبه. قال بعض أصحابنا: وقياسه الخشاش على الجراد فيه نظر، ولعله إنما قال: يؤكل الجراد، وإن مات حتف أنفه، لما جاء "أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: الجراد والحوت".
وقد قال كعب: إن الجراد نثرة حوت، وإن كان عمر لم يرض ما قال كعب: إن الجراد نثرة حوت. فأما الخشاش فلا أصل له في الماء، والله أعلم. قال مالك: ودواب الماء مثل: السرطان، والضفدع، والحوت إذا ماتت في طعام، أو شراب، أو ماء لم تفسده. م يريد؛ لأنها طاهرة العين حلال أكلها بعد موتها لقول النبي صلى الله عليه وسلم/ في
البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، وكذلك ما ماتت فيه، إلا أن يتغير الماء فيصير مضافاً لا نجساً. قال مالك: ومن ملح حيتاناً فأصاب فيها ضفادع قد ماتت فلا بأس بأكلها؛ لأنها من صيد البحر الحل ميتته. قال ابن حسين: وللضفادع حكم صيد البحر، وإذا باع بين قال محمد بن حارث الأندلسي: وعلى هذا أصحاب مالك إلا ابن نافع قال: للضفادع لحم ودم وتنجس ما مات فيه.
[باب-4] في الوضوء بما قد شربت فيه الكلاب والسباع والدواب والدجاج والنصراني والجنب والحائض
[باب-4] في الوضوء بما قد شربت فيه الكلاب والسباع والدواب والدجاج والنصراني والجنب والحائض روي" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الإناء يلغ فيه الكلب سبع مرات". فقيل: إن غسل الإناء سبعاً تعبد، ولو كان الإناء ينجس لطهر الإناء أقل من سبع. وروى ابن وهب أن الرسول صلى الله عليه وسلم ورد على حوش ومعه أبو بكر وعمر، فقيل: يا رسول الله إن السباع والكلاب تلغ في هذا الحوض، فقال: "لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما بقي شراباً وطهوراً"، وقال عمر: " لا تخبرنا يا صاحب الحوض فإنا نرد على السباع، وترد علينا". قال سحنون: فالكلب أيسر مؤنة من السبع، والهر أيسر هما
- مؤنة؛- لأنه يتخذه الناس/. قال أبو جعفر الأبهري: والدليل على أن الكلب ليس بنجس قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ)، ولو كان نجساً لأمر بغسل ما أمسك علينا، وقول النبي (ص) في الحياض: "لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما بقي شراباً وطهوراً". ويدل على ذلك أيضاً قوله (ص) في الهرة: "إنها ليست بنجس إنما هى من الطوافين عليكم، أو الطوافات". فوجب أن يكون كل ما
كان من الطوافين بمنزلتها، والكلب قد وجد فيه هذا المعنى. ومن المدونة قال مالك رحمه الله في من توضأ من إناء ولغ فيه كلب وصلى أجزأه، ولا إعادة عليه، وإن علم في الوقت. قال عنه علي وابن وهب: ولا يعجبني ابتداء الوضوء بفضل الكلب، إذا كان الماء قليلاً، ولا بأس به في الكثير كالحوض ونحوه. قال ابن شهاب: لا بأس أن تتوضأ بسؤر الكلب إذا اضطرت إليه. قال مالك: وما ولغ فيه الكلب من لبن أو طعام أكل/ ولا يغسل منه الإناء، وإن كان يغسل سبعاً؛ للحديث ولا أدرى ما حقيقته، وكان يرى الكلب كأنه من أهل البيت، ليس كغيره من السباع. قال ابن وهب وابن حبيب: قال مالك يغسل في الماء واللبن، ويؤكل اللبن ويطرح الماء لجواز طرحه، فأنه يجد أفصل منه؛ فإن لم يجد غيره توضأ به
ورجح عبد الوهاب رواية ابن وهب أن الإناء يغسل من الماء والطعام؛ لعموم الحديث. قال في المدونة: وأراه عظيماً أن يعمد إلى رزق من رزق الله فيلقى؛ لأجل كلب ولغ فيه. م قيل: وجه قوله: إن كان يغسل سبعاً للحديث ففي الماء وحده؛ لأن الأواني التي تتبدل وتجدها الكلاب في الأغلب أواني الماء، فكأن الحديث عنده إنما ورد فيها. ووجه قوله في رواية ابن وهب يغسل في الماء والطعام؛ لعموم الحديث قال الشيخ أبو عمران: قوله: وكان يضعفه، يحتمل أن يكون أراد تضعيف إيجاب الغسل، أو تضعيف الحديث، إذ هو خبر أحاد غير مقطوع به.
والقرآن يعارضه، وهو قوله: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ {، ولم يشترط غسل ذلك. وقال ابن خُويز منداد: إن معنى تضعيف الحديث إنما هو في حمله على العموم؛ لأن عنده إنما يحمل الحديث على السبب، وأن النهي إنما كان في الماء لأمر معلوم ويحتمل أن يكون أراد تضعيف العدد في غسله سبعًا، وهذا لا يصح؛ لأن مالكًا لم يختلف في قوله: ((أنه يغسل سبعًا)) فلم [ير] النقص من العدد، ولا ضعفه. قال غير واحد من البغداديين: وإنما يغسل الإناء عند إرادته استعماله إذ ليس في الأصول ما يوجب غسله، إلا إذا أريد الشيء الذي من أجله وجب الغسل، كالوضوء، وغسل الجنابة، والحيض لا يجب إلا عند إرادة الإنسان الصلاة، وكذلك غسل سائر الأنجاس، وكذلك ما كان غسله تعبدًا، مثل: الخلوق والطيب من ثوب المحرم لا يجب غسله، إلا إذا أريد لبسه. قال ابن القصار: وفي غسل الإناء من ولوغ الخنزير عن مالك روايتان، إحداهما: أنه لا يغسل، وقال مطرف عن مالك هو كالكلب يغسل سبعًا.
فوجه ذلك أنه لما كان الخنزير أكثر أكلًا للأنجاس/ والعذرة من الكلب وورد النص في تحريمه كان أسوأ حالًا من الكلب، وأشد تغليظًا في غسل ما ولغ فيه. ووجه قوله: لا يغسل؛ لأن النص إنما ورد في الكلب؛ لكثرة اقتنائهم له، وأنه يروع المسلمين، فغلظ عليهم فيه، لئلا يقتنوه، وهم لا يقتنون الخنزير، فوجب أن يكون خلافه، والله أعلم. قال أبو بكر بن الجهم وابن سحنون: اختلف قول مالك في غسل الإناء من ولوغ الكلب، فقيل: إنه جعل معنى الحديث في الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه، وهو قول أحمد بن المعذل، وقيل: إنه جعله في
كل كلب. م فوجه قوله الأول: أن الكلاب كثرت في المدينة فكانت تروع الناس فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اقتنائها، وقال: ((من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو صيد نقص من أجره كل يوم من القيراط))، فلم ينتهوا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)) فعله تشديدًا عليهم، وتغليظًا، فكأن الحديث إنما ورد فيما لم يبح اتخاذه. والله أعلم. ووجه قوله: إنه جعله في كل كلب؛ لعموم الحديث، وهو ظاهر قوله في المدونة يدل على ذلك قوله: وكأنه كان يرى الكلب كأنه من أهل البيت وليس كغيره من السباع. ومن المدونة قال ربيعة ومالك: لا بأس بلعاب الكلب يصيب الثوب، قال مالك: يؤكل صيده، فكيف يكره لعابه؟
فصل-1: [في حكم الوضوء بسؤر الدواب] قال مالك: ولا بأس بالوضوء بسؤر جميع الدواب، الحمار والبغل وغيره وقاله أبو الزناد وابن مسعود وغيرهم. قال ابن القاسم: وإن وجد غيره فهما سواء. م واحتج في ذلك بعض أصحابنا فقال: لما كان الحيوان على ضربين، لا ثالث لهما: أحدهما مأكول لحمه بالذبح، كالشاة والبقرة، والثاني غير مأكول لحمه كالإنسان، وكان سؤرهما طاهرًا، وجب أن يكون الحمار والكلب والسبع مثلهما. ومن الواضحة: وكره بعض العلماء الوضوء بسؤر الدواب التي تأكل أرواثها. وقال ابن القاسم: أكثر الدواب تفعل/ ذلك، فلا بأس بسؤرها، ما لم ير في أفواهها شيئًا من رواثها عند شربها. قال ابن حبيب: وأحب إلى طرحه عند وجود غيره، فإن لم يوجد غيره جاز
الوضوء به، إلا أن يرى ذلك في أفواهها إذا شربت فلا يتوضأ به، سقط في الماء منه شيء أو لم يسقط، والتيمم خير منه؛ لأنه نجس، وأما الجلالة التي تأكل العذرة فلا يتوضأ بسؤرها وليتيمم/. فصل-2 - [في حكم الوضوء بسؤر الطيور والسباع] ومن المدونة قال مالك: وإن شرب من إناء فيه ماء ما يأكل الجيف والنتن من الطير والسباع والأوز والدجاج المخلاة وغيرها فلا يتوضأ به. م يريد ولو كان، كالحوض/ ونحوه، ولم يتغير ذلك جاز الوضوء به؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما بقى شرابًا وطهورًا)). فأما إن كان مثل إناء الوضوء فلا يتوضأ به. ومن المدونة قال ابن القاسم: والدجاج المخلاة التي تأكل العذرة والطير الذي ياكل الجيف إن شرب من إناء لم يتوضأ به، ويطرح، ويتيمم من لم بجد سواه، ومن توضأ به وصلى أعاد في الوقت.
قال ابن حبيب: هذا إن لم يعلم، ولو توضأ به عامدًا أو جاهلا أعاد الصلاة أبدًا. قال الشيخ أبو محمد: في قول ابن القاسم إذا كان يعيد في الوقت، فكيف يتيمم من لم يجد سواه. وقال ابن الماجشون وسحنون: يتوضأ ويتيمم ويصلي. قال ابن الماجشون: لأني أخا إن تيمم ألا يكون من أهل التيمم، ولعل ذلك الماء يجزئه، وأخاف إن توضأ به ألا يجزئه، فإذا صلى بهما صلى بطهرين أحدهما مستيقن لا شك فيه. قال: وإن هو توضأ بهذا الماء وصلى ولم يتيمم أعاد في الوقت. وقال ابن سحنون: يتيمم ويصلي ثم يتوضأ ويصلى. قال أبو إسحاق: وهو أحوط؛ للاختلاف، وهو أن الشافعي يراه نجسًا، ووافقه أبو حنيفة، فاتقى ابن القاسم اختلاف الناس.
م ولا يبدأ بالوضوء إذا قد ينجس أعضاءه فإن كان الماء نجسًا فقد صلى بالتيمم وهو الواجب عليه، وإن كان الماء طاهرًا فقد صلى به أيضًا. وقال سحنون: ولو كان معه ماءان: أحدهما: نجس لا يدريه فليتيمم ويدعهما لشكه في الطاهر. قال ابن القصار/ وقال ابن أبى سلمة: يتوضأ بأحدهما ويصلى، ثم يغسل أعضائه من الآخر، ثم يتوضأ منه، ويعيد الصلاة، فمتى ذلك حصل وضوئه بماء طاهر لا شك فيه فلا ينبغي له العدول إلى التيمم؛ لأن معه ماء طاهرًا بيقين ذلك ويمكنه الوصول إليه بما ذكرنا. وذكر ابن سحنون أنه يتحرى أحدهما فيتوضأ به، ويصلى، ويجزئه، كما لو كان معه مائة إناء ماء واحد منها طاهرا لتحراه كما يتحرى القبلة إذا
عميت عليه. قال بعض البغداديين: الذي قاس به غير معتدل؛ لأن تمييز شيء من شيئين خفيف يسير بخلاف تمييز اليسير من الكثير؛ لأن ذلك يطول، وشق عليه. وأما قياسه بالقبلة، فالقبلة يجوز تركها مع القدرة في التطوع في السفر وللمسايف والماء النجس لا يجوز الوضوء به على حال. ومن المدونة قال ابن القاسم: وأما إن شرب ما يأكل النتن من الطعام فإنه يطرح إذا أيقنت أن في أفواهها أذى وقت شربها، وما لم تر ذلك فلا بأس به، بخلاف الماء لاتجازة طرحه. وروى على بن زياد أن الماء كالطعام لا ينجس إلا أن يرى في مناقرها أذى عند ولوغها. قال سحنون في السليمانية: وهذا أصح، والدليل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الهر: ((إنها ليست بنجس))، وقد علم أن الهر يأكل النجس والميتة، وغير ذلك.
ومن المدونة قال مالك: وإن كانت مقصورة أو كانت بمكان لا تصيب فيه أذى فلا بأس بسؤرها. قال ابن القاسم: وهى بمنزلة الحمام. وما وقع من خرو الطير والدجاج التي ليست بمخلاة في إناء فيه ماء فلا يفسده/ كما لا ينجس الثور، وأن ابن مسعود ذرق عليه طير فنفضه بإصبعه، وكذلك فعل سالم بن عبد الله، يريد طيرًا لا يأكل الأنجاس. [فصل-3: في حكم سؤر الفارة في الخبز] وقال مالك: ولا بأس بالخبز من سؤر الفأرة، وقيل: بالخبز. وقال ابن عبد الحكم: لا بأس بسؤر الفأرة في الخبز. قال مالك: ويغسل بولها إذا أصاب الثوب.
قال ابن القاسم في العتبية: ومن/ صلى ببول الفأرة أعاد في الوقت. وقال سحنون: لا يعيد، وقد أجازت عائشة رضي الله عنها أكلها. قال أبو بكر بن اللباد: إن كانت بموضع لا تصل إلى النجاسة فلا بأس ببولها. فصل-4 - [حكم الوضوء بسؤر النصراني]. ومن المدونة قال مالك: ولا يتوضأ بسؤر النصراني، ولا بما أدخل يديه فيه. قال ابن القاسم في العتبية: ومن لم يجد ما يتوضأ به إلا سؤر النصراني فليتيمم وهو كالدجاج المخلاة. قال سحنون: إذا أمنت أن يشرب خمرًا، أو يأكل خنزيرًا فلا بأس أن
يتوضأ به/ كان لضرورة أو غيرها. (فصل-5 - :حكم الوضوء بسؤر الحائض والجنب. وما فضل من طهارتهما ( ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بسؤر الحائض والجنب وما فضل عنهما من وضوء أو غسل لا بأس بشربه أو بالوضوء منه أو الاغتسال به, وقد اغتسل النبي - صلى الله عليه وسلم - وعائشة رضي الله عنها من إناء واحد. قال بعض البغداديين: ومعلوم لا محالة أنه قد استعمل من فضل مائها. وروي أنه أراد أن يغتسل من ماء في جفنة اغتسلت منه امرأة من نسائه فقالت له بعض نسائه: أتغتسل منه وقد اغتسلت أنا منه من الجنابة؟ فقال: ((إن المؤمن لا ينجس)) , وهذا نص في المسألة بفعله - صلى الله عليه وسلم - وتعليله أن المؤمن ليس بنجس.
قال في المدونة: وقد توضأ ابن عمر بسؤر الحائض والجنب والبعير والبقرة والشاة والبِرْذَوْن والفرس.
[باب-5] في استقبال القبلة لبول أو غائط
[باب-5] في استقبال القبلة لبول أو غائط. (فصل-1: في استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط (. روي ابن وهب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا ذهب أحدكم لغائط أو بول, فلا يستقبل القبلة بفرجه, ولا يستدبرها)). ورواه البخاري عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال الشعبي: إنما ذلك في الفلوات, فإن لله عباداً يصلون له من خلقه- رويت بالفاء وبالقاف, ويروى خلقا- فأما حشوشكم هذه التي في
بيوتكم, فلا قبلة لها. قال مالك: إنما عني بالحديث الفيافي, ولم يعن بذلك المدائن والقرى, والاستقبال والاستدبار في الفيافي سواء في الكراهة. قال غيره: ورواه البخاري ((وقد رأى ابن عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت حفصة علي لبنتين مستقبلاً بيت المقدس, مستدبر القبلة لحاجته)). وفي حديث آخر رواه الباجي عن ابن عمر ((أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسًا
على كنيف مستقبل القبلة, قال: فذكر ذلك للشعبي, فقال: صدق أبو هريرة, وصدق ابن عمر. أما قول أبي هريرة, ففي الصحراء, وأما قول ابن عمر ففي الكنيف, والكنيف بيت وضع للنتن, ليس فيه قبلة استقبل حيث شيئت. قال غيره: فإن قيل: وكيف يجوز لابن عمر أن ينظر إلى ذلك, ويرى العورة؟ قيل: قد يكون ذلك منه التفاته حانت منه من غير قصد, أو يكون قصد رؤية أعلي جسده, يعرف كيف جلوسه, فيستفيد ذلك.
(فصل-2: في آداب الخلاء ( م ويستحب للإنسان إذا هو دخل الخلاء أن يستعيذ, وإذا خرج حمد الله, وذلك لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخل الخلاء قال: ((اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث, الرجس النجس الشيطان الرجيم)). وإذا خرج قال: ((الحمد لله الذي أدخله طيباً, وأخرجه خبيثاً)) , وفي حديث آخر ((الحمد لله الذي رزقني لذته, وأبقي في جسمي قوته, وأذهب عني مشقته)).
قال ابن حبيب: ويكره أن يتغوط في ظلال الجدر والشجر وقارعة الطريق, وضفة الماء وقربه, يريد؛ لقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - ((اتقوا الملاعن)). وذلك أن هذه المواضع فيها راحة للناس, فإذا وجد ذلك في هذه المواضع أحد قال: اللهم العن من فعل هذا. قال ابن حبيب: ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. قال غيره: وليستتر بما وجد من هدف, أو جدار, أو حائط نخل, واللذان يذهبان إلي الخلاء فليتباعدا, وكذلك فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويكره أن
يتقاربا, ويكره أن يتحدثا علي طوفهما, ولا يكلم الرجل على طوفه. وروى أصبغ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر به/ رجل, وهو يبول, فسلم عليه, فقال له - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا رأيتني علي هذه الحالة فلا تسلم علي, فإنك إن فعلت هذا لم أرد عليك السلام)). (فصل-3: حكم استقبال القبلة ببول أو غائط في المراحيض التي في السطوح ومجامعة الرجل أهله للقبلة ( ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بمراحيض تكون علي السطوح, وقال في المختصر لا تستقبل القبلة؛ لبول أو غائط في السطوح التي يقدر أن ينحرف فيها, فأما المراحيض التي قد عملت فلا بأس بذلك فيها. قال ابن القاسم: قال مالك: ولا بأس بمجامعة الرجل أهله مستقبل
القبلة؛ لأن مالكاً لم ير بالمراحيض في المدائن والقرى بأساً, وإن كانت مستقبلة القبلة/ ومنع ابن حبيب أن يجامع الرجل أهله مستقبل القبلة.
(باب-6 (ما جاء في الاستنجاء
(باب-6 (ما جاء في الاستنجاء. (فصل-1: في أدلة الاستنجاء. ومعناه. وحكمه ( قال الله تعالي: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا/وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ {[التوبة:108] , وروي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ((نزلت في أهل قباء, لأنهم كانوا يستحبون أن يستنجوا بالماء, وقالت عائشة رضي الله عنها: استنجى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالماء, وقال: هو شفاء من الباسور, روي بالباء والنون. وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من استجمر, فليوتر, والماء أطيب)) , وقال: ((إذا ذهب
أحدكم لغائط فليأخذ ثلاث أحجار يستطيب بهن فتجزئه. قال عبد الوهاب القاضي: وللاستنجاء في اللغة ثلاث عبارات: الاستنجاء والاستجمار, والاستطابة, فالاستنجاء مأخوذ من النجوة, وهو المكان المرتفع وذلك أنهم كانوا إذا أرادوا حاجة الانسان طلبوا النجوة من الأرض يستترون بها فقالوا: لمن التمس ذلك ذهب ينجو, ثم اشتق منه استنجاء, كما قالوا: ذهب يتغوط, أي: يطلب الغائط, وهو ما انخفض من الأرض, ثم سمو الحدث باسم الموضع الملتمس. وقال غيره: هو مشتق من النجاء, وهو القشر, يقال: نجوت القشر, إذا قشرته, فمعني استنجى أي قشر الحدث عنه. قال القاضي عبد الوهاب: والاستجمار مسح موضع الحدث بالحجارة
مشتق من الجمار, وهي: الحجار الصغار, والاستطابة تطييب الجسد بإزالة ما عليه من الحدث. قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله: وليس الاستنجاء مما يجب أن يوصل به الوضوء لا في سنن الوضوء, ولا في فرائضه, وهو من باب إيجاب زوال النجاسة أن لا يصلي بها في جسده, ويجزيء فعله بغير نية. قال: وقد اختلف فيه وفي زوال النجاسة من الثوب والبدن, فقيل: ذلك واجب كوجوب الفرائض, وقيل: كوجوب السنن المؤكدة, وإلي هذا ذهب غير واحد من البغداديين, ومن بعض ما استدلوا به في الاستنجاء, قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((عشرة من الفطرة)) , فذكر من ذلك الاستنجاء, والفطرة هي السنة. وقوله عليه السلام: ((من استجمر فليوتر, من فعل فقد أحسن, ومن لا فلا
حرج)) , وهذا يتوجه من قوله: ((من فعل الوتر الذي أقله واحدة فقد أحسن, ومن ترك فلا حرج. واستدل من ذهب إلي وجوب فرضه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((أو لا يكفي أحدكم أن يستنجي بدون ثلاث أحجار)) , فمنع الإجزاء بدون ذلك. وبقوله: ((إذا ذهب أحدكم إلي الغائط فليستنج بثلاثة أحجار)) , وهذا أمر ظاهره الوجوب.
ووجه قول من قال: إن إزالة النجاسة سنة؛ فلأن الاتفاق علي جواز الصلاة مع اليسير من جنسها, كدم البراغيث وغيره. وعند أبي حنيفة, كقدر الدرهم البعلي من سائر النجاسات, ولو كانت فرضًا لم تجز الصلاة بشيء منها, كالطهارة من الحدث. فوجه قول من قال: إنها فريضة؛ فللإجماع من منع تعمد الصلاة بها, كالطهارة من الحدث. فعلي القول بأنها سنة يأثم من تعمد الصلاة بها, ولا إعادة عليه, وعلي القول بأنها فريضة لا تجزئه, ويعيد أبداً. وعلي الوجهين جميعاً إن صلى بها
ناسياً أو ذاكراً- لا يقدر على إزالتها- فصلاته جائزة؛ لما روي «أنه - صلى الله عليه وسلم - خلع نعليه في الصلاة, فخلع الناس نعالهم, فلما فرغ قال: لم خلعتم نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعتهما, فقال: «إن جبريل عليه السلام أخبرني أن فيهما قذراً» , وروي نجساً ولم يعد, ولا أمرهم بذلك, وإنما الإعادة في الوقت على وجه الاستحباب. قال أبو محمد: وقيل في الاستنجاء: إن أنقى بحجر واحد أجزأه, وقيل: يمسح باثنين ليتم له ثلاثة, وقيل: لابد له من ثلاثة يخرج آخرهن نقية. قال أبو بكر الأبهري: والذي أرى, أنه إذا أنقى بحجر واحد أو حجرين أجزأه؛ لأن القصد إزالة النجاسة, لا العدد؛ إذا لو لم يزلها بثلاثة أحجار لزاد عليها حتى يزيلها, فكذلك يجزئ إذا زال بدونها.
قال ابن القصار: ويدل علي ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن, ومن لا فلا حرج)) , وأيضًا فالاستجمار بالحجر مسح, والمسح في الشرع لا يجب فيه التكرار, كمسح الرأس والخفين فمتى أنقي وجب الإجزاء. ووجه قول من قال: لا بد من ثلاثة أحجار, فلما روي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهي أن يجتزيء بدون ثلاثة أحجار. ووجه قوله: لا بد من ثلاثة/ أحجار يخرج أحدها نقية, فلما روى خزيمة ابن ثابت قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الاستطابة فقال: ((بثلاثة أحجار ليس فيهن رجيع)).
(فصل-2: في الاستنجاء من الريح ( ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ولا يستنجى من الريح, ولكن من البول والغائط, إن بال فمخرج البول الإحليل, وإن تغوط فمخرج الأذى فقط. قال القاضي عبد الوهاب: وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس منا من استنجى من الريح)). م وقال بعض المتأخرين: ولو وجب الاستنجاء بمرور الريح علي فم السفرة, لوجب بمروره علي الثوب غسله. (فصل-3: في صفة الإستنجاء بالماء ( قال الشيخ أبو محمد: وصفة الاستنجاء بالماء, أن يبدأ - بعد غسل يده - فيغسل مخرج البول, ثم يمسح الأذى منه بحجر أو مدر أو خرقة أو غيرها, وإلا فبيده, ثم يغسل يده حتى ينقيها ثم يستنجي, ويوالي صب الماء ويسترخي قليلاً؛ ليتمكن من الإنقاء, ويجيد العرك حتى ينقي, ويزيل اللزوجة,
وذلك في الإبعار أخف منه في الإثلاط, ولا يضره إن بقيت بيده رائحة إذا أنقى. البخاري: وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه, ولا يستنج بيمينه, ولا يتنفس في الإناء إذا شرب)) (فصل-4: في إجزاء الصلاة بالاستنجاء بالحجارة, وما يجوز الاستنجاء به منها ( ومن المدونة قال مالك: ومن تغوط, فاستنجى بالحجارة, ثم توضأ, ولم يغسل ما هنالك بالماء حتى صلى أجزأته صلاته, وليغسل بالماء لما يستقبل. قال في غير المدونة: إلا أن يصيب الأذى غير المخرج, وغير ما لا بد منه فيعيد في الوقت. قال غيره: والأحسن في الاستنجاء أن يجمع بين الحجارة والماء, فإن استنجي بالحجارة فقط وأنقى أجزأه. قال ابن القاسم في العتبية: ولو لم يستنج, ولا استجمر ساهياً أعاد في الوقت, كمن صلى به في ثوبه.
م يريد, ولو فعل ذلك عامداً أعاد أبداً. قال غير واحد من البغداديين: ويجوز أن يستنجى بما يقوم مقام الحجر من آجر وخزف, وخرق وتراب وعود أو غير ذلك؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا قضى أحدكم حاجته, فليستنج بثلاثة أحجار, أو ثلاثة أعواد, أو ثلاث حثيات من تراب)). وروي ((أنه - صلى الله عليه وسلم - استنجى بالُخوص)). قال أشهب في العتبية: سئل مالك عن الاستنجاء بالعظم والحممة فقال: ما سمعت فيه بنهي عام, ولا أدري به بأسًا في علمي, وقال عنه ابن القاسم أنه كره الاستنجاء بالروث والعظم. وقال غيره: لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الاستنجاء بذلك, وفي بعض الأخبار أما العظم فزاد إخوانكم من الجن, وأما الروث, فزاد دوابهم.
وفي البخاري قال أبو هريرة: ((اتبعت النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرج لحاجته, وكان لا يلتفت, فدنوت منه فقال: أتبعني أحجاراً استنظف بها, أو نحوه, ولا تأتني بعظم, ولا روث, فأتيته بأحجار بطرف ثيابي, فوضعتها إلي جنبه, وأعرضت عنه, فلما قضى حاجته اتبعته بهن. وقال ابن حبيب: ونهي الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الاستنجاء بالعظم والجلد والبعرة والروثة والفحمة, فمن استنجي بذلك, أو بحجر واحد فقد أساء, ولا يعيد صلاته, إذا أنقى. وقال أصبغ في كتاب آخر: يعيد في الوقت ووقته وقت الصلاة المفروض, والله المستعان
[باب- 7] جامع ما يلزم منه الوضوء
[باب- 7] جامع ما يلزم منه الوضوء رُوي عن أبي هريرة، في البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ" قال أبو هريرة: والحدث الريح والصوت ولم يُختلف أن الوضوء منها واجب. قال ابن حبيب: الوضوء يجب من تسعة أوجه/ من الغائط، والريح والصوت، ومن البول، والودي، والمذي، ومن الملامسة، ومن مس الذكر، والنوم. قال الشيخ أبو محمد: وقيل: بخمسة أوجه: لما يخرج من الدبر من ريح أو غائط، ولما يخرج من القبل من بول أو غيره من الرطوبات المعتادة، عدا المني ودم الحيض والنفاس ففي ذلك الغسل، وفي المذي، مع الوضوء غسل الذكر كله. والثالث مس الذكر بباطن الكف، أو بباطن الأصابع. والرابع ملامسة للذة، ويدخل في ذلك القبلة للذة. والخامس: النوم البين وشبيهه، من زوال العقل
بإغماء أو جنون أو سكر. وقيل: بثلاثة أوجه: لما يخرج من المخرجين، وباللماس وشبهه، من مس الذكر والقبلة وبزوال العقل، من نوم أو غيره. وقيل بوجهين: لما يخرج من المخرجين، ويدخل في ذلك النوم وشبهه؛ لأن الوضوء من النوم وشبهه ليس للنوم، ولكن لما يتولد عن النوم من الحدث. والثاني: باللماس وشبهه، من مس الذكر والقبلة. وسيأتي كل فصل منها مبينًا بعون الله تعالى ونصره. [فصل-1 -] في الوضوء من مس الذكر والفرج. روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ، وقال صلى الله عليه وسلم في
حديث آخر: ‹‹من أفضى بيده إلى فرجه ليس بينهما/ حجاب فقد وجب عليه الوضوء››، وقاله عمرو وابن مسعود. قال مالك رحمه الله: ولا ينتقض الوضوء من مس شرج، ولا رفغ، ولا شيء مما هنالك، إلا من مس الذكر وحده، بباطن الكف. قال ابن القاسم:
أو بباطن الأصابع. قال مالك: فإن مسه بظاهر يده أو بباطن ذراعه أو بظاهر يده لم ينتقض وضوءه. وفي مختصر الوقار: وإن مسه بباطن ذراعه فعليه الوضوء. وذهب عروة بن الزبير إلى أن من مس أنثييه يتوضأ، وذهب الشافعي إلى أن من مس دبره فليتوضأ. ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ‹‹من مس الذكر فليتوضأ››، فدل أن ما عداه بخلافه؛ ولأنها مواضع من البدن لا لذة في لمسها، فأشبهت سائر الأعضاء. قال أبو محمد: اختلف عن مالك في مس الذكر بغير تعمد، فروى عنه
ابن القاسم في المجموعة أنه قال: أحب إلي أن يتوضأ، وقال سحنون. م لعموم الحديث. وروي عنه ابن وهب في العتبية أن لا وضوء عليه، إلا في تعمد مسه، قيل لمالك: فإن مسه على غلالة خفيفة، قال: لا وضوء عليه؛ للحديث. وقال غير واحد من البغداديين برواية ابن وهب هذه، ورأوا أنه من ناحية الملامسة، وأن الأغلب على متعمد مسه اللذة، وكذلك مس المرأة فرجها، قالوا: وأما على غير تعمد، أو بغير لذة، فيحتمل أن يكون معنى رواية ابن القاسم فيه على الاستحباب والاحتياط. قال ابن القصار: والذي عليه العمل من ذلك إذا مس ذكره لشهوة بباطن
كفه أو بسائر أعضائه من فوق الثوب أو من تحته انتقضت طهارته. قال الأبهري: وعلى هذا كان يعمل شيوخنا كلهم. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الوضوء لا ينتقض من مس الذكر، قالوا: وقد قال يحيى بن معين وابن حنبل: لم يصح حديث في مس الذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا ولو صح لكان معارضًا لحديث طلق بن علي حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من مس الذكر، فقال: ‹‹هل هو إلا ضعة منك››. فوجب
أن يكون ما رويتموه محمولاً على الوضوء اللغوي، الذي هو غسل اليد فالجواب عن ذلك أن من أثبت / إيجاب الوضوء من مس الذكر أكثر عددًا، وأثبت نقلاً من ابن معين وابن حنبل، فقد رواه خمسة عشر نفسًا من الصحابة من بين رجل وامرأة، وغيرهم. وقال به جماعة من الصحابة والتابعين، وأما حديث طلق ففي سنده ضعف، وقيل أيضاً: إنه منسوخ بحديث أبي هريرة؛ لأن أبا هريرة متأخر الإسلام، فهو ناسخ لما قبله. وأما قولهم: يحمل ما رويتموه على الوضوء اللغوي، فقد روينا أنه عليه
السلام قال ‹‹من مس ذكره فليتوضأ›› وضوءه للصلاة مع أن لنا أن نستعمل ما ذكروه من حديث طلق أنه إذا مسه لغير شهوة، ونستعمل ما رويناه إذا مسه لشهوة فيصح بذلك استعمال الأخبار، وبالله التوفيق. وقال الشيخ أبو عمران: أن من قال: إنما يجب الوضوء من مس الذكر إذا مسه لشهوة يقول: إن الوضوء يجب فيه بالقرآن؛ لأنه يرجع إلى الملامسة، ومن قال سواء مسه ساهيًا أو عامدًا، فإنه يتوضأ يرى الوضوء فيه من السنة، وبالله التوفيق. واختلف أصحب مالك في إعادة من صلى بعد مس ذكره، فقيل: لا إعادة عليه، وقيل: يعيد في الوقت. وقال سحنون: يعيد فيما قرب، كاليوم
واليومين. وقيل يعيد أبدًا، وقال ابن حبيب: يعيد الساهي في الوقت والمتعمد أبدًا. فوجه قولهم لا إعادة عليه، أو يعيد في الوقت مراعاة لقوة الاختلاف فيه، ويحتمل أن يكون ذلك في السهو. ووجه قولهم: يعيد أبدًا، فلعموم الحديث ‹‹من مس الذكر الوضوء››، ولم يفرق بين سهوه وعمده، فإذا وجب إعادة الوضوء، وجب إعادة الصلاة، وقد أعاد منه ابن عمر بعد الوقت، ويحتمل أن يكون ذلك في التعمد، وتوسط سحنون قولاً بين القولين. ووجه قول ابن حبيب أنه لما كان الأغلب من مس الساهي أنه لغير شهوة، وأنه غير عابث به، والأغلب في المتعمد أنه قاصد للشهوة وواجد لها وجب عليه أن يعيد أبدًا، والأول في الوقت استحبابًا، والله أعلم. ومن المدونة/ قال مالك: وإذا مست المرأة فرجها فلا وضوء عليها،
وروى علي بن زياد عن مالك أن عليها الوضوء، وأنكره سحنون. وقيل: عليها الوضوء إذا ألطفت أو قبضت عليه، وقاله مالك. -يريد بألطفت إذا أدخلت يدها بين الشفرين-، ولا شيء عليها في مسها لجوانبه، وقاله ابن حبيب. فوجه قوله: ‹‹أن لا وضوء عليها››، فلقوله صلى الله عليه وسلم: ‹‹من مس الذكر الوضوء›› يدل أن ما عداه بخلافه. ووجه قوله: ‹‹أن عليها الوضوء››، فلقوله صلى الله عليه وسلم: ‹‹من أفضى بيده إلى فرجه ليس بينهما حجاب فقد وجب عليه الوضوء››، والفرج اسم عام للذكر، وفرج المرأة؛ ولأنه عضو يجد للمسه اللذة، كالذكر. فأما إذا قبضت عليه أو ألطفت فهي واجدة اللذة لا محالة فيجب أن يكون عليها الوضوء في القولين، والله أعلم.
وقال القاضي عبد الوهاب: في ما روي عن مالك لا وضوء على المرأة في مس فرجها، وما روي أنها تتوضأ، وما قيل: إذا ألطفت، هذا كله ليس باختلاف رواية فمن قال: لا وضوء عليها، فمعناه إذا كان لغير لذة، ومن رأى أن عليها الوضوء معناه إذا التذب به، وأن ذلك مبني على الرواية أن ذلك عليها إذا ألطفت، فهذه مفسرة لما أجمل من غيرها. قال: ومن أصحابنا من يحمل ذلك على روايتين: إحداهما: الوجوب، والأخرى سقوطه، إلا أن تلطف، وهو نحو ما بينا أولاً. ومن المدونة قال مالك: ومن مس ذكره في غسله من جنابته أعاد وضوءه إذا فرغ من غسله، إلا أن يكون قد أمر يديه على مواضع الوضوء منه في غسله، فيجزئه. قال أبو محمد: يريد وينويه. وقال أبو الحسن بن القابسي: لا يحتاج إلى نية. م فوجه قول أبي محمد أنه لما كان الغسل من الجنابة يرفع حدث الجنابة
والوضوء، وأنه لو مس ذكره بعد تمام غسله لم ينتقض عليه إلا الوضوء، ولم يعد جنبا لارتفاع حكم الجنابة عن جميع جسده، فكذلك إذا غسل بعض أعضائه / فناب ذلك الغسل فيها عن الجنابة والوضوء، فإذا مس ذكره انتقض حكم الوضوء، وبقي حكم الغسل قائماً، كما كان ذلك في جميع الجسد؛ لأنه لو تمادى على بقية غسله ولم يعد غسل تلك الأعضاء لأجزأه غسله، ولم يكن عليه إلا الوضوء، فإذا أعاد لها الماء فإنما يعيده للوضوء خاصة، فلا يجزئه. ووجه قول أبي الحسن إن حكم الجنابة باق على تلك الأعضاء، لا يرتفع إلا بتمام الغسل، ألا ترى أنه لو ترك لمعة من جسده متعمداً حتى جف غسله وطال ذلك لابتدأ الغسل من أوله، فإذا أعاد غسل تلك الأعضاء لم يحتج إلى نية، وأجزأته النية الأولى، إذا ليس عليه أن يجدد لكل عضو نية، وبالله التوفيق. قال أبو عمران: في الذي مس ذكره في غسله أنه إذا مر بيديه
على مواضع الوضوء منه أن الغالب في إمرار يده بالماء؛ لما يقع / في نفسه أنه لم يعم تلك الأعضاء بالغسل فهو مستشعر إكمال الطهارة فيجزئه ذلك، وإن لم ينو به الوضوء. والوضوء من مس الذكر في حال الغسل على ثلاثة أوجه: إن مسه قبل غسل شيء من أعضاء الوضوء فلا شيء عليه، ويجزئه الغسل، وإن مسه بعد فراغه من غسله فعليه الوضوء باتفاق، وإن مسه بعد غسل أعضاء الوضوء أو بعضها فهي مسألة الخلاف المتقدمة. [فصل - 2 -] في الوضوء من النوم، وزوال العقل. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ))، وهذا نص منه عليه السلام في إيجاب الوضوء، وقال في حديث آخر: ((العينان وكاء السه، فإذا
نامت العينان استطلق الوكاء)). قال أبو عبيد في غريب الحديث: والسه حلقة الدبر، والوكاء هو الخيط الذي يشد به فم القربة، فجعل اليقظة للعين مثل الوكاء للقربة، يقول: فإذا نامت العين استرخى ذلك الوكاء، فكان منه الحدث. قال ابن القصار: وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنما الوضوء على من نام مضطجعًا، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله))، وهذا تعليل منه صلى الله عليه وسلم، وقاله عمر بن
الخطاب رضي الله عنه، وأجمع عليه فقهاء الأمصار. قال ابن حبيب: وذلك إذا استثقل المضطجع، وخالط النوم عقله. م فينبغي على كل نائم استرخت مفاصله، واستثقل نومه الوضوء، وهذا هو الأصل. وقد قال ابن أبي سلمه: من استثقل نوماً على أي حال كان فعليه الوضوء، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((من استجمع نوماً، فعليه الوضوء)) وما روى ابن عباس ((أن / النبي صلى الله عليه وسلم دخل على خالته ميمونة، فنام حتى سمع غطيطه، ثم قام فصلى، ولم يتوضأ، قيل: يجوز أن يكون هذا إذا ثبت
كان خصوصًا له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((تنام عيناي ولا ينام قلبي))، ويحتمل أن يكون يغط، ولم يستثقل في نومه وهذا ممكن. ومن المدونة قال مالك: ومن نام في سجوده فاستثقل نومًا، وطال ذلك فعليه الوضوء، وأما من نام نومًا خفيفًا الخطرة ونحوها لم ينتقض وضوءه، فكذلك من نام على دابته شيئًا خفيفًا، فإن طال ذلك فعليه الوضوء، ونومه قدر ما بين العشائين طويل، وهو بمنزلة القاعد. قال: ومن نام محتبيًا في يوم جمعة وشبهه، فذلك خفيف، ولا وضوء عليه؛
لأنه لا يلبث، والجالس بلا احتباء أشد؛ لأنه يثبت، فعليه الوضوء إن كثر ذلك وطال. وقال ابن وهب: وقال أبو هريرة: ليس على المحتبي النائم، ولا على القائم النائم وضوء، وقال ابن شهاب: السنة في من نام راكعًا أو ساجدًا فعليه الوضوء، يريد لأنه قد أمكن نفسه للحدث. م وظاهر هذا خلاف لقول مالك؛ لأن الراكع لا يثبت إذا استثقل نومًا. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ((نام ساجدًا فلم يتوضأ))، ومعناه عندنا أنه لم يستثقل في نومه، ولا استرخت مفاصله، وكذلك علله بعض البغدادين. قال ابن القصار: ومما يدل على أن لا وضوء في الخطرة ونحوها ما روي أن الصحابة كانوا ينامون في انتظار العشاء الآخرة حتى / تخفق رؤوسهم، ثم
يصلون، ولا يتوضأون. وهذا يبطل قول من قال: إن النوم حدث، قليله وكثيره سواء. وما روي ابن وهب ((أن ربيعة سقطت من يده مروحة، وهو ناعس فتوضأ. قيل: معناه: أنه لم يشعر بسقوطها فتخوف أن يكون طال ذلك به. م وقيل النوم على ثلاثة أوجه: نوم لا وضوء فيه، كالخطرة ونحوها، ونوم / القائم وشبهه، ونوم يستحب منه الوضوء، وذلك إذا استثقل ونام فيه ولم يطل، ونوم يجب منه الوضوء وذلك إذا استثقل وطال. وقد شرط الاستثقال والطول في الذي ينام في سجوده والذي ينام مضطجعًا أو جالسًا أولى بمراعاة ذلك، وهذا ظاهر كله. م وما قدمناه أصوب؛ للإجماع عليه.
فصل - 3: [في وضوء من فقد عقله بإغماء أو جنون أو سكر]. قال مالك رحمه الله: ومن أغمي عليه فعليه الوضوء، والمجنون إذا فاق توضأ، ولا غسل عليه يريد إلا أن يجد بلة المني فليغتسل. قال ابن القاسم سواء خنق قائماً أو قاعداً. قال ابن حبيب: وهذا إذا أفاق بحدثان ذلك ولم يجد بلة المني، فأما لو أقام يومًا أو أيامًا فعليه الغسل. م وهذا خلاف لقول مالك، وهو عند مالك على طهارته حتى تثبت نجاسته. قال ابن القاسم: ومن ذهب عقله من لبن سكر منه، أو من نبيذ توضأ، وقد يتوضأ من هو أيسر شأنًا ممن ذكرنا، وهو الذي ينام ساجدًا أو مضطجعًا لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا {الآية. قال زيد بن أسلم: يعني: من النوم.
[فصل - 4 -] في الوضوء من المذي، وسلس البول، وما يخرج من الدبر. وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالوضوء من المذي مع غسل الفرج، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((إني لأجده يتحدر مني مثل الخريزة فإذا وجد ذلك أحدكم فليغسل فرجه، وليتوضأ يعني غير المستنكح)). وروى ابن وهب أن عمر بن الخطاب قال: ((إني لأجده في الصلاة على فخذي كخرز اللؤلؤ فما أنصرف حتى أقضي صلاتي)) /، يعني أنه
كان مستنكحًا في آخر عمره. قال مالك رحمه الله: ومن خرج من ذكره بول، أو مذي المرة بعد المرة لإبردة، أو لعلة توضأ، إلا أن يستنكحه ذلك فيستحب له الوضوء لكل صلاة من غير إيجاب، كالمستحاضة، فإن شق عليه الوضوء لبرد أو نحوه لم يلزمه، وإن خرج ذلك من المستنكح في الصلاة فليكفه بخرقه، ويمضي على صلاته، وإن لم يكن مستنكحًا قطع. قال بكر القاضي: سلس البول والمستحاضة على قسمين: فاللذان لا ينقطع ذلك عنهما على حال فلا وضوء عليهما إذ لا فائدة في أن يتوضئا، وهو يسيل، وإن كان ذلك ينقطع، ثم يعود من وقت إلى وقت فهذان اللذان يتوضآن خيفة أن يخالط ذلك شيء من المعتاد.
وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا، إنما ذلك عرق، وليس بالحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي))، قال: وقالت: قال: ((ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت))، ورواه مالك في الموطأ، وروي عن أم سلمه نحوه، وقال ابن المسيب: ((تغتسل من طهر إلى طهر، وتتوضأ لكل صلاة، فإن غلبها الدم استثفرت)).
وقال غير واحد من البغداديين: مذهب مالك في كل ما خرج من السبيلين على غير العادة مثل: سلس البول، والمذي، ودم الاستحاضة، ونحوه أن ذلك لا ينقض الطهارة، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لو سال من قرنك إلى قدمك فلا وضوء عليك))؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم في المستحاضة: ((تصلي، وإن قطر الدم على الحصير)). فلو كان ذلك حدثًا يفسد الطهارة لوجب أن يفسد الصلاة، ولكن لما خرج على غير وجه العادة خرج عن حال
الصحة، ووجب أن لا ينقض الطهارة، قياسًا على دم الجرح / والدمل إذا مصلا. وقال ابن المسيب وغيره في المدونة في الذي يستنكحه المذي يتوضأ، وينضح بالماء /، ثم يقول: هو الماء خيفة الوسوسة. قال مالك: وإذا كثر عليه المذي، لطول عزبة أو تذكر لزمه الوضوء لكل صلاة. قال ابن أبي زمنين: الذي عندي فيمن استنكحه المذي؛ لطول عزبة، أو لعلة، وكان يخرج منه على غير مقارنة شهوة، ولا تعرض للذة فلا ينتقض وضوءه، كذلك فسره عبد الملك. وقال ابن الجلاب في الذي يكثر عليه المذي لطول عزبة: إن كان يستطيع
رفعها بتزويج أو تسري أنه يتوضأ لكل صلاة، وإذا أمذى صاحب السلس بقبلة، أو شهوة، أو بال بول العادة لزمه الوضوء. قال القاضي عبد الوهاب في الذي يخرج منه المذي لإبردة المرة بعد المرة: إنما عليه / الوضوء استحبابًا، لا إيجابًا، وعلى هذا كان يحمل شيوخنا قول مالك، والظاهر من قول مالك وجوب الوضوء، وهو الصحيح؛ لأن علة سقوط الوضوء عن السلس لحوق المشقة بتكراره، وذلك معدوم في الخارج مرة بعد مرة. فصل - 5 - [في الخارج غير المعتاد من الدبر أو القبل] قال ابن القاسم: ولا شيء على من خرج من دبره دود أو دم عند مالك. قال ابن نافع عن مالك في المجموعة: وذلك إذا لم يخالطه أذى. قال ابن القاسم: وكذلك الحصاة تخرج من الإحليل، إلا أن يخرج بإثرها
بول. وقال محمد بن عبد الحكم: من خرج من دبره دود نقي، أو دم صاف فعليه الوضوء. قال أبو محمد: وهذا خلاف لأصولنا في المعتادات. قال ابن القاسم في المدونة: وإذا خرج من فرج المرأة دم فعليها الغسل عند مالك، إلا أن تكون مستحاضة فيستحب لها الوضوء. قال علي عن مالك: وليس على الرجل غسل أنثييه من المذي إذا توضأ، إلا أن يخشى أن يكون أصابهما شيء، فإن لم يصبهما شيء فليس عليه إلا غسل ذكره عند مالك. م يريد فإذا خشي غسل بخلاف الثياب والحصر يشك هل أصابها نجاسة أم لا، تلك تنضح؛ لأن النضح رخصة / وردت فيها، فلا يعدى بها بابها، وللضرورة التي تلحق في غسل الثياب، ولا ضرورة عليه في غسل بدنه.
وفي العتبية ما يدل أن البدن ينضح أيضاً، كالثوب، ونصه مالك. قال ابن القاسم: في الحديث ((غسل ذكرك وأنثييك، وانضح)) وإن كان قد يعبر عن الغسل بالنضح فيتفق المعنى. وقد قال ابن شعبان في من شك في نجاسة ثوبه أو جسده: أجزأه النضح. قال أبو محمد: وما علمت خلافه. وقال بعض القرويين: هذا خلاف، واحتج بما جاء في الحديث ((من انتبه من نومه فلا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها؛ لأنه لا يدري أين باتت يده))، فقد أمره بغسلها في حال الشك.
وذكر ابن حبيب في الحائض والجنب إذا غسلا ما رأيا من الأذى، ولم ينضحا ما لم يريا وصليا فلا إعادة عليهما، بخلاف من شك هل أصاب ثوبه نجاسة أم لا؟ هذا يعيد في الجهل والعمد الصلاة أبدًا، وفي السهو في الوقت، ونضح هؤلاء إنما هو لطيب النفس، ولينضحا لما يستقبلان. وروى أبو زيد عن ابن القاسم في الجنب إذا لم ينضح ما يرى في الثوب الذي نام فيه أنه يعيد الصلاة في الوقت. فصل - 6: [فيما يوجبه المذي]. قال مالك: المذي عندنا أشد من الودي؛ لأن الفرج يغسل من المذي، والودي بمنزلة البول. وقال بعض البغداديين من أصحاب مالك: إن معنى غسل الذكر من المذي إنما هو مخرج الأذى. م وليس الأمر كما قالوا. وقد بين في المدونة من رواية علي من مالك ما يدل أن الذكر يغسل
كله، وهو ظاهر الحديث. قال يحيى بن عمر: في من غسل من المذي مخرج الأذى فقط وصلى لم يعد ويغسل ذكره لما يستقبل. قال أبو محمد: وينبغي أن يجزئ غسله بغير نية، كالنجاسة. وقال غيره: من رأى غسل جميعه، فلا يجزئ إلا بنية؛ لأنها عبادة، ومن رأى غسل مخرج الأذى فقط فيجزئ بغير نية، كالنجاسة. وقال أبو العباس الأبياني: لا يجزئ غسله إلا بنية، وإن لم ينوه أعاد أبدًا. قال: ومن غسل مخرج الأذى منه فقط، وصلى / أعاد الصلاة أبدًا.
قال أبو محمد وغيره: وصفة المذي هو ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة بالإنعاظ عند الملاعبة أو التذكار، وهو في المرأة بلة تكون منها عند اللذة. وأما الودي: فهو ماء أبيض خائر يخرج بإثر البول من إبردة أو حمام للرجل والمرأة يجب منه ما يجب من البول. وأما المني: فهو الماء الدافق يخرج عند اللذة الكبرى بالجماع رائحته كرائحة الطلع، وماء المرأة رقيق أصفر يجب منه طهر جميع الجسد بنية. فصل - 7 - : [في الباسور] ومن المدونة قال يحيى بن سعيد: ومن به باسور لا يزال يطلع منه فيرده بيده، فليس عليه إلا غسل يديه إلا أن يكثر ذلك عليه فلا أرى عليه غسلها، وكأن ذلك بلاء نزل به، يعدونه بمنزلة القرحة.
[فصل - 8] في الوضوء من الملامسة والقبلة قال الله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً {، فالمراد به عند جماعة من الصحابة والتابعين: اللمس الذي هو دون الجماع؛ لأنه تعالى ذكر حكم الجنب في الآية، وحكمه الغسل، كحكم الجماع، فلو أراد باللمس الجماع لكان تكريرًا في اللفظ بمعنى واحد، فحمل الآية على كثرة الفوائد / أولى، مع أن الاسم الخاص باللماس هو ما دون الجماع، قال الله تعالى: {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ {. وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأسلمي الذي اعترف بالزنا: ((لعلك قبلت أو لمست))؟ فلو كان اللمس هو الجماع لم يكن في استفهامه فائدة؛ لأنه اعترف بالجماع.
وروى مالك رحمه الله في المدونة أن ابن عمر قال: من قبلة الرجل امرأته، أوجه إياها بيده الوضوء. قال مالك: وإذا مست المرأة ذكر الرجل لشهوة فعليها الوضوء، وإن مسته لغير شهوة لمرض ونحوه فلا وضوء عليها، قال: وكذلك إذا مس أحد الزوجين صاحبه بيده للذة من فوق الثوب أو من تحته فعليه الوضوء أنعظ الرجل أم لا. قال القاضي عبد الوهاب: واعتبرنا في ذلك اللذة، وجعلناها شرطًا في انتقاض الطهارة، وهو قول جماعة من التابعين، فإن عريت الملامسة / من اللذة، لم يجب الوضوء، خلافًا للشافعي.
دليلنا أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل ويلمس، ولا يتوضأ، فمحمله أنه كان بغير لذة، فأشبه مس الرجل الرجل. م ولما كانت الملامسة للذة بيده من دواعي الوطء، وكان الوطء يوجب الطهارة الكبرى، وجب أن يكون ما دونه هو من دواعيه يوجب الطهارة الصغرى. فأما ما كان لغير لذة، ولا قصد به اللذة فليس من دواعي الوطء، فوجب أن لا يوجب شيئًا، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ {، فقصده بالملامسة النساء الملتمس منهن اللذة، بدليل أن المراد
به اللمس للذة. ومن العتبية قال علي عن مالك: وإذا مس الرجل زوجته بيده من فوق الثوب، فإن كان الثوب خفيفًا يصل في جسه إلى جسدها فعليه الوضوء، وإن كان ثوبًا كثيفًا لا يصل بجسه إياه إلى جسدها فلا شيء / عليه. م يريد إذا لم يصل بالجس إلى رطوبة بدنها، فهو كالنظر بغير اللذة. فصل - 9 - : [حكم الصلاة خلف من لا يرى الوضوء من القبلة أو مس الذكر] قال أشهب: من صلى خلف من لا يرى الوضوء من القبلة أعاد أبدًا، وإن صلى خلف من لا يرى الوضوء من مس الذكر لم يعد. وقال سحنون: يعيدان جميعًا بحدثان ذلك. قال بعض القرويين: والفرق بينهما عند أشهب أن الوضوء من الملامسة مقطوع بصحته من القرآن، والوضوء من مس الذكر إنما هو من أخبار
الآحاد، وقد ضاده حديث آخر فكان الوضوء منه استحبابًا. فصل - 10 - : [في تقبيل أحد الزوجين لصاحبه] قال ابن القاسم: وإذا قبل الرجل امرأته على غير الفم، أو فعلت ذلك هي به فليتوضأ الفاعل، ولا وضوء على المفعول به ذلك، إلا أن يلتذ فليتوضأ أيضًا. قال مالك في المجموعة: وأما إن قبلها على الفم مكرهة، أو طائعة فليتوضئا جميعاً، يريد؛ لأن الأغلب في ذلك الالتذاذ. وقال عنه ابن نافع في من غلبته زوجته فقبلته - وهو كاره لا يجد لذة - فعليه الوضوء. م يريد قبلته في فم أو غيره في هذا القول، وكذلك قال ابن حبيب عن أصبغ أن عليه الوضوء/، وإن أكره أو استغفل؛ لما جاء أن في القبلة الوضوء مجملاً بلا تفصيل. ابن وهب: وقد قال ابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم وابن المسيب
وغيرهم من قبلة الرجل امرأته الوضوء. قال مالك في غير المدونة: ولا وضوء عليه في قبلته امرأته لوداع أو رحمة ونحوه، إلا أن يلتذ. قال غيره: ومحمل ما روي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل نساءه، ولا يتوضأ، فمعناه ما كان لغير قصد اللذة. قال مالك في العتبية: ولو مس شعرها للذة توضأ، وإن مسه لغير لذة فلا شيء عليه.
قال سحنون: وأما إن لبسته ثوبه أو نزعت خفه فلا وضوء عليهما وإن التذا، وقد يلتذان بالكلام. قال ابن القاسم في المريض الذي لا يجد للنساء نشاطة فأراد أن يجرب نفسه فمس ذراع زوجته فلم يجد لذة فعليه الوضوء؛ لأنه قد وجد اللذة بقلبه حين قصد ذلك. قال أبو محمد بن أبي زيد لابن بكير: قول صح في اللذة بالقلب الوضوء، وما علمت / من قاله غيره، وقد تقدم القول في الوضوء بسؤر النصراني والحائض والجنب مع ما يشبهه.
باب - 8 - : في من شك في وضوئه أو نكسه أو فرقه ناسيا أو عامدا
باب - 8 - : في من شك في وضوئه أو نكسه أو فرقه ناسيًا أو عامدًا فصل - 1 - : [في الشك في الوضوء] وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الشاك في صلاته أن يبني على يقينه، فكذلك الوضوء. قال مالك رحمه الله في من شك في بعض وضوئه فلم يتيقن أنه غسله، فليغسل ما شك فيه، ولو أيقن بالوضوء ثم شك في الحدث، فلم يدر أحدث بعد الوضوء أم لا، فليعد وضوءه بمنزلة من شك فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فليلغ الشك، إلا أن يكون مستنكحًا فلا يلزمه إعادة شيء من وضوء ولا صلاة. قال ابن القصار: واختلف أصحابه في غير المستنكح، فقال بعضهم: هو مستحب، وقال بعضهم: هو واجب، وبهذا أخذ الأبهري رحمه الله، وبه أقول.
قال ابن حبيب: وإذا خيل إليه أن ريحًا خرج منه فلا يتوضأ، إلا أن يوقن به، وكذلك إن دخله / شك بالحس /. م وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: ((لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا)). قال ابن حبيب: وأما إن شك هل بال أو أحدث أم لا؟ فهذا يعيد الوضوء. فصل - 2 - : [في تنكيس الوضوء]. ومن المدونة قال مالك: ومن نكس وضوءه فغسل رجليه قبل يديه، ثم وجهه، ثم صلى أجزأته صلاته، ويعيد الوضوء أحب إلي، وما أدري ما وجوبه. م يريد وجوب الترتيب، أي: ما أدري ما وجه قول من يرى أنه واجب إنكارًا لذلك، وقد قال علي وابن مسعود: ما نبالي بدأنا بأيماننا أو بأيسارنا،
وفي حديث آخر ((ما نبالي بأي الأعضاء بدأنا)). وقال علي عن مالك: في من نكس وضوءه أنه يعيد الوضوء والصلاة، ثم قال: يعيد الوضوء فقط. م أراه يريد نكسه عامدًا في قوله: يعيد الوضوء والصلاة. وقال بكر القاضي وغيره: إنما يجزئه في تنكيس الوضوء إذا كان ذلك سهوًا، وإن تعمد ذلك فهو عابث، لا يجزئه، وصلاته إن صلى باطلة. وقال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: من نكس وضوءه وصلى أجزأته صلاته، ولم يعد في وقت ولا غيره، إن فعل ذلك سهوًا، وغن تعمد أو جهل ابتدأ الوضوء لما يستقبل كان من مسنونه أو مفروضه، وإن كان
سهواً فلا يصلحه إلا في مفروضه يؤخر ما قدم فيصير مرتباً، ويغسل ما يليه كان بحضرة الماء أو بعد إن طال. وقال ابن القاسم: هذا إذا لم يطل، وأما إن طال أخر ما قدم ولم يعد ما يليه، وقد تقدم إيعاب الحجة في الترتيب. فصل-3 - : [في سقوط الموالاة بالنسيان] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ومن توضأ فنسي مسح رأسه، وغسل رجليه، حتى جف وضوءه، وطال ذلك بنى على وضوئه، وإن ترك ذلك عامداً ابتدأ الوضوء. قال: ومن توضأ فترك لمعة من بعض مواضع الوضوء، أو اغتسل من جنابة، أو امرأة من حيض فتركوا لمعة من أجسادهم، ولم يصبها الماء حتى صلوا، ومضى الوقت، فإن تركوها عمداً أعاد الذي توضأ وضوءه، وأعاد الذي/ اغتسل غسله، وأعادوا الصلاة، وإن تركوا ذلك سهواً غسلوا ذلك الموضع فقط، وأعادوا الصلاة، فإن لم يغسلوا ذلك الموضع حين ذكروا استأنف الغسل والوضوء.
م يريد وإن لم يجد الماء حين ذكره، وطال طلبه له ابتدأ جميع طهارته، وهو كمن عجز ماؤه في ابتداء طهارته. ابن وهب: وقد جاء رجل إلى ابن المسيب فقال: إني اغتسلت من الجنابة ونسيت أن أغسل رأسي، قال: فأمر رجلا من أهل المجلس أن يقوم معه إلى المطهرة فيصب على رأسه دلواً من ماء. ابن وهب: وقال ربيعة: لا يكون غسلاً حتى يتبع بعضه بعضاً، فأما من فرقه متخيراً لذلك فليس بغسل. وقاله مالك والليث. قال مالك: وإن نسي المضمضة والاستنشاق من غسل أو وضوء، ومسح جميع أذنيه في الوضوء وداخلهما/ في الجنابة، وهو الصماخ حتى صلى أعاد لما يستقبل، ولم يعد الصلاة.
قال ابن وهب: وقال ابن شهاب وعطاء بن أبي رباح وعبيد الله بن عمر: لا تعاد الصلاة إلا مما ذكر الله تعالى في كتابه. ومن غير المدونة قال مالك: ومن ترك بعض فرض الوضوء ناسياً فذكر بحضرة الماء أتم ما نسي، وأعاد ما يليه، ولو نسي المضمضة والاستنشاق فعل ذلك/ ولم يعد ما يليه، بخلاف المفروض. وقال ابن حبيب: إن ذكر بحضرة الوضوء أعاد ما نسي، وما يليه كان مسنوناً أو مفروضاً، وإن فرق وضوءه فما كان من مسنونه وما يمسح من مفروضه قضى ما نسي فقط، وإن كان مما يغسل من مفروضه وطال أعاد الوضوء ويعيد الصلاة في المفروض كله ما يغسل وما يمسح، ولا يعيد في المسنون. وقال ابن أبي سلمة في غير الواضحة: يبتدئ الوضوء إن طال ذلك كان
مما يغسل أو يمسح. قال حبيب بن الربيع: وما ذكر ابن حبيب/ عن مالك في تفريقه بين المغسول والممسوح فهو غلط ممن نقله عن مالك. م وقد تقدمت الحجة في إيجاب التوالي مع الذكر، وقول مالك فيما ذكرنا الآن هو أولى وهو القياس، وكأن ابن أبي سلمة رأى أن التوالي فرض يبطله النسيان، كالصلاة. وذهب محمد بن عبد الحكم: إلى أن تبعيضه في العمد والسهو سواء، لا يبطله على ما روي عن ابن عمر في تأخير المسح على الخفين. قال ابن القاسم: ولم يأخذ مالك بما روي عن ابن عمر في هذا. قال مالك في المدونة: ومن توضأ بعض وضوئه، ثم عجز ماؤه فقام لطلبه فإن قرب بنى، وإن تباعد وجف وضوءه ابتدأ الوضوء. وإن ذكر في
صلاته أنه نسي مسح رأسه قطع ولم يجزئه مسحه بما في لحيته من بلل وليأتنف مسحه ويبتدئ الصلاة. قال ابن القاسم: ولا يعيد غسل رجليه، إن كان وضوءه قد جف. قال: وقال ابن الماجشون في الواضحة: إن قرب من الماء فلا يمسح به رأسه، وإن بعد فليمسح به رأسه، إن كان بللاً بيناً فيه فضل. م فوجه قول مالك: أن ما بلل اللحية، كماء توضئ به مرة، فلا يمسح به رأسه، كما لا يتوضأ به. ووجه قول ابن الماجشون: أنه وإن كان كماء توضئ به مرة، ما لم يصر مضافاً لوسخ في اللحية فلا بأس بالمسح به عند عدم الماء، ولئلا
يبطل ما تقدم له من غسل، والله أعلم. قال ابن الماجشون: وإن أصاب رأسه الرش فلا يجزئه أن يمسح بذلك، ولينصب يديه ليصيبهما الرش، ثم يمسح بهما رأسه. قال سحنون في العتبية في المسافر لا يجد الماء فيصيبه المطر: يجوز أن ينصب يديه للمطر ويتوضأ، وكذلك إن كان جنباً فتطهر بذلك إن جاءه من ذلك ما يبل به جلده. م وإنما أمر بنصب اليد للماء ليصير ناقلا للماء في الوضوء والغسل، وهذا الصواب، ولو لم ينصب يديه، ولكن أخرج أعضاء الوضوء للمطر أو تعرى للغسل وكان مطراً وابلاً لأجزأه ذلك في الوضوء والغسل، كما لو توضأ أو اغتسل/ تحت ميزاب أو أمر غيره فصب عليه، فإنه يجزئه، والله أعلم. وبه التوفيق.
[باب-9] في مسح المرأة رأسها والطويل الشعر من الرجال ومسح الأذنين وتخليل اللحية ومسح الوضوء بالمنديل ومن ذبح أو قلم أظفاره أو حلق رأسه بعد الوضوء
[باب-9] في مسح المرأة رأسها والطويل الشعر من الرجال ومسح الأذنين وتخليل اللحية ومسح الوضوء بالمنديل ومن ذبح أو قلم أظفاره أو حلق رأسه بعد الوضوء [فصل-1 - : في مسح المرأة رأسها في الوضوء] روى ابن وهب أن عائشة وجويرية زوجتي النبي صلى الله عليه وسلم وصفية زوجة ابن/ عمر كن إذا توضأن يدخلن أيديهن تحت الوقاية فيمسحن بجميع رؤوسهن، وقاله ابن المسيب وابن شهاب وغيرهم. قال مالك رحمه الله: وتمسح المرأة على رأسها كله كالرجل، وتمسح على ما استرخى من شعرها نحو الدلالين وإن كان شعرها معقوصاً مسحت على
ضفرها، ولا تنقض شعرها، وكذلك الطويل الشعر من الرجال قد ضفره سميح عليه. قال مالك في العتبية: يمر بيديه إلى قفاه ثم يعيدهما من تحت شعره إلى مقدم رأسه. قال ابن حبيب: فإن كانت مسدلة الشعر أو الضفائر تمادت بيديها إلى أطرافه، ثم أدخلت يديها من تحته فترد يديها إلى مقدم رأسها وأطراف شعرها قابضة عليه، قال: وإن ضفرت شعرها بصوف أو شعر لم يجزئها أن تمسح عليه حتى تنزعه إذا لم يصل الماء إلى شعرها من أجله، وقد نهي/ أن تصل المرأة شعرها بشيء، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعنت الواصلة والمستوصلة"
ومن المدونة قال مالك: ولا تمسح على خمارها ولا على غيره، فإن فعلت أعادت الوضوء والصلاة أبداً. قال غيره: لأنها جاهلة، والجاهل كالعامد. قال مالك: وإذا كان في الرأس حناء فلا يجزئ المسح عليها حتى تنزعها فتمسح على الشعر، وقد تقدمت الحجة فيه. فصل-2 - : [مسح الأذنين في الوضوء] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: والأذنان من الرأس، ويستأنف لهما الماء وكذلك فعل ابن عمر. قال مالك: فإن تركهما ساهياً حتى صلى فلا إعادة عليه/ كالمضمضة وليعد مسحهما لما يستقبل.
قال مالك في المختصر: ويستحب له تجديد الماء لأذنيه. قال محمد بن مسلمة: إن شاء جدد لهما الماء وإن شاء مسحهما بماء مسح به رأسه، وقال ابن حبيب: من مسح أذنيه بالماء الذي مسح به رأسه فهو كمن لم يمسحهما. قال مالك: ولا يعيد الصلاة. قال: وصفة مسحهما أن يأخذ الماء بهما ويمسح بإصبعيه ظاهرهما وباطنهما، ويدخل إصبعيه في صماخيه، ولا يتبع غضونهما. فصل-3 - : [الاختلاف في مسح الأذنين]. قال أبو إسحاق: وقد اختلف في مسحهما، فقيل: هما سنة على حيالهما، ويجدد الماء لهما، وإن مسحهما بفضل مسح الرأس فكأنهما لم يمسحا. وقيل: إنهما من الرأس، ومسحهما كمسح الرأس، إلا أن تاركهما لا يعيد ليسارتهما، كناسي الشيء اليسير من رأسه، وهذا قول أكثر البغداديين. وقد اختلف فيما يجزئ من مسح الرأس، فقيل: لابد من مسحه كله، إلا ما لا يمكن الاحتفاظ منه، ثم ذكر قول ابن سلمة، وقول أبي الفرج، وقال: هذا بعيد على مذهب أصحابنا.
فصل-4 - : [تحريك اللحية في الوضوء] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: وتحرك اللحية في الوضوء من غير تخليل. ابن وهب: وقاله ابن عباس والقاسم بن محمد وربيعة وغيرهم. وقد تقدم كثير من معاني هذا الباب. م قال الأبهري في تحريك اللحية: هذا اختيار/ منه؛ لأن غسل ما تحتهما قد سقط الفرض عنه لغيبته عن المواجهة. قال أبو محمد عبد الوهاب: اختلف أصحابنا في الشعر المسترسل عن اللحية هل يلزم غسله وإمرار اليد عليه؟ فذهبت طائفة إلى وجوب ذلك؛ لقول مالك: إن اللحية من الوجه فيجب غسلها معه. وقال بعض أصحابنا: إنما الواجب غسل الشعر المقابل كما لو كان ظاهراً لوجب غسله دون المنسدل منه، وبه قال الأبهري.
قال غيره: ويجزئ هذا الاختلاف في شعر المرأة المنسدل، والطويل الشعر من الرجال، ومذهبه في المدونة أنه يمسح، وهو قوله: وتمسح على ما استرخى من شعرها نحو الدلالين، وكذلك الطويل الشعر من الرجال. م وما روي عن ابن سيرين أنه ليس من السنة غسل اللحية، قيل: معناه تخليلها، وقيل: معناه لا يستأنف لها ما يغسلها به، وإنما يمر عليها يده بالماء الذي غسل به وجهه، وهذا أبين. [فصل-5 - : في حكم التنشف بالمنديل بعد الوضوء] قال مالك: ولا بأس بالمسح بالمنديل بعد الوضوء. وروى ابن وهب "أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له خرقة ينشف بها بعد الوضوء".
وقال علي في المجموعة: قلت لمالك: أيفعل ذلك قبل غسل رجليه ثم يغسل رجليه/ بعد؟ قال: نعم، وإني لأفعله. قال سليمان بن سالم: وكان جابر بن عبد الله وابن المسيب يكرهان ذلك، ويقولان: "أن الوضوء نور". قال ابن حبيب: قيل لمالك: أن أناساً يقولون: إنه يذهب نور الوجه، فقال: لا بأس به، وما سمعنا بكراهية.
فصل-6 - : [في حكم من قلم أظفاره أو حلق رأسه أو ذبح بعد الوضوء] ومن المدونة قال مالك: ومن كان على وضوء فذبح لم ينتقض وضوءه، وإن قلم أظفاره أو حلق رأسه لم يعد مسحه. قال ابن أبي سلمة: هذا لمن لحن الفقه. قال سحنون: يريد من خطأ الفقه. وذكر أهل اللغة أن اللحن بإسكان الحاء هو الخطأ، واللحن بالفتح هو الصواب، فمن قرأها بالإسكان أراد أن من قال: لا ينتقض وضوءه خطأ، إذا رأى أن الشعر حائل، كالخفين، وليس مثله؛ لأن الشعر من أصل الخلقة فهو مفارق للخف، ومن قرأها بتحريك الحاء رأى أن قولنا هو الصواب. وقيل: إن ابن أبي سلمة يقول: إنه إذا حلق رأسه ينتقض
وضوءه؛ لأنه حائل، كالخف فعلى هذا يكون معنى قل ابن أبي سلمة هذا من لحن الفقه أن قولنا من خطأ الفقه.
[باب-10] في الوضوء من القيء والقلس والحجامة والعرق يقطع والقرحة تسيل
[باب-10] في الوضوء من القيء والقلس والحجامة والعرق يقطع والقرحة تسيل. [فصل -1 - : في الوضوء من القيء]. من المدونة قال مالك: القيء قيثان، فما خرج بمنزلة الطعام فهو طاهر، وما تغير عن حال الطعام فهو نجس، يغسل ما أصاب منه الثوب والجسد، ولا وضوء فيه، خلافاً لأبى حنيفة في إيجابه الوضوء من كثيره. قال غير واحد من البغداديين: والدليل لمالك قوله صلى الله عليه وسلم حين سئل أيجب الوضوء من القيء؟ فقال: لو كان واجباً لوجدته في كتاب الله تعال، ولأن كل خارج من البدن لا ينقض قليله الوضوء فكذلك كثيره، أصله الدموع والبصاق، وعكسه، البول والرجيع.
ومن المدونة روى ابن وهب أن علي بن أبي طالب والقاسم بن محمد وأبا الزناد، وغيرهم قالوا: لا وضوء من القيء، قال ربيعة وغيره: ولا من القلس، قال ابن المسيب وغيره: ولا فيما يخرج من الفم من الدم. قال ابن مزين: والقلس هو ماء، ورما كان مثل القيء، وربما كان طعاماً، فإن كان ماءًا، وأصابه ذلك في صلاته فليتماد فيها ولا شيء عليه، قال ابن القابسي: يعنى إذا كان ما يلقي من ذلك غير فاسد. قال ابن مزين: وإن كان طعامًا، وكان شيئًا يسيرًا تمادى، ولا شيء عليه؛ وإن كان كثيرًا قطع، وتمضمض وابتدأ الصلاة، ورواه ابن القاسم عن مالك. فصل -2 - : [في الوضوء من الحجامة والعرق]: ومن المدونة قال مالك - رحمه الله -: ويغسل المحتجم موضع المحاجم، ولا يجزئ مسحها، وقاله ابن عمر وابن عباس، وغيرهم، وقال يحيى بن سعيد:
- فى العرق يقطع - مثله. قال مالك: فإن مسحها وصلى أعاد في الوقت بعد أن يغسلها. يرد إن مسحها ساهيًا وقال أبو عمران: سواء مسحها ساهيًا أو عامدًا فإنما يعيد في الوقت؛ للاختلاف في جواز المسح عليها، وقد روى عن الحسن وغيره: أنه ليس عليه غسلها. وقال ابن حبيب: لا يعيد، وما روى عن ابن المسيب وغيره من قتل الدم في الأصابع أكثر من هذا. فوجه قول مالك: أنه دم كثير وجب غسله فلا يزيله إلا الماء، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ولا ينقض الوضوء دم الحجامة عند مالك، ولا ما
شاكله مما يخرج من البدن. قال ابن القصار: دليله ما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم فلم يزد على أن غسل أثر محاجمه وصلى، ولم يتوضأ. البخاري: وقال ابن عمر والحسن في من احتجم: ليس عليه إلا غسل محاجمه، وعصر ابن عمر بثرة فخرج منها دم فصلى ولم يتوضأ، وبصق ابن أبي أوفى دمًا فمضى في صلاته. ابن وهب: وقال ربيعة وابن شهاب - في الجرح يمصل - مثله، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى والجرح يثغب دمًا.
فصل -3 - : [في القرحة تسيل]: ومن المدونة قال مالك - رحمه الله -: وكل قرحة إن تركها صاحبها لم تسل، وإن نكأها سالت فإن هذا إذا نكأها فخرج منها دم أو غيره أو خرج ذلك من غير أن ينكأها، فأصاب ذلك ثوبه أو جسده غسله، وإن كان في الصلاة قطع، ولا يبنى إلا في الرعاف، إلا أن يخرج منها الشيء اليسير فليفتله ولا ينصرف، وإن كانت لا تكف تمصل من غير أن ينكأها فليصل، وليدارها بخرقة ما استطاع، ولا يقطع لذلك صلاته، وإن أصاب ثوبه فلا بأس أن يصلي به، إلا أن إلا أن يتفاحش فأحب إلىّ أن يغسله، ولا يصلي به.
[باب - 11] في من وطيء على نجاسة، وحكم النجاسة في البدن والثوب وغيره وبول الصبي والبول قائما
[باب - 11] في من وطيء على نجاسة، وحكم النجاسة في البدن والثوب وغيره وبول الصبي والبول قائمًا [فصل -1 - في من وطئ على نجاسة]: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدرع "يطهره ما بعده ". قال مالك - رحمه الله: ومعنى ذلك في القشب اليابس. وقيل: إن تأويل ذلك إذا سحبت ذيلها في أرض ندية نجسة، ثم تجره بعد ذلك على أرض طاهرة. قال مالك: ومن وطئ بخفيه أو نعليه على دم أو عذرة أو بول لم يصل به
حتى يغسله، وإن وطئ على أرواث الدواب الرطب وأبوالها دلكه وصلى به، قال ابن حبيب: إنما هذا في الخف خاصة؛ لأن النعل يخف نزعه. قال ابن القاسم: وكان مالك يقول: من وطئ بخفيه على أرواث الدواب الرطب فلا يصل به حتى يغسله، ثم قال: أرجو أن يكون ذلك واسعًا، وما كان الناس يتحفظون هذا التحفظ. قيل: إنما فرق في أجد قوليه بين العذرة وزبل الدواب؛ لأن الطرق لا تخلو من زيل الدواب، بخلاف العذرة، فخفف لهذه الضرورة، وأيضًا فإن الدم والعذرة متفق على نجاستهما، وزبل الدواب مختلف في نجاسته. ابن وهب وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذ جاء أحدكم المسجد ليلاً، فليدلك نعليه، وإن كان نهاراً فلينظر إلى أسفلهما ".
وقال عطاء: كان الصحابة رضي الله عنهم يمشون حفاة فما مشوا عليه من قشب رطب غسلوه، وإن مشوا على يابس لم يغسلوه. ومن العتبية: وسئل مالك عن الذي يتوضأ ثم يطأ على الموضع القذر الجاف، فقال: فلا بأس بذلك، وقد وسع الله سبحانه على هذه الأمة. قال أبو بكر بن اللباد: وذلك إذ مشى بعد ذلك على الأرض طاهرة؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن الأرض يطهر بعضها بعضًا "، يريد وقت جفت رجلاه.
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بطين المطر، وماء المطر المستنقع في السكك والطرق يصيب الثوب أو الجسد أو الخف أو النعل وإن كان فيه العذرة، وسائر النجاسات، ومازالت الطرق وهذا فيها، وكانوا يخوضون طين المطر ويدخلون ويصلون، ولا يغسلونه، قال أبو محمد: يريد ما لم يكن غالبًا أو عينًا قائمة. وروى وكيع أن كميل من زياد قال: رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخوض طين المطر، ثم دخل المسجد فصلى، ولم يغسل رجليه. فصل -2 - : [في الدم يصيب الثوب]: قال مالك: ومن رأى في صلاته دمًا يسيرًا في ثوبه: دم حيض أو غيره تمادي، ولم يقطع صلاته ولم ينزعه، ولو نزعه لم أر به بأسًا، وحكي عن ابن القابسي أنه ينزعه رأسًا، وإن كان قميصًا. يريد إذا كان عليه ما يستره، وإلا لزمه تمام الصلاة به.
البخاري: وكان ابن عمر إذا رأى في ثوبه دمًا، وهو يصلي وضعه، ومضى في صلاته. قال مالك: وإن كان كثيرًا قطع ونزعه، وابتدأ الفريضة بإقامة، وإن كان أمامًا استخلف، وإن رآه بعد فراغه من الفريضة، أعادها في الوقت. قال ابن القاسم في المدونة: وإن كانت نافلة فرأى ذلك بعد ركعة قطع، ولا قضاء عليه للنافلة إلا أن يشاء. قال ابن وهب: قال ابن شهاب: "بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد في فى ثوبه دمًا في الصلاة فانصرف ". قال ابن حبيب: ولو رأى الدم اليسير في ثوبه قبل أن يدخل في الصلاةـ، فلا يصل به حتى يغسله، وإنما الرخصة فيه إذا رآه وهو في الصلاة، أو بعد فراغها، قال أبو محمد: وبعض أصحابنا رأى أن قدر الدرهم فأقل منه، لا يعيد منه الصلاة.
وذكر ابن عبد الحكم إن قدر الدرهم كقدر فم المخرج، فلا تعاد منه الصلاة؛ لاستجازة الصلاة بالاستجمار. وأنكر مالك في العتبية قدر الدرهم، وقال: لا أجيبكم إلى هذا الضلال الدراهم تختلف، وبعضها أكبر من بعض، وذكر ابن حبيب عن مالك أن قدر الخنصر قليل، وقدر الدرهم كثير. قال غيره: وذهب بعض الناس إلى أن قدر الدرهم فأقل منه معفو عنه من سائر النجاسات قياسًا على فم المخرج، والدليل على فساد ذلك أن الاستجمار إنما أبيح للضرورة التي تلحق فيه، وأنه ملازم لهم في كل الأوقات، وقد يعدم الماء في ذلك، والنجاسة فليست ملازمة لهم، ولا ضرورة تؤديهم إلى الصلاة بها، ومن الدليل لقولنا: ما روى "أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعله في الصلاة، وقال: "أخبرنى جبريل أن فيها قذراً "، ولم يبين قدر الدرهم أو أكثر. والفرق بين قليل الدم وكثيره أن كل ما حرم أكله لم تجز الصلاة به،
وإنما حرم الله تعالى الدم المسفوح؛ لقوله تعالى: (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) فدل أن ما لم يكن مسفوحاً حلال طاهر، وذلك للضرورة التي تلحق الناس في ذلك، إذ لا يخلو اللحم وإن غسل من أن يبقى فيه دم يسير، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: لو حرم قليل الدم لتتبع الناس ما في العروق، ولقد كنا نطبخ اللحم والبُرْمَة تعلوها الصفرة، ولذلك فرق أيضًا بين قليل الدم وبين قليل سائر النجاسات؛ لأن قليل سائر النجاسات حرام أكلها وشربها، وأيضًا فإن الإنسان لا يخلو في غالب الأحوال من بثرة أو حكة أو دم برغوث فخفف لهذا، ونحو هذا لأصحابنا البغداديين. والله أعلم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: والقيح والصديد عند مالك بمنزلة الدم، والدم عند مالك كله سواء، دم حيض أو سمك، أو ذباب أو غيره، يغسل قليله وكثره. ابن وهب: وأن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله أرأيت إن لم يخرج أثره؟ قال: " يكفيك الماء، ولا يضرك أثره ". قال ربيعة ومالك: ولا يغسل من دم البراغيث إلا ما تفاحش أو كثر. قال أبو محمد: وقد روى ابن وهب عن مالك: أن من صلى بدم الحيضة أو دم الميتة أو العذرة أو البول أو المني فإنه يعيد الصلاة أبداً. لعله يريد فى العمد، وإن كان يسيراً، بخلاف الدم. قال سحنون: وروى ابن نافع وابن أشرس، وعلي بن زياد عن مالك أن
دم الحيض، كالبول تعاد الصلاة من يسيره في الوقت. ومن العتبية قال مالك": في السيف يقاتل به الرجل في سبيل الله فيكون فيه الدم فليس عليه غسله، قال فى المختصر: ويصلي به. قال عنه ابن القاسم: مسحه أو لم يمسحه، قال عيسى: يريد في الجهاد والصيد لعيشه. فصل -3 - [في حكم الخارج من الإنسان والحيوان والطيور]: ومن المدونة قال ابن القاسم: والبول والرجيع والمني وخرو الطير التي تأكل الجيف، والدجاج التي تصل إلى النتن وزبل الدواب، وأبوالها قليلة وكثيرة سواء يغسل وإن ذكر في الصلاة أنه في ثوبه أو رآه قطع، كان وحده أو مأمومًا، ونزعه، وابتدأ الصلاة بإقامة، وإن كان إماماً فليستخلف، ومن صلى بذلك، ولم يعلم أعاد في الوقت، فإن ذهب الوقت لم يعد، قال:
قيل له: فإن رآه بل أن يدخل في الصلاة - زاد في المبسوط فنسي حتى دخل - قال: هو مثل هذا مله يفعل فيه كما يفعل فيما فسرت لك في هذا. وقال ابن القصار: إذا رأى النجاسة في الصلاة وعليه ما يستره غير ذلك الثوب فإنه ينزعه عنه، ويمضى على صلاته، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في النعل الذي خلعه، وهو في الصلاة لما أخبر أن فيه نجاسة. وهذا خلاف لمالك وأصحابه، وقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم انصرف من الصلاة لدم وجده في ثوبه، ويحتمل أن يكون الفرق بين الثوب والنعل أن الثوب لابس له فهو حامل لتلك النجاسة، والنعل هو واقف عليه والنجاسة في أسفله فهو كما لو بسط على النجاسة جلدًا أو ثوبًا كثيفًا، فإذا علم بتلك النجاسة أزال رجله منه غير محرك له، فسلم من حمل النجاسة وتحريكها، والله أعلم. فصل -4 - : [في حكم أبوال الإبل]: ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بأبوال ما يؤكل لحمه مما لا يأكل
الجيف وأرواثها إن أصاب الثوب خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما أنها نجسة. قال أبو جعفر الأبهري: والدليل لمالك ما رواه البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما أكل لحمه فلا بأس ببوله "، وروى ابن الزبير أنه قال: "ما أكل لحمه فلا بأس بسلحه "، وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم للعرنيين شرب أبوال الإبل، فدل ذلك على طهارتها، وهو في البخاري.
م وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أكل لحمه فلا بأس ببوله وبسلحه "، دليل أن ما لا يؤكل لحمه بوله وسلحه تجس، وأن الأبوال مقيسة على اللحوم. ومن المدونة وقال مالك: إن أهل العلم لا يرون على من أصابه شيء من أبوال الإبل والبقر والغنم شيئًا، وإن أصاب ثوبه لم يغسله ويرون على من أصابه شيء من أبوال الدواب الخيل والبغال والحمير أن يغسله. والذى فرق بين ذلك أن تلك تشرب ألبانها وتؤكل لحومها، والخيل والبغال والحمير لا تُشرب ألبانها ولا تؤُكل لحومها. وقال ربيعة في من صلى وفي ثوبه أو جسده شيء من بول أو رجيع قال: إن كان مما يكون من الناس فيلعد صلاته في الوقت، فإن فاته الوقت
لم يعد وأن ابن عمر أمر من صلى وفي ثوبه احتلام أن يعيد بعد الوقت. قال سحنون: وإنما الحديث بهذا حجة على من زعم أنه لا يعيد في الوقت. انظر قول ربيعة إن كان مما يكون من الناس فليعد في الوقت يدل قوله إن كان مما يكون من الدواب وغيرها لم يعد، والله أعلم. ومن العتبية قال مالك: وما أصابه من بول الفرس في أرض العدو فأرجو أن يكون خفيفًا إن لم يجد من يمسكه له، وأما في بلد الإسلام فليتقه جهده، ودين الله يسر.
فصل -5 - : [في حكم المني يقع في الثوب]: ومن المدونة قال مالك رضي الله عنه: ولا يجزئ فرك المني من الثوب حتى يغسل بالماء؛ لأنه نجس خلافًا للشافعي. دليلنا: أنه مائع خارج من السبيل فأشبه البول؛ ولأنه مائع يوجب البلوغ كدم الحيض، ولو كان طاهرًا في الأصل لوجب أن بنجس بجريه في مجرى البول النجس، وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان في سفر فأجنب فحضر صلاة الصبح ومعه جماعة من الصحابة فانتظر غسل ثوبه حتى كاد أن تطلع الشمس، فقال عمرو بن العاص: قد أصبحنا ومعنا ثياب فلو لبست منها وصليت إلى أن يغسل ثوبك؟ فقال: لو فعلت ذلك لكانت سنة. فهذا يدل على نجاسة المني؛ إذ لو كان طاهراً لصلى به، ولكان من معه من الصحابة يقولون: إنه طاهر، وهذا يجرى الإجماع الذي هو أولى من خبر
الواحد، وروي عن عائشة أنها قالت كنت أغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرج إلى الصلاة وأن بقع الماء في ثوبه، وذكره البخاري من طرق. فإن قيل: فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يخرج إلى الصلاة قيل: وقد روي أن بالماء فركته عائشة.
[فصل-6: فيما تزول به النجاسة من البدن والثوب] قال مالك رحمه الله: فلا يزيل النجاسة من الثوب والبدن إلا الماء، وقد روى يحيى بن سعيد وغيره عن أنس أن أعرابيا بال في المسجد فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصب على بوله ذنوباً أو ذنوبين من ماء فزال حكم النجاسة لغلبه الماء، وكره مالك لمن في ثوبه قطرة من دم أن ينزعه بفيه ويمجه، قال: ولكن يغسله بالماء. فصل-7:] في حكم النجاسة تقع في الثوب [ ومن المدونة قال مالك: ومن أيقن أن نجاسة أصابت ثوبه، ولا يدري موضعها غسله كله، وقاله ابن عمر وأبو هريرة. قال مالك: وإن علم تلك الناحية غسلها وإن شك هل أصابه شيء أم لا؟ نضحه بالماء، والنضح من أمر الناس، وهو طهور لكل ما شك فيه
وقد نضح النبي - صلى الله عليه وسلم - الحصير الذي أسود من طول ما لبس، وغسل عمر رضي الله عنه ما رأى من الاحتلام في ثوبه ونضح ما لم ير. قال ابن حبيب: وإن صلى به ولم ينضحه أعاد الصلاة أبداً، في العمد والجهل، وأما في السهو ففي الوقت. قال الشيخ أبو محمد: ورأيت لبعض أصحابنا في من ذكر لمعة من الوضوء من إحدى يديه لا يدري من أي يد، إلا أنه يعلم موضعها من إحدى اليدين أنه إن كان بحضرة الماء غسل ذلك الموضع من يده اليمنى، ثم غسل يده اليسرى، وأتم بقية وضوئه، وإن طال غسل ذلك الموضع من اليدين جميعاً. فصل-8:] حكم بول الآدمي يصيب الثوب أو البدن [ ومن المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم: فما تطاير علي من البول
مثل رؤوس الإبر؟ قال: لا أحفظ هذا بعينه عن مالك، ولكن قال مالك: يغسل قليل البول وكثيره. قال مالك: وبول الغلام والجارية سواء يغسل، وإن لم يأكلا الطعام، وأما الأم فأحب إلى أن يكون لها ثوب للصلاة غير الذي ترضع فيه، فإن لم تقدر صلت فيه، وتدرأ البول جهدها، وتغسل ما أصابها من البول جهدها. قال ابن شعبان: وروي عن مالك أنه قال: لا يغسل الثوب من بولهما حتى يأكلا الطعام. وفرق ابن حبيب بين بول الصبي والصبية، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يغسل بول الصبية، ويرش بول الغلام"
ولما روي أن الرجل خلق من تراب فإذا مسه الماء طابت رائحته، والمرأة خلقت من ضلع فإذا مسه زاد نتناً. قال أبو الحسن بن القابسي: وليس بمثل هذه الحجة تقوم التفرقة في الأحكام، ومالك أعلم بهذا من غيره. قال غير واحد من البغداديين: والصحيح من ذلك ما قاله مالك دليله أنه لما اتفق على نجاسة تفل الصبي/ والصبية، فكذلك بولهما، ولا فرق بين صغير ولا كبير ذكراً أو أنثى في الأتفال، فكذلك في الأبوال. فإن قيل: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يغسل بول الصبية ويرش بول الصبي" فقد فرق بينهما.
وقد روى البخاري أن أم قيس أتت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بابن لها صغير لم يأكل الطعام فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله. قيل: فقد قال مالك: هذا ليس بمتواطئ عليه، يعني على العمل به، فلا ينبغي أن يعدل عن الأصل بمثل هذا، ويحمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرش وفي النضح، النضح الذي هو كالغسل. فصل-9:] في حكم البول قائماً [ ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بالبول قائما في رمل أو نحوه مما
لا يتطاير فيه، وأكرهه بموضع يتطاير فيه، وليبل جالساً، وبال النبي - صلى الله عليه وسلم - قائماً ومسح على خفيه، وهو في البخاري. وقال ابن نافع في المجموعة: وبال ابن عمر قائما من كبر، وبال ابن المسيب قائماً. يريد والبول جالساً أحسن، وأستر. ] فصل-10: حكم البول في المياه والحفرة والمغتسل [ ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبال في الماء الدائم ثم يتوضأ منه أو يشرب. قال ابن حبيب: ولا بأس بالبول في الماء الجاري، ويكره في الراكد، وإن
كثر، ويكره أن يبال في المهواة، وليبل دونها، ويجري إليها، وذلك من ناحية الجن ومساكنها، ولا بأس أن يبول في موضع غسله إن اتبعه ماء، وكان منحدراً، ولا يبول في حجر، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك، وقال: إنها مساكن الجن. وقيل: إن موت سعد بن عبادة كان من أجل أنه بال عليها في أجحارها.
[باب-12 -] في المسح على الجبائر ووضوء الأقطع
[باب-12 -] في المسح على الجبائر ووضوء الأقطع ] فصل-1: حكم المسح على الجبيرة ونحوها [ روى "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر علياً بالمسح على الجبائر" ولما كان المسح على الخفين جائزاً، للضرورة في نزعهما كان المسح على الجبائر أجوز، للضرورة في ذلك، ولما كان المسح على الخفين أيضاً إنما هو مرة واحدة، لأن أصله التخفيف انبغى أن يكون المسح على الجبائر مثله. قال مالك رحمه الله: يمسح على الجبائر. ابن وهب: وقاله الحسن البصري وإبراهيم النخعي وغيرهم. وقال مالك: يمسح على القرطاس أو الشيء يجعل على الصدغ. وقال عنه ابن القاسم: ويمسح على الظفر يكسى دواء أو مرارة. قال ابن القصار: وسواء كان محدثاً أو على طهارة، ولا يعيد إذا
صلى بذلك. دليله ما روى أن علياً رضي الله عنه قال: "انكسرت إحدى زندي فشددتها وسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء فقال: "امسح عليها" ولم يفرق بين شدها على طهر أو حدث، ولا سأله عن ذلك، فلو كان الحكم يختلف عنده لسأله عنه ثم بين له الحكم فيه، فلما أطلق له المسح مع جواز أن يكون شدها وهو محدث علم أن الحكم لا يختلف، وأيضاً فإن ضرورته أشد من ضرورة لابس الخف، لأنه يمسح على الخف مع القدرة على نزعه وغسل رجليه، وهذا لا يقدر على غسل ما تحت العصائب، فهو يمسح عليها مضطراً غير مختار. وأيضاً فإن ابتداء نزول ذلك به إنما هو من أمر الله سبحانه وتعالى، لا اختيار له فيه، فهو لا يستطيع التحرز منه أن لا ينزل ذلك به إلا على طهارة، كما يستطيع أن لا يلبس الخف إلا على طهارة، فافترقا. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن لم يمسح على الجبائر حتى صلى أعاد
الصلاة أبداً وهو كتارك بعض الوضوء والغسل يعيد أبداً في العمد والسهو. قال بعض أصحابنا: ومن لم يستطع مسح العضو، ولا غسله، ولا قدر أن يربط عليه شيئاً يمسح عليه لعلة به، فينبغي لهذا أن ينتقل إلى التيمم، ولا يغسل ما عدا ذلك العضو، لأنه إن فعل وصلى كان قد صلى بطهارة غير تامة. وقيل عن بعض شيوخنا: أنه يجمع مع غسل ماعدا ذلك التيمم، قال: وهذا استحسان، والقياس ما تقدم. قال: ولو كانت الشجة في موضع يكون فيه التيمم، ولا يقدر على غسل ذلك العضو، ولا على المسح عليه، كما ذكرنا فهذا يغسل السالم من جسده، ويصلي إذ ذلك أكثر المقدور عليه من جسده. ومن المدونة قال مالك: وإذا أصاب الجنب كسر أو شجة فكان ينكب
عنها الماء موضع الجبائر فإذا صح غسل ذلك الموضع فقط. قال ابن القاسم: فإن لم يغسله حتى صلى صلوات كثيرة توضأ لها، فإن كان من غير أعضاء الوضوء، كالظهر والصدر، وقد كان مسح عليه من فوق الجبائر في غسل جنابته غسل الموضع فقط، وأعاد ما صلى من يوم برئ وطهر، إلا أن يكون تطهر لجنابة بعد برئه، فإنما يعيد/ ما صلى من بعد برئه إلى حين طهره الثاني. قال ابن حبيب: وهذا إذا كان إنما من ترك غسله ناسياً، وأما تهاوناً أو عامداً فإنه يبتدئ بالغسل ويعيد الصلاة. قال ابن القاسم: وكذلك إن كان في أعضاء فتوضأ بعد برئه، فإنما يعيد ما صلى من بعد برئه إلى حين وضوئه. م ... يريد فيجزئ غسل الوضوء فيه عن غسل الجنابة؛ لأن الفعل فيهما
واحد، وهما فرضان فأجزأ أحدهما عن الآخر، كمن تطهرت للحيضة ناسية للجنابة فإنه يجزئها؛ لأنه فرض ناب عن فرض، وهذا بخلاف من تيمم للوضوء ناسياً للجنابة أنه لا يجزئه؛ لأن التيمم للوضوء ناب عن غسل أعضاء الوضوء/، والتيمم للجنابة ناب عن غسل جميع الجسد، فلا يجزئ ما ناب عن غسل بعض البدن عما يجزئ عن جميعه والغسل في الجرح لم ينب عن غيره، والحكم فيه في الوضوء والغسل غسل تلك اللمعة فأجزأ أحدهما عن الآخر، وبالله التوفيق. ومن العتبية قال ابن القاسم في من توضأ، أو تيمم ومسح على الجبائر، وهي في موضع الوضوء، أو التيمم، ثم دخل في الصلاة فسقطت الجبيرة قال: يقطع ما هو فيه ويعيد الجبائر، ثم يمسح عليها ويعيد الصلاة. [فصل- 2 - : في وضوء الأقطع] ومن المدونة قال مالك: ويغسل أقطع الرجلين في الوضوء موضع القطع وبقية الكعبين. قال ابن القاسم: لأن القطع تحتهما، وقد قال الله تعالى: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ).
قال مالك: والكعبان اللذان إليهما حد الوضوء هما اللذان في الساقين. قال ابن القاسم: ولا يغسل ذلك أقطع المرفقين؛ لأن المرفقين في الذراعين، وقد أتى عليهما القطع، إلا أن تعرف العرب والناس أنه قد بقي شئ منهما في العضدين فليغسل موضع القطع وبقيتهما، والتيمم مثله. م وهذا من قول ابن القاسم: يدل أن مذهبه إدخال المرفقين والكعبين في الغسل، وقد تقدم/ إيعاب الحجة فيه.
[باب-13 -] في الماء وغيره تحل فيه النجاسة وفيما ينتفع به من ذلك
[باب-13 -] في الماء وغيره تحل فيه النجاسة وفيما ينتفع به من ذلك [فصل 1 - : الأصل في الماء الطهارة. وأدلة ذلك] قال الله تعالى: (مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) وقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا)، فجهل الله (4) تعالى الماء طاهراً مطهراً للأنجاس وقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شئ، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه)). فدل على أنه يجوز الوضوء بالماء وإن خالطه نجس، إلا أن يتغير أحد أوصافه التي ذكرنا. ويدل على ذلك أيضاً، جواز التوضؤ بماء البحر والغدر، ومعلوم أنها لا تخلو من نجاسة تقع فيها، فإذا لم يتغير أحد أوصاف الماء جاز الوضوء به لما ذكرنا، وقاله ربيعة وابن شهاب، ورواه أبو المصعب عن مالك. قال غير واحد من البغدادين: وهذا هو الأصل عند مالك وما وقع له على
غير هذا فمحمول على الاستحباب والكراهة. قالوا: وأما المائع تقع فيه النجاسة أو يموت فيه ما له نفس سائلة؛ فإنها تنجسه غيرته أو لم تغيره. م ولمالك في العتبية خلاف. قال في الماء الكثير تقع القطرة من البول أو الخمر، إن ذلك لا ينجسه ولا يحرمه على من أراد شربه أو الوضوء به، وكذلك الطعام والودك، إلا أن يكون يسيراً.
قال سحنون: يعني الماء والطعام والودك يسيراً فقد يساوي في هذه الرواية بين الماء والمائع. م فوجه المساواة قياساً على الماء. ووجه التفرقة، قوله صلى الله عليه وسلم قال: ((خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه وطعمه أو ريحه))، فدل أن ما عداه بخلافه، وقد أمر الرسول عليه السلام بطرح المائع من السمن تقع فيه الفأرة. [فصل-2: في أقسام المياه] والماء على أربعة أقسام: ماء طاهر مطلق، فهو المطهر، وماء طاهر مضاف فهو غير مطهر كماء الورد ونحوه، وماء نجس، وماء مشكوك فيه، وهو ما حلت فيه نجاسة لم تغيره/ وإنما سمي مشكوكاً فيه لاختلاف
العلماء في نجاسته. قال أبو بكر الأبهري: وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث))، يعني يدفع النجاسة عن نفسه، فهو خبر ليس بصحيح عند أكثر أهل النقل، لا سيما عند علماء أهل المدينة، رواه ابن جريج عن محمد عن يحيى
ابن عقيل عن يحيي بن النعمان عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومحمد مجهول، وكذلك يحيي بن عقيل، ورواه الوليد بن كثير، وهو كثير الغلط، ورواه محمد بن إسحاق، وهو ضعيف الحديث. تكلم فيه مالك، وهشام بن
عروة، ويحيى القطان وغيرهم. ويحتمل إن صح الحديث أن يكون جواباً لسؤال سائل سأله عن قلتين وقع فيهما نجس هل ينجسهما؟ فقال: لا، لا أنه أراد به تحديداً. م ووافقنا الشافعي في القلتين فأكثر أنه لا ينجس إلا أن يتغير، وخالفنا فيما دون ذلك. وقدر القلتين عنده خمس مئة رطل بالعراقي على التقريب. وقال/ أبو حنيفة: كل ماء حلته النجاسة نجس، إلا أن يكون فيه من الكثرة
ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر. [فصل-3 - : حكم الدابة تموت في الماء الكثير]. ومن المدونة قال مالك. وإذا ماتت شاة أو دابة في جباب أنطابلس ومواجل أرض برقة التي يكون فيها ماء السماء فلا يشرب منهما ولا يتوضأ، ولا بأس أن تسقى للماشي والدواب قال سحنون في العتبية: ثم يكون بولها نجساً.
قال ابن حبيب والأبياني: وكذلك أعراقها. م والصواب: أن لا يكون العرق نجسًا؛ لأنه ليس هو عين ذلك الماء النجس؛ لأن الماء النجس في داخل المصارين لا يصل إلى باطن الجسم، فهو أحرى أن لا يصل إلى ظاهره، ولو كان هذا الماء ينجس الأعراق وينفذ إلى صحون الجسم، لأنجسه ما في داخل المصارين والمعدة من العذرة، وما في داخل العروق من الدم، ولو أنجس ذلك الماء الأعراق لأنجس اللحم واللبن والاتفاق أن لحم ما يأكل الجيف والقذر طاهر، فكذلك أعرافها وألبانها. والله أعلم وبالله التوفيق. وقد قال يحيى/ بن عمر وغيره: أما ما انقلبت عينه مثل أبانها وقد تغذت بنجاسة أو تغذت به النحل فلا بأس باللبن والعسل، وهما طاهران، وكذلك قمح نجس زرع فنبت، وكذلك الماء النجس تسقى به شجر أو بقل، فالثمرة والبقل طاهران.
[فصل-4 - : الفأرة تموت في سائل] ومن المدونة قال مالك: وما ماتت فيه فأرة من عسل أو سمن ذائب، فإنه لا يباع ولا يؤكل، ولا بأس أن يعلف النحل العسل. ولو كان العسل والسمن جامدين طرحت الفأرة وما حولها، وأكل ما بقي كما جاء الأثر، وفي البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة سقطت في سمن، فقال: ‹‹ألقوها وما حولها، وكلوا سمنكم››. قال سحنون: إلا أن يطول مقامها في السمن. م يريد أو العسل مما يعلم أنه قد يذوب في خلال ذلك فليطرح ذلك كله، والسمن أسرع انحلالا من العسل. قال: ولو ماتت في زيت طرح، ولا بأس أن يستصبح به إن تحفظ منه، إلا في المساجد. وروى يحيى بن عمر عن ابن عبد الحكم أنه قال: لا ينتفع به بحال، ولا يحل، ولو جاز ذلك لجاز أن ينتفع بشحم الميتة. م ووجه الانتفاع به قياسًا على الانتفاع بجلد الميتة. م واختلف في بيعه فقال مالك: لا يبيعه من مسلم ولا من نصراني، وقال أصحاب مالك، إلا وهب، قال: لا بأس ببيعه إذا بين.
وقال غيره: لا باس ببيعه من غير مسلم. وقال ابن حبيب: كما لم يختلفوا في تحريم أكله كذلك ينبغي أن يكون ثمنه، ولو وقع بيعه لرد، ولو فات الزيت لزمه رد ثمنه بكل حال، وقاله غير واحد من أصحاب مالك. واحتج لذلك غير واحد من البغداديين، فقالوا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ‹‹لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها، فباعوها وأكلوا أثمانها، فإن الله تعالى إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه››. وهو بخلاف الثوب النجس يباع هذا يجوز؛ لأنه يستطاع زواله بالغسل، ولا يستطاع ذلك في الزيت ولو كان/ ذلك لم يذهب، ذلك على ما تقدم، وقد ورد في الحديث الأمر بإراقته. م وروي عن مالك إجازة غسل الزيت من النجاسة. قال أبو محمد: وذلك كان يفتي ابن اللباد. واحتج بما روي ابن القاسم في بان طبخ فوجد فيه فأرة تفسخت أو
لم تنفسخ، وهي من ماء البئر الذي طبخ منه، قال: فليتم طبخه، ويأخذ الدهن الأول فيطبخه بماء طاهر مرتين أو ثلاثاً إن كان كثيرًا، وأما اليسير فليس في طرحه كبير ضرر فليطرح. م وهذا وجه قول ابن وهب في إجازة بيعه، فهو كالثوب النجس بخلاف شحم الميتة؛ لأن شحم الميتة هو النجس في ذاته فلا يستطاع رفع نجاسته بحال، والزيت إذا حلت فيه النجاسة يستطاع رفعها فافترقا. [فصل-5 - : كيفية تطهير البئر المتنجسة بنحو فارة] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: وآبار المدينة إذا ماتت فيها فأرة أو وزغة استقى منها حتى تطيب. قال أحمد بن المعذل: شهدت عبد الملك استفتاء/ قوم بئر لهم وقعت فيها فارة فقال: انزعوا منها أربعين خمسين ستين سبعين دلوًا، ثم قال: إنما قلت لهم هذا ليعلموا أن اقل من هذا يجزيهم وأكثره أحب إلي، ولو قلت لهم: خمسين لكنت أبطلت تسعة وأربعين وهي مثلها، ومنعتهم من ستين وهي أبلغ.
قال ابن أبي زمنين: وهذا إذا كان الماء كثيرًا، وأما القليلة الماء فينزف كله إذا لم يكن فيه مشقة، وهو قول مالك. قيل: وأما الماجل فينزف كله ويغسل بعد ذلك؛ لأنه لا مادة له. قال أشهب عن مالك في العتبية: وما عجن بمائها أو طبخ من اللحم فلا يعجبني أن يؤكل، ولكن يطعمه البهائم. وقال ابن القاسم: أما ما طبخ به من اللحم فإنه يغسل ويؤكل. قال موسى بن معاوية: وروي عن ابن عباس انه قال: يطرح المرق ويغسل اللحم، وهذه مقولة لابن القاسم. وفي السليمانية: إذا طبخ اللحم من أول طبخه بماء نجس فلا يؤكل؛ لأن النجاسة قد داخلته، وإن وقعت النجاسة فيه بعد طبخه فليؤكل اللحم
بعد غسله/، وكذلك قال سحنون في الزيتون، يملح فتقع فيه النجاسة أنه لا يؤكل، إلا أن يكون وقوعها فيه بعد طيبه. وكذلك لو سلق البيض في الماء النجس لم يؤكل؛ لأن النجاسة تصل إلى داخله. قال ابن حبيب: إذا غلب على البئر ما وقع فيها من نجاسة فما عولح بمائها من عجين أو طعام فلا يجوز أن يطعم لدجاج أو لحمام، أو لكافر، وهو كالميتة. قال ابن الماجشون: فإن لم يتغير لون الماء أو كان ماء قد شربت فيه دجاج مخلاة فقد استخف مالك أن لا يغسل منه الثوب الرفيع الذي يفسده الغسل، وأن يصلي به كذلك، ويباع، ويستحب أن يغسل ما سواه من الثياب، ويغسل ما أصاب من الجسد، ويجتنب أكل ما عجن به أو طبخ، ولا بأس أن يطعم لكافر أو لداجن، ويعيد من صلى به في الوقت. ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بماء البئر ينتن من الحمأة ونحو ذلك. قال القاسم: وكذلك ما وجد في الفلاة من بئر أو غدير، ولا يدري لم ذلك فلا باس بالوضوء منه، وقاله مالك في الواضحة.
وقال علي عن مالك: ومن توضأ بماء وقعت فيه ميتة/ تغير لونه أو طعمه وصلى أعاد الصلاة أبدًا، وإن لم يتغير لونه ولا طعمه أعاد في الوقت. قال ابن القاسم في المستخرجة في الماء الكثير: مثل: الجرار تقع فيه القطرة من البول أو الخمر إن ذلك لا ينجسه، ولا يحرمه على من أراد شربه أو الوضوء منه، وإن كان مثل إناء الوضوء أفسده. ومن المدونة قال ابن وهب عن مالك في رجل أصابته السماء حتى استنقع الماء القليل: فلا بأس أن يتوضأ به، فإن جف تيمم بصعيده، وإن خاف أن يكون فيه زبل فلا باس به.
[باب-14] في عرق الجنب والحائض والدواب واغتسال الجنب في الماء الدائم وتدلكه
[باب-14] في عرق الجنب والحائض والدواب واغتسال الجنب في الماء الدائم وتدلكه [فصل-1 - : في عرق الجنب والحائض والدواب] ابن وهب: وكان الرسول صلى الله في الثوب الذي يجامع فيه إذا لم ير فيه أذى. وقال ابن عباس: لا باس بعرق الجنب والحائض في الثوب/. قال مالكك ما لم يكن في أبدانهما أذى فيكره حينئذ ذلك لهما، وكذلك الثوب النجس يكره للطاهر أن ينام فيه، خيفة أن يعرق فيه، إلا أن يكون في ليال لا يعرق فيها، فلا باس أن ينام فيه. قال: ولا بأس بعرق الدواب، وما يخر من أنوفها. ابن وهب: وأن أبا هريرة كان يركب فرسًا عريًا. [فصل-2 - : حكم اغتسال الجنب في الماء الدائم] قال ابن القاسم: وكره مالك أن يغتسل الجنب في الماء الدائم. قال: وقد جاء الحديث:‹‹لا يغتسل الجنب في الماء الدائم››.
وروي ابن وهب أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‹‹لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب››. قيل لأبي هريرة فكيف يصنع؟ قال: يتناوله تناولاً. قال ابن القاسم في العتبية: سئل مالك عن اغتسال الجنب في الماء الراكد، وقد غسل الأذى عنهن قال: نهي عن الاغتسال في الماء الراكد، وجاء به الحديث، ولم يأت في الحديث إذا غسل الأذى عنه جاز له الاغتسال في، ولقد راددت مالكًا فيه غير مرة/ ورددته عليه كل ذلك يقول لي: لا يغتسل فيه وليحتل. قال ابن القاسم: وأنا لا أرى به بأسًا إن كان قد غسل ما به من الأذى، وإن كان المال كثيرًا يحمل ما وقع فيه، فلا أرى به بأسًا أيضًا، غسل ما به من الأذى أو لم يغسله.
قال ابن القاسم في المدونة: فإن اغتسل الجنب في مثل حياض الدواب أفسدها، إلا أن يكون قد غسل قبل دخوله فيها فرجه وموضع الأذى منه، فلا باس به؛ لأن الحائض والجنب يدخلان أيديهما في الإناء فلا يفسد ذلك الماء، فجميع الجسد بمنزلة اليد. قال مالك: وإن اغتسل الجنب في قصرية فلا خير فيه، وإن كان غير جنب فلا بأس به. م وهذا على أصله لا يغتسل الجنب في الماء الدائم. وإن أتى الجنب بئرًا قليلة الماء وبيده قدر وليس معه ما يغرف به، قال مالك: فليحتال حتى يغسل يده ويغرف، فيغتسل وكره أن يقول: يغتسل فيها. قال: وقد نهى الجنب أن يغتسل في الماء الدائم. قال ابن القاسم: ف'ن اغتسل فيها أجزاء/ ولم ينجسها إذا كان ماؤها معينًا.
قال علي عن مالك: إنما كره له الاغتسال فيها إذا وجد منها بدًا وذلك جائز للمضطر إليه إذا كان الماء كثيرًا يحمل ذلك، ورواه ابن وهب أيضًا. قال ابن القاسم في العتبية في من يرد الحياض وفيها الماء وليس عليه إلا ثوب نجس وبيده قدر أرى أن يحتال حتى يأخذ من الماء ما يغسل بد يده، إما بفيه أو بثوب، فإن لم يقدر على حيلة فلا أدري ما أقول فيها، إلا أن يكون الماء معينًا، فلا بأس أن يغتسل فيه. [فصل-3 - : الجنب ينغمس في النهر ولا يتدلك] ومن المدونة قال مالك: وإذا انغمس الجنب في نهر ينوي بذلك الغسل من الجنابة لم يجزئه إلا أن يتدلك، وكذلك الوضوء، وإن أمر بيديه على بعض جسده لم يجزئه ذلك من غسله حتى يمرها على جميع جسده ويتدلك. قال ابن القصار: والتدلك في غسل الجنابة واجب عند مالك. وقال أبو الفرج المالكي وغيره: أنه مستحب، وبالأول أقول: لقوه عليه السلام لعائشة رضي الله عنها: ‹‹وادلكي جسدك بيدك››. والأمر على
الوجوب؛ ولأن عليه إيصال المال إلى جسده على وجه يسمى غسلاً، وقد فرق أهل اللغة بين الغسل، وبين الانغماس. م واختلف أبو محمد وابن القابسي في من انغمس في البحر تحت الماء، ثم خرج فتدلك بالفور، فقال ابن القابسي: لا يجزئه؛ لأن الماء ذهب من أعضائه؛ وإنما بقى بلله، وقال أبو محمد: يجزئه إذا تلك بفور ذلك؛ لأن الماء في الصب لا يثبت على الجسد، وإنما يراد في الغسل بلل الجسد وعموه مع التدليك وهذا قد فعل ذلك. م وهو الصواب. قال سحنون في العتبية: في البادن لا يقدر أن يعم بدنه بيديه فليجعل من يلي ذلك له، أو يعالج ذلك بخرقة. قال ابن حبيب فإن لم يقدر أن يعم جسده بيديه فلا شيء عليه لقول الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).
[باب-15 - : في صفة الغسل وما يوجبه أو يجب فيه]
[باب-15 - : في صفة الغسل وما يوجبه أو يجب فيه] [فصل-1 - : الغسل: حكمه، وسننه وواجباته] قال الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا)، فالغسل من الجنابة فريضة. وهو مشتمل على مفروض ومسنون وفضيلة. فمروضاته خمس: النية، وطهارة الماء، وتعميم جميع الجسد، وإمرار اليد على البدن كله، وهذا من شرط كونه غسلا، والفور. ومسنوناته أربع: المضمضة، والاستنشاق، ومسح داخل الأذنين، وفي تخليل اللحية روايتان: إحداهما: انه واجب، والأخرى أنه سنة. وفضيلته أن يبدأ بما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم. [فصل-2 - : في صفة الغسل] وروي مالك وغيره، وهو في الموطأ والبخاري ‹‹إن النبي صلى الله عليه وسلم كان
إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يغمس يديه في المال فيخلل بأصابعه أصول/ شعر رأسه، ثم يفيض الماء على رأسه، ثلاث غرفات من ماء بيده، ويخلل أصول سعر الرأس بهما، ثم يفيض الماء بيديه على جلده. وروي البخاري عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من أذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحى رجليه فغسلهما. هذه صفة غسله من الجنابة. وقالت في حديث آخر: وضعت للنبي ماء للغسل فغسل يده مرتين أو ثلاثا، ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم تمضمض واستنشق، وغسل وجهه، ويديه، ثم غسل رأسه ثلاثا، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى عن مقامه فغسل قدميه.
قال في حديث آخر: ‹‹ثم أتى بمنديل فلم ينفض بها››. قال البخاري: يعني لم يمسح بها. ففي هذا دليل أنه غسل جسده غير أعضاء الوضوء المقدم غسلها، كذلك استدل به البخاري. [فصل-3 - : في موجبات الغسل] قال بعض علمائنا: ويجب الغسل من خمسة أوجه: من إنزال الماء الدافق للذة، من جماع أو احتلام أو غيره، ومن التقاء الختانين أنزلا أم لا، ومن الحيض والنفاس، وبإسلام الكافر. [فصل-4 - : أنواع الغسل المسنون] والغسل المسنون خمسة أغسال: غسل الجمعة، وغسل العيدين، وغسل
الإحرام، وغسل دخول مكة، وغسل وقوف عرفة. وقد قمنا دليلنا في إيجاب النية، والماء الطاهر، والفور، والتدلك. [فصل-5 - : في من يجب عليه الغسل] ووجب الغسل على الجنب؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا). وعلى الحائض بقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) إلى قوله: (حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ)، ولا خلاف في ذلك أيضًا، والنفاس داخل فيه. ويجب الغسل على من أسلم بقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ثمامة بن أثال حين أسلم بالغسل، وهو حديث صحيح خرجه البخاري وغيره من أئمة الحديث.
وبعد هذا ذكر الحجة في الغسل من التقاء الختانين، ويأتي الكلام في الغسل المسنون في موضعه. والحجة في مسنون الغسل هي الحجة في مسنون الوضوء، وقد تقدم ذلك. [فصل-6 - : في الوضوء لغسل الجنابة] ومن المدونة قال مالك: ويؤمر الجنب بالوضوء قبل الغسل، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإن أخره بعده أجزأه. قال عبد الله بن عمر: ‹‹ولو لم يتوضأ الجنب أجزاه الغسل ما لم يمس فرجه››. قال مالك: فإن أخر غسل رجليه إلى موضع يقرب منه أجاه لقربه، وإن أخر غسل رأسه في اغتساله خوفًا من امرأته حتى جف غسله لم يجزئه، وابتدأ الغسل. م إذ من فرض الغسل أن يكون متوالياً في فور واحد. قال: ولا بأس بما اتضح من غسل الجنب في إنائه، ولا يستطيع الناس الامتناع من هذا. وليس الناس فيما يكفيهم من الماء سواء
[فصل-7 - : لا تنقض الحائض شعرها في غسلها من الحيضة أو الجنابة] قال مالك: لا تنقض الحائض شعرها في غسل حيضة أو جنابة، ولكن تضغثه بيديها. وقد قالت امرأة: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، فكيف أصنع إذا اغتسلت؟ فقال: ‹‹احفني عليه ثلاث حفنات من ماء، ثم اغمريه على أثر كل حفنة بكفيك›› قالت، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: ‹‹لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم تصبين عليك الماء فتطهرين››، أو قال: ‹‹فإذا أنت قد طهرت››. [فصل-8 - : في تخليل اللحية في الغسل] واختلف قول مالك في العتبية: هل على الجنب في اغتساله أن يخلل
لحيته؟ م والصواب: إيجاب تخليلها؛ لقول الرسول عليه السلام: ‹‹بلوا/ الشعر، وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة››. ولأن في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ‹‹ويخلل أصول شعره››، ولم يخص به شعر الرأس من اللحية، فهو على عمومه. وسئل أشهب في من غسل لحيته ولم يخللها؟ قال: لا شيء عليه. وقال سحنون: لا يجزئه حتى يخلل/ ويبلغ البشرة. [فصل-9 - : حكم تحريك الخاتم في الوضوء] قال مالك: لا يحرك الخاتم في وضوء ولا غسل، وما هو من عمل الناس.
قال ابن حبيب: إلا أن يكون ضيقًا فأحب أن يحركه حتى يمس الماء موضعه، وليس ذلك عليه في الواسع. قال ابن القابسي: وليس ذلك بخلاف لمالك. وقال محمد بن عبد الحكم: عليه أن ينزع خاتمه في الوضوء؛ ليغسل ما تحته. م وذلك خلاف لمالك وأصحابه. [فصل-10 - : في مجاوزة الختان الختان] ومن المدونة قال مالك: وإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل، وقاله عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعائشة رضي الله عنهم. قال أبو سلمة: سألت عن ذلك عائشة، فقالت: ‹‹إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل››، ورواه أيضًا عنها أبو موسى الأشعري، وقاله زيد بن ثابت وابن عمر، وإلى هذا رجع أبي بن كعب، روي هذا كله مالك في الموطأ.
قال ابن القاسم: وذلك إذا غابت الحشفة، وإلا لم يجب الغسل. وروى ابن وَهْب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا التقى الختانان، وغابت الحشفة فقد وجب الغسل انزل أو لم ينزل. وسال رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يجامع أهله، ثم يكسل هل عليه غسل؟ وعائشة جالسة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل)). وروى ابن وَهْب أن يزيد بن أبي حبيب وعطاء بن دينار ومشايخ من أهل العلم يقولون: إذا دخل من ماء الرجل في قبل المرأة فعليها الغسل. قال مالك: إنما ذلك إذا التذت يريد أنزلت. [لفصل -1 - : في معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - ((الماء من الماء))] قال بعض علمائنا: وما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((الماء من الماء)) يعني
يجب الاغتسال بالماء من إنزال الماء الدافق، فقد روى عن أبي بن كعب أنه قال: الماء من الماء رخصه رخصها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد ذلك. وقد أرسل عمر في هذا إلي عائشة فقالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل))، فقال عمر رضي الله عنه: من خالف في هذا جعلته نكالاً. قال غيره: ويحتمل أن يكون هذا جرى على سؤال سائل قال: يا رسول الله الماء من الماء، فقال: ((الماء من الماء))، وليس فيه بيان أن الماء لا يكون إلا من
الماء. وكذلك حجتنا في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((في السائمة الزكاة)) أنه جرى على سؤال سائل، وقد روينا حديثاً مفسراً، وهو يقضي على المجمل. قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا التقى الختانان، وغابت الحشفة فقد وجب الغسل انزلا أو لم ينزلا)). فهذا يبين ما رووه، ويزيد عليه. وأيضاً فانا لما وجدنا سائر الإحكام التي تجيب بالتقاء الختانين مع الإنزال واجبة بالتقائهما من غير إنزال، ومن وجوب الحد. والصداق، وإحصان الزوجين، وتحليل المطلقة وإفساد الصوم/ والحج، وإيجاب الكفارة/ والخروج من الإيلاء، وغير ذلك، وجب أن يكون الغسل كذلك.
وكان مما احتج به علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن قال: كيف توجبون فيه الحد، ولا توجبون فيه صاعداً من ماء. وأبين من ذلك أن ((الماء من الماء)) منسوخ، كما قال أبي بن كعب. وقد روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل)) وروى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه سئل إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن فقال عثمان: يتوضأ، كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم سئل عن ذلك علي والزبير وطلحة وأبي بن كعب فأمروه بذلك. قال أبي: سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال البخاري: والغسل أحوط لاختلافهم. وقيل: معنى قوله: ((الماء من الماء)) في المحتلم أن انزل اغتسل، وإلا فلا غسل عليه.
[فصل -12 - : جماع الصبي أو الصبية هل يوجب الغسل؟] قال مالك في / كتاب العدة: ولا تغتسل الكبيرة من وطء الصبي؛ لأن ذكره كالإصبع، إلا أن تنزل هي. قال أشهب: الكبيرة إذا وطء صغيرة تؤمر بالصلاة أنها تغتسل. وفي مختصر الوقار: لا تغتسل. قال أشهب: فإن صلت ولم تغتسل فلتعد أبدا. قال سحنون: إنما تعيد بقرب، ذلك لا أبدا. فوجد قول من قال: تغتسل أنها لما كانت مأمورة بالصلاة كانت مأمورة بالغسل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا غابت الحشفة فقد وجب الغسل))، فعم. ووجه قوله من قال: لا تغتسل؛ فلأنها ممن لا تجد لذة الوطء فذكر الرجل لها كالإصبع. واضعف حالاً من وطء الصغير الكبيرة التي قد تجد اللذة به.
قال ابن شعبان: واختلف في المنزل للذة الحكة واللدغة، والضربة بالسيف. قال سحنون: في اللدغة والضربة بالسيف لا غسل عليه. يريد أنه لا يجد لذة، وقال في المنزل للذة الحكة، والمتسابقين ينزل السابق، والمحكوك له فعليهما الغسل. يريد؛ لأنه لا يجد الالتذاذ. [فصل -13 - : في حكم خروج المنى بعد الغسل] ومن العتبية، قال ابن القاسم: ومن اغتسل لمجاوزة الختان، ولم يتنزل، ثم خرج منه الماء الدافق فلا غسل عليه، وليتوضأ؛ لأنه خرج منه من غير الالتذاذ. وقيل: يغتسل، ولا يعيد الصلاة. وقيل: يغتسل، ويعيد الصلاة. فوجه أنه لا يعيد صلاته؛ لأنه الساعة صار جنباً. ووجه أنه يعيد؛ فلان الماء قد زايل موضعه فاغتسل له قيل خروجه، فوجب أن لا تجزئه صلاته.
قيل: فمن تذكر فوجد اللذة، ولم ينزل، ثم صلى بعد وقت، ثم خرج منه الماء الدافق، فقال ابن القاسم: يغتسل، وليس بالقوي، ثم رجع فقال: لا يغتسل. وقال يحي بن عمر: عليه الغسل واجب، ورواه علي عن مالك أنه يغتسل ويعيد الصلاة. قال أَصْبَغ: لأن الماء قد زايل الموضع الذي له أولا. وقال ابن المواز: يغتسل، ولا يعيد الصلاة؛ لأنه إنما صار جنباً بخروج الماء. مالك في الجنب يغتسل، ثم يصلي، ثم يخرج منه بقيه مني بعد وقت، وقد بال، أو لم يبل فليغسل مخرج البول، ويتوضأ، ويعيد الصلاة. وقال عنه ابن حبيب: إنما عليه الوضوء فقط. [فصل -14 - : في من انتبه من نومه فوجد في لحافه بللاً] ومن المدونة قال مالك: ومن انتبه من نومه فوجد في لحافه بللاً، فإن كان منياً اغتسل، وإن كان مذيعا غسل فرجه، وتوضأ. قال ابن القاسم: وإن شك فليغتسل. يريد احتياطاً.
قال مالك: وكذلك من لاعب امرأته في اليقظة، أو رأى في منامه أنه يجامع، فإن امني اغتسل، وإن أمذى غسل فرجه وتوضأ، والمرأة في ذلك كله كالرجل فيما تراه في المنام، أو في اليقظة. وروى مالك في الموطأ أن أم سليم بنت ملحان قالت: يا رسول الله! المرأة ترى في المنام مثل ما يرى الرجل اغتسل؟ فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((نعم، فلتغتسل، فقالت لها عائشة: أف لك، وهل ترى ذلك المرأة؟ فقال لها رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -: ((تربت يمينك، ومن اين يكون الشبه)) فصل -15 - : [في المرأة تحيض وهى جنب] ومن المدونة قال مالك: وإذا حاضت المرأة وهى جنب فلا غسل عليها حتى تطهر من حيضتها. قال ابن حبيب: وقال ربيعة وغيره: لا غسل عليها حتى تطهر من حيضتها إذا أحبت. يدل قوله: أن أحبت وإن لها أن تغتسل قبل ارتفاع دم الحيض عنها. وفائدته أن يرتفع حكم الجنابة لتقرأ القرآن ظاهراً؛ إذ للحائض أن تقرأ القرآن؛ لأن أمرها بطول، بخلاف الجنب الذي يستطيع رفع الجنابة الساعة بالغسل، وهذا ضعيف، ولا يجوز أن يرتفع حكم الجنابة بالغسل؛ لأن طرأ عليه ما هو اشد منه. وينبغي إذا ارتفع دم الحيض عن الحائض، ولم تغتسل أن يكون حكمها حكم الجنب، لا تقرأ القرآن، ولا تنام حتى تتوضأ؛ لأنها ملكت طهرها.
قال ابن حبيب: وإذا انقطع دم الحيض وهى جنب فلتغتسل غسلاً واحداً لهذا، وهذا تنويهما. قال ابن القاسم في المجموعة: فإن تطهرت للحيضة ناسية للجنابة أجزأها. قال سحنون في كتاب ابنه: وإن تطهرت للجنابة، ولم تذكر الحيضة لم يجزئها. وقال أبو الفرج ومحمد بن الحكم: يجزئها؛ لأنه فرض ناب عن فرض وهذا هو الصواب. قال ابن القصار: لأن الإحداث إذا كان موجبها واحداً، واجتمعت تداخل حكمها، وتاب موجب احدهما عن الآخر، كاجتماع البول والغائط والريح والمذي ينوب عن جميعها وضوء واحد، ويجزئ الوضوء لأحدها عن الجميع، فكذلك الغسل للجنابة والحيض. وقول أبي الفرج وفاق لقول ابن القاسم في / المدونة. دليله قول ابن القاسم في الشجة إذا كانت في مواضع الوضوء أن غسلها بنية الوضوء يجزئ عن غسل الجنابة. ووجه قول سحنون: أنه لما طرأت الحيضة على الجنابة ومنعتها
الطهارة أسقطت حكم الجنابة، وصار الحكم لها. والله اعلم. قيل لأبي بكر بن عبد الرحمن المخزومي،: فإن طرأت الجنابة على الحيضة باحتلام أو وطئ ثم تغتسل بعد طهرها من الحيضة تنوي الجنابة هل يدخلها القولان المتقدمان؟ قال: لا يدخلها ذلك، ولا يجزئها غسلها؛ لأنها حائض كانت قبل الجنابة وبعدها فلا حكم للجنابة أطارئة على الحيضة. والصواب عندي أن يجزئها غسلها؛ لأن الجناب والحيض أمران يوجبان اغسل متى انفردا، وذلك فرض فيهما فسواء طرأت جنابة على الحيض أو حيض على جنابة، كالغائط والبول كل واحد منهما يوجب الوضوء للفرض فلو طرأ البول على الغائط، ثم توضأ ينوي به من البول لأجزأه، وإن كان متغوطا قبل البول أو بعده، فكذلك طريان الجنابة على الحيض، والله اعلم. فصل -16 - : [النية في الغسل]. قال عيسى عن ابن القاسم: في من تطهر ينوي أن كان إصابته / جنابة نسيها فهذا لها، ثم ذكر أنه كان جانباً فلا يجزئه. وقال عيسى: يجزئه. ومن المدونة قال مالك: ولا وضوء، ولا غسل إلا بنية، وقاله علي بن
أبي طالب رضي الله عنه. وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما الأعمال بالنيات)) وقد تقدم هذا. قال مالك: ومن اغتسل لتبرد، أو لتنظف، أو لجمعه لم يجزئه عن غسل الجنابة حتى ينويه، كمن صلى نافلة فلا يجزئه عن فريضة، وقاله ابن القاسم وابن عبد الحكم واصبغ. وذكر ابن حبيب عن جماعة من أصحاب مالك أن غسل الجمعة يجزئ عن غسل الجنابة، وإن لم ينوها. ورووه عن مالك، كمن توضأ لنافلة فله أن يصلي به فريضة. وما احتج به ابن حبيب فلا يلزم ابن القاسم؛ لأن الوضوء للنافلة واجب، إذ لا تجوز صلاة نافلة أو فريضة إلا بوضوء يقصد به رفع الحدث، فهو للنافلة والفريضة سواء، وغسل الجمعة سنة، ولا يجزئ عن فريضة. قال ابن حبيب: واجمع مالك وأصحابه أنه أن تطهر للجنابة لا ينوي به الجمعة أنه لا يجزئه عن الجمعة؛ لأن الجمعة لا تكون إلا بنية. ويقال لابن حبيب: فالجنابة أيضاً لابد لها من النية، فكيف
تجزئ السنة من الفرض، ولا يجزئ الفرض من السنة؟. فإن قيل: فإن غسل الجمعة واجب على الطاهر فلا تجزئ منه غسل الجنابة. قيل: إنما يجب على طاهر لم يغتسل في وقتها، فأما المغتسل في وقتها المنظف حينئذ فلا يجب ذلك عليه؛ لأن أصل غسل الجمعة التنظف، وذلك موجود في المغتسل للجنابة حينئذ. وقد قال محمد بن عبد الحكم في غير الواضحة: يجزئ غسل الجنابة من غسل الجمعة، وإن لم ينوها، وهو الصواب. فصل -17 - : [لا صلاة إلا بوضوء يقصد به رفع الحدث] ومن المدونة قال مالك: ومن توضأ لنافلة، أو لقراءة مصحف، أو ليكون على طهر أجزاه، ومن توضأ لحر يجده، ولا ينوي به غيره لم يجزئه لصلاة نافلة، ولا فريضة، ولا من مصحف. وذكر بعض البغداديين: أن كل من توضأ لما يصح فعله بغير طهارة مثل: قراءة القرآن ظاهراً، والدخول على السلطان ونحوه فلا يصلى به؛ لأنه غير قاصد لرفع الحدث، وأنما تجوز صلاته إذا توضأ لما لا يصح فعله إلا بطهارة؛ لأنه قاصد لرفع الحدث.
قال ابن القاسم: ومن بقيت رجلاه من وضوئه فخاض بهما نهراً، فدلكهما فيه بيده، ولم ينو تمام وضوئه لم يجزئه حتى ينويه. ومعنا: أن كان نسي غسل رجليه فظن أنه أكمله فلذلك احتاج إلي تجديد النية. فأما لو توضأ بقرب النهر، ثم دخل النهر فغسل رجليه فيه لأجزأه هذا، وإن لم ينو به تمام وضوئه، إذ ليس عليه تجديد نية لكل عضو يغسله، قاله غير واحد من فقهائها. [فصل -18 - : في وقت النية في الغسل من الجنابة] قال أبو إسحاق: والغسل من الجنابة يحتاج إلي نية عند الغسل، أو قريباً منه، ولا يضره اختلاسها في خلال الغسل ولا قبل الغسل إذا كان الأمر قريباً. وقد قال ابن القاسم في الذي دخل الحمام لغسل جنابته فنسي ذلك وقت الغسل أنه يجزئه. وقال سحنون: لا يجزئه، بخلاف ما لو ذهب إلي بحر أو نهر يغتسل فنسي النية عند الغسل فذلك يجزئه بخلاف الحمام. فإذا قرب الغسل، ولم يشتغل لمعنى أخر أجزأه الغسل، وكذلك ينبغي للصلاة. وقد قال عبد الوهاب في الصلاة: أن النية لابد أن تكون عند الإحرام /، وقد نقول: وهكذا يجب في الطهارة، أو نفرق بينهما لاختلاف الناس في الطهارة، أنها لا تحتاج إلي نية.
[باب -16 -] في وضوء الجنب قبل أن ينام ومروره في المسجد
[باب -16 -] في وضوء الجنب قبل أن ينام ومروره في المسجد. [فصل -1 - : وضوء الجنب قبل أن ينام] قال ابن وَهْب: وهو في الموطأ والبخاري أيضاً، ((كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن ينام، وهو جنب، توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام، وأمر بذلك عمر وأبا سعيد الخدري)) قالت عائشة وغيرها: ((وإذا أراد أن يطعم غسل كفيه فقط)). وفي الموطأ: ((وكان ابن عمر إذا أراد أن ينام أو يطعم، وهو جنب غسل
وجهه، ويديه إلي المرفقين، ومسح برأسه، ثم طعم أو نام)) ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ولا ينام الجنب في ليل أو نهار حتى يتوضأ جميع وضوئه للصلاة، ولا بأس أن تنام الحائض قبل / أن تتوضأ. والفرق بين الجنب والحائض: أن الله تعالى إنما اوجب الوضوء على كل محدث أراد الصلاة؛ بقوله سبحانه: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ {الآية، فكان الأصل أن لا وضوء على جنب أو حائض أراد النوم، فخصت السنة الجنب بالوضوء، وبقى ما سواه على أصله. ومن طريق المعنى: أن الجنب يملك رفع الجنابة، فأمر بالوضوء عساه ينشط ليتطهر فيبيت على كمال الطهارة، فإن لقي الله تعالى في منامه لقيه طاهراً، والحائض لا تملك رفع حيضتها، فافترقا. قال ابن الجهم: إنما آمر الجنب بالوضوء قبل أن ينام؛ لأنه كان حقه أن لا ينام حتى يغتسل فرخص له في اخف الطهارتين بتيسير النبي - صلى الله عليه وسلم - له ذلك، خوفاً أن يدركه الموت فيه وهو جنب ولم ينل شيئاً من الطهارة. وروي عن مالك أن ذلك الوضوء ليس بواجب. ابن مزين: وروي في ذلك بعض الرخصة. وذكر ابن قتيبة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن ينام وهو جنب، وذكر حديثاً آخر: أنه عليه السلام كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء، ثم قال:
وهذا كله جائز، وأنما فعل هذا مرة؛ ليدل هلي الفضيلة، ومرة ليدل على الرخصة، فمن شاء أخذ بالرخصة أو بالفضيلة. وقال ابن حبيب: محمل ذلك عندنا أن الماء لم يحضره، وانه كان تيمم. فصل -2 - : [فيما يجوز فعله للجنب قبل الوضوء] ومن المدونة قال مالك: وللجنب أن يعاود أهله قبل أن يتوضأ - يريد بأهله امرأته التي كان وطئها أو جاريته- فأما أن يطأ زوجة له أخرى فيكره له
أن يصيب امرأة في يوم الأخرى. وأما أن يصيب جاريته، ثم يصيب الأخرى قبل أن يغتسل فلا بأس بذلك. قاله مالك في الموطأ. ومن المدونة قال مالك: وله أن يأكل قبل أن يتوضأ إذا اغسل يديه من الأذى. قال ابن حبيب: وإذا لم يجد الجنب الماء فلا ينام حتى يتيمم، وروي ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ربما بات جنباً لا يمس ماء)). ومحمله عندنا أن الماء لم يحضره، وانه كان تيمم. وإذا توضأ الجنب للنوم، ثم بال أو خرج منه بقية مني فلا يعيد الوضوء، وقاله مالك. قال مالك في المجموعة: فإن نام الجنب، ولم يتوضأ فليستغفر الله تعالى، ولا يعود. فصل -3 - : [حكم دخول الجنب المسجد]. ومن المدونة قال مالك: ولا يعجبني دخول الجنب المسجد عابر سبيل.
ولا غيره، ولا بأس أن يمر فيه، ويقعد من كان على غير وضوء. وقال زيد بن اسلم: لا بأس أن يمر الجنب في المسجد عابر سبيل، وتأول زيد في ذلك قول الله تعالى: {وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ {، وتأول زيد قوله تعالى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ {، أي: مواضع الصلاة، كما قال تعالى: {وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ {يريد أهلها. وذهب مالك في تأويل الآية إلي ما روي عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه ((أن معنى قوله تعالى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى {أي: لا تفعلوا في حال السكر صلاة، ولا تفعلوها وانتم جنباً، إلا عابري سبيل، أي: وانتم مسافرون بالتيمم)). وقد روي عن عائشة رضى الله عنها أن الرسول عليه السلام قال: ((لا أحل المسجد لجنب ولا حائض)). فهذا يؤيد ما قال مالك.
م وأما من ذكر في صلاته أنه جنب وهو في المسجد فليس من ذلك؛ لأنه مضطر إلي الخروج، بخلاف مبتدئ دخوله. قال البخاري عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: ((أقيمت الصلاة، وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مصلاه، فذكر أنه جنب، فقال: لنا مكانكم فذهب فاغتسل، ثم خرج ألينا فصلى بنا)) استدل به البخاري: أن من نزل ذلك به يخرج، ولا يتيمم.
[باب 17 -] في وطئ المسافر والجريح أهله. ووطئ المسلم زوجته الكتابية/ قبل الغسل. وغسل من اسلم
[باب 17 -] في وطئ المسافر والجريح أهله. ووطئ المسلم زوجته الكتابية/ قبل الغسل. وغسل من اسلم. [فصل -1 - : وطئ المسافر] روى ابن وهب أن علي بن أبي طالب رضى الله عنه وابن مسعود وغيرهما: ((كانوا يكرهون أن يجامع الرجل امرأته بمقازة، إلا أن يكون معه ماء)) قال ابن القاسم عن مالك: لا يطأ المسافر زوجته أو جاريته، إلا ومعهما من الماء ما يكفيهما جميعاً، كانا على وضوء أم لا، وليس كمن به شجة أو جرح لا يستطيع غسله بالماء هذا له أن يطأ ويمسح لطول أمره. وإنما افترقت المسألتان؛ لافتراق السؤال، فمسألة المسافر هو عادم للماء فلا يطأ؛ لأنه ينتقل من طهارة بالماء إلي إباحة الصلاة بالتيمم، وهو في الأغلب يجد الماء عن قرب. وصاحب الشجة هو واجد للماء، فينتقل من غسل موضع الشجة إلي المسح عليها، ويباح له ذلك لطول أمره.
ولو كان المسافر بموضع لا يجد الماء فيه، إلا بعد ليل طويل يحتاج فيه أهله، ويضربه في ترك الوطء جاز له أن يطأ ويصير حكمه حكم صاحب الشجة، وقاله ابن الماجشون. ولو كان صاحب الشجة مسافراً غير واجد للماء، إلا أنه يجد الماء عن قرب لم يكن له أن يطأ ويكون حكمه حكم المسافر غير المشجوج. [فصل -2 - : وطئ الجريح الذي عمت الجراح جسده ونحوه] قال مال: والمجدور والمحصون والمجروح الذي عمت الجراح جسده أو جله يتيممون للجنابة والوضوء، وليس عليهم أن يغتسلوا أذا خافوا على أنفسهم؛ لقوله عز وجل: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ {، يعنى لا تستطيعون من الماء فتيمموا. قال ابن حبيب: ولهم أن يطئوا نساءهم، لطول أمرهم، بخلاف مسافر عدم الماء. ومن المدونة: واذا ظهرت امرأة من حيضتها وتيممت فلا يطأها زوجها حتى يكون معهما من الماء ما تطهر هي به من الحيضة، ثم ماء يتطهران به جميعاً
من الجنابة. قال مال: وان كان معه من الماء ما يكفيه وحده فلا يجامعها. وان كانا متوضئين فلا يقبل احدهما صاحبه، إلا أن يكون معهما من الماء ما يكفيهما للوضوء، ولا يدخلان على أنفسهما أكثر من حدث الوضوء. فصل -3 - : [الزوجة الكتابية يجب عليها الغسل من الحيضة ولا يجب عليها من الجنابة] ومن المدونة قال مالك: ولا يجبر المسلم زوجته الكتابية على الغسل من الجنابة؛ إذ له وطؤها كذلك، ويجبرها على الغسل من الحيضة إذ ليس له وطؤها كذلك حتى تغتسل، كالمسلمة على الوجهين. قال ابن المواز: وهى من جملة الأزواج يريد قد دخلت في قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ {. قال أبو بكر القاضي: هذه الرواية اصح في المعنى من رواية أشهب. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجبرها في الحيضة على الاغتسال؛ لأنها لا
نية لها، ورواه أشهب عن مالك. قال ابن شعبان: هذه الرواية هي الاختيار؛ لأنها ليست من التوابين، ولا من المتطهرين الذين يحبهم الله، فهي وان اغتسلت نجسة لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ {ولو اغتسلت للحيضة، ثم أسلمت مكانها لم يجزئها من غسل الإسلام؛ إذ لم تنوه. فصل -4 - : [حكم غسل من اسلم] ومن المدونة قال مالك: يؤمر من اسلم من المشركين بالغسل؛ لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ {. فوجب عليهم الغسل أذا اسلموا ودخلوا في المخاطبين بالصلاة بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ {. وروى ابن وهب ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ثمامة بن أثال حين اسلم/ بالغسل، وقاله ابن القاسم، والنصراني عندي جنب فإذا اسلم اغتسل، وان اغتسل للإسلام وقد اجمع عليه أجزأه، وان لم ينو به الجنابة. قال: فان لم يجد الماء فليتيمم للإسلام، وينو بتيممه الجنابة أيضاً، ثم أن وجد الماء اغتسل.
وقال ابن القاسم في العتبية: فان تيمم أو اغتسل للإسلام، ولم ينو به الجنابة أجزأه؛ لأنه أراد بذلك الطهر. قال ابن القاسم: فان جهل فتوضأ فقط، ثم صلى فليعد أبدا. وفى سماع ابن وهب: سئل مالك عن رجل اسلم هل يجب عليه الغسل، أو يكفيه الوضوء؟ فقال: لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أحدا أذا اسلم بالغسل، وهكذا قال إسماعيل القاضي. قال: وما روي عن قيس بن عاصم أنه لما اسلم أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغسل، وعن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر رجلاً اسلم بالغسل بأحاديث غير قوية، والغسل أحسن احتياطاً لا إيجابا؛ لأنه أن كان جنباً في حال كفره، فالإسلام يجب ما قبله، وإنما يجب عليه الوضوء أذا اسلم؛ لان الصلاة لا تتم إلا به/.
[باب -18 -] في الإمام يصلي وهو جنب أو بغير قراءة
[باب -18 -] في الإمام يصلي وهو جنب أو بغير قراءة [فصل -1 - : في الإمام يصلى وهو جنب] وقد صلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه بالناس وهو جنب، ثم قضى الصلاة وحده، ولم يأمرهم بالقضاء. وروي مثله للنبي - صلى الله عليه وسلم -، زاد في الموطأ ((وان عمر أعاد الصبح بعد أن طلعت الشمس)). قال مالك: وإذا صلى الجنب بالقوم ركعة أو ركعتين، وهو لا يعلم، ثم ذكر جنابته فليستخلف من يصلي بالقوم ما بقي من صلاته، وتتم صلاتهم، وان لم يقذر حتى فرغ فصلاة من خلفة تامة، ويعيد هو وحده، وان صلى بهم ذاكراً لجنابته فصلاتهم كلهم فاسدة، وكذلك أن ذكر في الصلاة فتمادى بهم جاهلاً أو مستحيياً فقد افسد عليهم. قال ابن القاسم: كل إمام دخل عليه ما ينقض صلاته فتمادى بهم فان صلاته منتقضة، وعليهم أن يعيدوا متى علموا.
قال مالك: ومن علم بجنابته ممن خلفه والإمام ناس لجنابته، فتمادى معه في صلاته فاسدة ويعيدها أبدا. قال سحنون: وإذا رأى المأموم في ثوب الإمام نجاسة، وهو يقربه فأخبره إشارة فليبين المخبر أذا لم يعمل بعد علمه عملاً، وإن كان بعيداً منه فلا بأس أن يخبره متكلماً، ويبتدئ المخبر الصلاة. وقال ابن حبيب: يجزئه البناء، وان اخبره متكلماً. فصل -2 - : [حكم صلاة الإمام بغير قراءة] قال أبو بكر الأبهري: واذا ذكر الإمام بعد فراغه أنه لم يقرأ في جميع الصلاة فليعد الصلاة، هو ومن خلفه أبدا، بخلاف من ذكر بأنه كان جنباً، أو غير متوضئ. والفرق بينهما أن القراءة هي من نفس الصلاة، والوضوء والغسل ليس من نفس الصلاة، وأيضاً فان القراءة يحملها الإمام عن المأمومين، فإذا تركها افسد عليهم، والوضوء لا يحمله عنهم، هذا معنى كلام الأبهري دون لفظه. وأيضاً فان الأصل كان أذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة من خلفه، فخرج بالسنة من ذكر أنه كان محدثاً، وبقى ما سواه على أصله.
فصل -3 - : [حكم من رأى في ثوبه جنابة بعد الصلاة] ومن المدونة قال مالك: ومن صلى ثم خرج لحاجته فرأي في ثوبه جنابة، لم يذهب لحاجته، ورجع، واغتسل، وغسل ما أصاب ثوبه، وأعاد الصلاة، يريد أذا / كان في ضيق من الوقت. قال في المجموعة وغيرها في من وجد في ثوبه احتلاماً لا يدري متى كان: فانه يغتسل، ويغسل ما رأى في ثوبه، وينضح ما لم ير، ويعيد ما صلى من احدث نوم نام فيه، وكذلك قال مالك في الموطأ، قال: وذلك أن عمر بن الخطاب أعاد ما كان صلى لأخر نوم نام فيه، ولم يعد ما قبل ذلك. قال سحنون في المجموعة: فان كان غيره نام قبله فيه فلا شيء على الأول. قال مالك: وان كان لابسه لا ينزعه أعاد من أول نوم نام فيه. قال ابن القاسم: في امرأة رأت في ثوبها دم حيض، وقد لبسته نقياً، ولا تدري متى حاضت، وهل حاضت أم لا؟ فان كانت لا تنزعه، ويلي جسدها اغتسلت، وصلت من يوم لبسته، وتعيد الصوم الواجب. قال أبو محمد: يريد ما لم تجاوز أقصى أيام الحيض، وان كانت تنزعه
وتلبسه أعادت من احدث لبسة لبسته. قال ابن حبيب في الصوم: إنما تعيد يوماً واحداً؛ لأنه دم حيض انقطع مكانه فصارت كالجنب يصوم وهو جنب. إنما قال: يعيد الرجل من احدث نوم نام فيه؛ لأنه كان ينزعه ويلبسه، ولم ير فيه شيئاً، فلما رآه الآن علمنا أنه من نومه الآخر، واذا كان متمادياً على لبسه والجنابة في موضع تخفي رؤيته عليه - وهو عليه- وجب عليه أن يعيد من أول نوم نام فيه؛ لأنه صار في حال الشك في الجنابة من ذلك الحين فبنى أمره على الاحتياط، وكذلك الحجة في التي رأت دم الحيض. ووجه قول ابن القاسم: ويعيد الصوم؛ لأنه يمكن أن تكون تلك الحيضة بها أياما ولم تشعر بها. ووجه قول ابن حبيب: أنها تعيد يوماً واحداً؛ لأنه دم حيض انقطع مكانه فصارت كالجنب، وهو أبين عندي؛ لأنه لو كان دم بها يا لشعرت به، ولظهر ثوبها يقعاً وإنما كانت دفعة، ثم انقطعت، والله اعلم. وسئل محمد بن عبد الحكم عن من صلى فوجد في ثوبه احتلاماً، وهو لا يدري متى احتلم فانه يغتسل من احدث نوم نام فيه، قيل له: وسواء كان لابساً له أبدا، أو المرة بعد المرة، قال: نعم هذا عندي سواء. قيل له: فان ابن القاسم يفرق بينهما فقال: أن كانت في المجالس فهي ضعيفة. قال بعض القرويين: قول ابن عبد الحكم هذا أقيس على مراعاة ما قال مالك
إذ بنى أمره بإعادة ما تيقن أنه عليه دون ما شك فيه. ويجري في هذا الاختلاف في رؤية دم / الحيض. ووجه هذا حديث عمر رضى الله عنه؛ لأنه إنما أعاد ما صلى لأحدث نومة نام فيه، ولم يعد ما قبل ذلك، ولان عليه يقيناً إعادة ما صلى من احدث نومة نام فيه سواء كان منه، أو من الذي قبله، وهو شاك فيما قبله؛ لأنه أن كان من الأحدث لم يلزمه ما قبله قمر بإعادة ما تيقن فيه دون ما شك فيه. وقول مالك أولى؛ لأنه بني أمره على اليقين بإعادة ما شك فيه.
[باب-19 -] في الصلاة بثياب أهل الذمة أو بما نسجوه أو بثوب نجس أو حرير أو على موضع نجس أو في جسده نجاسة أو لغير القبلة أو من به حقن أو بوضوء واحد صلوات
[باب-19 -] في الصلاة بثياب أهل الذمة أو بما نسجوه أو بثوب نجس أو حرير أو على موضع نجس أو في جسده نجاسة أو لغير القبلة أو من به حقن أو بوضوء واحد صلوات/ قال مالك رحمه الله: ولا يصلي بما لبسه أهل الذمة من ثياب، أو خفاف حتى يغسل، يريد؛ لأنهم أنجاس لا يحتفظون من نجاسة. قال: وما نسجوه فلا بأس به مضى الصالحون على هذا. [فصل-1 - : حكم الصلاة بثياب أهل الذمة] [فصل-2 - : الصلاة نجاسة أو عليها] قال مالك: ومن صلى بثوب نجس، أو عليه، أو على موضع نجس، أو في جسده نجاسة، وهو لا يعلم أعاد في الوقت، ووقته في الظهر والعصر إلى إصفرار الشمس، فإذا اصفرت الشمس لم يعد، وفي المغرب والعشاء الليل كله. م إنما قال في الظهر والعصر إلى إصفرار الشمس، وفي المغرب والعشاء الليل كله؛ لأن الإعادة في الوقت إنما هي على طريق الاستحباب، فأشبهت النوافل، فكما لا يتنفل إذا اصفرت الشمس، فكذلك لا يعيد فيه ما وجبت إعادته في الوقت، وكما جاز التنفل الليل فكذلك جازت الإعادة فيه.
قال ابن القاسم: وسواء كانت هذه النجاسة في موضع جبهته أو قدميه. قيل له: فإن تيمم على موضع نجس قال: يعيد في الوقت، كمن صلى بثوب نجس، وكذلك من صلى إلى غير القبلة فإنه يعيد في الوقت. م لأنك إنما تنقله في التيمم والقبلة من اجتهاد إلى اجتهاد إذ لا يقطع بحقيقة طهارة التراب، ولا القبلة، وذلك بخلاف المعاين للقبلة، وهذا تلزمه الإعادة أبداً. [فصل-3 - : حكم الصلاة بثوب الحرير] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن معه ثوب نجس وثوب حرير فليصل بالثوب الحرير، ويعيد في الوقت إن وجد غيره؛ لنهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير.
قال ابن المواز وأصبغ: يصلي بالثوب النجس، ويعيد في الوقت إن وجد غيره، ولا يصلي بالحرير، ولو لم يجد إلا ثوب حرير فليصل عريانا أحب إلى. م فوجه قول ابن القاسم: أن النجس غير مباح لأحد الصلاة به، والحرير مباح للنساء له، والصلاة به، وللرجال في الجهاد فهو أخف. ووجه قول أصبغ: أن النجس مباح لبسه وإنما منع من الصلاة به، والحرير فغير مباح له، ولا الصلاة به فذلك واجب فيه، وترك الصلاة بالنجس سنة فوجب أن يكون أخف. ومن المدونة قال ابن القاسم: والوقت في ذلك في الظهر والعصر الاصفرار، وفي العشائين الليل كله. ولمالك قول ثان: أن الوقت في ذلك النهار كله ما لم تغرب الشمس. م وهذا أبين؛ لأنه صلى به عامداً، فإن كان مضطراً إليه فهو أشد من الناسي، والله أعلم. فصل-4 - : [حكم لبس الحرير] قال ابن حبيب: وكره مالك العلم الحرير في الثوب، إلا الخط الرقيق،
وأبقى الخز ولم يحرمه لاختلاف الناس فيه. قال ابن حبيب: أما الخز الذي سداه حرير فلم يختلف في إجازة لبسه، وقد لبسه خمسة عشر صاحباً، وخمسة عشر تابعاً قال: وما مزج من ثياب الحرير بكتان أو صوف فلباسه في الصلاة للرجل مكروه لاختلاف السلف في إجازة لبسه: أجازه ابن عباس وكرهه ابن عمر من غير تحريم. قال مطرف: ورأيت على مالك ساج إبريسم كساه هارون الرشيد وكان يفتي هو وأصحابه بكراهية ذلك، ولم يكن عنده كالخز المحض.
قال ابن حبيب: وليس بين ثياب الخز والثياب التي قيامها حرير فرق، إلا الاتباع. قال: لا بأس بالعلم الحرير، وإن عظم لم يختلف في الرخصة فيه، والصلاة به/ وأرخص النبي عليه السلام من علم الحرير في الثوب في الإصبع والإصبعين، ثم قال: وإن غلب فقس فثلاث إلى أربع، وأجاز ابن الماجشون لبس الحرير في الجهاد عند القتال، ويصلي به حينئذ، ورواه عن مالك وعن جماعة من الصحابة والتابعين. فصل-5 - : [خكم الصلاة بالثوب النجس]. من المدونة قال/ مالك: ومن لم يكن معه إلا ثوب نجس صلى به، فإن وجد غيره، أو ما يغسله به أعاد في الوقت. قال في سماع بن القاسم: ووقته في الظهر والعصر الغروب، وفي العشائين طلوع الفجر، وفي الصبح طلوع الشمس. قال أشهب في المجموعة: ولو لم يجد غلا ثوباً نجساً فصلى عرياناً
فليعد بذلك الثوب في الوقت، إن لم يجد غيره. قال: ومن صلى بثوب نجس أعاد في الوقت. وقال بعض أصحابنا: إنما يعيد في الوقت إذا ظن أن صلاته بالنجس لا تجزئه فصلى عرياناً، وأما إن علم أن عليه أن يصلى بالنجس فصلى عرياناً فهذا يعيد أبداً، والله أعلم. قال في الاضحة: إذا صلى بالنجس عامداً وهو واجد ثوب طاهر أعاد أبداً. م وهذا على اختلافهم في إزالة النجاسة، أهى سنة أم فرض؟ ويحتمل أن يعيد أبداً في قول من يرى أن إزالتها سنة لعبثه. وقد أمر ابن عمر الذى صلى الفجر وفي ثوبه احتلاماً أن يعيد بعد الوقت، وليس في الحديث ما يدل أنه كان ساهياً، قاله الشيخ أبو الحسن. قال ابن حبيب: ومن رأى في ثوبه نجاسة فهم بغسلها، ثم نسي حتى صلى فليعد في اوقت، ولو رآها في الصلاة فهم بالقطع، ثم نسي وأتمها فليعد أبداً. وقيل عن مالك: وكذلك من ذكر في الوقت انه صلى بثوب نجس، ثم نسي أن يعيد حتى خرج الوقت فليعد أبداً. وقاله مطرف وابن الماجشون، روياه عن مالك. وقال ابن القاسم: ما لزمه إعادته في القت فنسي أن يعيد حتى خرج
الوقت فلا إعادة عليه، وبالأول أقول. قال سحنون: ومن صلى بثوب نجس، أو بثوب حرير نجس إذا لم يجد غيره ثم وجد ثوب حرير طاهر فلا يعيد، إلا أن يجد غير حرير. قال في الأقضية: من صلى بخاتم ذهب، أو بثوب حرير، وعليه ما يواريه غيره فإنه يعيد في الوقت. قال أشهب في العتبية: لا إعادة عليه قال أشهب: ولو لم يكن عليه ما يستره أعاد في الوقت. وقال ابن حبيب: إذا كان عليه غيره أجزأه، وقد أثم، وإذا لم يكن عيه غيره أعدا أبداً. وقال ابن وهب في العتبية: من صلى بثوب حرير وهو واجد لغيره لم يعد في الوقت ولا غيره. م فصار في من صلى بثوب حرير عامداً ثلاثة أقوال: قول ابن وهب: لا إعادة عليه أصلاً، وأشهب يعيد في اوقت، وابن حبيب يعيد أبداً. م فوجه قول ابن وهب الإعادة عليه في الوقت في الثوب النجس
يصلي به إذا كان الوقت قائماً أنها صلاة كاملة الفرض ناقصة السنة؛ لأن إزالة النجاسة سنة على القول الصحيح في المذهب، فأمر بإعادتها ليكمل فرضها وسنتها فإذا ذهب الوقت فلو كلف إعادتها كانت ناقصة الفرض، وهو الوقت كاملة السنة، والأولى أكمل منها، فلذلك أمر أن لا يعيدها بعد الوقت. فصل-6 - : [وقت الضرورة للحائض ولمن أسلم] ومن المدونة قال مالك: ووقت النصراني يسلم، والحائض تطهر، والمجنون يفيق، والمسافر يخرج أو يقدم النهار كله، والليل كله، وفي كتاب الصلاة إيعاب هذا. فصل-7 - : [حكم الصلاة. وهو يدافع الاخبثين] قال مالك: ومن أصابه حقن أو قرقرة فإن كان خفيفاً فليصل به، وإن كان مما يشغله عن صلاته فلا يصلي حتى يقضي حاجته، ثم يتوضأ.
ابن وهب: وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة)). وقال في حديث آخر: ((لا يصلِّى بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان))، الغائط والبول. قال عمر رضي الله عنه: ((لا يصلِى أحدكم، وهو ضام بين وركيه)). وأن عمر قال: ((ما أبالى أن يكون في جانب ردائي إذا كنت مدافعاً له)). قال ابن القاسم: وإذا/ أعجله في صلاته مما يشغله، وأحب إلى أن يعيد أبداً، وقاله مالك.
وقال ابن شعبان: إن من صلى بالحقن الذي يشغل مثله أجزاه، ولا يعيد. وقد روي أن معاذاً صلى وراء النبي صلى الله عليه وسلم فوجد بولاً حتى كاد أن يشغله فلما انصرف ذكر ذلك له فقال: ((إذا وجد ذلك أحدكم فلينصرف حتى يبول))، ولم يأمره بالإعادة. م وصفة خرج من أصابه حقن في صلاته أن يخرج ماسكاً بأنفه، كالراعف، وقد روي ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم واستحسن بعض فقهائنا إذا صلى بالحقن فإن كان شيئاً خفيفاً فلا شيء عليه، وإن صلى به وهو ضام بين فخذيه أعاد في الوقت، وإن كان مما يشغله كثيراً أعاد أبداً/. من المدونة قال مالك: والقرقرة بمنزلة الحقن. ابن القاسم: ولا أحفظ عن مالك في الغثيان شيئاً.
فصل - 8 - : [الصلاة بوضوء واحد ما لم يحدث] قال مالك: ولا بأس أن يصلي بوضوء واحد يومين فأكثر. ابن وهب: وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة الصلوات كلها بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر بن الخطاب: رأيتك صنعت شيئًا ما كنت تصنعه، فقال: عمدًا صنعته يا عمر، يريد صنعته ليستن به. وهذا الحديث يدل على أن الوضوء كان في أول الإسلام لكل صلاة؛ لقوله تعالى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ {الآية، فنسخ ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا. وموضع الدليل منه قول عمر رضي الله عنه رأيتك صنعت شيئًا ما كنت تصنعه، والله أعلم. قال في المدونة: وكان ابن عمر يصلي بوضوء الصبح الصلوات كلها ما لم يحدث.
[باب - 20 -] جامع القول في الرعاف
[باب - 20 -] جامع القول في الرعاف [فصل - 1 - : لا وضوء من الرعاف] روي عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهما، وغيرهما، وكثير من التابعين: أنه يبني في الرعاف بعد غسل الدم ما لم يتكلم، ولا وضوء فيه. قال أبو جعفر الأبهري: وما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رعف أحدكم في صلاته فلينصرف، ويتوضأ، ولا يتكلم، ثم يبني على ما مضى من صلاته)). وقال ابن عباس: ((كان عليه السلام إذا رعف في صلاته توضأ)).
فيحتمل الوضوء المذكور في هذه الأخبار، إنما هو غسل الدم من الأنف، كما قيل: ((إنه توضأ مما مست النار)) وفي قوله: ((من أكل لحم جزور فليتوضأ))؛ لأن الوضوء إنما يجب من الحدث، ولم يثبت أن الرعاف حدث، ولو كان حدثًا، لما جاز البناء فيه، كسائر الأحداث. قال الأبهري: وأيضاً، فلما كان قليل الرعاف لا يوجب نقض الوضوء باتفاق، وجب أن يكون كثيره كذلك، كالبصاق، والمخاط عكسه البول، والرجيع فإن قليل هذا مساو لكثيره، وكذلك الحجة في القيء. قال: وأبو حنيفة يرى عليه في كثيرها الوضوء.
[فصل - 2 - : الفرق بين من كثر رعافه وسال وبين من قطر رعافه] قال مالك: وينصرف من الرعاف في الصلاة إذا سال، أو قطر قل ذلك، أو كثر، فيغسله، ويبني على صلاته، وإن كان غير قاطر، ولا سائل فتله بإصبعه، وتمادى. وكان أبو هريرة، وابن المسيب، وسالم تختضب أصابعهم دمًا من أنوفهم فيفتلونه، ولا ينصرفون. قيل لمالك في المجموعة: فإن امتلأت له أربع أصابع إلى الأنملة، وتعذر
أن يفتله قال: لا شيء عليه. م يريد كلما امتلأت له أنملة فتلها، قيل: فإن امتلأت له الأربع إلى الأنملة الوسطى، قال: هذا كثير، وأرى أن يعيد الصلاة. م يريد أنه امتلأ له أكثر من الدرهم فصار حامل نجاسة، فلهذا قال: يقطع، وأما لو سال، ولم يصل ذلك إلى شيء من جسده أو ثيابه، فهذا يذهب يغسل الدم، ويبني على صلاته. قال مالك في المجموعة: ولولا ما قلت العلماء يبني في الرعاف لرأيت أن يتكلم، ويبتدئ، ولكن الشأن ما مضوا عليه. قيل: فإن اختار الراعف أن يتكلم، ويبتدئ؟ قال: لا بأس به. قال ابن القاسم: وإن ابتدأ ولم يتكلم أعاد الصلاة. ابن حبيب: لأنه كالزائد في صلاته متعمدًا. ومن / المدونة والموطأ: قال ابن المسيب: ومن لم ينقطع عنه الدم أتم صلاته إيماء.
قال محمد بن مسلمة: إنما جعله سعيد يومئ؛ لأنه إن سجد أضر به ذلك، وكثر عليه الدم فصارت ضرورة تيبح له الإيماء، كمن برأسه صداع، أو بجبهته ما يمنعه من السجود، وقال ابن حبيب: ليس عليه أن يركع ويسجد ويقوم ويقعد فيتلطخ بالدم. م فجعل العلة الالتطاخ بخلاف قول ابن مسلمة. وكذلك اختلفوا في المسافر تحضره الصلاة والأرض كلها طين، فقال ابن حبيب: إنما يصلي قائمًا، ويركع متمكنا، يومئ للسجود أخفض من الركوع، ويضع يديه على ركبتيه في إيمائه، قالك وقاله مالك وأصحابه، إلا ابن عبد الحكم، فإنه قال: يجلس، ويسجد على الطين بقدر طاقته، وبالأول أقول. وقال أشهب وابن نافع عن مالك في العتبية: أنه يصلي ويجلس، ويتشهد، ويسجد على الطين بقدر طاقته، ولا يصلي قائمًا يومئ. قال بعض أصحابنا: وينبغي إذا رغف في وقت الصلاة، أو قبل وقتها فلم ينقطع عنه الدم أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها المفروض عساه ينقطع عنه، ثم يصلي حينئذ. [فصل - 3 - : في محل البناء في الرعاف] ومن المدونة قال مالك: وكل من رعف في صلاته، فذهب يغسل
الدم، فله أن يبني في بيته أو غيره مما يقرب من موضع غسله. قال ابن القاسم: وذلك إن علم أنه لا يدرك مع الإمام شيئًا، إلا في الجمعة، فإنه يرجع إلى المسجد؛ لأن الجمعة لا تكون إلا في المسجد. قال ابن شعبان: إنما يرجع إلى الإمام إذا علم أنه يدرك معه ركعة. م وهذا خلاف المدونة؛ لأنه قال: إذا رعف بعد فراغه من التشهد أنه يرجع وإن كان الإمام لم يسلم جلس معه، وسلم بسلامه، وإن كان قد سلم سلم هذا، وإن علم أنه لا يدرك مع الإمام شيئًا فليتم موضعه. قيل: فإن رجع إلى المسجد، فأتم صلاته، فقد أفسد على نفسه؛ لأنه صار ماشيًا في صلاته. وفي المبسوط لإسماعيل عن ابن القاسم أنه إذا ظن أن الإمام قد فرغ، فأكمل صلاته مكانه في غير الجمعة، ثم تبين له أنه قد قضى قبل
الإمام أن صلاته تامة. [فصل - 4 - : في شروط البناء في الرعاف] قال ابن حبيب: وليطلب الماء الراعف إلى أقرب ما يمكنه، إذا لم يتفاحش البعد جدًا، فإن وجد الماء في مكان فجاوزه إلى غيره فذلك قطع لصلاته، وإذا تكلم في انصرافه ليطلب الماء بطلت صلاته تكلم سهوًا، أو عمدًا، وإنما أرخص له في البناء ما لم يتكلم، أو يحدث، ولو تكلم بعد رجوعه إلى البناء لم تفسد صلاته قال ابن الماجشون. قال بعض أصحابنا؛ لأنه إذا تكلم راجعًا، فهو في عمل الصلاة، فأشبه كلامه سهوًا في أضعاف الصلاة، وإذا تكلم في انصرافه فإنما هو مشتغل بغسل
الدم، وهذا ليس بالقوي؛ لأن حكم الصلاة قائم، فسواء تكلم في سيره، أو رجوعه، والله أعلم. قال ابن حارث: ولو مشى الراعف على قشب يابس، فقال ابن سحنون: إن صلاته منتقضة. وقال ابن عبدوس: صلاته تامة. قال المغيرة: من رعف بعد كمال ركعة من الجمعة، فخرج يغسل الدم، فحال بينه وبين المسجد واد ليضف إليها أخرى، ثم يصلي أربعًا، ويجزئ في قول أشهب في هروب الناس عن الإمام بعد ركعة أنه يضيف إليها أخرى، وتجزئه جمعته؛ لأن الجماعة أحد شروط الجمعة، وكذلك المسجد. قال في كتاب الصلاة: وإن رعف إمام فلما خرج تكلم بطلت صلاته. قال ابن الماجشون: تكلم سهوًا أو عمدًا يريد للحديث ((أنه يبني ما لم يتكلم))، فهو على عمومه. وفي كتاب ابن سحنون: إن تكلم سهوًا / فالمستخلف في الصلاة، هو يحمل ذلك عنه.
وكذلك من رعف خلف إمام، بعد أن صلى ركعة معه / فخرج يغسل الدم فتكلم ساهيًا فلا شيء عليه، فإن رعف قبل أن يعقد معه ركعة لم يحمل عنه الإمام السهو، ولو أبطل الإمام صلاته بطلت عليه؛ لأنه في حكمه. وقال سحنون في المجموعة: إذا أفسد الإمام صلاته متعمدًا، لم تبطل صلاة الراعف. م والأول أصوب؛ لأن صلاته متعلقة بصلاة الإمام. وفي كتاب ابن المواز: من خرج لرعاف، فقرأ الإمام بعده سجدة، فسجد بها، ثم رجع الراعف بعد سلام الإمام فعليه أن يبدأ بالسجدة، ثم يتم صلاته. قال سحنون: ومن خرج من الصلاة لرعاف، ثم شك في الوضوء، وهو يغسل الدم فرفع الشك باليقين وابتدأ الوضوء، فلما توضأ ذكر أنه على وضوء، فقد بطلت صلاته.
م كمن ظن أنه أصابه رعاف، وهو في الصلاة، فخرج لغسله، فإذا هو ماء، فقد أبطل صلاته. قال: ولو ذكر أنه متوضئ حين هم بالوضوء، قبل أن يغسل شيئًا بني على صلاته. [فصل - 5 - : في رعاف المأموم] ومن المدونة قال مالك: وإذا رعف المأموم بعد تشهده، وقبل سلام الإمام انصرف، فغسل الدم - ورفع الشك باليقين - ثم رجع، فإن كان الإمام قد انصرف قعد وتشهد وسلم، وإن رعف بعد ما سلم الإمام، ولم يسلم هو سلم، وأجزأته صلاته. م وكذلك لو رعف قبل سلامه، ثم سلم الإمام في الوقت قبل انصرافه؛ فإنه يسلم، ويجزئه. وإنما ينصرف من رعف والإمام يتشهد، فإنه لا ينبغي له أن ينتظره حتى يسلم وهو راعف. قال مالك: وإن رعف بعد تمام ركوعه، أو بعد سجدة ألغى تلك الركعة، وابتدأ قراءتها. م واختلف المتأخرون من أصحابنا هل يريد أنه يبني على إحرامه
أم لا؟ والذي أرى أن يبني على إحرامه؛ لأن الإحرام ركن من أركان الصلاة قائم بنفسه، كالركعة التامة، فوجب أن يبني عليه، بخلاف بعض الركعة، ألا ترى أن سحنون / صاحب المدونة قال: في الذي أدرك تكبيرة الإحرام من صلاة الجمعة، ثم رعف فوجد الإمام بعد غسل الدم قد انصرف فإنه يبني على إحرامه ظهرًا أربعًا، وإن كان ابتداؤه على ركعتين، فيكيف بهذا الذي لم تتحول نيته فهو أحرى أن يبني على إحرامه؟ وإن كان قد وقع لمالك أن يقطع، ويبتدئ بإقامة، ولكن ظاهر المدونة أنه يبني على إحرامه، والله أعلم. قال مالك: وإذا رعف المأموم في الأولى من الجمعة قبل أن يركع، أو بعد أن ركع وسجد إحدى السجدتين فوجد الإمام حين رجع قد سلم من الصلاة فليبتد ظهرًا أربعًا. قال سحنون: ويبني على إحرامه أحب إليه. وقال أشهب: يتكلم، ويبتدئ أحب إلي، وإن بني على إحرامه
أجزأه، وإن أتى الذي سجد بسجدة أخرى، وصلى ثلاث ركعات أجزأه. وقال ابن وهب: عن مالك في من رعف بعد أن رفع رأسه من الركعة الأولى وسجد سجدة منها، فليأتنف أحب إلي، وكان قد قال قبل ذلك: لو بني على ما بقي منها أجزأه. ومن العتبية قال ابن القاسم: وسمعت مالكًا يقول: من أصابه رعاف قبل أن يركع ركعة بسجدتيها فلا يبني على ذلك، وليقطع، ويبتدئ بإقامة، وإحرام كان مع الإمام، أو وحده، وإن أصابهع ذلك بين ظهراني صلاته بنى، ولم يعتد بركعة لم تتم بسجدتيها. قال ابن حبيب: إن رعف راكعًا، أو ساجدًا فرفع رأسه للرعاف، فذلك تمام لركعته، أو سجدته، فإذا رجع بنى على ذلك، ويبني في القراءة من حيث بلغ، ولا يرجع بإحرام، بخلاف الراجع لما سهى. ولابن القاسم نحوه. م وبه أقول: وهذا هو القياس لما جاء يبني في الرعاف مجملاً بلا تفصيل؛ ولأنه أحرم، وفعل بعض الصلاة فوجب أن يبني على ما أدرك، أصله إذا أدرك / الركعة. م وقول مالك الذي قال فيه: لا يبني إلا على ركعة بسجدتيها استحسان،
والله أعلم. قال ابن حبيب: وإنما يبني الراعف خلف الإمام، لا من صلى وحده. ومسألة العتبية التي قبل التي كلام ابن حبيب هذا يدل على أنه يبني، وإن كان وحده، وقد قال ابن حبيب: وللإمام الراعف من البناء ما لمن خلفه فوجب أن يكون الفذ مثله. ومن المدونة قال مالك: ولو رعف بعد ما صلى مع الإمام ركعة وسجدة، ثم رجع قبل أن يركع الإمام الركعة الثانية، فليلغ الأولى، ولا يعتد بها، ولا يسجد السجدة التي بقيت عليه. قال: وإن عقد الأولى من الجمعة بسجدتيها، ثم رعف قبل ركوع الثانية، أو بعد أن ركع، وسجد منها سجدة، ثم رجع بعد سلام الإمام، فليأت بركعة بسجدتيها، يجهر بالقراءة فيها، ويلغي الركعة التي لم تتم بسجدتيها أدرك الإمام في الصلاة أو لم يدركه. قال سحنون: وهو قول أصحابنا جميعًا. قال ابن القاسم: ولو وجد الإمام حين رجع في التشهد جلس معه، فإذا
سلم الإمام أتى بركعة بسجدتيها قال: فإن نسي السورة التي مع أم القرآن في هذه الركعة التي يقضي سجد قبل السلام، وصلاته تامة، وإن نسي منها أم القرآن سجد قبل السلام، وأعاد ظهرًا أربعًا. قال سحنون في كتاب ابنه: إذا رجع بعد غسل الدم وقد فرغ الإمام من صلاته فلا يأتم أحد بالراعف فيما بقي عليه، فإن فعل، فصلاته فاسدة، وصلاة الراعف تامة. ومن المدونة قال مالك: وإن رعف بعد / كمال ركعة من الظهر، فرجع والإمام في الرابعة فليصلها معه، ثم يقضي الذي فاته بعد سلام الإمام. قال ابن حبيب: يأتي بركعتين ثانية وثالثة، يقرأ في الثانية بأم القرآن وسورة، ويقوم ولا يجلس فيها؛ لأنها ثالثته، ثالثة بنائه، ويقرأ في الثالثة بأم القرآن ويجلس؛ لأنها آخر صلاته، ورابعة بنائه. قال ابن المواز عن ابن القاسم: وإذا أدرك من الظهر الثانية بسجدتيها مع
الإمام، ثم رعف فخرج فغسل الدم، ثم رجع بعد سلام الإمام أنه يبني، ثم يقضي، يأتي بركعة بأم القرآن ويجلس؛ لأنها ثانيته، ثم يأتي بأخرى بأم القرآن، ويجلس، كما كان يفعل إمامه، ثم يأتي بركعة القضاء بأن القرآن وسورة، ويتشهد، ويسلم. وقال سحنون وابن حبيب: يبدأ بالبناء، كقول ابن المواز، إلا أنهما قالا: يأتي بالثالثة بأم القرآن، ويجلس؛ لأنها ثانيته، ثم يأتي بالرابعة بأم القرآن؛ لأنها ثالثته، ويقوم ولا يجلس فيها، ثم يأتي بركعة القضاء بأم القرآن وسورة. قال أبو محمد: يقول سحنون: إنما يفترق القضاء من البناء في القراءة خاصة. وقال سحنون في كتاب ابنه: إنه يقضي، ثم يبني، قال: وإنما كان يبني أولاً قبل القضاء اتباعًا لإمامه. ونظيرها مقيم أدرك ركعة من صلاة مسافر، فهكذا يفعل.
قال سحنون في المجموعة: ولو فاتته الأولى، وصلى الثانية، ورعف في الثالثة، ثم أدرك الرابعة، فليقض الثالثة بأم القرآن، ثم الأولى بأم القرآن وسورة، ولو لحقها من أول لكان بانيًا، فيما بقي عليه. فصل - 6 - : [في حكم الرعاف في صلاة الجنازة والعيدين] ومن كتاب ابن المواز: ومن رعف في صلاة الجنازة، فليمض يغسل الدم عنه، ثم يرجع إلى موضعه الذي صلى فيه، فيتم بقية التكبير، وكذلك [في] صلاة العيدين، ولو أتم في صلاة العيدين في بيته لأجزأه. وقال أشهب: إن خاف إن خرج يغسل الدم أن تفوته الجنازة أو صلاة العيدين فإنه يمض في صلاته، ولا ينصرف، وكذلك إن رأى في ثوبه / نجاسة، وليس معه غيره، ويخاف الفوات في انتزاعه، وليس مثل من هو على غير وضوء، فيريد أن يتيمم ليدركها؛ لأن التيمم لا يكون إلا في سفر أو مرض.
فصل - 7 - : [في حكم القيء في الصلاة] ومن المدونة قال مالك: ومن تقيأ في صلاته عامدًا، أو غير عامد ابتدأ الصلاة، ولا يبني إلا في الرعاف. قال ابن القاسم في العتبية: إن تقيأ بلغمًا، أو قلسًا فألقاه، فليتماد، وإن ابتلع القلس بعد ما أمكنه طرحه، وظهر على لسانه، أفسد صلاته. قال في المجموعة: وإن كان سهوًا، بني وسجد بعد السلام.
[باب - 21 -] جامع القول في المسح على الخفين
[باب - 21 -] جامع القول في المسح على الخفين [فصل - 1 - : في حكم توقيت المسح على الخفين]. روى مالك وغيره ((أن الرسول صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه في السفر)). وروى غيره أنه مسح في الحضر. وروي أنه عليه السلام مسح أعلاهما، وأسفلهما،
وفعله ابن عمر. وقال عمر رضي الله عنه: ((لو لبستهما ورجلاي طاهرتان، وأنا على وضوء لم أبال أن لا أنزعهما حتى أبلغ العراق، أو أقصى سفري)). ونحوه عن عقبة بن عامر وغيره.
قال ابن نافع عن مالك في المجموعة: حده من الجمعة إلى الجمعة - لعله إنما يريد ذلك في الحضر - فينزعهما لغسل الجمعة، والله أعلم. قال غير واحد من البغداديين من أصحابنا: وما ذكر في الرسالة المنسوبة إلى مالك أنه كتب بها إلى هارون الرشيد من التوقيت في المسح، فلم تصح عن مالك، وفيها أحاديث لا تصح عنده. قال ابن مهدي: ((لا أصل لحديث التوقيت)). قالوا: وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير طريق أنه قال: ((إذا أدخلت رجليك في خفيك، وأنت طاهر فامسح عليهما، وصل بهما ما لم تنزعهما، أو تصبك جنابة)). وهذا نص حديث التوقيت في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما مذكور.
وروي عن أبي بن عمارة أنه قال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال: ((يومًا أو يومين، قال: وثلاثة / وما شئت)). فلو كان محدودًا لم يزد على ذلك. فإن قيل: فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن)).
قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أن أئمة الحديث مثل ابن مهدي ويحيى بن معين، وغيرهما قالا: حديثان لا أصل لهما، ولا يصحان، التسليمتان في الصلاة، والتوقيت في المسح على الخفين. وجواب آخر: يمكن أن يكون جرى على سؤال سائل سأله عن جواز المسح على الخفين في هذا القدر، فأجابه بهذا، ولم يرد به حدًا لا يتجاوزه. وأيضاً: فإن الأصل في سائر الرخص أنها مباحة ما دامت الحاجة قائمة، كالفطر، والقصر، والتيمم، والمسح على الجبائر وأكل الميتة، وشبه ذلك، ولم يقع فيها تحديد ولا توقيت، إلا ما دامت الحاجة، فكذلك المسح على الخفين.
[فصل - 2 - : في اختلاف قول مالك في المسح على الخفين] واختلف في المسح على الخفين، فقال مالك في المدونة: يمسح المقيم والمسافر على خفيه، وليس لذلك وقت من الأيام إذا انتهى إليه لم يمسح، ثم قال: لا يمسح المقيم. قال في العتبية: قد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين، وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في خلافتهم، وذلك خمس وثلاثون سنة لم يرهم أحد يمسحون في الحضر، وإنما هي الأحاديث /، وكتاب الله تعالى أحق أن يتبع، ويعمل به. وروى ابن وهب أنه رجع إلى أن يمسح. قال أصبغ: المسح في الحضر لا شك فيه، ورأيت ابن وهب يمسح في داره بمصر وقال: اشهد علي بذلك، قال أصبغ: وأنا أمسح في الحضر وأفتي به، وهو أثبت من كل شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه. قال الأبهري وغيره: وهو المشهور عن مالك. قال ابن القصار: قال الحسن البصري: روى المسح على الخفين عن النبي صلى الله عليه وسلم سبعون نفسًا، فنقلوه فعلاً منه عليه السلام، وقولاً، وأمرًا لغيره في الحضر والسفر.
ومن حديث المغيرة، وهو حديث الموطأ ((أنه عليه السلام مسح على الخفين في غزوة تبوك))، وهي آخر الغزوات. فسقط بهذا قول من قال/: آية الوضوء مدنية، والمسح منسوخ بها؛ لأن غزوة تبوك كانت بالمدينة، والمائدة أنزلت بالمدينة قبل هذه الغزوة. وروى ابن وهب عن مالك في المجموعة أنه قال أيضًا: ((لا أمسح في حضر، ولا سفر، وكأنه كرهه)). م والمحصول من هذه الأقوال عن مالك: قول: إنه يمسح في الحضر، والسفر. وقول: لا يمسح فيهما. وقول: إنه يمسح في السفر خاصة.
فوجه قوله: يمسح المقيم والمسافر، فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يمسح المقيم والمسافر))؛ ولأنه مسح رخص فيه للضرورة، فاستوى فيه الحاضر والمسافر؛ ولأنه مسح ناب مناب الغسل، فهو كالاستجمار الذي ناب مناب الغسل. ووجه قوله: لا يمسح، إلا المسافر: فلآن الذي ثبت في أكثر النقل المسح في السفر، وقد قالت عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن ذلك: إئت عليا، فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو كان أمرًا مستقرًا في الحضر لأعلمته بذلك، ولم تأمره بسؤال علي رضي الله عنه، وأيضًا، فإن ضرورة السفر، وعجلة السير، ولحوق المشقة في نزعه من التشاغل عن سيره أوجب الرخصة فيه، كما أوجب الرخصة في الجمع والإقصار، والإفطار فيه لمشقته، ولم يبح جميع ذلك في الحضر؛ إذ لا كثير مشقة تلحقه في ذلك. ووجه قوله: لا يمسح مقيم، ولا مسافر: لأن الأصل المتفق عليه الغسل،
وقد وقع في المسح اختلاف، فلا ينتقل عن أصل متفق عليه إلى أمر متنازع فيه مع ما يحتمل أن يكون المسح كان، ثم نسخ بالقرآن، ونحو هذا لأصحابنا البغداديين، وبالله التوفيق. فصل - 3 - : [في كيفية المسح على الخفين] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ويمسح ظهور الخفين / وبطونهما، ولا يتبع غضونهما، وهو تكسير أعلاهما. ابن وهب: وقاله ابن عباس، يريد، لأن أصل المسح التخفيف. قال ابن القاسم: وأرانا مالك المسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على أطراف أصابعه من ظاهر قدمه اليمنى، ووضع اليسرى تحت أطراف أصابعه باطن خفه فأمرهما إلى مواضع الوضوء، وذلك أصل الساق، وحذو الكعبين. قال أبو محمد: وكذلك يده اليسرى من فوق رجله اليسرى، ويده اليمنى من تحتها. قال ابن حبيب: وكذلك أرانا مطرف وابن الماجشون قالا: فإن مالكًا
أراهما كذلك، قال: وإن ابن شهاب وصفه له هكذا. وقال ابن شبلون: بل يجعل اليمنى من فوق القدمين جميعًا، وهو ظاهر المدونة. وفي حديث آخر أنه قال: ((لا تمتخط بيمينك ولا تستنج بها، ولا تمسح بها أسافل الخفين)). قال محمد بن عبد الحكم: يجعل يده اليمنى على ظاهر أطراف أصابع رجله اليمنى، ويده اليسرى على مؤخر خفه من عقبه، فيذهب بها من تحت خفه إلى أطراف أصابعه، ويذهب باليمنى على ظاهر رجله إلى عقبه؛ لأن الخف ربما مشى به على قشب رطب، فلو مسح باليسرى أسفله من الأصابع إلى ظاهر العقب لمس خفه برطوبة يده من آثار القشب. قال ابن حبيب: ولو غسل خفيه ينوي بذلك المسح، لأجزأه، ويمسح لما يستقبل، وليس بواجب، ولو غسل طينًا بخفه ليمسح عليه ثم نسي المسح لم يجزئه عن المسح، ويعيد الصلاة.
ومن المدونة قال مالك: وينزع ما بأسفله من طين قبل المسح. قال أبو محمد عبد الوهاب: لأن المسح إنما جوز على الخف، وهذا حائل دون الخف، فوجب نزعه، كما لو لف على الخف خرقة لم يجز المسح عليها؛ لأنه ماسح على غير الخف. [فصل - 4 - : في المجزئ في المسح] قال ابن القاسم: ولا يجزئ عند مالك مسح أعلاه دون أسفله، ولا أسفله دون أعلاه. قال أبو محمد عبد الوهاب: لما روي أن المغيرة قال: ((وضأت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فمسح أعلى الخف وأسفله))؛ ولأن المسح على الخفين بدل من غسل الرجلين، فوجب أن يكون في مقابلة مما يستره من مبدوله، كالمسح على الجبائر والعصائب. قال ابن القاسم في المدونة: ولكن لو مسح على ظاهرهما، ثم صلى،
فأحب إليَّ أن يعيد الصلاة في الوقت؛ لأن عروة بن الزبير كان لا يمسح بطونهما. قال أبو محمد: يعني يعيد الوضوء أبدًا، والصلاة في الوقت كل ذلك استحبابًا. قال ابن القصار وغيره: وقد روي نحو فعل عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أنس بن مالك، وعدة من التابعين، فلذلك رأى مالك أن يعيد في الوقت، ليأتي بالكمال في ذلك؛ لأن السنة الكمال. قال أصبغ: ووقته وقت الصلاة المفروضة يريد لقوة الاختلاف فيه. قال سحنون: تجزئه، ثم قال: يعيد في الوقت، وقال ابن نافع عن
أشهب: يعيد أبدًا، وعلته كما وجهنا به قول مالك. قال سحنون وابن حبيب: ولو مسح أسفله فقط أعاد أبدًا، وهو قول كافة فقهاء الأمصار. وقال محمد بن عبد الحكم عن أشهب: يجزئه ذلك. وكذلك ذكر بعض أصحاب الشافعي، وهو خرق لإجماع الصحابة، وكفى بإجماعهم حجة. ووجه قول أشهب: هو أن أصل موضوع المسح التخفيف، فلذلك كان ما مسح منه أجزأه وإن كان الصواب عنده أن يأتي بكمال المسح.
فصل-5 - : [في حكم المسح على خف يظهر منه بعض الفرض] ومن المدونة قال مالك: ((وإذا كان في الخف خرق يسير، لا يظهر منه القدم، مسح عليه، وإن كان خرقًا كبيرًا، يظهر منه القدم، أو قطعه دون الكعبين محرم، أو غيره، لم يمسح عليه، من أجل أن بعض مواضع الوضوء قد ظهرت)). قال في غير المدونة: فإن كان إلى الكعبين، أو فوقهما، فليمسح عليهما غير المحرم. قال أبو محمد: لعل ابن القاسم يريد أن المحرم متعد في لباس ما بلغ الكعبين، إلا أن يكون لبسهما لعلة فينبغي أن يمسح.
فصل-6 - : [في المسح على خف لبس على خف]. ومن المدونة قال مالك: ومن لبس خفين على طهارة، ثم أحدث فمسح عليهما، ثم لبس أخرى فوقهما، ثم أحدث فليمسح عليهما أيضًا. قال: وإن أحدث فلم يتوضأ حتى لبس الأعليين فلا يمسح عليهما. قال ابن القاسم: ولو لم يحدث لم يمسح عليهما، ويجزئه المسح على الداخلين، كمتوضئ لبسهما على قدميه. قال مالك: ومن لبس خفين على خفين مسح الأعلى منهما. واختلف قوله في المسح على الجرموقين، فكان يقول: لا يمسح/ عليهما، إلا أن يكون فوقهما، وتحتهما جلد مخروز-وقد بلغ إلى الكعبين-فليمسح عليهما، ثم رجع، فقال: لا يمسح عليهما أصلًا، وسواء في قوليه لبسهما على رجل أو خف/، وأخذ ابن القاسم بقوله الأول، وهو الصواب؛ لأنه إذا كان عليه جلد مخروز يبلغ الكعبين، فهو كالخف.
ووجه قوله: ((لا يمسح)): لأن الحديث إنما ورد في الخف، وهذا غير خف لا محالة. وأما إذا لم يكن عليه جلد مخروز فلا يجزئ المسح عليه، كما لا يجزئ المسح على الخرق، إذا لف بها رجليه، ولا خلاف في ذلك. قال بعض أصحابنا البغداديين: اختلف قول مالك في المسح على خف فوق خف، فقال: يمسح، وقال: لا يمسح، والأولى أن يمسح، وذكر نحوه الأبهري، وقال: وجه المنع في المسح على الأعلى: أنه لا ضرورة إلى لبس الخف الثاني؛ لأن الأول يدفع عنه ما يخافه، ويصل بع إلى ما يريده، والثاني إنما هو زيادة توقى، فليس محله محل الأول، ووجه قوله يمسح عليه؛ لأنه يمشي في الثاني، كالأول، وقد يكون به ضرورة إلى لبسه، سيما في الثغور الباردة، ووجه قوله أنه لا يمسح: من جهة الحديث ((أنه عليه السلام إنما مسح على خف واحد، فهي رخصة، فلا يتعدى بها إلى غيرها، ووجه الجواز: فلأن المسح على الخفين الأعليين، كالمسح على الخف المبطن، وذلك جائز فيه بالاتفاق، والله أعلم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن نزع الذي لبس خفين على خفين الأعلى منهما-وقد كان مسح عليه- مسح الأسفل مكانه، وكان على وضوئه، ويجزئه، وإن أخر ذلك ابتداء الوضوء، وكذلك قال مالك في الذي ينزع خفيه، وقد مسح عليهما أنه يغسل رجليه مكانه، ويجزئه، وإن أخر ذلك ساعة أعاد الوضوء. قال أبو بكر الأبهري: حد ذلك مقدار ما يجف فيه الوضوء. قال ابن القصار: لأن الأصل كان غسل الرجلين، ثم جوز له المسح على الخفين ما دامت الرجلان مستترين فيه، فإذا نزع الخفين عاد إلى ما كان عليه؛ لأن الحكم إذا تعلق بعلة، ثم زالت زال الحكم المتعلق بها. قال في المدونة: ولم يأخذ مالك بما ذكر عن ابن عمر في تأخير المسح على الخفين، وروى عنه أنه أرخص في ذلك، وقال على عن مالك في المجموعة: إذا أخر مسحهما في وضوء حتى حضرت الصلاة، فليمسحهما ويصلى، ولا يخلع، فإن سها عن مسحهما حتى صلى فإنه يمسح، ويعيد الصلاة، ولا يعيد الوضوء.
م وهذا على ما روى عن ابن عمر في تأخير المسح إن كان أخر ذلك عامدًا فأجازه مراعاة للاختلاف. قال ابن القاسم في العتبية: فإن نزع الذي لبس خفًا على خف فردًا من الأعلى مسح تلك الرجل على الأسفل مكانه، ويجزئه. وقال ابن سحنون عن أبيه: ينزع الآخر، ويمسح على الأسفلين. قال ابن القاسم: ثم إن لبس الفرد الذي نزعه، ثم أحدث مسح عليهما. [فصل-7 - : في حكم خروج العقب من الخف أو نزع الخف لضرورة] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا خرج العقب من الخف إلى الساق قليلًا، والقدم كما هي في الخف، أو كان الخف واسعًا، وكان العقب يزول، ويخرج إلى الساق، وتجول القدم، إلا أن القدم كما هي في الخف فلا شيء عليه. قال: وإن خرج جميع قدمه إلى ساق الخف، وقد كان مسح عليهما فلا يجزئه، إلا أن يخرجهما، ويغسلهما مكانه، وكذلك في خروج قدميه لسعة/ الخف فإن أخر ذلك استأنف الوضوء. وقال في أصل سمع ابن وهب: قال مالك: ولو نزع خفه، وأقام طويلا
لم يغسل رجليه، فأحب إليّ أن يأتنف الوضوء، وإن غسل رجليه وصلى أجزاه، وهذا أيضًا؛ لما روى عن ابن عمر في تأخير المسح على الخفين. قال في العتبية في من وجد حصاة في أحد خفيه فنزعه، فأخرجهما، ثم رده مكانه قال: أحب إليّ أن يغسل قدميه مكانه. قيل له: إن بعض أهل العراق يقول: إذا نزعت خفيك انتقض وضوئك كله، فأنكر قولهم. محمد قال بعض فقهائنا القرويين: إذا نزع أحد خفيه، ثم لم يقدر على نزع الأخرى، وخاف فوات الوقت غسل الرجل الواحدة، ومسح على الأخرى من فوق الخف، ويصير ذلك ضرورةً كالجبيرة، ذكر هذا عن أبى العباس الإبياني قال: وفيها أقوال أخر أنه يخرق الخف الثاني. وقيل: أنه يتيمم. واستحسن بعض فقهائنا إن كان الخف قليل الثمن فليخرقه، وغن كان لغيره، ويغرم له قيمته، وإن كان كثير الثمن، فليمسح عليه، كالجبيرة. ابن حبيب: وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: في مسافر مسح على خفيه، فأصابت خفه نجاسة ولا ماء معه فإنه ينزعه، وليتيمم.
[فصل-8 - : حكم من لبس الخفين بعد التيمم] ومن المدونة/ قال ابن القاسم: ومن تيمم، وهو لا يجد الماء، ثم لبس خفيه وصلى، ثم وجد الماء، فتوضأ فلا يجزئه أن يمسح على خفيه، ولينزعهما ويغسل قدميه؛ لأنه أدخلهما غير طاهرتين بطهر الوضوء. قال مالك في الموطأ: إنما يمسح على الخفين من أدخل رجليه فيهما طاهرتين بطهر الوضوء؛ لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا أدخلت رجليك في خفيك وأنت طاهر، فامسح عليهما، وصل بهما ما لم تنزعهما، أو تصبك جنابة)). قال أصبغ في العتبية: إذا تيمم، ثم لبس خفيه، ثم صلى، فله أن يمسح عليهما إذا وجد الماء؛ لأنه أدخلهما بطهر التيمم، ولو صلى بالتيمم ثم لبسهما لم يمسح إن أحدث، لانتقاض تيممه بتمام صلاته. وقال سحنون: لا يمسح، وإن لبسهما قبل الصلاة. وقاله جماعة من أصحاب مالك، وهو الصواب؛ لقوله عليه السلام: ((إذا أدخلت رجليك، وأنت طاهر فامسح))، فيجب أن يحمل ذلك على كمال الطهارة، والتيمم عند أكثر أصحابنا لا يرفع الحدث، وإنما يبيح الصلاة. دليله قول على بن أبى طالب رضي الله عنه في تأويل قوله سبحانه: {وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي
سَبِيلٍ {أنه قال: هو المسافر الذي لا يجد الماء، فأبيح الماء له الصلاة بالتيمم، فقد سماه الله جنبًا، وإنما أبيح له الصلاة بالتيمم. وقد ذهب بعض الناس: إلى أن التيمم يرفع الحدث في حال الصلاة، وهو وجه قول أصبغ هذا. [فصل-9 - : في من لبس خفيه قبل كمال طهره بالماء] قال مطرف: في من توضأ، ولم يبق إلا غسل رجليه فغسل رجله اليمنى، ثم لبس خفه، ثم غسل اليسري، ثم لبس خفه، ثم أحدث فليمسح عليهما، وقاله أشهب-يريد-أنه أدخل رجليه كل واحدة بعد كمال طهارتها. وقال سحنون: لا يمسح عليهما؛ لنه أدخل الأولى قبل تمام الوضوء؛ إلا أن يكون نزعهما، أو خلع اليمنى، ولبسها فقط قبل أن يحدث، ثم لبس ما نزع قبل الحدث، فإنه يمسح. قال سحنون: ولو لبسهما بعد تمام وضوئه، ثم ذكر مسح رأسه، فمسحه فلا يمسح على خفيه إن أحدث، إلا أن ينزعهما بعد مسح رأسه [ثم يلبسهما] قبل الحدث فليمسح.
فصل-10 - : [هل للمرأة أن تلبس الخفين إذا خصبت رجليها بالحناء لتمسح ... عليهما أو الرجل يلبسهما إذا أراد أن ينام] ومن المدونة قال مالك في/ المرأة تخصب رجليها بالحناء، وهي على وضوء، فتلبس خفيها؛ لتمسح عليهما، إذا أحدثت، أو نامت، أو انتقض وضوئها، قال: لا يعجبني ذلك. قال: وإن كان رجل على وضوء فأراد أن ينام فلبس خفيه؛ ليمسح عليهما إذا أحدث فلا خير فيه. قال ابن القاسم: وكذلك إذا أراد أن يبول فلبسه. قال مالك في الواضحة، وسحنون في كتاب ابنه: وعلى من فعل ذلك إعادة الصلاة أبدًا. وقال أصبغ في الثمانية: يكره للمرأة أن تفعل ذلك، فإن فعلت ومسحت فلا شيء عليها، وصلاتها تامة. ومن المدونة قال ابن القاسم: وللمستحاضة أن تمسح على خفيها. قال مالك: والمرأة في المسح على الخفين والرأس بمنزلة الرجل في جميع ذلك.
[باب-22 -] جامع القول في التيمم
[باب-22 -] جامع القول في التيمم [فصل-1 - : في أدلة مشروعية التيمم, ومعناه]. قال تعالي: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ {[المائدة:6]. وروي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ((التيمم ضربة للوجه, وضربة لليدين إلي المرفقين)). وفي حديث آخر: ((أنه مسح وجهه ويديه)) يعني بضربة واحدة. قال غير واحد من العلماء: - وقاله ابن حبيب - التيمم القصد.
لقوله تعالى: {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ {[المائدة:2] والصعيد: قال ابن حبيب: التراب, والطيب: الطاهر. وقال غيره: الصعيد: الأرض نفسها. ومن قوله تعالى: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا {[الكهف:40] , أي: أرضًا زلقة. ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((يجمع الله/تعالي الخلائق يوم القيامة علي صعيد واحد)) , أي: علي أرض واحدة. والاسم الأخص بالصعيد الأرض نفسها, ولم يخص تعالى صعيداً من صعيد.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً, فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت)). فعمّ, ولم يخص موضعاً منها, وجمع بين الصلاة, وبين التيمم عليها, فكما جازت الصلاة علي الجبل والحصباء وكل ما صعد علي الأرض مما هو منها باتفاق, فكذلك يجوز التيمم عليه. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت)) دليل إن أدركته في الجبل والسبخة تيمم, وصلى. قال غير واحد من البغداديين: فلا نبالي بما صعد منها كان حجراً, أو تراباً, أو رملاً.
فصل-2 - : [الخلاف في مسح اليدين] قال أبو الفرج البغدادي وغيره: الواجب عند مالك التيمم إلي الكوعين, ويستحب بلوغ المرفقين. قال: والذي قال هو ظاهر القرآن؛ لقوله تعالي: {وَأَيْدِيكُمْ {[المائدة:6] , فهذا هو المعقول من اليدين, فلا يلحق بهما ما عداهما, إلا بدليل قال غيره: وقد اختلفت الأحاديث في الكوعين والمرفقين, قالوا: وكذلك يرى أن من تيمم إلي الكوعين يعيد في الوقت, وأن من تيمم بضربة واحدة لوجهه ويديه لا يعيد؛ لأنه قد جاء الحديث بمثله, وقاله مالك وابن القاسم في العتبية. وقال ابن حبيب: يعيد في الوقت هو ومن تيمم إلي الكوعين. قال ابن سحنون: وقال ابن نافع: فيهما يعيدان أبداً. قال مالك في العتبية: ولقد سمعت رجلا عظيمًا يقول: التيمم إلي المنكبين, وتعجب كيف قاله؟.
قال سحنون: وهو ابن شهاب. وقد كان ابن عمر/ يتيمم إلي المرفقين, وهو في الموطأ فالمحصول من ذلك: قول إنه يتيمم إلي الكوعين, وقول إنه إلي المرفقين, وقول إلي المنكبين. فوجه قول مالك: أنه يتيمم إلي الكوعين قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ {[المائدة:6] ولم يحد, كما حد في الوضوء إلي المرفقين, وقال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا {[المائدة:38]. ولم يحد فأبانت السنة أن القطع من الكوعين, واجمعت الناس عليه, إذ ليس فيه حد فأعطي أخص أسماء اليد, فكذلك التيمم؛ لأن المعقول من اسم اليد, والأخص بها من الكوع.
وأيد ذلك ما روي ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم إلي الكوعين)). ووجه قوله: يتيمم إلي المرفقين: قياسًا علي الوضوء الذي هو بدل منه, وقد ثبت الحديث بمثله. ووجه قول من قال: إلي المنكبين: فلأن ذلك يقع عليه اسم اليد, وهذا أضعف الأقوال. فصل-3 - : [في صفة التيمم] ومن المدونة قال مالك: التيمم من الجنابة والوضوء سواء, ضربة للوجه وضربة أخرى للذراعين. يضرب الأرض بيديه جميعًا ضربة واحدة, ثم ينفض ما تعلق بهما نفضاً خفيفاً, ثم يمسح بهما وجهه, ثم يضرب بهما الأرض ثانية, فيبدأ باليسرى علي اليمنى فيمرها من فوق الكفين إلي المرفقين, ويمرها أيضاً من باطن المرفقين إلي الكوعي قال ابن حبيب: إلي أصل الكف. قال مالك: ويمر أيضاً اليمنى علي اليسرى كذلك.
قال ابن حبيب - في صفة التيمم- قال: يذهب باليسرى علي اليمنى إلي المرفق, ثم يعيدها علي باطن اليد إلي أصل الكف, ثم يحول تلك الكف اليمنى علي ظاهر أصابع اليسرى ذاهباً إلي المرفق, ثم يعيدها علي باطن اليسرى إلي أطراف أصابعها, وذكر هذه الصفة مطرف وابن الماجشون عن مالك عن ابن شهاب, وهو ظاهر المدونة. محمد وفي صفة غير ابن حبيب: أنه إذا بلغ باليسرى إلي أصل كف اليمنى تمادى بها إلي آخر أصابع اليمنى, ثم يمسح اليسرى باليمنى. قال أبو محمد وأبو الحسن: وهو أحسن؛ لأن التيمم بدل من/ الوضوء, فكما لا ينتقل في الوضوء من يد حتى يكمل جميعها, فكذلك التيمم. وأنكر ابن القابسي أن ذلك قول ابن شهاب, قال: لأن ابن شهاب يرى أن التيمم إلي المنكبين, قال: وما وقع في بعض روايات المدونة من مرور اليسرى من باطن المرفق غلي الكوع, ويمر اليمنى علي اليسرى كذلك, فمعناه أن يبدأ في الترتيب إذا مكن يده من باطن المرفق فجرها إلي الكوعين أي إلى
ناحية الكوعين حتى تتم اليد؛ لئلا يظن الماسح أن يبدأ من أطراف بطون الأصابع, ولم يرد أن الانتهاء إلي حد الكوعين في اليمنى؛ لأنه إن كان المسح علي باطن اليمنى إلي الكوع, فباطن اليسرى علي هذه الرواية كذلك, ويسقط المسح علي باطن الكفين, وهذا غلط شديد. ابن القرطي: وليس عليه متابعة الغضون في التيمم, وعليه تخليل أصابعه. أبو محمد: وما رأيته لغيره. [فصل-4 - : في أقسام المسافر العادم للماء] والمسافر الذي لا ماء عنده علي أربعة أقسام عند مالك: فمسافر مؤس من إدراك الماء في الوقت, ومسافر موقن بإدراك الماء في الوقت, ومسافر لا علم عنده من الماء, ومسافر يعلم موضع الماء, ويخاف ألاّ يبلغه في الوقت.
قال مالك: وإذا كان المسافر علي إياس من الماء فليتيمم في أول الوقت, ويصلي, ولا إعادة عليه إن وجد الماء في الوقت. م محمد: لأنه دخل الصلاة بما أبيح له/, وأمر به, وهو قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا {[المائدة:6] , وهذا غير واجد له. م قيل: ومعناه أنه وجد ماءً غير ذلك الماء المؤس منه. وأما إن وصل إلي ذلك الماء لأعاد لخطئه في التقدير. قال مالك: والمسافر يكون علي يقين من إدراك الماء في الوقت يؤخر الصلاة حتى يأتي الماء. محمد يريد وقت الصلاة المفروضة, قاله ابن عبدوس, وذلك في الظهر إلي أن يخاف دخول وقت العصر. قال ابن حبيب: إلي أن يبلغ ظله مثله, وفي وقت العصر إلي أن يبلغ ظله مثليه, وذلك بعد القدر الذي زالت عليه الشمس, وفي المغرب قبل غيبوبة
الشفق, وفي العشاء ثلث الليل. قال ابن القاسم: فإن تيمم هذا أول الوقت وصلى أعاد الصلاة في الوقت إن وجد الماء في الوقت. قال ابن حبيب: فإن لم يفعل حتى خرج الوقت أعاد الصلاة أبداً, قال: وقال ابن القاسم: لا يعيد إلا في الوقت, قال: ولا أقول به. م فوجه قول ابن القاسم إنه حين حلت الصلاة, ووجب القيام إليها غير واجد للماء, فدخل في قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا {, وإنما أمر بالإعادة في الوقت على طريق الاستحباب؛ لأنه غير تام العدم؛ لوصوله إلى الماء والوقت قائم. ووجه قول ابن حبيب أن التيمم إنما جعل لإدراك فضيلة الوقت, فمتى كان موقناً بوجود الماء في الوقت وجب عليه التأخير إليه؛ ليصلي بكمال الطهارة فيه, فوجب بذلك سقوط تيممه, وصلاته به قبل ذلك, فهذا لم يفعل ما وجب عليه, فهو كمن لم يصل, فوجب أن يعيد أبداً. ومن المدونة قال مالك: وإن كان المسافر لا علم عنده من الماء, أو كان يعلم موضعه ويخاف أن لا يبلغه, فليتيمم في وسط الوقت, ثم إن وجد الماء
في الوقت أعاد الذي عنده علم من الماء ويخاف أن لا يبلغه, ولم يعد الذي لا علم عنده أصلا. قال أبو إسحاق: وكأن هذا أشبه؛ لأنه قد غلب علي ظنه وجود الماء في آخر الوقت, وقد وجده, ولا يجوز التيمم قبل وجود الماء مع يقينه أنه يدركه في آخر الوقت, وقد وجده, والمصلي في آخر الوقت ليس بآثم, ولا حرج في الوقت: في الظهر القامة, وفي العصر القامتان, وفي المغرب غيبوبة الشفق, وفي العشاء/ ثلث الليل, وفي الصبح الذي يقرب طلوع الشمس, وما بين ذلك هو وسط الوقت. قال ابن حبيب فيهما: يؤخرا إلي آخر الوقت كمن يعلم أنه يدرك الماء في الوقت, فإن تيمما في أول الوقت وصليا, ثم وجدا الماء في الوقت فليعيدا, فإن جهلا أن يعيدا حتى خرج الوقت فلا شيء عليهما, بخلاف الذي يعلم أنه يدرك الماء في الوقت. قاله مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ وعبد الملك. م فوجه قول مالك: أنهما لما كانا غير موقنين بإدراك الماء في الوقت ولا مؤسين منه كان لهما حكم بين الحكمين, وهو وسط الوقت.
ووجه تفرقته بينهما في الإعادة هو: أن الذي عنده علم من الماء, ويخاف ألا يبلغه, إذا وجد الماء في الوقت, فقد بان تفريطه لخطئه في تقديره, إذا لو أيقن أنه يدركه في ذلك الوقت لوجب عليه التربص إليه, فهو كالمسافر يقدم والحائض تطهر, فيخطئان في تقديرهما بقية النهار أنهما يعملان بعد ذلك علي ما كان يجب عليهما, وأما الذي لا علم عنده من الماء فلم يفرط, ولا أخطأ في تقديره, بل دخل الصلاة بما يجوز له فوجب أن لا يعيد. ووجه قول ابن حبيب هو: أن التيمم لا يجب إلا لعدم الماء علي الحقيقة؛ لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا {[المائدة:6] , وهؤلاء غير موقنين بعدمه, فلا يسقط فرض الطهارة به, والوقت قائم بغير يقين عدمه فإذا خاف ذهاب الوقت وجب التيمم؛ لأنه إنما جعل لإدراك فضيلة الوقت, فإن تيمما, وصليا قبل ذلك وجب أن لا يعيدا أبداً؛ لأجل الاختلاف في ذلك, وأنه لم يجب عليهما ذلك, كوجوبه علي الموقن. فصل-5 - :في تيمم المريض والخائف ومن المدونة/ قال مالك: ويتيمم المريض- يريد- الذي يجد الماء,
ولا يجد من يناوله إياه, والخائف الذي يعرف موضع الماء, ويخاف أن لا يبلغه, وكذلك الخائف من لصوص أو سباع علي الماء, في وسط الوقت, ثم إن وجدوا الماء في وقت, تلك الصلاة أعادوا. قال ابن عبدوس: والوقت في ذلك كله وقت الصلاة المفروضة. وقال أصبغ: في المريض والمتيمم إلي الكوعين وماسح أعلي الخف, والذي يستجمر بعظم أو عود أو فحم أو بعرة, إن وقتهم وقت الصلاة المفروضة. م محمد قيل: إن وقت الصلاة المفروضة في العصر الاصفرار, وقيل: إذا صار الظل قامتين, والأول أصوب. ومن المدونة روى ابن وهب ((أن رجلين أجنبا علي عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وكانا في سفر, فلم يجدا ماءً, فتيمما, ثم صليا, ثم وجدا الماء قبل أن تطلع الشمس, فاغتسلا, وأعاد أحدهما الصلاة, ولم يعد الآخر, فذكرا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - , فقال للذي أعاد: ((لك الأجر مرتين)) , وقال للآخر: ((تمت صلاتك)). وفي رواية أخرى أنه قال للذي أعاد: ((لك مثل سهم جمع)). وللذي لم يعد: ((أجزأت عنك صلاتك, وأصبت السنة)).
[فصل-6 - : في من نسي الماء في رحله أو جهله وصلى بتيمم] قال مالك: ومن تيمم ونسى الماء في رحله أو جهله وصلى, أعاد في الوقت. وقال أصبغ: يعيد أبداً. وفي المختصر الكبير: لا إعادة عليه, وإن أعاد فحسن. م فوجه قول مالك: أنه يعيد في الوقت, ولم ير أنه تجزئه صلاته؛ فلأنه غير عادم للماء, وإنما لم يوجب عليه الإعادة أبداً؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((حمل عن أمتي الخطأ والنسيان)) فجعل له بهذا حكمًا بين ذلك, وذلك الإعادة في الوقت. ووجه قول أصبغ: فلأنه واجد للماء, وقد/ قال الله تعالي: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
كما قال في الظهار: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْن {[المجادلة:4] , فكما لا يعذر واجد الرقبة بنسيانه أو جهله أنه يملكها, فكذلك لا يسقط عنه ذلك الوضوء. م والفرق عند مالك بين ناسي الماء في رحله, وناسي الرقبة: أن التيمم إنما يكون لإدراك فضيلة الوقت, وقد أديت الصلاة به في الوقت, وإما وجد الماء بعد ذهاب وقتها, والكفارة ليست متعلقة بوقت, فمتى وجدت الرقبة فهو وقت لها, فوجب أن لا يجزئه الصوم, كوجود الماء في الوقت؛ لأنه كان في حين الأداء واجداً للماء والرقبة, فلم يجزئه ما أدي. ووجه ما في المختصر الكبير, كما وجهنا به قول مالك في العذر بالنسيان, واستحب له الإعادة ليأتي بالصلاة بأكمل الطهارتين. ومن المدونة قال مالك: وإن ذكر أن الماء في رحله, وهو في الصلاة قطع؛ لأنه واجد للماء في حال صلاته وقادر عليه. قال مالك: ولو اطلع عليه رجل بماء وهو في الصلاة تمادي, وأجزأته صلاته.
والفرق بينهما: أن الذي ذكر أن الماء في رحله حين قيامه للصلاة كان واجدًا للماء, ومالكًا له, فلما اجتمع عليه مع ذلك العلم به, وهو في الصلاة بطلت عليه؛ لأنه قادر علي الماء قبل تمامها, ومالك له حين القيام إليها, والذي طلع عليه رجل بالماء حين قيامه إلي الصلاة, ودخوله فيها هو غير واجد للماء, ولا مالك له. م وقد قال الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا {[المائدة:6] , فقد دخل في الصلاة بما أمر به, وحصل/ له منها عمل بإحدى الطهارتين, فوجب أن لا يبطله لقوله تعالي: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ {[محمد:33]. م محمد وهذا كالأمة تعتق بعد ركعة ورأسها مكشوفة. قال أصبغ: تتمادى, ولا تعيد في وقت ولا غيره, قال: وهي كالمتيمم يجد الماء بعد أن صلى ركعة, ولو عتقت قبل الصلاة, ثم علمت, وهي في الصلاة, فهذه تعيد, وهي كمن نسى الماء في رحله. وقال ابن القاسم في المعتقة بعد ركعة إن لم تجد من يناولها خمارها,
ولا وصلت إليه فلا تعيد, وإن قدرت علي أخذه فلم تأخذه أعادت في الوقت. م والفرق بينها وبين المتيمم في هذا: أن المتيمم إذا توضأ بذلك الماء أبطل الصلاة, وقد قال الله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ {[محمد:33] , والأمة تقدر أن تستتر ولا تقطع صلاتها؛ لأنه خفيف, وفي الصلاة إيعاب هذا. [فصل -7 - : في الذي يعجز ماؤه ومع أصحابه ماء هل يسألهم] قال مالك: في العتبية في المسافر يعجز ماؤه ومع أصحابه ماء, قال: أما المكان الكثير الماء فلا بأس أن يسألهم, وأما الموضع الذي يتعذر فيه الماء, فأرجو أن يكون في سعة أن لا يسألهم. قال عنه أشهب: إنه يسأل من يليه, ومن يظن أنه يعطيه, وليس عليه أن يسأل أربعين رجلا. قال ابن القاسم: وإن سأل من معه في الرفقة فقالوا: ليس عندنا ماء, فتيمم وصلى, ثم وجد الماء عندهم, فإن كاوا رفقاءه, ومن لو علم به عندهم لم يمنعوه, فليعد في الوقت.
م وهو كمن نسي الماء في رحله. قال ابن القاسم: ولو كان يظن أن لو علم به منعوه, فلا إعادة عليه, قال: ولو نزلوا في صحراء وليس معهم ماء, فتيمموا وصلوا, ثم وجدوا بئراً أو غديراً قريباً منهم لم يعلموا به فإنهم يعيدون في الوقت؛ لتفريطهم في طلبه فهم كمن جهل الماء في رحله. فصل-8 - : [في حكم تيمم الحاضر أو المقيم إذا فقد الماء] ومن المدونة قال مالك: ومن خرج من قرية يريد قرية أخرى وهو غير مسافر فغربت عليه الشمس, فإن طمع في إدراك الماء قبل مغيب الشفق مضى إليه, وإلا تيمم وصلى. وقال مرة:- أيضاً- يتيمم, ويصلى. قال ابن القاسم: ويتيمم في الحضر من لم يجد الماء, وكذلك المسجون الذي لا يجد الماء. وقد قال مالك في من كان في المعافر, وأطراف الفسطاط فخاف
إن ذهب إلي النيل يتوضأ أن تطلع الشمس: إنه يتيمم. واختلف فيه قول ابن القاسم, في غير المدونة فقال مرة: يتيمم ويصلى, وقال مرة: يتيمم ويصلى, ويعيد الصلاة بالوضوء, وقال مرة: لا يتيمم, ويطلب الماء وإن طلعت الشمس, إلا أن يكون له عدو. وذكر غير واحد من البغداديين: هذا الاختلاف عن مالك. فوجه قوله: إن خاف فوات الوقت تيمم ويصلى, ولا يعيد؛ فلأن التيمم إنما شرع لإدراك الوقت, وهو طهارة/ تستباح به الصلاة, فوجب أن يستوي فيه الحاضرو المسافر. وقد روى أن أبا ذر قال: انتقلت بأهلي إلي الربذة, فكنت أجنب,
وأعدم الماء الخمسة الأيام والستة, فأعلمت بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم, ولو لم يجد الماء عشر حجج)). فهذا نص بين في المقيم؛ لأن أبا ذر إنما انتقل إلي الربذة للإقامة بها, وهذا أقيس الأقوال. ووجه قوله: لا يتيمم, ويطلب الماء, وإن طلعت الشمس؛ فلأن التيمم إنما/ ذكر في المريض الذي لا يستطيع استعمال الماء, والمسافر العادم له؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر {[المائدة:6] الآية. فوجب أن لايعدى بها إلي غير ذلك. ووجه قوله: يتيمم ويصلى, ويعيد بالوضوء: أنه لما ترجح عنده كل قول؛ لما قدمناه رأى أن يأتي بالاحتياط, ويصلي بالتيمم, فيدرك فضيلة الوقت, ويعيد بالوضوء خوفاً أن يكون ذلك التيمم لا يجزئه؛ إذ ليس هو من أهله, فأتي بالأمرين احتياطًا. والله أعلم.
قال ابن حبيب عن ابن عبد الحكم في حضري لم يجد الماء: فتيمم وصلي، ثم وجد الماء بعد أن خرج الوقت فعليه أن يعيد؛ لأن الله تعالى إنما ذكر التيمم في المريض الحاضر والمسافر. غبن حبيب: وكذلك المسجونون يحبس عليهم الماء إلى آخر الوقت، فليصلوا بالتيمم، ثم يعيدوا إذا وجدوا الماء. فصل-9 - : [في من خاف فوات الوقت باستعمال الماء أو تحصيله] ومن المدونة قال مالك: ومن خاف في حضر أو سفر إن رفع الماء من البئر أن يذهب الوقت فليتيمم، ويصلي، ولا يعيد الصلاة بعد ذلك إذا توضأ، وقد كان من قوله في الحضري: أنه يعيد إذا توضأ. قال ابن حبيب: أبداً، وبه أقول، وجعله ابن القاسم كالمسافر، وليس مثله. محمد: قال بعض فقهائنا القرويين: ومن خاف إن توضأ بماء معه ذهب الوقت، وهو إن تيمم يدرك الوقت، فليتوضأ، وإن ذهب الوقت، بخلاف الذي يرفعه من البئر، لأن هذا واجد للماء قادر على استعماله. وقال أبو محمد عبد الوهاب: له أن يتيمم متى خاف إن تشاغل باستعماله فوات الوقت.
م محمد: وهو الصواب عندي، ولا فرق بين تشاغله باستعمال الماء أو برفعه من البئر، وإنما وضع التيمم لإدراك فضيلة الوقت، وإلى هذا ذهب ابن القصار وغيره. قال ابن القصار: وأما من خاف فوات الجمعة إن توضأ، لم يجزئه أن يتيمم؛ لأن الظهر هو الأصل، فإن فاته فرض الجمعة مع الإمام لم يفته وقت الظهر، وإنما يتيمم من فاته وقت الظهر المختار، ولم أر المالك فيه نصاً. قال: وقد قال بعض أصحابنا: إن القياس يوجب إذا خاف بتشاغله بالوضوء أن تفوته الجمعة مع الإمام أن يتيمم ويدركها؛ لأن الجمعة فرض، والتيمم إحدى الطهارتين، فلأن يلحق الفرض بالطهارة الصغرى أولى من أن تفوته. م وقال بعض شيوخنا: ولو قال قائل: يتيمم ويدرك الجمعة، ثم يتوضأ، ويعيد ظهراً احتياطاً لم يبعد، كقول مالك في أحد قوليه في الحضري لا يجد ماء.
فصل -10 - : [في حكم التيمم على موضع نجس] قال ابن القاسم: ومن تيمم على موضع نجس قد أصابه بول أو قذر، فإنه يعيد ما كان في الوقت، كقول مالك في من توضأ بماء غير طاهر: أنه يعيد في الوقت، فهذا مثله. قال ابن حبيب: هذا إن لم يعلم نجاسة التراب، وأما إن علم فإنه يعيد أبداً، بمنزلة من توضأ بماء قد تغير لونه أو طعمه. قال أبو الفرج: قول مالك: في من تيمم على موضع نجس أنه يعيد في الوقت، أراه يرييد خالطته نجاسة لم تطهر طهوراً يحكم لها به، فيصير مشكوكاً فيه، فإن لم يرد هذا، فلعله فرق بين الماء والأرض/: أن الماء ينقل المحدث إلى/ كمال الطهارة، والمتيمم، إنما ينتقل به عن حكم الحدث إلى وجود الماء، ويحتمل أن يكون الفرق بين المتيمم على الموضع النجس،
والمتوضئ بماء قد تغير لونه أو طعمه: أن المتوضئ ينتقل إلى ماء طاهر في الحقيقة؛ لأنه يدرك معرفته بالمشاهدة، والمتيمم إذا انتقل إلى تراب آخر أمكن أن يكون ذلك التراب نجساً؛ لأنه لا يدرك مشاهدته، كما هي في الماء، فلذلك لم يؤمر بالإعادة أبداً، والله أعلم. [فصل-11 - : في التيمم بتراب مستعمل] قال ابن القاسم في العتبية: ولا بأس أن يتيمم بتراب قد تيمم به مرة، يريد؛ لأنه لا يصير تراباً مضافاً، ويريد أنه كان يرفع التراب لوجهه ويديه فيسقط له منه فإذا أراد التيمم بما سقط له فهذا تراب تيمم به مرة؛ لأنه يصير مضافاً، فأما لو وضع يديه على التراب الذي تيمم عليه ترابًا لم يتيمم به بعد، والأمر فيهما سواء؛ لما قدمنا أن التراب لا يكون مضافًا.
فصل-12 - : [في تفريق التيمم، وتنكيسه، والغسل من الجنابة عند وجود الماء] ومن المدونة قال مالك: ومن فرق تيممه فكان أمرًا قريبًا أجزأه، وإن تباعد ابتدأ، كالوضوء. قال: وتنكيس التيمم، كالوضوء. قال مالك: وإذا لم يجد الجنب الماء فتيمم وصلى، ثم وجد الماء، فإنه يغتسل لما يستقبل، وصلاته الأولى تامة، وقاله سعيد بن المسيب وابن مسعود، وقد كان يقول غير هذا/، ثم رجع إلى أنه يغتسل. م محمد: واختلف في تأويل قوله: وقد كان يقول غير هذا، قيل: إنه كان يقول: إن التيمم يرفع حدث الجنابة، كالغسل، وأنه لا يغتسل إن وجد الماء بعد ذلك، ثم رجع إلى أنه يغتسل، وهذا أشبه بظاهر لفظه.
وقيل: بل كان يقول: إنه يغتسل، ويعيد الصلاة، ثم رجع إلى أنه يغتسل فقط ولا يعيد الصلاة، كما قال مالك. قال أبو محمد: يريد ما لم يكن في بدنه أذى. قال أبو بكر بن اللباد: أو لم يكن ببدنه جنابة، إلا أن جنابته من وطء في الفرج، فإن دخول الفرج في الفرج ينجس، فعليه أن يعيد الصلاة في الوقت. فصل-13 - : [التيمم لتعذر استعمال الماء] ومن المدونة قال مالك: والمجدور والمحصوب إذا خافا على أنفسهما من الماء تيمما للجنابة لكل صلاة أحدثا أم لا. وروى ابن وهب "أن رجلا في غزوة خيبر أصابته جنابة، وكان به جدري فغسله أصحابه فتهرأ لحمه فمات، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "قتلوه
قتلهم الله، أ/اكان يكفيهم أن ييمموه بالصعيد". وأن ابن عباس أفتى مجدورًا بالتيمم. وقال مجاهد: للمجدور وأشباهه أن لا يتوضأ ويتلو (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ). وذلك مما يخفي من تأويل القرآن. قال أبو محمد عبد الوهاب: وجواز التيمم لتعذر استعمال الماء على أربعة أقسام: خوف تلف، أو زيادة مرض، أو تأخير برء، أو خوف حدوث مرض يخاف معه ما ذكرنا. قال ابن القصار: وأما إن خاف التلف من استعمال الماء، فلا خلاف بين فقهاء الأمصار أن له أن يتيمم، واختلفوا إن خاف زيادة مرض كان به، أو تأخير برء، أو حدوث مرض، وإن لم يخف منه التلف: فعندنا يجوز له التيمم، والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، وأي من ضيق، فنفى الضيق عنا في الدين، واستعمال الماء مع الخوف من زيادة المرض ضيق، وقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، ومن العسر
وجوب استعمال الماء مع خوف المرض أو زيادته، وفي القرآن من ذلك كثير. ويدل على هذا حديث عمرو بن العاص حين احتلم في ليلة باردة، فذكر حديث المدونة. [فصل-14 - : في تيمم من في جسده بعض الجراحات] ومن المدونة قال مالك: ومن غمرات الجراح أكثر جسده ولا يستطيع أن يمس جسده فليتيمم، ويصلي، وإن كان بعض جسده صحيحًا وأكثره جراحات غسل الجنابة ما صح من جسده، ومسح على جراحه بالماء إن قدر، وإلا فعلى عصابها. قال ابن القاسم: وإن غمرت الجراح جسده ورأسه، ولم يبق له إلا يد أو رجل تيمم، وصلى. قال مالك: وإذا خاف/ الجنب الصحيح على نفسه الموت من الثلج أو البرد إن هو اغتسل أجزأه التيمم -يريد أنه يتيمم في أول الوقت- وكذلك المجدور. وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمّر عمرو بن العاص على جيش، وأنه احتلم
في ليلة باردة فخاف إن اغتسل بالماء البارد أن يموت فتيمم، ثم صلى بهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أحب أنك تركت شيئًا مما فعلت، ولا فعلت شيئًا مما تركت؛ لأن تركك الغسل إذا خفت على نفسك صواب، وفعلك التيمم صواب". وفي حديث آخر قال عمرو: فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: "أصليت بالناس وأنت جنب؟ فقلت يا رسول الله: سمعت الله عز وجل يقول: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل له شيئًا".
قال بعض شيوخنا: في هذا الخبر فوائد: أحدها: جواز التيمم للجنب، وجوازه لمن خاف من استعمال الماء الهلاك من البرد، وفيه: أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صليت بالناس وأنت جنب". وفيه: أن المتيمم يصلي بالمتوضئين. فصل-15 - : [في التيمم على كل صعيد طيب] ومن المدونة قال مالك: ويتيمم على الحصباء والجبل من لم يجد المدر. قال: ويتيمم على الطين من لم يجد ترابًا ولا جبلاً، وليخفف وضع يده عليه. قال في المختصر: وليخففه قليلاً.
قال ابن حبيب: ويحرك يديه بعضها على بعض يسيراً إن كان فيهما ما يؤذيه ثم يمسح بهما وجهه، ويصنع كذلك ليديه. ثم قال مالك: ولا يتيمم على الرخام، وهو بمنزلة الزمرد والياقوت، ولا يتيمم على الشب، والزجاج، والملح، والزرنيخ، والكحل، والكبريت، وما أشبه ذلك، لأن الملح طعام، وهذه الأشياء عقاقير. قال سليمان في السليمانية: فإن أدركه الوقت وهو في أرض ليس فيها إلا الملح والزجاج والشب والزرنيخ والكحل والكبريت، وما أصله من الأرض، ولا يقدر أن يخرج من تلك الأرض حتى يخرج من وقت تلك الصلاة، فأرجو أن يكون التيمم بذلك واسعاً، وإنما تكره هذه الأشياء إذا بانت عن الأرض، وصارت في أيدي الناس. وذكر ابن القصار وغيره من البغدادين أنه يتيمم على كل أرض طاهرة، وإن كان
عليها زرنيخ أو نورة. قال مالك: ويتيمم على المغر؛ لأنه تراب منه الأسود والأحمر والأصفر والأبيض، يريد إذا كان نياً غير مطبوخ. [فصل -16 - : في التيمم على المتصل بالأرض] ومن المدونة قال مالك: وإذا كان الثلج ونحوه فلا يتيمم على لبد. وذكر الأبهري أن أشهب روى عن مالك أنه لا يتيمم على الثلج. قال الأبهري: يتيمم على الثلج والحشيش. قال ابن القاسم: وبلغني عنه أنه قال: يتيمم على الثلج، وقال عنه علي أنه يتيمم على الثلج؛ لعدم الأرض؛ لأنه نابت في الأرض، كالرمل والحصا، واسم الأرض يقع عليه. وذكر بعض البغداديين أن في التيمم على الزرع اختلافاً. [فصل -17 - في من لم يجد الصعيد ووجد غيره تيمم عليه] قال علي عن مالك: من لم يجد الصعيد ووجد الثلج أو ماء جامداً أو حجارة تيمم على ذلك.
ابن حبيب إن تيمم على الثلج، وصلى، فإن وجد الصعيد في الوقت أعاد، ولا يعيد بعده، فإن فعله واجداً لصعيد أعاد أبداً، ولو تيمم على الحصبا أو على الجبل واجد الصعيد أعاد في الوقت، وإن كان غير واجد لم يعد. وقال ابن سحنون عن أبيه: لا يعيد كان واجداً أو غير واجد. محمد: وهو الصواب. ومن المدونة قال يحيى بن سعيد: لابأس بالصلاة على الصفا والسبخة، ولا بأس بالتيمم عليها لمن لم يجد تراباً. قال: وما حال بينك وبين الأرض فهو منها يريد إن كان غالباً لا ينفك عنه من غير علة بالمتيمم. وقد قال ابن المواز عن ابن القاسم: في/ مريض لم يجد من يناوله ماء ولا تراباً، ولا عنده جدار فصلى بغير تيمم: أنه يعيد أبداً ولا يتيمم على جدار، إلا من ضرورة فيجزئه إن كان نياً. وقال ابن حبيب: إن كان جيراً أو آجراً فلا يتيمم عليه، إلا أن لا يجد
من يناوله التراب فليتيمم عليه، ولا يعيد. قال أبو إسحاق: وانظر قول ابن حبيب: أو آجراً، والآجر طين طبخ فكيف يتيمم عليه؟ وهو كالرماد، ولا يتيمم على جدار، إلا من ضرورة فيجزئه إذا كان نياً. ابن المواز، وقال: يريد غير مطبوخ، وإن كسي جيراً لم يجزئه، وإن كان مبنياً بحجارة، ولم يستر بجير، فذلك يجزئه. فصل -18 - : [في الجنب لم يجد الماء إلا بثمن، أو خاف العطش، أو كان معه ماء لا يكفي في الجنابة] ومن المدونة قال مالك: وإذا لم يجد الجنب الماء إلا بثمن، فإن كان قليل الدراهم فليتيمم، وإن كان يقدر، فليشتره ما لم يرفعوا عليه في الثمن، فإن رفعوا تيمم حينئذ. قال: وإن خاف العطش إن توضأ بما معه من الماء تيمم، وأبقى ماءه، ابن وهب: وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن شهاب وربيعة. قال أبو إسحاق: إن استسقاه غيره، فإن كان يخاف عليه الموت سقاه، وتيمم، وإن لم يبلغ منه الخوف فلا.
قال مالك: وإذا كان مع الجنب من الماء قدر ما يتوضأ به تيمم للجنابة؛ لكل صلاة أحدث أم لا. وإن كان به أذى غسله بذلك الماء، ولا يتوضأ به. ابن وهب، وقاله ابن شهاب وعطاء وابن أبي سلمة. [فصل -19 - في حكم تيمم المريض والمسافر لخسوف الشمس والقمر] ومن المدونة قال ابن القاسم: ويتيمم المرضى والمسافرون لخسوف الشمس والقمر، ومن قول مالك أنه لا يتيمم من أحدث خلف الإمام في صلاة العيدين. قال أبو إسحاق: قال: لا يتيمم، ولم يذكر وجه هذا، فإن كان لا يتيمم الحاضر عنده، لا يتيمم في الفرائض، ففي صلاة العيدين أحرى، وإن كان الحاضر يتيمم، فلم لا يتيمم هذا؟ إذا كانت بخطبة، وإمام ويخشى فواتها، إلا أن لا يكون فيها خطبة أو يرى أن السنن أخف من الفرائض، ونقلها أبو محمد، ولمن فرضه التيمم من مسافر أو مريض أن يتيمم لصلاة خسوف الشمس والقمر والعيدين.
[فصل -20 - : في من يجوز له الصلاة بالتيمم على الجنازة] قال مالك: ولا يصلي على جنازة بتيمم إلا مسافر عدم الماء، قال: ولا بأس أن تيمم من لم يجد الماء في السفر فيمس المصحف، ويقرأ حزبه. قال ابن القاسم: ويسجد إذا مر بسجدة. [فصل -21 - : في التيمم للنافلة] قال حبيب بن الربيع: قال مالك وأصحابه: لا بأس أن يتيمم للتنفل أو لقراءة مصحف. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: لا يتيمم لنافلة؛ لأنه ليس بضرورة، وإنما يتيمم للفريضة التي لابد منها. قال أبو إسحاق: وكان/ التيمم عنده رخصة لخوف فوات وقت الفريضة. قال أبو إسحاق: ينبغي أن لا يتيمم الحاضر لنافلة إذا لم يكن مريضاً، ولا مسجوناً؛ لأنه قد اختلف في التيمم في الحضر في الفرائض، فكيف في النوافل؟. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن تيمم الجنب لنوم ولا ينوي به غيره من صلاة، ولا مس مصحف لم يتنفل به، ولا يمس مصحفاً.
فصل -22 - : [لا يصلي نافلة ومكتوبة بتيمم واحد إلا أن تكون نافلة بعد المكتوبة] قال مالك: ومن تيمم لفريضة فتنفل قبلها أو صلى ركعتي الفجر أعاد التيمم للفريضة، قال: ولا بأس أن يتنفل بعد الفريضة بتيمم الفريضة. وفي كتاب ابن المواز: ومن تيمم لمكتوبة فصلى به نافلة، أو ركعتي الفجر، ثم صلى المكتوبة أعاد الصلاة أبداً، ثم قال: هذا خفيف، وأرى أن يعيد في الوقت. قال: ومن تيمم لنافلة، أو لقراءة مصحف، ثم صلى به مكتوبة أعاد أبداً. قال ابن سحنون عن ابن القاسم في من تتيمم لركعتي الفجر، فصلى به الصبح، أو تيمم لنافلة، فصلى به الظهر: أنه يعيد في الوقت. وقال البرقي عن أشهب: تجزئه صلاة الصبح بتيمم ركعتي الفجر،
ولا يجزئه إذا تيمم لنافلة، أن يصلي به الظهر. وقال ابن حبيب: إذا تيمم لنافلة، فصلى به فريضة أعاد أبداً، ولو تيمم لفريضة فصلى به نافلة قبلها أعاد في الوقت، وإن تيمم لصلاة، ثم ذكر صلاة قبلها، فليعد التيمم لها، فيبدأ بها، وإن صلى بالتيمم الأول أعاد أبداً، قال: وله أن يوتر بتيمم العشاء، ويصليها، ويصلي من التنفل ما شاء. قال ابن القاسم في المجموعة: ومن تيمم للوتر بعد الفجر فله أن يركع به ركعتي الفجر، وإن تيمم لنافلة فله أن يوتر به. [فصل -23 - : لا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد] ومن المدونة قال مالك: ومن تيمم لفريضة فصلاها، ثم ذكر صلاة نسيها تيمم لها أيضاً، قال مالك: ولا يصلي مكتوبتين بتيمم واحد، بخلاف الوضوء. ابن وهب: وقاله ابن عباس والنخعي وابن المسيب وغيرهم. قال أبو محمد: والعلة في ذلك أنه بطلب الماء ينتقض تيممه، وقاله
مالك في الموطأ. وقال غيره: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ {الآية. فوجب على كل قائم إلى الصلاة الوضوء، أو التيمم فخصت السنة الوضوء، أنه يصلي به صلوات، وبقي التيمم على أصله. وقد قال ابن المسيب: مضت السنة أن لا يجمع المتيمم بين صلاتي فرض. قال أبو محمد عبد الوهاب: ولأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح الصلاة، فلم يستبح به إلا أقل ما يمكن فيه؛ ولأن ذلك يؤدي إلى سقوط طلب الماء، وتقديم التيمم على الوقت. فصل -24 - : [في التيمم للصلاة قبل وقتها] ومن المدونة: ولا تيمم لصلاة قبل وقتها عند مالك. محمد: وذلك؛ لقوله تعالى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ {إلى قوله
: {فَتَيَمَّمُوا {الآية. فكان الواجب الوضوء أو التيمم لكل قائم إلى الصلاة، فلما جاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلوات بوضوء واحد، أبان فيه أنه توضأ للصلاة الثانية وما بعدها قبل الوقت، ولم ينقل أنه فعل ذلك في التيمم، فوجب أن يبقي على أصله. ومن طريق المعنى: أن الوضوء جوز فعله لغير ضرورة/، وما هذا أصله جاز أن يؤتى به إلا عندها، كأكل الميتة، وأيضاً فإن من شرط التيمم أن لا يؤتى به إلا بعد طلب الماء، فإذا عدمه تيمم، وأيضاً فإن من شرط التيمم أن يؤتى به إلا بعد طلب الماء، فإذا عدمه تيمم؛ لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا {فمادام وقت الصلاة قائماً فعليه طلب الماء حتى يخاف فواتها، فحينئذ يباح له التيمم. قال أبو محمد: وعلى هذا مالك وأصحابه [فصل -25 - : في من صلى صلاتين أو أكثر بتيمم واحد] قال ابن القاسم في العتبية: ومن صلى الظهر والعصر بتيمم واحد، أو صلى به صلوات جهلاً أو نسياناً فليعد مادام في الوقت، مازاد على الواحدة
ولو أعادها أبداً كان أحب إلي. وقال عنه ابن المواز: يعيد الثانية في الوقت سواء جمعهما أو فرقهما، وقال أيضا: يعيد الثانية أبداً. قال ابن المواز وابن حبيب عن أصبغ: إن كان وقت الصلاتين مشتركاً، كالظهر والعصر أعاد الثانية في الوقت. قال ابن حبيب: لاختلاف الناس في ذلك وإن كانت العصر والمغرب أعاد الثانية أبداً، ولم يختلف في هذا. قال أصبغ: وهو معنى قول ابن القاسم. وقال سحنون: يعيد الثانية، مالم يطل، كاليوم واليومين والثلاثة. وقال ابن نافع عن مالك في المجموعة في الذي يجمع بين صلاتين: فليتيمم لكل صلاة. وذكره أبو الفرج عن مالك، وقال في ذاكر صلوات: إن له أن يصليهن بتيمم واحد.
وأنكر ابن القابسي هذا، وقال: ليس هذا من أصلهم؛ لأنه يصير تيمماً للآخرة قبل وقتها، وعندهم لا يكون بين التيمم للصلاة، والدخول فيها فرجة، ولا عمل. قال أبو محمد: وذكر لي عن ابن شعبان في المريض لا يقدر على مس الماء: أن له أن يصلي صلوات بتيمم واحد؛ لأنه ممن لا يطلب الماء. وقال ابن القاسم في العتبية: إن فعل أعاد الثانية. م وتحصيل هذا الاختلاف أن من تيمم لفريضة فتنفل قبلها أو تيمم لنافلة، فصلى به فريضة أو صلى فريضتين بتيمم واحد، فقيل: يعيد في الوقت. وقيل: يعيد أبداً، وأن من ذكر صلوات أو المريض لا يستطيع مس الماء، فقيل: يتيمم للصلاتين تيمماً واحداً، وقيل: يتيمم لكل صلاة. فوجه أنه يعيد في الوقت، فلمراعاة خلاف من يرى التيمم، كالوضوء. ووجه أنه يعيد أبداً؛ فلأن التيمم خلاف الوضوء على ما بينا. والله ولي التوفيق.
فصل -26 - : [في المسافرين وجدوا ماء لا يكفيهم] ومن العتبية قال سحنون: في مسافرين تيمموا، ثم وجدوا ماء فيه كفاية أحدهم، فبدر إليه أحدهم فتوضأ به، فلا ينتقض تيمم الآخرين؛ إذ لم يملكوه، وهو لمن أخذه، كالصيد، ولو أعطوه لأحدهم اختياراً منهم انتقض تيممهم أجمعين. وقال في المجموعة: لا ينتقض، إلا تيمم المسلم إليه. م فوجه الأول: فلأن الماء ملك لجمعيتهم، ملك كل واحد منهم حصة منه، فالواجب أن يقرع بينهم فيه، فلما اتفقوا على إسلامه إلى أحدهم باختيار منهم صار كأن كل واحد منهم أسلم جميعه؛ إذ قد كان يصير بالسهم له؛ فلذلك وجب انتقاض تيممهم؛ ولأن كل واحد لو بدر إليه/ ملكه، وتوضأ به فلما ترك ذلك وجب انتقاض تيممهم.
ووجه الثانية: فلأنهم/ قد ملكوه أجمعين، وليس فيما يخص كل واحد ما يجزئه، فوجب إذا أسلم تلك الحصة أن لا ينتقض تيممه. قال سحنون: ولو كان الماء لرجل، فقال: هو لأحدكم، ولم يسمه، فأسلموه لأحدكم لم ينتقض إلا تيمم من أسلم إليه، وكذلك لو كانا رجلين فقال: هو لأحدكما. وقال في العتبية: إذا قال: هو لأحدكما، فمن أسلمه إلى صاحبه انتقض تيممه، أعني التارك، وكذلك لو كانوا ثلاثة أو أربعة، فقال: هو لأحدكم فأسلموه لأحدهم، فإنه ينتقض تيممهم أجمعين. وأما إذا أعطي ذلك لجماعة جيش أو عدد كثير، فأعطوه واحداً منهم، فلا ينتقض إلا تيمم من أسلم إليه. م فوجه الأولى: فلأنه لما قال: هو لأحدكم، ولم يسمه وجب الاشتراك فيه؛ إذ لا مزية فيه لأحدهم على صاحبه، فلما وجب الاشتراك فيه، ولم يكن
في حصة كل واحد منهم ما يكفيه وجب أن لا ينتقض تيممه بإسلام حصته. ووجه الثانية: أنه لما قال: هو لأحدكم، فقد قصد به أن يكون لواحد منهم؛ لأنه ينتفع به، ولم يقصد الجماعة، إذ لا نفع لهم فيه، فلما كان الأمر كذلك، ولم يبين من هو منهم وجب أن يقرع بينهم فيه، ولا ينتقض إلا تيمم من وقع له، فلما تركوا القرعة، وأسلموه لأحدهم، وجب انتقاض تيممهم؛ لأن كل واحد منهم أسلم حقه فيه، وقد كان يمكن أن يقع له جميعه، فيجزئه، فلذلك وجب انتقاض تيممهم، وأما العدد الكثير والجيش فلا يجب انتقاض تيممهم؛ لأن ذلك من الحرج. وبالله التوفيق. ومن العتبية قيل: فلو قال لثلاثة: هو لكم، قال: ليس هذا مثل الأول، هذا قد أوجب لكل واحد نصيبه، وليس فيه ما يكفيه، فإذا أعطى نصيبه لم ينتقض تيممه. وللقزويني: إذا وهب لرجل ماءّ لزمه قبوله ويتوضأ به، ولا يتيمم،
ولا تدركه المنة في قبوله؛ إذ لا تدركه في ذلك منة؛ لأن الماء مبتذل لا ثمن له في غالب الحال. قال غيره: ولو وهب له ثمن الماء، وهو لا يجد الثمن لم يلزمه قبوله، لأن هذا مما تدركه فيه المنة. [فصل-27 - : في الجنب يعيد التيمم] ومن المدونة قال مالك: فإن تيمم لفريضة فصلاها، ثم أنه كان جنبًا أعاد التيمم، وأعاد الفريضة؛ لأن تيممه ذلك إنما كان للوضوء، لا للغسل. قال مالك في الواضحة، والمختصر: يعيد أبدًا. ومن رواية الأبهري، وأصل سماع ابن القاسم يعيد في الوقت؛ لأن التيمم لهما واحد. م فوجه قوله يعيد أبدًا؛ لان تيمم الوضوء بدل منه فهو كالوضوء، وتيمم الغسل بدل منه، فهو كالغسل، فكما لا يجزئ الوضوء من الغسل، فكذلك لا يجزئ بدله من بدل الغسل. ووجه قوله: يعيد في الوقت: فلأن تيمم الغسل وتيمم الوضوء فرضان، والفعل فيهما سواء، فهو فرض ناب عن فرض، كمن تطهرت للحيضة ناسية
للجنابة. وقوله: "يعيد أبدًا" أصوب؛ لما قدمنا. وبالله التوفيق. [فصل-28 - : في حكم إمامة المتيمم للمتوضئين] ومن المدونة قال مالك: وأحب إلى أن يؤم المتوضئين متوضئ، فإن أمهم متيمم أجزآهم. ابن وهب: وقاله علي بن أبي طالب، وابن عمر وربيعة وعطاء وغيرهم. [فصل-29 - : في وطئ المسافر العادم للماء] قال مالك: ولا يطأ المسافر أهله، إلا ومعهما من الماء ما يتطهران به كانا على وضوء أم لا، وكذلك إذا كانا متوضئين فليس لهما أن يدخلا على/ أنفسهما ما ينقلهما إلى التيمم من قبلة أو غيرها إذا فقدا الماء. وإذا تطهرت امرأة من حيضتها في سفر فتيممت فلا يطأها
زوجها حتى يكون معهما من الماء ما يغتسلان به جميعًا. قال سحنون: ماء تغتسل هي به من الحيضة، ثم ماء تغتسلان به جميعًا من الجنابة يريد؛ لأنه بأول الملاقاة ينتقض تيممهما. قال مالك: وإذا كان معه من الماء ما يكفيه وحده فلا يجامعها، وقد تقدم بعض ذلك. وقال ابن شعبان: إذا تطهرت بالتيمم لعدم جاز له وطؤها. وقال ابن بكير وغيره من البغداديين، والحجة في ذلك تأتي في منع وطئ الحائض إذا طهرت قبل الغسل.
[باب -23 -] جامع القول في الحيضة والاستحاضة
[باب -23 -] جامع القول في الحيضة والاستحاضة [فصل-1 - : في وطء الحائض قبل أن تغتسل] قال الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ). وقوله: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) يريد يرين الطهر، فإذا تطهرن/ يقول: بالماء فآتوهن. وقد قرئت (حَتَّى يَطْهُرْنَ) مخففة ومشددة. فالتخفيف يقول: يرين الطهر، والتشديد يطهر بالماء. قال غير واحد من البغداديين: فعلق تعالى جواز الوطء بالطهارة، التي هي انقطاع الدم، والتطير هو الغسل، فلا تجوز استباحة وطئه إلا بعد. حصول الشرطين اللذين علقت الإباحة عليهما، ثم إن الله تعالى أثنى على من فعل ذلك، كما في الطهارة، فقال: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ
الْمُتَطَهِّرِينَ، والثناء لا يقع إلا على فعل يصدر من جهتهن، وانقطاع الدم لا يكون من جهة المرأة، فلا يقع الثناء عليه، وقال تعالى: (َيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا). وقد اجمع أهل التفسير، ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغيرهم أن معنى قوله: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) هو فعل التطهير، وهذا يفيد فعلاً يكون منها، وهو الاغتسال، وهو يمنع من حمله على انقطاع الدم؛ لأن ذلك ليس من فعلها. م وذهب ابن بكير وأهل العراق: إلى جواز وطئها إذا طهرت، وإن لم تغتسل. قال ابن بكير ورواية أشهب عن مالك، أنه لا يجبر زوجته الكتابية على الغسل من الحيض، يدل على أن وطء الحائض إذا طهرت قبل أن تغتسل غير محرم؛ ولأنها إذا رأت النقاء، وزال الحيض، فلا سبب يمنع من وطئها، وإنما أستحب تركه إلى أن تغتسل. وقد استدل من ذهب إلى هذا بأدلة، منها: قوله تعالى: (حَتَّى يَطْهُرْنَ)، فعلق المنع بغاية، وهي انقطاع الدم، ومن حكم الغاية أن يكون ما عدها مخالفًا لما
قبلها، قالوا: ولأن الحكم إذا تعلق بعلة زال بزوالها، والمنع هاهنا تعلق بالحيض، فإذا زال وجب زوال حكمه، الذي هو المنع. قالوا: ولأن الحيض قد زال، ولم يبق إلا الغسل فوجب أن لا يمنع من وطئها، كالجنابة؛ ولأن حكم أحد الغسلين حكم صاحبه، في منع قراءة القرآن ودخول المسجد، ومس المصحف، ولزوم الصوم فوجب أن يجريا مجرى واحدًا. م وهذا القول أقيس، والأول أحوط، وهو أحب إلينا. [فصل-2 - : في قضاء الحائض الصوم دون الصلاة] قال أبو محمد: ولا خلاف أنهن يقضين الصوم، ولا يقضين الصلاة،
وبه جاء الأثر. وفي البخاري/ قال الرسول صلى الله عليه وسلم:‹‹ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للُب/ الرجل الحازم من إحداكن››، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا؟ قال: ‹‹أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟ ›› قلن: بلى. قال: ‹‹فذلك نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل، ولم تصم›› قلن: بلى. قال: ‹‹فذلك نقصان دينها››. [فصل-3 - : في أكثر الحيض، وأقله، وأقل الطهر] قال أبو محمد: وأكثر الحيض عند العلماء خمسة عشر يومًا، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره. واختلف في أقله، وفي أقل الطهر، فقال مالك في المدونة: لا حد لأقل الطهر، إلا ما يعلم النساء أن ذلك طهر. وقال مالك في غير المدونة: أقل الطهر خمسة أيام، وقال سحنون:
ثمانية أيام، وقال ابن حبيب: عشرة أيام. وقال بكر القاضي: اتفقت العلماء إلا من شذ منهم أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا. قال غيره: دل على ذلك، قوله صلى الله عليه وسلم في النساء: ‹‹ميقات حيضهن وطهرهن شهر››، وظاهر هذا أنه نصفان. وقال عليه السلام في النساء:‹‹ناقصات عقل ودين، ثم بين نقصان دينها بأن تصلي نصف دهرها››، ولم يوقت أيضًا، مالك في أقل الحيض قدرًا، إلا قدر ما يعلم النساء، أن ذلك حيضة مستقيمة.
وقال محمد بن مسلمة: أقل الحيض ثلاثة أيام، وقال ابن الماجشون والمغيرة: أقله خمسة أيام، وأقل الطهر خمسة أيام، وإذا كثر الحيض قل الطهر، وإذا قل الحيض كثر الطهر. وقال ابن دينار: ولولا ذلك لحلت المطلقة في أقل من شهر. قال ربيعة ومالك: لا تحل في أقل من خمسة وأربعين يومًا، وقال سحنون: لا تحل في عدة في أقل من أربعين يومًا. قال ابن المواز: ولا تكون الحيضة يومًا واحدًا في عدة، ولا استبراء، وأما في ترك الصلاة فدفعة من دم توجب ترك الصلاة. قال بعض البغداديين: لا حد لأقله عندنا. وقال أبو حفيظة: أقله ثلاثة أيام.
وقال الشافعي: يوم وليلة. فالدليل لقولنا: قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) فوجب بهذا اعتزالهن في كل حيض، فكذلك يجب عليهن ترك الصلاة في كل حيضة، إلا أن يجاوز خمسة عشر يومًا فيكون استحاضة. فإن قيل: فما روي عنه عليه السلام أنه قال: ‹‹دعي الصلاة يوم حيضتك››، فدل أن مقدار الحيضة يوم. قيل: إنما أراد بذلك وقت حيضتك، كقولك كلام زيد يوم قدوم فلان، فإنما معناه وقت قدومه. وإنما فرق بين العدد وغيرها
استظهارا في العدد، واحتياطًا على النسب، حتى تخرج من الاختلاف، وقاله أبو بكر الأبهري. [فصل-4 - : في أحكام دم المبتدأة] ومن المدونة قال ابن القاسم: وما رأته المرأة من الدم أول بلوغها فهو حيض في قول مالك، تترك له الصلاة، فإن تمادى بها قعدت عن الصلاة خمسة عشر يومًا، ورواه عن مالك. ثم هي مستحاضة تغتسل/ وتصلي، وتصوم، وتوطأ؛ إلا أن ترى دمًا لا تشك فيه أنه دم حيض، فتدع له الصلاة، وتعتد به من الطلاق، والنساء يعرفن ذلك بريحه، ولونه. وروي علي بن زياد عن مالك، في غير المدونة: أنها تقعد بقدر لداتها، يعني أترابها في السن، قال ابن المواز/ لا تستظهر على أيام لداتها، وقال ابن عبد الحكم وابن كنانة وأصبغ: تستظهر على أيام لداتها، قال ابن القصار: ما لم تزد على خمسة عشر يومًا.
قال: وإنما استحسن مالك هذا القول، احتياطًا للصلاة، قال أبو محمد عبد الوهاب: ولأن الحيض يزيد وينقص فكان الأولى ردها إلى عادة أترابها، قال ابن القصار: والقياس رواية ابن القاسم: والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ)، وهذا يدل على أن كل دم وجد من الفرج، فهو حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة. وقد قال: قال عليه السلام: ‹‹دم الحيض اسود ثخين له رائحة›› فما دامت هذه صفته فالحكم له، ما لم تجاوز خمسة عشر يومًا. وقوله عليه السلام: تترك المرأة الصلاة نصف دهرها، فهو على عمومه، في المبتدأة وغيرها حتى تحيض بدليل.
[فصل-5 - : في المعتادة لا تستقر عادتها على أيام معينة] ومن المدونة قال ابن القاسم: والتي أيامها غير ثابتة، تحيض في شهر خمسة أيام، وفي آخر أقل أو أكثر، إذا تمادى بها الدم تستظهر على أكثر أيامها التي كانت تحيض، وكذلك التي أيامها ثابتة يتمادى بها الدم تستظهر أيضًا. قال: والتي أيامها اثنا عشر يومًا فدون ذلك، تستظهر بثلاثة أيام، وثلاثة عشر بيومين، وأربعة عشر بيوم، وخمسة عشر لا تستظهر بشيء، ثم تصير مستحاضة. وروي ابن نافع عن مالك في غير المدونة: أنها تستظهر على خمسة عشر يومًا، وأنكر سحنون أن يكون هذا من قول مالك، وقال ابن حبيب: تستظهر على أقل أيامها، قال أبو محمد: وهذا قول غير صحيح؛ لأن أحد عادتها في المحيض قد يجاوز أقلها مع الاستظهار.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكان مالك يقولك أكثر دهره أنها إذا تمادى بها الدم جلست خمسة عشر يومًا من أيام الدم، وما لم تر فيه دمًا من الأيام ألغته، فإذا استكملت خمسة عشر يومًا من أيام الدم اغتسلت وصنعت ما تصنع المستحاضة، ثم رجع، فقال: أرى أن تستظهر بثلاثة أيام بعد أيام حيضتها، وترك قوله الأول. قال عنه ابن وهب: ورأيت أن احتاط لها فتستظهر، وتصلي، وليست عليها، أحب إلى من أن تترك الصلاة، وهي عليها، قال الأبهري: هذه علة مالك في الاحتياط للصلاة. وأما القياس: فهو أن تترك الصلاة إلى خمسة عشر يومًا؛ لثبوت حكم الحيض، فلا تنتقل عنه إلا بيقين، وليس الاحتياط في صلاة الحائض مع جواز أن تكون غير حائض أولى بترك صلاتها مع جواز أن تكون حائضًا؛ لأن صلاة الحائض ممنوعة بالشرع، كما أن ترك صلاة الطاهر ممنوعة بالشرع، وإذا تساوى هذان الأمران جميعًا رجعنا إلى أصل الحيض، وحصوله فعلمناه، فهذا هو أصل قول مالك المعول عليه، والقول الآخر استظهارًا على ما فسرتاه. وقد روي أهل المدينة في الاستظهار حديثًا رواه إسماعيل القاضي أن أسماء
بنت يزيد الحارثية كانت تستحاض، فسألت عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها عليه السلام: ‹‹اقعدي أيمك التي كنت/ تقعدين، واستظهري بثلاثة. ثم اغتسلي وصلي››. فهذه وجه الاستظهار من الأثر، ومن طريق المنى: أنه ميز بين دم الحيض والاستحاضة بثلاث أيام؛ لأنه شيء خارج من البدن، أشكل أمره، كما ميز بين لبن المصراة وغيره بثلاثة أيام. قال ابن الجهم: قول مالك تستظهر على أيامها بثلاثة أيام، وتصلي، وتصوم، فذلك عندي على أن تقضي الصوم فيما بعد الثلاث إلى الخمسة عشر، وتغتسل بعد الخمسة عشر غسلا ثانيًا، وهو الواجب، والأول احتياطًا، وأحب لزوجها ألا يمسها بعد الثلاث إلى الخمسة عشر، وكذلك الحكم في رواية ابن وهب، وأما على رواية ابن القاسم: فالغسل الأول هو الواجب؛ لحديث الاستظهار، والثاني هو الاستحباب، فلا تقضي عنده صومًا، ولا صلاة، ولزوجها وطؤها فيما بعد الثلاث إلى الخمسة عشر، وذكره بعد شيوخنا عن أبي موسى بن مناس، واستدل على ذلك بمسألة الحج، إذا حاضت قبل طواف
الإفاضة أن الكري يحبس عليها قدر أيامها والاستظهار، يريد ثم تطوف، وقاله سحنون، فإذا جوز لها الطواف، وترجع إلى بلدها، فهي كالمستحاضة يجوز وطؤها، وكذلك قال ابن/ حبيب: أنها تؤطأ بعد الاستظهار، وقبل الخمسة عشر يومًا. [فصل-6 - : في حكم الصفرة والكدرة تراها الحائض] ومن المدونة قال مالك: وإذا رأت المرأة صفرة أو كدرة في أيام حيضتها، أو في غيرها فهي حيض، وإن لم تر معه دمًا، وإن رأت دفعة من دم في ليل أو نهار، فذلك حيض، وإن انقطع عنها الدم، ولم تر غير تلك الدفعة اغتسلت وصلت. [فصل-7 - : في علامات الطهر من الحيض] ومن المدونة: وتغتسل الحائظ إذا علمت أنها طهرت، إن كانت
مما ترى القصة البيضاء اغتسلت حين تراها، وإن كانت ممن لا تراها فحين ترى الجفوف تغتسل، وتصلي. قال ابن القاسم: والجفوف أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة. وذكر ابن القاسم عن مالك في المجموعة: إن رأت الجفوف، وهي ممن ترى القصة البيضاء، فلا تصلي حتى تراها، إلا أن يطول ذلك بها. قال أبو محمد: والطول خوف فوات تلك الصلاة، وهذا وفاق المدونة، وقد اختلف في قوله: خوف فوات تلك الصلاة، فقيل: خوف فوات وقت تلك الصلاة، وقيل: بل خوف فوات وقت الصلاة المفروضة. وقال بعض شيوخنا: في التي ترى القصة البيضاء لا تنتظر زوالها، ولكن تغتسل إذا رأتها؛ لأنها علامة الطهر، وقد روي عن مالك في الموطأ "إن النساء كن يبعثن إلى عائشة رضي الله عنها بالدرجة فيها
الكرسف فيها الصفرة، فيسأنها عن الصلاة، فتقول: " لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء" تريد بذلك الطهر من الحيضة. قال علي عن مالك: والقصة ماء أبيض، كالمني وسمى قصة؛ لأنه شبيه بالتراب الأبيض، الذي يجصص به البيوت، وقال ابن حبيب: القصة ماء أبيض هو علم الطهر، ومنهن من ترى الجفوف وتلك لا تطهرها القصة، وأما التي علامتها القصة فترى الجفوف، فذلك طهر لها؛ لأن الحيض أوله دم، ثم
صفرة، ثم ترية، ثم كدرة، ثم تصيرها كالقصة البيضاء، ثم ينقطع، فتصير جافة. قال مطرف وابن/ القاسم: والتي كما بلغت لا تطهر حتى ترى الجفوف، ثم تجري بعد ذلك على ما ينكشف لها من علامة طهرها. م وذكر لي عن بعض شيوخ أفريقية أنه قال: القصة أبلغ في الطهر من الجفوف؛ لأنها قد ترى الجفوف، ثم ترى الدم بعد ذلك، وكثير من النساء على هذا، والقصة لا تكون إلا عند انقضاء الحيض وآخره، فهي آخر بقية الدم فوجب أن تكون أبلغ في علم الطهر، والله أعلم. [فصل-8 - : في حكم الدم اليسير تراه المرأة بعد الطهر] قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: وإذا اغتسلت من حيض أو نفاس، ثم رأت قطرة من دم، أو غسالة دم لم تعد الغسل، ولتتوضأ، وهذا يسمى الترية
قال مالك في العتبية: في اليائسة تدفع دفعة أو دفعتين، فلتسأل النساء عنها، فإن كان مثلها تحيض اغتسلت، وصلت، وكذلك التي تنقطع حيضتها سنينًا ثم ترى صفرة. قال عنه ابن الماز: فإذا تمادى بها كانت مستحاضة، وإن كان مثلها لا تحيض توضأت وصلت، ولم تغتسل له إذا انقطع عنها، ونحوه في المجموعة عن مالك، وقال ابن القاسم. وقال ابن حبيب: إن قلن: إن مثلها لا تحيض توضأت، وصلت، ولم تغتسل له إذا انقطع ولا تدع الصلاة، ولكن تغتسل إذا انقطع، فإذا أشكل الأمر فيه تركت الصلاة كالحيضة. قال: وبلغني عن عائشة أنها قالت: "إذا بلغت المرأة خمسين سنة انقطع عنها الحيض، وقعدت عن الولد. [فصل-9 - : في حكم من ترى الطهر أيامًا، ثم يعاودها الدم] ومن المدونة قيل لمالك: فإذا رأت بعد طهرها بثلاثة أيام ونحوها دمًا،
قال: فإن كان الدم الثاني قريبًا من الأول أضيف إليه، وكان كله حيضة واحدة، وإن تباعد ما بينهما، فالثاني حيض مؤتنف، ولم يوقت كم ذلك، إلا قدر ما يعلم أنها حيضة مستقبلة، ويعلم أن بينهما من الأيام ما يكون طهرًا. قال في كتاب الاستبراء: والثلاثة أيام والأربعة والخمسة إذا طهرت فيهن، ثم رأت الدم بعد ذلك فهو من الحيضة الأولى. قال: ويسأل النساء عن عدد أيام الطهر، فإن قلن: إن هذه الأيام تكون طهرًا فيما بين الدمين، وجاء هذه الأمة بعد هذه الأيام من الدم ما يقول النساء: أنه دم حيضة، ولا يشككن فيه أجزأ ذلك من الاستبراء، وإلا فلا. قال كتاب الوضوء: وإذا رأت الدم يومًا والطهر/ يومًا أو يومين، واختلط هكذا لفقت من أيام الدم عدة أيامها التي كانت تحيض، وألغت أيام الطهر، ثم تستظهر بثلاثة أيام. فإن اختلط عليها الدم في أيام الاستظهار أيضًا لفقت
ثلاثة أيام من أيام الدم هكذا، ثم تغتسل، وتصلي، وتصير مستحاضة بعد ذلك، والأيام التي استظهرت بها، عي فيها حائض وهي مضافة إلى الحيض رأت بعدها دمًا أم لا، إلا أنها في أيام الطهر التي كانت تلغيها تستظهر عند انقطاع الدم في خلال ذلك، وتصلي، وتصوم، ويأتيها زوجها، وهي فيها طاهر، وليست تلك الأيام بطهر تعتد به في عدة من طلاق؛ لأن ما قبلها وما بعدها من الدم قد ضم بعضه إلى بعض، فجعل حيضة واحدة. م قال بعض فقهائنا: فإن طلقت في خلال الدم وهي طاهر لم يجبر الزوج على رجعتها، وإن كان ذلك الدم كله محكومًا/ له بحكم الحيضة الواحدة؛ لأن الزوج لم يتعد في طلاقه، إنما طلق بعد ارتفاع الدم، ولا علم له برجوعه. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن وحذاق أصحابه: أنه يجبر على الرجعة؛ لأن المطلق في الحيض إنما جبر على ارجعة؛ لما فيه من تطويل العدة على المرأة، وتطويل العدة موجود في هذه فوجب أن يجبر على الرجعة. قال مالك: ثم تغتسل بعد الاستظهار وتصلي، وتتوضأ لكل صلاة، وإن رأت الدم في تلك الأيام، وتغتسل في كل يوم إذا اقطع عنها الدم، وإنما أمرت أن تغتسل؛ لأنها لا تدري لعل الدم لا يعود إليها، ولا تدع الصلاة بعد ذلك وإن
تمادى بها الدم أشهرًا؛ إلا أن ترى دمًا لا تشك أنه دم حيض فتدع له الصلاة، وتعتد به من الطلاق، وإن لم تستقين ذلك لم تدع له الصلاة، ولم يكن ذلك عدة لها، وكانت عدتها عدة المستحاضة سنة، ويأتيها زوجها في ذلك، وتصلي، وتصوم. م وروي مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة- زوج النبي صلى الله عليه وسلم- أنها قالت: "قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ‹‹‹إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم، وصلي›› رواه البخاري أيضًا. قال ابن القاسم في المجموعة: في التي يختلط عليها الدم، فإن اليوم الذي ترى فيه الدم وإن ساعة تحسبه يوم دم، يريد، وإن اغتسلت في باقيه، وصلت. قال ابن الماجشون: ونحوه عن محمد بن مسلمة إذا كان دمها موازيًا لطهرها مثل أن ترى الدم يومًا، والطهر يومًا، أو الطهر يومين والدم مثل ذلك فإنها تغتسل، وتصلي يوم الطهر، وتترك الصلاة يوم الحيض، على هذا تعمل أبداً
قال ابن مسلمة: وإنما تكون مستحاضة إذا لفقت من أيام في الشهر أكثر من خمسة عشر يومًا. قال ابن القصار: ووجه ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ‹‹تصلي المرأة نصف عمرها››. قال: وإذا استوى الطهر والحيض في المرأة فقد دخلت الحديث، فوجب أن لا تخرج عن الحد المجعول لها في الشريعة، كما لو اتصل الدم بها خمسة عشر يومًا، والطهر بعده خمسة عشر يومًا، قال: وهو عندي أولى؛ لأن فيه احتياطًا لحفظ هذا الأصل. فإن قيل: فإن الأحوط للصلاة رواية ابن القاسم؟ قيل: ليس الاحتياط بأن تصلي ما ليس عليها بأولى من ترك صلاة لا تجب عليها؛ لأنها تحصل عاصية بصلاة، وهي طائعة بترك ما لا يجب عليها، وقد عملت على موجب الشريعة في الظاهر، والله أعلم. [فصل-10 - : في المستحاضة المعتادة] ومن المدونة قال ابن القاسم: والنساء يزعمن، أن دم الحيض لا يشبه دم الاستحاضة لرائحته ولونه. وقيل في المستحاضة: عدتها سنة، وإن رأت دمًا تنكره، وروي عن مالك
ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك في المستحاضة ترى دمًا لا تشك/ فيه أنه دم حيضة قال: تدع الصلاة فإن تمادى بها ذلك الدم استظهرت فيه بثلاثة أيام على أيامها، وإن عاودها دم الاستحاضة بعد أيام حيضتها صلت بغير استظهار، يريد بعد أن تغتسل. وقاله ابن القاسم في المجموعة، ورواه عن مالك. قال ابن حبيب:/ هذا قول ابن القاسم، قال: وقاله أصبغ، وقال ابن الماجشون: سواء عاودها دم الاستحاضة الخفيف، أو دام بها دم الغبيط دم الحيض أنها تستظهر بثلاثة أيام، ولم ير في التي تمادى بها الدم بعد أيام حيضتها، ولم تستخص قبل ذلك استظهارًا، تجلس خمسة عشر يومًا.
وقال مطرف: ييجلسن كلهن خمسة عشر يومًا. ومن المدونة قال مالك: وإذا رأت الدم خمسة عشر يومًا، ثم الطهر خمسة أيام ثم الدم أيامًا، ثم الطهر سبعة أيام، فهي مستحاضة. قال: وإذا انقطع دم الاستحاضة، وقد كنت اغتسلت قال مالك: فلا تعيد الغسل، ثم قال: تتطهر ثانية أحب إلى، وهذا الذي استحب ابن القاسم. [فصل-11 - : في حكم المرأة تحيض قبل أداء صلاة وجبت عليها] قال مالك: وإذا حاضت المرأة بعد الفجر وكانت حين طلع الفجر طاهرة، أو نسيت الظهر حتى دخول العصر، أو نسيت المغرب حتى دخول العشاء، ثم حاضت، فلم تطهر حتى خرج الوقت لم تقض الصبح، ولا الظهر، ولا العصر، ولا العشائين. قال: وإن صلت ركعتين من الظهر أو العصر، ثم حاضت، فلا تقضي الصلاة التي حاضت فيها والتي أيامها خمسة ترى الطهر في أربعة، فلتغتسل ولزوجها وطؤها بعد الغسل مكانه.
[فصل-12 - : فيما يحل للرجل من امرأته الحائض] قال مالك: في الحائض تشد إزارها، وشأنه بأعلاها، هكذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الموطأ والبخاري. وقالت عائشة رضي الله عنها: تشد إزراها على أسفلها، ثم يباشرها إن شاء، وكذلك في الموطأ والبخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعائشة أم المؤمنين. قال ابن القاسم: وقوله: شأنه بأعلاها، أي: يجامعها في أعكانها وبطنها، وما شاء مما هو أعلاها.
قال مالك: ولا يطأ بين الفخدين سدًا للذريعة أن يقع في الفرج، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ‹‹من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه››. قال ابن حبيب: إنما ذلك سدًا للذريعة، وليس يضيق إذا اجتنب الفرج، وقال أصبغ. قال: وما روي في وطئها من صدقة دينار أو نصف دينار، وإن ابن عباس قال: "دينار في أول الدم، وأما في الصفرة، فليتصدق بنصف
دينار" فليس فيه حد، ولكن يرجى بالصدقة تكفير الذنب. قال مالك في المجموعة: ليس في ذلك كفارة إلا التوبة، والتقرب إلى الله سبحانه وكذلك وطؤها بعد الطهر، وقبل الغسل، والنفساء كالحائض.
[باب-24 -] جامع القول في دم النفاس والحامل
[باب-24 -] جامع القول في دم النفاس والحامل [فصل-1 - : في مدة النفاس] روي أن سالم بن عبد الله قال: أقصى ما تترك النفساء الصلاة إذا لم يرتفع عنها الدم شهرين. قال ابن القاسم: وقاله مالك، ثم رجع عنه، قال: أكره أن أحد فيه حداً، ولكن/ يسأل النساء عن ذلك وأهل المعرفة فتجلس أبعد ذلك، فإن تمادى بها الدم على ذلك كانت مستحاضة. فوجه قوله: تجلس شهرين: فلما روي في ذلك، وقال الأوزاعي: ذلك عادات النساء عندنا. قال ابن القصار: وهو أقصى دم النفاس عند علمائنا. ووجه قوله: يسأل النساء، فتجلس أبعد ذلك؛ فلأن ذلك مأخوذ من جهتهن، وهن مأمونات على فروجهن، فوجب الرجوع إليهن في كل عصر. قال مالك: وإذا انقطع دم النفاس، وإن كان قرب دم الولادة فلتغتسل،
وتصلي، فإن رأت بعد ذلك بيومين أو ثلاثة ونحو ذلك دمًا فهو مضاف إلى دم النفاس إلا أن يتباعد ما بين الدمين فيكون الثانى حيضًا. قال مالك: وإن رأت الدم يومين، والطهر يومين، فتمادى بها الدم، فتلغي أيام الطهر، وتغتسل إذا انقطع عنها الدم، وتصلي، وتصوم، وتوطأ وتدع الصلاة فى أيام الدم حتى تستكمل أقصى ما تجلس له النساء في النفاس من غير سقيم، ثم هي مستحاضة. وهذا يدل على أن قول عبد الملك الذي قال: والتي دمها مواز لطهرها أنه خلاف المدونة. فصل -2 - : [في حكم المرأة تلد ولدًا ويبقى في بطنها آخر]: قال ابن القاسم: وإذا ولدت ولدًا، وبقي في بطنها آخر فلم تضعه إلا بعد شهرين، والدم متماد بها فحالها كحال النفساء، ولزوجها عليها الرجعة ما لم تضع آخر ولد في بطنها، وقيل: حالها كحال الحامل حتى
تضع الآخر، وقوله: حالها كحال النفساء، يريد في الجلوس عن الصلاة إذا تمادى بها الدم فتجلس على قوله الأول شهرين، وعلى الثاني تجلس أقصى ما تجلس النفساء إليه، وقوله: حالها كحال الحامل، فإنها تجلس عشرين يومًا على قول ابن القاسم؛ لأنها قد جاوزت ستة أشهر. [فصل -3 - : في المرأة تلد ولا ترى دمًا]: ومن العتبية قال أشهب عن مالك في التي تلد ولا ترى دمًا: فلتغتسل، لا يأتي من الغسل إلا خير. قال ابن حبيب: وإذا رأت النفساء الجفوف فلتغتسل، وإن قرب ذلك من ولادتها، فإن تمادى بها الدم بأن زاد على الستين ليلة فلتغتسل، ولا تستظهر.
وقال ابن الماجشون: ما بين الستين إلى السبعين، ابن حبيب: والوقوف على الستين أحبّ إلىّ. فصل -4 - : [في حكم استظهار الحامل]: ومن المدونة قال ابن القاسم: وما علمت أن مالكًا قال في الحامل: إنها تستظهر بثلاث، لا قديمًا ولا حديثًا، ولو كانت تستظهر لقاله. قال سحنون: إنما أسقط ابن القاسم الاستظهار عن الحامل؛ لأنها لا ترجع إلى أيام حيضتها، وإنما يقال لها: استظهري بثلاثة أيام على أيام حيضتك ما بينك وبين أقصى ما تجلس الحائض إليه، وذلك خمسة عشر يومًا، ولا يكون استظهارًا بعد ذلك، فكذلك الحامل؛ لما قيل لها: اجلسي أقصى ما تجلس الحوامل عن الدم أسقط موضع الاستظهار؛ لأنه لا استظهار في حامل، ولا حائل بعد أقصى ما تجلس النفساء في الدم. قال أشهب في المدونة: إلا أن تكون استرابت من حيضتها شيئًا من أول الدم من أول ما حملت هي على حيضتها، فإنها تستظهر. يريد أشهب إذا حملت فبقيت على عادتها في الحيض لم يغير عليها منه الحمل شيئًا، فهذه تستظهر على عادتها، وهذا لا يخالفه ابن القاسم
فيه، والله اعلم. والاسترابة في هذا في من كانت تحيض أبدًا أيامًا معلومة، لا تزيد ولا تنقص، إما بانقطاع الدم عنها جملة، وإما بنقصانه عن أيامها المعلومة، وأما إن كانت تختلف عليها أيام الدم بالزيادة أو النقصان، فالاسترابة في هذا انقطاعه، والله أعلم. وذهب أبو حنيفة في الحامل ترى الدم: أن ذلك ليس بحيض، ولا تدع له الصلاة، وكذلك ذكر ابن حبيب: أن بعض السلف كان لا يراه حيضًا. ودليلنا ما رواه مالك في الموطأ عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت في الحامل ترى الدم: أنها تدع الصلاة. قال أبو محمد عبد الوهاب: ولقوله عليه السلام: "دم الحيض أسود عبيط يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة "، فعم، ولأنها رأت
الدم في أيامها المعتادة, فصح أن يكون حيضًا، كالحائل، ولأنها حامل رأت دمًا فوجب أن يمنع الصوم والصلاة، كدم النفاس، إذا وضعت ولدًا، وبقي في بطنها آخر، وهو يوافقنا في ذلك، ويراه دم نفاس. ومن المدونة قال مالك: وإذا رأت الحامل الدم أول حملها أمسكت عن الصلاة قدر ما يجتهد لها، وليس في ذلك حد، وليس الحمل كآخره. قال أبو محمد: أول الحمل هاهنا ثلاثة أشهر ونحوها. قال ابن القاسم: إن رأته ثلاثة أشهر ونحو ذلك تركت الصلاة خمسة عشر يومًا ونحوها، وإن رأته بعد ستة أشهر من حملها تركت الصلاة ما بين العشرين ونحوها. وقال ابن وهب عن عائشة ومالك والليث: لا تصلي حتى يذهب الدم. قال مالك: فإن طال عليها فهي كالمستحاضة، قال مالك: وذلك
أحسن ما سمعت. وقال أشهب عن مالك في الحمل ترى الدم: أنها مثل غيرها ممن لا حمل بها تمسك أيام حيضتها يريد والاستظهار، وكذلك عنه في كتاب ابن المواز وابن حبيب: أنها تستظهر بثلاث على أيامها في أول الحمل، وفي آخره. وسواء استرابت عنده في هذا القول، أو لم تسترب، ثم قال بعد ذلك المدونة: ليس أول الحمل كآخره، مثل رواية ابن القاسم. قال أشهب: والرواية الأولى أحسن، فإن ما حبس الحمل من حيضتها مثل ما جس الرضاع والمرض وغيره، ثم تحيض، فإنها تقعد حيضة واحدة، قال في كتاب ابن المواز: والاستظهار. قال بعض أصحابنا: والذى احتج به أشهب فلا يلزم ابن القاسم؛ لأن المرض والرضاع يقل معه الدم، والحمل يحبس الدم فيكثر عند خروجه فهو مفترق. والذى احتج به أشهب فى كتاب ابن المواز، قال: "أرأيت من قعدت عن الحيض سنة، وهي ممن تحيض، ثم أتاها الحيض بعد ذلك، أليس هذا أيضًا دمًا احتبس واجتمع، أفتريد هذه أيضًا أن تقعد مقدار ذلك الحيض كله؟
فليس هذا شيء، ولقد سمعت مالكًا يقول: واستفتته امرأة، وهي في خمسة أشهر أو ستة، فقالت له: كانت أيام حيضتي ستة أيام، واليوم لي سبعة أيام، فقال لها: أقيمي يومين آخرين استظهارًا، ثم اغتسلي، وصلي، وترك قوله: ليس أول الحمل كآخره. قال أشهب: وهذا قول عبد العزيز بن أبى سلمة، وأخذ به أصبغ. ومن المدونة قال يحيى بن سعيد وابن شهاب: وإذا رأت الحامل الصفرة أو الكدرة لم تصل حتى ينقطع عنها. وقال سليمان بن سالم عن ابن القاسم: أنها تجلس فى أول الحمل خمسة عشرة يومًا، وفي آخره خمسة وعشرين يومًا ولا أحب أبلغ بها الثلاثين، وقال عنه أبو زيد: تجلس فى آخره ثلاثين. قال أبو العباس الأبياني في التي رأت دمًا في شهر أو شهرين من حملها أنها بمنزلة الثلاثة أشهر تجلس خمسة عشر يومًا؛ لأنه أقصى أيام الحيض.
والذي ينبغي على قول مالك الذي رجع إليه أن تجلس في الشهر أو في الشهرين قدر أيامها والاستظهار؛ ولأن الحمل لا يظهر في شهر ولا شهرين، فهي على أنها حائل حتى يظهر الحمل، وذلك لا يظهر إلا في ثلاثة أشهر. قال الإبياني: وإن رأته في أربعة أشهر أو خمسة أو ستة جلست ما بينها وبين العشرين، وهكذا روى عيسى عن ابن القاسم. وحكي عن ابن شلبون أن حكم الستة أشهر حكم الثلاثة على ظاهر الكتاب، وخالفه جماعة شيوخ أفريقية، ورأوا أن حكم الستة أشهر حكم ما بعدها، وذكر أن ابن شلبون رجع إلى هذا. وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: تجلس خمسة عشر يومًا، كان في أول الحمل أو آخره؛ للاختلاف فيه، فإن بعض السلف لا يراه حيضًا. وقال ابن وهب: تضف أيام حيضتها وتغتسل؛ لأنها أكثر دمًا من الحائل. وقال مطرف عن مالك: تجلس في أول شهور الحمل أيامها، والاستظهار، وفي الثاني تثني أيامها، ولا تستظهر، وفي الثالث تثلثها، وفي الرابع تربعها،
وهكذا حتى تبلغ ستين يومًا، ثم لا تزيد. وقال مطرف: واستحسنا ذلك من قوله، واستحسنه أكثر أصحابه ابن أبي حازم وغيره، وأنكر ابن الماجشون في المجموعة قول مطرف هذا، وقال: ليس بقول مالك، وهو خطأ، ولا تكون نفساء إلا عند الولادة، والاستحاضة أملك بها، وقال: بل قول مالك: أنها تقف على أيام حيضتها، ولا تحتاط كما تحتاط غيرها، وبه أقول. وقال مالك في العتبية في الحامل ترى ماء أبيض أول الحمل: فليس عليها إلا الوضوء. ثم كتاب الطهارة (من شرح ابن يونس بحمد الله وعونه).
كتاب الصلاة
كتاب الصلاة الأول
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله كتاب الصلاة الأول [باب -1 -] في فرض الصلاة وذكر المفروض والمسنون والفضيلة والنافلة منها، ومن ترك الفريضة مكذبًا أو مقرًا بها، وذكر فرائضها وسننها وفضائلها وأسمائها/. [فصل -1 - في شروط وجوب الصلاة]: قال أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس - رحمه الله تعالى -: والصلوات الخمس فرض على الأعيان/ بإجماع الأمة. وشروط وجوبها خمسة كالوضوء، وهي: الإسلام، والبلوغ، وثبات العقل، وارتفاع دم الحيض والنفاس، وحضور وقت الصلاة.
فأما الإسلام؛ فلأن الكفار مخاطبون بالإسلام أولاً، ثم إذا أسلموا خوطبوا بشرائعه، ومحال أن يخاطبوا بشرائعه وهم جاحدون له. وأما البلوغ، وثبات العقل؛ فلقوله عليه السلام: "رفع القلم عن ثلاثة " فذكر "الصبى حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق "، ولأن ابن عمر أغمي عليه فلم يقض الصلاة. قال مالك: وذلك أن الوقت قد ذهب. وأما ارتفاع دم الحيض والنفاس؛ فلأن الصلاة لا تصح إلا بطهر؛ لقوله
تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا)، وقال في الحيض: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)، فدل أنهن أنجاس في حال الحيض والنفاس فلم تصح لهن الصلاة حتى يرتفع عنهن الدم من غير علة ويغتسلن، وبه جاء الأثر، ولا خلاف في هذا. وأما الوقت؛ فلأن جبريل عليه السلام حد للنبي صلى الله عليه وسلم أوقات الصلاة، وقال له: بذلك أمرت، فلم يجز أن يؤتى بها قبل ذلك، ولا خلاف في ذلك كله. فصل -2 - : [فرض أول ما فرض من الصلاة]: قال محمد بن مسلمة: أول ما فرض الله سبحانه صلاة الليل في سورة المزمل - يريد بقوله: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) - ثم خفف الله ذلك، فقال: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ)، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس، وقال: (وَمِنَ اللَّيْلِ
فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ). فصل -3 - : [فرض الصلوات الخمس]: وفرضت صلاة الخمس في الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بمكة قبل الهجرة سنة، وكان الفرض قبل ذلك ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي. وأول ما صلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، فسميت الأولى لذلك
كذلك. قال مالك وغيره: فرض الله تعالى الصلاة في كتابه فقال: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) يقول: المغرب والعشاء (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) الصبح (وَعَشِيًّا) العصر، (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) الظهر. وقال جل وعز: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)، وهى الظهر والعصر، (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) يقول المغرب والعشاء (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) الصبح. فدلوك الشمس ميلها، وغسق الليل اجتماعه وظلمته، وقاله ابن عباس، وهو في الموطأ.
وقال تعالى: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)، وقال: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا). فأجمل الله سبحانه فرض الصلوات الخمس، والركوع، والسجود، والقراءة في كتابه، وفسر ذلك على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من عدد ركوع وسجود، وصفة قيام، وقعود، ذكر قراءتها، ومعالم أوقاتها. [فصل -4 - في تقسيم الصلاة إلى فرض وسنة وفضيلة]: ففرض الله تعالى من الصلوات خمسًا، وسن الرسول عليه السلام خمسًا: الوتر، وصلاة العيدين، وصلاة الخسوف، وصلاة الاستسقاء، فهذه خمس فريضة، وخمس سنة. وزيد في ذلك فقيل: وخمس سنة في فريضة، وهي: لجمع بعرفة، والجمع بالمزدلفة، والقصر في السفر، وصلاة الخوف وصلاة الجماعة. وخمس فضيلة، وهي: تحية المسجد، وصلاة خسوف القمر، وقيام رمضان، وقيام الليل، وسجود القرآن. وخمس نافلة، وهي: الركوع قبل الظهر، والركوع بعدها، والركوع قبل
العصر، والركوع بعد المغرب، وركوع الضحى. فصل -5 - : [أقسام حكم الصلاة]: قال أبو محمد عبد الوهاب: والصلاة من أركان الدين ومعالمه، ومما بني عليه الإسلام، وهي في الشرع على خمسة أقسام: فرض على الأعيان، وفرض على الكفاية، وسنة، وفضيلة، ونافلة، قال: فالفرض على الأعيان الصلوات الخمس، ووجوب الجمعة داخل في الظهر، والفرض على الكفاية الصلاة على الجنازة، وقيل: إنها سنة، وذكر في السنة نحو ما ذكرنا، وزاد الركوع عند الإحرام، وركعتي الطواف، قال: واختلف أصحابنا في ركعتي الفجر. فقيل: من الرغائب، وقيل: سنة، وذكر في الفضيلة والنافلة نحو ما ذكرنا. فصل -6 - : [حكم تارك الصلاة]: والصلوات الخمس التي هي فرض على الأعيان من جحد وجوبها فهو كافر، ولا يختلفون في ذلك، فإن قال: هى فرض، ولكن لا أصلي فليس بكافر، ويؤخذ بفعلها، فإن خرج وقتها ولم يصل قتل، ولا يستتاب ثلاثًا، كذب بها أو أقر.
وإذا قال: لا أصلي فلا يؤخر عن وقت تلك الصلاة. قال أبو إسحاق: أما إن أقر بها وامتنع من الصلاة إلى أخر الوقت، وهو أن يبقى من النهار ما يصلي فيه الظهر والعصر، أو الظهر وبعض العصر، فإن لم يصل إلى ذلك الوقت قتل؛ لأن الدماء عظيمة فيبالغ في تأخيره إلى آخر الوقت الذي يكون متى صلى بعده يكون قاضيًا غير مؤد. وكذلك من قال عند الإمام: لا أتوضأ، ولا أغتسل من جنابة، ولا أصوم رمضان ومن توضأ واغتسل وصلى، وصام، وقال في ذلك كله: أنه غير فرض عليّ، وكذب فهي ردة، فليستتب ثلاثًا فإن لم يتب قتل. قال ابن القاسم عن مالك: ومن ترك الصلاة قيل له: صل، فإن صلى وإلا قتل، قال ابن شهاب: إذا خرج الوقت ولم يصل قتل، وقال أبو محمد: إن ترك صلاة واحدة حل دمه، وإن كذب بالحج فكذلك، وإن أقر به، وقال: لا أحج، قيل له: أبعدك الله؛ إذ ليس بمضيق الوقت، وإن كذب بالزكاة استتب، كالردة، وإن أقر بها ومنعها أخذت منه كرهاً، وإن امتنع قوتل. وذهب ابن حبيب: إلى أن تارك الصلاة متعمدًا أو مفرطًا كافر، وأنه إن ترك أخواتها من زكاة وصوم وحج متعمدًا أو مفرطًا فقد كفر،
وقاله الحكم بن عتيبه. وقال غيرهما: لا يكفر، إلا بجحد هذه الفرائض، وإلا فهو ناقص الإيمان؛ لأنه يورث، ويصلى عليه، واحتج بحديث مالك عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، وفي آخر الحديث " فمن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة ". وذكر ابن حبيب أن تارك الصلاة كافر. قال أبو إسحاق: ليس هو المذهب؛ لأنا لا نكفر بالذنوب، ولم يوقف الإجماع أن تركها علمًا على الكفر، كالسجود للصنم وشبه ذلك، فما جعل علمًا على الكفر فإنه لا يوجد إلا من كافر. فإن قال لما رفع: أنا أصلي، فترك فعاود تركها، فلما رفع قال: أنا أصلي، فليبالغ في عقوبته، ولا يقتل إذا صلى.
فصل -7 - : [فروض الصلاة، وسننها وفضائلها]: وهذه الصلوات الخمس مشتملة على فروض، وسنن، وفضائل. فالفروض منها، المتفق عليها عند أكثر علمائنا خمسة عشرة، وهى: الطهارة من الحدث، والوقت، واستقبال القبلة بقلبه، وليس عليه النطق بلسانه، إلا أن يشاء، والترتيب في الأداء مع الذكر، وتكبيرة الإحرام، والقيام، وهو للفذ والإلمام قدر قراءة أم القرآن، وللمأموم قدر تكبيرة الإحرام، وقراءة أم القرآن، والركوع، والرفع منه، والفصل بينه وبين الانحطاط للسجود، والسجود، والفصل بين السجدتين، والجلسة الأخيرة، وهذا قدر السلام،
وقطع الكلام، والتسلمية الأولى. وسنن الصلاة - أيضًا - خمسة عشر وهي: الإقامة، وقراءة السورة التي مع أن القرآن، والقيام لها، والجهر بالقراءة في موضع الجهر، والسر في موضع السر، والإنصات مع الإمام فيما يجهر فيه، والتشهد الأول، والجلوس له، والتشهد الثانى، وأما الجلوس له فالواجب منه قدر ما يسلم فيه، وأما ما يقع فيه التشهد فمسنون، والتكبير في كل خفض ورفع وقوله سمع الله لمن حمده في الرفع من الركوع، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم سنة، وهي فريضة مطلقة ليست من فرائض الصلاة والتيامن بالسلام سنة، وكذلك رد السلام على الإمام.
وفضائل الصلاة عشرة، وهي: اتخاذ الرداء، ورفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وقيل: إن ذلك سنة، وفي رفعهما عند الركوع والرفع منه روايتان: إحداهما: الرفع، والأخرى الترك، وقراءة المأموم مع الإمام فيما يسر فيه، وإطالة القراءة في الصبح، والتأمين بعد أم الكتاب، والتسبيح في الركوع، والدعاء في السجود، وقول المأموم: ربنا ولك الحمد، وصفة الجلوس كله، والقنوت في الفجر واختلف فى إزالة النجاسة مع الذكر والقدرة، فقيل: إنها فرض في الصلاة، وقيل: إنها سنة، واختلف - أيضًا- في الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة، فقيل: إن ذلك فرض، وقيل: سنة، واختلف في ستر العورة، فقيل: إنها من فروض الصلاة، وقيل: ليس من فروض الصلاة، بل هو فرض قائم بنفسه. [فصل -8 -] ذكر أدلة الفرائض: فالطهارة من الحدث فرض؛ لقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا) الآية.
وأما الوقت، فقوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) وقد أقام جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم أوقات الصلوات، وقال له: بذلك أمرت. واستقبال القبلة؛ فلقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)، فعلى المعاين لها استقبالها، وعلى الغائب عنها الاجتهاد ففي طلبها بالأدلة المنصوبة عليها، فإن صلى بغير اجتهاد فلا تجزئه، وإن خفيت عليه الأدلة فصلى حيث يغلب على ظنه أن القبلة في تلك الجهة، فإن بان له أنه استدبرها فلا إعادة عليه واجبة، خلافًا للمغيرة والشافعي؛ لقوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ).
وقد روي عن عامر بن ربيعة أنه قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فصلى كل واحد منا حيال وجهه، فلما أصبحنا فإذا نحن ضلينا إلى غير القبلة، فسألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مضت صلاتكم، ونزلته: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ).
ويستحب لمن أصابه ذلك أن يعيد في الوقت لإدراك فضيلة الوقت، ولجواز أن يكون قصر في الاجتهاد. والنية؛ فلقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، والإخلاص هو القصد إليه بالفعل. وقوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» وكذلك سائر القرب، ويجب أن تكون النية مقارنة لابتدائها بالنيات، وقد تقدم إيعاب ذلك في كتاب الوضوء. والترتيب في الأداء؛ لأنه كذلك صلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: "بذلك أمرت". وقوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وتكبيرة الإحرام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وتحريمها التكبير "، وقوله: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه "، وقوله: "حتى يتوضأ كما أمره الله، ثم يستقبل القبلة فيقول: "الله أكبر ". وقراءة أم القرآن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي
خداج فهي خداج فهي خداج غير تام "، وقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، ولأنه صلى الله عليه وسلم كذلك يفعل، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". والقيام؛ فلأن أم القرآن فرض، فكذلك القيام لها، ولأنه كذلك كان يفعل، فأما المأموم ففرضه من القيام قدر تكبيرة الإحرام؛ لقوله عليه السلام: "كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فبم يصلها، إلا وراء إمام ".
فلما جوز له ترك القراءة خلف الإمام جاز له ترك القيام فيها، ولما كان الإحرام واجبًا عليه كان كذلك القيام له، وقد أدرك زيد بن ثابت الإمام راكعًا فكبر وركع، وقال عليه السلام: "من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة". والركوع؛ لقوله تعالى: (وَارْكَعُوا). والرفع منه؛ لأنه تمامه، والفصل بينه وبين الانحطاط للسجود، وكذلك فعل الرسول عليه السلام وسلف الأمة. والسجود؛ لقوله تعالى: (وَاسْجُدُوا). قال ابن المواز عن مالك: أنه قال: الركوع والسجود سنة فقد كفر. والفصل بين السجدتين؛ لأن ذلك يوجبهما سجدتين، ولو لم يفصل بينهما كانت سجدة واحدة، وقد سجد به جبريل عليه السلام
سجدتين، وكذلك كان هو يفعل والأئمة بعده. والجلوس الآخر؛ فلأن السلام فرض فقدر ما يوقعه فيه فرض، ولأنه صلى الله عليه وسلم سلم جالساً. والتسليمة الأولى فرض، خلافًا لأبي حنيفة. دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "وتحليلها التسليم" فيقتضى أن لا يقع التحليل إلا به، وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"؛ ولأنه أحد طرفي الصلاة فوجب أن يكون نطقًا معينًا كالتحريم. والتسليمة الثانية ليست بفرض، خلافًا لابن حنبل في قوله: إنها فرض.
دليلنا قوله عليه السلام: "وتحليلها التسليم "، وذلك يقتضي أقل ما يقع عليه الاسم. وقد روت عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام سلم تسليمة واحدة، ولأنه أحد طرفي الصلاة فوجب أن يكون الفرض منه واحد كالإحرام. وقطع الكلام؛ لقوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) يعني صامتين خاشعين. [فصل -9 -] ذكر أدلة السنن: الإقامة سنة؛ لدوام فعله عليه السلام وأمره بها، وكذلك قراءة السورة التي مع أم القرآن، لقوله - عليه السلام - وأمره بها، وكذلك قراءة السورة التي مع أم القرآن، لقلوه عليه السلام: "كل صلاة لا يقرأ فيها
بأم القرآن فهي خداج ...)) الحديث. فدل أن ما سواها بخلافها، وتمادى فعله وأمره بها، فكانت سنة، وإذا ثبت أنها سنة كان كذلك القيام لها، والجهر والإسرار ولأنه عليه السلام كذلك كان يفعل، والأئمة بعده، ولا نص لهما في كتاب الله فوجب أن يكونا سنة. والإنصات مع الإمام فيما يجهر فيه، لأمره عليه السلام بذلك، وتمادى به العمل، والتشهد، والجلوس لهما، إلا قدر ما يقع فيه السلام من الآخر، خلافًا للشافعي في إيجابه الأخير، ولغيره في إيجابهما.
ودليلنا: أنه ذكر في تضاعيف الصلاة ليس من جنس المعجز فلم يكن فرضًا أصله الدعاء والتسبيح؛ ولأنه تشهد فأشبه الأول فإذا ثبت أنهما سنة، كان الجلوس لهما سنة. والتكبير في كل خفض ورفع؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل خفض ورفع. وهذا منقول بالعمل، وكذلك قول الإمام: سمع الله / لمن حمده. قال أبو محمد عبد الوهاب: والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة سنة،
خلافًا للشافعي في إيجابه ذلك؛ لقوله عليه السلام للذي علمه الصلاة: ((فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك)) ولم يذكر ما تنازعناه فيه. والإقرار بأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة سنة أبين من الصلاة عليه فيها؛ لأن إيقاع ذلك في التشهد الذي ثبتت سنته، وهو فرض مطلق ليس من فرائض الصلاة. والتيامن في السلام، وكذلك رد السلام على الإمام بفعله عليه السلام في التيامن به فأمره بالرد على الإمام، وكذلك فعل الأئمة بعده.
[فصل - 10 - في ما تردد بين كونه سنة أو فرض] وأما الثلاثة المختلف فيها: فأحدها: إزالة النجاسة مع الذكر والقدرة، فقيل: إنها فرض في الصلاة، وقيل: سنة. فإذا قلنا: إنها فرض، فلأنها تطهر بالماء لأداء الفريضة، أصله التطهر من النجابة ونحوها. وإذا قلنا: إنها سنة؛ فلأن النص إنما ورد في الغسل من الجنابة ونحوها، وقد اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة، وأمر بغسلها، فهي سنة. م وهذا أبين. والثاني: الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة، فقيل: فرض، وقيل: سنة. فإذا قلنا: إنه فرض؛ فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تجزئ صلاة لا يقيم
فيها صلبه في الركوع والسجود))؛ ولقوله عليه السلام اعتدلوا، وكذلك كان عليه السلام يفعل والأئمة بعده. وإذا قلنا: إنه سنة؛ فلما ثبت أنه لا نص له في كتاب الله، وقد قال الله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}. فمن ركع ولم يستو قائمًا، أو سجد ولم يستو جالسًا فهو راكع وساجد، وإنما الاعتدال من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره به فهو سنة. م والأول أبين؛ لأن فعله في ذلك بيان الكتاب. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يجزئ صلاة لا يقيم فيها صلبه))، فدل أنه فرض، وكذلك قيل في من خر من ركعته، ولم يرفع رأسه: إنه لا يجزئه، والصواب /
أن الرفع فرض؛ لما بينا، وكذلك الاعتدال في من خر من ركعته. الثالث: ستر العورة عن أعين الناس واجب. قال أبو محمد عبد الوهاب: اختلف أصحابنا هل ذلك شرط في صحة الصلاة أم لا؟ فإذا قلنا: إنه شرط؛ فلقوله عليه السلام: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ووجه الآخر؛ فلأن واجبات الصلاة تجب بوجوبها، وتسقط بسقوطها، كالطهارة وغيرها، فلما اتفقنا على أن ستر العورة عن أعين الناس واجب على كل حال دل أنها ليست من شروط الصلاة. [فصل - 11 - : في فضائل الصلاة] وأما فضائل الصلاة: فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها والأئمة بعده، ولم يكن كوجوب ما تقدم من الستر؛ لقوله عليه السلام للذي علمه الصلاة: ((أحرم، واقرأ، واركع، واسجد، ثم اجلس وسلم)) ولم يأمره بشيء من الفضائل،
وفي آخر الحديث ((فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك)) وهذا موضع تعليم. فصل - 12 - : [في الصلاة الوسطى] قال الله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى}. قال مالك: هي صلاة الصبح في موطئه، ثم رجع عنه، وقال علي وابن عباس، واحتج مالك بحديث / عائشة وحفصة أنهما أمرتا الذي يكتب لهما في المصحف أن يكتب: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى} وصلاة العصر، قالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. واحتج أصحابنا كذلك: بأنها منفردة بوقت، واللتان قبلها، واللتان بعدها مشتركتا الوقت.
وقال زيد بن ثابت وعائشة: هي الظهر. قال ابن حبيب: وقيل: إنها العصر، وهو أوثق ما سمعت، وقاله الحسن، هو وقتادة. وال حافظة يريد على وضوئها ومواقيتها، وركوعها وسجودها. وقوله: {قَانِتِينَ}، قيل: إنه كان يجهر بعضهم في القراءة على بعض في الصلاة، ويسلم بعضهم على بعض فيها، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، فقال عز وجل: {وقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} يعني صامتين خاشعين، ومن الخشوع فيها السكوت، وغض البصر، وخفض الجناح، واستكانة القلب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة نظر يمينًا وشمالاً حتى نزلت {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ
خَاشِعُونَ} فحنى رأسه في الصلاة إلى صدره)). ((وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقراءة في الصلاة قرأ من خلفه جهرًا حتى نزل {وإذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنصِتُوا}.)) الآية. فأمسكوا عن القراءة معه فيما يجهر فيه. [فصل - 13 - : فضل الصلوات الخمس، وعقوبة من أخرها عن وقتها] وقوله تعالى: {إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} فالحسنات الصلوات الخمس. وقال عليه السلام لمعا ليكن أكثر همك الصلاة، فإنها رأس الإسلام بعد الإقرار بالدين.
قال ابن المواز: وقال عمر بن عبد العزيز ومحمد بن المنكدر: في قوله تعالى: {أَضَاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} أما إنهم لم يتركوها، ولو تركوها لكان كفرًا، ولكنهم أضاعوها عن وقتها. ونحوه عن ابن مسعود، وهذا تفسير، قول عمر فمن أضاعها فهو لما سواها أضيع؛ لقوله تعالى: {إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والْمُنكَرِ}. [فصل - 14 - في ما يطلق على صلاة المغرب العشاء] ومن العتبية قال مالك: الأعراب يسمون المغرب صلاة الشاهد؛ لأنها لا تقصر في السفر والحضر سواء. قال: وأحب إلي أن يقال في العتمة: صلاة
العشاء؛ لقوله تعالى: {ومِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشَاءِ} إلا أن تخاطب من لا يفهم ذلك عنك فذالك واسع. قال ابن المسيب: لأن أنام عن العشاء أحب إلي من الحديث بعدها. قال مالك: أصاب، وأرى أن يعلم ذلك الرجل أهله وولده، وسماها في البخاري بالعتمة والعشاء، وبالعشاء أكثر، وفيما كتب به عمر إلى أبي موسى الأشعري: وصل العتمة فكان ذلك على جواز الوجهين، واستحب لفظ القرآن، كما أن في
الحديث نحر البقر في الهدايا، وذبحها، واستحب مالك وذبحها؛ لقوله تعالى: {إنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً}.
[باب - 2 -] جامع القول في أوقات الصلاة
[باب - 2 -] جامع القول في أوقات الصلاة [فصل - 1 - : الأصل في أوقات الصلاة إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم] قال ابن حبيب وغيره: لما فرضت الصلاة صلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم يومين، فجعل لكل صلاة وقتين، إل المغرب، فإنه صلاها في اليومين في وقت واحد، وصلى الظهر أول يوم عند زوال الشمس، والأصل فيه قول الله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} وصلاها به في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى به العصر في أول يوم حين صار ظل كل شيء مثله، وصلاها به في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه، وصلى به المغرب في اليومين غروب الشمس، وصلى به العشاء الآخرة في أول يوم مغيب الشفق، وهو الحمرة عندنا، وصلى به في اليوم / الثاني ثلث الليل، وصلى به الصبح في أول يوم طلوع الفجر الثاني، وهو الضياء المعترض في الأفق، يبتدئ من المشرق معترضًا حتى يعم الأفق، وصلى به في اليوم الثاني حين أسفر، وقال: هذه صلاة النبيين من قبلك، والوقت ما بين هذين
الوقتين. وأول ما صلى به جبريل صلى الله عليه وسلم الظهر، فسميت الأولى لذلك. وفي الموطأ أن جبريل عليه السلام نزل فصلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الحديث. ثم قال له: في آخر ذلك بهذا أمرت.
[فصل - 2 - في أول وقت الظهر والعصر] ومن المدونة قال مالك: وأول وقت الظهر زوال الشمس، وأحب إلي أن يصلي الظهر في الصيف والشتاء والفيء ذراع، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال: وما دام الظل في نقصان فهو غدوة بعد فإذا امتد ذاهبًا فمن ثم يقاس ذراع. قال ابن القاسم: وإنما يقاس الظل في الشتاء. قال أبو عمران: وفي بعض الروايات وفي الصيف. وفي المبسوط: يقاس الظل، ولم يذكر شتاء ولا صيفًا، وقال في موضع آخر: أما في الصيف فهو بين، وأما في الشتاء فأخذ عودًا إلى مروحة فأقامها، ثم أراهم نقصان الظل. وكان ابن عمر ربما ركب في السفر بعد ما يفيء الفيء فيسير الميلين والثلاثة قبل أن يصلي الظهر. وآخر وقتها إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، بعد طرح ظل الزوال،
وهو بعينه أول وقت العصر، يكون وقتًا لهما مميز جانبيهما، فإذا زاد على المثل زيادة بينة خرج وقت الظهر، واختص العصر بالوقت، فلا يزال ممتدًا إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، فذلك آخر وقت العصر، وتأخيرها بعد ذلك الوقت مكروه. قال ابن سلمة: تمضي القامتان والشمس بيضاء نقية، والمصلي في ذلك الوقت مذموم. قال ابن حبيب: إذا تمت القامة خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر، وخالف في هذا القول مالك وأصحابه، وهذا قول الشافعي. والحديث يدل على ما قاله مالك وأصحابه: أنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين صلى العصر في اليوم الأول، وهي حجتنا على أبي حنيفة في قوله:
إن آخر وقت الظهر إذا كان الظل مثليه. قال بعض البغداديين: وإنما استحب مالك أن تصلي والفيء ذراع؛ لأن في ذلك فضيلة أدائها في في الجماعة؛ لأنها صلاة تدرك الناس متشاغلين في متصرفاتهم، فلو صليت في ذلك الوقت لفاتتهم فضيلة الجماعة. ومن المدونة قال ابن القاسم: ولم يحد مالك في آخر وقت العصر قامتين، ولكن قل: والشمس بيضاء نقية، وقاله عمر بن الخطاب في الموطأ. وروى في بعض الآثار قامتين، وقاله مالك في مختصر ابن عبد الحكم
الكبير. [فصل - 3 - : مقدار وقت المغرب] قال مالك في المدونة: ووقت المغرب غروب الشمس، لا يؤخر، وقاله عمر بن الخطاب في الموطأ. قال مالك: وأما المسافر فلا بأس أن يمر الميل ونحوه، ثم ينزل فيصلي. قال بعض علمائنا: يريد ينزل في المنهل، وأما إن كان يتمادى فليصل في أول الوقت. قال ابن الجهم: لها وقتان، كسائر الصلوات. قال أبو إسحاق: وذكر محمد بن مسلمة أن لها وقتين - يعني المغرب - ولمن شاء تأخيرها إلى مغيب الشفق، وتقريبها إلى وقت وغيره أحسن منه، فإذا ذهب الشفق خرج وقتها.
[فصل - 4 - : وقت العشاء] قال مالك: وأول وقت العشاء مغيب الشفق وهو الحمرة، ولا ينظر إلى البياض الباقي بعدها، كما لا ينظر في الصوم إلى البياض الذي قبل الفجر. قال أبو إسحاق: وقد ذكر الخليل أنه رصده فلم يغب إلى طلوع الفجر، وإذا أمر النبي عليه السلام بالصلاة إذا / غاب الشفق، وكانت الحمرة تسمى شفقًا، والبياض يسمى شفقًا، جاز أن تصلي بمغيب أول الشفق حتى يقوم دليل على المنع من ذلك، وآخر وقتها ثلث الليل، وقيل: نصف الليل. قال: وأحب للقبائل تأخيرها قليلاً، قيل لمالك: فأهل الحرس يؤخرونها إلى ثلث الليل، فأنكر ذلك وقال: يصلون كما يصلي / الناس. وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فلم يؤخروها هذا التأخير. قال في المختصر: ثلث الليل آخر وقتها. قال ابن حبيب: لا يؤخر إلى ثلث الليل إلا مسافر. وقال أشهب: تؤخر. وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن صل العتمة فيما
بينك وبين ثلث الليل، فإن أخرت، فإلى شطر الليل، ولا تكن من الغافلين، وهو في الموطأ، ومعنى إنكاره تأخير الحرس صلاة العشاء إلى ثلث الليل؛ لئلا يكون ذلك لهم أمرًا ثابتًا، لا يتقدم ولا يتأخر. [فصل - 5 - في مقدار وقت الصبح] ومن المدونة قال مالك: ووقت صلاة الصبح طلوع الفجر، والنجود بادية مشتبكة. قال مالك: يغلس بالصبح في الحضر والسفر، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: [إن] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس. قال ابن القاسم: وآخر وقتها إذا أسفر. وروي عن مالك في الموطأ: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت
صلاة الصبح فسكت عنه حتى إذا كان من الغد صلى الصبح حين طلع الفجر، ثم صلى الصبح من الغد بعد أن أسفر، ثم قال: ((أين السائل عن وقت الصلاة؟)) قال: ها أنا يا رسول الله! قال: ((ما بين هذين وقت)). قال مالك في المدونة: وواسع أن يقرأ فيها بسبح اسم ربك الأعلى، ونحوها في السفر، والأكرياء يعجلون الناس. وقال ابن نافع عن مالك: صلاة الرجل الصبح وحده بغلس أحب إلى من أن يصلي في جماعة، في آخر الوقت. قال ابن القاسم: ولم يكن مالك يعجبه هذا الحديث، الذى جاء أن الرجل ليصلى الصلاة ما فاتته، ولما فاته من وقتها أعظم. وكان يرى أن يصلى الناس بعد ما يدخل الوقت، ويتمكن ويمضي منه بعضه في الظهر والعصر
والعشاء. قال ابن حبيب عن مالك: إلا الجمعة فتعجل في أول الوقت. قال مالك في المدونة: وقد صلى الناس قديماً، وعرف وقت الصلوات. ومن الموطأ مالك: وحدثنى نافع أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عماله: أن اهم أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، ثم كتب: أن صلوا الظهر إذا كان الفئ ذراعاً إلى أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، بقدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة، والمغرب إذا غربت الشمس، والعشاء إذا غاب الشفق إلى ثلث الليل، فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه، والصبح والنجوم بادية مشتبكة. قال ابن حبيب: ومما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: ((إذا كان الشتاء فعجل الصبح في أول الفجر، وأطل القراءة فيها على قدر ما يطيق الناس، ولا تملهم، وصل الظهر حين تميل الشمس، وصل العصر والمغرب في الشتاء والصيف على ميقات واحد، العصر الشمس بيضاء نقية، والمغرب إذا غربت الشمس، وصل العشاء وأعتم بها، فإن الليل طويل، وإذا كان الصيف فأسفر بالصبح،
فإن الليل قصير، والناس ينامون، ولا تعتم العشاء فإن الليل قصير، ولا تصلها قبل الشفق. م وقد عبر بعض أصحابنا فقال: أوقات الصلوات خمسة: واجب: هو أول الوقت، ومستحب: وهو أن يصلي والفئ ذراع بعد أول الوقت، وواسع وهو آخر الوقت، كالقامة بعد ظل الزوال في الظهر، وكالقامتين في العصر، والرابع: وقت الصلاة إذا نسيها، ثم تذكرها فوقتها حينئذ. والخامس: أوقات الضرورة، في من احتلم، أو أسلم أو سافر، أو قدم، أو المرأة تحيض أو تطهر، وذلك مذكور في مواضعه. وقال الرسول عليه السلام: إذا كان الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم، وذكر أن النار اشتكت إلى ربها فأذن لها في كل عام بنفسين، نفس في الشتاء/ ونفس في الصيف من الموطأ.
[فصل-6 - في/ ما يختص به وقت كل صلاة] قال أبو الحسن ابن القصار: ووقت الظهر الذي يختص به إذا زالت الشمس عن كبد السماء إلى أن يمضي، بعد الزوال مقدار صلاة أربع ركعبات، لا مدخل للعصر فيه. ووقت العصر الذى يختص به قبل مغيب الشمس مقدار صلاة أربع ركعبات، لا مدخل للظهر فيه، وما بين هذين وقت مشترك، للظهر والعصر في باب الإجزاء، واحتج بجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر في السفر، وبعرفة عند الزوال، فلولا أن الأمر على ما قلناه، لم يجمع بينهما، ألا ترى أنه لم يجمع بين الصبح وغيرها، وكذلك يقول في المغرب والعشاء بعد مغيب الشفق
بمقدار ثلاث ركعات يختص بالمغرب، وقبل طلوع الفجر بمقدار أربع ركعات يختص بالعشاء، وما بينهما مشترك، ولا حجة لمحتج بصلاة الظهر في يمين في أو الوقت وآخره على ما ذكر فيه؛ لأن هذه أوقات الاختيار بدلالة جمع النبي عليه السلام بينهما في وقت واحد، فإذا جعلنا هذا للإجزاء، وتفرقته بينهما للأختيار جمعنا بين أفعاله. قال: وإذا فرط في الظهر حتى دخل مقدار الأربع التي قبل الغروب لحقه الوعيد، وحصل منه التفريط؛ لأنه وقت مختص بالعصر، وإذا أخر الظهر حتى صار ظل كل شئ مثله أو مثليه فلا نقول إنه مفرط يلحقه الوعيد، بل نقول: إنه مسئ لتركه الاختيار. قال أبو إسحاق: وأما من أخر الظهر أو العصر إلى اصفرار الشمس فالأشبه فيه أن يأثم؛ لأن ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((تلك صلاة المنافقين))
وتكريره لذلك يدل على تأكيد النهي. فإن قيل: فقد قال عليه السلام: ((من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها)). قيل: هذا وقت لأصحاب الضرورات، بدليل تأكيده في النهي عن الصلاة إذا اصفرت الشمس. وقد احتج من خالفنا: بأنه إذا لم يكن قاضياً لم يكن عاصياً. قيل: قد اتفق على من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس أنه مؤد لها، وليس بقاض. ولا خلاف أنه عاص إذا أخر ذلك متعمداً، فقد صح عصيانه مع كونه مؤدياً غير قاض.
[باب-3 -] جامع القول في الأذان والإقامة وتسوية الصفوف ووقت القيام للصلاة
[باب-3 -] جامع القول في الأذان والإقامة وتسوية الصفوف ووقت القيام للصلاة [فصل-1 - في حكم الأذان وصفته] قال بعض البغداديين: والأذان والإقامة سنتان غير واجبتين، والإقامة آكد. قال مالك رحمه الله: والأذان كما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا محذورة، وهو: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، ثم يرجع بأرفع من صوته
أول مرة فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمداً رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. ويقول أذان الصبح دون الإقامة- بعد حي على الفلاح- الصلاة خير من النوم مرتين. ابن وهب يقول: مرة واحدة. ابن حبيب: روى أن بلالاً قال: الصلاة خير من النوم في نداء الصبح، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يزيدها في نداء الصبح. قال: ومعنى حي على الصلاة هلموا إلى الصلاة. وفي الموطأ فوجده نائماً، فقال: الصلاة خير من النوم، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح. قيل لمالك: فالرجل يؤذن في السفر هل يقول: الصلاة خير من النوم؟ فقال: نعم لا يدع ذلك.
[فصل-2 - الإقامة وتر] ومن المدونة قال مالك: والإقامة كلها مرة واحدة، إلا التكبير، وقد أمر النبي عليه السلام بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وكان ابن عمر لا يزيد في الإقامة على واحدة. ابن وهب: قال عطاء بن رباح:- وقد أدرك أبا محذورة مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم- ما علمت أن تأذين أبي محذورة مؤذن النبي عليه السلام، ولا تأذين من مضى، يخالف تأذيتهم اليوم. قال موسى بن هارون: وكذلك كان تأذين بلال وسعد القرظ، وعليه إجماع أهل المدينة. وذهب أبو حنيفة والشافعي: إلى أن أول التكبير أربع مرات.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الإقامة تشفع. ودليلنا عليه ما تقدم. وقال النخعى: الأذان والتكبير كل ذلك جزم. قال غيره: وعوام الناس يضمون الراء من التكبير الأول، والصاب جزمها؛ لأن الأذان شفعاً موقوفاً. ومن أعرب الله أكبر لزمه أن يعرب حي على الصلاة وحي على الفلاح بالخفض. فصل-3 - : [في الهيئة التى يكون عليها المؤذن والمقيم] ومن المدونة قال ابن القاسم: وأنكر مالك التطريب في الأذان
وقال: ما رأيت أحداً من مؤذني المدينة يطربون. وأنكر مالك دوران المؤذن في أذانه والتفاته عن يمينه وشماله، إلا لإرادة الإسماع. ابن حبيب: وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قالب لبلال: إذا أذنت فأدخل إصبعيك في أذنيك، ثم قل: هكذا وهكذا بوجهك، عن يمينك وشمالك، وبدنك قائم إلى القبلة، ولا تدر كما يدور الحمار. ومن المدونة قال ابن القاسم: ورأيت المؤذنين بالمدينة يؤذنون ووجوههم إلى القبلة، ويقيمون عرضًا، يخرجون مع الإمام وهم يقيمون، وكان مالك
يوسع للمؤذن أن يؤذن كيف تيسر له، ويصنع كيف شاء، وإن شاء وضع إصبعيه في أذنيه في أذانه، وكذلك في إقامته، وإن شاء ترك. قال مالك: ولا يتكلم أحد في أذانه ولا تلبيته ولا يردان على من سلم عليهما. وفي مختصر الوقار: ولا يرد المؤذن السلام كلامًا، ولا بأس أن يرد بإشارة، كالصلاة يريد، وكذلك / الملبي، وقاله ابن اللباد. وقال محمد: ولا يردان بكلام ولا بإشارة. والفرق بين الأذان والصلاة:- في هذا القول - أن الأصل في جميعهم أن لا يسلم عليهم، ولا يردون على من سلم عليهم للعمل الذي حصلوا فيه، فخضت السنة جواز الرد إشارة إلى الصلاة، وبقي الأذان على أصله. وأيضًا فلما كان الأذان لا يبطله الكلام، وإنما هو مكروه فيه، وكان رد السلام واجبًا، لم يجز له أن يرد إلا كلامًا فصار المسلم قد أدخله في الكراهة بسلامه، فنهي أن يسلم عليه لذلك حتى يفرغ مما هو فيه، وإذا عصى وسلم
عليه عوقب بأن لا يرد عليه، كمنع القاتل الميراث عقوبة له؛ لاستعجاله ذلك قبل وقته، وقد قال النبي عليه السلام للذي سلم عليه وهو يبول: "إذا رأيتني في هذه الحال فلا تسلم علي، فإنك إن فعلت لم أرد عليك"، فهذا مثله. والله أعلم. ومن المدونة قال مالك: وأكره السلام على الملبي حتى يفرغ من تلبيته، وكذلك المؤذن في أذانه. قال في غير المدونة: ومن تكلم في أذانه بنى. قال سحنون: تكلم عمدًا أو سهوًا، وينهى العامد عن ذلك. قال ابن القاسم في المجموعة: إلا أن يخاف على صبي أو أعمى أو دابة أن تقع في بئر أو شبهه، فليتكلم ويبني. [فصل -4 - في حكم أذان الصبي]: ومن المدونة قال مالك: ولا يؤذن إلا من احتلم؛ لأن المؤذن إمام، ولا يكون من لم يحتلم إمامًا. وقال ابن أبى زمنين: سعني أن الناس يأتمون به، ويقتدون به في أوقات الصلوات، ولذلك كانوا يختارون للأذان أهل الصلاح والمعرفة بالأوقات. وقال في العتبية: لا يؤذن الصبي، ولا يقيم، إلا أن يكون مع نساء، أو
بموضع لا يوجد غيره فليؤذن وليقم. قال في المجموعة: فإن صلى لنفسه، فليقم. [فصل -5 - في أذان الجنب]: قال ابن القاسم في العتبية: لا يؤذن الجنب. وقال سحنون في كتاب ابنه: لا بأس بذلك في غير المسجد. وفي كتاب أبي الفرج لمالك: ولا بأس أن يؤذن قاعدًا، أو راكبًا / أو جنبًا، ومن / لم يحتم، وأما في الإقامة فلا. [فصل -6 - في أذان السكران]: قال أشهب في المجموعة: إن أذن وأقام سكران لم يجزئهم، وإن صلوا
بذلك لم يعيدوا. وينبغي أن يكون المؤذن من أفضل أهل الحي. [فصل - 7 - في أذان الأعمى - والمرأة - ومن أذن لقوم لا يؤذن لغيرهم]: ومن المدونة قال مالك: وجائز أذان الأعمى، وإمامته، وقد كان مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم أعمى. قال وليس على المرأة أذان ولا إقامة، فإن أقامت فحسن. قال بعض البغداديين: وإنما لم يكن على المرأة أذان؛ فلأنها ليست من أهل الجماعة؛ ولأن صوتها عورة. قال: وإنما استحسن لها الإقامة؛ لأن الإقامة آكد من الأذان؛ لأنه قد خوطب بها من لم يخاطب بالأذان، وأما التلبية في الحج، فهي لازمة لها. والفرق بين تلبيتها وإقامتها في اللزوم هو: أن التلبية إجابة، والإجابة لازمة لكل من لزمه فرض الحج، والمرأة منهم؛ ولأن التلبية إجابة، والإجابة لازمة لكل من لزمه فرض الحج، والمرأة منهم؛ ولأن التلبية داخلة في إحرام الحج كالسورة التي مع أم القرآن في الصلاة، والإقامة خارجة عن الصلاة. قال مالك: ولا بأس أن يؤذن الرجل، ويقيم غيره، كما جاز أن يؤذن الرجل ويؤم غيره.
قال أبو إسحاق: من أذن لقوم وصلى معهم فلا يؤذن لآخرين ويقيم، فإن فعل ولم يعلموا حتى صلوا أجزأهم، قاله أشهب. فصل -8 - [أخطأ في الأذان، أو رعف فيه، أو مات أو غمي عليه في الإقامة]: قال مالك: وإن أذن فأخطأ فأقام ساهيًا لم يجزئه، وابتدأ الأذان. قال في المجموعة، والواضحة: فإن أراد أن يقيم فأذن فليبتد / الإقامة حتى يكون على صواب. قال أصبغ: ويجزئه؛ لقول من قال: إن الإقامة شفع. ابن حبيب: والاختلاف فيه شاذ، وبقول مالك: إنه يعيد أقول. قال أشهب في المجموعة: إن بدأ بأشهد أن محمدا رسول الله قبل أشد أن لا إله إلا الله فليقل بعد ذلك أشهد أن محمدًا رسول الله قبل أشهد أن لا إله الله فليقل بعد ذلك أشهد أن محمدًا رسول الله، ويجزئه. ابن حبيب: إن سها عن جل أذانه فذكر في مقامه فليعد من موضع نسي، وإن كان حي على الفلاح مرة لم يعد شيئًا، وإن تباعد لم يعد ما قل أو كثر، وقاله ابن القاسم وأصبغ.
قال ابن القاسم في العتبية: وإن رعف في أذانه تمادى، وإن قطع وغسل الدم فليبتد، وإن أراد غيره أن يبني على أذان الراعف فلا يفعل، وليبتد، وإن رعف أو أحدث فى الإقامة فليقطع، ويقيم غيره. قال أشهب في المجموعة: فإن مات أو أغني عليه في أقامته فأراد أن يقيم غيره فليبتد الإقامة أحب إليّ، وإن بنى أجزأه، وكذلك إن أفاق المغمى عليه فليبتد، وإن بنى أجزاه. قال مالك في المجموعة: ومن ترك الإقامة جاهلًا حتى أحرم فلا يقطع، ولو أنه بعد ما أحرم أقام وصلى فليستغفر الله. قال سحنون في غيرها: وذلك إذا أحرم بعد الإقامة، فإن لم يحرم بعدها فصلاته منتقضة.
فصل -9 - : [في محكاة المؤذن، والدعاء بعد الأذان]: ومن المدونة: روى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ". ورواه مالك في الموطأ. قال مالك: وذلك فيما يقع بقلبي إلى قوله: أشهد أن محمدًا رسول الله، ولو فعل ذلك لم أر به بأسا. ظاهره يدل أن قوله: لو فعل -أي ما يقع في نفسي - لأنه المذكور، لا إتمام الأذان، كما قال سحنون وغيره: معناه وإن أتم الأذان معه فلا بأس به. قيل لابن القاسم: هل يحكيه فيما بعد حي على الفلاح؟ قال: ذلك واسع، إن شاء فعل، وإن شاء ترك. يريد ولا يحكيه إذا قال: حي على الفلاح. قال بعض فقهائنا: لو حكاه المصلي في ذلك لأبطل صلاته؛ لأنه كالمتكلم، وبلغني أن ابن القصار قاله. قال أبو محمد عبد الوهاب: منتهى ما يحكيه إلى آخر التشهد؛ لأن ذلك
تهليل وتكبير، فندب للسامع أن يقول كقوله، وقوله حي على الصلاة دعاء إلى الصلاة، والسامع ليس بداع إليها، فلم تكن لحكاية المؤذن في ذلك معنى. ومن المدونة قال مالك: وإن أبطأ المؤذن فعجل بالقول قبله فواسع. قال مالك: ومن سمع المؤذن، وهو في فريضة، فلا يقل كقوله، وإن كان فى نافلة فليقل / كقوله. وقال سحنون: لا يحكيه في فريضة ولا نافلة. وقال ابن وهب وابن حبيب: يحكيه في الفريضة والنافلة. فوجه قول مالك: فلأن حكاية المؤذن ندب إلى الذكر، والفريضة واجبة فتمادى به فيها، ولا يدخل عليها غيرها أولى، واستخف ذلك فى النافلة، إذ ليست بواجبة. ووجه قول سحنون هو: أن النافلة قد أوجبها على نفيه حسن دخل فيها، فلا يدخل عليها غيرها، حتى يتمها حسب ما أوجلها على نفسه حين دخل فيها. ووجه قول ابن حبيب وابن وهب: فلعموم الحديث؛ ولأن ذلك ذكر لا يفسد الصلاة، فوجب فعله. قال ابن حبيب: وجاء الترغيب في القول، كقول المؤذن، فقيل: إنه إلى حد التشهد، وكان ابن عمر إذا قال المؤذن: حي على الصلاة، قال: لا حول
ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم يقول / مثله في بقية أذاته، وهو أحب إلي. وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: شهدت، وأمنت، وصدقت، وأيقنت، وأجبت داعي الله، وكذبت من أبى أن يجيبه، وكل حسن، والدعاء حينئذ ترجى بركته، وعند الزحف، ونزول الغيث، وتلاوة القرآن. وفي الموطأ أن سهل بن سعد الساعدي قال: ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء، وقل داع ترد عليه حضرة النداء للصلاة والصف في سبيل الله. فصل -10 - : [أذان الراكب والمحدث حدثًا أصغر]: ومن المدونة قال مالك: لا بأس أن يؤذن غير متوضئ، ولا يقيم إلا متوضئ، قال: ويؤذن راكباً في السفر، وفعله سالم بن عبد الله، قال: ولا يقيم إلا نازلا. قال أبو بكر الأبهري: إنما ذلك لتكون الإقامة متصلة بالصلاة لا عمل بينهما.
فصل -11 - [في مشروعية النداء الأول لصلاة الفجر]: قال مالك: ولا ينادي لصلاة قبل وقتها، لا جمعة ولا غيرها، إلا الصبح، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم"، قال: وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت، أى قاربت. قال ابن وهب في العتبية: لا يؤذن لها إلا سحرًا، قيل له: وما السحر عندك؟ قال: السدس الآخر. وأجاز ابن حبيب الأذان لها من نصف الليل. والفرق بين الصبح عندنا وبين غيرها: أن الصبح تدرك الناس نيامًا،
فيحتاجون إلى التأهب لها، وإدراك فضيلة الجماعة التغليس، وفى سائر الصلوات يدرك الناس متصرفين في أشغالهم فلا يحتاجون أكثر من إعلامهم بوجوبها. فصل -12 - : [في تعدد المؤذنين]: ومن المدونة قال مالك: ولا بأس باتخاذ مؤذنين أو ثلاثة أو أربعة بمسجد واحد من مساجد القبائل، قال ابن حبيب: وقد أذن للنبي صلى الله عليه وسلم أربعة بلال وأبو محذورة وسعد القرظ وابن أم مكتوم. قال مالك في المدونة: وإن كان قوم في سفر في بر أو بحر أو في الحرس فأذن لهم مؤذنان أو ثلاثة فلا بأس بذلك، قال: وليس الآذان إلا في مساجد الجماعات، أو مساجد القبائل، أو موضع تجتمع فيه الأئمة، وإن كان في حضر. فصل -13 - : [كل ما كان من صلاة الأئمة فبأذان وإقامة لكل صلاة]: وكل ما كان من صلاة الأئمة فبأذان وإقامة لكل صلاة، وكذلك إمام المصر يخرج للجنازة فتحضره الصلاة فليصل بأذان وإقامة لكل صلاة.
وإذا جمع الإمام صلاتين بعرفة والمزدلفة فبأذانين وإقامتين. وأما غير هؤلاء يجمعون في حضر أو سفر، فالإقامة تجزئهم لكل صلاة، وإن أذنوا فحسن. [فصل -14 - : الصلاة في عرفة ومزدلفة وإقامتين أو أذان وإقامة]: قال: ويجمع الإمام الصلاتين بعرفة والمزدلفة بأذانين وإقامتين، وقيل: بأذان وإقامتين. قال مالك: وأما من جمع بهما وحده فالإقامة تجزئه لكل صلاة. [فصل -15 - في ترك الإقامة عمدًا أو سهوًا]: قال مالك: ومن صلى بغير إقامة ساهيًا أو عامدًا أجزأه، وليستغفر الله العامد. وقال ابن كنانة وابن الماجشون وابن زياد وابن نافع: إن ترك الإقامة عامدًا فليعد صلاته. فوجه قول مالك: فلأنها سنة منفصلة عن الصلاة لا تفسد بفسادها الصلاة، فوجب أن لا تفسد بتركها. ووجه الآخر: / فلأنها من سنن الصلاة، كالتي من صلب الصلاة، فتركها
عمدًا تعبثًا بالصلاة، فوجب أن لا تجزئه. قال مالك: ومن / دخل المسجد وقد صلى أهله، فليبتد الإقامة لنفسه، وإن صلى في بيته لم تجزئه إقامة أهل المصر. قال ابن المسيب وابن المنكدر: ومن صلى وحده فلا بأس أن يسر الإقامة في نفسه. [فصل -16 - : حكم الأذان والإقامة للصلاة الفائتة]: قال مالك: وعلى من ذكر صلوات، الإقامة لكل صلاة، ولا يصلي صلاتين بإقامة واحدة. قال أبو إسحاق: ولا يؤذن لها؛ لأنه يزيدها فوتًا، ولو ذكر جماعة صلاة، وهم يخافون أنهم إن أذنوا أن تفوتهم فلا يؤذنوا، وليقيموا، ولو خافوا أن يفوت الوقت لو أقاموا، فصلاتهم إياها - في الوقت - بغير إقامة أولى من أن يفوتهم الوقت، ومن فاتهم ظهر من يوم واحد فجائز أن يجمعوها بإمام منهم، وأما إن اختلفت الأيام، مثل: أن يكون على واحد ظهر من سبت وعلى آخر من أحد، فلا يجمعوها. واختلف إذا وجب على واحد ظهر حضر وعلى آخر ظهر سفر من يوم واحد، وقد فات الوقت، فقيل: إن أم الحضري صلى معه السفري
ركعتين فقط، ثم جلس، وأتم الحضري، فإذا سلم الحضري سلم معه السفري بسلامه؛ ولأنه إنما يقضي كما لزمه فلا يتم، وقاله أشهب. وقد قيل: يتم مع الحضري، قال أبو إسحاق: وهو الأشبه؛ لأن السفري وإن وجبت عليه صلاة سفر، فإذا دخل مع حضري أتمها، فلا فرق بين أن يكون وقتها لم يفت أو فات، ولا يصلي صلاتين بإقامة واحدة. ومن الموطأ: وكان عبد الله بن عمر لا يزيد على الإقامة في السفر، إلا في الصبح فإنه كان ينادى فيها ويقيم، وكان يقول: إنما الأذان للإمام الذى يجتمع إليه الناس. وقال عروة بن الزبير: إن شئت أن تؤذن، وإن شئت أن تقيم قائماً ولا تؤذن. وكان سعيد بن المسيب يقول: من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك وعن شماله ملك، فإن أذن [بالصلاة] وأقام صلى وراءه أمثال الجبال من الملائكة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول: ألا
صلوا في الرحال. وعن أبي سعيد الخدري قال: إذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك [بالنداء] فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما فى التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا ". وقال عليه السلام: "إذا ثوب بالصلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، فإن
أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة. وروي أن ابن عمر سمع الإقامة، وهو بالبقيع، فأسرع المشي إلى المسجد. فصل -17 - : [الإجارة على الأذان والصلاة]: ومن المدونة قال مالك: وتجوز الإجارة على الأذان، وعلى الأذان، والصلاة جميعًا، وقد أجرى عمر لسعد القرطي رزقًا على الأذان. قال: ولا تجوز الإجارة على الصلاة خاصة. وأجاز ذلك ابن عبد الحكم، وقال ابن حبيب: لا تجوز على أذان ولا على صلاة. فوجه قول مالك - رحمه الله - في جواز الإجارة على الأذان: فلما روي عن عمر في ذلك؛ ولأن ذلك عمل يكلفه لا يلزمه الإتيان به، فإذا جمع مع ذلك الصلاة فإنما / الأجرة على الأذان خاصة، فلا يضره جمع الصلاة معه. وأما على الصلاة خاصة فلم يجز؛ عمل يلزمه ويختص به لم يعمله عن أحد غيره.
ووجه قول ابن عبد الحكم: فلأنه تكلف الصلاة في ذلك الموضع، والإتيان إليه، والاهتمام به، فله أجره في ذلك. ووجه قول ابن حبيب: لأن الأذان عمل بر وإعلام للصلاة، فلم تجز الأجرة عليه، كالصلاة. وهذا ينتقض بأخذ الأجرة على بناء المساجد وإصلاح الطرق إذ هو عمل بر لله تعالى، والصواب ما قاله - رحمه الله-. فإذا استؤجر على الأذان والصلاة جميعًا في قول مالك فتخلف المؤذن عن الصلاة خاصة لعذر من سلس بول ونحوه فاختلف في ذلك فقهاؤنا المتأخرون. فقيل: لا تسقط من الإجارة حصة الصلاة، لأن الإجارة في هذا إنما هي على الأذان خاصة، والصلاة تبع له، كمال العبد، وثمر النخل الذي لم يبد صلاحه أن ذلك لا يجوز بيعه على الإنفراد، ويجوز إذا جمع، فكذلك الصلاة. وقيل: بل تسقط حصة الصلاة؛ لأن الإجارة على الصلاة إنما هي مكروهة فإذا نزلت مضت / ألا ترى أن ابن عبد الحكم يجيز الإجارة عليها، بخلاف مال العبد وثمر النخل لا يجوز بيعه إذا انفرد بإجماع.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكره مالك إجارة قسام القاضي. قال سحنون: لأنه إنما كان يفرض لهم من أموال اليتامى، فأما ما وافقوا عليه الناس فحلال. قال مالك: ولا بأس يما يأخذ المعلم اشترط ذلك أم لا، وإن شرط شيئًا معلومًا على تعليم القرآن جاز، وفي الإجارة إيعاب هذا. فصل -18 - : [المقدار الذي ينتظره الإمام بعد تمام الإقامة لتسوية الصفوف]: قال مالك: وينتظر الإمام بعد تمام الإقامة [قليلاً قدر] تسوية الصفوف، ثم إذا كبر قرأ، وقد كان عمر وعثمان رضي الله عنهما يوكلان رجلين بتسوية الصفوف، فإذا أخبراهما أن قد استوت كبرا. قال مالك: وليس في سرعة القيام للصلاة بعد الإقامة حد، ولا وقت، وذلك على قدر طاقة الناس؛ لأن فيهم القوي والضعيف.
[باب -4 -] في الإحرام والسهو عنه، وذكر التوجيه
[باب -4 -] في الإحرام والسهو عنه، وذكر التوجيه [فصل -1 - في صفة التكبير والتسليم]: قال الرسول عليه السلام: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبر وتحليلها التسليم "، وقاله ابن مسعود، ومالك. ولا يجزئ عند مالك من الإحرام إلا الله أكبر، ولا من السلام إلا السلام عليكم. قال سحنون فى العتبية: ومن قال في الإحرام/ الله أجل، الله أعظم لم يجزئه، وأعاد صلاته. قال أبو محمد عبد الوهاب: وأجاز ذلك أبو حنيفة.
والدليل لمالك: قوله عليه السلام: "صلوا كما رأيتموني أصلي ". وقوله: "تحريمها التكبير "، وقوله: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يتوضأ كما أمره الله إلى قوله: "ثم يستقبل القبلة فيقول: الله أكبر"، ولأنه ركن من أركان الصلاة فوجب أن يكون متعينًا، كالركوع والسجود، وكقراءة أم القرآن. فصل -2 - : [حكم التوجيه في الصلاة]: ومن المدونة قال مالك: ولا أعرف التوجيه لإمام، ولا غيره من قول الناس: "سبحانك اللهم، وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وقال: لا يقوله من صلى وحده، أو إمام، أو مأموم.
ولمالك فى السماع: أنه وسع في قوله. / قال أبو محمد عبد الوهاب: وذلك مذهب الشافعي. والدليل لمالك: قوله عليه السلام: "يكبر، ثم يقرأ "، وقوله للذي علمه: "كبر، ثم اقرأ "، وفي حديث أبي أنه صلى الله عليه وسلم قال له: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأت الحمد لله رب العالمين، فلم يذكر توجيهًا ولا تسبيحًا. [فصل -3 - في الإحرام بالعجمية]: ومن المدونة قال: وكره مالك أن يحرم الرجل بالعجمية أو يدعو بها في
الصلاة، أو يحلف بها، قال: وما يدريه أن الذي حلف به هو الله. وقد نهى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رطانة الأعاجم وقال: "إنها خب ". ومن سماع ابن القاسم: سئل مالك عن الأعجمي يدعو بلسانه في صلاته، وهو لا يفصح بالعربية، فقال: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وكأنه يخففه. محمد قيل: معنى نهي عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رطانة الأعاجم إنما ذلك في المساجد. وقيل: إنما نهى عن ذلك عن ذلك إذا تكلم بها بحضرة من لا بفهم ذلك، لأنه يصير إلى معنى ما كره أن تناجى اثنان دون واحد. [فصل -4 - لا يقرأ في الصلاة إلا قرآنًا]: ومن المجموعة قال أشهب: ومن قرأ في صلاته بشيء من التوراة والإنجيل والزبور وهو يحسن القراءة أو لا يحسنه فقد أفسد صلاته، وهو
كالكلام، وكذلك لو قرأ شعرًا فيه تسبيح وتحميد لم تجزئه وأعاد صلاته. فصل -5 - : [حكم من نسى تكبيرة الافتتاح]: قال مالك: وإذا ذكر مأموم أنه نسي تكبيرة الافتتاح فإن كان كبر للركوع، ونوى بها تكبيرة الإحرام أجزأه، فإن كبرها، ولم ينو بها تكبيرة الإحرام تمادى مع الإمام، وأعاد صلاته احتياطًا، لأنها لا تجزئه عند ربيعة، وتجزئه عند ابن المسيب. فوجه قول ابن المسيب: فلأن الإحرام قول، فوجب أن يحمله الإمام، أصله قراءة أم القرآن؛ ولأن الأقوال أخف من الأفعال. ووجه قول ربيعة: فلأن الإحرام فرض كالركوع والسجود والسلام فلم يجز أن يحمل ذلك عنه الإمام. والفرق بين الإحرام وبين قراءة أم القرآن أن الأصل أن لا يحمل الإمام عن المأموم فرضًا، فخصت السنة أن يحمل الإمام قراءة أم القرآن، وبقى ما سواها من فرائض الصلاة على أصله. ووجه قول مالك أنها تجزئه إذا نوى بتكبيرة الركوع الإحرام: فللخروج من الخلاف/. وقيل: إن سعيدًا وابن شهاب يقولان: إن تكبيرة الإحرام سنة، فلذلك حملها الإمام، وليس ذلك بصحيح، ولو كانت سنة لاستوى في نسيانها
الإمام والفذ والمأموم، ولم يبطل نسيانها على أحد منهم صلاته. وإنما يصح ذلك لو كبر للركوع فى حال قيامه، وأما لو كبر ذاكرًا، وهو راكع فلا تجزئه تلكم الركعة، نوى بتكبيرة الركوع الإحرام أم لا؛ لن قيامه الأول كان في غير صلاة عند ربيعة، وفرض المأموم من القيام قدر تكبيرة الإحرام، فقد أسقطه، ودخل الصلاة بالركوع. قال ابن المواز: وإن ذكر، وهو راكع، ولم يكن كبر لركعته فليتم، ويحرم، وإن كبر راكعًا فليقض ركعة بعد سلام الإمام؛ لأنه ترك أن يكبر للإحرام قائمًا عامدًا، وإنما يجزئ فيها تكبيرة الركوع عند سعيد إذا تركها ساهيًا، فوجب أن يقضى تلك الركعة باتفاق. قال ابن المواز: وإن كان إنما ذكر بعد أن كبر لركعته تمادى، وأعاد. قال مالك في المجموعة: إذا كبر لركعته فإن طمع إذا رفع رأسه أن يكبر، ويطمئن راكعًا قبل رفع الإمام رأسه / فعل، وأجزأه. قال أبو محمد: يريد إذا قطع بسلام. محمد: واستحب ابن القاسم أن يتمادى ويعيد، واستحب أصبغ قول مالك. قال محمد: وقول ابن القاسم أصوب؛ لأنها ركعة تجزئه في قول سعيد،
فإن جعلته يأتي بأخرى صارت في صلاته حمس ركعات على التأويل. وقال ابن ميسر: أحب إلىّ أن يقطع بسلام، ويرفع، ويحرم، ويدرك الركعة، وهو معنى قول مالك إن شاء الله، وكذلك تأويله أبو محمد. ابن وهب عن مالك: أنه سئل إذا لم يكبر المأموم تكبيرة الإحرام، ولا تكبيرة الركوع، قال: أرجو أن يجزئ عنه إحرام الإمام، وتصل عندي الاحتياط في إعادة الصلاة، وروى أشهب مثله. ومن المدونة قال: وإن ذكر قبل أن يركع قطع بغير سلام، وأحرم، وكذلك إن لم يكبر للإحرام ولا للركوع حتى ركع الإمام ورفع، ثم ذكر فليبتد التكبير، ويكون الآن داخلاً في الصلاة، ويقضي ركعة بعد سلام الإمام. ابن حبيب: ويقطع بغير سلام. ومن ظن أن الإمام كبر فكبر، ثم كبر الإمام بعده فإنه يكبر بعد تكبيرة الإمام، ويكون قطعه بغير سلام، وقال سحنون: بل يقطع بسلام. فوجه قوله: يقطع بغير سلام: فلأن تكبيره قبل الإمام كلا شيء، فهو كمن لم يكبر فهو في غير صلاة.
ووجه قول سحنون: فلأنه قد كبر تكبيرة نوى بها الدخول في الصلاة، وهي تجزئه عند من يقول: إن كل مصل مصلٍ لنفسه فوجب أن لا يقطع إلا بسلام، ويخرج من الخلاف. قال مالك: فإن لم يكبر حتى ركع مع الإمام وكبر لركوعه فليتماد معه، ويعيد الصلاة. م لمن نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع. وقال ابن حبيب: وإن نسي المأموم تكبيرة الإحرام يوم الجمعة، أو أحرم قبل إمامه فذكر بعد ركعة فليقطع بسلام، ثم يحرم، وذلك لحرمة الجمعة، بخلاف غيرها، ثم يقضي ركعة، وقاله مالك. م وقيل عن ابن القاسم: إن الجمعة وغيرها سواء. ووجه هذا فلأنها تصح له جمعة على قول سعيد فلا يبطلها. ومن المدونة قال مالك: وإن ذكر الفذ تكبيرة الإحرام، فليقطع ويبتدئ متى ما ذكر قبل ركعة أو بعدها نوى بتكبيرة الركوع الإحرام أم لا. وقال مالك في المجموعة: يقطع إذا ركع بسلام.
وقال سحنون: يعيد بغير سلام. وجه قول مالك: فلأنه كبر لركوعه، وهى تكبيرة تجزئ المأموم عن تكبيرة الإحرام على قول ابن المسيب، فرأى أن يقطع هذا فيها بسلام /. ووجه قول سحنون: فلأنه لم يحرم للصلاة، ولا دخل فيها، فقيامه وقراءته وركوعه في غير صلاة فوجب أن يقطع بغير سلام، وهذا أبين. ومن المدونة قال مالك: وكذلك إن نسي الإمام تكبيرة الإحرام، وكبرها من خلفه، ثم كبر الإمام للركوع، ونوى بها تكبيرة الإحرام أم لا، وصلى بهم حتى فرغوا من صلاتهم لم يجزئهم، وأعاد هو ومن خلفه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التحريم التكبير" ولا ينبغي لرجل أن يبتدئ الصلاة بالركوع قبل القيام، وذلك يجزئ من كان خلف الإمام؛ لأن قراءة الإمام وفعله تحتسب لهذا؛ لأنه أدرك معه الركعة فحمل عنه الإمام ما مضى إذا نوى بتكبيرته الافتتاح. قال ابن حبيب: وإن ذكر وهو في الصلاة فليقطع متى ذكر ويقول للناس: إني نسيت تكبيرة الإحرام، ثم يحرم، ويحرمون بعده بعد أن يقطعوا بسلام أو بكلام.
قال ابن المواز: وإن شك الفذ في تكبيرة الإحرام / فقال عبد الملك: تتم صلاته، ولا يعيد، ولا يخرج من صلاة لعلها له تامة قبل تمامها، بخلاف الموقن بإسقاطها، وهو أحب إلي. وقال سحنون في كتاب ابنه: يتمادى في صلاته فإذا سلم وسلموا سألهم فإن أيقنوا بإحرامه فلا شيء عليه، وإن شكوا أعاد وأعادوا، وإن شك في الوضوء استخلف ولم يتمادى. والفرق: أنه لو أتم الصلاة ثم ذكر أنه لم يحرم أعاد وأعادوا، ولو ذكر أنه غير متوض أعاد ولم يعيدوا وجاء في المجموعة: أنهما سواء. قال ابن القاسم: ذلك سواء، ويقطع في الشك واليقين، ويبتدئ الصلاة، وهو أحب إليّ. قال ابن المواز: كل سهو أو عمد يحمله الإمام عن المأموم، وإن كان التكبير كله، إلا تكبيرة الإحرام أو ركعة أو سجدة أو السلام، وقد أساء في
تعمده - يريد - ولا يدخل في الجلسة الأخيرة في هذا. قال ابن حبيب: ومن دخل في أول صلاة الإمام فذكر بعد ركوعه أنه لم يحرم، وقد كبر للركوع، فجهل أن يتمادى في صلاته وأحرم وصلى مع الإمام بقية صلاته فليبتد صلاته، ولا يجزئه قضاء ركعة، وليس يقطع ما كان فيه بالإحرام والنية، ولا يخرج منه إلا بسلام، وكذلك لو ذكر بعد ركعة أن عليه ثوبًا نجسًا فنزعه، ثم أحرم ولم يقطع بسلام أو كلام، فلا صلاة له، وعليه ابتداؤها حتى يخرج مما كان عمل بسلام أو كلام، وقاله ابن الماجشون وأصبغ. وقال ابن حبيب: ومن أحرم هو والإمام معًا أو سلما معًا، فخففه ابن عبد الحكم. وقال أصبغ: يعيد أبدًا، وبه أقول.
[باب-5 -] جامع القول في القراءة والسهو عنها
[باب-5 -] جامع القول في القراءة والسهو عنها [فصل-1 - في القراءة في الصلاة] روى أن الرسول عليه السلام قال: ((لا صلاة لمن يقرأ بأم القرآن)). وروى من حديث جابر أنه قال: ((كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصلها إلا وراء إمام)) والصحيح أنه موقوف على جابر؟ م وقال أبو حنيفة: ما قرأ من القرآن أجزأه. ودليلنا عليه ما ذكرناه. ومن المدونة وافتتح صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم الصلاة بالحمد لله رب العالمين. قال مالك: وهو الأمر عندنا. قال مالك: ولا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في الفريضة سراً ولا جهراً، إمام أو غيره، وهي السنة، وعليه أدركت الناس، وأما في النافلة فواسع
إن شاء قرأ، وإن شاء ترك. قال أبو محمد عبد الوهاب: وقال الشافعي: هي من الحمد لله، ولا تجزئ الصلاة إلا بها. ودليلنا: أنها لو كانت من الحمد لكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين ذلك بياناً مستفيضاً على عادته في بيان القرآن، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل)). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول العبد: (الحمد لله رب العالمين)، يقول الله تعالى: حمدني عبدي، يقول العبد: (الرحمن الرحيم)، يقول الله: أثنى علي عبدي، ويقول العبد: (مالك يوم الدين) يقول الله: مجدني عبدي، ويقول العبد: (إياك نعبد وإياك نستعين)، فهذه الآية بيني بين عبدي، ولعبدي ما سأل يقول العبد/:) إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين/ أنعمت عليهم
غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فهؤلاء لعبدي ما سأل ففي هذا الخبر دليلان: أحدهما أنه بين [كيفية] قسمة السورة وبدأ بالحمد بالآيات، وفي إثبات التسمية إبطال هذا المعنى. وفي حديث أبي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا تخرج من المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن مثلها، ثم قال له: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأت الحمدلله رب العالمين إلى آخرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي هذه السورة، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت. ففي هذا الخبر أدلة: أحدها: أنه قال: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأت (الحمدلله رب العالمين)، ولم يذكر بسم الله. والثاني: قوله: هي هذه السورة.
والثالث: قوله: هي السبع المثاني؛ لأن الحمد لله سبع آيات. وفي حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً رضي الله عنهم كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، وفي خبر آخر كانوا لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم. ومن المدونة قال مالك: ولا يتعوذ في المكتوبة قبل القراءة؛ لما روى أنه كان صلى الله عليه وسلم وأصحابه يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين. قال مالك: يتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ، ولم يزل القراء يتعوذون في رمضان إذا قاموا، قال ومن قرأ في غير صلاة تعوذ قبل القراءة إن شاء. قال سليمان: والتعوذ، أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم بسم الله الرحمن الرحيم. فصل-2 - [في حد القراءة ما يسر فيه. وما يجهر] قال مالك: ويسمع الرجل نفسه في صلاة الجهر وفوق ذلك قليلاً. قال مالك في الموطأ: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يجهر بالقراءة في الصلاة، وأن قرائته كانت تسمع عند دار أبي جهم بالبلاط.
قال مالك في المدونة: والمرأة دون الرجل في الجهر بذلك ولتسمع نفسها، وليس شأن النساء الجهر، إلا الشيء الخفيف، في التلبية وغيرها. وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله حد القراءة ما يسر فيه، وما يجهر، وهذا مما تلقته الأمة بالعمل. قال مالك: ولا تجزئ اقراءة في الصلاة حتى يحرك بها لسانه. قال: وليس العمل على القراءة في آخر ركعة من المغرب بعد أم القرآن بـ (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا). م يريد وإن كان قد ثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يفعله، ولكن لم يصحبه العمل. قال مالك: ولا على قول عمر حين ترك القراءة، فقالوا له: إنك لم تقرأ، فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسناً، قال: فلا بأس إذا. قال مالك: ويعيد تاركها أبداً.
وروى وكيع عن عمر أنه أعاد. قال ابن حبيب: وأمر الناس بالإعادة. وفي العتبية قال مالك: هذا الذي يذكر الناس عن عمر في ترك القراءة باطل لم يكن هذا أصلاً. فصل-3 - [في من ترك القراءة ساهياً] قال مالك: ومن ترك القراءة في ركعة من الصبح، أن في ركعتين فأكثر من سائر/ الصلوات أعاد الصلاة، وإن تركها في ركعة من غير الصبح يريد من صلاة حضر فقد استحب مالك في خاصة نفسه أن يعيد الصلاة، يريد بعد أن يصلحها بسجود السهو قبل السلام، وكان يقول أيضاً زماناً: يلغي تلك الركعة على حديث جابر ((كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن لم يصلها إلا وراء إمام))، ثم قال مالك آخر مرة: أرجو أن تجزئه سجدتا السهو قبل السلام، وما ذلك بالبين. قال ابن القاسم: وقله الأول فيما رأيت أعجب إلى، وهو رأيي. قال ابن المواز: الذي استحب ابن القاسم وأشهب أنه يسجد قبل السلام، ويعيد الصلاة، وكان عندهما إعادة الركعة الواحدة أبعد أقاويل مالك. وقال سحنون: قل ابن القاسم هو رأيي. وقول مالك الآخر: أنه يسجد
لسهوه، هو جل قول أصحابنا. ونقل أبو محمد أن رأى ابن القاسم أن يلغي الركعة على حديث جابر، ينبغي في سجود السهو على قوله: يلغي الركعة على حديث جابر أن ينظر، فإن أسقط القراءة من الأولى أو الثانية فذكر قبل عقد الثالثة قبل القراءة فليقرأ بأم القرآن وسورة ويركع ويسجد ويجلس، ويجعلها ثانية، ويتم بقية صلاته، ويسجد بعد السلام، لأنه زاد جلوساً، في غير موضعه،/ ونقص السورة التى مع أم القرآن من الثالثة التى صارت ثانية، وإن كان إنما ترك القراءة من إحدى الركعتين الآخرتين فسجوده بعد السلام؛ لأنه قد أتى في الأولتين بالقراءة والجلوس في موضعه فزاد الركعة التي ألغى، وإذا ترك القراءة من ركعة، مما ذكرنا، فذكر قبل أن يركع، فيقرأ أم القرأن، ويعيد السورة على الأقاويل كلها. واختلف هل عليه سجود السهو أم لا؟ وإن ذكر وهو راكع فيها أو بعد تمامها فعلى قوله يلغي تلك الركعة يرجع فيستقبل القراءة، ويبني على بقية صلاته، يسجد بعد السلام، وعلى قوله يعيد الصلاة، وبينى بعد تمامها
فذكر في الأولى قبل أن يركع، قال في كتاب محمد: فليقرأ أم القرآن ويعيد السورة، فإن لم يذكر إلا وهو راكع، وقد كبر لركعته أو رفع رأسه منها ولم يسجد قطع بسلام، يبتدئ الصلاة بإقامة، وإن هو لم يذكر حتى أتمها بسجدتيها أضاف إليها أخرى وسلم وسجد سجدتي السهو قبل سلامه، قاله ابن القاسم. ولا امره إن ذكر وهو راكع أن يرفع ويقرأ بعد أن أمكن يديه من ركبتيه وكبر؛ للاختلاف في ترك القراءة، فإن جل الناس يجيزونها، فيقطع أحب إلى من أن أجعله يصلي على هذه أربع ركعات أخرى، وأخاف أن يكون قد ركع في صلاته خمس ركعات فأجعله يبني عليها ثلاث ركعات ولعلها لا تجزئه. قال ابن القاسم: وإن ذكر وهو في الثالثة وركع لها ولم يستتمها رجع فلم من اثنتين وجعلها نافلة، وسجد سجدتي السهو ويسلم، وإن لم يذكر حتى استتم الثالثة رايت أن يتمها أربعاً ويسجد سجدتى السهو، ويسلم، ويعيد صلاته أحب إلي
قال أصبغ: ولا أرى له أن يقطع إن ذكر وهو راكع في أول ركعة، ولا إذا أتمها ركعتين، ولكنه يمضي على صلاته فيتمها، ويسجد لسهوه قبل السلام، وإن أعاد فجائز، وإن لم يعد فجائز. قال محمد/: وهذا هو الصواب. قال أصبغ: وقاله أشهب. م وعلى هذا قول مالك أرجو أن تجزأه سجدتا السهو قبل السلام. ومن الواضحة: وإن نسي أم القرأن من ركعة من صلاة الصبح، أو الجمعة، أو من صلاة سفر، أو نسيها من ركعتين من سائر الصلوات فذكر ذك، في آخر صلاته، فإنه يسجد لسهوه قبل السلام، ويعيد الصلاة. ورواه مطرف وابن القاسم عن مالك. وقال أصبغ وابن عبد الحكم في تاركها من ركعة من الصبح أو من ركعتين من الظهر أنه يلغي ذلك، ويبني على ما صح، ويسجد بعد السلام. وقال ابن الماجشون: تجزئه سجدتا السهو إذا تركها من ركعة من الصبح، أو الجمعة، أو غيرها من الصلوات. قال في كتاب محمد: وإنما رأينا عليه الإعادة احتياطاً، وهو أحب إلينا. قال ابن المواز: وإنما اختلفوا لاختلاف قول مالك، وإنما اختلف قول مالك؛ لاختلاف من مضى، وقد روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما: أنهما أجازا
الصلاة بغير قراءة إذا تركها ناسياً، وقاله غيرهم من أهل العلم. قال علي رضي الله عنه: ولو كانت عليه الإعادة ما كان للذي لا يحسن القراءة صلاة. ومن المدونة قال مالك: من نسي أم القرآن حتى قرأ السورة، فليبتد أم القرآن، ويعيد السورة. قال مالك في المجموعة: ولا سجود سهو عليه. وقال مرة: يسجد بعد. السلام، وهو مذهب المدونة. دليله: قوله في صلاة العيدين من قدم القراءة على التكبير، فرجع وكبر وقرأ أنه يسجد بعد السلام. قال سحنون: يسجد لطول القيام لا لقراءته، قال: ولو لم يقرا إلا يسيراً لم يكن عليه سجود وكذلك مسألتنا. م والصواب أن لا سجود عليه؛ لأنه إنما زاد قرأناً. قال عيسي عن ابن القاسم: ولو أنه شك في قراءة أم القرأن بعد ان قرأ السورة فليقرأها، ويعيد السورة، ولا سجود عليه. وروى علي عن مالك أنه ليس عليه إعادة السورة. قال عيسى عن ابن القاسم: وإذا قرأ أم القرأن سراً في صلاة الصبح، ثم
ذكرها أعادها جهراً، ويسجد بعد السلام. ابن المواز: وقال اصبغ: لا سجود عليه، وإن سجد فحسن. ومن المدونة قال مالك: ولا يقضي ما نسي من القراءة لركعة في ركعة أخرى. قال: ومن نسي السورة التي مع أم القرآن في الركعة الأولى أو في الأوليين سجد لسهوه قبل السلام، قال: وإن تعمد ذلك فلا إعادة عليه، وليستغفر الله ولا يسجد؛ لأنه لم يسه. وقال علي وسحنون: لا تجزئه صلاته. فوجه قول ابن القاسم: قوله صلى الله عليه وسلم ((كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن)) الحديث. فدل أن ما عداها بخلافها؛ ولأنه إنما ترك سنة، كقول مالك إذا تعمد ترك الإقامة. ووجه قول سحنون: ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا تجزئ صلاة لا قرأ فيها بأم القرأن وشئ معها. ولأنه عابث في صلاته فوجب أن لا تجزئه. قال مالك: ولو قرأ في الركعتين الأخيرتين بأم القرأن وسورة في كل ركعة
سهواً فلا سجود عليه؛ لأنه إنما زاد قرآنا، كما لو قرأ سورتين أو ثلاثاً في ركعة مع أم القرآن في الأوليين. وقد كان ابن عمر إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعاً في كل ركعة بأم القرآن وسورة، وكان أحياناً يقرأ/ بأم القرآن، ويقرأ معها بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة. خرجه البخاري ومالك في الموطأ. قال مالك: وأطول الصلوات قراءة الصبح والظهر. قال غيره: ويخففها في العصر والمغرب، ويوسطها في العشاء أطول منها. قال أشهب: فيما بين طول هاتين- يعني الصبح والظهر- إلى قصر هاتين - العصر والمغرب- وهذا في العشاء، وهذا مما تلقته المة بالقبول. قال أشهب في الظهر: نحو الصبح. وقال يحيي: الصبح أطول. ومن المدونة قال مالك: وواسع أن يخفف قراءة الصبح في السفر بسبح ونحوها، والأكرياء يعجلون الناس.
وروى مالك في الموطأ أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قرأ في الصبح بسورة البقرة في الركعتين كلتيهما، وأن عمر بن الخطاب قرأ فيهما بسورة يوسف وسورة الحج، وأن عثمان بن عفان قرأ فيهما بسورة يوسف، وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه كثيراً ما يقرأها فيها، وكان ابن عمر يقرأ فيها في السفر بالعشر السور الأول من المفصل في كل ركعة بسورة. وروى مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالطور في المغرب. وروى أنه قرأ فيها بالمرسلات عرفاً آخر ما صلاها بالناس. وروى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قرأ فيها في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل، وقرأ في الثالثة بأم القرآن وبـ (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا- إلى قوله- إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) وسمع رجل رجلا يقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ)، يرددها، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الرجل يتقالها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذى نفسي بيده إنها لتعدل ثلث
القرآن)) وقال أبو هريرة: أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع رجلا يقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وجبت، فسألته ماذا؟ فقال: الجنة، فأتيت الرجل لأبشره فوجدته قد انصرف.
[باب-6 -] في القراءة خلف الإمام. وما يفعل من فرغ من السورة قبل الإمام وتعايي الإمام
[باب-6 -] في القراءة خلف الإمام. وما يفعل من فرغ من السورة قبل الإمام وتعايي الإمام [فصل-1 - في القراءة خلف الإمام] قال ابن حبيب: اختلف السلف في القراءة خلف الإمام فيما يسر فيه، فذهب سبعة من الصحابة، وسته من التابعين، وأصحاب ابن مسعود إلى ترك القراءة معه فيما يسر فيه وما يجهر فيه، وذهب ستة من التابعين، والليث، وعبد العزيز ومالك وأصحابه إلى القراءة معه فيما يسر فيه، إلا ابن وهب ومحمد بن المواز وأشهب فلم يقرأوا معه فيما يسر فيه. وإنما اختلف السلف في ذلك لما جاء عن النبي الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فالذين تركوا القراءة؛ لحديث جابر الذي قال فيه: ((كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرأن فللم يصلها إلا وراء إمام)) فعم.
ووجه قول الذين قرأوا فيما يسر فيه؛ فلحديث أبي هريرة أن الرسول عليه السلام انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ أحد منكم معي؟ فقال رجل: نعم أنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أقول: ما لي أنازع القرآن، قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يجهر فيه/. وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج غي تمام)). م فهو على عمومه. قال أبو السائب: فقلت: يا أبا هريرة إني أحياناً أكون وراء الإمام، فقال: اقرأها يا فارسي في نفسك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم/ يقول: قال
الله تعالى: ((قسمت الصلاة بينى وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدى، ولعبدي ما سأل)) فذكر الحديث في قراءة أم القرآن. فصل-2 - : [ما يفعل من فرغ من السورة قبل الإمام] ومن العتبية قال مالك: فإذا فرغ من السورة قبل الإمام فليقرأ غيرها، وقال في المختصر: إن شاء قرأ، ولإن شاء دعا، وإن شاء ترك. وإذا لم يفرغ من السورة، ولا من الآية حتى ركع الإمام فليركع معه، ولا يتمها، وإذا قام في الثانية ابتدأ سورة أخرى أحب إلينا. قال مالك: وإذا تعايا الإمام فله أن يتفكر تفكراً حفيفاً، فإن ذكر، وإلا خطرف ذلك، وابتدأ سورة أخرى، وإذا أخطأ فلقن فلم يتلقن فواسع أن يركع، أو يقرأ غيرها. ابن حبيب: ولا ينبغى أن يلقن الإمام، فإن تعايا وخرج من سورة إلى سورة أخرى فلا يقف حتى ينتظر التلقين، قاله مالك.
ومن كتاب ابن سحنون: وعن إمام أحصر عن القراءة في الثانية قال: إن خاف أن لا يقدر على تمام الصلاة بهم لحصره فليستخلف، ويقهقر إلى الصف، فيصلي خلف الإمام الذى تقدم، وكذلك لو ضعف عن القراءة. فصل-3 - : [التأمين في الصلاة] قال مالك: وإذا فرغ الإمام من قراءة أم القرآن فلا يقل: أمين، وليقل ذلك من خلفه ويخفيها من خلف الإمام، ومن صلى وحده، فليقل إذا قال: (ولا الضالين): آمين، ويقولها الإمام فيما يسر فيه، ولم يختلف في قول المأموم والمنفرد لها. ووجه ذلك قوله عليه السلام: ((إذا قال الإمام: ولا الضالين فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)). وللفذ قوله عيه السلام: ((إذا قال أحدكم: آمين، قالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه)). واختلف في قول الإمام لها، فوجه قوله لها قوله عليه السلام: ((إذا
أمن الإمام فأمنوا))؛ ولأنه مصل كالفذ والمأموم. ووجه قوله: "لا يأمن" وهو الظاهر قوله عليه السلام: ((إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين)) فقد بين ما يقول وما يقولون؛ ولأن الإمام داع والمأموم مأمن، وسبيل الدعاء أن يكون المؤمن غير الداعي. [فصل-4 -] في رفع اليدين في الإحرام والتكبير وغيره. روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع من الركوع رفعهما كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود. قال نافع: كان ابن عمر إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه،
وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما دون ذلك. وفي غير الموطأ روى ابن عمر ((أن الرسول عليه السلام كان يرفع يديه/ حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة)). وروى ابن مسعود والبراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يرفعهما حتى ينصرف، وفعله علي بن أبي طالب وأبو هريرة. وروى مالك في موضع آخر عن نافع ابن عمر ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع
يديه حذو صدره)). قال أشهب: ورأيت ملاكاً يرفع يديه حذو صدره. ومن المدونة قال مالك رحمه الله: لا أعرف رفع اليدين في شئ من تكبير الصلاة، لا في خفض ولا في رفع، إلا افتتاح الصلاة. م أى: لم يعرف العمل به. قال مالك: والمرأة في رفع اليدين كالرجل، وضعف مالك رفع اليدين عند الجمرتين، وفى استلام الحجر، وبعرفات، والموقف، وبين الصفا والمروة، وفي المشعر، والاستسقاء، ومن رفع, جعل بطونهما إلى الأرض. وقد رئي مالك رافعاً يديه في الاستسقاء حين عزم عليه الإمام، وجعل بطونهما مما يلى الأرض، وقال: إن كان الرفع فهكذا. قال ابن القاسم: يريد في الاستسقاء، وفي مواضع الدعاء، وعرفة، والجمرتين، والمشعر. قال في الواضحة: وهو في العمل عندنا بالاستكانة والخوف والتضرع،
وهو الرهب، أما عند الرغبة والمسألة فبسط الأيدي، وهو الرغبة، وهو معنى قول الله سبحانه: (َيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً) أي: خوفاً وطمعاً. وروي أن النبي/ صلى الله عليه وسلم رفع يديه في الاستسقاء، وفعله عمر رضي الله عنه. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن مرّ بالركن فلم يستطع أن يستلمه كبّر ومضى ولم يرفع يديه. وروي عن أشهب في سماعه قال: يرفع الإمام يديه إذا ركع هو ومن خلفه، وفيه سعة، وليس بلازم، وروى مثله ابن وهب إذا ركع وإذا رفع. قال أبو محمد عبد الوهاب: وفي رفعهما عند الركوع والرفع منه روايتان: فوجه الرفع ما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه عند الافتتاح، وحين يركع، وحين يرفع رأسه من الركوع. ووجه الأخرى: أنه كان عليه السلام يرفع يديه مرة واحدة، ثم لا يعود لرفعهما بعد.
[باب -7 -] في الدب في الركوع والنعاس والغفلة عنه
[باب -7 -] في الدب في الركوع والنعاس والغفلة عنه [فصل-1 - في الدب في الركوع] روى ابن وهب أن زيد بن ثابت دخل المسجد والإمام راكع فمشى إليه حتى قرب من الصف فركع، ثم دب راكعاً حتى وصل إلى الصف، وقاله ابن مسعود وغيره. م ورواه مالك عن زيد بن ثابت وابن مسعود في الموطأ. قال مالك في المدونة في من جاء والإمام راكع فخشي رفع رأسه: فليركع بقرب الصف وحيث يطمع إذا دب راكعاً وصله إليه، كالصفين والثلاثة، وإن لم يرج ذلك أحرم حيث أمكنه. قال ابن القاسم: وكذلك يفعل في صلاة العيدين والخسوف والاستسقاء وغيره. قال ابن القاسم عن مالك في المجموعة: وحد إدراك الركعة مع الإمام أن يحرم قائماً ويمكن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه. ومن العتبية قال أشهب عن مالك: لا يحرم الداخل حتى يصل إلى الصف، وذلك أحب إلى إن وجد الإمام راكعاً؛ لقول الله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ
قَانِتِينَ)، وهذا يمشي. قال: فإن ركع منه في بعد يجوز له فلا يمشي إلى الصف فيما بين الركوع والسجوود، ولكن حتى/ يرفع من السجود. قال: ومن لم يدرأ ركع قبل رفع الإمام رأسه أم بعده، فلا يعتد بتلك الركعة، وترك الركوع معه في هذه الحال أحبّ إلى، إذا خاف أن يعجله أو إن يشك في ذلك. م يريد ويقطع بسلام، ثم يدخل مع الإمام في هذا القول. قال ابن الماجشون في المجموعة: إذا شك أن يكون أدرك الركعة معه فليتماد معه، ويعيد. م وهذا أصوب، لأنه إن ألغى تلك الركعة خاف أن يكون قد تمت له، وإن اعتد بها خاف أن يكن لم يدركها. فصل-2 - [في النعاس في الصلاة] ومن المدونة قال ابن القاسم: الذى أرى وآخذ به في خاصة نفسي في من
نعس خلف الإمام في الركعة الأولى أن لا يعتد بها، ولا يتبع الإمام فيها وإن أدركه قبل أن يرفع الإمام رأسه من سجودها، ولكن يسجد مع الإمام، ويقضيها بعد سلام الإمام. وإن نعس بعد عقد الأولى في ثانية أو ثالثة أو رابعة اتبع الإمام ما لم يرفع رأسه من سجودها. [فصل -3 - في الغفلة في الصلاة] ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم في منها سها أو اشتغل أو غفل حتى ركع الإمام وسجد قال: قد قال مالك: في هذا ثلاثة أقاويل: أحدها: يتبعه ما لم يرفع رأسه من ركوع التي تليها. والثاني: أنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من سجود التي غفل فيها. والثالث: فرق بين الأولى والثانية، فقال: إن كانت الأولى، فلا يتبعه رأساً، وإن كانت غيرها، فليتبعه ما طمع أن يدركه في سجودها، وليس فيها قول أبين من هذا. قال ابن القاسم: والزحام، والغفلة، والنعاس في الأولى سواء لا يتبعه وإن أدركه في سجودها، ولكن يسجد معه، ويكون كالداخل في الصلاة، وقاله ابن وهب وأشهب.
قال ابن القاسم: وإن عقد معه الأولى بسجدتيها ونابه ذلك في الثانية فليتبعه ما رجل أن يدركه في السجود إلا في الزحام، فإن الأولى وغيرها سواء لا يتبعه فيها، وقال ابن وهب وأشهب الغفلة والنعاس والزحام سواء يركع ويتبعه ما طمع أن يدركه في السجود. م فوجه الرواية الأولى: فلأنه عقد معه ركنا من الصلاة، وهو الإحرام، وهو أمر يبنى عليه، وقد نزل به أمر لم يتعمده ولم يطق أن يرفعه، فراى أن يتبعه في تلك الركعة ما لم يحل بينه وبين ذلك ركعة أخرى، فإذا خاف أن يعقد عليه أخرى فاتباعه في هذه الثانية أولى. ووجه الثانية: أنه رأى أن لا يتبعه في ركعة قد فرغ منها، وإنما يتبعه فيما نام أو غفل عنه، فإذا خرج عنه/ فقد فات موضع اتباعه، وهذا كله استحسان. والقياس أن لا يتبعه، إلا أن يعقد معه ركعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أدرك من الصلاة ركعة قد أدركها)). وقال: ((من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة))، فإدراكه الركعة أقوى من أدراكه الإحرام؛ لأنه يدرك بالركعة فضل الجماعة والجمعة ووقت الصلاة الضروري، ولا يدرك ذلك بالإحرام فافترقا.
ووجه تفرقة ابن القاسم بين الزحام وغيره: فلأن الزحام فعل آدمي، وكان يمكنه الاحتراز منه، والنوم والغفلة أمر غالب من الله تعالى لا يقدر على الاحتراز منه. م والقياس أن ذلك كله سواء، وفي/ هذه المسألة ثلاثة أسئلة: فالأول: إن نعس بعد الإحرام وقبل الركوع، فهي مسألة الخلاف. والثاني، إن نعس بعد رفع رأسه من الركوع وقبل السجود فيها فهذا يتبع الإمام فيها ما لم يرفع رأسه من الركعة التي تليها، كما قال مالك في مسألة الجمعة إذا زوحم عن السجود بعد عقد الركعة أنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من الركعة التي تليها والثالث: إن نعس بعد إمكان يديه من ركبتيه وقبل رفع رأسه فعلى قول من قال: عقد الركعة إمكان اليدين من الركبتين فهو كمن نعس بعد الركوع وقبل الركوع، وهذا بين.
[باب-8 -] في الركوع والسجود والجلوس وما يتصل بذلك من تكبير وتسبيح ودعاء وذكر الإقعاء والاتكاء والاعتماد ووضع اليد على اليد وغير ذلك
[باب-8 -] في الركوع والسجود والجلوس وما يتصل بذلك من تكبير وتسبيح ودعاء وذكر الإقعاء والاتكاء والاعتماد ووضع اليد على اليد وغير ذلك. [فصل-1 - في هيئة الركوع والسجود. وما يقال فيهما] وبين الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله هيئة الركوع والسجود والجلوس والتكبير، وغير ذلك من أعمال الصلاة، وهذا مما تلقته الأمة بالعمل. قال مالك رحمه الله: وإذا أمكن يديه من ركبتيه في الركوع وإن لم يسبح، أو أمكن جبهته من الأرض في السجود مطمئنا فقد تم ذلك، وقال: إلى هذا تمام الركوع والسجود. قال بعض البغداديين: إنما قال ذلك؛ لأن الاعتدال والطمأنينة فيهما واجب، خلافاً لأبي حنيفة. دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: ((اعتدلوا في السجود)). وقوله: ((اركع حتى تطمئن راكعاً واسجد حتى تطمئن ساجداً)). وكذلك كان يفعل صلى الله عليه وسلم وقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). والتسبيح في الركوع والسجود غير واجب، خلافاً
لأحمد وداود؛ لقوله عليه السلام: ((ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع))، ولم يقل: ((فسبح)) وقال: ((ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اجلس)) ولم يأمره بتسبيح، وفي آخر الخبر ((فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك))، وهذا موضع تعليم. ومن المجموعة قال ابن القاسم عن مالك: ومن ركع ولم يضع يديه على ركبتيه فرفع شيئاً أو نزل شيئاً فذلك يجزئه. وقال سحنون في من لا يرفع يديه من السجود: قال بعض الناس: لا يجزئه؛ لما جاء ((أن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه))، وخفف ذلك بعضهم. ومن المدونة قال: وكره مالك أن ينكس رأسه في الركوع أو يرفعه، وأحسنه
الاعتدال م لقوله عليه السلام: ((اعتدلوا)) قال ابن حبيب: وروي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لو صب على ظهره ماء في الركوع لاستقر)). ومن المدونة قال مالك: ويضع بصره في الصلاة أما قبلته. قال ابن القاسم في العتبية: فإن رفع رأسه من الركوع فلم يعتدل قائماً حتى رفع أو سجد أو رفع رأسه من سجده فلم يعتدل جالساً حتى سجد، قال: تجزئه صلاته، ويستغفر الله، ولا يعود. ابن شعبان وقال أشهب: لا تجزئه/ صلاته. قال أبو إسحاق: وهذا أصح؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لاتجزئ صلاة لا
نيم فيها صلبه في الركوع والسجود)). ومن العتبية قال ابن القاسم: ومن خر من ركوعه ساجداً ولم يرفع، فلا يعتد بتلك الركعة، واستحب مالك أن يتمادى، ويعيد. قال سحنون: وروى علي عن مالك أنه لا يعيد. قال ابن المواز: إن فعله سهواً فليرجع منحنياً إلى ركعته، ولا يرجع قائماً فإن فعل أعاد صلاته، وإن رجع محدودباً- يريد- ثم رفع رأسه سجد بعد سلام، وأجزاته صلاته. وإن كان مأموماً حمل عنه إمامه سجود السهو. ومن المدونة قال مالك: ويكبر في حال انحطاطه لركوع والسجود، يقول: سمع الله لمن حمده في حال رفع رأسه، وفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، ويكبر في حال رفعه من السجود. وروى على بن أبي طالب وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري ((أن
الرسول عليه السلام كان يكبر كلما خفض ورفع، فلم تزل تلك صلاته حتى لقي. الله عز وجل. قال مالك: وإذا قام من الجلسة الأولى فلا يكبر حتى يستوى قائماً. ابن القاسم: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله يأمرهم أن يكبروا كلما خفضوا ورفعوا في الركوع والسجود/، إلا في القيام من الجلسة الأولى، فلا يكبروا حتى يستووا قائمين. قال أبو الحسن ابن القابسي: والفرق بين تكبير الخفض والرفع أنه يفعله في حال الخفض والرفع، وبين التكبير من الجلسة الأولى هو أن تكبير الخفض والرفع هو في مبتدأ تك الحال الذي يؤتى به فيها، وقد كبر الذي قعد في اثنتين حين رفع رأسه من السجود، وهى تكبيرة الرفع من السجود إلى الجلوس، والنهوض من الجلسة ليس هو من الركعة الثالثة، وأولها القيام، وإنما يكبر في أول القيام للركعة الثالثة، وهذا أحسن ما علل في ذلك. قال عن ابن حبيب: وكان يكبر في السجود أخفض من الركوع. ومن سماع ابن وهب: قال مالك: وأحب للمأموم أن لا يجهر بالتكبير وبربنا ولك الحمد، ولو جهر حتى سمع من يليه لم يكن به بأس، وأحب
إلي أن لا يجهر معه، إلا بالسلام جهراً يسمع من يليه. ومن المدونة قال مالك في قول الناس في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود سبحان ربي الأعلى لا أعرفه، وأنكره، ولم يحد فيه حداً، ولا دعاء مؤقتاً، وكره الدعاء في الركوع، وأجازه في السجد، ولم يكره التسبيح في الركوع. وقال الرسول عليه السلام: ((أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجد فاجتهدوا فيه بالدعاء فقمن أن يستجاب لكم))، أي: حقيق أن يستجاب لكم. وروى أن أقرب ما يكن العبد من الله سبحانه إذا كان ساجداً، وهو من قوله تعالى: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ). والدعاء مكروه عند مالك في ثلاثة مواضع: في الركوع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((أما الركوع فعظموا فيه الرب)). وبعد الإحرام وقبل القراءة؛ قوله عليه السلام للذي علمه الصلاة: ((كبر، ثم اقرأ))، وكذلك كان يفعل عليه السلام، وفي
الجلوس للتشهد قبل التشهد. ومن المدونة قال مالك: والسجود على الأنف والجبهة جميعاً، قال ابن القاسم: فإن سجد على الأنف دون الجبهة فإنه يعيد أبداً. قال عنه ابن حبيب: وإن سجد على الجبهة دون الأنف أجزأه. وقال ابن حبيب: لا تجزئه في الوجهين جميعاً حتى يمس الأرض بالأنف والجبهة. وعند أبي الفرج من سجد على الأنف أعاد في الوقت. وفي الحديث ((أن النبي صلى الله عليه وسلم رئي على جبهته وأنفه أثر الماء والطين من السجود، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد.
قال أبو محمد عبد الوهاب: فوجه قوله: من سجد على أنفه لم يجزئه؛ لقوله عليه السلام: «وليمكن جبهته من الأرض في سجوده»، وهو وجه قوله: إن سجد على جبهته دون أنفه أجزأه. وقال أبو محمد عبد الوهاب: إن سجد على الجبهة دون الأنف أعاد في الوقت استحباباً؛ لأن في الحديث «يمكن الوجه»، ولا يحصل ذلك إلا مع الاستيفاء مع الأنف، وليخرج من الخلاف، ويؤدي الصلاة على الوجه الجائز بالإجماع. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن كان في جبهته قرح أو جرح لا يستطيع أن يضعها على الأرض وهو يقدر أن يضع أنفه فليومئ، لا يسجد على أنفه. قال أشهب: فإن سجد على الأنف أجزأه؛ لأنه زاد على الإيماء. محمد: قيل: إن قول أشهب خلاف، وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن فرض هذا الإيماء، فإذا بدل وسجد على أنفه فقد أسقط فرضه، كمن
سجد عن ركوعه، فلا يجزئه. م قاله بعض شيوخنا، وحكاه عن ابن القصار، وقال غيره من شيوخنا: بل قول أشهب وفاق؛ لأن الإيماء ليس له حد ينتهي إليه، وهو لو أومأ حتى قارب الأرض بأنفه أجزأه بالإجماع، وليس زيادة السجود على أنفه بالذي يبطل إيمائه، وأيضًا فإن الإيماء إنما هو رخصة للضرورة، فلو أراد تحمل الضرورة وسجد على جبهته وأنفه لأجزئه، كجنب أبيح له التيمم لبرد ونحوه فتركه وغسله أنه يجزئه. وهذا الصواب إن شاء الله. وعلى قول من قال: إن الإيماء فرضه يجب أن لا يجزئه غسله؛ لأنه ترك فرضه وفعل غيره، وهذا لا يقوله أحد، فقولهم إنه وفاق أولى. والله أعلم. [فصل-2 - فيما يقول الإمام والمأموم في الرفع من الركوع] ومن المدونة قال مالك: ومن صلى وحده فليقل إذا رفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده، ويقول: اللهم ربنا ولك الحمد أيضًا، فإن كان إمامًا فليقل: سمع الله لمن حمده، ولا يقل: اللهم ربنا ولك الحمد، ولا يقل من خلفه: سمع الله لمن حمده، ولكن يقول: اللهم ربنا ولك الحمد.
م اختصاره: أن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، والمأموم يقول: اللهم ربنا ولك الحمد، والفذ يقولهما جميعًا. قال مالك مرة: ربنا لك الحمد، وقال مرة: ولك الحمد، قال مالك: وهو أحب إلي. قال أبو إسحاق: قوله: ولك الحمد أبلغ؛ لأنه دعاء وتحميد، كأنه قال: اللهم ربنا استجب لنا ولك الحمد. وقال ابن عمر يضع على الأرض ركبتيه أولا، ثم يديه، ثم وجهه، ثم يرفع وجهه، ثم يديه، ثم ركبتيه. والأصل في ذلك قوله عليه السلام:/ ((وإذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد))، فقد بين ما يقول الإمام والمأموم. عبد الوهاب: ولأن قول الإمام: سمع الله لمن حمده، دعاء، وقول المأموم: ربنا ولك الحمد تأمين، ومن سبيل الدعاء أنه يدعو واحد ويؤمن/ غيره، وإذا كان الداعي وحده أمن بنفسه على دعائه. قال ابن حارث الأندلسي: قال ابن نافع: لا يقول المأموم آمين حتى يسمع الإمام يقول: ولا الضالين، وقال ابن عبدوس: يتحرى ذلك، ويقوله وإن لم يسمعه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وأما تفرقة الأصابع في الركوع وضمها في السجود فكان يكره أن يحد في ذلك حدًا، ويراه من البدع، وقال: يسجد كما يسجد الناس، ويركع كما يركعون. فصل-3 - : [هيئة الجلوس في الصلاة] قال مالك: والجلوس بين السجدتين، وفي التشهد سواء، يفضي بإليتيه إلى الأرض وينصب رجله اليمنى ويثنى رجله اليسرى، ويجعل باطن إبهام رجله اليمنى مما يلي الأرض، والرجال والنساء في ذلك سواء. وقال ابن عمر: هذا من سنة الصلاة. قال على عن مالك في الجلوس: المرأة تجلس على وركها الأيسر، وتضع فخذها الأيمن على الأيسر، ثم تضم بعضها إلى بعض بقدر طاقتها، ولا تفرج في ركوع ولا سجود ولا جلوس، بخلاف الرجل.
قال مالك: وإذا سجد السجدتين في الركعة الأولى والثالثة، فلا يرجع جالسًا، ولكن ينهض كما هو للقيام. قال مالك: وما أدركت أحدً من أهل الفضل والعلم إلا وينهى عن الإقعاء في الصلاة ويكرهه. قال مالك في المجموعة: والإقعاء أن يرجع إلى صدور قدميه في الصلاة. وقال أبو عبيد: الإقعاء جلوس الرجل على إليتيه ناصبًا فخذيه-كإقعاب الكلب-ويضع يديه في الأرض. وقول مالك أبين. قال مالك: ويرفع بطنه على فخذيه في السجود ويجافى بضبعيه، ولا يفرج ذلك التفريج، ولكن تفريجًا متقاربًا. قال: وأن يضع ذراعيه على فخذيه في النوافل لطول السجود، وأما في المكتوبة، وما خف من النوافل فلا. وروى ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد يُرى بياض إبطيه)).
وكره مالك أن يفرش الرجل ذراعيه في السجود. ابن وهب عن جابر بن عبد الله قال: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أن يعتدل الرجل في السجود، ولا يسجد باسطًا ذراعيه، كالكلب. قال مالك ويتوجه بيديه إلى القبلة، ولم يحد أن يضعهما، قال: ولا يعجبني أن تتكئ في المكتوبة على حائط أو عصا، ولا بأس به في النافلة. قال مالك: وإن شاء اعتمد على يديه في القيام، وإن شاء ترك، أي ذلك أرفق به في فعل. وفي المجموعة قال على عن مالك: والاعتماد على يديه عند القيام من الجلوس في الصلاة كلها أحب إلي، وهو أقرب للسكينة، وهو الأشبه؛ لأن القيام من غير وضع اليدين في الأرض وثب، وليس ذلك من الخشوع. [فصل-4 - : وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة] ومن المدونة: وكره مالك وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وقال: لا أعرفه في الفريضة، ولا بأس به في النافلة؛ لطول القيام، يعين به نفسه.
وروى بن وهب عن جماعة من الصحابة أنهم رأوه صلى الله عليه وسلم / واضعًا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة. وفي الموطأ رواه مالك عن عبد الكريم بن أبى المخارق أنه قال: ((من كلام النبو أنه لم تستحي فافعل ما شئت، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة يضع اليمنى على اليسرى وتعجيل الفطر، والاستيناء بالسحور)) وروى عن سهل بن سعد أنه قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. وروى أشهب عن مالك في العتبية: أنه لا بأس أن يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة في الفريضة والنافلة.
[باب-9 -] في السجود على الثياب وغيرها
[باب-9 -] في السجود على الثياب وغيرها [فصل-1 - السجود على الثياب] روى ابن وهب: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتقى بفضل ثيابه برد الأرض وحرها، وفعله ابن عمر. قال مالك: ولا يضع الرجل كفيه إلا على الذي يضع عليه جبهته، وكذلك كان ابن عمر يفعل. قال مالك: فإن كان حرًا أو بردًا جاز أن يبسط ثوبًا يسجد عليه، ويضع كفيه عليه؛ للحديث. قال: وتبتدئ المرأة كفيها في السجود حتى تضعهما على ما تضع عليه جبهتها. قال مالك: ومن صلى وعليه عمامة فأحب إلى أن يرفع عن بعض جبهته حتى/ يمس الأرض بعض جبهته. ابن وهب: وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يسجد وقد اعتم على جبهته، فحسر الرسول عليه السلام عن جبهته.
قال مالك: إن سجد على كور العمامة كرهته، ولا يعيد. وقال ابن حبيب: إن كان كثيفًا أعاد في الوقت وإن مس أنفه الأرض، وإن كان قدر الطاقة والطاقتين قدر ما يتقى به برد الأرض وحرها لم يعد، قاله ابن عبد الحكم. قال الأوزاعي: وكذلك كانت عمَّة من مضى. [فصل-2 - : حمل التراب أو الحصا ليسجد عليه]. ومن المدونة قال مالك: ولا يعجبني أن يحمل الرجل الحصباء أو التراب من موضع الظل إلى موضع الشمس يسجد عليه. قيل: إنما ذلك في المساجد خاصة؛ لأنه يحفرها ويؤذى المصلى والماشي فيها، وأما في غير المساجد، فلا كراهة فيه. [فصل-3 - : ما يكره السجود عليه] قال مالك: وأكره أن يسجد على الطنافس، وبسط الشعر والأدم وثياب القطن والكتان واللبود وأحلاس الدواب، ولا يضع كفيه عليها،
ولا شيء على من صلى على ذلك. والصلاة على التراب والحصر أحب إلي. قال مالك: ولا بأس أن يقوم عليها، وعلى غيرها من المصليات ويركع ويجلس عليها، ويسجد على الأرض. قال ابن حبيب: وهو أقرب للتقوى، ولولا ذلك ما مضى الأمر على تحصيب المسجد، وتحصير غيرها، ويفرشها أهل الطول بأفضل من ذلك. ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يسجد على الخمرة والحصر وما ينبت من الأرض، ويضع كفيه عليها. قال عنه على: والخمرة إنما تتخذ من الحرير وتظفر بالشراك. [فصل-4 - : الصلاة على حصير بطرفه نجاسة] قال مالك: ولا بأس بالصلاة على طرف حصير بطرفه الآخر نجاسة إذا كان موضعه طاهرًا. م يريد وإن تحرك موضع النجاسة؛ لأنه إنما طولب بطهارة بقعته، وأما العمامة يكون بطرفها المسدل نجاسة فهذه يراعى فيها تحرك موضع النجاسة، فإن تحرك لم يجزئه؛ لأنه/ حامل لها، وهو لو انصرف لا تبعته بخلاف الحصير.
[فصل-5 - : الصلاة على ما يبسط على النجاسة من الطاهرات] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يصلى المريض على فراش نجس إذا بسط عليه ثوبًا كثيفًا طاهرًا. م وقال بعض شيوخنا: إنما أرخص في هذا للمريض خاصة، وأما الصحيح فلا يجوز له ذلك؛ لأنه يصير محركًا لتلك النجاسة، وخالفه غيره من شيوخنا، وقال: ذلك جائز للمريض وغيره؛ لأن بينه وبين النجاسة حائلًا طاهرًا، كالحصير إذا كان بطرفها نجاسة، والسقف إذا صلى في موضع منه طاهر، وتحرك منه موضع نجس أن ذلك لا يضره؛ لأن ما صلى عليه طاهر، فكذلك هذا. وهذا أصوب. والله أعلم.
[باب-10 -] في صلاة المريض والقادح والجالس والراكب
[باب-10 -] في صلاة المريض والقادح والجالس والراكب [فصل-1 - في صلاة المريض] قال الله سبحانه وتعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} فلم يرخص في ترك الصلاة لضرورة ولا غيرها لغير مغلوب على عقله. وقال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، وصلى الرسول عليه السلام جالسًا حين جحش شقه. ابن حبيب: وقال أصبغ في قول الله سبحانه وتعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} قال: هو في الخائف والمريض. قال: ومعنى ما جاء ((إن صلاة الجالس على النصف من صلاة القائم)) في من يقدر أن يقوم في
النوافل، فأما من أقعد بمرض أو ضعف عن أن يقوم في ثوابه كالقائم في الفرض والنافلة. قال أبو إسحاق: وإذا قدر أن يصلى قائمًا بقصار السور، ولم يقدر إذا صلى بالطوال صلى قائمًا بالقصار؛ لأن القيام فرض على القدر، والتطويل في القراءة ليس بفرض عليه. وانظر لو قدر على القيام في أول ركعة فإن جلس لم يقدر على القيام فالأشبه أن يصلى عليه متى قدر عليه، فلو أمرناه يصلى صلاته كلها قائمًا لكان قد أسقط ما قدر عليه من السجود. وقد قال بعض الناس: إنه يصلى ثلاث ركعات قائمًا يومئ فيها للسجود فإذا أتم الرابعة ركع وسجد ثم جلس؛ لأنه ترك ما قدر عليه من السجود في الثلاث ركعات لمكان ما أتى به من قيام الثلاث ركعات وركوعها فلم يترك السجود إلا لفرض آخر/ أتى به، وفي هذا نظر؛ لأنه ترك فرضًا قد توجه عليه وهو قادر عليه في الركعة الأولى لفرض آخر يأتي به الآن، وهو إذا أتى بالأول لم يقدر على الإتيان بالثاني، فإتيانه بما قادر عليه، وقد حضر أولى من تركه لإقامة شيء آخر لو جلس لم يقدر عليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وليصلى المريض بقدر طاقته، ولا يصلى إلا إلى القبلة، فإن عسر تحويله إليها احتيل فيه، فإن صلى إلى غيرها أعاد في الوقت إليها. م يريد ووقته في الظهر والعصر إلى الغروب، كمن صلى بثوب نجس لا يجد غيره. قال أصبغ في الواضحة: هذا إذا لم يستطع التحول إلى القبلة، ولم يجد من يحوله يصلى كما هو، فإذا قدر أو وجد من يحوله أعاد في الوقت. م يريد ولو كان واجدًا من يحوله فتركه وصلى إلى غيرها أعاد أبدًا كالقادر. قال ابن القاسم: وإذا قدر المريض على القيام والركوع والجلوس فعل ذلك وتشهد وثبت جالسًا، فإن قدر أن يسجد سجد، وإن لم يقدر على السجود لرمد بعينيه أو قرحه/ بوجهه أو صداع يجده ثنى رجليه وأومأ لسجوده، وإن قدر على القيام، ولم يقدر على الركوع قام وأومأ لركوعه ومد يديه إلى ركبتيه في إيمائه، ويجلس ويسجد إن قدر، وإلا أومأ، بالسجود جالسًا، وإن لم يقدر إلا على القيام كانت صلاته كلها قائمًا، ومئ بالسجود أخفض من الركوع،
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من لم يستطع الركوع أو السجود فليومئ برأسه إيماء)). وسئل مالك عن من بركبتيه ما يمنعه من السجود والجلوس عليها، فقال: يفعل من ذلك ما استطاع وتيسر عليه، فإن دين الله يسر. قال ابن القاسم: ومن افتتح الصلاة من عذر جالسًا ثم صح أتم قائمًا ولو افتتح الصلاة قائمًا ثم عرض له مرض يمنعه من القيام أتم جالسًا، وأجزأه. قال مالك: ويصلى من لا يقدر على القيام متربعًا، فإن لم يقدر أن يصلى متربعًا فعلى قدر طاقته من الجلوس، فإن لم يقدر فعلى جنبه أو ظهره، ويجعل رجليه مما يلي القبلة إذا صلى على ظهره، ويومئ برأسه. م فإن فعل بخلاف ما يؤمر به أن يبدأ به من ذلك مختارًا، فقد أساء، ولا شيء عليه، وأما إن قدر أن يصلى جالسًا ممسوكًا فصلى على جنبه، فعليه
الإعادة. قال سحنون: يصلى على جنبه الأيمن، كما يجعل في لحده، فإن لم يقدر فعلى ظهره ويومئ برأسه. وقال ابن المواز: إن لم يقدر على جنبه الأيمن فعلى الأيسر، فإن لم يقدر فعلى ظهره. قال في المدونة: وصلاة المريض جالسًا ممسوكًا أحب إليّ من المضطجع، ولا يستند لحائض ولا جنب إذ لا تخلو ثيابهما من نجاسة. قال في غير المدونة: فإن استند لحائض أو جنب أعاد في الوقت. قال أبو محمد: إن استند لحائض أو جنب وكانت ثيابهما طاهرة، فلا شيء عليه. م وفي البخاري ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى وإن بعض ثوبه إذا سجد
ليصيب ثوب زوجته ميمونة وهى حائض)). ومن المدونة قال مالك: وإذا لم يقدر المريض أن يسجد على الأرض فليومئ يظهره ورأسه، ولا يرفع إلى جبهته أو ينصب بين يديه شيئًا يسجد عليه، فإن فعل وجهل ذلك لم يعد. وقال أشهب في المجموعة: وذلك إذا أومأ إلى ذلك الشيء برأسه حتى يسجد عليه، وأما إن رفعه إليه حتى تمسه جبهته وأنفه من غير إيماء لم يجزئه ذلك، وأعاد الصلاة أبدًا. قال ابن القاسم: وإن صلى مضطجعًا فليومئ برأسه ولا يدع الإيماء. قال مالك: في إمام صلى بقوم فيركع ويسجد ويقوم/ وخلفه مرضى لا يقدرون على الركوع ولا على السجود إلا إيماء، وقوم لا يقدرون على القيام، وهم يصلون بصلاته ويومئون قعودًا، فقال: تجزئهم صلاتهم.
[فصل-2 - : إمامة الجالس] قال: ولا يؤم أحد جالسًا في فريضة ولا نافلة. وقد قال الشعبي: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤم الرجل القوم جالسًا)). قال الأبهري: وإنما ذلك؛ لأن صلاة القاعد أنقص من صلاة القائم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)) فاستحب أن لا يصلى ناقص الصلاة بمن هو أكمل منه على ما ذكرنا من الأخبار، ومن أن يكون الإمام أفضل حالًا من المأموم، فإن صلى فإنه يجوز لاستواء حرمته في نفسه مع حرمة المأموم، وإنما لم تجز إمامة الجالس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) الحديث. فإن صلوا هم قيامًا فقد خالفوه وخالفوا الحديث، وإن صلوا جلوسًا فقد أسقطوا فرض القيام، وهم قادرون عليه، والإمام لا يحمله عنهم، فلذلك لم تجز إمامة الجالس. والله أعلم. فإن قيل: فقد روى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) وفي آخر الحديث ((وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون)). قيل: قد قال ابن القاسم: ليس عليه العمل، وقد جاء ما نسخه، قوله صلى الله عليه وسلم:
((لا يؤم الرجل القوم جالسًا)). وروى ربيعة ((أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وهو مريض، وأبو بكر يصلى بالناس، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا بصلاة أبى بكر، وكأن أبو بكر الإمام)). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما مات نبي قط حتى يؤمه رجل من أمته)). فإن قيل: فقد روى ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى جنب أبى بكر فكان أبو بكر يصلى بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الناس يصلون بصلاة أبى بكر)). قيل: قد قال مالك: العمل عندنا على حديث ربيعة بن عبد الرحمن ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بصلاة أبى بكر))، وعمل أهل المدينة أثبت من أخبار الآحاد، ويؤيد أن أبا بكر كان الإمام قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما مات نبي قط حتى يؤمه رجل من أمته)). [فصل-3 - : الإمام يعرض له مرض يمنعه من القيام] ومن المدونة قال مالك: وإن عرض للإمام ما يمنعه من القيام فليستخلف
من يصلي بالقوم، ويرجع هو إلى الصف فيصلى بصلاة الإمام المستخلف. قال أبو محمد: واختلف في إمامة المريض للمرضى جلوسًا، فأجازه بعض أصحابنا، قال أبو عمران الفارسي: وهل يوجد لأصحابنا إجازة ذلك إلا شيء وقع لسحنون على تأويل فاسد؟. م وقد ذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ أنهم أجازوا في المرضى والضعفاء والذين في السفينة أنو يؤمهم أحدهم جالسًا وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية في المرضى والقاعد أنه لا بأس أن يؤمهم رجل منهم قاعدًا. وذكر سحنون في روايته أنه لا يجوز لأحد أن يؤم جالسًا بعد ما كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أم قومًا قاعدًا أجزأته، وأعاد القوم فيحمل قول سحنون أنه أم قومًا أصحاء قاعدًا، لا أنهم كلهم مرضى، فهذا هو التأويل الفاسد الذي أراد أبو عمران، والله أعلم. قال ابن القاسم: وإذا كانوا لا يستطيعون الجلوس هم ولا هو، فلا إمامة في هذا. م ولم يأت في هذا سنة، كما جاء في صلاة الجالس.
قال يحيى بن عمر: فإن فعلوا أجزأ الإمام وأعادوا هم. وروى الوليد بن مسلم عن مالك أنه أجاز للإمام المريض أن يصلى بالناس جالسًا وهم قيام. قال: وأحب إليّ أن يكون جنبه من يكون علمًا لصلاته، وهو على ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالسًا بالناس، وأبو بكر إلى جنبه علمًا لصلاته. فصل -4 - : [صلاة القادح] ومن المدونة: وكره مالك للرجل أن يقدح الماء من عينيه فيؤمر بالاضطجاع/ على ظهره، فيصلى على ذلك اليومين ونحوهما. م وقال: لا ينبغي له أن يفعل ذلك. قال ابن القاسم: ومن فعله أعاد الصلاة أبدًا. قال ابن اللباد وقال أشهب: له أن يقدح عينيه ويصلى مستلقيًا. قال أبو إسحاق: والأشبه أن يفعل ذلك؛ لأن التداوي جائز، وإذا كان
جائزًا له أن يتداوى جاز له أن ينتقل من القيام إلى الاضطجاع؛ لأنه متى قام أضر ذلك بعينيه، كما يجوز له أن يتداوى بالفصد، وينتقل إذا توضأ من غسل إلى مسح موضع الفصد وما يليه مما لا بد من رباطه. وروى ابن وهب عن مالك التسهيل في ذلك. قال ابن حبيب: كره مالك لمن يقدح عينيه، فيقيم أربعين يومًا أو أقل على ظهره، ولو كان اليوم/ ونحوه لم أر به بأسًا، قال: ولو كان يصلى ويومئ في الأربعين يومًا لم أر بذلك بأسًا. ومن المدونة قال مالك: والمصلى جالسًا إذا تشهد في الركعتين كبر قبل أن يقرأ، وينوى به القيام للثالثة. م يريد بعد أن يرجع متربعًا إن قدر. قال مالك: وجلوسه في موضع الجلوس كجلوس القائم. قال مالك: ولا بأس بالاحتباء في النوافل للذي يصل جالسًا بعقب تربعه، وفعله جابر بن
عبد الله وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير. قال مالك: ومن صلى فريضة جالسًا، وهو يقدر على القيام أعاد أبدًا. فصل-5 - : [الجلوس في صلاة النافلة] قال ابن القاسم: ومن افتتح النافلة جالسًا، ثم شاء القيام، أو افتتحها قائمًا، ثم شاء الجلوس، فذلك له. وروى ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى النافلة جالسًا حين أسن، فإذا بقى من قراءته ثلاثون أو أربعون آية قام، فقرأه وهو قائم ثم ركع وسجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك)). وكان سعيد بن جبير يصلى قاعدًا محتبيًا فإذا
بقي عليه عشر آيات قام فقرأ وركع. قال أشهب: إذا أحرم قائمًا في نافلة فلا يجلس لغير عذر. قال بعض فقهائنا: إذا افتتح صلاة النافلة على أن يصليها قائما ولا يجلس، لم يكن له أن يجلس. لا يختلف في هذا قول ابن القاسم وأشهب؛ لأن من نوى شيئًا ودخل فيه لزمه حكمه، وصار حكمه حكم من نذر شيئًا بلسانه، وإنما اختلفا إذا افتتحهما قائمًا من غير نية. م وحكي لنا عن أبى عمران أن ذلك لا يلزمه بالنية والدخول فيه بخلاف الاعتكاف وصوم اليوم؛ لأن هذا لا يتجزأ، فيلزمه بالدخول فيه، والقراءة في الصلاة تتجزأ، وله إذا افتتح القراءة في الصلاة مع أم القرآن بسورة طويلة أن لا يتمها، ففارق صوم اليوم والاعتكاف، والله أعلم. وقال ابن حبيب في المتنفل: له أن يومئ بالسجود من غير علة، كما له أن يقعد في القيام من غير علة. قال ابن القاسم في العتبية: لا يومئ الجالس للسجود إلا من علة، فإن أومأ في النافلة من غير علة أجزأه.
[فصل-6 - : الصلاة في المحمل] ومن المدونة قال ابن القاسم: قال مالك وعبد العزيز، ولم أسمع من عبد العزيز غير هذه: من تنفل في محمله فقيامه متربعًا، ويركع متربعًا ويضع يديه على ركبتيه. قال: فإذا رفع رأسه من ركوعه قال مالك: يرفع يديه عن ركبتيه، ولا أحفظ رفع يديه عن ركبتيه عن عبد العزيز، ثم قالا: فإذا أهوى للسجود ثنى رجليه وأومأ بالسجود، فإذا لم يقدر أن يثنى رجليه أومأ متربعًا. قال مالك: والشديد المرض، الذي لا يقدر أن يجلس لا يعجبني أن يصلى المكتوبة في المحمل، لكن على الأرض، وذكر عن أبى محمد أنه قال: معناه لا يصلى حيثما توجهت به الدابة في محمله، ولو وقفت به الدابة واستقبل به القبلة جاز أن يصلى على الدابة، وهو وفاق. وروى ابن القاسم وغيره عن مالك في غير المدونة: أنه إذا كان ممن لا يصلى بالأرض إلا إيماء فليصل على البعير بعد أن يوقف له، ويستقبل به القبلة./
قال في المدونة: ومن خاف إن نزل من سباع أو غيرهما صلى على دابته إيماء حيثما توجهت به، فإن أمن في الوقت فأحب إليّ أن يعيد، بخلاف العدو. م يريد ووقته/ وقت الصلاة المفروضة. قال مالك: للمسافر أن يتنفل على دابته ليلًا أو نهارًا إذا كان سفرًا تقصر في مثله الصلاة اعتبارًا بالقصر والفطر فيه، وله أن يتنفل على الأرض ليلًا أو نهارًا إن كان سفرًا تقصر في مثله الصلاة. م ولم يأخذ مالك بما روى عن ابن عمر: أنه كان لا يتنفل على الأرض نهارًا، وقال: لو كنت متنفلًا لأتممت صلاتي، ولقد صبحت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى. م ووجه قول مالك: فلأن ترك النبي صلى الله عليه وسلم التنفل في السفر تخفيفًا على المسافر؛ لمشقة السفر، كتخفيف الفطر له، فإذا أراد أن يتنفل جاز له،
كما يجوز له أن يصوم. قال ابن حبيب: كره ابن عمر وغيره أن يتنفل المسافر بالنهار بإثر المكتوبة أو بغير إثرها. قال مطرف: وأما التنفل بالليل بإثر المكتوبة أو بغير إثرها، والتنفل على المحمل على الدابة حيثما توجهت به، فلا خلاف في جواز ذلك، ولا كراهة فيه من حد. ومن المدونة ابن وهب: وصلى النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، وهو يسير متوجهًا إلى خيبر، وكان صلى الله عليه وسلم يصلى السبحة بالليل على ظهر راحلته حيث توجهت به إلى غير القبلة. قال مالك: وله أن يصلى على دابته إيماء حيث توجهت به إلى الوتر وركعتي الفجر والنافلة، ويسجد إيماء، وإذا قرأ سجده تلاوة أومأ لها إذا كان سفرًا يقصر في مثله الصلاة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير.
قال مالك: وأما في سفر لا تقصر في مثله الصلاة أو في حضر، فلا يتنفل على دابته، ولا يسجد سجدة تلاوة وإن كان إلى القبلة اعتبارًا بالقصر والفطر. قال على وابن وهب عن مالك: لا يصلى المسافر وهو يمشى، وإنما ذلك للراكب. قال عنه على وللمصلى على دابته ضربها في الصلاة وإن يركضها، وله أن يضرب غيرها. قال ابن حبيب: إلا أنه لا يتكلم ولا يلتفت ولا يسجد على قربوس سرجه، ولكن يومئ. وبالله التوفيق.
[باب-11 - في الإمام يصلى أرفع المأموم أو تحته أو خلفه أو قريبا منه
[باب-11 - في الإمام يصلى أرفع المأموم أو تحته أو خلفه أو قريبا منه [فصل-1 - في الإمام يصلى أرفع المأموم] قال الله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أي: صامتين خاشعين، وقال تعالى: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} فينبغي للمصلى أن يدخل الصلاة بالخشوع والخضوع لله سبحانه، ولا يتكبر على أصحابه، ولا يرتفع عليهم في مصلاه، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده. وفي كتاب ابن سحنون: أن حذيفة بن اليمان قام يصلى على دكان فجبذه سلمان، وقال له: ما أدرى أطال العهد أم نسيت أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يصلى الإمام على شيء أرفع مما عليه أصحابه)). قال ابن القاسم: وكره مالك وغيره أن يصلى الإمام على شيء هو أرفع
مما يصلي عليه من خلفه، مثل الدكان يكون في المحراب وبحرمه. قال ابن القاسم: فإذا فعل أعادوا أبدًا؛ لأنهم يعبثون، إلا أن تكون دكانًا يسيرة الارتفاع، مثل ما كان عندنا بمصر فتجزئهم الصلاة. قال أبو محمد: مثل الشبر وعظم الذراع خفيف. قال أبو بكرين بن محمد: إنما كره مالك هذا؛ لأن بني أمية/ فعلوه على وجه الكبر والجبروت، ورأى هذا من العبث، ومما يفسد الصلاة. قال فضل بن سلمه: قوله: لأنهم يعبثون دليل أنه فعل ذلك في موضع واسع بقدر أن يصلى معه فيه غيره. فأما إذا ضاق بهم الموضع فلا بأس أن يصلى بصلاته ناس أسفل منه،
ورأيته لسحنون، وذهب إليه يحي بن عمر. قال بعض فقهائنا: وإذا كان مع الإمام قوم وأسفل منه قوم فلا شيء عليهم، وصلاة الجميع تامة. قال/ مالك: وإذا صلى الإمام بقوم على ظهر المسجد والناس خلفه أسفل منه فلا يعجبني. قال: ولا بأس في غير الجمعة أن يصلى الرجل بصلاة الإمام على ظهر المسجد، والإمام في داخل المسجد، ثم كره ذلك، وأخذ ابن القاسم بقوله الأول. ابن وهب: وقد صلى أبو هريرة وصالح مولى التوأمة على ظهر المسجد والإمام أسفل منه، وقاله النخعي. قال ابن القاسم: ولا يعجبني أن يصلى على أبى قبيس وقيقعان بصلاة
الإمام بالمسجد الحرام. م يريد لبعده عن الإمام؛ فإنه لا يستطيع مراعاة فعله في الصلاة. [فضل - 2 - : الإمام يصلي بالناس في السفينة] قال مالك: وإذا صلى الإمام في السفينة أسفل والناس فوق السقف، فلا بأس بذلك إذا كان إمامهم قدامهم، ولا يعجبني أن يكون هو فوق السقف والناس أسفل، ولكن يصلون الذين فوق السقف بإمام، والأسفلون بإمام. قال ابن حبيب: ويعيد الأسفلون في الوقت. م قيل: إنما قال ذلك؛ لأن الأسفلين لا يمكن لهم مراعاة أفعال الإمام إذ ربما دارت السفينة فيختلط عليهم أمر صلاتهم، فليس كالدكان يكون فيها مع الإمام قوم وأسفل قوم فافترقا. قال: والسفن المتقاربة إذا كان الإمام في أحدها، وصلى الناس بصلاته أجزأهم.
قال أبو إسحاق: إذا سمعوا تكبيره ورأوا أفعاله فإن فرقهم الريح بعد دخولهم في الصلاة فليستخلفوا من يتم بهم ذكره ابن عبد الحكم، وهو الصواب، كحدثه؛ لأنهم خرجوا من إمامته لما تعذر عليهم الائتمام به، فأشبه خروجه من الإمامة بغير قصد لإفسادها. [فصل - 3 - : الصلاة في الدور بصلاة الإمام] قال: ولا بأس بالصلاة في دور محجوزة بصلاة الإمام في غير الجمعة إذا رأوا عمل الإمام والناس من كواها أو مقاصيرها أو سمعوا تكبيره، فركعوا وسجدوا لسجوده وذلك جائز، وقد صلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجرهن بصلاة الإمام، وقاله عمر بن الخطاب وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم رضي الله عنهم. قال مالك: ولو كانت الدور بتدبير الإمام كره ذلك، فإن صلوا فصلاتهم تامة، وقد بلغني أن دارًا لآل عمر بن الخطاب، وهي أمام القبلة كانوا يصلون بها بصلاة الإمام فيما مضى، ولا أحبه، فإن فعله أحد أجزأه. ولا بأس بالنهر الصغير أو الطريق يكون بين الإمام والمأموم.
[باب - 12 -] جامع القول في الإمامة
[باب - 12 -] جامع القول في الإمامة روي أن الرسول عليه السلام قال: ((أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون))، وقال عليه السلام: ((يؤم القوم أفقههم، وذلك أمير أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي أنه عليه السلام قال: ((يؤم القوم أقرؤهم وأقومهم قراءة، فإن استووا فأقدمهم هجرة، فإن استووا فأكبرهم سنًا. [فصل - 1 - في الأحق بالإمامة] قال مالك رحمه الله: أحق القوم بإمامتهم أعلمهم إذا كان أحسن حالاً، وأفضلهم في أنفسهم، وللسن حق. قيل للمالك: فأقرؤهم قال: قد يقرأ من لا، يريد من لا ترضى حاله.
قال ابن حبيب: ومعنى ما روي: ((يؤم القوم أقرؤهم)) أن من سلف كان يجمعهم صلاح الحال والمعرفة، وكان حفظ القرآن مزيد خير. قال غيره: وكانوا يعلمونه بفقهه، وكان أقرؤهم أفقههم. قال أبو إسحاق: ولا يؤتم بفاسق غير أن من صلى وراءه لا يعيد، وقيل: يعيد لأنه لا يؤمن على الوضوء ولا على إحضار النية قبل الإحرام، فصار من صلى وراءه على شك من أداء فرائضه، وقد ذكر هذا عبد الوهاب. ومن المدونة قال ابن القاسم: وقال مالك: يقال / أولى بمقدم الدابة صاحبها، وأولى بالإمامة صاحب المنزل إذا صلوا في منزله، إلا أن يأذن لأحدهم، ورأيته يرى أنه الشأن ويستحسنه. وقال عنه أشهب في العتبية: يؤمهم صاحب المنزل وإن كان عبدًا. قال غيره: وإن كانت امرأة تستخلف أحدًا ولها أن تولي رجلاً يؤمهم. ابن حبيب: وأحب إلي إن حضر من هو أعلم من صاحب المنزل وأعدل منه فليوله ذلك. قال: وأهل كل مسجد أولى بالإمامة، إلا أن يحضرهم الوالي. قال: وينبغي للإمام أن يخفف بالناس، وليكن ركوعه وسجوده وسطًا،
وكان عمر بن عبد العزيز يتمها، ويخفف الجلوس والقيام. قال مالك: ولا يؤم الأمرد إلا من ضرورة. قال ابن شعبان: أهل الفقه أولى بالإمامة، ثم أهل القرآن إذا كانوا صالحي الأحوال، ثم أهل السنن، فإن استووا في الأحوال، فأجملهم وجهًا، وأحسنهم خلقًا. [فصل - 2 - في صلاة القارئ خلف من لا يحسن القراءة] ومن المدونة: قلت: فإن صلى من يحسن القرآن خلف من لا يحسن القرآن قال: يعيد الإمام والمأموم أبدًا. وقد قال مالك: إذا صلى بقوم إمام فترك القراءة انتقضت صلاته وصلاتهم، وأعادوا أبدًا. قال ابن القاسم: فالذي لا يحسن القراءة أشد من هذا. قال ابن المواز: يعيد الإمام والمأموم أبدًا؛ لأن الإمام صلى بغير قراءة، وقد وجد قارئا يأتم به فتركه، يريد فإذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة
المأموم. قال سحنون: فإن ائتم به أميون مثله فصلاتهم تامة، وهذا إذا لم يجدوا من يصلون خلفه ممن يقرأ، وخافوا ذهاب الوقت، وأما إن وجدوا فصلاتهم فاسدة. م قال بعض فقهائنا: وإذا دخل في الصلاة هذا الذي لا يحسن القرآن، ثم أتى من يحسن القرآن، فلا تقطع لدخوله فيها بما يجوز له. قال أبو محمد عن ابن اللباد: ومن صلى خلف من يلحن في أم القرآن فليعد، - يريد - إلا أن يستوي حالهما، وقاله ابن القابسي، قال هو وأبو محمد: وكذلك من لم يميز في أم القرآن قرائته الضاد من الظاء، وإن لحن فيما عدا أم القرآن فحكي عن ابن اللباد وأبي محمد وابن شبلون أنه تجزئ الصلاة خلفه، وقال أبو الحسن بن القابسي: لا تجزئ، واحتج بظاهر قول مالك في من لا يحسن القرآن، ولم يفرق بين أم القرآن وغيرها، قال: وهو أصح، كمن ترك قراءة السورة عامدًا.
[فصل - 3 - : الصلاة خلف الولاة] ومن المدونة قال مالك: وتجوز الجمعة وغيرها خلف من ليس بمبتدع من الولاة. وروى ابن وهب عن عبيد الله بن عدي قال: دخلت على عثمان ابن عفان وهو محصور فقلت له: إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى، وأنه يصلي بنا إمام فتنة وأنا أتحرج من الصلاة معه، فقال عثمان / بن عفان: فلا تفعل، فإن الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإن أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم.
قال مالك: وإذا أيقنت أن الإمام قدري، أو حروري أو غيره من أهل الأهواء، فلا تصل خلفه، ولا الجمعة، فإن اتقيته وخفته فصلها معه، وأعدها ظهرًا أربعًا. وكان القاسم بن محمد: حين كانت بنو أمية يؤخرون الصلاة يصلي في بيته، ثم يصلي معهم فكلم في ذلك، فقال: أصلي مرتين أحب إلي من أن لا أصلي شيئًا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((سيكون أئمة بعدي يضيعون الصلاة، ويتبعون الشهوات، فإن صلوا الصلاة لوقتها فصلوها معهم، وإن لم يصلوها لوقتها فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة.
م ووقف مالك في إعادة من صلى خلف أهل البدع. وقال ابن القاسم: يعيد في الوقت، وقال مالك في سماع ابن وهب: لا إعادة عليه، وقال أصبغ/: يعيد أبدًا. م انظر قوله: إن اتقيته وخفته فصلها معه وأعدها ظهرًا أربعًا. وقوله: وقف في إعادة من صلى خلف مبتدع، فالفرق بين ذلك: أن الذي صلى تقاة قصد أن يجعل صلاته مع الإمام تنفلاً، ثم يأتي بعد ذلك بفرضه، وكذلك ينبغي أن كل من صلى صلاة على أن يعيدها أن لا تجزئه الأولى ولابد من إعادتها؛ لأنه لم يقصد بالأولى فرضه، وأما الذي وقف فيه مالك فقد قصد الائتمام به على أن هذه فرضه ولا يعيدها، فالصواب أن تجزئه فلذلك اختلف جوابه، والله أعلم.
قال مالك: ولا يصلي خلف أهل البدع جمعة ولا غيرها، ولا يسلم عليهم، ولا يناكحوا، ولا تشهد جنائزهم، ولا يعاد مرضاهم. قال سحنون أدبًا لهم. [فصل - 4 - : الإمام يقرأ بقراءة ابن مسعود] ومن صلى خلف رجل يقرأ بقراءة ابن مسعود فليخرج ويتركه، قال ابن القاسم: فإن صلى خلفه أعاد أبدًا. م قيل: إن ابن مسعود كان يقرأ في غير الصلاة، ويفسر لأصحابه؛ ليفهموا، وأما في الصلاة فلم يكن يقرأ كذلك، فمن قرأ في الصلاة بتلك القراءة وجب أن يعيد أبدًا؛ لأنها مخالفة لمصحف عثمان المجمع عليه. [فصل - 5 - في إمامة السكران] قال مالك: ولا يؤم السكران، ومن صلى خلفه أعاد، قال ابن حبيب: أبدًا. قال أبو إسحاق: أما إذا لم يعقل صلاته فلا تتم صلاة من ائتم به، وأما إذا كان يعقلها، وكان لا يتحفظ على ثيابه ولا على تطهير فمه من الخمر فيجب أن يعيد أيضًا، كمن صلى وهو على نجاسة عامدًا. قال: وكذلك من صلى خلف من يشرب السكر أو خلف من
يشربه ولم يسكر منه، وإن أتم الركوع والسجود والقراءة فليعيدوا أبدًا إلا أن يكون هو الإمام الذي تؤدي إليه الطاعة. ابن حبيب: أو قاضيه أو خليفته على الصلاة أو صاحب شرطته فيجوز أن يصلي وراءهم الجمعة وغيرها، ومن أعاد منهم في الوقت فحسن، ومنع الصلاة معهم داع إلى الخروج من طاعتهم، والسبب إلى الدماء والفتن، وقد صلى ابن عمر خلف الحجاج ونجدة الحروري حين وادع ابن الزبير. قال أبو إسحاق: اختلف أصحابنا في إكفارهم بما يؤول إليه قولهم الذي قالوه فمن أكفرهم بمآل القول فلا يجوز الصلاة خلفهم، ومن صلى خلفهم فإنه يعيد أبدًا، ومن لم يكفرهم بمآل القول فهو المعنى الذي وقف فيه مالك، فرأى ابن القاسم الإعادة في الوقت في من دخل وهو لا يعلم، وأما إذا دخل خلفهم، عالمًا بهم على أن يعيد فليعد بعد الوقت. وأما قول ابن حبيب: إن من صلى خلفهم أعاد أبدًا إلا أن يكون الوالي الذي تؤدي إليه الطاعة فإنه يصلي خلفه الجمعة وغيرها ففيه نظر، إلا أن يريد بغيرها وليقيمونه من عيد وشبهه مما لا يقدر الناس أن يقيموه إلا بهم. وكان يجب أن لا يعيد من صلى معهم خوفًا مثل الجمعة الذين لا يقدرون على إقامتها إلا بهم فلا يعيد، إلا أن يكون في حال صلاته بهم سكرانًا فلا تجزئهم
صلاتهم، وقاله من لقيت من أصحاب مالك. م قوله: وكذلك إن صلى خلف من يشرب الخمر ليس على الأصل، والصواب أن لا إعادة على من صلى خلفه؛ لأنه من أهل الذنوب، ولا يكون أسوأ حالاً من المبتدع. وقد اختلف في إعادة من صلى خلفه. [فصل - 6 - في المأمومين يعلمون أن الإمام نصراني] ابن حبيب/ وقال مالك في من أم قومًا في سفرتهم علموا أنه نصراني فليعيدوا أبدًا. ابن حبيب: وإن ظفر به أستتيب، كالمرتد؛ لقوله بعد / الصلاة: إنه نصراني، فإن تاب وإلا قتل، قاله مطرف وابن الماجشون، وجعلا ذلك منه إسلامًا، ولا حجة له إن قال: لم أرد بذلك الإسلام، وفعلته / عبثًا، وسواء عرف قبل ذلك بالنصرانية أو جهل أمره. وفي العتبية قال مالك: يعيدون أبدًا، ولا أرى أن يقتل، يريد: ويعاقب، وقال: سحنون: إن كان في موضع يخاف عليه فيه على نفسه فدارأ بذلك عن نفسه وماله لم يعرض له، وأعاد القوم الصلاة أبدًا، وإن كان آمناً فليعرض
عليه السلام فإن أسلم فلا يعيد القوم، وإن لم يسلم قتل، وأعاد القوم الصلاة. م قوله: فإن أسلم فلا إعادة على القوم كأنه رأى أن صلاته بهم إسلام، ثم ثبت عليه، والصواب أن يعيدوا أبدًا؛ لأنه اليوم ثبت إسلامه، ولو حمل على أن صلاته بهم إسلام فهو كجنب صلى بهم عالمًا بجنابته فوجب أن لا تجزئهم. [فصل - 7 - في إمامة الصبي والمرأة والأعرابي] ومن المدونة قال مالك: ولا يؤم الصبي في نافلة الرجال ولا النساء، وروي عنه أنه قال: يؤم الصبي في النافلة. قال النخعي: كانوا يكرهون أن يؤم الغلام حتى يحتلم، وقاله عمر بن عبد العزيز. وقال ابن حبيب: ومن / صلى خلف امرأة أو صبي أعاد أبدًا. ومن المدونة قال مالك: ولا تؤم المرأة في مكتوبة ولا نافلة، وقاله
علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال النخعي: لا تؤم في الفريضة. م وإنما لم تجز إمامة المرأة لقوله عليه السلام: ((أخرجن حيث أخرهن الله))، وقوله: ((إنكن ناقصات عقل ودين، ولأن كل من لم يجز أن يكون حاكمًا لنقصه لم يجز أن يكون إمامًا في الصلاة. ومن المدونة قال مالك: ولا يؤم الأعرابي في حضر ولا سفر، وإن كان أقرأهم. قال ابن سيرين: سافرنا مع عبيد الله بن معمر، وحميد بن عبد الرحمن، فمررنا بأهل ماء فحضرت الصلاة فأذن أعرابي وأقام فتقدم حميد فلما صلى قال: من كان من أهل البلد فليتم الصلاة، وكره أن يؤم
الأعرابي. وقال سفيان: يؤم الأعرابي: إذا كان أقرأهم يريد ويكون عارفًا بسنن الصلاة. قال ابن حبيب: إنما نهى مالك عن إمامة الأعرابي لجهله بسنن الصلاة. قال مالك: ولا يؤم العبد في الحضر في مساجد القبائل ولا في جمعة أو عيد. قال ابن القاسم: فإن أمهم في جمعة أو عيد أعادوا إذ لا جمعة عليه ولا عيد. وقال أشهب: تجزئهم، وقد صار من أهلها لما حضرها. قال مالك: ولا بأس أن يؤم العبد في قيام رمضان ويؤم في الفرائض في السفر إذا كان أقرأهم من غير أن يتخذ إمامًا راتبًا، وقد ذكر أن مدبرًا لعائشة كان يؤم بها في رمضان.
وقال أبو المصعب: إن أم عبد أو صبي أو أعرابي مضت صلاة من ائتم بهم، إلا العبد في الجمعة والعيدين فلا تجزئ. ومن المدونة قال مالك: وأكره أن يتخذ ولد الزنا إمامًا راتبًا، وقد نهى عمر بن عبد العزيز رجلا كان يؤم بالعقيق؛ لأنه كان لا يعرف أبوه. قال ابن مزين: إنما كره إمامه ولد الزنا لئلا يؤذى بذلك. ومن المدونة قال مالك: وأكره أن يتخذ الخصي إمامًا راتبًا، وقد كان علي طرسوس خصي / فاستخلف على الناس / من يصلي بهم فبلغ ذلك مالكًا، فأعجبه. قال مالك: ولا بأس باتخاذ العمى إمامًا راتبًا وقد أم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمى، وهو ابن أم مكتوم. م قال: ولا بأس بإمامة المولى، وقد كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار في مسجد قباء، وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم رضي الله عنهم.
فصل - 8 - : [حكم الصلاة بغير رداء] ومن المدونة قال مالك: وأكره لأئمة المساجد الصلاة بغير رداء، إلا إمام في سفر أو في داره أو بموضع اجتمعوا فيه وأحب إلي أن يجعل على عاتقه عمامة إذا كان مسافرًا أو في داره. م وإنما قال ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي إلا برداء. قال مالك: ولا بأس أن تأتم بمن لم ينو هو أن يؤمك. فصل - 9 - : [في موقف المأمومين في الصلاة] قال مالك: وإذا صلى رجلان أو رجل وصبي مع إمام قاما جميعًا خلفه إن كان الصبي يعقل لا يذهب ويتركه، فإن كانت معهم امرأة أو جماعة نساء فمن خلف الرجال.
م والأصل في ذلك حديث أنس أنه قال: ((صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا. قال مالك: فإن صلى معه رجل وامرأة / قام الرجل عن يمين الإمام وقامت المرأة وراءهما، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبي وامرأة فقام الصبي عن يمينه والمرأة خلفهما. قال مالك: وإن صلى معه رجل قام عن يمينه، وإن قام عن يساره أداره الإمام إلى يمينه من خلفه، وكذلك فعل ابن عمر. وقال ابن عباس: بت عند خالتي ميمونة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت عن يساره فأدارني عن يمينه من خلفه. وهو في البخاري. قال مالك: فإن لم يعلم به حتى فرغ أجزأته صلاته. م وكذلك إن علم به فتركه. فصل - 10 - [في المأموم يدرك الإمام ساجدًا] قال مالك: ومن وجد الإمام ساجدًا فيكبر ويسجد ولا ينتظره حتى يرفع
الجماعة فليتمادى، ولا يقطع، بخلاف من أحرم في المسجد فأقيمت عليه الصلاة. م والفرق في ذلك بين المسجد وغيره؛ فلأن النهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاتين معاً إنما كان في المسجد؛ ولأن الإمام يؤذى بذلك من وجوه: إما أن يكون في صلاة جهر فيجهر عليه، وذلك غير جائز؛ لقوله عليه السلام لمن جهر بالقراءة خلفه: ((ما لي أنازع القرآن)) ونهى عن ذلك. وإذ قد يقع في قلب الإمام أنه ممن لا يرى الصلاة خلفه فيؤذيه / بذلك، وإذ قد يكون ذلك تطرقاً لأهل البدع بأن لا يرى البدعي الصلاة خلف السني فيصلي وحده، ويقول: كانت على صلاة، وقد منع العلماء من الجمع في مسجد مرتين؛ وعللوه بما يدخل بين الأئمة من الشحناء وللتطرق لأهل البدع بأن يجعلوا من يؤم بهم، فهذا مثله. والله أعلم. ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك: ومن دخل في صلاة
وفي السليمانية: عن سحنون ينتظره ولو طال ذلك. ومن المدونة: قال مالك: وجائز أن يصلي الرجل بامرأته المكتوبة وتكون من خلفه.
[باب - 13 -] في فضل الجماعة وإعادة الصلاة فيها، وفي / شهود العتمة والصبح
[باب - 13 -] في فضل الجماعة وإعادة الصلاة فيها، وفي / شهود العتمة والصبح وفي من أقيمت عليه الصلاة وهو في صلاة وهل يؤم من صلى وحده؟ وهل يعيد من صلى في جماعة؟ والجمع في مسجد مرتين. [فصل - 1 - في فضل الجماعة. وإعادة الصلاة فيها] وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بصلاة الجماعة، ورغب فيها، وقال: ((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمسة وعشرين جزءًا))، وفي حديث آخر: ((بسبع وعشرين درجة))، ورغب عليه السلام في إعادة من صلى فذًا في الجماعة، وجعل مدرك ركعة منها مدركًا لها. قال مالك رحمه الله في من صلى وحده: فله إعادتها في جماعة، وهذا في جميع الصلوات، إلا المغرب، لأنها وتر صلاة النهار، فإذا أعادها صارت
شفعًا، وقاله ابن عمر. ولأن واحدة منها تكون صلاته، والثانية نفل، ولا ينتقل بوتر. قال ابن القاسم: فإن جهل فأعادها، فأحب إلى أن يشفعها برابعة، وتكون الأولى صلاته، وهذه تنفل، وقد بلغني ذلك عن مالك. وابن وهب يرى إعادتها ثالثة؛ لتكون وترًا. وفي الموطأ / قال ابن عمر: لا تعاد المغرب ولا الصبح. وأجاز المغيرة وابن سلمة أن تعاد المغرب؛ لعموم خبر ابن محجن وهي كغيرها من الصلوات. قال ابن القاسم في المجموعة: ومن صلى العشاء وحده وأوتر فلا يعيدها في جماعة.
قال سحنون: فإن فعل فليعد الوتر، وقال يحيى بن عمر: لا يعيد الوتر. ومن العتبية قال سحنون عن أشهب: من صلى مع الإمام صلاة ظن أنه صلاها في بيته، ثم علم أنه لم يصلها فليعدها. م لأنه إنما قصد بها فضل الجماعة. قال: ولو كان قد صلاها في بيته، ثم دخل مع الإمام يريد فضل الجماعة، ثم أحدث بعد ركعة فلا يعيدها، وكذلك لو دخل في هذه على غير وضوء، ثم ذكر فلا يعيدها، وقاله مالك. قال لي مالك: ولو صلى هذه متوضئًا، ثم ذكر أن التي صلى في بيته على غير وضوء أن هذه تجزئه، ورواه عيسى عن ابن القاسم. وقال عبد الملك في المجموعة: لا تجزئه؛ لأنه لم يقصد بها الفرض، وقال في الذي أحدث خلف الإمام، وقد صلى في بيته: عليه القضاء، إلا أن يحدث قبل ركعة. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن مر بمسجد فسمع الإقامة وقد صلى وحده، فليس بواجب عليه إعادتها، إلا أن يشاء، وقال: كذلك كل من صلى
في بيته، ثم أقيمت الصلاة، وهو في المسجد أعادها إلا / المغرب. وذكر عن ابن القابسي في من صلى وحده، فلا يعيد الصلاة مع واحد؛ لأنه إنما يعيد الصلاة في الجماعة، وأقل ذلك اثنان، ومثله ذكر عن أبي عمران أنه لا يعيد مع واحد. قال: إلا أن يكون هذا الواحد هو الإمام الراتب فيعيد معه، لأنه كالجماعة. واختلف في من صلى مع صبي، فقال بعض فقهائنا: لا يعيد في جماعة، وقال ابن عبد الرحمن: يعيدها في جماعة؛ لأن صلاة الصبي نافلة. واختلف في أيام أبي محمد في من صلى في بيته مع امرأته هل يعيدها في جماعة؟ فذهب أبو الحسن وأبو عمران إلى أنه لا يعيدها في جماعة.
قال أبو إسحاق: وإذا صلى وحده، فانظر: هل يعيدها مع آخر؟ فقد تأول بعض الناس أنه إنما يعيدها في جماعة، ولا يعيدها إذا كانت الجماعة إنما تكون جماعة به؛ فلأن الذي يصلي معه قد لا يكون له جماعة، ولأن صلاته إن كانت الأولى صار الذي صلى معه إنما صلى مع من لا فريضة عليه فلم يتم له معه جماعة، وأما إذا صلى رجلان فذكر الإمام منهما أنه كان على غير وضوء كانت صلاة من صلى معه جماعة لا يعيدها في جماعة، كما إذا صلى بجماعة الجمعة فذكر الإمام أنه كان على غير وضوء كانت لهم جمعة، وكانوا في حكم من صلى بإمام وأجزأتهم قراءته، وانظر لو ذكر المأموم أنه كان على غير وضوء فبطلت صلاته هل تكون صلاة الإمام جماعة، فلا يعيد في جماعة؟. فصل - 2 - : [في شهود العتمة والصبح] ومن الموطأ / قال / الرسول عليه السلام: ((بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح لا يستطيعونهما)) أو نحو هذا. وقال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا)). وقال عمر: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلي من أن أقوم ليلة.
وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة، ومن شهد الصبح فكأنما قام ليلة. فصل - 3 - : [في الصلاة تقام والرجل في صلاة] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أحرم بالظهر في المسجد فأقيمت عليه الظهر فإن لم يركع قطع بسلام ودخل مع الإمام، وإن ركع صلى ثانية، ودخل مع الإمام. م يريد إن لم يخفف فوات ركعة مع الإمام. قال ابن القاسم: فإن صلى ثالثة صلى رابعة، ولا يجعلها نافلة، ويسلم ويدخل مع الإمام. م وهذا كله إذا علم أن الإمام لا يسبقه بالركعة، فإن خاف ذلك، فليقطع بسلام على أي حال كان، ويدخل مع الإمام. وقد قال أشهب: في العتبية قيل لمالك: فإن علم أن الإمام سيسبقه ببعض
صلاته ويدرك بعضها قال: لا ينبغي له أن يصلي والإمام يصلي، إلا أن يفرغ هو قبل أن يرفع الإمام من الركعة الأولى. قال أشهب: ولو لم يركع في المكتوبة حتى أقيمت الصلاة فليتم ركعتين، ويدخل مع الإمام، فإن خاف فوات الركعة معه قطع، ونحوه عن ابن حبيب. م وفرق ابن القاسم بين الفريضة وبين النافلة، فقال: إذا أقيمت الصلاة وهو في نافلة فإن كان ممن يخفف الركعتين فليتم ركعتين، وإلا قطع، وقال في الفريضة: يقطع، إلا أن يعقد ركعة. والفرق عنده، - والله أعلم - هو أن الفريضة إذا قطعها هو يعود إليها، والنافلة لا يعود إليها؛ لأنه لم يتعمد قطعها وإنما جاء ما قطعها عليه. وأيضًا فإن نيته في / النافلة على حالها لم تتغير، وفي الفريضة قد تغيرت من الفرض إلى النفل فضعفت لهذا؛ ولأنه في الفريضة إذا أمرته أن يتم ركعتين فهو قطع لها فليقطع من الآن أولى، وفي النافلة إذا أتم ركعتين فهو تمام لها فافترقا. ومن المدونة قال ابن القاسم: فإن أحرم بالمغرب فأقيمت عليه المغرب /
فليقطع بسلام، ويدخل مع الإمام عقد منها ركعة أم لا، وإن صلى اثنتين أتمها ثلاثًا وخرج، وإن صلى ثلاثًا سلم وخرج، ولم يعدها. م وإنما لم يضف ركعة إذا كان قد عقد ركعة، ويسلم من اثنتين، كما يفعل في غيرها؛ لأن المغرب لا يتنفل قبلها. وقال أيضًا ابن القاسم وأشهب في المجموعة: إن صلى من المغرب ركعة أضاف إليها ثانية، ودخل مع الإمام، وإن صلى اثنتين سلم ودخل مع الإمام كسائر الصلوات، وإن أقيمت عليه وقد أمكن يديه من ركبتيه ولم يرفع رأسه من الثالثة فقال ابن القاسم في المجموعة وأشهب في العتبية: فليوفع رأسه / ويسجد ويتشهد ويسلم، ويضع يده على أنفه ويخرج من المسجد. وقال أيضًا أشهب في المجموعة: إذا قام إلى الثالثة وركع فليرجع إلى الجلوس ما لم يرفع رأسه منها، فإذا رفع رأسه منها أتمها وخرج. م وهذا على اختلافهم في عقد الركعة، فمن رأى أن عقد الركعة إمكان اليدين من الركعتين رأى أنها ركعة قد انعقدت، وتمت الصلاة فلا يقطعها. قال ابن حبيب: ومن أحرم في المغرب في غير المسجد ثم أقام قوم صلاة
الجماعة فليتمادى، ولا يقطع، بخلاف من أحرم في المسجد فأقيمت عليه الصلاة. م والفرق في ذلك بين المسجد وغيره؛ فلأن النهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاتين معاً إنما كان في المسجد؛ ولأن الإمام يؤذىبذلك من وجوه: إما أن يكون في صلاة جهر فيجهر عليه، وذلك غير جائز؛ لقوله عليه السلام لمن جهر بالقراءة خلفه: ((ما لي أنازع القرآن)) ونهى عن ذلك. وإذ قد يقع في قلب الإمام أنه ممن لا يرى الصلاة خلفه فيؤذيه / بذلك، وإذ قد يكون ذلك تطرقًا لأهل البدع بأن لا يرى البدعي الصلاة خلف السني فيصلي وحده، ويقول: كانت على صلاة، وقد منع العلماء من الجمع في مسجد مرتين؛ وعللوه بما يدخل بين الأئمة من الشحناء وللتطرق لأهل البدع بأن يجعلوا من يؤم بهم، فهذا مثله. والله أعلم. ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك: ومن دخل في صلاة
فأقيمت عليه صلاة أخرى في المسجد، فإن طمع بتمامها ويدخل مع الإمام فعل، وإلا قطع ودخل معه، فإذا سلم ابتدأ الصلاتين. قال ابن القاسم: إن صلى ركعة شفعها، وسلم، ودخل مع الإمام، وإن خاف فوات ركعة مع الإمام قطع من ركعته بسلام ودخل مع الإمام. م وإنما قال مالك: يتمها إن لم يخف فوات ركعة وفرق بينها وبين ما لو أقيمت عليه تلك الصلاة؛ لأن هذا إذا أتمها ودخل مع الإمام حصلت له الصلاتان، وإذا قطعها ودخل مع الإمام فقد أبطل الأولى، ولم يعتد بصلاته مع الإمام للصلاة التي عليه، والذي أقيمت عليه تلك الصلاة يعتد بصلاته مع الإمام، ويحصل له فضل الجماعة، فلذلك فرق بينهما. والله أعلم. وأما ابن القاسم فساوى بينه وبين إذا أقيمت عليه تلك الصلاة التي هو فيها، ويحتمل أن مالكًا ساوى أيضًا بينهما، ويقول: إذا أقيمت عليه تلك الصلاة التي هو فيها فطمع بتمامها قبل ركوع الإمام فعل، وإليه نحا في رواية أشهب، وهو القياس؛ لأنه إنما أمر بقطع ما دخل فيه؛ لئلا يدخل في صلاتين معًا
فوجب أن يكون الحكم في ذلك سواء، والله أعلم. فصل - 4 - : [في من سمع الإقامة وهو يصلي في بيته فلا يقطع صلاته] ومن المدونة قال مالك: ومن أحرم في بيته ثم سمع الإقامة وهو يعلم أنه يدركها فلا يقطع وليتماد. واجب عليه أن لا يقطع إذ ليس بصلاتين معا، وقد قال الله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}. فصل - 5 - : [في الإتمام بمن يعيد صلاته] قال مالك: ومن صلى صلاة فلا يؤم فيها أحدا، فإن فعل أعاد من ائتم به إذ لا يدري أيتهما صلاته، وإنما ذلك إلى الله تعالى/ يجعل أيتهما شاء صلاته. وقد جاء في الحديث "أن الأولى صلاته والأخرى/ نافلة" فكيف
يعتدون بصلاة رجل هي له نافلة؟. قال ابن حبيب: يعيد من صلى خلفه أبدا أفذاذا، ولا يعيد الإمام. م وإنما قال: يعيدون أفذاذا؛ إذ قد تكون هذه صلاته فصحت لهم جماعة فلا يعيدونها في جماعة، ووجب عليهم الإعادة خوفًا أن تكون الأولى صلاته، وهذه نافلة، فاحتاط للوجهين جميعا. فصل - 6 - : [لا يعيد مع الإمام من صلى في جماعة] ومن المدونة قال مالك: ومن صلى في جماعة مع واحد فأكثر فلا يعبد في جماعة أكثر منها كان إماما أو مأموما، وليخرج من المسجد إذا أقيمت عليه تلك الصلاة. م لأن الحديث إنما جاء في من صلى وحده، ثم أدركها في جماعة، وقد صلى محجن الثقفي في أهله فأمره النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يعيدها في الجماعة.
[باب -14 -] في جمع الصلاة مرتين في المسجد
[باب -14 -] في جمع الصلاة مرتين في المسجد فصل -1 - : [المسجد تجمع فيه الصلاة مرتين] قال مالك: ولا تجمع صلاة في مسجد مرتين، وقاله سالم بن عبد الله وربيعة وابن شهاب والليث. قال مالك: إلا أن يكون مسجدا ليس له إمام راتب فلكل من جاء أن يجمع فيه. م قيل: إنما لم يجمع في مسجد مرتين؛ لما يدخل في ذلك بين الأئمة من الشحناء، ولئلا يتطرق أهل البدع فيجعلون من يؤم بهم، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم إذا دخلوا المسجد وقد صلى فيه إمامه صلوا أفذاذًا. ومن العتيبة قال ابن قاسم عن مالك: وإذا كان المسجد يجمع فيه بعض الصلوات، ولا يجمع فيه بعض فلا أرى أن تجمع فيه الصلاة مرتين ما يجمع فيه، وما لا يجمع فيه، وكذلك مسجد الحرس لا يجمع فيه الظهر والعصر مرتين. وقال أشهب عن مالك: في مساجد الحرس يجمع فيها الصبح
والعشاءان، ولا يجمع فيها الظهر والعصر لا بأس أن يجمع فيها الظهر والعصر قوم بعد قوم، وأما الصلوات التي تجمع فيها فلا أرى ذلك. قل: ولا يجمع في السفينة مرتين. ومن المدونة قال مالك: وإذا جمع قوم في مسجد له إمام راتب ولم يحضر فله إذا جاء أن تجمع فيه. قال مالك: وإذا صلة فيه / إمامه وحده، ثم أتى أهله لم يجمعوا فيه وصلوا أفذاذًا؛ لأن إمامهم قد أذن وصلى. قال ابن القاسم: وإن أتى هذا الإمام الذي صلى وحده إلى مسجد آخر فأقيمت فيه الصلاة فلا يعيدها في جماعة؛ لأن مالكا قد جعله وحده جماعة. قال مالك: ومن وجد مسجدا قد جمع أهله فإن طمع بإدراك جماعة في مسجد غيره خرج إليها، وإن كانوا جماعة فلا بأس أن يخرجوا من المسجد فيجمعوا، إلا أن يكون المسجد الحرام أو مسجد الرسول عليه السلام.
قال ابن القاسم: أو مسجد بيت المقدس فلا يخرجون منه، وليصلوا فيه أفذاذًا إذ هو أعظم لأجرهم من الصلاة في غيره في جماعة. ابن حبيب: وروي أن الرسول عليه السلام قال: "صلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة في غيره من المساجد". وقال في الموطأ: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام". ابن حبيب: وقال الرسول عليه السلام: "إن صلاة في بيت المقدس خير من خمسة مئة صلاة في غيره من المساجد، وإن صلاة/ في المسجد الجامع حيث المنبر والخطبة أفضل من خمس وسبعين صلاة في غيره من المساجد، وإن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بخمس وعشرين صلاة، هذا إذا كانت
الجماعة أقل من خمسة وعشرين، وإن كانت أكثر من ذلك فالثواب على عدد الرجال، وكذلك إن كان العدد في الجامع أكثر من خمسة وسبعين فالثواب على عدد الرجال، وكذلك في الثلاثة مساجد.
[باب- 15 -] ما يكره أن يصلى فيه أو إليه أو به أو عليه، وما لا يكره]
[باب- 15 -] ما يكره أن يصلى فيه أو إليه أو به أو عليه، وما لا يكره] روى ابن وهب أن النبي علي السلام نهى عن الصلاة في المزبلة والمجزرة ومحجة الطريق وظهر بيت الله الحرام ومعاطن الإبل. م والعلة في ذلك أن المزبلة والمجزرة ومحجة الطريق لا تخلوا من النجاسات، والمصلي على ظهر بيت الله يستدبر بعضها، وأما أعطان الإبل فلأنهم كانوا يستترون بإبلهم في الناهل للغائط والبول، فهي بذلك نجسة، وقيل: لأنها خلقت من جان، فتشغلهم عن الصلاة. وقد امتنع النبي (صلى الله عليه وسلم) من الصلاة بواد، وقال إن به شيطانا. قال ابن حبيب: ويعيد من صلى في ذلك كله في العمد والجهل أبدًا، وفي السهو في الوقت، إلا أن يضيق المسجد بالناس فيجوز أن يصلي في الطريق. قال ابن حبيب: وفي الحديث والمقبرة. قال ابن حبيب: تأويل ذلك
مقبرة المشركين. قال غيره: لأنها حفرة من حفر النار، كما جاء في الحديث كانت دائرة أو حديثة. قال ابن حبيب: فمن صلى فيها عامدًا أو جاهلاً، فإن كانت عامرة أعاد أبدًا، وإن كانت دراسة لم يعد، وقد أخطأ. قال أبو محمد: وقد صلى النبي (صلى الله عليه وسلم) على قبر السوداء وإن كان ذلك خاصا إذ لم يصل على غيره. ففيه دليل على إباحة الصلاة في المقبرة، وقد صلى فيها الصحابة. ومن المدونة: قال مالك: ومن صلى وبين يديه جدار مرحاض أو قبر، فلا بأس به إذا كان مكانه طاهرًا، وفي مرابض الغنم. قال ابن القاسم: ومرابض البقر. قال مالك: ولا يصلى في أعطان الإبل التي في المناهل.
ابن وهب: ونهى الرسول عليه السلام عن الصلاة في معاطن الإبل، وأمر أن يصلى في مراح الغنم والبقر. قال ابن حبيب: ومن صلى في معاطن الإبل أعاد أبدا في العمد والجهل، كمن صلى على موضع نجس، وقد كره مالك الصلاة فيها، وإن بسط عليها ثوبًا طاهرًا. ابن وهب: وقال أبو هريرة أحسن إلى غنمك وامسح الرغام عنها وأطب مراحها، وصل في ناحيتها، فإنها من دواب الجنة. وكره مالك الصلاة على قارعة الطريق لما يصيبها من أرواث الدواب وأبوالها واستحب أن يتنحى عنها، وكره مالك الصلاة في الكنائس لنجاستها وللصور التي فيها، وقاله عمر بن الخطاب. قال مالك: إلا المسافر يلجئه إليها مطر أو برد أو نحوه ويبسط فيها/ صوبا طاهرا، وإن وجد غيرها فلا ينزلها.
قال سحنون في العتبية: وأحب إلى أن/ يعيد من صلى فيها لضرورة أو غير ضرورة في الوقت، كثوب النصراني. وقال ابن حبيب: من صلى بثوب نصراني أو بثوب مسلم لا يتنزه عن البول والخمر والنجاسة أعاد أبدًا. [فصل- 1 - : ما يكره أن يصلى إليه] ومن المدونة: وقد كره مالك أن يصلى إلى القبلة فيها تماثيل. م لأنه يصير كأنه ساجدا إليها ويلهيه أيضا نظره إليها. قال ابن القاسم: وسألت مالكا عن التماثيل تكون في الأسرة والقباب والمنابر وشبهها، فقال: هذا مكروه؛ لأنها خلقت خلقا. م وقال الرسول عليه السلام: "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تماثيل أو صورة". قال مالك: وأما ما كان في الثياب والبسط والوسائد وما يمتهن فلا بأس به. وقد كان أبو سلمة بن عبد الرحمن يقول: ما كان يمتهن فلا بأس به،
وأرجو أن يكون خفيفًا، ومن تركه غير محرم له فهو أحب إلى. قال مالك: ولا يلبس خاتم فيه تماثيل ولا يصل به. قال مالك: ولا يصلي في الكعبة، ولا في الحجر فريضة ولا ركعتي الطواف الواجب ولا الوتر/ ولا ركعتي الفجر، فأما غير ذلك من ركوع الطواف والنوافل فلا بأس به؛ لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) تنقل فيها، ويقال: أنه دعا فقط. قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك أنه قال: من صلى في الكعبة فريضة أعاد في الوقت، كمن صلى إلى غير القبلة يريد؛ لأنه يستدبر بعضها، ويريد أنه صلى فيها ناسيًا؛ لأنه جعله كمن صلى إلى غير القبلة. وقد قال أصبغ في كتاب ابن المواز: من صلى في الكعبة عامدًا أعاد
أبدًا، فدل أن الناسي عنده يعيد في الوقت، وقال ابن حبيب: من صلى فوق ظهر الكعبة أو في داخلها فريضة أعاد أبدًا في العمد والجهل، كمن صلى إلى غير القبلة. قال محمد بن عبد الحكم عن أشهب: لا إعادة عليه. م وقول ابن حبيب: أشبه بظاهر المدونة، وإنما فرقوا بين سهوه وعمده، وجعلوه بخلاف من صلى في مكة إلى غير القبلة ناسيًا، فقد قالوا: فيه يعيد أبدًا؛ لأنه معاين لها؛ لأن الذي صلى في الكعبة/ قد صلى إلى بعضها، فهو بخلاف من استدبر جميعها. ولما روى أن النبي عليه السلام تنفل فيها، والتنفل لا يجوز إلا إلى القبلة، كالفريضة فكان ينبغي على هذا أن لا يعيد، وإن تعمد، خلا أنه روي في حديث آخر أنه إنما دعا فيها فقط، فلهذا توسط مالك أمره،
فجعله يعيد في الوقت. م ويحتمل عندي في من صلى في مكة إلى غير القبلة ناسيًا أن يعيد في الوقت، ويكون بخلاف من أسقط شيئًا من فروض الصلاة ناسيًا لقوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} نزلت في من صلى في غيم إلى غير القبلة، ثم علم بعد الوقت. وقد قال الرسول عليه السلام: ((حمل عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه))، والرواية أنه يعيد أبدًا، والله أعلم بالصواب. وذكر بعض أصحابنا أن بعض أهل العلم قال في من صلى بالمدينة إلى غير القبلة: أنه يعيد أبدًا؛ لأن جبريل عليه السلام أقام قبلتها فهو مثل من صلى بمكة إلى غير القبلة أنه يعيد أبدًا، ويعيد في غير هذين الموضعين في الوقت؛ لأن/ صلاته في الوقت مجتهدًا أتم من صلاته بعد الوقت مجتهدًا، فلذلك لم يعد بعد الوقت، والله أعلم. قال ابن المواز عن ابن القاسم: ومن صلى المكتوبة في الحجر أعاد في الوقت، وإن ركع فيه الركعتين الواجبتين من طواف السعي أو الإفاضة أعاد واستأنف مادام بمكة، وإن رجع إلى بلده ركعهما وبعث بهدي. م جعله في الفريضة يعيد في الوقت، وكان يجب على هذا أن لا يعيد الركعتين إذا بلغ بلده لذهاب الوقت، ويجب على قوله في الركعتين أن يعيد
الفريضة أبدًا، وإلا كان ذلك تناقضًا، والله أعلم. فصل-2 - : [في الصلاة على جلد الميتة أو به] ومن المدونة قال مالك: ومن صلى ومعه جلد ميتة لم يدبغ أو شيء من لحمها أو عظمها أعاد في الوقت. م يريد أنه إذا صلى بذلك ناسيًا. قال مالك: ولا يعجبني أن يصلي على جلد ميتة وإن دبغ، فإن فعل أعاد في الوقت. م لعله يريد في هذا فعله ناسيًا أو عامدًا لحديث: ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)). ويحتمل أن يكون ساوي بينهما/ كمساواته بينهما في البيع، والله أعلم. وقال ابن وهب: في العتبية: لا بأس أن يصلي بجلود الميتة أو عليها أو معها إذا دبغت، وقد قال الرسول عليه السلام: ((زكاة كل أديم دباغه))، وفي
حديث آخر ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)). ومالك يقول: طهر للانتفاع به والجلوس عليه، لقوله عليه السلام: ((ألا انتفعتم بجلدها))، وأما الصلاة عليه والبيع فلا. قال مالك: ولا بأس أن يصلي على جلود السباع وتلبس إذا ذكيت لاختلاف الصحابة في أكلها، ومالك يكره أكلها من غير تحريم. ثم قال: ولا يصلى على جلد حمار وإن ذكي؛ لأن الزكاة لا تعمل منه؛ لأن النبي عليه السلام حرم أكله. قال ابن القاسم: وتوقف مالك عن الجواب في الكيمخت، ورأيت تركه أحب إليه.
ومن العتبية قال سحنون: وقال علي عن مالك: ما زال الناس يصلون بالسيوف وفيها الكيمخت، قال موسى: وقد جعله الصحابة في سيوفهم، ورأوا أن دباغه طهوره. ابن المواز: قال ابن القاسم: ولا بأس به في السيوف خاصة لحاجة الناس/ إلى ذلك، وإنما كره مالك بيعه والصلاة عليه، قال: والبغل بمنزلة الحمار، وأما الفرس فهو أمثل. قال ابن حبيب: ولو جعل أحد من الكيمخت شيئًا يسيرًا في غير السيف مثل زمام بغل أو لوزة في خف أخطأ وأعاد أبدًا، وقاله مالك. م ويحتمل أن يكون هذا خلاف للمدونة؛ لأن مالكا إنما استجب تركه ولم يحرمه، وقد روى الصحابة أن دباغه طهوره، فكيف يعيد من صلى به أبدًا.؟ قال سحنون في من ألقي عليه ثوب نجس، وهو في الصلاة فسقط عنه مكانه ولم يثبت: أرى أن يبتدئ الصلاة. ومن المدونة قال مالك: وكل ما يؤخذ من الميتة، وهي حية فلا يكون نجسًا، فلا بأس أن يؤخذ منها بعد موتها، ولا يكون ميتة، مثل: صوفها
ووبرها وشعرها واستحسن غسله. وكره مالك أخذ القرن منها والعظم والسن والظلف من/ الميتة ورآه ميتة، وكره أخذ القرن منها وهي حية أيضًا. ابن المواز: وما قطع من طرف القرن والظلف مما لا يؤلم الحي، ومما لك أخذه وبيعه في حياته فلك أخذه بعد موته. ومن المدونة: وكره مالك الإدهان في أنياب الفيل وعظام الميتة والمشط بها وبيعها وشرائها؛ لأنها ميتة. ابن المواز: وإنما كرهه مالك ولم يحرمه لإجازة من أجاز أن يمتشط بها، منهم: عروة بن الزبير وربيعة وابن شهاب. قال أبو إسحاق: وقد قيل: أن غلي العظام في الماء المسخن كالدباغ للجلود، وأنها تطهر بذلك. م البخاري: قال الزهري: أدركت ناسًا من سلف العلماء/ يمتشطون
بعظام الميتة، كالفيل وغيره، ويدهنون فيها، ولا يرون به بأسًا. وقال ابن سيرين وإبراهيم النخعي: لا بأس بتجارة العاج. م فوجه إجازتهم الامتشاط بها قياسًا على جلودها، وقد قال الرسول عليه السلام «ألا انتفعتم بجلدها». فكما جاز الانتفاع بجلدها كذلك يجوز بعظمها. ووجه قول مالك: أن الله تعالى قال: (حرمت عليكم الميتة والدم) فكان الواجب أن يحرم منها كل شيء، إلا أن السنة خصت الانتفاع بالجلد، وبقي ما سواه على أصل التحريم، خلا أنه كرهه ولم يحرمه مراعاة للخلاف. قال مالك في «المدونة»: ولا ينتفع بشيء من عظام الميتة ولا يوقد بها الطعام ولا الشراب. قال سحنون: فإن فعل لم يفسد الطعام ولا الشراب، وأكرهه نديًا. م يريد بخلاف ما يشوى عليه من خبز أو لحم؛ لأن ودك العظام تنجسه.
قال مالك: ولا يحل اللبن في ضروع الميتة؛ لأنه ميتة بمنزلة الدم واللحم، ولو كان طاهرًا لأنجسه، الوعاء أيضًا. قال أبو إسحاق: وأما القدر إذا طبخت بذلك، فإن كان الدخان لا يدخل القدر أكلت، وإن انعكس الدخان فصار في القدر لم يؤكل، وأما ما طبخ بها من خبز فيشبه أن يكون طاهرًا؛ لأن الميتة إذا أحرقت صارت رمادًا ذهب عين الميتة وانقلبت إلى رماد، فأشبه انقلاب الخمر إلى الخل على مذهب من يرى ذلك طاهرًا، وأن الخل يؤكل. قال مالك: ومن صلى بماء غير طاهر، وهو يظنه طاهرًا ثم علم، فليغسل ما أصاب ذلك الماء من جسده وثيابه ويعيد الصلاة ما دام في الوقت. م يريد ما لم يتغير أحد أوصافه، ولو تغيرت أعاد أبدًا.
[باب-16 -] في وقت من أسلم أو صلى إلى غير القبلة أو أفاق أو جن أو بقي تحت الهدم
[باب-16 -] في وقت من أسلم أو صلى إلى غير القبلة أو أفاق أو جن أو بقي تحت الهدم [فصل-1 - في المصلي يستدبر القبلة أو يشرق أو يغرب] قال أبو محمد: روى أبو هريرة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ((ما بين المشرق والمغرب/ قبلة))، وذكره مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب قال: وذلك إذا توجه إلى البيت. قال مالك: وعليه الأمر عندنا. وروى ابن وهب عن جابر بن عبد الله قال: صلينا ليلة في غيم، وخفيت علينا القبلة، وعلمنا علمًا، فلما أصبحنا فإذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فذكرنا ذلك لرسول (صلى الله عليه وسلم) فقال: ((قد أسحنتم)) ولم يأمرنا بالإعادة. وقال ابن شهاب وابن المسيب وربيعة وغيرهم: يعيد في الوقت، فإن مضى الوقت لم يعد.
قال مالك: ومن علم وهو في الصلاة، أنه استدبر القبلة أو شرق أو غرب قطع، وابتدأ الصلاة بإقامة، ولا يدور إلى القبلة، وإن علم بذلك بعد الصلاة أعاد ما دام في الوقت، ووقته/ في الظهر والعصر اصفرار الشمس، وفي العشائين طلوع الفجر، وفي الصبح طلوع الشمس، ولو علم وهو في/ الصلاة أنه انحرف عن القبلة يسيرًا فلينحرف إلى القبلة، ويبني على صلاته، ولا يقطعها؛ لقوله عليه السلام: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)). م قال أبو محمد: ورأيت لبعض أصحابنا أن الدليل في النهار على رسم القبلة: أن ينظر إذا انتهى آخر نقصان الظل، وهو أن يأخذ في الزيادة، فإن الظل حينئذ قبالة رسم القبلة وذلك قبل أن يأخذ في الزيادة، فيرجع إلى المشرق، ويستدل عليها بالليل بالقطب الذي تدور عليه بنات نعش، فاجعله على كتفك الأيسر واستقبل الجنوب بوجهك فما لقي بصرك فهو القبلة، والقطب نجم خفي وسط السمكة التي تدور عليه وتدور عليها بنات نعش الصغرى والكبرى، ورأس السمكة أحد الفرقدين وذنبها الجدي. م وأما ما ذكر من الاستدلال بالليل فصواب؛ لأنه لا يختلف في الشتاء
والصيف، وأما الاستدلال بالزوال في النهار فالزوال يختلف في الشتاء والصيف؛ لأن الشمس تطلع في الشتاء من قرب القبلة، فلا يصح ما رسم من الاستدلال بالزوال. فصل-2 - : [في أوقات الضرورة] روى أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: ((من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها، وهذه أوقات الضرورة. قال ابن القاسم: في المرأة تحيض أو تطهر، والمسافر يخرج أو يقدم، والرجل يغمي عليه أو يفيق من الإغماء أو من جنون مطبق فوقتهم في الصبح ما لم تطلع الشمس، وفي الظهر والعصر ما لم تغرب الشمس، وفي العشائين ما لم يطلع الفجر، فإذا بقي من وقت الصلاة قدر صلاة أو ركعة منها فذلك وقت للآخرة، وهم مدركوها، فتسقط عن التي حاضت حينئذ، وعن الذي أغمي عليه، ويقصرها من سافر حينئذ وظعن، وتجب على التي طهرت أو على من
أفاق، ويتمها القادم حينئذ، ولو/ بقي من الوقت قدر صلاة وركعة من الأخرى كانوا مدركين للصلاتين جميعًا على ما فسرنا، وكذلك النصراني يسلم والصبي يحتلم. قال سحنون: قال ابن القاسم وأشهب وأكابر أصحابنا: فإن بقي من الليل قدر أربع ركعات صلوا المغرب والعشاء. م لأنه إذا صلى المغرب ثلاثًا بقيت ركعة للعشاء، وقد قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها))، وهو الصواب. وقال عبد الملك: إن كان لأربع ركعات فأقل صلوا العشاء فقط، وإنما للمغرب من الليل ما فوق أربع ركعات. وقال أبو زيد عن ابن القاسم: وإن طهرت في السفر لثلاث ركعات من الليل فليس عليها إلا العشاء ركعتين، وقاله أشهب وأصبغ. قال أصبغ: وهذه آخر مسألة سألت عنها ابن القاسم، وأخبرته أن ابن عبد الحكم نازعني فيها، وقال: تصلي الصلاتين جميعًا فقال لي: أصبت وأخطأ، وأخبر سحنون يقول ابن عبد الحكم وأصبغ، فقال: أصاب ابن عبد الحكم؛ لأنها لو صلت العشاء
لبقيت ركعة للمغرب، والقوت لآخر الصلاتين، وكذلك لو حاضت لهذا التقدير لم تقضهما/ وروى سحنون مثل هذا عن ابن القاسم في المجموعة/. م فصار في هذا الأصل ثلاثة أقاويل: قول: إنه يراعي فيه أن يدرك الصلاة الأولى وركعة من الثانية ويقدر ذلك على أن يبتدئ بالأولى، وقول: يراعي فيه أن يدرك الصلاة وركعة من الأخرى ويقدر ذلك على أن يبدأ بالأولى أو بالآخرة، فأيهما صح له ذلك صلاهما جميعًا، ويبدأ بالأولى، وقول: يجعل الوقت كله لآخر الصلاتين، فما فضل جعله للأولى، وإن لم يبق لها شيء جعلها فائتة. قال سحنون عن ابن القاسم في العتبية: وإن حاضت في الحضر لقدر خمس ركعات قبل الغروب ولم تكن صلت الظهر والعصر فلا قضاء عليها، وإن كان لقدر أربع ركعات إلى ركعة/ قضت الظهر فقط؛ لأن وقتها قد خرج، ولو كانت ناسية للظهر وقد صلت العصر، وحاضت لأربع ركعات فأدنى فلا تقضي
الظهر؛ لأنه وقت لها. م لأن كل من صلى العصر ناسيًا للظهر فذكر لأربع ركعات من النهار فإنه يصلي الظهر خاصة ولا يعيد العصر، إلا أن يبقي من الوقت بقية بعد صلاة الظهر، فصارت الظهر أحق بهذه الأربع ركعات من العصر المصلاة. قال عنه عيسي: وكمسافر قد صلى العصر ناسيًا للظهر، وقد دخل لأربع ركعات فليصل الظهر حضرية، وكذلك لو لم يتم وضوءه حتى غابت الشمس فليصل الظهر حضرية، كما وجبت عليه، وغير هذا خطأ. وقال يحيي بن يحيي عن ابن القاسم: إذا حاضت لقدر أربع ركعات فأدنى ناسية للظهر وقد صلت العصر فإنها تقضي الظهر، كما لو نسيتهما جميعًا؛ لأن الظهر قد خرج وقتها وهذا وقت العصر. ابن حبيب: وقاله ابن الماجشون وابن عبد الحكم، قالوا: هو وقت العصر وتقضي الظهر كصلاة خرج وقتها ولم تصلها حتى حاضت، وكذلك في التي تطهر ومسافر يقدم أو يظعن أو مغمى عليه يفيق لمقدار صلاة من النهار فهي للعصر صلت الظهر أم
نسيت، ويروى في المسافر يقدم لركعة وقد صلى العصر ونسي الظهر أن يصلي الظهر سفرية؛ لأنه قد خرج وقتها، والذي دخل فيه وقت للعصر. قال ابن حبيب: وأنا احتاط فأرى أن على المسافر يقدم لركعة مصليًا للعصر ناسيًا للظهر أن يصلي الظهر حضرية، وأوجب على الحائض حينئذ قضاءها. وقد قال أصبغ أن الاستحسان عماد العلم، ولا يكاد المفرق في القياس إلا مفارقًا للسنة. وقال ابن المواز: قال ابن القاسم في الحائض تطهر والمغمى عليه يفيق لقدر أربع ركعات من النهار ثم يذكر صلاة نسيها: فإنه يبدأ بالفائتة، ثم يصلى العصر. م لأن الفائتة قد تخلدت في الذمة وقد طهرت في وقت العصر/
فوجبت عليها، ولكن تبدأ بالفائتة، كما لو ذكرت صلاة نسيتها لقدر أربع ركعات ولم تكن صلت العصر فإنها تبدأ بالفائتة ثم تصلي العصر، وكما لو حاضت حينئذ لسقطت العصر، فكذلك إذا طهرت حينئذ يجب عليها؛ لأن ما سقط/ بالحيض يجب بالطهر، وهذا بين. قال ابن المواز: ثم رجع ابن القاسم فقال: لا تصلي العصر إلا أن يبقي من الوقت بقية. قال ابن المواز: والأول أصوب؛ لأن من أصل مالك وأصحابه في من سافر لركعتين ناسيًا للظهر والعصر أنه يصلي الظهر حضرية والعصر سفرية؛ لأنه كمسافر سافر في وقتها، وعلى القول الآخر ينبغي أن تصلي الظهر ركعتين والعصر أربعًا. م لأنه جعل ذلك الوقت للظهر فوجه قول ابن القاسم هذا الآخر عندي كأنه رأى أن هذا الوقت الفائتة أولى به؛ لقوله عليه السلام: ((من نسي صلاة فليصلها حين يذكرها)) فإن الله تعالى قال: {أقم الصلاة
لذكري}. فلما كان هذا الوقت مستحقًا للفائتة لم تجب عليها العصر لخروج وقتها، ولأنه لما وجب عليها أن تبدأ بالفائتة إذ لا تصح صلاتها إلا بذلك وجب أن تراعي الوقت بعد فراغها منها، كالغسل الذي لا تصح صلاتها إلا به، وهي إنما تراعي الوقت بعد فراغها منه. م والقول الأول أصوب لما قد بينا. فصل-3 - : [أصحاب الضرورات ينظرون لما بقي من الوقت] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإنما تنظر الحائض إلى ما بقي من القوت بعد/فراغها من غسلها وجهازها من غير توان ولا تفريط، وكذلك المغمى عليه إنما يراعي بعد وضوئه، وهو القياس فيه وفي النصراني، إلا أني استحسن في النصراني يسلم أن ينظر إلى ما بقي من الوقت ساعة يسلم؛ لقول مالك إذا أسلم النصراني في رمضان وقد مضى بعض النهار أنه يكف عن الأكل، ويقضي يومًا مكانه، فالصلاة أحرى أن تكون عليه إذا أسلم في وقتها. وقال سحنون في كتاب ابنه: المراعاة في/ الحائض تطهر والذي يسلم
أو يفيق من الإغماء سواء، ينظر إلى ما بقي من النهار أو الليل بعد غسل المغتسل ووضوء المتوضئ، لا ما قبل ذلك. م وهذا هو القياس، وهو الصواب إن شاء الله. ابن حبيب: وقاله أصبغ، وقال مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم: تنظر الحائض إلى ما بقي من الوقت بعد الغسل، وأما النصراني يسلم والمغمى عليه يفيق فمن وقت أسلم أو أفاق، وبه أقول. م والصواب والقياس ما قال سحنون، والاستحسان ما قال ابن القاسم، وأما اختيار ابن حبيب فلا وجه له؛ لأن المنع في الحائض والمغمى عليه من أمر الله فلا معنى للتفرقة بينهما، وأما النصراني فالمنع كان من قبله فاستحسن له أن يصلي ما أسلم في وقته، وما هو بالبين.
قال أبو محمد: وينبغي في الصبي يحتلم أن يكون مثل قولهم في الحائض، ولم يختلف فيها قولهم. قال ابن القاسم في العتبية: فإن أحدثت الحائض بعد غسلها أو المغمي عليه بعد وضوئه فتوضأ فغربت الشمس فليقضيا ما لزمهما قبل الحدث، وأما إن علما قبل الصلاة أن الماء الذي كان به الوضوء أو الغسل كان نجسًا فليعد هذا الغسل وهذا الوضوء بما طاهر، ثم ينظر إلى ما بقي من الوقت بعد الغسل والوضوء الثاني فيعملان عليه، وإن لم يعلما حتى صليا وغابت الشمس لم يعيدا الصلاة. وذكر ابن سحنون عن أبيه أنه ساوي بين الحدث ونجاسة الماء، وألزمهما ما لزمهما بعد الطهر والوضوء الأول. قال: لأن هذا الماء النجس كان يجزئهما الصلاة به، وإن خرج الوقت. قال أبو محمد: يريد نجاسة لم تغير الماء. م فكأنه/ يقول: إن الصلاة لازمة بهذا الطهر، وإنما الغسل الثاني استحسان.
ووجه قول ابن القاسم أن الغسل والوضوء بذلك الماء لا يجوز ابتداء، كالذي تغير أحد أوصافه فهما كمن لم يتطهرا فيعملان على ما لزمهما بعد الطهر الثاني. وقال أشهب في العتبية/ في الحائض تتم طهرها لثلاث ركعات من النهار، ثم علمت بنجاسة الماء -يريد نجاسة لم تغيره- فإن كانت إذا أعادت الغسل غربت الشمس فلتصل بذلك الماء في الوقت أحب إلي من صلاتها بماء طاهر بعد الوقت. قال في المجموعة: ثم تتطهر وتعيد الصلاة احتياطًا. فصل -4 - : [في الحائض تقدر بعد طهرها مقدار ما بقي من الوقت] قال في العتبية: وإن قدرت بعد طهرها خمس ركعات فلما صلت الظهر غربت الشمس، قال: فلتصل العصر، فإن قدرت أربعًا فصلت العصر، ثم بقي من النهار بقية فلتصل الظهر فقط، إلا أن يبقى من النهار بعدها ركعة فلتعد العصر. وقال ابن حبيب: إذا قدرت أربعًا فصلت العصر، ثم بقي قدر ركعة فلتصل الظهر والعصر كما كان لزمها وإن غربت الشمس.
م ولم يعذرها بخطئها في التقدير، وعذرها أشهب، وجعلها كالناسية للظهر تصلي العصر، ثم تذكر لأربع ركعات فأدنى تصلي الظهر، ولا تعيد العصر، إلا أن يبقى للعصر بعد ذلك قدر ركعة. م وقول أشهب أبين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((حمل عن أمتي الخطأ والنسيان)). وقال عيسى عن ابن القاسم: وإن قدرت خمس ركعات فلما صلت ركعة غربت الشمس فلتضف إليها أخرى وتسلم، وتصلي العصر، وكذلك/ لو صلت ثلاثًا، ثم غربت الشمس لأضافت رابعة، فتكون نافلة، وتصلي العصر. ابن المواز قال أصبغ: ولو قطعت في الوجهين كان واسعًا. م وهذا على اختلافهم في من أقيمت عليه المغرب وهو في المغرب فعلى مذهبه في المدونة أنه يقطع عقد ركعة أم لا، فيلزمه هاهنا أن يقطع إذ لا يجوز له أن يتنفل حينئذ، وعلى قوله يشفع الركعة يشفع هاهنا؛ لأنه لم يتعمد ابتداء التنفل. فصل -5 - : [في حكم من تحل عليه الصلاة وهو تحت الهدم أو مكتومًا ونحو ذلك] ومن المدونة قال مالك: ومن كان تحت الهدم فلم يستطع الصلاة
فعليه أن يقضي ما خرج وقته؛ لأنه في عقله، بخلاف المغمى عليه. م وهذا كالمريض الذي لا يجد من يناوله ماءً ولا ترابًا. وقال ابن نافع وأشهب عن مالك في غير المدونة/: لا يعيد الذي تحت الهدم. وروى معن عن مالك: في الأسارى يكتفهم العدو لا يصلون أياماً فلا صلاة عليهم، إلا ما أدركوا وقته. وذكر أبو جعفر الأبهري في الذي تحت الهدم والمصفدين إن كانوا على طهارة فعليهم الإعادة لما تركوا من أدائها بقدر طاقتهم، وإن لم يكونوا على طهارة فيجب أن لا يكون عليهم إعادة، كعجزهم عما لا تصح الصلاة إلا به من وضوء أو تيممم. قال ابن المواز: قال ابن القاسم في المريض لا يجد من يناوله ماءً ولا ترابًا: قال: يصلي ويعيد أبدًا، وقال أصبغ: لا يصلي إلا بوضوء أو تيمم، وإن خرج الوقت، وقاله ابن حبيب وغيره من البغداديين. ومن سماع أشهب قال في المعطوبين واحد متعلق على رجل وآخر
متعلق على لوح فليصلوا كذلك إيماء، ولا إعادة عليهم، إلا أن يخرجوا فمن الوقت. قال أبو محمد: وقيل: لا إعادة عليهم أصلاً، ونحوه لأشهب/. فصل -6 - : [في المجنون يفيق بعد سنين يقضي الصوم ولا يقض الصلاة] ومن المدونة قال مالك: ومن أصابه جنون فأقام به سنين، ثم أفاق بعلاج أو غيره فليقض الصوم، ولا يقض من الصلاة إلا ما أفاق في وقته. قال ابن القاسم: وكذلك من بلغ مطبقًا، ثم أفاق بعد دهر. م أما إعادة الصوم فلقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، وإنما لم يلزمه إعادة الصلاة فلأنه غير مخاطب بها لرفع القلم عنه، لقوله عليه السلام: ((رفع القلم عن ثلاثة - فذكر - المجنون حتى يفيق))، وقياسًا على الحيض؛ لأن الحيض عندهم
كالمرض فهي تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة بالإجماع، وبه جاء الأثر، وكان ابن عمر إذا أغمي عليه لا يقضي الصلاة.
[باب -17 -] في اللباس في الصلاة وصلاة الحرائر والإماء والعراة والمكفتين ثيابهم
[باب -17 -] في اللباس في الصلاة وصلاة الحرائر والإماء والعراة والمكفتين ثيابهم. قال الله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، وصلى عليه السلام في ثوب واحد واضعًا طرفيه على عاتقيه، وقال: ((ومن لم يجد ثوبين فليصل في ثوب واحد ملتحفًا به، وإن كان الثوب قصيرًا فليأتزر به)). قال البخاري: ((من صلى في ثوب فليخالف بين طرفيه)). قال في حديث آخر: ((فإن كان واسعًا التحف به، وإن كان ضيقًا ايتزر به)).
وقال في حديث آخر: ((أو كلكم يجد ثوبين))، وذكره البخاري، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن تصلي المرأة إلا في الدرع السابغ والخمار، وقال: ((لا يقبل الله صلاة امرأة بلغت المحيض إلا بخمار))، وكانت عائشة رضي الله عنها تصلي في الدرع والخمار السابغ. وقالت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: تصلي في الخمار والدرع السابغ الذي يستر ظهور القدمين. [فصل -1 - في صلاة الحرائر] قال مالك رحمه الله: وإذا صلت المرأة بادية الشعر/ أو الصدر أو ظهور القدمين أعادت الصلاة في الوقت.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: وإنما أعادت في الوقت؛ لأن الإعادة لم تكن في ذلك بالقوية عند أهل العلم، وسواء كانت جاهلة أو عامدة أو ناسية. قال مالك في العتبية: ووقتها في الظهر وفي العصر إلى اصفرار الشمس. ومن المدونة قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك أنه قال: إذا صلت المرأة منتقبة بشيء أنها لا تعيد، وذلك رأيي، والتلثم مثله. وقال ابن حبيب: ولا ينبغي أن تصلي متلثمة أو منتقبة، فإن فعلت أخطأت، ولم تعد، وقاله ابن القاسم. قال عبد الوهاب: وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يغطي الرجل أنفه في الصلاة، وقال: ((خطم كخطم الشيطان)). قال مالك: وإذا كانت الحرة بالغة أو مراهقة فلا تصل إلا وهي مستترة، بمنزلة المرأة الكبيرة.
قال ابن القاسم: والجارية الحرة التي لم تبلغ المحيض ومثلها قد أمرت بالصلاة، وقد بلغت إحدى عشرة سنة أو اثنتي عشرة سنة تؤمر بأن تستر من نفسها في الصلاة ما تستر الحرة البالغة. وقال أشهب: وإذا صلت الصبية التي لم تبلغ المحيض بغير قناع - وهي ممن تؤمر بالصلاة - فلتعد في الوقت، وكذلك الصبي يصلي عريانًا، فإن صليا بغير وضوء أعادا أبدًا. وقال سحنون: إنما يعيدان بالقرب، ولا يعيدا بعد اليومين والثلاثة. [فصل -2 - في لباس أم الولد في الصلاة] ومن «المدونة» قال مالك: ولا تصل أم الولد إلا/ بقناع كالحرة بدرع أو قرقل تستر به صدور قدميها، فإن صلت بغير قناع فأحب إلي أن تعيد في
الوقت، ولا أوجبه عليها كوجوبه على الحرة. [فصل -3 - في لباس الأمة في الصلاة] قال: والأمة تصلي بغير قناع وذلك شأنها، وقاله ابن عباس وربيعة والنخعي. قال مالك: وكذلك المكاتبة والمدبرة والمعتق بعضها، ولا تصلي الأمة إلا بثوب يستر جميع جسدها. قال ابن القاسم: والتي لم تلد من السراري تصلي كما تصلي الأمة التي لم يتسرأها سيدها. قال أصبغ في الواضحة: ويستر الأمة في الصلاة ما يستر الرجل، ولو صلت هي والرجل مكشوفي البطن ما ضرهما، وعورتهما من السرة إلى الركبتين، ويجوز أن تصلي الأمة في ثوب واحد متوشحة به. قال أصبغ: ولو صلت الأمة مكشوفة الفخذ لأعادت في الوقت، ولو صلى الرجل مكشوف الفخذ لم يعد، وهي قيما انكشف مما بطن من عورتها كالحرة.
[فصل -4 - في عورة المرأة والرجل] قال أبو محمد عبد الوهاب: وجميع بدن الحرة عورة، إلا الوجه والكفين؛ لقوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ}، وأما عورة الرجل فمن سرته إلى ركبته، وقيل: من فوق العانة إلى الركبة، خلافًا لمن قال العورة السوأتان فقط، دليلنا قوله عليه السلام: ((إن الفخذ عورة))، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال: وكذلك عورة الأمة مثل عورة الرجل لجواز تقليبها عند الشراء، ورؤية شعرها وذراعيها، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يضرب الإماء إذا لبس الأزر، ويقول لا تتشبهن بالحرائر. فصل -5 - : [في الأمة تعتق في الصلاة] قال ابن القاسم في الأمة تعتق في الصلاة بعد عقد ركعة من الفريضة
ورأسها منكشف: فإن لم تجد من يناولها خمارًا ولا وصلت إليه صلت ولم تعد، وإن قدرت على أخذه ولم تأخذه أعادت في الوقت، وكذلك العريان يجد ثوبًا. وقال أصبغ: لا تعيد كالمتيمم يجد الماء بعد أن دخل في الصلاة، وإنما استحسن لها الاستتار حينئذ، وليس بواجب عليها وإنما تعيد في الوقت إذا أخذها العتق قبل أن تدخل في الصلاة/، كناسي الماء في رحله، وإن كنت أقول في هذا أنه يعيد أبدًا؛ لأنه من أهل الماء. وقال سحنون: إذا عتقت في الصلاة ورأسها منكشف فلتقطع، وتبتدئ، وكذلك العريان يجد ثوبًا في الصلاة. فوجه قول ابن القاسم: فلأنها دخلت في الصلاة بما يجوز لها فلم تجب عليها إعادة، كواجد الماء بعد أن دخل في الصلاة، فإن وصلت إلى الخمار ولم تستتر به أعادت؛ لأنها قدرت على الاستتار من غير بطلان ما تقدم لها فخالفت واجد الماء في رحله في هذا.
ووجه قول أصبغ: فلأنها كواجد الماء بعد دخوله في الصلاة بالتيمم كما قال. ووجه قول سحنون: فلأنها حرة صلت بعض صلاتها بغير خمار فوجب أن تعيد أصله الجميع. وروي عن ابن القاسم إذا أعتقت في الصلاة جعلتها نافلة، وإن لم تصل إلا ركعة أضافت إليها أخرى وسلمت، ولو أن إمامًا صلى بقوم فوقع ثوبه عنه وهو راكع فانكشف فرجه ودبره فإن أخذه مكانه ورفع رأسه فذلك يجزئه، وكذلك إن أخذه بعد رفع رأسه إذا لم يبعد. قال سحنون: وليعد كل من نظر إلى فرجه ممن خلفه، ولا شيء على من لم ينظر إليه. وروي عن سحنون أن صلاته وصلاة من خلفه فاسدة، وإن أخذه مكانه قال أبو إسحاق: لم يجعل في الجواب الأول انكشافه يضره إذا استتر بالقرب، وقد مر به وقت وهو فيه منكشف وهو يصلي، وفي هذا نظر، إلا أن يستخف ذلك؛ لأن ستر العورة ليس من فروض الصلاة فيستخف ذلك ليساره مدة انكشافه، وأما قول سحنون أن من نظر إلى فرجه فسدت صلاته ففيه نظر؛ لأن النظر إلى فرجه متعمدًا معصية، وليس إذا عصى في الصلاة فسدت صلاته ولا
أرأيت لو سرق في الصلاة داراهم أو غصب ثوبًا في صلاته أكان يفسد صلاته يفعله المعصية في الصلاة. قال عطاء في المدونة في المرأة لا يكون لها إلا الثوب الواحد، قال: تأتزريه، قال وكيع يعني إذا كان صغيرًا. فصل -6 - : [في مسائل متنوعة] قال مالك: ويصلي العريان قائمًا ويركع ويسجد ولا يومئ ولا يصلي قاعدًا، فإن كانوا جماعة في نهار صلوا أفذاذا متباعدين قيامًا، وإن كانوا في ليل مظلم لا يتبين بعضهم بعضًا جمعوا وتقدمهم إمامهم. قال مالك: ولا بأس/ أن يصلي الرجل محلول الأزرار وليس عليه مئزر
سراويل، وهو أستر من الذي يصلي متوشحًا بثوب واحد. قال في آخر الكتاب: ولا بأس بالسدل في الصلاة وإن لم يكن عليه قميص إلا مئزر ورداء وبطنه منكشف، ورأيت عبد الله بن الحسن وبعض الفضل يفعل ذلك. قال أشهب في مرضى في بيت صلى أحدهم في ليلة مظلمة إلى غير القبلة وهم يظنون أنهم إلى القبلة، أو كان الإمام إلى القبلة وهم إلى غيرها، أو هم إليها وهو إلى غيرها ولم يتعمد، قال: إن أصاب الإمام القبلة لم يعد، وأعاد من خلفه، وإن أخطأ الإمام القبلة أعاد هو وهم أصابوا القبلة أو أخطأوها. قال أبو إسحاق: في هذا نظر؛ لأن الإمام إذا أخطأ القبلة وأصابها من وراءه يجب أن يجزئهم على قياس قولهم: إذا كان الإمام ناسيًا للوضوء أن الصلاة تجزئهم؛ لأن الوضوء لا يحمله الإمام عنهم، وإنما تفسد صلاتهم بأمر يكون فعل الإمام فعلا لهم، يكون هو حامله عنهم كالقراءة، وأما استقبال القبلة فهو فرض عليه وعليهم فلا يحمله عنهم، كالوضوء. والسدل أن يسدل طرفي إزاره ويكشف صدره وفي وسطه مئزر أو سراويل فتتم صلاته؛ لأنه مستور العورة. قال في العتبية: واشتمال/ الصماء المنهي عنه أن يشتمل بالثوب على منكبيه ويخرج يده اليسرى من تحته وليس عليه مئزر، وأجازه مالك إن كان عليه مئزر،
ثم كرهه. قال ابن القاسم: وتركه أحب إلي للحديث، وليس يضيق إذا كان مؤتزرًا. قال مالك: والاضطباع أن يرتدي ويخرج ثوبه من تحت يده اليمنى/ قال ابن القاسم: وهو من ناحية الصماء. قال مالك في المدونة: ومن صلى بسراويل أو مئزر وهو قادر على الثياب لم يعد في وقت ولا غيره. وكره مالك في العتبية الصلاة في السراويل؛ إلا أن لا يجد غيرها. م لأنه من زي العجم؛ ولأنه يصف والمئزر أفضل منه، وقد صلى جابر بن عبد الله بقوم وعليه ثوب شده إلى ثندويه أو فوقهما، وقال: ((إن
النبي عليه السلام فعله)). ابن حبيب: ويكره للرجل أن يصلي في ثوب رقيق يصف، أو خفيف يشف، ومن فعل ذلك أعاد الصلاة رجلا كان أو امرأة؛ لأنه شبيه بالعريان، إلا أن يكون رقيقًا صفيقًا لا يصف إلا عند ريح فلا يعيد. فصل -7 - : [في المكفتين ثيابهم ونحوها] قال مالك: ومن صلى محتزمًا أو جمع شعره بوقاية أو شمر كميه فإن كان ذلك لباسه قبل ذلك وهيئته أو كان في عمل حتى حضرت الصلاة فصلاها كما هو فلا بأس بذلك، وإن كان إنما فعل ذلك ليكفت به شعرًا أو ثوبًا فلا خير في ذلك. قال سليمان: ليكفت ليستر، قال الله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} أي: سترًا. م وإنما قال ذلك؛ لقول النبي عليه السلام: ((أمرت أن أسجد على سبعة
أعضاء ولا أكفت شعرًا ولا ثوبًا)). فأخبر أن النهي عن ذلك إنما هو إذا قصد به الصلاة. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل وشعره معقوص، وكرهه علي بن أبي طالب، وأن عمر بن الخطاب حل شعر رجل كان معقوصًا في الصلاة حلا عنيفًا، وكرهه ابن مسعود، وقال: ((إن الشعر يسجد معك، ولك بكل شعرة أجر)). وقال أبا بن عثمان: مثل الذي يصلي عاقصًا شعره مثل المكتوف. قال سليمان: المعقوص المضفور.
[باب -18 -] ما جاء في قضاء المأموم
[باب -18 -] ما جاء في قضاء المأموم روي أن الرسول عليه السلام جعل مدرك ركعة مدركًا للصلاة [فصل -1 - في من أدرك مع الإمام ركعة هل يكبر بعد سلامه للقضاء؟] قال مالك رحمه الله: ومن أدرك مع الإمام ركعة فقام بعد سلامه يقضي فلينهض بغير تكبير، وكذلك إن أدرك معه ثلاث ركعات فليقم/ بغير تكبير؛ لأنه كبر حين رفع رأسه من آخر سجود الإمام، والإمام حبسه، إذ لم يستطع خلافه فجلس معه، وليس بموضع جلوس له، فأما لو كان موضع جلوس له كمدرك ركعتين فليقم بتكبير. م فكل من أدرك ركعتين قام بتكبير، وما سوى ذلك يقوم بغير تكبير. وقال ابن الماجشون: يقوم بتكبير سواء أدرك معه ركعة أو ثلاثًا، وعاب قول ابن القاسم. فوجه قوله: إن السنة التكبير في كل خفض ورفع، وهذا/ من ذلك.
قال مالك: وإن أدرك التشهد الأخير قام بتكبير، فإن قام بغير تكبير أجزأه. قال أبو إسحاق: على قياس قوله: إنه يقوم بغير تكبير؛ لأن التكبيرة الأولى التي جلس بها هي تكبيرة الإحرام فأشبه تكبيرة السجود الأخير إذا أدرك الركعة الأخيرة أنه يجزئه ولا يحتاج وقت قيامه إلى تكبيرة؛ لأنه قد أنابه، وإنما حبسه الإمام عن القيام، وإذا أدرك الإمام في التشهد الآخر أحرم وجلس، ولم يقل يجلس بغير إحرام ليدرك الإمام؛ لأن له فضلاً في إدراكه التشهد. وقد اختلف إذا أدركه في التشهد في الصبح ولم يركع ركعتي الفجر فروى ابن القاسم عن مالك أنه/ يحرم ويجلس، فإذا طلعت الشمس ركع للفجر. قال ابن حبيب: إذا لم يركع للفجر فجلس بغير إحرام فإذا سلم الإمام ركع ثم أحرم [فصل -2 - في العمل في قراءة المسبوق] قال مالك: وإن أدرك من الظهر ركعة قرأ فيها بأم القرآن فإذا قام بعد سلام الإمام يقضي فليأت بركعة بأم القرآن وسورة ويجلس، ثم يتشهد؛ لأنها ثانيته، ثم يأتي بركعتين يقرأ في الأولى بأم القرآن وسورة ويقوم؛ لأنها
ثالثة، ويقرأ في الرابعة بأم القرآن وحدها ويتشهد ويسلم؛ لأنها آخر صلاته، وإن كانت صلاة جهر جهر في قضاء الأوليين، وكذلك فعل ابن عمر، وهو الأمر عندنا. قال مالك: ما أدرك مع الإمام فهو أول صلاته، يريد في القيام والجلوس. قال مالك: إلا أنه يقضي مثل الذي فاته، -يريد- من القراءة، وقاله ابن عمر وابن مسعود ومجاهد. قال مالك: ومن أدرك ركعة من المغرب صارت صلاته جلوسًا كلها. قال ابن المسيب: وكذلك من فاتته منها ركعة.
قال مالك: ومن وجد الإمام قد سجد سجدة أحرم وسجد معه ولم ينتظره؛ لقوله عليه السلام: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) الحديث، وكذلك كان يفعل ابن عمر. قال مالك: وإن أحرم والإمام راكع فلم يركع معه حتى رفع الإمام رأسه فليس بمدرك للركعة، وقد قال عبد الله بن عمر: إذا فاتتك الركعة فقد فاتتك السجدة. قال مالك: هو وزيد بن ثابت: وإن أدرك الركعة قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك السجدة، وهو في الموطأ. قال أبو محمد: وكل فذ أو إمام فبان -يريد- في القيام/ والجلوس والقراءة، قال: وكل مأموم فقاض في القراءة خاصة، لا في قيام أو جلوس. م واختصاره أن كل مصل فإن في القيام والجلوس والقراءة، والمأموم في القراءة خاصة فإنه يقضي على نحو ما فاته.
[باب -19 -] في صلاة النافلة وتحية المسجد وما يكره من أوقاتها ومواضعها
[باب -19 -] في صلاة النافلة وتحية المسجد وما يكره من أوقاتها ومواضعها. [فصل -1 - في صلاة النافلة] قال الله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} وصلى النبي صلى الله عليه وسلم النافلة بالمرأة واليتيم، وقال: ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما قد صلى)). وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة. وقال عليه السلام: ((ما من امرئ تكون له صلاة بليل فيغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة)). قال مالك رحمه الله: ولا بأس بصلاة النافلة في جماعة ليلا أو نهارًا. قال ابن أبي زمنين: معناه أن يكون القوم قليلا كالرجلين والثلاثة مما لا يكون مشتهرًا.
قال ابن حبيب: قال مالك: ولا يصلي بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، وقاله النبي صلى الله عليه وسلم. قال مالك: وكذلك الرجل يجمع الصلاة النافلة بأهل بيته وغيرهم فلا بأس بذلك. قال: ومن دخل مسجدًا قد صلى أهله المكتوبة فلا بأس أن يتطوع قبل المكتوبة إن كان في بقية من الوقت. وكان ابن عمر وغيره يبدأ بالمكتوبة. قال أبو إسحاق: لأن الكراهية أن يدخل الإنسان المسجد فيجلس/ ولا يصلي فيصير كالبيوت المسكونة، فإذا صلى فرضًا أو نفلاً أجزأه ذلك، وإن جاء بعد الفجر فركع ركعتين قبل ركعتي الفجر لجاز ذلك، ولو اجتزأ بركعتي الفجر لأجزأه ذلك، ولو ركع الفجر في داره ثم أتى المسجد لا ينبغي أن يركع
ركعتين قبل جلوسه؛ لأن الصلاة بعد الفجر وقبل صلاة الصبح قد تجوز لمن فاته حزبه من الليل فداخل المسجد أولى أن يركع. قال مالك: وإن ذكر صلاة بقيت عليه فلا يتنفل قبلها، وليبدأ بها. قال ابن القاسم: وليس هذا مثل الأول؛ لأن ذلك معه بقية من الوقت. ولم يوقت مالك قبل الصلاة ولا بعدها ركوعًا معلومًا، وإنما يوقت في هذا أهل العراق. قال مالك: ومن دخل في نافلة فقطعها عامدًا لزمه أعادتها، وإن كان ذلك لعلة لم يعدها. قال مالك: وإن أحرم في نافلة ثم أقيمت عليه الصلاة المكتوبة قبل أن يركع، فإن كان ممن/ يخفف ركوعه إذا أسرع وقرأ بأم القرآن فقط أدركه قبل أن يركع فليتم ركعتين، ويدخل معه، وأما الثقيل/ فليقطع بسلام، ويدخل معه، ولا يقضي النافلة التي قطعها إلا أن يشاء؛ لأنه لم يتعمد قطعها، ولكن جاء ما قطعها عليه، وإن لم يقطع بسلام أعاد الصلاة؛ لأنه دخل في الفريضة بنية
النافلة وقد أحرم أيضًا قبل إمامه فليعد أبدًا. قال: وكان مالك يكره إذا أخذ المؤذن في الإقامة أن يتنفل أحد، ويذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج إلى المسجد في صلاة الصبح وقد أقيمت الصلاة وقوم يركعون ركعتي الفجر، فقال: أصلاتان معًا؟ -يريد- بذلك نهيًا. قال مالك: ومن أوتر في المسجد فأراد أن يتنفل بعده تربص قليلا، ثم يتنفل ما أحب. م لأن الوتر خاتمة لما قبله، لقوله عليه السلام: ((صلى ركعة توتر له ما قد صلى))، فإذا أوصله بالركوع بعده فقد خالف، وإذا تربص قليلاً كان كابتداء تنفل. قال ابن القاسم: وإن انصرف بعد وتره إلى بيته تنفل ما أحب. قال مالك: ومن كان وحده أو وراء إمام فلا بأس أن يتنفل بعد سلامه في موضعه أو حيث أحب من المسجد، إلا يوم الجمعة، وأما الإمام فلا يتنفل في موضعه في جمعة ولا غيرها، وليقم عنه. قيل لابن القاسم: هل فسر لكم
مالك لم كره للإمام أن يتنفل في موضعه؟ قال: لا، إلا أنه قال: عليه أدركت الناس، وفي الثاني إيعاب هذا. فصل -2 - : [في تحية المسجد] وكره مالك لمن دخل المسجد فأراد القعود أن يقعد حتى يركع ركعتين قبل أن يجلس؛ لقول النبي عليه السلام: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس))، وهو في الموطأ. قال مالك: إلا أن يكون مجتازًا لحاجته فجائز أن يمر فيه ولا يركع، وذكر مالك عن زيد بن ثابت وسالم بن عبد الله أنهما كانا يخرقان المسجد لحاجتهما ولا يركعان، وبلغ مالكًا عن زيد بن ثابت أنه كره أن يمر فيه مجتازًا ولا يركع، ولم
يعجبه ما كره زيد من ذلك. قال أبو عمران: أجاز زيد المرور في المسجد ابتداء ولا يركع، وفعله وكرهه في الرجوع، ولا يركع وهو نص/ في المجموعة لا إشكال فيه، وهو في المدونة مشكل يفهم منه الخلاف، وليس بخلاف. وقال ابن القاسم: ورأيت مالكًا يخرقه مجتازًا ولا يركع، ومسجد الجماة ومسجد القبائل في ذلك سواء؛ لعموم الحديث. قال مالك: وصلاة النافلة في الليل والنهار مثنى مثنى، وقاله ابن عمر. [فصل -3 - في الوقت الذي ينهى عن الصلاة فيه] قال مالك: ولا أكره الصلاة نصف النهار إذا استوت الشمس وسط السماء في جمعة ولا غيرها، ولا أعرف النهي عن ذلك، وما أدركت أهل الفضل والعبادة إلا وهم يهجرون، ويصلون نصف النهار، وما يتقون شيئًا. م وإنما تكره الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لما رواه مالك في الموطأ أن النبي صلى الله عليه وسلم/ قال: ((لا تتحروا بصلاتكم عند طلوع الشمس ولا عند
غروبها فإنها تطلع بين قرني شيطان، أو قال على قرن شيطان أو نحو هذا)). وكان عليه السلام يقول: ((إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب)). وروي في حديث آخر أنه عليه السلام: ((نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس))، وهذه حجتنا على الشافعي رضي الله عنه في جواز ما له سبب مثل: تحية المسجد،
وسجود القرآن، وصلاة الخسوف أن تصلى في ذلك الحين. قال مالك في المستخرجة: ولم يزل من أمر الناس الصلاة في المساجد يهجرون ويصلون، وأما في الليل ففي البيوت أحب إلي، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، يصلي في بيته، والتنفل في البيوت أحب إلي من التنفل في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، إلا للغرباء ففيه أحب إلي. ابن حبيب: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم واجعلوا بيوتكم مساجد، ولا تجعلوها قبورًا، فإن صلاة المرء في بيته نور/)).
وقال عليه السلام: "فضل صلاة التطوع في الخلوة على صلاة العلانية كفضل صلاة الجماعة في الفريضة على صلاة الفذ". وسئل عليه السلام عن صلاة الأوابين فقال: "صلاة الضحى وما بين المغرب والعشاء". ومن العتبية قال مالك: ومن دخل/ المسجد الحرام فليبدأ بالطواف قبل الركوع، وأما في مسجد الرسول عليه السلام فليبدأ بالركوع قبل السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وكل واسع، وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو العمود الحلق، وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف أحب إلي.
[باب-20 -] في الإشارة في الصلاة والتسبيح والضحك والعطاس والتثاؤب والنفخ والنظر في كتاب وانفلات الدابة فيها
[باب-20 -] في الإشارة في الصلاة والتسبيح والضحك والعطاس والتثاؤب والنفخ والنظر في كتاب وانفلات الدابة فيها قال الله تعالى: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من عمل النبوة الاستكانة في الصلاة وكانوا يتكلمون فيها حتى نزلت (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فحرم الكلام. [فصل-1 - في الإشارة في الصلاة] قال ابن القاسم: ولا بأس بالإشارة الخفية في الصلاة إلى الرجل ببعض حوائجه، وقد أجاز مالك أن يرد جوابًا بالإشارة، فهذا مثله، وقد أومأت عائشة إلى نسوة -وهي في الصلاة- أن كلن.
ولم يكره مالك السلام على المصلي؛ لأنه قال: من سلم عليه- وهو يصلي- في فريضة أو نافلة فليرد مشيرًا بيده أو برأسه. وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة إشارة بيده، وروى بإصبعه، وقاله ابن عمر. [فصل -2 - في التسبيح في الصلاة]. قال مالك: ولا بأس بالتسبيح في الصلاة للحاجة للرجال والنساء، وضعف مالك أمر التصفيق؛ لحديث التسبيح وهو قوله: "من نابه شيء في صلاته فليسبح".
قال ابن القاسم: ومن استأذن رجلاً في بيته وهو يصلي فسبح به، يريد أن يعلمه أنه في الصلاة فلا بأس به. قال ابن حبيب: وما جاز للرجل أن يتكلم به في صلاته من معنى الذكر والقراءة فرفع بذلك صوته لينبه به رجلا أو ليستوقفه فذلك جائز. وقد استأذن رجل على ابن مسعود- وهو يصلي- فقال: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ). فصل -3 - : [في الضحك في الصلاة] ومن المدونة قال مالك: وإن قهقه المصلي وحده قطع، وابتدأ الصلاة، وإن كان مأمومًا تمادى مع الإمام فإذا فرغ الإمام أعاد صلاته، ولا شيء عليه إن تبسم، صلى وحده أو مأمومًا. قال ابن القاسم في العتبية: ساهيًا كان أو عامدًا، وقال أشهب عن مالك: يسجد الساهي قبل السلام وقال ابن الحكم: يسجد له بعد السلام.
م فوجه قوله: إذا قهقه المصلي أعاد صلاته قوله صلى الله عليه وسلم: "من قهقه في الصلاة أعادها". ووجه قول ابن القاسم: ولا شيء عليه إن تبسم قوله عليه السلام: "من قهقه فليعد" فدل أن من تبسم لا شيء عليه، ولم يأمره بإعادة، ولا سجود؛ ولأنه يسير، كالإشارة، أو التسبيح للشيء، أو الاستماع لخبر يسير، واليسير لا يمكن التحرز منه. ووجه قول أشهب: فلأنه نقص من الهيئة التي هي الخشوع والاستكانة. ووجه قول ابن عبد الحكم: فلأنه زيادة. قال أبو محمد عبد الوهاب: وقول ابن الحكم أصح من قول أشهب؛ لأن الاعتبار ينقص الأفعال والأقوال دون الاعتدال.
م وقول ابن القاسم أصحها لما بينا. ومن المدونة ابن وهب: وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه حفرة فأقبل رجل في عينيه شيء نحوه للصلاة والقوم ينظرونه فسقط فيها فضحك بعض القوم فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ضحك فليعد صلاته". قال سحنون: إذا ضحك الإمام ناسيًا، فإن كان شيئًا خفيفًا سجد لسهوه بعد السلام؛ وإن كان عامدًا أو جاهلاً فسدت عليه وعليهم. قال ابن حبيب: من قهقه عامدًا أو ساهيًا أو مغلوبًا فسدت صلاته، وليقطع، وإن كان مأمومًا تمادى وأعاد/، وإن كان إمامًا استخلف في السهو والغلبة، ويبتدئ في العمد، ورواه عن مالك. قال عيسى عن ابن القاسم في العتبية: إذا قهقه الإمام متعمدًا أعاد
الصلاة، وإن كان مغلوبًا استخلف من يتم بهم ويتم هو معهم ثم يعيد، ويعيدون، إذا فرغوا. قال يحيى بن عمر: قوله: وإن كان مغلوبًا فلا يعجبني إن أخرها. م والقياس ما قال سحنون: أنه كالكلام؛ لأنهم جعلوا النفخ كالكلام، فهذا أشبه به منه. ووجه قول ابن حبيب: أن النبي صلى الله عليه وسلم/ "أمر من ضحك أن يعيد" ولم يسأل من سهو ولا غلبة، وإنما قال: يستخلف الساهي والمغلوب؛ لأنه جعله كمن أحدث في صلاته ساهيًا أو مغلوبًا، وهذا أحوط، والأول أقيس. فصل -4 - : [في العطاس والتثاؤب في الصلاة] ومن المدونة قال مالك: ولا يحمد الله المصلى إن عطس، فإن فعل ففي نفسه، وتركه خير له.
قال ابن القاسم: ولا يرد على من شمته إشارة، كان في فريضة أو نافلة، ورأيا مالكًا إذا تثائب- في غير الصلاة- وضع يده على فيه ونفث، ولا أدري ما فعله في الصلاة. وقال مالك في الواضحة: من تثائب وهو يقرأ في صلاة أو غيرها فليقطع قراءته، وليضع يده على فيه حتى ينقطع تثاؤبه. فصل -5 - : [في النفخ في الصلاة] ومن المدونة قال مالك: ولا يعجبني النفخ في الصلاة، وأراه بمنزلة الكلام. قال ابن القاسم: ومن نفخ متعمدًا أو جاهلاً أعاد الصلاة، كمن تكلم متعمدًا/، وإن كان ناسيًا سجد لسهوه. قال ابن عباس: "النفخ في الصلاة كلام". وقال علي بن زياد عن مالك أكره النفخ، ولا أراه يقطع الصلاة،
كالكلام، واختلف عنه في التنحنح، فروى عنه أنه كالكلام، وروى عنه أنه لا شيء عليه. وذكر الأبهري عن ابن القاسم: إذا تنحنح ليسمع إنسانًا أو أشار إليه أنه لا شيء عليه. قال الأبهري: لأنه ليس بكلام، وليس له حروف هجائية. فصل -6 - : [في النظر في كتاب في الصلاة]. ومن المدونة قال ابن القاسم قال مالك: ومن كان في فريضة أو نافلة فنظر في كتاب بين يديه فجعل يقرأ- يريد في نفسه- قال: إن كان ناسيًا سجد لسهوه، وإن كان عامدًا ابتدأ الصلاة.
قال سحنون في المجموعة: إلا أن يكون الشيء الخفيف فلا يبطل ذلك صلاته. فصل -7 - : [في الكلام في الصلاة] ومن المدونة قال مالك: ومن سلم من اثنتين ساهيًا، ثم التفت فتكلم، فإن كان شيئًا خفيفًا بنى على صلاته، وسجد لسهوه، وإن تباعد وأطال القعود والكلام ابتدأ الصلاة، ولا حد في ذلك/. وأما إن خرج ممن المسجد فليبتدئ الصلاة. قال ابن القاسم: ولو أكل أو شرب في انصرافه ابتدأ الصلاة، وإن لم يطل، وقد تكلم النبي صلى الله عليه وسلم ساهيًا، وبنى على صلاته، ودخل فيما بنى بتكبير، وسجد لسهوه بعد السلام. فصل -8 - : [في انفلات الدابة في الصلاة] قال ابن القاسم قال مالك: ومن انفلتت دابته- وهو يصلي- مشى إليها فيما قرب، إن كانت بين يديه، أو عن يمينه أو عن يساره، وإن بعدت
طلبها وقطع صلاته وابتأها. وروى موسى بن معاوية في العتبية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا انفلتت دابة أحدكم فليتبعها حتى يأخذها، ويرجع إلى صلاته لا يشتد عليه طلبها". م ولأنه يشغل سره بها فلا يدري ما يصلي. قال مالك: وإن خشي على دابته أو صبي الهلاك من السقوط في بئر ونحوه قطع، وكره له الانحراف أو القطع في الشاة تأكل عجينًا أو ثوبًا. قال ابن حبيب: إن كان فسادًا كثيرًا قطع. ومن كتاب ابن سحنون في إمام مسافر صلى ركعة ثم انفلتت دابته وخاف عليها أو على صبي أو أعمى أن يقع في بئر أو نار أو ذكر متاعًا خاف عليه التلف فذلك عذر يبيح له أن يستخلف، ولا تفسد على من خلفه. وروى موسى أن
عائشة رضي الله عنها قالت: أتت هدية إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي وأنا نائمة فكسلت أن أقوم فأفتح الباب فمضى رسول/ الله صلى الله عليه وسلم ففتح الباب ورجع إلى مصلاه، وخرج صاحب الهدية فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغلق الباب ورجع إلى الصلاة". قال موسى: وكانت نافلة.
[باب -21 -] في صيانة المسجد وخروج النساء والصبيان إليه
[باب -21 -] في صيانة المسجد وخروج النساء والصبيان إليه. قال الله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "النخامة في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها". فصل -1 - : [في صيانة المسجد من البصاق] قال مالك رحمه الله: فلا يبصق أحد على الحصير المسجد، ويدلكه برجليه، ولا بأس أن يبصق تحت الحصير. قال ابن القاسم: وكذلك إن كان المسجد غير محصب فلا يبصق تحت قدمه ويحكه برجله بمنزلة الحصير. قال مالك رحمه الله: وإن كان المسجد محصبًا فلا بأس أن يبصق بين يديه وعن يمينه ويساره وتحت قدمه ويدفنه/ ويكره أن يبصق أمامه في حائط القبلة. قال: وإن كان عن يمينه رجل وعن يساره رجل في الصلاة بصق أمامه ودفنه، وإن كان لا يقدر على دفنه فلا يبصق في المسجد بحال، كان مع
الناس أو وحده. ورأى النبي صلى الله عليه وسلم نخامة في قبلة المسجد فحتها، ثم قال: "أيحب أحدكم أن ينتخم أو يبصق في وجهه، إذا صلى أحدكم فلا يبصق في ثوبه ويعركه بيده، هذا معنى الحديث. قال في رواية ابن وهب: وليبصق عن يساره وتحت رجله اليسرى. وقال الرسول عليه السلام: "من أكل الثوم فلا يقربن مسجدنا يؤذينا برائحته". فصل -2 - : [في انفلات الدابة في الصلاة] قال مالك: وأكره قتل القملة والبرغوث في المسجد، فإن أصاب قملة
في الصلاة فلا يلقيها في المسجد، ولا يقتلها فيه، وإن كان في غير صلاة. قال ابن نافع: وليصرها في ثوبه. قال مالك: ولا بأس أن يطرحها إن كان في غير المسجد. ابن حبيب: قتل البرغوث في المسجد أخف من القملة، وأجاز قتلها في الصلاة في غير المسجد، قاله مطرف وابن الماجشون. فصل -3 - : [في حكم البناء يكون فوق المسجد أو تحته]. قال مالك في باب بعد هذا: ومن بنى مسجدًا وبنى فوقه بيتًا يرتفق به فلا يعجبني ذلك؛ لأنه يصير مسكنًا يجامع فيه ويأكل. وقد كان عمر بن عبد العزيز إمام هدى وكان يبيت فوق ظهر المسجد، -مسجد النبي صلى الله عليه وسلم- فلا تقربه فيه امرأة. قال مالك: وجائز أن يكون البيت تحت المسجد، ويورث البنيان الذي تحت/ المسجد، ولا يورث المسجد إذا كان صاحبه قد أباحه للناس. قال ابن القاسم: وإنما هو حبس من الأحباس.
فصل -4 - : [في خروج النساء إلى المسجد]. قال مالك: ولا يمنع النساء من الخروج إلى المسجد. قال في الموطأ: وبلغني أن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". وقال في حديث آخر: "من شهدت منكن العشاء فلا تمس طيبًا". وكانت عاتكة زوجة عمر بن الخطاب تستأذنه إلى المسجد فيسكت فتقول: لأخرجن، إلا أن تمنعني فلا يمنعها. ويدل على خروجهن إليه قول عائشة رضي الله عنها: "كان النساء ينصرفن من صلاة الصبح متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس". وقد قالت عائشة رضي الله عنها أيضًا: "لو أدرك رسول الله
صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد كما منعه نساء بني إسرائيل". قال في المدونة: وأما العيدين والاستسقاء فلا بأس أن تخرج كل امرأة متجالة. فصل -5 - : [في الصبي يؤتى به في المسجد] قال مالك: وإذا كان الصبي يعبث لصغره فلا يؤتى به المسجد، وإذا كان لا يعبث ويكف إذا نُهي فلا بأس به. قال مالك: ويؤمر الصبيان بالصلاة إذا أثغروا، وهو حين تنزع أسنانه. وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال/: "مروا الصبيان بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع". قال أشهب: قال مالك: إذا أثغر الصبي أمر بالصلاة، وأدب عليها. قال
عيسى/ عن ابن القاسم: وحينئذ يفرق بينهم في المضاجع. وقال ابن حبيب: إذا بلغ أحد منهم عشر سنين فلا أحد منهم مع أحد من أبويه، ولا من إخوته، ولا من غيرهم، إلا وعلى كل واحد منهم ثوب، والله المستعان وبه التوفيق.
[باب -22 -] القنوت في صلاة الصبح والدعاء في الصلاة وغيرها
[باب -22 -] القنوت في صلاة الصبح والدعاء في الصلاة وغيرها. فصل -1 - : [في القنوت في صلاة الصبح] روى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "سلوا الله حوائجكم البتة في صلاة الصبح". ودعا النبي صلى الله عليه وسلم على مضر، فجاءه جبريل عليه السلام فأومأ إليه أن أسكت فسكت، فقال: يا محمد إن الله لم يبعثك سبابًا ولا لعانًا، إنما بعثك رحمة، ولم يبعثك عذابًا، ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون. قال: ثم علمه هذا القنوت: "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونؤمن بك/ ونتوكل عليك ونخنع لك، ونخلع ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق"، فقنت به النبي صلى الله عليه
وسلم في الفجر. وأن ابن مسعود والحسن وأبا موسى الأشعرى وابن عباس، وغيرهم قالوا: القنوت في الفجر سنة ماضية. -يريد- مضي العمل بها، وليست بسنة لازمة. وقد كان ابن عمر لا يقنت في الصلاة، قاله مالك في الموطأ. وكذلك ذكر ابن حبيب أن القنوت ليس سنة ولا فريضة، ولكنه مستحب مرغب فيه.
وقد قنت النبي صلى الله عليه وسلم وترك، ولم يتركه نهيًا عنه ولا كراهية له، لكنه كان يفعل ذلك فيما لم يكن فرضًا، ولا سنة لازمة لتعرف أمته المفروض والمسنون من غيره. ودل على ذلك أن الصحابة وتابعيهم عملوا به من بعده، ونهى مالك وأصحابه عن تركه. ومن المدونة قال مالك: القنوت في الصبح قبل الركوع وبعده واسع، والذي آخذ به في نفسي قبل الركوع. وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قنت في الفجر بعد الركوع. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. قال في المدونة: وأن ابن سيرين وغيره قنتوا قبل الركوع. ابن حبيب وفعله علي وعروة بن الزبير.
ومن المدونة قال مالك: وإذا قنت رجل قبل الركوع فلا يكبر له، وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كبر حين قنت في الفجر وكبر حين ركع. وهذا يدل أنه كان يقنت قبل الركوع. قال ابن القاسم: ولا يجهر به إمام أو غيره. قال مالك: ولا سهو على من نسيه. م إذ ليس بلازم عنده. قال: وليس عنده فيه دعاء مؤقت ولا وقوف مؤقت. ولابن سحنون أنه يسجد له، وهو مذهب الحسن وسفيان الثوري. وابن القاسم يرى أنه إن سجد له أبطل الصلاة. فصل -2 - : [في الدعاء في الصلاة] قال مالك: وللمصلي أن يدعو في قيامه وقعوده وسجوده بجميع حوائجه لدنياه وأخراه، وبلغني أن عروة بن الزبير قال: إني لأدعو الله في
حوائجي كلها في الصلاة حتى في الملح. قال ابن وهب عن مالك: لا بأس أن يدعو الله في الصلاة على الظالم، وكان مالك يكره الدعاء في الركوع. وسئل أبو محمد بن أبي زيد هل يدعوا في الصلاة لقوم بأسمائهم؟ فقال: ذلك جائز يقول:/ اللهم افعل بفلان. وذكر ابن القرطي أنه إن بدأ بالاسم، فقال: يا فلان فعل الله بك كذا فسدت صلاته، وما رأيته لغيره. فصل -3 - : [في الذكر أدبار الصلوات] ومن الموطأ روي عن/ أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "من قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في كل يوم مئة مرة، كانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا أحد عمل أكثر من ذلك". و"من قال سبحان الله وبحمده في كل من يوم مئة مرة حطت عنه
خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر". و «من سبح دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وكبر ثلاثًا وثلاثين، وحمد ثلاثًا وثلاثين، وختم المئة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر». وروى مالك عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول إنما الباقيات الصالحات قول العبد: الله أكبر، وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[باب -23 -] في صفوف الرجال والنساء وتسوية الصفوف وسد الفرج
[باب -23 -] في صفوف الرجال والنساء وتسوية الصفوف وسد الفرج. وروى أن "خير صفوف الرجال أولها، وخير صفوف النساء آخرها"، وذلك أن شأن النساء التستر. وقال عليه السلام: "لو يعلمون ما في الصف الأول لاستهموا عليه". وكان عليه السلام يقول- قبل أن يحرم-: "اعتدلوا وتراصوا"، وكان أمير المدينة يعاقب من خرج عن الصف. فصل -1 - : [في موقف المأموم والصلاة خلف الصف وحده] قال مالك رحمه الله: ومن صلى خلف الصفوف وحده أجزأه. قال ابن وهب: إذا خرج أحد عن الصف صحت صلاته، ولا بأس أن يصلي كذلك، وهو الشأن، ولا يجبذ إليه أحدًا، فإن جبذ إليه أحدًا؛ ليقيمه
معه فلا يتبعه، وهذا خطأ ممن فعله، وخطأ من الذي جبذه. قال ابن حبيب: ولا بأس إن رأى رجلا بقربه خرج عن الصف أن يشير إليه أن يستوي، إن لم يشغله ذلك عن صلاته. قال مالك في المدونة: ومن دخل المسجد- وقد قامت الصفوف- قام حيث شاء، إن شاء خلف الإمام أو عن يمينه أو عن يساره. وتعجب مالك ممن يقول: يمشي حتى يقف/ حذو الإمام، وإن كانت طائفة عن يمين الإمام، أو حذوه في الصف الثاني أو الأول فلا بأس أن تقف طائفة عن يسار الإمام في الصف، ولا تلصق بالطائفة التي عن يمينه.
ابن حبيب: وهو كصف يبني عليه. فصل -2 - : [في سد الفرج في الصفوف] وكره مالك تقطع الصفوف، ونهى عنه، والشأن في الصلاة سد الفرج وتسوية الصفوف. فإذا رأى المأموم فرجة أمامه أو عن يمينه أو عن يساره حيث يجد السبيل إلى سدها فليتقدم إليها ليسدها، ولا بأس أن يخرق إليها صفوفًا/ رفقًا. قال مالك: ولا بأس بالصفوف بين الأساطين إذا ضاق المسجد، يعني أنه لا بأس أن تكون الصفوف متصلة بالعمد- يريد- وليس ذلك من تقطع الصفوف الذي نهى عنه. وكره ابن مسعود الصلاة بين السواري -يريد- إذا كان المسجد متسعًا. فصل -3 - : [في المرأة تصلي بين صفوف الرجال] قال مالك: وإذا صلت امرأة بين صفوف الرجال لم تفسد على أحد من
الرجال صلاته، ولا على نفسها. قال مالك: ومن وجد المسجد قد امتلأ من الرجال وامتلأت رحبته من النساء فصلى خلف النساء فصلاته تامة، ولا يعيد.
[باب -24] جامع القول في الصلاة والتزويق والمصحف والحجر يكون في القبلة
[باب -24] جامع القول في الصلاة والتزويق والمصحف والحجر يكون في القبلة فصل -31 - : [في من انصرف من صلاته لحدث أو رعاف ظن أنه أصابه] قال مالك رحمه الله: ومن انصرف من صلاته لحدث أو رعاف ظن أنه أصابه، ثم تبين له أنه لا شيء به، ابتدأ الصلاة، ولو كان إمامًا أفسد على من خلفه. قال ابن القاسم: ومن قول مالك: إن الإمام إذا قطع/ صلاته عامدًا أفسد على من خلفه. قال سحنون في الذي انصرف من صلاته لرعاف ظن أنه أصابه: معناه إذا كان يستطيع أن يعلم ما خرج منه في المحراب؛ لأنه خرج على غير يقين، ولو كان في ظلمة أو وقت لا يعرف الدم من الماء لابتدأ هو الصلاة وحده وصلاة القوم تامة. قال مالك: ومن أحدث بعد التشهد وقبل السلام أعاد الصلاة.
فصل -2 - : [في اختلاف نية الإمام عن المأموم] قال مالك: ومن دخل مسجدًا وهم في صلاة الظهر فظن أنهم في العصر، فصلى معهم ينوي العصر لم تجزئه عن العصر، وعليه إعادتها؛ لقوله عليه السلام: "إنما جعل الإمام/ ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" فلم تجز مخالفته في نية ولا غيرها. قال مالك: وإذا نوى الإمام بصلاته الظهر، ونوى من خلفه العصر أجزأته، ولم تجزئهم، وأعاد بهم العصر. قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك أنه قال في من أتى المسجد يوم الخميس يظنه يوم الجمعة، فوجد الإمام في الصلاة، فدخل معهم ينوي الجمعة فصلى الإمام الظهر أربعًا، فصلاته تجزئه؛ لأن الجمعة ظهر، وإن أتى يوم الجمعة يظنه يوم خميس فوجد الإمام في الصلاة، فدخل معهم ينوي الظهر، فصلى الإمام الجمعة فليعد صلاته، وذلك رأيي؛ لأن الجمعة لا تكون إلا بنية. وتحصيلها أنه إذا وقع الظن على يوم الجمعة أجزأه، وإلا لم يجزئه.
قال ابن المواز: ولا يبني على إحرامه الأول: وقال أشهب: لا تجزئة في الوجهين جميعاً. مم وهو أقيس. وقال أصبغ: يجزئه في الوجهين جميعاً، ولو أنه حين دخل ينوي صلاة إمامه أجزأه ما صادف من ذلك، سحنون مثله، وقال في مقيم أو مسافر دخل مع الإمام لا يدري ما هو، ونوي صلاته أجزأته وإن خالفه، ويتم المقيم بعد المسافر، ويتم المسافر مع المقيم. وقال أشهب في مسافر دخل مع إمام يظنه مسافراً أو يظنه مقيماً فتبين له خلاف ظنه أنه يجزئه في الوجهين جميعاً. وقال/ ابن القاسم: لا تجزئه. ابن المواز: وهو الصواب؛ لأن المسافر إذا أحرم على اثنتين، فأتمهما أربعاً فهي فاسدة، وإذا أحرم لأربع، فسلم من اثنتين أن صلاته فاسدة، ولا يشبه ذلك من جاء يوم خميس يظنه يوم الجمعة، فأحرم للجمعة فتمادي الإمام حتى أتمم أربعاً أن ذلك يجزئه؛ لأن هاتين حضريتان، وقد زاد ولم ينقص، وكذلك من دخل يوم الجمعة، وقد رفع الإمام رأسه من الركعة الثانية وهو يرى أنه
مدرك للصلاة فتمادي بإحرامه ذلك فأتمم أربعاً، أن ذلك يجزئه، وكان أحب إلى مالك أن يبتدئ إحراماً جديداً. فصل 3 - : [لا بأس بالشيء الخفيف يكون في الصلاة] ومن المدونة قال مالك: ومن كان في صلاة فريضة فأنصت لمخبر يخبره فإن كان شيئاً خفيفاً فلا بأس به، قال: والصغير إذا أتي أباه - وهو في المكتوبة - نحاه عن نفسه، / ولا بأس بتركه في الناقلة. ومن العتيبة قال ابن العباس في امرأة تحمل ولدها تركع به وتسجد في الفرض، قال: لا ينبغي ذلك، فإن فعلت ولم يشغلها ذلك عن الصلاة لم تعد، قال أشهب: وسئل مالك عن حمل النبي صلي الله عليه وسلم أمامة بنت ابنته زينب في الصلاة ووضعها إذا سجد هل ذلك للناس اليوم؟ قال: ذلك جائز
للضرورة، وأما أن يجد من يكفيه ذلك فلا. فصل-4: [في الالتفات في الصلاة] ومن المدونة قال مالك: ومن كان بين أسنانه طعام كفلقة الحبة فابتلعه في صلاته لم يقطع ذلك صلاته. قال ابن القاسم: وإذا التفت المصلي لم يقطع ذلك صلاته، قال ابن القاسم: وإن كان بجميع جسده. وقال الحسن: إلا أن يستدبر القبلة فيبتدئ صلاته. وقال أبو هريرة: ما التفت عبد قط في صلاته إلا قال الله له: أنا خير لك مما التفت إليه.
ابن حبيب: قال الرسول صلي الله عليه وسلم: "إياكم والالتفات في الصلاة؛ فإنه المهلكة". فصل-5: [ما يكره في الصلاة من قرن الرجلين ووضع شيء في فمه أو كمه ونحو ذلك] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يروح رجليه في الصلاة، وعاب أن يقرنهما/ وهو أن يعتمد عليهما معاً، ولا يعتمد على إحداهما. وقد كان بالمدينة ومن يفعل ذلك فعيب ذلك عليه. قال أبو محمد: أعاب أن يجعل حظهما من القيام سواء راتباً لا بد من ذلك، فهذا لا خير فيه، فإن فعل ذلك اختياراً وكان متى شاء روح واحدة،
وقام على الأخرى فهذا يجوز. وأنها مكروهة؛ لأنه خلاف فعل النبي صلي الله عليه وسلم، والسلف بعده، ويصير يشتغل بذلك عن الصلاة. وكره مالك أن يصلي وفي فيه دراهم أو دينار، أو شيء من الأشياء. قال ابن القاسم: فإن فعل فلا إعادة عليه. وكره مالك أن يصلي وفي فيه دراهم أو دينار، أو شيء من الأشياء. قال ابن القاسم: فإن فعل فلا إعادة عليه. وكره مالك أن يصلي وكمه محشو بخبز أو غيره، وكره أن يفرقع أصابعه في الصلاة، وقال ابن عباس. إنما كره مالك ذلك كله؛ لاشتغاله عن الصلاة. قال مالك: ومن كثر التراب بجبهته أو كفه فله مسحه، وإذا سلم
المصلي انصرف، إن شاء عن يمينه أو عن يساره. فصل-6: [في القراءة في الركعتين الآخرتين] قال ابن القاسم: قال مالك: ولا أعرف التسبيح في الركعتين الأخيرتين. خلافاً لمن يري أنه يسبح/ فيهما ولا يقرأ، ودليلنا قوله عليه السلام: "كل ركعة لم يقرأ بأم القرآن/ فيه قلم يصلها إلا وراء إماماً". قال مالك: وإذا مر الإمام بذكر النار؛ وهو يقرأ في الصلاة، فتعوذ رجل من
خلفه قال: ترك التعوذ أحب إلى، فإن تعوذ قسراً. فصل-7: [في الفتح على الإمام في القراءة] قال مالك: وإذا وقف الإمام في قراءته فليفتح عليه من كان خلفه، وإن كان هذا في صلاة، وهذا في صلاة أخرى فلا يفتح أحدهما على صاحبه، ولا ينبغي لأحد أن يفتح على من ليس معه في صلاة. قال ابن القاسم في المجموعة: فإن فعل أعاد صلاته أبداً، وهو كالكلام. وقال ابن حبيب: لا يعيد. وروي ابن وهب أن النبي صلي الله عليه وسلم صلي للناس يوماً الصبح فقرأ (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ) فأسقط آيه فلما فرغ قال: أفي المسجد أبي بن كعب؟ قال: نعم ها أنذا يا رسول الله! قال: ما منعك أن تفتح على حين أسقطت؟ قال: خشيت
أنها نسخت، قال: فإنها لم تنسخ. وكره مالك إذا بشر الرجل ببشارة أن يخر ساجداً. فصل-8: [في التزويق في القبلة] قال ابن القاسم: ويتصدق بثمن ما يجمر به المسجد ويخلق به أحب إلى من تجمير المسجد وتخليقه. قلت: فهل كره مالك أن يكون في القبلة مثل
الكتاب الذي كتب في مسجد الفسطاس؟ قال: سمعت مالكاً، وذكر له مسجد المدينة وما عمل فيه من التزويق في قبلته وغيرها، فقال كره ذلك الناس حين فعلوه؛ لأنه يشغل الناس في صلاتهم، ويلهيهم نظرهم إليه، ولقد أراد عمر ابن عبد العزيز حين ولي الخلافة نزعة، فقيل له: إن ذلك لا يخرج منه كبير شيء من الذهب فتركه. [فصل في المصحف والحجر يكون في في القبلة] قال مالك: وإذا جعل المصحف في القبلة ليصلي إليه فلا خير فيه، وإن كان ذلك موضعه ومعلقه فلا بأس به. وكان ابن عمر يكره الصلاة إلى هذه الحجارة التي توضع بالطريق تشبيهاً بالأنصاب. قيل لمالك: أفتكره ذلك؟ قال: أما الحجر الواحد فإني أكرهه، وأما
الحجارة التي لها عدد، فلا بأس بذلك. وبالله التوفيق. كمل كتاب الصلاة الأول من الجامع، والحمد لله.
كتاب الصلاة الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الصلاة الثاني [باب - 1 -] في سجود القرآن وسجد النبي صلي الله عليه وسلم في عزائم سجود القرآن، وروي أن تركه السجود في المفصل آخر فعله، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من فعله. [فصل-1 - في عدد سجود التلاوة ومواضعها من كتاب الله] قال مالك رحمه الله: أجمع الناس، وفي رواية أخرى الأمر المجتمع عليه عندنا على أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء، وقاله ابن عباس وابن عمر وابن المسيب وغيرهم.
يريد مالك أن الإجماع وقع على هذه العزائم، وأن الاختلاف وقع في غيرها، ولم يرد أنهم أجمعوا أن لا سجود إلا في هذه العزائم كما ظن بعض الناس، فأخطأ في ظنه، فأما المفصل: فلم ير مالك السجود فيه؛ [لأن النبي صلي الله عليه وسلم ترك السجود فيه]، بعد أن كان سجد. وروي أبو سعيد الخدري وزيد بن ثابت أن النبي صلي الله عليه وسلم كثيراً لم يسجد في النجم بعد ما قام المدينة. [فصل-2 - عدد سجود التلاوة وبيان مواضعها من كتاب الله] قال ابن عباس: السجود في إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء، وقاله ابن عمر، وهو قول سعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد وسعيد
ابن جبير وطاووس وعطاء. قال/ مالك في المدونة: وهي في: المص، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحد، والسجدة أولها، والفرقان، والهدهد، والم تنزيل، وص، وحم تنزيل فصلت، والسجدة في (إن كُنتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ) في قولنا، وقاله /الليث، ونافع أبي نعيم القارئ. قال ابن حبيب: هذا قول مالك، والذي اري أنها خمس عشرة سجدة، ترك مالك الأخذ منها بأربع: وهي السجدة الآخرة من الحج، وسجدة النجم و (إذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ) و (اقْرا بِاسْمِ رَبِّكَ) وقد ثبت أن النبي صلي الله عليه وسلم سجد فيهن، وأنا
آخذ بذلك اتباعاً لفعل النبي صلي الله عليه وسلم، وفعل الأئمة بعده. وفي الموطأ أن عمر وابن عمر سجداً في الحج سجدتين، وسجد عمر في "النجم"، وأمر عمر بن عبد العزيز أن يسجد في (إذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ)، قال مالك: وليس العمل عليه. قال ابن حبيب: ويسجد في الأعراف في آخرها عند قوله عز وجل: (ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ)، وفي الرعد (وظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ والآصَالِ)، وفي النحل (ويَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، وفي سبحان (ويَزِيدُهُمْ خُشُوعًا)،وفي مريم (سُجَّدًا وبُكِيًا)، وفي الحج السجدة الأولى (إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)،
وفي الثانية (وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، وفي الفرقان (وزَادَهُمْ نُفُورًا)، وفي النمل (اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ)، وفي ألم تنزيل (وهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ)، وفي ص (وخَرَّ رَاكِعًا وأَنَابَ)، وقيل: (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وحُسْنَ مَآب)، وفي حم تنزيل (إن كُنتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ)، وقاله/ على وابن مسعود رضي الله عنهما، وقال ابن عباس في
قوله: (وهم لا يسئمون)، وكل واسع، والأول أحب إلينا. وفي النجم في خاتمتها، وكذلك (إذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ)، و (اقْرا بِاسْمِ رَبِّكَ)، وسجود القرآن من السنن المؤكدة، المندوب إليها، وليست بواجبه، ولا حجة لمن أوجبها، بأن الله تعالي مدرح من سجد وذم من لم يسجد بقوله: (وإذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ)؛ لأن هذه الآية إنما نزلت في الكفار، دليله قوله تعالي: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ). [فصل-3: حكم سجود التلاوة]. وقد قال عمر في الموطأ: "إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء".
وروي نحو عن النبي صلي الله عليه وسلم ومن قرأ سورة في آخرها سجدة فسجد ثم قام فإن شاء ركع وإن شاء قرأ من الأخرى شيئاً ثم ركع. ومن المدونة قال مالك: ومن قرأ سجدة في صلاة أو غيرها فأحب إلى أن يسجدها إلا أن يكون في غير إبان صلاة فلا أحب له أن يقرأها حينئذ، وليتعدها إذا قرأ، يريد يتعدي موضع ذكر السجدة خاصة، لا الآية التي هي فيها، وقد قيل: يقرؤها ولا يتعداها، ولا يترك شيئاً من القرآن؛ لأن سجودها ليس بواجب. قال مالك وأكره أن يخر فيها المتوضئ وليقرأها، وكره له مالك قراءتها
خاصة لا قبلها شيء ولا بعدها شيء في صلاة أو غيرها ثم يسجد لها. قال مالك: وإن قرأها غير متوضئ أو قرأها متوضئ في غير إبان سجودها نهي عن ذلك، وكذلك من قرأها في صلاة فلم يسجدها فلينه عن ذلك. قال ابن القاسم: ولا شيء عليه، وكان مالك يستحب لمن قرأها في إبان سجودها أن يسجدها، من غير إيجاب. قال مالك: ولا بأس أن يقرأ الرجل السجدة بعد الصبح ما لم يسفر بالضياء وبعد العصر ما لم تصفر الشمس، ولا يسجدها كصلاة الجنائز، وإذا أسفر أو تغيرت الشمس فأكره له أن يقرأها حينئذ، فإن فعل لم يسجدها. ورويعن مالك في/ المختصر والواضحة: أنه لا يسجدها بعد الصبح ولا بعد العصر، وقاله مطرف وابن الماجشون، قالا: ورخص في ذلك بعد
الصبح قبل الإسفار، فأما بعد العصر فلا، كما لا يركع حينئذ لطوافه، ويركع بعد الصبح/ ما لم يسفر. فوجه قوله: يسجدها بعد الصبح وبعد العصر: كصلاة الجنائز؛ فلأنه اختلف في وجوبها، كما اختلف في صلاة الجنائز، فكانت أقوي من النوافل. ووجه قوله: لا يسجدها بعد الصبح ولا بعد العصر: قياساً على النوافل، وهو أولى، وكذلك في الموطأ وغيره. فصل-4: [في من نسي السجدة ثم ذكرها وهوف ي الصلاة] ومن المدونة قال مالك: وإن قرأها في نافلة فنسي سجودها حتى ركع ورفع رأسه من ركوعه، أو ذكر وهو راكع، فأحب إلى أن يقرأها في الركعة الثانية. أبو محمد: يريد يقرأ الحمد، ثم الآية التي فيها السجدة فيسجد، ثم يقوم فيقرأ السورة التي مع أم القرآن. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: بل يقدمها على قراءة أم القرآن،
وإنما يكره أن يقدم قبل أم القرآن ذكراً أو دعاء في الركعة الأولى. ومن المدونة قال مالك: وإن لم يذكر حتى ركع الثانية من النافلة فذكرها - وهو راكع- تمادي، ولا شيء عليه، إلا أن يدخل في نافلة أخرى. جعل عقد الركعة إمكان اليدين من الركبتين في أربعة مواضع: أحدها هذه، والثاني: في الذي ذكر سجود سهو قبل الإسلام في فريضة في فريضة أو نافلة وهو راكع أنه/ يتمادي، والثالث: في الذي نسي السورة التي مع أم القرآن فذكر وهو راكع فإنه يتمادي، والرابع في الذي يقدم القراءة على التكبير في صلاة العيدين فيذكر وهو راكع فإنه يتمادي في هذا كله.
ومسألة خامسة وهي إذا نسي الركوع فلم يذكر في ركوع التي تليها، وسادسة في من أقيمت عليه المغرب وهو فيها قد أكن يديه من ركبتيه في ركوع الثانية فرآه ابن القاسم فوتاً في المجموعة، وقال أشهب في العتيبة. واختلف قول أشهب فقال في المجموعة: ما لم يرفع رأسه من ركوع الثانية فإنه يتمادي. قال ابن القاسم: ولا يقرأها في فريضة، قال ابن حبيب: فإن قرأها فيها ولم يسجدها، ثم ذكر في الثانية لم يعد قراءتها مرة أخرى بخلاف النافلة، قال ابن حبيب: وقال أيضاً يقرؤها في الثانية ويسجد وإن كانت فريضة، وقاله مالك وأصحابه. قال ابن حبيب: وإذا جاوز القارئ السجدة بيسير فليسجدها، ويقرأ من حيث انتهي، وإن كان كثيراً رجع إلى السجدة فقرأها وسجدها، ثم رجع إلى حيث انتهي في القراءة.
قال مالك في المجموعة: وإن سجد السجدة ثم سجد معها ثانية سهواً فليسجد/ بعد السلام، قال: ولو سجد في آية قبلها يظن أنها السجدة فليقرأ السجدة في باقي صلاته ويسجد لها ويسجد بعد السلام. فصل-5 - : [في تلاوة الإمام لسجود التلاوة في ما لا يجهر فيه] ومن المدونة قال ابن القاسم: وأكره للإمام أن يتعمد في الفريضة قراءة سورة فيها سجدة؛ لأنه يخلط على الناس صلاتهم، قال: وأكره أن يتعمدها الفذ أيضاً في الفريضة، وهو الذي رأيت مالكاً يذهب إليه، وقيل عن مالك: لا يكره للفذ ولا للإمام في مسجد يقل أهله؛ لأنه /لا يخلط عليهم. قال ابن حبيب: لا يقرأ الإمام السجدة فيما يسر فيه؛ لأنه يخلط عليهم، وأما فيما يجهر فيه فجائز إذا كان من خلفه قليل لا تخفي عليهم قراءته، ولا يخاف أن يخلط عليهم، ورواه مطرف وابن الماجشون عن مالك.
وهذا أصح من رواية ابن القاسم؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم سجدها في الفريضة والنافلة. قال ابن المواز: وقال أشهب: ولا يقرأ الإمام في الخطبة يوم الجمعة سجدة، فإن فعل فلينزل فيسجد ويسجد الناس معه، فإن لم يفعل فليسجدوا هم، ولهم في الترك سعة؛ لأنه إمامهم، وينبغي أن يعيد قرائتها إذا صلي ويسجد. وروي على عن مالك في المجموعة: أنه لا ينزل ولا يسجدها، وأن العمل على آخر فعل عمر. وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ السجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل وسجد وسجدوا معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيئوا للسجود فقال عمر: على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء ولم يسجد ومنعهم أن يسجدوا.
فصل-6 - : [في بعض الأحكام المتعلقة بسجود القرآن). وفي المدونة قال مالك: ومن قرأ سجدة في الصلاة فليكبر إذا سجدها، وإذا رفع رأسه منها. واختلف قوله إذا كانت في غير صلاة، فكان يضعف التكبير لها قبل السجود وبعده، ثم قال: أري أن يكبر، قال ابن القاسم: وكل ذلك واسع. والتكبير أحسن؛ لما روي عمر ان رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن فإذا مر/ السجدة كبر وسجد؛ ولأنه سجود شرعي فيكبر في أوله والرفع منه، كسجود الصلاة. قال مالك: ولا يسلم بعدها.
لأن التسليم تحليل من إحرام، ولا إحرام لها كالطواف لما لم يحتج إلى حرام لم يحتج إلى تحليل. قال مالك: ولا يركع بها في صلاة أو غيرها؛ لأنه إن قصد بها الركعة فلم يسجدها، وإن قصد بها السجدة فهذا أحالها عن صفتها، وذلك غير جائز. قال ابن القاسم في العتيبة: فإن تعمد الركوع بها أجزأته الركعة في الفريضة والنافلة، ولا أحب له ذلك، وليقرأها في النافلة في الثانية ويسجد، وإن كان ذلك سهواً فذكر وهو راكع فليخر ساجداً، ويقوم، ويبتدئ القراءة. قال ابن حبيب: ويسجد بعد السلام إذا كان أطال الركوع. قال ابن القاسم: وإن لم يذكر حتى أتم الركعة ألغاها. يريد ألغي الركعة؛ لأنه نوي بها السجدة، وكذلك في العتيبة. يريد ثم يسجد السجدة، ثم يقوم، فيقرأ بشي، ثم يركع ويسجد لسهوه بعد السلام، وروي أشهب عن مالك أنها تجزئه ركعة، وإن ركعها ساهياً عن السجدة، وكذلك ما روي على عن مالك في المجموعة. قال: ويقرأ السجدة فيما بقي من صلاته، ويسجد بعد السلام، وقاله
المغيرة إلا في سجود السهو. قال أبو محمد: ينبغي أن يكون معني قوله: ركع ساهياً سهي عن السجدة وقصد الركعة، فأما لوخر إلى السجدة فلما حني صليه على ذلك نسي السجدة، فبقي راكعاً فهذا لا يجزئه؛ لأنه نوي بانحطاطه السجدة التي ليست بفريضة فلا/ تجزئه عن فريضة - والله أعلم - إلا على قول من يري أنه إذا ظن أنه في نافلة، فصلي ركعة، ثم تبين له أنه في فريضة أنها / تجزئة. وعلى هذا التأويل يكون وفاقاً لقول ابن القاسم، وظهر لي أن الذي أشهب أنه يجزئه، وإن أنحط للسجدة؛ لأنه لم يخالف فعل الركعة، فلا تضره النية لانعقادها في أول الفريضة، وليس عليه تجديدها، في كل / ركعة، وهو مذهبه في الذي يصلي الفريضة فيظن أنه في نافلة فلا يذكر إلا بعد ركعة أن تلك الركعة تجزئة؛ لأن فعل تلك الركعة في الفريضة والنافلة سواء، فلا تضرء النية لانعقادها من أول الفريضة، فمذهبه في السجدة كمذهبه في
الركعة. والله أعلم. فصل -7 - : [في سجود التلاوة للقارئ والمستمع] ومن المدونة قال مالك: وإذا قرأ السجدة من لا يكون لك إمام من رجل -يري من أهل البدع- أو امرأة أوصبي، وهو قريب منك، وأنت تسمع، فلا سجود عليك، قال ابن حبيب، وإن جلست إليه. قال مالك: ومن قرأ سجدة تلاوة فسجدها، فيس على من سمعها أن يسجدها، إلا أن يجلس إليه.
وكره مالك أن يجلس إليه لا يريد تعليماً، وكره أن يجلس الرجل متعمداً لقراءة القرآن وسجود فيسجد بهم، لا يريد تعليماً، قال: ومن قعد إليه فعلم أنه - يريد قراءة سجدة فليقم عنه، قال في العتيبة: فإن سجد فلا يسجد معه. قال ابن القاسم: ومن جلس إليه قوم - يريد للتعليم - فقرأ سجدة فلم يسجدها فليسجد من جلس إليه. لأن سجود القرآن سنة مندوب إليها فعلى من قرأها أو سمع القراءة أن يسجدها، فليس ترك القارئ لها يسقطها عن السامع. قال ابن حبيب: وقال مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ: لا يسجد إلا أن يسجدها قارئها، قال: ولو كان كما قال ابن القاسم لزمهم إذا تركها الإمام في صلاته بهم أن يسجدونها دونه، ولكن إنما يسجدون
بسجوده ويتركون بتركه. وروي ابن وهب في المدونة "أن رجلا قرأ سورة فيها سجدة عند رسول الله صلي الله عليه وسلم فسجد فسجد معه رسول الله صلي الله عليه وسلم، ثم قرأ آخر فلم يسجد وانتظره رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يسجد فلم يسجد، فقال الرجل: يا رسول الله قرأت السجدة فلم تسجد، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: كنت إماماً فلو سجدت سجدت معك. وهذا أصوب من قول ابن/ القاسم؛ للحديث المذكور. قال ابن حبيب: وإذا مر المعلم والمتعلم بسجدة فقال ابن القاسم: يسجدان أول مرة، ثم قال: لا يسجدان بعد، وقال ابن عبد الحكم وأصبغ: ليس ذلك عليهما أولاً ولا آخراً. فوجه قول ابن القاسم: فلأن السجود مندوب إليه فيستحب لقارئه والمستمع له أن لا يتركه، فإذا تكرر ذلك عليهما استخف لهما تركه، إذ ليس بواجبه، كوضوء الجنب للنوم إنه إذا أحدث لم يكن عليه إعادة الوضوء؛ لأن ذلك يتكرر عليه، فكذلك هذا.
ووجه قول ابن عبد الحكم وأصبغ: أنه لما كان ذلك يكثر على المعلم والمتعلم استخف له تركه. ومن المدونة قال مالك: ويقام الذي يقعد في المساجد يوم الخميس أو غيره لقراءة القرآن. ومن العتيبة قال: والقراءة في المسجد محدثة ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدي مما كان عليه أولها، والقرآن حسن. قيل: فالنفر في المسجد إذا / خف أهله جعلوا رجلاً حسن الصوت يقرأ لهم فكرهه مالك، قيل: فقول عمر لأبي موسي الأشعري: ذكرنا ربنا، قال: ما سمعت بهذا قط، وكره القراءة بالألحان، وقال: اتخذوا ذلك لأكل الدراهم عليه، وكره اجتماع القراء يقرؤون في سورة واحدة، وقال: لم يكن من عمل الناس ورأها بدعة.
[باب-2 -] في حمل المصحف وحليته وتحزيبه. وقراءة القرآن للجنب والحائض
[باب-2 -] في حمل المصحف وحليته وتحزيبه. وقراءة القرآن للجنب والحائض قال الله تعالى: (إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ)،وقال (فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ). وفي كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((أن لا يمس القرآن إلا طاهر)). [فصل-1 - : لا يحمل المصحف إلا متوضئ] ومن المدونة قال مالك: ولا يحمل المصحف غير متوضئ لا على
وسادة ولا بعلاقة، إلا أن يكون في تابوت أو خُرج أو نحو ذلك، فيجوز أن يحمله غير المتوضئ، أو يهودي أو نصراني. قال ابن القاسم: لأن الذي يحمل المصحف على وسادة/ أراد حملانه لا حملان ما سواه، والذي يحمله في التابوت والغرارة والخرج، ونحو ذلك، إنما أراد حملان ما سواه؛ لأن ذلك/ مما يكون فيه المتاع مع المصحف. [فصل-2 - في حكم مس المصحف على غير وضوء للتعليم] قال مالك في المختصر: وأرجو أن يكون مس الصبيان للمصاحف؛ للتعليم وهو على غير وضوء خفيفاً، ولا بأس بإمساكهم الألواح، قال مالك في العتبية: استخف للرجل والصبي يتعلم القرآن إمساك اللوح فيه القرآن على غير وضوء. قال ابن القاسم: وكذلك المعلم يشكل ألواح الصبيان. وقال ابن حبيب: يكره ذلك للرجال ويستخف للصبيان مس الأجزاء كالألواح، ويكره لهم مس المصحف الجامع، إلا على وضوء. وقال
أشهب عن مالك في العتبية: لا أرى لغير المتوضئ مس اللوح فيه القرآن. م اختصار خذا الاختلاف: قول: إنه لا يكره لمعلم أو متعلم من رجل أو صبي مس اللوح فيه القرآن على غير وضوء، قول: إنه يكره ذلك لهم، وقول: إنه يكره للرجال دون الصبيان، واستخف للصبيان مس المصحف للتعليم، وقول: يكره لهم مس المصحف الجامع. [فصل-3 - في حكم تعليق بعض القرآن على الصبي والحائض] قال مالك في العتبية: ولا بأس بما يعلق على الحائض والصبي في العنق من القرآن إذا خرز عليه جلداً أو جعل في شيء يكنه، ولا يعلق وليس عليه
شيء، وما رأيت من يفعله، ولا بأس أن يكتب ذلك للحبلى أو شيء من ذكر الله وأسمائه يعلق عليها، فأما ما لا يعرف، والكتاب العبراني والعقد في الخيط، فأكرهه. [فصل-4 - : الجنب يكتب في صحيفة آية من القرآن] قال في سماع ابن القاسم في الجنب يكتب على الصحيفة بسم الله الرحمن الرحيم ومواعظ وآية من القرآن: أنه لا بأس به، قيل: فتقرأ الكتاب الذي يعرض عليك وفيه آيات من القرآن، فقال: لا بأس به وأرجو أن يكون خفيفاً. [فصل-5 - : في تزيين المصاحف وتشكيلها. وجعلها أسداساً وأسباعاً] قال ابن القاسم: وكره مالك تزيين المصاحف بالخواتم، وأن تعشر بالحمرة، وقال: تعشر بالسواد، ولا بأس أن تحلى بالفضة، ولا بأس أن يشكل منها ما يتعلم فيه الغلمان، فأما أمهات المصاحب/ فلا، وكره أن يكتب القرآن
أسداساً أو أسباعاً، وقال: قد جمعه الله/، وهؤلاء يفرقونه. [فصل-6 - في حكم قراءة القرآن عن ظهر قلب للحائض والجنب ومن كان على غير وضوء] قال أبو محمد: قال مالك: ولا يقرأ القرآن الجنب القرآن إلا الآية والآيتين عند أخذ مضجعه أو يتعوذ لارتياع ونحوه لا على جهة التلاوة، فأما الحائض فلها أن تقرأ لطول أمرها، فإنها لا تملك طهرها- يريد- فإن طهرت ولم تغتسل بالماء فلا تقرأ حينئذ؛ لأنها قد ملكت طهرها. وفي كتاب الوضوء من هذا قال مالك: وللطاهر الذي على غير وضوء أن يقرأ ما بدا له ما لم يمس المصحف.
[باب-3 -] في سترة المصلي والمرور بين يديه
[باب-3 -] في سترة المصلي والمرور بين يديه. [فصل-1 - في سترة المصلي]. قال مالك: وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((يستر المصلي مثل مؤخرة الرحل يحطه بين يديه)) قال ذلك يوم غزوة تبوك. قال مالك: وهو من نحو عظم الذراع- يريد- في الارتفاع. قال: وإني لأحب أن يكون في مثل جلة الرمح أو الحربة.- يريد- في غلظة. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن من سترته، فإن الشيطان يمر بينه وبينها)). وقد صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بعيره، وفعله ابن
عمر. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصبي وبينه وبين القبلة قدر ممر الشاة. قال بعض القرويين: معنى هذا الحديث: أنه إذا سجد كان بينه وبين القبلة قدر ممر الشاة المعنى: إذا وقف يكون بينه وبين القبلة قدر ممر الشاة. وقال بعض أصحابنا: وهذا التأويل حسن، ولو أن المراد إذا وقف يكون بين القبلة وبين رجليه قدر ممر الشاة لكان يحتاج إذا أراد السجود أن يتأخر يسيراً وذلك عمر. قال أبو محمد وفي حديث ((قدر ثلاثة أذرع. والله أعلم. فإذا تؤول الحديث الأول اتفق معنى الحديثين، والله أعلم. قال مالك في المجموعة: وإذا استتر الإمام برمح فسقط فليقمه إن خف، وإن شغله عن الصلاة فليدعه. قال عيسى عن ابن القاسم: ومن صلى على مكان مشرف فإن كان يغيب عنه رؤوس الناس، وإلا جعل سترة/ والسترة أحب إليّ.
ومن المدونة قال مالك: الخط باطل، لا أعرفه. قال أبو محمد/ وصورته عند من يذهب إليه أن يخط خطاً من القبلة إلى دبر القبلة عوضاً من السترة. قال مالك: ولا بأس أن يصلي في السفر إلى غير السترة. وقد صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الفضاء. قال مالك: ولا يصلي في الحضر إلا إلى سترة. قال ابن القاسم: إلا أن يكون في الحضر بموضع يأمن فيه أن لا يمر بين يديه أحد مثل الجنازة يحضرها فتحضره الصلاة خارجاً، ونحو ذلك، فلا بأس أن يصلي إلى غير سترة. قال مالك: ولا بأس أن ينحاز الذي يقضي بعد سلام الإمام إلى ما قرب منه من الأساطين بين يديه، وعن يمينه، وعن يساره، وإلى خلفه يقهقر قليلاً ليستتر بها إذا كان ذلك قريباُ، فإن لم يجد ما يقرب منه صلى مكانه،
وليدرأ ما يمر بين يديه ما استطاع. قال مالك: والسترة قدر مؤخرة الرحل في جلة الرمح، قيل له: فإن كان السوط ونحوه؟ فكرهه، وقال: لا يعجبني. فصل-2 - : [في المرور بين يدي المصلي] قال مالك: ولا أكره أن يمر الرجل بين الصفوف والإمام يصلي؛ لأن الإمام سترة لهم، وإن لم يكونوا إلى سترة، وكذلك من رعف أو أصابه حقن/ فليخرج عرضاً، ولا يرجع إلى عجز المسجد، ولو ذهب إلى عجز المسجد لبال فبل أن يخرج. قال: وكان سعد بن أبي وقاص يمشي بين الصفوف عرضاً حتى يقف في مصلاه. ابن وهب: وفعله ابن عباس والنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس، ولم
ينكر عليه أحد. وروي أن الرجل إذا أحرم قام الإحرام من الأرض إلى السماء فأي شيء يقطعها. قال مالك: ولا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي، خلافاً لمن قال: يقطعها الحائض والحمار والكلب الأسود. ابن وهب: وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يقطع الصلاة شيء))، وكذلك روى مالك في الموطأ أن علي ابن أبي طالب وابن عمر رضي الله عنهم قالا: ((لا يقطع الصلاة شيء مما يمر به يدي المصلي)). قال مالك: وإن كان عن يمين المصلي رجل وعن يساره رجل فأراد الذي عن
يمينه أن يناول ثوباً للذي على يساره من بيني يديه لم يصلح ذلك/ ولا يصح أن يناوله المصلي نفسه الثوب أو البو. قال: لأنه يكره أن يمر بين يدي الإمام بثوب أو بو. قال: أو إنسان أو غير ذلك. وروى ابن وهب/ أن قطاً أراد أن يمر بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي فحسبه برجله. قال مالك في الموطأ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحداً يمر بين يديه وَليَدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان)). وقال أبو جُهَيم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لو يعلم المار بين يدي
المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه)). قال أبو النضر: لا أدري أقال: أربعين يوماً أو شهراً أو سنة؟. وقال كعب الأحبار: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يخسف به خيراً له من أن يمر بين يديه. قال أشهب في المجموعة: إذا مر بين يديه شيء في بعد منه فليرده بالإشارة، ولا يمشي إليه، فإن فعل وإلا تركه، وإن قرب منه فدرأه فلم يفعل. فلا ينازعه، فإن ذلك شيطان، والمشي إليه أشد من ممره، فإن مشى إليه أو نازعه لم تفسد صلاته. قال ابن نافع عن مالك: يمنعه بالمعروف، وقد درأ رجل رجلاً فكسر أنفه، فقال له عثمان بن عفان رضي الله عنه: لو تركته لكان أهون من
هذا. قال ابن شعبان: في مثل هذا تكون الدية على العاقلة.
[باب-4 -] جامع القول في جمع الصلاتين ليلة المطر وفي المرض والسفر
[باب-4 -] جامع القول في جمع الصلاتين ليلة المطر وفي المرض والسفر. [فصل-1 - في جمع الصلاتين في ليلة المطرأ. روي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر. قال ابن قسيط: الجمع ليلة المطر سنة، وقد صلاها أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم على ذلك. قال مالك: يجمع أهل الحضر بين المغرب والعشاء في المساجد في المطر، ويجمعون أيضاً إذا كان طين وظلمة، وإن يكن مطر. قال في العتبية: وإذا كان المطر لا ينقطع، وليس لتعجيلهم منفعة لدوامه فلا بأس أن يجمعوا. قيل: فإن فيهم قريب الدار إذا خرج منها: دخل المسجد؟ قال: أرى أن يجمع القريب والبعيد. قال يحيى بن عمر: ويجمع معهم المعتكف.
م إنما أبيح ذلك لقريب الدار والمعتكف؛ لإدراك فضل الجماعة، وقد/ جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه، وفيهم القريب والبعيد/. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ك واختلف في المرأة يكون بيتها بجوار المسجد فهي أبداً تصلي مع الناس: فحكي عن أبي عمران أنها لا تجمع معهم؛ لأنها لا عذر لها بالخروج إلى المسجد، فهي بخلاف المعتكف؛ لأن المعتكف أخذه حكم المسجد، ولا يقدر على مخالفة الإمام، فيجلس والإمام يصلي، ولا يقدر على الخروج من المسجد؛ لاعتكافه. وقال غيره: تجمع المرأة معهم، كالمعتكف، وإنما جمع لإدراك فضل الجماعة، فكذلك المرأة. ومن المجموعة قال مالك: وسنة الجمع في المطر أن ينادى للمغرب في أول الوقت، ثم يؤخر شيئاً، ثم تقام الصلاة فتصلى، ثم يؤذن للعشاء في داخل المسجد في مقدمه. قال ابن حبيب: في صحن المسجد أذاناً ليس
بالعالي ثم يقيم فيصليها، وينصرفون قبل مغيب الشفق. وقال محمد بن عبد الحكم: يجمع بينهما عند مغيب الشمس، ولا يؤخر المغرب، وذكر أنه قول ابن وهب، ورواه البرقي عن أشهب. وإلى هذا كان يذهب شيخنا أبو باس، وكان يذهب شيخنا أبو الحسن إلى مذهب المدونة. قال مالك في العتبية: ولا يوتر من جمع بينهما قبل مغيب الشفق ولا يتنفل بين المغرب والعشاء، ولكن يثبت كما هو حتى يصلي العشاء، وإنما جمع للرفق بالناس. وقال ابن حبيب: من شاء تنفل بينهما ما دام يؤذن للعشاء. قال مالك في العتبية: ولا يتنفل بعد العشاء في المسجد. قال ابن حبيب: ولا يوترون في بيوتهم حتى يغيب الشفق. ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يجمع في المطر بين الظهر والعصر في الحضر.
قال مالك: ومن أتى المسجد- وقد صلى في بيته المغرب- فوجدهم قد جمعوا فلا يصلي العشاء حتى يغيب/ الشفق؛ لفضله، كما عذر ليدرك فضل الجماعة بالجمع. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أتى المسجد- وقد صلى المغرب في بيته- فوجدهم في العشاء، فلا بأس أن يصليها معهم. م لأنه إنما قدمت العشاء قبل وقتها؛ لإدراك فضل الجماعة، وهذا من ذلك. قال ابن حبيب: ومثله في المختصر: لا يدخل معهم في العشاء، فإن دخل معهم أساء، ولا يعيد؛ لأنه مما اختلف فيه. وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.
وقال أصبغ عن ابن القاسم في القوم يصلون المغرب فهم يتلفون لها إذ وقع المطر أيجمعون؟ قال: لا ينبغي أن يجعلوا العشاء إذا فرغوا من الغرب قبل وقوع المطر. قال عنه ابن أبي زمنين: فإن فعلوا فلا بأس بذلك. قال أبو محمد: وأعرف فيها قولاً آخر لا أذكر قائله. م وينبغي على قياس قول ابن عبد الحكم الذي يرى الجمع في أول الوقت أن يكون إذا وقع المطر بعد صلاة المغرب أن يجمعوا. ومن العتبية قيل: أفيجمعون في المطر في رمضان وهم لا ينصرفون حتى يقنتوا؟ قال: أحب إلى أن يجمعوا، وإن جمعوا ثم قنتوا فهم في سعة. قال أبو محمد: قال أبو بكر: إنما يجمعون؛ للرفق، فإذا جمعوا/ قبل مغيب الشفق، ثم قنتوا فعليهم أعادة العشاء. قال أبو محمد: إنما لم ير مالك عليهم الإعادة؛ لأنه لا بد أن ينصرف بعضهم، وأحب إليّ أن يكون الأقل في حكم الأكثر.
فصل-2 - : [في جمع المريض بين الصلاتين] روي أنا لرسول - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر. قال مالك: أراه في مطر، وجمع بينهما في السفر حين جدبه السير، وجمع بين المغرب والعشاء في ليلة المطر، وفعله الخلفاء بعده؛ للرفق بالناس، فالمريض أولى بالجمع من المسافر وغيره؛ لشدة ذلك عليه، وهو أتعب من المسافر، وأشد مؤنة. ومن المدونة قال مالك: فإذا خالف/ المريض أن يغلب على عقله جمع بين الظهر والعصر إذا زالت الشمس- لا قبل ذلك- وبين العشائين عند الغروب، ورأى له مالك في ذلك سعة. قال: فأما إن كان الجمع أرفق به لشدة مرض أو بطن منخرق من غير خوف على عقله جمع بين الظهر والعصر في
وسط وقت الظهر، وبين العشائين عند غيبوبة الشفق. وقال ابن حبيب: إذا كان الجمع أرفق به جمع آخر وقت الظهر وأول وقت العصر، كالمسافر. وقال مالك في المختصر: إذا خاف المريض أن يغلب على عقله، أو يشق عليه الوضوء، فلا بأس أن يجمع بين الصلاتين، يؤخر الظهر إلى العصر، والمغرب إلى العشاء، كالمسافر. م أما الذي يخاف أن يغلب على عقله فأحب إليّ أن يجمع بينهما عند الزوال؛ خوفاً أن يغلب على عقله فلا يصليهما وهو كان قادراً على أن يصليهما، وأما الذي يرى الجمع أرفق به فليجمع كجمع المسافر، فيصلي كل صلاة في وقتها خير من أن يصلي العصر قبل وقتها من غير اضطرار إلى ذلك. وروى ابن نافع أنه لا يجمع الذي يخاف أن يغلب على عقله، ولكن يصلي كل صلاة لوقتها، فما أغمي عليه حتى ذهب وقته لم يكن عليه قضاؤه.
فصل - 3 - : [في وقت الجمع بين الصلاتين للمسافر]: ومن المدونة قال مالك: ولا يجمع المسافر في حج أو غيره حتى يجد به السير، ويخاف فوات أمر، فيجمع بين الظهر والعصر، يؤخر الظهر فيصليها في آخر وقتها، ثم يصلي العصر في أول وقتها، إلا أن يرتحل عند الزوال، فيجمع بينهما حينئذ في المنهل، ويجمع بين العشائين مقدار ما تكون المغرب في آخر وقتها قبل مغيب الشفق، والعشاء في أول وقتها بعد مغيب الشفق، ولم يذكر في المغرب والعشاء مثل ما ذكر في الظهر والعصر. قال سحنون: وهما في ذلك كالظهر والعصر. وإنما قال ذلك: لأن أصل الجمع في السفر إنما هو تخفيف على المسافر، وعون له على سفره، وفي الجمع له في المنهل غاية التخفيف، فأبيح له ذلك. وإنما قال: يجمع المسافر في الحج وغيره خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا
يجوز الجمع إلا بعرفة والمزدلفة. ودليلنا عليه حديث معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. وروى ابن عمر نحوه، واعتبارًا بسفر الحج. قال أشهب في المجموعة: لا أحب الجمع بين الظهر والعصر في سفر ولا حضر، إلا بعرفة أول الزوال، وهي السنة. قال: وللمسافر - وإن لم يجد به السير - من الرخصة في جمعهما ما ليس للمقيم، وله في جد/ السير أكثر مما له إذا لم يجد به السير، وللمقيم أيضًا في ذلك رخصة؛ لأنه يصلي في آخر الوقتين اللذين وقت جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا فاء الفيء قامة كان للظهر آخر وقت، وللعصر أول وقت، وأول الوقت فيهما جميعًا أحب إلينا، وإذا ساغ للحاضر ساغ للمسافر، وإن لم يجد به السير، وكذلك في المغرب والعشاء، ويكون مغيب الشفق وقتًا لهما يشتركان فيه مع ما روي من جمع المسافر، ولم يذكر جد السير به، وأما في جد السير فمجتمع عليه. وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في آخر وقت هذه وأول وقت هذه، وذلك أن ينقضي الظهر والفيء قامة أو يبتدئها حينئذ والفيء قامة، ثم يقيم فيصلي العصر بعدها، أو تنقضي المغرب وقد غاب الشفق، أو يبتديها حينئذ، ثم يقيم فيصلي العشاء بعدها، وهذا في الظهر والعصر أجوز منه في المغرب والعشاء؛ لأن المغرب إنما ذكر لها وقت واحد في الحديث. قال أبو محمد عبد الوهاب: ويجوز الجمع في طويل السفر وقصيره خلافًا للشافعي في قوله: لا يجوز إلا في سفر القصير. قال: ودليلنا عليه أنه سفر مباح فأشبه ما تقصر فيه الصلاة؛ لأن
كل رخصة تعلقت بالصلاة في الحضر لعذر جازت في قصير السفر وطويله. قال ابن المواز: والجمع في السفر توسعة ورخصة لمن احتاج إليه، وليس ذلك بسنة لازمة.
[باب - 5 -] جامع القول في قصر الصلاة للمسافر
[باب - 5 -] جامع القول في قصر الصلاة للمسافر روى مالك في الموطأ قالت عائشة رضي الله عنها: «فرضت الصلاة ركعتين في السفر والحضر، فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر»، وهو في البخاري أيضًا. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بمكة ركعتين ثم قال: «إنا قوم سفر، فأتموا الصلاة»، ومن رواية مالك أن عمر فعل ذلك بمكة، وقال لأهلها: «أتموا الصلاة فإنا قوم سفر، ولم يقل ذلك بعرفة ولا يمنى؛ لأن أكثرهم أهل سفر».
وكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام بمكة أتم معه، وإذا صلى وحده قصر، وقد قيل لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن، ولا نجد صلاة السفر، فقال: يا بن أخي إن الله بعث إلينا محمدًا عليه السلام ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل كما رأيناه يفعل. ابن وهب: وقد قال ناس يا رسول الله إنا كنا مع فلان في السفر فأبى إلا أن يصلي لنا أربعًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذًا والذي نفسي بيده تضلون». يريد إن صليتم أربعً. [فصل - 1 - في خلاف أصحاب مالك في حكم القصر في السفر]: قال أبو الفرج المالكي: اختلف أصحاب مالك في قصر الصلاة في السفر، فقال بعضهم: هو فرض، وقال بعضهم: هو سنة، ورواه أبو المصعب عن مالك. وقال عبد الوهاب: اختلف أصحابنا في القصر هل هو فرض للمسافر
أو سنة؟ فذهب أكثرهم إلى أن فرضه التخيير، إلا أن القصر أفضل، وهو سنته، وقاله ابن وهب عن مالك، وذهب جماعة من البغداديين إلى أن القصر فرضه. فوجه قول من قال: إن القصر فرضه أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر في السفر ولم يتم. وقال غيره: قال النبي عليه السلام: «إن الله جعل فرض الحاضر أربعًا، وفرض المسافر ركعتين». وقد قالت عائشة: «فرضت الصلاة ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر». وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة العيد ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم، وقد خاب من افترى». فإن قيل: لو كان فرضه ركعتين لم يجز له أن يتم خلف المقيم.
فالجواب: إن هذا لا يمنع أن يكون فرضه ركعتين، ثم إذا صلى خلف المقيم يصير فرضه فرض المقيم، كالعبد والمرأة فرضهما أربع، ثم أنهما لو صليا الجمعة خلف الإمام لصار ذلك فرضهما. واحتج الذين قالوا إنه مخير بين القصر والإتمام - وقاله الأبهري - إن النبي صلى الله عليه وسلم قصر وأتم، وصام وأفطر، فعلم بذلك أنهما يجريان مجرى واحدًا، وأن الخيار إلينا في ذلك. وأما ما احتج به من قال: إن الله تعالى جعل صلاة الحاضر أربعًا وصلاة المسافر ركعتين، فمعناه إن اختار؛ لأن النبي عليه السلام أتم وقصر. قال الأبهري: أما قولهم: إنما أتم خلف المقيم اتباعًا لإمامه وهو فرضه، كالمرأة والعبد في الجمعة، فإنا نقول: إن العبد والمرأة دخلا في خطاب آية الجمعة، إلا أنهم عذرا في التخلف؛ لأن العبد مشغول بخدمة سيده، والمرأة عورة مشغولة بخدمة زوجها فهما كالمريض والمسافر خوطبا في الجملة وعذرا في التخلف. قال عبد الوهاب: وقد قال أنس: «كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من يقصر ومنا من يتم فلا يعيب بعضنا على
بعض». ولأن أصحابنا هؤلاء [قد] أجازوا للمسافر أن يصلي خلف المقيم ويتم، فلو كان فرضه القصر ما جاز له الإتمام، كما أن الحاضر لما كان فرضه الإتمام لم يكن له أن يقصر خلف المسافر. وقد أكثروا من الاحتجاج لكل قول، وهذا أبين ذلك، والله أعلم بالصواب. فصل - 2 - : [في تحديد مسافة القصر]: ومن المدونة قال مالك: ولا يقصر المسافر حتى تكون مسافة سفره أربعة برد/ فأكثر.
م وإنما قال ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وابن عمر وابن عباس قصروا الصلاة إلى ذات النصب، وهي من المدينة على أربعة برد. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أهل مكة لا تقصروا لأقل من أربعة برد». قال مالك: ولا يتم حتى ينوي إقامة أربعة/ أيام، وإنما قال ذلك؛ لأن عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب قالا: إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام أتم، وما لم يجمع على ذلك فليقصر. قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت، والذي لم يزل عليه أهل العلم عندنا. واستدل على ذلك بعض أصحابنا من البغداديين بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا
يقيمن مهاجر بعد قضاء نسكه فوق ثلاث». فمنه المهاجر أن يتخذ مكة قرارًا فوق ثلاثة أيام، فدل على أن الثلاثة ليست في حيز الإقامة، وأن الأربعة فما فوق إقامة. وذلك حجتنا على أبي حنيفة في قوله: لا يتم حتى ينوي إقامة خمسة عشر يومًا. قال ابن القاسم في المدونة: الذي رجع إليه مالك أن الإقصار في أربعة برد، وكان يقول: في مسيرة يوم وليلة. قال غيره: وإنما كان يقول: تقصر الصلاة في يوم وليلة؛ لقول ابن عمر تقصر في اليوم والليلة.
م ولقول/ الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مع غير ذي محرم منها/ سفر يوم وليلة». فجعل للسفر حرمة إذا كان يومًا وليلة. فدل أن ما دون ذلك بخلافه. وإنما رجع مالك إلى القول بأربعة برد؛ لأن البريد يضبط، ويتحصل في الشتاء والصيف والسريع والبطيء، وليس اليوم والليلة كذلك. قال مالك في العتبية: ويقصر في خمسة وأربعين ميلا. وقال ابن الماجشون في الواضحة: يقصر في أربعين ميلًا، وذلك قريب من الأربعة برد. قال ابن القاسم في العتبية: ومن قصر في ستة وثلاثين ميلًا فلا إعادة عليه. قال ابن المواز: وقال ابن عبد الحكم: يعيد في الوقت، وقال يحيى ابن عمر: يعيد أبدًا. فوجه قول ابن القاسم: فلأن الثلاثة برد سفر يدخل في قوله عليه السلام: «يا أهل مكة لا تقصروا فإنا قوم سفر»؛ ولأنه إنما نقص من
الأربعة برد الربع والربع في الأصول في حد القلة، فوجب أن لا يغير الحكم. ووجه قول يحيى بن عمر يعيد أبدًا: قوله عليه السلام: «يا أهل مكة لا تقصروا لأقل من أربعة برد». ووجه قول ابن عبد الحكم/: أنه لما ترجح الأمر عنده من أن يجزئه أو لا يجزئه توسط قولا بين القولين، فجعله يعيد في الوقت. قال ابن عبد الحكم: وإن قصر في أقل من ستة وثلاثين ميلًا أعاد أبدًا؛ لأنه لم يختلف فيه. فصل - 3 - : [في مكان القصر]: ومن المدونة قال مالك: ومن أراد سفرًا فليتم الصلاة حتى يبرز عن بيوت القرية حتى لا يحاذيه أو يواجهه منها شيء، وكل ذلك في البحر، ثم يقصر. قال: وإذا رجع من سفره فليقصر حتى يدخل بيوت القرية أو قربها،
ولم يحد في القرب حدًا، وقال في الميل: إنه يقصر. وإنما قال ذلك؛ لأن ابن عمر كان إذا سافر قصر، وهو يرى البيوت، وإذا رجع قصر حتى يدخل البيوت. وقد رأى علي بن أبي طالب رضي الله عنه خصًا حين خرج من البصرة، فقال: لولا هذا الخص لصلينا ركعتين. قال في العتبية: في الأمير يخرج عن المدينة على ثلاثة أميال حتى يتكامل أكرياؤه وحشمه قال: لا يقصر حتى يجتمع على المسير - يريد - فيقصر، إذا برز من ذلك الموضع الذي يتكامل فيه أكرياؤه. وقال في من يخرج من الفسطاط إلى بئر عميرة وهو يقيم بهم اليوم واليومين كما يصنع الأكرياء حتى يجمع إليه الناس أنه يقصر. قال أبو محمد: قال يحيى بن عمر: ولم ير ذلك في الأمير يخرج على الميلين حتى يجتمع ثقله، وقال يتم. وقال عنه ابن نافع في المجموعة: أحب إلي أن يتم/ إذا كان الأكرياء يحبسون الناس. والأمير وغيره سواء، وإنما ذلك اختلاف من قوله:
وقيل إن الفرق بين ذلك، إن الأمير السير إليه، وهو القاصد للإقامة، والخارج إلى بئر عميرة ليست الإقامة إليه، بل خرج على النفاذ. ولو عكس هذا لكان أصوب؛ لأن الأمير إليه السير، وعادته الخروج عازمًا على السفر، والآخر ليس إليه السير، وإنما يريد الأكرياء، فهو كمن واعد قومًا للسفر وهو لا يريد إلا بسيرهم، فإنه يتم. قال ابن القاسم عن مالك: وإذا قدم من سفره/ فنزل من مدينته على ميل أو ميلين ليقيم حتى يدخل ليلًا فإنه يقصر، إلا أن يقرب جدًا ولم يحد القرب، قال: وإنما يحد في هذا أهل العراق. قال أشهب وابن/ نافع عن مالك في المسافر إذا رجع إلى أهله: فإنه يقصر حتى يدنوا من البيوت مثل الميل ونحوه فيتم الصلاة. ومن كتاب ابن المواز: ومن خرج مسافرًا ثم نزل على قدر أميال، ثم بدا له في الرجعة، ثم لم يبرح حتى رجعت نيته إلى السفر في الوقت، ثم حضرت الصلاة فليتم حتى يبرز عن ذلك الموضع، ولو شيعهم رجل وهو يريد الرجعة فقدموه يصلي بهم قبل أن يفترقوا فلم يدخل في الصلاة حتى نوى السفر وعزم عليه فليتم حتى يبرز عن ذلك الموضع.
م وإنما قال ذلك؛ لأن الأصل الإقامة والسفر فرع طارئ عليه فوجب أن يرجع إلى الأصل بالنية ولا ينتقل عنه إلا بالفعل، وهو الظعن. ومن المدونة قال مالك: ومن واعد قومًا للسفر ليمر بهم وبينه وبين موضعه ما لا تقصر في مثله الصلاة أو تقدمهم حتى يلحقوه، فإن كان عازمًا على السفر على كل حال خرج القوم الذين واعدهم أم لا، فليقصر إذا برز عن قريته، وإن كان لا يخرج إلا بخروجهم فليتم حتى يبرز عن موضعهم، في المبسوط: وعن الموضع الذي يلحقونه فيه. فصل - 4 - [في قصر المسافر بحرًا]: قال مالك: ويقصر المسافر في البحر إن نوى مسيرة يوم تام. قال عبد الملك في المجموعة: وإن توجه إلى سفر فيه بر وبحر فإن كان في أقصاه باتصال البحر مع البر ما يقصر فيه الصلاة قصر إذا برز. قال ابن المواز: وإذا كان ليس بينه وبين البحر ما تقصر فيه الصلاة، فانظر: فإن كان
المركب لا يبرح إلا بالريح، فلا يقصر حتى يركب ويبرز عن موضع قلع منه بالريح - يريد - إذا كان في سفره من ذلك الموضع ما تقصر فيه الصلاة. قال ابن المواز: وإن كان يخرج بالريح وبالقذف فليقصر حين يبرز عن قريته. ومن المدونة قال مالك: ويقصر النواتيه وإن كان معهم الأهل والولد. وقاله سالم بن عبد الله. قال مالك: ولو ردته الريح إلى الموضع الذي خرج منه فليتم فيه ما حسبته الريح حتى يظعن ثانية. قال سحنون: هذا إن كان له وطنًا، وإلا قصر فيه أبدًا إلا أن ينوي/ إقامة أربعة أيام. وإن لم يكن له وطنًا إلا أنه كان نوى فيه إقامة أربعة أيام فأكثر، فكان يتم فيه، ثم خرج فردته الريح إليه فهذا يدخل فيه اختلاف. قول مالك في الذي أقام بمكة بضعة عشر يومًا فأوطنها ثم خرج ليعتمر من الجحفة ثم يعود إلى مكة فيقيم بها اليوم واليومين، فقال مالك: مرة يتم في يوميه، ثم رجع
إلى أنه يقصر، وكذلك هذا، والله أعلم. [فصل - 5 - في من سافر ثم رجع قبل أن يبلغ المسافة هل يقصر؟] قال مالك: ومن خرج مسافرًا تقصر في مثله الصلاة، فسار ما لا يقصر في مثله الصلاة، ثم رجع إلى بيته في حاجة بدت له فليتم في رجوعه حتى يبرز ثانية، وقيل: يقصر ما لم يدخل بيوت القرية. فوجه قول مالك: فلأن رجوعه سفر غير الخروج، فلا يضاف إليه، ولو جاز هذا القصر من خرج إلى مسافة بريدين، إذا كان نيته أن يرجع من ساعته ولا يقيم، وهذا لا يقوله أحد. ووجه الثانية: فلأن رجوعه إنما كان لحاجته لا كسرًا عن سفره/ الأول، فهو عليه ما لم يدخل وطنه فوجب أن/ يقصر. والأول أبين لما قدمنا، والله أعلم. فصل - 6 - : [من خرج في طلب حاجة متى يقصر]: ومن المدونة قال مالك: ومن خرج في طلب آبق له أو حاجة فقيل له: هي بين يديك على بريدين فمشى كذلك أيامًا ولا يدري غاية سفره، فليتم
في سفره، ويقصر في رجوعه إذا كان أربعة برد فأكثر. ومن غير الأم واختلف أصحابنا المتأخرون إذا كان لما بلغ هذا الذي خرج في طلب آبق على رأس برد، فأراد الرجوع، فقيل له: إن حاجتك في موضع كذا على بريدين بين يديك أو عن يمينك أو عن شمالك، فقال: أنا أبلغ ذلك الموضع، ثم أتمادى منه إلى داري على كل حال وجدته أو لم أجده، فذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يقصر حتى يرجع من الموضع الذي أخبر أن العبد فيه؛ لأنه لا يضاف مسيره إلى رجوعه. وظهر لي ولغيري من أصحابنا أنه يقصر من رأس أربعة برد؛ لأنه قد نوى الرجوع، وقال: أنا آخذ في رجوعي من الموضع الذي ذكر له أن العبد فيه، فهو كالراجع، وكما لو أخذ من ذلك الموضع لوعر في طريقه الأولى أو/ لحاجة غير الآبق فهو كمبتدئ سفرًا من ذلك الموضع، وكالذي يريد سفرًا إلى جهة قبلة بلده فذكر أن له حاجة على بريدين، في دبور بلده، فقال: أخرج إلى هذه الحاجة في دبور بلدي، ثم أرجع إلى طريقي، ولا أدخل مدينتي، ثم أتمادى
إلى تمام سفري، أنه يقصر من حين يبرز عن قريته، فكذلك الذي بلغ رأس أربعة برد فقال: أنا أبلغ موضع كذا ثم أتمادى منه إلى داري لا فرق بينهما، والله أعلم. [فصل - 7 - في من يدور في القرى هل يقصر؟]: ومن المدونة قال مالك: ومن خرج يدور في القرى وفي دورانه أربعة برد قصر. قال ابن القاسم: والسعاة مثله. قال مالك: ومن خرج إلى مكة ونوى أن يسير يومًا ويقيم يومًا قصر من حين خرج من بيته حتى يأتي مكة. ومن العتبية قال سحنون: وإن نوى أن يسير يومًا ويقيم أربعة أيام، فهذا يقصر في مسيره، ويتم في مقامه، وكذلك عنه في المجموعة في من خرج ينوي أن يسير ثلاثين ميلًا أو عشرين ميلًا ثم يقيم أربعة أيام، ثم يمشي مثل ذلك، ثم يقيم أربعة أيام أنه يقصر من حين يخرج في مسيره، ويتم في مقامه، وقاله ابن الماجشون. وذكر ابن المواز
خلافه، وأنه تراعى مسافته إلى الموضع الذي نوى فيه الإقامة، وجعله كوطنه، فإن كان بين كل موضعين أقل من أربعة برد أتم ولم يقصر. وقول سحنون أولى؛ لأنه لما نوى في أول سفره أن يسير كذلك فهو مسافر إلى غاية القصر حقيقة، ولا يضره تخلل الإقامة، كما أن من نوى أن يصوم في سنة يومًا بعد أربعة أيام أنه يجزئه التبييت في أول ليلة، ولا يضره تخلل الفطر، ويصير حكمه حكم الصوم المتصل، فلذلك هذا حكمه حكم السفر المتصل، ولا يضره تخلل الإقامة، وليس نية الإقامة، كدخوله وطنه؛ لأن دخوله وطنًا له يوجب عليه الإتمام، وإن لم ينو الإقامة، وإقامته في غير وطنه لا يوجب ذلك عليه إلا بنية إقامة أربعة أيام، فهو أضعف من وطنه. فصل - 8 - : [لا يقصر إلا في سفر يجوز له الخروج فيه] ومن المدونة قال مالك: ومن/ خرج يريد الصيد على مسيرة أربعة برد قصر الصلاة، إن كان ذلك عيشه. قال ابن القاسم: فإن خرج/ متلذذًا، فلم أره يستحب له قصر الصلاة. وقال: أنا لا آمره بالخروج، فكيف آمره بقصر الصلاة؟.
قال ابن شعبان: فإن قصر المتلذذ للصيد لم يعد للاختلاف فيه؛ لأن الصيد مباح، وقد أجاز ابن عبد الحكم الصيد للهو. قال ابن حبيب: إنما يقصر في سفر يجوز له الخروج فيه غير باغ ولا عاد، فأما من خرج باغيًا أو عاديًا أو/ قاطعًا للرحم أو طالبًا لإثم، فلا يجوز له القصر، كما لا يباح له الأكل من الميتة عند الضرورة. والذي قال ابن حبيب: هو المذهب، إلا قوله لا يباح له أكل الميتة عند الضرورة، والصواب أن له أكلها لإحياء نفسه. وقد قال الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) وليس في ترك الأكل إلا ذهاب نفسه، وهذه معصية أخرى. ومن حجة من منعه أنه قادر على استحداث التوبة، فيجوز له الأكل. وقد ذهب أبو حنيفة إلى أن له القصر، كما أن له أكل الميتة إذا
اضطر إليها، ففرق له بعض أصحابنا بأن قال: إن الله تعالى قد فرض عليه إحياء نفسه مع القدرة على ذلك من غير أن يتلف بها نفسًا أخرى حرمتها كحرمة نفسه، وإذا كان الأمر على هذا فكأنه توجه عليه فرضان: أحدهما النزوع عما هو عليه من المضي والسعي في معصية الله، والآخر: إحياء نفسه حتى يتناول ما يرد به رمقه فأمر بالأمرين جميعًا، فإن فعلهما فهو المراد، وإن فعل أحدهما لم نأمره بتركه من أجل أنه لم يفعل الآخر، وهذا كمن أمر بترك الزنا وشرب الخمر فأقلع عن أحدهما، فلا يجوز أن يقال له: لا تترك هذا حتى تترك الآخر، بل يقال له: أنت ممدوح على ترك ما تركت، ومذموم على ما أقمت عليه، وإنما لم يجز له الفطر والقصر عندنا؛ لأنهما رخصتان معينتان على السفر، فلا يباحا للعاصي، فيكونا عونًا له على المعصية، فيصير ممنوعًا من سفر معانًا عليه، وهذا تناقض.
م ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فلما لم يصحح سفره عليه السلام عاصيًا لم يصح أن يفطر أو يقصر فيه. فصل - 9 - : [في المسافر ينوي الإقامة] ومن المدونة قال مالك: وإذا أجمع المسافر في بر أو بحر على مقام أربعة أيام بلياليهن أتم الصلاة، وصام حتى يظعن من مكانه. قال ابن الماجشون وسحنون: إذا دخل في بعض النهار، فإن نوى إقامة عشرين صلاة أتم، وقال ابن القاسم في العتبية: يلغي يوم دخوله، ولا يحسبه. هذا أصل مختلف فيه في العدد والأيمان، فهذا على ذلك، والقياس البناء على بعض اليوم، والاحتياط أن يلغي بعض اليوم، ويبتدئ الذي يليه من أوله. قال عيسى عن ابن القاسم: وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام ثم قصر أعاد أبدًا، وكذلك في كتاب ابن سحنون، وأنكر سحنون قول من قال: يعيد في الوقت. ومن المدونة قال مالك: وإذا صلى مسافر ركعة ثم نوى الإمام
الإقامة شفعها وسلم، وكانت نافلة، وابتدأ صلاة مقيم. وإن نوى الإقامة بعد تمامها لم أر عليه الإعادة واجبة، وإن أعاد فحسن، وأحب إلي أن يعيد. ابن المواز: وإذا نسي المسافر القصر حتى بقي من النهار ركعة فصلى الركعة وغربت الشمس، ثم نوى الإقامة بعد خروج الوقت فإن صلاته تبطل، ويبتدئ صلاة مقيم. وقال أصبغ: يبتدئ صلاة سفر؛ لأنه نوى الإقامة بعد خروج الوقت فكأنه يقضي ما فاته. قال محمد: ولو ابتدأها/ بعد ما غربت الشمس لم تضره نية الإقامة، وليتماد فيها سفرية، ولو أغمي عليه فيها فلابد من قضائها، ولو أحرم بها قبل الغروب، ثم أغمي عليه فيها بعد الغروب لسقطت عنه. ويجب على قوله في المسافر ألا تسقط عنه؛ لأنه إنما أغمي عليه بعد خروج الوقت. قال أصبغ في امرأة صلت ركعة من العصر، ثم غربت الشمس فحاضت،
فإنها تسقط عنها إعادتها. ويجب على قوله في المسافر أن يقضيها. وقال سحنون في المسافر: يتمادى، ولا يضره ما نوى بعد خروج الوقت، وكذلك الحائض تقضيها؛ لأنها حاضت بعد خروج الوقت. قال مالك في المجموعة: وإذا نوى الإمام الإقامة بطلت صلاته وصلاة من خلفه، ثم قال: يستخلف من يتم بالقوم، وينصرف هو فيبتدئ صلاة مقيم. قال ابن القاسم ف يالعتبية: وإن نوى الإقامة بعد أن صلى ركعة وخلفه مقيمون فليقدم من يتم بهم، ويقطع هو صلاته، وإن كان خلفه مسافرون ومقيمون، فإن قدم مسافرًا سلم هو والمسافرون من ركعتين، وأتم المقيمون لأنفسهم بقية صلاتهم. كما كانوا يفعلون مع إمامهم. قال ابن القاسم: فإن قدم حضريًا صلى بهم ركعة بقية صلاة الإمام
الأول ثم أشار إليهم أن اجلسوا، ثم أتم هو وحده وسلم هو والسفريون، ثم أتم المقيمون بعد سلامه. قال عيسى: أحب إليّ أن ينتقض عليهم أجمع. قال ابن القاسم: وإذا استخلف هذا الخارج فلا يضيف ركعة ويجعلها نافلة، بمنزلة ما لو كان وحده، وليدخل معهم، فيتم بقية الصلاة، وتجزئه. وقال عيسى: بل يبتدئ هو وهم أحب إلي. أما قوله: إذا نوى الإقامة وخلفه مقيمون فليقدم من يتم بهم فصواب؛ لأنه لم يختلف على المأمومين شيء من أمرهم؛ لأنهم دخلوا على الإتمام فهم عليه، فيصلي بهم المستخلف بقية صلاة الأول، ثم يشير إليهم أن اجلسوا، ثم يتم هو لنفسه ويسلم ويتم المقيمون لأنفسهم أفذاذًا بعد سلامه،
وأما قوله: وإن كان خلفه مقيمون ومسافرون فقدم مسافرًا فصواب أيضًا؛ لأن خليفته كهو، فلم يتغير عليهم شيء من أمرهم، وأما إن قدم حضريًا، فقول عيسى أبين؛ لأنه قد حصل للمسافرين في هذه الصلاة إمامان مسافر ومقيم، وحكمهم في الصلاة خلف كل واحد منهم مختلف، فإن أتموا خلف الثاني، فقد خالفوا ما دخلوا عليه وخالفوا فعل الأول، وإن لم يتموا فقد خالفوا فعل الثاني، والمسافر إذا أدرك خلف المقيم ركعة لزمه الإتمام؛ ولأنه إمامهم في هذه الركعة المستخلف عليه لو فسدت عليه لفسدت عليهم، فلذلك قال عيسى: أحب إليّ أن تنتقض عليهم صلاتهم. ووجه قول ابن القاسم: أن صلاتهم قد انعقدت على حالة الأول، وإنما هذا الثاني يفعل بهم بقية عمل الأول، ثم يشير إليهم بالجلوس ليتم هو ما كان يلزمه، ويسلم بهم، ويتم الحضريون بعد سلامه، كما كانوا يفعلون مع الأول. وأما قوله: إذا استخلف هذا الخارج فليدخل معهم، ويتم بقية الصلاة، وتجزئه - يريد - أنه يقطع ما كان فيه، ويدخل بإحرام جديد، ويتمادى مع الإمام، فإذا سلم الإمام أتم هذا بقية صلاته، وتجزئه. [فصل - 10 - في من دخل مكة فأقام بها ثم ينوي العمرة والبقاء بمكة يومين هل يقصر؟] ومن المدونة قال مالك: ومن دخل مكة فأقام بها بضعة عشر يومًا فأوطنها، ثم بدا له أن يخرج ليعتمر من الجحفة، ثم يعود إلى مكة ويقيم بها اليوم واليومين، ثم يخرج منها فليتم الصلاة في يومه ويوميه؛ لأن مكة كانت له وطنًا، ثم قال:
يقصر. قال ابن القاسم: وهو أحب إليّ. فوجه قوله يتم؛ لأنه لما أوطنها وأتم الصلاة بها صار له حكم الوطن، فكأنه رجع إلى وطنه، ووجه قوله: يقصر؛ لأنها ليست كوطنه في الحقيقة، وإنما أتم بالسنة لما نوى من الإقامة، وأما وطنه فلا يحتاج إذا رجع إليه إلى نية الإقامة، فما كان لا يتم فيه إلا بنية أضعف مما يتم فيه بغير نية، وقد سافر من ذلك الموضع سفر إقصار، فإذا رجع إليه فهو على نية سفره حتى ينوي إقامة أربعة أيام أيضًا، ولو كان اعتماره من الجعرانة والتنعيم أو ما لا تقصر فيه الصلاة، ثم رجع إلى مكة ونوى أن يقيم بها اليوم واليومين لأتم في ذلك بلا اختلاف من قوله؛ لأنه على نيته الأولى في الإتمام، فلا يزيلها إلا بخروجه إلى سفر الإقصار. [فصل - 11 - في حكم المسافر يمر بقرية له فيها أهل وولد] ومن المدونة قال مالك: وإذا مر المسافر بقرية فيها أهله وولده فأقام
عندهم، ولو صلاة واحدة أتم، وإن لم يكن له بها غير عبيده وبقره وجواريه، ولا أهل له بها ولا ولد قصر الصلاة إلا أن ينوي إقامة أربعة أيام. قال ابن القاسم: وإن هلك أهله وبقي ولده فمحملها عند مالك إن كانت له مسكنًا، وإلا قصر. قال ابن حبيب: وإن كان له بها أم ولد أو سرية يسكن إليها أتم. ومن كتاب ابن المواز: وإن لم يكن مسكنه، ولكنه نكح بها، فلا يتم بها حتى يبني بأهله، وتلزمه السكنى. قال: وإذا خرج وفي طريقه قرية له بها أهل ونوى دخولها، فإن كان بينه وبينها أربعة برد قصر إليها، وإلا أتم، ثم ينظر في بقية سفره منها، فإن كان في المسافتين منتهى أربعة برد فأكثر قصر الصلاة، وإلا أتم، فإذا رجع ولم ينو دخولها قصر إذا كان بين المسافتين أربعة برد فأكثر.
قال: ولو خرج أولا وهي على أقل من أربعة برد ونوى دخولها لزمه الإتمام، ثم لمَّا حاذها بدا له فترك دخولها فلينظر بقية سفره من حينئذ، فإن كان أربعة برد قصر إذا ظعن من مكانه ذلك لا قبل الظعن منه. يريد؛ لأنه الساعة يصير مسافرًا، وكأنه خارج من وطنه، قال: ولو كانت مسافة قريته أربعة برد قصر، وإن لم يظعن من مكانه كان في باقي سفره أربعة برد أو أقل؛ لأنه لا يجب عليه الإتمام إلا بدخول تلك القرية، فمتى لم يدخلها بقي على ما كان عليه من الإقصار. قال: ولو شقها مارًا ولم ينزلها لراعيت بقية سفره فلا يقصر، إلا أن تبقى أربعة برد. قال: ولو لم يكن له بها أهل إلا أنه نوى المقام بها أربعة أيام ثم خرج مكانه فالجواب سواء. قال: ولو أنه إذا نوى المقام بها فأتم، ثم خرج إلى بقية سفره وفيه أربعة برد، فلما سار عنها ميلين رجع إليها في حاجة
فليقتصر هذا في رجوعه وفي دخوله حتى ينوي المقام بها ما يتم فيه الصلاة، إلا أن يكون بها أهله. وهذا الذي أخذ به من اختلاف قول مالك في هذا، وبه أخذ ابن القاسم وأصبغ. يريد الاختلاف الذي جرى لمالك في مسألة مكة. فصل - 12 - : [في من نسي صلاة سفر فذكرها في حضر أو العكس] ومن المدونة قال مالك: ومن نسي صلاة سفر فذكرها بعد ذهاب وقتها في حضر صلاها ركعتين كما كانت وجبت عليه، وكذلك إن ذكر صلاة حضر قد ذهب وقتها، فذكرها في سفر صلاها أربعًا كما وجبت عليه. قال: وإذا خرج لسفر أو دخل منه في وقت صلاة فوقته في الظهر والعصر إلى الغروب، وفي العشائين إلى طلوع الفجر، فإن خرج ولم يكن صلاها وفي الوقت ما يسع إحدى الصلاتين وركعة من الأخرى صلاهما سفريتين،
وإن لم يسع إلا واحدة صلاها سفرية، فهي الآخرة، فيصلي الأولى حضرية والثانية سفرية، وإن خرج بعد زوال وقتهما قضاهما حضريتين، وكذلك في دخوله بهذا المعنى إن دخل لمقدار خمس ركعات صلى الظهر والعصر حضريتين، وإن كان لقدر أربع ركعات إلى ركعة صلى الظهر سفرية، والعصر حضرية، وإن دخل بعد الغروب صلاهما سفريتين، وإن كان قد صلى العصر ونسي الظهر فليبدأ بالظهر في الخروج سفرية، فإن بقي قدر ركعة أعاد العصر سفرية أيضًا، وإلا لم يعدها، وفي الدخول يبدأ بالظهر حضرية، فإن بقي قدر ركعة أعاد العصر حضرية، وإلا لم يعدها، وإن خرج لقدر ركعة، فأكثر من الليل، ولم يصل العشائين، فليصل العشاء الآخرة سفرية، وإن دخل أيضًا لقدر ركعة فأكثر صلاها حضرية؛ لأن المغرب لا تقصر فلا يتغير الحكم صلاها أم لا. وقد تقدم كثير من هذا المعنى بزيادة فيه في مقادير الأوقات للحائض وغيرها في كتاب الصلاة الأول فأغنى عن إعادته.
فصل - 13 - : [في صلاة المسافر خلف المقيم] ومن المدونة قال مالك: وإذا أدرك المسافر ركعة خلف مقيم أتم، وإن لم يدركها قصر. قال ابن حبيب: ويبني على إحرامه ذلك صلاة مسافر. قال مالك: وإذا صلى مقيم خلف مسافر فليتم المقيم بقية صلاته بعد سلام الإمام المسافر؛ لقوله عليه السلام لأهل مكة: «أتموا الصلاة فإنا قوم سفر». وقال ابن حبيب عن مالك: لا يتم المسافر [لا وحده ولا] خلف المقيم، فإن فعل أعاد في الوقت، إلا في مثل جوامع المدائن وأمهات الحواضر، لا في مساجد عشائرها، ولا في القرى الصغار التي لا يجمعون الجمعة في مسجدهم. كأنه رأى في هذا القول إن فرض المسافر القصر فلا يتم خلف المقيم، إلا في مثل أمهات الحواضر؛ لإتمام ابن عمر مع إمام مكة. والصواب الإتمام خلفه، كما كان يفعل ابن عمر؛ ولقوله عليه السلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به». هذا هو الأصل، وخرج إتمام المقيم خلف المسافر
بالسنة، وبقي ما سواه على أصله؛ ولأن إتمام المقيم خلف المسافر إنما هو بعد سلام الإمام فليس ثم إمام يخالفه بعد، وإذ قصر المسافر خلف المقيم يصير المسافر جالسًا والإمام يصلي، فقد خالف إمامه. فصل - 14 - : [في المسافر يصلي أربعًا] ومن المدونة قال مالك: ومن صلى في السفر أربعًا أعاد في الوقت، فإن كان في سفر، وهو في وقتها، أعاد ركعتين، فإن ذهب الوقت لم يعد. قال ابن القاسم: وإن رجع إلى بيته في وقتها أعاد أربعًا. قال سحنون في كتاب ابنه ومحمد في كتابه: وسواء أتم عامدًا أو جاهلاً أو ناسيًا، فإنه يعيد في الوقت، ولا سجود سهو عليه، ولو كان ذلك عليه لكان عليه في عمده أن يعيد أبدًا، وكذلك قال ابن حبيب عن ابن
القاسم. قال: وقال مطرف عن مالك: إذا أتم ساهيًا سجد لسهوه، وأجزأته، ولم بعد في وقت ولا غيره. قال سحنون: وأما إن افتتحها على ركعتين، ثم بدا له فأتمها سهوًا أو عمدًا، فليعد أبدًا؛ لكثرة السهو. قال ابن المواز: يعيد العامد أبدًا، ويجزئ الساهي سجود سجدتا السهو، وليس كسهو مجتمع عليه. قال ابن المواز: ولولا أن مالكًا وأصحابه لم يختلفوا في من أتم في السفر أنه إنما يعيد في الوقت لاستحسنت أن يعيد أبدًا؛ لأنها سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. وقال سحنون: القياس أن يعيد أبدًا. قال غيره: وإنما لم ير مالك الإعادة عليه أبدًا؛ لقوة اختلاف الصحابة في ذلك. وقال أبو محمد: والوقت في ذلك النهار كله.
وقال أبو العباس الإبياني: الوقت في ذلك وقت الصلاة المفروضة، والأول أصوب. ومن المدونة: وقد روى ابن وهب أن عائشة كانت تتم في السفر، وأن عثمان كان يتم في السفر. قال أبو بكر بن الجهم: قيل لعروة: ما بال عائشة تتم في السفر؟ قال: أراها تأولت ما تأول عثمان. قال أبو بكر: ويقال: إن الذي تأول عثمان أنه كان يقول: أنا أمير المؤمنين فحيثما كنت من البلاد فأنا في عملي، وقالت عائشة: أنا أم المؤمنين فحيثما كنت فأنا عند ولدي وفي بيتي. قال ابن حبيب: إنما أتم عثمان بمنى خاصة؛ لأن له بها أرضًا ومالاً، فتأول
أنه غير مسافر. قال: وحسبت عائشة أن سفرها بعد النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز لها، فأتمت فيه لهذا. قال غيره: أما ما قيل: إن عائشة رضي الله عنها إنما أتمت؛ لأنها خرجت عاصية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ولغيرها من نسائه في حجة الوداع: «إنما هي هذه ثم ظهور الحصر»، يعني إنما هي هذه الحجة، ثم اجلسن في بيوتكن. فقد قيل: إنه حديث غير صحيح، لم يدخله إلا من قصد به الطعن على عائشة رضي الله عنها. وما تقدم من التأويل عليها أولى. والله أعلم. ويحتمل أن تكون عائشة وعثمان رضي الله عنهما اختارا الإتمام لما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتم وقصر»، ولحديث أنس «كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من يتم ومنا من يقصر فلا يعيب بعضنا على بعض».
[فصل - 15 - في المسافر يبتدئ صلاته على الإتمام ثم يتم أو العكس] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا افتتح المسافر على الإتمام، ثم بدا له فسلم من ركعتين لم تجزئه صلاته في قول مالك؛ لأن صلاته على أول نيته. قال مالك: وإذا صلى مسافر بمسافرين فقام من اثنتين فسبحوا به، فتمادى وجهل، فلا يتبعوه، ويقعدوا، ويتشهدوا. قال ابن القاسم: فإذا
سلم الإمام سلموا بسلامه، ويعيد وحده في الوقت، وكذلك قال مالك. قال ابن عبدوس: وكان سحنون يفسر ذلك ويقول: إن كان أتم ناسيًا لسفره أو لإقصاره، أو متأولاً وخلفه مقيمون ومسافرون، فإنه يعيد هو ومن أتبعه في الوقت، ويعيد من لم يتبعه أبدًا: ألا ترى أنهم لو سبحوا به حين قام من الركعتين فرجع إليهم وسلم من الركعتين بالمسافرين، وأتم المقيمون أن عليهم أبدًا؛ لأن صلاته على أول نيته، وأما إن حرم على اثنتين فتمادى سهوًا فليسبحوا به إلى وقت لو انتبه وسلم أجزأته، فإن زاد سلموا أفذاذًا، وقدموا من يسلم بهم، ويتم المقيمون لأنفسهم، فصار كإمام أحدث بغلبة. قال ابن عبدوس: يسبحون به إلى أن يرفع رأسه من الرابعة فحينئذ أبطل على نفسه، وخرج القوم من إمامته، فيسلم المسافرون، ويتم المقيمون وصلاتهم تامة.
ومن العتبية قال ابن القاسم: وإذا صلى مسافر بمقيمين فسلم من ركعتين فليتم المقيمون أفذاذاً, وإن أتموا بإمام أساءوا وأجزأتهم صلاتهم, وإن أعادوا فحسن. وقال عنه موسى: يعيدون أبداً أحب إلى, وكذلك لو صلى بعضهم بإمام, وبعضهم بإمام. وقال عنه سحنون: إذا كان خلفه مقيمون ومسافرون فأتهم بهم كلهم مقيم فصلاته تامة, ويعيد المقيمون والمسافرون أبداً؛ لأنه لا يكون فى صلاة واحدة إمامان, وكذلك لو أحدث فقدم مقيماً فأتم بالجميع. م لأنه يصير لهم إمامان مختلفان. قال ابن المواز: لا تجزئهم إذا جمعوا فيما عليهم أن يصلوه أفذاذاً. فصل -16 - : [فى حكم القصر فى دار الحرب] ومن المدونة قال مالك: ويتك الأسير فى دار الحرب / إلا أن يسافر به
فيقصر. قال سحنون فى كتاب ابنه: ويسأل الذين سافروا به, فإن اجتمعوا أن مسافة سفره أربعة برد, قصر. وقيل: قول جماعتهم. قال مالك: وكلما أقام العسكر بدار الحرب قصر, وإن طال مقامه فى موضع واحد, وليس دار الحرب كغيرها. وقد قيل لابن عباس: إنا نطيل المقام بخراسان فى العدو, فقال: صل ركعتين وإن أقمت عشر سنين, وقد أقام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فى حصار الطائف سبع عشرة ليلة يقصر الصلاة. قال ابن حبيب: وكذلك لو عزم على إقامة أربعة أيام, فليقصر؛ إذ لا يملك ذلك ملك الثقة حتى يجاوز الدروب, ويصير بمحله آمنا. قال فى المدونة: ولو كان بغير دار الحرب/ أتم إذا نوى إقامة أربعة أيام, وإن لم يكن فى مصر ولا قرية. قال ابن حبيب: ولو أقام بهم فى بلد الإسلام ولا يدرون كم يقيم فليقصروا حتى يعلمهم أنهم مقيمون أربعة أيام, وينبغى للإمام العدل أن يعلمهم كم يقيمون بذلك الموضع, وهذا باب واسع فاقتصرت منه على ما يتعلق بمسائل المدونة خشية التطويل, والله الموفق للصواب.
[باب -6 -] ما جاء فى الصلاة فى السفينة
[باب -6 -] ما جاء فى الصلاة فى السفينة [فصل -1 - فى صلاة الفريضة فى السفينة] قال مالك: ويستحب لمن يصلى فى السفينة أن يصلى خارجاً منها إن قدر, فإن صلى فيها -وهو قادر على الخروج منها- فى شئ عليه. وروى ابن وهب: أن جماعة من الصحابة كانوا يصلون / فى السفينة وهم قادرون على الخروج منها. قال مالك: ويجمعون الصلاة فى السفينة بإمام. قال مالك: ومن أقدر أن يصلى فيها قائماً فلا يصلى قاعداً. ومن سماع أشهب: قيل له: فإن لم يقدر أحدهم أن يركع أو يسجد إلا على ظهر أخيه,
قال: ولم يركبوها؟ قيل للحج والعمرة, قال: فلا يركبوها لحج ولا لعمرة, أيركب حيث لا يصلى؟ ويل لمن ترك الصلاة. ومن المدونة قال: وصلاتهم على ظهرها أفذاذاً أحب إلى من صلاتهم تحت سقفها فى جماعة محنية رؤوسهم. قال: ويدورون إلى القبلة كلما دارت السفينة عن القبلة إن قدروا. قال ابن القاسم: فإن لم يقدروا أن يدوروا معها أجزأتهم صلاتهم عند مالك. وقال ابن عبد الحكم فى أهل السفن: يصلى بهم إمامهم فى إحداها ففرق الريح بينهم وبين إمامهم فليستخلفوا من يت بهم. [فصل -2 - فى صلاة النافلة فى السفينة] ومن المدونة: ولم يوسع مالك لمن فى السفينة أن يصلى النافلة إيماء حيثما كان وجهه, كما وسع للمسافر على الدابة والمحمل.
م لأنه في السفينة يقدر أن يدور إلى القبلة, ولا يقطع ذلك طريقه, وفى الدابة لو أمر أن لا يصلى إلا إلى القبلة لم يستطيع ذلك إلى مخالفة طريقة فوسع له فى ذلك. وقال ابن عبد الحكم عن مالك: ولا يتنفل فى السفينة إلا إلى القبلة, وفى كتاب ابن حبيب: قال مالك: السفينة كالدابة, يتنفل عليها حيثما توجهت به. وقد تقدمت مسألة من سافر فى البحر فقصر فردته الريح إلى موضع خروجه, أنه يتم. قال سحنون: إن كان ذلك وطناً له.
[باب -7 -] ما جاء في ركعتي الفجر
[باب -7 -] ما جاء في ركعتي الفجر [فصل -1 - فى حكم ركعتى الفجر] وركع الرسول (صلى الله عليه وسلم) ركعتى الفجر, وقال: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها». وندب إليهما, ورغب فيهما, وداوم عليهما. وقال مالك رحمه الله: ركعتا الفجر يستحب العمل بهما, والوتر أوجب منهما بكثير. وكان ابن عمر لا يركعهما فى السفر. ابن المواز: قال ابن عبد الحكم وأصبغ: ليستا بسنة. قال أصبغ: وهما من الرغائب. وقال أشهب فى المجموعة: إنهما سنة, وليستا كالوتر, كما ليس غسل العيدين كغسل الجمعة ودخول مكة. م فوجه القول الأول: أن السنة ما صلاها النبى صلى الله عليه وسلم فى جماعة, وداوم
عليهما, وما قصر عن ذلك ولم يداوم عليه, فهو من الرغائب, وركعتا الفجر لم يصلهما فى جماعة, ألا ترى أنه لما صلى العيدين كانتا من السنة. ووجه الثانى: أن السنة عبارة عما تأكد من النوافل وترتب وتقدر, ولم يكن موكولاً إلى اختيار المصلى, وهذه صفحتهما, بخلاف سائر النوافل. فصل -2 - [إذا ركع ركعتي الفجر ثم ظهر له أنه ركعهما قبله هل يعيدهما؟] ومن المدونة قال مالك: ومن تحرى الفجر فى غيم فركع له فلا بأس به, فإن ظهر له أنه ركعهما قبل الفجر أعادهما بعده/ وقال ابن حبيب: لا يعيدهما. وقال ابن الماجشون: وفعله ربيعة والقاسم وسالم.
فوجه قول مالك: أنه تحرى الوقت فأخطأه فوجب عليه أن يعيد, أصله صلاة الفريضة. قال مالك فى المدونة: وإن صلاهما بعد الفجر لا ينوى بهما ركعتى الفجر لم يجزئاه. [فصل -3 - فى من دخل المسجد ولم يركع ركعتى الفجر, فأقيمت الصلاة] قال مالك: وإن دخل المسجد بعد / الصبح ولم يركعهما فأقيمت الصلاة فلا يركعهما, وليدخل مع الإمام. وقد قال النبى (صلى الله عليه وسلم) لمن ركعهما بعد الإقامة فى المسجد: «أصلاتان معاً؟» يريد نهياً عن ذلك.
م ولو وجد الإمام المؤذن فى الإقامة, وقد كان لم يركع الفجر فلا يخرج لذلك, ولا يسكته, وليصل, قاله مالك. وذلك بخلاف الوتر, لأن عبادة بن الصامت أسكت المؤذن لأجل الوتر, وذلك لتأكيد الوتر, ولأنه لو صلى / لم يأت به بعد ذلك, وركعتا الفجر إن شاء صلاهما إذا طلعت الشمس. قال الأبهرى: وإذا صلاهما بعد طلوع الشمس فهو متطوع بهما لا أنهما ركعتا الفجر. قال مالك: ثم إن شاء صلاهما بعد طلوع الشمس وذلك حسن, وليس بواجب, وفعله ابن عمر والقاسم بن محمد». قال مالك: «وإن سمع الإقامة قبل أن يدخل المسجد أو جاء والإمام فى الصلاة, فإن لم يخف فوات ركعة فأحب إلى أن يركعهما خارجاً في غير
أفنية المسجد التى تصلى فيها الجمعة اللاصقة به, وإن خاف ذلك دخل مع الإمام ثم إن شاء صلاهما بعد طلوع الشمس. فصل -4 - [فى القراءة فى ركعتى الفجر]. وكان مالك يقرأ فيهما بأم القرآن سراً لحديث عائشة رضى الله عنها أن البنى (صلى الله عليه وسلم) كان يخفف ركعتى الفجر حتى أقول أقرأ فيهما بأن القرآن أم لا. وروى ابن وهب فى موطئه عن ابن عمر «أن البنى صلى الله عليه وسلم قرأ فيهما بـ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} , وفى بعض الكتب ذكر الحديث لمالك فأعجبه. قال ابن حبيب: «وروى أيضاً أن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ فى الأولى مع أن القرآن بـ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وفى الثانية بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.
وروي أيضاً أن النبي (صلى الله عليه وسلم قرأ فى الأولى بأم القرأن و {آمَنَ الرَّسُولُ} وفى الثانية بأم القرأن و {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} الآيتين. قال: «ومن اقتصر على {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مع أن القرآن وبهاتين الآيتين مع أم القرآن فهو أحب إلى من أم القرآن وحدها. فصل -5 - [فى التنقل والكلام بعد طلوع الفجر إلى صلاة الصبح] ومن المدونة قال مالك: ومن فاته حزبه من الليل أو تركه حتى طلع الفجر فليصله ما بين طلوع الفجر إلى صلاة الصبح, وما ذلك من عمل الناس, إلا من غلبته عيناه, فأرجوا أن يكون خفيفاً, وقد فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقال مالك فى كتاب ابن المواز: إن الناس لينكرون التنقل بعد الفجر, وما هو بالضيق جداً. وقال ابن حبيب: من السنة كراهية الصلاة بعد الفجر إلا ركعتى الفجر. قال مالك فى / المدونة: «ولا بأس أن يقرأ حينئذ سجدة, ويسجد, ولا بأس بالكلام بعد الفجر حتى يصلى الصبح, فبعد ذلك يكره الكلام إلى طلوع الشمس أو قرب طلوعها». وكان مالك يجلس بعد الفجر يتحدث ويسأل حتى تقام الصلاة, ثم يترك الكلام إلى طلوع الشمس أو قرب طلوعها. قال مالك: ولقد / رأيت نافعاً مولى ابن عمر, وموسى بن ميسرة وسعيد بن أبى هند يجلسون بعد صلاة الصبح, وما يكلم أحد منهم صاحبه اشتغالاً بذكر الله, وكان سالم بن عبد الله يتحدث بعد طلوع الفجر إلى أن تقام الصلاة. وقال عائشة رضى الله عنها: أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصلى من الليل إحدى
عشرة ركعة, ثم يضطجع على شقه الأيمن, فإن كنت يقظانه حدثنى حتى يأتيه المؤذن بالصلاة, وذلك بعد طلوع الفجر. فصل -6 - [فى الضجعة بين ركعتى الفجر وصلاة الصبح] قال ابن القاسم: ولا بأس / بالضجعة بين ركعتى الفجر وصلاة الصبح إن لم يرد بها فصلا بينهما وإن أراد ذلك فى أحبه. قال ابن حبيب: وأنا استحب الضجعة بين ركعتى الفجر وصلاة الصبح. أبو محمد: ولا يفعله استناناً؛ لأن النبة (صلى الله عليه وسلم) لم يفعله استناناً, وكان ينتظر المؤذن حتى يأتيه [فصل -7 - فى من وجد الناس قد صلوا هلى يركع للفجر؟ ومن ركعهما فى بيته هل يركعهما ثانية]. ومن سماع ابن القاسم قيل لمالك: ممن وجد الناس قد صلوا أيركع
للفجر؟ قال: نعم إلا أن يسفر جداً, قيل: فإذا أصابهم فى التشهد, فجلس معهم, فتشهد وسلم معهم أيركع؟ قال: يبتدئ بالمكتوبة. م إذا سلم معهم فهى مثل الأولى يركع للفجر إلا أن يسفر جدا. قيل لمالك: فمن ركعهما فى بيته, ثم أتى المسجد أيركعهما ثانية؟ قال: كل ذلك واسع, وقد رأيت من فعله, وأحب إلى أن لا يركع. وقال: قبل ذلك أحب إلى أن يركع. وقال سحنون: لا يعدهما فى المسجد. ابن حبيب: وكان النبى (صلى الله عليه وسلم) يركع للفجر فى بيته, فإذا دخل المسجد لم يعدهما, وبه أخذ ابن وهب وأصبغ. م فوجه قوله: أن يركع قوله عليه السلام: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس / حتى يركع).
ووجه أن لا يركع لفعله عليه السلام, ولقوله: (إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتى الفجر). م وبه أقوال. وسئل أبو بكر بن عبد الرحمن هل هذا الاختلاف فى إعادة ركعتى الفجر؟ أم إنما يعنى أن يأتى بركعتين تحية المسجد؟ قال: لا يصح أن يكون الاختلاف فى ركعتى الفجر, وإنما اختلف قوله: هل يأتى بركعتين تحية المسجد أم لا؟. وسئل عنها الشيخ أبو عمران, فقال: قد وقع من قول مالك الاختلاف الذى ذكرت, فعورض مالك بما جاء أنه (لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتى الفجر) فذكر الحديث الذى جاء فى من دخل المسجد أنه (لا يجلس حتى يركع ركعتين). قال أبو عمران: «وهذا الحديث الذى احتج به مالك أثبت من الحديث الآخر. ففى هذا بيان أن اختلاف قوله: إنما هو فى ركعتين يأتي بهما تحية
للمسجد, وأما إعادة ركعتي الفجر, فلا وجه له. قيل له: فما ذكرت عن الشيخ أبى الحسن أنه قال: إذا أتى المسجد بعد الفجر أنه يصلى أربع ركعات ركعتى الفجر ووركعتين تحية للمسجد, فقال: إذا بدأ بركعتى الفجر فهى تنوب له, كما إذا صلى فريضة نابت له عن تحية المسجد, فكأنه ضعف رأى أبى الحسن, وبالله التوفيق.
[باب -8 -] ما جاء فى الوتر
[باب -8 -] ما جاء فى الوتر [فصل 1 - 1 فى حكم الوتر] والوتر سنة مؤكدة لا يسع أحداً تركها, خلافاً لأبى حنفية فى قوله: إنها واجبة, وليست بفرض ولا سنة.
ودليلنا قوله عليه السلام للأعرابى لما سأله عن الإسلام: «خمس صلوات فى اليوم والليلة» , ولو كان الوتر واجباً لكان يقول ستاً, وقوله عليه السلام: «أمرت بالوتر, وهو لكم سنة» , وروى مالك فى الموطأ أن رجلاً من بنى كنانة سمع رجلاً بالشام يدعى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب, قال: فرحت إلى عبادة بن الصامت [فاعترضت له وهو روائح إلى المسجد] فأخبرته بالذى قال أبو محمد, فقال عبادة: كذب أبو محمد سمعت / رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن / شاء عذبه, وإن شاء أدخله الجنة». [فصل -2 - : الوتر لا يكون إلا بعد شفع] قال مالك رحمه الله: «ولا يكون إلا بعد شفع؛ لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): «صلاة
الليل مثنى مثنى, فإذا خشى أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما قد صلى» وقد ذهب أبو حنيفة إلى أنها ثلاث ركعات لا فصل بينهن. ودليلنا قوله عليه السلام: «صلى ركعة توتر له ما قد صلى» , فنص أن الوتر ركعة. وروت عائشة رضى الله عنها أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يصلى من الليل إحدى عشرة يوتر منها بواحدة. فصل -3 - [فى من نسى الوتر أو نام عنه هل يوتر بعد الفجر؟] قال مالك: ومن نسى الوتر, أو نام عنه, فانتبه وهو يقدر على أن يوتر,
ويركع للفجر, ويصلى الصبح قبل طلوع الشمس فعل ذلك كله. وقد سئل النبى (صلى الله عليه وسلم) أيوتر بعد الفجر؟ فقال: نعم. قال مالك فى الموطأ وفعله ابن عباس وعبادة بن الصامت, وعبد الله بن عامر وغيرهم. قال مالك فى المدونة: وإن لم يقدر إلى على صلاة الصبح والوتر صلاهما وترك ركعتى الفجر؛ لأن الوتر آكد منها, وإن لم يقدر إلى على الصبح صلاهما, ولا قضاء عليه للوتر, وإن أحب ركع للفجر بعد طلوع الشمس. قال ابن المواز وعيسى بن دينار عن ابن القاسم: ومن أصبح ولم
يوتر, فإن كان تنفل بعد العتمة فليوتر بواحدة وإلا شفع الآن, بركعتين. قال ابن المواز: قال أصبغ: ولو لم يكن تنفل ولم يبق لطلوع الشمس إلا أربع ركعات فليوتر بثلاث, ثم يصلى الصبح. قال ابن المواز: وأحب إلى أن يوتر بواحدة, ويصلى الصبح كلها فى الوقت. [فصل -4 - فى صفة الوتر]. ومن المدونة قال مالك: والوتر واحدة, وكان مالك يقرأ فيها فى خاصى نفسه بأن القرآن, و {قل هو الله أحد} والمعوذتين, ولا يفتى الناس بذلك. ابن وهب وفعله النبي (صلى الله عليه وسلم).
وقال مالك فى المجموعة: إن الناس ليلتزمون فى الوتر قراءة {قل هو الله أحد} والمعوذتين مع أم القرآن, وما ذلك بلازم. وأما الشفع قبله فما عندى / شئ يستحب القراءة [به] فيه دون غيره. قال فى العتبية: ومن قرأ فى الوتر بأم القرآن وحدها سهواً فلا سجود عليه, وخففه وقال: ألا ترى الركعتين الآخرتين من الفريضة يقرأ فيهما بأم القرآن فقط. قال عنه على: فإن نسى أن يقرأ فيها فأحب إلى أن يشفعها ويسجد
للسهو, ثم يوتر. قال ابن حبيب: وكان النبى (صلى الله عليه وسلم) يقرأ فى الركعة الأولى من شفع الوتر بـ {سبح اسم ربك الأعلى} , وفى الثانية بـ {قل يا أيها الكافرون} , ويسلم ويقرأ فى ركعة الوتر بـ {قل هو الله أحد} والمعوذتين, فمن بهذا فى وتره فحسن, ومن قرأ بغيره فلا حرج. قال أبو العباس الأبيانى: ويجهر بالقراءة فى ركعة الوتر, فإن أسر ساهياً سجد قبل السلام, وإن جهل ذلك أو تعمد فعليه الإعادة فى ليلته, وبلغنى ذلك عن يحيى بن عمر. وأما الركعتان قبله, فإن شاء جهر / فيهما أو أسر. م وقيل: لا شئ عليه إن أسر فى الوتر, كما لا شئ عليه إذا قرأ فيهما بأم القرآن وحدها. قال بعض أصحابنا: هذا استحسان بعيد. وقد اختلف فيمن أسر فيما يجهر فيه عامداً أو جاهلاً فى الفرض هل يعيد فكيف فى الوتر؟. ومن المدونة: قال مالك: ولا ينبغى أن يوتر بواحدة فى سفر / ولا حضر,
وليصل ركعتين, ثم يسلم, ثم يوتر بواحدة. وفى الموطأ قال أبو هريرة: إذا صليت العشاء صليت خمس ركعات, ثم أنام, فإن قمت من الليل صليت مثنى ومثنى, وإن أصبحت أصبحت على وتر». قال مالك: «وكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه يوتر أول الليل, وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوتر آخر الليل, وفى غير الموطأ (أن النبى (صلى الله عليع وسلم) سأل أبا بكر كيف توتر؟ فقال: أصلى ثم أوتر, ثم أقوم فأصلى ولا أوتر, فقال له: أخذت بالحزم, وسأل عن ذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه كيف توتر؟. فقال: أصلى ثم أنام, ثم أقوم فأصلى وأوتر, فقال له: أخذت بالقوة. والأفضل عند مالك تأخير الوتر لفضيلة قيام آخر الليل إلا لمن يكون
الغالب عليه أن لا ينتبه, فالأفضل أن يوتر ثم ينام؛ لأن فى نومه قبله تغريراً بالوتر. قال ابن الحبيب: كان أبو هريرة يوتر بخمس ركعات ثم ينام, وكان ابن عباس وابن عمر يوتران بسبع, ثم ينامان, فإن قاما صليا مثنى مثنى, وكان سعد بن أبى وقاص يوتر بواحدة ليس قبلها شئ. قال مالك: والعمل / على خلاف ذلك. ابن سحنون وقال أشهب: ومن أوتر بواحدة فليعد وتره بإثر شفع ما لم يصل الصبح. وقال سحنون: إن كان بأثر ذلك شفعها, ثم أوتر وإن تباعد أجزأه, وقد أخبرنى على عن مالك قال: لا بأس أن يوتر المسافر بواحدة. وقد مرض سحنون فأوتر بواحدة فى مرضه. [فصل -5 - فى الوتر على الراحلة] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يوتر على الراحلة فى السفر حيثما
توجهت به دابته, وفعله الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهذا فى سفر تقصر فى مثله الصلاة, اعتباراً بالقصر والفطر. قال مالك: وإن صلى المسافر على الأرض, وله حزب من الليل, فليوتر على الأرض, ثم يركب دابته, فيتنقل ما أحب, وقد أجزأ عنه وتره». فصل -6 - [فى من أوتر قبل صلاة العشاء] قال مالك: ومن أوتر قبل صلاة العشاء الآخرة ناسياً فليصل العشاء ثم يوتر ثانية. وإن أتى فى رمضان فوجد الناس يوترون, فصلى معهم جاهلا حتى فرغ من الوتر, ولم يكن صلى العشاء الآخرة فليشفع الوتر إن كان بالقرب, ثم يصلى العشاء الآخرة ويعيد الوتر, وإن تطاول أو خرج من المسجد فلا يشفع وتره ولكن يعيده بعد العشاء. قال مالك: ومن صلى العشاء على غير وضوء, ثم انصرف إلى بيته فتوضأ وأوتر, ثم ذكر ذلك فليعد العشاء, ثم الوتر, وإن ذلك فى آخر الليل».
فصل -7 - [فى من ذكر الوتر وهو فى صلاة الصبح هل يقطع ويوتر؟] ومن كان خلف إمام فى الصبح أو وحده فذكر وتر ليلته, فقد استحب له مالك أن يقطع, ويوتر, ثم يصلى الصبح؛ لأن الوتر سنة, ولا يقضى بعد الصبح, وقد أسكت عبادة بن الصامت المؤذن بعد إقامة صلاة الصبح حتى يصلى الوتر. قال ابن القاسم: ثم أرخص مالك للمأموم أن يتمادى. قال مالك فى الواضحة: وإن ذكر الإمام الوتر وهو فى الصبح فليقطع, ويخرج فيوتر, ثم يصلى الصبح إلا أن يكون قد أسفر جداً فلا يقطع, وليتماد فى فريضته». وروى مثله ابن القاسم وابن وهب. وروى أيضاً ابن وهب عنه أنه قال: إن شاء تمادى, ثم أوتر, وأعاد الصبح, / وقاله ابن عبد الحكم.
ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ومن ذكر الوتر بعد صلاة الصبح لم يقضه, ولم أسمع أن أحدً قضى الوتر بعد صلاة الصبح, وليس هو كركعتى الفجر فى القضاء. وقال النخعى: إذا صلى الصبح أو طلعت الشمس فلا قضاء للوتر. م إنما قال ذلك؛ لأنه ما لم يصل الصبح / يكون وتره متصلاً بما هو قبله , فإذا صلى الصبح فقد حال بينه وبينه صلاة من غير جنسه ففات وقته, وإذا طلعت الشمس ولم يكن صلى الصبح فالأولى له أن يبدأ بالصبح كما بدأ بها عليه إذا ضاق الوقت, فإذا بدأ بها صار ذلك حائلاً بينه وبين ما هو وتر له. فصل -8 - [فى من شفع وتره ساهياً] قال ابن القاسم: ومن شفع وتره ساهياً سجد لسهوه بعد السلام, واجتزأ
بوتره, يعمل فى السنن كما يعمل فى الفرائض» قال مالك: «ومن لم يدر جلوسه فى الشفع أو فى الوتر سلم وسجد لسهوه, ثم أوتر بواحدة». م قيل: إنما أمره بسجود السهو؛ لاحتمال أن يكون أضاف ركعة الوتر إلى ركعتى الشفع من غير سلام فيصير قد صلى الشفع ثلاثاً, فيسجد بعد السلام كذلك, والله أعلم. قال ابن القاسم: وإن لم يدر أفى الأولى هو جالس أو فى الثانية أو الوتر؟ أتى بركعة وسلم وسجد لسهوه ثم أوتر. قال ابن المواز: قال ابن القاسم: ومن أحرم للشفع فلا يجعلها وتراً,
وإن أحرم للوتر فلا يجعلها شفعاً». قال أصبغ: «فإن فعل فى الوجهين أجزأه». قال ابن المواز: وإن أحرم للوتر فله أن يشفعه, وإن أحرم للشفع فلا يجزئه أن يوتر به.
[باب- 9 -] في من ذكر صلاة نسيها وهو في صلاة أو غيرها
[باب- 9 -] في من ذكر صلاة نسيها وهو في صلاة أو غيرها [فصل -1 - في وقت الصلاة المنسية] وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى يقول: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}، وكذلك إذا نام عنها. وقد روى مالك عن زيد بن أسلم أنه قال: ((عرسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق مكة ووكل بلال [أن] يوقظهم للصلاة فرقد بلال، ورقدوا حتى [استيقظوا وقد] طلعت عليهم الشمس فاستيقظ القوم، وقد فزعوا، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، وقال: (إن هذا واد به شيطان) فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي، ثم أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا و [أن] يتوضؤوا، وأمر بلالا [أن] ينادي بالصلاة أو يقيم، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، ثم انصرف [إليهم]، وقد رأى فزعهم فقال: ((يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا، فإذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها، ثم فزع إليها فليصلها، كما كان يصليها في وقتها)) ثم التفت [رسول الله صلى الله عليه وسلم] إلى أبي بكر، فقال: ((إن الشيطان أتى بلالاً، وهو قائم يصلي، فأضجعه، فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام) ثم دعا [رسول الله صلى الله عليه وسلم] بلالا، فأخبر بلال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي/ أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر، فقال أبو بكر أشهد أنك رسول الله)). قال النخعي في من نسي صلاة: فليصلها متى ما ذكرها في وقت صلاة أو غير وقت صلاة.
م وخالف ذلك أبو حنيفة، وقال: لا يصلي في غير وقت صلاة. ودليلنا قوله عليه السلام: ((من نسي صلاة، أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها))، ولأن تلك صلاة فرض، فأشبهت عصر يومه أو فجره، وهو يوافقنا في ذلك. قال ابن عمر: فإن ذكرها وهو خلف إمام تمادى معه، فإذا سلم الإمام صلى التي نسي، وأعاد التي صلى مع الإمام. قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا. قال مالك: في من ذكر صلاة نسيها، فليصلها حين يذكرها، من ليل أو نهار، وإن بدأ حاجب الشمس، أو كان عند غروبها. ووقتها حين يذكرها،
لا يؤخرها عن ذلك. [فصل -2 - في من ذكر فريضة، وهو في فريضة أخرى] قال: وإن ذكرها وهو في فريضة غيرها، فإن كان وحده قطع، ما لم يركع، ويصلي ما نسي، ثم يعيد التي كان فيها، وإن صلى ركعة شفعها ثم قطع، وإن ذكرها وهو في شفع سلم، ثم صلى التي نسي، وأعاد التي كان فيها، وإن ذكرها بعد ما صلى من هذه ثلاثًا أتمها أربعًا، -يريد- ولا يجعلها نافلة. قال ابن القاسم: ويقطع بعد ثلاث/ أحب إلي، ثم يصلي التي ذكر، ثم يعيد ما كان فيه. وقال أشهب في العتبية: إذا ذكرها قبل أن يركع في الأولى فليتم ركعتين، ويصلي ما نسي، ثم التي كان فيها.
قال مالك: ((وإن ذكرها وهو خلف إمام تمادى معه، ولا تجزئه، فإذا سلم الإمام سلم معه ثم صلى ما نسي، ويعيد ما كان فيه مع الإمام إلا أن يكون قد صلى قبلها صلاة فيدرك وقتها ووقت التي صلى مع الإمام فيعيدهما جميعًا بعد الفائتة مثل أن يذكر الصبح وهو مع الإمام في العصر، فإنه إذا سلم الإمام سلم معه، ثم صلى الصبح، ثم أعاد الظهر والعصر. قال مالك: وكذلك إن ذكر صلاة وهو خلف الإمام في المغرب، فليتماد مع الإمام فإذا سلم الإمام سلم معه، ولا يشفعها، ثم قضى ما نسي وأعاد المغرب، ووقت المغرب والعشاء في ذلك الليل كله. وكذلك لو ذكر وهو خلف إمام في العصر أنه قد نسي الظهر فليتماد معه، فإذا فرغ صلى الظهر وأعاد العصر. قال ابن حبيب: إنما يتمادى مع الإمام من ذكر صلاة خرج وقتها فأما إن
كان في العصر فذكر ظهر يومه، أو كان في العشاء فذكر المغرب فهذا يقطع على شفع كان أو وتر؛ لأنه في خناق من وقت الأولى، وتلك فرض، وهذه لا تجزئه، فمبادرته وقت الأولى أولى. قال: ولو ذكر فيها صلاة فاتت فليتماد فإذا سلم صلى التي ذكر، وأعاد هذه، فإن نسي أن يعيدها حتى خرج وقتها فليعدها أبدًا؛ لأنها صارت نافلة. وقال سحنون: لا يعيدها إذا خرج وقتها. م قول ابن حبيب أحب إلي ووجه قول سحنون أن الترتيب إنما يجب في الوقت فإذا ذهب الوقت سقط حكمه فيما قد صلى، فأما المنسيات فحكمها قائم بعد إذ لابد من الاتيان بها، وهو مذهب المدونة. قال ابن حبيب: وإن ذكر الفائتة/ بعد سلامه من هذه فصلى التي ذكر ونسي إعادة هذه حتى خرج وقتها، فقال ابن القاسم: لا يعيدها، وقال مطرف وبعد الملك: يعيدها، وذكراه عن مالك، وبه أقول، وكذلك قالا في من ذكر في الوقت أنه صلى بثوب نجس، ثم نسي أن يعيد حتى خرج الوقت أنه يعيد أبدا. وقال ابن المواز: لا يعيد بعد الوقت في الوجهين تركها ناسيًا أو عامدًا إلا في قول عبد الملك.
م وقول ابن القاسم في ذلك أبين، وبه أقول. [فصل -3 - ذكر مكتوبة وهو في نافلة] ومن المدونة، قال ابن القاسم: وإن ذكر مكتوبة ذهب وقتها وهو في نافلة، فليقطع إن لم يركع، وإن ركع واحدة شفعها، وقد كان مالك يقول أيضا: يقطع، وأحب إلي أن يشفع. م ولم يختلف قوله: إذا هو ذكرها بعد ركعة من الفريضة أنه يشفعها، والفرق بينهما على أحد قوليه أن الفريضة إذا شفعها فهو قطع لها إذ دخل على أربع، فقطع من اثنتين، والنافلة إذا شفعها فقد أكملها، ولم يؤثر ذكر الفريضة فيها، فأمره أن يقطع من واحدة ليؤثر فيها ذكر الفريضة وإنما تشبه الفريضة النافلة إذا ذكرها بعد ثلاث من الفريضة؛ لأنه إن زاد رابعة صار مكملا لها كما يكون مكملا في النافلة إذا شفعها، وقد اختلف قوله فيهما جميعًا. ومن المدونة قال مالك: وإذا ذكر الإمام صلاة نسيها فليقطع، ويعلمهم فيقطعوا. قال ابن القاسم: ولم يره مثل الحدث.
م يريد؛ لأنه في الحدث يستخلف. والفرق بين ذلك أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام، فمتى بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة من خلفه، هذا هو الأصل، فخرج الاستخلاف في الحدث من ذلك بالسنة، وبقي ما سواه على أصله، ولأنها صلاة قد تصح على قول بعض الناس، وتجزئ المأمومين، فإذا قطع فقد أفسد عليهم، فلذلك لم يجز أن يستخلف. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن لم يذكر الإمام حتى سلم أجزأتهم صلاتهم، وأعاد هو بعد قضاء التي ذكر. قال سحنون: وقد كان يقول: ويعيدون هم في الوقت، وقاله في كتاب الحج وهما يحملان جميعًا محملاً واحدًا. قال أبو عمران: معناه وهما يرويان جميعًا. م والأول أبين.
قال سحنون وعيسى: إن ذكرها وهو في الصلاة استخلف، كالحدث، وإن ذكرها بعد أن سلم فلا إعادة على من خلفه، وقاله ابن القاسم أيضا، وابن كنانة وابن دينار أنه يستخلف. وقال ابن حبيب: وقاله مطرف وابن الماجشون. قال: ((وإنما يقطع إذا ذكر أنه صلى تلك الصلاة في بيته أو نسي تكبيرة الإحرام وشبه ذلك فإنه يقطع ويقطعون، ويبتدئون صلاتهم بإمام، وسواء ذكر ذلك في حال صلاته أو بعد أن سلم إلا التي كان صلاها في بيته فإنه إن لم يذكر إلا بعد فراغه منها فإنما يعيدونها أفذاذًا)). م والقياس أن يستخلف في ذلك كله، وليسوا بأسوء حالاً من الحدث، ولا يستخلف/ في ذلك كله، إلا في الحدث الذي ورد/ فيه النص. والفرق بين ذلك ضعيف. فصل -4 - [في من ذكر صلوات كثيرة أو صلوات يسيرة وقت صلاة] ومن المدونة قال مالك: ومن ذكر صلاة أو صلوات يسيرة مثل الثلاث والأربع في وقت صلاة بدأ بهن وإن فات وقت الحاضرة.
قال ابن القاسم في العتبية: ولو بدأ بالتي حضر وقتها، ثم قضى ما ذكر فلم يفرغ حتى خرج وقت التي بدأ بها فلا يعيدها. وقال في المدونة: وإن كانت الصلوات كثيرة بدأ بالتي حضر وقتها. قال: وإن كان قد صلى الحاضرة، ثم ذكر صلوات يريد يسيرة، قال: فيصلي ما نسى، فإن بقي بعد ذلك من وقت الحاضرة قدر ركعة أعادها، وإلا لم يعد. قال ابن القاسم: وإن ذكر صلوات كثيرة وهو في صلاة تمادى فيها. م إذا ذكر صلوات وهو إن بدأ بهن فات وقت الحاضرة، فإن كانت أربع صلوات فأقل، فلا خلاف بين أصحابنا أنه يبدأ بهن، وإن فات وقت الحاضرة، وإن كانت ست صلوات فأكثر بدأ بالحاضرة. واختلف إن كانت خمس صلوات، فقيل: يبدأ بهن، وقيل: يبدأ بالحاضرة. م وإن كان الوقت متسعًا.
قال ابن حبيب: مثل أن يذكر عند الزوال أن عليه عشر صلوات أو أكثر، وهو إن بدأ بهن فرغ منهن وأدرك الظهر في وقت يجوز لمن عليه صلاة تأخيرها إليه، فليبدأ بهن الأولى فالأولى، وكذلك ما يذكر عند غيبوبة الشفق، وقاله ابن عبد الحكم. وقال أبو زيد عن ابن القاسم: ((إن ذكر عشر صلوات يريد أو أكثر في وقت الظهر بدأ بهن ما لم يخف فوات وقت الظهر، والوقت في ذلك (كله) ما لم تصفر الشمس. والوقت في رواية سحنون في ذلك الغروب. وعلى هذا الأصل إن ذكر عشر صلوات أو أكثر وهو يصلي الظهر في أول وقتها فإنه يقطع، ويبتدئ بهن، ويصليها بعد الفراغ منهن، وإن كان قد صلاها قبل أن يذكرهن فإنه يصليهن ويعيدها؛ لأنه يدرك وقتها. والوقت عند ابن حبيب وقت الصلاة المفروضة، وفي رواية أبي زيد الاصفرار. وفي رواية سحنون الغروب، كما قدمنا، وهذا كله خلاف لما في المدونة، والذي هو وفاق المدونة ما ذكره سحنون في كتاب الشرح، وهو إن ذكر أربع صلوات فأدنى في وقت صلاة بدأ بهن، وإن لم يذكرهن حتى صلاها فليصل ما ذكر بعد ذلك ويعيد التي صلى إن كان في وقتها، وإن ذكر خمس صلوات فأكثر بدأ بالحاضرة، ثم يصلي ما ذكر بعد ذلك ولا يعيد الحاضرة، وإن كان في وقتها، وكذلك لو ذكرهن بعد ما صلى الحاضرة، وإن ذكر الخمس وهو في الحاضرة فليتماد عليها، فإذا فرغ صلى التي ذكر، ولا يعيد الصلاة التي ذكرهن فيها.
ويحتمل أن تكون الخمس في حيز القليل وما تقدم أشبه بظاهر المدونة. ولا إشكال في الست أنها في حيز الكثرة، وقول ابن حبيب حسن. وبالله التوفيق. ومن المدونة قال مالك: ومن نسي صلوات كثيرة أو تركها صلاها على قدر طاقته، ويذهب لحوائجه، فإذا فرغ من حوائجه صلى أيضا ما بقي عليه حتى يستكملها، ويقيم لكل صلاة صلاها. ويصلي صلاة الليل في النهار ويجهر، وصلاة النهار في الليل ويسر. قال محمد بن أبي زمنين: في من عليه صلوات كثيرة/، فقيل: إنه يبدأ بصلاة الظهر، وقيل: يبدأ بالصبح. قال: فإذا طلعت الشمس فأكره الصلاة حتى ترتفع في الطلوع، يريد صلاة النافلة. م لما روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا بدأ حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب)) /.
فصل -5 - [في من ذكر صلاة صلاها وأعاد ما هو في وقته] ومن ذكر صلاة صلاها، وأعاد ما هو في وقته من الصلوات ووقت الظهر والعصر في هذا النهار كله، والمغرب والعشاء الليل كله، والصبح إلى طلوع الشمس. فإن بقي بعد الفائتة من الوقت قدر صلاة ركعة من الأخرى أعادها جميعا، وإن لم يبق إلا قدر صلاة أو ركعة منها جعلها للآخرة. قال في العتبية: فإن قدر أنه يبقى من النهار أربع ركعات فصلى العصر، ثم بقي من النهار ركعة، فليعد الظهر والعصر؛ لأنه قد كان وجب عليه صلاتهما متواليتين، وكذلك قال ابن حبيب، وقاله ابن المواز عن مالك. وقال أشهب في الصلاة الثاني من العتبية، وسحنون في كتاب ابنه: ((لا يصلي إلا الظهر))، وقاله ابن المواز من رأيه. قال: إلا أن يعلم قبل أن يسلم من العصر أو لا فليعد الصلاتين. م فوجه قول مالك: فلأنه لما فرغ من الفائتة بقي له من النهار قدر خمس ركعات فوجب أن يصلي الظهر والعصر متواليتين فليس خطؤه في التقدير يسقط ما كان وجب عليه.
ووجه قول أشهب أنه لما كان الواجب أن يبدأ بالظهر، ثم العصر فأخطأ فبدأ بالعصر صار كمن نسي الظهر وصلى العصر فذكر لقدر ركعة من النهار أنه يصلي الظهر ولا يعيد العصر، فعذره بخطئه في التقدير كما عذره بالنسيان؛ لقوله عليه السلام: (حمل عن أمتي الخطأ والنسيان)، وهو القياس. والله أعلم. وكذلك الحائض في خطأ التقدير. وفي كتاب الصلاة الأول شيء من هذا. [فصل -6 - في الترتيب بين الفوائت] ومن المدونة قال مالك: وإن ذكر الصبح والظهر بدأ بالصبح، وإن خرج وقت الظهر، وإن ذكر الظهر والعصر بدأ بالظهر، وإن غربت الشمس. قال علي عن مالك: فإن بدأ بالعصر جهلا أو سهوًا فليعدهما، وإن لم يذكر حتى ذهب يومه لم يعد شيئا. قال في المدونة: وإن كان قد صلى العصر، ثم ذكر الظهر، فليصلها، ولا يعد العصر، إلا أن يبقى من النهار قدر ركعة، ولو ذكر آخر الليل المغرب والعشاء بدأ بالمغرب، وإن طلع الفجر، وكذلك العشاء والصبح يبدأ بالعشاء وإن طلعت الشمس.
قال سحنون: ومن ذكر صلاة بعد أن ركع ركعتي الفجر صلاها، وأعاد ركعتي الفجر. قال مالك: ومن نسي الصبح والظهر من يوم فذكر الظهر بعد أيام فلما أحرم بها ذكر الصبح فليقطع، ويبدأ بالصبح، ولو لم يذكرها حتى سلم لم يعد الظهر، وفراغه منها كذهاب وقتها. ومن المجموعة قال أشهب: ومن ذكر الصبح في صلاة الجمعة، فإن أيقن أنه إذا خرج صلى الصبح وأدرك ركعة من الجمعة فليقطع، وإن أيقن أنه لا يدرك ذلك تمادى، فإذا سلم صلى الصبح ولم يعد ظهرا، كصلاة خرج وقتها، وإن أعاد ظهرًا فحسن. ابن المواز قال ابن القاسم: وإن صلى الجمعة، ثم/ ذكر الصبح فإنه يصلي الصبح، ويعيد الجمعة ظهرًا، ووقتها النهار كله، قال أصبغ: وقال الليث وأشهب: وقتها الفراغ منها، قال سحنون: لا يعيدها. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن صلى أيامًا ذاكرًا لصلاة متعمدًا صلى التي ذكر، وأعاد ما هو في وقته من الصلوات، وقد أساء في تعمده، ولا يعيد التي ذكرها فيها أولا إذا خرج وقتها. وقال ابن الماجشون: ((لابد من إعادة التي ذكرها فيها أولاً، وما هو في وقته من الصلوات)).
قال ابن القصار: في من ذكر صلاتين ظهرين أو عصرين أن الترتيب يسقط فيهما؛ لأنهما من جنس واحد، وصفتهما واحدة، والنية لهما واحدة، وقد اجتمعتا في وقت الذكر، فلا فائدة في ترتيب إحداهما على الأخرى، وليس كذلك إذا كانتا مختلفتين. قال: وليس عن مالك في هذا نص، وإنما النص في الصلوات المختلفة، وهذا شيء/ رأيته واخترته. وفي كتاب ابن الجلاب: أن الترتيب في الفوائت مستحق في خمس صلوات فأدنى، وغير مستحق في ست صلوات فما فوقهن. قال: وترتيب المفعولات مستحب إعادتها في الوقت بعد صلاة ما نسي، وترتيب المتروكات مستحق في الوقت وبعده)). [فصل -7 -] في من ذكر صلاة لا يدري ما هي أو صلوات لا يدري أيتهما قبل الأخرى من العتبية قال ابن القاسم: ومن ذكر صلاة يوم لا يدري سفرًا أو حضرًا، فليصل صلاة يوم للسفر، وصلاة يوم للحضر، لا يعيد فيهما الصبح والمغرب.
م وكذلك لو ذكر صلاة واحدة لا يدري ما هي، لا من سفر، ولا من حصر، الجواب سواء. قال ابن القاسم: وإن ذكر ظهرًا وعصرًا لا يدري الظهر للسبت والعصر للأحد، أو العصر للسبت والظهر للأحد، فليصل ظهرًا للسبت، ثم عصرًا للأحد، ثم عصرًا للسبت، ثم ظهرًا للأحد، وقاله ابن حبيب. م والصواب أن يصلي عصرًا بين ظهرين أو ظهرًا بين عصرين، ولا حكم للأيام، وإنما المراعاة في الترتيب، فإذا صلى على حسب ما ذكرنا حصل الترتيب؛ لأنه إن كانت الظهر هي الأولى فقد صلاها قبل العصر وإن كانت العصر الأولى فقد صلاها قبل الظهر. قال ابن حبيب: ومن نسي صلاة لا يدري ظهرًا أو عصرًا فليصل صلاتين ظهرًا وعصرًا، هذا إن لم يدر من أي يوم هي، وإن شك في اليوم، فقال: من السبت أو الأحد، فليصل أربع صلوات ظهرًا وعصرًا للسبت، ثم يعيدها للأحد.
م ذلك سواء إنما عليه أن يصلي ظهرًا وعصرًا فقط. قال: فلو كان ظهرًا لا يدري من السبت أو من الأحد، فليصل الظهر للسبت، ثم يعيدها للأحد. م إنما عليه ظهر واحد. قال: ومن نسي صلاتين ظهرًا وعصرًا من يومين مختلفين لا يدري أيتهما قبل صاحبتها، ولا يعرف اليومين، فليصل ظهرًا بين عصرين وعصرًا بين ظهرين، وقاله ابن الماجشون وابن القاسم وغيرهما. قال: ((وأما لو عرف اليومين مثل السبت والأحد، فليصل ظهرًا وعصرًا للسبت، وظهرًا وعصرًا/ للأحد. ولم يفرق سحنون ولا ابن المواز بين يوم معروف أو غير معروف، وقالا: ((يصلي ظهرًا بين عصرين، أو عصرًا بين ظهرين)). م وهذا هو الصواب. ومن كتاب ابن سحنون من ذكر ظهرًا لا يدري للسبت أو للأحد فإنما
عليه ظهر واحد، وكذلك إن ذكر ظهرًا وعصرًا لا يدري من أمس أو من أول أمس فإنما عليه ظهر وعصر فقط. م وهذا خلاف ما تقدم لابن حبيب، وهو الصواب؛ لأنه إذا كانت عليه الصلاة أو الصلاتان من يوم واحد فإنما عليه قضاؤها لا يراعى كانت للسبت أو لأحد، ولو لزم هذا للزم من ذكر ظهرًا لا يدري من أي يوم من الجمعة أن يصليها لكل يوم من أيام الجمعة، وكذلك لو كان لا يدري أي يوم هي من سنة ست أن يصليها على عدد أيام سنة ست، فليس هذا بشيء، وإنما عليه أن يصلي ما ذكر من الصلوات إذا كانت من يوم واحد لا يراعى غير ذلك. وقال ابن القاسم: في من ذكر ظهرًا أو عصرًا لا يدري كل واحدة منهما عن سفر أو حضر، فليصلهما سفريتين، ثم حضريتين.
قال في العتبية: وإن نسي ظهرًا وعصرًا واحدة من سفر وأخرى من حضر لا يدري أيتهما هي، ولا أيتهما قبل الأخرى فليصل ست صلوات، إن شاء صلى ظهرًا أو عصرًا/ للحضر، ثم صلاهما للسفر، ثم صلاهما للحضر، وإن شاء بدأ بهما للسفر وختم بالسفر، وقاله سحنون، وقاله ابن حبيب عن أصبغ. أبو محمد: وقال بعض أصحابنا: يصلي ظهرًا أربعًا، وعصرًا ركعتين، ثم عصرًا أربعًا، ثم ظهرًا ركعتين، ثم ظهرًا أربعًا، ثم عصرًا ركعتين)). إن كانا من يوم واحد، فليصلهما جميعًا حضريتين، ثم يعيدهما سفريتين، وإن كانت واحدة من يوم وأخرى من يوم آخر، ولا يدري هل هما حضريتان أو سفريتان، ولا أيتهما قبل، فليصل ظهرًا حضريًا ويعيده سفريًا، ثم عصرًا حضريًا ويعيده سفريا، ثم ظهرًا حضريا ويعيده سفريا، ولا وجه لقول أصبغ فيما ظهر لي، والله أعلم بالصواب. قال ابن حبيب: قال أصبغ: وإن شك أن يكونا جميعًا للحضر أو جميعًا للسفر، والمسألة بحالها فليصل ظهرًا حضريًا ويعيده سفريًا، ثم عصرًا
حضرياً ويعيده سفريًا)). وقاله أصبغ، وقال: وما قيل لك غير هذا فأطرحه؛ فإن فيه تخييرًا لأصحابنا. قال سحنون: ((ومن نسي صلاتين من يوم وليلة لا يدري الليلة سابقة لليوم أو بعدة فليصل سبع صلوات يبدأ بصلاتي الليل، ثم بصلاتي النهار، ثم بصلاتي الليل، ولم يأمره أن يبدأ بصلاتي النهار لئلا يصير مصليا ثمانيًا. وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: أنه يبدأ بصلاتي النهار، ثم صلاتي الليل، ثم صلاتي النهار. قال أبو محمد: وهذا القول من ابن الماجشون يدل [على] أنه جعل صلاة الصبح من صلاة الليل، والمعروف لمالك أنها من صلاة النهار. م وفي ما ذكرنا من هذا الباب كفاية، فقس عليه ما يرد عليك منه، إن شاء الله وبالله التوفيق.
[باب -10 -] جامع القول في السهو في الصلاة
[باب -10 -] جامع القول في السهو في الصلاة [فصل -1 - في تحقيق القول في محل سجود السهو من الصلاة] روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته فلا يدري كم صلى ثلاثًا أم أربعًا/ فليصل ركعة ثم يسجد سجدتين قبل السلام، فإن كانت الركعة التي صلى خامسة شفعها بهاتين السجدتين، وإن كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان)). م هكذا في الموطأ أنه يسجد سجدتين قبل السلام، وهذا يؤيد قول من قال: إن السجود كله في النقص والزيادة قبل السلام؛ لأن هذه زيادة وهو قول ابن شهاب والليث، ولكن قد جاء حديث آخر أنه عليه السلام قام من اثنتين فسبح به فلم يرجع، وسجد قبل السلام، وسلم من اثنتين فسجد بعد
السلام، وصلى خامسة فسجد بعد السلام، فوجب بذلك السجود في النقص قبل السلام، وفي الزيادة بعد السلام. ابن المواز: وقال مالك وأصحابه: إن سجود النقص قبل السلام كأنه جبران لما نقص، وفي الزيادة بعد السلام ترغيم للشيطان. قال عبد الوهاب: ولأن سبيل الجبران للنقص في العبادة أن يكون فيها لا بعدها، ولما كان سجود السهو للزيادة ترغيمًا للشيطان وشكرًا لله تعالى على إتمام الصلاة وجب أن يكون بعد السلام؛ لأنه لا يجبر نقصًا؛ ولأنه لما زاد ساهيًا لم يجز أن يزيدها سجودًا؛ لأنها لا تحتمل زيادتين، وليس كذلك النقصان؛ لأنه لما نقص كان السجود جابرًا للمتروك، وإنما لم يسجد لهما عقيب سهوه وأخرهما إلى آخر الصلاة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك فعل؛ ولأنهما تجزيان لجميع السهو، فأخرا إلى آخر الصلاة لجواز أن يتبع السهو سهوًا فيكون/ السجود لجمعيه. [فصل -2 - في أنواع المتروك من الصلاة] قال أبو محمد عبد الوهاب: والمتروك من الصلاة أربعة أنواع: فرض، وسنة، وهيئة، وفضيلة، فالمفروض لا يجبر بسجود السهو دون الإتيان به، وذلك
كتكبيرة الإحرام، وقراءة أم القرآن، والركوع، والسجود، وغير ذلك من فرائض الصلاة. والمسنون مثل: قراءة السورة التي مع أم القرآن والإسرار، والإجهار، والتكبير كله غير الإحرام في حال الخفض والرفع وما أشبه ذلك فهذا يجبر بسجود السهو، والهيئات: كرفع اليدين، وصفة الجلوس، وكذلك الفضائل الداخلة على الصلاة، كالقنوت، وسجود التلاوة، فلا سجود للسهو فيه. [فصل -3 - في تسليم الإمام في الرباعية من ركعتين ساهيًا] ومن المدونة قال مالك: وإذا سلم الإمام من اثنتين فسبحوا به فلم يفقه، فقال له رجل ممن خلفه في الصلاة: إنك لم تتم صلاتك فالتفت إلى القوم فقال: أحق ما يقول هذا؟ فقالوا: نعم، فليتم بهم الإمام بقية صلاتهم، ويسجد بعد السلام، وتجزئهم من تكلم ومن لم يتكلم، كما جاء في يوم ذي اليدين. وروى ابن وهب: أن النبي صلى الله عليه وسلم من اثنتين فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل ذلك لم يكن، فقال:
قد كان بعض ذلك يا رسول الله فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: ((أصدق ذو اليدين))؟ فقالوا: نعم، فأتم رسول الله/ صلى الله عليه وسلم ما بقي من الصلاة ثم سلم، ثم سجد سجدتين بعد السلام. قال ابن أبي زمنين: وروي عن سحنون أنه قال: لست آخذ بهذا الحديث إلا في موضعة، وأما في واحدة أو ثلاث فلا أفعل. والمعروف من قول ابن القاسم أنه يأخذ به في واحدة وفي ثلاث/. وقال ابن كنانة: إنما ذلك خاص للنبي صلى الله عليه وسلم ولم خلفه، ولم يأخذ به ابن كنانة في ركعتين، ولا في غيرها؛ لأن الفرائض كانت تنسخ فيمكن أن يكون ذلك منسوخًا، وقد ظن ذو اليدين أن تقصيرها قد نزل من السماء/، واليوم فلا يظن ذلك أحد، وعرض هذا على ابن القاسم فنقضه وقال: قد تكلموا بعد أن علموا أنها لم تقصر، وقالوا: قد كان بعض ذلك يا رسول الله لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل ذلك لم يكن.
ومعنى قوله: ((كل ذلك لم يكن)) أي: ما قصرت، ولا نسيت، وكذلك فسره في الحديث الآخر الذي في الموطأ.\ [فصل -4 - إذا تيقن الإمام أو المنفرد صلاته فلا يرجع إلى يقين غيره] قال مالك: ولا يرجع من صلى وحده إلى يقين من ليس معه في صلاته، وليبق على يقينه، فإن سأل غيره بطلت صلاته. قال ابن القاسم: فكل من شك في صلاته فليبق على يقينه، فإن كان إمامًا فسبحوا به فليرجع إلى يقين من خلفه في شكه لا في يقينه، وكذلك يرجعون إليه. [فصل -5 - في أحكام الزيادة في الصلاة] قال مالك: ومن ذكر أنه في خامسة فليكف عن إتمامها، أي وقت ذكر، فإن كان قد أتمها لم يأت بسادسة، ويسجد بعد السلام. قال ابن القاسم: وإن صلى إمام خامسة فسها قوم كسهوه وجلس قوم وأتبعه قوم عامدون فصلاة الإمام ومن سها معه أو جلس تامة ويسجدون معه للسهو، وتفسد صلاة العامدين، ويعيد العامدون صلاتهم. قال ابن المواز: ولو أنه لما سلم من الخامسة قال: إنما كنت تركت سجدة من الأولى فهاهنا تبطل على من لم يتبعه،
يريد إن لم يوقنوا بسلامتها، وإن أيقنوا أنه لم يسه فصلاتهم تامة. قال ابن المواز: وتصح لمن اتبعه في السهو والعمد. قال سحنون: تبطل صلاة العامدين إن أيقنوا أنه لم يبق عليه شيء إلا أن يتأولوا أن عليهم اتباع إمامهم، فأرجو أن تجزئهم صلاتهم، وأحب إلي أن يعيدوا. م اختصاره إن أيقنوا أنه لم يسقط شيئًا بطلت صلاة العامدين خاصة، وإن شكوا بطلت صلاة من لم يتبعه خاصة، وتصح صلاة من سها في الوجهين. قال ابن المواز: ولو اتبعه فيها من فاتته ركعة، وهو يعلم أنها خامسة ولم يسقط الإمام شيئًا أبطل صلاته، وإن لم يعلم فليقض ركعة أخرى ويسجد لسهوه كما يسجد إمامه. قال: ولو قال الإمام: كنت أسقطت سجدة من الأولى أجزأت من اتبعه ممن فاتته ركعة، وأجزأت/ غيره ممن خلفه ممن اتبعه إلا أن يجمع كل من خلفه على أنهم لم يسقطوا شيئًا، أي: إنما أسقطها الإمام وحده فلا يجزئ من اتبعه عامدًا ممن خلفه، ولا ممن فاتته ركعة وهو لا يعلم، وليأت بها بعد سلامه، وتجزئه ومن اتبعه عالما بأنها خامسة ممن فاتته ركعة أو لم تفته بطلت صلاته، وينبغي لمن علم ممن فاتته ركعة أن لا يتبعه فيها ويقضي بعد سلامه،
فإن اجتمع الإمام وكل من خلفه على أنهم أسقطوا سجدة من الأولى أعاد هذا صلاته، ولو نسيها الإمام وحده دون من خلفه أجزأته صلاته إذا قضى الركعة التي بقيت عليه. م وإنما قال ذلك؛ لأنه إذا أسقط الإمام ومن معه السجدة من الأولى وجب على ما فاتته ركعة القيام معه في هذه الخامسة؛ لأنها رابعة له؛ لأن الأولى سقطت عن الإمام وعمن خلفه، كما سقطت عن الداخلين ويسجد بهم لسهوه قبل السلام؛ لأنه/ زاد ونقص، فإذا لم يتبعه فيها من فاتته ركعة فقد أبطل على نفسه، وأما إن كان خلف الإمام لم يسقط مع الإمام شيئًا، وإنما أسقط الإمام وحده فقط وجب على الإمام وحده قضاء تلك الركعة بعينها بأم القرآن وسورة، ويسجد لسهوه بعد السلام، ويكون كمن استخلف بعد أن فاتته ركعة فلا يجوز لمن خلفه ممن فاتته ركعة أن يتبعه فيها، ولا يقضيها حتى يسلم الإمام بعد قضاء ركعة. م وكذلك فسره ابن المواز في غير هذه المسألة. قال ابن المواز:/ ولو أسقط سجدة من الثانية أو الثالثة والقوم معه وقد اتبعه هذا في الخامسة فذلك جائز له، ولكن يقضي الأولى التي فاتته، وسواء أتبعه هاهنا، وهو عالم بأنها خامسة أو غير خامسة؛ لأنها للإمام ومن معه
رابعة. قال أبو محمد: أراه يريد وليس بموقن بسلامة ما أدرك معه. قال: ولو جلس في الخامسة معه ثم ذكر الإمام سجدة لا يدري من أي ركعة فلا يسجد سجدة لا هو ولا من شك كشكه ولا من فاتته ركعة وليسجد الإمام لسهوه/ قبل السلام إلا أن يعلم أن السجدة من إحدى الركعتين الآخرتين فليسجد بعد السلام، يريد معه. فصل -6 - [في أحكام الناسي لبعض سجود الصلاة] ومن المدونة قال مالك: ومن صلى ركعة ونسي سجودها فذكر ذلك وهو قائم في الثانية قبل أن يركع فليسجد سجدتين، يريد أنه يخر للسجدتين من قيام، ولا يجلس ثم يسجد، قال: ثم يقوم فيبتدئ قراءة الركعة الثانية، ولو نسي سجدة من الأولى فذكرها قبل أن يركع للثانية أو بعد أن ركع ولم يرفع رأسه منها فليرجع ويسجد السجدة التي بقيت عليه، يريد أنه يجلس ثم يسجد؛ لأن عليه أن يفصل بني السجدتين بجلوس بخلاف الذي نسي السجدتين قال: فإذا سجد قام فابتدأ قراءة الركعة الثانية. قال: وإن ذكر في
الوجهين جميعًا بعد ما رفع رأسه من الركعة تمادى وكانت أولى صلاته، وألغى الركعة الأولى، وسجد في ذلك كله بعد السلام. قال مالك: وعقد الركعة رفع الرأس منها. قال ابن المواز: وقال أشهب عن مالك: وقاله أصبغ: إن إمكان يديه من ركبتيه فوت. ابن المواز: وتماديه إذا أمكن يديه من ركبتيه أحب إلي، وهو إنما تصح له ركعة بكل حال، فيتمادى على هذه وتكون أولى، ويسجد بعد السلام، ولو أعاد الصلاة لكان حسنًا، وليس بلازم. ومن المجموعة قال عبد الملك: ومن كان قائمًا في الثانية فذكر سجدة من الأولى أو شك فيها فليرجع جالسًا ثم يسجدها، وكذلك لو كان خلف الإمام، إلا أن يخاف أن يرفع من ركوع الثانية فليتبعه فيها، ويقضي ركعة. قال: ولو شك في قيامه في الثالثة وهو وحده في سجدة لا يدري أمن الأولى أو من الثانية فليرجع فيسجد ثم يتشهد، ولعله يتذكر أنها منها، فإن ذكر صحت له ركعتان، وإن لم يذكر بنى على ركعة وسجد بعد السلام. وقال في كتاب محمد: كما أمرته أن يسجد فكذلك آمره أن يجلس ويتشهد ولا يترك تمامها على ما أمكن منها. قال ابن المواز: لا آمره أن يجلس؛ لأنه بعد أن يسجد كمن قال: لا
أدري أصليت واحدة أو/ اثنتين، فهذا يجلس ويبني على/ ركعة، وكذلك قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: أنه يسجد ولا يجلس. قال في المجموعة: ولو شك وهو قائم في الرابعة في سجدة لا يدري من أي ركعة هي فليسجد ويتشهد ويبني على ركعتين ويسجد قبل السلام، وهو في القراءة بان؛ لأنه وحده، وقد نقص السورة من الثانية. م إذ قد تكون السجدة من إحدى الأوليتين فصارت الثالثة ثانية، وقد قرأ فيهما بأم القرآن فبنى أمره على اليقين وزاد، فلذلك يسجد قبل السلام. م ولا خلاف في هذه أنه يجلس ويتشهد؛ لأنه يبني على اثنتين فجلوسه في موضع الجلوس. قال عبد الملك: وإن ذكر في جلوس الرابعة سجدة لا يدري من أي ركعة/ سجد سجدة إذ قد تكون من هذه ويتشهد ويبني على ثلاث ويسجد قبل السلام؛ إذ قد تكون من الأولى أو من الثانية فتصير الثالثة ثانية، وقد نقص منها الجلوس ونقص القراءة. وقال عنه ابن حبيب: إذا سجد قام ولم يتشهد. ابن المواز: وإن ذكر في قيام الرابعة سجدتين لا يدري من ركعة أو من ركعتين فليخر بسجدتين ويبني على ركعة ويسجد قبل السلام؛ لأن التي بنى
عليها لم يقرأ فيها إلا بأم القرآن، وكان أصبغ وأبو زيد يقولان: لا يخر لشيء ويبنى على ركعة؛ إذ لا يصح له غير ركعة، وقاله أشهب في من ذكر سجدة لا يدري من أي ركعة أنه يلغي ركعة ولا يخر لسجدة. قال ابن المواز: لا يعجبني وهو خلاف قول مالك وأصحابه أن يدع إصلاح ركعة وهو فيها وهو يقدر على إصلاحها. ومن كتاب ابن يحنون: ولو ذكر في تشهد الرابعة سجدة منها سجدها، وأعاد التشهد، ولا يسجد لسهوه، إلا أن يطيل الجلوس بين السجدتين، وقاله ابن القاسم، ولو ذكر سجدتين لا يدري أمجتمعين أو مفترقتين فليسجد سجدتين ويتشهد ويأتي بركعتين بأم القرآن في كل ركعة ويسجد قبل السلام، ولو كان مع إمام مسجد سجدتين فإذا سلم إمامه قام فأتى ركعتين / قضاء بأم القرآن وسورة في كلتيهما ويسجد بعد السلام، وأحب إليّ أن يعيد الصلاة في المسألتين. ومن المجموعة قال ابن عبدوس: وإذا كان مع الإمام فى قيام الثانية فذكر سجدة أو شك فيها فإن طمع أن يسجدها قبل رفع الإمام رأسه فعل، ثم لا يسجد للسهو، وإن لم يطمع تمادى، وأتى بركعة بعد سلام الإمام يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، فإن كان موقنًا بالسجدة فلا يسجد للسهو، وإن كان على شك سجد بعد السلام خوفًا أن تكون الرابعة زيادة، ولو كان في قيام الثالثة، والمسألة بحالها
ذكر سجدة أو شك فيها ولا يدري أمن الأولى هي أم من الثانية، فإن طمع ألا تفوته الركعة خر بسجدة، ثم يتبع الإمام فى قيامه، فإذا سلم أتى بركعة بأم القرآن وسورة؛ لأنه قاض، ولعلها من الأولى، ويسجد بعد السلام، إذ لعله أصاب بالسجدة موضعها والركعة زائدة، فإن أيقن بسلامة الثانية فيختلف يقينه وشكه، فإن أيقن بالسجدة قضى ركعة ولا يسجد للسهو، وإن شك فيها سجد بعد السلام، وكذلك إن شك أن تكون من الأولى أو من الثانية ولم يدرك أن يخر بسجدة في الثانية / وتمادى فليقض بعد الإمام، وإن أيقن أنها باقية من إحداهما لم يسجد للسهو، والمسألة بوجهها في كتاب ابن المواز، وهذا باب تتسع فيه الزيادة، وفيما ذكرناه كفاية، وبالله التوفيق. [فصل -7 - في من نسي سجدة من الركعة الأولى والركوع من الثانية]: ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن نسي سجدة من الركعة الأولى ونسي الركوع من الثانية وسجد لها فليأت بسجدة يصلح بها الأولى، ويبني عليها، ولا يضيف إليها من سجود الثانية شيئًا؛ لأن نيته في هذا السجود إنما كان
لركعة ثانية فلا تجزئه لركعته الأولى، ويسجد بعد السلام. فصل -8 - [في من تكلم في صلاته ناسيًا]: قال مالك: ومن تكلم في صلاته ناسيًا بنى على صلاته / وسجد بعد السلام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حمل عن أمتي الخطأ والنسيان "، وقد تكلم / النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته وبنى فيما قرب، قال مالك: وإن كان هذا مأمومًا حمله عنه إمامه، قال ربيعة وابن هرمز: ليس على صاحب الإمام سهو، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن"، والضمان يقتضي مضمونًا، فوجب أن يجمل عنه ما فعله سهوًا من قول أو فعل يسجد له الفذ. [فصل -9 - فيما يحمله الإمام عن المأموم]: قال مالك: وكلما سها المأموم فالإمام يحمله عنه، إلا اعتقاد نية الفريضة أو تكبيرة الإحرام أو ركعة أو سجدة أو السلام، ومن سها عن ذلك لم يجزئه سجود السهو، ويجزئه في غير ذلك من النقصان إن ذكر ذلك مكانه أو بالقرب إلا ما تقدم ذكره من ترك أم القرآن من ركعتين، وقد تقدم بعض هذا. قال مالك: ومن سلم من ركعتين ساهيًا أو شرب في الصلاة ناسيًا،
فليتم صلاته، ويسجد بعد السلام، قال: ومن سها عن سجدة أو ركعة أو عن سجدتي السهو قبل السلام بنى فيما قرب، وإن تباعد ابتدأ الصلاة. قال مالك: وكل من رجع لإصلاح ما بقي عليه بالقرب فليرجع إليه بإحرام، قال أبو محمد: ورأيت لبعض أصحابنا في من سلم من اثنتين ثم رجع بالقرب، فإنه يكبر ثم يجلس ثم يقوم للبناء، وقاله ابن القاسم، يريد؛ لأن نهضته الأولى لم يفعلها لصلاته لكن للانصراف، فلذلك أمره أن يجلس، وقال ابن نافع: لا يجلس، وقال ابن القاسم: فإن لم يدخل بإحرام أفسد ولو سلم من ركعة أو من ثلاث دخل بإحرام ولم يجلس. ويجب على من قال إذا سلم من ركعة أو من ثلاث وانصرف ثم رجع بالقرب أن يحرم، ثم يجلس؛ لأن نهضته الأولى لم يفعلها للصلاة لكن للانصراف فلا فرق. والله أعلم. قال بعض أصحابنا: وذهب غير واحد من علمائنا أن ليس عليه أن يحرم إذا
رجع بالقرب؛ لأنه في الصلاة بعد، قالوا: والحديث في ذلك ضعيف. قال: واستحسن بعض / فقهائنا إن ذكر في مكانه كما سلم قبل أن يقوم فليرجع بغير إحرام، وإن قام ثم رجع بالقرب فليرجع بإحرام. وهذا استحسان، والقياس أن لا إحرام عليه في الوجهين؛ لأنه في الصلاة بعد. [فصل -10 - في حكم من سها عن التشهد]: ومن المدونة قال مالك: ومن سها في الرابعة فلم يجلس مقدار التشهد حتى / صلى خامسة رجع جلس وتشهد وسلم وسجد لسهوه وصلاته تامة. قال: والسهو فى الفرض والتطوع وعلى الرجال والنساء سواء. وإن نسي التشهد الآخر وقد جلس وسلم، فإن كان بالقرب تشهد وسلم، وسجد بعد السلام، وإن تطاول ذلك فلا شيء عليه إذا ذكر الله، وليس كل الناس يعرف التشهد، قال ابن القاسم: ولم يره نقصانًا من الصلاة،
وكذلك سهوه عن التشهدين جميعًا، لا يراه بمنزلة غيره من الصلاة فيما يسهو عنه، قال أبو محمد: يريد: وقد جلس في الآخرة، قال مالك: وإن كان لما رفع رأسه من السجود سلم ساهيًا قبل أن يجلس وظن أنه قعد مقدار التشهد رجع أيضًا بالقرب فجلس وتشهد وسجد لسهوه بعد السلام، يريد: وإن تطاول أعاد الصلاة. [فصل -11 - في حكم من سها عن سجود سهو لنقصان هل يبنى على صلاته أو يستأنفها؟]: قال مالك: ومن ذكر بعد أن سلم ركعة أو سجدة بنى فيما قرب وإن بعد ابتدأ الصلاة، وكذلك ذكره لسجدتي السهو قبل السلام من نقص ثلاث تكبيرات أو سمع الله لمن حمده مثل ذلك. ابن المواز: وقد اختلف قول ابن القاسم في إيجاب الإعادة في ذلك، ولم ير أصبغ في ذلك عليه إعادة، وبه أقول، وأما إن كانتا من نقص الجلسة الأولى أو قراءة أم القرآن من ركعة فلم يختلف أنه يعيد الصلاة إذا تباعد.
قال أبو محمد في حاشية نوادره: محمد بم الحكم يقول: لا تفسد صلاته، وإن كان من القيام من اثنتين أو قراءة ركعة. ومن المدونة قال مالك: وإن كانتا من نقص تكبيرتين أو سمع الله لمن حمده مرتين أو التشهدين أو قراءة السورة التي مع أم القرآن من ركعة / أو ركعتين أو ترك الجهر في القراءة فليسجد فيما قرب، وإن تباعد أو طال في الكلام أو انتقض وضوءه، فلا شيء عليه. قال أبو محمد عبد الوهاب: اختلف عن مالك هل تعاد الصلاة / في ترك جميع السجود للنقصان أو في بعضه؟ فقال مرة: تعاد من ترك جميع السهو، وقال مرة: تعاد من ترك سجود نقص الأفعال دون الأقوال، فوجه الأولى: أنه جبران للنقص الواقع في الصلاة فأشبه السهو عن الأفعال، ووجه الثانية: إن حكم الأفعال آكد من حكم الأقوال بدلالة أن الإمام يحمل عن المأموم من أركان الأقوال وهو القراءة، ولا يحمل عنه شيئًا من أركان الأفعال. [فصل -12 - في حكم من جعل الله أكبر سمع الله لمن حمده أو العكس]: ومن المدونة قال مالك: وإذا جعل الإمام أو الفذ موضع الله أكبر سمع الله لمن حمده، وموضع سمع الله لمن حمده الله أكبر فليرجع فيقول كما كان
عليه، فإن لم يرجع ومضى سجد قبل السلام، كما لو أسقطهما. يريد أنه يقول: سمع الله لمن حمده فقط، ولا يعيد التكبير؛ لأن موضع التكبير قد فاته؛ لأنه قد رفع رأسه وهو أيضًا إذا أعاد سمع الله لمن حمده فقد أتى بها بعد التكبير، فهو كمن قرأ السورة قبل أم القرآن، فإنما يعيد السورة فتصير بعد أم القرآن، وكمن صلى يوم الجمعة قبل الخطبة، فإنه يعيد الصلاة فتصير بعد الخطبة. [فصل -13 - لا سجود سهو فيما خف]: قال مالك: فأما من نسي تكبيرة / أو سمع الله لمن حمده مرة أو القنوات فهو خفيف، ولا سجود عليه، وقيل: يسجد في ذلك، وهو خفيف. قال مالك: ولو شك في ركعة فتفكر قليلًا، ثم ذكر أنه لم يسه فلا سجود عليه، وإن لم يدر أسلم أم لا فليسلم ولا سجود عليه في كل سهو سها فيهما. قال عيسى عن ابن القاسم: ولو ذكر أنه زاد في صلاته فسجد سجدة من سجدتي السهو بعد السلام ثم ذكر أنه لم يسه فلا يسجد أخرى، ولا شيء عليه،
ولو ظن أنه نقص من صلاته فسجد سجدة قبل السلام، ثم ذكر أنه لم ينقص شيئًا فلا يسجد أخرى، وليسجد لسهوه بعد السلام، وكذلك لو سجد سجدتين، ثم ذكر أنه لم ينقص شيئًا سجد لسهوه بعد السلام. قال ابن حبيب: ومن نقص / فسجد لسهوه قبل السلام فتكلم قبل أن يسلم فليسلم ويسجد لسهوه بعد السلام، وقال مالك في المجموعة في إمام سلم من اثنتين ساهيًا وسجد لسهوه، ثم ذكر فليتم صلاته، ويعيد سجود السهو. قال ابن المواز: ومن سجد سجدتين في آخر صلاته وعليه سجدتا السهو فلم يدرأ سجدهما لفرضه أم لسهوه فعليه أربع سجدات أخرى. فصل -14 - [سجدتا السهو كسجدتي الفريضة]: ومن المدونة قال مالك: وسجدتا السهو كسجدتي الفريضة، ويكبر لهما، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن صلى إيماء أومأ بهما، فإن كانتا بعد السلام تشهد لهما، واختلف قوله في التشهد لهما قبل السلام. وإنما قال: إن كانتا بعد السلام تشهد لهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ولأن من سبيل السلام أن يكون عقيب تشهد، ألا ترى أن سلام
التحليل لا يكون إلا عقيب تشهد، ألا ترى أنه إذا فرغ من تشهده ثم قام ونسي السلام، فإنه يرجع إذا كان قريبًا فيعيد / التشهد ثم يسلم، ولا يكتفي بالتشهد الأول لتراخيه عن السلام، ووجه قوله: إذا كانتا قبل السلام تشهد لهما أيضًا: فلما روى عمران بن حصين أن الرسول صلى الله عليه وسلم تشهد لهما؛ ولأنه سجود سهو فأشبه الذي بعد السلام؛ ولأن السلام يقتضي أن يكون عقيب تشهد اعتبارًا بالصلاة والتشهد الأول قد تخلل بينه وبين السلام سجود السهو، فوجب أن يستأنف غيره ليقع السلام عقيبه، ووجه قوله: لا يتشهد لهما أنه يكتفي في ذلك بالتشهد الأول؛ لأنه لم يفصل بينه وبني السجود بسلام؛ ولأن الركعة الواحدة لا يتشهد فيها مرتين. قال مالك: ولا يحرم لهما كانتا قبل السلام أو بعده. وإنما قال ذلك؛ فلأن ما كان قبل السلام داخل في حكم الصلاة فلم يكن له إحرام ولا إحلال، كسجود الأصل، وأما ما كان بعد السلام؛ فلأنه غير واجب، ولا تبطل بتركه الصلاة فلم يكن له إحرام كسجود التلاوة، وإن نسيهما وهما بعد السلام وطال ذلك، فقال ابن القاسم مرة: يسجد لهما ولا يحرم
لهما / كسجود التلاوة، وقال أيضًا: يحرم لهما، وروي عن مالك. فوجه الأولى أن سجودهما غير لازم فلم يحرم لهما كسجود التلاوة. ووجه الثانية أنه لما كان لهما تشهد وتحليل وجب أن يكون لهما / تحريم، كالصلاة. قال ابن المواز: وإن ذكر اللتين قبل السلام بعد أن سلم رجع بإحرام كرجوعه لإصلاح صلاته فيما قرب. [فصل -15 - إذا اجتمعت الزيادة والنقصان على المصلي سجد لهما قبل السلام]: ومن المدونة قال مالك: ومن سها سهوين أحدهما يجب عليه فيه السجود قبل السلام، ابن المواز: وكذلك إن شك فلم يدر أزاد أو نقص فليسجد قبل السلام، قال أبو محمد عبد الوهاب: وإنما قال: يسجد في اجتماع الزيادة والنقص قبل السلام؛ لأنه لا يخلو من أحوال: إما أن لا يسجد أصلًا، فذلك غير جائز باتفاق، أو أن يسجد أربع سجدات، وذلك غير جائز أيضًا؛ لأنه خلاف الأصول، أو أن يغلب أحدهما فكان النقصان أولى بالتغليب؛ لأنه جبران
وسجود الزيادة شكر وإرغام للشيطان، ولا يجوز أن يؤتى بسجود شكر على صلاة ناقصة، ولا أن يرغم الشيطان بترك الصلاة ناقصة. ومن المدونة قال مالك: ومن صلى خلف من يرى السجود فى النقص بعد السلام فلا يخالفه، فإن الخلاف شر، ابن المواز: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به "، قال ابن القاسم: ومن وجب عليه سجود سهو بعد السلام فسجد قبل السلام رجوت أن يجزئ عنه على القول في الإمام الذي يرى خلاف ما يرى من خلفه، قال ابن المواز: وصلاته تامة فعل ذلك سهوًا أو عمدًا، وقال أشهب: يعيد إذا تعمد ولا أقول به، وقد كان ابن شهاب والليث يريان السجود في النقص والزيادة قبل السلام. ومن المدونة: ومن لزمه سجود سهو قبل السلام فنسيه حتى طال ذلك أعاد الصلاة، فإن ذكر بحضرة ما سلم فليسجدهما وتجزئان عنه، كمن قام من رابعة، ثم ذكر فليرجع جالسًا ويسلم ويسجد لسهوه. قال مالك: وأما إن نسي سجود سهو / بعد السلام فليسجدهما متى ذكر ولو بعد شهر ولو انتقض وضوءه توضأ وقضاهما، وإن أحدث بعد ما سجدهما
توضأ وأعادهما، وإن لم يعدهما أجزأتاه، وقيل: لا يجزئانه وصلاته في ذلك كله تامة. والفرق بين السجود قبل السلام وبعد السلام في بطلان الصلاة إذا تباعد هو: أن الذي بعد السلام ليس من الصلاة /، وما يفعل بعد العبادة لا تفسد بتركه، والذي قبل السلام هو من نفس الصلاة وقبل التحليل، فجاز أن تبطل بتركه؛ ولأن سجود الزيادة شكر وترغيم للشيطان على تمام الصلاة، فهو يتضمن صحتها، وسجود النقص جبران للنقص الواقع فيها، فجاز أن تفسد بتركه. قال ابن المواز: ومن انصرف من صلاته، ثم ذكر سجدتي السهو قبل السلام فليسجدهما في موضع ذكره إلا في الجمعة فلا يسجدهما إلا في الجامع، فإن سجدهما في غيره لم تجزئه، وكذلك إن نسي السلام. فصل:-16 - [فى حكم من سجود سهو من صلاة قد مضت وهو في صلاة]: ومن المدونة قال مالك: ومن ذكر سجود السهو بعد السلام من صلاة قد مضت وهو في فريضة أو نافلة لم تفسد / واحدة منهما، قال ابن القاسم: فإذا فرغ مما هو فيه سجدهما.
م وكذلك إن كانتا قبل السلام وهما مما لا تفسد الصلاة بتركهما، فهما كالتي بعد السلام. قال ابن القاسم: وإن كانتا قبل السلام وهما من فريضة/ ومما تعاد بنسيانها الصلاة فذكرهما بقرب صلاته في فريضة أو نافلة رجع إليهما بغير سلام كان وحده أو وراء إمام، فإن أطال القراءة في هذه الثانية أو ركع، يريد وإن لم يرفع رأسه بطلت الأولى، فإن كانت هذه الثانية نافلة أتمها ركع أو لم يركع. يريد؛ لأنه في بقية من الوقت ولو كان في ضيق من الوقت قطع، وإن لم يركع ويصير كمن ذكر فريضة ذهب وقتها في نافلة. قال: وإن كانت التي ذكر فيها سجود السهو فريضة قطع إن كان وحده. لأنه لا يدخل من فريضة في فريضة إلا في ضيق من وقت الأولى، فلما بطلت الأولى صار كمن ذكر فريضة في فريضة، فإن كان وحده / قطع، وإن كان مع إمام تمادى فإذا سلم أعادهما. قال: وإن كان الذي هو وحده عقد من الفريضة ركعة، ثم ذكر سجدتي السهو قبل السلام فليشفعها أحب إليّ، ثم يصلي فريضته الأولى والثانية. وسحنون يرى أن عقد الركعة رفع الرأس منها، إلا في هذه.
قال ابن القاسم: وإن كانتا قبل السلام وهما من نافلة فذكرهما قبل أن يتباعد وهو في نافلة أخرى رجع إن لم يركع من الثانية شيئًا فسجد ما كان عليه وتشهد وسلم وابتدأ التي كان فيها إن شاء، قال ابن المواز: وإن ذكرهما بعد أن ركع في هذه الثانية التي هو فيها تمادى، فإذا فرغ منها فقد استحب له ابن القاسم أن يسجدهما بعد فراغه، قال: ولو ذكرهما وهو في فريضة لم يضره ذلك في فريضته ويتمها، ولا شيء عليه. قال في المدونة: وإن ذكر سجود السهو بعد السلام من نافلة وهو في نافلة أخرى لم يقطع التي هو فيها ركع أو لم يركع إلا أنه إذا أتمها سجدهما. فصل -17 - [فى أحكام سجود المسبوق]: ومن المدونة قال مالك: ومن عقد مع الإمام ركعة فوجب على الإمام سجود سهو، فإن كان قبل السلام سجد معه قبل القضاء، ويجزئه، ولا يعيده قبل سلامه هو لنفسه، قال: وإن كان سهو الإمام بعد السلام، فلا يسجد معه حتى يقضي، قال ولينهض المأموم للقضاء إن شاء حين يسلم الإمام من
الصلاة أو من السجود، فإن جلس المأموم حتى يسلم المأموم حتى يسلم الإمام من سهوه فلا يتشهد، وليذكر الله تعالى. قال ابن القاسم: وأحب إليّ أن يقوم بعد سلام الإمام من الصلاة؛ لأن الإمام قد انقضت صلاته حين سلم، ولو أحدث الإمام بعد السلم أجزأت عنه صلاته فبعد قضائه يسجد كما سجد إمامه بها سها الإمام والمأموم معه أم لا، ذلك / سواء. قال ابن القاسم في العتبية: اختلف قول مالك في قيامه للقضاء، فقال مرة: يقوم بعد سلام الإمام من الصلاة، وقال مرة: بعد سلامه من سجود السهو، وهذا أحب إليّ؛ لأن قيامه وحده والإمام ساجد سماجة وشهرة. قال ابن القاسم: وإن دخل/ عليه فيما يقضى هو لنفسه سهو، فإن كان نقصانًا سجد قبل السلام لسهوه وسهو الإمام؛ لأنه زيادة ونقص، وإن كان زيادة سجد لها بعد السلام /، وإن كان سجود الإمام بل السلام فسجد معه، ثم دخل عليه فيما يقضي لنفسه سهو، فإن كان نقصانًا سجد قبل السلام، وإن
كان زيادة سجد بعد السلام، وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم. فالمحصول في سجود هذا أن يراعي سهو نفسه، فإن كان نقصانًا سجد قبل السلام، وإن كان زيادة سجد بعد السلام. قال عيسى عن ابن القاسم: ولو جهل فسجد معه سجود سهو بعد السلام، ثم قام يقضي فليعدهما بعد السلام أحب إلي، ويعيدهما متى ما ذكر، قال عيسى: جاهلًا كان أو عالماً. وذهب سفيان في المدونة إلى أنه يسجد مع الإمام سجود السهو بعد السلام، ثم يقوم فيقضى، قال سحنون عن ابن القاسم في المستخرجة: فإن أحدث الإمام فقدمه، فإن كان سهو الإمام نقصانًا سجد بهم إذا انقضت صلاة الإمام قبل أن يقضي هو ما عليه، ثم يشير إليهم أن اجلسوا، ويقوم لقضاء ما عليه، فإن دخل عليه فيما يقضي سهو فليسجد له وحده، إن كان قبل فقبل، وإن كان بعد فبعد، وليس عليهم من سهوه شيء لأن صلاتهم قد انقضت ولم يبق عليهم إلا سلامه، وإن بقية صلاة الإمام فإنه يسجد سجود
الإمام الأول قبل السلام وتجزئه من ذلك كله كان سهوه هو في ذلك زيادة أو نقصانًا، وإن كان سهو الإمام زيادة فلا يسجد بالقوم حتى يتم بقية صلاته ويسلم ويسجد بهم، فإن دخل عليه سهو فسواء كان سهوه في بقية صلاة الإمام الأول أو فيما يقضي لنفسه، زيادة كان أو نقصانًا فليسجد بهم بعد السلام كسجود الإمام الأول، ويجمع له ذلك كله. قال في المجموعة: وقال غير ابن القاسم: إذا كان سهو الإمام الأول زيادة وسها هذا فيما استخلف عليه نقصانًا فليسجد بهم قبل السلام ويجزئه عن السهوين جميعاً، وكذلك لو سها هو / فيما يقضي نقصانًا ليسجد بهم قبل السلام، وكان ذلك للسهوين. وتحصيل سجود هذا المستخلف هو إن كان سهو الأول نقصانًا فسها المستخلف فيما يقضى لنفسه فليسجد سجوده لنفسه، وإن سها في بقية صلاة الأول سجد سجود الأول، وإن كان سهو الأول زيادة، فسواء سها المتخلف فيما يقضي لنفسه أو في بقية صلاة الأول زيادة أو نقصانًا فإنه يسجد سجود الأول بعد السلام. وقيل: إن كان سها الأول زيادة، وسها المستخلف في بقية صلاة الأول، أو فيما يقضي لنفسه نقصانًا سجد قبل السلام، وكان ذلك للسهوين.
ومن المدونة قال مالك: وإن لم يعقد مع الإمام ركعة لم يسجد معه، لا قبل ولا بعد، ولا يقضيه؛ لأنه لك يدرك من الصلاة شيئًا، وفي الحديث "من أدرك مع الإمام ركعة من الصلاة فقد أدركها"، ألا ترى لو أن مسافرًا أدرك خلف مقيم التشهد الآخر فإنما يصلى صلاة سفر، قال / أشهب في المجموعة: لا يلزمه أن يسجد معه لسهوه، ولكن يسجدهما بعد السلام احتياطًا، فإن كانتا عليه فقد، قضاهما، وإلا لم يدخل في صلاته خللاً قبل سلامه. فصل -18 - [في المأموم يظن أن الإمام سلم]: ومن المدونة قال مالك: ومن ظن أن الإمام سلم، فقام يقضي ما فاته، فصلى ركعة وسجد سجدتين، ثم سلم الإمام فعلم بذلك فليرجع فيصلي تلك الركعة بسجدتيها، ولا يعتد بما صلى قبل سلام الإمام يريد ولا سهو عليه؛ لأنه في حكم الإمام فهو يحمله عنه، قال: ولو سلم عليه الإمام، وهو قائم، أو راكع فليرفع رأسه من الركوع بغير تكبير، ويبتدئ القراءة من أولها، يتم صلاته ويسجد للسهو قبل السلام.
قال ابن المواز وسحنون: لنقصه نهضة القيام في غير حكم إمامه، وفي المختصر الكبير عن مالك: بعد السلام، وقال المغيرة وعبد الملك: لا سجود سهو عليه؛ لأنه في حكم إمامه سها. ومن المدونة: ولو علم بذلك وهو قائم، قبل سلام الإمام، فليرجع، فيجلس مع الإمام، ثم يقضي بعد سلام الإمام، ولا سجود سهو / عليه؛ لأنه رجع إلى الإمام قبل سلامه فحمل ذلك عنه. فصل -191 - [في من أسر بالقراءة فيما يجهر فيه، أو جهر فيما يسر فيه]: ومن المدونة قال مالك: ومن سها فأسر فيما يجهر فيه سجد قبل السلام، وإن جهر فيما يسر فيه سجد بعد السلام، وإن كان شيئًا خفيفًا من إجهار أو إسرار، كإعلانه بالآية ونحوها في الإسرار فلا سجود عليه. ومن العتبية قال أشهب عن مالك: ومن قرأ في الجهر سرًا ثم ذكر فأعاد القراءة جهرًا فلا سجود عليه، قال: ولو قرأ أم القرآن فقط في ركعة من الصبح فأسر بها أجزأته صلاته، ولا سجود عليه، وقال ابن القاسم: إن قرأها سرًا، ثم ذكر فأعادها جهرًا فليسجد بعد السلام، قال أصبغ: ومن
أسرّ في الجهر أو جهر في الإسرار عامدًا لم يعد ويستغفر الله سبحانه وتعالى. وقال علي في المجموعة: ورواه أبو زيد عن ابن القاسم: أنه يعيد؛ لأن هذا عابث، وقال عيسى: يعيد أبدًا. فصل -20 - [في من نسي الجلوس في الركعتين، أو سها عن القراءة حتى ركع]: ومن المدونة قال مالك/ ومن نسي الجلوس في الركعتين حتى نهض عن الأرض واستقل قائمًا تمادى ولا يرجع، ويسجد قبل السلام. وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم من اثنتين وعمر وابن مسعود فتمادوا وسجدوا كلهم للسهو. ومن المجموعة قال ابن القاسم عن مالك: إذا فارق الأرض - وإن لم يعتدل قائمًا - فلا يرجع، ويسجد قبل السلام، وإن رجع سجد بعد السلام، وقال أشهب: إذا قام فلم يعتدل قائمًا حتى ذكر فجلس، فليسجد بعد السلام، وإن اعتدل قائمًا، ثم رجع فليسجد قبل السلام؛ لأنه مخطئ في رجوعه بعد أن قام، فلا يعتد بجلوسه.
م يريد؛ لأنه لما اعتدل قائمًا وجب عليه التمادي وتخلد النقصان في ذمته، فلما رجع كان ذلك منه زيادة، فهو كمن نقص وزاد في صلاته فسجوده قبل السلام. أبو محمد: وبلغني عن ابن سحنون أنه ذهب إلى أن صلاته تفسد برجوعه، يريد إلا أن يرجع سهوًا. ابن حبيب: إن تزحزح للقيام من اثنتين ثم ذكر فجلس فلا سجود عليه، وإن ارتفع عن الأرض فليرجع ما لم يستو قائمًا، فإذا استوى قائمًا فلا / يرجع، واستحسن لهم أن يسبحوا به ما لم يستو قائمًا، فإذا استوى قائمًا فلا يفعلوا. ومن العتبية قال سحنون عن ابن القاسم: في من سها عن القراءة حتى ركع واطمأن / راكعًا أترى أن يمضي كما يمضي الذي نهض من اثنتين فاعتدل قائمًا، قال: لا أرى ذلك مثله، وأرى أن يقوم فيقرأ ثم يركع ثم يسجد لسهوه بعد السلام. والفرق بينهما أن الذي قام من اثنتين فاعتدل قائمًا فقد فارق موضع الجلوس، وأسقط سنة يجزئ منها سجدتا السهو، فلذلك أمره بالتمادي،
والذي ترك القراءة ترك فرضًا فلذلك أمره بالرجوع /، كما لو أنه قام من اثنتين وقد أسقط سجدة لأمره بالرجوع إليها ولم يتمادى؛ إذ هي فرض فهذه مثل القراءة، وأما لو أسقط السورة التي مع أم القرآن فذكر وهو راكع فهذا يتمادى؛ لأنه فارق موضع القراءة، وقد أسقط سنة تجزئ منها سجود السهو، فهو مثل من أسقط الجلوس حتى استقل قائماً، وبالله التوفيق. [فصل -21 - السهو في النافلة]: ومن المدونة قال مالك: ومن قام في نافلة من اثنتين ساهيًا فليرجع فيجلس ويتشهد ويسلم، ويسجد بعد السلام. قيل لابن القاسم: فإن لم يذكر حتى ركع قال: قد اختلف قول مالك فيه، وأحب إليّ أن يرجع ما لم يرفع رأسه من الركوع، فإن رفع رأسه من ركوعه أتى برابعة، كان في ليل أو نهار، وسجد قبل السلام لنقصه السلام، قال ابن القاسم: وإن سها عن السلام من الرابعة حتى صلى خامسة فلا يأت بسادسة، وليرجع متى ما ذكر فيجلس ويسلم ثم يسجد
للسهو؛ لأن النافلة في قول بعض العلماء أربعه - يريد - فيسجد على قولهم إذا صلى خمسًا بعد السلام، وأما على قول مالك، فالنافلة عنده ركعتان فإذا صلاهما خمسًا سجد قبل السلام؛ لأنه نقص السلام وزاد الركعة. [فصل -22 - في من زاد في فريضة ركعة أو أكثر]: قال مالك: وإن صلى الفريضة خمسًا ساهيًا سجد بعد السلام، وروي عن ابن القاسم في العتبية في من صلى المغرب خمسًا: أنه يجزئه سجود السهو بعد السلام /. قال يحيى بن عمر: جيدة - يريد - ما روي عنه في من زاد في الصلاة مثل نصفها، وكذلك يقول أشهب: أنه يسجد للسهو، ابن حبيب: قال مطرف: ومن صلى المكتوبة ستًا أو أكثر أجزأه سجود السهو، وعاب قول من قال: تبطل صلاته إذا زاد فيها مثل نصفها، واحتج بزيادة ركعة فى الصبح وروى مثله عن ابن القاسم، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ، وقال ابن نافع وابن كنانة: عليه أن يعيد، وقال ابن الماجشون: لا أقول ينصف الصلاة، ولكن ركعتين عندي طول يفسدها، وليست ركعة في الصبح ولا غيرها بطول.
[باب -11 -] في استخلاف الإمام وعمل المستخلف
[باب -11 -] في استخلاف الإمام وعمل المستخلف [فصل -1 - في استخلاف الإمام]: قال مالك - رحمه الله -: وإذا أحدث الإمام أو رعف أو ذكر أنه جنب أو على غير وضوء استخلف قبل أن يخرج، فإن تمادى بعد ذكره، أو ابتدأ ذاكرًا أفسد عليهم. وقال ابن القاسم: وإن تكلم في استخلافه، فقال: يا فلان تقدم لم يضرهم ذلك، ولكنه لا ينبني، وإن كان راعفًا. قال ابن حبيب: إن استخلف الراعف بالكلام جهلاً أو عمدًا فقد أفسد عليه وعليهم، ولو كان يعلم أنه لا يستخلف بالكلام ففعلة سهوًا بطلت عليه دونهم، وأتموا لأنفسهم، وقاله / ابن الماجشون. ومن المدونة قال مالك: وإن خرج الإمام ولم يستخلف أتم بهم أحدهم. ومن المدونة قال ابن القاسم: فإن صلوا وحدانا فلا يعجبني ذلك،
وصلاتهم تامة، إلا الجمعة، فلا تجزئهم. [فصل -2 - في عمل المستخلف]: قال: وإن استخلف من فاتته ركعة أتم بهم صلاة الأول واجتزأ بما قرأ، ثم يجلسون حتى يقضى ما بقي عليه، ثم إذا سلم سلموا. قال سحنون في كتاب ابنه: وإن كانوا كلهم قد فاتتهم الركعة، فمن أصحابنا من يقول: يقوم المستخلف وحده للقضاء [ثم يسلم] ثم يقومون بعده، ومنهم من يقول: إذا قام يقضى قام كل واحد منهم يصلي لنفسه، ثم يسلمون بسلامه، فإن ائتموا به فقد أبطلوا على أنفسهم، ولاة المستخلف تامة، وإلى هذا رجع سحنون بعد أن كان يقول تجزئهم. وقال ابن عبد الحكم: من / لزمه أن يقضي فذا فقضى / بإمام بطلت صلاته.
قال ابن القاسم: وإن استخلف وهو راكع، فليرفع بهم المستخلف، وتجزئهم الركعة. قال أبو محمد: يريد يرفع الإمام رأسه بغير تكبير، فيستخلف من يرفع بهم، ويل: يستخلف من يرفع بهم قبل أن يرفع هو؛ لئلا يعتدوا برفعه. قال ابن القاسم فى العتبية: وإذا أحدث الإمام في بعض القراءة فقدم رجلاً، فليقرأ المقدم من موضع انتهاء الأول. وإن كانت صلاة أسرار، فليبدأ المستخلف بأم القرآن خوفًا أن يكون نسيها الأول أو لم يتمها، إلا أن يكون سمع أين انتهى الأول في
القراءة، فليقرأ المقدم من موضع انتهى. قال ابن القاسم: والمستخلف في الركوع يدب راكعًا، والمستخلف في الجلوس يدب جالسًا، وفي القيام يدب قائماً. قال: وإذا أحدث الإمام بعد رفع رأسه من الركوع فقدم من لم يدرك معه تلكم الركعة، فليقدم هذا من أدركها ويتأخر هو، فإن لم يفعل، وسجد بهم، فلايتبعوه في سجوده؛ لأنه لا يعتد بتلك الركعة، فلا يعتدون هم بها، فإن اتبعوه بطلت صلاتهم جميعًا. قال أشهب: في من لم يدرك مع الإمام إلا السجدة الآخرة فاستخلفه، فسجدها بهم، ثم أتم لنفسه أن صلاتهم باطلة لاتبعاهم إياه في سجدة لا يعتد بها. ابن المواز: وقيل: إنها تجزئهم، وأن سجدوها معه. فوجه هذا: فلأنهم لابد لهم من سجود تلك السجدة استخلف عليهم أو لم يتخلف، فسجودهم معه كسجودهم إياها أفذاذًا، فوجب أن يجزئهم. ومن المجموعة والعتبية قال سحنون: "وإذا أحرم رجل خلف الإمام، وهو قائم في الثالثة من الظهر، فأحدث فقدمه فصلى بهم ركعتين بقية صلاة الأول، ثم رجع إليه الإمام، وهو في التشهد، فقال له: بقيت على سجدة،
ولا أدري من الأولى أو من الثانية، فليقم المستخلف بالقوم إن كانوا على شك فيصلي بهم ركعة بأم القرآن فقط؛ لأنه بناء، ثم يجلسون، ويأتي هو / بركعة قضاء بأم القرآن، وسورة، ويسجد قبل السلام، ويسجدون معه، وقد قيل: يسجد بهم قبل ركعة القضاء، وإنما يسجد قبل السلام، لأن ركعته من الأولتين قد بطلت بالسجدة التي أسقط الإمام، وصار المستخلف إنما استخلف على ثانية الإمام، وقد قرأ فيها بأم القرآن/ فقط، وقام فيها، فدخله النقص من هاهنا وقد صارت الرابعة ثالثة، فعليه أن يأتي برابعة الإمام، وهي ركعة البناء، فلذلك قرأ فيها بأم القرآن وحدها، ثم يأتي بركعة القضاء لنفسه"، قال: ولو كان القوم موقنين بالسلامة قعدوا، ولم يتبعوه وقضى الإمام لنفسه. قال سحنون في المجموعة: " ولو كان الإمام الأول شاكًا في
السجدة لقرأ هذا في الركعة التي يحتاط بها بأم القرآن وسورة لاحتمال أن يكون الأول لم يبق عليه شيء، فتصير هذه الركعة قضاء، وكذلك الثانية، ثم يتشهد في الأولى منهما؛ لاحتمال أن تكون ركعة بناء ورابعة الأول، ويصلونها معه إن كانوا على شك، ويسجدون قبل السلام. قال: وإن لم يرجع إليه الأول حتى قضى الركعتين اللتين فاتتاه، فقال له: بقيت على سجدة فصلاة المستخلف تامة؛ لأنه صلى بالناس ركعتين، وقضى ركعتين لنفسه، ولكن يسجد قبل السلام؛ لأنه قام في موضع الجلوس، وترك السورة التي مع أم القرآن في ركعة، وليسجد معه القوم، ثم إن كانوا على شك أتوا بركعة بعد سلامه بأم القرآن فقط، وسلموا، ثم سجدوا للسهو خوفًا أن لا يكون بقي عليهم شيء، فتصير هذه ركعة زائدة، وإن أيقنوا أن السجدة كان أسقطها الأول لم يسجدوا للسهو بعد ركعتهم هذه، وإن أيقنوا أنه لم يبق عليه شيء سلموا بسلام الإمام. قال: ولو صلوا معه ركعتين، ثم استخلفه على ركعتين فصلاهما
بالقوم، ثم ذكر الأول سجده، فإن شك المستخلف فيها قام بالقوم إن شكوا فصلي بهم ركعة بأم القرآن وسجد بهم قبل السلام، وإن أيقنوا إنه لم يبق عليهم شيء فصلاتهم/ تامة، ولا شيء عليهم، ولو أن الأول لما ذكر سجدة، ثم ذكر الثاني مما صلي بهم بعده سجدة لا يدري من أي ركعة هي، فليخر بسجدة ويتشهد، ثم يأتي بركعتين بأم القرآن في كل ركعة، ويسجد قبل السلام؛ لأن فيها نقصاً وزيادة، ويعيد الصلاة لكثرة السهو، وكذلك قال في من صلي الظهر، فذكر في تشهده الآخر سجدتين لا يدري من ركعة أو من ركعتين أنه يسجد سجدتين ويتشهد، ويأتي بركعتين بأم القرآن في كل ركعة، ويسجد قبل السلام، ويعيد الصلاة احتياطاً. ومن كتاب ابن المواز: وأما من فاتته ركعة مع الإمام فقام لقضائها بعد سلامه، ثم رجع الإمام، فقال له: أسقطت سجدة من الأولى، فإن قضي هذا ركعته ورفع رأسه منه بمقدار لو رجع إمامه لكان له البناء لقربه، ولم
يكن من الإمام أيضاً تعمد للكلام، ولا رجع فأتي بركعه وسلم، فركعته هذه باطلة، فليعدها إن لم يرجع الإمام فيبني معه، ولو كان استخلفه - م يريد رعف فاستخلفه - فأتم بهم، ثم قضي ركعة، فإنه يعتد بها، وكأنه استخلف عليها بركعة قرب أو بعد ويسجد قبل السلام، ويسجدون معه، ثم يقضي الإمام الأول بعد سلام المستخلف ركعة واحدة، ويصليها الناس أفذاذاً قبل أن يسلموا وهم فيها، كركعةغفلوا عنها حتى سلم إمامهم، ويصير المستخلف كأنه لم يفته شيء، ولو علموا ذلك قبل / أن يركعا، وصلوها معه لأجزأتهم، وكذلك الإمام الأول لو أدركه فيها لاتبعه، وإذا لم يكن مستخلفاً وقضي ركعة، فركعها ورفع رأسه منها بعد طول قيام لا يبني الإمام في مثله فهي له مجزئه، إلا أنه يسجد قبل اسلام، وكأنه نقص منها القراءة؛ إذا لو أتي الأول كان له أن يبني، فصارت قراءته لا يعتد بها حين وقعت في موضع الأول، إلا أن يبني فيه، ولو ركع قبل طول ذلك لم تجزئه، وصار كمن ظن أن إمامه
سلم، فقال يقضي، فسلم وهوقائم، فليلغ ما عمل، وأحب إلى أن يسجد قبل السلام؛ لأنه كان عليه أن يقوم بعد سلام الإمام، فترك ذلك، وقام في صلاة الإمام، ولو كانت الصبح قد فاتته منها ركعة فقضاها، ثم ذكر الإمام سجدة، فإن قضاها في وقت للإمام فيه البناء لم يعتد بها، فإن لم يفرغ منها حتى فات البناء أعاد هذا صلاته - يريد محمد - ويصير كمن ترك القراءة في ركعة من الصبح على ما بين في التي قبلها. وفي السليمانية: إن الإمام إذا استخلف رجلاً في صلاة السر، وهو قائم، فإن أم المستخلف يبتدئ قراءة أم القرآن، ولم يفرق بين أن يكون مكث في قيامه قدر قراءة أم القرآن أم لا، وذلك سواء لإمكان أن يكون نسيها أو أبطأ في قراءتها، ولم يتمها، فلا بد للمستخلف من قرائتها والله أعلم. وهذا باب واسع في كتاب محمد وغيره، وفيما ذكرناه منه دليل على ما يرد منه إن شاء الله، وفي باب الجمعة شيء منه.
[باب -12 -] في التشهد والسلام
[باب -12 -] في التشهد والسلام [فصل-1 - في التشهد] قال مالك رحمه الله: لا أعرف في التشهد بسم الله الرحمن الرحيم. ويبدأ إذا قعد بالتشهد قبل الدعاء. واستحب مالك تشهد عمر رضي الله عنه، وروي مثله ابن عمر عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، ولم يذكر الزاكيات، وقال عبده ورسوله. والذي روي عن عمر أنه كان يعلمه الناس على المنبر يوم الجمعة التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمه الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله/ الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. قال ابن الحبيب: "وهو التشهد الذي علمه النبي صلي الله عليه وسلم عمر، وكان عمر رضي الله عنه يعلمه الناس على المنبر، والصحابة حوله لا ينكرونه. قال: والتحيات جمع التحية، والسلام منه. وقال غيره: التحية، الملك.
قال ابن حبيب: والزاكيات صالح الأعمال، والطيبات طيبات القول. وروي مالك في الموطأ أن يشير بن سعد قال: يا رسول الله! أمرنا الله أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله صلي الله عليه وسلم ثم قال: قولوا: الهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم. قال أبو محمد: ومما تزيده إ'ن شئت بعد تشهد عمرك وأشهد أن الذي جاء به محمد حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبول، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، اللهم صل على ملائكتك المقربين، وعلى انبيائك والمرسلين، وعلى
أهل طاعتك أجمعين، اللهم أغفر لي، ولوالدي، ولأئمتنا، ولمن سبقنا بالإيمان، مغفرة عزماً، اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه محمد نبيك، وأعوذ بك من كل شر استعاذك منه محمد نبيك، اللهم اغفر لنا ما قدمنا، وما أخرنا وما أسررنا، وما أعلنا، وما أنت ألعم به منا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن فتنة القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن عذاب النار، وسوء المصير، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين. قال ابن حبيب: ولا يزيد المصلي في الجلسة الأولى على التشهد، وإن دعا فدعاء خفيف، قال مالك. ومن العتيبة قال ابن القاسم عن مالك: ومن لم يتشهد ناسياً حتى سلم الإمام، فليتشهد، ولا يدعوا، ثم يسلم.
قال: والإشارة بالأصبع في التشهد حسن، ولا بأس أن يشير بها من تحت ساجه، وهو ملتف به، ولقد رأيت مالكاً يحرك السبابة في التشهد ملحاً. ومن كتاب آخر: وروي أن عمر كان يحركها ملحاً، وقيل: إن مقمعة للشيطان. قال ابن حبيب: "وفعله الرسول صلي الله عليه وسلم وقال الرسول صلي الله عليه وسلم: (الإشارة بالإصبع في الصلاة في الدعاء مقمعة للشيطان ومرضاة للرحمن، وهو
الإخلاص) ". قال يحيي بن مزين: /ينبغي أن ينصب السبابة في التشهد، وحرفها إلى وجهه، ولا يحركها. وقيل في من ينصبها تأويله الإخلاص إن الله أحد. فصل -2 - [في التسليم] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: "ويسلم الإمام والفذ واحدة قبالة وجهه، ويتامن قليلاً، وقد سلم النبي صلي الله عليه وسلم، وكذلك سلم أبو بكر
وعمر وعثمان وغيرهم". قال مالك في غير المدونة: وكما يدخل في الصلاة بتكبيرة واحدة، فكذلك يخرج منها بتسليمه واحدة، وعلى ذلك كان الأمر في الأئمة وغيرهم، وإنما أحدث تسليمتان منذ كانوا بنوا هاشم. قال عنه ابن القاسم: ولا بأس بالمصلي وحده؛ إذا فصل بالواحدة أن يسلم على يساره.
وقد تقدمت الحجة في السلام في أدلة الفرائض في الكتاب الأول، فأغني عن إعادتها. قال ابن حبيب: يسلم الإمام واحدة تلقاء وجهه، ويتامن قليلاً، ويسلم الفذ تسليمتين، واحدة عن يمينه وأخرى عن يساره، والمأموم كذلك/ وثالثة رداً على الإمام، يقول في ذلك كله: " السلام عليكم" قال مطرف عن مالك. ومن المدونة: قال مالك: "ويسلم المأموم واحدة عن يمينه، ثم يرد على الإمام، فإن كان عن يساره أحد رد عليه، وقال ابن عمر". وكان مالك يأخذ بقول سعيد بن المسيب: يسلم عن يمينه وعن يساره، ثم يرد على الإمام، ثم تركه ورجع إلى هذا. قال/ أبو محمد عبد الوهاب: وقد روي الحسن عن سمرة بن جندب، قال: أمرنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أن نرد على الإمام؛ ولأن الإمام قد جمع في تسليمه أمرين: التحليل، والتسليم على المأموين، فاحتاجوا إلى الرد عليه، وروي.
عن ابن عمر وغيره. قال ابن حبيب: إن رد على الإمام قبل أن يسلم لنفسه سجد بعد السلام، ولو تكلم حينئذ أبطل على نفسه، ولو تكلم بعد سلامه لنفسه وقبل رده على الإمام لم يضره ذلك، ويجزئه. ابن القرطي: قالبعض الناس: وإن سلم على يساره، ثم تكلم بطلت صلاته. قال أبو محمد: ولا / وجه لفساد صلاته؛ لأنه إنما ترك التيامن". قال: ولم يذكر ابن القرطي إلى من نسب هذه المسألة. قال: ورأيت لمحمد بن عبد الحكم قال: قال مطرف: إن صلاته تامة، ولا شيء عليه فعله سهواً أو عمداً كان إماماً أوفذاً. ومن المدونة قال مالك: ويرد على الإمام عليك السلام، أو السلام عليكم، وكل ذلك واسع، وأحب إلى السلام عليكم.
وقال في المختصر: لا يقول: وعليك السلام. قال في العتيبة: ويقول: سلام عليكم. قال ابن القرطي: وبالألف واللام أولى؛ لأن الله هو السلام. وذكر عن أبي محمد إذا قال الإمام في سلامه: سلام عليكم بغير ألف ولام أن صلاته باطلة. وذكر عن ابن شبلون أن ذلك يجزئه. م: وهذا أبين، ولا فرق في هذا بين الإمام والمأموم، ويحمل قول مالك: ولا يجزئ من السلام إلا السلام عليكم، أي: أنه لا يجزئ فيه تكبير ولا تحميد، فإن لم يحمل على ذلك فهو اختلاف قول. قال في المدونة: وإذا سلم الإمام فليسمع نفسه ومن يليه، ولا يجهر جداً. قال في سماع ابن وهب: "وأحب للمأموم أن لا يجهر بالتكبير، وبربنا
ولك الحمد، ولو جهر بذلك جهراً يسمع من يليه فلا بأس بذلك، وترك ذلك أحب إلي. قال: ولا يحذف سلامة وتكبيره حتى لا يفهم، ولا يطيل جداً حتى يخالف. ومن الواضحة، وليحذف الإمام سلامه، ولا يمده قال أبو هريرة رضي الله عنه: وتلك السنة، وكان عمر بن عبدا لعزيز يحذفه، ويخفض صوته. ومن المدونة قال مالك: وسلامه من الفريضة ومن سجود السهو سواء، وسلام الرجال والنساء سواء. قال مالك: وإذا سلم إمام مسجد الجماعة، أو مسجد القبائل، فليقم، ولا يقعد في موضعه في الصلوات كلها، إلا أن يكون إماماً في سفر، أو في
فنائه، فإن شاء تنحي، وإن شاء أقام. ابن وهب: وكان خارجه بن زيد يعيب على الأئمة قعودهم بعد السلام، وقالك إنما كانت الأئمة ساعة تسلم تقوم. قال ابن شهاب: وهي السنة. وقال ابن مسعود: لأن يجلس على الرضف خير له من ذلك، ولقد كان أبو بكر الصديق رضي الله إذا سلم كأنه على الرض/ حتى يقوم. وقال عمر رضي الله عنه: جلوسه بدعة.
[باب - 13 -] جامع القول في صلاة الجمعة
[باب - 13 -] جامع القول في صلاة الجمعة [فصل -1 - في حكم صلاة الجمعة] وصلاة الجمعة فرض على الأعيان؛ لقوله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ). وقول النبي صلي الله عليه وسلم: " الجمعة على من سمع النداء". وقوله: "من تركها ثلاثاً متواليات، طبع الله على قلبه بطابع النفاق".
وقال تعالى: (وتَرَكُوكَ قَائِمًا)، أي تخطب، فدل أن الخطبة فريضة. قال بعض العلماء: ففي هذه الآية خمس فوائد: أولها النداء للجمعة، والسعي إليها، والنهي عن البيع، ويدخل في ذلك ما يشغل عن السعي، والرابع وجوب الخطبة؛ لأن الذكر الذي يأتيه الساعي/ هو الخطبة فدل أن الخطبة فريضة، والخامس أن الذكر غير مقدر، فما كان من الذكر يسمي خطبة فهو جائز في ذلك. وقال عبد الملك ومحمد بن الجهم: هي سنة واجبة. فوجه قول مالك أنها فرض. قول الله تعالي: (وتَرَكُوكَ قَائِمًا) أي: تخطب، وقوله تعالي: (فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ)، والذكر هو الخطبة. ولأن النبي صلي الله عليه وسلم صلاها بخطبه، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". ولأن الخطبة بدل من الركعتين، فكما كانت الركعتان فرضاً، فكذلك
ما هو بدل منها. ووجه قول عبد الملك وغيره: أنه ليس في قول الله تعالي: (وتَرَكُوكَ قَائِمًا) دليل على أن الخطبة فرض، وإنما هي من فعل النبي صلي الله عليه وسلم فهي سنة. ولا خلاف أن صلاتها والسعي إليها فريضة على الرجال الأحرار المقيمين المطيقين، إذا كان ثم إمام وجماعة. ومعني قول الله تعالي: (فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ)، أي فامضوا إلى ذكر الله. قال ابن شهاب: كان عمر بن الخطاب يقرؤها: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله. [فصل -2 - في من ترك الجمعة من غير عذر] قال ابن حبيب: "ومن ومن تركها مراراً من غير عذر لم تجز شهادته، وقد روي مالك في الموطأ عن صفوان بن سليم لا يدري أيرفعه إلى النبي صلي الله عليه وسلم أم لا؟ أنه قال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع
الله على/ قلبه". [فصل -3 - مجمل أحكام الجمعة] وقد رغب النبي صلي الله عليه وسلم في التهجير إليها والتجمل لها بالثياب والطيب والسواك، وقال: "ما علي أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته سوي ثوبي مهنته". وكان ابن عمر لا يروح إلى الجمعة إلا ادهن وتطيب، إلا أن يكون حراماً. وقد صلاها رسول الله صلي الله عليه وسلم ركعتين، وخطب قبلها وأمر بالغسل للجمعة، والإنصات للخطبة، وجعل مدرك ركعة منها مدركاً لها، وجلس في أول الخطبة ووسطهما، وجمع عليه السلام أهل العوالي إليه في الجمعة، وهي على مسيرة ثلاثة أميال من المدينة، وهو قدر ما يسمع منه النداء، وما كان أكثر من
هذا، فهو في سعة، إلا أن يرغب في شهودها فذلك حسن، قاله مالك. [فصل-4 - في من تجب عليه الجمعة] قال أبو محمد عبد الوهاب: وتجب على كل من كان على ثلاثة أميال، وروي ذلك في الحديث، ولأمره عليه السلام لأهل العوالي بحضورها ولا يراعي ذلك في المصر الواحد، ويجب على أهل المصر السعي إليها، وإن كانوا على خمسة أميال أو ستة، قال: وشروط وجوب الجمعة - م يريد على القادر على السعي إليها - خمسة، إمام ومسجد وخطبة وجماعة وموضع استيطان. قال: وإنما/ قلنا ذلك؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم صلاها بخطبة في عدد من أصحابه، ولم يصلها إلا في المسجد، وقد قال: "صلو كما رأيتموني
أصلي"، قال: وإنما شرطنا الاستيطان؛ لإتفاق أنها لا تجب على مسافر، ولا على من لا قرار له ولا وطن، ولا حد لقدر الجماعة خلافاً للشافعي رضي الله عنه في قوله: لا تقام بأقل من أربعين رجلاً. ودليلنا عليه قوله عليه السلام: "الجمعة واجبة في كل قرية، وإن لم يكن فيها إلا أربعة". وروي أن سعد بن زرارة صلاها بالمدينة في بضعة عشر رجلاً، وصلاها
أنس بالبحرين بإثني عشر رجلا. م وظاهر المدونة خلاف ما ذكر أبو محمد عبد الوهاب، وقد قال مالك فيها: إن عمر بن عبد العزيز كتب أن يجمع الجمعة خمسون رجلاً، رووي القاسم للنبي صلي الله عليه وسلم إذا اجتمع ثلاثون بيتاً. وقال/ في الواضحة: إذا اجتمع ثلاثون رجلاً وما قاربهم فهم جماعة تلزمهم الجمعة، وإن كانوا أقل من ثلاثين لم تجزئهم. ومن المدونة قال مالك: وإن كانت قرية متصلة البنيان، كالروحاء وشبهها لزمتهم الجمعة كان لهم وال أو لم يكن، وإن مات واليهم فليقدموا
لأنفسهم من يجمع لهم، وكذلك الخصوص المتصلة، وقال مالك مرة: يجمع أهل القرية المتصلة البنيان التي فيها الأسواق، ومرة لم يذكر الأسواق. وقال زيد بن بشر: وإن كان حصن الرباط على فرسخ من موضع الجمعة فليأتوا إليها، ويجعلوا فيه من يحرسه، وإن كان على أكثر من فرسخ وفيه خمسون رجلاً فليستأذنوا الوالي؛ ليأمر من يخطب بهم ويجمع، ولم ير سحنون على أهل حصن المنسير جمعة. [فصل-5 - في ما إذا وافق العيد يوم الجمعة] ومن المدونة/ قال مالك: ومن شهد العيد يوم الجمعة مع الإمام فلا يسقط شهود العيد إتيان الجمعة، وإن أذن له الإمام، ولم يأخذ مالك بإذن عثمان لأهل العوالي، وقال: ما بلغني عن غيره.
وفي الواضحة روي ابن وهب ومطرف وابن الماجشون: أن مالكاً أخذ بإذن عثمان لأهل العوالي، وأنكروا ما أنفرد به ابن القاسم من أن مالكاً لم يأخذ به. قال ابن حبيب: وقد جاء أن النبي صلي الله عليه وسلم أرخص في التخلف عن الجمعة لمن شهد صلاة الفطر والأضحي صبيحة ذلك اليوم من أهل القري الخارجة عن المدينة؛ لما في رجوعهم من المشقة على ما بهم من شغل العيد، وبه أخذ عثمان رضي الله عنه في إذنه لأهل العوالي. والحجة لمالك قول الله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ). وقوله عليه السلام: "الجمعة واجبة على كل مسلم"، فعم؛ ولأن شرائط
الجمعة موجودة فلزم أداؤها أصله إذا لم يكن يوم عيد؛ ولأن صلاة العيد سنة، فلا تسقط فرضاً، لأنها أكد منها، وكما لا تسقط الجمعة العيد التي هي أضعف كان أولي أن لا يسقط الأضعف الآكد. فصل-6 - [في من لا جمعة عليهم] ومن المدونة قال مالك: وليس على المسافرين والعبيد/ والنساء والصبيان/ جمعة، فمن شهدها منهم فلا يدع صلاتها، وليغتسل إن أتاها. وقال ابن مسعود: ليس على المسلمين جمعه في سفرهم، ولا يوم نفرهم. قيل عن ابن اللباد: قوله: يوم نفرهم يريد يوم ينفرون إلى عدوهم، وقيل: عن ابن القابسي يعني يوم ينفرون من عرفات.
وفي المختصر: ولا غسل على مسافر أتي الجمعة، إلا أن يكون أتاها لفضلها، فليغتسل". قال ابن المنذر: ولا خلاف أنها ليست على النساء، فإن حضرنا أجزأتهن. واختلف في العبد والمسافر هل عليهما جمعة؟، فقال أبو محمد عبد الوهاب: لا تجب الجمعة على عبد أو امرأة، أو صبي، أو مريض؛ لقوله عليه السلام:" الجمعة واجبة على كل مسلم، إلا أربعة: العبد والمرأة والصبي والمريض"، يريد إذا كان لا يقويعلى لاسعي، وأما لمسافر فلا جمعة عليه؛ لأن من شرطها الإقامة، ومن حضرها من هؤلاء أجزأتهم عن فرضهم. قال ابن القاسم: ولا يؤمن فيها العبد إذا ليست عليه، فإن فعل لم تجزئه،
ولم تجزئهم. وقال أشهب: تجزئهم، وقد صار من أهلها لما حضرها. ومن الواضحة قال مالك: ليس على المريض والشيخ الفاني جمعة. قال ابن حبيب: ولا على الأعمي، إلا أن يكون له قائد"، قال: وهي على الجذماء ممن يمشي منهم، وليس للسلطان منعهم من دخول المسجد في الجمعة خاصة، وله منعهم في غيرها من الصلوات، وقاله مطرف. قال سحنون: لا جمعة عليهم، وإن كثروا، ولا يصلون الجمعة مع الناس في مصرهم، ولهم أن يجمعوا ظهراً بإقامه، بغير أذان، في موضعهم. فوجه قول ابن حبيب، قوله تعالي: (إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ) الآية. وقوله عليه السلام: "الجمعة واجبة على كل مسلم"، فعم. ووجه قول سحنون: لأن في حضورهم الجمعة ضرراً بالناس؛ لشدة رائحتهم ونتنهم وقذارتهم وقد أوجب النبي صلي الله عليه وسلم على الناس الغسل للجمعة؛ ولأنهم كانوا يأتون إليها من أعمالهم، فيؤذي بعضهم بعضاً بنتن أعراقهم، والمجذوم أشد من ذلك؛ ولأن صلاة الجمعة فرض على الأعيان،
كالصلوات الخمس، فوجب أن/ لا يصليها المجذوم في المسجد مع الناس، كسائر الصلوات، بل منعهم في يوم الجمعة أولى؛ لاجتماع الناس وتجملهم وتطييبهم لها، بخلاف سائر الأيام، فوجب أن يمنعوا؛ لمزاحمتهم الناس وقذرهم، ونتن ريحهم، وكما جاز أن/ يفرق بينه وبين امرأته إذا جذم كان أحرى أن يفرق بينه وبين الناس في يوم الجمعة، ولم يكن لهم أن يصلوها في موضعهم جمعة؛ لأن الجمعة لا تصلي في المصرفي موضعين، فقول سحنون أبين لما ذكرنا، وبالله التوفيق. قال مالك في العتيبة: لا بأس أن يتخلف الرجل عن الجمعة، لجناز أخ من إخوانه، لينظر في أمره. يريد إذا لم يكن له من يكفيه ذلك. قال مالك: ولا يتخلف لمرضه الشديد، إلا أن يخشي/ عليه الموت قال: ولا يتخلف العروس عن حضور الجمعة، ولا عن الصلوات الخمس في
الجماعة، وقال في موضع آخر: وإنما لها أن يقيم عندها دون سائر نسائه، قال سحنون: وقد قيل: لا يخرج عنها، وذلك حق لها بالسنة. قال مالك: ولا يتخلف عن الجمعة لدين عليه يخاف فيه غريمه. فصل-7 - [في غسل الجمعة والتبكير إليها] وقال الرسول صلي الله عليه وسلم: غسل الجمعة واجب على كل مسلم بلغ الحلم". وقال عليه السلام: "حق على كل مؤمنم أن يغتسل يوم الجمعة، ويتسوك، ويمس من طيب إن كان له".
ووجوبه عندنا وجوب السنن المؤكدة، وليس بواجب حتماً، خلافاً لمن ذهب إلى وجوبه؛ لقوله عليه السلام: " من جاء يوم الجمعة فتوضاأ فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" ووجه من أوجبه: ما روي أبو هريرة أنه قال: قال عليه السلام: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم؛ كغسل الجنابة". معناه ندنا: كصفة غسل الجنابة، لا كوجب غسل الجنابة، فتتفق الأخبار بهذا، ولا تتنافي. ومن المدونة قال مالك: ولا يجزئ غسل الجمعة إلا متصلاً بالرواح قال: ومن اغتسل للجمعة غدوة ثم غدا إلى المسجد، وذلك رواحه فأحدث
لم ينتقض غسله، وخرج فتوضأ، ورجع، وإن تغدى أو نام بعد غسله أعاده حتى يكون غسله متصلاً بالرواح. قال ابن حبيب: هذا إذا طال أمره، وإن كان شيئاً خفيفاً لم يعده. قال ابن القاسم: وإن خرج من المسجد بعد رواحه في حاجة إلى موضع قريب ثم رجع لم ينتقض غسله، وإن طال ذلك انتقض غسله. قال ابن وهب: عن اغتسل للجمعة في الفجر أجزأه. م لعله يريد إذا راح حينئذ، وقد اختلف هل يجزئه غسله إذا راح حينئذ أم لا يجزئه، ويعيده أبداً؟ وقال مالك: لا يبكر بالتهجير جداً، والتهجير للجمعة ليس هو الغدو، ولم تكن الصحابة يغدون هكذا، وأكره أن يفعل ذلك، وأخاف على فاعله أن
يدخله شيء، ويعرف بذلك، ولا بأس أن يروح قبل الزوال ويهجر بالرواح. م وقد علل مالك رحمه الله وجه كراهيته للتبكير، وإن كان قد روى في الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، من راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب. بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)). قال مالك في شرح [غريب] الموطأ لأبي مروان عبد الملك: الذي يقع في قلبي أن هذه الساعات كلها في ساعة واحدة، وليست في ساعات النهار. والذي يدل على قول مالك قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ) الآية. فإنما أوجب السعي إذا نودي للصلاة، ففي هذه الساعة يقع فضل المسابقة. ويدل على ذلك أيضاً قوله عليه السلام: ((من راح في الساعة الأولى))، والرواح عند العرب لا يكون إلا بعد الزوال.
وقال ابن حبيب: إنما عنى بالحديث ساعات اليوم كلها. قال في المدونة: ولا بأس أن يغتسل للجنابة وللجمعة غسلاً واحداً ينويهما، وقاله ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز. فصل-8 - [في ما تدرك به صلاة الجمعة] وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((من أدرك من الجمعة ركعة/ فقد أدركها)). قال مالك: ومن ضغط بعد عقد ركوع الأولى فليتبع الإمام في السجود، ما لم يخف أن يعقد الثانية، فإن لم يقدر أن يسجد حتى ركع الإمام الثانية- يريد ولم يرفع رأسه- ألغى الأولى، ولم يسجد لها، وركع معه الثانية، وأضاف إليها ركعة بعد سلام الإمام، وأجزأته.
قال: وإن لم يقدر على سجود الأولى، ولا ركوع الثانية حتى تمت الصلاة. صلى ظهراً أربعاً، ولو عقد الأولى بسجدتيها، ثم زحمه الناس عن الثانية حتى سلم الإمام أضاف إليها ركعة، وأجزأته، وإن لم يقدر على السجود إلا على ظهر أخيه لم يجزئه، فإن فعل أعاد أبداً. قال: ومن أدرك من الجمعة ركعة قضى بعد سلام الإمام أخرى، يقرأ فيها بسورة الجمعة استحباباً، ويجهر، وإن أدرك الجلوس فقط صلى ظهراً أربعاً، ورواه أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقاله ابن عمر وغيره. فصل-9 - [في المسبوق ينسى من صلاته سجدة] قال ابن المواز: في الذي أدرك من الجمعة ركعة، فبعد سلام الإمام ذكر قبل أن يركع- أنه أسقط سجدة من هذه الركعة، فقد اختلف فيها، فقال أشهب:/ يسجد سجدة أو يأتي بركعة، وتصح له جمعة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من
أدرك الركعة، فقد أدرك السجدة)) وقال: ((من أدرك من صلاة الجمعة ركعة، فقد أدرك الجمعة)). وقال ابن القاسم: لم تتم له إلا بعد سلام الإمام، فقد صارت ركعة بلا إمام، والجمعة لا تكون إلا بإمام، وليبن عليها ثلاث ركعات، فتتم له ظهر، كمن جاء يوم الخميس يوم الجمعة، ولا يضره إحرامه للجمعة إذا آلت ظهراً؛ لأن الجمعة ظهر وهي صلاة حضر. قال محمد: وأحب إلى أن يأتي بسجدة وركعة تتم له جمعة، ويعيدها ظهراً أربعاً احتياطاً، ولا حجة عليه في قول واحد منهما، وقاله أصبغ. قيل: فإن أدرك ركعة ثم ركع الثانية لنفسه، ثم شك في السجدة، فلم يدر من أي ركعة هي؟ قال: قد اختلف فيها أيضاً، فقال ابن القاسم: يأتي بسجدة، ثم بركعة، ثم يسلم، ثم يسجد لسهوه/ بعد السلام، ويعيد ظهراً أربعاً. وقال أشهب: يأتي بركعة بلا سجدة ويسلم، ثم يسجد لسهوه ويعيد ظهراً أربعاً.
وقال عبد الملك وعبد الله بن عبد الحكم: لا يأتي بركعة، ويسجد سجدة، ويتشهد، ويسلم، ويسجد لسهوه، ويعيد ظهراً أربعاً. قال ابن المواز: وهذا أحب إلينا؛ لأنه إنما/ جعله أن يسجد؛ لخوف أن تكون السجدة من الركعة الآخرة، فإن كانت فقد تمت له جمعة، فلم جعله يأتي بركعة، فتفسد عليه ما رجا أن تصح له جمعة، وإن كانت السجدة من الركعة الأولى، فلا جمعة له، وعليه الظهر أربعاً فترك الركعة أولى، وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية، وقاله أشهب في المجموعة. قال أبو محمد: ((وكأنه في القول الآخر يتعرض أن تتم له ركعتان تنفلاً، إن لم تصح له جمعة. قال ابن المواز: ولو أن الذي أدرك من الجمعة ركعةـ فأحرم فيها مع الإمام، ثم أحدث الإمام، فقدمه، فصلة بهم، وتشهد بهم، ثم أشار إليهم فثبتوا، وقام هو بقضاء الركعة التي فاتته ثم سلم، ثم ذكر مكانه أن عليه سجدة من الركعة التي استخلف فيها، فلا جمعة له على كل حال، أسقطها القوم معه أو لم يقطونها؛ لأنهم وإن أسقطوها فإنما عليهم فيها سجدة بلا ركعة، فيسجدون مكانهم حين ذكروا، ويتشهدون، ويقوم المستخلف فيقضي هذه
الركعة، ولا يتبعوه فيها، ويسلم بهم، ثم يسجد بهم للسهو، وتتم لهم جمعة، ويعيد صلاته أربعاً؛ لأن الركعة التي أدرك مع الإمام قد صلاها وحده، والأولى قد كانت فاتته، وصارت الثانية مكانها، فقد صلى الجمعة وحده، وهي لا تكون إلا بجماعة، كما لو استخلفه في الركعة الآخرة التي أدرك معه فهرب الناس، وبقي وحده لما كان تجزئه جمعة؛ لأنه لم يعقد ركعة مع الناس، فيصلي ثلاث ركعات أخر، وتجزئه صلاته. قيل: فلو أن المستخلف على هذه الركعة الآخرة التي استخلف فيها، ورجع إليه الإمام، فقال: وأن أسقطت سجدة من الركعة الأولى فإنه لا تصح لهم، ولا للمستخلف جمعة؛ لأن الأولى بطلت، والثانية التي صلى بهم المستخلف حال بينه وبين تمامها ركعة القضاء، فلم تتم له، وكأنه لم يصلها بهم، ولو أدركه القوم قبل أن يركع ركعة القضاء، أو قبل أن يرفع رأسه
منها رأيت أن يسجد بهم سجدة للركعة التي استخلف عليها فتتم له ولهم ركعة من الجمعة، ويركع بهم أخرى، فتتم صلاة الجمعة للجميع، فإن لم يدركوه، إلا بعد رفع رأسه أو بعد فراغه منها رأيت أن يسجد القوم سجدة فتتم لهم ركعة المستحلف، ويأتون بركعة أخرى، ويسلمون، ويسجدون للسهو، ويأتي المستخلف أيضاً بركعة أخرى فتتم له ولهم ركعتان نافلة، ثم يعيدون صلاة الجمعة، وتجزيهم الخطبة، إلا أن يبعد جداً، فيعيدون الخطبة، ولو أن المستخلف فرغ من صلاته ولم يسه فرجع الأول، فقال: أسقطت سجدة، وذكر القوم ما ذكر فليسلم المستخلف، ويسجد بعد السلام، وتصح له جمعة، ويأتي القوم بعده بركعة أفذاذاً ويسجدون بعد السلام، وتمم لهم جمعة؛ لأنه قد تمتم لهم ركعة المستخلف ركعة من الجمعة، وكان يجب عليهم إتباعه في ما قضى، فلما غفلوا قضوها بعد سلامه أفذاذاً، وأجزأتهم جمعة. وفي كتاب محمد زيادات/ من هذا، وفي ما ذكرنا من هذا كفاية، ودليل على ما يرد منه. وبالله التوفيق.
فصل-10 - [في استقبال الخطيب والإنصات إليه] ومن المدونة قال مالك: ومن أحرم في نافلة يوم الجمعة، فلم يركع حتى خرج الإمام- يريد دخل المسجد- تمادى، ولا يقطع، وإن دخل بعد ما خرج الإمام، أو دخل قبل خروج الإمام، ثم خرج الإمام قبل أن يحرم فليجلس ولا يصلي. قال سحنون:/ فإن أحرم بعد خروج الإمام جهلاً أو سهواً فلا يقطع، وإن/ قام الإمام للخطبة، وقاله ابن وهب عن مالك. قال مالك في العتبية: وإن دخل رجل في تشهد النافلة، فليسلم، ولا يتربص يدعو بعد قيام الإمام)).
قال مالك: وإذا قام الإمام يخطب فحينئذ يجب قطع الكلام، واستقباله، والإنصات إليه، فإما قبل ذلك فلا. م لقوله عليه السلام: ((إذا قلت لصاحبك أنصا والإمام يخطب، فقد لغوت))؛ ولأن الإنصات له واجب؛ لقوله تبارك وتعالى: (وإذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنصِتُوا) قيل: نزلت في الخطبة. قال مالك: ولا يتكلم أحد في جلوس الإمام بين خطبتيه، ولا بأس بالكلام إذا نزل الإمام عن المنبر إلى أن يدخل في الصلاة. وقال ثعلبة بن أبي مالك: جلوس الإمام على المنبر يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام)). قال: وكانوا يتحدثون حين يجلس عمر بن الخطاب على المنبر حتى يسكت المؤذن، فإذا قام عمر عل المنبر لم يتكلم أحد، فإذا قضى خطبتيه كلتيهما ونزل عن المنبر تكلموا. قال ابن القاسم: ورأيت مالكاً يحلق، ويتحدث مع أصحابه يوم الجمعة،
وإن دخل الإمام حتى يفرغ المؤذن، فإذا قام الإمام يخطب استقبله هو وأصحابه. ابن وهب: وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا قعد الإمام على المنبر يوم الجمعة فاستقبلوه بوجوهكم واصغوا إليه بأسماعكم، وارمقوه بأبصاركم)). قال مالك: ((وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عن المنبر يكلمه الرجل في الحاجة، فيكلمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يتقدم إلى مصلاه)). قيل لمالك: فالرجل يقبل على الذكر والإمام يخطب، قال: إن كان شيئاً خفيفاً سراً في نفسه فلا بأس به، وأحب إليّ أن ينصت، ويستمع. قال في العتبية: ولا يحصب من تكلم والإمام يخطب، ولا يشرب الماء والإمام يخطب، ولا يدور على لناس يسقيهم حينئذ. قال: وليس على الناس
الإنصات له إذا خطب في أمر ليس من الخطبة، ولا/ من الصلاة من أمر كتاب يقرؤه. ابن حبيب: وكذلك إذا خرج إلى لغو وما لا يعني من لعن أحد. وقال مالك في المجموعة: وإذا شتم الإمام الناس ولغى فعلى الناس الإنصات له، ولا يتكلمون. وقال أشهب: ولا يقطع ذلك خطبته. قال مالك في العتبية: وإذا صلى الإمام على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: صلوا على نبيكم فليقل ذلك الرجل في نفسه، وكذلك يؤمن على دعاء الإمام في نفسه. ومن المدونة قال: ويجب على من لم يسمع الإمام فيها من الإنصات مثل ما يجب على من يسمعه، مثل الصلاة يجب على من لا يسمع الإمام فيها من الإنصات/ مثل ما يجب على من سمعه. قال: ومن عطس والإمام يخطب حمد الله تعالى سراً في نفسه، ولا يشمت
العاطس والإمام يخطب، ونهى عنه ابن المسيب، وقال: لمن فعله لا تعد. قال مالك في المختصر: ولا يقرأ، ولا يسبح، ولا يقول لمن لغا أنصت. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((إذا قلت لصاحبك أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت)). قال مالك: ولا بأس بالاحتباء والإمام يخطب وفعله ابن عمر وأنس بن مالك وعروة ابن الزبير وغيرهم. فصل-11 - [في ما ورد في الخطبة] قال مالك: والسنة أن يجلس الإمام يوم الجمعة في أول الخطبة حتى يؤذن المؤذن، ثم يقوم يخطب، ويجلس في وسطها جلسة خفيفة، ثم يقوم يخطب، ثم يستغفر الله تعالى وينزل، وكذلك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفعله أبو بكر وعمر وعثمان بعده. قال مالك: وكذلك سائر الخطب، في الاستسقاء، والعيدين، ويوم عرفة يجلس في أولها ووسطها.
قال ابن حبيب: ويْقَص الخطبتين، والثانية أقصرهما، قال: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل المسجد رقى المنبر فجلس، ثم أذن المؤذنون وكانوا ثلاثة يؤذنون على المنار واحداً بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، وكذلك في عهد أبي بكر وعمر وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشير بإصبعه إذا دعا أو وعظ، وكان لا يدع أن يقرأ في خطبته (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا- إلى قوله- فَوْزًا عَظِيمًا). وينبغي أن يقرأ في الخطبة الأولى بسورة تامة من قصار المفصل، وكان عمر ابن عبد العزيز يقرأ تارة (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ)، وتارة (وَالْعَصْرِ).
قال أشهب: فإن لم يفعل أساء، ولا شيء عليه. قال مالك: ولا يقرأ بسورة فيها سجدة. [فصل-12 - في هيئة الخطيب] ومن المدونة قال مالك: ولا يسلم الإمام على الناس إذا رقى المنبر، ومن شأنه أن يقول إذا فرغ من خطبته: يغفر الله لنا/ ولكم، وإن قال: اذكروا الله يذكركم، فحسن، والأول أصوب. قال ابن حبيب: إن كان كما دخل فليسلم إذا جلس للخطبة ويرد عليه من سمعه، ولو كان في المسجد يركع مع الناس أو لا يركع فلا يسلم إذا جلس للخطبة. م والصواب أن لا يسلم كان كما دخل، أو كان في المسجد؛ لأنه لم يرد ذلك في شيء من الروايات الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هو شيء محدث. وهو مذهب الشافعي.
ومن المدونة قال مالك: ويستحب للغمام أن يتوكأ على عصا غير عمود المنبر إذا خطب، وفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء بعده، وهو من أمر الناس القديم، ويقال: إن فيها شغلاً مس اللحية والعبث باليد. ابن حبيب: والقوس كالعصا. وسواء خطب في ذلك على المنبر أو إلى جانبه. ومن العتبية: ومن لا يرقى المنبر عندنا فجعلهم يقوم عن يساره، ومنهم من يقوم عن يمينه وكل ذلك واسع.
ومن المدونة قال: ولا بأس أن يتكلم الإمام في خطبته لأمر أو نهي يأمر به الناس ويعظهم فيه، ولا/ يكون لاغياً. قال ابن القاسم: ومن كلمه الإمام فرد عليه لم يكن لاغياً. قال مالك: وقد صعد عمر بن الخطاب على المنبر فنهى لناس ووعظهم بما شاء الله. فصل-13 - [في صلاة الجمعة في ما قرب من المسجد] قال مالك: وتصلي الجمعة في رحاب المسجد، وأفنيته، وأفنية ما يليه من الحوانيت، والدور التي تدخل بغير إذن، وإن لم تتصل الصفوف بتلك الأفنية، وكانت بينهم الطرق فصلاة من صلى فيها تامة إذا ضاق المسجد، ولا أحب ذلك في غير ضيقه. قال: وكان الماس يدخلون في: حجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته بلا إذن فيصلون فيها الجمعة من ضيق المسجد، لكنها شارعة إلى المسجد، ولم يزل الناس على ذلك حتى بنى المسجد.
قال: وأما الحوانيت والدور التي حوله ولا تدخل إلا بإذن، فلا يجوز أن تصلى فيها الجمعة، وإن أذن أهلها. قال ابن القاسم في كتاب ابن مزين: ومن صلى فيها الجمعة أعاد أبداً. وقال ابن نافع: أكره تعمد ذلك، وأرجو أن تجزئه صلاته. ك وقيل: تجوز الصلاة فيها عند ضيق المسجد، وقاله إسماعيل القاضي عن ابن مسلمة. قال ابن أبي زمنين: قول ابن القاسم أن من صلى في أفنية المسجد يوم الجمعة، أو قضى فيها ركع كانت عليه من رعاف غسله، وهو يجد موضعاً في المسجد يصلي فيه أن ذلك يجزئه، وخالفه سحنون، وقال: يعيد أبداً؛ لأن الصلاة في غير المسجد لا تجوز إلا لضيق المسجد. قال مالك في المدونة: ومن صلى في الطريق لضيق المسجد، وفيها أرواث وأبوالها أجزأه، في الجمعة وغيرها. قال: ومن صلى الجمعة فوق ظهر المسجد لم ينبغ ذلك؛ لأن الجمعة لا تكون إلا في المسجد الجامع.
قال ابن القاسم: فإن فعل أعاد أبداً أربعاً. وفي ثمانية أبي زيد قال ابن الماجشون وغيره: إنما يكره له ذلك، فإن فعل أجزأته صلاته، وهو قول مالك. وقال حمديس: إذا ضاق المسجد جازت الصلاة على ظهره. قال مالك في المدونة: وإن استخلف الإمام من يصلي بالناس في الجامع وصلى هو الجمعة في ناحية العسكر فليصل الناس في الجامع.
قال أبو محمد: وإن ان في البلد جامعان فالجمعة لمن صلى في الأقدم، صلى فيه الإمام أو في الأحدث. قال محمد بن عبد الحكم: إلا في الأمصار العظام، مثل: مصر، وبغداد، فلا بأس أن يجمعوا في مسجدين؛ للضرورة، وقد فعل ذلك، والناس متوافرون فلم ينكروه. فصل-14 - [في البيع والشراء يوم الجمعة] قال مالك: وإذا قعد الإمام على المنبر يوم الجمعة وأذن المؤذنون كره البيع حينئذ، ومنع منه من تلزمه الجمعة، ومن لا تلزمه من المسلمين، فإن تبايع حينئذ ائنان تلزمهما الجمعة أم لا، أو يلزم أحدهما فسخ البيع كان أحدهما/ عبداً أذمياً أو امرأة صبياً. واحتج بالذمي الذي ابتاع طعاماً على كيل، فباعه من مسلم قبل أن يكتاله أن بيعه غير جائز، وخالف ذلك أبو حنيفة
والشافعي. ودليلنا قوله تعالى: (وذَرُوا البَيْعَ)، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، ولأنه عقد منع منه؛ لأجل حق/ الله فأشبه النكاح في العدة. م وإنما منع منه من لا تلزمه الجمعة لاستبدادهم بالبيع دون الساعين، فيدخل على الساعين/ في ذلك ضرر، فمنعوا منه؛ لصلاح العامة. ومن المدونة قال: وإن كان لا تجب الجمعة على واحد منهما لم يفسخ البيع، قال: ولا يمنع أهل الأسواق البيع يوم الجمعة إلا في الساعة المذكورة. قال في العتبية: والنداء الذي يحرم به التبايع يوم الجمعة النداء والإمام على المنبر. قال ابن حبيب: وينبغي للغمام أن يوكل وقت النداء من ينهى الناس عن
البيع والشراء حينئذ، وأن يقيمهم من الأسواق من تلزمه الجمعة ومن لا تلزمه للذريعة، ويرد البيع إذا وقع من تلزمهما الجمعة، أو تلزم أحدهما، فإن فاتت السلعة ففيها القيمة، وقت قبضها، قاله ابن القاسم. وقال أشهب: بل قيمتها بعد الصلاة حين كان يحل بيعها، وبه أقول، وهو كما بيع من الثمر قبل أن يحل بيعه ثم يفوت ولا يعرف كيله فيلزم المبتاع قيمته يوم يجل بيعه، ولم يختلف في هذا. م إنما يصح هذا إذا قبضه بعد أن حل بيعه، وأما لو وجده وقبضه قبل أن يحل بيعه لم يكن عليه إلا قيمته يوم قبضه، فصح أن قول ابن القاسم أبين، وحجة ابن حبيب فاسدة. وقال سحنون في المجموعة: إذا فات البيع مضى بالثمن. قال ابن عبدوس: إذا فات بحوالة سوق فأكثر يمضي بالثمن؛ لأن فساده في عقده لا في ثمنه، كالنكاح يفسد لعقده. قال عي بن زيادة عن مالك: وإن باع بعد النداء بربح فبئس ما صنع
حين تخلف بعد ما سمع النداء، وليستغفر الله، ولا أرى الربح عليه حراماً. م وهذا قول رابع كأنه يقول: إذا وقع مضى فات أو لم يفت. وقال أصبغ في العتبية: من/ اشترى سلعة بعد قعود الإمام على المنبر فباعها بربح لم يجز له أن ياكل ذلك الربح وليتصدق به أحب إلي، وهو قول ابن القاسم. وجائز أن يعقد النكاح والإمام يخطب، ولا يفسخ دخل أو لم يدخل، والصدقة والهبة جائزة في تلك الساعة. قال أصبغ: لا يعجبني قوله في النكاح، وارى أن يفسح، وهو عندي بيع من البيع. وقال أبو محمد عبد الوهاب: يدخل في هذا الاختلاف في الهبة والصدقة، لعلة التشاغل بذلك. م والصواب أن لا يدخل ذلك؛ لأن أصبغ قد احتج في منع النكاح بأنه بيع من البيوع، ولأن النص إنما ورد في البيع فما ضارعه مثله، ولأنا لبيع ملازم لأكثر الناس، فلو تركوا ذلك لا استبد بعضهم بالبيع، ودخل الضرر على الساعين، وليس الهبة والصدقة كذلك. وذكر عن أبي عمران في الذي يفطر في صلاة الظهر والعصر حتى لا يبقى
منه إلا قدر خمس ركعات أنه إن باع أو اشترى حينئذ فسخ بيعه، كمان باع أو اشترى يوم الجمعة في الوقت المنهي عنه، وقاله إسماعيل القاضي. وقيل عن ابن سحنون: إنه لا يفسخ البيع إذا وقع. قال أبو محمد: ومن انتقض وضوءه وقت النداء فلم يجد الماء إلا بثمن، فلا بأس أن يشتريه ولا/ يفسخ شراؤه. ومن المدونة قال مالك: وكره بعض الصحابة ترك العمل يوم الجمعة، كفعل أهل الكتاب في السبت والأحد. ابن حبيب قال أصبغ: ومن ترك من الناس، العمل يوم الجمعة استراحة فلا بأس به، وأما استناناً فلا خير فيه.
فصل-15 - [في خطبة المحدث] ومن المدونة قال مالك: وإن أحدث الإمام في الخطبة فلا يتمها، وليستخلف من يتمها لهم، ويصلي بهم، وكذلك إن أحدث بعد الخطبة، أو بعد ما أحرم فليستخلف من يصلي بهم الجمعة ركعتين. قال أبو محمد عبد الوهاب: وإن خطب بهم محدثاً كره له ذلك، وجاز، خلافاً للشافعي في أحد قوليه؛ لأنه ذكر للصلاة متقدم عليها، فلم يكن من شرطه الطهارة، كالأذان والإقامة، وقاله مالك في المختصر. وقال ابن المواز: يعيد الخطبة. وقال سحنون في كتاب ابنه: إذا خطب جنباً/ أعادوا الصلاة أبداً- يريد وهو ذاكر- قال: وإن ذكر في الخطبة أنه جنب نزل للغسل وانتظروه إن قرب، وبنى. قال غيره: فإن لم يفعل وتمادى في الخطبة واستخلف للصلاة أجزأهم.
[فصل-16 - في الاستخلاف في صلاة الجمعة] ومن المدونة: وكره مالك أن يستخلف من لم يشهد الخطبة. قال ابن القاسم: فإن فعل، فأرجوا أن تجزئهم. قال ابن القاسم: فإن خرج الإمام، وجهل أن يستخلف، أو ترك ذلك عامداً فليقدموا رجلاً ممن شهد الخطبة أحب إلي، فإن قدموا من لم يشهدها أجزأتهم صلاتهم، ولا يعجبني أن يتعمدوا ذلك، ولا يتقدم/ بهم الرجل، ولو صلوا أفذاذاً لم يجزئهم ذلك في الجمعة، وأجزأهم ذلك في غيرها. قال مالك: ولو تقدم بهم رجل من تلقاء/ نفسه، ولم يقدموه هم، ولا إمامهم أجزأهم، والجمعة وغيرها ذي ذلك سواء. قال: ((وإن استخلف بهم الإمام رجلاً حنباً ناسياً
لجنابته فصلى بهم أجزأتهم ويعيد هو وحده، وإن كان ذاكره لها فسدت صلاتهم، وإن استخلف الإمام مجنوناً في حال جنونه، أو سكراناً في صلاة الجمعة أو غيرها، فصلى بهم فسدت صلاتهم، وإن قدم من لم يدرك الإحرام معه فصلى بهم لم يجزئهم، وأعادوا كلهم؛ لأن هذا المستخلف قد صار وحده، ولا يجمع الجمعة بواحد، والقوم كأنهم أحرموا قبل إمامهم. قال في العتبية: ((وإن قدّم مسافراً حضر الجمعة فلا يصلي بهم، فإن فعل أعادوا الخطبة والصلاة في الوقت، فإن ذهب الوقت أعادوا ظهراً)). وقال سحنون: ((تجزئهم؛ لأنه لما حضرها صار من أهلها)). قال ابن القاسم: ((وإن صلى المسافر الظهر في سفره، ثم قدم بلده فدخل مع الإمام فاستخلفه؛ لحدث أصابه، فصلى بهم، فإنها تجزئهم؛ لأنه إذا قدم قبل صلاة الإمام فعليه أن يأتيها، فإن لم يفعل حتى فاتت أعاد ظهراً، حتى تكون صلاته بعد الإمام)).
قال ابن المواز عن أصبغ: ولو بطلت الجمعة التي صلى؛ لوضوء نسيه، أو غيره فعليه أن يعيد الظهر. [فصل-17 - في الرجل يصلي الظهر في بيته قبل الإمام وهو ممن تلزمه الجمعة] ومن المدونة قال مالك: ومن صلى الظهر في بيته قبل صلاة الإمام يوم الجمعة/ وهو ممن/ تلزمه الجمعة لم تجزئه، إنما يصلي الظهر من فاتته الجمعة. [فصل-18 - في من أحدث والإمام يخطب] وقال مالك: ومن أحدث يوم الجمعة والإمام يخطب خرج بغير إذن، وإنما كان الإذن الذي يروى في قوله تعالى (إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَاذِنُوهُ) إنما كان ذلك في حرب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق. قال مالك: ولم يبلغني أن أحداً ذكر شيئاً من هذا في يوم الجمعة.
فصل-19 - [في خطبة الإمام المعزول] وإذا خطب الإمام يوم الجمعة، ثم قدم والٍ غيره ابتدأ الخطبة. قال عيسى عن ابن القاسم: إذا قدم والٍ بعزل الأول، فتمادى الأول، فصلة بهم عالماً فليعيدوا، وإن ذهب الوقت، ولو صلى بهم بإذن القادم أجزأتهم، إذا أعاد بهم الخطبة، ولا ينفع إذنه بعد الصلاة، وليعيدوا، ولا يصلي بهم القادم بخطبة الأول، وليبتد بها، ولو قدمه القادم لأمر بإعادتها. قال سحنون في كتاب ابنه: فإن صلة بهما لقادم بخطبة الأول أعادوا أبداً، وكذلك إن أذن للأول، فصلة بهم ولم يعد الخطبة. م قال بعض أصحابنا: وإنما كان ذلك؛ لأن الثاني إذا قدم قبل الصلاة، أو قبل انقضائها وجبت عيه، كالمسافر يقدم قبل انقضائها، فإذا وجبت عليه وهو إمام لم يجز لغيره أن يؤم فيها من غير استخلافه. قال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: وإذا ضعف الإمام عن الخطبة فلا يصلي بهم هو ويخطب غيره، وليصل الذي أمره بالخطبة ويصلي الأمير خلفه، وكذلك الأعياد. وقال أشهب عن مالك في الذي يخطب يوم الجمعة: ثم يقدم رجلاً يصلي
بالناس أنه لا بأس به، كما لو أصابه مرض أو حدث أو رعاف. ابن حبيب: ولا بأس أن يصلي الجمعة بالناس غير الذي يخطب، مثل: أن يقدمه الإمام؛ لرعاف، أو حدث، أو مرض، أو يقدم والٍ بعزل الذي خطب، وقد قدم أبو عبيدة على خالد بن الوليد بعزله، فألفاه يخطب، فلما فرغ تقدم أبو عبيدة للصلاة. فصل-20 - [في ما تنعقد به الخطبة] ومن المدونة قال مالك: وإذا قصر الإمام في الخطبة فلم يتكلم إلا بمثل: الحمد لله، ونحوه/ أعادوا الخطبة والصلاة، وإن كان شيء له بال أجزأ. ابن وهب قال ابن شهاب: لا جمعة إلا بخطبه، فمن لم يخطب/ صلى ظهراً أربعاً. وكيع وقال سعيد بن جبير: كانت الجمعة أربعاً، فحطت ركعتان للخطبة. قال ابن القاسم في غير المدونة: وإن سبح أو هلل لم يجزئه عن الخطبة،
إلا أن يأتي، بكلام يكون عند العرب خطبة. وقال ابن أبن الحكم: تجزئه؛ لأنه لفظ فيه تعظيم وتكبير لله كما لو أطاله ووصله بأمثاله. [فصل- 21 - جهل الإمام فصلى بهم قبل الخطبة أو صلى بهم أربعا [ ومن المدونة قال مالك: وإن جهل الإمام فصلى بهم قبل الخطبة أعاد الصلاة وحدها. قال مالك: وإذا خطب وصلى بهم الجمعة أربعاً عامداً أو جاهلاً أعاد بهم ركعتين، وأجزأتهم الخطبة. [فصل-22 - لا جمعة على الإمام المسافر [ قال مالك: ولا جمعة على الإمام المسافر إلا أن يمر بمدينة في عمله، أو بقرية يجمع فيها فيجمع بأهلها، ومن معه من غيرهم، لأن الإمام إذا وافق الجمعة لم ينبغ له أن يصليها خلف عامله وقد جمع عمر/ أبن الخطاب رضي الله عنه بأهل مكة الجمعة وهو مسافر. قال مالك: "وإن جهل الإمام المسافر فجمع بأهل قرية، لا يجمع فيها
الجمعة، لصغرها لم تجزئهم، ولم تجزئه. أبو محمد قال ابن نافع: تجزئه. هو يريد ابن نافع؛ لأنه مسافر. وحجة ابن القاسم أنه جهر في صلاته متعمداً، وقد اختلف فيه. قال ابن نافع عن مالك: إن أتم أهل القرية صلاتهم بعد سلام الإمام أجزأتهم، ولم يكن على أحد إعادة، وكذلك عنه في كتاب ابن مزين. فصل - 23 -] في هروب الناس عن الخطبة [ قال ابن القاسم: وإذا هرب الناس عن الإمام في الخطبة، أو بعد فراغها، فلم يبق معه إلا واحد أو اثنان، ومن لا عدد له، فإن لم يرجعوا إليه، فيجمع بهم، صلى أربعاً. قال ابن القاسم قال سحنون: إذا أيس منهم صلى مكانه أربعاً ظهراً، ولو كان قد أحرم أو عقد ركعة بني على إحرامه ظهراً أربعاً، ولو لم ييأس منهم جعل ما أحرم فيه نافلة ركعتين وسلم، وانتظرهم حتى لا يبقى من النهار إلا ما صلى فيه الجمعة- يريد ويخطب- ويبقى ركعة للعصر.
أشهب: إذا تفرقوا عنه بعد عقد ركعة فإنه يصلي ثانية/ وتصح له جمعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها" قال سحنون: وهو القياس وقال سحنون: لا تصح له جمعة، ولو أمرته بذلك، ثم رجع الناس إليه مكانه فأمرتهم بإعادة الصلاة استحال إقامة الجمعة في المصر مرتين، وإن أمرتهم بترك الجمعة كنت قد أمرت بإبطال الجمعة، والوقت قائم والجماعة حضور، والإمام قائم، وكذلك لو صلى ركعتين - ما لم يسلم عند سحنون- فلا تصح له جمعة أشهب: ولو لم يبقى معه إلا عبيد ونساء لا رجال معهم فليصل بهم الجمعة ركعتين. قال سحنون: لا تقوم الجمعة بهؤلاء؛ لأنها ليست عليهم. م هذا يرد قوله: إذا احدث الإمام فقدم مسافراً حضر الجمعة فصلى بهم
أنها تجزئهم؛ لأنه لما حضرها صار من أهلها. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أتى من تأخير الأئمة ما يستنكر جمع الناس لأنفسهم إن قدروا وإلا صلوا ظهراً أربعاً، وتنفلوا معهم بصلاتهم، وفعله القاسم بن محمد، وقال: لأن أصلي مرتين أحب إلي من أن لا أصلي شيئاً، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: "صل الصلاة لوقتها، فإن أدركك فصل معهم، ولا تقل إني قد صليت، فلا أصلي فصل-24 - [في موضع صلاة السنة بعد الجمعة] قال مالك: وينبغي للإمام اليوم إذا سلم من صلاة الجمعة أن يدخل منزله، ويركع ركعتين، ولا يركع في المسجد، وكذلك بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ومن كان خلف الإمام فأحب إلي إذا سلموا أن ينصرفوا، ولا يركعوا في المسجد، وإن ركعوا فذلك واسع.
فصل - 25 - [في القراءة في صلاة الجمعة] ومن المدونة قال ابن القاسم وأحب إلي أن يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة ثم بـ (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ) وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم. فصل - 26 -] في الجمعة تفوت من وجبت عليه] وإذا فاتت الجمعة من تجب عليهم فلا يجمعونها ظهراً / أربعاً في غير مسجد الجماعة، ولكن يصلون أفذاذًا، وقاله الحسن. وقال ابن كنانة: لهم أن يجمعوا ظهراً أربعاً في غير مسجد الجماعة. وروى/ أشهب عن مالك نحوه. قال/ مالك: "وأما من لا تجب عليهم الجمعة مثل: المرضى والمسافرين وأهل السجن فجائز أن يجمعوا، فيصلي بهم إمامهم ظهراً أربعاً.
[فصل -27 - في حكم التخطي يوم الجمعة] قال/ مالك: وإنما يكره التخطي إذا قعد الإمام على المنبر ولا يكره قبل ذلك إلى فرج بين. يديه، وليرفق. وروى ابن وهب عن بشر بن سعيد "أن رجلاً دخل يوم الجمعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فأقبل يتخطى رقاب الناس حتى دنا فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة التفت إليه فقال له: "أشهدت الصلاة] معنا [؟ فقال: نعم! أو لم ترني حين سلمت عليك، فقال: رأيتك تتخطى رقاب الناس"، وقال لأخر صنع مثل ذلك: "ما صليت ولكنك أتيت وأذيت" وكان أبو هريرة يقول: لأن يصلي أحدكم بظهر الحرة خير له من
أن يقعد حتى إذا قام الإمام يخطب قام يتخطى رقاب الناس". فصل -28 -] في حكم الجمعة للحاج بالمشاعر] قال مالك: ولا جمعة في أيام منى كلها بمنى ولا يوم التروية بمنى، ولا يوم عرفة بعرفة. م يريد لا جمعة على غير أهل عرفة، وغير أهل منى، وأما من كان من سكان عرفة أو منى وفيهم جماعة يجمع بهم الجمعة فذلك عليهم، كانوا حجاجا أم لا، وقاله جماعة عن أصحابنا. دليله في الإمام المسافر يمر بقرية في عمله يجمع فيها الجمعة، فإنه يجمع بأهلها، ومن معه من غيرهم. ] فصل-29 - في المسافر يقيم أربعة أيام هل عليه جمعة] قال مالك: ومن دخل مكة فأقام بها أربعة أيام، ثم حبسه كريه يوم التروية، حتى صلى الناس الجمعة، فعليه أن يصلي الجمعة؛ لأنه كالمقيم، وإن لم يقم أربعة أيام، فلا جمعة عليه؛ لأنه مسافر، وقد قال ابن عمر وابن الزبير
وعمر بن عبد العزيز وغيرهم: لا جمعة على المسافر. قال في المجموعة: ولا أحب السفر يوم الجمعة حتى يشهدها، فإن لم يفعل فهو في سعة، وهذا ما لم تزغ الشمس، فإذا زاغت فلا يخرج حتى يشهدها، وذلك واجب عليه. ] فصل-30 - في تأخير الجمعة إلى دخول وقت العصر [ ومن المدونة قال ابن/ القاسم: وإذا أخر الإمام صلاة الجمعة حتى دخل وقت العصر فليصل بهم الجمعة، ما لم تغب الشمس، وإن كان لا يدرك بعض العصر إلا بعد الغروب فصل-31 - [في ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة] وروى مالك رضي الله عنه في الموطأ عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة، فقال: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه" قال أبو هريرة فخرجت إلى الطور فلقبت كعب الأحبار، فجلست معه، فحدثني عن التوراة وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان فيما حدثته أن قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير يوم طلعت عليه الشمس يوم
الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط] من الجنة]، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلا الجن والإنس/ وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، قال كعب: ذلك في كل يوم، فقلت: بل هي في كل جمعة، فقرأ كعب التوراة، فقال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو هريرة فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور، وقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس يشك قال أبو هريرة ثم لقيت عبد الله ابن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب، وما حدثته به في يوم الجمعة، فقلت: قال كعب ذلك في كل سنة يوم، قال عبد الله بن سلام: كذب كعب، فقلت: [ثم [قرأ كعب التوراة، فقال: بل هي في كل جمعة، فقال: صدق كعب، ثم قال عبد الله بن سلام: قد علمت أية ساعة هي، قال أبو هريرة: فقلت له: أخيرني بها ولا تضن علي، فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة، قال أبو هريرة، وكيف تكون آخر
ساعة في يوم الجمعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي وتلك الساعة ساعة لا يصلى فيها؟ فقال ابن سلام: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جلس مجلساً ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي قال أبو هريرة: فقلت: بلى، قال: فهو ذلك، ويقال: الصلاة في اللغة الدعاء.
[باب-14 -] جامع ما جاء في صلاة الخوف
[باب-14 -] جامع ما جاء في صلاة الخوف ] فصل-1 - في أدلة صلاة الخوف] قال الله تعالى: (وإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا). قال ابن حبيب: معنى هذه الآية إقصارها في الخوف في الترتيب، وتخفيف الركوع والسجود والقراءة، وقد كانت مقصورة في السفر من غير خوف من غير هذه الآية، وقاله غير واحد من أصحابنا البغداديين. وقال الله تعالى: (وإذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) إلى آخر الآية. وقال: (فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا) وصلاها الرسول صلى الله عليه وسلم في السفر بكل طائفة ركعة. قال في الواضحة: وصلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة. والرقاع جبل في طريقه فيه سواد وبياض يقال له:
الرقاع. قال ابن القصار: وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف في عشرة مواضع، والذي استقر عند الفقهاء ثلاثة مواضع: ببطن النخيل، وبعسفان، وبذات الرقاع. وقد روي أن عليا رضي الله عنه صلاها بالمسلمين لما اشتد القتال، وقال: أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلاها بهم، ولم ينكر ذلك عليه أحد من
الصحابة، فدل بذلك أنها غير منسوخة. قال ابن حبيب: وما صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق الظهر والعصر إلا بعد الغروب، وذلك قيل نزول صلاة الخوف. وإذا كانوا في القتال فليؤخروا إلي آخر الوقت، ثم يصلوا حينئذ على خيولهم يومئون، مقبلين ومدبرين، وإن احتاجوا/ إلى الكلام في ذلك لم يقطع ذلك عليهم صلاتهم. قال غير واحد: وتصلى بأذان وإقامة؛ لأنها صلاة فرض. ] فصل-2 - صفة صلاة الخوف] وروى أشهب حديث ابن عمر، وفيه; "أن الطائفة الأولى صلت ركعة، ثم تأخرت إلى جهة العدو من غير تسليم، ثم أتت الأخرى فصلى بهم الركعة الثانية وسلم، ثم قامت كل طائفة فأتمت، فإذا اشتعلت الطائفتان بالقضاء
صار الإمام وحده فئة لهما، وبهذا أخذ أشهب، وحديث القاسم، أشبه بظاهر القرآن وهو أن يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعة، ثم تتم لأنفسها، ويثبت الإمام قائماً فإن شاء سكت، وإن شاء دعا، أو أخذ قي القراءة حتى تأتيه الطائفة الأخرى، فإذا أتمت الطائفة الأولى سلمت، وذهبت وجاه العدو/ ثم أتت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة، ثم يتشهد ويسلم، ويقضوا هم بعد سلامه وإلى الأخذ بهذا رجع مالك بعد أن قال: بحديث يزيد بن رومان، وهو أنه يثبت حتى تقضي، الطائفة الثانية، ويسلم بهم. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعة
بسجدتيها، ثم تنصرف هذه الطائفة فتقف بإزاء العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الركعة الثانية، ويتشهد ويسلم، ثم تنصرف هذه الطائفة بإزاء العدو، وتعود الطائفة الأخرى فيقضون لأنفسهم ركعة وسجدتين وحدانا ويتشهدون وتسلم، ثم تنصرف وتقف بإزاء العدو، ثم تأتي الأخرى فتقضي كذلك، فالكلام بيننا وبينه في ترجيح الأخبار، فالمصير إلى ما رويناه أولى؛ لأنها عن ثلاثة من الصحابة، وما رووه عن واحد، إلا حديث ابن مسعود، وهو مختلف عليه فيه. قال احمد بن المعذل: ولأن ما قلناه أخصر وأحوط؛ لأن انصراف الطائفة
الأولى التي صلت مع الإمام ركعة إلى مكان العدو إنما هو للحف والحراسة، فوقوفها غير مصليه أمكن في التحرز، فهو أولى. م ولأن فعل الصلاة متصلا إذا أمكن ذلك أولى من المشي بين الركعتين والوقوف بإزاء العدو من غير حاجه إلى ذلك. [فصل-3 - في صلاة الخوف تصلى في الحضر حضرية. وفي السفر سفريه] ومن المدونة قال مالك: وتصلى في الحضر حضرية ركعتين بكل طائفة، وفي السفر سفريه ركعة بكل طائفة. قال ابن القاسم: ولا يصلها مسافر بحضريين؛ لأنه وحده، فإن جهل فصلى بهم صلى بكل/ طائفة ركعة، ويتمون؛ لأنفسهم صلاة حضر، وإن كان في القوم مسافرون وحضريون فإن صلى بهم مسافر صلى بالطائفة الأولى ركعة، ثم يثبت قائمًا، ثم يأتي المسافرون بركعة، ويسلمون، ويأتي الحضريون بثلاث ركعات، ثم يصلى بالثانية ركعة ثم يقضى المسافرون ركعة، والحضريون ثلاثًا، يريد منها ركعتان بناء ثم ركعة قضاء يبدؤون بالبناء قبل القضاء، وتصير صلاتهم جلوسًا كلها في قول ابن المواز/. قال ابن القاسم: وإن صلى بهم حضري صلى بكل طائفة ركعتين وأتم كل من خلفه من حضري أو مسافر، يريد تبني الأولى وتقضي الثانية.
قال: ولا يصليها أهل السواحل والرباط مثل: الإسكندرية وعسقلان/ وتونس إلا حضرية. [فصل-4 - صلاة الخوف جائزة في كل زمان] م وصلاة الخوف جائزة في كل زمان خلافًا لأبى يوسف في قوله: ما أجيزت إلا للنبي صلى الله عليه وسلم. ودليلنا: قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ}. وقوله: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ} والأصل إنا مساوون له في الأحكام إلا ما قام الدليل على خصوصه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((صلوا كما رأيتموني أصلى)) فهو على عمومه؛ ولأن الصحابة صلوها بعده، وأفتوا بجوازها.
[فصل-5 - يراعى في صلاة الخوف شدة الخوف وقلتها] ومن المدونة قال مالك: وإذا اشتد الخوف صلوا على قدر طاقتهم ركبانًا ومشاة، ويركضون، ويسعون إيماء، وغير إيماء للقبة أو لغيرها، ويقرؤون، وقاله ابن عمر، قال مالك: ولا إعادة عليهم إذا أمنوا في الوقت. قال ابن عبد الحكم: وإذا كانوا طالبين وعدوهم منهزم وطلبهم أثخن لقتلهم فليصلوا بالأرض. وقال الأوزاعي: أما الطالب فينزل، وأما المطلوب فعلى دابته. قال ابن حبيب: وهو في سعة أن لا ينزل وإن كان طالبًا. [فصل-6 - صلاة الخوف في البحر] قال ابن المواز: وإن قوتلوا في البحر صلوا الخوف في سفينة أو سفن، ولا يقطع صلاتهم رميهم بالنبل إن انهزموا. [فصل-7 - في كيفية صلاة المغرب في الخوف] ومن المدونة قال مالك: ويصلى الإمام في المغرب بالطائفة الأولى ركعتين،
ثم يثبت قائمًا حتى يصلى من خلفه ركعة يقرؤون فيها بأم القرآن، ويسلموا وينصرفوا وجاه العدو، ثم تأتى الطائفة الثانية فيصلى بهم ركعة يقرأ فيها هو وهم بأم القرآن ويسلم، ويقضوا هم بعد سلامه ركعتين بأم القرآن وسورة في كل ركعة. قال ابن حبيب: ولا يقرأ هو في قيامه في المغرب حتى تبنى الطائفة الأولى؛ لأنه لا يقرأ بغير أم القرآن فخالفت غيرها، وقال ابن القاسم، ومطرف وابن الماجشون. وقال ابن وهب وابن كنانة وابن عبد الحكم: بل يثبت جالسًا في انتظار الطائفة الثانية، وهو قول مالك الأول. ابن حبيب: ولو جهل الإمام في المغرب فصلى بثلاث طوائف بكل طائفة ركعة فصلاة الثانية والثالثة جائزة، وتفسد على الأولى. وقال مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ. م فوجه ذلك أن السنة أن يصلى بالطائفة الأولى ركعتين، فلما صلى بهم ركعة فقد خالف السنة، فوجب أن لا تجزئهم، وأيضا فقد صاروا يصلون الركعة الثانية أفذاذًا، وقد كان وجب أن يصلوها مأمومين فبطلت لهذا. وأما
الطائفة الثانية فهم كمن فاتته ركعة من الطائفة الأولى، وأدرك الثانية فوجب أن يصلى ركعة البناء وركعة القضاء فذًا، وكذلك فعلوا. وأما الطائفة الثالثة وافق بها سنة صلاة الخوف في المغرب فأجزأتهم/. وقال سحنون في المجموعة: وصلاته وصلاتهم كلهم فاسدة؛ لأنه ترك سنتها، وكذلك إن صلى بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين لوقوفه في غير موضع قيام ومن كتاب ابن سحنون، قال: قلت: وزعم بعض أصحابنا في من صلى صلاة الخوف في الحضر بأربع طوائف في الظهر بكل طائفة ركعة أن صلاته وصلاة الثانية والرابعة تامة، وتفسد على الباقين/. قال سحنون: بل تفسد عليه وعليهم أجمعين. فوجه قول الأولين على نحو ما فسرنا في المغرب من مخالفة السنة، وأن الطائفة الأولى يجب أن تصلى الركعة الثانية بإمام فصلوها، أفذاذًا، وكذلك الطائفة الثالثة يجب عليهم أن يصلوا الركعة الثانية بإمام فصلوها أفذاذًا، ففسدت عليهم، وأما الطائفة الثانية فهي كمن فاتته من
الطائفة الأولى ركعة وأدرك الثانية وكذلك الرابعة، هم كمن فاتته ركعة من الطائفة الثانية. وعلله سحنون: أنه خالف بها سنتها ووقف في غير موضع قيام، وهو الصواب. قال سحنون: ومن أدرك الركعة الثانية من المغرب من الطائفة الأولى وقف الإمام في الثالثة/ ليتم القوم فلا يتم هو وليقف مع الإمام حتى تأتى الطائفة الثانية فيصلى معهم ركعة ثم يقضى الأولى بعد سلام الإمام، ولا ينبغي له أن يقضى قبل سلام الإمام؛ لأن الطائفة الأولى تبنى ولا تقضى وإلى هذا رجع)) سحنون في المجموعة بعد أن قال: يصلى ركعتين قبل سلام الإمام. [فصل-8 - في أحكام السهو في صلاة الخوف] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا سها الإمام مع الطائفة الأولى سجدوا للسهو بعد بنائهم، كان قبل أو بعد، ثم إذا صلى بالثانية فعلى حديث يزيد بن رومان، الذي كان مالك يأخذ به يثبت الإمام جالسًا فإذا أتموا الصلاة سجد بهم للسهو، إن كان قبل فقبل، وإن كان بعد فبعد، وأما على حديث القاسم، الذي رجع إليه مالك: إنما يقضون بعد سلامه، فإن كانتا قبل السلام سجدوا
معه، ثم سلم هو، وإن كانتا بعد السلام سلم هو وسجد ولا يسجدوا هم إلا بعد القضاء. فصل-9 - [في استخلاف الإمام في صلاة الخوف] ومن المجموعة قال سحنون: وإذا صلى ركعة من صلاة الخوف في السفر، ثم أحدث قبل قيامه إلى الثانية فليقدم من يقوم بهم، ثم يثبت المستخلف، ويتم من خلفه، ثم تأتى الطائفة الأخرى فيصلى بهم ركعة ويسلم، ولو أحدث بعد قيامه إلى الثانية فلا يستخلف؛ لأن من معه قد خرجوا من إمامته حتى لو تعمد الحدث أو الكلام لم تفسد عليهم، فإذا أتم هؤلاء وذهبوا أتت الطائفة الأخرى فصلوا بإمام يقدموه، وإذا أحدث بعد ركعة من المغرب فليستخلف رجلًا يصلى بهم الركعة الثانية، ثم يثبت قائمًا، ويقضون، ثم تأتى الطائفة الأخرى فيصلى بهم الركعة الثالثة، وإذا أحدث فيها أو في صلاة العيدين، او الاستسقاء استخلف من يتم بهم. [فصل-10 - في الإمام في صلاة الخوف يذكر سجدة] قال سحنون، عن ابن القاسم في العتبية: وإذا صلى بالطائفة الأولى ركعة في السفر، ثم ثبت قائمًا، وأتم القوم لأنفسهم، ثم أتت الطائفة الأخرى
فصلى بهم الركعة الثانية، فلما جلس ذكر سجدة لا يدرى من الأولى أو من الثانية فليسجد سجدة، وتسجد معه الطائفة الثانية، ثم يثبت قائمًا، وتصلى الطائفة/ الثانية ركعة بقية صلاتهم أفذاذًا ويسجد بعد السلام، وتأتى الطائفة الأولى فيصلى بهم الإمام هذه الركعة التي احتاط بها ويسجد في الأولى بعد السلام، وتقوم الطائفة الأولى فتتم ركعة لأنفسها، فإن كانت هذه السجد التي/ نسى الإمام من الركعة الأولى فقد كانت صلاتهم باطله، وهذه التي صلوا مع الإمام أو صلاتهم، وهي فريضة وإن كانت السجدة من الركعة الثانية فقد كانت صلاتهم الأولى تامة، وهذه الثانية نافلة. [فصل-11 - في انكشاف الخوف حال الصلاة] قال: وإذا صلى بالطائفة الأولى ركعة، ثم انكشف الخوف فليتم الصلاة بمن معه، وتصلى الأخرى بإمام غيره، ولا يدخلون معه، ثم رجع، فقال:
ولا بأس أن يدخلوا معه، وهو أحب إلي. [فصل-12 - الصلاة بالطائفتين في الخوف رخصة] قال ابن المواز: ليست إقامة صلاة الخوف بطائفتين فريضة، ولكن توسعة ورخصة إذا نزل الخوف، ولو فعل ذلك بمن ليس مضطر بالخوف لم تجزئه صلاته.
[باب-15 -] جامع ما جاء في صلاة الخسوف
[باب-15 -] جامع ما جاء في صلاة الخسوف [فصل-1 - في معنى الخسوف والكسوف] قال بعض العلماء الخسوف والكسوف معناهما واحد، غير أن الكسوف تغير لون الشمس، والخسوف أن تغور فيما تغيب فيه. [فصل-2 - في حكم صلاة الخسوف. وأدلة ثبوتها] قال الرسول صلى الله عليه وسلم في خسوف الشمس والقمر: ((فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة)) فصلاة خسوف الشمس سنة مؤكدة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم صلاها بالناس في المسجد، وجمع لها، وأمر بها، وحض عليها، وأسر بالقراءة فيهما ولم يؤذن لها، ولا أقام. وروى مالك رحمه الله عن ابن عباس، انه قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد سجدتين ثم قام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع
رأسه، فقام قيامًا/ طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا كويلًا وهو دون الركوع الأول ثم رفع رأسه، فسجد، ثم انصرف، وقد تجلت الشمس، فقال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله)). قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت، فقال: ((إني رأيت الجنة-أو رأيت الجنة- فتناولت منها عنقودًا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت أهل النار فلم أر كاليوم منظرًا قط [أفظع]، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: لكفرهن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: ويكفرن العشير، ويكفر الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئًا قال: ما رأيت منك خيرًا قط)). [فصل-3 - : في القرائة في صلاة الخسوف] قال مالك: فصلاة خسوف الشمس سنة لا تترك، كصلاة العيدين، ولا يجهر بالقراءة فيها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجهر، ولو جهر لعلم ما قرأ،
ويستفتح في كل ركعة من الأربع بالحمد لله رب العالمين. وقال محمد بن مسلمة: ولا يقرأ أم القرآن إلا في الأولى من الركعة الأولى، وفي الأولى من الركعة الثانية. فوجه قول مالك: أنها قراءة يتعقبها ركوع، فوجب أن تكون/ فيها أم القرآن كسائر الصلوات. ووجه قول ابن مسلمة: أنها ركعتان، لكل ركعة ركوعان وقراءتان، في حكم ركوع واحد وقراءة واحدة، والركعة الواحدة لا يقرأ فيها بأم القرآن مرتين. [فصل-4 - وقت صلاة الخسوف] ومن المدونة قال مالك: وإنما سنتها أن تصلى ضحوة إلى زوال الشمس ولا يصليها بعد الزوال إمام غيره. وروى ابن وهب عن مالك: أنها تصلى في وقت الصلاة، وإن بعد الزوال. قال أبو محمد عبد الوهاب: وقيل: إنها تصلى في كل الأوقات. فوجه الأولى: فلأنه عليه السلام إنما صلاها في ذلك الوقت؛ ولأنها صلاة يتعقبها ذكر ووعظ فكان وقتها ما لم تزل الشمس، أصله صلاة العيدين والاستسقاء.
ووجه الثانية: أنها تصلى في وقت كل صلاة، إذ ليست بفرض، كسائر صلوات النوافل، ولا تصلى بعد العصر؛ لنهيه عليه السلام عن الصلاة في ذلك الحين. ووجه الثالثة: قوله عليه السلام: ((فإذا رأيتم ذلك بهما فافزعوا إلى الصلاة))، فمتى رأينا ذلك بهما وجب علينا صلاتهما. [فصل-5 - في صفة السجود في صلاة الخسوف] ومن المدونة قال ابن القاسم: وأحب إلى أن يطيل السجود، ويوالى بين السجدتين، ولا يقعد بينهما، ولو كان بينهما قعود لذكر في الحديث يعنى لا يقعد بينهما قعودًا طويلًا، لكنه يقعد بين السجدتين كما يقعد في سائر الصلوات. وفي المختصر أنه يسجد سجدتين تامتين. م فوجه أنه يطيل السجود: أن حق السجود أن يكون بمثابة الركوع اعتبارًا بسائر الصلوات. ووجه أن لا يطيله: أنها صلاة مخصوصة فوجب أن يقتصر فيها على ما ورد به الخبر، وليس في الأخبار إلا تطويل القراءة والركوع، دون/ السجود.
قال أصبغ: وتصلى صلاة خسوف الشمس في المسجد، ولا يكون لها بروز كما يكون للعيدين والاستسقاء. [فصل-6 - في صفة صلاة الخسوف] قال مالك في المختصر: إذا خسفت الشمس خرج الإمام إلى المسجد، والناس معه فدخل المسجد بغير أذان ولا إقامة، ثم يكبر تكبيرة واحدة، ثم يقرأ سرًا بأم القرآن، ثم يقرأ بعدها قراءة طويلة بنحو سورة البقرة، ثم يركع ركوعًا طويلًا نحو قراءته، ثم يرفع، فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يقرأ قراءة طويلة/ نحو سورة آل عمران، ثم يركع نحو قراءته، ثم يرفع، فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يسجد سجدتين تامتين، لا تطويل فيهما، ثم يقوم، فيقرأ فيفعل كفعله الأولى، إلا أن القراءة دون ما قبلها، يقرأ الأولى بنحو سورة النساء، وبعد رفع رأسه بنحو المائدة مع أم القرآن قبل كل سورة، ثم يسجد، ويتشهد، ويسلم، ويستقبل الناس فيذكرهم، ويخوفهم، ويأمرهم أن يدعوا الله، ويكبروا ويتصدقوا. م ولا خطبة مرتبه فيها، خلافًا لأبى حنيفة والشافعي؛ لأنه لم يرو أنه عليه السلام خطب لها؛ ولأن سنة كل صلاة بخطبة أن يجهر بالقراءة فيها، وصلاة الخسوف يسر فيها بالقراءة فدل أنه/ لا خطبة لها.
[فصل-7 - تسن صلاة الخسوف لجميع الناس] ومن المدونة قال ابن القاسم/: ويصليها أهل القرى والعمود في قول مالك. قال مالك: ويصليها المسافرون، ويجمعون إلا أن يعجل المسافرين السير، ويصليها المسافر وحده، وتصليها المرأة في بيتها، ولا بأس أن تخرج المتجالة إليها. ابن حبيب: ويصليها العبيد. م وإنما قال: يصليها كل واحد؛ لقوله عليه السلام: ((فإذا رأيتم ذلك بهما فافزعوا إلى الصلاة)). فعم. [فصل-8 - في ماذا انتهت الصلاة والشمس خاسفة] قال مالك: وإن أتموا الصلاة والشمس بحالها لم يعيدوا الصلاة ولكن يدعون ومن شاء تنفل. قال ابن حارث: واتفقوا إذا صلى الإمام بالناس صلاة الخسوف فأتم ركعتين وسجدتين ثم تجلت الشمس أنه لا يقطع الصلاة، ويتمادى، واختلفوا كيف يصلى ما بقى؟ فقال أصبغ: يصلى ما بقى عليه على سنتها حتى يفرغ منها، وقال سحنون: يصلى ركعتين وسجدتين، ثم ينصرف، ولا يصلى ذلك على سنة صلاة الخسوف.
[فصل-9 - في صلاة المسبوق تفوته بعض صلاة الإمام] قال مالك: ومن أدرك الركعة الثانية من الركعة الأولى لم يقض شيئًا، وأجزأته، كمن فاتته القراءة في الصلاة، وأدرك الركوع. قال ابن القاسم: ومن أدرك الركعة الثانية من الركعة الثانية، فإنما يقضى ركعة فيها ركعتان، وتجزئه، وإذا سها فيها الإمام سجد لسهوه. وأنكر مالك السجود في الزلازل. [فصل-10 - هل يصلى جماعة لخسوف القمر]؟ قال مالك: ولم يبلغنا أنه عليه السلام صلى بالناس إلا في خسوف الشمس، ولم أسمع أنه يجمع لخسوف القمر، ولكن يصلون أفذاذًا ركعتين ركعتين، كسائر النوافل، ويدعون، ولا يجمعون. قال عنه على: ويفزعون إلى الجامع فيصلون أفذاذًا، ويكبرون، ويدعون. وقال عبد العزيز بن أبى سلمه: ونحن إذا كنا فرادى نصلى هذه الصلاة في خسوف القمر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فإذا رأيتم ذلك بهما فافزعوا إلى
الصلاة)) وقال الشافعي: يجمع في خسوف القمر. قال ابن حبيب: قال ابن عباس: ((خسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجمعنا إلى الصلاة معه كما فعل في خسوف الشمس، ورأيته صلى ركعتين فأطالهما، وما رأيته صلى نافلة بطولهما؛ ولأن خسوف القمر لا يكون إلا ليلًا فتلحق الناس المشقة في الاجتماع لها ففارقت خسوف الشمس. قال ابن المواز: التنفل في خسوف القمر ليس بسنة، وإنما هو ترغيب وترهيب. [فصل-11 - الصلاة لريح شديدة أو ظلمة] قال أشهب في المجموعة: والصلاة-أيضا- حسنة في غير ذلك من ريح شديدة أو ظلمة فرادى وجماعة إذا لم يجمعهم الإمام، ويحملهم عليه. وروى نحوه للنبي صلى الله عليه وسلم.
[باب-16 -] جامع ما جاء في صلاة الاستسقاء
[باب-16 -] جامع ما جاء في صلاة الاستسقاء [فصل-1 - في حكم صلاة الاستسقاء] وسن الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة الاستسقاء، وصلاها في جماعة، وجهر فيها بالقراءة وخطب لها بعد الصلاة، ولم يؤذن لها، ولا أقام. وقال أبو حنيفة: إنها بدعه. ودليلنا عليه: ما تقدم من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه أبو هريرة، وابن عباس،
وأنس وجابر/. [فصل-2 - وقت صلاة الاستسقاء] قال مالك: وسنتها أن تصلى ضحوة لا في غير ذلك الحين. وقال في العتبية: لا بأس بالاستسقاء بعد المغرب والصبح، وقد فعل عندنا، وما هو بالأمر القديم. [فصل-3 - صفة صلاة الاستسقاء] قال في المختصر: يخرج الإمام إليها ماشيًا متواضعًا غير مظهر لفخر، ولا زينة، راجيًا لما عند الله تعالى، لا يكبر في ممشاه حتى يأتي مصلاه. ابن حبيب: ويخرج الناس أيضا مشاه في بذلتهم، لا يلبسون ثياب الجمعة. قال في المدونة: فإذا بلغ المصلى صلى بالناس ركعتين، يجهر فيهما
بالقراءة، ويقرأ بسبح، والشمس وضحاها، ونحوهما، فإذا سلم استقبل الناس بوجهه فجلس جلسه، فإذا اطمأن قام متوكئًا على عصا أو قوس قائمًا على الأرض، فيخطب خطبتين، يفصل بينهما بجلسة خفيفة فإذا فرغ من خطبته استقبل القبلة قائمًا، والناس جلوس، وحول رداءه مكانه يرد ما على عاتقه الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن، ولا يقلب رداءه فيجعل الأعلى على الأسفل، والأسفل على الأعلى، ويحول الناس أرديتهم كذلك، وهم جلوس، ثم يدعو الإمام قائمًا، ويدعو الناس، وهم جلوس، ولا حد في طول ذلك، إلا أنه وسط، وينصرفون. قال أصبغ: إذا أشرف على فرغ خطبته الثانية استقبل القبلة، ثم حول رداءه، وقلب ما يلي بدنه فجعله يلي السماء، ثم يكثر من الاستغفار والدعاء، ثم يحول وجهه إلى الناس فيتم بقية خطبته، وينصرف. م فوجه قول مالك: فلأن ذلك قطع للخطبة، وتشاغل بغيرها قبل تمامها، وذلك مكروه. ووجه قول أصبغ: أن المسنون في الاستسقاء خطبتان لا زيادة عليهما، فإذا أتى بالدعاء في خلالهما لم يكن ذلك زيادة، وإذا أتى به بعد الفراغ
منهما كان ذلك زيادة مستأنفة. وقاله أبو محمد عبد الوهاب. وقال الليث: يحول الإمام رداءه دون الناس. قال ابن الماجشون: ولا يحول الناس أرديتهن؛ لأنهن ينكشفن. قال مالك: وليس على الناس صيام قبل الاستسقاء فمن تطوع بخير فهو خير له. وقال ابن الماجشون: يؤمرون بصيام اليوم واليومين والثلاثة. ابن حبيب: وليأمرهم الإمام أن يصبحوا يوم الاستسقاء صياماً, ولو أمرهم بالصدقة وصيام ثلاثة أيام, ثم يستسقون بإثر ذلك كان أحب إلى, وقد فعله موسى ابن نصير بإفريقية حين رجع إليها من الأندلس وخرج بالناس فجعل الصبيان على حدة, والنساء على حدة, والإبل والبقر والغنم على حدة, وأهل الذمة على حدة, وخطب, ولم يدع فى خطبته لأمير المؤمنين, فقيل له فى ذلك, فقال: ليس هو يوم ذلك, ودعا الناس إلى نصف النهار, واستحسن ذلك بعض علماء المدينة. وقال: أراد استجلاب رقة القلوب بما فعل, وليس
بلازم. قال مالك: وكان النبى (صلى الله عليه وسلم) يقول: «اللهم اسق عبادتك وبهيمتك وانشر رحمتك واحى بلدك الميت» , كان يردد هؤلاء الكلمات فى دعائه. ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يتنفل قبل صلاة الاستسقاء, وبعدها فى المصلى. ابن حبيب: وكرهه ابن وهب, وبه أقول. قال مالك: ولا يخرج فى / صلاتها بالمنبر, / ولم يكن للنبى (صلى الله عليه وسلم) منبر يخرج به إلى صلاة العيدين, ولا لأبى بكر, ولا لعمر, وأول من أحدث له منبر فى العيدين عثمان بن عفان رضى الله عنه بناه له كثير بن الصلت من طين.
قال مالك: ولا يكبر فى خطبته, ولا / صلاتها, إلا تكبير الخفض والرفع, وإن أحدث الإمام فى خطبتها تمادى, ولا يؤمر النساء والصبيان بالخروج إليها, وإن خرجوا لم يمنعوا, ولا تخرج الحيض على حال, ولا صبى لا يعقل الصلاة, ولا يمنع أهل الكتاب من الاستسقاء. ابن حبيب: ولا من التطوق بصلبهم وشركهم, ويتنحون عن الجماعة, ويمنعون من إظهار ذلك فى أسواق المسلمين فى الاستسقاء وغيره, كما يمنعون من إظهار الزنا وشرب الخمر. ومن المدونة قال مالك: وجائز الاستسقاء فى السنة مراراً. ابن حبيب: ولا بأس بالاستسقاء أياما متوالية, ولا بأس بالاستسقاء فى إبطاء النيل. قال أصبغ: وقد فعل ذلك عندنا بمصر خمسة وعشرين يوماً متوالية يستسقون على سنة الاستسقاء, وحضر ذلك ابن القاسم وابن وهب ورجال صالحون فلم ينكروه. ومن الموطأ قال مالك: «جاء رجل إلى رسول (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول
الله هلكت المواشى وتقطعت السبل, فادع الله, فدعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) , فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة, قال: فجاء رجل إلى النبى (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله تهدمت البيوت وانقطعت السبل, وهلكت المواشى, فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «اللهم ظهور الجبال, والآكام, وبطون الأودية, ومنابت الشجر» , قال: فانجبت عن المدينة - أى تقطعت - انجياب الثوب».
[باب -17 -] ما جاء في صلاة العيدين
[باب -17 -] ما جاء في صلاة العيدين [فصل -1 - فى حكم صلاة العيدين] وسن الرسول (صلى الله عليه وسلم) صلاة العيدين, وصلاها ضحوة ركعتين, وقرأ فيها جهراً, وكبر قبل القراءة فى الأولى سبعاً وفى الثانية خمساً فى الفطر والأضحى, وخطب بعد الصلاة, وانصرف ولم يتنفل فلى المصلى / قبلها ولا
بعدها, وكذلك روت عائشة رضى الله عنها وجماعة من الصحابة عن النبى (صلى الله عليه وسلم) , وليس فى الفطر والأضحى أذان ولا إقامة. قال مالك: وتلك السنة التى لا اختلاف فيها عندنا. م وذهب غيرنا إلى أن صلاة العيدين فرض على الكفاية. ودليلنا أنها صلاة / تشتمل على ركوع وسجود وليست بفرض على الأعيان فلم تكن فرضاً على الكفاية, كالنوافل؛ ولأنها ليس من سنتها الأذان كالاستسقاء. [فصل -2 - فى الغسل. والتجمل يوم العيد] ومن المدونة قال مالك: والغسل لليدين حسن, وليس كوجوبه فى الجمعة؛ لأن الجمعة فريضة والعيدين سنة, فما كان بسبب الفريضة آكد مما كان بسبب السنة. قال على وابن عباس وابن الزبير: غسل العيدين قبل الغدو إلى المصلى حسن. وأن ابن عمر كان يغتسل ويتطيب. وقال قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): «يا معشر المسلمين إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين فاغتسلوا, ومن كان
له طيب فليمس منه, فندب إلى ذلك فى الجمعة, وعلله بأنه عيد, فكان كل عيد كذلك. م وقال معاذ: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يأمرنا إذا غدونا إلى المصلى أن نلبس أجود ما نقدر عليه من الثياب؛ ولأن ذلك زينة للإسلام وجمال للشرع, وإعظام للدين, وإرهاب للعدو. قال مالك فى المختصر: يستحب الغسل والزينة والطيب فى كل عيد, والغسل قبل الفجر فيهما واسع. ابن حبيب: وأفضل أوقات الغسل لهما بعد صلاة الصبح, وينزل إليهما من ثلاثة أميال كالجمعة, ويستحب المشى إليهما, ولا أذان ولا إقامة فيهما, روى ذلك عن النبي (صلى الله عليه وسلم).
[فصل -3 - فى صفة الخروج لصلاة العيد] ومن المدونة قال مالك: ويستحب أن يخرج الإمام فيهما بقدر ما إذا بلغ المصلى حلت الصلاة, ويخرج الناس عند طلوع الشمس, وعليه أدركت الناس وأهل العلم / ببلدنا. قيل لابن القاسم: أمن المسجد أو من داره؟ قال: كل ذلك سواء. قال مالك: ويكبر فى الطريق فى العيدين إذا خرج عند طلوع الشمس تكبيراً / يسمع نفسه ومن يليه, وفى المصلى حتى يخرج الإمام للصلاة, فإذا خرج الإمام قطع يريد خروجه فى المصلى, لا حين خروجه من داره, قاله سحنون. قال فى المدونة: ولا يكبر إذا رجع, وكان ابن عمر يجهر بالتكبير. قال فى المجموعة: ومن غدا إليها قبل طلوع الشمس, فلا بأس به, ولكن لا يكبر حتى تطلع الشمس. قال عنه أشهب: ويكبر الرجل من حيث يغدو إلى المصلى إلى أن يرقى الإمام المنبر, ثم إذا كبر الإمام فى خطبته كبر معه.
قال ابن حبيب: ومن السنة أن يجهر بالتكبير فى طريقه, والتهليل, والتحميد جهراً يسمع من ليله, وفوق ذلك قليلاً حتى يأتى الإمام فيكبر, ويكبروا بتكبيره. وأحب إلى من التكبير الله أكبر, الله أكبر, لا إله إلا الله, والله أكبر, الله أكبر ولله الحمد على ما هدانا, اللهم اجعلنا من الشاكرين؛ لقول الله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. وكان أصبغ يزيد الله أكبر كبيراً, والحمد لله كثيراً, وسبحان الله بكرة وأصيلاً, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. وما زدت, أو نقصت, أو قلت غيره فى حرج. ومن المدونة قال مالك: بلغنى / أن النبى (صلى الله عليه وسلم) كان يخرج إلى صلاة العيدين من طريق, ويرجع من أخرى.
قال ابن القصار: واختلف فى تأويل ذلك, فقيل: إنما كان ذلك؛ لأنه كان يسأل فى طريقه عن أمور الدين, فيرجع من طريق أخرى؛ ليسأله أهل هذه الطريق أيضاً, ويحتمل أن يرجع من طريق أخرى؛ لينال أهل هذه الطريق الثانية من النظر إليه, والتبرك به, والسلام عليه ما نال أهل الطريق الأولى. وقيل: إنما ذلك لتكثر خطاه, فيكثر ثوابه, وقيل: وجوه غير هذه, والله أعلم بما أراد. قال مالك: واستحسن ذلك, ولا أراه لازماً للناس. [فصل -4 - يخطب للعيدين بعد الصلاة] قال: والخطبة بعد الصلاة فى العيدين والاستسقاء, وكذلك / فعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه بعده. وقد ذكر فيه اختلاف انقطع لتقرر الإجماع بعده. قال مالك: وأما فى الجمعة وعرفة فالخطبة قبل الصلاة, وروى ابن وهب عن ابن عباس, وجابر بن عبد الله وابن عمر, وأنس بن مالك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يصلى فى العيدين قبل الخطبة.
قال مالك: وجبذ أبو سعيد الخدرى مروان بن الحكم حين أراد أن يخطب قبل الصلاة, فقال له: الصلاة قبل الخطبة, فقال له مروان: قد ترك ذلك, فقال له أبو سعيد: أما ورب المشارق لا تأتون بخير منها. قال ابن الحبيب: أحدث مروان الخطبة قبل الصلاة, وأحدث هشام بن عبد الملك الأذان والإقامة لهما. قال أشهب: ومن بدأ بالخطبة قبل الصلاة أعادها بعد الصلاة فإن لم يفعل أجزأه, وقد أساء. [فصل -5 - فى التكبير والقراءة فى صلاة العيدين] ومن المدونة قال مالك: وتكبير العيدين سواء يكبر فى الركعة الأولى سبعاً بتكبيره الإحرام, وفى الثانية خمساً غير تكبيرة القيام, وذلك كله قبل القراءة, ولا
يرفع يديه إلا فى التكبيرة الأولى. ابن المواز قال: قال أشهب: وإذا كبر الإمام فى الأولى أكثر من سبع, وفى الثانية أكثر من خمس فلا يتبع. قال فى المدونة: ويقرأ فى العيدين بسبح والشمس وضحاها ونحوهما, وكذلك الاستسقاء. [فصل -6 - لا يصلى العيدين فى المسجد ولا يخرج لها بمنبر] ولا تصلى فى المسجد, وليخرج إليها كما خرج النبى (صلى الله عليه وسلم). قال مالك: إلا أهل مكة فالسنة أن يصلوها فى المسجد. قال مالك: ولا يخرج فيها بمنبر, ولم يكن للنبى (صلى الله عليه وسلم) ولا لأبى بكر / ولا لعمر رضى الله عنهما منبر, وكثير بن الصلت بناه لعثمان رضى الله عنه. [فصل -7 - فى أحكام تتعلق بالخطبة] ويجلس الإمام فى خطبة العيدين فى أولها وفى وسطها. وفى كتاب أبى الفرج: لا يجلس فى أولها. قال مالك: ويكبر فى خلال خطبته, ولا حد فى ذلك. وقال فى الواضحة: من السنة أن يفتتح خطبته الأولى والثانية بالتكبير
وليس فى ذلك حد. وقال مطرف وابن الماجشون: اشهر / العمل عندنا أن يكبر فى مبتدأ الخطبة الأولى وقبل التحميد تسع تكبيرات, وفى مبتدأ الثانية سبع تكبيرات, ويوالى بينهما ثم يمضى فى خطبته فكلما انقضت الكلمات كبر ثلاث تكبيرات حتى تنقضى خطبتاه. [فصل -8 - فى من فاتته صلاة العيد هل يصليها وحده؟] ومن المدونة قال مالك: ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام فإن شاء صلى أو ترك, واستحب له مالك: أن يصليها كصلاة الإمام. [فصل -9 - فى أحكام المسبوق فى صلاة العيد] ومن أدرك منها الجلوس / كبر وجلس, ثم يقضى بعد سلام الإمام باقى التكبير والصلاة. قال ابن القاسم فى العتبية: ومن سبقه الإمام بالتكبير فليدخل معه ويكبر سبعاً, يريد والإمام يقرأ. قال: وإن وجده راكعاً دخل معه وكبر تكبيرة واحدة وركع, ولا شئ عليه, وإن وجده قد رفع رأسه أو قائماً في الثانية
فليقض ركعة يكبر فيها سبعاً, وإن وجده فى الجلوس أحرم وجلس معه فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعتين يكبر فى الأولى سبعاً وفى الثانية خمساً. قال عيسى: وقد قال أيضاً: يكبر فى الأولى ما بقى عليه ستاً. قال ابن القاسم: وإن وجده قائماً فى الثانية فليكبر خمساً. وقال ابن وهب: لا يكبر إلا واحدة. ابن المواز: وقال أشهب: وإذا كبر الإمام فى الأولى أكثر من سبع, وفى الثانية أكثر من خمس لا يتبع, وكذلك لو كبر فى صلاة الجنازة خمساً فليسكتوا حتى يسلم فيسلموا بسلامه, وقال ابن القاسم: يقطعون فى الخامسة. قال فى المجموعة: وإن وجد الإمام فى الخطبة فليجلس ولا يصلي. قال
في المختصر: فإن أراد الصلاة فى المصلى فليصبر إلى فراغ الخطبة. [فصب -10 - فى حكم التنفل قبل صلاة العيد أو بعدها] ومن المدونة قال مالك: وإذا صلوا جماعة العيد فى مسجد لعلة أو صلوها جماعة فى مسجد بساحل من السواحل فلا بأس بالتنفل فيه قبلها أو بعدها. قال ابن الحبيب عن مالك: لا يتنفل فيه إلا بعدها. قال مالك: وإنما كره التنفل فيه قبل صلاة العيدين وبعدها فى المصلى. قال ابن شهاب /: ولم يبلغنى أن أحداً من الصحابة فعل ذلك, وأن عبد الله بن عمر لم يكن يصلى قبل صلاة العيد ولا بعدها. فأما فى غير المصلى فى بأس به. وإذا رجع من المصلى تنفل فى بيته ما أحب ولا تصلى صلاة العيد في موضعين.
[فصل -11 - فى الإمام ينسى التكبير فى صلاة العيدين ثم يذكر] قال مالك: وإذا نسى الإمام التكبير فى الركعة الأولى حتى قرأ فذكر قبل أن يرجع رجع فكبر وقرأ وسجد بعد السلام, وإن لم يذكر حتى ركع تمادى ولم يكبر لما فاته وسجد قبل السلام, وإن أحدث الإمام بعد السلام وقبل الخطبة خطب ولم يستخلف. [فصل -12 - فى صلاة العيدين لأهل القرى] قال مالك: وأحب إلى أن يصلى أهل القرى صلاة العيدين كصلاة الإمام, ويكبروا مثل تكبيره, ويقوم إمامهم فيخطب بهم خطبتين. [فضل -13 - فى من تجب عليهم صلاة العيدين] قال فى الضحايا: وكل من تجب عليهم الجمعة فعليهم أن يجمعوا فى العيدين, وليس على الحاج بمنى جمعة, ولا صلاة عيد. ومن المجموعة قال ابن القاسم عن مالك: فى قرية فيها عشرون رجلاً أرى أن يصلوا العيدين. وقال عنه ابن نافع: ليس ذلك إلا على من عليه الجمعة. وقال أشهب: استحب ذلك لهم, وإن لم تلزمهم الجمعة, والجمعة لا تستحب؛ لأنها فرض لا تجزئ من لا تجب عليه. ومن المدونة قال مالك: ولا تجب صلاة العيدين على النساء والعبيد, ولا
يؤمروا بالخروج إليها, ومن حضرها منهم صلاها, ولم ينصرف إلا بانصراف الإمام, وإذا لم تخرج النساء فما عليهن بواجب أن يصلين / ويستحب لهن أن يصلين أفذاذاً على سنة صلاة الإمام, ولا يؤمهن أحد. وروى البخارى عن أم عطية قالت: أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن تخرج الحيض يوم العيدين وذوات الخدور فيشهدن / جماعة المسلمين ودعوتهم ويعتزل الحيض عن مصلاهم. قال امرأة: يا رسول الله! إحدانا ليس لها جلباب؟ قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها. م وفى سماع ابن وهب قال مالك: ليس على المسافرين صلاة عيد ولا جمعة, / وقال ابن حبيب: صلاة العيد تلزم كل مسلم وتجب على النساء
والعبيد والمسافرين ومن يؤمر بالصلاة من الصبيان يؤمر بها, وإن لم يشهدوها فى جماعة صلوها ركعتين حيث كانوا على سنتها فى التكبير والقراءة, وهو قول مالك وجماعة من أصحابه. قال أبو محمد عبد الوهاب: وإذا ثبتت الشهادة فى آخر يوم من رمضان أنهم رأوا الهلال عشية أمه فليفطر الناس لوقتهم. فإن كان قبل زوال فليصلوا العيد, وإن كان بعده لم يصلوا فى بقية ذلك اليوم, ولا من الغد, وإنما قلنا إنها تصلى قبل الزوال؛ لأن وقتها باق؛ لأنه ما بين ضحوة إلى الزوال, ولا تصلى بعد الزوال للإجماع على ذلك؛ ولأن النبى (صلى الله عليه وسلم) لم يصلها ولا أحد من الأئمة بعد الزوال, وإذا كانت لا تصلى بعد الزوال وهى إلى وقتها أقرب كانت بأن لا تصلى من الغد أولى؛ ولأنها صلاة مسنونة فخروج وقتها مسقط لها, كالوتر والكسوف. ومن المدونة: واستحب مالك للإمام أن يخرج أضحيته فيذبحها أو ينحرها فى المصلى يبرزها للناس إذا فرغ من خطبته, واستحب للرجل أن يطعم يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى, وليس ذلك فى الأضحى. قال ابن
المسيب: من سنة الفطر المشى والأكل والغسل قبل الغدو. ابن حبيب: وسئل مالك عن قول الرجل لأخيه فى العيد تقبل الله منا ومنك وغفر لنا ذلك, فقال: ما أعرفه, ولا أنكره. قال ابن حبيب: لم يعرفه سنة, ولا ينكره؛ لأنه قول حسن. ورأيت من أدركت من أصحابه لا يبدؤون به ولا ينكرونه على من قاله لهم, ويردونه عليه مثله. ولا بأس عندى أن يبتدأ به. وروى غير ابن حبيب: أن واثلة بن الأسقع رد مثله على من قال له, وأن مكحولاَ كرهه, وروى عن عبادة عن النبى (صلى الله عليه وسلم) أنه فعل اليهود.
[باب -18 -] جامع ما جاء فى تكبير أيام التشريق /]
[باب -18 -] جامع ما جاء فى تكبير أيام التشريق /] قال الله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ}. وهى أيام النحر الثلاثة. وقال الله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} فهذه أيام الرمى, وهى ثلاثة بعد يوم النحر. [فصل -1 - فى صفة التكبير فى أيام التشريق] قال ابن القاسم: ولم يحد مالك فى تكبير أيام التشريق حداً, وبلغنى عنه أنه كان يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثاً, ورواه على عن مالك, وروى / عنه أشهب وابن عبد الحكم: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد, وأخذ به.
[فصل -2 - في زمن ابتداء تكبير أيام التشريق وزمن انتهائه] قال مالك: ويكبر الناس في أيام التشريق في دبر الصلوات من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، يكبر في الصبح ويقطع في الظهر، وهي خمس عشرة صلاة. قال مالك: والناس يكبرون في غير دبر الصلوات. فأما الذين أدركت، وأقتدي بهم فلم يكونوا يكبرون إلا في دبر الصلوات، وقاله بكير وأبو بكر بن محمد وغيرهم. قال ابن حبيب: وينبغي لأهل منى الإمام وغيره أن يكبروا أول النهار إذا أرتفع، ثم إذا زاغت الشمس، ثم بالعشي، وكذلك فعل عمر، وأما أهل الآفاق ففي خروجهم إلى المصلى، ثم في دبر الصلوات، ويكبرون في خلال ذلك، ولا يجهرون، والحجاج يجهرون به في كل الساعات إلى الزوال من اليوم الرابع، فيرمون ثم ينصرفون بالتكبير والتهليل حتى يصلوا الظهر والعصر بالمحصب، ثم ينقطع التكبير. م وهذا كله خلاف لما في/ المدونة وذكر عن ابن سحنون: اختلاف في
التكبير أيام التشريق، وأنا أذكر بعضه، فروي عن ابن عمر وغيره مثل ما في المدونة. وروي عن زيد بن ثابت: أنه يبدأ بالظهر من يوم النحر فيكبر إلى صلاة العصر من اليوم الرابع. وروي عن عمر وعلي رضي الله عنهم: أنهما كانا يكبران من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من اليوم الرابع. قال محمد بن الجهم: ليس في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه، ووجدنا الله تعالى يقول: {فَإذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} وكان قضاء النسك الذي يخرج به من الحج طواف الإفاضة يوم النحر فأول صلاة تؤدى بعد ذلك صلاة الظهر، وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين. وأما من بدأ من صلاة الفجر يوم عرفة فلا دليل له من كتاب ولا سنة ولا قياس، وأجمعوا
على أن التكبير في صلاة الظهر من يوم النحر واجب، فلا يزول عن ذلك، إلا بدليل فإن قيل: فلم قلتم يكبر أيام التشريق؟ قلنا: {واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ}. فإن قيل: فلم قطعتم في اليوم الرابع في الظهر، ولم يقطع في العصر. قلنا: لأن الناس بمنى آخر صلاتهم بها الصبح، فإذا زالت الشمس رموا وينفرون. ودليل آخر أيضاً أنه عمل أهل المدينة، وهو أثبت من الروايات، وقال مالك: إنه الأمر المجتمع عليه عندنا. ومن المدونة قال مالك: ويكبر في أيام التشريق الرجال والنساء والعبيد والصبيان وأهل البادية والمسافرين، وكل مسلم صلى في جماعة أو وحده. قال: ومن نسي التكبير فإن كان بالقرب رجع فكبر، وإن بعد فلا شئ عليه، وكذلك الإمام، وإن سها عنه الإمام والقوم جلوس فليكبروا. ومن فاته بعض صلاة الإمام فلا يكبر حتى يقضي. ابن سحنون: ومن قضى صلاة نسيها من أيام التشريق بعد زوالها فلا تكبير عليه. قال غيره: وإن ذكرها في أيام التشريق صلاها وكبر
بعقبها. وذكر عن أبي عمران أنه لا يكبر لها؛ لأن وقت التكبير لها قد فات، وإن كانت أيام التشريق لم تخرج بعد. قال ابن أبي زمنين: التشريق صلاة العيد، وانما سميت بذلك؛ لأن وقتها في حين شروق الشمس، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "من ذبح قبل التشريق أعاد، فسميت الأيام كلها أيام التشريق؛ لأنها تبع ليوم النحر، وكذلك قال أبو عبيد.
[باب -19 -] جامع ما جاء في جمع الصلاتين بعرفة والمزدلفة
[باب -19 -] جامع ما جاء في جمع الصلاتين بعرفة والمزدلفة وجمع الرسول صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر حين زالت الشمس بعرفة ولم يسبح بينهما، وجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة ولم يسبح بينهما، وفعله أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وصلى عليه السلام بمكة ركعتين ثم قال: إنا قوم سفر فأتموا الصلاة، ولم يقل ذلك بمنى ولا عرفة، وكذلك فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وصلى عليه السلام وأبو بكر وعمر ركعتين. قال مالك: والسنة في الجمع بين الظهر والعصر بعرفة بعد الزوال يبدأ الإمام بالخطبة، فإذا فرغ منها جلس على المنبر وأذن المؤذن، وأقام ثم نزل فصلى
بالناس الظهر ركعتين، ثم أذن وأقام فصلى بهم العصر ركعتين. قال ابن حبيب: يؤذن المؤذن إذا جلس الإمام بين خطبتيه فإذا فرغ منهما أقام ثم نزل فصلى. قال مالك: ولا يجهر بالقراءة فيهما وإن وافق ذلك يوم الجمعة، وإن كان لهما خطبة، وكل صلاة فيها خطبة يجهر فيها بالقراءة خلا هذه الصلاة؛ لأن خطبتها تعليم للمناسك للحاج، وليس هي للصلاة. قال مالك: ويقطع الإمام والناس التلبية إذا زالت الشمس وراح -يريد للصلاة- ولا يلبي الإمام إذا خطب ويكبر بين ظهراني خطبته، ولا حد في ذلك ويجلس في أولها ووسطها. ابن المواز: ولا يجلس في غيرها من خطب الحج. وخطب الحج ثلاث: الأولى قبل يوم التروية بيوم في المسجد الحرام بعد الظهر ولا يجلس فيها، والثانية بعرفة يجلس/ في وسطها، والثالثة بمنى أول يوم من أيام التشريق بعد الظهر لا يجلس فيها. وكلها تعليم للمناسك ولا يجهر بالقراءة في شئ من صلواتها.
م وتحصيلها أن أولها قبل يوم التروية بيوم، وبين كل خطبتين يوم، ويجلس في الوسطى. قال مالك: ويتم أهل عرفة بعرفة وأهل منى بمنى، ومن لم يكن من أهلها فليقصر الصلاة وإن كان مكياً. ابن القاسم: قال مالك: ولا أحب أن يكون/ الإمام من أهل عرفة، فإن كان من أهل عرفة أتم الصلاة بها. والله المستعان. كمل كتاب الصلاة الثاني من الجامع لابن يونس بحمد لله وحسن عونه وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
كتاب الجنائز من الجامع
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الجنائز من الجامع [باب]-1 - في الصلاة على الجنازة والدعاء لها. [فصل -1 - في حكم الصلاة على الجنازة] قال الله تعالى - في المنافقين -: {ولا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا ولا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} الآية. فدل ذلك أنه مأمور بالصلاة على غيرهم، وقاله غير واحد من أصحابنا البغداديين. وقال صلى الله عليه وسلم:/ "صلوا على موتاكم"، وقال: "صلوا على من قال لا إله إلا الله". فالصلاة على الميت المسلم فريضة على الكفاية يحملها من قام
بها، وقاله سحنون، وقال: فإن لم يحضروا جميعاً كانوا تاركين لفرض، وقاله ابن عبد الحكم. وقال أصبغ: الصلاة على الموتى سنة واجبة، وقال أشهب: الصلاة على موتى المسلمين واجبة، وقال ابن عيشون الطليطلي ليست في قولي فرض ولا سنة. م فوجه قول سحنون دليل الآية قوله: {ولا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا}. ووجه قول أصبغ أن ليس في الآية كبير دليل، وإنما ثبت ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره. [فصل -2 - في العمل في صلاة الجنازة]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أخلصوه بالدعاء". وكبر صلى الله عليه وسلم على الجنازة أربعاً
وسلم. قال مالك: وليس العمل على القراءة في ذلك. وروي عن عمر وعلي وابن عمر وجماعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أنهم لم يكونوا يقرؤون على الميت. م وهذا حجتنا على الشافعي في قوله: يقرأ عليه، ولأنها صلاة لا ركوع فيها، كسجود التلاوة والطواف. ومن المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم: هل وقت مالك ثناء على. النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين في الصلاة على الجنازة؟ قال: ما أعلمه، قال: إلا الدعاء للميت فقط.
وفي حديث عوف بن مالك للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اللهم اغفر له، وارحمه، واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلا خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وقه فتنة القبر وعذاب النار". قال عوف:/ فتمنيت أن لو كنت أنا الميت؛ لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الميت. وقيل لأبي هريرة: كيف تصلي على الجنازة؟ فقال: أنا لعمر الله أخبرك أتبعها من أهلها فإذا وضعت كبرت، وحمدت الله تعالى، وصليت على نبيه عليه السلام، ثم أقول: اللهم إنه عبدك [وابن عبدك] وابن أمتك كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به. اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه. اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده. قال مالك: هذا أحسن ما سمعت في الدعاء على الجنازة. وكان ابن
مسعود إذا أتي بجنازة استقبل الناس فقال: أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل مئة أمة، ولن تجتمع مئة لميت فيجتهدون له في الدعاء، إلا وهب الله ذنوبه لهم، وإنكم جئتم شفعاء لأخيكم فاجتهدوا له في الدعاء، ثم يستقبل القبلة، فإن كان رجلا قام عند وسطه، وإن كانت إمرأة قام عند منكبيها ثم قال: "اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن امتك أنت خلقته وأنت هديته للإسلام، وأنت قبضت روحه، وأنت أعلم بسريرته وعلانيته، جئنا شفعاء له. اللهم إنا نستجير بحيل جوارك له، إنك ذو وفاء وذمة. اللهم أعذه من فتنة القبر وعذاب جهنم. اللهم إن كان/ محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته. اللهم نور له في قبره، وألحقه بنبيه. قال: تقول هذا/ كلما كبرت، فإذا كانت التكبيرة الآخرة قلت مثل ذلك، ثم تقول: اللهم صل على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم صل على أسلافنا وأفراطنا، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين الأحياء منهم والأموات. ثم تسلم. وكان ابن مسعود يعلم الناس هذا الدعاء.
م قال ابن القابسي: وما ذكر عن ابن مسعود إن كانت امرأة فليقم عند منكبيها، حديث في سنده نظر. وفيه رجل مجهول عن إبراهيم، وإبراهيم لم يدرك ابن مسعود، وهو مخالف للحديث الذي خرج أهل الصحيح، وإنما كتبه سحنون في المدونة لما روى فيه من غير وجه. قال أبو إسحاق: ولابن القرطي حيث ما وقف الإمام في الرجل والمرأة فواسع؛ لما روى ابن غانم عن مالك أنه يقوم في/ المرأة في وسطها أيضاً، ورأيته في حديث لأبي هريرة، وقال: يستر موضع سوأتها من الناس. م وروى البخاري "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على امرأة ماتت من نفاس فقام
عند وسطها". ومن المدونة قال ابن مسعود: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على القبر فإذا فرغ منه قال: "اللهم نزل بك صاحبنا وخلف الدنيا وراء ظهره ونعم المنزول به أنت، اللهم ثبت عند المسألة منطقه ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به. اللهم نور له في قبره، والحقه بنبيه. م وأنا استحسن أن يكبر ثم يقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيي الموتى، له العظمة والكبرياء والملك والقدرة والثناء، وهو على كل شئ قدير. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمداً وآل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، ثم تدعو بدعاء عوف ابن مالك، ثم تكبر الثانية، ثم تحمد الله وتصلي على نبيه كما فعلت في الأولى، ثم تدعو بدعاء أبي هريرة، ثم تكبر الثالثة فتحمد الله وتصلي على نبيه، كما قد فعلت، ثم تدعو بدعاء ابن مسعود، ثم تكبر الرابعة، فتقول بعد التحميد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر لحينا وميتنا وحاضرنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا إنك تعلم منقلبنا ومثوانا، ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على
الإسلام، وأسعدنا بلقائك، وطيبنا للموت، واجعل فيه راحتنا. ثم يسلم. وإن كانت امرأة قلت: اللهم إنها أمتك، ثم تتمادى بذكرها على التأنيث غير أنك لا تقول: وأبدلها/ زوجاً خيراً من زوجها؛ لأنها قد تكون زوجاً في الجنة لزوجها في الدنيا، ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن لا يبغين بهم بدلاً، والرجل يكون له زوجات كثيرة في الجنة ولا يكون للمرأة أزواج. وإن كان طفلاً فإنك تثني على الله تعالى وتصلي على نبيه، ثم تقول: اللهم إنه عبدك وابن عبدك/ أنت خلقته ورزقته، وأنت أمته، وأنت تحييه. اللهم أجعله لوالديه سلفاً وذخراً وفرطاً وأجراً، وثقل به موازينهم، وأعظم به أجورهم، ولا تحرمنا وإياهم أجره، ولا تفتنا وإياهم بعده. اللهم الحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة أبيه إبراهيم، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وعافه من فتنة القبر وعذاب جهنم، تقول ذلك في كل تكبيرة، وتقول في الرابعة: اللهم اغفر لأسلافنا وأفراطنا ومن سبقنا بالإيمان. اللهم من أحييته من فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، واغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. ثم تسلم. قال ابن القاسم في المجموعة: وإذا والى بين التكبير ولم يدع فلتعد الصلاة عليها. قال ابن حبيب: إلا أن يكون بينهما دعاء، وإن قل فلا تعاد.
ابن القاسم إن توار فأستحسن الصلاة, وليس بواجب, وقال سحنون: لا تعاد. قال سحنون: ويدعو بعد الرابعة كما يدعو بين كل تكبيرتين ثم يسلم. قال أبو محمد: وفي غير كتاب لأصدابنا إذا كبر الرابعة يسلم. وكذلك في كتاب ابن حبيب وغيره.
[باب-2 -] جامع ما جاء في التكبير على الجنازة
[باب-2 -] جامع ما جاء في التكبير على الجنازة قال مالك رحمه الله: ويكبٌر علي الجنازة أربع في كل تكبيرة, ولا يرفه يديه إلا في الأولي, وروى عنه ابن وهب أنه يُعجبه الرفع في كل تكبيرة, وقاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وعروة بن الزبير, وعمر بن عبد العزيز وغيرهم رضي الله عنهم. قال أبو إسحاق: وروى ابن جبيب عن ابن القاسم أنه لا يرفع في الأولي. قال عبد العزيز بن أبي سلمة: وكل تكبيرة في صلاة الجنازة كركعة من صلاة الفريضة. قال ابن حبيب وغيره: وقد كبر النبى صلى الله عليه وسلم على النجاشي أربعاَ, وكذلك هلي قبر السوداء, ثم استقر / فعله عبي أربع تكبيرات, ومضى به عمل
الصحابة. قال مالك في العتبية: وإن كان الإمام ممن يكبر خمساَ فليقطع المأموم بعد الرابعة ولا يتبعه. قال ابن المواز: وقال أشهب: يسكت فإذا كبر الخامسة سلم بسلامه, وقاله مالك في الواضحة. م ولها تحريم وتسليم, لأن كل صلاة افتتحت بتكبير ختمت بتسليم.
[باب-3 -] جامع ما جاء في حمل السرير والمشي امام الجنازة
[باب-3 -] جامع ما جاء في حمل السرير والمشي امام الجنازة. [فصل-2 - في حمل سرير الجنازة] قال مالك رحمه الله: ولا بأس بحمل الجنازة من أي جوانب السرير شئت بدأت, ولك أن تحمل بعض الجوانب وتدع بعضاَ, وان شئت لم تحمل. وقول من. قال: يبدأ باليمين بدعه. ابن وهب: وقال ابن مسعود: واحملوا الجنازة من جوانبها الأربع فإنها سنة, ثم إن شئت فتطوع, وإن شئت فدع. قال اين حبيب: يستحب ان يحمل السرير من جوانبه الأربع, ثم إن شاء حمل أو ترك, ويبدأ بمقدم السرير الأيسر -وهو يمين الميت- فيضعه على منكبه الأيمن, ثم يختم بمقدمه الأيمن-وهو يسار الميت-, وروي / ذلك عن غير واحد من الصحاية والتابعين, وكان مالك يوسع أن يبدأ بما شاء, ويحمل كيف شاء, ويحمل بعض جوانيه ويدع يعضاَ, والفضل فيما ذكرت لك. ومن العتبية: وكره مالك لمن علي غير وضوء أن يحمل الجنازة بينصرف إذا بلغت, ولم ير به في روايه أشهب بأسَا. أبو محمد: قال بعض أصحابنا: وما جاء "أن يتوضأ من حمله" أي.
ليكون متوضئَا حتى إذا بلغت صلي عليها, لا ان حمله يوجب الوضوء, ولكن يكره أن ينصرف ولا يصلي عليها. قال أشهب: وحمل جنازة الصبي علي الأيدى احب إلى من الدابة والنعش, فإن حمل علي الداية لم أر يه بأسَا. ابن حبيب: ولا بأس بحمل الجنازة علي الدايه إن لم يجد من يحملها. فصل-2 - [في بعض الأحكام المتعلقة بنعش الميت]. قال ابن حبيب: ويكره إعظام النعش, وأن يُفْرش تحت الميت قطيفة حرير أو خز, ولا يكره ذبك في المرأة, ولا يفرش إلا ثوب طاهر. ولا باس أن يستر الكفن بثوب ساج ونحوه/ , وينزع عند إلحاده, ولا بأس أن يجعل على نعش المرأة البكر أو الثيب الساج او الرداء الموشى أو البياض, ما لم يجعل مثل.
الأخمرة الملونة فلا احبه. قال ابن القاسم في العتبية: ولا يترك ستر نعش المرأة بقبة في حضر أو سفر إذا وجد ذلك, وقد استحسنه عمر حين فعل بزينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم, ولا حد لطولها. ويكره ما احدث من المباهاة والفخر فيه حتى صار عندهم يتزين يه. قال مالك: وأول من فعل به ذلك زينب. قال ابن حبيب: وقال الواقدى: أول من قبب عليها النعش فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم. فصل-3 - : [في اتباع الجنازة] ومن المدونة: وكره أبو هريرة وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن يتيع الميت بنار. وقالت عائشة رضي الله عنها: لا يكون اخر زاده أن يتبعوه بالنار. قالابن جبيب: وإنما كره أن يتبع بنار تفاؤلآ بالنار في هذا المقام. قال مالك: وأكره أن يتبع الميت بمجمرة, أو تقلم أظفاره, أو تحلق
عانته, ولكن يترك على حاله, وارى ذلك بدعة ممن فعله, خلافَا للشافعي. ودليلنا أن الأصل أن لا يفعل في الميت شيء ألا بشرع, ولم يرد شرع بذلك, ولأنه إزالة شيء/ متصل به من خلفة بدنه فأشبه الختان. ولا يصاح خلف الجنازة. وسمع سعيد بن جبير الذى يقول: إستغفروا له, فقال: لا غفر الله لك. ولا يمشي بالجنازة الهوينا, ولكن مشية الرجل الشاب في حاجته. قال النخعي: كانوا يقولون: انبسطوا بها ولا تدبوا بها دبيب اليهود. م قيل ايضّا: وإنما أمر بالعجلة به، لآنه إن كان خيراَ عجلوا به إلبه, وإن كان شراَ وضعوه عن أعناقهم. قال مطرف عن مالك: ولم يزل من شأن الناس الازدحام على حمل
جنازة الرجل الصالح, ولقد انكسر تحت سالم بن عبد الله نعشان, / وانكسر تحت علئشة تلاتة أنعش, و 1 لك حسن مالم يكن فيه أذى. ومن المدونة قال مالك: والمشي أمام الجنازة هو السنة. وقد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء/ بعده أبو بكر وعمر وعثمات, وغيرهم رضى الله عنهم. ابن حبيب: وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن المشي خلفها أفضل, وأراه واسعَا للاختلاف فيه, وأكره أن يشيعها راكب يتقدمها أو يتأخرها, وقاله النخعي: ابن حبيب ولا بأس أن يرجع راكبَا بعد الدفن. قال مالك في المجموعة: ومشي الرجال أمام الجنازة أفضل, وأما النساء فخلف الجنازة, ولا يكن, بين يديها في أعقاب الرجال, لأن حملتها رجال من خلفهن. قال ابن القرطى: يكون الرجال المشاة أمامها, والركبان من خلفها, والنساء من وراء ذلك, ولا بأس أن يشهدنها ما لم يكثرن الترداد. قال: ولا
توضع على الرقاب حتى يتكامل من يشيعها. ابن حبيب: وكره مالك: التحسر في الجنازة, ونزع الأردية, وقد استخف ذلك للقريب الخاص, وقد يفعل ذلك في العالم والفاضل الخاص من أصحابه. [فصل-4 - في الجلوس قبل أن توضع الجنازة عن الرقاب] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يسبق وينتظر, ولا بأس بالجلوس عند القبر قبل أن توضع عن أعناق الرجال. وقد روي ان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: فام النبى صلى الله عليه وسلم مع الجنازة حتي توصع, وقام الناس معه, ثم أنه قعد بعد ذلك, وأمرهم بالقعود. ابن وهب: ز أخبرت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة وكان يتشبه بأهل الكتاب, فلما نُهي انتهى. قال سحنون: وكان اب عمر وأصحاي النبي صلى الله عليه وسلم يجلسون قبل أن توضع الجنازة/.
[باب]-4 - جامع ما جاء فى الصلاة علي الجنازة فى المسجد
[باب]-4 - جامع ما جاء فى الصلاة علي الجنازة فى المسجد قال مالك رحمه الله: وأكره أم توضع الجنازة في المسجد, فإن وضعت قرب المسجد للصلاة عليها فلا بأس أن يصلي من في المسجد عليها بصلاة الإمام إذا ضاق خارج المسجد بأهله. قال ابن حبيب: ولو صلي فيه ما كان ضيقًا , لما روى من الصلاة علي سهيل فيه وعلى / عمر فيه. وقال إسماعيل القاضي: لا بأس به أن احتيج إلي ذلك. وقال أبن سحنون: صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على سهيل فبه أمر قد تركه, وفعل غيره حين خرج في النجاشي إلي المصلي, وهذا الحق. ومع ذلك أن حديث سهيل منقطع.
قال غيره: وقد قيل كثر الناس فى جنازته فضاق بهم الموضع, ثم لم يفعله بعد ذلك, واستدام الصلاة في المصلي حتى أنكر الناس علي عائشة ما أمرت به من إدخال جنازة سعد فيه لتصلي هي عليها, ومع ذلك فهو ذريعة إلي صرف المسجد إلي غير ما جعل له من الصلوات, وقد يتفجر فيه الميت, أو يخرج منه شيء فترك ذلك أولي من غير وجه, كما/ تركه النبي صلىي الله عليه وسلم واستدام علي غيره, وعمر إنما صلي عليه فيه, لأنه فيه دفن مع النبي لي الله عليه وسلم ومع أبي بكر رضي الله عنه. قال أبو أسحاق: وقد اختلف في نجاسة الميت, واختار ابن القصار أنه طاهر, بخلاف غيره من سائر الحيوان, لقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) , ولا يكون المكرم كالمهان, وقوله تعالى (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا).
وقد قبّل النبي صلي الله عليه وسلم عثمان بن مظعون وهو ميت. ولو كان نجساَ ما قَبّله.
باب -5 - في الصلاة علي قاتل نفسه ومن مات من حد وعلي الإعجمي والسقط وولد الزنا والمرتد وقتلي الخوارج. وعلى بعض الجسد
باب -5 - في الصلاة علي قاتل نفسه ومن مات من حد وعلي الإعجمي والسقط وولد الزنا والمرتد وقتلي الخوارج. وعلى بعض الجسد. [فصل-1 - في حكم الصلاة علي قاتل نفسه. واهل البدع. ومن قتله الإمام] قال مالك رحمه الله: ويصلي علي قاتل نفسه, ويصنع به ما يصنع بموتي المسلمين, ويورث, وإثمه على نفسه, وقال في المستخرجة: يصلي علي كل مسلم, ولا يخرجه من الإسلام حدث أحدثه, ولا جرم اجترمه. م لقوله صلي الله عليه وسلم: "صلوا علي كل من قال: لا إله إلا الله", إلا أنه يكره للإمام وأهل الفضل أن يصلوا علي البغاة وأهل البدع, لأن الله تعالي نهيتبيه صلي الله عليه وسلم أن يصليعلي المنافقين تأديبا لهم وردعَا, فكان ذلك أصلا في كل من كان علي غير الطريق من فساد الاعتقاد أن الإمام وأهل الفضل يجب أن لا يصلوا عليهم, ويصلون علي سائر الناس. ابن حبيب: قال ابن سيرين: ما حرم الله الصلاة علي أحد من أهل القبلة إلا علي/ ثمانية عشر رجلاَ من المنافقين. قال أبو إسحاق: والصلاة علي اهل الكبائر جائزة, للأنهم مسلمون يتوارثون, فمن قتل في قصاص او رجم في زنا فلا يصلي عليه الإمام ولا أهل
الفضل على باب الردع, ويصلي عليهم الناس, وكذا من قتل نفسه هو قاتل, وجرمه كجرم من قتل غيره, والمشتهر بالمعاصي. وقد ورى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أثني علي الميت خيرأَ صلي عليه, وإن أثني عليه شراَ أو قالوا عليه الدين, قال: "صلوا علي صاحبكم", وذلك للردع, ولو خرج من الإسلام ما امر النبي صلىي الله عليه وسلم بالصلاة عليه. / وإذا بغي قوم على قوم فقتلوهم صلي عليهم, وكذلك من قتله المحاربون يصلي عليه. قال ابن حبيب: وإنما ذلك, ليعلم أن الصلاة عليهم لا تترك لجرمهم. قال: فأما الرجل في خاصته فإنما يبتغي ان يرغب في شهود من يرتجي بركة شهوده. قال مالك في المدونة: وكل من قتله الإمام في قصاص أو رجم أو حد
من الحدود فلا يصلي عليه الإمام, ولكن يغسل ويكفن ويحنط, ويصلي عليه الناس غير الإمام, لأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يصل علي ماعز والغامدية لما رجمهما, وكذلك الأئمة بعده في من أقاموا عليه حدا. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك محارب قتله الناس دون الإمام, لان حده القتل, فاما من جلده الإمام في زنا فمات منه, فلإن الإمام يصلي عليه, لأن حدهه الجلد لا القتل, وانما مات من مرض أصابه من وجع السياط. فصل -2 - [في الصبي الذمي يملكه المسلم هل يصلي عليه إذا مات] قال مالك: ومن اشترى صغيراَ ذمياَ من العدو أو وقع في سهمه من المغنم فمات صغيراَ لو يصل عليه, وإن نوى به سيده الإسلام, إلا أن يجيب إلي الإسلام بأمر يعرف أنه عقله, إذا كان كبيراَ يعقل الإسلام, ويعرف ما أجاب إليه. قال: وكذلك عنه في المجموعة. وقال ابن الماجشون: إذالم يكن معه أبواه ولم يتنبه إليى ان يتدين او يدعى وقد ابتاعه رجل مسلم فله حكم المسلم
في الصلاة عليه والدفن والموارثة والعتق والقود والمعاقلة. قال سحنون: وروى نحوه معن بن عيسى عن مالك أنه يصلى عليه. قال ابن عبدوس: ورواية ابن القاسم أولى؛ لأن لهم حكم الكفر، وهو الأكثر والغالب؛ لأنه قد ولد في دار الكفر مع أبويه فلا ينتقل عنه إلا بإسلام أبيه أو يجيب إلى الإسلام وقد عقله. فإن قيل: فأنت لا تبيعهم من أهل الذمة ولا تفاديهم بالمال؟ قلت: لا أفعل ذلك؛ لأني أجبرهم على الإسلام إذا لم يكن معهم أحد أبويهم، وقد قال سحنون: أما مفاداة مسلم بهم فنعم، وأما بالمال فلا. وفي كتاب ابن حبيب: لا يلتفت إلى أمه. [فصل -3 - في حكم الصلاة على الصغير إذا أسلم أحد أبويه] قال مالك في العتبية: وإن اشترى الصغير/ ومعه أحد أبويه فأسلم من معه منهما أنه يصلى عليه/ إن مات، وفي كتاب النكاح من المدونة: لا يكون مسلمًا إلا بإسلام الأب. قال في العتبية: وإن اشترى وحده فصلى قبل أن يبلغ الحلم ثم مات صلى عليه.
ومن المدونة قال مالك: ومن زوج عبده من أمته وهما نصرانيان فحدث لهما ولد فليس للسيد أن يدخل الولد في الإسلام جبرًا. قال ابن عبدوس: قال سحنون: إن كان مع الصبي الكتابي أحد أبويه أم أو أب كان تبعًا له في دينه وله حكمه، وكذلك الذمية تزني فولدها على دينها، وكذلك المسبية منهم معها ولدها فهو على دينها، وتصدق أنه ولدها في التفرقة والدين، ولا تصدق في الأنساب والمواريث. وفي كتاب ابن حبيب: لا يلتفت إلى أمه وإنما يراعى الأب، فإن كان أبوه معه فحكمه حكمه في الإسلام والكفر كانا في ملك واحد أو في ملكين. قاله مطرف وابن الماجشون. وروياه عن مالك. وفي السليمانية وروى عيسى عن ابن القاسم في الرجل يتزوج النصرانية أو اليهودية فتلد منه ثم يغيب
الرجل فيموت ولده منها فيدفنه أقارب أمه في مقبرة اليهود فيعلم بذلك، فقال: إن كان بقرب ذلك ولم يتغير أخرج ودفن في مقبرة المسلمين، وإن خيف عليه التغير ترك. ومن المدونة قال مالك:/ ومن اشترى جارية مجوسية من السبي فلا يجامعها حتى تجيب إلى الإسلام بأمر يعرف والإسلام الذي إذا أجابت إليه الجارية حل وطؤها والصلاة عليها أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، أو صلت فقد أجابت، أو تكون أجابت -أيضًا- بأمر يعرف أنها قد دخلت في الإسلام فتوطأ بعد الاستبراء، إلا أن تكون من أهل الكتاب فيجامعها بعد الاستبراء إن أحب. ابن عبدوس وقال ابن القاسم في صبية مجوسية لم تحض: فلا يطئها من ملكها حتى يجبرها على الإسلام إذا كانت تعقل ما يقال لها، فجعل إسلامها حينئذ يبيح وطئها، وأنكره سحنون وقال: يحتاط/ في الوطء إلى أن تبلغ وتثبت على الإسلام.
فصل -4 - [في الصلاة على المولود] ومن المدونة قال مالك: ولا يصلى على المولود ولا يغسل ولا يحنط ولا يرث ولا يورث ولا يسمى حتى يستهل صارخًا بالصوت. ابن حبيب: وإن كان خفيًا، وليس العطاس باستهلال، ولا الحركة ولا الرضاع، وإن أقام يومًا يتحرك ويتنفس ويفتح عينيه حتى يسمع له صوت فيجب له حكم الموارثة والصلاة عليه، وإلا فهو كالسقط. ومن كتاب آخر ابن وهب يرى الرضاع كالاستهلال بالصراخ. قال أبو إسحاق: وهذا أشبه؛ لأنها حال لم تكن في الميت فأشبه الصراخ. وما أدري لم يحكموا له بحكم الحياة إذا ظهر منه ما يقطع به أنه لا يكون إلا من حي. قال ابن الماجشون: قال في المجموعة: ولا يرضع ولا تبين له حياة إلا بالصراخ قبلها، فأما العطاس فيكون من الريح يدخله ليس بفعله، والبول
من استرخاء المواسك، ويكون من الميت، والصراخ لا يكون إلا من فعل الحي. قال غيره: وليس الحركة دليل على الحياة البينة، وقد كان يتحرك في البطن. ومن المدونة: قال ابن شهاب: السنة أن لا يصلى على السقط، ولا بأس أن يدفن مع أمه. وكره مالك أن يدفن السقط في الدور، وقال سحنون: أنه قد أبيح دفنه في الدور. قال ابن حبيب عن سحنون: ودفنه في المقبرة أفضل، فإن دفن في المنزل فجائز غير مكروه. قال أبو العباس الأبياني: وجائز أن يدفن الرجل في داره. قال ابن سحنون: وسئل مالك عن الرجل يشتري الدار فيجد فيها قبرًا قد كان البائع دفنه؟ قال: أرى أن يرد البيع؛ لأن موضع القبر لا يجوز بيعه ولا
الانتفاع به؛ لأنه حبس. قيل لمالك: فإن وجد فيها المشتري قبر سقط؟ قال: لا أرى السقط عيبًا؛ لأن السقط ليس له حرمة الموتى؛ لأنه لا يصلى عليه، ولا يوارث، ألا ترى أنه قد أبيح دفنه في الدور. قيل له: فيجوز الانتفاع بموضع قبر السقط؟ قال: أكره ذلك. قال ابن سحنون: والقياس جواز الانتفاع به لجواز بيعه. قال ابن حبيب: ولا بأس/ أن يغسل عنه الدم، لا كغسل الميت، ويلف في خرقة. فصل -5 - [يصنع بأولاد الزنا كما يصنع بأولاد الرشدة] ومن المدونة: قال مالك: ويصنع بأولاد الزنا إذا ماتوا/ صغارًا أو كبارًا ما يصنع بأولاد الرشدة. وقد صلى الرسول صلى الله عليه وسلم/ على امرأة هلكت من نفاس ولد الزنا وعلى ولدها، وقاله ابن عمر وابن عباس.
فصل -6 - [في الغلام يرتد] قال ابن القاسم: وإذا ارتد الغلام قبل البلوغ إلى أي دين كان لم تؤكل ذبيحته ولم يصل عليه في قول مالك. فصل -7 - [في الصلاة على قتلى الخوارج والقدرية والإباضية] قال مالك: ولا يصلى على القدرية والإباضية وقتلى الخوارج، ولا تتبع جنائزهم ولا تعاد مرضاهم. قال سحنون: أدبًا لهم، إلا أن يضيعوا فيصلى عليهم. قال أبو إسحاق: إن لم يكفروا عنده بمآل القول؛ لأنهم مسلمون يذنبون، وإن كانت ذنوبهم عظيمة بابتداعهم، ويرثهم ورثتهم المسلمون على هذا. وأما من كفرهم بمآل القول الذي يؤديهم إلى الجهل بالله تعالى فلا يصلى عليهم بحال ضاعوا أو لم يضيعوا، ولا يرثهم ورثتهم المسلمون؛ لأن المسلم لا يرث الكافر. فصل -8 - [الصلاة على بعض الجسد] قال مالك: ولا يصلى على يد أو رجل أو رأس، ولا على الرأس مع
الرجلين، فإن بقي أكثر البدن صلى عليه، يريد بعد أن يغسل. وقال ابن أبي سلمة: يصلى على ما وجد منه وينوون بذلك الميت. م ربه أقول. قال: وإن استُوقن أنه غرق أو قتل أو أكلته السباع ولم يوجد منه شيء صلى عليه، كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي، وبه قال ابن حبيب. قال غيره: وهذا من خواص النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الأرض رفعت له، وعلم يوم مات فيه، ونعاه لأصحابه يوم موته، وخرج بهم فأمهم في الصلاة عليه قبل أن يوارى -والله أعلم- ولم يفعل هذا أحد من بعده، ولا صلى أحد على النبي صىل الله عليه وسلم بعد أن ووري، وفي الصلاة عليه أعظم الرغبة فهذه أدلة الخصوص. وبالله التوفيق/.
[باب]-6 - في من فاته بعض التكبير أو نسيه أو نسي شيئا من أمر دفنه وكيف إن كان الإمام يكبر خمسا؟
[باب]-6 - في من فاته بعض التكبير أو نسيه أو نسي شيئًا من أمر دفنه وكيف إن كان الإمام يكبر خمسًا؟ [فصل -1 - : في من فاته بعض التكبير على الجنازة] قال مالك رحمه الله: ومن فاته بعض التكبير انتظر حتى يكبر الإمام فيكبر معه، ثم يقضي إذا فرغ الإمام ما فاته متتابعًا قال في المجموعة: ويدعو في انتظاره تكبير الإمام، فإذا كبر كبر معه، وقال أيضا: يكبر ولا ينتظره. قال ابن عبد الحكم: والأول أحب إلينا. قال عنه أشهب: يكبر الآن واحدة/ ثم يقف عما سبق به، كما يحرم في المكتوبة وقد سبق بتكبير سوى تكبيرة الإحرام فلا يكبر غيرها، فإذا سلم الإمام قضى هذا ما بقي عليه من التكبير تباعًا، ولا يدع. قال ابن حبيب: وإن دعا فبدعاء/ خفيف، إلا أن يتأخر رفعها، فيتمهل في دعائه، وإذا قضى التكبير اجتزأ بالتكبيرة التي أحرم بها ولا يلغيها.
م فوجه رواية ابن القاسم: أن كل تكبيرة بمثابة ركعة من الصلاة، فكما كان في الصلاة لا يقضي ما فاته إلا بعد سلام الإمام، فكذلك هذا لا يقضي إلا بعد سلام الإمام. وقد وجه أشهب روايته فجعله كمن فاته بعض المكتوبة، إنه يحرم ولا ينتظره، فكذلك هذا. وقول ابن القاسم أصوب. [فصل -2 - : في عمل المأموم في التكبير إذا كان الإمام يكبر خمسًا] ومن العتبية قال أصبغ: فإذا فاته تكبيرتان والإمام يكبر خمسًا فليكبر معه الثلاث، ويحتسب بالخامسة، فإذا سلم الإمام كبر واحدة. قال سحنون: وقال أشهب: لا يكبر معه الخامسة، فإن كبرها معه فلا يعتد بها، وليقض كل ما فاته. قال ابن حبيب: وإذا ترك بعض التكبير عليها مع الناس جهلاً أو نسيانًا فإن كان بقرب ما رفعت أنزلت فأتم بقية التكبير عليها مع الناس ثم يسلم، فإن تطاول ذلك ولم تدفن ابتدأ الصلاة عليها، وإن دفنت تركت ولم تكشف، ولا تعاد الصلاة عليها، وقاله مالك في العتبية.
[فصل -3 - : في حكم الجنازة تدفن بغير صلاة أو يصلى عليها إلى غير القبلة ونحو ذلك] وقال عيسى في العتبية عن ابن القاسم في التي دفنت بغير صلاة: أنها تخرج بحضرة ذلك فيصلى عليها، فإن خيف/ أن تكون تغيرت صلوا على قبرها. قال في المجموعة: وإذا صلوا عليه إلى غير القبلة ثم دفن فلا شيء عليهم، وإن لم يوار فاستحسن أن يصلى عليه، وليس بواجب. قال في العتبية: إذا صلوا عليه لغير القبلة ودفن فلا شيء عليهم، وإذا جعل الرأس موضع الرجلين في الصلاة لم تعد الصلاة وأجزأهم، وإن لم يدفن، وإذا جعل في اللحد لغير القبلة، أو على شقه الأيسر فإن ألقوا عليه يسيرًا من التراب فيحول إلى ما ينبغي، وإن فرغوا من دفنه ترك.
قال مالك في/ المبسوط لإسماعيل: وإن صلوا على الجنازة فظنها امرأة وهي رجل أو رجل وهي امرأة فدعا لها على ما يظنه فصلاته تامة، ولا شيء عليه. قال أبو إسحاق: وذلك صواب؛ لأنه نوى بالصلاة الشخص الذي صلى عليه فلا يضره جهله بذلك. وروي عن مالك في من فاته التكبير كله أيكبر: قال: لا أعلمه، وروي عنه أنه يكبر أربعًا. م والأول أصوب؛ لأنه لم يدخل فيها فيقضي ما فاته. قال أبو إسحاق في الذي صلى على الجنازة ولا يدري أرجل أو امرأة: أن صلاته تامة مجزأة، وذلك صواب؛ لأنه نوى بالصلاة الشخص الذي صلى عليه فلا يضره جهله/.
[باب]-7 - في اجتماع الجنائز في صلاة، وكيف إن نوى الإمام واحدة؟
[باب]-7 - في اجتماع الجنائز في صلاة، وكيف إن نوى الإمام واحدة؟. [فصل -1 - : العمل في اجتماع الجنائز في الصلاة] قال ابن القاسم: وإن اجتمعت جنائز لم ينبغ للإمام أن يصلي على بعضها ويؤخر بعضها. قال مالك: ولو أتي بجنازة والإمام يصلي على غيرها تمادى على الأولى، ولا يدخل الثانية معها، فإذا فرغ صلى على الثانية. قال ابن القاسم: ولو جيء بها بعد تمام الصلاة على الأولى فلا بأس أن ترفع الأولى، ويصلي على الثانية، وهذا خفيف. م وإنما قال ذلك؛ لأن من تمام/ الصلاة على الجنازة الوقوف عليها حتى تدفن؛ لما جاء أن في الصلاة عليها قيراطًا من الأجر، وفي الصلاة والدفن قيراطان، فاستخف ابن القاسم الصلاة على الثانية قبل دفن الأولى؛ لأنه قريب، وأظن أن سحنونًا يقول: لا يصلي على الثانية حتى يفرغ من دفن
الأولى؛ لأن من أصله إذا دخل في عمل لا يدخل في غيره حتى يتم الأول. [فصل -2 - في ترتيب الجنائز في الصلاة إذا كثرت] قال مالك: وإذا اجتمعت جنائز رجال ونساء جعل الرجال مما يلي الإمام، وجُمعوا في صلاة واحدة. قال أبو إسحاق: فإن قيل: ألا كان الرجال للقبلة؛ لأنها أشرف كما أن الصف الأول في الصلاة أشرف؟ قيل: إنما جعل الإمام كالقبلة، فمن وليه كان أقرب للقبلة وأشرف. م ألا ترى أن الصلاة في الصف الأول أشرف؛ لأنه يلي الإمام، فكذلك من يلي الإمام من الجنائز أشرف. ابن حبيب: وحدثني ابن الماجشون أن أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب امرأة عمر بن الخطاب رضي الله عنهم ماتت هي وابنها زيد بن عمر في فور واحد ولم يُدر أيهما مات قبل، فكان فيها ثلاث سنن: لم يورث أحدهما من الآخر، وصلي عليهما جميعًا فجعل الغلام مما يلي الإمام، وولى الحسن بن علي وهو أخو أم كلثوم الصلاة عليها لعبد الله بن عمر، وهو أخو ولدها زيد فصلى عليهما، فكان ولي الرجل أولى بالصلاة من ولي المرأة إذا اجتمعا، وكان
الرجل أولى بأن يلي الإمام/ من المرأة. قال غيره: ودفنا في قبر واحد، وجعل الغلام مما يلي القبلة، فكان فيهما خمس سنن. قال الزهري: السنة أن يلي الإمام الرجل، فإذا قبرا في قبر واحد جعل الرجل أمام المرأة. ومن المدونة قال مالك: وإن كانوا صبيانًا ونساء جعل الصبيان في الصلاة مما يلي الإمام. قال أبو إسحاق: لمكان أنهم ذكور فهم أشرف، وإن كان الصبيان غير مكلفين. وكذلك العبيد يلون الإمام؛ لما فيهم من التذكير/، وإن عدموا الحرية، كما عدم الصبيان التكليف. قال مالك: وإن كن نساء كلهن أو رجالاً كلهم جعل أهل السن والفضل مما يلي الإمام، ثم قال مالك: واسعًا أن يجعلوا صفًا واحدًا ويقف الإمام وسطهم، أو يجعل بعضهم خلف بعض، ويلي الإمام أفضلهم. قال ابن حبيب: وإن اجتمع رجل وصبي وعبد وامرأة فالرجل يلي الإمام، ثم الصبي، ثم العبد، ثم المرأة، وإن كانا رجلين جعل أفضلهما مما
يلي الإمام، وإن كان أصغر سنًا، وإن استويا في الحال جعل الأسن مما يلي الإمام. وروي ذلك عن كثير من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم. قال أشهب في العتبية: أحب إلي في القليل الاثنين والثلاثة أن يجعلوا واحدًا خلف واحد، وإن كثروا جعلوا صفين أو ثلاثة وذلك كله واسع. ابن حبيب: إن كثروا مثل العشرين والثلاثين فلا بأس أن يجعلوا صفين وثلاثة ممدودة عن يمين الإمام ويساره، ويقدم الأفضل والأسن إلى الإمام وقربه. قال في العتبية: إذا اجتمع جنازة رجل وامرأة لم ينظر إلى ولي أحدهما/ ولكن يقدم للصلاة عليهما أهل الفضل والسن منهما. ابن حبيب: وقال ابن الماجشون: ولي الرجل أولى، واحتج
بتقديم الحسين لعبد الله بن عمر في الصلاة على أم كلثوم وابنها زيد. قال في العتبية: وإن جهل الإمام فنوى بالصلاة أحدهما ونواهما من خلفه جميعًا، فلتعاد الصلاة على التي لم يصل عليها الإمام، دفنت أو لم تدفن، إلا أن تتغير فيصلى على قبرها/.
[باب]-8 - جامع القول في الشهيد
[باب]-8 - جامع القول في الشهيد [فصل -1 - : الشهيد لا يغسل ولا يكفن ولا يحنط ولا يصلى عليه] قال مالك رحمه الله: والشهيد في المعترك لا يغسل، ولا يكفن، ولا يحنط، ولا يصلى عليه، ويدفن بثيابه، وكذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((زملوهم/ بثيابهم)). ومن سماع ابن وهب: قيل لمالك: أبلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمزة حين استشهد فكبر عليه سبعين تكبيرة؟ قال: ما سمعت ذلك، ولا بلغني أنه صلى على أحد من الشهداء. قال أصبغ: هي السنة من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم. قال أشهب: وإذا قتل في المعترك وهو جنب فلا يغسل، ولا يصلى عليه. أصبغ: وقد قتل حنظلة بن عامر الأنصاري يوم أحد وهو جنب فلم يصنع به
شيء فغسلته الملائكة بين السماء والأرض. [فصل -2 - : لا ينزع عن الشهيد شيء مما هو عليه إلا السلاح. وهل يزاد شيء في كفنه؟] ومن المدونة قال ابن القاسم: يصنع بقبورهم ما يصنع بقبور الموتى من الحفر واللحد، ولا ينزع عنه شيء من ثيابه، ولا فرو ولا خف ولا قلنسوة. قال مطرف: ولا خاتمه، إلا أن يكون نفيس الفص، ولا منطقته، إلا أن يكون لها خطب. قال ابن القاسم في المدونة: وينزع عنه الدرع والسيف وجميع السلاح. قال مالك: وما علمت أنه يزاد في كفنه شيء أكثر مما عليه. قال أشهب في المجموعة: إلا أن يكون فيما لا يواريه، أو سلب ما كان عليه. قال أصبغ في المستخرجة: وإن كان عليه ثيابه فشاء وليه أن يزيد عليها فذلك واسع.
[فصل -3 - : من جرح في المعركة ثم عاش حياة مستقرة فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه] ومن المدونة قال مالك: وأما من عاش وأكل وشرب أو عاش حياة بينة فهو كالمجروح يموت بعد أيام فهذا يغسل ويكفن، ويصلى عليه، وليس كحال من به رمق وهو في غمرة الموت. ابن سحنون: وقال أشهب: الذي لا يغسل من مات في المعركة، فأما من حمل إلى أهله فمات فيهم، أو مات في أيدي الرجال أو بقي في المعركة حتى مات، فإنه يغسل، ويصلى عليه. سحنون: قوله: ((إذا بقي في المعركة)) يقول: في الحياة البينة الذي لا يقتل قاتله إلا بالقسامة. ابن وهب: وقد صلى الرسول صلى الله عليه وسلم على ثابت بن شماس بن عثمان يوم أحد بعد أن عاش يومًا وليلة. قال ابن القاسم: ومن قتله العدو بحجر أو بعصا أو خنقوه حتى مات، أو قتلوه أي قتلة كانت في معركة أو في غير معركة فهو كالشهيد/ في المعركة، ولو أغار العدو على قرية من قرى الإسلام فدافعوهم عن أنفسهم كان من قتل منهم
كالشهيد في المعركة. قال عنه أصبغ في العتبية: ولو قتلوهم في منازلهم في غير ملاقاة ولا معترك فإنهم يُغَسلون ويصلى عليهم/، بخلاف من قتل في المعترك. وقال ابن وهب: هم كالشهداء في المعترك حيثما نالهم القتل منهم. م وبه أقول، وسواء كانت امرأة أو صبية أو صبيًا. وقاله سحنون. وهو وفاق لما في المدونة. ومن المدونة قال مالك: فأما من قتل مظلومًا أو قتله اللصوص في المعترك أو مات بغرق أو هدم فإنه يغسل، ويصلى عليه. قال ابن القاسم: وكذلك إن قتله اللصوص في المعترك، أو مات في دفعه إياهم عن حريمه. ابن سحنون: ولو قتل المسلمون في المعترك مسلمًا ظنوا أنه من العدو أو ما درست الخيل من الرجالة فإن هؤلاء يغسلون ويصلى عليهم. وروى ابن وهب في المدونة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في قبر واحد، ثم يقول: أيهما أكثر أخذًا للقرآن، فإذا أشير له
إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا. ومن كتاب الغصب: وإذا دفن الرجل والمرأة في قبر واحد جعل الرجل مما يلي القبلة، والمرأة من ورائه. قيل: فهل يجعل بينهما حاجز من صعيد أو يدفنان في قبر واحد من غير ضرورة؟ قال: ما سمعت عن مالك فيه شيئًا. قال أشهب في غير المدونة: يفعل ذلك بالرجلين للضرورة، ويقدم في اللحد أفضلهما، ولا يجعل بينهما من الصعيد حاجز وكفى بالأكفان بينهما حاجز، وكذلك إن فعل ذلك بهما لغير ضرورة، ولمن فعل ذلك حظه من الإساءة. قال ابن القاسم: في الرجال والصبيان والنساء جمعوا في قبر واحد من ضرورة، قال: يكون الرجال مما يلي القبلة والصبيان من خلفهم والنساء من ورائهم.
[باب -9 -] في غسل الميت وحنوطه وكفنه
[باب -9 -] في غسل الميت وحنوطه وكفنه/ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((للنسوة في ابنته اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور. قال الشيخ أبو الحسن: قولهك إن رأيتن ذلك، يحتمل أن يريد [إن] رأيتن أن تزدن، ويحتمل أن يكون توسعة فيما حد من ذلك إن رأيتن أن تفعلن كذا، وإلا فالانقاء يكفي. والله أعلم. وكُفن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سَحُولية، ليس فيها قميص ولا عمامة، وأُلحد له في دفنه صلى الله عليه وسلم.
م قال بعض أصحابنا: واختلف إذ غسل في القميص هل بقي عليه أو نزعوه عنه؟ بعض الناس يروي أنه إنما ترك عليه في الغسل للستر لما سمعوا قائلا يقول: لا تنزعوا القميص، ثم لما فرغوا من غسله وكفنوه نزعوا القميص، وأن عبد الرحمن بن أبي بكر أخذه وأراد أن يكفن فيه تبريكًا بذلك، ثم قال: قيمص لم يرضه الله لرسوله لا أحب أن أكفن فيه فبدى له عما أراد. والله أعلم. والحديث يدل أنهم نزعوه عنه، وهو قولهم: ((وكفن في ثلاثة أثواب بيض سَحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة)). [فصل -1 - في غسل الميت] م فغسل الميت وتكفينه وتحنيطة/ سنة من الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن السلف بعده، وأما دفنه ففرض على الكفاية، ولأنه من باب ستر العورة، وقد كان
ذلك متعينًا عليه فلما مات وجب على المسلمين ستره ومواراته؛ لأن حرمته ميتًا كحرمة الحي فيحمل ذلك من قام به. م وقيل: إن غسل الميت والصلاة عليه ومواراته فرض على الكفاية يحملها بعض الناس عن بعض، كالجهاد وطلب العلم. ومن المدونة قال مالك: وليس في غسل الميت حد لازم، ولكنه ينقى. واستحب مالك: في رواية ابن وهب وترًا، كما جاء في الحديث ((بماء وسدر وفي الآخرة كافور أو شيء من كافور)) ((وكفن الرسول عليه السلام في ثلاثة أثواب)). قال ابن حبيب: السنة أن يكون الغسل وترًا، وكذلك غسل النبي صلى الله عليه وسلم.
قال النخعي: غسله وتر، وتجميره وتر، وكفنه وتر. وقال ابن سيرين: يغسل ثلاثًا، فإن خرج من شيء غسل خمسًا، فإن خرج منه شيء غسل سبعًا لا يزاد. وغسل ابن عمر سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ثلاثًا في الأولى صب عليه الماء قراحًا، والثانية غسل رأسه ولحيته وجسده بالماء والسدر، بدأ برأسه ولحيته ثم بشقه الأيمن ثم بشقه الأيسر، ثم الثالثة بماء وشيء من كافور. وقال مثله النخعي: إلا أنه قال: يبدأ فيوضأ. ابن حبيب: كما يوضأ الحي. أبو إسحاق: أنكر سحنون تكرير وضوئه. وقال أشهب: في ترك وضوئه أصلاً سعة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن وضئ الميت فحسن، والغسل يجزئ لا بأس أن يعرى من القميص/ للغسل، وتستر عورته، ويجعل الغاسل على يده خرقة، ويفضي بها إلى فرجه، وإن احتاج إلى مباشرة الفرج بيده فعل، ويعصر بطنه عصرًا رقيقًا. م لأنه لا يأمن أن يخرج منه شيء فيلطخ أكفانه، وتنهتك بذلك صيانته، ويزول المعنى المطلوب بتكرار غسله، والمبالغة في تنظيفه. وقد روى ذلك عن السلف. ابن سحنون وقال أشهب: إذا عصر بطنه فليأمر بصب الماء عليه، ولا يقطع مادام يفعل ذلك. ومن كتاب ابن القرطي: ولا يؤخر غسل الميت بعد خروج روحه، ولا يغسل بماء زمزم ميت، ولا نجاسة، وإنما يكره غسل الميت بماء الورد والقرنفل من ناحية السرف، وإلا فهو جائز إذ لا يغسل للتطهير، وهو أكرم للقاء الملكين. قال أبو محمد: وما ذكر ابن القرطي في ماء زمزم لا وجه له عند مالك
وأصحابه. فإن كان يعني في قوله: بماء الورد والقرنفل أنه لا يغسل بغيره من الماء القراح فليس هذا قول أهل المدينة. م وهو الذي أراد؛ لأنه قال إذا لا يغسل لتطهير. م قال أبو إسحاق: وما قاله ابن القرطي: من منع غسل الميت من ماء زمزم وإزالة النجاسة به ليس بظاهر، لاسيما إذا قلنا: إن الميت طاهر ليس بنجس، وأما إجازته غسل الميت بماء الورد والقرنفل فنحا بذلك إلى أن الميت لا عبادة عليه، وإنما يراد بالغسل تنظيفه. م وقد يحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اغسلنها بماء وسدر)). وإذا خالط الماء السدر صار الماء مضافًا، فإذا/ جاز أن يغسل بماء السدر وماء الكافور جاز أن يغسل بماء الورد والقرنفل، وبهذا قال كثير من الناس، والأولى أن يكون بماء القراح مع أن قوله عليه السلام: ((أغسلنها بماء وسدر)) يجوز عندنا أن لا يخلط السدر بالماء، وأن يحك الميت بالسدر، ويصب عليه الماء فيحصل حينئذ طهارته بالماء وحده؛ إذ لا يغسل لتطهير.
ومن المدونة: قال مالك: ويُغسل أحد الزوجين صاحبه، وإن أصاب غيره من نساء أو رجال، ويستر كل واحد عورة صاحبه. قال أشهب وسحنون: مجردين، فأما العورة فتستر، كما يفعل بالموتى. قال سحنون: في كتاب ابنه سواء كان الرجل قد دخل بامرأته أم لا. قال ابن القاسم: وإن وضعت الزوجة حملها بعد موته وقبل غسله فجائز أن تغسله، وإن كانت عدتها قد انقضت/ ولا يلتفت إلى العدة، ألا ترى أن الرجل يغسل امرأته، وليس في عدة منها. وقد غسلت أسماء أبا بكر، وغسل علي فاطمة ومن غير كتاب أجمع أهل العلم على أن المرأة تغسل زوجها إذا مات، واختلفوا في الرجل يغسل زوجته فكان علقمة وجابر بن زيد وعبد الرحمن وسليمان بن يسار
وأبو سلمة ابن عبد الرحمن وقتادة وحماد بن أبي سليمان ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق يقولون: يغسلها وكره ذلك الشعبي، وقال الثوري وأصحاب الرأي لا يغسلها. قال ابن المنذر: فالقول الأول أنه يغسلها؛ لأن عليًا غسل فاطمة. وأم الولد في الغسل كالزوجة تغسل سيدها ويغسلها، ومنع الحسن من ذلك، وقال: لا تغسل أم الولد سيدها.
قال في العتبية: وكذلك كل من يحل له وطؤها، مثل: أمته وأم ولده ومدبرته، وأما مكاتبته: سحنون: أو معتقته إلى أجل، أو معتق بعضها، أو أمة له فيها شرك فلا تغسله ولا يغسلها. قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: ولو مات الزوج وامرأته حامل فولدت قبل غسله فلها أن تتزوج غيره وتغسله، وإن ماتت هي وتزوج أختها فله/ أن يغسلها. قال ابن حبيب: وأحب إليّ إذا نكح أختها أن لا يغسلها، واختلف فيه قول ابن القاسم في المجموعة. م وكذلك عندي إذا ولدت المرأة وتزوجت غيره أحب إليّ أن لا تغسله؛ لأنه قد حرم عليه تزويجها كما لو كان ذلك طلاقًا، وكان حيًا، كما لو طلقها فولدت، ثم تزوج أختها فينبغي أن يكون الجواب فيهما سواء في الغسل بعد الموت، والله أعلم. قال ابن الماجشون: وللمرأة إذا غسلت زوجها أن تجففه وتكفنه، ولا تحنطه؛ لأنها حاد، إلا أن تضع حملها قبل ذلك إن كانت حاملاً، أو تكون
بموضع ليس فيه من يحنطه فلتفعل، ولا تمس بالطيب إلا الميت. قال سحنون: وإذا مات أحد الزوجين فظهر أن النكاح بينهما كان فاسدًا لا يقران عليه، مثل: أن تكون أخته من الرضاعة، أو تزوجها شغارًا، أو كان أحدهما محرمًا أو مريضًا فلا يغسل الحي الميت، وإن كان فساده في الصداق، كا/ لنكاح بخمر أو خنزير أو نحوه، فله أن يغسلها وتغسله؛ إن كان قد دخل بها، وإن لم يدخل بها فلا يغسل أحدهما صاحبه وإن ظهر بأحدهما جنون أو جذام أو برص فللباقي منهما أن يغسل صاحبه؛ لأنه نكاح حلا يتورثان فيه قبل البناء وبعده، وكذلك إن زوجها وليّ وثم أولى منه، وأما بعقد أجنبي وهي من ذروات القدر ووليها حاضر فلا، وكذلك إن عقدت هي على نفسها، وإما إن غرته أنها حرة، وفيها بقية رق فإن ولي العقد من يجوز عقده فالغسل بينهما؛ إذ يجوز للزوج المقام عليه، وإن وليه من لا يجوز عقده فلا غسل بينهما. ولو غرها الزوج أنه حر وهي حرة فالغسل
بينهما. م والأصل في هذا أن كل موضع كانا مغلوبين فيه على فسخ النكاح فلا يغتسلان وكل ما كان لأحد الزوجين أو للولي إجازته أو فسخه فإنهما يتغاسلان. وقال ابن القابسي: الأصل في ذلك والعلة التي لا تخزم هي إذا كان له النظر في محاسنها والاستمتاع بها في حياتها فللحي منهما أن يغسل الميت، وإذا كان ممنوعًا من ذلك فهو ممنوع من/ غسله. قال سحنون: وإذا اختلف الأولياء في الغسل قضى للزوج بغسل زوجته وإدخالها في قبرها، ولا يقضي للزوجة بغسل زوجها إذا أبى ذلك الأولياء. قال محمد عن ابن القاسم: تغسل المرأة زوجها والرجل زوجته، وهو أو هي أحق بذلك وأولى من غيره. قال أبو محمد: وهو أحسن من قول سحنون. قال سحنون: وليس للمسلم غسل زوجته النصرانية، ولا تغسله هي إلا
بحضرة المسلمين. قال: وللأمة غسل سيدها العبد، وإن ولدت منه، وللعبد غسل زوجته الأمة، ولها أن تغسله من غير أن يقضي بذلك لواحد منهما، إلا أن تكون زوجته حرة، ويأذن له السيد في/ غسلها فيقضي له بذلك. ومن المدونة: والمطلقة واحدة لا تغسل زوجها قبل انقضاء العدة، ولا يغسلها؛ لأن مالكًا قال: لو سألته أن تبيت في أهلها فأذن لها قبل أن يرتجعها لم يكن إذنه إذنًا، ولا قضاء له عليها حتى يراجعها. وقال مالك في كتاب أبي الفرج: أنها تغسله. م وهذا يجري على اختلاف قول مالك في روايتها في الطلاق الرجعي. قال بعض البغداديين: وجه قوله يجوز له غسلها؛ فلأن أحكام الزوجية قائمة بينهما، من الطلاق والظهار والإيلاء والنفقة والتوارث، ووجه منعه؛ فلأن الاستمتاع بها والنظر إليها ممنوع منه، ولم يحصل ما يزيله من الارتجاع فأشبهت المبتوتة. فصل -2 - : [في الرجل يموت وليس معه إلا نساء أو العكس] قال مالك: ومن مات في سفر ولا رجال معه، ومعه نساء فيهن
ذوات محرم منه، أم أو أخت أو عمة أو خالة أو غيرهن فليغسلنه ويسترنه. قال سحنون: يغسلنه وعليه ثوب. وقال عيسى بن دينار: ينزع ثوبه، ويستر عورته. قال مالك: وإن لم يكن فيهن ذات محرم منه يمن وجهه ويديه/ إلى المرفقين. قال سحنون: فإن يمينه وصلين عليه صلين صفًا واحدًا أفذاذًا، وتمت الصلاة، ثم جاء رجال قبل أن يدفن ومعهم الماء فلا يغسل، ولا يصلى عليه ثانية، وقد أجزأ ما فعل النساء في وقت يجوز لهن فعله، ولو غسله/ الرجال ودفن بلا صلاة غير صلاة النساء لم أر بذلك بأسًا، والأول أحب إلينا. قال مالك في المدونة: وإن ماتت امرأة مع رجال ولا نساء معها فإن كان فيهم ذو محرم منها غسلها من فوق الثوب، وإن لم يكن فيهم ذو محرم منها يمم وجهها ويديها إلى الكوعتين. قال ابن سحنون: وقال أشهب: وأحب إلي في أمه وأخته أن ييممها، وكذلك
المرأة في ابنها. سحنون: ولا أعلم من يقوله غيره من أصحابنا، وقول مالك: أحب إلي، ولو فعلوا ذلك رجوت أن يكون ذلك واسعًا. قال ابن حبيب: وإذا غسلها ذو محرم منها من فوق الثوب فليصب الماء من تحته ولا يلصقه بجسدها فيصف إذا ابتل عورتها، ولكن يجافيه ما قدر، فإن لم يجد الماء يممها إلى المرفق، وإنما تيمم إلى الكوعين إذا لم يحضرها إلا رجال من غير محارمها، كان معهم ماء أو لم يكن، ولو كان معهم امرأة كتابية فليعلموها الغسل فتغسلها، وكذلك رجل مات بين نساء ليسوا بمحارمه ومعهم رجل نصراني أو يهودي فليعلمنه الغسل فيغسله. قال ذلك كله مالك والثوري. وقال أشهب في المجموعة: لا يلي ذلك كافر ولا كافرة، وإن وصف لهما الغسل، ولا يؤمنوا على ذلك؛ لأني أخاف أن لا يغسلوه. قال سحنون: يدع الكافر يغسله، وكذلك الكافرة في المسلمة، ثم يحتاطوا بالتيمم فيهما.
فصل -3 - : [في غسل الصبي أو الصبية] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يغسل النساء الصبي ابن سبع سنين وشبهه. قال أشهب في المجموعة: ما لم يؤمر مثله بستر العورة. وقال ابن القاسم في كتاب ابن مزين: ولا يغسل الرجل الصبية، وإن صغرت جدًا. قال عيسى: إذا صغرت جدًا فلا بأس أن يغسلها الأجنبي. وقاله مالك في الواضحة. وقال أشهب: إذا كانت من الصغر لم يبلغ مثلها أن تشتهي فلا بأس أن يغسلها؛ لأنه يتقي ذلك منها مثل اتقائه من الصبي. فصل -4 - : [في غسل الميت يكون ببدنه الجراح أو نحوها] ومن المدونة قال مالك: وإذا مات جريح أو مجدور أو مجروب وخيف عليه أن يتزلع إن غسل فليصب عليه الماء صبًا رقيقًا بقدر طاقتهم،
ولا ييمموه، ومن قول مالك: إنه لا ييمم ميت إلا/ رجل مع نساء أو امرأة مع رجال. قال مالك في المجموعة: ومن وجد تحت الهدم وقد تهشم رأسه وعظامه والمجدور المتسلخ فيغسلان ما لم يتفاحش ذلك منهما. قال ابن حبيب: ولا بأس عند الوباء وما يشتد على الناس من غسل الموتى لكثرتهم أن يجتزؤوا فيه بغسلة واحدة بغير وضوء يصب الماء عليهم صبًا ولو نزل الأمر الفظيع فكثر فيه الموتى فلا بأس أن يدفنوا بغير غسل/ إذا لم يوجد من يغسلهم/ ويجعل منهم في قبر واحد. وقاله أصبغ وغيره. فصل -5 - : [في حكم غسل المسلم الميت الكافر] ومن المدونة قال مالك: ولا يغسل المسلم أباه الكافر ولا يتبعه ولا يدخله قبره، إلا أن يخاف أن يضيع فيواريه التراب. م إنما لم يغسله؛ لأن الغسل تابع للصلاة، فلما لم يصل عليه لقطع الولاية بينهما لم يغسله؛ ولأن الغسل تطهير له، والكافر ليس من أهل التطهير.
وقاله بعض أصحابنا من البغداديين. قال ابن حبيب: لا بأس أن يحضره ويلي أمر تكفينه حتى يخرجه ويبرأ منه إلى أهل دينه، فإن كفي دفنه وأمن الضيعة عليه فلا يتبعه، وإن خشي ذلك فليتقدم إلى قبره، فإن لم يخش ضيعة وأحب أن يحضر ذفنه فليتقدم أما جنازته معتزلا منه وممن يحمله. وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في ذلك. وقال عطاء: نحوه. ومن المجموعة قال ابن القاسم وأشهب: وإن مات الابن المسلم فلا يُكل إلى أبيه الكافر في شيء من أمره من غسل ولا غيره، فأما مسيره معه ودعاؤه له فلا يمنع منه. قال مالك: ولا يعزى المسلم بابنه الكافر؛ لقول الله تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا).
وفي كتاب ابن سحنون: ويعزى الذمي في وليه إن كان له جوار، يقول: "أخلف الله لك المصيبة، وجزاء أفضل ما جزي به أحدًا من أهل دينه". ومن المدونة قال مالك: وإذا مات كافر بين مسلمين لا كافر معهم لفوه في شيء ورواه/ التراب. وقال الليث وربيعة: ولا يستقبل به قبلتنا ولا قبلتهم. قال ابن حبيب: وإذا ماتت ذمية حامل من/ مسلم فلتدفن مع أهل دينها، وإنما ولدها عضو منها حتى يزايلها. ومن العتبية قال ابن القاسم: في نفر مسلمين فيهم كافر لا يعرف ماتوا تحت هدم فليغسلوا ويصلي عليهم وينووا بالصلاة المسلمين، وقاله أشهب. قال أشهب: وأما الجماعة فيهم مسلم واحد فلا يصلي عليهم حتى يعرف المسلم الواحد بعينه فيصلي عليه. وقال سحنون: يصلي عليهم، وإن لم يكن فيهم إلا مسلم واحد، وينووا بالصلاة والدعاء للمسلم. وإن مات
مسلم ويهودي تحت هدم ولأحدهما مال ولم يعرف المسلم ولا ذو المال فليقدر ويكفنا من ذلك المال، ويصلى عليهما، والنية بالدعاء للمسلم ويدفنان، ويبقى ذلك المال موقوفًا. فصل -6 - : [في حنوط الميت] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يحنط الميت بالمسك والعنبر. قال ابن عمر لما حنط سعيد بن زيد: "وأيّ شيء أطيب من المسك". وقال عطاء: والكافور أحب إلي منه. ومن الواضحة: ونحوه لأشهب. في المجموعة قال: وإذا فرغت من غسل الميت نشفت بلله في ثوب وعورته مستورة وقد أجمرت ثيابه قبل ذلك وترًا، وإن أجمرتها شفعًا فلا حرج، ثم تبسط الثوب الأعلى، وتجعل الأوسع ثم الأوسع فالأوسع من باقيها، ثم تجعل الحنوط بين أكفانه. ومن المدونة قال ابن القاسم: وتجعل الحنوط على جسده وبين أكفانه،
ولا/ تجعل من فوقه. قال يزيد بن أبي حبيب: يذر حنوطه على مواضع السجود السبعة. قال عطاء: وتجعل في مراقه وإبطيه ومراجع رجليه ومأبضيه، ورفغيه، وما هنالك وفي أنفه وفمه وعينيه وأذنيه. قال أشهب: وإن جعل الحنوط في لحيته ورأسه فواسع. قال أبو بكر بن محمد: قوله: مراقه يعني مخرج الأذى، ورفغيه ما بين الأنثيين والفخذين، ومأبضيه ما بين الساق والفخذ عند الركبتين. وقيل عن أبي عمران: أن مراقه يعني ما تحت كل ما رق وانخفظ مثل: الأعكان والجلد ينثني، قال: وهو بتشديد القاف. قال سحنون: وليسد دبره بقطنة، يجعل فيها ذريره، ويبالغ/ فيها برفق. قال ابن حبيب: وتُسد أذناه ومنخراه بقطن فيه الكافور، ثم يعطف
الثوب الذي يلي بدنه يضم الأيسر إلى الأيمن، ثم الأيمن إلى الأيسر كما يلتحف في حياته أشهب: وإن عطف الأيمن أولاً فلا بأس به، ويفعل هكذا في كل ثوب، ولا يجعل الحنوط إلا على الثوب الآخر، وأما/ ظاهر كفنه فلا يجعل عليه شيء. قال ابن القرطي: ثم يخاط كفنه. فصل -7 - : [في الكفن] قال النبي صلى الله عليه وسلم في الكفن: "البسوا البياض، وكفنوا فيه موتاكم، فإنها من خير ثيابكم". قال ابن حبيب: والقصد في الكفن أحب إلينا من المغالاة فيه، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. أشهب: والكفن الجديد والخلق سواء.
ومن المدونة قال مالك: وأحب إلي أن لا يكفن الميت في أقل من ثلاثة أثواب، إلا أن لا يوجد ذلك. قال ابن حبيب: أحب إلى مالك في الكفن خمسة أثواب تعد فيها العمامة، والمئزر والقميص، ويلف في ثوبين، وذلك في المرأة ألزم؛ لأنها تحتاج إلى مئزر، وتشد بعصابة من حقويها إلى ركبتيها، ودرع وخمار وثوبين. ابن حبيب: وثوبان أحب إلينا من ثوب واحد، وثلاثة أحب إلينا من أربعة. قال أبو محمد: يريد الوتر، ويريد في الأول الستر. قال ابن القرطي: والمرأة في عدة أثواب الكفن أكثر من الرجل، وأقله لها خمسة، وأكثره سبعة. قال: ولا ينقص الرجل الذي يجد من ثلاثة أثواب، ويكفن في مثل هيئته في حياته، إن تشاح الورثة.
قال ابن القاسم في المجموعة: والصبي والصبية إذا لم يبلغا الحلم بمنزلة الكبير في الكفن. قال سحنون: هذا إن كان قد رهق الحلم، فأما إن كان صغيرًا فالخرقة وشبه ذلك تجزئ، وقاله أشهب. ومن المدونة قال مالك: ومن شأن الميت عندنا أن يعمم، وذلك أحب إليّ. وذكر عن أبي العباس الأبياني قال: الذي استحب مالك أن يكفن الميت في ثلاثة أثواب، يريد غير العمامة والمئزر. قال: ولم يؤزر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عمم، وإنما كفن في ثلاثة أثواب أدرج فيها إدراجًا/. قال ابن القاسم في العتبية: أحب الكفن إلى ما كفن النبي صلى/ الله عليه وسلم فيه، ثلاثة أثواب بيض لا يكون فيها قميص ولا عمامة ولا يؤزر ويدرج فيها إدراجًا. قال: وأحب إلي أن تؤزر المرأة وتخمر
وذلك سواء ثلاثة أثواب تدرج فيها إن وجد لذلك سعة. قال مالك في المدونة: وكره مالك في أكفان الرجال والنساء الخز والمعصفر، وإنما كره الخز؛ لأن سداه حرير، وكره في الأكفان الحرير محضًا، وأجاز مالك الكفن في العصب وهو الحبر وما أشبهه. قال عنه علي: ولا بأس بالمعصفر والمزعفر للرجال والنساء. وقال ابن حبيب عن مالك: ولا بأس أن تكفن المرأة في الحرير والخز والمعصفر وما جاز لها وللرجال له في الحياة فالكفن لها أوله فيه مباح ما لم يرد بذلك السمعة والنفج؛ لأنه ليس في محل ذلك، ولا بأس في كفن الرجل بالعلم الحرير، ولا بأس بالثوب الذي يغسل ويبقى فيه أثر زعفران أو عصفر أو مشق. قال: والحبرة مستحب لمن قوى عليه. وقد كفن النبي صلى الله عليه وسلم في
ثلاثة أثواب، قيل إنها بيض. وقيل: إن أحدها حبرة. فصل -8 - : [في مؤن الميت] ومن المختصر وغيره: قال مالك: والحنوط وجميع موأن البيت في إقباره إلى أن يواري من رأس ماله، قال: والرهن أولى من الكفن، والكفن أولى من الدين. م إنما قال: إن مؤن الميت إلى أن يوارى من رأس ماله؛ لأن ستر الميت وصيانته حق لله فهي مقدمة إذ لا يجوز تركها ولا التراخي بإسقاطها؛ ولأنه لو لم يُخلف كفنًا لوجب على المسلمين تكفينه؛ لأن حرمته كحرمة الحي، وإنما قال: إذا كان الكفن مرهونًا فالرهن أولى به من الكفن؛ لأن المرتهن قد حازه عن عوض والعين إذا تعلق به عن عوض أولى، كالدين مع الزكاة، أو مع الوصية، وإنما
قال: والكفن أولى من الدين؛ فلأن حرمة الميت كحرمة الحي فلما كان في حياته أولى الناس بماله فيما يحتاج إليه إذا أفلس فكذلك بعد موته/. قال مالك: ومن أوصى أن يكفن في سرف وأوصى بمثل ذلك في حنوطه وقبره فلا يجاز في رأس ماله إلا ما يجوز لمثله لو لم يوص، وقاله ابن القاسم وأشهب. وقال سحنون: الزائد يكون في ثلثه. وروى عن مالك في المجموعة أنه لا يجوز من ذلك إلا ما يكفن فيه مثله. قال ابن القرطي: والزائد على السداد ميراث، وهذا هو المستعمل. قال أبو إسحاق: وهو الأشبه؛ لأنه القاصد إلى إتلاف ماله فلا يجوز ذلك. قال: وإذا أوصى بشيء يسير في كفنه وحنوطه لم يكن لبعض الورثة للزيادة فيه بغير ممالاءة من جميعهم. قال سحنون: في العتبية إذا أوصى أن يكفن في ثوب واحد فزاد بعض الورثة ثوبًا آخر فقام في ذلك بقية الورثة فإن كان في التركة محمل لذلك فلا ضمان على الذي فعله/. فصل -9 - : [في الميت إذا نبش هل يكفن وتعاد الصلاة عليه؟] قال يحيى عن ابن القاسم: وإذا نبش الميت وعرِّي لم تعد الصلاة عليه،
وعلى ورثته أن يكفنوه ثانية من بقية تركته، وإن كان عليه دين محيط فالكفن الثاني أولى به. قال سحنون: فإن قسم ماله فليس ذلك على ورثته، وإن كان قد أوصى بثلثه فلا يكفن في ثلث ولا في غيره. قال ابن سحنون: فإن وجدوا الكفن الأول بعد أن دفن فهو ميراث. قال ابن حبيب عن أصبغ: ومن نبش فلا يلزم ورثته تكفينه ثانية في بقية ماله، إلا أن يشاءوا أو يحتسب فيه محتسب. فصل -10 - : [في من يلزم الرجل أن يكفنه ويقبره] قال ابن الماجشون: ويلزم الرجل تكفين من تلزمه نفقته، من زوجة وولد وأبوين وعبيد، كالنفقة كانت الزوجة فقيرة أو مليئة، ورواه عن مالك في الواضحة. وروي عنه في العتيبة: إنما ذلك عليه في فقرها. قال ابن حبيب: وكما لا ينقطع حقه بموته من ماله في كفن نفسه كذلك في كفن من ذكرنا. وقال أصبغ وسحنون: لا يلزمه في أحد ممن ذكرنا إلا في
عبيده. قال سحنون: مسلمين كانوا أو كفارًا؛ لأن نفقتهم لا تزول إلا بزوال الملك، ونفقة الوالدين أمر يحدث، ونفقة الولد تزول، وهذا القياس، ويستحسن أن يجبر في/ الولد الصغار والأبكار والزوجة الفقيرة. وروى عيسى عن ابن القاسم في الزوجة إن كانت بكرًا فعلى أبيها، فإن دخلت فليس ذلك على الأب ولا على الزوج. وإن كان لها ولد فذلك على ولدها في عدمها. فصل -11 - [في الخلاف في ابن آدم هل ينجس بالموت؟ وما يترتب على ذلك]. قال سحنون في المجموعة: ولا ينجس الثوب الذي ينشف به الميت. وقال محمد بن عبد الحكم: إنه ينجس. قال ابن القصار: اختلف في ابن آدم إذا مات هل ينجس أم لا؟ وليس لمالك فيه نص، والذي عندي أنه طاهر، وقد قَبَّل النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون لما مات، وجرت دموعه على خد عثمان، ولو كان نجسًا ما فعل ذلك به. قال مالك في العتبية وغيرها: وأرى أن يغتسل غاسل الميت، وعليه أدركت الناس، واستحسنه ابن القاسم وأشهب، وقال ابن حبيب: لا غسل عليه
ولا وضوء، وقاله جماعة من الصحابة والتابعين، وقاله مالك. وقال: فإن اغتسل من غير إيجاب فحسن. وقال غيره: إنما يستحب له أن يغتسل، ولما روي أن الروسول صلى الله عليه وسلم قال: "من غسل ميتًا فليغتسل"، وأمر عليًا رضي الله عنه أن يغتسل لما غسل أياه، ومن طريق المعنى أن الغاسل ربما يخاف أن ينتضح عليه من الماء الذي
يصيب بدن الميت فيقطعه ذلك عن الانبساط والمبالغة في غسله، فإذا وُطِّن على الغسل تمكن منه وزال ما كان يتقيه، وإنما قيل: "من حمله فليتوضأ" يعني ليصلي عليه إذا بلغ، وقد تقدم هذا. قال مالك في المجموعة: لا أحب للجنب/ أن يغسل الميت، وذلك جائز للحائض. قال ابن القرطي: اختلف في غسل الجنب للميت، وإجازته أحب إلينا. قال أشهب: ومن أصابه شيء من الماء الذي غُسِّل به الميت فغسل ذلك أحب إليّ، فإن لم يفعل وصلى به ولم يعلم أن ذلك الماء أصابه شيء من أذى الميت فلا شيء عليه. فصل -12 - : [في من هو أولى بالصلاة على الميت من أوليائه]. قال ابن عبدوس: ومن قول مالك وأصحابه أن الابن وابن الابن أولى بالصلاة على الجنازة من الأب، والأب أولى من الأخ، والأخ أولى من ابن الأخ، وابن الأخ أولى من الجد، والجد أولى من العم، والعم أولى من ابن العم، وابن/ العم وإن بعد أولى من مولى النعمة، وكلهم أولى من الزوج. ومن المدونة قال: وإنما ينظر في هذا إلى من هو أقعد بالميت، فهو أولى بالصلاة عليه.
قال مالك: والعصبة أولى بالصلاة على المرأة من زوجها، وقاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره. قال مالك: وزوجها أولى بإدخالها في قبرها من عصبتها. سحنون: ويغسلها إن شاء. قال: ومن كانت إليه الصلاة من وال أو قاضٍ أ, صاحب الشرط فهو أحق بالصلاة على الميت إذا حضر من أوليائه. قال ابن القاسم: وصاحب الشرط إذا ولاه الوالي الشرط فهو مستخلف على الصلاة. قال سحنون في العتبية: وإنما يكون صاحب الصلاة والمنبر أحق من الأولياء إذا كان إليه سلطان الحكم من قضاء أو شرطة، وإلا فهو كسائر الأولياء. م وإنما كان الإمام أولى بالصلاة/ على الميت من أوليائه؛ لأن طريقها الولاية، وقد قال عليه السلام: "ولا يؤم الرجل في سلطانه ولا في بيته إلا بإذنه"؛ ولأن الحسين بن علي رضي الله عنهما قدم سعيد بن العاصي- وكان الأمير- فصلى على الحسن رضوان الله عليهم، وقال له: أنت الأمير، ولولا السنة ما قدمتك؛ ولأنها صلاة تفعل في اجتماع فكانت في الأئمة، كالجمعة
والعيدين. وقال ابن القاسم: عن مالك في المجموعة: وإمام المصر أحق بالصلاة من الولي والقاضي وصاحب الشرطة وإن كانت إليهم الصلاة. ابن حبيب: وقاله مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ. وقال عن ابن القاسم: إن ذلك لمن كانت غليه الخطبة. قال مالك في العتبية: وإذا أوصى الميت أن يصلي عليه رجل ووليه حاضر فالموصى إليه أحق، ومازال الناس يختارون لجنائزهم أهل الفضل من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم. وينبغي لولي الميت إذا حضر رجل له فضل أن يقدمه، وينبغي أن يفعل ذلك من سُئِل فيه. قال ابن حبيب: والموصى إليه أحق بالصلاة من الوالي، وقاله مالك. قال سحنون: ومن الولي. وقد قال مالك: وإذا أوصى على خير ولم يكن لعداوة بينه وبين وليه فذلك نافذ، وإن كان لعداوة بينهما لم تجز، والولي أحق.
قال ابن حبيب: وإذا أراد الأقعد من الأولياء أن يوكل بالصلاة أجنبيًا فذلك له، وليس لمن تحته من الأولياء كلام، كالنكاح يوكل به. قال ابن الماجشون وأصبغ في السليمانية: ليس له ذلك إن أراد أن يصلي هو بنفسه، وإلا فالذي معه من الولاة أولى بذلك، وحكاه عن محمد بن الحكم. م واحتج لهذا بعض الناس بالحضانة، قال: وذلك أشبه من عقد النكاح؛ لأن طريق ذلك الرأفة والشفقة. والله أعلم.
[باب -10 -] في صلاة النساء وخروجهن مع الجنائز وذكر النياحة والبكاء
[باب -10 -] في صلاة النساء وخروجهن مع الجنائز وذكر النياحة والبكاء [فصل -1 - في كيفية صلاة النساء على الجنازة] قلت: فهل تصلي النساء على الجنائز في قول مالك؟ قال: نعم. قال ابن القاسم: وإن مات رجل مع نساء لا رجل معهن صلين عليه أفذاذًا ولا تؤمهن إحداهن، ومن غير المدونة وأشهب يقول: تؤمهن واحدة منهن تقوم وسطهن. [فصل -2 - في حكم خروج النساء مع الجنازة] قال ابن القاسم: وكان مالك يوسع للنساء أن يخرجن مع الجنازة، قال مالك: ولا بأس أن تتبع المرأة جنازة ولدها ووالدها، ومثل زوجها وأخيها إذا عرف أن مثلها تخرج على مثله، وإن كانت شابة، وأكره أن تخرج على غيرهم من أقاربها ممن لا يكون لها الخروج عليهم. م كذا في الأم ممن لا يكون، وفي نقل أبي محمد وغيره ممن لا ينكر وهو أصوب، فيحتمل أن يكون معنى ما في الأم أن كل امرأة منصرفة ليست من ذوات القدر اللائي لا يخرجن يجوز لها أن تخرج على كل من يخرج عليه في الحياة، ولا تحتجب منه، ولا تخرج على من تحتجب منه من أقاربها، وأما على نقل أبي محمد فيكون المعنى أن المتصرفة تخرج على الولد والوالد والأخ والزوج
لا غير، ويكون معنى قوله: ممن لا ينكر الذين لا ينكر. كأنه قال: ولا تخرج على غير هؤلاء الذين لا ينكر عليها الخروج عليهم من الولد والوالد والأخ والزوج، وكذلك وقعت في المبسوط. والله أعلم، وهو الصواب إن شاء الله تعالى. ومن العتبية: سئل مالك عن/ النساء يخرجن إلى الجنازة على الرحائل ومشاة قال: قد كن يخرجن قديمًا، وقد خرجت أسماء تقود فرس الزبير وهي حامل، وقال: وما أرى به بأسًا إلا في الأمر المستنكر. وقال ابن حبيب: يكره خروج النساء إلى الجنائز، وإن كن غير نوائح ول ابواكي في جنائز الخاص من قرابتهن وغير الخاص وينبغي للإمام/ منعهن من ذلك. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن رأي منهن: "ارجعن مأزورات غير مأجورات". [فصل -3 - في النياحة والبكاء على الميت] ويكره اجتماع النساء للبكاء سرًا وعلانية، وقد نهى عمر النساء في موت أبي
بكر أن يبكين، وفرق جمعهن، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لطم الخدود، وشق الجيوب، وضرب الصدور والدعاء بالويل والثبور، وقال: "ليس منا من حلق ولا خرق ولا دلق ولا سلق"، وذلك حلاق الرأس وتخريق الثياب، والدلق ضرب الخدود وتمريش الوجه، والسلق الصياح في البكاء والقبيح من القول، ومنه (سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ)، وفي الحديث "لعنت
النائحة، والسامعة والشاقة جيبها، واللاطمة وجهها". والنياحة من بقايا أمر الجاهلية، ونهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وأغلظ فيها، وينبغي أن ينهى عن ذلك، ويضرب عليه، وقد ضرب عمر نائحة بالّدرة حتى انكشف رأسها، وضرب من جلس إليها من النساء. وقوله تعالى: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) قال الحسن: لا ينحن، ولا يشققن ثوبًا ولا يخمشن وجهًا، ولا/ ينشدن شعرًا، ولا يدعون ويلاً. قال ابن حبيب: وقد أبيح البكاء قبل الموت وبعده، ما لم يرتفع به الصوت، أو يكون معه كلام يكره، أو باجتماع من النساء. وبكى النبي صلى الله عليه وسلم وابنه إبراهيم يجود
بنفسه، فقيل له في ذلك، فقال: "تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، يا إبراهيم لولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وقضاء مقضي، وسبيل مأتي، وأن الآخر منا لاحق بالأول لحزنا عليك، ووجدنا بك أشد من وجدنا وحزننا، هذا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون"، ثم استرجع/ النبي صلى الله عليه وسلم وأكثر من حمد الله عز وجل، ومر النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة يبكى عليها من غير نياحة فانتهرهن عمر، فقال عليه السلام: "دعهن يا ابن الخطاب؛ فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد حديث".
[باب-11 -] في السلام والحدث في صلاة الجنازة
[باب-11 -] في السلام والحدث في صلاة الجنازة [فصل-1 - في السلام في صلاة الجنازة] قال مالك: ويسلم إمام الجنازة واحدة يسمع ومن يليه، ويسلم المأموم واحدة يسمع نفسه فقط، وإن أسمع من يليه فلا بأس. قال مالك في الواضحة: ولا يرد عليه إلا من يسمعه، وكذلك عنه في العتيبة. وروى ابن وهب عن ابن عباس وغيره من الصحابة أن سلام الجنازة تسليمة خفيفة. [فصل-2 - في استخلاف الإمام في صلاة الجنازة لحدث أصابه] قال ابن القاسم: وإذا أحدث إمام الجنازة استخلف من يتم بهم باقي التكبير ثم إن توضأ فإن شاء رجع فصلى ما أدرك مأمومًا وقضى ما بقي عليه، وإن شاء لم يرجع. ومن العتبية قال ابن القاسم: وكذلك إن رعف فليستخلف من يتم بهم كان وليًا لها/ أم لا، وإن خرج ولم يستخلف بهم فليتقدم بهم أحدهم فيتم بهم، وأما إن أحدث متعمدًا أو قهقه فإنهم يقطعون جميعًا ويبتدؤون، وقاله سحنون، قال: وكذلك إن تكلم عامدًا، ولا سجود
سهو عليه في صلاة الجنائز، وقال أشهب: إذا قهقه إمام الجنازة أو تكلم عامدًا فليقدموا من يتم بهم بقية التكبير، ويبتدئ هو خلف المستخلف. قال أشهب: وإذا صلوا على الجنازة وهم جلوس أو ركوب فلا يجزئهم وليعيدوا. قال ابن القاسم: وإذا ذكر الإمام بعد أن صلى على الجنازة أنه جنب أجزأت الصلاة كالفريضة وأن القوم لا يعيدون، وإذا قهقه الإمام قطع وقطعوا وأعادوا الصلاة، وإن أحدث أو رعف قدم من يتم بهم، كالفريضة في هذا، وإن ذكر صلاة نسيها تمادى. قال أبو إسحاق: وهذا هو الأشبه في المتكلم عامدًا وإن كان غلبه من غير شيء أدخله على نفسه فهو الذي فيه الاختلاف فقد يمكن أن يقال: إنه لا يفسد الصلاة وقد وقع لابن القاسم أنه لا يرجع إلى الصلاة ويتم بهم غيره، ويعيدون صلاة الفريضة. وأما قول أشهب في الذي ذكر صلاة نسيها أنه يتمادى فإن قدر أن بقية الدعاء كان يسير كان صوابًا كمن ذكر بعد أن صلى ركعة من النافلة أنه يضيف إليها أخرى على أحد القولين، وإن كان الدعاء يطول فكيف ترك الوقت الواجب عليه؟ وهو يقول: إذا ذكر فريضة في فريضة بعد ركعة أنه يقطع ففي الجنازة إذا طالت أحرى أن يقطع ويستخلف على القول الثاني، إلا أن يقال إن الجنازة حضر وقتها والمذكورة فائتة فإدراكه التي حضر وقتها خير من أن يصلي الفائتة وتفوته هذه فلا يقدر على قضائها، ألا ترى أن محمد بن عبد الحكم يقول: إذ كان في خناق من وقت الصلاة فذكر صلاة فائتة أنه يبدأ بالتي حضر وقتها؛ لأنه إن ابتدأ بالفائتة فاتتاه جميعًا فكان مصليا لها في غير وقتها فالآن يصلي التي حضر وقتها فيدركها ثم يصلي الفائتة خير من أن يفوتاه جميعًا فهذا على القول أن يتمادى على صلاة الجنازة.
[فصل-3 -] في الصلاة على الجنائز بعد الصبح وبعد العصر قال مالك رحمه الله: ولا بأس بالصلاة على الجنازة بعد الصبح ما لم يسفر بالضياء، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس، وفعله ابن عباس. قال مالك: فإذا أسفر أو اصفرت فلا يصلوا عليها حينئذ ويؤخروها/ إلى الطلوع أو إلى الغروب، وفعله عمر بن عبد العزيز. قال مالك: إلا أن يخافوا عليها فليصلوا عليها حينئذ. قيل لمالك: فإن غابت الشمس بأي ذلك يبدأ أبالمكتوبة أو بالجنازة؟ قال: أي ذلك فعلوا فحسن. وقال عنه ابن وهب: إن صلوا عليها/ بعد المغرب فهو أصوب، وإن صلوا عليها قبل المغرب فلا بأس بذلك، وقال يحيي بن سعيد. قال أشهب: في غير المدونة يبدؤون بالمغرب؛ لأنها أوجب ووقتها ضيق. وأما العصر والصبح فأحب إلي أن يبدأوا بالجنازة، وأما الظهر والعشاء فليبدأوا بما شاءوا إلا أن يخافوا في ذلك كله على الجنازة فسادًا أو فوات الصلاة فليبدأوا بما يخافوا
عليه، وإن صلوا على الجنازة عند طلوع الشمس أو عند غروبها فلا إعادة عليهم. قال ابن القاسم: وإن دفنت فلا يعيدوا عليها، وقد أرخص مالك أن: يصلوا عليها في هذه الساعات إن خيف عليها. م وإنما استحب أن يصلى عليها قبل العصر وقبل الصبح، لمنع جواز التنفل بعدهما، فرأى أن الصلاة عليها حينئذ كالتنفل؛ لقول من قال: إن الصلاة على الميت سنة، وأما الظهر والعشاء فالتنفل قبلهما وبعدهما جائز، فلذلك أمرهم أن يبدأوا بما شاءوا. قال علي عن مالك: ولا بأس بالصلاة عليها بالليل، ولا يصلي عليها إلا في وقت صلاة. قال أشهب: لا أكره الصلاة عليها نصف النهار، كما لا أكره التنفل حينئذ، ولم يثبت النهي عن الصلاة حينئذ، وقد ثبت النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها.
باب-12 - في تجصيص القبور والبناء عليها والجلوس والمشي والسلام عليها وزيارتها
باب-12 - في تجصيص القبور والبناء عليها والجلوس والمشي والسلام عليها وزيارتها [فصل-1 - في حكم تجصيص القبور والبناء عليها] وكره مالك رحمه الله تعالى تجصيص القبور، والبناء عليها، وهذه الحجارة التي تبنى عليها. م وإنما كره ذلك؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبور، والقصة الجص؛ ولأن ذلك/ من زينة الدنيا وتفاخرها والميت غير محتاج إلى ذلك. قال في العتبية: وأكره المساجد المتخذة على القبور. ومن المدونة: روى ابن وهب عن بكر بن سوادة أن القبور كانت تسوى بالأرض وأن أبا زمعة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم "أمر بتسوية قبره إذا مات".
قال ابن حبيب: وروى جابر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ترفع القبور، أو يبنى عليها، أو يكتب فيها، أو تقصص"، ويروى تجصص يعني تبيض بالجير أو بالتراب الأبيض، وأمر بهدمها وتسويتها بالأرض، وفعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه. قال ابن حبيب: ولا بأس أن يوضع في طرف القبر الحجر الواحد؛ لئلا يخفى موضعه إذا عفا أثره. قال ابن القاسم في العتبية: لا بأس به في الحجر والعود يعرف الرجل به قبر وليه، ما لم يكتب عليه، ولا أرى قول/ عمر: ولا تجعلوا على قبري حجرًا أبدًا، إلا أنه أراد من فوقه على معنى البناء. [فصل-2 - في حكم الجلوس على القبور والمشي عليها والسلام عليها وزيارتها] ابن حبيب: ولا بأس بالجلوس على القبور، وإنما نهى عن الجلوس عليها
للمذاهب للغائط والبول؛ كذلك فسره مالك وخارجة بن زيد. وقد روى ذلك مفسرًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يتوسدها ويجلس عليها. ولا بأس بالمشي على القبر إذا عفا، فأما وهو مسنم والطريق دونه فلا أحب ذلك؛ لأن في ذلك تكسير تسنيمه وإباحته طريقًا. وقد روي للنبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. ومن المجموعة سئل مالك عن زيارة القبور، فقال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ثم أذن فيه، فلو فعل ذلك أحد، ولم يقل إلا خيرًا لم أر به بأسًا، وليس من عمل الناس. قال ابن حبيب: لا بأس بزيارة القبور والجلوس إليها والسلام عليها عند المرور بها، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: السلام عليكم يا أهل الديار من
المؤمنين والمسلمين، فيرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم ارزقنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم. ويدل على السلام على القبور ما مضى من السنة في السلام على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وقد قدم ابن عمر من سفره وقد مات أخوه عاصم فذهب إلى قبره ودعا له واستغفر له. قال غيره ورثاه فقال: فإن تك أحزان وفائض دمعة ... جرين دمًا من داخل الجوف منقعا تجرعتها في عاصم واحتسبتها ... وأعظم منها ما احتسا وتجرعا فليت المنايا كن خلفن عاصما ... فعشنا جميعًا أو ذهبن بنا معا دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت ... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعًا
[باب-13] في المرأة تموت حاملا هل يبقر بطنها على جنينها أو يبقر بطن من ابتلع مالا ثم مات؟
[باب-13] في المرأة تموت حاملًا هل يبقر بطنها على جنينها أو يبقر بطن من ابتلع مالا ثم مات؟ قال ابن القاسم: ولا يبقر بطن الميتة إذا كان جنينها يضطرب في بطنها. قال ابن القرطي: يدل على ذلك قول الله تعالى: (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا). ولو قدر النساء على إخراجه برفق من مخرج الولد كان حسنًا. م وهذا من قوله: يرد ما استدل به؛ لأنه إذا كان الواجب أن يترك جنينها في بطنها حتى تضعه يوم القيامة فلا يخرج منها بوجه. وقال سحنون: سمعت أن الجنين إذا استوقن بحياته، وكان معقولًا معروف الحياة فلا بأس أن يبقر بطنها، ويستخرج الولد منها. قال محمد بن عبد الحكم: رأيت بمصر رجلًا مبقورًا على رمكة مبقورة. قال سحنون: وكذلك يبقر على/ دنانير في بطن الميت. وقال مثله أصبغ في
العتبية. قال ابن القاسم: وكذلك إذا ابتلع جوهرًا لنفسه/ أو وديعة عنده لخوف اللصوص ثم مات فإنه يشق جوفه، ويستخرج ذلك منه. قال ابن حبيب: وهذا عندي غلط شديد، ولا يشق على حال. قال: وإن كان جوهرة تساوي، ألف دينار وأضعاف ذلك. وقد قالت عائشة رضي الله عنها: كسر عظم المؤمن ميتًا ككسره حيًا، يعني في الإثم والحرمة، ولقد سألتهم عن المرأة تموت بجمع وولدها يضطرب في بطنها أيشق لاستخراج جنينها. فكلهم قال: لا، ولكن يستأني بها حتى يموت فكيف يشق بجوهرة أو دنانير.؟ م والصواب عندي ما قاله سحنون وأصبغ؛ لأن الميت لا يؤلمه ذلك، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، وقد رأى أهل العلم قطع الصلاة لخوف وقوع صبي أو أعمى في بئر وقطعها من غير هذا فيه إثم، ولكن أبيح ذلك/ لإحياء نفس مؤمنة، فكذلك يباح بقر الميتة لإحياء ولدها الذي يتحقق موته لو ترك،
والواقع في بئر قد يحي لو ترك إلى فراغ الصلاة، فكان البقر أولى. وأما احتجاجه بقول عائشة رضي الله عنها فيحمل ذلك إذا فعله عبثا، وأما لما هو أوجب منه فلا، ألا ترى أن الحي لو أصابه أمر في جوفه يتحقق أن حياته باستخراجه لبقر عيه ولم يكن إثما في فعل ذلك بنفسه، ولا الأب في ولده ولا السيد في عبده إن فعله بهم جبرًا مع أن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت والله أعلم بالصواب. [فصل - 3 - في الجماعة في البحر يموت أحدهم ماذا يعمل به؟ يلقى في البحر أو ينتظر به البر] وإذا مات الميت في البحر فقال ابن القاسم: إن طمعوا بالبر في يومهم وشبه ذلك أمسكوه حتى يدفنوه في البر من يومهم، وإن يئس من ذلك غسل وكفن وصلوا عليه وألقوه في البحر، ولا يحبسوه. قال ابن حبيب: يلقونه في أكفانه مستقبل القبلة على شقه الأيمن. قال ابن الماجشون وابن القاسم: ولا يثقلوا/ رجليه ليغرق كما يفعل من لا يعرف، وحق على من وجده على ضفة البحر أن يدفنه، وقد قيل: يثقل بشيء إذا رمي في الماء.
تم كتاب الجنائز من الكتاب الجامع من المدونة وما يتعلق بها من غيرها من أمهات الدواوين بحمد الله تعالى وتوفيقه. وبقي من مسائل الجنائز أبواب لا يستغنى عن قرائتها ومعرفتها. وأنا أذكرها ليكمل الكتاب بها إن شاء الله تعالى.
[فصل - 4 - في حكم نبش القبر لاستخراج المال ونحوه]. قال أبو إسحاق: إذا ذكروا بعد الدفن أنهم نسوا في القبر كيسا أو ثوبا لرجل فإن كان يحدثان ذلك فتحوا القبر وأخرجوا ذلك، وإن طال ذلك وشاءوا أن يعطوا لصاحب الثوب قيمته فذلك لهم، وإلا فلهم أن ينبشوه. قال سحنون: ولو ادعى رجل أن الثوب الذي على الكفن له وقد دفن أو كان خاتما أو دنانير ادعاها فإن كان ذلك يعرف، أو أقر به أهل الميت ولم يدعوه لهم ولا للميت جعل له سبيل إلى إخراج ثوبه، وكذلك الخاتم والدنانير، وإن كان الثوب للميت فإن كان نفيسا فليخرج، وإن لم يكن كثير الثمن فليترك، وإن كان لغير الميت فلصاحبه كشفه عنه، وأخذ ثوبه نفيسا كان أو غيره. قال عيسى عن ابن القاسم: إذا دفن في ثوب ليس له، فلينبش لاستخراجه ثوبه، إلا أن يطول أمره ويروح الميت فلا يرى إلى ذلك سبيلا.
[باب - 14 -] في توجيه الميت وتلقينه وإغماضه ووضعه في قبره والتعزية بمصيبته
[باب - 14 -] في توجيه الميت وتلقينه وإغماضه ووضعه في قبره والتعزية بمصيبته [فصل -1 - في توجيه الميت إلى القبلة وتلقينه وإغماضه] ومن الواضحة قال مالك: ولا أحب ترك توجيه الميت إلى القبلة إن استطيع ذلك. ابن حبيب: وروي ذلك عن عي بن أبي طالب رضي الله عنه، وجماعة من السلف. وقال مالك في المجموعة: وما علمته من الأمر القديم ينبغي أن يوجه إلى القبلة على شقه الأمن فإن لم يقدر فعلى ظهره ورجلاه إلى القبلة. ابن حبيب: ولا أحب أن يوجه إلى القبلة، إلا أن يغلب أو يعاين، وذلك عند إحداد نظره وشخوص بصره، وينبغي أن يلقن لا إله إلا الله ويغمض/ بصره إذا قضى. وروي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر بذلك، وروي أنه قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله حرم على النار"، ويستحب أن
يقال عنده حين يحتضر سلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، لمثل هذا فليعمل العاملون، وعد غير مكذوب. قال غيره: الإغماض سنه، أغمض النبي (صلى الله عليه وسلم) أبا سلمة، وأغمض أبو بكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم). قال مالك/: ولا بأس أن تغمضه الحائض والجنب. ابن حبيب: ويستحب أن يقال عند إغماضه: بسم الله، وعلى وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اللهم يسر عليه أمره، وسهل عليه موته، وأسعده بلقياك، واجعل ما خرج إليه خيرا مما خرج منه. ويستحب أن لا يجلس عنده إذا احتضر إلا أفضل أهله وأحسنهم هديا وكلاما، وأن يكثروا من الدعاء، فإن الملائكة يحضرونه، ويؤمنون على دعاء الداعي له، وأكره أن تحضره الحائض والكافر،
أو يكون عليه أو قربه ثوب غير طاهر. ويستحب أن يقرب منه رائحة طيبة من بخور أوغيره، ولا بأس أن يقرأ عند رأسه بسورة "يس" أو غيرها. وقد سئل عنه مالك: فلم يكرهه، وقال: إنما أكره أن يعمل بذلك استنانًا وقال في المجموعة والعتبية: ليس القراءة والإجمار من عمل الناس. فصل -2 - [صفة وضع الميت في قبره] ويجعل الميت في قبره على شقه الأيمن مستقبل القبلة؛ لقوله عليه السلام: "أشرف المجالس ما استقبل به القبلة". وقد روي عن السلف أنهم أمروا أن يفعل ذلك بهم عند احتضارهم؛ ولأن الميت كان يعظم هذه الجهة في حياته فيوجه إليها / بعد وفاته، فإن لم يقدر جعلت رجلاه إلى القبلة واستقبلها بوجهه، كالمريض الذي يوجه إلى الصلاة.
[فصل - 3 - اللحد أفضل من الشق] واللحد أفضل من الشق إلا لضرورة؛ لقوله عليه السلام: "اللحد لنا والشق لغيرنا". وألحد له (صلى الله عليه وسلم)، وكذلك السلف، وعليه عمل الأمة. م وهو أن يحفر له تحت الجرف في حائط القبلة. [فصل - 4 - في فضل التعزية وما يقول المعزي] قال ابن حبيب: قد جاء في تعزية المصاب ثواب كثير، وجاء أن الله تعالى يلبس الذي عزاه لباس التقوى. وروي أن النبي (صلى الله عليه وسلم): كان إذا عزى قال: "بارك الله لك في الباقي، وآجرك في الفاني"، وعزى عليه السلام امرأة في ابنها، فقال: "إن لله ما أخذ وإن له ما أبقى، وكل شيء عنده بأجل مسمى؛ وكل إليه راجعون، فاحتسبي واصبري فإنما الصبر عند أول الصدمة.
وكان ابن سيرين يقول: أعظم الله أجرك وأعقبك عقبانًا لدنياك / وأخراك. وقال مكحول: أعظم الله أجرك، وجبر مصيبتك، وأحسن عقباك، وغفر لمتوفاك. وكل واسع. قال غيره: وأحسن التعزية ما جاء به الحديث "آجركم الله في مصيبتكم، وأعقبكم منها خيرًا، إنا لله وإنا إليه راجعون". وأصيب عمر بن عبد العزيز بامرأة من أهله فلما دفنت ورجع معه القوم فأرادوا أن يعزوه عند منزله فدخل وأغلق الباب، وقال: إنا لا نعزي في النساء، وفعله عبد الملك في وفاة ابنته، ولغير ابن حبيب: عن مالك أنه قال: إن كان فبالأم، قال غيره: وكل واسع. وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "ليعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بي". وجعل المصيبة بالزوجة
الصالحة والقرين الصالح مصيبة. قال النخعي: كانوا يكرهون التعزية عند القبر. قال ابن حبيب: ذلك واسع في الدين فأما في الأدب فيعز الرجل في منزله.
[باب - 15 -] في بقاء الروح وذكر النفس والروح وفتنة القبر
[باب - 15 -] في بقاء الروح وذكر النفس والروح وفتنة القبر [فصل - 1 - في بقاء الروح وذكر النفس والروح] قال أبو محمد: ومن قول أهل السنة وأئمة الدين في الأرواح أنها باقية فأرواح أهل السعادة منعمة إلى يوم الدين، وأرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم يبعثون. قال الله تعالى في الشهداء: {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} إلى قوله: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ}. وهذا في الذين من خلفهم بعد في الدنيا، وقال في آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)، وهذا قبل قيام الساعة (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)، وقال تعالى: (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى). ولم يقل فيميت التي قضى عليها/ الموت فوفاة النفوس والأرواح توفى قبض، لا توفى تلاشى. قال الله عز وجل: (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا)، وذلك في زوال الروح عن الجسد. وقال في الكفار: (وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ
اليوم) ولم يقل إنهم يميتون أنفسهم. وقال الله تعالى في قول من قال من الموتى (رَبِّ ارْجِعُونِ) فهذا قول/ الروح، وإذا كان الشهداء قبل يوم القيامة أحياء يرزقون فكذلك لا يمنع من سعد بطاعته أن تكون روحه منعمة ويتفاضلون في الدرجات. وقد تظاهرت الأحاديث بتنعيم أرواح المؤمنين بعد الموت قبل يوم القيامة وأنها تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، وأنها تعلق في شجر الجنة يقول تأكل، كما قال في الشهداء: (يُرْزَقُونَ)، وهذا لا يدفعه إلا زائغ ملحد. وأما حديث في
حواصل طير خضر فليس بصحيح، والصحيح ما ذكرت، ومما يؤيده القرآن؛ ولأن الروح لا ترجع إلا إلى جسده الذي كان فيه، وكذلك جاء الأثر في النفخ في الصور لتخرج منه الأرواح كل روح إلى جسده. واختلف في النفس والروح، فقيل: إنهما اسمان بمعنى واحد، وإليه ذهب غير واحد من أصحابنا، منهم: سعيد بن محمد الحداد، وذكر أصبغ عن
ابن القاسم في العتبية وغيرها أنه سمع عبد الرحيم بن خالد يقول بلغني أن الروح له جسد ويدان ورجلان ورأس وعينان يسل من الجسد سلا. وفي رواية ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم عن عبد الرحمن أن النفس هي التي جسد مجسد. قال ابن حبيب: وهي في الجسد كخلق مركب عليه خلق، وكخلق في جوف خلق تسل من الجسد بصورتها، ويبقى الجسد جثة، والروح هو النفس الجاري الداخل والخارج ولا حياة للنفس إلا به، فالنفس هي التي تلذ وتفرح وتألم وتحزن وتعقل وتسمع وتبصر وتتكلم، والروح لا تلذ ولا تألم ولا تعرف شيئا، والنفس هي التي ترى في المنام وتقبض عند النوم، ومن انقضى أجله اتبع روحه نفسه في المنام فكان ذلك توفية، ثم تصير الأرواح والأنفس بعد الموت شيئًا واحدًا وإنما تميز في الأجساد فإذا انقضى الأجل تبع الروح النفس فصارت كلها أرواحا عند الله تعالى، قال: (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) هي التي ترجع إلى جسدها إلى تمام أجلها، ومنه قول النبي (صلى الله عليه وسلم) عند/ المضطجع: "اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك"، ومنه قول الله تعالى:
(فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى). فليست تموت الأنفس والأرواح، وإنما تموت الأجساد، وتخرج النفس ثم هي حية عند الله تعالى إلى يوم الدين. / والله أعلم. فصل - 2 - [في فتنة القبر] قال ابن حبيب: وفتنة القبر وعذابه قوي عند أهل العلم والسنة، وإنما يكذب به زنديق ومن لا يؤمن بالبعث بعد الموت. وقد روي أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: "إذا قبضت الروح عرج بها إلى السماء حتى توقف بين يدي الجبار فإن كانت من أهل السعادة أمر الله تعالى ملائكته يذهبون بها فيرونها مقعدها من الجنة وما أعد الله لها من النعيم، وإن كانت من أهل الشقاء أروها مقعدها من جهنم وما أعد الله لها فيها من العذاب، ثم يذهبون بها قدر ما فرغ من
غسل الجسد وكفنه فيدخلون ذلك الروح بين الجسد والكفن فما يتكلم أحد بشيء إلا وهو يسمعه إلا أنه منع من المراجعة فإذا وضع في قبره وواروه سمع خفق نعالهم ونفضهم أيديهم من التراب ثم يأتيه فتانا القبر منكر ونكير ملكان/ أسودان أزرقان يطآن في شعورهما وينحتان الأرض بأنيابهما معما إرزبة من حديد لو اجتمع عليها أهل منى لم يطيقوها. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): وهي أهون عليهما من هذا ورفع شيئًا من الأرض فيسألانه عن ربه وعن نبيه وعن دينه، فيثبت الله الذين آمنوا ويضل الله الظالمين. قال ابن حبيب: ثم يذهب بروح المؤمن بعد فتنته في قبره إلى عليين، وفيها تجتمع أرواح المؤمنين، فهي باقية في صورة طير بيض تذهب في الجنة
حيث شاءت وتصيب من ثمارها، وترى مقعدها ومثواها من الجنة إلى يوم القيامة بالغداة والعشي، ثم تأوي إلى جنة المأوى في ظل العرش إلى / قناديل من نور معلقة بالعرش وإنما سميت جن المأوى؛ لأن أرواح المؤمنين تأوي إليها ويبقى جسد المؤمن في قبره رميما إلا من كرم الله من المؤمنين، كما كرم أنبياءه فلا تنقض الأرض من أجسادهم شيئًا. والأنبياء عليهم السلام أول من يخرج من الأرض يوم البعث، وأما الكافر فترد روحه بعد عذابه في قبره إلى سجين وهي شجرة سوداء على شفير جهنم فيها تجتمع أرواح الكفار والأشقياء الفجار في جوف طيور سود تعرض على النار بالغداة والعشي إلى يوم البعث، ويبقى جسده في قبره رميما. ومنهم من حفر عنه فوجد رمادًا في قبره قد احترق. وأرواح المؤمنين خاصة تطلع على قبورهم ومواضع رميم أجسادها ذاهبة وراجعة ثم تأوي إلى جنة المأوى مكرمة من الله تعالى لها، ولذلك أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بالسلام على القبور وزيارتها، وأما أرواح الأشقياء فمحبوسة في سجين لا يؤذن لها باطلاع قبورها تضييقًا من الله تعالى عليها فإذا كان يوم القيامة جمعت الأرواح/ كلها فأدخلت في الصور، والصور مثقب على عدد الأرواح كلها، فإذا نفخ فيه نفخة البعث خرج كل روح من ثقبه في فور واحد فتنتشر ما بين
السماء والأرض كأنها النحل، ثم تذهب إلى أجسادها، وقد أنبتها الله تعالى فيأتي كل روح إلى جسده، وقد ألهمه الله سبحانه وتعالى إلى معرفته فتدخل فيه من منخريه ويدب في الجسد، فإذا هم أحياء فيتنهون صوت نفخة الصور وهو قوله تعالى: (يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ)، فذلك البعث والحشر إلى الله عز وجل لفصل القضاء، وهو قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) هنا كمل كتاب الجنائز، وبتمامه تم الجزء الأول من الجامع لابن يونس، ويتلوه في الصاني كتاب الصيام بحمد الله تعالى وحسن عونه وتوفيقه الجميل وبمنه الجزيل عشية الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر الله جمادي الثاني من عام ثمانية وتسعون ومئة وألف بالبلاد المباركة، اللهم تقبله وانفع وارحم كاتبه وآمره بالكتاب دنيا وأخرى إنك جواد كريم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا. أ. هـ.
كتاب الصوم
كتاب الصوم من الجامع
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كتاب الصوم من الجامع وهو الجزء الثاني من جامع الإمام أبي بكر محمد بن عبد الله بن يونس رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به وبعلومه، آمين. [باب - 1 - في وجوب الصوم ومعناه وطرق العلم بدخوله وفروضه] [فصل] في فريضة الصوم وصيام شهر رمضان فريضة واجبة على الأعيان المكلفين المطيقين المقيمين؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) إلى قوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): "بني الإسلام على خمس"، فذكر صوم شهر رمضان، ولا خلاف في ذلك.
[فصل -2 - في معنى الصيام] والصيام في اللغة الإمساك، ومنه قوله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) أي نذرت إمساكا عن الكلام. [فصل - 3 - في طرق العلم بدخول رمضان] وللعلم بدخوله ثلاث طرق، وهي: الرؤية، والشهادة عليها، فإن لم يوصل إلى ذلك، فإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما. فأما بالرؤية فلقوله (صلى الله عليه وسلم): "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته"؛ ولأن الرؤية حق مقطوع به، وما سواها مظنون، فإذا وجب الصوم بالمظنون كان بالمتحقق أولى، وأما بالشهادة فلورود الأخبار بذلك، وإجماع الأمة عليه، فإن لم يوصل إلى ذلك أكمل عدة شعبان ثلاثين؛ لقوله (صلى الله عليه وسلم): "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم، فأتموا ثلاثين يوما".
[فصل -4 - في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: فإن غم عليكم فاقدروا له]. قال بعض أصحابنا البغداديين: / وقال في حديث آخر: "فإن غم عليكم فاقدروا له". والإقدار: هو التمام. قال الله تعالى: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) أي تمامًا. قال ابن أبي زمنين في قوله عليه السلام: "فإن غم عليكم" يعني التبس العدد، وليس من باب القيم، ولو كان كذلك لقال: "فإن غيم عليكم"، هكذا فسره بعض أهل اللغة، وقاله بعض أصحابنا البغداديين. وقال أشهب: فإن غم عليكم أكملوا شعبان ثلاثين يوما فإن غم عليكم هلال شوال أكملوا رمضان ثلاثين يوما. [فصل - 5 - في فروض الصوم] وفروضه ثلاثة: تبييت الصوم، والنية لرمضان وإمساك طرفي المفترض، أي يكف عن الأكل والشرب وقرب النساء من لدى طلوع الفجر إلى غروب الشمس. فأما تبييت النية فلقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من
الليل". وأما النية فلقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ولقوله (صلى الله عليه وسلم): "إنما الأعمال بالنيات"، وقد تقدم شرح ذلك وأما الإمساك فلقوله تعالى: (وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) يريد حتى تقاربوا بيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، كما قال تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) يريد قاربن بلوغ أجلهن، ولا فرق بين أول اليوم وآخره، فكما لا يجوز أيفطر حتى يدخل جزء/ من الليل، فكذلك لا يأكل إلى دخول جزء من النهار، ودل بذلك أيضا أن لا صيام إلا لمن بيته؛ لأنه إذا لم يجزئه بدء
الصيام بعد مضي شيء من النهار لم يجد بدًا أن يكون انعقاد الصوم قبل أوائل أجزاء النهار. وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): "من لم يجمع على الصيام قبل الفجر فلا صيام له" وهو حديث معروف أسنده ابن وهب وغيره. قال ابن القاسم: قال مالك: ومن لم يبيت الصوم أول ليلة من رمضان أجزأه من بقيته، وكذلك من نذر صوم شهر بعينه أو شهور متتابعة أجزأه التبييت أول ليلة، وقال الشافعي رضي الله عنه: لا يجزئه، حتى ينوي لكل يوم منفرد ودليله أنه صوم فوجب أن ينوي لكل يوم، كالقضاء والنذر؛ ولأن كل يوم منفرد بنفسه لا يتعدى فساده إلى غيره دليله صلاتان، ودليلنا قوله
(صلى الله عليه وسلم): «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له». فلما جاز التبييت من أول الليل لأول يوم وبينه وبين اليوم مهلة وجزء من الليل يفطر فيه، فكذلك اليوم الثاني والثالث، وسائر الشهر. وقد قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): «وإنما لامرئ ما نوى». وهذا قد نوى صوم الشهر كله وأما تشبيهه بالصلاة فهو غير لازم؛ لأن الصلاة النية فيها مقارنة لها، وفي الصوم يجوز أن يكون بينهما تراخ إذ/ لو لزم أن تكون النية مقارنة لأول النهار؛ لم يجز الصوم إلا لمن كان منتبهاً قبل الفجر إلى ما بعده، ولو كان ذلك لأدى إلى الحرج، ولم يجعل الله علينا في الدين من حرج، فلما جاز التراخي في اليوم الأول جاز فيما بعده، وأما تشبيهه بالقضاء والنذر فغير لازم أيضاً؛ لأن ذلك يجوز تفريقه، فلما جاز له أن يفطر اليوم الثاني احتاج إلى تجديد النية له، وكذلك الثالث والرابع، ولما كان رمضان لا يجوز فطر شيء منه أجزأته النية له كله، كاليوم الواجب، وكذلك كل صوم متتابع، وهذا بين. وبالله التوفيق. قال أبو إسحاق: وذلك أن التبييت في رمضان إنما أجزأ أول ليلة؛ لأنه لا يتخلله زمن فيصح فيه الفطر، والليل ليس بموضع للصوم فصيام الشهر كله كالصلاة الواحدة، وأجزأ التبييت في أوله.
قال في سماع ابن القاسم: وكذلك من نذر صوم يوم بعينه أبدا فذلك يجزئه من تجديد نية التبييت فيه لكل يوم. قال في المختصر وكتاب ابن حبيب: وكذلك من شأنه صوم يوم بعينه أو شأنه سرد الصيام ليس عليه التبييت في كل يوم، وقال الأبهري: يشبه أن يكون قول مالك في ترك التبييت لمن عود نفسه صوم يوم بعينه / أو سرد الصيام استحسانا، والقياس أن عليه التبييت كل ليلة لجواز فطره. م ويحتمل أن مالكا رحمه الله أراد بقوله في من شأنه صوم يوم بعينه أو سرد الصيام، أي: شأنه بنذر كان نذره، فإذا كان نذر أجزأته النية الأولى فيه؛ إذ لا يجوز له فطره، والله أعلم. ومن العتبية: قال موسى عن ابن القاسم عن مالك: لا يجزي الصيام في السفر في رمضان إلا بنية في كل ليلة؛ لجواز الفطر له. قال محمد بن الجهم: والذي يقضي رمضان عليه التبييت في كل ليلة. قال أبو محمد: ويتبين لي أن من سافر في رمضان ثم قدم أن عليه أن يأتنف التبييت، وكذلك المرأة تحيض ثم تطهر، والرجل يمرض ثم يفيق.
وقد قال مالك في المعتكفة: إذا خرجت للحيضة ثم طهرت نهارا فلا تعتد بيوم تطهر فيه، ولكن ترجع إلى المسجد، إلا أن تطهر قبل الفجر وتنوي الصيام وتدخل حين/ يصبح فيجزئها، فقوله: وتنوي الصيام دليل أن من مرض ثم أفاق أنه يأتنف التبييت.
[باب - 2 -] في الفطر والفجر والسحور في رمضان أو غيره
[باب - 2 -] في الفطر والفجر والسحور في رمضان أو غيره/ [فصل - 1 - في آخر وقت السحور] قال مالك رحمه الله: ويحرم الأكل بطلوع الفجر المعترض في الأفق، لا بالبياض الظاهر قبله. قيل لابن القاسم: ما الفجر عند مالك؟ فقال: سألنا مالكا عن الشفق ما هو؟ فقال: هو الحمرة. قال مالك: وإنه ليغع في قلبي، وما هو إلا شيء فكرت فيه منذ قريب أن الفجر يكون قبله بياض ساطع، فذلك لا يمنع الصائم من الأكل، فكما لا يمنعه ذلك من الأكل حتى يتبين الفجر المعترض في الأفق، فكذلك البياض الذي يبقى بعد الحمرة لا يمنع مصليا أن يصلي العشاء. م قول مالك: " وما هو إلا شيء فكرت فيه منذ قريب" يريد أنه لم يفكر في صورة الفجر، وإنما فكر في الاحتجاج بالفجر الأول على مخالفه في صلاة العشاء الذي يقول: لا يصلي العشاء حتى يذهب البياض الباقي بعد الحمرة، وذلك أنه ومخالفه يقولان: لا حكم للفجر الأول، وهو بياض قبل البياض المعترض في الأفق. قال مالك: فكذلك ينبغي أن يكون البياض الذي يبقى بعد الحمرة لا حكم له، فلا يمنع مصليا أن يصلي العشاء، وقد عبر بعض البغداديين عن
ذلك، فقال: لما وجدنا ثلاث طوالع تلي النهار، وهي: الفجر الأول، والفجر الثاني، وطلوع الشمس، وثلاث غوارب تلي الليل وهي غروب الشمس والشفق الأول والشفق الثاني، فلما اتفقنا على أن الاعتبار بالطالعة الوسطى وجب أن يكون الاعتبار أيضا بالغاربة الوسطى. والله أعلم. فصل - 2 - : [السنة تعجيل الفطر وتأخير السحور] ومن السنة أن يعجل الفطر عند غروب الشمس، ولا يؤخر، وأن يؤخر السحور؛ لقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر". وروي أنه (صلى الله عليه وسلم) "كان يتسحر، ويقوم لصلاة الغداة". قال أنس: كان بين ذلك قدر خمسين آية. وفي بعض الحديث: "أن من عمل النبوة تعجيل الفطر، وتأخير السحور". ومن المجموعة قال أشهب: يستحب تأخير السحور ما لم يدخل إلى
الشك في الفجر، ومن عجله فواسع يرجا له من الأجر ما يرجا لمن يرجا لمن أخره/ إلى آخر أوقاته. وكره مالك لمن شك في الفجر أن يأكل. قال مالك: ومن أكل في رمضان، ثم شك أن يكون أكل قبل الفجر أو بعده فعليه القضاء، إذ لا يرتفع فرض بغير يقين. قال ابن حبيب: وإن كان قد روي عن ابن عباس في من شك في الفجر: أن يأكل فليأكل حتى يوقن به، وهو القياس؛ لقوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) وهو العلم به، وليس الشك علما به، ولكن الاحتياط أحب إلينا أن لا يأكل في الشك، قال مالك. فإن أكل بعد شكه فعليه القضاء استحبابًا، إلا أن يتبين أنه أكل بعد الفجر فيكون واجبًا.
قال أشهب في المجموعة: من أكل أو شرب أو جامه وهو شاك في الفجر فإنما عليه القضاء. وذكر عن ابن عمران في قول ابن حبيب/: إنما عليه القضاء استحبابًا أنه خلاف لقول مالك، بل القضاء عليه واجب؛ لأن الصوم في ذمته بيقين، فلا يزول عن ذمته إلا بيقين؛ ولأن الشاك في صلاته هل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ إنما يبني أمره على أنه صلى ثلاثًا، فكذلك هذا إذا شك في الفجر فهو كمن لم يدر أكل قبل الفجر أو بعده، فيحمل أمره على أنه أكل بعده/ فوجب عليه لذلك القضاء إيجابا، لا استحبابًا، ولم يكن عليه كفارة؛ لأنه غير قاصد لانتهاك حرمة الشهر، وروي عن بعض الأندلسيين: أنه إن أفطر شاكا في غروب الشمس أن عليه القضاء والكفارة، بخلاف أكله وهو شاك في الفجر، وذهب ابن القصار وعبد الوهاب وغيرهما أن ذلك سواء، وليس عليه إلا القضاء في الوجهين؛ لأنه غير منتهك لحرمة الشهر، وهذا أصوب. قال مالك: ومن أكل في قضاء رمضان، ثم شك أن يكون أكل قبل الفجر أو بعده فعليه القضاء؛ إذ لا يرتفع فرض بغير يقين. قال ابن حبيب: ويجوز تصديق المؤذن العارف العدل أن الفجر لم يطلع. قال: وإن سمع الأذان، وهو يأكل، ولا علم له بالفجر، فليكف،
ويسأل المؤذن عن ذلك الوقت فيعمل على قوله, فإن لم يكن عنده عدلاً ولا عارفًا فليقض, وإن كان في قضاء رمضان فليقض, ومباح له فطر ذلك/ اليوم أو التمادي. قال: وإن طلع عليه الفجر, وهو يأكل, فليلق ما في فيه, وينزل عن امرأته إن كان يطأ, ويجزئه الصوم إلا أن يُخَضْخِض الواطئ بعد ذلك. وقاله ابن القاسم. وقال ابن الماجشون: أما في الوطَء فليقض؛ لأن إزالته لفرجه جماع بعد الفجر, ولكنه لم ينتهك ولم يتعمد؛ فلذلك لم يكفر, ولا شيء عليه في الطعام؛ لأن طرحه ليس بأكل. قال ابن القصار: إذا طلع عليه الفجر, وهو مولّج فلبث قليلاً متعمداً, ثم أخرجه أن الكفارة تلزمه مع القضاء. ومن «المدونة» قال مالك: ومن تسحر بعد الفجر, ولم يعلم بطلوعه فإن كان في تطوع فلا شيء عليه, ولا يفطر بقية يومه, فإن فعل قضاه, وإن كان صومه هذا من نذر أوجبه على نفسه, مثل: قوله: لله علي صوم عشرة أيام متتابعة بغير عينها فنابه ذلك بعد أن صام بعضها ترك الأكل في بقية يومه, وقضاه ووصله بصومه, فإن لم يصله أو أفطر باقي يومه ابتدأ, وإن نابه ذلك في أول يوم منها, فإن شاء أفطره وابتدأ صوم عشرة أيام, ولا أحب له أن يفطره, فإن
فعل فإنما عليه عشرة أيام أحدها قضاء ذلك اليوم. قال ابن القاسم: وإن كانت أيامًا بأعيانها أو شهراً بعينه نذره فصام بعضها, ثم تسحر بعد طلوع الفجر ولم يعلم أو أكل ناسيًا فليتماد علي صومه ويقض يومًا مكانه. قال: فإن نابه ذلك في رمضان فليتم صومه ويقض يومًا آخر أيضًا. قال: وإن كان في قضاء رمضان, فأحب أن يفطر يومه ذلك أفطره وقضاه وأحب إلي أن يتمه ويقضيه, وإن كان في صيام تظاهر أو قتل نفس مضى في صومه وقضى ذلك اليوم , ووصله بصومه, فإن لم يصله بصيامه استأنف الصوم. م يريد وكذلك إن نسي أن يصله فإنه يستأنف الصوم؛ لأنه بيت الفطر اليوم الذي يلي صومه, فهو بخلاف من بيت الصوم وأكل في النهار ناسيًا. وقد قال مالك: في من حلف بالطلاق ليصومن غدًا فبيت الصوم, ثم أكل/ ناسيًا أنه يتمادى علي صومه, ولا حنث عليه, يريد ولو بيت الفطر ناسيًا ليمينه
فأفطر ثم علم فأمسك لم ينفعه ذلك وحنث, ولأن أهل العلم أجمعوا أنه إن نسي النية بطل الصوم, واختلفوا إن أكل ناسيًا. ومن المدونة: وذكر مالك: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أفطر يومًا في رمضان في يوم غيم ورأى أنه قد غابت الشمس, ثم قيل له: قد طلعت الشمس, فقال عمر بن الخطاب: الخطب يسير وقد اجتهدنا. قال مالك: يريد بالخطب القضاء. وإلي هذا ذهب الحنفي والشافعي. وذهب الحسن وابن سيرين إلي أن لا قضاء/ عليه. وكذلك إذا أكل بعد الفجر يظنه قبله, ودليلهم قوله صلي الله عليه وسلم: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان))؛ ولحديث عمر هذا؛ فإنه قال: ((والله لا يقضي)) فلم ينكر عليه أحد.
ودليلنا: أن النبي صلي الله عليه وسلم نزل به مثل ذلك فأمرهم أن يقضوا يومًا مكانه, ولأنه أكل نهارًا في رمضان, فأشبه العامد. وأما احتجاجهم بقوله عليه السلام: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) فمحمول علي رفع المأثم,/ وما رووه من قول عمر: "والله لايقضي", فيجوز -إن صح منه- أن يكون ذلك مذهبًا لعمر, والسنة مقدمة عليه. ومن المدونة: قال يحيى بن سعيد في من وطئ أو أكل في رمضان ناسيًا: أنه يتم صومه, ويقضي يومًا مكانه, وقاله مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي في من أكل ناسيًا: لا قضاء عليه, ودليلهم ما رووه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم: ((من أكل أو شرب ناسيًا في رمضان فلا قضاء عليه ولا كفارة)).
وروي أنه قال: ((ليتم صومه فإن الله أطعمه وسقاه))؛ ولأنه أكل ناسيًا في الصوم فأشبه ما لو أكل في صوم التطوع, وكمن تكلم في صلاته ناسيًا. ودليلنا قوله تعالي: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة:187] , وهذا غير متم له؛ ولأن الأكل عامدًا تجب عليه الكفارة كالواطئ/ ساهيًا؛ ولأنه مكلف حصل أكلاً في نهار رمضان, فأشبه العامد في القضاء؛ ولأن السهو نوع من الأعذار فلم يمنع القضاء أصله المرض؛ ولأن الإمساك أحد أركان الصوم فكان تركه سهوًا يوجب عليه القضاء أصله النية, فإذا ثبت هذا فما رووه من الحديث غير ثابت عندنا, ولا حجة لهم في الحديث الثاني؛ لأنه ليس فيه أن لا قضاء عليه. وأما احتجاجهم بالتطوع فهو بخلاف الفرض؛ إذ لا كفارة في عمده, وأما احتجاجهم بالكلام في الصلاة فالكلام غير مناف للصلاة؛ لأنه لو تكلم عامدًا
في إصلاح الصلاة لم تبطل صلاته, والأكل مناف للإمساك, كما أن الحدث في الصلاة مناف لها, وعمد ذلك وسهوه يبطلها, فكذلك الأكل عمده وسهوه يبطل الصوم, وإنما يرتفع عن الناسي والساهي المأثم والكفارة؛ لقوله عليه السلام: ((حمل عن أمتي الخطأ والنسيان))؛ لأن الكفارة لرفع الإثم, فإذا لم يكن إثم فلا كفارة فيه. وبالله التوفيق. وليس قصدنا هذا الباب, وإنما نذكر منه بعض مسائل لئلا يخلو هذا الكتاب من هذا المعنى.
[باب-3 -] في الصوم والفطر للهلال والشهادة فيه, ومن رآه وحده
[باب-3 -] في الصوم والفطر للهلال والشهادة فيه, ومن رآه وحده [فصل-1 - لا يصام ولا يفطر إلا برؤية الهلال] قال الله سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة:189]. ونهى الرسول صلي الله عليه وسلم عن الصوم والفطر إلا للأهلة, وقال: ((الشهر ثلاثون وتسعة وعشرون)) , وقال: ((فإن حال دونه غمام فأتموا العدة ثلاثين)) , وقال: ((فإن غم عليكم فاقدروا له))؛ ولأن الأصل بقاء شعبان فلا ينتقل عنه إلا بأن يثبت دخول رمضان, وليس إلا بالرؤية, أو بالشهادة, أو إكمال العدة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إذا شهد في الهلال رجلان مسلمان فصوموا, أو قال أفطروا". قال مالك: ولا يجوز في رؤية هلال رمضان شهادة رجل واحد, وإن كان عدلاً, فإن عثمان بن عفان أبى أن يجيز شهادة هشام بن
عتبة وحده علي هلال رمضان. قال سحنون/: ولو كان مثل عمر بن عبد العزيز ما صمت/ ولا أفطرت بشهادته. [فصل-2 - الرؤية لا تثبت إلا بشهادة رجلين] قال مالك: ولا يصام ويفطر ولا يقام الموسم إلا بشهادة رجلين حرين مسلمين عدلين علي رؤية الهلال. ومن المجموعة قال أشهب: وإن علم الشاهد من نفسه أنه غير عدل فإن كان مستورًا يمكن أن تقبل فعليه أن يشهد, وإن كان مكشوفًا فأحب إلي أن يشهد, وما عليه بالواجب, ولا تجوز فيه شهادة جماعة نساء ولا عبيد ولا الإماء ولا المكاتبين ولا أمهات الأولاد. م وإنما لم تجز شهادة النساء فيه؛ لأنها لا تجوز إلا حيث أجازها الله عز وجل في الدين, وفيما لا يطلع عليه أحد إلا هن, فتجوز للضرورة, والهلال فالرجال مطلعون غالباً عليه, وإنما لم تجز شهادة العبيد؛ لأن شهادة غير العدول غير مقبولة, والحرية من شروط العدالة, كالإسلام, وإنما لم تجز فيه
شهادة واحد خلافاً للشافعي؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: ((فإن شهد ذوا عدل فصوموا وافطروا)) فشرط العدد في الشهود يثبت وجوبه؛ ولأنه حكم يثبت في البدن فلم يقبل في الشهادة عليه واحد, أصله النكاح والطلاق؛ ولأنها شهادة علي رؤية كالفطر, وهو يقول فيه: لا يجزئ أقل من اثنين. ومن المدونة قال مالك في الذين قالوا يصام بشهادة واحد: أرأيت إن أغمي هلال شوال كيف يصنعون؟ أيفطرون أم يصومون واحدًا وثلاثين؟ فإن أفطروا خافوا أن يكون ذلك اليوم من رمضان. م وذلك أن مخالفنا يقول: يصام بشهادة رجل واحد, ولا يفطر إلا بشهادة رجلين, فإذا صاموا بشهادة رجل واحد وأغمي آخر الشهر فإن أكملوا ثلاثين بشهادته وأفطروا فقد أفطروا بشهادة واحد, ونقضوا قولهم, وإن صاموا إحدى وثلاثين فقد خالفوا الأمة وكذبوا شاهدهم. م ولا ينظر في هذا إلي قول المنجمين؛ لقوله عليه السلام: ((من صدق كاهنًا أو منجمًا فقد كفر بما أنزل علي محمد))؛ ولأن صاحب الشرع قصر ذلك على
الرؤية أو الشهادة أو إكمال العدة, فلم يجز إثبات زيادة عليه, ولا يلتفت إلي صحو أو غيم, خلافًا لأبي حنيفة, في قوله: إن/ كانت مصحية لم يقبل فيه إلا شهادة العدد المستفيض, وإن كانت متغيمة قبلت فيه شهادة واحد. ودليلنا قوله صلي الله عليه وسلم: ((فإن شهد ذوا عدل)) ولم يفرق؛ ولأنه معني يتعلق بالشهادة فلا يتعلق بالصحو والغيم كسائر الأشياء المشهود فيها, وقاله بعض أصحابنا البغداديين. وروي عن مالك: في شاهدين شهدا في هلال شعبان فيعد لذلك ثلاثين يومًا ثم لا يرى الناس الهلال ليلة إحدى وثلاثين والسماء صاحية, قال: هذان شهيدا سوء. وسئل سحنون في عدلين شهدا في الهلال والسماء صاحية, ولا يشهد غيرهما قال: وأي ريبة أكبر من هذا.
قال أبو بكر بن اللباد: قال لنا يحيى بن عمر تجوز عندي شهادة عدلين في الصحو في الصوم والفطر. قال أبو محمد: قال غيره من أصحابنا: قول سحنون في المصر العظيم والصحو البين أنه لا يبعد أن ينفرد هذان برؤية على هذه الحال. قال أبو إسحاق: وما روي عن مالك لا يدفع قول يحيى بن عمر في إجازة شاهدين في الصحو؛ لأن مالكًا إنما أنكر أن يكون بعد تمام ثلاثين أن يخفي الهلال، وذلك صحيح؛ لأنه لا يمكن أن يخفى الهلال بعد الثلاثين، وإنما أجاز يحيى شهادة رجلين في الصحو في نقص الشهر إذا كان تسعًا وعشرين؛ لأنه عنده يكون خفيًا فيمكن أن يخفى، ولو نظر الناس كلهم إلى موضعه ما أمكن في الغالب أن يخفى على الناس كلهم، كما قال أبو محمد في غالب العادة، ولكن قد يخطئ الناس في النظر، ينظر قوم إلى موضع لا ينظر إليه غيرهم مع خفائه لدقته في نقص الشهر، يمكن أن يخفى إلا على اثنين، فلهذه العلة جاز عند يحيى بن عمر شهادة رجلين في الصحو. قال يحيى بن عمر: ولو شهد واحد على هلال رمضان وآخر على هلال شول لم يفطر بشهادتهما. قال محمد بن عبد الحكم: ولو شهد شاهدان في الهلال فاحتاج القاضي أن يكشف عنهما، وذلك يتأخر فليس على الناس صيام ذلك اليوم، فإن زكيا بعد ذلك أمر الناس بالقضاء، وإن كان في الفطر فلا/ شيء عليهم فيما صاموا.
وذكر ابن حبيب وابن سحنون عن ابن الماجشنون: أنه إذا رأى هلال رمضان عامة بلد وعمهم علمه بالرؤية أو بالشهادة عند الحاكم فذلك يجزئ من لم يعلم به منهم ويجزئه الصوم، وإن لم يبيته، وكذلك الغافل والمريض والجاهل لا يعلم، وكذلك من قرب من البلد، كالليلة ونحوها. وقال سحنون: لا يجزئ أحدًا منهم، إلا من علم قبل الفجر وبيت الصوم. م وهو الصواب، والحق إن شاء الله تعالى؛ لقوله عليه السلام: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل". وقال محمد بن عبد الحكم: وقد يأتي من رؤيته ما يشتهر حتى لا يحتاج فيه إلى الشهادة والتعديل مثل: أن تكون قرية كبيرة فيراه فيها الرجال والنساء والعبيد ممن لا يمكن منهم التواطؤ على باطل فيلزم الناس/ الصوم بذلك من باب استفاضة الأخبار لا من باب الشهادة. قال مالك في المجموعة: وإذا صام أهل بلد ثم جاءهم أن أهل بلد غيرهم صاموا قبلهم فإن استوقن ذلك فليقضوا.
قال ابن القاسم: وكذلك إن جاءهم أنهم رأوا الهلال فليقضوا، وإن جاءهم أنهم رأوا هلال شوال فليفطروا. قال في العتبية: ولا يصلوا العيد إن جاءهم ذلك بعد الزوال. قال أبو محمد: وأخبرت عن ابن ميسر أنه قال: إذا أخبرك عدل أن الهلال قد ثبت عند/ الإمام فأمر بالصيام أو نقل ذلك إليك عدل عن بلد آخر لزمك العمل على خبره، وهو من باب قبول خبر الواحد الصادق لا من باب الشهادة. قال أبو محمد: كما أن الرجل ينقل إلى أهله أو ابنته البكر [مثل ذلك] فيلزمهم تبييت الصوم بقوله. م وحكي عن أبي عمران أنه قال: الذي في الأصل لابن ميسر أنه قال: إذا وجه القوم رجلًا إلى بلدة فأخبرهم أنهم رأوا الهلال أنهم يصومون بقوله فهذا قد صار كالمستكشف لهم، فأما على نقل أبي محمد فيجب أن لا يلزمهم
الصوم، ولا فرق بين شهادته أنه رأى الهلال وبين شهادته على قوم أنهم رأوه، وليس هذا كنقل الرجل إلى أهله؛ لأنه القائم على أهله والناظر لهم. م ولا فرق بين أن يرسلوه إلى بلد مستكشفًا لهم فيخبرهم أنهم رأوا الهلال فيه، أو يخبرهم من غير إرسال؛ لأنه من باب نقل الأخبار، لا من باب الشهادات، وكذلك نقل الرجل إلى أهله؛ وذلك كله سواء. والتفريق بين ذلك كله ضعيف. ومن كتاب أبي إسحاق بإثر كلام ابن الماجشون: وإذا كان موضع ليس فيه إمام ولو كان يصنع ذلك فينبغي للناس أن يراعوا ذلك ويعتقدوه، فمن يثبت ذلك عنده برؤية نفسه أو برؤية من يثق به صام عليه وأفطر، وحمل عليه من اقتدى به. فصل-3 - : [في أحكام من رأى الهلال وحده] ومن المدونة قال مالك: ومن رأى هلال رمضان وحده فليعلم الإمام لعل غيره رآه معه فتجوز شهادتهما، فإن لم يره غيره رد الإمام شهادته ولزمه الصوم في نفسه فإن أفطر لزمه القضاء والكفارة. قال أشهب: إلا أن يفطر متأولًا. م وإنما أوجب مالك عليه القضاء والكفارة؛ لأنه لما ألزمه الصوم بإخباره غيره عن رؤيته، وهي مظنونة كان برؤية/ نفسه أولى.
وقال أبو حنيفة: لا تلزمه كفارة إن أفطر إذا لم يحكم الإمام بصومه. ودليلنا أنه هاتك لحرمة يوم هو عنده من رمضان يقينًا، أصله اليوم الثاني؛ ولأنه لما لزمته الكفارة مع حكم الحاكم بوجوبه كان برؤية نفسه أولى. قال ابن القاسم وأشهب عن مالك: وإن رأى هلال شوال وحده فلا يفطر. قال أشهب: ولينو الفطر بقلبه، ويكف عن الأكل والشراب، وليس عليه فيما بينه وبين الله في الأكل شيء لكن عليه من باب/ التغرير بنفسه في هتك غرضه. قال ابن القاسم في العتبية: إلا أن يكون وحده في سفر في مفازة فإنه يفطر. م ولا يجوز له حينئذ أن يصوم؛ لأنه لم يتيقن أن الناس لم يروه، ولا ظهر عنده أنهم رأوه كما رآه هو فلا يصوم يوم الفطر بالشك أن الناس لم يروه.
قال أشهب في المجموعة: وإذا ظهر عليه -يريد في الحضر- فإن لم يكن ذكر ذلك قبل أن يؤخذ عوقب إن لم يكن مأمونًا، وإن كان مأمونًا، أو ذكر ذلك قبل أن يؤخذ وأفشاه فلا عقاب، ثم يتقدم إليه في الإمساك عن المعاودة فإن عاد عوقب إلا أن يكون من أهل الدين والمروءة فلا يعاقب، ويعنف، ويغلظ عليه في عظته. [فصل-27 - : في إذا رئي لهلال نهارًا فهو للغد] وإذا رأى الهلال آخر يوم من شعبان أو من رمضان نهارًا فهو لغده رئي قبل الزوال أو بعده. وفرق أبو يوسف بين أن يرى قبل الزوال أو بعده، فجعل رؤيته قبل الزوال لليوم، ورؤيته بعد الزوال للغد. ونحوه لابن حبيب، وقال: جاءت الرواية في رؤيته قبل الزوال مفسرة عن عمر بن الخطاب أنه قال: إذا رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإذا رئي بعد الزوال فهو لليلة القابلة.
قال: وكان إبراهيم النخعي وسفيان الثوري يفتيان بذلك. قال ابن حبيب: وقد نزل ذلك عندنا غير عام، فاستشارني فيه الإمام، فقلت: هو لليلة الماضية، وأعلمته بحديث عمر بن الخطاب، وزعم بعض أصحابنا أنه سواء رئي قبل الزوال/ أو بعده أنه لليلة القابلة، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى أتت الكتب من سواحلنا أنه رئي في تلك الليلة التي في صبيحتها رئي. م والدليل لمالك رحمه الله: قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: <<أن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تصوموا/ ولا تفطروا إلا أن يشهد رجلان أنهما أهلاه بالأمس>>، وهو قول عمر وابن عباس. قال ابن الجهم: وما رواه ابن حبيب عن عمر لا يصح، وإنما رواه سماك وهو مجهول.
[باب -4 -] في اللماس والقبلة والمباشرة والجماع للصائم]
[باب -4 -] في اللماس والقبلة والمباشرة والجماع للصائم] [فصل-1: في الرخصة في الأكل والجماع ليلة الصيام] قال الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) وكان من قبلنا إذا نام لم يحل له أن يطعم أو يجامع فكان الرجل منا إذا نام في شهر رمضان لم يحل له أن يطعم أو يجامع؛ لقوله: (كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)، ثم نسخ ذلك لقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ) الآية. وقيل: نزل ذلك في صرمة بن قيس الأنصاري أكل بعد أن نام، وعمر ابن الخطاب جامع بعد أن نام فخشيا أن ينزل فيهما فنزلت الرخصة من الله تعالى بقوله عز وجل: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ) إلى قوله: (وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ) فأباح الله عز وجل الأكل والشرب والجماع الليل كله رحمة لهذه الأمة، ومنع من ذلك في نهار الصيام. [فصل-1: في حكم القبلة والمباشرة والملاعبة ونحو ذلك للصائم] وروي أشهب أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهي الشاب الصائم عن القبلة وأرخص للشيخ
لملكة نفسه. وقاله أبو هريرة وأبو أيوب الأنصاري وابن عمر وابن عباس في الشيخ والشاب، وقد نهي ابن عمر وابن عباس عن المباشرة للصائم. ابن عمر: كان ذلك في رمضان أو غيره، وكذلك القبلة، و/ قاله مالك. قال ابن القاسم: شدد مالك في القبلة للصائم في الفرض والتطوع. قال أشهب: ولمس اليد أيسر منها، والقبلة أيسر من المباشرة، والمباشرة/ أيسر من العبث بالفرج على شيء من الجسد، وترك ذلك كله أحب إلينا. قال ابن حبيب: والقبلة من الدواعي في من تخامره اللذة؛ ولأنه لا يملك نفسه بعدها فلا يقبل. قال مالك: والقبلة والملاعبة والجسة والمباشرة والمجاذبة وإدامة النظر تنقص أجر الصائم وإن لم تفطره، وكان مالك يشدد
في القبلة في الفريضة، ويرخص فيها في التطوع، وتركه أحب إليه من غير تضييق، ويشدد فيها على الشاب في الفريضة ما لا يشدده على الشيخ، ولا يقضي في قبلة أو جسة، وإن أتعظ حتى يمذي. ومن المدونة قال مالك: وكان الأفاضل يجتنبون دخول منازلهم نهار رمضان خوفًا على أنفسهم، واحتياطًا أن يأتي من ذلك بعض ما يكرهون، وقد أوجب الرسول صلى الله عليه وسلم على منتهك حرمة الشهر بالوطء الكفارة. فكان كذلك من أنزل الماء بشيء من دواعي الوطء. قال مالك في من قبل امرأته قبلة واحدة في نهار رمضان فأنزل: فعليه القضاء والكفارة، وإن كان من المرأة مثل ذلك طوعًا فعليها القضاء والكفارة، وإن أكرهها فالكفارة عليه عنه وعنها وعليها، هي القضاء على كل حال.
قال أبو محمد: يعني يكفر عنه وعنها كالوطء، وكذلك نقلها في مختصره. وقال ابن شبلون: لا يكفر عنها على ظاهر الكتاب، بخلاف الوطء. وكان الشيخ أبو عمران يجئ إلى هذا؛ لأن الواطئ ينتهك حرمة الصوم ويفسده، وإن لم يكن منه لذة، والقبلة لا تفسده، وإنما يفسده ما يكون عنها من اللذة، ففارقت حكم الوطء، ويرجح فيها فيما ذكر عنه إذ لم يذكر في المدونة كفارة عنها، وسكت عن ذلك. قال مالك: وإن باشرها أو لمسها أو عالجت ذكره بيدها وأمكنها منه حتى أنزل في ذلك كله فعليه القضاء والكفارة. سحنون وقال أشهب: إن تابع اللمس والقبل حتى أنزل فعليه القضاء والكفارة، وإن كان ذلك منه في قبلة أو جسة فليقض ولا يكفر، وبه أقول، وقول ابن القاسم في النظر دليل على هذا. قال مالك: وإذا قبل أو لمس أو باشر/ فلم يخرج ذلك منه منيًا ولا انعظ ولا التذ فلا شيء عليه في ذلك كله، وإن أمذى فعليه القضاء،
ولا كفارة في ذلك كله. قال مالك: وإن باشرها باليد فالتذ وأنعظ ولم يمذ فعليه القضاء بلا كفارة أيضًا، وكذلك روي عنه ابن القاسم في العتبية في القبلة: أنه يقضي إذا انعظ/ وإن لم يمذ، وأنكره سحنون. وقال أبو إسحاق: وانظر لماذا أوجب أن يكون مضطرًا بالمذي وإن كان قاصدًا اجتلاب المني بقلة أو مباشرة كالفطر متعمدًا فيجب أن يكون عليه الكفرة؛ لأن من قصد هتك حرمة الصوم يجب عليه الكفارة وهم لم يوجبوا على من قصد لما يكون عنه المذي الكفارة، وإن تعمد ذلك بمباشرة أو جماع دون الفرج وهذا يدل أن وجوب القضاء فيه ليس بالقوي. ومن المدونة روي ابن وهب وأشهب عن مالك في من قبل امرأته أو غمزها أو باشرها نهارًا في رمضان فأمذى فعليه القضاء، وإن لم يمذ فلا شيء عليه [فصل-3 - في أحكام النظر للمرأة بقصد الالتذاذ وهو صائم] قال ابن القاسم: وإن نظر إليها في رمضان وتابع النظر حتى أنزل فعليه القضاء والكفارة وإن لم يتابع النظر إلا أنه نظر نظرة واحدة فأنزل فعليه القضاء بلا كفارة.
م وذكر عن ابن القابسي أنه قال: إن نظر نظرة واحدة/ متعمدًا فأنزل فعليه القضاء والكفارة. م ويظهر لي أنه خلاف ظاهر الكتاب، ويدل على ذلك أيضًا استدلال سحنون بالنظرة على القبلة والجسة فلم ير عليه في ذلك كفارة وهو متعمد، وستدل بالنظرة. وقال بعض أصحابنا: قول ابن القابسي: وفاق، والله أعلم. قال مالك: وإن نظر على غير تعمد أو على تعمد فأمذى فعليه القضاء، وفي كتاب ابن حبيب: إذا نظر على غير تعمد أو على تعمد فأمذى فعليه القضاء، وفي كتاب ابن حبيب: إذا نظر عن غير تعمد فأمذى فلا قضاء عليه، وإن أمنى فليقض، ولا يكفر حتى يستديم ذلك. م وتلخيص هذا الاختلاف في هذه المسائل أن من نظر أو لمس أو قبل أو باش متعمدًا فأدام ذلك هو على أربعة أقسام: إن أنزل فعليه القضاء والكفارة، وإن أمذى فعليه القضاء فقط، وإن لم يمذ ولا التذ ولا أنعظ فلا شيء عليه، لا خلاف في ذلك كله، وإن أنعظ ووجد منه لذه ولم يمذ فلا شيء عليه في النظر واللمس، واختلف في المباشرة والقبلة، فقيل: يقضي، وقيل: لا شيء عليه إلا أن يمذي، هذا مذهب ابن القاسم في المدونة، وغيره لا يرى عليه شيئًا إلا أن يمذي في ذلك كله، وإذا لم يلتذ ولا أمذى فلا شيء عليه في ذلك كله بإجماع منهم. قال في المدونة: فإن وطئها فيما دون الفرج فأنزل فعليه القضاء والكفارة.
[باب -5 -] في الكحل وصب الدهن في الأذن وفي السعوط والحقنة والحجامة وذوق الطعام وما يدخل في الحلق من غير تعمد. وفي القلس والقيء والمضمضة والسواك
[باب -5 -] في الكحل وصب الدهن في الأذن وفي السعوط والحقنة والحجامة وذوق الطعام وما يدخل في الحلق من غير تعمد. وفي القلس والقيء والمضمضة والسواك [فصل-1 - في حكم اكتحال الصائم وصب الدهن في أذنه] روي ابن وهب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يكره الكحل/ للصائم، وكره السعوط وما يصبه في أذنه. قال ابن القاسم: قال مالك: في الكحل للصائم وصب الدهن في الأذن هو أعلم بنفسه، منهم من يدخل ذلك في حلقه ومنهم من لا يدخل، فإن كان ممن يدخل حلقه فلا يفعل، فإن اكتحل بإثمد أو صبر أو غيره أو صب الدهن في أذنيه لوجع أو غيره فوصل ذلك في رمضان إلى حلقه فعليه القضاء بلا كفارة. ابن حبيب: والمستعط كذلك فيما يصل إلى حلقه أو لا يصل. [فصل-2 - في حكم الحقنة والسعوط للصائم] قال ابن القاسم: كره مالك الحقنة والسعوط للصائم، فإن احتقن في
فرض أو واجب بشيء يصل إلى جوفه فليقض ولا يكفر. ومن المجموعة قال أشهب: ويدل على كراهة الاستعاط قول النبي صلى الله عليه وسلم: <<وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا>> وأرى على المستسعط القضاء إذ لا يكاد يسلم أن يصل إلى حلقه، وأما المحتقن فلا شك فيه، وليقضيا في الواجب والتطوع؛ لأنهما متعمدان ولا يفطرا ولا يكفرا إن كانا في رمضان. قال أبو إسحاق: والحقنة لا يمكن أن تكون في الغالب منها هذا فلماذا أوجب فيها القضاء، وهو يقول في الرضاع أنها لا تحرم/ إلا أن تكون غذاء، وذكر في الكحل أن عليه القضاء، ولو علم أنه يصل إلى حلقه، فلا كفارة عليه؛ لأنه لم يقصد بذلك هتك حرمة الصوم. ومن المدونة سئل مالك عن الفتائل تجعل للحقنة، فقال: أرى ذلك خفيفًا، ولا شيء عليه. قال عنه ابن وهب/ في السيور أرجو أن لا يكون به
بأس، والسيور الفتلة. قال ابن القاسم: فإن قطر الصائم في أحليله دهنًا فلا شيء عليه، وهو أخف من الحقنة. وقال أشهب مثل ما قال ابن القاسم في الحقنة والسعوط والكحل وصب الدهن في الأذن. وقال: إن كان في صوم واجب تمادى في صومه وقضاه، ولا كفارة عليه إن كان في رمضان. قال ابن القاسم: وإذا داوى جائفة بدواء مائع أو غير مائع فلا قضاء عليه ولا كفارة؛ لأن ذلك لا يصل إلى مدخل الطعام والشراب، ولو وصل إليه لمات من ساعته. [فصل - 3 - في حكم الحجامة للصائم] قال مالك: وإنما تكره الحجامة للصائم خيفة التغرير، فإن احتجم فسلم فلا شيء عليه؛ لأن الغالب منها لحوق الضعف، فربما أدى ذلك إلى
الفطر. وقد روي هذا المعنى عن علي وابن عباس وجماعة من الصحابة. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا تفطر الصائم: الحجامة والقيء والحلم». وروي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم، وأرخص لجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أن يحتجم وهو صائم. فإن قيل: قد روي أنه عليه السلام قال: «أفطر الحاجم والمحجوم». قيل: يحتمل أن يكون ذلك منسوخًا يدل على ذلك ما رواه أنس بن
مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص في الحجامة للصائم بعد أن كان نهى عنها. ويحتمل أن يكونا أفطر بأكل ونحوه، وعلم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما، ومع ذلك فقد روي عن بعض الصحابة أنهما كانا يغتابان الناس، ويكون معنى قوله: "أفطر الحاجم والمحجوم" بمعنى أنه نقص أجرهما وثوابهما. فقال: أفطرا مجازًا. [فصل - 4 - حكم ذوق الطعام للصائم] ومن المدونة: وكره مالك للصائم ذوق العسل والملح وشبهه، وإن لم يدخل جوفه، وكره مضغ العلك أو مضغ الطعام للصبي، أو يداوي الحفر فيه ويمج الدواء، وكره للذي يعمل الأوتار من العقب أن يمر ذلك في فيه بمضغه أو يلمسه بفيه.
[فصل - 5 - في حكم ما يدخل الحلق من غير تعمد] وقال مالك في الصائم يدخل في حلقه الذباب أو يكون بين أسنانه فلقة الحبة، ونحوها فيبتلعها مع ريقه فلا شيء عليه، ولو كان في صلاة لم يقطع ذلك صلاته. قال أبو محمد: وقال أشهب: أحب إلي أن يقضي، وليس ذلك بالبين. وقال عنه ابن عبد الحكم: وأما إن تعمد ذلك فليقض، يريد إن أمكنه طرحها. قال ابن حبيب: إذا ابتلع ما بين أسنانه من حبة التينة، وفلقة الجذيذة ونحوها فقد أساء ولا شيء عليه، فعله سهوًا أو عمدًا، عن جهل أو علم، إلا أن يأخذ ذلك من الأرض فيبتلعه، فيلزمه في سهوه القضاء، وفي عمده جاهلاً أو عالمًا القضاء، والكفارة؛ لاستخفافه بصومه، لا لأنه غذاء بعينه. وهكذا فسر لي من لقيت من أصحاب مالك، ولا معنى لتفرقته بين أن يكون ذلك في فمه أو يأخذه من الأرض؛ لأنها لم تكن في فيه إلا برفعها من الأرض إليه، فلا يغير الحكم طول إقامتها / فيه، كما لو كانت تينة كاملة أو لقمة. قال ابن حبيب:
وإن كان في فيه حصاة أو لؤلؤة أو نواة أو لوزة أو عود أو مدرة فسبق ذلك إلى حلقه فعليه القضاء في السهو والغلبة، وإن تعمد ذلك تعبثًا فليكفر، قاله ابن الماجشون. وقال أصبغ: وحكاه عن ابن القاسم: أن ما كان من ذلك لا غذاء له في الجوف ولا انحلال مثل الحصاة واللوزة بقشرها فلا يقض في سهره، ويقضي. في العمد، وما كان له غذاء وانحلال / في الجوف مثل النواة والمدرة فعليه القضاء في / السهو والغلبة، وفي عمده القضاء والكفارة، والأول أحب إلينا، وهو قول سحنون في كتاب ابنه. ابن حبيب: وقال ابن الماجشون في الغبار يكثر في حلق الصائم حتى يتجاوز إلى جوفه: فلا قضاء عليه، في فريضة ولا نافله؛ لأنه [أمر] غالب. وقال في المجموعة: ولا أعلم أحدًا أوجب فيه شيئًا، وقاله سحنون، ولم يعذره أشهب بغبار الدقيق. وقال: إن كان خفيفًا فدخل غباره في حلقه فليقض في رمضان، والواجب، ولا يقض في التطوع. وقال ابن حبيب وسحنون: الغبار أمر غالب فلا يقع به فطر. قال أبو محمد: بخلاف الغبار؛ لأنه أمر غالب. قال أبو إسحاق: ويحتمل أن يكون أراد
سحنون وعبد الملك غبار الطريق؛ لأن غبار الطريق أمر لا يمكن التحفظ منه، ولا يمنع الناس من المشي في رمضان، وانظر غبار غير الطريق مثل غبار الجبس الذي عادتهم أن يدقوه وغبار الدباغ لمن عادته أن يدقه هل يخفف لهم في ذلك؛ لأنه صنائعهم التي لا يستغنون عنها، أو يضيق عليهم في عملها في رمضان؛ لأنهم لا يجدون غيرها من الأعمال. م وكذلك غبار الدقيق للدقاق. قال ابن سحنون عن أبيه في البلغم يخرج من صدر الصائم أو دون رأسه فيصير إلى طرف لسانه ويمكنه طرحه فيبتلعه ساهيًا فعليه القضاء، وشك في الكفارة في عمده. وقال: أرأيت لو أخذها من الأرض متعمدًا ألا يكفر. وقال ابن حبيب: من تنخم، ثم ابتلع نخامته من بين لهواته أو من بعد وصولها إلى طرف لسانه فلا شيء عليه، وقد أساء؛ لأن النخامة ليست بطعام ولا شراب، ومخرجها من الرأس، ولو قلس ماءً أو طعامًا ثم رده بعد وصوله إلى طرف لسانه أو إلى موضع يمكنه طرحه منه فعليه القضاء والكفارة في عمده؛ لأنه طعام وشراب ومخرجه من الصدر ويقضي في سهوه. قال: وهو يقطع صلاته إن فعله فيها عمدًا كما يفسد صومه/، وإن رده من بين لهواته أو من موضع لا يمكنه طرحه منه فلا شيء فيه، وقاله ابن الماجشون.
فصل - 6 - [في حكم القيء] ومن المدونة قال مالك: ومن ذرعه القيء في رمضان فلا شيء عليه، وإن تقيأ فعليه القضاء. ابن وهب وفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، وروى غيره عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من استقاء عامدًا فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه)). ابن وهب وقاله ابن عمر وعروة بن الزبير. م وقال طاوس: لا قضاء عليه فيهما. ودليله قوله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث لا يفطرن الصائم)) فذكر القيء. وقال ربيعة: يقضي فيهما. ودليله أن النبي صلى الله عليه وسلم ((قاء فأفطر)). قال: ((ومن استقاء عامدًا فعليه القضاء)).
م ومحمل ما استدل به طاوس عندنا أنه في من ذرعه القيء. ومحمل ما استدل به ربيعة أنه استقاء، وحديثنا المفسر يقضي على أحاديثهم المجملة وبين معناها. والله أعلم. ومن المدونة قال أشهب: إن كان صومه تطوعًا فاستقاء فإنه يفطر، وعليه القضاء، وإن تمادى ولم يفطر فعليه القضاء، وإن كان صومه واجبًا فليتمه ويقضي، وإن ذرعه القيء فلا شيء عليه. ابن حبيب: ومن استقاء فقاء في التطوع فلا يقضي، قاله مالك بخلاف الفرض. قال: والقيء الغالب إذا عرف / صاحبه أنه رجع إلى حلقه منه شيء بعد وصوله إلى فيه فليقض في الواجب، ولا يقض في التطوع. قال أبو بكر الأبهري: قال ابن الماجشون: من استقاء متعمدًا عابثًا لغير مرض ولا عذر لزمه القضاء والكفارة. وقال أبو الفرج المالكي: لو سئل مالك عن مثل هذا لألزمه الكفارة. م إن علم هذا أنه رجع إلى حلقه شيء فليكفر، وإلا فليقض، وقد علل بعض أصحابنا فقال: إنما لزم المستقيء القضاء؛ لأنه لا يأمن / أن يكون جاز
إلى حلقه منه شيء في تردده وهو الذي استدعى ذلك، والذي ذرعه القيء يأمن أن يجوز منه إلى / حلقه شيء؛ لأنه يندفع اندفاعًا. م ولأنه لا صنع له فيه، فأشبه الاحتلام. قال ابن أبي زمنين: روى ابن وهب عن مالك في من ذرعه القيء وهو صائم فبقيت منه في صدره بقية نهم بها فعالج حتى طرحها فعليه القضاء. ذكره ابن عبدوس. وفي السليمانية: وسألته عن من شرب نبيذًا في ليل رمضان فأصبح ثملاً فغالبه القيء فتقيأ؟ قال: إن ذرعه القيء فتقيأ فلا شيء عليه إلا الحد لشرب المسكر. وإن استقاء فعليه القضاء مع الحد. [فصل - 7 - في حكم اغتسال الصائم وتمضمضه] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يغتسل الصائم ويتمضمض من حر يجده، وذلك يعينه على ما هو فيه. قال: فإن تمضمض لذلك أو لوضوء فسبقه الماء إلى حلقه فليقض في الفرض والواجب، ولا كفارة عليه، وإن كان في تطوع فلا يقضي. فصل - 8 - : [في حكم السواك للصائم] قال مالك: ولا بأس بالسواك أول النهار وآخره بعود يابس، وإن بله بالماء،
وقد استاك الرسول صلى الله عليه وسلم مرارًا وهو صائم. وقال: ((خير خصال الصائم السواك))، وكان يفعله ويداوم عليه. قال مالك: وأكره السواك بالعود الرطب؛ لأن له طعمًا وحرارة ينجلب بذلك البلغم. م ولا ينقطع ذلك منه بعد فراغه من سواكه فيتقى أن يبتلع ريقه وطعمه في فيه. ابن حبيب: ولو مج ما يجتمع في فيه فلا شيء عليه، وهو في النافلة أخف، ويكره للجاهل الذي لا يحسن إلقاءه، وإن وصل ذلك إلى حلقه فليقض في الواجب ولا يكفر، وقد كان عروة بن الزبير يستاك بالسواك الرطب وهو صائم.
[باب - 6 -] ما جاء في الصوم والفطر في السفر ومن أفطر لعذر ثم زال عذره
[باب - 6 -] ما جاء في الصوم والفطر في السفر ومن أفطر لعذر ثم زال عذره [فصل - 1 - في حكم الصوم في السفر] قال الله تعالى: {ومَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ} يعني بالقضاء فالفطر في السفر رخصة من الله تعالى، فمن شاء أخذ بها، ومن شاء أخذ بالعزيمة. قال مالك رحمه الله: ومن سافر سفرًا مباحًا يقصر في مثله الصلاة فإن شاء صام، وإن شاء أفطر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صام في السفر وأفطر. وقال ر جل للنبي صلى الله عليه وسلم: أجد لي قوة على الصيام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه)). وقال في غزوة حنين /: ((من كان له ظهر أو فضل فليصم)). وقال أنس بن مالك: كانوا يرون الصيام أفضل.
قال عبد الوهاب: والفرق بينه وبين الفطر أنه إذا صام فقد أتى بالعبادة في وقتها وبرئت ذمته منها، وإذا أفطر فهي متعلقة بذمته، وأداء العبادة في وقتها أفضل من تأخيرها، فلذلك استحب مالك الصوم في السفر. ومن المدونة قال مالك: الصوم في السفر لمن قوي عليه أحب إلي. وقاله أشهب. قال: وذلك أنه في حرمة الشهر، والمفطر فيه يكفر، ولا يكفر في قضائه، فحرمة قضائه دون حرمته، فكذلك أجره فيه يرجى أن يكون أكثر من قضائه، كما أن الخطيئة فيه أعظم، وقاله مالك، وكل واسع، وقال ابن حبيب: الصوم له أفضل، إلا في الجهاد، فإن الفطر فيه أفضل؛ ليتقوى على العدو، كما أن فطر / يوم عرفة للحاج أفضل. م وقول الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين: ((من كان له ظهر أو فضل فليصم)) يدل على خلاف ما استحب. ابن حبيب قال: وقد استحب كثير من السلف الفطر في السفر، وهو أشبه بتيسير الدين؛ لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ}.
وكان ابن عمر يفطر / في السفر على شدته، وهو آخر فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح. قال مالك في المختصر وغيره: إنما يفطر في سفر الإقصار، في ثمانية وأربعين ميلاً وما قاربها. قال: وإن قدم بلدًا فنوى أن يقيم بها اليوم واليومين فليفطر حتى ينوي إقامة أربعة أيام فيلزمه الصوم، كما يلزمه الإتمام. [فصل - 2 - في زمن الفطر لمن أراد السفر] ومن المدونة قال مالك: ومن أصبح في السفر صائما في رمضان ثم أفطر لعذر من عطش أو مرض فليقض فقط، وروى أشهب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر بالكديد من عطش أصاب الناس. قال مالك: وإن تعمد الفطر لغير عذر فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه كان في
سعة أن يفطر أو يصوم، فلما صام / لم يكن له أن يخرج منه إلا لعذر. وقال المخزومي وابن كنانة: لا يكفر. وقال أشهب: إن تأول له الفطر؛ لأن الله تعالى قد وضع عنه الصيام. وقال ابن القاسم في العتبية: إن مالكًا والليث قالا في من بيت الصوم في السفر ثم أفطر متأولا بأكل أو جماع: أن عليه الكفارة. ومن المدونة قال مالك وأشهب: وإن أفطر متأولا بعد دخوله الحضر فليكفر، ولا يعذر أحد في هذا. قال مالك: وإن أصبح في حضره صائمًا في رمضان وهو يريد سفرًا فلا يفطر ذلك اليوم قبل خروجه، ولا أحب له أن يفطر بعد خروجه، فإن أفطر بعد أن سافر لزمه القضاء بلا كفارة؛ لأنه كان من أهل الصوم، فخرج مسافرًا فصار من أهل الفطر، فمن ها هنا سقطت عنه الكفارة. وقال المخزومي وابن كنانة: عليه القضاء والكفارة؛ لأن الصوم وجب عليه في الحضر. قال مالك في المختصر: وإن أفطر قبل خروجه فعليه الكفارة. وقال ابن القاسم في العتبية: إذا أكل قبل
خروجه ثم خرج لسفره فلا كفارة عليه؛ لأنه متأول. وقاله ابن الماجشون في المجموعة، قال: وقد فعله أنس بن مالك. قال ابن الماجشون: إلا أن يكسل عن السفر في يومه فلا بد من الكفارة. وقال أشهب: لا يكفر خرج أو لم يخرج؛ لأنه غير منتهك. م وتحصيل اختلافهم أن المسألة على أربعة أوجه: أصبح صائمًا في السفر ثم أفطر، أو أصبح صائمًا في الحضر ثم سافر فأفطر، أو أفطر ثم سافر، أو أفطر ولم يسافر، ففي كل وجه قولان: قيل: يكفر، وقيل: لا يكفر. وروي عن مالك في مسافر أصبح في السفر صائمًا فجهده الصوم فمد يده إلى الطعام ليأكل ثم ذكر أنه لا ماء معه فترك، قال: أحب إلي أن يقضي. قال أبو محمد: وأعرف رواية أخرى أنه لا قضاء عليه، وهو جل قوله؛ لأن النية لا توجب شيئًا حتى يقارنها عمل، وكذلك في غير الصوم حتى يدخل في عمل أو قول بنية. [فصل - 3 - في المسافر يعلم أنه يدخل بيته نهارصا أيصوم أو يفطر؟] ومن المدونة قال مالك: ومن علم في رمضان أنه يدخل / بيته من سفره أول النهار فليصبح صائمًا، وفعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن عمر. قال
ابن عمر: من شاء صام ومن شاء أفطر. قال مالك: فإن أصبح ينوي الإفطار ثم دخل بيته قبل طلوع الشمس فنوى الصوم لم يجزئه، وعليه قضاؤه وله أن يأكل في بقية / يومه، ويطأ امرأته إن وجدها قد طهرت، أبو محمد: قال بعض أصحابنا: فإن كانت نصرانية وهي طاهرة في يومها فليس له وطؤها؛ لأنها متعدية فيما تركت من الإسلام والصوم. قال ابن القرطي: وكذلك إن وجدها قد طهرت من يومها فلا يطأها؛ لأنها متعدية فيما تركت من الإسلام والصوم. قال بعض فقهائنا: إنما يجوز وطؤها إذا كانت كما طهرت، كما لو كانت مسلمة، وأما إن كانت طاهرة قبل قدومه فلا يطأها؛ لأنها متعدية. [فصل - 4 - في من أفطر في رمضان لعذر ثم زال هل يلزمه الإمساك بقية النهار؟] قال ابن حبيب: ومن أفاق من إغماء أصابه نهارًا أو امرأة طهرت من حيض أو حاضت فلا / يؤمروا بالكف عن الأكل. قال: وأما إن أفطر من عطش أصابه فشرب فزال عطشه فلا يفطر بعد ذلك، فإن أفطر لم يكفر؛ لأنه كالمريض. وقال ابن سحنون عن أبيه: له أن يتمادى مفطرًا ويطأ ويأكل، وعاب قول من قال: لا يفعل. م وقول ابن حبيب هنا كقوله في المضطر لا يأكل من الميتة إلا ما يقيم به رمقه. وقول مالك: إنه يشبع منها ويتزود، فإن احتاج إليها، وإلا طرحها.
قال عبد الوهاب: من أفطر في رمضان لعذر ثم زال عذره في بقية يومه فذلك على ضربين: فإن كان عذرًا يبيح له الفطر مع العلم بأن اليوم من رمضان لم يلزمه أن يمسك بقية يومه، كالحائض والمريض والمسافر، وإن كان عذرًا إنما ساغ له الفطر لعدم العلم بأنه من رمضان ثم علم أو تسحر بعد الفجر ولم يعلم أو أكل سهوًا وشبه ذلك فإن زوال العذر يوجب الإمساك. قال مالك في المجموعة: ومن أفطر في رمضان لعذر ثم زال عذره في بقية يومه من عطش شديد أو مرض ثم تلذذ بإصابة أهله بعد ذلك فأخاف عليه الكفارة. قال عبد الملك: إن بدا بإصابة أهله كفر، وإن بدأ بأكل وشرب لم يكفر، وإن أصاب أهله بعد ذلك. [فصل - 5 - في من صام في سفر تطوعًا فأفطر هل عليه قضاء؟] ومن المدونة قال مالك: ومن أصبح في الحضر صائما متطوعًا ثم سافر / فأفطر أو صام في السفر متطوعًا ثم أفطر، فإن كان من عذر فلا قضاء عليه، وإلا فليقض. قال في المجموعة: ومن نذر صوم الاثنين والخميس فسافر فإن لم تكن له
نية فليصمها، فإن شق عليه فليفطر ويقض. في المختصر: ومن سافر في شهري ظهاره فأفطر فليبتد، بخلاف المريض. وقال في كتاب الظهار: إن سافر فيهما فمرض فأخاف أن يكون السفر هيج عليه مرضه، ولو أيقنت أن ذلك لغير حر أو برد أهاجه السفر لأجزأه أن يبني، ولكني أخاف، وبالله التوفيق.
[باب - 7 -] في صوم يوم الشك ويوم الفطر والأضحى وفطر المتطوع والتباس الشهور
[باب - 7 -] في صوم يوم الشك ويوم الفطر والأضحى وفطر المتطوع والتباس الشهور [فصل في حكم صيام يوم الشك] روى أشهب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا)). وروى ابن القاسم: عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له)). ونهى عليه السلام عن صيام يوم الشك. قال مالك: ولا ينبغي أن يصام اليوم الذي من آخر شعبان الذي يشك فيه أنه من رمضان، يريد احتياطًا، ويجوز تطوعًا. قال في الواضحة: ومن
صامه حوطة ثم علم أن ذلك لا يجوز فليفطر متى ما أفاق لذلك، وكذلك إن صام يوم واحد وثلاثين خوفًا أن يكون أول يوم من صيامه لم يكن من رمضان فليفطر إذ لا يجوز له صوم يوم الفطر. قال عبد الوهاب: وقال بعض أصحابنا /: ويكره أن يصام تطوعًا، فوجه قول مالك: "إنه يصام تطوعًا" لقوله عليه السلام: ((إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم فليصمه))؛ ولأنه يوم يحكم له بأنه من شعبان فيصح صومه، أصله إذا وافق / صوما كان يصومه. ووجه الكراهية: وهو قول محمد بن سلمة والشافعي: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم الشك فعم؛ ولأن عمار بن ياسر امتنع أن يصومه، وقال: من صام هذا اليوم فقد عصا أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. ووجه قوله أيضًا: إنه لا يصام احتياطًا. وأبو حنيفة يجيزه قوله عليه السلام: ((فإن غم عليكم فأكملوا
العدة))، ولم يقل: صومه / حوطة. ومن المدونة قال مالك: ومن صامه حوطه أو تطوعًا ثم ثبت أنه من رمضان فليقضه. قال مالك: ومن أصبح فيه ينوي الفطر ولا يعلم أن يومه ذلك من رمضان ثم علم أول النهار أو آخره قبل أن يأكل أو يشرب أو بعد ما أكل أو شرب فليكف عن الأكل بقية يومه ويقضيه، ثم إن أكل بعد علمه بذلك لزمه القضاء بلا كفارة، إلا أن يأكله منتهكًا لحرمته عالمًا بما على متعمد الفطر فيه فليكفر. [فصل - 2 - في من صام يوم العيد ثم أفطر: لعلمه النهي هل يقضيه؟ وفي قضاء التطوع] قال مالك: ومن أصبح يوم الفطر أو يوم الأضحى صائمًا ثم علم أنه لا يجوز صومهما؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأفطر، فلا قضاء عليه. قال ابن القاسمك وأما من صام يومًا غيرهما متطوعًا فأفطر فعليه القضاء في قول مالك، وروى ابن وهب أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهدي إليهما طعام فأفطرتا عليه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أقضيا يومًا مكانه)).
قال مالك: ولا ينبغي أن يفطر من صام متطوعًا، إلا لضرورة، وبلغني أن عبد الله بن عمر قال: من صام متطوعًا ثم أفطر من غير ضرورة فذلك الذي يلعب بصومه. قال في العتبية: وأن حسين بن رستم حضر صنيعًا عن رجل له شرف فأراده على الفطر وألح عليه وصيامه تطوع فأبى وقال: أكره أن أخلف الله ما وعدته. ابن حبيب: وإن حلف عليه رجل بالطلاق أو العتق فليحنثه، ولا يفطر، إلا أن يكون لذلك وجه، وإن عزم عليه أبواه فأحب إلي أن يطعيهما وإن لم يحلفا إذا كان رأفة منهما لإدامة صومه. ومن / المدونة قال ابن القاسم: ومن أصبح صائمًا ينوي به قضاء يوم عليه من رمضان، ثم ذكر أول النهار أنه قد كان قضاه، فلا يجوز له أن يفطر. أبو محمد: يريد فإن أفطره فعليه قضاؤه. قال: وقال أشهب: لا أحب
له أن يفطر، فإن أفطر فلا قضاء عليه، وهو كمن شك في الظهر فأخذ يصلي، ثم ذكر أنه قد صلى فلينصرف على شفع أحب إلي، فإن قطع فلا شيء عليه. م ولمالك نحوه، وهو أصوب؛ لأن هذا اليوم إنما التزمه ظنًا منه أنه عليه، فإن أفطره لم يقضه، كما قال في الصلاة، وفي العتبية: لو ذكر العصر فلما صلى منها ركعة ذكر أنه صلاها، قال: يشفعها بأخرى، وليس كمن قصد النفل بعد العصر، ومثله. ذكر ابن حبيب عن مالك قال: وإن ذكر قبل أن يركع قطع، ولو كانت غير العصر لتنفل على إحرامه ركعتين. ومن المجموعة: ابن نافع عن مالك في المفطر متعمدًا في التطوع: فليس لكفه عن الطعام بعد ذلك وجه، وقد أساء ويقضي. قال ابن وهب عن مالك في الرجل تأمره أمه بالفطر: فإن كان ممن يسرد الصوم أو يكثر فليطعها، وقد فعل ذلك رجال من أهل العلم بأمهاتهم.
فصل / - 3 - [في التباس شهر رمضان بغيره] ومن المدونة وإذا التبست الشهور على أسير أو تاجر أو غيره في أرض العدو فصام شهرًا ينوي به رمضان، فإن كان قبله لم يجزئه، وإن كان بعده أجزأه. أبو محمد: وإن لم يدر أصام قبله أو بعده فذلك يجزئه حتى ينكشف له أنه صام قبله، وقاله أشهب وعبد الملك وسحنون. وقال ابن القاسم: يعيد؛ إذ لا يزول فرض بغير يقين. وقول أشهب: أبين؛ لأنه قد صار فرضه. الاجتهاد، وهو قد اجتهد وصام فهو على الحق حتى ينكشف خلافه، أصله من اجتهد في يوم غيم وصلى فلم يدر أصلى قيل الوقت أو بعده. قال: ولو صام ثلاثة أعوام شعبان فليعد الشهر الأول ثم كل شعبان بعده قضاء عما قبله. أبو محمد يريد بقوله: يعيد الشهر الأول، أي يلغي شعبان الأول، ويكون الثاني قضاء عن رمضان الأول، وشعبان الثالث قضاء عن رمضان الثاني، ويبقى عليه رمضان الثالث فيقضيه. وقيل: يقضي جميع الشهور لاختلاف نيته في ذلك؛ لأن شعبان الثاني لم ينوه لرمضان الأول، وشعبان الثالث لم ينوه لرمضان الثاني. قال ابن أبي / زمنين: وهذا
القول هو الصواب عند أهل النظر، ولو صام شوالاً سنين قضى يومًا واحدًا من كل شهر، وهو يوم الفطر. قال ابن عبد الحكم: ولو كان شوال هو الذي صامه ثلاثين يومًا ورمضان تسعة وعشرين فلا قضاء / عليه؛ إذ ليس عليه إلا عدة ما أفطر. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو صام شهرًا تطوعًا أو لنذره فإذا هو رمضان ولم يعلم لم يجزئه عن رمضان ولا لنذره، وعليه قضاؤهما. قال في العتبية: ولو صام شهرًا لنذر عليه فإذا هو رمضان ولم يعلم به لم يجزئه لرمضان ولا لنذره. م لأنه لم ينو به رمضان، ولا يصح فيه صوم غيره.
[باب - 8 -] في صيام الجنب والحائض والمغمى عليه والمجنون والصبيان
[باب - 8 -] في صيام الجنب والحائض والمغمى عليه والمجنون والصبيان [فصل - 1 - في حكم صيام من أصبح جنبًا. وأدلة ذلك] روى ابن وهب عن عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم واقع أهله ليلاً ثم نام فلم يغتسل حتى أصبح فاغتسل وصلى، ثم صام يومه ذلك. وروى مالك في الموطأ عن عائشة رضي الله عنها وأم سلمة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم أنهما قالتا: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصبح جنبًا من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم. وكان أبو هريرة يقول: من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم، فأخبر بقول عائشة وأم سلمة هذا، فقال: لا علم لي، إنما أخبرنيه مخبر. قال مالك: قالت عائشة: وأن رجلا قال: يا رسول الله إني أصبح جنبًا وأنا أريد الصوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وأنا أصبح جنبًا وأنا أريد الصوم فأغتسل وأصوم ذلك اليوم))، فقال الرجل: يا رسول الله إنك لست مثلنا قد غفر الله
لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي)). ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ولا بأس أن يصبح الرجل جنبًا في رمضان. م يريد بالإصباح طلوع الفجر. قال أشهب: ولم يختلف العلماء في صيام الجنب أنه يجزئه، وهو كمن صام على غير وضوء. قال: ولو أقام جنبًا بقية نهاره لم يفسد / صومه ولا قضاء عليه. قال عبد الوهاب: ومن احتلم في نهار رمضان لم يفسد ذلك صومه، ولا قضاء عليه؛ لما روي ((ثلاث لا يفطرن الصائم)) فذكر الاحتلام، وللإجماع على أن المراعاة في ذلك سبب يكون من المفطر، والاحتلام ليس من سببه. وأما الحيض والنفاس فلا / خلاف أنه يفسد الصوم، ويجب قضاؤه. وقد قالت عائشة رضي الله عنها: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
والفرق بينهما لحوق المشقة في قضاء الصلاة لتكررها والصوم لا يتكرر. [فصل - 2 - في أحكام الحائض في رمضان] ومن المدونة قال مالك: وإن حاضت امرأة أو طهرت في رمضان أول النهار أو آخره فلتفطر بقية يومها، وكذلك إن رأت الطهر بعد الفجر. وأنكر في المجموعة ما قيل عن الأوزاعي: إن لم تكن أكلت فلتتم صيام ذلك اليوم، قال: ولقد احتمل عظيمًا من أفتى بهذا قال: وإن كان لرجلاً صالحًا، ولكنكم كلفتموه فتكلف. ومن المدونة قال: وأما إن رأته قبل الفجر اغتسلت بعد الفجر وأجزأها صومها. وقاله ابن القاسم وأشهب وعبد الملك في المجموعة. قال عبد الوهاب: وقال عبد الملك بن الماجشون، ومحمد بن سلمة: لا يجزئها. ودليلنا: أنها محدثة زال حدثها قبل الفجر ولم يبق عليها إلا التطهير، كالجنب. ومن المدونة قال مالك: وإن استيقظت بعد الفجر فشكت أطهرت قبل الفجر أو بعده؟ فلتصم يومها ذلك، وتقضيه إذ لا يزول فرض بغير يقين، فأمرها بالقضاء خوفًا أن يكون طهرها بعد الفجر، وأمرها بالصوم خوفًا أن
يكون طهرها قبل الفجر. قال عبد الملك في المجموعة: وإن طهرت قبل الفجر فأخذت في الطهر حين رأته بغير توان فلم تتم إلا بعد الفجر فهي فيه كالحائض. م والظاهر من المذهب ألا يراعى فراغها من الغسل في الصوم، بخلاف الصلاة، والفرق بينها أن الصلاة لا تصح إلا بغسل فلذلك قدر لها الوقت بعد فراغها منه مجتهدة، والصوم يصح بغير غسل فلا / يحتاج إلى تقدير الفراغ منه، بل بارتفاع الحيض يصير حكمها حكم الجنب. والله أعلم. قال ابن حبيب: وإذا رأت المرأة في ثوبها دم حيض في رمضان لا تدري متى أصابها وصلت كذلك أيامًا فلتطهر وتقضي يومًا واحدًا من الصوم، وتعيد الصلاة من أحدث لبسة لبسته، هذا إن كانت تنزعه، وإن كانت لا تنزعه فتعيد الصلاة من أول ما لبسته. قال مالك في المختصر: وإذا رأت الحامل الدم فلتفطر ما لم يطل بها الدم، ولا تفطر إذا رأت الماء الأبيض.
فصل - 3 - [في أحكام المغمى عليه في رمضان] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أغمى عليه ليلا في رمضان وقد نوى صوم ذلك اليوم فلم يفق إلا عند المساء أو بعد ما أضحى لم يجزئه صوم ذلك اليوم ويقضيه. م إنما قال ذلك؛ لأن الإغماء معنى ينافي التكليف فخرج من وجد به أن يكون من أهل النية، فإذا أفاق وجب عليه قضاء ما أغمي عليه فيه، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: أن لا قضاء عليه. دليلنا أن الإغماء مرض منعه الصوم، فوجب عليه قضاؤه؛ لقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، ولأنه مسلم عرض له ما منع انعقاد / صومه فلزمه قضاؤه عند زواله، كالحيض. قال ابن القاسم: وبلغني عن بعض من مضى من أهل العلم أنه قال: من أغمي عليه قبل الفجر فلم يفق إلا بعده لم يجزئه صومه، وهو بخلاف النائم؛ لأنه لو نام قبل الفجر فانتبه عند الغروب أجزأه صومه، ولو كان ذلك إغماء لمرض به لم يجزئه صومه.
م والفرق بينهما أن النوم أمر لازم لنا، فلو لم يجز الصوم إلا من كان منتبهًا قبل الفجر إلى ما بعده لأدى ذلك إلى الحرج، والله تعالى رفعه عنا، والإغماء غير ملازم، وإنما هو أمر طارئ فافترقا؛ ولأن المغمى عليه غير مكلف فلم تصح له نية، والنائم مكلف؛ لأنه لو نبه لانتبه. قال ابن/ القاسم: وإذا أفاق المغمى عليه بعد أيام لم يجزئه صوم يوم إفاقته؛ لأنه لم يبيت الصوم. قال مالك: وإن أغمي عليه بعد أن/ أصبح ونيته الصوم فأفاق نصف النهار أو أغمي عليه وقد مضى أكثر النهار أجزأه صوم ذلك اليوم. قال: وإن أغمي عليه قبل طلوع الشمس فأفاق عند الغروب لم يجزئه صومه؛ لأنه أغمي عليه قبل طلوع الشمس أكثر النهار. وقال أشهب:
هذا استحسان، ولو اجتزأ به ما عنف. وقال ابن نافع في غير المدونة: يجزئه صومه. قال ابن حبيب: وقاله مطرف وابن الماجشون. م وهو أصوب. قال ابن الماجشون: والإغماء الذي يفسد به الصوم من يغمى عليه قبل الفجر ويفيق بعده، إنما ذلك إذا تقدمه مرض أو كان بإثره متصلاً، وأما ما قل من الإغماء ولم يكن لمرض فهو كسكر أو نوم، فلو طلع عليه الفجر وهو كذلك ثم تجلى عنه أنه يجزئه صومه. وقال ابن سحنون عن أبيه: لا ينظر في ذلك إلى المرض، وكذلك قال ابن القاسم وأشهب. م وهو أصوب؛ لأنه خرج من حد التكليف. وقال محمد بن عبد الحكم: القليل من الإغماء والكثير سواء، وعليه القضاء وإن كان بعد العصر. م إنما يفسد صومه عدم النية فإذا صحت نيته لم يفسد صومه ولو
أغمي عليه نهاره كله، كمريض في نهار رمضان لم يأكل ولم يشرب فإنه يجزئه صومه. ووجه قول ابن عبد الحكم: أن الإغماء معنى يمنع إنعقاد الصوم فيه، فوجب أن لا يفترق قليله من كثيرة أصله الحيض. فصل -4 - [في أحكام المجنون في الصوم] ومن المدونة قال مالك: ومن بلغ وهو مجنون مطبق فمكث سنين ثم أفاق فليقض صوم تلك السنين، ولا يقض الصلاة، كالحائض، ولم يختلف فيها. م وأيضًا فإن الله تعالى إنما خاطب بالصلاة ذوي العقول، فقال تعالي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} والإيمان هو الإخلاص، فلما كان المجنون لا يفهم الإخلاص فكأنه غير مخاطب بالصلاة، وأما الصيام فوجب عليه قضاؤه؛ لأنه كالمريض. وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، وكذلك/ القول في المغمى عليه، وهما بخلاف النائم؛ لأن النائم يستطاع إنباهه في وقت الصلاة فتوجه عليه الخطاب، ولا يستطاع إزالة الجنون والإغماء فانتفى عنهما التكليف في تلك الحال. وقال ابن حبيب: قال المدنيون من أصحاب مالك: إنما يقضي الصوم في مثل خمس سنين ونحوها، فأما عشر أو خمس عشر فلا قضاء عليه، وذكره عن مالك.
وقاله أصبغ. م ورواية ابن القاسم أعدل. ورواية ابن حبيب استحسان. فصل -5 - [في وقت وجوب الصوم على الصغير] ومن المدونة قال مالك: ولا يؤمر الصبيان بالصيام حتى تحيض الجارية ويحتلم الغلام، بخلاف الصلاة. م وفي رواية ابن وهب: يجب عليهم إذا بلغوا، وهو معنى رواية ابن القاسم. وقال أشهب: لا يجب عليهم إلا بالبلوغ، ويستحب لهم بالطاقة عليه. م والفرق بين الصيام والصلاة أن الصيام لا كبير تعليم فيه، إنما هو الإمساك واجتناب النساء، والصلاة تحتاج إلى علوم فأمروا بها قبل البلوغ حتى لا يأتي الاحتلام إلا وهو قد تعلم فرائضها وسننها وجميع أوقاتها، هذا من طريق المعنى، وأما من طريق السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رفع القلم عن ثلاثة)) فذكر الصبي حتى يحتلم، فكان الأصل أن لا يؤمر بشيء حتى يتوجه عليه الفرض، فخرج الأمر بالصلاة من ذلك بالسنة، وهو قوله عليه السلام: ((مروا الصبيان بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)).
وبقي ما سواه على أصله/. قال ابن حبيب: وكان عروة بن الزبير يأمر/ بنيه بالصلاة إذا عقلوا، وبالصيام إذا أطاقوا. قال ابن الماجشون: يلزمهم إذا أطاقوه، ويؤمروا بقضاء ما أفطروا بعد الطاقة، إلا ما كان من غلبة أو عجزت عنه طاقتهم. م ووجه هذا: أن الصوم فرض على الأعيان فوجب على الصبيان إذا أطاقوه أصله الصلاة. قال ابن حبيب: وإذا بلغ الغلام والجارية جبرا على الصوم/ أطاقاه أو لم يطيقاه، وإن تأخر الاحتلام والحيض فإذا بلغا خمس عشرة سنة من المولد، فإن جهل المولد فإذا انبتا، فإن لم ينبتا حملا على التقدير والتحري، إلا أن يطيقا دون ذلك. قال أبو محمد: المعروف من قول مالك وأكثر أصحابه: أنه إذا فقد الحيض والاحتلام والإنبات رفعا إلى سن لا يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك سبعة عشرة سنة إلي ثماني عشرة سنة أكثره، وما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز ابن عمر يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فليس فيه حجة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يسأله
ولا غيره عن مولده، وإنما نظر فمن أطاق القتال بمرأى العين أجازه. والذي جاء في الحديث ((انظروا إلى مؤتزره فمن جرت عليه المواسي فاضربوا عنقه))، هو أولى، والبلوغ أقصى ذلك، إلا أن ما يكون عليه من حد وقتل فيتهم أن لا يقر بالاحتلام فيعمل فيه بالإنبات، وما كان من شيء بينه وبين الله سبحانه وتعالى قيل له: إن بلغت لزمك هكذا. قال يحيى بن عمر: وهو قول حسن، وقال بعض أصحابنا: إذا احتلمت المرأة ولم تحض فهو بلوغ أيضًا. ومن المجموعة: قال أشهب: ومن أسلم قبل الفجر فليصم ذلك اليوم، وإن أسلم بعد الفجر فله أن يأكل ذلك اليوم ويشرب.
[باب -9 -] في من أفطر ناسيا أو متأولا أو مكرها
[باب -9 -] في من أفطر ناسيًا أو متأولاً أو مكرهًا [فص -1 - في حكم من أفطر في رمضان ناسيًا] قال الله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}، وقال الرسول عليه السلام: ((حمل عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))، يريد في فرع المأثم. قال مالك: فمن أكل أو شرب أو جامع في رمضان ناسيًا فعليه القضاء فقط. م لأن الكفارة إنما وضعت لرفع المأثم، وهذا لا إثم عليه؛ لأنه لم يتعمد ذلك فسقطت عنه الكفارة. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا قضاء على الآكل ناسيًا، وقد تقدمت الحجة في ذلك في باب السحور. ووافقونا في الواطئ أن عليه القضاء. وقال ابن الماجشون، وأحمد بن حنبل: عليه/ القضاء والكفارة. ودليله قوله صلى الله عليه وسلم للذي قال له: ((وطئت في رمضان أعتق رقبة))، ولم يقل إني وطئت عمدًا؛ ولأنه مكلف جامع في رمضان فوجبت عليه الكفارة أصله العامد؛ ولأنه لو جامع في رمضان عامدًا لزمته الكفارة، فكذلك لو وطئ ناسيًا.
دليله: الحج. ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان))؛ ولأن المتعمد تجب عليه الكفارة، كالآكل عامدًا، فوجب أن لا يكون على الناسي كفارة، كالآكل ساهيًا، فإذا ثبت ذلك؛ لما رووه من الحديث، فمحمول أنه وطئ عمدًا، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم منه ذلك. وأما اجتجاجهم بالحج فالحج سهوه وعمده سواء، والصوم بخلافه، دليله الأكل فيه أن عمده مخالف لسهوه. قال/ ابن الماجشون: وأما من طلع عليه الفجر وهو يطأ، ولم يعلم، ثم تبين له أنه وطئ بعد طلوع الفجر فلا كفارة عليه، بخلاف العامد؛ لأنه كان على أصل حتى يتبين له الفجر، وكذلك من ظن أن الشمس قد غربت فوطئ ثم ظهرت؛ لأنه مأمور بتعجيل الفطر. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن ظن الذي وطئ أو أكل ناسيًا أن ذلك يفسد صومه فتعمد الأكل ثانية فعليه القضاء بلا كفارة. وقد قال مالك في امرأة رأت الطهر ولم تغتسل/ حتى أصبحت فظنت أن لا صوم لمن لم
يغتسل قبل الفجر فأكلت، وفي مسافر قدم إلى أهله ليلاً فظن أن أن لم يدخل نهارًا قبل المساء أن صومه لا يجزئه، وله أن يفطر فأفطر، وفي عبد بعثه سيده يرعى له غنمًا على مسيرة ميلين أو ثلاثة أميال فظن أن ذلك سفر فأفطر فليس على هؤلاء إلا القضاء بلا كفارة. م لأن الكفارة إنما هي على منتهك حرمة الشهر، وهؤلاء غير منتهكين له. وقال ابن الماجشون والمغيرة في المجموعة: إن من أفطر ساهيًا، ثم أكل بعد ذلك أو وطئ متأولا فليكفر. وقال عنه ابن حبيب: أما إذا وطئ متأولا فلابد من الكفارة، وإن أكل ثانية متأولا لم يكفر. م فوجه ما في المجموعة: أن فطره ناسيًا لا يبطل صومه؛ لأن صومه منعقد والنسيان محمول عنه فتأويل الفساد فيه تأويل بعيد، ووجه التفرقة بين الأكل والجماع، فلأن عبد الملك لا يعذره/ في الجماع ناسيًا، فجماعه متأولا أحرى. م والقياس أن يعذر في الوجهين؛ لأنه غير منتهك، وقد عذره ابن القاسم في أبعد من هذا. قال في من احتجم فتأول أنه قد أفطر فأفطر: إنه
يعذر، وعذر أشهب الذي رأى هلال رمضان وحده ثم أفطر، وتأويل هذين أبعد من تأويل من أكل ناسيًا ثم أكل أو جامع متأولا. [فصل -2 - في حكم من أفطر في رمضان متأولا] ومن المدونة قال ابن القاسم: وما رأيت مالكًا يجعل الكفارة في شيء من هذا الوجه على التأويل إلا في امرأة قالت: اليوم حيضتي، وكان ذلك يوم حيضتها فأفطرت أول النهار ثم حاضت في آخره، والذي يأكل في رمضان أول النهار متعمدًا ثم يمرض في آخره مرضًا لا يقدر على الصوم معه، فقال: عليهما القضاء والكفارة. وقاله المخزومي. وقال ابن عبد الحكم: يعذر صاحب حمى الربع والحائض تقول اليوم حيضتي فتحيض بالتأويل. م وهو أقيس، ووجه الأول أنهما تأولا أمرًا لم ينزل بعد بهما، وهو قد يكون أولا يكون، فأصلهم في مثل هذا أن لا حكم له. قال ابن حبيب: كل متأول في الفطر فلا يكفر إلا في التأويل البعيد، مثل: أن يقول اليوم تأتيني الحمى أو تقول المرأة اليوم أحيض أو يحتجم أو يغتاب فيتأول أن له الفطر بذلك، فلا يعذر بهذا. وقال ابن القاسم في العتبية في من
احتجم فتأول أن له الفطر فأكل فليس عليه إلا القضاء. قال أصبغ: هذا تأويل بعيد. فصل -3 - [في حكم الصائم يكره على الفطر بأكل أو شرب أو جماع] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أكره أو كان نائما فصب في حلقه ماء في رمضان فعليه القضاء بلا كفارة، وكذلك لو فعل به ذلك في نذر متتابع أو غير متتابع أو في صيام ظهار أو صيام كفارة القتل فعليه القضاء، ويصله بما كان من الصوم متتابعًا، وإن كان صومه تطوعًا فلا قضاء عليه عند مالك، ولو جومعت نائمة في نهار رمضان فعليها القضاء فقط؛ لأنه كالإكراه. قال ابن حبيب: ويكفان عن الأكل بقية يومهما، والكفارة عنهما على من فعل ذلك/ بهما.
[باب -10 -] في صيام الحامل والمرضع والكبير والمريض وذات الزوج
[باب -10 -] في صيام الحامل والمرضع والكبير والمريض وذات الزوج [فصل -1 - في خلاف العلماء في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} هل هي منسوخة أو للشيخ والشيخة] قال الله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال مالك: كان أول الأمر أن من أراد أن يفطر ويطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًا فعل، ثم نسخ ذلك بقوله عز وجل: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، وقيل: إنها لم تنسخ. وقال عكرمة: نزلت في الحبلى والمرضع والشيخ والشيخة. وكان ابن عباس يقرؤها ((وعلى الذين يطيقونه ولا يطيقونه)) ويقول: إنها في الشيخ والشيخة. قال ابن بكير: وهذا محال أن يطوق من لا يطيق؛ والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها. وقد قال تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} الآية. فكيف يقال: هذا لمن لا يطيق الصوم. فأما الحامل فلها حكم/ المريض، ولما أشكل أمر المرضع أن تكون داخلة في قوله
تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}. وأنها لم تنسخ عنها أو تكون داخلة في معنى المسافر والمريض؛ للضرورة التي تخشى على ولدها. جعل مالك عليها الأمرين القضاء والإطعام احتياطًا. وبالله التوفيق. ابن حبيب: وروي عن ابن عمر وابن عباس وكثير من التابعين: أنهم قالوا في الحامل والمرضع والمستعطش يفطرون ويطعمون يريد مدًا لكل يوم مسكين. وقال القاسم وسالم: لا إطعام عليهم واجب. وكان أنس بن مالك: إذ كبر يفطر ويطعم مدًا لكل يوم. قال ابن وهب عن مالك: لا إطعام على المستعطش. قال أبو محمد: ومعنى المستعطش الذي لا يقدر أن يقضي إلا ناله العطش الشديد، وأما إن قدر أن يقضي فذلك عليه. [فصل -2 - في أحكام الحامل في رمضان] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: الحامل كالمريضة إن خافت إذا صامت أن تسقط فلتفطر فإذا صحت وقويت قضت ما أفطرت ولا إطعام
عليها؛ لأنها مريضة. قلت: فلو كانت الحامل صحيحة فخافت إن صامت أن تطرح ولدها، قال: إذا خافت أن تسقط أفطرت؛ لأنها لو أسقطت كانت مريضة. ابن وهب: وقد كان مالك يقول في الحامل تفطر وتطعم، ويذكر أن ابن عمر قاله. قال أشهب: وهو أحب إلي من غير إيجاب؛ لأنه فرض. وأما الصحيحة تخاف إن صامت أن تسقط ولدها فيستحب/ لها أن تطعم؛ لأنها في الحال صحيحة، وإنما يتوقع أمرًا يكون أو لا يكون، وهذا لا حكم له، فأما من أثقلت وصارت في حد المرض فهي كالمريضة، والمريضة لا إطعام عليها. قال ابن حبيب: إن خافت على نفسها فلتفطر ولا تطعم، وإن خافت على ولدها أطعمت مدًا لكل يوم، وإن أمنت في الوجهين فلا تفطر. وقال في المرضع: إذا أفطرت وأمكنها القضاء ففرطت حتى دخل
رمضان آخر فلتطعم عن كل يوم مدين مدًا للرضاع ومدًا للتفريط. [فصل -3 - في أحكام المرضع والكبير في رمضان] قال مالك: وأما المرضع إذا خافت على ولدها فإن قبل غيرها وقدرت أن تستأجر له أوله مال فلتستأجر وتصم، فإن لم يقبل غيرها أفطرت وقضت، وتطعم لكل يوم أفطرته مدًا لكل مسكين؛ لأنها صحيحة، والحامل مريضة. قال ابن حبيب: فإن فرطت حتى دخل عليها رمضان آخر فتطعم عن كل يوم مدين مدًا للرضاع ومدًا للتفريط. ومن المدونة روى ابن وهب: أن القاسم وسالماً قالا: من أدركه الكبر فضعف عن صوم رمضان فلا فدية عليه. فصل -4 - [في أحكام المريض في رمضان] ومن المجموعة قال أشهب في مريض لو تكلف الصوم لقدر عليه أو الصلاة قائمًا لقدر إلا أنه بمشقة وتعب: فليفطر، ويصلي/ جالسًا، ودين الله يسر.
قال مالك: رأيت ربيعة أفطر في رمضان لمرض به لو كان غيره لقلت: يقوى على الصوم، وإنما ذلك بقدر طاقة الناس. قال أبو محمد: من قول أصحابنا: أن المريض إذا خاف إن صام يومًا أحدث عليه زيادة في علته أو ضررًا في بصره أو غيره من أعضائه فله أن يفطر. وفي المجموعة: قال ابن وهب: سئل مالك عمن أصابه عطش شديد أيفطر؟ قال: الله أعلم بخلقه، وما أذن لهم فيه، ثم قال: قالت عائشة: لو نهى الناس عن حاجم لقال قائل: لو ذاقه. [فصل -5 - إذا علمت المرأة أن زوجها يحتاج إليها فلا تصوم تطوعًا إلا بإذنه] ومن المدونة قال مالك: وإذا علمت المرأة أن زوجها يحتاج إليها فلا تصوم تطوعًا إلا بإذنه، وإن كان لا حاجة له فيها فلا بأس أن تصوم بغير إذنه. ابن حبيب: وكذلك إن كان مسنًا لا ينشط فلا إذن له عليها. قال: وأم الولد والسرية كالزوجة. ومن السليمانية قلت: فإن استأذنته/ في الصوم، فقال لها: لا تصومي فإني احتاج إليك، فأصبحت صائمة، قال: له أن لا يقبل منها
ويجامعها إن أراد، وكذلك لو دعاها إلى فراشه فقامت فأحرمت/ بالصلاة تريد أن تمنعه من ذلك فله أن لا يتركها، ويقطع عليها صلاتها ويضمها إلى نفسه.
[باب -11 -] في قضاء رمضان في العشر أو غيره. ومن فرط في قضائه أو مات وعليه صيامه فأوصى أن يطعم عنه وشيء من التبدأة في الوصايا
[باب -11 -] في قضاء رمضان في العشر أو غيره. ومن فرط في قضائه أو مات وعليه صيامه فأوصى أن يطعم عنه وشيء من التبدأة في الوصايا [فصل -1 - في قضاء رمضان في عشر ذي الحجة أو في أيام التشريق] واستحب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقضي رمضان في عشر ذي الحجة، وقاله القاسم وسالم، وقالا: [نعم] ويقضيه يوم عاشوراء. م وإنما استحبوا ذلك لفضلها، فإذا لم يمكنه التطوع قضى فيها الواجب. قال مالك: ولا بأس أن يقضي رمضان في عشر ذي الحجة، ولا يقضي في أيام التشريق كلها. ولا يصام يوم الفطر ولا يوم النحر، وأما اليومان اللذان بعد يوم النحر فلا يصومها إلا المتمتع الذي لا يجد الهدي، ولا يصومهما من نذر ذا الحجة أو كان عليه صوم واجب، وأما اليوم الرابع فليصمه من نذره أو نذر ذا الحجة، ولا يصومه متطوعًا، ولا يقضي فيه رمضان، ولا يبتدئ فيه صيام واجب متتابع من ظهار أو قتل نفس أو غيره، إلا أن يكون قد صام قبل ذلك ثم مرض ثم صح في أيام النحر فلا يصمها، وليصم هذا اليوم الرابع يصله بصومه. وقال أشهب في غير المدونة: لا يصوم هذا اليوم الرابع أحد وإن نذره؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام أيام منى فلا يصومها إلا المتمتع الذي لا يجد الهدي؛ يريد لقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ
إِذَا رَجَعْتُمْ}. وأما يوم النحر فلا يصومه أحد. [فصل -2 - في حكم من ظاهر مرتين فصام شهرين ثم ذكر أنه نسي يومين لا تدري من أيهما] قال ابن سحنون عن ابن القاسم في من صام لظهارين فوصل أربعة أشهر ثم ذكر يومين لا يدري من أي ظهار: فليصم يومين ويأت بشهرين، وفي كتاب ابن عبدوس وابن سحنون: قال عبد الملك: أقل ما يجزئه يوم يصله بالشهرين الآخرين، ثم يأتي بشهرين؛ لأن أكثر ما عليه أن يكون عليه يوم من آخر الكفارة الأولى ويوم من أول الثانية، ولو أفطر ثلاثة أيام متتابعة فليصل الآخرة بيومين، ثم يبتدئ كفارة، ولو وصل ثلاث كفارات، ثم ذكر يومين متصلين فليأت بيوم وكفارتين. قال أبو محمد: على أصل ابن القاسم يأتي بيومين يصلهما بآخر كفارة، ويقضي كفارتين، وكذلك لو كانت كفارتين صام يومين في أحدهما، ثم كفارة واحدة، وقوله أولى؛ لأنه لا ينبغي أن يزول عن كفارة حتى يصلحها على أبعد الاجتماع فيها، كذاكر سجدة من ركعة لا يدري من أي ركعة هي أنه/ يصلحها بأعلى إمكانه ذلك فيها، فإن كان لابد له من أن يأتي بركعة واحدة. وقول أشهب: أن لا يجزئه بسجدة في رواية البرقي عنه. فصل -3 - [في أحكام التفريط في قضاء رمضان حتى يحل رمضان آخر] وكفارة من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه/ رمضان آخر مد لكل
مسكين عن كل يوم، وكذلك إن مات فأوصى به. قال سحنون في كتاب ابنه في من تعمد الفطر في رمضان ففرط في القضاء أيضًا إلى رمضان آخر فإنه يقضي، ويكفر أيضًا المتعمد، ويكفر للتفريط بمد لكل يوم. قال أبو محمد: ومن فرط في قضاء رمضان، ثم جاء رمضان ثان وثالث، وصامهما، ولم يقض الأول، فإنه يقضي الأول، ولا يلزمه في تفريطه إلا كفارة واحدة مد لكل مسكين في كل يوم. وقد روى أشهب في كتبه أن رجلا سأل ابن عمر فقال له: إني أفطرت في رمضان في سفر فلم أقضه حتى دخل علي رمضان آخر فأفطرته في سفر أيضًا، ثم لم أقضهما حتى دخل، رمضان ثالث، فأفطرته يريد بمرض أو سفر فأمره أن يقضي الثلاثة أشهر، ويتصدق عن كل يوم بمد للشهرين. [فصل -4 - في من أفطر في رمضان لعذر فتمادى به إلى رمضان آخر هل عليه إطعام مع القضاء؟] ومن المدونة قال مالك: ومن أفطر في رمضان لمرض أو سفر، ثم تمادى
به المرض أو السفر إلى رمضان آخر فليصم هذا الدخل، ثم يقضي الأول، ولا إطعام عليه؛ لأنه لم يفرط، يريد وكذلك لو صح أو قدم بعد خروج رمضان فتمادت به الصحة والإقامة حتى دخل شعبان فمرضه كله أو سافر فيه فلا إطعام عليه؛ لأن/ له أن يؤخر القضاء إلى شعبان، وهذا كمن أخر الظهر والعصر إلى قدر خمس ركعات من النهار ثم أغمي عليه أو حاضت امرأة فإنه لا قضاء عليهما لذلك كله؛ إذ الوقت قائم بعد، فكذلك هذا. قال مالك: وإن صح أو قدم قبل دخول رمضان الثاني بأيام أقل من شهر أو شهرين فلم يصمها حتى دخل عليه رمضان المقبل فعليه عدد هذه الأيام التي فرط فيها أمداد يفرقها إذا أخذ في القضاء في أوله أو آخره، وإن لم يفرقها حتى فرغ من القضاء فليفرقها بعد ذلك، ولا يسقط عنه الإطعام على كل حال وقاله سعيد بن جبير والقاسم بن محمد. قال ابن حبيب: والمستحب في تفرقة هذا الطعام كلما صام/ يومًا أطعم
مسكينًا، ومن قدم الإطعام أو أخره أو جمعه أو فرقه أجزأه. وقال أشهب في المجموعة: ومن عجل كفارة التفريط قبل دخول رمضان الثاني، ثم لم يصم حتى دخل الثاني لم يجزئه ما كفر قبل وجوبه، فإن كان عليه عشرون يومًا فلما بقي لرمضان الثاني عشرة أيام كفر عن عشرين يومًا لم يجزئه منها إلا عشرة أيام، وكذلك لا يجزئ المتمتع أن يصوم عن التمتع قبل أن يهل بالحج. [فصل -5 - في أحكام التبدأة في الوصايا] ومن المدونة قال مالك: ولا يجزئه أن يطعم أمدادًا كثيرة لمسكين واحد، ولكن مدًا لكل مسكين، فإن لم يخرج ذلك حتى مات وأوصى أن يطعم عنه فذلك في ثلثه يُبدأ على الوصايا، والزكاة تُبدأ على هذا الإطعام إذا أوصى بها وعلى المعتق وغيره إلا المدبر في الصحة وحده، فإنه يبدأ على الزكاة، ولا تفسخ الزكاة التدبير. قلت: فالعتق في الظهار، وقتل النفس إن أوصى بها مع هذا الإطعام
بأيهما يُبدأ؟ قال: العتق في القتل والظهار يبدأن على كفارة الأيمان. م يريد وكفارة الأيمان تبدأ على الإطعام في قضاء رمضان، فإن أوصى بهذا الإطعام وبطعام نذره للمساكين بُدئ بالطعام لقضاء/ رمضان؛ لأنه أكد. قال مالك: وإن مات ولم يوص بإخراج الإطعام لقضاء رمضان لم يلزم ورئته إلا أن يشاءوا كالزكاة وغيرها تجب عليه فلا يوصي بها فلا يلزم ورئته إلا أن يشاءوا. م وشرح مسألة التبدأة وإيعابها في كتاب الوصايا، وأنا أذكرها هنا منها جملة كافية، فأول ما يبدأ به في ثلث الميت المدبر في الصحة، وقيل: صداق المنكوحة في المرض. وقيل: إنهما يتحاصان، ثم الزكاة التي فرط فيها، ثم العتق في الظهار وقتل النفس معًا. وقيل: إن عتق قتل النفس يبدأ به؛ إذ لا بدل منه في المال وعتق الظهار منه بدل، وهو الإطعام، ثم كفارة/ الأيمان، ثم الإطعام عن قضاء رمضان، ثم المدبر والمبتل في المرض معًا إذا كانا في كلمة واحدة، أو فور واحد، فإن
كان بعضهما قبل بعض بدئ بالأول فالأول، وقد قيل: أن المبتل يبدأ به وإن كان في فور واحد؛ إذ لو صح الموصي لتمت حرية المبتل، ووقف المدبر إلى الموت، ثم الموصي بعتقه بعينه أو على مال يعجله أو إلى أجل قريب كالشهر ونحوه، فإن بعد أجل عتقه مثل السنة ونحوها بدئ بمن ذكرنا عليه، وبدئ على الموصي بكتابته، أو بعتق على مال فلم يعجله، فإن بعد أجل عتقه كالعشر سنين ونحوها تحاصوا بينهم، وفيه اختلاف، ثم النذر مثل قوله: ((لله علي إطعام عشرة مساكين))، ثم الوصايا بالعتق بغير عينه، وبالمال وبالحج. وقيل: بل تبدأ الرقبة على الحج. فصل -6 - [إذا اجتمع صوم هدي وقضاء رمضان بأيهما يبدأ] قال في كتاب الصيام: ومن عليه صوم هدي وقضاء رمضان فليبدأ بصوم الهدي إلا أن يرهقه رمضان الثاني فيقضي رمضان، ثم يقضي صيام الهدي بعد ذلك/، وإنما أمر أن يبدأ بصيام الهدي ليصل صومه بما كان صامه في الحج، وإن له تأخير قضاء رمضان إلى شعبان، فإن بقي له إلى رمضان الثاني قدر ما يقضي فيه ما أفطره في الأول، بدأ بقضاء رمضان لئلا يفرق بين صوم الأول وبين قضائه بصوم رمضان الثاني، وذلك يوجب عليه الإطعام، فما أوجب عليه حكمًا أكد مما لم يوجبه عليه، وإن لم يصم للهدي ولا للقضاء حتى دخل رمضان الثاني فصامه فليبدأ بعده بصوم قضاء رمضان؛ لأنه قد فرق بينهما جميعًا وصوم قضاء رمضان أكد فينبغي أن يبدأ به. ابن حبيب: ومن عليه قضاء رمضان فلا ينبغي أن يتطوع بالصوم قبله وقبل
نذر عليه، وكان أبو هريرة يقول: ((إبدأ بحق الله ثم تطوع بما شئت)). قال ابن حبيب: وأرجو أن يكون واسعًا أن يبدأ بتطوع ما يرغب فيه، مثل: عاشوراء وأيام العشر ونحو ذلك. قال/ ابن القاسم في العتبية: ولا أحب ذلك. قال أشهب في المجموعة: ومن لم يزل مريضًا من الأول إلى انقضاء رمضان الثاني فليبدأ إذا أفاق بالأول، وإن بدأ بالثاني أجزأه، وإذا كان عليه قضاء رمضان وصوم ظهار بدأ بأيهما شاء إلا أن يرهقه رمضان فيبدأ بقضاء رمضان. فصل -7 - [في بيان ما يلزم صومه متتابعًا وما لا يلزم] ومن المدونة قال مالك: وما ذكر الله تعالى من صيام الشهور فمتتابع، وأما الأيام مثل: قضاء رمضان وكفارةاليمين، وصيام الجزاء، والمتعة، وصيام ثلاثة أيام في الحج فأحب إلى أن يتابع في ذلك كله، فإن فرقه أجزأه، وإن صام يوم التروية، ويوم عرفة، ويومًا من آخر أيام التشريق أجزأه. قال أشهب: وإن ابن عباس وأبا عبيدة بن الجراح وعروة بن الزبير/ ومعاذ
ابن جبل وعمر بن العاص قالوا: لا بأس أن يفرق قضاء رمضان إذا أحصيت العدة، وأن علي بن أبي طالب وابن عمر وسعيد بن المسيب كرهوا أن يفرق قضاء رمضان، وقالوا: يقضيه حسبما أكله. قال ابن حبيب: وقد بلغني أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك، فأرخص فيه، وقال: ((لو كان لأحدكم على أخيه دين فقضاه إياه متقطعًا أكان يقبل ذلك ويتجاوز عنه؟، قالوا: نعم قال: فالله تعالى أحق بالتجاوز. ومن المدونة قال مالك: ومن أسلم في رمضان فليس عليه قضاء ما مضى منه، وليصم باقيه، واستحب له قضاء اليوم الذي أسلم فيه.
[باب -12 -] جامع في صوم النذر المعين وغير المعين والمتتابع وغير ذلك
[باب -12 -] جامع في صوم النذر المعين وغير المعين والمتتابع وغير ذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه))، فعلى من نذر شيئًا من الطاعات من صوم وغيره الوفاء بما نذر. [فصل -1 - في أحكام صوم النذر غير المعين] قال مالك: ومن نذر صوم أيام أو شهر أو شهور غير معينة فليصم عدد ذلك، إن شاء تابعه وإن شاء فرقه إلا أن ينويه متتابعًا. ابن حبيب/ وقال ابن كنانة: يتابعها إلا أن ينوي التفرقة. وقال ابن الماجشون: أما الشهر والسنة أو جزء من شهر فليتابعه حتى ينوي التفرقة، وأما أيامًا فله أن يفرقها حتى ينوي التتابع، وهو قول ابن شهاب، وبه أقول. م فوجه قول مالك: فأنه نذر صومًا لم ينذره متتابعًا فلزم تتابعه، فإذا أتى بعدة ذلك فقد أتى بما نذره؛ ولأنه نذر صوم شهر فلزمه، فإذا أتى بأقصى عدة أيامه أجزأه، ولم يلزمه تتابعه، أصله قضاء رمضان. ووجه قول ابن كنانة: أنه يلزمه تتابع ما نذر قياسًا على قول من يلزمه تتابع قضاء رمضان، وهو ابن عمر، ولأنه إذا أتى به متتابعًا أجزأه باتفاق. ووجه قول ابن الماجشون: أن
الشهور يلزمه تتابعها والأيام يجوز تفريقها؛ لأن الشهر كشيء واحد، فوجب تتابعه، والأيام كأشياء فجاز تفريقها، وقياسًا على ما في كتاب الله تعالى أنه تابع الشهور، ولم يتابع الأيام. وقول مالك أبينها. والله عز وجل أعلم. ومن المدونة قال مالك: وإن نذر صوم شهور بغير عينها متتابعة فله أن يصومها للأهلة أو لغير الأهلة/، فإن صامها للأهلة فكان الشهر تسعة وعشرين يومًا أجزأه، وما صام لغير الأهلة أكمله ثلاثين يومًا، وإن شاء صام بعض شهر، ثم صام بعد ذلك للأهلة إن شاء، ثم يكمل الشهر الأول ثلاثين يومًا. قال ابن القاسم: إلا أن ينذرها شهورًا بأعيانها فليصمها بأعيانها. قال ابن حبيب: وقال ابن الماجشون: في ناذر شهر بغير عينه إن بدأ في
نصف شهر فليكمل الشهر ثلاثين يومًا على ما صام منه كان ناقصًا أو تامًا، وقيل: إن كان النصف الذي صام أربعة عشر يومًا فليعتد به نصفًا ويتبعه خمسة عشر يومًا؛ والأول أحب إلينا. قال ابن القاسم في العتبية: ومن قال: لله علي صوم هذه السنة وقد قضى نصفها فعليه صيام اثنا عشر شهرًا، ولو قال: لله علي صوم سنة ثمانين وهو في نصفها لم يلزمه إلا صوم/ باقيها، بخلاف لو لم يسم. ومن المدونة قال مالك: ومن نذر صوم سنة بغير عينها صام اثني عشر شهرًا ليس فيها رمضان ولا يوم الفطر ولا أيام النحر. وفي المختصر وغيره: ولا أيام منى، وهو أبين؛ لأنها سنة بغير عينها، فصار اليوم الرابع لم ينذره، وهو لا يصومه عنده إلا من نذره، وكذلك بينه ابن حبيب وغيره. قال ابن القاسم: فما صام من هذه السنة على الشهور/ فعلى الأهلة، وما كان منها يفطر مثل رمضان ويوم الفطر وأيام الذبح أفطره، وقضاه، ويجعل الشهر الذي أفطر ثلاثين يومًا. قال أبو محمد: قوله: ((وما أفطر فيه))، فيه نظر، ولو كان الفطر في أوله
كان بينًا. وقد روى ابن سحنون عن أبيه في من نذر شهرًا بغير عينه فصامه للأهلة، وكان الشهر تسعة وعشرين يومًا، قال: يجزئه. قلت: فإن أفطر فيه يومًا؟ قال: عليه يوم كما أفطر. قلت: إن غيرنا يقول: لما أفطر فيه يومًا زال الصوم للأهلة وعليه إتمام ثلاثين يومًا. قال: ليس الأمر إلا كما قلت لك، وقاله مالك في المختصر: إن من صام أوله على الهلال فإنما يقضي عدد ما أفطر لمرض أو غيره، وإن كان تسعة وعشرين يومًا. م ولو كان شوال تسعة وعشرين يومًا قضى يومين؛ لأن يوم الفطر في أوله فعليه تمام ثلاثين يومًا. [فصل -2 - في أحكم صوم النذر المعين] ومن المدونة قال مالك: وإن كانت السنة بعينها صامها وأفطر منها يوم الفطر وأيام الذبح، ويصوم آخر أيام التشريق، ولا قضاء عليه فيها ولا في رمضان؛ إلا أن ينوي قضاء ذلك، كمن نذر صلاة يوم فليس عليه في الساعات التي لا تحل الصلاة فيها قضاء، وإن جاء المنع منه فعليه القضاء.
ثم سئل مالك عن من نذر ذا الحجة، فقال: يقضي أيام الذبح، إلا أن يكون نوى أن لا يقضيها. قال ابن القاسم: وقوله الأول أحب إليّ أن يصوم ما كان يصام، ويفطر ما كان يفطر، ولا قضاء عليه ذلك إلا أن ينوي قضاءه. قال أبو إسحاق: أما قوله من نذر أن يصوم أياماً أو شهراً بغير عينه أنه إن شاء تابع، وإن شاء فرق فصواب؛ لأنه إذا أتى به مفرقاً فقد أتى بالشهر، كقضاء رمضان. وأما نذره سنة بعينها فلا يلزمه قضاء رمضان، ولا أيام الذبح، ولا يوم الفطر، وهو الصواب. وإن قصد صيام ما لا يجوز صومه لما عليه صومه مثل رمضان، فهو نذر في معصية لا يلزم، كقوله: لله عليّ أن أصلي في الوقت الذي لا يجوز فيه الصلاة، وإن لم يقصد أن يصوم ما نهى عنه فهو أبعد أن لا يلزمه؛ لأن نذره إنما يقع فيما يصح فيه الصوم، لا فيما لا يصح فيه. وأما القول الثاني: أن عليه القضاء، إلا أن ينوي أن لا قضاء عليه ففيه ضعف، ويلزم عليه إن نذر صلاة في وقت لا يحل له أن عليه قضاءها، ومن نذر صدقة ما لا يملك أن عليه أن يخرج مثله، وهذا بعيد أن يقال. وقال/ ابن القاسم: وما أفطر من/ السنة المعينة لعذر من مرض أو غيره فلا قضاء عليه فيها, وإن أفطر منها شهراً لغير عذر قضاه, فإن كان الشهر تسعة وعشرين يوماً قضى عدد أيامه. قال: ومن صوم شهر بعينه فمرضه كله لم يقضه, وإن أفطره متعمدًا
يريد أو ناسياً قضى عدد أيامه. قال ابن القاسم: وأحب إلي أن يقضيه متتابعاً, فإن فرقه أجزأه؛ لأن رمضان لو فرق قضاءه أجزأه. وقال سحنون: لا يقضيه إذا أفطر ناسياً, كمن مرضه. قال مالك: وإن أفطر منه يوماً قضاه, إلا أن يكون لمرض, وإن قال: لله عليِّ صوم غد فأفطر فلا كفارة يمين عليه؛ لأنه نذر له مخرج, وعليه قضاؤه, ومن نذر صوم شهر متتابعاً فصام منه عشرة أيام ثم أفطر يوماً من غير عذر فليبتد الصوم, ولا يبني, وإن كان لعذر قضاه ووصله, فإن لم يصله ابتدأ الصوم كله, ومن نذر صوم كل يوم خميس يأتي لزمه, فإن أفطر خميساً متعمداً قضاه. وكره مالك: أن ينذر صوم يوم بوقته. قال أبو القاسم: ومن نذر صوم يوم قدوم فلان فقدم ليلاً فليصم صبيحة تلك الليلة, ولو قدم نهاراً ونية الناذر الفطر فلا قضاه عليه لذلك اليوم. قال أبو إسحاق: وهو الصواب؛ لأنه كناذر صوم يوم بعد طلوع الفجر, وذلك غير لازم؛ لأن الصوم إنما يجب علية لقدوم فلان, وفلان لم يقدم إلا نهاراً, فصار كأنه حينئذ نوى في اليوم صوم اليوم فلا يلزمه, وألزمه أشهب القضاء, فقال: ما تقول لو قال رجل بعد طلوع الفجر: لله علىّ صوم هذا اليوم, فإن قال: لا يلزمه, أو وقع النذر في وقت لا يصح فيه الصوم لعدم التبييت, قيل:
وكذلك هذا, وإن قال يلومه القضاء, كناذر صوم الفطر على أحد القولين, كأنه يريد مثله, فقد قدمنا ضعف ذلك القول. وقال أشهب وعبد الملك في المجموعة: وهو في بعض روايات المدونة يقضي ذلك اليوم. قال أشهب: ولو قد بيت صومه تطوعاً أو لقضاء رمضان أو غيره فلا يجزئه لنذره, ولا لما صامه له. قال ابن الماجشون: ولو علم أنه يدخل أول النهار فبيت الصوم لم يجزئه؛ لأنه صامه قبل وجوبه. قال عن ابن حبيب: وليصم اليوم الذي يليه, وقاله أشهب وأصبغ. وقال ابن القاسم:/ إن مرضه أو قدم نهاراً فلا شيء عليه, وبالأول أقول. قال أشهب في المجموعة: ولو قدم فلان ليلة الفطر أو يومه فلا قضاء عليه, كناذر صوم غد فمان يوم الأضحى وهو يعلم أو لا يعلم. ومن المدونة قال ابن القاسم:/ وإن نذر صوم يوم قدومه أبداّ فقدم يوم الاثنين صام كل اثنين فيما يستقبل. قال أشهب في المجموعة: إلا أن
يوافق يوماً لا يحل له صومه، فلا يصمه، ولا يقضه، ولا قدم ليلة الاثنين وهي ليلة الفطر فلا يصوم صبيحتها، ولا كل اثنين يوافق يوماً لا يحل له صيامه فيما يستقبل ولا يقضيه. وقاله ابن القاسم وابن وهب عن مالك. قال: ولا يقض ما مرض فيه من ذلك إلا أن ينوي قضاءه وقضاء ما يلزمه فطره فيلزمه ذلك. قال سحنون في العتيبة: قال ابن القاسم: ومن نذر صيام يوم يقدم فلان أبداً فقدم في يوم فنسيه قليصم آخر يوم من أيام الجمعة، وهو يوم الجمعة. قال ابن سحنون عن أبيه: ومن نذر صوم يوم بعينه فنسيه، قال: يصوم أي يوم شاء. وقال أيضاً: يصوم آخر يوم من أيام الجمعة، كأنه قضاء له. إن تقدمه ثم رجع، فقال: يصوم الجمعة كلها ولو نذر صومه أبداً فليصم الدهر كله. قال: ومن قال: لله عليّ أن أصوم هذا الشهر يوماً فليصم يوماً واحداً، وإن قال: لله علي أن أصوم هذا اليوم شهراً فليصم مثل ذلك اليوم ثلاثين يوماً.
م يريد إن كان يوم الأحد صام ثلاثين أحداً، ومن مولدات ابن عبد الحكم عن من قال: لله عليّ صيام هذا اليوم شهراً. قال: إن كان ذلك اليوم يوم خميس أو اثنين أو غير ذلك من الأيام فإنه يصوم ذلك اليوم كل جمعة من شهر، وذلك أربعة أيام، وإذا قال: لله عليّ صيام هذا الشهر يوماً كان عليه صيام ذلك الشهر بعينه يوماً ما إن كن شعبان فشعبان. ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم في من نذر في سفره صيام خميسه في أهله/ إن شاء الله فقدم فلم يصم، ثم سافر فإنه يصومها في سفره وتجزئه. ومن المدونة: ومن نذر صوم غد فإذا هو يوم الفطر أو يوم الأضحى وقد علم به أولاً فلا يصومه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيامها، ولا قضاء عليه في ذلك، وإن نذرت امرأة صوم سنة ثمانين فلا تقضي أيام حيضتها؛ لأن الحيضة كالمرض، ولو مرضت السنة كلها لم يكن عليها قضاء. قال مالك: وإن نذرت صوم الاثنين والخميس ما بقيت فحاضت فيهن أو مرضت فلا قضاء عليها. قال: وأما السفر فلا أدري ما هو. قال ابن القاسم: وكأني رأيته يستحب القضاء فيه. قال ابن القاسم: وإن نذرت صوم أيام حيضتها فلا قضاء عليها.
ومن الواضحة: قال ابن الماجشون: ومن نذر صيام الدهر فأفطر يوماً ناسياً فلا شيء عليه، وإن أفطر عامداً فعليه الكفارة، كمن أفطر يوماً من رمضان؛ إذ لا يجد له قضاء. وقال سحنون في كتاب ابنه: كفارته إطعام مسكين. قال سحنون: وإن لزمته كفارة يمين بالصوم فليصم ثلاثة/ أيام ليمينه، ويطعم عن كل يوم مداً. قال ابن حبيب: وإن لزمه صيام شهرين لظهاره فليصمها لظهاره، ولا شيء عليه لما نذر من صيام الدهر. قاله مالك. قال أبو محمد: وعلى قول سحنون يطعم عدد ما صام لكل يوم مداً، وهو أدنى الكفارة في صوم كفارة التفريط.
[باب-13] في الكفارة في رمضان وما يوجبها من وطء أو إفطار
[باب-13] في الكفارة في رمضان وما يوجبها من وطء أو إفطار [فصل-1 - في وجوب الكفارة على منتهك حرمة الصوم] وأوجب الرسول صلى الله عليه وسلم على منتهك حرمة الشهر بالوطء الكفارة, فكان منتهكه بالفطر مثله, إذا هما محرمان. وقد روي من غير حديث "أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً) , فخيره النبي صلى الله عليه وسلم في أصنافها؛ لأن أو موضوعها التخيير. واستحب مالك: الإطعام على العتق والصيام. قال في كتاب الظهار: وما للعتق وماله؟. يقول الله تعالى {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ...}. قال ابن الماجشون: هو الذي استحب مالك وغيره من أصحابنا؛ لأنه المفعول في الحديث. قال غيره: ولأنه أعم نفعاً؛ لأن العتق يخص المعتق, والصيام لا منفعة فيه لغير الصائم , والإطعام يسقط الفرض, ويعم نفعه جماعة المساكين. قال ابن الحبيب: وما فعل ذلك أجزأه, وأحب إلينا العتق, ثم الصوم, ثم
الإطعام. ويكفر السفيه بالصيام؛ لأن في غير ذلك ماله, وكفارة الإفطار هو مخير فيها؛ فلذلك استحب له مالك الصوم. وقد اختلف في كفارته عن ظهاره هل يكفر بالعتق أو بالصوم؟ لأنه كالمعدم من أجل الحجر الذي عليه. قال عبد الحق: ففي كفارة الفطر في رمضان أولى أن يكفر بالصوم, ولأن كفارة الفطر في رمضان ليست على الترتيب, وهو مخير في أحدها, فإن أبي من الصيام فيجوز لوليه أن يكفر عنه بما يراه من العتق أو الإطعام على القول الذي قال الصيام أنه يكفر عنه العتق. قال عبد الحق: ويحتمل أن يقال: تبقى الكفارة عليه أن أبى من الصوم, ولا يكفر عنه وليه في فطرة في رمضان, ويكون ذلك خلاف مسألة الظهار؛ لأنه في مسألة الظهار قد يرى له من النظر [الكفارة] لئلا يطلق الزوجة فيحتاج إلي إخراج المال في تزويجه, ولا نظر له في الكفارة في مسألة الفطر؛ لكونه مطلوباً بها, وهذا أبين مما قدمنا, والله أعلم.
ومن كتاب آخر ويكفر العبد والأمة بالصيام, إلا أن يضر ذلك بالسيد فيبقى ديناً عليهما, إلا أن يأذن لهما السيد بالإطعام، ولو وطئ العبد/ من يلزمه أن يكفر عنها فهي جناية، أما أن يسلمه السيد فيها، أو يفديه بالأقل من ذلك أو من قيمته/ ولو طلبت المفعول بها ذلك. وتصوم عن نفسها لم يجزئها وإن رضي السيد؛ لأنه لم يجب لها فيصير ثمناً للصيام، والصيام لا ثمن له. فصل-2 - [في أحكام تجب بمغيب الحشفة في الفرج] ومن المدونة قال مالك: ومغيب الحشفة يُوجب الكفارة، ويُفسد الصوم والحج، ويوجب الغسل والحد، يريد: ويوجب الصداق، ويحصن الزوجين، ويُحل المطلقة ثلاثاً، فيوجب العدة ويرفع العنة والإيلاء، ويفيت البيع الفاسد. وقد زاد بعض الفقهاء في ذلك حتى بلغ نحو ستين وجهاً، وهذه الوجوه قد يشاركها فيها غيرها، والذي يختص بمغيب الحشفة فقط أربعة أوجه، وهي: وجوب الحد، وإحصان الزوجين، وتحليل المطلقة ثلاثاً، ورفع العنة لا غير.
ومن المدونة ولم يعرف مالك في الكفارة إلا الإطعام، والإطعام ستين مسكيناً مداً مداً، ولا يجزئ إطعام ثلاثين مسكيناً مدين مدين، وإن أكره امرأته في نهار رمضان فوطئها فعليها القضاء، وعليه عنه وعنها الكفارة، فإن أكرهها في الحج ووطئها فليحججها ويهدي عنها. وقال سحنون: لا كفارة عليه عنها؛ لأنها لم تجب عليها، فهي لا تجب عليه. قال: والحج مخالف لهذا؛ لأن سهوه وعمده سواء. قال مالك: وإن وطئها في رمضان أياماً فعليه لكل يوم كفارة، وعليها هي مثل ذلك إن طاوعته/، وإن أكرهها فذلك كله عليه، وعليها القضاء لكل يوم، وإن وطئها في يوم مرتين فعليه كفارة واحدة؛ لأنه إنما أفسد يوماً واحداً، ولو وطئها أياماً لزمه لكل يوم كفارة، وسواء كفر عن الأول أم لا،
خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن لم يكفر عن الأول حتى وطئ في الثاني فكفارة واحدة تجزئه قياسًا على الحدود. ودليلنا: أنه هتك حرمة اليوم الثاني كالأول، وليس تأخير/ الكفارة عن الأول يُوجب سقوطها في الثاني، أصله لو كان ذلك في شيئين؛ ولأنه حكم لزم بالفطر فأشبه القضاء. ومن المدونة قال مالك: وإن طاوعته امرأته في الوطء أول النهار ثم حاضت في آخره فلابد لها من القضاء والكفارة. قال أبو محمد: قال بعض أصحابنا: إن وطئ أمته كفر عنها وإن طاوعته؛ لأن طوعها كالإكراه للرق، وكذلك الأمة المستحقة لا تحد بوطء السيد. م إلا أن تطلبه هي: بذلك وتسأله فيه، فيلزم الأمة الكفارة، وتحد المستحقة إن لم تعذر بجهل. م وإذا كفر الرجل عن نفسه خير في عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا مدًا مدًا بمد النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا كفر عن زوجته خير في وجهين العتق أو الإطعام، وإذا كفر عن أمته فليس له إلا الإطعام، ولا
يجوز له العتق؛ لأن الولاء له، والصوم لا يصوم أحد عن أحد. فصل -3 - [في من أصبح في رمضان ينوي الإفطار فلم يأكل حتى غربت الشمس] قال مالك: ومن أصبح ونيته الإفطار في رمضان ولم يأكل ولم يشرب فليقض ويكفر، ولو نوى الصيام قبل طلوع الشمس لم ينفعه ذلك، وعليه القضاء والكفارة. م يريد: لأنه بيت الفطر. وقال أشهب: لا كفارة عليه. م يريد: لأنه لم يفطر وإنما نوى الفطر، فلا تجب الكفارة بالنية دون الفعل. م ولعل أشهب يريد إذا كان قد تقدمت له نية الصوم ثم نوى الفطر، فهذا لا يرفض النية الأولى عنده إلا بالفعل، وأما لو نوى فطر أول يوم من رمضان من الليل فيجب أن يكفر باتفاق، لأنه لم يبيت الصوم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل»، والله أعلم.
قال أشهب في غير المدونة: ولو ظن هذا الذي أصبح ونيته الإفطار أن صومه قد فسد فأكل فليكفر. ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو نوى الفطر بعدما أصبح نهاره كله إلا أنه لم يأكل ولم يشرب، فقد قال مالك: في ذلك شيئًا، فلا أدري قال: القضاء والكفارة، أو القضاء/ بلا كفارة، وأحب إلي أن يكفر. قال سحنون: إنما يكفر من بيت الفطر، فأما من نواه في نهاره فلا، وإنما يقضي استحبابًا. [فص -4 - في حكم الجارية تحيض في رمضان أو الغلام يحتلم فيأكلان بقيته] قال ابن القاسم: وإذا حاضت جارية أو احتلم غلام في رمضان فأفطر بقيته أو أفطر فيه السفيه البالغ/ فعلى كل واحد منهما القضاء والكفارة لكل يوم، ولا يكفر المفطر في قضاء رمضان، وإن تعمد ذلك.
[باب -14] في من أفطر في قضاء رمضان أو صام رمضان قضاء عن رمضان عليه
[باب -14] في من أفطر في قضاء رمضان أو صام رمضان قضاء عن رمضان عليه. [فصل -1 - في حكم من أفطر في قضاء رمضان] قال في كتاب الظهار: ومن أفطر في قضاء رمضان فإنما يقضي يومًا واحدًا، وكذلك روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية، وروى عنه سحنون، وقاله مالك في كتاب الحج منها: أن عليه يومين. قال مالك وابن القاسم: والحج مثله إذا أفسد حجة القضاء فعليه حجتان وهديان. سحنون: وقال ابن وهب: ليس عليه إلا حجة واحدة وهديان. قال مالك: وإن أفطر في قضاء القضاء عن رمضان فعليه يومان، وقال أيضًا: ليس عليه إلا يوم واحد. وقال يحيى/ بن يحيى عن ابن القاسم: وإن أفطر في قضاء التطوع من غير عذر فليقض يومين. م وجه قولهم: ((إذا أفطر في قضاء رمضان فعليه يومان))؛ فلأنه لما أفسد هذا القضاء فعليه قضاؤه وعليه القضاء الذي كان عليه رمضان؛ لأنه لم يقضه. ووجه قولهم: ((يقضي يومًا واحدًا؛ فلأنه إذا قضى القضاء فقد صح القضاء الأول لرمضان، ولا شيء عليه غير ذلك، وهذا أحب إلي.
فصل -2 - [في حكم من صام رمضان ينوي به قضاء رمضان كان عليه] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن صام رمضان ينوي به قضاء رمضان كن عليه أجزأه لهذا، وعليه قضاء الأول؛ لأنه صامه بنية فرض هذا الشهر، وزاد نية القضاء فكانت ملغاة. وأما الذي نوى الحج عن نذره وفرضه فإنه يجزئه لنذره، وعليه قضاء الفريضة؛ لأنه لما اجتمع فرض ونذر كان أولاهما بالقضاء أوجبهما عند الله عز وجل. قال أبو محمد: قال أبو الفرج: يجزئه صومه. قال ابن القاسم: يجزئه صومه عن/ الشهر الذي حضره، وعليه أن يأتي بما كان عليه من قضاء المتقدم، وهو كما بينا هاهنا عن ابن القاسم. ومن الناس من يتأول أن معنى قول ابن القاسم: أنه يجزئه عن الماضي ويقضي هذا. وذكر الأبياني أنه قول ابن القاسم، وكذلك قال سحنون في رواية سليمان للمدونة. وروي عن ابن القاسم: أنه لا يجزئه عن الأول، ولا عن الثاني. وقاله أشهب. قال أشهب: ولا كفارة عليه في هذا. قال أبو محمد: يريد أشهب: إلا كفارة التفريط فهي عليه، وذكر عن ابن المواز أنه يطعم عن الأول مدًا لكل يوم مسكينًا، وعن الثاني ستين مدًا،
يريد لكل يوم مدين. قال أبو محمد: يذكر هذا عن ابن المواز، ولم أروه. م وقال الشيخ أبو عمران: ذكر هذا القول الأبياني عن ابن المواز، وقال أبو محمد: يريد: وهذا إذا لم يعذر بجهل أو تأويل، والصواب ما قاله أشهب: أنه لا كفارة في هذا. وقال ابن حبيب: إن صامه عن قضاء رمضان آخر لم يجزئه عن واحد منهما، ولو جهل فنوى به عنهما جميعًا أجزأه لهذا، ويعيد ما كان عليه، وقاله أصبغ.
[باب -15 -] ما جاء في قيام رمضان
[باب -15 -] ما جاء في قيام رمضان [فصل -1 - في فضل قيام رمضان وأدلة مشروعيته] وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان، ورغب فيه من غير أن يأمر بعزيمة، وقال: ((من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)). وقال في حديث آخر: ((من صامه وقامه احتسابًا وجبت له الجنة))، وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((شهر خير وبركة يغشاكم الله فيه بالرحمة، وتحط فيه الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، وينظر الله فيه إلى تنافسكم، ويباهي بكم الملائكة، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله)). وروي: ((أن النفقة فيه كالنفقة في سبيل الله عز وجل))، ((وأن لله تعالى في كل ليلة فيه خمسمائة ألف عتيق من النار إلا مفطرًا على حرام أو مسكرًا أو أذى مسلم)).
وكان الناس يقومون وحدانا، منهم في بيته، ومنهم في المسجد، فمات عليه السلام والناس على ذلك/، وفي أيام أبي بكر الصديق/ وصدر من خلافة عمر رضي الله عنهما، وجمع عمر بن الخطاب الناس على أبي بن كعب رضي الله عنهم في قيام رمضان، ثم خرج عمر ليلة والناس يصلون بصلاة إمامهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يعني آخر الليل، وكانوا يقومون من أوله. وقال نافع: أدركت الناس يقومون بتسع وثلاثين ركعة يوترون منها بثلاث. قال مالك: وهو الذي لم يزل عليه الناس. وقد أمر عمر بن عبد العزيز: القراء يقومون بذلك ويقرأون في كل ركعة
عشر آيات. قال مالك: وأراد الأمير أن ينقص من ذلك، فنهيته عن ذلك. قال عبد الله بن أبي بكر: كنا ننصرف ونستعجل السحور خيفة الفجر. قال مالك: والأمر في رمضان الصلاة، وليس القصص بالدعاء. قال مالك: وقيام الرجل في بيته أحب إلي لمن قوي عليه، وليس كل الناس يقوي على ذلك، وقد كان ابن هرمز وربيعة وكثير من علمائهم ينصرفون فيقومون في بيوتهم. قال مالك: وأنا أفعل ذلك. قال: ولا يؤم أحد بإجارة في قيام رمضان. قال ابن القاسم: والإجارة في الفريضة أشد. وكره مالك للقراء أن يقرأ أحدهم في غير الموضع الذي انتهى إليه صاحبه. وقال: إنما يقرأ هؤلاء ما خف عليهم؛ ليوافق ذلك ما يريدون، وليقرأ الثاني من حيث انتهى الأول، وهذا الذي كان عليه الناس.
وسئل مالك عن الألحان في الصلاة؟ فقال: لا يعجبني، وأعظم القول فيه. وقال: إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم. قال مالك: وليس ختم القرآن بسنة في قيام رمضان. قال ربيعة: ولو أمهم رجل بسورة حتى ينقضي الشهر لأجزأ. [فصل -2 - في حكم قراءة الإمم من المصحف في قيام رمضان] وأجاز مالك أن يؤم الإمام الناس في المصحف في قيام رمضان، وكره ذلك في الفريضة. قال: وإن ابتدأ النافلة بغير مصحف وبين يديه مصحف/ منشور فلا ينبغي إذا شك في حرف أن ينظر فيه، ولكن يتم صلاته ثم ينظر. قال: ولم يكن الأمير يصلي فيما مضى مأمومًا، ولو صنع ذلك لم أر به بأسًا. وقال ربيعة: لا يفعل ذلك، وليصل في بيته، إلا أن يأتي فيؤم بالناس؛ وليقوله عليه السلام: ((لا يؤم الرجل في سلطانه)).
[فصل -3 - في التنفل بين الترويحتين] قال مالك: ولا بأس بالتنفل بين الترويحتين لمن يتم ركعتين ويسلم، وأما من يقف يقرأ وينتظرهم حتى يدخل معهم فلا يعجبني ذلك. قال ابن القاسم: ومعنى قوله: ((حتى يدخل معهم)) أي: يثبت قائمًا حتى إذا قام الناس دخل معهم بتكبيرته التي كبرها أو يحدث لذلك تكبيرة أخرى. ابن وهب: وأن عامر بن عبد الله بن الزبير وأبا بكر بن حزم ويحيى بن سعيد كانوا يصلون بين الأشفاع. [فصل -4 - لا يقنت في رمضان ولا غيره] قال مالك في الحديث الذي يذكر ((ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان)): ليس عليه العمل، ولا أرى أن يعمل به، ولا يقنت في رمضان، لا في أوله، ولا في آخره، ولا في غير رمضان، ولا في الوتر أصلا. وقال ابن أبي زمنين: يريد القنوت الذي جاء عن عمر بن الخطاب أنه كان يقنت في النصف الآخر من رمضان بعد رفع رأسه من ركعة الوتر، فيصلي
على النبي صلى الله عليه وسلم ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات ويدعو لهم، ويلعن الكفرة ويدعو عليهم، وقد جرى به العمل بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه زمانًا فكان الإمام يقنت ويجهر بما يقوله، ويدعو به، وكان من خلفه ينصتون له، ويؤمنون على دعائه كلما وقف. ذكره ابن حبيب. [فصل -5 - في عمل الإمام في الوتر وأفضل وقته] ومن المدونة قال مالك: والوتر آخر الليل أحب إلي لمن قوي عليه. قال: ويفصل الإمام بين الشفع والوتر بسلام، وهو الشأن، ومن صلى خلف من لا يفصل بينهما فلا يخالفه. قال مالك: وكنت أنا أصلي معهم فإذا جاء الوتر انصرفت ولم أوتر معهم/، وبالله التوفيق. تم كتاب الصيام، والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
كتاب الاعتكاف
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاعتكاف [باب -1 -] السنة في الاعتكاف ومن أفطر فيه أو مرض أو جامع [فصل -1 - في حكم الاعتكاف وأدلته] قال الله سبحانه وتعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ/ فِي الْمَسَاجِدِ} وقد اعتكف الرسول الله عليه وسلم في رمضان، ولم يوجبه الله ولا رسوله إيجابًا، وهو من نوافل الخير، ولكن قل من فعله من السلف لشدته. قال مالك: لم يبلغني أن أحدًا من السلف ولا ممن أدركته اعتكف، إلا أبو بكر ابن عبد الرحمن، واسمه المغيرة، وهو ابن أخي أبي جهل، وهو أحد فقهاء/ تابعي المدينة. وليس الاعتكاف بحرام، ولا أراهم تركوه إلا لشدته؛ لأن ليله ونهاره سواء. قال في المجموعة: ومازلت أفكر في ترك الصحابة الاعتكاف وقد اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم حتى قبضه الله تعالى، وهم أتبع الناس لأموره وآثاره حتى أخذ بنفسي أنه كالوصال الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فقيل له: إنك تواصل؟ فقال: ((إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني))، فلا ينبغي لمن لا يقدر أن يفي
بشروط الاعتكاف أن يعتكف. [فصل -2 - في معنى الاعتكاف وأفضله] والعكوف في اللغة اللبث والملازمة للشيء. قال الله تعالى: أي: ملازمًا. وأفضل الاعتكاف العشر الأواخر من رمضان. وروى ابن حبي: عن أبي سعيد الخدري قال: ((اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأول من رمضان/ فأتاه جبريل، فقال: إن الذي تطلب أمامك فاعتكف العشر الوسط، واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تلتمس أمامك فاعتكف العشر الأواخر، فاعتكفنا معه)).
قال عبد الملك: فأفضل ما اعتكف فيه من الأيام والشهور العشر الأواخر من رمضان/ ولا بأس به في كل وقت، وقد بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في شوال، ورواه ابن وهب في المدونة. [فصل -3 - في لوازم الاعتكاف وسننه] قال مالك وغيره: والسنة في الاعتكاف التتابع واجتناب الجماع ودواعيه، ولا يكون إلا في المسجد. قال القاسم بن محمد، ونافع ومالك: ولا اعتكاف إلا بصوم؛ لقول الله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}. م وأجازه الشافعي والمزني بغير صوم. ودليلهم ما رواه طاوس عن
علي وابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه))؛ ولأنه كالطواف والوقوف بعرفة جعله الله تعالى عبادة مخصوصة في موضع مخصوص، فوجب جوازه من غير صوم. ودليلنا ما رواه سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لا اعتكاف إلا بصوم))، ومثله عن علي وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، ولا نعرف لهم مخالف. وقد اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم صائمًا، وأفعاله على الوجوب. وقاله صلى الله عليه وسلم لعمر وقد سأل عن نذر عليه في الجاهلية: ((اعتكف وصم)).
وقد قال الله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} فنهى عن المباشرة فيه، وقصر المخاطبة على الصائمين، وذكر موضع الاعتكاف. فإن قيل: فإن قوله تعالى عز وجل: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ} كلام مؤتنف. قيل: ويحتمل أن يكون عائدًا على الأول، فلما لم يعتكف النبي صلى الله عليه وسلم إلا في صوم وقع فعله موقع البيان، وأزال الاحتمال. م وسواء كان الصوم له أو لغيره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم اعتكف في رمضان وهو واجب لغير الاعتكاف، كما أن الصلاة لا تكون إلا بطهارة من الحدث لها أو لغيرها. قال عبد الملك في المجموعة: وللرجل أن يعتكف في قضاء رمضان/ وفي كل صوم وجب عليه. فأما من نذر اعتكافًا فلا يعتكفه في صوم واجب عليه من رمضان ولا في قضائه، ولا في كفارة/ ونحو ذلك؛ لأنه قد لزمه الصوم بنذره الاعتكاف، فلا يجزئه من صوم لزمه بغير ذلك، كما لو نذر مشيًا فلا يجعله في حجة الفريضة، وقاله سحنون في كتاب ابنه. وفي كتاب ابن حارث عن محمد بن عبد الحكم أن له أن يجعل اعتكافه الذي نذره في أيام صومه التي نذرها. ومن «المدونة» قال مالك: وإذا أفطر المعتكف متعمدًا انتقض اعتكافه، وإن كان
ناسيًا/ قضى مكانه يومًا، ووصله باعتكافه، فإن لم يصله باعتكافه ابتدأ. قال ابن حبيب: هذا في اعتكاف النذر، وأما في اعتكاف التطوع فلا يلزمه قضاء ما أكل فيه ناسيًا بصيام، ولا باعتكاف. م قيل: قول ابن حبيب هذا خلاف لقول مالك، ويحتمل أن يكون وفاقًا. والله أعلم. [فصل -4 - في العذر يطرأ على المعتكف] ومن المدونة قال مالك: ومن أصابه مرض لا يستطيع الصوم معه خرج فإذا صح بنى على ما كان اعتكف، فإن فرط بعد صحته ولم يصله ابتدأ، وإن صح من مرضه في بعض النهار وقوي على الصوم فليدخل المسجد حينئذ ولا يؤخر. وقد قال مالك في المعتكفة إذا طهرت من حيضتها أول النهار: إنها ترجع إلى المسجد ساعة طهرت، ثم تبني على ما مضى من اعتكافها. قال ابن حبيب: فإن أخر الرجوع إلى المسجد بعد إفاقة المريض وطهر الحائض كان ذلك في ليل أو نهار فليبتد الاعتكاف. قال مالك في المجموعة: ولا تعتد بيوم طهرها في نهاره، إلا أن تتطهر قبل
الفجر وتنوي الصيام فتدخل حين يصبح فيجزئها، فإن أخرت ذلك أو فرطت اتنفت، وذلك مثل الصيام، يريد المتتابع. قال سحنون: لا يجزئها ذلك اليوم وإن تطهرت قبل الفجر حتى يكون دخولها من أول الليل كابتداء الاعتكاف. قال عبد الملك:/ وإذا طهرت في بعض النهار فرجعت فلا تكف عن الأكل، ولو مسها زوجها أو باشرها وهي حائض فسد اعتكافها، وكذلك المريض يخرج لمرضه يفعل مثل هذا. م وحكي عن بعض شيوخنا أنه قال: إذا خرجت المعتكفة فوطئها زوجها مكرهة أنه ينتقض اعتكافها، كما لو وطئها ناسية، لا فرق بين السهو والإكراه، كما لا فرق بينهما في إيجاب القضاء في الصوم. م وكذلك عندي إذا وطئها نائمة أنه يفسد اعتكافها، بخلاف لو احتلمت. والفرق بين ذلك أن الاحتلام أمر لا صنع لآدمي فيه، ولا يمكن الاحتراز منه، والنسيان والإكراه ووطء النائمة فعل آدمي يمكن الاحتراز منه؛ ولأن القضاء يجب على الناسي وشبهه في الصوم، ولا يجب على المحتلم، فافترقا. ومن المدونة قال مالك في امرأة صامت شهرين في قتل نفس ثم حاضت فيهما: أنها إذا طهرت تبني على ما مضى من صومها، ولا تؤخر ذلك.
قال ابن القاسم: وكذلك من اعتكف بعض العشر الأواخر - من رمضان- ثم مرض فصح قبل الفطر بيوم، فإنه يخرج ولا يبيت يوم الفطر في معتكفه؛ إذ لا اعتكاف إلا بصوم، ويوم الفطر لا يصام، فإذا مضى يوم الفطر عاد إلى معتكفه، فيبني على ما مضى، فهذا كله يبين ذلك. وقال ابن نافع عن مالك: في هذا يكون يوم الفطر في معتكفه، ويشهد العيد مع الناس، ويرجع إلى المسجد، لا إلى بيته، ولا يعتد بذلك اليوم. وقال سحنون: لا يشهد العيد، ولا يزول من المسجد؛ لأنه في حرمة العكوف. قال ابن القاسم: وإن أغمي عليه أو جن بعد ما اعتكف أيامًا، فإذا صح بنى على ما كان اعتكف، فإن لم يصله استأنف، كالمرض. وإذا مرض المعتكف أو حاضت المعتكفة/ فخرجا فهما في حرمة الاعتكاف خلا دخول المسجد والصوم. وقال ابن القاسم/ عن مالك في العتبية: إنها إذا خرجت للحيضة فلها أن تخرج إلى حوائجها إلى السوف، وتصنع ما أرادت إلا لذة الرجال من قبلة أو جسة ونحوها. قال سحنون: لا أعرف هذا، بل تكون في بيتها في حرمة الاعتكاف، ولكن لا تدخل المسجد. [فصل -5 - في مفسدات الاعتكاف] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا جامع المعتكف ليلاً أو نهاراً ناسياً أو عامدًا
أو قبل أو باشر أو لامس فسد اعتكافه ويبتدؤه مثل الظهار. وقد قال الله تعالى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}. وروى ابن وهب عن سعيد/ بن المسيب وعروة بن الزبير رضي الله عنهما أنهما سمعا عائشة رضي الله عنها تقول: ((السنة في المعتكف أن لا يمس امرأته، ولا يباشرها، ولا يعود مريضًا، ولا يتبع جنازة، ولا يخرج إلا لحاجة لإنسان، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)). قال ابن عباس: إذا أفطر المعتكف بإصابة أهله أعاد الاعتكاف. قال ابن شهاب ويعاقب على ذلك. وقال ابن المسيب في امرأة اعتكفت تسعة وعشرين يومًا فرجعت إلى بيتها فجامعا زوجها: فقد أتيا حدًا من حدود الله تعالى، وأخطئا السنة، وعليها أن تستأنف شهرًا. وقاله القاسم وسالم. قال ابن شهاب وعطاء: وإن أحدث ذنبًا مما نهى عنه في اعتكافه ابتدأه.
قال ابن القاسم: وإن سكر المعتكف ليلاً وصح قبل الفجر فسد اعتكافه وابتدأه. قال سحنون: يدل على ذلك قول ابن شهاب في من أحدث ذنبًا. [فصل -6 - في ما يجوز للمعتكف فعله أو يكره] قال مالك: وليس للمعتكف أن يشترط في الاعتكاف ما يغير سنته، وقد اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم وعرف المسلمين سنة الاعتكاف. قيل لابن شهاب: فإن شرط المعتكف أن يطلع قريته اليوم واليومين قال: لا شرط للمعتكف في السنة التي مضت. م وذكر لنا/ عن ابن القصار أنه قال: إذا شرط في الاعتكاف ما يغير سنته فلا يلزمه ذلك الاعتكاف. قال مالك: فإن سافر أو عاد مريضًا أو شهد جنازة ابتدأ، ولم ينفعه شرطه. قال: وليقبل المعتكف على شأنه، ولا يعرض لشيء مما يشغل به نفسه، ولا بأس أن يأمر من يكفيه أمر ضيعته وضيعة أهله ومصلحته وبيع ماله أمرًا خفيفًا لا يشغله، ولا بأس أن يتحدث مع من يأتيه، ولا يكثر، ولو كان يخرج لشيء لكان أحسن ما يخرج إليه عيادة المرضى والصلاة على الجنائز واتباعها، ولا يكون معتكفًا حتى يجتنب ذلك كله، ولا يخرج إلا لحاجة الإنسان.
قال ابن شهاب: ولا بأس أن يخرج المعتكف لحاجته تحت سقف، وفعله أبو بكر ابن عبد الرحمن. قال مالك: وأكره له أن يخرج لحاجة الإنسان في بيته للذريعة إلى أهله والشغل بضيعته، وليتخذ مخرجًا غير بيته قريبًا من المسجد، فأما الغريب المجتاز فليخرج لذلك حيث تيسر عليه، ولا أحب له أن يتباعد. قال مالك: ولا بأس أن يخرج المعتكف لغسل الجمعة أو الجنابة، ولا ينتظر غسل ثوبه من الاحتلام وتجفيفه. وأحب إلي أن يعد ثوبًا آخر يأخذه إذا أصابته جنابة. قال في المجموعة: إذا اعتكف في الشتاء وخاف أن يتطهر بالماء البارد فليتطهر بالماء الحار، ولا يدخل/ الحمام. قال مالك: ولا يعجبني إذا أصابته جنابة أول الليل أن يقيم حتى يصبح ثم يغتسل. ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يخرج فيشتري طعامه إذا لم يجد من يكفيه ذلك، ثم قال: لا أرى ذلك. وأحب إلي أن لا يدخل معتكفه حتى يفرغ من حوائجه ويعد ما يصلحه، فإذا خرج لحاجة فلا يمكث بعد قضائها
شيئًا. وقال عنه ابن نافع: ولا يعتكف إلا من كان مكفيًا حتى لا يخرج إلا لحاجة الإنسان، فإن اعتكف غير مكفي جاز له أن يخرج لشراء طعامه، ثم يرجع ولا يقف مع أحد يحدثه. قال عنه ابن القاسم: ولا بأس أن يشتري ويبيع/ في حال اعتكافه إن كان شيئًا خفيفًا لا يشغله. فصل -7 - [في حكم خروج المعتكف] قال ابن القاسم: وإذا خرج المعتكف يطلب حدًا له أو دينًا، أو أخرج فيما عليه من حد أو دين فسد اعتكافه. وقال ابن نافع عن مالك: إن أخرجه قاض أو غيره لخصومة أو غيرها كارهًا فأحب إلي أن يبتدئ/، وإن بنى أجزأه، ولا ينبغي له إخراجه لخصومة أو غيرها حتى يتم اعتكافه، إلا أن يتبين له أنه إنما اعتكف لواذًا أو فرارًا من الحق فيرى فيه رأيه. قال ابن القاسم: قال مالك: ولا يعجبني أن يصلي على الجنازة وإن كان
في المسجد. قال عنه ابن نافع: وإن انتهى إليه زحام المصلين عليها. م فإن صلى على جنازة في المسجد لم يفسد ذلك اعتكافه؛ لأنه خفيف. ابن حبيب: ولا يخرج للصلاة على جنازة أبويه. قال ابن القاسم في العتبية: إذا مرض أحد أبويه فليخرج إليه، ويبتدئ اعتكافه. قال عنه ابن نافع في المدونة: ولا يعود مريضًا معه في المسجد، إلا أن يصلى إلى جنبه فيسأله عن حاله ويسلم عليه، ولا يقوم لأحد ليهنئه أو ليعزيه في المسجد إلا أن يغشاه ذلك في مجلسه فلا بأس به. ولا يمشي إلى ناس في المسجد ليصلح بينهم، أو ليعقد نكاحًا لنفسه أو لغيره، فإن أتوه في معتكفه فنكح أو أنكح أو أصلح بين قوم فلا بأس به إذا كان خفيفًا. قال عنه ابن القاسم: لا بأس أن يتطيب وينكح. ابن وهب: وقاله عطاء رضي الله عنه، وقال: هو كلام. قال ابن حبيب: ولا يحرم عليه ما يحرم على المحرم، إلا ملامسة النساء فقط. ومن المدونة قال مالك: ولا يشتغل في مجالس العلم، فقيل له: أفيكتب العلم في المسجد؟ فكره ذلك. قال ابن نافع في الكتاب: إلا أن يكون الشيء الخفيف. وإن كان المعتكف حاكمًا فلا يحكم إلا فيما خف.
قال ابن وهب: وسئل مالك رحمه الله أيجلس المعتكف في مجالس العلماء أو يكتب العلم؟ قال: لا يفعل إلا الشيء الخفيف، والترك/ أحب إليه. قال في المجموعة: ولا يخرج لمداواة رمد بعينيه، وليأته من يعالجهما، ولا يخرج لأداء شهادة، وليؤدها في المسجد. قال ابن القاسم: قال مالك: ولا يأخذ المعتكف من شعره، وأظفاره في المسجد، ولا يدخل إليه لذلك حجامًا وإن كان يجمعه ويلقيه. قال ابن القاسم: ولم يكره له ذلك إلا لحرمة المسجد. أبو محمد: ولا أكرهه له في غير المسجد. قال ابن القاسم: وكره مالك للمؤذن المعتكف أن يرقى على ظهر المسجد للأذان. واختلف قوله في صعوده المنار، فمرة قال: لا، ومرة قال: نعم. وجل قوله فيه الكراهة، وذلك رأيي. م وكذلك اختلف قوله في ظهر المسجد. ابن وهب: وكره مالك أن يقيم الصلاة مع المؤذنين؛ لأنه يمشي إلى الأمام، وذلك عمل. وسئل مالك في سماع ابن القاسم أيؤذن المعتكف؟ قال: عساه، وضعفه، وقال: ما رأيت مؤذنا اعتكف، وكأنه كرهه، وذلك رأيي،
وفي سماع أبي زيد وسئل مطرف بن عبد الله أيؤم القوم المعتكف؟ قال: لا بأس بذلك، وقد رأيت الحسن بن زيد اعتكف في المسجد وهو يؤمنا، وكان إذ ذاك أمير المدينة، فلم ينكر ذلك أحد، وقد اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أسمع/ أنه أمر أحدًا يؤمهم، ومحمله عندنا أنه كان يؤم الناس. ومن المدونة قال ابن نافع: وسئل مالك عن المعتكف يدخل البيت لحاجة الإنسان فيلقاه ولده فيقبله أو يشرب ماء وهو قائم، قال: ما أحب ذلك، وأرجو أن يكون في سعة. قيل له: فإن كان بيته قريبًا من المسجد أيأكل فيه؟ قال: لا يأكل ولا يشرب إلا في المسجد أو في رحبته، وأكره أن يخرج منه فيأكل بين يدي بابه، ولا يأكل ولا يقيل فوق ظهر المسجد. قال عنه في المجموعة: وله أن يأكل داخل المنار، ويغلق عليه بابها. قال مالك: ولا بأس أن تأتيه زوجته/ في المسجد فتأكل معه وتحدثه، وتصلح رأسه، ما لم يلتذ منها بشيء في ليل أو نهار. م يريد ويخرج لها رأسه من باب المسجد، قالت/ عائشة رضي الله عنها: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)).
[باب -2 -] في مواضع الاعتكاف وهل يعتكف في الثغور؟
[باب -2 -] في مواضع الاعتكاف وهل يعتكف في الثغور؟ [فصل -1 - في مواضع الاعتكاف] قال الله تعالى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}. قال مالك: ولا يعتكف إلا في المسجد، وقد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف بعده، والإجماع على ذلك. قال مالك: ويعتكف من لا تلزمه الجمعة في أي مسجد شاء؛ لأن الله تعالى قد عم المساجد كلها، فأما من تلزمه وهو في بلد تجمع فيه، فإنما يكره له أن يعتكف في غير الجامع كراهية أن يخرج من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة أو يدعها. قال عبد الملك في المجموعة: فإن اعتكف في غير الجامع، ثم خرج إلى الجمعة فسد اعتكافه. وقال سحنون: وقال أبو بكر بن الجهم: يخرج إلى الجمعة ويتم اعتكافه في الجامع. قال عبد الملك وسحنون: وله أن يعتكف في مسجد غير الجامع أيامًا، يعني قبل مجيء الجمعة، فإن مرض فيها فخرج، ثم صح فجاءت الجمعة وهو في معتكفه فليخرج إليها، ولا ينتقض اعتكافه؛ لأنه دخل بما يجوز له.
م وقال بعض أصحابنا: إذا بقي له بعد صحته أيامًا لا تدركه فيها الجمعة فخرج إلى الجمعة فليتم اعتكافه في المسجد الجامع ولا يرجع إلى معتكفه. ومن «المدونة» قال مالك: وتعتكف المرأة في مسجد الجماعة، ولا يعجبني أن تعتكف في مسجد بيتها، وإنما الاعتكاف في المساجد التي توضع لله، وقال أبو حنيفة: تعتكف في مسجد بيتها. دليله؛ لأنهن مأمورات بالستر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في/ المسجد». ودليلنا: قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}، فعم؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم اعتكف في المسجد فعلى كل معتكف من ذكر أو أنثى التأسي به؛ ولأن كل شرط في الاعتكاف لزم الرجل يلزم المرأة، كالصوم والنية. ومن «المدونة» قال مالك: وليعتكف في عجز المسجد، ولا بأس أن يعتكف في رحابه، ولا يبيت المعتكف إلا في المسجد، إلا أن يكون خباؤه في بعض رحابه، يدل على ذلك قول عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان». [فصل -2 - في الاعتكاف في الثغور] ويعتكف أهل السواحل والثغور فيها - يريد في مساجدها- إن كان زمن أمن
لكثرة الجيوش أو لغير ذلك، فأما في زمان الخوف فلا يدع ما يخرج له من الغزو ويشتغل بغيره من الاعتكاف. قال: ومن اعتكف منهم في زمان أمن ثم نزل الخوف فليخرج، فإذا أمن ابتدأ، ثم رجع فقال: يبني. وكان ربيعة يكره الاعتكاف في مساجد المواجز؛ لأن أهلها رصدة في ليلهم ونهارهم/ فلا اعتكاف أفضل مما هم فيه.
[باب-3 -] في اليمين بالاعتكاف. واعتكاف العبد والمكاتب والمرأة تموت أو تطلق أو يموت عنها زوجها
[باب-3 -] في اليمين بالاعتكاف. واعتكاف العبد والمكاتب والمرأة تموت أو تطلق أو يموت عنها زوجها [فصل-1 - في حكم الاستثناء في الاعتكاف] قال مالك رضي الله عنه: ولا استثناء ولا لغو إلا في اليمين بالله. قال ابن القاسم: فمن قال: إن كلمت فلانًا فعليّ اعتكاف شهر إن شاء الله لزمه إن فعل ذلك، ولا ثنيا له؛ لأن مالكًا قال: لا ثنيا في عتق ولا طلاق ولا مشى ولا صدقه، فهذا مثله. وإن قال: إن كنت دخلت دار فلان فعليّ اعتكاف شهر فذكر أنه دخلها لزمه الاعتكاف. فصل-2 - [في حكم العبد وذات الزوج] قال مالك: ومن أذن لعبده أو لامرأته في الاعتكاف فليس له قطعه عليهما. قال ابن القرطي: وله أن يرجع فيمنعهما منه ما لم يدخلا فيه. قال ابن القاسم: وإذا جعل العبد على نفسه اعتكافًا فمنعه سيده ثم أعتق أو أذن/ له سيده فليقضه. قال ابن عبدوس: قال سحنون/: هذا إذا نذر
اعتكاف أيام بغير عينها، ولو كانت بعينها فمنعه السيد فيها لم يلزمه قضاؤها إن عتق. ومن المدونة قال مالك: ولو نذرت أمة مشيًا إلى بيت الله وصدقة مالها فلسيدها أن يمنعها، فإن عتقت يومًا ما لزمها أن تفعل ما نذرت من مشى أو صدقة إن بقى مالها الذي حلفت عليه في يدها. قال: وإذا نذر العبد والأمة نذرًا يوجباه على أنفسهما، ثم اعتقا لزمهما ذلك، إلا أن يكون السيد قد أذن لهما أن يفعلا ذلك في حال رقهما، فيجوز لهما، وإذا نذر المكاتب اعتكافًا يسيرًا لا ضرر فيه على سيده فليس له منعه، وإن كان كثيرًا يكون فيه ترك لسعايته فله منعه؛ إذ قد يعجز في اعتكافه، فلا يقدر أن يخرجه منه. فصل-3 - : [في المعتكفة تطلق أو يموت زوجها هل تخرج لتعتد في بيتها؟] قال مالك: وإذا طلقت المعتكفة أو مات زوجها فلتمض على اعتكافها، ولا تخرج منه حتى تتمه، ثم ترجع إلى بيت زوجها، فتتم فيه باقي العدة. قال ربيعة: وإن حاضت في العدة قبل أن تقضى اعتكافها خرجت، فإذا طهرت رجعت إلى تمام اعتكافها، فإن سبق الطلاق الاعتكاف فلا تعتكف حتى تحل، وقاله جابر بن عبد الله وابن شهاب. م قيل: فإن نذرت شهرًا بعينه فطُلّقت أو مات زوجها قبله فأخذت في العدة، ثم دخل الشهر فلتمض في عدتها ومبيتها في دارها، وتكون صائمة فيه،
ولا قضاء عليها للاعتكاف لسبق العدة، وذلك عذر كالمرض. م ظهر لي هذا، ثم ظهر لي بعد ذلك أن تخرج إلى المسجد تعتكف فيه؛ لأن الدخول في الاعتكاف كان لازمًا لها قبل العدة، وهى كمن نوت الاعتكاف ودخلت فيه؛ لأن الدخول في الاعتكاف يوجب ما نوى منه، والنذر يوجب ما نذر منه وإن لم يدخل فيه بالفعل، فالنية والدخول مثل النذر المعين/. والله أعلم. ويجوز للمستحاضة أن تعتكف، وقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها ((أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف معه بعض نسائه وهى مستحاضة ترى الدم، فربما وضعت الطست تحتها من الدم.
[باب -4 - ما يوجب الاعتكاف من نذر أو نية وفي أقل الاعتكاف وأكثره
[باب -4 - ما يوجب الاعتكاف من نذر أو نية وفي أقل الاعتكاف وأكثره [فصل-1 - في ما يوجب الاعتكاف من نذر أو نية] قال ابن القاسم: والاعتكاف يجب بالنية والدخول فيه، وبالنذر بلسانه، وإن لم يدخ فيه. قال مالك: فإذا دخل معتكفة/ ونوى أيامًا لزمه ما نوى، وإن نذرها لزمه ما نذر. قال عبد الملك في المجموعة: وله ترك ما نوى قبل الدخول فيه. قال هو وسحنون: فإذا اعتكف في خمس بقين من رمضان ونواها مع خمس من شوال أو دخل فير غيره ينوى عكوف عشرة أيام على ان يفطر منها بعد خمسة أيام يومًا هذه نيته فإنا ننهاه عن ذلك قبل الدخول فيه، فإذا دخل فيه لم يلزمه إلا الخمسة الأولى، ولا يلزمه الأيام التي بعد فطره يريد إلا أن يكون نذرها بلسانه. م وإنما كان يلزمه ما نوى من الاعتكاف بالدخول فيه بخلاف من نوى صومًا متتابعًا فلا يلزمه بالدخول فيه إلا اليوم الأول منه؛ لأن الاعتكاف ليله ونهاره سواء فهو اليوم الواحد من الصوم، وصوم الأيام المتتابعة يتخللها الليل، فصار فاصلًا بين ذلك، وإنما يشبه الصوم جوار مكة الذي ينقلب فيه إلى الليل إلى منزله فيكون الليل فاصلًا بين اليومين، فلا يلزمه بالدخول فيه إلا اليوم الأول منه. ومن المدونة قال مالك: والاعتكاف والجوار سواء، إلا من نذر مثل
جوار مكة يجاور النهار وينقلب الليل إلى منزله، فليس عليه في جواره هذا صيام. قال مالك: ولا يلزمه هذا الجوار بالنية، إلا أن ينذر ذلك فيلزمه، يريد: إلا اليوم الأول، فإنه يلزمه بالنية والدخول فيه، وكذلك إن دخل في اليوم الثاني فإنه يلزمه. م وحُكي لنا عن أبى عمران أنه/ قال: لا يلزمه في هذا الجوار شيء وإن دخل فيه؛ إذ لا صوم فيه؛ لأنه إنما نوى أن يذكر الله تعالى، والذكر يتبعض فما ذكر منه يصح أن يكون عباده، وكذلك لو نوى قراءة معلومة فلا يلزمه جميع ما نوى وإن دخل فيه؛ لأن ما قرأ منه يثاب عليه، فهو بخلاف الصوم الذي لا يتبعض، والعكوف مثله، والله أعلم. قال ابن القاسم: وجوار مكة أمر يتقرب به إلى الله تعالى/ مثل: الرباط والصيام، ومن نذر جوار مسجد، مثل: جوار مكة لزمه في أي البلاد كان إذا كان ساكنًا في ذلك البلد. قال مالك: ومن نذر أن يصوم بساحل من السواحل، كالإسكندرية وعسقلان أو بموضع يتقرب بإتيانه إلى الله، مثل: مكة والمدينة وإيليا لزمه الصوم في ذلك الموضع وإن كان من أهل مكة والمدينة وإيليا. قال في العتبية:
وأما من نذر ذلك في مثل العراق وشبهها فلا يأتيه ويصوم ذلك بمكانه. وقال ابن القاسم: ومن نذر اعتكاف شهر في مسجد الفسطاط فاعتكفه بمكة أجزأه، ولا يخرج إلى مسجد الفسطاط، وليعتكف بموضعه، ولا يجب الخروج إلا إلى مكة والمدينة وإيليا. وإن نذر اعتكاف في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجزئه اعتكافه بمسجد الفسطاط. وقد قال مالك: من نذر أن يأتي مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فليأته؛ للحديث الذي جاء. قال: وهذا لما نذر الاعتكاف فيه قد نذر أن يأتيه، يريد: وكذلك لو نذر بمسجد مكة وإيليا فليأتهما لذلك، ولا يجزئه في غيرهما. م ولو نذر اعتكافًا بساحل من السواحل فليعتكف بموضعه، بخلاف الصوم؛ لأن الصوم لا يمنعه من الحرس والجهاد، والاعتكاف يمنعه ذلك، إلا بقطع ما هو فيه من الاعتكاف، فاعتكافه بموضعه الذي هو فيه أفضل.
فصل-2 - : [في أقل الاعتكاف وأكثره] وقد اعتكف الرسول صلى الله عليه وسلم العشر الأواخر من رمضان. قال/ ابن القاسم: وقد بلغني عن مالك أنه قال: أقل الاعتكاف يوم وليلة، فسألته عنه: فقال: أقله عشرة أيام، وذلك رأيي لا ينقص من عشرة أيام؛ لأن النبي صلى الله عليه لم ينقص منها، ولكن إن نذر أقل من ذلك لزمه. وسئل مالك في العتبية عن اعتكاف يوم أو يومين قال: ما أعرف هذا من اعتكاف الناس. قال ابن القاسم: وقد سئل عنه قبل ذلك فلم ير به بأسًا، وأنا لست أرى به بأسًا؛ لأن الحديث قد جاء ((أقل الاعتكاف يوم وليلة)). ومن المدونة: وأما في النذر فيلزمه ما نذر، فمن نذر اعتكاف يوم لزمه ليلة ويوم؛ لأنه اليوم التام والليلة السابقة لليوم، وذلك أقل ما يصح فيه الصوم؛ ولذلك قال مالك: إن أقل الاعتكاف يوم وليلة، وقاله ابن عمر. وإن نذر اعتكاف ليلة لزمه أيضًا يوم وليلة. وقال سحنون: لا شيء عليه إن نذر اعتكاف ليلة منه؛ إذ لا صيام في الليل. وقال أبو السح/ بن القابسي في كتابه الممهد: إن نوى بنذره اعتكافًا على سبيل العكوف الشرعي الذي لا يقرب فيه النساء، فيلزمه ليلة ويوم، وإن نوى
أن يكون معتكفًا على ذكر الله تعالى ولم يُرد العكوف الشرعي، فلا يلزمه إلا ما نوى بنذره. قال سحنون: وأما من نذر اعتكاف يوم لزمه ليلة ويوم، ويدخل معتكفة عند غروب الشمس من ليلته، وإن دخل قبل الفجر فاعتكف يومه لم يجزئه، وإن أضاف الليلة المستقبلية لم يجزئه، ويومه الأول ساقط، وعليه اليوم الثاني مع الليلة المتقدمة، فيجزئه. م أراه؛ لأنه نذر اعتكاف يوم فيلزمه يوم تام، وذلك ليلة ويوم. وأما لو نوى اعتكاف يوم فيدخل فيه قبل الفجر لأجزأه، وكذلك قال الأبهري. وقال عبد الوهاب: ويستحب لمريد الاعتكاف أن يدخل معتكفة قبل غروب الشمس من أول ليلة من اعتكافه ليكمل له اليوم بليلته، فإن دخل بعد الغروب وقبل/ طلوع الفجر في وقت ينوى فيه الصوم أجزأه؛ لأن الليل كله وقت لنية الصوم، فأى وقت نوى فيه أجزأه. م فيحمل هذا على أنه نواه، وقول سحنون على أنه نذره، ولا يكون اختلاف/ قول. م وظاهر الرواية أنهما قولان مختلفان يدخلان في النذر أوالنية. والله أعلم. فصل-3 - : [السنة في الاعتكاف التتابع] والسنة في الاعتكاف التتابع. قال ابن القاسم: فمن نذر اعتكاف شهر أو ثلاثين يومًا فلا يفرقه وليعتكف ليله ونهاره، ومن نذر اعتكاف شعبان فمرضه كله
فلا قضاء عليه، مثل من نذر صومه، وإن فرط فيه فعليه القضاء. وقد قال مالك في من نذر حج عام بعينه أو صوم شهر بعينه فمرضه أو حبسه أمر من الله تعالى لم يطق ذلك فيه، فلا قضاء عليه، فالاعتكاف مثله. وإن نذرت امرأة اعتكاف شعبان فحاضت فيه فإنها تصل القضاء بما اعتكفت قبل ذلك، فإن لم تصل ابتدأت. قال ابن عبدوس: فإذا حال بينها وبين القضاء رمضان فلا يجزئها أن تعتكف فيه؛ لأن صومه واجب، فلا يجزئها عن نذرها، ولكن تبقى في حرمة العكوف حتى يخرج رمضان وتفطر يوم الفطر وتصل قضاء ما بقى عليها بعد يوم الفطر متصلًا به. وقال ابن عبدوس: وكذلك من مرض بعضه بعد الدخول فيه، بخلاف النذر لصومه خاصة؛ لأن هذا لما دخل فيه بقى حكم العكوف عليه، وإن لم يكن صائمًا، ولا عكوف بغير صوم، فلزمه القضاء، فإذا لم يكن دخل فيه لم يلزمه قضاء ما مرض منه. يريد: وكذلك لو حاضت المرأة قبل الدخول فيه فلا يلزمها أيضا قضاء. قال: وأما من نذر اعتكاف رمضان فمرضه كله فعليه في قضائه أن يعتكفه؛ لأن هذا يلزمه قضاء الصوم، فلما وجب الصوم وجب الاعتكاف، هذا معنى ما ذكر/ ابن عبدوس. وذكر ابن سحنون عن أبيه في ناذر اعتكاف رمضان مثله، وقال: وأما غير رمضان فلا يقض حائض أو مريض أيام الحيض أو المرض كان قد دخل فيه أم لا؛ لأنه لما لم يلزمه قضاء الصوم
سقط عنه بذلك الاعتكاف. م والصواب قول ابن عبدوس أن يلزمه القضاء إذا مرض بعد الدخول فيه، كمن نذر حج عام بعينه فأحرم له، ثم مرض بعد الإحرام حتى فاته الحج فإنه يلزمه قضاؤه، فكذلك الاعتكاف إذا مرض بعد الدخول فيه، والله أعلم. ومن «المدونة» قال ابن القاسم: ومن نذر اعتكاف أيام التشريق فكناذر صومها لا يلزمه، إلا اليوم الرابع منها، وإن نذر اعتكاف أيام النحر فلا شيء عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيامها، ولا اعتكاف إلا بصوم. قال عبد الملك في من نذر اعتكاف العشر الأول من ذي الحجة فمرض في بعضها ثم صح فليرجع، ويفطر يوم العيد وأيام التشريق، ويخرج يوم العيد ويرجع/ إلى المسجد، وإن كانت امرأة أو عبدًا فلا يخرجان. ومن «المدونة» ابن وهب: قال مالك: وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حين اعتكف وسط الشهر يرجع إلى أهله حين يمسي من آخر اعتكافه، وإنما يجلس حتى يصبح من اعتكف في العشر الأواخر وتلك السنة أن يشهد العيد من مكانه ثم يرجع إلى أهله، واستحب مالك حديث أبي سعيد الخدري، وقال عليه:
رأيت الناس أن من اعتكف العشر الأواخر من رمضان دخل معتكفه حين تغرب الشمس من ليلة إحدى وعشرين فيصلي فيه المغرب، ثم إذا كان يوم الفطر فلا يذهب إلى بيته يلبس ثيابه، ولكن يؤتى بها إلى المسجد، فيلبس، ثم يخرج منه إلى العيد، ثم يرجع من المصلى إلى أهله. ومن غير «المدونة» ولا يدخل الحمام لغسل العيد، ولكن يغتسل/ بموضع كان يتوضأ فيه. وقال ابن القاسم: فإن خرج ليلة الفطر من معتكفة فلا قضاء عليه. وقال سحنون في «العتبية»: إذا خرج ليلة الفطر من معتكفه فسد اعتكافه؛ لأن ذلك سنة مجتمع عليها، يريد: في مبيته/ ليلة الفطر في معتكفه، وقاله عبد الملك. وقال عبد الملك: وإذا فعل في ليلة الفطر ما ينقض الاعتكاف بطل اعتكافه لاتصالها به كاتصال ركعتي الطواف به، ولو انتقض فيها وضوءه بطل الطواف. وقال سحنون في كتاب ابنه عن قول عبد الملك: هذا خلاف قول ابن القاسم وغيره، ولا أقول به. أبو محمد: وهذا خلاف قوله في «العتبية». م وهو الذي استحب ابن القابسي، وأنكر قول العتبي: أن ذلك سنة
مجتمع عليها. قال: وقد قال مالك في موطئه في رجوعه إلى أهله بعد شهود العيد، وهذا أحب ما سمعت إليّ، وهذا إنما يقوله فيما سمع فيه اختلافًا. قال عبد الملك في المجموعة: وإذا دخل في اعتكافه قبل الفجر فلا يحسب ذلك اليوم فيما ألزم نفسه من الاعتكاف، فإن كان عشرة أيام فليأتنفها بعده بلياليها، إلا أنه في هذا اليوم الذي ترك بعض ليلته معتكف يلزمه ما يلزم المعتكف، وكذلك في العقيقة لا يحسب فيها مثل ذلك. سحنون: إذا ولد قبل الفجر فإنه محسوب. ومن المدونة قال مالك: ومن نذر اعتكافًا فمات لوم يفعله وأوصى أن يطعم عنه فليطعم عنه عدد الأيام أمدادًا مدًا بمد النبي صلى الله عليه وسلم لكل مسكين، ولو نذره وهو مريض لا يستطيع الصوم، ثم مات قبل صحته وأوصى بالإطعام إن لزمه، فلا شئ عليه.
[باب-5 -] جامع ما جاء في ليلة القدر
[باب-5 -] جامع ما جاء في ليلة القدر ابن وهب قال مالك: سمعت من أثق به يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرى أعمار الناس فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل ما بلغه غيرهم من طول العمر فأعطاه الله عز وجل ليلة القدر خير من ألف شهر. وقال مالك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ((التمسوا ليلة القدر في التاسعة والسابعة والخامسة))، قال: أرى -والله أعلم- أنه أراد بالتاسعة من العشر الأواخر ليلة إحدى وعشرين، والسابعة ليلة ثلاث وعشرين، والخامسة ليلة خمس وعشرين، يريد في هذا على نقصان الشهر، وكذلك ذكر ابن حبيب. وذكر البخاري عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ((في التاسعة لتسع بقين، وفي الخامسة لخمس بقين، وفي الثالثة لثلاث بقين، فينبغي على هذا أن يتحرى اليومين على النقصان والتمام. قال ابن حبيب: وأن عبد الله بن أبى أنيس الجهني قال: يا رسول الله إني
شاسع الدار فمرني بليلة أنزل لها فقال عليه السلام: أنزل ليلة ثلاث وعشرين من رمضان. قال مالك: وبلغني أن ابن المسيب قال: من شهد العشاء الآخرة/ ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها. وفي الأحكام اختصار بكر القاضي عن ابن المسيب ((من صلى المغرب والعشاء في جماعة فقد أصاب ليلة القدر أو وافق القدر، فزاد المغرب وبين شهودها يعنى في الجماعة. قال بعض أصحابنا: وإنما أريد بذلك أنه نال منها حظًا، وليس يكون له ثواب من قامها واجتهد فيها، وقال: والله عز وجل أعلم. قال ابن حبيب: وروى أن ليلة القدر هي الليلة المباركة في قوله سبحانه:
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}. وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}. يعنى القرآن جملة إلى سماء الدنيا، ثم أنزل بعد ذلك شيئًا فشيئًا. وجعلها الله عز وجل خيرًا من ألف شهر في تفضيل العمل فيها، وأخفاها ليجتهد في إصابتها لتكون أكثر لأجورهم. والذي كثرت فيه الأخبار أنها من رمضان في العشر/ الأواخر. وقد جاء ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله فيهن/)). وروى أنه كان يغتسل في كل ليلة منهن، ويحييهن، وروى أنها في السبع الأواخر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((التمسوها في كل وتر)). فتأول أبو سعيد
الخدري أنها ليلة إحدى عشرين، من قوله صلى الله عليه وسلم: ((لقد رأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين، قال الخدري: فرأيت أثر الطين في جبهته وأنفه في صبيحة هذه الليلة، وقال صلى الله عليه وسلم للذي قال: إني شاسع الدار فمر لي بليلة أنزل فيه، فأمره أن ينزل ليلة ثلاث وعشرين، وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد اجتهادًا من سائر الشهر، وكان يقوم في غيرها وينام، وكان يحي ليلة ثلاث وعشرين وليلة أربع وعشرين. قال ابن حبيب: يتحرى أن يتم الشهر أو ينقص فيتحراها في أول ليلة من السبع البواقي، فإذا كان الشهر تامًا كان أول السبع ليلة أربع وعشرين، وإن نقص فأول السبع ليلة ثلاث
وعشرين. وكان ابن عباس يحي ليلة ثلاث وعشرين وليلة أربع وعشرين على هذا، وقال: إنها لسبع بقين تمامًا. وقال عنه غير ابن حبيب: إنها ليلة سبع وعشرين. وروى ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وروى عن ابن عباس رضي الله عنه أنها ليلة سبع وعشرين، وعد السورة كلمة كلمة فكانت الكلمة السابعة والعشرون (هي)، وبقي تمام السورة حتى مطلع الفجر. قال ابن حبيب: وكان ابن مسعود فيما روى عنه يقول: إنها في الشهر كله، وروى عنه أنها في السنة كلها فمن قام السنة أصابها، فقال أبي بن كعب رضي الله عنه: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد علم أنها في شهر رمضان ولقد عمى على الناس لكي لا يتكلوا، فوالذى أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم إنها لفي شهر رمضان، وإنها لفي ليلة سبع وعشرين، قلت: بم علم ذلك؟ قال: الآية التي أتانا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بها./ قلت: وما الآية قال: أن تطلع الشمس
غداة إذ ليس لها شعاع. قال ابن الهاد: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر أكانت مرة؛ ثم رفعت أم هي في كل سنة؟ قال: بل هي في كل سنة من شهر رمضان في العشر الأواخر.
[صفحة مكررة في الأصل المطبوع]
[باب-6 -] في صيام العشر ويوم التروية ويوم عرفة ويوم عاشوراء
[باب-6 -] في صيام العشر ويوم التروية ويوم عرفة ويوم عاشوراء قال ابن حبيب: ومما روى من الترغيب في صيام العشر ويوم التروية ويوم عرفة ويوم عاشوراء/ أن صيام يوم من العشر كصيام شهرين من غيره، وأن صيام يوم التروية كصيام سنة، وصيام يوم عرفة كصيام سنتين، وأن العمل في العشر أفضل من سائر السنة، وقيل إن يوم عرفة هذا هو اليوم المشهود، ولما روى من تجاوز الله عز وجل فيه عن العباد. قال: وفطره للحاج أفضل ليقوى فيه على الدعاء، وقاله عمر بن الخطاب رضي الله
عنه، وأفطر النبي صلى الله عليه وسلم في الحج. فصل-1 - [في صيام يوم عاشوراء] وصيام يوم عاشوراء مرغب فيه، وليس بلازم، ويقال: إن فيه تيب على آدم واستوت سفينة نوح على الجودي، وفلق البحر لموسى ابن عمران عليه السلام، وأغرق فرعون وقومه، وفيه ولد عيسى بن مريم، وفيه خرج يونس من بطن الحوت، وفيه خرج يوسف من الجب، وتاب الله عز وجل على قوم يونس
وفيه تكسا الكعبة في كل عام. وقد خص بشيء لم يخص به غيره من الأيام أن من يبيت صومه حتى أصبح أن له أن يصومه أو باقية إن كان أكل. روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن غير واحد من السلف. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يوالى صوم اليومين خوفًا أن يفوته، وكان يصومه في السفر. وفعله ابن شهاب رضي الله عنه. وجاء الترغيب من النبي صلى الله عليه وسلم في النفقة فيه على العيال. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من وسع على أهله يوم عاشوراء أوسع الله عليه سائر/ السنة. وأن أهل مكة والمدينة يتحرون ذلك
اليوم حتى كأنه يوم عيد. قال قتادة: وبلغني أن صيام يوم عاشوراء يكفر ما ضيع الرجل من زكاة ماله. قال ابن حبيب/:يريد: بنسيان أو نقصان. فصل-2 - [في صيام الأشهر الحرم] روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صام الأشهر الحرم وهى المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة، وقد خصها الله تعالى وفضلها، ويقال: تضاعف فيها السيئات كما تضاعف الحسنات، ورغب أيضًا في صيام يوم سبعة وعشرين من رجب فيه بعث النبي صلى الله عليه وسلم ويوم خمسة وعشرين من ذي القعدة أنزلت الكعبة على آدم
ومعها الرحمة، وفي أول يوم من عشر ذي الحجة ولد إبراهيم عليه السلام. [فصل-3 - في صيام شعبان] وقد رغب في صيام شعبان وكان صلى الله عليه وسلم يصوم فيه أكثر من غيره، وقيل: فيه ترفع الأعمال، ورغب في صيام يوم نصفه وقيام تلك الليلة. [فصل-4 - في فضل الصيام. وما ينبغي أن يكون الصائم] وروى عن النبي صلى لله عليه وسلم أنه قال: الصيام باب العبادة، وجنة من
النار، وإن في الجنة بابًا يقال له: الريان يدخل منه الصائمون، وخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك. وقال أبو هريرة/ ومن فطر صائمًا فله مثل أجره. وجاز أن يقول الرجل: إني صائم معتذرًا ولا يقوله متزينًا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: للذي قال: ما أفطرت منذ كذا ((ما أفطرت ولا صمت))، وأمر صلى الله عليه وسلم أن يفطر على تمر فإنه بركة، أو على ماء فإنه طهور. وقال صلى الله عليه وسلم: من لم يدع في صيامه قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه. وينبغي أن ينزه صومه عن الرفث والخنا واللغو والمنازعة والمراد الغيبة.
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الأول [الباب الأول] في فرض الزكاة، وما تجب فيه، وشرط وجوبها، وحكم زكاة الذهب والورق [فصل 1 - دليل فرضيتها وشروط الوجوب] والزكاة فريضة، وهي في العين والحرث والماشية. وشروط وجوبها أربعة: الإسلام والحرية والنصاب: وهو ما تجب فيه الزكاة، وتمام الحول وهو في العين بمضي عام، وفي الحرث تمام حصاده كما قال الله تعالى، وفي الماشية مضى عام مع مجئ الساعي، فمتى سقط شرط شئ من ذلك لم تجب. وفرضها في كتاب الله عز وجل: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) وقال تعالى:
(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، وقوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ)، وقوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((بني الإسلام على خمس)) فذكر: ((وايتاء الزكاة))، وقتال أبي بكر لأهل الردة في منع الزكاة. ولا خلاف في وجوبها في الجملة، وإنما سقطت عن الكفار؛ لأن أول ما يخاطبون بالإسلام فإذا أسلموا خوطبوا بشرائعه. وإنما سقطت عن العبد، لقوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)، والعبد غير تام الملك في الحقيقة. وإنما وجبت بالحول؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول))،
وبه عملت الأئمة والسلف، ولا خلاف في ذلك. وأمّا بالنّصاب، فلقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس فيما دون خمس أواقِ من الورق صدقة)). [فصل 2 - في نصاب الفضة] قال مالك: فأوقّية الفضّة أربعون درهماً، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ليس
فيما دون مائتي درهم زكاة))، فصح بذلك أن الأوقية أربعون درهما،. وقال في خديث آخر: وفي المائتي درهم خمسة دراهم، وفي العشرين مثقالاً ذهباً نصف مثقال)). وروى ابن وهب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((هاتوا إلىّ ربع العشر من كل أربعين درهماً درهماً، وليس عليك شئ حتى يكون لك مائتا درهم، فإذا كانت لك وحال عليها الحول ففقها خمسة دراهم، وليس عليك شئ حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كانت لك وحال عليها الحول ففيها نصف دينار فما زاد فبحساب ذلك))، شكّ الراوي: أعليّ يقول: ((بحساب ذلك))، أم النبي صلى الله عليه وسلم
وروى ابن مهدي أن علي بن أبي طالب قال: ((في كل مائتي درهم خمسة دراهم فما زاد فبحساب ذلك)). وهى حُجّتنا على أبي حنيفة في قوله: لا شئ في الزيادة حتى تكون أربعين درهما، أو أربعة دنانير. ودليلنا- أيضاً- قوله: ((ليس فيما دون خمس أواق صدقة))، فدلّ على وجوب الزكاة فيها وفيما زاد عليها. ولأنها زيادة على نصاب يمكن إخراج ربع عشرها كالأربعين درهما والأربعة دنانير التي يوافقنا فيها.
ولأنها زيادة على نصاب فلم تكن عفواً؛ كالزيادة على خمسة أوسق في زكاة الحرث، وهو يوافقنا في ذلك. [فصل 3 - في نصاب الذهب] قال أبو محمد: وأجمعت الأمة على ألا زكاة من الذهب في أقلّ من عشرين ديناراً، وأن في العشرين نصف دينار، وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً، وإن كان حديثاً ليس بالقوي إلا أن الناس تلقوه بالعمل.
وروى أشهب في العتبية عن مالك أن ليس لأوقية الذهب وزن يعلم، ولأشهب في كتابه أربعة دنانير. قال أبو عمران: لعله جعل الأربعة دنانير مقام الأربعين درهماً؛ لأن صرف الدينار عشرة دراهم. فصل [4 - النقصان اليسير في النَصاب] قال مالك في المختصر وغيره: ومن له عشرون ديناراً تنقص نقصاناً يسيراً وتجوز بجواز الوزانة ففيها الزكاة، وليس في أقل من زكاة، وكذلك في نقصان المائتي درهم. قال في موضع آخر: وذلك أن تختلف الموازين فتكون وازنة في ميزان، وناقصة في
آخر الحبة ونحوها، فأما ما تنقص نقصاناً بيَناً في كل ميزان فلا زكاة فيها. وقال في كتاب ابن المواز: إذا نقصت نقصاناً بيَناً فلا زكاة فيها إلا أن تجوز بجواز الوزانة؟ قال: فيها الزكاة. وقال ابن حبيب: إذا نقصت العشرون في العدد ديناراً، أو نقصت المائتا درهم درهماً فلا زكاة فيها، وإن لم تنقص في العدد ونقصت في الوزن أقل مما ذكرنا أو أكثر وهى تجوز بجواز الوازنة بالبلد فرادى ففيها الزكاة. وقا ابن الماجشون: وما جاز من الناس من الفرادى بجواز المجموع فله حكمه
في الزكاة. قال ابن حبيب: وكذلك من له بهذا البلد فضة وزنها مائتا درهم بهذه الدراهم الفرادى التي تجوز بجواز الوزانة فليزكها ربع عشرها، وكذلك الذهب، وما لا يجوز بجواز الوازنة فحكمه حكم تِبْره. م: وما في المختصر أشبه بالحديث، وهذا أحوط للزكاة، وبيان ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس فيما دون مائتي درهم زكاة))، فقد نفى أن يكون في أقلّ من ذلك زكاة، فإذا نقصت نقصاناً كثيراً فليست بمائتي درهم في الحقيقة، وأما إذا نقصت نقصاناً يسيراً في بعض الموازين، وكانت في غيره وازنة وجبت زكاتها؛ لأن من أصلنا الاحتياط، وأيضاً فإن بعض الموازين أثبتت زكاتها، وبعضها نفى، فالمصير إلى الذي أثبت أولى إذْ ليس في الحديث أن تكون وزانة في كل الموازين، وهذا كشهادة أثبتت حقاً وشهادة تنفيه أنَ المصير إلى الذي أثبتت أولى، كشاهدين شهدا أن قيمة هذا العَرض في السرقة ثلاثة دراهم، وشهد شاهدان أنّ قيمته درهمان أن القطع واجب، فكذلك هذا. ووجه ما في كتاب ابن الموَاز، وغيره أنها وإن نقصت كثيراً وكانت تجوز بجواز الوزانة، فقد صار لها حكم الوازنة في الاسم والمنفعة، وهو المراد من المال، فوجب زكاتها حوطة للزكاة، ألا ترى أنهم قالوا: لا يجوز التفاضل في خبز الأرز بخبز الحنطة
لاجتماعهما في الاسم وتقاربهما/ في المنفعة، وجعلوا حكمهما واحداً وإن كان أصلهما مختلفاً يجوز فيه التفاضل فالدراهم أحرى أن يكون حكمها واحداً إذ أصلها واحد وجمعها الاسم والنفع، وبالله التوفيق. [فصل 5 - ما زاد على النصاب أخذ منه بحسابه] ومن المدونة: قال مالك: وما زاد على مائتي درهم أو عشرين ديناراً مما قلّ أو كثر أخذ منه ربع عشره. وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. م: ابن الجهم: وقاله ابن عمر أيضاً مع ما يمكن من لفظ الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
[فصل 6 - يضم الذهب إلى الفضة في الزكاة] قال مالك: ويجمع بين الذهب والفضة في الزكاة كما يجمع في زكاة الماشية الضأن إلى المعز، والجواميس إلى البقر، إلى الإبل العراب. وقال الشافعي: لا يجمع بين الذهب والفضة. ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: ((في الرقة ربع العشر))
فعم، ولأنهما متفقان في المقصود منهما في أنهما أصلان للأثمان وقيم المتلفات، فوجب جمعهما كما تجمع الضأن إلى المعز، والجواميس إلى البقر، والبخت إلى الإبل العراب لتقارب بعضها من بعض، ولا خلاف بيننا في هذا. ومن المدونة: قال مالك: ومضى أن صرف دينار الزكاة عشرة دراهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس في أقلّ من مائتي درهم زكاة، وفي المائتي درهم خمسة دراهم، وفي العشرين ديناراً نصف دينار))، فقرن العشرين ديناراً بالمائتي درهم، فعلم أن الدينار بعشرة دراهم، وذلك سنّة ماضية. قال مالك: فمن له مائة درهم وعشرة دنانير، أوله مائة درهم، وعشرة دراهم، وتسعة دنانير فعليه الزكاة، ويخرج ربع عشر كل صنف منهما، قال: ولا تقام الدنانير بالدراهم. قال مالك: ومن كان له دنانير مكسورة وتبر، وزن جميع ذلك عشرون ديناراً
زكى، ويخرج ربع عشر كل صنف، وكذلك الدّراهم والتبر. قال: وله أن يخرج في زكاة الدنانير دراهم بقيمتها، ويخرج عن الورق ذهباً بقيمته، وكذلك في المختصر، وكتاب ابن المواز عن مالك، قال ابن المواز: بقيمته قلّت أو كثرت، وقال ابن حبيب: ما لم تنقص قيمة الدينار من عشرة دراهم فلا ينقص منها، فإن زاد أخرج القيمة الزائدة. قال أبو محمد: قول ابن المواز أصوب. قال عبد الوهاب: وقيل يخرج بالتعديل على حساب المثقال بعشرة دراهم. قال: فوجه رواية ابن المواز؛ فلأن ذلك معاوضة في حق فكانت بالقيمة كسائر المعاوضات، ووجه قول ابن المواز؛ فلأن ذلك معاوضة في حق فكانت بالقيمة كسائر المعاوضات، ووجه قول ابن حبيب أن الأصل إخراج النوع من نوعه وإنما سمومح أن يخرج أحدها عن الآخر فيجب ألا يدخل الضرر على المساكين بنقصانه عن القيمة الشرعية، ووجه الثالثة أن الإخراج في هذه المواضع فرع لأصل الضم بالتعديل إن
عدل الدينار بعشرة دراهم، والعشرة دراهم بدينار، فكذلك الإخراج، والله أعلم. قال ابن عبدوس: قال سحنون: وخروجه عن الذهب ورقاً أجوز من خروجه عن الدراهم ذهباً؛ لأنه قد يرى في الدينار تفرقته على جماعة فيصرفه على ذلك، قال عنه ابنه: فإن وجد في الدراهم رديئاً ولم يجد الذي صرفه منه فعلى المزكي أن يبدله للمساكين. قال ابن مزين: كره ابن القاسم،
وابن كنانه أن يخرج دنانير عن دراهم، قال ابن القاسم: إلا أن يعطي المديان ديناراً يؤديه في دينه، ويعلم أن ذلك نظر للمديان فلا بأس به. قال ابن المواز: وإن أراد أن يخرج عن الفضة الرديئة قيمتها دراهم جياداً فلا يجزئه؛ لأنه يخرج أقل من الوزن الذي وجب عليه، ولكن يخرج منها / بعينها أو قيمة ذلك من الذهب الجيد، وكذلك في الذهب الردئ إنما يخرج منه بعينه وإلا فقيمة ذلك من الدراهم الجياد.
[الباب الثاني] في زكاة ربح النقد، والنسيئة ومن اشترى ببعض ماله وأنفق البعض
[الباب الثاني] في زكاة ربح النّقد، والنسيئة ومن اشترى ببعض ماله وأنفق البعض [فصل 1 - يًضم الربح إلى أَصْل المال في تكميل النصاب] قال ابن القاسم: من كانت عنده عشرة دنانير فتجر فيها فصارت بربحها عشرين ديناراً قبل الحول بيوم فليزكها لتمام الحول؛ لأن ربح المال منه، وحوله حول أصله كان الأصل نصاباً أم لا، كولادة الماشية. قال ابن المواز: قال ابن وهب عن مالك فيمن بيده مائة دينار فاشترى بها سلعة ثمّ باعها قبل أن ينقد ثمنها فربح ثلاثين ديناراً وقد حال على مائته الحول أنه يزكي الربح مع المائة التي كانت بيده، ولو لم تكن بيده تلك المائة كان ربحه فائدة. وقال عنه أشهب في الذي عنده المائة يزكي الآن مائة ويأتنف بالربح حولاً من يوم ربحه وصار له إن كان فيه الزكاة. قال ابن المواز: وأحب إلى أن يكون حول الربح من يوم ادّان واشترى. قا ابن القاسم: والى هذا رجع مالك أن حول الربح من يوم ادان الأصل؛ لأن ثمنها في ذمته، والمائة التي في يديه لم تصل إلى البائع، ولا ضمنها، ونيته أن ينقدها في غد أو إلى شهر سواء، ولا ينبغي أن يشترط أن ينقدها بعينها لأنه ضامن لها.
م: يريد فالربح ليس للمائة فيزكيه لحولها وإنما هذا اشترى سلعة بدين في ذمته فإذا حلّ حول المائة جعل ما يقابل المائة من السلعة في دينه إن لم يكن له مال غير ذلك وزكى مائة، فإذا باع السلعة بعد حول من يوم الشراء زكى الربح مكانه ولم يزك ما قابل المائة الذي كان جعله في دينه إلا أن يكون مضى حول من يوم زكى المائة فيزكي بقيتها مع الربح، وإن باع قبل الحول من يوم الشراء تربّص بالربح تمام الحول من يوم الشراء فيزكيه حينئذ. م: واستحب محمد في باب المديان أن يزكي الربح على حول مائته إذا كان اشتراؤه للسلعة على أن ينقد مالها فيها. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا مضى لعشرة دنانير عنده حول فاشترى منها سلعة بخمسة، ثم أنفق الخمسة الباقية، ثم باع السلعة بعد ذلك بأيام أو سنة أو سنتين بخمسة عشر، فإنه يزكي عن عشرين، وهو كمن أقرض رجلاً عشرين ديناراً، ثم اقتضى منها خمسة بعد ستة أشهر، ثم اقتضى الخمسة عشر الباقية بعد ذلك فإنه يزكي حينئذ نصف دينار، قال: ولو أنفق الخمسة قبل شراء السلعة، ثم اشتراها بالخمسة الباقية فباعها بخمسة عشر فلا زكاة عليه حتى يبيعها بعشرين. سحنون: وقال غيره: عليه الزكاة أنفق قبل الشراء أو بعده؛ لأنه مال واحد وأصل واحد على جميعه الحول، ولو لم يتم حول العشرة حتى اشترى منها سلعة ثم باعها فلا يزكي حتى يبيع بعشرين، كانت النفقة قبل الشراء، أو بعده؛ لأن ما أنفق قبل الحول لا يحسب، فكما لا يحسب ما أنفق قبل الحول فكذلك لا يترك أن يحسب ما أنفق بعد الحول في الشراء أو بعده.
قال أبو محمد: أراه المغيره: وكذلك يقول ابن حبيب وأشهب لا يوجبها أنفق قبل الشراء أو بعده حتى يبيع بعشرين. م: وجرى ابن القاسم، وأشهب في هذه المسئلة على اختلاف روايتهما عن مالك في المسئلة المتقدمة في الذي عنده مائة فابتاع بها سلعة، ثمّ باعها قبل أن ينقد ثمنها فربح ثلاثين، ففي رواية ابن القاسم رأى أن الربح كان ما ملكه من يوم الشراء، فجعل الحول منه، وكذلك جعل في هذه المسئلة أن الربح كان مالكاً له من يوم الشراء وإنما البيع كشفه، فلذلك زكى إذا باع بخمسة عشر؛ /لأنه كان بيده خمسة مع هذه الخمسة عشر. وفي رواية أشهب في تلك رأى أن حول الربح من يوم ربحه، فكذلك رأى في هذه ألا زكاة عليه حتى يبيع بعشرين؛ لأنه يوم الربح ملكه وقد أنفق الخمسة قبل الربح، فكل واحد قاس على روايته عن مالك. قال ابن المواز: ومن أفاد عشرة دنانير فأسلف منها خمسة، ثم اشترى بخمسة منها سلعة فباعها للحول بخمسة عشر فأنفقها ثمّ اقتضى الخمسة، فقال ابن القاسم، وأشهب: يزكي الآن عشرين من هذه الخمسة.
ومن المدونة قال مالك: ومن له عشرة دنانير فباعها بعد الحول بمائتي درهم زكّاها ساعتئذ، كمن باع ثلاثين ضائنة بعد الحول وقبل مجئ الساعي بأربعين من المعز، أو باع عشرين جموساً بثلاثين من البقر، أو باع أربعة من البخت بخمسة من الإبل العراب، فإن الساعي يأخذ منها الزكاة إذا قدم.
[الباب الثالث] فيمن حل زكاة ماله فلم يزكه حتى ابتاع به سلعة، أو ضاع
[الباب الثالث] فيمن حل زكاة ماله فلم يزكه حتى ابتاع به سلعة، أو ضاع قال مالك: وإذا تم حول عشرين ديناراً عنده فلم يزكها حتى ابتاع بها سلعة فباعها لتمام حول ثان بأربعين زكى للعام الأول نصف دينار، وزكى تسعة وثلاثين ونصفاً لعامه هذا، قال ابن القاسم: إلاّ أنْ يكون عنده عرض يسوى نصف دينار، فيزكى عن عامه هذا أربعين. قال مالك: ولو باعها قبل تمام حول ثان ٍ بثلاثين زكّى نصف دينار عن السنة الأولى ثم استقبل بتسعة وعشرين ونصف حولاً من يوم حل حول العشرين. ابن المواز: وقال ابن عبد الحكم عن مالك: يزكي العشرين ديناراً نصف دينار عن السنة الأولى، ثم يستقبل بالربح حولاً من يوم ربحه، ورواه أشهب عن مالك أيضاً أنه يستقبل بالربح حولاً من يوم ربحه.
قال أشهب: ولست أرى ذلك، ولكني أرى أن يزكي هذا الربح على حول العشرين الأولى؛ لأن ربحها منها. م: يريد: أنه يزكيه لتمام حول من يوم حل حول العشرين كقول ابن القاسم. قال ابن المواز: وهذا هو أصل قول مالك الذي عليه أصحابه. ومن المدونة قال مالك: ومن اشترى بمال حل حوله قبل أن يزكيه خادماً فماتت فعليه زكاته. قال: وكذلك لو حلّ حول المال بيده ففرّط في إخراج زكاته حتى ضاع فإنه يضمن زكاته، وإن لم يفرط حتى ضاع كلّه أو بقي منه تسعة عشر ديناراً فلا زكاة عليه. م: وقال ابن الجهم يزكي التسعة عشر فيخرج ربع عشرها؛ لأنه لما حال حول ماله وجب للمساكين ربع عشره، فما ضاع فمنه ومنهم، وما بقي فبينه وبينهم كالشركاء. م: وهذا هو القياس. ووجه قول مالك: أنه لما كان له أن يعطيهم زكاته من غيره لم يتعين حقَهم فيه، ولما ضاع بغير تفريط فقد ضاع قبل إمكان إخراج زكاته فهو كضياعه قبل حوله، فلذلك لم يجب عليه زكاة ما بقي.
م: ومن كتاب ابن المواز قال مالك: ومن أخرج زكاته بعد محلها بأيام يسيرة فهلكت فإنه يضمنها. قال ابن المواز: وأما لو أخرجها بعد الحول بيوم وشبهه فتلفت فأرجو أن لا يكون عليه غيرها. قال مالك: ولو أخرجها ايضاً قبل الحول بأيام يسيرة فتلفت فإنه يضمنها، قال ابن المواز: ما لم تكن قبله بيوم أو يومين وفي وقت لو أخرجها فيه لأجزأته. م: يريد: فغنها تجزئه، ولا يكون عليه غيرهاـ، وأما إن كان/ قبل الحول بأيام فإنه يزكي ما بقي لا ما تلف. قال مالك: ولو أخرج زكاته حين وجبت ليبعث بها لمن يفرقها فسرقت، أو بعث بها فسقطت لأجزأته. م: لأن المال لو هلك بعد تمام الحول وإمكان الأداء لم يلزمه شئ، فهلاك الزكاة بعد إخراجها من غير تفريط في وصولها إلى الفقراء كتلفها مع جملة المال. قال ابن القاسم: ثم إن وجدها بعد أن تلف ماله وعليه دين فلينقدها عن زكاته ولا شئ لأهل الدين فيها، وكذلك في العتبية عن ابن القاسم. م: لأنه لما كان ضياعها من المساكين وجب أن تكون لهم إذا جدت؛ لأن من كان منه التوى كان له النماء.
قال ابن نافع في المجموعة: ولو بعث بصدقة حرثه أو ماشيته مع رسول لضمن إذ الشأن فيها مجئ المصدق. وقال عن مالك: فأما لو أخرج زكاة العين من صندوقه فوضعها في ناحية بيته فذهبت فهو ضامن؛ لأنه لم يخرجها ما كانت في بيته، وليست كالماشية، تلك لا تزكى حتى يأتيها المصدق، وأما العين فحين يحل يخرج زكاته. قال أبو محمد: أراه يعني يزكي ما بقي إن كان ممن يدفعها إلى الإمام، فليس ذلك بإخراج حتى يرسلها أو يخرج بها، ولو كان هو يلي إخراجها لم يضمن شيئاً لإذا كان عند محلها.
[الباب الرابع] في زكاة الحلي، وحلية السيف، والمصحف والخاتم، والأواني
[الباب الرابع] في زكاة الحلي، وحلية السيف، والمصحف والخاتم، والأواني روى مالك أن عائشة رضي الله عنها كانت تلي بنات أخيها ولهن حلي فلا تخرج منه زكاة. روى أشهب، وابن وهب أن جابر ابن عبد الله، وأنس بن مالك،
وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، والقاسم، وربيعة، ويحيى بن سعيد قالوا: ليس في الحلي زكاة إذا كان يعار ويلبس وينتفع به.
قال القاسم، وغيره: ما رأيت أحداً صدقه. قال ابن مهدي: قال سعيد، والحسن، عمر بن عبد العزيز: زكاة الحلي أن يعار ويلبس. وقال ابن عمر: إن كان يوضع كنزاً ففي كل مالٍ يوضع كنزاً الزكاة، وإن كان تلبسه المرأة فلا زكاة فيه، ونحوه عن ابن المسيب.
قال مالك: ولا زكاة فيما اتخذه النساء من الحلي ليلبسنه، او ليكرينه، ولا فيما اتخذ الرجل منه للباس أهله، وخدمه، والأصل له، ولا فيما انكسر منه فحبس لإصلاحه. م: يريد: إذا انكسر كسراً يصلح، فأما لو تهشم حتى لا يستطاع إصلاحه إلا أن يسبك ويبتدأ عمله فهذا يزكى إذا حال عليه الحول بعد كسره؛ لأنه كالتبر، قاله بعض أصحابنا. قال مالك في كتاب ابن المواز: وإن نوى أن يصلحه ليصدقه امرأته فليزكه. وقال أشهب: لا يزكيه، وأنكره محمد. قال ابن حبيب: وما اكتسب الرجل من الحلي يرصد به امرأة يتزوجها أو جارية يبتاعها فتعذّر عليه ذلك حتى حال عليه الحول فقال أشهب وأصبغ: لا يزكيه؛ لأن الحلي لا زكاة فيه على حال إلا أن يتخذه للتجارة، أو لينفق من صاحبه إذا احتاج إليه. وقال ابن القاسم، وابن عبد الحكم، والمدنيون من أصحاب مالك: يزكيه، به أقول؛ لأنه ليس من لباسه، ولا صار إلى ما أمل منه.
قال: ولو اتخذت إمرأة حلياً عدة لابنة لها إن حدثت لم يكن عليها فيه زكاة؛ لأنها ممن يجوز لها اتخاذه ولباسه إن شاءت. قال: ولو اتخذته لا للباس، ولا للكراء، ولا للعارية لكن عدة للدهر إذا احتاجت إلى شئ باعته فعليها زكاته، ولو اتخذته أولاً للباس، فلما كبرت نوت فيه إذا احتاجت إلى شئ باعته أنفقته فقد قيل: لا تزكيه إلا أن تكسره، وأنا أرى عليها زكاته احتياطاً. [فصل 1 - في زكاة حلية السيف والمصحف] ومن المدونة قال مالك: ليس في حلية السيف، والمصحف، والخاتم زكاة. م: لأنه مما أبيح اتخاذه كالحلي للنساء. ابن المواز: روى أشهب عن مالك فيمن اشترى سيفاً محلى في حليته ما تجب فيه الزكاة وربما كان كثير الفضة يكون نصله تبعاً لفضته اشتراه للتجارة فقال: لا يزكيه غير المدير حتى يبيعه فيزكي ثمنه زكاة واحدة، قيل له: وإن كان الذهب جلّ ذلك وأكثره؟ فقال: لا أبالى لا يزكي ذلك حتي يبيعه، قال: وأما المدير فيزكي قيمته في الإدارة. م: وروى عنه ابن القاسم: إن كان اشتراه للقنية فلا زكاة في حليته قلت أو كثرت، وكذلك المصحف والخاتم كالحي إذا اشتراه للقنية.
م: يريد لأهله. قال: وإن كان اشتراه للتجارة فإنه يزكي وزن ما فيه من ذهب أو فضة. م: يريد تحريّاً وإن كان تبعاً للنصل. وإن كان فيه جوهر لم يزك الجوهر حتى يبيعه وكذلك المصحف، يريد: في غير المدير. وروى ابن عبد الحكم عن ابن القاسم عن مالك: إن كان ما في المصحف والسيف تبعاً له فلا زكاة فيه. م: فوجه رواية أشهب، أنه لما كان مرتبطاً بحليته ومباحاً اتخاذه، كان كالحلي المربوط بالحجارة على روايته أيضاً، وأنه كعرض اشتري للتجارة. وقول ابن القاسم أيضاً جارٍ على روايته في الحليّ المشترى للتجارة، وأته إن لم يستطع نزعه إلا بفساده فيقدر على تحريه، وليس كالعرض، لأنه فضة على الحقيقة فلا يراعى فيه البيع بخلاف العرض. ووجه رواية ابن عبد الحكم أن الحلية إذا كانت تبعاً فهي معفو عنها، ألا ترى أنها تباع مع النصل بفضة أكثر من وزنها أو أقل، فهما كعرض على الحقيق، قال ابن حبيب: وإذا حلى لنفسه سيفاً، أو منطقة، وليس ذلك من لباسه، ولكنه أعدة للعارية، أو ليرصد به لداً فلا زكاة عليه في حليته. ومن كتاب ابن القرطي: ويزكي ما حلي به المنطقة،
والدرق، وجميع الحراب، بخلاف السيوف. [فصل: زكاة الذهب والفضة وزنا] من المدونة: قال مالك: وما وزث الرجل من الحلي فحبسه ينوي به التجارة، أو لعله يحتاج إليه في المستقبل، ولم يحبسه للباس فليزك وزنه لكل عام إن كان فيه ما يزكى أو كان عنده من الذهب والورق ما يتم به الزكاة. قال مالك: ومن اشترى حلياً للتجارة فيه الذهبُ، والفضةُ، والياقوتُ، والزّبْرجَدُ، واللؤلؤُ، فحال حول وهو عنده وهو غير مدير فلينظر إلى ما فيه من الذهب والفضة فيزكيه، يريد: يزكي وزنه إن استطاع نزعه، أو يتحراه إن لم يستطع، قال: ولا يزكي ما فيه من الحجارة حتى يبيعه فيزكيه حينئذ. قال: وإن كان مديراً زكى قيمة الحجارة في شهره الذي يقوّم فيه، ويزكي وزن الذهب، والفضة ولا يقومه. وقد روى ابن القاسم، وعلي، وابن نافع أيضاً إذا اشترى رجل حلياً، أو ورثه
فحبسه للبيع كلما احتاج باع، أو لتجارة، فإن لم يكن مربوطاً بالحجارة فهو كالعين يزكيه كل عام. وروى أشهب معهم فيمن اشترى حلياً للتجارة وهو مربوط بالحجارة ولا يستطاع نزعه فلا زكاة عليه حتى يبيعه. قال أشهب، وابن نافع في رويتهما إنه كالعرض/ يشتري للتجارة، فالمدير يزكي 227/ أقيمته في الإدارة، وغير المدير لا يزكيه حتى يبيعه فيزكي ثمنه لعام واحد إذا بلغ ما فيه الزكاة. م: وفي الأمهات ذكر رواية ابن القاسم ولم يذكر لها جواباً، ثم ذكر رواية أشهب معهم، ثم جاوب عنها، ثم عن رواية ابن القاسم، فيتوهم القارئ أن الجواب الذي يعقب رواية أشهب جواب للجميع، وذلك يؤدي إلى أن الحجارة الموروثة إذا باعها زكى ثمنها، وذلك خلاف أصلهم أجمع، وقد رتبها على ما ينبغي، وجعلت جواب كل رواية عقبها صواب ذلك، فتأمله فإنه خفي، وبالله التوفيق. قال ابن القاسم: وإن اشترى مدير آنية ذهب أو فضة قيمتها ألف درهم، ووزنها خمسمئة زكى وزنها لا قيمتها وإن كثرت، وقد قال مالك فيمن اشترى حلياً للتجارة ذهباً أو فضة أنه يزكي وزنه لا قيمته.
قال ابن القاسم: ومما يدل على ÷ذا أن لو اشترى إناء مصوغاً وزنه عشرة دنانير، وقيمته بصياغته عشرون ولا مال غيره فتم له عنده حول أنه لا زكاة عليه فيه إلا أن يبيعه بعد الحول بما يجب فيه الزكاة، فيزكيه ساعة يبيعه، وقاله مالك. م: قال بعض فقهاء القرويين: سألت أبا محمد، وأبا الحسن عن من له حلي وزنه عشرون ديناراً هل يخرج قيمة ربع عشره على أنه مصاغ، أو إنما يلزمه وزن ربع عشرة تبراً أو فضة أو قيمة ربع عشره من الفضة على أنه غير مصاغ؟. فقالا: بل يخرج ربع عشر قيمته على أنه مصاغ؛ لأن المساكين شركاؤه، ولهم ربع عشره فيأخذون قيمة ذلك قلت أو كثرت. م: يريد: فضة، كما لو أراد أن يخرج عن عشرين ديناراً ربع عشرها فإنما يخرج قيمة ذلك على ما يساوي في جودة وسكته، ولو أراد أن يخرج مثل وزن ذلك تبراً هو أنقص في القيمة من ربع المسكوك لم يكن له ذلك، وإنما الذي قال مالك:
لا ينظر إلى القيمة إنما إلى الوزن فيما دون العشرين ديناراً؛ لأن أصل زكاة العين وزن، لا القيمة. م: وهذا قول جيد ولكن ظاهر الكتاب خلافه. واختلف أبو عمران، وابن الكاتب في زكاة آنية الذهب والفضة، والذي تحصل من أقوالهم أن ابن الكاتب كان يرى أنه إن أخرج ورقاً وهي ذهب أن يخرج القيمة على أنها مصوغة، وإن أخرج ذهبا فيخرج قدر تلك القطعة التي تلزمه لو قطع منها وأخرجها من عينها. وقال أبو عمران: إنما عليه إذا أخرج عنها ورقاً قدر قيمة تلك القطعة. م: لأنها تكسر فيه كالتبر. ووجه الأخرى: فلأن المساكين شركاء في عينها كما قالوا في الحلي.
[الباب الخامس] في زكاة أموال العبيد والمكاتبين والصبيان والمجانين
[الباب الخامس] في زكاة أموال العبيد والمكاتبين والصبيان والمجانين روى ابن وهب وغيره أن ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم قالوا: على العبد والمكاتب زكاة.
م: ووجه ذلك: أن الله تعالى قال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} وهذا مال ليس هو للعبد والمكاتب في الحقيقة ألا ترى أن للسيد انتزاع مال العبد ومنعه من جميع التصرف فيع، ويمنع المكاتب من العتق والهبة والصدقة فكذلك يمنعها من الزكاة. فإن قيل: فإنهما يكفران بالكسوة والطعام فما الفرق؟ قيل: إنما ذلك بإن السيد ولو أذن له في الزكاة لزكى، وقال لحسن. فإن قيل: فيجب إذا على السيد زكاته. قيل: هو اليوم على ملك العبد حتى ينتزع منه، ألا ترى أنه يطأً بملك يمينه وإن جنا أسلم بماله، فهو على ملك العبد إلا أنه ملك غير تام لما فيه للسيد فسقطت الزكاة فيه. فصل [1 - الرقيق لا تجب الزكاة عليه في شيء من أموال، وإذا عتق وماله في يده فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول من يوم عتق وهو في يده] ومن المدونة قال مالك: وليس على عبد أو من فيه بقية رق زكاة في عين ولا حرث ولا ماشية ولا في فيما يدير للتجارة، وليس عليه في شيء من الأشياء زكاة/ ولا على السيد عنه، ولا يؤخذ من عبيد المسلمين أو مكانبيهم إذا تجروا زكاة. ابن مهدي: وإن مكاتبة مرت على مسروق
بالسلسة فلم يأخذ منها زكاة. قال سحنون: كان في الزمان الأول يربطون السلسلة فلا يخلفها إلا من ودى زكاة ماله. قال: وليس على العبيد إذا عتقوا وأموالهم في أيديهم زكاة حتى يحول عليها الحول في أيديهم من يوم عتقوا، قال: وما قبضه السيد من مال عبده فلا زكاة عليه فيه إلا بعد حول من يوم قبضهن قال في كتاب ابن سحنون: كان ماله عيناً أو غنماً أو ثمراً، وكذلك النصراني يسلم، وما كان له من ثمرة مزهية أو زرع قد طاب فلا زكاة فيه ولا في ثمنه وما لم يطب فليزكياه إذا طاب. قال في كتاب محمد: وإن انتزع ذلك السيد فإن طاب فلا زكاة فيه بحال وإن لم يطب زكاة إذا طاب.
فصل [2 - في وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون] قال مالك: وتجب الزكاة على الصبيان واليتامى في العين والحرث والماشية وفيما يديرون للتجارة. قال ابن القاسم: والمجانين عندي بمنزلة الصبيان. م: وقال أبو حنيفة: ليس على الصبيان والمجانين زكاة مال ولا ماشية. والدليل على صحة قولنا: قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ}، فهو على عمومه، ولأنه حر مسلم تام الملك فأشبه الكبير، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم)) فعم، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ااجروا بأموال اليتامي لا تأكلها الزكاة))، وهذا نصر، وقاله عمر، وعلي، وابن عمر، وابن
عباس وغيرهم، وجماعة من التابعين، وكان عنر، وعائشة يليان فيخرجان زكاة أموالهم، فإن قيل: معنى في يتامى بالغين محجور عليهم؛ لأن البالغ يسمى يتيماً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((واليتيمة تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها)) وذلك بعد البلوغ، قيل: هذا اسم جامع للصغير والبالغ المحجور عليه فهو على عمومه إلا أن يخص بدليل، وأم اليتيمة فقد استخصها بالاستئذان ولا إذن إلا للبالغة. فإن قيل: فإن الله تعالى قرنها بالصلاة فقال: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} فلا تكون إلا على من تلزمه الصلاة، قيل: إنما جمع بينهما في إيجاب الفرض لا على أن لا تكون الزكاة إلا على من عليه الصلاة ألا ترى أن الحائض والمغمى عليه مخاطبان بالزكاة غير مخاطبين بالصلاة، وأن العبد والمكاتب مخاطبان بالصلاة غير مخاطبين بالزكاة.
فإن قيل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى ينتبه، والمجنون حتى يفيق، والصبي حتى يحتلم)) فإذا رفع القلم عنه فقد ارتفعت عنه العبادات، قيل: لا يمنع رفع القلم عنه أخذ الزكاة من ماله، كما لا يمنع أخذها من مال النائم وقد جمع بينهما في الحديث. وأيضاً فإنا اتفقنا ومن خالفنا أن القلم لا يمنع زكاة حرثه وثماره وأداء زكاة الفطر عنه، فكذلك لا يمنع أخذها من ماله وماشيته، وبالله التوفيق.
[الباب السادس] في زكاة التجارة في الإدارة وغير الإدارة
[الباب السادس] في زكاة التجارة في الإدارة وغير الإدارة [فصل 1 - من له عروض تجارة يترصد بها الأسواق وزيادتها من غير إدارة فلا زكاة فيها حتى تباع] قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الزكاة في الحرث، والعين، والماشية)) فلا تجب زكاة عرض حتى يصير عيناً. قال مالك: وإذا اشترى من لا يدير ماله نوعاً من التجارة أو أنواعاً، مثل أن يشتري الحنطة في زمان الحصاد فيحبسها ينتظر بها الأسواق فبارت عليه وأقامت أحوالا فلا زكاة عليه فبما حتى يبيع، فإذا باع زكى زكاة واحدة. قال عنه علي: وكذلك من له دين تجب فيه الزكاة فقبضه بعد سنين فليس عليه إلا زكاة واحدة، قال: ولو لزم رب الدين إخراج الزكاة عنه قبل قبضه، وعن العرض قبل بيعه لم يجب عليه أن يخرج في صدقته إلا عرضا أو ديناً، ومن أجل أن السنة أن يخرج صدقة كل مال منه وليس عليه أن يحرج عن شيء غيره، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ((الزكاة في العين، والحرث، والماشية) فليس عليه في الدين شيء حتى يقبض، ولا العرض حتى يصير عيناً.
قال ابن القاسم: ومن كانت له دابة للتجارة فاستهلكها رجل فأخذ منه بقيمتها سلعة، فإن نوى بها الاجارة زكى ثمنها ساعة بيعها إن مضى لأصل ثمن الدابة حول من يوم زكاه، وإن نوى بها حين أخذها القنية فلا شيء عليه فيها- وإن باعها 0 حتى يحول على ثمنها حول من يوم باعها، وإن أخذ في قيمة الدابة دنانير أو دراهم زكاها ساعة يقبضها إن مضى للأصل حول، وإن لم يمض له حول فلا يزكيها، ثم إن اشترى بتلك الدنانير سلعة، فإن نوى بها التجارة فهي للتجارة، وإن نوى بها القنية فهي للقنية لا زكاة عليه في ثمنها إن باعها حتى يقبضه ويحول عليه الحول بعد قبضه. ومن كانت عنده سلعة للتجارة فباعها بعد حول بمئة دينار فليزكها إذا قبضها مكانه، وإن أخذ بالمئة قبل قبضها ثوباً قيمته عشرة دنانير فلا شيء عليه في الثوب حتى يبيعه، فإن باعه بعشرة دنانير فلا شيء عليه إلا أن يكون له مال قد جرت فيه الزكاة وفيه مع هذا ما تجب فيه الزكاة فليزك، فإن باعه بعشرية أخرج نصف دينار. ومن اشترى عبداً للتجارة، فكاتبه، ثم اقتضى منه مالا ثم عجز فرجع رقيقاً فباعه مكانه فليزك ثمنه، ويرجع إلى أصله للتجارة، وكذلك لو باع عبداً له من رجل ففلس المبتاع فأخذ عبده أو أخذ عبداً من غريمة في دينه فإن ذلك كله يرجع إلى أصله
ويكون للتجارة كما كان، وكذلك من اشترى داراً للتجارة فواجرها سنين ثم باعها فإنها ترجع إلى الأصل وتزكى على التجارة ساعة يبيعها. فصل [2 - من اكترى أرضاً واشترى طعاماً فزرعه فيها للتجارة، كيف يزكيه؟] قال: ومن اكترى أرضاً واشترى طعاما ً فزرعه فيها للتجارة فإذا حصد زرعه أخرج زكاته العشر أو نصف العشر، فإنه تم له عنده حول من يوم أدى زكاة خصاده قومه إن كان مديراً وله مال عين سواه، وإن كان غير مدير فلا تقويم عليه حتى يبع، فإذا باع بعد حول من يم أدى زكاته زكى الثمن مكانه، وإن باع قبل تمام حول تربص فإذا تم الحول زكية. م: يريد: إنه اكترى الأرض للتجارة، واشترى طعاماً للتجارة فزرعه فيها للتجارة، وأنا لو اكترى ليزرع فيها طعاماً لقوته ثم بدى له فزرع فيها للتجارة فإنه إذا أدى زكاة الحب ثم باعه بعد ذلك فإن ثمنه فائدة يستقبل بها حولاً من يوم باعه، وكذلك فرق في كتاب محمد في مسألة من اكترى داراً ثم أكراها من غيره، فقال: إن اكتراها أولا لسكناه ثم أكرها لأمر حدث له فإن غلتها فائدة، وإن اكتراها للتجارة ثم أكراها فما أغل منها مما فيه الزكاة فليزكه لحول من يوم زكى ما اكتراها به؛ لأن هذا متجر، وهذا مثله. وقال أشهب: لا زكاة عليه في ثمن الطعام ولا في كراء الدار في الوجهين/ ويأتنف به حولاً من يوم قبضه كان مديراً أو غير مدير وغلة ما أكترى للتجارة كغلة ما
اشترى للتجارة. ومن المدونة: ومن اكترى أرضاً وزرعها لطعامه فحصده وأدى زكاته فأكل منه وفضلت له منه فضلة فباعها فإن ثمنها فائدة، وكذلك إن كانت أرضه وقد ابتاعها للتجارة أو لغير التجارة وزرعها للتجارة أو لغير التجارة فحصد زرعه وأدى زكاته حباً فلا زكاة عليه فيه للإدارة ولا في ثمنه إن باعه حتى يقبض الثمن ويستقبل به حولاً بعد قبضه كغلة النخل والربح. م: قيل: وكذلك إن اكترى الأرض للتجارة وزرع فيها طعاماً اشتراه للقنية، أو كان قد ورثه، وهو يريد بزرعه في الوجهين التجارة فلا زكاة عليه في ثمنه إن باعه إلا بعد حول من يوم قبضه، بخلاف من زرع طعاماً اشتراه للتجارة؛ لأن ما أصله القنية فلا ينتقل بالنية إلى التجارة، ويستقبل بثمنه حولاً كما ذكرناه. م: وذكر عن أبي عمران أنه قال: سواء زرع فيها طعاماً اشتراه للقنية أو للتجارة فإنما يراعي أن تكون الأرض مكتراة للتجارة وأن يزرع فيها يريد به التجارة لأن الزريعة مستهلكة فلا حكم لها، قال بعض أصحابنا: والأوصل أصوب. وإذا أخرجت الأرض دو خمسة أوسق ثم باع ذلك الحب بنصاب من العين
وكان للتجارة زكى الثمن على حوله أصل المال قبل الحرث، ولا يسقط الحول الأول إلا إذا وجد خمسة أوسق فأكثر منها. [فصل 2 - لا زكاة في عروض القنية، ولو نوي بها التجارة لم تنتقل بمجرد النية]. ومن المدونة: ولا زكاة فيما اشترى من العروض للقنية أو اشترى للتجارة ثم نوى به القنية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس على المسلم في عبدع ولا فرسه صدقة)). قال ابن المواز: وإن اشترى شيئاً للتجارة، ثم نوى به القنية، ثم باعه، قال ابن القاسم: لا شيء عليه، وهو قول مالك/ وقال أشهب: يرجع إلى أصله، ولقد سئل مالك عن الرجل يبتاع الجارية للتجارة، ثم يبدو لع فيحسبها يطأها فتقين عند السنينن ثم يبدو لع فيبعيها فقال: يزكي ثمنها حين يبيعها. م: فوجه قول ابن القاسم أن الأصل في العروض القنية، والتجارة فرع طارئ عليها فهي ترجع إلى الأصل بالنية دون الفعل، كالمسافر ينوي الإقامة أنه يتم لأن الأصل الإقامة، والسفر فرع طارئ عليها، فكذلك هذا.
ووجه رواية أشهب أن النية دون الفعل لا تقدح فيما تقرر أصله كرفض الوضوء ورفض الصوم، فكذلك هذا؛ ولأن التجارة أصل قائم بنفسه فلا يرجه إلى القنية بالنية أصله القنية. قال ابن المواز: قال مالك فيمن اشترى للوجهين كمن يبتاع الأمة للوطء والخدمة وإن وجد ثمناً باع فإن ثمنها كالفائدة. وقال في رواية أشهب: إنه يزكى ثمنها بخلاف ما يشتري للقنية لا ينوي به غير ذلك، وبه أقول. ووجه قول أشهب: أن القنية والتجارة أصلان، كل واحد قائم بنفسه، منفرد بحكمه، أحدهما يوجب الزكاة، والآخر ينفيها فإذا اجتمعا كان الحكم للذي أوجب الزكاة احتياطاً، كشهادة بينة تثبت حقاً، وشهادة تنفيه، وكقول مالك فيمن تمتع وله أهل بمكة، وأهل ببعض الآفاق أن يهدي احتياطياً فهذا مثله، وبه أقول، وبالله التوفيق. قال ابن المواز: وما اشتري للغلة ثم باعه بعد حولن فروى ابن القاسم عن مالك أنه يزكي ثمنه، ثم رجع فقال: لا يزكي، وهو كالفائدة، وبه أخذ ابن القاسم.
وأخذ ابن وهب، وابن نافع في المجموعة بقول الأول. فوجه الأول: أن الشراء للغلة ضرب من التجارة فلما قارنه البيع كان له حكم التجارة. ووجه الثاني، وهو أصوب: أن الاشتراء للغلة هو معنى من القنية؛ لأن معنى الشراء للقنية إنما هو لوجهين: إما لينتفع بذلك المشرتى بخدمة أو سكني ونحوه، وإما لغلته، فشراؤه للغلة شراء للقنية وبه أقول، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة. فصل [4 - ما يراد به التجارة من العروض، فالزكاة في قيمته] وقد رأى عمر، وغيره أن المدير يقوم عروضه، وقال عمر لحماس وكان يبيع الجلود والقرون فلا يكاد يجتمع لع ما فيه الزكاة- ((قوم مالك يا حماس وزك)).
قال عبد الوهاب: وروى أبو ذر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((أد زكاة البز))؛ ولأن إسقاط الزكاة عنه ذريعة إلى سقوط الزكاة في أكثر الأمول؛ لأن من خاف أن يؤدي الزكاة ابتاع بالعين عرضاً فسقطت الزكاة عنه. [فصل 5 - المدير يجعل لنفسه شهراً من السنة يكون حوله فيقوم فيه ما عنده من العروض ويزكي] ومن المدونة قال مالك: ومن كان مدير ماله في التجارة كلما باع اشترى مثل الجناطين، والزازين، والزياتين، ومثل التجار الذي يجهزون الأمتعة وغيرها إلى البلدان، يريد: ممن لا يضبط أحواله فليجعل لزكاته من السنة شهراً يقوم فيه عروضه التي للتجارة فيزكي ذلك مع ما معه من عين. قال: وما كان له من دين يرتجي قضاءه زكاة مع ذلك أيضاً، قال مالك/ وإن تأخر قبض وبيع عرضه عاماً أو عامين زكاة أيضاً. قال سنحون: إن تأخر العرض عامين خرج من حد الإدارة.
ابن مزين: وقاله ابن نافع. م: فوجه قول مالك/: أنه إذا تأخر بيع عرض المدير عامين أنه يقوم ويزكيه لقول عمر: ((إن المدير يقوم عروضه)) فهو على عمومه؛ ولأنه مدير يبيع بالعين، وغيره، فوجب أن يقوم عروضه وإن أقام عامين أصله العام الواحد. ووجه قول سحنون: إن معنى الإدارة كثرة المال حتى لا يستطيع أن يضبط أحواله، فأما إذا تأخر هكذا فقد خالف صفة الإدارة وخرج عن حكمها، فلم يجب عليه تقويمه، وقول مالك أبين. [فصل 6 - المدير هل يقوم دينه ويزكيه؟] قال مالك: ويقوم المدير الدين من عرض وغيره إن كان يرتجيه، وإن كان لا يرتجيه لم يقومه. وقال عبد الملك: ما كان له من دين مؤجل فليقومه.
ابن المواز: وقال ابن القاسم: يزكي المدير دينه المرتجي، وهو حال وإن مطل سنين لم يأخذه- ويحسب عدده لا قيمته. م: صوابه أن الدين المؤجل يزكي قيمته؛ لأنها التي يملك الآن منه، وأم الحال قيزكي عدده؛ لأنه قادر الآن على أخذه فكأنه بيده. وقاله سحنون في كتاب ابنه. وقال غيره: حكم الدين المعجل والمؤجل حكم العرض، يقومه المدير، واستحسنه بعض أصحابنا. وقال ابن حبيب: يزكي المدير عدد دينه حالاً كان أو مؤجلاً إلا ما كان من دين قد يئس من اقتضائه، لعدم أهله فليزك قيمته. م: وقول مالك أولى أن الدين المؤجل يقوم؛ لأنه الذي يملك منه، ألا ترى أنه لو فلس لباعه عليه الإمام فثمنه كقيمته، وأما مالاً يرجى قضاؤه فلا قيمة له. وقال المغيرة: لا يزكي المدير ديناً حتى يقبضه فيزكيه لعام واحد. م: ووجه ذلك/ أن الأصل كان أن لا يقوم دين ولا عرض فخصت السنة أن يقوم المدير العروض، وبقى الدين على أصله. وقال يحيى بن عمر: إن كان دين المدير قرضاً لم يزكه حتى يقبضه، وقاله ابن
حبيب، وقال: إلا أن يتركه فراراً من الزكاة فليزكيه لكل عام. م: أما قولهم في الدين القرض فصواب؛ لأنه ليس من مال الإدارة، وأم قول المغيرة: لا يزكي المدير ديناً حتى يقبضه، فقول مالك أول؛ لأن دين المدير مال من مال الإدارة يملكه ويتوصل إلى بيعه فوجبت عليه زكاته أصله العرض. قال ابن حبيب: وقاله مالك وجميع أصحابه، وبه جاء الأثر عن عمر رضي الله عنه. م: واختلف في المدير يكون له طعام من سلم فحكي عن الأبياني أنه قال: لا يقومه، قال ابن عبد الرحمن يقومه، وليس تقويمه بيعاً له، وأنكر قول الأبياني،
وذكر عن أبي عمران أنه قال- على قول من يقول يقوم الدين ويزكيه-: لا زكاة عليه في هذا الطعام؛ لأنه لا يقدر على بيعه. وعلى قول من يقول- يزكي عدد الدين-: فإنه يزكي قيمة هذا الطعام. م: والصواب تقويمه كما قال ابن عبد الرحمن. قال ابن القاسم: ولا يقوم المدير كتابة مكاتبة كما لا يقوم رقبة عبده الذي أخدمه. م: أما كتابة المكاتب فهي فائدة- وإن قبضت- كالغلة والخراج فلذلك لم يقومها المدير. وأما المخدم فملكه غير متقرر له إذ قد ترجع إليه رقبته أو يهلك قبل ذلك فلا يزكي عن ما يملكه ملكًا غير متقرر كمال العبد الذي يملكه ملكًا غير متقرر له. وهو الصواب إن شاء الله عز وجل. [فصل 7 - المدير يقوم الحائط إذا اشتراه للتجارة] ومن المدونة قال مالك: ويقوم المدير الحائط إذا اشتراه للتجارة، قال ابن القاسم: ولا يقوم الثمرة مع ما يقوم، لإن فيها زكاة الخرص؛ ولأنها غلة كخراج الدار وكسب العبد وإن اشترى رقابها للتجارة، وبمنزلة غلة الغنم ما يكون من صوفها ولبنها وسمنها وإن كان رقابها للتجارة أو للقنية.
وإن كان في الحائط ثمار غير مأبورة أو مأبورة قومت مع الأصل وإن طابت وفيها دون خمسة أو سق أو كانت ثمرة لا تزكى جرت على القولين، فمن قال إنها لا تكون غلة بالطيب قومت مع الأصل، ومن قال إنها بالطيب غلة لم تقوم مع الأصل إلا على مذهب من قال غلات ما اشترى للتجارة تزكى مع الأصل. [فصل 8 - في المدير يحول عليه الحول وليس عنده في الناض شيء، وقد كان نض له شيء في وسط السنة أو في طرفيها] قال: وإذا نض للمدير شيء في وسط السنة أو في طرفيها إلا أنه لما تم الحول لم يكن عنده من الناض شيء، وكان جميع ما بيده عروضًا فليقومها لتمام الحول ويزكي؛ لأن هذا كان يبيع بالعين والعرض، وقال ابن نافع عن مالك: ويبيع عرضًا منها ويقسمه في الزكاة أو يخرج عرضًا بقيمته إلى أهلها من أي صنف شاء من عروضه. وقال سحنون: بل يبيع من عروضه ويخرج عينًا.
[فصل 9 - لو باع العروض بعضها ببعض ولم تنض له عين أصلاً، هل يجب عليه التقويم؟] قال مالك في المدونة: وإذا تم حول ولم ينض له في سائره عين وإنما كان يبيع العرض بالعرض فلا تقويم عليه ولا زكاة، ثم إن نض له بعد ذلك ولو درهم واحد قوم وزكى وكان من يومئذ حوله وألغى الوقت الأول. قال ابن مزين: هذا قول ابن القاسم، وغيره. وقال أشهب: لا يقوم شيئًا حتى يمضي له حول من يوم باع بذلك العين، لأنه من يومئذ دخل في حال المدير. وقال ابن حبيب في الذي يدير العرض بالعرض السنة كلها لا ينض له شيء فإنه يقوم ويزكي كمن ينض له مال، وقاله مطرف، وابن الماجشون عن مالك. قال: والذي قال ابن القاسم من خلاف هذا انفرد به. م: فوجه رواية ابن القاسم: أن السنة إنما كانت فيمن يبيع بالعين والعرض فلا يعدى بها بابها.
ووجه رواية ابن حبيب: أن العلة في إلزام المدير التقويم خوف الذريعة إلى إسقاط الزكاة، والذي يبيع العرض بالعرض داخل في ذلك وتلحقه التهمة إلى تعمد ذلك لإسقاط الزكاة فوجب أن يقوم ويزكي، وهذا أقيس الأقوال، ولا وجه لرواية أشهب. ومن أقام في يديه مال ناض ستة أشهر، ثم جلس به للإدارة فإنه يبني على قول مالك على الأشهر المتقدمة قبل أن يدير ماله، وليستأنف الحول على قول أشهب من يوم أخذ في الإدارة، والأول أحسن. ولو بار نصف ما في يدي المدير أو أكثره أو جميعه لم يقومه قولاً واحدًا، فإذا بار أقله قوم عند ابن القاسم احتياطًا للزكاة، ولم يقوم ذلك عند ابن نافع، وسحنون. [فصل 10 - ما الحكم لو كان بعض المال مدارًا، وبعضه غير مدار] قال ابن حبيب: وإن كان يدير بعض ماله، ولا يدير بعضه، فإن كان متناصفًا زكى كل مال على حدته، وإن كان أحدهما أكثر بالأمر المتباين فللأقل حكم الأكثر، قاله ابن الماجشون، وغيره. وقال ابن القاسم في العتبية: إن كان يدير أكثر ماله زكاه كله على الإدارة، وإن أدر أقله زكى المدار فقط كل عام، ولا يزكي الآخر حتى يبيع بعد حول من
يوم زكاه. وفي المجموعة قال أصبغ: إن أدار نصفه أو ثلثه ونوى في الباقي مثل ذلك زكى جميعه على الإدارة وإن عزم فيما بقي ألا يدخله في الإدارة فلا يزكيه حتى يبيع. م: وقول ابن الماجشون أعدل، وقول ابن القاسم أحوط، ولا معنى لقول أصبغ. قال عبد الملك: فإذا كان للمدير عرض ورثه أو اقتناه، فإن باعه بنقد فليستقبل بثمنه حولاً، وإن باعه بدين فقد سلك به مسلكًا من التجارة وليزك ثمنه يوم يقبضه إذا مضى له حول من يوم باعه إلى يوم يقبضه، وقاله المغيرة، وهذا خلاف قول ابن القاسم، وغيره.
قال أبو إسحاق: وهذا على الاختلاف في من كان له عرض للقنية فباعه بعرض للتجارة لأن الدين الذي باعه به كالعرض، وبالله التوفيق.
[الباب السابع] في زكاة الدين، وحكم ما يقتضي منه، وكيف إن تخلل الاقتضاء فوائد
[الباب السابع] في زكاة الدين، وحكم ما يقتضي منه، وكيف إن تخلل الاقتضاء فوائد [فصل 1 - غير المدير لا يزكي الدين إلا بعد قبضه، ولا يزكي العرض إلا بعد بيعه وقبض ثمنه] قال أبو محمد: ولما جعل الله سبحانه وتعالى زكاة الأموال منها لم تجب زكاة دين قبل قبضه، أو عرض قبل بيعه، حتى يقبض الدين أو ثمن العرض، فيزكيه لعام واحد- وإن خلى له أعوام-؛ لأنه الآن وجبت زكاته منه. وقال عدد من الصحابة، والتابعين، وهذا في غير المدير. وأما المدير فيحمل عروضه ودينه كعين ناض كله؛ لأنه لا يصل إلى نضوضه مرة، وهو ينض شيئًا بعد شيء، ولا يقدر أن يترقب بما نض منه نضوض بقيته، وهذا أكثر المقدر عليه، وقد قال عمر رضي الله عنه لحماس: قوم عروضك وزكه. قال عبد الوهاب: وذهب الشافعي إلى أن غير المدير يزكي الدين إذا كان
على مليء. ودليلنا: أن الله تعالى أوجب زكاة المال منه لا من غيره ولا سبيل إلى ذلك في الدين إلا أن يقبضه؛ ولأن الدية، ومال الجنابة لا زكاة فيهما عنده وإن أقاما سنين، وكذلك الدين على معسر وذلك مال في الذمة، وكذلك سائر الديون. [فصل 2 - القرض لا يسقط الزكاة في المال إذا وجبت فيه قبل قرضه] ومن المدونة قال مالك: ومن حال على مائة دينار عنده حول، فلم يزكها حتى أقرضها رجلاً، فأقامت بيده سنين ثم ردها فليزكها ربها لعاملين: زكاة كانت وجبت عليه قبل قرضها، وزكاة بعد قبضها. [فصل 3 - الدين لا يزكي إلا بعد أن يقتضى منها ما تجب فيه الزكاة] قال: ومن له دين على رجل من بيع أو قرض مضى له حول، فاقتضى منه مالا زكاة فيه في مرة أو مرار فلا يزكيه حتى يجتمع ما فيه الزكاة فيزكيه يومئذ كله، ثم يزكي قليل ما يقتضي وكثيره. قال ابن القاسم: وإنما لم يزك إذا اقتضى دون العشرين؛ لأنه لا يدري أيقتضي غيرها أم لا، ولا زكاة في أقل من عشرين دينارًا، ألا ترى أن لو كانت له مائة دينار،
حل حولها فلم يفرط في زكاتها حتى ضاعت إلا تسعة عشر دينارًا، لم يكن عليه زكاة شيء من ذلك فما لم يقبضه من الدين مثل ما ضاع، وما اقتضى مثل ما بقي من هذه المائة. قال: وإن كان معه عشرون دينارًا لم يتم حولها، وله مائة دينار دين مضى لها حول فلا يزكي العشرين لتمام حول الدين، وكذلك لو قبض من دينه أقل من عشرين لم يزكه؛ لأن العشرين التي كانت معه فائدة من غير الدين لم يتم حولها، فإذا تم حول العشرين زكاها وما كان اقتضى جميعًا، يريد: إذا كان ما اقتضى قائمًا بيده، ولو أتلفه قبل تمام حول العشرين لم يزكه حتى يقبض تمام العشرين فيزكي حينئذ ما كان أتلف، وأما ما اقتضى بعد حول العشرين فإنه يزكيه حين يقبضه. [فصل 4 - إذا حل حول الفائدة فزكاها، زكى ما يقتضي من دينه قليلاً أو كان كثيراً، تلفت الفائدة أو بقيت] قال ابن القاسم: ولو لم يقبض من دينه شيئًا حتى زكي العشرين لتمام حولها، ثم تلفت أو بقيت زكى قليل ما يقتضي من دينه وكثيره، ولو تلفت العشرون قبل حولها لم يزك ما يقتضي من دينه حتى تبلغ عشرين دينارًا فيزكيها ثم يزكي قليل ما يقتضي وكثيره أنفق ما زكى أو أبقاه، وحول ما يقتضي من يوم يزكيه. [فصل 5 - إذا كثر ما يقتضي من دينه واختلط عليه فليرد الآخر إلى ما قبله] قال مالك في المختصر وكتاب محمد: إلا أن يكثر عليه ما يقتضي ويختلط فيرد الآخر إلى ما قبله، قال مالك في المختصر: وكذلك إذا باع من عرض عنده شيئًا بعد شيء واختلط عليه.
وقاله ابن القاسم وسحنون. م: يريد: عرضًا عنده للتجارة ثم حوله فما باع منه كالذي يقتضيه من الدين. [فصل 6 - اختلاط الفوائد هل يرد الأول إلى الآخر أو يرد الآخر إلى الأول] قال سحنون: وأما في اختلاط الفوائد فليرد الأول إلى الآخر، وقاله مالك في كتاب محمد، وقال ابن حبيب: يرد الآخر إلى الأول في الفوائد والديون، قال أبو محمد: وقول مالك، وسحنون أصح؛ لئلا يؤدي زكاة قبل حولها إذا رد آخر الفوائد إلى الأول، وأما الدين فقد حل حوله إلا أنا لا نعلم أيقتضي أم لا، وقد اختلف في زكاته قبل قبضه، قال ابن المواز: فابن القاسم يقول: لا يجزئه، وأشهب يقول: يجزئه، وهو محسن، وقد اختلف فيه قول ابن عمر، وقال ابن شهاب:
يزكي قبل قبضه. [فصل 7 - إذا حلت الفائدة فزكاها زكى ما يقتضيه من دينه بعدها] قال ابن القاسم في المجموعة: ولو اقتضى من دينه عشرة دنانير ثم انفقها قبل حول الفائدة ثم حلت الفائدة فزكاها ثم اقتضى من دينه خمسة دنانير زكاها ولم يزك العشرة الأولى حتى يقبض تمام العشرين بها فيزكيها. م: ومما ينبني على هذا الأصل أن لو اقتضى من دينه خمسة دنانير فأنفقها، ثم أفاد عشرة دنانير فأنفقها بعد حول ثم اقتضى من دينه أيضًا عشرة فإنه يزكيها مع العشرة الفائدة التي أنفق ولا يزكي الخمسة التي اقتضى أولاً؛ لأنها إنما تضاف إلى العشرة المقتضاه، ولا تضاف إلى العشرة الفائدة بعدها، ثم إن اقتضى خمسة أخرى زكاها مع الخمسة التي اقتضى أولاً؛ لأنه قد اقتضى من دينه بها عشرين، ولو كان إنما اقتضى من دينه بعد الحول خمسة فأنفقها، ثم أفاد عشرة دنانير فأقامت بيده حولاً، ثم أنفقها، ثم أفاد عشرة ثانية فأقامت بيده حولاً أيضًا ثم أنفقها، ثم اقتضى من دينه خمسة أخرى فلا يزكيها؛ لأنها وإن كانت تجتمع مع الخمسة الأولى ومع كل واحدة من الفائدتين، فالخمسة الأولى والفوائد لا تجتمع واحدة منهن مع الأخرى، وأنت إذا جمعت الخمسة الآخرة مع ما شئت من الخمسة الأولى أو إحدى الفوائد لم يكن فيه ما تجب فيه الزكاة، ولكن لو اقتضيت خمسة أخرى زكيتها مع الخمسة الآخرة والفائدتين جميعًا؛ لأن ما اقتضى بعد الفوائد يضاف إليها، ولا تزكى الخمسة الأولى؛ لأنها لا تنضاف إلا إلى ما
يقتضى من الدين، ثم إن اقتضى خمسة أخرى زكاها مع الخمسة الأولى إذ قد حصل له مما اقتضى من دينه عشرون دينارًا. م: وقاله حذَّاق أصحاب أبي بكر بن عبد الرحمن القروي، وهو الصواب. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: إذا اقتضى الخمسة بعد الفوائد زكاها؛ لأنها تنضاف إلى كل واحدة من الفائدتين وهي عشرون، ولا يضر أن الفوائد لا تجتمع، واختاره بعض أصحابنا. ومن «المدونة»: من أفاد مائة دينار فأقرض منها خمسين أو ابتاع بها سلعة فباعها بدين إلى أجل وبقيت الخمسون الأخرى بيده حتى تمَّ حولها فزكاها ثم أنفقها أو أبقاها فإنه يزكي قليل ما يقتضي من دينه وكثيره، ولو تلفت الخمسون قبل حولها أو أنفقها فلا يزكي ما اقتضى من دينه حتى يتم عشرين دينارًا، وإن بقي معه من الخمسين مالا زكاة فيه حتى تم حوله ثم أنفقه أو أبقاه فإنه إذا اقتضى تمام العشرين زكى عن عشرين، ثم يزكي عن قليل ما يقتضي بعد ذلك وكثيره، ولو اقتضى شيئًا من دينه قبل حوله فأنفقه لم يضف إليه ما يقتضى بعد الحول، ولو تلفت الخمسون الباقية بيده قبل تمام حولها، ثم اقتضى من الخمسين الدين بعد الحول عشرة دنانير لم يزكها، فإن أنفقها ثم اقتضى عشرة أخرى بعدها زكى عن عشرين ثم يزكي عن قليل ما يقتضي وكثيره. قال ابن المواز: ولو تلفت العشرة الأولى بأمر من الله لم يضف إليها ما يقتضي، كمالٍ وجبت فيه الزكاة ثم هلك بيدك بغير تفريط وبقي منه ما لا زكاة فيه.
م: وكذلك عنده أن لو اقتضى عشرين دينارًا فضاعت قبل زكاتها من غير تفريط لم يضف إليها ما يقتضي. وقال سحنون في المجموعة: سواء تلفت العشرة الأولى بأمر من الله أو أنفقها فليضف إليها ما يقتضي ويزكي عن عشرين، وقاله ابن القاسم وأشهب. م: ووجه هذا: أن هذه العشرة المقتضاة إنما لم يزكها خوفًا أن لا يقبض بقية الدين فإذا اقتضى تمام العشرين ارتفعت العلة التي كانت منعت زكاتها فوجب أن يزكيها؛ ولأن ما لم يقبضه من الدين كمال ضاع بعد حوله بغير تفريط لعلة أنه مال حل حوله لا يتوصل إلى زكاته منه، وما اقتضى من الدين مثل ما بقي من المال الذي ضاع بعد حوله، وهو لو وجد من المال الذي ضاع ما يتم به مع ما بقي منه عشرين دينارًا لزكى ما وجد وما كان بقي، وإن تلف بأمر من الله فكذلك يزكي ما كان اقتضى من الدين مع الذي اقتضى الآن وإن كان تلف الأول بأمر من الله، والفرق بين ضياع ما وجبت فيه الزكاة وبين ضياع ما اقتضى أنه لم يختلف ألا زكاة فيما ضاع بعد حوله بغير تفريط؛ لأنه ضاع قبل إمكان زكاته فهو كضياعه قبل حوله، واختلف في زكاة الدين قبل قبضه فإذا قبض منه شيء كان أقوى، فلذلك أضفنا إليه ما يقتضى وإن ضاع بأمر من الله ولم يضف إلى الآخر ما بقي منه، والله أعلم. قال ابن المواز: ولو اقتضى من دين له حول دينارًا فتجر فيه فصار عشرين دينارًا، ثم اقتضى دينارًا آخر فتجر فيه فصار عشرين دينارًا فليزك إحدى وعشرين دينارًا فقط؛ لأن الزكاة وجبت في الدينار الثاني يوم قبضه فلم يكن في ربحه زكاة، كمن حلت عليه زكاة عشرين دينارًا فلم يزكها حتى تجر فيها فصارت أربعين فإنما يزكى عشرين ثم
يرتقب الحول الثاني. م: ولو لم يبع ما اشترى بالدينار الأول حتى اقتضى دينارًا ثانيًا فاشترى به أيضًا سلعة ثم باع ما اشترى بالأول بتسعة عشر دينارًا فإنه يزكي عن عشرين: هذه التسعة عشر والدينار الثاني الذي هو في سلعة، ثم إن باع السلعة الثانية لم يزك ربحها إلا لحول من يوم زكى الدينار الثاني وهو يوم زكى الأول وربحه؛ لأن ذلك ربح دينار مزكى، ولو باع الأولى بأقل من تسعة عشر زكى الجميع يوم باع الثانية إن كان في الجميع عشرون دينارًا فأكثر وكان حول ذلك من يوم زكاه، ولو كان إنما باع السلعة الثانية أولاً بتسعة عشر فأكثر زكى حينئذ جميع ثمن الثانية والدينار الأول المقتضى، وهو كمن اقتضى من دينه دينارًا، ثم اقتضى بعد ذلك تسعة عشر دينارًا فأكثر، ثم إذا باع السلعة الأولى زكى الربح لحول من يوم زكى الدينار الأول وهو يوم زكى الثانية وربحها، وقاله أبو بكر بن عبد الرحمن، وقال غيره من أصحابه: بل يقف عن زكاة هذه التسعة عشر حتى يبيع السلعة الأولى، فإن باعها بتسعة عشر فأكثر زكى ذلك مع دينار من ثم السلعة الثانية، وزكى بقية ثمن الثانية لحول من يوم ربحه. م: كأنه ظن أن هذا جار على قول ابن القاسم، والأول جار على قول أشهب في مسألة الذي أفاد عشرة دنانير وأقامت بيده حولاً، ثم اشترى بخمسة منها سلعة، ثم أنفق الخمسة الباقية، ثم باع السلعة بخمسة عشر، فابن القاسم يرى كأنه ملك الربح يوم الشراء فلذلك قال: يزكي عن عشرين، فيجب على هذا في هذا المسألة أن يقف عن زكاة ثمن السلعة الثانية خوفًا أن يبيع السلعة الأولى بعشرين، وهو عنده إنما ملك الربح يوم الشراء؛ لأن حوله حول أصله فيصير قد زكى ربح دينار مزكى.
وأشهب يرى أنه إنما ملك الربح يوم ربحه، وإنما السلعة قبل البيع كثمنها، فيجب على هذا أن يزكي التسعة عشر ثمن السلعة الثانية مع الدينار الأول؛ لأن الأول إنما هو دينار بعد، فهو كمن اقتضى دينارًا ثم اقتضى دينارًا ثانيًا واشترى به سلعة فباعها بتسعة عشر فأكثر فإنه يزكي ثمنها مع الدينار الأول ويأتنف بربح الدينار الأول حولاً من يوم زكاه. م: كان ظهر لي أن هذا وجه قوله، ثم ظهر لي بعد ذلك أن هذا القول الثاني غلط، وأن القول ما قاله أبو بكر بن عبد الرحمن، ولا تشبه هذه مسألة المدونة؛ لأن هذه لو تلفت السلعة الأولى قبل بيعها لوجب زكاة ثمن السلعة الثانية والدينار الأول بإجماع، وكذلك لو باعها بأقل من تسعة عشر لزكى الجميع ثمن السلعة الأولى والثانية وكان الحول من يوم باع الثانية بإجماع، فلا يترك أمرًا واجبًا لأمر يكون أو لا يكون، وفي مسألة المدونة لو تلفت السلعة قبل بيعها لم يزك الخمسة التي لم يشتر بها وإن كانت بيده، وكذلك لو باعها بأقل من خمسة عشر، فبان افتراقهما، والله أعلم. [فصل 8 - الدين يزكي لعام واحد بعد قبضه سواء كان على مليء أو على مفلس] ومن المدونة ومن له دين على ملي يقدر على أخذه منه أو على مفلس لا يقدر على أخذه منه فأخذه بعد أعوام فإنما عليه زكاة عام واحد، ولو توى الدين الذي على الغريم وقد حال عليه أحوال لم يكن على ربه فيه زكاة، وإن أراد رجل أن يتطوع بإخراج زكاة عن دين قبل قبضه أو عن عرض قبل بيعه وقد مضى لهما حول فلا يفعل وليتطوع في غير هذا، فإن فعل لم يجزه، يعني غير المدير، وقد تقدم أن أشهب يرى أنه
إن زكى الدين قبل قبضه فإنه يجزئه، لما روي من اختلاف قول ابن عمر فيه، وقول ابن شهاب: يزكى الدين قبل قبضه، قال أشهب: وإن كنت لا آمره به فإذا فعل رأيته محسنًا وأجزأ ذلك عنه؛ وإنما لم آمره به خوفًا أن يتلف قبل قبضه فيكون قد أدى عن ما لا يلزمه، ولو كنا من قبضه على ثقة لا شك فيه لرأيت ذلك عليه، وعلى قوله إذا قبضه بعد حولين أن يزكيه لعامين لأنه يقبضه سلم مما كان خاف منه.
[الباب الثامن] في زكاة الفوائد وأحوالها وما يضم منها ونماها
[الباب الثامن] في زكاة الفوائد وأحوالها وما يضم منها ونماها روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول))، وروى ابن وهب أن عثمان، وعليًا، وعائشة، وابن عمر، وغيرهم قالوا: ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول، ورواه ابن مهدي أيضًا عن علي، وابن عمر، وعائشة. [فصل 1 - الفوائد إذا تعددت، فإن كانت الأولى ناقصة عن النصاب فإنها تضم للثانية] قال مالك: ومن أفاد خمسة دنانير ثم أفاد قبل تمام حولها بيوم من غير ربحها ما فيه الزكاة أو ما يكون مع الأول فيه الزكاة فلا زكاة عليه لتمام حول الأولى؛ لأنه ليس من ربحها ويستقبل بالجميع حولاً من يوم أفاد آخر الفائدتين فإذا تم الحول جمع الفائدتين فزكاهما حينئذ جميعًا. [فصل 2 - إن كان المال الأول فيه الزكاة فلكل ما أفيد بعده حول مؤتنف] وإن كان الأول فيه الزكاة، والثاني مما فيه الزكاة أم لا فكل مال على حوله ما دام
في جملتهما ما فيه الزكاة، فإن رجعا إلى ما لا زكاة فيه -إذا جمعا- بطل وقتاهما ورجعا كمال واحد. ثم إن أفاد من غيرهما ما يتم به معهما ما فيه الزكاة استقبل بالجميع حولاً من يوم أفاد المال الثالث. قال: ولو تجر في بقية المال الأول، أو الآخر، أو فيهما، فصارتا فيهما- مع ما ربح فيهما أو في أحدهما- قدر ما تجب فيه الزكاة فأكثر، إذا جمع، رجع كل مال على حوله، قال ابن المواز: وذلك قبل تمام حول الأول والثاني من آخر يوم زكاه فإنه يرجع كل مال على حوله. قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: وأما إن جمعهما حول بعد نقصهما عما فيه الزكاة فإنهما كمال واحد حولهما حول آخرهما، قال أبو محمد: يعني أنهما بقيا بهذا النقض من وقت حل حول الأولى إلى أن أتى حول الثانية وهما ناقصان، فيصير حولهما بعد ذلك واحدًا إن حدث فيهما نماء بعد ذلك. قال ابن القاسم: ولو حل حول الأولى وهما ناقصان، فلم يزك شيئًا حتى مضى شهران أو ثلاثة، وذلك قبل حلول حول الثانية، ثم ربح في إحداهما ما رجعا به إلى عدد تجب فيه الزكاة زكى الأولى وربحها حينئذ، إن كان الربح فيها، وصار يومئذ حولها، وبقي حول الثانية بحاله إذا حل زكاها عليه، وزكى ربحها معها إن كان الربح
فيها خاصة، وإن كان إنما ربح فيهما جميعًا فضضت الربح بينهما على قدرهما، وزكيت الأولى وربحها يوم الربح، وأبقيت الثانية وربحها، فإذا حل حولها زكيتها مع ما يخصها من الربح، ولو كان إنما حل حول الأولى، وفيهما ما تجب فيه الزكاة فزكاهما فنقصا عما فيه الزكاة فحل حول الثانية وهما حينئذ ناقصان فلم يزك شيئًا ثم رجعتا قبل حول الأولى إلى ما فيه الزكاة فإنه يصير يومئذ حول الثانية ويبقى حول الأولى على حاله ويصنع في الربح كما وصفنا. ومن المجموعة قال ابن القاسم: ومن أفاد عشرين دينارًا، ثم بعد شهر أفاد عشرة دنانير، ثم بعد شهر ثان أفاد عشرة دنانير، فزكى العشرين لتمام حولها، ثم أنفقها، فليضم حول الثانية إلى حول الثالثة فإذا حل زكاهما إن بلغا ما فيه الزكاة، ولو بقي من الأولى التي زكاها خمسة، والثانية عشرة، والثالثة خمسة فليزك الثانية مع الثالثة لحول الثالثة وهما خمسة عشر لأن بيده خمسة أخرى بقية المال الأول فصار معه عشرو، ولا يزكي الخمسة بقية المال الأول إذ لا يزكى مال في حول مرتين. قال أبو محمد: إذا كانت الأولى عشرين، والثانية والثالثة عشرة عشرة فزكى الأولى لحولها ثم رجعت إلى خمسة قبل حول الثانية ثم جاء حول الثانية فلا يزكيها حتى يبقى من الأولى عشرة فأكثر أو تصير الثانية خمسة عشر، وأما لو جرت الزكاة في جميع
الفوائد ثم صارت الأولى خمسة فليزك الثانية وكذلك الثالثة ما دام في جميع الثلاث فوائد ما فيه الزكاة. فصل [3 - إذا اجتمع فائدة واقتضاء] وإن اجتمع فائدة واقتضاء فإن بقي الجميع في يديه كان النظر في صفة الأحوال، وإن كان إنفاق كان النظر في وجوب الزكاة وسقوطها، فإن كان له دين عشرون دينارًا حال عليها الحول ثم أفاد عشرة فأقامت بيده حولا ثم أنفقها ثم قبض عشرة زكى عن عشرين نصف دينار؛ لأن الفائدة تضم إلى ما اقتضي بعدها ولا تضاف إلى ما قبض قبلها، فإن اقتضى عشرة أولاً فأنفقها ثم أفاد عشرة فأقامت بيده حولاً لم تضف إلى الأولى؛ لأنه لم يجمعهما ملك واحد، فإن اقتضى بعد ذلك عشرة زكى عن ثلاثين، فالعشرة الآخرة أوجبت الزكاة في العشرتين الأولتين؛ لأن الاقتضاء يضاف بعضه إلى بعض وهو عشرون ففيها الزكاة، والفائدة تضاف إلى ما اقتضى بعدها وهما عشرون ففيها الزكاة ولو لم يتقدم الاقتضاء الأول. ولو كان الاقتضاء الآخر خمسة لم يجب في شيء من ذلك زكاة؛ لأن جملة الاقتقضاء خمسة عشر فلا زكاة فيها، والفائدة مع ما قبض بعدها خمسة عشر فلا زكاة في ذلك، فإن
قبض بعد ذلك خمسة زكى عن الثلاثين، ولو قبض عشرة فأنفقها ثم أفاد خمسة فأقامت حولاً ثم أنفقها ثم اقتضى خمسة لم يجب عليه زكاة، لأن جملة الاقتضاء خمسة عشر، والفائدة وما بعدها عشرة، فإن قبض بعد ذلك خمسة زكى عن جملة الاقتضاء لأنها عشرون، ويبقى الأمر في الفائدة موقوفًا؛ لأن الذي بعدها عشرة، فإن قبض بعد ذلك خمسة زكى الفائدة والخمسة المقبوضة أخيرًا، ولو كان الاقتضاء المتقدم خمسة، والفائدة عشرة ثم قبض بعدها عشرة لزكيت الفائدة مع ما قبض بعدها؛ لأنها عشرون، ويبقى الاقتضاء الأول موقوفًا، فإن اقتضى بعد ذلك خمسة زكى عن الخمستين؛ لأن بالآخرة تم جميع الاقتضاء عشرين. فإن اقتضى عشرة فلم ينفقها حتى أفاد عشرة، ثم أنفق عشرة الاقتضاء ثم حال الحول على الفائدة زكى عن عشرين على قول أشهب؛ لأنه جمعهما الملك، ولم يزكهما على قول ابن القاسم؛ لأنه لم يجمعهما حول. ومن كتاب ابن سحنون: ومن أفاد خمسة عشر دينارًا ثم إلى ستة أشهر أفاد ثلاثة دنانير فخلط المالين، ثم أخذ من جملتهما ثلاثة دنانير فتجر فيها فربح ثلاثة دنانير فقسم الربح على المالين فناب الخمسة عشر ديناران ونصف فليبق حولهما كما كان على حول آخرهما، ولو كان إنما ربح ستة دنانير فوقع للمال الأول خمسة فيصير بربحه ما فيه الزكاة فيزكيه لحوله والثاني لحوله إن كان هذا الربح قبل أن يضمهما حول آخرهما،
ولو ضمهما حول آخرهما قبل الربح لم يرجعا إلى حولين ويبقى حولهما واحدًا، ولو تجر في أحد المالين فربح فيه ستة دنانير ثم لم يدر أيهما هو فليزكهما على حول آخرهما ولا يفضه بالشك فقد يزكي الأول قبل حوله. ومن المجموعة: قال سحنون: ولو بلغت الفائدة الأولى ما فيه الزكاة فزكاها لحولها ثم أقرضها رجلاً أو اشترى بها سلعة للتجارة ثم حل حول الثانية ولا زكاة فيها فلا يزكي إلا أن يقبض من ذلك الدين أو يبيع من تلك السلعة ما إن ضمه إلى الثانية بلغ ما فيه الزكاة فليزك الثانية لحولها ولا يزكي ما اقتضى أو باع إلا لحول من يوم زكاه، قال أبو محمد: أراه وهو غير مدير، ولو كان مديرًا لقوم السلعة يوم حل حول الثانية فإن كان في الجميع ما تجب فيه الزكاة زكى الثانية. قال غيره: ولو حل حول إحدى الفائدتين وهو في سلعة والأخرى في سلعة ولا زكاة فيها إلا مع الأولى وهو مدير. م: يريد: وقد كانا جرت فيهما الزكاة، قال: فإنه يزكي إذا كان في القيمة مبلغ الزكاة ولا يلتفت إلى ما يطرأ من حوالة الأسواق بزيادة أو نقصان إذا حل حول الثانية، وإنما يخاطب بالقيمة في وقته، ووقف فيها أبو محمد.
ومن المدونة قال مالك: ومن أفاد خمسة دنانير ثم أفاد بعد ستة أشهر خمسة أخرى فتجر في الخمسة الأولى فصارت بربحها عشرين دينارًا زكى كل فائدة لحولها، ولو تجر في الخمسة الثانية قبل تمام حولها فربح فيها خمسة عشر فأكثر أضاف الأولى إلى حول الثانية. ومن أفاد عشرة دنانير فأقرضها رجلاً ثم أفاد خمسين دينارًا فحل حولها فزكاها ثم أتلفها ثم اقتضى العشرة أو دينارًا منها زكى ما اقتضى مكانه. ومن أفاد ما تجب فيه الزكاة ثم أفاد بعد ذلك بستة أشهر مالا زكاة فيه فزكى الأول لحوله ثم أنفقه قبل حول الثاني فإذا حال حول الثاني لم يزكه. م: لأنه لم يجمعهما الحول وهما في ملكه، قال ابن المواز: وخالفه أشهب وقال: يزكي الثانية، قال أشهب: وكذلك لو كانت الأولى خمسة عشر والثانية خمسة، فحل حول الأولى، ثم أنفقها قبل حول الثانية، ثم حل حول الثانية؛ فإنه يزكي عن عشرين، قال: لأنا إنما أخرنا زكاتها خوفًا ألا تبلغ الثانية إلى حولها، وقال ابن القاسم: لا يزكي شيئًا من ذلك. ومن المدونة: قال مالك: ولو كان إذ حل حول الثاني عنده مال أفاده معه
أو قبله وبعد حول الأول وفيه مع الثاني ما تجب فيه الزكاة فليزكهما، وإن لم يكن فيهما ما تجب فيه الزكاة لم يزك شيئًا، ثم إن أفاد مالاً رابعًا فيه -مع ما بيده- ما تجب فيه الزكاة فليزك جميع ما بيده لتمام حول المال الرابع. قال: ومن أفاد عشرين دينارًا ثم بعد أشهر أفاد عشرة دنانير فزكى العشرين لحولها فنقصت، فإن حل حول العشرة وقد بقي من العشرين عشرة فأكثر زكى العشرة الثانية حينئذ ثم يزكي بعد ذلك كل مال على حوله ما دام في جملتهما ما تجب فيه الزكاة. قال: ومن أقرض رجلاً مئة دينار فأقامت بيده أحوالاً ثم أفاد عشرة فلا يزكيها لتمام حولها؛ لأنه لا يدري أيقبض من دينه شيئًا أم لا، فإن أنفق العشرة بعد حولها أو أبقاها ثم اقتضى من دينه عشرة زكاها مع العشرة الفائدة ويصير حولهما واحدًا من يوم زكاهما، ثم يزكي قليل ما يقتضي بعد ذلك وكثيره، ويصير حول ما اقتضى من يوم يزكيه، وقد تقدم نحو هذا. فصل [4 - الفوائد على اختلاف أنواعها لا تزكى إلا بعد حول من يوم تقبض] قال مالك: ومن كاتب عبده على دنانير، أو إبل، أو بقر أو غنم فبقضها منه بعد حول فلا يزكيها حتى تقيم عنده حولاً بعد قبضها. قال مالك: كل فائدة أفادها رجل من كتابة، أو دية، أو غيرها فلا زكاة عليه فيها إلا بعد حول من يوم يقبضها.
قال: ومن ورث مالاً فلم يقبضه إلا بعد أعوام كثيرة فليستقبل به سنة من يوم قبضه، ولا شيء عليه للسنين الماضية، قال: وعلى هذا محمل الفوائد كلها إنما تزكى بعد عام من يوم تقبض. قال مالك: وكل سلعة أفادها رجل بميراث، أو هبة، أو صدقة، أو اشتراها لقنية دارًا كانت أو غيرها من السلع، فأقامت بيده سنين أو لم تقم، ثم باعها بنقد فمطل بالنقد، أو باعها إلى أجل فلما حل الأجل مطل بالثمن سنين، أو أخره بعد الأجل ثم قبضه فليستقبل به حولاً بعد قبضه، ولا زكاة عليه فيما مضى، كان مديرًا أو غير مدير، ولو أسلف ناضًا كان معه، أو باع سلعة عنده للتجارة فقبض ذلك المال بعد سنين زكاها مكانه زكاة واحدة. [فصل 5 - من وهب دينه للمدين هل تلزمه زكاته، وهل يزكيه الموهوب له؟] قال مالك: ومن كان له على رجل دين، له أحوال، وهو قادر على أخذه منه، فوهبه له فلا زكاة على ربه فيه ولا على الموهوب له حتى يتم له عنده حول من يوم وهب له، وهذا إذا لم يكن للموهوب له مال غيره، فأما إن كان له مال أو عرض سواه فعليه زكاته وهب له أم لا، وقال غيره: زكاته ساعة وهب له كان له مال غيره أم لا. م: فوجه قول ابن القاسم أنه لما لم يكن عنده غير ما عليه من الدين فكأنه غير
مالك لشيء منه وإنما صار مالكًا له يوم الهبة فوجب ألا زكاة عليه إلا بعد حول من يوم الهبة إلا أن يكون عنده عرض يجعله في دينه فيزكي. م: وهذا على قوله أن يكون مالكًا للعرض من أول الحول، وأما على قوله أن لو ملك العرض يوم الحول لجعله في دنيه وزكى فوجب أن يزكى المائة يوم الهبة وإن لم يكن له عرض؛ لأن بالهبة سقط الدين عن ذمته وكأنه لم يزل مالكًا للدين من أول الحول كما جعله إذا وهب له العرض يوم الحول كأنه مالك للدين من أول الحول فكذلك هبة الدين، وهذا كقول الغير، ووجهه ما ذكرنا. ونقل أبو محمد في مختصره: ولو وهب له عرض سواه قبل الحول بيوم كان عليه الزكاة عند ابن القاسم، وأبى ذلك غيره، ولابن القاسم قول كقول غيره. وفي كتاب ابن المواز: ومن له مئة دينار وعليه مثلها فأفاد عرضًا قبل الحول بشهر يفي بها، فقال ابن القاسم: لا يزكيها حتى يكون العرض عنده من أول الحول، وقال أشهب: لا يبالي متى أفاده عند الحول، أو قبله يجعل دينه فيه ويزكي ناضه، وكذلك إن أفاده بعد الحول زكاه حينئذ، وكان من يومئذ حوله، قال محمد: وبهذا أقول، وبه أخذ أصحاب ابن القاسم.
م: وقول محمد جار على روايتي المدونة، وخلاف لما نقله أبو محمد. قال ابن المواز: وقد قال ابن القاسم فيمن تسلف مالاً وعنده عرض لا وفاء له به يومئذ فلم يأت الحول حتى صار فيه وفاء بالدين أو انتقص عند الحول قال: فإنما ينظر إلى قيمته يوم حل الحول فإن كان فيه وفاء زكى ما معه أو مبلغ ما يفي به، قال: وهذه جيدة. م: لا يلزم ابن القاسم بهذه تناقض؛ لأن زيادة قيمة العرض كالربح فيه، وحول ربح المال حول أصله فكأنه لم يزل مالكًا لهذا الربح من أول الحول فهو بخلاف عرض أفاده اليوم، فإن كان بهذه المسئلة ألزم أبو محمد أن لابن القاسم قولين فليس ذلك اختلاف قول، والله أعلم. قال: وقال ابن القاسم: ومن كانت عنده مئة دينار وهي عليه دين وليس له من العروض شيء، وله على رجل مئة دينار دين وقد حلتا جميعًا فأحال بالتي عليه على التي له فعلى قابضها الزكاة، وعلى الذي أحال بها زكاتها، يريد: لأن عنده وفاء بها وهي المائة التي بيده، قال ابن المواز: لأن قبض المحتال بها كقبض محيله، قال أبو محمد: ولو
قال: قد سقط عنه الدين لما قضاه الدين الذي له، ويزكي المئة التي معه لكان أبين، قال ابن المواز: وعلى دافعها زكاتها إن كان له بها وفاء. قال: ومن أودعك مئة دينار فأسلفتها رجلاً، ثم أحلت عليه ربها بعد سنين فقبضها، فعلى قابضها زكاتها لعام واحد، وقال في دافعها الآن ومسلفها، فمن كان له منهما عرض يسواها فليزكها وإلا فلا. ابن المواز: ومن له على رجل دين فوهبه ربه لغير المديان بعد تمام الحول، وليس عند المديان شيء يجعل الدين فيه، فقال أشهب: لا زكاة على ربه ولا على المديان ولا على الموهوب، وقال ابن القاسم: على الواهب الزكاة، قال ابن المواز: أما الواهب فيزكيها؛ لأن يد القابض لها كيده، وإنما تكون الزكاة فيها من العشرين بعينها. فصل [6 - من ورث عرضًا فنوى به التجارة حين ورثه، هل يكون بنيته للتجارة ويزكيه للتجارة؟] ومن المدونة: ومن ورث عرضًا، أو حيوانًا، أو طعامًا فنوى به التجارة حين ورثه أو وهب له أو تصدق به عليه لم يكن بنيته للتجارة ولا زكاة عليه فيه حتى يبيعه ويستقبل به حولاً بعد قبضه، وإن ورث حليًا مصوغًا من الذهب أو الفضة فنوى به التجارة حين ورثه زكى وزنه لتمام حول من يوم ورثه، بخلاف العروض؛ لأنه حين نوى به التجارة صار بمنزلة العين، وإن نرى به القنية لم يزكه، وإن ورث آنية ذهب أو فضة أو وهبت له أو تصدق بها عليه فليزك لتمام الحول وزنها لا قيمتها نوى بها التجارة أو القنية إذ ليست مما أبيح اتخاذه وهي بمنزلة التبر المكسور، وكذلك حلية سرج. أو لجام أو سكين ونحوه، فأما حلية السيف والمصحف والخاتم فلا زكاة فيما اقتنى من ذلك.
م: قيل إن ما كان أصله القنية من العروض إذا أفاده لا ينتقل بالنية إلى التجارة دون الفعل، وما أصله التجارة ينتقل بالنية خاصة إلى القنية عند ابن القاسم؛ لأن أصل العروض القنية، والتجارة فرع طارئ عليها فوجب أن لا ينتقل عن الأصل بالنية دون الفعل، وأن ينتقل الفرع إلى الأصل بالنية خاصة كالمقيم والمسافر أن الأصل الإقامة فلا ينتقل عن إتمام الصلاة بالنية دون الظعن، وينتقل المسافر إلى الإتمام بنية الإقامة خاصة، أو لا ترى أن الدنانير والدراهم لما كان أصلهما التجارة؛ لأنها أثمان الأشياء أنها لا تنتقل إلى القنية بالنية دون الفعل، فإن ابتاع بها عرضًا للقنية أو صاغهما حليًا للقنية والانتفاع انتقلت وإلا فلا. ومن المدونة قال مالك: والسنة عندنا أنه لا زكاة على وارث في مال ورثه، ولا في دين ولا عرض ولا دار ولا عبد ولا وليدة حتى يحول على ثمن ما باع من عرض الحول بعد قبضه كان مديرًا أو غير مدير. وإن ورث عينًا ناضًا أو دينًا فليزكه بعد حول من يوم قبضه. قال: وغلة الدور والدواب والرقيق فائدة وإن ابتيع لغلة، وإجارة الأجير فائدة يستقبل بذلك كله حولاً بعد قبضه، وكذلك ما فضل بيد المكاتب بعد عتقه لا يزكيه حتى يحول علهي حول بعد عتقه. وتستقبل المرأة بصداقها حولاً من يوم تقبضه كان عينًا أو ماشية مضمونة، وكذلك على دنانير معينة وإن قبضتها بعد أحوال؛ لأنه كان فائدة، وضمانه كان من الزوج، فأما ماشية بعينها أو نخل بعينها فأثمرت فزكاتها عليها أتى الحول وهي عند الزوج أو عندها، لأن ضمانها منها، ولو قبضت ذلك بعد الحول زكته مكانها ولم تؤخره،
وكذلك ما ورثه وارث من ذلك من نخل أو كرم فلم يصل إليه إلا بعد أعوام فالمصدق يأخذ زكاة ذلك كل عام وكذلك الزرع الأخضر يرثه يزكيه يوم حصاده وإن لم يقبضه. فصل [7 - لا زكاة في المال الموروث إلا بعد حول من يوم قبضه] قال مالك: وإذا باع القاضي دارًا لقوم ورثوها وأوقف ثمنها حتى يقسم بينهم ثم قبضوه بعد أعوام فلا زكاة عليهم فيه إلا بعد حول من يوم قبضوه، وكذلك من ورث مالاً بمكان بعيد فقبضه بعد سنين فلا يزكيه إلا بعد حول من يوم قبضه، فإن بعث في طلبه رسولاً بأجر أو بغير أجر فقبضه حسب له حول من يوم قبضه رسوله فيزكيه وإن لم يصل إلى يده بعد، بخلاف الماشية والحرث. ابن المواز: وروى مثله ابن وهب عن مالك، وروى عنه أيضًا أنه يزكيه ساعة يقبضه هو أو وكيله زكاة واحدة لماضي السنين. م: فوجه رواية ابن القاسم فلأنه مال موروث لم يصل إلى يد وارثه فلم تجب عليه زكاته إلا بعد حول من يوم يقبضه هو أو وكيله أصله ثمن العرض الموروث؛ لأن العرض الموروث كمال لم يقبض من العين الموروث، وقبض ثمن العرض كقبض العين الموروث، كما أن عرض التجارة كدين التجارة، وقبض ثمن عرض التجارة كقبض دين التجارة، فكذلك الميراث. ووجه رواية ابن وهب فلأنه مال موروث مضى له حول في ضمان وارثه فوجب عليه زكاته إذا قبضه أصله ما قبضه من يوم الميراث.
وقال ابن حبيب: قال مطرف: فإن لم يعلم الوارث بالميراث فليأتنف به بعد قبضه حولاً، وإن علم به ولم يقدر أن يصل إليه فليزكه إذا قبضه لعام واحد، وإن كان يقدر على قبضه زكاة لكل عام مضى. وإن أودعه له سلطان بيد عدل فليزكه لماضي السنين وإن لم يعلم، وقاله عبد الملك وأصبغ. م: ورواية ابن حبيب هذه وتفريعه استحسان ليس بالقوى إلا قوله: وإن أودعه له سلطان بيد عدل فليزكه لماضي السنين فصواب؛ لأن يد المودع كيده. وقال المغيرة في المجموعة: إذا لم يعلم بالميراث وأوقفه القاضي بيد رجل فليزكه لماضي السنين، وإن ضمنه لأحد فليزكه إذا قبضه لعام واحد. م: وقول المغيرة صواب إلا قوله: إذا لم يعلم بالميراث، فسواء علم أو لم يعلم؛ لأن فعل القاضي ونظره كفعله لنفسه. [فصل 8 - في زكاة المال يقبضه الوكيل فيحْبسه عن ربه سنين ثم يقبضه منه ربَّه] ابن المواز: قال ابن القاسم عن مالك: وإذا قبضه الوكيل فحبسه سنين ثم قبضه منه ربه لم يزكه إلا لعام واحد، وقال أصبغ: بل لكل عام مضى، قال محمد: بل لعام واحد؛ لأن حبس الوكيل إياه تعدياً ضمنه به، وكذلك لو كان له عذر من خوف طريق
أو نحوه مما لا يقدر أن يأتي ولا يصل ربه إليه، فأما إن كان معه في بلد يقدر على أخذه فتركه، أو حبسه بإذنه، أو كان مفوضاً إليه فليزكه لماضي السنين. [فصل 9 - في زكاة المال الضَّمار والضَّائع والمحبوس واللقطة] واختلف في المال يسقط من صاحبه على نحو ما تقدم، وإذا ورثه وعلم به هل يستأنف به حولاً أو يزكيه لعام واحد أو لأعوام، وهل مفترق الجواب إذا وقف على يدي عدل؟ فقال مالك في العتيبة: إذا وجده صاحبه بعد سنين كثيرة زكاة لعام واحد. قال المغيرة وسحنون: يزكيه لكل عام. قال ابن حبيب: يستأنف حولاً إذا كان صاحبه منقطع الرجاء منه؛ لأنه ضمار، والضمار لا زكاة فيه، وهذا إذا حبسه لصاحبه. واختلف إذا حبسه الملتقط لنفسه بعد الحول ولم يحركه حتى أتى صاحبه فقال مالك- في كتاب محمد-: يزكيه ملتقطه لحول من يوم نوى ذلك، ويزكيها صاحبها لعام، وإذا أقامت بعد ذلك أعواماً فقال ابن القاسم- في المجموعة: لا زكاة عليه إذا لم يحركها وإن نوى حبسها للحديث، والأول أبين؛ لأنها صارت ديناً عليه./ واختلف فيمن دفن مالاً ثم ذهب عنه موضعه ثم وجده بعد أعوام فقال في كتاب محمد: يزكيه لماضي السنين، وقال محمد ابن المواز: إن دفنه في صحراء أو في موضع لا
يحاط به فهو كالمغصوب والضائع، وأما البيت والموضع الذي يحاط به فيزكيه لكل سنة وعكس ابن حبيب الجواب فقال: إن دفنه في صحراء زكاة لماضي السنين؛ لأنه عرضه للتلف لما دفنه بموضع يخفي عليه،، وإن كان في موضع لا يخفى عليه لم يزكه للأعوام. [فصل 10 - المال إذا باعه الوصي وأقام بيده زمناً ثم اقتسمه الورثة وفيهم صغار وكبار، كيف يُزكّي؟] ومن المدونة قال مالك: وإذا قبض الوصي للأصاغر عيناً ورثوه فليزكه لحول من يوم قبضه، قال في كتاب الزكاة الثاني: وإن كان في الورثة صغار وكبار فباع الوصي التركة وأقام المال بيده ما شاء الله فلا زكاة على أحد منهم حتى يقتسموا فيستقبل الكبار بحظهم حولاً بعد قبضه، ويستقبل الصغار بحظهم حولاً من يوم القسم، ولا يكون الوصي قابضاً للكبار إلا بوكالتهم. قال ابن المواز: قال أشهب مرة: إن قبضه للصغار والكبار قبض، وقال مرة مثل قول ابن القاسم وروياه عن مالك. (فصل 11 - الماشية والحرث الموروثة يأخذ زكاتها الساعي كل عام، علم بها الوارث أو لم يعلم، كانت في يد وصي أو غيره] ومن المدونة قال مالك: وأما من ورث ماشية تجب فيها الزكاة أو نخلاً فأثمرت وهي في يد وصي أو غيره فإن الساعي يأخذ صدقتها كل عام علم بها الوارث أم لا بخلاف العين، والفرق بينهما أن من عنده ماشية أو ثمار وعليه دين يغترقها ماشية
مثلها أو ثمار لم يمنع المصدق ذلك من أخذ زكاتها، ومن عنده عين ولا مال له غيره وعليه دين مثله من عين أو عرض لم تلزمه زكاة، والذي يرث دنانير لا تصير في ضمانه حتى يقبضها. [فصل 12 - فيمن اشترى غنماً فجز صوفها وباعه، هل يزكي ثمنه لحول أصل المال الذي اشتريت به الغنم، أو هو غلّة؟] قال مالك: ومن اشترى غنماً للتجارة فجز صوفها بعد ذلك بأشهر فهو فائدة يستقبل بثمنه إذا باعه حولاً بعد قبضه. م: انظر إن ابتاعها وعليها صوف تام فجزه بعد أيام ينبغي على أصل ابن القاسم أن لا تكون غلة ويزكي ثمنه إذا باعه لحول أصل المال، وأما عند أشهب فهو غلة. م: يجري على اختلافهما إذا اشتراها وعليها صوف تام فجزه ثم ردّها بعيب، فابن القاسم يقول: يرد الصوف معها أو مثله إن فات؛ لأنه قد وقع له حصة من الثمن، وقال أشهب: هو غلة ولا يرده. قال في كتاب الزكاة: فإن باع الغنم قبل الحول زكي ثمنها على حول أصل المال، وإن بقيت بيده حتى حال الحول وقدم الساعي فليأخذ زكاتها، ثم إن باعها بعد ذلك لم يزك الثمن إلا لحول من يوم زكى الرقاب، قال: وكذلك كراء المساكن إذا اشتراها للتجارة، وكراء العبيد، وثمر النخل ذلك كله فائدة. [فصل 13 - في زكاة كراء الدُّور] ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم فيمن أكرى داره ثلاث سنين بثلاث
مائة دينار فقبضها بعد ثلاث سنين فليأتنف بها حولاً من يوم يقبضها، قال ابن القاسم: إلا أن يترك قبض الكراء هرباً من الزكاة، وقال أصبغ: ليس هذا بشيء وتركه هرباً أو غير هرب قادر على أخذه أو غير قادر سواء لا شيء عليه وليأتنف من يوم يقبضه حولاً. قال في كتاب ابن المواز: وأما من اكترى داراً ليكريها فما غل منها مما فيه الزكاة فليزكه لحول من يوم زكى ما نقد في كرائها لا من يوم اكتراها، وهذا إذا اكتراها للتجارة والغلة؛ لأن هذا متجر، وأما إن اكتراها للسكنى فأراها لأمر حدث له أو لأنه أرغب فيها فلا يزكي غلتها وإن كثرت إلا لحول من يوم يقبضها، وقال أشهب: لا زكاة عليه في غلتها وإن اكتراها للتجارة، وغلة ما اكترى للتجارة كغلة ما اشترى للتجارة كان مديراً أو غير مدير. قال عيسى عن ابن القاسم: ومن اكرى داراً خمس سنين بمائة دينار فانتقدها وحال عليها الحول وليس له غيرها، فإن وقع للسنة الماضية من الكراء عشرة وبقي عليه ديناً تسعون ديناراً فإن ساوتها الدار- يريد: مهدومة- زكى المائة كلها، وإن ساوت ثلاثين زكاها/ مع العشرة ثم كل ما سكن شيئاً زكى حصة ذلك وذلك أنه قد [134/ب]
تنهدم الدار فيرد ما قبض، وذكر ابن سحنون عن أبيه مثله، وذكر عنه النبي، وابن عبدوس أنه قال: بل يزكي المائة كلها، والهدم أمر طارئ وقد تستحق السلعة التي تباع أيضاً فلا ينظر إلى هذا. م: وهذا أصوب. ومن كتاب ابن المواز: ومن أجر نفسه ثلاث سنين بستين ديناراً وقبضها فعمل سنة وهي بيده فليزك عشرين فقط إلا أن يكون له عرض يفي بما بقي فيزكيها، وكان قد قال محمد: إن لم يكن له عرض فيزكي تسعة عشر ونصفاً أيضاً ويجعل بدلها بقية العشرين التي زكى، ثم رجع عنه فقال: أستحسن أن لا يجعل ما زكى من العين في دينه، والأول هو القياس، قال أبو محمد: وينبغي على قول سحنون أن يزكي الجميع كما قال في الدار. م: وهو الصواب. ووجه قول محمد الذي رجع إليه أنه لما قبض الستين أجرته صارت في ذمته فلما عمل حولاً سقط عنه عشرون حصته وبقى عليه أربعون وبيده الستون فيجعل أربعين منها في دينه ويزكي عن عشرين، وهذا القياس على مسائل من له عين وعليه دين، وأما قوله الأول فيخرج على قول ابن حبيب في الذي له مائتان على حولين، وعليه مائة دين أن يزكي الأول لحولها ويجعل الثانية في دينه فإذا حل حولها زكاها وجعل الأولى في دينه، وهذا قول ضعيف؛ لأن الدين لابد أن يذهب بإحداهما، وكذلك مسألة كتاب محمد الأربعين التي عليه تذهب بمثلها مما بيده ويزكي ما بقي وهذا بيّن، ويلزم على قوله
الأول أن يزكي جميع السنين؛ لأنه قال: إذا زكى العشرين الفاضلة وبقي منها تسعة عشر ونصف جعلها في دينه وزكى من الأربعين تسعة عشر ونصفاً، ثم يجعل بقية هذه التسعة عشر ونصف المزكاة أخيراً في دينه ويزكي من العشرين ونصف الباقية من الأربعين مثلها ثم يجعل من هذه المزكاة أخيراً قدر ما بقي من العشرين ونصف وهو دينار ونصف وثمن عشر دينار ويزكيه فيحصل قد زكى الستين كلها، ويلزم على هذا أن من معه ثمانمائة دينار وعشرين ديناراً وعليه ثمانمائة دينار أن يزكي عن ثمانمائة دينار مما بيده، وهو خلاف أصلنا. [فصل 14 - من اشترى أصولاً للتجارة فأثمرت فثمرتها فائدة، فإن كان في عينها زكاة زكاها ثم باعها وباع الأصل استقبل بالجميع حولاً] ومن المدونة قال مالك: ومن ابتاع نخلاً للتجارة فأثمرت ثم جذها فأدى منها الصدقة ثم باع الأصل فليزك ثمنه إذا قبضه لتمام حول من يوم زكى الثمن الذي ابتاعها به، وإن باع الثمرة فهي فائدة يستقبل بثمنها حولاً بعد قبضه فيصير حول الثمرة على حدة، وحول الأصل على حدة. ومن كتاب ابن المواز: ومن ابتاع نخلاً للتجارة ثم ابتاعها بثمرتها وقد طابت فإنه يفض الثمن على قيمة النخل والثمرة فما وقع للنخل زكاه على أصل حول المال، وما وقع للثمرة لم يزكه إلا بعد ائتناف حول من يوم يقبضه، وعليه الآن زكاة الثمرة العشر أو نصف العشر، ولو كان ثمرها لم يطب وباعها به لزكى جميع الثمن لحول أصل المال،
وكذلك لو كانت ثمرة جوز أو مالا زكاة فيه فباعها به وقد طابت إلا أنه لم يجذها، فأما لو جذها ثم باعها معها أو مفردة فلا زكاة في ثمن الثمرة ويستقبل به حولاً من يوم يقبضه، وأما إذا لم تفارق الأصل فهي تبيع، وكذلك التي تزكي إلا أنها لم تطب فهي تبع، كمال العبد يبيعه به ربه فعليه في جميع الثمن الزكاة إن كان العبد للتجارة، ولو انتزع المال ثم باع العبد كان المال فائدة لا زكاة فيه الآن. [فصل 15 - في أخذ الزكاة من الأعطية] ومن المدونة: قال القاسم بن محمد: وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا أعطى الناس/ أعطياتهم يسأل الرجل هل عندك من مال وجبت فيه الزكاة؟ فأن قال نعم [135/ أ] أخذ من عطائه زكاة ماله ذلك، وإن قال لا أسلم إليه عطاءه، قال مالك: وفعله عثمان ابن عفان، وقال ابن شهاب: أول من أخذ من الأعطية الزكاة معاوية بن أبي سفيان.
[الباب التاسع] باب جامع ما جاء في زكاة المديان
[الباب التاسع] باب جامع ما جاء في زكاة المديان [فصل 1 - الدين يُسقط الزكاة عن العين، ولا يسقط زكاة الحرث والماشية] روى سحنون عن ابن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُجلس عبد الرحمن بن عوف في كل محرم فيقول للناس: ((من كان عليه دين فليؤده، ومن أراد أن يستحدث نفقة فليستحدثها حتى تؤدوا مما بقي من أموالكم الزكاة)). م: قال عبد الوهاب: وهي حجتنا على الشافعي في قوله إن الدين لا تأثير له في إسقاط الزكاة عن العين. وما روي عن عمير بن عمران عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((إذا كان للرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه)). ولأن الدين وجب عن عوض، والزكاة عن غير عوض فكان الدين مقدماً عليها كما قُدم على الميراث. ومن المدونة: وروي أن عثمان بن عفان كان يقول على المنبر: ((هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه فإن فضل له ما تجب فيه الزكاة فليزكه ثم لا شيء عليه حتى يحول عليه الحول)). وقال سليمان بن يسار، وابن شهاب، وجابر بن زيد فيمن له مال وعليه من الدين مثله فلا زكاة عليه، وقاله مالك.
قال مالك: ولا يُسقط الدين زكاة الماشية والثمار، وقاله الحسن البصري. [فصل 3 - الفرق بين العين والماشية والحرث في تأثير الدين في إسقاط الزكاة] قال ابن القاسم: والفرق بين ذلك وبين العين أن السنة إنما جاءت في الضمار وهو المال المحبوس من العين. يريد: فهو الذي يسقطه الدين، وفيه قال عثمان: ((هذا شهر زكاتكم ... الحديث)). قال: وأما الماشية والثمار فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده الخراص والسعاة فخرصوا على الناس وأخذوا منهم زكاة مواشيهم ولم يسألوهم هل عليهم دين أم لا. وقال المشيخة السبعة: لا يصدق المصدق إلا ما أتى عليه حول لا ينظر إلى
غير ذلك. قال بعض البغدادين: ولأن زكاة الماشية والحرث إلى الإمام ولم يؤتمن عليها أربابها فلو قبل قول أربابها أن عليهم ديوناً لأدى ذلك إلى إسقاط الزكاة فحسم الباب. م: يريد: لأن زكاة العين موكولة إلى أمانات أربابها فوجب قبول قولهم أن عليهم ديناً كما قُبِل قولهم إخراجها، وغذا كان عليهم دين يغترق أموالهم فهم غير مالكين لشيء على الحقيقة فوجب أن لا زكاة عليهم. ولأن الحرث والماشية أموال ظاهرة وليس كذلك الذهب والفضة لأنها تخفى فخفف زكاتها بإسقاط الدين لها فيخفف إخراجها على أربابها. قال ابن المواز: قال مالك: إنما يسقط الدين زكاة العين فقط كان ذلك الدين عرضاً أو طعاماً أو ماشية أو غيرها، ولا يسقط الدين زكاة ماشية ولا حب
ولا تمر ولا معدن ولا ركاز، ولو كان إنما تسلف فيما أحيي به الزرع والثمرة وقوي به على المعدن والركاز لم يسقط ذلك عنه شيئاً من ذلك ويخرج خمس الركاز. وأما في زكاة الفطر فيمن عنده عبد وعليه عبد مثله، فابن القاسم لا يوجب عليه زكاة الفطر، وأشهب يوجبها، وهذا مذكور في الزكاة الثاني. ابن المواز: قال أشهب: الذين أولى من زكاة العين فرط فيها أو لم يفرط، وهو أولى- مما فرط فيه من زكاة ماشية أو حب أو ثمر وليس مثل مالم يفرط فيه من ذلك والماشية والثمر والحب قائم. [فصل 3 - العروض المقومة بإزاء الدين] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن كان معه عشرون ديناراً ثم حولها، وعليه دين، وله عروض فليجعل دينه في عروضه وداره وخادمه وسرجه وسلاحه وخاتمه وفي كل ما يبيعه عليه الإمام في دينه فإن كان في ذلك وفاء دينه زكى العشرين الناضة./ [135/ ب] والإمام يبيع عليه إذا فلس داره وعروضه كلها ما كان له من خادم أو سلاح أو غير ذلك إلا ما لابد له من ثياب جسده ويترك له ما يعيش به هو وأهله الأيام، ويبيع عليه ثوبي جمعته إن كانت لهما قيمة وإن لم يكن لهما تلك القيمة فلا يبعهما. محمد: وقال أشهب: لا يحسب خاتمه، وقال في ثوبي جمعته: إن كان لباس مثلهما سرفا بيعا في الدين.
[فصل 4 - المديان يجعل دينه في قيمة رقاب مدبريه وفي قيمة كتابة مكاتبيه] ومن المدونة قال: ويجعل دينه في قيمة رقاب مدبريه وفي قيمة كتابة مكاتبيه فإن كانت الكتابة عيناً قيل: ما قيمة ما على المكاتب من هذه النجوم على محلها بعرض عاجل ثم يقوم العرض بعين فإن كان فيه وفاء دينه زكى ما معه من العين إن كان تجب فيه الزكاة وإن لم يف بدينه جعل فضل دينه فيما في يديه من الناض ثم ينظر فإن بقي بعد ذلك عشرون ديناراً فأكثر زكى وإلا لم يزك. سليمان: قال سحنون: لا يجعل دينه في قيمة رقاب المدبرين ولا في خدمتهم إذ لا يباعوا في حياته، وكذلك عن سحنون في المجموعة. قال عبد الوهاب: وقيل يجعل دينه في قيمة خدمتهم على غررها. قال ابن المواز: لم يختلف أصحاب مالك أنه يجعل دينه في قيمة رقاب مدبريه كقول ابن القاسم، واختلفوا في المكاتبين فقال ابن القاسم: يحسبه في قيمة كتابتهم، وقال أشهب: في قيمتهم مكاتبين بقدر ما بقي عليهم، وقال أصبغ: بل قيمتهم عبيداً كالمدبرين إذ قد يعجز فيرق، وقد جاء الأثر: ((أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)) وكذلك روى
ابن حبيب عن أصبغ وأشهب قيمته عبداً. م: كان الجاري على أصل ابن القاسم ألا يجعل دينه في قيمة رقاب مدبريه؛ لأن الأصل إنما يجعل دينه في كل ما يبيعه عليه الإمام إذا فلس، والإمام لا يبيع عليه المدبرين إلا في دين قبل التدبير، فلو كان الأمر كذلك لجرى على أصله ولكن ظاهر قوله أنه سواء استحدث الدين قبل التدبير أو بعده، ووجه ذلك أنه لما كان الدين يتسلط عليه بعد الموت تقدمه أو تأخره احتاط للزكاة فجعل الدين في قيمة رقبته. وقال سحنون جارٍ على ما أصل أنه يجعل دينه في كل ما يبيعه عليه الإمام إذا فلس، وأما في المكاتبين فابن القاسم جارٍ على أصله فيهم. ووجه قول أشهب أنه لما كان تجب له قيمتهم مكاتبين أن لو قتلوا احتاط للزكاة فجعله فيها. وأما أصبغ فقد وجه قوله بالعجز وبالحديث: ((أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)).
وقول ابن القاسم في المكاتب أبينها، والله أعلم. فإن عجز المكاتب وفي رقبته فضل- على مذهب ابن القاسم- فذكر عن أبي عمران أنه يزكي من ماله مقدار ذلك الفضل. م: صواب؛ لأن ذلك كعرض أفاده ولا اختلاف في ذلك. قيل لأبي عمران: فالمدير يقوم عرضه فيزكي ثم يبيعه بأكثر من ذلك فقال: لا يزكيه؛ لأن ذلك حكم مضى وهذا نماء حادث، قيل له: فالحلي المربوط إذا تحرى ما فيه ثم فصله بعد ذلك فكان ذلك أكثر مما تحرى قال: هذا يزكي، وإنما هذا كمن ظن أن ماله مئة فإذا هو مئتان. [فصل 5 - المديان هل يجعل دينه في قيمة خدمة المعتاق إلى أجل، أو في قيمة عبده الآبق؟] قال أشهب في المجموعة: ويجعل دينه في قيمة خدمة المعتق إلى أجل، يريد: على غررها، وقاله أصبغ في كتاب ابن المواز. قال أشهب: ولو أخدم عبده هو سنين أو عمراً قوّمت رقبته على أن يأخذه المبتاع إلى تلك المدة، ولو كان غيره أخدمه عبداً مدةً حسب قيمة الخدمة تلك المدة في دينه. ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يحسب دينه في قيمة عبده الآبق إذ لا يجوز بيعه. قال ابن المواز: وقال أشهب: إن كان إباقه قريباً تُرجى قوّم على غرره،
يريد: أن لو بيع ويجعله في دينه، وإن طال/ أمره فلا يحسبه. [فصل 6 - المِديان إن كانت له ماشية تزكى فليجعلها في دينه ويزكي ما معه من عين] قال ابن القاسم في العتبية وغيرها: وإن كانت له ماشية يزكيها فليجعلها في دينه ويزكي عينه. قال في كتاب ابن المواز فيمن له أربعون شاة وعليه مثلها دين وعنده عشرون ديناراً فحل حول ذلك كله فأخذ الساعي شاة، فانظر فإن كانت قيمة التسعة وثلاثين شاة الباقية مثل قيمة ما عليه فأكثر فليزك العشرين ديناراً وإلا يزك، ولسحنون مثله. قال ابن القاسم في العتبية والمجموعة فيمن له مئتا دينار حول كل مئة على حدة وعليه دين مئة فليزك فإذا حل حول الأولى جعل الثانية في دينه وزكى الأولى يومئذ. أبو محمد: ولا يزك الثانية لأن الدين يذهب بإحداهما لابد. وفي كتاب ابن حبيب: يزكي كل مئة في حولها ويجعل دينه في الأخرى. م: تأويل أبي محمد أصوب.
والفرق بين هذا وبين الذي له الأربعون شاة والعشرون ديناراً أن زكاة الغنم لا يسقطها الدين فلم يحتج أن يجعل العشرين في دينه، فلما لم يجعلها في دينه زكاها إذا كان له ماشية أو عرض أو شيء يجعله في دينه. وفي مسألة المئتين إذا زكى الأولى وجعل الثانية في دينه وكأنه قضاها فلم تجب عليه زكاتها. [فصل 7 - زكاة المعدن لا يُسقطها الدِّين] ومن كتاب ابن المواز ونحوه لسحنون فيمن وجد في المعدن مئة دينار فزكاها، ومعه مئة أخرى حل حولها، وعليه مئة دينار دين فليجعل دينه فيما بقى من المئة المعدنية بعد الزكاة ويزكي مثل ذلك من المئة التي بيده، يريد: أن لم يكن له عرض سوى ما بقي. م: لأن المئة المعدنية لا يسقط زكاتها الدين فهي كالماشية فيما ذكرنا. وكذلك لو رفع من زرعه خمسة أوسق فزكاها، وله مئة دينار حل حولها، وعليه مئة دين، فإنه يقوم ما بقي من القمح فيجعله في دينه، ويزكي ما قابل ذلك من المئة التي بيده، وهذا أبين. [فصل 8 - من له دين يرتجى قضاءه وهو على ملئ فليجعله في دينه الذي عليه ويزكي ناضه] ومن المدونة، قال مالك: وإن كان معه مئة دينار وعليه مئة دينار دين وله مئة دينار دين فليزك المئة التي في يده، ويكون ما عليه من الدين في الدين الذي له، إن كان يرتجيه، وهو على ملئ.
قال ابن القاسم: وإن لم يرتج قضاءه فلا يزكي شيئاً. وكذلك عن ابن القاسم وأشهب في المجموعة. وقال سحنون: بل يجعل قيمة الدين الذي له فيما عليه. وقال عيسى عن ابن القاسم في العتبية: إن كان دينه على غير ملئ فليحسب قيمته، قال أبو محمد: يدل قوله: إن كان ملياً حسب عدده، يريد: إن كان حالاً، والله أعلم، وإن كان إلى أجل فينبغي أن يحسب قيمته؛ لأنه لو فلس هذا كان كذلك يفعل بدينه. م: أما ما عليه من الدين فإنما يحسب عدده حالاً كان أو مؤجلاً؛ لأنه لو مات أو فلس لحل المؤجل من دينه الذي عليه فقوي لذلك وصار كالحال، وأما ماله من الدين فالحال: يحسب عدده والمؤجل قيمته؛ لأنه لو مات أو فلس لبيع المؤجل لغرماته إن شاءوا قيمته كقيمته، وهو إنما يجعل في دينه كل ما يبيعه عليه الإمام لو فلس. م: وهذا هو الصواب، وهو الجاري على أصل ابن القاسم، وظاهر قوله في المدونة أنه لم يراع القيمة في شيء من ذلك، والله أعلم. وقد قال مالك في كتاب محمد- فيمن عليه مئة دينار إلى أجل، وله على غيره مئة إلى أجل أيضاً، وبيده مئة ناضة فليزك مئته التي بيده، ويجعل ما عليه من الدين في
الدين الذي له إن كان يرتجيه ولم يراع القيمة في ذلك. [فصل 9 - الزكاة إذا فرط فيها أصبحت ديناً عليه تسقط به زكاة ما معه من مال] ومن المدونة: ومن معه مائة دينار تم حولها، وعليه زكاة، قد فرط فيها من عين أو حرث أو ماشية، لم يزك ما في يديه إلا أن يبقى معه بعد إخراج ما فرط فيه ما تجب فيه الزكاة فيزكي؛ لأن الزكاة إذا فرط فيها ضمنها وإن أحاطت بماله. قال يحيي بن يحيي عن ابن القاسم في العتبية فيمن لزمه إخراج عشرين ديناراً زكاة فلم يخرجها حتى ذهب ماله فلم يبق منه إلا ثلاثون ديناراً عند حول آخر قال: فليخرج العشرين التي عليه ولا يزكي العشرة الباقية؛ لأن العشرين دين عليه، ولو كان/ [136/ ب] عنده عرض يسوي العشرين التي عليه فلا يحسب ذلك فيه بخلاف ديون الناس، ولا يحسب ما عليه من الزكاة إلا في المال الذي معه فإن بقي بعد ذلك عشرون ديناراً زكى وإلا لم يزك، وقال ابن المواز: إنما هذا عند مالك وابن القاسم إذا لم يكن له عرض، ولو كان له عرض فيه كفاف ما عليه من ذلك لزكى الجميع
م: وهذا الذي ذكر ابن المواز وفاق للمدونة، دليله، قوله فيمن له عشرون دينارا تم حولها فلم يزكها حتى ابتاع بها سلعة فباعها لتمام حول ثان بأربعين فقد قال فيها: إن كان له عرض يسوي نصف دينار زكى لعامه الثاني عن أربعين فقد جعل العرض فيما عليه من زكاة العشرين وزكى الأربعين نحو ما ذكر ابن المواز. م: وهذا مذهبه في المدونة. فصل 10 - هل مهور النساء دين كسائر الديون؟ ومن المدونة: ومن معه مئة دينار ثم حولها وعليه لامرأته مهر مئة دينار فلا زكاة عليه وتحاص الغرماء به في فلسه وموته. وقال ابن حبيب: تسقط الزكاة بكل دين إلا مهور النساء إذ ليس شأنهن القيام به إلا في موت أو فراق أو عندما يتزوج عليها فلم يكن في القوة كغيره، وذكر أن القاسم ابن محمد قاله. م: وقول مالك وابن القاسم أبين، لأن المهور دين كسائر الديون. فصل 11 - من عليه نفقته لزوجته أو لوالديه أو لولده الصغير، هل تكون نفقتهم دينا عليه تسقط به الزكاة؟ ومن المدونة: ومن معه عشرون دينارا تم حولها وعليه نفقة شهر عشرة دراهم لزوجته قد فرضها القاضي عليه قبل الحول بشهر أو أنفقتها على نفسها شهرا قبل الحول بغير قضية ثم طلبته بها فليجعل نفقتها فيما بيده، فتسقط عنه الزكاة، ويلزمه ما أنفقت على نفسها في يسره حاضرا كان أو غائبا أنفقت من عندها أو تسلفت، وإن كان معسراً.
فلا يضمن لها ما انفقت. وإن كان إنما عليه نفقة والدين أو ولد صغير لم تكن نفقتهم دينا تبطل به الزكاة، لأن نفقتهم إنما تجب لهم إذا ابتغوها، وإن أنفق الأبوان من عندهما لم يلزمه ما أنفقا وغن كان موسرا، ولو قضى لهما بالنفقة فلم يأخذاها شهرا فحل الحول لم تسقط الزكاة عنه بذلك. وأشهب يسقطها بنفقتهما إن كانت بقضية ويجعل الوالد كالزوجة ويعدى الولد والزوجة عليه بما تسلفا في يسره من النفقة، وتسقط الزكاة عنه بذلك كانت بقضية أو بغير قضية؛ لأن نفقة الولد لم تسقط عن الأب المليء منذ كانوا حتى يبلغوا، ونفقة الأبوين كانت ساقطة وإنما تلزمه بالقضاء. وقال ابن المواز: اتفق ابن القاسم وأشهب أن نفقة الزوجة إذا حلت تسقط الزكاة وإن لم تكن بقضية، وأن نفقة الأبوين لا تسقطها إلا أن تكون بقضية، واختلفا في الولد، فجعله ابن القاسم كالأبوين، وجعله أشهب كالزوجة، وبه أقول؛ لأن نفقته لم تسقط فيؤتنف فيه حكم، وفي رواية ابن حبيب عن أشهب أن نفقة الولد كالأبوين. م: والفرق عند ابن القاسم بين الزوجة وبين الأبوين، والولد أن نفقة الزوجة عن عوض البضع الذي يستمتع به، ونفقة الأبوين والولد عن غير عوض، فما
كان عن عوض فيسقط كالدين لأجنبي، وما كان عن غير عوض فالزكاة أولى منه كالوصايا، وأيضا فلأن نفقة الزوجة إذا عجز عنها طلقت عليه إن شاءت ولم يعذر بالعسر، والوالدين، والولد هم في عسره من فقراء المسلمين، فما أوجب عليه حكما آكد مما لم يوجبه، والله أعلم. ومن المدونة قال مالك: وإن كان له مال حل حوله وعليه إجازة أجراء عملوا له قبل الحول، أو كراء إبل أو دواب فليجعل ذلك فيما في يديه من الناض ثم يزكي ما بقي إذا لم يكن له عرض يجعل دينه فيه.
الباب العاشر باب في زكاة القراض، وزكاة المساقاة
الباب العاشر باب في زكاة القراض، وزكاة المساقاة فصل 1 - المقارض متى يزكي مال القراض؟ قال ابن القاسم: والعمل في المقارض أنه لا يزكي ما بيده، وإن أقام أحوالا، حتى (137/ أ) ينض المال، ويحضر ربه، ويقتسمان، إذ لا يدري أعليه دين أم لا، أم هو حي أو ميت، فإن كان العامل يدير زكى لكل سنة بقدر ما كان المال فيها من عين أو قيمة عرض إلا ما نقصت الزكاة كل عام. فصل 2 - إن كان رب المال يدير، فمتى يزكي، ومتى يزكي العامل؟ قال في العتبية: وإن كان رب الملا يدير فلا يزكي العامل حصته إلا عند المقاسمة لسنة واحدة. وأما رب المال فإنه إذا جاء شهر زكاته زكى ماله بيد العامل إن كان من مال الإدارة ويقوم سلع القراض فيزكي رأس ماله وحصة ربحه. م: يريد يزكيه من مال نفسه ولا ينتقض مال القراض كما تأولنا في زكاة ماشية القراض، قياسها واحد. وفي المستخرجة ما ظاهره: إن ما بيد المقارض لا يُزكى إلا بعد المفاصلة وكأنه مال غير مقدور على التصرف فيه، فإن قيل: فهلا جعلته مثل الدين، والمدير يقوم الدين
إذا رجاه؟ قيل: لأن الدين يقدر على بيعه، والقراض - وإن حضر من هو بيده - لا يقدر على بيعه، ولم يقدر على أخذه ممن هو بيده، فأشبه كونه غائبا عن رب المال. قال في كتاب ابن المواز: ولو أخر ذلك انتظار المحاسبة فضاع لضمن زكاة كل سنة. قال فيه وفي العتبية: وإن كان غائبا عنه ببلدة ثانية لا يدري ما حدث عليه آخر ذلك إلى أن يرجع إليه فيزكي عن كل سنة بقدر ما كان المال فيها. قال ابن حبيب: فإن هلك المال لم يضمن الزكاة. قال ابن سحنون عن أبيه: وإن قام المال بيده ثلاث سنين فكان في أول سنة مئة، وفي الثانية مئتين وفي الثالثة مئة زكى عما كان عنده في كل سنة إلا ما نقصت الزكاة، ولو رجع في العالم الثالث مئة لم يزك إلا عن مئة لكل سنة إلا ما حطت الزكاة ولا يضمن ما هلك من الربح. فصل 3 - في زكاة القراض يتفاصلان فيه قبل الحول أو يتفاصلان بعد الحول والمال بربحه عشرون دينارا أو أقل ومن المدونة: ولو اقتسما بعد حول فأكثر من يوم أخذه فناب رب المال بربحه ما فيه الزكاة فالزكاة عليهما كان في حظ العامل ما فيه الزكاة أم لا.
وإن لم يكن في رأس المال وحظ ربه من الربح ما فيه الزكاة فلا زكاة على العامل، وكذلك إن اقتسما قبل حول من يوم أخذه فلا زكاة على العامل، ويستانف بما أخذه حولا من يوم اقتسما، فيزكيه إن كان ما فيه الزكاة. وإن سقطت الزكاة عن رب المال لدين عليه فلا زكاة على العامل وإن نابه ما فيه الزكاة، وكذلك إن كان على العامل دين يغترق ربحه فلا زكاة عليه عند ابن القاسم. م: وإنما تجب الزكاة على العامل عند ابن القاسم باجتماع خمسة أوجه، وهي: أن يكونا حرين مسلمين لا دين عليهما، وأن يكون في المال وحصة ربه من الربح ما فيه الزكاة، وأن يعمل العامل بالمال حولا، فمتى سقط شرط من ذلك لم يزك العامل. م: قول ابن القاسم هذا استحسان ووجهه أنه لما ترجح عنده أمر العامل فرأى مرة أن له حكم الشريك في وجوه، منها: أن له شركا في الربح وإن حصته في ضمانه، وأنه لو اشترى من يعتق عليه وفي المال ربح لعتق عليه، وغرم لرب المال حصته منه، ورآه مرة أنه ليس كالشريك؛ لأن ليس له في أصل المال شرك، وأن ربح المال منه، وحوله حول أصله، فلما ترجح ذلك عنده توسط أمره فجعل له حكم الشريك إذا كان عليه دين، أو كان ليس من أهل الزكاة فخفف عنه بإسقاط الزكاة، وجعل في وجوه الحكم لرب المال فمتى وجب في المال زكاة وجبت على العامل، ومتى سقطت سقطت عنه، والقياس أن يكون حكم الربح كحكم المال فمتى وجب في المال والربح زكاة زكى
الربح، وهو قول أكثر أصحاب مالك. والله أعلم بالصواب. قال في كتاب القراض: ولو أخذ تسعة عشر دينارا فعمل بها شهرا فكان تمام حول رب المال ثم افترقا وقد ربحا دينارا فلا زكاة عليهما إذ لم يكمل لرب المال ما فيه الزكاة وإذ لم يعمل العمل بالمال حولا. وقال أشهب ورواه عن مالك: إن عليهما الزكاة، وقال عبد الملك وسحنون: إذا وجدت في رأس المال مع جميع الربح ما فيه الزكاة فعليهما الزكاة؛ لأنه مال وجبت فيه الزكاة، وصار ما يأخذ العامل كإجارة أجير، ولم أجعل ذلك على رب المال في ماله كالإجارة؛ لأني أصبت هذا الربح في ضمان العامل لو هلك، والإجارة قد ضمنها رب المال بكل حال. وبمثله احتج ابن المواز وقال: قول أشهب هذا أحب إلينا، ورواه ابن القاسم عن مالك وخالفه. والحجة في ذلك أن ربح المال منه كولادة الماشية، والمقارض كالمساقي، وقاله ابن القاسم في المساقي وأباه في المقارض.
قال أشهب: وإن تفاصلا قبل الحول رب المال فلا زكاة على العامل فيما نابه وإن كثر حتى يأتي له حول من يوم نض بيده. (137/ ب). فصل 4 - في زكاة القراض إذا كان أحدهما عبدا أو مديانا أو ذميا قال ابن عبدوس: قال عبد الملك: ولو كان العامل عبدا أو ذميا أو مديانا أو أخذ العبد نخلا مساقاة فعليهم الزكاة إذا كان في الجميع ما فيه الزكاة، وقاله ابن نافع وسحنون. وقال ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب عن مالك: إذا كان العامل مديانا فلا يزكي من ربحه إلا ما فضل عن دينه، قال ابن المواز: هذا استحسان، وإسقاط الزكاة عن العامل بدين عليه خاصة ليس بالقوي. قال مالك: وأما إن كان رب المال عبدا، أو عليه دين محيط فلا شيء على العامل قل ربحه أو كثر، وكذلك إن كان نصرانيا وإن كنا نكرة أن يقارضه، وكذلك قال عبد الملك وسحنون. فصل 5 - العامل لا يضم ما ربح في القراض إلى مال له آخر ليزكي، بخلاف رب المال قال ابن المواز: قال أشهب: وإن أخذ أحد عشر دينارا فربح فيها خمسة، ولرب المال مال حل حوله إن ضمه إلى هذا صار فيه الزكاة - يريد: وقد حل على أصل هذا حول - فليزك العامل حصته؛ لأن المال وجبت فيه الزكاة كمساقي أصاب أربعة
أوسق ولرب المال حائط آخر أصاب فيه وسقا فليضم ذلك ويزكي ويقسما ما بقي، وبه يأخذ سحنون. قال أبو محمد: قال ابن القاسم: ولا يضم العامل ما ربح إلى مال له آخر ليزكي بخلاف رب المال. قال أسبغ في العتبية إذا عمل العامل في سنة، فأخذ ربحه فزكاه، وله مال لا زكاة فيه، له عنده حول، فإنه لا يزكيه ولا يضمه إلى ربح القراض، وإن كان فيه مع ربح القراض عشرون دينارا، وكذلك العامل في المساقاة إن أصابه وسقين، وأصاب في حائط له ثلاثة أوسق فلا زكاة عليه في حائطه، بخلاف رب المال، وليزك ما أصاب في المساقاة إن كان في نصيبه ونصيب رب الحائط ما فيه الزكاة. فصل 6 - هل يجوز في القراض وفي المساقاة اشتراط الزكاة على أحدهما؟ ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا بأس بالقراض على أن على رب المال زكاة المال والربح، ولا يجوز على أن على العامل زكاة المال وحده أو مع ربحه؛ لأنه لو ربح دينارا ورأس المال تسعة وثلاثون دينارا فأدى ذلك الدينار في الزكاة ذهب عمله باطلا، وأما زكاة الربح فيجوز اشتراطها على العامل أو على رب المال؛ لأن ذلك يصير جزء مسمى كأنه أخذه على أن له خمسة أجزاء من عشرة، ولرب المال أربعة أجزاء، والجزء الباقي في الزكاة.
م: وهذا تمثيل غير صحيح، والصحيح من ذلك أنه إن قارضه على النصف، وكان المشترط عليه ذلك رب المال فالربح يقسم على أربعين جزء فيأخذ العامل عشرين جزء، ورب المال تسعة عشر جزء والجزء الباقي في الزكاة، وإن قارضه على الثلث للعامل، أخذ العامل ثلث الربح كاملا، ورب المال الثلثين ويخرج من ذلك ربع عشر الربح كله، وهو مثل الأول وإن اختلفت العبارة. قال ابن القاسم: ويجوز في المساقاة اشتراط الزكاة على رب الأصل فيكون للعامل خمسة أجزاء من عشرة، ولرب المال أربعة أجزاء، والجزء الباقي في الزكاة زاد على رواية يزيد بن أيوب: وقد قيل - أيضا - لا خير في اشتراط زكاة الربح في القراض على واحد منهما ولا في المساقاة أيضا، لأن المال ربما كان لا تجب فيه الزكاة، وغن كان فيه الزكاة فربما اغترفه الدين فأبطل زكاته، وربما أخرج عشرة فتختلف الأجزاء فيصير العمل على جزء غير مسمى. ومن الواضحة: وإذا اشترط أحدهما على الآخر زكاة الربح فتفاضلا قبل الحول، أو كان ذلك لا زكاة فيه فمشترط ذلك على صاحبه يأخذ ربع عشر الربح لنفسه ثم يقتسمان ما بقي كما لو شرط لأجنبي ثلث الربح فيأبى من أخذه فهو لمشترطه منهما. ومن المجموعة روى ابن وهب عن مالك: أنه إذا اشترط في المساقاة الزكاة على رب المال أو على العامل فهو جائز، وإن لم يصيبا خمسة أوسق وقد اشترط الزكاة على العامل فإن عشر ذلك أو نصف عشره في سقي النضح لرب الحائط خالصا، وقال سحنون: يكون لرب المال مما أصاب خمسة أعشار ونصف عشر وللعامل أربعة أعشار ونصف عشر؛ لأن رب المال/ شرط عليه أن يؤدي عشر نصيبه فرجع ذلك إليه. (138/ أ).
وقال غيره: يقسم ما أصابا على تسعة أجزاء، خمسة لرب المال، وأربعة للعامل. م: فوجه رواية ابن وهب أن رب المال لما اشترط على العامل الزكاة فكأنه إنما شرط له أن يأخذ أربعة أجزاء، ويكون الباقي لرب المال يخرج منه الزكاة، فلما لم يكن فيه زكاة دفع للعامل شرطه وأخذ هو ما بقي إذ الزكاة إنما هي عليه، وما يأخذ العامل كإجارة، فرب المال أولى بها. ووجه قول سحنون أن ذلك الجزء إنما اشترط للمساكين فلما لم يصح لهم قسمة العامل ورب المال نصفين؛ لأن رب المال يقول: إنما اشترطت لك أيها العامل أربعة أجزاء فلا حق لك في غير ذلك، ويقول العامل: إنما شرطت لك يارب المال خمسة أجزاء فلا حق لك في غير ذلك، وكل واحد يدعيه لنفسه فيقسم بينهما. ووجه الثالثة أنها لما كان الشرط أن يأخذ رب المال خمسة أجزاء، والعامل أربعة أجزاء والمساكين جزء، فلما بطل سهم المساكين بقيت القسمة بين المتعاملين على ما كانا دخلا عليه، لرب المال خمسة، وللعامل أربعة. م: وهذا أعدلها. [فصل 7 - في زكاة ماشية القراض وزكاة عبيد القراض] ومن «المدونة»: قال ابن القاسم: وزكاة ماشية القراض على رب المال في رأس ماله، وكذلك زكاة الفطر في عبيد القراض، ولا يؤخذ ذلك من رأس مال القراض، وكذلك في كتاب ابن المواز، وأما نفقتهم فمن مال القراض. وفي كتاب الزكاة الثاني إيعاب هذا.
الباب الحادي عشر في زكاة تجار المسلمين، وفيمن منعها
الباب الحادي عشر في زكاة تجار المسلمين، وفيمن منعها فصل 1 - زكاة التجارة لا يبعث الإمام أحدا لجبايتها، ومن منعها أُخذت منه كرها قال مالك: وتؤخذ من تجار المسلمين الزكاة تجروا ببلدهم أو بغيره، قال ابن القاسم: ويسألهم الإمام عما عندهم من الناض، وعما في بيوتهم، يسألهم عن ذلك وإن لم يتجروا إذا كان عدلا، كما فعل الصديق: كان يقول لمن يعطيه العطاء: هل عندك من مال تزكيه؟ فإن قال: نعم، أخذ ذلك من عطائه، وإن قال: لا أسلم إليه عطاءه. قال: ولا يبعث في ذلك أحدا وإنما ذلك إلى أمانة الناس، إلا أن يعلم أن أحدا منعها فيأخذها منه كرها، قال أشهب: ويحسن أدبه إن كان الوالي يقسمها، وإن كان على غير ذلك فلا يعرض له. قال في كتاب ابن القرطي: وإن عُرف بمنعها ولم يظهر له مال سجن، وإن كانوا أهل بلد قوتلوا ولا يقاتلوا في زكاة الفطر. وقال الصديق رضي الله عنه: "لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه".
قال ابن المواز: قال مالك: وإنما يعني بذلك الفريضة التي تحت القلوص نفسه، وعليه العمل. قال ابن المواز: قال مالك: الأمر عندنا أن كل من منع فريضة من فرائض الله عز وجل فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقا عليهم جهاده حتى يأخذوها منه. م: وإذا أخذت الزكاة منه كرها أجزأته وإن عدمت منه النية، كمن طلق في الحيض وأبى أن يرتجع فإن الإمام يرتجع عليه وتصح الرجعة فلو أخذ ذلك القدر من ماله بعد الحول وفرّق في المساكين لم يجزئه عن الزكاة.
ومن المدونة قلت: فأين ينصبون هؤلاء الذين يأخذون العشر من أهل الذمة والزكاة من تجار المسلمين؟ قال: رأيت مالكا لا يعجبه أن ينصب لهذا المكس أحد، قال: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامل المدينة أن يضع المكس فإنه ليس بالمكس ولكنه بالبخس، قال الله تعالى: (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) ومن أتاك بصدقة فاقبلها ومن لم يأتك بشيء فالله حسيبه والسلام. قال ابن القاسم: ومن تجر من المسلمين من بلد إلى بلد لم تؤخذ منه والزكاة إلا مرة واحدة في السنة بخلاف أهل الذمة في هذا، ومن تجر ومن لم يتجر إنما عليه الزكاة في السنة مرة. فصل 3 - لا يقوم على تجار المسلمين ولا على أهل الذمة قال مالك: ومن خرج من مصر إلى المدينة أو غيرها فلا يقوم عليه ما في يديه ولكن إذا باع أدى زكاته، ولا يقوم على أحد من المسلمين، ولا يقوم أيضا على أهل الذمة ولكن إذا باعوا أخذ منهم العشر.
فصل 3 - في المسلم يقدم بتجارة فيقول: ما معي مضاربة، أو علي دين ومن قدم بتجارة من المسلمين فقال: هذا الذي معي مضاربة أو بضاعة أو علي دين أو لم يحل على ما عندي الحول صدق ولا يحلف. م: وقيل: يحلف، وقيل: عن كان منهما حلف وإلا لم يحلف كذلك فسره ابن مزين. فصل 4: في الذمي يجلب تجارة فيزعم أنها دين عليه قال ابن المواز: قال أشهب: وأما الذمي الذي جلب تجارته فزعم أنها دين عليه فلا يقبل قوله، وليس كالمسلم إلا أن تقوم للذمي بينة أنها دين لمسلم فلا يؤخذ مه شيء، وغن كان دينا لذمي فإنه يؤخذ منه عشرة إن باع ويتحفظ عليه.
الباب الثاني عشر جامع ما جاء في تعشير أهل الذمة
الباب الثاني عشر جامع ما جاء في تعشير أهل الذمة فصل 1 - فيما يؤخذ من الذمي إذا تجر في بلده، وما يؤخذ منه إذا خرج تاجرا إلى بلاد المسلمين قال ابن القاسم: وإذا تجر الذمي من أعلى بلده إلى أسفله ولم يخرج إلى غيره لم يؤخذ منه شيء، ولا تؤخذ منه زكاة عين ولا حرث ولا ماشية. (138/ ب). م: لأن الزكاة تطهير وليس هو بمطهر، ولا يؤخذ منه غلا الجزية التي فرضت عليهم. وإن خرج من بلده إلى غيره من بلاد المسلمين تاجرا ومعه بز أو غيره فلا يؤخذ منه شيء حتى يبيع فيؤخذ منه العشر باع بأقل من مئتي درهم أو بأكثر منها. وقد روي أن عمر بن الخطاب قال لأهل الذمة: "إن تجريم في بلادكم فليس عليكم إلا الجزية وإن خرجتم إلى غيرها أخذ منكم العشر وكان يأخذ منهم بالمدينة نصف العشر كلما قدموا ولا يكتب لهم براءة. قال عبد الوهاب: والأصل في ذلك قوله (صلى الله عليه وسلم): "ليس على المسلمين عشور إنما
العشور على اليهود والنصارى". وأجمع الصحابة على ذلك؛ لأن عمر رضي الله عنه أخذ من القبط العشر، ومضى عليه الأئمة بعده ولم يختلف عليه أحد. وقال ابن حبيب: لا يعجبني قول ابن القاسم أن لا يؤخذ من الذمي شيء حتى يبيع بل يؤخذ منه عشر ما معه من تجارته ويعقد ذلك عليه الوالي ويكون له شريكا فيما في يديه بعشرة ويحول بينه وبين وطء إمائه ساعة يقدم. وقاله مالك وأصحابه المدنيون، وقد روى مالك أن عمر بن الخطاب كان يأخذ منهم العشر من القطنية ونصف العشر من الحنطة والزيت فقد أخبرك أن عمر كان
يأخذ عشر ***** إلا عشر الثمن إذا باعوا ففي هذا *********. قال: وما قدم به من عين ****** واجب عليه عشرة اشترى به أو لم يشتر قال: وقال ابن القاسم: لا شيء عليه حتى يشتري به فيؤخذ منه عشر ما اشتراه قال: وغذا خرج الذمي بتجارة لأخذ منه عشرها فلم يعجبه البيع فخرج بها إلى بلد آخر من بلاد المسلمين فإنه يؤخذ منه أيضا عشر ***** وبالله التوفيق. فصل 3 - الذمي يؤخذ منه كلما قدم ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو قدم الذمي منه مرة في السنة فإنه يؤخذ منه ولا يكتب لهم براءة إلى الحول كما يكتب للمسلم. وقاله عمر بن الخطاب إلا أنه قال: يؤخذ منهم نصف العشر *******: من الطعام ليكثر حمله إلى المدينة. قال ابن القاسم: فإن لم يبع متاعه ولا ابتاع ورجع به إلى بلده أو إلى بلد غيره فذلك له ولا يؤخذ منه شيء. قال ابن المواز: قال مالك: وكذلك لو قدم بتجارة من غير بلده إلى بلده
[فباعها ببلده، لم يؤخذ منه شيء. ومن «المدونة»: قال مالك ولو قدم بعين فاشترى به سلعة أخذ منه عشر تلك السلعة مكانه. م: ونقلها أبو محمد أخذ منه عشر قيمة تلك السلعة. وقال بعض شيوخنا: إن كانت تلك السلعة تنقسم أخذ منه عشرها، وإن كانت لا تنقسم أخذ منه تسع قيمتها وذلك أن لنا عشر تلك السلعة في عينها، فإذا أعطانا قيمة ذلك العشر صار كأنه اشترى سلعة ثانية منا قلنا أيضاً عشرها، فإذا أعطانا قيمة هذا العشر صار كسلعة ثالثة اشتراها منا، فلنا أيضاً عشرها فهكذا أبداً كلما أعطانا قيمة عشر صار مشتريه منا، فلنا عشره إلى ما لا نهاية له حتى يدق ذلك العشر فلا يعلم مقداره إلا الله تعالى فيؤخذ منه التسع أول مرة وهو الحق الذي لا شك فيه، فأما إذا كانت تنقسم أخذ منه عشرها. قال ابن القاسم: ثم إن باعها بعد ذلك فأقام سنين يبيع ويشتري، ثم أراد المسير إلى بلده، فلا شيء عليه. وكذلك إن قدم بمتاع فباعه وأدى عشر الثمن ثم اشترى بعد ذلك وباع، فلا شيء عليه. ومن «المجموعة»: قال ابن نافع عن مالك: وإذا اتجروا بالخمر وما يحرم علينا تركوا]
حتى يبيعوه فيؤخذ منهم عشر الثمن، وإن خيف من خيانتهم جعل معهم أمين، قال ابن نافع: وذلك إذا حملوه إلى أهل ذمة لا إلى أمصار المسلمين التي لا ذمة فيها. قال ابن شعبان: لا يجوز الوفاء لهم بذلك، ولا النزول بمثل هذا، وتراق الخمر وتعرقب الخنازير. قال بعض المتأخرين: فإن نزلوا على أن يقرروا على ذلك وهم ****** نزولهم قبل أن يبيعوا شيئا وقبل أن تطول إقامتهم ويعرفوا حال المسلمين في بلادهم قيل لهم: إن شئتم فعلنا ذلك وإلا فارجعوا، وإن طال مكثهم فعل ذلك وإن كرهوا. فصل 4 - في الذمي يتحول من بلده الذي ضربت عليه فيه الجزية، ثم يقدم إليه بتجارة. قال ابن المواز: قال ابن القاسم: ومن كان من أهل ذمة مصر فرحل إلى الشام فأوطنها ثم قدم مصر بتجارة فباع فلا يؤخذ منه شيء؛ لأنها بلده التي صالح عليها، وإن رجع إلى الشام التي أوطن أخذ منه العشر، قال أصبغ: وذلك إذا تركت جزيته لم تحول ولم تؤخذ منه حيث انتقل فإن أخذت منه حيث استوطن ومحي عنه الأول صارت كبلده ولم يؤخذ منها شيء فيها. قال ابن سحنون عن أبيه: وإذا نزل الذمي ببلدنا واشترى متاعا فأخذ منه العشر ثم استحق ذلك من يديه أو رده بعيب أنه يرجع إلى العشر فيأخذه. ومن المدونة قال مالك: وإذا أكرى ذمي من أهل الشام إبله من الشام إلى المدينة فلا يؤخذ منه عشر الكراء بالمدينة، يريدك وكذلك لو عقد كراءها بالشام إلى المدينة ذاهبا
وراجعا لم يؤخذ منه شيء؛ لأنها سلعة باعها بيده، قال ابن القاسم: وإن إكراها بالمدينة راجعا إلى الشام أخذ منه عشر الكراء بالمدينة. وقال أشهب في المجموعة: لا شيء عليه؛ لأن ذلك غلة. وقال ابن حبيب بضد قول ابن القاسم انه إذا أكرى من الشام إلى المدينة أخذ منه عشر الكراء بالمدينة؛ لأنه بها تم كرازه فهو كعرض قدم به معه فإنه يؤخذ منه عشرة، قال: ولو أكراها راجعا لم يكن عليه شيء كعرض قدم به فأخذ منه عشرة ثم باع بعد ذلك واشترى فإنه لا يؤخذ نه شيء. م: ولو قال: إذا أكراها راجعا إلى بلده لم يكن عليه شيء؛ لأنه إنما تم كراؤه ببلده فهو كعرض قدم به إلى بلده فلا يؤخذ منه شيء لكان قياسا واحدا. م: وقول ابن القاسم أحسن؛ لأنه لو كان مسلما وأكرى إبله بالشام إلى المدينة أو غيرها وانتقد الكراء وبلغ المكنزي غايته ثم حل حول من يوم انتقد الكراء أوجب عليه زكاته إن كان نصابا باتفاق فدل أنه ملك ما انتقد من يوم انتقده، وعلى قياس قول ابن حبيب إنما يكون حوله من يوم بلوغه الغاية *******، لانه بها تم كراؤه، وهذا لا يقوله أحد. م: وقيل في الذمي: يُفض الكراء على قدر مسيرة في ارضه وما بعدها فما سار في بلاده سقط عنه وما سار في غيرها أخذ منه، قال بعض المتأخرين: ويختلف على هذا إذا أسلم في سلعة ليقيضها في غير بلده هل يراعى موضع أو موضع القبض.
فصل 5 - في عبيد أهل الذمة إذا ***** ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا تجر عبيد أهل الذمة أخذ منهم العشر كما يؤخذ من *******. فصل 6 - في ما يؤخذ من أهل الذمة إذا تجروا إلى المدينة أو مكة ******** قال مالك في المجموعة في أهل الذمة يتجرون إلى المدينة أو مكة بالطعام قال: يؤخذ منهم نصف العشر من الحنطة والزيت خفف ذلك عنهم عمر، وإنما خفف عنهم عمر في حملهم الحنطة والزيت إلى المدينة ومكة خاصة وكذلك ما كان بأعراض المدينة من القرى ليكثر حملهم ذلك إليها، فكان يأخذ منهم في القطنية العشر. وفي كتاب ابن سحتون قال ابن نافع عن مالك: يؤخذ منهم من الزيت والطعام العشر تجروا إلى المدينة أو مكة أو غيرها، وإنما أخذ منهم عمر نصف العشر في الحنطة والزيت ليكثر الحمل إلى المدينة ومكة، وقد أغنى الله عز وجل المدينة وغيرها. وقال ابن نافع: لا يؤخذ منهم بهذين البلدين غلا نصف العشر كما فعل عمر وإن استغنوا اليوم عن ذلك، ورواه أيضا عن مالك. فصل 7 - فيما يؤخذ من الحربيين إذا نزلوا عندنا التجارة ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا نزل أهل الحرب بتجارة أخذ منهم اصالحوا عليه في سلعهم ليس في ذلك عشرة ولا غيره.
وقال ابن نافع: وقاله ابن حبيب، وروى علي بن زياد عن مالك: أن عليهم العشر. قال في «المجموعة»: يؤخذ منهم مثل ما يؤخذ من تجار أهل الذمة. وقال أشهب في «المجموعة: إن نزلوا على غير مقاطعة على شيء فلا يزاد عليهم فوق العشر. وروى ذلك أنس بن مالك، وقاله ابن القاسم في «كتاب محمد». وقال فيه أصبغ: إن كانوا معروفين بالنزول قبل ذلك على العشر فلم يقل لهم حتى باعوا فلا يزاد عليهم. وقال ابن القاسم في «المجموعة»: إذا نزلوا على دنانير أو دراهم لم يحل بينهم وبين رقيقهم. قال مالك: وإن كان على العشر حيل بينهم وبين وطء الإماء حتى يبيعوا. وقال ابن حبيب: الوالي شريك معهم في جميع ما معهم حتى يأخذ منهم جزءه الذي صالحهم به، ويعقل عليهم جميع ما معهم، ويحال بينهم وبين وطء إمائهم حتى يقاسمهم ما بأيديهم إن كان مما ينقسم، وإن كان مما لا ينقسم بيع كله وأخذ الوالي جزءه من الثمن وخلى لهم بقيته، إن شاؤوا باعو منا أو رجعوا به. قال مالك في كتاب ابن المواز: وليس للوالي مقاسمتهم رقيقاً ولا غيره حتى يبيعوا. قال فيه وفي «المجموعة»: ولو لم يبيعوا ورجعوا فليؤدوا العشر من ذلك ويقاسموا
ويخرجوا بما بقي لهم ويطئون ويصنعون ما شاءوا فحيث ما نزلوا من بلاد المسلمين فلا يؤخذ منهم شيء؛ لأنه قد أخذ ذلك منه مرة وليسوا كأهل الذمة في هذا. وقال أشهب: إن لهم الرجوع بسلعهم إلى موضع آخر ولا يؤخذ منهم شيء إلا أن يشترط عليهم شرط فيعمل عليه. فصل 8 - إذا نزل أهل الحرب عندنا على أن يقاسمهم الإمام ما بأيديهم قال ابن القاسم: وإذا نزل أهل الحرب على أن يقاسمهم ما بأيديهم فلا يكون لهم أن يطئوا ولا يبيعوا حتى يقاسموا فإذا قوسموا أخذوا ما صار لهم فلهم فيه الوطء والبيع والخروج به حيث شاءوا، وقاله سحنون عن ابن القاسم، وقال عنه: ولو جزأهم عشرة عشرة على أن يختار الإمام من كل عشرة واحدا فلا بأس بذلك. ابن المواز: وقال أصبغ: ولا أرى أن يتركوا يدوروا إلى سواحل الإسلام لبيع ولا لشراء إلا الموضع الذي نزلوه وغن لم يبيعوا؛ لأن ذلك عورة وتفتيش لموضع العورة ولا ينبغي أن ينزلوا إلا بموضع المجتمع وبموضع تؤمن غرتهم فيه ولا يدوروا أزقة موضع نزلوه إلا الأسواق والطرق الواضحة لحوائجهم، غير أن لهم الأمان في
أنفسهم وأموالهم في بلاد الإسلام أجمع حتى يفارقوا دار الإسلام كلها. فصل 9 - في الحربي ينزل بلاد المسلمين ومعه دنانير عين فيشتري بها تجارة أو معه سبائك ذهب فيضربها دنانير ثم يخرج بذلك إلى بلده قال ابن المواز: وإن كان مع الحربي دنانير عين فابتاع بها تجارة ليتجهز بها إلى بلده أو معه سبائك ذهب فضربها دنانير وخرج بها أو غزلا حاجه وخرج به فأما في قول ابن القاسم فإنه يرى في ذلك كله العشر أو ما نزل عليه مثل ما جاء به من تجارة؛ لأنه يرى عليه إن بدا له فيما نزل به من تجارة فأراد ردها العشر بخلاف الذمي عنده، وأما أشهب فيراه كالذمي لا يؤخذ منه شيء فيما وصفته إلا أن يشتري تجارة؛ لأنه لا يرى عليه في تجارته شيئا حتى يبيع. قال ابن المواز: فأما الذمي فلا شيء عليه في الذهب التي ضربها دنانير أو ما حاك من الثياب وإن جلب ذلك من أفق إلى أفق وإن خرج بذلك معه إلى بلده، زاد في موضع آخر: إلا عشر الأجرة التي دفع في الضرب والصياغة والحياكة وهذا في الذمي يدخل غير بلده، وجعل أشهب الحربي مثله.
[وقال ابن القاسم: يؤخذ من الحربي عشر ذلك معمولاً. قال أبو محمد: انظر قوله: «معمولاً». م: وإذا قدم بفضة استأجر على ضربها وكانت ألف درهم ضرب له تسعمائة، وأما من ينظر ما به الأجر يضربها لهم أو يبيع منافعه في ضرب مائة، ولو قدم بثياب فاستأجر على صبغها وهي مائة صبغ له منهت تسعون، فإن لم ينظر في ذلك حتى ضرب الألف وصبغ المائة أخذ منه قيمة ذلك الجزء الذي كان يستحق المسلمون ويعشر أيضاً ذلك العشر، فإن باع أو اشترى بعد ذلك في ذلك البلد بذلك المال لم يؤخذ منه شيء، وإن خرج إلى أفق آخر أخذ منه أيضاً واختلف إذا رجع إلى بلده لتجارة هل يؤخذ منه شيء أم لا؟ فقال مالك: في «المجموعة»: يؤخذ منه. وقال في «مختصر بن عبد الحكم»: لا يؤخذ منه شيء وإن دخل حربي أو ذمي بدنانير فصرفها بدراهم أخذ منه عشر الدراهم، وكذلك بدراهم فصرفها بدنانير. ابن المواز: وأما ما حاكه الذمي ببلده فلا شيء عليه.
[الباب الثالث عشر] جامع ما جاء في الجزية
[الباب الثالث عشر] جامع ما جاء في الجزية قال الله تعالى في الكتابيين: "حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون" وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». وقد أخذها صلى الله عليه وسلم من مجوس هجر، وأخذها عثمان من البربر، وقد جرى من هذا في كتاب الجهاد. قال ابن القاسم وغيره: تؤخذ الجزية ممن دان بغير دين الإسلام بدين يقر عليه أهل الكتاب أو غيرهم ومن نصارى العرب، وتؤخذ من نصارى بني تغلب ولا تضاعف عليهم. قلت: أرأيت نصارى بني تغلب أيؤخذ منهم في جزيتهم الصدقة مضاعفة؟]
قال: ما سمعت ذلك ولو كانت تؤخذ منهم كذلك ما جهلناه. قال أبو إسحاق: وإنما أراد أن يسمى ما يؤخذ منهم صدقة ولا يمسى جزية ويضعفون ذلك لتزول عنهم الذلة بصرف اسم الجزية فأنكر ذلك؛ لأن الله تعالى أراد إذلالهم، وقال: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) قال: فألزمهم الصغار والذلة، فلو سميت صدقة صاروا كالمسلمين الذين تؤخذ منهم الصدقة. ابن وهب: وإن عمر بن عبد العزيز قال لنصارى كلب وتغلب: "لا نأخذ منكم الصدقة وعليكم الجزية" فقالوا: أتجعلنا كالعبيد؟ فقال: "لا نأخذ منكم إلا الجزية" فتوفي عمر وهو على ذلك. فصل 3 - في مقدار الجزية ومن كتاب ابن المواز: ولا يزاد في الجزية على ما فرض عمر بن الخطاب أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهما على أهل الورق وإن كثر يسرهم، قال ابن القاسم: ولا ينقص من ذلك.
واحتج مالك بقول عمر بن الخطاب: "وقد فرضت لكم الفرائض وسنت لكم السنن". قال عبد الوهاب: لأن عمر فرضها على هذا المقدار بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد بل صوبوا رأيه إلا أن يضعف عنها أحد فيخفف عنه، وكذلك قال أسبغ ومحمد: يخفف عمن لا يقدر، وقد كتب عمر بن عبد العزيز أن يخفف عن جماجمهم فإن احتاجوا فاطرحوها عنهم، فإن احتاجوا فأنفقوا عليهم وأسلفوهم من بيت المال. قال مالك: وتوضع عن أهل الذمة ضيافة ثلاثة أيام التي جعل عليهم عمر؛ لأنه لم يوف لهم بما ينبغي من الذمة. قال سحنون: وقد كان فرض عليهم عمر أرزاق المسلمين من الحنطة مدان على كل نفس في الشهر مع ثلاثة أقساط زيت ممن كان من أهل الشام والجزيرة. وأما أهل مصر فاردب من حنطة كل شهر ولا أدري كم من الودك والعسل وكسوة كان يكسوها عمر للناس وعلى أن يضيفوا من مر بهم من أهل الإسلام ثلاثة أيام.
[وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعاً كل شهر على كل رجل وكسوة معروفة لا أعرف قدرها يكسوها عمر للناس. ومن «كتاب ابن القرطي»: فإن منع أهل الذمة الجزية قوتلوا وسبوا ولا تؤخذ من رهبان أهل الذمة [جزية]. قال مطرف وابن الماجشون: وهذا في مبتدأ حملها وأما من ترهب بعد أن ضربت عليه وأخذت منه فإنها لا تزول عنه، وكذلك قال مالك. وأما رهبان الكنائس فلم ينه عن قتلهم ولا توضع الجزية عنهم وهم الشمامسة الذين قال فيهم الصديق: «وستجد قوماً فحصوا عن أوساط رؤوسهم فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف». ومن «المدونة»: قال مالك: ولا جزية على نصراني أعتقه مسلم، ولو جعلت عليه الجزية كان العتق أضر به وقاله علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- والشعبي وقال: ذمته ذمة مولاه. قال ابن القاسم: فإن أعتقه ذمي كان على العبد المعتق الجزية كما يؤخذ من عبيد
النصارى إذا تجروا في بلاد المسلمين العشر. قال أشهب: وبلغني أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال في النصراني: يعتق لا جزية عليه، ولم يفسر من أعتقه. قال في «كتاب محمد»: قلت: لمالك: فإن أعتقه نصراني؟ قال: لا أدري. قال أشهب: وأنا أرى ألا جزية عليه. وقال ابن حبيب: في النصراني يعتقه مسلم: قد اختلف فيه وأحب إلي أن تؤخذ منهم الجزية صغاراً لهم. م: ووجه هذا: فلأنه حر نصراني، فوجب أن تكون عليه الجزية، أصله الذمي، ولا وجه لقول أشهب، والقياس قول ابن القاسم. ومن طريق الأثر عن علي وغيره ولا مخالف له من الصحابة ولأن ذمته ذمة مولاه وقيل: «إن مولى القوم منهم». يريد: في الحرمة، فحرمة كل معتق كحرمة مولاه، وذمته ذمة مولاه. ومن «المدونة»: قال ابن القاسم: وإذا لم تؤخذ من الذمي الجزية سنة حتى أسلم فلا يؤخذ منه شيء، لأن مالكاً قال في أهل حصن هو دنوا ثلاث سنين على أن يعطوا كل سنة شيئاً معلوماً فأعطوهم سنة واحدة ثم أسلموا: إنه يوضع عنهم ما بقي عليهم ولا يؤخذ منهم شيء. قال ابن القاسم: والمال الذي هو دنوا عليه مثل الجزية].
قال: وبلغني أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله أن يضعوا الجزية عمن أسلم من أهل الجزية حتى يسلمون، قال مالك: وهي السنة التي لا اختلف فيها. قال مالك: وإذا أسلم أحد من أهل الصلح سقطت الجزية عنه وعن أرضه وكانت أرضه له. قال: وإن كان من أهل العنوه لم تكن أرضه له ولا ماله ولا داره وسقطت الجزية عنه. ابن وهب: وقاله عمر بن الخطاب، وابن شهاب. م: يريد: ماله الذي اكتسبه قبل الفتح، قال أبو محمد: وأما ما أكتسبه بعد الفتح فأسلم فإنه له، قاله مالك. ابن وهب: وكان ابن عمر، وابن عباس ومالك، وغيره يكرهون بيع أرض العنوه.
[الباب: الرابع عشر] فيمن امتنع من أداء زكاته أو أخرجها قبل وجوبها، أو أكره على ذلك
[الباب: الرابع عشر] فيمن امتنع من أداء زكاته أو أخرجها قبل وجوبها، أو أكره على ذلك. والزكاة فريضة، ومن امتنع من أدائها أخذت منه كرهاً، فإن امتنع وكانت له منعة قوتل، وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "ولو منعوني عقالاً لجادلتهم عليه". قال ابن وهب عن مالك في قول الصديق: "ولو منعوني عقالاً" قال: هو الفريضة من الإبل. ابن وهب: وهو البعير، وقيل: سعاية عام، واحتج لذلك بقول الشاعر: سعى عقالاً لم يترك لنا سيداً ... فكيف أو قد سعى عمرو عقالين وقيل: إنما عنى بالعقال ما يعقل به البعير، وقد يكون هذا من أبي بكر رضي الله عنه على طريق المبالغة.
[م: وهو الذي أراد والله أعلم. قال مالك: فإذا علم الإمام من أحد أنه لا يؤدي الزكاة فليأخذها منه كرهاً. قال أشهب في «المجموعة»: ويحسن أدبه إن كان الوالي يقسمها، وإن كان على غير ذلك فلا يعرض له. قال في «كتاب ابن القرظي»: وإن عرف بمنعها ولم يظهر له مال سجن، وإن كانوا أهل بلد قوتلوا، ولا يقاتلوا في منع زكاة الفطر. قال مالك في «العتبية»: و «الموطأ»: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله في رجل منع زكاة ماله: أن دعه، فندم الرجل وأداها فقبلها منه عمر. ومن «المدونة»: وإذا غلب خوارج على أهل بلد أعواماً فلم يؤدوا زكاة مواشيهم فليأخذهم الإمام العدل إن ظهر عليهم بزكاة ما تقدم للحرث والماشية وغيرها. قال أشهب: إلا أن يقولوا قد أدينا ما قبلنا فلا يأخذهم إلا بزكاة عام ظهوره عليهم، لأنهم متأولون بخلاف الهارب.
وقد وقت الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم للزكاة وقتاً لا يتجاوز عنه وهو الحول في العين والماشية، ويوم الحصاد في الحرث. قال عبد الوهاب: فلا يجوز إخراج زكاة قبل وجوبها [خلافاً] لأبي حنيفة والشافعي، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول». ولأنه تقديم للزكاة قبل وجوبها كما لو قدمها لحولين أو ثلاثة، ولأنها أحد الأركان الخمسة التي بني الإسلام عليها فتقديمها قبل وجوبها لا يسقط الفرض، أصله الصلاة والصوم والحج. قال مالك فيمن عجل زكاته من عين أو حرث أو ماشية قبل وقتها لسنة أو سنتين: لم يجز. قال مالك: في زكاة العين: إلا أن يكون قبل الحول بيسير فلا بأس به، وأحب إلي أن لا يفعل حتى يحول عليه الحول. ابن المواز وقاله أشهب، ورواه عن مالك والليث: أنه إذا أخرجها قبل محلها لم]
تجزه، واحتجا بالصلاة. قال ابن المواز: لا تجزئه إلا ما كان قبل الحول بيوم أو يومين والفضل ألا يفعل. وقال ابن حبيب عن من لقي من أصحاب مالك: لا تجزئه إلا فيما قرب مثل خمسة أيام أو عشرة. وقال عيسى عن ابن القاسم: لا أحب له أم يفعل إلا بأمر قريب وأرى الشهر قريبا على تزحيف وكره. م: والقياس رواية أشهب أنه لا يجزي قبل محلها كالصلاة، وما عداه استحسان. ومن المدونة: قال: وأو عجل زكاة الماشية لعامين لم تجزه وأخذه المصدق بزكاة ما يجد عنده، وإذا أداها قبل أن يتقارب لم تجزه كمن صلى قبل الوقت فلا تجزئه. ابن وهب ابن المواز: قال ابن وهب عن مالك: وإن أخذها منه الساعي قبل محلها جبراً لم تجزه، وقال ابن القاسم: إن أخذه بزكاة زرعه بعد ما يبس أو بزكاة غنمه أو ماله قبل محله فإن كان بقرب محلها أجزأه، والزرع أبينه.
ومن المدونة قال مالك: وإن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين. ابن وهب: وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تخرج زكاة الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى.
[الباب الخامس عشر] [في دفع الزكاة إلى الإمام العدل وغير العدل
[الباب الخامس عشر] [في دفع الزكاة إلى الإمام العدل وغير العدل قال مالك: وإذا كان الإمام يعدل لم يسع أحد أن يفرق زكاة ماله الناض ولا غيره، وليدفع الزكاة إلى الإمام. ابن المواز: قال أشهب: وذلك إذا كان الإمام عدلاً يقسمها على العدل بغير تفريط ولا ضيعة ولا يحبسها عن أهلها ولم يحدث فيها شيئاً. قال غيره: قبل القسم، وإن كان غير ما شرطت لك فلا تدفعها إليه إن خفي لك ذلك. وإن دفعها إلى غير العدل، وهو يقدر أن يخفيها عنه فلا تجزئه وليخرجها ثانية إلا أن يأخذها منه كرهاً فعسى أن تجزئه، وأحب إلي أن يعيد احتياطاً، ولا أرى له على هذا القول أن ينتظره في حرث ولا ماشية، وليس عليه بواجب أن يأخذ به وأرجو أن يكون في سعة إن شاء الله. قال مالك وابن القاسم: وإن طلب بها فقال: أخرجتها، فإن كان الإمام عدلاً مثل عمر بن عبد العزيز فلا يقبل منه، وقال أشهب: يقبل منه إن كان صالحاً، وإن كان متهماً بمنع الزكاة فلا يقبل منه، وإن كان الإمام غير عدل فليصدقه ولا أراه بفاعل. ومن «المدونة»: قال مالك: وأما زكاة الماشية وما أنبتت الأرض فإن الإمام يبعث في ذلك. قال ابن المواز: وإنما يبعث الإمام في المواشي والحبوب لتعذر الحمل، لئلا يشق على أهلها حمل ذلك وجلبه فيكلفوا ما ليس عليهم فيظلمون. قال مالك: إلا أن يكونوا ممن لا ترد عليهم السعاة لبعدهم فعليهم أن يجلبوا ما عليهم إلى المدينة،
وإن كانوا ضعافاً أو يصطلحوا على قيمتها، ولم ير بأخذ القيمة في مثل هذا بأساً. قال عنه أشهب: فإن اختلفوا في القيمة سئل أهل الصلاح كيف كان العمل عندهم [فيه] فيعمل عليه. ومن «المدونة»: قال ابن القاسم: وإذا غلب خوارج على بلد أعواماً فأخذوا من الناس الزكاة والجزية ثم قوتلوا، لم يؤخذ ذلك من الناس ثانية وأجزأ ما أخذوا، وقاله أبو سعيد الخدري، وسعد بن مالك، وأبو هريرة، وابن عمر وغيرهم. قال في «كتاب ابن المواز»: وكذلك قوم غلبوا على البلاد وأخذوا الزكاة ثم غلبهم السلطان وأخرجهم منها، فلا يأخذ من الناس الزكاة ثانية، وهم مثل الخوارج وقد رأيت].
مالكاً يقرب بعضهم إذا أخذوها عند محلها، وقد كان ابن عمر يدفع زكاة ماله إلى من غلب على المدينة عن أمراء الفتنة، وأحب إلينا أن يدفع إليهم أن استطاع ويخرج ذلك إلى من فرضها الله دون أهل الجور والخلاف.
[الباب: السادس عشر] فيمن حلت زكاته وهو مسافر وإخراج الزكاة من بلد إلى بلد
[الباب: السادس عشر] فيمن حلت زكاته وهو مسافر وإخراج الزكاة من بلد إلى بلد: قال مالك: ومن سافر بتجارة وهو مدير وله ناض ببلده فحال عليه الحول وهو في سفره ببلد آخر فليزك عما معه وعما خلف ببلده، / وكذلك إن خلف ماله كله ببلده إلا أن يخاف الحاجة ولا قوت معه فليؤخر ذلك حتى يقدم بلده، فإن وجد من يسلفه زكاته حيث هو فليتسلف ويخرج زكاته أحب إلي، وقد كان يقول يقسم في بلاده. وقال أشهب: إذا كان ماله ببلده وكان يقسم في بلاده عاجلاً عند حولها وشبه ذلك فلا يقسمها في سفره، وتأخير ذلك إلى بلده أفضل إلا أن يكون بموضع هو به في سفره حاجة ملحة ونازلة شديدة فليزك هناك أحب إلي إذا كان يجد ذلك، إلا أن يخاف أن يؤدى عنه ببلده فليس ذلك عليه.
[وقال بعض المتأخرين: وهذا إذا كان سفره مما يعود منه قبل وجوب الزكاة فعاقه عن ذلك أمر، وإن كان سفره مما يعلم أنه لا يعود منه حتى يحول عليه الحول فعليه أن يوكل من يخرج عنه عند حوله، فأما إن لم يفعل ذلك كان متعدياً وتصير الزكاة في ذمته، وإذا صارت في ذمته وجب عليه أن يخرجها الآن، وإن كان محتاجاً على أحد قولي مالك أن المراعاة موضع المالك، وكذلك على القول بجواز نقلها، وأما على قول سحنون فيؤخر حتى يصل إلى بلده. فصل قال مالك: والعمل في الصدقة أن لا تخرج من موضع وجبت فيه، كانت عين أو حرث أو ماشية إلا أن تفضل عنهم فضلة فتجعل في أقرب البلدان إليهم، وإن بلغه عن بعض أهل البلدان أن سنة وحاجة نزلت بهم فنقل ذلك إليهم جل تلك الصدقة، رأيت ذلك صواباً؛ لأن المسلمين أسوة فيما بينهم إذا نزلت الحاجة. ولو بلغ رجل من [غير] أهل المدينة عن أهل المدينة حاجة فبعث إليهم من زكاة ماله كان ذلك صواباً. قال ابن القاسم في غير «المدونة»: وإذا نقل الإمام زكاة بلد إلى بلد أخرى فلا يتكارى عليه من الفيء، وليبع ذلك ويشتري مثله بالموضع الذي يريد قسمته فيه. وقال في موضع آخر: عن مالك: أنه يتكارى عليه من الفيء ولا يبيعه. قال ابن حبيب في مثل هذا: أو يعطى أجر حملها منها لا على من أخذت منه. قال سحنون: ومن أخرج زكاته إلى غير قريته وبقريته فقراء لم تجزئه. قال أبو بكر بن اللباد: هذا استحسان وهي تجزئه، وفي باب قسم الزكاة إيعاب هذا.
[الباب السابع عشر] جامع ما جاء في زكاة المعادن
وقال ابن الماجشون في «ثمانية أبي زيد»: يقسم في الموضع الذي أخذت منه الزكاة سهم الفقراء والمساكين، وأما الستة الأسهم فتقسم بأمر الإمام في أمهات البلاد التي فيها الأئمة. قال بعض المتأخرين: القياس إذا كانوا فقراء بين الأغنياء أن لا تنقل عنهم زكاتهم فيكلفوا أن يطلبوا زكاة قوم آخرين في بلاد أخرى، أو يقيموا على خصاصة أو يكلف من هو بينهم من الأغنياء مواساتهم. في زكاة المعادن [الباب السابع عشر] جامع ما جاء في زكاة المعادن وقد أقطع النبي صلى الله عليه وسلم لبلال بن الحارث معادن القبلية. قال ربيعة: فما يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة. قال مالك وأشهب: ولما كان ما يخرج من المعدن يعتمل كما يعتمل الزرع وينبت كنباته كان مثله في تعجيل زكاته، كما قال الله سبحانه في الزرع: (وآتوا حقه يوم حصاده) وأخذ منه حينئذ ربع العشر؛ لأنها زكاة الذهب والفضة].
قال ابن القاسم: ولا زكاة فيما يخرج من المعدن من ذهب أو فضة حتى يبلغ وزن ذلك عشرين ديناراً من الذهب أو مائتي درهم من الفضة، مثل الزرع لا يؤخذ منه شيء حتى يبلغ خمسة أوسق فيأخذ منه فما زاد فبحسابه فكذلك المعدن، ثم كلما اتصل بعد ذلك خروجه مما قل أو كثر أخذ منه ربع عشره. [فصل 3 - هل تضم القائمة التي حال حولها لها يكمل بها نصاباً من المعدن؟] قال عبد الوهاب: وإن خرج منه دون النصاب، وعنده مال حل حوله إذا ضمه إلى ما يخرج من المعدن كان نصابا فليزك الجميع ما كان بيده وما خرج من المعدن؛ لأن شرط وجوب الزكاة قد وجد فيهما فوجب ضمهما، ثم يزكي ما يخرج بعد ذلك من قليل أو كثير. م: وهذا خلاف للمدونة، ودليلنا: أنه يلزم على هذا أن لو خرج له من المعدن عشرة دنانير ثم انقطع ذلك النيل وابتدأ آخر فخرج له منه عشرة أخرى والعشرة الأولى بيده أن يضيف ذلك ويزكى؛ لأنه يقول: لو كان له عشرة دنانير حل حولها لأضافها إلى هذه التي خرجت له أخيراً وزكى، فإضافتها إلى المعدنية الأولى أولى وهذا خلاف لقول مالك.
[فصل 3 - في الواجب في الندرة] ومن المدونة قبل مالك: إلا أن يتقطع ذلك النيل ويأتتف نيلاً آخر فيكون كابتدائه، وهذا كله فيما يتكلف بعمل، فأما الندرة وهي ما يندر من ذهب أو فضة أو الذهب يوجد فيه نابتاً فما لم يكن فيه كبير عمل أو نيل بعمل يسير ففيه الخمس، وما نيل من ذلك يتكلف ومؤنه ففيه الزكاة. أشهب: وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز، وقاله أبو الزناد. ومن كتاب ابن سحنون: قال سحنون عن ابن نافع عن مالك في الندرة تخرج من المعدن ليس فيها إلا الزكاة، وإنما الخمس في الركاز وهو دفن الجاهلية، وبه آخذ سحنون. م: وهذا هو القياس، لأنه مال معدن نصابا لم يتملك/ قبل ذلك فوجب أن
[تكون فيه الزكاة بخلاف الركاز. ووجه الأولى: أنه لم يكن فيه كلفة كالمال الموضوع، فأشبه الركاز، وظاهر هذا القول أنه يؤخذ منه الخمس، وإن كان أقل من عشرين ديناراً كالركاز. ولو قال قائل: لا يكون ندره ولا يؤخذ منه الخمس حتى يكون نصاباً لم أعبه لأنه مال معدن، وقد قال: ليس في المعدن زكاة حتى يبلغ عشرين ديناراً، فهو على عمومه، يكون وجه هذا: أنه ثقل فيما يؤخذ منه لقلة مؤنته، فجعل فيه الخمس زكاة ذهب الركاز، وفيما ينل بمؤنة وتعب جعل زكاة الذهب غير الركاز ربع العشر كما فعل فيما يسقى من الزرع بالسواني نصف العشر لمؤنته وفيما يسقى سيحاً أو بعلاً العشر لخفة مؤنته، ثم لا يوجد من ذلك شيء في الوجهين حتى يكون نصاباً، فكذلك هذا، والله أعلم. قال سحنون: وإذا أصاب في نيل المعدن مائة درهم ثم انقطع وابتدأ العمل فأخرج مائة أخرى، فلا يضم ذلك بعضه إلى بعض كزرع ائتنفه بعد حصاده الأول. قال: ولو].
أن له أربع معادن أو أقطعها لم يضم ما يصيب في كل واحد منها إلى باقيها ولا يزكى إلا عن مائتي درهم فأكثر من كل معدن، وكل معدن كسنة مؤتنفه في الزرع، وليس كزرع في مواضع يضم بعضه إلى بعض إذا زرع في عام واحد. وقال محمد بن مسلمة: يضم بعضها إلى بعض ويزكى الجميع كالزرع. م: وهذا أقيس. [فصل 5 - هل يشترط في زكاة المعدن ما يشترط في الزكاة من حرية المالك له وإسلامه؟] ومن الواضحة: قال ابن الماجشون: والشركاء في المعدن كالواحد، والعبد كالحر، والذمي كالمسلم، وذو الدين كمن لا دين له، كالركاز يجده من ذكرنا، وكذلك ذكر عنه سحنون. وقال سحنون: لا زكاة فيه إلا على حر مسلم كحكم الزكاة، وقاله المغيرة. قال سحنون: والشريكان فيه كشريكي الزرع.
[فصل 6 - الدين لا يسقط زكاة المعدن، ومصارف زكاة المعدن في مصارف الزكاة] ومن المدونة قال مالك: ولا يسقط الدين زكاة المعدن كالزرع. قال ابن القاسم: ويفرق زكاته على الفقراء كالزكاة لا كالفيء. [فصل 7 - المعدن حكمه للإمام إلا ما ظهر منه في أرض الصلح فهو لأهل الصلح] قال مالك: وللإمام إقطاع المعادن لمن رأى ويقبض زكاتها، وكذلك ما ظهر من المعادن في أرض العرب أو أرض البربر فالإمام يليها ويقطعها لمن رأى ويأخذ زكاتها، وكذلك ما ظهر منها بأرض العنوه فهو للإمام؛ لأن الأرض ليست للذين أخذوها عنوة. وأما ما ظهر منها في أرض الصلح فهو لأهل الصلح، لهم أن يمنعوا الناس أن يعملوا فيها أو يأذنوا لهم دون الإمام. قال ابن القاسم في المستخرجة: فأما إن أسلم الصلحي فإنه يرجع أمر المعدن الذي ظهر في أرضه إلى الإمام. قال أبو محمد: وفي كتاب ابن المواز وأحسبه لمالك أنه إن أسلم أهل الصلح فأرضهم وما ظهر لهم فيها من معدن لهم دون السلطان، وكذلك ما كان لهم فيها من معدن قديم. قال ابن المواز: وإذا أسلم أهل الصلح فلابد من الزكاة في معادنهم، وكذلك من عاملهم فيها من مسلم قبل إسلامهم فعليه الزكاة كما لو زرع في أرضهم بكراء.
[فصل 8 - في موضع المعدن] ومن الواضحة قال: والمعادن على وجهين: فمعادن في فيافى أرض العرب، وأرض العنوه، وأرض الصلح، فذلك للسلطان يأذن فيها لمن يشاء ويقطعها لمن أحب ما عاش أو إلى وقت بوقته ويأخذ منها الزكاة، وللذي أقطعت له معاملة الناس فيها على ما يحل من غير بيع، وللإمام أن يحولها من رجل إلى رجل ولا يجوز له أن يقطعها عطية تمليك للأبد، كما لا تقطع أرض العنوه تمليكاً لكن قطيعة إمتاع والأرض للمسلمين فهذا وجه، والوجه الآخر: ما ظهر منها في الأرض التي صارت ملكا للناس من جبالهم وأرضهم المعتمرة فلا حكم للإمام في هذه، ولا يزيل ملك ربها عنها ظهور المعدن فيها كانت أرض صلح أو عنوة أو من أرض العرب، وهي لمن ظهرت في أرضه، له أن يعامل الناس فيها على ما يجوز وفيها الزكاة، وهذا تفسير من لقيت من أصحاب مالك. أبو محمد: انظر قوله: عنوة أراه فيما مدن من المدائن وأحيي من الموات. وقال ابن نافع وسحنون: إنما ينظر الإمام في الفيافي التي كالأموات، وأما من ظهر له / له في أرض يملكها أو في خطته معدن فهو له، وليس للإمام عليه سبيل. قال ابن نافع: وما ظهر منها في أرض الصلح فهو لأهل الصلح، ومعادن القبلية لم تكن خطة لأحد، وإنما كانت بفلاة. وقال يحيي عن ابن القاسم في العتبية: ما ظهر من معدن في أرض رجل خاصة،
أو أرض ذمي من أهل العنوه أو أرض موات فالأمر في ذلك كله إلى الإمام إلا ما ظهر منها في أرض الصلح فهي لأهل الصلح يوفى لهم بعهدهم. م: وتلخيص هذا الاختلاف: أن المعادن على ثلاثة أقسام: ما ظهر منها في أرض العرب أو البربر أو العنوه فالإمام يليها ويقطعها لمن رأى، ولا خلاف في ذلك، وما ظهر منها في أرض الصلح، فقيل: الأمر فيه لأهل الصلح، وقيل للإمام، وما ظهر منها في أرض رجل، فقيل أمره للرجل، وقيل أمره للإمام. [فصل 9 - معادن غير الذهب والفضة لا زكاة فيها ولا خمس] ومن المدونة قال مالك: وأما معادن النحاس والرصاص والزرنيخ والحديد وشبه ذلك فلا زكاة فيها. قال أشهب: وقد أخطأ من جعل في ذلك زكاة أو خمساً لأنه ليس بركاز.
[الباب: الثامن عشر] جامع القول في الركاز
[الباب: الثامن عشر] جامع القول في الركاز [فصل 1 - الواجب في الركاز، ودليله] قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وفي الركاز الخمس" فعم، فوجب على واجده خمسه وإن كان قليلا لعموم الحديث؛ ولأنه مال الكفار فكان فيه الخمس كالغنائم. قال مالك: وما وجد في أرض العرب كأرض اليمن والحجاز وفيافي الأرض من ركاز ذهب أو فضة فهو لمن وجده وعليه فيه الخمس بخلاف ما وجد في أرض الصلح أو العنوه وسواء كان قليلا أو كثيرا وإن نقص عن مائتي درهم، أصابه غني أو فقير، أو مديان، ولا يسع الفقير أن يذهب بجميعه لموضع فقره. قال ابن المواز: وكذلك إن أصابه ذمي فعليه فيه الخمس، ووقع في كتاب محمد أن العبيد إذا اجتمعوا فغنموا أو النصارى فلا يخمس ما وجدوا.
قال سحنون: قال ابن نافع: أصيب في بلد عنوة أو صلح أو أرض العرب، أصابه حر أو عبد أو امرأة، فهو لمن وجده، وعليه الخمس. قال عيلي عن مالك: من وجد ركازاً في موضع اشتراه أو في منزل غيره فهو لر المنزل دون من أصابه، وقال ابن نافع: بل هو لمن وجده وعليه فيه الخمس. قال ابن حبيب: الركاز دفن الجاهلية خاصة، والكنز يقع على دفن الجاهلية ودفن الإسلام، فدفن الإسلام فيه التعريف، قال عبد الوهاب: كما يعرف باللقطة عاما ثم يتصرف فيه إن اختار بشرط الضمان لصاحبه. قال ابن الحبيب: وفي دفن الجاهلية الخمس، وباقية لمن وجده، كان في أرض العرب أو أرض عنوه أو صلح، قاله مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، وأصبغ، ورواه ابن وهب عن علي بن أبي طالب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والليث، وفرق ابن القاسم فيه بين أرض العرب وأرض الصلح والعنوه ببلاغ عن مالك، واحتج بالسفطين اللذين ردهما عمر وذلك شيء يسير، قال في العتيبة: وليس ذلك بركاز. [فصل 3 - في صفة الركاز، والفرق بينه وبين المعدن] ومن المدونة قال مال: وما نيل من دفن الجاهلية بعمل أو بغير عمل فهو
سواء، وقال أيضا في موضع آخر: سمعت أهل العلم يقولون في الركاز إنما هو دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال أو يتكلف فيه كبير عمل، فأما ما طلب بمال أو تكلف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة فليس بركاز وهو الأمر عندنا. م: يريد بقوله في الذي يصاب مرة ويخطأ مرة هو المعدن لا دفن الجاهلية، وإنما أراد أن يبين صورة الركاز وصورة المعدن كذلك فسره بعض العلماء. [فصل 3 - في الركاز يوجد في أرض الصلح أو في أرض العنوه أو في بلد الحرب] وفي المدونة قال مالك: وما وجد من ركاز بأرض الصلح فهو للذين صالحوا على أرضهم ولا يخمس ولا يؤخذ منهم شيء، قال سحنون: ويكون لأهل تلك القرية دون الإقليم، قال مالك: وإن وجد في دار أحدهم فهو لجميعهم إلا أن يجده رب الدار وهو من أهل الصلح فهو له إلا أن يكون رب الدار ليس من أهل الصلح فيكون ذلك لأهل الصلح دونه. قال ابن المواز عن ابن القاسم: إن وجده رجل في أرض الصلح في دار صلحي فهو لرب الدار ولا خمس عليه فيه. قال أبو إسحاق: وهذا يؤيد قول مالك: أن من ملك ظاهر الأرض ملك ما في داخلها من ركاز ومعدن وكذلك من أشتراها. وقد اختلف أصحابنها فيمن اشترى أرضاً فوجد فيها عمراً أو صخراً من الأولين
فهو على ما ذكرناه وبالله التوفيق. ومن المدونة: قال: وما أصيب في أرض العنوه من ركاز فهو لجميع من افتتحها، وليس هو لمن وجده دونهم وفيه الخمس ويقسم خمسة في مواضع الخمس، قال ابن القاسم: وهو بين؛ /لأن ما في داخلها بمنزلة ما في خارجها فهو لجميع أهل تلك البلاد ويخمس، وقد قال عمر بن الخطاب في السفطين الذين وجدوا في كنز النخيرجان حين قدم بهما عليه فأراد أن يقسمهما بالمدينة فرأى عمر أن الملائكة تدفع في صدره عنهما في المنام فقال: ما أرى هذا يصلح فردهما إلى الجيش الذين أصابوه وأمر أن يباعا ويعطيا للمقاتلة والعيال، وقد كان ذانك السفطين كنزاً دل عليه بعدما فتحت البلاد وسكن الناس واتخذوا الأهلين. قال مالك: ومن وجد ببلد الحرب ركازاً فهو لجميع الجيش الذين معه لأنه إنما نال ذلك بهم، قال في كتاب ابن المواز: ويخمس ويكون خمسة من سائر خمس غنائمهم. وبالله التوفيق. قال فيه أشهب: إن وجد كنز في أرض الصلح فكان الكنز مما يجوز أن يكون لهم فإنه يعرف به، وإن كان مما لا يجوز أن يكون لهم ولا لمن يرثوه عنهم وهو لقوم لا ذمة لهم لمن وجده ويخمس، قال: وإن كانت أرض عنوة فكان مما يجوز أن يكون لهم فهو للذين افتتحوا البلاد إلا الخمس فهو فيء وإن لم يعرف القوم فهو للمسلمين عامة وخمسه
في، قال سحنون: يسلك بأربعة أخماسه مسلك اللقطة فيتصدق بها على مساكين تلك البلدة إن كانوت من بقايا الذين افتتحوها، وإن كانوا ابتنوا غيرها رأى فيها الإمام رأيه. قال أشهب: وإن كان الكنز مما لا يكون لأهل هذه العنوه ولا لورثتهم فهو لمن وجده وفيه الخمس. م: فالركاز على مذهب ابن القاسم على أربعة أقسام: ما وجد منه في أرض العرب وفيافى الأرض فهو لمن وجده وفيه الخمس، وما وجد بأرض الصلح فهو للذين صالحوا على أرضهم ولا يخمس وما وجد العنوة فهو لجميع من افتتحها وفيه الخمس، وما وجد بأرض الحرب فهو لجميع الجيش وفيه الخمس. وابن نافع يرى أنه في جميع ذلك لمن وجده وفيه الخمس. ومن المدونة قال ابن القاسم: وما أصيب في دفن الجاهلية من الجوهر والزبرجد والحديد والرصاص والنحاس واللؤلؤ والياقوت وجميع الجوهر فقد قال مالك مرة فيه الخمس ثم قال: لا خمس فيه، ثم قال آخر ما فارقناه أن فيه الخمس، وبه أقول، ولم يختلف قوله قط فيها أصيب من ذهب أو فضة أنه ركاز وفيه الخمس. ابن المواز: قال أشهب: لا أكره حفرها ونبشهم منها وسلبهم ما فيها من مال أو حرز أو ثوب وفيه الخمس، وليس حرمتهم موتى بأعظم منها وهم أحياء، وهو مأجور في فعل ذلك بالأحياء منهم، قال سحنون: قال ابن القاسم عن مالك وليس بضيق إن فعله
أحد ولكني أكرهه. م: واختلف في وجه كراهية مالك لذلك فذكر عن أبي محمد انه قال: إنما كره الطلب في القبور الجاهلية وحفرها خوفاً أن يصادف قبر نبي أو رجل صالح، وحكي عن أبي القابسي أنه قال: إنما كره ذلك الحديث الذي جاء: ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا وأنتم باكون فان لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم))، فلا ينبغي أن يدخل عليهم إلا للاعتبار والبكاء، وأما لطلب الدنيا واللهو فلا. م: وهذا أحسن.
[الباب: التاسع عشر] في زكاة الجوهر والعنبر واللؤلؤ وزكاة الخضر والفواكه
[الباب: التاسع عشر] في زكاة الجوهر والعنبر واللؤلؤ وزكاة الخضر والفواكه روي أن ابن عباس قال: ((لا زكاة في العنبر إنما هو شيء دسره البحر. قال ابن القاسم: وليس في الجوهر، واللؤلؤ، والعنبر زكاة، قال: ومن حال الحول على الفلوس عنده قيمتها مئتا درهم فلا زكاة عليه فيها، وهذا مما لا اختلاف فيه، إلا أن يكون مديراً فيقومها كالعرض، قال / وسالت مالكاً: هل تباع الفلوس بالدنانير والدراهم نظره، أو يباع فلس بفلسين؟ فقال: أكره ذلك وليس بمنزله الذهب والورق في الكراهة. فصل] في زكاة الخضر والفواكه [ روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس في الخضر زكاة))،وقاله عمر بن الخطاب وعلي وغيرهما.
قال أبو محمد: ولم يأت أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء أخذوا من الخضر زكاة واتصل العمل بذلك فكانت الفواكه مثلها إذ ليس ذلك من أصل المعايش المقتاتة، وهذا قول مالك وأصحابه ومن اتبعهم إلا ابن حبيب فانه قال في الثمار التي لها أصول في الزكاة مدخره أو غير مدخره. ومن المدونة قال مالك: وليس في الخضر كلها والبقل والقضب والفرط والقصيل والبطيخ والقتاء وما أشبه ذلك زكاة ولا في أثمان ذلك حتى يحول عليه الحول من يوم تقبض. قال مالك: وكذلك التفاح، والرمان والسفرجل، قال في موضع آخر: ولا في الجوز، واللوز، والتين، وما يبس ويدخر من الفواكه زكاة إلا في
العنب، والتمر، والزيتون، والحب، والقطنية، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً فاخذ من الحتطة والشعير والتمر والزبيب ولم يأخذ من الخضر. قال ابن وهب: وقال علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو ابن العاص وغير واحد من العلماء ومالك والليث ليس في التوابل والزعفران والكرسف والعصفر زكاة.
[الباب: العشرون] جامع ما جاء في قسم الزكاة
[الباب: العشرون] جامع ما جاء في قسم الزكاة قال الله تبارك وتعالي: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} فعلمنها مواضيعها، ولو كان ذلك قسمه مجزأة لكان للعامل عليها الثمن ولم يرجع سهم المؤلفة لانقطاعهم، علي بقيه الأصناف، ولا خلاف في ذلك. ] فصل 1 - الصف الأول والثاني: الفقير والمسكين [ ومن المجموعة روي علي بن زياد عن مالك قال: الفقير والمسكين المذكران في الصدقة مفترقان. وقال عنه المغيرة: الفقير: الذي يحرم الرزق، والمسكين الذي لا يجد غني يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسال الناس. قال ابن حبيب: سمعت محمد بن سلام يقول: الذي له علقة من
مال والمسكين الذي لا شئ له. م: وكذلك قال عبد الوهاب، قال: وقال الشافعي بضد ذلك. قال: وإنما قلنا أن المسكين أحوج؛ لأن الإسمين مأخوذان من العدم إلا أن المسكنة عبارة عما زاد علي ذلك من شدة الحاجة التي كسبته الخضوع والاستكانة، ويوضح ذلك قوله تعالى: {أوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} يريد: أن الحاجة بلغت به الى أن لصق بالتراب من غير حائل، وما يذكرونه من قوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} يقابل بما وجد من تسمية الواجد لليسير أنه فقير وهو قول الشاعر: أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: وأحب الأصناف الى أن يجعل فيه الزكاة وأرجأ للأجر في الفقراء والمساكين إلا أن يكون عدو قد أطل فالغزو بها أفضل
[فصل 3 - الصنف الثالث: العامل على الزكاة] وإذا كان العامل مدياناً فلا يأخذ منها لأنه غارم إلا أن يعطيه السلطان بالإجتهاد. ومن كتاب ابن المواز قال: ولا ينبغي للعامل على الصدقة أن يأكل منها ولا يستنفق إذا كان الإمام غير عدل، وإن كان عدلاً فلا بأس بذلك، وإنما يفرض للعامل عليها بقدر شخوصه وعنائه. ولا يعطي من صدقة الفطر من يحرمها وليعط من غيرها. قال ابن القاسم: ولا يستعمل على الصدقة عبد ولا نصراني فإن فات ذلك أخذ منهما ما أخذاه وأعطيا من غير الصدقة بقدر عنائهما. محمد: من حيث يعطي العمال والولاة وذلك من الفيء. وكره مالك أن يرزق القضاة والعمال من الزكاة إلا العامل عليها وحده. [فصل 3 - قسم الزكاة إنما يكون على وجه الاجتهاد من الإمام] ومن المدونة قال مالك: وإنما تقسم الزكاة على الاجتهاد في الأصناف ويؤثر الأحوج.
قال مالك: ومن لم يجد إلا صنفاً واحداً ممن ذكر الله في كتابه أجزاه أن يجعل زكاته فيهم، وقاله علي، وابن عباس. قال عبد الوهاب: ولأنه لما لم يتعين عليه فرض/ جميع الصنف الواحد بل جاز [143/ب] أن يقتصر منه الواحد والاثنين والثلاثة فكذلك لا يتعين عليه فرض جميع الأصناف. قال مالك: وإن وجد الأصناف كلها آثر أهل الحاجة منهم وليس في ذلك قسم مسمى. [فصل 4 - الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم] قال الشعبي: لم يبق من المؤلفة قلوبهم أحد إنما كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استخلف أبو بكر انقطعت الرشا. قال ابن أبي زمنين: يعني بالرشا ما كانوا يعطون، فأول من قطع ذلك عنهم عمر بن الخطاب. قال ابن حبيب: المؤلفة قلوبهم: رجال كان لهم شرف في الجاهلية ومبتدأ
الإسلام بعضهم من قريش وبعضهم من العرب كان النبي صلى الله عليه وسلم يستأنف الرجل منهم بكثرة العطاء من الفيء ليرغب بذلك في الإسلام فيسلم من وارءه من قومه بإسلامه ثم جعل الله تعالى لهم سهماً في الزكاة أيضاً فلم يزل جارياً عليهم حتى ولي عمر وكثر المسلمون فقطعه عنهم عمر، وكلمه في ذلك أبو سفيان بن حرب وكان منهم فقال لهم عمر رضي الله عنه: فقد أغنى الله عنك وعن أصحابك وأعز الإسلام وأهله فلا حق لك في صدقات المسلمين، وأنت تعد فيهم كرجل منهم. قال عبد الوهاب: المؤلفة قلوبهم: قوم كانوا في صدر الإسلام يظهرون فيدفع إليهم شيء من الصدقة لينكف غيرهم بإنكفافهم. وقال بعض أصحابنا: هم قوم مسلمون يرى الإمام أن يستألفهم ليقوى الإسلامفي قلوبهم ويتألفوا في النصيحة للمسلمين. والأول أصح، وقد سقطت الحاجة اليهم في هذا الوقت، فإن دعت حاجة اليهم في بعض الأوقات جاز أن يرد سهمهم.
[فصل 5 - الصنف الخامس: الرقاب] وقوله: في الرقاب: هي الرقبة يشتريها الإمام فيعتقها من الزكاة وولاؤها للمسلمين. [فصل 6 - الصنف السادس: الغارم] والغارمون هم: الذين أدانوا في غير سفه ولا فساد ولا يجدون وفاء ولا قضاء، أو يكون معهم أموال بإزاء ديونهم، فإن لم يكن معهم أموال فهم فقراء غارمون فيعطون بالوصفين. [فصل 7 - الصنف السابع: سبيل الله] وفي سبيل الله: الغزو والجهاد، يدفع من الصدقة الى المجاهدين ما ينفقونه في غزوهم أغنياء كانوا أو فقراء. ويشتري الإمام من بعض الصدقة خيلاً أو سلاحاً وينقده لم يغزوا به. وحكي عن ابن حنبل أن في سبيل الله يعني: الحجاج.
ودليلنا: أن كل موضع ذكر في سبيل الله فالمراد به الغزو والجهاد فكذلك هذا هنا. [فصل 8 - الصنف الثامن: ابن السبيل] وابن السبيل: الغريب المنقطع يدفع اليه قدر كفايته وإن كان غنياً ببلده ولا يلزمه ردها إذا صدر الى بلده. ومن المدونة قال مالك: ومن له دار وخادم لا فضل في ثمنها عن سواهما أعطى الزكاة، فإن كان فيهما فضل عن سواهما لم يعط منها شيء. قال المغيرة: إن كان يفضل من الثمن عشرون ديناراً لم يعط وإلا أعطي على
الاجتهاد ثم لا يبلغ ما يعطي مع ما يفضل له ما يجب فيه الزكاة. قال عروة بن الزبير: لا بأس أن يعطي الواحد من عشرة دراهم الى مئة درهم، وقال ابن حبيب، قال: وذلك بقدر تعففه وحاجته، ويعطي من الطعام المدين وأكثر. ومن المدونة: وقال عمر بن عبد العزيز: لا بأس أن يعطي منها من له الدار والخادم والفرس. قال مالك: ويعطي منها من له أربعون درهماً إن كان أهلاً لذلك لكثرة عيال ونحوه. قال مالك: ورب رجل يكون له أربعون درهماً وهو أهل أن يعطي من الزكاة تكون عياله عشرة، فتكون الأربعون له كلا شيء. ولا يعطي منها من معه ألف وعليه ألفان وله دار وخادم تسويان ألفين، قال: ولو أدى الألف في دينه وليس في الدار والخادم فضل عن سواهما مما يغنيه أعطى وكان من الفقراء ومن الغارمين. وقال أشهب: وإن كان فيهما فضل عن دار وخادم يغنيانه قدر الألف الدين، أعطى وكان من الغارمين.
قال مالك: ويؤثر في الزكاة أهل الحاجة، قال ابن القاسم: ولا يرضخ لغيرهم ممن لا يستحق الزكاة، قال: ولا يرفع الإمام من جميع الزكاة شيئاً إلى بيت المال ولينفذها بموضع جبيت فيه وإن لم يجد في الموضع من يفرقها عليه أو فضل/ عنهم شيء نقل ذلك [144/أ] إلى أقرب البلدان إليه. قال مالك: وقد بعث عمر بن عبد العزيز ابن زراره مصدقاً باليمامة فكتب إليه في أول سنة أن أقسم نصفها ثم كتب إليه في السنة الثانية أن أقسمها كلها ولا تحبس منها شيئاً. قال ابن المواز: قال أشهب: وتأولنا ما فعل عمر أنه لم يكن لهم من الحاجة أول عام كحاجتهم في الثاني. ومن المدونة قال مالك: وبلغني أن طاووساً بعث مصدقاً فأعطى رزقه من بيت المال فوضعه في كوة في منزله فلما رجع سألوه: أين ما أخذت من الصدقة؟ قال: قسمته كله، قالوا: فالذي أعطيناك؟ قال: هاهو ذا في بيتي فذهبوا فأخذوه.
قال ابن القاسم: وبلغني أن عمر بن الخطاب بعث معاذ بن جبل مصدقاً فلم يأت بشيء. قال مالك: وجه قسمه المال: أن ينظر الوالي إلى البلد الذي جبي فيه هذا المال فإن كانت البلدان متكافئة في الحال آثر أهل ذلك البلد الذي جبي فيه هذا المال فقسم عليهم وآثر الفقراء على الأغنياء ولم يخرج منها الى غيرهم إلا أن تفضل عنهم فضلة فتخرج إلى غيرهم. قال: وإن بلغه عن بعض البلدان أن سنة وحاجة نزلت بهم فليعط الإمام أهل ذلك البلدان الذي جبي فيه ذلك المال منه ويوجه جله الى الموضع المحتاج. قال مالك: والصدقات في القسم كالزكاة، ولو بلغ رجلاً من غير أهل المدينة عن أهل المدينة حاجة فبعث اليهم من زكاة ماله كان ذلك صواباً.
[فصل 9 - تستحب الإستنابة في إخراج الزكاة عند خوف الرياء، والإسراء في إخراجها أفضل] قال مالك: ولا يعجبني أن يلي أحد قسم صدقته خوف المحمدة والثناء وعمل السر أفضل ولكن يدفع ذلك إلى رجل يثق به فيقسمه فإن وليها هو فلا يعطيها لأحد ممن تلزمه تفقته. قال ابن المواز: قيل لمالك: إن بعض الناس يقولون: هي فريضة فلا بأس أن يعلن بها قال: ليس كما قالوا، وقد قال تعالى: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [فصل 10 - في إعطاء الأقارب الذين لا تلزمه نفقتهم من الزكاة] ومن المدونة قال مالك: فأما من لا تلزمه نفقته من قرابته فلا يعجبني أن يلي هو إعطاءهم ولا بأس أن يعطيهم من يلي تفرقتها بغير أمره كما يعطي غيرهم إن كانوا لها أهلاً. قال ابن عباس وغيره: إن أعطى قرابته من زكاته على الصحة كما يعطي غيرهم أجزأه، وكرهه ابن المسبب وغيره، وأكثر شأن فيه الكراهية لخوف المحمدة ولو صح ذلك عندنا لم أر به بأساً.
ابن حبيب: وروى مطرف عن مالك أنه لا بأس أن يعطي قرابته من الزكاة إذا لم يعط من يعول، قال: ورأيت مالكاً يعطي قرابته من زكاته. وحدثني الخزامي عن الواقدي عن ابن أبي ذئب أنه قال للقاسم: فيمن أضع زكاتي؟ قال: في أقاربك الذين لا تعول، فإن لم يكونوا فجيرانك، فإن لم يكونوا فصديقك المحتاج. وروى ذلك عن ابن عباس والنخعي والحسن في إعطاء من لا يعول من قرابته. قال الواقدي عن مالك وابن أبي ذئب، والثوري والنعمان وأبي يوسف: إن
أفضل من وضعت فيه زكاتك أهل رحمك الذين لا تعول. قال ابن حبيب: وله أن يوسع عليهم إذا كان فيهم التعفف والصلاح. قال عبد الوهاب: ويكره له دفع جميع زكاته إليهم فإن فعل جاز. قال ابن حبيب: وإن أعطى من في نفقته وعياله وهم من قرابته أو غيرهم ممن ينفق عليهم تطوعاً لم ينبغ فإن فعل جهلاً فقد أساء ولا يضمن إذا لم يقطع بذلك عن نفسه نفقته، وقاله مطرف عن مالك، وإن قطع بذلك نفقتهم لم يجزئه. [فصل 11 - في إعطاء المرأة زوجها من زكاتها] ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا تعطي المرأة زوجها من زكاتها. قال أشهب: أكره ذلك، فإن أعطته ولم يرد ذلك عليها فيما يلزمه من نفقتها أجزأها وإن رد ذلك إليها فيما يلزمه لم تجزئها. ابن حبيب: قال مالك: لا يجزي المرأة أن تعطي لزوجها من زكاتها. وقال ابن أبي ذئب، وسفيان، وأهل المشرق يجزئها، وتوسط ابن حبيب/ قولاً [144/ب] كقول أشهب.
[فصل 12 - لو اشترى من زكاته رقبة فأعتقها ليكون الولاء له، فهل تجزئه عن زكاته؟] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يبتاع الإمام من الزكاة رقاباً يعتقهم وولاؤهم للمسلمين وهو قوله تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ} وكذلك من ولى صدقة نفسه لا بأس أن يشتري منها رقبة فيعتقها كما يعتق الوالي وولاؤها للمسلمين. قال ابن القاسم: فإن أعتقها عن نفسه لم يجزئه وعليه الزكاة ثانية؛ لأن الولاء له. ابن المواز: وقال أشهب: يجزئه وإن أعتقها عن نفسه ويكون ولاؤها للمسلمين كمن أمر من يعتق عنه عبده أو يذبح عنه أضحيته ففعل ذلك عن نفسه. م: ولو كان له عبد يملكه فقال: هو حرّ عني وولاؤه للمسلمين لم يجزي قولاً واحداً. [فصل 13 - المكاتب هل يُعطي من الزكاة ما يتم به عتقه؟ وهل يُفك منها الأسير؟] ومن المدونة: قال مالك: ولا يعجبني أن يعان بها مكاتب، ولم يبلغني أن أبا بكر، ولا عمر ولا عثمان، ولا أحداً ممن اقتدي به فعل ذلك.
قال في المجموعة في قوله سبحانه: {وَفِي الرِّقَابِ} قال: المكاتب لا يقوى فيؤدي عنه. قال عنه ابن القاسم وابن نافع يؤدي عنه ما يعتق به. ومن كتاب محمد: وكره مالك أن يعطي مكاتب من الزكاة وإن كان يتم به عتقه، ولا عبد ليعتق ولم يبلغني أن أبا بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا أحداً من الأئمة فعل ذلك، ولقد فعل ذلك ببلدنا، فأنكرت ذلك على من فعله. قال أصبغ: فإن فعل فعل فليعد أحب اليّ ولا أوجبه للإختلاف فيه. قال ابن حبيب: وروى مطرف عن مالك أنه لا بأس أن يفك منها المكاتبين وأن يفك منها الرقاب مثل أن يعطي منها من له عبد على أن يعتقه وإن كان ولاؤه للمعتق فذلك جائز، وكذلك رقبة بعضها حر فلا بأس أن يشتري مارق منها فتتم حريه. قال مطرف: وإن جعل منها في مكاتب لا يتم عتقه أو في رقبة لا يتم عتقها فلا يحزئه. وقال بقول مطرف ابن الماجشون، وأصبع، وخالفاً ابن القاسم. قال أصبع: ولا يفك الأسير من الزكاة فإن فعل لم يجزئه. ابن الحبيب: بل يجزئه، لأنها رقبة قد ملكت بملك الرق فهي تخرج من رقّ الى عتق بل ذلك أحق وأولى من فكاك الرقاب التي بأيدينا.
قال أصبع في العتبية: ومن ابتاع مدبراً أو مكاتباً من الزكاة فأعتقه، فعلى قول مالك الأول: لا يجزئه ويرد، وعلى قوله الآخر: لا يرد ويجزئه، ولو أبدلها كان أحب الي من غير إيجاب. [فصل 14 - الغازي يعطي وإن كان ملياً، وابن السبيل لا يعطي إذا كان معه ما يكفيه] ومن المدونه: قال مالك: ويعطي منها ابن السبيل إذا احتاج، وإن كان غنياً ببلده، وهو مثل الغازي في سبيل الله يعطي منا وإن كان غنياً، قال: والحاج هو ابن السبيل وإن كان غنيا. وقال عيسى ابن دينار: إن كان مع الغازي في غزوة ما يغنيه وهو غني ببلده فلا يأخذ منها. وقال ابن القاسم: يأخذ منها وإن كان معه ما يكفيه وهو غني ببلده. ابن المواز: وقال عنه أصبع: يعطي منها ابن السبيل والغازي وإن كانا غنيين بموضعهما ومعهما ما يكفيهما ولا أحب لهما أن يقبلا ذلك فإن قبلا فلا بأس به. قال أصبغ: أما الغازي فلا بأس أن يعطي وإن كان ملياً وهو له فرض، وأما ابن فلا يعطي إذا كان معه ما يكفيه، لأنه حينئذ لا يعد من أبناء السبيل.
قال ابن القاسم: وابن السبيل: هو الذي في غيره بلده وقد فرغت نفقته وليس معه ما يتحمل به الى بلده وإن كان في غزو ولا تجارة فهو ابن السبيل كائناً من كان من المسلمين.
[فصل 15 - في الغني الذي يحل اخذ الزكاة] ومن المدونة: وقد قال النبي صل الله عليه وسلم ((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسه، فذكر الغازي والعامل عليها، والغارم، ومن ابتاعها بماله وغنياً اهدي إليه منها جاره المسكين)). ] فصل 16 - من هم ذووا القربى الذين لا تحل لهم الصدقة؟ [ ابن المواز: وقال ابن القاسم في الحديث الذي جاء: ((لا تحل الصدق لآل محمد)) انما ذلك في الزكاه وليس في التطوع وإنما هم بنو هاشم أنفسهم.
قال عنه أصبغ: وإن أعطي رجل أحداً منهم / زكاته لم تجزئه، ولم ير بأساً أن يعطي لمواليهم. قيل فما جاء: ((إن مولي القوم منهم))، قال: قد جاء: ((وابن الأخت منهم)) يريد: تضعيفاً للحديث. قال أصبع: وتفسير مولي القوم منهم يريد: في الحرمة والبر، مثل ((أنت ومالك لأبيك)) إنما ذلك في البر والطواعية لا في الأثرة والقضاء. قال: ولما نزلت {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} نادي النبي صلى الله عليه وسلم وسلم بأعلى
صوته: «يا آل قصي يا آل غالب، يا آل عبد مناف، يا فاطمة بنت رسول الله، يا صفية عمة رسول الله: إعملوا لما عند الله فإني لست أملك لكم من الله شيئاً»، فبين بمناداته عشيرته الأقربين. قال أصبغ: ولا يعجبني أن يعطوا صدقة التطوع أيضاً لخوف أن يقع عليها اسم صدقة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لآل محمد» ولا بأس لهم بالصلة من الفيء لأن لهم سهم ذي القربى، وقد اختلف الناس في ذوي القربى فقيل: هم آل محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: بل قريش كلها، وقال ابن عباس: نحن هم، يعني آل محمد، وقد أبى ذلك علينا قومنا. وعلى قول ابن عباس رأي أهل العلم، وليس لهم سهم معلوم كما قال بعض الناس «خمس الخمس» ولكن يبدأ بهم حتى تسد حاجتهم ويكتفوا وإن كان أقل من خمس الخمس، وقاله ابن عباس. قال ابن حبيب: آل محمد الذين لا تحل لهم الصدقة: بنو هاشم فمن دونهم من بني عبد المطلب وبني بنيهم ومن تناسل منهم إلى اليوم وليس يدخل في آل محمد من كان فوق بني هاشم من بني عبد مناف وبني قصي أو غيرهم، ويدخل في ذلك مواليهم، لأن موالي القوم منهم، وكذلك فسر لي مطرف، وابن الماجشون وقاله ابن نافع.
وخالفهم ابن القاسم في وجهين: في الموالي، وفي صدقة التطوع، فقال: إنما ذلك فيهم أنفسهم وليس في مواليهم، وإنما ذلك في الصدقة المفروضة وليس في صدقة التطوع. وذلك عندي وهم من ابن القاسم لما جاء في ذلك من الآثار، ولمفارقة أصحاب مالك في ذلك، ثم ذكر ابن حبيب الآثار في ذلك واحتج بها. [فصل 17 - الزكاة لا تعطى إلا لمؤمن حر] ومن المدونة قال مالك: ولا يعطى من الزكاة لمجوسي أو ذمي أو عابد وثن أو لعبد ولا يعطى منها ومن جميع الكفارات إلا لمؤمن حر كما لا يعتق منها إلا عبد مؤمن. م: قيل: فإن غرّه عبد فقال: إني حر فأعطاه من زكاته فأفات ذلك، فقال بعض أصحابنا: إن في ذلك نظر هل يكون في رقبته كالجناية، لأنه غره أو يكون في ذمته لأن هذا متطوع بالدفع؟ م: والصواب أنها جناية في رقبته لأنه لم يتطوع له إلا لما أعلمه أنه حر وغره فلا يجب أن يختلف في ذلك.
[فصل 18 - في إعطاء أهل الأهواء من الزكاة] ابن المواز: قال أصبع: لا يعجبني أن يعطي منها لأحد من أهل الأهواء إلا الهوى الخفيف، وفي العتبية عن ابن القاسم: إن احتاجوا أعطوا منها، وهم من المسلمين يرثون ويورثون. [فصل 19 - لا تعطى الزكاة إلا لمن سمى الله في كتابه] م: من المدونة: قال مالك: ولا يعطى منها في كفن ميت، أو بناء مسجد، لأن الصدقة إنما هي لمن سمى الله عز وجل من الفقراء والمساكين وغيرهم، لا للأموات أو بناء المساجد. [فصل 20 - لا يجوز إخراج العرض والطعام عن الورق أو الذهب؛ لأنه من باب إخراج القيمة] قال مالك: ولا يعطي فيما لزمه من زكاة العين عرضاً أو طعاماً، وقد كره غير واحد اشتراء صدقته منهم عمر بن الخطاب، وابن عمر، وجابر بن عبد الله. م: فإن دفع عرضاً عن عين فإنه يرجع ذلك على المدفوع اليه، فإن فات بيده فلا شيء عليه، لأن هذا سلطه عليه، وذلك إذا أعلمه أنه من زكاته وإن لم يُبين أنه من زكاته فيحمل على أنه تطوع فلا يرجع عليه بشيء فات أم لم يفت.
[فصل 21 - الزكاة لا تحتسب في دين على فقير] قال مالك: ومن كان له دين على فقير فلا يعجبني أن يحسبه عليه صاحبه في زكاته، قال غيره: لأنه تاوي ولا قيمة له، أو له قيمة دون. [فصل 22 - من وجد ركازاً وله قرابة فقراء لا تلزمه نفقتهم هل يعطيهم خمسة؟] قال ابن القاسم: ومن أصاب ركازاً وله قرابة فقراء لا تلزمه نفقتهم/ لم يخصهم [145/ب] بخمسة ولكن يعطيهم كما يعطي غيرهم من الفقراء إن كان لا يدفع به مذمة ولا يجر به محمدة إلا على وجه الاجتهاد، وأما ولد أو والد فلا يعجبني أن يعطيهم وإن كانوا فقراء، لأن نفقتهم تلزمه فغيرهم من الفقراء ممن لا يجد من ينفق عليه أحق به لأنه إذا أعطاهم دفع نفقتهم تلزمه فغيرهم من الفقراء ممن لا يجد من ينفق عليه أحق به لأنه إذا أعطاهم دفع نفقتهم عن نفسه وإن كانوا أغنياء فغيرهم أحق بذلك منهم. وقال غيرهم إذا أعطاهم كما يعطي غيرهم من الأباعد بغير إيثار جاز، لأن الخمس فيء ليس هو مثل الصدقة التي لا تحل لغنى، والفيء يحل للغني والفقير إلا أن الفقير يؤثر على الغني، وقد قال مالك: إذا كان رجل فقير له أب مليء لا يناله رفقه فلا بأس أن يعطي من الزكاة، وقال ابن القاسم: وإن كان يناله رفقه فغيره ممن لا يناله رفق أحد أولى أن يؤثر.
[الباب: الواحد والعشرون] جامع ما جاء في قسم الفيء
[الباب: الواحد والعشرون] جامع ما جاء في قسم الفيء قال ابن حبيب: مال الله الذي جعله رزقاً لعباده المؤمنين مالان، فمال جعله الله رزقاً للفقراء وحرمه الأغنياء من عين أو حرث أو ماشية أو معدن أو زكاة فطر، ومال ساوي فيه بين الأغنياء والفقراء وهو الفيء من خمس، وجزية أهل العنوة، وأهل الصلح، وخراج أرضهم، وما صولح عليه الحربيون، وما يؤخذ من تجارهم، وتجار أهل الذمة، وخمس الركاز. ومن المدونة: قال مالك: ويفضل بعض الناس على بعض في الفيء يبدأ بأهل الحاجة حتى يغنوا منه. قال: وجزية جماجم أهل الذمة، وخراج الأرضين ما كان منها عنوة أو صلحا فهو عند مالك جزية والجزية عنده فيء. قال مالك: ويعطي هذا الفيء أهل كل بلد افتتحوها عنوة، أو صالحوا عليها، فيقسم عليهم ويبدأ بفقراتهم حتى يغنوا، ولا يخرج الى غيرهم إلا أن ينزل بقوم حاجة فينقل إليهم منه، بعد أن يعطي أهلها. يريد: ما يغنيهم على وجه النظر والاجتهاد، وكذلك كتب عمر؛ ألا يخرج من فيء قوم إلى غيرهم.
وأخذ مالك بما كتب عمر الى عمار بن ياسر وصاحبيه إذ ولاهم العراق وقسم لأحدهم نصف شاة، وللآخرين ربعاً، ربعاً، وكان في كتابه اليهم: "إنما مثلي ومثلكم في هذا المال كما قال الله تعالى في ولي اليتيم: {وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} قال مالك: ومن أوصى بنفقة في سبيل الله بدي بأهل الحاجة إليهم. قال مالك: ويبدأ بالفقراء في هذا الفيء فإن فضل بعد غنائهم شيء كان بين الناس كلهم بالسواء عربيهم ومولاهم. وقد قال عمر في خطبته: " أيها الناس: إني عملت عملاً، وإن أبقيت إلى قابل لألحقن أسفل الناس بأعلاهم"، وقال عمر أيضاً: " ما من أحد من المسلمين إلا وله في
هذا المال حق أعطيه أو منعه حتى لو كان راعياً أو راعية بعدن " وأعجب مالكاً هذا الحديث. ابن المواز: قال ابن عبد الحكيم: كان الصديق يساوي بين الناس في القسم فكلم فيه وذكر أنه حق للمهاجرين والأنصار، فقال: إنما تلك فضائل وسوابق عملوها لله فثوابهم على الله، وأما المعاش فالناس فيه أسوة، قال ابن عبد الحكيم: وهو أحب الينا، وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جيوشه فلم يفضل أحداً على أحد، وقاله على بن أبي طالب، وقد فضل عمر بن الخطاب في القسم وكان بعطي الرجل على قدر بلائه، وسابقته، ثم قال بعد ذلك: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لقسمت ذلك
قسماً واحداً، ولئن بقيت إلى قابل لألحقن الأسفل بالأعلى". قال ابن عبد الحكم:/ وأول ما يبدأ به من هذا المال سد الثغور، والتحرز من العدو، ثم يقسم ما بقى قسمين: قسم للذرية والعيالات، وقسم للمجاهدين، يريد: المقاتلة البالغين، وأما ابن دون خمسة عشر أو شيخ كبير لا قوة فيه فلا تجعل مع عطاء المقاتلة، وليجعلا في عطاء الذرية، فإن فضل بعد ذلك شيء قسمه بين أهل الإسلام كلهم بالسواء كقسم المقاتلة. قال ابن المواز: بل يقسم على قدر الحاجة بالاجتهاد، وقاله مالك، وابن القاسم، وأشهب. قال مالك: يفضل بعض الناس على بعض ويبدأ بأهل الحاجة حتى يغنوا حتى لا يبقى من المال شيء. وقال ابن حبيب سائغ للإمام العدل أن يفضل في القسم وأن يساوي، وأحب إلي أن يفضل ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذرية أهل السوابق في الإسلام ويلحقوا بآبائهم وإن لم يلحقوا بهم في ذروة الفضل كما ألحق الله سبحانه ذرية أهل الدرجات بهم في جنته وإن لم يكونوا مثلهم في الفضل كما قال الله تعالى: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} قال:
ويفضل أهل العلم والفضل في القسم على من لا فضل عنده ولا علم، ويفضل المجاهدون وأهل النكاية. ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس أن يعطي منه الوالي للرجل يراه للجائزة أهلا لدين عليه أو غير ذلك، ولا بأس على ذلك الرجل أن يأخذها. ويعطي منها المنفوس، وقد مر عمر بن الخطاب ليلة فسمع صبياً يبكى، فقال لأهله: مالكم لا ترضعونه؟ فقال أهله: إن عمر لا يفرض للمنفوس حتى يفطم وإنا قد فطمناه، فولى عمر وهو يقول: كدت والذي نفسي بيده أن أقتله ففرض للمنفوس من ذلك اليوم مئة درهم. قال ابن القاسم: ويبدأ بكل منفوس والده فقير، وكان عمر يقسم للنساء حتى إن كان ليعطيهن المسك قال ابن القاسم: ويبدأ بالفقيرة منهن قبل الغنية قال: وتفسير قول مالك: يساوي بين الناس في هذا الفيء معناه: أن يعطي كل انسان قدر ما يغنيه من صغير أو كبير أو امرأة، وإن فضل بعد غناء أهل الإسلام فضل اجتهد فيه الإمام إن رأى أن يحبسه لنوائب المسلمين حبسه، وإن رأى أن يفرقه على أغنيائهم فرقه، وقال مالك. ولا يجبر الإمام أحداً على أخذ هذا المال إذا أبى أخذه، وقد كان عمر بن الخطاب يدعو حكيم بن حزام لأخذ عطائه فيأبى ويقول: تركته على عهد من هو خير منك، يريد: النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: عمر: أشهدكم عليه" وإنما تركه حكيم، لأنه سمع من
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن خيراً لأحدكم أن لا يأخذ من أحد شيئاً، قالوا: ولا منك يا رسول الله؟ قال: ولا مني". فصل [فيما يكون للوالي الأعظم من مال الله] قال ابن حبيب: قال مالك عن ابن شهاب كان النبي صلى الله عليه وسلم: يأخذ مما أفاء الله عليه نفقته ونفقة أهله سنة ويسلم ما بقي للمسلمين، فلما ولي أبو بكر غدى إلى السوق فقيل له: بالناس، لنظرك في أمورهم حاجة، قال: فمن يسعى على عيالي؟. قيل: تأخذ من بيت المال ففرضوا له درهمين كل يوم وثوبين فإذا خلقتا أخذ ثوبين مكانهما فرضي وأدخل كل بيضاءٍ وصفراء له في بيت المال فعمل سنتين ونصف فأنفق أربعة آلاف درهم ولم ينقد ماله، ولما ولي عمر لم تكفه درهمان ففرض له أربعة دراهم، فلما فرض للناس الأقوات فرض لنفسه وعياله كذلك، وترك الأربعة دراهم واكتسى من بيت المال، وأخذ عطاءه كما يأخذ أصحابه المهاجرون، ثم ترك ذلك وجعل طعامه من خالص ماله، فلما احتضر أمر بحساب ما وصل إليه من بيت المال فوجد أربعة وثمانون ألفاً فأمر ابنه عبد الله أن يقضيها عنه من صلب ماله فإن لم يف فليستعن فيها
ببني عدي ففعل وباع من ماله مثل ذلك وأتى بها إلى عثمان، فقال له: قد قبلناها منك ووصلناك بها، قال: لا حاجة لي أن تصلني بأمانة عمر، ثم ولي عثمان فكان على منهاج من ولي قبله في النفقه من ماله قصداً وتنزهاً/ ولما ولي علي تنزه أن ينفق من مال المسلمين وكان ينفق من عطائه الذي يأخذ كرجل من المسلمين واشترى قميصاً بثلاثة دراهم وقطع من الكم ما فضل عن اليد ومات وترك سبع مئة درهم بقيت من عطائه، وسار عمر ابن عبد العزيز. سيرة الصحابة، ورد المظالم رضي الله عنهم أجمعين. [فصل: ومن المدونة قال مالك: أتى عمر بمال عظيم من بعض النواحي، قال ابن حبيب: من غنائم جلولا قال يحيى بن سعيد: بلغت الغنائم يوم جلولا ثلاثين ألف ألف، قال مالك في المدونة: فصب ذلك المال في المسجد وبات عليه جماعة من الصحابة منهم عثمان وعلي، وطلحة والزبير، وعبد الرحمن بن عوف،
وسعد بن أبي وقاص، فلما أصبح كشف عنه أنطاع كانت عليه، وكان فيها تيجان، فلما ضربتها الشمس انتقلت فبكى عمر، فقال له عبد الرحمن: ليس هذا حين بكاء إنما هو حين شكر، فقال عمر: ما فتح هذا على قوم قط إلا سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم، ثم قال لابن الأرقم: اكتب لي الناس وأرحني منه، قال فكتبهم، وجاءه بالكتاب، وقال: قد كتبت المهاجرين والأنصار، والمهاجرين من العرب والمعتقين، قال فارجع لعلك تركت رجلاً لم تعرفه، أراد أن لا يترك أحداً، ثم قسمه، فهذا يدلك أنه يقسم لجميع الناس. قال ابن القاسم: وكتب عمر في زمان الرمادة وكانت ست سنين: من عمر إلى
عمرو بن العاص بمصر واغوثاه واغوثاه واغوثاه، فكتب إليه عمرو: لبيك لبيك لبيك، فكان يبعث إليه بالعير عليها الدقيق في العبى، وكان يقسمها عمر، فيدفع الجمل كما هو لأهل البيت فيقول: كلوا دقيقه والتحفوا العبى وانحروا البعير وائتدموا شحمه وكلوا لحمه، فهذا يدلك أنه ينقل من بلد إلى بلد. قال ابن القاسم: وقد رأى رجل في منامه في خلافة أبي بكر أن القيامة قد قامت وحشر الناس فنظر إلى عمر بن الخطاب قد فرع الناس ببسطه فقال: بم فضل عمر؟ فقيل: بالخلافة والشهادة وأنه لا يخاف في الله لومة لائم فقصها على عمر بحضرة أبي بكر فانتهره عمر لذكره ذلك بحضرة أبي بكر، فلما ولي عمر الخلافة قال للرجل:
أعد علي الرؤيا فقصها فقال عمر: هذه أولتهن يريد: قد نلتها، ثم قال: وبالشهادة، فقال عمر: وأنى ذلك لي والعرب من حولي، ثم قال: وأنه لا يخاف في الله لومة لائم، فقال عمر: والله ما أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من دار الحق فأديره.
كتاب الزكاة الثاني من الجامع
كتاب الزكاة الثاني من الجامع [الباب الأول:] في فرض زكاة الماشية [ومقادير النصاب في زكاة الإبل] [فصل 1 - في دليل فرضيتها، وشروط الوجوب] وزكاة الماشية فريضة واجبة، وتجب بخمسة أوجه: بالإسلام والحرية والنصاب والحول، ومجيء الساعي، وقد تقدم وجه ذلك في الأول. وفرضها في كتاب الله قوله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}، وقوله تعالى {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} فأجملها تعالى في كتابه وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ما بينه صلى الله عليه وسلم في كتابه لعمرو بن حزم أن ليس فيما دون خمس ذود من الإبل
صدقة فإذا بلغت خمساً ففيها شاة إلى تسع فإذا بلغت عشراً ففيها شاتان إلى أربعة عشر فإذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياة إلى تسع عشرة فإذا بلغت عشرين ففيها أربع شياة إلى أربع وعشرين فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض، فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر فما زاد إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون، فما زاد إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل، فما زاد إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فما زاد إلى تسعين/ ففيها ابنتا لبون، فما زاد إلى عشرين ومئة ففيها حقتان طروقتا الفحل، فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون".
قال ابن القاسم: وبهذا كان يأخذ مالك. ابن وهب: قال ابن شهاب: نسخة هذا الكتاب عند آل عمر بن الخطاب أقرانيها سالم بن عبد الله بن عمر فوعيتها على وجهها وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من سالم وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر وأمر عماله بالعمل بها. [فصل 2 - في أسماء جماعات الإبل] قال ابن حبيب في شرح الموطأ في قول صلى الله عليه وسلم "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة" كأنه قال: ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة، لأن الذود ثلاثة وأربعة
وخمسة إلى السبع، وما فوق السبع شنق، إلى أربع وعشرين فينقطع عنها اسم الشنق ويحملها اسم الإبل، ولا ينقص الذود فيكون واحداً كما لا ينقص من عدد النفر فيكون واحداً. والنفر من ثلاثة إلى سبعة، وما فوق السبعة إلى العشرة رهط، وفوق ذلك إلى الأربعين عصبة، وفوق ذلك إلى المئة فأكثر أمة. قال ابن مزين عن عيسى بن دينار: أقل الذود واحد. وقاله غيره. قال ابن قتيبة: الذي عندي أن الذود ما بين الثلاثة إلى العشرة، وهو أول أسماء جماعات الإبل قال: ولو كان الذود واحداً ما جاز أن يقال: خمس ذود، وكان يقال: خمس أذواد، كما يقال: خمسة أثواب، ولا يجوز أن يقال: خمسة ثوب ومما يشبه هذا:
قولهم ثلاثة رهط، وخمسة رهط، والرهط في الناس: ما بين الثلاثة إلى العشرة وهو جمع لا واحد له من لفظه. [فصل 3 - في أسنان الإبل الواجبة في الزكاة] قال ابن حبيب: وبنت مخاض من الإبل بنت سنتين، سميت بذلك؛ لأن أمها صارت في حد المخاض وهو الحمل وإن لم يكن بها حمل، فإن دخلت في سنة ثالثة فهي بنت لبون، أي في حال يكون لأمها لبن ترضع به ما تلد بعدها وإن لم يكن لها حينئذ ولد، فإذا دخلت في سنة رابعة صارت حقة أي استحقت أن يحمل عليها وأن يطرقها الفحل، فإذا دخلت في الخامسة فهي جذعة، فإذا دخلت في السادسة فهي ثنية. [فصل 4 - في الإبل تبلغ خمساً وعشرين فلم توجد فيها بنت مخاض ولا ابن لبون] ومن المدونة قال مالك: وإذا كانت الإبل خمساً وعشرين فلم يجد الساعي فيها بنت مخاض ولا ابن لبون ذكر جبر ربها على أن يأتيه بابنة مخاض. قال في كتاب محمد: وليس الساعي مخيراً، ولا يأخذ منه إلا بنت مخاض.
م: لأن عدمهما بمنزلة وجودهما إذ ليس لأحدهما مزية على الآخر. قال في المدونة: إلا أن يشاء ربها أن يأتيه بخير منها فليس للساعي ردها. قال ابن القاسم: فإن أتاه بابن لبون ذكر فذلك إلى الساعي إن أراد أخذه ورأى ذلك نظراً، وإلا ألزمه بنت مخاض على ما أحب أو كره. ابن المواز: وقال أشهب: ليس إلى المصدق بخلاف المئتين، فإذا كان السنان في الإبل أو لم يكونا فليس له إلا بنت مخاض وإن كان فيها أحد السنين فليس له غيره. م: وذهب أبو حنيفة إلى أن له أن يأخذ ابن لبون مع وجود بنت مخاض. ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر" وكل حق تعلق بالمال فنقل منه إلى غيره لعدم المنقول عنه فلا يجوز الانتقال إليه مع وجوده اعتباراً بالكفارات.
[فصل 5 - الواجب في الإبل إذا زادت على عشرين ومئة] ومن المدونة: قال مالك: وإذا زادت الإبل على عشرين ومئة واحدة كان الساعي مخيراً في أخذ حقتين أو ثلاث بنات لبون. ابن المواز: وقاله أشهب. قاله ابن القاسم: وقال ابن شهاب: ليس للساعي أن يأخذ الحقاق، وإنما يأخذ بنات اللبون، وبه أقول؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم وقول عمر رضي الله عنه: "فإذا زادت على عشرين ومئة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة" فليس له إلا بنات اللبون كان السنان في الإبل أو أحدهما أو لم يكونا. وقال ابن عبدوس: قد روى أشهب، وابن نافع، وابن الماجشون عن مالك: ليس فيها إلا حقتان، قال عنه ابن الماجشون: وإنما يعني في الحديث بقوله فما زاد على عشرين ومئة يريد: زيادة تحيل الأسنان فلا يزول عن الحقتين إلى ثلاثين ومئة. م: فوجه مالك الذي جعل الساعي فيه مخيراً: أنه لما كان في الحديث:
فما زاد على عشرين ومئة ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون، وكانت زيادة الواحدة يقع عليها اسم زيادة ووجدنا الإحدى وعشرين ومئة يصلح فيها حقتان ويصلح فيها ثلاث بنات لبون إذ فيها أكثر من خمسينين وأكثر من ثلاث أربعينات وجب تخيير الساعي اللتين صلحت فيهما أربع حقاق وصلحت فيهما خمس بنات لبون فخير الساعي فكذلك هذه. قال ابن المواز: وللساعي في إحدى وعشرين ومئة على هذا القول أخذ ما طلب كانت إحدى/ السنين في الإبل أم لا، يريد: لما في الحديث من الاحتمال بخلاف المئتين. وقال مالك في المجموعة: إذا كانت إحدى السنين في الإبل لم يكن للساعي غيرها كما قال في المئتين. م: ووجه قول ابن شهاب وابن القاسم أنه لما قال في الحديث: "فما زاد ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون" فأي زيادة حصلت أوجبت تغيير الفرض بحق الظاهر، قال أبو جعفر الأبهري: ويؤيد ذلك ما روي في الكتاب الذي
كتبه النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند آل عمر في حديث ابن شهاب أنه قال: "وفي إحدى وعشرين ومئة ثلاث بنات لبون" وهذا نص. قال عبد الوهاب: ووجه قول مالك الذي رواه ابن الماجشون وغيره أنه إنما أراد في الحديث زيادة تحيل الأسنان عن فرضها وذلك عشرة فأكثر، ولأنا وجدنا كل زيادة تحيل الأسنان عن فرضها تكون داخلة في التزكية، وكل ما لا يحيل الأسنان عن فرضها إنما هو وقص غير داخل في التزكية، فلو قلنا إن الفرض يتغير بزيادة واحدة وتدخل في التزكية لكان في ذلك مخالفة للخبر وإيجاب لبنت لبون في أربعين وثلث، وإن قلنا إن الفرض يتغير بها ولا تدخل في التزكية كان في ذلك مخالفة الأصول، ولأن في حديث ابن عمر: "فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون" والكثرة لا تكون بزيادة الواحدة، ويؤيد ذلك ما روى في حديث عمر بن عبد العزيز الذي نسخ
له من عند آل عمر بن الخطاب أنه لا شيء فيما زاد على العشرين ومئة حتى تبلغ ثلاثين ومئة وهذا نص، قال أبو بكر الأبهري: وهذا أقيس الأقوال وأحسنها. م: وظهر لي أن هذا القول أضعفها وأن في توجيهه ضعفاً لما ذكر في الحديث وهو مقابل بما ذكر في الحديث في رواية ابن شهاب وإن قول ابن شهاب أقيسها وذلك أنا وجدنا أول كل زيادة تحيل الأسنان عن فرضها بعد كمال وقصها واحداً وما بعده إلى الفرض الثاني وقص، وذلك أن التسعة من الإبل خاتمة فرض الشاة بوقصها فإذا زادت واحدة غيرت الفرض، وما بعد ذلك إلى الأربع عشرة وقص، فإذا زادت واحدة أيضاً غيرت الفرض، وكذلك في الأربع وعشرين خاتمة فرض الشنق فإذا زادت واحدة غيرت الفرض، وكذلك في البقر التسع والثلاثون خاتمة فرض التبيع بوقصه فإذا زادت واحدة غيرت الفرض، وكذلك في الغنم المئة وعشرون خاتمة فرض الشاة بغاية وقصها فإذا زادت واحدة كان فيها شاتان، وكذلك المئة وعشرون من الإبل هي خاتمة فرض الحقتين بوقصها، فإذا زادت واحدة وجب تغيير الفرض، فلا تجد زيادة الواحدة أبداً على خاتمة الفرض بوقصه إلا تغيره، ولأن أول فرض الحقتين من إحدى
وتسعين إلى عشرين ومئة لقوله صلى الله عليه وسلم: "إلى عشرين ومئة". وإلى ها هنا: غاية، وحكم الغاية أن يكون ما قبلها مخالفاً لما بعدها، كما كانت في الخمسة وعشرين، والخمسة وثلاثين، والخمسة وأربعين، والستين، والخمسة وسبعين، والتسعين غاية، وكان ما بعد ذلك مخالفاً لما قبله، وتغير ذلك بزيادة واحدة، فكذلك المئة وعشرون، وهذا بين. والله أعلم بالصواب. [فصل 6 - الواجب في الإبل إذا بلغت ثلاثين ومئة فما فوق] ومن المدونة قال مالك: فإذا بلغت الإبل ثلاثين ومئة ففيها حقة وبنتا لبون ولا خلاف في ذلك، وفي الأربعين ومئة حقتان وابنة لبون، وفي الخمسين ومئة ثلاث حقاق، وفي ستين ومئة أربع بنات لبون، وفي سبعين ومئة حقة وثلاث بنات لبون، وفي ثمانين ومئة حقتان وابنتا لبون، وفي تسعين ومئة ثلاث حقاق وابنة لبون، يريد: أبداً في زيادة العشر حقة وتنقص بنت لبون، وفي المئتين الساعي مخير إن شاء أخذ أربع حقاق أو خمس بنات لبون إذ صلح فيها السنان جميعاً، وهذا إن كان السنان في الإبل أو لم يكونا) وإن كان فيها أحد السنين لم يكن له غيره. قال ابن المواز: إلا أن يكون في الأربع حقاق قوام رب الإبل ومصلحته فليس للساعي أخذها لأنه يضر به وليكلفه ما يجزيه. ابن المواز: وذكر عن ابن القاسم أنها إن خلت من السنين فما أتاه به ربها فليقبله، وقال أصبغ: ليس هذا بشيء والساعي مخير عليه. م: فوجه قول ابن القاسم أنه لما أتاه ربها بأحد السنين فكأنه كان موجوداً فيها فليس له رده.
ووجه قول أصبغ أنهما لما عدما في الأصل وجب تخيير الساعي فلا ينقله عن ذلك ما أتى به ربها؛ لأن ذلك يوجب رفع تخيير الساعي/ أبداً. [فصل 7 - الغنم لا تعود في صدقة الإبل بعد العشرين ومئة] ومن المدونة: قال مالك: وإذا صارت الفريضة في الإبل إلى عشرين ومئة لم يرجع إلى الغنم يريد: أنه لا يبتدي الحكم في الزائد، قال سحنون: إلا أن ترجع الإبل إلى أقل من فريضة الإبل فيرجع إلى الغنم ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فما زاد على عشرين ومئة ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون" ولم يقل: فما زاد ففي كل خمس شاة إلى أربع وعشرين كما قال في ابتداء الصدقة. [فصل 8 - فيمن أعطى أفضل مما عليه وأخذ عوضاً أو أعطى دون ما عليه وأدى عوضاً] قال ابن القاسم: ولا يأخذ الساعي دون السن المفروضة وزيادة ثمن، ولا فوقها ويؤدي ثمناً. قال ابن القاسم وأشهب في المجموعة فيمن يعطي أفضل ويأخذ ثمناً، أو أدنى ويؤدي ثمناً: إنه لا ينبغي، فإن نزل أجزأه. وقال أصبغ- في كتاب محمد- إن أعطى أفضل مما عليه، وأخذ للفضل ثمناً
فلا شيء عليه إلا رد الزيادة، وإن أعطي دون ما وجب عليه وزيادة دراهم، فعليه البدل كله. م: والصواب أن يجزئه؛ لأنه إنما اشترى ما عليه بما دفع وبالدراهم، فهو من ناحية كراهية اشتراء الرجل صدقته، وقد قال مالك: من الناس من يكره اشتراء الرجل صدقته، ومنهم من لا يرى به بأساً، والصواب كراهية ذلك: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" لكنه إن نزل مضى للاختلاف فيه، وإذ يتأول معنى الحديث: "العائد في صدقته" يريد: بلا ثمن، وإنما كرهه مالك لعموم الحديث واستحب أن يترك شراءها وإن كانت قد قبضت منه، وقد قال عمر لرجل سأله عن ذلك: "لا تشترها ولا تعد في صدقتك".
م: ويجب على قول أصبغ إذا دفع أدنى وزاد ثمناً فلم يجزه أن يرجع على الساعي فيما دفع إن كان قائماً، وإن فرَّقه وفات لم يرجع عليه بشيء؛ لأنه سلطه على إتلافه فهو كمن عوّض من صدقة وهو يظن أن ذلك يلزمه أنه لا يرجع بشيء على من أخذه إن فات، قاله بعض فقهائنا. قال ابن المواز: قال مالك: ومن وجب عليه معز فأعطى ضأناً فليقبل منه، فأما معز عن ضأن فلا، قال أشهب: إلا أن تبلغ لرفاهيتها مثل ما لزمه من الضأن فلا بأس بذلك. [فصل 9 - لا يُشترى من الساعي شيء قبل خروجه، ولا يشتري أحد الصدقة التي عليه بدين إلى أجل] ومن المدونة: ابن وهب: قال مال: ولا يشتري أحد من الساعي قبل خروجه شيئاً من الصدقة وإن وصف أسنانها إذ لا يدري ما يقتضي في نحوها وهيئتها قال: ومن ابتاع الصدقة التي عليه بدين إلى أجل لم يصلح لأنه دين بدين، وقاله عمر بن عبد العزيز. قال أبو الزناد وأصل ذلك أن عمر بن الخطاب كان ينهي العمال أن يبيعوا من أحد فريضة أو شاة تحل عليهم بدين.
[فصل 10 - نتاج السائمة حوله حول أصله] قال مالك: ومن كانت له خمسة من الإبل فهلكت منهن واحدة قبل الحول بيوم ونتجت أخرى فتم الحول بالتي نتجت خمساً ففيها شاة. [فصل 11 - تفسير الشنق، ومن أي صنف تؤخذ الشاة الواجبة في صدقة الإبل؟] قال: والشنق من الإبل ما يزكى بالغنم وهو أربع وعشرون، فإذا بلغت الفريضة أن تؤخذ من الإبل لم تكن شنقاً. ويؤخذ في الإبل من الغنم من الصنف الذي هو جل أغنام ذلك البلد، من ضأن أو معز، وافق ما في ملك ربها أو خالفه، يكلف أن يأتي بما يلزمه من ذلك إلا أن يتطوع ربها بدفع الصنف الأفضل، فذلك له. ومن كتاب ابن سحنون: قال ابن نافع عن مالك: يأخذ في ذلك ما تيسر على رب الإبل من ضأن أو معز لا يكلف ما ليس عنده، وما أدى من ضأن أو معز أجزأ عنه. قال ابن المواز: قال مالك: أهل الحجاز أهل ضأن، وأهل السواحل أهل معز، قال ابن حبيب: إن كان من أهل الضأن فمنها، وإن كان من أهل المعز فمنها، وإن كان من أهل الصنفين أخذ الصدق من أيهما شاء. وبالله عز وجل التوفيق.
[الباب الثاني] جامع ما جاء في زكاة البقر
[الباب الثاني] جامع ما جاء في زكاة البقر [فصل 1 - في أدلة الوجوب ومقادير النصاب] قال ابن القاسم: وكان مالك يأخذ في زكاة البقر بحديثه الذي يذكر عن طاؤوس عن معاذ، وروي ابن وهب أن في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون ثلاثين من البقر صدقة فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل تابع جذع إلى أن تبلغ أربعين فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة إلى ستين فإذا بلغت ستين فتبيعان إلى أن تبلغ سبعين فإذا بلغت سبعين ففيها بقرة وعجل جذع حتى تبلغ ثمانين فإذا بلغت ثمانين ففيها مسنتان ثم على نحو هذا". قال ابن وهب: وأخبرني رجال من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم/ حين بعث معاذاً إلى اليمن أمره بهذا. وأن معاذاً صدق البقر كذلك.
وروى أشهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤخذ من البقر شيء حتى تبلغ ثلاثين فإذا بلغت ثلاثين ففيها تابع جذع أو جذعة". [فصل 3 - السن الذي يجب في الثلاثين] وقال مالك: الذي جاء في ثلاثين تبيع وهو ذكر، ولا تؤخذ المسنة إلا أنثى، قال أبو محمد: ويجوز أن يؤخذ في التبيع أنثى إذا أطاع بها ربها. م: يريد: على قول مالك هذا وأما على ما رواه أشهب فللساعي أخذ ما طلب. قال عبد الوهاب: وكذلك في كتاب عمرو بن حزم أن في كل ثلاثين تبيعاً جذعاً أو جذعة، قال: وأو: موضوعها التخيير فللساعي حينئذٍ أن يأخذ ما طلب كانا جميعاً في البقر أو لم يكونا وإن كان فيها أحدهما لم يكن له غيره كالمئتين في الإبل. [فصل 3 - الواجب في البقر إذا بلغت عشرين ومئة] قال ابن المواز: وإذا كانت البقر عشرين ومئة كان الساعي مخيراً في ثلاث مسنات أو أربع توابع كانا في البقر أو لم يكونا، وإن كان فيها أحد السنين لم يكن له غيره كالمئتين من الإبل.
ومن المدونة: قال الليث: وسنة الجواميس في السعاية سنة البقر سواء، قال مال: الجواميس من البقر. [فصل 4 - تفسير الجذع والمسن] قال ابن حبيب: والجذع من البقر هو التبيع ابن سنتين، والثني منها ما أوفى ثلاثاً ودخل في الرابعة وهو المسن، وقال ابن نافع في المجموعة: الجذع من البقر: ما أوفى سنتين ودخل في الثالثة.
[الباب الثالث] جامع ما جاء في زكاة الغنم
[الباب الثالث] جامع ما جاء في زكاة الغنم [فصل 1 - في مقادير النصاب، وصفة الشاة المأخوذة في زكاة الغنم] روى ابن وهب، أن في كتاب عمرو بن حزم، الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس في الغنم صدقة حتى تبلغ أربعين شاة، فإذا بلغت أربعين شاة ففيها شاة، إلى عشرين ومئة، فإذا كانت إحدى وعشرين ومئة ففيها شاتان، إلى مئتي شاة، فإذا كانت مئتي شاة وشاة ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاث ومئة، فما زاد، ففي كل مئة شاة شاة، ولا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدق، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية». وقال صلى الله عليه وسلم - في أول ما أخذ الصدقة للمصدقين-: «لا تأخذوا من حزرات الناس»، وقال في حديث آخر:
"إياك وكرائم أموالهم خذ الجذعة والثنية". وروي أن عمر مُرَّ عليه بغنم من الصدقة فرأى فيها شاة حافلاً ذات ضرع عظيم، فقال: "ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتتنوا الناس، لا تأخذوا حزرات المسلمين"، وقال عمر للساعي: "تعد عليهم السخلة يحملها الراعي، ولا تأخذها، ولا الرُّبى التي وضعت ولا الأكولة شاة اللحم ولا الحامل الماخض، ولا فحل الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية، وذلك عدل بين غذاء المال وخياره". قال ابن أبي زمنين: الغذاء: صغار الماشية، واحدها غذي، والخيار: الكبار. قال عبد الوهاب: وقد روي: "ولا ذات عيب، ولا اللئيمة، ولا المريضة، ولا المسنة، ولكن من وسط أموالكم؛ فإن الله عز وجل لم يسألكم خياره ولم يأمركم بشره".
قال مالك: وإذا كانت الغنم رُبى كلها أو ماخضاً أو أكولة أو فحولة لم يكن للمصدق أن يأخذ منها شيئاً، وليأت ربها بجذعة أو ثنية مما فيه وفاء، وليس للساعي أن يأبى ذلك، ويلزمه قبولها. [فصل 3 - معاني الغريب في حديث الصدقة] قال ابن حبيب: والسخلة هي المولودة من الخرفان أو الجديان، والأكولة: هي التي تعوهدت بالرعي وكثر أكلها، من ذكر أو أنثى كما تتعاهد العليف، والأكيلة: التي قد أكلت أو تؤكل، ويقال: شاة عليف، والعلوف: الرجل الذي يعلفها مثل قتيل وقتول، والماخض ما دنى ولادتها، والربى: التي كما ولدت، أو قرب ما ولدت، والحافل: الكبيرة الضرع، وحزرات الناس: خيار مواشيهم، والهرمة: الشارفة، والعوار بالفتح: العيب وهو الذي في الحديث فيما لا يؤخذ في الصدقة، وأما برفع العين فمن العور، والفصلان: صغار الإبل ما لم تبلغ السن المذكور المأخوذ، وكذلك العجاجيل من البقر. ومن المدونة قال: والوقص: هو ما بين الفريضتين والنصاب: ما فيه الزكاة،
والسائمة: الراعية، قال الله تعالى: {فِيهِ تُسِيمُونَ} أي ترعون. [فصل 3 - ذِكْر أسنان ما يؤخذ في زكاة الغنم وصفاتها] قال مالك: ولا يأخذ ما فوق الثني ولا ما تحت الجذع، ولا يأخذ إلا الثني أو الجذع إلا أن يشاء رب المال أن يعطيه ما هو أفضل من ذلك فليأخذه لقوله صلى الله عليه وسلم/ للذي أعطى ناقة سمينة مكان بنت مخاض: "ذلك الذي عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك" قال: والجذع من الضأن والمعز في أخذ الصدقة سواء، يريد: أنه يجزي أحدهما في الصدقة ذكراً أو أنثى، قال أشهب وغيره، وكذلك فيما يؤخذ منها عن الإبل.
وذهب ابن حبيب إلى أنه إنما يؤخذ الجذع من الضأن أو الثني من المعز كالضحايا، قال أبو محمد: وليس هذا بقول مالك ولا أصحابه. وقال عمر بن عبد العزيز: لا يجزئ في الضحايا والهدايا إلا الثني من كل شيء، ذكر ذلك في المختلطة، وذكره مالك في موطأه عن ابن عمر. م: ووجه هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار في العناق في الضحايا: "اذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك" فكذلك الهدايا والزكاة ولأن ذلك كله قربة إلى الله عز وجل. ووجه ما في المدونة من أن الجذع من الضأن والمعز يجزئ في الزكاة، ولا يجزئ الجذع في المعز في الضحايا قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار في الضحايا في العناق من المعز: "اذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك" وإنما جاز ذلك في الزكاة لقول عمر رضي الله عنه: "خذ الجزعة والثنية وذلك عدل بين غذاء المال وخياره".
ووجه قول ابن حبيب أن النبي صلى الله عليه وسلم لما منع من الجذع من المعز في الضحايا فكذلك يجب أن يكون في الزكاة. قال علي بن زياد، وابن حبيب، وغيرهما: والجذع من الضأن والمعز: ابن سنة وقيل: ابن عشرة أشهر، روى ذلك ابن وهب، وقيل: ابن ثمانية، وقيل: ابن ستة أشهر، روى ذلك علي بن زياد، وقال: والثنية: التي طرحت ثنيتها. ومن المدونة، قال مالك: ويؤخذ الثني من الضأن ذكراً أو أنثى، ولا يؤخذ الثني من المعز إلا أنثى لأن الذكر منها تيس، ولا يأخذ المصدق تيساً، والتيس دون الفحل إنما يعد مع ذات العوار ويحسب على رب الغنم كما تحسب عليه العمياء والمريضة البين مرضها والهرمة والسخلة والعرجاء التي لا تلحق بالغنم، وذوات العوار هي ذوات العيب فلا يأخذها. قال ابن حبيب: وقد نُهى عن أخذ التيس في الحديث إلا أن يكون مسناً من كرام المعز فيلحق بالفحول لهذا يؤخذ إن أطاع به ربه.
[فصل 4 - في رداءة النوع] ومن المدونة قال مالك: وإن كانت الغنم كلها قد جربت أو ذوات عوار أو سخالاً أو كانت البقر عجاجيل كلها والإبل فصلاناً كلها وفي عدد كل صنف منها ما تجب فيه الصدقة كُلف ربها أن يشتري ما يجزئه. قال عبد الوهاب: وقال داود: لا شيء في الصغار، وقال أبو حنيفة: لا شيء فيها إلا أن يكون معها نصاب من الكبار، وقاله الشافعي. ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "وفي خمس وعشرين من الإبل بنت مخاص، وفي الثلاثين من
البقر تبيع، وفي الأربعين من الغنم شاة" فعم، والاسم في ذلك كله يقع على الصغار والكبار، وروي: "وتعد صغارها وكبارها" وروي ذلك أيضاً عن عمر وعلي ولا مخالف لهما، ولأنه نماء حادث عن مال تجب في جنسه الزكاة فأشبه ربح المال. ودليلنا على قول أبي حنيفة فلأنه نتاج حادث عن حيوان تجب في عينه الزكاة فحكمه حكم الأمهات أصله إذا كانت الأمهات نصاباً. ومن المدونة قال مال: وإذا رأى المصدق أن يأخذ ذات العوار والتيس والهرمة أخذها إن كان ذلك خيراً له ولا يأخذ من هذه الصغار شيئاً، قال وكما لو لم يكن عنده إلى بُزل كلها اشترى له من السوق ما يجزيه ولم يُعطه منها فكذلك إذا كان عنده الدون اشترى له من السوق ما يجزئه. ومن العتبية قال أصبغ عن ابن القاسم: سأل عثمان ابن الحكم مالكاً عن
الساعي يأتي الرجل فيجد غنمه عجافاً كلها قال: يأخذ منها وإن كانت عجافاً. قال سحنون: وهو قول المخزومي. قال أصبغ: وأخبرني ابن وهب عن مالك وابن شهاب أو عن أحدهما أنه قال: لا يؤخر الساعي الصدقة وإن عجفت الغنم وليأخذها في الخصب والجدب ولا يضمنوها. وذكر ابن المواز رواية ابن الحكم هذه، وقال: يؤخذ منها عجافاً، وإن كانت ذات عوار أو تيوساً فليأت بغيرها، قال ابن المواز: وكذلك العجاف يشتري له ما يعطيه، وهذا معنى قول مالك: يأخذ منها يريد: أنه يزكيها لا يدعها ولكن لا يأخذ عجافاً وليكلف ربها أن يأتيه بما يجزئه. م: وظاهر هذه الرواية خلاف ما ذكر محمد وأنه يأخذ منها بعينها وإن كانت عجافاً؛ لأنه قال: تؤخذ عجافاً، وإن كانت ذات عوار فليأت بغيرها فدل أن العجاف بخلاف ذات العوار/ وأنه يأخذ منها بعينها. والله أعلم. م: وأنا أرى إن كانت أكثر أغنام الناس عجافاً، وإنما فيها السمين القليل، فليأخذ من العجاف؛ لأن السمين حينئذ هو من حزرات الناس، وقيمة العجيف حينئذ كقيمة السمين في وقت تكون كلها سماناً، وإن كان إنما عجفت غنم هذا وحده لعلةٍ دخلت عليه خاصة، فليكلف حينئذٍ أن يأتيه بما يجزئه، ولا يأخذ العجاف؛ لأنها لا قيمة
لها حينئذٍ فيضر بالمساكين. [فصل 5 - لا زكاة في الأوقاص] ومن المدونة قال مالك: ولا شيء في الوقص وهو ما بين الفريضتين من جميع
الماشية وقد سأل معاذ النبي صلى الله عليه وسلم عن الأوقاص قال: "ليس فيها شيء". ثبت ذلك عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير طريق. [فصل 6 - نتاج السائمة يضم إلى أصله في تكميل النصاب] قال مالك: ومن كانت له ثلاثون من الغنم فتوالدت قبل قدوم الساعي بيوم فتمت أربعين زكاها عليه، وإن كان الأصل غير نصاب لأنها إنما زادت بولادتها بخلاف ما لو أفادها إليها. قلت: هل كان مالك يعرف أن المصدق يجمع الغنم ثم يفرقها ثم يخير رب الغنم أي الفريقين شاء ثم يأخذ هو من الفرقة الأخرى فقال: لم يعرفه مالك وأنكره. [فصل 7 - وجوب الزكاة في العوامل] قال مالك: ومن كانت له إبل أو بقر أو غنم يعمل عليها ويعلفها ففيها الصدقة إن بلغت ما تجب فيه الصدقة والعوامل وغير العوامل سواء.
قال عبد الوهاب: وخالفنا أبو حنيفة، والشافعي. ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة". وقال: "وفي كل ثلاثين من البقر تبيع" فعم؛ ولأن اختلاف الصفات عليها كاختلاف الأسنان، فإذا كان اختلاف الأسنان لا يؤثر في الزكاة، فكذلك اختلاف الصفات. [فصل 8 - في زكاة الخيل] ولا زكاة في الخيل خلافاً لأبي حنيفة في إيجابه الزكاة في إناثها. ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" وقوله: "ليس على
المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" وقوله: "ليس في الجبهة ولا في الكُسْعة ولا في النُّحِّةِ صدقة" قال أهل العربية: الجبهة: الخيل، والكُسعة: الحمير والنُّحِّةُ: الرقيق؛ ولأنه حيوان يقتنى للزينة كذكورها، وكالحمير؛ ولأنه حيوان لا يجزي في الضحايات والهدايا كالدجاج والوحش.
[الباب الرابع] في زكاة ماشية القراض والمدير
[الباب الرابع] في زكاة ماشية القراض والمدير [فصل 1 - ماشية القراض زكاتها على رب المال في رأس ماله] قال مالك رحمه الله: ومن أخذ مالاً قراضاً فاشترى به غنماً فتم حولها وهي بيد المقارض فزكاتها على رب المال في رأس ماله ولا شيء على العامل. [فصل 3 - زكاة الفطر عن عبيد القراض] قال أبو محمد: وكذلك زكاة الفطر في عبيد القراض على رب المال في رأس ماله وليس من مال القراض، وأما نفقتهم فمن مال القراض ونحوه في كتاب ابن المواز، وظاهر ذلك: المساواة بين الماشية وعبيد القراض وأن ذلك على رب المال في رأس ماله وليس من مال القراض. وقال ابن حبيب في عبيد القراض: إن زكاتهم كالنفقة ملغاة، ورأس المال هو العدد الأول، قال: وأما الغنم: فمجمع عليها في الرواية عن مالك من المدنيين والمصريين أن زكاتها على رب المال من هذه الغنم لا من غيرها، فتطرح قيمة الشاة المأخوذة من أصل المال، ويكون ما بقي رأس المال، قال: وهي تفارق زكاة الفطر، لأن هذه تزكى من رقابها، والفطرة مأخوذة من غير العبيد. م: واختلف أصحابنا في قول ابن حبيب هذا فقال أكثرهم: هو وفاق للمدونة، وظهر لي أنه خلاف لما في المدونة، والدليل على ذلك مساواة الإمام أبي محمد بن أبي زيد بينهما في المختصر وفي النوادر ولا مدخل للتأويل في كلامه مع ما يسعده من ظاهر
المدونة، وكتاب محمد، والقياس، وذلك أنا اتفقنا أن المقارض إذا أشغل بعض المال لم يكن لربه أن ينقص منه شيئاً؛ إذ عليه عمل العامل فله شرطه، ولا خلاف أعلمه بين أصحابنا في هذا، فإذا ترك الساعي رب المال وأخذها من العامل كان قد نقص من المال بعد إشغاله. فإن قيل: فإنه إذا أدّاها رب المال من عنده كان ذلك زيادة في القراض بعد إشغال المال وذلك لا يجوز، قيل: إنما الزيادة التي لا تجوز ما وصل إلى يد العامل وانتفع به، وهذا لا يصل/ إلى يد العامل منه شيء، إنما يأخذه الساعي، ولو كان ذلك زيادة في القراض لكان في زكاة الفطر عن عبيد القراض زيادة. فإن قيل: فإن الغنم زكاتها من رقابها؛ فلذلك أخذت من رب المال، قيل: والدنانير أيضاً زكاتها منها، فيلزمك أن تقول: إذا كان رب المال يدير والعامل لا يدير، وبيده سلع ومال عين أن يزكي عن العين من مال القراض، وهذا خلاف النص، وقد قال محمد وغيره: إن زكاة ذلك على رب المال يقوم ما بيد العامل ويزكي من عنده، ولا يزكي العامل ما ينوبه إلا بعد المفاصلة لعام واحد. وأيضاً: فيلزمك أن تقول إذا كانت الإبل شنقاً تزكى بالغنم أن زكاتها على رب المال؛ لأن زكاتها من غيرها، كعبيد القراض، فإن قلته فقد خالفت قول ابن حبيب وانفردت بقولك، وإن قلت على العامل فقد نقضت حجتك، إذ حجتك أن كل ما يزكى من غيره فهو على رب المال. وأيضاً فإنا نقول: إن الشاة المأخوذة من الأربعين، إنما هي زكاة عن رقابها، والفطرة أيضاً زكاة عن رقاب العبيد، فاستويا؛ فوجب أن تكون زكاتهما على من له الرقاب، والمقارض لا شيء له في الرقاب، وإنما الذي يأخذه كالإجارة، فلا ينبغي أن يكون عليه من زكاة الرقاب شيء. فإن قلت: فإنه إذا أسقطت قيمة الشاة من أصل مال القراض لم يدخل على العامل في ربحه نقص، قيل: يدخل عليه ذلك إذا حالت أسواق الغنم بزيادة بعد ذلك، وهذا كله إذا كان رب المال غائباً عنه، فللساعي أخذ الشاة من العامل إذ قد لا يجد رب المال فيؤدي ذلك إلى إسقاط الزكاة عنها، فإذا أخذها سقطت قيمة الشاة من مال
القراض، وكان ما بقي رأس مال، ويكون أخذ للشاة كالاستحقاق، ولا يجوز لربها أن يدفع حينئذٍ قيمة الشاة إلى العامل، فيكون ذلك زيادة في القراض بعد إشغال المال، ويكون القول في هذا ما قاله ابن حبيب لما يدخل على الساعي من الضرر في مطالبة رب المال. وبالله التوفيق. [فصل 3 - الغنم وإن اشتريت للتجارة فالواجب فيها هو زكاة الماشية] ومن المدونة قال مالك: ولا يقوم المدير غنمه في شهره الذي يزكي فيه، وإن ابتاعها للتجارة، لأن في رقابها زكاة السائمة، وليزك رقابها كل عام، لأن الغنم فريضة في الزكاة وسنة قائمة، وقد قال مالك في الرجل يبتاع الغنم للتجارة بعد ما زكى ثمنها بثلاثة أشهر أو أربعة أشهر: إنه يستقبل بها حولاً من يوم اشتراها. فهذا يدلك أن الغنم إذا اشتريت خرجت عن زكاة المال وصارت إلى زكاة الماشية، وسواءً كان مديراً أو غير مدير إنه يستقبل بها حولاً من يوم اشتراها ثم يزكى رقابها. [مسألة: في المدير يبيع غنمه قبل أن يأتيه الساعي] قال مالك: ولو باعها قبل الحول أو باعها بعد حول قبل مجيء الساعي فإنها ترجع إلى زكاة الذهب ويزكى الثمن لحول من يوم أفاده أو زكاه.
[مسألة: إن زكى عينها ثم باعها فحول ثمنها من يوم زكاة عينها] قال: ولو باعها بعد أن زكى رقابها زكى الثمن لحول من يوم زكى الرقاب. [مسألة: إن كانت دون النصاب قومها المدير مع عروضه] ابن المواز: ولو كانت الغنم التي اشترى المدير أقل من أربعين فإنه يقومها مع عروضه في شهره الذي يقوم فيه ولا ينظر إلى حولها وهي بمنزلة العرض. [مسألة: إن بلغت النصاب بعد تقويمها فأتى الساعي أخذ منها زكاة الماشية] م: وقال بعض شيوخنا: فإن قوّم هذه الغنم ثم بعد ذلك تمت بولادة أو بُدل قليل بكثير فأتى الساعي وهي نصاب أخذ منها الزكاة ولا يُسقِط عنه الزكاة ما تقدم من تقويمه إياها قبل مجيء الساعي، والله أعلم.
[الباب الخامس] في اجتماع الضأن والمعز والبقر والجواميس
[الباب الخامس] في اجتماع الضأن والمعز والبقر والجواميس [فصل 1 - يضم الجنس إلى جنسه في تكميل النصاب] قال مالك: وتضم الضأن إلى المعز في الزكاة، والجواميس إلى البقر، والبخت إلى الإبل العراب/. قال بعض البغداديين: لأن الاسم والجنس يُجمع ذلك كله فدخل في عموم قوله: "في كل خمس من الإبل شاة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع، وفي كل أربعين شاة شاة". [فصل 3 - الغنم تكون فيها الضأن والمعز تؤخذ الصدقة من أكثرها وإن كانت متساوية خير الساعي] ومن المدونة: قال ابن القاسم فيمن له سبعون ضائنة وستون معزة فعليه شاة من الضأن وأخرى من المعز، ولو كانت المعز خمسين كان عليه شاة واحدة من الضأن، ولو كانت ستين من الضأن. وستين من المعز أخذ الساعي واحدة من أيهما شاء، ولو كانت عشرون ومئة ضائنة، وأربعون معزة أخذ من الضأن واحدة ومن المعز أخرى، ولو كانت المعز ثلاثين أخذ شاتين من الضأن. ومن المجموعة: قال مالك: ومن له ضأن ومعز تجب فيهما شاة أخذها المصدق من أكثرهما، فإن استويا فمن أيهما شاء.
قال ابن القاسم: وإن كان فيهما شاتان، فإن كان في أقلهما عدد الزكاة. م: يريد: وكونها أوجبت الشاة الثانية أخذ من كل صنف واحدة. م: لأن زيادة ما لا يوجب حكماً إنما هو وقص فلذلك شرطنا أن كونها أوجبت الشاة الثانية. وإن كانت القليلة ليس فيها عدد الزكاة، يريد: أو كان كونها لم يوجب الشاة الثانية أخذ الشاتين من الكثيرة.
وإن كان فيهما ثلاث شياة وكانت القليلة كونها أوجبت زيادة الواحدة وفيها مع ذلك عدد الزكاة أخذ الثالثة منها، وإن لم يوجب كونها زيادة الواحدة. م: يريد: وإن كانت أكثر من نصاب فهي وقص لا يأخذ منها وإن كثرت. م: ولو كان فيهما أربع شياة وكانت القليلة أوجبت الشاة الرابعة ابتدأ الحكم في المئة الرابعة فيأخذ الشاة الرابعة من أكثر المئة الرابعة، فإن استويا خيّر الساعي في الرابعة؛ لأن الحكم انتقل إلى المئتين، وكذلك يصنع فيما زاد يبتدي الحكم في المئة الآخرة. قال أبو محمد: ورأيت لسحنون ولم أروه؛ فيمن له عشرون ومئة ضائنة، وأربعون معزة، أن يأخذ الشاتين من الضأن. م: يريد: كأنه جعل في الأربعين من الضأن شاة، فيبقى منها ثمانون، والمعز أربعون، فيأخذ الشاة الثانية من الضأن؛ لأنها أكثر. قال أبو محمد: والذي ذكر ابن القاسم أبين، وهي بخلاف من له أربعون بقرة وعشرون جاموساً، قال في هذه: يأخذ واحدة من كل صنف. م: لأنه يجعل في الثلاثين من البقر تبيعاً، وتبقى عشرة منها مع عشرين جاموساً؛ فيأخذ تبيعاً من الأكثر وهي الجواميس.
م: والفرق بينهما أن الثمانين الزائدة على الأربعين في الضأن وقص لا شيء فيها، والعشرة الزائدة على الثلاثين في البقر ليس هي وقصاً؛ لأنها أحالت الفريضة عن حالها. م: ولو كانت الضأن مئة وإحدى وعشرين لأشبهت مسألة الجواميس مع البقر؛ لأن الإحدى والثمانين الزائدة على الأربعين شاة ليس بوقص، لأنها أحالت الفريضة وصارت الأربعون معزاً حينئذٍ وقصاً فوجب أن يأخذ الجميع من الكثير. قال أبو محمد: ولو كانت مئة وخمسين ضائنة وخمسين معزاً، أو مئة وإحدى وعشرين ضائنة وأربعين معزاً ينبغي أن يأخ الجميع من الكثير. م: صواب. ومن المدونة: ولو كانت ثلاث مئة ضائنة، وتسعين معزة، أخذ ثلاث ضوائن، ولا
شيء في المعز؛ لأنها هاهنا وقص حتى تبلغ مئة فتكون فيها معزة ولو كانت ثلاثة مئة وخمسين ضائنة وخمسين معزة أخذ ثلاث ضوائن وخير الساعي في الرابعة إن شاء معزة أو ضائنة، ولو كانت الضأن ثلاث مئة وستين والمعز أربعين أخذ أربع ضوائن وكذلك من كانت له ستون ضائنة وأربعون معزة أنه يأخذ شاة من الضأن، ولو كانت الضأن ثلاث مئة وأربعين، والمعز ستين، أخذ ثلاث ضوائن ومعزة، ولو كانت مئتي ضائنة ومئة من المعز، أو مئة وخمسين أخذ ضائنتين ومعزة، وكذلك في تسعين ومئة ضائنة وستين ومئة معزة، وإن كان في كل صنف مئة وخمسة وتسعون/ أخذ من كل صنف واحدة وأخذ الثالثة من أيهما شاء. [فصل 3 - في اجتماع الجواميس مع البقر والبخت مع الإبل العراب] وكذلك يجري في اجتماع الجواميس مع البقر، والبخت مع الإبل العراب، فإن كان له عشرون جاموساً وعشرة من البقر فعليه تبيع من الجواميس، وإن كانت أربعين جاموساً وعشرة من البقر أخذ من الجوامس مسنة، وإن كانت أربعين جاموساً وثلاثين من البقر أخذ من الجواميس مسنة ومن البقر تبيعاً، ولو كانت البقر عشرين أخذ من كل صنف تبيعاً، ولو كانت عشرين جاموساً وعشرين بقرة أخذ مسنة من أيهما شاء، وإن كان من كل صنف ثلاثون أخذ من كل صنف تبيعاً.
[الباب السادس] في زكاة ماشية المديان وحبه وزكاة الفطر عن عبده
[الباب السادس] في زكاة ماشية المِدْيان وحبه وزكاة الفطر عن عبده [فصل 1 - لا يُسْقِط الدين زكاة حب ولا ماشية ولو ماثله وإنما يُسقِط زكاة العين فقط] قال مالك رحمه الله: ولا يسقط الدين زكاة الماشية وإن كان يغترقها ولا مال له غيرها، أو كان الدين مثل صفتها، ولا يمنع الغرماء المصدق من أخذ الزكاة منها، وكذلك لو رفع من أرضه حباً أو ثمراً، وعليه من الدين صفة ما رفع، لم تسقط عنه الزكاة، وإنما يسقط الدين زكاة العين خاصة. قال ابن القاسم: والفرق بينهما: أن السنة إنما جاءت في الضمار وهو المال المحبوس. وفيه كان عثمان يصيح في الناس: "هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه حتى تخلص أموالكم فتؤدون منها الزكاة" فكان الرجل يحصي دينه ثم يؤدي مما بقى في يديه إن كان تجب فيه الزكاة، وأما الماشية والثمار فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده يبعثون السُّعاة والخرّاص لزكاة مواشيهم وثمارهم ولا يأمرونهم بقضاء ما عليهم من الديون، والعين مصروف إلى أمانتهم، مقبول قولهم فيه.
وقد تقدم هذا في الكتاب الأول. [فصل 3 - فيمن له عبد، وعليه عبد دين هل يزكي عن عبده زكاة الفطر] قال ابن القاسم: وأما من له عبد، وعليه عبد مثله في صفته، فلا يزكي للفطر عنه إن لم يكن له مال، وفي كتاب محمد: وعنده ما يخرج منه زكاة الفطر.
وقال سحنون: يزكي وقد قيل: إنه بمنزلة الحب والثمر وعليه الزكاة وهو أحسن، وروي ذلك عن مالك وهو قول ابن القاسم. م: ووجه ذلك أن الله تعالى قال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} فكان الواجب ألا يسقط الدين زكاة لعموم الآية فخصت السنة العين من ذلك وبقي ما سواه على أصله مع ما أبانت السنة في المواشي والثمار، والعبد مثل ذلك. ووجه قوله: لا يزكي الفطرة عنه: أن الفطرة لما كانت موكولة في إخراجها إلى أمانته ولا ساعي فيها أشبهت العين، والعين يُسقِطُه الدين، فكذلك هذا.
[الباب السابع] في الماشية تباع أو تستهلك، أو يبادل بها
[الباب السابع] في الماشية تباع أو تستهلك، أو يبادل بها قال مالك: ومن أشترى غنماً للتجارة ثم باعها قبل الحول أو بعده قبل مجيء الساعي، فليزك الثمن؛ لأن حوله من يوم أفاده أو زكاه، ولا زكاة فيها للمصدق. وقد تقدم هذا. [فصل 1 - فيمن استهلكت ماشيته فأخذ فيها دراهماً، أو جنساً غيرها] قال ابن القاسم: ومن استهلكت غنمه بعد الحول قبل مجيء الساعي، وهي أربعون شاة فأخذ في قيمتها دراهم زكاها مكانه؛ لأن حولها قد تم. م: يريد إذا كانت الدراهم التي أخذ فيها نصاباً، وكانت الغنم للتجارة، وإن كانت للقنية دخل في القيمة اختلاف قول مالك، هل يستقبل بها حولاً أم لا؟. قال ابن القاسم: وإن أخذ بالقيمة إبلاً أو بقراً فلا شيء عليه، ويستقبل بها حولاً من ذي قبل. قال سحنون: وقال عبد الملك: عليه الزكاة في الإبل والبقر، وقاله مالك في العتبية. م: وجه ذلك: فلأنه أخذ جنساً فيه الزكاة عن جنس فيه الزكاة كأخذه عن
الذهب ورقاً أو عن غنم عنماً أن الثانية على حول الأولى، وذكرهم للقيمة لغو. ووجه قول ابن القاسم/ فلأنه إنما وجب له عنده قيمة، فأخذ فيها إبلاً، فهو كاشترائه بالعين إبلاً أن حولها مؤتنف، وكمن أخذ إبلاً عن غنم أن الحول موتنف عند ابن القاسم. [فصل 2 - من استهلكت غنمه فأخذ بالقيمة غنماً في مثلها الزكاة] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أخذ بالقيمة غنماً في مثلها، فلا زكاة عليه أيضاً، ولابن القاسم قول ثان، أنه يزكيها كالمبادلة بها، والقيمة لغو إلا أن تكون أقل من أربعين، فلا شيء عليه فيها. قال سحنون: والقول الأول أحسن قال أشهب: كما لو باع الأولى بدنانير ثم أخذ بالدنانير غنماً. قال حمد يس: إنما يختلف قوله إذا دخلها عيب يوجب له قيمتها، فكان مخيراً بين أخذ قيمتها أو عينها، فتارة يعد أخذه للغنم عوضاً عن العين، وتارة عوضاً عن القيمة، وأما لو ذهبت العين أصلاً حتى لا يكون له إلا القيمة، فأخذ فيها غنماً فلا يختلف قوله ألا زكاة عليه فيها. والله أعلم. فصل [3 - فيمن باع ماشيته قبل أن يزكيها قبل الحول أو بعده وهي ميراث أو مشتراة لقنية] ومن المدونة: قال مالك: ومن ورث نصاب غنم، أو اشتراها للقنية ثم باعها بعد الحول قبل مجيء الساعي بما فيه الزكاة لم يزك الثمن ويستقبل به حولاً بعد قبضه إلا أن
يبيعها فراراً فتلزمه زكاة السائمة، ثم قال مالك: أرى أن يزكي الثمن الآن، وكذلك إن باعها بعد ستة أشهر من يوم ابتاعها أو ورثها فإنه يزكى الثمن لستة أشهر أخرى، وعلى هذا ثبت وهو أحب إلي. م: يريد: لأن القنية لا تقدح في الماشية فلا تمنع المصدق من زكاتها؛ لأن الزكاة في أعيانها كالدنانير والدراهم فخالفت غيرها مما يقتنى. قال ابن القاسم: ولو باعها بعد أن زكى رقابها زكى الثمن لتمام حول من يوم زكى الرقاب. قال ابن المواز: ولم يختلف مالك وأصحابه أنه يزكي الثمن لحول من يوم زكى الرقاب كانت لقنية أو ميراث أو من تجارة، وإنما اختلف قوله فيمن باعها قبل أن يزكيها قبل الحول أو بعده وهي ميراث أو مشتراة لقنية فقال: يأتنف بالثمن حولاً، ثم قال: يزكي لحول من يوم ملكها ولا ترجع إلى أصل حول ثمنها؛ لأن القنية أبطلت زكاة الذهب، وهذا إنما باع بما فيه الزكاة ولم يبع فراراً، وعلى هذا جل أصحابه إلا أشهب فثبت على قوله الأول. ولم يختلفوا أنها لو كانت للتجارة لرجعت إلى حول أصل ثمنها ويزول حول الغنم، وهو قول مالك ما لم يزك الرقاب قبل البيع، وكذلك لو كانت الموروثة أقل من أربعين وبيعت بعد الحول بما تجب فيه الزكاة أم لا أو بيعت التي زكيت بما لا زكاة فيه فلا زكاة في ثمنها ويستقبل به حولاً عند مالك وأصحابه. [فصل 4 - فيمن أشترى غنماً للتجارة أو للقنية بعين له بيده شهوراً، وفي الغنم المقتناة تباع بعد أن زكاها] قال ابن حبيب: لم يختلف مالك وأصحابه أن من ابتاع غنماً للتجارة أو للقنية
بعين له بيده شهوراً أنه يأتنف بالغنم حولاً ثم إن باع المشتراة للتجارة بعد ما زكاها بشهور أنه يزكى الثمن لحول من يوم زكى الرقاب. م: وهذا كله وفاق لما ذكر محمد. قال: واختلف قوله في المقتناة تباع بعد أن زكاها، فقال: يأتنف بالثمن حولاً من يوم البيع. م: هذا خلاف لما تقدم لابن المواز. قال: ثم قال مالك: يزكيه لحول من يوم زكى الرقاب. وأخذ بالأول: مطرف، وأشهب، وأخذ بالآخر: ابن كنانة، وابن القاسم، وابن الماجشون وأصبغ، وبه أقول. وكذلك اختلف قوله في المقتناة، والموروثة يبيعها قبل الحول، وأما التي للتجارة فترجع إلى أصلها لم يختلف فيها قوله، قال: وهذا كله إذا كان ببلد تأتي فيه السعاة، وأما إن كان ببلد لا تأتي فيه السعاة، وباعها بعد الحول فإنه يزكي زكاة السائمة.
[فصل 5 -] م: فإن قيل: ما الفرق بين من زكى ماله العين ثم اشترى به بعد أشهر نصاب ماشية للقنية أنه يأتنف بالماشية حولاً وبين من زكى ماشيته ثم باعها بعد أشهر بعين فيه الزكاة أنه يبنى على حول الأولى. قيل: الفرق أن الأصل عندنا في كل من اشترى بالعين شيئاً نواه للقنية فقد أبطل/ حول العين، سواء كان ما اشترى غنماً، أو غيرها، فلذلك استقبل بالماشية حولاً ولم يبن على حول العين؛ لأنه قد بطل، وقاله مالك وأصحابه؛ ولأن الأصل أيضاً فيمن باع شيئاً مقتنى أن يستقبل به حولاً، فلما كانت الماشية لا تقدح فيها نية القنية وأن للساعي أخذ الزكاة منها إذا حل حولها من يوم اشتراها أو ورثها فارقت غيرها من الحيوان والعروض وغير ذلك وخرجت عن حد ما يقتنى فبطل أن يستقبل بها حولاً فلم يكن بد من البناء على حولها، وأشبهت ما لا يباح اتخاذه من أواني الذهب والفضة التي لا تقدح فيها نية القنية، أو كالعين المضروب، مع إجماع مالك وأصحابه على ما ذكره ابن المواز في هذا. م: ولأن الدنانير لما كانت أثمان الأشياء وبها تقوم المتلفات فإذا أخذها عوضاً من الماشية فهي كالماشية لأنها التي يقضى له بها لو أتلفها كما لو أتلف ما يكال أو يوزن إنما عليه مثله فالقيمة أيضاً كالمثل، فصار إذا أخذ عيناً كأنه بادل غنماً بغنم. والله أعلم.
م: وقد رأيت لأشهب أنه إذا ابتاع بالعين بعد أشهر من يوم زكاة ماشية في مثلها الزكاة أنه يبني على حول الذهب، فلم يحتج أشهب إلى فرق، وهو قياس واحد. [مسألة: من باع ماشية دون النصاب لم يزك ثمنها وإن مضى عليها حول إذا كان أصها قنية أو ميراثاً] ومن المدونة: قال مالك: ومن كانت له أربعة من الإبل فباعها بعد حول لم يزك الثمن ويستقبل به حولاً. م: يري إذا كان أصلها قنية أو ميراثاً، وهي مخالفة للتي تُزكى.
[فصل 6 - فيمن باع ماشية بجنسها أو باعها بغير جنسها] قال مالك: ومن باع غنماً بإبل، أو بقراً بغنم بعد أشهر من يوم زكى رقابها فليأتنف بالذي أخذ حولاً من يوم ابتاعها وقد انتقض الحول الأول، لأنهما صنفان لا يُجْمعان في الزكاة، فهو بمنزلة من كان له عين فاشترى به بعد أشهر نصاب ماشية أنه يستقبل بالماشية حولاً من يوم الشراء. قال: وإن باع جنساً بمثله كغنم بغنم أو بمعز فالثانية على حول الأولى؛ لأن ذلك صنف واحد يضم بعضه إلى بعض في الصدقة والفوائد إلا أن تنقص الثانية عما فيه الزكاة مثل أن يبيع أربعين شاة لها عنده أشهراً بثلاثين شاة فلا زكاة عليه فيها لتمام الحول، وإن باعها بأربعين فأكثر زكاها. قال ابن المواز: ولم يختلف مالك وأصحابه فيمن باع صنفاً بصنفه من الأنعام أنها على حول الأولى، وكذلك ضأن بمعز، أو معزاً بضأن، أو بقراً بجواميس، أو جواميس ببقر. م: لأن ذلك مما يجمع بعضه إلى بعض في الزكاة، فأشبه بيع الذهب بالفضة. قال ابن المواز: فأما إن باع جنساً من ذلك بخلافه فاختلف فيه قول مالك وأصحابه:
فقال ابن القاسم، وأشهب: يأتنف بالثانية حولاً، وهي رواية ابن القاسم عن مالك. وروى أشهب، وابن وهب، وعبد الملك عن مالك: أنها على حول الأولى. قال: لأن المواشي كلها واحد فكلما أخذت بماشيتك مما تكون فيه الزكاة قائمة فه على وقت الأولى كما لو أخذت بماشيتك ذهباً، وبه قال ابن وهب وعبد الملك. وقد تقدم نحوه. [فصل 7 - فيمن باع غنماً بمال ثم اشترى به غنماً غيرها] قال ابن المواز: ومن باع ماشية بذهب وسط الحول ثم اشترى به مثلها، فقال ابن القاسم وأشهب عن مالك أنه يأتنف بالثانية حولاً، قال ابن القاسم: وكذلك لو باع غنمه بإبل أو بقر أو عرض فلم يقبض ذلك حتى أخذ به غنماً مثل عدد غنمه التي باع؛ فإنه يستأنف بالغنم الآخرة حولاً؛ لأن حول الأولى سقط حين باعها بما ذكرنا، وصارت الثانية كأنها اشتريت بذلك. قال: وكذلك لو باع غنمه بذهب ثم استقال منها فرد ثمنها، فإنه يستأنف بها حولاً، وسواء قبض ثمنها أو لم يقبضه، والإقالة بيع حادث، ولم يره مالك في الشفعة بيعاً حادثاً، لتهمتهما عنده أن يكونا أرادا نقض البيع الأول فراراً من الشفعة فيه. قال ابن المواز: وذهب عبد الملك فيمن باع غنمه بذهب ثم اشترى به مثلها إلى أن يزكى الثانية لحول الأولى، وكذلك لو أخذ بذلك الثمن إبلاً أو بقراً؛ لأنه لم
يخرجها إلا إلى ما فيه الزكاة ثانية ما لم تكن الأولى ذهباً أو ورقاً اشترى/ بها ماشية لقنية أو لتجارة فإنه يستأنف بالماشية حولاً؛ لأن النقود هي أموال الناس. وذكر عنه سحنون في كتاب ابنه فيمن رفع حباً فزكاه، ثم ابتاع به غنماً بعد اشهر، ثم تم حول من يوم حصاده قال: فليزك الغنم، وخالفه سحنون. قال: وأما إن قبض عينا في غنم فلا يزكيها إلا لحول، قال سحنون: وقوله في العين صحيح. م: واختصار هذا الانتقال في العين والمواشى أنه لم يختلف إذا باع جنساً بمثله أو بما يجمع معه في الزكاة أن الثاني على حول الأول، واختلف إن باعه بخلافه مما فيه الزكاة فقيل: يبني على حول الأول، وقيل: يأتنف بها حولاً. [فصل 8 - فيمن باع غنماً ثم رُدت عليه بعيب بعد حوْل أو أخذها في تقْليس المشتري] ومن كتاب ابن سحنون: من ابتاع غنماً فأقامت عنده حولاً ثم ردها بعيب قبل مجئ الساعي فزكاتها عى البائع. م: هذا على قولهم أن الرد بالعيب نقض بيع، وعلى قولهم إنه بيع مبتدأ: يجب أن يستقبل بها حولاً. قال: ولو ردها بعد أن أدى عنها شاة فليردها ولا شئ عليه في الشاة التي
أخذها المصدق، ولو فلس المشترى فقام الغرماء وجاء الساعي فالزكاة مُبَدأة، وما بقي للغرماء، وكذلك الحائط يُشتْرى بثمره فيأتي المصدق وقد طابت الثمرة فالمصدِّق مبدأ، ولو طلب بائع الغنم أخْذَ الغنم في التقليس فليأخذ المصدِّق شاة، ثم للبائع أخْذُ الغنم ناقصة بجميع الثمن إن شاء، ويكون ما أخذ المصدق منه. ولو هرب المشتري بالغنم عن السّاعي وهي أربعون، ثم جاء في السنة الثانية وقد فلس فليأخذ الساعي منها شاة، وتكون من البائع إن استرجع الغنم، ولا شئ له عليه في السنة الثانية ولا على المبتاع، وإن لم يأخذها البائع كان على المشتري فيها شاتان، يريد: على مذهب سحنون؛ لأنه ضامن لها فصارت الشاة الأولى في ذِمته.
[فصل 9 - فيمن باع ماشيته بعد الحول قبل مجئ الساعي فراراً من الزكاة] ومن المدونة: قال مالك: ومن باع بعد الحول نصاب إبل بنصاب غنم هرباً من الزكاة أخذ منه المصدق زكاة ما أعطى، وإن كان زكاة الذي أخذ أفضل؛ لأن ما أخذ لم يجب فيها بعد زكاة. قال: ولو باعها غير فار فلا شئ عليه إذْ حوْلها مجئ الساعي، ويستقبل بالتي أخذ حولاً، ولو باعها بعد الحول بدنانير زكي الثمن الآن إن لم يبع فراراً. قال ابن القاسم: والدنانير مخالفة لما سواها مما بيعت به هذه الإبل. قال: وإن قبض الثمن بعد أعوام زكاه لعام واحد، وإن أخذ الثمن ثم أقرضه زكاه لعامين. م: ذكر عن أبي القاسم بن الكاتب القروي في مسألة من باع غنماً هرباً من الزكاة قال: إنما يعد هارباً متى باع بعد الحول، فأما إن باع قبل الحول لم يراع فراره من غيره؛ لأنه لم يجب عليه شئ حين بيعه، وليس كمسألة الخليطين إذا اختلطا عند الحول أو قربه أن ذلك لا ينفعهما؛ لأن هؤلاء قد بقيت مواشيهم في أيديهم حتى حال الحول
عليها، والذي باع قبل الحول ليس في يده شئ بعد الحول، فلذلك افترقا. والله أعلم. م: وليس ذلك بصواب لأن بيعها بعد الحول قبل مجئ الساعي مثل بيعها قبل حولها إذْ حولها مجئ الساعي فلا فرق؛ ولأن المتخالطين إنما ألزما حكم الافتراق لأنهما أرادا بذلك إسقاط شئ من الزكاة، والفارّ إنما أراد إسقاط الزكاة، كلها، فهذه هي العلة الجامعة بينهما؛ ولأنه أراد أخذ ما وجب للمساكين فمنعه كمنع القاتل الميراث الذي لم يجب له بعد وأراد تعجيله.
[الباب الثامن] في زكاة فائدة الماشية، وذكر شيء من فائدة العين
[الباب الثامن] في زكاة فائدة الماشية، وذكر شيء من فائدة العين [فصل 1 - من أفاد ماشية بشراء أو ميراث أو غيره فلا يزكي إلا بعد الحول ومجيء الساعي]. والسنة أن لا زكاة على من عنده ماشية في مثلها الزكاة إلا بعد حول من يوم ملكها، ملكها بشراء، أو ميراث، أو غيره، مع مجيء الساعي، وحول نسلها حول الأمهات. قال مالك: ومن مات عن ماشية بعد الحول قبل مجيء الساعي لم يلزمه ولا وارثه شيء حتى يأتي حول من يوم ورثها الوارث فيزكيها الساعي حينئذ، وإن كانا وارثين في الماشية فهما كالخليطين لا زكاة على من لا زكاة في حظه، ولو كانا قد اقتسماها فعلى كل واحد ما يلزمه. قال: ولو مر به الساعي قبل حول من يوم ورثها فلا شيء عليه لتمام حوله حتى يمر به من عام قابل فيأخذ منه/ لعام واحد، وهذا كله إذا لم يكن للوارث نصاب ماشية. قال في غير «المدونة»: ومن مر به الساعي فزكى غنمه ثم مات فورثه وارث فضمها إلى نصاب له عنده حول فمر به الساعي فليزك ما ورث مع ماشيته
لأنهما ملكان مختلفان. [فصل 2 - فائدة الماشية تزكي على حول الأولى إن كانت الأولى نصاباً] ومن المدونة: قال مالك: ومن أفاد غنما إلى غنم، أو بقراً إلى بقر، أو إبلا إلى إبل بإرث، أو هبة، أو شراء، زكى الجميع لحول الأولى إذا كانت الأولى نصاباً تجب فيها الزكاة، وسواء ملك لثانية قبل تمام حول الأولى بيوم أو بعد محلها قبل قدوم الساعي، وإن كانت الأولى أقل من نصاب أستقبل بالجميع حولاً من يوم أفاد الآخرة إلا أن تكون الفائدة من ولادتها فيزكي الجميع لحول الأولى نصاباً كانت الأولى أم لا. وقال الشافعي: إذا لم تكن الفائدة نتاجاً استقبل بها حولاً كفائدة العين، وإليه ذهب محمد بن عبد الحكم. [فصل 3 -] م: والفرق بين فوائد المواشي وفوائد العين الضرورة التي تلحق الساعي في تردده، فكان العدل في ذلك أنه إذا أضاف الفائدة إلى نصاب زكي لحول الأولى، وإن اضافها إلى أقل من نصاب زكى الجميع لحول الثانية فخفف عنه تارة وثقل أخرى للضرورة في
تردد الساعي كما فعلوا في تخلف الساعي سنين أنه يزكي ما وجد بيده لسائر السنين وقد تكون في سائر السنين كثيرة واليوم هي قليلة فخفف عنه أو كانت في سائرها قليلة واليوم كثيرة فثقل عليه ها هنا؛ لأن الزكاة موكولة إلى النظر إلى أرباب الأموال والفقراء، فإذا لحق أحد الفريقين رفق أو تثقيل نظر للفريق الآخر بمثله، فلما كان إذا كان عنده أقل من نصاب لم يضم ما أفاد إليها، وفي ذلك رفق لربها وضرر على المساكين، فكذلك إذا كان عنده نصاب ضم ما أفاد إليها فكان فيه رفقاً بالمساكين وضرراً بربها فأشبه ذلك الخُلْطة وتخلف الساعي في أنها تارة تخفف، تارة تُثقَّل. [فصل 4 - من لا يأتيه السعاة لِبُعْدِه يزكي كل فائدة لحولها] ولو كان ممن لا يأتيه السعاة لبعده ولا يستطيع جلبها إليهم لزكى كل فائدة لحولها كزكاة العين؛ لأنه ساعي نفسه، ولا ضرورة تلحق أحداً في ذلك، وقاله أبو محمد بن أبي زيد. وفي كتاب ابن سحنون ما يؤيد ذلك قال- فيمن ورث إنما فمضى له حول، ومر الساعي بالناس وهو لا يمر به- فليزكها حينئذ، ويكون ذلك حوله؛ لأنه ساعي نفسه، وتصير كزكاة العين.
م: وقال بعض أصحابنا عن بعض شيوخ القرويين أنه يضيف الفائدة الآخرة إلى الأولى ويزكيَ على حول الأولى مثل بلد فيه السعاة. وفي المستخرجة ما يدل أنه يضيف الفائدة الآخرة إلى الأولى ويزكي لحول الأولى مثل بلد فيه السعاة. والذي في المستخرجة: قال أصبغ عن بعض المصريين فيمن له نصاب ماشية فأفاد إليها غنماً كثيرة فنقص النصاب قبل حوله عما فيه الزكاة فلا يزكيه إلا مع حول الفائدة الآخرة إلا أن تزيد الأولى بولادة فيتم عدد الزكاه فليزكها مع الثانية لحول الأولى، وكذلك لو أفاد الثانية إلى غير نصاب ثم تناسلت الأولى قبل حولها فتمت نصاباً فليزكها لحولها مع الفائدة الآخرة. وأصل هذا أن ينظر إلى الغنم الأولى فإن كانت الزكاة تجب فيها فليزك معها الفائدة، وإن كانت لا تجب فيها سقطت الزكاة عن الفائدة، ويزكي الجميع لحول الفائدة، إلا أن تكون ممن يأتيك الساعي، فتؤخر زكاتك إلى مجيئه.
ونحوه في المجموعة وكتاب محمد في زيادة النصاب ونقصه خاصة. [فصل 5 - ما هلك من المال بعد الحول وقبل الأخذ منه من غير تفريط سقطت زكاته] ومن المدونة: قال مالك: ومن كانت له مئتا شاة وشاة فهلكت منها واحدة بعد نزول الساعي قبل العدد لم يأخذ غير شاتين، ولو كانت له أربعون شاة فنقصت واحدة قبل الحول بيوم ثم أفادها من يومه إئتنف بالجميع حولاً إلا أن تكون من ولادتها فليزك الجميع لحول الأولى.
[فصل 6 -] قال: ومن أفاد جنساً إلى غيره كإبل إلى غنم، والأولى نصاب أم لا، فكل صنف على حوله بخلاف الجنس الواحد. [فصل 7 - في زكاة الفائدة إذا كانت دية أو صداقاً] قال مالك: ومن وجبت له إبل في دية فقبضها بعد أعوام فليأتنف بها حولاً من يوم يقبضها، وكذلك المرأة تنكح على إبل مضمونة، فإن تزوجت على إبل أو غنم بأعيانها أو على نخل فأثمرت فالزكاة في ذلك عليها وإن لم تقبضها، ولو قبضتها بعد حول زكت ذلك مكانها ولم تؤخره لأنها قد ملكتها من يوم عقد النكاح، وضمانها منها، والتى بغير أعيانها ضمانها من الزوج حتى تقبضها فلذلك استقبلت بها حولاً. فصل/ [8 - في زكاة المال المستفاد إذا كان إرثاً بيد الوصي] قال مالك: وإذا هلك رجل وترك بنين كباراً كلهم أو كباراً وصغاراً وأوصى إلى رجل فباع الوصي تركته، وأقام المال بيده ما شاء الله فلا زكاة على أحد منهم حتى يقتسموا، فيستقبل الكبار بحظهم حولاً بعد قبضه، ويستقبل الوصي للصغار بحظهم حولاً من يوم القسم، وإن كانوا صغاراً كلهم كان الوصي قابضاً لهم، ويستقبل لهم حولاً من يوم نض الثمن في يديه. [فصل 9 - الماشية إذا ورثها وحال عليها الحول وجبت زكاتها وإن لم يقبضها، بخلاف الدنانير] قال: ومن ورث مالاً نصاباً غائباً عنه فقبضه بعد أعوام فليستقبل به حولا بعد
قبضه وكذلك لو وكل من يقبضه فليستقبل به حولاً بعد قبض الوكيل وإن لم يصل إليه بعد. قيل: فلو ورث ماشية تجب فيها الزكاة فحال عليها الحول قبل أن يقبضها وهى في يد وصي أو غيره؟ قال: عليه زكاتها وإن لم يقبضها بخلاف الدنانير. والفرق بينهما أن الغنم لا يسقطها الدين، والعين يسقطه الدين فلا ينبغي أن يزكي عليه وهو غائب خوفاً أن يكون مدياناً أو يرهقه دين قبل مجئ السنة. وقال سحنون: الدنانير في ضمانه من يوم ورثها كالماشية ولكن لا تزكى خوفا أن يكن مدياناً فإذا قبضها ولا دين عليه زكاها لماضي السنين. وقد تقدم قي الزكاة الأول إيعاب هذا.
[الباب التاسع] في من أوصى بزكاة ماله من ماشية أو عين، وذكر شئ من التبدية في الوصايا
[الباب التاسع] في من أوصى بزكاة ماله من ماشية أو عين، وذكر شئ من التبدية في الوصايا. [فصل 1 - فيمن له ماشية تجب فيها الزكاة فمات بعد حولها قبل مجئ الساعي وأوصى بزكاتها] قال مالك: ومن له ماشية تجب فيها الزكاة فمات بعد حولها قبل مجئ الساعي وأوصى بزكاتها فهي من الثلث غير مبدأة، وعلى الورثة أن يفرقوها في المساكين الذين تحل لهم الصدقة وذكرهم الله في كتابه، فلهم أوصى الميت، وليس للساعي قبضها؛ لأنها لم تجب على الميت، وكأنه مات قبل حولها إذ حولها مجئ الساعي مع مضي عام. م: وذهب ابن حبيب إلى أن من مات وقد حال الحول على ماشيته ولم يأته الساعي أن زكاتها واجبة على ورثته كزكاة الحبوب والثمار. والفرق عند مالك وأصحابه في ذلك قوله عز وجل: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) فقد أوجب الله عز وجل زكاته بطيابه، فإذا مات بعد الطياب فقد مات بعد وجوب الزكاة عليه، وأوجبت السنة أن لا زكاة في الماشية إلا بعد الحول، وبعد قدوم الساعى، فإذا مات قبل قدوم الساعي فقد مات قبل حولها، وكما لو ماتت الماشية بعد الحول قبل قدوم الساعي أنه لا يجب عليه زكاتها، فكذلك موته حينئذ لأنه مات قبل حولها. ومن المدونة: وإنما يبدأ في الثلث ما كان فرط فيه من زكاة العين وأوصى به فإنه يُبدأ على ما سواه من الوصايا من العتق والتدبير في المرض وغيره إلا المُدَبر في الصحة،
وإن لم يوص بإخراج زكاة العين لم يلزم لورثة إخراجها إلا أن يشاءوا. قال: ولو حل عليه في مرضه زكاة العين أو أتاه مال غائب فأمر بزكاته فذلك في رأس ماله لأنه لم يفرط، قال ابن القاسم: وإن لم يوص بها، أمر بذلك الورثة ولم يجبروا. وأشهب يقول: هى من رأس ماله أوصى بها أو لم يوص. م: وإنما كان ما فرط فيه من الثلث وما حل عليه في مرضه من رأس المال؛ لأن ما فرط فيه لا يعلم صدقه فيه، وممكن أن يكون أخرجه وأراد الضرر بالورثة بالصدقة من رأس ماله وهو لا سبيل له إلى رأس ماله في مرضه فمنع من ذلك، وجعلت في الثلث مُبَدأه، وقوي أمرها على سائر الوصايا؛ إذ يمكن أن يكون صدق وهو لو علم صدقه يقيناً لكانت من رأس ماله، وأما ما حل عليه في مرضه فقد بان صدقه فيه فكان من رأس ماله؛ لأن الزكاة فريضة وجبت عليه. قال مالك: وإن أوصى بزكاة وجبت عليه، وبعتقٍ من ظهار، وقتل نفس فضاق الثلث، بدي بالزكاة ثم/ العتق الواجب من الظهار وقتل النفس، ولا يُبدأ أحدهما على صاحبه. م: وقيل: يبدأ بقتل النفس.
م: وإنما قدمت الزكاة عليهما؛ لأن العتق في ذلك منه عوض عند العدم وهو الصيام ثُم الإطعام في الظهار، ولا عوض في الزكاة فقدمت لهذا. واختلف في معنى قوله في العتقين: ولا يبدأ أحدهما على صاحبه فقيل: يقرع بينهما فأيهما خرج له السهم اشتريت له الرقبة، وقيل: بل يتحاصان فما ناب الظهار أطعم به وما ناب القتل شورك به في رقبة، ووجه قول من قال يبدأ بقتل النفس لأنه لا عوض منه في المال، وعتق الظهار منه عوض الإطعام. قال: والعتق في الظهار وقتل النفس يبدأن على عتق التطوع لوجوبهما، والعتق التطوع يبدأ على ما سواه من الوصايا. وقد روى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتبدية العتق على الوصايا، وقد تقدم في الصوم ترتيب ما يبدأ، وفي الوصايا إيعابه.
م: وبلغني عن بعض شيوخنا فيمن كان ببلد لا سعاة فيه، فيحل حوله ثم يموت، فيوصي بإخراج زكاته أنها من رأس ماله، لأنه ساعي نفسه، وإن لم يوص لم يلزم ورثته إخراجها كزكاة العين تحل في مرضه، وهي بخلاف زكاة الثمار تطيب ثم يموت ولا يوصي بإخراج زكاتها تلك في رأس المال وأوصى بها أو لم يوص إذ قد يكون في الماشية والعين أنه أخرج الزكاة عنهما من غير علم الورثة فلا يلزم الورثة أداؤها حتى يوصي، والثمار إنما تؤدى زكاتها عند جذاذها فقد بان أنه لم يخرجها فذلك مفترق. : وأشهب يري في زكاة العين تحل في مرضه، وفي زكاة الفطر أن ذلك من رأس ماله أوصى بذلك او لم يوص كزكاة الثمار تطيب ثم يموت ولا يوصي بإخراج زكاتها. م: وذلك قياس واحد. وقال ابن حبيب: من حلت عليه في مرضه زكاة ثمر أو حب فمات ولم يوص بإخراجهما، فإن جذ ذلك وحصده ولم يضم ذلك إلى بيته أخرج ذلك من رأس ماله وإن لم يوص بها، وأما إن ضمها إلى بيته فهي كزكاة ناضة إن كان ببلد لا ياتيه السعاة لزكاة الثمر والحب وكان صاحبه يلي تفرقته، فإن لم يوص بها أمر الورثة بإخراجها ولم يجبروا، وإن أوصى بها فهي من رأس ماله، وإن كان ببلد تأتيه السعاة فهي مأخوذة بكل حال؛ لأن وقتها لم يفت، ثم يورث ما بعدها، وإن حل عليه في مرضه زكاة ماشية فهي مأخوذة من رأس ماله أوصي بها أو لم يوص؛ لأن الفريضة التي وجبت فيها قائمة، وليس تركه إخراجها، أو الوصية بها كتركة ذلك في زكاة الناض وفي زكاة الحب.
والثمر إذا ضمه إلى بيته؛ لأن ذلك مضمون بالغيبة عليه، والماشية حيوان لا يغاب عليه. م: يريد ابن حبيب فى الماشية إذا كان ببلد لا يأتيه السعاة فهو ساعي نفسه، وأما لو كان ببلد يأتيه السعاة فالزكاة لا تجب عليه إلا بمجئ الساعي فإذا كان الأمر كذلك فهو خلاف لما ذكره بعض شيوخنا فاعلم لك. م: وتحصيل اختلاف ذلك أنه لا خلاف في زكاة الحب والثمار يموت ربها وقد طاب ولم تجذ أو جذ ولم يدخله بيته ويغيب عليه أن زكاة ذلك في رأس ماله وإن لم يوص به، واختلف في زكاته إذا أدخله بيته، وفي زكاة العين وزكاة الفطر وزكاة الماشية وهو ساعي نفسه يَحُل ذلك كله في مرضه ثم يموت فقيل: عليه زكاته أوصى به أو لم يوص به، وقيل: لا شئ عليه إلا أن يوصي ويؤمر الورثة بإخراجها ولا يجبروا. قال ابن حبيب: وكل ما فرط فيه من زكاة ماشية أو حب أو عين فإن ذلك في ثلثه إن أوصي به مُبِدة عند ابن القاسم على كل شئ إلا المدبر في الصحة، وقال ابن
الماجشون: لا يُبدا على مالا يقدر الموصي أن يرجع عنه من/ عتق قتل أو تدبير في مرض أو صحة، وبه أقول. والصواب عندنا قول ابن القاسم لما قدمتا، والله الموفق للصواب.
[الباب العاشر] في وقت خروج السعاة وتصديقهم للناس
[الباب العاشر] في وقت خروج السعاة وتصديقهم للناس [فصل:- السنة أن يبعث الإمام من يقبض زكاة الحرث والماشية] وكان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء يبعثون سعاة تقبض زكاة الحرث والماشية، وقال رجل: يا رسول الله: إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم إذا أديتها إلى رسولي برئت منها ولك أجرها، وإثمها على من بدلها)). [فصل:2 - في وقت بعث السعاة] ومن المدونة: قال مالك: وسنه السعاة أن يبعثوا قُبلَ الصيف وحين تطلع الثريا ويسير الناس بمواشيهم إلى مياههم؛ لأن في ذلك رفقاً للناس في اجتماعهم على الماء وعلى السعاة، لاجتماع الناس. قال مالك: ولا أحب لصاحب الماشية أن تنزل السعاة عنده ولا يعيرهم دوابه يريد: خيفة التهمة أن يخففوا عنه، قال: وشرب السعاة الماء من منازل أرباب الماشية
خفيف. [فصل: 3 - في خروج السعاة في سنة الجدب] وقال عنه أشهب- في المجموعة وكتاب محمد-: يبعث السعاة في كل سنة إلا في سنة شديدة الجدب فلا يبعثوا؛ لأنه يأخذ مالا يجلب وإن بيع فلا ثمن له، وقال عنه ابن وهب: لا تؤخر الصدقة وإن عجفت الغنم. قال ابن شهاب: وقد بعث الخلفاء السعاة في الخصب والجدب. قال ابن المواز: روى أصبغ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لاثنيا في الصدقة)) وتفسيره: لا تؤخر الصدقة عن عامها عند أهلها لجدوبة ولا عجوفة حتى تثنى، ولو كانت ذوات عوار، أو تيوس كلها، كان عليه أن يأتي بما يجزى عنه، إلا أن يرى المصدق أخذ ذلك. قال ابن المواز: والعجاف مثل ذلك، يأتيه بصدقتها من غيرها مما يجوز في الصدقة. وقد تقدم هذا. ومن المدونة: قال مالك: ومن مر به الساعي وفي ماشيته ما تجب فيه الزكاة فقال: إنا أفدت غنمى منذ شهر ونحوه صدق مالم يظهر كذبه.
أبو محمد: زاد أبو زيد: ويحلف. وقال مالك: لا يحلف، وقد أخطأ من يحلف الناس من السعاة. قال مالك: وإذا كان الإمام عدلاً مثل عمر بن عبد العزيز فلا يخرج أحد زكاته حتى يأتيه المصدق فإن أتاه فقال: قد أديتها لم يقبل قوله ولياخذه بها. وقال أشهب: لا شئ عليه إلا أن يتهم بمنع الزكاة. قال مالك: وإن كان الإمام غير عدل فليضعها مواضعها إن خفي له ذلك وأحب إلى أن يهرب بها عنهم إن قدر، فإن خاف أن يأتوه ولم يقدر ان يخفيها عنهم فليؤخر ذلك حتى يأتوه، فإن أخذوها منه أجزأه.
ابن مهدي: وإن أبا سعيد الخدري وسعد بن مالك وأبا هريرة وعبد الله بن عمر قالوا: يجزيك ما أخذوا. قال الحسن وأنس: ما أعطيت في الطرق والجسور فهو صدقة. وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عيه وسلم قال: ((أما والله لولا أن الله قال: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بها) ما تركتها جزية عليكم تؤخذون بها بعدي، ولكن أدوها إليهم فلكم برها وعليهم إثمها)) ثلاث مرات. قال ابن وهب: وأمر بدفعها إلى السلطان الصحابة والتابعون. قال ابن المواز: قال ابن وهب عن مالك: وإن أخذها منه الساعي قبل محلها
لم تجزه. وقال ابن القاسم: إن أخذه بزكاة زرعه بعدما يبس أو بزكاة غنمه أو ماله قبل محله فإن كان بقرب محلها أجزأه، والزرع أبينه. وبعد هذا باب فيه من معاني هذا الباب.
[الباب الحادي عشر] جامع القول في زكاة ماشية الخلطاء
[الباب الحادي عشر] جامع القول في زكاة ماشية الخلطاء [فصل 1 - الخلطة في الماشية مؤثرة ومشروعة] وفي كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية/، ولا يجمع بين مفترقين ولا يفرق بين مجتمعين خشية الصدقة)). أشهب: وكذلك قال عمر بن الخطاب: ((وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية)). قال بعض العلماء من أصحابنا: الخليط في الغنم: الذي لا يشاركه صاحبه في الرقاب. ويخالطه في الاجتماع والتعاون، قال مالك: وغنمه معروفة من غنم صاحبه. والشريك: المشارك في الرقاب ولا يعرف غنمه من غنم صاحبه، وله حكم
الخليط، فكل شريك خليط، وليس كل خليط شريكاً. [فصل 2 - في أوجه الخلطة، وهل من شرطها اجتماع جميع صفاتها؟] ومن المدونة: قال مالك: ومما يوجب الخلطة أن يكون الراعي والفحل والدلو والمراح والمبيت واحداً، فهذه أوجه الخلطة. قال ابن القاسم: وأوجه الخلطة إذا لم تكن كلها وانخرم بعضها لم يخرجهم ذلك من الخلطة، ولو جمعها الراعي والدلو والمراح والفحل وافترقت في المبيت والحلاب في دور أو قرى مفترقة ويجمعها راعِ واحد أو رعاة فهم خلطاء، وقد ضعف مالك المبيت، ولو فرقها الدلو واجتمعت فيما سواه فهم خلطاء، وهذا أهون من تفرقة المبيت، وكذلك لو كان راعي هؤلاء أجرته عليهم خاصة، وراعي الآخرين أجرته عليهم خاصة، وهم يتعاونون فيها فهم بمنزلة الراعي الواحد إن كان أربابها جمعوها أو أمروا الرعاة بجمعها فجمعوها حتى كان المراح والدلو والمسرح واحداً فهم خلطاء. قال ابن القاسم في العتبية: ولا يكونوا خلطاء حتى يجتمعوا في جل ذلك. قال الأبهري: لا يجزي عندي اقل من وجهين من أوجه الخلطة. وقال ابن حبيب: أصل الخلطة الراعي فإذا جمعها الراعي اجتمعت في أكثر ذلك، وإن فرقها الراعي فليسوا بخلطاء وإن جمعها المرعى. ومعنى الفحل واحد: أن يضرب فحل كل واحدة الأخرى.
ومن المدونة: قال مالك: وإن فرقها الدلو وسط السنة وجمعها في طرفيها فهم خلطاء، وكذلك الفحل إذا كان الدلو والمراح واحداً. قال مالك: وإن لم يختلطوا إلا في شهرين من آخر السنة فهم خلطاء، وإنما يُنظر إلى آخر السنة لا إلى أولها. قال ابن القاسم: وإن اجتمعت في آخر السنة أقل من شهرين فهم خلطاء مالم يقرب الحول جداً فيصير إلى الحديث الذي نهي فيه ألا يجمع بين مفترق لا يفرق بين مجتمع. قال ابن المواز: وكذلك أقل من شهر مالم يقرب الحول جداً. وقال ابن حبيب: لا يجوز بأقل من شهر. ومن المدونة: قال ابن وهب: قال مالك: وتفسير لا يجمع بين مفترق: أن يكون ثلاثة لكل واحد أربعون شاة فإذا أظلهم الساعي جمعوها ليؤدوا شاة واحدة. والتفريق بين مجتمع: أن يكونا خليطين لكل واحد منهما مئة شاة وشاة، ففيها ثلاث شياه فإذا أظلهما الساعي إفترقا ليؤديا شاتين فنهوا عن ذلك.
قال عبد الوهاب: فإذا ثبت المنع فمتى فعل لم يؤثر ذلك في حكم الزكاة وأخذوا بما كانوا عليه قبل ذلك؛ لأن في ذلك ذريعة إلى نقص الزكاة وضرراً بالفقراء، ولذلك قلنا إن من أبدل عينة بعين مثلها، أو ماشية بماشية من صنفها أن ذلك لا يسقط عنه الزكاة ولا تعد الثانية الآن مشتراه وليبنِ على حول الأولى، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن ذلك ذريعة إلى إسقاط الزكاة، ولذلك قلنا: إذا بادل صنفاً بخلافه فراراً من الزكاة فليأخذه المصدق بزكاة ما كان عنده. ومن المدونة: قال مالك: والخليطان في الإبل والبقر والغنم سواء، قال ابن القاسم: فإذا بلغت إبلهما عشرين ومائة أخذ منها حقتين، فإن كان لأحدهما خمس من الإبل، وللآخر خمس عشرة ومئة فأخذ الساعي منهما حقتين فليترادا قيمتهما على أربعة وعشرين جزء، على صاحب الخمس جزء منها وهو ربع السدس، وما بقي فهو على الآخر. قال مالك: وإذا كان لأحدهما تسع/ من الإبل وللآخر خمس فعلى كل واحد شاة، ثم رجع مالك فقال: يترادان في الشاتين للخلطة. م: وهو الصواب للحديث، وإنما اختلف قول مالك؛ لأنه رأى أن الإفتراق
عليهما والإجتماع سواء، وأما لو كان لأحدهما ست وللآخر تسع فلا يختلف قوله في ذلك أنهما يترادان؛ لأن اجتماعهما أوجب عليهما ثلاث شياة، وفي الافتراق شاتين، فمتى تغير الحكم باختلاطهما فلا يختلف فيه قول مالك أنهما يترادان. وبلغني ذلك عن بعض شيوخنا. [فصل 3 - الخلطة تصح في الماشيتين إن كانتا مما يضم إحدهما إلى الأخرى في الزكاة] ومن كتاب ابن سحنون: ولا بأس أن يختلطا لهذا ضأن ولهذا معز ثم يأخذ المصدق منهما كما ياخذ من الرجل الواحد، فإن كان فيها شاة أخذها من الأكثر عدداً، ثم يترادان فيما أخذ، ولا يقال: إن صاحب ضان زكى بمعز ولا صاحب معز زكى بضأن؛ لأنهما كرجل واحد. وقال في غيره: وكذلك في البقر والجواميس، والبخت مع الإبل العراب. [فصل 4 - يعتبر النصاب في حصة كل واحد من الخلطاء] ومن المدونة: قال مالك: وإن كانوا ثلاثة: لواحد خمسون شاة، ولآخر أربعون، ولآخر واحدة وهم خلطاء، فأخذ الساعي منهم شاة فهي على صاحبي التسعين على
تسعة أجزاء ولا شيء على صاحب الواحدة إذ لم يضرهما فإن أخذها الساعي غرماها له على تسعة أجزاء: خمسة على صاحب الخمسين، وأربعة على صاحب الأربعين. م: فإن كانت هذه الشاة شاة لحم رجع عليهما بشاة وسط؛ لأن الساعي ظلمه وأخذ زيادة على حقه، قاله بعض شيوخنا، قال: ولو كانت هذه الشاة معيبة لا تؤخذ في الزكاة لم يرجع على صاحبيه بشيء، لأن الزكاة باقية عليهما، وهما مأموران بإخراجها. م: وهذا إذا كانت لا تجزي بحال؛ لأنها عجفاء أو سخلة، وأما إن كانت من ذوات العوار ورأى الساعي أخذها نظرًا فهي تجزيهما ويغرمان له قيمتها، والله أعلم. ومن المدونة: قال ابن وهب عن مالك: وإن كان لأحدهما ألف شاة أو أقل، وللآخر أربعون شاة أو أكثر فهما خليطان يترادان بالسوية، وقاله ابن أبي سلمة. قال ابن القاسم: ولو كان لواحد أربعون وللآخر ثلاثون فأخذ الساعي شاة فهي على رب الأربعين وحده، ولا شيء على صاحبه؛ لأنه لم يدخل عليه مضرة.
قال مالك: ولا يكونا خليطين حتى يكون لكل واحد من الماشية ما تجب فيه الزكاة، ومن لم يبلغ حظه ذلك فلا زكاة عليه، والزكاة على من بلغ حظه ذلك خاصة ولا تحسب عليه غنم خليطه، فإن لم يبلغ حظ واحد منهما منفردًا ما تجب فيه الزكاة وفي اجتماعهما عدد الزكاة فلا زكاة عليهما فإن تعدى الساعي فأخذ منهما شاة من غنم أحدهما فليترادا فيها على عدد غنمهم يعني كقضاء قاض بقول قائل، وهو قول ربيعة. ومن العتبية قال ابن القاسم في خلطاء أربعة لكل واحد عشر شياة فيأخذ الساعي منهم شاة فليترادوها على عدد غنمهم، ولو أخذ شاتين من غنم أحدهم فالواحدة مظلمة وقعت عليه ويترادون الواحدة. قال سحنون: فإن تفاضلت الشاتان تحاصوا في الدنية، وقال قبل ذلك: في نصف قيمة كل واحدة. م: وهذا أعدل إلا أن تكون الدنية لا تجزي فليتحاصوا في الأفضل إلا أن تكون الأفضل شاة لحم فليتحاصوا في شاة وسطة. قال ابن القاسم: وإن أخذ الشاتين من غنم رجلين كانت نصف شاة من كل
واحد منهما مظلمة وقعت عليه ويترادون الواحده، قال عنه يحي: للشبهة التي تأول المصدق والثانية مظلمة على صاحبي الشاتين فلما لم تعرف التي أخذت في الصدقة من التي تعدي فيها فليتحاص الأربعة في نصف قيمتها، والنصف الآخر بين هذين. قال عنه عيسى: ولو كان لواحد أربعون، ولآخر ثلاثون فأخذ شاة من غنم أحدهما فهي على صاحب الأربعين ويرجع عليه صاحب الثلاثين إن أخذها له، ولو أخذ شاتين من صاحب الأربعين لم يرجع على صاحبه بشيء؛ لأن الواحدة وجبت عليه، والثانية مظلمة. قال: وإن أخذها من صاحب الثلاثين رجع بواحدة على صاحب الأربعين وكانت الثانية مظلمة عليه. قلت: فلو كان لواحد عشرون ومئة، ولآخر ثلاثون فأخذ شاة من صاحب الثلاثين قال: يرجع بها على صاحبه، ولو أخذ شاتين من صاحب العشرين ومئة أو من
صاحب الثلاثين لترادا قيمتهما على عدد غنمهما للاختلاف في ذلك. قال في كتاب ابن سحنون: وكذلك لو أخذ من غنم هذا شاة ومن غنم هذا شاة لترادا فيهما جميعًا، ولا أجعل الواحدة من صاحب العشرين ومئة ويترادان في الأخرى. م: وقاله سحنون، وابن المواز. وقال ابن عبد الحكم: الواحدة على رب العشرين ومئة خاصة ويترادان في الأخرى على عدد غنمهما كاملة. م: يريد: إذا أخذهما من غنم صاحب العشرين ومئة. م: ووجه ذلك: أن الواحدة تلزم صاحب العشرين ومئة خاصة لأنه لو لم يأخذ غيرها لكانت عليه خاصة ويتراجعان في الثانية على عدد غنمهما كاملة؛ لأنها هي المظلمة فيجب التراجع فيها، ولأن الذي ذهب إلى أن يترادا في الشاتين يرى أن يتراجعا في كل شاة على عدد غنمهما، فأخذ ابن عبد الحكم في الواحدة بقولنا وفي الثانية بقول
المخالف. والله أعلم. وأما وجه قول ابن القاسم في أنهما يترادان في الشاتين جميعًا لأن هكذا رأى من ذهب إلى هذا، فهو حكم ينفذ على ما قالوا ولا ينقض.
ومن المدونة: ولو كان لأحدهما عشرة ومئة شاة وللآخر إحدى عشرة شاة فأخذ الساعي شاتين فيترادا فيهما جميعًا؛ لأن صاحب العشرة ومئة دخلت عليه المضرة من صاحبه ولولاه ما لزمه غير شاة. وعلى مذهب ابن الحكم: إن أخذهما من غنم صاحب العشرة ومئة ترادا في واحدة، والعلة في ذلك ما ذكرنا. قال ابن المواز: وإن كان لأحدهما اثنان وثلاثون من الإبل وللآخر أربعة فأخذ الساعي منهما إبنة لبون فليترادا قيمة بنت اللبون على تسعة أجزاء على صاحب الإثنين والثلاثين ثمانية أجزاء، وعلى الآخر جزء واحد بقدر حصته، لأن أخذ المصدق لها على التأويل. وقال بعض العلماء: على صاحب الكثيرة بنت مخاض، ثم يترادان زيادة قيمة بنت اللبون على قيمة بنت مخاض على تسعة أجزاء: ثمانية على صاحب الكثيرة، وجزء على صاحبه. م: وهذا على مذهب من قال: يترادان في شاة في المسألة المتقدمة، والأولى على مذهب من قال: يترادان في الشاتين، وهو أصوب.
[فصل 5 - في الرجل يتزوج المرأة على ماشية بعينها فلم تقبضها حتى حال عليها الحول عند الزوج] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج إمرأة على ماشية بعينها فلم تقبضها حتى تم الحول عند الزوج فطلقها قبل البناء وقبل مجيء الساعي، فإن أتى ولم يقتسماها أو وجدهما قد تخالطا بعد اقتسامهما فهما كالخليطين لا زكاة عليهما حتى يكون في حظ كل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة، وإن بلغ ذلك حظ أحدهما كانت الزكاة عليه في غنمه خاصة، ولا تكون للزوج فائدة إذ كان له شركة في نمائها ونقصانها، ألا ترى أنها لو ماتت كلها أو نقصت ثم طلقها لم يرجع عليها إلا بنصف ما بقي ولو نمت أضعاف عددها أخذ نصف جميع ذلك، وكذلك قال مالك: فيما أصدقها من العروض. قال ابن المواز: وقال أشهب: نصيب الزوج فائدة في الاستحسان؛ لأنه لم يكن ينتفع منها بغلة.
والقياس: أنهما كالخليطين، ولا يأتنف الزوج حولاً، ومن قاله لم أعبه عليه؛ لأنه كان ضامنًا لها، وهذا قول ابن القاسم أنه كالخليط. قال ابن المواز: وقول أشهب أحب إلي لأن حولها قد انتقض بعقد النكاح، ولو كان على قول ابن القاسم لبقيت على حولها عند الزوج، وهذا ليس بقولهما ولا قول مالك، وقال سحنون مثل قول ابن المواز. قال ابن المواز: والغلة قبل الطلاق في هذا بينهما، وأما النفقة فقد قيل: على الزوجة، وأنا أرى أنها من الغلة إلا أن تجاوزها فلا ترجع على الزوج، وهذا استحسان. م: وفي كتاب النكاح الثاني: وقد قيل: إن كل غلة للمرأة خاصة بضمانها. م: وهذا يجري على قياس قول من يرى أنها للزوج فائدة؛ لأنه بالتزويج بها انتقلت عن ملكه وانتقل حولها فكأنه بالطلاق أفادها، وقد قال أشهب: إنه لو تزوجها بجارية، ثم وطئها قبل البناء أنه يحد، وابن القاسم لا يرى عليه الحد، ورآها شبهة، إذ لو طلق وجب له نصفها؛ ولأنه شريك في النماء والنقصان، ولو وطئها بعد البناء لحد
باتفاق. وبالله التوفيق. ومن المدونة: قال مالك: وكل ما أصدقهما من العروض والحيوان والدنانير فهو شريك لها في نماء ذلك ونقصه، إلا ما باعت من ذلك واشترت للتجارة أو لغير ما يصلحها لجهازها، فإن لها نماؤه وعليها نقصه. وفي النكاح إيعاب هذا. فصل [6 - اجتماع الخلطة والانفراد] قال مالك: ومن له أربعون شاة ولخليطه مثلها، وله ببلد آخر أو ببلده أربعون لا خليط له فيها فليضم ذلك إلى غنم الخلطة فيأخذ الساعي للجميع شاة: ثلثاها على رب الثمانين، وثلثها على رب الأربعين، وهكذا يتراجعان في هذا الوجه كله. قال ابن المواز: وقال عبد الملك: يكون على رب الأربعين نصف شاة، وعلى رب
الثمانين ثلثا شاة، قال ابن المواز: وقول مالك أحب إلينا، وعليه جل أصحابه. قال أبو محمد: وقال سحنون بقول عبد الملك، وقال: هو أحب إلي من قول ابن القاسم وأشهب، وأنا أشك أن يكون ابن وهب رواه عن مالك. قال سحنون في المجموعة: ولو أن البعض الذي له فيها خليط لا تجب فيها الزكاة إلا مع غنمه الأخرى فله حكم الخلطة مع شريكه، لأن عليه الزكاة فيما غاب وحضر. [فصل 7 - في تعدد الخلطة] ومن كتاب ابن المواز: قال ابن عبد الحكم وأصبغ فيمن له ثمانون شاة فرقتين، له في كل أربعين منها خليط بأربعين، فهم كلهم خلطاء. قال ابن المواز: والذي آخذ به أن صاحب الثمانين خليط لهما، وليس أحدهما خليطًا لصاحبه فيقع على صاحب الثمانين شاة وعلى كل واحد من صاحبيه ثلث شاة ثلث شاة. قال: ومن له عشرة من الإبل ببلده وله فيها خليط بخمسة، وله ببلد آخر عشرة أخرى له فيها خليط بخمسة فهو خليط للرجلين ولا خلطة بينهما، فعلى كل واحد من الرجلين خمس بنات مخاض، وعلى صاحب العشرين ثلثا بنت مخاض، فجملة ذلك بنت مخاض وخمس ثلث بنت مخاض، فمن وجد في إبله بنت مخاض أخذها، فإن أخذها من إبل صاحب العشرين أخذ أيضًا بقية حقه من أيهما شاء وهو ثلث خمس قيمة بنت مخاض، ويرجع الذي أدى بنت مخاض وهو رب العشرين بثلث قيمتها على صاحبيه حتى
يغرم كل واحد ما عليه، وإن أخذها من أحد صاحبي الخمسة رجع على صاحبيه بما عليهما على ما فسرنا. ولو كان خليطًا لرجلين، له مع هذا عشرة ومع هذا خمسة، ولكل واحد من الرجلين خمسة خمسة، فعليه ثلاثة أخماس بنت مخاض وعلى صاحبيه شاة شاة على كل واحد. ومن العتبية: قال بعض المصريين: ومن له ثلاثون بعيرًا مفترقة، قد خالط بكل عشرة منها خليطًا له أيضًا عشرة، ففي الجميع حقه، فعلى صاحب الثلاثين نصف قيمة حقه، لأنه خليط لجميعهم، وعلى كل واحد من خلطائه ربع قيمة بنت لبون؛ لأنه يحسب عليه جميع ما لخليطه، وذلك ثلاثون، وله هو عشرة فالجميع أربعون وفيها بنت لبون، فعليه في عشرته ربع قيمة بنت لبون، وكذلك من له خمسة عشر مفترقة في كل خمسة خليط بخمسة فالجميع ثلاثون ففيها بنت مخاض فعلى صاحب الخمس عشرة نصف قيمة بنت مخاض وعلى كل واحد من أصحابه شاة؛ لأنه له خمسة ولخليطه خمسة عشر فذلك عشرون ففيها أربع شياه فعلى صاحب الخمس شاة. ثم على هذا يجري ما ورد عليك من هذا الباب. فصل [8 - فيمن خالط عبدًا أو ذميًا] ومن كتاب ابن المواز والعتبية: قال ابن القاسم: في السيد يكون خليط عبده لا يوجب ذلك خلطه وليؤد كما يؤدي وحده، ولو زرع معه لم يكن على السيد شيء
إلا أن يكون في حصته خمسة أوسق، وكذلك عبد غيره، وكما لو كان خليطه أو شريكه نصرانيًا. وذكر ابن حبيب فيمن هو خليط لعبده أو لعبد غيره أو لذمي فليأخذ منه على حساب الخلطة في الماشية ويسقط عن العبد والذمي، وقاله ابن الماجشون، فإن لم يسقط عنه وأخذها من غنم المسلم فهى كلها منه، وإن أخذها من العبد أو الذمي رجعا بنصفها على الحر المسلم. ومن المجموعة والعتبية قال ابن القاسم عن مالك فيمن وهب لابنه الصغير غنمًا ووسمها وحازها له فإن هو ضمها إلى غنمه كان فيها شاتان، وإن فرقها كان فيها شاة فلا يضمها إلى غنمه، فإن فعل فأعلم المصدق أنه إنما له فيها كذا وكذذا فليصدقه إن كان على صدقته بينة هكذا في رواية عيسى، قال سحنون: إذا كلفه البينة فلم يصدقه.
[الباب الثاني عشر] في الغنم يحول عليها الحول فيذبح منها ربها أو تموت ثم يأتي المصدق
[الباب الثاني عشر] في الغنم يحول عليها الحول فيذبح منها ربها أو تموت ثم يأتي المصدق قال مالك رحمه الله: وما ذبحه الرجل بعد الحول أو مات من ماشيته قبل قدوم الساعي ثم قدم لم يحاسبه بشيء من ذلك، وإنما يزكي ما وجد بيده حاضرًا وقاله ابن شهاب. قال سحنون: وقد قال المشيخة السبعة: لا يصدق المصدق إلا ما أتى عليه لا ينظر إلى غير ذلك. قال ابن المواز: قال مالك: وله أن يذبح ويبيع وإن حل الحول ولم يأت الساعي وإن نقص ذلك زكاتها إلا من فعل ذلك فرارًا من الزكاة فيلزمه ما فر منه. قال ابن القاسم: وإن عزل منها ضحايا لعياله قبل مجيئه فإن أشهد عليها، يريد: أشهد أنها لعياله لفلان كذا ولفلان كذا فلا زكاة فيها وإن جاء وهي حية بعد إلا أن يكون لم يشهد فليزكها وإنما لا يزكى ما لو مات المعطي صحت لمن أعطاها له. قال مالك: ومن مر به الساعي وغنمه أقل من أربعين فجاوزه ثم رجع في عامه إليه وقد صارت أربعين بولادة فلا يزكها ولا يمر به في عام واحد مرتين، ولو نزل الساعي به مع المساء فسأله عن غنمه فقال: مئتين، فقال: غدًا آخذ منك شاتين، ثم نتجت تلك الليلة واحدة أو كانت مئتي شاة وشاة فماتت واحدة فلا ينظر إلا إلى عدتها عند وقوفه
عليها لعددها والأخذ منها لا قبل ذلك، وقاله أصبغ. م: ولو نزل به الساعي فعد غنمه فكان فيها ما تجب فيه الزكاة فهلكت كلها بأمر من الله عز وجل أو غصبت للوقت قبل أخذ المصدق ما وجب فيها فلا شيء على ربها لأنها ليست في ضمانه ولا هو أتلفها وقد هلك ماله ومال المساكين، ولو بقي منها مالا زكاة فيه لم يكن على ربها شيء كمال حل حوله فهلك قبل إخراج زكاته بغير تفريط أو بقي منه ما لا زكاة فيه فلا شيء على ربه فيه، وقاله أبو عمران، وقد قيل: ما عده المصدق فقد وجبت زكاته وإن هلك بأمر من الله عز وجل ويأخذها مما بقي وليس ذلك بشيء. وقد قيل في العين يهلك بعضه ويبقى بعضه أن للمساكين ربع عشر ما بقي لأنهم كانوا شركاء معه فيها بتمام الحول فما ذهب فمنهم وما بقي فبينهم، ويدخل هذا القول في الماشية، وله وجه الأول أصوب، لأنهم ليسوا كالأشراك على الحقيقة لأن له أن يعطيهم من غير ذلك المال وليس له ذلك مع الشريك فدل أنه لم يتعين حق المساكين فيه. والله أعلم.
[الباب الثالث عشر] في زكاة من هرب بماشيته عن الساعي
[الباب الثالث عشر] في زكاة من هرب بماشيته عن الساعي قال مالك -رحمه الله-: ومن هرب بماشيته عن الساعي وهي ستون شاة فأقام ثلاث سنين وهي بحالها ثم أفاد بعد ذلك مئتي شاة قضمها إليها ثم أتى في السنة الخامسة تائبًا فليؤد عن كل عام زكاة ما كان عنده من الغنم ولا يؤدي عن ما أفاد في العامين الآخرين لماضي السنين. قال ابن القاسم: وإنما قال ذلك مالك فيما رأيت لأن الذي هرب بماشيته كان ضامنًا لزكاتها ولو هلكت كلها بعد ثلاث سنين ولم يضع عنه الموت ما وجب عليه، والذي لم يهرب لو جاءه الساعي بعد هلاك ماشيته لم يكن عليه شيء فلما كان الهارب ضامنًا لما مات منها فما أفاد إليها فليس منها، ولما كان الذي لم يهرب لا يضمن ما مات منها فما ضم إليها فهو منها، وهذا أمر بين، وقد نزلت بالمدينة فاختلفنا فيها فقال مالك فيها هذا القول غير مرة وهو أحب ما فيها إلي. قال ابن المواز: وقال أشهب: أما إذا زادت في هربه فهو كمن غاب عنه الساعي ولا يكون أحسن حالاً منه، قال: وهو في نقصانها ضامن يأخذه كل سنة بزكاة ما كانت عليه فيه لأنه ضمن ذلك بهربه.
قال ابن المواز: وهو قول عبد الملك، وهو القياس، وبه أقول لأنه أفاد الزيادة إلى نصاب. ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم فيمن هرب بأربعين شاة ثلاث سنين فصارت في الرابعة ألفًا بفائدة ثم يأتيه الساعي فليأخذ منه شاة للسنة الأولى وتسع شياة لهذه السنة. قلت: فلو هرب بثلاث مئة شاة ثلاث سنين ثم جاء في الرابعة وقد هلكت إلا أربعون. قال: يأخذ تسع شياة للثلاث سنين، وشاة لهذه السنة. قلت: فلم لا تكسر التسع شياة الأربعين كما كسرت الشاة المأخوذة من الألف المئة؟ قال: لأنه إنما يبدأ أبدًا بالأولى فالأولى فهو لو أخذ في المسألة الأولى من الأربعين شاة لأول سنة بقي عنده ما لا زكاة فيه في السنتين الباقيتين فلذلك أخذ منه شاة لأول سنة وتسع شياة عن هذه الرابعة، ولو أخذ في هذه المسألة الثانية من الثلاث مئة في كل سنة ثلاث شياه لم تنقص الغنم عن ما فيه الزكاة فلذلك أخذ تسع شياه عن الثلاث سنين وشاة عن الرابعة، فهذا فرق ما بينهما.
م: وإنما كان يصح هذا الفرق لو سأله لم لم يأخذ في مسألة الأربعين في الثلاث سنين ثلاث شياة كما أخذ في مسألة الثلاث مئة تسع شياة فيكون الفرق ما ذكر، وأما فيما سأله عنه فالصواب ألا فرق بينهما لأن الشاة التي وجبت في الأربعين شاة تخلدت في الذمة كالتسع شياة في الثلاث مئة، فلما كسرت الشاة الألف فكذلك التسع شياه تكسر الأربعين أو تكون الشاة لا تكسر ما وجب عليه في الألف لأنها كانت عليه دينًا، والدين لا يسقط زكاة الماشية ويكون الأمر فيها كما قال في التسع شياه إنها لم تسقط زكاة الأربعين فيكون الحكم فيهما واحدًا وهو الصواب ألا تسقط الشاة ولا التسع شياة زكاة شيء مما وجد بيده، وبالله التوفيق. وكذلك لا تسقط الشاة المأخوذة عن الأربعين زكاة الأربعين في العام الثاني ولا في الثالث، وليأخذ عن كل سنة شاة شاة وعن الرابعة عشر شياة لا يبالي بدأ بالسنة الأولى أو بالآخرة؛ لأن ذلك متخلد في ذمته فلا يسقط زكاة ما بيده، والله عز وجل أعلم. قال ابن المواز: قال بعض المدنيين، وابن القاسم: يبدأ بالسنة الأولى ثم يزكي ما بعدها، ولا يعجبنا هذا، وإنما يبدأ عند أصبغ بالسنة الآخرة، وهو الصواب؛ لأن ما قبل ذلك قد صار دينًا واجبًا في عنقه، ولا يسقط الدين زكاة الماشية، وبقول أشهب، وعبد الملك أقول أنه يزكيها في الزيادة لما مضى. م: فعلى قول أصبغ إذا هرب بأربعين شاة ثلاث سنين فصارت في الرابعة ألفًا ثم تاب فجاءه المصدق فليأخذ لهذه السنة عشر شياه وعن الثلاث سنين ثلاث شياه. وقال عبد الملك في المجموعة يأخذ منه لهذه السنة عشر شياه، ثم إن علم أنها
في الثلاث سنين أربعين أخذه بثلاث شياه لأنه ضامن فلا ينقصها الأداء، وإن لم يكن إلا قوله أخذه بعشر شياه عشر شياه للثلاث سنين، وفي السنة الأولى بشاة. وقال سحنون في كتاب ابنه أرى أن يقبل منه ويأخذ منه شاة شاة لثلاث سنين، وفي السنة التي صارت فيها ألفًا عشر شياة. قال عيسى عن ابن القاسم في الفأر بأربعين شاة فأقام ثلاث سنين وهي بحالها فليس عليه إلا شاة واحدة، وقاله سحنون، وسواء كان له مال أو لم يكن له مال، وقال في كتاب ابنه: إن عليه لكل سنة شاة؛ لأنه كان ضامنًا لها، والدين لا يسقط زكاة الغنم.
[الباب الرابع عشر] جامع ما جاء في من تخلف عنه الساعي سنين
[الباب الرابع عشر] جامع ما جاء في من تخلف عنه الساعي سنين قال مالك في من تخلف عنه الساعي سنين ثم أتاه: فإنما ياخذ منه زكاة ما وجد بيده لماضي السنين، ما بينه وبين أن تنقص بأخذه عن عدد تجب فيه الزكاة؛ لأنها لو هلكت في غيبته لم يضمنها. قال مالك: وإن غاب عنه الساعي خمس سنين وغنمه فيها ألف شاة، ثم نقصت في غيبته ببيع أو أكل أو غيره، فوجدها حين أتى ثلاثًا وأربعين شاة، أخذ منها أربع شياة لأربع سنين ويسقط عن ربها سنة؛ لأنها صارت يأخذه أقل مما تجب فيه الزكاة، وإن وجدها قد رجعت إلى ما لا زكاة فيه فلا شيء للمصدق، وكذلك الإبل والبقر إذا رجعت إلا ما لا زكاة فيه فلا شيء للمصدق. قال مالك: وإن كانت غنمه في أول عام غاب عنه الساعي وفي الثاني والثالث والرابع أربعين شاة، ثم صارت في العام الخامس ألفًا فليزك هذه الألف للسنين الماضية كلها ولا يلتفت إلى يوم أفادها، وكذلك الإبل والبقر إذا كانت في أول سنة غاب عنها الساعي نصابًا عرف عددها في كل سنة أو لم يعرف. قال مالك: لأن الفتنة حين نزلت أقام الناس ست سنين لا سعاة لهم فلما استقام
أمر الناس بعث الولاة السعاة فأخذوا مما وجدوا في أيدي الناس لماضي السنين ولم يسألوهم عن ما كان في أيديهم قبل ذلك مما مات ولا مما أفادوه. ابن القاسم: فبهذا أخذ مالك، وهو الشأن. قال ابن المواز وابن حبيب: إذا غاب الساعي عن أربعين شاة خمس سنين ثم صارت في العام الخامس ألف شاة فإنه يأخذه لأول سنة بعشر شياه، وعن الأربعة الباقية بتسع تسع. م: وهو مذهب المدونة. وقال عبد الملك: يزكي عن الأربع سنين بشاة واحدة، وعن السنة الخامسة بتسع شياه، ولو كانت أولاً مئة زكى عن الأربع سنين بأربع شياه، وفي هذه السنة بتسع شياه وهو مصدق في ذلك كله، قال: وإنما معنى قولهم يزكي ما وجد بأيديهم عن ماضي السنين إذا لم يدعوا أنها كانت فيها دون ذلك، وهذا قول عبد الملك. م: وقال سحنون بقول ابن القاسم، وأشهب أنه يزكي الألف لأول سنة بعشر ويزكي عن الأربع سنين بتسع تسع.
قال سحنون: وإذا أتى الساعي بعد غيبة سنين فقال له رجل معه ألف شاة إنما أفدتها منذ سنة أو سنتين فهو مصدق بغير يمين ويزكيها لها. وقال أشهب عن مالك: ولو غاب أربع سنين عن أربعين شاة فلم تزد فلا يأخذ منه إلا شاة، أخذها منها أو من غيرها. قال سحنون: ولو أكل منها شاة قبل قدومه، أو باعها، أو وهبها فلا شيء عليه للسنين كلها. قال محمد: ولو أفاد إليها ثلاثا بقرب قدومه أخذ منه أربع شياة. ولو باعها بعد الفائدة قبل قدوم الساعي بأكثر من عشرين دينارًا زكى الثمن عن أربع سنين عن كل سنة ربع عشره، فإن كانت الغنم اثنين وأربعين زكى عن ثلاث سنين، وإن كانت إحدى وأربعين أدى عن سنتين هكذا ما لم ينقص الثمن عن ما فيه الزكاة. قال: ولو تخلف عن أقل من أربعين شاة فتمت في السنة الرابعة أربعين بولادتها فلا يأخذ الساعي إلا شاة، وكذلك لو تناسلت أكثر من ذلك لم يأخذه إلا بزكاة عامه
هذا، حتى لو غاب عن نصاب ثم نقصت عن النصاب ثم تمت قبل مجيئه بولادتها أو ببدل قليل بكثير فصارت ألفًا وقد غاب خمس سنين لزكاها عما يجد لكل سنة غاب فيها، والقول في ذلك قول رب الغنم بلا يمين، ولو كانت زيادتها بفائدة فلا يزكي إلا من يوم أفاد تمامها بعد نقصها عن النصاب، وقاله إصبغ. م: والفرق بين الولادة والفائدة: أن زيادتها بالولادة حولها حول الأصل وكأنه لم يزل مالكًا لها من يوم ملك الأصل، والفائدة تفترق، فإن أفادها إلى نصاب فحولها حول النصاب، عليه يبني في السنين كلها، وإن أفادها إلى أقل من نصاب فحولها حول الفائدة، عليه يبني في السنين كلها. م: والقياس ألا فرق بين غيبته عن نصاب أو أقل منه إذا كان زيادتها بولادة أو بدل، وقاله أشهب. والعلة في ذلك: أنهم جعلوا سنين تخلف الساعي كسنة واحدة، فإذا غاب عن نصاب فأكثر خمس سنين فصارت في الخمسة ألفًا بفائدة أو ولادة زكاها للسنين كلها، عن الآخرة بعشر، وعن الأربع سنين بتسع تسع. وإن غاب عن أقل من نصاب فصارت ألفًا بفائدة زكاها على حول الفائدة وإن زادت بولادة فقال مالك وابن القاسم يزكيها من يوم تمت نصابًا إلى يوم يأتيه الساعي،
وقال أشهب يزكي ما وجد بيده للسنين كلها. م: إذ لا فرق بين زيادتها بالولادة على نصاب أو أقل منه أن حول ذلك الأصل فيمن لم يتخلف عنه الساعي، فكذلك في الذي تخلف عنه الساعي إذ جعلوا سنين تخلفه كسنة واحدة في غيره، وبالله التوفيق. ابن المواز: قال أشهب: قال مالك: وإن غاب عنه وغنمه عشرون، ثم صارت في العام الثاني ثلاثين فأتى في الثالث وهي أربعون فعليه شاة واحدة. قال أشهب: والذي أرى إن كان نماؤها بولادة أو بدل حتى تمت أربعين أنه يزكي لكل سنة مضت حتى ترجع إلى مالا زكاة فيه، وإن كان نماؤها بفائدة أفادها إليها فلا زكاة فيها أصلاً. قال ابن المواز: وإن كان نماؤها بولادة فإنما فيها الزكاة لسنة واحدة، وقاله مالك، وابن القاسم، ولم يعجبنا قول أشهب، ولو كان كما قال لكان من اكتسب عشر شياه فأقامت سنين تتوالد حتى تمت أكثر من أربعين أن يزكي لكل سنة مضت من يوم أفاد الأصل، ولكان أيضًا من اكتسب أقل من عشرين دينارًا وأقام ذلك عنده عشر سنين ثم ربح فيه فتم بربحه خمسة وعشرين دينارًا أن يخرج زكاة العشر سنين كلها إذا كان ذلك في يده إلى اليوم.
م: لا يلزم أشهب ما اعتل به عليه محمد لأنه اعتل عليه بسنين من لم يتخلف عنه الساعي، وبالعين وذلك مخالف للذي تخلف عنه الساعي، وإنما يشبه سنين تخلف الساعي عنه سنة واحدة من سنين من لم يتخلف عنه، فلما كان لا فرق بين زيادة الولادة على نصاب أو أقل منه في سنة من لم يتخلف عنه الساعي فكذلك لا فرق بين زيادة الولادة على النصاب أو أقل منه في سنين تخلف الساعي. م: ووجه قول مالك: أن مالك أقل من نصاب غير مخاطب بالزكاة فتخلف الساعي عنه وغير تخلفه سواء فلذلك كان حكمه حكم من لم يتخلف عنه الساعي والله أعلم. ومن المدونة قال مالك: وإن غاب الساعي عن خمس من الإبل خمس سنين ثم أتى فليأخذ عنها خمس شياه لأن زكاة الإبل هاهنا من غيرها. قال مالك: وإن غاب الساعي عن خمس وعشرين من الإبل خمس سنين ثم أتى فليأخذ عن السنة الأولى بنت مخاض ولباقي السنين ست عشرة شاة. م: يريد وسواء أخذ بنت مخاض من غيرها أو منها فإنما عليه بنت مخاض وفي باقي السنين عن كل سنة أربع شياة. وقال عبد الملك في المجموعة: إنما هذا إذا أخذها من عددها، وإن لم تكن منها فليأخذ في العام الثاني مثل ما أخذ في العام الأول.
وقد قال أشهب وابن نافع: إذا غاب الساعي عن أربعين جفرة سنين أو كانت غنما فلم يبق إلا أربعون من غذائها فليس عليه إلا شاة وإن كانت تشترى له. سحنون: ولا حجة للساعي أنها من غيرها بخلاف الشنق من الإبل. م: وهذا وفاق المدونة. ومن المدونة قال مالك: ولو غاب عن مئة وعشرين من الإبل خمس سنين أخذ منه عشر حقاق، ولو كانت إحدى وتسعين أخذ حقتين وثمان بنات لبون. قال أبو الزناد: كان من أدركت من فقهاء المدينة وهم سعيد بن المسيب، وعروة ابن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن
زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار في مشيخة سواهم من نظرائهم أهل فضل وفقه ودين وربما اختلفوا في الشيء فيؤخذ بقول أكثرهم وأفضلهم رأيا فكانوا يقولون: لا يصدق المصدق إلا ما أتى عليه لا ينظر إلى غير ذلك. قال أبو الزناد: وهي السنة والأمر عندنا، وقاله عمر بن عبد العزيز ومن قبله من الفقهاء. وقد تقدم القول في السعاة أنهم يبعثون قبل الصيف وحين تطلع الثريا ويصير الناس بمواشيهم إلى مياههم إذ فيه رفق بالناس وبالسعاة.
[الباب الخامس عشر] في من غصبت ماشيته ثم ردت إليه بعد أعوام وأخذ المصدق فيها عينا
[الباب الخامس عشر] في من غصبت ماشيته ثم ردت إليه بعد أعوام وأخذ المصدق فيها عينًا قال ابن القاسم: ومن غصبت ماشيته فردت إليه بعد أعوام فليزكها لعام واحد. م: كما لو غصبه عينًا فردها عليه بعد سنين أنه يزكيها لعام واحد، فكذلك هذا لعلة الضمان فيهما وأنه أحق بذلك إن وجده بعينه فاستويا. وقال أيضًا ابن القاسم وأشهب إنه يزكيها لكل عام مضى إلا أن تكون السعاة قد زكتها كل عام فتجزئه لأنها لم تزل عن ملكه، كما لو غصبه نخلاً ثم ردها بعد سنين مع ثمرتها فإنه يزكي ما رد منها فكذلك هذا، وليس هذا بمنزلة العين؛ لأن العين إذا غصبه عاد ليس بمال له وصار الغاصب غارمًا له. م: يريد: فلا يزكي العين ربه إذا رجع إليه بعد سنين إلا لعام واحد، وقاله
مالك في سماع ابن وهب. قال ابن المواز: ولم يختلف أصحاب مالك في هذا وإنما اختلفوا في الماشية. م: ولم يختلفوا في الثمرة ترد إليه أنه يزكيها كل عام، ولا في الماشية إذا كانت السعاة قد زكتها كل عام أنه لا يزكيها؛ لأنها غنم قد أخذ منها الزكاة عن ربها فتجزيه. م: وقيل إن الخلاف يدخل وهو خطأ، والصواب أن الماشية كالثمرة يزكيها كل عام إلا أن يكون السعاة قد زكتها لأن رجوعها إليه بعينها كرجوع الثمرة بعينها وقد تقدم ذكر وجه القول الآخر من أنها كالعين، ولو كانت هذه الماشية تزيد وتنقص ولم يزكها السعاة فحكمه فيها كحكم من تخلف عنه الساعي لأنه غير فار، هذا على قولهم يجب عليه زكاتها كل عام، وبالله التوفيق.
وذكر ابن حبيب عن مالك في العين المغصوب يرجع إلى ربه بعد سنين أنه لا يزكيه حتى يأتنف به حولاً، كان ربه يرجوه أو يئس منه، رده الغاصب طوعًا أو بحكم، بخلاف الدين. قال: وأما ما يسقط منه فإن قوي رجاؤه فيه حتى اتصل ذلك بوجوده فليزكه لعام واحد، وإن كان على إياس منه استقبل به حولاً. وقال المغيرة، وسحنون: بل يزكيه لكل سنة كالمال المدفون يضل عنه مكانه. ابن المواز: ومن سقط له مال أو ضاع أو غصبه ثم وجده بعد أعوام فليزكه لعام واحد، وقاله مالك وأصحابه، وأما لو دفنه أو رفعه فنسي موضعه ثم وجده بعد سنين فليزكه لكل سنة، قال محمد: إلا أن يدفنه في صحراء أو في موضع لا يحاط به فليزكه لعام واحد كالمال المغصوب. وقال مالك في ملتقط اللقطة تقيم عند سنين لا يريد أكلها ولا صدقتها، أو حسبها ليتصدق بها عن ربها فلا زكاة عليه فيها، وإن حبسها ليأكلها فليزكها لحول من يوم نوى ذلك فيها إن كان له بها وفاء. ابن سحنون: وقاله المغيرة، وسحنون: إذا نوى حبسها أو أكلها فقد ضمنها ووجب عليه زكاتها لحول من يوم نوى ذلك فيها حركها أو لم يحركها. وقال ابن القاسم فيه: وفي المجموعة: إذا عرفها سنة ثم حبسها لنفسه
للحديث؛ فإن لم يحركها فلا زكاة علهي فيها وإن حركها فمن يومئذ دخلت في ضمانه ويزكي لحول من يومئذ، وأنكره سحنون. م: وإختصار ذلك كله: أنه لم يختلف في المال يدفنه بموضع يحاط به ثم يجده به أنه يزكيه لسائر السنين، وقيل في المغصوب منه يرجع إليه: أنه يزكيه لعام واحد، وقيل: يستقبل به حولاً ثم يزكيه، وقيل في اللقطة ترجع إليه: أنه يزكيها لعام واحد، وقيل: بل لكل عام، وقيل: أنه يزكيها لحول من يوم نوى ذلك فيها، وقيل: بل لحول من يوم حركها. فصل [في إخراج القيمة في الزكاة] ومن المدونة قال مالك: ومن جبره المصدق على أن أدى في صدقته دراهم رجوت أن يجزيه إذا كان فيها وفاء بقيمة ما وجب عليه وكانت عند محلها. قال سحنون: إنما أجزأ ذلك؛ لأن يحيى بن سعيد قال: من الناس من يكره اشتراء صدقة ماله، ومنهم من لا يرى به بأسًا فكيف بمن أكره. وقال مالك: ولا يشتري الرجل صدقة حائطه ولا زرعه ولا ماشيته، وقد كره ذلك عمر بن الخطاب وابن عمر وجابر بن عبد الله.
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: وإذا أخذ السعاة في صدقة الحب والماشية ثمناً طوعاً أو كرهاً أجزأ ذلك إذا كان السعاة والعمال يضعون ما يأخذون من الصدقة مواضعها، وأما الجائز يضعها غير مواضعها غير مواضعها فلا يجزي عن صاحبها أخذها منه طوعاً أو كرهاً قاطعة أو لم يقاطعه، اشتراها منه بعد وصولها إليه أو لم يشترها. قال أصبع: وقد كان قبل ذلك يقول: إذا أخذت منه كرهاً في محلها أجزأت عنه، وسمعت ابن وهب يقول: تجزيه إذا أخذت منه كرهاً، وهو رأيي إذا حلت ووجبت في المكوس والسعاة. قال أبو محمد: يعني بالمكوس من يجلس بالطريق لأخذ الزكاة. م: والصواب أن يجزيه كما لو أخذ منه الماشية بعينها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أديتها برئت منها ولك أجرها وإثمها على من بدلها"
[الباب السادس عشر] جامع ما جاء في زكاة الحبوب والثمار
[الباب السادس عشر] جامع ما جاء في زكاة الحبوب والثمار قال الله تعالى: {وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} وقامت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقدار ما فيه الزكاة من الكيل ألا صدقة في حب ولا تمر حتى يبلغ خمسة أوسق. م: وهذا حجتنا على أبي حنيفة في قوله: إن الزكاة واجبة في قليلة وكثيرة. ولأنه مال تجب في عينه الزكاة فاعتبر بالنصاب كالعين والماشية، وجعل صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء أو العيون أو البعل العشر، وفيما يسقى بالنضح
نصف العشر. وبعث صلى الله عليه وسلم معاذاً وكتب له أن خذ من الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وأمر بخرص النخل والعنب ثم بأخذ والعنب ثم بأخذ زكاتها من التمر والزبيب. وذكر في كتاب عمرو بن حزم الزكاة في السلت وفي حديث آخر الذرة، وكان العلس والدخن والأرز والقطاني حبوباً تقرب مما ذكرنا في الخلقة والاقتيات فألحقها العلماء بها في وجوب الزكاة. والترمس من القطنية.
وروي عن عمر رضي الله عنه أن في الزيتون الزكاة وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الشافعي: لا زكاة في الزيتون. ودليلنا: ما روي عن عمر، وابن عباس رضي الله عنهما، ولأنه حب يقتات زيته غالباً فأشبه السمسم؛ ولأن الزكاة في الحمص واللوبيا، والزيتون أعم نفعاً في باب الأقوات. قال بعض العلماء: ولم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الزيتون أثر، لأنه لم يكن بالمدينة زيتون وإنما هو بالشام، والشام لم يفتح في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما/ فتحها عمر فأمرهم
بأخذ الزكاة من الزيتون، وذلك بحضرة الصحابة فلم يختلف عليه منهم أحد. قال مالك: وما يجمع من الزيتون والتمر والعنب من الجبال فلا زكاة فيه وإن بلغ خرصه خمسة أوسق ولا يكون أهل قرية ذلك الجبل أحق به وهو لمن أخذه، والأرض كلها لله ولرسوله. قال ابن المواز: إلا ما كان من ذلك في أرض العدو فإن في جميع ما سميت لك الخمس إن جعل في الغنائم. ومن المدونة قال مالك: والجلجلان وماله زيت من حب الفجل- ابن المواز- أو حب القرطم مثل الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق لأن زيت ذلك كله إدام يقتات به. واختلف عن مالك في حب القرطم وبرز الكتان فقال مرة: لا زكاة في ذلك وبه أخذ سحنون وقال مرة: فيهما الزكاة وبه أخذ أصبغ وروى عنه ابن القاسم في حب القرطم: الزكاة من زيته، ولا زكاة في برز الكتان ولا في زيته.
ولم يأت أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء أخذوا من الخضر زكاة واتصل العمل بذلك فكانت الفواكه مثلها إذ ليس ذلك من أصل المعايش المقتاتة. وهذا قول مالك وأصحابه إلا ابن حبيب فقال: في الثمار التي لها أصول الزكاة، مدخرة كانت أو غير مدخرة، واحتج في ذلك بقوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} وحقه: الزكاة المفروضة، فعم الثمار كلها، وقد سمي الرمان باسمه تلخيصاً وتصريحاً، فالزكاة فيه وفي
غيره من الثمار، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مالك "ليس فيما دون خمسة أوسق من الثمار صدقة" فعم جميع الثمار، وقال: "ليس في الخضر زكاة" فدل أن الثمار بخلافها. وقال أبو حنيفة: في جميع الخضر الزكاة، والحجة عليه ما تقدم. قال ابن القصار: يرجح في التين قول مالك، قال: وإنما تكلم على بلده ولم يكن التين عندهم وإنما كان يجلب إليهم، فأما بالشام وغيره ففيه الزكاة لأنه مقتات عندهم غالباً كما يقتات السمسم والتمر بالعراق.
ومن المدونة قال مالك: فإذا بلغ كيل ما ذكرنا مما فيه الزكاة حبا خمسة أوسق كان فيما سقت السماء أو شرب سيحاً أو بعلا لا يسقى العشر وفيما سقت السواني بغرب أو دالية أو غيره نصف العشر. قال ابن حبيب: البعل: ما يشرب بعروقه من غير سقي ولا غيرها، والسيح: ما يشرب بالعيون والعثري ما تسقيه السماء، والنضج: ما يسقى بالسواني والزرانيق وبالدلو باليد. قال: والوسق: ستون صاعاً، والصاع أربعة أمداد بمد النبي صلى الله عليه وسلم فخمسة أوسق ثلاث مئة صاع وهي عشرة أرادب، قال سحنون: وهي ستة
أقفزة وربع بأفريقية. م: وهي عندنا بصقلية عشرة أمداد وسبعة أثمان غير مدين وذلك أن الصاع ثلاثة أمداد وثلث مد بمدنا فثلاث مئة صاع هي ألف مد بمدنا وذلك عشرة أمداد بالكبير وسبعة أثمان غير مدين بالصغير. م: والذي اتفق عليه أصحابنا أن تجب الزكاة من أوسط أعناب بلدنا من ثلاث مئة رطل بالكبير، وذلك أن ثلاث مئة رطل إذا زببت رجعت إلى الخمس وذلك ستون رطلاً والستون رطلا فيها ألف ومئتا رطل بالصغير، والرطل الصغير في كيله مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم فذلك ألف ومئتا مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ثلاث مئة صاع وهي خمسة أوسق. ومن المجموعة قال ابن نافع وعلي عن مالك فيمن له النخل والعنب فيسقى نصف السنة بالعين فينقطع فيسقى باقيها بالنضح والسانية فليخرج زكاة ذلك نصفه على العشر، ونصفه على نصف العشر وقاله المغيرة، وابن القاسم، وعبد الملك. وإن سقي أكثرها بأحد الصنفين كان القليل تبعاً للكثير، وقاله عبد الملك تقدم
الكثير أو تأخر. قال ابن القاسم: وجل ذلك ثلثا سقيه أو ما يقارب ذلك، فأما ما زاد على النصف باليسير فليخرج نصفين. قال عبد الوهاب: واختلف في ذلك فقيل: الأقل تبع للأكثر، وقيل: يؤخذ من كل واحد بحسابه وقيل: ينظر إلى الذي حيي به الزرع فيكون الحكم له. فوجه الأول: فلأن غالب الأصول أن الأقل تبع للأكثر، كالضأن والمعز إذا اجتمعا في الزكاة والغنم المأخوذة في صدقة الإبل فكذلك مسألتنا. ووجه الثاني: قوله: فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بالسانية نصف العشر فعم ولأنه زرع سقي سقيا له تأثير في الزكاة فكان المأخوذ منه معتبراً بسقيه. ووجه الثالث: أن الغرض بالسقي كمال الزرع وهذا لا يوجد إلا في الآخر، والأصول شاهدة كالرجل يداين قوماً في سقي زرعه، والنفقة عليه ثم يفلس أنه يبدأ بآخرهم نفقة، لأنه الذي حيي الزرع بنفقته وسقيه، فكذلك مسئلتنا، فما كمل به فالحكم له. م: وكما يبدأ من ثمن الزرع في التفليس من تم الزرع بنفقته، فكذلك هذا. قال ابن أبي زمنين: وما يسقى باليد بالدلو فهو بمنزلة ما سقي بالسواني وبالزرانيق، قال: ورأيت فيما نقله بعض شيوخنا أن ابن حبيب سئل عن الزرع يعجزه الماء فيشتري صاحبه ما يسقيه به كيف يزكيه؟ قال: يخرج عشرة، وسئل عنها عبد الملك
ابن الحسن فقال: يخرج نصف العشر. م: قال بعض فقهائنا: وهذا أعدل؛ لأن الحديث إنما فرق بين النضح وغيره لمشقة السقي، وهذا فيه المشقة بإخراج الثمن وقد يحتاج في سقي النضح بالسواني إخراج الثمن للأجراء ومن يتولى له ذلك، فلا فرق. م: وينبغي على هذا القياس في عمل الكروم ومشقتها أن يخرج فيها نصف العشر لأن ذلك أشد من السقي وأكثر تعباً ونفقة، ولو قاله قائل كان صواباً. فصل [1 - في خرص العنب والتمر] ومن المدونة: قال مالك: ولا يخرص إلا العنب والتمر للحاجة إلى أكلهما رطبين ويخرص الكرم عنبا إذا طاب وحل بيعه والنخل إذا أزهت وطابت وحل بيعها لا قبل ذلك، يقال في هذا الكرم من العنب كذا وكذا ثم يقال ما ينقص هذا العنب إذا تزبب وما يبلغ أن يكون زبيبا، فإن بلغ خمسة أوسق أخذ منه وإلا فلا، وكذلك النخل ينظر كم مكيله الرطب ثم يقال ما ينقص إذا يبس وصار تمراً فيسقط ذلك، فإن بقي بعد ذلك ما فيه الزكاة زكاه.
ابن شهاب: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله رواحة فيخرص النخل حين يطيب أوله قبل أن يؤكل شيء منه ثم يخير اليهود أيأخذونها بذلك الخرص أو يدفعونها إليه، وإنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن يؤكل الثمر و: يفرق فكانوا على ذلك. قال مالك: وإن كان رطب هذا النخل لا يكون تمراً، ولا هذا العنب زبيبا فليخرص أن لو كان ذلك فيه ممكنا، فإن صح في التقدير خمسة أوسق أخذ من ثمنه العشر إن كان مما تسقيه العيون والسماء، وإن كان يشرب بالسواني فتصف العشر، كان ثمن ذلك أقل من عشرين ديناراً أو أكثر، وكذلك النخل يكون بلحاً لا يزهي، كذلك يباع ويؤكل إذا بلغ خرصها خمسة أوسق أخذ من ثمنها لا من تمرها، وإن لم يبلغ خرص ذلك كله خمسة أوسق فلا شيء فيه وإن كثر ثمنه، وهو فائدة لا يزكيه صاحبه إلا بعد حول من يوم يقبضه.
وقال مالك في كتاب ابن سحنون في العنب الذي لا يتزبب يبلغ خرصه إن لو تزبب خمسة أوسق أنه إن وجد في البلد زبيباً فليشتره للزكاة وإن لم يبع بالبلد زبيب أخرج من ثمنه، قال ابن المواز: ليس له أن يخرج زبيباً وليخرج ثمناً، وقال ابن حبيب: يخرج من ثمنه وإن أخرج منه عنباً أجزأه، وكذلك الزيتون الذي لا زيت له أو الرطب/ الذي لا يتمر إذا أخرج من حبه أجزأه. ومن المدونة: قال مالك: ولا يخرص الزيتون أهله عليه كما يؤمنوا على الحب فإذا بلغ كيل حبه خمسة أوسق أخذ من زيته. وفي السليمانية: ولا ينظر إليه في وقت رفعه حتى يجف ويتناهى في حال جفافه فإذا كان فيه خمسة أوسق بعد التجفيف ففيه الزكاة من زيته وإلا فلا. ومن المدونة: وإن كان لا زيت له كزيتون مصر فمن ثمنه على ما فسرنا في النخيل والكرم. قال ابن القاسم: ومن باع زيتوناً له زيت، أو رطباً يكون تمراً، أو عنباً زبيباً فعليه أن يأتي بزكاة ذلك زيتاً أو تمراً أو زبيباً من عشر أو نصف عشر، قال مالك وإن لم يضبط خرصه ولا أن يتحرى له فليؤد من ثمنه، قال: وأما لا يكون زبيباً ولا تمراً ولا زيتاً فإنما عليه عشر ثمنه أو نصف عشر ثمنه إذا بلغ خمسة أوسق.
م: قال عبد الوهاب في الزيتون الذي له زيت والرطب والعنب الذي يكون تمراً أو زبيباً يباع حباً فقيل: يخرج من ثمنه وقيل: من زيت أو تمر أو زبيب مثله. قال: فمن أصحابنا من جعل الإخراج من ثمنه رواية في أخذ القيم في الزكاة، ومنه من علله بأن الإخراج من عين ذلك قد فات ببيعه، وهذا هو الصحيح. ولا يجوز إخراج القيم عندنا في الزكاة خلافاً لأبي حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم: "خذ الإبل من الإبل والبقر من البقر، والغنم من الغنم، والحب من الحب". فنصه صلى الله عليه وسلم على ما يؤخذ من كل جنس يمنع التخيير بينه وبين غيره، ولأن الزكاة حق يخرج على وجه الطهرة كالرقبة في الكفارة، وهو لو تصدق بقيمة العبد لم يجزئه، فكذلك الزكاة، ولأنه لو أخرج في زكاة الفطر نصف صاع من غير قوت بلده قيمته قيمة صاع من قوت بلده لم يجزئه؛ لأنه أخرج زكاته بقيمة، وفي ذلك أيضاً معنى شراء الصدقة. ومن المجموعة وكتاب ابن سحنون قال علي وابن نافع عن مالك: لا يبعث في الخرص إلا أهل المعرفة والأمانة. قال عنه ابن نافع: ويخرص الحائط نخلة نخلة حتى يفرغ منه ثم يجمع ذلك.
ومن المدونة: قال مالك: ولا يترك الخراص لأصحاب الثمار شيئاً لمكان الأكل والفساد وإن لم يكن في الخرص إلا خمسة أوسق أخذ من الخمسة ولم يترك له شيء. وقال ابن حبيب: وليخفف الخارص ويوسع على أهل الحوائط لما ينتفعون وينالون من رؤس النخل، وهذا خلاف قول مالك. ابن المواز: قال مالك: ويحسب على الرجل كل ماجذ أو علف أو تصدق به أو وهبه من زرعه بعد ما أفرك إلا الشيء التافه، ولا يحسب ما كان من لك قبل أن يفرك. قال ابن القاسم: وأما ما أكلت الدواب بأفواهها عند الدارس فلا يحسب، ويحسب ما علفهم منه. قال في العتبية عن مالك: ولا يحسب عليه ما أكل بلحاً، وليس هو مثل الفريك يأكله من زرعه ولا الفول والحمص يأكله أخضر، هذا يتحراه فإن بلغ خرصه على التيبيس خمسة أوسق زكى وأخرج عنه حباً يابساً من ذلك الصنف، قال في كتاب ابن المواز: وإن شاء أخرج من ثمنه.
وقال أشهب: من استأجر على خرط زيتونه على الثلث فعليه زكاة ذلك الثلث. ومن المجموعة، وكتاب ابن سحنون قال مالك: وإذا خرص خارص مئة وسق، وخرص آخر تسعين، وآخر ثمانين، أخذ من قول كل واحد ثلثه. ومن المدونة: قال: ومن خرص عليه أربعة أوسق فرفع خمسة أحببت له أن يزكي لقلة إصابة الخراص اليوم. م: قال بعض شيوخنا القرويين: ولفظة: أحببت ها هنا على الإيجاب وإن كان موضوعها الاستحباب فربما وردت على الإيجاب. م: وهو صواب. وقد قال مالك في المجموعة، وكتاب ابن سحنون: يؤدي عن كل ما زاد على ما خرص عليه. قال في كتاب ابن المواز: إن كان الخارص من أهل الأمانة والبصر لم يكن على صاحب الثمرة إلا ما خرص عليه ولكن الخراص اليوم لا يبصرون فأرى أن يؤدي زكاة ما وجد إذا خرص عليه أربعة فأصاب خمسة، وفي كتاب ابن سحنون: وروى ابن نافع
وعلي عن مالك أنه إن خرص عالم فلا شيء عليه فيما زاد وإن خرصه جاهل فليزك الزيادة، وقال ابن نافع: يزكي الزيادة خرصه عالم/ أو غير عالم. م: وهو القياس كالحاكم يحكم بحكم ثم يظهر أنه خطأ صراح لم يختلف فيه. فصل [2 - في الحائط يكون فيه من أعلى التمر أو أدناه، كيف يؤخذ منه] ومن المدونة قال مالك، وإذا كان الحائط صنفاً واحداً من أعلى التمر أو أدناه أخذ منه، وإن كان أجناساً أخذ من أوسطها جنساً، ابن وهب: وقال أبو أمامة بن سهل: في قوله تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} قال هو الجعرور ولون حبيق فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ في الصدقة. وكتب عمر بن عبد العزيز بأن يؤخذ البرني من البرني واللون من اللون
ولا يؤخذ البرني من اللون وأن يرخذ من الجرون ولا يضمنونها الناس. يعني بالجرن أنادر التمر. وقال ابن نافع عن مالك في المجموعة: إذا كان الحائط رديئاً كله أو جيداً كله فليبتع له رب الحائط وسطاً من التمر، وقاله عبد الملك، قال ابن نافع: رآه بمنزلة الغنم، وليس كذلك. وقال عنه ابن القاسم، وأشهب: بل يؤدي منه، وقال به ابن نافع. قال عنه أشهب: وإن كان في الحائط رديء وجيد أخذ من كل صنف بقدره، وكذلك إن كان أحدهما أكثر، وهو كاجتماع الشعير والقمح، وقاله أشهب، وقال عنه ابن القاسم في أصناف من التمر يؤدي من وسطه، وقال به، وقد روى القولين عن مالك ابن القاسم وأشهب، وابن نافع، وقال مالك: العجوة من وسطه.
م: فصار في الحائط إذا كان فيه من أعلى التمر أو أدناه قولان: أحدهما: أن يؤخذ منه بعينه، والثاني: أن عليه أن يأتي بالوسط، فوجه هذا قياساً على الماشية، ووجه الأول: أن الأصل كان أن يؤخذ زكاة كل شيء من عينه لقوله صلى الله عليه وسلم: "صدقة كل مال منه" فخصت السنة في الماشية أن يؤخذ من الوسط وبقي ما سواه على أصله. وإن كان في الحائط أجناساً فقولان أيضاً: أحدهما: أن يؤخذ من أوسطها جنساً، والآخر: من كل جنس بقدره. فوجه الأول: قياساً على الماشية، ووجه الثاني: قياساً على الأصل. فصل [3 - في وقت وجوب الزكاة في الحب والثمار] ومن المدونة: قال مالك: ومن مات وقد أزهى حائطه، وطاب كرمه، وأفرك زرعه واستغنى عن الماء وقد خرص عليه شيء أو لم يخرص فزكاة ذلك على الميت إن بلغ ما فيه الزكاة أوصى بها أم لا بلغت حصة كل وارث ما فيه الزكاة أم لا، وأما إن مات قبل الأزهاء والطيب فلا شيء عليه، والزكاة على من بلغت حصته من الورثة ما فيه الزكاة دون من لم تبلغ حصته ذلك. فصل [4 - في المال يكون بين شركاء، كيف يزكى؟] قال مالك: والشركاء في النخل والزرع والكرم والزيتون والذهب والورق والماشية لا يؤخذ من ذلك الزكاة حتى يكون لكل واحد منهم ما تجب فيه الزكاة، وليس على من لم تبلغ حصته من ذلك مقدار الزكاة زكاة. فصل [5 - في أخذ الزكاة عن الحوائط المحبسة في سبيل الله] قال مالك: وتؤدى الزكاة عن الحوائط المحبسة في سبيل الله أو على قوم
بأعيانهم أو بغير أعيانهم، وقد حبس الصحابة بالمدينة حوائط فلم تزل الزكاة تؤخذ منها. قال ابن المواز: إن بلغ حظ كل واحد من المعينين ما فيه الزكاة، ولا زكاة على من يبلغ حظه ذلك وإن كان في جملة الحائط ما فيه الزكاة. وقال سحنون: المعينون وغيرهم سواء إذا خرج من الجميع خمسة أوسق ففيه الزكاة. وقال عبد الملك: إذا حبست على من تحلُّ له الزكاة فلا زكاة فيها، وإن كان على غيرهم زكيت. م: فوجه قول سحنون وهو ظاهر «المدونة» أن المحبس عليهم إنما يملكون الحوائط ملك انتفاع لا ملك ابتياع ولا ميراث ولا يتصرفون فيها تصرف المالك فكأنها مبقاة على ملك المحبس وأجرها جار على عليه فكان الاعتبار في الزكاة بملكه لا بملكهم. ووجه قول ابن المواز: أن الزكاة إنما هي في الثمرة لا في الحوائط فمن وجبت له الثمرة فعليه الزكاة كما لو أوصى لرجل بثمرة حائطه سنين والثلث يحمله لكان عليه الزكاة فكذلك هذا. ووجه قول ابن الماجشون إذا حبست على من يأخذ الزكاة/ فلا زكاة فيها فلأنها
إذا كانت تعود إليهم فلا فائدة في أخذها منهم، وبالله التوفيق. ومن المدونة قال مالك: ومن جعل إبلاً له في سبيل الله يحبس رقابها ويحمل على نسلها أو أوقف مئة دينار يسلفها الناس ففي ذلك الزكاة، وإن أوقف الدنانير أو الماشية لتفرق في سبيل الله أو على المساكين أو لتباع الماشية ويفرق الثمن فيدركها الحول قبل أن يفرق فلا يؤخذ منها زكاة لأنها تفرق ولا تترك مسبلة. م: لأنها على غير ملك مالك فتزكي عنها. قال ابن المواز: وما كان يفرق أصلها من العين خاصة فإنه لا يزكي كان على معينين أو مجهولين. وأما الأنعام يفرق أصلها أو ثمنها فلم يفرق حتى جاء الحول فقال ابن القاسم مرة: هل مثل الدنانير، ولا أعلم أن مالكًا قاله، وقال ابن القاسم أيضًا ورواه عن مالك وقاله أشهب: إن كنت تفرق على مجهولين فلا زكاة فيها وإن كانت على معينين فالزكاة على من بلغت حصته ما فيه الزكاة. قال محمد: وهذا أحب إلينا بخلاف الدنانير، لأن من أوصي له بمال لا يزكيه حتى يقبضه، وأما الغنم فإنها تزكي وإن لم تقبض.
قال: وإن كانت الأمهات موقوفة ويفرق نسلها أو أصول نخل ويفرق ثمرها فقال ابن القاسم إن كانت على معينين فلا زكاة من ليس في حصته ما فيه الزكاة من ثمرة أو نسل، وإن كانت على مجهولين ففي جملة الثمرة وفي الأولاد الزكاة إذا تم للأولاد حول من وقت الولادة في الوجهين جميعًا. وقال سحنون إذا كان في جملة الثمرة خمسة أوسق ففيها الزكاة كانت على معينين أو مجهولين، وكذلك في نسل الأنعام إذا كان في جملة الأولاد نصاب ففيها الزكاة كانت على معينين أو مجهولين. م: ولا خلاف أن في الأمهات الزكاة لأنها موقوفة لما جعلها له. قال ابن القاسم: أو وقفت الأنعام ليكون غلتها من لبن وصوف ونحوه يفرق على معينين أو غير معينين فالزكاة في الأمهات والأولاد جميعًا وحولها واحد لأن ذلك كله موقوف. فصل [6 - كل نوع من أنواع المال يجمع إلى نوعة في الزكاة] ومن المدونة قال مالك: ويجمع التمر كله بعض إلى بعض في الزكاة، وكذلك العنب يجمع بعضه إلى بعض في الزكاة، قال مالك: وإن كانت كرومة مفترقة في بلدان شتي جمع بعضها إلى بعض، وكذلك بجمع الماشية والحب.
فصل [7 - ما اتفق في الزرع والنبات والحصاد من الجنس الواحد أضيف بعضه إلى بعض وكمل منه النصاب]. م: قال مالك: وإذا كانت الأرض تزرع مرتين في السنة فليؤدي في كل مرة ولا يجمع عليه ما حصد في المرتين، وإنما ينظر إلى كل حصاد، وكذلك في المختصر، قال ابن سحنون عن أبيه: أما إن كان يحصد في كل مرة خمسة أوسق فليزك، وإن كان لم يصب إلى أقل من خمسة أوسق في كل مرة فإن ما زرع في الصيف في أوله يضم إلى ما وزع في آخره ويجعل كالبكري والمتأخر، وكذلك يضم ما زرع في أول الشتاء إلى آخره ولا يضم زريعة الصيف إلى زريعة الشتاء. فصل [8 - إذا استقر وجوب الزكاة في الحبوب والثمار ثم ضاع المال قبل إخراج زكاته، فهل يضمن زكاته؟]. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حصد زرعه وجذ تمره وفيه ما تجب فيه الزكاة فلم يدخله بيته حتى ضاع القمح من الأندر، والتمر من الجرين فلا يضمن زكاته، وكذلك لو عزل عشر ذلك في أندره أو جرينه ليفرقه فضاع بغير تفريط فلا شيء عليه، وقد قال مالك فيمن أخرج زكاته ليفرقها عند محلها فضاعت من غير تفريط فلا شيء عليه فكذلك هذا.
محمد: قال أشهب: هذا إذا كان هو الذي يلي تفرقة زكاته وإن لم يلها فعليه زكاة ما بقي فقط للمصدق. ومن المدونة قال مالك: وإن أدخل ذلك في بيته قبل قدوم المصدق فضاع ضمن زكاته وكذلك لو عزل عشرة في بيته حتى يأتيه المصدق فضاع ضمنه؛ لأنه قد أدخله بيته، قال ابن القاسم: والذي أري أنه إذا أخرجه وأشهد عليه فتأخر عنه المصدق لم يلزمه ضمانه. م: يريد: إذا عزله في بيته وأشهد عليه لم يضمن عند ابن القاسم، ويضمن عند مالك. قال ابن القاسم: وقد بلغني عن مالك أنه قال في ذلك إذا لم يفرط في الحبوب لم يضمن. قال سحنون: وقد قاله المخزومي: إذا عزله وحبسه للمصدق فتلف بغير سببه فلا شيء عليه إذا ليس عليه أكثر مما صنع وليس إليه دفعه.
وقال عنه في غير المدونة إذا عزل عشرة ثم استقرضه أو أكله أوباعه فقد ضمنه فإن فلس لم يحاص به السلطان غرماءه لأنه لو مات لم يلزم ورثته إخراجها إلا بوصية/ فتكون في ثلثه. وقال أشهب: إذا كان هو يلي إخراج زكاة زرعة فعزل عشرة ليفرقه فلم يفرط في تفرقته حتى ضاع فلا شيء عليهولا فيما بقي، وإن فرط ضمن، وإذا لم يكن يلي إنفاذ ذلك وإنما يأخذه المصدق لم يجزئه إن تلف ما عزله، وعليه زكاة ما بقي، وبهذا أخذ ابن المواز، قال: ولو أدخله بيته بعد انتظار منه للمساكين فطال ذلك وخاف ضياعه فلا ضمان عليه بعد ذلك. وقد تقدم في أول كتاب الزكاة الأول كثير من معاني هذا الفضل. فصل [9 - في اجتماع العشر والخراج] وفي المدونة قال مالك: ومن اكتري أرض خراج أو غيرها فزرعها فزكاة ما أ×رجت الأرض على المكتري، ولا يضع الخراج الذي على الأرض زكاة ما خرج منها عن الزراع كانت الأرض له أو لغيره وقاله عمر بن عبد العزيز وغيره. قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: إن العشر والخراج لا يجتمعان.
ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: " فيما سقت السماء العشر" فعم، واعتباراً بأرض الصلح المكتراة؛ لأن الخراج كراء، والعشر زكاة فلم يمنعها الخراج، كمن اكتري أرضًا فزرعها. وقال أبو حنيفة: فيمن اكتري أرضًا فزرعها أن الزكاة على رب الأرض. ودليلنا قوله تعالي: [وآتوا حقه يوم حصاده] وربها غير زارع ولا حاصد، وإنما المخاطب الزارع لأنه هو الحاصل والمالك لذلك الحب دون غيره. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أخرجت أرضه طعامًا كثيرًا تجب فيه الزكاة فباعه ثم أتي المصدق فليأخذ من البائع العشر أو نصف العشر طعامًا ولا شيء له على المبتاع، فإن أعدم البائع ووجد الساعي الطعام بعينه عند المبتاع أخذ منه المصدق ورجع المبتاع على البائع بقدر ذلك من الثمن لأنه باع منه طعامًا معينًا فاستحق بعضه، وقال غيره: لا شيء على المبتاع لأن البائع كان له البيع جائزًا، قال سحنون: وقاله أشهب، وهو عندي أعدل.
م: فوجه قول ابن القاسم أن البائع باع حقه وحق المساكين فنفذ بيعه في حق نفسه وبطل في حق غيره، وأما في يسره فتؤخذ الزكاة منه لتعلق الزكاة بذمته، ولا ضرر على المساكين في مطالبته، والقياس: قول أشهب؛ لأنه لما كان له أن يعطي الزكاة عنه من غيره لم يكن حق المساكين ثابتًا في عينه فلما لم يتعين حق المساكين فيه كان البيع جائزًا فإذا باعه فقد تعلق الوجوب بذمته فلا يزيله عدمه. ومن المدونة: قال مالك: ومن باع أرضه بزرعها وقد طاب فزكاته على البائع. قال في المستخرجة: ولا بأس أن يأمن المبتاع عليه فإذا فرغ منه وكاله أخبره بما وجد فيه فأخرج زكاته، قال ابن القاسم وإن باعه من نصراني فأحب إلى أن يتحفظ من ذلك حتى يعلم ما يخرج منه. ومن المدونة: قال مالك: وإن كان الزرع حين البيع أخرض فاشترطه المبتاع فزكاته
على المبتاع، قال في المستخرجة: فإن اشترط زكاته على البائع لم يجز. م: لأنه غرر إذا لا يعلم مقداره. قال عنه يحيي بن يحيي: ولو باع ثمرة نخل قد أزهت وفيها خمسة أوسق فوجبت زكاتها على البائع فأصابتها جائحة أنقصتها من خمسة أوسق، قال: إن بلغت الجائحة الثلث حتى يرجع على البائع من أجلها فلا زكاة عليه وإن لم تبلغ الجائحة الثلث لم يرجع على البائع بشيء وكانت عليه الزكاة كما هي لأنه باع ما تجب عليه فيه الزكاة ولم يرجع عليه بشيء.
ومن المدونة قال: ومن منح أرضه ذميًا أو عبدًا أو إكراهًا منه فلا زكاة على رب الأرض لأنه غير زارع ولا على من زرعها من عبد أو ذمي إذ لا زكاة في أموالهم وزروعهم. قال مالك: وأما الصبي يمنح أرضًا أو يزرع أرضه بنفسه فعليه العشر؛ لأن الصغير في ماله الزكاة. فصل [10 - فيمن مات وقد أوصي بزكاة زرعة الأخضر أو بثمر حائظه قبل طيبة] قال مالك: ومن مات وقد أوصي بزكاة زرعه الأخضر أو بثمر حائطة قبل طيبة فهي وصية من الثلث غير مبدأة إذا لم تلزمه، ولا تسقط هذه الوصية عن الورثة زكاة ما بقي لهم لأنه كرجل استثني عشر زرعة لنفسه وما بقي فللورثة فإن كان/ في حظ كل وارث وحده ما تجب فيه الزكاة عليه وإلا فلا، قال: وإن كان في العشر الذي أوصي به للماسكين خمسة أوسق فأكثر زكاة المصدق وإن لم يقع لكل مسكين إلا مد إذ ليسوا بأعيانهم وهم كمالك واحد ولا يرجع المساكين على الورثة بشيء مما أخذ منهم المصدق وإن حمل ذلك الثلث لأنه كشيء بعينه أوصي لهم به فاستحق أو بعضه. وقال ابن الماجشون: لا يؤخذ منهم شيء لأنها إلى المساكين ترجع.
ومن المدونة قال مالك: وكذلك لو أوصي بثمرة حائطه أو بزرعه كله قبل طيبة للمساكين، أو قال ثمرة حائطي سنتين أو ثلاثة للمساكين لم يسقط عنهم زكاة ذلك وإن لم يصر لكل مسكين إلا مد لأنهم ليسوا بأعيانهم فهو بخلاف الورثة. وإما أن أوصي بزكاة زرعه قبل طيبه لرجل بعينه كان كأحد الورثة، وعليه النفقة معهم لأنه استحقه يوم مات الميت، والزرع أخضر، والمساكين لا يستحقون ذلك إلا بعد بلوغه وسقيه وعمله والنفقة عليه من مال الميت حتى يقبضوه. قال ابن حبيب: جميع ما يحتاج إليه نصيب المساكين من سقي وحصاد وغيره في جملة مال الميت، وحكاه عن ابن القاسم وأشهب. م: وحكي عن أبي محمد أنه قال: نفقة العشر الموصي به للمساكين من ثلث الموصي فإن ناف ذلك الزرع بنفقته على الثلث أخرج منه محمل الثلث فإن لم يكن للميت مال غير الزرع قيل للورثة: أنفقوا عليه وتقاصوهم بنفقتكم في ثلث الزرع الموصي بعشرة لهم فإن بقي في ثلثه بعد إخراج فقتكم منه أكثر من عشر جميعه كان لهم العشر، وما بقي فلكم، وإن بقي العشر فأقل لم يكن لهم غيره لأنه باقي ثلث مال الميت بعد خراج نفقتكم فإن أبي الورثة أن ينفقوا أو لم يكن لهم مال دفعوه
مساقاة وكان كالموصي لهم بعشر الجميع يأخذونه من حصة الورثة التي وقعت لهم في المساقاة إلا أن يكون عشر الجميع أكثر من ثلث ما وقع في حصتهم من المساقاة فلا يزاد الموصي لهم على ثلث ذلك، وذلك أن الزرع إذا كان يخرج عشرة أوسق فقد حصل للموصي لهم بعشرة: وسق، فهم أبدًا يأخذونه مما رجع إلى الورثة بعد المساقاة ما لم يكن عشر جميع الزرع أكثر من ثلث ما يحصل للورثة في المساقاة فلا يزاد الموصي لهم على ثلث ذلك إذا كأنه جميع ما خلفه الميت. وقال أشهب: إذا أوصي بزكاة زرعه الأخضر فقال: تؤدي زكاته عني فوصيته باطلة في حصة من تبلغ حصته ما تجب فيه الزكاة من الورثة؛ لأنها وصية لوارث، ومن لم تبلغ حصته ما تجب فيه الزكاة لم يؤخذ منه شيء ويؤدي ذلك من مال الميت يريد: من ثلثه، وإن كانوا لا تجب في حصة أحد منهم الزكاة أدي ذلك منه إذا بلغ خمسة أوسق يريد: من ثلثه غير مبدأ، وإن كان نصيب كل واحد ما فيه الزكاة فالوصية باطل، والزكاة عليهم. م: معني قول أشهب: كأن الميت أراد أن يدفع الزكاة عن من تجب الزكاة في حصته من الورثة فيؤدي ذلك عنه من ثلثه، فلو فعل ذلك كانت وصية لوارث إذ قد أدي عنه ما يلزمه من الزكاة وأبقي حصته يوفرها فردت وصيته لهذه العلة وألزم الوارث
ما يلزمه من الزكاة، وأما من لا يلزمه في حصته فلم يدفع عنه الميت شيئًا ولم يوص له بشيء فأنفذت وصيته وكانت من الثلث غير مبدأة إذا لم تلزمه بعد. فصل [11 - يما يضم بعضه إلى بعض من الحبوب] ومن المدونة قال مالك: والقمح والشعير والسلت كصنف واحد يضم بعضه إلى بعض في الزكاة ولا يضم معها غيرها فمن رفع من جميعها خمسة أوسق فليزك ويخرج من كل صنف بقدره. م: إنما قال يضم ذلك لتقاربه في الخلقة والانتفاع كالضأن والمعز والجواميس والبقر والإبل والبخت وأخذ من هذا من كل صنف بقدره لأنه ينقسم وفيه فيه رأس واحدة من الماشية أخذه من أكثرها لأنها لا تنقسم، وإن استويا خير الساعي. ومن العتيبة قال ابن وهب وأصبغ في الأشقالية وهي حبة مستطيلة مصوفة هي أقرب خلقه إلى الست والقمح من الشعير وليست من القمح والشعير/ وهي صنف منفرد. وقال ابن كنانة: هو صنف من الحنطة يقال له العلس يكون باليمين يجمع من الحنطة. م: وهو أصوب.
قال ابن حبيب: وهو قول مالك فيه وجميع أصحابه إلا ابن القاسم فإنه قال: إنه صنف منفرد لا يضم إلا القمح والشعير والسلت، وقال ابن كنانة: هو صنف من الحنطة يجمع إليها، وهو الصواب. ومن المدنة: قال مالك: وأما الدخن والأرز والذرة فأصناف لا يضم بعضها إلى بعض ولا تضم إلى غيرها ولا يزكي حتى يرفع من كل صنف منها خمسة أوسق. قال: والقطاني كلها الفول والعدس والحمص والجلبان واللوبيا وما ثبتت معرفته عند الناس أنه من القطاني فإنه يضم بعضه إلى بعض من الزكاة فمن رفع من جميعها خمسة أوسق أخرج من كل صنف بقدره. محمد: فإن قيل كيف تجمع القطنية في الزكاة وهي يجوز الواحد منها بالاثنين من غيره؟ قيل: فالذهب والورق يجمعها في الزكاة وقد يؤخذ بالدينار أضعافه من الدراهم.
م: والترمس والبسيلة من القطنية. قال أشهب عن مالك في العتيبة في الكرسنة أنها من القطنية، وقال ابن حبيب: بل هي صنف على حدته. قال مالك: وليس في الحلبة زكاة. وقد تقدم أن في حب الفجل الزكاة إذا بلغ كيل حبة خمسة أوسق أخذ من زيته، وكذلك الجلجلان إذا كان يعصر أخذ من زيته إذا بلغ كيل حبة خمسة أوسق، قال: وإن كان قوم لا يعصرون الجلجلان وإنما يبعونه حبًا ليزيت للأدهان فأرجو إذا أخذ من حبه أن يكون خفيفًا، وقال مالك في المختصر: ويجزي من ثمنه، وقد تقدم اختلاف قول مالك في حب القرطم وبزر الكتان هل فيه زكاة أم لا. فصل [13 - فيمن زرع جنسًا واحدًا زراعة بعد زراعة] وإذا زرع جنسًا واحدًا زراعة بعد زراعة فإن كان حصاده الأول بعد زراعة الثاني أو كانت زراعة الثاني بعد حصاد الأول لم يضم بعضه إلى بعض فإن كان في كل واحد منهما بانفراده دون خمسة أوسق لم تجب فيهما زكاة وإن زرع ثالثًا بعد حصاده الأول وقبل حصاد الثاني لم يضم الأول إلى الثالث وضم الأوسط إلى الأول والثالث فإن كان في الأول وسقان والثالث كذلك والأوسط ثلاثة أوسق زكي عن الجميع لأنك إن
أضفت الأوسط إلى الأول كانا خمسة أوسق وإن أضفته إلى الآخر كانا خمسة أوسق أيضًا، وهذا قول ابن مسلمة وإن كان الأوسط، وسقا أو سقين لم يجب في شيء من ذلك زكاة وإن كان الأوسط وسقين والآخر وسقين والأول ثلاثة زكي الأول والأوسط دون الآخر، وإن كان الأول وسقين والأوسط وسقين والآخر ثلاثة زكي الأوسط والآخر دون الأول، وإذا كانت زراعة الثاني عندما قرب حصاد الأول لما يضافا؛ لأن الأول في معني المحصود وإن يبس ولم يبق إلا حصاده كان أبين.
[الباب السابع عشر] جامع القول في زكاة الفطر
[الباب السابع عشر] جامع القول في زكاة الفطر [فصل 1 - في حكمها] وزكاة الفطر واجبة، واختلف هل هي فرض أو سنة فقيل فيقول الله تعالي: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (14) وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) أنه في إخراج زكاة الفطر ثم الغدو إلى المصلي بعده، وقيل: إنها داخلة في قول الله تعالي: (وآتُوا الزَّكَاةَ)، وقاله مالك، وروي عنه أيضًا وعن أكثر أصحابه غير ذلك أنها مما سن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفرض على ما جاء في الحديث " أن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فرضها على الناس صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير. م: معني قوله: "فرضها" أي قدرها، قال الله تعالي (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) أي: قدَّرها.
[فصل 3 - في قدر المخرج] وفي حديث أبي سعيد الخدري: "كنا نخرج زكاة الفطر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعًا من أقط أو صاعًا من زبيب"، فقيل: إن الطعام المذكور عني به
البر، قال ابن المواز: وكان الصحابة يسمون القمح الطعام، ألا تري إلى قول سعد أبن أبي وقاص لوكيله حين فني علف دابته: خذ من طعام أهلك فابتع به شعيرًا، ولا تأخذ إلا مثله، يريد: مثلاً بمثل، فهذا يدلك أن الطعام المذكور وإنما عني به القمح. قيل: فما روي ابن وهب أن في كتاب عمرو بن حزم أن تؤدي زكاة الفطر مدين من حنطة، أو صاعًا من تمر، وذكر أشهب أن عمر بن الخطاب كتب إلى الأجناد: " أدوا صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو مدين من حنطة"، قال: وسئل مالك عن ذلك فأنكر ما روي من
الحديث في نصف صاع ولم يصح عنده، قال: ويدل أن ذلك لا يجزي على القيمة أن ما ذكر في الحديث الصحيح بعضه أعلى قيمة من بعض، والكيل متفق، والحنطة أفضل ذلك، فلا ينبغي أن ينقص مخرج البر من صاع لارتفاع قيمته، أو لا تري أن ذلك متساوي في جميع الكفارات، فكذلك هذا. وذهب أبو حنيفة أن زكاة الفطر غير واجبة وتؤدي نصف صاع من بر، وصاعًا
مما عداه، وكذلك ذهب ابن حبيب إلى أن تؤدي من البر مدين لهذه الأحاديث كقول أهل العراق والحجة عليهم ما ذكرنا. فصل: [3] وجعلها الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الحر والعبد والصغير والكبير من حاضر وباد وغيره من المسلمين. [فصل 4 - في وجوبها على الفقراء] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ويؤدي زكاة الفطر من يحل له أخذها، قال أبو محمد: واختلف قول مالك فيه. قال ابن حبيب: وإن أعطي منها قدر قوته يوم الفطر فليس عليه أن يخرجه، وإن كان فيه فضل عن قوت يومه ذلك فليخرج من ذلك الفضل، وإن لم يدخل عليه شيء إلا في غد يوم الفطر فلا شيء عليه، لأن يوم الفطر قد زال، وليس من أهلها.
وقال ابن وهب عن مالك في المجموعة: إن كان له قوت شهر أو خمسة عشر يومًا فهي عليه. ومن المدونة قال مالك: ويؤديها المحتاج إن وجدها، فإن لم يجد ووجد من يسلفه فليستلف ويؤدي، قال ابن القاسم: فإن لم يجد من يسلفه ولم يكن عنده شيء حتى مضي لذلك أعوم ثم أيسر لم يلزمه قضاؤها لماضي السنين. وقال ابن المواز: ليس عليه أن يتسلف. قال مالك: وإن أخرها الواجد سنين فعليه قضاؤها لماضي السنين. م: وسئل أبو عمران: ما الفرق بين تأخير زكاة الفطر وتأخير الأضحية حتى ذهبت أيامها، وذلك كله حق في المال؟ فقال: الأجماع أن لا يضحي بعد انقضاء أيام النحر، والقرب إنما تكون حسب ما رتبته الشريعة، وأما زكاة الفطر فإنها تجب بحلول يوم الفطر أو ليلته، كوجوب زكاة الأموال بحلول الحول، فإن أخرها ضمنها؛ لأن الصدقة تنفع المساكين متى تصدق بها عليهم. م ولقوله عز وجل: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) فخض الأيام المعلومات بها فلا ذبح في غيرها، ولا حق فيها
للمساكين فيصل إليهم نفعها متى أخرجت، وزكاة الفطر مخصوص بها المساكين كزكاة الأموال، فمتي أخرجت إليهم نفعتهم، وقد اختلف قول مالك هل هي داخلة في قوله تعالي: (وَآتَوُا الزَّكَاةَ) فقياسها على زكاة الأموال أولى. [فصل 5 - في وقت إخراجها] قال ابن القاسم: واستحب مالك أن تؤدي زكاة الفطر بعد الفجر من يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلي. م: لقوله الله تعالي: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى). يريد به: من أخرج زكاة الفطر ثم غدي ذاكرًا لله إلى المصلي فصلي. قال ابن المواز: وروي أشهب أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أمر بأدائها قبل الغدو إلى المصلي، وقال عليه الصلاة والسلام: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم"، وذلك ليأكل منها
الفقراء قبل غدوهم، كما استحب للإنسان أن يأكل قبل غدوه. ومن المدونة قال مالك: وإن أداها بعد الصلاة فواسع. م: لأنه يغنيهم عن الطلب في ذلك اليوم. قال ابن القاسم: فإن أداها قبل الفطر بيوم أو يومين فلا بأس به، وكان ابن عمر يبعث بها إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين وثلاثة. وقال سحنون: إن أخرجها قبل الفطر بيومين لم تجزه، وإنما كان ابن عمر يبعث، بها قبل ذلك بيومين يدفعها لمن يلي الصدقة فيخرجها يوم الفطر. م: ويحتمل أن يكون ابن القاسم إنما أراد بإخراجها قبل الفطر بيومين أي: يدفعها لمن يلي الصدقة كفعل ابن عمر، ومن حمل قوله على ظاهره لزمه أن يقول: يجزئه إخراجها من أول الشهر، وذلك لا يجوز، لأنه أخرجها قبل وجوبها.
[فصل -6 المسافر يخرج صدقة الفطر عن نفسه حيث كان] ومن المدونة قال مالك ويؤديها المسافر حيث هو، وإن أداها عنه أهله ببلده أجزأه. [فصل 7 - زكاة الفكر تلزم الرجل عن نفسه وعمن تلزمه نفقته من المسلمين] قال مالك: ويؤديها الرجل عن كل من يحكم عليه بنفقته من الأحرار والعبيد من المسلمين خلافًا لداود في قوله: لا تلزمه إلا عن نفسه. ودليلنا قوله صلي الله عليه وسلم "أدوا زكاة الفطر عمن تمونون".
ومن المدونة قال مالك: إلا المكاتب فإن نفقته، على نفسه، وعلى السيد زكاة الفطر عنه. قال ابن المواز: لأن المكاتب عبد له خارجه بشيء معلوم جعله عليه، وعلى أن عليه نفقة نفسه، وكان ذلك كله مالاً لسيدة قبل أن يشترطه. م: يريد: فسيده المنفق عليه إذا شرط عليه أن ينفق من مال هو له، إذا العبد وماله لسيده، وكما لو خارج عبداً له بشيء يؤديه كل شهر أو كل سنة، وعلى أن علي العبد نفقة نفسه، فإن السيد يؤدي عنه زكاة الفطر. قال ابن حبيب: ولم يختلف/ في ذلك عنه أهل المدينة. م: وقال أهل العراق: يؤديها المكاتب عن نفسه كالنفقة، وقال عبد الوهاب: وفي المكاتب روايتان: فإذا قلنا إنها تلزم السيد فللرق، وإذا قلنا لا تلزمه فلأنها تابعة
للنفقة، وإشارته إلى الروايتين لأصحابنا. [فصل 8 - في زكاة الفطر عن العبد المعتقد بعضه] ومن المدونة قال مالك: ومن له نصف عبد وباقية حر فليؤد الذي له نصفه نصف صدقة الفطر عن نصفه، وليس على العبد أن يؤدي النصف الآخر عما عتق منه؛ لأنه لا زكاة عليه في ماله. قال ابن المواز: وقاله أشهب، قال: وهو القياس، وأما الاستحسان وهو أحب إلي أن يؤدي السيد عن جميعه صدقة الفطر تامة. وقال عبد الملك: على السيد جميع ذلك، وكذلك في كتاب ابن سحنون، ورواه عن مالك، قال: لأنه وارثه وهو حابسه عن أحكام الحرية ولم يعرف سحنون هذه الرواية وقال مثل ما في المدونة. وقال ابن حبيب عن أشهب: يؤدي من له فيه الرق بقدر ملكه ويؤدي العبد بقدر ما عتق منه، وهو القياس، ويقول عبد الملك أقول استحسانًا.
م: فوجه أن السيد يؤدي عن نصفه ولا شيء علي العبد فلأن أحكام الرق أغلب عليه بدلالة منع شهادته وميراثه ونقصان طلاقه وحده وسقوط الحج عنه، فكذلك الزكاة ساقطة عنه، ويؤدي السيد بقدر ملكه فيه، كما يلزمه أداء الجميع في ملك جميعه، ونصفها إذ كان بينه وبين غيره، وكما لو كان هذا العبد بينه وبين عبد غيره للزم السيد الحر الأداء عن نصفه، ولم يلزم العبد أن يؤدي عن حصته شيئًا، فكذلك هذا. ووجه القول بأن السيد يؤدي جميع الزكاة عنه: لأنه محبوس عليه بالرق كالذي يستغرقه الرق، ولأنه وارثه. ووجه القول بأن علي العبد بقدر ما فيه من الحرية: اعتباراً بالعبد بين الشريكين، ولأنهما يتقاسمان في الخدمة والمنافع، فكذلك هذا في الفطرة، ولأن الفطرة تابعة للنفقة، ونفقته بينهما، فكذلك الفطرة. م: وبالأول أقول. [فصل 9 - في زكاة الفطر عن العبد بين شريكين] ومن المدونة قال مالك: وإذا كان عبد بين رجلي أدي كل واحد منهما نصف صدقة الفطر عنه، وإن كان لأحدهما سدسه وبقيته للآخر فسدس الزكاة على الذي له سدسه وخمسة أسداسها على شريكه. وقاله عبد الملك في كتاب ابن سحنون، وروي عن مالك خلافه أن على كل
واحد عنه زكاة كاملة، ولم يعرفها سحنون. م: وقال أبو حنيفة: لا شيء على ساداته. ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صدقة الفطر على كل حر وعبد" فعم، وقال: "أدوا صدقة الفطر عمن تمونون"، ولأنه حق يتبع النفقة فكانت عليهم كالنفقة. قال ابن المواز عن عبد الملك: ولو كان العبد بين حر وعبد فإن على الحر نصف زكاته فقط، قال عنه ابن حبيب: وقاله مالك. [فصل 10 - في زكاة الفطر عند العبد الموصي بخدمته لرجل وبرقبته لآخر] ومن المدونة: قال ابن القاسم: والفطرة على الموصي بخدمته لرجل وبرقبته لآخر على صاحب الرقبة إن قبل الوصية كمن أخدم عبده رجلاً أمدًا فصدقه الفطر عنه على سيده الذي أخدمه. وقال عنه ابن المواز: إن ذلك على المخدم كالنفقة في الوجهين جميعًا. قال: وقال أشهب: ليس على المخدم شيء، وهي على مالك رقبته في الوجهين
جميعًا كقول ابن القاسم في المدونة، قال أشهب: وليس للمخدم في الرقبة حق وهو مثل من أجر عبده وشرط على من أستأجره نفقته فإن زكاة الفطر عنه على سيدة، لأن المستأجر والمخدم لا يملكون منه إلا خدمة أفعن الخدمة يزكون؟ قال ابن المواز: ويقول أشهب أقول؛ لأنه بمنزله من أخدم عبده شهرًا بطعامه، أو قاطع عبده في الشهر على أن عليه طعامه، وقال ابن عبد الحكم بقول ابن القاسم، واحتجا بخادم الزوجة أن فطرتها على الزوج/ الذي عليه نفقتها ولا شيء على مالكه رقبتها). وليس في ذلك حجة؛ لأن خادم الزوجة إنما يؤديها عن الزوجة لوجوب نفقتها، إذا لو لم يكن لها خادم لكلف الزوج أن يخدمها خادمًا وينفق عليها ويزكي عنها؛ لأن ذلك من مؤن الزوجة ويجبر الزوج عليها، ولو قالت الزوجة: أنا أنفق على نفسي وخادمي وأبي ذلك الزوج وقال: أنا أنفق كان ذلك له، ولو تزوجها على ذلك ما جاز، ولو أبي صاحب رقبة المخدم أن ينفق إلا هو ويمنع المخدم من النفقة كان ذلك للسيد مثل الإجارة سواء، ولو أخدمه على أن لا نفقة للمخدم كان ذلك للسيد، فهذا فرق ما بينهما. [فصل 11 - زكاة الفطر عند العبد الأعمي والمجنون والأبق] وم المدونة: قال مالك: ومن له عبد أعمي أو مجنون أو مجذوم فليؤد عنه زكاة
الفطر ولا يعتق عليه لما أصابه من البلاء. قال: ولا يؤديها عند عبده الآبق إباق إياس فأما من يرتجيه لقربه فهي عليه عنه. [فصل 13 - زكاة الفطر عن رقيق التجارة وعن عبيد القراض] قال: ومن كان عنده رقيق للتجارة مسلمين فليؤد عنهم زكاة الفطر وإن لم تبلغ قيمتهم مئتي درهم. قال: ومن أخذ مالاً قراضًا فاشتري به رقيقًا فزكاة الفطر عنهم على رب المال في رأس ماله، وليس في مال القراض، وأما نفقتهم فمن مال القراض، وقال أشهب إن بيعوا فكان فيهم فضل مثل ثلث الثمن فعلي العامل سدس تلك الزكاة، وإن كان الربع فعليه الثمن إن قارضه على النصف. وقال ابن أبي زمنين: وعلى مذهب أشهب: تؤخذ الزكاة مما بيد المقارض، فإذا تفاصلاً نظر إلى الربح فيكون ما ذكر، كذلك فسره بعض شيوخنا. م: والصواب عندي أن يؤديها رب المال، فإذا تفاصلا نظر إلى الربح، والدليل على ذلك: أن الزكاة إنما هي عن رقابهم، والرقبة فلا حق متعين للمقارض فيها، وقد لا يكون له فيها حق أبدًا، وهي اليوم لرب المال فهو الذي يؤدي عنها، وهذا أصلنا في أكثر الأحكام إنما يراعي الحكم يوم وقع لا إلى ما يكون أو لا يكون، وليس لرب المال أن ينقص من مال القراض بعد إشغاله لأمر هو لازم له على الحقيقة، وبالله التوفيق.
وذهب ابن حبيب إلى أن فطرتهم كنفقتهم من جملة القراض، ورأس المال هو العدد الأول، واختار ابن المواز رواية ابن القاسم وقوله: إن فطرتهم على رب المال، قال: لأنه شيء ليس على المال وجب، وقد لزم ذلك قبل أن يجب للعامل شيء، وما يأخذه العامل كالإجازة وتلزمه زكاته في نضوضه وبعد أن يصير له بعد الحول، ألا تراه لو كان العامل لا يدير ورب المال يدير أن رب المال يقوم ما بيد العامل ويزكي كل عام، ولا يزكي العامل إلا ما ينويه بعد المفاصلة لعام واحد، وكذلك في زكاة رقاب غنم القراض على رواية ابن القاسم، وهذا كله نقل أبي محمد. وقد تقدمت الحجة في زكاة ماشية القراض. [فصل 13 - زكاة الفطر عن العبد الجاني والمغصوب والمرهون] ومن المدونة: ومن جنى عبده جناية عمد فيها نفسه فحل عليه الفطر قبل أن يقتل فنفقته وزكاة الفطر عنه على سيده. قال ابن القصار في العبد المغصوب إن كان يئس منه فهو كالعبد الآبق. قال مالك: ومن رهن عبده فنفقته وزكاة الفطر عنه على سيده.
[فصل 14 - في وقت وجوب زكاة الفطر] قال ابن حبيب: اختلف عن مالك متى حد وجوب الفطرة، فروى أشهب عن مالك: أنها تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر، وبه قال. م: وهذا مذهب ابن القاسم في المدونة. قال ابن حبيب: وروى ابن القاسم وعبد الملك ومطرف عن مالك أن حد ذلك طلوع الفجر من يوم الفطر، وبه قالوا، وبه أقول. م: وذكر عبد الوهاب هاتين الروايتين عن مالك، قال: وقال جماعة من أصحابنا تجب بطلوع الشمس. م: فوجه قوله بغروب الشمس: ما روى أنه صلى الله عليه وسلم: ((فرض زكاة الفطر من رمضان""، فأضاف الفطر إلى رمضان، وحقيقته: بغروب الشمس؛ ولأن من ولد بعد غروب الشمس لم يدرك شيئاً من رمضان، فلم يلزم إخراج الفطرة عنه كمن ولد بعد الفجر. ووجه قوله: أنها تجب بطلوع الفجر: ما روي أنه صلى الله عليه وسلم: ((فرض زكاة الفطر من رمضان))، وإطلاق ذلك لا يفهم منه إلا يوم الفطر؛ ولأنه حق في مال
يخرج يوم العيد على طريق المواساة فوجب أن يتعلق بطلوع الفجر، أصله الأضحية. ووجه قول من قال: إنها تجب بطلوع الشمس: فلأنه نسك مضاف إلى العيد، فكان وقته صلاة العيد، كالأضحية. وفائدة هذا الخلاف/ فيمن اشترى عبداً، أو ولد له ولد، أو تزوج امرأة قبل غروب الشمس، أو بعده، أو باع العيد، أو طلق الزوجة، أو مات الولد في ذلك: فإن قلنا: إن الزكاة تجب بغروب الشمس، فلا تجب عليه فيهم زكاة إلا إذا كانوا عنده قبل الغروب؛ لأن وقت الوجوب صادفتهم في ملكه، وكذلك إن بقوا في ملكه إلى طلوع الشمس، فتتفق الأقوال: أن عليه زكاتهم، وإن باع أو طلق أو مات الولد بعد الغروب وقبل الفجر فلا شيء عليه في قول من أوجبها بطلوع الفجر أو الشمس، وإن كان ذلك بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس لم تجب عليه على قول من يقول تجب بطلوع الشمس، وإنما يراعى أن يصادفهم الوقت وهم في ملكه. [فصل 15 - في العبد يباع يوم الفطر على من تجب زكاته؟] ومن المدونة: قال مالك: ومن ابتاع عبداً يوم الفطر أدى عنه المشتري زكاة الفطر، ثم رجع مالك فقال: بل يؤديها عنه البائع؛ لأن الزكاة وجبت عليه فيه قبل بيعه، قال ابن القاسم: وهو أحب قوله إلىّ. قال ابن المواز: وإن باعه قبل غروب الشمس من آخر يوم من رمضان فالفطرة عنه على المشتري، وإن باعه بعد غروب الشمس فيستحب للبائع إخراجها عنه، وهي لازمة للمشتري، وقد استحب أشهب فيمن اشتراه يوم الفطر أن يؤدي عنه، وأما البائع
فذلك عليه واجب، بمنزلة المال يزكيه ربه عند حوله ثم يبتاع به سلعة قد حال على ثمنها أحوال عند صاحبها فإن البائع يزكي ذلك المال بعينة ثانية مكانه. [فصل 16 - في زكاة الفطر عن العبد يشترى بالخيار، وعن الأمة تباع على المواضعة] ومن المدونة: قال مالك: ومن ابتاع عبداً على أن البائع والمبتاع فيه بالخيار ثلاثة أيام، أو باع أمة على المواضعة فغشيهم الفطر قبل زوال أيام الخيار والإستبراء فنفقتهم وزكاة الفطر عنهم على البائع، وسواء رد العبد مبتاعة بالخيار أم لا لأن ضمانهما من البائع حتى يخرج العبد من الخيار، والأمة من الإستبراء. [فصل 17 - العبد المشترى بيعاً فاسداً فطرته على مشتريه] قال: ومن اشترى عبداً بيعاً فاسداً فجاءه الفطر وهو عنده فنفقته وزكاة الفطر عنه على المشتري، رده يوم الفطر أو بعده، لأنه ضمانه كان منه حتى يرده. [فصل 18 - العبد الموروث فطرته على وارثه] قال: ومن ورث عبداً فلم يقبضه حتى مضى يوم الفطر فنفقته وزكاة الفطر عنه على الذي ورثه، ولو كانوا فيه أشراكاً فعلى كل واحد منهم بقدر حصته.
[فصل 19 - في حد وجوب الفطرة على من لم يكن من أهلها مثل النصراني يسلم، والحمل يولد] قال مالك: ومن أسلم بعد طلوع الفجر من يوم الفطر أحببت له أن يؤدي زكاة الفطر، والأضحية أبين عليه في الوجوب. م: لأن إسلامه بعد وقت الفطر كإسلامه في باقي الفطر والأضحية هي ثلاثة أيام فقد أسلم ووقتها قائم فوجبت عليه. قال ابن حبيب: وأجمعوا عن مالك أنه إن أسلم قبل الفجر أنها واجبة عليه وهي بعد الفجر مستحبة. م: كيف يكون هذا إجماعاً من مالك ومن يقول بقوله تجب بغروب الشمس لا يوجبها عليه لأنها وجبت وهو غير مسلم. قال: وقال أشهب: إذا لم يسلم قبل الفطر بيوم وليلة حتى يلزمه صوم يوم منه فليست عليه بواجبة. قال ابن حبيب: وهذا شاذ، ولو وجبت بالصوم لسقطت عن المولود، وإنما تجب بإدراك حلول اليوم الذي فرضت فيه، وقال أشهب في كتاب محمد: وقد سئل مالك عن الذي يُسلم يوم الفطر فقال: إنما تجب الزكاة على من صام رمضان ولا أرى هذا صام شيئاً منه، فروجع في ذلك فقال: إن فعل فحسن، وما أرى ذلك عليه واجباً.
م: وبه قال أشهب. ومن المدونة: قال مالك: ولا يؤدي عن الحمل زكاة الفطر إلا أن يولد ليله الفطر حياً أو يومه فيؤدى عنه. قال ابن حبيب: ولم يختلفوا عن مالك فيمن ولد قبل الفجر أو بعده أنها على الأب، وقال ابن الماجشون: هو فيه بعد الفجر مستحب، وقاله أشهب. ومن المدونة قال مالك: ومن أراد أن يعق عن ولد له بعد انشقاق الفجر لم يحتسب بذلك اليوم وحسب سبعة أيام سواه ثم يعق عنه يوم السابع ضحى وهو سنة الضحايا والعقائق والنسك، وإن ولد قبل الفجر احتسب بذلك اليوم. وهذا في كتاب الضحايا مستوعب. قال ابن القاسم ومن مات ليلة الفطر أو يومه ممن يلزمك أداء الفطر عنه من مماليك وأولاد صغار وزوجة وأبوين لم يزلها موته، وقاله مالك إذا ماتوا بعد انشقاق الفجر. م: وهذا من قول ابن القاسم في قوتهم ليلة الفطر يدل أنها واجبة بغروب الشمس، وكذلك قوله فيمن مات ليلة الفطر وأوصى بزكاة الفطر عنه أنها من رأس ماله، وهو خلاف ما روى عنه ابن حبيب من أنها واجبة بطلوع الفجر، فاعرفه.
[فصل 20 - فيمن مات ليلة الفطر أو يومه وأوصى بالفطرة عنه] ومن المدونة قال: وإذا مات/ ليلة الفطر أو يومه فأوصى بالفطرة عنه كانت من [166/ أ] رأس ماله، وإن لم يوص بها أمر ورثته بها ولم يجبروا عليها كزكاة العين تحل عليه في مرضه أو يأتيه مال كان غائباً عنه يعلم يقيناً أنه لم يخرج زكاته فيأمر بإخراجها فتكون من رأس ماله. ابن المواز: وقال أشهب هي من رأس المال أوصى بها أو لم يوص. [فصل 21 - زكاة الفطر لا تلزم الرجل عن عبده أو امرأته أو أم ولده النصارى] ومن المدونة: قال مالك: ولا يؤدي الرجل زكاة الفطر عن عبده أو امرأته أو أم ولده النصارى، ولا يؤديها إلا عن من يحكم عليه بنفقته من المسلمين خلي المكاتب. م: وقال أبو حنيفة يؤديها عن عبيده النصارى ودليلنا حديث ابن عمر: ((فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكراً وأنثى من المسلمين)) فقيده بالإسلام، وروى ابن عباس: ((فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة
للصائم من اللغو والرفت ((وطعماً للمساكين)) فأخبر عن علة فرضها. ومن المدونة: قال مالك: ولا يؤديها عن عبد عبده كما لا تلزمه نفقته. [فصل 22 - زكاة الفطر تلزم الرجل عن نفسه وعن امرأته وعن أولاده ذكوراً وإناثاً] قال مالك: ويلزم الرجل أداؤها عن نفسه وعن الإناث من ولده حتى يدخل بهن أزواجهن، أو يدعى الزوج إلى البناء فحينئذٍ تسقط عن الأب وتلزم الزوج مع النفقة، ويلزمه أداؤها عن ولده الذكور حتى يحتلموا، ومن كان من ولده له مال ورثه أو وهب له أنفق عليه منه وزكى عنه الفطر وضحى عنه منه وحاسبه إذا بلغ، وتلزم الرجل عن امرأته وإن كانت مليئة؛ لأن عليه نفقتها، خلافاً لأبي حنيفة. ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: ((أدوا عمن تمونون)).
[فصل 23 - زكاة الفطر تلزم الزوج عن خادم امرأته] ومن المدونة: قال مالك: ويؤديها عن خادم واحدة من خدم امرأته التي لابد منها. ومن العتبية: قال أصبغ- عن ابن القاسم-: يؤدي الرجل زكاة الفطر عن خادمين من رقيق امرأته إذا كانت بهذه المنزلة من الغنى والشرف، ولو ارتفع قدرها مثل بنت السلطان والملك العظيم والهاشميات رأيت أن يزاد في عدد الخدم لما يصلحها من الأربع والخمس، ويلزم الزوج نفقتهن وزكاتهن. [فصل 24 - في إخراج زكاة الفطر عن خادم الزوجة إذا كانت صداقاً] ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج امرأة ثيباً أو بكراً في حجر أبيها على خادم بعينها ودفعها إليها فأتى الفطر وهي بيد الزوجة ثم طلقها بعد يوم الفطر قبل البناء فزكاة الفطر عن الزوجة وعن الأمة على الزوجة إن كان الزوج ممنوعاً من البناء؛ لأنه مضى يوم الفطر وهي لا، ولا نفقة لهما على الزوج، قال: فإن لم يكن ممنوعاً من البناء،
قال ابن المواز: ودعوه إلى البناء فذلك عليه عنهما؛ لأن نفقتهما قد وجبت عليه. [فصل 25 - في زكاة الفطر عن المطلقة طلاقاً رجعياً أو بائناً] م: ولو طلق المدخول بها طلقة رجعية لزمته النفقة عليها وأداء الفطرة عنها؛ لأن أحكام الزوجية باقية عليها، وأما لو طلقها طلاقاً بائناً وهي حامل فلا يزكي عنها للفطر وإن كانت النفقة عليه لها؛ لأن النفقة ها هنا إنما وجبت عليه للحمل لا لها. [فصل 26 - من لزمته نفقة أبويه لحاجتهما أدى زكاة الفطر عنهما] ومن المدونة: قال مالك: ومن لزمته نفقة أبويه لحاجتهما لزمه أداء زكاة الفطر عنهما.
قال ابن القاسم: فإذا حبس الأب عبيد ولده الصغار لخدمتهم ولا مال للولد سواهم فعلى الأب أن ينفق على العبيد، فإذا لزمته نفقتهم لزمه أداء زكاة الفطر عنهم، ثم يكون له ذلك في مال الولد وهم العبيد؛ لأنهم أغنياء، ألا ترى أن من له من الولد عبيد فهو مال تسقط به النفقة عن أبيه؛ لأن له أن يبيع العبيد وينفق ثمنهم عليه، قال: وإن كان للعبيد خراج أنفق منه الأب على عبيده وينفق ثمنهم عليه، قال: وإن كان للعبيد خراج أنفق منه الأب على عبيده وعلى الولد، وأدى عنهم منه زكاة الفطر إن حمل ذلك، وإن لم يكن لهم خراج وأبى الأب أن ينفق عليهم جبره السلطان على بيعهم أو الإنفاق عليهم، لأن الأب هو الناظر لهم، وبيعه جائز عليهم، وكذلك قال مالك في السيد يأبى أن ينفق على عبده فإن السلطان يجبره على أن ينفق عليهم أو يبيع. قال ابن المواز: قال ابن القاسم في البكر لها خادم لا شيء لها غيرها فعلى الأب النفقة على الابنة خاصة، ويقال لها: إما أنفقت/ على الخادم أو بعت، وقال أشهب: لا [166/ ب] نفقة عليه لابنته؛ لأن لها خادماً ولبيعها وينفق عليها ويزكي زكاة الفطر عنها، قال ابن المواز: وإن كان الولد لابد له ممن يخدمه فعلى الأب أن ينفق ويزكي عن الولد والخادم
ويجبر على ذلك، وإن كان للولد غنى عن الخادم فلا شيء على الأب إلا أنه ينفق ويزكي ويكتب عليه ذلك، فإذا باع استوفى، وإلى هذا رجع ابن القاسم وأشهب. [فصل 27 - صدقة الفطر يؤديها الوصي عن اليتامى وعن رقيقهم من أموالهم] ومن المدونة قال مالك: ويؤدي الوصي صدقة الفطر عن اليتامى الذين عنده من أموالهم إن كانوا صغاراً، ويؤديها عن عبيدهم أيضاً، قال: ومن كان في حجره يتيم بغير إيصاء أحد، وله بيده مال رفع أمره إلى الإمام لينظر له، فإن لم يفعل وأنفق منه عليه وبلغ الصبي فهو مصدق في نفقة مثله في تلك السنين، ولو قال قد أديت عنهم صدقة الفطر في هذه السنين صدق كانوا في حجره أو في حجر الأم.
[فصل 28 - في الجنس الذي تخرج منه زكاة الفطر] قال مالك: وتؤدى زكاة الفطر من القمح والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والتمر والزبيب والأقط، قال ابن حبيب: والعلس. وذهب ابن حبيب إلى أنها تؤدى من البر مدين، وهو قول أهل العراق، وقد تقدمت الحجة عليه. قال محمد: بل تؤدى من البر صاعاً، وقد أخبرني بذلك: عبد الملك، وابن عبد الحكم، وابن بكير. ومن المدونة: قال مالك: ولا يخرج أهل مصر إلا القمح؛ لأن ذلك جل عيشهم إلا أن يغلو سعرهم فيكون عيشهم الشعير فلا أرى به بأساً أن تؤدى منه، قال: وأما ما ندفع نحن بالمدينة فالتمر. قال أشهب في المجموعة: أحب إلي أن تؤدى بالبلدان من الحنطة، وبالمدينة من التمر، ولو كانوا يؤدون الحنطة كان أحب إلى ولكن لا يؤدونها بها، قال: والسلت
أحب إلي من الشعير، والشعير أحب إلي من الزبيب، والزبيب أحب إلي من الأقط، ومن كان عيشه شيئاً من هذا فليؤد منه وغن كان غيره أفضل. وقال ابن حبيب: من قدر على أحد هذه الثلاثة: القمح، والشعير، والتمر فليخرج مما يأكل منها، فإن أكل من أفضلها وأدى من أدناها أجزأه، وكان ابن عمر يخرج تمراً، وربما شعيراً، وكان يأكل البر والتمر والشعير، وأحسب أن التمر جل قوتهم، وأما السبعة الأصناف الباقية فليخرج مما هو قوته منها، فإن أخرج من غيره لم يجزه، ومن اخرج من غير العشرة الأصناف لم يجزه، وإن كان ذلك عيشهم. ومن المدونة: قال مالك: ولا يجزئه أن يخرج فيها دقيقاً أو سويقاً، قال ابن حبيب: إنما نهى عن إخراج الدقيق من أجل ريعه فمن أخرج منه قدر ما يزيد على
كيل القمح أجزأه، وقال أصبغ في كتاب النذور، والخبز كذلك، قال: وليس غربلة القمح بواجب، وهو مستحب إلا أن يكون غلئاً. م: وليس قول ابن حبيب في الدقيق بخلاف لما في المدونة، قاله بعض علمائنا من القروينن ومن أهل بلدنا. وقال ابن الماجشون: يؤدي زكاة الفطر من الغالب من عيش بلده، قال ابن المواز: بل مما يأكل هو وعياله مما يفرض على مثله، وقاله أشهب. وفي كتاب الأبهري: وإذا كان رجل يخص نفسه بقوت أجود من غالب قوت بلده فيستحب له أن يخرج منه، فإن أخرج من الغالب أجزأه، وإن كان يأكل دون القوت الغالب كان عليه أن يخرج من الغالب إذا أمكنه، فإن لم يمكنه أخرج مما يأكل. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك أنه كره أن يخرج فيها تيناً، وأنا أرى إن فعل ذلك أنه لا يجزئه، قال ابن القاسم: وكل شيء من القطنية أو من هذه الأشياء التي ذكرنا أنها لا تجزى فإذا كان ذلك عيش قوم فلا بأس أن تؤدوا من ذلك ويجزئهم. قال في العتبية: هذا مال لا يكون عيشهم، ولو كان ذلك عيشهم رجوت أن
يجزئهم، قال عن مالك في قوم ليس طعامهم إلا التين قال: لا يؤدون منه زكاة الفطر. وفي كتاب ابن المواز: وإن كان عيش قوم بعض هذه القطاني، أو التين فأخرج من ذلك زكاة الفطر فلا يجزئه. وفي كتاب ابن عبد الحكم: كل ما تجب فيه الزكاة فإنه يخرجه في زكاة الفطر إذا كان هو طعامه. ومن المدونة: قال مالك: ولا يجزى/ أن يخرج مكان زكاة الفطر عيناً أو عرضاً. قال مالك: ولا يجزي أن يدفع في الفطرة ثمناً، وروى عيسى عن ابن القاسم: إن فعل أجزأه.
[فصل 29 - في دفع زكاة الفطر إلى الإمام، أو تفريقها دونه، وصفة من يحل له أخذها، وهل تضمن إن تلفت] ومن المدونة: قال مالك: ويفرق كل يوم قوم زكاة الفطر في أمكنتهم من حضر أو بدو أو عمود، ولا يدفعونها إلى الأمام إن كان لا يعدل، وإن كان عدلاً لم يسع أحداً أن يفرق شيئاً من الزكاة، وليدفعها إليه فيفرقها الإمام في مواضعها ولا يخرجها منه إلا أن لا يكون بموضعهم محتاج فيخرجها إلى أقرب المواضع إليهم فيفرقها هناك. قال: ولا بأس أن يعطي الرجل صدقة الفطر عنه وعن عياله لمسكين واحد، قال ابن حبيب: وليس لما يعطي منها حد، وقد روى مطرف عن مالك: أنه استحب لمن ولي تفرقة فطرته أن يعطي كل مسكين ما أخرج عن كل إنسان من أهله من غير إيجاب، وله إخراج ذلك على ما يحضره من الإجتهاد. قال في كتاب ابن المواز: ولو أعطى زكاة نفسه وحده مساكين لم يكن به بأس، وكره مالك أن يسأل المساكين في العيد في في المسجد والمصلى، قال: وقد جاء: ((أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم)).
ولا يعطى منها أهل الذمة ولا العبيد. قال: ومن اخرج زكاة الفطر عند محلها فضاعت أو أهراقت فلا ضمان عليه، وكذلك زكاة العين، ولو تلف ماله وبقيت لزمه إنقاذها، ولو أخرجها بعد إبانها وقد كان فرط فيها فضاعت قبل أن ينفذها بغير تفريط كان ضامناً لها. تم كتاب الزكاة الثاني من الجامع مع حمد الله وعونه وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
كتاب الحج الأول من الجامع
كتاب الحج الأول من الجامع [الباب الأول] في فرض الحج، وعلى من يجب، ومن أخره، واستئذان الأبوين فيه، ومن أول من أقام الحج، ويوم الحج الأكبر، وأشهر الحج، وذكر البدن، والشعائر، والرفث، والفسوق، والجدال، والعمرة. [فصل 1 - دليل فرضيته] فالحج فرض على مستطيعه من الأحرار المكلفين مرة واحدة في العمر، لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، وقوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) قيل: معناه: من لم ير الحج واجباً.
وقال ابن حبيب: هو من ترك الحج. وقوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)، وقوله صلى الله عليه وسلم ((بني الإسلام على خمس)) فذكر الحج، وقوله- للذي سأله عن الإسلام-: ((وحج البيت)) وقوله: ((حُجوا قبل أن لا تحجوا)) ولإجماع الأمة عليه.
ولما نزلت: " وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ "، قيل: يا رسول الله: كل عام؟ فقال: " الحج مرة واحدة، ولو قلت نعم لوجبت". [فصل 2 - شروط الواجب] وشروط وجوبه خمسة، وهي: البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والاستطاعة. فأما العقل والبلوغ: فلقوله صلى الله عليه وسلم: رُفع القلم عن ثلاثة فذكر: الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستقيظ"؛ ولأنه من عبادات الأبدان كالصلاة والصيام. وأما الحرية: فلقوله صلى الله عليه وسلم: " أيما عبد حج فعتق فعليه الحج "، وحج صلى الله عليه وسلم بأزواجه ولم يحج بأم ولده، وقد قال تعالى: {عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ}،
وقال في الحج: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}، ومن لا يقدر على شيء فهو غير مستطيع، فالعبد لا يملك نفسه، فكيف يملك ما بيده؟. وأما الإسلام: فإن الكفار مخاطبون بالإسلام فإذا أسلموا خوطبوا بشرائعه، ومحال أن يخاطبوا بشرائعه وهم جاحدون له. وأما الإستطاعة: فلقوله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}. واختلف في تفسير الإستطاعة، وسئل مالك عنها فقيل له: أذلك الزاد والراحلة؟ فقال: لا والله: واحد قد يجد زاداً وراحلة، ولا يقدر/ على السير، وآخر يقدر أن [167/ب] يمشي راجلاً، وربّ صغير أجلد من كبير، ولا صفة في هذا أبين مما قال الله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}. قال ابن حبيب: وروى أن الاستطاعة: مركب وزاد قال: وقاله عدد من
الصحابة والتابعين، وقاله ابن أبي سلمة. قال: وذلك يرجع الى البلاغ الى مكة، ويدخل في البلاغ: الصحة، والزاد، والحمولة بشراء أو كراء لبعيد الدار الذي لا يبلغ راجلاً إلا بتعب ومشقة؛ لقوله تعالى: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ}، وإن وجد زاداً وهو قريب الدار ليس عليه في المشي كبير مشقة فعليه الحج، وإذا كان في داره وخادمه وسلاحه وكل ما يباع عليه في دينه ما يبلغه الحج فعليه الحج.
وقال سحنون: الاستطاعة الزاد والراحلة لبعيد الدار والطريق المسلوكة. وقال بعض البغداديين: لم يثبت في الراحلة حديث، وظاهر القرآن يوجب الحج على مستطيعه ماشياً أو راكباً، قال الله تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ}. وقال غيره: الاستطاعة: القدرة على الوصول الي البيت وفعل المناسك، فكل من أمكنه ذلك من غير تعذر أمر فهو مستطيع، ويختلف ذلك باختلاف أحوال الناس، فإذا كانت الطريق سابلة: فمن كان عادته المشي من غير حاجة الى الركوب لزمه الحج إذا وجد الزاد، وإن كان عادته المسألة واستماحة الناس لزمه الحج وإن عُدم الزاد في الحال وجرى على عادته. وكل ذلك خلاف لأبي حنيفة، والشافعي في قولهما: إن الاستطاعة: الزاد والراحلة. ودليلنا: أن الله تعالى قال: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فكل مستطيع من غير خروج عن عادته كالواجد للراحلة.
والمعضوب: الذي لا يستمسك على الراحلة غير مستطيع ولا يلزمه أن يحج غيره من ماله، خلافاً لهما لأن كل عبادة تعلق فرضها بالبدن مع القدرة لم تنتقل الى غيره مع العجز كالصلاة، والصيام. قال ابن وهب: سئل مالك عن الرجل يؤاجر نفسه وهو حاج أيجزي عنه حجه؟ قال: نعم. فقيل له: فمن يسأل ذاهباً وراجعاً ولا نفقة عنده؟ قال: لا بأس بذلك، وإن مات في الطريق فحسابه على الله. وقال عنه ابن القاسم: لا أدري للذين لا يجدون ما يُنفقون أن يخرجوا الى الحج والغزو ويسألون الناس وهم لا يقوون إلا بما يسألون وإني لأكره ذلك لقول الله تعالى
{وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ} [فصل 3 - من لا يمكنه الوصول الى الحج إلا بإخراج المال إلى السلطان الجائر، هل يسقط عنه الحج؟] قال ابن القصار: واختلف أصحابنا فيمن لا يمكنه الوصول الى الحج إلا بإخراج المال الى السلطان الجائر، فقال بعضهم: لا يجب عليه الحج، وقال شيخنا أبو بكر الأبهري: إن لم يُمكنه إلا بإخراج المال الكثير الذي يشق ويخرج عن العادة لم يلزمه، كالثمن في ماء الطهارة والثمن في رقبة الكفارة، وإن كان شيئاً قريباً، فالحج واجب عليه. فوجه القول الأول: إن رضاه بقطع الطريق عليهم ومنعهم من المرور إلا بثمن لا يؤمن منه متى بذلوا له شيئاً أن يحفز بهم ويقتلهم ويأخذ اموالهم فيصيرون قد غروا بأموالهم. ووجه القول الثاني: أنه يغلب عليه وإن رضي بالظلم ما جرى من غالب عاداته أنه لا يخفر ما عاهدهم عليه. قال أبو إسحاق: وهذا أشبه؛ لأن مثل هذا لا يكاد يخفي من عادته.
[فصل 4 - المرأة لا يجب عليها الحج من المكان البعيد ماشية لخوف عجزها] وفي كتاب ابن المواز: وليس النساء في المشي كالرجال وإن قوين؛ لأنهن عورة في مشيهن، إلا المكان القريب مثل أهل مكة وما حولها أو قرب منها إذا هن أطقن المشي. ومن لا يملك إلا قرية، وله ولد، قال: يبيعها ويحج ويترك ولده للصدقة. وقال فيه وفي العتبية: وكره مالك حج المرأة في البحر؛ لأنها تتكشف ولتخرج في البر وإن لم تجد ولياً، قال عنه ابن المواز: وقد قال الله تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ}، ما أسمع للبحر ذكراً. وقال في المجموعة: أكره أن يحج أحد في البحر إلا مثل أهل الأندلس الذين لايجدون منه بُداً.
[فصل 5 - الرجل يكون عنده ما يتزوج به، أيتزوج، أو يحج؟] ومن العتبية: قال ابن القاسم: سئل مالك عن الرجل العزب يكون عنده ما يتزوج به أيتزوج أم يحج به؟ قال: بل يحج، قيل: وإن كان على أبيه دين وهو صرورة أيقضي دين أبيه أم يحج؟ قال: بل يحج. قال ابن المواز: وإن كان عليه هو دين وله به وفاء، أو كان يرجوا قضاؤه فلا بأس أن يحج، قال ابن المواز: يريد وإن لم يكن معه غير مقدار دينه فليس له أن يحج. يريد محمد: إلا أن يقضيه أو يتسع وجده. [فصل 6 - هل الحج واجب على الفور او على التراخي؟] قال ابن حبيب: روى أن عمر قال: من اتصل وفره ثلاث سنين، ثم مات ولم يحج لم أصل عليه. وقال سحنون في الكثير المال القوي على الحج إذا طال زمانه واتصل وفره وليس له سقم ولم يحج: فهي جرحة. قيل: فهو كذلك/ من بلغ عشرين سنة الى أن بلغ ستين [168/أ] سنة؟ قال: لا شهادة له. قيل: وإن كان بالأندلس؟ قال: نعم، لا عذر له. [فصل 6 - استئذان الأبوين في الحج] ابن المواز: قال مالك: ولا يحج بغير إذن الأبوين إلا حجة الفريضة، وإن قدر أن يرتاضاهما حتى يأذنا له فعل، وإن كانا إنما نذر حجة فلا يكابرهما ولينتظر إذنهما عاماً
بعد عام ولا يعجل، فإن أبيا فليحج. ومن توجه حاجاً بغير إذن أبويه فإن أبعد وبلغ مثل المدينة فليتمادا. وقال عنه ابن نافع في المجموعة: إنه يستأذنهما في الفريضة العام والعامين فإن أبيا فليخرج. [فصل 7 - متى فرض الحج؟] ومن العتبية، وكتاب ابن المواز: قال ابن القاسم قال مالك: وأول من أقام الحج بالناس أبو بكر سنة تسع. وقال غير واحد من البغداديين ومثله لاسماعيل القاضي: إنه لم يأت صريحاً أن حج أبي بكر حينئذ كان عن فرض، والظاهر أنه حج لينذر المشركين بسورة براءة أن لا يحج بعد العام مشرك، ويبعد أن يُفرض الحج فيحج أبو بكر الفرض قبل النبي صلى الله عليه وسلم.
وأن حجه وقع في ذي القعدة، والنسيء قائم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العام الثاني: " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض"،
فأخبر أنه لم يكن قبل مستديرا، وأن ذلك لو كان فرضاً لم يؤخره النبي صلى الله عليه وسلم، ومع أنه لو أخره النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن كغيره؛ لأن الله تعالى أخبره أنه يفتح عليه ويدخل مكة آمناً، فكان على ثقة من أنه سيعيش الى ذلك، ونحن لا نعلم من يموت فكيف يتأخر الإنسان بعد وجوب الفرض عليه وإمكان موته. [فصل 8 - يوم الحج الأكبر] قال مالك: ويوم الحج الأكبر هو يوم النحر. قال غيره: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يؤذن المشركين بسورة براءة يوم الحج الأكبر
وهو يوم النحر بالمشعر؛ لأنه أكبر جمعهم وموقف قريش، وكان غيرهم يقف بعرفه ثم يأتون المشعر فيجتمع فيه جمعهم كلهم. [فصل 9 - الميقات الزماني للحج] قال مالك: أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة. م: لقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} وأقلها ثلاثة كاملة؛ ولأن كل شهر كان أوله من شهور الحج فكذلك آخره، أصله شوال. وفائدة ذلك: تتعلق الدم بتأخير طواف الإفاضة بخروجه. وقال ابن حبيب عن مالك: إن شهور الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة؛ لأن بانفصالها فوات الحج.
وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس. م: وهذه الرواية أصوب؛ لأن بانفصالها فوات الحج. فصل [10] وسئل مالك عن قوله تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} سورة الحج آية 29 قال: هو رمي الجمار وعن قوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} قال: هي: عرفات، والمزدلفة، والصفا، والمروة، فمحمل الشعائر: البيت العتيق.
فصل [11] قال ابن حبيب في قوله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ}، فالرفث: ما يلتذ به من أمر النساء من ذكر أو مراجعة أو غيره. وأما قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} فهو الجماع. قال: والفسوق: الذبح لغير الله. وقال ابن عباس، وابن عمر: إنها المعاصي كلها. والجدال: المراء حتى يغاضب صاحبه.
قال مالك: هو ما كان من تفاخر الجاهلية بآبائها. فصل] 13 - حكم العمرة [ قال ابن القاسم، وغيره: قال مالك: العمرة سنَة واجبة كالوتر لا ينبغي تركها. م: قال بعض البغداديين: لأنه صلى الله عليه وسلم اعتمر هو وأصحابه وأزواجه، وقال: هي مرة واحدة في العمر. وليست بفريضة، خلافاً للشافعي.
ودليلنا: أنه صلى الله عليه وسلم سُئل عن الحج أفريضة هو؟ قال: نعم، قيل: فالعمرة؟ قال: لا، ولأن تعتمر خير لك. وقال: العمرة تطوع. وقال: من مشى إلى مكتوبة فهي كحجة، ومن مشى إلى تطوع فهي كعمرة؛ ولأنه نسك ليس له وقت معين فلم يكن فرضاً أصْلُه طواف القدوم؛ ولأن فرائض الأبدان المتعلقة بمكان مخصوص تتعلق بزمان معين كالحج، فلما لم يكن للعمرة زمان معين انتفى بذلك كونها فرضاً. قال أبو محمد: وقيل: إن قوله تعالى: "والعمرة لله" بعد قوله
{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ}:كلام مؤتنف، وقد قرئت الرفع، وقيل: إنما أمر بتمامها من دخل فيها. وذهب ابن حبيب إلى أنها واجبة كوجوب الحج، وذهب إليه ابن الجهم، وخالفا مالكاً وأصحابه.
[الباب الثاني] في فرائض الحج، والغسل لها، ودخول المدينة، وصفة الإحرام، والتلبية
[الباب الثاني] في فرائض الحج، والغسل لها، ودخول المدينة، وصفة الإحرام، والتلبية ] فصل 1 - فرائض الحج [ وفرائض الحج أربعة: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة. فأما الإحرام: فالأصل فيه: فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره به؛ ولأن كل عبادة لها إحلال لم يصح الدخول فيها إلا بإحرام، كالصلاة، وذلك إجماع. وأما الوقوف بعرفه: فلقوله صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة"، وقوله: "من وقف بعرفة فقدتمٌ حجه، ومن فاته الوقوف بها فقد فاته الحج"، ولا خلاف في ذلك أيضاً.
وأما الطواف: فالأصل فيه قوله تعالى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}، وفَعَلَهُ الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: ((خذوا عني مناسككم))، ولا خلاف فيه. وأما السعي: فهو فرض عندنا خلافاً لأبي حنيفة. ودليلنا: أنه صلى الله عليه وسلم سعى، وقال: ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي))، ففيه أدلة ثلاثة: أحدهما: أنه فعله، وقال: ((خذوا عني مناسككم))، والآخر: أمره به، وقال: ((اسعوا))، والثالث: إخباره أنه مكتوب علينا.
وليس من فرائضه رمي جمرة العقبة، خلافاً لعبد الملك؛ لأنه نسك يُفعلُ بمنى فلم يكن وجوبه كوجوب الفرائض، فهو كالمبيت والحلاق، ولأنه رمي كسائر الجمار. فصل] 3 - في دخول المدينة والصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم والسلام عليه [ قال ابن المواز: قال مالك: وأحبَ لمن دخل المدينة إذا دخل المسجد أن يبدأ بركعتين قبل الوقوف بالقبر ومن دخل المسجد الحرام فليبدأ بالطواف قبل الركوع. قال ابن حبيب: تقول إذا دخلت مسجد النبي صلى الله عليه وسلم: ((بسم الله وسلام علي رسول الله، السلام علينا من ربنا، صل الله وملائكته على محمد، اللهم أغفر لي ذنوبي وافتح لي أبوب رحمتك وجنتك واحفظني من الشيطان، ثم اقصد إلى الروضة وهي مابين القبر والمنبر فاركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر تحمد الله تعالى فيها وتسأله تمام ما خرجت إليه والعون عليه، فإن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتاك، وفي الروضة أفضل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري علي ترعة من ترع الجنة)).
قال ابن حبيب: ثم اقصد إذا قضيت ركعتيك إلى القبر من وجاه القبلة فادن منه ثم سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصل واثن عليه، وعليك السكينة والوقار، فإنه الله صلى الله عليه وسلم يسمع تسليمك ويعلم وقوفك بين يديه، وتسليم على أبي بكر وعمر، وتدعو لهما، وأكثر من الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالليل والنهار، ولا تدع أن تأتي مسجد قباء وقبور الشهداء. فصل] 3 - يستجيب الاغتسال لأركان الحج كلها [ ويُستحب الغسل لأركان الحج كلها، وسواء كان الرجل طاهراً، والمرأة حائضاً؛ لأنه أريد بذلك التنظيف كغسل الجمعة، وقد اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة للإحرام، واغتسل أيضاً لوقوف عرفة، وكذلك الطواف والسعي إلا أنه يكفيه لهما غسل واحد؛ لأن أحدهما مرتبط بالآخر وتابع له، ويستحب الغسل لدخول مكة؛ لأن الصحابة فعلت ذلك، وروى مالك في الموطأ: أن عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم ولدخوله مكة ولوقوفه عشية عرفة.
وقال مالك - في كتاب محمد -: يغتسل المحرم لإحرامه، ولدخوله مكة، ولرواحه إلى الصلاة بعرفة، وغسل الإحرام أوجبها ويتدلك فيه ويغسل رأسه بما شاء، فأما غسل مكة وعرفة فلا يتدلك فيه، ولا يغسل رأسه إلا بالماء وحده يصبه صباً ولا يغيب رأسه في الماء. فصل] 4 - من سنن الإحرام: الغسل حتى للحائض والنفساء [ ومن المدونة: قال مالك: ومن أراد الإحرام من رجل أو امرأة فليغتسل كانت المرأة حائضاً أو نفساء أو لا، وهي السنة، ولم يوسع لهم مالك في ترك الغسل إلا من ضرورة، وكان يستحب الغسل ولا يستحب أن يتوضأ من يريد الإحرام ويدع الغسل. قال في الموطأ: وأن أسماء بنت عميس ولدت
محمد بن أبي بكر بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((مرها فلتغتسل ثم لتهل)). قال مالك: وليس علي النفساء والحائض غسل لدخول مكة، قال أشهب: وذلك عليهما لوقوف عرفة. قال سحنون: ومن ترك الغسل وتوضأ فقد أساء ولا شئ عليه، وكذلك إن ترك الغسل والوضوء. ابن المواز: قال مال / وليس عليه في ترك الغسل عمداً أو نسياناً دم ولا فديه. سحنون: وقد أساء. م: وإنما لم يكن عليه شئ؛ لأنه شئ يفعل قبل انعقاد الحج. أبو محمد: قال ابن الماجشون: ومن ركع للإحرام فسار ميلاً قبل أن يهل وقد نسي الغسل فليغتسل ثم يركع ثم يهل، وإن ذكره بعد أن أهل تمادى ولا غسل عليه. وقال أبو القاسم بن الكاتب القروي: اختلف علماؤنا إذا أحرم بغير اغتسال: هل يغتسل بعد إحرامه أم لا يغتسل؛ لأن الإحرام الذي يغتسل له قد كان قبله.
ومن المدونة: قال مالك: ومن اغتسل بالمدينة وهو يريد الإحرام، ثم مضى من فوره إلى ذي الحليفة فأحرم أجزأه غسله، وإن اغتسل بها غدوة، ثم أقام إلى العشاء، ثم راح إلى ذي الحليفة فأحرم لم يجزئه الغسل أعاده. وإنما يجوز الغسل بالمدينة لرجل يغتسل ثم يركب في فوره، أو رجل يأتي ذا الحليفة فيغتسل إذا أراد الإحرام. م: كغسل الجمعة الذي هو متصل بالرواح. قال في كتاب ابن المواز: وإن اغتسل بكرة وتأخر خروجه إلي الظهر كرهته، وهذا طويل. قال مالك: والغسل بالمدينة عند خروجه، أو بذي الحليفة واسع. قال ابن حبيب: واستحب عبد الملك: أن يغتسل بالمدينة، ثم يخرج مكانه فيحرم بذي الحليفة، وذلك أفضل، وبالمدينة أغتسل النبي صلى الله عليه وسلم وتجرد ولبس ثوبي إحرامه. قال أبو محمد: والذي روي من الأحاديث الصحاح من غير رواية ابن حبيب: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلي الظهر بالمدينة وصلى العصر بذي الحليفة، وبها بات، وبها أمر النبي صل الله عليه وسلم أسماء أن تغتسل حين نفست.
قال سحنون: إذا أردت الخروج من المدينة خروج انطلاق فأت القبر فسلم كما صنعت أول دخولك، ثم اغتسل والبس ثوبي إحرامك، ثم تأتي مسجد ذي الحليفة فتركع به وتهل. قال مالك: ولا بأس لمن اغتسل بالمدينة أن اغتسل بالمدينة أن يلبس ثيابه إلى ذي الحليفة فينزعها إذا أحرم. فصل] 5 - من سنن الإحرام: أن يكون عقب صلاة [ ومن المدونة: قال مالك: ويحرم من أتى الميقات أي وقت شاء يجوز فيه التنفل من ليلٍ أو نهار، ولا يُحرِم إلا بأثر صلاة نافلة، أو بأثر فريضة، كان بعدها نافلة أم لا، وأحب إلىٌ أن يُحرم بأثر صلاة نافلة، أو بأثر فريضة، كان بعدها نافلة أم لا، وأحب إلىٌ أن يُحرم بأثر نافلة، وليس لهذه النافلة حَدٌ قال بعض البغداديين: فإن أحرم بغير الصلاة فلا شئ عليه، ويكره له ذلك. قال: وإنما اخترنا له الإحرام بأثر صلاة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك فعل، واخترنا له التنفل؛ لأنه زيادة مقصودة لأجل الإحرام، وإنما قلنا إنه إن أحرم عقيب مكتوبة جاز؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم عقيب صلاة، فقيل: نافلة، وقيل: فريضة؛ ولأن الإحرام بعد المكتوبة لم يُعرى من صلاة فكان أفضل من الإخلال بها، وإنما قلنا: إن أحرم بغير صلاة
فلا شيء عليه؛ فلأن ذلك مستحب غير واجب. ومن المدونة: وإن أتى في وقت لا يتنقل فيه بعد الصبح أو العصر وقد صلاهما فلا يبرح حتى يحين وقت صلاة فيصلي ويحرم إلا أن يكون خائفاً أو مراهقاً يخشى فوات الحج وشبه ذلك من العذر فيجوز له أن يحرم وأن يصل. قال: ولا يحرم في دبر الصلاة في المسجد، ولكن إذا خرج منه ركب راحلته، فإن استوت به في فناء المسجد لبى ولم ينتظر أن تسير به، وإن كان ماشياً فحين يخرج من المسجد متوجهاً للذهاب يحرم ولا ينتظر أن يظهر بالبيداء. قال بعض البغداديين: أول ما يبدأ فيغتسل، ثم يتجرد الرجل دون المرأة من مخيط الثياب، ثم يدخل المسجد فيصلى، فإذا فرغ من صلاته خرج فركب راحلته وأهل بالتلبية ولم ينتظر أن تنبعث به، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم. وهي حجتنا على الشافعي، وابن حبيب: انه يحرم إذا انبعث، وعلى
أبي حنيفة: أنه يحرم عقب الركوع.
قال بعض البغداديين: ولفظ التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. وذلك منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ. ويكفي منها مرة واحدة؛ لأنه أقل ما يتناوله الإسم، وما زاد على ذلك فمستحب، فإن أخل بها جملة فعلية الدم، لأنها من شرائع الحج وواجبات نسكه، وفعلها، وقال/ "خذوا عني مناسككم "، وقال: " من ترك من نسكه شيئاً فعليه الدم ". ويستحب رفع الأصوات بها للرجال لقوله صلى الله عليه وسلم: " أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال " ورواه مالك في الموطأ، ويكره ذلك للنساء
خيفة الفتنة؛ ولأن إخفاءه أستر لهن. قال أشهب في المجموعة: من اقتصر على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم المعروفة اقتصر على حظ وافر، ولا بأس عليه إن زاد على ذلك، فقد زاد عمر: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك لبيك مرهوباً منك ومرغوباً إليك، وزاد ابن عمر: لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل. قال ابن حبيب: الإهلال بالحج الاستفتاح بالتلبية، وهي إحرام الحج، كما أن التكبيرة الأولى التي بها ترفع اليدان إحرام الصلاة. تقول رافعاً صوتك خاشعاً لربك: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. فهذه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى ذلك مالك بن أنس، وعبد العزيز بن أبي سلمة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرفعون أصواتهم بالتلبية، وقال: " إن الله يغفر للملبي مدى صوته ويشهد له
ما سمعه من شيء " ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن توجه ناسياً للتلبية من فناء المسجد كان بنيته محرماً، فإن ذكر من قريب لبى، ولا شيء عليه، وإن تطاول ذلك، او نسيه حتى فرغ من حجة فليهريق دماً. فصل [6 - النية تكفي في الإحرام، ولا يُسمى] قال مالك: ويجزي من أراد الإحرام التلبية، وينوي بها ما أراد من حج أو عمرة، وتكفيه النية في الإحرام، ولا يسمى عمرة ولا حجة، وذلك أحب إلى مالك من تسمية ذلك، وإن كان قارناً فوجه الصواب فيه أن يقول: لبيك بعمرة وحجة، يبدأ بالعمرة في نيته قبل الحج، وتجزئه النية أيضاً. قال في كتاب ابن المواز: وكانت عائشة رضي الله عنها تسمى في الإحرام بالحج والعمرة، وكان ابن عمر يحرم فينوي. قال عنه ابن وهب: والتسمية أحب إلي.
قال بعض البغداديين: لأن الإحرام هو الاعتقاد بالقلب للدخول في الحج والعمرة، فلا يفتقر إلى تلبية بذلك غي انعقادها، خلافا لأبي حنيفة في قوله: إنه لا ينعقد ذلك إلا بنطق. ودليلنا: أنها عبادة لا يجب الذكر في آخرها فلم يجب في أولها كالصيام عكسه الصلاة، وللاتفاق على أنه إذا قلد الهدى وأشعره ينوى به الإحرام ولم يلب أن إحرامه يصح. ومن المدونة: قال مالك: ولا ينبغي للرجل أن يلبي فلا يسكت وقد جعل الله لكل شيء قدراً. قال غيره: ولأن ذلك سرف وخروج عما يتعلق بالندب. قال: وتستحب التلبية عند إدبار الصلوات؛ لأنها أوقات يستحب فيها، وعند كل شرف؛ لأن ذلك مروي عن الصحابة.
ومن المدونة: قال مالك: ولا ترفع الأصوات بالتلبية في شيء من المساجد إلا في المسجد الحرام ومسجد مني؛ لأنها مواضع الحج، بخلاف غيرها. قال في كتاب ابن المواز: ويسمع نفسه ومن يليه في جميع المساجد غير المسجد الحرام ومسجد منى فليرتفع صوته فيهما. قال أشهب في المجموعة: لأن ذلك يكثر فيهما ولا يشتهر بذلك الملبي؛ لأنهما موضع ذلك. ومن المدونة: قال مالك: ويلبي الحاج والقارن في المسجد الحرام، وأهل مكة في التلبية كغيرهم من الناس، وحد ما ترفع به المرأة صوتها عند مالك قدر ما تسمع نفسها. وكره مالك أن يلبي من لا يريد الحج ورآه خرقاً لمن فعله. فصل [7 - الإحرام بحج أو عمرة ينعقد بالنية، وافقها لفظه أو خالفها] ومن كتاب ابن المواز: قال مالك: ومن أراد أن يهل بالحج مفردا فأخطأ فقرن، أو تكلم بالعمرة فليس ذلك بشيء، وهو على حجه. قال مالك: وما كان لله على نيته. قال في العتيبة: ثم رجع مالك فقال: عليه دم، وقاله ابن القاسم.
قال ابن المواز: ومن لبى يريد الإحرام ولم ينو شيئاً فالاستحسان: أن يفرد، والقياس: أن يقرن، ولو نوى شيئاً فنسيه فهذا قارن لابد، وقال أشهب في المجموعة. م: لأن القرآن يجمع الحج والعمرة، فما كان نواه لا يخرج عنه. قال ابن المواز: وإن لبى بحجتين أو عمرتين فليس إلا حجة واحدة ولا يقضي الأخرى، قال أبو محمد: يريد: وإن نوى عمرتين لم يقض الأخرى.
[الباب الثالث] جاء ما جاء في تقليد الهدى وإشعاره في الإحرام ومن السنة: تقليد الهدى، في جانبه الأيسر عرضا، ويسمي
[الباب الثالث] جاء ما جاء في تقليد الهدى وإشعاره في الإحرام ومن السنة: تقليد الهدى، في جانبه الأيسر عرضاً، ويسمي.
الله عند الإشعار، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم في جميع ذلك. قال أبو حنيفة: الإشعار بدعة.
وفائدة الإشعار والتقليد: أن يعلم ما رآه إذا ضل أنه هدى قد وجب، فلا يقدم عليه. ومن المدونة قال ابن القاسم: فمن أراد الإحرام ومعه هدي فليقلده، ثم يشعره، ثم يجلله، وكل ذلك واسع، ثم يدخل المسجد فيركع ويحرم كما وصفنا. قيل: فإن أراد أن يقلد ويشعر بذي الحليفة ويؤخر إحرامه إلى الجحفة؟. قال: لا يفعل ولا ينبغي له أن يقلد ويشعر إلا عندما يريد أن يحرم، ثم يحرم عقيب تقليده وإشعاره، إلا أن يكون لا يريد الحج فجائز أن يقلد بذي الحليفة. قال: وإن لم يكن معه هدي وأراد أن يهدي فيما يستقبل فله أن يحرم ويؤخر الهدي. قال: ومن قلد هديه وهو يريد الذهاب معه إلى مكة بالتقليد أو بالإشعار أو بالتجليل محرماً حيث يحرم. قال إسماعيل القاضي في كتاب الأحكام: لا خلاف أنه إذا قلد هديه أو أشعره يريد بذلك الإحرام أنه محرم، وهو مذهب مالك، وإنما الخلاف إذا لم يرد الإحرام.
ومن المدونة: قال مالك: ويقلد هدي جزاء الصيد، وما كان من هدي عن جماع، وهدي ما نقص من حجه، والهدي كله يقلد ويشعر خلا الغنم فإنها لا تقلد ولا تشعر. وقال ابن حبيب: تقلد الغنم ولا تشعر، وروى ذلك عن عائشة، وعطاء. ولم ير مالك أن تقلد. ومن المدونة: قال مالك: وإذا دخل الهدي في الحج فلا ينحره إلا يوم النحر بمنى، فإن لم يفعل نحره بمكة بعد ذلك، ويسوقه إلى الحل إن كان اشتراه من الحرم، وإن أدخله معه من الحل إلى مكة فنحره بها أجزاء عنه. ومن جهل أن يقلد بدنته أو يشعرها من حيث ساقها حتى نحرها، وقد كان أوقفها أجرأته. قال: وتقلد البقر ولا تشعر إلا أن يكون لها أسنمة فتشعر. ابن حبيب: وروي عن ابن عمر، وابن شهاب: أنها تشعر، كانت لها أسنمة أو لم تكن. وبه أقول.
ومن المدونة: قال مالك: ولا تقلد فدية الأذى ولا تشعر، لأنها نسك، ومن شاء قلدها وجعلها هدياً. قال: والإشعار في الجانب الأيسر من أسنمتها عرضاً. قال ابن حبيب، ورواه عن ابن عمر. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا تقلد بالأوتار، تقول عائشة رضي الله عنها: "وكنت أفتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم قلائد هديه". ومن كتاب ابن المواز: قال ملك: تقلد البدن عند الإحرام بنعلين في رقبتها، ثثم تشعر في شقها الأيسر عرضاً، ووجوهها إلى القبلة، ثم تجلل إن أحب، وليس الجلال بواجب، ويقول إذا أشعرها: بسم الله، والله أكبر، ثم يركع، ثم يحرم. قال مالك: وكان ابن عمر يشعر بدنته من الشقين جميعا إن كانت صعابا، وإن كانت ذللا أشعرها من الشق الأيسر، قال في العتبية: ولم يشعرها من الشقين جميعاً؛ لأنه سنة، ولكن ليذللها، وإنما السنة في الشق الأيسر في الصعاب وغيرها. وقال ابن المواز - في قوله: يشعرها من الشقين - أي: من أي الشقين /
أمكنه. قال مالك: وتجزيء النعل الواحدة في التقليد، والنعلان أحب لينا. قال مالك: ويفعل حبل القلائد فتلاً، وأحب إلينا أن يكون مما تنبت الأرض، وإنما يفعل لئلا ينقطع، وقالت عائشة رضي الله عنها: كنت أفتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم قلائد هديه. قال مالك: ولا تجلل بالمخلق، فأما غير ذلك من الألوان فخفيف، والبياض أحب إلينا. قال ابن حبيب: وذلك يقدر السعة، فمنهم من يجلل بالوشي، وبالحير، وبالمشطب، والقباطي، والأنماط، وبالملاحف وبالأزر.
ابن المواز: قال مالك: وأحب إلينا شق الجلال عن الأسمنة إن كان قليل الثمن كالدرهمين ونحوها؛ لأنه يحبسه عن أن يسقط وأن لا تشق المرتفعة استبقاء لها. قال أبو الحسن ابن القابسي: يشق في الجلال عن موضع الإشعار، ويظهر على الجل من الدم، وإن كان الجل رفيعا ترك شقه فهو أنفع للفقراء. قال ابن المواز: وذكر ابن نافع أن ابن عمر كان يعقد أطراف الجلال على أنابها من البول ثم ينزعها قبل أن يصيبها الدم فيتصدق بها. قال ابن المبارك: كان ابن عمر يجللها بذي الحليفة فإذا أمسى ليله نزعه، فإذا قرب من الحرم جللها، وإذا خرج إلى منى جللها، فإذا كان حين النحر نزعه.
[الباب: الرابع] في إحرام المغمى عليه، ورفض الإحرام، ولباس المحرم وإدهانه ومالا يغطيه من بدنه
[الباب: الرابع] في إحرام المغمى عليه، ورفض الإحرام، ولباس المحرم وإدهانه ومالا يغطيه من بدنه. ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم المحرم عن لباس العمائم، ومخيط الثياب، والبرانس، والسراويلات، والخفاف، وما مسه ورس أو زعفران، وأرخص لمن لم يجد نعلين قطع الخفين أسفل من الكعبين ولبسهما. وقال صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة فذكر: المغمى عليه حتى يفيق". [فصل 1 - في إحرام المغمى عليه، ووقوفه بعرفة] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أتى الميقات مغمى عليه فأحرم عنه أصحابه بحجة أو عمرة أو قران وتمادوا، فإن أفاق فأحرم بمثل ما أحرموا به عنه أو بغيره، ثم أدرك فوقف بعرفة مع الناس أو بعدهم قبل طلوع الفجر من ليلة النحر أجزأه حجه،
وأرجو أن لا يكون عليه دم لترك الميقات، وأن يكون معذورا، وليس ما أحرم عنه أصحابه بشيء، وإنما الإحرام ما أحرم هو به إن نواه، فإن لم يفق حتى طلع الفجر من ليلة النحر وقد وقف به أصحابه لم يجزئه حجه. م: لأن الإحرام هو الاعتقاد بالقلب للدخول في الحج أو العمرة، والاعتقادات والنيات لا ينوب فيها أحد عن أحد، والمغمى عليه لا تصح منه نية ولا تنعقد عليه عبادة؛ لأنه غير مخاطب بها في حال إغمائه، ولا خلاف في ذلك. قال في الثاني: ولو أحرم بالحج، ثم أغمي عليه فوقف به أصحاب بعرفة أو المزدلفة مغمى عليه أجرأه، ولا دم عليه. ابن المواز: وقال أشهب: لا يجزئه ويفوته الحج إن لم يفق فيقف قبل طلوع الفجر. م: فوجه قول ابن القاسم: فلأنه قد أحرم بالحج وانعقد عليه ودخل فيه ومضى منه صدر فهو كالصائم يغمى عليه يعد الفجر وقد مضى صدر من النهار. ووجه قول أشهب: أن الوقوف بعرفة ركن قائم بنفسه، فإذا أغمي عليه قبله فلم يفق حتى طلع الفجر فهو كمن أغمي عليه في الصوم قبل الفجر فلم يفق إلا بعدها. وهذا أقيس. وفي الثاني: إيعاب هذا.
فصل: [3 - في رفض الإحرام] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا نوى الحاج أو المعتمر رفض إحرامه فلا شيء عليه وهو على إحرامه، وما رأيت مالكا ولا غيره يعرف الرفض. فصل [3 - ما يلبس المحرم من الثياب] قال مالك: ولا بأس أن يحرم في ثوب / غير جديد وإن لم يغسله، وعندي ثوب قد أحرمت فيه حججا ما غسلته. قال ابن حبيب: ويستحب أن يحرم في ثوبين أبيضين يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر. قال الأبهري، وغيره: وإنما ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "خير ثيابكم البياض، فليلبسها أحياؤكم، وكفنوا فيها موتاكم". ومن المدونة: وكره مالك للرجال والنساء أن يحرموا في الثوب المعصفر المقدم؛ لأنه ينتفض، وكرهه للرجال في غير الإحرام، ولا بأس أن يخدم الرجل في
البركانات، والطيالسة الكحلية، وفي عصب اليمن، وجميع ألوان الثياب إلا المعصفر المفدم الذي ينتفض، وما صبع بالورث والزعفران للنهي عن ذلك، فكرهه مالك، ولم يكره شيئا من الصبغ غيره، وكذلك إن غسل الذي صبغ بورس أو زعفران فقد كرهه أيضاً إلا أن يذهب لونه كله، فلا بأس به، وإذا لم يخرج لونه، ولم يجد غيره صبغة بالمشق وأحرم فيه، وأما المعصفر إذا غسل وبقي فيه أثر لونه فجائز للمحرم؛ لأنه يصير مورداً. قال ابن القاسم: ولم يكن مالك يرى بالمشق والمورد بأساً. قال ابن القاسم: ولا بأس بالإحرام في الثياب الهروية إن كان صبغها بغير الزعفران، وإن كانت بالزعفران فلا يصلح.
قال مالك: ولا يحرم في ثوب علق فيه ريح المسك حتى يذهب ريحه بغسل أو نشر، وإن أحرم فيه قبل أن يذهب ريحه فلا فدية عليه. قال أشهب: إلا أن يكثر فيصير كالطيب. م: وإنما كرهت هذه الثياب التي ذكرنا؛ لأنها تدعو المحرم إلى النساء والنكاح الذي يفسد الإحرام كما كره لبس ذلك والتطيب للمعتدة؛ لأنه داعية إلى النكاح. قال مالك: وأكره للرجل الحلال أن يلبس الثوب الخز لموضوع الحرير، وكره لبس الحرير والذهب للصبيان الذكور كما كرهه للرجال. قال ابن القاسم: وأرجو أن يكون الخز للصبيان خفيفا. فصل [4 - إذا لم يجد المحرم نعلين جاز له لبس الخفين] قال مالك: وإذا لم يجد المحرم نعلين وهو ملي جاز له لبس الخفين إذا قطعهما أسفل الكعبين كما جاء في الحديث، ولا فدية عليه. قال مالك: وإذا وجد نعلين فليشترهما وإن زيد عليه في الثمن يسيراً.
م: يريد: فإن لم يشترهما حينئذ ولب خفين قطعهما أسفل من الكعبين فليفتد؛ لأنه كالواجد للنعلين. قال مالك: وأما ما تفاحش من الثمن فما عليه أن يشتريهما، وأرجو أن يكون في سعة. وقال ابن حبيب: إنما أرخص في قطع الخفين في قلة النعال، فأما اليوم فقد كثرت ولا تعدم، فلا رخصة في ذلك اليوم، ومن فعله افتدى. وقال ابن الماجشون. م: والصواب أن لا فدية عليه؛ لأن له لبس الخفين وقطعهما أسفل من الكعبين إذا لم يجد النعلين كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وقول ابن حبيب هذا خلاف لمالك. فصل [5 - في الإدهان قبل الإحرام] ومن المدونة: قال مالك: ويدهن الرجل عند الإحرام وبعد حلاقه رأسه بالزيت وشبهه وبالبان السمح وهو غير المطيب، وأما كل شيء يبقى ريحه فلا يعجبني، ولا يدهن بشيء من ذلك بعد الإحرام، فإن فعل افتدى. قال ابن المواز: قال مالك: ولا بأس أن تمتشط المرأة قبل إحرامها بالحناء وبما لا
طيب فيه، ثم يحرم، ولا تجعل في رأسها زاوقا، فإن فعلت افتدت وإن جعلته قبل الإحرام. م: لأنه يقتل القمل. قال في المجموعة: ولا يجعل الرجل في رأسه عند الإحرام قبل أن يحرم خلاً للأقرحة وأخاف أن يقتل القمل. قيل: به إليه ضرورة أفيجعله ويفتدي؟ قال: لا يجعله وليصير حتى يحل أحب إلينا. قال مالك: ولا بأس أن يقص شاربه ويقلم أظفاره ويتنور عندما يريد أن يحرم، وأما شعر رأسه فأحب إلي أن يعفى ويوفر للشعث. قال في كتاب ابن المواز: ولا بأس أن يلبده قبل أن يحرم /، وفعله النبي صلى الله عليه وسلم قبل الإحرام خرج إلى مكة.
والتلبيد: أن يأخذ غاسولاً وصمغاً فيجعله في الشعر ويضفره فليلصق فيقتل قمله، ولا يشعث. ومن لبد، أو عقص، أو ضفر، أو ربط شعره قبل أن يحرم من الرجال فلابد له من الحلاق، ومن فعل ذلك من النساء فليس عليها إلا التقصير. قال في المجموعة: وللرجل أن يكتحل قبل أن يحرم. قال ابن المواز: وإن كان في عنقه كتاب فلينزعه قبل أن يحرم، فإن اضطر إليه فليتركه ويفتدي. وإذا انتفض على المرحمة شعر رأسها فلا بأس أن تعقده. فصل [6 - إحرام الرجل في وجهه ورأسه، وإحرام المرأة في وجهها ويديها]. ومن المدونة: قال مالك: وإحرام الرجل في وجهه ورأسه، فإن غطى وجهه ورأسه حتى طال ذلك افتدى.
قال بعض البغداديين: ولا خلاف في الرأس. والأصل فيه: نهيه صلى الله عليه وسلم للمحرم عن لباس العمائم والبرانس واتصل العمل بذلك. قال: وأما الوجه: فقال ابن القاسم: لا فدية عليه. ومن أصحابنا من يقول: يتخرج على روايتين. وقال الشافعي: ليس عليه كشف وجهه. ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "المحرم أشعث أغبر"، فجعل من وصفه ذلك، فاقتضى نفي ما أخرجه من هذا المعنى، والوجه أخص بذلك من سائر الأعضاء، وقياسا على المرأة، وإن كان ذلك على المرأة واجباً فالرجل أحرى. ومن المدونة: قال مالك: وإحرام المرأة في وجهها ويديها، والذقن هما فيه سواء لا بأس بتغطيته لهما.
قال غيره: والأصل في ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: "إحرام المرأة في وجهها"، ونهيه النساء عن لبس النقاب في الإحرام. فإذا ثبت ذلك لم يجز لها تغطية وجهها، إلا أن يكون هناك جمال يخاف فيه الفتنة فيجوز لها أن تسدل الثوب عليه بقدر ما يزول عنها ما يخاف من نظر من ينظر إليها. وأما اليدان فيلزمهما كشفهما إلى الكوعين، خلافاً لأبي حنيفة، لنهيه صلى الله عليه وسلم ن لبس القفازين؛ لأنه عضو ليس بعورة منها فوجب أن يتعلق به حكم الإحرام في
التغطية أصله الوجه. ومن المدونة: ويكره للمحرم أن يغطي ما فوق ذقنه، فإن فعل فلا شيء عليه، لما جاء فيه عن عثمان أنه غطى بعض وجهه ما دون عينيه وتطاول. وفي الثالث: إيعاب هذا. وقد تقدم أن المحرم يرفع صوته بالتلبية ولا يسرف، ولا يرفع صوته بها في شيء من المساجد إلا المسجد الحرام، ومسجد منى، وترفع المرأة صوتها قدر ما تسمع نفسها.
[الباب: الخامس] جامع ما جاء في قطع التلبية للحاج والمعتمر
[الباب: الخامس] جامع ما جاء في قطع التلبية للحاج والمعتمر قال مالك: وإذا دخل المحرم المسجد الحرام أول ما يدخل وهو مفرد بالحج أو قارن فلا يلبي، ويقطع التلبية من حين يبتدئ الطواف الأول بالبيت إلى أن يفرغ من سعيه بين الصفا والمروة، وهذا المستحب له. م: وروي مثل ذلك عن الصحابة. قال مالك: فإن لبى حول البيت، أو في السعي بين الصفا المروة لم أر ذلك ضيقاً ورأيته في سعة. قال مالك: وإذا فرغ من سعيه عاد إلى التلبية فلا يقطعها حتى يروح يوم عرفة إلى المسجد. قال ابن القاسم: يريد: إذا زالت الشمس وراح يريد الصلاة قطع التلبية. وثبت مالك عن هذا، وعلمنا أنه رأيه؛ لأنه قال: لا يلبي الإمام يوم عرفة على المنبر، ويكبر بين ظهراني خطبته، ولم يؤقت في تكبيره وقتاً، وكان يقول: يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف،
وكان يقول: يقطع إذا زاغت الشمس، ثم رجع على ما ذكرنا. قال ابن القاسم: وإذا قطع التلبية فلا بأس أن يكبر. قال بعض البغداديين: إنما استحب مالك قطع التلبية بعد الزوال يوم عرفة، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي في أنه يقطع عند رمي الجمرة؛ لأنه ما قلناه إجماع الصحابة، روي عن الخلفاء الأربعة، وابن عمر، وعائشة، وذكر مالك أنه إجماع أهل المدينة؛ ولأن التلبية إجابة للنداء / بالحج الذي دعي إليه، فإذا انتهى فقد أتى بما لزمه ولا معنى لاستدامتها. ومن المدونة: ومن اعتمر من ميقاته قطع التلبية إذا دخل الحرم، ثم لا يعاودها. قال ابن القاسم: وكذلك من أتى وقد وفاته الحج أو أحصر بمرض حتى فاته يقطع
التلبية إذا دخل أوائل الحرم؛ لأن عملهم صار عمل العمرة. قال مالك: ولا يحل المحصر بمرض من إحرامه إلا البيت وإن تطاول ذلك به سنين. قال: والذي يحرم بعمرة من غير ميقاته مثل الجعرانة والتنعيم يقطع إذا دخل بيوت مكة أو المسجد الحرام، كل ذلك واسع. وفي رواية الأبهري: يقطع المعتمر من ميقاته إذا دخل أوائل الحرم. والمعتمر من الجعرانة إذا دخل بيوت مكة؛ لأن مدته أقصر من ذلك. ومن التنعيم إذا دخل المسجد؛ لأن مدته أقصر منهما، وكل ذلك واسع، وقد روى عن ابن عمر أنه كان يفعل نحو هذا فاستحسنه مالك وأخذ به. ومن المدونة: وحكم من جامع في حجة فاسدة في قطع التلبية، وغيرها، حكم من لم يفسده. وأهل مكة في التلبية كغيرهم من الناس. وقد تقدم أن الحاج والقارن يلبي في المسجد الحرام، وأن مالكا كره أن يلبى في المسجد الحرام، وأن مالكاً كره أن يلبى من لا يريد الحج، ورآه خرفا لمن فعله.
[الباب السادس] في إفراد الحج، والقران، والتمتع، وإرداف الحج على العمرة
[الباب السادس] في إفراد الحج، والقران، والتمتع، وإرداف الحج على العمرة. قد تقدم أن الإفراد أن يحرم بحجة فيقول: لبيك بحجة، والقرآن، أن يقول: لبيك بعمرة وحجة، وتجزئة النية في ذلك كله وإن لم يسم. قال ابن القاسم: والتمتع: أن يهل بعمرة في أشهر الحج، فإذا حل منها أقام بمكة متمتعاً بالنساء والثياب والطيب وغير ذلك مما يجتنبه المحرم، ثم يحج من عامه، ولذلك سمي متمتعاً. ومن المدونة: قال ابن القاسم: والإفراد بالحج أحب إلى مالك من القرآن والتمتع، وأجاز الشاة في دم القرآن على تكره، يقول: إن لم يجد. واستحب فيما استيسر من الهدي: قول ابن عمر البقرة دون البعير. قال ابن المواز: والتمتع، والقرآن، والإفراد، كل ذلك واسع، والإفراد أفضل. قال عبد الملك: وقد اختلف في حجة الرسول الله صلى الله عليه وسلم وأحق أن يكون أولى ذلك وأصحه الإفراد؛ لأنه أسلم، ولا هدي فيه، ولا يكون الهدي إلا ليجبر به النقص،
والعبادة التي لا نقص فيها أفضل، وقد اختار ذلك الأئمة، وأمتثله أهل الخبرة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجاء أن عائشة أفردت، وذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد، وهي منه بموضع الخبرة الأكيدة ليلاً ونهاراً وسراً وعلانية، وأفرد أبو بكر سنة تسع، وأفرد عتاب بن أسيد سنة ثمان، وهو أول حج قام للمسلمين، وأفرد عبد الرحمن عام الردة،
وأفرد الصديق السنة الثانية، وأفرد عمر عشر سنين، وأفرد عثمان ثلاث عشرة سنة، واتصل العمل به بالمدينة من الأئمة والولاة ومن علمائهم وعامتهم، فأين المعدل عن هذا؟. م: فكذلك ذكر ابن حبيب عن عبد الله في جميع هذا، واعتذر فيما وقع من اختلاف الرواية في حجة النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو جعفر في كتابه: الناسخ والمنسوخ: أحسن ما قيل في ذلك: أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بعمرة فقال من رآه: تمتع، ثم أهل بحجة، فقال من رآه أفرد، ثم قال: "لبيك بحجة وعمرة"، فقال من سمعه: قرن، فاتفقت الأحاديث.
م: قال عبد الوهاب: الأفراد أفضل، ثم التمتع، ثم القران. وذهب أو حنيفة إلى أن القران، والتمتع أفضل من الإفراد. وذهب الشافعي إلى أن التمتع أفضل. واحتج أبو محمد: عبد الوهاب بنحو ما تقدم لعبد الملك، قال: وإنما قلنا إن التمتع أفضل من القرآن؛ لأنه يأتي بالعملين مفردين على تمامهما. وروى أشهب عن مالك في المجموعة أنه قال: أما من قدم مراهقا للحج فالإفراد أحب إلي، وأما من قدم وبينه وبين الحج طول زمان يشتد عليه فيه الإحرام ويخاف على صاحبه قلة الصبر فالتمتع أحب إلي، وأما من أتى موافياً ولم يشأ الإفراد فالقران له أحب إلي من التمتع.
فصل [1 - في إرداف العمرة على الحج، أو إرداف حج على حج]. ومن المدونة: وكره مالك لمن أحرم بالحج أن يضيف إليه عمرة أو حجة، فإن أردف ذلك أول دخوله مكة أو بعرفة أو في أيام التشريق فقد أساء وليتمادوا على حجه، ولا يلزمه شيء مما أردف ولا قضاؤه ولا دم قران. م: وإنما لم ترتدف عمرة على حج، ولا حج على حج؛ لأنه لا يستفيد بهذا الإرداف زيادة فعل على ما كان لزمه بالإحرام الأول، فهو بخلاف من أردف حجا على عمرة؛ لأنه بهذا الإرداف ألزم نفسه زيادة عمل الحج على عمل العمرة، وهذا الإرداف جائز، وفعله السلف، ويكون بذلك قارناً. فصار القران على وجهين: إما أن يبتدي في الإحرام بالعمرة والحج معاً في حال واحد ينوي بقلبه أنه دخل فيهما مقدما للعمرة في نيته، أو يكون إنما ابتدأ الإحرام بالعمرة، ثم أضاف إليها الحج قبل طوافه، فيكون أيضاً قارناً. [فصل 3 - في وقت إرداف الحج على العمرة] ومن المدونة: قال مالك: ومن أحرم بعمرة فله أن يضيف إليها الحج، ويصير قارناً ما لم يطف بالبيت، فإذا طاف ولم يركع كره له أن يردف الحج، فإن فعل لزمه صار قارناً، وعليه دم القران، ويتم طوافه بالركوع ولا يسعى.
ابن المواز: وقال أشهب، وابن عبد الحكم: لو طاف ولو شوطاً أتم عمرته، ولم يلزمه الحج الذي أردفه إلا أن يشاء. م: فوجه رواية ابن القاسم عن مالك: فلأن الطواف ما لم يكمل بالركوع لم يتقرر حكمه، ولم يأت بركن من أركان العمرة على كماله، فلم يمنعه ذلك من إضافة الحج إليها، كالذي أحرم بها ولم يطف. ووجه قول أشهب: هو أن شروعه في الطواف يقتضي تمامه على ما دخل فيه، فليس له نقله إلى غيره؛ ولأن في ذلك نقصاً لما أوجبه على نفسه مما لزمه إكماله، وذلك غير جائز، ويفارق الطواف الإحرام: أن الإحرام ابتداءً يراد لما بعده، وإذا لم يشرع في مقصوده وسع له أن يقصِر إرادته على ما هو أكمل مما كان عقده على نفسه. ومن المدونة: قال مالك: وإن أردف الحج بعد أن طاف وركع ولم يسع أو سعى بعض السعي وهو من أهل مكة أو غيرها كره له ذلك، فإن فعل فليمضِ على سعيه، ثم يحل، ثم يستأنف الحج. قال يحي بن عمر: إن شاء.
قال عبد الوهاب: وإنما قال ذلك: لأنه لما تم طوافه بالركوع حصل له ركن كامل كم العمرة فلزمه تمامها بالسعي على حسب ما عقد على نفسه له نقل ذلك إلى غيره، فهو بخلاف ما لم يركع؛ لأن الركوع باتصاله للطواف ومنع تراخيه عنه كأنه جزء منه، وليس كذلك السعي؛ لأن له حكم نفسه في الوجوب؛ لأنه ركن، فهو مساوٍ للطواف غير تابع له. [فصل 3 - المحرم بالعمرة إذا أحرم بالحج بعد سعيها صح إحرامه، ويحرم عليه الحلق، ويلزمه هدي لتأخير حلاق العمرة] قال مالك: وإن أردف الحج بعد تمام سعيه قبل أن يحلق لزمه الحج ولم يكن قارناً، ويؤخر حلاق رأسه، ولا يطف بالبيت ولا يسعى حتى يرجع من منى، إلا أن شاء أن يطوف تطوعاً، ولا يسع، ولا دم قران عليه، وعليه دم تأخير الحلاق في عمرته كان مكياً أو غير مكي؛ لأنه لما أحرم بالحج لم يقدر على الحِلاق، ولا دم عليه/ لتمتعه إلا أن يحلَّ من عمرته في أشهر الحج فيلزمه الدم إن كان غير مكي، وإن كان مكياً لم يلزمه غير دم تأخير الحلاق فقط. م: فصار إرداف الحج على العمرة عند ابن القاسم على أربعة أوجه: فوجهان أحدهما جائز، والثاني مكروه، ويكون فيهما قارناً، وهو أن يردف الحج قبل الطواف، فهذا جائز، أو يردفه بعد الطواف وقبل الركوع، فهذا مكروه، وهو فيهما قارن. ووجهان أحدهما جائز، والثاني مكروه، وهو قارن، وهو أن يردفه
بعد الطواف والسعي، فهذا جائز، أو يردفه بعد الطواف والركوع وقبل السعي، فهذا مكروه، وهو فيهما غير قارن، وعليه دم تأخير الحلاق. م: قال بعض أصحابنا: فإن تعدى هذا لزمه تأخير الحلاق فحلق، فظهر لي أنه لا يسقط عنه دم تأخير الحلاق؛ لأنه نقص لزمه، كمن تعدى ميقاته، ثم أحرم بالحج فلزمه دم التعدي، فلا يسقطه عنه رجوعه إلى الميقات. ويلزمه مع دم تأخير الحلاق الفدية؛ لأنه محرم حلق رأسه. وقال بعض أصحابنا: يتخرج هذا على روايتين؛ كقولهم فيمن قام في صلاته من اثنين قبل أن يجلس فلما استوى قائماً رجع فجلس، فقال ابن القاسم: يسجد بعد السلام، وقال أشهب: قبل السلام، فعلى قول أشهب الذي رأى أن النقص ترتب عليه يجب أن لا يسقط عنه دم تأخير الحلاق، وعلى قول ابن القاسم الذي يرى أن ما جرى من فعله زيادة يجب أن يسقط عنه دم تأخير الحلاق، وإنما يجب عليه الفدية. ومن المدونة: قال مالك: ويُقلّد هدى تأخير الحلاق ويشعر ويقف به بعرفة من هدي تمتعه، فإن لم يقف به بعرفة لم يجزه إن اشتراه من الحم إلا أن يخرجه إلى الحل فيسوقه منه إلى مكة، ويصير منحره بمكة. وليس على من حلق أذى أن يقف بهديه بعرفة؛ لأنه نُسك.
[فصل 4 - في الإحرام بالعمرة أو القران من داخل الحرم] قال مالك: ولا يحرم أحد بالعمرة أو يقرن من داخل الحرم. قال أبو بكر الأبهري: وإنما لم يصلح أن يبدأ بالعمرة من داخل الحرم؛ لأن الطوف الذي هو في الإحرام سبيله أن يجمع له الحل والحرم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقاله ابن عباس. فأما الإحرام بالحج فإنه يجوز من مكة من قِبَل أن الحج لابد فيه من الجمع بين الحل والحرم؛ لأنه لابد له من الخروج إلى عرفة لا يصح حجه إلا بذلك، وعرفة هي في الحل، فلذلك جاز أن يحرم بالحج من الحرم. قال سحنون: وكذلك إن قرن من اخل الحرم ليس عليه أن يخرج إلى الحل؛ لأنه خارج إلى عرفة، وعرفة في الحل، فقد جمع في إحرامه هذا بين حل وحرم.
م: ووجه قول مالك: أنه لا يقرن من داخل الحرم: لأنه محرم مع حجة بعمرة فوجب أن يكون من الحل، أصله إذا انفردت العمرة؛ ولأن تقدير القران دخول الحج على العمرة، وأن يكون المبدأ بها فغلب حكمها عند فعل الإحرام. م: وقول سحنون أقيس. قال: في كتاب ابن المواز: وإذا أحرم بعمرة من الحرم فلم يذكر إلا في طوافه فليتم طوافه ويخرج إلى الحل ويدخل منه. محمد: يريد: ويبتدي. وإن لم يذكر حتى أتم عمرته وحلق فليس ذلك بإحلال، ولابد أن يخرج إلى الحل ويدخل منه ويأتنف عمل العمرة ثانية ويمر الموس على رأسه، ولا شيء عليه في حلاقه الأول. قال أبو محمد: وهذه أراها لأشهب، وهي في أمهات أشهب نصاً، إلا أن في كتابه: أن عليه الفدية في حلقه الأول، هكذا رأيت في أمهات يحيى بن عمر، وغيرها، وهو الصواب، وأراها وقعت في كتاب ابن المواز غلطاً. ومن المدونة: قال مال: وإذا أحرم مكي بعمرة من مكة ثم أضاف إليها حجة لزماه وصار قارناً ويخرج إلى الحل؛ لأن الحرم ليس بميقات للمعتمرين، وليس عليه دم
القرآن؛ لأنه مكي. قال: وهو إن أحرم بحجة ما بعدما سعى بين الصفا والمروة لعمرته وقد كان خرج إلى الحلّ فليس بقارن؛ لأنه أردف الحج بعد تمام عمرته، وعليه دم تأخير الحلاق والملكي وغيره في هذا سواء. قال أبو محمد: قوله: وقد كان خرج إلى الحل معناه: أنه خرج إليه بعدما أحرم بالعمرة وقبل أن يطوف لها ويسعى، وأما إن لم يخرج إلى الحل حتى فرغ من سعيه وأحرم بالحج فهاهنا يلزمه الحج، ويصير قارناً، ويخرج إلى الحل. م:/ لأنه لما أردف الحج قبل خروجه إلى الحل لعمرته فقد أردفه قبل تمامها فصار قارناً؛ لأن سنة العمرة أن يجمع فيها بين الحل والحرم ثم يطوف ويركع ويسعى. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو دخل مكي بعمرة فأضاف الحج، ثم أُحْصِر بمرض حتى فاته الحج؛ فإنه يخرج إلى الحلّ، ثم يرجع ثم يطوف ويحل، ويقضي الحج والعمرة قابلاً قارناً. قال ابن المواز: قال مالك: ولا أحب لأهل مكة أن يقرنوا، وما سمعت مكياً قرن، فإن فعل فلا هدي عليه لقرانه كمتعته.
[الباب السابع] بقية القول في المتمتع والقارن وما يلزمهما من هدي أو عمل
[الباب السابع] بقية القول في المتمتع والقارن وما يلزمهما من هدي أو عمل قال الله سبحانه: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} على قوله {حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} وكان للقارن حكمه بالسنة؛ لأن القارن يطوف ويسعى للحج والعمرة معاً مرة واحدة، فجبر ذلك بالهدي، ودخل مدخلهما في وجوب الهدي: كل من انثلم من حجه شيء. [فصل 1 - صفة التمتع] والمتمتع: من اعتمر في أشهر الحج فحلّ من عمرته، ثم حج من عامه قبل الرجوع إلى أفقه أو إلى أفق مثله في البعد من سائر البلدان، إلا أهل مكة وذي طوى وهي منها، كما استثنى الله تعالى. قال غير ابن القاسم: وذلك أن غير المكي كان حقه أن يأتي بالحج في سفر
وبالعمرة في سفر ثان، فلما تمتع بإسقاط أحد السفرين أوجب الله عليه الهدي، والمكي فلم يسقط سفراً فيلزمه الهدي. م: وأنكر بعض القرويين اعتلالهم بإسقاط أحد السفرين، وقال: يلزم على قولهم: أن من اعتمر في غير أشهر الحج، ثم حج من عامه أن يكون متمتعاً؛ لأنه أسقط أحد السفرين، وهذا خلاف الإجماع. قال: وإنما سمي متمتعاً لإحلاله بين حجه وعمرته. م: وما احتج به هذا القروي لا يلزم؛ لأنه إنما يراعى إسقاط أحد السفرين في أشهر الحج، ولو لزم ذلك في اعتماره في غير أشهر الحج لعكس الجواب عليه، فيقال له: أرأيت لو حل من عمرته في غير أشهر الحج أليس هذا قد حل بين حجه وعمرته؟ فيلزم على قوله أن يكون متمتعاً. م: فصح إنما المراعاة بإسقاط أحد السفرين في أشهر الحج، ويصح أن يقال: إنما سمي متمتعاً؛ لأنه تمتع بإحلاله بين حجه وعمرته في أشهر الحج؛ لأن المستحب له إذا كان مريداً للحج ودخلت عليه أشهر الحج ألا يدخل بعمرة وأن يفرد كالثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أفرد، فإذا اعتمر وحل من عمرته في أشهر الحج فقد تمتع بذلك الإحلال، وحل له الحلاق ولباس المخيط ووطء النساء والطيب، فإذا حج من عامه لزمه الدم، كما قال الله تعالى، فإذا قال: أنا أحج حجاً لا تمتع فيه وأرجع إلى أفقي أو إلى مثله،
قلنا له: قد سقط عنك دم التمتع، وقد روي ذلك عن عمر، ولا مخالف له من الصحابة، ولأنك أتيت بحج لا تمتع فيهن وهذا كما حنث في مشي إلى مكة، فمشى فعجز فركب في الطريق أنه يرجع ثانية حتى يمشي ما ركب ويهدي، فإن رجع ومشي كل الطريق لم يكن عليه هدي، فكذلك هذا إذا رجع وأتى بحج لا تمتع فيه سقط عنه الدم. وبالله التوفيق. وذكر ابن الكاتب في مناسكه في المتمتع إذا مات قبل أن يرمي جمرة العقبة، قال: قال مالك: لا دم عليه. وقال بعض أصحابنا: عليه الدم. قال: فوجه قول مالك: أن المحرم حكمه قبل أن يرمي جمرة العقبة باقٍ في كل ما نهي المحرم عنه، وبقي عليه مع ذلك طواف الإفاضة، وهو فرض إجماعاً، فصار بذلك غير مستكمل لحجته، وإنما أوجب الله عز وجل الدم على من تمتع بالعمرة إلى الحج، وحج هذا غير متكامل. قال: ولا يكون متمتعاً من اعتمر بعد حجه في باقي ذي الحجة لأنه لم يتمتع بالعمرة إلى الحج، وقد اعتمرت عائشة ليلة الحصبة بعد حجها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولم
يوجب ذلك عليها شيئاً. [فصل 3 - صفة القران] والقارن: من أحرم بعمرة وحجة معاً، أو بعمرة ثم أردف الحج/ قبل أن يطوف ويركع، وطوافه لهما طواف واحد وسعي واحد، فلذلك جبره بالهدي، فكان الإفراد أفضل. وقال أبو حنيفة: على القارن طوافان وسعيان، وإن أصاب صيداً، أو ما يلزمه به فدية، فجزاءان وفديتان. ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: "يكفيك طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة لحجتك وعمرتك".
وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي: "يجزئك"، وهذا نص. والدليل أن عليه في قتل الصيد جزاءً واحداً: قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}، ولم يفرق بين أن يكون قارناً أو مفرداً؛ ولأنهما حُرمتان لو انفردت كل واحدة بقتل الصيد فيها لزمه جزاء، فإذا اجتمعا كفاه فما جزاء واحد، أصله المحرم إذا قتل صيداً في الحرم، وهي حجتنا على أنه لا يلزمه إلا فدية واحدة فيما فيه الفدية وهدي لفساده، خلافاً له في ذلك كله. ومن المدونة: قال مالك: ومن دخل مكة قارناً فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة في غير أشهر الحج ثم حج من عامه فعليه دم القران، ولا يكون طوافه حين دخل مكة لعمرته لكن لهما جميعاً، ولا يحل من واحدة منهما دون الأخرى حتى يتم حجه من عامه؛ لأنه لو جامع فيهما قضى قارناً. وليس على أهل مكة: القرية بعينها أو أهل ذي طوى إذا قرنوا أو تمتعوا دم قران ولا متعة، أحرموا من الميقات أو غيره، لكنهم يعملون عمل القارن. قال يحيى: كان مالك، وأصحابه لا يرون على مكي قرن دماً، إلا عبد الملك فإنه يراه عليه.
فوجه قول مالك: أن القارن من أهل مكة لا يلزمه في الأصل سفران فيسقط أحدهما فيلزمه الدم لذلك، وهذا هو الأصل في لزوم الدم للقارن. ووجه قول عبد الملك: أنه أسقط أحد العملين، وهذا يستوي فيه المكي وغيره، فهو بخلاف المتمتع؛ لأن الدم إنما وجب على المتمتع بإسقاط أحد السفرين، وذلك يختلف فيه المكي وغيره؛ لأن المكي ليس عليه سفران كغير المكي. ومن المدونة: قال مالك: وأما أهل منى، أو المناهل الذين بين مكة والمواقيت كقديد، وعُسفان، ومر الظهران، وغيرهم من سكان الحرم إذا هم قرنوا من موضع يجوز لهم، أو دخلوا بعمرة من موضع يجوز لهم، فحلوا من عمرتهم في أشهر الحج، ثم أقاموا بمكة حتى حجوا، فعليهم دم المتعة، ودم القران، ومن رجع منهم إلى قراره بعد أن حل من عمرته في أشهر الحج ثم حج من عامه سقط عنه دم المتعة، لرجوعه إلى منزله. قال عبد الوهاب: وإنما قلنا: إن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة: القرية بعينها دون غيرهم، خلافاً لأبي حنيفة: أنهم من كان دون المواقيت إلى مكة،
وللشافعي: أنهم من كان من الحرم على مسافة لا تُقصر فيها الصلاة، ولغيرهما: أنهم أهل الحرم. ودليلنا: قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}، وحاضر الشيء لا يحتاج إلى قطع مسافة إليه، فدل أنه مقصور على أهل مكة؛ ولأن كل موضع ليس بمكة لا يوصف أهله بأنهم حاضروا المسجد الحرام كالمدينة والعراق. م: وذكر ابن حبيب: أنه لا تمتع لأهل القرى المجاورة لمكة مثل: مر ظهران ضجنان ونختلتان، وعرفة، ونحوها مما لا تقصر في مثلها الصلاة، كقول الشافعي.
قال: هكذا روي عن ابن عباس، وهو قول مالك وأصحابه. قال أبو محمد: والذي تأول ابن حبيب في هذا، ليس بقول مالك، وأصحابه فيما علمت. ومن المدونة: قال مالك: ولو أقام المكي بمصر أو بالمدينة مدة لتجارة أو غيرها، ولم يوطنها، ثم رجع إلى مكة فقرن لم يكن عليه دم القران. قال مالك: ومن كان له أهل بمكة، وأهل ببعض الآفاق فقدم مكة متعمراً في أشهر الحج، فهذا من مشتبهات الأمور، وأحوط له أن يهدي. ابن القاسم: وذلك رأيي. ابن المواز: وقال أشهب: إن كان إنما يأتي أهله بمكة منتاباً فعليه دم التمتع، وإن كان سكناه بمكة ويأتي أهله التي بغيرها منتاباً فلا هدي عليه كالمكي. ومن المدونة: ومن/ دخل مكة في أشهر الحج بعمرة وهو يريد سكناها، ثم حج من عامه فعليه دم المتعة؛ لأنه اعتمر قبل أو يوطئها، وإنما أتى يريد السكنى، وقد
يبدو له، قاله مالك في الموطأ، وقاله أشهب، ولو انتجع لسكنى مكة في غير أشهر الحج، ثم اعتمر في أشهر الحج، ثم حج من عامه فهو كالمكي، ولا دم عليه؛ لأنه اعتمر بعد أن وطئها، فهو بخلاف الذي دخل في أشهر الحج. ومن المدونة: ومن حل من عمرته من أهل الآفاق قبل أشهر الحج، ثم اعتمر عمرة ثانية من التنعيم في أشهر الحج، ثم حج من عامه فعليه دم المتعة، وهو أبين من الذي قدم للسكنى؛ لأن هذا لم تكن إقامته أولاً لسكنى. [فصل 3 - المتمتع إذا عاد إلى بلده أو مثل بلده في البعد عن مكة سقط عنه الدم] ومن حل من عمرته في أشهر الحج وهو من أهل الشام أو مصر فرجع من مكة إلى المدينة، ثم حج من عامه ذلك فعليه دم المتعة؛ لأنه رجع إلى دون أفقه، إلا أن يرجع إلى أفقه الأول، أو إلى أفق مثل أفقه ويتباعد من مكة، ثم يحج من عامه فلا يكون متمتعاً. قال ابن المواز: مثل أن يكون أفقه في غير الحجاز فرجع إلى مثله في البعد فلا هدي عليه. م: كان محمداً يشير إلى أنه لو كان أفقه في الحجاز لم يزل عنه التمتع إلا أن
يرجع إلى أفقه بعينه أو يتباعد ويخرج عن الحجاز. م: ووجه هذا: أنه إذا رجع إلى أفقه بعينه فقد أتى بمثل السفر الأول لا محالة فحصل حجه لا تمتع فيه، وإذا رجع إلى مثله في البعد، فليس هو مثله على الحقيقة، والتمتع إنما هو الترفه بإسقاط أحد السفرين، فإذا كان ما رجع إليه قريباً فكأنه لم يسقط عنه الترفه، ولا هو أتى بمثل السفر الأول حقيقة، فوجب أن لا يسقط عنه دم المتعة، وكأن ابن المواز رأى أن الحجاز كله قريباً. وهذا استحسان: والقياس: أنه إذا رجع إلى مثل أفقه في البعد أو أبعد منه وإن كان في الحجاز أنه يسقط عنه دم المتعة. والله أعلم. قال أبو محمد: إذا كان أفقه يدرك أن يذهب إليه ويعود فيدرك الحج من عامه فلا يسقط عنه التمتع إلا برجوعه إلى أفقه أو إلى مثله في البعد، فأما من كان أفقه بإفريقية فيرجع إلى مصر فهذا عندي يسقط عنه المتمتع؛ لأن موضعه لا يدرك أن يذهب إليه ثم يعود من عامه فيدرك الحج. قال عبد الوهاب: وإنما قلنا إن المتمتع إذا رجع إلى أفقه أو مثله في البعد، ثم حج من عامه، فليس بمتمتع، خلافاً لما يُحكى عن الحسن؛ لأن ما قلناه مروي عن عمر.
ولا مخالف له؛ ولأنه لم يحصل له تمتع؛ لأنه قد أتى بالسفرين. وإنما اعتبرنا أن يكون رجوعه إلى أفقه أو مثله في البعد، خلافاً للشافعي في قوله: إنه إذا رجع إلى الميقات فأحرم بالحج لم يكن متمتعاً. لأن التمتع: الترفه بإسقاط أحد السفرين من بلده، فمتى وجدته مترفهاً بإسقاط أحدهما فهو متمتع، وقد علمنا أن البغدادي إذا حلّ من عمرته في أشهر الحج، ثم رجع إلى ذات عرق ونحوها فأحرم بالحج لم يزل عنه الترفه، إذ لا مشقة في ذلك عليه. قال: وإنما شرطنا أن ذلك إذا حج من عامه؛ لأن ذلك مبني على أنه جمع بين العمرة والحج في أشهر الحج، وهذا لا يكون إلا في عام واحد؛ لأنه إذا كان في عامين لم يكن معتمراً في أشهر الحج الذي أتي به. قال: وإنما شرطنا أن يأتي بالعمرة في أشهر الحج؛ لأن أصل الرخصة إنما تعلقت بإيقاع العمرة في أشهر الحج؛ لأن العرب كانت ترى ذلك فجوراً، ولذلك راجعوا النبي صلى الله عليه وسلم لما أمرهم أن يحلوا بعمرة.
وإنما شرطنا أن تقديم العمرة على الحج هو التمتع: لقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} فبدا بالعمرة في الفعل. ومن المدونة قال: ومن اعتمر في رمضان فطاف وسعى بعض السعي، ثم أهل شوال فتم سعيه فيه، ثم حج من عامه كان متمتعاً. م: يريد: أنه أتم سعيه بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان؛ لأن تلك الليلة من شوال، وأما/ لو رأى هلال شوال نهاراً فتم سعيه بعد أن رآه نهاراًن فليس بمتمتع؛ لأن ذلك اليوم من رمضان. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو فرغ من سعيه في رمضان، ثم أهل شواء قبل أن يحلق، ثم حج من عامه فليس بمتمتع؛ لأن مالكاً قال: من فرغ من سعيه بين الصفا والمروة فليس الثياب قبل أن يُقصِّر فلا شيء عليه. ومن كتاب ابن المواز: ومن اعتمر في أشهر الحج يريد التمتع وفرغ من عمرته، ثم فاته الحج قبل أن يحرم به فلا تمتع عليه.
قال: ولو اعتمر في أشهر الحج فأفسد عمرته بالوطء، ثم حل منها، ثم حج من عامه قبل قضاء عمرته فهو متمتع، وعليه قضاء عمرته بعد أن يحل من حجته، وحجه تام، ولو أردفه على العمرة الفاسدة لم يلزمه ذلك الحج. وقال عبد الملك: يرتدف الحج على العمرة الفاسدة. ابن المواز: ومن اعتمر عن نفسه في أشهر الحج، ثم حل منها، ثم حج من عامه عن غيره فهو متمتع. [فصل 4 - المتمتع إذا مات قبل رمي جمرة العقبة فلا دم عليه، وإن مات بعد رميها لزمه هدي التمتع] قال ابن القاسم- عن مالك-: ومن تمتع بالعمرة إلى الحج ثم مات بعد الوقوف بعرفة، فإن مات قبل رمي جمرة العقبة فلا شيء عليه، وإن مات بعد رميها فقد لزمه هدي التمتع. قال ابن القاسم: وأشهب: من رأس مال؛ لأنه لم يفرط. قال ابن القاسم: وكذلك إن مات يوم النحر وإن لم يرم فيه، أو مات بعده فقد لزمه ذلك، وكذلك روى عنه عيسى في العتبية. وقال سحنون: لا يلزم ذلك ورثته إلا أن يشاءوا، كمن حلت عليه زكاته فمات ولم يفرط ولم يوص بها. والذي ذكر سحنون عن ابن القاسم في الزكاة خالفه فيه أشهب.
م: ويحتمل أن يكون معنى قول ابن القاسم: أنها تلزمه في رأس ماله إذا أوصى بها، كزكاة العين تحل عليه في مرضه، ولا يكون ذلك تناقضاً، ويحتمل أن أراد أنها في رأس ماله، وإن لم يوص بها أن يكون الفرق بين ذلك: أن زكاة العين يخفى إخراجها وتختلف أحواله، فيحتمل إذا لم يوص بإخراج ذلك أن يكون حول ذلك قد حل من قبل موته فأخرجه، أو حل عند موته فأخرجه ولم يعلم ورثته، فلا يلزمهم ذلك إلا أن يوصي به فيعلم أنه لم يخرجه. وأما الهدي فحلول وقته معلوم، وهو يوم النحر، وهو أمر لا يخفى إخراجه كخفاء إخراج العين، فكان بزكاة الثمار تحل عند موته أشبه، والله أعلم. ابن المواز: ومن صام ثلاثة أيام في الحج لتمتعه، ثم مات بعد تمام حجه بمكة أو بعد رجوعه إلى بلده قبل أن يصوم السبعة فليهد عنه هدي. قال: والمعتمر مراراً في أشهر الحج إذا حج من عامه فهدي واحد يجزئه لتمتعه.
[الباب الثامن] ما جاء في المواقيت وتعديها، ومن أحرم قبلها
[الباب الثامن] ما جاء في المواقيت وتعديها، ومن أحرم قبلها [فصل 1 - الميقات المكاني للحج والعمرة] ووقَت الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة من ذي الحُليفة، ووقَت لأهل الشام الجحفة، فدخل في ذلك من وراءهم من أهل مصر، وأهل المغرب. وفي رواية ابن حبيب: أن النبي صلى الله عليه وسلم وقَت لأهل الشام وأهل مصر ومن دونهم من أهل المغرب الجحفة.
قال: هو، وغيره: ووقت لأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد من قَرْن، وفتح عمر العراق فوقت لهم ذات عرق.
وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ويهل أهل العراق من ذات عرق"، وبهذا أخذ مالك وأصحابه. قال: وميقات من منزله دون الميقات إلى مكة من منزله، فإن جاوزه فعليه دم، وهو من رواية ابن حبيب عن النبي صلى الله عليه وسلم.
واستحب مالك لأهل مكة أو لمن دخلها بعمرة أن يحمر بالحج من المسجد الحرام، قال أشهب: من داخله، قال الأبهري: إنما ذلك لفضيلة المسجد وليكن ركوعه فيه، ثم يحرم عقيب ركوعه. ومن المدونة: قال مالك: ويهل أهل قديد وعسقان ومر ظهران من منازلهم، وكذلك كل من كان من وراء الميقات إلى مكة فميقاته من منزله. قال: وذو الحليفة ميقات أهل المدينة ومن يمر بها من الناس كلهم خلا أهل الشام ومصر ومن وراءهم من أهل المغرب فإن ميقاتهم الجُحْفة لا يتعدوه، ولهم إذا مروا بالمدينة أن يؤخروا إحرامهم إلى الجحفة، والفضل لهم أن يحرموا من ذي الحليفة ميقات النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها طريقهم، فإن أخروا إلى الجحفة لم يكن عليهم شيء؛ لأن الجحفة بين أيديهم، وهي ميقاتهم، فلهذا خُفف لهم ما ذكرنا، ولا يكون ذلك في غيرهم. ومن كان بلده بعيداً عن الميقات مشرقاً عنه أو مغرباً فإذا قصد إلى مكة من موضعه لم ير ميقاتاً، وإذا قصد إلى الميقات شق ذلك عليه لإمكان أن تكون مسافة بلده إلى الميقات مثل مسافة بلده إلى مكة، فإذا حاذى الميقات بالتقدير والتحري أحرم/ ولم يلزمه المسير إلى الميقات. قال: ومن مر بالمدينة من أهل العراق فليحرم من ذي الحليفة ولا يؤخر إلى الجحفة، وإن مر أهل الشام ومصر قادمين من العراق فليحرموا من ذات عرق، وإذا مر مكي بأحد المواقيت فجاوزه ثم أحرم بالحج أو العمرة، فإن لم يكن حين جاوزه مريداً
إحراماً بأحدهما فلا دم عليه وإلا فعليه دم، وكذلك لو لم يُحرم حتى دخل مكة فأحرم، فإذا كان إذ جاوزه مريداً وإلا فلا شيء عليه، وقد أساء في دخوله مكة بغير إحرام، وكذلك جميع أهل الآفاق من مر منهم بميقات ليس له فليحرم منه خلا أهل الشام ومصر ومن وراءهم إذا مروا بالمدينة على ما وصفنا. قال ابن حبيب، وغيره: إنما قال ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المواقيت لأهلها ولكل آت أتى عليها من غير أهلها ممن أراد الحج أو العمرة". وقال ابن المواز: وسئل مالك: أيحرم من الجحفة من المسجد الأول أو الثاني؟ قال: ذلك كله واسع، ومن الأول أحب إلينا. قال مالك: ومن حج في البحر من أهل مصر وشبههم فليحرم إذا حاذى الجحفة، ومن كان منزلة حذاء الميقات فليحرم من منزله، وليس عليه أن يأتي الميقات. ومن منزله دون المواقيت إلى مكة فليحرم من داره أو مسجده ولا يؤخر ذلك، وقد أحرم ابن عمر من القُرْع، حين أراد الخروج منه إلى مكة. ومن أحرم من بلده وقبل الميقات فلا بأس بذلك، غير أنا نكره لمن قارب الميقات أن يحرم قبلهن وقد أحرم ابن عمر من بيت المقدس، وأحرم من
الفرع، كان خروجه لحاجة، ثم بدى له فأحرم منه. ومن المدونة: قال مالك: ومن دخل مكة من أهل الآفاق في أشهر الحج بعمرة وعليه نَفَس، فأحب إلي أن يخرج إلى ميقاته فيحرم منه بالحج، ولو أقام حتى يحرم من مكة كان ذلك له. [فصل 3 - فيمن تعدى ميقاته بغير إحرام] قال مالك: ومن جاوز الميقات ممن يريد الحج جاهلاً ولم يحرم منه فليرجع فيحرم منه ولا دم عليه. قال ابن المواز: وقيل: يرجع ما لم يشارف مكة، فإن شارفها أحرم وأهدى. م: يريد: ولو لم يُحرم ورجع فأحرم من الميقات لم يكن عليه دم. قال ابن حبيب: من تعدى ميقاته ثم أحرم بعد أن جاوزه فعليه دم، إلا أن يحرم وهو قريب منه فلا دم عليه. ومن المدونة: قال مالك: ولو أنه لما تعدى ميقاته خاف إن رجع إليه فوات الحج فليحرم من موضعه ويتمادى وعليه دم.
ولو أحرم بعد أن جاوز الميقات لم يرجع وإن لم يكن مراهقاً، وتمادى وعليه دم. قال عبد الوهاب: وقال الشافعي: رجوعه بعد إحرامه يُسقط عنه الدم. ودليلنا: أن الدم لم يجب بتجاوز الميقات على انفراده، وإنما هو للإحرام بعده، وهو لا يقدر على إزالته ولا حله بعد عقده ناقصاً، فلم يسقط عنه الدم، أصله إذا أتى بنقص في بعض أفعال الحج من الطواف والسعي، ثم عاد إلى الميقات، فإن الدم لا يسقط عنه باتفاق؛ ولأن كل فعل من أفعال الحج لزم الدم في تركه، فإن العودة إليه بعد فوته لا يسقط الدم عنه، كالمبيت بالمزدلفة. ومن المدونة: ومن أهل من ميقاته بعمرة، فلما دخل مكة أو قبل أن يدخلها أردف حجاً على عمرته، فلا دم عليه لترك الميقات في الحج؛ لأنه لم يجاوز الميقات إلا محرماً، وإن تعدى الميقات ثم قرن، أو تعداه ثم أحرم بعمرة، ثم لما دخل مكة أو قبل أن يدخلها أردف الحج فعليه دم لترك الميقات، ودم للقران؛ لأن كل من أتى من بلده فجاوز ميقاته متعمداً، أو كان ميقاته من منزله فجاوزه وهو يريد أن يحرم بحجة أو عمرة فأحرم بعد ذلك فعليه دم، ولا يُشبه الذي جاء من عمل الناس في الذين يخرجون من مكة ثم يعتمرون من الجعرانة أو التنعيم؛ لأن ذلك رخصة لهم، وإن لم يبلغوا مواقيتهم. قال مالك: ومن تعدى الميقات وهو صرورة، ثم أحرم فعليه دم.
قيل لابن القاسم: فإن تعداه ثم أحرم بالحج بعد أن جاوزه وليس بصرورة؟ قال: إن كان جاوزه وهو مريد للحج، ثم أحرم فعليه دم. وحكي عن أبي محمد أنه قال: الصرورة وغير الصرورة سواء، لا دم عليه إلا أن يجاوزه مريداً للحج. وحكي عن ابن شبلون: أن الصرورة يلزمه الدم إذا تعداه ثم أحرم، كان مريداً للحج أو غير مريد؛ لأنه متعد في تعديه غير محرم بالحج وهو صرورة، وأما غير الصرورة فلا يلزمه الدم، إلا أن يتعداه وهو مريد للحج. م: وهذا على ظاهر الكتاب، وقول أبي محمد هو الصواب./ ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تعدى الميقات ثم أحرم بالحج ففاته الحج، فلا دم عليه لتعديه، لرجوعه إلى عمل العمرة، وأنه يقضي حجه قابلاً. م: يريد: لأنه لما فاته الحج ورجع أمره إلى العمرة، وهو لم يردها، صار كأنه جاوز الميقات غير مريد لها ثم أحرم. قال ابن القاسم: وأما إن تعداه، ثم جامع فأفسد حجه، فعليه دم لترك الميقات؛ لأنه على عمل حجة متمادٍ، وإن قضاه.
ابن المواز: وقال أشهب: عليه الدم في الفوات والفساد، وبه قال ابن المواز. م: ووجه ذلك: لأنه جاوز الميقات مريداً للحج، ثم أحرم بعد ذلك، فوجب عليه دم التعدي، فلا يزيله عنه فوات ولا فساد، وهو الصواب. ومن المدونة: قال: ومن وجب عليه الدم لتعدي الميقات أو لتمتع لم يجزه مكانه طعام، وأجزأه الصوم إن لم يجد هدياً، وإنما يكون الصيام أو الطعام مكان الهدي في فدية الأذى أو في جزاء الصيد. وإذا أحرم بالحج من خارج الحرم مكي أو متمتع فلا دم عليه لتركه الإحرام من داخل الحرم؛ لأنه زاد ولم ينقص وعليه أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة قبل أن يخرج إلى عرفات إن لم يكن مراهقاً، ويكون بخلاف من أحرم بالحج من الحرم. قال: ولو أنه إذْ أحرم بالحج من الحل أو من التنعيم مضى إلى عرفات ولم يدخل الحرم وهو مراهق فلا دم عليه. قال مالك: وإذا أحرم مكي أو متمتع من مكة بالحج فليؤخر طوافه الواجب وسعيه حتى يرجع من عرفات فيطوف ويسعى.
قال في الموطأ: وله أن يطوف تطوعاً ما بدى له ويصلي الركعتين كلما طاف سبعاً، وقد فعل ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك كان يفعل ابن عمر يُهِل لهلال ذي الحجة ويؤخر الطواف والسعي حتى يرجع من منى. قال في المدونة: ولو عجل الطواف والسعي قبل خروجه إلى عرفات لم يجزه وليعدهما إذا رجع من عرفات، فإن لم يعدهما حين رجع حتى رجع إلى بلده أجزأه السعي الأول، وعليه هدي، وذلك أيسر شأنه.
قال مالك: وأحب إلى أن يحرم أهل مكة إذا أهل هلال ذي الحجة، كما فعل ابن عمر، وكره مالك أن يحرم أحد قبل أن يأتي ميقاته، أو يحرم بالحج قبل أشهر الحج، فإن فعل الوجهين جميعاً لزمه ذلك. م: وقد حج النبي صلى الله عليه وسلم واعتمر فلم ينقل أحد أنه أحرم قبل الميقات، فلو كان فيه فضيلة لبينه أو فعله.
[الباب التاسع] جامع ما جاء في دخول مكة بغير إحرام
[الباب التاسع] جامع ما جاء في دخول مكة بغير إحرام ] فصل 1 - كل من دخل مكة من غير مكثري التردد فإنه يحرم عليه دخولها حلالاً، وإن لم يرد نسكاً [ قال ابن القاسم: ولا يدخل أحد مكة بغير إحرام، فمن دخلها من أهل مصر أو غيرها بغير إحرام متعمداً أو جاهلاً ثم رجع إلى بلده فقد عصى وفعل مالم يكن ينبغي له أن يفعل، ولا أرى عليه حجة، ولا عمرة، ولا دماً، لأن ابن شهاب كان لا يرى بأساً أن يدخل مكة بغير إحرام، وخالفه مالك، وقال: لا أرى للأحد أن يقدم من بلده فيدخل مكة بغير إحرام قال: وإنما رأى ذلك واسعاً في مثل الذي صنع ابن عم حين خرج إلى قديد فبلغه خبر فتنة المدينة فرجع فدخل مكة بغير إحرام، أو مثل أهل الطائف، وعسفان وجدة الذين يختلفون بالفواكه والطعام والحطب أن يدخلوا مكة بغير إحرام لأن ذلك يكثر عليهم. م: فصارت ضرورة أباحت لهم دخول مكة بغير إحرام.
قال ابن القاسم: ورأيت قوله في أهل قديد وما هو مثلها من المناهل إذا لم يكن شأنهم الاختلاف، ولم يخرج أحد منهم من مكة فيرجع لأمر كما صنع ابن عمر، ولكنه أراد مكة لحاجة عرضت له في السنة ونحوها أنهم لا يدخلوا مكة إلا بإحرام. قال عبد الوهاب: وإنما لم يجز أن يدخل مكة بغير إحرام، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن إبراهيم حرم مكة" فهي حرام من كل وجه إلا ما قام دليله، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "أحلت لي ساعة من نهار، ولم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي". قال عبد الوهاب: فمن دخلها ممن يقل دخوله من أهل الآفاق لتجارة أو حاجة وجاوز ميقاته غير محرم ثم أحرم، فقيل: يسقط الدم عنه، وقيل: لا يسقط، فوجه سقوطه: فلأنه غير مريد لحج أو لعمرة، ووجه وجوبه: فلأنه مخاطب بالإحرام، كمريد الحج أو العمرة. فصل] 3 - من لا يخاطب بفريضة الحج كالعبد والأمة له دخول مكة بغير إحرام [ ومن المدونة: قال مالك: وللسيد أن يدخل عبده أو أمته مكة بغير إحرام، ويخرجهما إلى منى وعرفات غير محرمين، ومن ذلك الجارية يريد بيعها، فلا بأس أن يدخلها بغير إحرام.
ابن المواز: قال مالك: ولا أحب أن يدخل بالعبد الفارة ذي الصفة إلا محرماً، وأما الصغير والأعجمي والجارية يريد بيعها فما ذلك عليه، وإن سألته الإحرام فخير له أن لا يمنعها، وإن نقص من ثمنها. ومن المدونة: قال ابن القاسم: فإن أذن السيد لعبده بعد ذلك فأحرم من مكة فلا دم على العبد لتركه الميقات. م: لأن سيده منعه، فهو غير متعد في تركه. قال: وإذا أسلم نصراني، أو أعتق عبد، أو بلغ صبي أو صبية بعد دخولهم مكة أوهم بعرفة فأحرموا حينئذ بالحج عشية عرفة ووقفوا أجزأتهم عن حجة الإسلام، ولا دم عليهم لترك الميقات. م: لأنهم جاوزوه قبل توجه فرض الحج عليهم. قال ابن القاسم: ولو أحرم العبد قبل عتقه، والصبي والجارية قبل البلوغ تمادوا على حجهم، ولم يجز لهم أن يحدثوا إحراماً، ولا يجزئهم حجهم ذلك عن حجة الإسلام.
[الباب العاشر] جامع ماجاء في حج العبد، والصبي، والمرأة
[الباب العاشر] جامع ماجاء في حج العبد، والصبي، والمرأة قال الله تبارك وتعالى: {عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} والسيد أن ينتزع ماله أي وقت شاء، وهو مما يقوي به، وليس له إتلافه، وليس ملكه عليه ملكاً مستقراً. وحج الرسول صلى الله عليه وسلم بأزواجه ولم يحج بأم ولده، فلا يلزم العبد فرض الحج حتى يعتق. قال الله تعالى: {وإذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُوا} فجعل الفرض عليهم بالبلوغ، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: فذكر "الصبي حتى يحتلم" إلا أنه قال للتي سألته ألهذا حج؟ وكان صغيراً، فقال: "نعم ولك أجر" ورواه مالك في الموطأ، فكان ذلك تطوعاً لا يجزي عن حجة الإسلام، لأنه لا يؤدي شيء قبل وجوبه، وكذلك حج العبد قبل عتقه بإذن أو بغير إذنه. وأما المرأة ذات الزوج: فالفرض عليها لقوله سبحانه: {ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً} فكانت منهم، والاستطاعة منها موجودة، وليس للزوج منعها من الفرض ولتستأذنه
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أذن لعبده، أو لأمته، أو لزوجته في الإحرام فليس له أن يحلهم بعد ذلك، وإن خاصموه قضى لهم عليه في قول مالك، وإن باع عبده أو أمته وهما محرمان جاز بيعه، وليس للمبتاع أن يحلهما، وله إن لم يعلم بإحرامهما الرد كعيب بهما إن لم يقربا من الإحلال، وإن أحرم العبد بغير إذن سيده محرمة فحلله منها، ثم أذن له في عام آخر في قضائها حج أجزأته منها، وعلى العبد الصوم لما حلله السيد، إلا أن يهدي عنه سيده أو يطعم. قال يحيى: لا أعرف في هذا إطعاماً، وإنما هو هدى أو صيام. م: والذي أراد ابن القاسم والله أعلم أن العبد لما كان ****أن لسيده أن يمنعه الحج ويحلله من إحرامه وذلك سائغ له صار كأن العبد الذي تعمد الإحلال إذ عرض نفسه لذلك بتعديه، فلزمه لهذا الإحلال الفدية، والفدية فيها الصوم، والإطعام، والنسك كما قال الله تعالى فلذلك قال: إلا أن يهدي عنه سيده أو يطعم لأجل إحلاله، قال أبو محمد: يريد: وعليه الهدى كمن فاته الحج. قال في كتاب ابن المواز: وليس للعبد أن ينسك أو يهدي عما لزمه في ذلك
من ماله إلا بإذن سيده فإن لم يأذن له، ولا أهدى عنه فليصم، ولا يمنعه من الصوم إلا أن يضر به. قال أشهب: إذا أحرم فحلله سيده ثم عتق، أو حلل الصبي وليه ثم بلغ فليحرما الآن بالحج، ****عن حجة الإسلام. ابن المواز: لأن قضاء ما حللهما منه لا يلزمهما، ولو نذر ذلك العبد نذراً فلم يرد ذلك عليه حتى عتق، أو نذر سفيه بالغ ثم رشد، فذلك يلزمها، وأما الصبي فلا يلزمه إن بلغ. وكله قول مالك لا اختلاف فيه. قال: ولو أذن له سيده في الحج ... الحج فعليه القضاء والهدى إذا عتق قيل لأشهب: فهل يمنعه سيده أن يحل من ذلك في عمرة؟ قال: إن كان قريباً فلا يمنعه، وإن كان بعيداً فإما أن ... إلى قابل على إحرامه، وإما أن يأذن له في فسخه في عمرة. قال: وإن فسد حجه فلا يلزم سيده أن يأذن له في القضاء، وذلك عليه
إذا عتق. وقال أصبغ: على سيده أن يأذن له. قال ابن المواز: والصواب: قول أشهب. ومن المدونة: قلت: فإن أحرمت المرأة بالحج بغير إذن زوجها وهي صرورة فحللها منه، ثم أذن لها من عامها فحجت أيجزئها حجها من التي حللها منها زوجها ومن حجة الإسلام؟ قال: أرجو ذلك. قلت: فإن أحرم عبد بغير إذن سيده فحلله، ثم أعتقه فحج حجة ينوي بها عن التي حلله منها وعن حجة الإسلام؟ قال: لا يجزئه. قلت: فلم أجزأ المرأة حجها عن القضاء والفريضة، ولم يجزأ العبد حجه عنهما؟ قال: لأن المرأة إنما حللها من فريضة، فقضت الفريضة التي حللها منها، والعبد: إنما حلله من تطوع، فلما حج بعد عتقه ونوى بها الفريضة والتطوع التي حلله منها لم
يجزئه عن الفريضة، وأجزأته عن التطوع التي حلله السيد منها، كمن ****في المشي إلى مكة فمشى في حجة ينوي فرضه ونذره، فإنها تجزئه لنذره، وعليه حجة الإسلام، فمسألة العبد مثل هذا. قال يحيى بن عمر: ليس له أن يحلل المرأة، يريد: وإن أحرمت بغير إذنه في الفريضة. قال أشهب: وإحلاله باطل، وهي على إحرامها. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو كان إنما حللها من تطوع فهذه قضاء لها، وعليها حجة الإسلام. قال سحنون: إذا أحرمت المرأة بغير إذن زوجها تطوعاً فحللها منها، فلا قضاء عليها إن طلقت، وكذلك العبد لا قضاء عليه إن عتق فيما أحرم بغير إذن سيده فحلله منه سيده. وقال ابن المواز في التي حللها زوجها من حجة الفريضة: إن إحلاله باطل، وهي على إحرامها. قال أبو محمد: والذي قال ابن المواز هو قول أشهب. قال ابن المواز: وعليها من الفدية وغيرها ما على المحرم، وإن وطنها فسد حجها وتتمه وتقضي ويجزيها عن حجة الإسلام وتهدي في القضاء وترجع في الهدي على
الزوج، وإن كان قد فارقها فتزوجت غيره قبل القضاء فنكاحها باطل، لأنها محرمة بعد. م: ولو تزوجت غيره بعد تمام الفاسدة وقبل القضاء جاز النكاح، لأنها حلت من الفاسدة، ثم تقضي بعد ذلك. قال بعض شيوخنا: ونفقتها في قضاء ما أفسد عليها على الزوج، من كراء، ونحو ذلك. قال ابن حبيب عن مالك: إذا أحرمت المرأة بفريضة الحج فليس على الزوج نفقة في خروجها، وذلك في مالها. م: يريد: نفقة لوازمها في الحج من كروب وغيره، وأما ما كان يلزمه لها من مطعم ومشرب وكسوة في إقامتها، فذلك عليه ولا حجة له في امتناعه، فذلك عليه ولا حجة له في امتناعه من وطنها، لأن الحج فرض عليها فعذرت بذلك كالحيض والمرض. م: فصار في المرأة إذا أحرمت بفريضة بغير إذن زوجها قولان: قول: إن له أن يحللها. وقول: ليس له ذلك، وهي على إحرامها. وإن أحرمت بتطوع فقولان: قول: إنه يلزمها قضاء ما حللها. وقول: لا يلزمها
والعبد إذا أحرم بغير إذن سيده كذلك، قيل: يلزمه قضاء ما حلله منه. وقيل: لا يلزمه. م: ويحتمل أن يكون ابن القاسم إنما تكلم إذا حجت قضاء عما كانت فيه أنه يجزيها، ولم يتكلم هل للزوج إحلالها، أو أنه لا يجب له ذلك عنده، كما قال محمد. والله أعلم. ومن ... قال عيسى عن ابن القاسم في التي تركت مهجرها لزوجها حتى تركها أن تحج الفريضة قال: يلزمه الصداق، لأنه يلزمه أن يدعها. قال يحيى بن عمر في ... : يروى ابن أبي جعفر: أن ابن القاسم عنها بعد أن روى فيها عن مالك نحو ما ذكرنا، فقال: إن كانت ... أن لها أن تحج وإن لم يأذن لها فإن العطية للزوج جائزة، وإن كانت جاهلة تظن أن له ... فأعطته ليتركها فإنها أن ترجع عليه بما أعطته. فقال يحيى بن عمر: ويقول ابن القاسم هذا أقول
م: ويحتمل أن يكون هذا وفاقاً للقول الأول، ويكون معناه: أن لها أن ترجع عليه إذا كانت جاهلة تظن أن له منعها فأعطته ليتركها، وأما إن كانت عالمة أن ليس له منعها فلا ترجع عليه. فصل] للولي أن يحرم عن الصبي الذي لا يميز، ويحضره المواقيت فيحصل الحج للصبي ... [ ومن المدونة: قال مالك: وإذا حج بالصبي أبوه، وهو لا ... مايؤمر به، مثل ابن سبع سنين، وثمانية فلا يجرده حتى يدنو من الحرم، والذي قد ناهز يجرده من الميقات، لأنه يدع ما يؤمر بتركه وإذا كان لا يتكلم فلا يلبي عنه أبوه. قال: وإذا جرده أبوه يريد بتجريده: الإحرام فهو محرم، ويجنبه ما ... الكبير، فإن احتاج إلى دواء أو طيب فعل به، ويهدي عنه وإن لم يقو على الطواف طيف به محمولاً، ويرمل الذي يطفو به الأشواط الثلاثة بالبيت، ويسعى في المسيل، ولا يركع عنه ركعتي الطواف إن لم يعقل الصلاة. وقال حمد يس عن محمد بن عبد الحكم: إنه يصلي عنه ركعتين الطواف. وقال حمد يس كقول مالك فيمن أوصى أن يحج عنه رجل: فإنه يصلي عنه ركعتي الطواف.
ومن المدونة: ولا يطوف به إلا من طاف لنفسه لئلا يدخل في طواف واحد طوافين، وأما السعي فلا بأس أن يسعى لنفسه وللصبي سعياً واحداً يحمله في ذلك ويجزئه عنهما، والسعي في هذا أخف من الطواف، لأن الطواف عند مالك كالصلاة ولا يطوف إلا متوضئ، وقد يسعى من ليس على وضوء. قال ابن المواز: قال ابن القاسم: وإن طاف عنه وعن الصبي طوافاً واحداً أجزأ عن الصبي وأحب إلى أن يعيد عن نفسه. وقال أصبغ: بل ذلك واجب عليه، كقول مالك فيمن حج حجة عن فرضه ونذره أنه يعيد الفريضة ويجزئه عن النذر. قال أصبغ: وما هو بالقوي، والقياس: أن يعيد النذر، وأن يعيد عن الصبي وذلك أحب إلي. وقال عبد الملك: يجزئ عن الرجل، ولا يجزئ عن الصبي كمن حج ينوي فرضه ونذره يريد: على قوله: قال أبو محمد: وإنما ذلك إذا حمله، فأما إذا كان يفعل ما يؤمر به، فأمره
بالطواف معه وسايره في الطواف حتى **** أجرأ ... لأنه لم يشركه في عمله إذا كان يفهم ما أمره به وهو كصلاته الركعتين إذا فهم ما أمره به. قال ابن حبيب: لا بأس لمن طاف عن نفسه أن يطوف ... أو ثلاثة يحملهم طوافاً واحداً. ومن المدونة قال مالك: ولا يرمي عنه إلا من رمى عن نفسه كالطواف. لأنه رمى جمرة ... سنة مؤكدة وعبد الملك يقول: بل هي فريضة، فلذلك لم يجر له أن يرميها عنه إلا من رمى عن نفسه فإن فعل فقد أساء ويجزيه لأنه لم يشركه في رميه عن نفسه. ابن حبيب: قال عبد الملك: فإن جهل فرمى عن نفسه جمرة ثم رماها من ... عن الصبي ثم أنتقل إلى الجمرة الثانية ... فيها كذلك ثم الثالثة كذلك فقد أساء وذلك يجزيه ومن المدونة قال ابن القاسم **** في جميع أمره كالصبي
[فصل- **** نفقة السفر فعلى الصبي إن خالف الولي عليه ضيعه بتركه وعلى الولي أن لم ... عليه] قال: وليس لأبي الصبي أو لأمه أو من هو في حجره من**** أو ذي قرابة أو يخرجه ويحجه وينفق عليه مال الصبي إلا أن يخاف من ... بعده إذ لا كافل له فله أن يفعل ذلك به وإلا ... ما **** وأنفق عليه إلا قدر ما كان ينفق عليه في مقامه ابن المواز: قال مالك: ما أصاب الصبي من صيد أو من ... فدية ففي مال الأب، إلا أن يخرج به نظراً لأنه لو تركه ضاع فيكون ذلك في مال الصبي، فإن لم يكن له مال اتبعه ... وقد قيل: إن ما أصاب الصبي من صيد ففي ماله، يريد: **** م: وقيل: إن ذلك على من أحجه وإن خرج به نظراً لأنه هو أدخله في الحج ولو شاء لخرج به ولم يحجه فكل ما أصابه من أجل الحج فهو على من أحجه وفي الثالث من هذا ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس أن يحرم بالأصاغر الذكور وفي أرجلهم الخلاخل وعليهم الأسورة من الفضة، وكره لهم حلى الذهب.
[الباب الحادي عشر] فى دخول مكة واستلام الأركان وتقبيلها وذكر الطواف والسعر
[الباب الحادي عشر] فى دخول مكة واستلام الأركان وتقبيلها وذكر الطواف والسعر قال الله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} وبين الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله أنها سبعة أشواط, رمل منها فى ثلاث, وركع ركعتين, وبدأ باستلام الحجر, ودخل مكة من كداء, وخرج من كدى. ومن المدونة: قال مالك: ومن أتى مكة ليلاً فواسع له أن يدخل, ويستحب له أن
يدخلها نهاراً, وأحب للحاج أن يدخلها من كداء لمن أتى من طريق المدينة فمنه دخل النبى صلى الله عليه وسلم, وذلك واسع. قال ابن الحبيب: ودخل النبى صلى الله عليه وسلم المسجد من باب بنى شيبة, وخرج إلى الصفا من باب بنى مخزوم, وخرج إلى المدينة من باب بني سهم.
قال ابن المواز: وكان ابن عمر يدخل مكة من عقبة كداء ويخرج/ من كدى. قال ابن المواز: فالتى دخل منها هى الصغرى التى بأعلى مكة التى يهبط منها على الأبطح, والمقبرة عن يسارك وأنت نازل منها, فإذا نزلت أخذت كما أنت إلى المسجد, قال: وعقبة كدى التى خرج منها هى الوسطى التى بأسفل مكة, قال: ومن دخل من السفلى وخرج من العليا فلا حرج. قال: وكان ابن عمر يدخل المسجد من باب بنى شيبة, وكان لا ينخ راحلته إلا بباب المسجد. قال ابن الحبيب: فإذا دخلت مكة فأت المسجد ولا تعرج على شئ دونه فإذا
وقفت على باب بنى شيبة ونظرت إلى البيت ورفعت يديك وقلت: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحيينا ربنا بالسلام, اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً ومهابة, وزد من شرفه وكرمه من حج إليه أو اعتمر تشريفاً وتعظيماً وتكريماً. قال: ويقال عند استلام الركن: بسم الله, والله أكبر, اللهم إيماناً بك وتصديقاً بما جاء به محمد نبيك. ويستحب من الدعاء ... ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار, اللهم إليك بسطت يدى, وفيما عندك عظمت رغبتى, فاقبل مسحتى, وأقل عثرتى. وكان ابن عمر يقول فى الرحل فى طوافه: اللهم اغفر وارحم, واعف عما تعلم,
إنك أنت الأعز الأكرم. قال: ويقال ذلك فى بطن المسيل, وكان عروة يقول فى الرمل: اللهم لا إله إلا أنتا, وأنت تحيى بعد ما أمتا يخفى بها صوته. قال مالك فى المجموعة, وكتاب محمد فى قول عروة هذا: ليس بمعمول به, وكذلك لا توقيت فيما يقال فى بطن المسيل ومحاذات الركن, ولكن ما تيسر. قال مالك: ولا يحسر عن منكبيه فى الرمل ولا يحركهما, ولا يسجد على الركن وليقبله إن قدر وإلا لمسه بيده ويضعها على فيه من غير تقبيل. قيل له: كان بعض الصحابة يقبله ويسجد عليه فأنكره, وقال: ما سمعت إلا التقبيل. قال ابن حبيب: قد روى ذلك عن عمر, وابن عباس, ولعل مالكاً إنما
كرهه خيفة أن يرى واجباً, ومن فعله فى خاصته فذلك له. ومن المدونة: قال مالك: فإذا دخل البيت بدأ باستلام الحجر الأسود بفيه إن قدر. م: كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم, وفعله عمر, وقال: «إنى لأعلم أنك حجر لا تتفع ولا تضر, ولكنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبلك فقبلتك». قال مالك: فإن لم يقدر أن يقبله لمسه بيده ثم وضعها على فيه من غير تقبيل. م: لأن ذلك عوض من التقبيل, وقد فعله جماعة من الصحابة.
قال مالك: فإنه لم يصل إليه كبير إذا ... ولا يرفع ... ثم يمضى الطواف ولا يقف وكل ما مر به فواسع: إن شاء استلم أو ترك ولا يقبل المركز اليمانى ولكن يلمسه بيده ويضعها على فيه من غير تقبيل, فإذا لم يستطع لزحام الناس كبير ... , وكل ما مر به فى طواف واجب أو تطوع فواسع: إن شاء استلم وإن شاء ترك ولا يدع للتكبير كلما ... فى الطواف واجب أو تطوع. ولا يستلم المركز الذين ... *** ولا يقبلانه ولا يكبر إذا ... . قال عبد الوهاب: إن قال ذلك: إن النبى صلى الله عليه وسلم بدأ باستلاك الحجر, ثم طاف والبيت على يساره, فطاف سبعة أشواط, وكل ما مر بلحجر استلمه, وهذا ** ** الأمة بالمصلى, وقال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عنى مناسككم».
وإذا بدأ بالطواف لأنه تحية للبيت, كالركوع تحية لسائر المساجد وقال ابن المواز: قال مالك: لا آخذ بقول عروة فى استلام الأركان كلها. ومن المدونة: و** مالك قول الناس إذا حذوا الركن الأسود اللهم ايماناً بك وتصديقاً بكتبك ورأى أنه ليس عليه ... , وقال: لا يزيد على التكبير شيئاً, وأنكر وضع الخدين والجبهة على الحجر الأسود, وقال: هذه بدعة و ... لا يرى بأساً بالزحام عليه عند استلامه ما لم يكن مؤدياً وليس عليه أن يستلم الركن فى إبداء طوافه إلا من طوافه الواجب إلا أن يشاء. قال مالك: فيطوف سبة أشواط, الثلاثة الأولى خ**, والأربعة مشياً كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم. قال عبد الوهاب: وروى عنه / عن أبى بكر, وعمر, وعثمان, وابن مسعود
وغيرهم رضي الله عنهم. وذكر ابن عباس السبب فى ذلك فقال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم محمد, وقد هتتهم حمى يثرب ولقوا منها شراً فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة, فلما رأوهم قالوا: هؤلاء الذين ذكرتهم أن الحمى وهتتهم, هؤلاء أجلد منا. ومن المدونة: قال مالك: وإذا فرغ من طوافه الواجب وصلى الركعتين عند المقام فلا يخرج إلى الصفا حتى يستلك الحجر, فإن لم يفعل فلا شئ عليه. قال ابن المواز: ولا يستلم عند خروجه الركن اليمانى, بخلاف الحجر الأسود. قال فى المختصر: ولا يستلم الركن إلا طاهر. ومن المدونة: قال مالك: وإذا فرغ من سعيه وأراد الخروج إلى منزله فليس عليه أن يستلم الحجر إلا أن يشاء. قال: ومن طاف بالبيت فى حج أو عمرة طوافه الواجب فلم يستلم الحجر فى شئ من ذلك فلا شئ عليه. وكان مالك يوسع فيما خف من الحديث فى الطواف, ولا ينشد فيه شعراً.
قال مالك: وليس من السنة القراءة فى الطواف, قال ابن القاسم: فإن باع واشترى فى طوافه فلا يعجبنى. ابن حبيب: وينبغى للطائف الطواف بسكينة ووقار, ولا يطوف مع النساء, ولتكن النساء خلف الرجال. محمد: قال مالك: وليقل الكلام فى الطواف, وتركه فى الواجب أحب إلينا, وما القراءة من عمل الناس القديم, ولا بأس به إذا أخفاه, ولا يكثر منه, ولا بأس أن يسرع الطائف فى مشيه أو يتأتى, وكره أن يطوف أحد مغطى الفم, أو امرأة منتقبة, كالصلاة, وقال أشهب: ومن فعل ذلك أجزأة. ومن المدونة: قال مالك: وإذا زوحم فى الرمل ولم يجد مسلكاً رمل بقدر طاقته. فصل [1 - فيمن ترك الرمل] قال مالك: يرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود. قال: ومن جهل أو نسى فترك الرمل فى الأشواط الثلاثة بالبيت, أو السعى بين الصفا والمروة, فهذا خفيف, وكان مالك يقول: عليه الدم, ثم رجع, وقال: لادم عليه, وكان يقول فى تارك الرمل: إن قرب أعاد الطواف والسعى, وإن بعد فلا شئ عليه, ثم خففه, ولم ير أن يعيد.
قال: ومن قضى حجة ... فليرمل بالبيت, ويسعى فى المسيل, ويستحب لمن اعتمر من الجحرائة أو التنعيم أن يرمل, وليس وجوبه عليه كوجوبه على من حج أو اعتمر من المواقيت, وأما السعى فواجب على من اعتمر من التنعيم, أو غير ذلك. م: وإنما قال ذلك؛ لأن الاعتمار من المواقيت آكد منه من الجغرافية أو التعيم؛ لأن الاعتمار من هذين إنما هو رخصة ... كان الرمل فيما كان من المواقيت آكد. وإنما استووا فى السحى؛ لأن السحى آكد من الطواف فى الحج, فكان الرمل فيه آكد فى الحج والعمرة إلا طواف الإفاضة فينبغى أن يستوى ذلك فيهما لأنهما فرضان. ومن المدونة: قال مالك: وإذا ذكر فى الشوط الرابع أنه لم يوصل فى الثلاثة الأشواط حتى ولا شئ عليه. م: لأن الرمل ... , فلا يبطل ما تقدم له من عمل الأمر مستحب لا واجب, لقوله تعالى {ولا تبطلوا أعمالكم}. م: وهذا على قوله الذى لم يوجب عليه الإعادة إذا ذكره بعد تمام طوافه, وأما على قوله: إن قرب أعاد فينبغى أن يبتدى ويلغى ما مضى. وكذلك قال -فى كتاب محمد- يبتدى ويلغى ما مضى وقال أشهب -فى ترك الرمل والسعى فى المسيل أو أحدهما-: أنه يعيد طوافه ما كان بمكة, فإن فات ***
وقال عبد الملك: لا يعيد وعليه دم. م: وهذا كله مأخوذ من اختلاف قول مالك قال ابن المواز: وكان ابن عمر إذا أنشأ الحج من مكة لم يرمل, والرمل أحب إلينا ولا رمل / على التساعد ولا سعى يبطن المسيل. [فصل 3 - من شروط الطواف الترتيب] ومن المدونة: قال مالك: ومن طاف بالبيت منكوساً لم يجزه. قال أشهب: وهو كمن لم يطف, رجع إلى بلده أم لا. م: لأن النبى صلى الله عليه وسلم طاف, والبيت على يساره, وقال «خدوا عنى مناسككم» , وكان ذلك آكد من ترك الرمل؛ لأن الرمل إنما كان ... , فإذا ارتفعت ... ارتفع الحكم بارتفاعها. ومن المدونة: قال مالك: ومن طاف محمولاً أو راكباً, سحتون: يريد: على أعناق الرجال, فإن كان من عذر أجزأه, وإن كان لغير عذر أعاد الطواف بالبيت إلا أن يكون رجع إلى بلده فليهريق دماً.
م: إنما قال سحنون: يريد: على أعناق الرجال؛ لأن الدواب لا تدخل المسجد والحكم فيهما إن نزل سواء, لا فرق بين ركوبه على دابة أو رجل, وإنما أبيح الطواف راكباً لعذر كما أبيحت الصلاة راكباً لعذر, وإنما قال: إن كان لغير عذر فليعد إلا أن يرجع إلى بلده؛ فلأنه إذا لم يرجع لا ضرر عليه فى إعادته, وإذا رجع إلى بلده دخل عليه الضرر فى رجوعه, فأبيح له جبره بالدم, ولم يكن كمن لم يطف؛ لأنه قد طاف راكباً. وقد روى أن النبى صلى الله عليه وسلم طاف راكباً, فلما فرغ من الطواف نزل على راحلته, وصلى الركعتين, ذكره عبد الوهاب. فصل [3 - من شروط الطواف: الطهارة من الحدث] ومن المدونة: قال مالك: ومن طاف الطواف الواجب وفى ثوبه أو جسده نجاسة لم يعد, كمن صلى بذلك ثم ذكر بعد الوقت. قال ابن المواز: وإن صلى بذلك الركعتين فليعدهما فقط إن كان قريباً ولم ينتقض وضوؤه, فإن انتقض وضوؤه, أو طال ذلك فى شئ عليه, كزوال الوقت. وقال أصبغ: سلامه منهما كخروج الوقت, وليس إعادتهما بواجب, والأحسن أن يعيدهما بالقرب. فقال أشهب: إن علم به فى طوافه نزعه إن كان الدم كثيراً, وأعاد طوافه, وإن علم بعد فراغه أعاد الطواف والسعى فيما قرب إن كان واجباً, وإن تباعد فلا شئ
عليه, ويهدي, وليس بواجب. م: والقياس عندى: قول أصبغ: إن الفراغ من الطواف أو من الركوع كخروج الوقت إذ لا وقت معلوم لذلك, وإنما وقته حين يفعله كوقت الصلاة المنسية حين يذكرها, ففراغه من ذلك ذهاب وقته. والاستحسان: أن يعيد ذلك كله بالقرب ما لم ينتقض وضوؤه إذ لا كبير ضرر عليه فى ذلك؛ ولأن ما قارب الشئ فله حكمه. [فصل 4 - من شروط الطواف: أن يخرج بجملة جسده عن البيت] ومن المدونة: قال مالك: ولا يعتد بما طاف داخل الحجر, ويلغيه, ويبنى على ما طاف خارجاً منه, وإن لم يذكر حتى رجع إلى بلده فليرجع, وهو كمن لم يطف. قال عبد الوهاب: إنما لم يجز الطواف داخل الحجر, -خلافاً لأبي حنيفة-
لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحجر من البيت» , وإذا ثبت أنه من البيت لم يجيزه أن يطوف فيه لقوله تعالى: «وليطوفوا بالبيت العتيق» , وذلك يقتضى استيفاء جمعه, واعتبارً بطواف داخل البيت, ولأنه صلى الله عليه وسلم طاف خارج الحجر, وقال: «خذوا عنى مناسككم». ومن المدونة: قال مالك: ومن طاف من وراء زمزم من زحام الناس فلا بأس بذلك. قال ابن القاسم: وكذلك إن طاف فى سقائق المسجد من زحام الناس فلا بأس به, وإن طاف فى سقائف ... زحام, أو فراراً من الشمس أعلا, وكذلم عنه فى المجموعة. وقال أشهب فيها: لا يجزئ من طاف فى السقائف وهو كالطائف من خارج المسجد, ومن وراء الحرم. قال سحنون: ولا يمكن أن ينتهى الزحام إلى السقائف. وحكة عن ابى محمد أنه قال: من طاف فى سقائف المسجد لا يرجع لذلك.
[من بلده. وقال ابن شبلون: يرجع من بلده وهو كمن لم يطف. م: قول أبي محمد: «إنما يجري على قول ابن القاسم، وهو كمن طاف راكباً من غير عذر» لأنه طواف يجزئه فعله مع العذر، فإذا فعله من غير عذر أعاده إلا أن يرجع إلى بلده فليهرق دماً كالطائف راكباً، وقول ابن شلبون على قول أشهب الذي جعله كالطائف من وراء الحرم فاختلافهما جار على اختلاف قول ابن القاسم وأشهب. ومن «المدونة»: قال ابن القاسم: ولم يكره مالك الطواف بالبيت بالنعلين والخفين، وكره أن يدخل بهما البيت أو يرقى بهما الإمام أو غيره منبر النبي عليه السلام. وكره مالك أن يجعل نعله في البيت إذا جلس يدعو، قال: وليخلعها في حجرته، وأباح دخول الحجر بالنعلين والخفين. قال ابن القاسم: ولا بأس أن يدخل بهما الحجر. وقال حمديس: ينبغي على أصله ألا يدخل بهما الحجر، لأنه من البيت عنده، وكره أشهب أن يدخل الحجر بنعل أو خف، لأنه عنده من البيت. قال وكراهيتي لذلك في البيت أشد وكان سعيد بن جبير يخلع نعليه إذا دخل الحجر ويضعهما على جدران الحجر. ومن «المدونة»: قال ابن القاسم: والطواف بالبيت للغرباء أحب إلي من الصلاة ولم مالك [يجيب] في مثل هذا. ]
الباب الثاني عشر في طواف القارن، والمتمتع، والمراهق، ومن أحرم من مكة قال مالك رحمه الله: ومن قرن الحج والعمرة أجزأه طواف واحد لهما، وهي السنة من قرن الحج والعمرة أجزأه طواف واحد لهما
الباب الثاني عشر في طواف القارن، والمتمتع، والمراهق، ومن أحرم من مكة قال مالك رحمه الله: ومن قرن الحج والعمرة أجزأه طواف واحد لهما، وهي السنة من قرن الحج والعمرة أجزأه طواف واحد لهما. قال بعض البغداديين: وقد قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) لعائشة (رضي الله عنها): "يجزئك طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة لحجك وعمرتك"، وقد تقدم هذا ومن المدونة: قال مالك: ومن دخل مكة مراهقا وهو مفرد بالحج أو قارن فخاف إن طاف بالبيت أن يفوته الحج فليدع الطواف والسعي وليمض إلى عرفات ولا دم عليه لترك الطواف، وسواء دخل مكة أو الحرم، أو لم يدخل ومضى كما هو إلى عرفات؛ لأنه مراهق، وقد فعله بعض الصحابة. من خاف فوات الحج سقط عنه طواف القدوم قال مالك: وإن كان غير مراهق وهو مفرد بالحج أو قارن فدخل الحرم فلم يطف بالبيت حتى خرج إلى عرفات، أو لم يدخل الحرم ومضى إلى عرفات وأفاض وهو يقدر على الدخول والطواف فتركه فعليه دم لترك الطواف؛ لأنه غير مراهق، وعلى القارن دم آخر لقرانه.
م: وإنما أوجب عليه ترك الدم لتركه طواف القدوم؛ لأنه من سنن الحج المؤكدة وفعله النبي (صلى الله عليه وسلم) وأمر به؛ ولأنه شرط في ركن من أركان الحج وهو السعي. وقال أشهب - في الذي أخر طواف القدوم وليس بمراهق -: لا هدي عليه. م: لأن طواف الإفاضة ينوب عنه. ومن المدونة: قال مالك: وأما إن دخل مكة معتمرا يريد الحج، وهو مراهق أو غير مراهق ففرض الحج وتمادى صار قارنا ولا دم عليه لتأخير الطواف، إذ له
إرداف الحج ما لم يطف بالبيت وإنما عليه دم القران فقط. قال ابن القاسم: وإذا أحرم بالحج من خارج الحرم مكي أو متمتع ومضى إلى عرفات ولم يدخل الحرم، وهو مراهق فلا دم عليه، ولو لم يكن مراهقا كان عليه أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة قبل أن يخرج إلى عرفات، فإن لم يفعل فعليه دم. م: لأن الإحرام من الحل سبيله أن يجمع معه حرم كما فعل النبي (صلى الله عليه وسلم)، فإذا تركه جبره بالدم، وأما من أحرم من مكة بالحج فليؤخر طوافه؛ لأنه يخرج إلى عرفة، وعرفة في الحل. وقد تقدم هذا.
الباب الثالث عشر في الطواف والسعي على غير وضوء، وكيف إن أحدث فيهما، أو طاف بنجاسة
الباب الثالث عشر في الطواف والسعي على غير وضوء، وكيف إن أحدث فيهما، أو طاف بنجاسة فصل 1 - من شروط الطواف: الطهارة من الحدث م: ولا يجزي الطواف بالبيت عند مالك إلا بطهارة لقوله (صلى الله عليه وسلم): "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه النطق"، وقالت عائشة (رضي الله عنها): "كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا أراد أن يطوف توضأ، ثم طاف"، وفي حديثها قالت: قدمت مكة حائضا، فشكوت ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: "أفعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري". وخالف ذلك أبو حنيفة، ,أجاز الطواف بغير طهارة.
ومن المدونة: قال مالك: والمفرد بالحج إذا طاف الطواف الواجب أول ما يدخل مكة وسعى بين الصفا والمروة على غير وضوء، ثم خرج على عرفات فوقف المواقف، ثم رجع إلى مكة يوم النحر فطاف للإفاضة على وضوء ولم يسع بين الصفا والمروة حتى رجع إلى بلده، وأصاب النساء والصيد والطيب ولبس الثياب فليرجع حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يعتمر ويهدي. م: وإنما قال ذلك: لأنه لما طاف على غير وضوء كان كمن لم يطف، وعذره بالنسيان وجعله كالمراهق، والمراهق حكمه إذا أخر الطواف والسعي أن يسعى مع طواف الإفاضة، فلما لم يسمع هذا مع طواف الإفاضة حتى أصاب النساء والصيد والطيب، من أصاب بعد ذلك رمي جمرة العقبة وقبل الإفاضة، فلذلك جعل عليه العمرة والهدي لوطئه. م: قيل لبعض شيوخنا: فإن سعى مع طواف الإفاضة؟ قال: يُجزئه. وقال بعض أصحابنا: لا يجزئه؛ لأن السعي لا يكون إلا في حجة أو عمرة، فهو بخلاف الطواف الذي يكون في غير الحج. م: والذي أرى: أن يجزئه؛ لأنه كان عليه أن يأتي به، وقد أتى به، وإنما عُدم النية فيه، فإذا كان بمكة أو قريبا منها أعاد، وإن تطاول، أو رجع إلى بلده أجزأه، كمن طاف أول دخوله مكة لا ينوي بها فريضة ولا تطوعا وسعى، فلم يذكر إلا بعد رجوعه إلى بلده فإنه يجزئه، وعليه الدم، وهو خفيف، فكذلك هذا. والله أعلم. قال ابن القاسم: وهو يرجع حلالا إلا من النساء والصيد والطيب حتى يطوف ويسعى، ثم يعتمر ويهدي،
وليس عليه أن يحلق إذا رجع بعد فراغه من السعي؛ لأنه قد حلق بمنى. قال مالك: ولا شيء عليه في لبس الثياب؛ لأنه لما رمى جمرة العقبة حل له اللباس، وهو إذا رجع إلى مكة رجع وعليه الثياب حتى يطوف بخلاف المعتمر؛ لأن المعتمر لا يحل له لبس الثياب حتى يفرغ من السعي. قال: ولا شيء عليه في الطيب؛ لأنه بعد رمي جمرة العقبة فهو خفيف، قال: وعليه لكل صيد إصابة الجزاء. قال ابن القاسم: ولا دم عليه لما أخر من الطواف الذي طافه حين دخل مكة على غير وضوء، وأرجو أن يكون خفيفا؛ لأنه لم يتعمد ذلك، فهو كالمراهق، وقد جعل مالك عليه العمرة مع الهدي، وجُل الناس يقولون: لا عمرة عليه، فالعمرة مع الهدي تجزي عن ذلك كله. قال ابن المواز: فإن لم يطأ فليرجع فيفعل كما وصفنا ويهدي هديا واحدا، ولا عمرة عليه، ولو ذكر ذلك بمكة بعد أن فرغ من حجه فليعد طوافه وسعيه، ولا دم عليه، بخلاف المتعمد، أو الناسي لبعض طوافه، هذا عليه الدم. فصل 3 - فيمن أحدث في طوافه أو بعد تمامه قبل أن يركع ومن المدونة: قال مالك: ومن انتقض وضوؤه في طوافه أو بعد تمامه قبل أن يركع
فليتوضأ ويأتنف الطواف إن كان واجبا، وليس عله في التطوع ابتداؤه. إلا أن يشاء إذا لم يتعمد الحدث. م: كمن أحدث في صلاة التطوع. قال ابن القاسم: وإن أحدث بعد الطواف الواجب قبل أن يركع فتوضأ وركع ولم يعد الطواف جهلا حتى فعل فليركع بموضعه ويبعث بهدي. قال ابن المواز: ولا تجزئه الركعتان الأولتان. قال ابن القاسم: ولو أحدث في الطواف فتوضأ وبنى وركع فليرجع، وهو كمن لم يطف. م: لأن الطواف كالصلاة. وقال ابن حبيب عن مالك: إنه إذا أحدث في الطواف فليتوضأ ويبني، وكذلك إن أحدث في السعي فلا يقطعه وليتمه. م: أما الطواف فكالصلاة لا يجوز البناء لمن أحدث فيه، كما لا يجوز ذلك في الصلاة، ورواية ابن حبيب ضعيفة، ووجهها: فلأن الطواف أخف من الصلاة إذ قد أبيح فيه الكلام فجاز فيه البناء، وأما السعي فيجوز أن يسعى غير متوضئ، وكذلك إذا أجدث فيه فه أن يتمه كذلك.
قال ابن حبيب: وأما الرعاف فإنه يبني فيه في الطواف والسعي بعد غسل الدم. ابن المواز: قال ابن القاسم: ,لو طاف بثوب نجس فعلم به بعد فراغه من طوافه فنزعه، وصلى الركعتين بثوب طاهر فلاشيء عليه، وإن ركعهما به أعادهما فقط إن كان قريبا ولم ينتقض وضوؤه، وإن انتقض وضوؤه، أو طال فلاشيء عليه كزوال الوقت. وقال أشهب: يعيد الطواف والسعي فيما قرب، وإن بعد فلا شيء عليه. وقد تقدم هذا. ابن المواز: ولو بدأ في طوافه من الركن اليماني فليلغ ذلك ويتم إلى الركن الأسود، فإن لم يذكر حتى رجع إلى بلده أو تباعد أجزأه ويبعث بهدي، وكذلك إن بدأ بالطواف من باب البيت فليلغ ما مشى من باب البيت إلى الركن الأسود. قيل: فلو ابتدأ الطواف من بين الحجر الأسود والباب؟ قال: هذا يسير ويجزئه ولا شيء عليه. فصل 3 - فيمن طاف لعمرته على غير وضوء فذكر ذلك بعد أن حل منها بمكة، أو ببلده ومن المدونة: قال مالك: ومن طاف لعمرته على غير وضوء فذكر ذلك بعد أن حل منها بمكة أو ببلده فليرجع حراما كما كان، وهو كمن لم يطف، فيطوف بالبيت
ويركع ويسعى ولا دم عليه إذا لم يطأ. قال مالك: وإن كان قد حلق بعد طوافه اقتدى، وإن كان أصاب النساء والصيد، والطيب فعليه لكل صيد أصابه الجزاء. قال في كتاب محمد: وعليه إذا أصاب النساء أن يعيد العمرة ويهدي، يريد: وعليه في الطيب الفدية. ومن المدونة: قال مالك: ومن طاف للإفاضة على غير وضوء رجع لذلك من بلده ليطوف للإفاضة إلا أن يكون طاف بعد ذلك تطوعا فيجزئه من طواف الإفاضة، (من طاف للإفاضة على غير وضوء)، يريد: ولا دم عليه. قال ابن القاسم: وطواف الإفاضة، والطواف الذي يصل به السعي بين الصفا والمروة هذا الطوافان واجبان عند مالك يرجع لما ترك منهما فيطوفهما، وعليه الدم، والدم في هذا خفيف. فصل 4 - من شروط الطواف: إكمال العدد ومن طاف أول دخوله مكة ستة أشواط ونسي الشوط السابع وصلى الركعتين وسعى بين الصفا والمروة فإن كان قريبا بمنى طاف شوطا واحدا وركع وأعاد السعي، فإن طال ذلك، أو انتقض وضوؤه، أو ذكر ذلك في طريقه أو ببلده رجع وابتدأ الطواف من أوله وركع وسعى، وإن كان قد جامع بعد ما رجع فليفعل كما وصفت لك قبل هذه
المسألة، يعني: مسألة الذي طاف وسعى على غير وضوء. ابن المواز: قال ابن القاسم: إن سعى قبل أن يركع الركعتين أنه يبتدي الطواف والسعي، وقيل: يركعهما ويعيد السعي. فصل 5 - فيمن نسي ركعتي الطواف من المدونة: وإذا ذكر المعتمر ببلده أنه نسي الركعتين، وقد أصاب النساء فليركعهما ويهدي، وإن ذكر أنه لم يكن طاف بالبيت إلا ستا رجع وابتدأ الطواف وركع وسعى وأمر الموسى على رأسه وقضى عمرته وأهدى. قال يحيى بن عمر: وعليه الفدية. قال ابن القاسم: ولو كان حين دخل مكة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، ثم أحرم بالحج، فلما صار بعرفة ذكر أنه لم يطف بالبيت إلا ستا، فهذا قارن، يعمل عمل القارن المراهق. فصل 6 - يجب في الطواف الذي يسعى بعده أن يكون فرضا وإذا طاف حاج أول دخوله مكة، ولم ينو بطوافه هذا فريضة ولا تطوعا ثم سعى بين الصفا والمروة لم يجزه سعيه إلا بعد طواف ينوي به طواف الفريضة، فإن لم يتباعد رجع فطاف وسعى، وإن فرغ من حجه، ثم رجع إلى بلده وتباعد وجامع النساء أجزأه ذلك وعليه دم، والدم في هذا خفيف.
فصل 7 - من شروط الطواف: الموالاة ومن طاف بعد طوافه، ثم خرج فصلى على جنازة، أو خرج لنفقة نسيها فيبتدئ الطواف ولا يبْني. ابن المواز: وقال أشهب: بل يبني في الجنازة. قال مالك: ولا يخرج من طوافه لشيء إلا لصلاة الفريضة، قال عنه ابن المواز: ثم يبني على ما بقي من طوافه قبل أن ينتفل، ولا يبتديه كان طوافه واجبا أو غيره، قال: وإن أقيمت الصلاة وقد بقي له طواف أو طوافان فلا بأس أن يتم ذلك إلى أن تعتدل الصفوف، وأما المبتدئ فأخاف أن يكثر ويطول من الناس فلا ينقطع ورخص فيه.
الباب الرابع عشر ما جاء في طواف القدوم، والإفاضة، والصدر
الباب الرابع عشر ما جاء في طواف القدوم، والإفاضة، والصدر والطواف في الحج ثلاثة: طواف القدوم، طواف الإفاضة، طواف الوداع، والسعي واحد يؤتى به عقيب طواف القدوم إلا أن يفوت فيؤتي به عقيب طواف الإفاضة. م: ولا يرمل إلا في طواف السعي، وهو طواف القدوم، أو طواف الإفاضة الذي يسعى بعده المراهق، ولا يكون الرمل في طواف التطوع. حكم طواف القدوم قال غير واحد من البغداديين: طواف القدوم سُنة، وفد فعله النبي (صلى الله عليه وسلم)؛ ولأنه طواف في ركن من أركان الحج وهو السعي فكان من متأدي السنن. حكم طواف الإفاضة وطواف الإفاضة فرض لا يسقط بحال، قال الله سبحانه: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، وقال: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، فكان هذا هو المفترض في كتاب الله عز وجل، وأجمع أهل العلم على ذلك. حكم طواف الوداع وطواف الوداع مستحب لقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا يَنفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده
الطواف بالبيت"، وروي عن عمر، وغيره. وليس بواجب خلافا لأبي حنيفة لقوله (صلى الله عليه وسلم) في حديث صفية حين حاضت: "أحابستنا هي؟ "، قالوا: إنها قد أفاضت، قال: "فلا إذا"، فلو كان واجبا لكان يقف عليها كطواف الإفاضة؛ ولأنه طواف يُعل خارج الإحرام كالتطوع. ولا يجب الدم بتركه خلافا للشافعي؛ لأن الحائض تتركه ولا دم عليها؛ ولأنه يُفعل خارج الإحرام.
فصل [طواف الإفاضة تعجيله يوم النحر أفضل] ومن المدونة: قال مالك: وطواف الإفاضة تعجيله يوم النحر أفضل، وإن أخره حتى مضت أيام التشريق وانصرف من منى إلى مكة فلا بأس به، وإن أخره أياما وتطاول ذلك، فعله وأهدى. م: وإنما قال ذلك: لما روى جابر أنه (صلى الله عليه وسلم) نحر يوم النحر، ثم ركب فأفاض وصلى بمكة الظهر، وفي حديث عائشة (رضي الله عنها): "ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق"، وإنما كان له تأخيره إلى آخر أيام التشريق: لما روى مالك أن بعض الصحابة فعلوه، فإذا طال ذلك فقد خالف، فوجب أن يهدي. ومن المدونة: قال مالك: وإن آخر المراهق أو من أحرم بمكة الإفاضة والسعي بعدما انصرف من منى أياما وتطاول ذلك فليطف ويسعى ويهدي، وإنما لهذا أن يؤخر الطواف والسعي إلى الموضع الذي يجوز له أن يؤخر الإفاضة. قال مالك: وبلغني أن بعض الصاحبة كانوا يأتون مراهقين فينفرون لحجهم ولا يطوفون ولا يسعون، ثم يقدمون منى فلا يفيضون من منى إلى آخر أيام التشريق،
فيأتون فينيخون إبلهم عند باب المسجد، ثم يدخلون فيطوفون بالبيت ويسعون، ثم ينصرفون، فيجزئهم طوافهم ذلك لدخولهم مكة ولإفاضتهم ولوداعهم البيت. م: ففي هذا الحديث أدلة: منها: أنه يجوز للمراهق تأخير الطواف الأول والسعي، ثم لا دم عليه، وأنه لا يفيض إلى آخر ايام التشريق، وأن هذا الطواف يجزي عن طواف القدوم والإفاضة والوداع. ومن المدونة: قال مالك: وطواف الإفاضة: هو الذي يسمى طواف الزيارة وكره أن يقال: طواف الزيارة، أو أن يقال: زُرنا قبر النبي (صلى الله عليه وسلم). م: كأنه كره اسم الزيارة، لما روي من قوله (صلى الله عليه وسلم): "لعن الله زوارات القبور"، أو كما قال، وفي حديث آخر: "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وقد سمى الله الإفاضة بقوله: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، وسمى الطواف بعدها بقوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) فسمى لذلك طواف الإفاضة فلا يجوز مخالفته.
ومن المدونة: وكان مالك يستحب طواف الصدر وهو طواف الوداع، ولا يراه واجبا لما قدمناه، وكان مالك يقول: من نسي طواف الوداع ثم ذكره ولم يتباعد رجع إلى مكة فطافه، وإن تباعد مضى، ولا شيء عليه. من نسي طواف الوداع، ثم ذكره رجع له إن كان قريبا. وذكر مالك أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) رد رجلا من مر الظهران خرج ولم يطف طواف الوداع. قلت فهل حد مالك أنه يرجع له من مر الظهران؟ قال: لم يحد مالك أكثر من قوله: يرجع إن كان قريبا. قال ابن القاسم: وأنا أرى أن يرجع له ما لم يخش فوات أصحابه أو لا يقيم عليه كريه، فإن خاف ذلك فليمض حينئذ، ولا شيء على من تركه. قال مالك: ومن طاف للوداع، ثم باع واشترى بعض حوائجه أقام في ذلك ساعة، ثم خرج فلا يرجع إلى الوداع. قال ابن القاسم: ولو أقام بمكة بعد طواف الوداع يوما أو بعض يوم، رجع فطافه، ولو طافوا للوداع، ثم برز بهم الكريّ إلى ذي طُوى فأقام بها يومه وليلته فلا يرجعوا للوداع. قال مالك: ويتموا الصلاة بذي طوى ماداموا بها؛ لأنها من مكة، وإذا خرجوا منها إلى بلدهم قصروا.
قال مالك: وطواف الوداع على من حج من النساء، والصبيان، والعبيد، وعلى كل واحد، وليس على أهل مكة طواف الوداع إذا حجوا، ولا على من دخلها حاجا يريد أن يستوطنها. م: لقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت"، وهؤلاء غير نافرين من مكة. ومن المدونة: قال مالك: ومن فرغ من حجة، ثم خرج يعتمر من الجعرانه أو التنعيم فليس عليه طواف الوداع، وأما إن خرج يعتمر من ميقاته كالجحفة وغيرها فليودع. قال: وإذا سافي مكي فليودع، ومن حج من مر الظهران، أو من عرفة فليودع إذا خرج، وليس من يخرج من مكة إلى منزله يريد الإقامة وإن كان منزله قريبا بمنزله من يخرج إلى موضع قريب ثم يعود. ومن اعتمر ثم خرج من فوره أجزأه طواف عمرته من الوداع، وإن أقام ثم خرج ودع. وكذلك من فاته الحج فسخه في عمرة أو فسد حجة عليه طواف الوداع إذا أقام هذا المفسد بمكة بعد طواف الإفاضة أو أقام الذي فاته الحج بعد طواف العمرة؛ لأنه لما فاته الحج عاد عمله إلى عمرة، وإن خرجا مكانهما فلا شيء عليهما.
وفي الأمهات في هذه المسألة نقص، وهذا هو تمامها. طواف الوداع يسقط عن الحائض قال مالك: وإن حاضت امرأة بعد طواف الإفاضة فلتخرج قبل أن تودع، وإن حاضت قبل الإفاضة أو نفست حبس على الحائض كريّها أقصى ما كان يمسكها الدم، ثم تستظهر بثلاث، وفي النفساء يُحبس عليها كريها أقصى ما يحبس النساء دم النفاس من غير سقم، ولا يحبس عليها أكثر من هذا. وأبو محمد: وقال غيره: أما في زماننا فإنه يفسخ للخوف.
الباب الخامس عشر جامع ما جاء في ركعتي الطواف
الباب الخامس عشر جامع ما جاء في ركعتي الطواف حكم ركعتي الطواف وركعتا الطواف الواجب سنة مؤكدة؛ لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لما فرغ من طوافه ركع له، وروي أنه طاف راكبا فلما فرغ نزل فصلاهما، وهذا يدل على تأكدهما؛ ولأن الطواف من أركان الحج فوجب أن يكون من توابعه سُنة، كالوقوف بعرفة من توابعه المبيت بالمزدلفة، وقد قال الله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى). قال ابن حبيب: ويستحب أن يقرأ في ركعتي الطواف بـ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ). ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا تجزي المكتوبة من ركعتي الطواف في قول
مالك، ومن طاف أسبوعا فلم يركع ركعتيه حتى دخل في أسبوع ثان قطع وركع، فإن لم يذكر حتى أتمه ركع لكل أسبوع ركعتين للاختلاف فيه. قال: وغن طاف في غير إبان صلاة آخر الركعتين وإن خرج إلى الحل ركعهما ويجزئانه ما لم ينتقض وضوؤه، فإن انتقض وضوؤه، وكان الطواف الواجب ابتدأه؛ لأن الركعتين من الطواف توصلان به إلا أن يتباعد فليركهما ويهدي. تأخير ركعتي الطواف حتى خروج وقت النهي أبو محمد: يريد: وقد سعى. قال مالك: وإن دخل مكة حاجا أو معتمرا فطاف وسعى ونسي ركعتي الطواف وقضى جميع حجته أو عمرته، ثم ذكر ذلك بمكة أو قريبا منها رجع فطاف وركع وسعى، ولا هدي على المعتمر إلا أن يكون حلق أو لبس الثياب وتطيب فليفتد، وأما الحاج فإن كانتا من طواف السعي فعليه الهدي، وإن كانتا من طواف الإفاضة، أو من طواف السعي الذي يؤخره المراهق والمكي حتى يرجع من عرفة فلا هدي عليه؛ لأنهما من طواف بعد وقوف عرفة. من نسي ركعتي الطواف ثم ذكرهما بمكة أو قريبا منها قال ابن المواز: وكذلك تارك الركعتين من كل طواف بعد وقوف عرفة فلا دم عليه ما لم يبلغ بلده، وهذا كله إذا لم يطأ، فإن وطئ في أي طواف كان مما فيه الركعتان فلابد له من العمرة بعد أن يطوف ويركع ويسعى، وذلك ما لم يبلغ بلده، أو يبعد جدا، فإذا بلغ بلده أو بعد ركعهما وأهدى وطئ أو لم يطأ. من نسي ركعتي الطواف فذكرهما بعد أن بلغ بلده أو تباعد من مكة (182/ أ). ومن المدونة: قال مالك: وإذا ذكرهما بعد أن بلغ بلده أو تباعد من مكة فلا يبالي من أي طواف كانتا، من طواف عمرة، أو حجة، قبل وقوف عرفة، أو بعده
فليركعهما حيث هو ويهدي، ومحل هدية مكة، وطيء أو لم يطأ. ومن كتاب ابن المواز: ومن ركع الركعتين بثوب نجس أعادهما فقط إن كان قريبا ولم ينتقض وضوؤه، فإن انتقض وضوؤه، أو طال فلا شيء عليه، كزوال الوقت، وقال أصبغ: سلامة من الركعتين كزوال الوقت، وحسن أن يعيدهما بالقرب. من صلى ركعتي الطواف في ثوب نجس. ابن القاسم: عن مالك: وإن أخر الركعتين بعد العصر فليصلهما بعد أن يصلي المغرب، فإن ركعهما قبل المغرب وبعد الغروب أجزأتاه، وبعد المغرب أحب إلينا. قال مالك: وإن نسي الركعتين حتى سعى فليركعهما ويعيد السعي، وقبل: يأتنف الطواف ويركع ويسعى. ابن حبيب: ومن نسي الركعتين: فإن لم ينتقض وضوؤه ركعهما ولم يعد الطواف، وإن انتقض وضوؤه ابتدأ الطواف إن كان واجبا، وهو مخير في التطوع. م: قيل لأبي بكر بن عبد الرحمن: فإن ذكر أنه ترك الركعتين بالقرب فوجب عليه أن يطوف ويركع ويسعى هل يكون إذا قتل صيدا كمن لم يطف ويسعى، ويكون عليه جزاؤه أم لا؛ لأنه لو بلغ بلده لم يكن عليه الرجوع؟ قال: لا جزاء عليه؛ لأنه ليس بمحرم؛ ولأنه طاف وسعى؛ وإنما أمرنا بإعادة ذلك استحسانا.
قيل له: فإن كانتا من طواف عمرته فذكر في الموضع الذي يؤمر فيه بإعاة الطواف والسعي ثم أحرم، قال: يكون قارنا. قال بعض أصحابنا: وهذا منه تناقض. وقال غيره: لا يكون قارنا، والحج الذي عقده يقوم له مقام الطواف، وأما الجزاء فيؤمر به استحسانا؛ لأن أصل الإعادة ليس بواجب، وهذا الصواب. قال ابن حبيب عن مالك: وإذا ترك ركعتي طواف الوداع حتى بلغ بلده أو تباعد فإنه يركعهما، ولا هدي عليه في ذلك. من ترك ركعتي طواف الوداع وإذا فرغ من طوافه عند الفجر بدأ بركعتي الطواف قبل ركعتي الفجر، ولو لم يبق عليه إلا شوط أو شوطان فأقيمت الصلاة فأراد أن يتم بقية طوافه إلى أن تعتدل الصفوف فلا أرى به بأسا. قيل: فإن أراد أن يركعهما والصلاة تقام؟ قال: عسى هذا أن يكون بمكة خفيفا. قلت له: وركعتا الفجر مثله؟ قال: نعم.
الباب السادس عشر جامع ما جاء في الخروج إلى الصفا والمروة والسعي بينهما
الباب السادس عشر جامع ما جاء في الخروج إلى الصفا والمروة والسعي بينهما قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)، وبين الرسول (صلى الله عليه وسلم) بفعله أنها سبعة أشواط، وبدأ في سعيه بالصفا وختم بالمروة، وسعى وخب في بطن المسيل. ومن المدونة: قال ابن القاسم: فإذا فرغ من طوافه خرج إلى الصفا والمروة، ولم يحد مالك من أي باب يخرج. من شروط صحة السعي البدء من الصفا. قال مالك: وأحب أني صعد من الصفا والمروة أعلاهما حيث يرى الكعبة منهما فيكبر ويهلل ويدعوا، قال: "ولا يعجبني أن يدعوا قاعدا عليهما إلا من علة، ويقف النساء أيضا إلا من بها ضعف أو علة، ويقفن في أسفل الصفا والمروة، وليس عليهن أن يصعدن إلا أن يخلوا من الزحام فيصعدن، وذلك أفضل لهن، ولم يحد مالك في الدعاء على الصفا والمروة حدا، ولا طول القيام مكثا، واستحب المكث عليهما في الدعاء، وإن رفع يديه عليهما، أو في وقوف عرفة فرفعا خفيفا، وترك الرفع في كل
شيء أحب إلى مالك إلا في ابتداء الصلاة فإنه يرفع، ولا يرفع يديه في المقامين عند الجمرتين. ويبتدي في سعيه بالصفا ويختم بالمروة، فيكون الوقوف عليهما أربعة على الصفا، وأربعة على المروة. إن بدأ من المروة لم يعتد بذلك الشوط. قال: فإن بدأ بالمروة زاد شوطا ليصير بادئا بالصفا. قال ابن حبيب: إذا خرجت إلى الصفا فارتقيت عليه حيث ترى البيت وأنت قائم فارفع يديك حذو منكبيك، وبطونهما على الأرض، ثم تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، ثم تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ثم تدعو بما استطعت، ثم ترجع فتكبر ثلاثا وتهلل مرة كما ذكرنا، ثم تدعوا، ثم تعيد التكبير والتهليل، ثم تدعو، تفعل ذلك سبع مرات، فتكون إحدى وعشرين تكبيرة، وسبع تهليلات، والدعاء بين ذلك، ولا تدع الصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم) وهذا كله مروي، وليس بلازم، ومن شاء زاد أو نقص أو دعا
بما أمكنه. قال أبو محمد: ووري ذلك عن ابن عمر وغيره. قال ابن حبيب: ثم تفعل على المروة كما فعلت على الصفا، هكذا تفعل في كل وقفة حتى تتم سبعة أشواط بين الصفا والمروة، فتصير بذلك أربع وقفات على الصفا، وأربعا على المروة. قال بعض البغداديين: فإذا وقف على الصفا وكبر وهلل ودعا انحدر ماشيا وسعى في بطن المسيل، ثم يصعد المروة، فإذا ظهر عليها فعل مثل ذلك حتى يكمل سبعة أشواط، وذلك يمان وقفات: أربع على الصفا، وأربع على المروة، قال: وكذلك فعل النبي (صلى الله عليه وسلم) على الصفة التي ذكرنا. قال: والسعي ركن لا ينوب عنه الدم، خلافا لأبي حنيفة. في أنه واجب، وينوب عنه الدم. السعي ركن من أركان الحج. ودليلنا: أنه (صلى الله عليه وسلم) سعى، وقال: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي".
وهذا من أبلغ ما يدل على فرضه؛ ولأنه مشي ذو عدد سبع كالطواف. ومن المدونة: قال: قال: ومن رمل في جميع سعيه بين الصفا والمروة أجزأه، وقد أساء. قال مالك: وإن لم يرمل في بطن المسيل فلا شيء عليه. قال ابن المواز: ولا رمل على النساء في بطن المسيل، ولا في الطواف. المرأة لا ترمل في طواف ولا سعي السعي بين الصفا والمروة ليس من شرط صحته الطهارة لا يسعى راكبا إلا من عذر قال مالك: وإن سعى جُنبا أجزأه إن كان طوافه وركوعه طاهرا. قال في المستخرجة: وتسعى المرأة حائضا إذا كانت في وقت الطواف والصلاة طاهرا. ومن المدونة: قال مالك: ولا يسعى أحد بين الصفا والمروة راكبا إلا من عذر، ونهى عن ذلك أشد النهي. قال عنه ابن المواز: وإن ركب في سعيه من غير عذر أعاد سعيه إن كان قريبا، وإن بعد ذلك وطال أجزأه وأهدى. ومن المدونة: قال مالك: وإن جلس بين ظهراني سعيه شيئا خفيفا فلا شيء عليه. قال ابن القاسم: وإن تطاول ذلك حتى صار كالتارك لما كان فيه فليبتدي.
قال أبو محمد: يريد: يبتدئ الطواف والسعي. قال ابن القاسم وكذلك أن تحدث مع أحد، أو باع أو اشترى، أو صلى على جنازة بنى فيما خلف من ذلك ولم يتطاول، وأجزأه، بخلاف الطائف. قال ابن حبيب: وعن كثر ذلك ابتدأ سعيه ولا يبني. وظاهر قول ابن حبيب: أنه يبتدئ السعي فقط، وعلى ما ذكر أبو محمد: يبتدئ الطواف والسعي. قال مالك في العتبية، وكتاب محمد: وإن أقيمت عليه الصلاة في السعي فليتمادا إلا أن يضر بوقت تلك الصلاة فليصل، ثم يبني على ما مضى له. ومن المدونة: قال مالك: وإن أصابه حقن في سعيه توضأ وبنى، ولا يستأنف. م: بخلاف الطواف. قال مالك: ومن ترك السعي بين الصفا والمروة، أو شوطا منه في حجة أو عمرة صحيحة أو فاسدة فليرجع لذلك من بلده. م: يريد: أنه لم يفعله مشيا ولا سعيا، فهذا يرجع إليه من بلده، بخلاف تارك الرمل.
الباب السابع عشر جامع ما جاء في المقام وفي معالم الحرم
الباب السابع عشر جامع ما جاء في المقام وفي معالم الحرم قال مالك: كان المقام في عهد إبراهيم عليه السلام في مكانه اليوم، وكانت الجاهلية ألصقوه إلى البيت خيفة السيل، فكان كذلك على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) وعهد أبي بكر، فلما ولي عمر وحج أخرج خيوطا كانت في خزائن الكعبة قاسوا بها في الجاهلية مابين موضعه وبين البيت إذ قدموه فقاسه عمر وأخرجه إلى الموضع الذي هو فيه اليوم. قال مالك: وعمر الذي نصب معالم الحرم بعد أن بحث عن ذلك، وبلغني أن الله تعالى أوحى إلى الجبال فتنحت حتى أرى الله إبراهيم مواضع المناسك، فهو قوله: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا). قال ابن حبيب عن ابن عباس لما فرغ إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام من بنيان الكعبة أمره الله تعالى أن يؤذن في الناس بالحج فقام على المقام فتطأطأ له كل
شيء حتى لم يبق له شيء إلا أبصره، ثم نادى بصوته أسمع مابين المشرق والمغرب عباد الله: أجيبوا الله إلى بيته فإن لله بيتا أمركم أن تحجوه، فأجابه من قضى الله له بالحج إلى يوم القيامة وهم في أصلاب آبائهم بلبيك اللهم لبيك، فمن هنالك كانت التلبية في الحج، وأجابه كل من سمعه من حجر أو شجر أو مدر أو تراب: بلبيك اللهم لبيك. قال ابن حبيب: فبلغني أنه من أجابه يومئذ بلبيك مرة فهو ممن قضى الله له بالحج مرة، ومن أجابه مرتين قضى له بالحج مرتين، وإن ثلاث فثلاث، ومن لم يجبه فهو ممن لم يقض له بالحج. تم الأول من الحج، والحمد لله تعالى.
كتاب الحج الثاني من الجامع
كتاب الحج الثاني من الجامع [الباب الأول] في الخروج إلى منى والمبيت بها، والخروج إلى عرفة والوقوف بها، والدفع منها وأبان الرسول صلى الله عليه وسلم في حجته معالم الحج وشعائره، فمن ذلك: الخروج إلى منى يوم التروية، والمبيت بها تلك الليلة، ثم الغدو إلى عرفات، وجمع الصلاتين بها، والخطبة والوقوف بها، والدفع منها، والمبيت بمزدلفة، وجمع الصلاتين بها، وصلاة الصبُح، وصفة الوقوف بالمشعر، الدّفع إلى منى، والرّمي، وصفة التعجيل، وعدد الرّمي، وغير ذلك، ثم جعل الله سبحانه محل الشعائر كلها إلى البيت العتيق وآخر إحلال المحرم طوافه بالبيت للإفاضة. [فصل- السنّة: الخروج يوم التروية من مكة إلى منى بمقدار أن يصلي الظهر بها] قال مالك رحمه الله: ومن السنة الخروج يوم التروية من مكة إلى منى بمقدار أن يصلي بها الظهر، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ثم ينزل بها
حيث شاء، وكذلك بعرفة والمزدلفة، فيبيت بمنى تلك الليلة وهي عرفة، ثم يصلي بها الصبح ويدفع منها إلى عرفة. قال ابن المواز: بعد طلوع الشمس، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا بأس للضعيف ومن بدابته عِلّة أن يغدو قبل ذلك. قال ابن حبيب، وغيره: إذا مالت الشمس يوم التروية فطف بالبيت سبعًا واركع، ثم اخرج إلى منى وأنت تلبي، وإن خرجت قبل ذلك فلا حرج، فإذا بلغت منى فصل بها الظهر ولا تصلها بمكة ولا بالطريق، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تصلي العصر، والمغرب والعشاء، والصبح مع الإمام، كل صلاة لوقتها، ثم تغدو إلى عرفة إذا طلعت الشمس، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك كله. ومن المدونة: قال مالك: ومن بات ليلة عرفة بمكة وغدى منها إلى عرفة فقد أساء، ولا شيء عليه. قال ابن القاسم، وغيره: وكره له مالك أن يدع المبيت مع الناس بمنى ليلة عرفة، كما كره أن يبيت ليالي منى إذا رجع من عرفة في غير منى، ورأى على من بات
ليلة كاملة أو جُلّها في غير منى ليالي منى الدم، وإن كان بعض ليلة فلا شيء عليه، ولم ير في ترك المبيت بمنى ليلة عرفة دمًا. وكره مالك التقديم إلى منى قبل يوم التروية، أو إلى عرفة قبل يوم عرفة، أو أن يقدم الناس أبنيتهم إليها، كره البنيان الذي أحدثه الناس بمنى، وبنيان مسجد عرفة، قال: وما كان بعرفة مسجد مذ كانت عرفة، وإنما أحدث مسجدها بعد بني هاشم بعشر سنين، وكان الإمام يخطب منها بموضع يخطب اليوم متوكئًا على شيء، ويصلي بالناس فيه، ويقطع التلبية هو والناس إذا زالت الشمس وراح يريد الصلاة. وقد تقدم في الحج الأول ذكر قطع التلبية، والحجة فيه. قال ابن المواز: وفي الحج ثلاث خطب: الأولى: قبل يوم التروية بيوم في المسجد الحرام بعد الظهر، ولا يجلس فيها، يعلّم الناس فيها مناسكهم من حيث يخرجون إلى منى إلى غُدوّهم إلى عرفة. والثانية: بعرفة قبل الظهر يجلس في وسطها، وهي تعليم للناس ما بقي من مناسكهم من صلاتهم بعرفة إلى أن يطوفوا طواف الإفاضة.
والثالثة: بمنى أول يوم من أيام التشريق بعد يوم النحر، وهي بعد الظهر لا يجلس فيها، يعلّمهم كيفية الرمي وبقية المناسك، وكلها تعليم للمناسك، ولا يجهر بالقراءة في شيء من صلواتها. ومن المدونة: قال مالك: فإذا زالت الشمس خطب الإمام بعرفة، ثم جمع بين الظهر والعصر بأذانين وإقامتين، وكذلك كل ما وليه الأئمة من الصلاة. ابن حبيب: وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأذان واحد وإقامتين، وبهذا أخذ ابن الماجشون، وقاله القاسم، وسالم. قال ابن المواز: قال مالك:/ ومن صلى في رحله كفته الإقامة لكل صلاة، ومن فاته أن يجمع بين الصلاتين بعرفة مع الإمام، وهو قوي على ذلك فليجمع بينهما في رحلة إذا زالت الشمس، ويتبع في ذلك السنة، وكان القاسم ربما صلى في رحله، وربما
صلى مع الإمام. وقال ابن حبيبك لا ينبغي لأحد أن يترك جمع الصلاتين بعرفة مع الإمام. ومن المدونة: قال مالك: ويؤذن المؤذن إن شاء في الخطبة أو بعد فراغها. قال في كتاب الصلاة: إذا فرغ الإمام منها جلس ثم أذن، فإذا أقام نزل الإمام فصلى. وفي الواضحة، وغيرها: أنه إذا جلس بين الخطبتين أذّن المؤذّن، فإذا تمت الخطبة أقيمت الصلاة وصلى بالناس. ومن المدونة: ابن القاسم: ولا يجهر بالقراءة فيها، وإن وافق يوم جمعة، قال: وهي صلاة إقصار. قال ابن حبيب: السنة أن تقصر الصلاة بمنى، وعرفة، والمزدلفة، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمر.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن ذكر إمام عرفة صلاة نسيها بعد أن سلم من الظهر استخلف من يصلي بهم العصر، وقضي هو التي ذكر، ثم أعاد الظهر وصلى العصر، ولو ذكرها وهو في الظهر أو في العصر قطع وقطعوا، بخلاف من ذكر أنه غير متوضئ. وقال سحنون: بل يستخلف كمن أحدث. قال ابن القاسم: وإذا قطع الظهر استخلف من يصلي بهم الصلاتين، وإن قطع العصر استخلف من يصلي بهم العصر، وأحب إلي أن يعيدوا ما صلوا معه في الوقت. وقال سحنون: لا يعيدون. قال ابن القاسم: فإذا قضى هو التي ذكر ابتدأ الظهر والعصر. قال: فإذا فرغ الناس من صلاتهم قبل الإمام فلهم أن يدفعوا إلى عرفات، يريد: إلى موقفها، قال ابن القاسم: فلا ينتظرونه؛ لأن خليفته موضعه، فإذا فرغ الخليفة دفع إلى موقف عرفة، ودفع الناس بدفعه. قال يحى- عقيب قوله: فإذا فرغ الناس من صلاتهم قبل الإمام دفعوا إلى عرفات- قال يحى: يريد: من منى. م: وليس ذلك بشيء، والصواب: ما قدمنا.
قال أشهب، وسحنون، وابن حبيب: فإذا تمت الصلاة بعرفة فخذ في التهليل وفي التكبير والتحميد، قال ابن حبيب: ثم استند إلى الهضاب من سفح الجبل، وحيث يقف الإمام أفضل، وحيث ما وقفت من عرفات أجزأك، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة». قال ابن حبيب: فمن دفع من عُرَنة فلا حج له؛ لأن عرنة في الحرم، وعرفة
في الحل، فبطن عرنة الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالارتفاع منه وهو بطن الوادي الذي فيه مسجد عرفة فلا يوقف في ذلك الوادي، وهي ثلاث مسايل يسيل منها الماء إذا كان المطر، يقال لها: الجبال، أقصاها مما يلي الموقف. قال مالك: ولم يصب من وقف بمسجد عرفة، قيل: فإن فعل حتى دفع؟ فقال: لا أدري. وقال أصبغ: لا حجّ له، ورآه من بطن عرنة. ابن عبدوس: قال أشهب: وأحب موقف عرفة إلي ما قرب من عرفة، ومن مزدلفة ما قرب من الإمام. قال: وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه بالدعاء عشية عرفة، وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له».
واستحب مالك أن يقف راكبًا كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فأما الماشي فأحب إليّ أن يدعو قائمًا، فإذا أعيي جلس، وكذلك في كتاب محمد. قال ابن حبيب: فإذا رغبت وسألت فأبسط يديك، فإذا رهبت واستغفرت وتضرعت فحولها، فلا تزال كذلك مستقبل الكعبة بالخشوع والتواضع والتذلل والتحميد وكثرة الذكر بالتهليل والتكبير والتحميد والتسبيح والتعظيم والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء لنفسك ولأبويك والاستغفار إلى غروب الشمس، فيدفع الإمام وتدفع معه، فإذا دفعت فارفع يديك إلى الله تعالى وادفع وعليك السكينة والوقار، وامش الهوينا، وإن كنت راكبًا فالعنق، وإن وجدت فرجة فلا بأس أن حرك شيئًا، وأكثر من
ذكر الله وتهليله وتحميده في مسيرك وفي مبيتك بمزدلفة ومقامك بمنى، كما كنت تفعل بالتلبية من رفع الصوت. م: قال بعض البغداديين: وإنما قلنا: يجمع بين الظهر والعصر بمسجد عرفة، ثم يقف بالموقف، لما روى جابر، وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وفعله الأئمة بعده. وإنما استحببنا له أن يقف راكبًا: لأنه صلى الله عليه وسلم وقف راكبًا على راحلته القصواء؛ ولأن الركوب أعون/ له على الوقوف، وأمكن له في الدعاء. وإنما قلنا يقف حيث شاء سوى بطن عرنة: لقوله صلى الله عليه وسلم: «عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة». وإنما قلنا يقف إلى الغروب: لأنه صلى الله عليه وسلم كذلك فعل، فإن دفع قبل الغروب ولم يرجع فيقف جزء من الليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج،
خلافًا لأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه صلى الله عليه وسلم دفع حين غابت الشمس، وقال: «خذوا عني مناسككم»، وروى عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أدرك عرفة قبل الفجر فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج»، وروى عطاء، ونافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من وقف بعرفات بليل فقد أدْرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج، فليحل بعمرة، وعليه الحج قابلاً»، فورد هذا الخبر نصًا في صحة ما قلناه؛ ولأنه لم يقف جزء من الليل، وإنما وقف آخر النهار، فكان كالوقوف قبل الزوال، وذلك لا يجزئه باتفاق، ولما كان الليل أوله وآخره سواء ويجزي فيه الوقوف، كان كذلك النهار آخره كأوله الذي لا يجزي فيه الوقوف. ابن المواز: ومن أتى قرب الفجر وقد نسي صلاة فإن صلاها طلع الفجر وفاته الوقوف، فإن كان قريبًا من جبال عرفة وقف وصلى، وإن كان بعيدًا بدأ بالصلاة وإن
فاته الحج، وبلغني أن محمد بن عبد الحكم قال: إن كان من أهل مكة وما حولها فليبدأ بالصلاة، وإن كان من أهل الآفاق مضى إلى عرفة فوقف وصلى. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن دفع من قبل الغروب، فإن لم يرجع فيقف قبل الفجر فقد فاته الحج ويحج قابلاً ويهدي وإن رجع فوقف قبل الفجر أجزأه ولا هدي عليه؛ لأنه كالذي يأتي مفاوتًا. وقال أصبغ: أحبّ إليّ أن يهدي من غير إيجاب لتعمده ترك انتظار دفع الإمام. وقد جعل ابن القاسم، وأشهب الهدي على من ترك الوقوف مع الإمام ووقف ليلاً. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تعمد ترك الوقوف بعرفة حتى دفع الإمام أجزأه أن يقف ليلاً، وقد أساء وعليه الهدي. وقال سحنون: لا يهدي. م: فوجه قول ابن القاسم: أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف نهارًا حتى غربت الشمس، فمن لم يقف كذلك فقد خالف، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم» فوجب أن يهدي. ووجه قول سحنون: فلأنه إنما ترك الفضيلة، وقد أتى بالواجب وهو الوقوف ليلاً فلا هدي عليه، كمن دفع قبل الغروب ثم رجع فوقف ليلاً. قال ابن المواز: قال مالك: ومن دفع من عرفة قبل الغروب فلم يخرج منها حتى غابت الشمس أجزأه وعليه هدي.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن دفع حين غربت الشمس قبل دفع الإمام أجزأه الوقوف؛ لأنه إنما دفع وقد حلّ الدفع، ولو دفع بدفع الإمام كانت السنة، وكان ذلك أفضل. فصل [منْ أُغمى عليه قبل الزوال، وكان أَحْرم قبل ذلك بالحج فوقف به أصحابه أجزأه ذلك] قال مالك: ومن أغمي عليه قبل أن يأتي عرفة فوقف به بعرفة مغمى عليه حتى دفعوا منها أجزأه، ولا دم عليه. وقال ابن المواز عن أشهب: لا يجزئه، وقد ذكرناه في الكتاب الأول. ومن الثاني: قيل لابن القاسم: فمن مرّ بعرفة مارًا بعدما دفع الإمام ولم يقف بها أيجزئه ذلك من الوقوف؟ قال: قال مالك: من جاء ليلاً وقد دفع الإمام أجزأه أن يقف قبل طلوع الفجر، زاد في رواية الدباغ: قال ابن القاسم: وأنا أرى إن مرّ بعرفة مارًا ينوي بمروره بها وقفًا أن ذلك يجزئه. وقال ابن المواز: يجزئه ذلك وإن تعمده إذا نوى به الوقوف وذكر الله، ولو كان وقوفه بها وهو لا يعرفها لم يجزه، وبطل حجه.
قال ابن المنذر في كتابه: الإشراف عن مالك وغيره من العلماء: إنْ مر بعرفة ليلاً قبل الفجر وهو لا يعرفها أن ذلك يجزئه. وحكي عن أبي محمد أنه سئل لم قال ابن القاسم: من طاف بالبيت الطواف الواجب بلا نية، ثم رجع إلى بلده أجزأه، وقال ابن المواز: من مرّ بعرفة مارًا فإن عرفها ونوي الوقوف بها وإلا بطل حجه فما الفرق بين هذا وبين الأول؟، ولم لا يجزئه وإن لم ينوها؟ فقال: الفرق- والله أعلم- أني أصبت الطواف يفعل واجبًا، وتطوعًا، والوقوف بعرفة لا يفعل إلا واجبًا، فكان أقوى ألا يجزئ إلا بنية، قال: ويحتمل عندي أن يجزي الوقوف بعرفة بلا نية/ على ما قال ابن القاسم في المغمى عليه بعرفة أنه يجزئه الوقوف، ويكون من الحجة لابن القاسم في الطواف بلا نية أن الإحرام بالحج إذا عقده عقد من النية في أوائله ما يجزئ عن تجديد النية في سائر عمله، كما يجزئ في الصلاة إذا ابتدأها بنية أنه ليس عليه أن يستديم النية في سائرها، والنية في الصلاة والصوم تقطعها الحوادث، وفي الحج لا تقطعها الحوادث، ألا ترى أنه إذا أفسد حجه أنه لابد من إتمامه، فكان الحج أقوى في استدامة النية فيه. والله أعلم.
م: هذا صواب جيد، وأما تفرقته أولاً فلو عكس ذلك لكان أولى؛ لأن ما يُفعل واجبًا وتطوعًا يحتاج الواجب منه إلى نية تخلصه من التطوع، أصله الصلاة، وما لا يفعل إلا واجبًا لا يحتاج إلى نية؛ لأن النية لا تخلصه من غيره ولا تميزه. م: والفرق بينهما: أن الطائف بلا نية قصد بطوافه القربة، وفعل فعل الطواف الواجب فأجزأته لذلك نية الإحرام بالحج، إذ لا يلزمه أن يجدد لكل ركن نية، كالصلاة، والمار بعرفة لم يفعل فعل الوقوف الواجب، ولا قصد بمروره قربة وإنما مر كمروره بها لحاجة، فلم يجزه، ولو فعل فعل الحاج: من جمع الصلاة، والوقوف بها، والدفع بعد الغروب بغير نية لأجزأ كالطواف، وكذلك لو قصد بمروره بها ليلاً القربة لأجزأه ذلك وإن لم تكن له نية، وإنما افترقت المسألتان لافتراق السؤال. والله أعلم. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن وقف على غير وضوء أو جنبًا من احتلام فقد أساء ولا شيء عليه، ووقوفه طاهر أحب إليّ وأفضل. فصل [في الهدي الذي يجب أن يوقف به بعرفة] قال سحنون: قلت لابن القاسم: أيّ هدي يجب علي أن أقف به بعرفة؟ قال: كل هدي لا يجوز لك أن تنحره إذا اشتريته في الحرم حتى تخرجه إلى الحل فتدخله الحرم، أو تشتريه من الحل فتدخله الحرم، فهذا الذي يوقف به بعرفة، وإنْ فاتك الوقوف به بعرفة نحرته بمكة إنْ كنت اشتريته من الحل.
م: كل هدي وجب عليك قبل يوم عرفة أو تطوعت به فلك أن توقفه بعرفة، ثم تنحره بمنى، إلا فدية الأذى؛ لأنها نُسك. قال مالك: ولا يجزئك ما أوقفه غيرك من الهدي حتى توقفه أنت بنفسك، ولو اشتريته بعرفة وأوقفته بها أجزأك، وتوقف الإبل والبقر والغنم. قال ابن القاسم: وما وقف به من الهدي بعرفة فحسن أنْ يبيت به بالمشعر الحرام، فإن لم يبت به فلا شيء عليه. قيل: فهل يخرج بالهدي يوم التروية إلى منى، ثم يدفع به إلى عرفة؟ قال: لم أسمع من مالك أكثر من أن يقف به بعرفة، ولا يدفع بها قبل غروب الشمس، فإن دفع بها قبل الغروب لم يكن ذلك وقفًا، ولا يُنحر إلا بمكة.
[الباب الثاني] جامع ما جاء في الصلاة بالمزدلفة والوقوف بها والدفع منها إلى منى
[الباب الثاني] جامع ما جاء في الصلاة بالمزدلفة والوقوف بها والدفع منها إلى منى: قال الله سبحانه: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ}، وقال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} إلى قوله: {إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ}، وجمع الرسول صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وصلى بها الصبح، وبيّن صفة الوقوف بالمشعر الحرام والدفع منه إلى منى. قال عبد الوهاب: والجمع بين الصلاتين بالمزدلفة سنّة مؤكدة، فإن صلى المغرب بعرفة في وقتها والعشاء في وقتها فقد ترك السُنة والاختيار، ويجزئه، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لايجزئه. ودليلنا: لأنهما صلاتان سُن الجمع بينهما في وقت إحداهما فلم يمنع ترك الجمع بينهما جوازهما، أصله: الظهر والعصر بعرفة. م: ومذهب أبي حنيفة: أنه يعيدهما أبدًا، وبه أخذ ابن حبيب، وقال ابن القاسم يعيدهما في الوقت، وقال أشهب: لا يعيد.
ومن المدونة: قال مالك: ومن لم تكن به علة ولا بدابته وهو يسير بسير الناس فلا يصلي المغرب والعشاء إلا بالمزدلفة. قال ابن القاسم: فإن صلى قبلها أعاد إذا أتاها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة أمامك». قال ابن المواز: وقال أشهب: لا يعيد، وبئس ما صنع، إلا أن يكون قد صلى قبل غيبوبة الشفق فليعد العشاء أبدا. ابن المواز: وقول ابن القاسم أحب إلينا. وهذا لمن وقف مع الإمام، فأما من وقف بعده فليصل كل صلاة لوقتها. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما من به علة أو بدابته فلم يستطع المضي مع الناس أمهل حتى يغيب الشفق، ثم يجمع بينهما حيث كان، ويجزئه. قلت: فإن أدرك الإمام المزدلفة قبل مغيب الشفق؟. قال: هذا ما لا أظنه يكون، ولو كان: ما أحببت أن يصلوا حتى يغيب الشفق.
قال مالك في العتبية: ومن وصل إلى المزدلفة فليبدأ بالصلاة قبل أن يحط رحله وزوامله، إلا مثل الرجل الخفيف فليحطه قبل الصلاة. وفي الموطأ: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب بها، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصل بينهما شيئًا. وروي أن ابن مسعود لما نزل بالمزدلفة صلى بهم المغرب؛ ثم وضعوا رحالهم وتعشوا، ثم صلى العشاء. قال أشهب: هذا فيما خف من العشاء، وأما عشاءٌ فيه طول فليصل العشاء قبله أحب إلي. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يكبر دبر الصلاة في المشعر الحرام في المغرب والعشاء والصبح. ومن بات بالمشعر الحرام فلم يقف حتى دفع الإمام، فلا يقف بعده، ولا يتخلف عنه، وإن كان لم يبت معه وإنما ذهب إلى عرفات فوقف بها ليلاً، ثم أتى وقد طلعت
الشمس فلا وقف له بالمشعر، وقاله مالك. واستحسن ابن القاسم: إن أتى قبل طلوع الشمس أن يقف ما لم يُسْفِر. ابن المواز: قال أشهب: إن لم يُعرس بها قبل الفجر فعليه دم. فصل [1 - وقت الوقوف بالمشعر]: ومن المدونة: قال ابن القاسم: والوقوف بالمشعر بعد طلوع الفجر وبعد صلاة الصبح، قال سحنون: ووجهك إذا وقفت أمام البيت. قال ابن القاسم: ومن وقف بعد الفجر، وقبل أن يصلي الصبح، فهو كمن لم يقف. م: إنما قال ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح، ثم ركب حتى أتى المشعر فاستقبل القبلة فحمد الله وكبره وهلله، ولم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا، ثم دفع قبل طلوع الشمس، وفي حديث آخر: قال: «وكان أهل الشرك يدفعون بعد طلوعها
حين تعتم بها رؤس الجبال، وأنا أدفع قبل طلوعها، هدينا مخالف هدي الشرك والأوثان». ابن المواز: ويستحب ليلة المزدلفة كثرة الصلاة والذكر، وكان ابن عمر يطيل بها التهجد. وكان الناس يستحبون الوقوف على الجبل الذي عليه الإمام، وقال سعيد بن جبير: وما بين الجبلين موقف، وقال ابن أبي نجيح: ما صب من محسر في المزدلفة فهو منها، وما صب منه في منى فهو منها. قال ابن حبيب: المشعر: ما بين جبلي المزدلفة، ويقال لها أيضًا: جمع، وكلها موقف، ويرتفع عن بطن محسر، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: ويقف الإمام حيث المنارة التي على قزح، قال: وترفع يديك بالدعاء والذكر والرغبة إلى الله، وتكثر من التهليل. قال ابن القاسم: ومزدلفة في الحرم. قال مالك: والحديبية في الحرم، وفي كتاب ابن القصار: أن الحديبية بعضها حل، وبعضها حرم. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أتى المزدلفة مغمى عليه أجزأه، ولا دم عليه. ابن المواز: ولم يختلف في ذلك، وإنما اختلف ابن القاسم، وأشهب في عرفة. ومن المدونة: قال مالك: ومن مرّ بالمزدلفة مارًا ولم ينزل بها فعليه دم، وإن نزل بها، ثم دفع منها في أوّل الليل، أو في وسطه، أو في آخره، وترك الوقوف مع الإمام أجزأه، ولا دم عليه. م: لأنه أتى بالواجب عليه، وإنما ترك الاستحباب، فلذلك لم يكن عليه هدي.
فصل [2 - وقت الدفع من المزدلفة] واستحب مالك للرجل/ أن يدفع مع المشعر بدفع الإمام، ولا يتعجل قبله. قال: وواسع للنساء، والصبيان أن يتقدموا أو يتأخروا. م: وقد أرخص النبي صلى الله عليه وسلم في تقديم الضعفاء، ورعاة الإبل؛ لأن في ذلك رفقًا بهم وتخفيفًا عنهم. قال مالك: ولا يقف أحدٌ بالمشعر إلى طلوع الشمس أو الإسفار ولكن يدفعوا قبل ذلك، فإذا أسفر ولم يدفع الإمام دفع الناس وتركوه. قال ابن القاسم: ومن لم يدفع من المشعر حتى طلعت الشمس أساء ولا شيء عليه عند مالك. قال ابن حبيب: وتفعل في الدفع من المشعر من الذكر والسكينة مثل فعلك في الدفع من عرفة، وتهرول في بطن محسر، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر الناس بفعله وفعله الأئمة بعده، وهي السنة، فقد روي لنا عن علي بن أبي طالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفع من المزدلفة أخذ يسير العنق والناس يزحفون، وهو يلتفت يمينًا وشمالاً وهو يقول:
السكينة أيها الناس، حتى وقف على محسر فقرع راحلته فَخَبّت حتى جاوزه، ثم سار بسيره الأول حتى رمى الجمرة، زاد في حديث آخر: أنه صلى الله عليه وسلم لما أتى محسرًا ركض راحلته برجليه قدر رمية بحجر. قال ويستحب في ذلك ذكر الله والرغبة إليه، وكان عروة يقول فيه: (لا إله إلا أنْتَا ... وأنت تُحيْى بعد مَا أَمتا) وقال غيره: (إنْ تَغْفِر اللهم تغفر جَمًا ... وأيُّ عَبْدٍ لك إلا ألما) وكان عمر بن الخطاب يقول: (إليك تَعُدُوا قَلِقا وَضيْنُها ... مُخالفا دِين النصارى دينُها) (معترضًا في بطنها جنينُها ... قدْ ذَهبَ الشحْمُ الذي يُزيْنُها)
الباب الثالث ما يفعل بمنى يوم النحر من الرمي والنحر والحلق والإفاضة، وكيف إن وطيء في خلال ذلك
الباب الثالث ما يفعل بمنى يوم النحر من الرمي والنحر والحلق والإفاضة، وكيف إن وطيء في خلال ذلك قال الله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}. قال مالك: ومحل ما وقف به بعرفة منى، وبها الحلق، بينه الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله، وقال تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}، فهذه أيام النحر الثلاثة. وقال تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}، فهذه أيام الرمي، وهي ثلاثة بعد يوم النحر. ومن المدونة: قال مالك- رحمه الله-: الشأن أنْ يرمي جمرة العقبة يوم النحر ضحوة راكبًا، كما يأتي الناس على دوابهم. قال عنه ابن المواز: تستقبلها، ومنى عن يمينك، والبيت عن يسارك، وأنت ببطن الوادي، ولا تقف عندها بعد الرمي، وكذلك كان ابن مسعود يفعل.
قال مالك: وأما في غير يوم النحر فيرمي ماشيًا. قال ابن القاسم: فإن مشى يوم النحر في رمي العقبة، أو ركب في رمي الجمار في الأيام الثلاثة فلا شيء عليه. قال مالك: ومن رمى جمرة العقبة قبل طلوع الشمس وبعد الفجر أجزأه، وبطلوع الفجر يوم النحر يحل الرمي والنحر بمنى، وإن رمى قبل الفجر أعاد الرمي، ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في الرمي قبل الفجر. قال: والرجال، والنساء، والصبيان في هذا سواء. قال مالك: ويرمي العقبة يوم النحر بسبع حصيات، ويكبر مع كل حصاة يرميها، وأحب إلي أن يرميها من أسفلها، وتفسير حديث القاسم: أنه كان يرميها من حيث تيسر، معناه: مِنْ أسفلها من حيث تيسر. قال مالك: وإن رماها من فوقها أجزأه. واستحب مالك أن يكون حصى الجمار أكبر من حصى الخذف قليلاً.
قال غيره: وقدر حصى الجمار قدر الفولة ونحوها. قال مالك: وليأخذها من حيث شاء. قال عنه ابن المواز: ولقْطُها أحب إلي من كسرها، وليس عليه غسلها، وإن ألجئ إلى أن يكسرها من حجر فلا بأس به. قال ابن حبيب: واستحب القاسم، وسالم: أخذها من مزدلفة، ولا بأس بأخذها من غيرها إذا اجتنب ما رُمي به. ومن المدونة: قال مالك: ولا يُرمى بحصى الجمار لأنه قد رُمي به. قال عبد الوهاب: وإنما قال: يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا بسبع حصيات قدر حصى الخذف، ويكبر مع كل حصاة: لما روى جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع من المزدلفة حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة يرميها، والحصى كحصى الخذف. قال: وإنما استحب أنْ يرميها من أسفلها لما روي عن عمر بن الخطاب أنه فعل ذلك، وعن عبد الله نحوه.
قال أبو بكر الأبهري: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رميتم الجمرة فارموها بمثل حصى الخذف» وجعل هذا المقدار لئلا تؤذي الإنسان إن أصابته، وإنما استحب مالك أن تكون أكبر من حصى الخذف قليلاً؛ فلأن حصى الخذف ليس محدودًا، لكنه يزيد وينقص في الكبر والصغر، فاحتاط مالك أن يكون أكبر ليكون قد أتى بما أُمِرَ به وأزيد. م: وكنت أسمع في المجالس: إنما لم يرم بحصى الجمار؛ لأن ما تُقُبِّل منه رُفع وما لم يتقبل لم يرفع، فلذلك كره مالك أنْ يرمى به، والله أعلم. وأصح منه: أنها قد تُعبّد بها مرة فلا يُتعبد بها ثانية كالعتق في الكفارات ونحوها. فصل [1 - فيمن ترك رمي جمرة العقبة حتى الليل] ومن المدونة: قال مالك: ومن ترك رمي جمرة العقبة يوم النحر حتى الليل فليرمها وعليه دم.
قال ابن القاسم: وإنْ نسي بعضها فليرم عدد ما ترك ولا يستأنف جميع الرمي، واختلف قول مالك في وجوب الدم عليه، قال ابن القاسم: وأحب قوله إليّ أن يكون عليه الدم. م: لم يختلف قول مالك في تركة جمرة العقبة إلى الليل أن عليه الدم، وإنما اختلف قوله في إذا ترك بعضها، وقاله غير واحد من القرويين وقال بعضهم: يدخله الاختلاف. م: والأول أبين، وأما يوم ثاني النحر فسواء ترك جمرة واحدة، أو الجمار الثلاثة أن اختلاف قول مالك يدخله في وجوب الدم أم لا، وهو في الأمهات أبين، وما وقع في بعض المختصرات إنما اختلف قوله في ترك جمرة واحدة فقط. قال: وإذا رمى جمرة العقبة نحر هديًا إن كان معه، ثم حلق. م لقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} .. قال مالك: ولا يذبح حتى يرمي، فإنْ ذبح قبل الرمي، أو حلق بعد الرمي قبل أن يذبح أجزأه، ولا شيء عليه. م: وإنما قال: يرمي، ثم ينحر، ثم يحلق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذلك: رمى الجمرة ثم نحر البُدْن، ثم حلق.
وإنما قال: إذا قدم النحر على الرمي، أو الحلاق على النحر جاز، لما روى ابن عمر: أنه صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: «اذبح، ولا حرج»، وجاء آخر فقال: يا رسول الله لم أشعر حتى نحرت قبل أن أرمي، فقال: «إرم ولا حرج». وقال ابن الماجشون: إذا حلق قبل أن يذبح فليهد، لقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}، وما روي من قول النبي صلى الله عليه وسلم إذْ سئل: «افعل، ولا حرج» يعني: أن حجه تام. م: وليس ذلك بشيء، وقول مالك، وأصحابه أولى، ولو كان الأمر كما قال ابن الماجشون لأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالهدي؛ لأنه استفتاه وسأله البيان، فقال له: «اذبح ولا حرج». ومن المدونة: قال مالك: وإن حلق قبل أنْ يرمي افتدى، قال عنه ابن المواز:
ويمر الموسى على رأسه بعد أن يرمي. قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: لا شيء عليه. ودليلنا قوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}، والرمي قبل النحر؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم رمى، ثم نحر، ثم حلق؛ ولأنه حلق في إحرام لم يتحلل منه فأشبه أن لو حلق قبل النحر. ومن المدونة: قال مالك: وحد الذبح والنحر ضحوة، فإن ذبح قبل الفجر أعاد الذبح. [فصل- 2 الوطء في الإحرام] قال مالك، وأصحابه: من وطئ قبل الوقوف بعرفة فسد حجه، ولا خلاف في ذلك.
قال مالك: وكذلك إن وطئ يوم النحر قبل أن يرمي ويفيض، فحجه فاسد. وقيل: لا يفسد، وهو قول أبي حنيفة، فالعلة لمالك: بقاء الإحرام، وعدم التحلل منه، كالوطء قبل الوقوف، والعلة للقول الآخر: أمن الفوات، كالوطء بعد الرمي والطواف. قال سحنون: قيل لمحمد بن إبراهيم بن دينار: لم قلتم إذا وطئ يوم النحر قبل رمي جمرة العقبة والإفاضة فسد حجه، وقد جاء الحديث: «أن من أدرك الوقوف بعرفة قبل الفجر فقد أدرك الحج»، فقال: ألم يقل صلى الله عليه وسلم: «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها»؟ قالوا: نعم، قال: أرأيتم إن أفسد شيئًا مما بقي عليه أليس يفسد صلاته؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك هذا، إنما يتم حجه إذا أتم ما بقي عليه على حاله وهيئته، وهو مذكور في كتاب الاتفاق والاختلاف. واختلفوا أذا وطئ ليلة المزدلفة: فقال يحيى بن عمر: سألت عن ذلك أبا
المصعب، فقال لي: كان مالك يقول: يفسد حجه، وعليه إعادته بعد إتمام هذه، قال: ثم رجع فقال: عليه العمرة والهدي. قال: وقال أبو المصعب: إن وطئها بعد الفجر فعليه العمرة والهدي، وإن كان قبل طلوع الفجر فقد فسد ويعيد من قابل بعد إتمام هذه. ومن المدونة: قال مالك: وإن وطئ يوم النحر يعدما رمى جمرة العقبة وقبل الإفاضة قبل أن يحلق أو بعده فحجه تام، وعليه هدي وعمرة ينحر الهدي فيها، وقاله ابن عباس، وربيعة. قال مالك: ويعتمر من الميقات أحب إليّ، وإنْ اعتمر من التنعيم أجزأه، وهديه بدنة، فإنْ لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة بعد ذلك، وإن شاء فرق بينهما أو جمع. وقال ابن عمر والحسن، وابن شهاب يحج قابلاً. وقال ابن المسيب، والقاسم، وسالم: إنما عليه هدي.
م: فوجه قول مالك: فلأنه وطء في إحرام متحلل، كالوطء بعد التحلل الكامل، وهي علة من لم يوجب عليه إلا الهدي، وإنما أوجب عليه مالك العمرة والهدي؛ لأن ذلك مروي عن ابن عباس؛ ولأن عليه أن يأتي بالطواف والسعي في إحرام لا وطء فيه. وعلة من أفسد حجه: فلأن كمال التحلل لم يحصل له، فحرمة الإحرام مبقاة كقبل الرمي. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن وطئ في يوم ثاني النحر بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإفاضة فعليه عمرة وهدي. م: ويوم النحر في هذا وبعده سواء؛ لأنه وطئ قبل ركن من أركان الحج وهو طواف الإفاضة، فعليه أن يطوفه، ثم يعيده في إحرام ولا وطء فيه، كما يفعل إذا أفسد حجه، والإحرام: سبيله أن يُجمع له حل وحرم، وطواف وسعي، وذلك عمل العمرة، فلذلك جعل عليه العمرة والهدي، كمن أفسد حجه أنه يتمه، ثم يعيده قابلاً في إحرام لا وطء فيه ويهدي. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن وطئها يوم النحر بعد الرمي وبعد الإفاضة، ثم ذكر أنه طاف للإفاضة ستة أشواط، أو ترك ركعتي الطواف، فليطف سبعًا ويركع، ثم يعتمر ويهدي، وكذلك لو وطئ بعد يوم النحر قبل أن يرمي ويفيض،
فحجه تام ويعتمر ويهدي، وعليه هدي آخر لتأخير الرمي. م: بخلاف وطئه قبلهما في يوم النحر. والفرق بينهما: أن الرمي والإفاضة في يوم ثاني النحر قضاء عن يوم النحر، والقضاء في الأصول أخف من المقضي، ألا ترى أن من أفطر في رمضان متعمدًا، عليه القضاء والكفارة، وإذا أفطر في قضاء رمضان فإنما عليه القضاء. ومن المدونة: قال ابن القاسم ولو وطئ يوم النحر قبل الرمي وبعد الإفاضة، فإنما عليه الهدي، وحجه تام، ولا عمرة عليه. قال ابن المواز: وهو كتارك رمي جمرة العقبة، وقاله: ابن كنانة. وقال أشهب، وابن وهب: يفسد حجه. قال أصبغ: وهو قول ابن القاسم، وابن كنانة أحب إلينا. قال أصبغ: وأحب إليّ أن يعيد الإفاضة بعد أن يرمي. قال ابن المواز: لا يعيد الإفاضة، ولو لم يجزه لفسد حجه، كما قال أشهب، وابن وهب. م: وقال ابن حبيب: إنما عليه عمرة وهدي.
والتعليل لكل قول كالتعليل في الذي وطئ يوم النحر بعد الرمي وقبل الإفاضة، وإنما لم يوجب مالك عليه في هذه العمرة، وأوجبه في الذي وطئ بعد الرمي وقبل الإفاضة؛ لأن الإفاضة آكد من الرمي، وقد أتى بها في إحرام ولا وطء فيه، فلم تكن عليه عمرة، وكان عليه الهدي كتارك رمي جمرة العقبة. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو وطئ بعد يوم النحر قبل الرمي وبعد الإفاضة فإنما عليه الهدي- أيضًا-، ولم يختلف في هذا، لأنه قضاء، والقضاء أخف من المقضي. م: وتلخيص ما في المدونة من مسائل الوطء هذه: هو أنه إذا وطئ يوم النحر قبل أن يرمي ويفيض فحجه فاسد، وإن وطئ بعدهما فلا شيء عليه، وإن وطئ بعد الرمي وقبل الإفاضة يوم النحر أو بعده فعليه عمرة وهدي، وإن وطئ قبل الرمي وبعد الإفاضة فعليه هدي. وتلخيص ما في غير المدونة من الاختلاف في ذلك: أنه إن وطئ قبلهما فسد حجه، وقيل: لا يفسد، وإن وطئ بعدهما فلا شيء عليه بإجماع، وإن وطئ بعد أحدهما وقبل الآخر فثلاثة أقوال: قيل: يفسد حجه، وقيل: عليه عمرة وهدي، وقيل: إنما عليه هدي. فصل [3 - في ما يحل برمي جمرة العقبة من محظورات الإحرام]. قال مالك: ومن رمى جمرة العقبة يوم النحر فقد حلّ له كل شيء إلا النساء، والصيد، والطيب، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
قال مالك: وإذا أفاض بعد الرمي حل له كل شيء من النساء، والصيد، والطيب، وإذا أفاض قبل الرمي لم يجزه، وليرم ثم يحلق ثم يفيض ثانية، وإن رمى ولم يحلق ثم أفاض فأحب إليّ قول ابن عمر: أن يحلق بمنى ثم يعيد الإفاضة، فإن لم يعد الإفاضة أجزأه. قال مالك: والتعجل بطواف الإفاضة أفضل ولا رمل فيه. وكره مالك لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب حتى يفيض، فإن فعل فلا شيء عليه لما جاء فيه. قال: وإذا رمى العقبة فبدأ فقلم أظفاره، وأخذ من لحيته وشاربه، واستحد أو أطلى بالنورة قبل يحلق رأسه فلا بأس بذلك. واستحب مالك إذا حلّ من إحرامه أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظفاره من غير إيجاب وفعله ابن عمر. قال مالك: والحلاق يوم النحر بمنى أحبّ إلي وأفضل، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم وإن حلق بمكة في أيام التشريف أو بعدها، أو حلق في الحل في أيام منى فلا شيء عليه، وإن أخر الحلاق حتى رجع إلى بلده جاهلاً أو ناسيًا، حلق أو قصر وأهدى.
وقال أشهب: إن حلق في أيام الرمي فلا شيء عليه، وإن حلق بعدها أحببت له أن يهدي. قال غيره: والحلاق أفضل من التقصير؛ لأنه صلى الله عليه وسلم فعل، وقال: «رحم الله المحلقين، رحم الله المحلقين، رحم الله المحلقين» قالها ثلاثًا، قيل: يا رسول الله: والمقصرين؟ قال: «والمقصرين»، وهذه المبالغة بتكرار الدعاء تدل على الفضيلة، وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس على النساء إلا التقصير»، وقاله عمر، وابن عمر، ولا مخالف لهما. ومن المدونة: وكان مالك يأمر من ظفر أو عقص أو لبد بالحلاق للسنة يريد: ولا يجزئه التقصير.
قلت: فما معنى هذا القول عندكم: ولا تشبهوا بالتلبيد؟ قال: معناه: أن السنة جاءت فيمن لبد أن عليه الحلاق، فقيل لمن عقص أو ظفر: فلتحلقوا ولا تشبهوا به، أي: لا تشبهوا علينا فإنه مثل التلبيد. قال مالك: ومن ضلت بدنته يوم النحر أخر الحلاق وطلبها ما بينه وبين الزوال، فإن أصابها وإلا حلق وفعل ما يفعل من لم يهد من الإفاضة، ووطء النساء، وحلق الرأس، ولبس الثياب، كانت هذه البدنة مما عليه بدنها أم لا. قال: ويمر الأقرع الموسى على رأسه عند الحلاق. قال ابن القاسم: من حلق رأسه بالنورة عند الحلاق أجزأه. وقال أشهب: لا يجزئه. م: فوجه قول ابن القاسم: فلأنه حلق بعد رمي جمرة العقبة، كالحلق بالحديد. ووجه قول أشهب: فلأنه خالف سنة الحلق. قال مالك: ومن أخر الطواف والسعي من مراهق وشبهه فليحلق إذا رمى جمرة العقبة ولا يؤخر حتى يطوف. قال في المختصر: ويحل له من كل شيء ما يحل لمن طاف وسعى.
ومن المدونة: قال: وإذا قصر الرجل فليأخذ من جميع شعر رأسه، وما أخذ من ذلك أجرأه، وكذلك الصبيان، وليس على النساء إلا التقصير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ولتأخذ من جميع قرونها في الحج والعمرة الشيء القليل، وما أخذت من ذلك أجزأها. وفي الموازية: تجز ذلك جزًا، وهو خلاف ما في المدونة: والمرأة تأخذ يسيرًا من جميع القرون، وكانت عائشة رضي الله عنها تجز قدر التطريف. ولا يجزئهما أن يقصر بعضًا ويبقيا بعضًا، وإن جامعها بعد أن قصر أو قصرت بعضًا وأبقيا بعضًا فعليهما الهدي، يريد، وقد أفاضا ورميا. قال مالك: وإذا طاف المعتمر وسعى ولم يقصر فأحب إليّ أن يؤخر لبس الثياب حتى يقصر، فإن ليس قبل أن يقصر فلا شيء عليه، فإن وطئ قبل أن يقصر أو بعد أن أخذ من بعض شعره فعليه الهدي, وبالله تعالى التوفيق.
[الباب الرابع] في رمي الجمار أيام منى، ومن نسي شيئا منها، أو تعجل في يومين
[الباب الرابع] في رمي الجمار أيام منى، ومن نسي شيئًا منها، أو تعجل في يومين: قال الله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}. قال مالك: هي أيام الرمي الثلاثة التي بعد يوم النحر، يرمي في كل يوم منها الثلاث جمرات ماشيًا بعد الزوال، وقبل الصلاة، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله عمر ابن الخطاب، وأمر بذلك. قال مالك: فيرمي كل جمرة بسبع حصيات، ولو رمى قبل الزوال أعاده بعد الزوال. قال ابن المواز: وإن رمى بعد أن صلى الظهر أجزأه. قال في الواضحة: وقد أساء.
قال ابن القاسم في العتبية: الرمي أيام منى من حين تزول الشمس إلى أن تصفر، فإذا اصفرت فقد فات الرمي إلا لمريض أو ناسي. وأما يوم النحر فمن طلوع الشمس إلى الزوال، فإذا زالت فات الرمي إلا لعليل أو ناسي، ولو رمى بعد الزوال فلا شيء عليه، ولكن في صدر النهار أصوب. ومن المدونة: قال مالك: ويرمي الجمرتين جميعًا من فوقهما، والعقبة من أسفلها. قال ابن المواز: ومن لم يصل لزحام الناس فلا بأس أن يرميها من فوقها، فقد فعله عمر لزحام الناس، ثم رجع مالك فقال: لا يرميها إلا من أسفلها، وإن فعل فليستغفر الله عز وجل. ومن المدونة: قال مالك: ويقف عند الجمرتين للدعاء، ولا يرفع يديه، فإن لم يقف فلا شيء عليه، ثم يرمي جمرة العقبة ولا يقف. قال ابن المواز: يبدأ بالأولى التي تلي مسجد منى، فإذا رماها تقدم أمامها فوقف وأطال الوقوف للدعاء، ثم يرمي الوسطى وينصرف منها ذات الشمال في بطن المسيل،
فيقف أمامها مما يلي يسارها، ووجهه إلى البيت فيفعل كما يفعل في الأولى، ثم يرمي جمرة العقبة وينصرف لا يقف عندها، وكان القاسم، وسالم يقفان عند الجمرتين قدر ما يقرأ الرجل السريع سورة البقرة، وكذلك روى ابن حبيب عن ابن عمر. وقال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل عند الأولى القيام، ويقوم عند الوسطى دون ذلك، ولا يقوم عند العقبة، وكان ابن مسعود يقف في الأولى للدعاء قدر قراءة سورة البقرة مرتين، وعند الثانية قدر قراءتها مرة، وكان كلما رمى أو فعل شيئًا من أمر الحج قال: اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا. وأيام منى أيام ذكر كما قال الله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}، وليعلن الحاج التكبير والتهليل والذكر لله تعالى فيها. قال: وأفضل ذلك أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، ومن قال غير هذا من الذكر فحسن، وكان عمر بن الخطاب يكبر أول النهار في قبته أو حيث ما كان من منى رافعًا صوته، ويكبر الناس بتكبيره، ثم
يكبر إذا ارتفع النهار كذلك، ثم إذا زالت الشمس كذلك حتى ترتج منى بالتكبير حتى يبلغ ذلك مكة وبينهما ستة أميال، ثم يكبر بالعشي هكذا أيام منى كلها. قال عبد الوهاب: وإنما قال: يرمي الجمار أيام منى بعد الزوال: لما روى جابر قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى/ يوم النحر ضحى، فأما بعد ذلك فبعد الزوال»، ورواه ابن عباس، وعائشة. وإنما قال يرميها ماشيًا: لأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وإنما قال: يقف عند الجمرتين للدعاء، ولا يقف عند العقبة، فكذلك في حديث عائشة، وعبد الله بن عمر، وروي عن عمر، وابنه: أنهما فعلا ذلك.
ومن المدونة: قال مالك: وإن رمى بسبع حصيات في مرة لم تجزه، وتكون كواحدة، ويرمي بعدها بست حصيات، ويوالي بين الرمي. قال عبد الوهاب: وإنما قال ذلك: لأنه صلى الله عليه وسلم رماها بسبع رميات. وقال أبو حنيفة: يجوز رميها في مرة. ومن المدونة قال مالك: ويكبر مع كل حصاة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن القاسم: فإن لم يكبر أجزأه. قلت: فإن سبح وهلل مع كل حصاة؟ قال: السنة التكبير. قال ابن القاسم: وإن وضع الحصاة وضعًا، أو طرحها لم يجزه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماها رميًا. قال: وإن رمى حصاة فوقعت قرب الجمرة، فإن وقعت موضع حصى الجمرة وإن لم تبلغ الرأس أجزأه، وإن سقطت في محمل رجل فنفضها صاحب المحمل فسقطت في الجمرة لم يجزه، ولو أصابت المحمل ثم مضت بقوة الرمية الأولى حتى وقعت في
الجمرة أجزأه، وقد تقدم أنه لا يرمي بحصى الجمار؛ لأنه قد رُمي به. قال ابن القاسم: ومن نفد حصاه فأخذ ما بقي عليه من حصى الجمار فرمى به أجزأه. قال ابن القاسم: سقطت مني حصاة فلم أعرفها، فرميت بحصاة من حصى الجمار، فقال لي مالك: إنه لمكروه، وما أرى عليك شيئًا. محمد: وقال أشهب: لا يجزئه. فصل [1 - فيمن ترك رمي الجمار حتى غابت الشمس، أو تركها حتى مضت أيام منى] قال ابن القاسم: ومن ترك رمي جمرة من هذه الجمار. م: يريد: أو الجمار كلها حتى غابت الشمس رماها ليلاً، واختلف قول مالك في وجوب الدم عليه، وأحب إلي أن يلزمه الدم، وإن ترك رمي جمرة، أو الجمار كلها حتى مضت أيام منى فحجه تام، وعليه بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد صام، وأما في حصاة فعليه دم. ابن المواز: قال مالك: من ذكر بعد أيام منى حصاة ذبح شاة، وإن كانت جمرة ذبح بقرة. ابن المواز: وإن كانت الجمار كلها فبدنة.
وقال عبد الملك: من ترك جمرة العقبة أول يوم ورماها من الليل، أو من الغد بغير نية لقضاء ما نسي فإنه يجزئه. قال: وإن لم يرم العقبة في شيء من أيام الرمي بطل حجه، وخالف في ذلك أصحابه. وقال عنه ابن حبيب: إن لم يرمها يوم النحر حتى أمسى فعليه دم، ويرميها في ليلته، وإن ذكرها في اليوم الثاني، أو قبل انقضاء أيام منى رماها، وعليه بدنة، فإن لم يذكرها حتى زالت أيام منى بطل حجه. ومن المدونة: قال مالك: وإذا مضت أيام التشريق فلا رمي لمن لم يكن رمى. قال: ومن رمى يوم ثاني النحر الجمار الثلاث بخمس، خمس، ثم ذكر من يومه رمى الأولى التي تلي مسجد منى بحصاتين، ثم الوسطى بسبع، ثم العقبة بسبع، ولا دم عليه، ومن ذكرها من الغد رمى هكذا، وعليه دم على أحد قولي مالك، ولو ذكرها بعد رميه لغده رمى هكذا، ثم يعيد رمي يومه؛ لأنه في بقية من وقته، وعليه دم للأمس، وإن ذكر ذلك بعد مغيب الشمس من اليوم الثاني رمى عن أمس بما ذكرنا، وعليه دم، ولا يعيد رمي يومه، وإن لم يذكر إلا بعد رمي يومين وذكر قبل مغيب الشمس من آخر أيام التشريف رمى الأولى بحصاتين، والاثنتين بسبع، سبع عن أول يوم، وأعاد رمي يومه هذا فقط إذ عليه بقية من وقته، ولا يعيد رمي اليوم الذي بينهما؛ لأن وقت رمي يومه ذلك قد مضى. قال مالك: وإن ذكر أنه نسى حصاة من أول يوم لا يدري من أي جمرة هي فليرم الأولى بحصاة، ثم يرمي الوسطى والعقبة بسبع، سبع، ثم قال مالك: يرمي كل جمرة
بسبع، سبع، وبقوله الأول أخذ ابن القاسم. وكذلك قال الأبهري فيمن بقيت بيده حصاة فلم يدر من أي جمرة هي. قال: فوجه قوله الأول: فلجواز أن تكون الحصاة من الأولى، ولا يجوز رمي ما بعدها إلا بتمامها فاحتاط وجعلها منها ليكون على يقين. ووجه قوله: إنه يستأنفهن: فلأنه قد انقطع بين رمي الأولى للحصاة التي بقيت عليه فوجب أن يبتدي رميهن حتى يوالي الرمي. والأول أحب إلينا. قال ابن المواز: قال ابن القاسم: وإن رمى الآخرة، ثم الوسطى، ثم الأولى أعاد الوسطى، ثم الآخرة، ولو رمى الأولى، ثم الآخرة، ثم الوسطى أعاد الآخرة. ابن المواز: وإن رمى الجمار كلها بحصاة، حصاة كل جمرة حتى أنمها بسبع، سبع، فليرم الثانية بست، ثم الثالثة بسبع. م: وحُكي عن ابن القابسي فيمن رمى عن نفسه حصاة، وعن صبي معه حصاة حتى أتم الرمي فليعد عن نفسه ولا يعتد من ذلك إلا بحصاة واحدة، ولو رمى جمرة عن نفسه، ثم رماها عن الصبي حتى أتم فذلك يجزئه. م: وقوله في الأولى غير صحيح؛ لأنه تفريق يسير، وليست كمسألة محمد في الذي رمى الجمار كلها بحصاة، حصاة حتى أتم؛ لأن رمي الثانية لا يصح إلا بعد استيعاب
رمي الأولى، وكذلك رمي الثالثة لا يصح إلا بعد استيعاب رمي الأولى والثانية، ويدل على صحة رميه عن نفسه في مسألة رميه عن نفسه وعن الصبي: قوله في مسألة ابن المواز: أنه يعتد بالرمية الأولى ولا يضره تأخير الثانية عنها، وقوله في الكتاب: إذا رمى الجمار بخمس، خمس أنه يعتد بالخمس الأولى، ولا يضره ذلك التفريق، وهو أطول من تفريق رميه عنه وعن الصبي، وهذا أبين. فصل [2 - رمي الجمار ليس من شرطه الطهارة] ابن المواز: قال ابن وهب: وليس على من رمى الجمار على غير وضوء إعادة، ولكن لا يتعمد ذلك، ولم ير عطاء، والشعبي به بأسًا، وكان ابن عمر يغتسل لرمي الجمار، وقال ابن شهاب: لا يرمي إلا وهو طاهر. قال عطاء، ومجاهد: وتتوضأ الحائض إذا توجهت إلى شيء من ذلك. فصل [3 - العاجز يستنيب في الرمي إذا كان الظاهر من حاله أنه لا يزول عجزه في وقت الرمي] ومن المدونة: قال مالك: والمريض إذا كان يستطاع حمله ويطيق الرمي ويجد من يحمله فليحمل حتى يرمي الجمرة، وإن كان ممن لا يستطاع حمله، أو لا يقدر على من يحمله، أو لا يستطيع الرمي رمى عنه غيره. قال في كتاب محمد: ممن قد رمى عن نفسه. قال في المدونة: ثم يتحرى المريض ذلك الرمي فيكبر لكل حصاة تكبيرة وعليه الدم؛ لأنه لم يرم وإنما رمى عنه غيره. قال ابن القاسم: ولا يرمي المريض الحصاة في كف غيره ليرميها ذلك عنه.
قال: وليقف الرامي عنه عند الجمرتين للدعاء وحسن أن يتحرى المريض ذلك الوقوف فيدعو. واختلف قول ابن القاسم في كتاب محمد في وقوف الرامي عن المريض للدعاء، وقال أشهب يقف عنه. ومن المدونة: قال مالك: وإن صح المريض ما بينه وبين غروب الشمس من آخر أيام الرمي أعاد ما رمي عنه كله في الأيام الثلاثة، وعليه الدم. ابن المواز: وقال أشهب: لا دم عليه إذا أعاد ما رمى عنه، وقاله عطاء. قال في المدونة: وإنما وقت مالك لهذا المريض إذا صح أن يعيد الرمي إلى مغيب الشمس من آخر أيام التشريق. قال ابن القاسم: ولو رمى عنه العقبة يوم النحر، ثم صح آخر ذلك اليوم أعاد الرمي، ولا دم عليه، وإن صح ليلاً فليرم ما رُمي عنه، وعليه الدم. قال مالك: وأحب إلي للمريض إن طمع بصحة أن ينتظر بالرمي آخر أيام الرمي، فإن لم يرج ذلك فلا يُؤخر وليرم عنه ويهدي. قال: والمغمى عليه في رمي الجمار كالمريض. ويرمي عن الصغير من رمى عن نفسه، كالطواف، وإن كان الصبي كبيرًا قد
عرف الرمي فليرم عن نفسه، وإن ترك الرمي أو لم يرموا عن الذي لا يقدر على الرمي، فالدم على من من أحجهما. فصل [4 - السنة لإمام الحاج أن لا يتعجل] ومن كتاب ابن المواز: قال أصبغ: والسنة للإمام أن يرمي الجمرة الآخرة عند الزوال ويتوجه فاصلاً وقد أعد رواحله قبل ذلك، أو يأمر من يلي ذلك له، ولا يرجع إليه ثانية. قال مالك: فإذا تم الرمي في اليوم الثالث فلا يقيم مع أحد بعد رميه ولينفر ويُصل في طريقه، ولا يصلي ذلك اليوم بمسجد منى غير صلاة الصبح. قال: وإذا كان له ثقل وعيال فله أن يؤخر ما لم تصفر الشمس. [فصل 5 - يشترط في التعجيل أن يخرج من منى قبل الغروب من اليوم الثاني من أيام التشريق] قال مالك: وللحاج التعجل في يومين بعد أن يرمي لليوم الثاني من أيام التشريق، وهو ثالث يوم النحر. محمد: يرمي بإحدى وعشرين حصاة، كل جمرة بسبع حصيات، فيصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة، ويسقط رمي اليوم الثالث، وذلك ما لم تغرب الشمس من اليوم الثاني، فإن غربت وهو بمنى أقام حتى يرمي من الغد، فإن جهل فتعجل في ليلته أساء، وعليه الهدي.
قال ابن المواز: وكره مالك لإمام الحاج التعجيل. قال ابن القاسم: ولو تعجل قبل الغروب فخلف العقبة، ثم غربت الشمس لجاز ذلك، ويطوف من الليل إن شاء وينصرف، وقاله أصبغ. [فصل 6 - من تعجل في يومين هل له أن يقيم بمكة؟] قال: ومن تعجل في يومين فلا يضره أن يقيم بمكة حتى يمشي ما بدى له. وقال عبد الملك: إن بات بمكة فعليه دم، يريد: ويرجع إلى منى، ويرمي من الغد، وليس كذلك أهل مكة؛ لأن المكي قد تعجل إلى بيته، ولو أفاض في يومين وليس شأنه التعجيل فبدى له من مكة أن ينفر فذلك له ما لم تغب عليه الشمس بمكة، فإذا غابت لم يبرح حتى يرمي من الغد. قال: وإن أفاض وليس شأنه التعجيل فطاف ورجع إلى منى ثم بدى له بمنى قبل الغروب أن يتعجل كان ذلك له، وهي السنة. وذهب ابن حبيب إلى أن للمتعجل في يومين رمي جمار يومه ذلك، ثم يرمي في فوره جمار اليوم الثالث مكانه. قال أبو محمد: وليس هذا قول مالك، ولا أصحابه. قال ابن حبيب: فإذا أتم رميه نفر لوجهه حتى يأتي مكة، ولا ينزل بالمُحصب، فيصلي بمكة الظهر، فإن كان قد أفاض يوم النحر طاف للوداع وركع ركعتيه، ثم مضى
إلى بلده، وإن لم يكن أفاض طاف للإفاضة وللوداع، وإن أحب جمعهما في طواف واحد، وأجزأه من الأمرين، وإن أحب طاف لكل واحد وركع لكل طواف ركعتين، ثم مضى صادرًا إلى بلده، وقد قضى حجه وتم أمره. ويستحب أن يكون آخر عهده عند خروجه استلام الركن ثم يمضي. قال: ولا يجوز لمن تعجل في يومين أن يقيم بمكة في يومه ذلك ويبيت، فإن فعل فقد خرج من سُنّة التعجيل، ووجب عليه إذا أصبح بمكة أن يرجع إلى منى حتى يرمي مع الناس وينفر معهم، ولا يعتد بالرمي الذي كان قدمه؛ لأنه حين أصبح بمكة صار غير متعجل؛ لأن المتعجل إنما أرخص له ليتعجل إلى بلده وأهله، وإن هو حين أصبح بمكة جهل أن يرجع إلى منى ويرمي ومضى إلى بلده وجب عليه الهدي الذي يجب على من لم يرم، وأما من تعجل من أهل مكة فلا شيء عليه؛ لأنه إنما أقام في أهله وبيته ولم يبق عليه سفر يتعجل إلى الخروج له. م: وهذا قول عبد الملك ابن الماجشون. قال مالك: ولا أرى لأهل مكة أن يتعجلوا في يومين إلا أن يكون لهم عذر من مرض، أو تجارة يرجع إليها، قيل له: فالرجل منهم تكون له المرأة الواحدة يريد أن يتعجل إليها؟ قال: لا أرى ذلك ما جُلّ الناس إلا له المرأه الواحدة. قال ابن القاسم: وقد قال لي مالك قبل ذلك: لا بأس لأهل مكة أن يتعجلوا، وهم كغيرهم، وهو أحب قوله إلي؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}، فهذه الآية لأهل مكة وغيرهم.
قال مالك: وأرخص لرعاة الإبل أن يرموا يوم النحر العقبة ثم يخرجون فإذا كان اليوم الثاني من أيام منى يوم نفر المتعجل أتوا فرموا الجمار لليوم الماضي ولليوم، ثم لهم أن يتعجلوا، فإن أقاموا رموا للغد مع الناس. ابن المواز: قال فإن رعوا النهار ورموا الليل أجزأهم، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص لهم في ذلك.
[الباب الخامس] في الاشتراك في الهدي، وصفة النحر ومن ذبح هدي غيره وأحكام الهدايا، وجامع القول فيها
[الباب الخامس] في الاشتراك في الهدي، وصفة النحر ومن ذبح هدي غيره وأحكام الهدايا، وجامع القول فيها: قال الله سبحانه: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُم} فكان للقارن حكمه في السنة، ودخل في ذلك: كل من انثلم من حجه شيء، ثم ليس في شيء من ذلك إطعام، وإنما ذكر الله الإطعام في جزاء الصيد وفدية الأذى، وسمي الجزاء هديًا، والفدية نسكًا، وجعل محل الهدي الذي وقف به بعرفة منى بقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}، والحلق بمنى، لقوله تعالى: {فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} إلى قوله: {فَكُلُوا مِنْهَا}، وما لم يوقف به بعرفة فمحله مكة، لقوله في الجزاء: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}، ولم يذكر للفدية محلاً، ولا سماها هديًا، فأينما ذبحت أجزأت. قال مالك: ولا يشترك في هدي واجب، أو تطوع، أو نذر، أو جزاء صيد، أو فدية، ولا في شيء من الهدي. ابن المواز: قال ابن وهب عن مالك: لا بأس أن يشترك في هدي العمرة التي يتطوع بها الناس، وأما الواجب فلا. قال ابن المواز: لا يشترك في تطوع، ولا غيره، وقاله مالك، ومن فعله في التطوع
فهو خفيف، قال: ومعنى حديث جابر: «نحرنا البدنة عن سبعة» إن ذلك في التطوع، وكانوا معتمرين. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن يلزمه الهدي هو أهل بيته، فلزم كل واحد منهم شاة فاشتركوا في بعير لم يجزئهم، وأهل البيت والأجنبيون في هذا سواء، ولو ابتاع هو هديًا تطوعًا لم ينبغ أن يشرك فيه أهل بيته. قال مالك في موطأه: أحسن ما سمعت: أن الرجل ينحر عنه وعن أهل بيته بدنة، أو يذبح بقرة أو شاة هو يملكها ويشركهم فيها، فأما أن يشترك فيها ناس في نسك أو أضحية ويخرج كل واحد منهم حصته من ثمنها فإن ذلك يكره. فصل [1 - في صفة نحر البدن] ومن المدونة: قال مالك: الشأن أن تُنْحر البدن قيامًا، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم. قال ابن القاسم: فإن امتنعت فلا بأن أن تعقل ليتمكن من نحرها. قال ابن حبيب في قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ}:
وذلك أن تصف أيديها بالقيود عند نحرها، وقرأ ابن عباس: "صوافن"، وهي المعقولة من كل بدنة يد واحدة، فتقف على ثلاثة قوائم، وقرأ الحسن: "صوافي" أي صافية لله. قال: والإبل تنحر ولا تذبح بعد النحر، والبقر تذبح ولا تنحر بعد الذبح. وفي كتاب الضحايا إيعاب هذا. قال مالك: والهدايا كلها إذا نحرها قبل الفجر من يوم النحر لم يجزه، قال: ومن قلد نسك الأذى وأوقفه بعرفة فلا ينحره إلا يوم النحر بمنى بعد طلوع الفجر، قال: ولا تُذبح الهدايا والضحايا إلا في أيام النحر نهارًا، ولا تذبح ليلاً، فإن ذبحت ليلاً لم تجزه، وأعادها؛ لقوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}، فإنما ذكر الأيام ولم يذكر الليالي. وكره مالك للرجل أن ينحر هديه أو أضحيته غيره، وليل ذلك بنفسه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فعل، فإن نحر له غيره أجزأه. م: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليًا بنحر الهدايا.
قال مالك: وإن نحر له غير مسلم لم يجزه، وعليه البدل. وقال أشهب: يجزئه إذا كان ذميًا، وقيل: إنه رواه عن مالك. م: فوجه قول مالك أنه لا يجزئه: فلأنه مشرك كالمجوسي؛ ولأنها قربة متعلقة بالبدن فلا يجوز نيابة المشرك فيها، كالحج. ووجه قول أشهب: فلأنه من أهل الذبح كالمسلم، واعتبارًا بتوليته العتق وتفرقة الزكاة ولحم الأضحية. قال مالك: ومن ذبح فقال: بسم الله والله أكبر، اللهم تقبل من فلان، فذلك حسن، وإن لم يقله وسمى الله أجزأه. فصل [3 - في الهدي يدخله عيب بعد التقليد والإشعار] وكل هدي واجب، أو تطوع، أو جزاء صيد دخله عيب بعد أن قلده وأشعره وهو صحيح مما يجوز في الهدي فحمله صاحبه، أو ساقه حتى أوقفه بعرفة فنحره بمنى أجزأه، وإن فاته أن يقف به بعرفة فساقه إلى منى فلا ينحره بها ولكن بمكة، ولا يخرجه إلى الحل ثانية إن كان قد أدخله من الحل، فإن هلك هذا الهدي في سيره به إلى مكة لم يجزه؛ لأنه لم يبلغ محله، وكل هدي فاته الوقوف بعرفة فمحله مكة لا منى. قال في كتاب محمد: ولا يُنحر حتى تذهب أيام منى وتحل العمرة زاد ابن الكاتب القروي في مناسكه: فإن نحره بمكة في أيام منى أجزأه. قال ابن القاسم: ومن أوقف هدي جزاء صيد، أو مُتْعة، أو غيره بعرفة ثم قدم به مكة فتحره بها جاهلاً وترك منى متعمدًا أجزأه.
وقال أشهب: لا يجزئه. م: فوجه قول ابن القاسم: أنه يجزئه: قوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} ولأنه إنما ترك الاختيار، وقد نحره في موضع منحر له، وكما لو تعمد ترك وقوفه به بعرفة. ووجه قول أشهب: إن ما وقف به بعرفة إنما محله منى، وبها نحر النبي صلى الله عليه وسلم، فمن نحره في غيرها فقد نحره في غير محله، وقد قال مالك في كتاب ابن المواز: إن ما وقف به يعرفة إن نحر بغير منى في أيام منى لم يجزه. قال: وكل ما محله من الهدي مكة فلم يقدر أن يبلغ به داخل بيوت مكة، ونحره في الحرم لم يجزه، وإنما محله مكة، أو ما يلي بيوتها من منازل الناس. قال في العتبية: ولا يجزئه أن ينحره عند ثنية المدنيين، وقد نحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه بالحديبية، والحديبية في الحرم، فأخبر الله تعالى أن ذلك الهدي لم يبلغ مَحِله. ابن المواز: قال مالك: ومنى كلها منحر إلا ما خلف العقبة، وأفضل ذلك عند الجمرة الأولى، وكل ما كان من هدي فلا ينحر إلا بمكة بعد أيام منى.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن ضل هديه الواجب بعدما أوقفه بعرفة، فوجده بعد أيام منى فلينحره بمكة، قال لي مالك مرة: لا يجزئه، وعليه الهدي الذي كان عليه، وقد قال مالك قديمًا فيما بلغني: أنه يجزئه، وبه أقول. م: وهذه مثل التي قبلها، فوجه قوله: أنه لا يجزئه: لأن هذا هدي قد وقف به بعرفة فلا يجوز أن ينحر إلا بمنى، ومن نحره بغيرها فقد نحره في غير محله، ووجه قوله: أنه يجزئه: فلأن مكة أيضًا محل للهدايا؛ ولأنه لو تعمد ترك إيقافه بعرفة لكانت مكة محلاً له، واختلاف قول ابن القاسم وأشهب في الأولى على اختلاف قول مالك في هذه. وفي كتاب محمد: إذا ساق هديًا فضل قبل أن يقف به بعرفة، ثم وجده بمنى، قال: اختلف فيه قول مالك، فقال: لا يجزئه وينحره ويهدي سواه، وقال: يجزئه وينحره بمكة. م: وهذا أبين، ووجه الأول: أنه لما ضل قبل بلوغه محله وجب عليه بدله، فلا يسقط ذلك وجوده. ومن المدونة: ومن قلد هديه وأشعره، ثم ضل فأصابه رجل فأوقفه بعرفة، ثم وجده ربه يوم النحر، أو بعده أجزأه ذلك التوقيف؛ لأنه قد وجب هديًا، ولا يرجع في ماله. م: معناه: وإن أوقفه الأجنبي عن نفسه.
قال: ولا يجزيء ما أوقفه التجار؟ لأن توقيفهم لا يوجبها هديًا؛ لأنهم إنما أوقفوها للبيع، ولهم ردها وبيعها. ولو اشترى رجل منهم هديًا بعرفة وسأل بائعه أن يوقفه له أجزأه ذلك التوقيف، ومن أوقف هديه بعرفة ثم ضل منه فوجده رجل فنحره بمنى؛ لأنه رآه هديًا فوجده ربه منحورًا أجزأه. قال يحيى: هذا إذا أوقفه بعرفة ثم ضل منه بعد غروب الشمس، فأما إن ضل منه قبل الغروب ثم وجده بمنى فنحره بها لم يجزه. قال ابن القاسم: وإذا أخطأ الرفقاء يوم النحر فنحر كل واحد منهم هدي صاحبه أجزأهم، ولو كانت ضحايا لم تجزئهم، وعليهم بدلها، ويضمن كل واحد منهم لصاحبه أضحيته التي ذبحها بغير أمره. والفرق بينهما: أن الهدي إذا قُلد وأُشعر لم يرجع في مال صاحبه، ومن نحره بعد أن بلغ محله أجزأ صاحبه؛ لأنه قد وجب هديًا، والضحايا لا تجب إلا بالذبح، ولربها بدلها بخير منها. فصل [3 - المرأة إذا خافت فوات الحج بسبب الحيض فأردفت الحج على العمرة أجزأها هدي التطوع لقرانها] قال مالك في امرأة دخلت مكة بعمرة ومعها هدي فحاضت بعد دخولها مكة قبل أن تطوف فإنها لا تنحر هديها حتى تطهر ثم تطوف وتسعى وتنحر وتقصر، فإن كانت ممن تريد الحج وخافت الفوات ولم تستطع الطواف لحيضتها أهلت بالحج وساقت
هديها وأوقفته بعرفة ولا تنحره إلا بمنى وأجزأها لقرانها، وسبيلها سبيل من قرن. قال عبد الوهاب: ثم يُستحب لها أن تستأنف عمرة بعد الإحلال، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. ومن المدونة: قال مالك: ومن اعتمر في أشهر الحج، وساق معه هديًا فطاف لعمرته، وسعى فلينحره إذا تم سعيه، ثم يحلق أو يقصر ويحل، ولا يؤخره إلى يوم النحر، فإن أخره فلا يثبت حرامًا ويحل من عمرته، فإذا كان يوم التروية أحرم بالحج، واستحب له مالك أن يحرم في أول العشر. قال مالك: وإن كان لما حل من عمرته أخر هديه إلى يوم النحر فنحره لم يجزه عن متعته؛ لأنه قد لزمه أن ينحره أولاً، ثم قال: أرجو أن يجزئه، وقد فعله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأحب إلي أن ينحره ولا يؤخره.
ابن المواز: قال أشهب عن مالك: ما ساقه الرجل من الهدي لعمرته فنحره بمنى فلا يجزئه وإن وأقفه بعرفة. قال: وجزاء الصيد إذا ساقه معه في عمرته فلا ينحره إلا بمكة لا بمنى. قال أشهب: وإن ساقه في حج لم ينحره إلا بمنى بعد وقوفه به بعرفة، فإن نحره بمكة في أيام منى لم يجزه إلا أن ينحره بها بعد أيام منى. فصل [4 - فيمن اعتمر وساق هديًا تطوعًا فهلك قبل بلوغ محله] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن اعتمر وساق هديًا تطوعًا فهلك قبل بلوغ محله فليتصدق به ولا يأكل منه؛ لأنه ليس بمضمون، وليس عليه بدله، وإن أكل منه فعليه بدله. قال بعض البغداديين: وإنما لم يجز له أن يأكل منه؛ لأنه يُتهم أن يكون أعطبه ليأكل منه فإن أكل منه أبدله لقوة التهمة. قال ابن القاسم: وإن استحق هذا الهدي التطوع فعليه بدله، ويجعل ما يرجع به من ثمنه في هدي كما يفعل فيما يرجع به من عيب هدي التطوع. قال مالك: ومن هلك هديه التطوع ألقى قلائدها في دمها، ورمى عندها جُلها وخطامها وخلى بين الناس وبينها، ولا يأمر من يأكل منها فقيرًا ولا غنيًا، فإن أكل، أو أمر من يأكل، أو يأخذ شيئًا من لحمها فعليه البدل، وسبيل الجل والخطام سبيل اللحم.
قال ابن القاسم: وإن بعث بها مع رجل فعطبت فسبيل الرسول سبيل صاحبها، هو الذي ينحرها، أو يأمر من ينحرها، ويفعل فيها كفعل ربها لو كان معها، ولا يأكل منها الرسول، فإن أكل لم يضمن، ولا يأمر ربها الرسول إن عطبت أن يأكل منها، فإن فعل ضمن، ألا ترى أن صاحب الهدي حين جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما أصنع بما عطب من الهدي؟ قال: «انحرها، وألق قلائدها عندها وخل بين الناس وبينها». قال ابن القاسم: وإن أمر ربها الرسول إن عطبت أن يخلي بين الناس وبينها فعطبت فتصدق بها الرسول لم يضمن وأجزأت صاحبها، كمن عطب هديه التطوع فخلى بين الناس وبينها، فأتى أجنبي فقسمها بين الناس فلا شيء عليه، ولا على ربها. قال مالك: له أن يأكل من الهدي كله واجبه وتطوعه إذا بلغ محله ونُحِرَ إلا ثلاثة: جزاء الصيد، وفدية الأذى، وما نذره للمساكين. قال ابن المواز: وله أن يأكل من الهدي النذر، والبدنة النذر إلا أن ينذر ذلك للمساكين. ومن المدونة: قال مالك: وإن أكل من جزاء الصيد، وفدية الأذى ما قل أو كثر بعد محله فعليه البدل. قال ابن القاسم: وإن أكل مما نذره للمساكين فلا أدري ما قول مالك فيه، وأرى
أن يطعم للمساكين قدر ما أكل لحمًا، ولا يكون عليه البدل؛ لأن هدي نذر المساكين لم يكن عند مالك في ترك الأكل منه بمنزلة جزاء الصيد، وفدية الأذى، وإنما استحب مالك ترك الأكل منه. م: يعني ها هنا: إن نذر المساكين بعينه ولو كان مضمونًا لكان عليه بدله كله إن أكل منه. م: وإنما قال: يؤكل من الهدي كله: لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا}، وقوله: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا}. وإنما قال: لا يؤكل من جزاء الصيد: لأن الله تعالى جعله للمساكين بقوله: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ}، وكذلك نُسك الأذى، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أو إطعام ستة مساكين»، وما سماه هو للمساكين فقد نذره لهم، فلا يجوز له الرجوع فيه. ابن المواز: وقال ابن الماجشون: إذا ضل جزاء الصيد فأبدله، ثم وجد الأول فلينحرهما إن كان قلد الآخر أيضًا، ولا يأكل من الأول، ويأكل من الثاني إن شاء. محمد: ولو أكل من الثاني بعد أن بلغ محله قبل أن يجد الأول فليبدله إلا أن يجد الأول فيجزئه، ويصير الثاني كهدي تطوع أكل منه بعد أن بلغ محله.
وذكر ابن حبيب المسألة من أولها عن ابن الماجشون، وقال في سؤاله: إن ضل هديه الواجب فأبدله؟. والذي ذكر محمد من جزاء الصيد أصح. قال ابن حبيب- عن ابن الماجشون-: ومن معه هدي تطوع، وهدي واجب. م: يريد: جزاء صيد، ونذر المساكين فاختلطا فلا يأكل من واحد منهما، وإن ضل أحدهما، ولا يدري أيهما هو، فلا يأكل من الباقي، ولا يجزئه الباقي إذ لعله التطوع، وليبدل الواجب، ولا يأكل من البدل، إذ لا يدري أيهما التطوع. ابن المواز: وإن ضل هدي تمتعه وهو مُقلَد بعد أن بلغ فأبدله فعطب البدل قبل أن يبلغ محله فله أن يأكل منه، وعليه بدله لتمتعه، فإن وجد الأول نحره عن تمتعه، ولابد له من بدل الثاني؛ لأنه صار تطوعًا أكل منه قبل محله. قال ابن المواز: وكان الحسن يقول: يؤكل من الهدي كله، وقال سعيد بن جبير: لا يؤكل من الهدي، ولا من الجزاء، والفدية، وقال طاوس: لا يؤكل من الجزاء، والفدية. ومن المدونة: قال مالك: وكل هدي مضمون هلك قبل محله فلصاحبه أن يأكل منه ويطعم من شاء من غني أو فقير؛ لأن عليه بدله، فلا فائدة في منعه أكله. قال مالك: ولا يبيع من ذلك لحمًا ولا جِلْدًا ولا جُلاً، ولا خِطامًا ولا قلائد،
ولا يستعين بذلك في ثمن البدل. م: لأنه قد أخرج ذلك كله لله، فلا يرجع فيه. قال مالك: ومن الهدي الذي هو مضمون ما إن عطب قبل محله جاز أن يأكل منه؛ لأن عليه بدله، وإن بلغ محله لم يجز له أن يأكل منه، وإن أكل منه لم يجزه، وعليه البدل وهو جزاء الصيد، وفدية الأذى، ونذر المساكين. يعني: إن نذر المساكين ها هنا مضمون غير معين، فلذلك كان عليه بدل جميعه. قال مالك: والهدي المضمون: هو الذي إذا هلك قبل محله، أو استحق كان عليه بدله، والهدي الذي ليس بمضمون: هو هدي التطوع وحده، وكل هدي ساقه رجل لا لشيء وجب عليه من أمر الحج، أو يجب عليه في المستقبل فهذا تطوع، ومن قلد بدنه، أو أهدى هديًا تطوعًا، ثم مات الرجل قبل أن يبلغ الهدي محله، فلا يرجع ميراثًا؛ لأنه قد أوجبه على نفسه. والمبعوث معه بالهدي يأكل منه إلا من الجزاء، والفدية، ونذر المساكين فلا يأكل منه شيئًا، إلا أن يكون الرسول مسكينًا فجائز له الأكل منه. ومن أطعم الأغنياء من الجزاء والفدية فعليه البدل، جهلهم أو علم بهم، كالزكاة ولا يطعم منها ولا من جميع الهدي غير مسلم، فإن فعل أبدل الجزاء والفدية، ولا يُبْدل غيرها، وهو خفيف وقد أساء، وروي عن ابن القاسم أنه قال: أرجو أن يجزئه الجزاء والفدية إن لم يتعمد. م: وإنما قال: يُبدل الجزاء والفدية دون غيرهما من الهدي؛ لأن الجزاء
والفدية إنما هي للمساكين، كالزكاة، فلم يجب أن يعطى منها إلا من يُعطي من الزكاة. ومن المدونة: وإن هو أطعم ذميًا كفارة عليه لم يجزه، ولا يتصدق بشيء من الهدي على فقراء أهل الذمة ولا يُطعم من جزاء الصيد أبويه، وزوجته، أو ولده، أو مدبره، أو مكاتبه، أو أم ولده، كما لا يُعطيهم من زكاته. فصل [5 - فيمن بعث بهدي، ثم خرج بعده حاجًا او معتمرًا] ومن بعث بهدي مع رجل حرام ثم خرج بعده حاجًا أو معتمرًا، فإن أدرك هديه لم يُنحر فليؤخر نحره إلى أن يحل، وإن لم يُدركه فلا شيء عليه، ومن وجب عليه هدي في حج أو عمرة فله أن يبعثه مع غيره. فصل [6 - من ضل هديه التطوع أو أضحيته فوجدهما بعد أيام النحر] وإذا ضل هدي التطوع، ثم وجده بعد أيام النحر نحره بمكة، ولو ضلت منه أضحيته فوجدها بعد أيام النحر فلا يذبحها وليصنع بها ما شاء، وإن أصابها في أيام النحر نحرها إلا أن يكون قد ضحى ببدلها فلا شيء عليه، ولو ضل منه هدي واجب، أو جزاء صيد فنحر غيره يوم النحر ثم وجده بعد أيام النحر نحره أيضًا؛ لأنه أوجبه هديًا، فلا يرده في ماله، وكل هدي واجب ضل من صاحبه أو مات قبل أن ينحره فلا يجزئه، وعليه بدله، وكل هدي تطوع مات، أو سُرق، أو ضل فلا بدل على صاحبه فيه، ومن سُرق هديه الواجب بعدما ذبحه أجزأه.
فصل [7 - الوقت المعتبر في سلامة الهدي هو حين تقليده وإشعاره] ومن قلد هديًا وأشعره وهو لا يجزئه لعيب به فلم يبلغ محله حتى زال ذلك العيب لم يجزه، وعليه بدله إن كان مضمونًا، ولو قلده سليمًا، ثم حدث به ذلك قبل محله أجزأه. قال أبو بكر الأبهري: القياس: أن لا يجزئ؛ لأن وجوبه لم يتناهى عند مالك، وهو مراعى، ألا ترى أنه لو عطب قبل أن ينحره لم يجزه، وعليه بدله، فكذلك يجب إذا حدث به عيب لا يجوز في الهدي إلا يجزئه. قال ابن حبيب: وإذا قلد هديًا سمينًا، ثم نحره فوجده أعجفًا، فإن كان العجف يحدث في مثل مسافته أجزأه، وإن كان لا يعجف في مثلها لم يجزه في الواجب، ولو أشعره أعجفًا، ونحره سمينًا، فإن كان لا يسمن في مثل مسافته أجزأه، وإن كان يسمن في مثلها فأحب إلينا أن يبدله لما يخشى أن يكون حدث سمنه، قاله ابن الماجشون. ومن المدونة: وما أصاب الضحايا من عيب بعد شرائها فعلى صاحبها بدلها؛ لأن له أن يبدل أضحيته بخير منها، وليس لمن قلد هديًا بدله بخير منه، ولا له بيعه. قال ابن القاسم: فإن باعه رُد إن وجد، فإن لم يعرف مكانه فعليه البدل بثمنه ولا ينقص منه وإن وجده بدونه، وإن لم يجد بالثمن فليزد عليه؛ لأنه قد ضمن الهدي. وجلود الهدايا في الحج والعمرة، وجلود الضحايا يُصنع بها ما يصنع بلحومها، ولا يعطى الجازر على جزره الهدي والأضحية والنسك شيئًا من لحومها ولا جلودها، وكذلك خِطامها وجلالها.
فصل [8 - السن المجزئ في الضحايا والهدايا والنذر والفدية] قال مالك: والذي يجزئ من الأسنان في الضحايا والهدايا والنذر والفدية: الجذع من الضأن، والثني من سائر الأنعام، وكان ابن عمر يقول: لا يجزئ إلا الثني من كل شيء. قال مالك: إلا أنه صلى الله عليه وسلم قد أرخص في الجذع من الضأن. والبُدْن عند مالك من الإبل وحدها، والذكور والإناث بُدْنٌ كلها، لعموم قول الله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ}، ولم يقل: ذكرًا ولا أنثى، وتعجب مالك ممن قال: لا تكون إلا في الإناث. قال ابن القاسم: وتجوز الإناث والذكور من الغنم، وغيرها في الهدايا والضحايا. فصل [9 - العيوب المانعة من الإجزاء في الضحايا والهدايا والنذر والجزاء والفدية] قال مالك: ولا يجوز في الضحايا والهدايا والنذر والجزاء والفدية شيء من ذوات العوار، ولا يجوز في الفدية إلا ما يجوز في الضحايا والنذر.
قال مالك: وتجزئ المكسورة القرن في الهدايا والضحايا إذا كان قد بريء، وإن كان يُدمي فلا يصلح، ولا بأس في الهدايا والضحايا باليسير من قطع أو شق في الأذن كالسمة، ونحوها، ويجوز الخصي في الهدايا والضحايا، ووسع مالك في الكوكب يكون في العين إذا كان يُبْصر بها ولم يكن على الناظر، ولا تجوز العرجاء البين عرجها ولا المريضة البين مرضها، وكذلك جاء في الحديث ولا يجوز الدبر من الإبل في الهدايا، ولا المجروح، وذلك في الدبرة الكبيرة والجرح الكبير. م: ولأن ذلك مرض. وفي الضحايا إيعاب هذا. فصل [10 - من نذر بدنة فهي من الإبل، ومن نذر هديًا وأطلق فالشاة تجزئه] قال ابن القاسم: ومن نذر بدنة فهي من الإبل، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد بقرة فسبعًا من الغنم، الذكور والإناث في ذلك سواء. قال ابن المواز: وقاله سالم، وخارجة، وعبيد الله، ومحمد بن علي.
قال ابن المسيب: إن لم يجد بقرة فعشر من الغنم. ومن المدونة: قال: وإن نذر هديًا، ولا نية له فالشاة تجزئه، لأنها هدي، وقال في كتاب النذور فيمن حلف إن لم يفعل كذا فعليه هدي فليهد بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة تجزئه. م: حُكي عن أبي الحسن: أن الفرق بين المسألتين: إنه إذا نذر هديًا فهو متطوع به فخفف عنه، والحالف به في يمين، ذلك يلزمه، وهو غير متطوع به، فغلظ عليه فيه، فهما مسألتان مفترقتان، وليس باختلاف قول. والله أعلم. ونحى أبو محمد في مختصره إلى أنه اختلاف. م: وهو أبين؛ لأن ما أوجبه على نفسه بغير يمين آكد مما أوجبه بيمين؛ لأن من قال: داري صدقة على فلان، جبره السلطان على ذلك، ولو قال: إن فعلت كذا فداري
صدقة على فلان فحنث لم يجبره السلطان على ذلك، فبان أن ما كان بغير يمين آكد مما كان بيمين على مذهب المدونة، وإن كان قد قيل: إنهما سواء كالعتق، وهو أقيس. والله أعلم. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أهدى ثوبًا فليبعه ويشتري بثمنه هديًا ما حمل من بدنة، أو بقرة، أو شاة، ويشتري ذلك من الحل فيسوقه إلى الحرم، ولا يشتري إلا ما يجوز في الهدي. فصل [11 - فيمن قلد هديًا تطوعًا أو واجبًا ثم اطلع فيه على عيب] ومن اشترى هديًا تطوعًا فلما قلده وأشعره أصاب به عيبًا يجزيء به الهدي، أو لا يجزيء فليمض به هديًا ولا بدل عليه، ويرجع على البائع بما بين الصحة والداء فيجعله في هدي آخر إن بلغ، فإن لم يبلغ تصدق به. قال ابن المواز: إذ لا يشترك فيه ملك. وإن كان واجبًا فأصاب به عيبًا لا يجزي به الهدي فعليه بدله، ويلزمه سوق هذا المعيب أيضًا؛ لأنه كعبد عتق في واجب وبه عيب لا يجزي، وما رجع به من قيمة عيب هذا الهدي فليستعن به في البدل إن شاء، والرقبة الواجبة مثله، ولو كان عيب الرقبة يجزي بمثله أعان بقيمة العيب في رقبة أو قطاعة مكاتب، وإن كانت الرقبة تطوعًا صنع بالقيمة ما شاء. ابن المواز: قال ابن القاسم يصنع بقيمة عيب رقبة التطوع ما شاء كان عيب يجزي به الرقاب الواجبة أم لا يجزي بخلاف هدي التطوع. وروى أشهب عن مالك أنه يصنع بقيمة عيب هدي التطوع ما شاء، وقاله ابن
القاسم في المجالس وهو خلاف قوله في الأسدية. م: يريد- والله أعلم-: إن بلغ قيمة العيب ثمن بدنة وليس عليه أن يزيد من عنده. قال أصبغ: هذا إن كان عيبًا يجوز في الهدي وإلا أبدله كله وإن كان تطوعًا. قال ابن المواز: قوال أصبغ صواب إلا أنه يعتق الأعمى والمعيب طوعًا مما لا يجزي في واجب، ولا يهدي في التطوع إلا ما يهدي في الواجب، قال مالك: وذلك أنه لو استحق هدي التطوع بعد التقليد فأخذه ربه لأمرت هذا أن يرجع بثمنه فيجعله في هدي آخر، ولا آمره بذلك في عتق التطوع. م: والفرق في هذا عندي: لأنه في العتق إنما أعتق ذلك العبد بعينه، فلما بطل العتق فيه لم ينتقل العتق إلى غيره؛ لأنه لم يرده، وفي الهدي التطوع ليس المقصود به عين الهدي، إنما قصد ثوابه وصدقته على المساكين، فلا يرجع إليه شيء من ثمنه؛ لأن المساكين المقصود لهم الهدي قيام. م: ويحسن هذا الفرق على مذهب ابن القاسم فيما يرجع به من قيمة العيب أيضًا؛ لأنه إنما أخرج ثمنًا ليهدي به هديًا يكون للمساكين، فلا ينبغي أن يرجع إليه من ذلك الثمن شيء والمساكين قيام، وفي عيب العبد المقصود بالعتق قد عتق وهو لم يرد غيره، فلا شيء عليه فيما يرجع إليه من قيمة عيبه، ولو كان إنما أخرج دنانير ليعتق بها فاشترى بها عبدًا وأعتقه، ثم أصاب به عيبًا، فإنه يجعل ما يرجع إليه من قيمة العيب في رقبة إن بلغ، أو قطاعة مكاتب يتم بها عتقه؛ لأنه أخرج ذلك الثمن للعتق فلا
يعود إليه منه شيء، ويستوي العتق والهدي في هذا. والله أعلم. وحكى نحوه بعض أصحابنا عن بعض شيوخنا من القرويين، قال: إنما فرق بين الهدي المعيب وبين الرقبة المعيبة إذا كان ذلك تطوعًا لأن محمل مسألة الرقبة المتطوع بعتقها أنها لم تكن في الأصل مشتراة للعتق، فلذلك ساغ له قيمة العيب، وأما لو أخرج ثمنًا فاشتراها به للعتق كانت كهدي التطوع سواء لا يسوغ له قيمة العيب، ولو كان أيضًا الهدي لم يشتره وإنما أهدى شيئًا تقدم له ملكه أو اشتراه لغير الهدي، كان كالرقبة إذا لم تكن في الأصل مشتراة للعتق إن قيمة العيب تسوغ له، وإنما افترقت المسألتان لافتراق السؤال. قال: وهكذا كان يقول أبو موسى بن مناس، ونحوه في المستخرجة، وهذا أحسن من تفرقة ابن المواز: أنه يتطوع بعتق المعيب، ولا يهدي المعيب. قال أبو محمد: إنما يُبْدل الهدي الواجب إذا وجد به عيبًا قديمًا لم يحدث به بعد الإشعار، والهدي الواجب: ما لزم من مُتعة، أو قران، أو لنقص من أمر الحج، أو جزاء أو فدية أهداها، أو نذر هديًا للمساكين ليس بعينه، فأما لو نذر أن يهدي هذا البعير بعينه فقلده وأشعره ثم ظهر له به عيب قديم فلا بدل عليه؛ لأن نذره لم يتعد إلى غيره. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وما جُني على الهدي التطوع فأخذ له صاحبه
أرشًا فليصنع به ما يصنع من رجع بعيب أصابه في الهدي المقلد. قال ابن المواز: وأحب إلي في الجناية أن يتصدق به في التطوع والواجب. قال أبو محمد: يريد محمد: إن لم يكن فيه ثمن هدي، وكلام محمد هذا لم أروه. م: يريد: ولا يلزمه بدله في الواجب إذا كانت الجناية لا يجزي بها الهدي، لأنها إنما طرأت عليه بعد الإشعار فهي كالعيب يطرأ بعد الإشعار وإن كان القياس فيهما ألا يجزيان؛ لأن الهدي الواجب لو هلك بعد الإشعار قبل أن يبلغ محله لم يجزه، فكذلك كان ينبغي إذا هلك بعضه يحكم للبعض بحكم الجميع، وكذلك قال الأبهري: أن القياس ألا يجزيء. م: ولكن قد قاله مالك وأصحابه فلا معدل عنهم. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن وجد بالضحايا عيبًا ردها وأخذ ثمنها واشترى به بدلها، بخلاف الهدي المقلد، ولو جنا على الضحايا أحد أخذ منه صاحبها عقل ما جنا عليها واشترى بدلها ولم يذبح المعيبة. فصل [12 - في حكم ولد الهدية] وإذا نتجت الناقة، أو البقرة، أو الشاة وهي هدي فليحمل ولدها معها إلى مكة إن وجد محملاً على غيرها، فإن لم يجد حمله عليها، فإن لم يكن في أمه ما يحمله عليها
تكلف حمله. م: يريد: من ماله، قال أشهب: ولا محل له دون البيت، وإن باعه، يريد: أو نحره في الطريق فعليه بدله هديًا كبيرًا تامًا، وقاله ربيعة وابن القاسم. قال ابن القاسم: وكذلك من أضر بولد بدنته في لبنها حتى مات فعليه بدله مما يجوز في الهدي، وذكر عن أبي عمران أنه إذا لم يستطع أن يتكلف حمله على حال نحره في ذلك الموضع ويصير كهدي التطوع إذا عطب قبل محله إذا كان في فلاة أو في حضر ولا يجد من يوكل عليه ولا يرتجي حياته. قال: ولا يشرب من لبن الهدي شيئًا ولا ما فضل عن ولدها، قال ابن القاسم: فإن فعل فلا شيء عليه؛ لأن بعض من مضى أرخص فيه بعد ري فصيلها. قال: ومن احتاج إلى ظهر هديه فليركبه وليس عليه أن ينزل بعد راحته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اركبها ويحك» في الثانية، أو الثالثة، وإنما استحسن الناس أن لا يركبها حتى يحتاج إليها.
فصل [13 - في الهدي إذا ضل بعد التقليد والإشعار ثم وجد أيام منى، أو بعدها] قال: وإذا ضل الهدي بعد التقليد والإشعار فوجد بعد أيام منى نحره بمكة، وإن وجد خارجًا من مكة بعد أيام منى سيق إلى مكة فنحر بها، وإن لم يوقف به بعرفة فوجد أيام منى سيق إلى مكة فنحر بها، وإن وقف به بعرفة، ثم وجد في أيام منى نحر بمنى. ومن كان عليه هدي من جزاء صيد فلم ينحره حتى مضت أيام التشريق فاشتراه في الحرم ثم خرج به إلى الحل فليدخل حلالاً ولا بأس أن يبعث بهديه مع حلال من الحرم ثم يقفه في الحل ثم يدخله مكة فينحره عنه. ولا يجزي ذبح جزاء الصيد أو كان كان هديًا إلا بمكة أو بمنى، وإن أطعم لحمه المساكين، وذلك يبلغ سُبعُ عدد قيمة الصيد من الأمداد أن لو أطعم الأمداد، فإنه لا يجزئه. وما كان من هدي في عمرة وجب بشيء نقصه منها، أو هدي نذر، أو تطوع، أو جزاء صيد فذلك سواء ينحره إذا حل من عمرته، فإن لم يفعل لم ينحر إلا بمكة أو بمنى إلا ما كان من هدي الجماع في العمرة فإنه لا ينحره إلا في قضائها أو بعد قضائها بمكة. ومن اشترى يوم النحر شاة، أو بقرة، أو بعيرًا ولم يوقفه بعرفة ولم يخرجه إلى الحل فيدخله الحرم وينوي به الهدي، وإنما أراد أن يضحي بذلك فليذبحها ضحوة وليست بضحية؛ لأن أهل منى ليس عليهم أضاحي، وكل شيء في الحج فهو هدي؛ وما ليس في
الحج فهو أضاحي. م: يريد: ولا هو هدي؛ لأنه لم ينو به الهدي ولا جمع له حل وحرم كالهدايا. فصل [14 - من وجب عليه الهدي فعجر عنه انتقل إلى الصوم] ومن وجب عليه الدم في حج أو عمرة فلم يجده فالصوم يجزئه منه، ولا إطعام فيه، وليس الطعام في الحج والعمرة مكان الهدي إلا في جزاء الصيد، وفدية الأذى. وكل هدي وجب على من تعدى ميقاته، أو تمتع، أو قرن، أو أفسد حجه، أو فاته الحج، أو ترك الرمي، أو النزول بالمزدلفة، أو نذر مشيًا فعجز عنه، أو ترك شيئًا من الحج فجبره بالدم فله إذا لم يجد هديًا صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وله أن يصوم الأيام الثلاثة ما بينه وبين يوم النحر، فإن لم يصمها قبل النحر أفطر يوم النحر وصام الثلاثة التي بعده وهي أيام التشريق ويصل السبعة بها إن شاء، وقول الله تعالى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} يقول: من منى، وسواء أقام بمكة أم لا، وإن كان قد صام قبل يوم النحر يومًا أو يومين فليصم ما بقي عليه في أيام التشريق، فإن لم يصم الثلاثة الأيام حتى مضت أيام التشريق صام بعد ذلك إن شاء وصل الثلاثة بسبعة أو لم يصل، وإنما يصوم ثلاثة أيام في الحج كما ذكرناك المتمتع، والقارن، ومن تعدى ميقاته، أو أفسد حجه، أو فاته الحج. م: لأن هذا الدم إنما لزم قبل الحج، فإذا لم يجده صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة بعد ذلك. قال ابن القاسم: وأما من لزمه ذلك لترك جمرة، أو النزول بالمزدلفة فليصم متى
شاء، وكذلك الذي يطأ أهله بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإفاضة؛ لأنه إنما يصوم إذا اعتمر بعد أيام منى، أو من مشى في نذر إلى مكة فعجز فليصم متى شاء؛ لأنه يقضي في غير حج، فكيف لا يصوم في غير حج. قال: وما صنع في عمرته من ترك ميقات أو وطء، أو ما يلزمه به هدي فلم يجده فليصم ثلاثة أيام، وسبعة بعد ذلك. يريد: بصوم ثلاثة أيام في إحرامه، وسبعة بعد ذلك. ابن المواز: قال مالك: ومن لزمه هديان، مثل أن يقرن، ويفوته الحج، فإن وجد واحدًا صام ثلاثة أيام في إحرامه، وسبعة بعد ذلك، وإن لم يجد صام ستة أيام في إحرامه، وأربعة عشر إذا رجع. ومن المدونة: وكل من لم يصم ممن ذكرنا حتى رجع إلى بلده وله بها مال فليبعث بهدي، ولا يجزئه الصوم، وكذلك من أيسر قبل صيامه، ومن وجد من يسلفه فلا يصوم وليستلف إن كان موسرًا ببلده. ابن المواز: فإن لم يجد من يسلفه فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ولا يؤخر الصيام ليهدي ببلده، فإذا صام أجزأه.
وقال مالك فيمن لم يجد هدياً فتصدق بثمنه فلا يجزيه. ومن دفع الهدى حياً إلى المساكين بعد أن بلغ محله وأمرهم بنحره ورجع إلى بلده لا فاستحيوه فعليه بدله، كان واجباً أو تطوعاً، وإنما يجزئه: أن يدفعه إليهم بعد أن ينحره. [فصل 15 - في المتمتع إذا لم يجد الهدي] وقال مالك في المتمتع إن لم يجد الهدي: فليصم الثلاثة أيان في الحج من يوم يُحْرِم إلى يوم عرفة، وقال أيضاً: يصومها قبل يوم عرفة، فإن لم يفعل صام أيام منى، ثم له وطء أهله في ليالي أيام صيامه بمنى. قيل لمالك: أيصوم السبعة إذا رجع إلى مكة؟ قال: إذا رجع إلى أهله أجب إلىّ إلاّ أن يقيم بمكة ويجزئه إن صام في طريقه. قال مالك: فإن نسي الثلاثة حتى صام السبعة؟ قال: فإن وجد هدياً فأحب إلىّ أن يهدي وإلا صام. قال أصبغ: يعيد حتى يجعل السبعة بعد الثلاثة. م: لعله يريد: أن يعيد صوم سبعة أيام ويحتسب من السبعة الأولى بثلاثة كمن قدم السور قبل أم القرآن فإنما يعيد السورة، وكمن أطعم في كفارة الصوم ثلاثين مسكينًا مُدَّين مُدَّين فإنه يجزئه أن يطعم ثلاثين غيرهم مُدّاً مُدّاً ويحتسب بمد مما أطعم الأولين. قال مالك: ويصوم القارن ثلاثة في الحج مثل المتمتع، ولا يجوز له أن يؤخر رجاء أن يجد هديًا، وأحبَ إليّ أن يؤخر إلى عشر ذي الحجة، أو بعده إن رجى هديًا، فإن لم يرج ذلك فليصم.
[الباب السادس] في تقديم الناس أثقالهم من منى إلى مكة ووقت العمرة
[الباب السادس] في تقديم الناس أثقالهم من منى إلى مكة ووقت العمرة قال ابن القاسم: ولا بأس أن يقدم الناس أثقالهم من منى إلى مكة. وقال مالك: وإذا رجع الناس من منى نزلوا بأبطح مكة وهو معروف حيث المقبرة فيصلّوا فيه الظهر والمغرب والعشاء ثم يدخلون مكة بعد العشاء أول الليل، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحب إلي أن يفعل ذلك الأئمة. واستحب مالك لمن يقتدي به أن لا يدع النزول بالأبطح، ووسع لمن لا يقتدي به في ترك / النزول به وكان يفتي به سراً، ويفتي في العلانية بالنزول في الأبطح لجمي الناس. قال مالك: ومن أدركه وقت شيء من هذه الصفوات قبل أن يأتي أبطح مكة صلاها. فصل [في وقت العمرة] قال مالك: وتجوز العمرة في أيام السنة كلها إلا الحاج فيكره لهم أن يعتمروا حتى تغيب الشمس من آخر أيام الرمي، وكذلك من تعجل في يومين أو خرج حين زالت الشمس من آخر أيام الرمي.
قال ابن القاسم: وإنما سألنا مالكاً عن ذلك حين رأينا من يفعل ذلك ويزعم أن بعض الناس أفتاهم بذلك. وقال ابن القاسم: ومن أحرم من الحاج بعمرة في أيام الرمي لم تلزمه إلا أن يحرم بعد أن تم رميه من آخر أيام الرمي وحل من إفاضته فيلزمه. قال ابن المواز: إلا أنه لا يحل منها إلا بعد مغيب الشمس، وقال ابن القاسم، وإحلاله منها قبل ذلك باطل وهو على إحرامه، وإن وطء بعد ذلك الإحلال أفسد عمرته ويقضيها بعد تمامها ويهدي. ومن المدونة: ومن لم يكن حاجًا من أهل الآفاق فجائز أن يعتمر في أيام التشريق؛ لأنه ليس من الحاج وإنما إحلاله منها بعد أيام منى. قال ابن القاسم: وسواء عندي كان إحلاله منها بعد أيام منى أو في أيام منى. قال مالك: والعمرة في السنة إنما هي مرة واحدة، ولو اعتمر بعدها لزمته، كانت الأولى من أشهر الحج أم لا، أراد الحج أم لا، أراد الحج من عامه ذلك أم لا. قال ابن المواز: وأرجو أن لا يكون بالعمرة مرتين في السنة بأساً، وقد اعتمرت عائشة رضي الله عنها مرتين في عام واحد، فلعله ابن عمر، وابن المنكدر.
وكرهت عائشة عمرتين في شهر، وكرهه القاسم بن محمد. وفرطت عائشة في العمرة سبع سنين فقضتها في عام واحد. وروى عن علي في كل شهر مرة. قال ابن حبيب: ولم ير مطرف بأساً بالعمرة مراراً في السنة. وقال غير ابن حبيب: وإنما اختار مالك العمرة في السنة مرة استناناً بالنبي صلى الله عليهم وسلم لأنه اعتمر ثلاث في كل عام مرة. وقد كره كثير من السلف العمرة في السنة مرتين. قال مالك: العمر في ذي الحجة أفضل منها قبل الحج في أشهر الحج، ولا بأس أن يعتمر الصرورة قبل أن يحج، وقد اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحج.
[الباب السابع] جامع القول في المحصر بعدو أو مريض
[الباب السابع] جامع القول في المحصر بعدو أو مريض قال الله سبحانه وتعالى: {فَإِن أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}. فقيل: إن هذا إحصار مرض، ولو كان حصار العدو لقال: "حصرتم"، ومن قال إنه حصار العدو فلا حجة له بأهل الحديبية؛ لأن ما كان معهم من الهي لم يكونوا ساقوه لما عرض من حصر العدو فهو هدي قد نفذ ووجب لقوله تعالى: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} فلم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بهدي لحصرهم. وقال أشهب في المحصر بعدو إنه يهدي. وقال ابن القاسم: لا يهدي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر من لم يكن معه هدي عام الحديبية أن يهدي. قال ذلك: جابر بن عبد الله.
قال مالك: والمحصر بعدو غالب، أو فتنة في حج، أو عمرة يتربص ما رجى كشف ذلك، فإذا أيس أن يصل إلى البيت فليحل بموضعه حيث كان من البلاد في الحرم أو غيره، ولا هدي عليه إلا أن يكون معه هدي فينحره هناك، ويحلق أو يقصر، ويرجع إلى بلده. م: لأن النبي صلى الله عليه فعل ذلك عام الحديبية. قال عبد الوهاب: وإنما كان لا هدي عليه: خلافًا لأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه تحلل مأذون له فيه بغير تفريط فيه وخفيف ذلك عنه كما خفف عنه التحلل من الإحرام. قال مالك في المدونة: ولا قضاء عليه لحج ولا عمرة إلا أن يكون صرورة فلا يجزئه ذلك من حجة الإسلام، وعليه حجة الإسلام من قابل. م: قال عبد الوهاب: وإنما قال: لا قضاء عليه خلافًا لأبي حنيفة؛ لأنه ممنوع من فعل المناسك بيد غالبة فلم يلزمه قضاء / أصله إحرام العبد بغير إذن سيده؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم تحلل هو وأصحابه ولم يأمر أحداً منهم بالقضاء ولا روي عنهم أنهم قضوا. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أخر حلاق رأسه حتى رجع إلى بلده حلق ولا
دم عليه. قال ابن القاسم في موضع آخر في المحصر بعدو قبل أن تمضي أيام الحج لا يكون محصراً حتى يفوته الحج أو يصير إن خلي لم يدرك الحج فيما بقي من الأيام فيكون محصراً ويحل مكانه ولا ينتظر ذهاب الحج. م: وهذا والأول سواء، ومعنى قوله: إذا يئس أن يصل: معناه: فيفوت الحج، أو إن خلي لم يدركه، وقاله بعض شيوخنا. وقال غيره: بل ذلك اختلاف قول، والأول أبين. قال بعض شيوخنا: والريح إذا تعذر على أصحاب السفن ليس هو كحصار العدو، وهو مثل المرض لأنهم يقدرون على الخروج في البر فيمضون لحجهم. فصل [1 - فيمن أحصر بعد أن وقف بعرفة] قال ابن القاسم: ومن أحصر بعد أن وقف بعرفة، قال سحنون: يريد: أحْصر بمرض، وكذلك لمالك في كتاب ابن حبيب أنَه أُحْصر بمرض. قال أبو محمد: يريد: وتم وقوفه إلى غروب الشمس فقد تم حجه، ويجزئه من حجة الإسلام، ولا يحله إلا طواف الإفاضة، وعليه لجميع ما فاته من رمي الجمار، والمبيت بالمزدلفة، وبمنى هدي واحد، كمن ترك ذلك ناسياً حتى زالت أيام منى. قال ابن المواز: ولو كان بعدو لم يهد.
م: وقع في كتاب ابن المواز عن ابن القاسم في هذه المسألة في موضع: أنه أحصر بمرض، وفي موضع آخر: أنه بعدو، وحكي عن أبي محمد أنه قال: قوله بعدو: أصوب، ويكون عليه هدي واحد لجميع ما فاته. وأما المصدود بعدو قبل وقوفه بعرفة فإنه يحل ولا دم عليه عند ابن القاسم. والفرق بينهما: أن المصدود بعدو بعد وقوفه بعرفة يجزئه من حجة الإسلام، يريد: إذا رجع فطاف للإفاضة ويرجع حلالًا إلاّ من النساء والصيد والطيب، قال أبو محمد: والمصدود بعدو قبل وقوفه بعرفة لا يجزئه من حجة الإسلام فافترقا. ومن المدونة: قال ابن القاسم وإذا أحرم مكي بالحج من مكة أو دخل مكة معتمرًا ففرغ من عمرته ثم أحرم بالحج من مكة فأحصر قال سحنون بمرض - حتى فاته الحج فلابد له من الحل ويعمل على العمرة ويحج قابلًا ويهدي. قال ابن المواز: وأما من دخل مفردًا بالحج أو قارناً ثم فاته الحج بعد أن طاف وسعى أو قبل فلا يخرج إلى الحل لأنه منه دخل بذلك الإحرام الذي يفسخه في عمرة فيحل بأن يطوف ويسعى ثانية ويحلق، وإنما يخرج إلى الحل من دخل أولاً بعمرة ثم قرن في الحرم أو بمكة. ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك من تمتع فأحرم بالحج من مكة، ثم فاته الحج فإنه يخرج إلى الحل ويعمل فيما بقي عليه ما يعمل المعتمر ويحل.
قال: والمحصر بمرض إذا فاته الحج لا يقطع التلبية حتى يدخل أوائل الحرم ولا يحله من إحرامه إلا البيت وإن تطاول ذلك به سنين ويقيم حتى يصح ويفسخ ذلك في عمرة. م: والفرق بين المحصر بعدو أنه يحل مكانه، والمحصر بمرض لا يحله من إحرامه إلا البيت وإن تطاول ذلك به سنينًا: لأن الواجب على من أحرم بحج أو عمرة إتمام ما دخل فيه لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، إلا أن يأتي ما لا يمكن الوصول معه إلى البيت وهو خوف العدو فيحل مكانه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فأما المرض ونحوه فإنه يمكنه معه الوصول إلى البيت، لأن المرض لا يحول بينه وبين الذهاب إلى البيت كما يحول العدو بينه وبين البيت. ولأن خوف العدو يرفعه ورجوعه عنه، ولا يرفع المرض تحلله، فلا فائدة فيه، وهو إن احتاج إلى دواء فيه طيب، أو إلى حلق، أو لباس فعل ذلك وافتدى، فوجب لذلك إلا يحلله إلا البيت، وقد قال الله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ}. قيل: محل الشعائر من الإحرام وغيره من شعائر الحج والخروج منها بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، فكان ذلك مفارقاً لإحصار العدو. وبالله التوفيق. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تمادى مرضه إلى حج قابل فمضى على إحرامه الأول وحج به أجزأه من حجة الإسلام ولا دم عليه.
قال: وإذا كان مع المحصر بمرض هدي حبسه حتى يصح فينطلق به معه إلا أن يصيبه من ذلك مرض فتطاول عليه ويخاف على الهدي فليبعث به ينحر بمكة ويقيم هو على إحرامه، فإذا صح مضى، ولا يحل دون البيت، وعليه إذا حل وقد فاته الحج هدي آخر مع حجة القضاء، ولا يجزي عنه هدية الذي بعث به. قال مالك: ولو لم يبعث به ما أجزأه ذلك الهدي الذي وجب عليه من فوات الحج. م: لأن ذلك الهدي قد كان أوجبه هدياً فلا يجزئه لما فاته، ويجب عليه في المستقبل. قال مالك: ومن دخل مكة مفرداً بالحج فطاف وسعى، ثم خرج إلى الطائف / في حاجة له قبل أيام الموسم، ثم أحصر بمرض، أو كان لما دخل مكة وطاف وسعى بين الصفا والمروة أحصر بمكة ولم يحضر الموسم مع الناس لم يجزه الطواف الأول والسعي من إحصاره، ولا يحل إلا بطواف وسعي مؤتنفين، وكذلك من أحصر بمرض ففاته الحج وقدم مكة فطاف فعليه أن يسعى ولا يحل أحد ممن احصر بمرض إلا بعد السعي ثم يحلق. وانحصر بمرض إذا أصابه أذى فلحق فلينحر الأذى حيث أحب.
قال ابن القاسم: كنت عند مالك سنة خمس وستين ومائة فسئل عن قوم اتهموا بدم وهم محرمون فحبسوا بالمدينة فقال: لا يحلهم إلا البيت ولا يزالوا محرمين في حبسهم حتى يقتلوا أو يخلوا فيحلون بالبيت. م: وهذا بحصار العدو أشبه منه بإحصار المرض، ولو قاله قايل لم أعبه. قال ابن القصار: هؤلاء إما أن يكونوا حُبِسُوا بحق فمن قبلهم أوتوا فهم مفرطون فذلك كالفوات، وإن كانوا مظلومين فلا أعرف فيهم نصاً فيحتمل أن يحلو من إحرامهم ولا قضاء عليهم، كمن منعه العدو، وهذا هو القياس. ويحتمل أن يكون الفرق بينهم وبين حصر العدو من وجهين: أحدهما: إن هذا قد حصر حصراً خاصاً لم يعدم معه ما هو شرط في وجوب الحج وهو سلوك الطريق لأن الطريق مسلوكة. والوجه الثاني: إن الحصر إذا كان خاصًا فليس في إيجاب القضاء مشقة شديدة، وإذا كان عامًا ففي إيجاب القضاء مشقة شديدة فلم يجب فيه القضاء. م: والصواب عندي: أنهم إن حبسوا بظلم أنهم بحصار العدو أشبه؛ لأنه حبس من قبل آدمي، وإن حبسوا بحق فمن قبلهم أوتوا فهم كالمفرطين حين فاتهم الحج فيجب عليهم القضاء، وهو معنى قول مالك، والله أعلم.
فصل [3 - فيمن أخذ مالًا ليحج به عن ميت فصده عن البيت عدو] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أخذ مالاً ليحج به عن ميت فصدّه عن البيت عدو، فإن كان أخذه على البلاغ ردّ ما فضل عن نفقته ذاهباً ورجعاً. وإن كان أجيراً كان له من الأجر بحساب مسيره إلى الموضع الذي صدّ فيه ورد ما بقي. قال مالك: ولو مات الأجير في الطريق فإنه يحاسب، فيكون له من الأجر بقدر ما بلغ من الطريق ويردّ ما فضل. قال ابن حبيب: وإن أحصر الأجير بمرض فنفقته على نفسه ما أقام مريضاً حتى يصل إلى البيت. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أُحْصِر صاحب البلاغ بمرض فلا شيء عليه وله نفقته من مال الميت ما أقام مريضاً، وإن أقام إلى حج قابل أجزأ ذلك عن الميت، وإن لم يقم إلى حج قابل وقوي على الذهاب قبل ذلك إلى البيت فله نفقته.
قال ابن حبيب: وإن مات في الطريق فله ما أنفق إلى أن مات أنفق قليلاً أو كثيراً. فصل [3 - في خروج المرأة إلى الحج] ومن المدونة قال مالك: وتحج المرأة مع وليها فإن أبى أو لم يكن لها ولي ووجدت من تخرج معه من رجال أو نساء مأمونين فلتخرج. م: إنما قال ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تسافر المرأة سفر يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم منها»، والضيعة نصيبها أو كما قال: فإذا لم يكن لها ذو محرم فوجدت رجالاً ونساء مأمونين فقد أمنت مما يخاف عليها كأنها مع ذي محرم.
[الباب الثامن] جامع القول في الوصية بالحج
[الباب الثامن] جامع القول في الوصية بالحج قال أبو محمد: ولما لم يأت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عن سلف الأمة أن أحداً صلى عن أحد حيّ أو ميت كان الحج عنهما ضعيفاً إذ فيه صلاة وعمل بدون سيما في الفريضة. والقائلة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن فريضة الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة فأذن لها أن تحج عنه ليس بأصل لهذا؛ لأن أباها لم تكن وجبت عليه الفريضة قط، والآخر: إنما يحج عن من وجبت عليه مرة مع احتمال سؤالها أنه بعد موت أبيها، وفي غيره من الأحاديث تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أذن أن يحج عن قد مات. قال مالك: ولا ينبغي أن يحج أحد حي زمن، أو غيره، ولا أن يتطوع به عن ميت، صرورة كان المحجوج عنه أم لا، / ويتطوع عنه بغير ذلك أحب إلي،
يهدي عنه، أو يتصدق، أو يعتق. قال في كتاب ابن المواز: وهذه دار الهجر لم يبلغنا أن أحداً فيها منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم حج عن أحد ولا أمر بذلك ولا أذن فيه. قال فيه وفي المدونة: إلا أن يوصى به فينفذ عنه من ثلثه. قال عبد الوهاب: وقال الشافعي: يلزم الحج عنه من رأس ماله أوصى به أولم يوص إذا مات قبل أن يحج. ودليلنا: قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} معناه: أن يحجوا البيت، وذلك ممتنع بعد الموت، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من مات قبل أن يحج فليمت إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً»، فلو لزم الحج عنه من ماله لم يغلظه هذا التغليظ، ولأنها عبادة على البدن، فلم يلزم أداؤها عنه في المال كالصلاة؛ ولأنها عباد تدخلها الكفارتان فلم تلزم بعد الموت كالصيام.
قال أشهب: وإذا دفع رجل صحيح إلى رجل ليحج عنه لزمهما ذلك، وإنما يكر بدء فإذا نزل لم يرد لما فيه من الاختلاف. قال عبد الوهاب: وتصح الإجازة عندنا على الحج خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنها عبادة تتعلق بالمال، وتصح النيابة فيها، فيصح أخذ الأجرة عليها، ولأنه لما صحت النيابة فيها بغير أجر جازت بالأجر، وقياساً على أخذ الأجر على القضاء وبناء القناطر والمساجد. قال ابن وهب: يحج عن الأبوين، أو عن ولده، أو عن أخيه، أو عن غيرهم من القرابة القريبة. قال أبو محمد: يريد: عن الموتى تطوّعاً. قال ابن حبيب: وقد جاءت الرخصة في ذلك في الحج عن الكبير الذي لا منهض فيه ولا يحج، أو عن من مات ولم يحج أن جائزاً لابنه أن يحج عنه وإن لم
يوص ويجزئه إن شاء الله، والله أوسع بعباده وأحق بالتجاوز. ومن المدونة: قال مالك: وإن أوصى رجل أن يحج عنه فليحج عنه من قد حج عن نفسه أحبّ إليّ، قال ابن القاسم: فإن جهلوا فاستأجروا من لم يحج أجزأه عنه، وكذلك إن أوصى بعمرة أنفذ أيضاً. ابن المواز: وقال أشهب: لا بأس أن يستأجر له صرورة ممن لا يجد السبيل إلى الحج، فأما من يجد السبيل إليه فلا ينبغي أن يعان على ذلك، فإن أحجّوه عنه أساءوا ويجزئه. قال عبد الوهاب: وإنما كره أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه لقوله صلى الله عليه وسلم للذي سمعه يحرم عن غيره: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة». فإن حج عن غيره كانت لمن حج عنه، خلافاً للشافعي في قوله: إنها تنقلب فتكون له دون من أحرم عنه. ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم للتي سألته أن تحج عن أبيها، فقال: «أرأيت لو كان على أبيك
دين فقضيتيه أكان ينفع؟» قالت: نعم، فقال: «فكذلك هذا»، ولم يشترط أن تكون قد حجت عن نفسها. ولأن بقاء الفرض عليه لا يمنعه أن يتطوع، أصله إذا صام تطوعاً وعليه قضاء رمضان، ولأنه إذا أحرم من غيره لم ينقلب عن نفسه، أصله إذا كان قد حج. ابن المواز: وقال مالك في امرأة أوصت أن يحج عنها إن حمل ذلك ثلثها، فإن لم يحمل أعتق به رقبة، فحمل ثلثها الحج، قال: أرى أن يعتق عنها ولا يحج. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أخذ مالاً ليحج به عن ميت من بعض الآفاق فاعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة لم يجزيء ذلك عن الميت، وعليه أن يحج أخرى عن الميت كما استؤجر. م: وحكي عن بعض شيوخنا أنه قال: ويلزمه أن يحج عنه من الموضع الذي استؤجر فيه لا من الميقات؛ لأنه لما اعتمر عن نفسه فكأنه إنما خرج لذلك. م: والذي أرى: أنه إن رجع فأحرم من ميقات الميت فإنه يجزئه؛ لأنه منه تعدى فأحرم عن نفسه، وكان الواجب عليه أن يحرم منه عن من استأجره فإذا رجع فأحرم منه عنه فلم ينقصه مما شرط عليه. وقد قال مالك في كتاب محمد فيمن شرط عليه أن لا يقدم قبل الحج عمر فقدن عمرة وتمتع فذلك يجزي عنه ولا حجة عليه.
وقال ابن القاسم: عليه أن يوفيهم ما شرطوا أو يرد عليهم ما قبض منهم، ثم رجع إلى قول مالك أن يجزي عنه. قال في الأسدية: إن اعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة أجزأه إلا أن يشترط عليه أن يحرم عنه من أفق من الآفاق أو من المواقيت فليرجع ثانية. وقال في العتبية: سواء اشترطوا عليه أن يُحرِم عنه من ذي الحليفة أو لم يشترطوا، وأراه ضامناً للحج؛ لأن من استؤجر على الحج عن ميت فعليه أن يحرم من ميقات الميت. قال ابن المواز: إذا كان خروجه عن الميت وأحرم عن الميت من الميقات أجزأ ذلك، وإن حج عن الميت من مكة فعليه البدل. ومن المدونة قال: ولو قرن ونوى بالعمرة عن نفسه، والحج عن الميت ضمن المال؛ لأنه أشرك في عملهم غير ما أمروه به، وعليه دم القران. قال ابن المواز: رجع ابن القاسم عن قوله يرد المال، وقال: يضمن حتى يحج ثانية. م: وحكي عن أبي الحسن بن القابسي أنه قال: الفرق بين هذه المسألة وبين
المسألة التي اعتمر فيها عن نفسه وحج عن الميت من مكة على قوله في هذه يرد المال؛ لأن الذي يحج عن الميت من مكة قد حج عن الميت لا شك فيه، وإنما أخطأ في العمل حين أحرم من مكة فأمر بالعودة، والذي قرن خائن؛ لأن القران إنما هو في القلب، فيقال له: أنت قد خنت في نّيتك فلا يبقى المال بيدك حين ظهرنا على خيانتك وفساد عملك. وقال ابن حبيب: إذا أخذ المال على البلاغ فقرن أو تمتع فقد أساء ولا يضمن وعليه في ماله هدي. ولو اعتمر عن نفسه، ثم حج عن الميت، أو قرن ينوي العمرة فقط عن نفسه لضمن المال في الوجهين. م: فصار في الذي اعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة ثلاثة أقوال: قول: إنه يجزئه، وقول: إنه يعيد عن الميت، وقول: إنه يضمن المال. وإن قرن ونوى بالعمرة عن نفسه فقولان: قول: إنه يضمن المال، وقول: إنه يعبد عن الميت. قال ابن المواز: روى أبو زيد عن ابن القاسم أنه قال في الذين جهلوا فاستأجروا صرورة ممن لا يجد السبيل لحج ونوى بالحجة عن نفسه وعن الميت فإنه يجزئه عن نفسه، ويعيد عن الميت. وروى عنه أصبغ: أنه لا يجزئه عن واحد منهما، وقاله أصبغ، وليرجع ثانية الميت، وبه أخذ محمد. قال ابن القاسم: وإن استؤجر لحج عن ميت فوطأ في الحج فليرد النفقة ويتم ما هو
فيه من ماله ويحج ثانية للفساد من ماله ويهدي، ثم يحج عن الميت بتلك النفقة إن شاء الورثة، وإن شاءوا استأجروا غيره، وقالوا أشهب. وقال ابن القاسم في العتبية: إذا أفسد حجه بإصابة أهله فعليه القضاء بحجة صحيحة من ماله، وسواء استؤجر عليها، أو أخذ المال على البلاغ. م: وهذا يجري على اختلافهم فيمن أفسد حجة القضاء، أو أفسد يوماً من قضاء رمضان. قال في العتبية: وإن كان إنما أصابه أمر من الله تعالى ليس من قبله مثل أن يمرض أو ينكسر فإنه يقضي ذلك الحج عن الميت أحبّ إلي، وسواء كان استؤجر مقاطعة، أو أخذ المال على البلاغ. وكذلك الذي يحصر حتى يفوته الحج أو يختفي عليه الهلال حتى يفوته الحج. وقال ابن القاسم في كتاب ابن المواز في الذي يحصر عن الميت بعدوّ: أنه إن أخذ المال على البلاغ فله نفقته حتى يحل بموضعه وحتى يرجع، ويرد ما فضل، وإن كان أجيراً حوسب وكان له من الأجر بقدر مسيره وردّ ما فضل وهو رأيي. وقال مالك في أجير الحج يموت في الطريق فإنه يحاسب بقدر ما سار ويرد ما فضل. قلت: فإن أحصر بمرض؟
قال: إن أخذ المال على البلاغ فله نفقته ما أقام مريضاً في مال الميت وإن أقام إلى حج قابل ويجزئ ذلك عن الميت، وذلك إن لم يقدر على الذهاب إلى البيت، وإن قدر أن يذهب إليه فليذهب حتى يحل بعمرة ولابد له من ذلك وله نفقته، وكذلك إذا أغمى عليه حتى فاته الحج. ابن المواز: وإن أخذ المال على الإجارة فذلك لازم له أبداً. فصل [1 - يصح حج المرأة عن الرجل والعكس ولا يجزئ أن يحج عبد أو صبي عن من لم يحج]. قال في كتاب الوصايا: وتحج المرأة الحرة عن الرجل، والرجل الحر عن المرأة، ولا يجزي أن يحج عنه عبد أو صبي أو من فيه علقة رق ويضمن الدافع إليهم إلا أن يظن أن العبد حر، وقد اجتهد ولم يعلم فإنه لا يضمن. وقال غيره: لا يزول عنه الضمان بجهله به. قال: وإن أوصى غير الصرورة أن يحج منه عبد أو صبي بمال فذلك نافذ ويدفع إليه ذلك ليحج عنه إن أذن السيد للعبد أو الوصي للصبي وذلك أنه كتطوع أوصى به فهو لو لم يكن صرورة وأوصى بحجة تطوع أنفذت ولم ترد، فهذا مثله، وإن كان على الصبي فيه مشقة أو ضرورة فلا يأذن له فيه وصيه، وكذلك إن لم يستطع، أو كان ليس بنظر له، وذلك كإذنه له في سفر لتجارة. وقال غيره: لا يجوز للوصي أن يأذن له في هذا.
قال ابن القاسم: فإن لم يأذن له وليه وقف المال لبلوغه، فإن حج به وإلا رجع ميراثاً؛ لأنه قصد التطوع إذا أوصى بحج الصبي والعبد. ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو كان صرورة حتى يعلم أنه للفريضة لأنفذ ذلك لغيرهما مكانه، ولا ينتظر به عتق العبد ولا بلوغ الصبي، لأن العبد، والصبي ممن احج لهما. وكذلك إن أوصى بعتق عبد فلم يبعه، فإن كان في واجب / جعل في غيره، وإن كان تطوّعاً عاد ميراثاً بعد الاستيناء والإياس من العبد. قال ابن القاسم: ولو أوصى الصرورة أن يحج عنه رجل بعينه فأبى ذلك الرجل أن يحج عنه فليحج عنه غيره، بخلاف المتطوع الذي قد حج، هذا إن أبى الرجل رجع المال ميراثاً، كالموصى له بمال فردّه، أو يوصي بشراء عبد بعينه للعتق فلا يبعه ربه. وقال غيره: لا يرجع ميراثاً، وهو كالصرورة؛ لأن الحج إنما أراد به نفسه، بخلاف الوصية لمسكين بعينه بمال فرده، أو بشراء عبد بعينه للعتق. وإن أوصى أن يحج عنه وارث بثلثه أنفذ الحج ولم يزد على النفقة والكراء شيئاً، يريد: ذاهباً وراجعاً.
ومن كتاب الحج قال مالك: ومن حج عن ميت فالني تجزئه وإن لم يقل لبيك عن فلان. ومن حج عن ميت فترك من المناسك شيئاً يجب فيه الدم، فإن كانت الحجة لو كانت عن نفسه أجزأته فهي تجزيء عن الميت. وكل ما لم يتعمد من ذلك أو فعله لضرورة فوجب به عليه هدي، أو أغمى عليه أيام منى حتى رمى عنه غيره، أو أصابه أذى فأماطه فلزمه فدية، كانت الفدية، والهدي في مال الميت، وهذا كله في أخذه المال على البلاغ، وما وجب في ذلك بتعمده فهو في ماله. ومن أخذ مالاً ليحج به عن ميت على البلاغ فسقطت منه نفقته رجع من سقطت منه، ونفقته في رجوعه عليهم. وفي رواية أخرى: عليه، وقال ابن حبيب. والرّواية: أنها عليهم أحسن، وكذلك ذكر ابن المواز عن ابن القاسم. قال ابن القاسم: ولو كان في الثلث بقية ما كان عليهم أن يحجوا غيره. وقال أشهب: عليهم أن يحجوا غيره من بقية الثلث، كالوصية بالعتق يموت العبد بعد أن يشتري قبل العتق فيعتق من بقية الثلث عبد آخر. ومن المدونة: قال مالك: وإن تمادى هذا الذي سقطت نفقته ولم يرجع فهو متطوع ولا شيء عليهم في ذهابه، قال ابن اللباد: ولا في رجوعه إلى موضع سقوطها منه، وله من ذلك الموضع إلى بلوغه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: إلا أن تسقط نفقته بعد إحرامه فليمض؛ لأنه لما أحرم لم يستطع الرجوع، وينفق في ذهابه ورجوعه ويكون ذلك على الذي دفع إليه المال ليحج به عن الميت. وقال ابن حبيب: يكون ذلك في مال الميت ذاهباً وراجعاً، فإن لم يكن له مال فعلى من دفع المال إلى هذا الحاج. وقال ابن شبلون وابن القابسي: الصواب أن يكون المال على الوصي الذي دفع إليه المال على البلاغ؛ لأنه غرر في الدفع إليه على البلاغ وكان الصواب أن يدفعه إليه على الإجارة ولا يكون شيء من ذلك في مال الميت. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو أخذه على الإجارة فسقطت فهو ضامن للحج أحرم أو لم يحرم. ابن المواز: قال مالك: ومن أخذ مالاً على البلاغ فله أن يُنْفِقَ ما لابد له منه مما يصلحه من الكعك والزيت والخل واللحم المرّة بعد المرّة وشبه ذلك والوطاء واللحاف والثياب، فإذا رجع ردّ ما فضل من ذلك كله. والكراء على البلاغ والإجازة في الكراهية سواء، وأحبّ إلينا أن يؤاجر نفسه بشيء مسمى لأنه إذا مات حوسب بما سار وأخذ من تركته ما بقي وكان هذا أحوط من البلاغ وليس له أن يؤاجر من ماله غيره؛ لأنه شرط عليه أن يحج بنفسه فانفسخ ذلك بموته إلا أن يكون إنما جعله في ذمته.
م: قال بعض شيوخنا: وإذا استؤجر على الحج مطلقاً كان ذلك محمولاً على أنه في ذمته حتى يشترط أنه بعينه يحج. م: وهذا كقول ابن المواز إذا أكرى منه على أن يحمله إلى بلد كذا على دابة أو سفينة وقد أحضرها ولا يعلم له غيرها أن ذلك في ذمته حتى يقول له: تحملني على دابتك هذه فيكون قد عيّن. وقال غيره من القرويين في المكري عن الحج: بل ذلك يقتضي التعيين إذا وقع مطلقاً، كمن يؤجر داره، أو نفسه في خدمة أن ذلك على الفور ويقتضي التعيين، واستحسنه بعض أصحابنا. وحكي عن أبي محمد فيمن استؤجر أن يحج عن ميت ولم يذكر له متى يخرج: أنا إجازة لا تجوز؛ لأن يصير كأنه متى شاء خرج، إلا أن يشترط عليه الشروع فيجوز. وذكر عن أبي الحسن بن القابسي فيمن دفع إليه مال ليحج به عن ميت فصدّ عن البيت / أو مات في الطريق فأعطي بقدر إجارته إلى ذلك الموضع فإنما يستأجرون للميت مرّة أخرى من ذلك الموضع الذي صد فيه أو مات. وسئل أبو محمد فيمن استؤجر ليحج عن ميت فصدّ عن الطلوع، فأراد المقام إلى قابل لوفاء ما استؤجر عليه، هل ترى حجه قابلاً مجزئاً عن الميت؟. فقال: الحج مجزيء عن الميت، وليس ينتهي إلى ما قيل لكم إنه فسخ الدين في الدين إذا لم يعملا عليه، وقد قال أصحابنا: إن عليه الحج ويصير مطلوباً، فكيف بهذا؟ ولكن لو تحاكما لوجبت المحاسبة، فإن لم ينظر في ذلك حتى أجزأ عن الميت.
فصل [3 - في الموصي يسمي قدراً معلوماً ليحج به عنه فتفضل منه فضلة] ومن أوصى أن يحج عنه بهذه الأربعين ديناراً فدفعوها إلى رجل ليحج على البلاغ ففضلت منها عشرون ديناراً فليرد إلى الورثة ما فضل كمن قال: أعتقوا عني عبد فلان بها فيبيعه بثلاثين. قال ابن المواز: إذا سمي ما يعطى فذلك كله للموصى له إلا أن يرضى بدونه بعد علمه بالوصية، وهذا إذا قال: يحج عني فلان بهذه الأربعين فدفعوها إليه على البلاغ ففضلت عشرون ديناراً، أو قال: يحج بها رجل فيرضى بدون ذلك بعد علمه بالوصية، فأما إن قال: حجوا بها عني، أو قال: يحج بها عني فها هنا تنفذ كلها في حجتين، أو ثلاث، أو أكثر، ولو جعل ذلك في حجة واحد كان أحسن. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال: أعطوا فلاناً أربعين ديناراً يحج بها عني فاستأجروه بثلاثين فحج، فالعشرة الفاضلة ميراثاً؛ لأن مالكاً قال فيمن أوصى أن يشتري له غلام بمائة دينار فيعتق فاشتروه بثمانين أن البقية ميراث. قال ابن المواز: إنما هذا إذا عرف صاحب الغلام والذي يحج بما أوصى له به من الثمن فيرضى بدونه وإلا فالوصية نافذة.
ومن المدونة: قال مالك: ومن دفع إليه رجل أربعة عشر ديناراً يتكارى بها من المدينة من يحج عن ميت فاكترى له بعشرة فليرد الأربعة إلى من دفعها إليه ولا يردها على الذي حج عن الميت. ابن المواز: قال أشهب فيمن أوصى أن يحج عنه بثلثه ولم يقل حجة واحدة، والثلث كثير، وهو صرورة فليدفع الثلث كله في حجة واحدة، وإن كان غير صرورة فأستحسن أن يدفع الثلث كله في حجة أيضاً، وإن حج به عنه حججاً لم أر بذلك بأساً. وقال ابن القاسم في العتبية: يعطى الثلث إن كان كثيراً في حجج لرجال يحجون به حججاً. ابن المواز: قال أشهب: ويحج عن الميت من موضع أوصى كالحالف يحنث إن لم تكن له نّية فليمش من موضع حلف عنه من أمام ذلك إلى مكة ضمنوا وليحجوا عنه من موضع مات. ومن استؤجر ليحج عن ميت ثم بدى له لما بلغه ذلك من الكراهية فقال ابن القاسم: إن الإجازة تلزمه. قال ابن القاسم: ومن أوصى أن يحج عنه بمال فلم يوجد من يحج به من مكانه لقلته فليدفع من موضع يوجد، ولو سمى الميت فقال: من الأندلس أو من بلد كذا فلم
يوجد من يحج بها عنه رجعت ميراثاً، وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتيبة أنه فَرَّق بينه إذا سمى وإذا لم يسم. ابن المواز: قال أشهب: بل يتقدم بها إلى بلد يوجد من يحج بها منه يلزم ذلك الورثة. قال ابن المواز: إن كان صرورة فقول أشهب أحسن، وإن لم يكن صرورة فهو ميراث إذا عرفت عزيمة الميت أنه أراد من موضع سمى. وقال أصبغ كقول أشهب أن ذلك سواء سمى الميت بلداً أو لم يسم، وليتقدم بها من موضع يبلغ، قال أصبغ إلا أن يستثني الميت ألاّ يحج إلا من البلد الذي ذكره ويعلم ذلك من مذهبه. فصل [3 - فيمن أوصى أن يمشي عنه في يمين حنث فيها] ابن المواز: قال مالك فيمن أوصى أن يمشي عنه في يمين حنث فيها فليهد عنه هذيين وإن لم يجد فهدي واحد، ولا يمشي أحد عن أحد. قيل: فإن أوصى بذلك ولده فوعده الابن أن يمشي عنه؟ قال: فليتم له ما وعده، وكذلك قال ابن القاسم في العتبية إذا أوصى أن يمشى عنه فليهدي عنه هديين، فإن لم يجد فهدي واحد، وقال سحنون: لا يلزمه الهدي إلا أن يوصي به.
قال ابن القاسم: وقال مالك فيمن مشى عن أحد وحج عن نفسه وهو صرورة: أجزأت عنه حجة الفريضة ولم يضره مشيه الذي مشى عن أحد، قال ابن القاسم: لأنه لا يمشي أحد عن أحد بخلاف أن لو مشى عن نفسه وعن حجة الفريضة/ هذا يجزئه مشيه لنذره وعليه حجة الإسلام. قال ابن القاسم فيمن عليه أن يمشي حافياً وأوصى أن يُسْأل عن يمينه فينفذ عنه ما يلزمه قال: ينظر إلى كفاف النفقة والكراء إلى مكة فيهدي عنه به هدايا. فصل [4 - الحج واجب على الفور] ومن المدونة قال مالك: وينبغي للأعزب يفيد مالاً أن يحج به قبل أن يتزوج، وحجه به أولى من قضائه ديناً على أبيه. م: إنما قال ذلك؛ لأن الحج عندنا على الفور ولا يجوز تأخيره للقادر عليه إلا من عذر. وقال الشافعي: هو على التراخي فإن شاء فعله وإن شاء تركه طول عمره بشرط العزم على أدائه من غير وقت معين ولا إثم عليه إن مات ولم يحج. ودليلنا: أن الأمر عندنا على الفور؛ لأن الأمر لما اقتضى إيقاع الفعل، وكان الفعل لابد له من زمان يقع فيه ولا ذكر له في اللفظ بتقديم ولا تأخير وكانت الأفعال تختلف
أحكامها باختلاف أوقاتها فيكون الفعل في وقتٍ طاعة وفي وقتٍ معصية وأجمعوا على أنه إذا وقع في الوقت الأول فقد أُوْقع فلم يثبت ما عداه وقتاً إلا بدليل، ولأن الأمر لما اقتضى الإيقاع ولم يقع للترك ذِكْر، وجب فعله عقيب الأمر، ولأنّ تأخيره لو جاز لم يخل أن يكون إلى غاية أو إلى غير غاية، فإن كان إلى غاية فذلك توقيت وخلاف التراخي، وإن كان لا إلى غاية لم يخل المكلف إذا مات قبل الفعل أن يكون آثما أو غير آثم، وفي القول بأنه آثم وجوب المنع من جواز الترك، وفي القول بأنه غير آثم إخراج الفعل عن الوجوب إلى الندب الذي يكون للمكلف تركه إلى غير غاية ثم لا يأثم إذا كات قبل أن يفعله ولا يعصمه عن هذا إثبات العزم على الإيقاع في المستقبل لأن في ذلك إيجاب لما لم يوجبه الأمر وإسقاط ما أوجبه من العمل. ولأن أهل اللغة يستحسنون ذم العبد إذا أمره سيده بفعل فتركه وتراخى فيه ولا يذمون السيد على ذمه وضربه له ويعللونه بتراخيه وينسبونه إلى الونى والتقصير وذلك على أنه عندهم على الفور. ودليلنا في نفس المسألة قوله صلى الله عليه وسلم: «حجوا قبل أن لا تحجوا» وقوله: «من أمكنه الحج ثم مات ولم يحج فليمت إن شاء الله يهودياً أو نصرانياً» هكذا علله
حذَّاق البغداديين. فصل [5 - هل يلزم الأجير الإشهاد عند إحرامه بأنه أحرم عن فلان؟] وسئل أبو عمران الفاسي عن الأجراء على الحج هل عليهم أن يشهدوا أنهم أحرموا عن من استأجرهم؟ فقال: ليس ذلك عليهم، قال: فإن لم يشهدوا، وذكروا أنهم قد حجوا عنه قال: يدخل ذلك اختلاف مسألتي كتاب الأكرية فيمن استؤجر على توصيل كتاب إلى موضع فيدعي أنه قد وصله. فرأى أن هذين القولين يدخلان هذه المسألة. وذكر عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه قال: يلزمه الإشهاد؛ لأن عرف الناس قد جرى على الإشهاد في ذلك فهو كالشرط عليهم إذ عليه يدخلون بخلاف ما قال ابن القاسم في كتاب الأكرية. ثم كتاب الحج الثاني من الجامع بحمد الله وعونه، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
كتاب الحج الثالث من الجامع
كتاب الحج الثالث من الجامع [الباب الأول] فيمن فاته الحج أو وقف غير يوم عرفة وكيف إن أفسد حجة مع ذلك. روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من فاته الحج فليحل بعمرة وعليه الحج قابلاً». قال مالك رحمه الله: ومن أحرم بالحج ففاته فله أن يثبت على إحرامه إلى قابل إن أحب ذلك، وأحبّ إليَّ أن ينفذ لوجهه في عمل العمرة على إهلاله الأوّل، ولا يهل بعمرة إهلالاً مستقبلاً ويقطع التلبية أوائل الحرم كمعتمر من ميقاته، ويحل من إحرامه ذلك ولا ينتظر قابلا. ابن المواز: قال أشهب عن مالك: فإن بقي على إحرامه إلى قابل فليهد احتياطاً، وقال عنه ابن القاسم، وابن وهب: لاهدي عليه، وقال أصبغ. قال مالك: فإن اختار المقام على إحرامه / إلى قابل ثمّ بدا له فذلك له، وله أن يحل متى شاء ما لم تدخل أشهر الحج فليس له حينئذ أن يحل حتى يتم حجه.
ومن المدونة: وإنما له أن يثبت على إحرامه ذلك إلى قابل ما لم يدخل مكة، فإذا دخل مكة فليحل منه بعمرة يطوف ويسعى ويحل من إحرامه ولا يثبت عليه، فإذا كان قابلاً قضى الحج الذي فاته وأهرق دماً. قال في كتاب ابن المواز: وهذا ما لم تدخل أشهر الحج أيضاً، ولو دخلت أشهر الحج فحلَّ فيها بعمرة فبئس ما صنع. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا دخلت أشهر الحج فلا يعجبني أن يحل فيها بعمرة، فإن فعل أجزأه، ثم إن حج من عامه لم يكن متمتعاً؛ لأنه لم يبدأ بالعمرة، وإنما كان إحرامه بحج، وإحلاله منه بعمرة رخصة له، كذلك جاء في هبار بن الأسود وصاحبه حين فاتهما الحج، فقال لهما عمر: طوفا وأحلاً وعليكما الحج
من قابل والهدي. وقال ابن القاسم أيضاً: إن فسخ ذلك في أشهر الحج في عمرة كان فعله باطلاً، وهو على إحرامه، وقال أيضاً: إنْ جهل ففسخ في عمرة في أشهر الحج، ثم حجّ من عامه كان متمتعاً، ولو ثبت على أوّل إحرامه بعدما دخل مكة حتى حجّ بإحرامه ذلك قابلاً أجزأه من حجة الإسلام. واختلف عن مالك هل عليه هدي أم لا؟ قلت لابن القاسم: فإن أراد أن يطوف ويسعى قبل أشهر الحج من قابل ويجعل ذلك لحجه قابل؟ قال: أخاف ألا يجزئه. قال ابن القاسم: ومن فاته الحج فليس له أن يحرم بحجة أخرى، فإن فعل لم يلزمه، وهو على إحرامه الأول، وليس له أن يردف حجاً على حج، إنما له أن يحل منه بعمرة أو يقيم على إحرامه الأول إلى حج قابل فيجزئه حجه. م: وذكر ابن المنذر أنه اختلف قول مالك إذا فاته الحج فأقام على إحرامه إلى قابل هل يجزئه أن يحج مع الناس بإحرامه الأول أم لا؟ فروى عنه ابن نافع فذكر مثل رواية ابن القاسم. قال: وروى عنه ابن وهب أنه إن أقام حراماً إلى قابل فلا يجزئه أن يحج به مع
الناس من قابل، وهذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي. قال: وقول الشافعي صحيح. قال مالك كتاب ابن المواز: من فاته الحج بحصار العدو، أو بمرض، أو بخفاء من الهلال، أو بأي وجه غير العدو فلا يحله إلا البيت، ويحج قابلاً ويهدي، وأهل مكة وغيرهم في ذلك سواء. قال ابن المواز: ومن دخل مفرداً بالحج أو قارناً من الحل من مكيّ وغيره ثم فاته الحج فليحل بعمرة ولا يخرج إلى الحل، ولو دخل بعمرة فحل منها ثم أنشأ الحج من مكة، أو أردف الحج بمكة أو بالحرم، ثم فاته فهذا يخرج إلى الحل فيدخل منه، ويحل بالطواف والسعي. وقد تقدم هذا.
قال عيسى عن ابن القاسم في العتبية فيمن أتى عرفة بعد الفجر يوم النحر فليرجع إلى مكة فيطوف ويسعى ويقصّر، وينوي بها عمرة، ويحج قابلاً ويهدي. وقال عنه يحي بن يحي: إذا أخطأ أهل الموسم فكان وقوفهم بعرفات يوم النحر مضوا على عملهم وإن تبيّن ذلك لهم وثبت عندهم في بقية يومهم ذلك أو بعده، وينحرون من الغد، ويتأخر عمل الحج كله الباقي عليهم يوماً، ولا ينبغي لهم أن يتركوا الوقوف من أجل أنّه يوم النّحر، ولا أن ينقصوا من رمي الجمار الثلاثة الأيام بعد يوم النحر، ويجعلون يوم النحر للغد بعد وقوفهم، ويكون حالهم في شأنهم كله كحال من لم يُخْط. قال: ولو وقفوا يوم النزوية لأعادوا الوقوف يوم عرفة. م: أمّا هذا فصواب، وأمّا الأوّل فكان يجب أن يفوتهم الحج، ولا أراه أجزأهم إلاّ لأنهم اجتهدوا وهم أهل موسم، ولما يلحقهم من ضرورة الإعادة ومشقّتها؛ لأنهم وقفوا يوم الحج الأكبر، واختص وقوفهم بالمكان وبعض الزمان فقام ذلك مقام القضاء، والله أعلم. ولأن غيرها من الفرائض كالصلاة والزكاة والصيام إذا فاتت جاز قضاؤها في غير وقت لها، وإنما فارقها الحج فلم يقض إلا في وقت حج؛ لأنّ فرضه لا يتكرر فاختير له ألاّ يقضي إلاّ في وقت حج، فإذا وقع مثل هذا الغلط جعل ذلك قضاءً لما فات كسائر الفرائض، والله أعلم.
وقد سئل عن هذه المسألة أبو القاسم ابن الكاتب القروي / فأجاب فيها وأطال، وأنا أذكر عمدة فوائد جوابه وردّه على من منع من إجزاء الحج، ومعنى قول سحنون في ذلك. قال أبو القاسم: ومن الدليل على صحة تأويل شيخنا أبي محمد أن الحج يجزيء ظاهر في كلام ابن القاسم وهو قوله: ولو أخطئوا فقدّموا الوقوف بعرفة يوم النزويةلم يجزئهم ذلك، فدل بذلك أن في المسألة يجزئهم إذْ أمرهم بتمام الحج، وهو قول جميع علماء الأمصار، ولا خلاف بينهم في ذلك. والذي ذكر أبو محمد عن سحنون إنّما ذكره عقيب قول ابن القاسم إذا وقفوا يوم النزوية بعرف فإنهم يعيدون الوقوف من الغد يوم عرفة ولم يجزئهم الوقوف الأوّل. قال: وقد اختلف قول سحنون في ذلك، ثم لم يذكر ما هذا الاختلاف، فيحمل إنما اختلف قوله فيمن وقف يوم النزوية؛ لأن عندنا عن سحنون أنّ الحج إذا وقع يوم النحر غلطاً أنّ ذلك مجزيء، وقد ذكر الباجي في كتابه أن هذا قول مالك، واللّيث، والأوزاعي والشافعي، وأبي حنيفة، وذكر جماعة من العلماء يكثر عددهم. قال أبو القاسم: وإنما اختلف العلماء فيمن أخطأ فوقف يوم النزوية، فعند أصحابنا: أنه لا يجزئهم؛ لأن يوم عرفة بين أيديهم، وهذا مثل قولنا في الأسير تلتبس عليه الشهور، فإن صام قبل رمضان لم يجزه، وإن صام بعده أجزأه.
وقال الشافعي: إن حجه يوم النزوية يجزئه، واختلف قوله في الصوم، فقال مرة مثل قوله في الصوم، فقال مرة مثل قولنا، وهذا قول أبي ثور، وأصحاب الرأي. وقال مرّة: يجزئه، صام قبل رمضان، أو بعده، واحتج بمسألة الحج يوم النزوية. واحتج في الحج بأنّ أبا بكر حج بالناس في سنة ثمان من الهجرة ذي القعدة. وحج أبي بكر عندنا لم يكن عن فرض، ومُحال أن يُفرض الحج أبو بكر دون النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما حج أبي بكر لينذر المشركين بسورة براءة، وأنذرهم ألا يقربوا المسجد الحرام بعد ذلك العام. م: وقد ذكرنا الحجة في ذلك قبل هذا. قال أبو القاسم: وقد قال ابن الماجشون في المحصر بعدوّ بعد أن أحرم بحجّة الإسلام وحل منها عن سنة الإحصار أنّها تجزئه من حجة الإسلام، وإنما استحب له مالك القضاء، فأين هذا من غلط هؤلاء ووقوفهم يوم النحر حتى علمهم فيه.
قال أبو محمد: واختلف فيه قول سحنون فيما أخبرنا به أبو بكر عن حمد يس عن سحنون. وأخبرنا عن يحي بن عمر في أهل الموسم ينزل بهم ما نزل بالناس سنة العلوي، وهروبهم عن عرفة ولم ينمو الوقوف قال: يجزئهم ولا دم عليهم. م: وهذه مثل الأولى إنما أجزأهم لمشقة الإعادة، ولعله يريد إنّ هربهم كان بعد وقوفهم بعد الزوال فأجزئهم لقوة الاختلاف فيه، وقوله: ولا دم عليهم، يريد: لأجل هروبهم ولم يتموا الوقوف لأنهم مغلوبون على ذلك، وهذا إذا عملوا بقية المناسك من المبيت بالمزدلفة، والوقوف بها، والرّمي، والإفاضة، فإن لم يعملوا شيئاً من ذلك فلا يحلّوا من إحرامهم إلا بطواف الإفاضة، ويكون عليهم لجميع ما فاتهم من الوقوف بالمزدلفة، والرمي يوم النحر وأيام منى الدّم، على اختلاف قولهم فيمن أٌحصر بعدوّ بعد وقوف عرفة، فقيل: لا دم عليه، وقيل: عليه لجميع ما فاته من الرمي، والوقوف بالمشعر هدْي واحد، بخلاف من أُحصر قبل الوقوف بعرفة، هذا لا هدي عليه عندنا، وقد بينا ذلك في الحج الثاني.
فصل [1 - فيمن فاته الحج ثم أصاب النساء والطيب والصيد والسيد قبل أن يحل منه بعمرة] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن فاته الحج، ثم أصاب النساء، والطيب، والصيد قبل أنْ يحل منه بعمرة فليحل منه بعمرة، وعليه في ذلك ما على الصحيح إلا أنه يهريق دم الفوات ودم الفساد / في حجة القضاء، وما أصاب من الصيد أو الطيب ألبس فليهريق له الدم متى شاء، والهدي عن جماعه قبل أن يفوته الحج، أو بعده أن فاته هدي واحد، ولا يعي العمرة لوطنه في إحرامها، كما ليس عليه إذا وطئ في الحج قبل يوم عرفة ثم فاته الحج منه في عمرة أنْ يقض هذه العمرة. م: هذا بيان هذه المسألة، وهي في كتاب ابن المواز بينة، قال فيه: فإذا فاته الحج ثم وطئ فليحل بعمرة ويهدي لوطئه فيها وعليه حج قابل وهدي آخر للقضاء، ولا بدل عليه لهذه العمرة لوطئه فيها، كما ليس عليه قضاء عمرة إذا وطئ في الحج، يريد: قبل الحج ثم فاته. قال ابن القاسم: وسواء أفسد حجه ثم فاته، أو أفسده بالوطء بعد الفوات قبل أن يطوف للعمرة، ويعمل عمل العمرة ويحل، وليس عليه غير حج واحد وهدّي للفساد وهدْى للفوات. قال مالك: ومن أفسد حجّه ثمَ فاته فلا ينبغي أن يقيم إلى قابل على أمر فاسد وليحل بعمرة ثم يحج قابلاً.
م: يريد: ولو أقام على إحرامه هذا إلى قابل فحج به فليقضه في السنة الثالثة ويهدي هديين: هدّي للفساد، وهدْي للفوات. [فصل 3 - في هدْي الفوات متى يُنْحر؟] ومن المدونة قال مالك: ومن فاته الحج فلا يُقدّم هدْي الفوات وإن خاف الموت، ولا ينحره إلاّ في حجّة القضاء. قال ابن القاسم: فإن اعتمر بعد أن فاته الحج فنحر هدْي الفوت في عمرته أجزأه؛ لأنّه لو هلك قبل أن يحج أُهْدِي عنه بعد الموت لمكان ذلك، ولو كان لا يجزئه إلاّ بعد القضاء ما أهْدي عنه بعد الموت، وبلغني أن مالكاً كان يُخففّه ثم استثقله، وأنا لا أحب له أن يفعل إلا بعد القضاء، فإن فعل قبله ثم حج أجزأ عنه. قال أشهب: لا يجزئه. قال ابن القاسم: وهدْي الغوات إنما يُنحر في قول مالك في حجة القضاء بمنى بعد أن يقف به بعرفة، فإن فاته أن ينحره بمنى اشتراه فساقه إلى الحل ثم قلده وأشعر إن كان مما يقلد ثمَ أدخله مكة فنحره بها وأجزأه. فصل [3 - من أفسد نسكه أو فاته فإنه يقضي مثل الإحرام الذي أفسده أو فاته مِنْ إفْراد أو قِرانٍ أن تمتع] قال ابن القاسم: ولا يقضي قارناً عن إفراد ولا مفرداً عن قران، فإن فعل لم يجزئه، فإذا فات القارن فلا يفرّق القضاء الحج وحده والعمرة وحدها ولكن يقضي قارئاً. قال: وإن أفرد الحج ثم جامع فيه فلا يقضي قارناً، فإن فعل لم يجزئه إلا أن يفرد
كما أفسد؛ لأن القارن ليس حجّه تاماً كتمام حج المفرد إلاّ بما أضاف إليه من الهدي. قال أبو محمد: ورأيت لعبد الملك أن من أفسد حجّه مفرداً فقضى قارناً أنّه يجزئه. م: ووجه ذلك: أن القران مع الهدي كالإفراد؛ لأنه قضاء لحج ناقص فجبره بالدّم فصار كالصحيح، كما لو أفسده مفرداً فقضى متمتعاً أنّه يجزئه. وفي كتاب ابن المواز: من أفسد حجّه مفرداً لم يجزئه أن يقضيه قارناً، ولو أفسده قارناً لم يجزئه أن يقضيه مفرداً، ولو تمتع، ثمّ أفسد حجه فقضاه مُفْرِدَاً أجزأه، وعليه دم التمتع، وهدْي للفساد، وذكرها عيسى في العتبية عن ابن القاسم، وقال: يُعجّل هدْي التمتع ويؤخّر هدّي الفساد إلى حجّة القضاء.
[الباب الثاني] جامع القول في فساد الحج
[الباب الثاني] جامع القول في فساد الحج قال الله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}. فالرفث: ذكر النساء، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن نكاح المحرم. ورأى عمر، وعلي، وأبو هريرة لمن أفسد حجه بإصابة أهله وهما محرمان أن يتما حجهما ويحجا قابلاً ويهديا. م: كالوطء في الصوم أنّه يتمه ويقضيه ويكفر. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ويفترق الزوجان في حجة القضاء، وروى ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم.
[فصل -1 الإيلاج في الفرج مفسد للحج والعمرة، وكذا كل إنزال عن استمتاع] قال عبد الوهاب: ولا خلاف إذا وطئ متعمداً، وكذلك الناسي عندنا خلافاً للشافعي. ودليلنا: أنّه وطء صادف إحراماً منعقداً كالعمد. قال: ولا خلاف أنّ الإيلاج وإن لم يُنزِل يُفسد الحج والعمرة، وكذلك كل إنزال يكون على أي نوع من الاستمتاع يُفسد/ الحج والعمرة عندنا، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي. ودليلنا: قوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ}. ولأن الإنزال هو المقصود فهو أبلغ من الإيلاج، فإذا كان الإيلاج يفسد فالإنزال أولى. ولأنها عبادة يفسدها الوطء في الفرج، فالإنزال مع المباشرة أو اللمس يُفْسِدها، أصله الصوم. [فصل 3 - في التفريق بين الزوجين إذا أفسدا حجهما] ومن المدونة قال مالك: وإذا حج الرجل والمرأة فجامعهما فليفترقا إذا أحرما بحجة القضاء ولا يجتمعا حتى يحلا.
م: وروي ذلك عن عثمان، وعلي وابن عباس رضي الله عنهم. م: ولأنهما يتذاكران ما كانا فيه فيدعوهما إلى الإفساد ثانية. الأبهري: وقيل: إن ذلك عقوبة لهما إذْ فعلا ما لا يجوز لهما فعله في الإحرام فعوقبا أن لا يجتمعا في إحرام القضاء، كما مُنِعَ قاتل العمد من الميراث عقوبة لفعله الذي قصد به استعجال الميراث قبل وقته، فكذلك هذا استعجل الوطء قبل وقته فحُرمَه. [فصل 3 - الإحرام في حجة القضاء لابدّ أنْ يكون من الميقات] ومن المدونة: قال مالك: ومن أفسد حجّه أو عمرته بإصابة أهله فليحرم لقضائها من حيث أحرم في الأولى إلاّ أن يكون إحرامه الأول أبعد من الميقات فليس عليه أنْ يحرم الثانية إلا من الميقات، فإنْ تعدى الميقات في القضاء ثم أحرم أجزأه، وعليه دم؛ لأن من أفطر في قضاء رمضان متعمداً إنما يقضي يوماً بلا كفارة. وإذا طاف القارن أوّل ما دخل مكة وسعى، ثم جامع فليقض قارناً؛ لأن طوافه وسعيه إنما كان للعمرة والحج جميعاً، ألا ترى أنه لو لم يجامع ومضى على القرن صحيحاً لم يلزمه إذا رجع من عرفات أنْ يسعى لحجه، وأجزأه السّعي الأوّل.
ومن أفسد حجّه بالوطء فلم يتمه حتى أحرم بحج القضاء لم يلزمه ذلك ولا قضاؤه، وهو على حجّه الذي أفسده فيتمه، ويقضيه، ويهدي، ولا يكون ما جدد من إحرامه نقضاً لحجته الفاسدة. م: وقال غيرنا: له أنْ يرفضه ويستأنف إحراماً جديداً. وما قلناه: عليه إجماع الصحابة، وقال علي، وعمر، وابن عباس، وغيرهم. قال ابن القاسم: ومن أحرم بعمرة فجامع فيها ثمّ أحرم بالحج قبل تمامها لم يكن قارناً ولا يرتدف الحج على العمرة الفاسدة. قال ابن المواز: وإرادفه الحج باطل لا يلزمه، ويرجع فيتم عمرته الفاسدة ثم يقضيها، وإن أحرم بالحج قبل أن يقضيها لزمه وعليه قضاء عمرته بعد تمام حجه. م: وقال عبد الملك: يرتدف الحج على العمرة الفاسدة.
[فصل 4 - من قرن الحج والعمرة فجامع فيهما] ومن المدونة: ومن قرن الحج والعمرة فجامع فيهما فعليه الآن دم لقرانه هذا الفاسد يفعل فيه كما يفعل لو لم يفسده، وعليه أن يقضي قابلاً قارناً، وعليه مع حجة القضاء هديان: هدي لقرانه الثاني، وهدي لفساده الأول، وليس له أن يُفرّق القضاء فيقضي العمرة وحدها والحج وحده، فإن فعل لم يجزئه وأعاده قارناً، ويهدي إذا قرن هديين كما ذكرنا. قال ابن المواز: قال أشهب عن مالك: فإن لم يجد صام ستة أيام، وإن شاء أفطر بين كل ثلاثة، وإنْ شاء وصلها، ثم يصوم أربعة عشر يوماً بعد ذلك، ولو وجد هدياً واحداً صام عن الآخر ثلاثة أيام ثم سبعة. وقال أبو زيد عن ابن القاسم: وإنْ أفسد هذا القارن حجه ثم فاته الحج مع ذلك فعليه أربع هدايا: هدي لقرائه الأول، وهدي ثانٍ حين صار يعمل عمل العمرة. ابن المواز: كأنه وطئ فيها ثم هدي لقران القضاء، وهدي للقضاء في الفوات. ابن المواز: وروى أصبغ عن ابن القاسم إنما عليه ثلاث هدايا، والأوّل أحبّ إلينا. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تمتع ثم أفسد حجه فعليه الآن دم المتعة، وهدي للفساد في حجة القضاء. وقال اصبغ - في غير كتاب ابن المواز - عن ابن القاسم فيمن تمتع فاته الحج بعد الإحرام أنه يسقط عنه دم المتعة بخلاف / المفسد لحجه المتمتع.
م: كما قال فيمن تعدى ميقاته ثم فاته الحج أنه يسقط عنه دم التعدي بخلاف المفسد له. [فصل 5 - فيمن أفسد حجه فقضاه ثم أفسد القضاء] ابن المواز: قال ابن القاسم: ومن أفسد حجّه فقضاه قابلاً فأفسده أيضاً فعليه قضاء حجتين. وقال مالك فيمن فطر في قضاء رمضان أنّه يقضي يومين. قال ابن مواز: قال أصبغ: هذه الرواية في الصوم، ونقل: وليس عليه إلاّ قضاء يوم بخلاف الحج، وما ذلك في الحج بالقويّ، وهو أحبّ إلينا أن يقضي حجّه الآخر، ثم يقضي الأوّل. وقال عبد الملك: ليس عليه إلاّ حجة واحدة ولا يعيد القضاء الذي أفسد. وقال ابن المواز بقول عبد الملك. ومن المدونة: قال: ومن جامع في حجة فاسدة ثم أصاب بعد ذلك صيداً بعد صيد، ولبس وتطيب مرة بعد مرة في مجالس شتى، وحلق مرة بعد مرة، ثم جامع مرة بعد مرة، فعليه فيما فعل من ذلك لكل مرة فدية وإنْ بلغ ذلك عدداَ من الفدية، وعليه جزاء كل صيد أصابه، وأما وطئه مرة واحدة أو مراراً، إمراة واحدة أو عدداً من النساء فليس عليه في ذلك إلاّ هدي واحد؛ لأنه بالوطء فسد حجه ولزمه القضاء.
قال عبد الوهاب: إنما لم يجب عليه بتكرار الوطء هدي خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن الثاني وطء لم يفسد الحج فلم يجب به هدي أصْله إذا وطيء المتظاهر ثانية قبل التكفير. م: لأن الوطء الأول هو الذي أدخل الفساد له الحكم، كالثلاثة شركاء في عبد، يعتق أحدهم حصته منه، ثم يعتق الثاني بعده، فإنما التقويم على الأول؛ لأنه هو الذي أدخل الفساد، ولا تقويم على الثاني. م: وفارق ذلك الصيد لقوله تعالى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}، فهو لو قتل صيداً فعليه جزاء مثله، وكبيراً عليه جزاء مثله فكذلك جماعة صيد عليه جزاء مثلهم. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما ما فيه الفدية، فأن تأول أو جهل أن ليس عليه إتمام ما أفسد من الحج لما لزمه من القضاء فتطيّب ولبس وقتل الصيد مراراً عامداً لفعله يرى أن الإحرام سقط عنه فليس عليه فدية واحدة، إلا في الصيد فإن عليه لكل صيد قتله جزاءه.
[فصل 6 - فيمن أكره نساءه وهنّ مُحْرِمَات فوطئهن] قال مالك: وإن أكره نساءه وهنّ محرمات فوطئهن أحجّهن وكفّر عن كل واحدة منهن كفّارة وإنّ بِنّ منه منه ونكحن غيره، وأما إنْ طاوعته فذلك عليهن دونه. قال في كتاب ابن المواز في التي أكرهها، ثمّ طلقها وتزوجت غيره أنّ على الأول أن يُحجّها، ويُجْير الثاني على الإذن لها، وإنْ وطئ أمته وقد أذن لها في الحج فعليه أنْ يحجّها ويهدي عنها. قال ابن القاسم: والإكراه فيها من السيد وغير الإكراه سواء، وطوعها له كالإكراه. قال عبد الملك: ولو باعها لكان ذلك عليه لها. ابن المواز: وهو كعيب تردّ به إلا أن يبرأ منه السيد قال عبد الملك: ويهدي عنها ولا تصوم. قال العتبي: روى عيسى عن ابن القاسم في محرم وطى أهله مكرهة وليس معه ما يهدي عنها وهي مليّة فليس عليها حج ولا صيام؛ وإنما ذلك على من أكرهها. قال عنه ابن المواز: إذا لم يجد الزوج ما يحججها ويهدي عنها فلتفعل هي ذلك، وترجع به عليه، فإنّ صامت لم ترجع عليه من قبل الهدي بشيء. وكذلك المُدْحل على المْحرِم شيئاً كرها يوجب الفدية.
م: إذ الصوم لا عوض له. ولو أطعمت عن فدية الأذى لرجعت عليه بأقل من النسك والإطعام. وإذا فلس الزوج فلزوجته محاصّة غرمانة بما وجب لها من ذلك ويوقف ما يصير لها حتى تحج به وتهدي، فإن ماتت قبل ذلك رجع حصة الإحجاج إلى الغرماء وأنفذ الهدي عنها. ابن المواز قال ابن القاسم وأشهب: ومن تزوج بعد بعد رمي جمرة العقب قبل أن يفيض فسخ نكاحه، قال مالك: بغير طلاق، وقاله أشهب، وقال ابن القاسم: بطلاق. ومن المدونة: قال لابن القاسم: وإذا ذكر المحرم إمرأنه بقلبه وأدام التذكرة للذة حتى أنزل فقد أفسد حجه، وعليه حج قابل. قلت: فإن عبث المحرم بذكره فأنزل؟ قال: يفسد حجه. وقد قال مالك: إذا كان راكباً فهزته دابته فاستدام ذلك حتى أنزل فقد أفسد حجه، وكذلك المحرمة إذا فعلت ما يفعل شرار النساء من العبث بنفسها حتى أنزلت فسد حجها. قال مالك: وإذا لمس المحرم أو قبّل أو باشر فأنزل، أو أدام النّظرة للذة حتى أنزل فسد حجه، وعليه حجُّ قابل والهدي. قال: فأمّا إنْ نظر المحرم ولم يتابع النظر ولا أدامه فأنزل فحجه تام،
وعليه الهدي. الأبهري: إنما يهدي على طريق الاستحسان، ويجوز أن يكون ترك التحرز حتى وقع منه النظر. قال مالك: وكذلك لو قبّل، أو غمز، أو جس، أو باشر، أو تلذذ بشيء من أهله إلا أنه لم ينزل ولم تغب الحشفة منه في ذلك منها فإنما عليه الهدْي، وحجّه تام.
[الباب الثالث] ما يلقيه المحرم عن نفسه، أو بعيره، وغسل ثيابه، وبيعها، وجامع ما يجتنبه من اللباس، والطيب، وإلقاء التفث، وغير ذلك
[الباب الثالث] ما يلقيه المحرم عن نفسه، أو بعيره، وغسل ثيابه، وبيعها، وجامع ما يجتنبه من اللباس، والطيب، وإلقاء التفث، وغير ذلك. قال الله تبارك وتعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}، وقال: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}، فجعله مخيراً، وفي الآية من الاختصار في قوله تعالى: {أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ} يريد: فأماطه أذاه ففدية، وكذلك قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} يريد: فأفطر فعدّه من أيام أخر، وهذا في كتاب الله كثير. وقال تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}، فأباح ذلك بعد التحلل. وقوله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: «أتؤذيك هوام رأسك؟» قال: نعم، فأمره بالحلاق، والفدية. ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم المحرم عن لباس العمائم، ومخيط الثياب، والبرانس، والسراويلات، والخفاف، وما مسْه وَرْس، أو زعفران، وأرخص لمن لم يجد نعلين قطع الخفين أسفل من الكعبين ولبسهما. وقد تقدم هذا في الكتاب الأول.
قال في الثالث: ولا يطرح عن نفسه القمل؛ لأنه من إلقاء التفث. قال مالك: ولا بأس أن يطرح عن نفسه الحلمة والقراد والحمنان والبرغوث أو العلقة، ولا شيء عليه، وكذلك إنْ طرح العلق أيضاً من دواب جسد البعير والداب. فأما لو طرح الحمنان والحلم والقراد عن بعيره أو دابته فليطعم شيئاً من طعام. قال مالك: ولا يغْسل المحرم رأسه بخِطْمِيّ. م: وهو زريعة الخُبيز، قال: فإن فعل افتدى أي الفدية شاء، قال: وله أن يفعل ذلك إذا حل له الحلاق قبل أن يحلق، وهو الشأن.
قال: وإن أصابته جنابة صب على رأسه الماء وحركها بيده، ولا بأس أن يصب الماء على رأسه وبدنه لحرّ يجده أو لغير حرّ. م: لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلوا ذلك؛ ولأن ذلك لا يقتل شيئاً من الدواب ولا يمنع من التبرد؛ لأن ذلك من الحرج. ومن المدونة: قال مالك: وأكره له غمس رأسه في الماء خيفة قتل الدواب، فإن فعل أطعم شيئاً من طعام. قال: وأكره للصائم الحلال أيضاً أن يغمس رأسه في الماء، فإن فعل فلا شيء عليه إذا لم يدخل الماء حلقه. قال: ولا يدخل المحرم الحمام لينقي وسخه، فإنْ دخله فتدلك وأنقى الوسخ افتدى. وقال: وأكره أنَ يغسل ثوبه إلا أن يصيبه جنابة فيغسله بالماء وحده. ومن المدونة: قال: ولا يغسل ثوبه بالحُوَض خشي قتل الدواب. قال مالك: ولا أرى للمحرم أنَ يغسل ثوب غيره خفية قتل الدواب، زاد في رواية الدّباغ قال مالك: فإنَ فعل افتدى، قال ابن القاسم: يتصدّق بشيء من طعام لموضع الدواب التي قتل في الثياب.
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يبدّل ثيابه التي أحرم فيها وأنّ يبيعها لقمل آذاه فيها أو غيره وقال سحنون: إذا باع الثياب فقد عرّض القمل للقتل. قال مالك في العتبية: ولا بأس للمحرم يرى القملة في ثوبه أو بدنه فينقلها في مكان آخر من ثوبه أو جلده. فصل [1 - فيما يجتنبه المحرم من اللباس] ومن المدونة: وكره مالك أن يدخل منكبيه في القَبَاء وإن لم يدخل يديه في كميّه ولا زرّه عليه؛ لأن ذلك دخول فيه ولباس له، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن لباس البرانس ومخيط الثياب. قال ابن القاسم: ولم يكره له أن يطرح قميصه على ظهره ينزدى به من غير أن بدخل فيه، وكره له أن يَزُرّ الطيلسان على نفسه، أو يُخَللّ عليه كِسَاءه، وأجاز له
أم يَحْتبي، وأن يتوشَح بثوبه ما لم يعقد ذلك، فإنْ عقد على نفسه ثوبه الذي توشّح به وذكر ذلك مكانه فحلّه، أو صاح به رجل فحلّه فلا شيء عليه، وإنْ طال ذلك حتى ينتفع به افتدى. قال ابن القاسم: وكذلك إنْ خلّل عليه كساءه، أو لبس قميصه فنزعه، أو صاح به أحد فنزعه فلا شيء عليه، وإن طال ذلك حتى انتفع به افتدى. قال مالك: وجائز للمحرمة لباس الحرير والخز والعصب والحلى، قال: وجائز للمحرمة لباس السراويل ومخيط الثياب.
قال ابن القاسم: وغير المحرمة عندي أحرى. وكره مالك للمرأة لباس القباء في الإحرام وغيره لحرة أو أمة لأنه يصفهن. وكره للمحرم لباس الجوربين والجرموقين والقفازين، قال: وإذا لم يجد نعلين ووجد خفين فلقطعهما أسفل من الكعبين ويلبسهما، ولا شيء عليه، وإن وجد نعلين فاحتاج إلى لبس الخفين لضرورة بقديمه فقطعهما أسفل من الكعبين فليلبسهما ويفتدي، قال ابن القاسم: لأنّ لباسه الخفين لضرورة يشبه الدواء فلذلك لذمته الفدية، والأوّل غير متداوي وقد جاء فيه الأثر. وإن وجد النعلين بشراء فلا رخصة له في قطع الخفين إلا أن يرفع عليه في الثمن كثيراً، وإن زيد عليه يسيراً فليشترهما. فصل [3 - إحرام الرجل في وجهه ورأسه، وإحرام المرأة في وجهها ويديها] قال مالك: وإحرام الرجل في وجهه ورأسه، والمرأة في وجها ويديها، والذقن هما فيه سواء لا بأس بتغطيته لهما. وقد تقدمت الحجة في ذلك في الكتاب الأول. ومن المدونة: قال مالك: وإن غطى المحرم وجهه أو رأسه ناسياً أو جاهلاً فإن
نزعه مكانه فلا شيء عليه، وإن تركه حتى انتفع به افتدى. قال ابن القاسم: وكذلك المحرمة إن غطت وجهها مثل الرجل إلا أن مالِكاً وسّع لها أن تسدِل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت ستراً. يريد: لا من حرّ ولا من برد، قال: فإن لم ترد ستراً فلا تسدل، وما علمت أنّ مالكاً كان يأمرها إذا أسدلت رداءها أنن تجافيه عن وجهها، ولا ينهى أن يصيب الرّداء وجهها، وإن رفعت خمارها من أسفل رأسها على وجهها افتدت بخلاف السدل لأنه لا يثبت إذا رفعته حتى تعقده. وكره لها مالك أن تتبرقع، أو أن تلبس القفازين فإن تعلمت افتدت كفدية الرجل. فصل [3 - إذا حلق الحلال رأس المحرم أو طيّبه أو غطى رأسه ووجهه فالفدية على الفاعل] قال مالك: وما جره المحرم على وجهه من لحافه وهو نائم فانتبه فنزعه فلا شيء عليه وإنْ طال، بخلاف المستيقظ. وإن نام فغطىّ رجل رأسه ووجهه أو طيبه أو حلق رأسه ثم انتبه فنزع ذلك، أو نزع الطيب عنه فلا شيء عليه، والفدية على من فعل ذلك به.
قال ابن المواز: ولا يجزيء الفاعل أن يفتدي بالصيام ولكن بالنّسك أو الإطعام، وإن كان الفاعل عديماً أو لم يقدر عليه فليفتد هذا المحرم عن نفسه ويرجع على الفاعل إن أيسَر أو قدر عليه بالأقل من ثمن الطعام أو ثمن النسك إن افتدى بأحدهما، وأما إن صام فلا يرجع على الفاعل بشيء. م: وما ذكره ابن المواز من أنه إذا كان الفاعل عديماً أن يفتدي هذا المحرم عن نفسه إلى آخر ما ذكره إنما ذلك وعلى روايته فيمن أكره زوجته فوطئها وهما محرمان وهو عديم أنّ عليها هي أن تحج قابلاً وتتْبَعُ بذلك زوجها، فإن لم تجد هي ما تهدي صامت، ولم ترجع على زوجها بشيء من ثمن الهدي؛ لأنها لم تهد وإنما صامت، والصيام لا ثمن له. م: فما ذكره محمد: إنما يجوز على هذه الرواية في الذي أكره امرأته، وقد قال ابن القاسم في العتبية: إنّ الزوج إذا كان عديماً وهي مليئة فليس عليها هي حج ولا صيام، فعلى هذه الرواية: ليس على النائم المُطِّيب إذا كان الفاعل عديما أن يفتدي هو عن نفسه؛ لأن الفدي إنما تعلقت بغيره. م: وهذا بّين: واختلف أبو محمد، وابن القابسي إذا طيّب محرم محرماً نائما، قال ابن القابسي: يجب على الفاعل فديتان: فدية لمسّه الطيب، وفدية لتطيييبه النائم. وقال أبو محمد: ليس عليه إلاّ فدية واحدة؛ لأني لو ألزمته فديتين لألزمته ذلك إذا طيب نفسه لمسَّه الطيب ولتطيبه، ولكن إنما تلزمه فدية واحدة فكذلك تطييبه غيره.
م: وقول أبي الحسن أصوب. وقال أشهب في مدونته: ما فعل بالمحرم وهو نائم مما يكون عليه فيه الفدية لو فعله بنفسه فلا شيء عليه ولكنه إذا انتبه غسل عنه الطيب مكانه، فإن أخّره فعليه الفدية، وهذا فيما لا يبقى له في منفعة بعد انتباهه، فأما لو قص من شعره أو حلق رأيت عليه الفدية؛ لأنه بقي له الانتفاع بما فعل به، ثم يرجع بما افتدى على الذي فعل ذلك به يرجع عليه بالأقل من ثمن النسك أو الإطعام، وإن افتدى بالصوم فلا يرجع عليه بشيء إذْ لا ثمن له. م: وهذا خلاف للمدونة في التفرقة بين ما يبقى وما لا يبقى. وفي آخر الكتاب مسألة من تقلّب في نومه على جراد أو ذباب أو غيره أنّ عليه الكفارة. فصل [4 - يجوز للمحرم أن يحمل على رأسه ما تدعو الحاجة إليه من زاده ونحوه] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يحمل المحرم على رأسه إذا كان راجلاً ما لابد له منه مثل خرجه فيه زاده أو جرابه. قال ابن حبيب: ولا شيء عليه. قال مالك: ولا يحمل ذلك لغيره على رأسه طوعاً ولا بإجازة، فإن فعل افتدى. قال ابن القاسم: ولا أحب له أن يحمل على رأسه تجارة لنفسه من بز أو غيره، ولا ينبغي له أن يتجر فيما يغطي به رأسه في إحرامه.
قال ابن حبيب: فإن فعل افتدى، وقال أشهب: إلا أن يكون ذلك عيشه فله ذلك. ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس أن يَشُدِّ منطقته التي فيها نفقته على وسطه ويدخل السيور في الثقب ويربطها من تحت إزاره، قال ابن القاسم: فإن ربطها من فوق إزاره افتدى؛ لأنه قد احتزم من فوق إزاره، وقد قال مالك: إذا لم يرد المحرم العمل فلا يحتزم، فإن احتزم من فوق إزاره بحبل أو خيط افتدى، وإن أراد أن يعمل فلا بأس أن يحتزم. قال ابن حبيب: وقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم رجلا محتزما بحبل وهو محرم فقال له: "انزع الحبل، ويلك، انزع الحبل، ويلك"، وقال رجل لابن عمر: أخالف بين طرفي ثوبي ثم أَعْقده من ورائي وأنا محرم؟ فقال له ابن عمر: "لا تعقد عليك شيئاً إلا منطقتك التي فيها نفقتك فأوثقها. ومن المدونة: ولم يّوسع له مالك أن يجعل منطقته التي فيها نفقته إلاّ في وسطه، وكره أن يجعلها في عضده أو فخذه أو ساقه، قال ابن القاسم: فإن فعل فأرجو أن يكون خفيفاً ولا فدية عليه.
وقال أصبغ: إن هو جعلها في عضده افتدى. قال ابن القاسم: / ولا يجوز أن يحمل نفقة غيره في وسطه ويشدّها على بطنه، فإن فعل افتدى، وإنما أرْخَص له في حمل نفقة للضرورة إلى ذلك. قال: ولو ربطها أوّلاً لنفقته، ثمّ أودعه رجل نفقته فجعلها فيها فلا شيء عليه؛ لأن أصل ما شدّها لنفسه لا لغيره. قال بعض المتأخرين فإن نفدت نفقة المحرم لم يسغ له بقاء وديعة غيره فيها لارتفاع ما من أجله أبيح له ذلك. قال ابن حبيب: وإن كان في منطقته لؤلؤ أو جوهر للتجار فلا يشدّه على وسطه، فإن فعل افتدى. م: كما ليس له أن يحمل التجارة على رأسه، وله أن يحمل زاده. ومن المدونة: قال مالك: وإن ألجيء المحرم إلى تقليد السيف فلا بأس به. قال عنه ابن المواز: فإن تقلده لغير حاجة فلا فدي عليه ولينزعه، وقاله أصبغ. وقال ابن وهب: إن تقلّده لغير ضرورة افتدى. قال ابن القاسم: ولم يكره مالك أنْ يعصب المحرم على جراحه خٍرّقاً، وكان يرى عليه إذا فعل ذلك الفدية.
قال: وإن عصب رأسه من صداع أو جرح، أو عصب على جسده أو على بعض جسده لجرح أو غير ذلك، أو ربط الجبائِر على كسر به، أو ألصق على صدغيه مثل ما يصنع الناس فليفقد، إن شاء صام، أو أطعم، أو نسك. قال: ولو ألصق على قروح به خرقاً صغاراً فلا شيء عليه، وإن كانت كباراً افتدى، وإن جعل على أذنيه قطناً لشيء وجده فيهما افتدى، كان في القطنة طيب أو لم يكن. م: لأن ذلك موضع الإحرام بخلاف الجسد، وسواء فعله لضرورة أو غيرها، وحكي نحو هذا لأبي محمد. ومن المدونة: وكره مالك للمحرم شمّ الطيب وإن لم يمسه بيده، قال ابن القاسم: فإن تعمّد شمه ولم يمسه بيده فلا شيء عليه، قال مالك: وإن مسّه افتدى، قال عنه ابن حبيب: وجد ريحه أو لم يجد، لصق بيديه أو لم يلصق. محمد: ومسّ الطيب أشد من شمه، وشربه أشد من مسه، والفدية في شربه أو مسه. م: وإنّما منع المحرم من الطيب؛ لأن الطيب من دواعي الوطء، فمنع منه كما منعته المعتدّه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكره له مالك أن يمرّ في موضع العطارين، ورأى أن يقام العطارون من بين الصفا والمروة أيام الحج، وكره له أن يتجر بالطيب إذا كان قريباً منه يمسه أو يشمّه، وكره له مالك شمّ الريحان، وقال: إن شمه أو مسّه رأيته خفيفاً ولا شيء عليه، وكذلك الورد والياسمين والخِيرِيُّ وما أشبهه، بخلاف الطيب المطّيب إن مسه افتدى. قال مالك: وإن مسه خلوق الكعب فأرجو أن يكون خفيفا، ولا شيء عليه إذْ لا يكاد يسلم منه إذا دخل البيت. قال في غير المدونة: وإن أصابه من ذلك كثير فلينزعه عنه، وإن كان يسيراً فإن شاء غسله أو تركه. وقال ابن وهب: عليه الفدية. قال مالك: وإن أصاب كفّه خلوق الركن فأحبّ إليّ أن يغسل الكثير، وهو من اليسير في سعة. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا أري أن تُخَلّق الكعبة أَيام الحج. فصل [5 - في المحرم يخضب رأسه أو لحيته بحناء أو يدّهن أو يأكل أو يشرب ما فيه طيب] قال ابن القاسم: وإذا خضب المحرم رأسه أو لحيته بحنّاء أو بوسِمَة أو خضبت
المحرمة يديها أو رجليها أو رأسها أو طَرقت أصابعها فليفتديا. وإن خضب الرجل أصبعه بحناء لجرح أصابه فإن كانت رقعة كبيرة افتدى، وإن كانت صغيرة فلا شيء عليه، وأمّا إن داوى جرحه بما فيه طيب برقعة صغيرة أو كبيرة فليفتد بخلاف الحّناء كالرّيحان ليس بمنزلة المؤنث من الطيب. وكره مالك للمحرم أن يتوضأ بالريحان، يريد: غسل يديه، فإن فعل فلا فدية عليه، قال: ولا بأس أن يتوضأ بالحرض، وأكره له أن يغسل يديه بالأشنان المطيب بالريحان، ولا شيء عليه إن فعل. قال: وإن كان طيب الأشنان بالطيب افتدى. قال: ولا بأس أن يغسل يديه بالأشنان غير المطيب، والغاسول، وشبه ذلك. قال: وإن دهن قدميه وعقبيه من شقوق فلا شيء عليه، وإن دهنهما لغير علّة، أو دهن ذراعيه أو ساقيه ليحسنهما لا مِن علّة افتدى. قال: وإن دهن / شقوقاً في يديه أو رجليه بزيت أو بشحم أو دك فلا شيء عليه، وإن دهن ذلك بطيب افتدى. قال مالك: وإن دهن بطون قدميه أو بطون كفيه من شقوق ليمرنهما للعمل فلا بأس بذلك، وأما إن دهن ظهور قدميه أو باطن ساقيه أو ركبتيه لخوف أن يصيبه شيء فلفْتَدْ. وكره مالك للمحرم والحلال شرب الماء فيه الكافور لناحية السرف.
قال: وإن شرب المحرم دواء فيه طيب افتدى، وكره مسالك أن يشرب شراباً فيه كافور، أو يأكل دِقة مُذَعفَرة، فإن فعل افتدى. وقال أشهب في غير المدونة: لا يفتدي من أكل أو شرب ما فيه طيب، بخلاف التداوي به، ورواه ابن وهب عن مالك. قال ابن المواز: وهذا عندنا فيما مسته النار أو تغّير لونه ولم يوجد له لون مثل التِرْيَاق وشبهه. وكره مالك في كتاب محمّد، وابن حبيب الفالوذج وإن طبخته النار، لأنه ربما صبغ الفم. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أكل طعاماً مسته النار فيه زعفران أو ورس فلا شيء عليه، وإن لم تمسه النار فلا خير فيه. قال: وإن دهن رأسه بزيت أو زَنْبَق أو بان أو شيرج الجُلْجُلان أو زيت
الفجل وشبه ذلك افتدى، كان شيئاً من ذلك مطيّباً أم لا. م: بخلاف من أراد الإحرام هذا له أن يدهن رأسه بالزيت وباليان السمح، قاله في الحج الأول. م: لأنّه غير محرم بعد، وهو شيء لا يبقى ريحه. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وجائز أن يأتدم في طعامه بدهن الجلجلان، وهو كالسمن، ويكره أن يأتدم بالزَّنْبَق والبَنَفْسَج وشبهه أو يَشْتَعط بذلك، وجائز له أن يستعط بالزيت والسمن ولا بأس بأكله. فصل [6 - في اكتمال المحرم] قال مالك: ولا بأس أن يكتحل المُحْرِمُ من حرّ يجده في عينيه بالإِثْمِدِ والصبِر والمرّ زنحوه، ولا فدية عليه إلاّ أن يكون فيه طِيْب فليفتدي. وكره مالك أن يكتحل لزينة، قال ابن القاسم: فإم فعل افتدى. قال مالك: ولا تكتحل المُحْرِمَةُ لزينةٍ ولا بإثمد لغير زينة؛ لأنه زينة لها، فإن
اكتحلت بالإثمِد لزينة افتدت، وإن اضطرت إلى الإثمد لوجع بعينها فاكتحلت به فلا فدية عليها. ابن المواز: وكذلك الرَّجُل. قال ابن القاسم: وإنما لم يكن عليها فدية لأن الإثمد ليس بطيب، وإنما اكتحلت به لضرورة لا لزينة، والضرورة عند مالك مخالفة لغير الضرورة في هذا، ألا ترى أن لو دهن المحرم يديه ورجليه بالزيت لزينة لزمته الفِدية عند مالك، ولو دهن شُقوقاً في يديه ورجليه بالزيت لم يفتد، فكذلك اكتحاله بالإثمد. م: وإنما فرق بين هذا وبين اللباس والطيب؛ لأن هذا لم يرد نص في اجتنابه كما ورد في الطيب واللباس، وقد قال عليه والسلام لمن آذاه هوامً رأسه: "إحلق وافتد"، فرأى مالك أن ما ورد النص في اجتنابه لا تُسْقِط الضرورة الفدية عن فاعله قياساً على حلق الرأس، وما لم يرد نصِّ في اجتنابه خففه في الضرورة؛ لأن ذلك حرج، والله رؤوف بعباده. فصل [7 - في المحرم يحلق رأسه حال، وفي الحجامة للمحرم] ومن المدونة: قال مالك: ولا يحلق المرحم رأس حلال، فإن فعل افتدى، قال ابن القاسم: وأنا أرى أن يتصدى بشيء من طعام لموضع الدواب التي في الرأس ويجزئه، وقال سحنون. قال بعض البغداديين: فوجه قول مالك في أنه ألزمه الفدية التي نص الله عليها:
فلانّه لما كان أصل الفدية هو الحلق، وكان المحرم منهياً عنه، فوجب إذا فعل حلقاً أن يفتدي. ووجه قول ابن القاسم: أن الفدية إنما يجب على من أماط عن نفسه أذى، وهذا لم يمط عن نفسه أذى، وإنما ألقى عن غيره قملاً، فوجب عليه الإطعام لذلك. م: وقول ابن القاسم أبين إن أراد مالك أن عليه الفدية التي نص الله عليها، ويحتمل أن يكون معنى قول مالك: يفتجي: أن يفتدي بشيء من طعام لقتله القمل فتتفق القولان، أو يكون ذلك على ما روى عنه فيمن قتل قَمْلاً كثيراً أنه يلزمه الفدية الكاملة. وقد قال ابن الماجشون في المحرم يحلق / رأس محرم وهو نائم أنه يلزمه فديتان: فدية لقتله القمل، والفدية المرجوع بها عليه، فظاهر هذا أنّ على من قتل قملاً كثيراً الفدية الكاملة. قال مالك: ولو حجم المحرِم حلالاً فحلق موضع المحاجم فإن أيقن الحجام أنه لم يقتل قملاً فلا شيء عليه، ولو اضطر مُحْرِم إلى الحجامة جاز لمحرم غيره أن يحلق موضع المحاجم ويحجمه إذا أيقن أنه لا يقتل قملاً، والفدية على المفعول به ذلك. قال ابن حبيب: وأكره الحجامة للمحرم إلا لضرورة ولا فدية عليه في ذلك إذا لم
يحلق شعراً، وإن حلق لها شعراً في القفي أو في الرأس أو سائر الجسد فليفتد كان ذلك لضرورة أو غيرها. وقال سحنون: لا بأس أن يحتجم إذا لم يحلق الشعر، ولا يحتجم في الرأس وإن لم يحلق شعراً خيفة قتل الدواب. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أراد محرم أن يسوي شعره أو يحلق قفاه فلا ينبغي له أن يفعل ذلك. وإن دعى مُحْرِمٌ إلى أن يفعل به ذلك فَأكْرَهُ للحجام أن يُعِيْنه على ذلك وإن أيقن أنه لا يقتل دواباً، فإن فعل فلا شيء على الحجام، والفدية على المحرم. قال مالك: وإن قَلم مُحْرِمٌ أظفار حلال فلا بأس عليه، ولا ينبغي للمُحْرِم أن يُقلم أظفاره، فإن فعل ناسياً أو جاهلاً افتدى، وإن قلمها له محرم بأمره فالفدية على من قُلَمت أظفاره. وإن كان مُكْرَهاً أونائماً فقلمها له محرم أو حلال فالفدية على الفاعل. وإن قلم المحرم ظفراً واحداً لإماطة أذى افتدى، وإن لم يمط به عنه أذى أطعم شيئاً من طعام، وإن انكسر ظفره فقلّمه فلا شيء عليه. م: كاكتحاله وادهانه لضرورة به.
قال: وإن أصاب أصابعه قروح فاحتاج إلى أن يداويها ولم يصل إلى ذلك إلاّ بقصَ أظفاره فليفتد، كفدية من أماط الشعر من الأذى. قلت: فإنْ أخذ المحرم من شاربه؟ قال: قال مالك: من نتف شعره أو شعرات يسيرة أطعم شيئاً من طعام، كان جاهلاً، أو ناسياً، وإن نتف من شعره ما أماط به عنه أذى فليفتد. قال عنه ابن المواز: إذا أخذ من شاربه افتدى. ابن المواز: وكذلك إن نتف ما يخفف به عن نفسه أذى وإن قل فإنه يفتدي. ومن المستخرجة: وسئل مالك همّن شأنه أكل أظفار هو شعر لحيته فيفعل ذلك وهو محرم؟ قال: أرى أن يفتدي بصيام أو نسك أو إطعام. يريد - فيما أظن -: وإن كان مراراً. ابن المواز: قال مالك: وليس من شأن المحرم والمحرمة النّظر في المرآة، وذلك خِيفة أن يرى شَعَثَاً فيصلحه، وإن نظر فيها فلا شيء عليه، وليستغفر الله.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وما سمعت مالكاً يحدّ فيما دون إماطة الأذى أكثر من حَفْنَة من شيء من الأشياء، وقد قال في قملة أو قملات حَفْنَ من طعام، قال: والحَفْنة عند مالك بيد واحد. قال مالك: ولا شيء على المحرم فيما انقلع عند وضوءه من لحيته أو شاربه أو رأسه أو أنفه إذا امتخط، وما حلق الإِكَاف والسَّرج في الركوب من ماقه، وهذا خفيف لابدّ للنّاس منه. قال: وما فعله القارن من إماطة الأذى، أو طيب، أو نقص من حجه فكفارة واحدة تجزئه لا كفارتين. وقد تقدمت الحجّة في ذلك. فصل [8 - من فعل شيئاً من ممنوعات الإحرام، ونوى أن يفعله بعد ذلك ويكرره فإنّ الفدية تتحد في ذلك وإن تراخي الثاني عن الأول] وسئل مالك عن محرم لبس قلنسوة أو عمامة لوجع في رأسه ثم نزعها فعاد إليه ذلك الوجع فلبسها؟ قال مالك: الشأن فيه إنْ كان نزعها على البُرْء وتركها فعليه فديتان، وإن نوى حين إن عاد إليه وجعه أعادها فإنّما عليه فدية واحدة. وإذا وطئ المحرم مرّة بعد مرّة، ولبس الثياب لوجع به مرّة بعد مرّة ونوى أن يلبسها إلى بُرْئة، يخلعها بالليل ويلبسها بالنهار ومضى لذلك عشرة أيام، أو لم يكن به أذى فديتان، وإن نوى حين نزعها إن عاد إليه وجعه أعادها فإنّما عليه كفّارة واحدة فيما وطئ ولبس.
م: يريد: وليس عليه فيما وطئ إلا هدي واحد، وليس عليه فيما لبس إلاّ كفّارة واحدة. قال ابن القاسم: لأنّه على نّيته في لبسها، وكذلك المعتمر الذي طاف على غير وضوء فلبس الثياب إنّما عليه فدية واحدة؛ لأنه إنّما أراد لبساً واحداً، وما أصاب هذا المحرم من صيد مرّة بعد مرّة، أو تطيّب مرّة بعد مرّة، فعليه لكل صيد جزاؤه، وكذلك الطيب لكل مرّة فدية، إلاّ أن يكون به جرح فتوى أن يتعالج بدواء فيه طيب حتى يبرأ فإنّما عليه فدية واحدة، وإن لم ينو ذلك فلكل مرّة فدية، فإن أصابه رمد فداواه بدواء فيه طِيب مراراً فليس عليه لكل ما داوى به رمده ذلك إلا فدية واحدة، فإن انقطع رمده ذلك ثمّ رمد بعد ذلك فداواه فعليه فدية أخرى؛ لأنّ هذا وجع غير الأول، وكذلك إن كان في جسده قُرْحة فداواها بدواء فيه طيب مراراً فلي عليه إلاّ فدية واحدة إذا أراد أن يدويها حتى يبرأ، فإن ظهرت به قُرْحة أخرى فداواها بذلك الدواء الذي فيه الطيب فعليه كفارة أخرى. قال مالك: وإن احتاج المحرم في فور واحد إلى لباس أصناف لضرورة، فلبس خُفين، وقلنسوة، وقميصاً وسراويل، ونحوه فإنّما عليه في تلك الثياب كلها كفارة واحدة. قال مالك: وإن احتاج إلى خفين فلبسهما ثم احتاج بعد ذلك إلى قميص فلبسه فعليه كفّارتان؛ لأن حاجته إلى القميص إنما كانت بعدما وجبت عليه الكفارة في الخفين، وعلى هذا اجتمع أمر الناس. ابن المواز: قال ابن الماجشون: وغن احتاج المحرم إلى لباس قميص، ثمّ استحدث لباس سراويل مع القميص ففدية واحدة، ولو احتاج أوّلاًً إلى السراويل فلبسه، ثم لبس
قميصاً ففديتان، وأمّا إن لبس قلنسوة، ثمَ بدى له فلبس عمامة أو لبس عمامة ثم نزعها فلبس قلنسو قفدية واحدة في هذا كله. قال عنه ابن حبيب: وكذلك إن احتاج إلى لباس قميص فلبسه ولم ينو لباس غيره، ثمّ احتاج إلى لباس جبّة فلبسها، ثم احتاج إلى لباس فَرْوٍ فلبسه فليس عليه إلا فدية واحدة، وكذلك لو لبس قلنسوة، ثم احتاج إلى عمامة، ثم إلى التّقيّب والتظلل فعليه فدية واحدة في ذلك كله. ومن كتاب ابن المواز، والعتيبّة: قال مالك: ولا بأس أن يتّخذ المُحْرِمُ خِرقَة يجعل فيها فرجه عند النوم، وهو بخلاف لفها عليه للمني والبول، هذا يفتدي، فإن استنكحه ففدية واحدة تجزئه إذا استدامه، ولو اعتمر بعد حجه افتدى لذلك فدية ثانية. قال في كتاب محمد: ولا بأس أن يستظل تحت المحمل، أو يجعل يده على رأسه، أو يستر بيده وجهه من الشمس، وهذا لا يدوم. وقال سحنون: لا يستظل تحت المحمل وهو سائر. ابن حبيب: قال ابن الماجشون: ولا بأس أن يستظل المحرم إذا نزل بالأرض، ولا بأس أن يلقي ثوباً على شجرة ويقيل تحته، وليس كالرّاكب والماشي وهو كالنازل بخِبَاءٍ مضروب. وعن ابن المواز: لا يستظل إذا نزل بأعواد ويجعل عليها كساءً أو غيره ولا محمله.
قال: وإنما وسَع له في الخِبَاءِ والفُسطاط والبيت المبني. قال يحي بن عمر: لا بأس بذلك كله إذا نزل بالأرض. ومن المدونة قال: وإن قلم أظفار يده اليمنى اليوم، ثم قلم أظفار يده الأخرى من الغد فعليه فديتان. قال مالك: وإن لبس الثياب، وتطّيب، وحلق شعر رأسه، وقلّم أظفاره في فور واحد لم يلزمه في ذلك إلا فدية واحدة، وإن فعل ذلك شيئاً بعد شيء ففي كل وجهٍ فدية. وكذلك قال مالك في مُحْرِمَة أصابتها حُمٌى فتعالجت بأدوية مختلفة فيها طِيب فقال: إن كان ذلك في موضع واحد وكان ذلك قريباً بعضه من بعض فليس عليها لذلك كله إلا فدية واحدة. قال مالك في كتاب ابن المواز: ولا يَنْبغي أن يفعل المحرم ما فيه الفدية من غير ضرورة ليسارة الفدية عليه، وأنا أعظه عن ذلك فإن فعل فليفتد؟ قال: وإن لبس لغير علّة ثمّ مرض فتركه ثمّ صح فتركه ففدية واحدة تجزئه، ولو لبس لمرض ثم تمادى لبسه / بعد أن صح فلعيه فديتان، وكذلك ذكر ابن حبيب من أوّل المسألة عن ابن الماجشون، وزاد: ولا يُبالي مرض مَرْضَةً ثانية بعد الأولى ثم صح منها وهو عليه أو لم يمرض ثانية فليس عليه إلا فديتان.
الباب الرابع في تفسير فدية الأذى، وموضع وجوبها
الباب الرابع في تفسير فدية الأذى، وموضع وجوبها [فصل فدية الأذى على التخيير، له أن يذبحها حيث شاء من البلاد، وله أن يصوم حيث شاء]. قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}. قال ابن القاسم: وهذه الفدية التي ذكر في إماطة الأذى وما ضارعه من اللباس والطيب وغيره مما يفعله لحاجة لا يحكم فيها الحكمان، ولا يحكم عليه إلا في جزاء الصيد وحده. قال: والرجل مُخَير في الفِدْية كما قال الله تعالى: {مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}، وكذلك الذي يلبس أو يتطيب جَهْلاً من غير أذى يُخير فيما ذكرنا، كما يخير من فعله من أذى. والنسك شاة يذبحها أين شاء من البلاد. ابن المواز: في ليلٍ أو نهار، وإن شاء أن يَنْسك ببعير أو بقرة ببلده فذلك له، وفعله علي بن أبي طالب، وله أن يجعله هَدْياً ويُقلٌده ويُشعره ثمّ لا ينحره إذا قلده إلا بمنى أو بمكة إن أدخله من الحلٌ.
وإذا افتدى بشيء قبل أن يفعله ثم فعله لم يجزه. ومن المدونة: وكذلك الإطعام والصيام حيث شاء من البلاد. وخلافاً لأبي حنيفة، والشافعي أن النسك لا يكون إلا بمكة، وإليه ذهب ابن الجهم، وخالف في ذلك مالكاً وأصحابه. وقال الشافعي: وكذلك الإطعام لا يكون إلا بمكة. والدليل لمالك: أن الله تعالى ونبيه عليه الصلاة والسلام أطلقا ذلك ولم يخصّا به موضعاً، فمن ادّعى خلافه فعليه الدليل. وقد سمىّ الله تعالى الفدية نسكاً، والجزاء هدْياً، وجعل محل الهدْي مكة، لقوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}، ولم يذكر للفدية محلاً ولا سمّاها هدْياً فأينما ذُبحت أجزأت. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن ذبح نُسك الأذى بمنى أو بمكة لم يكن عليه وقوفها بعرفة ولا خروجها إلى الحل وإن لم يدخلها منه. قال: والصيام: ثلاثة أيام، والإطعام: ستة مساكين، مدّين مدّين لكل مسكين بِمْدّ النبي صلى الله عليه وسلم.
والأصل في ذلك قوله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ ... الآية}، وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله لكعب ابن عجرة: «أتؤذيك هوامّ رأسك؟» فقال: نعم، قال: «إحلق وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، مدّين مدين لكل مسكين، أو نسك بشاة، أيّ ذلك فعلت أجزأ عنك». ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا اختار الإطعام فليطعم ستة مساكين مُدّين مُدين من عَيش أهل ذلك البلد من بُرً أو شعير، ككفّارة اليمين، ولا يجزئه أن يغدّي ويعشي ستة مساكين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمىّ مُدين مُدين، وأجزأ ذلك في كفّارة اليمين؛ لأنها مُدّ مُدّ، والغداء والعشاء أفضل من مُدّمُدّ.
[الباب الخامس] جامع ما يحرم من الصيد على المحرم، وحكم الجزاء أو الطعام أو الصيام في ذلك، وفي الصيد في حرم مكة أو المدينة
[الباب الخامس] جامع ما يحرم من الصيد على المحرم، وحكم الجزاء أو الطعام أو الصيام في ذلك، وفي الصيد في حرم مكة أو المدينة [فصل 1 - لا فرق بين الخطأ والعمد في قتل الصيد في وجوب الجزاء] قال الله سبحانه: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ... الآية}، فذكر الكفارة في القتل في أعلى وجوهه ليدل سبحانه أن ما دونه من الخطأ تُكَفّره الكفارة، كما قاله سبحانه في الإماء: «فإذا أحصن فإن أتين بفاحش فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب»، فكان ذكر الجلد في إحصانهنّ الذي هو أعلى يُبَيٌن أنّ ما دون ذلك يجزيء فيه الجلد، وكان قتل الصيد لا يخرج أن يكون ما ذكر فيه دية أو كفّارة لقوله فيه: «أو كفارة طعام مساكين»، فقد سمّاها كفّارة، وقد ذكر الله الكفّارة في قتل المؤمن خطأ، فهذا مثله، وقد ساوينا بين ما ذكر الله تعالى في قتل الصيد العمد وبين ما سكت عنه في الخطأ في تحريم اكله، فكذلك ينبغي أن يستويا في الكفارة. والله أعلم. قال الأبهري: فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} فلم يوجب على المخطئ شيئاً، وإنما أوجب على العامد. قيل له: إنما خرج الكلام على الأغلب من فعل الناسي، كما لم يمنع أن تكون
الربيبة التي ليست في الحِجْر مُحرّمه، وإن كان التّحريم إنّما هو في اللفظ في التي في الحِجْر، فكذلك الجزاء يجب في الخطأ وإنْ كان النّص إنما ورد في العمد لاستوائهما فيما ذكرناه من علة الإتلاف. [فصل 3 - سيد الحرم حرام على الحلال والمحرم، وفيه الجزاء على من يقتله] م: وأباح الله سبحانه للمحرم صيد الماء بقوله: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}. وأبان الرسول صلى الله عليه وسلم تحريم الصيد في حرم مكة، وحرم ما بين لابتي المدينة، ونهى عن الصيد فيه، وأباح صلى الله عليه وسلم للمحرم قتل خمس من الدواب:
الكلب العقور، والعقرب، والفأرة، والحِدَأة، والغراب». قال عبد الوهاب: وقال داود: لا يتعلق الجزاء بحرمة الحرام أصلاً. ودليلنا: قوله تعالى: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} والاسم ينطلق على المحرم والحرام بالإحرام، وبالمكان. [فصل 3 - هل يجب الجزاء في حرم المدينة؟] قال: وقال ابن أبي ذنب: في حرم المدينة أيضاً الجزاء. فوجه قول مالك: قوله صلى الله عليه وسلم: «من وجدتموه صاد في حرم المدينة فأوجعوه ضرباً واسلبوه ثيابه»، فلو كان فيه الجزاء لأمر به، ولأنه غير محل للمناسك فلم يتعلق فيه الجزاء، أصله الحِلّ.
ووجه إيجاب الجزاء: قوله صلى الله عليه وسلم: «إن إبراهيم حرم مكة، وإنّي أحرٌم المدينة بمثل ما حرّم إبراهيم مكة ومثله معه لا يختلي خلاها، ولا يُعْضَد شجرها، ولا يُنفّر صيدها». ولأنه حرم يمنع الاصطياد فيه فيتعلق الجزاء فيه كحرم مكة. قال: وهذا أقيس عندي مع قول أصحابنا: إنّ المدينة أفضل من مكة وأن الصلاة بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل من الصلاة بالمسجد الحرام. م: وقد قال مالك في غير المدونة من رواية أشهب: لم أسمع أنّ فيما قتل في حرم المدينة جزاء، ومن مضى أعلم من بقي، ولو كان هذا لسنّوا فيه دية صيد، وقد صيْدَ بها وقُتِل. قيل له: فهل يؤكل ما صيد فيه؟ قال: ليس كالذي يُصاد بمك، وإنّي لأكرهه فراجعه، فقال: لا أدري، وما أحبٌ لك أن تسأل عن مثل هذا أحداً.
[فصل 4 - للمحرم أن يقتل السِّباع التي تعدو على الناس وتفترس، جائز له قتلها على كل حال] ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس أن يقتل المُحْرِم سِبَاع الوحش، والنّمور التي تَعْدو وتفترس، يبتدئها وإن لم تبتدئه، ولا شيء عليه في ذلك، لدخول ذلك في اسم الكلب العقور، ولما جاء في حديث أبي سعيد الخدري من قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس على المحرم في قتل الفُوَيسقَة. والحِدَأة والسَّبُع العادي جناح». قال عبد الوهاب: فله عندنا قتل السباع العَادية من الوحش، والطير، فيقتل الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، ومن الطير: الغراب، والحِدَأَة. ووافقنا أبو حنيفة في الذئب والكلب العقور، وخالفنا في السبع، والفهد والنّمر وغيرها من السباع. وقال: من قتلها فعليه جزاؤها. والحج عليه الأخبار المروية. وقال: من قتلها فعليه جزاؤها. والحجة عليه الأخبار المروية. وقال الشافعي: كل ما لا يؤكل لحمه من الَّيد فلا جزاء فيه إلاّ الضيع. ودليلنا قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}، وقوله تعالى:
{لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}. ومن المدونة: قال مالك: ولا يقتل صغار أولاد السِّباع العادّية؛ لأن الصّغار لا تَعْدو ولا تفترس. ابن المواز: قال أشهب: فإن فعل فعليه الجزاء، وقال أيضاً أشهب: لا جزاء عليه، وقال ابن القاسم. ويقتل المحرم الفأرة، والحيّة والعقرب صغارهن وكبارهن وإن لم تؤذه. ومن المدونة: وكره مالك قتل الهر الوحشي، والثعلب، والضبع، فإن فعل فعليه الجزاء إلا أن يبتدئوا فلا شيء عليه فيهم. وكره له مالك قتل سباع الطير، وغير سباعها، قال: فإن قتل سباع الطير فعليه الجزاء إلاّ الحِدَأة، والغراب فإنه إن قتلهما ولم يبتدياه فلا جزاء عليه لأذاهما إلاّ أن يكونا صغيرين. قال ابن القاسم / في كتاب محمد: وأحبٌ إليّ أن لا يقتل الغراب والحِدَأة حتى يؤذياه، وإنْ قتلهما قبل أن يؤذياه فلا شيء عليه. قال ابن القاسم: وإنْ عدى عليه شيء من سباع الطير ويخافها فقتلها فلا جزاء عليه؛ لأنّه لو عدى عليه رجل يريد قتله فدفعه عن نفسه فقتله لم يلزمه شيء.
قال مالك: ولا بأس للمحرم بصيد البحر كله، والأنهار، والبِرَك، والغُدْران، وإن أصاب طيراً من طير الماء فعليه جزاؤه. قال: ويؤكل صيد البحر الطافي وغير الطافي، والضَّفْدِعُ، وترس الماء من صيد البحر. قال ابن القاسم: وهذه السلحفاة التي تكون في البراري هي من صيد البّر، إذا ذُكيت أُكلت، ولا تحل إلاّ بالزكاة، ولا يصيدها المحرم. فصل [5 - يحرم قطع ما ينبت بنفسه من نبات الحرم، ولا جزاء فيه] قال: ولا يقطع أحد من شجر الحرم شيئاً، يبس أو لم يبس، في حرم مكة، أو المدينة، للحديث، فإن فعل فليستغفر الله، ولا جزاء عليه فيه، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، لأنه لو كان فيه جزاء لكان على المحرم بقطع الشجر في الحل.
ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس بقطع ما أنبته الناس في الحرم من الشجر مثل النّخْل، والرُّمان، والفاكهة كلها، والبقْل كله، والكراث، والخس، والسِّلق، وشبهه، والسَّني والإِذْخِر. م: إنما قال ذلك: لأن ما أنبته الناس أنيساً مثل إنسي الحيوان، فلم يكن بأس بقطعه وأكله، كما لا بأس بذبح الحيوان الإنسي وأَكلِه. قال: وجائز الرّعي في حرم مكة وحرم المدينة في الحشيش والشَّجر. قال: وأكره أن يحتش في الحرم حلال أو حرام خيفة قتل الدواب، وكذلك الحرام في الحل، فإن أسلموا من قتل الدواب فلا شيء عليهم، وأكره لهم ذلك. ومَرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم برجل يرعى غنماً له في حرم المدينة وهو يخبط شجرة منها فنهاه عن الخبط، وقال: «هشوا وارعوا».
قال مالك: الهشّ: أن يضع المحجن في الغُصْن فيحركه حتى يقع وَرَقُه. م: والمحجن: هو المخطاف عندنا، قال مالك: ولا يعضد، ومعنى العضد: الكسر. فصل [6 - يكره للمحرم ذبح الحمام الوحشي وغير الوحشي] وكره مالك أن يذبح المحرم الحمام الوحشي وغير الوحشي؛ لأن أصله مما يطير، وأكره أن يذبح شيئاً مما يطير ولا الحمام الرومية التي لا تطير وإنما تتخذ للفراخ؛ لأن أصلها مما يطير. قال: ولا بأس أن يذبح الإوَزّ والدجاج، لأن أصلها مما لا يطير. م: أما الدجاج فليس لها أصل يطير، وأنا البُرَك، والإِوَز فلها أصل يطير في الوحشية، فينبغي على هذا أن لا يذبحها المحرم.
قال ابن حبيب: كره مالك للمحرم ذبح الحمام المتخذ في البيوت للفراخ، ولم ير فيه جزاء إن فعل. وكان عطاء لا يرى بذبحه بأساً. قال: وكره مالك ذبح الحمام الأخضر، وقال: حنسه يمام وله عِرْق في الوحشية. ابن المواز: قال أصبغ: وما ذبح المحرم من حمام بيته وهو أنيس قفليفده. ومن المدونة: قال: وما دخل مكة من الحمام الوحشي والإنسي. م: مما قد صيد في الحل، قال: فجاز للحلال أن يذبحه فيها، كما يجوز للحلال أن يذبح الصيد في الحرام إذا دخل به من الحل؛ لأن شأن أهل مكة في ذلك يطول، وهم محلّون في ديارهم، والمحرم إنما يُقيم محرماً أياماً قلائل. قال: وما أدركت ممن افتدي به من يكره للحلال ذبح صيد في الحرم قد دخل به من الحل إلاّ عطاء بن أبي رباح، ثم ترك ذلك، وقال: لا بأس به. م: وقال أبو حنيفة: لا يجوز للحلال أن يذبح صيداً في الحرم قد كان ملكه في الحل.
ودليلنا: أنه لما جاز له إمساكه والتصرف فيه في الحرم باتفاق جاز له ذبحه كالنَّعم؛ ولأن كل من جاز له تملّك صيد بالشّراء والهبة جاز له ذبحه كالحلال، وفارق حرمة الوضع في هذا حرمة الإحرام؛ لأن الإحرام لا يدوم، وحرمة الموضع دائمة فافترقا / كالنكاح، والوطء في ذلك؛ لأن حرمة الإحرام تمنه منهما، وحرمة الموضع لا تمنع لدوامها فرفع حرج ذلك عن الأمة؛ ولأن الشيء اللازم للإنسان لا حكم له، بخلاف المنقطع كالاستحاضة، وسلس البول، والقرحة تسيل ولا تكف، هو في ذلك كله بخلاف المنقطع. ومن المدونة: قال مالك: وما وقع من الجراد في الحرم فلا يصيده حلال ولا حرام، قال: ولا يُصاد الجراد في حرم المدينة، ونهى عن الصيد في حرم المدينة، لم ير فيما قتل من الصيد في حرمها جزاء. وقد تقدم هذا. فصل [7 - التسبب في إتلاف الصيد هل يوجب الضمان إذا أفضى إلى الإتلاف؟] قال ابن القاسم: ولو ضرب محرم فسطاطه فتعلق بأطنابه صيد فعطب، أو حفر بئراً للماء فعطب فيه صيد فلا جزاء عليه، وذلك فعل الصيد بنفسه، كقول مالك فيمن حفر بئراً بموضع يجوز له فمات فيه رجل أنه لا دية فيه رجل أنه لا دية فيه على الحافر.
قال ابن القاسم: وإذا رأى الصيد محرماً ففرغ منه فحضر فمات في حضره فعلى المحرم جزاؤه؛ لأنه نفر من رؤيته. ابن المواز: وقال أشهب: لا شيء عليه، وقال سحنون، وهو أصوب، لأن ذلك فعل الصيد بنفسه، أصله إذا تعلق بأطناب فسطاطه. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن نصب المرحم شرَكاً للذئب والسِّباع مخافة على غنمة ودوابه أو على نفسه فوقع فيه صيد ظبي أو غيره فعطب فيه فعليه جزاؤه؛ لأن مالكاً قال فيمن حفر في منزله بئراً للسارق أو عمل في داره شيئاً ليتلف به السارق فهو ضامن إنْ وقع فيه سارق فمات. وقال سحنون في الصيد: لا جزاء عليه؛ لأنّه فَعَلَ ما يجوز له فعله، وأمّا السارق ففعل مالا يجوز له. ابن المواز: وقال أشهب: إن كان موضعاً يتخوّف فيه على الصيد وداه، وإلاّ
فلا شيء عليه. قال ابن المواز: وهذا أحبٌ إلينا. فصل [8 - في كون العمد والسهو في الإتلاف سواء في وجوب الجزاء] ومن المدونة: قال مالك: وإذا أمر المحرم عبده أن يرسل صيداً كان معه فظنّ العبد أنّه أمره بذبحه فعلى السيد الجزاء. قال ابن القاسم: وإن كان العبد مُحْرِماً فعليه الجزاء أيضاً، ولا ينفعه خطؤه. م: لأنّ الخطأ والعمد عندنا في قتل الصيد سواء. [فصل 9 - إذا اشترك جماعة محرمون في قتل سيد فعلى كل واحد جزاء كامل] قال ابن القاسم: ولو أمره بذبحه فأطاعه فذبحه، كان عليهما الجزاء جميعاً. قال: وإذا دلّ على صيد محرماً أو حلالاً فقتله المدلول عليه فليستغفر الله الدّال، ولا شيء عليه. قال ابن المواز: وقال أشهب: إذا دلّ المُحْرِمُ مُحْرِماً على صيد فقتله فعلى كل واحد منهما جزاؤه، وإن دلّ عليه حلالاً فليستغفر الله الدّال، ولا شيء عليه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن أشار المحرم، أو أمر بقتله فلا شيء عليه إلاّ أن يكون المأمور عبده، فيكون على الآمر جزاء واحداً، وقد أساء، وعلى القاتل الجزاء إن كان مُحْرِماً، وإن كان حلالاً في الحل فلا شيء عليه. وإذا اجتمع محرمون على قتل صيد، أو اجتمع محلون على قتل صيد في الحرم، أو محل، وحرام قتل صيداً في الحرم، فعلى كل واحد الجزاء كاملاً. وقال الشافعي: عليهم جزاء واحد. ودليلنا قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}، وهذا خطاب لكل قاتل في نفسه، ولأنه اشتراك في قتل تجب فيه الكفارة فكانت الكفارة بعدد القاتلين، كقتل الآدمي. ومن المدونة: قلت: فإن اجتمع مُحْرِمُون على قتل صيد فجرحه كل واحد منهم جرحاً؟ قال: قال مالك: إذا جرح المحرم صيداً فغاب عنه الصيد فعليه جزاؤه. قال ابن القاسم: وليس في جراح الصيد إذا أيقن أّنها سلمت من ذلك الجرح شيء.
قيل: فإذا سلم الصِّيد بعد الجرح هل يحكم فيه كالحكم في جراح الرجل الحر أم كجراح العبيد ويكون فيه ما نقصه؟ قال: لا أرى فيه شيئاً إذا استيقن أنه سلم. قال ابن المواز: هذا إذا برأ على غير نقص وإلا ففيه ما بين قيمته صحيحاً وقيمته مجروحاً، وقال ابن القاسم. وقال بعض علمائنا: وهذا خلاف لما في المختلطة. م: ويحتمل أن يكون وفاقاً. ويحتمل قول ابن القاسم: لا شيء عليه إذا استيقن أنه سلم: أي سلم بغير نقص. والله اعلم. قال: وقد قال ابن القصَّار: إذا فقأ عين صيد، أو كسر رجله، أو ما أشبه ذلك، فلا شيء عليه؛ لأن الجزاء إنما يجري مجرى الكفارة، فكما لا تجب الكفّارة في أبعاض الآدميين، فكذلك لا تجب في أبعاض الصيد. قال: وقال المخالف: كل ما أصله مضموم فكل جزء منه مضمون، وإنما ذلك فيما يصح الإبراء منه من حقوق الآدميين.
قال بعض أصحابنا: وهذا الذي ذكر ابن القصّار مثل ما في المختلطة وبخلاف ما قال ابن المواز فاعلمه. وقال ابن حبيب فيمن رمى صيداً وهو محرم فأصابه فتحامل الصيد حتى غاب عنه فإن أصابه بما يموت بمثله فليوده، فإن وداه، ثم وجده لم يعطب، ثم عطب بعد ذلك فليده ثانية؛ لأن الجزاء الأول كان قبل وجوبه، قال ابن الماجشون. ومن المدونة: وإذا أمسك مُحرِم صيداً لغير القتل وإنما أراد أن يرسله فقتله حرام فعلى القاتل جزاؤه، وإن قتل حلالٌ فعلى الممسك جزاؤه، لأن قتله من سببه. وقال سحنون: لا شيء عليه. م: يريد: ويغرم الحلال للمُمْسِك الأقل من قيمة الصيد أو الجزاء على قول ابن القاسم. ولا شيء على قول سحنون؛ لأنه لم يُوجب عليه غُرْماً. قال ابن القاسم: وإن أمسكه لمن يقتله، فإن قتله مُحْرِم فعليهما جزاءان، وإن قتله حلال فعلى المحرم جزاؤه، ولا شيء على الحلال إذا كان في الحل. ابن المواز: قال أشهب: وإذا أخذ مُحْرِم صيداً فقتله في يده حلال في الحرم فعلى كل واحدٍ منهما جزاؤه، ويغرم الحلال قيمته للمحرم، كان القاتل حراً، أو عبداً، أو صبياً، أو نصرانياً، إلاّ أنه لا جزاء على النصراني. وإن كان في الحل غرم له قيمته، وعلى المحرم وحده جزاؤه.
قال ابن المواز: وإنما يرى على قاتله لصاحبه القيمة، إلا أن تكون أكثر من الجزاء فلا يلزمه إلاّ الجزاء، لحجة المحرم عليخ إنّي كنت أقدر على السلامة بإطلاقه فعليك ما أدخلت عليّ بقتله، وإن كان في الحرم غرم جزاءً ثانياً. ومن المدونة: قال ابن القاسم: إن أحرم وفي بيته صيد فلا شيء عليه فيه ولا يرسله، وإن أحرم وهو بيده، أو يقوده، أو في قفص معه فليرسله ثمّ لا يأخذه حتى يحل. م: وسواء كان إحرامه من منزله أو من ميقاته بخلاف ما تأوله بعض أصحابنا أنه إن كان إحرامه من منزله وفي بيته صيد فعليه أن يرسله، كما قال في القفص. م: والفرق بين القفص والبيت: أنّ القفص هو حامل له ومنتقل به فهو كالذي بيده، وما كان في البيت فليس هو بيده وهو مرتحل عنه وغير مصاحب له وهو بخلاف القفص فافترقا.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أحرم وبيده صيد فأرسله من يده حلال أو حرام لم يضمن له شيئاً؛ لأن ملكه زال عن الصيد بإحرامه كزوال ملكه عما ندّ له من الصيد وطال زمانه ولحق بالوحش؛ لأنه لو أخذه بعد ذلك أحد لكان له لزوال ملك الأول عنه، وأما إن أخذه بحدثان ما ندّ له فإنه يرده إليه؛ لأن ملكه باقٍ عليه. قال ابن القاسم: ولأنه لو حبس الصيد بيده حتى يحل لوجب عليه إرساله، وكذلك لو بعث به إلى بيته بعد أن أحرم وهو بيده ثم حل لوجب عليه إرساله. وقد اختلف الناس في هذا، هل عليه أن يرسله أم لا؟ فقال بعض الناس: يرسله وإن حل من إحرامه، وكأمه صاده وهو حرام. ورأى بعض الناس أن له حبسه؛ لأنه قد حل. ولا أخذ به ابن المواز. وقال أشهب: على الذي أرسله من يده فيمته، وقول ابن القاسم أحب إلينا. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وما صاده في إحرامه فليرسله، فإن لم يفعل حتى أرسله من يده حلال أو حرام لم يضمن له شيئاً؛ لأنه لم يجب له فيه ملك، وإنما فعل ما كان يؤمر الذي صاده أن يفعله. وإن صاده في إحرامه أو أحرم وهو بيده فأتاه محرم / ليرسله من يده فتنازعاه فقتلاه بينهما فعلى كل واحدٍ منهما جزاؤه.
وإن نازعه حلال فعلى المحرم الجزاء، ولا قيمة له على الحلال، ولا يضمنا له أيضاً الجزاء؛ لأن القتل جاء من قبله حين منعهما من إرساله، يعني: إذا كان في الحل. قال في العتبية: ولو أمسكا الصيد حتى حلاٌ فأكلاه، فعليهما جزاؤه؛ لأنه قد وجب عليهما إرساله. قال: وخالفني أشهب فقال: لا شيء عليهما جميعاً. فصل [10 - يجب الجزاء على من طرد سيداً فأخرجه من الحرم، ويجب على من رمى من الحل إلى الحرم أو بالعكس] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن طرد صيداً فأخرجه من الحرم فعليه جزاؤه. م: قيل: إنما هذا إذا كان الصيد لا ينجو بنفسه؛ لأنه قد عرضه للقتل، فأما إن كان ينجو بنفسه فلا شيء عليه، سواء أجلاه قريباً أو بعيداً، وقال أشهب، ونحوه لابن القاسم في المدونة. ومن المدونة: قال مالك: وإنْ رمى صيداً في الحرم من الحل، أو في الحل من الحرم فقتله، فعليه الجزاء. م: لأن من أصله أن يحرم بالأقل.
قال: وإن رمى صيداً في الحل وهو في الحل فهرب الصيد وتبعته الرمية فأصابته في الحرم فعليه جزاؤه. وقال أشهب: فيمن رمى صيداً قريباً من الحرم فأصابته الرمية ولم تبلغ مقاتله فتحامل فدخل الحرم فمات فيه، فإنه يؤكل. ومن المدونة: قال مالك: وإن أرسل كلبه أو بازه قرب الحرم، وهو والصيد جميعاً في الحل فأخذه في الحل فلا شيء عليه، وإن أخذه في الحرم فقتله فيه أو طلبه حتى أدخله الحرم ثم أخرجه منه فقتله في الحل فعليه الجزاء ولا يؤكل. وقال ابن الماجشون: لا بأس أن يرسل الحلال كلبه من الحرم على ما في الحل، ويؤكل ما أصاب.
م: وهذا خلاف لابن القاسم، وعليه جزاؤه عند ابن القاسم ولا يؤكل، كإرساله سهمه من الحرم على صيد في الحل. ووجه قول ابن القاسم: فلأن أصل اصطياده وابتدائه من الحرم، فلا يراعى أين أخذه، كالنكاح في العدة، والوطء بعدها أنه يحرم كالوطء فيها. ووجه قول ابن الماجشون: أن المراعاة تمام الاصطياد فأين ما وقع فله حكمه، وهذا جارٍ على قولهم: ولا يحرم عليه إلاّ الوطء في العدّة. ومن المدونة: قال: ولو أرسل كلبه، أو بازه على صيد في بعد من الحرم فقتلا الصيد في الحرم أو أدخلاه في الحرم ثم أخرجاه منه فقتلاه في الحل فلا يؤكل، ولا جزاء عليه؛ لأنه لم يُغرّر بالإرسال. وإن أرسل كلبه على صيد في الحرم فَأَشلاه رجل آخر فأخذ الصيد، فإن انشلى الكلب بإشلاء هذا، فعلى الذي أشلاه الجزاء أيضاً. وقال أشهب: فلا شيء عليه. فوجه قول ابن القاسم: فلأن الإشلاء عون للكلب وسبب لأخذ الصيد ومعونة للمرسل، فوجب على كل واحدٍ جزاؤه. ووجه قول أشهب: فلأن أصل الاصطياد الإرسال فله الحكم. م: وقول ابن القاسم أبين. والله أعلم.
قال ابن القاسم: وإن أرسل كلبه على ذئب في الحرم فأخذ صيداً، فعليه الجزاء؛ لأنه سبب أخذه، وكالمغرٌر بقرب الحرم. ابن المواز: وهو أحب إليّ. وقال أشهب: لا شيء عليه إلا أن يرسله بحضرة صيد يعرف من موضعه. م: ووجه هذا: فلأنه فَعَلَ ما يجوز له، كمن أرسل على صيد في بُعْدٍ من الحرم فأخذه في الحرم. وقول ابن القاسم أبين. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن صاد طيراً فنتفه ثم حبسه حتى نسل فطار فلا شيء عليه. وقد تقدم أن الجزاء على قاتل الصيد عمداً، أو خطأً، كان أول ما أصابه، أو كان قد أصابه قبل ذلك، وأنه إن أصاب الصيد، والنساء، والطيب مداراً على وجه الإحلال والرفض لإحرامه فعليه لكل صيد أصابه الجزاء؛ لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}. وأما جميع لبسه، وطيبه فكفارة واحدة؛ لأنه فعله على وجه الإحلال والرفض للإحرام، فذلك مساوٍ لصاحبه فإذا اجتمعا فكفارة واحدة كالوضوء لجميع الأحداث. م: وكذلك لتكرار الجماع كفارة واحدة، أي هدي واحد، مع قضاء
الحج، لاتفاق ذلك في الإيجاب، وجزاء ما أصابه القارن جزاء واحد، لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} فعم. فصل [11 - في الحاج يقتل سيداً بعد رمي جمرة العقبة] قال: ومن قتل صيداً في الحل من الحاج بعد رمي جمرة العقبة فعليه الجزاء. م: لأنه لم يتكامل إحلاله كإصابته إياه قبل الرّمي. قال: وإن قتله بعد الإفاضة وقبل الحلاق فلا شيء عليه لتكامل إحلاله، وبقاء الحلاق خفيف في كل شيء. قال: وكذلك المعتمر إن أصاب صيداً في الحل فيما بين طوافه وسعيه، فعليه الجزاء، وأمّا بعد السعي وقبل الحلاق فلا جزاء عليه. فصل [13 - لا يجوز ذبح المحرم للصيد، وإذا ذبحه فلا يحل له ولا لغير الأكل منه] قال مالك: وما ذبح المحرم من الصيد بيده، أو صاد بكلبه، أو بازه فأدّى جزاءه فلا يأكل حلال ولا حرام لأنّه ميتة لم يصح للمحرم تذكيته. وقال الشافعي: تصح تذكيته.
ودليلنا قوله تعالى: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}، والقتل في الشرع: عبارة عن الإتلاف الذي لا يبيح الأكل. ومن المدونة: قال مالك: وإن أكل هو من لحمه لم يكن عليه جزاء آخر ولا قيمة ما أكل؛ لأنه أكل لحمه ميته وما لا يحل له. وقال أبو حنيفة: عليه الجزاء وضمان قيمة ما أكل. ودليلنا قوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} فلم يوجب سواه، ولأن الإتلاف بعد القتل لا يوجب جزاء كما لو قتله وأحرقه، ولأنه إنما أكل لحم ميتة فلا قيمة له. ومن المدونة قال مالك: وما ذبح من أجل محرم بأمره أو بغير أمره ولي ذبحه حرام أو حلال فلا يأكله محرم ولا حلال.
ولم يأخذ مالك بحديث عثمان بن عفان حين قال لأصحابه: «إنما صيد من أجلي فكلوا» وأبى أن يأكل هو. ومن العتبية قال ابن القاسم في المحرم يأكل من الصيد ولم يصد من أجله وهو عالم بذلك لا جزاء عليه وبئس ما صنع، وإنما يديه من صيد من أجله إذا أكل وهو عالم بذلك. ابن المواز: قال أشهب عن مالك: فإن أكل منه من صيدَ من أجله وهو بذلك عالم وداه، وإن أكل منه غيره من أصحابه وهو يعلم فلا شيء عليه، لما جاء عن عثمان، ولكن لا ينبغي أن يأكل من ذلك حلال ولا حرام. وقال أيضاً في محرم قُتِلَ من أجل صَيْد، أو من أجل محرم غيره، ثم أكل منه وهو عالم، فعليه جزاؤه، وإن لم يعلم فلا جزاء عليه، وروي مثله عن ابن القاسم.
وقد قيل: لا جزاء عليه علم أو لم يعلم؛ لأنه إنما يأكل لحم ميتة، إلا أن يعلمه قبل ذبحه فيذبحه على ذلك أو يأمرهم بصيده، فهذا عليه جزاؤه، ونحوه لأصبغ. م: وقال الشافعي: لا جزاء عليه بحال. ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: «لحم الصيد لكم حلال وأنتم محرمون ما لم تصيدوه أو يضاد لكم»، فقد ساوى عليه الصلاة والسلام بين تحريم ما صاده أو صيد له، وكذلك يجب أن يستويا في الجزاء. قال عبد الوهاب: ولأن رضاه بصيده له كفعله بنفسه؛ ولأن فعل الوكيل كفعل الموكل في الحكم؛ ولأن في ذلك ذريعة إلى استباحة الاصطياد، فوجب حسم الباب. ابن المواز: وقال أشهب بن مالك: لا بأس أن يأكل المحرم من صيد ذبح لِمُحْرِمْينِ قبل أن يحرموا أو صِيدَ من أجلهم قبل أن يحرموا، تقوم بأعيانهم، أو بغير أعيانهم.
قال عنه ابن القاسم: لا بأس بأكله للمحرم وإن صِيْدَ من أجله قبل أن يحرم، وروى عنه أيضاً أنه كره له أكله، فإن فعل فلا جزاء عليه. قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: لا يأكل المحرم لحم صَيْدٍ، وإن صاده حلال في الحل. ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «لحم الصيد لكم حلال وأنتم محرمون. ما لم تصيدوه أو يصاد لكم». فصل [13 - في المحرم يقتل بازاً مُعَلّماً] ومن المدونة: قال: وإذا قتل المحرم بازاً مُعَلماً فعليه جزاؤه غير مُعَلم، وعليه قيمته لربه مُعَلَّماً. م: وقال غيرنا: لا جزاء عليه.
ودليلنا: قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} فعمّ، ولأنه ممنوع من قتله لحرمة الإحرام، كالذي ليس بمملوك. فصل [14 - في الصبي يصيب صيداً سيداً أو ما تجب عليه به الفدية هل الجزاء والفدية على الأب أو في مال الصبي] قال ابن القاسم: وإذا أحرم الأخرس فأصاب صيداً حُكِمَ عليه كما يحكم على غيره، لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} فعم. قال: وإذا حج بالصغير الذي لا يعقل والده فأصاب صيداً أو لبس أو تطيّب، فالفدية والجزاء على الأب، وإن كان للصبي مال، وكذلك كل شيء وجب على الصبي من الدم في الحج، فذلك على والده؛ لأنه أحجه. م: قال بعض أصحابنا: يكون ذلك على الذي أحجّه، وإن كان خروجه به نظراً إذ لا كافل له؛ لأنه كان قادراً أن يخرج به ولا يحجه، فلما أدخله في الحج، كان ما وجب على الصبي من أمور الحج على من أحجه. وفي كتاب ابن المواز: قال ابن وهب عن مالك: ولا يحج بالرضيع، فأما ابن أربع سنين أو خمس فنعم، وإذا حجّ به أبوه فما أصاب من صيد أو ما فيه فدية ففي مال الأب، إلا أن يخرج به نظراً؛ لأنه لو تركه ضاع، فيكون ذلك في مال الصبي، وإن لم يكن له مال اتبعه به. وقد قيل: إن ما أصاب من صيد في ماله، يريد: كالجناية.
م: وهذا نص خلاف ما تأوله من ذكرنا، وإن كان ما قال له وجه في القياس، ولكن الصواب ما قاله مالك، لأن ما يتخوف أن يطرأ عليه في إحجاجه إياه من الجزاء والفدية أمر غير متيقن، وإحجاجه إياه طاعة وأجر لمن أحجه، لقوله صلى الله عليه وسلم للتي سألته: ألهذا حج؟ وكان صغيراً، فقال: «نعم ولك أجر». م: فهذا حج تطوّع للصبي وأجر لمن أحجّه، فلا يُترك لأمرٍ قد يكون، أو لا يكون، وهذا هو أصلنا أنّه لا يترك أمر متحقق لأمر يكون أو لا يكون؛ لأن الأمر الطارئ لا حكم له، فلما أبيح له إحْجَاجه لم يلزمه ما طرأ عليه من أمور الحج؛ لأنه غير متعدّي في إحجاجه إيّاه، وبالله التوفيق. ومن المدونة: قال ابن القاسم ولا يصوم عنه والده في الجزاء والفدية، ولكن يُطعم عنه أو يهدي. فصل [15 - ما لزم العبد من جزاء سيد أو فدية فذلك عليه إن كان إحرامه بإذن سيده ولا يمنعه سيده من الصوم] وإذا أحرم العبد بإذن سيده فما لزمه من جزاء صيد أو فدية لإماطة أذى من ضرورة أو فوات حج أصابه لم يتخلف له عامداً فلزمه هدي في ذلك كله على العبد، وليس له أن يُخْرِخَ ذلك من مال سيده إلاّ بإذنه، فإن لم يأذن له صام، ولا يمنعه سيده من الصوم وإن أضرّبه أن يهدي عنه أو يطعم.
وما أصاب العبد عمداً مما وجب عليه به الهدي أو الفدية، فلسيده مَتْعه أن يفتدي بالنُّسك، أو بالصدقة، ولا يمنعه من الصوم، إلا أن يضرٌ به في عمله فيمنعه. وكذلك قال مالك في العبد إذا ظاهر: أنه لا سبيل له إلى زوجته حتى يكفر، ولا يمنعه سيده من الصوم إلا أن يضر سيده في عمله فيمنعه إن شاء؛ لأنه أدخل الظهار على نفسه وليس له أن يضرّ سيده. وقال ابن الماجشون في الواضحة: إذا تظاهر العبد فليس لسيده منعه من الصوم وإن أضر به في عمله. م: ووجه هذا: فلأن السيد أذن له في النكاح، وعنه يحدث الطلاق والظهار فقد ملكه ذلك فلا يمنعه من الصوم وإن أضرٌ به، إذ هو أصل ذلك. فصل [16 - إن أتلف المحرم أو الحلال بيضاً في الحرم فعليه عشر ثمن أمه] ومن المدونة: قال مالك: وإذا كسر المحرم أو الحلال بيض طير وحشي في الحرم فعليه عُشْر ثمن أمه، كجنين الحرة من دية أمّه، كان فيه فرخ أم لا، وكذلك لو خرج الفرخ يَضْطَرب ما لم يستهل صارخاً، فإذا صرخ ففيه ما في كبير ذلك الطير. قال ابن المواز: بحكومة عدلين، قال: وأحب إلينا إن خرج فيه فرخ أن يُجزى
للشك في حياته، ولعله مات من الكسرة. وقال ابن القاسم: إلا أن يوقن أنه مات قبل ذلك بالرائحة ونحوه. م: يريد: فلا يكون عليه شيء. قال: وفي بيض حمام مكة ثمن شاة. ابن المواز: قال مالك: وإذا دخل مكة حمام إنسي أو وحشي فللحلال أن يذبحه، وإن ذبحه بها محرم فعليه قيمته طعاماً، وليس عليه شاة في هذا إذا لم يكن من حمام الحرم. وحمام الحرم كحمام مكة عند مالك، ولم يره ابن القاسم مثله، وقال: فيه حكومة. قال أصبغ: / ويقول مالك أقول. وقماري مكة كحمامها. قال أصبغ: وكذلك يمامها، وقماري الرحم، ويمامه. وقال عبد الملك: في القماري واليمام حكومة إلا حمام مكة والحرم ففيه شاة، فإن لم يجد صام عشرة أيام، قاله مالك وليس في ذلك صدقة ولا تخيير؛ لأن الشاة فيها
تغليظ. قال في الواضحة: وسبيل هذه الشاة سبيل هدي الجزاء لا يُذْبح إلا بمكة بخلاف النسك. الأبهري: وإنما جعل في حمام مكة شاة؛ لأن ذلك مروي عن عمر، وعثمان وابن عباس؛ وإنما خصوا حمام مكة والحرم بالشاة، تغليظاً لحرمة الحرم، ولأن الحمام يكثر فيها ويأوي إليها، فلو جعل فيها قيمتها لتسرّع الناس إلى قتلها لخفّة أمر القيمة عليهم. قال في كتاب الصيد: ولا بأس بصيد حمام مكة في الحل للحلال. م: فهذا من قوله يدل: أن المحرم إذا أصابها في الحل إنما عليه قيمة ذلك وإنما فيه شاة إذا أصابه بمكة أو بالحرم. قال في المختصر: وفي بيض النّعَامة عُشر ثمن البَدَنة وفي بيض الطير عشر ثمن أمه، وكذلك في الموطأ، وفي بعض الموطأت في بيض النعامة عشر ثمن النعامة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإنما شبه مالك البيض بجنين الحرّة، فلو ضرب رجل بطن امرأة فألقت جنيناً ميتاً أو حياً وهو يضطرب فمات قبل أن يستهل صارخاً فليس عليه إلا عشر دية أمه، ولا قسامة فيه، وإن استهل صارخاً ففيه الدية كاملة بقسامة، فعلى الجنين فقس البيض في كل ما يرد عليك منه. وقال ابن نافع في العتبية: لا آخذ بقول مالك في بيض النّعام، وآخذ فيه بما ذكر عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم: «في كل بيضة صيام يوم».
وقال ابن وهب في كسر بيض النعامة: إن كان فيها فرخ آخذ فيه بقول مالك، وإن كان ماءً فعليه طعام مسكين، أو صيام يوم، كالحُرَّة تُسقط ماءً، أو ما أشبهه. قال أبو محمد: يريد: فلا غُرَّة فيه. ومن المدونة: قال: وإذا شوى المحرم بيض النعام لم يصلح أكله لا لحلال ولا لحرام، وكذلك لو كسره وأخرج جزاءه لم يصلح أكله بعد ذلك لأحد. قال: وإن أفسد وكر طير لا بيض فيه ولا فراخ فلا شيء عليه، وإن كان فيه بيض أو فراخ فالجزاء عليه في الفراخ، وعليه في البيض مثل ما على المحرم في الفراخ؛ لأنه عرّض البيض للهلاك. قال أبو محمد: أراه يريد: لاحتمال أن يكون البيض تفقص ثم يهلك بعد ذلك لقفس العش. وفي رواية أخرى عن ابن القاسم: إذا أفسد الوكر وفيه فراخ أو بيض فعليه في البيض ما يكون على المحرم في البيض، وفي الفراخ ما يكون على المحرم في الفراخ.
وفي رواية الدباغ: فعليه في البيض ما على المحرم في الفراخ والبيض. م: وجه هذا: أنه لما احتمل أن يفسد البيض قبل أن يقفص، واحتمل أن يقفص ثم يهلك بفقد العش ولم يدر كيف فساده جعل عليه كلا الأمرين احتياطاً. قال: وإذا ضرب مُحْرِم بطن عنز من الظباء فألقت جنيناً ميتاً وسلمت الأم فعليه في الجنين عُشْرُ قيمة أمّه، ولو ماتت العنز بعد ذلك، كان عليه في الجنين عُشْرُ ثمن أمّه، وفي العنز الجزاء كاملاً، ولو استهل الجنين صارخاً، ثمّ مات وماتت أمه، كان عليه جزاء الجنين، وجزاء أمه كاملاً، كقول مالك فيمن ضرب بطن أمه خطأ فألقت جنيناً ميتاً ثم ماتت بعده كان في الجنين عشر دية أمه وفي المرأة الدية كاملة / تحمل ذلك كله العاقلة، ولو استهل الجنين صارخاً ثم مات وماتت أمه كان فيهما على العاقلة
ديتان بقسامة. قال مالك: ويحكم في صغار كل شيء أصابه المحرم من الصيد والطير والوحش مثل ما يحكم في كباره من جزاء أو إطعام أو غيره. قال ابن القاسم: كمساواة الحرّ الصغير للكبير في ديته. ومن قتل فيلاً فعليه جزاؤه بدنة من البدن العظام الخراسانية التي لها سنامان، فإن لم توجد فعليه قيمته طعاماً، قاله ابن ميسر، وقيل: ليس للفيل مثل، وإنما يطعم بقدر وزنه من الطعام لقيمته، لأن ذلك رُبما كَثُر بغلاء عظامه وأنيابه. وفي كتاب ابن حبيب عن ربيعة في الفيل الوحشي: بدنة. وقال عطاء في محرم أصاب قرداً أنه يحكم عليه فيه.
[الباب السادس] جامع القول في الحكمين في جزاء الصيد
[الباب السادس] جامع القول في الحكمين في جزاء الصيد [فصل 1 - التحكيم يكون من اثنين عالمين بأحكام الصيد، وتعتبر العدالة فيهما] قال الله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا}. قال مالك: وإذا أصاب المحرم صيداً حكم فيه حكمان كما قال الله تعالى، ولا يكونا إلاّ عدلين فقهين، ويجوز أن يكونا دون الإمام، ولا يكتفيا في الجزاء بما روي، وليبتدئا بالاجتهاد، ولا يخرجا باجتهادهما عن آثار من مضى. قال في كتاب ابن المواز: ويحكم في كل شيء من الصيد يصيبه المحرم، صغيره وكبيره، الجراد فما فوقه حكمان، فإن كفّر قبل الحكمين أعاد بهما. قال عنه أشهب: ولا يكتفيا في الجراد، أو النعامة، أو البقرة فما دون ذلك بالذي جاء في ذلك حتى يؤتنف فيه الحكم، ولا يخرجا عن آثار من مضى. قيل لمالك: فإن أصاب صيداً فأفتاه مفتٍ بما جاء في ذلك؟
قال: لا يُجتزى في ذلك إلاّ بحكمين، وقال أيضاً: لا: حتى يكون معه غيره، ولو كان في جرادة، وهذا في كل صيد، إلاّ حمام مكة فإن فيه شاة، لا يحتاج فيه إلى حكمين. قال ابن المواز: وأحب إلينا أن يكون الحكمان في مجلس واحد من أن يكون واحداً بعد واحد، وليس فيما دون الظبي من جميع الأشياء إلا الطعام أو الصيام إلاّ في حمام مكة والحرم. وتوقف ابن القاسم في حمام الحرم. وفي الضب اختلاف، روى ابن وهب عن مالك أن فيه شاة، وروى ابن القاسم قيمته طعاماً أو عدل ذلك صياماً، وكذلك الثعلب. ومن المدونة: وإن حكما فاختلفا، ابتدأ الحكم فيه غيرهما حتى يجتمعا على أمر واحد، وإن أخطأ خطأً بيناً فحكما بشاة فيما فيه بدنة أو بقرة، أو ببدنة فيما شاة انتفض حكمهما ويؤتنف الحكم فيه، والمحكوم عليه مخيّر إنْ شاء أن يحكما عليه بالجزاء من النعم فحكما به فأصابا فأراد بعد حكمهما أن يرجع إلى الطعام أو الصيام فحكما عليه به هما أو غيرهما فذلك له.
قال مالك: ولا يحكم في جزاء الصيد إلا بالجذع من الضأن والثني مما سواه، وما لم يبلغ جزاؤه ذلك ففيه طعام أو صيام. قال: ولا يحكم بجفرة، ولا بعناق، ولا بدون المُسِن. ومن المستخرجة: قال ابن وهب: ومن السنة أن يخير الحكمان من أصاب الصَّيد كما خيره الله تعالى في أن يخرج هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مسكين أو عدل ذلك صياماً، فإن اختار الهدي حكما عليه بما يريانه نظيراً لما أصاب من الصيد ما بينهما وبين أن يكون عدل ذلك شاة، لأنها أدنى الهدي، وما لم يبلغ عدله شاة حكما فيه بالطعام بخبراته في أن يُطعم ذلك للمساكين، أو يصوم مكان كل مد يوماً. ومن المدونة: وإن أراد أن يحكما عليه بالطعام فليقوّما الصيد نفسه حياً بطعام، ولا يقوما جزاءه من النهم، ولو قوما الصيد بدراهم، ثم اشتريا بها طعاماً رجوت أن يكون واسعاً، ولكن تقويمه بالطعام أصوب، ثم إن شاء الصيام، نظر كم ذلك الطعام بمد النبي صلى الله عليه وسلم، فيصوم لكل مُد يوماً، وإن جاز ذلك شهرين أو ثلاثة. قال: وإن كان في الطعام كسر مُدّ فأحب إليّ أن يصوم لكسر المد يوماً. قال مالك: ويقوم الصيد على حاله التي كان عليها حين أصابه ولا ينظر إلى فراهته ولا إلى جماله ولكن إلى ما يسوى من الطعام بغير فراهة ولا جمال. وكذلك البازي إذا أصابه، والفارِه وغير الفارِه سواء.
ويقوّم الصيد بالحنطة، وإن قوّم بشعير، أو تمر أجزأ إذا كان ذلك طعام ذلك الموضع، ويتصدق على كل مسكين من ذلك مدًّا، مُدًّا بمد النبي صلى الله عليه وسلم مصل الحِنطة. قال: ولا يُطعِم بمُدّ هشام إلا في كفارة الظهار وحده. قيل: أيقوم الصيد بشيء من القطاني، أو بزبيب، أو أقط، وهو عيش أهل ذلك الموضع الذي أصاب فيه الصيد؟ قال: يجزئ فيه ما يجزئ في كفارة الأيمان، ولا يجزئ فيه مالا يجزئ في كفارة الأيمان. م: ونقلها أبو محمد: وأما القطنية فلا، ويجزئ فيه من الحبوب ما يجزئ في كفارة الأيمان. وفي كتاب ابن حبيب: أنّ القطنية لا تجزي في كفارة اليمين، ولا في زكاة الفطر. وقال أشهب في كتبه: لا بأس أن يخرج في تقويم الصيد، وفي كفّارة اليمين من القطنية إذا كان هو معاشه وقوت عياله.
م: وفي كتاب الزكاة اختلاف الرواية في جواز ذلك في زكاة الفطر. ومن المدونة: قال: ولو قوّم عليه الصيد بطعام، فأعطى المساكين قيمة الطعام دراهم أو عرضًا لم يجزه، ككفارة الأيمان. وإن حكم عليه في الجزاء بثلاثين مدًّا فأطعم عشرين مسكينًا ولم يجد عشرة تمام الثلاثين، فله أن يدع الجزاء، ولا يجزئه أن يصوم مكان العشرة، وإنما هو إطعام كله، أو صيام كله، كالظهار، وكفارة الأيمان. م: يريد: يدع بقية الطعام حتى يجد المساكين وإلا أسقط ما أطعم ورجع إلى الصيام. [فصل 3 - لزوم التحكيم فيما حكم فيه الصحابة وفيما لم تحكم] قال عبد الوهاب: وإنما قلنا إن التحكيم يلزم فيما حكمت فيه الصحابة وفيما لم تحكم، خلافًا للشافعي في قوله: إنه يكتفي فيما حكمت فيه الصحابة بما تقدم الحكم به، لقوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}، فعمّ. وإنما قلنا أن ليس به أن يخرج شيئًا من ذلك بنفسه دون التحكيم، ولا يكتفي بأقل من اثنين؛ لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}؛ ولأن عمر بن الخطاب دعى عبد الرحمن بن عوف ليحكم معه على رجل قتل صيدًا وهو
محرم، وكذلك دعى كعبًا في قضية أخرى، ولأنه عدد مشترط بالنص، كالحكمين في النشوز. [فصل 3 - لا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين] ولا يكون القاتل أحد الحكمين، خلافًا للشافعي؛ لقوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}، فخاطب بذلك من يلزمه التحكيم، فاقتضى أن يكون الحكمان غير المحكوم عليه، كما قال: {وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ} فاقتضى أن يكون الشاهدان غير المشهود عليه. ولأنّ الجزاء بدل من المتلف، فلم يرجع فيه إلى أمانة المتلف كتقويم سائر المتلفات.
[فصل [4 - كفارة قتل الصيد على التخيير] وإنما قلنا إن كفارة قتل الصيد على التخيير، والمحكوم عليه مخير خلافًا لما يحكي عن ابن عباس وغيره من أنها على الترتيب، لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} إلى قوله: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا}، وأو: موضوعها التخيير إذا وردت أمرًا، أو إباحة جنس. ولأن صفتها ها هنا كهي في قوله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}، ومفهومها في ذلك الموضع التخيير، فكذلك مسئلتنا./ [209/ أ] [فصل 5 - إذا اختار الهدي فلابدّ فيه من الإشعار والتقليد ويرسل من الحل إلى مكة وينحر ويتصدق به فيها] وإنما قلنا إن اختار المثل أن يكون هدْيًا لقوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}. ولا بد أن يُساق من الحل إلى الحرم، خلافًا لأبي حنيفة، والشافعي في أنه إذا اشتراه من الحرم ونحوه أجزأه عندهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ساق هدْيه من الحل إلى
الحرم، وكان فعله بيانًا للمناسك. [فصل 6 - ما لا يبلغ مثله هدْيًا ففيه حكومة] م: وإنما قلنا إنّ ما لا يبلغ مثله هدْيًا ففيه حكومة، وهي مثل قيمة لحمه؛ لأنّ هذا سبيل سائر المتلفات أنّ المراعاة فيما له مثل وجوب مثله، فإن عدم المثل فالقيمة مقامه. ولأن الناس قائلان: معتبر للقيمة في سائر الصيد، ومقتصر بها على ما لا مثل له من النعم، فقد تضمن ذلك الإجماع. وإنما قلنا إن اختار التكفير بالإطعام قوّم الصيد نفسه بالطعام، لا المثل، خلافًا
للشافعي في أنه يقوّم المِثْل، لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} إلى قوله: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ}، وظاهره أن يكون الإطعام جزاء عن المقتول ومعتبر به دون المثل، ولأن المتْلَف هو الصيد دون المثل، فوجب أن يكون هو المقوّم كسائر المتْلَفات. [فصل 7 - في صفة التقويم] وإنما اخترنا أن يقوم الصيد بالطعام دون الدراهم؛ لأن الطعام بدل من الصيد، فوجب أن يقع به التقويم. وإنما يقوم بالدراهم: إذا كانت هي المأخوذة في القيمة، وهذا هو الاختيار. فإنْ قوم الصيد بدراهم ثم اشترى بها طعامًا جاز؛ لأن ذلك يؤول إلى معرفة القيمة من الطعام. وإنما قلنا يصوم لكسر المدّ يومًا؛ لأن إسقاط الصوم غير جائز، وتبعيضه غير ممكن، فلم يبق إلا جبره بالإكمال، كالأَيْمَان في القَسَامة. [فصل 8 - في موضع التقويم] وإنما قلنا يقوم في الموضع الذي قتل فيه الصيد بغالب طعام ذلك الموضع إلاّ أن يكون موضعًا لا طعام فيه ولا قيمة فيعدل إلى أقرب المواضع إليه؛ لأنه لا يوصل إلى معرفة القيمة بأكثر من ذلك.
وإنما قلنا يطعم لكل مسكين مدًّا اعتبارًا بسائر الكفارات. وفدية الأذى ليست بكفارة، إنما هي فدية مخصوصة بتقدير. [فصل 9 - إن اختار الصيام صام عن كل مد يومًا] وإنما قلنا إن اختار الصوم صام لكل مُدّ يومًا. وقال أبو حنيفة: يصوم لكل مُدّين يومًا. ودليلنا: اعتبارًا بكفارة الفطر في رمضان؛ لأنه صيام بدل عن إطعام وجب لحرمة عبادة، ولا تدخل عليه كفارة الظهار؛ لأنه ليس لحرمة عبادة، ولا فدية أذى. [فصل 10 - الواجب في الصيد مثله من النعم أو مقاربه في الخلقة والصورة] ومن المدونة: قلت: فهل يبلغ بشيء من جزاء الصيد هدْيين؟ قال: ليس من الصيد شيء إلا وله نظير من النعم. قال: وإن أصاب صيدًا نظيره من الإبل فقال: أحكموا عليّ من النعم ما يكون مثل البعير أو مثل قيمته، فلا يحكم عليه إلا بنظير ما أصاب، إنْ كان من الإبل فمن الإبل، وإن كان من البقر فمن البقر، وإن كان من الغنم فمن الغنم، لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}، وإنما ينظر إلى مثله في نحوه وعظمه.
قال عبد الوهاب: وإنما قلنا يحكم عليه بمثله لا بقيمته، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه مضمون بالقيمة، لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}، ففيه أدلة: أحدها: إنّ إطلاق المماثلة من النعم يقتضي الخِلْقَة في هذا النوع دون غيره. والثاني: قوله: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}، وهذا كناية عائدة على الجزاء وهو المثل من النعم، ولا ذكر للقيمة في الظاهر. وأوجب أن يكون نفس الشيء المحكوم به هديًا بالغ الكعبة، وهذا لا يمكن في القيمة. وقوله صلى الله عليه وسلم: «والضبع صيد وفيها كبش إذا أصابها المحرم»، ففيه أيضًا أدلة: أحدها: أنه عين الواجب فيها وهو الكبش، وعند المخالف أن الواجب القيمة. والثاني: أنه جعل فيها جزاءً مقدرًا، وعندهم لا يتقدر؛ لأنه يزيد وينقص باختلاف القيمة. ولأنه إجماع الصحابة: عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وعائشة، ومعاوية رضوان الله عليهم،
ولا مخالف لهم؛ ولأنه حيوان يخرج في كفارة، فوجب أن لا يكون على وجه القيمة كإعتاق الرقبة. قال: وفي النعامة بدنه بذلك حكمت الصحابة/ رضي الله عنهم لأنها أشبه [209/ ب] شيء بها من بهيمة الأنعام. وفي حمار الوحشي والأَيْل بقرة؛ لأنها أقرب شبهًا بهما من الإبل والغنم. وفي الغزال شاة لأنها أشبه بها من الإبل والبقر.
وفي حمام مكة والحرم شاة بذلك حكمت الصحابة. [فصل 11 - في صغار الصيد مثل ما في كباره] وفي صغار الصيد مثل ما في كباره، خلافًا للشافعي في قوله: إن في النعامة الكبيرة بدنة، وفي الصغيرة فَصيلاً، وفي حمار الوحش بقرة، وفي سخْلِه عجلاً. ودليلنا قوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}، فلو تركنا وهذا لقلنا مثله في الكبر والصغر والصورة فلما قال: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} اقتضى ما يتناوله اسم الهدي بحق الإطلاق، وذلك يقتضي الهدي التام لأمرين: أحدهما: إن الصحابة قالت: إن الهدي بدنة أو بقرة وأدناه شاة، فلما علم اسم الهدي لم يبق هدي إلا ما هذه صفته. والآخر: إن من قال: علي هدي، لزمه هدي تام لا صغير. ولأنه حيوان مخرج باسم الكفارة فلم يختلف باختلاف سن المتلف، أصله الرقبة في كفارة القتل، والظهار.
ومن المدونة: قال مالك: ومن ترك من نسكه شيئًا يجب عليه به الدم، وجزاء الصيد أيضًا، فإن ذلك لا يذبح ولا ينحر إلا بمكة أو بمنى إن كان أوقفه بعرفة ولا يخرجه إلى الحل ثانية. م: وهذا يدل على أن عرفة في الحل. قال مالك: وإن أراد أن يحكم عليه في الجزاء بالطعام فإنما يحكم عليه في الموضع الذي أصاب الصيد فيه، فإن حكم عليه فيه بالطعام فلا يطعم في غير ذلك المكان. قال مالك: يحكم عليه بالمدينة ويطعم بمصر!! إنكارًا لمن يفعل ذلك. قال ابن القاسم: يريد: إن فعل لم يجزه. قال في كتاب محمد: إلاّ أن يتفق سعراهما فيجزئه. وإن أصابه بمصر وهو محرم فأطعم بالمدينة أجزأه؛ لأن السعر بالمدينة أغلى. قال أصبغ: إذا أخرج على سعره بموضعه ذلك أجزأه إن شاء الله حيث ما كان. قال مالك: وإن أصاب صغيرًا من الصيد قوّم بالطعام كم يسوى الكبير منه؟ وكما يهدي عن صغيره مثل ما يهدي عن كبيره. ومن المدونة قال مالك: وأما الصيام في الجزاء فحيث ما شاء من البلاد، والنسك كذلك له أن ينسك أو يطعم أو يصوم أين ما شاء من البلاد.
قال: وإن قال: أحكما علي بالجزاء، ففعلا، فله أن يهديه متى شاء، إن شاء أهداه وهو حلال أو حرام، ولكن إن قلده وهو في الحج لم ينحره إلا بمنى، وإنْ قلده وهو معتمر أو بعث به نحر بمكة. [فصل 12 - كُلُّ ما صغر عن أن يكون له نظير من النعم يُهْدى، فإنه ليس فيه إلا الطعام أو الصيام] وإن أصاب المحرم اليربوع، أو الضب، أو الأرنب، وشبهه حكم عليه فيه بقيمته طعامًا، وخُيّر المحرم، فإن شاء أطعم كل مسكين مُدًّا، أو صام لكل مدّ يومًا، وقد تقدم أن في حمام مكة والحرم شاة، وأما دُبْسِيّ الحرم وقمريه، فإن كان من الحمام عند الناس ففيه شاة، واليمام مثل الحمام، وأما حمام غير مكة والحرم ففيه حكومة. قال: وإذا وطئ المحرم ببعيره على ذباب، أو ذر، أو نمل، فليتصدق بشيء من طعام، وكذلك لو تقلب في نومه على جراد، أو ذباب، أو غيره من الصيد، فعليه الكفارة. ثمّ كتاب الحج الثالث من الجامع لابن يونس، وهو آخر كتاب الحج بحمد الله تعالى وعونه وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
كتاب الصيد من الجامع
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الصيد من الجامع [الباب الأول] في إباحة الصيد وّذِكْر الصيد للهو، وتعليم الجوارح، وإرسالها، وذكر التسمية عندها. قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ}، فالذي تناله الأيدي: صغار الصيد وفراخها في وكورها. والذي تناله رماحنا: الكبير الممتنع بنفسه، وقال تعالى: / {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}، وقال تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} 210/ أ، فتكليبها: تعليمها الاصطياد، ودخل مدخل الكلاب في الاصطياد بها غيرها من السِّباع المعلمة وسباع الطير بدخولها في اسم الجوارح، والجوارح: الكواسب لقوله عز وجل: {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ}، أي: ما كسبتم، وقال سبحانه: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ} يريد: اكتسبوها، فجعل عز وجل إمساكهن ذكاة حين لا تصل الأيدي إلى الذكاة، وكذلك السِّهام.
فصل [1 - الصيد مباح إلا أن يكون القصد به اللهو فيُكره] قال ابن حبيب: روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تبدّى جفا، ومن لزم الصيد لها، ومن لزم السلطان فُتِنْ» في حديث آخر: «من لزم الصيد غفل». وكره مالك الصيد للهو ونهى عنه ورآه سفهًا، ولم يجز قصر الصلاة فيه، وأجازه لمن يصطاده لعيشه وعيش أهله. قال مطرف، وابن الماجشون: واستخف مالك الصيد لأهل البادية، وقال: هم بمكانة ولا غنى لهم عنه، ويرى خروج أهل الحضر إليه سفهًا وخِفّة. قال أبو محمد، ومحمد بن عبد الحكم: يجوز الصيد للهو؛ لقوله تعالى: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} فعم.
فصل [2 - في اشتراط كون الجارح مُعلّمًا وصفة التعليم] ومن المدونة: قال مالك: والمُعلم من بازٍ أو كلب: هو الذي يعقل: إذا زُجِر انزجر، وإذا أرسل أطاع، وقال السلالقه، وغيرها إذا عُلّمت فهي سواء. قال ابن القاسم: والفهد وجميع السباع إذا علمت فهي كالكلاب. م: وقال غيرنا: لا يؤكل إلا صيد الكلاب، وقال غيره: لا يؤكل صيد الكلب البهيم. ودليلنا: قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} فعمّ، وقوله صلى الله عليه وسلم
«إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله تعالى فكل»، ولم يفرق بين البهيم وغيره، وقوله في حديث عدي: «ما علمت من بازٍ، أو كلبٍ، ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك». ومن المدونة: قلت لابن القاسم: فجميع سباع الطير إذا علمت أهي بمنزلة البزاة؟. قال: البزاة، والعِقبان، والزّمامجة، والشذانقات، والصُقور المعلمة، وما أشبهها فلا بأس بها عند مالك. قال ابن حبيب: وتعليم الكلب: أن تدعوه فيجيب، وتشليه فينشلي، وتزجره فينزجر، وكذلك الفهود.
فأما البزاة، والصقور، والعِقْبان فإنما تعليمها أَنْ تُجيب إذا دُعيت وتنشلي إذا أُرسلت، فأما أن تنزجر إذا زُجرت فليس ذلك فيها ولا يمكن منها، وقاله ربيعة، وابن الماجشون. قال أبو محمد: وقال بعض اللغويين: ويُقال للزجر: إشلاء، كما يُقال: زجرت التّنّور: إذا أوقدته، ويُقال: كف، ويُقال له: زاجر ومزدجر. قال ابن حبيب: ولا يؤكل صيد النِمس إذا قتل، وإذا أنفذ المقاتل؛ لأنه ليس بمعلم ولا يفقه التعليم. فصل [3 - فيمن أرسل كلبًا غير معلم أو أرسل معلمًا فشركه آخر غير معلم] ومن المدونة: قال مالك: ومن أرْسل كلبًا غير معلم لم يؤكل ما اصطاد إلا أن يكون معلمًا أو يدرك ذكاته فيذكيه. قال: وإن أرْسل كلبًا، أو بازًا مُعلّمًا على صيد فأعانه عليه كلبٌ أو بازٌ غير معلم لم يؤكل إلا أن يدرك ذكاته فيذكيه.
قال ابن القاسم: وكذلك لو أعانه عليه كلب مُعَلّم لم يرسله أحد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عديّ: «وإن خالط كلبك كلابًا فقتلن ولم يأكلن منه شيئًا فلا تأكله لأنك لا تدري أيها قتلته». قال عبد الوهاب: وأجاز الشافعي أكل كل ما شورك فيه على كل وجه. ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عدي: «وإن شاركه كلب آخر فلا تأكله». قال ابن القاسم: إلاّ أن يكون الثاني أرسله صاحبه أيضًا على الصيد يعينه ونوياه جميعًا فقتله كلباهما فإنه يؤكل، ويكون الصيد بينهما إذْ لا مزية لأحدهما على الآخر إلا أنْ يعلم أن الأول/ أنفذ مقاتله قبل وصول الثاني إليه فيكون للأول؛ لأن الذكاة قد 210/ ب تمت به دون الثاني.
قال ابن المواز: ومن أرسل كلبًا على صيد ثمّ مدّه بآخر بعد أن فارقه الأول فقتلاه، أو قتله أحدهما فأكلُه جائز. قال أصبغ: ما لم يكن إرسال الثاني بعد ما أخذه الأول فشركه في قتله، أو قتله الثاني وحده، فهذا لا يؤكل، يعني: ما لم يُعنيه بعد إنفاذ الأوّل مقاتله، فهذا يؤكل. قال أصبغ: ولو أرسل الثاني قبل أن يأخذه الأول فهذا من قتله منهما فإنه يؤكل. ومن المدونة: قال مالك: وإنْ أرسل مسلم كلبًا معلمًا لمجوسي أكل صيده. م: وهو كذبيحة سِكّينه. قال مالك: وإنْ أرسل مجوسي كلب مسلم معلم فقتل الصيد لم يؤكل كذبحه بسكين المسلم، وإن أرسل مسلم ومجوسي كلبًا فأخذ الصيد فقتله لم يؤكل. ابن حبيب: وكذلك سهماهما إلا أن يؤقن أن سهم المسلم قتله دون سهم المجوسي مثل أنْ يوجد سهم المسلم في مقتله، وسهم المجوسي في عضو سواه يريد: أطرافه، قال: فإنه يحل ويقسم بينهما.
قال: ولو أخذاه حيًا حكم للمسلم بذبحه وأخذ نصفه. قال أبو محمد عن بعض أصحابه: فإن قال المجوسي: أنا لا آكل ذبيحة المسلم فإنهما يُؤْمران ببيعه ويُقْسم ثمنه إلا أن يكون بموضع لا ثمن له فيُمكّن المسلم من ذبحه إن شاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه». فصل [4 - في التسمية عند الرمي، وعند إرسال الجوارح وعند الذبح] ومن المدونة: قال مالك: ولا بد من التسمية عند الرمي، وعند إرسال الجوارح، وعند الذبح. م: لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}، وقال: {وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ}، وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا أرسلت كلبك وسميت فكل»؛ ولأن العقر أحد نوعي الذكاه فوجب أن يسمّي له كالذبح. قال مالك: فإن نسي التسمية في ذلك كله أكل وسمّى الله تعالى.
قال ابن القاسم: وإن ترك التسمية عمدًا لم يؤكل كقول مالك في ترك التسمية على الذبيحة. وقال أشهب: إن ترك التسمية مستخفًا بها فلا تؤكل، وأما من لا يعلم ما عليه في تركها فإنها تؤكل. م: والتسمية عند مالك واجبة عند الذكر وقول الله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}، وقوله: {وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} إنما يعني بهذا على ما ذكره المفسرون: أي كلوا ما ذبح بملتكم، ولا تأكلوا مما لم يذبح بملتكم، ولم يعن لذلك التسمية. وسبب نزول الآية: أنّ الكفار كانوا يقولون للمسلمين: ما لكم تأكلون مما ذبحتم ولا تأكلوا مما ذبح الله؟ يعنون لما ذبح الله: الميتة، فأنزل الله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} {وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}، ألا تراه عز وجل قال: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ}، فمجادلتهم كانت قولهم: لم تأكلوا مما ذبحتم ولا تأكلوا مما ذبح الله؟. والله أعلم.
ومن المدونة: قال مالك: ومن أمر عبده بالذبح، وأمره بالتسمية مرتين أو ثلاثًا كلُّ ذلك يقول العبد: قد سميت ولم يسمعه السيد فلا بأس أن يصدقه ويأكل مما ذبح، إلا أنْ يتركه تنزهًا، كما فعل عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة. قال أشهب: ولا يحتاج إلى التسمية في صيد الحوت، وروي عن ابن المسيب: إذا خرجت قانصًا وذكرت اسم الله تعالى حين تخرج كفاك، ويروى نحوه عن ابن عباس. قال ابن حبيب: يعني: إذا نسي التسمية. م: وظاهر قولهما خلاف ما تأوّل ابن حبيب، وأن التسمية تجزي حين الخروج للصيد، خلافًا لما قال مالك - رحمه الله - والله عز وجل أعلم.
[الباب الثاني] فيما توارى عنك من الصيد أو بات أو فرطت في تذكيته
[الباب الثاني] فيما توارى عنك من الصيد أو بات أو فرّطت في تذكيته قال مالك - رحمه الله -: / ومن توارى عنه كلبه والصيد ثم وجده ميتًا فيه أثر 211/ أكلبه أو بازه أو سهمه أَكَلَهُ، وإن لم يجده إلا آخر النهار ما لم يبت، فإن بات فلا يأكله وإن أنفذت مقاتله الجوارح أو سهمه وهو فيه. قال ابن القاسم: ولم أرَ لمالك ها هنا حجة أكثر من أنها السنة عنده. قال ابن المواز: أما السهم: فلا بأس بأكل ما أنفذ مقاتله وإن بات، وأما الكلب، والبازي: فلا يأكله إن بات، وقاله أصبغ. وكان ابن القاسم، وأشهب يريان في السهم ألاّ يؤكل إذا بات. ابن القاسم: وقاله مالك. م: وإنما قال ذلك: لحديث ابن عباس وهو قوله: «كل ما أصميت، ولا تأكل ما أنميت». والإصماء: ما حضرت موته أو قرب منك، والإنماء: ما بعد منك موته.
قال ابن المواز: وهذا حديث مبهم، ليس فيه أنّ السهم أنفذ مقاتله، أو لعله فيما لم ينفذ مقاتله، وهو بيّن لا شك فيه. قال أصبغ: وقد اختلف الناس في تأويله، فقال بعضهم: هو السهم الذي لم تنفذ مقاتله وبات لما يخاف أنْ يكون أعان على موته طول الليل أو هوام الأرض والوحش، وأما إذا أصبت سهمك فيه قد أنفذت مقاتله وهو فيه لا شك في معرفته فقد ذكّته رميتك فلا يضرّك ما أعان على موته. قال أصبغ: وقد أمن عليه مما يخاف الفقهاء أن يكون موته من غير سبب السهم. قال: ولم نجد لرواية ابن القاسم هذه عن مالك ذكر في كتب السماع، ولا رواها له أحد من أصحابه، ولم يشكّ أنّ ابن القاسم وَهِمَ فيها، أو عن بلاغ ضعيف. وقد قال مالك في السهم إذا أنفذ مقاتل الصيد، ثم تردّى من جبل أو غرق في نهر أن أكله حلال؛ لأنّ السهم قد أنفذ مقاتله. قال أصبغ: فكذلك الميت. قال ابن المواز: وبه أقول، وهو الصواب. وقد حُدّث أن عدي بن حاتم سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إنا نرمي الصيد، ثم نطلب الأثر بعد ليلة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيت سهمك تعلم أنه قتله
فكله»، وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن رمى صيدًا ثم أتبعه حتى وجده من الغد، وبه أثر سهمه يعرفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يأكله، لا يدري أهوام الأرض أعان عليه، لو تعلم أن سهمك قتله لأكلته». قال ابن المواز: فهذا قوة على أن لو كان قتله السهم لم يضره المبيت. والله أعلم. قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: يؤكل ما بات إذا وجد قد أنفذت الجوارح مقاتله أو السهم إذا لم يشك في ذلك، وقاله أشهب، وابن عبد الحكم، وأصبغ. وقال ابن القاسم: لا يؤكل، والأوّل أحبّ إلينا. وما ذكر ابن حبيب عن أشهب خلاف ما ذكر عنه محمد، والصواب من ذلك ما قاله أصبغ في كتاب محمد. قال سليمان: وقاله سحنون، وعليه جماعة من أصحابنا. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو لم يبت إلا أنه لما توارى عنه الجارح والصيد رجع عنه الرجل إلى بيته، ثم عاد فأصابه من يومه لم يؤكل إذ لعله لو كان في الطلب ولم
يفرّط أدرك ذكاته قبل فوات نفسه أو قبل إنفاذ مقاتله، فلما رجع إلى بيته فقد فرّط، ألا ترى أنه لو أدركه قبل أن ينفذ الكلب مقاتله فتركه حتى قتله الكلب لم يؤكل. قال مالك: وكذلك لو أدركه حيًا فاشتغل بإخراج سكين من خُرْجِه أو بانتظار من هي معه من عبد أو غيره حتى تقتله الجوارح أو يموت، وقد اعتزلت الجوارح عنه لم يؤكل؛ لأنه أدركه حيًا، ولو شاء أنْ يذكيه ذكاه. ابن المواز: ولو كانت السكين في خُفِّه، قال ابن القاسم - في العتيبية - أو في حِزاَمه فبينما يخرجها من الخف أو الحِزَام مات الصيد فلا بأس بأكله؛ لأنه حملها في موضع تحمل فيه فلم يفرّك، والذي حملها في الخُرْج قد فرّط، فافترقا. ومن المدونة: ولو أدرك الصَّيد يَضْطرب وقد أنفذت الجوارح مقاتله فالأحسن عند مالك أن يَفْري أوداجه، فإن لم يفعل وتركه / حتى مات أكله، ولا شيء عليه. 211/ ب قال مالك: وإنْ كان قد أدرك الكلب أو البازي على صيد فأراد أنْ يُذكيه فلم يستطع، فإن كان قد غُلِب عليه ولم يأت التفريط منه حتى فات بنفسه فله
أكله، ولو كان لو شاء أن يعزله عنه عزله وذكاه فلم يعزله حتى مات لم يأكله. قال ابن المواز: ولو مرّ به غير صاحبه فرآه في مخالب البازي، أو في فم الكلب، وكان يقدر على تخليصه فتركه ولم يلحقه صاحبه حتى فات بنفسه فلا يؤكل، وغير صاحبه في هذا مثل صاحبه، وقاله مالك. ومن المدونة: قال مالك: فإن كان لا يقدر على خلاصه من الكلب إلا أنه يقدر أن يذكيه تحته فليذكيه، فإن لم يذكه حتى مات فلا يأكله. قال: ولو قدر على خلاصه من الكلاب فذكاه وهو في أفواهها تنهشه فلا يؤكل إذْ لعله من نهشها مات. قال ابن القاسم: إلا أنْ يوقن أنه ذكاه وهو مجتمع الحياه قبل أن تنفذ هي مقاتله فلا بأس بأكله، وبئس ما صنع، كقول مالك فيمن ذبح شاةً ثمّ منها بضعة قبل أن يزهق نفسها أنّ البضعة تؤكل، وبئس ما صنع، فقطعُُ البضعة منها قبل زهوق نفسها كترك الكلاب تنهشها بعد ذبحها. قال: وإن أدركه وقد أنفذ الكلب أو البازي أو السهم مقاتله فقد فرغ من ذكاته كلها.
قال مالك: وإن أدركه والكلاب تنهشه ولم تنفذ مقاتله وليس معه ما يذكيه به فتزكه حتى مات بقتله لم يؤكل، وإن أدركه حيًا فبادر بذبحه ولم يفرّط حتى فات بنفسه أكل.
[الباب الثالث] في أكل الجوارح المعلمة من الصيد
[الباب الثالث] في أكل الجوارح المعلمة من الصيد قال ابن حبيب - في قول الله عز وجل -: «فكلوا مما أمسكن عليكم»: يقول: مما صِدْن فأَدْرَكن، ليس يريد: أن يمسكه فلا يأكل منه. قال مالك: وإذا أكل الكلب من الصيد أكثره أو أقلّه فليأكل بقيته ما لم يبت، وهو إنْ أكل من كل ما أخذ فهو معلم. ومن كتاب ابن المواز: قيل لمحمد: فالحديث الذي روي عن الشعبي أنّ عدي بن حاتم سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلب فقال: «إذا أرْسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله، وإن أدْركته لم يقتل فاذبح واذكر اسم الله، وإنْ أدركته وقد قتل ولم يأكل فكل فقد أمسك عليك، وإن وجدته وقد أكل منه فلا تطعم منه شيئًا فإنما أمسك على نفسه». وما روي عن ابن عباس: أنه لم ير أكله، وقد احتج في ذلك بقوله تعالى {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}، وهذا إنما أمسك على نفسه. قال ابن المواز: رُوي هذا الحديث، وروي نقيضه، وروي أن أبا ثعلبة الخشني
سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي كلابًا فافتني في صيدها؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كانت من كلابك معلّمة فكل ما أمسكت»، فقال له: ذكي أو غير ذكي؟ فقال: «نعم»، فقال: وإنْ أكلت منه شيئًا؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، وإن أكلت». قال ابن المواز: فهذان حديثان عن الرسول صلى الله عليه وسلم صحب أحدهما العمل، وقال به جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم منهم: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وابن عمر، وسلمان الخير، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وربيعة،
وابن شهاب، وعطاء رضي الله عنهم، ولم يزل العلماء يتبعون الأحاديث ولا يأخذون إلاّ بالمعروف المعمول به منها، فالعمل أثبت من الأحاديث؛ لأنّ فيها الناسخ والمنسوخ، وفيها ما صح، وهو خاص، وفيه ترغيب وليس بحكم، وفيها ما لا يصح، وإنما تعلق أصحاب ابن عباس والشعبي بحديث عدي بن حاتم. قال ابن حبيب: وقد روي في حديث عدي بن حاتم نحو حديث أبي ثعلبة. قال غيره: وقد اختلف عن عدي فيه، وقد ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول: إذا أكل الكلب فلا تأكل، وإذا أكل الصقر فكل؛ / لأنك تضرب الكلب وتطرده 212/ أوينتهي، ولا يستطيع أنْ تضرب الصقر.
[الباب الرابع] فيمن أرسل كلبه أو بازه أو سهمه على صيد فأخذ غيره، أو على جماعة فأخذ بعضها
[الباب الرابع] فيمن أرسل كلبه أو بازه أو سهمه على صيد فأخذ غيره، أو على جماعة فأخذ بعضها قال ابن القاسم: ومن أرسل كلبه على جماعة صيد ولم يرد واحداً منها دون الآخر فأخذها كلها أو بعضها أكل ما أخذ منها. وقد قال مالك فيمن أرسل بازه على جماعة من الصيد ونوى ما أخذ منها فأخذ أحدها، أو يرمي جماعة من الطير ينويها فيصيب واحداً منها فليأكله، فهذا يدلك: أنه إذا أصابها كلها فلا بأس بأكلها. وقال مالك: إذا أصاب برميته اثنين منها أكلهما. وقال ابن المواز: إذا أرسله على جماعة ينوي ما أخذ منها فأخذ اثنين أو واحداً بعد واحد فلا يأكل إلا الأول، إلا أن يقتلهما في رميةٍ واحدة فيصير كقول مالك في السهم يؤكل كل ما قتل في رميته إلا أن ينوي في السهم وغيره واحداً بعينه فلا يأكل غيره، وهذا عندي معنى كلام مالك فيما قتل الكلب أو السهم من الجماعة أنه يؤكل. ورأى ابن القاسم: أن الكلب والبازي إذا قتل تلك الجماعة أكلت، كقول مالك في السهم، وذلك مفترق؛ لأنها رمية واحدة في السهم. والكلب إذا قتل واحداً احتاج في
قتل الثاني إلى إرسالٍ ثانٍ. ومن المدونة: قال مالك: فإن رأى جماعة من الطير في الهواء بعضها فوق بعض، فرمى وهو يريد ما أصاب منها جميعاً فليأكل ما أصاب من الجماعتين جميعاً. قال ابن المواز: ولو أرسل على طيور وظباء ينوي ما أخذ من ذلك فما أخذ من ظبي أو طير فهو يؤكل، وكذلك لو أرسلت على ظبي وأرنب كلبين فأخذ هذا طبياً وهذا أرنباً فإنه يؤكل ما أخذا. ومن المدونة: قال: وإن أرسل كلباً على جماعة صيد ونوى واحداً منها بعينه فأصاب غيره أو نوى جماعة فأصاب من جماعة أخرى غيرها فلا يأكله إذا كان قد أنفذ مقاتله. قلت: فإن أرسل كلبه على صيد لا يرى غيره ونوى ما أصاب سواه؟ قال: فليأكل ما أصاب من سواه، وكذلك قال مالك: إذا أرسله على جماعة ونوى إن كان وراءها غيرها فهو عليها مرسل فليأكل ما أخذ من سواها. وقال أشهب: لا يأكل إلا ما أرسل عليه إلا ما أدرك ذكاته مما لم يره،
وكذلك عنده إذا أرسله في غيظه لا يعلم ما فيها فلا يؤكل ما أصاب. قال ابن القاسم: وإن أرسله على جماعة ينويها ولم ينو غيرها لم يأكل ما أصاب من غيرها، كان قد رآها أو لم يرها. قال: وإن رميت صيداً اعتمدته فأصبت غيره، أو أصبته فأنفذته، وأصبت آخر وراءه لم تأكل إلا الذي اعتمدت إلا أن تنوي ما أصاب من سواه فلتأكل كل ما صاد سواه.
[الباب الخامس] في خروج الجارح بإرسال ربه أو بغير إرساله، وكيف إن عجز عن الصيد، ثم عاد فأخذه
[الباب الخامس] في خروج الجارح بإرسال ربه أو بغير إرساله، وكيف إن عجز عن الصيد، ثم عاد فأخذه قال مالك- رحمه الله- وإذا أثار رجل صيداً فأشلى عليه كلبه وهو مطلق فانشلا وصاده من غير أن يرسله من يده فليؤكل ما صاد، ثم رجع مالك فقال: لا يؤكل حتى يطلقه من يده مرسلا له مشلياً، وبالأول أخذ ابن القاسم. ابن المواز: وكذلك لو رآه الكلب، ثم لم يخرج إليه إلا بإرسال ربه لأكل. ومن المدونة: قال ابن القاسم: قال مالك: ولو ابتدأ الكلب طلبه أو أفلت من يده عليه ثم أشلاه ربه بعد ذلك فأخذ الصيد فقتله لم يؤكل إلا أن يدرك ذكاته قبل إنفاذ مقاتله؛ لأن الكلب خرج من غير إرسال ربه؛ لأن الإرسال شرط في جواز الأكل بدليل قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}، ولا يكون ممسوكاً علينا إلا بأن نرسله، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى فكل)؛ ولأن من شرط الذكاة النية، فإرسال الكلب كنية الذابح.
قال ابن المواز: وأجاز أصبغ أكل ما يبتدي الكلب طلبه إذا أتبعه ربه بالإشلاء والتحريض والتسمية. قال ابن المواز: ولا يعجبني. قال ابن المواز: ومن رأى كلبه يحد النظر وكالملتفت فأرسله على شيء لم يره فليأكل ما أخذ، وذلك كإرساله إياه في الغياض والغيران لا يدري ما فيها، أو عرف بالصيد فيها أو لم يعرف، قاله مالك. ومن العتبية: قال ابن القاسم: قال مالك في البازي يضطرب على يد صاحبه على شيء يراه ولم يره صاحبه فيرسله على غير شيء يراه فأخذ صيداً فلا أحب له أكله فلعله غير الذي اضطرب عليه إلا أن يوقن أنه الذي اضطرب عليه بعينه مثل أن يراه غيره ولم يره هو. وإذا اضطرت الكلاب الصيد حتى وقع في حفرة ولا مخرج له منها أو انكسرت رجله فتمادت عليه الكلاب فقتلته فلا يؤكل؛ لأنه أسير. محمد: وهذا إذا كان لو تركته الكلاب قدر ربها على أخذه بيده، ولو لجأ إلى
غارٍ لا منفذ له أو إلى غيضه فدخلت الكلاب إليه فقتلته لأكل، ولو لجأ إلى جزيرة أحاط بها البحر فوعر طريقه إليها فأطلق عليه كلابه أو تمادت فقتلته، فأما الجزيرة الصغيرة التي لو اجتهد طالبه لأخذه بيده ولا تكون له من الماء نجاة، أو كانت جزيرة كبيرة يجد الروغان فيها لاتساعها حتى يعجز طالبه إلا بسهم أو كلب فإنه يؤكل الصيد. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أرسل كلبه أو بازه على صيد فطلبه ساعة ثم رجع عن الطلب، ثم عاد فقتله، فإن كان كالطالب له يميناً وشمالاً أو عطفاً وهو على طلبه، فهو على أول إرساله، وإن وقف لأكل جيفة أو لشم كلب أو سقط البازي على موضع عجزا عنه ثم رآياه فاصطاداه فلا يؤكل إلا بإرسال مؤتنف.
[الباب السادس] في قطع الجارح أو الصائد عضوا من الصيد أو جزله نصفين
[الباب السادس] في قطع الجارح أو الصائد عضواً من الصيد أو جزله نصفين قال مالك: وإذا قطع الكلب أو البازي عضواً من الصيد من يد أو رجل أو جناح أو فخذ أو عظم أو غيره فأبانه فليذكيه ويأكل بقيته دون ما أبان منه، وإن لم يدرك ذكاته ومات بنفسه من غير تفريط فليأكله دون ما أبان منه. قال ابن المواز: ولو أدركه حياً ففرط في ذكاته حتى فات لم يؤكل منه شيء. ومن المدونة: قال مالك: وكذلك إن ضربت صيداً فأبنت ذلك منه أو أبقيته معلقاً بالجلد بقاءً لا يعود لهيئته أبداً فإنه يذكى ويؤكل دون ما تعلق منه أو أبان. قال: فأما إن كان ما تعلق به يعلم أنه يلتحم ويعود لهيئته فليؤكل جميعه. قال: وإن ضربته فأبنت رأسه، أو ضربت وسطه فخزلته نصفين فليؤكل جميعه. قال مالك: وكذلك لو ضربه فأبان العجز فليأكل الشقين جميعاً. ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم: كلما ضربته من الوركين إلى الرأس فخزلته نصفين فليؤكل جميعه، ولو أبان فخذيه ولم تبلغ ضربته إلى الجوف فلا يؤكل ما أبان منه، ويؤكل ما بقي.
قال ابن المواز: قال ربيعة، ومالك: ومن ضرب صيداً فأبان وركيه مع فخذيه فلا يؤكل ما أبان منه، وليؤكل باقيه. م: وليس هذا خلاف ما تقدم؛ وإنما معناه: أنه لم يبلغ الجوف. والله أعلم. والعلة في جميع ذلك: أن كل ضربة بلغت المقاتل فخزلت فهو ذكي كله إذ لا حياة للصيد بعد ذلك أبداً، وكل ما لا يبلغ المقاتل وأمكن أن يحي الصيد بعده فالذي خزل منه ميتة؛ لأن كل شيء أخذ من الحي مما جرى فيه الدم فهو ميتة إذ لا يذكي شخص مرتين، فلذلك لم يؤكل ما خزل منه من يدٍ أو رجلٍ. وبالله عز وجل التوفيق.
[الباب السابع] في صيد الصبي والذمي والسكران والمجنون
[الباب السابع] في صيد الصبي والذمي والسكران والمجنون وخص الله تعالى إباحة صيد المؤمنين بقوله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ}، ولم يذكر اليهود ولا النصارى، وصبيان كل قوم مثل رجالهم. قال ابن القاسم: ويؤكل صيد الصبي قبل بلوغه إذا قتلت الكلاب صيده، وقد قال مالك: ذبيحة الصبي تؤكل إذا أطاق الذبح وعرفه فكذلك صيده. قال مالك: وتؤكل ذبيحة اليهودي، والنصراني. قال ابن القاسم: ولا أرى صيدهما مثل ذبائحهما؛ وإنما لا يجوز صيدهما لقول الله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ}. قال ابن المواز: وأجازه أشهب، ولا يعجبنا، وقد كرهه مالك. قال ابن حبيب: ونحن نكرهه، ولا يبلغ به التحريم. والقياس: أنه كذبائحهم، وقد أجازه أشهب، وابن وهب، وإنما ذكر الله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} في ذكره سبحانه لما نهى المحرم عنه من الصيد.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم أو لأعيادهم فقد كرهه مالك من غير تحريم، وتأول فيه قول الله تعالى: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}. قال ابن القاسم: وكذلك ما سموا عليه المسيح فلا أرى أن يؤكل. قال مالك: ويؤكل ما صاده المجوسي في البحر، ولا يؤكل ما صاده في البر إلا أن يدرك المسلم ذكاته قبل أن ينفذ المجوسي مقاتله، وتؤكل ذبيحة الغلام أبوه نصراني، وأمه مجوسية؛ لأنه تبع لدين أبيه إلا أن يكون تمجس وتركه أبوه على ذلك فلا يؤكل صيده، ولا ذبيحته. قال ابن القاسم: وإذا ارتد المسلم إلى أي دين كان فلا تؤكل ذبيحته ولا صيده. قال ابن المواز: قال مالك: ولا يؤكل صيد الصابئ ولا ذبيحته، وقد كره الحسن نكاح نساء الصابئين. قال مجاهد: هو قوم بين اليهود والمجوس لا دين لهم. ابن المواز: قال مالك: لا يؤكل صيد السكران ولا المجنون الذي لا يعقل ولا ذبيحته.
م: لأنهما ممن لا تصح منهما النية، وذلك شرط في الصيد والذبح. قال ابن المواز: ولا تؤكل ذبيحة الأعجمي الذي لا يعقل الصلاة. م: كالمجوسي. قال ابن حبيب: وأكره صيد من لا يتحفظ من المسلمين من جاهل بحدود الصيد غير متحر لصواب.
[الباب الثامن] في صيد البحر وما يحيى منه في البر، وأكل الطافي وخنزير الماء
[الباب الثامن] في صيد البحر وما يحيى منه في البر، وأكل الطافي وخنزير الماء قال الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ}. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". قال مالك: فصيد البحر ذكي لا يحتاج فيه إلى تذكية. قال ابن القاسم: ولا يحتاج في صيده إلى التسمية؛ لأنه ذكي، ألا ترى أن المجوسي يصيده فيكون حلالاً. قال: ولا بأس بأكل الطافي من الحوت، وهو ما مات منه فطفى على الماء. وقال أبو حنيفة: لا يؤكل إلا أن يموت بسبب. ودليلنا: قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ}، ففرق بين الصيد والطعام، فدل أن الطعام ما مات بنفسه، وقوله صلى الله عليه وسلم: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"،
وفي حديث جابر: ان أبا عبيدة أصاب حوتاً ميتاً فأكل الجيش منه ثمانية عشر ليلة، ثم أعلموا النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله، فهل معكم شيء منه؟ ". ومن المدونة: قال مالك: ومن وجد حوتاً في بطن حوت فلا بأس بأكلهما. قال ابن القاسم: وكذلك إن ذبح طير الماء فوجد في بطنه حوتاً فله أكله. م: قيل: فإن وجد الطير ميتاً ووجد في بطنه حوتاً فلا يؤكل إذ قد صار الحوت نجساً. م: والصواب: جواز أكله كما لو وقع الحوت في نجاسة فإنه يغسل ويؤكل فهو كالجدي/ الذي رضع خنزيرة، والدجاج أو الطير التي تأكل النجاسة، فإنها
تذبح وتغسل وتؤكل وإن كان بحدثان ما أكلته، وذلك بخلاف المائعات من زيت ونحوه؛ لأن ذلك يخالطه ويغيب فيه، وقد قيل في الزيت: يغسل من النجاسة، فكيف هذا؟. قال بعض شيوخنا: ومن باع حوتاً فوجد المشتري في بطنه جوهرة غير معمولة مما يعلم أن الأملاك لم تتداولها فهي للبائع؛ لأنه إنما باع منه الحوت خاصة، ولو كانت الجوهرة مثقوبة مما يعلم أن الأملاك جرت عليها فهي كاللقطة، وكذلك قال: لا يبالي في المعمولة، وأما غير المعمولة فهي للمشتري الذي أخرجها، كقول أصحابنا فيمن باع حجراً، وهو لا يعلم ما هو فإذا هو جوهرة فلا حجة له وهي للمشتري. قلت: مما يخرج من دواب البحر فيحي اليوم واليومين والثلاثة والأربعة في البر أيؤكل بغير ذكاة؟. وقال: سئل مالك عن ترس البحر أيذكى؟ فقال: إني لأعظم هذا من قول من قال فيه: إنه لا يؤكل إلا بذكاة؟. قال في العتبية: ولا بأس بأكل ميتته وبصيد المحرم له وإنما يذبح استعجالاً لموته، وما أكره ذبحه إلا أن يدخل على الناس شكاً أن ذلك عليهم فيه، ومن طير الماء ما يعيش في الماء وهو من صيد البر لا يؤكل إلا بذكاة.
ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس بأكل دواب البحر بغير ذكاة، ولا بأس بأكل الضفادع؛ لأنها من دواب الماء، وتوقف مالك أن يجيب في خنزير الماء، وقال: أنتم تقولون خنزيراً، وكرهه يحي بن سعيد، قال ابن القاسم: وأنا أتقيه ولا أرى أكله حراماً. م: وإنما توقف فيه مالك، واتقاه ابن القاسم: لعموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ}، فخاف أن يكون داخلا في الآية، والصواب: أنه ليس بداخل فيها، كما أن ميتة البحر ليست بداخلة في الآية، وقد أجاز أكله ربيعة، وظاهر القرآن والسنة يبيحه، وقد سمي- أيضاً- من دوابه الكلب وغيره ولا يحرم بذلك. ابن حبيب: وكره علي بن أبي طالب رضي الله عنه مالا شقائق له من الحوت من غير تحريم. قال ابن حبيب: كلما لا شقائق له فهو دابة من دواب البحر والماء وليست بحوت وإن كان على خلقته.
وقال ابن عباس: ولا بأس بأكل الجريث، وإنما حرمته اليهود. قال ابن حبيب: وأنا أكرهه؛ لأنه يقال: أنه من الممسوخ. ومن العتبية: قال ابن القاسم: وكره مالك أكل حيتان يصاد بسيكران فتسكر، وخاف على آكلها، وقال: هذا من فعل العجم. وأجاز أكلها في رواية أشهب إذا لم يؤذ من أكلها. قال: ولا بأس بقطع الحوت قبل أن يموت أو يلقى في النار حياً. قال في رواية أخرى: وما أكرهه تلك الكراهية ولو تركه قليلاً مات، وكره غمس رؤسها في الطين، ولم يره شديداً.
[الباب التاسع] جامع القول في صيد الجراد
[الباب التاسع] جامع القول في صيد الجراد قال مالك- رحمه الله-: ولا يؤكل ميت الجراد، ولا ما مات منه في الغرائر بعد أخذه حياً. ابن المواز: وقاله ربيعة، وابن شهاب. وكان سعيد بن المسيب، وعطاء يقولان: إذا صدته حياً فلا بأس بما مات منه. سحنون: وقاله أشهب. ابن وهب: وقال: صيده: ذكاته، ويذكر ذلك عن بعض أصحاب النبي. وقول مالك: أصوب، لأن المحرم لو قلته وداه. قال محمد بن عبد الحكم: يؤكل وإن مات بغير سبب لقوله صلى الله عليه وسلم: "أحلت لنا ميتتان" فذكر: السمك، والجراد.
ومن المدونة: ولا يؤكل منه إلا ما قطعت رءوسه أو قلي أو شوي حياً وإن لم تقطع رءوسه فهو حلال. قيل: أفتطرح في النار وهي حية؟ قال: لا بأس بذلك، وهو ذكاته. قال ابن القاسم: ولو قطعت أرجله أو أجنحته فمات بذلك لأكل ولم أسمعه من مالك. قيل: فإذا أدخلها في الغرائر أليس من فعله ماتت؟ قال: لم أر عند مالك القتل إلا شيئاً يفعله بها بحال ما وصفت لك. قال أصبغ: وقد قال ابن القاسم- قبل ذلك-: لا يؤكل بقطع الأجنحة والأرجل وهو أحب إلي؛ لأنها لا تموت من ذلك، وهي تنسل إذا تركت. ومن كتاب آخر: وقاله أشهب في موتها بقطع الأجنحة والأرجل أنها لا تؤكل، قال: ولو طرحها في ماء حار قبل موتها أكلت، ولم يؤكل ما زايلها من أفخاذها، وأما الأجنحة فهي كصوف الميتة وتؤكل، قال: ولو سلقت أفخاذها معها، يريد: بعد أن قطعت قال: لم تؤكل هي ولا أفخاذها. قال أبو محمد: وهذا غلط بين.
وقد قال سحنون: لو سلقت جراداً مع أحياءٍ لأكلت التي سلقت أحياء بمنزلة خشاش الأرض تموت في القدر. م: وهذا إذا كانت الأحياء تعلم من الأموات وإلا طرح الجميع. وكره سحنون أن تلقى في ماء بارد ولم يجز ذلك إلا في ماء حار. وقال ابن عبد الحكم- في الواضحة-: ولابد من التسمية عليه عندما يكون منه موته من قطع رءوس، وغيره؛ لأنه ذكاته.
[الباب العاشر] في صيد ما أثخن أو أسر، ومن ضرب طيرا في الجو، أو طرد صيدا حتى دخل دار قوم أو حبالاتهم
[الباب العاشر] في صيد ما أثخن أو أسر، ومن ضرب طيراً في الجو، أو طرد صيداً حتى دخل دار قوم أو حبالاتهم قال مالك- رحمه الله-: ومن رمى صيداً فأثخنه حتى صار لا يقدر أن يقوم، ثم رماه آخر فقتله لم يؤكل. قال ابن القاسم: لأن هذا صار أسيراً كالشاة لا تؤكل إلا بذكاة، ويضمن الذي رماه فقتله للأول قيمته، يريد: مجروحاً. قال ابن المواز: ومن أثار صيداً فأشلى عليه كلبه فهو في طلبه فوقع في حفرة أو لجةٍ أو انكسرت رجله فأخذه الكلب فقتله فإنه لا يؤكل، وكذلك كل ما يؤول إليه أمر الصيد فلا يستطيع التخليص والنجاة، ولو تركته الكلاب لقدر صاحبها على أخذه بيده بلا كلاب فتأخذه الكلاب بعد ذلك فتقتله فإنه لا يؤكل، وإن لم يفرط صاحبها ولم يلحقه حتى قتلته الكلاب؛ لأنه صار أسيراً قبل أن تأخذه الكلاب فلا يؤكل. ومن المدونة: قال مالك: ومن رمى طيراً في الجو فسقط فأدركه ميتاً وأصاب السهم لم ينفذ مقاتله لم يؤكل إذ لعله من السقطة مات، وكذلك إن رمى صيداً في
الجبل فتردى من الجبل فمات لم يؤكل إلا أن يكون قد أنفذ مقاتله بالرمية. فصل [فيمن طرد سيداً حتى دخل دار قوم، أو وقع في حبالاتهم] قال ابن القاسم: ومن طرد صيداً حتى دخل دار قوم، فإن اضطره هو أو جوارحه إليها فهو له، وإن لم يضطره وكانوا قد بعدوا عنه فهو لرب الدار. قال مالك: وما وقع في الحبالات فأخذه أجنبي فرب الحبالات أحق به. ومن غير رواية يحيى: ومن نصب فخاً أو حبالات أو حفر حفيراً للصيد فطرد قوم صيداً حتى وقع في ذلك المنصب، فإن اضطروه وأعيوه وألجأوه إليه فهو لهم دون رب المنصب، وإن لم يكن كذلك وقد انقطعوا عنه فهو لرب المنصب، قاله ابن القاسم في العتبية. قال ابن حبيب: وإن تعمدوا طرده إلى الحبالة ليقع فيها فوقع، فهو لهم، ولرب الحبالات بقدر ما يرى له ولهم. وقال أصبغ: هو للذي طرده واضطره للوقوع في ذلك المنصب، وعليه قيمة ما انتفع به من ذلك المنصب، كمن صاد بسهم رجل أو بازه أو كلبه. وهذا هو القياس. ووجه قول ابن القاسم: أنهم لما وضعوا الحبالات ونحوها للصيد فصدوه به جعل حقهم فيه، لأن كل واحد قصده فأشرك بينهم فيه بقدر ما يرى له ولهم.
وفي كتاب محمد: قال محمد: سواء تعمدوا طرحه في ذلك المنصب مثل أن يعمدوا إلى طريقة فيوعرونها ويسدونها حتى لا تجد منجاً ولا مذهباً إلا إليه، ثم يأخذوا في طرده حتى تقع فيه، أو لم يتعمدوا طرده ولكن ألجأته كلابه واضطرته حتى وقع فيه فإنه لصائده، وعليه قدر ما انتفع بالحفرة أو الحبالة لربها. وأما إن كان الصيد غير مقسور ولا مضغوط بالطلب ولو شاء أن يذهب إلى غير طريق المنصب لقدر فأراه لصاحب المنصب، ولا شيء لطالبه. قال أصبغ: وكذلك قال ابن القاسم في الصيد يطلبه قوم فيدخل دار رجل فيأخذه فأجاب بمثل ما وصفناه لك في هذا كله. [فصل- فيمن صاد بكلب رجل أو بازه أو فرسه] وروي عن ابن القاسم وغيره: فيمن صاد بكلب رجل أن ما صاد لرب الكلب، وعليه إجارة الصائد مثل لو عدى على عبد رجل فبعثه يصيد له. قال ابن القاسم: وكذلك البازي عندي، وأما إن تعدى على فرس رجل فصاد عليه فالصيد للمتعدي؛ لأنه هو الصائد، وعليه كراء الفرس. وقال أصبغ: الصيد للصائد، وعليه إجارة الكلب، وقاله ابن المواز.
قال: وكذلك من رمى بسهم رجل أو صاد بفرسه، وهو بخلاف من تعدى على عبد رجل فجعله يصيد له، ولا خلاف بينهما في المتعدي على عبد رجل يصيد له أن الصيد لرب العبد، ولا فيمن صاد بفرس رجل أن الصيد للصائد، وعليه أجرة الفرس. واختلفا في الكلب والبازي، فقال ابن القاسم: ذلك لصاحبهما، وعليه أجرة الصائد، وقال أصبغ: ذلك للصائد، وعليه أجرة الكلب والبازي. م: فوجه قول ابن القاسم: فلأن الكلب والبازي هو الآخذ للصيد فهو الصائد كالعبد. ووجه قول أصبغ: بل الصائد من اصطاد بهما، وبإرساله وإشلائه صادفهما كالفرس.
[الباب الحادي عشر] فيما أصيب من الصيد بحجر أو عصى أو مغراض أو حبالات
[الباب الحادي عشر] فيما أصيب من الصيد بحجر أو عصى أو مغراض أو حبالات قال مالك- رحمه الله-: وما أصيب من الصيد بحجر أو ببندق فخزق أو بضع أو بلغ المقاتل لم يؤكل، وليس بخزق وإنما هو رض. م: وهو الموقوذة التي حرم الله أكلها. قال ابن القاسم: إن أصيب الصيد بعود أو بعصى أو رمح أو حربة أو مطردة فخزق فإنه يؤكل، وما أصيب بالمعراض فخزق فكل ما قتل وإن لم ينفذ المقاتل كالسهم إلا أن يصيب بعرضه. قال ابن المواز: وفي حديث عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المعراض؟ فقال "إذا رميت وسميت فخزق فكل وإن قتل، وإذا أصبت بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ".
م: والمعراض: خشبة في رأسها مثل الزج. وقال أشهب: ما خزق المعرض فأحب إلي أن لا يؤكل إلا أن ينفذ المقتل إذ لعل السقطة قتلته. م: هذا وفاق لابن القاسم، وإنما تكلم ابن القاسم فيما لا سقطة فيه أو فيما يؤمن من سقطته الموت، وعلم أن قتله من المعراض، وهو ظاهر الحديث، وأما إذا ضرب بالمعراض طيراً في الجو فسقط فلا يؤكل عند ابن القاسم إذ لعله من السقطة مات إلا أن ينفذ مقاتله كقول مالك فيمن أصاب بسهمه طيراً في الجو أنه لا يؤكل إلا أن ينفذ مقاتله فالمعراض مثله. ومن المدونة: قال مالك: وما قتلت الحبالات من الصيد فلا يؤكل إلا ما أدركت ذكاته من ذلك، وكذلك لو كان فيها حديدة أنفذت المقاتل فلا يؤكل ولا تنفع ذكاته بعد إنفاذ مقاتلة، وليست الحبالات كالجوارح، وقد قال الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ}، وهذه مما ليس فيه تعليم، ولا هي/ كالرمح والسهم لفقد
التسمية فيها عند القتل إذا كان فيها حديدة، والحبالات هي الشرك وهي إذا علقت بالصيد فربما مات وقد قدر عليه، وذكاته: الذبح فصار مقتولاً بغير ذكاة. والفخ عندنا مثل الحبالات، وهو شيء يعمل من أعواد ينصب على العيون ونحوها فيسقط الصيد فيه عند الشرب فلا يؤكل ما قتل كالحبالات. ومن المدونة: قال مالك- رحمه الله-: وإذا طلبت الجوارح صيداً فمات إبهاراً ولم تأخذه لم يؤكل، ولو أخذته الكلاب فقتلته بالبعض والرض أو بغير ذلك ولم تنيبه ولم تدمه لم يؤكل كالموقوذة. قال ابن المواز: ولو أذمته ولو في أذنه أكل. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن مات بصدمها فإنه لا يؤكل، وكذلك إن ضربت الصيد بالسيف حتى مات ولم يقطع فيه لم يؤكل كالعصا، وهذا كله موقوذة عند مالك. ابن المواز: وما علمت أن أحداً أجاز أكله إلا أشهب، فإنه أجازه إذا مات بالصدمة أو بالنطحة أو بضربة السيف وإن لك تجرح. م: ابن المواز: وقول مالك وأصحابه أحب إلينا، وهو قول ابن شهاب. وقد نهي عن النطيحة والموقوذة، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. قال أبو محمد عبد الوهاب: وجه قول ابن القاسم، وهو قول أبي حنيفة: أن
الكلب آلة للاصطياد، فإذا قتل الصيد بصدم أو غيره مما ليس يجرح لم يؤكل، كما لو قتل المعراض بعرضه؛ ولأنه حصل مقتولاً بغير جرح كما لو ضربه بالعصا. ووجه قول أشهب، وهو قول الشافعي: قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}. يريد: قتلن بإرسالكم ولم يفرق، وكذلك الخبر، ولأنه حصل مقتولاً بجارح مرسل عليه، كما لو جرحه. ومن المدونة: قال مالك: ومن رمى صيداً بسهم أو سكين أو سيف فبضع فيه ولم ينفذ مقاتله فمات قبل أن يزكيه من غير تفريط فإنه يؤكل. م: لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل ما ردت عليك قوسك ذكي أو غير ذكي"؛ ولأن إرسال السهم أو الرمح أو شيء من السلاح في الصيد الممتنع كمباشرة الذبح في المقدور عليه. ابن حبيب: قال ابن القاسم: وإن رمى الصيد بحجر حادٍ مثله يذبح فقطع رأسه وهو ينوي اصطياده فلا يعجبني أكله، إذ لعل الحجر قطع رأسه بعرضه.
ومن المدونة: قال مالك: وإن رمى صيداً بسكين فقطع رأسه أكله إن نوى اصطياده، وإن لم ينو اصطياده لم يؤكل منه شيء. قال ابن القاسم: وكذلك لو رمى حجراً فإذا هو صيد فأنفذ مقاتله لم يؤكل، كقول مالك في الذي رمى صيداً بسكين فقطع رأسه ولا ينوي اصطياده أنه لا يأكله، وكذلك لو رمى صيداً وهو يظنه سبعاً أو خنزيراً فأصاب ظبياً لم يؤكل؛ لأنه حين رماه لم يرد اصطياده فلا يأكله. وإن رمى سبعاً ينوي ذكاته لجلده فقال بعض فقهائنا: يجوز أكله؛ لأنه قصد ذكاته، ومحال أن تعمل الذكاة في بعض دون بعض. وقال فقهاؤنا القرويون: لا يؤكل إذ ليس فيه قصد ذكاة تامة. م: وهذا بين، وهو بخلاف أن لو كان/ ممن يجيز أكله فقصد ذكاته لأكله فهذا لا خلاف أن ذلك الصيد يؤكل. ابن المواز: وقال أشهب في كتبه: من رمى طيراً وهو يظنه غراباً فقتله، ثم وجده غير ذلك من الطير جاز أكله؛ لأنه نوى اصطياد ذلك الطير الذي رآه.
م: والأصل في هذا: أن يقصد برميته ذكاة الصيد لأكله؛ لأن الذكاة لا تكون إلا بنية، كقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات".
[الباب الثاني عشر] فيما ند من الإنسية أو الوحشية
[الباب الثاني عشر] فيما ند من الإنسية أو الوحشية قال مالك- رحمه الله-: وما ند من الأنعام الإنسية فلم يقدر على أخذه فهو على أصله لا يؤكل إلا بذكاة الإنسية من الذبح أو النخر. ابن حبيب: وروي فيها بعض الرخصة، وليس بقول مالك. والذي أشار إليه ابن حبيب من الرخصة هو قول أبي حنيفة والشافعي. ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "وفي الأنعام الذكاة في الحلق واللبة"؛ ولأن توحشه لم
ينقله عن أحكام المتأنس من سقوط الجزاء عن الحرم بقتله، وجوازه في الضحايا والهدايا باتفاق فكذلك الذكاة. ومن المدونة: قال مالك: وما دجن من الوحشي، ثم ند واستوحش فإنه يذكى بما يذكى به الصيد من الرمي وغيره؛ لأنه رجع إلى أصله. ابن حبيب: وحمام البيوت والبرك، والأوز من ذلك؛ لأن أصلها وحشية، ولا أرى هذا في الإبل والغنم والدجاج، إذ لا أصل لها في الوحشية يرجع إليه، ولا بأس أن يعقر عقراً لا يبلغ مقتلاً وتعرقب ثم تذكى، وأما البقر فهي عندي لها أصل في بقر الوحش ترجع إليه، فإذا استوحشت ألحقت عندي بالصيد. ومن المدونة: قال مالك: ومن ضرب شاة بسكين وهو لا يريد قتلها ولا ذبحها فأصاب الحلقوم والأوداج ففراهما لم تؤكل؛ لأنه لم يرد ذبحها، وقد قال مالك: لا تؤكل الإنسية بشيء مما يؤكل به الوحش من الضرب والرمي.
قال ابن القاسم: ومن ضرب عنق شاة بالسيف فأبانه وهو يريد ذكاتها فلا تؤكل؛ لأن مالكاً قال- فيمن أراد أن يذبح فأخطأ فذبح من العنق أو من القفا أنها لا تؤكل، فهذا مثله. قال مالك: وإذا دجن عندك صيد، وقد ملكته بصيد أو بشراء، ثم ند فصيد بحدثان ما ند ولم يتوحش فهو لك، وإن لم يوجد بحدثانه وقد لحق بالوحش فهو لمن صاده، وكذلك البزاة والصقور والظباء وكل شيء. قال: ومن صاد طيراً في رجليه سباقان أو ظبياً في أذنيه قرطان أو في عنقه قلادة عرف بذلك، ثم ينظر فإن كان هروبه ليس بهروب انقطاع ولا توحش رد وما وجد عليه ربه، وإن كان هروبه هروب انقطاع فالصيد خاصة لصائده، وأما ما عليه فلربه. قال ابن القاسم: فإن قال ربه: ندمني منذ يوم أو يومين، وقال الصائد: لا ندري متى ند منك فعلى ربه البينة، والصائد مصدق.
وقال سحنون: الصائد مدع، وعليه البينة، وهو الصواب؛ لأن ربه يدعي حقيقة، والصائد لا يكذبه فيها، إنما قال: لا ندري متى ندمنك، فينبغي أن يكون القول قول ربه. وقال محمد بن عبد الحكم: هو للأول، طال الزمن أو قرب، ولا يزول ملكه عنه بهروبه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي. ودليلنا: أن الثاني صاد ممتنعاً لحق بالوحش على صفة ما كان عليه قبل الأخذ الأول فكان له حكم أصله الأول، وكصيد الماء إذا أخذه رجل ثم أنصب من يده في النهر فصاده غيره أنه له.
[الباب: الثالث عشر] ما يجوز أكله من الحيوان والطير، وغيره، أو ينهى عنه
[الباب: الثالث عشر] ما يجوز أكله من الحيوان والطير، وغيره، أو ينهى عنه قال الله سبحانه: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلى أخر الآية}، وقال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} إلى قوله: {بِالْأَزْلَامِ}، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أكل ذي نابٍ من السباع. قال محمد بن الجهم، والأبهري: ونهى مالك عن أكل لحوم السباع والدواب على الكراهية والاحتياط لا على صريح التحريم، وهو المعنى في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم السباع والحمر، يدل على ذلك اختلاف الصحابة في أكلها. وما روى مالك في حديث عبيدة بن سفيان: "أكل كل ذي ناب من
السباع حرام" فشيء انفرد به عبيدة، وقد رواه الزهري فلم يذكر هذه اللفظة، وأما ذوات الناب والمخلب فلم يصح فيه حديث. قال أبو محمد عبد الوهاب: وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "الحلال ما حلله الله في القرآن، والحرام ما حرمه الله في القرآن، وما سكت عنه فقد عفى عنه"؛ ولأن كل
حيوان يطهر جلده بذبحه فلا يحرم أكله. وهذه حجتنا على أبي حنيفة؛ لأنه يوافقنا أن الذكاة تعمل في تطهير أهب جميع السباع، ويقول: إن أكل لحومها حرام. وذكر النحاس في كتابه: الناسخ والمنسوخ: قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ الآية} فذكر فيها اختلافاً كبيراً، فذكر قولاً: أنها منسوخة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وقولاً: إنها محكمة ولا حرام إلا ما فيها، وقولاً: أنها محكمة وأن ما حرمه النبي صلى الله عليه وسلم داخل فيها، وقولاً: إنها محكمة وما حرمه مضمون إليها داخل في الاستثناء، وقولاً: إنها جواب لما سألوا عنه، وقد حرم الله ورسوله غير ما في الآية. قال أبو جعفر: والقول بأن الآية محكمة وأن المحرمات دخلت فيها قول نظري؛ لأن التذكية إنما تؤخذ توفيقاً، وما لم تؤخذ تذكيته بالتوقيف فهو داخل في الآية. والقول بأنه
يضم إلى الآية ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قول حسن، فيكون داخلاً في الاستثناء "إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً" أو كذا أو كذا". ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولم يكن مالك يكره أكل كل شيء من الطير كلها: الرخم والعقبان، والنسور، والأحدية، والغربان، وجميع سباع الطير وغير سباعها ما أكل الجيف منها وما لم يأكلها. م: لقوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ... الآية}، وقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} ولأنه نوع من الطير فأشبه سائرها. قال ابن حبيب: وكره عروة بن الزبير أكل الغراب والحدأة لما سماهما النبي صلى الله عليه وسلم فاسقين.
وقال محمد بن الجهم: ليس هذا يحرم أكلها، وإنما سماهما فاسقين لأذاهما المحرم. والفاسق في اللغة: هو المتعدي. قال ابن المواز: ولا بأس بأكل الدجاج التي تأكل النتن، وأن أبا موسى أتى بلحم دجاج فتنحى رجل، فقال له: مالك؟ / فقال: رأيته يأكل قذراً فقذرته، فقال له أبو موسى: ادنه مني، فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكله. ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس بأكل الهدهد والخطاف، وروى عنه علي في العتبية: أنه كره أكل الخطاف. ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس بأكل الجلالة من البقر والإبل والغنم كالطير التي تأكل الجيف. وقال ابن حبيب: نحن نكره أكلها من غير تحريم، وروى عن عمر، وابن عمر أنهما كرها لحومها وألبانها وركوبها.
قال ابن حبيب: وروثها وبولها نجس، وكذلك عرقها. والصواب: أن عرقها ولبنها طاهر؛ لأنه انقلبت عينه، قاله غير واحد من أصحابنا. قال ابن المواز: وقد قال مالك في صيد يصاد بالخمر ليسكر: لا بأس به. وإذا رضع جدي خنزيرة أحببت ألا يذبح حتى يذهب ما في جوفه، فإن ذبح مكانه أكل كما يؤكل الطير الذي يأكل الجيف. قال ابن المواز- عن ابن القاسم-: وقاله القاسم بن محمد قيل لابن: القاسم: بحدثانه أو بغير حدثانه؟ قال: ذلك سواء. فصل [في حكم أكل لحوم البغال والخيل والحمير] قال مالك: ذكر الله الأنعام فقال: {وَمِنْهَا تَاكُلُونَ}، وقال: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} فبين الله تعالى ما خلقها له، فلا تؤكل البغال والخيل والحمير.
قال: وإذا دجن حمار وحشي، وصار يعمل عليه لم يؤكل عند مالك، وقال ابن القاسم: لا بأس بأكله. م: فوجه قول مالك: فلأنه لما تأنس وصار يعمل عليه فقد صار كالأهلي، وقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية. ووجه قول ابن القاسم: أنه صيد مباح أكله فلا يخرجه عن ذلك التأنس كسائر الصيد. قال ابن حبيب: وأما الحمار الإنسي إذا انفلت واستوحش ولحق بحمر الوحش فلا يصح أكله، وهو قول مالك، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأهلية، والبغال مثل ذلك، ولا تؤكل الفرس، ولا يبلغ مبلغ ذلك في التحريم للاختلاف فيه. قال ابن المواز: وما رأيت أحداً يأخذ به، وقد كرهه ابن عباس، وقد وصف الله جل ثناؤه ما خلقت له فقال: "لتركبوها وزينة". وقال أبو محمد عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة والشافعي: إنها مباح من غير كراهية.
ودليلنا: قوله تعالى: {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} ففرق بينها وبين الأنعام؛ ولأن الخيل محتاج إليها للجهاد عليها، وفي إباحة أكلها تطرق إلى انقطاع نسلها. وأما أكل لحوم الحمر الأهلية فمغلظ الكراهية عند مالك. ومن أصحابنا من يقول: هو حرام، وليس كالخنزير. فوجه قول مالك: قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ}، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما سكت عنه فقد عفى عنه". ووجه التحريم: ما روي أنه صلى الله عليه وسلم حرم لحوم الحمر الأهلية. ومن المدونة: قال مالك: ولا أحب أكل الضبع، والثعلب، ولا الذئب، ولا الهر الوحشي ولا الإنسي، ولا شيء من السباع. قال ابن حبيب: ولم يختلف المدنيون في تحريم لحوم السباع العادية مثل الأسد والنمر والذئاب والكلاب. وأما غير العادية مثل الدب والثعلب والضبع والهر الوحشي والإنسي فيكره أكلها ولا يبلغ به إلى التحريم للاختلاف فيها وأن المحرم يديها، قاله مالك: وابن الماجشون.
ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس بأكل الأرنب والقنفذ والضب والضرابيب والوبر. قال ابن حبيب: والوبر واليربوع من دواب الحجاز، والوبر أكبر من القلنية، واليربوع أصغر منها، والضب يسمى بالأندلس الملونة وعاف النبي صلى الله عليه وسلم أكل الضب، ولم يحرمه، بل أمر غيره بأكله، وقال: "إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه". ابن حبيب: وكذلك عاف الأرنب، ولم يحرمه.
ومن كتاب الذبائح قال ابن القاسم: ولا بأس بأكل اليربوع والخلد،/ وقد أجاز مالك الوبر، فهذا مثله. قال ابن حبيب: والخلد فأر أعمى يكون بالصحارى والأجنة. ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس بأكل الحيات إذا ذكيت في موضع ذكاتها. وقال ابن حبيب: ويكره أكلها لغير ضرورة. قال مالك: والحلزون كالجراد ما أخذ منه حياً فسلق أو شوى أكل، يريد: ويسمى الله عندما يكون منه موته. قال: وما أخذ ميتاً لم يؤكل، وأما الضفادع فلا بأس بأكلها؛ لأنها من صيد الماء. ثم كتاب الصيد من الجامع لابن يونس بحمد الله وعونه، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
كتاب الذبائح من الجامع
كتاب الذبائح من الجامع [الباب: الأول] في سنة الذبح وتوجيه الذبيحة والتسمية عليها والسنة في الذبح: أخذ الشاة برفق وتوضع على شقها الأيسر إلى القبلة، ورأسها مشرف وتأخذ بيدك اليسرى جلد حلقها من اللحي الأسفل بالصوف وغيره وتمده حتى تتبين البشرة تحته وتوضع السكين في المذبح حتى تكون الجوزة في الرأس، ثم تسمي الله تعالى وتمر السكين مراً مجهزاً بغير ترديد، ثم ترفع بعد قطع الودجين والحلقوم، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما فرى الأوداج، وذكر اسم الله عليه فكل"، وقوله: "الذكاة في الحلق واللبة"؛ ولأن الذكاة ما لم تكمل في هذه المواضع جاز أن تعيش معه، وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا ذبح أحدكم فليجهز". قال مالك: ولا ينخع، والنخع: قطع المخ الذي في العنق. وتكون قد حددت شفرتك قبل ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بحد الشفار، وأن توارى عن البهائم.
قال في حديث آخر: "ولا يضرب بها الأرض ولا يجعل رجله على عنقها وليجلس حتى تبرد"، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلاً يحد شفرته، وقد أخذ شاة ليذبحها، فضربه بالدرة، وقال: تعذب الروح، ألا فعلت هذا قبل أن تأخذها، وضرب آخر رآه يجر شاة برجلها ليذبحها، وقال: "قدها إلى الموت قوداً جميلاً". وكره ربيعة ذبحها، وأخرى تنظر إليها وكره مالك ذبح الطير والدجاجة وهو قائم، فإن فعل أكل إذا أصاب وجه الذبح. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن السنة توجيه الذبيحة إلى القبلة، فإن لم يفعل وتركها ووجهها إلى غير القبلة أكلت، وبئس ما صنع. قال ابن القاسم: وبلغ مالك أن الجزارين يدورون حول الحفرة فيذبحون فنهاهم عن ذلك، وأمرهم بتوجيهها إلى القبلة.
قال ابن حبيب: وإنما حمل مالك أمرهم على الجهل منهم بخطأ ما فعلوه، فذلك لم يقل: ما ذبحوه على تلك الحال لا يؤكل. وقد قال مالك: من ترك توجيه الذبيحة للقبلة عامداً من غير جهل ولا نسيان أنها تؤكل. وقال فيه ابن المواز: أحب إلي أن لا تؤكل، وإن كان ساهياً أكلت. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وليسم الله عند الذبح والنحر وعلى الضحايا، وليقل عند الذبح والنحر وعلى الضحايا، وليقل بسم الله، والله أكبر، وكذلك فعل الرسول. قال أبو محمد عبد الوهاب: والتسمية سنة لأمره صلى الله عليه وسلم بها في الصيد ولا فرق بينهما، فإن تركها ناسياً أجزأت؛ لأن ترك السنن نسياناً لا يبطل العبادة، وإن تعمد تركها: قال مالك: لا تؤكل، فمن أصحابنا من حمله على التحريم تغليظاً لئلا يستخف بالسنن، ومنهم من قال: هي واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان. قال ابن حبيب: ولو قال: بسم الله فقط، أو الله أكبر فقط، أو لا إله إلا الله،
أو سبحان الله، أو لا حول ولا قوة إلا بالله من غير تسمية أجزأه، وكل تسمية لله، ولكن ما مضى عليه الناس أحسن،/ وهو بسم الله، والله أكبر. ومن المدونة: قيل لابن القاسم: هل يقول بعد التسمية: صلى الله على محمد أو يقول محمد رسول الله؟. قال: ذلك موضع لا يذكر فيه إلا اسم الله وحده. ابن حبيب: وروى أصبغ عن ابن القاسم: أن في بعض الحديث: موطنان لا يذكر فيهما إلا الله: الذبيحة، والعطاس"، ولا يقول بعد التشميت والتحميد في العطاس: محمد رسول الله، وإن شاء قال بعدهما: صلى الله على محمد؛ لأن الصلاة على النبي ليست تسمية له مع الله سبحانه، وقاله أشهب. ولا ينبغي أن يجعل الصلاة على النبي في هذا استناناً.
ومن المدونة: قال مالك: وإن شاء قال في الضحية بعد التسمية: اللهم تقبل مني، وإلا فالتسمية تكفيه. قال ابن المواز: أحب إلينا أن يقول في الضحية: "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم". ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأنكر مالك قول الناس: اللهم منك وإليك، وقال: هذه بدعة. قال ابن حبيب: أما قوله: اللهم تقبل مني فلابد له منه، وإن شاء قال: اللهم منك وإليك، وإن شاء ترك. قال: ومن أمر عبده بالذبح وأمره بالتسمية مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يقول العبد: قد سميت ولم يسمعه السيد فلا بأس أن يصدقه ويأكل ما ذبح إلا أن يتركه تنزهاً، كما فعل عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة. وحكى لنا عن بعض شيوخنا فيمن استأجر له رجلاً على أن يذبح له أضحيته ويسمعه التسمية فذبح ولم يسمعه التسمية، وقال له: قد سميت أنه لا شيء له من الأجر لمخالفته الشرط، ولا يغرم الذبيحة. وقال غيره: له أن يغرمه الذبيحة إن شاء. وقال أبو عمران الفاسي: إنها ذبيحة مذكاة وتجزئه؛ لأنه لا يخلو من أن
يكون صدق أو نسي، وكل ذلك لا يضر الذبيحة، ولا ينبغي أن يظن به تعمد ترك ذلك، واحتج بحديث عبد الله بن عياش، وأن مالكاً أجاز أكلها، وهذا هو الصواب، ولا ينبغي أن يضمن ولا يحرم الأجر، وقاله أبو بكر بن عبد الرحمن، واحتج بحديث ابن عياش. قال: وقد قال إسماعيل القاضي: إنه إنما ترك ابن عياش أن يأكلها: لأنه كان بالمدينة عبيد مجوس فاتقى أن يكون أن العبد لم يجب إلى الإسلام. وذكر عن أبي عمران: إن كانت إجارة من يسمع التسمية أكثر من إجارة من لا يسمعها فيعطى أجر المثل. قال الشيخ أبو عمران: التسمية عند الذبح أقوى من استقبال القبلة؛ لأن الله {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}، وقال: {وَلَا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}، وقال: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}، وقال صلى الله عليه وسلم: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل"، وقال: "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل". وأما من ترك التوجيه إلى القبلة فليس لها نص في كتاب ولا سنة، فهي أضعف، والتفريق بينها حسن أن يجعل التوجيه بها إلى القبلة استحباباً أو سنة لا تبلغ رتبة التسمية لا على مذهب مالك ولا على مذهب أشهب الذي يخفف ترك التسمية،
وذلك أن غير واحد من السلف ومن فقهاء الأمصار قالوا: لا يضر أن يذبح الرجل إلى غير القبلة، وإن كان قد استحب ابن عمر، والشعبي في تركها عامداً أنها لا تؤكل، والصحيح من قول مالك أنها تؤكل، وعليه جمهور السلف، إذ لا نص لها في كتاب ولا في سنة.
الباب الثاني ما يجوز التذكية به وصفة الذبح وذبح ما ينحر، ونحر ما يذبح وذكر النخع
الباب الثاني ما يجوز التذكية به وصفة الذبح وذبح ما ينحر، ونحر ما يذبح وذكر النخع قال مالك- رحمه الله- ومن احتاج إلى أن يذبح بمروة أو عود أو عظم أو حجر أو غيره أجزأه. وقال ابن القاسم: ولو ذبح بذلك ومعه سكين تؤكل إذا أفرى الأوداج والحلقوم. قال أبو محمد: وقد أساء. قال ابن حبيب: والمروة: حجار بيض صلبه حداد، والعظم يجزئ به الذبح ذكياً كان أو غير ذكي. قال ابن المواز: وقد أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم الذكاة بالحجر والمروة والشظاظ: وهو ما يخرج من كسر العصا،/ وبالقصب، وقال: "كل ما أنهر الدم فكله إلا السن والظفر"، وقاله ابن عباس، وقال: "وإذا مر في الحلقوم ثم أفرى الأوداج واللحم والعروق فهو ذبح، وإن هو تردد به فلا يؤكل".
وقال سعيد بن المسيب وابن قسيط، ويحي بن سعيد: إنه يذبح بالعظم والقصبة وغير ذلك وإن لم يضطر إليه، وقال مالك، والليث. قال ابن عباس: والذبح بالظفر إنما هو خنق. قال ابن حبيب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "انهروا الدم بما شئتم إلا الظفر والسن"، يعني: سيلو الدم، ومنه سمي النهر نهراً، لأنه يسيل سيلاً. وأما السن والظفر المنهي عن التذكية بهما فهما المركبان في فم الإنسان وفي أصبعه؛ لأنه إذا ذبح بالظفر فهو خنق، وبالسن فهو نهش، وإذا كانا منزوعين ولم يصغرا أو عظماً حتى يمكن الذبح بهما فلا بأس بالذبح بهما. ومن المدونة: قال مالك: وتمام الذبح إفراد الأوداج والحلقوم، فإن أفرى الأوداج وحدها أو الحلقوم وحده لم تؤكل. قال سحنون: وإن بقي ودج واحد لم ينقطع لم تؤكل. قال: ولو قطع الحلقوم ثم لم تساعده السكين في مرها على الودجين إذ ليست بحادة فأقلبها فقطع الأوداج بها من داخل لم تؤكل.
قال سحنون: ولو أجاز الغلصمة إلى البدن لم تؤكل. قال العتبي وقاله ابن القاسم وأشهب. ابن حبيب: وقاله أصبغ، وبه أقول؛ لأن الحلقوم لم يقطع منه شيء. قال: ولو اجاز ذلك أشهب وابن عبد الحكم. قال ابن وضاح: ولم يحفظ لمالك فيها شيء. وقال يحي بن عمر: قال مالك، وابن القاسم إنها لا تؤكل، قال: وعلى قياس قول ابن القاسم: إنها إذا جازت إلى البدن وبقي في الرأس منها قدر حلقه الخاتم: إنها تؤكل إلا أن يبقى في الرأس منها ما لا يستدير فلا تؤكل. م: قال بعض شيوخنا: إذا ذبح الجزار لرجل وأجاز الغلصمة في البدن ضمن قيمة الشاة على مذهب مالك، وابن القاسم، ولا يضمن في قول غيرهما. وقال بعض أصحابنا: قال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن القروي: قلت للشيخ أبي الحسن ابن القابسي فيما قيل: إذا رفع الذابح يده بعد الذبح ثم أعاد إن كان كالمختبر فلا شيء عليه ويأكلها، وإن رفع يده على أنه أتم الذبح ثم رجع فلا تؤكل.
كان يجب أن يكون الجواب بعكس هذا أنه إذا رفع يده مختبراً فلا تؤكل، وإن كان على أنه أتم الذكاة فلتؤكل إذا أعاد يده بالفور؟ لأن الأول رفع يده وهو شاك في تمام الذبح، والآخر: رفع يده موقناً، كقولهم فيمن سلم من اثنتين، وكان على يقين أنها أربع، ثم أيقن أنه سلم من اثنتين أنه لا يضره ويتم باقي صلاته، وإن سلم على شك أبطل صلاته، فصوب الشيخ ما قلته. وقال ابن حبيب- في غير الواضحة-: إذا قطع الأوداج وأكثر الحلقوم، النصف فأكثر، أكلت، وإن قطع يسيراً منه لم تؤكل، ولو لم يقطع منه شيئاً فقيل له في ذلك فرجع فأجهز على الحلقوم فإن كان في فور الذبح قبل أن يذهب عنها ويدعها فذلك جائز، وإن كان بعد أن تباعد فلا تؤكل. وقال سحنون: إذا رفع يده قبل تمام الذكاة، ثم علم فردها مكانه وأجهز فلا تؤكل، وروي عنه أنه كره أكلها، وروي عنه أنه إن رفع كالمختبر فلتؤكل، وإن كان على التمام فلا تؤكل، وقد بينا ذلك. م: وذكر لنا عن ابن عبد الرحمن أنه إن رفع يده، ثم أعادها، فإن كان حين رفع يده لو تركت الذبيحة لعاشت فأعاد فأتم الذكاة فإنها تؤكل، وكأنه الآن ابتدأ ذكاتها، وإن كان حين رفع يده لو تركها لم تعش وإذ قد أنفذ المقاتل فلا تؤكل وتصير مثل المتردية وأكيلة السبع.
وروى يحي بن يحي عن ابن القاسم في العتبية في الدجاجة والحمام إذا أجهز على أوداجه/ ونصف حلقومه أو ثلثه فلا بأس بأكله إذا لم يتعمد، ولم يجز ذلك سحنون حتى يجهز على جميع الحلقوم والأدواج. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما المريء الذي يكون مع الحلقوم وهو الحرف الأحمر فلم أسمع من مالك فيه شيئاً. فصل [1 - في كون الذكاة لا تخرج عن الحلق واللبة] قال مالك: ولا ينحر ما يذبح، ولا يذبح ما ينحر خلا البقر فإن النحر والذبح فيه جائز، واستجب مالك فيها الذبح لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}، وقوله: {فَذَبَحُوهَا}، قال: فإن نحرت أكلت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر عن نسائه البقر. قال مالك: والغنم تذبح ولا تنحر، والإبل تنحر ولا تذبح، فإن ذبحت الإبل أو نحرت الغنم من غير ضرورة لم تؤكل. قال أبو محمد عبد الوهاب: وإنما ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر الإبل، ولم يحفظ عنه ولا عن أحد فيها الذبح، وأما الغنم: فإنه صلى الله عليه وسلم ذبحها، ولم يرو عنه ولا عن أحد أنه نحر شاة.
وقيل: إن الفرق بين الإبل والغنم: إن عنق البعير طويل فيبعد خروج روحه وفي ذلك تعذيبه وزيادة ألم، والنحر أسهل وأخف عليه؛ لأنه في آخر العنق وأقرب لخروج روحه. وأما الشاة: فعنقها قصير ولا لبة لها فلا يتمكن من نحرها إلا بما يقرب من جوفها، فكان الوجه فيها الذبح، فإذا ذبح أحد بعيراً أو نحر شاة فقد أتى بالذكاة على خلاف الوجه المأمور به في الشرع فأشبه من ذبح من القفى أو أبقى شيئاً من الودجين. قال ابن المواز: هذا قول مالك وأصحابه إلا أشهب فإنه قال: إذا ذبح البعير من غير ضرورة فقد صار ذبحه له ضرورة وفات موضع نحره فيؤكل ولا يطرح، وكذلك الشاة عنده إذا نحرت. م: فوجه هذا: فلأنه جائز مع الضرورة، فلو لم يكن ذكاة ما جاز كالطعن في الفخذ، ولذلك أجاز ابن أبي سلمة أكل ذلك كله إذا نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر من غير ضرورة. وقال ابن بكير: يؤكل البعير إذا ذبح، ولا تؤكل الشاة إذا نحرت؛ لأن البعير له موضع الذبح، وإنما عدل فيه إلى النحر؛ لأنه أقل لتعذيبه، وأما الشاة فلا منحر لها؛ لأن موضع لبتها يقرب من جوفها، فيكون كالطاعن في جوفها.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يؤكل ما نحر من الطير كله. قال عنه ابن المواز: وكذلك النعامة إذا نحرت. ومن المستخرجة: قال ابن أبي سلمة: يؤكل ذلك كله إذا نحر ما يذبح، أو ذبح ما ينحر من طير، وغيره من غير ضرورة. ومن المدونة: قال مالك: وما وقع من الأنعام في بئر فلم يوصل إلى ذكائه فإن ما بين اللبة والمنحر منه مذبح ومنحر، إن نحر فجائز، وإن ذبح فجائز، ولا يجزئ في موضع سواه من جنب أو كتف أو غيره، ولا يجزئ هذا في غير هذه الضرورة، ويترك حتى يموت. قيل لابن المواز: فما ذكر من الأحاديث في البعير، وغيره يقع في حفير أو بئر، فلا يوصل منه إلا إلى جنبه، أو كتفه، أو دبره فليبعج من حيث وصلوا إليه منه، ويؤكل لهذه الضرورة؟
قال: هذه ميتة، وقد أبى ذلك مالك وأصحابه، وهم أئمة الفقه والمبرزون للحديث ومعرفة المعمول به، والأحاديث كثيرة، وقد جاء: عقوا ولو بعصفور، وليس كل ما ذكر عمل به. وقد جاء أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أمر مناديا فنادى: "إن النحر في الحلق واللبة ولا تعجلوا الأنفس حتى تزهق"، فهذا أصح مما ذكرت. وقال ابن عباس: "الذكاة في الحلق واللبة". وقيل لابن المسيب: فإن وقع في ناهر من المناهر فلم يوصل منه إلى منحره؟ قال: لا ينحر إلا من منحر إبراهيم عليه السلام، وقال مثله: ابن شهاب، وربيعة، وعطاء. م:/ وأرخص ابن حبيب أن يبعج في جنب أو كتف إذا لم يوصل إلى الحلق للاختلاف الذي فيه.
وقول ابن حبيب هذا قول أهل العراق. فصل [2 - في النخع] ومن المدونة: وكره مالك أن يبدأ الجزار بسلخ الشاة قبل أن تزهق نفسها، ولا ينخع، ولا يقطع رأسها ولا شيء من لحمها حتى تزهق نفسها، فإن فعل أكلت مع ما قطع منها. قال ابن المواز: وقد جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا ذبح فلا ينخع وليجلس حتى تبرد" أو كلمة غيرها. ومن المدونة: قال مالك: والنخع: قطع المخ الذي في العنق، وكسر العنق أو الظهر من النخع إن انقطع النخاع. قال ابن المواز: وهو المخ الجاري في فقار العنق والصلب، وهو إذا انقطع مقتل لا حياة بعده.
وقال محمد بن أبي زمنين: ذكر عبد الملك أن ابن القاسم وأصبغ كانا يقولان في النخاع: إنه المخ الأبيض الذي في عظم العنق والظهر، وكانا لا يريان دق العنق مقتلاً حتى ينقطع النخاع. قال: وليس النخاع ما قالا، وإنما النخاع عظم العنق، فإذا اندق العنق فهو مقتل، ولا يكشف على المخ الأبيض الذي فيه انقطع أو لم ينقطع، وكذلك قال مطرف عن مالك. قال عبد الملك: وأما انكسار الصلب ففيه يحتاج إلى معرفة انقطاع ذلك المخ الأبيض الذي في القفا، فإذا سلم ذلك فليس بمقتل، لأنه قد ينجبر ويبرأ على حدوبة، ويعيش صاحبه، فإذا انقطع ذلك المخ الأبيض فهو مقتل. ومن المدونة: قال مالك: ومن ذبح فتدامت يده إلى أن أبان الرأس أكلت ما لم يتعمد ذلك. قال ابن القاسم: ولو تعمد ذلك وبدأ في قطعة بالحلقوم والأوداج أكلت؛ لأنها كذبيحة ذكيت ثم عجل فقطع رأسها قبل أن تموت. قال ابن المواز: نعم تؤكل وإن تعمد، وقد أخطأ في تعمده وعظم خطؤه وخالف السنة، ولا أرى عليه إعادة إن كان أضحيته؛ لأنه لم ينخعها إلا بعد تمام الذكاة فقطع الحلقوم والأوداج. وقال ابن عباس: إذا تعمد ذلك فلا تؤكل. قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إنه إذا نخعها في ذبحه متعمداً من غير جهل ولا نسيان إنها لا تؤكل. قال ابن حبيب: لأنه كالعابث بذبيحته حين ترك سنة الذبح، وهذا استحسان. والقياس: أن تؤكل كما قال ابن القاسم.
[الباب الثالث] في ذبيحة المرأة والصبي ومن على غير الإسلام
[الباب الثالث] في ذبيحة المرأة والصبي ومن على غير الإسلام قال مالك: وتؤكل ذبيحة الصبي قبل البلوغ إذا أطاق الذبح وعرفه. قال: وكذلك ذبيحة المرأة تؤكل وإن ذبحت من غير ضرورة. أبو محمد: قال محمد عن مالك: ويكره من غير ضرورة. قال ابن المواز: وتذبح المرأة أضحيتها، ولا يذبح الصبي أضحيته. قال: وتؤكل ذبيحة الأغلف، والجنب والحائض. وقال مالك: لا تؤكل ذبيحة من لا يعقل من جنون أو سكر وإن أصابا، لعدم القصد. وتؤكل ذبيحة السارق؛ لأنه إنما حرم عليه السرقة لا عين الذبح، والمحرم حرم عليه الذبح نفسه. ومن المدونة: قال مالك: ولو اضطرت المرأة إلى الذبح ولم يحضرها إلا نصراني فلتل هي الذبح دونه. قال ابن القاسم: وتؤكل ذبيحة الأخرس. قال مالك: وإذا ارتد الغلام إلى أي دين كان، لم تؤكل ذبيحته.
قال ابن القاسم: ولا بأس بذبائح أهل الكتاب وصبيانهم إذا أطاقوا الذبح وعرفوه كذبح رجالهم. وكره مالك أكل ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم أو لأعيادهم من غير تحريم، وتأول قول الله تعالى: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}. قال ابن القاسم: وكذلك ما سموا عليه اسم المسيح، ولا أرى أن تؤكل، ولم أسمعه من مالك. ابن المواز: وكره مالك أكل ذلك، وليس بالمحرم، وإنما المحرم ما ذبح للأصنام، لقوله تعالى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ}، وقال: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}،/ وإن الذي يذبح لكنيسته لقريب عندي أن يكون قد أهل لغير الله به، وما ترك مالك العزيمة فتحرى له إلا للآية الأخرى فيما ظننا: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}، فإنما ذلك في ذبائحهم، ولإجازة من أجازه، منهم: ربيعة، وابن شهاب. قال ابن المواز: وتؤكل ذبيحة النصراني العربي، وذبيحة المجوسي إذا تنصر، وتلى ابن عباس: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}.
وتؤكل ذبيحة السامري، وهو صنف من اليهود لا يؤمنون بالبعث، قاله عمر بن الخطاب، وغيره. ولا تؤكل ذبيحة الصابئ، وليس بحرام كذبيحة المجوسي، وقد حرم الحسن، وسعيد بن جبير ذبائحهم، ونكاح نسائهم، وقيل: إنهم بين المجوسية والنصرانية، وإذا ولي المجوسي مسلماً فذبح له، فاختلف في أكله فأجازه ابن سيرين، وعطاء، وكرهه الحسن. وسئل الحسن عن مجوسي قال لمسلم: اذبحها لصنمنا أو لنارنا، فاستقبل بها القبلة وسمى الله، فكره أكلها. قال ابن المواز: وإنما يكره إذا أمره بهذا الشرط، فأما لو تضيف به مسلم، فأمر بذبحها مسلماً ليأكل منها فذلك جائز. ومن المدونة: قال: وكره مالك أن يمكن الرجل من ذبح أضحيته أو هديه أحداً من الناس، وليلها بنفسه، فإن مكن من ذبحها كتابياً لم يجزه، وأعاد. وروى عنه أشهب: أنه كرهه، ولا يعيد. وقال عنه ابن القاسم: وأما إن ذبحها له مسلم فإنها تجزئه.
قال: وما ذبح اليهود من الغنم فأصابوه فاسداً عندهم لا يستحلونه لأجل الرئة وشبهها التي يحرمونها في دينهم، فمرة كان مالك يجيز أكلها، ثم لم يزل يكرهه، وقال: لا تؤكل. قال ابن القاسم: وأما ذبيحة اليهود مما لا يستحلونه فإنه لا يؤكل. قال ابن حبيب: لا يؤكل من طعامهم ما حرم عليهم، فمنه: كل ذي ظفر من الإبل، وحمر الوحش والنعم والأوز، وكل ما ليس بمشقوق الظلف، ولا منفرج القائمة، وشحوم البقر والغنم: الشحم الخالص كالثروب والكلى، وما لصق بالغطنة وما أشبهة من الشحم المحض، فأما ما ليس في التنزيل محرماً عليهم، وهو مما حرموه على أنفسهم مثل الطريف فمكروه، وليس في قوة التحريم مثل ما هو منصوص في كتابنا. وعن بعض العلماء تخفيف فيما حرموه على أنفسهم تخفيف، وأما ما ذبحوه لكنائسهم، أو على اسم المسيح، أو على الصليب فليس بمحرم، وقد كرهه مالك، واستخفه غير واحد من الصحابة والتابعين، وقال: ولقد أحل الله لنا ذلك، وهو عالم بما يقولون.
ومن المختصر: ولا بأس بأكل طعام المجوس الذي ليست له ذكاة. قال الأبهري: وقد أكل الصحابة من طعامهم حين فتح الله عليهم بلادهم مما لا ذكاة فيه. قال مالك- في مختصر-: ولا أحب أكل شحوم اليهود من غير أن نراه حراماً، واحتج بعض أصحابنا بالحديث في الذي غنم جراباً فيه شحم من خيبر من اليهود فأراد صاحب المغانم أخذه منه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "خل بينه وبين جرابه يذهب به إلى أصحابه". قالوا: والآية محتملة في قوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}، يريد: ما ذبحوه، ومحال أن تكون/ الذكاة لبعض الشاة دون بعض، فلما كانت الذكاة شائعة في جميعها دخل الشحم في التذكية فلاحتمال ذلك لم يحرمه مالك: وكرهه من غير تحريم له. ومن المدونة: قال ابن القاسم: والحربيون ومن عندنا من الذميين سواء عند مالك في ذبائحهم، ومالك يكره ذبائحهم كلهم، والشراء من مجازرهم، ولا يراه حراماً. وقال عمر بن الخطاب: لا يكون اليهود، وال النصارى جزارين ولا صيارفة في
الأسواق، وأن يقاموا من الأسواق كلها، فإن الله قد أغنانا بالمسلمين عنهم. قال مالك: معنى قوله: يقاموا من الأسواق كلها: أن لا يبيعوا في أسواق المسلمين في شيء من أعمالهم، وأن يكلموا الولاة فيقيمونهم. قال ابن المواز: ما ذبحه الكتابي لنفسه أحب إلي مما ذبحه المسلم، وقد كان من مضى يختارون لذبائحهم أهل الفضل والصلاح، فلا ينبغي لمسلم أن يمكن ذبيحته من كتابي، وإن كان شريكاً له فيها، فإن فعل أكلت
[الباب الرابع] في المتردية، والموقوذة، وأكلية السبع، والأنصاب والأزلام
[الباب الرابع] في المتردية، والموقوذة، وأكلية السبع، والأنصاب والأزلام قال الله تعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} إلى قوله: {بِالْأَزْلَامِ}. قال مالك: وإذا تردت الشاة من جبل أو غيره فاندق عنقها أو أصابها ما يعلم أنها لا تعيش معه ما لم يكن قد نخعها فإنها تذكى وتؤكل؛ لأن بعضها مجتمع إلى بعض، ولو انقطع النخاع لم تؤكل وإن ذكيت وفيها الحياة، وكذلك التي خرق السبع أمعاءها، أو ذبحها ذبحاً لا تحي مع ذلك. والنطيحة والموقوذة تقع للموت، فإن ابتدرت وذكيت ونفسها تجري وهي تطرف بعينها أو تحرك ذنبها فإنها تؤكل، وكذلك التي عقرها السبع إلا أن يفعل بها ما لا حياة بعده فإنها لا تؤكل وإن ذكيت. قال ابن المواز: وابن حبيب- في شاة ذبحت فلم تتحرك، فإن كانت صحيحة فانهار دمها فلتؤكل، وإن كانت مريضة وقعت للموت فبودر إليها فذبحت وسال
دمها، فإن طرفت بعينها أو حركت ذنبها أو ركضت برجلها أو استفاض نفسها في جوفها أو منخريها عندما ذبحت، فإن كان منها صنف من هذا أكلت. قال ابن حبيب: فإن لم يكن واحد من هذا ولكن تحركت أعضاؤها واختلجت بضاعها فلا تؤكل. قال ابن المواز: وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعبيد بن عمير، وسعيد ابن المسيب: إذا كان العين تطرف، والذنب يتحرك، والرجل تركض فهو ذكاة. وقال زيد بن ثابت- في الذنب والرجل أي ذلك تحرك من الذبيحة فهو ذكاة. قال ابن حبيب: وما أصاب المتردية والنطيحة وأكيلة السبع والمنخنقة والموقوذة من أمرٍ لا حياة بعده من نثر الدماغ، أو الحشوة أو قرض المصران، أو شق الأوداج أو انقطاع النخاع فلا تؤكل.
وأما كسر الرأس ولم ينتثر الدماغ، أو شق الجوف ولم ينتثر الحشوة ولا انشق المصران أو انكسر الصلب ولم ينقطع النخاع فهذه تؤكل إن ذكيت قبل أن تزهق نفسها إلا أن تصير من ذلك إلى حد الموت والإياس منها أو أشكل أمرها فتذبح حينئذ فلا تؤكل وإن طرفت بعينها أو استفاض نفسها وإن لم يكن ما أصابها قد بلغ المقاتل فقد صارت إلى سبيل الموت مما أصابها. وإنما تفسير قوله تعالى: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ}، فوجه الذكاة: في قائم الحياة، وحياة هذه غير قائمة، وذكاة هذه مشكلة، وليس في الدين إشكال. م: أما قوله: فيما أنفذ المقاتل: فصواب؛ لأنه ميت بعد، ألا ترى أن الإنسان يصيبه مثل ذلك فيورث وإن لم تزهق نفسه، وإن مات وارثه قلبه فقد استحق ميراثه منه. وأما ما لا يبلغ المقاتل: فالصواب ما قاله مالك: إنها تؤكل إذا كان فيها شيء من الحياة، وإن علم أنها لا تعيش مما أصابها، لقوله تعالى: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ}، فهذه مما تصح فيها الذكاة إذ فيها شيء من الحياة. وقال علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وغيرهما في التي تقع للموت: إذا حركت ذنبها أو رجلها بعد الذبح أنها تؤكل، وقاله ابن حبيب، فما الفرق بينهما؟؛
وهما عندي سواء. وبالله التوفيق. فصل [في معنى الأزلام والأنصاب] ومن المدونة: قال مالك: والأزلام: قداح كانت في الجاهلية في الواحد: أفعل، وفي الآخر: لا تفعل، والآخر: لا شيء فيه، وكان أحدهم إذا أراد سفراً أو حاجة ضرب، فإن خرج الذي فيه: أفعل، فعل، وإن خرج الذي فيه: لا تفعل، ترك، وإن خرج الذي فيه: لا شيء أعاد الضرب. وقيل في الأنصاب: حجارة كانت تعبد. تم كتاب الذبائح بحمد الله وعونه.
كتاب الضحايا من الجامع
كتاب الضحايا من الجامع [الباب: الأول] في وجوب الأضحية، ومن تلزمه، أو يلزمه أن يضحي عنه قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أمرت بالذبح وهو لكم سنة". قال مالك: والأضحية سنة واجبة لا ينبغي تركها لقادر عليها من أحرار المسلمين.
قال غيره: وليست واجبة وجوب الفرائض، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث هن على فرض، ولكم تطوع: الوتر والأضحية، والسواك". ومن المدونة: قال مالك: إلا الحاج، فليست عليهم أضحية، وإن كان من سكان منى بعد أن يكون حاجاً، ومن لم يشهد الموسم فهم في ضحاياهم كالأجنبيين. م: وإنما لم تكن على الحاج؛ لأن ما ينحر بمنى إنما هو هدي؛ لأنه يوقف بعرفة؛ ولأن الحاج لم يخاطبوا بصلاة العيد لأجل حجهم فكذلك هذا في الأضحية. ومن المدونة: قلت: فشراء الأضحية احب إلى مالك أم الصدقة بثمنها؟ قال: قال مالك: لا أحب ترك الأضحية لمن قدر عليها.
قال مالك: وهي على الصغار والكبار من ذكر أو أنثى حاضر أو مقيم أو مسافر. قال ابن المواز: تعظيماً لله وشكراً لما أكمل لهم من دينهم في يومهم ذلك، وهو يوم الحج الأكبر، وهو اليوم الذي قال الله عز وجل فيه: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا". قال ابن حبيب: الأضحية سنة لا رخصة لأحدٍ في تركها، والفقير إن وجد ثمنها أو من يسلفه فليتسلف. وقال غير واحد من أصحابنا البغداديين: إنها غير واجبة، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى يضحي"، فقوله صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن يضحي" يقتضي التخيير، وليس هذا من شرط الواجب. م: فإن أراد أصحابنا أنها ليست بواجبة وجوب الفرائض فنعم، وإن أرادوا ليست بواجبة أصلاً، فليس الأمر كذلك، ولا حجة لهم بقوله صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن
يضحي"، ويكون معنى قوله "من اراد أن يضحي" أي من أراد أن يذبح أضحيته فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى يذبحها، ويكون معنى قوله: "من أراد" أي من كان من أهل الضحايا إذ ثم من تسقط عنه، وهو الفقير الذي لا يجد ثمنها، والحاج، ومن فيه بقية رق. والدليل على وجوبها: قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت بالنحر، وهو لكم سنة"، وقوله للذي ذبح أضحيته قبله: "عد أضحيتك" قال: ليس عندي إلا جذعة من المعز قال: "أذبحها ولن تجزي عن أحدٍ بعدك"، وهو أبو بردة بن نيار. وقال ربيعة: هي من الأمر، اللازم، وهي افضل من صدقة سبعين ديناراً. قال ابن حبيب: هي أفضل من العتق، ومن عظيم الصدقة؛ لأن إحياء السنن أفضل من التطوع. وقال ابن القاسم، وابن حبيب: من تركه وهو قادر عليها/ فهو آثم. قال في كتاب ابن المواز: من ترك ذبح أضحيته حتى زالت أيام مني فقد أساء في تعمده، وإن نسي فقد فاته خير كثير، فهذا كله يؤيد وجوبها إذ لا يأثم الإنسان إلا بترك الواجب: ابن المواز: وقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل فقال له: "يا جبريل كيف رأيتم سنتنا في يومنا هذا استقامت؟ فقال: نعم، فقد استبشر بذبحكم أهل السماء، وقال:
يا محمد: الجذع من الضأن خير من السيد من المعز، يعني: العظيم المسن، وخير من السيد من البقر، ولو يعلم الله عز وجل ذبحاً أعظم وأفضل من ذبح إبراهيم أعطاكه". قال: وما كان من ذبح إبراهيم هو الذي قرب ابن آدم، فهذا كله يؤيد أنها سنة واجبة. ابن المواز: وروي أن معاذ بن جبل قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا يوم العيد أن نلبس أجود ما نجد من الثياب، وأن نخرج وعلينا السكينة والوقار، ويأمرنا أن نظهر التكبير، ويأمرنا أن نضحي بأسمن ما نجد، ويأمرنا أن لا نذبح حتى نرجع من المصلى، وكان يأمرنا أن نختار السليم من الضحايا، وكان ينهانا أن نضحي بالجذع من المعز، وكان يأمرنا أن نطعم منها الجار والسائل من كان". وكان أبو هريرة يقول: "من لم يضح وهو يقدر فلا يشهد المصلى".
[الباب: الثاني] ما يستحب من الضحايا، وأيها أفضل، وذكر أسنانها وما يتقى فيها من العيوب
[الباب: الثاني] ما يستحب من الضحايا، وأيها أفضل، وذكر أسنانها وما يتقى فيها من العيوب قال أبو هريرة: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بكبشين أملحين أقرنين ويسمي ويكبر، ولقد رأيته يذبحها بيده واضعاً على صفاحهما قدمه". ابن المواز: قال أبو العالية: كانوا يستحبون الكبش على النعجة، والنعجة على المعز، والعنز على التيس. قال ابن المواز: حسنه. قال مالك في المختصر وغره: وفحول الضأن في الضحايا أفضل من إناثها، وإناثها أفضل من الإبل والبقر في الضحايا، فأما في الهدايا فالإبل والبقر أفضل. ومن كتاب ابن القرطي: ثم ذكور الإبل في الضحايا ثم إناثها، ثم ذكور البقر،
ثم إناثها. وقال عبد الوهاب: "أفضلها الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي في قولهما: إن الأفضل: الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، لأنه صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين"، وقوله: "خير الأضحية الكبش"؛ ولأن المراعي طيب لحمه ورطوبته دون كثرته بدليل ما رويناه من تضحية بالغنم وعدوله إليها، ولأنه يختص بها أهل البيت دون الفقراء بخلاف الهدايا. ومن الواضحة: روى ابن وهب عن عدد من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يستحبون أن تكون الضحية بكبش عظيم سمين فحل أقرن أملح ينظر في سواد ويسمع بسواد ويشرب بسواد.
قال: والأملح: ما كان بياضه أكثر من سواده، والفحل أحب إليهم من الخصي، والخصي أحب إليهم من النعجة، والنعجة أحب إليهم من التيس والجليل السمين أحب إليهم من غيره. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستشراف العين والأذن، وقال: "دم عفراء أحب إلي من دم سواداوين"، ويقال: إن قربان ابني آدم كبشان فتقبل السمين، ولم يتقبل المهزول. قال ابن حبيب: الخصي السمين أفضل من الفحل المهزول، والفحل السمين أفضل من الخصي.
وكره مالك في العتبية تغالي الناس في الأضحية، وقال: خير الهدي هدي محمد وأصحابه، وليشتر كاشتراء الناس وإن غلت، فأما أن يجد بعشرة، فيذهب يشتري بمائة فأنا أكرهه ويدخل على الناس مشقة. فصل [1 - في السن المجزئ في الضحايا والهدايا] ومن المدونة: قال مالك: ولا يجزئ ما دون الثني من سائر الأنعام في الضحايا والهدايا إلا الضأن وحدها فإن جذعها يجزئ. قال أبو محمد عبد الوهاب: أما الجذع من الضان فلا خلاف في جوازه، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا/ جذعة من الضأن"، فلا تجوز جذعة من غير الضأن لهذا الحديث؛ لأنه قصر الجذاع على جنس مخصوص فكان ما عداه مبقي على المنع، ولقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار، وقال: ما عندي إلا جذعة من المعز: "تجزيك ولا تجزئ عن أحد بعدك". قال ابن حبيب: والجذع من الضأن والمعز ابن سنة تامة. أبو محمد: وقيل: ابن عشرة أشهر، وقيل: ابن ثمانية أشهر، وقيل: ابن ستة أشهر. قال ابن حبيب: والثني من المعز: ابن سنين، والثني: ابن ست سنين.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: الثني من المعز: ما له سنة ودخل في الثانية، ومن البقر: ما له سنتان ودخل في الثالثة، ومن الإبل: ما له ست سنين؛ لأنه يلقي ثنيته. فصل [2 - في العيوب المانعة من الإجزاء في الضحايا] قال ابن المواز: روى مالك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل: ماذا من الضحايا؟ فقال: "أربع: العرجاء البين ضلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي". ونهى صلى الله عليه وسلم أن نضحي بعضباء الأذن والقرن. قال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: ما العضب؟ قال: النصف فما فوقه. قال معمر: لا نرى بعضباء القرن بأساً، وكرهه في الأذن.
قال أبو محمد عبد الوهاب: وينبغي في الجملة أن يتقى العيب وتتوخى السلامة؛ لأنه ذبح مقصود به القربة، فيجب أن يكون سليماً من النقص، لقوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، وقوله: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ}. وأما العوراء: فلا نعلم خلافاً في منع الأضحية بها، وفي حديث علي، والبراء أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها؛ ولأن المرض يفسد اللحم، ويضر بمن يأكله، وكذلك العجفاء التي لا شحم فيها ولا مخ في عظمها. وفي الحديث: "ولا العرجاء البين ضلعها"، وعند أبي حنيفة: تجوز الأضحية بها ما دامت تمشي. ومن المدونة: قال: وتجزئ في الهدايا والضحايا المكسورة القرن إلا أن يكون يدمي فلا تجزئ؛ لأنه مرض.
قال ابن حبيب: إنما هذا إذا انكسر القرن الخارج، وكان القرن الداخل صحيحاً، وهو يسمى أقصم، والأنثى قصماء، فأما إذا انكسر القرن الداخل والخارج فلا تجوز الأضحية بها وإن لم يدم، وهو يسمى أعضب، والأنثى عضباء، وقد نهى النبي أن يضحى بالأعضب القرن والأذن. وفي كتاب ابن المواز: قال مالك: لا بأس أن يضحي بالتي قد استؤصل قرناها من أصلهما حتى تصير كأنها جلحاء. قال فيه، وفي المدونة: والشاة تخلق خلقاً ناقصاً لا تجزئ إلا أن تكون جلحاء، يريد: الجماء. قال: أو سكاء، وهي الصغيرة الأذنين. قال ابن القاسم: ونحن نسميها: الصمعاء، ولو خلقت بغير أذنين لم تجز. قال مالك: وإذا كان في الأذن قطع صغير أو أثر الميسم أو شق يسير فلا بأس به، وما سمعت مالكاً يوقت في الأذن نصفاً من الثلث. قال ابن المواز: والنصف عندي كثير من غير أن أحد فيه حداً.
وقال ابن حبيب: إذا قطع نصف الأذن، أو ثلثها لم تجز، وهي العضباء الأذن التي نُهي عنها والشق الكبير في الأذن لا تجزئ به، وهي تسمى الشرقاء، وتسمى- أيضاً-: القصواء. والخرقاء: التي في أذنها خرق مستدير في مقدم الأذن أو مؤخرها، وربما ترك معلقا كأنه زنمة. ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس في الهدايا والضحايا بالبياض وغيره في العين إن لم يكن على الناظر. قال: ولا تجزئ العرجاء البين ضلعها، كما قال النبي "إلا أن يكون الشيء الخفيف الذي لا ينقص مشيها ولا تعب عليها به في سيرها بسير الغنم، وأراه خفيفاً. قال: ولا تجزئ المريضة البين مرضها، ولا الحمرة، قال ابن القاسم: وهي البشمة يعني التي أصابتها التخمة من الأكل، لأن ذلك مرض لها. قال: وكذلك الجربة إن كان ذلك مرضاً لها.
قال ابن المواز:/ قال مالك: ولا بأس بالتي تسقط أسنانها من كبر أو هرم أو حفى، وأما لغير ذلك فهو عيب، فلا يضحى بها. قال أصبغ: ما لم تكن بينة الهرم. قال ابن القاسم: وإن كان من إثغار فلا بأس به. قال مالك: ولا بأس أن يضحى بما سقطت له سن واحدة وإن لم يكن من كبر، وقال- في الكبش يطول ذنبه فيقطع منه قدر قبضة-: أرى أن يجتنب في الضحايا إذا وجد غيره. قال ابن المواز: أما القطع البين فمكروه، وأما اليسير فجائز، والثلث عندي كثير. قال ابن المواز: ولا خير في شطور الضرع كله، وقد أخبرت عن طاوس أنه قال: إذا كانت إحدى أطبائها تحلب فإنها تجوز، وكان يكره الجداء المصطلمة ضرعها، وهي المصرمة الأطباء، ويكره الهتماء، وهي الذاهبة الأسنان.
فصل [3 - فيمن اشترى أضحية فنزل بها عيب قبل ذبحها] ومن المدونة: قال مالك: ومن اشترى أضحية سليمة فلم يذبحها حتى نزل بها عيب لا يجوز به في الضحايا لو اشتريت به عجفت أو عميت أو أعورت. قال مالك: لا تجزئه وإن لم يصبها ذلك إلا بعد الشراء. قال سحنون في التي أقعدها الشحم أنها تجزئ. وأما من اشترى هدياً صحيحاً، يريد: فقلده وأشعره ثم عمي عنده فلينحره ويجزئه في الواجب والتطوع. قال ابن القاسم: لأن الضحية لم تجب عليه كما وجب عليه الهدي، ألا ترى أن لو ضل هديه فأبدله، ونحر البدل، ثم وجد الأول لم يكن بد من نحره، ولم يكن ما أبدل يضع عنه نحره فات وقت الذبح أو لم يفت، ولو ضلت أضحيته فأبدلها ثم وجدها في أيام النحر لم يلزمه ذبحها، وكانت مالاً من ماله، ولو ضلت أضحيته فلم يبدلها ثم وجدها بعد أيام النحر فليصنع بها ما شاء، وليس على أحدٍ أن يضحي بعد أيام النحر، وهو بمنزلة من ترك الأضحية، وكذلك لو أشترى أضحيته فحبسها حتى مضت أيام النحر، فهذا والأول سواء، وهذا رجل آثم حيث لم يضح بها.
قال إسماعيل القاضي في المبسوط: والفرق بين الهدايا والضحايا: أن إشعار الهدي وتقليده وتجليله وسياقه إيجاب فيه بالنية والفعل فلا يجوز بدله، ولا يضره بعد ذلك عيب دخله، فإن عطب الواجب منه قبل بلوغ محله ونحوه كان عليه بدله، لقوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}، وقال تعالى: {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}، فكان عليه في الهدي أمران: أحدهما: إيجابه وهو مما يجوز أن يهدى، والآخر: أن يبلغ محله، والضحايا بخلاف ذلك؛ لأن صاحبها لم يؤمر أن يوجبها بشيء قبل ذبحها، وإنما هو رجل ينوي أن يضحي بها، فالنية لا توجبها، غير أنه يستحب له أن لا يبطل ما نوى فيها. قال: ولو أن إنساناً اشترى أضحية، فقال بلسانه: قد أوجبتها لم يجز عندي أن يبدلها، يريد: ولا يضر عيب دخلها. قال: لأنه أوجبها بالنية والقول. م: قال نحوه غير واحدٍ من البغداديين، وهذا قول حسن، غير أن ظاهر كلام مالك خلافه، وقد قال مالك في كتاب ابن المواز فيمن اشترى أضحية سليمة فأوجبها فلم يذبحها حتى نزل بها عيب لا تجوز به في الضحايا أنها لا تجزئه، بخلاف الهدي يحدث به عيب بعد التقليد والإشعار، وذلك أن الضحايا لا تجب إلا بالذبح، والهدايا تجب بالتقليد، فقد نفى مالك أن تجب بغير الذبح؛ لأن الذبح فعل كالتقليد، وذلك أقوى من القول، وما قاله مالك إلا السنة عنده فيهما، ولا علمت لأصحابه فيه اختلافاً. م: وإن كان القياس عندي: أن لا تجزئ الهدايا أيضاً حتى تبلغ محلها ثم تنحر وهي سليمة؛ لأنه إذا كان هلاك جميعها بعد التقليد وقبل بلوغ محلها لا تجزئ ربها،
وعليه بدلها فكذلك هلاك بعضها، ويكون حكم البعض كحكم الجميع، ألا ترى أن من باع عبداً ودلس فيه بعيب فهلك بسبب ذلك العيب، أنه من البائع، وكذلك لو هلك بعضه بسبب العيب أنه منه، وإن لم يكن مدلساً أن هلاكه كله أو هلاك بعضه من المشتري، وكذلك كان يجب في الهدي أنه لما كان/ هلاك الجميع من ربه، وعليه بدله، فكذلك البعض، وهذا في أصولهم كثير، ولكن قد قال مالك وأصحابه ما علمت، وهم أئمة الدين وأهدى للصواب، فوجب اتباعهم. وبالله التوفيق. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أضجع أضحيته للذبح فاضطربت فانكسرت رجلها أو أصابت السكين عينها ففقأتها لم تجزه. قال ابن حبيب: وعليه بدلها، وله بيعها، وإن تمادى فذبحها بعد الذي أصابها لم تجزه، ولكن لا يبيع لحمها؛ لأنه قصد بها النسك، فلا يجوز بيعها. قال: ولو أصابها ذلك بعد أن فرى الأوداج وقطع الحلقوم أجزأته، ولم يلزمه بدلها؛ لأنه لم يصبها ذلك إلا بعد فراغه من ذكاتها. ومن المدونة: قال مالك: ومن سرقت أضحيته قبل الذبح أو ماتت أو ضلت فعليه البدل.
[الباب الثالث] في وقت ذبح الضحايا، وذكر الأيام المعلومات، والمعدودات
[الباب الثالث] في وقت ذبح الضحايا، وذكر الأيام المعلومات، والمعدودات قال الله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} فذكر الأيام دون الليالي، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من ضحى بليل فليعد". والأيام المعلومات: يوم النحر ويومان بعده، والمعدودات: أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام منى التي ترمى فيها الجمار، ولذلك سميت: معدودات، أي: معدودات في الرمي، فيوم النحر معلوم خاصة، واليومان اللذان بعده معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود خاصة لا ذبح فيه. ابن حبيب: ورواه ابن وهب عن عمر، وابن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأنس، رضي الله عنهم. وأفضل الذبح في هذه الأيام في أولها بعد ذبح الإمام. ومن المدونة: قال مالك: والأيام التي يضحى فيها يوم النحر، ويومان بعده إلى غروب الشمس من آخرها، فإذا غابت الشمس من اليوم الثالث فقد انقضى الذبح وفاته. قال سحنون: فإن قيل: فإن اسم اليوم يقتضي اليوم والليلة لقوله تعالى: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ}، وقوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ}.
قيل: لم يذبح النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً ولا نحر ليلاً فكان في ذلك الفعل بيان ما أراده تعالى، وقد يقال: إن اسم اليوم الأخص به النهار وإن جاز أن يدخل فيه الليل مجازاً، فإذا لم يكن دليل يدل على دخوله بقي على النهار خاصة، ولا يضحي بليل في شيء من هذه الأيام. قال ابن المواز: وقاله علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وكثير من التابعين رضي الله عنهم. وأما ما روي عن عمر بن عبد العزيز وعن الحسن أن الأضحى ثلاثة أيام بعد يوم النحر فقد عيب ذلك، وقد قال يونس إن الحسن كان يقول: الشهر كله. والذي قاله مالك هو الأمر المجتمع عليه. قال مالك: ويوم النحر هو يوم الحج الأكبر. قال غيره: سمي الأكبر: لأن المشركين كان يقف بعضهم بعرفة، وبعضهم بالمشعر الحرام، ثم يأتي من بعرفة فيقف يوم النحر بالمشعر فصار فيه اجتماعهم فأمر أن ينذرهم
بسورة براءة في أكبر مجتمعهم، وشيء آخر: إن ليلة هذا اليوم من طلع عليه فجرها ولم يقف بعرفة فاته الحج، والليلة من اليوم. قال ابن المواز: وأفضل الذبح في هذه الأيام الثلاثة اليوم الأول منها وقاله ابن عباس. قال عبد الوهاب: ولأن النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده كانوا يضحون فيه. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه النحر ثلاثة أيام أفضلها أولها، وقد قيل في تأويل قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} صل العيد وانحر الأضحية. قال ابن المواز: ووقت الذبح منه بعد صلاة العيد/ وبعد ذبح الإمام بيده، فمن ذبح قبل ذلك فلا اضحية له وتلزمه الإعادة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي ذبح قبله: "أعد"، فقال: لا أجد إلا جذعة من المعز فقال: "أذبحها ولا تجزئ عن أحد بعدك". وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يذبحن أحد قبل أن نذبح أو نصلي"، وقال: "أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي
ثم ننحر، فمن نحر قبل الصلاة فإنما تعجل لحماً لأهله". ابن المواز: ولا يراعى في اليوم الثاني والثالث ذبح الإمام ولا غيره ولكن إذا ارتفعت الشمس وحلت الصلاة جاز له الذبح، ولو فعل ذلك بعد الفجر أجزأه في هذين اليومين. ومن الواضحة: قال مالك: ووقت ذبح الضحايا في اليوم الأول من ضحى إلى زوال الشمس، ويكون بعد ذلك إلى العشي، فمن جهل فذبح حينئذٍ أجزأه، وكذلك اليوم الثاني يذبح من ضحى إلى زوال الشمس، فإن فاته أمر بالصبر إلى ضحى اليوم الثالث، وإن لم يضح إلى عشي اليوم الثالث فهذا يؤمر أن يضحي حينئذٍ إلى غياب الشمس. م: وحكي لنا عن بعض فقهائنا القرويين قال: سمعت أبا الحسن ينكر قول ابن حبيب هذا، وقال: بل اليوم الأول كله، الذبح فيه أفضل من الثاني، والثاني أفضل
من الثالث، ورواية ابن المواز واختياره أحسن من هذا، والذي عند ابن المواز هو المعروف. ومن المدونة: قال مالك: وجه الشأن: أن يخرج الإمام أضحيته إلى المصلى فيبحها بعد الصلاة بيده، ثم يذبح الناس بعده. قال أبو محمد عبد الوهاب: لأنه قد ثبت أن على الناس الاقتداء به فوجب أن يظهر أضحيته ليصل إلى الناس العلم بوقت ذبحه، فإن لم يفعل تحروا ذلك؛ لأنهم لا يقدرون على أكثر من ذلك، فإن تحروا فسبقوه فلا شيء عليهم؛ لأنهم اجتهدوا كالاجتهاد في القبلة مع الغيبة. قال ابن المواز: كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من خطبته ونزل من منبره أتي بكبشه فذبحه بيده، ثم يذبح الناس بعده في منازلهم. قال: فإن أخره الإمام إلى داره جاز له، والصواب: في المصلى. ولو أن غير الإمام ذبح أضحيته في المصلى بعد ذبح الإمام جاز وكان صواباً، وقد فعله ابن عمر، ولو لم يذبح الإمام في المصلى ثم ذهب إلى منزله ليذبح فذبح رجل قبل ذبح الإمام في
وقت لو ذبح الإمام في المصلى كان هذا ذابحاً بعده لم يجزه إلا أن يتوانى الإمام بعد وصوله إلى داره، فمن ذبح في وقت لو لم يتوانى الإمام وذبح في داره كان هذا ذابحاً بعده أجزأه. وقال أبو مصعب: إذا أخطأ الإمام فترك أن يذبح في مصلاه، فمن ذبح بعد ذلك فذلك له جائز. ومن المدونة: قال مالك: ومن ذبح أضحيته من أهل المدائن قبل صلاة الإمام أو بعد صلاته وقبل ذبحه لم تجزه وأعاد. قال: وليتحر أهل البوادي ومن لا إمام لهم من أهل القرى صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه فيذبحون بعده. قال ابن القاسم: فإن تحروا فذبحوا قبله أجزأهم. ابن المواز: وروى أشهب عن مالك أنه لا يجزئهم، وهو أحب إلينا. قال ربيعة: من كان في غير جماعة حيث ليس ثم إمام يقتدى بذبحه فذبح قبل طلوع الشمس لم يجزه، فإن ذبح بعد طلوعها أجزأه وإن كان قبل ذبح الإمام.
ابن المواز: وإن ذبح عن المسافر أهله فإنما يراعى ذبح إمامهم لا ذبح إمام البلدة التي هو فيها. ابن المواز: ولا يؤتم في الهدايا بالإمام، وله أن ينحر قبله.
[الباب الرابع] في الاشتراك في الأضحية، ومن يلزمك أن تدخله في أضحيتك أو تضحي عنه
[الباب الرابع] في الاشتراك في الأضحية، ومن يلزمك أن تدخله في أضحيتك أو تضحي عنه قال مالك رحمه الله: ولا يشترك في الضحايا إلا أن يشتريها رجل فيضحي بها عن نفسه وعن أهل بيته/ فذلك جائز. م: لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ولأن ذلك ليس بشركة في ملك اللحم، وإنما هي شركة في الثواب والبركة. قال مالك: وإن ضحى بشاة أو بعير أو بقرة عنه وعن أهل بيته أجزأهم وإن كانوا أكثر من سبعة أنفس. قيل لابن المواز: فما جاء في ذلك من الأحاديث أن ابن مسعود قال: تجزئ
البقرة عن سبعة أنفس، والجزور عن سبعة. وقال ابن المسيب: الجزور عن عشرة والبقرة عن سبعة، وضحى حذيفة ببقرة عن سبعة، فقال: لا حجة في ذلك إذ ليس فيه أن ذلك بين الأجنبيين وينزل ذلك على الرجل في أهله. قيل: فما روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة كل بدنة عن سبعة، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ليشترك النفر منكم في الهدي"، قال: فما يؤمنك أن يكون ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته لأنهم عياله، وأبين من ذلك: أن رجلاً قال لعلي بن أبي طالب: اشتريت بقرة لأضحي بها فولدت فما ترى فيها وفي ولدها؟ فقال: لا تحلبها إلا فضلاً عن ولدها واذبحها وولدها يوم النحر عن سبعة من أهلك.
قال ابن المواز: وهذا الشأن، وعليه العمل، غير أن ليس في ذلك توقيت عن سبعة ولا أكثر، وتجزئ الواحدة عنه وعن جميع أهل بيته. قال عبد الوهاب: وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن البدنة تجزئ عن سبعة والبقرة عن سبعة. ودليلنا: أن البدنة والبقرة حيوان يضحى به فلك تجز إلا عن واحد كالشاة، ولأن كل إنسان مخاطب بفعل ما يسمى أضحية، وذلك لا ينطلق على البعض. ومن المدونة: قال مالك: وأحب إلي إن قدر أن يذبح عن كل نفس شاة، وأستحب مالك حديث ابن عمر لمن قدر عليه دون حديث أبي أيوب الأنصاري. ابن المواز: وكان ابن عمر يقول: البدنة عن إنسان واحد، والبقرة عن إنسان واحد لا أعلم فيها شركاً. قال هو وابن عباس: لم أشعر أن نفساً واحدة تجزئ عن أكثر من واحدة.
م: وقال بعض أصحابنا: وحديث أبي أيوب الأنصاري ذكر فيه: كنا نضحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس فصارت مباهاة. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن اشترى أضحيته عن نفسه ثم نوى أن يشرك فيها أهل بيته جاز ذلك بخلاف الهدي. يريد: لحديث أبي أيوب الأنصاري، ولا حديث مفسر في الهدي. قال مالك: وإن اشتراها فأراد أن يذبحها عنه وعن أجنبيين معه ولا يأخذ منهم ثمناً، يتطوع بذلك فلا ينبغي، وإنما ذلك لأهل البيت الواحد. قيل لمالك: فإن كانوا رفقاء في سفر ونفقتهم واحدة قد تخارجوها فأرادوا أن يشتروا كبشاً من النفقة عن جميعهم؟ قال: لا يجزئهم ذلك. قال مالك: وليس على الرجل أن يضحي عن زوجته بخلاف النفقة. قال عنه ابن حبيب: إن أدخلها في أضحيته أجزأه وإياها، وإن لم يفعل فذلك عليها، بخلاف الفطرة.
قال بعض فقهائنا: والفرق: أن زكاة الفطر إنما هي زكاة أبدان فهي كالنفقة التي للأبدان فوجبت عليه لزوجته كوجوب نفقتها عليه. والأضحية إنما هي قربة فلا يلزمه أن يتقرب عن زوجته، كما لا يلزمه أن يتصدق عنها، أو يعتق عنها. قال ابن المواز: وقد ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عن نسائه بقرة. قال ابن حبيب: وعلى الرجل أن يضحي عن نفسه وعن أولاده الصغار الفقراء الذكور حتى يحتملوا، والإناث حتى يدخل بهم أزواجهن، ولو كانوا أملياء لم يلزمه ذلك عنهم إلا أن يشاء، ولو أدخل من لا تلزمه نفقته من ولده في أضحيته أجزأ الولد فقيراً كان الولد أو غنياً إذا كان في نفقة أبيه وفي بيته. قال: ولو أدخل في أضحيته من قد ضمه إلى عياله من أخ وابن أخ أو قريب فذلك يجزئ عنهم، ولا يجزئ إدخال الشريك والمرافق في السفر/ ونحوه من الأجنبيين في أضحيته. ابن المواز: قال مالك: ولا يدخل يتيمه في أضحيته، ولا يشرك بين يتيمين في أضحيته وإن كانا أخوين. قال ابن المواز: يضحي عن أبويه إن كانا محاويج، يريد: بشاة واحدة.
قال: وإن كانا أملياء ضحى عن كل واحد بشاة، وأما جده وجدته فكالأجنبيين لا يضحي إلا عن كل واحد بشاة إلا أن تكون الجدة زوجة الجد فيدخلهما في شاة واحدة كمل لو بعثها إلى الجد فذبحها هو عنه وعن زوجته. قال ابن ميسر: وذلك بإذن الجد. قال ابن المواز: وكذلك إن ذبح عن جده وعمومته وعماته الصغار الذين يدخلهم الجد في أضحيته وهم من عياله يدخلهم الجد في أضحيته وهم من عياله فإنه يجزئه كما لو بعثها إلى الجد فضحى بها عنه وعن أولاده. وهذا كله رأي محمد. ومن المدونة: قال مالك: وليس على الحاج أضحية وإن كان من سكان منى بعد أن يكون حاجاً، ومن لم يكن حاجاً من أهل مكة أو منى فعليهم أن يضحوا. قال: وليس على أمهات الأولاد أضحية. قال ابن القاسم: والعبيد مما لا اختلاف فيه أنه ليس عليهم أضحية. قال: ولا يضحي عن ما في البطن. ابن المواز: وقاله ابن عمر. قال: وليس العمل أن يضحي عن أبويه وقد ماتا، ولا يعجبني ذلك.
[الباب الخامس] في بدل الأضحية وبيعها وبيع لحمها والحكم في ولدها وصوفها ولبنها وما يرجع به من عيبها
[الباب الخامس] في بدل الأضحية وبيعها وبيع لحمها والحكم في ولدها وصوفها ولبنها وما يرجع به من عيبها قال ابن القاسم: ومن اشترى أضحية وأراد أن يبدلها، قال مالك: لا يبدلها إلا بخير منها. قلت: فإن باعها واشترى دونها ما يصنع بها وبفضلة الثمن؟ قال: قال مالك: لا يجوز له أن يستفضل من ثمنها شيئاً، وذكرت له الحديث الذي جاء في مثل ذلك فأنكره، وقال: يشتري بجميع الثمن شاة. قال ابن القاسم: فإن لم يجد بالثمن شاة فليزد من عنده حتى يشتري مثلها. قال ابن حبيب: إن باعها واشترى بدون الثمن مثلها أو خيراً منها أو دونها فليتصدق بما استفضل، وكذلك لو أبدلها بدونها فليتصدق بما بين الثمنين، فإن شح في الوجهين جميعاً صنع بالفضل ما أحب، وكذلك قال من لقيت من أصحاب مالك، وفي حديث حكيم بن حزام الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ليشتري له أضحية فابتاعها بدينار ثم باعها بدينارين، واشترى له أخرى بدينار وأتاه بها وبالدينار فتصدق به النبي صلى الله عليه وسلم ودعى
له بالبركة. قال ابن القاسم: أنكر مالك هذا الحديث. وقال ابن المواز: إذا اشترى من ثمنها مثلها أو خيراً منها واستفضل من الثمن شيئاً تصدق به؛ لأنه جعله لله. م: وذكر ابن المواز حديث ابن حزام المتقدم على طريق الحجة به، ولم يذكر ما روى ابن القاسم من إنكار مالك له. قال ابن المواز: قال مالك: ومن اشترى أضحيته فقام عليه غريمة فله بيعها عليه في دينه، ولو ضحى بها لم تبع. ابن المواز: قال مالك: وإن مات عن أضحيته قبل الذبح فإنها تورث، واستحب ابن القاسم أن يذبحها عنه الورثة ولا يلزمهم ذلك. قال: وأنا اشتراؤه لغيره فإن أفرزه وأشهد عليه بتعمد الإشهاد فهي لمن أشهد
له بها، وكذلك إن حازها من اشتريت له في صحة المشتري. قال ابن حبيب: فإن لم يكن إشهاد ولا حوز في صحة فهي تورث وتباع في دينه. قال ابن المواز: قال مالك: وإن مات عن لحم أضحيته فلا يباع في دينه؛ لأنه نسك، وكل نسك/ سمى الله فلا يباع لغريم ولا غيره وليأكل اللحم ورثته ولا يقتسمونه على الميراث فيصير بيعاً. وقال ابن حبيب: إذا أجمعوا على أكلها بعد أن يطعموا منها كما كان يطعم وإلا اقتسموها؛ لأنهم يرثون منها ما كان لهم، ثم ينهون عن بيع أنصبائهم، كذلك فسره مطرف، وابن الماجشون عن مالك. فصل [1 - في حكم ولد الأضحية وصوفها ولبنها وبيع شيء منها] ومن المدونة: قال مالك: وإذا ولدت الأضحية فحسن أن يذبح ولدها معها، وإن تركه لم أر ذلك عليه واجباً؛ لأن عليه بدل أمه إن هلكت. قال ابن القاسم: ثم عرضتها عليه فقال: أمح واترك منها: إن ذبحه معها فحسن.
قال ابن القاسم: ولا أرى ذلك عليه واجباً. ابن المواز: واستحب أشهب أن لا يذبحه معها. قال ابن حبيب: ولو وجد في بطن الأضحية بعدما ذبحها جنيناً حياً وجب عليه ذبحه، كذلك البدنة بعد الإشعار. ومن العتبية: قال أبو زيد: وقد ضحى ابن القاسم بنعجة حامل فركض ولدها في الذبح في بطنها فأمر بتركها حتى ماتت ثم شق عنه فأخرج فأمر السكين على حلقه فسال دمه فأمر أهله فشووا له منه. قال عبد الوهاب: وكذلك إذا خرج ميتاً كامل الخلق نابت الشعر فهو ذكي بذكاة أمه، خلافاً لأبي حنيفة في منعه أكله. ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، وفي بعض الحديث: وذلك إذا
نبت الشعر، ولذلك شرطنا نبات الشعر خلافاً للشافعي؛ ولأن ذلك علامة نفخ الروح فيه. ومن العتبية وغيرها قال أشهب عن مالك في الذبيحة يخرج جنينها ميتاً، قال: يؤكل إذا تم خلقه ونبت شعره، قال: واستحب أن يمر السكين على حلقه ليخرج الدم من جوفه. قال أبو محمد: لا يؤكل حتى يتم خلقه وينبت شعره فإن كان واحداً منهما لم يؤكل وإن خرج حياً. وقال ابن حبيب في الجنين يخرج وبه حياة ضعيفة: يستحب ذبحه ويؤكل فإن لم يذبح أكل، وإن كان به من الحياة ما يرى أنه يعيش منها لو ترك، أو يشك في ذلك، فإن لم يذكى حتى مات فلا يؤكل. قال أبو زيد عن ابن القاسم في بقرة أزلقت ولدها، فإن كان مثله يحي ويعيش فلا بأس بأكله إذا ذكي، قال ابن حبيب: إذا تم خلقه ونبت شعره.
قال ابن القاسم: وإن كان مثله لا يعيش لم يؤكل، وكذلك إن شك في ذلك لم يؤكل وإن ذكي. ومن المدونة: قال مالك: ولا يجوز أن يجز صوف الأضحية قبل الذبح. قال ابن المواز: إلا في الوقت البعيد الذي ينبت فيه مثله قبل الذبح. قال عنه ابن القاسم في العتبية: وله أن يجزه بعد الذبح. قال: فإن جزه قبل الذبح، يريد: بالقرب، ثم ذبحها أجزأته وقد أساء، ولا يبيعه ولينتفع به. قال سحنون: ولو باعه لم أر بأساً بأكل ثمنه إلا أن يجزه بعد الذبح فلا يبعه. ابن المواز: قال أشهب: له ان يجزها قبل الذبح، وينتفع به، ويبيعه، ويصنع به ما شاء؛ لأنه لم يجب قبل الذبح، وخفف أصبغ بيعه إن جزه قبل الذبح. ومن المدونة: قيل لابن القاسم: فجلد الأضحية وصوفها وشعرها هل يشتري به متاعاً للبيت أو يبيعه؟ قال: قال مالك: لا يشتري به شيئاً/ ولا يبيعه ولا يبدل جلدها بمثله ولا بخلافه ولكن يتصدق به، أو ينتفع به.
قال في الحج الثاني: ولا يعطي الجزار على جزره الهدايا والضحايا والنسك من لحومها ولا جلودها شيئاً، وكذلك خطمها وجلالها. قال عبد الوهاب: وقال علي رضي الله عنه أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أعطي الجزار منها شيئاً. ومن كتاب ابن المواز: ولا يتصدق بجلد أضحيته أو بلحمها على من يعلم أنه يبيعه، ومن تصدقت عليه به فلا يبعه ولا يبدله بمثله من جلد أضحيته أو غيرها، وكذلك لو وهبته لخادمك، قاله مالك. وروى محمد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا أهب الضحايا ولكن انتفعوا بها وتصدقوا". قال أبو هريرة: من باع جلد أضحيته فلا أضحية له. وروي عن سحنون فيمن باع جلد أضحيته أو شيئاً من لحمها أو صوفها فإن أدرك فسخ البيع وإلا فليجعل ثمن الجلد في ماعونه أو في طعامه، وثمن اللحم يشتري به
طعاماً يأكله. وقال محمد بن عبد الحكم: من باع جلد أضحيته فليصنع بثمنه ما شاء. قال ابن حبيب: وإن باعه جهلاً فلا يجوز أن ينتفع بثمنه وليتصدق به، وكذلك إن باعه عبده أو بعض أهله. قال: ومن سرقت رؤس ضحاياه من الفرن فاستحب ابن القاسم أن لا يغرمه شيئاً وكأنه رآه بيعاً. قال ابن حبيب: له أخذ القيمة ويصنع بها ما شاء من أكل أو صدقة أو شراء ما يحتاج إليه، وكذلك جلدها يضيع عند الزقاق أو يستهلك، وليس كالبيع، ألا ترى أن من حلف أن لا يبيع ثوبه فغضبه منه غاصب، أو استهلكه أحد فله أخذ قيمته ولا يحنث، وله أخذ جلد مثله من الزقاق ينتفع به، كما يأخذ عن اللحم المستهلك ما شاء من حيوان أو طعام، وقاله ابن الماجشون وأصبغ. قال ابن المواز: وإذا اختلطت رؤس الضحايا عند الشواء، كره لك اكل متاع غيرك، ولعل غيرك لا يأكل متاعك، أو متاعه خير، ولو اختلطت برؤس الشواء فهذا حفيف؛ لأنه ضامن كما يضمن لحم الأضاحي بتعد، وكما يضمن زرعاً لم يبد صلاحه، وقيمة كلب الغنم، وفطرة المسلمين بالتعدي.
م: فالمحصول من بيع الجلد ثلاثة أقاويل: قول سحنون: إن كان قائماً فسخ البيع، وإن فات جعل ثمنه في ماعونه أو طعامه، وقول ابن عبد الحكم: يصنع بها ما شاء، وقال ابن حبيب: لا يأكله ولتصدق به، وإن سرقت رؤس ضحاياه من الفرن فاستحب ابن القاسم أن لا يغرمه شيئاً؛ لأنه كالبيع، وقال ابن حبيب: له أن يغرمه القيمة وليس كالبيع. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولم أسمع من مالك في لبن الأضحية شيئاً إلا أنه كره لبن الهدي، وقد روي في الحديث: لا بأس بالشرب منها بعد؟؟؟؟ فصيلها، فأرى إن لم يكن للضحية ولد أن لا يشربه إلا أن يضر بها فيحلبه ويتصدق به، ولو أكله لم أر عليه شيئاً، وإنما منعته أن ينتفع بلبنها قبل ذبحها كما منعه مالك من ان يجز صوفها قبل ذبحها أو ينتفع به. قال سحنون: ترك اللبن في ضروعها مضرة لها، وأما الصوف والقرن فهو من جمالها وتمام خلقتها، واللبن يأكله كما يأكل لبن الهدي.
فصل [2 - فيمن وجد عيباً في أضحيته بعد ذبحها] قال أصبغ في العتبية: وإذا وجد بضحيته عيباً بعد الذبح فيرجع بقيمته فإن كان مما لا تجزئ به وكان في أيام الذبح أعاد، وإن فاتت فلا شيء عليه، ويصنع بها ما شاء، وإن كان عيباً تجزئ بمثله/ تصدق بما أخذ، وكذلك ذكر ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم سواء. قال: وذلك بخلاف ما يرجع به من قيمة عيب بعبد قد أعتقه، هذا يصنع به ما شاء وإن كان عيباً لا يجزئ بمثله. م: يريد: إذا كان تطوعاً؛ لأنه يجوز عتق المعيب، ولا تجوز الضحية بالمعيب، وإنما فرق بين ما تجزئ به أو لا تجزئ إذا مضت أيام النحر؛ لأن الذي لا تجزئ به صار كمن لم يضح وإنما ذبح لأهله، فوجب أن يصنع بقيمة العيب ما شاء، والذي تجزئ به فقد تمت له أضحيته، وما يرجع به فهو كشيء منها، فوجب أن يتصدق به أو يأكله أو يشتري به ماعونه لينتفع به كما قال ابن حبيب فيما يرجع به على الفران من قيمة رؤس الضحايا.
[الباب السادس] فيمن ذبح أضحية غيره بأمره أو بغير أمره أو غلطا
[الباب السادس] فيمن ذبح أضحية غيره بأمره أو بغير أمره أو غلطا قال مالك: وليلي الرجل والمرأة ذبح أضحيته أو هديه بيده كما فعل النبي، وقد كان أبو موسى الأشعري يأمر بناته أن يذبحن نسكهن بأيديهن. قال ابن المواز: لا يذبح له غير إلا من ضرورة أو ضعف قال مالك: وإن أمر مسلماً بذلك من غير عذر فبئس ما صنع، قال: ويجزئه. قال أبو محمد عبد الوهاب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم استناب علياً رضي الله عنه في نحر الهدايا، ولا فرق بينها وبين الأضاحي. قال ابن حبيب عن مالك: إذا أمر غيره فذبح له، فإن وجد سعة فأحب إليّ أن يعيد ويذبحها بنفسه صاغراً، وهو من التواضع لله سبحانه. ومن المدونة: وإذا أمر بذلك ذمياً لم تجزه وأعاد. وقال أشهب: تجزئه وبئس ما صنع.
م: فوجه قوله: إنها لا تجزئه: فلأنه مشرك كالمجوسي. ووجه قول أشهب: فلأنه من أهل الذبح كالمسلم. ومن المدونة: قال مالك: ومن ذبح أضحيتك بغير أمرك، فأما ولدك، أو بعض عيالك، فمن فعله ليكفيك مؤنتها فذلك مجزيء عنك، وأما غير ذلك فلا يجزئك. قال ابن المواز عن ابن القاسم: وكذلك إن ذبحها صديقه إذا وثق به أنه ذبحها عنه. ومن المدونة: قال مالك: وإذا ذبحت أضحية صاحبك، وذبح هو أضحيتك غلطاً لم تجز واحداً منكما، ويضمن كل واحد لصاحبه القيمة. قال ابن حبيب: إن عرف بذلك بعد فوات اللحم أجزأت عن ذابحها غلطاً وأدى لصاحبه القيمة، وإن لم يفت اللحم وكان قائماً لم يجزئ واحداً منهما، وخير ربها فإن أخذ اللحم فليبعه، وإن اختار أخذ القيمة لم يجز لذابحها بيع لحمها؛ لأنه ذبحها على أنها نسك.
وقال ابن المواز: إذا كان لحمها قائماً فاختار مستحقها أخذه لم تجز عن واحدٍ منهما، يريد: وله بيع لحمها، قال: وإن أسلمها وأخذ قيمتها، فابن القاسم يقول: لا تجزئ الذابح، ولا له بيع لحمها، وليأكله، أو يتصدق به، وقاله أصبغ. قال ابن المواز: وهذه من كتب المجالس لم تتدبر. وأحب إليّ أن تجزئ عن ذابحها إذا اختار ربها أخذ القيمة كعبد أعتقه عن ظهاره فشهد المعتوق بعد ذلك بشهادات وطلق ونكح ثم استحق فأجاز ربه عتقه فإنه يجزئ معتقه وتنفذ شهادته التي كان شهد بها وجميع أحكامه وإن نقضه سقطت تلك الشهادات وأموره ورجعت أموره إلى أمور العبيد، وكذلك أمة أو ولدها ثم جاء ربها فأخذ قيمتها فهي بهذا أو ولد، فكذلك الأضحية/ إن أجازها مستحقها أجزأت عن ذابحها وأخذ قيمتها، وإن اختار أخذها لم تجز عن واحدٍ منهما. قال ابن المواز: واختلف فيه قول أشهب فقال مرة: تجزئ عن ذابحها ويغرم لصاحبها القيمة كمن ضحى بكبش ثم استحقه ربه. قال ابن المواز: وذلك إذا أجاز مستحقه ذلك وطلب القيمة، وهو معنى قول أشهب عندي وإن لم يفسره كذلك. ابن المواز: واختلفا في الهديين المقلدين يخطئ الرفيقان أو غيرهما فينحر كل واحدٍ هدي صاحبه، فروى أشهب عن مالك أنه لا يجزئهما، وروى عنه ابن القاسم
وابن وهب أنه يجزئ عن الذي قلده لا عمن نحره لوجوبه بالتقليد، وبهذا أخذ محمد. قال أبو محمد: قد قيل في رواية أشهب: إنما روى هديين من الغنم فلذلك قال: لا يجزئ صاحبها؛ لأنها لا تقلد، وقد اختلف في تقليدها. قال أبو محمد: روي عن بعض أصحابنا في شاتين لرجلين لكل واحدٍ شاة بعينها فذبحهما، ثم اختلطا بعد السلخ أنهما يجزئانهما ولا يأكلان لحماهما وليتصدقا به جميعاً. م: إنما أجزأتاهما؛ لأنهما بالذبح وجبتا أضحية فأجزأتهما، واختلاطهما بعد الذبح لا يقدح في الإجزاء، وإنما لم يأكلا لحمهما؛ لأن كل واحدٍ قد يأخذ لحم شاة صاحبه فيصير بيعاً للحم أضحيته بلحم أضحية صاحبه، وفارق ذلك اقتسام الورثة للحم أضحية ورثوها؛ لأن كل واحد ورث منها جزءً معلوماً: ثلثاً، أو ربعاً فيأخذه منها، وهو تمييز حق هاهنا لا بيع. وقال عبد الله ابن عبد الحكم: إذا اختلطت الضحايا فلا بأس أن يصطلحا فيها يأخذ كل واحد كبشاً فيضحي به ويجزئه.
وقال سحنون في العتبية في الرفيقين يشتركان في شراء الشاتين للأضحية فيقتسمانهما، فيقول هذا: خذ أنت هذه فضح بها، وأنا هذه أضح بها فذلك جائز إن استويا في السمانة، وإن لم يستويا كرهت ذلك لأخذ الدنية إلا أنها تجزئه، ولا يأخذ للأفضل شيئاً ولا يعود. وقال أبو بكر بن محمد: قال غيره: تجزئه؛ لأنها بالقسم وجبت أضحية إذ كان له في كل شاة جزء. م: قوله: بالقسم وجبت أضحية: مجاز، وإنما تجب الأضحية بالذبح.
[الباب: السابع] في تفرقة لحوم الأضاحي والأكل منها
[الباب: السابع] في تفرقة لحوم الأضاحي والأكل منها ومن كتاب محمد: قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن ليس في الضحايا والبدن التطوع قسم موصوف ولا حد معلوم، قال الله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ}، قال: والقانع: الفقير، والمعتر: الزائر، ولا بأس على الرجل أن لو لم يأكل من ذلك. قال ابن حبيب: ينبغي أن يأكل منها ويطعم كما قال الله عز وجل، ولو أراد أن يتصدق بلحم أضحيته كله لغنائه عنه كان كأكله إياه كله ولم يتصدق منه بشيء حتى يفعل الأمرين كما قال الله سبحانه، قال: وكذلك قال مالك. قال ابن المواز: وأحب إليّ أن يتصدق من لحم أضحيته، ولو تصدق به كله كان أعظم لأجره، ولو ادخره كله ولم يتصدق من لحمه ولا صوفه/ ولا قرونه ولا شيء منه لكان جائزاً، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: "كلوا وتصدقوا وادخروا" في حديث مالك.
وقالت عائشة رضي الله عنها: دف أناس من اهل البادية حضرة الأضاحي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادخروا لثلاث وتصدقوا بما بقي"، ثم قيل له: فقال: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم فكلوا وتصدقوا وادخروا" وفي الحديث غير هذا. وقالت عائشة رضي الله عنها: قدم علينا علي بن أبي طالب من سفر فقدمنا له من لحم الأضاحي فقال: ما أكله حتى سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: "كله من عام إلى عام". قال ابن حبيب: ويستحب أن يكون أول ما يأكل يوم النحر من أضحيته، قاله عثمان رضي الله عنه، وابن المسيب، وابن شهاب، قال ابن شهاب: يأكل من كبدها قبل أن يتصدق منه.
وكره مالك أن يطعم من لحم أضحيته جاره النصراني والظئر النصرانيه عنده، ونهى عنه. قال ابن القاسم: وقد كان مالك يجيزه ثم رجع عنه، وما يعجبني أن يطعمهم، وما رأيت الناس إلا على تركه إلا أن يكون من العيال، وأما إن أهدى لهم فلا يعجبني. قال أصبغ: وكان ابن وهب: يخففه، ويرى أن تفسير الحديث: "أن لا تطعموا المشركين من لحوم ضحاياكم" أنه في المجوس، وغير أهل الكتاب، ولهذا كان مالك يخففه، ثم رجع إلى الكراهية. قال أصبغ: وتركه أحب إليّ على طريق الاستحسان. قال ابن المواز: وأخبرت عن سعيد بن جبير قال: لا تطعموا اليهود ولا النصارى شيئاً من النسك.
[باب] في سنة العقيقة والعمل فيها
[باب] في سنة العقيقة والعمل فيها ومن الواضحة: قال مالك: العقيقة سنة، وإن لم تكن واجبة فمستحب العمل بها، وكانوا يكرهون تركها. قال أبو محمد عبد الوهاب: لقوله صلى الله عليه وسلم: "مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً"،
وقوله: "كل غلام مرتهن بعقيقته تعق عنه يوم سابعه، ويسمى". قال ابن المواز: وهي مستحبة، وليست واجبة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فليفعل". وقد كانت في الجاهلية فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام. وإن كان ولد ولدان في بطن عق عن كل واحد بشاة، ولا يجمعهما في شاة واحدة؛ لأن الغرض به إراقة دم، والشركة فيه كأنه أخرج لحماً، فلا يجوز كالأضحية. قال مالك: والذكر والأنثى في هذا سواء، وقاله ابن عمر.
وروت عائشة رضي الله عنها عن الذكر شاتين وعن الأنثى شاة، وبه أخذ أبو حنيفة، والشافعي. ودليلنا: أنه عق عن الحسن والحسين كبشاً، كبشاً؛ ولأنه ذبح يتقرب به فلم يفاضل فيه بين الذكر والأنثى، كالأضحية. قال مالك: وتذبح العقيقة ضحى في اليوم السابع من المولود، وإن ولد نهاراً لم يحسب ذلك اليوم، وإن ولد قبل الفجر حسبت صبيحة ذلك اليوم. قال: والليلة سابقة لليوم، وإنما تحسب سبعة أيام بليالها. قال ابن حبيب: ولو عق عنه إلى مثل الحين الذي ولد فيه بعد أن يكون حيناً يذبح فيه نهاراً أجزأه ولم يعد، وإلغاء ذلك اليوم أحب إلينا، وقاله ابن الماجشون، وأصبغ.
قال مالك: ولا يعق بعصفور، ولا بشيء من الوحش، ولا يتقرب إلى الله في هذا إلا بالأنعام، وهي كالضحايا في الأسنان. قال ابن حبيب: يعق بجميع الأنعام من ضأن أو معز أو بقر أو إبل. قال ابن المواز: وغيره: لا يعق بالإبل ولا بالبقر، وليعق بالجذع من الضأن والثني من المعز. قال سحنون- عن مالك-: وبه جاءت السنة. قال ابن حبيب:/ ويسلك بالعقيقة مسلك الضحايا في اجتناب العيوب، وفي أسنانها، وفي النهي عن بيع شيء منها، ومن ذبح غير شاة العقيقة يريد بها التوسعة، فله بيع جلودها، ولا يبالي فيها بعيب؛ إذ ليست بعقيقة. قال مالك: وتكسر عظام العقيقة، وكانت الجاهلية تقطعها من المفاصل، ولا تكسرها ويحلقون رأس الصبي، ويجعلون في رأسه من دمها في قطنة فذلك نهى مالك أن يمس الصبي بشيء من دمها خلافاً لهم. قال أبو محمد عبد الوهاب: يجوز كسر عظامها، لا أنه مسنون ولا مستحب، لكن تكذيباً للجاهلية في تحرجهم من ذلك وتفصيلهم إياها من المفاصل.
قال: وليس على الناس حلاق رأس الصبي والصدقة عنه بوزن شعره ورقاً أو ذهباً، ولا بأس به على من فعله. مالك: والصبي والصبية في حلق الرأس يوم السابع سواء، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يحلق رأس حسن وحسين ابني علي بن أبي طالب رضي الله عنهم يوم سابعهما ويتصدق بوزن شعرهما فضة، وأن يخلق رأسهما بعد الحلاق بخلوق أو زعفران بدلاً من الدم الذي كان يفعل به في الجاهلية، وروي عن عائشة رضي الله عنهما، وذلك مستحب، وليس بواجب، وكانت الجاهلية يجعلون في رأس المولود شيئاً من دم العقيقة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل مكان الدم خلوقاً. ولا يسمى المولود إلا في اليوم السابع لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك. ومن فاته أن يعق في السابع فلا يعق في أسبوع ثانٍ، وقيل: يعق في الثاني، فإن فاته ففي الثالث، فإن فاته فلا يعق في الرابع، قاله ابن وهب عن مالك، وروى مثله
عن عائشة رضي الله عنها، واختاره ابن عبد الحكم. قال ابن حبيب: وأهل العراق يعقون عن الكبير. وقال مالك في سماع أشهب: لا يعق بعد السابع، ولا عن كبير، وهؤلاء الصحابة الذين لم يعق عنهم ما عقوا عن أنفسهم. قال أبو محمد عبد الوهاب: هذا أقيس لفوات الوقت المقدر له بالنص كالأضحية. قيل لمالك: فيعمل منها الطعام الطيب ويدعى إليه؟ قال: ما رأيتهم عندنا يفعلون ذلك، إنما يقطعونه ويأكلون منه ويطعمون ويبعثون إلى الجيران، ولا بأس أن يطعم نيئاً، وغير نيء، وذلك واسع، فإن شاءوا أن يطعموا طعاماً صنعوا من غيرها، ودعوا إليه الناس. ومن مات ولده قبل السابع فلا عقيقة عليه، ولا تسمية عليه فيه. قال ابن وهب: فذكر له الحديث في السقط يقول لأبيه يوم القيامة تركتني بغير اسم، فلم يعرفه.
قال ابن حبيب: وأحب إليّ إن مات قبل السابع أن يسمى، وكذلك السقط يسمى، لما روي من رجاء شفاعته. والله أعلم. قال معن عن مالك: إذا كان سابع ولده يوم الأضحى، وليس عنده إلا شاة، قال: يعق بها. قال العتبي، وابن حبيب: إلا أن يكون يوم السابع آخر أيام النحر فليضح بها؛ لأن الأضحية أوجب. قال ابن المواز: قيل لمالك: أيعق العبد عن ولده الحر ويضحي عنه؟ قال نعم: إذا أذن له سيده، وإلا فلا. قال مالك- في غير ديوان-: إن الذبيح إسحاق. قال ابن حبيب: إن الذبيح إسماعيل. وها قول العراقيين. والله عز وجل أعلم.
[باب] في الاختتان والخفاض وإتيان الولائم
[باب] في الاختتان والخفاض وإتيان الولائم والختان سنة مؤكدة في الذكور والإناث، لقوله صلى الله عليه وسلم: "عشر من الفطرة" فذكر "الختان"، والفطرة: هي السنة. قال ابن حبيب: لم يكن الختان قبل نبي الله إبراهيم عليه السلام، وهو من ملة الإسلام، قال الله تعالى: "ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل"، وأمر الله سبحانه بذلك إبراهيم عليه السلام، ونسخ به ما تقدم من ترك الاختتان وكل طاعة لله تعالى في وقته، فاختتن صلى الله عليه وسلم بالقدوم، وهو ابن عشرين ومائة، وعاش بعد ذلك
ثمانين سنة. قال مالك: والاختتان من الفطرة، ومن تركه من غير عذر ولا علة لم تجز إمامته ولا شهادته. قال ابن شهاب: ولا يتم إسلام من أسلم حتى يختتن. قال ابن المسيب: كان إبراهيم عليه السلام أول من اختتن، وقص شاربه، وقلم أظفاره، ونتف إبطه، وحلق عانته، وفرق شعره، وأول من استاك،/ وضاف الضيف، وأول من رأى الشيب، فقال: يا رب ما هذا؟ قال: وقار، قال: رب زدني وقاراً. وقال عطاء بن أبي رباح: عشر خصال من السنة فطر عليها إبراهيم، خمس في الرأس: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وفرق الرأس. وفي الجسد خمس: قص الأظفار، ونتف الإبط، والاستحداد، والختان، والاستنجاء.
وروي عن الحسن: أنه تفسير قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}. وروي أن إبراهيم ختن إسماعيل: ابن ثلاث عشرة سنة، وختن إسحاق: ابن سبعة أيام. وروي أنه أطهر للمولود وأعفى من الآلام، يريد: العلة، والمرض والعبث. وكره مالك الختان يوم يولد الصبي، وفي يوم سابعه، وقال: هو من فعل اليهود، ولم يكن من عمل الناس إلا حديثاً، وكان لا يرى بأساً أن يفعل، لعلة يخاف على الصبي. قال مالك: وحد الختان من يوم يؤمر بالصلاة من سبع سنين إلى عشر. ابن حبيب: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الختان سنة للرجال مكرمة للنساء".
قال يحي بن سعيد، وربيعة: والخفاض كالختان في الرجال في إلزامه؛ لأنه لا يقطع من أحدٍ شيء لا يلزمه، وكذلك هما في حلق العانة ونتف الإبط، وقاله كله مالك: وقال: إن إبراهيم عليه السلام أمر سارة أم إسحاق أن تفعله بها أم إسماعيل وكانت أمة لها وهبتها لإبراهيم عليه السلام، ثم غارت منها فحلفت لتغيرن منها ثلاثة أشياء، فأمرها إبراهيم أن تثقب أذنيها وتخفضها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأم عطية- وكانت تخفض-: "يا أم عطية أشمي ولا تنهكي؛ فإن ذلك أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج"، يقول: لا تبالغ في القطع، ولكن تخفف، وقوله: "أسرى للوجه" يقول: أشرق وأنظر، وأكثر لماء الوجه ودمه، وإذا بالغت في القطع أذهب ماء وجهها، وأمات لونها. وقوله: "أحظى عند الزوج" يقول: أحسن في جماعها. وروي أن علي بن ابي طالب كره أن تخفض حتى تبلغ سبع سنين.
وليس من الشأن الإطعام عند مالك، بل الشأن عند الناس ستره وإخفاء ذكره. وأما ختان الذكر فكانوا يدعون إليه، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يدعى إليه، وكان ابن عمر يدعو إليه، وإلى الولادة، وكذلك: نافع بن جبير بن مطعم، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا وليمة إلا في خرس أو عرس أو إعذار"، فالعرس: البناء بالزوجة، والخرس: نفاسها، والإعذار: ختان المولود، يقال: أعذرت الغلام؛ فهو معذور: إذا ختنته، وطعام ذلك: عذيرة، وزيد في ذلك: طعام العشيرة، والنقيعة، فالعشيرة: الطعام الذي يبعث به لأهل الميت. مالك: ويكره أن يرسل لمناحة. والنقعية: طعام الإصلاح، كانت تفعله العرب في النائرة تقع بين القبيلتين
فتأتي قبيلة أخرى تصلح بينهم، فتنحر البقر، ويقدم الطعام بعد الصلح. قال محمد بن عبد الله: وقولي: ومن لمدونة في كتاب المختلطة مجاز، لشهرة اسم الديوان به. تم كتاب الضحايا والعقيقة من الجامع لابن يونس، بحمد الله وعونه وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كتاب الجهاد في فرض الجهاد وفضائله والرباط فيه قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} وقال: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [الأنفال:39] وقال في أهل الكتاب: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [التوبة:36] إلى قوله {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]. قال سحنون: فالجهاد فرض على جميع المسلمين
يحمله بعضهم عن بعض لقوله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة:122] وموضع الدليل في الآية؛ أنه جعل طائفة للتفقه، وأخرى للجهاد، والطائفة غير معلومة، فحصل الجهاد على غير معين، وهذا صفة الفرض على الكفاية إذ هو غير مختص بالأعيان. قال عبد الوهاب: وأصله من السنة أيضاً قوله -صلى الله عليه وسلم- «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها» وفيه أخبار كثيرة. ولا خلاف بين الأمة في وجوبه، وهو من فروض الكفايات دون الأعيان؛ فمن قام به سقط الفرض عن الباقين. ووجه القيام به: أن تحرس الثغور وتعمر وتحفظ بالمنعة والعدد.
قال سحنون: وكان الجهاد في أول الإسلام فرضاً على جميع المسلمين لقوله تعالى: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة:41] وقوله: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ} [التوبة:120]. قال ابن زيد: فنسخ ذلك لما كثر المسلمون بقوله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} وبقوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً} [التوبة:122] قال: والثقيل من له ضيعة والخفيف من لا ضيعة له.
قال: وإذا نزل العدوم بقوم ففرض عليهم قتالهم إذا كانوا مثلى/ عددهم فأقل لقوله تعالى: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}. وإذا وقع النفير ورجل معتكف فإن حل بموضعه مالا قوة/ لمن حضر على دفعه خرج ثم ابتدأ إن رجع. وقال مالك: يبني. ولا ينفر العبد ولا المكاتب ولا من بقية رق بغير إذن سيده إلا من هو في نفير فغشيهم مالا قوة لمن حضر به فلينفر بغير إذن السيد وقاله الأوزاعي. قال سحنون: ومن عليه دين قد حل وعنده به قضاء فلا ينفر ولا يرابط ولا يعتمر ولا يسافر حتى يقضيه، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- «مطل الغني ظلم» وإن كان دين لم يحل أو
لا وفاء له به فله أن ينفر، ولا أحب لمن له والدان أن ينفر إلا بإذنهما أن ينزل بمكانه من العدو ما لا طاقة لمن حضر على دفعه فلينفر إليهم بغير إذنهما. ولو نزل ذلك بساحل بغير موضعه ولا غوث عندهم أو كان الغوث بعيداً منهم فلينفر إليهم بغير إذن الأبوين. قال عبد الوهاب: والأصل في ذلك قوله -عليه السلام-: «إذا كان العدو عند باب البيت فلا تذهب إلا بإذن أبويك». ولأن طاعتهما من فروض الأعيان فهي أولى من فروض الكفايات. وأما إذا تعين الفرض عليه فلا يمنع لأن منعهما له غير جائز لهما كمنعهما إياه من الصلاة والصوم الواجبين. فصل ومن كتاب ابن سحنون وابن حبيب روي أنه قيل: يا رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله وجهاد في سبيل الله». وفي حديث آخر: «وحج مبرور».
وروي أن الصحابة -رضي الله عنهم- قالوا يا رسول الله: وددنا لو علمنا أفضل الأعمال، فنزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} إلى قوله: {وَفَتْحٌ قَرِيبٌ}. [وقال -عليه السلام- لرجل: «لو قمت الليل وصمت النهار ما بلغت نوم المجاهد». وفي حديث آخر: «ما بلغت غبار شراكه». وفي حديث آخر: «ما بعد الصلاة المكتوبة أفضل عند الله من الجهاد». وقال: «مثل المجاهد كالصائم حتى يرجع إلى أهله».
وقال ابن عمر: لأن أقف موقفاً في سبيل الله مواجهاً للعدو ولا أضرب بسيف ولا أطعن برمح ولا أرمي بسهم أفضل من أن أعبد الله ستين سنة لا أعصيه. وروى أبو هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الموقف ساعة في سبيل الله أفضل من شهود ليلة القدر عند الحجر الأسود». وقال: «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها». وقال لرجل له ستة آلاف دينار: «لو أنفقتها في طاعة الله لم تبلغ غبار نعل المجاهد».
وقال: «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار». وروي: «أنه لم يكن يتلثم من الغبار في سبيل الله». وكره مكحول التلثم في سبيل الله. وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «غزة بعد حجة الإسلام خير من ألف حجة ومن صيامها وقيامها».
قال ابن القاسم: وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- «ما جميع أعمال البر في الجهاد إلا كبصقة في بحر، وما جميع أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر». وروي عنه في الموطأ أنه قال: «تكفل الله عز وجل لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته بأن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة». وفضائل الجهاد كثيرة، وفيما ذكرنا كفاية. فصل روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «رباط ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقوم ليلها لا يفتر ويصوم نهارها لا يفطر».
وقال: «من رابط فوق ناقة حرمه الله على النار». وقال ابن حبيب قوله: «فواق ناقة» هو قدر ما تحلب. وقال أبو هريرة: لحرس ليلة أحب إلي من صيام ألف يوم أصومها وأقوم ليلها في المسجد الحرام وعند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-. وروي في الرباط من الرغائب كثير. قال ابن حبيب: وهو شعبة/ من شعب الجهاد، وبقدر خوف أهل ذلك الثغر وتحرزهم من عدوهم يكون كثرة ثوابهم. وقال ابن عمر: فرض الجهاد لسفك دماء المشركين، والرباط لحق دماء المسلمين، وحقن دماء المسلمين أحب إلي من سفك دماء المشركين.
وقيل: إنما هذا حين دخل في الجهاد ما دخل. قال عمر: اغزوا ما دام الغزو حلواً خضراً قبل أن يكون مراً عسراً ثم يكون ثماماً ثم يكون رماماً ثم يكون حطاماً فإذا انتاطت المغازي وكثرت الغزائم واستحلت الغنائم فخير جهادكم الرباط. والتمام: الرطب من النبات، والرمام: اليابس، والحطام: الذي ينكسر ويتحطم وقوله: انتاطت: يعني تباعدت، وقوله: العزائم: يريد حمل السلطان شدة الأمر عليهم، والعزم فيما يشق عليهم لبعد المغزى وقلة عونه عليهم وغير ذلك. وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تمام الرباط أربعون ليلة». وروي «إذا نزل العدو بموضع فهو مرابط أربعين سنة». قال أبو محمد: هذا والله أعلم على الترغيب في الرباط.
وقد ضعف مالك أمر جدة إذ كان إنما نزل العدو بها مرة، وينبغي لكل قوم أن يرابطوا في ناحيتهم ويمسكوا سواحلهم إلا أن يكون مكاناً مخوفاً يخاف فيه على العامة؛ يريد: فليذهب إليه. وسئل مالك عن سكان الثغور والسواحل بالأهل والولد؟ قال: ليسوا بمرابطين، وإنما الرباط لمن خرج من منزله معتقداً للرباط في موضع الموت. فصل قال ابن حبيب: وجاءت الرغائب فيمن أنفق في سبيل الله أو أعان بماله. قال: ونفقة الخارج أفضل. قال: زيد بن أسلم. في نفقة الخارجين: كمثل حبة أنبتت سبع سنابل. وقال فيمن يقرون من خرج ولا يخرجون: {ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ}.
قال ابن حبيب: ولم يختلف العلماء في كراهية المسألة للغازي كان غنياً أو فقيراً والفقير يجلس ولا يتكلف مالا يطبق، قال: وما أعطى الغازي من غير مسألة فأكثر العلماء لا يرون بأخذه بأساً فإن احتاج إليه أنفقه وإلا فرقه في سبيل الله، وقالت طائفة: أفضل له أن لا يأخذه، وقبول الفقير لذلك أفضل من تركه فما فضل له بعد فعله فرقه في السبيل. فصل قال ابن حبيب وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «لو أن هذه الأمة انتهت عندما أمرت لأكلوا غير زارعين؛ لأن الله جعل أرزاقها في سنابك خيلها وأسنة رماحها». وقال -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله جعل رزقه في ظل رمحه ولم يبعثني تاجراً ولا زارعاً وإن من أشرار عباد الله التجار والزراعيين إلا من شح على دينه». وقال عمر: (من زرع فامحه من الديوان فإن هذه الأمة جعلت أرزاقها في أسنة رماحها ما لم يزرعوا فإذا زرعوا كانوا من الناس).
وقال بعض الصحابة: إذا أدركت زماناً يغزو فيه الفقراء ويقعد فيه الأغنياء ويرغب الناس في الزرع والضرع فأولئك الذين يدلسون دين الله. في الدعوى قبل القتال وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بدعوة أهل الكفر قبل القتال. وروى مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حين خرج إلى خبير فأتاها ليلاً وكان إذا جاء قوماً ليلاً لم يغز حتى يصبح فلما أصبح خرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوه قالوا: محمد والله محمد والخميس فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين».
ومن كتاب ابن حبيب: روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أن يدعو إلى الإسلام والصلوات الخمس وصوم الشهر وحج البيت والزكاة فإن أجابوك وإلا فقاتلهم. وأمر الصديق خالداً أن يقاتل من أبى واحدة من هذه الخمس منها الشهادة. وروى ابن وهب أن علياً ابن أبي طالب -رضي الله عنه- لم يكن يقاتل أحداً من العدو حتى يدعوهم ثلاث مرات. وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك. ومن المدونة قال مالك -رحمه الله-: ولا يقاتل المشركون حتى يدعوا ولا يبيتوا حتى/ يدعوا إلى الله ورسوله فيسلموا أو يعطوا الجزية. قال: وكذلك إن أتوا إلى بلادنا.
وفي المستخرجة قال أصبغ: وبلغني أن عمر بن عبد العزيز كتب ألا تقاتلوهم حتى تدعوهم فإنا إنما تقاتلوهم على الدين فإنه يخيل إليهم وإلى كثير منا إنما تقاتلوهم على الغلبة فلا تقاتلوهم حتى تبينوا لهم. قال ابن المواز: وقال ابن نافع: إنما كانت الدعوة قبل ظهور الإسلام يقول: قبل أن يفشو وينتشر. قال: وقد أغار النبي -صلى الله عليه وسلم- على بني المصطلق وهو غارون، وبعث في قتل ابن الحقيق وابن الأشرف، وصاحب بن الحيان، غيلة. وبه احتج يحيى بن سعيد.
ومن المدونة وقال أيضاً مالك بن أنس: أما من قربت داره منا فلا يدعو لعلمهم بالدعوة ولتطلب غرتهم أي غفلتهم وأما من بعدت داره وخيف أن لا يكونوا كهؤلاء فالدعوة أقطع للشك. ونحوه عن ربيعة.
وقال يحيى بن سعيد: لا بأس بابتغاء غرة العدو بالليل والنهار لأن دعوة الإسلام قد بلغتهم إلا من ترجى إجابته من أهل الحصون فلابد من الدعوة. وقيل لأصبغ في المستخرجة: أرأيت من دعي إلى الإسلام أو الجزية فأبوا فقوتلوا على هذا مراراً يدعو كلما غزوناهم؟ قال: أما الجيوش الغالبة الظاهرة فلا يقاتلوا قوماً ولا حصناً حتى يدعوهم لأنهم لم يخرجوا لطلب غرة ولا لانتهاز فرصة وإنما خرجوا ظاهرين قاهرين، وأما السرايا وشبهها التي تطلب الغرة وتنتهز الفرصة فلا دعوة عليهم لأن دعوتهم إنذار وتجليب عليهم مع ما في الدعوة من الاختلاف وقد قال جل الناس: إن الدعوة قد بلغت جميع الأمم. قال ابن سحنون: اختلف في الدعوة على ثلاثة أوجه: فقيل: لا تلزم في كل أحد لبلوغ الدعوة وقاله الحسن وغيره.
وقيل: واجبة في كل أحد بعدت داره أو قربت وقاله عمر بن عبد العزيز ومالك وأكثر العلماء. وقال ابن الماجشون: لا دعوة فيمن قرب منا مثل المصِّيصة ودبسة وطرطوس ويدعى من بعد.
وروى ابن حبيب نحوه. وقال عن مالك: إذا وجبت الدعوة فإنما يدعو إلى الإسلام جملة من غير ذكر الشرائع إلا أن يسألوا عنها فلنبين لهم، وكذلك يدعو إلى الجزية مجملاً بلا توقيت ولا تحديد إلا أن يسألوا عن ذلك فلنبين لهم. قال سحنون في كتاب ابنه: وإذا بذلوا الجزية عاماً بعام على أن يقيموا بموضعهم فإن كانوا بموضع ينالهم سلطان الإسلام وحكمه قبلت منهم، وإن كانوا في بعد من سلطاننا أو حيث يمكنهم النكث ولا تجري أحكام المسلمين عليهم فلا تقبل منهم الجزية إلى أن ينتقلوا إلى حيث سلطاننا، وكذلك إن أجابوا إلى الإسلام إلا أن يكونوا بالقرب من دار
الإسلام ومن جماعتهم حتى لا تجري أحكام المشركين عليهم فيضطرونهم إلى الرجوع عن دينهم إلى دين المشركين فليس عليهم الانتقال من دارهم وموضوعهم، وإن كانوا في بعد من المسلمين وتحت أيدي المشركين بحيث تجري أحكامهم فعلى هؤلاء الانتقال إلى دار الإسلام. وقال سحنون: في قوم من أهل الحرب ممن يرى أن الدعوة لم تبلغهم إذا قاتلوهم قبل أن يدعوهم فقتلوهم وغنموا أموالهم وأولادهم فلا شيء على المسلمين من دية ولا كفارة. يريد: للاختلاف في ذلك؟ ومن المدونة وكان مالك: يفرق بين الروم في قتالهم وبين القبط، وقال: لا يقاتل القبط ولا يبيتوا حتى يدعوا ولم ير أن دعوة الإسلام قد بلغتهم؛ يريد: أنهم قوم لا يفقهون، فكأنه رأى أنهم لم يفهموا ما يدعون إليه فرأى أن يدعوا وتبين لهم الدعوة، لا كما قيل: إنما ذلك؛ لأن مارية القبطية أم ولد النبي -صلى الله عليه وسلم- منهم، وقد أنكر ذلك بعض الناس وقال: القبط من أحذق الناس وإنما لعلة فيهم؛ أنهم كان لهم عهد فركبوا بالظلم وتداول/ الملوك ذلك من أهل الجور ونقضوا ما كانوا عليه العهد فلذلك لا يقتلوا حتى
يدعوا أو يخيروا أنهم يردون إلى ما كانوا عليه ويسار فيهم بالعدل وطريق الحق، وأما الروم فما كان لهم عهد قط، فلهذا فرق مالك بينهم. ومن المدونة قال مالك: وينبغي أن يدعى اللص إلى أن يتقي الله ويدع ذلك، فإن أبى قوتل كان بطريق أو أتى إلى محلك. وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من حمل علينا السلاح فليس منا ولا راصد بطريق». قال مالك: وإذا نزل قوم بآخرين يريدون أنفسهم وأموالهم وحريمهم ناشدوهم الله عز وجل فإن أبوا فالسيف. قال: ومن عاجلك على الدعوة من لص أو مشرك فقاتله. قال ابن القاسم: وإن طلب السلابة الطعام أو الثوب أو الأمر الخفيف رأيت أن يعطوه ولا يقاتلوا. وقال سحنون: لا يعطوه ولا يدعوا لأن الدعوة لا تزيدهم إلا إشلاء وجرأة وليقاتلوا بلا دعوة. ومن المدونة قبل لربيعة: فمن عرض له لص ليغصبه ماله فرماه فنزع عينه هل عليه دية؟ قال: لا ولا نفسه. قيل له: عمن تذكر هذا؟ فقال: كان سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف يخبران أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من قتل دون ماله فأفضل شهيد قتل في الإسلام بعد أن يتعوذ بالله وبالإسلام ثلاث مرات، وإن قتل اللص فشر قتيل في الإسلام».
وفي حديث آخر قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من قاتل دون ماله حتى يقتل فهو شهيد». وقال محمد بن سيرين: ما علمت أن أحداً من الناس ترك قتال من يريد نفسه وماله تأثماً وكانوا يكرهون قتال الأمراء. في الجهاد مع من لا يرضى من الولاة أو بغير إذن من الإمام أو بالنساء أو بالمصاحف قال مالك -رضي الله عنه-: ويجاهد العدو مع كل بر وفاجر من الولاة، وقد كان مالك يكره الجهاد مع هؤلاء الولاة ثم رجع عن ذلك لما كان زمن مرعش وما صنع الروم بالإسلام
وجرمهم وغارتهم على الإسلام فقال: لا بأس بالجهاد معهم، فقيل له: إنهم يفعلون ويفعلون؟ فقال: لا بأس على الجيوش، وما يفعل الناس لو ترك مثل هذا كان ضرراً على أهل الإسلام. ابن سحنون: وقال الحسن: اغز معهم ما لم ترهم عاهدوا ثم غدروا. ولم ير السلف بالغزو مع هؤلاء الجور بأساً. قال أن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس بالغزو معهم وإن لم يضعوا الخمس موضعه وإن لم يوفوا بعهد وإن عملوا ما عملوا ولو ترك ذلك لاستبيح حريم الإسلام ولعلا أهل الشرك. وقال الصحابة حين أدركوا من الظلم فكلهم قالوا: اغز معهم على حظك من الأجر ولا تفعل ما يفعلون من فساد وخيانة وغلول.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الجهاد ماض منذ بعث الله نبيه إلى آخر عصابة تقاتل الدجال لا ينقضه جور من جار ولا عدل من عدل». وقال ابن عمر: اغز مع أئمة الجور وليس عليك مما أحدثوا شيء. وغزا أبو أيوب الأنصاري مع يزيد بن معاوية بعد أن توقف ثم ندم على توفقه. فصل قال ابن المواز: ولا يجوز خروج جيش للغزو إلا بإذن الإمام وتوليته عليهم من يحيطهم ويسمعون منه ويطيعون وقد سهل مالك في الذين بقرب العدو ويجدون الفرصة من عدوهم ويبعد عليهم موضع الإمام ويخافون إن استأذنوا فواتها أو يخافون منعهم منها
فلا بأس أن ينالوها بغير إذنه، وأما سرية تخرج من عسكر فلا يجوز ذلك ولا يحل لهم إلا بإذن الإمام. قال عبد الملك: وأراهم في ذلك غاصبين متعدين خرجوا ببدعة عما بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- والأئمة بعده ولا أرى أن ينفل منهم أحد ولا ينفل إلا من أطاعه وليؤدبهم فإنهم مستخفون لذلك. ومن كتاب ابن سحنون قال سحنون: وأصحابنا يرون في سرية تخرج في قلة وغرر/ بغير إذن الإمام فغنموا فللإمام منعهم الغنيمة أدباً لهم. قال سحنون: فأما جماعة لا يخاف عليهم فلا يحرمهم الغنيمة وإن لم يستأذنوه. يريد: وقد أخطأوا. وقد اختلف في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}. فقال أبو هريرة أولو الأمر: أمراء السرايا.
وقال جابر بن عبد الله: هم أهل الفقه والدين. قال بعض العلماء: وطاعة هاتين الطائفتين واجبة. وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- يوماً أصحابه عن القتال وهم مستقبلون العدو فقاتل رجل فقتل فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- من ينادي: «لا تحل الجنة لعاص». وقال -عليه السلام-: «وإن أمر عليكم عبد حبشي فاسمعوا له وأطيعوا». وفي حديث آخر: «إلا أن يأمر بمعصية فلا سمع فيها ولا طاعة». قال سحنون: وليؤمر الإمام على السرية يبعثها أميراً يتقدمون بأمره ويستأخرون ويكون من ذوي المراس في الحرب والحنكة ويستظهر بأهل الرأي ممن معه.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يخرج بالنساء إلى دار الحرب إلا أن يكن في عسكر عظيم لا يخاف من قلة عليهن فلا بأس. ابن وهب: وقد كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال؟ فقال ابن عباس: لولا إذا أخاف أن نكتم علماً ما كتبت إليه.
وقال في حديث آخر: لولا أن أرده عن شيء يقع فيه ما كتبت إليه ولا نعمة عين. فكتب إليه نجدة أما بعد: فأخبرني هل كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ وأخبرني متى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه ابن عباس: قد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغزو بالنساء فيداوين المرضى ويحرمن من الغنيمة ولا يسهم لهن، وأنه لم يكن يقتل الصبيان، وكتبت تسألني متى ينقضي يتم اليتيم؟ ولعمري أن الرجل تشيب لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه، ضعف الإعطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد انقطع عنه اليتم. قال مالك: ولا بأس أن يخرج الرجل بأهله إلى الرباط على بعض السواحل. قال سحنون: إلى المواضع المأمونة الكثيرة الأهل؛ كالإسكندرية، وتونس، وشك في سفاقس، وسوسة.
.......................
قال مالك: ورب ثغر فيه ألف رجل ليس بمأمون. فصل ومن الموطأ روى مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو». قال مالك: أراه مخافة أن يناله العدو. وقال ابن حبيب: لما يخشى من استهزائهم به، وتصغيرهم ما عظم الله منه. وقال ابن الماجشون: ولو أن الطاغية كتب إلى السلطان أن يبعث إليه مصحفاً يتدبره ويدعو إليه؛ فينبغي أن يفعل، وليس هذا وجه الدعوة، وهم أنجاس، وأهل ضغنة
وبغض للإسلام وأهله، قال: وإن طلبك كافر أن تعلمه القرآن فلا تفعل، لأنه جنب ولا بأس أن تقرأ عليه القرآن تحتج به عليه. قال ابن سحنون: قلت لسحنون: أجاز بعض العرافين الغزو بالمصاحف إلى أرض العدو في الجيش الكثير وأما السرية ونحوها فلا. قال سحنون: لا يجوز ذلك لنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك عاماً ولم يفصل، وقد يناله العدو من ناحية الغفلة عنه. جامع ما يكره من قتل أو عذاب أو خراب وما لا يكره وروى مالك وابن وهب أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى عن قتل النساء والصبيان. ابن سحنون في حديث آخر: والشيخ الهرم والرهبان. قال ابن وهب في حديث أسنده: (ومر النبي -صلى الله عليه وسلم- بامرأة مقتولة مما أصابتها مقدمة العسكر فقال: هاه ما كانت هه تقاتل، ثم قال لرجل الحق بخالد بن الوليد/ وكان على المقدمة فلا تقتلن ذرية ولا عسيفاً.
وقال حديث في آخر: أسنده كان الرسول -صلى الله عليه وسلم-[إذا بعث سرية قال: «بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان» والأصل في ذلك قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم). قال مالك: عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه بعث جيشاً إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان وكان أمير ربع تلك الأرباع فرغبوا أن يزيد قال].
لأبي بكر: إما أن تركب وإما أن أنزل. فقال أبو بكر: ما أنت بنازل وما أنا براكب إذ أحتسب خطاي هذه في سبيل الله. قال له: إنك ستجد قوماً زعموا أنهم حسبوا أنفسهم لله فدعهم وما حسبوا أنفسهم له، وستجد قوماً فحصوا أوساط رؤوسهم من الشعر فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف، وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبياً، ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعفرن شاه ولا بعيراً إلا لمأكله، ولا تحرقن نخلاً ولا تغرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن. ابن وهب عن ابن سمعان قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: لا تقتلوا هرماً ولا امرأة ولا وليداً وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان وعند حمة النهضات وشن الغارات. ومن المدونة قال ابن القاسم قال مالك: ولا يقتل في أرض العدو النساء ولا الصبيان ولا الشيخ الكبير ولا الرهبان في الصوامع، وكان مالك يكره قتل الرهبان
المحبسين أنفسهم في الصوامع والديارات، وقال: يترك لهم من أموالهم ما يعيشون به ولا تؤخذ كلها فيموتون. قال في المستخرجة: يترك لهم قدر ما يصلحهم والبقرتان تكفيان الرجل ولو قيل قوله لادعى الشيء الكثير ولكن أرى أن يترك لهم ما يصلحهم. قال سحنون: الذي يترك للراهب من ماله قدر ما يعيش به الأشهر، والشيخ الكبير بمنزلة الراهب فيما يترك له من العيش والكسوة، وإذا مر الجيش بعيد الرهبان وزرعهم وعلموا أنها لهم فلا يمسوا منها شيئاً ولا ينهبوه. قال سحنون: ومن قاتل من امرأة أو هرم أو راهب؛ قتل، وكذلك الصبي إذا أطاق القتال وقاتل. وقال ابن حبيب: إذا قاتلت امرأة بالسيف أو الرمح أو شبه ذلك فلتقتل؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في المرأة المقتولة: «هذه ما كانت هذه تقاتل».
[قال ابن حبيب إلا أن يكون قتالها بالرمي من فوق الحصن وشبه ذلك فلا تقتل إلا أن تكون قتلت فتقتل، وإن أسرت إلا أن يرى الإمام استحياءها كما يستحي من شاء من الأسارى وكذلك الصبي المراهق. قال سحنون: ومن قتل من نهي عن قتله من صبي أو امرأة أو شيخ هرم فإن قتله في دار الحرب قبل أن يصير في المغنم فليستغفر الله سبحانه وإن قتل بعد أن صار مغنماً فعليه قيمته يجعل ذلك الإمام في المغنم. وقال ابن حبيب: إذا علم ذلك من الرهبان أن أحدهم دل على غرة سرية منا حلَّ قتله. وفي «كتاب ابن سحنون»: وإذا مروا براهب فلا يستخبروه عن شيء من أمر عدوهم. قال: وما وجد من النساء في الصوامع والديارات فلا بأس أن يسبيهنَّ بخلاف الرجال. وروى أشهب عن مالك في «العتبية» قال: النساء والله ألا يهجن معنى أن يسبين إذا وجدوا في الصوامع والديارات مع الرهبان.
قيل: فرهبان الديارات والصوامع سواء. قال: هاه، قال الله تعالى: (ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون). قال سحنون: من ترهب ببلد في دار الإسلام ولحق بدار الحرب فسبيله سبيل الراهب. قيل: تعرفون أنه راهب. قال: لهم سيما يعرفون بها. قال: وكذلك إذا وجد الراهب دار وأغار فهو كأهل الصوامع. وقال ابن حبيب: رهبان الصوامع والديارات هم الذين نهي عن قتلهم، وأما رهبان الكنائس فيجوز قتلهم وسبيهم لأنهم لم يعتزلوا وهم الذين أمر أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان بقتلهم. ]
قال ابن حبيب: ولم ينه عن قتل رهبان الصوامع والديارات لفضل ترهبهم؛ بل هم أبعد من الله من غيرهم من أهل دينهم لشدة نصرهم/ في الكفر، ولكن لتركهم معونة أهل دينهم على محاربة المسلمين بيد أو رأي أو مال واعتزالهم؛ فلهذا نهى عن قتلهم وسبهم، فأما إن دل على غرة المسلمين فأنه يقتل. قال ابن القاسم في المستخرجة: ومن ترهب في أرض الإسلام فلا تؤخذ منه الجزية إذا حبسوا أنفسهم في الصوامع. قال سحنون في كتاب ابنه: ولم يثبت الحديث في النهي عن قتل العسيف- وهو الأجير- وأجاز قتله. قال ابن حبيب: وروى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن قتل الأكارين والفلاحين. قال ابن حبيب: هم الحراثون الذين لا ينصبون حرباً ولا يخشى منهم غزوة ولا تدبير.
قال سحنون: ونحن نرى قتل الزارعين والحراث ببلد الحرب. ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بتحريق قراهم وحصونهم وتغريقها بالماء وخرابها وقطع الشجر المثمر وغيره؛ لقوله تعالى: {وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ}. وتأويل مالك في قطع الشجر: قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً} واللينة ما سوى العجوة من الثمار ومن الألوان، وقد قطع النبي -صلى الله عليه وسلم- نخل بني النضير. وروى ابن وهب أنه -عليه السلام- أحرق نخل بني النضير وقطع وهي البوبرة، ولا يقول حسان بن ثابت.
[أهان على سرات بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير وقال في حديث آخر: «وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد حين بعثه نحو الشام أن يسير حتى يأتي إيلياء فيحرق فيها ويهريق دماً» لأن ذلك من التضييق عليهم وإضعاف أمرهم وتوهينهم وليس ذلك من إباحة قتلهم.
قال سحنون: وأما نهي الصديق -رضي الله عنه- عن قطع الأشجار وأخراب العامر، إنما ذلك فيما يرجى مصيره للمسلمين نظراً لهم وما يرجى الظهور عليه فالنظر لهم خراجه. في قتل الأسارى ومن أخذ ببلد الحرب أو ببلد الإسلام فقال: جئت أطلب الأمان، وما وجد بساحلنا من مراكبهم أوردته الريح: روى ابن وهب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل سبعين أسيراً قبل الإثخان من يهود، وقتل عقبة بن أبي معيط أتى به أسيراً يوم بدر فذبحه، فقال: من المصيبة، فقال النار،]
"وقتل الزبير صاحب بني قريظة". "وحيي بن أخطب صبراً". وكتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى أمراء الجيوش بقتل من جرت عليه المواسي، وقال: لا تجلبوا لنا من علوجهم أحدأً، [فلما أصيب عمر قال: من أصابني؟ قالوا: غلام المغيرة. فقال: قد نهيتكم أن تجلبوا لنا من علوجهم أحداً] فعصيتموني.
م: والأصل في قتل الأسارى قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ}. قيل: بالقتل الكثير. وقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}. قال مالك: يقتل كل مشرك ممن خيف منه. قال سحنون: ألا ترى ما نال المسلمين من أبي لؤلؤة، فإذا كان ممن أبغض الدين وعادى عليه وأحب له وخيف أن لا تؤمن غيلته؛ فهو الذي يقتل، وأما الصغير
والشيخ الكبير فاتقى مالك قتلهم وهم الحشوة ولهم قوتل العدو فهم كالأموال وقوة عل الجهاد. وفي المختصر الصغير: ومن استحياه الإمام من الأسارى فلا يقتل. قال في المستخرجة: إلا أن يبقيهم الإمام ليرى فيهم رأيه فله قتل من رأى منهم. قال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في المرأة والصبي الذي لم يحتلم إذا قتلا ثم أسرا: فقتلهما جائز بعد ذلك كما كان جائزاً عند قتالهما.
[وقال سحنون: إلا عند قتالهما، وأما بعد ذلك قال: وأما الراهب. يريد: والشيخ الكبير يؤسر بعد أن قاتل فإنه يقتل. ابن حبيب: وإن أسلم الأسير حرم دمه وسار مملوكاً. ومن «كتاب محمد»: في علج أسر فأمر الإمام بالنداء عليه فبلغ ثمناً ثم أراد قتله، قال: ذلك له. قال أصبغ: هذا إن عرضه منه يختبر ما يبلغ فيرى رأيه وإلا فلا. قالوا: إذا ترك عن الأسير القتل لرجاء فداء أو بيع أو لدلالة أو لسبب سقط عنه القتل وكذلك إن أخذوا إنساناً يستخبرونه الخبر فلا يقتل وهو رقيق لهم لأنهم استبقوه للخبر كما لو استبقوه لصنعة ظنوها فيه فلم يكن كذلك. فصل ومن «المدونة»: قال مالك: وإذا أخذ الرومي ببلد العدو وهو مقبل إلينا فيقول: جئت أطلب الأمان، فهذا أمر مشكل ويرد إلى مأمنه.]
قال ابن القاسم: وكذلك الرومي ينزل بساحلنا تاجراً قبل أن يعطى الأمان فيقول: ظننت أنكم لا تتعرضون لمن أتى تاجراً حتى يبيع فإما قبلت منهم ما قالوا أوردتهم إلى مأمنهم. قال في المستخرجة: وإن أخذوا ببلدنا فيقول: جئت للإسلام. فإن أخذ بفور دخوله وحدثان قدومه قبل منه أو يرد إلى مأمنه، وإن لم يظهر عليه حتى طالت إقامته عندنا لم يصدق في قوله ولا يكون لمن وجده ويرى فيه الإمام رأيه ولا يقتل إلا أن يعلم الإمام أنه جاسوس للعدو فيقتل. وقال سحنون: سواء أخذ بقرب دخوله أو بعد طول؛ فهو فيء ويرى فيه الإمام رأيه، إلا في الجاسوس فيقتل. وأما إن أخذ ببلد الحرب: فروى ابن القاسم عن مالك: أنه يرد إلى مأمنه. وروى ابن نافع: أنه لا يقبل منه؛ لأنه يعلم قوله، وما ذلك بالبين، وكذلك قال أشهب في الواضحة: لا يقبل منه إذا ظهر عليه قبل أن يدعى ذلك. ومن المدونة قال يحيى بن سعيد: ومن زعم بعد أن أخذ ببلد المسلمين أنه جاء لأمان أو لتجارة؛ لم يقبل منه إلا أن يكون رسولاً بعث لأمر بين المسلمين وبين عدوهم. قيل لابن القاسم: فحربي دخل بلاد الإسلام بغير أمان فأخذه مسلم، أيكون لمن أخذه أم يكون فيئاً؟ قال: أرى ذلك فيئاً للمسلمين ويجتهد فيه الإمام. وكذلك قال
مالك فيمن وجد بساحلنا من العدو فقالوا: نحن تجار ونحوه، فلا يقبل منهم، وليسوا لمن وجدهم، ويرى فيهم الإمام رأيه. قال ابن القاسم: وأنا أرى ذلك فيئاً ويجتهد فيه الإمام. وروى ابن وهب عن مالك فيمن وجدناهم بساحلنا من العدو فزعموا أنهم تجار لفظهم [البحر ولا يعلم صدقهم وقد تكسرت مراكبهم ومعهم السلاح أو ينزلون للعطش بغير أمان إن ذلك للإمام يرى فيهم رأيه ولا يخمسون وإنما الخمس فيما أوجف عليه الخيل والركاب. قال ربيعة: وإن كانوا من أرض متجر قد أتوا بالتجارة فينا فهم بمنزلة أمان، وإن لم يكن ذلك منهم قبل ذلك فلا عهد لهم ولا ذمة. م: وتحصيل اختلافهم في هذه المسائل إذا أخذ الرومي ببلد الحرب وهو مقبل إلينا فيقول: جئت أطلب الأمان، فقيل: يقبل قوله أو يرد إلى مأمنه، وقيل: لا يقبل منه لأنه ظهر عليه قبل أن يدعي ذلك. وإن أخذ ببلد الإسلام؛ فقيل: إن أخذ بقرب دخوله قبل منه أو يرد إلى مأمنه، وإن أخذ ببعد لم يقبل منه، وليس لمن وجده، ويرى الإمام فيه رأيه. ولا خلاف في من أتى تاجراً فيقول: ظننت أنكم لا تعرضون لمن أتى تاجراً؛ فإما قبلت منه أو رددته إلى مأمنه.
[ولا خلاف أيضاً إن لم تكن معهم تجارة وتبين كذبهم أو قد انكسرت مراكبهم ومعهم السلاح أو ينزلون للعطش بغير أمان أنهم فيء ويرى فيهم الإمام رأيه من بيع أو قتل أو فداء وليسوا لمن وجدهم ولا يخمسون. قال ابن المواز: إذا انكسرت مراكبهم ولم يتبين أنهم تجار فهم ومن معهم فيء يرى فيهم الإمام رأيه من قتل أو بيع أو فداء وليس لمن وجدهم فيهم ولا فيما معهم شيء لأنهم صاروا بموضع لا ملجأ لهم إلا أن يوجد ما كسر من مراكبهم وحدها بغير رجال أن توجد لهم لمتعة وذهب وفضة أو يوجد من ذلك شيء يطرحه الروم خوف الغرق وذهبوا به ولمن وجده ولا خمس فيه إلا في الذهب والفضة ففيهما الخمس إلا أن يوجد ما سوى الذهب والفضة بجنب قرية من قراهم ففيه الخمس إلا أن يكون شيئاً يسيراً فلا شيء فيه. ورواه أشهب عن مالك. والفرق بين ما وجد من المتاع وحده أو وجد مع أصحابه: فلأن ما وجد مع أصحابه حكمه حكمهم وذلك تبع لهم وما وجد وحده فهو لمن وجده ولا خمس فيه لأنه لم يوجف عليه. والفرق بين ذلك وبين الذهب والفضة: كالركاز لأنه مال كافر غنم وهي العلة في أن الركاز الخمس لأنه كمال كافر غنم. وأما ما وجد من المتاع بقرب قراهم فله حكم قراهم ففيه الخمس كسائر الغنائم، والله أعلم. قال ابن المواز: ولو أن الذين تكسرت مراكبهم قاتلوا حتى قتل منهم من قتل منهم وأسر من أسر منهم لم يكن لمن ظفر منهم فيهم شيء وهم كأسارى ببلد الإسلام قاتلوا ثم أخذوا والأمر فيهم إلى الإمام كما ذكرنا.
قال ابن المواز: إلا أن يكون قد سلم للذين تكسرت مراكبهم مركب أو غيره مما يتحملون فيه إلى بلدهم فهم حينئذ رقيق لمن ظفر بهم ويكون فيهم الخمس، وكذلك إن كانوا بقرب بلدهم مما يمكنهم الهرب والنجاة إليها. قال عبد الوهاب: ما يغنم من أموال المشركين على وجهين: فما غنم بقتال أو بإيجاف أو ركاب فهذا يخمس للإمام خمسه وللغانمين أربعة أخماسه. والثاني: ما غنم بغير إيجاف ولا قتال وهو ممن ينجلي عنه أهله ويتركونه رهبة وفزعاً فهذا لا يخمس ويصرف جميعه في مصالح المسلمين كحكم الخمس من الغنيمة خلافاً لأبي حنيفة في أنه يخمس، والأصل فيه قوله تعالى: (فما أوجفتم [عليه] من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله) فأخبر الله تعالى أن القسم لا يكون إلا بالإيجاف. وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل على بني النضير فزعوا وهربوا فجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم الديار بما فيها فانتظر المسلمون أن يقسم لهم، فنزلت هذه الآية المتقدمة. ومن «المدونة» قال مالك رحمه الله: وإذا نزل تجارهم بأمان فباعوا وانصرفوا فأين ما رمتهم الريح من بلاد الإسلام فالأمان ما داموا في تجرهم حتى يردوا إلى بلادهم.]
قال ابن المواز قال أصبغ: لهم الأمان ثابت على أنفسهم وأموالهم في كل بلد نزلوا بها حتى يفارقوا بلاد الإسلام. قال ابن المواز: حتى ينالوا مأمنهم من بلدهم فإن رجع بعد ذلك فإن أعطوه أماناً ثبت عليه وإلا رجع ولم يؤسر ولم يبع. قال: وإن هو وقع إذا رجع لغير سلطان كان أمته؛ فهو مثل الذي أمنه سواء، وإن لم يكن بلغ مأمنه؛ كان عليه إنزاله ولم يمنعه، وإن كان بلغ مأمنه كان عليه بالخيار؛ إن شاء أنزله وإن شاء رده. وقال سحنون في كتاب ابنه: إذا باعوا وانصرفوا فلهم الأمان حتى يصيروا من البحر إلى موقع يأمنون فيه من عدوهم فيحلون حينئذ لمن ظفر بهم من المسلمين، قيل: إنهم اليوم لا يأمنون حتى يردوا بلادهم ويخرجوا من البحر لكثرة مراكب المسلمين، قال: إذا كان هذا فلهم الأمان حتى يخرجوا من البحر إلى مأمنهم. قال عبد الملك: فإن ردته الريح مغلوباً فهو على أمان وإن بلغ موضع نجاة لولا غلبة الريح فهو على أمانه حتى يصل إلى مأمن إن شاء أقام أو رجع فهذا إن رجع فإنه حل إلا أن يأتنف أماناً، قال: وإن ردته الريح إلى سلطان غير الذي أمنه فلا أمان له، وقال: أقام أو رجع فهذا إن رجع حل إلا أن يأتنف أماناً. قال سحنون بقول مالك: إن له الأمان حتى يرجع إلى مأمنه. قال ابن حبيب: إذا قلد من بلدنا فهو آمن حتى يبعد من بلد الإسلام ويقرب من حرزه ومأمنه فيصير كمن لا عهد له بعد ولا أمان فيمن لقيه من أهل ذلك السلطان
الذي أمنه وفي رجوعه إليه بربح غالبة أو رجع غير مغلوب أو نزل لماء وشبهه ويحل له، وأما إن لقيه من غير ذلك السلطان في البحر بقرب أو بعد من موضع قلد من بأمانه أو سقط بساحل غير ساحل السلطان الذي أمته فهو كمن لا أمان له، قال: وكذلك المستأمن في ثغور المسلمين في غير بحر إذا رجع فاشتدت عليه الطريق بثلج أو غيره فهو على أمانه ما كان في قرب المكان الذي أمن فيه. قال في كتاب ابن سحنون: وحد ذلك أن يجاوز الدروب إلى سلطانه وحيث يأمن على نفسه وأما ما كان في الفيافي وحيث يخاف على نفسه فهو على أمانه. وتحصيل هذا الاختلاف في هذه المسألة: إذا باعوا وانصرفوا فقيل: لهم الأمان حتى يصلوا بلادهم. وقيل: حتى يقاربوا مأمنهم فإن رجعوا بعد بلوغهم إلى مأمنهم بربح غالية أو مختارين فقيل: الإمام مخير إن شاء أنزلهم وإن شاء ردهم،
وقيل: [إن رجعوا مغلوبين فالإمام مخير إن شاء أنزلهم وإن شاء ردهم وإن كانوا مختارين فهم حل، وإن هو وقع رجع بغير سلطان كان أمنه. فقيل: هو مثل الذي أمنه سواء، وقيل: بل هو حل له ولا أمن له رجع إليه أو لقيه في البحر بقرب أو بعد من موضع قلع منه بأمانه، وإن لم يبلغ مأمنه فرجع إلى موضع كان أمن فيه كان عليه إنزاله ولم يمنعه. في أقسام الغنائم وما يقع فيها من مال مسلم أو ذمي قال الله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم فأن لله خمسه) إلى آخر الآية، وقال تعالى: (وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ...) إلى آخر الآية فكل ما أوجفت عليه بخيل أو ركاب فإن للإمام خمسه يضعه حيث أمر الله تعالى ويقسم أربعة أخماسه بين الذين غنموه، وروى ابن وهب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقفل من غزوة أصاب فيها مغنماً حتى يخمسه ثم يقسمه قبل أن يقفل. ومن ذلك غزوة بني المصطلق وخيبر ثم لم يزل المسلمون على ذلك
بعده في خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى خلافة عمر بن عبد العزيز في البر والبحر إلى هلم جر حتى هاجت الفتنة. قال ابن المواز: وصفة القسم: أن يقسم كل صنف على خمسة أجزاء يقسم الوجف وجيفاً وجيفاً إلى خمسة حتى يفرغوا، ثم النساء المسيبات كذلك، ثم الذكران كذلك فإذا اعتدلوا خمسة أجزاء واجتهدوا في ذلك برأي أهل النظر والمعرفة بالاقتسام والقيمة كتب في رقعة «هذا لرسول الله»، ثم يقرع، فحيث وقع سهم الخمس كان للإمام لا رجعة لأحد فيه. وقاله عثمان بن عفان وابن عمر. قال ابن المواز: ثم يبيع الإمام الأربعة أخماس الباقية ويوثق لهم ويقسمها عليهم وإن رأى بيع الجميع بالخمس فعل. واختلف في السلع، فقيل: تجمع في القسم ابتداءً، وقيل: إن حمل كل صنف القسم بانفراده لم يجمع وإلا جمع وهو أحسن وأقل غرراً إذا كان متسعاً وقدر أن يجمع كل صنف بانفراده. ومن «المدونة»: وكتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى سعد بن أبي وقاص حين افتتح العراق: أن اقسم ما جلب الناس إليك من كراع أو مال بين من حضر من المسلمين، واترك الأرصتين والأنهار لعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين لأنك لو قسمتها بين من حضر].
لم يكن لمن بقي بعدهم شيء، وتأول عمر -رضي الله عنه- قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ}. قال مالك: والشأن قسم الغنائم وتباع ببلد الحرب وهم أولى برخصها. قال في المستخرجة: وأما كل أرض افتتحت عنوة فالشأن فيها أن تترك كما فعل عمر -رضي الله عنه-. قال: وبلغني أن بلالاً وأصحابه سألوا عمر في قسم الأرض التي أخذت عنوة فأبى ذلك عليهم، وكان بلالاً من أشد الناس عليه كلاماً فزعم من ذكر أن عمر دعا عليهم فقال: اللهم اكفينهم، قال: فلم يأت الحول وواحد منهم حي. فصل وروى ابن وهب: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال للذي وجد بعيره في المغنم: «إن وجدته لم يقسم فخذه وإن قسمت فأنت أحق به بالثمن إن أردته». قال: وكتب عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- إلى أبي عبيدة بن الجراح ومعاوية: أن ما أخذه العدو من أموال المسلمين فاعترفه أصحابه قبل أن يقسم فهو مردود إليهم، وقاله جماعة من الصحابة والتابعين.
قال مال: فما أحزره المشركون من مال مسلم أو ذمي من عرض أو عبد أو غيره أو أبق إليهم ثم غنمناه فإن عرفه ربه قبل أن يقسم كان أحق به من غير شيء، وإن غاب أوقف له، وإن لم يعرف ربه بعينه وعرف أنه لمسلم أو ذمي/؛ قسم، ثم إن جاء ربه كان أحق به بالثمن ما بلغ ولا يجبر على فدائه، وهو مخير فإن أراد أخذه لم يكن لمن ذلك في يده أن يأبى عليه.
[قال ابن المواز: وإذا عرف ربه وكان غائباً فإن كان خيراً لربه أن يحمل إليه ويؤخذ منه كراء حمله فعل ذلك فإن لم يكن جعله إليه أرفق فإنه يباع وينفذ بيع الإمام فيه ولا يكون لربه غير الثمن. قال أشهب: وإن كان مما يقدر على إيصاله إلى ربه مثل العبد والسيف وما ليس فيه مؤنة كثيرة فباعوه في الغنيمة لأنفسهم بعد معرفتهم فلربه أخذه بلا ثمن. وهكذا قال ابن حبيب: أنه إذا وقع في المغانم مال رجل يعرف بعينه وهو غائب فبيع فذلك خطأ ولربه أخذه بلا ثمن. وقال سحنون في «كتاب ابنه»: لا يأخذه ربه إلا بالثمن وهي قضية من حاكم وافقت اختلافاً بين الناس. فقد قال الأوزاعي: إذا عرف ربه ولم يحضرانه يقسم ثم لا يأخذه ربه إلا بالثمن. ومن «العتبية»: قال سحنون وأصبغ: في الفرس يوجد في المغنم في فخذه وسم حبس: فإنه لا يقسم ويكون حبساً في السبيل. وقال أيضاً سحنون في «كتاب ابنه»: لا يمنعه ذلك من أن يقسم، لأن الرجل قد يوسم في فخذ فرسه حبس في سبيل الله ليمنعه ممن يريد منه. قال ولمن فعل ذلك بفرسه أن يبيعه إذا زعم أنه لم يرد به الحبس.
ومن «المدونة»: قال مالك رحمه الله: وإذا سأل أهل الحرب ذمياً ثم غنماه لم يكن فيئاً ورد إلى ذمته ولم يقسم. قال ابن القاسم: وأما إن أسلم أهل بلد على ما بأيديهم وبأيديهم أحرار ذمتنا فهم رقيق لهم كعبيدنا إذا أسلموا عليهم وهم أحق بجميع الأمتعة من أربابها. قال ابن وهب: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أسلم على شيء فهو له». قال مالك: ولا أحب أن يشترى من العدو ما أحرزوا من متاع مسلم أو ذمي فأتو به ليبيعونه. ابن المواز: واستحب غيره ما بأيديهم للمسلمين ويأخذه ربه بالثمن. ومن «المدونة»: قال مالك: ومن وقعت في سهمه أمة لمسلم أو ابتاعها من حربي فلا يطأها حتى يعرضها عليه فيأخذها بالثمن أو يدع، وكذلك عبداً وعرض فليعرضه عليه. قال ابن القاسم: وما وجده السيد قد فات بعتق أو ولادة فلا سبيل له إليه ولا إلى رقه أخذهم من كانوا بيده من مغنم أو اشتراهم من حربي أغار عليهم أو أبقوا إليه. يريد: وإن فاتوا ببيع مضى ذلك ولم يكن له نفضه ولكن له أخذ الثمن الذي يبيع به بعد أن يدفع ما وقع في المقاسم ويتقاضاه. ابن المواز: وقال أشهب: له أن ينقض عتق العبد ويأخذه بالثمن في الوجهين. ]
وقال أشهب في كتاب ابن سحنون: والأمة المستحقة يأخذها ربها ويأخذ قيمة ولدها، وقاله ابن القاسم ثم رجع عنه. م: والفرق عند ابن القاسم بين هذا وبين الاستحقاق: أن المستحق يأخذ ذلك بغير ثمن وهذا لا يأخذه إلا بالثمن، فكان أضعف رتبة من الاستحقاق هن يد مشتريه من غير المغانم ونحوه. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن وجد آبقا في غير دار الحرب فليرده إلى ربه بخلاف ما قسم في المغانم لحيازة أهل الحرب للذي قسم. قال سحنون في كتاب السير: وإن وقع في سهم رجل فباعه وتداوله الأملاك كان لربه أن يأخذه بأي ثمن شاء كالشفعة، ثم رجع فقال: لا يأخذه إلا بما وقع في المقاسم ورواه عن ابن القاسم. بخلاف الشفعة إذ لو سلم الشفعة ثم باع المبتاع الشقص كان للشفيع القيام ولو سلم العبد ربه لمن وقع في قسمه ثم باعه الذي هو بيده من رجل لم يكن لربه أخذه بثمن ولا غيره؛ لأنه قد سلم حقه ولا شركة بينه وبين من سلم له ولا ضرر يلحقه في بيعه من آخر، والشفعة إذا سلمها المشتري الشقص فقد حل المشتري محل البائع وصار هو والشفيع شريكي من باع منهما فلصاحبه عليه الشفعة. ومن العتبية قال سحنون عن ابن القاسم: ولو سبي العبد ثانية/ بعد أن تداولته الأملاك فليس لأحد فيه مقال إلا الذي سبي منه أو لا والذي سبي منه آخراً إلا أن المسبي منه آخراً أحق به من الأول بعد أن يدفع لمن هو بيده ما وقع به في المقاسم، وإن أخذه
فلربه الأول إن شاء أن يأخذه بما وقع به في المقاسم الثاني لا بما وقع به في الأول؛ لأنه جاء ملك ثاني أملك به وإن شاء تركه. م: إذا كان للأول أن يأخذه من الثاني فلا معنى لقوله إن الثاني أحق به بل قد صار الأول أحق به. ومن كتاب ابن المواز: ومن ابتاع عبداً من المغنم بمائة ولم يعرف ربه ثم سبي ثانية فاشتراه رجل بخمسين ثم قام ربه فإنه يقال له: ادفع مائة للأول وخمسين [للثاني وخذه فإن أبى فلا سبيل له إليه، ثمإن شاء الأول فداه من الثاني بخمسين وكان له، فإن أسلمه إليه فلربه الأول أن يعطيه خمسين ويأخذه، ولو أن مشتريه بالمائة فداه بخمسين] من الثاني فلا يأخذه الأول إلا أن يعطيه خمسين ومائة. ولو كان قبل الأسر قتل رجلاً وغصب دابة ثم بيع في المقاسم فغنم في ذلك؛ فإنه يقال لربه: إن شئت فافده بما وقع به في الفيء وبما في رقبته من جناية وإلا فسلمه وبدئ بما ابتاعه من المغنم فقيل له: افده وإلا فأسلمه إلى الرجلين المجني عليهما يكون بينهما بالحصص.
قال ابن المواز: وقيل: إذا أسلمه ربه بولي المقول ورب الدابة فقيل لهما:؟؟؟؟؟؟؟؟ بما بيع في المنغم وكان بينهما بالحصص، وليس لأحدهما فداء قدر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ على ما ابتاعه، وإن فداه أحدهما كله بعد إسلام صاحبه إياه فذلك له ويكون له وحده، وإن فداه بغير علم صاحبه فلصاحبه أن يشاركه فيه إن أعطاه حصته مما فداه به، وإن لم يعترفه ربه حتى فدياه ثم اعترفه ربه فلربه أن يفديه من هذين بما فدياه به من مشتريه وفدية المقتول وقيمة الدابة، وإن شاء فدى ممن شاء منهما مصابته بما صارت له تلك المصابة بحقه جميعاً وسواء كان مشتري من المغنم أو من أيدي العدو. ومن كتاب ابن سحنون قال أشهب: ولو ابتاعه الأول من الغنم بمائة ثم سبي ثانية فغنم ثم ابتاعه الثاني بخمسين ثم سبي ثلثه فغنم ثم ابتاعه آخر بعشرة ثم قام ربه والآخران؛ فلربه إن شاء فداه بأكثر الأثمان وهي مائة فيرجع منها عشرة للثالث وخمسين وللثاني وأربعين للأول، ولو كان البيع الأول بعشرة والثاني بخمسين والثالث بمائة فليأخذ الثالث المائة ولا شيء لمن قبله، ولو أسلمه المستحق كان الثالث أحق به. ولو كانت أم ولد لكان عليه الأقل من قيمتها أو من أكثر الأثمان. قال سحنون في العبد المأذون يركبه الدين ويجني جناية ثم يأسره العدو فيغنم فيقع في سهم رجل: فلربه إن قام أن يفديه بالأكثر مما وقع به في المقاسم أو من أرش الجناية؛ فإن كان الأرش عشرين وثمنه في المقاسم عشرة أخذ من صار له عشرة وصاحب الجناية عشرة، وإن كان الأرش عشرة وثمنه في المقاسم عشرين أخذ ممن هو بيده العشرين
ولا شيء لصاحب الجناية، مثل لو سبي فغنم فابتاعه رجل ثم سبي ثانية وغنم لفداه ربه بالأكثر، كما ذكرنا هذا في قول سحنون. وقد تقدم لابن القاسم جواب غير هذا، وذكر يحيى بن يحيى قولاً آخر، وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله عز وجل. فيما اشترى ببلد الحرب أو في الغنيمة من عبد أو حر أو أم ولد أو مدبر أو مكاتب أو معتق إلى أجل وكيف إن باع العبد من اشتراه أوهب له قال ابن القاسم: وإن دخلت دار الحرب بأمان فابتعت عبداً لمسلم من حربي أسره أو أبق إليه أو وهبه لك الحربي فكافأته عليه؛ فلسيده أخذه بعد أن يدفع إليك ما أديت من ثمن أو عوض، وإن لم تثب واهبك أخذه ربه بغير شيء. وبلغني عن بعض علمائنا أنه قال: وإن أدى في المكافأة عليه شيئاً مما يكال أو يوزن فلسيده أن يأخذه بمثل ذلك في دار الحرب إن كان الوصول إليها ممكناً كمن أسلف ذلك ولا يلزمه إلا مثله بموضع السلف إلا أن يتراضيا على ما يجوز. قال بعض شيوخنا: وإن لم يكن الوصول إليها ممكناً فعليه هاهنا قيمة ذلك المكيل ببلد الحرب. قال ابن القاسم: وإن باعه الذي وهب له من رجل آخر مضى البيع ويرجع صاحبه بالثمن على الموهوب فيأخذه بالثمن. وقال ابن نافع: ينقض البيع ويرد إلى صاحبه بعد أن يدفع الثمن إلى المبتاع ويرجع به على الموهوب فيأخذه منه.
م: وهذا إذا لم يؤد فيه عوضاً وأما إن أدى فيه عوضاً فهو كالبيع ولا يخالف ابن القاسم في البيع أنه يمضي وإنما يخالفه في الهبة على ما في المدونة. قال ابن القاسم: وأما إن ابتاعه ثم باعه فلربه أخذ الثمن الذي بيع به بعد أن يدفع إلى مشتريه من بلد الحرب ما أدى فيه. قال في غير المدونة: ويقاصه به في ذلك فيرجع عليه بفضل إن بقي له. م: وقول ابن القاسم هاهنا خلاف ما تقدم له في كتاب ابن سحنون الذي قال فيه: إذا باعه من وقع في سهمه وتداولته الأملاك أن لربه أن يأخذ بما كان وقع به في المقاسم، فإذا كان له أن يأخذه في البيع ففي الهبة أحرى. وقول ابن نافع يجري على ما في كتاب ابن سحنون والله أعلم. ولابن نافع في كتاب ابن سحنون في الموهوب له يعتق العبد وقد أثاب عليه: أن لربه أن يعطيه ما أثاب وينقض العتق. وقاله أشهب في المشتري من المغانم يعتق: أن لربه نقض العتق.
فصار على هذا اختلف قول ابن القاسم في البيع والهبة، واختلف قول ابن نافع في البيع خاصة ولم يختلف قول أشهب أنه ينقض البيع والعتق والشراء والهبة. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن اشتريت حراً مسلماً من أيدي العدو بأمره أو بغير أمره؛ فلترجع عليه بما اشتريته به على ما أحب أو كره؛ لأنه فداء. وقد قال في العتبية: يؤخذ بذلك إن كره أو كان أضعاف قيمته شاء أو أبى. قال في كتاب محمد: وإن لم يكن له شيء أتبع به في ذمته، ولو كان معه مال وعليه دين فالذي فداه أو اشتراه من العدو أحق به من غرمائه إلى مبلغ ما أدى فيه؛ لأن ذلك فداء له ولماله، كما لو فديت ماله من اللصوص أو فديت دابته من ملتقطها أو متاعاً له اكتريت عليه فليس لربه أخذه ولا لغرمائه حتى يأخذ هذا ما أدى فيه. قال ابن المواز: وقال عبد الملك: مثله أن مشتريه من العدو أحق بماله من الغرماء. قال ابن المواز: وهذا في ماله الذي أحرزه العدو مع رقبته؛ لأنه فداء لك كله.
م: وقال عبد الملك في كتاب ابن سحنون: إنما كان الذي فداه أحق بماله من الدين؛ لأنه يفديه وهو كاره بأضعاف قيمته ويدخل ذلك في ذمته بغير طوعه فلهذا صار أولى من دينه الذي دخل فيه بطوعه. م: فهذا أصح من علة محمد. وقد قال عبد الملك في موضع آخر من كتب محمد في أم الولد: إن مشتريها من العدو أولى بما في يد سيدها من الغرماء. قال محمد: قول عبد الملك صواب جيد، فهذا من قوله: يرد ما قال في المسألة الأولى؛ أنه إنما كان المشتري أولى بما في يده؛ لأنه كان افتداء الجميع، وفي مسألة أم الولد لم يفتدها بما في سيدها؛ فدل أن ليس علة عبد الملك افتداء الجميع، وإنما علته لأنه يفدى بغير أمره ويدخل ذلك في ذمته بغير طوعه، فهذا أقوى من الدين وهو أبين. قال ابن المواز: ولو وهبه العدو هذا الحر المسلم لم يرجع عليه بشيء إلا أن يكافئ عليه فأنه يرجع بما كافأ فيه وإن كثر، شاء المفدي أو أبى، كافأ فيه بأمره أو بغير أمره. قال: وأما إن اشتراه من المغنم بسهمه أو بثمن أخرجه فلا شيء له عليه، ولم يختلف في هذا مالك وأصحابه إلا شيء بلغني عن أشهب.
وقد قال عبد الملك: والحر الذمي كالمسلم في هذا لا يتبع بما وقع به في المقاسم ويتبعه بفدية من العدو أو يكون أحق بالفداء من غرمائه وسواء صار بأيدي العدو بأسر أو غصب. قال ابن القاسم: ومن فدى أسيراً من بلد الحرب وقدم به فقال الأسير: ما فداني بشيء، أو قال: بشيء يسير، وقال الآخر: بكثير فالأسير يصدق في الوجهين، كأن يشبه ما قال الأسير أم لا. يريد: مع يمينه [لأن مالكاً قال: لو قال: لم يفدني أصلاً لصدق مع يمينه] إلا أن يأتي الآخر ببينة. ابن القاسم: وإن كان هو أخرجه من بلد الحرب قال: ولو ادعى كل واحد أنه فدى صاحبه لم يصدقا ولا يتبع كل واحد منهما صاحبه بشيء ويحلفان. ابن المواز قال ابن القاسم: وإذا نودي على الحر في المغنم للبيع وهو ساكت متعمد بلا عذر ولم ينكر فليرجع عليه مشتريه إن تفرق الجيش بالثمن إذا لم يجد على من يرجع. قال أبو محمد: أعرفه حجة فيمن سكت فأوجب سكوته إتلاف شيء فإنه يضمن، وأما الحر الصغير أو الكبير القليل الفطنة الكثير الغفلة أو أعجمي أو من يظن أنه فدى رقة ذلك؛ فلا يتبع هؤلاء بشيء. ولو كانت جارية فوطئت لم يكن عليها شيء لذا عذرت بما ذكرنا من الجهالة والتأويل. وروى عن ابن القاسم في العتبية مثله.
وقال سحنون: هذه مصيبة نزلت بالمشتري كان ممن يجهل أو لا يجهل فلا شيء له عنده وقد سمعت من يقول: إن كانا ممن يجهلا فليرجع عليهما، وكذلك الحر يمكن نفسه ممن يبيعه، أنه يتبع بثمنه؛ لأنه عارف. قال غيره: لا يتبع عليه وإن كان عالماً. ابن المواز: ولو قالت الجارية التي بيعت من المغنم لسيدها: إني حرة. فغصبها فوطأها فبئس ما صنع ولا شيء عليه إلا أن يكون علم أنها حرة فوطأها، وقد كره مالك لكل من اشترى جارية من العدو أن يطأها حتى يستبرئ أمرها. ومن المدونة: روى ابن وهب عن عطاء وغيره في الحرة أو الذمية يبتاعهما الرجل من العدو: فلا يطؤها ولا يسترقها وليعطيها نفسها بالثمن الذي أخذت به. فصل قال ابن حبيب: ومن فدى من أحد الزوجين صاحبه، يريد: أو ابتاعه فلا رجوع له عليه إلا أن يكون فداه بأمره أو يفديه وهو غير عارف به فليتبعه بذلك في عدمه وملائه. قال ابن القاسم وقاله مطرف وابن الماجشون عن مالك.
وسبيل فداء القريب لقريبه كان ممن يعتق عليه أو لا يعتق عليه سبيل الزوجين إذا فداه وهو يعرفه أنه لا يرجع عليه، وأما إن فداه وهو لا يعرفه؛ فإن كان ممن يعتق عليه لم يرجع عليه، وإن كان ممن لا يعيق عليه رجع عليه، وأما إن فداه بأمره فإنه يرجع عليه؛ كان ممن يعتق عليه أو لا يعتق عليه. م: فصار ذلك على ثلاثة أوجه: 1 - إن فداه وهو يعرفه: فإنه لا يرجع علينا كائناً من كان. 2 - وإن فداه بأمره: فإنه يرجع عليه كائناً من كان. 3 - وإن فداه وهو لا يعرفه: فلا يرجع على من يعتق عليه ويرجع على من سواه من القرابة الذين لا يعتقون عليه وعلى الزوجين. قال سحنون: ومن فدى أحداً من ذوي رحمه أو اشتراه؛ فكل من لا يرجع عليه بثواب في الهبة فلا يرجع عليه في هذا إذا كان عالماً، وكذلك أحد الزوجين يفدي صاحبه.
إذ لا ثواب بينهما في الهبات، وإن كان لا يعلم: رجع عليه في ذلك كله، وكذلك في الأبوين والولد؛ لأنه لا يملكه بالفداء، ولو كان ملكاً لكان إذا فدى زوجته حرمت عليه. ابن حبيب: ولو قالت الأسيرة لزوجها: افدني ولك مهري، أو لك كذا، فليس له إلا ما أدى كالأجنبي. وقال ابن القاسم: إن وقتت له الفداء فالمهر موضوع؛ لأنه أمر بين لا خطر فيه، وجعله في التعبية: كالدين يكون لك على رجل تبعيه منه، فما جاز في بيع الدين جاز في المهر، وما لم يجز فيه لم يجز في المهر؛ لأنه دين ثابت. وروى ابن نافع عن مالك في كتاب ابن سحنون: إذا قالت لزوجها: افدني وأضع عنك مهري وهو خمسون ديناراً، ففداها بعبد قيمته خمسون ديناراً؛ فلا شيء له من مهرها إلا أن يفديها وهو لا يعلم أنها امرأته. فصل ومن المدونة: قال مالك: ويجب على المسلمين فداء أسرارهم بما قدروا عليه، كما عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم، قال: وإن لم يقدروا على فدائهم إلا بكل ما يملكون فذلك عليهم. ابن حبيب: وقاله الأوزاعي، وقد سمعت أهل العلم يقولون: يجب ذلك على الإمام وعلى العامة، فأما على الخاصة فمستحسن، وأمر عمر بن عبد العزيز أن يفدوا من هرب إليهم طوعاً من حر أو عبد.
وقال أشهب في العتبية: فإن طلبوا الخيل والسلاح فلا بأس أن يفدى به وأما الخمر فلا، ولا يدخل في نافلة بمعصية وقال. سحنون في كتاب ابنه: يفدى بالخيل والسلاح والمؤمن أعظم حرمة، وإن طلبوا الخمر والخنزير والميتة أمر الإمام أهل الذمة أن يدفعوا ذلك إليهم وحاسبهم بقيمته في الجزية فإن أبوا ذلك لم يجبروا. وقال ابن القاسم في كتاب محمد وغيره: لا يفدوا بالخيل والخمر، والخمر أخف. ومن كتاب ابن سحنون: ومن فدى مسلماً بخمر أو خنزير أو ميتة أو اشتراه بذلك أو هب له فكافأ عليه بذلك فلا رجوع له عليه بشيء من ذلك إلا أن يكون المعطي ذمياً فليرجع عليه بقيمة الخمر والخنزير، وإن كانت الميتة مما يملكون أخذ منه قيمتها. قلت: فلم أرجعته بما كافأ فيه والمكافآت تطوع؟ قال: لأنه رأى أنهم أرادوا الثواب. قال سحنون: ومن فدى خمسين أسيراً ببلد الحرب بألف دينار ومنهم ذو القدرة وغيرهم والمليء والمعدم، فإن كان العدو قد عرفوا ذا القدرة منهم وشحوا عليهم؛ فليقسم عليهم الفداء على تفاوت أقدارهم، وإن كان العدو جهلوا ذلك فذلك عليهم بالسوية، وكذلك إن كان فيهم عبيد فهم سواء والسيد مخير بن أن يسلمهم أو يفديهم.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن اشترى أم ولد لمسلم من حربي ببلد الحرب فعلى سيدها أن يعطيه جميع ما أدى شاء أو أبى وإن جاوز قيمتها ولا خيار له بخلاف العبيد والعروض، فإن كان عديماً أتبع بذلك وأخذها، وكذلك قال مالك في أم الولد تقع في المقاسم قيل له: فيأخذها سيدها بالقيمة أم بالثمن الذي اشتراها به؟ قال: بل بالثمن وإن كان أكثر من قيمتها ويجبر السيد على أخذها بذلك، فإن لم يكن عنده ثمن؛ أخذها وأتبع به ديناً، ولا تقر في يد مشتريها يطؤها أو ينظر إلى ما لا يحل له منها. وقال مالك في الموطأ: إذا وقعت في المقاسم فليفدها الإمام لسيدها، فإن لم يفعل فعلى سيدها أن يفديها. ومن المدونة: قال ابن وهب وقال ابن شهاب: في رجل عرف أم ولد في دار الحرب وقد خمست وأعطى أهل النفل نفلهم والقوم الذي لهم؛ فليأخذها ربها بقيمة عدل من أجل ما فيها من الرق ولو كانت عتقت لم تؤخذ فيها فدية.
ابن المواز: وقال أشهب والمغيرة وعبد الملك: سيدها الأقل من قيمتها أو الثمن الذي اشتراها به من العدو أو من المغنم. ابن المواز: وقول مالك أحب إلي أن عليه الثمن ما بلغ. وقاله ابن القاسم، وابن وهب، وأصبغ، ولم يختلفوا في العبد أنه يؤخذ فيه الثمن. قال أشهب: وإن كان مائة ألف. وذكر ابن سحنون في أم الولد نحو ما ذكر محمد. قال: وقال سحنون بقول مالك، وذكر أن سفيان يقول: إن لربها أخذها بلا ثمن وإن كانت قد قسمت وليس هذا قولنا. قال سحنون: وإذا عرف قبل القسم أنها أم ولد فلا تدخل المقاسم. قال سحنون: ولو صارت في سهم رجل بمائتي دينار ثم سبيت ثانية فغنمت فصارت في سهم آخر بمائه ثم سبيت ثالثة فغنمت فصارت في سهم آخر بخمسين فسيدها أولى
بها فيأخذها بالأكثر وهي المائتان فيأخذ منها من هي في يديه خمسين، والذي قبله مائة، وما بقي فللأول، ولو كانت في سهم الأول بخمسين والثاني بمائة والثالث بمائتين أخذها ربها من الثالث بمائتين وسقط الأولان، وكذلك لو كانت أمة. وإلى هذا رجع سحنون في الأمة بعد أن قال: غيره. م: وقد تقدم لابن المواز في العبد يسبي مراراً: أنه لا يأخذه سيده إلا أن يدفع جميع الأثمان. قال سحنون: وإذا أعتق أم الولد من صارت في سهمه وهو يعلم أنها أم ولد؛ فكأنه وضع المال عن سيدها، ولسيدها أخذها بلا ثمن ويبطل العتق، ولو لم يعلم فعلى سيدها غرم ما فداها به ويبطل العتق. م: وقد تقدم لابن شهاب: أنها إذا عتقت لم يؤخذ فيها فدية، واختلف في تأويل قوله هذا: فقيل: إن العتق ماض ولا شيء لربها. وقال بعض المتأخرين: معناه أنها عتقت قبل الأسر فصارت كحرة سبيت فلا تتبع بشيء. والذي عندي: إنما أعتقها من وقعت ف سهمه فكان لربها أن ينقض عتقه ويأخذها بغير شيء، إذ لا رق لمعتقها فيها، ولأن الولاء قد كان انعقد لربها، مع أن سفيان يقول: لربها أخذها بغير شيء وإن لم يعتق فكيف بهذه والله أعلم.
م: وقول سحنون حسن الذي فرق بين عتقه إياها عالماً أو غير عالم، وهو معنى قول ابن شهاب إن شاء الله. م: وقول ابن شهاب في الذي عرف أم ولده وقد خمست: أنه يأخذها بقيمة عدل؛ معناه: أنه أخذها الذي هي بيده في نفله أو قسم الرقيق أخماساً فوقعت في الأربعة الأخماس التي للجيش وأخذها هذا في سهمه فلذلك قال: يأخذها بالقيمة وهذا لا يخالفه ابن القاسم. قال سحنون: ولو أولدها المبتاع لأخذها سيدها بالثمن ورجع عليه بقيمة ولد أم الولد. قال: ولو مات سيدها قبل أن يعلم بها فهي حرة ولا يرجع على أم الولد بشيء ولا تركة سيدها. قيل: فلم قلت في الجناية: إذا مات السيد ولم يفدها أنها تتبع؟ قال: لأن هذا فعلها وليس لها في الأول فعل. قال: ولو ماتت بيد من صارت بيده لم يتبع سيدها بشيء، وكذلك في الجناية تموت قبل أن يفديها سيدها.
قال: ولو غلب أهل الحرب على أم ولد رجل ثم أسلموا عليها فليأخذها ربها ويؤدي إليهم قيمتها. فصل في المدونة ومن كتاب المدبر قال ابن القاسم: وإذا ارتد المدبر ولحق بدار الحرب ثم ظفرنا بهم استتيب فإن تاب وإلا قتل، فإن تاب لم يقسم ورد إلى سيده إن عرف بعينه. قال سحنون: وإن لم يعرف سيده بعينه لم يدخل في المقاسم إلا خدمته. قال أبو محمد: يريد سحنون أنه يؤجر بمقدار قيمة رقبته فتجعل تلك القيمة في المقاسم أو يتصدق بذلك إن تفرق الجيش، فإذا استوفى المستأجر خدمته كان باقي خراجه موقوفاً كاللقطة. قال ابن القاسم في المدونة: فإن جهلوا أنه مدبر حتى اقتسموا ثم جاء سيده فله أن يفديه بالثمن ويرجع مدبراً ثم لا يتبعه بشيء من ذلك هو ولا ورثته إن عتق في ثلثه وإن أبى أن يفديه خدم من صار إليه في الثمن الذي حسب به عليه؛ فإن أوفى وسيده
الأول حيّ رجع [إليه في الثمن الذي حسب به] عليه مدبراً، وإن هلك السيد وقد تركه بيد من صار في سهمه يخدمه في ثمنه فمات السيد قبل وفاء خرج من ثلثه حراً وأتبع بباقي الثمن، وإن لم يسعه الثلث؛ عتق منه ما وسع الثلث وأتبع ما عتق منه بما يقع عليه من بقية الثمن كالجناية في هذا، ولابد أن يضم قيمة المدبر عبداً إلى مال سيده ليعلم ما يحمل الثلث منه، وإن لم يترك السيد شيئاً غيره عتق ثلث المدبر ورق ما بقي لمشتريه؛ لأن سيده أسلمه فلا قول لورثته فيه، وأما في الجناية فإن الورثة يخيرون فيما رق منه أن يفدوه بما يقع عليه من بقي الجناية أو يسلمونه رقاً للمجني عليه. م: والفرق بينهما: أن مشتريه من الغنائم إنما اشترى رقبته فلما أسلمه سيده فقد أسلم له ما اشترى مما يرق منه بعد موته، وفي الجناية: إنما أسلم المجني عليه خدمته فإذا مات ولم يحمله الثلث عتق منه محمله وصار كمعتق بعضه جنى فتخير الورثة مما رق منه كما ذكرنا. م: ويحتمل: أن يكون هذا منه اختلاف قول؛ لأنه جعله في جميع أمره كالجاني؛ لأن لحوقه بدار الحرب من فعله، وسكوته حتى بيع في المقاسم ولم يعلمهم أنه مدبر فكان أيضاً كالجناية؛ فيجب أن يجرى مجرى الجاني في جميع أحكامه والله أعلم.
وقال غير ابن القاسم في المدونة: إن حمله الثلث عتق ولم يتبع بشيء وإن حمل بعضه لم تتبع حصة البعض العتيق بشيء وكان ما بقي رقيقاً لمن اشتراه بخلاف الجناية التي هي فعله، هذا إذا عتق أتبع بما يقع عليه من الجناية؛ لأن ذلك فعله. قال ابن المواز: وفرق ابن الماجشون بين المدبر يقع في المقاسم وبين الذي يشترى من بلد الحرب فقال: أما الذي يشترى من الغنيمة فسلم سيده خدمته ثم يموت السيد قبل أن يستوفي المشتري ما اشتراه به وحمله الثلث؛ فإنه يعتق ولا يتبع بشيء، [وإن حمل بعضه لم تتبع حصة البعض بشيء] كالحر يشترى من الغنيمة؛ فإنه لا يتبع بشيء، وأما المشترى من بلد الحرب: فإنه يتبعه مشتريه بما بقي له بعد أن يحاسب بما أخدمه به وما استغل منه؛ لأن الحر في هذا يتبع. قال محمد: صواب؛ ولأنه لا يأخذ أكثر مما أعطى فيدخله الربا. وذكر عنه ابن سحنون: أنه لا يحاسب بشيء مما اختدمه ويتبعه بجميع الثمن، ولم يأخذ به سحنون. وقال: وإذا أسلم بعض أهل الحرب على مدبر فإنه يكون له جميع خدمته ولا يقاعوا فيه بشيء فإذا مات سيده عتق في ثلثه ولم يتبع ما عتق بشيء كحر أسلموا عليه
ولو حمل الثلث بعضه رق باقيه لمن أسلم عليه ولم يتبع ما عتق منه بشيء، ولو كان على السيد دين محيط بجميع ماله رق المدبر لمن أسلم عليه. وقال: في مدبرة اشتريت من العدو أو من المقاسم أو أسلم عليها حربي ثم وطأها من صارت له فحملت: فإنها تكون له أم ولد ولا ترد إلى سيدها، ولو دبرها الذي اشتراها من العدو ولم يعلم سيدها فإن دفع سيدها إليه ما فداها به بطل تدبير الثاني وعادت إلى ربها على حالها، وإن أسلمها بقيت بيد مشتريها تخدمه ولا يبطل تدبيره فإن مات الأول وحملها ثلثه عتقت وأتبعها هذا بجميع ما فداها به، ثم إن مات هذا وثلثه يحملها لم يسقط ذلك ما فداها به، وهو حكم قد تم قبض ما فداها به أو لم يقبضه، ولو كان على الأول إذا مات دين يرقها بقيت للثاني وعتقت في ثلثه إن مات. قال ابن سحنون: ويتبعها ورثته بما فداها به وإن لم يحمل ثلثه إلا بعضها أتبعوا ذلك البعض بحصته ورق ما بقي لهم، وإن حمل الثلث الأول نصفها عتق نصفها وأتبع مفديها ذلك النصف بنصف الفداء وبقى نصفها بيده بمال التدبير، فإن مات عتق في ثلثه وأتبع ببقية الفداء.
م: وهذا الذي ذكره ابن سحنون في الإتباع بجميع الفداء هو على رواه عن عبد الملك وأما على ما روى عنه ابن المواز: فإنه يحاسبه بالخدمة ويتبع بما بقي. قال سحنون: وأما [الذي صارت له في السهمان ثم دبرها فتدبيره باطل فدارها ربها أو أسلمها؛ لأنه إنما أسلم إليه خدمتها تحسب عليه في ثمنها] فإذا تم رجعت إلى ربها. قال ابن المواز عن ابن القاسم: ولو أعتق المدبر مشتريه من المغنم لنفذ عتقه ولا يرد، وأما أم الولد والمعتق إلى أجل فلينقض عتق مبتاعهما ويأخذهما السيد وعليه قيمتهما، فإن لم يكن عنده شيء أتبع بذلك ديناً. قال أصبغ: أما المعتق إلى أجل فليس لسيده نقض عتقه. وقال ابن سحنون عن أبيه: إن أعتقه ولم يعلم لم يجز عتقه ويخير سيده في فدائه أو إسلامه، وإن أعتقه وهو عالم أنه معتق إلى أجل؛ فإن كان ما أخذه به أكثر من قيمة خدمته مضى عتقه، وإن كان أقل لم يجز عتقه وخير سيده في أن يفديه ويبقى بحاله إلى أجله أو يسلمه فيتم عتقه. فصل: في المعتق إلى أجل/ قال سحنون: والمعتق إلى أجل إذا سبي ثم غنمناه كالمدبر إذا عرف ربه أوقف له وإلا وقعت خدمته في المقاسم، ثم إن جاء سيده خير في فداء خدمته أو إسلامها لمشتريها
كالمدبر، ولو جهل أنه معتق إلى أجل فبيع في المقاسم؛ فإن فداه سيده بالثمن عاد إلى حاله، وإن أسلمه اختدمه هذا في الثمن، فإن استوفى قبل الأجل عاد إلى سيده، وإن تم الأجل ولم يف عتق ولم يتبع بشيء، ولو فداه رجل من العدو بمال فإن شاء سيده فداه بذلك [ولا يحاسبه بعد العتق، وإن شاء أسلمه صارت جميع خدمته للذي فداه] إلى الأجل فإذا عتق اتبعه بجميع ما فداه به. وقال ابن المواز: يحاسبه بالخدمة فإن بقي له بعد عتقه ببلوغ الأجل شيء اتبعه به في شرائه من العدو ولم يتبعه في شرائه من الفيء وإن استوفى من خدمته كلما أدى قبل تمام الأجل رجع إلى سيده يختدمه إلى الأجل. قال سحنون: ولو أسلم عليه حربي كان له خدمته إلى الأجل دون سيده فإذا عتق بتمام الأجل لم يتبع بشيء، ولو كانت معتقة إلى أجل فأسلم عليها حربي فأولدها كان عليه قيمة ولدها على أنهم يعتقون إلى الأجل مع أمهم. قلت: ولم وهو قد ملك منها ما كان يملك السيد؟ قال: لأنه لم يملكها ملكاً تاماً، ولو قتلت كانت قيمتها للذي أسلم عليها، ولو ولدت من غيره كان ولدها معها في الخدمة إلى الأجل، ثم يعتقون أجمعون، ولو فداها
رجل من بلد الحرب ثم أولدها فإن أدى سيدها إلى الواطئ ما فداها به قاصه بقيمة الولد على أنه ولد أم ولد. م: هكذا في النوادر على أنه ولد أم ولد، والصواب على أنه ولد معتقة إلى أجل. قال: وإن أسلمها فعلى الواطئ قيمة ولده، وكذلك لو أخذها في المقاسم ثم أولدها فإن فداها السيد قاصه بقيمة الولد، وإن أسلمها أخذ منه قيمة الولد. فصل: في المكاتب ومن كتاب المكاتب: وإن سبى العدو مكاتباً لمسلم أو لذمي أو أبق هذا المكاتب إليهم ثم غنمناه رد إلى ربه غاب أو حضر وإن لم يعرف ربه بعينه وعلم أنه مكاتب أقر على كتابته ويبعت كتابته في المقاسم مغنماً، ويؤدي إلى من صار إليه فإن عجز رق له وإن أدى عتق وولاؤه للمسلمين. قال سحنون في كتاب ابنه: ولا يجوز في أنه مكاتب أو مدبر شهادة السماع وإنما ينفعه أن تشهد بينة أن فلاناً وفلاناً أشهدهما أن مولاه كاتبه أو دبره ولم يسألاهما عن اسمه أو قالا: ذكر لنا اسمه فنسيناه.
قال سحنون: إن جاء سيده بعد أن بيعت كتابته ففداها عاد إليه مكاتباً، وإن أسلمها وعجز رق لمبتاعها. م: قال بعض فقهائنا: فإن أتى سيده وقد قبض المبتاع بعض الكتابة وأحب افتكاكه؛ فإن كان قبض نصف الكتابة يريد بالقيمة لا بالعدد حسبها عليه بنصف الثمن ودفع إليه نصفه، وإن قبض الثلث حسب عليه بثلث الثمن ودفع إليه ثلثه، هكذا إذا قبض جزءا حط عنه ذلك الجزء من الثمن ودفع إليه ما بقي، وأعاب هذا بعض أصحابنا وقال: بل إذا شاء سيده افتكاكه دفع إليه ما أدى وأخذ منه جميع ما قبض من الكتابة؛ لأن الذي يملك سيده منه هذه الكتابة، وهي كمال مسلم بيع في المقاسم فلسيده أن يدفع الثمن ويأخذه كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسواء قبض بعض الكتابة أو كلها أو لم يقبض منها شيئاً. [م: والأول أبين؛ لأنه إنما أدى مالاً معجلاً لما يرتجي من ربحه في المؤجل فإذا كان للسيد أن يأخذ منه مال الكتابة ويرجع إليه رأس ماله فقد أبطل عليه ما ارتجاه من الربح وظلمه، ويلزم على هذا الآخر أن لو مات المكاتب وترك مالاً أن يأخذ منه المشتري تمام رأس ماله وتكون الفضلة للمشتري وقال بعض أصحابنا، وليس ذلك بصواب،
والصواب: أن يأخذ المشتري بقية الكتابة حالة وتكون الفضلة للسيد؛ لأنه لو مات [ولم يترك شيئاً] ذهب مال المشتري باطلاً فلما كان عليه التوى كان له النماء، وقد قال مالك في المكاتب يبيع سيده كتابته ثم يموت قبل أدائها عن مال أن ماله للمشتري؛ لأنه لو عجز رق له فلو قاله قائل في المبيع في المقسم لم أعفه لأنه لو عجز رق له وقد فات ما اشترى فلا يكون السيد أحق به. والله أعلم]. قال ابن القاسم في العتبية وكتاب ابن سحنون: وإذا بيع المكاتب في المقاسم - يريد ولم يعلموا أنه مكاتب - قال ابن القاسم: يقال للمكاتب أد ما اشتراك هذا به وتعود مكاتبنا إلى سيدك، فإن فعل فذلك له وإن لم يقدر وعجز وخير سيده بين أن يسلمه عبداً أو بين أن يفديه عبداً كالجناية، وإلى هذا رجع سحنون بعد أن قال: بفداء سيده فإن فداه بقي له مكاتباً وإن أسلمه قيل للمكاتب: أما أديت ما صرت به لهذا أو تمضي على كتابتك، فإ، لم يقدر فهو كمكاتب عليه دين فلس به فإنه يعجز. وقال ابن المواز عن عبد الملك: أما إن اشترى المكاتب من العدو ولم يفده سيده فإنه يقال له رد لمشتريك الثمن الذي اشتراك به وتبقى على كتابتك تؤديها إلى سيدك وتخرج حراً فإن لم تفعل دفعت الساعة لمشتريك، وأما إن اشترى من الغنيمة فأسلمه سيده فلا يلزم المكاتب غير كتابته فقط يؤديها على نجومها ويخرج حراً ولا يتبع بشيء، فإن عجز رق لمشتريه ولم يكن لسيده فيه خيار ولا رجعة. قال سحنون: وإذا أسلم حربي على مكاتب بيده لمسلم فإنه تكون له كتابته، فإن عجز رق له، وإن أدى فولاؤه لعاقدها، ولو كان مع المكاتب عبد آخر بيد السيد في عقد
واحد، فإنه يقال للذي أسلم على الواحد وللسيد: إما أن يتبع أحد كما من الآخر كتابته الذي بيده ليصير المكاتبان في ملك واحد وإلا فبيع كتابتهما جميعاً واقتسما الثمن بقدر قيمة المكاتبين وقوتهما على الأداء فإن أديا فالولاء للأول وإن عجزا رقاً لمبتاع كتابتهما. ولو أن مكاتباً فداه رجل من العدو أو ابتاعه منهم فهو كما ذكرنا إذا وقع في المغانم في سهم رجل على قول ابن القاسم واختلاف قول سحنون كما تقدم. فصل: في المخدم وقال سحنون في الموصى بخدمته لرجل سنين ثم هو لفلان فأخذه العدو في الخدمة فابتاعه رجل: فإنه يقال للمخدم: أفده بالثمن فإذا تمت خدمتك قيل لصاحب الرقبة: ادفع إليه ما فداه وإلا فأسلمه إليه رقاً. في الحرية والذمية أو الأمة تسبي فتلد ثم تغنم وولدها وفي الحربي يسلم ثم يغنم ماله وولده قال ابن القاسم: وإذا سبى العدو حرة مسلمة أو ذمية فولدت عندهم أولاداً ثم غنمهم المسلمون فولدها الصغار بمنزلتها لا يكونون فيئاً وأما الكبار إذا بلغوا وقاتلوا فهم فيء.
م: وحكي عن أبي محمد أنه قال: وإذا بلغ ولدها ولم يقاتل لم يكن فيئاً حتى يقاتل بعد البلوغ. وقال ابن شبلون: إذا بلغوا فهم فيء قاتلوا أو لم يقاتلوا. ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو كانت المسبية أمة كان كبير ولدها وصغيرهم لسيدها. [قال ابن سحنون: وقال أشهب: جميع ولد الأمة فيء إلا أن تقول: تزوجت فولدت فهذا الولد لسيدها معها]. واختلف قوله في ولد الحرة المسلمة: فقال: ولدها فيء. وقال: هم أحرار. وقال سحنون بقول ابن القاسم في ذلك كله. قال ابن حبيب: وكقول ابن القاسم روى مطرف عن مالك إلا في ولد الحرة الكبار فقال: هم تبع لها ويجبرون على الإسلام فإن أبوا قتلوا كالمرتد. وقاله ابن وهب، وبه
أقول لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه»، ألا ترى المسلمة يغتصبها نصراني الإسلام فتلد منه فلا يكون الولد إلا مسلماً، ولو كان الذي اغتصبها عبداً لكان الولد حراً. قال: وقال ابن الماجشون وأشهب: أولاد المسلمة والذمية والأمة صغارهم وكبارهم فيء. م: وتحصيل هذا الاختلاف: أن في ولد الحرة المسلمة ثلاثة أقوال: قول: إنهم أحرار بمنزلتها. وقول: إنهم فيء. وقول: إن الصغار بمنزلتها والكبار فيء. وفي ولد الأمة أيضاً ثلاثة أقوال: قول: إنهم عبيد لسيدها بمنزلتها. وقول: إنهم فيء. وقول: إن الصغار بمنزلتها والكبار فيء. وفي ولد الأمة أيضاً ثلاثة أقوال: قول: إنهم عبيد لسيدها بمنزلتها. وقول: إنهم فيء. وقول: إن كانوا من زوج فهم لسيدها، وإن كانوا ممن ملكها بالسبي أو غيره فيء. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أسلم حربي ببلده ثم قدم إلينا وترك أهله وماله ثم غنمنا ذلك؛ فماله وأهله وولده فيء.
وقال غيره في كتاب النكاح: وولده الصغير تبع له وماله له أن يقسم فيستحقه بالثمن والمرأة فيء. قال ابن القاسم في كتاب ابن سحنون: قال مالك: وكذلك لو أسلم الكافر وأقام ببلده فدخلنا عليهم فإن ماله وأهله وولده فيء. وقال أشهب وسحنون: إن ولده أحرار تبع له وماله له وامرأته فيء، وكذلك لو هاج وحده وترك ذلك كله بأرضه، أو رجل مسلم دخل أرضهم فتزوج وكسب مالاً وولد له فذلك كله سواء وامرأته فيء. قال ابن المواز: وإذا قدم إلينا حربي بأمان فأسلم ثم غزا معنا بلاده فغنم ماله وولده وأهله؛ فأما ماله ورقيقه ودوابه وحريمه فهو له، وأما امرأته وولده الكبير فيء له ولأهل الجيش وينفسخ النكاح لشركته في ملك زوجته، وأما أولاده الصغار فأحرار مسلمون بإسلامه. ومن المدونة قال ربيعة: ومن اشترى عبدأً من الفيء فدل سيده على مال له ألغيره بأرض العدو والعبد كافر أو قد أسلم أو قد عتق؛ فإن دله في جيش آخر فالمال لهذا الجيش دون الذين قفلوا ولا يكون للسيد ولا للعبد، وإن دله قبل أن يقفل الجيش الذين كانوا سبوه فهو لذلك الجيش الذين كان فيهم.
فيمن أسلم على شيء في يديه للمسلمين أو نزل به معاهد والذمي ينقض العهد أو يحارب وقال مالك رحمة الله عليه: ومن أسلم على شيء في يديه للمسلمين فهو له حلال. م: وقال الشافعي: هو على ملك السلم فيأخذه بغير ثمن. ودليلنا ما روى ابن وهب أن النبي -صلى الله عليه وسلم-[قال: «من أسلم على شيء فهو له»]، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الإسلام يجب ما قبله». ولأن للكافر شبهة ملك على ما حازه يدل عليه قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} فسماهم فقراء بعد هجرتهم وتركهم أموالهم وديارهم. ولأنه لا خلاف أنهم لو استهلكوه في حال شركهم ثم أسلموا لم يضمنوه، ولو أتلفه مسلم على صاحبه لضمنه؛ فدل على ثبوب شبهة الملك لمشرك. قال مالك وبلغني أن ابن عباس قال: ما خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم العدو.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا نزل بنا حربي بأمان ومعه عبيد مسلمون قد أسرهم فلا يؤخذوا منه، ثم لو أسلم عندنا كانوا له دون سيدهم؛ لأنه كان ممتنعاً حتى أسلم من أهل الحرب على أموال في أيديهم للمسلمين قد أحرزوا عبيداً أو غير عبيدن فليس لأهل الإسلام أن يأخذوا من أيديهم شيئاً من ذلك لا بالثمن ولا بالقيمة إن كانوا قد تبايعوا ذلك بينهم، وكذلك من أسلم من أهل بلد على ما بأيديهم وبأيديهم أحرار ذمتنا فهم رقيق لهم كعبيدنا، وهم أحق بجميع الأمتعة من أربابها. قال ابن القاسم: وإذا نزل الحربي بأمان ومعه عبيد لأهل الإسلام فباعهم من مسلم أو ذمي لم يكن لربهم أخذهم بالثمن إذ لم يكن يقدر على أخذهم من بائعهم في عهده بخلاف بيع الحربي إياهم في بلده؛ لأن الحربي لو وهبهم في بلد الحرب لمسلم ثم قدم بهم لأخذهم ربهم بغير ثمن وليس ذلك له لو وهبهم له معاهد. ابن المواز قال ابن القاسم: إذا نزل الحربيون بأمان للتجارة فأسلم رقيقهم أو قدموا بهم مسلمين؛ فلا يمنعوا من الرجوع بهم إذا أدوا ما روضوا عليه، ولو كن إماء لم يمنعوا من وطئهن، ولقد أنكر هذا القول رجل من أهل المدينة يقال له داود فبلغ ذلك مالكاً فقال: ألم يعلم أن رسول الله صالح أهل مكة على أن يرد عليهم من جاء منهم فهرب أبو جندل بن سهيل وهو مسلم حتى أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فطلبه أبوه من مكة فرده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: «إنا لا نخفر بالعهد».
قال مالك: فكذلك حجة الحربي أن يقول: عهدي لا ينقض. وقال عبد الملك: بل يعطوا في كل مسلم أدبر قيمته وينزع منهم. قال ابن حبيب: أما من أسلم من رقيق المستأمنين فليبع عليهم كما يفعل بالذمي ثم لا يكون ذلك نقضاً للعهد، وأما ما بأيديهم من سباية المسلمين فليؤخذوا منهم ويعطوا قيمتهم وإن كرهوا. وهذا أشد من الأول ولا يكون هذا خفراً وأما ما بأيديهم من أموال للمسلمين أو رقيق على غير الإسلام أو أحرار ذمتنا ممن أخذوه وأسره فلا يعرض لهم في شيء من ذلك بثمن ولا بغير ثمن. وقال مطرف وابن الماجسون وابن نافع وغيرهم ورووه عن مالك وانفرد ابن القاسم فقال: لا يعرض لهم فيما أسلم من رقيقهم أو ما بأيديهم من سبايا المسلمين وأساراهم ولا يعجبني. قال ابن المواز: وإذا قدم إلينا حربي بأمان ومعه متاع لأهل الإسلام، وعبيدهم، وأحرار مسلمون، وأحرار ذميون، ومكاتبون، ومدبرون؛ فإن لم يسلم لم يعرض له في شيء
مما في يديه من ذلك كله وكان له أن يبيع كل ما سيمت ويأخذ ثمنه أو يرده إلى بلد بعد أن يغرم ما لزمه من العشر الذي نزل عليه. قال: وأما إن أسلم هو فلا يكون له في الأحرار حق ويؤخذون منه ويخرجون أحراراً ذميون كانوا أو مسلمون. وأما كل مال للمسلمين فلا يؤخذ منه شيء؛ لأن من أسلم على شيء في يديه فهو أحق به من أربابه ما لم يكن حراً أو أم ولد، وترد أم الولد إلى سيدها ويتبعه بقيمتها. وأما المكاتب فتكون له كتابته فإن عجز بقي رقيقاً لهذا الحربي وإن أدى كان حراً وولاؤه لسيده الذي عقد كتابته. والمدبر يختدمه ويؤاجره مادام سيده حياً، فإن مات وحمله ثلثه كان حراً، فإن رق أو رق منه شيء كان ما رق منه للحربي الذي أسلم عليه. قال ابن حبيب: وأما إن أسلم المستأمن فمجمع عليه أن يطلق من بيده من أحرار المسلمين وأهل الذمة، وأما أموالهم فهي له إلا أن يتنزه عنها ولا يحكم عليه. وقال ابن المواز: إذا أسلم وبيده أحرار ذمتنا فقال ابن القاسم: يكونون رقيقاً له. وقال أشهب: لا يسترقون وهم أحرار. وقول أشهب أحب إلينا. ومن العتبية قال سحنون: ولو قدم إلينا معاهد ومعه مدبر أو مكاتب لمسلم فللمعاهد كتابة المكاتب فإن أداها عتق وولاؤه لسيده وإن عجز رق للمعاهد.
قال: وله خدمة المدبر، فإن مات سيده والثلث يحمله عتق أو ما حمل منه ورق باقيه للمعاهد. قال ابن المواز: ولو كان معه عبد مسلم قد أرتد فلا يعرض له في قول ابن القاسم، ويبيعه إن شاء أو يرده، فإن باعه استتيب فإن تاب وإلا قتل. قال أبو محمد: انظر هل يجوز شراؤه. ابن المواز: ولو اعترف الحربي المستأمن أنه عبد لمسلم أو لذمي وأنه مرتد قال: إذاً يحكم عليه وليس كمال الحربي المستأمن. قال أصبغ عن أشهب: ولسيد العبد أخذه وكل ما معه ويحكم على المرتد بحكم الإسلام. وقال عن ابن القاسم: لا يقتل المرتد، وروى عنه في الرسول يظهر أنه مرتد: أنه يقتل. وقال أصبغ: الرسول وغيره سواء.
قال عيسى عن ابن القاسم: في المعاهدين ينزلون بأمان فإذا فرغوا سرقوا عبيداً لنا وأحراراً ثم قدموا ثانية بأمان ولم نعرفهم وهم معهم قال: يؤخذون منهم ولا يتركون يبيعون الأحرار ويطئون المسلمات. قيل: أليس قد صاروا حرباً ثم أستأمنوا؟ قال: بل هم كمداينتهم للمسلمين ثم يهربون ثم ينزلون ثانية؛ أن الديون تؤخذ منهم، ثم رجع ابن القاسم فقال: لا يؤخذ منهم حر ولا عبد ولا ما داينوا به المسلمين من قبل. وقال في كتاب ابن سحنون: إن عادوا بهم فلنأخذهم منهم ولو قدم بهم غيرهم لم نأخذهم. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا خرج من أهل الذمة متلصصين فأخافوا السبيل وقتلوا حكم فيها بحكم الإسلام إذا حاربوا ويكون الإمام مخيراً إن شاء قتل وإن شاء قطع رجله ويده من خلاف، ولا يجمع عليه مع القتل قطع ولا
ضرب، ولا يضرب إذا قطع، وإذا قتل فلابد من قتله، وليس كل المحاربين سواء منهم من يخرج بعصا ونحوه فيؤخذ على تلك الحال بحضرة خروجة ولم يخف السبيل ولم يأخذ مالاً؛ فهذا لو أخذ بأيسر الحكم لم أر به بأساً وذلك الضرب والنفي ويسجن في الموضع الذي نفي إليه حتى تعرف توبته. قال ابن القاسم: وإن خرج أهل الذمة نقضاً للعهد ومنعاً للجزية وامتنعوا من أهل الإسلام من غير أن يظلموا والإمام عدل فهم فيء ولا يردوا إلى ذمتهم إذا نقضوا من غير ظلم ركبوا به؛ بذلك مضت السنة فيمن نقض العهد والإمام عدل، من ذلك أهل الإسكندرية مثلهم عمرو بن العاص الثانية وسلطيس قوتلت ثانية وسبيت. قال يريد بن أبي حبيب: في بلهيب وسلطيس أنهم سبوا بعد أن نقضوا ودخل سبيهم المدينة سباهم عمرو بن العاص في زمان عمر بن الخطاب.
[قال أبو إسحاق: لم يجعل خروجهم للحرابة ولا قتل الأنفس نقضاً للعهد الذي بيننا وبينهم وهو يقول: إذا غصبوا مسلمة على نفسها فهو نقض للعهد، ويقتل فاعل ذلك، وفي هذا نظر؛ إلا أن يكونوا عوهدوا على هذا المعنى في حين عوهدوا، فإذا خرجوا ناقضين للعهد استرقوا لأنا إنما أقررناهم على عهد فمتى نقضوه رجعوا إلى ما كانوا عليه من استباحة القتل والسبي؛ لأنا لم نوجب على أنفسنا ترك قتلهم وسبيهم إلا بشرائط متى تركوها بقوا على ما كانوا عليه من القتل والسبي ونقضهم إنما يكون بأن يرجعوا إلى ما كانوا عليه من استباحة القتل والسبي؛ لأنا لم نوجب على أنفسنا ترك قتلهم وسبيهم إلا بشرائط متى تركوها بقوا على ما كانوا عليه من القتل والسبي ونقضهم إنما يكون بأن يرجعوا إلى ما كانوا من الحرب لنا والخروج علينا ويصير على هذا ما فعلوه على غير هذه الطريقة من غصبهم لأموالنا وقتلهم لما أقررناهم على أن يكونوا يحكم عليهم بحكم الإسلام لا على أن ذلك نقض للعهد الذي عاهدناهم عليه وهذا لعمري ظاهر إلا إكراههم للحرة فإن ذلك غشكالاً]. قال ابن القاسم: وإن كان ذلك من ظلم ركبوا به فأرى أن يردوا إلى ذمتهم ولا يكونون فيئاً. قال سحنون: وقال أشهب: لا يعود الحر إلى رق أبدا ويريدون إلى ذمتهم ولا يكونون فيئاً. قال ابن حبيب: وانفرد بهذا أشهب.
[وقال محمد بن مسلمة: إذا حارب الذمي قتل؛ لأنه نقض العهد ولا يؤخذ ولده؛ لأنه إنما نقض وحده وماله لا عهد له، وإن قطع السبيل لم يؤخذ ماله؛ لأنه بقي في ذمته قال الداودي: إذا كان ذلك عن ظلم ظلموا به فهو نقض؛ لأنهم لم يعاهدوا على أن يظلموا من ظلمهم. قال بعض المتأخرين: وهو أبين؛ لأنهم رضوا بطوع ما عقد لهم وإسقاط حقهم فيهم. وقول أشهب: إنه لا يعود إلى الرق ليس بحسن، وقد حاربت قريظة بعد أن عاهدهم النبي -صلى الله عليه ولم- وقتل الرجال وسبى الولدان].
جامع ما يعد من الذمي نكثاً وسبيهم وسبي ذراريهم وارتدادهم بعد الإسلام وخروج المسلم إلى دار الحرب وحربه معهم وفي الجاسوس وهذا الباب كله من غير المدونة. ومن كتاب ابن حبيب روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أن نصرانياً نخس بغلاً عليه امرأة مسلمة فوقعت وانكشفت عورتها فكتب أن يصلب في ذلك الموضع. وقال: إنما عاهدناهم على إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون. وفي يهودي دهش ناقة عليها امرأة مسلمة فوقعت فانكشف عورتها فضربه ابنها بالسيف فقتله فأهدر عمر -رضي الله عنه- دمه. وقال: في نصراني اغتصب مسلمة أنه يقتل وهو كنقض العهد. قال ابن حبيب: ولها الصداق من ماله والولد على دين أمه وهو مجذوذ النسب لا يلحق بأبيه، ولو أسلم الأب لم يقتل؛ لأنه إنما يقتل لنقض العهد لا للزنا، وقال أصبغ. وقال في مسلمين لجؤوا إلى حصن لأهل الذمة وهم شاتون فلم يفتحوا لهم فباتوا خارجاً منه فمات بعضهم من البرد فاستباحهم عمر ورآه نقضاً للعهد.
فصل ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم في أهل الذمة تنزع رجالهم فيحاربون فيظفر بهم هل تسبي نساؤهم وذراريهم؟ ومن زعم أنه مكره من صغار رجالهم، ومن يرى أنه مغلوب على أمره، قال: إن كان الإمام عدلاً قوتلوا وقتلوا وسبي نساؤهم وذراريهم وأبناؤهم المراهقون والأبكار وهم تبع لهم، وأما من يرى أنه مغلوب على أمره مثل الكبير والضعيف والزمن فلا يعرض لهم بقتل ولا رق ولا غيره، وإذا قاتلوا فظفرنا بالذرية قبل ظفرنا بهم فلا بأس أن نسبيهم إذا كان الإمام عدلاً ولم ينقموا ظلماً. قال: ولو نقضوا ومضوا إلى بلاد الحرب وتركوا الذرية: لم يجز سبيهم ولو حملوهم معهم ثمظفرنا بهم جاز لنا سبيهم فأما إن لم يكن الإمام عدلاً ونقموا شيئاً لم يعرف؛ فلا يقتلوا ولو ظهر لهم في تلك الحال لم يسترقوا ولم تسب لهم نساء ولا ذرية وردوا إلى ذمتهم، وكذلك لو تحملوا بذراريهم إلى أرض العدو لم يستحل منهم شيء على هذا إلا أن يعينوا علينا المشركين بعد دخولهم إليهم ويقاتلوا معهم فيسلك بهم مسلك الحربي فيهم وفي ذراريهم ونسائهم.
قال عنه ابن حبيب: وإذا حارب أهل الذمة والإمام عدل وله فليستحل بذلك نساؤهم وذراريهم، وأما من يرى أنه مغلوب عليه منهم أو من زعم من ضعفاء رجالهم من كبير أو من ذي زمانة أنه استكره فلا يستباحوا ولا يسترقوا. وقال أصبغ: كلهم مستباحون لنقض أكابرهم كما صالحهم عليه صلح. وقال الأوزاعي وابن الماجشون، وهو أحب إلي. وقال ابن الماجشون: وكذلك فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- في قريظة وغيرها سباهم وذراريهم وحاشيتهم؛ لأنه إنما يقوم بالأمر رجالهم وأكابرهم من حرب وعقد وصلح فيجزي ذلك على الجميع. قال ابن القاسم عن مالك: وإن خرجوا عن ظلم فلا يقاتلوا وإن قتلوا المسلمين في مدافعتهم. قال ابن الماجشون: وكذلك إن احتجزوا في دارهم فلا يقتلوا ما لم يخرج ذلك منهم إلى الفساد في الأرض والخروج على المسلمين فإن فعلوا هذا جوهدوا وصاروا فيئاً. وقال مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ وغيرهم.
قال ابن المواز: وإذا حالفت قرية من أهل الذمة ونكثت وقاتلوا وقتلوا؛ فإنه تستباح نساؤهم وذرياتهم بنقض رجالهم وأكابرهم. قال ابن سحنون وقال ابن القاسم: في أهل الذمة ببلد المسلمين قد ظفر بهم العدو وأقام بها أهل الذمة معهم وتليهم مدينة أخرى للمسلمين يغزونهم ويغيرون عليهم فذكروا أن أولئك الذميين يتجسسون عليهم ويطلبونهم مع العدو فيستفزوا ويقتلوا فإذا ظفرنا بأحدهم قالوا: نحن نؤمن بهذا ونقهر عليه ويخافوا القتل إن لم يفعلوا ولا يعلم ما ادعوه من القهر والغلبة والخوف إلا بقولهم، فما ترى فيمن ظفرنا به منهم؟ قال: أما من قتل منهم مسلماً فليقتل، وأما من لم يقتل ولكن يطلب مع العدو ويستفيد الغنيمة ونحو هذا فلا يقتل ويطال سجنه. قال: وإذا أجل لهم أجلاً في الرحيل من عند العدو فجاوزوه وأغاروا معهم علينا وسبوا وأسروا وزعموا أنهم منعوا، ولا يعرف ذلك إلا بقولهم؟ قال: إن تبين ما قالوا لا يستحلوا.
قال: وإذا نقض أهل الذمة العهد بعد أن سرقوا لنا أموالاً وعبيداً وغير ذلك، فحاربوا وذلك في أيديهم ثم صالحونا على أن يعودوا لنا ذمة. قال: يوفا لهم فإن لم يطلع على تلك السرقات إلا بعد الصلح فللإمام أن يخيرهم إما أن يردوها أو يرجعوا إلى حالهم من الحرب إلا أن يشترطوها في الصلح فلا كلام له، وأما ما أخذوا في حال حربهم فلا خيار للإمام فيه بعد الصلح. فصل قال ابن حبيب قال ابن القاسم: في قوم أتونا بنسائهم وأولادهم فأسلموا ثم تركوا الإسلام ورجعوا إلى بلادهم فأدركناهم وأسرناهم أنهم كالمرتدين في المال والدم يستتاب كبارهم ويجبر صغارهم على الإسلام إذا بلغوا من غير استتبابة. وقال أصبغ: ليسوا كالمرتدين وهم كالمحاربين لأنهم جماعة فهم كأهل النكث؛ لأن المرتد إنما هو كالواحد وشبهه. وليس قول أصبغ بحسن؛ لأن أهل النكث إنما هم أهل الذمة ونحن نسترقهم إذا ظفرنا بهم، ولعمري أنه لأمر خالف فيه عمر أبا بكر في أهل الردة من العرب؛ جعلهم أبو بكر كالناقضين، فقتل الكبار وسبى النساء والصغار وجرت فيهم المقاسم في أموالهم، وسار فيهم عمر السيرة في المرتدين؛ فرد النساء والصغار من الرق إلى عشائرهم كذرية من ارتد فلهم حكم الإسلام إلا من تمادى بعد بلوغه والذين كانوا أيام عمر لم يأب أحد منهم الإسلام، وعلى هذا جماعة من العلماء وأئمة السلف إلا القليل منهم؛ فإنهم أخذوا في ذلك برأي أبي بكر -رضي الله عنه-، وبه قال أصبغ.
وذهب ربيعة وابن القاسم وابن الماجشون إلى فعل عمر وبه أقول. ومن العتبية قال ابن القاسم فيمن لحق بأرض الحرب فتنصر وأصاب دماء المسلمين وأموالهم ثم أسلم: فإن ذلك يزيل عنه القتل وكلما أصاب، ولو كان أصاب ذلك قبل أن يرتد أقيد منه؛ يقتله الإمام ولا ينظر إلى أولياء من قتل؛ لأنه كالمحارب، ولا عفو فيه لولي الدم، ولا يستتاب استتابة المرت. وذكر مثله سحنون وابن المواز. قال سحنون عن ابن القاسم: إن ارتد أهل حصن عن الإسلام؛ فليقاتلوا ويقتلوا ولا تسبى ذراريهم ولا تكون أموالهم فيئا. قال في كتاب محمد: وتجبر ذراريهم على الإسلام وما ولد لهم بعد الكفر فليردوا إلى الإسلام ما لم يكبروا على الكفر. وكذلك قال عبد الملك: لا تسبى ذراريهم ولا نساؤهم؛ لأنهم يقولون: نحن لم نرتد، ولو كانوا أهل ذمة نكثوا وقاتلوا فظفرنا بهم لسبي نساؤهم وذراريهم واستحلت أموالهم بنقض رجالهم وكذلك فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في بني قريظة وغيرهم سباهم وحاشيتهم.
قال ابن حبيب: والسنة في المرتد يلحق بدار الحرب فيقتل المسلمين ويزني ويسرق ثم يتوب: أنه لا يؤخذ بشيء من ذلك، وإن فعل ذلك في دار الإسلام بعد ردته؛ فليؤخذ بذلك وإن أسلم. وإن مجن مسلم بدار الإسلام ولحق بدار الحرب على مجونه فحارب معهم فقتل منا أو لم يقتل؛ أنه يحكم فيه بحكم المحارب في بلد الإسلام من القتل والصلب ويؤخذ فيه بأعظم عقوبة الله عز وجل في المحارب قتل أو لم يقتل، ولا تقبل توبته ولا عفو فيه وإن ادعى أنه كان في فعله ذلك مرتداً لم يصدق إلا ببينة فحينئذ يسن به سنة المرتدين في قبول التوبة وهدر ما كان فعل من ذلك وليس تركه الصلاة بدار الحرب وشربه الخمر بردة حتى يفصح بالردة. وقاله ابن الماجشون، وقال أصبغ عن ابن القاسم. ومن كتاب المحاربين قال عبد الملك: لا يجوز للإمام أن يؤمن المحارب وينزله على ذلك ولا أمن له بذلك؛ لأنه في سلطانك وعلى دينك إنما امتنع منك بعزة لا بدين. قال سحنون: وإذا هرب المحارب ودخل حصناً من حصون الروم فحاصرنهم فنزل أهله بعهد وطلب المحارب العهد والأمان فأمنه أمير السرية قال: لا أمان له ولا يزيد حكم الحرابة عنه جهل من أمنه وقد ظفرنا به قبل التوبة. محمد وقد اختلف فيه.
م: وفي كتاب المحاربين والمرتدين إيعاب هذا. فصل ومن كتاب ابن سحنون عن أبيه: وإذا وجدنا بأرض الإسلام عينا لأهل الشرك وهو حربي دخل بغير أمان، أو كان ذمياً أو مسلماً يكاتبوهم بعورات المسلمين؛ فأما الحربي: فللإمام قتله واستحياؤه كمحارب ظفرنا به، وللإمام أخذ ماله ولا خمس فيه وهو فيء، فإن أسلم قبل أن يقتل فلا يقتل ويبقى رقيقاً كالأسير يسلم. وأما المسلم يكاتبهم؛ فإنه يقتل ولا يستتاب وماله لورثته وهو كالمحارب والساعي في الأرض فساداً. وقال بعض أصحابنا: يجلد جلداً منكلاً ويطال سجه وينفي من موضع كان فيه بقرب المشركين. قال: وإن كان ذمياً قتل ليكون نكالاً لغيره. ومنه ومن العتبية قال ابن القاسم: يقتل لجاسوس ولا تعرف لهذا توبة. قال عنه ابن المواز: إن ظاهر على أمور المسلمين بأمر دل على عوراتهم قتل، فإن لم يكن فيما كان منه مظاهرة على عوراتهم سجن حتى تعرف توبته.
فيمن أسلم من عبيد الحربيين بعد خروجه إلينا أو قبل وكيف إن أقام ببلدنا مسلما روى ابن وهب أن المغيرة بن شعبة نزل وأصحاب له بأيلة وهم حينئذ كفار فشربوا خمراً وسكروا وناموا فقال إليهم المغيرة فذبحهم وأخذ ما كان معهم وقدم به على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأسلم ودفع إليه وأخبره الخبر فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنا لا نخمس مالاً أخذ غصباً» وترك المال في يد المغيرة بن شعبة.
قال ابن القاسم: وإذا قدم إلينا عبد لرجل من أهل الحرب بأمان فأسلم ومعه مال لسيده: فالمال للعبد ولا يخمس؛ كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمغيرة. ابن حبيب وقال أصبغ: المال لسيده إلا أن يكون استأمن على الإسلام وعلى ما معه في أول نزوله فهذا يكون له؛ كما لو هرب به مسلماً، بخلاف إسلامه بعد أن استقر نزوله بالعهد، وقول ابن القاسم أحب إلينا. وقال أشهب في كتاب ابن سحنون: هو حر في حكم الإسلام ولا يعرض له في المال إلا أن عليه أن يفي لسيده لأنه خرج على أن يرجع إليه فليرجع إليه ويرد إليه المال وهو حر على سيده، ألا ترى أن لو بعث أسيراً مسلماً بتجارة فهو حر لا يكلف أن يرجع، ولا يمنع مما في يديه إلا أن عليه الوفاء لمن بعثه بما خرج إليه. ومن المدونة قال ربيعة في قطبي فر من أرض العدو بمال: فهو حر وعليه الجزية والمال له، وإن جاء مسلماً فالمال له وهو من المسلمين. قال يحيى بن سعيد: وإن أؤتمن أسير على شيء. سحنون. أو على ألا يهرب.
قال: فليؤد أمانته، وإن كان مرسلاً وقدر على أن يأخذ من أموالهم شيئاً لم يؤتمن عليه ويتخلص فليفعل. ابن المواز: وإن خلوه على أيمان حلف لها بها؛ فأما مثل العهد والوعد فذلك يلزمه، وأما بالطلاق والصدة فلا يلزمه ولا حنث عليه؛ لأنه مكره. وقال ابن القاسم. ولو هرب بجارية أو غيرها وقد كان أسر من بلد الإسلام فلا خمس عليه فيه؛ لأنه مما لم يوجب عليه فيه. قال: وإن كان إنما خرج إلى بلد الحرب غازياً فأسر؛ فعليه فيما هرب به الخمس ما لم يصل إلى بلد الحرب إلا بالإيجاف. قال ابن القاسم: ولا يحل له وطء الجارية ما دام في بلد الحرب فإذا دخل بلاد الإسلام حل له وطؤها إذ قد صارت له فيئاً. م: يريد التي لا خمس فيها. قال: وللأسير أن يسرق من مال العدو ولا يعاملهم بالربا. قال أشهب: وإن دفعوا إليه ثوباً يخيطه فلا يحل له أن يسرق منه. م: لأنه أؤتمن عليه فلا يجوز.
قال ابن المواز: وما أقر به بعد تخلصه إلى بلد الإسلام أنه كان فعله من سرقة أو زنا أو خيانة أو ربا فلا شيء عليه في السرقة وأحب إليّ أن يتصدق بقدر ما أربى أو خان إذ لا يقدر على رد ذلك إلى أهله، واختلف في زناه: فقال ابن القاسم: يقام عليه الحد إن شهد أو أقر وأقام على إقراره ولم يرجع وقال أصبغ، وسواء زنا بحربية أو مملوكة. وقال عبد الملك: لا حد عليه في زناه ولا في سرقته منهم. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أسلم من عبيد الحربين لم يزل ملك سيده عنه إلا أن يخرج العبد إلينا أو ندخل بلادهم نحن فغنمه وهو مسلم وسيده مشرك فهو حر، ولا يرد إلى سيده إن أسلم سيده بعد ذلك. واختلف: إذا لم يخرج حتى وقع الفتح ودخل المسلمون عليهم: فقال ابن القاسم: هو حر. وقال ابن حبيب: هو رقيق لذلك الجيش. وهو أقيس.
وقد أعتق النبي -صلى الله عليه وسلم- عبيداً لأهل الطائف لخروجهم مسلمين، وابتاع أبو بكر بلالاً إذ أسلم قبل مولاه فأعتقه، والدار يومئذ دار حرب وأحكام الجاهلية ظاهرة، فلو انتقل ملك ربه عنه كان ذلك فداء ولم يكن ولاؤه لأبي بكر. وقيل: إلا بلالاً أعتقه أبو بكر قبل الهجرة وقبل ظهور أحكام النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ وإنما يكون حجة لو كان بعد الهجرة وظهور أحكام النبي -صلى الله عليه وسلم/. قال: هي الحجة حتى يأتي ما ينقضها. قال ابن القاسم: وإن خرج العبد إلينا مسلماً وترك سيده مسلماً فهو له رق إن أتى. وإن أسلم عبد الحربي بدار الحرب فدخل إليهم مسلماً بأمان فاشتراه فهو لمبتاعه لما صنع مولى بلال وشراء أبي بكر له؛ ولأن سيده لو أسلم قبل أن يخرج العبد إلينا بقي له
رقاً، ألا ترى أن مالكاً قال في عبد مسلم يأسره العدو فيبتاعه منهم رجل من المسلمين: أنه رقيق له فكذلك هذا أنه ملك لمن اشتراه. وقال أشهب وغيره: إسلام العبد في دار الحرب يزيل ملك سيده عنه خرج إلينا أو أقام ببلده. وإن اشترى كان كالحر المسلم يفدى يتبعه مشتريه بالثمن. وتسترق العرب إذا سبوا كالعجم. في المستأمن يموت عندنا ويترك مالاً والحكم في ديته إن قتل قال مالك -رضي الله عنه-: وإن مات عندنا حربي مستأمن وترك مالاً فليرد. ماله إلى ورثته ببلده، وكذلك إن قتل فديته تدفع إلى ورثته ويعتق قاتله رقبة وكذلك في كتاب محمد. وقال سحنون: يدفع ماله وديته إلى حكامهم وأهل النظر لهم حتى كأنهم تحت أيديهم وماتوا عندهم ونقلها أبو محمد: أن من مات رد ماله إلى من يرثه ببلده، وإن قتل دفعت ديته إلى حكامهم، ويعتق قاتله رقبة.
قال ابن حبيب: وإن ظهرنا على ورثته قبل أن يأخذوا ذلك فذلك فيء لذلك الجيش الذين ظهروا عليهم. م: وإنما يرد ماله لورثته إذا مات عندنا إذا استأمن على أن يرجع أو كان شأنهم الرجوع، وأما لو استأمن على لمقام أو كان ذلك شأنهم فإن ما ترك يكون للمسلمين وكذلك في كتاب ابن سحنون، قال فيه: إذا مات المستأمن عندنا ولم يكن ذكر رجوعاً كان أكثر المستأمنين بذلك البلد إنما هو على المقام فميراثه للمسلمين ولم يكن لهذا أن يرجع، وإن كان شأنهم الرجوع فله الرجوع وميراثه إن مات يرد لورثته ببلده إلا أن تطول إقامته عندنا فليس له أن يرجع ولا يرد ميراثه، وإذا لم يعرف حالهم ولا ذكروا رجوعاً فميراثه للمسلمين. ومن كتاب ابن المواز: وإذا أودع المستأمن عندنا مالاً ثم رجع إلى بلده فمات؛ فليرد ماله إلى ورثته وكذلك لو قتل في محاربة للمسلمين فإنا نبعث بماله الذي له عندنا إلى من يرثه وأما لو أسر ثم قتل صار ماله فيئاً لمن أسره وقتله؛ لأنهم ملكوا رقبته قبل قتله. وقال ابن القاسم وأصبغ. وكذلك قال ابن حبيب: إن قتل بعد أن أسر قال: وأما إن قتل في المعركة فهو فيء ولا خمس فيه؛ لأنه لم يوجف عليه. وقال ابن الماجشون وابن القاسم وأصبغ. [قال ابن المواز: ولو قتل المستأمن عندنا مسلماً أو ذمياً لقتل به في العمد، وإن كان خطأ فعلى قاتله الدية متى قدر على ذلك، وهو ما دام في عهده كالذمي في جميع أموره عند ابن القاسم وعبد الملك].
قال ابن المواز: وإذا داين المستأمن الناس عندنا ببيع أو سلف ثم عاد إلى بلده فدخلناها فغنمناه وماله وله عندنا ودائع دين، قال: فماله الذي ببلد الحرب لمن غنمه وماله الذي ببلد الإسلام لغرمائه، ولولا غرمائه لكان ذلك كله لمن غنمه. وقال ابن القاسم وأصبغ. وقال غيره في كتاب ابن سحنون: ماله الذي ببلدنا علينا فيه أمانة فليرد إلى أهله إذا لم يكن عليه دين. قال فيه ابن القاسم: وإن وقع في سهمان رجل أو ابتاعه فأخرج لسيده مالاً بأرض الشرك فذلك فيء للذين غنموه وليس للسيد إلا ما أفاد عنده. وقال ابن عبدوس: إذا أودع الحربي وديعة فغنم وصار في سهمان رجل فإن تلك الوديعة للعبد لا للجيش الذين سبوه. قال ابن المواز: ولو سرق المستأمن من مسلم أو ذمي لقطع، ولو قذف مسلماً حراً؛ لحد. وقال أشهب لا قطع على الحربي المستأمن في سرقته من مسلم أو ذمي، ولا على من سرقه منه، ولا حد عليه إن قذف مسلماً ولكن يعاقب. وقد قال مالك: إن خصى عبده لا يعتق عليه وكأنه خصاه ببلده.
قال أشهب: بخلاف الذمي؛ لأن الذمي لو أخصى عبده لعتق عليه، وقد أعتق النبي -صلى الله عليه وسلم-/ على سندر غلاماً له حين خصاه وجدع أنفه وسندر يومئذ كافر. وقال ابن القاسم: لا يعتق على الذمي ولا على الحربي المستأمن عبيدهما إذ مثلاً بهما، وأمرهما واحد ما دام الحربي في أمانه. ابن المواز: وهذا رأينا وأوثق عندنا.
قال ابن المواز: إن لم يقم على الحربي حتى هرب إلى دار الحرب ثم عاد إلينا بأمان ثان فليؤخذ بما تقدم ولا يزيله أمانه الثاني، ولا يؤخذ بما صنعه في بلده وفي غير عهده من قذف وقتل وغضب ونهب. وفي كتاب ابن سحنون عن ابن القاسم: نحوه إلا أنه قال في جناية المعاهد الخطأ: لا عاقلة له؛ لأن العواقل على ثلاثة أوجه: 1 - عشيرة الجاني. 2 - وأهل جزية النصراني. 3 - ومسلم لا عشيرة له ولا ولاء، كمن أسلم فعقله على بيت مال المسلمين وميراثه لهم. والمعاهد ليس من هذه الأوجه فذلك في ماله وإلا ففي ذمته، وللإمام منعه من الرجوع حتى يؤديها أو يبعث إلى بلده في ذلك إلا أن الدية عليه في ثلاث سنين مؤجلة. قال أشهب: فإن أبوا أن يبعثوا إليه شيئاً فإنما عليه بقدر ما يلزمه معهم لو أطاعوا على اجتهاد الإمام. وقال سحنون: بل ذلك في ذمته.
في محاصرة حصون العدو وتحريقها وتغريقها ورميها بالمجانيق وفيها ذرية لهم أو أسارى مسلمين وتحريق مراكبهم وتحريقهم مراكبنا قال ابن القاسم: وإذا كان مسلم في حصن للعدو أو مركباً لم أر أن يحرق أو يغرق. قال مالك والأوزاعي: إذا كان في مراكبهم مسلمون فلا تحرق قال مالك وقد قال الله تعالى في أهل مكة {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} فإنما صرف النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أهل مكة لما فيها من المسلمين. قال ابن القاسم: ولو لم يكن فيها مسلم وكان فيها ذراري المشركين ونساؤهم لم يعجبني ذلك إلا أن تكون عارية من ذلك كله وإنما فيها الرجال المقاتلة فلا بأس بذلك. وروى ابن وهب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رمى أهل الطائف بالمجانيق، فقيل له: إن فيها النساء والصبيان؟ فقال: هم من آبائهم، وقال: ذلك أيضاً فيما أصيب منهم في غشم الغارة.
.................................................
قال ابن القاسم في المستخرجة: لا بأس أن ترمى حصونهم بالمجانيق ويقطع عنهم الميرة والماء وإن كان فيهم مسلمون أو ذرية. وقال أشهب. قيل لابن القاسم: فهل ترمى حصونهم بالنار ومعهم الصبيان؟ قال: لا أحب ذلك، وأما المركب فبخلافه؛ لأنهم بدأونا برمي النار فلنا أن نرميهم بها. قيل: فإن كان في مراكبهم مسلمون وبدأونا برمي النار؟ فقال: لا أرى أن يرموا بالنار لما معهم من المسلمين خوفاً أن يقتلوا مسلماً. وقال أشهب: أرى أن يرموا بالنار، وكيف لا يرموا بالنار وهم رمونا بها. [قال أبو إسحاق: وأما ما لا يقدر على صرفه لموته بين أرجل الخيل وشبه ذلك فموسع أيضاً كرمي المجانيق وانظر لو رمونا بالنار ما يجوز لنا أن نرميهم بها وفيهم المسلمون لننجي أنفسنا منهم ولو لم نفعل لقتلونا بها، وكيف إن كان إنما معهم الواحد والاثنان والذين رمونا لهم عدد كثير يقول المسلمون: إن كان لابد من موتنا أو موتهم أو موت من معهم من المسلمين بموت الواحد والاثنان خير للمسلمين من موت مائة]. ابن حبيب: لا بأس بتحريق حصونهم وتغريقها بالماء ويقطع عنهم مجراه، ويقطع عنهم الميرة، وإن كان فيهم النساء والذرية ما لم يكن فيها أسارى مسلمون وقاله مالك وأصحابه ونحوه في كتاب ابن سحنون عن سحنون.
م: وتحصيل ذلك: أنه لا خلاف إذا كان مسلم في حصن العدو أنه لا يحرق ولا يغرق. واختلف إذا كان فيه ذرية مشركون: فقيل: هم كالمسلمين. وقيل: بل يغرقون، ويقطع عنهم الميرة ولم نختلف في رمي حصونهم بالمجانيق وإن كان فيهم مسلمون أو ذرية مشركون. واختلف في رمي مراكبهم بالنار وفيهم مسلمون أو ذرية: فقيل: لا يرمون. وقيل: يرمون. وقيل: إن كان فيهم مسلمون لم يرموا وإن كان فيهم ذرية رموا وكره مالك أن يقاتل العدو بالنبل المسموم والسلاح المسموم. وقال: ما كان هذا في ما مضى. م: لأن ذلك قد يعاد إلينا. ومن المدونة قال مالك: وإذا أحرق العدو سفينة للمسلمين فلا بأس أن يطرحوا أنفسهم في البحر؛ لأنهم فروا من الموت إلى موت. ابن وهب: ولم يرد ذلك ربيعة إلا لمن طمع بنجاة أو اختيار للأيسر ونحوه فلا بأس به وإن هلك في ذلك.
وقال أيضاً ربيعة: إن صبر فهو أكرم له، وإن اقتحم فقد عوفي، ولا بأس به، وإن احترقت سفينة فلا يقتل رجل نفسه ويثبت لأمر الله عز وجل.
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً كتاب الجهاد الثاني جامع القول في الفيء والخمس وأرض العنوة والصلح قال ابن حبيب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي». قال ابن حبيب: فكان يوم بدر استباح الصحابة الغنيمة قبل أن تنزل فيها إباحة إلا عمر، فعاتبهم الله سبحانه بقوله: {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} يقول: في تحليلها {لَمَسَّكُمْ
فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ} الآية، ثم تنازعت فيها طائفة غنموها وطائفة اتبعت العدو وطائفة أحدقت بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فتنازعت الغنيمة كل طائفة منهم دون غيرها فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} فسلموا ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان هذا ببدر ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} والله تعالى غني عن الدنيا وما فيها وإنما يريد الله ورسوله الحكم فيه فكان حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- في الخمس من حكم الله تعالى وأما الأربعة أخماس فالله تعالى حكم بها لمن غنمها ورد الحكم في الخمس إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فقال -صلى الله عليه وسلم-: مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم يعني على الغني والفقير والصغير والكبير والذكر والأنثى كالفيء الذي أنزل الله عز وجل فيه ما أنزل.
وتأول عمر قول الله سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} الآية: أنه أبقى لمن يأتي في ذلك حقاً، فأقر الأرض ولم يقسمها لتكون لنوائب المسلمين ومرافقهم، وطلب عمر في قسمها وامتنع فألح عليه بلال فقال: اللهم اكفي بلالاً وذوي بلال. قال عبد الوهاب: ولم ينكر أحد من الصحابة عليه ذلك، وتلاه عثمان وعلي على مثل ذلك؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- غنم غنائم وأراضي ولم ينقل أنه قسم منها إلا خيبر، وهذا إجماع من السلف والله أعلم. قال: وإن أرى الإمام في وقت من الأوقات رأياً لم يمتنع أن يقال: أن له ذلك فيما يفتتحه من بعد. قال الشيخ: كما قسم النبي -صلى الله عليه وسلم- خيبر. قال سحنون: وما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «خمس الخمس في خاصة» فغير معروف عند أهل المدينة. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «والخمس مردود عليكم» لم يستثن منه شيئاً.
قال ابن دينار: ولو كان الخمس على هذا التقدير لكان سهم ذوي القربى تجري فيه المواريث، وقد أجمع الخلفاء على خلاف ذلك وأن ليس لهم سهم راتب. ومن المدونة قال مالك -رضي الله عنه-: والخمس والفيء سواء يجعلان في بيت المال ويعطي منه الإمام أقرباء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقدر اجتهاده ولا يعطونه من الزكاة لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تحل الصدقة لآل محمد» وهم: بنو هاشم. والفيء ما لم يوجف عليه، وجزية الجماجم، وخراج الأرضين الصلح والعنوة والهدنة، وعشور أهل الذمة، ويسلك بالخمس مسلك الفيء. ابن المواز: وقد قال الله سبحانه في قسمة الفيء: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}.
وقال في آية الخمس: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}] فالآيتان متفقتان. واختلف في سهم ذوي القربى: فقيل: هم آل محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ قاله ابن عباس وغيره وهو الأصح. وقيل: بل هم على قريش كلها. قال سحنون وأصبغ: وليس في ذلك قسم محدود لكل نفس؛ وقد ساوى أبو بكر بين الناس كافة فيه. وفضل عمر بقدر السابقة والهجرة والحاجة وكل صواب على الاجتهاد. ومن المدونة وقد قال عمر: أيها الناس إني عملت عملاً وإن صاحبي عمل عملاً ولئن بقيت إلى قابل لألحقن أسفل الناس بأعلاهم. قال مالك: وبلغني أن عمر قال: ما من أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه حتى لو كان راعياً أو راعية بعدن فأعجبني ذلك. قال ابن حبيب: قال أشهب: فما كان من خمس الغنائم، وجزية أهل الذمة، وما يؤخذ من أهل الصلح، ومن تجار أهل الذمة وأهل الحرب، وخمس الركاز؛ سبيله سبيل الفيء، ويبدأ فيه بالفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل ثم يساوي بين الناس فيما بقي غنيهم وفقيرهم وشريفهم ووضيعهم.
ومن الفيء يرزق والي المسلمين وقاضيهم، ويعطي غازيهم، وتسد ثغورهم، وتبنى مساجدهم وقناطرهم، ويفك أسيرهم، وتقضي حوائجهم، ويقضي دين ذي الدين منهم، وتعقل جنايتهم، ويزوج عازبهم، ويعان حاجهم، وشبه ذلك من الأمور. ولا يحل أن يعطي من العشور والصدقات في شيء من هذه الوجوه، ولكن على الفقراء والمساكين ومن سمي معهم في آية الزكاة، ولا تحل لغني إلا لغاز أوغارم وهو المديان، وابن السبيل يضعف وهو غني ببلده، أو عامل عليها، أو غني أهدى له منها جاره المسكين؛ قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- بجميع ذلك، وفي كتاب الزكاة كثير من هذا. ومن المدونة قال مالك: وأما جزية أرض العنوة فلا أدري كيف كان يصنع فيها؛ إلا أن عمر قد أقر الأرض ولم يقسمها، وأرى لمن نزل ذلك به أن يكشف عنه من يرضى فإن وجد عالماً يستفتيه وإلا اجتهد في ذلك هو ومن حضره من المسلمين. قال ابن القاسم: وكل أرض افتتحتها أهل الإسلام فهذا فيء ولا يقسمها الإمام وأهلها على ما صولحوا عليه. وأما الجماجم في خراجهم فلم يبلغيني عن مالك فيه شيئاً، وأنا أرى الجماجم تبعاً للأرض كانوا عنوة أو صلحاً. وقيل له في موضع آخر: أرأيت جزية جماجم أهل الذمة وخراج الأرضين ما كان منها عنوة أو صلحاً ما يصنع بهذا الخراج؟ قال: قال مالك: هذه جزية، والجزية عند مالك فيء، وقد أعلمتك ما قال مالك في العنوة.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: لا يزاد عليهم في جزية جماجمهم على ما فرض عمر أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهماً علىهل الورق، وأما جزية الأرض فلا علم لي بها، فذكر نحو رواية ابن القاسم. قال سحنون: هذه أصح من رواية ابن القاسم؛ أنه إنما شك في جزية الأرض ولم يشك في جزية الجماجم. قال الشيخ: وبلغني أن أبا محمد قال: قول مالك لا علم لي بها ولا أدري كيف كان يصنع فيها: يعني أنه لم يدر هل على الأرض جزية دون جزية جماجمهم أو لا جزية عليها وتكون عوناً لهم وتكون الجزية على جماجمهم فقط دون الأرض. ثم رجع أبو محمد فقال: قوله لا علم لي بها: يعني بمبلغ ما على الأرض؛ لأن جزية الجماجم معلومة والذي كان على الأرض مجهول والله أعلم. وذكر ابن حبيب: أن عمر جعل ما افتتح عنوة من الأرض خراجاً، وجعل على كل علج من الذين أقروا لعمارته أربعة دنانير كل سنة غير خراج الأرض، وهذا نحو ما رجع إليه أبو محمد. وقيل لابن المواز: أرأيت ما افتتح عنوة هل يخرج من تلك الدور أهلها الذين كانوا يملكونها أم يقرون لعمارتها؟ فقال: يقرون فيها على حالهم وتكون لهم الذمة ويكونون أحراراً ويكتفي منهم فيها بما يؤخذ من خراج جماجمهم. قال عيسى: وتترك الأرض بأيديهم عوناً لهم كما فعل عمر.
قال الشيخ: وهذا نحو ما تأول أبو محمد أولاً. قال عيسى: ومن أسلم منهم كان حراً وماله للمسلمين. قال ابن الموز: ما كان لهم قبل الفتح. قال عيسى: ونساؤهم كالحرائر؛ لا ينظر إلى شعورهن، ودية المرأة منهم كدية حرة ذمية، وإذا لم يقدر على الأرض لبعدها؛ فإن أهلها يباعون. ومن المدونة: وكل ما يقسم مما يؤخذ من أوجه الفيء كلها فإنه ينظر إلى البلدان فإنه تكافت في الحاجة بدأ بالذين فيهم المال حتى يغنوا وما فضل أعطاه غيرهم أو يوقفه الإمام إن رأى ذلك لنوائب المسلمين. ابن القاسم: وبذلك كتب عمر أن لا يخرج في قوم عنهم إلى غيرهم. قال: وإن كان في غير ذلك البلد من هو أشد منهم حاجة أعطى البلد الذي به المال من ذلك ما يكفيهم ونقل أكثر ذلك إلى البلد المحتاج كما فعل في أعوام الرمادة الست. قال مالك: ولا بأس أن يعطي الوالي للرجل يراه أهلاً للجائزة فيجيزه لقضاء دين عليه ونحوه، ولا بأس على ذلك الرجل بقبولها، ويعطي للمتقوسين يبدأ منهم بمن أبوه فقيراً، [وكان عمر يعرض للمقوس مائة درهم. قال أبو إسحاق: يريد في السنة] وقد جرى هذا موعباً في كتاب الزكاة.
جامع القول في الأنفال وذكر السلب قال مالك -رضي الله عنه وأصحابه: النفل من الخمس. قال بعضهم: لأن الله تعالى قال: {{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الآية. وجعل الأربعة أخماس لمن غنمها فلا يجوز أن يؤخذ لهم منها شيئاً بالاحتمال. وقولنا: أن ما نفل النبي -صلى الله عليه وسلم- من السلب إنما هو من الخمس أولى من قول من قال: أنه من جميع الغنيمة؛ لأن الله سبحانه فرض للنبي -عليه السلام- أمر الخمس يجتهد فيه، وأما الأربعة أخماس فمملوكة لهؤلاء. ودليل آخر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطاه لأبي قتادة بشهادة واحد بلا يمين؛ فلو كان من رأس الغنيمة لم يخرج من حق من غنم إلا بما تنتقل به الأملاك من البينات أو بشاهد ويمين. قال ابن حبيب: وحديث ابن عمر في السرية التي كان فيها بعثها النبي -صلى الله عليه وسلم- فغنمت إبلاً فكان سهمانهم أحد عشر بعيراً أو اثني عشر بعيراً ونفلوا بعيراً بعيراً؛ فدل هذا أن النفل من غير حقوقهم وليس ذلك إلا من الخمس.
قال أبو محمد عبد الوهاب: وسئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الغنيمة؟ فقال: لله خمس، وأربعة أخماسها للجيش. فقيل: فهل أحد أحق بها من أحد؟ فقال: لا، ولا السهم تستخرجه من جنب أخيك المسلم. قال: والنفل كله من الخمس سلباً كان أو غيره. والنفل هو: زيادة على السهم، أو هبة لمن ليس من أهل السهم يفضله الإمام لرأي يراه مما يؤديه اجتهاده إليه. فصل من المدونة: قيل لابن القاسم: فمن قتل قتيلاً هل يكون له سلبه؟ قال: قال مالك: لم يبلغني أن ذلك كان إلا في يوم حنين وإنما هذا إلى الإمام يجتهد فيه. قال الشيخ: مثل أن يرى ضعفاً من الجيش فيرغبهم بذلك في القتال [وقد فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين من الخمس]. قال ابن القاسم: وإنما نفل النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين بعد أن برد القتال.
قال: ومن قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه. ولم يبلغني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك، ولا عمل به بعد حنين. وذكر ابن وهب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما نفل من نفل يوم حنين من الخمس. قال ابن المسيب: إنما كان الناس يعطون النفل من الخمس. مالك: وذلك أحسن ما سمعت. قال ابن القاسم: ولا يجوز عند مالك النفل قبل الغنيمة. قال مالك: ويجوز النفل في أول المغنم وآخره على وجه الاجتهاد من الإمام ولا يكون إلا من الخمس.
قال سحنون: وقال مكحول: لا سلب يوم هزيمة أو فتح، ولسنا نقول هذا، وللإمام أن ينفل الأسلاب يوم الهزيمة ويوم الفتح بالاجتهاد. قال سحنون: وإذا قال الأمير في أول القتال: من قتل قتيلاً فله سلبه فنحن ننهي عن هذا فإن نزل مضى، فإذا قال هذا ثم لقي هو علجا فقتله فإن له سلبه، وكذلك إن قتله في مبارزة ولو قال من قتل قتيلاً منكم فله سلبه. أو قال لما برز رجل من العدو: من قتله منكم فله سلبه، لم يكن له هو سلب من قتل، كان المبارز هو أو غيره؛ لأنه أخرج نفسه بقوله: منكم. وإن قال الأمير: إن قتلت قتيلاً في سلبه؛ فلا شيء له لما خص نفسه. وكذا لو قال بعد ذلك: من قتل منكم قتيلاً فله سلبه فلا شيء له فيمن قتل. وكذلك لو قال بعد أن خص نفسه: من قتل قتيلاً مجملاً فإنما له في المستقبل.
ولو قال: من قتل منكم قتيلاً فله سلبه؛ فمن قتل منهم اثنين أو ثلاثة فله سلبهم. ولو قال لرجل: إن قتلت قتيلاً فلك سلبه، فقتل اثنين أحدهما بعد الآخر؛ فغيرنا يجيزه ويعطيه سلب الأول خاصة ونحن نكرهه، فإن نزل على وجه الاجتهاد مضى وكان له سلب الأول خاصة، فإن جهل سلب الأول؛ فقيل: له سلب نصفهما. وقيل: أقلهما. قال ابن المواز: وإن قتل قتيلين معاً: فقيل: له نصف سلبهما. وقيل: له أكثرهما. وإذا قال الأمير: من قتل قتيلاً فله سلبه فليس له سلب من قتل ممن لا يجوز له قتله من امرأة أو صبي أو زمن أو راهب إلا أن يقاتل هؤلاء فله سلبهم؛ لإجازة قتلهم وله سلب كل من يجوز قتله. قال: وإذا قال الإمام بعد أن برد القتال أو قبل: من قتل قتيلاً فله سلبه، فلا شيء من السلب للذمي وإن ولي القتل إلا أن يقضي به الإمام وينفذه له فلا يتعقب. يريد: لأن أهل الشام يرون ذلك للذمي، وكذلك لو قتلته امرأة فلا شيء لها إلا أن يحكم لها بذلك فيمضي. وأشهب يرى أن يرضخ لأهل الذمة؛ ففي قياس قوله: له السلب من الخمس؛ لأنه نفل. ونحن نقول: لا حظ له في الغنيمة، فكذلك النفل. وكذلك لو قال: من قتل كافراً من المسلمين فله سلبه فقتله ذمي فلا شيء له بإجماع للشرط.
وإن قال: من قتل قتيلاً فله سلبه فسمع ذلك بعض الناس دون بعض فالسلب لمن قتل وإن لم يسمع. ومن المدونة: وسئل ابن عباس عن الأنفال؟ فقال: السلب والفرس من النفل. وقال سليمان بن موسى: لا نفل في عين ولا فضة. قال سحنون: وقال أصحابنا، وأهل الشام قالوا: وإنما النفل في العروض: السلب والفرس والسلاح ونحوه. وقال أهل العراق: وإذا نادى الإمام بنفل السلب للقاتل فإنه يكون له ما على المقتول من سوارين ومن طوق ذهب ودنانير ودراهم وحلية سيف ومنطقة. وذكر عن مكحول في المبارزة: أنه جعل من السلب الطوق والسوارين بما فيها من جوهر.
قال سحنون: أما حلية السيف فتبع للسيف ولا شيء له في السوارين والطوق والعين كله، وكذلك إن كان عليه تاج وقرطان فلا شيء له في ذلك، يكون له فرسه وسرجه ولجامه وخاتمه ودرعه وبيضته وسيفه ومنطقته بما في ذلك من حليه وساعديه وساقيه ورايته. قال مكحول: بما في ذلك من حلية وجوهر. قال سحنون: ولا يكون الصليب في عنقه من النفل. قال الوليد: وقال الأوزاعي: يدخل الصليب في السلب.
وهو أحب إلي. قال سحنون والأوزاعي: وإنما يكون له سلب من قتل أو أنفذ مقاتله، لا ما أتى به إلى الإمام أسيراً فقتله الإمام؛ لأنه لم يقتله هو وإنما قال الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه. قال سحنون: من أصاب ذهباً أو فضة فله منه الربع بعد الخمس أمضيناه على ما قال كقضاء نفذ بقول قائل، ولمن أصاب ذلك نفله كان مسكوكاً أو غير مسكوك. ومن المدونة: وكره مالك للإمام أن يقول للناس: قاتلوا ولكم كذا، أو من قاتل مو ضع كذا أو تقدم إلى الحصن أو قتل قتيلاً له كذا أو نصف ما غنم. وكره مالك أن يسفك أحد دمه على مثل هذا. وما نفل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا بعد أن برد القتال فقال: من قتل قتيلاً تقوم له عليه ببينة فله سلبه وفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة. ولم يبلغنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك ولا عمل به بعد حنين ولو سن ذلك أو أمر به بعد حنين لكان ذلك أمراً فاشياً ليس لأحد فيه قول، وقد كان أبو بكر وعمر بعده فلم يبلغنا أنهما فعلا ذلك.
قال سحنون: وإنما ينبغي أن يخرج المجاهد على إعزاز دين الله وإعلاء كلمته ثم إن عرض له رزق قبله، فأما أن يكون أصل جههاده على دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهذا فهذا يدخل في الحديث في قوله: «من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». قال سحنون: فكل شيء يبذله الإمام قبل القتال لا ينبغي عندنا، إلا أنه إن نزل وقاله الإمام أمضيناه، وإن أعطاهم ذلك من أصل الغنيمة للاختلاف فيه، وكذلك الطائفة يبعثها أميرها على أن لهم الثلث بعد الخمس أو قال: قبل الخمس؛ فإنه يمضي، ويعطون ما قال، ويدخلون في السهام فيما بقي بعد الخمس. قال: وإذا قال الأمير للسرية: ما غنمتم فلكم بلا خمس؛ فهذا لم يمض عليه السلف، وإن كان فيه اختلاف، فإني أبطله؛ لأنه كقول شاذ حكم به فلا يمضي. قال ابن سحنون: إلا أن يكون مضى في هذا اختلاف من صدر الأمة مثل ما مضى في نفل حنين بعد الخمس فليمض، ويكون سبيله سبيل النفل: يساوي فيه بين الفارس والراجل.
وإن كان في السبي من يعتق على أحد من أهل السرية بالقرابة أو أعتق أحد منهم علجا: فإن يعتق عليه على قول سحنون. ولا يعتق عليه على قول ابن القاسم وأشهب. وفرق أهل العراق في ذلكبين الطليعة مثل الاثنين والثلاثة وبين السرية في عتق القرابة ولا فرق في ذلك. قال الشيخ: قال بعض شيوخنا: وما قال أهل العراق لا يخالفه ابن القاسم؛ لأن علته جهل نصيبه مع الكثرة، والقلة لا يجهل نصيبه منها. قال سحنون: وإذا بعث الإمام سريتين على أجزاء مختلفة على قدر صعوبة المواضع وسمى لكل سرية قوماً بأعيانهم فلا شيء لمن انتقل إلى غير سريته إلا أن يقول: يخرج في كل سرية من شاء فللذي دخل في غير سريته النفل مثل أصحابه. قال: ولو ضل من السرية رجل فغنم ابقية ورجعوا ثم قدم الضال فلا نفل له بخلاف الغنيمة، ولو رجع الضال غانماً أيضاً فلهم نفلهم فيما غنموا وللضال نفله فيما غنم، وما بقي يجمع إلى ما غنم العسكر فيقسم بين الجميع، ولو رجعت جميع السرية غانمة فلم يأخذوا النفل حتى مات الوالي أو عزل وولي من يرى قولنا؛ فإن ذلك لا ينفذ؛ لأنه لم يقبض.
قال ابن سحنون: وأنا أراها قضية نافذة قبضت أو لم تقبض. قال أصبغ إن ابن القاسم: وقول الإمام للسرية: لك ثلث ما يغنم أو جزء معلوم؛ أن ذلك مما يفسد النيات، ويصير عملهم للدنيا، ولا يجوز الخروج معهم على هذا، ومن خرج على هذا فلا يأخذ منه شيئاً، ولا بأس بالخروج معهم لمن لا يريد أن يأخذ من ذلك شيئاً. قال أصبغ: وما أراه حراماً لمن أخذه. قال ابن حبيب: وإذا فعل ذلك الأمير جهالة فليعرف قيمة ما يسمى لهم فيعطيهم ذلك من الخمس لمن رأس الغنيمة وهذا بخلاف قول سحنون. قال ابن حبيب: وهذا مما يكرهه العلماء وقد استحقه بعضهم إذا احتاج إليه الإمام مثل أن يهزمه كثرة العدو ونحوه وقد فعله أبو عبيدة بن الجراح يوم اليرموك لما هزمه كثرة العدو حتى قاتل يومئذ نساء من قريش. ومن المدونة قال مالك: ولا أرى للأسير المسلم أن يقاتل مع الروم عدواً لهم على أنهم يخلوه إلى بلد الإسلام ولا يحل له أن يسفك دمه على مثل هذا.
في سهمان الخيل والرجال ومن يسهم له ومن لا يسهم له روى ابن وهب أن الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «أسهم للفرس سهمين وسهماً لفارسه والراجل سهماً» وفعله عمر بن الخطاب، ومضت به السنة. قال ابن سحنون: وما علمت من علماء الأمة من قال: أن للفرس سهماً ولفارسه سهماً غير أبي حنيفة وقد خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد. وما أرى أن يجوز أن يدخل هذا في الاختلاف. ومن المدونة قال مالك: ويسهم للفرس سهمان وسهم لفارسه وللراجل سهم. قال: والراذين إن أجازها الوالي كانت كالخيل. قال: ومن له أفراس فلا يزاد على سهم فرس واحد كالزبير يوم حنين. قال ابن حبيب: اختلفت الرواية في السهم لفرسين: فروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يسهم للزبير إلا لفرس واحد، وكان معه ثلاثة أفراس.
وروي: أنه أسهم له لفرسين؛ وأخذ به عمر بن عبد العزيز وغيره. قال ابن سحنون: وكذلك في رواية ابن وهب وبه قال. قال الشيخ: وقول مالك أولى؛ لأنه لا يمكن أن يقاتل العدو إلا على فرس واحد وما زاد على ذلك فزيادة عدة كزيادة رماح أو سيوف واعتباراً بالثالث والرابع. ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يسهم لبغل أو حمار أو بعير وصاحبه راجل، وقد غزا النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإبل فلم أسمع أنه أسهم إلا للخيل. قال غيره: وكذلك الأئمة من بعده؛ وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «للفرس سهمان» فخصه بالإسهام. ولأنه لا يتأتى القتال على غير الخيل وإنما تصلح للحمولة.
قال ابن القاسم: وإذا لقوا العدو في البحر ومعهم الخيل في السفن فإنه يسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم، وكذلك إن أسرى أهل العسكر رجالة ولبعضهم خيلٌ فنغموا وهم رجاة فإنه يعطي لمن له فرس ثلاثة أسهم، وكذلك لو خرجت من العسكر سرية فغنمت؛ أن ذلك بين أهل العسكر وأهل السرية بعد الخمس للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم. ومن دخل أرض العدو فارساً فمات فرسه قبل لقاء العدو فلقيهم راجلاً فإنما له سهم راجل. ولو دخل راجلاً فأفاد فرساً قبل لقاء العدو فلقيهم فارساً؛ فله سهم فارس، كقول مالك فيمن دخل أرض العدو غازياً فمات قبل لقاء العدو ثم غنموا بعده: فلا سهم له، ولو مات بعد القتال ثم غنموا بعد موته؛ فله سهمه قاتل الرجل أو لم يقاتل إذا كان في حين القتال حياً. قال عبد الوهاب: القتال سبب الغنيمة فمن قاتل أو حضر القتال أسهم له قاتل أو لم يقاتل: لأنه قد حضر سبب الغنيمة وهو القتال. ولأنه ليس كل الجيش يقاتل؛ لأن ذلك خلاف مصلحة الحرب؛ لأنه يحتاج أن يكون بعضهم في الرد، وبعضهم يحفظون السواد، وبعضهم في العلوفة على حسب ما يحتاج إليه في الحرب، ولو قاتل كل الجيش لفسد التدبير؛ ولذلك قلنا: إن
المريض يسهم له؛ لأنه قد شهد الوقعة وحصل منه التكثير، وقد قيل في قوله تعالى: {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا} أي كثروا. وروي: «أن الغنيمة لمن شهد الواقعة»، وأظن بعضهم رفعه؛ ولذلك قلنا: لا شيء لمن مات قبل القتال، وكذلك من جاء بعد القتال. قال ابن حبيب: ومن أوجب راجلاً ثم افاد فرساً عند مشاهدة القتال بشراء أو كراء أو عارية أو بتعد فقاتل عليه؛ فله سهم الفرس. وحد ذلك عند مالك: مشاهدة القتال. وأما ابن الماجشون فبالإيجاف يجب عنده وإن لم يشاهد قتالاً فيوجب بالإيجاف لمن مات أو قتل من رجل أو فرس ما يوجبه بالمشاهدة، ومن أوجف عنده راجلاً ثم أفاد فرساً حتى يمكن كونه بيده بملك أو كراء أو تعد فله سهمان الفرس، فأما إن ألفي فرساً عند حمية القتال من خيل العدو أو من خيل المسلمين فركبه بأحد هذه الوجوه؛ فلا يأخذ سهميه، وسهماه لصاحب الفرس إلإ أن يكون من خيل العدو فلا سهمان له.
ابن حبيب: وقول ابن الماجشون أقيس، وبه أقول. وقول مالك استحسان وبه قال أكابر أصحابه. ومن كتاب ابن سحنون قال سحنون: وسهم الفرس المحبس للغازي عليه، وكذلك من اكترى فرساً واستعاره فله سهم فارس. قال ابن القاسم في فرس انفلت من ربه بأرض العدو فأخذه آخر فقاتل عليه حتى غنموا أو لما شد القوم على دوابهم للقتال عدا رجل على فرس آخر فقاتل عليه فغنموا: أن سهمان للفرس في ذلك كله لربه. قال سحنون: بل السهمان للمتعدي، وعليه أجر مثل الفرس إلا أن يأخذه بعد انتشاب القتال؛ فيكون السهمان لربه. قال ابن القاسم: ولو تعدى عليه في أرض الإسلام فغزا عليه أو في أرض العدو قبل حضور القتال فشهد عليه سرايا، أو قاتل عليه؛ فسهماه في هذا للمتعدي وهو له ضامن.
قال سحنون: هو كذلك في السهمين فأما الضمان فإن رده بحاله لم يضمن وعليه الإجارة، وإن رده وقد تغير أو عطب فربه مخير بين أن يضمنه قيمة الفرس، أو يأخذ منه أجرة فيما استعمله فيه. قال سحنون: ومن صرع رجلاً من العدو عن فرسه وركبه وقاتل عليه فلا سهم له مما غنم في قتاله هذا ويسهم له فيما حضر عليه بعد ذلك من السرايا وغيرها. قال: ومن حضر القتال على فرس فلم يفتح لهم في يومهم فباعه فقاتل عليه مبتاعه اليوم الثاني فلم يكن فتح فباعه الثاني فقاتل عليه الثالث يوماً ثالثاً ففتح لهم؛ إن سهم الفرس لبائعه الأول؛ لأنه قتال واحد كما، لو مات بعد أول يوم وقاتل عليه أحد ورثته في اليومين أو لم يقاتل أن سهمه لورثته. قال الأوزاعي: ومن ابتاع فرساً وقد غنموا واشترط سهمه فجائز إن كان الثمن أكثر من السهم كمال العبد يشترط. قال سحنون: لا يجوز إن كان السهم ذهباً والثمن ذهباً ويصير عرضاً وذهباً بذهب، ولو كان الثمن عرضاً والسهم معروفاً جاز وليس كالعبد، العبد يملك والفرس لا يملك.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يسهم للصبيان ولا للعبيد ولا للنساء إذا قاتلوا ولا يرضخ لهم، وقد سألنا مالكاً عن النساء هل يرضخ لهن من الغنيمة؟ فقال: ما سمعت أن أحداً أرضخ لهن من الغنيمة؟ فقال: ما سمعت أن أحداً أرضخ لهن فالصبيان بمنزلة النساء، وقد قال مالك في العبيد: ليس لهم شيء. وقال ابن حبيب: من قاتل من النساء كقتال الرجال فإنه يسهم لها ألا ترى أن المرأة من العدو إذا قاتلت قتلت، ولا يسهم للعبد وإن قاتل، ويستحب للإمام أن يجزيه من الخمس، ويجزي النساء والغلمان. الذين لم يبلغوا ولم يقاتلوا. قال: وإن لم يقاتل الأجير لم يسهم له وليجز من الخمس. قال: وإن كان في العسكر نصارى من خدم أو أعوان فلا بأس أن يجزوا من الخمس؛ وقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرضخ لناس من اليهود كانوا في المعسكر، وأرضخ لنساء وعبيد وغلمان لم يبلغوا الحلم ولم يكن يسهم لهم. ابن المواز قال مالك: ويسهم لمن لم يبلغ الحلم من الصبيان إن أطاق القتال وقاتل. ابن المواز: وإن حضر العسكر ولم يقاتل لشغل أو غيره فلا يسهم له حتى يقاتل.
وكذلك الأجراء والتجار إن قاتلوا أسهم لهم، وإن لم يقاتلوا فلا شيء لهم وإن حضروا القتال. وأما من سواهم فليسوا له إن حضر القتال وإن لم يقاتل قاله مالك. [والعبيد إذا كانوا في عسكر المسلمين فلا شيء لهم، وإن اجتمعوا فقاتلوا وحدهم: فقيل: يخمس من أصابوه. وقيل: لا يخمس. وأما أهل الذمة فلا يخمس ما أصابوه. وقد اختلف في العبد والذمي إذا وجدا ركازاً. فقيل: يخمس. وقيل: لا يخمس. قال أبو إسحاق: ولم يعلم نص خلاف في النساء والصبيان لو أصابوا ركازاً أنه يخمس، فانظر لو اجتمع النساء فقاتلن من غير جيش هل يخمس ما أصابوه أو يكونوا كالعبيد في الغنيمة أو كالركاز ففي ذلك نظر]. قال عبد الوهاب: وإنما لم يسهم للتجار والصبيان والصناع والأجراء المتشاغلين بأكسابهم خلافاً لمن قال يسهم لهم؛ لقوله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ
يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ففرق بين حكميهما؛ ولأنه لم يحصل منه الذي يستحق به السهم وهو القتال والمعاونة؛ لأنه إنما حضر لغرض نفسه ولخدمة من استأجره، وأما إن قاتل أسهم له خلافاً لمن قال لا يسهم له لأنه ممن خوطب بالجهاد وقاتل فيه والقتال سبب للغنيمة فليس إجارة نفسه تمنعه السهم إذا قاتل؛ كالذي يحج ومعه تجارة أو يؤاجر نفسه للخدمة أن ذلك لا يمنع صحة الحج. [وقال أبو الحسن بن القصار: والأجير إذا خرج للجهاد والإجارة بغير خدمة كالخياطة فله سهمه حضر القتال أم لا.
وقال سحنون في كتاب ابنه: يسهم للأعمى، وأقطع اليدين، والأعرج، والمقعد، والمجذوم فارساً. والصواب في الأعمى: أن لا شيء له؛ فإن كان يبري النبل دخل في جملة الخدمة الذين لا يقاتلون. وكذلك أقطع اليدين: لا شيء له، وإن كان أقطع اليسرى أسهم له. ويسهم للأعرج إن حضر القتال، وإن كان ممن تحذر عن القتال لأجل عرجه لم يسهم له إلا أن يقاتل فارساً. ولا شيء للمقعد إذا كان راجلاً، وإن كان فارساً يقدر على الكر والفر أسهم له. وكل من تقدم ذكره أن لا يسهم له يجوز أن يجزي. ويسهم للأعرج والضعيف العقل. يريد: إذا قاتل]. ولا يسهم لعبد ولا لامرأة ولا لصبي؛ لأن فرض الجهاد ساقط عنهم، ولا بأس أن يرضخ لهم للمعاونة الحاصلة منهم. قال الشيخ: وكذلك في المدونة في الأجير والتاجر أنه إن قاتل: أسهم له.
يريد: أن التاجر إنما خرج للتجارة خاصة فهذا إن قاتل أسهم له وإن لم يقاتل فلا يسهم له، ويصير كالجير وإنما كان خروجه للغزو غير أن معه تجارة فهذا يسهم له قاتل أو لم يقاتل. قال سحنون: وإذا قاتل الأجير فله سهمه، ويبطل من أجره بقدر ما اشتغل من الخدمة. قال بعض القرويين: وليس لمن استأجره أن يأخذ منه السهمان عوضاً مما عطل من الخدمة؛ بخلاف أن لو آجر نفسه في خدمة أخرى؛ لأن ذلك قريب بعضه من بعض والسهمان ربما كثرت فكانت أكثر مما استأجره مراراً فإذا أسقط عنه حصة ما تعطل من الخدمة فلا حجة والله أعلم. قال الشيخ: ولأن القتال لا يشابه الخدمة ولا يقارب أجرة أجرها؛ لأن فيه ذهاب نفسه وإنما يكون من استأجره مخيراً عليه فيما تقارب أمره؛ لأن ذلك العمل مستحق عليه لتقاربه، والأول غير مستحق عليه لتباعده منه والله أعلم.
قال في كتاب ابن مزين: إذا قاتل الأجير أسهم له كانت الغنيمة قبل القتال أو بعده، وإن كان القتال مراراً فلم يشهد إلا مرة واحدة وعرف أنه حضر قسم له في جميع تلك الغنيمة وإن لم يحضر سوى ذلك المرة. وقال ابن نافع: لا يسهم له إ أن يحضر أكثر من ذلك. قال يحيى: هذه أحسن؛ إذا قاتل في الأكثر قسم له في الجميع، وإذا قاتل مرة قسم له في الذي حضر فقط. وقال ابن حبيب: أحسن ما سمعت أن من شهد العسكر من الغلمان الذين راهقوا وأنبتوا أو بلغوا خمس عشرة سنة؛ فإنه يسهم لهم قاتلوا أو لم يقاتلوا؛ سبيلهم سبيل الرجال؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أجاز ابن عمر يوم الخندق، وزيد بن ثابت، والبراء بن
عازب، وهم أبناء خمس عشرة سنة، ورد ابن عمر يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة، وأجاز أبو بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر يوم فتح الإسكندرية غلاماً قد أنبت.
قال ابن حبيب: فإذا بلغ هذا ألحق بالبالغين، وما كان دون ذلك مثل أربع عشرة سنة وما قاربها فإن قاتل أسهم له وإن لم يقاتل فلا شيء له. وذكر أبو محمد حديث ابن عمر هذا قال: وقيل: عرض يوم بدر وهو ابن ثلاث عشرة سنة فلم يجزه، وعرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فأجازه، وقيل إن هذا أصح. قال أبو محمد: وهذا يدل على أنه لم يراع -عليه السلام- فيه البلوغ إذ لم يكشف عن ذلك، وإنما أجازه إذا رأى فيه طاقة القتال في رأي العين والله أعلم، لا على أن ابن خمس عشرة سنة له حكم البالغ وإن لم يبلغ.
قال عبد الوهاب: إذا راهق الصبي وأطاق القتال أسهم له؛ خلافاً لابي حنيفة والشافعي لحديث سمرة بن جندب قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرض عليه غلمان الأنصار فيلحق من أدرك منهم فعرضت عليه غلمان الأنصار فيلحق من أدرك منهم فعرضت عليه عاماً فردني وألحق ورددتني ولو صارعني لصرعته. قال فصارعني فصرعنه فألحقني. قال أبو محمد عبد الوهاب: ولأنه وجد فيه ما لم يوجد في البالغ من القتال والمكابدة للعدو؛ وهو الجنس الذي يسهم له. ومن المدونة قال مالك -رضي الله عنه-: ومن خرج غازياً فلم يزل مريضاً حتى شهد القتال وحازوا الغنيمة؛ فله سهمه ولذلك لو شهد القتال بفرس رهيص فله سهمه. قال ابن حبيب: بخلاف الحطيم والكسير.
ابن سحنون قال مالك: يسهم للفرس الرهيص والرجل المريض. وقال مالك: ما كل من حضر يقاتل، ولا كل فرس يقاتل عليه. وروى عنه أشهب وابن نافع: أنه لا يسهم له. وبالأول أخذ سحنون. قال سحنون: وإن دخل دار الحرب بفرس لا يقدر أن يقاتل عليه من كبر أو مهر صعب؛ فهو راجل لم يكن للإمام أن يجيزه. قال: وإذا دخل بفرس صغير فأقاموا حتى صار كبيراً يقاتل عليه فله من يومئذ سهم فرس لا فيما قبل ذلك. ومن كتاب ابن المواز: ومن دخل دار الحرب فلم يبلغ العسكر حتى مرض فخلفوه في الطريق لعله يفيق فيلحق بهم فقاتلوا وغنموا ورجعوا فله سهمه، وكذلك إن كان تخلفه في بلد الإسلام قبل أن يدرب في بلد الحرب فله سهمه.
ابن المواز: ولو بعث الأمير قوماً من الجيش قبل أن يصل إلى بلد العدو في أمر من مصلحة الجيش من حشد أو إقامة سوق أو غير ذلك فاشتعلوا في ذلك حتى غنم الجيش فلهم معهم سهمهم، وقد قسم النبي -صلى الله عليه وسلم- لعثمان يوم بدر وقد خلفه على ابنته، وقسم لطلحة
وسعيد بن زيد وهما غائبان بالشام.
قال سحنون: وكذلك روى ابن وهب وابن نافع عن مالك. وروى عن مالك: لا شيء له إن بعثه الإمام في بعض مصالح المسلمين ثم غنموا بعده. وبالأول أقول. ومن المدونة قال ابن القاسم: قال مالك في المراكب تصل إلى أرض العدو ثم يرد بعضها الريح إلى بلد الإسلام ولم يرجع أهلها من قبل أنفسهم؛ فإن لهم سهمانهم مع أصحابهم الذين وصلوا إلى أرض العدو وغنموا. ابن المواز: قال مالك: وإن خرجت مراكب من مصر غزاة فاعتل منها مركب فتخلفوا لإصلاحه فخافوا لما بقوا وحدهم فرجعوا إلى الشام؛ فلا شيء لهم فيما غنم أصحابهم، وكذلك لو مرضوا فرجعوا أو انكسرت مركبهم فرجعوا. قلت: فإن أسهم لهم وأعطوهم؟ قال: فلا يرجع عليهم، قد فات ذلك وأنفقوه.
قلت: فلو ولجوا بلد العدو وجاوزوا قبرص ثم عرض لهم ما عرض فرجعوا إلى الشام خوفاً من العدو حتى رجع الجيش؟ قال: هذا عذر إذا بان خوفهم فهذا مشكل ويسهم لهم.
قال ابن المواز: الرجوع عند مالك أشد إلا رجوع يتبين فيه العذر ولا يكون رجوعهم رغبة عن أصحابهم. قال عبد الملك: فكل رجوع كان بأمر غالب فهو كمن لم يرجع وكالسرايا يغنم بعضهم دون بعض فذلك بين الجميع ولواليهم معهم سمهمه. ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو ضل رجل من العسكر فلم يرجع حتى غنموا فله سهمه كقول مالك في الذين ردهم الريح. قال عنه أصبغ: وكذلك لو ضل في بلد الإسلام في الطريق قبل بلوغهم فله سهمه.
قال ابن سحنون: وروى ابن نافع عن مالك فيمن ضل من العسكر حتى غنموا؛ أنه لا يسهم له. وقال ابن نافع: له سهمه. قال سحنون: واختلف في رجل ضل عن سرية فاجتمع مع أخرى فقاتل معها فأخذ سهماً ثم اجتمع مع الأولى؛ والذي أقول به: أنه يضم ما أخذ من السرية الآخرة إلى ما غنم أصحابه ويقسمون ذلك كله [وقد قال أشهب في الفرس المغصوبة: أن سهميه للغاصب. قال أبو إسحاق: فانظر هل يمكن أن يقال: إن الضار لا يسهم له، أو يفرق بينهما؛ فإن المغصوب منه له إجارة فرسه فقامت مقام ما يأخذه من السهام لو قاتل عليه. وقد فرق محمد؛ بين أن يغصب فرساً فيقاتل عليه إذا كان لمعين، واختار خلاف قول أشهب، وأنه كالضال. وأما أن يقاتل على فرس من الغنيمة قال: فيكون له سهماه وعليه إجارة الفرس، وانظر على هذا في الخيل الموقوفة في سبيل الله، ينبغي أن يكون سهمانها لمن قاتل عليها؛ لأن موقفها على هذا أوقفها. والله أعلم].
ومن كتاب ابن سحنون: وإذا أسر رجل ثم غنموا بعده ثم انفلت فجاءهم؛ فما غنموا في القتال الذي أسر فيه أو بسبب ذلك اللقاء فله فيه سهمه رجع أو لم يرجع، وما غنموا بعده في قتال مؤتنف فلا شيء له فيه إلا أن يأتي فيدخل فيما غنموا بعد مجيئه. قال الشيخ: كأنه رأى أن أسره كموته لتعذر خلاصه، ففرق بينه وبين من ضل، لأن هذا لم يهلك ولا أيس من رجوعه إليهم والله أعلم. ابن المواز قال مالك: ومن مات قبل القتال فلا سهم له، وإن مات بعد القتال قبل الغنيمة فله سهمه، ولو كانت غنيمة، فما كان متتابعاً فله سهمه في الجميع؛ مثل أن يفتحوا حصناً فيموت ثم يفتحوا آخر على جهة الأمر الأول. قال أصبغ: وأما إن رجعوا قافلين ونحو ذلك من انقطاع الأمر الأول فلا شيء له فيما استؤنف بعده. وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم. قال سحنون: لا أعرف هذا، وإنما له سهمه فيما وقعت فيه المناشبة قبل موته، وأما ما ابتدأ قتاله من الحصون بعد موته فلا شيء له فيه، ولو كان للمدينة أرباض ولها أسوار
فمات أو قتل بعد أن أخذوا في قتال المدينة ففتح الربض الأول وصار الكفار في الربض الثاني ثم فتح الثاني وانتقل العدو إلى الثالث وتمادى الناس في فتالهم في غير فور واحد حتى فتحوا المدينة؛ فهذا قتال واحد حتى فتحوا المدينة؛ فهذا قتال واحد، ولمن مات في أول القتال سهمه في جميعه. فيما غنمه العبد وحده ومن العتبية قال ابن القاسم في عبد أبق إلى أرض الحرب فخرج بعبيد استألفهم. قال عيسى: على أن يكونوا له عبيداً. قال ابن القاسم: فالرفيق لسيد العبد ولا خمس فيهم، وكذلك لو استألفهم حر فخرج بهم كانوا له ولا خمس فيهم. قال: فإن قال الرقيق: إنما خرجنا معه على أننا أحرار وأنكر ذلك الخارج بهم؟ قال: القول قولهم، وعلى الإمام إن يفي لهم بعهد العبد أو يردهم إلى مأمنهم؛ فإن خرجوا بلا عهد فأمرهم إلى الوالي ولا يقبل قول العبد إلا أن يعلم أنه أخرجهم كرهاً أو يكونوا في حرزه في وثائق فهم عبيد له.
قيل: فإن ادعوا أنه أوثقهم في دار الإسلام؟ قال: إن استدل على صدقهم بسبب ظاهر؛ فالقول قولهم، وإن لم يعرفوا عند خروجهم إلا في وثاقه فهم له عبيد. قيل: فالعبد يخرج متلصصاً إلى أرض العدو فيغنم؟ قال: يخمس ويكون فضل ذلك له. والفرق بين العبد المتلصص والآبق: أن الخمس لا يكون إلا في تعمد الخروج لإصابته ما أوجب عليه. قيل: فإن خرج حر وعبد متلصصين فغنما؟ قال: يخمس ما أصابا ثم يقسم بينهما ما بقي، وإن كان لا يسهم للعبد في الغزو فالمتلصص بخلاف الغزو.
باب ما ينتفع به قبل القسم من الغنيمة من طعام وغيره ما يفضل وما لا يكون غلولا، وفيمن غل
قيل: فإن كان حر وذمي خرجا تلصصا فغنما؟ قال: يقسم بينهما ثم يخمس سهم المسلم الحر. وقال سحنون: في الحر والعبد يقسم بينهما ثم يخمس سهم الحر خاصة كالمسلم والذمي. باب ما ينتفع به قبل القسم من الغنيمة من طعام وغيره ما يفضل وما لا يكون غلولا، وفيمن غل. روى ابن وهب أن معاذ بن جبل قال: كان الناس بعهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأكلون مما غنموا من ماشية ولا يبيعونها وإذا لم يحتج إليها قسمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخذ منها الخمس. وقال في حديث آخر: أن رجلاً وجد مزود فيه شحم من شحوم يهود خيبر فمنعه صاحب المغانم فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «خل بينه وبين جرابه يذهب به إلى أصحابه».
قال غيره: ولم ينقل أنه -صلى الله عليه وسلم- أنكر عليهم، ولا أحد من الأئمة بعده، ولا أنهم في طعام ولا علوفة، ووصى أبو بكر الصديق - رضي الله عنه- بذلك يزيد بن أبي سفيان وقال: لا تذبحن شاة إلا لمأكلة. ومن المدونة قال مالك: وسنة الطعام والعلف في أرض العدو أنه يؤكل وتعلف منه الدواب، ولا يستأمر فيه الإمام ولا غيره. ابن وهب: قال مكحول وسليمان بن موسى: إلا أن ينهى عنه الإمام فيترك لنهي الإمام ولا يترك لغير ذلك. ابن حبيب: ولو نهاهم السلطان عن إصابة ذلك ثم اضطروا إليه لكان لهم أكله. ومن المدونة قال مالك رحمة الله عليه: والبقر والغنم أيضاً لمن أخذها مثل الطعام ويأكل منها وينتفع بها، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لنفر من العسكر أصابوا غنماً كثيرة: «لو أطعمتم إخوانكم منها» قال: فرميناهم بشاة شاة حتى كان الذي معهم أكثر من الذي معنا. قال معاذ: وإذا لم يكن المسلمون محتاجين إلى أكل الماشية فلتبع ويكون ثمنها مغنماً.
وكتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى صاحب جيش الشام يوم فتحت: أن دع الناس يأكلون ويعلفون فمن باع شيئاً من ذلك بذهب أو فضة فقد وجب فيه خمس الله تعالى وسهمان المسلمين. سحنون: وقاله فضالة بن عبيد. قال ابن القاسم: وإذا ضم الوالي ما فضل من ذلك إلى المغنم ثم احتاج الناس إليه فلا بأس أن يأكلوا منه بغير أمر الإمام. قال مالك: ومن أخذ طعاماً فاستغنى عنه فليعطه إلى أصحابه بغير بيع ولا قرض. قال ابن القاسم: فإن أقرضه فلا شيء على المستقرض. قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: فإن جهل فرده إليه من طعام يملكه فليرجع بما دفع إن كان قائماً وإن أفاته المدفوع إليه فلا شيء عليه كمن عوض من صدقة وظن أن
ذلك يلزمه أن يرجع في عوضه إن كان قائماً وإن فات فلا شيء له؛ لأنه هو الذي سلطه عليه. قال بعض المتأخرين من شيوخنا القرويين: المسألتان مفترقتان؛ لأن الأولى إنما دفع إليه العوض [للشرط الذي وقع بينهما ومسألة الصدقة يعوض فيها إنما دفع إليه العوض] بطوعه. قال الشيخ: والأول أصوب. ون رد إليه هذا من طعام أهل الحرب فلا شيء للدافع منه كان ذلك قائماً أو فائتاً. ومن المدونة قال ابن وهب: وما فضل معه من طعام أهل الحرب بعد أن رجع إلى بلده: فقال القاسم وسالم: يأكله، وكرها بيعه.
وقال بعض الصحابة: كنا نأكل الجزور في الغزو ولا نقسمها حتى إن كنا نرجع إلى رحالنا وأخراجنا منها مملاة. ابن القاسم قال مالك: وإذا خرج إلى بلده ومعه منه فضلة؛ أكله إن كان يسيراً ويتصدق بالكثير. ابن المواز: يتصدق منه حتى يبقى اليسير فيكون له أكله مع أهله. ومن المدونة قال سليمان بن موسى: لا باس أن يحمل الرجل إلى أهله من بلد العدو الطعام مثل القديد وغيره، فإن باع ذلك بعد بلوغه إلى أهله صار مغنماً. قال مالك: وإذا أخذ هذا عسلاً وهذا لحماً وهذا طعاماً يتبادلونه ويمنع أحدهم صاحبه حتى يبادله فلا بأس به وكذلك العلف.
ابن المواز: وذكر أشهب أن مالكاً كرهه. ابن حبيب: وكره بعضهم التفاضل بين القمح والشعير في هذا، وخففه آخرون وهو خفيف؛ لأن عليهم المواساة فيه بينهم. قال: ومن جهل فباع بثمن واشترى جنساً آخر من الطعام فهو مكروه؛ لأنه إذا صار ثمناً ابتغى أن يرجع مغنماً بخلاف المبادلة. ومن المدونة قال مالك -رضي الله عنه-: ولا بأس بما يأخذون من جلود يعملونها نعالاً أو خفافاً أو لأكفهم أو لغير ذلك من حوائجهم. قال: وللرجل أن يأخذ من المغنم دابة يقاتل عليها أو يركبها إلى بلده إن احتاجها ثم يردها إلى الغنيمة. قال ابن القاسم: فإن كانت الغنيمة قد قسمت باعها وتصدق بثمنها وكذلك إن احتاج إلى سلاح يقاتل به أو ثياب من الغنيمة يلبسها حتى يرجع إلى أهله وذلك بمنزلة الدابة. وروى علي وابن وهب أن مالكاً قال: لا ينتفع بدابة ولا بسلاح ولا ثوب ولو جاز ذلك لجاز أن يأخذ دنانير فيشتري بها. وقال بعض الرواة ما قال ابن القاسم واستحسنوه ورأوه صواباً.
قال ابن القاسم: ولو حاز الإمام هذه الثياب أو هذه الجلود ثم احتيج إليها فلهم أن ينتفعوا بها كما كان ذلك لهم قبل أن يحوزها الإمام. قال ابن القاسم: وكل ما أذن النفع به من المغنم فبيع فإن ثمنه يرجع مغنماً ويخمس. فصل قال مالك: ومن نحت سرجاً أو برى سهماً أو صنع مشجباً ببلد العدو فهو له ولا يخمس. سحنون: معناه إذا كان يسيراً. وقيل: إن كان له قدر أخذ إجارة ما عمل والباقي يصير فيئاً. وكذلك في كتاب ابن المواز: ومن المدونة قال مكحول: إلا أن يجده مصنوعاً فيدخل في المغانم وإن كان يسيراً. ابن وهب: وقال القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله: وما اكتسبه الرجل في أرض العدو من صيد طير أو حيتان أو من صنعة عبده للفخار فهو له وله أكل ثمنه وإن كثر.
وقال عيسى عن ابن القاسم: ما صاده الرجل من الحيتان والطير فلا شيء عليه في أكله وإن باع منه شيئاً جعل ثمنه في المغانم. ابن حبيب: كل ما صنعه بيده من سرج أو سهم أو مشجب أو قدح أو قصعة وشبه ذلك؛ فله إخراج ذلك كله لمنفعة أو بيع عليه في ثمنه وإن كثر. قال الشيخ: هذا كقول القاسم وسالم. قال ابن حبيب: وأما ما وجده مصنوعاً في بيوتهم فلا يستأثر به وإن دق. قال: وكذلك ما صاد بأرضهم من طير ووحش وحوت فهو أحق به وبثمنه وله الخروج به إلى أهله ومواساته به أحب إلي وليس بلازم وهو شيء لم يملكه العدو، وأما البزاة وما يصاد به مما يعظم قدره فليرده في المقاسم وإن باعه رد الثمن، وهذا قول كثير من التابعين ومالك وأصحابه إلا ابن القاسم فقال: كل ما نض ثمنه من هذا صار مغنماً. ابن حبيب: والكلب الصائد يباع في المقاسم فإن لم يوجد له ثمن أخذه من شاء أو يقتل كغير الصائد. وفي العتبية قال ابن كنانة وعبد الملك في كلب الصيد: أنه يباع ويجعل ثمنه في المغنم.
وقال ابن القاسم وأصبغ: لا يباع وهو داخل في النهي وليس القضاء بقيمته كابتداء بيعه وليقتل أو يترك لمن يأخذه. أصبغ: يقتل إن كان كثير الثمن أحب إلي. فصل قال عبد الوهاب: ويعاقب من غل وذلك تأديباً له؛ وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «الغلول عار ونار وشنار على صاحبه». وروي أن رجلاً مات فدعي النبي -صلى الله عليه وسلم- ليصلي عليه فامتنع وقد قال: «صلوا عليه صاحبكم فإنه قد غل» ففتشوا رحله فوجدوا خرزات لا تساوي درهمين. قال: ولا يقطع؛ لأنه خائن وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا قطع على خائن». ولا يحرم سهمه؛ لأنه قد استحقه بحصول سببه من القتال والحضور. وقوله -عليه السلام-: «من رأيتموه غل فاحرموه سهمه وأحرقوا رحله» إنما كان ذلك على وجه التغليظ.
ابن المواز قال مالك: إن ظهر عليه قبل أن يتوب؛ أدب وتصدق بذلك إن افترق الجيش، وإن لم يفترق رد في المغنم. قال ابن القاسم في العتبية: وإن جاء تائباً لم يؤدب. قال سحنون: كالزنديق والراجع عن شهادته قبل أن يعثر عليه. وقال مثله ابن حبيب. قال: وإن انتصل منه عند الموت فإن كان أمراً قريباً ولم يفترق الجيش؛ فهو من رأس ماله، وإن كان أمراً قد طال أخرج من ثلثه. فيما ضعف المسلمون عن حمله من الغنيمة أو من أموالهم من ماشية أو دواب أو متاع أو غير ذلك قال مالك -رضي الله عنه-: وما ضعف المسلمون عن النفوذ به من بلدهم من ماشية ودواب أو متاع مما غنموه أو كان من متاعهم أو قام عليهم من دوابهم فليعرقبوا
الدواب ويذبحوها، وكذلك جميع الماشية ولا تترك للعدو ينتفع بها، وأما المتاع والسلاح فإنه يحرق. قال ابن القاسم: ولم أسمع من مالك في الدواب أنها تحرق بعد ما عرقبت. ابن حبيب: قال المصريون: تعرقب أو تذبح أو يجهز عليها. وقال المدنيون: يجهز عليها، وكرهوا أن تذبح أو تعرقب، وبه أقول؛ لأن الذبح مثلة والعرقبة تعذيب؛ وقد جاء النهي عن تعذيب الحيوان، أو يعذب بعذاب اللله وهو النار. قال غيره: ويكره تحريق النحل وتغريقها لنهيه -صلى الله عليه وسلم- عن تعذيب الحيوان إلا لمأكلة. وونهى عنه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
ولأنها تنتقل إلى ديارنا كحمام الأبرجة، فإن كانت بموضع يكثر نفعهم بها ويؤذيهم تلفها؛ جاز ذلك فيها لأنها ليست بأعظم حرمة من الخيل والأنعام. [وبأثر كلام لأصبغ قيل: فإن أراد أخذ العسل فخاف أن تلدغه النحل فيريد أن يغرقها حتى تهلك. قال: لا بأس بذلك. وبأثر كلام أبي إسحاق: ولا ينبغي أن يترك من الغنيمة ماله قدر؛ كالجواهر وشهبه، وليترك إذا عجزوا عن حمله ولا ثمن له كثير، ويؤخذ ماله الأثمان]. ابن حبيب: وما عجز الإمام عن حمله من الأثاث والمتاع ولم يجد له ثمناً فلا بأس أن يعطيه لمن شاء؛ فإن لم يجد من يخذه فليحرقه، وإن لم يحرقه ثم حمله أحد فلا خمس عليه فيه ولا قسم، وكذلك من أعطاه له الإمام. قال: ومن اشترى رقيقاً من السبي فعجز عن حملهم فتركهم ثم أخذهم أحد من أهل هذا الجيش، أو ممن دخل من غيرهم؛ فإن تركهم الأول في حوز الإسلام فهم له ويغرم للجائي بهم أجر مؤونتهم ومن كان فيهم من عجوز أو شيخ فهم أحرار؛ لأن ترك مثلهم كالتحرير لهم قاله من أرضي. قال الشيخ: وقوله في العجوز والشيخ ليس على الأصل ولا يكونون أحراراً إلا أن يتركهم على ذلك.
قال ابن حبيب: وإن تركهم في حوز العدو فهم لمن جاء بهم، ولا عتق للشيوخ منهم؛ لأنه لم يخلهم وهو يملكهم ملكاً تاماً. م: وهذا أيضاً ليس على الأصل، وكيف لا يملكهم ملكاً تاماً وهو له أن يطأ ويبيع ولو أعتق لم يكن له فيه الرجوع؟ وقد قال محمد عن أشهب فيمن اشترى شيئاً من السبي فعجز عن بعضهم فتركه؛ فدخلت خيل أخرى فأخذته؛ فهو لصاحبه الأول. محمد صواب؛ ما لم يكن رقيق أعتقهم فتركهم على العتق. فصل ومن المدونة قال: ابن القاسم: ولا يستعان بالمشركين في القتال: لقوله -عليه السلام-: «لن أستعين بمشرك». ولأن الأنصار قالوا يوم أحد: ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «لا حاجة لنا فيهم». قال ابن القاسم: ولا باس أن يكونوا نواتية أو خدماً. يريد: لأن النهي إنما ور فيما يستعان بهم في القتال.
باب في الأمان ومن يجوز أمانه أم لا
قال ابن حبيب: في الزحف والصف وشبهه، فأما في هدم حصن أو رمي بالمجانيق أو صنعة أو خدمة فلا بأس به. م: رميهم بالمجانيق قتال. ابن حبيب: ولا باس للإمام أن يقوم بمن سالمه من الحربين على من لم يسالمه منهم بالسلاح ونحوه، ويأمرهم بنكايتهم، ولا بأس أن يكون من سالمه منهم بحذاء عسكره وقربه ومسايرين له يقوون بظله على من حاربه منهم ما لم يكونوا في داخل عسكره. [قال بعض المتأخرين: وكل هذا انتصار بالكفار؛ والقرآن والحديث يؤيده]. باب في الأمان ومن يجوز أمانه أم لا وقد أمر الله سبحانه رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالوفاء بالعهود والأمان من ذلك. وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «ويجير على المسلمين أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم». وقال لأم هانئ: «قد أمنا من أمنت يا أم هانئ».
قال ابن حبيب: فأدناهم يقول: الدني من حر أو عبد أو امرأة أو صبي يعقل الأمان فإنه يجوز أمانه، ولا ينبغي للإمام أو غيره أن يغدره وليوف له بذلك أو يرده إلى مأمنه. وقوله: «ويرد عليهم أقصاهم» أي: ما غنموا من أطرافهم يجعل خمسه في بيت المال. ومن المدونة قال ابن القاسم قال مالك: وأمان المرأة جائز عنده، وكذلك عندي: أمان العبد والصبي إذا كان الصبي يعقل الأمان. قال غيره: إنما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أم هانئ وفي ابنته زينب: «قد أمنا من أمنت» من بعد ما أنزل الأمان وقد يكون ذلك من إجازته هو النظر والحيطة للدين وأهله، ولم
يجعل ذلك أمراً يكون بيد أدناهم لا خروج للإمام عنه، ولكن الإمام ينظر فيما فعل بالاجتهاد. قال عبد الوهاب: وقاله عبد الملك. فوجه الأولى: قوله -صلى الله عليه وسلم- يجير على المسلمين أدناهم. وهذا عام، وقد أجاز من أجارته أم هانئ، وكذلك العباس مع أبي سفيان.
ووجه الثانية: أنه لا يؤمن أن يكون في ذلك ضرر على المسلمين فكان موقوفاً على رأي الإمام. ولأنهم لو أرادوا استرقاق الأسارى، أو المن عليهم وأبى الإمام كان ذلك له، فكذلك الأمان.
م: وأصحابنا يحملون قول الغير هذا ليس بخلاف لمالك؛ بخلاف ما تأول أبو محمد عبد الوهاب؛ وهو أصوب. ومن المدونة قال إسماعيل بن عياش: سمعت أشياخنا يقولون: لا جوار للصبي ولا للمعاهد فإن أجارا فالإمام مخير؛ إن أحب أمضاه وإلا فليبعثه إلى مأمنه.
وقال الليث والأوزاعي: في الذمي يكون من المسلمين فيعطي لمشرك أماناً فلا يجوز أمانه ويرد المشرك إلى مأمنه. قال سحنون: لا يجوز أمان الذمي بحال، وأما الصبي فليس أمانه أماناً إلا أن يجيزه الإمام للقتال فيصير له سهم؛ فالإمام مخير في إجازة أمانه أو رده إلى مأمنه، فإن لم يجزه الإمام للقتال فأمانه باطل. وذكر محمد في أمان المرأة والصبي والعبد مثل ما في المدونة. قال: وأما أمان من ليس بمسلم فليس بشيء؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يجير على المسلمين أدناه» يقول: من هو منهم. فإن أمنهم الذمي فلا أمان لهم وهم فيء قاله مالك.
قال محمد: فإن قالوا: ظنناه مسلماً فقد اختلف فيه قول ابن القاسم: فاقل مرة: هم فيء. وقال أيضاً يرون إلى مأمنهم. محمد: وهو أحب إلينا. وقاله ابن حبيب. قال ابن المواز: ولو قالوا: علمنا أنه ذمي وظننا أن أمانه يجوز لذمته منكم كما يجوز أمان أدناكم من عبدكم وصغيركم؛ فلا أمان لهم وهم فيء. وقال ابن حبيب. [قال ابن إسحاق: في هذا ضعف، والأشبه في هذا كله أن يردوا إلى مأمنهم لأن هذا فيه شك ولا تباع الذمي بالشك]. ابن سحنون: وإذا أمر أمير العسكر أن يؤمن فأمن فذلك جائز وهو رسول، وكان ينبغي أن يرسل مسلماً إلا أن يبعثه ليكلمهم بلغتهم، وإن أمنهم الذمي عن رجل مسلم من العسكر فقال: قد أمنكم فلانٌ المسلم، أو قال: فلان. فإن علموا أنه ذمي فلا أمان لهم؛ لأنه لا أمان له على نفسه فكيف على غيره؟ وهم فيء فإن قالوا: ما علمنا أنه ذمي فهي شبهة. ابن حبيب: ولا ينبغي لأحد من الجيش أن يؤمن أحداً غير الإمام وحده وذلك قدم وينبغي أن يتقدم إلى الناس بذلك ثم إن أمن أحدٌ قبل نهيه أو بعد، فالإمام مخير إما أمنه أو رده إلى مأمنه.
ابن سحنون: ولو قال الإمام لأهل الحرب: من دخل إلينا بأمان فلان أو بأمان أحد من المسلمين فهو ذمة لنا لا ندعه يخرج أو فهو رقيق فهو على ما قال وذلك نافذ، وكذلك لو قال في حصار حصن: من خرج إلينا منكم بغير أمان الأمير فهو فيء أو مباح الدم؛ فهو كذلك. ومن المدونة: ومما روي أن عمر -رضي الله عنه- كتب إلى سعيد بن عامر وهو يحاصر قيسارية أن من أمنه منكم حر أو عبد من عدوكم فهو آمن حتى يرد إلى مأمنه أو يقيم
فيكم فيكون على الحكم في الجزية، وإذا أمنه بعض ممن تستعينون به على عدوكم من أهل الكفر فهو آمن حتى يرد إلى مأمنه أو يقيم فيكم، وإذا نهيتم عن الأمان فأمن أحدٌ منكم أحداً منهم ناسياً أو عاصياً أو لم يعلم أو جاهلاً؛ رد إلى مأمنه ولا سبيل لكم عليه إلا أن
يشاء أن يقيم فيكم فيكون على الحكم في الجزية، وكذلك إن أشار أحد منكم إلى أحد أن هلم فإنا قاتلوك؛ فأتانا يظن أنه أمان ولم يفهم ما قال، وكذلك إن جاءكم رجل منهم مطمئناً تعلمون أنه جاء متعمداً فإن شككتم فيه فلا تردوه إلى مأمنه واضربوا عليه الجزية، ومن وجدتم في عسكركم منهم لم يعلمكم بنفسه حتى قدرتم عليه فلا أمان له ولا ذمة، واحكموا فيه بما هو أفضل للمسلمين. قال سحنون في كتاب ابنه: قول عمر في هذا به يقول أصحابنا إلا قوله: فإن شككتم فإنهم إذا قدروا عليه ولم يبينوا ذلك فهم فيء ورقيق للمسلمين. م: وقول سحنون هذا خلاف لما في المدونة. وقد قال مالك في الرومي: يؤخذ وهو مقبل إلينا فيقول: جئت أطلب الأمان؛ فهذا الأمر مشكل، ويرد إلى مأمنه، فيصير في المسألة ثلاثة أقوال: قول مالك هذا، وقول عمر: إنه يضرب عليه الجزية، وقول سحنون: إنه فيء. ومن كتاب ابن سحنون وابن حبيب: وذكر حديث عمر فيمن يقول للمشرك: لا تخف ثم يقتله؛ فمن فعل ذلك ضربت عنقه. قال سحنون قال مالك: ليس هذا الحديث بالمجتمع عليه.
وقال ابن حبيب: قال مالك: ذلك تشديد من عمر ولا ينبغي أن يقتل. قال ابن حبيب: وسمعت بعض أهل العلم يقولون فيمن رمى مشركاً بالقتل فتقاه المشرك. فقال له المسلم لا تخف أو لا بأس عليك ثم أسره فأراد قتله؛ فإن كان أراد بقوله: لا تخف؛ تأمينه من الضربة لا من القتل؛ فله قتله. وإن أراد تأمينه من القتل فلا سبيل له إلى قتله فإن قتله فعليه قيمته يجعلها في المغنم. قال ابن سحنون: وقال ابن وهب عن مالك: والإشارة بالأمان كالكلام، وليتقدم الإمام إلى الناس في ذلك. وذكر ما روي عن عمر في القائل للعلج. مترس وهو بالفارسية: لا تخف. قال سحنون: فهو أمان. وكذلك إن نادوهم بالأمان بأي لسان من قبطية أو فارسية أو رومية أو غيرها فذلك أمان؛ كان ذلك على لسان يعرفه العدو أم لا يعرفه. فصل قال سحنون: وأمان الخوارج لأهل الحرب جائز، وكذلك لرجل حربي ولا ينكث ذلك الإمام حتى ينبذ إلى الحربين إن كانوا في منعة وإلا فليبعثهم إلى مأمنهم ثم ينبذ إليهم
إذا رأى ذلك وكان عنده على غير نظر، وإن كان خوارج لهم منعة أمنوا قوماً حربيين على أن يخرجوا إليهم فيكونون معهم بدار الإسلام فقاتلوا فظهر على الجميع بعد قتال أو قبل فلا يستباح الحربيون لسبي ولا أخذ مال؛ لأنه انعقد لهم أمان الكون بدار الإسلام، ومن قتل منهم قتيلاً فليس له سلبه وإن كان الإمام قد نقل الأسلاب، وليسوا كالحربيين الذين أمنهم الخوارج على أن يخرجوا من دار الحرب ليقاتلونا معهم، هؤلاء على أصل الحرب ولم يذكروا أماناً فليس خروجهم أماناً. فصل ومن كتاب ابن المواز وابن سحنون قال أشهب فمن شذ من سرية بدار الحرب فأسره العدو فلما أحسوا بالسرية طلبوا من الأسير الأمان فأمنهم؛ فإن كان آمناً على نفسه جاز أمانه وإن كان خائفاً لم يجز أمانه والأسير مصدق. ابن المواز: وإن اختلف قوله أخذ بقوله الأول.
وقال سحنون: لا أرى أمانه أماناً، ولا أصدق أنه أمنهم غير خائف؛ لأن المسلمين قدروا عليهم وهذا ضرر على المسلمين، وهل يقدر الأسير إلا طلبوه في الأمان إلى يؤمنهم. ابن المواز قال ابن القاسم: إذا أمنهم عن تهديد بالقتل فلا أمان لهم، وأما إن قالوا: نخليك وتأمننا. فأمنهم فهو أمان جائز. قيل له: أنه بأيديهم ويخاف إن لم يفعل قتلوه أو غنموه؟ قال: وما يدريه، بل أمانه جائز؛ إن كان ذلك منه بعد أن أشرف عليهم المسلمون ولو شاءوا أن ينقذوا قدروا على ذلك وتخلصوا. ابن حبيب: إن هددوه بالقتل وقالوا له أمنا ونخلوك. ففعل؛ فلا أمان لهم إلا أن يخلوه بغير شرط؛ فإن أمنهم وهو على نفسه آمن فذلك جائز ويقبل قول الأسير قاله من أرضاه. وهذا الباب موعب في كتب أصحابنا وفيما ذكرنا منه كفاية. [وإن أسر العدو مسلماً ثم أمنوه على أن لا يهرب لم يكن له أن يهرب ولذلك إن أعطاهم عهداً ألا يهرب وتركوه يتصرف لم يكن له أن يهرب؛ لأنه وإن كان مكرهاً على العهد فإن ذلك يؤدي إلى الضرر بالمسلمين والتضييق على ما في أيديهم من الأسارى، ويرون المسلمين لا يوفون بعهد، فإن خلوه على أن حلف بالطلاق أو العتق على أن لا يهرب جاز له الهروب بخلاف الأول؛ لأنهم في مسألة العهد لم يجعلوا له الهروب بوجه
وهذا جعلوا له ذلك ويقع عليه الطلاق والعتق، وأيضاً يرون أنه أبى طلاق زوجته وعتق عبده على المقام ثم لا يلزمه ذلك لأنه مكره]. في تكبير المرابطين وفي الديوان والجعائل قال مالك -رحمه الله-: ولا بأس بالتكبير في الرباط والحرس على البحر ورفع الصوت به بالليل والنهار وأنكر التطريب. ومن كتاب الغضب قيل لمالك: إنا نكون في الثغور فيقال: نهى الإمام أن يحرس إلا بإذني. قال: ويقول أيضاً: لا تصلوا إلا بإذني؛ فلا يلتفت إلى قوله، وليحرس الناس. وفي الباب الأول ذكر فضل الرباط وثوابه مستوعباً. فصل قيل لابن القاسم: فما قول مالك في الدواوين؟ قال: أما مثل ديوان مصر والشام والمدينة مثل دواوين العرب؛ فلم ير مالك به بأساً. يري: لا بأس أن يكتب فيه. قيل: فإن تنازع رجلان في اسم مكتوب في العطاء فأعطى أحدهما الآخر مالاً على أن يبرأ له من ذلك الاسم.
قال مالك: في رجل زيد في عطائه فأراد بيع تلك الزيادة بعرض أنه لا يجوز. قال ابن القاسم: فكذلك ما اصطلحا عليه لا يجوز؛ لأن الذي أعطى الدراهم إن كان هو صاحب الاسم فقد أخذ الآخر ما لا يحل له، وإن كان الذي أخذ الدراهم هو صاحب الاسم لم يجز له؛ لأنه لا يدري ما باع قليل بكثير أو كثير بقليل ولا يدري ما مبلغ حياة صاحبه فهذا غرر لا يجوز. [قال أبو إسحاق: وإنما أراد أن الطعام إنما خرج لزيد بن عمر بمائة دينار فجاء رجلان اسم كل واحد منهما زيد بن عمر فقال كل واحد منهما: أنا ذلك الرجل ولي يكون العطاء، فإذا لم يعلم ذلك تحالفا وقسماه، وأثبتها السلطان جميعاً، إن رأى ذلك، أو أحدهما. ولو كانت المائة إنما هي لخروجه وليست بعطاء من الأعطية الثابتة للناس لنظر السلطان فأيهما رأى أن يخرجه ويعطيه المائة فعل وخلاه وأثبته وأسقط الآخر، لأنها إنما تعطى لمكان خروجه، فإذا لم يره أهلاً للخروج أخرج غيره، والذي أراد في الكتاب الأعطية الثابتة؛ فلذلك لم يجز أن يزيد أحدهما صاحبه شيئاً، ولا أن يشتري أحد الزيادة التي زيدت في العطاء؛ لأنها مؤبدة، وأما لو زيد في العطاء فأراد رجل أن يشتري تلك الزيادة منه سنة أو أعطاه كله سنة؛ لجاز ذلك. وإذا سمى الإمام الخارجين فلا يجعل لرجل ممن سماه الإمام لرجل آخر أن يخرج عنه إلا بإذن الإمام؛ لأن الإمام يثق بخروج من سماه، فقد يأتي هو بمن هو دونه، أو من لا يقوم مقامه، أو يرى الإمام أن تسمية من سمى اولى عنده من خروج غيره، وأما إذا قال: يخرج من البعث الفلاني مائة وأعطى بعضهم لبعض على أن يخرج عنه، فقال للإمام: أنا أخرج؛ جاز ذلك؛ لأن الإمام لم يسم أحداً. ولو قال: يخرج جملة أهل الصيف فأراد
بعضهم أن يجعل لمن بعثه في الربيع ما جاز إلا بإذن الإمام؛ لأنه قد عين من يخرج فلا يخرج غيرهم إلا بإذنه، وينبغي أنه إذا أتاه بمن يقوم مقامه ألا يكلفه الخروج إذ لا ضرر عليه في ذلك وهذا جائز إلا لمن أوقف نفسه لهذا يلتمس الزيادة فمتى وجدها خرج فيكره ذلك]. قال الأوزاعي أوقف عمر للصحابة الفيء وخراج الأرضين للمجاهدين ففرض منه للمقاتلة والعيال والذرية فصار ذلك سنة لمن بعده فمن افترض فيه ونيته الجهاد فلا بأس به. قال ابن محيريز: أصحاب العطاء أفضل من المتطوعة؛ لما يروعون. وقال مكحول: روعات البعوث تنفي روعات يوم القيامة. فصل قال مالك: ولا بأس بالجعائل في البعوث، لم يزل الناس يتجاعلون عندنا بالمدينة بجعل القاعد للخارج، وربما خرج لهم العطاء وربما لم يخرج، وقد أدى القاعد للخارج مائة دينار في بعث في أيام عمر.
قال ابن القاسم: وهذا إذا كانوا أهل ديوان واحد؛ لأن عليهم سد الثغور، وإن جعل لمن ليس معه في ديوان ليغزو عنه فلا يعجبني، وقد كره مالك لمن في السبيل كعسقلان ونحوها أن يؤاجر فرسه لمن يغزو به أو يرابط عليه فهو إذا أجر نفسه أشد كراهية. قال ابن عباس: لا بأس بالطوى من ماحوز إلى ماحوز إذا ضمنه الإنسان. وقال يحيى بن سعيد: لا بأس بالطوى أن يقول: خذ بعثي وآخذ بعثك وأزيدك كذا.
قال شريح: يكره من قبل أن يكتتبا، فأما بعد الكتابة فجائز، إلا لمن انتصب من ماحوز إلى ماحوز يريد الزيادة في الجعل. [قال أبو إسحاق: يريد أن الخروج حضور أن ذلك في هذه الخرجة وحدها، وأما أن يقول له ولم يحضر الخروج: خذ بعثي وآخذ بعثك، وما كان لي فهو لك وما كان لك فهو لي وأن يرد كذا فهذا الدين بالدين، ولهذا المعنى كره أن يعتقد الطوى قبل الكتبة، لعله يريد قبل حضور ما يأخذانه وحلوله، فأما إذا كان لم يتقدم لهما كتبة فلم يجب لهما شيئاً يخرجان فيه فلا فائدة في إعطاء أحدهما الآخر على شيء ليس هو ملزوم به ولا مجبور عليه]. قال ابن عمر ومكحول: من أجمع على غزو فلا بأس أن يأخذ ما أعطين وأما من لا يخرج إلا لما يعطى؛ فلا خير فيه. قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: إن كان إنما يغزو من أجل الجعل فليس له أجر. وقال الرسول -عليه السلام- للمجتعل أجر ما احتسب وللجاعل أجر الجاعل والمحتسب.
ومن كتاب ابن سحنون قال مالك: ولا بأس بالكراء في الغزو إلى القفل من بلد العدو، وفيه للناس توسعة، وكذلك على أن زوادهم إلى القفل؛ لأن وجه غزوهم معروف. قيل: وقد تختلف الطريق ويكون المقام نحو الشهر وأكثر وأقل. قال: وجه ذلك معروف. م: وإذا غزا رجل عن رجل من أهل ديوانه بأجرة؛ فالسهمان للذي استأجره، وقد نزلت عندنا فأفتى شيوخنا بذلك، وكذلك حكى بعض أصحابنا عن بعض شيوخنا من القرويين. جامع ما جاء في أخذ الجزية وقتال الخوارج قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أهل المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». قال ابن حبيب: يعني في أخذ الجزية. قال الزهري: روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صالح أهل الأوثان على الجزية إلا من كان منهم من العرب. وقال ابن وهب: لا يقبل من العرب إلا الإسلام إلا من دخل منهم في ملة.
وقال سحنون: ما أعرف هذا، وتؤخذ الجزية عن مجوس العرب وغيرها؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». وقد قال أشهب: في الأمم كلها إذا بذلوا الجزية قبلت منهم. [قال أبو إسحاق: وما قاله أشهب هو ظاهر المدونة وهو الصواب؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» وهذا لفظ عام، وكل من يتمسك بكتاب فاسم المجوسية واقع عليه، ولا فرق بين مال الكفر أنها راجعة إلى أن ذلك كفر، ولا فرق بين اعجمي وعربي. ومن المدونة] قال مالك: وأخذ عثمان الجزية من مجوس العرب. قال ابن القاسم: والأمم كلها عندي بمنزلة المجوس. وقد قال مالك في الفزازنة -وهم جنس من الحبشة-: لا يقاتلوا حتى يدعوا إلى الإسلام، ففي قوله هذا إذا لم يجيبوا دعوا إلى إعطاء الجزية ويقروا على دينهم، وكذلك الصقالبة، والترك، والأبر، وغيرهم من الأعاجم ممن لا كتاب لهم.
م: قال ابن الجهم: تؤخذ الجزية من كل من دان بغير دين الإسلام، إلا ما أجمع عليه من كفار قريش، فلا جائز أن يجري عليهم ذل ولا صغار، وهو إما الإسلام وإما السيف، ولا يرخص لهم على المقام بالكفر بأداء الجزية. وفي كتاب القرويين: أن قريشاً أسلمت كلها يوم الفتح فإذا وجد كافر منهم كان مرتداً والمرتد لا تؤخذ منه الجزية لأنه لا يسترق. م: وهو الصواب.
فصل قال مالك: ويستتاب أهل الأهواء من الإباضية والحرورية والقدرية وغيرهم؛ فإن تابوا وإلا قتلوا إذا كان الإمام عدلاً. وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «من غير دينه فاقتلوه». وقال في قوم مرقوا ببدعتهم يمرقون من الدين، فكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أول من قاتلهم. قال ابن القاسم: وإن خرجوا على إمام عدل فأرادوا قتاله ودعوى إلى ما هم عليه؛ دعوا إلى السنة والجماعة فإن أبوا؛ قاتلوا. وسئل مالك عن أهل العصبية الذين كانوا بالشام؟ فقال: أرى للإمام إن يدعوهم إلى الرجوع إلى مناصفة الحق بينهم؛ فإن رجعوا وإلا قوتلوا. [قال أبو إسحاق: وظاهر هذا أنهم وإن لم يلبثوا بدارهم ولا دعوا إلى بدعتهم لمخالفتهم الإجماع وقدحهم في الصفات وعند الفقهاء أنهم يتوارثون؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:
«ويتمارى في الفوق» فكأنه أبقى لهم شيئاً فيكون قتلهم على هذا التأويل حداً كحد الزاني والزنديق إذا ظهر عليه وأنكر، كنا نصلي عليه ونورثه. وقد اختلف المتكلمون في تكفيرهم بمآل قولهم الذي سد عليهم طريق المعرفة بالله تعالى. فقيل: يكفرون بذلك وعلى هذا لا يتوارثون. وقيل: لا يكفرون بمآل قولهم؛ لأنهم لم يقولوا، وهذا ظاهر الفقهاء. وإن كان قد أطلق بعض أصحابنا على من قال: بخلق القرآن أنه كافر. فهذا على القول الذي يكفر بمآل القول. وقيل: يضربون ويسجنون ولا يقتلون إلا أن يبينوا بدارهم ويدعوا إلى بدعتهم، وكذلك فعل علي -رضي الله عنه- بالخوارج لم يقاتلهم حتى بانوا بدارهم ودعوى إلى بدعتهم فقاتلهم وقتلهم، ولا تستباح نساؤهم ولا أموالهم وما استهلكوه من الأموال فلا غرم عليهم فيه، وما كان قائماً أخذ من أيديهم، ولم يحدوا فيما وطئوا؛ لأنهم فعلوا ذلك بتأويل وعلى دين يرون أنه صواب، فليسوا كالمحاربين. ومن رمى منهم امرأة بما استحلوا منها من وطء وقال لها يا زانية: حد.
قال ابن الجهم: تؤخذ الجزية من كل من دان بغير الإسلام إلا ما أجمع عليه من كفار قريس كما تقدم الكلام عليه]. ابن سحنون قال سحنون في الخوارج: إنما قاتلوا وقتلوا لبدعتهم وسماهم النبي -صلى الله عليه وسلم- مارقين قال: «ويتمارى في الفوق» ولم يسميهم كفاراً، وسن علي بن أبي طالب قتالهم بما كان عنده من النبي -صلى الله عليه وسلم- من العلم فيهم فلم يكفرهم ولا سباهم ولا أخذ أموالهم ومواريثهم قائمة، ولهم أحكام أهل الإسلام في ذلك، وإنما قوتلوا بالسنة وبما أحثوا من البدعة؛ فكان ذلك كحد يقام وليس قتلهم يوجب تكفيرهم كما لم يوجب مثل المحارب تكفيره، ولا قتل المحصن تكفيره، وأموالهم لهم، ولهم حكم المسلمين في أمهات الأولاد وعدد النساء والمدبرين والوصايا، ويرد ما أخذوه للمسلمين إلى أربابه، ولا يتبعوا بما سفكوا من دم، ونالوا من فرج، ولا بقود، ولا بدية، ولا صداق، ولا حد، وما لم يعرف به من الأموال أوقف لأهله فإن أيس منهم تصدق به، ولم يثبت عندنا أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أجاز الانتفاع بسلاح الخوارج ما دامت الحرب قائمة.
ومن المدونة قال مالك -رحمه الله- في الخوارج إذا خرجوا فأصابوا الدماء والأموال ثم تابوا ورجعوا: وضعت الدماء عنهم ويؤخذ منهم ما وجد بأيديهم من مال بعينه وما استهلكوه فلا يتبعون به، وإن كانوا أملياء؛ لأنهم متأولون بخلاف المحاربين؛ أولئك إذا تابوا إنما يسقط عنهم حد الحرابة ولا يوضع عنهم من حقوق الناس شيء قال ولا يصلي على القدرية ولا الإباضية ولا تتبع جنائزهم ولا تعاد مرضاهم. قال سحنون: أدباً لهم. ابن وهب قال ابن شهاب: هاجت الفتنة الأولى فرأى جماعة من البدريين إسقاط القصاص والحدود عمن قاتل في تأويل القرآن فقتل، ولا حد على امرأة سبيت ولا بينها وبين زوجها ملاعنة ويحد قاذفها بها وترد إلى زوجها الأول بعد أن تنقضي عدتها من زوجها الآخر. ابن وهب: ذكرت الخوارج واجتهادهم عند ابن عباس فقال ابن عباس: ليسوا بأشد اجتهاداً اليهود والنصارى ثم هم يضلون.
قال الشيخ: وإذا سبى الخارجي حرة فأولدها لحق الولد به إذ لا حد عليه في ذلك لما عذر بالتأويل، وكذلك إن سبى أمة فأولدها فلا حد عليه ويلحق به الولد ويكون حكمها كحكم المستحقة من يد مشتريها، ويدخله الاختلاف الذي دخلها. وقاله بعض أصحابنا. ابن وهب قال أبو سعيد الخدري: بينما نحن عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يقسم قسماً إذ أتاه ذو الخويصرة رجل من بني تميم فقال يا رسول الله: اعدل. فقال رسول الله
-صلى الله عليه وسلم-: «ومن يعدل إذا لم أعدل خبت وخسرت إن لم أعدل» فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي أن أضرب عنقه. فقال: «دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله لا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء، وهو القدح، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البعضة تدردر يخرجون على خير فرقة من الناس». قال أبو سعيد: ولقد شهدت مع علي بن أبي طالب قتالهم فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي نعت. مسألة في قتال الخوارج لم أروها وقرأتها على شيخنا أبي الحسن القاضي فصوبها قال ابن سحنون: وافترض الله عز وجل قتال الخوارج فقال تبارك وتعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي
تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} فوجب على المسلمين جميعاً بهذه الآية قتال الخوارج وأهل العصبية وهذا إذا كان الإمام عدلاً، وأما إن لم يكن عدلاً وخرج عليه عدل فعليك الخروج مع العدل حتى يظهر دين الله، وإن كان الخارجي غير عدل فيسعك الوقوف إلا أن تراد نفسك ومالك فادفع عن نفسك ومالك وعن ظلم المسلمين إن قدرت، وإن كانوا يطلبون الوالي الظالم؛ فلا يجوز لك الدفع عنه، ولا القيام عليه، ولا يسعك الوقوف عن العدل كان هو القائم أو المقوم عليه، ولا يجب على المسلمين قتال الفئة الباغية إلا مع الولاة إن رأوا الفساد ظاهراً، ولا قيام لله بحق المسلمين إلا بالاجتماع والتولية على أنفسهم من يقوم بالحق، ولا يكون الإمام إلا من قريش لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تكون الأئمة إلا من قريش»؛ لأن الله لم يخل من
قريش عدلاً، ومن قام من غير قريش بالعدل والحق، يدعو إلى العدل؛ فحينئذ يجب على الناس نصرته، وإن لم يدع فلا نصرة له على الناس، قال ذلك مالك وغيره من أكابر أهل المدينة، وإنما منع مالك من القيام يومئذ لأنه لم يقم إمام عدل، وليس يرى القيام إلا مع العدل من قريش فهذه مذاهبنا وبالله التوفيق. مسألة: روى عيسى عن ابن القاسم قال سئل مالك: عن الوالي إذا قام عليه قائم يطلب إزالة ما بيده هل يجب علينا أن ندفع عنه غيره؟ قال: أما مثل عمر بن عبد العزيز فنعم. وأما غيره: فلا، ودعه وما يريد منه، ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما قال الله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ}. قال: وسئل مالك إذا بايع الناس رجلاً بالإمارة ثم قام رجل آخر ودعا الناس إلى البيعة فبايعه بعضهم؟ فقال: قد روى معاوية أن المبايع الثاني يقتل؛ وهذا عندي إذا
كان الأول عدلاً، وأما إن كان مثل هؤلاء فليس له بيعة إذا كانت بيعته على الخوف، والبيعة للثاني إذا كان عدلاً، وإلا فلا بيعة لهما تلزم. قال مالك: ولابد من إمام بر أو فاجر. قال أبو إسحاق: والحديث الذي رواه معاوية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا كان في الأرض خليفتان فاقتلوا أحدهما»، وقد بلغني أنه كان يقال: «لا تكرهوا الفتن فإن فيها حصاد المنافقين». والله عز وجل أعلم.
باب جامع لوجوه شتى مما يتعلق بالجهاد
وهذا باب جامع لوجوه شتى مما يتعلق بالجهاد ومن كتاب ابن حبيب: روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يخرج في سفره يوم الخميس باكراً ويرجع يوم الاثنين باكراً. بيد إذا رجع فيصلي ركعتين في المسجد ثم يحدث أصحابه ساعة ثم يدخل. وروي أنه كان يصلي ركعتين قبل أن يخرج. وكان -عليه السلام- يبعث السرايا أول النهار. قال ابن مسعود: من خرج إلى سفر فليأت إخوانه يسلم عليهم ويرتجى بدعائهم خيراً فإذا قدم فليأتوه. وكان النبي -صلى الله عليه وسلم-: إذا استوى على بعيره يريد سفراً كبر ثلاثاً
وقال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم يسر لنا في سفرنا هذا التقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم ازو لنا الأرض وهون علينا السفر واطو لنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلة وسوء المنظر في الأهل والمال». وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا بعث جيشاً أو سرية يوصيهم فيقول: اغزوا بسم الله وعلى عون الله وامضوا بتأييد الله بالنصر ولزوم الصبر، قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ولا تجنبوا عند اللقاء، ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرماً، ولا امرأة، ولا وليداً، ولا تغلوا عند الغنائم، ونزهوا الجهاد عن عرض الدنيا، وأبشروا بالرباح في البيع الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: «خير الصحابة أربعة، وخير الطلائع أربعون، وخير السرايا أربع مائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن تغلب اثنا عشر ألفاً من قلة إلا باختلاف كلمتهم». «ونهى عن الوحدة في السفر وغيره». وقال -صلى الله عليه وسلم-: «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله تعالى العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله تعالى». وفي حديث آخر: «فإذا صاحوا فعليكم بالصمت والسكينة، ولا تنازعوا
فتفشلوا، وإذا أتوكم فاثبتوا، وأكثروا ذكر الله تعالى، وعليكم بالأرض، وقولوا: اللهم أنت ربنا وربهم ونواصينا ونواصيهم بيدك وإنما تغلبهم أنت فاهزمهم بطولك، فإذا غشوكم فقوموا غضوا أبصاركم واحملوا على بركة الله تعالى». وكان -صلى الله عليه وسلم-: يبرز إلى غزوه حين تزول الشمس، وكان يقول: «اللهم منزل الكتاب مجري السحاب هازم الأحزاب اهزمهم لنا وانصرنا عليهم وزلزل بهم». وفي العتبية قيل لمالك: هل بلغك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتحرى قتال العدو بعد الزوال؟ قال: ما بلغني ذلك، وما كان قتاله يوم خيبر ويوم أحد إلا أول النهار.
فصل قال ابن حبيب: ولم يزل الشعار من أمر الناس. قال ابن عباس: كان الشعار يوم بدر: "يا منصور"، ويوم حنين: "حم لا ينصرون"، وشعارهم حين انهزموا: "يا أصحاب سورة البقرة تخضيضا". فصل ومن العتبية من سماع ابن القاسم: وينبغي لإمام الجيش ألا يعجل على أصحابه ويكون في وسطهم. وقال أيضاً مالك فيه وفي الواضحة: ينبغي أن يكون الإمام في آخرهم حتى يتقدمه الضعيف ويلحق به المنقطع. وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يفعل ذلك. ابن حبيب وأوصى عمر بن العزيز صاحب الطائفة أن يركب أضعف دابة في الجيش يضبط سيرها.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «عليكم بسير الليل، وإذا سرتم في الخصب فأمكنوا الدواب من أسنانها ولا تجاوزوا المنازل، وإن سرتم في الجدب فعليكم بالدلج، وإياكم والتعريس في جواب الطريق، والصلاة عليها، وإذا ضل أحدكم أو أخطأ فليتيامن، فإذا أعيا فليهرول، وادنوا من الماء وأقلوا المكث في المنازل». فصل وينبغي لإمام الجيش أن يوكل بالساقية رجالاً في دخوله دار الحرب وفي خروجه يلحقون بمن تخلف ويقفون على الضعيف ومن معه دابة لا فضل فيها أمروه بتركها فإن أبى نزعوها منه وتركوها وألحقوه بالناس، ولا ضمان عليهم فيها، وكذلك إن كان معه بقر أو غنم اشتراها من المغنم فلم يقدر أن يلحق بالناس؛ فعلى أصحاب الساقة قتل ذلك إن خافوا على الرجل، وإن تركوها وألحقوا ربها بالناس ثم مرت بها سرية لحقوا العسكر بعد ساعة أو يوم أو يومين فقام ربها، فإن كان بقي خلف ربها بقية من المسلمين فليس لأهل الساقة أن يحولوا بينها وبين ربها، فإن فعلوا فهم ضامنون لما قتلوا أو هلك منها،
وإن فعلوا ذلك ولم يعلموا بمن خلفهم لم يضمنوا؛ ولربها أخذها ممن قام بها من خلفه، ويؤدي إليه ما أنفق عليها وإلا أسلمها إليه، والقول قوله فيما يشبه من النفقة، فإن اختلف في مدة النفقة: فقال المنفق: من وقت كذا، وقال ربها: من وقت كذا، أو قال: لا أدري. فالمنفق مدعي؛ فإن جاء بالبينة وإلا فلا شيء له إلا ما أقر به ربها، ولو أنفقوا عليها وهم يظنون أنها للعدو غنيمة؛ فلا رجوع لهم بالنفقة على ربها؛ كما لو غنموا عبداً من أيدي العدو للمسلمين فلربه أخذه بغير نفقة ولو قسمت أخذها بالثمن فلا نفقة؛ لأنهم إنما أنفقوا على أموالهم. م: والقياس إن أخذه ربه قبل القسمة أن عليه النفقة لأنه يأخذه بغير ثمن ولو هلك كان منه، ولو كانت له غلة كانت لسيده ممن عليه الضمان؛ فله الخراج وعليه النفقة، كقولهم: فيمن رد عبداً بعيب فلا رجوع له بالنفقة؛ لأن ذلك كان في ضمانه، وكان له خراجه، فكذلك عليه نفقته، وأما ما أنفق عليه بعد القسمة فلا رجوع لهم بالنفقة؛ لأنهم أنفقوا على أموالهم وما كان ضمانه منهم.
فصل قال ابن حبيب: اختلف ي قول الله سبحانه: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} الآية فقيل -وهم الأكثر-: يعني ضعفاً في العدد لا في القوة والجلد؛ فلا يحل أن يفر الرجل من رجلين، ولا المائة من المائتين، وإن كانوا أشد منهم سلاحاً، وأظهر جلداً وقوة؛ إلا أن يكونوا بأرض العدو وموضع مادتهم؛ فلهم حينئذ في الانحياز عنهم التولية منهم سعة. وقيل: إنما ذلك في القوة والجلد؛ فلو أن مائة مسلم لقوا ثلاثمائة أو خمسمائة ليسوا مثلهم في القوة والجلد لم يجز لهم التولية عنهم فإنما الضعف في القوة لا في العدد، وهذا قول ابن الماجشون وروايته عن مالك وبن أقول. م: إنما ذلك إذا تساووا أو تقاربوا في العدد فتلقى المائة منا المعدة بالخيل والسلاح مائتين من الشرك معدين مثل عدتنا أو قريباً منها، وأما إن تلقى مائة منا غير معدة مائتين منهم معدة فلا؛ لأن الواحد المعد بكفاءة عشرة غير معدين؛ فإنما تحمل الآية على الاستواء في العدد والمقاربة فيه والله أعلم.
قال ابن حبيب: لم يأخذ مالك بقول عمر: "أنا فئة لمن انحاز إلي" وهو بالمدينة، وإنما ذلك إلى رأس الجيش وولاته. قال ابن المواز: إنما الانحياز إلى والي جيشه الأعظم الذي دخل معه وربما تكون سرية دون سرية فتنحاز المتقدمة إلى من خلفها ممن يليها، ثم تنحاز إذا ما جاءهما أكثر من مثلهما إلى من يليها حتى يبلغ الانحياز من الجيش الأعظم، ووليهم الأكبر. وقاله عبد الملك: والله أعلم بما يخرج من سخطه. وقال عن مالك: لا يجوز الانحياز إلا عن بين وضعف من السلطان ولهم السعة أن يثبتوا للقتال أكثر من الضعفين والثلاثة وأكثر من ذلك، وإن كانوا يجدون مصرفاً عنهم.
قيل: فإن علموا أنهم مقتولون إن ثبتوا؟ قال: فأحب إلي أن ينصرفوا عنهم إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فإن لم يجدوا: فلهم أن يقاتلوا حتى يقتلوا. [فصل وسئل ربيعة عن مدينة حاصرها العدو فضعفوا عن قتالهم وليس عندهم ما يكفيهم؛ أيخرجون لقتالهم أم يصبرون حتى يموتوا جوعاً؟ قال: بل يخرجون للقتال أحب إلي. قال ابن سحنون: ولو بلغ بهم من الجوع حتى لا يقدروا على القتال فإن طعموا أن في الإخراج منجاة ومفاداة قد عرف ذلك من العدو في غيرهم؛ فليخرج إليهم، وإن كانوا يقتلونهم فليصبروا للموت جوعاً. وقال أبو إسحاق: لهم الخروج إلى القتال فلعل ذلك روح لهم.
وقد اختلف في المركب من المسلمين [تلقى عليها النار]؛ هل [يثقل] الرجل نفسه ليغرق؟ فقيل: ذلك له؛ لأنه فر من موت إلى موت أيسر منه؛ وعلى هذا: إذا أيقن الإنسان بمثل هذه الأشياء التي هي تعذيب له وأيقن بالهلكة أنه يفر منها إلى موت هو أيسر منها فلا يكون قاتلاً لنفسه. وقد قال ربيعة أيضاً: إن صبر فهو أكرم له، وإن اقتحم فقد عوفي، ولا بأس به إن شاء الله]. فصل ابن المواز: وسئل عن الرجل بين الصفين يدعو إلى المبارزة؟ قال: إن صحت نيته فلا بأس بذلك وقد فعل فيما مضى. ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس بالمبارزة وذلك على قدر النية. ولا
يكون ذلك إلا بإذن الإمام، قرب ضعيفٍ يقتل؛ فيهد الناس، ولا بأس أن يعضد إذا خيف عليه، وقيل: لا يعضد؛ لأنه لم يوف بالشرط، ولا يعجبنا، لأن العلج إذا أسره يجب علينا أن نستنقذه إذا قدرنا، وقد برز يوم بدر حمزة
وعلي وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب إلى عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة
والوليد بن عتبة، فبرز حمزة لعتبة فقتله، وبرز علي للوليد فقتله، وضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها فكر عليه حمزة وعلي فاستنفذاه من يده. فصل ومن كتاب محمد بن عبد الحكم روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في قول الله سبحانه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} الآية. أن القوة: الرمي. قال ذلك ثلاث مرات، وكان يعجبه الرجل أن يكون فارساً رامياً سابحاً. ابن حبيب: وقال ابن عباس: القوة السلاح كله والعدة في سبيل الله. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من تقلد سيفاً في سبيل الله ألبسه الله وشاح الكرامة».
وكان يأمر بالقوس العربية ويكره الفارسية، وأمر بالعمة وعمم علياً بعمامة سوداء أسدل منها بين كتفيه، وبعثه في سرية. قال: «ومن أعد عدة في سبيل الله كانت له في ميزانه كل غداة». وكتل عمر -رضي الله عنه- إلى أهل حمس: "علموا أولادكم السباحة والرماية والفروسية والاختفاء بين الأغراض".
وقال: "اختفوا وتجردوا واخشوشنوا وتمعددوا واقطعوا الركب، وانزوا على الخيل نزوا، وارموا الأغراض، إياكم ولباس العجم، البسوا الأزر والأردية، والقوى السراويلات، واستقبلوا حر الشمس بوجوهكم فإنها سامات العرب، واطرحوا الخفاف والبسوا النعال". قال أسلم مولى عمر: رأيت عمر يمسك بإذن فرسه ثم يمسك بإذن نفسه ثم ينزو عليه.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- «كل لهو يلهو به المؤمن باطل إلا في ثلاث: تأديبه فرسه، ورميه عن كبد قوسه، وملاعبته امرأته فإنهن حق». وقال: «من ترك الرمي بعد أن تعلمه فقد عصاني». وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «لهوان تحضرها الملائكة؛ الرمي واستباق الخيل».
وقال -صلى الله عليه وسلم-: «الخيل معقودة في نواصيها الخير إلى يوم القيامة». وقال: «ارتبطوا فإن بطونها لكم كنز، وظهورها عز، وأصحابها معانون عليها». ونهى عن جز نواصيها وأعرافها وأذنابها. وقال: مثل الذي يرتبط فرساً كمثل الصائم نهاره القائم ليله الباسط بالصدقة كفه فلا يقبضها. [والفضل في رباط الخيل والترغيب فيها والنفقة عليها كثير جداً]. وكره -صلى الله عليه وسلم- خصاء الخيل وشدد في ذلك ونهى عنه.
قال: في الخيل: «خضرها أصلبها، وكمتها ديباجها، وشقرها جيادها. وبارك في الشقر ثلاثاً». وروي أنه قال: «خير الخيل الحر وكان يكره منها الشكال»، وهو الذي برجله اليمنى بياض وبيده اليسرى بياض أو في يده اليمنى ورجله اليسرى. وروي أنه قال: «خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم ثم المحجل ثلاثاً طلق اليمنى فإن لم يكن أدهم فكميت على هذا الشية». ونهى عن إنزاء الحمر على الخيل. ونهى عنه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وعمر بن العزيز.
وقال -عليه السلام-: «الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر وعلى رجل وزر؛ فأما الذي هي له أجر: فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك في المرج أو الروضة كانت له حسنات ولو أنها قطعت طيلها ذلك فاستنت شرفاً أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن تسقى به كان ذلك له حسنات فهي له أجر، ورجل ربطها تغنياً وتعففاً ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر، ورجل ربطها فخراً ونواء لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر». فصل وسابق النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الخيل التي قد أضمرت من الخفياء وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها.
وكانت القصوى ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تدفع في سباق إلا سبقت حتى سبقت يوماً فاكتأب الناس لذلك فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الناس إذا رفعوا شيئاً وضعه الله». وسابق عمر بين الخيل، وكتب به ولم يزل يراهن بين الخيل منذ زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الآن وهو جائز وإن جهل جري فرسه ومبلغ رمي الرامي إذا تناضلا بالسهام. ومن كتاب ابن مزين وغيره: قال ابن المسيب: لا بأس برهان الخيل إذا كان فيها محلل، يتراهن الرجلان يخرج هذا سبقاً وهذا سبقاً ويدخل بينهما ثالث لا يخرج شيئاً فإن سبق المحلل أخذ وإن سبق لم يأخذ شيئاً.
قال محمد بن عبد الحكم: إذا سبق المحلل أخذ سبق الرجلين وإن لم يسبق هو وسبق أحد الرجلين أخذ السابق سبق صاحبه ولا شيء على المحلل، وهذا لا يقوله مالك، وإنما يجوز عنده أن يجعل الرجل سبقه خارجاً بكل حال كسبق الإمام فمن سبق فهو له. م: يريد أن يتسابق رجلان ويخرج ثالث سبقاً ولا يجري معهم فمن سبق من الرجلين أخذ ذلك السبق. قال مالك: ولا بأس أن يجري معهم الذي جعل السبق فإن سبق هو كان السبق للمصلي إن كانت خيلاً كثيرة وإن لم تكن غير فرسين فسبق واضع السبق فالسبق طعم لمن حضر. وروي عنه: أنه أجاز أن يشرط واضع السبق إن سبق أحد أخذ السبق وإن سبق هو أخذ سبقه وكذلك الرمي نَضَلَ أو نُضِلَ. والمصلي: هو الثاني من السابق؛ سمي بذلك؛ لأن جحفلته على صلا السابق وهو أصل ذنبه، ويقال للعاشر: السكيت، ومن الثاني إلى العاشر لا يسمى إلا بتسمية العدد. قال محمد: وكراهية مالك في المحلل إنما هو على قوله أنه يجب إخراج السبق بكل حال، وفي قياس قوله الآخر: أنه جائز وبه أخذ وهو قول ابن المسيب وابن شهاب.
قال ابن شهاب: ويكون المحلل ممن لا يأمنان أن يذهب بالسبقة، فإن أدخلا من يأمنان ألا يذهب بها فهو كالرهان بلا محلل فلا يجوز، ولا بأس أن يخرج أحدهما خمسة والآخر عشرة إن كان بينهما محلل في الخيل والإبل، ولا بأس بسباق الخيل مع الإبل، يجري الفرس مع الجمل، ولا بأس أن يجعلا سرادقاً من دخله الأول كان السابق، أو يخطان خطاً من جازه أولاً فهو السابق، وإذا تراهنوا على الخيل فسقط فارس أو ألقاه فرسه في الطريق أو زاع عنها حتى سبق، أو سقط الفرس فانكسر فإن كانوا خيلاً جماعة؛ فالرهان بين ما بقي من الخيل قائمة، وإن كانا فارسين فالذي رأيت أهل الخيل أن يعد الذي بلغ الغاية سابقاً وما لهذا وجه، وهذه علة لا توجب السبق عندي، ورأيتهم إذا سقط الفارس وجرى فرسه عارياً ثم وثب عليه آخر فأجراه إلى الغاية فإنهم يعدونه سابقاً، وقد احتج من رأى هذا: أن هذا يدعوهم إلى التحفظ فيما يستقبل؛ ويقولون: لو جاز هذا لطرح من خاف السبق نفسه عن فرسه وقال: سقطت، وفي هذا فساد
الرهان، وقد يحتج من لا يراه مسبوقاً أن هذه الأمور لا بد أن ينزل مثلها فلا يحسب مسبوقاً. قال محمد: ولم أر بين الرماة اختلافاً أن السبق بالرمي يبدأ في رمي سهمه ثم يرميان سهماً بينهما حتى يفرغا من الرشق ثم يبدأ المسبوق كذلك في الرشق الثاني هكذا حتى يفرغ الرمي إلا أن يشترطوا غير ذلك، ولا بأس أن يناضله على أنه إن نضله أعتق عنه عبده، أو عتقه عن نفسه، أو على أن يعمل له عملاً معروفاً، أو على أن يتصدق بالسبق، أو يفي له الغرض، أو يشتري له حصراً يجلسون عليها، ولا بأس أن يتراهن حزب وحزب أو واحد واحد أو اثنان اثنان أو أكثر، ويدخلان بينهما محللاً، إن نضل المحلل أخذ من الحزبيين، وإن نضل أحد الحزبيين أخذ من الحزب الآخر، ولا بأس أن يخرج هذا ديناراً وهذا دينارين، أو هذا شاة وهذا بقرة، وبينهما محلل وقد طعن فيه طاعن في دينار ودينارين، وهو عندي جائز؛ لدخول المحلل بينهما، كما بدخوله جاز في دينار ودينار عنده، وفيما ذكرنا كفاية، وبالله التوفيق.
باب في الأمور المحصنة من التغرير الداعية إلى الصبر والنصر
فصل وهذا باب في الأمور المحصنة من التغرير الداعية إلى الصبر والنصر روي أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- قال لخالد بن الوليد حين وجه إلى قتال أهل الردة احرص على الموت يوهب لك الحياة. ووجه أبو مسلم قوماً إلى العدو فقال لهم: اشعروا قلوبكم الجرأة عليهم؛ فإنها سبب الظفر، وأكثر ذلك الضغائن؛ فإنها تخص على الإقدام، والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب.
وقالت الحكماء: على مقدار الصبر على المصائب تكون شجاعة النفس، واعلم أن عماد كل صناعة وثبات كل جماعة القيم العالم بالسياسة، المتحمل للرئاسة، فيجب أن يكون صاحب الجيش مطبوعاً في صناعته، شجاعاً في إقدامه، جباناً في تحرزه، صادقاً في نبته، مستيقظاً في حركته، ذكياً في بديهته رؤوفاً برعيته، فإذا اجتمع لمقدام الجيش ما ذكرناه تولد في فكره من أنواع الحيل ووجوه المكايد في حال يتصرف فيها من محاربة عدوه ما يكون مؤدياً إلى الظفر إن شاء الله فأقل هذه الصفات السياسة، [يريد: الرئاسة، يريد: لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، وحسن
السياسة تولد الرئاسة، قدم الخوف على الرجاء، احذر العجل تأمن الزلل، تقحم الحرب تشجع القلب، الهزيمة تحل العزيمة، الحيل أبلغ من العمل، الرأي السديد أجرأ من الأثر الشديد، أظهر خلاف عزمك مورياً عنه ... أخف من جواسيس عدوك، شدة الصبر فاتحة النصر، توق مشاورة الجاهل، لا تشاور من تميل به رغبته أو رهبته، خل العدو حتى يزحف إليك، أو تصد الفرص حتى يقال أيضاً: التأخر بعد التمكن هزيمة، والتسرع في غير قوة تورث النكد، يسير النكث يكسر معظم العسكر، داو القلوب بما يقويها قدر زحفك وزحف العدو إليك، قدم أهل الظن، احذر العدو الباطن، احذر الإخلال بالمراكز، لا تجرنك ورطة سلمت منها على معاودة مثلها، احذر كيد الجواسيس، أطع الكبير يطعك الصغير، احذر كيد المستأمنة إليك، اعمل على أن كل من في عسكرك عين عليك، خالف الإعجاب تجد الصواب، ألطف الأمر قبل إرهان المكر، قدم أهل الشجاعة أمامك، لا تنس وضع الكمين عند اللقاء، احذر كمين عدوك، في هذه الحال لا ترض بأن تأخذ من عدوك مثل الذي تعطيه، قوة النفس في الحرب أبلغ من قوة البدن، كن في عسكرك مجهولاً عند لقاء العدو، لا تستصعب العدو فتقهر، لا تستهزئ بأوليائك فتهون على أعدائك، إن بخلت بالمال على أعوانك جدت به على أعدائك، لا تدع المقدمة المنكوبة تدخل العسكر إلا في ستر، لا تحارب بمن لا يخافك، لا تحارب بمن لا يرجوك، لا تحارب بمن لا يحتاج إليك، لا تبلغ في آثار المنهزمين، احذر التعرض للنهب إلا بعد الإبلاغ في النكاية، تفقد نفسك عند المواقعة، لا تهمل التعبئة عند المناوشة فإن فساد التعبئة من أعظم الخلل، بذل الأمان عند دفعك على العدو فرصة، احذر اختلاف أصحابك، استمل رؤساء
عدوك، لا تجعل النهر وراءك عند الزحف، إذا حاربت عدوك فعده كفئا، بالغ في الهزيمة ثم تعرض للغنيمة، ومن خفر ضمانه بطل أمانه، أخر الحرب ما استطعت فإن النفقة فيها من النفوس، فإن لم يكن منها بد فاجعلها آخر النهار وليعظهم، وقد يلتقي الجمعات والموت فيهما فيقتل من ولي ويسلم من حمل. وروي أن عمر -رضي الله عنه- سأل عمرو بن معدي كرب عن الحرب فقال: الحرب مر المذاق فإذا كشفت عن ساق من وقف فيها عرف، ومن هرب منها تلف، وهي كما قال القائل: الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ... عادت عجوزاً غير ذات خليل شمطاء جزت رأسها وتنكرت ... مكروهة للشم والتقبيل
وحكي أن الأحنف بن قيس نظر إلى سيف مع رجل فأخذه فهزه ثم قال لصاحبه: إن سيفك لجيد لولا قصر فيه، فقال الرجل: يطيل قصره خطوة، فقال: يا ابن أخي المشي إلى الصين أسهل من تلك الخطوة. تم كتاب الجهاد الثاني من الجامع لابن يونس بحمد الله وعونه وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم].
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم وسليما كتاب الأيمان والنذور في النذور والأيمان بالحج والعمرة ونذر المشي في ذلك وفي غيره وفي الاستثناء في المشي وغيره قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} فلزم بذلك كل ما عقد من أعمال البر في يمين أو غيرها. وقال: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}. وقال: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ}. وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». وأمر بطرح ما ليس بطاعة الله.
وأمر الذي نذر أن يمشي القهقري إلى الكعبة أن يمشي لوجهه. واللذين نذرا أن يمشيا في قران أن يحلا قرانهما. وقال -عليه السلام-: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد -فذكر مسجده والمسجد الحرام ومسجد إيلياء-». قال مالك -رحمه الله-: فمن أوجب على نفسه المشي إلى الكعبة في نذر أو يمين حنث بها فعليه الوفاء به، وقال ابن عمر وغيره. قال ابن المواز: ولا كفارة في ذلك لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من نذر أن يطيع الله فيلطع» ولم يجعل فيه كفارة؛ والحج والعمرة من الطاعات، فمن قال: فيه كفارة فقد خالف ما أمره الرسول -صلى الله عليه وسلم- به.
ومن المدونة قال مالك -رحمه الله-: فمن قال: علي المشي إلى مكة أو إلى بيت الله أو قال: إن فعلت كذا فعلي المشي إلى مكة إلى بيت الله فحنث؛ لزم المشي إلى مكة إلى شاء في حجة أو عمرة، وإحرامه في ذلك من ميقاته لا من موضعه. قال: وقوله: أنا أحج إلى بيت الله، أو فعلي حجة، أو لله علي حجة؛ سواء ويلزمه الحج. ابن المواز: إن شاء راكباً أو ماشياً إذا لم يقل علي المشي. ومن المدونة قال مالك: وإن أكثر من النذور بالمشي إلى مكة ما لا يبلغه عمره؛ فلا يجزيه إلا أن يمشي ما قدر عليه من الزمان، ويتقرب إلى الله بما استطاع من خير. قال بعض فقهائنا: فإن عجز هذا فركب فلا يرجع ثانية لأجل ركوبه وعليه الهدي لذلك ورجوعه إنما يكون لباقي نذره فأعلمه. [قال أبو إسحاق: وما لم يبلغه عمره أو عجزت عنه مقدرته ساقط عنه. وقوله يتقرب إلى الله تعالى بما استطاع إليه من الخير ندب؛ لأن من أوجب على نفسه ما قدرة له عليه سقط عنه. قال]: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله إن كلمت فلاناً، فكلمه؛ فعليه المشي إلى مكة، وله أن يجعله في حجة أو عمرة، فإن جعله في عمرة؛ مشى حتى يسعى بين الصفا
والمروة، فإن ركب بعد سعيه وقبل أن يحلق فلا شيء عليه، وإن جعله في حجة مشى حتى يقضي طواف الإفاضة، فإذا قضاه فله أن يركب في رجوعه من مكة إلى منى وفي رمي الجمار بمنى. ابن المواز: وقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: آخر النسك الطواف بالبيت. وقال ابن حبيب: إذا عجل طواف الإفاضة فلا يركب في رجوعه إلى منى ولا في رمي الجمار، وله أن يركب في حوائجه. ومن المدونة قال مالك: وإن أخر طواف الإفاضة حتى يرجع من منى فلا يركب في رمي الجمار، وله أن يركب في حوائجه، كما له إذا وصل إلى المدينة أو المناهل ماشياً أن يركب في حوائجه، أو تذكر في طريقه وهو سائر حاجة نسيها فليرجع وراءها راكباً. قال أبو محمد: وإنما يعني ابن القاسم بقوله في الأم: وأنا لا أرى به بأساً: يريد في حوائجه لا في الجمار.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو مشى في حجه كله وركب في الإفاضة فقط لم يعد ثانية وأهدى؛ لأن مالكاً قال: إذا مرض في طريقه فركب الأميال أو البريد أو اليوم -ابن المواز قال مالك-: أو اليومين ومشى البقية لم يعد ثانية وأهدى. ومن المدونة قال مالك: ولو مشى حتى يسعى بين الصفا والمروة ثم خرج إلى عرفات وشهد المناسك والإفاضة راكباً رجع قافلاً راكباً فركب ما مشى ومشى ما ركب. م: لأنه ركب يوم التروية ويوم عرفة وأيام الرمي وفي الإفاضة وهذا كثير. ولأن ركوبه وقع في مواضع أعمال الحج فهو أشد من مشى في الطريق اليوم واليومين فلذلك أوجب الرجوع عليه. قال ابن المواز: قال مالك: ويهدي أحب إلي من غير إيجاب، ولم يره في الهدي مثل من عجز في الطريق.
م: يريد عجزاً يوجب عليه فيه العودة أم لا؟ قال ابن القاسم: لأن بعض الناس لم يوجب عليهم العودة في المشي إذا بلغ مكة وطاف ورأى أن مشيه قد تم وأرخص له في الركوب إلى عرفة فلذلك عندي لم يوجب عليه مالك الهدي. قيل لابن المواز: فلم لم يقطع المشي إذا انتهى إلى البيت وهو إنما أوجب على نفسه المشي إلى البيت؟ قال: لأنه جعله في حج. وقد قال الله تبارك وتعالى في البدن: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} وليس لها محل في الحج إلى بمنى. [قال محمد: واجب لمن عليه المشي وهو صرورة أن يبدأ بفرضه إذا كان في أشهر الحج، ويمشي بعد قضاء حجة، وإن أراد التخفيف بدأ بالمشي في عمرة فإذا حل منها أحرم بحج فريضة. وقال مالك: وإن كان في غير أشهر الحج فلا بأس أن يبدأ بنذره، وقد] قال عمر: آخر النسك الطواف بالبيت.
ومن المدونة قال مالك: ويمشي الحالف من حيث حلف إلى أن ينوي موضعاً يمشي منه فله نيته وإن لم يحرك بذلك لسانه. قال ابن المواز: فلو حلف بمصر وحنث بالمدينة؛ فليرجع إلى مصر حتى يمشي منها، ومن حلف بالمشي إلى مكة وهو بمكة فحنث فليخرج حتى يمشي من الحل؛ فأنه لا يحرم أحد بعمرة ويحل منها في الحرم فإن جهل فأحرم من مكة فليخرج راكباً ثم يرجع من الحل ماشياً. قال: وكذلك لو نوى أن يحرم ساعة فحنث؛ فلا بد أن يخرج وغن كان الإحرام قد لزمه. وروي عن مالك هذا الحالف إن حالف في غير المسجد الحرام فليمش إلى البيت من موضع حلف فإن حلف في المسجد فهذا يخرج إلى الحل. قال عبد الملك: وإذا حلف وهو في مسجد بلده أو في موضع منه فحنث؛ فليمش من تلك المدينة من حيث شاء منها ويجزئه. قال ابن المواز: وإذا حنث بغير البلد الذي حلف فيه وهو ممن لا يقدر على المشي فليرجع إلى ذلك البلد ثم يمشي منها ما قدر ثم يركب ويهدي.
قال أصبغ: إن كان قريباً ليس عليه فيه كبير مشقة رجع وإلا مشى من حيث حنث وأهدى. م: وسئل أبو بكر بن عبد الرحمن عمن حلف بالمشي إلى مكة وهو بصقلية فحنث هل يمشي من أقرب بر إليها من الإسكندرية لأن عادتهم في السير إلى الحج إنما هو منها؟ فقال: إنما عليه أن يمشي من الإسكندرية؛ لأنه الغالب من فعلهم إذا أرادوا الحج إنما ينزلون بالإسكندرية، وأما بر إفريقية فإنما يأتون إليه على باب التجارة. وقال أبو عمران: بل يلزمه المشي من بر إفريقية؛ لأنه أقرب بر إليها.
م: وهذا أبين لأن عادات [الناس بذلك يمشون من بر إفريقية إلا أن تكون له نية فيحمل على نيته، أو لا تكون له نية فيحمل على عادات] الحالفين. ومن المدونة قال ابن وهب وقال يحيى بن سعيد: من نذر مشياً من بلد فليحرم من ميقاته الذي وقت له لا من موضع نذره. قال ابن القاسم عن مالك: ومن قال إن كلمت فلاناً فأنا محرم بحجة أو بعمرة.؟ قال: أما الحجة فإن حنث قبل أشهر الحج لم يلزمه أن يحرم بها حتى تأتي أشهر الحج إلا أن ينوي أنه محرم من يوم حنث فيلزمه ذلك وإن كان في غير أشهر الحج. وأما العمرة: فعليه أن يحرم بها وقت حنثه إلا أن لا يجد صحابه فليؤخر حتى يجد فيحرم حينئذ. وقال سحنون: يحرم؛ وإن لم يجد صحابه أقام على إحرامه.
وحكي عن أبي محمد أنه قال: العمرة لا وقت لها؛ فلذلك وجب أن يحرم بها وقت حنثه، والحج له زمان وهي الأشهر؛ فمتى حنث قبلها لم ينبغ له أن يحرم بالحج حتى تدخل الأشهر، وهذا إذا كان يصل من بلده إلى مكة [في أشهر الحج، فأما إن كان لا يصل من بلده إلى مكة] حتى يخرج أشهر الحج؛ فإن هذا يلزمه الإحرام من وقت حنثه. م: يريد: يلزمه الإحرام من وقت يصل فيه إلى مكة ويدرك الحج. وحكي لنا عن أبي الحسن ابن القابسي أنه قال: بل يخرج من بلده غير محرم فأينما أدركته أشهر الحج أحرم.
م: وقول أبي محمد أولى، لأن معنى قوله: أنا محرم بحجة؛ أي إذا جاء وقت خروج الناس خرجت أنا محرماً، على ذلك يحمل قوله وعليه يدل لفظه. وفي كتاب ابن المواز ما يؤيده. قال فيه في موضع: يحرم في أشهر الحج. وقال في موضع آخر: يحرم في أوان الحج؛ فهذا يدل على صحة تأويل أبي محمد، والله أعلم. ومن المدونة قال مالك: وإحرامه في ذلك بحج أو بعمرة من موضعه لا من ميقاته إلا أن ينويه؛ فله نيته. م: بخلاف من قال: علي المشي إلى مكة فهذا يحرم من ميقاته جعل مشيه في حج أو عمرة. قال مالك: وإن قال: أنا محرم يوم أكلم فلاناً فإنه يوم يكلمه يحرم. قال: وقوله: يوم أفعل كذا فأنا أحرم بحجة، كقوله فأنا محرم بحجة. قال سحنون: قوله: فيأنا محرم؛ يوجب عليه الإحرام من حين حنث، وقوله: فأنا أحرم؛ لا يكون محرماً حتى يحرم ويقال له: أحرم. وقال إبراهيم والشعبي: إن قال: إن فعل كذا فهو محرم بحجة؛ فليحرم إن شاء من عامه، أو متى ما تيسر عليه. وإن قال: يوم إن أفعل؛ ففعل فهو يومئذ محرم.
فصل قال مالك: ومن لزمه المشي إلى مكة فخرج ماشياً فعجز في مشيه فليركب فيما عجز فإذا استراح نزل، وعرف أماكن ركوبه من الأرض، ثم يعود ثانية فيمشى أماكن ركوبه، ولا يجزيه أن يمشي عدة أيام ركوبه، إذ قد يركب موضع ركوبه أولاً، وليس عليه في رجوعه ثانية، وإن كان قوياً أن يمشي الطريق كله ولكني يمشي ما ركب فقط ويريق دماً، وقاله ابن عمر وابن عباس، قال ابن عباس: وهديه بدنة. قال ابن المواز: فإن مشي الطريق كله في عودته فلا هدي عليه؛ لأنه لم يعرف مشيه.
قال: وهذا إذا لم يكثر ركوبه، فأما من كثر ذلك منه فكان يمشي عقبة ويركب عقبة؛ فليرجع ويمشي الطريق كله ولا هدي عليه، قاله مالك. قال مالك: وأما من ركب يوماً أو ليلة -قال في موضع آخر- أو يومين ومشي باقي ذلك؛ لم يرجع وليهد، فإن لم يجد صام عشرة أيام، [وليس كمن جعل فركب في المناسك؛ يرجع قابلاً حتى يمشي ما ركب ولا يلزمه هدي إلا أن يشاء، وقد تقدم هذا. قال مالك: ومن وجب عليه مشي فمشى حتى بلغ المدينة فأقام بها شهراً ثم خرج ماشياً في عمرة حتى دخل مكة فطاف وسعى فقد فرغ من مشيه ولا شيء عليه. م:] وإنما لزمه الهدي بخلاف من عجز في موضع المناسك؛ لأن هذا لم يوجب عليه العودة فجبر بعض مشيه بالهدي، والذي مشي في المناسك أوجب عليه العودة لمشيه في مواضع الحج، وخفف عليه في الهدي؛ لأن بعض الناس رأى: أن مشيه إذا بلغ مكة قد تم فلم يجمع عليه مالك مع العودة الهدي إيجاباً.
وقال ابن حبيب: من مشى في نذر لزمه فركب في بعض الطريق من غير ضرورة ولا ضعف يقتضي ذلك؛ فهذا يبتدأ في المشي بخلاف ذي العذر وجعله كمفطر في صوم متتابع، وحكاه عن بعض أصحاب مالك. م: وهذا خلاف ظاهر المدونة ولا فرق على مذهب ظاهر المدونة بين من ركب لعذر أو لغير عذر. وقد قال في كتاب محمد: من جهل فركب في المناسك فليرجع يمشي ما ركب، والجاهل عندنا كالعامد، وليس ذلك كصيام التتابع؛ لأنه لو لم يصل تتابع المشي ولكن كسر في كل منهل أياماً لا أجزأه ذلك المشي بإجماع. قال ابن حبيب: ولا يرجع في ركوبه اليوم فأقل منه، ويرجع في أكثر منه. ومن المدونة قال ابن القاسم قال مالك: وإذا عجز فركب ثم رجع ثانية فلم يتم مشيه في المرة الثانية لم يعد ثالثة وأهراق دماً. قال ابن المواز: وهدي واحد يجزيه في ذلك كله. ومن المدونة قال ابن القاسم قال مالك: ولو علم في الثانية أنه لا يقدر على تمام المشي قعد وأهدى؛ كانت حجة أو عمرة.
قال ابن حبيب: وهديه بدنة؛ فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد صام عشرة أيام متى شاء، ولو أهدى في هذا شاة وهو واجد لبدنه أجزأه. ومن المدونة قال: ولو علم أول خروجه أنه لا يقدر أن يمشي كل الطريق في ترداده إلى مكة مرتين لضعفه أو بعده بلده، أو كان شيخاً زمناً [أو امرأة ضعيفة أو مريضاً أيس] من البرء فلا بد أن يخرج أول مرة ولو راكباً ويمشي ولو نصف ميل، ثم يركب ويهدي ولا شيء عليه بعد ذلك وإذا رجا المريض إفاقة يقدر بعدها على أن يمشي تربص للإفاقة إلا أن يعلم أنه غير قادر في إفاقته أن يمشي فهو بمنزلة الشيخ الكبير يمشي ما أطاق ثم يركب ويهدي. قال ابن القاسم: والمشي على الرجال والنساء فيما ذكرنا سواء. قال ابن المواز: قال مالك: ومن عليه مشي فأصاب طريقاً أخصر من طريق فليختصر. قال مالك: ولمن حنث من الأندلس أن يركب البحار للحجاز؛ لأنه لابد له من ذلك.
ومن المدونة قال مالك: ومن جعل مشيه في عمرة فعجز وركب فله أن يجعل الثانية في حج أو عمرة. قال فيه وفي كتاب ابن المواز: وكذلك لو جعل مشيه الأول في حج فعجز فله أن يجعل مشيه الثاني في عمرة. قال فيه وفي المدونة: لا تبال وإن خالف المشي الأول. قال أبو محمد: لعله يريد إذا لم يكن ركوبه أولاً في حجته في المناسك بمنى وعرفة والمزدلفة. وأما لو كان ركوبه في هذه الأماكن في حجته الأولى كيف ينبغي أن يجعل الثانية في عمرة وهو لا يصل أن يمشي ما ركب، وقد ذكر عن سحنون أنه قال: ليس له أن يجعل المشي الثاني في عمرة؛ لأن عمل العمرة أقصر من عمل الحج يريد وإن كان مشيه في غير المناسك. م: قال بعض فقهائنا: إن قيل: أليس من نوى شيئاً ودخل فيه يلزمه ما دخل فيه مثل إذا نذره فلم فرق بين ذلك في هذه المسألة؟ قال: قال بعض القرويين: إنما فرق بين ذلك لأنه إذا لم ينو حجاً ولا عمرة فجعل مشيه في حج وعمرة ورجع من أجل عجزه وركوبه فرجوعه إنما هو لوفاء النذر لا لأجل الحج والعمرة؛ فلذلك جاز أن يجعل الثاني خلاف الأول إذا كان ركوبه في غير المناسك،
وإذا نذر ذلك في حج أو عمرة فإنما رجوعه من أجل نذره فوجب أن لا يجعله خلاف الأول. م: كأنه يقول: الأول نذر مشياً فرجع لوفائه، والثاني نذر حجاً مشياً فرجع لوفائه. م: وإنما افترق ذلك لافتراق السؤال، وأما سؤاله: أليس من نوى شيئاً ودخل فيه مثل إذا نذره؛ فليس الأمر كما قال، وهذه المسألة تدل على خلافه؛ لأنه لو نوى مشياً في حج فله أن يجعله في عمرة، وقد قال ابن المواز: من أحرم بحجة الفريضة ونوى مشيها؛ لم يلزمه مشي إلا أن يوجب ذلك على نفسه بنذرٍ نذره. م: وكذلك من أحرم لنافلة ونوى أن يصليها قائماً، فله أن يصلها جالساً، أو نوى أن يقرأ فيها سورة كذا؛ فله أن يقرأ فيها غيرها، وإنما يلزم من هذا كله ما نذره نذراً على نفسه.
ولأبي عمران الفاسي نحو ذلك. وإنما افترقت المسألة الأولى لافتراق السؤال فأعلمه. ومن المدونة قال مالك إلا أن يكون نذر المشي الأول في حج فلا يجعل الثاني في عمرة، أو نذر الأول في عمرة فلا يجعل الثاني في حج. وقال ابن حبيب: إذا نذر المشي الأول في عمرة فلا يجعل الثاني في حجة؛ لأنه زاد ولم ير ذلك. ابن القاسم: وأجازه غيره من أصحاب مالك. ومن المدونة قال ابن القاسم: وليس له أن يجعل مشيه الأول ولا الثاني في فريضة عند مالك. قال مالك: وإن جعل مشيه في عمرة فحل منها فله أن يحج الفريضة من مكة. قال ابن القاسم: ويكون متمتعاً إن كانت عمرته في أشهر الحج ولو قرن، يريد بالعمرة المشي الذي عليه وبالحج فريضة، لم يجزه من الفرض وعليه دم القران. قال ابن حبيب: ويجزيه ذلك عن مشيه الذي وجب عليه. ومن المدونة قال ابن القاسم وقد قال مالك: فيمن نذر مشياً فحج ماشياً وهو صرورة ينوي بذلك نذره وفريضته؛ إنها تجزيه لنذره لا لفريضته وعليه قضاء الفريضة قابلاً.
ابن المواز: وهذا إذا لم ينو بنذره حين نذره حجاً ولا عمرة وأما إن كانت يمينه بحجة فحنث فمشى في حج نوى به فرضه ونذره فهذا لا يجزيه عن واحد منها؛ لأن هذا ممن لم يكن يجزيه أو يحرم عن نذره بعمرة. ولو مشى عن نذره في حج ففاته الحج لم يجزه إذا حل منها بعمرة عن مشيه، ولا بد أن يستأنف الحج عن مشيه من قابل، فكذلك إذا أشرك بينهما لم يجزه عن واحدة منهما؛ لأن كل واحدة قد نقصت عما وجبت عليه حين جعل لكل واحدة نصف حجة، وإما إذا لم ينو لنذره حين نذره حجاً ولا عمرة فمشى لنذره حتى بلغ ميقاته فأحرم بحجة نوى بها نذره وفرضه فهذه التي قال فيها مالك: تجزيه لنذره. ويقضي الفريضة؛ لأنه نقض الفريضة لما جعل بعضها لنذره ولا تجزي فريضة غير تامة لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} وذلك يجزيه لنذره، وإن لم تكن حجة النذر تامة، كما قال مالك فيمن أحرم لنذره بحجة ففاته الحج أن ذلك يجزيه لنذره إذا طاف وسعى وحلق، وإن كان أحرم له بحجة فلم تتم فكذلك لا يضره في نذره معه من مشاركة فريضته التي ألزمناه فيها القضاء، ولم يختلف في قضاء الفريضة وحدها قول مالك وأصحابه إلا عبد الملك فإنه روى لنا عن مالك: أنه يعيدها جميعاً استحساناً، وقال أصبغ. قال عبد الملك وقال المغيرة: تجزيه عن الفريضة ويعيد النذر وبه أقول.
قال ابن المواز: والصواب قول مالك. وكان حجة عبد الملك فيه قياساً على من طاف بالصبي ينوي عن نفسه وعن الصبي؛ أنه يجزيه عن نفسه ولا يجزيه عن الصبي. وقد روى ابن القاسم عن مالك: أنه يجزي عن الصبي ويعيد عن نفسه وهو الصواب؛ لأن الطواف عن الصبي تطوع لا يضره نقصه وعن الكبير واجب فلا بد من تمامه. قال: ولو أن رجلاً حمل رجلاً فطاع به طوافاً واحداً عنه وعن الرجل؛ لم يجزه عن واحد منهما كان المحمول صحياً أو مريضاً. قيل لابن المواز: فالاعتكاف لا يكون إلا بصوم كما لا يكون المشي إلا في حج أو عمرة وأنت تجيز الاعتكاف وغيره في رمضان من الصيام الواجب، فلم لا تجيز المشي الذي نذر في الحج الواجب؟ قال: لأن الاعتكاف الذي يعتكفه في صوم واجب لم ينذره كما نذر المشي؛ وإنما يلزمه بالنية والدخول فيه، ولو نذر اعتكافاً لم يجز له اعتكافه في رمضان، ولا في صيام واجب من ظهار أو قتل نفس؛ لأن من نذر اعتكافاً فقد نذر صيامه فلا يجوز أن يقضيه في صيام واجب ويبطلان جميعاً كمن نذر مشياً بحج أو بعمرة لم يجزه أن يشرك معه فريضة. م: وذكر بعض أصحابنا: أن بعض الناس قال: إن قول ابن المواز: إذا نذر أن يمشي في حج بمشى ينوي فرضه ونذره، أنه لا يجزيه عن واحدة منها، خلاف قول ابن القاسم،
وما جرى في كتاب الحج الأول من المختلطة في مسألة العبد يحرم بالحج فيحلله سيده ثم يعتقه؛ فبحجة ينوي القضاء وحجة الفريضة؛ أنه يجزيه للقضاء لا للفريضة، يدل على هذا خلاف ما قال ابن المواز: م: وليس الأمر كما قال؛ لأن العبد لم ينذر حجة الأول ماشياً كما نذر الحر وإنما أحرم بحجة تطوع فهو كمن نذر مشياً فمشاه في حج ينوي بذلك فرضه ونذره؛ فهذه تجزيه عن نذره لا لفرضه، ولو نذر العبد أن يمشي في حج فمشى في حج ثم حلله السيد منه ثم عتق فمشى في حج ينوي به القضاء والفريضة؛ لوجب ألا يجزيه عن واحد منهما على قول ابن القاسم، والحر والعبد في هذا سواء. وأما سحنون وغيره فلا يلزم العبد في ذلك قضاء.
قال الشيخ: ويجب على قول سحنون هذا إذا حج العبد يعد عتقه ينوي بذلك القضاء والفريضة أنه يجزيه عن الفريضة؛ لأنه أشرك مع الفريضة ما لا يلزمه؛ كمن مشى عن غيره في فريضته؛ أن فريضته تجزيه. وقد قال ابن المواز قال مالك: وأما من مشى عن غيره وجعلها حجة عن نفسه وهو صرورة أجزأ عنه حجة الفريضة ولم يضره ما مشى عن غيره؛ إلا يجوز أن يمشي أحد عن أحد. قال ابن المواز: ومن أحرم بحجة الفريضة ونوى مشيها؛ لم يلزمه المشي إلا أن يوجب ذلك على نفسه بنذر نذره. م: يلزم على هذا أن من أحرم لنافلة ونوى أن يصليها قائماً أنه لا يلزمه وله أن يصليها جالساً وكذلك لو نوى أن يقرأ فيها أو في الفريضة سورة كذا؛ أن ذلك لا يلزمه وله أن يقرأ غيرها إلا أن ينذر ذلك كله فيلزمه، وكذلك من نوى أن يقرأ سورة فبدأ فيها فله أن لا يتمها، وكذلك من نوى جوار مسجد مثل جوار مكة لا يلزمه ولا اليوم الأول وإن دخل فيه بخلاف الاعتكاف والصلاة التي لا تتبعض. قال ابن المواز: قال: فإن أوجب مشياً فعجز فركب فعليه أن يرجع حتى يمشي ما ركب في حجة أو عمرة وقاله عبد الملك.
قال ابن المواز: وإن حلف بالمشي ولم ينو حجاً ولا عمرة فحنث؛ فخرج من بلده لحنثه خاصة ماشياً فلما بلغ الميقات أحرم بالحج عن فرضه خاصة فأتمه ماشياً؛ فإنه يجزيه لفرضه، ويرجع فيمشي لنذره من ميقاته الذي أحرم منه؛ كما لو بدا له فرجع من هناك إلى مصره أو غيره؛ فإنه يرجع راكباً ثم يمشي من الميقات الذي كان بلغ مشيه إليه. قال ابن المواز: وأحب لمن عليه المشي وهو صرورة: أن يبدأ بفرضه إذا كان في أشهر الحج ويمشي بعد قضاء حجه فإن أراد التخفيف بدأ بالمشي في العمرة فإذا حل منها أحرم بحج فريضته، وقاله مالك. محمد: وإن كان في غير أشهر الحج فلا بأس أن يبدأ بنذره. ومن المدونة قال مالك: ومن حلف بالمشي فحنث فمشى في حج ففاته الحج؛ أجزأه ما مشى وجعلها عمرة، ومشى حتى يسعى بين الصفا والمروة ويقضي الحج قابلاً راكباً ويهدي لفوات الحج. قال مالك في كتاب محمد وغيره: فإذا حج قابلاً فليس عليه أن يمشي من مكة إلى منى لأن مشيه قد صار في عمرة فقد قضاه. محمد: وقال ابن القاسم: يمشي المناسك في قضائه قابلاً، وقال سحنون. قال الشيخ: قال شيخنا القاضي أو الحسن: قول مالك أولى؛ لأنه لما فاته الحج رجع إلى عمل العمرة فكأنه فيها مشى، وإنما أوجب عليه الحج قابلاً؛ لأنه دخل فيه ففاته.
وقد قال ابن القاسم: فيمن تعدى ميقاته وقد أحرم بحجة وفاته الحج؛ فلا دم عليه لتعدي الميقات لأنه عمله صار إلى عمرة. م: أسقط الشيخ بعض احتجاج ابن القاسم وهو قوله: وإنما يقضي الحج قابلاً. م: وكأن ابن القاسم إنما أسقط عنه الدم للوجهين، وظهر لي أن قول ابن القاسم وسحنون في مسألة النذور أصح؛ لأنه لما جعل مشيه في حج لزمه تمامه في حج كما جعل على نفسه، فلا فرق بينه وبين من جعل مشيه في حج فركب في المناسك فقد قال فيه: يحج قابلاً راكباً، ثم يخرج من مكة ماشياً حتى يقضي مناسكه ويفيض فهذه أمثلة. ولأنه لما جعل مشيه في حج ففاته لزمه قضاؤه فلما وجب عليه قضاؤه [لزمه المشي فيما بقي عليه، كمن نذر اعتكاف رمضان فمرضه فوجب عليه قضاؤه فلما وجب عليه قضاؤه] وجب عليه اعتكافه، بخلاف ما لو نذر اعتكاف شعبان فمرضه؛ هذا لا يجب عليه قضاؤه فلا يلزمه اعتكافه؛ فالمشي بمنزلة الاعتكاف وهذا بيّن.
قال يحيى بن عمر عن ابن القاسم: في الرجل يجب عليه المشي فيمشي في حجة فيفسدها بالوطء بعرفة؛ فإنه يتم حجة ويقضي، ويعيد المشي من الميقات، ويركب ما قبله؛ لأن المشي الذي وقع له فيه الوطء يجزيه، ولا يعيده، وعليه هدي للفساد، وهدي لتبعيض المشي. فصل ومن المدونة قال مالك: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى حافياً راجلاً فلينتعل، وإن أهدى فحسن، وإن لم يهد فلا شيء عليه، وهو خفيف. ابن وهب: وقد رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- امرأة تمشي حافية ناشرة شعرها فاستتر منها بيده وقال: «ما شأنها؟» فقالوا: إنها نذرت أن تحج حافية ناشرة شعرها فقال -عليه السلام-: «فلتختمر ولتنتعل ولتمش».
ونظر -عليه السلام- في حج الوداع إلى رجلين نذراً أن يمشيا في قران، فقال لهما: «حلا قرانكما وامشيا إلى الكعبة وأوفيا نذركما». ونظر -عليه السلام- إلى رجل نذر أن يمشي إلى الكعبة القهقري فقال: «مروه فليمش لوجهه». قال ابن القاسم عن مالك: وإن قال إن فعلت كذا فأنا أحمل فلاناً إلى بيت الله تعالى فحنث؛ فإنه ينوي فإن أراد التعب بحمله على عنقه حج ماشياً وأهدى وليس عليه إن حج بالرجل، وإن لم ينو ذلك حج راكباً بالرجل معه ولا هدي عليه، فإن أبى الرجل أن يحج؛ حج الحالف وحده راكباً، ولا شيء عليه في الرجل. قال علي عن مالك: وإن نوى إحجاجه من ماله فلا شيء عليه هو إلا إحجاج الرجل، فإن أبى الرجل الحج فلا حج على الحالف. م: وقول علي هذا ليس بخلاف لابن القاسم؛ لأنه إذا نوى إحجاجه معه من ماله فقد بين أنه لم يجعل على نفسه حجة.
م: قال بعض شيوخنا: وإذا قال: أنا أحمله وأراد التعب بذلك على عنقه؛ أمرنا أن يحج ماشياً ويهدي، فالهدي في هذا مستحب كقول مالك فيمن حلف أن يمشي إلى بيت الله حافياً راجلاً قال فيه: إن أهدى فحسن وإن لم يهد فلا شيء عليه. قال في الكتاب: وإن لم يرد حمله على عنقه فليحج راكباً ويحج بالرجل معه ولا هدي عليه. م: قال بعض فقهائنا: إنما يصح أن يكون عليه الحج بنفسه إن قصد ذلك، وإن لم تكن له نية في الحج بنفسه فليس عليه إحجاج الرجل. م: وأنا أقول: إن لم تكن له نية؛ أنه يلزمه هذا الحج؛ لأن ظاهر لفظه أنه أراد السير معه إلى بيت الله، ويدل على الحج يلزمه قوله في الكتاب: وقوله: أنا أحج بفلان أوجب من قوله: أنا أحمله لا يريد على عنقه. وقول علي أنه أيضاً إن نوى إحجاجه من ماله فليس عليه إلا إحجاج الرجل.
م: يدل قوله: إن لم ينو ذلك حج هو والرجل، وكذلك قول يحيى بن سعيد في التي قالت في جارية ابنها: إن وطئها الابن فأنا أحملها إلى بيت الله، فوطئها ابنها؛ أنها تحج وتحج بالجارية معها. م: كأنهم حملوا قوله: أحمله؛ الذهاب معه، فإذا لم تكن له نية لزمه الذهاب أيضاً به والله أعلم. قال ابن القاسم: وكذلك قوله: أنا أحج بفلان إلى بيت الله؛ فإنه أوجب من قوله: أحمله لا يريد على عنقه، وحجه به طاعة فإن أبى الرجل الحج فلا شيء عليه فيه. م: وحكي عن الشيخ أبي الحسن أنه قال: إنما قوله أنا أحج بفلان أوجب من قوله: أحمله، في إلزامه هو [الحج؛ لأن قوله: أنا أحمل فلاناً يحتمل أن يحمله من ماله ولا يخرج هو، وقوله: أنا أحج بفلان لا يحتمل ذلك، والجواب فيها واحد]. ومن المدونة قال مالك: فيمن قال: أحمل هذا العمود أو هذه الطنفسة ماشياً أو غيره إلى مكة، طلب بذلك المشقة على نفسه؛ فيحج ماشياً، أو يعتمر غير حامل شيئاً ويهدي.
ابن المواز قال مالك: فإن لم يقدر على المشي فركب لما عجز؛ فليس عليه غير هدي واحد وليس هذا من الأمور التي مضت فيها سنة. قال: وإن كان ذلك الشيء مما يقوى على حمله؛ حج راكباً أو اعتمر ولا شيء عليه فيما ترك من الحمل وإن كان مليئاً. ومن المدونة ابن وهب وقال يحيى بن سعيد: في امرأة قالت في جارية ابنها إن وطئها الابن فأنا أحملها إلى بيت الله فوطئها الابن. قال: تحج بها وتذبح ذبحاً؛ لأنها لا تستطيع حملها. م: لعله يريد إذا لم تكن بها نية في حملها أو إحجاجها؛ فلذلك أوجب عليها ما يجب في الوجهين الإحجاج والهدي لحملها وهو خلاف ما تقدم لمالك. وقال إبراهيم النخعي: من قال: أنا أهدي فلاناً على أشفار عيني فليحجه ويهدي بدنة. يريد: ولا يحج هو.
فصل قال مالك: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله إلا أن يبدو لي وإلا أن أرى خيراً من ذلك؛ فعليه المشي ولا ينفعه استثناؤه. يريد: إلا أن يضمن يمينه بفعل فينفعه. قوله: إلا أن يبدو لي. يريد: إلا أن يبدو لي في الفعل، وكذلك هذا في يمينه بالطلاق والعتاق. [ولو قال: أنت طالق إن شئت فكان ذلك كله له جائز، إلا أن هذا لم يقع طلاقاً وإنما تقدير قوله: إن شئت فأنت طالق وهو لم يشأ بعد، فأشبه بع، فأشبه قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، ولو قال: أنت طالق إلا أن يشاء؛ لأوجب عليه الطلاق، وكان مثل قوله: إلا أن يبدو لي لأنه أوقع طلاقاً وأبقى لنفسه رده متى أراد، وذلك لا يصح ولو على الطلاق والمشي بفعل يصح استثناؤه في الفعل]. قال إسماعيل القاضي في المبسوط: هذا الذي حكاه ابن القاسم أن مالكاً قال: الاستثناء في المشي إنما هو أن يقول: علي المشي إلا أن يشاء الله، ولا يشبه هذا قوله: علي المشي إلا أن يبدو لي، وإلا أن أرى خيراً من ذلك.
م: واستحسن ذلك بعض فقهائنا وقال: وأما قوله: إلا أن يبدو لي، وإلا أن أرى خيراً من ذلك؛ إلا كقوله إلا أن يشاء فلان، أو إلا أن يرى فلان، فرد ذلك إلى نفسه كرده إلى فلان، فكما لا يرزمه إذا لم يشاء فلان فكذلك لا يلزمه إذا لم يشأ هو.
قال مالك: ولا ثنيا في طلاق ولا عتاق ولا صدقة ولا مشي. ولو قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى إن شاء فلان؛ فلا شيء عليه حتى يشاء فلان، وكذلك هذا في الطلاق والعتاق. [قال أبو إسحاق: لأن هذا أمر لا يحكم عليه به فالقول قوله فيما يدعي أنه أراده. واختلف لو حلف به في حق أو وثيقة: فقيل: القول قوله أيضاً بكل حال؛ لأنه لا يقضى عليه. وقيل: لا ينتفع بنيته التي يدعيها إذا كان في حق أو وثيقة، وإن كان لا يقضى عليه بالمشي؛ لأن يمين من حلف على هذا في حق أو وثيقة إنما يكون على نية المحلوف له، ولا على نية الحالف، وهو مذهب أصبغ؛ لأن المحلوف له قصد الاستئناف منه وأن يضيق عليه، فإذا قصد الحالف ما يسقط يمينه لم يلتفت إلى قصد على مذهب هذا القول؛ لأنه قد طاع فإعطاء الوثيقة، وما ذكره ليس بوثيقة للذي له الدين. واختلف أيضاً: لو كانت يمينه في حق أو وثيقة بطلاق أو عتق: فقيل: ينوى فيه. وقيل: لا ينوى. والقياس لعمري في هذا: لا ينوى؛ لأن يمينه في حق، أو وثيقة، كشهادة البينة عليه بظواهر ألفاظ يدعي ما يسقطها فلا يقبل منه].
فصل قال مالك: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله ينوي مسجداً من المساجد؛ فله نيته، وإن لم تكن له نية فعليه المشي إلى مكة. قال ابن القاسم: وإن قال: علي المشي ولم يقل إلى بيت الله؛ فإن نوى مكة مشى إليها وإن لم ينو ذلك فلا شيء عليه. وقال أشهب: عليه المشي قال مالك: ومن حلف بالمشي إلى مسجد الرسول أو مسجد بيت المقدس فحنث فليأتها راكباً، وإنما يمشي من قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى. قال إسماعيل القاضي: لأن الرجل إذا قال: علي المشي إلى بيت الله؛ فظاهر قوله يدل على أنه أوجب على نفسه الحج ماشياً أو العمرة، وإن لم يكن له نية في أحدهما بعينه فقد أوجب على نفسه أن يأتي البيت محرماً، والإحرام لا يكون إلا بأحدهما فله أي ذلك أحب؛ إن شاء كان مشيه في حج وإن شاء في عمرة، والمشي والركوب في الحج والعمرة طاعة، فإذا أوجب المرء على نفسه أحدهما لزمه ذلك، فإذا جعل الرجل على نفسه المشي إلى بيت المقدس أو مسجد المدينة؛ لزمه أن يأتي ذلك إن شاء راكباً وإن شاء راجلاً، ولم يلزمه المشي؛ لأن المبتغى في مسجد المدينة ومسجد بيت المقدس الصلاة فيهما؛ لما في ذلك الفضل على سائر مساجد البلدان إلى مسجد مكة، ولولا ذلك ما لزمه إتيانهما؛ فألزمناه ما جعل
على نفسه من فضيلة الصلاة التي هي طاعة، ولم يلزمه المشي إذ لا طاعة فيه. ولو جعل على نفسه المشي إلى مسجد مكة يريد الصلاة فيه دون الإحرام؛ لكان كذلك، ويركب إن شاء. ومن المدونة قال مالك: ولو قال له علي أن آتي المدينة أو بيت المقدس، أو علي المشي إلى المدينة إلى بيت المقدس؛ فلا يأتيهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما، أو يسميهما فيقول: إلى مسجد الرسول ومسجد بيت المقدس، وإن لم ينو الصلاة فيهما؛ فليأتهما راكباً ولا هدي عليه، وكأنه لما سماها قال: لله علي أن أصلي فيهما. وابن وهي يرى أن يأتيهما ماشياً. وقال غيره: إن كان بينه وبين الأميال اليسيرة؛ فليأتهما ماشياً والمشي -ضعيف، وقاله أصبغ. ومن المدونة قال مالك: ولو نذر الصلاة في غير هذه الثلاثة مساجد لم يكن عليه أن يأتيه مثل قوله: علي المشي إلى مسجد البصرة، أو مسجد الكوفة فأصلي فيه أربع
.................................
ركعات؛ فليصل بموضعه أربع ركعات ولا يأتيه لقول الرسول عليه السلام: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد فذكر مسجده ومسجد إلياء والمسجد الحرام). قال ابن المواز: وقد قيل: إلا أن يكون ذلك المسجد قريباً منه مثل الأميال اليسيرة فليأته ماشياً، يصلي فيه كما جعل على نفسه، والمشي في ذلك ضعيف. وقال ابن حبيب: إن كان المسجد الذي نذر أن يأتيه ماشياً: معه في موضع، ومثل مسجد جمعته، أو مسجده الذي يصلي فيه الصلوات؛ فيلزمه أن يمشي إليه ويصلي فيه ما
نذر وقاله مالك، وألزم ابن عباس من جعل على نفسه مشياً إلى قباء وهو بالمدينة: أن يمشي إليه.
قال ابن حبيب: لأن النبي -عليه السلام- كان يأتيه ماشياً وراكباً ويصلي فيه وهو على ثلاث أميال من المدينة. ومن المدونة قال مالك: ومن نذر أن يرابط أو يصوم بموضع يتقرب بإتيانه إلى الله سبحانه كعسقلان والإسكندرية لزمه ذلك فيه وإن كان من أهل مكة والمدين'. فصل قال ابن القاسم: لا يلزم المشي في قول مالك إلا لمن قال: علي المشي إلى مكة أو بيت الله أو المسجد الحرام والكعبة.
قال ابن القاسم: أو الحجر الأسود أو الركن، وأما غير ذلك كقوله: إلى الصفا والمروة أو منى أو عرفات أو المزدلفة أو ذي طوى أو الحرم أو إلى غير ذلك من جبال الحرم فلا يلزمه شيء. م: وإنما لزم المشي من قال: إلى مكة، أو إلى المسجد الحرام؛ لأن ذلك يحتوي على البيت، والبيت لا يؤتى إليه إلا في حج أو عمرة، والمشي والإتيان في ذلك طاعة؛ وإنما لم يلزمه ذلك إذا قال: إلى الحرم؛ فإن كان ذلك يحتوي على البيت كما تحتوي عليه مكة؛ لأن الذي يقول: إلى مكة؛ جرت مقاصد الناس فيه أنهم يريدون بمكة: البيت، وإذا لم تكن له نية حمل أمره على قصد الناس ولو نرى بيوت مكة؛ لم يلزمه شيء إلا أن تكون يمينه على وجه التوثقة، فلا يجزيه النية حتى يسمي بيوت مكة؛ لأن يمينه على نية من استحلفه، وأما إذا قال: علي المشي إلى الحرم؛ فلا مقصد فيه للناس ولا عادة. فإذا لم تكن له نية؛ أعطي اللفظ حقه في اللغة: فيحمل على أوائل الحرم؛ لأنه أقل ما يتناوله
الاسم؛ ولأن إلى للانتهاء عندهم؛ فلا يلزمه الإتيان إليه لقوله عليه السلام: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد) وليس الحرم من ذلك ولا جباله إلا أن ينوي ما في الحرم من البيت فيلزمه، فهذا فرق ما بين ذلك عند ابن القاسم والله أعلم. قال ابن حبيب: وإن قال علي المشي إلى الحجر أو إلى الحطيم أو زمزم؛ لم يلزمه ذلك عند ابن القاسم، ويلزمه عند أصبغ. قال أبو محمد: إن قال: إلى الحطيم؛ لزمه ذلك على مذهب ابن القاسم في المدونة. يريد: وكذلك الحجر الأسود. قال أبو محمد: لاتصاله بالبيت، وأما إلى زمزم فلا شيء عليه. قال ابن المواز: إذا سمي من مكة موضعاً خارجاً من المسجد؛ فلا شيء عليه إلا أن يقول: مكة فيها، وهذا أصح ما روي لنا عن ابن القاسم. وقال أصبغ: كل ما سمي من الحرم أو من مواضع مكة فإنه يلزمه.
ابن حبيب: ولا يلزمه في خارج الحرم خلا عرفات فإنه يلزمه فيها وإن كانت في الحل. وقال أشهب: وإن قال علي المشي إلى الصفا والمروة أو ذي طوى أو عرفة فذلك عليه، إلا ينوي الموضع المسمى بعينه فلا شيء عليه. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قال: إن كلمت فلاناً فعلي أن أسير أو أذهب أو أنطلق أو آتي أو أركب إلى مكة فلا شيء عليه إلا أن ينوي أن يأتيها حاجاً أو معتمراً فليأتها راكباً إلا أن ينوي ماشياً. وقال أيضاً ابن القاسم: من قال علي الركوب إلى مكة فذلك عليه. قال في كتاب ابن المواز: ولا يأتيها إلا في حج أو عمرة. محمد وقال أشهب: ولا أرى أن يأتيهما ماشياً؛ لأنه يخفف عن نفسه بترك الركوب نفقة وجبت عليه لله في طاعة. م: قيل: فإن مشى على قول أشهب ولم يقم راحلة يركب؟ فحكي عن بعض شيوخنا: أنه يخرج قدر ما كان ينفقه في ركوبه فيجعله في هدايا.
وقال غيره: يدفع ذلك المقدار لمن ينفقه في الحج حسبما كان ينفقه هو فيه والله أعلم. ومن المدونة قال سحنون: وأشهب يرى عليه إتيان مكة في هذا كله حاجاً أو معتمراً، وبه أخذ ابن المواز. م: والفرق عند ابن القاسم بين قوله: علي أن أسير أو آتي إلى مكة، وبين قوله: علي المشي إلى مكة؛ أنه إذا قال: علي المسير ونحوه إلى مكة؛ يحمل أنه أراد بيوت مكة إذا لم تكن له نية؛ لأنه لم تجر به عادة. وإذا قال: علي المشي إلى مكة لزمه؛ لأن هذا قد جاءت به السنة أن يحج أو يعتمر ولأن قصد الناس بذلك المشي إلى الكعبة، فيحمل على ذلك، ولو قال: علي أن أسير أو أذهب أو أنطلق إلى الكعبة لا ينبغي أن يلزمه أن يأتيها إن شاء ماشياً أو راكباً؛ ودليله من قال: أنا أضرب بمالي حطيم الكعبة: أنه يلزمه عند ابن القاسم أن يحج أو يعتمر؛ كقوله: علي أن آتي المسجد الحرام، أن ذلك يلزمه؛ لأنه قد قصد الإتيان إلى البيت فهو بخلاف قوله: إلى مكة لما قدمنا.
م: وسئل أبو عمران: ما الفرق بين من قال: علي المشي إلى المسجد الحرام فيلزم المشي حاجاً أو معتمراً، وبين من قال: علي المشي إلى الحرم؛ لا يلزمه؛ والجميع يتضمن الكعبة؟ فقال: أما الذي يقول: علي المشي إلى الحرم فلو أخذ بمقتضى قوله لكان بوصوله إلى أوائل الحرم يسقط نذره فلم يكن في ذلك طاعة فيلزمه، وأما القائل: علي المشي إلى المسجد الحرام؛ فقد خصص الموضع الذي فيه فرض من فروض الحج والعمرة وهو الطواف والمسجد منصوب للطائفين والركع السجود وذلك كله طاعة فوجب أن يلزمه، ألا ترى أن القائل: علي المشي إلى مسجد الرسول؛ أنه يلزمه أن يأتيه راكباً للصلاة فيه، ولو قال: علي المشي إلى المدينة؛ لم يلزمه أن يأتيها إلا أن ينوي الصلاة في مسجدها، وكذلك الحرم والمسجد الحرام، ولا يراعى أن ذلك يحتوي على البيت ويحدق بها، ولو روعي ذلك لروعي الحد المحدث بالحرم؛ لأن ذلك محدث بالكعبة. وسئل أبو عمران الفاسي: لم اختلف قوله في الكتاب في ذاكر الركوب إلى مكة ولم يختلف قوله في الانطلاق والذهاب ونحوه؟ فقال: يحتمل ذلك لقوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} فذكر المشاة والركبان معاً فكان الركوب في اللفظ أخا المشي وجاز في
المخاطبات، وكقولهم: حافياً ومنتعلاً؛ فقيس ناذر الركوب على ناذر المشي في هذا القول، ويحتمل إنما وجد له الاختلاف في الركوب منصوصاً فذكره وتدخل باقي الألفاظ الأخرى في الاختلاف، وقد ذكر عن ابن القاسم الخلاف في الجمع كقول أشهب. م: وفي كلام ابن عمران طول اختصرته وبالله التوفيق، والصلاة على سيدنا محمد وآله. جامع ما يلزم من نذر أو يمين في الهدي والصدق والنحر وغيره وصلى الله على محمد روى ابن وهب أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: من قال لرجل أنا أهديك؛ فليهد شاة. وقاله عطاء. قال ابن القاسم قال مالك: ومن قال لحر: إن فعلت كذا فأنا أهديك إلى بيت الله فحنث؛ فعليه هدي.
وقد تقدم قول النخعي فيمن قال: أنا أهدي فلاناً على أشفار عيني؛ أنه يحجه ويهدي بدنة، وهو خلاف لقول مالك هذا. ابن المواز قال أشهب: من نذر أن يهدي بدنة عوراء أو ما لا يجوز في الهدايا؛ فإن كان ذلك بعينه فليهده، وإن كان بغير عينه فيلهد ما يجوز؛ كمن نذر أن يهدي ابنه فإنه يهدي مكانه ما يجوز في الهدي. قال ابن المواز: وكذلك الذي نذر أن يهدي [بدنة عوراء وهي بعينها أو ما لا يجوز أن يهدي] فليهد بقيمتها ما يجوز. ومن المدونة قال مالك: ومن قال عبد فلان أو داره أو شيء من ماله هدي إن فعلت كذا فحنث؛ فلا شيء عليه لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم». وأما إن قال: داري أو عبدي هدي أو حلف بذلك فحنث؛ فإنه يبيع ذلك ويهدي ثمنه. م: والفرق بين من قال: أنا أهديك أو قال ذلك لعبد غيره وهو لا ملك له على واحد منهما هو أن الحر قد جرت فيه سنة قياساً على ما جاء في إبراهيم مع ولده عليهما السلام، وقد روي أنه قال علي -رضي الله عنه- فيمن قال لرجل: أنا أهديك؛ فليهد عنه شاة. وقال نحوه ابن عباس.
ولم يكن عليه في عبد غيره شيء لقوله عليه السلام: (لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم) وأما في عبد نفسه فهو ملكه؛ فلما لم يصح أن يكون هدياً وصح أن يهدي عنه بثمنه جعلنا بذلك عوضاً وبالله التوفيق. وفي الواضحة قال ربيعة: من جعل جاريته هدياً فإنه يهدي مكانها هدياً وقاله مالك والليث. م: قال أبو محمد: لعله يريد أم ولده. فصل ومن المدونة قال مالك: ومن قال: إن فعلت كذا فعلي هدي فحنث؛ فإن نوى شيئاً فهو ما نوى، وإلا فعليه بدونة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد وقصرت نفقته؛ رجوت أن تجزي عنه شاة، وكان مالك يزحف بالشاة كرهاً، وقال: البقر أقرب شيء إلى الإبل. وقال مالك في كتاب الحج: من قال لله علي هدي فالشاة تجزيه. م: قيل: الفرق بين المسألتين أن هذه يمين، والتي في كتاب الحج بغير يمين، فلذلك كانت أخف.
وقيل: بل ذلك اختلاف قول، ولا فرق بين ما عقد بيمين أو كان نذراُ، وقد نقل أبو محمد هذه. وإن قال: علي هدي، ثم ذكر الجواب؛ فدل أنه عنده سواء، وكذلك في كتاب محمد وهو الصواب. ومن المدونة قال مالك: ومن قال: لله علي أن أهدي بدنة فلينحر بعيراً؛ لأن البدن من الإبل، فإن لم يجد بعيراً فبقرة، فإن لم يجد بقرة فسبعاً من الغنم، [ولا يجزيه شراء بقرة حتى لا تبلغ نفقته ثم بدنة، فإن لم يجد ثمن بقرة فسبع من الغنم]، وقاله خارجة بن زيد، وسالم بن عبد الله، وكثير من العلماء. وقال ابن المسيب: إذا لم يجد بقرة فعشراً من الغنم، وكذلك في كتاب محمد.
قال ابن القاسم في المدونة: فإن لم يجد الغنم لضيق وجده، فلا أعرف في هذا صوماً إلا أن يحب أن يصوم فليصم عشرة أيام، فإن أيسر يوماً ما كان عليه ما نذر. ابن حبيب وقال مالك: إن لم يجد الغنم صام سبعين يوماً. [وقال أشهب في كتاب ابن المواز: إذا لم يجد الغنم صام سبعين يوماً] أو أطعم سبعين مسكيناً كل مسكين مدا، وإن وجد شاة أهداها وصام ستين يوماً. ومن المدونة قال ابن القاسم: وقد قال مالك: فيمن نذر عتق رقبة فلم يستطعها؛ لأن الصوم لا يجزيه إلا أن يشاء أن يصوم فإن أيسر يوماً أعتق فهذا مثله. قال ابن المواز: إن شاء الله صام عشرة أيام. م: وقد قيل: بل يصوم شهرين إذا لم يستطع على الرقبة ولم أروه. ومن المدونة قال مالك: ومن قال لله علي أن أنحر بدنة، أو قال لله علي هدي، فينحر ذلك بمكة أو بمنى يوم النحر، وقاله ابن عمر وابن عباس. قال مالك: ومن قال: لله علي جزوراً أو أنحر جزوراً؛ فلينحرها بموضعه، ولو نوى موضعاً أو سماه فلا يخرجها إليه ولينحرها بموضعه الذي هو فيه.
قال مالك: وكذلك لو نذرها لمساكين البصرة، أو مصر وهو بغيرها؛ فلينحرها بموضعها وليتصدق بها على مساكين من عنده، كانت الجزور بعينها أو بغير عينها، وسوق البدن إلى غير مكة من الضلال. قال في كتاب ابن المواز: وهو مثل من نذر أن يصلي بمصر مائة ركعة وهو من أهل المدينة أو غيرها أنه لا يصلي إلا بموضعه. قال: وقد قال مالك مرة أخرى: إنه ينحرها حيث نوى، وقاله أشهب. قال أشهب: وإن لم تكن له نية نحرها بموضعه. قال ابن حبيب: وإن نذر أن ينحر الجزور بمكة كان عليه أن ينحرها بها وليس بها. ابن المواز: وقد قال ابن عمر: من نذر جزوراً من الإبل أو البقر فإنه ينحرها حيث شاء. فصل ومن المدونة قال مالك: ومن قال: بعيري أو بقرتي أو شاتي هدي؛ فيبعث ذلك بعينه.
وإن قال: داري أو عبدي أو دابتي أو شيء من مالي مما لا يهدى هو هدي أو حلف بذلك فحنث؛ فليبعه، ويبعث بثمنه وبما أهدى من العين فيبتاع به هدياً. قال ابن القاسم: فإن لم يبعه ويبعث به بعينه فلا يعجبني ذلك ويباع هناك فليشتر به هدياً، فإن لم يبلغ ذلك ثمن هدي وأدناه شاة أو فضل منه ما لا يبلغ ذلك، قال مالك: يبعثه إلى خزمة الكعبة ينفق عليها. قال في كتاب محمد: فإن لم يحتج إليه الكعبة تصدف به. وقال ابن القاسم في المدونة: أحب إلى أن يتصدق به حيث شاء؛ وذلك أن ابن عمر كان يكسو الكعبة بأجلة بدنة فلما كسيت تصدق بها. وقال أصبغ: أحب إلي أن يتصدق بها على أهل مكة خاصة. قال ابن القاسم في المدونة: وأعظم ملك أن يشرك مع الحجبة في الخزانة أحد؛ لأنها ولاية من النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا دفع المفاتيح لعثمان بن طلحة.
وفي سماع ابن القاسم فيمن جعل شيئاً من ماله هدياً وهو مما لا يهدى: إن شاء باعه وأخرج ثمنه وإن شاء أخرج قيمته، وكذلك في كتاب محمد. قال أبو محمد: ومن قولهم في الصدقة لا يحبسه ويخرج قيمته وذلك مكروه له، ويثبه أن يكون الفرق: أنه لا يقصد في هدي متاعه إلا إلى عوضه، وفي صدقة متاعه يحسن أن يتصدق بذلك بعينه، فكأنه تصدق به بعينه. م: وحكي عن بعض شيوخنا القرويين أنه قال: إذا تصدق الرجل بعرض تطوعاً لم يكن له حبسه ويتصدق بقيمته ولو حلف بذلك فحنث أجزأه إخراج قيمته. والفقر بين ذلك: أن الحالف غير قاصد للقرية فلم يدخل في قول النبي -عليه السلام-: «العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»، والمتطوع هو داخل في الحديث؛ لأنه قاصد للقربة به، والحديث إنما خرج في الفرس الذي حمل عليه عمر طوعاً فأمر ذلك مفترق. م: والحالف أيضاً إنما قال: إن فعلت كذا فأنا أتصدق بكذا لله، فقد عقد على نفسه إن فعل ذلك القربة بصدقته فهما سواء والله أعلم.
ومن المدونة قال مالك: وإن قال: إن فعلت كذا فغنمي وإبلي أو بقري هدي فحنث فليبعثها من ذلك الموضع إن كانت تصل، وتقلد الإبل وتشعر، والبقر لا تصل من إفريقية إلا من مصر فإذا خاف على هذه الهدايا أن لا تبلغ لبعد سفر أو لغير ذلك باعها وابتاع بثمن الغنم غنماً وبثمن الإبل إبلاً وبثمن البقر بقراص، وجائز أن يبتاع بثمن البقر إبلاً؛ لأنها لما بيعت صارت كالعين، ولا أحب له أن يشتري به غنماً حتى يقصر عن ثمن بعير أو بقرة أو يشتري ذلك من مكة أو من موضع تصل، فإن ابتاعها من مكة فليخرجها إلى الحل ثم يدخل بها الحرم. قال: وإن نذر هدي بدنة غير معينة أجزأه شراؤها من مكة أو المدينة فيتوقف بعرفة ثم ينحرها بمنى، فإن لم يتوقف بعرفة أخرجت إلى الحل إن اشتريت في الحرم ثم نحرت بمكة، فإن لم يجد ثمنها فذلك دين عليه. فصل قال مالك: ومن قال: إن فعلت كذا فلله علي أن أهدي مالي، أو قال جميع مالي فحنث، أو نذر ذلك بلا يمين أجزأه أن يهدي الثلث من ماله، وقد قال النبي -عليه السلام- لأبي لبابة حين انخلع من جميع ماله للذنب الذي أصابه يجزيك من ذلك الثلث.
ومن العتبية قال عيسى عبن ابن القاسم فيمن قال: مالي هدي. قال: يهدي ثلثه وينفق عليه حتى يبلغ من غير الثلث. وقال: مالك فيمن وجبت عليه صدقة ثلث ماله وهو بموضع ليس فيه مساكين: فيكر عليه من ماله، وكذلك إن قال: إبلي هدي فعليه أن يبلغها من ما له. م: [وفيها قول آخر إذا قال: مالي هدي؛ أنه يهدي ثلثه وتكون النفقة من الثلث ولو قال: ثلثي هدي فهاهنا لا اختلاف أنه ينفق عليه من ماله حتى يبلغه]. م: الصواب ألا فرق بين ذلك، ووجه من أوجب النفقة على ذلك من ماله؛ لأن من أوجب على نفسه هدياً وجب عليه أن يبلغه من ماله، إذ لا يجوز أن يهدي بعضه ولا يشرك فيه، ووجه النفقة عليه من الثلث: فقياسها على الزكاة تجب عليه وليس بموضعه مساكين فينقلها إلى أقرب البلدان إليه؛ أن النفقة عليها منها قاله ابن حبيب. ومن المدونة قال: مالك: وإن قال: إن فعلت كذا فعبدي هدي ولا مال له غيره فحنث؛ فعليه أن يهدي عبده يبيعه ويهدي ثمنه، وكذلك إذا سمي شيئاً من ماله بعينه
كقوله: داري أو دابتي أو ثوبي أو غيره هدي، أو حلف بذلك فحنث؛ أخرج ذلك فحنث كله وإن أحاط بماله كله، وكذلك إن قال: لله علي أن أهدي بعيري أو بقربي أو شاتي وهو جمع ماله فليهد جميع ما سمى، ولو قال: لله علي أن أهدي جميع مالي؛ أجزأه الثلث. قال مالك: وإنما هذا كمن قال: كل امرأة أنكحها فهي طالق فلا شيء عليه، وإن سمى قبيلة أو امرأة بعينها لزمه ذلك. م: وقال بعض المتأخرين من القرويين: من عم أو خص في الصدقة؛ أن الذي عين شيئاً من ماله فقد أبقى لنفسه شيئاً، ولو ثياب ظهره، أو ميراثاً لم يعلم به، والذي قال: مالي كله لم يبق لنفسه شيئاً وأدخل ثياب ظهره وما لا يعلمه من ماله، فكان ذلك من الحرج فوجب قصره على الثلث؛ لحديث أبي لبابة، ولولا ذلك لسقط عنه الجميع كما إذا عم في الطلاق أنه لا شيء عليه. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال: إن فعلت كذا فأنا أهدي عبدي هذا وجميع مالي فحنث؛ أدى العبد وثلث ما بقي، وكذلك هذا في الصدقة وفي سبيل الله. قال مالك: ومن قال: مالي في المساكين صدقة أو في سبيل الله أو حلف بذلك فحنث؛ أجزأه من ذلك الثلث.
وروى ابن وهب أن رجلاً تصدق في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بجميع ماله فأجاز له منه النبي -صلى الله عليه وسلم- الثلث. وروي في كتاب محمد عن ابن عمر أنه يخرج ماله كله. وعن ابن المسيب ثلث ماله، وقال ابن مالك. وعن عائشة -رضي الله عنه-كفارة يمين. وعن عبد العزيز بن أبي سلمة زكاة ماله. ومن المدونة قال مالك: وإن سمي شيئاً من ماله فقال: داري أو دابتي أو ثوبي صدقة أو في سبيل الله ولا مال له غير ما سمى فحنث؛ فليخرج كل ما سمي ولا يجزيه منه الثلث. وقال ابن نافع: من تصدق بشيء بعينه وهو ماله كله أنه يخرج الثلث، وكذلك قال ابن وهب عن مالك إذا سمي أكثر من ثلث ماله اقتصر على الثلث.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو قال فرسي ومالي في سبيل الله؛ أخرج الفرس وثلث ما بقي من ماله، وإن قال: نصف مالي أو ثلاثة أرباعه صدقة أو أكثر؛ فليخرج جميع ما سمى ما لم يقل مالي كله. ومن الواضحة ولو قال: مالي كله صدقة إلا درهماً أن ذلك يلزمه وكذلك في جزء منه. ابن المواز قال ابن القاسم: ومن حلف بصدقة ماله فحنث ثم حلف بصدقة ماله فحنث؛ فليخرج ثلث الأول ثم ثلث ما بقي، ثم قال: يخرج ثلثه مرة واحدة ويجزيه، وقاله ابن كنانة، وبالأول أخذ محمد وقاله أشهب. قال مالك: ومن حلاف بصدقة ماله فحنث ونذر أداء ماله فعليه ثلثه يوم حلف، وإن نقص فثلثه يوم حنث، وإذا حنث ثم نموا ماله ثم حنث فيه يمين ثانية ثم نما ماله ثم حنث فيه يمين ثالثة ثم نما ماله؛ فليخرج ثلث ما معه الآن وهو ثلث الأول وثلث الزيادة ولو لم يزد ماله لم يخرج إلا ثلثاً واحداً، ولو حنث أولاً وماله مائة ثم حنث ثانية وماله ستون ثم حنث ثالثة وماله أربعوه؛ فليس عليه إلا ثلث المائة الأولى إلا أن يبقى بيده أقل من ثلثها فلا شيء عليه غير ما بيده إلا أن يذهب بإتلافه أو أكله فيلزمه ديناً، ولو تلف
بعضه بغير سببه لم يضمنه وإن فرط في إخراجه؛ لأنه كالشريك. وقاله مالك في التلف وقاله أصبغ كله، وما نما بعد الحنث فلا شيء عليه فيه فرط أو لم يفرط. قال ابن المواز: إذا حلف إن فعل أو لا أفعل؛ لم يضمن ما أكل أو أتلف قبل الحنث، ولو حلف لأفعلن أو إن لم أفعل فهو كتلفه بعد الحنث؛ يلزمه ما ذهب بسبب ولا يلزمه ما ذهب بغير سببه. [من كتاب أبي إسحاق: من قال: إن كلمت فلاناً كل ما أكسب صدقة؛ فلا شيء عليه كعموم الطلاق، وإذا قال: ما أكسب إلى عشر سنين صدقة؛ لزمه إخراج جميع ما كسب في العشر سنين، وكذلك إن عين بلداً، وقيل يلزمه ثلث ما اكتسب، وقيل: لا شيء عليه فيما يكتسب سمى البلد أو ضرب أجلاً أو لم يسم]. ومن كتاب الهبات ومن قال: مالي صدقة أخرج ثلثه من عين ودين وعرض وثلث قيمة كتابة مكاتبيه؛ فإن عجزوا يوماً ما وكان في قيمة رقابهم فضل عن قيمة كتابتهم؛ أخرج ثلث الفضل ولا شيء عليه في أم ولده ولا يخرج ثلث قيمة هدي به إذ لا يملك بيعهم.
قال سحنون: فيخرج ثلث قيمة خدمتهم، فإن لم يخرج ثلث ماله حتى ضاع ماله كله فلا شيء عليه فرط أو لم يفرط. وقال سحنون: إن فرط ضمن كالمفرط في الزكاة وغيرها أنه ضامن لما ذهب بتفريطه. م: قال بعض فقهائنا: وأرى ابن القاسم إنما لم يضمنه في اليمين بالصدقة؛ لاختلاف الناس فيها، وقول من قال: فيها بكفاءة يمين أو غير ذلك فلذلك لم يجعلها كالزكاة ونحوها من الواجبات. قال في كتاب الطلاق: فإن لم يكن له يوم حلف مال فلا شيء عليه فيما أفاد بعد ذلك. ومن الحمالة: ولا يجوز لذات الزوج في مالها هبة ولا صدقة ولا معروفة إلا قدر الثلث، فإن تصدقت بأكثر من ذلك فلم يجزه الزوج؛ بطل جميعه، وجعله المغيرة كالوصية يجوز منه الثلث. قال سحنون: وإن حلفت ذات الزوج بصدقة مالها كله فحنثت؛ فلتتصدق بثلثه وليس للزوج منعها من ذلك. وقال أصبغ: له منعها من ذلك.
م: فوجه قول سحنون: فلأن من تصدق بماله كله إنما يلزمه منه الثلث؛ فكأن الزوجة إنما تصدقت بالثلث. ووجه قول أصبغ: فلأنها تصدقت بمالها كله، فللزوج رده جميعه كما لو تصدقت ثلثها. قال ابن القاسم: وإن أعتقت ذات الزوج ثلث عبد لا تملك غير ذلك العبد؛ جاز ولا يعتق منه غير ذلك، ورواه عن مالك. وروي عن أشهب وعبد الملك: أن الزوج يخير؛ فإما أجاز فيعتق جميعه، أو يرد فلا يعتق منه شيء. م: وهذا أحسن؛ لأن الحكم يوجب عليها عتق جميعه؛ فكأنها قصدت ذلك، فللزوج إجازته أو رده. ووجه الأول: فلأنا لما كانت مقصورة على اثلث؛ فكأنه هو الذي تملك منه فلم يعتق عليها غيره ولم يكن للزوج حجة؛ لأنها لم ت دخل عليه ضرراً كهبة ذلك وصدقته. قال ابن القاسم: وإن حنثت بعتقه أو أعتقته كله فرد الزوج عتقها إذ لا مال لها غيره ثم مات الزوج عنها أو طلقها؛ فإنه يعتق عليها الآن جميعه بغير قضاء.
وفي النكاح والحمالة إيعاب هذا. ومن المدونة قال مالك: ومن جعل عبده صدقة أو في سبيل الله في يمين فحنث ولا مال له غيره؛ ففي الصدقة يبيعه ويتصدق بثمنه، وفي السبيل يدفع ثمنه إلى من يغزو به من موضعه إن وجد، فإن لم يجد فليبعث بثمنه، وإن كان فرساً أو سلاحاً أو شيئاً من آلات الحرب جعله في السبيل في يمين فحنث أو في غير يمين، فليبعث ذلك بعينه، فإن لم يجد من يقبله منه ولا من بلغه له؛ فليبعث بثمنه فيجعل في مثل المبيع من كراع أو سلاح وغيره، بخلاف البقر الهدي تباع إذا لم تبلغ فيجوز أن يشتري بثمنها إبلاً لأن تلك كلها للأكل، وهذا تختلف منافعه وإن جعل جميع هذه الأشياء صدقة في يمين فحنث أو في غير يمين؛ باع ذلك وتصدق بثمنه، وكذلك إن جعله هدياً فليبعه ويهدي ثمنه. قال مالك: ومن جعل مالاً أو غيره في سبيل الله فسبل الله كثيرة؛ ولكن إنما يعطى ذلك في مواضع الجهاد والرباط من السواحل والثغور، وليس جدة من ذلك، وإنما كان الخوف ونزل العدو بها مرة واحدة فلم يرها مثل السواحل التي هي مرابط.
فصل قال مالك: ومن قال مالي في رتاج الكعبة فلا شيء عليه؛ لا كفارة يمين ولا غيرها. والرتاج: هو الباب. وقد سئل عن ذلك عمر بن الخطاب فقال: لا حاجة للكعبة بأموالكم، ونحوه عن عائشة. ومن غير المدونة ابن وهب: وقالت عائشة عليه كفارة يمين، وقاله مالك والليث. ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك إن قال مالي في الكعبة، أو في حطيمها، فلا شيء عليه؛ لأن الكعبة لا تنقض فتبنى، والحطيم فيما قال لي بعض الحجبة: ما بين الباب إلى المقام. قال ابن حبيب: الحطيم ما بين الركن الأسود إلى الباب إلى المقام عليه يتحطم الناس. قال أبو محمد: فعلى تفسير ابن حبيب أن ذلك كله حطيم الجدار من الكعبة والفضاء الذي بين البيت والمقام الآن.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال مالي في كسوة الكعبة أو طيبها دفع ثلث ماله إلى الحجبة لذلك. فصل وإن قال: أن أضرب بمالي حطيم الكعبة أو رتاجها فعليه حجة أو عمرة، ولا شيء عليه في ماله، وكذلك إذا قال: أنا أضرب بكذا وكذا الركن الأسود؛ فليحج أو يعتمر، ولا شيء عليه إذا لم يرد حملان ذلك الشيء على عنقه. قال ابن المواز: وإن أراد حملانه على ع نقه وكان يقوى على حمله فكذلك أيضاً يحج أو يعتمر راكباً ولا شيء عليه غيره، وإن كان ممكن لا يقوى على حمله مشى وأهدى. قال ابن حبيب: إذا قال: أنا أضرب بكذا وذكر الشيء من ماله الركن الأسود أو الكعبة، وأراد حمله على عنقه؛ مشى إلى البيت في حج أو عمرة [وأهدى ولا يحمله ثم يدفع ما سمى] إن كان لا يبلغ ثمن هدي إلى خزنة الكعبة تصرفه في مصالحها، وقاله ابن القاسم.
م: ومعنى قوله أنا أضرب بمالي حطيم الكعبة: أني أسير به وأسافر به إلى الكعبة، ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} أي سافرتم، ومنه قولهم: ضرب المقارض بالمال؛ لأنه يسير بالمال، أو يضرب به في الأرض لابتغاء الرزق ولم يرد به ما عند الناس من الضرب بماله للكعبة؛ لأن ذلك استخفافاً من فاعله وغير ما أمر به من التعظيم لها. فصل ومن المدونة قال مالك: [ومن قال إن فعلت كذا فأنا أنحر ولدي فحنث فعليه كفارة يمين، وقاله ابن عباس، ثم رجع مالك] فقال: لا كفارة عليه ولا غيرها، إلا أن ينوي به وجه الهدي، ان يهدي ابنه لله فعليه الهدي. قال ابن القاسم: وهذا أحب إلي من الذي سمعه منه، والذي سمعته منه: أنه لم يقل عند مقام إبراهيم فعليه كفارة يمين، وإن قال: عند مقام إبراهيم فليهد هدياً؛ لأن من قال: عند مقام إبراهيم قد أراد به الهدي. قال ابن عباس: من نذر أن ينحر ابنه عند مقام إبراهيم؛ فليذبح كبشاً.
وقال ابن عباس: فيمن جعل ابنه بدنة؛ فليهد ديته مائة من الإبل، ثم ندم بعد ذلك فقال: ليتني كنت أمرته أن يذبح كبشاً كما قال الله تعالى {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}. ابن المواز: وقال ابن عباس: من نذر أن يذبح نفسه فليذبح كبشاً يهديه. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قال: أنا أنحر ولدي بين الصفا والمروة أو بمنى فعليه هدي. وقد قال النبي -عليه السلام- عند المروة: «هذا منحر، وكل طرق مكة وفجاجها منحر» ومنى عندي منحر. قال: ويلزمه من نحر أبويه ما يلزمه في نحر ولده. ابن المواز قال ابن القاسم: وكذلك لو قال لأجنبي: أنا أنحرك عند مقام إبراهيم؛ فليهد عنه هدياً وابنه والأجنبي في ذلك سواء. قال ابن المواز: ولو قال لعدة من ولده أو غيرهم أنا أنحركم عند مقام إبراهيم؛ كان عليه أن يهدي عن كل واحد هدياً، وقد قيل: هدي واحد عن جميعهم، والأول
أحب إلينا وهو الحق والعلم، وقاله أصبغ، وكذلك الذي يقول لعبده: أنا أنحرك؛ عليه هدي. ولو قال: أنا له أهديك؛ فليبعث بثمنه أو بقيمته إلى مكة يشتري به هدياً. م: قال بعض فقهائنا القرويين في قوله: إن فعلت كذا فأنا أنحر ولدي، [إنما يكون فيه الهدي إذا ضمن ذلك بفعل فقال: إن فعلت كذا فأنا أنحر ولدي]، فأما إن لم يقل ذلك وإنما قال: علي نحر ولدي، أو لله علي نحر ولدي فلا شيء عليه؛ لأنه نذر في معصية إلا أن يقصد به وجه القربة فيلزمه الهدي، قال وهكذا في كتاب الأبهري. م: والأمر عندي سواء ضمن ذلك بفعل أو لم يضمنه، والصواب: أن لا شيء عليه إلا أن ينوي الهدي؛ لأن من قال: إن فعلت كذا فعلي أن أشرب الخمر، أو قال: لله علي أن أشرب الخمر؛ أنه سواء لا شيء عليه في ذلك، وقد قال ابن عباس في كتاب محمد: من نذر أن يذبح نفسه فليهد كبشاً.
في اليمين الغموس واللغو وأوجه الاستثناء ونية الحالف قال الله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} ثم ذكر الله تعالى الكفارة فدل أن غير اللغو فيما فيه الكفارة وهي اليمين بالله، وأن اللغو يمين غير منعقدة، ولا كفارة فيها، وإنما الكفارة في اليمين المنعقدة واتفق أن اليمين بالله داخلة في قوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} وهو اليمين التي أمر أن يحلف بها. قال الرسول -عليه السلام-: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت». ومن المدونة قال مالك: والأيمان بالله أربعة أيمان: يمين غموس، ولغو يمين، فلا كفارة في هذا، ويمين الرجل: والله لا أفعلن، والله لا فعلت ففي هذين القولين الكفارة، فإن رأى الحنث أفضل له أحنث نفسه، والغموس: الحلف على تعمد الكذب، أو على غير يقين، وهو أعظم من أن تكفره الكفارة؛ لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ
بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} إلى آخر الآية، ولقوله -عليه السلام-: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار). قال أبو محمد عبد الوهاب: وإنما قلنا لا كفارة في اليمين الغموس خلافاً للشافعي لقوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} وهذه يمين غير منعقدة؛ لأن المنعقد ما أمكن حله إذا انعقد، ولأنها يمين لا يتأتى فيها البر ولا الحنث كاللغو، ولأن الكفارة معنى يرفع حكم اليمين في الفعل المستقبل فلم يتعلق بالحلف على الماضي أصله الاستثناء. [قال في الذي حلف: لقد لقي فلاناً أمس وهو شاك حين يمينه ثم تحقق أنه لقيه؟ قال: قد يرو إن لم يتحقق مع ذلك أو علم أنه لم يلقه فقد اتهم وفيه نظر؛ لأن أصل يمينه على الشك لا يجوز له وهو معصية، فإذا كشف الغيب أن الأمر كان كما حلف لم يسلم من إثم الجرأة على اليمين في أمر لا يتحققه وقت يمينه]. ابن حبيب: وقال عمر بن الخطاب: اليمين الغموس تدع الديار بلاقع. ابن حبيب: وهي اليمين الكاذبة متعمداً، وهي من الكبائر، وليتب الحالف بها إلى الله سبحانه ويتقرب إلى الله بما قدر عليه من عتق أو صدقة أو صيام.
ومن المدونة قال مالك: ومن قال: والله ما لقيت فلاناً أمس هو لا يدري ألقيه أم لا ثم علم بعد يمينه أنه كما حلف؛ بر، وقد خاطر وسلم، وإن كان خلاف ذلك أثم وكان كتعمد الكذب وهي أعظم من أن تكفر، وتلا ابن عباس {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ} وقال هي اليمين الكاذبة. قال ابن القاسم: ولغو اليمين ليس كقول الرجل: لا والله، وبلى والله، وإنما اللغو عند مالك أن يحلف على أمر يوقنه ثم يتبين أنه خلاف ذلك فلا شيء عليه كقوله: والله لقد لقيت فلاناً أمس، وذلك يقينه وإنما لقيه قبل ذلك أو بعده، فهذا اللغو ولا شيء عليه. وقالته عائشة وابن عباس وكثير من التابعين. ابن المواز قال ابن عباس ومجاهد: واللغو أن يحلف الرجل على أمر يرى أنه فيه صادق ولا يكون صادقاً.
قال بعض البغداديين: وقالت عائشة: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وهو في مثل معنى هذا؛ لأنه لا يعني تعمد الكذب ولكن على ما يظنه. م: يريد بالظن هاهنا اليقين وهذا يرجع إلى قول مالك وأما قولهم في الغموس هو أنه يحلف على أمر يظنه، يريد: وهو لا يوقنه، وقاله أبو محمد. وقال أبو محمد عبد الوهاب: اختلف أصحابنا في قول الرجل لا والله، وبلى والله: فقال ابن القاسم عن مالك: ليس بلغو. وقال إسماعيل ابن إسحاق وشيخنا أبو بكر وغيرهما: أنه من خير اللغو؛ لأنه لا يتأتى فيه البر ولا الحنث ولا يمكن الاحتراز منه. ومن المدونة قال مالك: ولا لغو في طلاق ولا عتاق ولا مشي ولا صدقة ولا غيره، وإنما يكون اللغو والاستثناء والكفارة في اليمين بالله أو بشيء من أسمائه أو صفاته أو نذر لا مخرج له، وكذلك العهد والميثاق.
قال ابن المواز: وقد يكون من النذر والعهد ما لا يكفر مثل ما خرج مخرج العقد والعهد، وكيمين البيعة ونحوه، يريد: فيلزم من غير تقية ولا إكراه. ابن المواز: وأما من حلف لبعض أهله يتهددهم بذلك وهو مجمع على أن يكفر ولا يريد الوفاء بيمينه؛ فلا يأثم بذلك إن شاء الله وتلزمه الكفارة. ومن المدونة قال مالك: ومن حلف بطلاق أو عتق أو غيره من الأيمان سوى اليمين بالله على شيء يوقنه ثم تبين له أنه خلاف ذلك فقد حنث وكذلك إن استثنى من شيء في هذا فحنث لزمه ما حلف عليه. فصل قال مالك: ولا استثناء إلا في اليمين بالله تعالى. قال ابن المواز: وقد روي عن مالك أن ابن عمر قال: من قال: والله لا فعلت كذا، ثم قال: إن شاء الله، ثم فعل ما حلف عليه؛ لم يحنث، وروى مثله ابن وهب عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة من التابعين. قال عبد الوهاب: والأصل في الاستثناء قوله -صلى الله عليه وسله-: «من حلف واستثنى رجع غير حانث» ولا خلاف في ذلك.
ومن المدونة قال مالك: وكذلك من حلف بنذر لا مخرج له إلا فعل كذا، أو حلف بعهد الله أو ميثاقه أو بشيء من أسمائه أو صفاته، فقال: إن شاء الله فلا شيء عليه إن نوى به الاستثناء، وإن أراد به معنى قول الله تعالى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} غير مريد الاستثناء فليس يثنيا. ابن المواز: وكذلك إن قال: إن شاء الله سهواً أو استهتاراً، وقاله أشهب عن مالك. قال أشهب عن مالك في العتبية: وكذلك إن قالها لهجاً فلا ينفعه حتى ينوي بها الاستثناء. قال ابن المواز: ولا يكون الاستثناء إلا فيما فيه الكفارة فإذا استثنى سقطت عنه الكفارة.
قيل له: فكيف يسقط الاستثناء عنه الكفارة وإنما استثنى مشيئة من لا ينتهي إلينا علم مشيئته جل وعز؟ قال: هذا في اليمين بالله خاصة لما سبق فيه من الأثر، وأما غير ذلك من المشي والصدقة والعتق فقد ألزمه الرسول -عليه السلام- وجوب الفعل فيما نذر من الطاعة بقوله: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، وألزم الله تعالى الطلاق لموجبه على نفسه لقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} فإذا ألزم ذلك نفسه واستثنى مشيئة الله فقد أظهر ما حلف عليه، وغاب عنا علم المشيئة إلا أن الظن ظناً، ولا يحل العمل في الدين بظن ونحن إذا ألزمناه ما حلف عليه علمنا أن الله شاء ذلك، وليس ما جعل من المشيئة إلى أحد من العباد مثل مشيئة الله؛ لأنه إذا قال: أنت طالق إن شاء فلان؛ فذلك تمليك وليس يملكه العباد دون الله الطلاق والعتاق ويعد ذلك ندماً حين استثنى مشيئة من لا يدري كيف مشيئته فلا يقبل استثناؤه.
م: واختصار ذلك أن الأصل فيمن أوجب على نفسه فعل شيء بيمين من الأيمان فلم يفعله أو حلف ألا يفعله ففعله؛ أن يلزمه ما حلف به ولا ينفعه الاستثناء بمشيئة الله فيه إذ لا علم لنا بمشيئته فخرج الاستثناء في اليمين بالله من ذلك بالسنة وبقي ما عداه على أصله. ومن المدونة قال مالك: ولا استثناء إلا واصل بيمينه محركاً به لسانه، فإما في نفسه أو تلفظ به بعد صمات فلا. قال مالك: وإن حدثت له نية الاستثناء قبل تمام لفظه باليمين أو بعد إلا أنه لم يصمت حتى وصل بها الاستثناء أجزأه. قال في كتاب ابن المواز: وهو مثل الذي يريد أن يحلف بالبتة فيقول: امرأتي طالق البتة ثم يبدو له فسكت عن تمام اليمين. م: يريد أن ذلك لا يلزمه؛ لأن الحكم لآخر اليمين، وقد أجمعوا أو من نسق الطلاق بفعل؛ أن الحكم لآخر الكلام فكذلك يكون الاستثناء.
وقال ابن المواز من رأيه: إن نوى الاستثناء بعد لفظه بآخر حرف من حروف يمينه لم ينفعه وإن وصله حتى يبدو له في الاستثناء قبل انقضاء آخر حرف من حروف يمينه؛ فيكون ذلك له إذا لم يكن بين ذلك صمات إلا النفس، كقوله: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة فإذا لم يلفظ بالهاء من الشهادة حتى أجمع على الاستثناء نفعه وإذا لم يجمع على ذلك حتى لفظ بالهاء لم ينفعه. قال ابو محمد وذكر ابن القاسم في المدونة خلاف ما ذكر محمد في هذا وقال: إن ذلك ينفعه إذا نسقه يمينه. قال ابن حبيب: إذا بدأ في يمينه لا يريد الاستثناء ثم عرض له في قلبه فأتبعه يمينه نسقاً قبل أن يقطع كلامه فذلك له، قاله مالك وأصحابه. ابن حبيب: ولا ينفع الاستثناء بالقلب دون اللسان وإن حرك به شفتيه أجزأه، وإن لم يجهر به وإن كان مستحلفاً لم يجزه إلا الجهر. قال ابن المواز: وأوجه الاستثناء التي لا تجزئ النية بها دون تحريكم اللسان ثلاثة: أن يستثني "بأن" و "بإلا إن" و "بإلا"؛ فأما "إن" فكقوله: إن شاء الله أو إن شاء فلان
إن فعل فلان ونحوه، وكذلك "إلا أن" مثل قوله: إلا أن يكون كذا، إلا أن يفعل فلان، إلا أن أرى غير ذلك ونحوه، وأما "إلا" فمثل يمينه إن صحبت اليوم قرشياً إلا فلاناً وما أكلت اليوم طعاماً إلا لحماً، ولو حرك "بإلا" لسانه ونوى في نفسه وفلاناً أجزأه؛ لأن الواو بخلاف ما ذكرنا من أحرف الاستثناء. وقد اختلف في "إلا" خاصة: فقيل: تجزئه بها النية كما تجزئه في محاشاة امرأته إذا قال: الحلال على حرام ونوى: إلا امرأتي، وقد قاله ابن أبي حازم.
م: وفي النوادر وقد قال ابن أبي سلمة: لا تنفعه المحاشاة في الحرام؛ لأنها نية في القلب. يريد: والنية لا تنفع في "إلا". واختلف فيها قول أشهب في العتبية. وقال في المجمعة: إذا قال الحلال عليه حرام وحاشى امرأته؛ فلا شيء عليه، ولو قال: الحلال كله علي حرام ونوى في نفسه إلا امرأته؛ لم ينفعه وهو مدع حتى يستثنيه متكلماً به. قال أبو محمد: كأنه يقول: إذا قال: الحلال علي حرام وحاشى امرأته، فمخرجه أنه جعل في نيته الحلال من الأشياء التي لم يدخل فيها امرأته ولم يستثنها، وإذا قال: الحلال كله عليه حرام ثم أخرج امرأته؛ فهذا استثناء، ولا ينفعه الاستثناء إلا باللفظ. قال ابن المواز: وما كان من الاستثناء في يمين بوثيقة حق، أو شرط في نكاح، أو عقد بيع، أو فيما استحلفه آخر عليه؛ فلا يجزيه حركة اللسان به حتى يظهر ليسمع منه.
ومنه ومن العتبية قال مالك فيمن استحلف رجلاً أن لا يخبر أحداً بما يخبر به فحلف لا أخبرت أحداً واستثنى في نفسه إلا فلاناً فلا ينفعه حتى يحرك به لسانه. قال ابن القاسم: فينفعه وإن لم يسمعه المحلوف له في هذا. وقال سحنون: لا ينفعه حتى يسمع الذي حلفه؛ لأن اليمين له، وتأول سحنون أنه لم يتطوع أن يخبره حتى حلفه فإنه حق له. قال ابن المواز: ولو [استحلفه أن لا يخبر إلا فلاناً فحلف له ونوى في نفسه: وفلاناً؛ فلا يحنث إن أخبر به من] نواه إلا أن يكون على يمينه بالطلاق بينة. قال: ومن أعطي في سلعته عشرة فحلف أنها قامت عليها بعشرة وقد قامت عليه بدون عشرة؛ فهو حانث إلا أن ينوي بالكراء والمؤونة، فذلك مخرج له وإن لم يسمعه. فصل وإذا عطف الاستثناء بالمشيئة على الفعل ويمينه بطلاق أو عتق؛ فقيل: ينفعه. وقيل: لا ينفعه. وذلك كقوله: إن فعلت كذا، أو إن أفعل كذا فامرأتي طالق أو عبده حر إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله: فقال ابن القاسم: لا ينفعه.
وقال ابن الماجشون وأصبغ: ينفعه إن نوى به الفعل وإن نوى به ما ذكر من طلاق أو عتق لم ينفعه. قال أصبغ: ولا شك في هذا. وكذلك هذا في جميع الأيمان سوى اليمين بالله وما جرى مجراه، ولا خلاف إذا رد إلى مشيئة نفسه؛ أنه ينفعه، كقوله: إن فعلت كذا، وإن لم أفعل كذا؛ فامرأته طالق، وعبده حر، إلا أن يبدو لي، وإلا إن أراد غير ذلك، يريد: يبدو لي في الفعل أو يرى غيره. قال ابن القاسم: وكذلك قوله: أو يريني الله غير ذلك، وأما إن قال: إلا أن يقضي الله، أو يريد الله؛ فهو كقوله: إن شاء الله، وإن لم يضمن يمينه بفعل لم ينفعه قوله إلا أن يبدو لي كقوله: علي المشي إلى مكة، أو امرأتي طالق إلا أن يبدو لي؛ فهو حانث بلا خلاف.
فصل قال ابن المواز: وهو مأخوذ من قول مالك: والنية مفترقة على ثلاثة أوجه: 1 - فمنها لا يقبل فيه نية في قضاء ولا فتيا. 2 - ومنها ما يقبل في الفتيا والقضاء. 3 - [ومنها ما يقبل في الفتيا دون القضاء]. فمها لا يقبل في قضاء ولا فتيا: كل يمين على وثيقة حق أو شرط أو لتأخير أجل دين مما كان يقضي فيه السلطان من طلاق أو عتق فلا تقبل فيه نية، وما كان لا يقضي به كيمين بصدقة أو مشي ونحوه فلا يلزمه، ويدين في نيته؛ مثل أن يقول: نويت المشي إلى المسجد نحوه، وقاله أشهب. قال أصبغ: وهذا إن لم يحكم عليه فيه، فيلزمه بينه وبين الله ولا ينفعه النية حلف أو استحلف وكذلك في العتبية. ابن المواز قال مالك: وإذا حلف بالحلال عليه حرام على حق لم ينفعه محاشاته زوجته. قال ابن القاسم: سواء استحلفه الطالب أو شيق عليه حتى بدر باليمين، أو خاف أن لا يتخلص منه إلا باليمين، فأما إن ابتدأه باليمين من غير أن يستحلفه أو يحرجه؛ فله
نيته، وإن [كان عن يمينه وقد قال مالك: إن ذلك سواء؛ لأنها وثيقة على كل حال فلا ينوي، وإنما النية والمحاشاة فيما حلف عليه من أمور يقينه] كان على يمينه بينة أو لم تكن. قال أشهب: وقد قيل في يمينه بالحرام: ليقضينه حقه إلى أجل كذا. فقال: حاشيت امرأتي، إن ذلك له، وإن كان على يمينه بينة، وكذلك روى ابن حبيب للاختلاف في هذه اليمين. م: فصار في ذلك ثلاثة أقوال: قول: أنه لا تنفعه المحاشاة بوجه. وقول: أنه تنفعه. وقول: فرق بين أن يكون فيه مستحلفاً أو متبرعاً فحنث؛ فيحنث المستحلف دون المتبرع. ومنه: ومن حلف للأمير طوعاً بطلاق امرأته في أمر كذب فيه وقال: أردت بذلك امرأتي الميتة أو المطلقة فلا ينوي في قضاء ولا فتيا؛ لأنه قال: امرأتي. م: وهذا في كتاب التخيير والتمليك من المدونة.
قال ابن المواز: وأما ما يقبل منه في الفتيا دون القضاء؛ فهو كل من حلف ألا يفعل شيئاً ولم يذكر تأبيداً ثم قال: نويت شهراً، أو حتى يقدم فلان، وذلك أنه أظهر يميناً تدل على التأبيد فادعاء، ما يقطع التأبيد؛ فيصدق في الفتيا ولا يصدق في القضاء، وكذلك لو حلف ألا يأكل سمناً وقال: نويت سمن ضأن، أو حلف لزوجته في جارية له إن كان وطأها وهو يريد بقدميه فله نيته في هذا وشبهه في الفتيا دون القضاء، وكذلك من قال لامرأته: أنت طالق وأنت طالق البتة إن راجعتك فأراد أن يرتجعها بنكاح جديد وقد خرجت من العدة وقال: إنما نويت ما كانت في عدتها، فإن كانت على يمينه بينة لم أدينه وإن لم تكن عليه بينة دينته، وقيل: إنما معنى هذا إذا جاء مستفتياً بلا مخاصمة ولا مرافعة، وأما إذا جاءت المرافعة فسواء كانت على أصل يمينه بينة أو لم يكن فإقراره بها كالبينة؛ لأنه ظاهر الإقرار مدع فيما يطرحه، فتطلق عليه، ولا يقبل قوله، وكذلك من قال: حكمة طالق، وله جارية وزوجة تسميان كذلك وقال: نويت جاريتي فله نيته في الفتيا وأما في القضاء إن قامت عليه بذلك بينة أو حلف به على وثيقة حق؛ فلا تنفعه بينته، وأكثر هذا في المدونة. قال ابن المواز: وأما ما يقبل فيه نيته في القضاء والفتيا مثل: أن يحلف لزوجته بطلاق من يتزوج في حياتها أو يكون ذلك شرط في أصل نكاحها فتبين منه، ثم يتزوج ويقول نويت ما كانت تحتي فيصدق. ومثل الذي يعاتب زوجته في دخول بعض قرابتها إليها
فتحلف بالحرية لا دخل علي من أهلي أحد، فلما مات قالت: نويت ما كانت حياً؛ فذلك لها في القضاء وإن قامت عليها بينة. م: وكذلك مسألة العاشر والذي تعجب من عمل عبده، فيقول: ما أنت إلا حر، وذلك في العتق مذكور. م: واختصار هذه الوجوه: إن كل من حلف بطلاق أو عتاق على توثقه حق، أو تأخير به، أو يحلف بذلك طوعاً في أمر كذب فيقول: نويت امرأتي أو جاريتي الميتة؛ فهذا لا ينفعه نيته في قضاء ولا فتيا. واختلف هل تنفعه المحاشاة في يمينه على ذلك بالحلال عليه حرام: فقيل: إن ذلك لا ينفعه حلف متبرعاً أو استحلف. وقيل: ينفعه. وقيل: ينفع المتبرع دون المستحلف. والثاني: أن يحلف بالطراق والعتاق لا يفعل كذا وقال: نويت شهراً، أو لا يأكل سمناً، فيقول: نويت سمناً ضأن، أو لا يلبس ثوباً وقال: نويت وشياً؛ فهذا ينفعه في الفتيا لا في القضاء. والثالث: أن يحلف لزوجته بطلاق من يتزوج عليها في حياتها فيفارقها ثم يتزوج فيقول: نويت ما كانت تحتي، أو يعاتب زوجته في دخول بعض قرابتها إليها فتحلف
بالحرية ألا دخل عليها منهم أحد فلما مات قالت: نويت ما كان حياً فذلك لها في القضاء والفتيا. جامع الأيمان وما يكره منها فيما يلزم من الحلف بها أم لا قال الله تعالى: {وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ}. ابن حبيب قال زيد بن أسلم: نهاهم أن يكثروا الحلف به وإن كانوا بررة مصلحين بين الناس. وفي كتاب ابن المواز قال: قال: هو أن يحلف على ما لا يصلح من أن لا يصل رحمه، ولا يصلح بين اثنين فقال الله تعالى: {أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} فهو خير مما يمضي على ما لا يصلح فينبغي أن يكفر ويأتي ما هو خير. ابن حبيب: وروي أن النبي -عليه السلام- قال: [«شر الفجار من كثرت أيمانه وإن كان صادقاً». ومن العتبية: روي أن موسى -عليه السلام- قال]: (لا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون).
قال عيسى -عليه السلام-: (وأنا أنهاكم أن تحلفوا بالله لا صادقين ولا كاذبين قولوا: لا ونعم). وروى محمد وابن حبيب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تحلفوا بذمة الله ولا بعهوده ولا بالكعبة ولا بآبائكم ولا بحدود الله ولا بالطواغيت، ومن كان حالفاً فليحلف بالله ومن حلف بالله فليصدق ومن حلف له بالله فليرض ومن لم يرض فليس منا». [قال في كتاب محمد: ومن حلف بغير الله فليس منا]. ابن حبيب وقال -عليه السلام-: «لا تحلفوا بالطلاق ولا بالعتاق فإنها من أيمان الفساق». وقال ابن عباس: لأن أحلف بالله فآثم أحب إلي من أن أضاهي، فقيل: معناه الحلف بغير الله، وقيل: يعني الإلغاز والخديعة بربه أنه حلف ولم يحلف. والأول أولى؛
لأنه عظم غير الله تعالى بالحلف به، كقوله عز وجل: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} أي ما يشبه قوله وقد بينه ابن عباس فقال: لأن أحلف بالله تعالى مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره مرة فأبر. ونحوه عن ابن مسعود. ومن المدونة قال ابن القاسم: والحلف بجميع أسماء الله تعالى وصفاته أنه لازم كقوله: والعزيز والسميع والعليم والخبير واللطيف فهي كلها أيمان. قال ابن المواز: غير أن كفارة واحدة تجزيه مثل قوله: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة لا فعلت كذا فحنث؛ فإنما عليه كفارة واحدة.
قال م: وكتكرير اليمين بالله مثل: والله والله والله لا فعلت كذا؛ فحنث فإنما عليه كفارة واحدة؛ لأنها كلها أسماء الله فذكرها كتكرير واحد منها. ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك إن قال: وعزة الله وكبريائه وقدرته وعظمته وأمانته فهي كلها أيمان. قال ابن حبيب: وكفارة واحدة تجمعها كمن حلف بالله مراراً؛ لأن ذلك لله ومن نعت الله. م: وذهب بعض المتأخرين من أصحابنا: أن الحلف بصفات كثيرة يجمعها في يمينه فحنث؛ أن عليه لكل صفة كفارة بخلاف اليمين بأسماء الله كثيرة وهو قول حسن. م: قال بعض فقهائنا: وذلك يجري على قولين: فقول: أن من حلف بصفات جمعها في يمينه إنما يكفر كفارة واحدة كيمينه بأسماء الله عز وجل وهو ما تقدم لابن حبيب وغيره. وقول آخر: أنه إذا أطلق ذلك ولا نية له فعليه لكل صفة كفارة بخلاف إذا كرر اسم الله. ووجه هذا: أنه لما كان الاسم هو المسمى والمسميات عبارة عنه، فإنما هو حالف بشيء واحد وإن كرر التسمية، فكانت عليه كفارة واحدة، وأما الصفات إذا حلف بها
فهي أشياء فعليه لكل صفة كفارة واحدة، وليست الصفة هي الموصوف ولا هي غيره في الباري تعالى ولا كل صفة هي غير الصفة الأخرى على مذاهب أهل الحق. وقد اختلف أهل الحق في الصفات: هل يطلق فيها القول بأنها مختلفة؟ وإن كان فيها معنى الاختلاف عندهم ولم يختلفوا أنه لا يقال في الصفات أنها أغيار ولا أنها متماثلة ولا أنها متضادة؛ فبان بهذا الذي وصفناه أن الحالف بصفات جمعها في يمينه لا يكون كمن حلف بأسماء الله وجمعها في يمينه، والصفات يطلق عليها أنها أشياء، وإن كان لا يطلق فيها أنها متغايرة ولا متضادة ولا متماثلة على ما ذكرنا. قال: وينبغي عندي أن يكون الحالف بالعزة والجلال والعظمة إنما يكفر إذا حنث كفارة واحدة؛ لأن ذلك يرجع إلى صفة واحدة وهي القدرة، وكذلك الحالف بالعهد والميثاق إنما عليه كفارة واحدة؛ لأن ذلك يرجع إلى الكلام، وكذلك من حلف بغضب الله ورضاه وسخطه ورحمته؛ لأن هذا ونحوه إنما يرجع إلى الإرادة وليس هذا كمن حلف بالعلم والكلام والقدرة ونحو ذلك؛ لأن هذا لا يرجع إلا صفة واحدة فينبغي
أن يميز هذا. فهذا أصل إذا ركب كان قولاً حسناً وإن كان لا يقتضيه ما في بعض الروايات ولكن هو النظر والله أعلم. وهذا الذي ذكرنا إنما هو في صفات الذات لا في صفات الأفعال؛ لأن الصفات على ضربين: صفات ذات، وصفات أفعال. فصفات ذاته: فعلى نحو ما قدمنا ذكره في العلم والقدرة والكلام. وصفات أفعاله: نحو الخلق والرزق والإحياء والأمانة فلا كفارة على من حلف بشيء من صفات أفعاله. وأما لو قال: والخالق والرازق والمحيي والمميت؛ فهذا حالف بالله فعليه الكفارة وإن كانت تسمية تقتضي صفات الفعل؛ لأن الأسماء على مذاهب أهل الحق على ضروب: فمنها: ما يقتضي صفات الذات. ومنها: ما يقتضي صفات الفعل. ومنها: ما يقتضي إثبات وجود الباري وحقيقته. وهذا مبسوط في كتب أصحاب الأصول، وفيما ذكرنا منه كفاية وبالله التوفيق.
قال ابن المواز: وقد استعظم بعض الناس اليمين بأمانة الله وذكر لنا أن النبي -عليه السلام- نهى عن ذلك ونحن نكره اليمين بها فإن حلف بها ففيها الكفارة مثل العهد والذمة. قال أشهب: إن حلف بأمانة الله التي هي صفة من صفاته فهي يمين، وإن حلف بأمانة الله التي هي بين العباد فلا شيء عليه، وكذلك قال: في عزة الله التي هي صفة اذته، وأما بالعزة التي جعلها الله في خلقه فلا شيء عليه، وكذلك تكلم ابن سحنون في معنى قول الله سبحانه: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون} إنها العزة التي هي غير صفاته التي جعلها في خلقه. قال ابن المواز: ويمينه بالمصحف أو بالكتاب أو بالقرآن أو بما أنزل الله تعالى يمين؛ وفيها كفارة اليمين. قال هو وابن حبيب: كفارة وحدة تجمعها. ابن المواز: ولم ير عطاء [على من حلف بكتاب الله كفارة. قال أبو إسحاق: لعل عطاء أراد أنه حلف باللوحين اللذين فيهما الكتابة ولم يحلف بكلام الله القائم بذاته الذي هو صفة ذاته.
قال غيره: إن الناقل عن عطاء] شك فقال: سئل عن اليمين بالكتاب أو بالكعبة وهذا أشبه أن يجعل الوهم على الناقل. وذكر علي بن زياد عن مالك في العتبية: أن الحالف لا والقرآن لا والمصحف لا يكفر. أو محمد: وهي رواية منكرة والمعروفة عند غيرها. قال سحنون: ومن حلف بالتوراة والإنجيل في كلمة واحدة فإنما عليه كفارة واحدة. م: وكذلك لو حلف بالقرآن والتوراة والإنجيل في كلمة واحدة فإنما عليه كفارة واحدة؛ لأن ذلك كله كلام الله سبحانه وهو صفة من صفات ذاته فكأنه حلف بصفة واحدة فعليه كفارة واحدة واتفاق. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال: لعمر الله لأفعلن كذا؛ فهي يمين. قال عنه ابن المواز: وذلك بمنزلة: وحق الله، ولا يعجبني أن يحلف بذلك أحد. قال فيه وفي المدونة: وقوله: لعمري ليس بيمين.
ابن المواز: وهي تشبه: وحياتي؟: وقيل: إن ذلك في لغة النساء واليمين بذلك مكروهة. ومن المدونة قال مالك: وإن قال: علي عهد الله، أو كفالته، أو ميثاقه، وقال علي عشر كفالات، أو عشر مواثيق، أو عشر نذور، أو أقل أو أكثر؛ لزمه عدد ما ذكر من كفارة. قال مالك: وقوله علي نذر، أو لله علي نذر؛ سواء، وعليه إن حلف بذلك فحنث كفارة يمين إلا أن ينوي بنذره ذلك: صوماً أو صلاة أو حجاً أو شيئاً من أعمال البر فيلزمه ما نوى، وإن لم يكن له نية فكفارته كفارة يمين. [ابن وهب وقال الرسول -عليه السلام-: «ومن نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين»] وقال جماعة من الصحابة والتابعين. وإن قال: علي يمين إن فعلت ولا نية له؛ فعليه كفارة يمين كقوله علي نذر أو عهد. ابن وهب: وقال ابن عباس وجماعة من الصحابة التابعين: من قال علي عهد الله؛ فعليه كفارة يمين. ابن المواز وإن قال: علي نذر لا يكفره صيام ولا صدقة، أو قال: علي نذر لا كفارة له؛ فليستغفر الله ويكفر كفارة اليمين، وقاله الليث.
ابن المواز ولو قال: علي نذر إن فعلت كذا فحنث؛ فعليه ثلاث كفارات، وكذلك إن قال: علي عهود، ولو قال: علي عهد الله وغليظ ميثاقه وكفالته [وأشد ما أخذ أحد على أحد فعليه في قوله عهد الله وغليظ ميثاقه وكفالته] ثلاث كفارات، وأما قوله: أشد ما أخذ أحد على أحد فإن لم تكن نية فليطلق نساءه ويعتق رقبة ويمشي إلى بيت الله ويتصدق بثلث ماله. [ولابن وهب في العتبية: في قوله: وأشد ما أخذ أحد على أحد، قال في ذلك: كفارة يمين]. وفي العتبية: وإن لم يرد الطلاق ولا العتاق وعزله عن ذلك فإنما عليه كفارة يمين. م: وهذا خلاف ما في كتاب محمد. ومن المدونة ومن قال: أقسم أو أشهد أو حلف أو لا أفعل كذا؛ فإن أراد بالله فهي يمين وإلا فلا شيء عليه. وإن قال: أعزم ألا أفعل كذا؛ لم يكن هذا يمين، إلا أن يقول: أعزم بالله، فهذه يمين. وإن قال الرجل: أعزم عليك بالله إلا ما فعلت كذا، فيأبى؛ فهو كقوله: أسألك بالله لتفعلن كذا، فامتنع؛ فلا شيء على واحد منهما.
ابن حبيب: وينبغي له أن يجيبه ما لم يكن معصية وهو من قول الله سبحانه {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} يريد: أن يسأل الله وبالرحم فإن لم يفعل فلا كفارة على واحد منهما. وأما قوله: أقسمت عليك بالله لتفعلن كذا فهذا يحنث الذي أقسم إن لم يجبه الآخر، وهذا كقوله: حلفت عليك بالله. قال سحنون: ومن قال: علم الله إن فعلت كذا، فإن أراد العلم فهي يمين كالحالف بصفة من صفات الله، وإن لم يرد العلم فليس فيه شيء. قال أشهب في العتبية: ومن قال لغريمه: الله يعلم إذ لا أضع لك من حقيق شيئاً فوضع له. قال: لو كفر بإطعام عشرة مساكين. قال أبو محمد: قال بعض أصحابنا: في معاذ الله؛ ليست يمين إلا أن يريد بها اليمين. وقيل في معاذ الله وحاشا لله: ليست يمين بحال.
ومن المدونة قال ابن القاسم: فيمن قال: علي حرام إن فعلت كذا، قال: قال مالك: لا يكون الحرام في شيء؛ لا في طعام ولا في شراب ولا في أم ولد إن حرمها على نفسه ولا في خادم ولا عبد ولا في غيره إلا أن يحرم امرأته فيلزمه الطلاق. ابن وهب: وذكر زيد بن أسلم أن النبي -عليه السلام- قال لأم ولده: «أنت علي حرام والله لا أمسك» فكر عن يمينه ولا يكفر لتحريمه. قال مسروق: عاتبه الله في التحريم وأمره بالكفارة في اليمين. فصل قال مالك: ومن قال: إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو كافر بالله أو بريء من الإسلام؛ فليست هذه أيمان، وليستغفر الله مما قال، ولا يكون كافراً حتى يكون قلبه مضمراً على الكفر وبئس ما قال. قال في العتبية: قال ابن مسعود: ما أحب أن أحلف: ألا أعبد هذا، إن البلاء موكل بالقول.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال: والصلاة والصيام والزكاة والحج لا أفعل كذا ففعله، لم يكن شيء من هذا يميناً. وإن قال: إن فعلت كذا فهو زانٍ أو سارق أو يأكل لحم الخنزير أو الميتة أو يشرب الخمر أو الدم أو يترك الصلاة وعليه لعنة الله أو غضبه أو أحرمه الله دخول الجنة أو أدخله النار وكل ما دعا به على نفسه لم يكن شيئاً من هذا يميناً. وكذلك قوله: وأبي وأبيك وحياتي وحياتك وعيشي وعيشك، قال مالك: هذا من كلام النساء وضعفاء الرجال. قال: وأكره اليمين بهذا أو بغير الله تعالى. ابن وهب: وسمع النبي -صلى الله عليه وسلم- من يقول: لا وأبي، فقال النبي -عليه السلام-: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت». قال مالك وبلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: رغم أنفي لله، الحمد لله الذي لم يمتني حتى قطع مدة الحجاج. قال مالك: وما يجعبني أن يقول أحد: رغم أنفي لله، ومن كان حالفاً فليحلف بالله.
ابن حبيب: كره ذلك مالك، ولا بأس أن يتأسى بعمر بن عبد العزيز في مثل هذا. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف ذمي بالله فحنث بها بعد إسلامه فلا كفارة عليه عند مالك. وقد تقدم أن الاستثناء واللغو جائز في النذر والعهد والميثاق كاليمين بالله. فيمن نذر طاعة أو معصية، أو حلف: لا فعلت كذا، أو ليفعله قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». ابن وهب: ورأى النبي -عليه السلام- وهو يخطب أبا إسرائيل رجلاً من بني عامر قائماً في الشمس فقال: «ما شأنه؟» قالوا: نذر ألا يتكلم ولا يستظل ولا يجلس وأن يصوم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مروه فليتكلم وليستظل وليجلس وليتم صومه».
قال مالك: فأمره أن يتكلم، ويتم ما كان لله فيه طاعة، وأن يترك ما كان فيه معصية، ولم يأمره بكفارة. وقال النبي -عليه السلام-: «من نذر نذراً ولم يسمه فكفارته كفارة اليمين». وقال ابن عمر وابن عباس فيمن نذر ألا يدخل على أخيه: لا نذر في معصية؛ كفر عن يمينك وادخل على أخيك. م: يريد أنه قال: علي نذر إن دخلت على أخي فلذلك أمره بالكفارة، وأما لو نذر أن لا يدخل عليه فهذا يدخل ولا يكفر والله أعلم. قال ابن المواز: ومن قال: إن شفاني الله من مرضي فعلي أن لا أقرب امرأتي حتى أحج أو أغزوا أو أصوم؛ فإنه يطأ امرأته ويحج أو يغزو أو يصوم وليس في تركه وطء امرأته طاعة. ومن المدونة قال ابن القاسم: فيمن نذر أن يطيع الله في صلاة أو صوم أو حج أو غزو أو رباط أو عتق أو صدقة شيء يسميه أو فعل شيئاً من الخير تطوع بذلك الخير أو حلف به فحنث؛ فلا يجزيه إلا الوفاء به.
وإن قال: علي نذر إن لم أعتق رقبة أو لم أفعل كذا من البر، فإن شاء فعله فبر، وإن شاء تركه وكفر كفارة يمين. وإن ضرب لفعله أجلاً فجاوزه ولم يفعل ما حلف عليه؛ فعليه كفارة يمين إلا أن جعل لنذره مخرجاً من البر؛ مثل قوله: علي نذر صدقة دينار أو عتق رقبة أو صيام شهر إن لم أحج العام أو أغزو العام أو نوى ذلك وما أشبهه فيفوت الأجل ولم يفعل ذلك؛ فيجب عليه ما نذر وسمى. ابن المواز وإن قال: علي نذر أن أصوم العام رمضان بالمدينة فإن لم يفعل لشغل أو نسيان؛ لزمه ذلك من قابل، وإن حبسه عن ذلك مرض فلا شيء عليه، وكذلك إن قال: علي نذر أن أحج العام، فهو مثل الذي يقول: علي صيام شهر كذا،
فإن ترك صومه لمرض أو إغماء أو حيض فلا شيء عليه، وإن تركه لشغل أو تعمد فعليه قضاء ذلك. قيل: فإن تركه حتى كبر وأيس من الصوم؟ قال: يطعم عن كل يوم مسكيناً لأنه مفرط. ومن المدونة: وإن قال علي نذر إن لم أشرب الخمر أو أقتل فلاناً ونحوه من المعاصي؛ فلا يفعل ذلك ويكفر كفارة يمين إلا أن يجعل لنذره مخرجاً من البر فيؤمر أن يفعل ما سمى من البرد ولا يركب معاصي الله، فإن اجترأ وفعل ما قال من المعصية؛ فقد أثم وسقط عنه النذر كان له مخرج أو لم يكن. وإن قال: علي نذر شرب الخمر أو أن أشرب الخمر أو أن لا أشربها؛ فلا يشربها ولا كفارة عليه شربها أو لم يشربها. وإن قال: علي نذر إن شربت الخمر فلا يشربها ولا كفارة عليه، وهو على بر، فإن شربها فعليه كفارة يمين إلا أن يجعل لنذره مخرجاً من البر فيلزمه. م: فهذه خمسة أوجه ترجع إلى أربعة معان: الأول: جعل على نفسه نذراً إن لم يشربها. والثاني: جعل عليه نذراً إن شربها. والثالث: نذر شربها. والرابع: نذر أن لا يشربها.
قال ابن القاسم: ومن نذر ما ليس فعله بطاعة ولا تركة معصية مثل: المشي إلى السوق ونحوه فإن شاء فعل وإن شاء ترك. فصل ومن قال: والله لأضربن فلاناً أو لأقتلنه؛ فليكفر عن يمينه ولا يفعل، وإن فعل ما حلف عليه فلا كفارة عليه. وإن قال: امرأته طالق، أو عبده حر، أو عليه المشي إلى بيت الله إن لم أقتل فلاناً أو إن لم أضربه؛ فليمش إلى بيت الله ولا يضربه ولا يقتله، وأما العتق والطلاق: فينبغي للإمام أن يطلق عليه ويعتق إن دفع إليه ذلك بالقضاء ولا ينتظر به فيئته، فإن اجترأ ففعل ذلك قبل النظر فيه زالت عنه أيمانه ولا حنث عليه، وإن ضرب لفعله بالطلاق والعتق والمشي أجلاً فهو على بر، وإنما يحنث إذا حل الأجل ولم يفعل ذلك. م: ولا يطلق عليه الإمام يعتق عبد بغير عينه؛ لأنه لا ينفع تعجيل الحنث فيما هو فيه على بر إذ ذاك غير معين؛ وقد قال
فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أتزوج عيك إلى شهر: أنه على بر وله وطأها وليس له أن يحنث نفسه قبل الأجل؛ لأنه إنما يحنث إذا حل الأجل ولم يفعل ما حلف عليه ولو كانت يمينه في المسألة الأولى بالثلاث أو ببقية الثلاث أو يعتق عبداً بعينه لعجل الحنث عليه؛ لأن ذلك معين يصح تعجيل الحنث فيه وأن لا يترك للبر بقتل المحلوف عليه، ألا ترى أن من حلف بطلاق امرأته ألا يطأ امرأة له أخرى؛ فأراد تعجيل الحنث لزوال الإيلاء إنما ينفعه ذلك إذا كانت يمينه بالثلاث أو ببقية الثلاث قاله محمد فكذلك هذا. وإذا لم يضرب أجلاً ي هذه المسألة نفع تعجيل الواحدة؛ لأنه على حنث، كمن حلف بطلاق امرأته واحدة ليتزوجن عليها؛ فله أن يحنث نفسه ويطلقها واحدة ولا يتزوج عليها؛ لأنه في يمينه على حنث وهذا الصحيح من المذهب، وإن كان قد وقع لمالك في كتاب الظهار: فيمن حلف بعتق رقبة أن لا يطأ امرأته فأخبر أن الإيلاء وقع عليه فأعتق رقبة إرادة إسقاط الإيلاء قال مالك: أحب إلي أن يعتق بعد الحنث وإن أعتق قبله أجزأه ولا إيلاء عليه.
م: قال ابن المواز: وقد قال أيضاً مالك: لا يجزيه ذلك إلا في رقبة معينة، وهو الصواب إن شاء الله تعالى. وفي أول باب الكفارة إيعاب هذا. وفي كتاب الأيمان بالطلاق مسألة: الذي حلف لو كنت حاضر الشرك مع أخي لفقأت عينك؛ أنه حانث وهناك تمامها. ابن حبيب: ومن زم ثوب رجل فقال: له أرسله، فامرأته طالق لو شققته لشققت جوفك، قال مالك: فليحلف بالله إن فعل لفعل ثم لا شيء عليه. وقال ابن القاسم: لا يعجبني، وهو حانث كالذي حلف لو كنت حاضر الشرك مع أخي لفقأت عينك. ومن المدونة: قال مالك: ومن قال لامرأته: والله لأطلقنك؛ فليس بمولي ولا يمنع من الوطء فإن شاء طلق فبر في يمينه وإن لم يطلق لم يحنث إلا بموته أو موتها ولا يجبر على الكفارة.
وإن قال لها: أنت طالق إن لم أفعل كذا حيل بينه وبينها حتى يفعل ذلك وإلا دخل عليه الإيلاء، وإن كانت يمينه: لا فعلت؛ لم يحل بينه وبينها حتى يفعل ذلك؛ لأنه على بر حتى يفعل ذلك فيحنث. وكذلك إن قال: والله لا أضرب فلاناً فلا يحنث حتى يضربه. وأصل هذا: أن كل من حلف على شيء ليفعلنه فهو على حنث حتى يفعله لأنا لا ندري أيفعله أم لا، وإن من حلف على شيء أن لا يفعله فهو على بر حتى يفعله. قال بعض البغداديين: وإنما كان ذلك لأن الأيمان مترددة بين البر والحنث؛ فالبر بالموافقة، والحنث بالمخالفة؛ لأنه إذا حلف لا فعلت كذا فهو وقت حلفه غير فاعل فهو على بر؛ لأنه موافق لما حلف عليه، وإنما الحنث مترقب، فإذا فعل حنث؛ لأنه المخالفة حينئذ وجدت وكذلك قوله: إن فعلت، وأما قوله: إن لم أفعل أو لأفعلن فالمخالفة موجودة وقت الحلف لأنه إن قال: إن لم أضرب عبدي فهو في الحال غير ضارب فهو على حنث؛ لأنه مخالف لحلفه والبر مترقب فإذا فعل بر.
في اليمين على أشياء متفقة أو مختلفة ففعل بعضها فالكفارة في ذلك في تكرير اليمين، ومن حلف لأقضينك حقك إلى حين أو زمان أو دهر قال ابن القاسم: ومن قال لنسائه الأربع والله لا أجامعكن فجامع واحدة منهن حنث وله أن يطأ البواقي قبل أن يكفر كما كان له وأن يطأهن كلهن قبل أن يكفر. قال مالك: وإنما يلزمه إذا وطئ إحداهن أو كلهن كفارة واحدة، وكذلك لو قال: [والله لا أكلم فلاناً ولا أدخل دار فلان ولا أضرب فلاناً ففعل ذلك كله أو بعضه فإنما عليه كفارة واحدة وكأنه قال: والله لا أقرب شيئاً من هذه الأشياء و] لو قال: والله لا أكلم فلاناً والله لا أدخل دار فلان والله لا أضرب فلاناً فعليه هاهنا لكل صنف فعله كفارة؛ لأن هذه ثلاثة أيمان بالله على أشياء مختلفة ولو كانت يمينه على شيء واحد لكانت عليه كفارة واحدة كمن قال: لامرأته والله لا أجامعك والله لا أجامعك، والله لا أجامعكم فحنث؛ فإنما عليه كفارة واحدة. [قال ابن القاسم: فكل من حلف بالله ألا يفعل كذا ثم رد فحنث فإنما عليه كفارة واحدة].
قال ابن القاسم: فكل من حلف بالله ألا يفعل كذا ثم ردد اليمين في ذلك مراراً في مجلس واحد أو في مجالس ثم فحنث فكفارة واحدة تجزئه عن ذلك نوى باليمين الثانية غير الأولى والثالثة غير الأولى والثانية أو لم ينو شيئاً، فهي يمين واحدة إلا أن ينوي أن عليه ثلاثة أيمان كالنذور فتلزمه ثلاث كفارات سواء قال في يمينه: لله علي أم لا. قال ابن المواز: وذلك أن ينوي ثلاث كفارات فيلزمه ذلك، وأما من قال: لله علي ثلاث نذور فحنث فعليه ثلاث كفارات، وكذلك إن قال: علي نذر إن فعلت كذا، ثم قال: علي نذر إن فعلت كذا، ففعل؛ فعليه كفارتان إلا أن يريد بقوله الآخر النذر الأول فتلزمه كفارة واحدة. م: وهذا كاليمين بالطلاق لو قال: إن كلمت فلاناً فامرأته طالق ثم قال: إن كلمته فامرأته طالق ثم كلنه؛ لزمه طلقتان إلا أن يريد واحدة، وذلك أن الطلقة الأولى غير الثانية وكذلك النذر الأول غير الثاني، فلذلك لزماه جميعاً وفي اليمين بالله تعالى المحلوف به أولاً هو المحلول به آخراً فهذا فرق ما بينهما.
قال ابن المواز: ومن حلف بالله لا فعلت كذا، فقيل له: إنك ستحنث، فقال: والله لا أحنث، ثم حنث فعليه كفارتان. قال: ومن حلف لا باع سلعته هذه من فلان فقال له آخر: فأنا، فقال: لا والله لا أنت، فباعها منها جميعاً فعليه كفارتان، وفي الطلاق طلقتان، ولو باعها من أحدهما ثم ردها عليه فباعها من الثاني فعليه كفارتان قاله مالك وابن القاسم. ولو قال: والله لا بعتها من فلان ولا من فلان فكفارة واحدة تجزيه، باعها منهما أو من أحدهما أو ردها عليه فباعها أيضاً من الآخر فهو سواء. ومن المدونة: قال مالك: ومن قال والله لا أكلم فلاناً، ثم قال: علي حجة أو عمرة إن كلمته فهما يمينان إن حنث لزمتاه جميعاً. قال: ومن حلف ألا يكلم فلاناً عشرة أيام فكلمه فيها فحنث ثم كلمه فيها مراراً قبل أن يكفر أو بعد؛ لم تلزمه إلا كفارة واحدة. ومن العتبية: قال ابن القاسم: [ومن قال: والله لا كلمتك غداً أو والله لا كلمتك بعد غد فكلمه في اليومين فعليه كفارتان وإن كلمه في أحدهما فكفارة واحدة]، ولو قال:
والله لا كلمتك غداً والله لا كلمتك غداً ولا بعد غد فكلمه غداً لزمته كفارتان ثم إن كلمه بعد غد فلا شيء عليه ولو لم يكلمه غداً وكلمه بعد غد فإنما عليه كفارة واحدة. م: ووجه ذلك أنه لما حلف ألا يكلمه [غداً فقد انعقدت عليه في غد يمين فيها، ثم لما حلف ألا يكلمه] في غد ولا بعد غد فقد انعقدت عليه في بعد غد يمين غير اليمين الأولى؛ لأنه لما أضافها مع بعد غد ويمينه في بعد غد منعقدة وجب انعقادها عليهما جميعاً؛ لأنه لا يكون يمين منعقدة غير منعقدة، وهذا كمن قال لامرأته: إن تزوجتك فأنت طالق، ثم قال لها ولنساء معها: إن تزوجتكن فأنتن طوالق فإنه إن تزوجها لزمته طلقتان ولا ينوي؛ لأن اليمين الثانية انعقدت عليها مع غيرها فهي غير الأولى فلا ينوي أنه أراد الأولى بها، كما لو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: لها إن كلمت زيداً فأنت طالق فحنث؛ ففيهما طلقتان، ولا ينوي أنه أراد باليمين الثانية الأولى، وكذلك يلزمه في اليمين بالله كفارتان. ووجه قولنا: ثم إن كلمة بعد غد فلا شيء عليه لأني عجلت حنثه في ذلك بكلامه في غد، كما لو كانت يمينه: والله لا كلمتك غداً ولا بعد غد فكلمه في غد فعليه كفارة ثم إن
كلمة بعد غد فلا شيء عليه؛ لأني قد عجلت حنثه فيهما فلا يتكرر عليه الحنث في يمين واحدة؛ [وهذا بين. ووجه قولنا: ولو لم يكلمه غداً وإنما كلمه بعد غد فإنما عليه كفارة واحدة]؛ لأنه حلف ألا يكلمه فيها وقد كلمه فوجب حنثه. م: ولو كان إنما قال: والله لا كلمتك غداً أو بعد غد، ثم قال: والله لا كلمتك غداً وكلمه في غد؛ فهذا إنما عليه كفارة واحدة؛ لأنه إنما كرر اليمين في كلامه في غد فهو كما لو كرره فيهما جميعاً فقال: والله لا كلمتك غداً ولا بعد غد فكلمه في غد أو بعد غد؛ فإنما عليه كفارة واحدة، فهو بخلاف أن لو قال: والله لا كلمتك غداً ووالله لا كلمتك غداً ولا بعد غد فاعرفه وقيس عليه ما يرد عليك منه فإنه خفي من العلم، وقد اختلف في الوجه الأول أصحابنا؛ والذي اتفق عليه الحذاق والمحققون للمسائل ما قدمت لك وبالله التوفيق.
فصل ومن المدونة: قال مالك: ومن قال: والله لأقضينك حقك إلى حين وزمان أو دهر فذلك كله سنة. وقال ابن وهب: إن مالكاً شك في الدهر أن يكون سنة. وقال ابن عباس فيمن حلف ألا يكلم فلاناً حيناً قال: الحين سنة، وتلا: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}. وقاله ربيعة وابن حبيب. وقال ابن المسيب: الحين ستة أشهر من طلوع النحل إلى حين ترطب. وروى مطرف عن مالك أن الدهر: أكثر من سنة. وقال مطرف: وسنتان قليل، وما أوقت فيه وقتاً. تم كتاب النذور الأول بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على محمد وآله.
كتاب النذور الثاني بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلام جامع القول في كفارة اليمين بالله تعالى للحر والعبد قال الله تعالى في كفارة اليمين بالله وهي التي أذن في اليمين بها: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} إلى قوله {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} فجاز أن يطعم في الكفارة الوسط من المشبع وهو مد بمدة النبي عليه السلام، ولم يذكر في الظهار وسطاً، فعملنا فيه على الغاية وذلك مد بمد هشام وهو مدين إلا ثلث. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير». وروي: «فليأت الذي هو خير وليكفر». قال ابن وهب: وكان ابن عمر ربما قدم الكفارة ثم حنث وربما حنث ثم كفر
قال ابن القاسم وابن وهب: وهذا الذي استحب مالك أن يكفر بعد حنثه وإن كفر قبل أجزأه. قال ابن القاسم: واختلفنا في الإيلاء أيجزئ عنه إذا كفر قبل الحنث أم لا، فسألنا مالكاً عن ذلك؟ فقال: أعجب إلي أن يكفر بعد الحنث، وإن كفر قبله أجزأه، واليمين بالله أيسر من الإيلاء فهو أحرى أن يجزئ. قال ابن القاسم: وإن كفر بالصوم معسر قبل حنثه ثم حنث بعد يسره فلا شيء عليه وهو مجزئ عنه. ابن المواز قال ابن القاسم: ومن حلف بالله فأراد أن يكفر قبل الحنث فأما في يمينه لا أفعل كقوله: والله لا أكلم فلاناً؛ فأحب إلي أن يكفر بعد الحنث، فإن كفر قبله أجزأه لما جاء فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن ابن عمر وذكر الحديث. قال: وأما في يمينه لأفعلن كذا كقوله: والله لأضربن فلاناً، أو لأكلمنه فإن لم يضرب أجلاً فله أن يكفر ولا يفعل، وإن ضرب أجلاً فلا يكفر حتى يمضي الأجل،
كقول مالك فيمن قال: امرأته طالق واحدة إن لم يتزوج عليها أنه يطلقها واحدة ويرتجعها ولا شيء عليه، وإن ضرب أجلاً فقال لها: أنت طالق إن لم أتزوج عليك إلى شهر؛ فهو على بر ويطؤها ولا يطلقها حتى يأتي الأجل بحنثه. وقد قيل في يمينه والله لأفعلن سواء ضرب أجلاً أو لم يضربه، إن له أن يكفر قبل الأجل ولا يفعل كيمينه لا أفعل كذا الذي هو فيه على بر، وكذلك من قال لامرأته: انت طالق طلقة إن لم أتزوج عليك وسواء وقت أجلاً أو لم يوقته، وكذلك في يمينه بالمشي أو بالعتق أو بالصدقة له أن يحنث نفسه ضرب أجلاً أو لم يضربه. وقال ابن المواز: ولا يجوز أن يحنث نفسه إذا ضرب أجلاً؛ لأن الأجل يأتي بحنثه وقال لي عبد الملك وأصبغ، وهو قول ابن القاسم إلا أن يكون يمينه بالله فله أن يكفر قبل الحنث، والمستحب أن يكفر بعده، لأن الأشياء لا تقضي إلا بعد وجوبها وقاله مالك. فصل ومن المدونة قال مالك: وإذا حنث العبد في اليمين بالله تعالى فالصوم له أحب إلى، وإن كسا أو أطعم بإذن سيده بما هو بالبين وفي قلبي منه شيء.
قال ابن القاسم: فإن فعل رجوت أن يجزئ عنه. م: إنما استحب مالك للعبد الصوم لأنه غير مستقر الملك إذ للسيد انتزاع ماله ومنعه من التصرف فيه بالهبة والصدقة فهو بخلاف الحر في ذلك فلذلك منعه من الإطعام وإنما قال: وإن أطعم بإذن سيده فما هو بالبين، فلأن السيد أملك بماله عند كأنه هو المكفر عنه إذ لم يمكنه من ذلك إلا إلى الكفارة وتدخل هذه الكراهية فيمن كفر عن رجل بإذنه؛ لأنه لم يخرجه عن ملكه إلى بشرط كونه للمساكين فضارع ذلك شراء الرقبة بشرط العتق وإنما أجاز ابن القاسم الكفارة عن الرجل بإذنه؛ لأن النبي -عليه السلام- أعطى الواطئ في رمضان عرقاً من تمر فقال: «خذ هذا وتصدق به» وكان عديماً فكأنه لم يملكه إياه إلا ليتصدق به. قال ابن حبيب: إذا أذن السيد لعبده أن يكفر بالإطعام أو الكسوة فترك ذلك وصام ولم يجزئه لأنه بالإذن خرج من أهل الصيام. قال أبو محمد: وذلك يجزئه على مذهب المدونة، وإذن السيد ضعيف. م: قال بعض شيوخنا: وإن أذن السيد لعبده في الإطعام ثم بدا له قبل أن يطعم كان له ذلك.
م: لأنه باق في ملكه حتى يخرجه؛ لأنه لو ضاع ماله كانت الكفارة باقية عليه، فلما كان ذلك باقياً في ملكه جاز للسيد انتزاعه ومنعه من التصرف فيه، وسواء عندي كان العبد قد حنث ووجبت عليه الكفارة أم لا للعلة التي قدمنا. وقال بعض فقهائنا: إذا كان العبد قد حنث ووجبت عليه الكفارة لم يكن له منعه منه بعد الإذن ويصير ذلك كالنذر ينذره فيأذن له السيد أن يفعله فليس له أن يمنعه. م: إن كان نذراً بصدقة فله منعه منه والله أعلم. ومن المدونة قال ابن القاسم: وأما العتق فلا يجزئه في شيء من الكفارات وإن أذن له سيده إذ الولاء لسيده وصومه وفعله في كل كفارة كالحر. م: لأن الله تعالى قال: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} ولم يفضل بين حر ولا عبد ولا رجل ولا امرأة فكان ذلك على عمومه فتساووا فيها وإنما يختلف أمرهما في الحدود والطلاق والأجل في الإيلاء والاعتراض والفقر فله في ذلك كله نصف ما للحر وذلك أن الله تعالى قال في الحدود: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} والطلاق
من معنى الحدود، ويجر إلى ما يجر إليها، وأجل المولى وغيره يجر إلى الطلاق، وإنما ألزم العبد طلقتين والأمة في العدة حيضتين؛ لأن الواحدة من ذلك لا تنقسم. ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو حنث العبد في رقة ثم كفر بالعتق بعد أن عتق أجزأه. فصل قال مالك: وليس عليه أن يغربل الحنطة في ك فارة اليمين بالله إلا أن تكون مغلوثة بتبن أو تراب فتغرب. والإطعام في ذلك مد قمح لكل مسكين عندنا بالمدينة؛ لأنه وسط عيشهم فأما سائر البلدان فإن لهم عيشاً غير عيشنا فليخرجوا وسطاً من عيشهم؛ كما قال الله تعالى. وقال ابن القاسم: حيث ما أخرج مداً بمد النبي -عليه السلام 0 - أجزأه. وكان ابن عمر يكفر عن يمينه [بإطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد من حنطة] وكان يعتق المرار إذا وكد اليمين. ابن وهب: وكان يطعم مداً لكل مسكين: ابن عمر وابن عباس وابن عياش بن أبي ربيعة وجماعة من الصحابة والتابعين.
ابن المواز: وهذا بالمدينة لقصدهم ولبركة دعوة النبي -عليه السلام- في مدهم وصاعهم، ولو كفر به أحد في سائر الأمصار رجوت أن يجزيه. وأفتى ابن وهب بمصر بمد ونصف، وأفتى أشهب بمد وثلث. وقال ابن المواز: بمد وثلث وسط من عيش أهل الأمصار في الغداء والعشاء. قيل لمحمد: فما جاء أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أعطى أكثر من ذلك؟ فقال: وإن كان فلم يقل عمر أنه لا يجزئ إلا هذا، وإنما يقتدي بالأقل في مثل هذا، كمن كان عليه صيام ثلاثة أيام فصام ستة فكذلك من أطعم أكثر مما وجب عليه، فمد لكل مسكين يجزئه، وما فضل ثوابه له إن شاء الله. قال ابن المواز: ولا يعطي الذرة وهو يأكل الشعير ولا الشعير وهو يأكل البر ولو أعطى الشعير وهو يأكل الذرة أجزأه، وليس الذرة كالشعير ولا الشعير كالبر، وليعط من ذلك قدر ما بين ذلك وبين البر في الشبع، فإن أطعم خمسة مساكين البر ثم إلا السعر، أو انتقل إلى بلد عيشهم الشعير فأطعم خمسة من الشعير أجزأه.
ومن المدونة: ولا يجزئه عند مالك أن يخرج قيمة الطعام عرضاً. قال مالك: وإن غدا أو عشا في كفارة اليمين بالله أجزأه. وقاله القاسم وسالم. قال مالك: ولا يجزئ غداً دون عشاء ولا عشاء دون غداء، قال: ويطعم الخبز مأدوماً بزيت ونحوه. قال ابن حبيب: ولا يجزئه الخبز قفاراً ولكن بإدام زيت أو لبن أو لحم. قال ابن عباس: أعلاه اللحم وأوسطه اللبن وأدناه الزيت. قال: وإذا أعطي من الخبز؛ يريد: قفاراً قدر ما يخرج من كيل الطعام أجزأه في الفطرة والكفارة التي يطعم فيها طعاماً مصنوعاً وأما في الظهار وفدية الأذى فلا يجزيه. ومن المدونة قال مالك: ويعطي الفطيم من طعام الكفارة. قال ابن القاسم في كتاب الظهار ويعطي ما يعطى للكبير، وكذلك قال في العتبية يعطي الصغار من الطعام والكسوة مثل ما يعطي الكبير. ومن المدونة قال مالك: ومن عليه يمينان فأطعم عن واحدة مساكين فأراد أن يعطيهم أيضاً عن يمينه الأخرى مكانه أو بعد أيام فلا يعجبني ذلك وإن لم يجد غيرهم فليطلب سواهم.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: فإن فعل أجزأه إذا لم يجد غيرهم. م: حكي عن أبي عمران الفاسي أنه قال: قال أبو محمد: إنما ذلك لئلا تختلط النية في الكفارتين، وأما لو صحت النية في كل كفارة وخلصت كل كفارة من الأخرى لجاز، وصوبه أبو عمران. ومن المدونة قال يونس بن عبيد: إلا أن تحدث عليه اليمين الثانية بعد ذلك؛ فليعطهم في غد إن شاء الله. قال ابن القاسم: ولا يعطي شيئاً من الكفارات لذمي أو عبد أو أم ولد لرجل وإن كان سيدهم محتاجاً فإن فعل وأعطي منها لمن فيه بقية رق ولم يعلم لم يجزه، وكذلك
الكسوة ولا يعطي إلا لحر مسلم فقير وإن أعطي لغني ولم يعلم به لم يجزه. وفي الأسدية: إذا أعطى غنياً زكاة أو كفارة وهو لا يعلم به أنه يجزيه. ومن المدونة قال مالك: ويعطى منها من له دار وخادم لا فضل في ثمنها عن سواهما كما يعطى من الزكاة. قال مالك: ولا يعجبني أن يعطي منها لذي قرابة منه لا تلزمه نفقته فإن فعل أجزأه إن كان محتاجاً، وكذلك الزكاة وجميع الكفارات.
قال حماد بن زيد: يعطي منها أخاه إن لم يكن في عياله، ويعطي لقرابته إلا الغني منهم، وأما الأب -يريد: ومن تلزمه نفقته- فلا يعطيه. فصل قال مالك: ومن حلف بالله فحنث فهو مخير في إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة مؤمنة ولا تجزئه الصوم وهو قادر على شيء من هذا كما قال الله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} وقال ذلك يحي بن سعيد وابن شهاب.
قال ابن عباس وابن المسيب وغيرهما: كل شيء في القرآن فيه أو فصحابه مخير أي ذلك شاء فعل. قال ابن عباس: وما كان فمن لم يجد يبدأ بالأول فالأول. قال مالك: وإذا لم يقدر وكان من أهل الصوم صام ثلاثة أيام فإن تابعها فحسن وإن فرقها أجزأه، وكان أبي ابن كعب يقرأ: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَات}.
ابن مهدي: وكذلك في قراءة عبد الله، وكان عطاء وغيره لا يرى بتفريقهن بأساً. قال مالك: وإن أكل أو شرب في صومها ناسياً قضاه، وإن حاضت فيه امرأة بنت إذا طهرت. قال ابن القاسم: ولا يجزئه صوم الكفارة في أيام التشريق إلا أن يصوم آخر يوم منها فعسى أن يجزئه وما يعجبني أن يصومه، فإن صامه أجزأه، وذلك كناذر صومها أنه لا يصوم إلا اليوم الرابع منها. قال ابن المواز: لا يجوز صومها وعليه قضاؤها، وقد سماها النبي -عليه السلام- أيام أكل وشرب. وقال أشهب قال: وقد نهى النبي -عليه السلام- عن صيام أيام منى.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يجزئه الصوم وله مال غائب وليتسلف. قال ابن المواز: قال أشهب: وقيل: إن كان مجيء الدين قريب انتظر، وإن وجد من يسلفه تسلف، وإن كفر بالصيام ولم ينتظر دينه؛ أجزأه الصوم. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كان له مال وعليه دين مثله؛ أجزأه الصوم ولا يجزيه الصوم إن كان يملك داراً أو خادماً وإن قل ثمنهما كالظهار. ابن المواز قال مالك: لا يصوم الحانث حتى لا يجد إلا قوته أو يكون في بلد لا يعطف عليه فيها. وقال ابن مزين عن ابن القاسم: إن كان له فضل عن قوت يوم ما يطعم أطعم إلا أن يخاف الجوع وهو في بلد لا يعطف عليه فيها فليصم.
فصل ومن المدونة قال مالك: وإن كسا في الكفارة لم يجزئه إلا ما تحل الصلاة فيه ثوب للرجل، ولا يجزئ عمامة وحدها. ابن مهدي: وقال سعيد بن المسيب: عمامة يلف بها رأسه وعباءة يلتحف بها. ابن حبيب: يكسى قميصاً أو إزاراً يبلغ أن يلتف به مشتملاً. ومن المدونة قال مالك: وتكسى المرأة درعاً وخماراً. قال ابن القاسم في العتبية: وإن كسا صغار الإناث فليعط درعاً وخماراً كالكبيرة والكفارة واحدة لا ينقص منها الصغير ولا يزاد فيها الكبير. قال عنه ابن المواز: ولا يعجبني كسوة المراضع على حال، وأما من أمر منهم بالصلاة فلا بأس أن يكسوه قميصاً بما يجزيه. محمد: يعطيه كسوة رجل. وقال أشهب: يعطي الإناث منهن إذا لم يبلغن الصلاة؛ ثوب رجل لكل واحدة فإذا بلغن وحضن فمثل النساء درعاً وخماراً.
فصل ومن المدونة قال مالك: ولا يجزئ أن يعتق في شيء من الكفارات إلا رقبة مؤمنة سليمة، ولا يجزئ من ليس بمسلم، ولم يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- القائل: علي رقبة بعتق السوداء حتى قال: لها «أتشهدين أن لا إله إلا الله؟» فقالت: نعم، فقال: «أتشهدين أني محمد رسول الله؟» قالت: نعم، قال: «أفتوقنين بالبعث بعد الموت؟» قالت: نعم، قال: «اعتقها». وسئل -عليه السلام-: أي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها». وسئل مالك عمن أعتق صغيراً في كفارة اليمين بالله؟ فقال: عتق من صلى وصام أحب إلي فإن أعتق فطيماً أو رضيعاً لقصر النفقة رجوت أن يجزئه، وكذلك إن أعتق أعجمياً. قال سحنون: بعد إجابة الأعجمي إلى الإسلام. قال ابن المواز في كتاب العتق: وروي عن ابن القاسم: إن أعتق أعجمياً قبل أن يسلم؛ فإن كان ممن يجبر على الإسلام أجزأه. وقال أشهب: لا يجزئه حتى يجيب إلى الإسلام.
قال ابن المواز: وهذا أحب إلينا وهو مع ما روي عن مالك في عتق الأعجمي من قصر النفقة. قيل: يعتق الصغير أبواه كافران ولم يبلغ أن يصلي ويصوم؟ قال: أجاز ابن القاسم إذا كان يريد أن يدخله في الإسلام. ومن المدونة قال: ويجزئ في عتق كفارة اليمين بالله تعالى ما يجزئ في الظهار، وواجب الرقاب. قال النخعي: يجزئ الرضيع في كفارة القتل. قال ابن القاسم: ولا يجزئ مدبر ولا مكاتب ولا أم ولد ولا معتق إلى أجل عند مالك، ولا يجزئ أقطع اليد أو الرجل الواحد، وأما الأعرج فقد كرهه مالك مرة وأجازه مرة أخرى، وآخر قوله: لا يجزئ إلا أن يكون عرجاً خفيفاً. قال ابن شهاب: ولا يجوز عتق الأعمى ولا مجنون ولا أبرص. قال عطاء: ولا أشل ولا صبي لم يولد في الإسلام. قال هو وربيعة: ولا يجزئ إلا رقبة مؤمنة صحيحة سليمة. ومن كتاب الظهار: ولا يجزئ أقطع اليد الواحدة أو أصبعين أو أصبح أو الإبهامين أو الأذنين أو الأجذم أو الأبرص أو الأصم أو الأعمى ولا مفلوج يابس الشق، وأجاز غيره مقطوع الأصبع الواحدة أو من به برص خفيف، وأجاز مالك عتق الأعور في الظهار، وقاله النخعي والحسن.
ابن المواز: وقال عبد الملك: لا يجزئ الأعور. قال ابن المواز: وأجاز أشهب عتق الأصم. محمد: واختلف في عتق الخصي: فقيل: يجوز. وقيل: لا يجوز. ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يعجبني عتق الخصي في شيء من الكفارات. قال مالك: ولا يجزئ أن يعتق أباه أو ولده أو من يعتق عليه إذا ملكه من ذوي القرابة كولد الولد والأجداد والأخوة؛ لأنه لا يقع عليه ملك، إنما يعتق عليه باشترائه إياه. قال مالك: ولا أحب أن يعتق في واجب إلا ما كان يملكه بعد ابتياعه ولا يعتق عليه. قال في كتاب الظهار: وكذلك عبد قال: إن اشتريته فهو حر فاشتراه فأعتقه عن ظهاره فلا يجزئه. قال ابن المواز: ولو قال: إن اشتريته فهو حر عن يميني أو عن ظهاري أجزأه إن اشتراه لما ذكرنا. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اشترى زوجته وهي حامل منه فأعتقها قبل أن تضع في شيء من الكفارات لم يجزئه؛ لأن مالكاً قد جعلها أم ولد بهذا الحمل حين اشتراها.
ومن كفر عن أحد يعتق عن أمره أو بغير أمره أجزأه؛ لأن مالكاً قال فيمن مات وعليه كفارة في ظهاره أو غيره فكفر عنه أهله أو غيرهم: أنه جائز. وقال أشهب: لا يجزيه بغير أمره. وفي كتاب محمد قال أشهب وقيل: لا يجزئه أمره أو لم يأمره وليس كالميت؛ لأن الميت لا يقدر له على أكثر من ذلك فلابد من النظر له فيما يتخوف عليه منه. ومن المدونة قال مالك: أحسن ما سمعت في الرقبة الواجبة أنه لا يشتريها الذي يعتقها بشرط العتق؛ لأن تلك ليست رقبة تامة لما وضع عنه من ثمنها ولا بأس أن تشترى للتطوع، وقاله ابن عمر وفي كتاب الظهار أكثر معاني هذا الباب. فصل قال مالك: ومن كسا وأطعم وأعتق عن ثلاثة أيمان بالله عليه ولم ينو لأحد الأيمان بعينه صنفا من ذلك أجزأه، وكذلك إن أعتق عبد عن أحد الأيمان بغير عينه أجزأه، وإن نوى بعتقه عن جميعهم لم يجزه.
ابن المواز: ولو نوى بالكسوة وبالإطعام وبالعتق عن جميع الأيمان أجزأه من الإطعام عن ثلاثة مساكين ومن الكسوة عن ثلاثة وليطعم سبعة ويكسو سبعة ويكفر عن اليمين الثالثة التي أشرك فيها العتق. ومن المدونة: ولا يجزيه أن يكفر عن يمينه بإطعام خمسة مساكين وكسوة خمسة. قال ابن المواز: اختلف فيه قول ابن القاسم فقال مرة: يجزيه، ومرة: لا يجزيه. وقال أشهب: لا يجزيه. قال ابن المواز: ويضيف إلى أيهم شاء من يتمه ويجزيه؛ لجواز التفرقة فيه، وقاله ابن القاسم. م: وهذا أصوب لقوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ} فلا تكون إلا إطعاماً كلها أو كسوة كلها. ومن المدونة قال: ولا يجزيه عند مالك إخراج قيمة الكسوة عيناً ولا إخراج الكفارة في بناء مسجد أو كفن ميت أو قضاء دين عليه أو معونة في عتق ولا يجزيه إلا فيما قال الله تعالى: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}. وكره مالك أن يقبل الرجل هبة صدقته، أو يشتريها.
قال ابن القاسم: والذي يشتري كفارته أو توهب له أو يتصدق بها عليه أشد كراهية من ذلك. قال في كتاب ابن المواز: وقيل: لا يفسخ شراؤه كفارته ولا زكاته ولا صدقته التطوع، وإن كان لا نحب له ذلك ولا الرجوع في شيء وجب لله أو تطوع به. قال ابن المواز: إلا أن يرجع ذلك كله إليه بميراث فيجو. فيمن حلف ليفعلن شيئاً أو لا يفعله هل يبر أو يحنث بفعل بعضه أو ما تولد منه أو ضارعه أو وقع عليه اسمه قال أبو محمد: ولما حرم الله ما نكح الآباء والأبناء حرمنا بأقل ما وقع عليه اسم نكاح وهو العقد دون الوطء، وكأن إباحة نكاح المبتوتة لمن أبتها إذا نكحت زوجاً غيره لا يحلها العقد دون ذوق العسيلة فدل بذلك أن ما يباح به الشيء أقوى مما يحظر به فكأن البر والحنث في عقد الأيمان مفترقاً؛ فمن حلف ألا يفعل شيئاً حنث بفعل بعضه؛ لأن ذلك البعض قد حلف عليه أن لا يفعله ففعله، وإن حلف ليفعلنه لم يبرأ إلا بفعل جميعه؛ لأن ما أبقى قد حلف عليه ليفعلنه فلم يفعله، وكذلك من حلف على فعل
شيء أو تركه دخل في اليمين ما وقع عليه اسم المذكور إلا أن تقع النية فيفعل ما يجب قبوله، وذلك مذكور في مواضعه. فصل والأيمان في الفتوى على أربعة أقسام: فأول ذلك أن ينظر إلى نية الحالف إن لم تكن له نية نظر إلى بساط يمينه على ما جرت؛ فإن عدما جميعاً نظر إلى عرف الناس ومقاصدهم في أيمانهم فحمل على ذلك، فإن لم يكن ذلك كله أعطي لفظ يمينه حقه في اللغة وحمل على ذلك. قال ابن الماجشون في الواضحة: ينبغي صرف اللفظ إلى معنى مخارجه وإلا بطلت الأمور؛ قال الله سبحانه {فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} وقال: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} فهذا أمر، والأول نهي واللفظ سواء، وهذا في القرآن كثير. ومن المدونة قال مالك فيمن حلف ألا يأكل من هذا الرغيف: حنث بأكل بعضه، وإن حلف ليأكلنه لم يبر إلا بأكل جميعه. قال ابن القاسم: وإن حلف ليأكلنه اليوم فأكل اليوم نصفه وفي غد نصفه حنث. وإن حلف ألا يهدم هذه البئر حنث بهدم حجر منها إلا أن ينوي هدم جميعها، وإن حلف
ألا يفعل فعلين حنث بفعل أحدهما: وإن حلف ألا يأكل خبزاً وزيتاً أو خبزاً وجبناً حنث بأكل أحدهما إلا أن ينوي جميعهما فلا يحنث. وفي كتاب الن المواز: قال: أشهب: وقيل: لا بأس بأكل أحدهما. م: إنما يستقيم هذا إذا نوى ألا يجمع بينهما، فإن لم تكن له نية؛ فالصواب أن يحنث بأكل أحدهما. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يأكل طعاماً كذا أو لا يشرب شرباً كذا فذاقه فإن لم يصل إلى جوفه لم يحنث. ومن كتاب ابن المواز قال: ابن القاسم ومن حلف ألا يشرب خمراً فما شرب من الأنبذة الني يسكر كثيرها مثل السكركة والمطبوخ وغيره؛ فهو حانث، ولا ينفعه ألو حلف ألا يشرب الخمر بعينها قال مالك: كل ما خمر فهو خمر. ابن المواز: وقد كان ابن القاسم قديماً يقبل نيته إذا جاء مستفتياً وليس ذلك بشيء، ولو كانت النية تنفعه لنفعه لفظه بإفصاحه بالخمر بعينها.
قال مالك: وكذلك لو حلف ألا يشرب الخمر وقال: أردت خمر العنب. وقاله ابن القاسم، نحن نقوله حتى يقول: خمر العنب إفصاحاً ولفظاً فيدين في يمينه. قال: ومن حلف أن لا يحضر عرساً أبداً فعرس بعض إخوانه وفرغ من عرسه وصنيعه فصنع بد ذلك طعاماً فدعاه إليه فإن كان ذلك الطعام من أجل ذلك العرس أو كان إنما صنعه لمكان ما لم يحضر من عرسه أو صنيعه بحداثة العرس، وإن لم يكن لذلك سبب فلا يدخله، وإن كان إنما صنعه لغير ذلك ولا بحدثان العرس فلا بأس به. قال: ومن حلف بحرية عبده ألا يبعه فغصب منه فنقص عند الغاصب بأمر من الله، أو بجناية من الغاصب فأغرمه قيمة العبد فهو حانث، وإن أخذ العبد وأخذ ما نقصه لم يحنث. م: يريد: وكذلك لو هلك بيد الغاصب وكانت يمينه بعتق عبده أو بطلاق امرأته فأخذ منه قيمته لم يحنث؛ لأن ذلك ليس بيع، كأخذه قيمة أم الولد والمدبر إذا قتلا ولا يجوز بيعهما.
قال ابن المواز: ومن حلف ألا يبيع دابته حتى تأكل الربيع فأكلت منه يوماً أو يومين فلا شيء عليه في بيعها إلا أن تكون له نية. وقال أصبغ: ليس هذا الذي أراد بيمينه وهو حانث حتى يكون له الأمر الذي له القدر والبال والنفع به إلا أن تكون له نية في مثل اليوم واليومين وهو كمن حلف ليهدمن البئر فهدم منها حجرين أو ثلاثة فلا يبر إلا بهدم جميعها، أو هدم فساد وبطلان لها إلا أن تكون له نية. فصل ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يأكل هذا الدقيق أو هذه الحنطة [أو من هذه الحنطة فأكلهما بحالهما، أو أكل خبزاً منهما أو سويق الحنطة] حنث؛ لأن هذا هكذا يؤكل، ولا يؤكل ما اشترى من ثمنهما من طعام ولا ما أنبتت الحنطة إن نوى وجه المن، وإن كان لشيء في الحنطة من رداءة أو سوء صنعة في الطعام لم يحنث بأكل ما ذكرنا. ابن المواز وقيل: لا شيء عليه في ثمنهما ولا ما أنبتت.
ومن المدونة: وإن حلف ألا يأكل من هذا الطلع فأكل بسره أو رطبه أو تمره؛ حنث إلا أن ينوي الطلع بعينه. ابن المواز وقال أشهب: أستحسن في الطلع ألا يحنث بأكل بسره لبعد البسر والرطب من الطلع في الطعم والاسم والمنفعة. م: كالخل من العنب. ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يأكل من هذا اللبن فأكل من زبده أو جبنه حنث إلا أن تكون له نية، وإن حلف ألا يأكل بسر هذه النخلة أو بسراً منها فأكل من بلحها لم يحنث. ابن المواز: وكذلك لو حلف ألا يأكل رطباً لم يحنث بأكل البسر وهذا لا اختلاف فيه وإنما الاختلاف في أن يأكل مما يخرج من الذي حلف عليه فلم يره ابن القاسم إلا في خمسة: في الشحم من اللحم والنبيذ من التمر والزبيب، والعصير من العنب، والمرق من اللحم، والخبز من القمح، وأما سوى ذلك فلا شيء عليه فيما يخرج من المحلوف عليه إلا أن يقول: منه فيلزمه ذلك، هذا مذهب ابن القاسم وروايته.
ابن المواز: فيمن حلف ألا يأكل زبيباً ولا تمراً فشرب نبيذهما فهو حانث إلا أن تكون له نية، وكذلك العنب لا يشرب عصيره ولا بأس بخل ذلك كله. ومن حلف ألا يأكل لحماً فلا يشرب مرقه ولا تنفعه فيه نية إن ادعاها؛ لأن المرق لحم بما قد صار فيه من اللحم وذب وتقطع وتهرأ. ومن حلف ألا يأكل لحماً فأكل شحماً حنث؛ لأن الشحم يخرج من اللحم من قرب اسمه ومنافعه. قال: وقد قيل في القمح مثل ذلك أن من حلف ألا يأكل قمحاً فلا يأكل خبز قمح ولا سويقه لقربهما من القمح، وليس يراد من القمح إلا الخبز وما يصرف إليه وهو الغالب إلا أن تكون له نية؛ أي؛ لأنه ينبت التالول ونحوه، وقيل: ليس القمح من ذلك وأن من حلف ألا يأكل هذا القمح فأكل منه خبزاً فلا شيء عليه إلا أن يقول: من هذا القمح أو من هذا الدقيق فيأكل من ذلك خبزاً أو سويقاً فيكون حانثاً. قال محمد: وهذا أجود. قال: وأما من حلف ألا يأكل هذا اللبن، أو قال: لبناً؛ فلا بأس أن يأكل من زبده وسمنه وجبنه إلا أن يقول: من هذا اللبن فيحنث بأكله لما تولد منه، وكذلك لو
حلف ألا يأكل رطباً فليأكل تمراً، [أو حلف ألا يأكل عنباً فليأكل زبيباً] أو حلف ألا يأكل عسلاً فليأكل رُبّه، إلا أن يقول: من هذا الرطب أو من هذا العسل فيحنث بأكل ما تولد منه. [وفي كتاب محمد فيمن حلف ألا يأكل قصباً فلا بأس أن يأكل عسل قصب. قال أبو إسحاق: فما الفرق بين هذا وبين من حلف ألا يأكل تمراً فشرب نبيذ تمر؟]. وكذلك إن حلف: ألا يشرب لبن هذه الشاة فليأكل من زبدها وسمنها إلا أن يقول: من لبنها فلا يأكل ما تولد منه وسواء خرج ذلك من اللبن قبل يمينه أو بعد يمينه فإنه يحنث بأكله إلا أن يكون له سبب فيحمل على ذلك. قال أحمد بن ميسر: وقد اختلف في الحالف ألا يأكل من هذه الشاة فأكل من نسلها.
قال ابن المواز: وإن قال: لا أكلت من هذه الشاة فأكل من زبدها أو لبنها فلا شيء عليه إلا أن يكون نوى ذلك. م: يريد: لأنه إنما حلف ألا يأكل من لحمها ولحمها لا يتولد منه لبناً ولا زبداً، فهو كمن حلف ألا يأكل من اللحم فلا بأس أن يأكل من اللبن والزبد، وهو بخلاف ألو قال: لا أكلت من لبنها؛ وهذا كله مذهب ابن القاسم، أن لا يحنث بأكل ما تولد عمها حلف عليه إلا أن يقول: منه إلا في الشحم والمرق من اللحم والنبيذ من التمر والزبيب والعصير من العنب والخبز من القمح فإنه يحنث وإن لم يقل منه. وقال ابن وهب في الحالف على البسر يأكل الرطب أو التمر أو على الزبيب فيأكل السمن أنه حانث وإن لم يقل منه بمنزلة الشحم من اللحم. يريد: وكذلك كل متولد عن المحلوف عليه فإنه يحنث بأكله عنده وإن لم يقل منه. وقال ابن حبيب: إذا حلف ألا يأكل رطباً أو زهوراً فله أكل التمر، وكذلك إن قال: عنباً فله أكل الزبيب، وأما إن قال: هذا الرطب أو رطب هذه النخلة؛ فإنه
يحنث بأكل تمره، وكذلك هذا العنب أو عنب هذا الكرم؛ فإنه يحنث بأكل زبيبه، وسواء قال: من هذا الرطب أو قال: هذا الرطب ولم يقل منه، ولو قال: من هذه النخلة رطباً فليأكل منها تمراً، وكذلك من هذا الكرم عنباً لا يحنث بأكل زبيبه. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف ألا يشرب هذا السويق فأكله؛ حنث إلا أن ينوي الشرب لما يعرض منه من نفخ وغيره فلا يحنث إذا أكله، وإن حلف ألا يأكل هذا اللبن فشربه؛ حنث إلا أن تكون له نية، وإن حلف ألا يأكل سمناً فأكل سويقاً لت بسمن؛ حنث وجد طعمه وريحه أم لا إلا أن ينويه خالصاً. ابن المواز قال أشهب: وقيل: ينظر إلى سبب يمينه فإن كان لمضرة السمن له فهو حانث؛ لأنه يتقي منه ما يتقي من الخالص، وإن كان إنما قيل له: إنك تشتهي السمن ولا تصبر عنه، فحلف عن ذلك فلا شيء عليه إن أكل سويقاً لت به. ومن المدونة: وإن حلف ألا يأكل خلاً فأكل مرقاً فيه خلٍ؛ فلا يحنث إلا أن يكون أراد ألا يأكل طعاماً دخله الخل.
ابن المواز: وقاله أشهب. قال ابن المواز: وأحب إلي أن يحنث إلا أن تكون له نية، وقاله سحنون وأصبغ. [قال أبو إسحاق: والأشبه أنه حانث؛ لأن غايته أن يؤكل مطبوخاً ونيئاً]. قال إسماعيل القاضي في المبسوط: إنما فرق ابن القاسم بين السمن والخل؛ لأن السمن الملتوت به السويق هو على حالته وإنما ألزق بالسويق إلزاقاً. قال غيره: ألا ترى أنه يقدر على استخراجه بالماء الحار؛ لأنه يصعد فوقه فيجمع ولا يقدر على استخراج الخل أبداً. قال إسماعيل: وأما الخل فقد انتقل عن الخل بما خالطه من الصنعة وصار اسمه غير اسمه ومعناه غير معناه ولكن لو حلف ألا يأكل هذا الخل بعينه فإنه متى أكل منه شيئاً في قدر أو غيرها وقد استحال أو لم يستحل فهو حانث.
قال سحنون: ومن حلف ألا يأكل زعفراناً فأكل طعاماً فيه زعفران حنث ولم ينو؛ لأن الزعفران لا يؤكل إلا هكذا ولا يؤكل وحده. ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يأكل لحماً فأكل شحماً حنث؛ لأن الشحم يخرج من اللحم مع قرب اسمه ومنافعه إلا أن تكون له نية في اللحم دون الشحم. قال: وسواء كان شحم ثرب أو غيره. وإن حلف ألا يأكل شحماً لم يحنث بأكل اللحم؛ لأن اللحم لا يخرج من الشحم [ولا يدخل اللحم في اسم الشحم]. قال أبو محمد: اللحم مع الشحم يقع عليه اسم لحم فقد دخل الشحم في اسم اللحم ولا يدخل اللحم في اسم الشحم منفرداً ولا مجتمعاً معه، وقد حرم الله سبحانه لحم الخنزير، يريد فناب ذكره للحمه عن ذكره لشحمه؛ لأنه يدخل تحت اسم اللحم، وحرم الله سبحانه على بني إسرائيل الشحوم بقوله تعالى: {حَرَّمْنَا
عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} فلم يقع عليهم بهذا تحريم اللحم ولم يدخل في اسم الشحم، فلهذا فرق مالك بين الحالف في الشحم والحالف في اللحم. ومن المجموعة قال ابن القاسم: والحالف على اللحم يحنث بكل ما أكل من الشاة من رأس أو كرش أو معا أو دماغ أو غيره وإن حلف على الرأس أو على الكرش لم يحنث بأكل اللحم، والحالف على اللحم يحنث بأكل القديد، والحالف على القديد لا يحنث بأكل اللحم. ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يأكل لحماً فأكل لحم حوت،- محمد: أو لحم طير-؛ حنث؛ لأن الاسم يجمع ذلك قال الله تعالى: {لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا}، وقال: {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} إلا أن تكون له نية فله ما نوى، وإن حلف ألا يأكل رؤوساً أو بيضاً فأكل رؤوس السمك أو بيض السمك أو بيض الطير سوى الدجاج؛ حيث إلا أن تكون له نية أو ليمينه باسطاً فيحمل عليه.
وقال أشهب في المجموعة: لا يحنث في اللحم والرؤوس إلا أن يأكل لحم الأنعام الأربع ورؤوسها؛ لأن عليها يقع أيمان الناس إلا أن ينوي اللحوم كلها من طير وحوت وغيره، وأما البيض فيحنث بكل بيض أكله استحساناً وليس بقياس. والفرق بين ذلك بعد ما بين رؤوس الضأن والطير وقرب ما بين بيض الدجاج والطير ومنه ما يشبهه في الخلق والطعم. وقال ابن حبيب: لا يحنث في الرؤوس بأكل رؤوس الحيتان والجراد إلا أن ينوي ذلك، وفي البيض يحنث بأكل بيض الطير، ولا يحنث ببيض الحوت حتى ينويه. م: وقول ابن حبيب هذا أقيس؛ لأنا إذا عدمنا النية والبساط نظرنا إلى عرف الناس ومقاصدهم في أيمانهم، والمعهود في الرؤوس عند الناس رؤوس الأنعام، وكذلك في البيض بيض الطير لا رؤوس السمك وبيضها. وقول ابن القاسم ومالك أحوط، ولأن الاسم يقع على جميع ذلك وبه أقول. م: ورأى أن النية تنفعه على قول مالك هذا إذا قال: لم أرد لحم السمك ولا رؤوسها ولا بيضها ولا رؤوس الطير، وإن كانت على يمينه بالطلاق بينة للمعهود من مقاصد الناس. قال أبو محمد: ومن حلف ألا يأكل إداماً فما ثبت في معرفة الناس أنه إدام فلا يأكله، قال: ولا أرى الملح من الإدام، وإن كان قد قاله بعض العلماء وأحنثه به.
قال ابن حبيب: ومن حلف ألا يأكل فاكهة ولا نية له فلا يأكل رطباً منها ولا يابساً ومن الفاكهة تمر النخل والأعناب والرمان وشبهه وخص الفواكه من قثاء وبطيخ وخريز وقصب وأخضر الفول والحمص والجلبان إلا أن تكون له نية خص بها نوعاً أو بساط يدل على ما ذكر. وذكر ابن المواز نحو قول ابن حبيب في الفاكهة، وقال: إذا حلف على يابسها ورطبها. م: وهذا أجود إنما يحنث في اليابس والرطب إذا ذكره والله أعلم. قال ابن حبيب: وإن حلف ألا يأكل خبزاً حنث بأكل الكعك، وإن حلف ألا يأكل كعكاً لم يحنث بأكل الخبز؛ لأن هذا أخص، والأول أعم. ومن كتاب ابن المواز وغيره: ومن حلف ألا يأكل غنماً حنث بأكل الضأن والمعز؛ لأن الاسم يجمعهما، وإن حلف على أحدهما من معز أو ضأن لم يحنث بأكل الآخر؛ للاسم الخاص به، وكذلك من حلف ألا يأكل دجاجاً فأكل دجاجة أو ديكاً حنث للاسم الجامع، وإن خص أحدهما فحلف ألا يأكل ديكاً لم يحنث بأكل دجاجة، أو حلف الا يأكل دجاجة لم يحنث بأكل ديك.
قال ابن المواز: ومن حلف ألا يأكل كباشاً أو لحم كباش فلا يأكل لحم النعاج صغارها وكبارها؛ لأنها داخلة في الاسم، ولو حلف ألا يأكل كبشاً ولم يقل كباشاً لم يحنث بأكل الصغار ذكوراً أو إناثاً؛ لأنه لا يقال للصغير كبش. قال م: وكذلك عندنا لو قال: كباشاً لم يحنث بأكل الصغار ولا الإناث الكبار لأن الاسم الأخص عندنا في الكباش كبار الذكور وذلك جمع كبش، وإنما حنثه محمد فيما يرى؛ لأنه اسم جامع عندهم والله أعلم. وأما عرف بلدنا فبخلافه. قال ابن المواز: وإن حلف ألا يأكل نعجة أو نعاجاً فلا بأس بصغار الذكور والإناث وكبار الذكور، وإن حلف ألا يأكل خروفاً فلا بأس بلحم الكبش الذي خرج من حد الخرفان، وإن حلف ألا يأكل خرفاناً فلا يأكل العتدان؛ لأنها عند الناس خرفاناً، ووقف عنها محمد. م: والاسم الأخص عندنا في الخرفان صغار الضأن.
قال ابن المواز: وإن حلف ألا يأكل تيساً أو تيوساً فلا يأكل عتوداً [ولا صغار ذكور المعز، وأما إن حلف ألا يأكل عتوداً] فلا بأس أن يأكل تيساً كبيراً أو كبار إناث المعز، وأما إناث صغارها فلا يأكله؛ لأنه من العتدان. م: وإنما ينظر في هذا الأصل إلى عرف الناس في الأسماء عند كل بلد فيعمل فيه على ما أصلنا وفيما ذكرنا من هذا كفاية وبالله التوفيق. فيمن حلف ألا يكلم رجلاً أو ليكلمنه قال مالك: ومن حلف ألا يكلم زيداً فأم قوماً فيهم زيد فسلم من الصلاة عليهم فلا يحنث. وقال ابن المواز: إن سلم اثنتين فأسمه الثانية حنث.
وقال أحمد ابن ميسر: لا يحنث. قال ابن المواز: وإن تعايا الحالف فلقنه المحلوف عليه لم يحنث، قال: وأما إن تعايا المحلوف عليه فلقنه الحالف فقد حنث. ومن المدونة قال مالك: ولو صلى الحالف خلف زيد وهو عالم به فرد عليه السلام حين سلم من صلاته لم يحنث، وليس مثل هذا كلاماً. ابن المواز وقيل: إن أسمعه رده حنث، قاله ابن القاسم وأشهب، وأما إن تعايا فرد عليه الحالف فقد حنث. ومن المدونة قال مالك: ولو سلم الحالف على جماعة وفيهم المحلوف عليه في ليل أو نهار حنث، علم به أو لم يعلم إلا أن يحاشيه. قال ابن المواز: ولو مر بالمحلوف عليه وحده في ليل فسلم عليه وهو ينوي إن كان غيره فقد حنث ولا ينفعه ما نوى إلا أن يكون جماعة فيحاشيه. قال: ولو رأى بعض القوم فسلم على من رأى منهم أو سلم عليهم ولم ير معهم المحلوف عليه لم يحنث؛ لأنه إنما سلم على من عرف، وأما إن لم يعرفهم أو لم يعرف إلا بعضهم فسلم على الجميع ولم يحاشه؛ فقد حنث.
ومن العتبية وكتاب محمد قال ابن القاسم: ولو مر بالمحلوف عليه وهو نائم، فقال له: الصلاة يا نائم فرفع رأسه فعرفه فقد حنث، وكذلك يحنث إن لم يسمعه وهو مستقل نوماً وهو كالأصم، وكذلك إن كلمه وهو مشغول يكلم رجلاً ولم يسمعه. محمد وقال أصبغ: إن أيقن باستثقاله ولم ينتبه لكلامه وأيقن أنه لم يسمعه؛ فلا يحنث، كمن كلم ميتاً وقد جعله الله أحد الميتين بقوله: {وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} أو كمن ناداه من مكان بعيد لا يسمعه منه. محمد: ولو حلف ألا يكلم رجلاً فكلم رجلاً يظنه هو قاصداً للحنث فإذا هو غيره لم يحنث، ولو كلمه يظنه غيره حنث. ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: ومن حلف ألا يكلم رجلاً إلا ناسياً فكلمه وهو لا يعرفه غير ناس فهو حانث، ومن حلف ألا يكلمه إلا ألا يعرفه فكلمه وهو يعرفه ناسياً ليمينه حنث أيضاً.
قال مالك: ولو حلف ألا يكلمه إلا ناسياً فكلمه وزعم أنه كلمه ناسياً قال ذلك إليه. م: وسواء كانت على يمينه بالطلاق بينة أولم تكن فإنه يصدق لاشتراطه النسيان والله أعلم. قال ابن القاسم: ولو حلف ألا يكلمه فأشار إليه فلا يحنث، ولا أحب أن يفعل ذلك. وقال غيره في المجموعة: يحنث؛ لأن الله تعالى يقول: {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا}. ابن حبيب وقال ابن الماجشون: يحنث في الإشارة التي يفهم عنه بها وإن لم تكن الإشارة في الصلاة كلاماً فهذا النفخ فيها كالكلام ولا يبر به الحالف على الكلام ولا يحنث به. ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يكلم فلاناً فأرسل إليه رسولاً أو كتب إليه كتاباً؛ حنث، إلا أن ينوي مشافهته. يريد: ويحلف، والكتاب أشد، قاله مالك، وهذا في
أيمان الطلاق والعتاق، ثم رجع مالك فقال: لا ينوي في الكتاب ويحنث إلا أن يرتجع الكتاب قبل وصوله فلا يحنث. م: وقد قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا} فجعل تعالى كل ذلك كلاماً؛ فلذلك حنثه مالك بالرسول والكتاب. وفي كتاب ابن المواز قال مالك: يحنث في الكتاب ولا ينوي، واختلف قوله في الرسول: فقال: يحنث إلا أن ينوي مشافهته. وقال: لا شيء عليه. ابن المواز وقال أشهب: لا يحنث بالرسول ولا بالكتاب إلا أن يسمع ذلك الكلام الذي أرسل به الرسول فيحنث؛ لأنه لو حلف ليكلمنه فكتب إليه لم يبر. قال أشهب: ولو ارتجع الكتاب بعد أن وصل إلى الرجل وقرأ منه بقلبه ولم يقرأه بلسانه فلا شيء عليه؛ لأن من حلف ألا يقرأ ضهراً فقرأ بقلبه لم يحنث. ابن المواز: ولو كتب المحلوف عليه إلى الحالف فقرأ كتابه لم يحنث عند أشهب. واختلف فيه قول ابن القاسم: فقال مرة: لا يحنث. وقال أيضاً: يحنث. وما هو بالبين.
قال ابن المواز: والصواب ألا يحنث الحالف بقراءة كتاب المحلوف عليه، وقد أنكر هذا غير واحد من أصحاب ابن القاسم. ومن المجموعة قال ابن الماجشون: وإن حلف ليكلمنه لم يبر بالكتاب ولا بالرسول وإن سمع المرسل إليه ما قال الرسول والحالف لا يعلم فلا يبر بذلك ولا يبر إلا بأعلى الأمور مما لا شك فيه. وفي كتاب ابن حبيب: ولو أمر الحالف من يكتب عنه إلى المحلوف عليه بكذا فكتب ولم يقرأه على الحالف ولا قرأه الحالف فوصل الكتاب فلا يحنث، ولو قرأ الكتاب على الحالف أو قرأه الحالف أو أملاه لحنث إذا قرأه المحلوف عليه أو قرأ عنوانه وإن لم يقرأ ذلك المحلوف عليه أو قطعه ولم يقرأه أو سقط من الرسول فلا يحنث حتى يعلم أنه وصل إليه وقرأه، ولو قال الحالف للرسول: اقطع كتابي ولا تقرأه أو ورده علي فغطاه وأعطاه للمحلوف عليه [فقرأه فلا يحنث كما لو رماه راجعاً بعد أن كتبه فقرأه المحلوف عليه].
قال: ومن حلف على امرأته إن لم تفعل كذا لأهجرنك فلم تفعل ذلك فليهجرها ثلاثة أيام، وقال ابن الماجشون وأصبغ وقاله ابن القاسم في العتبية وسحنون في كتاب ابنه. قال سحنون: وأحب إلي أن لو زاد على ثلاثة أيام وإن كان الثلاثة تجزئه. وفي كتاب ابن المواز: ومن حلف ليهجرن زوجته، قال: يهجرها شهراً، ولو قال: لأطيلن هجرانك فليهجرها سنة. وقال ابن أبي مطر: الهجران ثلاثة أيام في الحديث، والطول عندي شهر.
فيمن حلف ألا يساكن رجلاً أو لا يجاوره أو لا يسكن هذه الدار أو لينتقلن منها أو لا يسكن دار فلان أو لا يدخل عليه بيتاً أو آكل من طعامه، وكيف إن أكره على ذلك كله؟ قال مالك: ومن حلف ألا يساكن فلاناً فسكن كل واحد منهما مقصورة في دار جمعتهم فإن كانا إذ حلف هذا في دار واحدة وكل واحد في منزله منها حنث. قال ابن القاسم: وإن كانا في بيت فلما حلف انتقل عنه إلى منزل في الدار يكون مدخله ومخرجه ومرفقه في حوائجه على حدة لم يحنث. وكذلك قال مالك فيمن حلف ألا تساكن أخته امرأته وكانتا ساكنتين في حجرة واحدة فانتقلا في دار فسكنت هذه في سفلها وهذه في علوها، وكل مسكن مستغن عن الآخر بمرافقة إلا أن سلم العلو في الدار ويجمعهما باب واحد؛ أنه لا يحنث. ومن حلف ألا يساكن فلاناً في دار فساكنه في قرية أو مدينة لم يحنث إلا أن يساكنه في دار، وإن كانا أولاً فلي قرية وليس في دار فساكنه في قرية أخرى حنث إلا أن ينوي في دار، وإذا كانا من أهل العمود فحلف ألا يجاوره أو لينتقلن عنه فانتقل إلى قرية والمضرب واحد فلا يجزيه إلا نقله بنية.
ابن المواز: حتى ينقطع ما بينهما من خلطة العيار والصبيان حتى لا ينال بعضهم بعضاً في العارية والاجتماع إلا بالكلفة والتعب ويكون رحله كرحلة جماعتهم من مكان إلى مكان. قال مالك في المجموعة: يتنحى عنه حيث لا تلتقي عبيدهم وأغنامهم في الرعي. ومن المدونة قال مالك: وإن حلف الا يساكنه فزاره فليست الزيارة بسكنى، وينظر إلى ما كانت عليه يمينه؛ فإن كان لما يدخل بين العيال والصبيان فهو أخف وإن أراد التنحي فهو أشد. قال في كتاب محمد: والزيادة تختلف ليس زيارة الحاضر كزيارة من انتقل من قرية هذا يقيم اليوم واليومين والثلاثة وإذا كانت يمينه لما يقع بين العيار فنحاهم وأقام ببدنه فهو أخف. وقال أشهب: ليست الزيارة مساكنة وإن طالت إذا صح أن ليس القصد فيها السكنى. وقال أصبغ في الواضحة: إذا أكثر الزيارة نهاراً في الحضر أو أكثر المبيت والمقام في شخوصه إليه -يعني- في غير الحضر؛ فهو حانث.
ومن المدونة: وإن حلف ألا يساكنه في دار سماها أم لا فقسمت وضرب بين النصيبين بحائط وجعل لكل نصيب مدخل على حدة فسكن هذا في نصيب وهذا في نصيب؛ فكرهه مالك وقال: لا يعجبني ذلك. وقال ابن القاسم: لا أرى به بأساً ولا حنث عليه. ابن المواز وقال أشهب: إن كان حلف وهو ساكن في هذا الموضع الذي هو فيه فهو حانث، وإن كان على ما وصفت إلا أن يكون قد باعد ما بينهما حتى انقطع ما كانت له اليمين فلا حنث عليه، وإن كان إنما كان ساكناً في غير هذا الموضع مما لا يشبه قرب هذا الآن فلا حنث عليه. ابن حبيب وقال ابن الماجشون: إذا حلف ألا يساكنه وكانا في دار فقسماها بجدار من جريد وسكن كل واحد في مسكنه وخرج على باب نصيبه فلا يعجبني ذلك إلا بجدار وثيق بالبناء فلا يحنث إذا ضرباه بينهما إلا أن ينوي ألا يجاوره فليبعد عنه ولا يجمعهما مقابلة ولا طريق، وسواء قال: إن ساكنتك فقط، أو قال: في هذه الدار فلا يساكنه فيها ولا في غيرها. ومن كتاب ابن المواز: ومن آذاه جاره فحلف لا ساكنتك، أو قال: لا جاورتك في هذه الدار أبداً، فلا بأس أن يساكنه في غيرها ولا يحنث إذا لم تكن له نية، وأما إن كره
مجاورته أبداً فإنه يحنث، وكذلك إن قال: لا ساكنتك بمصر أبداً فساكنه بغيرها مثل ذلك سواء، ولو حلف: ألا يجاوره فأما في أمهات القرى فليتنح عن طريقه التي تجمعهما في الدخول والخروج، وأما في البادية فإن افترقا في الشرب والمورد والمجتمع فلا شيء عليه. فصل ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يسكن هذه الدار وهو فيها خرج مكانه وإن كان في جوف الليل وإن أخر إلى الصباح حنث إلا ينوي ذلك فليجتهد إذا أصبح في مسكن وينتقل وإن تغالى عليه في الكراء، أو وجد منزلاً لا يوافقه فلينتقل إليه حتى يجد سواه فإن لم يفعل حنث. وقال أشهب في المجموعة: يخرج ساعة حلف ولكن لا يحنث في إقامة أقل من يوم وليلة. وكذلك قال في كتاب محمد: لا يحنث في إقامة أقل من يوم وليلة إلا أن ينوي تعجيل الخروج قبل ذلك.
[وقد قال ابن القاسم في الذي حلف لأقضينك حقك في الهلال: إن له يوماً وليلة ولم يجعل له القضاء في جملة ما يسماها ولا أوجب عليه الحنث بعد نذر القضاء، وانظر إذا حلف ألا يساكنه فابتدأ بالنقلة فأقام يومين أو ثلاثة ينقل قشة لكثرته ولأنه لا ينتهي نقله في يوم واحد ينبغي ألا شيء عليه لأنه كالمقصود باليمين وانظر لو كان له في الدار مطامير وقد أكرى الدار هل ينقل ما في المطمر وينبغي إذا كانت المطامر لا تدخل في الكراء إلا بالشرط وإن الناس يكرون المطامر وحدها لخزن الطعام فيها الا تدخل في اليمين وإن له تركها إذا كان قد أكرى المطامر على الانفراد ثم سكن أو سكن ثم أكرى المطامر إلا ألا يتق بالمطامر إلا لمكان سكناه فينبغي أن ينقلها مع قشة]. ابن المواز وقال أصبغ: حد المسكانة عندنا يوم وليلة بعد اليمين فإن زاد أكثر من ذلك حنث وإن انتقل فلا يرجع أبداً بخلاف يمينه لأنتقلن. قال يحيى: قل عبيد: لا أعلم أحداً يقول بقول ابن القاسم الذي ذكر عن مالك أنه إن لم يخرج ساعة حلف أنه حانث. قال أبو الحسن ابن القابسي: لا أدري ما قول عبيد هذا؟ قد قال ابن حبيب: لم يكن مالك يوسع عليه في تأخير ذلك، ولا علمنا أحداً وسع عليه في تأخير ذلك. لا ابن
القاسم ولا ابن الماجشون ولا غيرهما إلا أشهب وأصبغ، وكان أبو الحسن ربما استحسن قول أشهب وأفتى به. ومن المدونة قال مالك: ويرتحل بجميع أهله وولده وجميع متاعه وإن أبقى متاعه حنث. ابن المواز قال ابن القاسم: إلا أن يبقي متاعه صدقة على صاحب الدار أو غيره فلا يحنث. قال: وإن ترك من السقط مثل الوتد والمسمار والخشبة مما لا يحتاجه أو ترك ذلك نسياناً فلا شيء عليه. م: وحكي عن بعض فقهائنا أنه قال: هذا إن ترك ذلك على ألا يعود لأخذه لخفة أمره وأما إن تركه ليرجع إلى أخذه حنث. م: وقول ابن القاسم: إن ترك ذلك نسياناً يدل على خلاف ما قال، وإنما رأى أن مثل ذلك لا يعد به ساكناً لخفته، أو لا ترى أنه لو ترك متاعه على ألا تعود إلى أخذه أبداً
صدقة على صاحب الدار وغيره لم يحنث، فلا فائدة إذاً لذكره الوتد والسقاطة؛ إذ لا فرق بينهما عنده. وقد قال محمد عن أشهب أنه قال: لا يخلف شيئاً من متاعه، فإن فعل وخلف متاعه كله لم يحنث، وإن خلف أهله وولده حنث؛ لأنه ساكن بعد. م: فكيف بمن يحنثه بترك الوتد والسقاطة، وهذا إنما هو مذهب ابن وهب روى عنه عبد الملك بن الحسن في العتبية: أنه إن ترك مثل الزير الوتد والفخار وهو لا يريد الانصراف فيه لم يحنث وإن كان إنما نسيه حنث. م: وكذلك الجواب إذا حلف لينتقلن من هذه الدار؛ أنه ينتقل بأهله وولده وجميع متاعه، والخلاف فيه كما ذكرنا إذا حلف ألا يسكنها، وهذا في النقلة خاصة وأما في مقامه بعد اليمين ورجوعه إلى المساكنة فبخلاف ذلك.
قال ابن حبيب: في الحالف بالطلاق: لينتقلن فلا يحنث إن أخر انتقاله ولكن لا يمس امرأته حتى ينتقل. قال ابن المواز: فإن رفعته ضرب له أجل المولي من يوم ترفعه. قال محمد: وتعجيل النقلة أحب إلي. قال ابن حبيب: إلا أن يضرب للنقلة أجلاً فله مسها فيه، فإن جاوز ولم ينتقل حنث، قال: وإذا انتقل وأقام قدر الشهر فله أن يرجع. قال ابن الماجشون: ولكن لا أحب له أن ينتقل على نية شهر، ولينتقل على نية من غير توقيت ثم إن بدا له بعد شهر رجع. ابن المواز قال ابن القاسم: ولو رجع بعد خمسة عشر يوماً لم يحنث والشهر أحب إلي.
قال ابن الماجشون: وكذلك إن حلف ليخرجن فلاناً من داره فأخرجه فله رده بعد شهر. ابن المواز: ومن سكن منزلاً لامرأته فمنت به عليه فحلف بالطلاق لينتقلن ولم يؤجل؛ فأقام ثلاثة أيام يطلب منزلاً فلم يجد فأرجو ألا شيء عليه. قيل: فإن أقام قال: إن توانى في الطلب خفت أن يحنث. قال: ومن حلف ليخرجن من المدينة فإن لم ينو إلى بلد بعينه؛ فليخرج إلى ما تقر فيه الصلاة فيقيم نحو الشهر، قاله مالك استحساناً ولا يحمله القياس. وقيل فيه: يخرج إلى موضع لا يجب عليه فيه إتيان الجمعية فيقم فيه ما قل أو كثر ثم يرجع إن أحب، والأول أحب إلي وأحسن وأبرأ من الشك وهو رأيي إلا أن يكون ليمينه سبب فتقع اليمين له وعليه.
قيل: فإن حلف أن يسافر؟ قال: يسافر إلى ما تقصر فيه الصلاة ويقيم بها شهراً أحب إلي. وقيل: أما سفر القصر فلابد منه إلا أن ينوي دونه، وأما إقامته الشهر وأكثر فهو أحب إلي إلا أن يرى ليمينه وجه يريد به التغرب الطويل وإلا فعل ما ذكرنا كالانتقال، وإن رجع دون الشهر لم يحنث إذا صحت النقلة والمقام بعد النقلة إلى الغاية في الحضر والسفر. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف ألا يسكن هذه الدار أو قال: دار فلان هذه فباعها فلان فسكنها في غير ملكه حنث إلا أن ينوي ما دامت في ملك المحلوف عليه، ولو
قال: دار فلان ولم يقل: هذه، فباعها فلان فسكنها الحالف في غير ملكه لم يحنث إلا أن يكون نوى ألا يسكنها أبداً. م: لأنه إذا قال: هذه الدار فكأنه إنما كره سكنى تلك الدار فلا يسقط عنه اليمين انتقال الملك إلا أن ينوي: ما دامت في ملك فلان، وإذا قال: دار فلان فبالبيع قد صارت غير دار فلان فوجب ألا يحنث إلا أن يريد عين الدار. قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يسكن دار فلان فسكن داراً بين فلان ورجل آخر حنث، وقد قال مالك فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن كسوتك هذين الثوبين ونيته أن لا يكسوها إياهما جميعاً فكساها أحدهما حنث، يعني: أن نيته ألا يكسوها إياهما لا مجتمعين ولا مفترقين. وقال أشهب: إذا نواهما جميعاً إما لحاجته لأحدهما أو لغير ذلك فلا حنث عليه، وإن لم تكن له نية فإنما أحنثه استحساناً. قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يدخل دار فلان فقام على ظهر بيت منها حنث، وإن دخل بيتاً سكنه فلان بكراء حنث وهي كملكة، وقاله عنه أشهب في المجموعة.
قال: والبيت ينسب إلى ساكنه. قال أشهب: وإن حلف ألا يدخل منزل فلان فدخل على رجل يسكن بكراء في منزل فلان فلا شيء عليه، وإنما منزل الرجل حيث هو نازل. قال غيره: ومن حلف ألا يدخل بيت فلان فدخل داره دون البيت فإن كانت الدار لا تدخل إلا بإذن، ومن سرق منها قطع؛ حنث. وقال غيره: لا يحنث إلا أن يكون يقول: الدار، أو يقول: منزل فلان، فالدار هي المنزل. قالا: وإن كانت الدار مشتركة تدخل بغير إذن فهي كالطريق فلا حنث عليه. قال ابن حبيب: إذا حلف ألا يدخل دار فلان فلا يدخل حانوته ولا قرته ولا جنانه ولا موضعاً له فيه اهل أو متاع، وإن لم يملكه إلا أن يكره عين الدار لوجه ما فلا يحنث فيما ذكرنا، وهو قول مالك وما فسر لي أصبغ. م: لا يحنث عندي إذا دخل حانوته أو جنانه إذا لم تكن له نية؛ لأن داره ليست هي جنانه ولا حانوته.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يدخل هذه الدار فهدمت أو خربت حتى صارت طريقاً فدخلها لم يحنث. قال في كتاب محمد: إن كانت يمينه من أجل صاحبها وكراهية فيه؛ فلا شيء عليه في المرور، وإن كانت كراهية في الدار خاصة فلا يمر بها. قال فيه وفي المدونة: فإن بنيت بعد ذلك فلا يدخلها. قال ابن المواز: فإن دخلها حنث وإن حولت مسجداً لم يحنث بدخوله. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يدخل من باب هذه الدار أو من هذه الباب فحول الباب عن حاله وأغلق وفتح غيره، فإن دخل منه حنث إلا أن يكره الباب دون الدار إما لجواره على أحد أو لضيقه فلا يحنث. فصل قال مالك: وإن حلف ألا يدخل دار فلان فدخلها مكرهاً لم يحنث. م: يريد أن أجهد نفسه ولم يقعد بعد أن قدر أن يخرج.
قال ابن القاسم: وإن قال لهم: احملوني وأدخلوني ففعلوا فهذا حانث لا شك فيه. قال في العتبية: ولو كان واقفاً على دابته بقرب باب الدار فنفرت لشيء فاقتحمت به فدخلتها؛ فإن كان يقدر أن يمسك راسها ويملكها أو يثني رجله فينزل أو يترامى من غير عنت يصيبه فلم يفعل؛ حنث، وإن لم يقدر على شيء من ذلك لم يحنث. قال سحنون: وإن قال لزوجته: أنت طالق إن دخلت أنت هذه الدار؛ فأكرهها هو أو غيره على الدخول؛ فلا يحنث بإكراه غيره، وأما هو فأخاف أن إكراهه لها رضى منه بالحنث. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يأكل هذا الرغيف فأكره على أكله لم يحنث، وإن أكره على اليمين فحلف ألا يأكل ثم أكل لم يحنث. قال مالك: والمكره على اليمين ليس يمينه بشيء. ابن المواز قال مالك: وكل من حلف على خوف من العذاب إلا أن في حق عليه حلف وهو يعلم أنه آثم فهو حانث ولا ينفعه الخوف. ابن المواز: كأنه يريد على شيء قد فعله أنه لم يفعله فهذا لا ينفعه ويحنث.
قال: ومن استغاث برجل مخافة القتل فأغاثه فطلبه عنده الذي يريد قتله وهو ظالم له، فقال: ما هو عندي، قال: فاحلف لي بالطلاق، فحلف له أنه ما هو عندي، قال: قد أجر وأحيا نفساً ولزمه الطلاق. وقال أشهب: لا شيء عليه. ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يسكن بيتاً فسكن بيت شعر وهو بادي أو حضري حنث؛ لأن الله تعالى يقول: {بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ}. ابن المواز: إلا يكون ليمينه معنى يستدل به عليه مثل أن يسمع بقوم انهدم عليهم المسكن فقتلهم فحلف عند ذلك فلا يحنث بسكن بيت الشعر. ومن المدونة قال مالك: ومن حلف بالطلاق ماله مال وقد ورث قبله يمينه مالاً لم يعلم به حنث إلا أن ينوي في يمينه أني أعلمه فلا يحنث.
ابن المواز: وقيل: إن استثنى علمه بحركة اللسان وإلا لم تنفعه النية. قيل: فإن كانت له عمرى ترجع غليه يوماً ما قال: هو حانث؛ لأنها ماله. قيل: فلو تصدق عليه بصدقة وهو لا يعلم فلم يقبلها؛ قال: لا شيء عليه، وإن قبلها حنث. وقيل: لا يحنث وإن قبلها؛ لأنها بالقبول صارت ماله. ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يدخل على فلان بيتاً فدخل عليه المسجد لم يحنث وليس على هذا حلف. قال ابن المواز: وكذلك إذا حلف ألا يجتمع معه تحت سقف فلا شيء عليه كالحلف على الدخول. قال عن ابن القاسم: ولو دخل معه الحمام لحنث؛ لأنه لو أراد ألا يدخله قدر. محمد: وليس هذا عنده بمنزلة المسجد. قال: ولو حلف ألا يأويه وإياه سقف بيت فمرا بسقيفة تحتها طريق، فإن كانت طريقاً نافذة يمر فيها بغير إذن فإنه ينوى ولا حنث عليه فيها.
وقال ابن حبيب: في الحالف لا يجمعه وفلان سقف؛ إن أراد اجتناب الجلوس معه وغيره، أو لا نية له فلا يجامعه في بقعة ولا موقف لا تحت سقف ولا صحراء فإن فعل حنث. م: يريد: ولا يحنث إن مر به ماراً ولم يقف معه، والقياس: ألا يحنث في مجامعته في [غير تحت سقف إذا لم تكن له نية. قال ابن حبيب: وإن لم يرد إلا مجامعته في] البيوت المسكونة فلا بأس أن يجلس معه في الدار والصحراء وحيث ما شاء عدا السقف. من: يريد: وينوى هاهنا وإن كانت على يمينه بالطلاق بينة لأنه لم نفس ما حلف عليه. قال ابن حبيب: ولا شيء عليه إن دخل معه في المسجد للصلاة والجلوس وليفترقا فيه ولا يجتمعان في مجلس، ويحنث في الحمام وأما في السجن فإن سجن الحالف لم يحنث بدخول المحلوف عليه طوعاً أو بسجن.
م: لأنه كالمكره. قال: وإن كان الحالف غير مسجون فكيفما دخل عليه المحلوف عليه حنث. وقال ابن الماجشون وأصبغ. وقال أصبغ في العتبية: إنه حانث وإن حبسه الإمام كرهاً إلا أن ينوي ألا جامعه طائعاً. قال ابن حبيب: وإذا حلف لا جامعه تحت سقف فدخل عليه المحلوف حنث، ولا ينفعه أن خرج مكانه إلا في يمينه: لا دخل علي فلان، وقاله أصبغ وغيره. قال مالك في العتبية: فيمن حلف بطلاق امرأته لا يأويهما سقف بيت حتى تأتي وتقبل رأسي وتعتذر، قال: إن دخلت عليه فقبلت رأسه واعتذرت برئ، وإن خرجت قبل أن تفعل ذلك حنث. وقال في التي بات زوجها عند ضرتها ليالي فحلفت بالحرية: إن بت معك تحت سقف حتى تبين معي مثل ما بت معها؛ قال مالك: يبيت معها في غير سقف ويدع الأخرى حتى تفرغ تلك الليالي.
[وقال أصبغ: يحنث حينما بات معها إذا مسها؛ لأنها قصدت الاجتناب ولكن يبيت معها في الحجرة مثل تلك الليالي] ولا يمسها فيها ثم يبيت في البيت إلا أن تنوي هي المصاب في الحجرة فلا يبر إلا به في تلك الليالي. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف ألا يدخل على فلانٍ بيتاً فدخل الحالف عند جاره فوجد المحلوف عليه عنده حنث، وإن دخل المحلوف عليه على الحالف فخاف مالك عليه الحنث. وقال ابن القاسم: لا يحنث إلا أن ينوي أن يجامعه في بيت فيحنث. قال ابن المواز: وقيل: لا شيء عليه إلا أن يقيم معهم بعد دخوله عليه. قال بعض أصحابنا: وكذلك ينبغي على قول ابن القاسم: لا يجلس بعد دخول المحلوف عليه؛ فإن جلس وتراخى حنث، ويصير كابتداء دخوله هو عليه؛ كما قال في الحالف ألا يأذن لامرأته في الخروج فخرجت بغير إذنه فعلم بها فجعل تركه لها بعد علمه بخروجها كابتداء إذن. م: صواب، وذلك بين في كلام محمد وابن حبيب.
قيل لابن المواز: فإن احتمل الحالف فدخل به على المحلوف عليه كرهاً؛ قال: لا حنث عليه إذا لم يتراخ وأجهد نفسه، وكان إذا قدر على الخروج خرج مكانه، فإن أقام وهو لو شاء أن يخرج فخرج فقد حنث. ومن العتبية قال أشهب عن مالك: ومن حلف لا أدخل على فلان بيتاً فدخل عليه وهو ميت حنث. ابن سحنون: وقاله عبد الملك. وقال سحنون: لا يحنث. قال أصبغ وإن حلف لا أدخل بيت فلان ما عاش أو قال: حتى يموت فدخل بيته وهو ميت قبل أن يدفن أن حنث. م: ويجب أن يكون على قول سحنون: لا يحنث وهو في هذه أقوى من الأول؛ لأنه اشترط ما عاش أو حتى يموت فقد دخل بعد حلول الشرط فكان يجب ألا يحنث باتفاق، وقول من حنث بذلك ضعيف.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف لا آكل من طعام فلان فباع فلان طعامه ثم أكل منه الحالف لم يحنث إلا أن يقول: من هذا الطعام؛ فلا يأكل منه وإن خرج من ملك المحلوف عليه وتداولته الأملاك فإن فعل حنث إلا أن يكون نوى ما دام في ملك فلان، وإن حلف لا أكلت من طعام فلان ولا ألبس من ثيابه ولا أدخل داره ثم ملك أشياء فلان هذه بشراء منه فأكل ولبس ودخل بعد الشراء فلا شيء عليه إلا أن يكره تلك الأشياء لأعيانها فيحنث، ولو وهبها له المحلوف عليه أو تصدق بها عليه فقبلها ثم أكل ولبس ودخل حنث إن كان ما كره من ناحية المن. ومن كتاب ابن المواز: إذا قبلها فأكل ولبس ودخل الدار فقيل: لا شيء عليه. وقال محمد: هو حانث، وقاله المخزومي وابن دينار وابن كنانة. ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يأكل لرجل طعاماً فدخل ابن الحالف على المحلوف عليه فأطعمه خبزاً فخرج به الصبي لأبيه فأكل منه الأب ولم يعلم به حنث.
[قال أبو إسحاق: ولم يجعل ملك ابنه تقرر على "ما أعطاه" فيصير الأب أكل من مال ابنه لا مال المحلوف عليه ولعله أراد أن ذلك يسير "للأب" يرده، وأما لو وهبه هبة كثيرة لها بال "لا يقدر الأب على ردها" فأكل منها الأب لانبغى ألا يحنث؛ لأنه مال لابنه لا يقدر على رده على الوهاب]. قال سحنون: وأما أنا فيتبين لي أنه لا يحنث؛ لأن الابن قد ملك الطعام دون الأب. م: قال بعض أصحابنا: إن كان الأب موسراً حتى يكون له رد ما وهب لابنه من طعام ولا ينتفع إلا بأكله في الوقت كالكسرة ونحوها؛ لأنه يقول: نفقة ابني علي فليس لأحد أن يحمل عني منها شيئاً فهذا إن أكل مما أعطي الصبي حنث ويعد ذلك قبولاً منه لخبز المحلوف عليه، وإن كان الأب معدماً حتى لا تلزمه نفقة ابنه وكان عيش الابن من عند غير الأب من الصدقات ونحوها فأعطاه ذلك الرجل خبزاً فأكل منه الأب لم يحنث. قال: وهذا معنى قول مالك والله أعلم.
قال: ولو دخل عبد الحالف على المحلوف عليه فأطعمه خبزاً فأكل منه الحالف ولم يعلم لحنث أيضاً، وعبده وابنه في هذا سواء؛ لأنه له رد ما وهب لعبده قل أو كثر إلا أن يكون على العبد دين فليس له رد ما وهب له من مال. ومن المدونة قال مالك: وإن حلف ألا يأكل من طعام اشتراه فلان فأكل من طعام اشتراه فلان وآخر معه حنث. [وكذلك إن حلف ألا يلبس ثوباً غزلته فلانة فلبس ثوباً غزلته فلانة وأخرى معها حنث]. م: قال سحنون: فيمن حلف ألا يأكل من مال فلان ولا ينتفع منه بشيء فانتفع بشيء من ماله بعد موته قبل جمع ماله أو بعد [قبل أن يدفن أو بعد]؛ فإن كان عليه دين فهو حانث، كان ديناً محيطاً أو غير محيط، وأما إن لم يكن عليه دين وقد أوصى بوصايا فلا يحنث؛ لأن ما تركه بموته لأهل الميراث ولأهل الوصايا وما جرى فيه من حادث فمنهم. قال: وقد أخطأ من ساوى بين الدين والوصية.
ومن سماع أشهب: ومن حلف ألا أخذ لفلان مالاً فمات فأخذ من تركته؛ فلا يحنث إلا أن يكون عليه دين أو أوصى بوصايا. قال سحنون: وكذلك قوله لا أكلت من طعامه، فأكل قبل قسم ماله فإن كان عليه دين أو أوصى بوصايا حنث. وقال أشهب في المجموعة: سواء كان عليه دين أم لا دين عليه. وقال ابن القاسم أيضاً في المجموعة: كان عليه دين محيط أو غير محيط. وقال ابن المواز: وقد قيل: لا يحنث وإن أحاط به الدين. قال أبو القاسم ابن الكاتب: في قولهم: يحنث إذا أوصى بوصايا، قال: معناه عندي: إذا أوصى له بمال معلوم فيحتاج فيه إلى بيع مال الميت ليعطى منه الموصى له؛ لأن ذلك المال لو ضاع قبل أن يعطاه لرجع الموصى له في ثلث ماله الذي بقي؛ لأنه لا
يتعين كما قال فيمن أوصى أن يشتري عبد [فلان فيعتق عنه فيموت بعد الشراء وقبل عتقه أن عليهم أن يشتروا غيرهم من] بقية الثلث، بخلاف عبد بعينه، وأما إن كانت الوصية بجزء من ماله كالثلث والربع ونحو ذلك؛ فهاهنا يكون الموصى له شريكاً للورثة كأحدهم ساعة يموت الميت فلا حنث على الحالف في هذا والله أعلم. قال مالك: ومن حلف بالطلاق ألا آكل من طعام فلان فسافر معه فاشتريا طعاماً فأكلاه فليحلف ما أراد إلا طعامه خالصا ولا شيء عليه. قال ابن القاسم: إذا علم أنه لا يأكل أكثر من صاحبه وكره أن يقربا سفرتيهما من غير شراء فيأكلان من الطعام وإن كان ذلك كفافاً. وقال أصبغ: لا يحنث وهو كالاشتراء إذا أكل مثل طعامه فدون. فيمن حلف على زوجته إن خرجت إلا بإذنه أو حلف إلا بإذنه لها وكيف إن خرجت كرهاً أو لأمر غالب قال ابن القاسم ومن قال لزوجته: أنت طالق إن خرجت إلا بإذني؛ فأذن لها في سفر أو حيث لا تسمعه، وأشهد بذلك، فخرجت بعد إذنه وقبل علمها بالإذن فهو حانث.
قال مالك في غير/ كتاب: وإن حلف لها لا خرجت سنة إلا بإذني فمر بأمها فسألته أن يأذن لها إليها، فقال: نعم أنا آذن لها وأبعثها غليك فبعثت الأم إليها أن قد أذن لك: فجاءتها قبل مجيء الزوج وإذنه فإن أراد بما قال للأم إذناً إني قد أذنت لها وتلك نيته فلا شيء عليه، وإن لم يرد ذلك فقد حنث. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف ألا يأذن لها إلا في عيادة مريض فخرجت في العيادة بإذنه ثم مضت بعد ذلك إلى حاجة أخرى لم يحنث؛ لأن ذلك بغير إذنه وهي في كل ما خرجت بغير إذنه من حمام أو غيره لا يحنث إلا أن يتركها بعد علمه فيصير ذلك كابتداء إذن وإن هو حين علم بذلك لم يتركها فلا يحنث، وإن لم يعلم بذلك حتى رجعت فلا شيء عليه. ابن المواز وقال أشهب: وإن حلف ألا تخرج إلا غير عيادة مريض إلا بإذني فأذن لها في العيادة فذهبت منها إلى غيرها فقد حنث.
م: يريد: لأن ذلك بغير إذنه وهو في كل ما خرجت إليه سوى العيادة بغير إذنه حانت، وكذلك قال أصبغ في العتبية: إن حلف لا خرجت إلا بإذني فأذن لها في موضع فذهبت منه إلى غيره فقد حنث. قال أبو زيد عن ابن القاسم: وإذا أذن لها إلى موضع فخرجت ثم رجعت من الطريق لحاجة ذكرتها، مثل ثوب ذكرته تتحمل به ثم خرجت؛ فلا شيء عليه إلا أن ترجع إلى الدار تركاً لمخرجها الذي أذن لها فيه ثم تذكر فتخرج على الإذن الأول فهذا حانث. ابن المواز: وقاله ابن وهب. وقال ابن القاسم: إنه حانث على كل حال، وكذلك ذكر عنه ابن حبيب: وعن أصبغ وذكر عن مطرف وابن الماجشون: أنها إن رجعت لما ذكرت قبل بلوغ الموضع الذي خرجت إليه فلا شيء عليه، فأما لو بلغت الموضع ثم رجعت؛ فلا بد من تجديد إذن وإلا حنث، وبه قال ابن حبيب.
م: ورواية أبي زيد عن ابن القاسم أبينها. فصل قال ابن حبيب: ومن حلف لا خرجت امرأته إلا بإذنه فأراد سفراً فأذن لها أن تخرج كلما شاءت وحيث شاءت؛ فابن القاسم يقول: إذن واحد يكفيه إلا أن يقول: لا خرجت إلا موضع من المواضع، أو يقول: إلى موضع فقط، فإن قال ذلك؛ لم يجزه حتى يجدد الإذن في كل موضع عن علم منه بالموضع الذي تخرج إليه وحكاه عن مالك وقاله مطرف وأصبغ. وقال ابن الماجشون وأشهب: إذن واحد يجزيه في الوجهين، وقول ابن القاسم أحب إلي، فأنزل نزل ذلك لم أبلغ به الحنث وأخذت بقول أشهب وعبد الملك. وذكر ابن المواز وابن عبدوس عن مالك وابن القاسم مثل ما ذكر ابن حبيب. محمد: وقال ابن الماجشون في الحالف: إن خرجت إلا بإذني: إنه لابد من إحداث الإذن في كل مخرج إلا أن يقول نويت هذا الأمر جملة بعينه، وأن نويت إذناً واحداً فيحلف وينوي.
ابن المواز: وإن حلف لا أعارت امرأته شيئاً من بيته إلا بإذنه ثم يقول لها: قد أذنت لك أو تعيري كل ما شئت فلا ينفعه ذلك حتى يعرف كل ما تعير كمن قال: إن خرجت من موضع كذا إلا بإذني، وقيل: ليس هذا مثله، وليس بشيء حتى يقول: إن أعرت شيئاً من الأشياء فيكون مثل قوله: إن خرجت إلى موضع كذا، وأما يمينه: إن أعرت، فمثل قوله: إن خرجت. م: فصار في قوله: إن خرجت إلا بإذني قولان: قول: إن إذناً واحداً يجزيه. وقول: إن لابد من تجديد الإذن، وكذلك قوله: إن خرجت إلى موضع من المواضع الجواب سواء.
فصل قال ابن المواز: ومن حلف بطلاق امرأته البتة إن خرجت إلى أهلها إلا بإذنه إن لم يضربها، فخرجت مرة فضربها فلا شيء عليه إن هي خرجت بعد ذلك بغير إذنه إلا إن يكون نوى ذلك، ألا ترى أنها لو خرجت مراراً لم يكن عليه أن يضربها إلا مرة واحدة؛ فإن ضربها فقد بر في يمينه وسقطت كما لو حنث مرة لسقطت عند اليمين وليس يبر أحد ولا يحنث إلا مرة واحدة. م: يريد: وكذلك لو قال لها أنت طالق واحدة إن خرجت إلا بإذني فخرجت مرة بغير إذنه فوقعت عليها طلقة ثم إن خرجت ثانية لم يلزمه شيء؛ لأنها يمين حنث فيها فلا يتكرر الحنث إلا أن ينوي كلما خرجت. ابن المواز: ومن حلف إن نام حتى يوتر فعليه صدقة دينار، فنام ليلة قبل أن يوتر؛ فلزمه صدقة دينار ثم نام بعد ذلك. قال مالك: ما رأيت أحداً يفعل هذا، يريد بذلك مرة واحدة وما أراه إلا أن عليه في كل ماي فعل إلا أن ينويه. وقاله ابن القاسم وأصبغ. قال أشهب: وإن حلف على زوجته ألا تدخل الدار إلا بإذنه فأذن لها فلم تدخل حتى قال لها: لا تدخلي وإن دخلت حنث؛ لأنها دخلت بغير إذنه.
فصل قال ابن حبيب: وللرجل منع زوجته من الخروج إلى بيت أبويها ولا يحكم به عليه إن امتنع وإن لم يحلف ولكن يحكم عليه بالإذن لهما في الدخول إليها المرة بعد المرة، وليس له منع الوجهين ويقطع ما أمر الله به أن يوصل، فلا بد أن يتركها أن تخرج إليهما أو يدخلان إليها، يقضي عليه بأحد الأمرين إن طلبته هي ذلك أو أحد أبويها وهو حق لها أو لهما فإن حلف بالطلاق لا دخلا إليها ولا خرجت إليهما قضي بإحناثه بأحد الأمرين إن خوصم، وكذلك قال: من كاشفت قال: ويقضى عليه ألا يمنع أخاها وعمها وخالها وابن أخيها وابن أختها من دخولهم إليها أو خروجها إليهم فإن حلف في الوجهين فقد أساء وظلم ولا يبلغ بعد الحنث وكذلك سمعت.
ومن العتبية قال أشهب عن مالك: ومن حلف بطلاق أو عتق ألا تخرج امرأته أبداً فلا يقضى عليه بالخروج في جنازة أبيها وأمها، وأن تزورهما، قال: وإن لم يحلف قضي عليه أن تشهد جنازة أبيها وأمها وان تزورهما في الأمر الذي فيه الصلة والصلاح، فأمر الجنائز واللعب والعبث فليس ذلك عليه، قال: ويقضى عليه أن تخرج إلى الحج إن شاءت وكانت صرورة [وإن حلف ولكن لا أدري ما تعجيل الحنث في هذا يحلف بالأمس ويقول:] أنا أحج اليوم ولعله يؤخر ذلك سنة بسنة. قال: وإذا حلف لا خرجت إلا أن يقضي علي به سلطان فأراد أن يقضى به عليه سلطان، فأرجو إذا أخبر الإمام غيره فقضى عليه إلا أن يكون عليه شيء، وليس على السلطان بأس أن يفعل إذا علم أنه يجب ذلك. ابن المواز قيل لابن عبد الحكم: فإن جهل فأخبر هو بذلك الإمام، قال: ما أشبهه أن يحنث.
قال ابن القاسم في المجموعة: وإذا أخبر الإمام غيره قضى عليه فيما يلزم من جنازة أمها ولا ينبغي فأرجو ألا شيء عليه، وأما إن قضى عليه بغير الحق فأذن لها بحكم منه فلا شيء عليه، وأما إن أخبر بذلك الرجل فمضى الرجل إلى الإمام فأخبره فحكم عليه بغير الحق فهو حانث. قال أبو محمد: يريد إذا لم يقصد الحالف تحليل يمينه بما لا يجب فهو بار حتى إذا قصد القضاء عليه بذلك وكان بسببه فقد حنث؛ لأنه ليس من وجه القضاء الذي حلف عليه. فصل قال مالك في العتبية وكتاب محمد: فيمن حلف بالطلاق لا خرجت امرأته من الدار أبداً، فأتاها سيل أو هدم أو أمر لا قرار معه أو خرجها أهل الدار وهي بكراء قد انقضى فلا شيء عليه في خروجها هذا واليمين عليه في الدار التي انتقلت إليها وكذلك إن رجعت إلى الدار التي انتقلت منها. قال ابن القاسم: فإن ضرب أجلاً فحتى تبلغ إليه.
قال ابن سحنون عن أبيه: وكذلك لو أخرجها السلطان في يمين تحلفها عند المنبر لم يحنث. قال مالك في كتاب محمد: ولو انتقل الزوج ولم يخرجه رب الدار فلا شيء عليه إذا كان على سبيل النقلة، واليمين باقية حيث انتقل، وكذلك إذا انتقل لخوف سقوط البيت أو خرج إلى بادية وما كان مما يغشاه من أمر السماء فيغلبه فلا شيء عليه. م: لأن الأيمان في هذا إنما يقصد بها منع خروج التصرف لما يتقى عليه فيه من الفساد، وقد قيل: ما شيء أضر عليهن من الخروج فإذا كان المقصد ذلك لم يجب أن يحنث، لخروج الانتقال أو أمر غالب والله أعلم. وقال عنه ابن نافع في المجموعة: فيمن حلف بطلاق امرأته إن خرجت من باب بيتها حتى أصدر فغاب ونزلت بموضعها فتنة فخافت المرأة وخرجت من خوفها من دبر البيت إلى أمها ولم تخرج من بابه قال: أراه قد حنث.
م: وهذا خلاف لقوله في العتبية وكتاب محمد: إذا خافت على نفسها الهلاك والاغتصاب من أمر الفتنة، ولا فرق بين ذلك وبين السيل والهدم وهو كالإكراه على الخروج. فصل ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم فيمن حلف على زوجته ألا يأذن لها إلى أهلها فأذن لها إليهم فلم تذهب فقد حنث سارت أو لم تسر. ابن المواز وإن قال لها: أنت طالق إن خرجت إلى أهلك فخرجت فلم تبلغ أهلها حتى أدركها فردها فقد حنث، وإن قال: لها إن حجبت فأنت طالق فخرج هو إلى سفر فخرجت تريد الحج فأدركها وقد أحرمت فردها فقد حنث، فإن لم تحرم حتى ردها لم يكن عليه شيء، ولو أحرمت ولم تخرج لكان حانثاً؛ لأن الإحرام هو الحج. قال ابن المواز: ولو قال لها: إن خرجت إلى الحج فخرجت تريد الحج فأدركها قبل أن تخرج فقد حنث، بخلاف قوله: إن حججت.
باب جامع لمسائل مختلفة من الأيمان
باب جامع لمسائل مختلفة من الأيمان قال ابن القاسم: ومن حلف ليقضين فلاناً حقه غداً فقضاه اليوم بر، ولو حلف ليأكلن هذا الطعام غداً فأكله اليوم حنث، إذ الطعام قد يخص به اليوم، والغريم إنما القصد فيه القضاء. قال أشهب في المجموعة: إن سئل في أكله الآن فقال: دعوني الآن فأنا والله آكله غداً فلا حنث عليه إن أكله اليوم لأن قصده لا تعيين اليوم وإن كان على غير ذلك حنث. [قال مالك في عبد سأله سيده عن خرجٍ فقال العبد: بعته من أخيك فخشي السيد أن يكون كذبه، قال: فاحلف لي بطلاق زوجتك ثلاثاً فقال العبد: امرأتي طالق ثلاثاً إن لم يكن أخوك أرسل لي فيه وبعته إياه وانتقدت ثمنه ثم ذكر [بعد ذلك فإذا أخو الرجل هو الذي لقيه في الخرج وباعه وانتقد ثمنه] وأنه لم يجئه فيه رسول، قال مالك: لا أرى عليه حنثاً إنما أراد وجه الكتمان]. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يشتري ثوباً فاشترى وشيئاً أو صنفاً سواه فإن خص بنيته ذلك النصف فله نيته في الفتيا، وأما في القضاء: إن قامت عليه بنية.
فيما يقضى به عليه من طلاق أو عتق فلا ينوى، وكذلك إن حلف ألا يدخل هذه الدار ثم دخلها بعد شهر وقال: نويت شهراً فله نيته في الفتيا ولا ينوي في القضاء. قال ابن المواز: وإن حلف ألا يلبس ثوباً ونوى وشياً فله نيته، وإن نوى إلا وشياً فقيل: ينفعه كما يحاشي زوجته إذا قال: الحلال عليه حرام، وينوى إلا امرأتي وقيل: لا ينفعه حتى يحرك بها لسانه كأحرف الاستثناء، وأما: إن، وإلا أن؛ فهي أحرف الاستثناء لا اختلاف فيهما أن النية لا تنفعه إلا بتحريك لسانه بها كيمينه: إن شاء فلان [أو إلا أن يشاء فلان] وقد تقدم هذا. فصل ومن المدونة: وإن حلف ألا يلبس هذا الثوب وهو لابسه أو لا يركب هذه الدابة وهو عليها فإن نزل عنها أو نزع الثوب مكانه وإلا حنث.
قال في المجموعة: وإن قال لزوجته وهي في الدار: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق فلا شيء عليه في تماديها وإنما اليمين على أمر مستقبل، وكذلك لو قال لحامل: إن حملت فأنت طالق لم تطلق عليه بذلك الحمل، ولكن بأمر مستقبل. ابن المواز وقال أشهب في يمينه: إن دخلت هذه الدار وهو فيها أنه إن لم يخرج فكأنه حنث. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يلبس هذا الثوب فقطعه قباءً أو قميصاً أو سراويل أو جبة فلبسه حنث إلا أن يكون كره الأول لضيفه أو لسوء عمله فحوله فلا يحنث. وإن حلف ألا يلبس هذا الثوب وهو قميص أو قباء أو ملحفة فأتزر به أو لف به رأسه أو طرحه على منكبيه؛ حنث، ولو أصاب من الليل هراقة البول فجعله على فرجه ولم يعلم لم يحنث، وليس هذا لبساً ولو أداره عليه فهو لبس ويحنث. وقاله مالك. ومن العتبية من سماع أشهب: ومن حلف في فراش ألا يضطجع عليه ففتق فالتحف به مع امرأته حنث.
م: إن كان الفراش محشواً فكره سوء حشوه وأنه أذاه ذلك في الرقاد عليه ففتقه وأزال حشوه وجعله إزاراً لم يحنث في الالتحاف به. وقال أصبغ: فيمن حلف ألا يجلس على بساط فمشى عليه فإن أراد اجتنابه أو كره النفع به والجلوس عليه حنث إلا أن تكون له نية أو بساط. فصل ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يركب دابة فلان فركب دابة عبده حنث إلا أن تكون له نية لأن ما في يد العبد لسيده ألا ترى أن العبد لو اشترى من يعتق على سيده لعتق عليه. [وخالفه أشهب ورأى: أن الحالف لا حنث عليه في دابة العبد ولا يعتق من يعتق على السيد إذا ملكه عبده، وقال غيره: يحنث لأن ملك العبد له حتى ينتزعه سيده، وعلى مذهب ابن القاسم أن مال العبد لما كان ... فكأنه مال السيد سيما إن قصد المنة فهو من عليه بما أخذ من مال عبده إذ لو شاء لمنع عبده من ذلك]. وقال أشهب: لا يحنث في دابة عبده. قال عنه ابن المواز: كما لو ركب دابة لولده مما للأب اعتصارها لا يحنث.
فصل قد تقدم قول مالك فيمن حلف بالطلاق ماله مال وقد ورث قبل يمينه مالاً لم يعلم به؛ أنه حانث إلا أن ينوي، أي يعلمه فلا يحنث. قال بعض القرويين: ينوي في هذا وإن قامت على يمينه بينة؛ لأن نيته لما ذكر ممكنة غير مستبعدة. م: ولو كانت يمينه في ذلك بالله لم يحنث لأنها لغو. وقد قال ابن عباس: اللغو أن يحلف الرجل على أمرٍ يرى أنه فيه صادق فلا يكون صادقاً، فهذا مثله، وإنما يحنث في يمينه بالطلاق إذ لا لغو فيه. ومن المدونة قال مالك: ومن حلف بالله ماله مال وله دين عرض أو غيره أو له شواء أو خادم ولا ناض له حنث إلا أن تكون له نية. قال ابن القاسم: لأن العروض أموال، ألا ترى أن في الحديث: (فلم تغنم ذهباً ولا ورقاً إلا الأموال: المتاع والخرثي). قال: وإن استعير منه ثوباً فحلف بالطلاق: ما يملك إلا ثوباً هو عليه وله ثوبان مرهونان وهما كفاف دينه؛ لم يحنث إن كانت تلك نية. ابن المواز قال مالك: ويحلف أنه أراد ما يقدر عليهما للعارية وذلك نيته. قال فيه وفي المدونة: وإن لم تكن له نية؛ حنث كان فيهما فضل أم لا.
وقال يحيى بن عمر: إن كانت له نية لم يحنث كان فيهما فضل أم لا، يريد إذا حلف متبرعاً، وأما إن حلف لغريم فهو حانث إن كان فيهما فضل ولا تنفعه هاهنا نية. فصل ومن المونة قال مالك: ومن حلف ألا يكلم فلاناً عشرة أيام فكلمه فيها حنث ثم إن كلمه فيها مراراً قبل أن يكفر أو بعد لم يلزمه إلا كفارة واحدة. قال في العتبية: فيمن حلف بطلاق أو غيره لا يكلم أخاه عشرة أيام؛ فأحب إلي أن يلقي ذلك اليوم ولا يعتد به وقاله ابن القاسم. وروى عنه سحنون فيمن حلف ضحى لا كلم فلاناً يوماً، قال: يكف عن كلامه إلى مثل تلك الساعة من الغد. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف لرجل إن علم كذا ليعلمنه أو ليخبرنه فعلماه جميعاً لم يبر حتى يعلمه أو يخبره وإن كتب به إليه أو أرسل إليه رسولاً بر. قال مالك: ولو أسر إليه رجلٌ سراً فأحلفه ليكتمنه ثم أسره المسر لآخر فذكره الآخر للحالف، فقال له الحالف: ما ظننت أنه أسره لغيري حنث.
فصل وقال مالك: وإن حلف ألا يتكفل بمال أبداً فتكفل بنفس رجل حنث؛ لأن الكفالة بالنفس كالكفالة بالمال إلا أن يشترط وجهه بلا مال فلا يحنث، ومن حلف ألا يتكفل لفلانٍ بكفالة فتكفل لوكيل له ولم يعلم أنه وكيله فإن لم يكن الوكيل من سبب فلان وناحيته لم يحنث. قال ابن المواز: إذا لم يعلم أنه من وكلائه أو من سببه؛ لم يحنث، وإن علم بذلك حنث. فصل ومن الدونة قال مالك: ومن حلف ليضربن عبده مائة سوط فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لم يجزه واستأنف ضربه مائة سوط ولم تجزه تلك الضربة؛ لأنها غير مجانسة لضرب السوط المحلوف عليه فخاف ما لو جمع سوطين وضربه بهما خمسين [لعدت له خمسون] يتم عليها خمسين ويبر؛ لأن هذا يشبه ضرب السوط وجمعها كلها لا يكون كذلك.
[ومن كتاب أبي إسحاق] أو أخذ سوطاً له رأسين أو جمع سوطين فضربه بهما خمسين جلدة لم يبر، ولو ضربه بسوط مائة جلدة جلداً خفيفاً لم يبر إلا بضرب مؤلم، وإن حلف ألا يضرب عبده فأمر غيره فضربه حنث إلا إن ينوي بنفسه، [وإن حلف ليضربن عبده فأمر غيره فضربه بر إلا أن ينوي بنفسه]. ومن حلف ألا يشتري عبداً فأمر غيره فاشتراه له حنث، وكذلك لو حلف ألا يبيع سلعته فأمر غيره فباعها حنث، ولا يدين في شيء من هذا. قال ابن المواز: إذا كانت له نية في الشراء أو في البيع ألا يليه؛ لأنه قد غبن غير مرة فله نيته، وأما إن كره شراءه أصلاً؛ فقد حنث، وقاله أشهب، ولم يره ابن القاسم. فصل ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يبيع لفلان شيئاً فرفع فلان ثوباً لرجل فأعطاه الرجل للحالف فباعه ولم يعلم أنه ثوب فلان؛ فإن كان الرجل من سبب فلان وناحيته
مثل الصديق الملاطف أو من في عياله ونحوه حنث، وإلا لم يحنث، وكذلك إن حلف ألا يبيع منه فباع ممن اشترى له ولم يعلم؛ فإن كان المشتري من سبب فلان وناحيته حنث وإلا لم يحنث، ولو قال له عند البيع: إني حلفت ألا أبيع فلاناً فقال له: إنما أبتاع لنفسي، ثم صح بعد البيع أنه إنما ابتاع لفلان لزم الحالف البيع ولم ينفعه ذلك وحنث إن كان المشتري من ناحية فلان. وقال أبو إسحاق: وانظر إن قال: إنما أبيع منك بشرط أنك لو اشتريت لفلان فلا بيع بيني وبينك، فثبت أنه اشترى لفلان؛ لا ينبغي ألا يحنث، وأن لا ينعقد البيع، وانظر لو اشترى لنفسه ثم ولى المحلوف عليه بحضرة البيع في الموضع الذي يكون عهده المولى على البائع هل يحنث البائع لأن المحلوف عليه هو يطلب بعده استحقاق السلعة أم لا يحنث؛ لأن البائع الحالف لو حلف لا يطلب بثمنه إلا المولى، فكأنه وإن كانت العهدة عليه للمحلوف عليه فليس هو الطالب له بالثمن، وقد قيل فيمن حلف: ألا يشتري لامرأته ثياباً فاشترى لنفسه فسألته امرأته أن يوليه إياه قال: سمعت مالكاً يستثقل أن يوليها.
قال ابن القاسم: فإن فعل لم أر عليه حنثاً؛ لأن التولية هاهنا بيع إلا أن يكون عند مواجهة البيع وبحضرة البيع الأول، فكأنه حينئذ إنما اشتراها له. [قال أبو إسحاق: وهذا بين لأنه هاهنا هو القابض منه الثمن، كما يقبضه إذا وكلته على الشراء والعهدة لنا على من اشترى هو منه فأشبه الوكالة في الأمرين]. قال ابن المواز عن مالك: إذا كان المشتري من ناحية المحلوف عليه أو رسوله وقد عرف بذلك البائع حنث، وإن لم يعلم أنه من سببه لم يحنث في ذلك كله، وقاله أشهب في المجموعة. م: وهذا وفاق للمدونة. وقال ابن حبيب قوله: من ناحيته هو وكيله أو من يدبر أمره أو أب أو أخ ممن يلي أمره، فأما الصديق والجار والجلساء فلا، وإذا كان ممن ذكرنا أنه من ناحيته فلا يبالي علم به الحالف أو لم يعلم فإنه يحنث، وإن كان خليطاً أو جاراً أو صديقاً فلا يحنث علم به أو لم يعلم أنه إنما ابتاعه له إلا الخليط المعامل القائم ببعض أموره فهو يحنث، وهو كمن يسببه وقاله كله مالك.
ومن العتبية قال أصبغ عن ابن القاسم: فيمن حلف ألا باع بمائة دينار: فإنه يبر بزيادة الدينار فيه المائة وبنصف الدينار في الخمسين إلا أن تكون نية فيما يزاد. قال أصبغ: ولا يبر بخمس دينار في عشرين ولا بخمسين ونصف في ثلاثين، وإذا جزأ الدينار هكذا لم يقع لمثل هذا منه بال. قال: قال ابن سحنون قلت لسحنون: قال بعض الناس: إن ربع دينار يبر به في المائة لأنه يجب فيه القطع، قال: لا يبر بذلك ويحنث إن فعل. ومن كتاب آخر: أن محمد بن عبد الحكم يقول: يبر بأقل من ذلك. م: والرباعي عندنا في المائة رباعي يبر به عندنا كالدينار في المائة دينار عند غيرنا. في اليمين على قضاء الحق أو اقتضائه قد تقدم القول فيمن حلف لأقضين فلاناً حقه إلى حين أو زمان أو دهر: أن ذلك كله سنة، وأن من حلف ليقضين حقك غداً فقضاك اليوم؛ أنه بار.
قال مالك: ومن حلف لأقضين فلاناً حقه إلى أجل فقضاه إياه ثم وجد فيها صاحب الحق درهماً زائفاً نحاساً أو رصاصاً أو ناقصاً بين النقصان أو بما لا يجوز أو استحقت من يده فقام عليه بعد الأجل فهو حانث. [ولو كان له طعام من سلم فحلف ليقضينه ذلك إلى أجل فأحاله على من عليه طعام من سلم قبل الأجل فقبضه ومضى الأجل فوجب نقضه ورده إلى يد من كان عليه حتى يكتاله ثانية؛ فقيل: يحنث؛ لأن القضاء لم يتم لما نقص، وقيل: يبر؛ لأن الأجل قد مضى بالدين بيعاً يجب نقضه ... البيع فنقض بعد الأجل لكان كما قدمنا، ولو استحق ما قضاه لكان من هذا المعنى، أو رد بعيب وقد اختلف فيمن حلف ليبيعن ... إلى أجل فباعه وانقضى الأجل فرد بعيب فقيل: قد بر، وذهبت عنه اليمين ... مضى وكان قبل أن يرد بيعاً، وقيل: يحنث؛ لأنه لما انتقض فكأنه لم يبعه وقد ... الأجل فلا يقدر على بيعه إلا أن
يرد عليه قبل مضي الأجل فليبعه في بقية ... ، وقيل: إن كان عالماً بعيب حنث إن مضى الأجل، يريد: لأنه لما دلس دخل على هذا البيع لم يتقدر لخلاء ... بر]. قال مالك: ولو أعطاه قضاء من حقه عرضاً يساوي ما عليه أن لو يبيع لبر، ثم استثقله مالك. قال ابن القاسم: وقوله الأول أعجب إذا كان يساوي ذلك. قال: وكذلك من حلف ألا يفارق غريمه إلا بحقه فأخذ منه حقه ثم وجد فيه ما ذكرنا بعد أن فارقه فهو حانث. قال أشهب في المجموعة: إلا أن تكون نويت جهدك وقد اجتهدت فلا تحنث في الفتيا وإن قامت عليك بينة لم يقبل منك ذلك. قال ابن سحنون: عن أبيه ولو أعطاه ديناراً أفضل عيناً من ديناره الذي يسأله فبعد الأجل طلب منه فضل عينه فضة فإن كان على هذا أعطاه فقد حنث ويرد الدينار إليه
ويعطيه ما عليه وإن لم يكن بينهما وأيٌ ولا عادة وأعطاه متطوعاً فلا شيء عليه في يمينه وإن أعطاه الدينار كله. ومن المدونة قال مالك: وإن حلف ألا يفارق غريمه إلا بحقه ففر منه أو أفلت أو غصب الحالف نفسه فربط فهو حانث إلا أن يكون قوله: لا فارقتك كالقائل لا أتركه إلا أن يفر أو أغلب عليه. وإن قال لزوجته: أنت طالق إن ضاجعتك أو قبلتك فقبلته من ورائه وهو لا يعلم أو ضاجعته وهو نائم لم يحنث إلا أن يكون منه في القبلة استرخاء، وإن كانت يمينه: إن ضاجعتني أو قبلتني حنث بكل حال. قال ابن المواز: أما قوله: إن فارقتك وفي المرأة إن قبلتك أو ضاجعتك فلا يحنث إلا بطوعه ويحلف بالله ما هاذ الذي أراد إذا أكره.
وإن قال: إن فارقتني أو قبلتني أو ضاجعتني حنث، وإن أكره إلا أن يريد بقوله: إن فارقتني يريد: إن فارقتك أو ينوي إلا أن يغلب فلا يحنث. قال: وأما قوله: إن افترقنا مثل قوله: إن فارقتني. ومن المدونة قال مالك: وإن حلف لغريمه ألا يفارقه حتى يستوفي حقه فأحاله على غريم له لم يبر. قال بعض فقهائنا: وإذا حلف ألا يفارقه وله عليه حق فأحاله بحقه ثم افترقا فلا حنث عليه؛ لأنه فارقه ولا حق له عليه للحوالة الواقعة بينهما، قال: وهو منصوص لأهل المذهب وليس كمن حلف ألا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه. م: والظاهر أنهما سواء لأنه إذا فارقه ولا حق عليه فقد استوفى حقه، فانظر. قال مالك: وإن حلف ليقضين فلاناً حقه رأس الشهر أو عند رأس الشهر أو إذا استهل الشهر فله يوم وليلة من أول الشهر، وإن قال: إلى استهلال الشهر أو إلى رمضان. فإذا انسلخ شعبان واستهل رمضان ولم يقضه حنث. ابن المواز قال ابن القاسم: وكذلك كلما ذكر فيه "إلى" فهو يحنث بغروب الشمس من آخر يوم هو فيه كقوله: إلى الهلال، أو إلى مجيئه أو إلى رؤيته ونحوه، وإن لم
يذكر "إلى" وذكر "اللام" أو "عند" أو "إذا" فله ليلة يهل الهلال ويومها، كقوله: لرؤية الهلال لدخوله لاستهلاله أو عند استهلاله أو عند رؤيته أو إذا استهل أو إذا دخل ونحوه. وأما إن قال: إلى انسلاخ الهلال أو لانسلاخه أو في انسلاخه فيحنث بالغروب. وإذا قال: عند انسلاخه أو إذا انسلخ فله ليلة ويوم. وقوله: في انقضائه أو في آخره كقوله: في انسلاخه سواء. وقال ابن وهب عن مالك: إن الانسلاخ والاستهلال أو إلى رؤيته أو إلى رمضان ذلك كله واحد وله ليلة ويوم. قال ابن القاسم: وإن قال: ليقضينك في رمضان فلا يحنث إلا بغروب الشمس من آخره. قال أشهب: وإن قال في نصفه فخاف أن ينقضي فليقضه يوم أربعة عشر فإن قضاه يوم خمسة عشر أول النهار أو آخره حنث. وقيل: لا شيء عليه وهو النصف المتعارف عند الناس.
ابن المواز وقال أيضاً أشهب: لا يحنث فإن قضاه يوم خمسة عشر وإن نقص الشهر. قال ابن القاسم: وإن قال: لأقضينك غداً يوم الجمعة أو قال: يوم الجمعة غداً وذلك ظنه فإذا هو يوم الخميس فإن لم يقضه غداً يوم الخميس إلى غروب الشمس وإلا حنث. وإن قال: لأقضينك غدوة أو بكرة فليوفه ما بينه وبين نصف النهار وإن زالت الشمس حنث. وكذلك إن قال: إلى الظهر، فإن قال: عند صلاة الظهر فله أن يصير ظل كل شيء مثله. وإن قال قبل أن أصلي فإذا انصرف الناس من الجامع ولم يقضه حنث، وإن لم يصل هو وإن قال: نويت حتى أصلي أنا لم ينفعه وإن لم يكن لهم مسجد جماعة لم يحنث حتى يخرج آخر الوقت. ومن المدونة قال مالك: وإن حلف لك غريمك ليقضينك حقك رأس الشهر فوهبت له حقك أو وضعته عنه صدقة أو صلة لم يبر.
قال ابن حبيب: إذا وهبه الحق أو تصدق به عليه قبل الأجل فإن قلبه حنث مكانه ولا ينفعه أن يقضيه إياه قبل الأجل ليتحلل من يمينه؛ لأن الحق سقط بالقبول وإن لم يقبله ثم قضاه بر، ثم لا قيام له فيما رد من الهبة والصدقة، وإن لم يظهر منه ردٌ ولا قبولٌ وقضاه عند الأجل أو قبل ذلك بر، ثم له القيام في أخذ ما وهب له أو تصدق به عليه ويقضى له به، وكذلك فسر لي أصبغ. قال مالك في غير كتاب: وأما إن ورثه الحالف فلا يحنث إذ لا يقدر على دفع الميراث. واستحسن في العتبية أن يأتي الإمام بالحق فيقضيه إياه ثم يرده عليه وإن لم يفعل لم يحنث. وقد قال ربيعة ومالك في المجموعة: إن الوراثة كالقضاء. ومن المدونة قال مالك: ولو باعك بالحق سلعة تسوى الدين لبر، ثم كرهه مالك. قال ابن القاسم: وقوله الأول أعجب إلي.
ولو حلف ليقضينك دنانيرك ولم يقل: حقك فذلك سواء ويبر إن دفع لك عرضاً يساوي دنانيرك إذا كانت يمينه على وجه القضاء ولم تكون على أعيان الدنانير ولو كانت يمينه على أعيان الدنانير لم يبر إلا بدفعها. يريد: وكذلك إن لم تكن له نية. ابن المواز: وإن حلف ليقضينه حقه إلى شهر أو رهناً بحقه فدفع إليه نصف الحق [ورهناً بنصف الحق الباقي فلا شيء عليه ولو قال: لأعطينك حقك] أو أرهنك داري فقضاه نصف الحق وأرهنه نصف داره بالباقي يحنث. محمد: جيدة. ومن المدونة قال مالك: وإن مات رب الحق قبل الأجل فقضى الغريم ورثته أو وصيه أو السلطان قبل الأجل بر. قال مالك: ومن حلف؛ يريد: بطلاق امرأته أو عتق ليقضين فلاناً حقه رأس الشهر فغاب فلان فليقض وكيله أو السلطان ويخرجه ذلك من يمينه، وأن احتجب عنه السلطان فلم يجده أو كان بقرية لا سلطان فيها أو خاف إن خرج إلى السلطان حل
الأجل قبل بلوغه، وإن جاء بالحق على شرطه إلى عدول فأشهدهم على ذلك بعد اجتهاده في طلبه بعلمهم فلم يجده لتغيبه أو سفر فلا شيء عليه إن شهدوا له بذلك. قال ابن سحنون عن أبيه: إذا لم يستطع الوصول إلى السلطان فلم يرفع إليه وأشهد عدولاً على إحضار الحق فذلك يبرئه، ولو جاءه الطالب يقتضيه فيه بعد الأجل فمطله به فلا شيء عليه في يمينه، وأما إن كان يصل إلى السلطان ولا يحتجب منه فتركه فلا يبرئه ذلك وإن أشهد. ومن المدونة قال مالك: وإن قضى وكيلاً له في ضيعته ولم يوكله رب الحق فتقاضى دينه أجزأه. قال في كتاب محمد وغيره: إذا لم يجد وكيلاً على الحق ولا سلطاناً مأموناً ودفع إلى ثقةٍ من أهل الطالب أو وكيل ضيعته أو إلى أجنبي؛ بر، ولكنه يضمنه حتى يصل إلى ربه. قال: وإن وجد وكيلاً بالحق أو سلطاناً مأموناً لم يبر بالدفع إلى غيرهما وقاله أشهب. وقد قال أيضاً مالك: يبر بالدفع إلى وكيل ضيعته. قال ابن المواز وقد قيل: لو دفع إلى بعض الناس بغير عذر من سلطان وأشهد بذلك لم يحنث.
قال مالك: وإن دفع إلى إمام غير عدل ممن يتلفها أو يأكلها وهو عالم بذلك ضمن، وإن لم يعلم بذلك لم يضمن، واليمين ساقطة عنه على كل حال، علم أنه غير عدل أو لم يعلم إذا صح دفعه. قال بعض فقهائنا: وإنما بر بدفعه إلى السلطان وإن كان السلطان لا يقبل ديناً لغائب إلا أن يكون مفقوداً؛ لأن ذلك حقاً للحالف لبراءة ذمته وبره في يمينه كما أن له ذلك في حضوره وإن لم يقبله منه. ابن حبيب: فإن كان الحالف هو الغائب وأراد بعض أهله أن يقضي عنه من ماله أو من مال نفسه فذلك يبر في الحالف من الحق ولا ينجيه من الحنث إلا أن يبلغه قبل الأجل فيرضى بذلك. وقاله ابن الماجشون وأصبغ. قال ابن القاسم في العتبية: وكذلك إن كان له وكيل على الشراء والبيع والتقاضي لم يبر بقضائه عنه إلا أن يكون أمره بذلك. ابن حبيب: ولو حلف لأقضين فلاناً حقه إلى أجل فجن الحالف عند الأجل فإن الإمام يقضي عنه ويبر، فإن لم يفعل حتى مضى الأجل فلا حنث عليه كما لو حلف حينئذ لم يلزمه. وقال أصبغ: هو حانث. والأول أحب إلي.
قال عيسى عن ابن القاسم: في الحالف على القضاء لو كان الحق ثمن عبد فاستحق العبد أو وجد البيع حراماً أو رده بعيب فلا تزول يمينه حتى يوفيه ما حلف عليه ثم يرده إليه وكذلك لو أسلفه درهماً بدرهمين وحلف ليوفيه لم يبر حتى يدفع إليه الدرهمين ثم يرد إليه الزائد. [ومن حلف ألا يضع لفلان فأنظره؛ هو حانث، وقيل: لا حنث عليه. وقد وقع في كتاب محمد أيضاً فيمن له على رجل مائة أردب شعير وعليه يمين بالطلاق ليوفينها إلى أجل فلما دنا ... قال له: قد تهيأ طعامك ولم أجد دواباً ... فقال المشتري: أنا أعيرك دواباً تحمله عليها، قال: لا شيء على الحالف من يمينه ... لا يعجبني وهو عندي بار]. ومن المدونة قال مالك: وإن حلف بعتق أو طلاق لأقضينك حقك إلى أجل إلا أن تشاء ولم تؤخرني فمات الطالب فإنه يجزيه تأخير ورثته إذا كانوا كباراً أو وصية إن كانوا صغاراً ولا دين عليه. ابن المواز: كما لا يسقط اليمين موت المحلوف له إذا مات قبل الأجل ويبر الحالف بالدفع إلى ورثته فكذلك للورثة أن يؤخروه إذا صاروا في ذلك بمثابة ميتهم وكذلك الوصي. ومن المدونة قال مالك: وإن كان عليه دين لم يكن لوصي ولا وارث تأخير مع الغرماء.
قال ابن القاسم: ويجزئه تأخر الغرماء إن أحاط دينهم بماله على أن تبرأ ذمة الميت. قال ابن المواز: وقال أشهب: يجزئه تأخير الوصي إذا كان الورثة صغاراً، وإن كان الميت مدياناً ثم إن قام عليه الغرماء قبل أجل تأخير الوصي قضي لهم بقبض دينهم ويسقط التأخير. ومن المدونة قال: ومن حلف ليقضين فلاناً حقه إلى أجل وقد مات فلان والحالف لا يعرف فليقض ورثته ولا يحنق؛ لأن أصل يمينه إنما وقعت على الوفاء بورثة الغريم مقامه، وإنما يحنث إن مضى الأجل ولم يقضهم فهو بخلاف من حلف ليضربن عبده إلى أجل فمات العبد قبل الأجل؛ لأن ورثة هذا مقامه ألا ترى ألو غاب فقضى وكيله لبر، ولو ضرب عبده غيره لم يبر.
قال مالك: وإن حلف بعتق أو طلاق يقضين فلاناً حقه إلى رمضان فمات الحالف في شعبان لم يحنث لأنه مات على بر. وقاله ابن أبي سلمة. قال ابن القاسم: وديونه التي عليه تحل بموته فإن لم يقض ورثته ذلك الحق إلا بعد الأجل لم يلحق الميت حنث وليس على الورثة يمين ولا حنث في يمين صاحبهم. فيمن حلف ألا يكسو امرأته أو رجلاً أو لا يهبهما وصلى الله على محمد قال مالك: ومن حلف ألا يهب فلاناً هبة فتصدق عليه حنث، وكل هبة لغير ثواب فهي كالصدقة، وكذلك كل ما ينفعه به من عارية أو غيرها فإنه يحنث؛ لأن أصل يمينه على المنفعة إلا أن تكون له نية في العارية. ابن حبيب قال ابن الماجشون: ومن حلف ألا يصل رجلاً فإنه يحنث بالسلف والعارية وبكل منفعة نوى قطع النفع عنه أو لم ينو. ولو قال: نويت الصلة بالدنانير والدراهم لم ينفعه إلا بتحريك لسانه؛ لأن الصلة اسم جامع فلا يتحول منه شيء إلا بحركة اللسان.
قال أبو محمد: والمعروف من قول أصحابنا: أن الذي لا يجزيه إلا حركة اللسان به إنما هو فيما ينوي فيه "إن" و "إلا أن" وفي "إلا" اختلاف. فأما إن حلف ألا يصله ونوى في نفسه بالدنانير والدراهم أو بشيء يخصه به فلا شيء عليه. وكذلك لو حلف ألا يكلمه ونوى في نفسه شهراً وأما إن نوى إلا شهراً ففيه اختلاف: قيل: ينفعه، يريد في الفتيا، وقيل: لا ينفعه. قال ابن حبيب: وإن حلف ألا يسلفه فلا يحنث إن أعاره أو وصله أو نفعه بمنفعة غير السلف فقد يكره السلف للعطل وغيره إلا أن ينوي قطع منافعه عنه فيحنث، وقاله عنه ابن الماجشون، وأصبغ. قال سحنون وابن حبيب عن ابن الماجشون فيمن حلف الا ينفع فلاناً ما عاش فمات فلان فكفنه: إنه حانث وكان الكفن من أمور الحياة ومما يخصه وهو من رأس المال، وكذلك لو حلف ألا يدخل عليه ما عاش فدخل عليه ميتاً فقد حنث. وقال سحنون: أما الدخول عليه ميتاً فلا يحنث وترجح في الكفن ثم رأى أنه يحنث به. قال ابن الماجشون: وإن حلف ألا ينفعه بنافعة فوجده مع رجل؟؟؟؟؟ فنهاه عنه فلا يحنث، وإ، وجده متشبثاً به فخلصه منه حنث. قال ابن المواز: وإن أوصى له بوصية ثم رجع عنها أو صح فقد حنث.
ومن المدونة قال مالك: وإن حلف ألا يكسو فلاناً فوهبه دنانير، وحلف ألا يكسو امرأته فأعطاها ما اشترت به ثوباً حنث. قال مالك: وإن حلف إلا يكسوها فافتك لها ثيابها من الرهن حنث، ثم عرضت المسألة عليه فأنكرها وقال: امحها، وأبى أن يجيب فيها. وقال ابن القاسم: ينوى فإن كان نيته ألا يهب لها ثوباً ولا يبتاعه لها لم يحنث، وإن لم تكن له نية حنث. وأصل هذا عند مالك إنما هو على وجه المنافع والمن. قال مالك: وإن حلف ألا يهب لأجنبي أو لامرأته دنانير فكساها أو أعطى الرجل فرساً أو عرضاً حنث، فإن نوى الدنانير دون غيرها لم ينوى في الرجل ونوى في الزوجة إذ قد يكره هبتها العين لسوء نظرتها فيه. م: وكذلك ينوي عندي في الرجل إذا كان يعلم من حاله وسوء نظره في العين ما يعلم من الزوجة ولا فرق بينهما. قال أبو محمد: وإنما يعني في الزوجة أنه كساها غير ثياب المهنة التي تلزمه فأما إن كانت ثياباً تلزمه فليست بهبة فلا يحنث. قال مالك في المدونة: وإن وهبه رجل شاة ثم من عليه فحلف ألا يشرب من لبنها ولا يأكل من لحمها فباعها وأكل مما اشتراه بثمنها أو اكتسى منه حنث.
قال: ولا بأس أن يعطيه ما شاء غير تلك الشاة مما لا يكون ثمناً لها ولا عوضاً منها إلا أن يكون نوى ألا ينتفع منه بشيء أبداً. فيمن حلف لرجل ألا يفعل كذا إلا بإذنه أو إن رأى أمراً ليرفعنه إليه فيموت ذلك الرجل أو حلف ليفعلن كذا فيموت ما حلف عليه أو يدعي أنه قد فعله قال ابن القاسم: ومن حلف بطلاق أو عتق ألا يدخل دار زيد أو لا يعطي فلاناً حقه إلا بإذن فلان فمات فلان لم يجزئه إذن ورثته غذ ليس بحق يورث فإن دخل أو قضاه حنث. قال ابن المواز: وإن أذن له فلان فدخل فلا يدخل ثانية إلا بإذن ثان فإن مات فقد انقطع الإذن، وصرت ممن حلف لا يدخل الدار مبهما إلا أن يقول لك: قد أذنت لك أن تدخل كلما شئت، فيكون ذلك كذا. فإن أذن له أن يدخل فلم يدخل حتى نهاه: قال أشهب: فقد قيل: لا يدخل، فإن دخل حنث؛ لأنه دخل بغير إذنه. ابن المواز: وإن زوجت امرأة مملوكتها لعبد امرأة فعلمت سيدته ففرقت بينهما فحلفت سيدة الجارية بحريتها الا زوجتها إياه ثانية إلا برضى سيدته فهلكت سيدته
وورثها ورثتها؛ فلها أن تزوجها الغلام برضى الورثة الذين ملكوه لأن هذا حق لهم ورثوه فهم كميتهم. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف رجل للأمير طوعاً لئن رأى أمراً كذا ليرفعنه إليه فعزل ذلك الأمير أو مات فإن كان ذلك نظراً للمسلمين أو عدلاً فعليه أن يرفعه إلى من ولي بعده. وكذلك قال مالك في الأمير يحلف قوماً ألا يخرجوا إلا بإذنه فعزل؛ فلا يخرجوا حتى يستأذنوا من ولي بعده؛ يريد: إذا كان ذلك نظراً. قال سحنون: وإنما يلزم الرجوع إليه إذا كان الذي استحلفهم عليه فيه مصلحة للمسلمين، وإن كان ليس فيه شيء من مصالح المسلمين إنما هو شيء لنفسه فليس عليهم في أ] مانهم شيء أرأيت لو أن قاضياً كتب إلى قاض في شيء من مصالح المسلمين ثم
عزل ذلك القاضي أو مات الذي كتب إليه لم يجب على القاضي الثاني أن ينقص مما كتب به إليه إلا أن يكون ليس فيه مصلحة للمسلمين فكذلك هذا. قال أشهب في المجموعة: إن كان ذلك مما يخص المعزول في نفسه فإذا رآه بعد عزله ليعلمه به وإلا حنث، وإن لم ير ذلك حتى مات فلا شيء عليه وليس عليه دفع ذلك إلى وارثه ولا إلى وصيه ولا إلى الأمير بعده. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف ليضربن عبده أو زوجته أو ليركبن دابته غداً فهلكوا قبل غد، فلا شيء عليه؛ لأنه كان على بر بالتأجيل. وإن حلف ليأكلن هذا الطعام غداً أو ليلبسن هذا الثوب في غد فسرق ذلك قبل غد حنث إذا لم يقدر عليهما في غد إلا أن ينوي إلا أن يسرقا لا أحدهما.
قال ابن المواز: لا يحنث في موت ولا سرقة لأنه ضرب أجلاً بقوله: غداً ولو لم يقل: غداً ولا ضرب أجلاً فإن أمكنه الفعل فلم يفعل حتى هلك الرقيق أو سرقت الثياب فهو حانث، وقاله أشهب في المجموعة. قال ابن المواز: ومن حلف ليذهبن إلى قباء فيقطع منه عذق كذا فخرج من ساعته فوجد ذلك العذق قد قطع فلا حنث عليه ولو توانى قدر ما لو سار حتى حلف بلغ قباء فقطه لزمه الحنث وإن وجده قد قطع قبل أن يحلف فلا حنث عليه أصلاً توانى أو لم يتوانى. وكذلك من حلف على ابنته إن وضعت عن زوجها صداقها فثبت أنها وضعته قبل يمينه؛ فلا حنث عليه إلا أن يريد إن كنت فعلت. ومن المدونة قال ابن القاسم: وأخبرني ابن دينار أن رجلاً حلف ليذبحن حمامات ليتيمه وهو يظنها حية ثم قام مكانه فألفاها ميتة فلم يبق عالم بالمدينة إلا رأى أنه لا يحنث؛ لأنه لم يفرط، وأن وجه يمينه إن أدركها حية: قال ابن القاسم: وهو رأيي. م: لأن الأيمان إنما تقع على ما يتأتى من الأفعال وأما ما لا يمكن فلا يلزم به لأن الحالف لم يحلف عليه، ولو حلف على فلان لا فعل كذا فإذا فلان قد فعله أيضاً؛ لأن تقدير يمينه لا فعل فلان كذا إن كان لم يفعله فأما إذا تقدم فعله لم يحنث إذا لم يحلف الفاعل على ما قد فات مثل أن يقول: لا باع فلان سلعته فإذا فلان قد باعها قبل يمينه، ولو حلف هو لا بعت سلعتي فإذا بيعه قد تم بمثله لا حنث عليه إلا أن يكون
قصده الامتناع من تنفيذ ما باع فيحنث إذا حكم عليه بالبيع؛ لأنه كأنه قال: لأمتنعن من انعقاد البيع لك فيحنث. قال م: قال بعض أصحابنا: وإنما فرق ابن القاسم بين الموت والسرقة في المسألة المتقدمة؛ لأن الأجل إذا تم والدابة والعبد ميتان استحال أن يفعل فيه ما حلف عليه، وفي السرقة لو أمكنه السارق من ذلك عند الأجل أمكنه هو فعل ما حلف عليه فكونها عند السارق أمر لا يعذر به؛ لأن من أصل ابن القاسم: إن الحالف: ليفعلن؛ لا يعذر بالإكراه والغلبة إلا أن ينوي ذلك. قال: ومسألة الحمامات إنما لم يحنثه فيها؛ لأن الفعل فيها مستحيل، وهي بخلاف مسألة الحالف ليبيعن أمته فباعها فألفيت حاملاً منه، وقد ناقصه سحنون فيها بمسألة الحمامات، وقد ذهب إلى أنه لا يحنث الحالف على البيع إذا وجدها حاملاً كمسألة الحمامات وذلك لا يلزم ابن القاسم لافتراق المسألتين وذلك أن الأمة فعل البيع الذي حلف عليه فيها غير مستحيل لولا منع الشرع منه فصار منع الشرع له من البيع كمنع آدمي منعه من ذلك فهو كالسرقة فلا يعذر بالإكراه والغلبة كما قدمنا، ونحو هذا لأبي عمران قال: لأن إخفاء السارق لها كمنع غاصب من ركوبها أو مستحق استحقها أو ربط
أو سجن حتى فات الأجل، وهذا كمن حلف ليأخذن حقه من غريمه اليوم فمطله أو لد به حتى انقضى اليوم أو مرض أو حلف ليدخلن دار نفسه فحصر عن دخولها. وقد اختلف في الحالف على وطء الأمة الليلة فألفاها طامثاً فقيل: لا شيء عليه، وقيل: إن وطئ بر وأثم، وقيل: لا يبر، وإن وطئ، وهذه فروع يغلب فيها تارة دليل على دليل وربما تقاومت الأدلة وتقاربت في الاشتباه، وقد ذكر مسائل كثيرة من هذا اختصرتها. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف بعتق عبده ليضربن فلاناً ولم يضرب أجلاً منع من بيعه حتى يبر أو يحنث، فإن مات المحلوف عليه والحالف صحيح قبل أن يضربه عتق العبد من رأس المال وإن مات والحالف مريض ثم مات الحالف من مرضه ذلك عتق العبد من ثلثه وهذا كله إذا عاش المحلوف عليه مدة لو أراد الحالف أن يضربه فيها ضربة ولو ضرب أجلاً فمات الحالف أو المحلوف عليه قبل الأجل لم يحنث لأنه على بر بالتأجيل. فصل ومن سماع ابن القاسم: ومن حلف بطلاق امرأته أو عتق عبده ليضربن امرأته أو عبده كذا وكذا ثم يقول: قد فعلت ذلك وأكذبه العبد أو المرأة؛ فالحالف مصدق مع يمينه.
قال مالك: ولو حلف على قضاء فلان حقه إلى أجل فحل الأجل فقال: قد قضيته فإن لم يقم بينة بأنه قد قضاه طلق عليه بالبينة التي على أصل الحق. م: والفرق بينهما أن ليس من شأن الناس أن يشهدوا في ضرب عبدهم ونسائهم وشأنهم الإشهاد في قضاء الحقوق فلما تركه لم يصدق عليه إلا ببينة؛ ولأن رب الدين لم يصدقه فلم يقبل قوله في قضاء الدين فوجب حنثه. قال عيسى عن ابن القاسم: وإن قال الطالب: بعد الأجل قد قضاني فإن كان من أهل الصدق حلف حلف مع شهادة صاحب الحق ولا شيء عليه، وإن كان من أهل التهم لم يقبل منه حتى يأتي بشاهدين أنه قد قضاه. قال سحنون في كتاب ابنه: لا أعرف هذا كان الحالف عدلاً أو غير عدل، وقوله: إذا قال الطالب قد قضاني برئ الحالف من يمينه. ومن العتبية وروى ابن وهب عن مالك: أنه قال: إنما هذا لم يكن على أصل يمينه بينة إلا إقراره أنه حلف وقد قضاه وأقر له رب الحق؛ فالقول قوله بلا بينة، وكذلك/
[قوله: حلفت بالطلاق لأضربن فلاناً وقد ضربته أو لأعطيته كذا وقد أعطيته فهو مصدق بلا بينة حين لم تكن على أصل يمينه بنية أما إذا كان على أصل يمينه بينة فيكون عليه المخرج بالبينة وقاله أصبغ. وقال ابن كنانة: إذا قال رب الحق: قد قضاني عند الأجل لم تقبل شهادته في ذلك، قال: وكل من كان بينه وبين رجل معاملة ومخالطة فشهد عليه أنه قد كان حلف له فبر فيها أو حنث لم تقبل شهادته في ذلك له أو عليه إلا أن يشهد بها غيره والله أعلم].
كتاب العتق الأول من الجامع
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم عونك وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كتاب العتق الأول من الجامع باب ما يلزم من العتق في يمين أو بت أو مذر أو موعد أو غير ذلك قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، وقال الرسول - عليه السلام -:» من نذر أن يطيع الله فليطعه «؛ فلزم بذلك كل من عقد على نفسه شيئاً من الطاعات أن يفي به والتعق من ذلك كان في يمين أو غير يمين. قال الله تعالى في زيد بن حارثة: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ}، يريد: أنعم الله عليه بالإسلام وأنعمت عليه يا محمد بالعتق.
وندب في العتق بالكتابة بقوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}، فالعتق من العقود التي يجب الوفاء بها وتجري مجرى الطلاق في أكثر وجوهه. وقد ألزم الله تعالى الطلاق لموجبه على نفسه بقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}؛ فاتفقا في الإيجاب واشتبها في أن ملك اليمين كملك العصمة في أكثر وجوهه ولم يختلف في أن لا كفارة في اليمين بهما.
قال سحنون قلت لابن القاسم: فالتدبير والعتق بيمين أمختلف هو؟ قال نعم؛ لأن العتق يمين إذا حنث عتق عليه إلا أن يجعل حنثه بعد موت فلان أو بعد خدمة العبد إلى أجل كذا فيكون كما قال. م: وإنما سأله لما رأى العتق بيمين هو فيه على حنثه والتدبير يجتمعان في كونهما من الثلث بعد الموت فسأله: هل يختلفان في غير ذلك؟ فقال: [1/ ب. ص] نعم؛ لأن العتق بيمين إذا حنث فيه قبل الموت في الصحة عجل العتق وكان من رأس المال إلا أن يجعل حنثه بعد موت فلان أو بعد خدمة العبد إلى أجل كذا فيكون كما قال، والتدبير أبداً لا يكون إلا من الثلث فاختلفا وإن اتفقا في ذلك الوجه. ومن المدونة قال مالك: والعتق والتدبير لا زمان على من أوجبهما على نفسه. قال ابن القاسم: ومن قال لله عليّ عتق رقيقي هؤلاء فليف بما وعدهم، وإن شاء حبسهم ولا يجبر على عتقهم؛ لأن هذه عدة جعلها الله من عمل البر فيؤمر بها ولا يجبر
عليها، وإنما يعتقهم عليه السلطان أن لو حلف بعتقهم فحنث أو أبتَّ عتقهم بغير يمين، وأما إن كان نذراً أو موعداً فإنه يؤمر أن يوفي به ولا يجبر عليه. ابن المواز: وقال أشهب: إذا قال لله عليّ عتق رقيقي فأُمِر بعتقهم، فقال: لا أفعل. قُضِي عليه بعتقهم. وإن قال: أنا أفعل تُرِك وذلك. فإن مات قبل أن يفعل لم يعتقوا في ثلث ولا غيره. [قال ابن إسحاق: وكأنه عنده أوجب على نفسه هذا الفعل كما لو أوجب هبة لمعين أنه يجبر على إنفاذها وكان ابن القاسم ... لا يكون الإيجاب إلا بأن يعتق. وأما قوله: لله عليّ أن أعتق، فإنما هو كالعدة أن يفعل ... الإيجاب أن يقول لهم: أحرار، وهو يقول: لو قال: لله عليّ أن أصوم غداً، لوجب عليه صيامه وكان مؤثماً في تركه إلا أن الصوم لا يقضى به عليه]. [قال مالك: ومن قال لعبده: لأعتقنك إن قدمت من سفري فهو موعد فأرى أن يعتقه. م: ولما نهى عن خلف الموعد.
باب فيمن قال: إن بعت عبدي أو اشتريت عبد فلان فهو حر
قال ابن المواز: ولا يقضى به عليه. قال أبو محمد: ولو أراد النذر لسلامته وقدومه لزمه أن يعتقه بالقضاء، في قول ابن [القاسم] وبالقضاء إن امتنع في قول أشهب. وأما إن قال: أنت حر إن قدمت من سفر فهذا يعتق بالقضاء في قوليهما]. قال مالك: ولو قال لزوجته: إن قدمت من سفري لأطلقنك فلا شيء عليه؛ إذ ليس طلاقها طاعة لله عز وجل فلا شيء عليه فيؤمر بها، وأما العتق فهو طاعة لله عز وجل والله أعلم. باب فيمن قال: إن بعت عبدي أو اشتريت عبد فلان فهو حر قال مالك: ومن قال لعبد: إن اشتريتك أو ملكتك فأنت حر فاشتراه أو بعضه، عتق عليه جميعه، ويقوّم عليه نصيب شركائه إن كان مليئاً؛ كمن قال: كل مملوك له حر وله أنصاف مماليك؛ فإنه يعتق عليه ما يملك منهم ويقوّم/ عليه يقيتهم إن كان مليئاً، وإن
قال: إن اشتريت فلاناً فهو حر فاشتراه بيعاً فاسداً فإنه يعتق عليه وتلزمه قيمته ويرد الثمن، كمن اشترى عبداً بثوب فأعتقه ثم استحق عليه الثوب فعليه قيمة العبد. قال ابن سحنون عن أبيه: وإن حلف بحرية عبده إن باعه فباعه بيعاً فاسداً فلا أراه حانثاً. وقال ابن الماز: يحنث ويعتق. م: صواب. قالا: ولو باعه على أنه أو المبتاع بالخيار ثلاثاً فلا يحنث حتى ينقطع الخيار ويتم البيع. ومن المدونة قال مالك: ومن قال لعبده: إن بعتك فأنت حر فباعه عتق على البائع ورد الثمن، ولو قال له رجل مع ذلك: إن اشتريتك فأنت حر فاشتراه فعلى البائع يعتق؛ [2/ أ. ص] لأنه مرتهن بيمينه قبل الملك الثاني. قال ابن سحنون عن أبيه عن نافع عن عبد العزيز بن أبي سلمة: إنه كان يقول: من قال لعبده إن بعتك فأنت حر فباعه أنه لا شيء عليه. وقال عبد الملك قال: لأنه إنما
يحنث بعد ثبات البيع فكأنه إنما حنث فيه وهو في ملك غيره، وهو قول أهل العراق. قال سحنون: وقول مالك أولى؛ لأن ما يفعله البائع من البيع سابق لما يفعله المشتري من الشراء فهو أولى أن يعتق عليه، وكما أجمعوا في الموصى بعتق عبده بعد خروجه من ملكه فكذلك هذا، وبمثل هذا احتج ابن شُبرمة. م: ولو لزم أن لا يقع عتق بعد ثبات البيع لانتقال ملك المعتق وجب ذلك في الموصى بالعتق؛ إذ لا ينعقد عتقه إلا بعد الموت إذ له الرجوع فيه حتى يموت فلما صح
عتقه بما عقده في حياته في حين استقرار ملكه بإجماع فكذلك يصح عتق البائع بعد انتقال ملكه بما عقده في حال صحة ملكه، وقد اعتل بذلك ابن المواز فقال: إنما وجب عتقه وإن انتقل عنه ملكه؛ لأن البيع والعتق وقعا معاً فغلّبنا العتق لحرمته وليُقدم عتقه. م: ولأن البائع إنما علق عتقه بصفة يوقعها وهو لفظه عقد البيع فإذا أوقعه وجب حنثه كما لو قال لعبد غيره: إن اشتريتك فأنت حر، فقد علق عتقه، وإن كان في غير ملكه بفعل يفعله فإذا فعل وجب عتقه والله أعلم. قال سحنون: ومال العبد ها هنا للبائع؛ لأن العتق وجب وقد صح المال للبائع. م: قال بعض أصحابنا: ولو كان المشتري قد استثنى مال العبد كان المال تبعاً للعبد؛ لأن شراء المشتري قد انتفض من أجل العتق فلم يصح له المال الذي استثناه، والبائع لم يبقه لنفسه فكان تبعاً للعبد. م: ولأن المشتري إنما استثناه للعبد فإذا نقض البيع وعتق بقي المال كما هو للعبد، قيل: فإن كان البائع إنما باع نصفه ولم يستثن المشتري ماله فنصف مال العبد قد انتزعه البائع ببيعه إياه، كما يكون انتزاعاً لجميعه إذا باع جميعه والنصف الثاني باق في ملك العبد
فإذا عتق عليه النصف الذي لم يبعه بحكم تبع العبد نصف المال الذي بقي على ملكه؛ لأنه لم يطرأ عليه انتزاعه، وقاله أبو عمران. وروي عن سحنون فيمن قال لعبده: إن انتزعت شيئاً من مالك فأنت حر فبعه من عبد لعبده مأذون له في التجارة؛ إن العبد الأعلى حر والأسفل، وجميع مال العبد الأعلى للسيد؛ لأن الحنث إنما وقع بعد البيع ومال العبد إذا بيع للبائع إلا أن يستثنيه المشتري فقد وقع الحنث بعد أن صار المال للبائع، قيل: فإن لحق البائع دين يرد عتقه [2/ ب. ص] هل ينقص بيعه. فالجواب: لا ينقض بيعه إذا لم يكن فيه محاباة؛ لأنه لو رد بيعه لم يكن بد من بيعه للغرماء فلا فائدة في نقض بيعه، ولأنا إنما نقضنا بيعه لحرمة العتق، فإذا انتقض عتقه وجب إمضاء بيعه ونحوه لابن المواز. قال اصبغ عن ابن القاسم: ومن حلف حرية عبده ألا يبيعه فباعه وأهلك الثمن فليرد بيع العبد ويخرج حراً ويتبعه المبتاع بالثمن ديناً؛ لأنه وقعت حرية العبد وعنده به وفاء وهو الثمن ثم هلك ما في يده فلم يجب له رد العتق، وإن قال: إن بعت هذا الشيء فهو صدقة فباعه/ لم ينتقض بيعه بخلاف اليمين بالعتق؛ لأن الصدقة يجبر على
إخراجها كانت على رجل بعينه أو على المساكين؛ لأنها صدقة يمين ويستحب له الصدقة بالثمن. ابن المواز قال ابن القاسم: إن قال لأمته: إن بعتك فأنت حرة فباعها وأولدها المبتاع فإنها حرة على البائع وبرد الثمن على المشتري ويقاصه فيه بقيمة الولد، وقاله أصبغ. قال ابن المواز: لا ثمن على المبتاع في الولد؛ لأن البائع حنث فيها حين حملت فصارت حرة بما في بطنها بل قد صارت حرة يوم استقرت النطفة في رحمها فلا طلب له في الولد وإنما يجب على الأب قيمته حين خروجه حياً مستهلاً فيعتق على أبيه لملكه إياه فأما إذا أدركه العتق قبل خروجه فلا قيمة على الأب، وكذلك من اشترى جارية فحملت منه فأعتقها سيدها وهي حامل فلا قيمة في ولدها، ومثل أم الولد يعترفها سيدها وقد أولدها مشتريها فمات السيد قبل أن يحكم له بقيمة ولدها فلا شيء على أبيهم من قيمتهم. م: فوجه قول محمد: أنه لما كان لا يتم عتقها إلا بالحكم وأنه لو رهقه دين قبل إنفاذ عتقه وقبل الإيلاد لم يعتق فكان الإيلاد هو الذي أتم عتقها ورفع تسلط الرق عنها فكانت حرة بما في بطنها يوم استقرار النطفة في بطنها وتم حنث السيد فيها فلم يكن لديها في ولدها قيمة كما لو استحق أمة وقد ولدت من المبتاع فأعتقها فإنه لا قيمة له في ولدها. م: ووجه قول ابن القاسم وأصبغ أنه لما كان لا يعتق إلا بالحكم وأن حالها كحال
الأمة حتى تعتق فكان العتق إنما يتم فيها وفي ولدها على البائع لو كان الولد من غير المشتري يوم الحكم فإذا كان الولد من المشتري فقد لزمته قيمته يوم الوضع وذلك قبل لزوم البائع العتق فيه وفي أمه بالحكم، ولو حكم على البائع بعتق الأم قبل الوضع لم يلزم المشتري في الولد قيمة باتفاق والله أعلم. قال ابن المواز: ومن قال لعبده إن بعتك فأنت حر بعد أن أبيعك بسنه فإن [3/ أ. ص] باعه رد بيعه وعتق عليه لسنة فإن كان البيع والحرية وقعا معاً فالعتق أولاً وأوجب حرمة وقد بدأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - العتق على الوصايا لحرمته، وحكم في الشريك بعتق مصابه أن يعتق عليه بقيمته. وقال ابن حبيب مثله عن مطرف. م: قال بعض أصحابنا: ولو قال: أنت حر بعد أن أبيعك بسنة ينبغي ألا يلزمه العتق؛ لأنه لم يضمنه بفعل فانظر. قال ابن المواز: ولو كانت أمة فوطئها المشتري قبل رد بيعها فحملت فليرد البيع بكل حال ولا شيء عليه من قيمة الولد وتعتق على سيدها إلى سنة، كما لو باع معتقة إلى سنة فأولدها المبتاع. ابن المواز: وإن قال: غلامي حر إن بعته، وغلام فلان حر إن اشتريته، فباع غلامه بغلام فلان فإنهما يعتقان عليه جميعاً وعليه قيمة العبد الذي ابتاع، وإن قال: إن بعت عبدي ميموناً فهو حر ثم حلف بحرية آخر ليبيعن ميموناً فباع ميموناً فليعتق عليه البيع ويبر في الآخر؛ لأنه قد باع البيع الذي علم أن مرجعه إلى حرية فقد برّ حين باع ذلك،
كمن حلف ليبيعن فلاناً الحر فباعه ونقض بيعه، فقد برّ وبلغ أقصى ما حلف عليه، ولو بدأ فقال: كل مملوك لي حر إن لم أبع ميموناً، ثم قال: ميمون حر إن بعته فباعه فليردّ بيعه ويعتق عليه هو وسائر رقيقه؛ لأن ها هنا حلف أولاً على البيع النافذ. ومن العتبية قال ابن القاسم: ومن قال: عبدي حر إن بعته، وحلف آخر امرأته طالق لاشتريته، فباعه منه فإنهما يحنثان جميعاً البائع يحنث ببيع والمبتاع يحنث إذا لم يتم له البيع. م: وإن كان الحالف ليشترينه عالماً بيمين ربه، فيكون هذا خلافاً لما تقدم في كتاب محمد، وينبغي على ما أصّله محمد ألا يحنث الحالف ليشترينه؛ لأنه قد اشتراه الشراء الذي مرجعه إلى حرية وإن لم يعلم يمين صاحبه فها هنا يحنث باتفاق. م: وإن حلف بحرية عبده إن باعه بيعاً فاسداً، فقال ابن سحنون عن أبيه: أنه لا يحنث. م: يريد: أنه بيع غير منعقد، قال: ولو باعه على أنه بالخيار فيه أو المبتاع فلا يحنث حتى تنقطع أيام الخيار، وقال ابن المواز مثله في بيع الخيار، وأما إن باعه بيعاً فإنه يحنث.
باب فيمن قال: مماليكي أو رقيقي أو عبيدي أحرار
م: قال غيره: وهذا أحوط؛ لأن الضمان فيه من المشتري، وأما في بيع الخيار فإن الضمان فيه من البائع حتى ينقطع الخيار فيصير الضمان من المشتري ويجب الحنث عليه، والله أعلم. باب فيمن قال: مماليكي أو رقيقي أو عبيدي أحرار قال مالك: ومن قال: كل مملوك لي حر في غير يمين أو في يمين حنث بها عتق عليه [3/ب. ص] عبيده ومدبروه ومكاتبوه وأمهات أولاده وكل شقص له في مملوك، ويقوّم عليه بقيته إن كان مليئاً، ويعتق عليه أولاد عبيده من إمائهم ولدوا بعد يمينه أو قبلُ؛ لأن الأولاد ليس بملك لآبائهم إنما هم ملك للسيد، وأما عبيد عبيده وأمهات أولادهم فلا يعتقون ويكونون لهم تبعاً. قال ابن المواز: إنما يعتق عليه ما ولد لعبده بعد اليمين في يمينه لأفعلن لا في يمينه لا فعلت، وإلى هذا رجع ابن القاسم. م: لأنه في يمينه لأفعلن على حنث حتى يبر، فإذا فاته البر ولزمه العتق وجب أن يعتق عليه كلما ولد له من إمائه بعد اليمين لأن الأمهات مرتهنات باليمين لا يستطيع
بيعهن ولا طأهنّ وسواء كن حوامل يوم اليمين أو حملن بعد اليمين ولا خلاف في ذلك، وأما في يمينه لا فعلت فهو على بر فإن كن إماءه من يوم اليمين دخل الولد في اليمين، وأما ما حملن به بعد اليمين فقيل: يدخل، وقيل: لا يدخل. وهو أصوب. م: وحكي عن ابن القاسم في قوله: ويعتق عليه كل شقص له في مملوك ويقوّم عليه بقيته إن كان مليئاً، قال: معناه أن له شريكاً في كل عبد، وأما لو كانوا عبيداً بينه وبين رجل فإنهم يقسمون فما صار للحالف عتق عليه. م: وهذا إنما يجري على قول ابن المواز، وقد ذكرنا بعد هذا أن الكتاب يدل على خلافه. وحكي عن ابن الكاتب أنه قال: قول ابن المواز إنما يجري على قول أشهب في الأرض بين ارجلين يبيع أحدهما طائفة بعينها منها فإن الأرض تقسم فإن وقع المبيع في حظ البائع مضى البيع، وإن وقع في حظ شريكه نقض البيع. قال: وابن القاسم يأبى ذلك، قال: فلعل قول ابن المواز على قول أشهب وابن القاسم يخالفه في الوجهين جميعاً، والله أعلم. م: قال في هذا الكتاب: إذا قال: عبيدي أحراي لا يعتق عليه عبيد عبيده. وقال في كتاب النذور فيمن حلف ألا يركب دابة فلان: فركب دابة عبده، إنه حانث، فقيل: إن ذلك منه اختلاف قول، ومن الناس من فرّق بينهما، فقال: إن الأيمان
تُراعى فيها النِّيات والمنّ في دابة عبد المحلوف عليه ما يلحقه في دابة الرجل بنفسه، فلهذا ساوى بينه وبين عبده والله أعلم. ومن كتاب ابن سحنون قال سحنون: ومن قال مماليكي أحرار ولا نية له فإنه يعتق عليه ذكور رقيقه دون إناثهم ثم رجع فقال: يعتق الذكور والإناث. م: وهذا وفاق للمدونة؛ لأنه قال في قوله كل مملوك لي حر: يعتق عليه أمهات أولاده ولا فرق بين قوله: كل مملوك، وبين قوله: من مماليكي. ابن سحنون ولو قال [4/ أ. ص]: رقيقي أحرار عتق عليه ذكورهم وإناثهم، ولو قال: عبيدي أحرار لم يعتق عليه إلا الذكور دون الإناث. [قال أبو إسحاق: ولعل اسم العبيد عنده جرت العادة يراد به الذكور دون الإناث وإلا فلفظ العبيد يقع على الذكور والإناث، وما في القرآن من ذكر العبيد والعباد
باب فيمن قال لمملوك غيره: أنت حر من مالي، وكيف إن قال بكذا أو بقيمة؟
على ذكور الخلق وإناثهم]، ولو كان له إماء حوامل فإنه يعتق عليه ما أتين به من غلام لأقل من ستة أشهر من يوم قوله، وذلك إذا لم يكن الحمل ظاهراً وكان الزوج مرسلاً عليها، وإن لم يكن الزوج مرسلاً عليها أو كان الحمل ظاهراً فإنه يعتق عليه ما أتين به لخمس سنين. باب فيمن قال لمملوك غيره: أنت حر من مالي، وكيف إن قال بكذا أو بقيمة؟ أو قال لجارية غيره: إن وطئتك أو ضربتك فأنت حرة. قال مالك: ومن قال لعبد غيره: أنت حر من مالي لم يعتق عليه، وإن قال سيده: أنا أبيعه منه، وإنما يعتق/ عليه إذا قال: إن اشتريته أو ملكته فهو حر فهذا إن اشتراه أو ملكه عتق عليه. قال ابن حبيب قال ابن الماجشون فيمن قال: غلام فلان حر من مالي، فقال فلان: هو لك بخمسين ديناراً أو بقيمته لم يلزمه ذلك، ولو قال: غلام فلان حر بخمسين من مالي
فرضي فلان؛ لزم القائل عتقه، وكذلك لو قال: هو حر من مالي بقيمته فرضي بذلك صاحبه؛ لزمه عتقه، ويصح بالقيمة كبيع فاسد فات بالعتق وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ. قال ابن القاسم: وإذا قال: هو حر في مالي بخمسين ديناراً، فقال سيده: قد رضيت فهو حر، ولا خيار للمبتاع كمن اشترى عبداً بإيجاب العتق فهو حر ولا خيار له. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال لأمة غيره إن وطئتك فأنت حرة فابتاعها فوطأها لم تعتق عليه إلا أن يكون أراد بقوله إن اشتريتها فوطئتك، وكذلك لو قال لحرة: إن وطئتك فأنت طالق؛ فتزوجها فوطأها فلا شيء عليه إلا أن يريد إن تزوجتك فوطأتك. ابن المواز وقال أشهب: وجه يمينه على الشراء أو التزويج وإن لم يذكره لا على الحرام إلا أن يكون نوى وطء الحرام؛ فلا شيء عليه إذا حلف على ذلك وإلا لزمه ويصير مولياً في الزوجة من يوم نكحها.
قال فيه وفي المدونة: وإن قال: إن ضربتها فهي حرة في الأمة أو طالق في الحرة؛ فلا شيء عليه إن اشترى أو تزوج [4/ ب. ص] فضربها. قال في كتاب محمد: ألا أن يكون على خِطبةٍ أو سومٍ في الأمة أو ينوي أن اشتريتها في الأمة وفي الحرة إن تزوجتها فيلزمه. قال ابن المواز: ومن باع عبداً فقيم عليه بعيب فحلف البائع بحريته إن كان به عيب فنظر فإذا هو به فلا شيء عليه؛ لأنه في ملك غيره، وقيل: إلا أن يرد عليه بالعيب فيعتق، وقاله أصبغ. وليس بصواب؛ لأن من أعتق عبداً قد باعه وبه عيب، للمبتاع به الرد لم يعتق وإن رده المشتري بذلك ولو أعتقه المشتري لزمه عتقه ورجع بقيمة العبد.
باب فيمن عم أو خص في عتق ما ملك أو يملك بعد ذلك في يمين أو غيره
باب فيمن عم أو خص في عتق ما ملك أو يملك بعد ذلك في يمين أو غيره قال: والعتق كالطلاق في عمومه يعتق ما يستقبل ملكه وهو غير لازم عندنا؛ لأنه عم تحريم ما أحل الله له وهذا والله أعلم من الحرج الذي رفعه الله سبحانه عن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بقوله عز وجل: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي من ضيق. ابن وهب: وقال ربيعة: وإن ناساً يرون ذلك بمنزلة التحريم إذا جمع تحريم النساء والأرقاء ولم يجعل الله الطلاق إلا رحمة ولا العتاق إلا أجراً؛ فكان في هذا هلكة من أخذ به. قال مالك: ومن قال كل مملوك أو كل جارية أو عبد اشتريه أو أملكه في المستقبل فهو حر من غير يمين أو في يمين حنث بها فلا شيء عليه فيما يملك أو يشتري كان عنده رقيق يوم حلف أو لم يكن، أعتق من كان عنده حينئذ أو باع أم لا؛ لأنه قد عم الجواري
والغلمان فلا يلزمه شيء إلا أن يعين عبداً أو يخص جنساً أو بلداً، أو يضرب أجلاً يبلغه عمره كقوله: من الصقالبة أو من البربر أو من مصر أو الشام أو إلى ثلاثين سنة، ويمكن أن يحيا إلى ذلك لأجل فيلزمه ذلك؛ لأنه قد ضرب أجلاً وسمى جنساً أو موضعاً ولم يعم، وهذا كمن عم أو خص في الطلاق وقاله ابن مسعود. م: والناس في هذا الأصل مختلفون على ثلاثة مذاهب: ذهب بعضهم إلى: أن الطلاق والعتاق يلزم؛ سواء عم أو خص لا فرق بين ذلك؛ لأنه أوجبه على نفسه أصله إذا خص. وذهب آخرون: إلى أن ذلك لا يلزمه سواء عم أو خص؛ واحتجوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:» لا طلاق إلا بعد نكاح ولا عتق إلا بعد ملك «. وقاله
أبان بن عثمان وغيره. ونحن نتأول معنى الحديث أن الطلاق الذي عقده على نفسه قبل النكاح لا يقع عليه إلا بعد النكاح وكذلك العتق لا يقع عليه إلا بعد الملك. م: فذهب مالك - رضي الله عنه - إلى التوسط بين [5/ أ. ص] القولين؛ فلم يلزمه شيء إذا عن بما ألزم نفسه من الحرج والضيق، وألزمه إذا خص إذ لا حرج فيه، وهو مذهب عمر وابن عمر وابن مسعود وغيرهم من صاحب وتابع. [م: إذا قال كل جارية اشتريتها ففي الموازية: يلزمه لأنه قد أبقى من يملكه ولا يشتريها، وفي كتاب ابن سحنون: ن ذلك لا يلزمه؛ لأنه عموم ووطء ملك فأشبه العموم بالتزويج].
ومن المدونة قال مالك: ومن قال: كل مملوك أملكه حر إن تزوجت فلانة، ولا رقيق له، فأفاد رقيقاً ثم تزوجها فلا شيء عليه فيما أفاد بعد يمينه قبل أن يتزوجها ولا بعد ما تزوجها. قال مالك: ومن قال: إن دخلت هذه الدار أبداً فكل مملوك أملكه حر فدخلها لم يلزمه العتق إلا فيما يملك يوم حلف، وإن لم يكن له يومئذ مملوك فلا شيء عليه فيما يملك قبل الحنث وبعده، وكذلك اليمين بالصدقة. قال أشهب: ولو قال: إن دخلت الدار فكل مملوك أملكه أبداً حر؛ فدخلها لم يلزمه العتق فيما عنده من عبيد؛ لأنه إنما أراد ما يملك في المستقبل كما لو قال: كل مملوك أملكه أبداً حر، وكل امرأة أتزوجها أبداً طالق فلا شيء عليه. م: وليس هذا خلاف ما تقدم من رواية ابن القاسم؛ لأن ابن القاسم إنما أوقع الأبد على الدخول وأشهب إنما أوقعه على الملك. ولابن القاسم رواية أخرى خلاف ما ذكر أشهب وهي عندهم خطأ. وأما من قال: كل عبد اشتريه حر، وكل امرأة أنكحها أو أتزوجها طالق، فلا شيء عليه وإن لم يقل ها هنا أبداً. م: لأن هذه الألفاظ لا تكون لما مضى لا يقول الإنسان: أشتري فيما هو مالكه بعد، وهو بخلاف قوله أملكه.
ومن المدونة قال مالك: ومن قال: إن كلمت فلاناً أبداً فكل مملوك أملكه من الصقالبة حر، فكلمه؛ لزمه العتق في كل ما يملك من الصقالبة بعد يمينه. م: يريد: فيما يملكه منهم يوم يمينه إذا لم تكن له نية، كما قال في الذي حلف: إن دخلت الدار أبداً فكل مملوك أملكه حر، فدخلها أنه يلزمه العتق فيما ملك يوم حلف فكذلك هذا، وإنما لزمه عتق ما يملك في المستقبل أيضاً لأنه قد خص جنساً ولم يلزمه الأول لأنه قد عم. قال ابن القاسم: وإن اشترى بعد يمينه وقبل حنثه عبداً صقلبياً ثم حنث بعد الشراء؛ فهو حر إلا أن يكون قد أراد بيمينه ما يملك بعد حنثه فله نيته. م: يريد إذا جاء مستفتياً ولم يكن على يمنه بينة. قال ابن المواز: وإن قال إن كلمته فكل مملوك أملكه من الصقالبة أبداً حر، لزمه في المستقبل ولا شيء عليه فيمن كان عنده يوم حلف لقوله: أبداً إلا أن يقول: نويتهم؛ فيلزمه في الوجهين، وإن لم يقل أبداً لزمه في الوجهين، ولو قال: أردت في المستقبل فلا شيء عليه فيما عنده [5/ ب. ص] إلا أن يكون عليه بينة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال: كل عبد اشتريه من الصقالبة حر فأمر غيره فاشتراه له عتق عليه؛ لأنه إذا اشترى بأمره فكأنه هو الذي اشتراه. وقال في النذور: ولا يدين في شيء من هذا. قال ابن المواز: إذا كانت له نية في الشراء إلا يليه بنفسه؛ لأنه قد غبن فيه غير مرة فله نيته وأما إن كره شراءه أصلاً فقد حنث وقاله أشهب ولم يُنوِّه ابن القاسم. م: وأما إن أمره بشراء عبد ولم يقل له صقلبياً [ولا غيره فاشترى له عبداً صقلبياً] فإن كان عالماً بيمينه فله رد شرائه كما لو ابتاع له من يعتق عليه عالماً؛ لأنه قد قصد إتلاف ماله، وإن لم يعلم عتق على الأمر. الجواب في ذلك وفيمن اشترى من يعتق عليه سواء. وكذلك القول في مسألة كتاب الطلاق فيمن حلف ألا يتزوج من نساء بلد فوكل من يزوجه بزوجة من نساء تلك البلدة إنما قال يلزمه النكاح والطلاق؛ لأنه لم يعلم بيمينه، ولو علم بيمينه كان له فسخ النكاح ولم يلزمه فيه طلاق ولا صداق فأعلمه. ومن العتبية قال ابن القاسم: وكذلك إن قبله من واهب لثواب فإنه يعتق عليه حين قبوله إياه قبل أن يثبت منه سمى ثواباً أم لا، ويلزمه ما سموا من الثواب وإن لم يسموه فعليه قيمته إلا أن يرضى الواهب بدونها؛ لأنه الهبة للثواب عند مالك بيع من البيوع فلذلك عتق عليه إذا قبله.
قال: وإن وهب له عبد صقلبي لغير ثواب أو تصدق/ به عليه أو أوضى به أو ورثه فإن نوى في قوله إن اشتريته يريد الملك عتق عليه، وإن نوى الاشتراء أو لم يكن له نية لم يعتق عليه، وهو على الشراء حتى ينوي الملك. م: وإنما قال ذلك؛ لأنه قال في يمينه: إن اشتريته، ولو قال: أملكه [لكان على الملك حتى ينوي الشراء. قال مالك: وإن قال كل مملوك أملكه] إلى ثلاثين سنة فهو حر لزمه عتق ما يملك من يوم اليمين إلى تمام الأجل. م: يريد إذا أمكن أن يحيا إلى ذلك الأجل. ابن المواز: ولا يلزمه عتق ما كان يملك قبل ذلك، قال: وقال ابن القاسم: وإن قال: إن كلمت فلاناً إلى ثلاثين سنة فكل مملوك أملكه أبداً حر فلا شيء عليه.
ابن المواز: لأن قوله: أبداً يدل إنه إنما أراد المستقبل، ولو لم يقل أبداً؛ لزمه فيما عنده دون [ما يستقبل ملكه. م: أعرف هذه الأربعة أسئلة، الحكم] فيها مفترق. الأول: قوله: إن كلمت فلاناً أبداً فكل مملوك أملكه من الصقالبة حر. والثاني: قوله: إن كلمت فلاناً فكل مملوك أملكه من الصقالبة أبداً حر. والثالث: قوله: إن كلمت فلاناً أبداً فكل مملوك أملكه إلى ثلاثين سنة حر. والرابع: قوله: إن كلمت فلاناً إلى ثلاثين سنة فكل مملوك أملكه أبداً حر. ومن العتبية قال [6/ أ. ص] عيسى عن ابن القاسم: فيمن قال: كل رأس أملكه إلى ثلاثين سنة فهو حر فورث رقيقاً والرجل ليس بالكبير فما ورث فهو حر ولا يعتق عليه أيضاً أصحابه لكن ما ورث فقط إلا أن تكون له نية إنه أراد الاشتراء أو الهبة أو الصدقة خاصةً ولم يرد الميراث فيدين ويحلف. وقال أشهب: فيمن قال: كل مملوك أملكه بشهر رجب فهو حر، فورث نصف عبد فحنث؛ فإنه يعتق عليه ما ورث ويقوم عليه باقيه؛ لأنه إنما أعتق عليه بالحلف لا بالميراث وبه قال سحنون في كتاب ابنه.
باب فيمن حلف بعتق عبده أو شقص له في عبده إن فعل كذا
ولا خلاف بينهما إذا قال: كل رأس اشتريته إلى ثلاثين سنة فهو حر فابتاع نصف عبد؛ أنه يعتق عليه ويقوّم عليه بقيمته إن كان مليئاً. قال ابن القاسم: وإن قال: كل مملوك أملكه إلى ثلاثين سنة حر فاشترى مكاتباً لم يعتق عليه، وكذلك لو أن أخاً ورث أخاه وهو مكاتب لم يعتق عليه؛ لأنه إنما ورث مالاً. قال سحنون: وإذا قال: كل بعد ابتاعه إلى سنة فهو حر؛ فاشترى فيها كتابة مكاتب إنه إن عجز قبل مضيها حنث وعتق عليه وإن عجز بعد انقضائها: لم يعتق. وقال في العتبية: يعتق؛ لأن أصل شرائه في السنة. م: وهذا كله خلاف لما في المدونة. باب فيمن حلف بعتق عبده أو شقص له في عبده إن فعل كذا فباعه ثم ملكه أو بقيته بشراء أو غيره قال مالك رحمه الله: ومن قال: إن كلمت فلاناً فعبدي حرٌ فباعه هو أو فلس فباعه عليه الإمام ثم كلم فلاناً ث ابتاع العبد؛ فلا يحنث بذلك الكلام الذي كلمه وهو في غير ملكه ولكن إن كلمه بعد شرائه حنث، وكذلك لو قبله بصدقة أو وصية ثم كلمه فإنه يحنث،
وإن كلمه بعد أن ورث العبد لم يحنث؛ لأنه لم يجر الميراث إلى نفسه لكن الميراث جر العبد إليه وهو لا يقدر على دفع الميراث وأما في الشراء والهبة والصدقة فهو جر ذلك إلى نفسه ولو شاء لتركه. قال مالك: ولو باع العبد ثم اشتراه من تركة من يرثه ثم كلم فلاناً فإن كان العبد قدر ميراثه أو أقل لم يعتق عليه، وذلك كالمقاسمة، وإن كان أكثر من ميراثه عتق عليه كله. م: يريد لأنه صار مشترياً لبعضه فإذا حنث في ذلك البعض استتم عليه بقيته، وقال غيره وهو أشهب وأصحاب مالك: شراؤه بعد بيع السلطان له في الدين كميراثه إياه لارتفاع التهمة. ابن المواز: وقول ابن القاسم أعجب إلينا. م: ووجه ذلك أنه يتهم أنه يخفي ماله ويظهر العدم ليباع العبد في الدين ثم يرتجعه بالشراء فيكون كما لو باعه هو [6/ ب. ص] بنفسه فوجب أن يعود عليه اليمين.
[قال ابن إسحاق: وانظر على هذا لو باعه نقداً فتداولته الأملاك ثم اشتراه الحالف هل يبرأ من التهمة؛ لأنه لم يظهر أن هناك مواطأة بينه وبين من باع منه ولو باعه من رجل فمات فاشتراه من ورثته إذا لم يعد ابتداء اشترائه تهمة إذا صح البيع الأول]. قال ابن المواز: ولو باعه السلطان عليه بعد الحنث ثم ابتاعه لزالت عنه اليمين؛ لأنها قضية ترد العتق وقاله مالك وأصحابه إلا أشهب: فإنه رأى أن بيع السلطان عليه قبل الحنث وبعده سواء، وإن ذلك مزيلاً ليمينه رافعاً للتهمة ثم نقض ذلك فقال: في المولى عليه البالغ يحنث بعتق عبده ثم يرد ذلك وصيه فيبقى ذلك بيده حتى يلي نفسه أنه يسترقه؛ قال: ولو كان إنما فيه عقد يمين فإن يمينه تلزمه. م: يريد إن اشتراه بعد أن باعه عليه وليه وذكر عن أبي عمران فيمن حلف ألا يشتري عبد فلان بحريته فجنى العبد على الحالف جناية فأسلمه إليه سيده فيها؛ إن هذا كالميراث ولا حنث عليه وليس ذلك كابتداء شرائه. قيل له: فإنه يقدر على ترك الجناية فلا يأخذه. قال: وكذلك من له ميراث أو دين يقدر على تركه. وذكر عنه فيمن فلس وله أمة قد زوجها فباعها عليه السلطان قبل الدخول من زوجها، إنه قال: اختلف قول ابن القاسم في ذلك: فروى عنه أبو زيد: أن نصف الصداق للبائع بخلاف بيعه بنفسه.
قال أبو عمران: وهو ضعيف. وروى عنه عيسى: أنه لا شيء عليه للبائع من الصداق، وبيعه وبيع السلطان سواء. وفي العتبية روى عيسى عن ابن القاسم فيمن حلف بحرية رقيقه إن كلم فلاناً فحنث فرد غرماؤه عتقه وبيع عليه ثم ابتاعه بعد ذلك أو تصدق به عليه: أن اليمين تعود عليه ويحنث إن كلمه ما لم يرجع إليه بميراث. م: انظر لم هذا؟ وهذه يمين حنث فيها مرة فكان ينبغي أن لا تعود؛ لأن الحنث في مثل هذا لا يتكرر والذي تقدم لابن المواز: أنها لا تعود هو الصواب والحق إن شاء الله، إلا أن يريد أن الغرماء ردوا عتقه وباعوه من غير مراجعة إلى الحاكم حتى لا يكون الحاكم هو الذي قضى برد عتقه فيكون الأمر كما قال، ولا يكون خلافاً لما في كتاب ابن المواز؛ والفرق بين بيع الغرماء وبيع الحاكم أن في الغرماء: يحتمل أن يكون قد أخفى ماله ليرد عتق العبد والحاكم لا ينقض عتقه إلا بعد أن ينكشف هل له مال فإن لم يظهر له مال؛ حلّفه أنه ما يملك شيئاً وقضى برد عتقه.
م: وذهب ابن بكير: إلى أنه إذا باعه هو بنفسه سقطت عنه اليمين ولا تعود عليه إن اشتراه بعد ذلك؛ لأن هذا ملك ثان كالقائل لزوجته: إن فعلت كذا فأنت طالق ثلاثاً فطلقها ثلاثاً [6/ أ. ص] أو يحنث بذلك أن اليمين لا تعود عليه. م: والذي قال: لا يلزم ملكاً لأنه عين شيئه والفرق بينهما: أنه حلف في الزوجة بطلاق ذلك الملك فإذا طلقها فقد أذهب ذلك الطلاق الذي حلف به وانحلت عنه اليمين كما لو حنث، فإذا تزوجها بعد زوج صار له فيها طلاق ثان ليس فيه يمين، والعبد إنما خرج من ملك ربه ببيع وهو عين ما حلف به، ولو خرج من ملك ربه بالحرية التي حلف بها لم تعد عليه فيه يمين؛ مثل أن يحنث في العبد فيرد السلسطان عتقه ويبيعه لغرمائه ثم يبتاعه بعد ذلك، أو يحلف بعتق عبده النصراني أن لا أفعل كذا فيعتقه ثم
يذهب إلى بلد الحرب ناقضاً للعهد ثم يُسبى ثانية فيشتريه الحالف فإنه لا يعود عليه فيه يمين؛ لأنه كان أوقع ما حلف به؛ فهذا يشبه طلاق الزوجة ثلاثاً، وأيضاً فإنه إذا باع العبد ثم اشتراه اتهم أن يكون واطأً في بيعه ليزيل يمينه ثم يرده عليه، فكأن العبد كان باقياً في ملكه ولا يتهم أحداً أن يطلق زوجته ثلاثاً ثم يتزوجها بعد زوج لينحل من يمينه فافترقا. ابن المواز قال مال وقال ابن القاسم في العتبية: فيمن حلف بحرية جاريته إن وطئها فباعها ثم اشتراها أن اليمين تعود عليه وهو حانث إن وطأها، وكذلك إن صارت إليه بهبة أو صدقة أو وصية، ولو ورثها/ لم تعد عليه ويطأها إن شاء ولا شيء عليه. قال أبو زيد عن ابن القاسم: في الحالفة تعتق أمتها إن تزوجت فلاناً فباعت الأمة ثم تزوجت فلاناً ثم رُدّت الأمة عليها بعيب؛ فإنها تحنث لأن الرد بالعيب نقص بيع. م: كأنه يريد ولو اشترتها بعد ذلك لم تحنث؛ لأن الشراء ليس ينقص البيع. قال: وإن ردت إلى المشتري قيمة العيب حنث أيضاً. م: لأنه كأنه اليوم تم بيعها. قال: وإن [ردت إلى المشتري قيمة العيب] رضيها المبتاع بالعيب لم تحنث. م: يريد لتمام البيع الأول.
وفي كتاب ابن المواز قال ابن القاسم: فيمن باع عبده ثم حلف بحريته أن لا يملكه أبداً، فرُدّ عليه بعيب فهو حانث، ولو أرضاه فدفع إليه قيمة عيبه؛ جاز ولم يحنث، وكذلك لو قال له: اذهب فبعه فما نقص من ثمنه فعليّ فلا شيء عليه في يمينه، وكذلك لو حلف بحريته أن لا يتزوج فباعه ثم تزوج فوجد المشتري به عيباً فإن رضي المشتري بقيمة عيبه أو بغير ذلك حتى لا يرده فلا حنث على البائع. م: ووجه هذا: إنما ينتقض البيع الأول بالرد فمتى لم يرده فما عليه، وقال في التي حلفت بعتق جاريتها إن تزوجت فلاناً فباعتها ثم تزوجت ثم اشترتها: إنها حانثة. وروي عن ابن القاسم فيمن حلف بحرية أمته إن تزوج فلانة فباعها ثم تزوج فلانة [7/ ب. ص] ثم اشتراها. فقال ابن القاسم: قد استثقل مالك ما يشبهه ولم يعجبه أن يشتريها ولا بأس بها عندي. قال ابن المواز: وإنما استثقل شراءها قبل البناء فأما بعده فلا بأس به. م: ولا فرق بين المرأة والرجل في هذا، وإنما هو اختلاف قول؛ فوجه قوله في المرأة: كأنها إنما كرهت أن يكون لها ذلك الرجل زوجاً حاكماً عليها مستديم التزويج لا عقد
التزويج له فمتى باعت الأمة ثم تزوجته ثم اشترتها حنث فيها؛ لأنها زوجة للمحلوف عليه بعد. م: ووجه قوله في الرجل: كأنه رأى أن لفظ التزويج إنما يقتضي العقد فإذا عقد النكاح ثم اشترى الأمة [لم يحنث لانقضاء الفعل الذي عليه مثلما لو حلف ألا يكلمها فباع الأمة] ثم كلمها ثم اشترى الأمة، لم يحنث بذلك الكلام. م: وهذا أقيس والأول أحوط والله أعلم. قال ابن المواز: ولو حلف بحريتها ألا يشارك فلاناً فباعها ثم شاركه فلا يشتريها وهو شريكه. م: ويدخلها القول الآخر. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف بعتق عبده ألا يكلم فلاناً فكاتبه ثم كلم فلاناً عتق عليه كمن حلف بعتق رقيقه فحنث أنه يدخل عليه في ذلك المكاتب والمدبر وأمهات الأولاد، وقد قال الرسول عليه السلام:» المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)).
قال ابن القاسم: وإن كاتبه مع غيره كتابة واحدة ثم كلّم فلاناً لم يعتق إلا برضاء صاحبه؛ لأنه لم ابتدأ عتق أحدهما الساعة لم يجز إلا أن يجيز ذلك صاحبه فيجوز. فصل قال ابن القاسم: فيمن حلف بعتق رقيقه إن فعل كذا فلا ينفعه إن وهبهم لولده الذي في ولايته ولا يبيعهم من أهله أو يهبهم لهم ولكن يبيع من غيرهم بيعاً لأمد السنة. فيه وقيه العتبية قال أبو زيد عن ابن القاسم: إن تصدق به على ولده وأمهم صدقة صحيحة تحاز عنه فأرجو أن يكون خفيفاً، وإن كان شيئاً يليه بنفسه فهو حانث إن فعل شيئاً مما حلف فيه. قال عيسى وسحنون وابن المواز: إن تصدق بهم على كبار ولده لم يحنث إن حيزوا، وأما على الصغار فيحنث ولي هو حيازتهم أو جعل من يحوزهم لهم. وقال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: فيمن حلف بحرية أمته إن باعها فتصدق بها على ابنة له في حجره ثم يبيعها لها في مصالحها؛ قال: إن باعها حنث وعتقت عليه وغرم القيمة لابنته.
فصل ومن المدونة قال مالك: من حلف بحرية شقص له في عبد إن دخل هذه الدار فابتاع باقيه ثم حنث عتق عليه جميعه؛ لأنه حين دخل الدار حنث في الثّقص فإذا عتق ذلك/ الشقص عتق عليه ما بقي من العبد إذا كان يملكه. قال ابن المواز: لا يعتق عليك بالدخول إلا شقصك الذي كنت تملكه يوم حلفت وأما الذي ابتعت فلا يعتق إلا بحكم أو تعتقه [8/ أ. ص] أنت وليس بأنك حانث فيه، ولكن من باب من أعتق نصف عبده، وكذلك لو ورثت مصابة صاحبك أو وهبه لك ثم حنث فهو كما وصفنا. قال في المدونة: ولو لم يبتع باقيه حتى حنث عتق عليه شقصه، قوّم عليه شقص شريكه إن كان مليئاً وعتق. قال ابن القاسم: ولو باع شقصه من غير شريكه ثم اشترى شقص شريكه ثم دخل الدار لم يحنث وهو كعبد آخر. قال ابن المواز: وإنما يصح جواب ابن القاسم إذا باع مصابته من غير شريكه ثم اشترى مصابة شريكه ثم دخل الدار فهذا لا يحنث، وأما لو اشترى نصيب صاحبه قبل بيع مصابته، ثم باع مصابته من غير شريكه ثم دخل الدار فهاهنا يعتق عليه ما بيده ويقوّم
عليه باقيه؛ لأن الذي باع بعد ما ملك جميعه شائع لا يقدر على تمييزه كما كان قد فعل أولاً، ونحوه عن ابن القاسم في العتبية قال فيها: ولو باع شقصه من شريكه بدنانير ثم اشترى شقص شريكه أو بادله نصيبه بنصيبه ثم دخل الدار لحنث. ابن المواز وقاله أصبغ. وقال ابن حبيب عن أصبغ: لا يحنث وهو كما لو باعه من غير شريكه. وقال ابن حبيب: بل يحنث. قال ابن المواز قال ابن القاسم: وكذلك لو كانا عبدين بينكما حلفت بحريتهما أن لا تدخل الدار فبعت مصابتك منهما ثم اشتريت مصابة صاحبك؛ فهو كما وصفت لك في العبد الواحد في جميع ذلك، غير أن العبدين إن قاسمته حتى صار لك أحدهما لم تكن يمينك إلا في الذي صار لك وحده. قال ابن المواز: بل لو حنثت قبل بيعك مصابتك لم أعتق عليك إلا مصابتك إن اعتدلت قيمتها فكانا سواء وتقاسمه بعد حنثك فيعتق عليك العبد الذي صار لك ما لم تكن فيه زيادة ولا نقصان. م: ويظهر لي أنه إن حنث قبل المقاسمة: أنهما يعتقان عليه ويغرم نصف قيمتها لشريكه إن كان مليئاً؛ لأنه قبل المقاسمة مالك لنصف كل عبد فهو كما لو أعتق نصف كل عبد وهذا أحوط للعتق والله أعلم.
باب فيمن حلف بالعتق إن فعل أو ليفعلن هو أو غيره ووطء التي فيها عقد يمين وبيعها وكتابتها وإيلادها
باب فيمن حلف بالعتق إن فعل أو ليفعلن هو أو غيره ووطء التي فيها عقد يمين وبيعها وكتابتها وإيلادها قال مالك رحمه الله: ومن حلف بعتق إن فعلت كذا أو لا أفعل كذا فهو على بر ولا يحنث إلا بالفعل ولا يمنع من بيع ولا وطء، وإن مات لم يلزم ورئته عتق، فأما إن قال: إن لم أفعل أو لأفعلن كذا فهو على حنث يمنع من البيع والوطء ولا يمنع من الخدمة، وإن مات قبل الفعل عتق رقيقه من الثلث إن هو حنث وقع بعد الموت. م: وإنما [8/ ب. ص] كان من حلف: إن فعلت أولاً فعلت كذا على بر؛ لأنه بفعله ذلك الشيء يحنث فدل أنه كان قبل أن يفعله على بر، وأما الحالف: إن لم أفعل أو لأفعلن؛ إنما يبر بفعل ذلك الشيء فدل أنه قبل أن يفعله على حنث، وقد ذكرت في كتاب النذور وجهاً غير هذا وكلٌ صواب إن شاء الله تعالى.
ابن حبيب وقال ابن كنانة: في الحالف بعتق أمته ليفعلن كذا ولم يضرب أجلاً لا أحب له وطأها فيما عسى أن يحنث فيه، وهو كيمينه ليضربن عبده أو لينحرن بعيره؛ إذ قد يموت العبد والبعير والحالف حي فيحنث، فأما ما لا يحنث فيه إلا بموته؛ مثل يمينه ليسافرن أو ليأتين بلد كذا فله أن يطأها؛ لأنها كالمدبرة إنما تعتق بعد الموت. قال ابن حبيب: فمن أخذ بهذا لم أعبه. وأما أصبغ فقال: ذلك كله سواء. وقال عيسى عن ابن القاسم: كل من حلف بالحرية ليفعلن كذا ولم يضرب أجلاً فلا يطأ ولا يبع ولا يهب ولا يتصدق ولا يضرب حتى يفعل، وما ولد للأمة في ذلك دخل في اليمين، وأما لو ضرب أجلاً؛ فله أن يطأ إما الأم وإما البنت ولا يبيع واحدة منهما/ ولا يهب ولا يتصدق حتى يحل الأجل؛ فإن برّ وإلا كانت الأم والبنت حرتين. قال غيره: وإن مات هو قبل الأجل لم يحنث بعد الموت؛ لأنه على برّ بالأجل، ولو لم يضرب أجلاً عتق في الثلث؛ لأنه كان على حنث.
قال عيسى عن ابن القاسم: وإن فلس قبل أن يفعل فإنهم يباعون؛ كان الدين قبل يمينه أو بعده بخلاف المدبر؛ لأن هذا يقدر على البر فيرجع العتق ولا يستطيع رفع التدبير فهو أضعف من التدبير. م: قال بعض أصحابنا: ولهذا بدأ بالمدبر في الصحة أو في المرض عند ضيق الثلث على المحلوف بحريته يمين هو فيها على حنث إذا مات ولم يبر. قال عيسى عن ابن القاسم: وأما الحالف إن فعلت فله البيع والوطء والتصرف فإن حنث وعنده الأم عتقت. واختلف قول مالك فيما يولد لها بعد اليمين فقال مرة: لا يدخل في اليمين، وقال مرة: يدخل. واستحسن ابن القاسم أن يدخل ولم يعب القول في الأول. ابن المواز وقال أصبغ: لا يدخل وإلى هذا رجع ابن القاسم ولا أرى روايته أنه يدخل إلا وهما. ابن المواز وقال أشهب: وإن حلف بحرية عبده إن عفا عن فلان؛ لم ينفعه أن يبعه ثم يعفو لأن معنى يمينه لأ عاقبنه فهو كالحالف لأفعلن لا كمن حلف إن فعلت.
ومن المدونة قال ابن القاسم، وإن قال لأمنه: إن لم تدخلي أنتِ الدار وتفعلي كذا فأنت حرة؛ فإن أراد إكراهها على ما يجوز له من دخول دار أو غيره فله إكراهها على ذلك، ويكون القول قوله ويبر في يمينه، وإن لم يرد ذلك وإنما فوض إليها فإنه يمنع من الوطء والبيع؛ لأنه على [9/ أ. ص] حنث ويتلوم له الإمام بقدر ما يرى أنه أراد من الأجل في تأخير ما حلف عليه وتوقف لذلك الأمة، فإن أبت الدخول أعتقها عليه السلطان ولم ينتظر موته. وكذلك قال مالك فيمن قال لزوجته: إن لم تفعلي كذا فأنت طالق، أو قال لرجل: إن لم تفعل كذا فأمتي حرة وزوجتي طالق؛ فإنه يمنع من الوطء والبيع وهو على حنث، ولا يضرب له في هذا أجل الإيلاء في الزوجة وإنما يضرب له في يمينه ليفعلن هو فأما هذا فإن الإمام يتلوّم له بقدر ما يرى أنه أراد من الأجل في تأخير ما حلف عليه وتُوقف لذلك الزوجة والرجل؛ فإن لم يفعلا ذلك عتق عليه وطلق ولا ينتظر في هذا في يمينه بالحرية موته. قال: ولو مات الحالف في التلوم مات على حنث وعتقت عليه الأمة في الثلث وترثه الزوجة؛ لأن الحنث وقع عليه بعد موته. وقال أشهب: لا تعتق عليه الأمة في التلوم كموته في أجل ضربه لنفسه.
ابن المواز: وكأنه وقت وقتاً؛ لأن السلطان إنما يضرب له ما يرى أنه أراد بيمينه من التأخير ولو لم يضرب له السلطان لكان حانثاً إذا بلغ أمراً ينتهي إليه. [قال أبو إسحاق: وهذا الذي ذكره أشهب هو الأشبه لأنا إذا قدرنا أن الحالف أراد قدراً معلوماً صار ذلك القدر الذي أراد وجرت به العادة أن الحالفين يريدونه كالأجل المضروب، وإذا مات قبل الأجل على برّ ويطأ على هذا في إيلام التلوم على مذهب من قال: فيمن قال إن لم أفعل كذا إلى أجل كذا؛ أن له الوطء، فأما من قال: هناك لا يطأ لعدم قدرته على البيع مع أنه يقول: لو مات في التلوم لم يعتق إذ عُدّ التلوم كالأجل المضروب. وفرّق ابن القاسم بين ما ينطق به هو من أجل وبين ما ضرب له مما يرى أنه أراده]. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال لزوجته: إن لم أتزوج عليك أو أفعل كذا فأنت طالق؛ فهو على حنث، ويتوارثان قبل البر، ولا يحنث بعد الموت بخلاف العتق إذ يوصي بالعتق ولا يوصي ميت بطلاق. قال مالك: وكل من حلف في صحته بعتق رقيقه ليفعلن شيئاً ولم يضرب أجلاً فمات قبل أن يفعله فإنما يعتق رقيقه من الثلث. قال ابن القاسم: لأن الحنث وقع بعد الموت وكل عتق كان بعد الموت فهو في الثلث؛ لأنه لم يزل على حنث حتى مات فلما ثبت على الحنث حتى مات علمنا أنه أراد أن يعتقهم بعد موته، وقد علمت: أن عتق المريض من الثلث فالذي بعد الموت أحرى أن يكون في الثلث.
فصل قال ابن القاسم: وللحالف بالعتق ليضربن عبده أن يضربه فيبر وليس له أن يبيعه [9/ ب. ص] حتى يضربه إلا أن يحلف على ضرب لا يباح مثله فإني أمنعه منه ويعتق عليه مكانه. قال سحنون: يريد يحنث مكانه بقضية سلطان. م: وحكى عن ابن القابسي: إنه إنما يُمكَّن مما يجوز في الضرب إذا كان الجرم اجترمه العبد، وأما إن حلف على ضربه لا لعلة؛ فلا يُمكّن منه قلَّ الضرب الذي حلف عليه أو كثر؛ لأن ذلك من الظلم فلا يمكَّن منه، وذهب أبو محمد إلى أنه يمكن من يسير الضرب وهو ظاهر الكتاب، والقياس قول ابن القابسي والله أعلم. ومن المدونة قال ربيعة: وإن حلف بحرية غلامه ليجلدنه مائة/ سوط فليوقف ولا يبيعه حتى ينظر أيجلده أم لا، قال ربيعة ومالك: فإن حلف ليجلدنه ألف سوط عجلت عتقه ولا ينتظر به ذلك. ابن حبيب وقال مطرف وابن الماجشون: إن حلف ليضربنه مائة سوط فقد أساء ويترك وإياه، وإن حلف على أكثر من مائة مما فيه التعدي والشنعة فليعجل الإمام عتقه، فإن ضربه قبل ذلك لم يعتق عليه وليباع عليه إلا أن يلحقه من ذلك أمر فظيع قد أشرف منه على الهلاك فليعتق عليه.
وقال أصبغ: أرى المائة مما يخاف عليه من العَطَب ومن التعدي وليعجِّل عتقه. وبالأول أقول. ابن المواز قال ابن القاسم: وإن حلف ليضربنه مائتي سوط أو ثلاثمائة ففعل فأنهكه فلا يعتق عليه إلا أن يبلغ منه مثلة شديدة مثل ذهاب لحمه وتآكله حتى يبقى جلد على عظم فليعتق عليه مثل قطع جارحة. ومن المدونة قال مالك: وإن حلف بحرية أمته ليضربنها ضرباً يجوز له؛ منع من البيع والوطء حتى يفعل فإن باعها نقض البيع؛ فإن لم يضربها حتى مات عتقت في ثلثه. وقال ابن دينار: ينقض البيع وتعتق عليه؛ لأني لا أنقض صفقة مسلم إلا إلى عتق تام.
[قال أبو إسحاق: ويصدّق إنه وجب عليها عنده ضرب، وإن أراد ضرباً كثيراً لوجب أن تعتق عليه؛ إذ لا يأذن الناس بمثله، ولو أقر أنه يريد ضربها بغير سبب أوجب ضربها لوجب أن تعتق عليه؛ لأن ذلك معصية لا تجوز أن يمكّن من فعله]. ومن كتاب ابن المواز قال ابن القاسم: ولو لم يضربها حتى كاتبها ثم ضربها لبرّ. وقال أشهب: لا يبر. قال عن مالك: وتمضي على كتابتها ويوقف ما تؤدي فإن عتق بالأداء تم فيها الحنث وصارت حرة وأخذت كلما أدّت؛ فإن عجزت ضربها إن شاء. وقال أصبغ عن ابن القاسم: مثله في العتبية. م: تعقب ابن الكاتب هذه المسألة، وأنا أذكر عمدة احتجاجه؛ قال: قولهم: إن ودّا وعتق رد السيد ما أخذ من كتابته، وقال: هو قد كان [10/ أ. ص] عبده وإنما عتق الآن والكتابة خراج فكيف يرد السيد إلى عبده ما أخذ من خراجه؛ لأنه لو لم يفعل حتى مات عتق في ثلثه فدل أنه قبل ذلك عتق، وقد قال ابن القاسم: فيمن استغل عبده ثم استحق بحرية أن ليس عليه ردّ ما استغله ولا ما كاتبه عليه فكيف بهذا، وطوّل في احتجاجه
فذكر هذا الكلام لأبي عمران ففرّق بين هذه المسألة وبين ما ألزم ابن القاسم، وقال: الفرق أن المكاتب مشروط له ألا ينتزع ماله وعلى ذلك دخل فكيف وقد أحرزه، وليس كذلك من حلف بحريته: ليفعلن؛ لأن هذا لم يحرز ماله والذي استُحق بحرية فإنه لا يرجع بما استغل منه، وأما ما استفاد أو وهب له فإنه يرجع به، والمكاتب لا يكون للسيد منه إلا قدر الكتابة فافترقا. وقول أبي عمران أصوب. وقد قاله ابن القاسم وأشهب وسحنون. قال سحنون في المجموعة: وإن مات السيد ولم تؤدِّ الكتابة وثلثه يحملها عتقت فيه وسقط عنها باقي الكتابة، وكان ما وقف ردٌ عليها، وإن كان عليه دين محيط مضت على الكتابة وكان للغرماء النجوم؛ فإن ودت تم عتقها، وإن عجزت كانت وما أخذ منها في دين سيدها. قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: ومن حلف بحرية أمته ليضربنها مائة سوط فلم يضربها حتى حملت منه فليس له ضربها وهي حامل وليمنعه السلطان من ذلك ويعتقها عليه؛ فإن ضربها قبل أن تضع برّ في يمينه وأثم عند ربه. ومن كتاب ابن المواز: وإن حلف ليضربنها فباعها قبل الضرب نسي يمينه أو لم ينس فلم يرد البيع حتى ضربها فقال أشهب: قد برّ، فإن نقصها ضربه غرم النقصان، قال:
وإن حملت من المبتاع لم يبرّ بضربها ويلزمه الحنث وهي حرة لفوتها بالحمل إن كانت على يمينه بينة أو صدَّقه المشتري ويرجع المشتري بجميع الثمن ولا يحاسب بقيمة الولد وقاله مالك. قال أشهب: فإن لم يصدِّقه المشتري ولا قامت بينة فهي له أم ولد، وينتظر البائع بالثمن تصديق المبتاع فإن آيس من ذلك جعل ثمنها في رقبة يعتقها، وكذلك ذكر ابن سحنون عن أبيه. ابن المواز وقال ابن القاسم: حملها فوت وهي أم ولد للمبتاع صدَّقه في يمينها أو قامت به بينة ولا تعتق وهي كالمدبرة تباع فتفوت بالحمل، وهذا إن لم يوقِّت لفعله أجلا، وإن لم تحمل فلا يبرّ يضربها عند المبتاع حتى تردّ فيضربها في ملكه/ بخلاف قضاء [10/ ب. ص] الدين، يريد: إذا حلف بحريتها ليقضين فلاناً دينه فباعها قبل القضاء فإنه يبرّ بقضاء الدين وهي عند المبتاع، وكذلك لو ضرب أجلاً فقضى قبل الأجل وهي عند المبتاع لبر قاله ابن الماجشون.
قال ابن حبيب عن أصبغ: فإن ضرب لضربها أجلاً فباعها قبل الأجل فأولدها المشتري فهي حرة عاجلاً على البائع، فمن باع معتقةً إلى أجل فأحبلها المشتري فهي حرة على البائع بغير قيمة ولدها، فإن لم يضرب أجلاً فقال أشهب: تعتق كالمسألة الأولى، وقال غيره - وبه أقول - إنها كالمدبرة تحمل من مشتريها فتمضي أم ولد. م: واختصار اختلافهم في هذه المسألة هو: إذا حلف بحرية أمته ليضربنها فباعها قبل الضرب؛ فقيل: ينقض البيع ويضربها، وقيل: ينقض البيع وتعتق عليه، وإن لم ينقض البيع حتى ضربها عند المشتري؛ فقيل: يبر به، وقيل: لا يبر به، وإن كان إنما كاتبها هو قبل الضرب؛ فقيل: يبر بضربها في الكتابة، وقيل: لا يبر حتى يضربها بعد العجز، وإن أدّت عتقت ورجعت فيما أدّت، فإن كان إنما أحبلها، فقيل: يبر بضربها وهي حامل ويجري على قول أشهب ألا يبرّ كضربها في الكتاب، وليعجل عليه عتقها، وإن كان إنما أحبلها المبتاع منه فلا يبر بضربها وتعتق إن صدّقه المبتاع في يمينه أو قامت له بينة وردّ إلى هذا ثمنه، وقيل: بل ذلك فوت، وتكون لهذا أم ولد كالمدبرة تباع فتلد من المبتاع والله أعلم بالصواب.
في العتق إلى أجل واليمين به وفي المديان يبتل عتق عبيده قال مالك رحمه الله: ومن أعتق إلى أجل آتٍ لابد منه فله أن ينتفع بمن أعتق بالخدمة إلى ذلك الأجل ويمنع من البيع والوطء. م: يريد لأنه وطء إلى أجل معلوم فأشبه نكاح المتعة وهذا بخلاف من حلف بالحرية: ليفعلن، أو إن لم يفعل إلى أجل كذا؛ فهو على بر، له أن يطأ؛ لأنه يستطيع على رفع اليمين جملة بفعل ما حلف عليه فخرج من نكاح المتعة. ومن المدونة قال مالك: ومن قال لرجل: إن لم أقضك حقك إلى سنة، أو إن لم يقضك فلان حقك إلى سنة فامرأته طالق، فإنه يطأ امرأته في السنة، فإن قضاه هو أو من حلف عليه بها بر، وإن مضت السنة ولم يقضه حنث، وإن طلق امرأته واحدة فانقضت عدتها قبل السنة أو صالحها فمضت السنة وليست له بامرأة ثم تزوجها بعد ذلك فلا شيء عليه. قال ابن القاسم: والعتق عندي مثله، ولو حلف بعتق جاريته إن لم يفعل فلان كذا إلى أجل سماه لم يحل بينه وبين وطئها في الأجل ويمنعه من بيعها. م: لأنها مرتهنة بيمين، ولو باعها ردت البيع، ولا أقبل رضاها بالبيع.
م: يريد ولو لم يردّ البيع [11/ أ. ص] حتى مضى الأجل ولم يفعل ما حلف عليه لم يردّ البيع؛ لأن بمضي الأجل حنث، وليست في ملكه فارتفعت عنه اليمين فيها فلا يردّ إذ لا يردّ إلى أمر يترقب فيه حنثه أو بره. قال ابن القاسم وروي عن مالك: أنه يمنع من وطئها لمنعه من بيعها، وقد قال ابن عمر: لا يجوز للرجل أن يطأ جارية إلا جاريته إن شاء باعها وإن شاء وهبها أو صنع بها ما يشاء. قال ابن القاسم: فإن كان الفعل في الأجل برّ، وكذلك لو مات في الأجل لم تعتق بموته؛ لأنه مات على بر، ولو لم يمت وحلّ الأجل ولم يفعله حنث وعتقت عليه الأمة بمنزلة: ما لو حلف على فعل نفسه إلا أن يكون عليه دين فيقضى له بحكم المديان يعتق، وقد قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عدنان: إنه لا يجوز لمن أحاط الدَّين بماله، عتق ولا هبة ولا صدقة، وإن كان الدين الذي عليه إلى أجل بعيد إلا بإذن غرمائه ولا يطأ أمة ردّوا عتقه فيها؛ لأن الغرماء إن أجازوا عتقه أو أيس قبل أن يحنث فيها بيعاً عتقت وأما بيعه وشراؤه ورهنه فجائز. قال مالك: وإن بتل عتق عبيده في صحته/ وعليه دين يغترقهم ولا مال له سواهم ولم يجز عتقهم، فإن كان الدين لا يغترقهم بيع من جميعهم مقدار الدين
باب فيمن حلف بطلاق إحدى امرأتيه أو عتق أحد عبديه أو قال: لعبدين له أو لعبد ولمن فيه بقية رق، أحدكما حر
بالحصص وعتق ما بقي، وما بيع في الدين منهم فهو رقيق، وإنما القرعة عند مالك في عتق الوصايا والبتل في المرض، وبعد هذا باب فيه إيعاب عتق المديان باب فيمن حلف بطلاق إحدى امرأتيه أو عتق أحد عبديه أو قال: لعبدين له أو لعبد ولمن فيه بقية رق، أحدكما حر قال مالك: ومن حلف بطلاق إحدى امرأتيه فحنث فإن نوى واحدة طلقت التي نوى خاصةً وهو مصدق، وإن لم تكن له نية، أو نوى واحدة فأنسيها طلقتا جميعاً. قال ابن القاسم: وإن جحد فشهد عليه كان كمن لا نية له. قال ابن القاسم: وإن قال: رأس من رقيقي حر، ولم ينو واحداً بعينه، فهو يخيّر في عتق من شاء منهم وهو كقوله: رأس منهم صدقة أو في السبيل فهو مخير فيمن شاء منهم، وكذلك قوله لعبديه: أحدكما حر بخلاف الطلاق.
ابن المواز: هذا قول المصريين وروايتهم عن مالك، وقال المدنيون ورواه بعضهم عن مالك: إن الطلاق والعتق سواء، ويختار في الطلاق كما يختار في العتق. قال ابن المواز: والأول أحب إلينا؛ لأن العتق يتبعض ويجمع في أحدهم بالسهم. قيل لابن المواز: وإن شهدوا عليه أنه قال: أحد عبديّ حر فأنكر الشهادة [11/ ب. ص] وأبى أن يعتق؟ قال: يقضي عليه السلطان وينفذ الحكم عليه، فإن أبى عتق عليه أدناهما ولم يعتق عليه الجميع وكذلك ورثته بعد موته. قال ابن المواز: ولو كان في شهادتهما أنه أقر أنه أراد أحدهما ونسيه حكم عليه بعتقهما جميعاً أو على ورثته بعد موته إذا كان قوله ذلك في صحته. وفي كتاب ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم: إذا قامت عليه بينة أنه قال: أحد عبدي حر وهو ينكر أنه يقضى عليه بعتقهما جميعاً، كما لو شهد عليه أنه قال: إحدى امرأتي طالق وهو ينكر. قال أصبغ: ولسنا نقول بهذا وهو مخيّر في عتق من شاء منهما بخلاف الطلاق أقر أو أنكر. م: يريد أصبغ: أنه مخير يخيره الحكم، فإن أبى أن يعتق عتق عليه أدناهما كما قال محمد والله أعلم.
قال ابن حبيب عن أشهب وأصبغ: ومن قال: امرأتي فلانة أو فلانة طالق إن فعلت كذا فحنث؛ فإنهما يطلقان عليه، ولو قال: إن فعلت كذا فعبدي فلان أو فلان حر فحنث؛ فليختر أحدهما يعتقه؛ لأنه يعتق بعض عبده ولا يطلق بعض امرأته. قال ابن المواز: وليس قوله في المرأتين هذه طالق أو هذه كقوله أحدكما طالق، وله أن يختار في إحداهما فيطلقها في قوله هذه طالق أو هذه؛ لأنه أفصح من الاختيار، وأما قوله: إحداكما طالق فيطلقان جميعاً وليس له أن يطلق من شاء منهما إلا أن يكون نوى واحدة بعينها، ولو قال: غلامي حر أو امرأتي طالق فهو مخيّر إما أن يطلق وإما أن يعتق؛ فإن مرض فهو على خياره، فإن أعتق فمن الثلث وإن طلق فهي ترثه. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قال لعبدين له: أحدكما حر؛ فإن نوى أحدهما عتق عليه من نوى وصدّق في نيته بلا يمين، وإن لم تكن له نية أعتق أيهما شاء. قال ابن سحنون: وقال أشهب وسحنون: إذا قال: نويت هذا صُدِّق مع يمينه. قال أشهب: فإن نكل عتقا عليه جميعاً هذا بإقراره له وهذا بنكوله. قالا: وإن قال: لم أنو شيئاً حلف على ذلك واختار عتق أيهما شاء، وإن قال: نويت واحداً ونسيته عتقا عليه جميعاً.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو قال: في صحته أحدهما حر ثم قال في مرضه: نويت هذا صُدِّق وعتق من جميع المال إلا أن تكون قيمته أكثر من قيمة الآخر فيكون الفضل في الثلث. م: قال بعض فقهائنا: وتكون هذه الزيادة مبدأة على الوصايا وعلى العتق والزكاة التي فرط فيها ويحتمل أن تكون مبدأة على المدبرة في الصحة؛ لأنه أمر عقده في الصحة، وإنما جعلت الفضلة في الثلث للتهمة، وغيره يراه من رأس المال ويحتمل أن يبدأ المدبر في الصحة [12/ أ. ص] عليها/ إن كان التدبير عقده قبل أن يقول: أحد عبديّ حر، والله أعلم. وقال غيره: بل جميعه خارج من جميع المال، ابن المواز: وقاله أشهب وأصبغ. قال: فإن لم يختر حتى مات: فقال ابن القاسم وأشهب وأصبغ: فإن لورثته من الخيار ما كان له. وروى عيسى عن ابن القاسم: أنه إن مات ولم يختر أقرع بينهم فإن كانوا ثلاثة أعتق ثلث قيمتهم. وروى عنه أيضاً: أنه يعتق أثلاثهم بعد موته ويشرع العتق في جميعهم.
وروى عنه سحنون مثل رواية ابن المواز قال سحنون: وبلغني عن مالك أنه قال: إذا كانوا ثلاثة عتق ثلثهم بالسهم وإن كانوا أربعة فربعهم، قال: وأنا أقول بقول ابن القاسم: إن للورثة أن يختاروا إن اجتمعوا وإن اختلفوا أخذت بقول مالك. وقال ابن المواز عن ابن القاسم: إن اختلفوا عتقت الأدنى. قال سحنون: ولو قال في مرضه: أحدهما حر ثم مات عتق نصف قيمتها بالسهم إذا حمله الثلث فإن كانت قيمتهما سواء عتق من أخرجه السهم ورقّ الآخر، وإن كان قيمة أحدهما أكثر فإن أخرج السهم الكثير القيمة عتق منه مبلغ نصف قيمتهما ورقّ ما بقي مع الآخر، وإن أخرج الأقل عتق كله وعتق من الآخر تمام نصف قيمتهما، وهو قول مالك وأصحابه إلا المغيرة. قال سحنون: وكذلك الحكم إذا قال في مرضه: يزيد حر وله عبدان اسمهما يزيد يزيد ثم مات؛ فقال: المغيرة: يعتق نصف كل واحد منهما إن حمل ذلك الثلث وإلا فيقدر ما حمل منهما. سحنون: وضارع المغيرة في هذا قول العراقيين وزال عن قولنا. قال ابن حبيب: وقال ابن الماجشون: إذا قال عند موته لعبديه: أحدكما حر؛ فليعتق عليه نصف قيمتهما بالسهم، وإن قال: يزيد أو سالم حر؛ فليعتق جميع أحدهما
حر بالسهم إن خرج له كان أكثر من نصف قيمتهما أو أقل؛ لأن ما سمي ها هنا معرفة وفي الأول نكرة، وكذلك من قال: أسهموا بين عبدي فمن خرج له السهم فأعتقوه. م: وتحصيل الاختلاف في هذه المسائل المتقدمة. إذا قال في صحته لعبديه: أحدكما حر؛ عتق من نوى وصُدِّق فيه بغير يمين، وقيل: بل بيمين. وإن لم يختر حتى مرض فقال: نويت هذا؛ صُدِّق وعتق جميعه من رأس المال إلا أن تكون قيمته أكثر من قيمة الآخر فيكون الفضل في الثلث، وقيل: بل جميعه خارج من رأس المال. وإن لم يختر حتى مات: فقيل: لورثته من الخيار ما كان له، وقيل: يقرع بينهما ويعتق نصف قيمتهما بالسهم، وقيل: يعتق نصف كل واحد، وقيل: لورثته الخيار إن اجتمعوا وإن اختلفوا: عتق نصف قيمتهما بالسهم، [وقيل [12/ ب. ص] إن اختلفوا: عتق أدناهما. وإن قال في مرضه: أحدهما حر ثم مات؛ عتق نصف قيمتهما بالسهم إن حمله الثلث، وقيل: نصف كل واحد إن حمله الثلث. وإن قال في مرضه: يزيدٌ أو مباركٌ حر ثم مات: فقيل: يعتق جميع أحدهما بالسهم] إن حمله الثلث أو ما حمل منه.
فصل قال ابن المواز: ومن قال لعبديه في صحته: أحدكما حر فلم يختر حتى مات أحدهما فالباقي حر [وكذلك لو مات السيد قبل أن يختار فلم يختار الورثة حتى مات أحدهما والباقي حر] مكانه من رأس المال. قال: وإذا مات أحدهما ثم قُتل الآخر عمداً فإنه يقتل قاتله حراً كان أو عبداً، وإن قتله خطأ فدية الخطأ على عاقلة الحر، وكذلك لو قتل أحدهما فللباقي حكم الحر مكانه، ولو لم يختر حتى جنى أحدهما فله الاختيار؛ فإن اختار الجاني فليس له ذلك إلا أن يحمل عنه الجناية، وإن اختار لآخر فله فداء الجاني أو إسلامه، فإن مات الجاني قبل الخيار فالباقي حر بغير عتق مؤتنف ويوارث الآخران مكانه، وكذلك لو مات الذي لم يجن أعتق الجاني مكانه وأتبع بالجناية؛ لأنه نفذ فيه عتق كان معقوداً قبل الجناية كالمدبر يجني ثم مات السيد والثلث يحمله. وقال سحنون في كتاب ابنه: إذا قال لعبديه: أحدكما حر فلم يختر حتى مات أحدهما أو استحق بحرية فالباقي حر لا سبيل عليه.
وقال في موضع آخر من كتاب ابنه: فإن مات أحدهما أو مرض السيد وعليه في الصحة بذلك بنية فإنه يسأل؟ فإن قال: أردت الميت؛ حلف ولا عتق للحي، وإن قال: أردت الحي؛ عتق من رأس ماله بعد يمينه، وإن قال: ما أردت واحداً بعينه؛ عتق الحي في رأس المال، وفيه تنازع، وهذا أصح. ولو أقر بهذا في مرضه أنه كان قاله/ في صحته ولا بينة فيه فلا يعتق الحي في ثلث ولا في غيره، ولو قاله في الصحة فلم يختر قتلا جميعاً؛ فعلى القاتل قيمة عبد ودية حر، ولو قتل واحداً كان الباقي حراً، ولو قطعت يد أحدهما ومات الآخر؛ فعلى القاطع دية يد حر؛ لأنه لما مات صاحبه صار هذا حراً، ولا تقطع يد الجاني وإن تعمد القطع. قال ابن سحنون: ثم رأيته بعد ذلك نحا إلى أنهما قبل الاختيار لهما حكم العبيد. وكان محمد بن عبد الحكم وأشهب يقول: فيمن قال: أحد عبديّ حر فاستحق أحدهما أنه حر الأصل فلا شيء عليه في الباقي. [قال ابن المواز: ولو قال لعبده ولحر: أحدكما حر فلا شيء عليه].
فصل ومن كتاب ابن المواز وابن سحنون وابن حبيب: ومن له ثلاثة أعبد مبارك وميمون وزيد فقال في صحته لمبارك وميمون: أحدكما حر، ثم قال لميمون وزيد: أحدكما حر؛ فإنه يخيّر؛ فإن اختار الذي وقع له القول مرتين وهو ميمون؛ عتق، ورق الباقيان، وإن أرَقّه عتق الباقيان، وكذلك إن مات هذا العبد قبل أن يختار لعتق الأول والثالث؛ لأنه كان قريباً لكل واحد منهما [13/ أ. ص] فامتنع الخيار بموته وأما إن اختار عتق مبارك أو زيد؛ فلا بد من اختيار عتق أحد الباقيين. قال سحنون: ولو مات السيد قبل أن يختار: قال ابن القاسم: فالخيار لورثته؛ لأنه من عتق الصحة والعتق لا قرعة فيه. وقال غيره: يقرع بينهما، فعلى هذا يقرع بين الثلاثة؛ فإن خرج ميمون عتق ورق الباقيان، وإن خرج أحدهما دين أقرع بين الآخر وبين ميمون ومن خرج عتق، والعتق في ذلك من رأس المال.
فصل قال ابن سحنون عن أبيه في الصحيح يقول لمكاتبه وعبده: أحدكما حر؛ إنه يسأل فمن قال: أردت عتقه؛ عتق بعد يمينه في قولي، وغيري لا يحلفه. وإن قال: لم أرد واحداً بعينه أعتق من شاء منهما وحلف وإن غفل عن هذا حتى مرض فمن قال: أردته عتق من رأس المال وإن لم يعيِّن خيِّر فمن اختار عتق من رأس ماله وإن لم يكن هذا حتى مات خيّر ورثته ولو لم يسأل السيد حتى ودى المكاتب فيسأل فإن قال: أردت المكاتب ردّ عليه ما أخذ منه من يوم أعتقه، وإن قال: لم أعين أعتق القنّ كما قلنا في القائل ذلك لعبديه فيستحق أحدهما بحريّة أو يموت فالباقي عتيق. م: وعلى ما رواه ابن عبد الحكم عن أشهب: لا شيء عليه في الباقي. قال سحنون: ولو مات السيد قبل أن يسأل وقد أدى المكاتب عتق القن، كما لو مات المكاتب أو استحق بحرية.
فصل قال سحنون: ولو قال في صحته لمدبر وعبد: أحدكما حر سُئل؟ فإن قال: أردت هذا حلف وصدِّق، وإن قال: لم أرد واحداً بعينه فليتخير من شاء منهما ويعتقه فإن مات قبل أن يُسأل؛ نُظر: فإن حمل الثلث المدبر عتق وعتق الآخر من رأس المال، كمن قال: ذلك لعبدين فاستُحِق أحدهما بحرية، وإنما يعتق المدبر في ثلث ما ترك سوى القِّن ولا حجة للمدبر إذا حمله الثلث؛ فإن لم يحمله عتق منه ما حمل، وخيّر الورثة؛ بين أن يعتقوا ما بقي من المدبر، أو عتق جميع القنّ، كما لو كان لوليهم، فإن اختاروا باقي المدبر رقَّ القنِّ، وإن اختاروا القنّ عتق، وعلم أنه الذي كان له العتق في الصحة. قال ابن المواز وغيره: وإن قال ذلك لهما عند موته أو في وصيته: فليسهم على نصف قيمتهما؛ فإن خرج المدبر عتق فإن بقي من نصف قيمتهما شيء جعل في الآخر إن حمله الثلث، وإن خرج القنّ بدأ بالمدبر ثم عتق القن إن حمله الثلث إلا أن تكون قيمته
أكثر من نصف قيمتهما [فيعتق منه قدر نصف قيمتهما] في بقية الثلث، وإن كان المدبر قدر الثلث عتق كله وبطلت الوصية، ولأشهب فيها قول عابه محمد؛ تَرَكْتُه. فصل قال سحنون: ولو قال [13/ ب. ص] في صحته لأم ولده ولأمته: إحداكما حرة؛ أنه يحلف ويخيّر كما قال في المدبر والمكاتب ما لم يمت السيد فإن مات عتقت أم الولد وعتقت الأمة من رأس المال كالقائل ذلك لعبدين يستحق/ أحدهما بحرية. ولو قال ذلك في مرضه ثم مات؛ عتقت أم الولد من رأس المال وعتقت الأمة من الثلث أو ما حمل الثلث منها. ولو قال: أقرعوا بينهما فمن خرج فأعتقوه؛ فليقرع بينهما، فإن خرجت أم الولد رقّت الأمة، وإن خرجت الأمة عتقت في الثلث وأم الولد حرة من رأس المال. وإذا قال ذلك لعبدين وأحدهما موصى بعتقه: فهما كالمدبر والقنّ، وكذلك إن كان أحدهما موصى به لرجل والآخر قِنٌّ ما لم يمت السيد في هذا؛ فإن مات فلورثته من
باب في يمين العبد أو من يولى عليه بالعتق وغيره
الخيار ما كان له، فإن أعتقوا الموصى به فهو من رأس المال وتبطل فيه الوصية، وإن أعتقوا الآخر عتق أيضاً من رأس المال وتبقى الوصية في الموصى به. ولو قال هذا في مرضه ثم مات: نُظر إلى نصف قيمتهما وأسهم بينهما فيعتق من خرج في نصف قيمتهما إن حملها الثلث. ولو اجتمعت أم ولد ومكاتبة ومدبرة ومعتقة إلى أجل وأمة فقال في صحته: إحداكن حرة؛ فإن يخير في عتق واحدة منهن ويحلف، فإن مات عتقت أم الولد في رأس المال، والمدبرة في الثلث، وأدت المكاتبة، وحل أجل المعتقة؛ فليعتق الأمة من رأس المال، والمدبرة في الثلث؛ كما لو متن أو استحققن بحرية. وفيم ذكرنا كفاية وكله من النوادر وفيها إيعابه وتمامه وبالله التوفيق. باب في يمين العبد أو من يولى عليه بالعتق وغيره قال الله تعالى: {عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ}.
قال مالك: فلا يجوز للعبد عتق ما يملك إلا بإذن سيده فإن أعتق أو حلف بعتق فيحنث فيه فلم يردّ ذلك السيد حتى عتق العبد فذلك عتق نافذ، ولو ردّه السيد قبل عتقه وبعد حنثه لبطل ولم يلزمه إن عتق يوماً ما. ابن المواز: وكذلك المكاتب يرد سيده عتقه أو السفيه يردّ الولي عتقه ثم يرشد؛ أنه يبقى رقيقاً بيده بخلاف ما يردّ من عتق المديان ثم يفيد مالا قبل بيع العبد أو بقرب بيعه وقاله ابن القاسم وأشهب. قال أشهب: وكذلك الزوجة تعتق فتزيد على الثلث فيرده الزوج ثم تزول العصمة والعبد بيدها أنها تسترقه. وقال ابن القاسم: يعتق عليها بغير قضاء بخلاف السفيه والعبد. م: والفرق عنده بين عتق المولى عليه والعبد وبين عتق المديان والزوجة؛ أن المولى عليه ممنوع من إتلاف ماله وممنوع من [14/ أ. ص] التصرف في شيء منه إلا بإذن وليه فكان وليه هو المالك، فرده لعتقه إبطال له وكذلك العبد كالمولى عليه فكأنما ماله لسيده
فإذا أعتق فكأنما أعتق مال سيده فرد السيد إبطال له ورجوع إلى حالته الأولى فلا يعود وإن زال الحجر، وأما المديان والزوجة فهما مطلقان اليد في أموالهما من التصرف والتنمية وإنما للغرماء والزوج المنع من الإتلاف؛ لأن لهما حقاً في المال فكان ذلك علة لرد العتق فإذا ارتفعت العلة ارتفع الحكم بارتفاعها ووجب نفاذه، وإنما قال ابن القاسم: يعتق في الزوجة بغير قضاء وفي المديان بالقضاء؛ لأن الغرماء ليس حقهم في عين العبد وإنما لهم مال وإنما يتسلطون على العبد بعد عدم المال فردهم إيقاف للنظر؛ هل له مال؟ فإذا وجد المال نفذ العتق والزوج كان حقه في العبد وغيره وليس رده لأمر بيّن فيه، وإنما هو رد فعل لا رد إيقاف فكان أشبه لرد الولي من رد الغرماء ولذلك رأى أشهب أنه كرد الولي وهو قياسي، وكان عند ابن القاسم أضعف من رد الولي؛ إذ للزوجة التصرف في مالها وإتلاف ثلثه، ولا كلام للزوج وكانت أفعالها أقوى من أفعال المولى عليه ورد زوجها أضعف من رد المولى فتوسط أمرها وجعلها تعتق بغير قضاء، وبالله التوفيق. قال ابن المواز: وأما إن حلف المولّى عليه والعبد والمرأة بالعتق فلم يحنثوا حتى ملكوا أنفسهم فحنثوا فذلك يلزمهم.
وفي العتبية قال محمد بن خالد عن ابن القاسم في الصبي والعبد والنصراني يحلفون الآن ثم يحنثون بعد زوال ذلك من احتلام وعتق وإسلام؛ أنه لا شيء عليهم والعبد أشدهم/ فيه؛ لأنه إذا أعتق عبده فلم يعلم سيده حتى أعتقه أن ذلك يلزمه. وقال ابن حبيب قال ابن الماجشون في العبد يحنث بعتق عبده فصمت سيده وقد علم: فإن العبد لا يلزمه عتقهم بصمات سيده وعلمه. ومن المدونة وسئل مالك عن عبد قال: إن اشتريت هذه الأمة فهي حرة ثم أراد شراءها، قال مال: لا يشتريها ونهاه عن ذلك، وأعظم الكراهية فيه، ولم يذكر أن سيده أمر باليمين. م: وإنما كرهه مالك إذ للسيد رد عتقه فيها وتبقى بيده يطؤها وقد حلف بحريتها إن اشتراها، فكذلك لو أمره سيده باليمين ولم يأمره بالشراء وأما لو أمره باليمين فحلف وأذن له في الشراء فاشتراها لعتقت عليه ولم يكن للسيد رد ذلك لعتقه بإذنه. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال العبد: كل مملوك [14/ ب. ص] أملكه إلى ثلاثين سنة فهو حر فأعتقه سيده، ثم ابتاع رقيقاً قبل تمام الأجل فإنهم يعتقون عليه وهذا أبين من الآول ولكن ما ملك من العبيد، وهو في ملك سيده فلا يعتقوا عليه؛ إذ لا يجوز
باب فيمن قال لأمته: أنت حرة إن دخلت هاتين الدارين أو لأمتيه: أنتما حرتان إن دخلتما هذه الدار أو قال ذلك لزوجتيه، وكيف إن قالوا: دخلناها؟
عتق العبد لعبيده إلا بإذن سيده سواء تطوع بعتقهم أو حلف بعتقهم فحنث إلا أن يعتق وهم في يديه فيعتقون، وهذا إذا لم يردّ السيد عتقه حتى عتق [فأم إن ردّه سيد قبل عتقه وبعد حنثه لم يلزمه فيهم عتق، ولزمه بعد عتقه عتق] ما يملك بقية الأجل، وقد قال مالك في أمة حلفت بصدقة مالها ألا تكلم أختها فكلمتها: إن عليها صدقة ثلث مالها ذلك بعد عتقها. قال ابن القاسم: وهذا إذا لم يردّ سيدها ذلك حتى عتقت. باب فيمن قال لأمته: أنت حرة إن دخلت هاتين الدارين أو لأمتيه: أنتما حرتان إن دخلتما هذه الدار أو قال ذلك لزوجتيه، وكيف إن قالوا: دخلناها؟ قال مالك رحمه الله: ومن قال لأمته: إن دخلت هاتين الدارين فأنت حرة فدخلت إحدى الدارين حنث وعتقت عليه، وإن قال: لأمتيه إن دخلتما هذه الدار فأنتما حرتان أو
لزوجتيه فأنتما طالقتان فدخلتها واحدة منهما فلا شيء عليه حتى يدخلا جميعاً، وقاله ابن القاسم وسحنون. وروى عن ابن القاسم: إنه يحنث فيها بدخول إحداهما. وقال أشهب: تعتق الداخلة فقط ولا قول لمن قال: لا يعتقان إلا بدخولهما جميعاً ولا لمن قال: يعتقان جميعاً بدخول واحدة. م: فوجه قول ابن القاسم الأول: كأنه إنما كره اجتماعهما فيه لوجه ما وعلى هذا أوقعت يمينه فلا شيء عليه بدخول الواحدة. م: ووجه الثاني: أنه رأى قوله: إن دخلتما يقع على دخولهما مفترقتين ومجتمعتين، ثم قال: فأنتما حرتان؛ فكأنه قال لإحداهما: إن دخل هذه الدار فأنتما
حرتان، ثم قال كذلك للثانية؛ هذا معنى يمينه وإن جمعهما في يمين واحدة فلذلك حنّثه بدخول إحداهما، والله أعلم. م: ووجه قول أشهب كأنه رأى أن المحصول من يمينه أنه حلف على كل واحدة بحريتها إن دخلت هذه الدار وأن أجملهما في يمين واحدة، فإذا دخلت واحدة عتقت وكذلك الحكم في الزوجات. ومن المدونة قال مال: ومن قال لعبده: أنت حر إن دخلت هذه الدار أو لزوجته أنت طالق [إن دخلت هذه الدار] فقالت المرأة والعبد بعد ذلك: قد دخلناها؛ فإنه يؤمر فيما بينه وبين الله بفرق زوجته وعتق غلامه [15/ أ. ص]؛ لأنه قد صار في حال الشك في البر والحنث، وأما في القضاء فلا يجبر على طلاق ولا عتق، قال في كتاب الطلاق: ولو صدقها أو لا؛ لزمه الفراق بالقضاء وإن رجعت عن إقرارها.
وقال في كتاب العتق: وكذلك لو قال لهما إن كنتما دخلتما هذه الدار فأنت حرة وأنت طالق فقالاً: قد دخلناها فذلك سواء؛ أقرّا أو لم يقرّا؛ لا يعتق العبد ولا تطلق المرأة بقضاء؛ لأن الزوج والسيد لا يعلم صدق ذلك بقولهما فيؤمر بأن يطلق أو يعتق فيما بينه وبين الله تعالى لا بالقضاء/، وكذلك إن قال لأمته: أنت حرة إن كنت تبغضيني، فقالت: أنا أحبك، أو قال لها: أنت حرة إن كنت تحبيني، فقالت: أنا أبغضك، فإنه ينبغي له أن يعتقها إذ لا يدري أصَدَقَتْه أم لا ولا يقضي عليه. قال في المجموعة: وكذلك إن قال لعبده: إن كنت تبغضني فأنت حر. فقال العبد: أنا أبغضك. قال في كتاب الطلاق: وإن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً إن كنت تحبين فراقي، فقالت: أنا أحبه، ثم قالت: كنت كاذبة أو لاعبة؛ فليفارقها ولا يقيم عليها، وإن قال لها: إن كنت تبغضيني فأنت طالق، فقالت: لا أبغضك فلا يُجبر على فراقها ولكن يُؤمر به.
باب فيمن ملك عبده العتق أو ملكه أجنبيا
قال في كتاب العتق: وكذلك إن كان فلان يبغضني فعليّ المشي إلى بيت الله، فقال فلان: أنا أحبك فعليه أن يمشي. وقد قال مالك فيمن سأل امرأته عن خبر؟ فقال لها: أنت طالق إن كتمتيني أن إن لم تصدقيني: فأخبرته، وقالت: قد صدقتك ولم أكتمك، ولا يدري أكتمته ذلك أم صدَقته فإنه يفارقها. قال ابن القاسم: وكذلك مسائلك هذه كلها وما أشبهها فلا يقضى عليه فيها بحرية ولا طلاق ولكن يؤمر بذلك ولا يُجبر. باب فيمن ملك عبده العتق أو ملّكه أجنبياً قال ابن القاسم: ومن ملّك عبده العتق فقال له: أعتق نفسك في مجلسك هذا أو فوّض ذلك إليه، فقال العبد: اخترت نفسي، فإن قال العبد: نويت بذلك العتق صدق وعتق؛ لأن هذا من أحرف العتق، وإن لم يرد به العتق فلا عتق له. وقال غيره: إذا قال لعبده: عتقك في يديك، أو قال له: أمرك في يديك في العتق فقال العبد: اخترت نفسي، أنه حر؛ وإن زعم أنه لم يرد بذلك العتق، كما يكون ذلك في المملكة طلاقاً وإن لم ترده.
م: وحكي عن بعض فقهائنا القرويين أن الفرق عند ابن القاسم بين قول العبد: اخترت نفسي وبين قول المملكة: اخترت نفسي، أن الزوج إنما ملكها في أن تقيم أو تفارق، والفراق لا يكون إلا بطلاق، فإذا قالت: اخترت نفسي؛ علمنا أنها أرادت الطلاق، وأما العبد فيمكن أن يختار لنفسه البيع؛ لأنا وجدناه يفارق سيده ويخرج من يده بألوان شتى من البيع [15/ ب. ص] والهبة والصدقة فلا يكون قوله اخترت نفسي عتقاً حتى يريده، وأما الزوجة فلا تخرج من عصمته إلا بالطلاق فهذا مفترق. وقال غيره: إنما فرّق بينهما؛ لأن العبد إنما ملكه عتقه صراحاً فأجاب بغير صريح العتق فلا يكون عتقاً حتى يريده، ولو أجابة بصريح العتق مثل أن يقول: قبلت عتقي، وأعتقت نفسي، كان قد أظهر لنا أنه قَبِل ما جُعل إليه ويكون حينئذ عتقاً
كالمخيرة التي أجابت ما جعل لها فلما عدل العبد أن يجيب بصريح العتق وأتى بلفظ محتمل كان كالمخيرة تقول: قبلت أمري؛ أنها تُسأل عما أرادت. م: وهذا كله استئناس ألا ترى أن المخيرة إذا قالت: قبلت نفسي أنها تطلق وإن أجابت بغير ما جعل إليها، وإنما فرّق بينهما؛ لأن هذه الألفاظ إنما وردت في تخيير النساء فقيس العتق عليها فكان أضعف رتبة مما ورد فيه النص والله أعلم، ومع ذلك فقول أشهب أقيس وأحوط للعتق وبه أقول. قال ابن المواز عن ابن القاسم: وإن قال العبد: قد اخترت أمري أو قبلت أمري، ونوى العتق فذلك له وإن لم ينوه، قيل له: ذلك بيدك إن شئت فأعتق نفسك أو دع. ومن المدونة: وإن قال العبد: أنا أدخل الدار - محمد: أو أسافر - وقال: أردت بذلك العتق؛ فلا عتق له إذ ليس هذا من حروف العتق. ولو قال السيد لعبده: أدخل الدار؛ يريد بلفظه ذلك العتق لزمه.
والفرق بينهما: أن العبد مدع للعتق إذ أجاب بغير حروفه والسيد مصدّق؛ لأنه مقر على نفسه بالعبد بخلافه، وهو كالمرأة تقول في التمليك: أنا أدخل بيتي/ ثم تدعي بعد ذلك أنها أرادت به الطلاق فلا يقبل قولها، ثم ليس للمرأة والعبد بعد ذلك خيار؛ لأنهما قد تركا ما جعل لهما حين أجابا بغير طلاق، ولا عتاق وهو بخلاف السكوت الذي يترقب فيه الجواب. ابن المواز وقال أشهب: لهما ذلك ما داما في المجلس، وقولهما الأول كالسكوت، ولا شيء لهما بعد التفرق. وقال غير ابن القاسم في المدونة: إذا قال العبد: أنا أدخل الدار أو أذهب أو أخرج لم يكن هذا عتقاً إلا أن يريد بذلك العتق فيعتق؛ لأنه كلام يشبه أن يراد به العتق.
قال محمد: وقول ابن القاسم أصوب وقاله عبد الملك. م: ظاهر كلام محمد أن قول الغير كله خلاف قول ابن القاسم فلم يتكلم على قول العبد: أنا أخرج أو أذهب، والذي يدل عليه الكتاب أنه لا يخالف الغير في ذلك، دليله: قوله فيمن قال لرجل أعتق جاريتي: فقال لها ذلك الرجل: اذهبي، وقال: أدرت بذلك العتق [16/ أ. ص] بأنها تعتق؛ لأنه من حروف العتق، وإن قال: لم أرد بذلك العتق صدّق فكذلك هذا. ومن المدونة قال ابن القاسم: والقول فيمن ملّك عبده أو أمته العتق كالقول تمليك الزوجة؛ إن ذلك في يد الأمة والعبد ما لم يفترقا من المجلس فإن تفرقا أو طال المجلس بهما حتى أنهما قد تركا ذلك أو خرجا من الذي كانا فيه إلى كلامٍ غيره
أنه تركٌ لما كان فيه بطل ما جعل في أيديهما من ذلك وهذا أول قول مالك، وبه أخذ ابن القاسم، وعليه جماعة الناس، ثم رجع مالك فقال: لها ذلك وإن قامت من المجلس ما لم توقف أو تتركه يطؤها أو يباشرها أو يتلذذ منها طائعة فيزول ما بيدا. وكذلك قال في العتق. وسئل ابن القاسم في باب بعد هذا فيمن قال لأمته: أنت حرة إن هويت أو رضيت أو شئت أو أردت، حتى متى يكون ذلك لها؟ [فقال: ذلك لها]، وإن قاما من مجلسهما مثل التمليك في المرأة ما لم تمكنه من وطء أو مباشرة أو تلذذ منها أو توقف الجارية لتختار حريتها أو تترك [إلا أن يكون شيئاً فوّضه إليها. م: يريد: مثل هذا الذي تقدم كأنه] قال: وأما أنا فلا أرى لها في التمليك بعد افتراق المجلس شيئاً إلا أن يكون شيئاً فوضه إليها مثل قوله: أنت حرة إن هويت أو شئت فذلك لها وإن قاما من المجلس، وكذلك قال في كتاب التمليك ففرّق بين المبهم وهو قوله: أمرك بيدك وبين قوله: أنت طالق إن شئت أو إذا شئت فجعل لها
القضاء في التمليك ما دامت في المجلس وجعل لها في إذا شئت وإن شئت وإن افترقا من المجلس وقال: لأنه تفويض فوضه إليها. فصل وقال ابن القاسم [في باب بعد هذا]: ومن أمر رجلين بعتق عبده فأعتقه أحدهما فإن فوّض ذلك إليهما لم يعتق العبد حتى يجتمعا وإن جعلهما رسولين عتق بذلك، وكذلك إن أمر رجلين يطلقان زوجته الجواب واحد. قال أشهب وغيره من كبار أصحاب مالك: وكذلك لو ملّك أمته مع أجنبي عتقها، أو ملّك ذلك لرجلين سواهما، فلا تعتق حتى يجتمعا على العتق؛ لأن إلى كل واحد منهما ما إلى صاحبه فإن وطأها بإذن أحدهما انتقض الأمر الذي جعله لهما. م: يريد وإن لم يكن برضا أحدهما فلا ينتقض ما بأيديهما من ذلك إلا أن يطأها بعلمهما ورضاهما.
باب ما يلزم من ألفاظ العتق وما لا يلزم، ومن أعتق عضوا من عبده
باب ما يلزم من ألفاظ العتق وما لا يلزم، ومن أعتق عضواً من عبده قال مالك: ومن قال لزوجته أو لأمته: ادخلي الدار وهو يريد بلفظه [16/ ب. ص] ذلك حرية الأمة وطلاق الزوجة؛ لزمه ذلك، وإن أراد أن يقول لزوجته: أنت طالق أو لأمته أنت حرة فزل لسانه فقال لها: ادخلي الدار أو نحوه؛ لم يلزمه شيء حتى ينوي أن الأمة حرة والزوجة طالق بما تلفظ به من القول قبل أن يتكلم به فيلزمه، وإن لم يكن ذلك الكلام من حروف الطلاق والحرية. [وقال أبو إسحاق: لأنه لم يرد الطلاق بالنية؛ فيلزمه على مذهب من ألزم الطلاق بالنية ولا نصيرها لفظا به الطلاق. واختلف فيمن أراد أن يقول: ادخلي الدار فالآن أنت حرة وأنت طالق؛ فقيل: يلزمه، ولا يعذر بالغلط، وقيل: لا يلزمه ذلك، وكذلك] إن قال لجاريته: أنت برية أو خلية أو بائن أو باتة، أو قال لها: كلي/ أو اشربي أو تقنعي أو اعزبي، يريد بذلك
اللفظ الحرية؛ فهي حرة. وقد تقدمت مسألة من قال لرجل: أعتق جاريتي، فقال لها ذلك الرجل: اذهبي، يريد به العتق أنها تعتق؛ لأنه من حروف العتق.
فصل قال مالك: ومن قال لعبده: يدك حرة أو رجلك حرة؛ عتق عليه جميعه، كما لو طلق عضواً من امرأته فإنها تطلق عليه. قال ابن القاسم: وكذلك إن شهدتعليه بذلك بنية وهو يجحد؛ فإنه يعتق عليه. قال ربيعة: ومن قال في أمته: أشهدكم أن ما ولدته فهو حر، أو قال: رحمها حر، فقال: أما قوله: كلما ولدته فهو حر فما ولدت بعد قوله فعسى أن يعتق، وإن مات الرجل، أو باعها، انقطع ذلك الشرط واسترقت هي وما تلد؛ لأن قوله ذلك لها لا يحرّم بيعها ولا ميراثها؛ لأنه لم يعتق شيئاً رقه يومئذ بيده، ولا ما يكون العتاقة في مثله، وأما قوله: رحمها حر؛ فهي حرة كلها. ابن حبيب قال أصبغ: إن كان محمل ذلك على الولد إن ما يخرج من رحمها حر فلا حرية لها، وإن أراد الرحم فهي حرة.
فصل ومن المدونة قال مالك: وإن قال لعبده: أنت حر اليوم؛ عتق للأبد، وكذلك قال ابن حبيب عن ابن الماجشون فيمن قال لعبده: أنت حر شهراً، وقال: لم أرد عتقاً وإنما أردت أن أمهله شهراً فلا يُنوى ويعتق عليه. قال ابن سحنون عن أبيه: ولو قال له: قد وهبتك اليوم نفسه فهو حر. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قال لعبده: أنت حر اليوم من هذا العمل، وقال: إنما أردت أن أعتقه من هذا العمل، ولم أرد الحرية، صُدّق مع يمينه ولا يكون حراً. ابن المواز: وكذلك من قال لرجل: أعنِّي بعبدك اليوم، فقال: هو اليوم حر، وهو يوم بطالته؛ وأراد أنه حر من العمل في يومه حلف ولا شيء عليه. وقال [17/ أ. ص] أشهب في كتاب ابن المواز: ثم له أن يستعمله في ذلك العمل بعينه يومه ذلك؛ لأن قوله لا يلزمه إذا حلف؛ أنه أراد أن العبد رقيق في كل شيء إلا من ذلك العمل.
قال سحنون في كتاب ابنه: فيمن قال لرجل يساوم في عبد له: إن عبدك يزعم أنه حر فقال ربه: إنه زعم ذلك فهو صادق، فسُئل العبد فقال: نعم أنا حر؛ فقال السيد: إنما وثقت به وظننت أنه يقول الحق فلا حرية للعبد كقول مالك فيمن رضي بشهادة رجل فشهد عليه ثم رجع. قال محمد: وكان الغلام ينسب إلى صلاح وحسن حال. وفي العتبية روى عيسى عن ابن القاسم وذكره ابن المواز: فيمن سئل عن أم ولده فقال: ما هي إلا حرة، فلا شيء عليه إن لم يرد العتق، ومن قيل له: من رب هذا العبد؟ فقال: ما له رب إلا الله، أو قيل له: أمملوك هذا؟ قال: لا. أو قيل له: ألك هو؟ فقال: ما هو لي. فلا شيء عليه في ذلك كله؛ كمن قيل له: ألك امرأة؟ أو هذه امرأتك؟ فقال: لا؛ فلا شيء عليه في ذلك إن لم يرد طلاقاً. قال عيسى: ويحلف فيه وفي العتق. قال ابن المواز قال ابن القاسم: وإن شتم عبد حراً فاستعدى عليه الحر سيده فقال: هو حر مثلك قال: أراه حراً.
قال سحنون في كتاب ابنه: وإن قال لعبده: قد تصدقت عليك بخراجك وبعملك أو بخدمتك ما عشت أنا، فليس له منه إلا حياة السيد [ولا يكون حراً. م: ولو قال: ما عشت أنت] فهو حر مكانه. قال: ولو قال: تصدقت عليك بخراجك أو بعملك أو بخدمتك وأنت من بعدي حر؛ فهو كأم الولد، وقاله مالك. قال سحنون ولو قال: تصدقت عليك بعملك أو خراجك أو خدمتك ولم يزد على ذلك؛ فهو حر مكانه. محمد: وقاله ابن القاسم وأصبغ. فصل ومن المدونة قال مالك: ومن عجب من عمل غلامه أو من شيء رآه منه فقال: ما أنت إلا حر، أو قال له: تعال يا حر، ولم يرد بشيء من هذا الحرية إنما أراد أنك تعصيني فأنت في معصيتك إياي كالحر فلا شيء عليه في الفتيا ولا في القضاء/.
وقال مالك: في المرأة تقول لجاريتها: يا حرة، والرجل يقول لعبده: يا حر؛ إنما أنت حر على وجه أنك لا تطيعني فليس هذا بشيء. قال مالك" في عبد طبخ لسيده فأعجبه طبخه، فقال: إنك حر، فلا يلزمه بهذا حرية؛ لأن معنى قوله: أنت حر؛ الفعال أو عملت عمل الأحرار. قال ابن القاسم: وإن قامت للعبد بينة بذلك فلا يعتقه القاضي ولو مر على عاشر فقال في عبده: هو حر ولم يرد بذلك الحرية فلا يعتق عليه فيما بينه وبين الله تعالى؛ فإن [17/ ب. ص] قامت بذلك بينة لم يعتق أيضاً إذا علم أن السيد دفع بذلك القول عن نفسه ظلماً. ومن قال لعبده: أنت حر، أو لامرأته: أنت طالق، وقال: نويت بذلك الكذب لزمه العتق والطلق ولا يُنوى وإنما النية فيما له وجه فيما وصفنا من أمر العاشر ونحوه. ومن قال لعبده ابتداء: لا سبيل عليك أو لا ملك لي عليك؛ [عتق عليه] فإن علم أنه جواب لكلام كان قبله صُدِّق في أنه لم يرد بذك عتقاً ولا يلزمه
عتق، ومن قال لأمته: هذه أختي أو في عبده: هذا أخي؛ فلا شيء عليه إن لم يرد به عتقاً. قال مالك: وإن قال لعبده: قد وهبت لك عتقك أو تصدقت عليك بعتقك فهو حر. وقال غيره: إذا وهبه فقد وجب العتق ولا ينتظر في هذا قبوله مثل الطلاق إذا وهبها إياه فقد وهبها ما كان يملك منها. قال مالك: ومن وهب لعبده نصفه: فهو حر كله. قال ابن القاسم: وولاؤه كله لسيده، وكذلك إذا أخذ منه دنانير على عتق نصفه أو على بيع نصفه من نفسه فجميع العبد حر. وقد قال مالك في عبد بين رجلين أعتقه أحدهما على مال أخذه من العبد أنه ينظر في ذلك فإن أراد وجه العتاقة عتق كله وغرم حصة شريكه. قال ابن القاسم: ويرد المال إلى العبد ولا يكون له منه شيء؛ لأن من أعتق عبداً بينه وبين آخر واستثنى شيئاً من ماله لزمه عتق العبد كله [ورد ما استثنى من المال إلى العبد].
قال مالك: وإن علم أنه أراد وجه الكتابة فسخ ما صنع ورجع العبد بينهما وأعطى نصف المال لشريكه. ابن المواز قال أصبغ: وهو أبدا على العتق إذا أشكل حتى يظهر أنه على الكتابة. ابن حبيب: وقاله مطرف وابن الماجشون قالا: ويقوّم على المعتق بما له ويكون ما أخذ من العبد في إعتاقه له دون صاحبه ولا يرد إلى العبد؛ لأنه أعطاه إياه تطوعاً وبه أعتق إلا أن يكون معسراً ليس ممن يقوّم عليه نصيب صاحبه لعسره فيرد إلى العبد ما أخذ منه ويبقى بيده. وقد اختلف قول ابن القاسم في ذلك فقال مرة: يرد المال إلى العبد مثل ما في المدونة، وقال أيضاً: يرجع ذلك بينه وبين شريكه ولا يرد إلى العبد؛ لأنه أعطاه إياه تطوعاً وبه قال أصبغ. ويقول ابن الماجشون أخذ ابن حبيب.
ابن المواز وروى أشهب عن مالك: أنه إذا قاطعه بغير إذن شريكه ردّ ما أخذ وعاد العبد رقيقاً، قيل: إنه ليس بمكاتب. قال: وإن مات فلا تقويم عليه. م: ولا خلاف بينهما إذا أراد وجه العتاقة [أو وجه الكتابة أنه يكون كما أراد، واختلف إذا أراد وجه العتاقة] لمن يكون ماله فقيل: يكون للعبد، وقيل: للذي أعتق، وقيل: يكون بين السيدين. وأما إن لم تكن له نية فقيل: [18/ أ. ص] إنه محمول على العتاقة، وقيل: بل على الكتابة. ابن المواز قال أشهب: ولو أعتق أحدهما شقصه واستثنى ما له فليس له ذلك وليرد إلى العبد، وكذلك لو أعتق الآخر بعده واستثنى ماله عتق عليهما ورد المال إلى العبد وقاله مالك وقاله سحنون. ابن حبيب: وقاله مطرف وابن الماجشون وابن القاسم. قال مطرف وابن الماجشون: وسواء كان الأول معسراً أو موسراً.
باب جامع القول في الاستثناء في العتق وغيره
باب جامع القول في الاستثناء في العتق وغيره م: وأجمعوا أن الاستثناء بمشيئة الله عز وجل في عتق ولا طلاق؛ لأن الله تعالى ألزم الطلاق لموجبه على نفسه بقول: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}. وقال الرسول عليه السلام:» من نذر أن يطيع الله فليطعه «. والعتق من ذلك؛ فإن ألزم ذلك رجل نفسه لزمه، فإذا استثنى مشيئة الله فيه فقد أظهر ما حلف عليه وغاب عنا مشيئة الله، إلا أن يظن أن الله لم يشأ عتقه، فلا يحكم في الدين بظن، وإذا استوى الأمر في علم المشيئة غلبنا العتق لحرمته والطلاق للشك فيه، فنحن إذا ألزمناه ما حلف عليه علمنا أن الله شاء ذلك، وأما إن استثنى مشيئة نفسه أو مشيئة غيره فلذلك له؛ إذ لا
يغيب عنا علم المشيئة، وكذلك إن استثنى من العدد فهو جائز؛ لأنه شائع في الكلام قال الله تعالى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا}. ومن المدونة قال مالك: وإذا قال: عبيدي أحرار إلا فلان أو نسائي طوالق إلا فلانة فذلك له، لو قال: إن شاء الله لم ينفعه استثناؤه ولزمه العتق والطلاق. وقال أشهب. قال مالك: ومن قال: غلامي حرٌّ إن كلمت فلاناً إلا أن يبدو لي، أو إلا أن أرى غير ذلك فذلك له، ولو قال: غلامي حر إن كلمت فلاناً إلا أن يشاء الله لم ينفعه ذلك. ابن المواز: وسواء صرف الاستثناء إلى العتق أو إلى الفعل. [قال ابن الماجشون وغيره: إن صرف الاستثناء إلى الفعل برّ، وإن صرفه إلى العتق لم ينفعه، وكذلك الطلاق. م: وقول ابن الماجشون أبين.
ومن المدونة قال مالك: وإن قال لامرأته: أنت طالق إن أكلت معي شهراً إلا أن أرى غير ذلك، فقعدت بعد ذلك لتأكل معه فنهاها ثم أذن لها فأكلت؛ فإن كان هذا الذي أراد وهو مخرج يمينه ورأى ذلك فلا شيء عليه. قال ابن القاسم: وإن قال لها: أنت طالق إن شئت أنا أو شاء فلان لم تطلق حتى ينظر إلى ما شاء هو أو ما شاء فلان، ولو قال: إن شاء الله لم ينفعه ثنيّاه وطلقت عليه مكانها، وليس ما جعل من المشيئة إليه أو إلى أحد من العباد ممن يشاء أو لا يشاء مثل مشيئة الله تعالى؛ إذ لا يصل إلى علم مشيئة الله فيلزمه ما ألزم نفسه [18/ ب. ص] وكثير من هذا المعنى في النذور.
باب فيمن دعا عبدا باسمه ليعتقه فأجابه غيره
باب فيمن دعا عبداً باسمه ليعتقه فأجابه غيره وفي العبد بين الرجلين يحلف أحدهما بحريته إنه فعل كذا، ويحلف الآخر أنه لم يفعله قال ابن القاسم: ومن دعا عبده ناصحاً فأجابه مرزوق فقال له: أنت حر يظنه ناصحاً؛ فإن قامت بذلك بينة عتقا جميعاً بالقضاء: مرزوقٌ بما شهدت له البينة، وناصحٌ بإقراره ونيته في لفظه. وأما فيما بينه وبين الله تعالى فلا يعتق إلا ناصح إن لم تكن له بينة. وقال أشهب: يعتق مرزوق في القضاء والفتيا، ولا عتق لناصح لأن الله حَرَمَهُ. وقال أصبغ: يعتقان جميعاً في القضاء والفتيا، كمن أوقع الطلاق على إحدى امرأتيه بظنها الأخرى فيطلقان جميعاً.
وقال ابن سحنون: وقيل: لا يعتق واحد منهما. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كانا عبد بين رجلين فقال أحدهما: إن كان دخل المسجد أمس فهو حر، وقال الآخر: إن لم يكن دخل المسجد أمس فهو حر؛ فإن ادعيا علم ما حلفا عليه دُيِّنَا في ذلك. ابن المواز قال أشهب: وكل واحد يدعي القيمة على صاحبه ويحلف كل واحد منهما على علمه والله حسيبه. ومن المدونة: وإن قالا: ما نوقن أدخل أم لا؟ وإنما حلفنا ظناً فينبغي أن يعتق عليهما بغير قضاء ولا يسترقاه بالشك. وقال أشهب: بل يجبران على عتقه، وقد قال عبد الله بن عمر: يفرّق بالشك ولا يجمع به. م: اختلف قول ابن القاسم في الكتاب الثاني في أحد الشريكين يشهد أن شريكه/ في العبد أعتق حصته: فقال مرة هو وغيره: لا يعتق منه شيء سواء كان المشهود عليه موسراً أو معسراً.
وقال ابن القاسم أيضاً: إذا كان المشهود عليه موسراً فنصيب الشاهد حر؛ لأنه أقرّ أن ماله على المعتق قيمة؛ فينبغي على هذا القول أن ينظر: فإن كان الحالفان موسرين فليعتق عليهما إذا ادعيا اليقين؛ لأن كل واحد منهما مقر أن صاحبه حنث في العبد وإنما له عليه قيمة، وإن كان أحدهما موسراً عتق نصيب المعسر؛ لأنه مقر أنه إنما له على صاحبه قيمة. وذكر أشهب هذا القول الذي حكى في كتاب ابن المواز في مسألة الدين حلفاً وأعابه وخطأه، وقال: لا يعتق مصابة من لم يعتق أبداً إلا بعد القيمة وقبضها فإذا أعدم المتعق أو مات قبل ذلك لم يعتق فكذلك إذا جحد حتى منعنا من التقويم عليه؛ فلا حرية فيها، وهذا كالمتمتع لا يجد ثمن الهدي وله على رجل حاضر [19/ أ. ص] موسر مال فجحده فإنه يسقط عنه بذلك الهدي، [فكذلك هذا سواء].
باب في العتق بالسهم وما يجوز منه وما لا يجوز
باب في العتق بالسهم وما يجوز منه وما لا يجوز قال سحنون في كتاب ابنه لم يختلف العلماء: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق بالسهم ولذلك أصلٌ في كتاب الله سبحانه وهو قوله: {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} وقال في يونس {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ}. وقد روى مالك وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم بين الستة الأعبد الذين أعتقهم رجل عند موته ولا يملك غيرهم فأعتق ثلثهم وحكم بذلك في المدينة، قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت. واختلف في عتق ذلك الرجل فقيل: بتلهم، وقيل: أوصى بعتقهم، فنحن نستعمل القرعة فيما جاء فيه الخبر؛ من العتق في المرض، أو الوصية به عند ضيق الثلث، أو عتق جزء أو عدد من جملة عبيد. قال: ولا يسهم بين المدبرين في الصحة لأنا لا نعدوا ما جاء فيه الخبر من
القرعة في عتق المريض إذا كانت رخصة لا يقاس عليها كما لا يقاس على المسح على الخفين. وقال المغيرة: لا يقاس على العتق بالسهم ويعمل به فيما جاء، فأما في عتق الصحة فلا. وقال المغيرة: وإنما القرعة فيمن أعتق عبيداً عند موته ولا مال له غيرهم فليتبع فيه الحديث وليس هذا مما يقاس عليه. قال: ولو قال في وصيته أحد عبيدي حر وهم خمسة أعتق خمس كل واحد منهم. قال سحنون: ضارع المغيرة قول العراقيين. ابن المواز وقال أصبغ وأبو زيد والحارث: في المبتلين في المرض لا يحملهم الثلث: فليعتق من كل واحد منهم بغير مهم وإنما جاءت السنة بالسهم في الوصية. قال سحنون: ويفترق عندنا إذا سمى وإذا لم يسم؛ فإذا سمى فقال: ميمون ومرزوق حران؛ فليتحاصان في ضيق الثلث. وإن قال: عبديَّ حران أو قال: غلماني أحرار؛ أقرع بينهم.
وكذلك قال ابن المواز إذا قال: عبدَيَّ فلان وفلان حر وفلان حر حتى أتم جميعهم فهؤلاء يتحاصون في الثلث بلا سهم. قال أشهب: وقد قيل: يقرع بينهم. وكذلك قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: سواء سماهم أو لم يسمهم أنه يقرع بينهم. م: فوجه الحصاص: فلأنه لما سماهم فكأنه أراد شروع العتق في جميعهم ولولا ذلك لاختص فقال: عبيدي فلا بد أن يكون للتسمية فائدة. م: ووجه القرعة: فلأن قوله: فلان وفلان كقوله: عبدَاي لا زيادة معنى فيه فوجب أن يستويا. م: [19/ ب. ص] فصار إذا بتل عتق عبيده أو أوصى بعتقهم [وقد سمّى أو لم يسمِّ] ولم يحملهم الثلث؛ ففي كل وجه قولان: قيل: يقرع بينهم، وقيل: يتحاصون.
ومن كتاب ابن المواز قال مالك: ومما يكون فيه السهم في الصحة أن يعتق/ نصف رقيقة أو جزءاً يسميه كان ذلك في الصحة أو في الصحة أو في وصية سواء في إقامة السهم فَيُعتقُ من خرج إلى مبلغ قيمة الجزء الذي سمى فإن فضل من قيمة نصفهم أو الجزء الذي سمى فضلة حتى يقع ذلك في بعض عبد؛ فإن كان في وصية رقّ باقية وإن كان في صحته استتم عتق ما بقي منه. قال ابن المواز: وأما إن قال: أنصاف رقيقي أو أثلاثُهم فلا يُسهم في ذلك في الصحة ولا في الوصية، ولكن يعتق منهم الجزء الذي سمى من كل رأس إن حمل ذلك الثلث في الوصية، وأما في الصحة فيعتق ذلك ويستتم عليه باقيهم. وقال ابن الكاتب في القائل في مرضه: أثلاث رقيقي حر، هذا لم يرد تكميل عتق أحدهم ولا تمام حريته، وأما الموصي بعتق ثلثهم أو جميعهم والثلث لا
يحملهم؛ فهذا أراد تكميل العتق وتمام الحرية، فوجب تمييزهم بالقرعة ليحصل له مراده؛ لأنا متى لم نفعل ذلك وجعلنا العتق مشاعاً لم نستفد بذلك العتق حكماً من أحكام الحرية؛ لأن أحكام المعتق بعضه أحكام العبد، والذي أعتق جميع عبيده ولا يحملهم ثلثه فقد علمنا أراد تكميل الحرية فيهم وتمام حريتهم وليس كذلك من أوصى بثلث عبيده لرجل أنه يكون شريكاً؛ لأن الموصي إنما أقام الموصى له مقامه والحرية تنافي الرق، ويجب استئناف حكم لها، وحرمة العبيد وأحكامهم سواء شاعت حصة الموصى له أو انفردت. ومن المدونة قال مالك: ومن أوصى بعتق عبيده أو بتل عتقهم في مرضه ثم مات؛ عتق جميعهم إن حملهم الثلث، وإن لم يحملهم الثلث عتق منهم مبلغه بالسهم، فإن لم يدع غيرهم عتق ثلثهم بالسهم.
وإن قال: ثلث رقيقي أحرار أو نصفهم أو ثلثيهم عتق منهم ما سمى بالقرعة إن حمل الثلث وإلا فما حمل الثلث مما سمى. وإن قال في مرضه: عشرة من رقيقي أحرار وهم ستون؛ عتق سدسهم أخرج السهم أكثر من عشرة أو أقل، ولو هلك عبيده إلا عشرة لعتقوا إن حملهم الثلث وإن كثرت قيمتهم، فإن لم يحملهم الثلث عتق منهم مبلغه بالقرعة ورقّ ما بقي، وإن بقي منهم أحد عشر عتق منهم عشرة أجزاء من أحد عشر جزءاً بالسهم إن حمل ذلك الثلث، وإن بقي منهم عشرون عتق نصفهم بالقرعة في الثلث وإن بقي ثلاثون [20/ أ. ص] عتق ثلثهم تجعل أبداً ما مات كأنه لم يكن منهم وينسب ما سمى مما بقي، وهذا كله قول مالك، والقرعة بين العبيد إنما هي على قيمتهم ولو سمى جزءاً فقال: سدسهم لم يعتق إلا سدس من بقي بالسهم ولو بقي واحد عتق سدسه. وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: سواء سمى جزءاً أو عدداً فإنما يعتق ممن بقي جزء ما كان يعتق من الجميع، مثل: أن يوصي بعتق خمسة وهم ثلاثون فيهلكون إلا خمسة فإنما يعتق سدس الخمسة، وقاله ابن كنانة. وقال مطرف مثل قول ابن القاسم. [قال أبو إسحاق: وعلى مذهب عبد الملك أن التسمية لغو وكأنه أراد سدسهم لم يبق إلا واحد لم يعتق إلا سدسه، وعلى هذا: لو ولدوا لم يكن إلا سدسهم وعلى المعروف من
قول ابن القاسم ينبغي أن يكون يضرب بالسهم دون الأودلاد فمن خرج من الأمهات تبعه ولده]. ومن المدونة: ولو قال: رأس من عبيدي حر ولم يعينه فبالسهم يعتق منهم إن كانوا خمسة يوم يقوموا عتق خمسهم أو ستة فسدسهم أخرج السهم لذلك أقل من واحد أو أكثر. ابن المواز قال أشهب: ولو قيل: يعتق من كل رأس سدسه لجاز، وأحب إلى أن يعتق سدس قيمتهم، خرج لذلك رأس أو بعض رأس. محمد: وهو قول مالك وأصحابه. قال أشهب: ولو أوصى بذلك عن عتق رقبة لزمته في ظهار أو قتل نفس خطأ فليس كالأول قد يقع لذلك بعض رأس في السهم ولم يرد ذلك، ولكن استحسن في هذا أن ينظر إلى كل ما يجوز في الرقاب الواجبة منهم، فليسهم بينهم فيمن خرج له السهم عتق كله ولا عتق لمن بقي.
ابن حبيب وروى مطرف عن مالك: فيمن قال عند موته: رأس من رقيقي أو أحد عبيدي حر، وهم ثلاثة، فأقرع بينهم، فخرج أحدهم وهو أكثر من ثلث قيمتهم، فإنه يعتق/ كله إن حمله الثلث، وأخذ به مطرف. وقال: هو قول ابن أبي حازم. ابن حبيب: وأصحاب مالك كلهم على خلافه. م: وأما الصحيح يقول: من رأس رقيقي حر فليختر منهم واحداً فيعتقه فإن مات قبل أن يفعل فورثته بمثابته في اختيار أحدهم ويكون من رأس ماله، وقد تقدم الاختلاف في هذا. ومن المدونة قال مالك: وإذا انقسم العبيد على الجزء الذي يعتق منهم جزأتهم بالقيمة وأسهمت بينهم وأعتقت ما أخرجه السهم. قال ابن حبيب: وتفسير ذلك أنه إذا قال: عبيدي أحرار ولم يدع غيرهم فانقسموا على ثلاثة أجزاء معتدلة جزأتهم كذلك وكتبت [20/ ب. ص] أسماء كل جزء بطاقة،
وتلف كل بطاقة في طين، ويحضر لذلك العدول وتعطى لمن يدخلها في كمه من صغير أو كبير ثم تُخْرج واحد فتفضُّ فيعتق من فيها. وكذلك لو قال: ربع عبيدي أو خمسهم جزأتهم على أربعة أو خمسة، وتصنع كما ذكرنا. قال فيه وفي المدونة: وإن لم ينقسموا على الأجزاء علمت قيمة كل واحد وكتبت اسمه وقيمته في بطاقة - يريد - ثم تلفها في طين ويُعطى لمن يسهم بينهم كما وصفنا أولاً فمن خرج منهم اسمه نظرت: فإن كانت قيمته مبلغ الجزء الذي يعتق منهم، عتق، وإن زادت قيمته عتق منه مبلغه فقط، وإن نقص عتق كله وأعدت السهم لتمام ما بقي من جزء الوصية، فإما يقع لذلك عبد أو بعض عبد.
فصل قال مالك: ومن قال عند موته: أثلاث رقيقي أو أنصافهم أحرار أو ثلث كل رأس [أو نصف كل رأس]؛ عتق من كل واحد منهم ما ذكر، أن حمل ذلك ثلثه ولا يُبدّى بعضهم على بعض. قال ابن القاسم: وإن لم يحمل ذلك ثلثه عتق ما حمل ثلثه مما سمّى بالحصاص من كل واحد بغير سهم، وقال أشهب. م: يريد ولو وسعهم الثلث عتق جميعهم إلا أن تكون وصية. م: ويفترق في هذا الصحة من المرض أو الوصية: فإن قال ذلك صحيح: عتق عليه ثلث كل رأس واستتم عليه ما بقي من كل رأس؛ لأنه مالك لجميع ماله فاستتم عليه فيما يملكه. وإن قاله مريض فمات: عتق أيضاً ما سمى واستتم عليه باقيهم [في ثلثه وإن عاش أتموا من رأس ماله؛ لأنه أوقعه في مال لا يملك إلا ثلثه فاستتم عليه فيه] فإذا عاش صار مالكاً لجميع ماله واستتم عليه فيه.
وإن قاله في وصية: عتق من كل واحد منهم ثلثه فقط. م: لأنه أوقعه في حال صار ماله لورثته فلا يستتم عليه فيه كما لو أعتق شقصا له حينئذ قوّم عليه حصة شريكه فكذلك هذا. وأما إن قال: نصف عبيدي أحرار في الصحة: فقال سحنون: يحلف في قولي لا في قول ابن القاسم إنه لم يرد واحداً بعينه؛ فإذا حلف قيل له: اختر من تعتق حتى تبلغ النصف. وقال ابن القاسم: بالسهم يعتق منهم قدر نصف قيمتهم، فإن وقع تمام النصف في بعض عبد استتم على لاصحيح عتق جميعه، وأما إن قال في مرض أو وصية؛ فذلك سواء، ويعتق نصف قيمتهم بالسهم كما بينا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قاله في صحته إن كلمت فلاناً فرقيقي أحرار؛ فكلمه في مرضه ثم مات؛ عتقوا إن حملهم الثلث أو ما حمل منهم بالسهم، ورقّ ما بقي وهم كالمبتلين في المرض، ولو كانت يمينه لأفعلن كذا فمات ولم يفعله فها هنا يعتقون إن حملهم ثلثه، وإن لم يحملهم عتق مبلغ الثلث [21/ أ. ص] من جميعهم بالحصاص بلا سهم. قال أبو محمد: لأنه كان على حنث يمين في الصحة. قال ابن القاسم: ويدخل معهم كل ولد حدث لهم بعد اليمين من إمائهم فيقوّمون معهم في الثلث وهم كالمدبرين، وقاله مالك في دخول الأولاد معهم. م: واختلف المتأخرون في إن كانت يمينه في المرض فقال: إن لم أفعل كذا فعبيدي أحرار فمات قبل/ أن يفعل هذا: فقال القرويون: إنهم يعتقون بالحصاص كالمدبرين، وقال الصقليون: إنهم كالمبتلين يعتقون بالسهم بخلاف أن لو كانت بيمينه في الصحة. م: وهذا على نحو ما اعتل به الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله من قوله؛ لأنه كان على حنث يمين في الصحة، فدل أن المرض بخلافه، ورجح بعض فقهائنا: القول الأول، والله أعلم.
باب في عتق المديان في صحة أو مرض، وتداينه بعد العتق، ورد عتقه، وبيع من أعتق، وملكه من يعتق عليه، وعتقه ما في بطن أمته، وعتق المريض ومحاباته، وعتق الأب عبيد ابنه
باب في عتق المديان في صحة أو مرض، وتداينه بعد العتق، ورد عتقه، وبيع من أعتق، وملكه من يعتق عليه، وعتقه ما في بطن أمته، وعتق المريض ومحاباته، وعتق الأب عبيد ابنه قال مالك رحمه الله: الأمر الذي لا اختلاف في عندنا: أنه لا يجوز لمن أحاط الدين بماله عتق. ولا هبة ولا صدقة، وإن كانت الديون التي عليه إلى أجل بعيد إلا بإذن غرمائه، ولا يطأ أمة ردّوا عتقه فيها؛ لأن الغرماء إن أجازوا عتقه فيها أو أيسر قبل أن يحدث فيها بيعاً، عتقت، وأما بيعه وشراؤه ورهنه فجائز. قال سحنون في المجموعة: وإن وطأ جارية ردّ الغرماء عتقه فيها، أو وطأ جارية قد أوقفها السلطان فحملت منه؛ إنه إن عُذِر بالجهالة في وطئه إياها بعد العتق لم يكن عليه
شيء وإن لم يُعذر أُدِّب، فإن وضعت ولم يفد مالا بيعت هي، وولدها حر، وكذلك إن وطأها بعد أن أوقفت وقبل العتق فإنها تباع وولدها حر تام الحرية إلا أن يفيد مالاً قبل أن تباع فتكون أم ولد. م: وقال بعض فقهائنا: إن رد الغرماء عتقه فتعدى فوطأها فحملت أنها تباع بعد الوضع. وقال غيره: ولا تباع إلا أن يكون الحكم قد انتزعها منه، وأوقفها للبيع فتعدى فوطأها فحملت فهاهنا تباع. قال بعض فقهائنا: والأول أصوب، وعليه يدل كلام سحنون المتقدم؛ ولأن ضمانها منه في الوجهين أوقفها الغرماء أو السلطان فلما تعدى على الغرماء وأراد الضرر بهم منع من ذلك وبيعت لهم. م: وكذلك عندي لو تشاور الغرماء في تفليسه فقال: أنا أقفها بالولادة وأمنعهم من بيعها وشهد عليه بقوله هذا بينة ثم عمد فأحبلها وغافصهم في ذلك
فإنها تباع بعد الوضع، لأنه أراد إتلاف أموالهم [21/ ب. ص] فوجب أن يحرم ذلك كمنع القاتل الميراث. قال في العتبية: فإن تصدق أو أعتق ثم قام غرماؤه في ذلك بعد حين فإن أقاموا البينة أنه حين تصدق لا وفاء عنده فيما يرون: قال ابن القاسم: فلهم رد ذلك، إذا لم يكونوا علموا بالصدقة، وإن كان في الصدقة فضل على دينهم لم يرد الفضل، وأما العتق فلا يرد إن طال زمانه، ووارث الأحرار وجازت شهادته. ابن المواز: قام مالك: ويرد ما تصدق به وإن طال الزمان إذا قامت البينة أنه تصدق وعليه هذا الدين ولا وفاء له فيما ترى البينة إلا أن يوسر في خلال ذلك فلا يرد، وإن أعدم بعد ذلك قبل قيام الغرماء، وأما العتق فاستحسن ألا يرد بعد طول الزمان إذا لم يقم الغرماء حتى وارث الأحرار وجرت له وعليه حدود وجازت شهادته.
قال ابن القاسم: وذلك إذا طال الزمان جرى مما يجري فيه مجاري الأحرار فيما ذكرنا. قال أصبغ: وذلك في التطاول الذي لعله أتت على السيد فيه أوقات أفاد فيها وفاء الدين وينزل أمر الغرماء على أنهم علموا بطول الزمان فلا يُصدّقوا أنهم لم يعملوا ولو استيقن بشهادة قاطعة أنه لم يزل عديماً متصل العدم مع غيبة الغرماء وعلى غير علمهم لرد عتقه ولو ولد له سبعون ولداً. وقال ابن عبد الحكم: إن قاموا بعد الثلاث سنين أو الأربع وهم في البلد، وقالوا: لم نعلم. فذلك لهم كانوا رجالاً أو نساءً حتى تقوم بينة أنهم علموا، وأما في
أكثر من الأربع فلا يقبل منهم، وإن قال الغريم: علمت بعتقه ولم أعلم أن عليه من الدين ما يغترق ماله، وله مال ظاهر؛ لم ينفعه، والعتق ماض ولا حجة لمن علم في رد شيء من عتقه، وينفذ من عتقه بقدر دين من علم/ من قدر دين من لم يعلم بالحصص. ومن المدونة قال مالك: ومن أعتق في صحته أو دبر أو كاتب وعليه دين وله يومئذ عرض سوى عبده فيه كفاف دينه؛ جاز ذلك كله، فإم لم يقم الغرماء حتى هلك العرض فلا رد لهم لما صنع وإن لم يعلموا به. وإن أعتق عبده وله مال سواه يغترقه الدين ويغترق نصف العبد فلم يقم عليه حتى أعدم لم يبع لغرمائه من العبد إلا ما كان يباع لهم يوم أعتق وذلك نصفه. قال ابن القاسم: والشريك عندي مثله؛ لجواز تدبير حصته من عبد بإذن شريكه. قال فهو إذا أعتق أو دبر وله مال لا يفي بدينه بيع من العبد بما بقي من دينه بعد المال وكان باقيه عتيقاً أو مدبراً، وأما إن كتبه وله مال لا يفي بدينه ردت الكتابة كلها؛ إذ لا
يكاتب بعض عبد وبيع [22/ أ. ص] في الدين إلا أن يكون في الكتابة إن بيعت أو بعضها كفاف للدين أو لقيمة الرقبة؛ فتباع لذلك ولا ترد الكتابة؛ لأنه لا ضرر على الغرماء في شيء من دينهم إذا كان فيما يباع من كتابته وفاء لدينهم، ولا يجوز لأحد الشريكين في عبد إن يكاتب نصيبه بإذن شريكه أو بغير إذنه؛ لأن ذلك ذا داعية إلى عتق النصيب بغير تقويم. قال مال: وأما إن دبّره بإذنه جاز، وإن دبره بغير إذنه قوّم عليه نصيب شريكه ولزمه تدبير جميعه ولا يتقاوياه. قال ابن القاسم: وكانت المقاواة عند مالك ضعيفة ولكنها شيء جرت في كتبه. وفي التدبير إيعاب هذا. ومن كتاب ابن المواز قال مالك: ومن أعتق عبده وله يوم أعتقه مال يفي بنصيب دينه أو أفاده بعد العتق ثم ذهب الآن فلا يرد من العتق إلا بقدر تمام نصف دينه. قال ابن المواز: ولو كان أفاد بعد تلف هذا المال ما يفي بنصف دينه أيضاً فلم يقُم الغرماء حتى ذهب لم يُردّ من العتق شيء وقاله كله ابن القاسم.
قال ابن القاسم: ولو أعتق عبدين معاً وعليه دين مثل نصف قيمتهما فلم يبع منهما شيئاً حتى مات أحدهما فلا يباع الثاني إلا ما كان يباع منه لو لم يمت الآخر، [وكذلك لو اعور أحدهما لم يبع منهما إلا ما كان يباع قبل العور]. قال: ولو أعتق واحداً بعد واحد فإن كان في الآخر كفاف الدين عتق جميع الأول، فإن كانت قيمته أقل من الدين بيع من الأول بقية الدين وعتق ما بقي؛ فإن لم يبع الآخر حتى نقصت قيمة الأول بحوالة سوق أو نقص بدن لم ينظر إلى ذلك وعتق الأول كله أو ما كان يعتق منه يوم العتق. قال ابن المواز: ولو حالت قيمة الآخر بزيادة ثم نقصت بعد ذلك فليحسب للمفلس أرفع قيمة بلغت الآخر. وقاله ابن القاسم وأشهب. قال: ومن أعتق عبده وعليه دين يغترق نصف قيمته يوم العتق؛ لم ينظر إلى ما زاد بعد ذلك أو نقص من القيمة، وينفذ عتق تلك الحصة ولا يرد.
أما في النقص فنعم، أما في الزيادة فينبغي ألا يُباع منه إلا بقدر الدين، ويعتق ما بقي؛ لأن زيادة قيمته كمال أفاده بعد العتق وذلك يزيد في عتقه. وقال ابن حبيب عن أصبغ فيمن عليه تسعمائة دينار، أعتق جارية قيمتها ألف دينار وإن بيع منها للدين [لم يكن في تبعيضها وفاء له وإن بيعت كلها بيعت بأكثر منه قال: تباع كلها ويصنع مما يبقى من ثمنها بعد قضاء الدين] ما شاء، ولا يؤمر إن يجعله [22/ ب. ص] في عتق ولو وجد أن يباع منها بتسعمائة وإن كان أكثر من تسعة أعشارها لبيعت وعتقت الفضلة، قال: ولو تأخر بيعها حتى حال سوقها فلا تساوي إلا تسعمائة فإنما يباع منها اليوم قدر ما كان يوفي منها الدين لو بيعت يومئذٍ غير كاملة ويعتق منها اليوم ما كان يعتق منها يومئذ ويبقى بقية الدين في ذمة الغريم، ولو حال سوقها بارتفاع حتى يكون نصفها يوفي التسعمائة لم يبع منها إلا مقدار ما يوفي الدين ويكون جميع ما بقي حراً، ولا حجة للغريم في نماء قيمتها إلا أن يقول: لا أعتق إلا ما كان يعتق يومئذ.
وروى عيسى عن ابن القاسم في العتبية: فيمن أعتق عبده وعليه دين إن بيع كله كان أكثر من الدين وإن بيع بعضه لم يكن فيه وفاء للدين لنقص ثمنه لدخول الحرية فيه قال: يباع كله ويجعل ما بقي بعد الدين في حرية، وقد سمعت مالك أن ذلك ليس عليه بواجب ولكن استحسنه. قال أبو محمد/ وقال محمد بن عبد الحكم: ومن أعتق عبدين له قيمة كل واحد مائة دينار وعليه من الدين خمسون ديناراً، وهما إن بيع من كل واحد منهما جزء للدين لم يبلغ ذلك الدين لدخول الحرية فيهما، ولو بيع كل واحد منهما على الرِّق كان في ثمن أحدهما أكثر من الدين؛ قال: يُقْرَع بينهما أيهما يباع للدّين فمن خرج سهمه بيع للدّين فقضي منه، فإن بقي من ثمنه شيء دفع إلى سيده يصنع به ما شاء وليس عليه أن يعتق به رقبة إلا أن يتطوع؛ فإن فعل فذلك حسن. محمد: ولا حجة لمن يباع منهم؛ لأن البيع وجب في جميعهم، وقال أشهب. م: يريد: ويعتق جميع الآخر.
قال ابن عبد الحكم: وكذلك من مات عن مدبّر قيمته مائة دينار وعليه من الدين عشرون ديناراً وهو إن بيع منه جزء للدّين لم يبلغ ذلك الدين فليبع كله فيقضى الدين من ثمنه، ويدفع ما بقي للورثة وليس عليهم فيه عتق إلا أن يتطوعوا. قال سحنون: ويباع في مثل هذا على التبعيض، فقال: من يشتري منه بالعشرين؟ فيقول واحد: أنا آخذ ربعه ويقول آخر أنا آخذ خُمسه بها. هكذا يناقص حتى يقف على شيء لا ينقص منه فهذا أعدل، وهو قول حسن لعبض أصحاب مالك. فصل قال ابن المواز: ومن أعتق رقيقه وعليه دين يحيط ببعضهم فلم يعلم الغرماء حتى أدّان ما يحيط ببقيتهم فقال ابن القاسم: لا يباع منهم إلا بقدر دين الأولين ثم يدخل معهم فيه الآخرون؛ لأنه قد حل للآخرين كما حل للأولين تفليسه [23/ أ. ص].
وقال أشهب: بل يباع جميعهم حتى يستوفي الأولون والآخرون؛ لأنه إذا دخل الآخرون مع الأولين بقي الأولون لم يستوفوا دينهم فلا يتم عتق ولا يتم دين الأولين فكلما بيع لتمام دين الأولين دخل فيه الآخرون فلا يزال كذلك حتى لا يبقى للأولين حق. قال ابن المواز: وقول ابن القاسم أصوب؛ لحجة العبيد أنه وجب لهم عتق ما ناب على الدّين الأول. قال أصبغ: وسألت ابن القاسم عن قول أشهب هذا فعرفه ولم يعجبه ورآه باطلاً وظلماً. قال أصبغ: وهو إغراق في القياس والإغراق فيه كالتقصير عنه ولا يباع منهم إلا مرة وحده للأوليم ويدخل في ذلك الآخرون وهو القياس والصواب. قال ابن القاسم: وأما إن دبّر عبده وعليه دين يحيط بنصفه ثم أدّان بعد التدبير مثل نصف قيمته؛ فإنه يباع منه بقدر الدّين الأول فيأخذه الأولون ولا يدخل فيه الآخرون ولا يباع لهم شيء. ابن المواز: وقد بقي لهم ما يباع بعد موت السيد.
قال ابن المواز: ومن ابتاع عبداً بيعاً فاسداً فأعتقه قبل دفع ثمنه، وقيمته أكثر من الثمن - يريد وليس له غيره -: فقال أشهب: يرد منه قدر الثمن فقط لأن القيمة إن كانت أكثر فلم يلزمه إلا بعد العتق ولكن يتبع بالزيادة، وقاله ابن القاسم. قال محمد: وهذا رجوع من أشهب إلى أصل ابن القاسم في غريم قبل العتق وغريم بعد العتق في دخول الآخر في ثمن ما ردّ الأول من العتق. [قال أبو إسحاق: فتأول محمد أن أشهب ها هنا لما قال: يباع منه بقدر العشرة الأولى مع أن له دينين دين قبل العتق/ وهو العشرة الأولى التي كانت قبل العتق ودين بقية القيمة التي حكم له بها كأنه حادث به العتق فكان عنده قياس أشهب: أنه إذا بيع منه بالعشرة الأولى حاصص نفسه فيها بالعشرة الثانية الحادثة مع العتق التي هي بقية القيمة فنقصت الأولى عن أن يأخذها في العشرة الأولى فوجب أيضاً بيع بقية العبد حتى يستتم عن الدين الأولى عشرة إذ لا فرق بين رجل واحد له دينان: أحدهما: قبل العتق، والآخر: بعد العتق، ولا بين رجلين. وهذا الذي أراد محمد ولا يلزم هذا أشهب؛ لأن أشهب يقول: إنما يجب التحاصص في دينين لا مزية لأحدهما عن الآخر والدين الأول الذي هو عشرة بيد البائع بها رهن فيجب ألا يدخل عليه فيما أخذه من بقية القيمة؛ فإذا لم يدخل عليه في الأول لم ينقض العتق لما حدث بعده، لأنا إنما نقضنا عناك ما حدث بعد العتق لانتقاض ما كان قبل العتق، ألا ترى في مسألة الدور: لو كان في يد الأولين قبل العتق رهن بدينهم ثم أعتق ثم تداين لكان الأولون أحق ولم يدخل عليهم الآخرون، فكذلك
مسألة البيع الفاسد بيد البائع العبد رهن بالعشرة الأولى ولا يدخل ببقية القيمة في العشرة الأولى التي فيها رهن بيده وهو العبد]. م: ووجه التشبيه: كان الثمن عشرة والقيمة عشرون فقد علمت أن عشرة من الثمن لزمته قبل العتق والعشرة تمام القيمة لزمته بعد العتق فوجب عتق نصف العبد ويباع نصفه لعشرة الثمن، ويتبع المبتاع بعشرة القيمة في الذمة، ولا حجة للبائع أن يقول: تدخل عشرة القيمة على عشرة الثمن لحلولها بالفلس؛ لأنه إنما له أخذ عشرة لوجوب عتق نصف العبد فأخذها عن الثمن، والاتباع بعشرة القيمة في الذمة كأخذ نصفها عن الثمن ونصفها عن القيمة والاتباع بالنصفين في الذمة فلا فائدة في القيمة. وعلى قياس قول أشهب: أن تدخل القيمة على الثمن لحلولها بالفلس فيقع للثمن
خمسة وللقيمة خمسة ثم يباع من العبد لتمام الثمن فتدخل عليه القيمة في ذلك/ فيأخذ نصفه هكذا حتى يباع جميع العبد كقوله في غريم قبل العتق وغريم بعده فقد بان تناقض قوله ورجوعه إلى قول ابن القاسم. قال أشهب: ولو لم يفت بيد المشتري حتى أعتقه البائع لم يجز عتقه. وقال ابن القاسم: عتقه جائز [38/ ب. ص] ما لم يفت بيد المشتري بحوالة سوق فأعلى، وقاله أصبغ وهو الصواب؛ لأنه لم يكن بيعاً ألا ترى: أن لو حلف بحريته ليبيعنه اليوم فباعه بيعاً فاسداً ثم جاز اليوم لرد بيعه وجاز عتقه إلا أن يكون قد دخله فوت في ذلك اليوم قبل الليل فيتم بيعه ويلزم المشتري قيمته ويبر البائع. ابن المواز: وأظن أشهب إنه لم يجز فيه عتق البائع؛ لأنه في ضمان المشتري ولا حجة له في ذلك ألا ترى: أن الضمان في بيع العهدة وفي الاستبراء من البائع ولو أعتق المشتري لزمه العتق ولا يجوز فيه عتق البائع وإن كانت في ضمانه؛ لأنه بيع صحيح. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن باع له عبده سلعة بأمره ثم أعتقه ثم استحقت السلعة ولا مال للسيد فليس للمبتاع رد العتق؛ لأنه دين لحق السيد بعد إنفاذ العتق.
ابن المواز: هذا إذا كان الثمن بيد السيد حين أعتق، وأما إن تلف الثمن أو أنفقه قبل العتق فليرد العتق؛ لأن السلعة لم تكن له ملك ولو كان له بالثمن رجوع على أحد لم يرد عتقه حتى يُؤَيس من الثمن، ولو كان إنما قام المبتاع في السلعة بعيب وقد هلك الثمن ولا شيء للبائع فلا ينقص من عتق العبد إلا قدر قيمة العيب وسواء ردها بعيبها أو فاتت وأخذ قيمة العيب إنه لا يرد من عتق العبد إلا قدر قيمة العيب ولا يكون ذلك أيضاً بإقرار بائع السلعة أنه عيب كان بها وهو بها عالم، ولكن بالبينة ويتبع بحصة العيب ديناً إن أقر. م: وهذا الذي ذكر ابن المواز من أن الثمن إذا كان بيد السيد يوم العتق لم يرد العتق وإن لم يكن بيده يومئذ ولا شيء له غيره رد العتق تفسير لقول ابن القاسم: لأنه لما باعه سلعة ليست له ولا يصح فيها بيعه ولا دفعه فكأنه أخذ الثمن باطلاص فهو دين عليه وفي ذمته قبل العتق فإن أعتق وهو بيده جاز العتق وإلا ردّ منه مقدار ثمن السلعة وإن استغرقه ردّ كله، وقد قال ابن القاسم: فيمن حلف ليقضين فلاناً دنانيره إلى أجل كذا فقضاه إياها قبل الأجل ثم استحقت الدنانير بعد الأجل فإنه حانث فجعل دفعه الدنانير
كلا دفع وأن الدين باقٍ في ذمته فكذلك هذا بيعه لهذه السلعة كلا بيع وإنما قبض من ثمنها دين عليه. والله أعلم. م: قال بعض فقهائنا القرويين: وهذه المسألة بخلاف مسألة كتاب الرهن في الذي زوج أمته وقبض صداقها ثم أعتقها ثم طلقها الزوج قبل البناء فوجب للزوج أن يرجع بنصف الصداق فوجد السيد عديماً فهاهنا لا يرد العتق؛ لأن نصف الصداق إنما وجب بعد العتق بطلاق الزوج واختياره ولو شاء لم يطلق، ولو طلق الزوج قبل البناء ثم أعتق السيد بعد الطلاق ولا شيء عنده فهاهنا يرد من العتق بقدر نصف الصداق؛ لأنه كمديان أعتق؛ إذ بالطلاق وجب نصف الصداق ديناً على [24/ أ. ص] السيد. ولو زوّج أمته تزويجاً يجب فسخه قبل البناء ثم أعتقها قبل فسخ النكاح ثم عثر على النكاح ففسخ ووجب رد الصداق فوجد السيد عديماً وجب رد عتقها؛ لأن النكاح كان غير مستقر، فالصداق من حين قبضة السيد دين عليه فإذا أعتق الأمة بعد ذلك فهو كمديان أعتق وبالله التوفيق.
قال ابن المواز: ومن حلف بحرية عبده إن باعه فباعه وقبض ثمنه فأتلفه ولا شيء له غيره؛ فهو حر يتبع بالثمن؛ لأنه إنما وقع الحنث/ قبل تلف ثمنه فقد أعتق وعنده وفاء دينه سوى العبد. م: انظر لم هذا؟ والعتق إنما يتم فيه بالحكم فقد لحقه الدين قبل إنفاذ العتق. قال: ولو باع سلعة من رجل واستحلفه بحرية عبده ليدفعن إليه الثمن إلى أجل كذا فحنث ولا شيء له غير العبد فللذي استحلفه أن يرد عتقه إذ لا عتق لمديان. وقاله أصبغ. وقال عن ابن وهب: إنه لا يرد عتقه استحساناً. قال أصبغ: بل يرد وليس استحلافه إسلاماً لعتقه ولا رضا منه به. فصل ومن المدونة قال مال: ومن أعتق عبيده وعليه دين يغترقهم ولا مال له غيرهم فقام عليه غرماؤه فليس له ولا لهم بيعهم دون الإمام. قال ابن القاسم: فإن باعوهم بغير أمر الإمام ثم رفع ذلك إلى الإمام بعد أن أيسر السيد فليرد بيعهم ويمضي عتقهم وإنما ينظر في ذلك الإمام يوم يرفع إليه فإن كان أعتق
وهو موسر ولم يقم غرماؤه ولم يعلموا حتى أعسر فلا رد لعتق؛ لأنه وقع في وقت لا يرد لو رفع وقاله مالك. ولو أعتق في عسره فلم يقم عليه غرماؤه حتى أفاد مالا فيه وفاه ديمه فعتقه جائز ثم إن ذهب المال الذي أفاد قبل قيام الغرماء عليه ثم قاموا فليس لهم إلى رد العتق سبيل. قال مال: ولو باعهم الإمام عليهم في دينه ثم اشتراهم بعد يسره كانوا له رقاً ولا يعتقون عليه. قال: ومن رد غرماؤه عتقه للرقيق فلم يباعوا حتى أفاد السيد مالاً فهم أحرار وليس ذلك رداً للعتق حتى يباعوا وكذلك لو باعهم السلطان ولم ينفذ البيع حتى أيسر السيد لنفذ العتق. قيل لابن القاسم: ما معنى قول مالك ولم ينفذ البيع؟ قال: بيع السلطان عندهم بالمدينة يشترط أنه إذا باع أنه بالخيار ثلاثة أيام فإن وجد من يزيده وإلا أنفذ البيع، قيل له: ويجوز هذا البيع في قول مالك؟ قال: نعم.
قيل لابن المواز: فإذا لم يكن له مال غيرهم فرد السلطان عتقهم وأمر ببيعهم فبيعوا وملكوا ثم أفاد الغريم مالاً؟ قال: إن كان أفاده بقرب بيعهم وحدثانه، وقبل أن يقسم ثمنهم على الغرماء رأيت أن يرد بيعهم وينفذ عتقهم ويأخذ الغرماء حقهم [29/ ب. ص] مما أفاد غريمهم، وإن فات بيعهم وطال أمرهم واقتسم الغرماء ثمنهم ثم أفاد سيدهم مالا لم يرد بيعهم ثم إن اشتراهم أو ورثهم؛ لم يعتقوا عليه، وحل له وطأهم وبيعهم، وكذلك في كتاب ابن سحنون عن ابن القاسم وأشهب: إن رَدَّ السلطان ليس بردّ حتى يباعوا ويقسم المال بين الغرماء إذا لم يفت وكان قريباً. وقال ابن نافع: لا أعرف هذه الرواية، والذي لم أزل أعرفه: أن ردّ السلطان ردٌّ للعتق إن لم يبعه في الدين ولا يعتق بعد ذلك وإن أفاد مالاً. م: وظاهر المدونة: أنه إذا نفذ بيعهم ثم أفاد السيد مالاً لم يرد عتقهم وله وجه في القياس من أجل حجة المشتري، وقد رأيت لسحنون: لا ينقض البيع وإن لم يقسم الثمن وهو ظاهر المدونة.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أعتق عبده وعليه دين يغترقه ولم يعلم الغرماء وللعبد ورثة أحرار فمات بعضهم بعد عتقه فلا يوارثهم؛ لأنه عبد حتى يعلم الغرماء بالعتق فيجيزونه أو يفيد السيد مالاً؛ لأن للغرماء إجازة العتق أو رده، ولا يرث إلا من ليس لأحد أن يرده في الرق على حال، ولقد قال مالك فيمن بتل في مرضه عتق عبده ثم مات السيد وله أموال مفترقة: يخرج العبد من ثلثها إذا اجتمعت فهلك العبد قبل اجتماعها؛ إن ورثته الأحرار لا يرثونه؛ لأن العتق إنما يتم بعد جمع المال وخروج العبد من ثلثه؛ لأنه لو ضاع المال كله لم يعتق من العبد إلا ثلثه وإن بقي من المال ما لا يخرج إلا العبد من ثلثه عتق منه ما حمل الثلث ولم يلتفت إلى ما ضاع منه فهذا يدل على مسألتك. م: وحكى عن بعض فقهائنا القرويين في المديان يعتق عبده فيموت للعبد ولد حر أنه قال: سواء أجاز الغرماء عتق هذا العبد أو رده فإنه لا يوارث من كان مات له من ولد. قال: وأما من اشترى عبداً فأعتقه ثم مات له ولد حر أو شهد/ بشهادة أو جرى له أمر أقيم فيه مقام الحر، ثم استحقت رقبته فهذا إن أجاز المستحق البيع ونفذ العتق فإنه
يتم فيه ما تقدم للعبد من وراثه أو شهادة أو غير ذلك؛ فإن ردّ البيع ونقض العتق رد ميراثه وبطلت شهادته وسائر ما تقدم له مما أقيم فيه مقام الحر. قال: والفرق بين المسألتين: أن عتق المديان عتق عدا ففعله كلا فعل، والمشتري فعله غير عدا؛ لأنه إنما أعتق ملكه في ظاهر الأمر؛ فإذا أجاز المستحق البيع نفذ ما تقدم له من شهادة أو ميراث ولو كان المشتري يعلم أن العبد لغير البائع وتعدى في شرائه وأعتقه وجب أن يكون مثل مسألة الغرماء يجيزون العتق لا يتم للعبد ميراث [25/ أ. ص] ولا شهادة، وإن أجازه المستحق؛ لأن العتق وقع على طريق العداء لعلم المشتري أنه لغير البائع فهو كالغاصب. م: وهذا الذي قال في عتق المشتري ولم يعلم، ذكره ابن المواز: والمسألتان عندي سواء، وإنما اختلف الجواب فيهما لاختلاف السؤال، وذلك أنه سئل عن معتق المديان مات وله وارث وثم غرماء غيب لم يعلموا بعتقه؛ فقال: لا يرث؛ لأن لهم إجازة العتق أو ردّه ونحن لا ندري هل يجيزوا أو يردوا فلا ينبغي أن نورثه بالشك.
وسئل عن معتق المشتري مات له وارث فورقه إذ لا يعلم له مستحق ثم ظهر أن له مستحق؛ فقال: إن أجاز عتقه تمّ له ذلك الميراث وإن رده رد الميراث. م: وكذلك يقول في مسألة معتق المديان ولم يعلموا أن سيده مديان حتى ورث وارثه، ثم قامت الغرماء على سيده، ثم أجازوا عتقه؛ لتمّ له الميراث كمسألة المشتري. ولو أن المشتري أيضاً أعتق عبده ثم علمنا أنه مستحق، ثم مات له وارث لم ينبغ أن يرثه كمسألة المديان. وقد قال ابن المواز في مكاتب أعتق عبده ولم يعلم سيده حتى مات المعتق عن مال قال: إن أجاز السيد عتق مكاتبه ورث المعتق ورثته الأحرار أو سيد المكاتب إن لم يكن له ورثة [بمنزلة من سرق عبداً فبيع فأعتقه المشتري ثم مات للمعتق من يرثه ثم استحقه سيده؛ فإن أجاز عتقه ورث، وإن رده لم يرثه قال: وهذا أصل مالك. م: فمسألة عتق المكاتب بمنزلة عتق المديان ولا فرق بينهما وبين مسألة المتشتريـ، بل عتق المديان أقوى؛ لأن الغرماء ليس دينهم في عين العبد إذ لو أفاد السيد مالاً قدر الدّين
أو أدى العبد أو غيره ما على السيد من الدّين لم يكن للغرماء إلى نقض العتق سبيل، وكذلك لو طال زمانه حتى وارث الأحرار وجازت شهادته والمستحق لا يمنعه من نقض العتق مانع فوجب أن يكون عتق المشتري أضعف، وأيضاً فإن المديان أعتق عبده حقيقة وهذا أعتق غير عبده حقيقة؛ ولأن من أصل ابن القاسم أن فعل المستحق من يده في الشيء المستحق كلا فعل؛ كمن حلف ليقضين فلاناً حقه إلى أجل كذا فقضاه إياه قبل الأجل، ثم استحق ذلك الحق بعد الأجل؛ أنه حانث، ولم يعد قضاؤه؛ لأنه إنما قضاه مال غيره. وأما احتجاجه بأن فعل المديان فعل عِدا، فعتق المكاتب أيضاً فعل عدا، وأنا أريك ما هو أقوى في العدا: الأمة تكون بين الرجلين فيطؤها أحدهما فتحمل منه وهو معدم؛ إن لشريكه أن يُلزمه القيمة وتكون له أو ولد، فقد جعلوها بوطء العدا أو ولد، فكذلك ينبغي إن أجاز الغرماء عتق المديان أن يجوز ما تقدم له من إرث وشهادة؛ لأنهم إنما أجازوا فعلاً متقدماً وكأنه لم يزل حراً من ذلك الوقت، وقد قال مالك وابن القاسم في كتاب ابن حبيب: إن عتق المديان على الإجازة حتى يرد وكذلك قالا: في عتق المشتري: إن العتق منعقد بظاهر الشراء فلا فرق بينهما. وابن القاسم فلم يصرح في المدونة أنه لا يوارث الأحرار وإن أجاز الغرماء عتقه بل قال: لا أرى أن يرث؛ لأنه عبد حتى يعلم الغرماء فيجيزوا ذلك أو يفيد السيد مالاً فهذه إشارة إلى أنهم إن أجازوا ورث/ وإن أفاد السيد مالاً ورث، وإن كان قد قال قبل ذلك: ولا أورث إلا من قد بتل عتقه ولا يرجع في الرّق على حال، وهذا أيضاً فيه بعض
الاحتمال كأنه قال: إذا بتل عتقه المجيز من مديان أو مستحق ورثته؛ بمعنى]: أجزت ميراثه وبالله التوفيق. ومن المدونة قال مالك في باب بعد هذا: ومن بتل عتق عبده في المرض وقيمته ثلاثمائة درهم ولا مال له غيره، فهلك العبد قبله وترك ابنة حرة وترك ألف درهم فقد مات رقيقاً، وما ترك للسيد بالرق دون ابنته. ولو كان للسيد مال مأمون من دور أو أرضين يخرج العبد من ثلث ذلك؛ جاز عتقه، وكان ما ترك ميراثاً بين الابنة والسيد نصفين. وقال بعض الرواة: لا ينظر إلى فعل المريض إلا بعد موته كان له مال مأمون أو لم يكن. قال ابن القاسم: ولو احتمل المال المأمون نصف العبد لم أعجل عتق شيء منه وإنما يعتق إذا كان المال المأمون كثيراً أضعاف قيمة العبد مراراً. فصل ومن المدونة قال مالك: وإذا بتل المريض عتق عبيده أو أوصى بعتقهم وعليه دين يغترقهم؛ لم يجز عتقه، وإن كان الدين لا يغترقهم أسهم بينهم أيهم يباع للدين، ثم أسهم
بينهم فيمن يعتق في ثلث بقيتهم فإذا أخرج السهم للدين أحدهم وقيمته أكثر من الدين، بيع منه بقدر الدين، وأقرع للعتق على ما بقي منه بعد الدين مع ما بقي؛ فإن خرج بقية هذا العبد وفيه كفاف الثلث؛ اعتقتُ بقيته، وإن لم تف بقيته بالثلث أعتقت بقيته وأعدت السهم حتى أكمل الثلث في غيره، وكذلك يعاد السهم في الدين إن خرج [25/ ب. ص] من لا يفي بالدين حتى يكمل الدين، وإن بيع بعض عبد، ثم يقرع للعتق كما ذكرنا، وإنما القرعة في الوصية بالعتق والبتل في المرض كان عليه دين أو لم يكن أمرهما سواء. قال: وإن بتل عتقهم في مرضه وعليه دين وعنده وفاء به، فلم يمت حتى هلك ماله؛ فالدين يرد عتقه، بخلاف الصحيح؛ لأن فعل المريض موقوف، وذلك كوصيته بعتقهم، فإن اغترقهم الدين رقوا، وإن كان فيهم فضل عن الدين أسهم بينهم أيهم يباع للدين ثم أقرع بينهم فيمن يعتق في ثلث بقيتهم بالحصاص، كما قدمنا. وأما الصحيح يعتق رقيقه وعليه دين لايغترقهم فليبع منهم مقدار الدين بالحصص ويعتق جميع بقيتهم، وإن كان له يوم أعتق من المال مقدار الدّين فلم يقم عليه الغرماء حتى تلف ذلك المال، فعتقهم نافذ لا يرد بخلاف المريض وقد تقدم هذا.
قال إسماعيل القاضي في المبسوط: إنما لم يكن في هؤلاء قرعة لأن المعتق حي وقد أدخل على نفسه الضرر فلم يكن في أمر الرقيق شيء أعدل من أن يباع من كل واحد قسطه من الدين بالحصص ويعتق ما بقي من كل واحد، وأما إذا أعتق في مرضه الذي مات فيه أو أعتق في وصية فلو أعتق من كل واحد بعضه لدخل الضرر على الوارث فلذل كانت القرعة عند مالك في هؤلاء ولم تكن في الآخرين. قال ابن المواز عن مالك: في صفة بيعهم بالحصص مثل أن يكون له عبدان قيمة أحدهم ثلاثون والآخر عشرون فيباع من صاحب الثلاثين بثلاثة أخماس الدين ومن الآخر بخمس الدين. م: وأسهل من هذا أن ينظر كم الدين من قيمة جميعهم؟ فإن كان ربع أو ثلث أو نصف؛ بيع ذلك الجزء من كل واحد وهذا والأول في الحساب سواء. قال ابن المواز عن ابن عبد الحكم: إن تساووا في القيمة بيع بنصف الدين نصف أحدهما ثم رغب راغب في الآخر، فزاد في نصفه أربعة دنانير فليبع منه بنصف
الدين وزيادة دينارين ويرد هؤلاء هذين الدينارين على مشتري النصف الآخر، فيعتق بقدرهما من العبد الآهر، فيصير قد بيع من كل واحد نصفه إلا دينارين وعتق نصفه وما يخص الدينارين. م: جعل هذه الزيادة كمالٍ طرأ [فقسمتها بينهما، وليس ذلك كمال طرأ]؛ لأن القيمة في الطارئ لم تتغير، وهذه القيمة قد تغيرت فصار ما يخص دينارين من رقبة الغالي الثمن أقل مما يخص/ المنخفض فيظلم الغالي الثمن، وإنما ذلك كغلط في التقويم قوّم أولا على التساوي، ثم ظهر بعد ذلك أن قيمة أحدهما أكثر بثمانية دنانير فينبغي أن تجمع القيمتين، وينظر كم الدين [26/ أ. ص] من ذلك، فيباع من كل واحد مقدار ما يخصه من الدّين، ويعتق بقيته؛ مثال ذلك: أن يكون الدّين عشرين، وقوّم كل واحد
منهم بعشرين، فوجب أن يباع نصفهما فلما زيد في نصف الباقي أربعة صار كأن قيمته ثمانية وعشرين، فقيمتهما جميعاً ثمانية وأربعون، فالدين من القيمتين ربع وسدس، فيباع من كل واحد ربعه وسدسه وتعتق بقيته وهو الصواب إن شاء الله. قال ابن المواز: وإن نقصت قيمة الثاني بتغيير دخله في بدنه أو غيره، لم يبع منه إلا نصفه وهو القدر الذي وجب بيعه قبل أن يدخله النقص. م: لأن ذلك النقص كمال ذهب فلا ينقص ذهابه ما يوجب عتقه وهذا بين. ابن المواز قال أشهب: وإذا بتل المريض عتق رقيقه أو أوصى بعتقهم وعليه دين يغترقهم ولا مال له سواهم فأجاز له الغرماء ذلك وأنفذوا عتقه فلا يجوز على الورثة إلا عتق ثلثهم بالسهم. م: لأنهم إنما وهبوه دينهم فصار كمن لا دين عليه. ابن المواز: وكذلك لو هلك وترك مدبراً وعليه دين يحيط برقبته، فأجاز الغرماء عتقه؛ فلا يعتق منه إلا الثلث ويرق ثلثاه للورثة. فصل ومن المدونة: قال مالك: ومن اشترى أباه عوعليه دين يغترقه لم يعتق عليه. قال ابن المواز: ودينه أولى به من العتق، وكذلك في سماع ابن القاسم عن مالك.
قال في المدونة: وإن اشتراه وليس عنده إلا بعض ثمنه فليرد البيع. وقال ابن القاسم: بل يباع منه ببقية الدين ويعتق ما بقي. ابن المواز: وهو القياس على أصل مذهب مالك، وقال غيره في المدونة: لا يجوز له في السنة أن يملك أباه إلا إلى عتق، فإذا كان عليه دين يرده صار خلاف السنة أن يملكه فيباع في دينه ويقضي عن ذمته نماؤه. [قال أبو إسحاق: وينبغي على قول الغير ألا ينفذ فيه بيع على حال إذا كان عليه دين على هذا وأنه لو مات بعد عقد البيع كانت مصيبته من البائع وفي هذا نظر لإمكان أن يجيز الغرماء عتقه ويتبعوه بدينهم في ذمته]. م: والفرق بين المسألتين عند مالك: أن الأول اشتراه ودفع جميع ثمنه، فلا حجة للبائع إذا قبض جميع ثمنه، ولا عليه إذا باع جميع ما يجوز له بيعه ويباع في دين الابن إذا تلف فيه مال غرمائه، والمسألة الثانية: لم يدفع جميع الثمن للبائع فله نقض البيع وأخذ عبده؛ إذ لو بيع عليه في بقية الثمن لدخل فيه غرماء إن كان للولد.
وأما ابن القاسم: فقد احتاط للعتق ولم ير للبائع حجة إذا قبض بقية ثمنه، والدين أمر طارئ فلا يعتد به وهو القياس. م: وحكي عن أبي الحسن بن القابسي: أن المسألتين على مذهب المدونة عند مالك سواء؛ ينقض البيع فيهما وليس بشيء، والصواب أن يرد المجمل إلى ماله [26/ ب. ص] مفسّر في غير المدونة، وكذلك رأى أبو محمد ونقلها في مختصره [على هذا وهو صواب إن شاء الله. قال ابن المواز: ومن ورث أباه أو وهبه أو تُصدِّق به عليه وعليه دين؛ فقال أشهب: هو حر في ذلك كله، ولا يباع في الدين، لا في ميراث ولا في هبة ولا صدقة. وقال ابن القاسم: أما إذا ورثه؛ فإنه يباع للغرماء ولا يباع لهم في الهبة والصدقة؛ لأن الواهب يقول: لم أهبه ولم أتصدق عليه به إلا لعتق لا ليباع عليه في الدّين. ابن المواز: وكذلك عندي ما وُرث لا يباع أيضاً، وهو مثل الصبي والمولى عليه الذي يعتق عليه ما ورث أو أوصى له به أو تُصدّق به عليه. م: يريد ابن القاسم أنه إذا لم يعلم الواهب ولا المتصدق أنه ممن يعتق عليه؛ فليبع عليه في الدين كالميراث، وهو ظاهر في احتجاجه وقاله بعض فقهائنا.
فصل ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أعتق في صحته ما في بطن أمته وهي حامل فولدته في مرض السيد أو بعد موته عتق من رأس المال. قال ابن القاسم: وهذا كمن أعتق في صحته عبده إلى أجل ثم مرض فمات من مرضه ذلك، أن العبد يعتق من رأس المال. قال مالك/: ولو لحق السيد دين بعد ما أعتق ما في بطنها فلم يقم الغرماء على السيد حتى وضعت؛ عتق الولد من رأس المال، وبيعت الأم وحدها في الدين، ولو قام الغرماء وهي حامل؛ أنها تباع بما في بطنها للغرماء إذا لم يكن للسيد مال غيرها، ويفسخ عتق السيد في الولد ويرق؛ إذ لا يجوز أن تباع أمة ويستثنى ما في بطنها، وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة. م: لأن دين الغرماء قد وجب فلا يؤخذ لأمر قد يتم بخروج الجنين حياً، أو لا يتم بخروجه ميتاً، فلا يترك حقاً وجب لأمر يكون أو لا يكون وهذا أصلهم. قال ابن المواز: ومن قال في صحته: لأمته الحامل ما في بطنك حر فلا يبيعها في صحته ولا في مرضه إلا أن يقام عليه بدين، وأما إن مات وشاء الورثة بيعها من غير حاجة فذلك لهم.
قال ابن القاسم: والناس كلهم على خلاف مالك في هذا، ويقولون: لا تباع، وقال الليث: تباع ويستثنى ما في بطنها حر، وقاله لي سعد إن استثناءه خيرٌ من رِقِهِ. قال أصبغ: وأنا أتبع مالكاً وابن القاسم في هذا، وأحب أن لو تربصوا إلا في الدين المحيط أو الولادة البعيدة مما يضرهم في القسمة. وقال أشهب: إذا وضعت في حياة السيد فواثبهم الغرماء حين علمهم بوضعه بيع لهم؛ لأن عتق الجنين ليس بعتق، وقد استدان قبل أن تقع عليه الحرية بالوضع، قال: ولا يبيعها السيد إلا في دين يرهقه، ولو باعها في غير دين رددت البيع إلا أن تفوت بعتق. قال هو وابن القاسم: وللورثة بيعها بعد موته إن احتاجوا أو شاءوا؛ لأنها صارت لغير من أعتق الجنين، فإن لم تبع حتى وضعت كان حراً من رأس المال. قال أصبغ: وهو مذهب أصحاب مالك. قال ابن حبيب: اختلف قول أصبغ إذا وضعته في مرض السيد أو بعد موته، فقال مرة: يعتق من رأس المال، وقال مرة: من الثلث وإن قاله في صحته. وبالأول أقول.
م: ووجه هذا فلأن عتق الجنين إنما يصح بالوضع لأن له بيع الأم فبطل عتقه فيه فلما لم يصح إلا بالوضع صار كأنه أعتقه الوضع؛ فلذلك كان من الثلث. قال بعض فقهائنا: وأما لو أعتق ما في بطنها في مرضه والثلث يحملها لم يكن للورثة بيعها حتى تضع، وإن لم يحملها الثلث؛ خيّر الورثة بين إيقافها حتى تلد، فيعتق الجنين أو يعتقوا محمل الثلث منها بتلاً. م: كما لو أوصى بعتقه. قال]: والفرق بين عتقه في الصحة وبينه في المرض: أنه في الصحة إذا مات صارت الأمة ملكاً للورثة لا سبب له فيها؛ فمنعهم من بيعها ضرر بهم، وعتقه في المرض من الثلث ولا يعقب لهم في ثلثه، وقد انتقل جميعها بذلك فلزمهم الصبر إلى أن تضع إذا لم يجيزوا في ضيق الثلث كما ذكرنا. قال ابن المواز: ومن أوصى بعتق ما في بطن أمته فلم يحملها الثلث؛ فليخير الورثة، فإما أجازوا ذلك أو أعتقوا من الأمة محمل الثلث، وكذلك لو أوصى بالجنين لرجل وضاق الثلث؛ فإن أجازوا وإلا قطعوا له بثلث الميت إلا أن يشار وارث الميت
أن يأخذ ذلك في الأمة، ولو أوصى بعتق الجنين والثلث يحمله فأعتق الورثة الأمة فعتق الميت أولى وله ولاء الولد. قال أشهب: عتق الورثة أولى وولاء الأم والولد لهم، والله أعلم. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا اشترى المريض عبداً بمحاباة فأعتقه، فالعتق مبدّى على المحاباة؛ لأن المحاباة وصية، والعتق بيدّى على الوصايا، وقد قال مالك: ما حابى به المريض في شرائه وبيعه فهو وصية في الثلث. قال ابن القاسم: فإن كانت قيمة العبد كفاف الثلث، سقطت المحاباة، ولم يكن للبائع غير قيمة العبد من رأس المال، وإن بقي بعد قيمة العبد شيء من الثلث كان في المحاباة. وقد قال ابن القاسم أيضاً: يُبدى بالمحاباة؛ لأن العتق لا يتم إلا بها فكأنه أمر بتبديتها في الثلث؛ فإن بقي بعدها من الثلث شيء كان في العبد، أتم ذلك عتقه أم لا.
قال سحنون/: وهذا القول أحسن من الأول. قال مالك: ولو لم يحاب جاز شراؤه وعتقه إن حمله الثلث على ما أحب الورقة أو كرهوا، وإن لم يحمله الثلث عتق منه مبلغه ورقّ ما بقي. م: تعقب بعض الفقهاء هذه المسألة وقال: كيف يجوز هذا البيع والبائع لا يدري ما يحصل له؛ هل الثمن، أو أقل منه، أو قيمة العبد، وذلك مجهول؟ فالجواب عن ذلك: أن هذه المسألة ومسألة إقالة المريض من طعام فيه محاباة وشبهها، إنما وقع البيع فيه بينهما على المناجزة وجواز البيع، وإنما تعقب أمره بعد ثبات البيع وانعقاده. وأما لو قيل لهما في عقد البيع: أن في هذا البيع محاباة، ومحاباة المريض وصية من الثلث، ولا تدري أيها البائع ما يصح لك منهما؟ لم يجز أن يعقد الييع على ذلك. وقد ذكرنا شرح ذلك في كتاب السلم فأغنى عن إعادته. [قال أبو إسحاق: ما حاباه في شرائه فكمن بتلها في مرضه ثم أحدث بعدها عتقاً فأشبه أنها مبدأة؛ لأن كل ما بتله ليس له أن يحدث بعده ما ينقضه به، كما لو بتل عتق عبده في مرضه، ثم بتل عتق عبد آخر، لكان الأول أولى؛ لأنه لما كان ليس له الرجوع عنه فلا يجوز أن يدخل عليه ما ينقضه إلا على مذهب أشهب القائل: بأن المبتل في المرض، والموصى بعتقه يتحاصان وشبه ذلك كمن قال: إن مت فأنت حر، وإن عشت فأنت حر،
وقال لآخر: إن مت فأنت حر، قال فساوى بينهما في المرض، وفرّق بينهما إذا صح، ويلزم على قياس قوله أن له أن يرجع عن الذي قال له، إن عشت فأنت حر، وإن مت فأنت حر، كمساواته بينه وبين الثاني في الموت، كما له أن يرجع عن الذي قال له: إن مت فأنت حر، فإذا كان المبتل هكذا وجب أن يرجع عن التبتيل في المرض ولا رجوع له، فعل هذا يصح أن يبدأ بالعتق؛ لأن ما حباه به كأنه هبة منه وصّى له بها إن مات، وأوجبها له إن عاش، فإذا مات وقد أحدث بعدها عتقاً؛ كان العتق أولى، كوصية بهبة، وعتق مبتل، أو وصية بعتق؛ أن العتق أولى في كلا الأمرين فيصير على هذا قد وافق أشهب في هذه المسألة على قوله: إن العتق مبدّى، وكان غير ابن القاسم أخذ ذلك من باب أن العتق لا يجب إلا بثبوت المحاباة الموجبة للشراء فلهذا بدّاها على العتق، وقد يقول في غير هذه المسألة: المبتل أولى من الموصى بعتقه؛ لأن وجوب أحدهما غير متعلق بالآخر]. فصل ومن كتاب المكاتب والقسم قال مال: وإذا أعتق الأب عبد ابنه الصغير جاز عتقه إن كان مليئاً يوم أعتق، وغرم قيمته للابن، وإن لم يكن مليئاً ردّ عتقه إلا أن يتطاول زمانه، وتجوز شهادته ويناكح الأحرار [27/ أ. ص] فلا يردّ ويتبع الأب بقيمته. قال غيره: وإن أعتق ولا مال له فلم يرجع إلى الحكم حتى أيسر الأب؛ فإنه يقوّم عليه ويتم عتقه.
قال في كتاب محمد: وأما الابن الكبير الخارج من ولاية الأب فلا يجوز عتق الأب لعبده. قال في كتاب ابن المواز: وإن أعتق عبد ابنه الصغير عن الابن؛ لم يجز ذلك، وإنما يلزمه ويقوّم عليه إذا أعتقه في نفسه. قال عن أشهب: والوصي في عتق عبد يتيمه كالأب إن كان له مال قدر قيمته عتق عليه كله، وإن لم يكن له أو للأب ما يبلغ قيمة المملوك؛ لم يجز عتقهما في شيء منه؛ لأنهما يفسدان على الصبي ماله إلا أن يكونا مليئين بقدر قيمة المعتق، وإنما لزمهما ذلك؛ لأنهما يليان للصبي البيع والشراء، وأنهما لو باعا مملوكه ممن يعتقه جاز، فكذلك إذا أعتقاه عن أنفسهما. وكذلك عتق المرأة مملوك ابنها جائز إذا كان لها مال. قال ابن المواز: وكانت وصية.
قال مالك: ولو أعتق ولي الأيتام وصيفاً لهم ولأمهم فيه الربع؛ جاز عتقه، وغرم لهم قيمة مالهم فيه، وغرم للأم حقها إن لم تعتق معه. قال ابن المواز: فإن كانت قيمته يوم العتق: ستة دنانير، ويوم نظر فيه وتكلمت الأم: مائة دينار؛ كان عليه للأيتام قيمة حقهم على ستة دنانير، وللأم قيمة حقها على مائة دينار. فصل وما تصدق به الأب من مال ولده لم يجز، وإن كان الأب موسراً، ويردّ حيث وجد وإن طال الزمان إذا كان شيء له بال، وإن كان تافهاً جاز وغرمه الأب للابن. وقاله ابن القاسم. ولو تزوج الأب بمال ولده جاز ذلك للمرأة كان الأب موسراً أو معسراً دخل بها أم لا. قال ابن المواز: ولو كبر الابن فوجده بيد المرأة لم يتغير وأبوه معدم لم يأخذه، وأتبع أباه بقيمته يوم أصدقها إياه.
باب فيمن أعتق شقصا له في عبد بقيته له، أو لغيره، وعتق جنين الأمة بين الرجلين، واشتراه بعض من يعتق عليه، أو ورثه، أو وهب له
فصل ومن كتاب ابن سحنون قال المغيرة: فيمن أعطى ابنه الصغير عبداً ثم أعتقه، والابن صغير؛ فإن لم يُشهد أنه اعتصره، فللابن قيمته وإلا فلا، لأنه يعتصر العطية والنّحلَ، ولو كان صدقة، فعلى الأب قيمته. ولو أعتقه في مرضه وهو عطية فللابن قيمته، اعتصره أو لم يعتصره؛ إذ لا يعتصر في المرض، ويعتق من ثلثه، فإن لم يحمله كان ما ناب على الثلث لورثته. باب فيمن أعتق شقصاً له في عبد بقيته له، أو لغيره، وعتق جنين الأمة بين الرجلين، واشتراه بعض من يعتق عليه، أو ورثه، أو وهب له روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:» من أعتق شركاً له [27/ ب. ص] في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوّم عليه قيمة العدل
وأُعطي شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق/ منه ما عتق «. ورواه أشهب عن يحيى بن سليم ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال يحيى بن سليم: وقضى بذلك عمر بن عبد العزيز برأي عروة بن الزبير في امرأة اعتقت ثُمن عبدٍ وهو مصابها منه ولا مال لها غيره فجعل له عمر من كل ثمانية أيام يوماً وجُعِل له في يوم الجمعة، وللورثة سبعة أيام. م: قوله: وجُعِلَ له في يوم الجمعة: يحتمل أن يكون جُعل له ثُمن يوم الجمعة، وللورثة سبعة أثمانها، وقاسمه بقية الأيام له يوم وللورثة سبعة أيام، ويحتمل: أن يكون أراد أن ابتداء فرضه له كان يوم الجمعة، والله أعلم.
قال ابن القاسم قال مالك رحمه الله: فكل من أعتق بعض عبده أحرى أن يستتم عليه بقيته. ومن المدونة قال ابن القاسم قال مالك" وإذا أعتق المليء شقصاً له في عبيد فليس لشريكه أن يتماسك بنصيبه أو يعتقه إلى أجل إنما له أن يعتق بتلاً أو يقوّم على شريكه، فإن أعتق حصته إلى أجل أو دبّر أو كاتب، فسخ ما صنع، وقوّم نصيبه على شريكه إلا أن يبتله. قال غيره: فإن كان الأول مليئاً بقيمة نصف نصيب المعتق [إلى أجل قوّم ذلك عليه] وبقي ربع العبد معتقاً إلى أجل. م: يريد وكذلك [في التدبير والكتابة]، وقال غيره: [إذا كان الأول مليئاً] وأعتق الثاني إلى أجل فقد ترك التقويم وأراد إبطال السنة، واستثنى من الرق ما ليس له فأرى أن يعجل عليه العتق الذي ألزم نفسه. ابن المواز قال ابن القاسم: وقال الكوفيون: إذا أعتق الثاني فلا عتق له ولا بد من التقويم على الأول.
م: لقول النبي صلى الله عليه وسلم» من أعتق شركاً له في عبد وكان له مال قوّم عليه «ولم يقل: أن لشريكه أن يعتق؛ فهو على ظاهره، وحجة مالك: أنه إنما أوجب التقويم على المعتق بحجة الشريك فيما أدخل عليه من الضرر بعتقه لنصيبه، وأما إن أراد الشريك عتق نصيبه لم يكن للأول منعه؛ لأن هذا أولى بعتق نصيبه كسائر الملاّك. ومن المدونة قال: وإذا أعتق المليء شقصاً له في عبد فأخره شريكه بالقيمة على أن زاده فيها فذلك حرام. قال: ومن أعتق شركاً له في عبدٍ بإذن شريكه أو بغير إذنه وهو مليء؛ قوّم عليه نصيب صاحبه بقيمته يوم القضاء، وعتق عليه.
ابن المواز قال أشهب عن مالك ولو قال العبد: لا حاجة لي بعتق ما بقي مني لم يلتفت إليه. ابن المواز: وكذلك إذا قال الشريك: لا حاجة لي بتقويمه وأنا أرضى بالتمسك [28/ أ. ص]؛ فلا بد من التقويم، أعتقه بإذن صاحبه أو بغير إذنه. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كان الأول مليئاً بقيمة بعض النصيب؛ قوّم عليه بقدر ما معه، ورقّ بقية النصيب لربه، وإن كان عديماً لا مال له، لم يعتق غير حصته ويبقى نصيب الآخر. وقاله ابن المواز. ولو شاء شريكه التقويم عليه وأتباعه فذلك له؛ لأن ضرر التأخير على الذي لم يعتق. م: يريد: فلا يُحمل الحديث على ظاهره، ألا ترى أن المعتق إذا كان مليئاً ن لشريكه أن يعتق ولا يقوم عليه وظاهر الحديث أن يقوم عليه، فإنما ذلك إذا شاء وإلا فله هو أن يعتق ولا يقوّم عليه، وظاهر الحديث: أن يقوّم عليه فإنما ذلك إذا شاء وإلا فله هو أن يعتق أيضاً. وقال غير ابن القاسم في كتاب أمهات الأولاد: ليس له ذلك بخلاف الغريم يطأ أمه بينه وبين شريكه، هذا له أن يقوّم عليه ويتبعه؛ لأنه وطأ حصته وحصة شريكه، وفي العتق إنما أعتق حصته فقط. م: وهذا ظاهر قول مالك وابن القاسم في المدونة وهو أشبه بظاهر الحديث.
وابن المواز قال أشهب: وإذا أعتق شركاً له في عبيد بينه وبين رجل أو رجال وعنده ألف وقيمة حصصهم ألفان فإن كان عتق ذلك في كلمة واحدة عتق من نصيب كل واحد نصفه، وإن كان إنما أعتق نصيبه أولاً من واحد ثم أعتق نصيبه من آخر حتى أتمهم؛ فالأول أحق بماله في التقويم قم من يليه حتى ينفذ ما في يديه، ثم أبطل عتق آخرهم وأبيعه في عتق أول باقي هؤلاء الباقين فإن خلصه وإلا انتقلت إلى بيع من يلي المبيع من المتأخرين فإن تمت عتق من ذكرنا من بقية الأولين وبقي من ذلك شيء جعل ذلك في عتق من يلي عتق هذا المعتق فلا يزال يباع هكذا نصيبه/ من آخر من أعتق في عتق ولهم حتى لا يبقى إلا معتق أو مباع فإن لم يبق ممن يباع إلا من في بيع بعضه وفاء بعتق من يليه بعت منه بقدر ذلك وأعتقت ما بقي. قال سحنون في كتاب ابنه: لا أقول بهذا وأرى إن لم يكن له مال غير الأشقاص؛ فلا أرد عتقه في [الثاني للتقويم] في الأول لأنه لا تجب في الأول قيمة إلا بالقيام عليه. وقال ابن القاسم في العتبية فيمن أعتق شقصاً له من عبد فلم يقوّم عليه باقيه لغيبة شريكه حتى أعتق عبداً آخر لا شريك معه فيه ولا مال له غيره؛ أنه لا يرد عتقه لتقويم الشقص؛ لأن القيمة عليه ليس كالدين؛ إذ لو كان ذا مال فلم يقوم عليه حتى داين الناس فقاموا عليه فلا يحاصصهم العبد، ولو أحدث بعد عتق الشقص صدقة أو هبة
فذلك ماض لا يُرد لتقويم الشقص، ولو كاتب عبداً لم تُرد كتابته وتباع كتابته لتقويم الشقص، ولو أحدث تدبير البيع [28/ ب. ص] المدبر لتقويم الشقص إلا أن يكون فيه فضل فيباع منه بقدر القيمة ويبقى الباقي مدبراً. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه وهو مليء ثم أعتق شريكه نصف نصيبه عتق باقي حصته عليه؛ لأنه قد أتلف نصيبه لعتقه بعضه ولا يقوّم على الأول إلا إذا قِيم عليه والعبد غير تالف، ألا ترى أنه لو مات العبد قبل التقويم لم يلزم المتعق الأول شيء، وكذلك لو أعتق الثاني جميع نصيبه لم يكن له أن يضمن الأول؛ لأنه قد أتلفه فكذلك إذا أعتق بعض نصيبه، قال: فإن مات المعتق لبعض نصيبه قبل أن يعتق عليه ما بقي قومنا بقيته على المعتق الأول. قال مالك: ولو كان العبد لثلاثة نفر؛ فأعتق أحدهم نصيبه ثم أعتق الآخر نصيبه وهما مليئان فأراد المتمسك بالرق أن يضمن المعتق الثاني فليس له ذلك، وإنما له أن يضمن الأول؛ لأنه هو الذي ابتدأ الفساد فإن كان الأول عديماً فلا تقويم على الثاني وإن كان موسراً إذ لم يبتدئ فساداً.
سحنون: وقاله جميع أصحاب مالك إلا ابن نافع فإنه قال: يقوّم على الثاني إن كان مليئاً، وقال: أرأيت إن أراد المتمسك ألا يقوّم ويرضى بالضرر وأبى العبد، أليس ذلك للعبد؟. ومن المدونة قال مالك: ولو اعتقا معاً قوّم عليهما إن كانا مليئين. قال ابن حبيب: وليس للتمتمسك أن يقوّم على أحدهما وإن رضي له من أراد أن يقوّم عليه، ولو جاز ذلك جاز له بيعه من أجنبي على أن يعتقه. ومن المدونة قال مالك: وإن كان أحدهما مليئاً والآخر معسراً قوّم جميع باقيه على الموسر. قال سحنون: وقاله أكثر أصحابنا، وقال آخرون: وقاله عبد الملك: لا يلزم الموسر من القيمة إلا ما كان يلزمه في ملاء صاحبه؛ لأنهما ابتدآ الفساد معاً. ومن كتاب ابن المواز روى أشهب عن مالك: في عبد لرجل نصفه ولآخر ثلثه ولآخر سدسه فأعتق صاحب السدس والثلث حصتهما معاً فليقوم عليهما باقيه بقد ما لكل واحد منهما كالشفعة في اختلاف الأنصباء؛ فإن كان أحدهما معدم قوّم جميعه على
الموسر كما إذا أسلم أحد الشفعاء نصيبه لم يكن للباقي أن يأخذ إلا الجميع أو يسلم، وقاله المغيرة ثم رجع إلى أن يقوّم بينهما نصفين كما لو قتلاه. سحنون: وقاله عبد الملك، ورواه ابن نافع عن مالك وهي رواية غير معروفة وهو قول الشافعي، وبالأول أخذ ابن سحنون وابن المواز. قال أشهب: وأجمعوا [29/ أ. ص] أن من عجز منهما عن بعض ذلك أنه يتم على الآخر. وذكر ابن حبيب عن عبد الملك: مثلما ذكر عنه سحنون، وقال عنه: وإن كان أحدهما عديماً لم يقوم على الثاني منهما إلا ما كان يلزمه لو كان مليئين. فصل ومن المدونة قال مالك: وإذا أعتق معسر شقصاً له في عبد فلم يقم عليه/ شريكه حتى أيسر؛ فقال مالك قديماً: أنه يقوّم عليه، ثم قال: إن كان [يوم أعتق]
الناس والعبد والمتمسك بالرق، إنه إنما ترك القيام؛ لأنه إن خوصم لم يقوّم عليه لعدمه، فلا يعتق عليه، وإن أيسر بعد ذلك، وأما إن كان سيد العبد غائباً فلم يقدم حتى أيسر المعتق لنصيبه لَقُوِّم عليه بخلاف الحاضر. ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون وابن القاسم وأشهب: إذا أعتق في عسره ثم أيسر قبل أن يرفع أمره إلى الإمام وينظر فيه، عتق عليه إلا أن يكون إعدامه بيناً عند الناس كلهم فلا تقويم عليه إلا أن يكون العبد غائباً. م: وهو قول مالك الثاني في المدونة، وقال ابن نافع: إنما ينظر إلى حاله يوم التقويم عليه؛ فإن كان له مال قوّم عليه، وإن كان يوم العتق معسراً أو اختلفت أحواله من يسر وعسر، والأول أحب إلينا. م: وقول ابن نافع هو قول مالك الأول. م: ذكر ابن الكاتب أن ابن المواز قال: لا يجوز أن يُقوّم العبد الغائب [وإن علم موضعه وصفته؛ لأنه لا بد من انتقاد قيمته والنقد في بيع الغائب لا يجوز] قال: وكذلك العبد المفقود لا يقوّم.
قال ابن القاسم: وإذا كان العبد قريب الغيبة مما يجوز في مثله اشتراط النقد في بيعه لزم تقويمه إذا عرف موضعه وصفته وينتقد القيمة لجواز بيعه. ومن المدونة [قال مالك: وإن أعتق في يسره ثم قيم عليه في عسره فلا شك أنه لا تقويم عليه]. قال مالك: وإن أعتق حصته في يسره فقال شريكه: أنا أقوّم عليه نصيبي، ثم قال بعد ذلك: أنا أعتق لم يكن له إلا التقويم. قال ابن حبيب: لا يقوّم على الأول حتى يعرض على شريكه أن يعتق، فإن أعتق فذلك له وإن أبى قوّم على الأول، وإن رجع بعد إبائه قبل التقويم على الأول فذلك له ما لم يقوّم. وقاله ابن الماجشون ورواه ابن القاسم وابن وهب عن مالك. ابن سحنون: قال أشهب: إذا أعتق الشريك وهو موسر فقال شريكه: أنا أقوّم عليه ولا أعتق فلما قام عليه وجده معدماً، فإن العبد عتيق على الأول ويتبعه هذا بالقيمة في ذمته؛ لأنه ضمنه في وقت له تضمينه فيه، كمن أعتق وعليه دين وعنده وفاء به. وقال ابن القاسم: له أن يرجع إلى نصف العبد فيأخذه.
ومن المدونة قال مالك: وإذا أعتق أحد الشريكين وهو معسر فرجع [29/ ب. ص] إلى الإمام فلم يقوّم عليه لعسره ثم أيسر بعد ذلك واشترى حصة شريكه لم يعتق عليه. قال ابن القاسم: ولو رفع ذلك إلى الأمام فلم يقوّم عليه ولا نظر في أمره حتى أيسر [لقوّم عليه]؛ لأن العتق إنما يقع حين ينظر السلطان فيه ليس حين يرفع إليه. قال سحنون: أجمع أصحابنا أن من أعتق شقصاً له في عبد أنه بتقويم الإمام عليه حر بغير إحداث حكم، وكذلك لو دبّر فقوّم عليه لشريكه، وأنكر قول عبد الملك في التدبير: إن قوّم عليه لم يكن مدبراً إلا بحكم، وقالوا: إن من أعتق بعض عبده لا يعتق عليه بقيته إلا بحكم. قال ابن المواز: وأما في المثلة فقيل: يعتق عليه بحكم، وقيل: بغير حكم، وأما من ملك من يعتق عليه فهو حر بتمام الشراء من غير حكم. ومن المدونة قال مالك: وإذا أعتق أحد الشريكين حصته وله شوار بيت فليبع ذلك عليه وتباع عليه الكسوة ذات البال ولا يترك له إلا كسوته التي لا بد له منها وعيشه الأيام.
قال سحنون: قال عبد الملك: وإذا لم يكن للمعتق مال ظاهر سئل عنه جيرانه ومن يعرفه، فإن لم يعلموا له مالاً أُحْلِف ولا يسجن، وقاله جميع أصحابنا إلا في اليمين فإنه لا يستحلف عندهم. ابن المواز: قال ابن القاسم عن مالك في العبد يعتق منه الشقص أو يعتقه سيده عند الموت وليس له منظرة وله محبرة ترتفع بها قيمته: فليس ذلك عندما يقوّم على الشريك أو في ثلث سيده، قال: وإن كان زراعاً وقيمته بموضعه أرفع؛ فليقوّم بموضعه ولا يجلب إلى غيره. قال عنه أشهب: ولو قال المعتق عندما أرادوا أن يقوّموا عليه؛ هو/ سارق آبق وشريكه يعلم ذلك؛ فإن أقر له شريكه قوّم عليه سارق آبق، وإن أنكر فلا يمين له عليه، ويقوم صحيحاً سليماً لا عيب فيه إلا أن تقوم له بينة بما قال. قال أشهب: ولو أقام شاهداً عدلاً حلف معه أنه سارق آبق وقوّم على ذلك، فإن نكل حلف شريكه ما يعلمه كذلك وبرأ، وإن كان الشاهد غير عدل لم يحلف معه المعتق ولكن يوجب له اليمين على شريكه ما يعلمه آبقاً ولا سارقا. ابن المواز: ولا يوجب الشاهد غير العدل شيئاً وكأنه كلا شيء.
فصل ومن المدونة قال مالك: وإذا أعتق أحد الشريكين حصته وهو موسر ثم باع الآخر نصيبه؛ نقض البيع وقوّم على المعتق. ابن المواز وقال أشهب: إلا أن يكون المعتق اليوم قد أعسر فلا يرد بيعه إذ لا يرد إلى تقويم، قال: ولو لم يرد حتى أعسر [30/ أ. ص] ثم أيسر فلا يرد إلا أن يكون عدمه الذي كان ليس بمنكشف ولا رفع إلى الإمام فهذا يرد بيعه ويقوّم عليه بقيمته الآن. وقال ابن المواز: لا يعجبني قوله في إجازة البيع إذا أعدم المعتق بعد البيع؛ لأن المبتاع اشترى نصفاً وجب فيه التقويم فكأنه أعطى عيناً أو عرضاً في قيمة مجهولة إذا اشترى وهو يعلم بوجوب القيمة. قال ابن المواز: وإن دخل العبد عيب أو نقص في سوق أو بدن أو زيادة في مال أو ولد له ولد من أمته؛ فقد فات فسخ البيع ولزم مشتريه قيمة النصف المبيع يوم قبضه ثم يكون للمشتري تقويم نصفه على المعتق بقيمته إلا إن اتصل يسره ويقوّك بماله وولده إن حدث له، ولو فات بموت أو عتق لزم المبتاع نصف قيمته يوم قبضه، وإن لم يكن علم المبتاع بعتق نصفه فالبيع صحيح، وهذا عيب له الرد به إلا أن يموت بعيب مفسد فإما رده مع ما نقصه وقوّم لبائعه على المعتق، وإما حبسه وأخذ قيمة العيب ثم قوّمه هو على المعتق،
وإن فات بذلك بعد عدم العتق فإن لم يكن اشتراه على أن يقوم؛ فلا حجة له إلا أن يقول لم أعلم أن نصفه حر فله الرد. قال: ولو [ترك حتى] تزوج التمسك بنصيبه؛ فقال أشهب: يغرّم المعتق نصف قيمته ويعتق وتستوفي المرأة من تلك القيمة قيمته يوم أصدقها إياه. قال ابن المواز: فإن لم يف لها بذلك أتبعت الزوج بالباقي. قال ابن المواز: وإنما يصح هذا الجواب إذا لم تعلم أن فيه تقويماً ولم يفت عندها بعيب مفسد، وإن كانت تعلم أن فيه تقويماً بملاء معتقه فليفسخ النكاح قبل البناء ويثبت بعده ولها صداق المثل ويقوّم على المعتق، ويأخذ الزوج القيمة، ولا بد لها من رده في عدم الزوج ويسره إلا أن يفوت عندها بموت أو عتق فعليهما قيمته يوم قبضته ولها صداق المثل ويترادان الفصل، ولها إن أعتقته نصف ولاء العبد وإن مات بيدها فلها جميع ما ترك، وعليها قيمته يوم قبضته، ولو فات بعيب مفسد أو حوالة سوق؛ غرمت للزوج نصف قيمته يوم قبضته، وأخذت من المعتق قيمة ذلك يوم الحكم، وإن لم تعلم يعتق الشريك لم يفسخ النكاح، وإن لم يبنِ بها، وترده وتأخذ نصف قيمته يوم نكحت إن كان المعتق مليئاً وإن كان عديماً لم يرد. أبو محمد: وهذا إذا علمت أن نصفه حر ولو لم تعلم أن نصفه حر كان لها الرد، وإذا لم تعلم بعتقه لم تفته حوالة الأسواق لصحة البيع فيه، ولها رده، وإن دخله
عيب [30/ ب. ص] عندها ردت ما نقصه وقوّم الزوج على المعتق أو حبسته ورجعت بقيمة عيبه وقوّم لها على المعتق، ولو أعدم المعتق يوم علمت أن فيه التقويم؛ فلا حجة له كعيب ذهب قبل علمها به. قال ابن سحنون عن أبيه قال بعض أصحابنا فيمن أعتق نصف عبده فلم يتم عليه حتى باع النصف الآخر فأعتقه المبتاع ثم علم بالبيع: ردّ ويعتق باقيه على بائعه. قيل: فإن استحدث ديناً، قال: لا بد من فسخ بيعه ويعود كما كان ويباع ما رد لأهل الدين، وإن كان مشتريه قد نقد الثمن/ كان أولا إذا بيع بمثل ما أخذ منه البائع، ويكون ما فضل للغرماء، وإن لم يكن دين غير الثمن الذي نقد فلا يعتق النصيب حتى يعطي المشتري ما نقد، ويباع في ذلك النصف إن لم يكن له غير الثمن الذي أخذ سيده، وإنما يباع منه بالثمن خاصة فيباع مناقصة، يقال: كم يُشترى منه بعشرة؟ فيقول واحد: أنا آخذ نصف العبد بها، ويقول آخر: أنا آخذ ثلثي النصف، ويقول ثالث: أنا آخذ نصف النصف بها حتى يقف، ثم يعتق ما فضل منه مع النصف الأول، ولا عتق للمشتري كان المعتق الأول مليئاً أو معدماً. قال أبو محمد: انظر قوله: أو معدماً.
قال ابن المواز: وإذا أعتق أحد الشريكين نصيبه في العبد ثم وهب الآخر نصيبه لرجل فلا بد من التقويم وليحلف الواهب ما وهب فتكون له القيمة، ثم هو أحق بها، وإن لم يحلف فهو للموهوب، وإن وهب عبداً فاستُحق للواهب الثمن على بائعه فلا يمين. قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: وإذا أعتق نصف عبده ثم تصدق بنصفه على الآخر؛ فليقوم على المعتق ويلزمه نصف قيمته للمتصدق عليه، فإن مات عليه بنصفه قبل عتق النصف أو بعده؛ فالقيمة تلزمه في الوجهين؛ لأنه رضي أن يكون شريكاً معه. ومن العتبية وكتاب ابن سحنون قال ابن القاسم: من قال في كلام واحد: نصف عبدي صدقة على فلان، ونصفه حر؛ الصدقة ثابتة، ويقوّم عليه إن كان مليئاً، وإن بدأ بالعتق فهو حر كله، [ثم قال ذلك سواء، وهو حر كله]؛ لأن مالكاً قال: من تصدق بعيد ثم أعتقه قبل أن يحاز عنه فهو حر كله. قال سحنون: وهو أشبه بمذهبه.
وقال أصبغ في العتبية: القول الأول أولى، وليس ما ذكر بحجة، إنما يكون حجة إذا تصدق ثم لم يعتق [31/ أ. ص] إلا بعد حين يمكنه قبضه فيه فيصير ترك لمعطى أن يجوز صدقته بعد علمه بها حتى يعتق بعد حين حجة، فأما إن تصدق ثم يعتق في كلام واحد في مقامه فليس له ذلك، وعليه نصف القيمة كالشريك. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كان معتق الشقص له من عبد معسر أو العبد غائب فباع المتمسك حصته منه على الوصف وتواضعا الثمن فقبضه المبتاع وقدم به والمعتق [مليء إذ لم يقدم به إلا أن العبد علم بموضعه فخاصمه في ذلك والمعتق] قد أيسر، فإن البيع ينقض ويقوّم على المعتق. م: يريد: إذا كان بموضع قريب يجوز فيه النقد، وقد ذكرناه قبل هذا. فصل قال مالك: وإذا أعتق أحد الشريكين حصته في صحته فلم يقم عليه حتى مرض قوّمنا عليه حصة شريكه في الثلث، وكذلك من أعتق نصف عبده في صحته فلم يعلم بذلك حتى مرض؛ فليعتق بقيته في ثلثه. ابن المواز وقاله ابن القاسم وأشهب. قال أصبغ: وإذا لم يعلم به حتى مرض فليُحكم عليه الآن بالتقويم، ويوقف المال لحياته أو موته، وينفذ الحكم عليه في ذلك؛ فإن صح لزمته تلك القيمة، وإن مات
أخرجت تلك القيمة من ثلثه أو ما حمل الثلث منها ويُبَدّى على الوصايا، وما أعتق أولا من رأس المال. وقال عبد الله بن عبد الحكم: لا يقوّم في مرضه وليوقف أبداً وإن أضر ذلك بشريكه حتى يموت فيعتق ما بقي من ثلثه، أو يصح فمن رأس ماله إلا أن يعتق معه الشريك. قال مالك: والموت والفلس سواء، والموت أبين. ومن المدونة: وقال غيره فيهما لا يقوّم عليه في الثلث نصيب صاحبه ولا يعتق عليه ما بقي من عبده؛ لأن عتقه كنا في الصحة فلا يدخل حكم الصحة على حكم المرض كما لو مات أو فلس. قال سحنون: وقد قال أبو بكر الصديق لعائشة رضي الله عنهما لو كنتِ حزتبه لكان لك ولكنه اليوم مال وارث، قاله وهو مريض، والمرض من أسباب الموت وفيه الحجر، وقد قال ابن عباس: لا يقوّم ميت ولا يقوّم على ميت.
وبهذا قال سحنون في كتاب ابنه. قال مالك/ وغيره: وإن لم يعلموا بذلك إلا بعد المعتق أو فلسه لم يعتق من العبد إلا ما كان أعتق. ابن المواز وقال أشهب: إذا أعتق حصته فلم يقوّم عليه حتى مات، فإن مات بحدثان ذلك قوّم من رأس ماله؛ لأنه حق ثبت لشريكه لم يفرط فيه، فإن فرط في ذلك لم يعتق في ثلث ولا رأس مال، قاله مالك. وكذلك من تمتع بالعمرة إلى الحج يموت عند قضاء حجه وعمرته ولم يهد هدي التمتع فليؤد ذلك عنه من رأس ماله، وإن كان قد [32/ ب. ص] فرّط لم يؤد من ثلث ولا رأس مال. قال سحنون: وأنا أقول في المعتق: لا تقويم عليه. م: يريد: وإن مات بحدثانه. قال أشهب قال مالك: ولو أعتق بعض عبده في صحته فلم يتم عليه حتى مات مكانه أو فلس؛ لم يعتق منه إلا ما كان أعتق.
قال سحنون: وهذا قول أصحابنا جميعاً. ابن حبيب وقال مطرف عن مالك: إن غافصه الموت عتق عليه باقيه، وإلا لم يعتق منه إلا ما أعتق؛ فأعلم. ومن المدونة: ومن أعتق نصف عبده ثم فقد السيد لم أعتق باقيه في ماله؛ لأن المفقود لا يُدرى أحي هو أو ميت فلا يعتق في ماله بالشك ولكن يوقف ما رقّ منه؛ كقول مالك في مال المفقود: أنه يوقف ماله إلى أمد لا يحيا إلى مثله؛ فإذا بلغ ذلك كان ماله لورثته يومئذ إلا أن تثبت وفاته قبل ذلك، فيكون لورثته يو صحة موته. ابن المواز: وروى أشهب عن مالك في معتق شقصه بفقدانه: إن فقد بحدثان العتق؛ فليقوّم نصيب شريكه في ماله الحاضر، وإن تباعد لم يقوّم عليه وفقد المعتق كموته. قال محمد: ويتلوّم في المفقود بأجل يختبر فيه حاله فإن جعل خبره مكّن المتمسك من حصته لبيع أو غيره، ثم إن جاء المفقود أو عُلِمت حياته وله مال حاضر نُقض البيع وقوّم عليه.
قال: ولو فُقد العبد أو كان غائباً يُعلم مكانه لم يقوّم عليه إلا بحضرته وهو بخلاف بيع الغائب على الصفة؛ لأن ذلك لا يجوز النقد فيه، وعتق هذا على الصفة إنما هو على النقد لا بد منه؛ لأن عتقه كقبض فلا يعتق أبداً إلا بدفع القيمة. وذكر عن ابن القاسم: إذا فقد المعتق لنصف عبده مثل ما في المدونة. قال: وقول أشهب: في ذلك أصوب، وعليه رأينا إن عُلم بحدثان فقد المعتق قوّم عليه في ماله وإن طال أمره قبل ذلك صنع شريكه بنصيبه ما شاء. قال ابن المواز: ولو فقد المتمسك بالرِّق لم يضر فقده وقوّم مصابه على المعتق إذا كان هو والعبد حاضرين، وضم قيمته مع سائر مال المفقود. ومن المدونة قال مالك: وإذا أعتق أحد الشريكين وشريكه غائب فإن كانت غيبته قريبة لا ضرر على العبد فيها، كُتب إليه؛ فإما أعتق أو قوّم، وإن بعدت غيبته قوّمناه على المعتق إن كان مليئاً ولم ينتظر قدومه. فصل قال ابن القاسم: وإذا دبّر أحد الشريكين جنين أمة بينهما تقاوياه بعد أن تضعه، وإن أعتق أحدهما جنينها أو دبّره وأعتق الآخر نصيبه من الجارية؛ قوّمت عليه وبطل عتق صاحبه وتدبيره للجنين. وقال بعد ذلك: إذا أعتق أحد الشريكين جنين أمة [32/ أ. ص] بينهما وهو موسر قوّم عليه بعد أن تضعه يوم حكم فيه، وإن ضرب رجلٌ بطنها فألقته ميتاً؛ ففيه ما في جنين
الأمة، وما أخذ فيه فهو بين الشريكين، وإن كان لهذا الجنين إخوة أحرار فلا شيء لهم من عقله؛ لأن حرمته لا تتم إلا بالوضع وعقله للشريكين كما ذكرنا. ابن المواز: قال ابن القاسم: وإن ضرب رجلٌ بطنها فخرج الولد حياً مُسْتَهِلاً فديته دية عبد الشريك الذي لم يعتق جملتها كعبد بينهما أعتق أحدهما نصيبه منه فقتل قبل التقويم، أن قيمته للمتمسك بالرِّق. فصل ومن المدونة قال مالك: ومن أعتق نصف أم ولده أو نصف أمته عتق عليه جميعهما، وكذلك كل من أعتق شقصاً له من عبد يملك جميعه عتق عليه كله. وروى سحنون أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: جاءه رجلٌ فقال: إني أعتقت نصف عبدي، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: عتق عليك كله، ليس لله شريك، والرجل صحيح، وقاله جماعة من التابعين.
قال ربيعة: وقد قضى الرسول عليه السلام فيمن أعتق نصيباً له من عبد أن يقوّم عليه بقيته، فكذلك من أعتق بعض عبده؛ إذ لا يجتمع في يد رجل عتاقة ورق كل ذلك من قبله حتى تتبع أحد الحرمتين صاحبتها والرق أحق أن يتبع بعض العتاقة. ابن المواز: فإن لم يعتق عليه ما يفي حتى استدان السيد ديناً يحيط بماله وبما بقي من رقبة العبد أو فلس أو مات، لم يعتق من العبد إلا ما عتق. فصل ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا كان عبد بين مسلم وذمي فأعتق المسلم حصته قوّم عليه كان العبد مسلماً أو ذمياً، وإن أعتق الذمي حصته وكان العبد مسلماً قوم عليه وجبر على عتق جميعه؛ لأن كل حكم بين مسلم وذمي فإنه يحكم فيه بحكم المسلمين، وإن كان العبد كافراً لم يقوّم على الذمي حصة المسلم؛ لأن العبد لو كان جميعه لنصراني فأعتقه أو أعتق بعضه لم يحكم عليه بعتقه، فكذلك إذا كان بينه وبين مسلم فأعتق حصته، وهذا قول مالك، وقال غيره: تقوّم عليه حصة المسلم.
ابن المواز: وقاله أشهب، وهو أحب إلينا، واستحب في موضع آخر قول ابن القاسم. م: فوجه التقويم: لأنه أدخل الضرر بعتقه لنصيبه على المسلم، وهي العلة التي أوجبت التقويم بين المسلمين، فصار ذلك حكم بين مسلم وذمي فحكم بينهما فيه بحكم المسلمين. م: ووجه قول ابن القاسم: فلأن عتق النصراني لا يلزمه وله الرجوع فيه فهو كلا عتق فلذلك لم يقوّم عليه [32/ ب. ص]. قال بعض القرويين: إن أبى النصراني العبد عن نفسه حتى لو أراد ردّه في الرق لم يكن ذلك له فيجبر المسلم على أن يقومه عليه ويستتم عتقه، وإن لم يُبِن العبد عن نفسه ولو أراد رده في الرق كان له، فلا يقوم عليه إلا أن يشاء المسلم إلا أن يشهد النصراني أنه رده في الرقفلا تقويم فيه أصلاً، وإن شاء ذلك المسلم، وهذا استحسان. محمد: وأما النصراني بين مسلمين فمن أعتق منهما قوّم عليه، وكذلك مسلم بين نصرانيين، وأما نصراني بين نصرانيين فلا تقوم فيه إلا أن يرضوا بحكمنا، وإذا كانا عبد بين حر وعبد فأعتق الحر حصته قوّم عليه، وإن أعتق العبد فلا عتق له إلا أن يكون بإذن سيده فيقوّم على سيده كان للعبد مال أو لم يكن.
قال سحنون: ويباع في قيمته رقبة العبد وغير ذلك من مال السيد. ابن المواز: وكذلك إن كان بغير إذنه فأجاز. فصل ومن المدونة قال مالك: وإذا أعتق المريض شقصاً له في عبد أو اشترى نصف عبد فأعتقه بتلاً، فإن كان له مال مأمون من دور أو أراضين قوّم عليه نصيب صاحبه الآن، وعتق العبد كله، ولا ينتظر به موته، وإن لم يكن له مال مأمون لم يعتق نصيبه ولا نصيب شريكه إلا بعد موته فيعتق جميعه في ثلثه ويغرم قيمة نصيب شريكه. ابن المواز: لأنه قد وجب التقويم في مرضه وله حق في ثلثه؛ لأن ماله لا يجب لورثته إلا بعد موته فصار كمن أعتق شقصه وله مال. ومن المدونة قال ابن القاسم: وقد قال مالك: إذا بتل المريض عتق عبده كله وله ماله مأمون، عجّل عتقه وتمت حرمته في جميع أحكام الأحرار؛ من الموارثة والشهادة وغيرهما، وإن لم يكن له مال مأمون وكان يخرج من الثلث لم يعجّل عتقه، ووقف، وكان له حرمة العبد حتى يعتق بعد موت سيده في ثلثه.
قال ابن القاسم: وليس المال المأمون عند مالك إلا في الدور والأرضين والنخل والعقار، والمالك قول ثانٍ في المبتل في المرض: إن حكمه حكم العبد حتى يعتق بعد الموت في الثلث كان له مال مأمون أو لم يكن، وقد رجع عنه مالك إلى ما وصفنا. ابن وهب: وقال ربيعة فيمن أعتق شركاً له في عبد عند الموت: أنه يعتق منه ما أعتق من نصيبه ولا يكلف حق شريكه، وأن عمر بن عبد العزيز أجاز عتق ثلث عبد أعتقته امرأة عند موتها. وروى ابن المواز وابن حبيب عن مالك في المريض يعتق شقصاً له من عبد/ مثل ما في المدونة. ابن حبيب وقال ابن الماجشون: لا يقوّم عليه حتى يصح أو يموت، فإن صح قوّم عليه في ماله، وإن مات عتق ما أعتق منه في ثلثه، ولم يقوّم عليه نصيب صاحبه وإن حمله الثلث؛ لأن التقويم لا يلزم إلا في عقد يقضي إلى حرية ناجزة أو إلى أجل قريب لا يرده دين، وهذا قد يرده الدين وهو من الثلث إلا أن تكون لسيده أموال مأمونه قيقوّم عليه ويعجّل له العتق مكانه قبل أن يموت، وقاله ابن حبيب، وهو نحو قول ربيعة في
المدونة وحكى سحنون عن ابن القاسم نحو ما في المدونة، وبه قال، [قال: وسواء عتق عليه [33/ أ. ص] قبل الموت أو بعده]. قال: وقال آخرون: إن شاء الشريك التقويم ويقبض الثمن ويكون العبد عبداً بيد المريض إن مات عتق في ثلثه أو ما حمل منه، وكان ما بقي رقيقاً، وإن شاء لم يقوّم عليه ويمسكه ولا يبيعه من غيره؛ لأن بيعه من غيره خطر؛ لأن المشتري يؤدي هنا ثمناً على أن يأخذ قيمة مجهولة، فإذا مات المعتق عتق في ثلثه، وإن أراد المتمسك عتق حصته فذلك له ما لم يقوّم أو يعتق ويكون شريكاً له في الولاء إن أعتق معه ولم يقوّم. ابن حبيب: وقاله ابن الماجشون. وقال مطرف عن مالك: إنه ليس لشريكه أن يعتق، ويلزمه التقويم، كما لو الشريك جميعه.
وقال سحنون: لو أعتقه المريض كله في مرضه وأشهد بذلك فالشريك مخيّر أيضاً. ومن المدونة قال مالك: وإن كان إنما أوصى بعتق شقص له من عبد [أو اشترى شقصاً من عبد] فأوصى بعتقه فإنه لا يعتق عليه نصيب شريكه. سحنون: وقاله مالك وأصحابه. ابن المواز: وذلك إن عتقه لذلك الشقص إنما وجب بعد موته حين صار ماله لورثته فهو كمن أعتق شقصاً له ولا مال له غيره. قال ابن القاسم فيه وفي العتبية: إلا أن يرضى المعتق بالتقويم فيقوّم في ثلثه ويعتق جميعه إذا حمله الثلث أو ما حمل منه، شاء شريكه أو أبى، وقاله أصبغ. قال: ولو كان ذلك في مكاتب لم يكن له ذلك؛ لأنه ينقل عن شريكه الولاء، وإن رضي به الشريك. وقاله أصبغ. حتى يعجز ويرق فيعتق على الميت في ثلثه.
وروى يحيى عن ابن القاسم فيمن أوصى بعتق ثلث عبده ويعطى ثلث باقي ماله، فإنه لا يعتق منه إلا ثلثه ويأخذ بقية وصيته مالاً ولا يعتق فيه، بخلاف أن لو أوصى له بثلث ماله؛ هذا يعتق فيه. فصل ومن المدونة قال مالك: وإذا أعتق أحد الشريكين وهو معسر أو كان موسراً فلم يقوّم عليه حتى مات العبد عن مال؛ فالمال للمتمسك بالرق دون المعتق ودون ورثة العبد الأحرار؛ لأنه بحكم [33/ ب. ص] الأرقاء حتى يعتق جميعه، ولا يقوم بقية العبد بعد موته على المعتق وإن كان مليئاً. قال ابن القاسم: وإن مات العبد وترك مالاً ولرجل فيه السدس ولآخر فيه الثلث ونصفه حر فالمال بينهما بقدر ما لهما فيه من الرق؛ لصاحب السدس سهم ولصاحب الثلث سهمان. ابن وهب وقال ربيعة ومالك: وإن كان العبد بين ثلاثة فأعتق أحدهم نصيبه وكاتبه الثاني وتماسك الثالث بالرق، فمات العبد؛ فميراثه بين الذي تماسك بالرق وبين الذي كاتب على أن يرد الذي كاتب ما كان أخذ من كتابته قبل موته. [قال ابن القاسم: وإن مات العبد وترك مالاً ولرجل فيه السدس ولآخر فيه الثلث ونصفه حر؛ فالمال بينهما].
قال ابن القاسم في العتبية: في أحد الشريكين يعتق نصيبه من العبد وهو عديم ثم يولد للعبد ولد من أمته فولده بمنزلته؛ نصفه حر كأبيه ونصفه لمالك نصف أبيه، فإن عتق المتمسك حصته من الولد ثم مات الولد عن مال ولم يعتق أبوه فإن ولاءه وماله بين الشريكين. قال في كتاب ابن سحنون: ولو أعتق هذا العبد المعتق نصفه عبداً بإذن من له فيه الرِّق ثم مات ذلك العبد عن مالٍ فماله بين السيدين دون العبد الذي نصفه حر، وذكر في ولده مثل ما في العتبية. [وفي العتبية وفي سماع يحيى بن يحيى: أن ميراث ما أعتق هذا العبد الذي نصفه حر بإذن من له فيه الرق للمتمسك بالرق خالصا. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: فإذا أعتق أحد الشريكين حصته من العبد إلى أجل؛ قوّم عليه الآن ولم يعتق حتى يحل الأجل. سحنون: وروي عن مالك.
ابن حبيب: وروى أصبغ عن ابن القاسم وأشهب مثل ذلك وقالا: إلا أن يكون الأجل بعيداً جداً فيؤخر التقويم إلى حلوله، ولو قال قائل: يؤخر التقويم إلى حلوله في الوجهين لم أعبه. وقاله/ أصبغ. ومن المدونة وقال غيره: إن شاء تعجّل القيمة أو أخرها. ابن حبيب ورواه مطرف وابن الماجشون عن مالك والمغيرة وبه أقول، وكذلك في كتاب ابن سحنون عن عبد الملك قال فيه: وإن تماسك بنصيبه إلى أجل لم يكن له بيعه قبل الأجل إلا من شريكه، فإن لم يبعه منه وتم الأجل قوّم عليه بقيمته يوم تم إن كان مليئاً بقيمته يومئذ أو فيما هو مليء به منها ما لم يكن تافهاً. قال عبد الملك: ولو شاء التقويم عليه يوم العتق فألفاه عديماً فلا يكون ذلك قاطعاً للتقويم عليه يوم العتق عند الأجل إن كان يومئذ مليئاً، ولا ينبغي للشريك بيع حصته من غيره قبل تمام الأجل. وقال المغيرة وسحنون: إن عدمه اليوم قاطعاً للتقويم عليه بعد ذلك إن أيسر ويبيح للشريك بيع حصته، وقاله ابن حبيب عن مطرف.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن مات العبد عن مال قبل التقويم أو قتل فقيمته [34/ أ. ص] وما ترك من المال بين السيدين؛ لأن عتق النصف لم يتم حتى يمضي الأجل. ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم: إذا أعتق أحدهما حصته إلى سنة ثم أعتق الآخر بتلاً؛ فإن بعض العلماء يقول: تقوم خدمته سنة فتؤخذ من المال بتل فتدفع إلى المخدم، ويعتق كله الآن، وأخذ به ابن القاسم ثم رجع فقال: يبقى على حاله يعتق نصفه الآن ونصفه إلى سنة ولا يؤخذ من هذا قيمة خدمته وولاؤه لغيره. ابن سحنون: عن أبيه وقاله جميع أصحابنا، وذكر ابن المواز عن أشهب مثل القول الأول. قال عن أشهب: ولو أعتقاه معاً إلى أجل، أو واحد بعد واحد، ثم بتله أحدهما فلا تقويم عليه؛ لأنه وضع خدمته. وكذلك روى ابن حبيب عن مطرف وقال: إن مات العبد قبل السنة فماله للذي بقيت له فيه الخدمة. وقال ابن سحنون عن أبيه: ولو أعتق الأول حصته إلى سنة، ثم أعتق الآخر بعده إلى ستة أشهر؛ فلا تقويم فيه، ويكون كما أعتقاه إذا مضت نصف سنة عتق نصفه، ولا تقويم للمعتق إلى سنة، وكان إليها حر كله.
ابن حبيب: وهو مثل ما لو أعتق الأول معجلاً والثاني إلى سنة، وقد فسرناه. ابن المواز قال ابن القاسم: ولو كان كله لرجل فأعتقه إلى سنة فاختدمه بعضها ثم قال له: نصفك حر الساعة؛ فإنه يعتق عليه جميعه. قال ابن القاسم: وإن أعتق أحد الشريكين إلى سنة ثم أعتق الثاني بعد موت فلان، فإنه إن مات فلان قبل السنة، عتق نصيب الثاني ولا يقوم عليه نصيب صاحبه، وإن حلّت السنة قبل موت فلان؛ عتقت مصابته وقوّم عليه نصيب الثاني، إن كان الأول صحيحاً: فمن رأس ماله، وإن كان مريضاً قوّم في ثلثه نصيب الآخر، وأما نصيبه فمن رأس ماله، وإن مات الأول قبل السنة: عتقت مصابته فقط عند السنة من رأس ماله. قال أصبغ: وإن أعتق أحدهما نصيبه إلى موت أبيه، ثم أعتق الثاني نصيبه إلى موت أبي نفسه فإن مات أبو الأول أولاص قوّم عليه نصيب الثاني، يريد: إلا أن يعتق الثاني نصيبه بتلاً. قال: وإن مات أبو الثاني أولاً لم يقوّم عليه شيء. ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: وإن أعتق هذا إلى عشر سنين ودبّر صاحبه، فإن مات الذي دبّر قبل عشر سنين، وترك ما يخرج نصيبه من ثلثه عتق نصيبه وبقي نصيب الآخر إلى الأجل الذي سمى، وإن لم يدع مالاً، أو ترك شيئاً لا يخرج
نصيبه منه [34/ أ. ص] عتق ما حمل الثلث منه، ويقوّم باقي نصيبه على الآخر ويكون حراً إلى عشر سنين، وإن انقضت العشر سنين قبل موت الذي دبّر قوم نصيب الذي دبّر على المعتق وعتق كله وبطل التدبير إلا أن يشاء الذي دبّر عتق نصيبه بتلاً فذلك له. ابن المواز: وإن كان بين رجل وامرأته عبداً فابتدأ الزوج فأعتق نصيبه منه إلى موتها، ثم أعتقت هي نصيبها إلى موت زوجها؛ فإن مات الزوج أولاً عتق نصيب المرأة من رأس مالها كانت الآن مريضة أو مديانة إلا فين دين قبل عتقها، ويبقى نصيب الزوج يختدمه ورثته مع زوجته هذه إلى موتها فيعتق من رأس مالها، وإن ماتت المرأة أولاً عتق/ مصابة الزوج من رأس ماله، وقوّم عليه نصيب المرأة؛ لأنه هو ابتدأ العتق. ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو قالا معاً: أنت حر إلى موت أولنا؛ فنصيب أولهما موتاً حر من ثلثه، ونصيب الحي من رأس ماله مكانه، فإن عجز ثلث الميت عن نصيبه استتم على الحي؛ إلا أن يكونا إنما قالا ذلك واحداً بعد واحد، فإن مات أولهما قولاً فعجز نصيبه عن ثلثه لم يتم على الثاني، وإن مات أولا آخرهما قولاً فلم يفِ ثلثه بنصيبه استتم على الأول الحي بقيته.
فصل ومن المدونة قال مال: ومن اشترى نصف ابنه أو نصف من يعتق عليه من رجل يملك جميعه أو كان لرجلين فاشترى حصة أحدهما أو تصدق به عليه أو وهبه له أو أوصى له به فقبله؛ فإنه يعتق عليه ما ملك منه بشيء من هذه الوجوه، ويقوّم عليه بقيمته إن كان مليئاً، وإن كان معسراً لم يعتق منه إلا ما ملك، ويبقى باقيه رقيقاً على حاله يخدم مسترق باقيه بقدر ما رقّ منه ويعمل لنفسه بقدر ما عتق منه ويوقف ماله بيده. قال في كتاب الولاء: إذا أوصى له ببعض ابنه فإن قبله قوّم عليه باقيه، وإن رده فروى علي عن مالك: أن الوصية تبطل. محمد: وقاله أشهب وابن دينار. وقال ابن القاسم: إذا رده عتق ذلك الشقص فقط قاله مالك وفي الولاء إيعاب هذا. ومن المدونة: وأما من ورث شقصاً ممن يعتق عليه فلا يعتق عليه منه إلا ما ورثه فقط ولا يقوّم عليه بقيته وإن كان مليئاً؛ لأنه لم يجر الميراث إلى نفسه ولا يقدر على دفعه، وفي الشراء والهبة والصدقة فهو جزء ذلك في نفسه؛ لأنه قادر على دفعها. ابن المواز: قال مالك: ثم إن اشترى بعض ما بقي منه بعد الذي [35/ أ. ص] ورث؛ لم يعتق عليه غير ما اشترى منه. قال سحنون في كتاب ابنه: قاله مالك وأصحابه.
وكذلك إن وهب له منه شقصاً بعد أن ورث منه شقصاً؛ لم يعتق عليه إلا ما ورث وما وهب، إلا ابن نافع فقال: إذا قبل منه شيئاً مما بقي منه قوّم عليه باقيه ولا أعلم من يقوله غيره. قال مالك: إن اشتريت أنت وأجنبي أباك في صفقة واحدة؛ جاز البيع، وعتق عليك، وضمنت للأجنبي قيمة نصيبه، غمزها سحنون وقال: كيف يجوز هذا الشراء وهذا الأجنبي لا يدري ما اشترى أدى ثمناً على أن يأخذ قيمة مجهولة؟ م: قال بعض أصحابنا: يحتمل أن يكون معنى كلام ابن القاسم: أن المشتري مع الولد أباه لم يعلم أنه أبوه وإنما انكشف ذلك بعد عقد البيع فلم يدخل على فساد، والله أعلم. ومن المدونة قال مالك: ومن وهب لصغير أخاه أو من يعتق عليه فقبله أبوه جاز ويعتق على الابن. قال: وإن أوصى لصغير بشقص ممن يعتق عليه أو ورثه، فقبل ذلك أبوه أو وصيه؛ فإنما يعتق عليه ذلك الشقص فقط، ولا يقوّم على الصبي بقيته، ولا على الأب أو الوصي الذي قبله، وإن لم يقبل ذلك الأب أو الوصي: فهو حر على الصبي، وكل من جاز بيعه وشراؤه على الصبي فقبوله له الهبة جائز، وذلك في الأب والوصي.
باب في العبد المأذون له في التجارة يملك ذا قرابة له أو لسيده ممن يعتق عليه
باب في العبد المأذون له في التجارة يملك ذا قرابة له أو لسيده ممن يعتق عليه قال مالك: وإذا ملك العبد المأذون له في التجارة من أقاربه ممن يعتق على الحر إذا ملكه، لم يبعهم إلا بإذن سيده. وقد قال مالك: لا يبيع المأذون له أم ولده إلا بإذن سيده، فولده أحرى ألاّ يبيعهم إلا بإذن سيده، ألاَ ترى أنه لو أعتق وهم في ملكه عتقوا عليه، وإن أم ولده لو أعتق وهي في ملكه كانت أمة له. قال أبو محمد: إنما لم يجز للمأذون له بيع أم ولده إلا بإذن سيده، لاحتمال أن تكون حاملاً وما في بطنها فهو للسيد/ فلا يبيع ملكاً للسيد إلا بإذنه.
وقد تأول غيره: إنما كره بيعها إلا بإذن السيد؛ لأن بعض الناس يقول: العبد إذا أعتق كانت له أم ولده بما كانت ولدت منه في حال الرِّق؛ فلهذا كره بيعها إلا بإذن السيد. م: وما ذكر أبو محمد أبين. وقال بعض شيوخنا: فإن باع أم ولده ولم يستأذن سيده [35/ ب. ص] جاز البيع ولم يفسخ إذا لم يظهر بها حمل، وأما إن باع من أقاربه من يعتق عليه على الحر إذا ملكه بغير إذن سيده فيفسخ بيعه، فإن العلة في أم الولد خوف الحمل فقد ظهر أنها ليست بحامل وأن السيد لا حق له فيها فوجب إمضاء البيع فيها، وأما من يعتق عليه يوماً فإنما كره له بيعهم إلا بإذن السيد رجاء أن يعتقوا إن بقوا بيده حتى يعتق. م: والذي أرى أنه إن باعهم بغير إذن السيد أن ينفذ بيعهم؛ لأن عتقهم أمر مترقب قد يكون أو لا يكون، وبيعه قد وجب لمبتاعه فلا يفسخ حقاً وجب لأمر يكون أو لا يكون، هذا هو أصلهم والله أعلم. وقال بعض المتأخرين من أصحابنا وعلى اعتلال أبي محمد رحمه الله في أم الولد: ينبغي ألا يبيع أمة له يطؤها إلا بإذن السيد إذ قد تكون حاملاً أيضاً. وحكي عن ابن موسى بن مناس أنه قال: لا يلزم هذا في الأمة؛ لأن أم الولد قد صارت خزانة للسيد إذ قد أوقفها للولد بخلاف الأمة.
م: ولأن الأمة إذا أتت بولد لم يلحق بالسيد إلا أن يقر بالوطء أو تقيم هي على ذلك بينة، وأما أم الولد فيلحق بالسيد ما أتت به من ولد إلا أن ينفيه ويدعي الاستبراء. قال ابن القاسم في غير هذا الكتاب: وكذلك المدبّر والمعتق إلى أجل إذا ملك أباه فلا يبيعه إلا بإذن السيد ما لم يمرض سيد المدبّر أو يفوت أجل المعتق إلى أجل، فلا يجوز حينئذ إذن السيد إذ لا يستطيع انتزاعه منه حينئذ، وليس له بيع ما ولد للمدبر والمعتق إلى أجل بعد عقد ذلك فيهما [وإن أذن له السيد. م: لأن السيد نفسه لا يستطيع بيعهم؛ لأنهم كآبائهم فآباؤهم أحرار لا يجوز لهم بيعهم، وهذا إذا كان حمل أمة المدبر وأمة المعتق إلى أجل بعد عقد ذلك فيهما]. ابن المواز قال أشهب: وليس لواحد منهم ولا للعبد شراء ذلك إلا بإذن السيد، وكذلك أم الولد والمعتق بعضها. قال ابن المواز: وأما المعتق بعضه يشتري ذلك بإذن السيد؛ فلا يبيعه وإن أذن له السيد، وأما المكاتب يأذن له سيده يشتري من يعتق على الحر، فإنهم يدخلون معه في
الكتابة، وقيل: لا يدخل إلا الولد والوالد، [وقيل: لا يدخل إلا الولد] وفي كتابة المكاتب إيعاب هذا. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا ملك العبد المأذون له من قرابة سيده من لو ملكهم سيده عتقوا عليه والعبد لا يعلم بهم؛ فإنهم يعتقون عليه، إلا أن يكون على سيد المأذون له دين يغترقهم [36/أ. ص]. قال في كتاب الرهن: وإن اشتراهم المأذون له وهو يعلم بهم؛ لم يجز ذلك على سيده، إذ ليس له أن يتلف مال سيده. قال ابن المواز: شراء المأذون له من يعتق على سيده من قرابته عامداً أو جاهلاً؛ سواء، وهم أحرار، قاله مالك.
ابن المواز: لأن إذن السيد له في الشراء والبيع إذن له باشترائهم. قال عن ابن القاسم: ولو كان على المأذون دين يحيط بماله؛ رأيت أن يعتقوا ويغرم سيده الثمن إلا أن يكون العبد غير مأذون له في التجارة، فلا يجوز شراؤه ولا يعتقوا ويرد الشراء. محمد: وهو أحب إليّ من قول أشهب. وقال أشهب: لا يشتري المأذون له أبا سيده إلا بإذنه، فإن اشتراه بإذنه لم يعتق عليه، ويبقى بيده حتى يصير للسيد بموت العبد أو بيعه، وليس له ها هنا بيعه بماله، وإن أعتقه أتبعه والد سيده رقاً له. قال ابن القاسم: وأما المكاتب فله ملك أبوي سيده، وبيعهما ووطء الأم، [وإن كانت ابنة سيده أو أمه؛ لأن المكاتب لا يقدر سيده أن يتصدق في ماله ولا يأخذه؛ فإن قيل: هو لو وطأ أمته لم يجز فلم تكن له شبهة قبل الوطء؛ إنما هو درأه حد الشبهة؛ لأن الأب لا تصرف له في ملك ابنه الكبير، ولو وطأ جارية ابنه الكبير ما حد، ولو أعتقها ما جاز عتقه، وإنما شبه هذا لو أعتق السيد عبد مكاتبه ما جاز عتقه إلا أن يعجز المكاتب والعبد باق في يده فيعتق بذلك العتق] وقاله سحنون في كتاب ابنه.
ابن المواز: قال ابن القاسم: وقد قال بعض الناس: هذا في العبد، وليس بشيء، فإن عجز المكاتب عتق من بيده ممن يعتق على سيده وقاله أصبغ [36/ ب. ص] [ابن الفرج رضي الله عنه. تم العتق الأول بحمد الله] /
بسم الله الرحمن الرحيم عونك يا الله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كتاب العتق الثاني جامع القول فيمن يعتق بالقرابة م: الأصل في منع استرقاق الأبوين قال الله تبارك وتعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}، قال تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}، وقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا}. فلما كان استرقاقهم من الإذلال وأعظم مما نهي عنه من التأفف وغير ما أمر به من الإحسان إليهما لم يجز أن يملكهما.
ودلنا الله تعالى أنه رفع الرّق عن الولد بقوله عز وجل: {أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} إلى قوله: {إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}، وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} فدل أن الولد لا يكون عبداً، ولا خلاف في عتق الأبوين والولد، ودخل الجد للأب أو للأم مدخل الآباء بدخوله في قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} فلم يجز نكاح ما نكح الجد للأب أو للأم، ودخلت الجدات في الحرمة مدخل الأمهات، وأما الإخوة فيعتقون إذا ملكهم لقرب ولادتهم، وقد قال الله عز وجل حكاية عن موسى صلى الله عليه وسلم: {رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي} فلما لم يجز أن يملك نفسه فكذلك لا يملك أخاه، وقد وجدنا الإخوة يقومون مقام الولد في حجب الأم عن الثلث إلى السدس وهم في قسمة الميراث مثل قسمة الولد فأجروا مجراهم في العتق.
ومن المدونة قال ابن القاسم عن مالك: والقضاء إلا يعتق على الرجل من أقاربه إلا الولد ذكرهم وأنثاهم وولد الولد وإن سفلوا. قال أشهب عن مالك في العتبية: ولد الذكور والإناث. قال في المدونة: وأبويه وأجداده وجداته من قِبل الأم والأب وإن بعدوا، وإخوته دُنْيا لأبوين أو لأب أو لأم وهم من الفرائص في كتاب الله تعالى. م: قوله: وهم أهل الفرائض في كتاب الله عائد على الإخوة فقط. قال مالك: ولا يعتق عليه من ذوي محارمه غير هؤلاء لا عم ولا عمة ولا خال ولا خالة ولا بني أخ ولا بني أخت ولا أمة كان تزوجها فولدت منه ثم اشتراها بعد ما ولدت. فأما إن اشتراها وهي [36/ أ. ص] حامل منه فوضعت عنده بعد الشراء بيوم أو أقل أو أكثر كانت به أم ولد.
قال مالك: وإن اشترى من ذوي محارمه من الرضاعة؛ أمهاته وبناته وأخواته، أو محارمه من قِبل الصِّهر؛ أمهات نسائه وجداتهن أو ولدهن؛ فلا يعتق عليه شيء منهن ويبيعهن إن شاء. قال المشيخة السبعة: وهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد بن ثابت، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار: إذا ملك الوالد ولده أو الولد والده عتق عليه، وما سوى ذلك من القرابة فيختلف الناس فيه. وقال يحيى بن سعيد: أما الذي لا شك فيه الوالد والولد والإخوة فمن ملكهم فهم أحرار. وقال ابن شهاب: مضت السُّنّة أنه لا يسترق الرجل والده ولا ولده ةلا إخوته، وإن مات قبل عتقهم فقد عتقوا عليه يوم ابتاعهم، وقال ابن شهاب: ومضت السُّنة باسترقاق الأب والأم من الرضاع إلا أن يرغب رجل في خير.
قال ابن القاسم: ومن اشترى أباه بالخيار له أو للبائع لم يعتق عليه إلا بعد زوال أيام الخيار؛ لأن البيع لا يتم بينهما إلا بعد الخيار، وإذا كان الخيار للبائع فهو أبين وكلٌّ سواء. ابن المواز: قال مالك: ومن ابتاع من يعتق عليه فهو حر بتمام الشراء قبل الحكم. ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: وإذا اشتراه بيعاً حراماً لم يفسخ شراؤه وقد عتق عليه ساعة اشتراه، كما لو ابتدأ عتق عبد ابتاعه/ بيعاً فاسداً فهو فوت وفيه القيمة، وقاله ابن القاسم وأصبغ. م: فإن لم يكن دفع الثمن ولا مال له غيره؛ فليبع منه بالأقل من القيمة أو الثمن ويعتق ما بقي عليه؛ لأن القيمة إن كانت أقل: فهي التي وجبت له بفساد البيع فإذا أعطيها لم يظلمه، وإن كانت القيمة أكثر من الثمن، فلم تلزمه إلا بعد العتق، فالزائد على الثمن كدين طرأ بعد العتق فيتبع به في ذمته، وقاله ابن القاسم وأشهب في كتاب ابن المواز. ابن سحنون عن ابن الماجشون: ومن اشترى أباه على عهدة الإسلام فهو حر بعقد الشراء ولا عهدة فيه، وكذلك من أصدق امرأة أباها على العهدة؛ إنه حر إذا قبلته،
وكذلك إذا كان بمكان الأب عبداً حلف بحريته إن ابتاعه فابتاعه على العهدة لعتق ولم يكن فيه عهدة. قال ابن القاسم في العتبية: وإذا اشترى أباه فحبسه البائع للثمن فيهلك، فهو حر بالعقد وجراحه وميراثه وأحكامه وضمانه من الولد. م: وأما إن اشتراه وعليه دين فليبع في دينه، وكذلك إن ورثه وعليه دين عند ابن القاسم، وأما إن وهبه أو تصدق به عليه فليعتق عليه. وقال أشهب: لا يباع في الدين لا في ميراث ولا في هبة ولا في صدقة، وقد ذكرنا ذلك في الكتاب الأول بزيادة فيه. قال في العتبية: وأما إن أوصى له فقال: بيعوا ابنه وأعطوه ثمنه؛ فلا يعتق عليه في هذا وإن قبل. فصل ومن المدونة قال مالك: وعمة أمك لا تعتق عليك وهي محرمة عليك؛ لأنها أخت جدك لأمك، وأجدادك [36/ ب. ص] لأمك لو كانوا نساء كنّ محرمات عليك، فكذلك
أخواتهم وجداتك لأمك وأخواتهن محرمات عليك بمنزلة خالاتك، وإنما يقع التحليل في أولاد من ذكرنا، وقد تقدم في العتق الأول: إن اشترى المأذون من قرابة مولاه ممن يعتق عليه فإنه يعتق عليه. قال ابن القاسم ها هنا: وإن كان غير مأذون له في التجارة لم يجز شراؤه إياه بغير إذن سيده وله رده ولا يعتق عليه. فصل قال ابن القاسم: ولا يجوز للأب أن يشتري بمال ابنه من يعتق على الابن ولا يتلف مال ولده. قال أشهب: فإن اشتراهم تم البيع ولا عتق لهم، ويعجّل بيعهم لئلا يكبر الابن فيعتقون عليه. م: قال بعض فقهائنا القرويين: إذا اشترى لابنه من يعتق عليه؛ فإنه لا يعتق عليه بنفس البلوغ كما أشار إليه أشهب وله بيعهم؛ لأن غيره تولى شراءهم، وسواء كان الأب عالماً أنهم يعتقون على ولده أو غير عالم، وهو كما لو أعتق عبد ولده الصغير عن ولده؛ فإنه
لا يعتق عليه، قاله ابن المواز، وليس كالمقارض أو الوكيل يشتري أبا رب المال؛ لأن رب المال والأمر ممن يصح فعله في العتق ولا يصح عتقه المولى عليه. قال في كتاب الوكالات: وإن أمرت وكيلك بشراء عبد فابتاع من يعتق عليك غير عالم لزمك وعتق عليك، وإن كان عالماً لم يلزمك. قال يحيى بن عمر: يعني: ويلزم المأمور، ويسترقه، ويباع عليه في الثمن، وقاله لي عبيد بن معاوية، قال لي البرقي: إن علم المأمور؛ عَتَق العبد، وضمن للآمر الثمن، فإن لم يكن له مال، بيع العبد في ذلك أو بعضه، وعتق ما فضل منه والولاء للآمر.
قال في كتاب الفرائض: وإذا اشترى العامل أبا رب المال ولم يعلم، عتق على الابن، وكان له ولاؤه، وعليه للعامل حصةربحه إن كان فيه فضل، وإن علم العامل وهو مليء: عتق عليه؛ لضمانه بالتعدِّ، والولاء للابن، ويغرم العامل ثمنه للابن. قال ابن المواز: كان الثمن أكثر من القيمة أو أقل. قال ابن القاسم: فإن لم يكن له مال بيع منه بقدر رأس مال الابن وحصة ربحه، وعتق على العامل ما بقي منه، وإن اشترى العامل أبا نفسه عالماً وهو مليء عتق عليه، كان فيه فضل أم لا، ويغرم لرب المال رأس ماله وحصة ربحه إن كان فيه ربح. وإن اشتراه غير عالم وكان فيه فضل/ فكذلك أيضاً، وإن لم يكن فيه فضل لم يعتق، وبيع، وإن كان فيه فضل ولا مال له: بيع لرب المال برأس ماله وحصة ربحه وعتق ما بقي على العامل، علم أو لم يعلم. وفي كتاب الفرائض إيعاب هذا.
ومن العتق قال مالك: وإن أعنت رجلاً بمال في شرائه أباك لم يعتق عليه ولا عليك ويبقى رقا لمشتريه. ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: فيمن قال لرجل: اشتر ابنتي وأنا أعينك فيها بمائة دينار فاشتراها بمال كثير أو بمثل المائة، قال: إن كان اشتراها على أن يعينه بذلك على شرط أن يحبسها للوطء أو للاتخاذ؛ فإن فرجها يحرم عليه بذلك، ويلزمه رد المائة إن أخذها، وإن كان ذلك بغير شرط ولا عِدة يفسد المسير، فلا بأس أن يأخذ منه المائة على ذلك، وكذلك إن كان ذلك [37/ أ. ص] بمعنى العون والصلة له؛ فإن شاء باعها معجّلاً فقام عليه الأب، فقال: رجوت حبسك إياها بما أعطيتك نُظِر في ذلك، فإن رأى أن مثله إنما يعين مثل المشتري لهذا فهو كالشرط، وإن كان مثله لا يعين المبتاع إلا بمعنى الصلة والمعروف حلت له وجاز أن يبيع أو يحبس.
في العتق إلى أجل أو موت فلان أو قبل موته أو بعد موته أو إلى قدومه أو إذا قدمت بلد كذا، أو إن قال: لأمته أنت حرة إذا حضت أو حملت والعتق إلى أجل مخالف للطلاق؛ إذ له في المعتقة إلى أجل الانتفاع بالخدمة، ولا خدمة له في الزوجة، وإنما له الوطء، فحرم ذلك عليه إذا هو وطأ إلى أجل، فأشبه نكاح المتعة، فوجب تعجيل الطلاق، وكذلك ينبغي أن يحرم وطء المعتقة إلى أجل، وهو شبيه بنكاح المتعة، وقاله جماعة من التابعين. وقال يحيى بن سعيد وغيره: لا يصلح وطء أمة أعتقت إلى أجل أو وهبت خدمتها إليه. قال مالك: ومن قال لأمته: أنت حرة إلى شهر أو إلى سنة؛ فلا تعتق إلا إلى الأجل، وليس له أن يطأها، وله أن ينتفع بخدمتها. ابن المواز: وإن أعتق أم ولده إلى أجل؛ فإنه يعجل عتقها، وقاله ابن حبيب عن ابن الماجشون. وسئل مالك في العتبية عما أوصى به محمد بن سليمان في جواريه أنهن أحرار بعد موته سبعين سنة؛ فقال: لا يجوز هذا، وإن رأى الإمام بيعهن فهل، وإن رأى أن يعتقهن أعتقهن معجلاً، وقاله ابن القاسم.
وقال ابن الماجشون: إن كان أجلاً يجاوز أعمارهن فإنهن يُبعن، وكأنه أعتقهن بعد موتهن، وإن كان أجلاً يبلغه أعمارهن وُقفن إلى الأجل. قال أبو محمد عن ابن الماجشون: من أعتق أمة إلى أجل لا يبلغه عمرها: فذلك باطل، ويصنع بها ما أحب من بيع أو وطء أو غيره، وإن كان يبلغه عمرها: فذلك عمره؛ فهي كالمدبرة إنما تعتق في ثلثه، وإن كان قوله ذلك في الصحة: فله وطأها ولا يبيعها، ولو كان يبلغه عمرها وعمره، فتلك معتقة إلى أجل تخرج من رأس المال ولهذا
المعنى قال مالك في مسألة محمد بن سليمان: إنهن يبعن؛ لأنه ضرب أجلاً لا يبلغه أعمارهن؛ لأن أجل الضرر كما قال ابن القاسم. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قال لعبده: أنت حر إذا مات فلان: مُنع من بيعه؛ لأنه أعتق إلى أجل آتٍ، وله أن ينتفع به إلى ذلك الأجل، فإذا حل؛ عَتَقَ العبدُ. وإن كانت أمة فلا يطأها وينتفع بخدمتها إلى ذلك الأجل. قال ابن القاسم: وموت فلان أجل من الآجال وهذه لا يلحقها الدّين، فإذا مات سيدها خدمت ورثته إلى موت فلان، وهي بخلاف المدبرة، لأن المدبرة توطأ ويلحقها الدين، وهذه لا توطأ ولا يلحقها دين، وعتقها من رأس المال. قال في العتبية: وإن قال لعبده: أعمل على هذه الدابة فإذا ماتت فأنت حر، فماتت الدابة قبل السيد؛ فهو حر من رأس المال/، وإن مات السيد قبل الدابة: فهو من الثلث، كمن قال: اخدم فلاناً ما عشتُ أنا، فإذا مات فلانٌ قبلي فأنت حر، وإن مت قبل فلان: فأنت حر قبل موته؛ فإذا مات السيد قَبْلُ فهو حر من الثلث.
قال أصبغ: ليس [37/ ب. ص] كما قال، وما ناظر به ليس بنظير، والنظير صواب في ذاته؛ لأن ذلك استثناءً وقيد بعضه ببعض فله ثنياه، والأول أعتق إلى أجل فلا فرق بين عتق إلى موت إنسان أو إلى موت دابة، فهو حر من رأس المال عاش السيد أو مات. قال ابن القاسم: وللورثة بيع الدابة بموضوع لا يغاب عليها. قال: ولو قتل العبد الدابة خطأ عُجّل له في العتق، وإن قتلها عمداً خدم إلى مقدار ما كان تُعمّر الدابة إليه، وقاله أصبغ وكذلك إن بيعت وغيب عليها. قال في كتاب محمد: ولو قتلها أجنبي عمداً أو خطأ عتق مكانه. قال سحنون في العتبية: ولو عمل الغلام عليها وعنّف وحمّلها فوق طاقتها حتى ماتت أو قتلها عمداً فليعتق مكانه، كأم الولد تقتل سيدها فيعفى عنها أنها تعتق مكانها
وليس ما جنت يبطل ما عقد لها من العقد القوي، وكذلك قاتل الدابة؛ لأنه معتق إلى أجل ليس له بيعه، ولا يلحقه دين، فليس كالمدبر يقتل سيده عمداً؛ لأنه في الثلث ويتسلط عليه الدَّين. م: وقول ابن القاسم في قتل العبد الدابة عمداً أبْين؛ لأنه استعجل رفع الخدمة عن نفسه، فوجب أن يُمنع من ذلك، كمنع القاتل الميراث، وهو بخلاف أم الولد تقتل سيدها عمداً فيعفى عنها؛ لأن أن الولد لا خدمة فيها، وإنما فيها المتعة، وقد مات من له المتعة، فلماذا توقف؟ فوجب تعجيل عتقها. وبالله التوفيق. قال سحنون: وليس على العبد قيمة الدابة في قولي، وأما على مذهب ابن القاسم فقد قال في المدبر والمعتق إلى أجل: يجني على سيده أن سيده يختدمه في ذلك. فصل ومن كتاب ابن سحنون قال سحنون: اختلف أصحابنا فيمن قال لعبده أنت حر قبل موتي بشهر فقيل: يوقف له خراج شهر، فكل ما زاد عليه يوماً أطلق للسيد مثله من الموقوف، هكذا حتى يموت؛ فإن وافى الشهر مرضه الذي مات فيه كان من الثلث، وإن وافق صحته كان من رأس المال. وقال ابن القاسم في العتبية: إن كان السيد مليئاً أسلم إليه يختدمه، فإذا مات نظر؛ [فإن حل الأجل والسيد صحيح: كان من رأس ماله] وإن حلّ الأجل وهو مريض:
فهو من ثلثه ويلحقه الدين، ولا رجوع له بخدمته، وإن كان السيد غير مليء خورج العبد وأوقف له خدمة شهر إذا قال: قبل موتى بشهر، كما قال سحنون. وقال ابن المواز قال ابن القاسم مرة: يوقف له خراج شهر [إذا قال: قبل موتي بشهر] حتى يأتي الثاني، ويدفع إلى السيد الأول هكذا، وإن مات العبد أخذ السيد ما وقف. وقال مرة: لو قال قائل يعجل عتقه، لم يبعد، وأن أراه فإن غفل عنه حتى مات السيد فهو من رأس المال، ولا يلحقه دين استحدثه بعد قوله. وقال أشهيب فيه وفي العتيبة وكتاب ابن سحنون: لا يعتق إلا من الثلث، وله أن يطأ أمة. م: والمحصول من هذا أربعة أقوال قول: إنه يوقف له خراج شهر، فإذا زاد عليه يوماً أطلق له مثله، وإذا زاد عليه شهراً، وقف له الثاني وأطلق له الأول، فإن حل الأجل والسيد الصحيح: عتق من رأس المال، وإن حل وهو مريض: عتق من الثلث. وقيل: إنما ذلك في المعدم، وأما المليء: فيسلم إليه يختدمه، ثم ينظر في حلول الأجل كما تقدم. وقول: بل يعجل عتقه فإن غفل عنه حتى مات السيد: عتق من رأس المال.
وقول: إنه من الثلث على كل حال وتوطأ إن كانت أمة. قال في العتيبة والموازية: ولو قال أنت حر [38/ أ. ص] قبل موتك بخمس سنين؛ فلا حرية له أصل. فصل ومن المدونة قال مالك: ومن قال لعبده: أنت حر إذا قدم أبي؛ فلا يعتق حتى يقدم أبوه، وليس له أن يبيعه، ويوقف حتى ينظر أيقدم أبوه أم لا. قال ابن القاسم: وكان مالك يمر في بيعه، وأنا لا أرى بيعه بأساً، ويطأها إن كانت أمة، وهي في هذا كالحرة يقول لها: أنت طالق إذا قدم فلان، فله وطأها، ولا تطلق عله حتى يقدم فلان. م: لأن قدوم أبيه أجل قد يكون أو لا يكون فلا يحكم به إلا أن يكون. محمد: وإن قال لها أنت حر إن قدم أبي؛ فكان مالك يصرح بإجازة بيعها ويمرض في بيع التي يقول فيها: إذا قدم أبي؛ ثم جعلها سواء، ونحوه في كتاب الطلاق.
م: وإنما فرق بين "إن" و "إذا " في أحد قوليه؛ لأن "إذا" كأنها تختص بأجل يكون، وإن كان قد يمكن ألا يكون، قال تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} وذلك كائن لابد منه، وإن أغلب موضوعها للشرط، وقد تكون بمعنى الأجل؛ قال تعالى: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً} {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} فحمل مالك في هذا القول كل لفظ على الغالب من أمره. ثم رجع فساوى بينهما؛ لأن العامة لا تكاد أن تفرق بينهما فحمل الأمر على المساواة. م: ذكر عن الشيخ الجليل أبي عمران أنه يقال: يجب أن يمرض في الوطء كما مرض في البيع، وحكي عن الشيخ الجليل أبي الحسن القابسي رحمه الله أنه قال: إنما مرض مالك في بيعها لا في وطئها، وأما أبن القاسم فقد صرح في جواز وطئها.
ومن العتيبة: روى عيسى بن ابن القاسم قيمن قال لعبده: إذا قدمت الإسكندرية فأنت حر، قم بدا له ألا يخرج، قال: يعتق في مئل ذلك القدر الذي يبلغ فيه. قال: ولو قال: سر معي إليها وأنت حر فمصل ذلك، إلا أن يكون قال: إن أنا خرجت فلا شيء عليه. وقال سحنون في كتاب ابنه: فيمن قال لعبده أخرج معه إلى الحج وأنت حر وإن بلغت معي إلى الحج فأنت حر: فليس له بيعه خرج أو لم يخرج، وهو معتق إلى أجل من رأس المال، وإن مات قبل أن يخرج نظر: فإن كان من عبيد الخدمة خدم الورثة مقدار خدمة الحج، وذلك مقدار مسيره ورجوعه إلى منزله، وإن لم يكن من عبيد الخدمة خرج حراً إذا مات السيد. وقال المغيرة: فيمن قال لعبده- وهما متوجهان إلى مكة-: إذا دخلناها فأنت حر؛ فلها بلغا مر الظهران أراد أن يبيعه فليبعه إن شاء ما لم يدخل مكة، ولو أعتقه إلى أجل لم يكن له بيعه ويعتق بحلوله. م: والفرق بين قوله أنت حر إلى موت فلان أو قدومه وإذا بلغت موضع كذا وهو أن قوله: إلى موت فلان؛ أجل آت على كل حال، كقوله: إلى سنة، وقوله: إلى قدوم فلان: أمر يكون أو لا يكون فلا حكم له، وقوله: إذا بلغت موضع كذا فالبلوغ بيده،
فكأنه جعل أجل عتقه مقدار البلوغ وهو معروف، وهذا وجه من جعله معتقاً إلى أجل، ووجه من لم يوجبه؛ فلأنه أجل يكون أو لا يكون كقوله: إذا قدم أبي، أو إذا دخلت الدار، وما يكون أو لا يكون، فلا حكم له إلا أن يكون. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قال لأمته: أنت حرة إذا حضضت؛ فلا تعتق حتى تحيض؛ لأنه أجل أعتق إليه ولا يحل له وطأها. قال عنه ابن المواز: وهي معتقه من رأس المال. وقال عن أشهب: له أن يطأها وليس بأجل، وإن حاضت في مرضه فهي من الثلث، فإن صح ولا دين عليه عتقت من رأس المال، وكذلك عنده: من أعتق إلى أجل يكون أو لا يكون جعله كاليمين، كقوله [38/أ. ص] إن دخلت الدار فأنت حرة. واختلف في الحامل يقول لها: إن وضعت: فأنت حرة، وللزوجة: فأنت طالق فجعله ابن القاسم كأجل آت. وقال أشهب: لا تعتق الأمة ولا تطلق الزوجة حتى تضع. وقال ابن عبد الحكم بقول أشهب ورواه عن مالك (رحمه الله).
ومن المدونة قال ابن القاسم/ ومن قال لأمة يطؤها: إذا حملت فأنت حرة؛ فله وطؤها في كل طهر مرة. قيل له في العتيبة: ولم لا يتمادى على وطئها؟. قال: قال مالك: كل النساء على الحمل إلا الشاذ. قال في كتاب الطلاق: ولو قال لزوجته: إذا حملت فأنت طالق؛ فإذا وطأها مرة طلقت عليه. وقال ابن الماجشون: له أن يطأها في كل طهر مرة كالأمة، وهذا في كتاب الطلاق مذكور. م: قال بعض القرويين: وإذا وطأ الأمة مرة فأوقفت حتى ينظر هل حملت أو تحيض؟ يجب أن يوقف خراجها معها إن كان السيد عديماً، فإن حملت دفع إليها ذلك، كما قال في الذي قال لعبده: أنت حر قبل موتي بشهر، قال: وتلزمه النفقة عليها من ماله؛ لأنها إن لم تحمل فهي أمته، وإن حملت لزمته النفقة لولده كالنفقة على الحامل البتوتة. قال ابن القاسم في العتيبة: ومن قال لأمته: إذا حملت فأنت حرة؛ فإن كانت حاملاً فهي حرة، وإن لم يتبين ذلك أوقفت وحبل بينه وبينها وأوقف خراجها فإن تبين حملها: أعتقت وأعطيت ما وقف من خراجها، إن حاضت ولم تكن حاملاً فله بيعها.
وذكر ابن عبدوس عن سحنون: في القائل لزوجته وهي حامل: إذا حملت فأنت طالق: أنها لا تطلق بهذا الحمل إلا بحمل مؤتنف. م: إن كان عالماً بحملها فأنويه أنه أراد حملاً مؤتنفا، وإن لم يكن عالماً: فالصواب أن يعتق أو يطلق؛ لأنه حامل بعد، والله أعلم. فيمن قال لعبده: إن جئتني بكذا، أو أديت إلي، أو إلى ورثتني: فأنت حر. قال ابن القاسم: ومن قال لعبده: إن جيتني أو متى ما أديت إلى، أو إذا أديت إلى أو إن أديت إلى ألف درهم؛ فأنت حر، فإنه إذا أتى بألف درهم عتق، وإن لم يأت لها فهو عبد ويتلوم له فيها الإمام، ولا ينجم عليه، وليس للعبد أن يطول بسيده، ولا السيد أن يتعجل بيعه إلا بعد تلوم السلطان له بقدر ما يرى، كقول مالك فيمن قاطع عبده على مال إلى أجل فمضي الأجل قبل أن يؤديه: أن السلطان يتلوم له، فكذلك هذا. قال في كتاب محمد: قوله: إن جئتني أو إذا جئتني؛ لازم مثل قوله: على أن عليك، ولا يبيعه ولا يهبه حتى يوقفه الإمام ويتلوم له ولا يعجزه، إلا أن يكون قد مضى ما لو رفعه إليه أو لا يؤدله أكثر منه أو لا يطمع له بشيء فليعجزه. قال: وكذلك يلزم ورثته. قال مالك: ما لزم العبد مما عتق به في قطاعة ونحوها فلا يحاص غرماءه بذلك.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا قال لعبده: إذا أديت إلى ألف درهم فأنت حر، فدفعها عن العبد رجل أجنبي جبر السيد على أخذها، وخرج العبد حراً، ولو دفع العبد ذلك إلى سيده من مال كان بيد العبد فقال السيد: ذلك المال لي، فليس ذلك له، لأنه العبد هاهنا كالمكاتب يتبعه ماله، ويمنع السيد من كسبه أيضا. م: قال أبو محمد: يريد [39/أ. ص]: من غير مال كان بيده لسيده. قال في باب بعد هذا: وإن قال لعبده: إن أديت إلى كذا فأنت حر، فأدى بعضه أو لم يؤد شيئاً ثم وضع عنه السيد ما عليه، عتق مكانه، يضع عنه السيد كتابته. وإن قال لأمته: إن أديت إلى اليوم ألف درهم اليوم فأنت حرة، فمضى اليوم ولم تؤد شيئاً؛ فلابد أن يتلوم لها الإمام بلا تنجيم، وأما إن قال لها: إن أديت إلى ورثتي، أو إذا أديت إلى ورثتي، أو أدي إليهم مائة دينار وأنت حرة ثم مات؛ فإن حملها الثلث وأدت المائة عتقت، ويتلوم لها الإمام في الأداء على قدر ما ينجمه عليها، كقول مالك فيمن أوصى أن يكاتب عبده ولم يسم ما يكاتب به، إنه يكاتب على قدر ما يرى من قوته وأدائه، وقدر ما يرى أنه أراد من إرفاقه ويوزع ذلك عليه.
قال ابن القاسم: فإن تلوم لها الإمام فلم تقدر على شيء وأيس منها، أبطل وصيتها، وإن لم يحملها الثلث خير الورثة في إجازة ما قال الميت، أو إبتال ما حمل الثلث منها الساعة. فيمن قال لأمته: أول ولد تلديه، أو إن ولدت غلاما، أو كل ولد تلدينه فهو حر، ولحوق الذين في ذلك، وحكم الجنين، وعتق الأمة، واستثناء حملها قال مالك: ومن قال لأمته: أول ولد تلدينه حر، فولدت ولدين في بطن واحد، عتق أولهما خروجا. قال ابن حبيب عن ابن القاسم: وسواء كانا غلامين، أو جاريتين، أو غلام وجارية، وقاله مالك وابن شهاب. وإن لم يعرف الأول فهما حران بالشك. ومن المدونة قال مالك: وإن خرج الأول ميتاً؛ فلا عتق للثاني، وهو رقيق؛ لأن العتق إنما كان في الأول الميت. وقال ابن شهب: يعتق الثاني إذ لا يقع على الميت الأول عتق.
ابن المواز قال مالك: وإن قال: إن ولدت غلاماً فهو حر، فوضعت غلامين، فالأول حر، قيل: فإن وضعت جارية ثم غلاماً في بطن؛ لزمه عتق الغلام وإن تأخر، وإن وضعت غلامين أولهما ميت؛ فالحي هو الحر، بخلاف قوله: أول ول تلدينه حر، فإن عاشا جميعاً فأشكل أيهما الأول عتقاً جميعاً، وشهادة النساء في هذا جائزة. قال ابن المواز: إذا لم يعرف الأول فالقياس أن قد يعتق من كل واحد نصفه، ويتم عتق باقية بالسنة فيعتقان جميعاً. ومن المدونة قال النخعي: ومن قال لأمته: إن ولدت غلاماً فأنت حرة، فولدت غلامين؛ فالأول رقيق، وهي والآخر حران، وإن كان الأول جارية والآخر غلاماً؛ فهي حرة دون الولدين. ابن المواز وقال ابن القاسم وأصبغ: ولو ولدت غلاماً ميتاً فإنها تعتق. قال ابن القاسم: وإن كان على وجه الشكر. ابن حبيب قال أصبغ: وإن قال: إن ولدت جارية فأنت حرة/ فولدت جارية؛ فالأم حرة، والجارية رقيق، وإن ولدت جايتين، فالأم والجارية الثانية حرتان، والأولى رقيق،
وإن لم تعرف الأولى: فهنا حرتان بالشك، وإن وضعت غلاما وجارية: فإن كان الغلام أولاً: فالولدان رقيق والأم حرة، وإن كان الغلام آخراً فهو وأمه حران والجارية رقيق، وإن جهل الأول عتقت الأم والغلام ورقت الجارية. م: وإن قال: إن ولدت جارية فأنت حرة، وإن ولدت الجارية أولاً فالغلام حر؛ لأنها بولادة الجارية حرة فولدها بعد ذلك حر، وإن كان الغلام أولاً؛ فالولدان رقيق، وإن لم يعلم الأول منهما فالغلام حر. ومن المدونة قال ابن شهاب: وإن قال لها: أول بطن تضعينه حر فوضعت توأمين فهما حران. قال ابن القاسم: ومن قال لأمته في صحته وهي غير حامل: كل ولد تلدينه حر؛ لزمه عنق ما ولدت، واستثقل مالك بيعها وقال: ليف بوعده. قال ابن القاسم: فأنا أرى بيعها جائز ألا أن تكون حاملاً حين قال ذلك؛ أو حملت بعد قوله، أو قال لحامل في صحته: ما في بطنك حر، أو إذا وضعته فهو حر؛ فإن الأم لا تباع حتى تضع إلا أن يرهقه دين فتباع فيه ويرق الجنين، ولو ولدته في مرض السيد أو بعد موته ولا دين على السيد وقد أشهد على قوله في صحته: عتق من رأس المال؛ لأنه كالمعتق إلى أجل، هذا إن كان الحمل في الصحة، وأما إن حملت به في مرض السيد فولدته في مرضه
أو بعد موته؛ فهو من الثلث؛ لأن المريض إذا أعتق إلى أجل إنما هو من الثلث، والأول كمعتق في صحته إلى أجل، فهو من رأس المال، كمن قال لعبده في صحته: إذا وضعت فلانة فأنت حر، فوضعت والسيد مريض أو بعد موته؛ فإن العبد حر من رأس المال. قال في كتاب محمد بن المواز في القائل لأمته وهي غير حامل: كل ولد تلدينه حر؛ فله بيعها ما لم تحمل، ولو قال: ما في بطنك حر، وليس في بطنها شيء، فلم يبيعها حتى حملت فله بيعها ولا عتق عليه، قيل: فإن تبين بعد قوله بها حمل ولا يدري أكان بها يوم القول أو حدث، قال: فلا عتق عليه إلا أن تضعه لأقل من ستة أشهر من يوم القول، ولو كان حملاً بيناً كان حراً، وإن لم تضعه إلا إلى خمس سنين. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا اعتق ما في بطن أمته أو دبره/ وهي حامل يؤمئذ؛ فما أتت به من ذلك الحمل إلى أقصى جمل النساء فحر أو مدبر، وإذا قال لها: ما في بطنك حر ولها زوج ولا يعلم أيها حمل أم لا؟ فلا يعتق هاهنا إلا ما وضعته لأقل من ستة أشهر من يوم القول، كالمواريث إذا مات رجل وأمه تحت زوج، ولدت بعد موته ولدا فهو أخره لأمه، فإن وضعته لستة أشهر فأكثر من يوم موته؛ لم يرثه إذ قد تكون حملت به بعد موته فلا يورث بالشك. قال: وإن كان لأقل من ستة أشهر ورث؛ لأنها كانت به حاملا يوم موته لا شك، فالعتق بهذه المنزلة إذا لم يكن حملها يوم أعتقه بيناً، وإن كان حملها بينا يوم أعتقه فهو حر
وإن وضعته لأربع سنين، وقال غيره: إن كان الزوج مرسلا عليها، وليست بينة الحمل، فوضعته لأقل من ستة أشهر؛ فهو حر، وإن وضعته لأكثر من ستة أشهر؛ فلا حرية له، وإن كان الزوج غائباً أو ميتاً، فما ولدته إلى أقصى حمل النساء؛ فهو حر. وقال أشهب/ لا يسترق الولد بالشك؛ لأنه لا يدرى لعلها كانت حاملاً يوم أعتق ما في بطنها. م: ولا يخالف أشهب في الميراث؛ لأنه يعتق بالشك، ولا يورث بالشك. وفي كتاب ابن المنذر: عن علي بن أبي طالب ونحوه عن عمر: إذا مات رجل وأمه
تحت زوج فليعتن لها الزوج حتى تحيض حيضة في شأن الميراث. م: يريد: لئلا يدخل الشك في ميراث ما تلد. وقال [40/ أ. ص] عمر بن عبد العزيز: لا يقربها حتى ينظر أبها حمل أم لا؟ وقال سفيان: إن جاءت به لأكثر من ستة أشهر لم يرث، وإن كان لأقل من ستة أشهر ورث. م: يريد إذا كان الزوج مرسلا عليها وكل هذه الأقوال متفقة. وفي كتاب ابن المواز: ليس على الزوج أن يعتزلها ومن يصدقه أنه اعتزلها وما أرى لولدها ميراثاً إلا أن تكون بينة الحمل. ابن المواز: أو تضعه لأقل من ستة أشهر من يوم مات ابنها.
قال ابن القاسم: والذي يعتق ما في بطن أمته في صحته؛ لا تباع وهي حامل إلا في قيام بدين استحدثه السيد قبل عتقه أو بعد، فيباع إذا لم يكن له مال غيرها،/ ويرق جنينها إذ لا يجوز استثناؤه، فأما إن قام الغرماء بعد الوضع؛ فانظر: فإن كان الدين بعد العتق؛ عتق الولد من رأس المال ولدته في مرض السيد أو بعد موته، وتباع الأمة وحدها في الدين، وإن كان الدين قبل العتق بيع الولد للغرماء إن لم تف الأم بدينهم. ومن قال لأمته: ما في بطنك حر، فضرب رجل بطنها فألقت جنينها ميتاً؛ ففيه عقل حنين الأمة بخلاف أم الولد من سيدها تلد في جنينها عقل جنين الحرة؛ لأن جنين الأمة لا يعتق إلا بعد الوضع، وجنين أم الولد حر حين حملت به. م: يريد: ولو استهل جنين الأمة صارخاً ثم مات كانت فيه الدية، لأنه باستهلاله صار حراً مع القسامة. وكذلك في المسبوط لإسماعيل القاضي عن مالك. وكذلك لو أوصي لرجل بما في بطن أمته فهلك الموصي وأعتق الموصي له ما في بطن الأمة فضرب رجل ما بطنها فاستهل ثم مات: فعلقه عقل حر؛ [لأن مالكاً قال في رجل جرح عبده فأعتقه بعد ذلك فمات من ذلك الجرح؛ أن عقله عقل حر] فهذا مثله.
وفي كتاب ابن المواز: إذا استهل الجنين وقد أعتقه الموهوب له؛ أن عقله عقل حر. م: وغمز بعض فقهائنا مسألة العبد وقال: أظن في هذا الأصل اختلافا: هل يراعي حالة يوم الجناية، أو يوم الموت. م: والصواب عندي مراعاته يوم الموت كما قال مالك رحمه الله؛ لأنه لو كان نصرانياً فأسلم ثم مات من الجرح لوارث الإسلام ووارثوه إلا أن يكون الجرح أنفذ مقاتله، فكذلك يكون حكم عقله، والله أعلم. قال ربيعه: ومن أعتق أمة حاملاً عتق جنينها وإن لم يذكره ولا مرد له فيه ولو استثناه كان حراً ولم ينفعه استثناؤه. فيمن وهب أمته لرجل وجنينها لغيره، وعتق الأم في ذلك ومن وهب عبداً ثم أعتقه، وكيف إن قتل، ومن أعتق أمته على أن تنكحه قال ابن القاسم/ من وهب ما في بطن أمته لرجل أو تصدق به عليه أو أوصى له به ثم وهبها سيدها بعد ذلك لرجل آخر أو أعتقها هو أو وارثه بعد موته؛ قال: فالعتق أحق بها ويعتق جنينها وتسقط هبته وغيرها.
وذكر ابن المواز عن ابن القاسم: فيمن تصدق بأمته على رجل، وبما في بطنها على آخر: فوضعت؛ أن الولد للذي وهب له، والأمة لمن وهبت له، فإن أعتقها المتصدق عليه بها قبل الوضع؛ كانت حرة بما في بطنها. وقال أيضاً: يكون للمتصدق عليه بالولد قيمته على معتق الأم يوم يخرج إن خرج حياً، وإن خرج ميتاً، لم يكن له شيء، وقد فيها أيضا: لا عتق للمتصدق عليه بالأم حتى تضع، وعتقه باطل. قال ابن المواز: وهذا أحب إلينا، لأنه لم تصر له الأم إلا بعد الوضع. [قال ابن القاسم: كما لو أعتق صاحب الولد الولد [40/ب. ص] فلا عتق له إلا بعد الوضع]. قال ابن القاسم: ولو فلس صاحب الرقبة؛ يبعت بما في بطنها، وأن فلس صاحب الجنين؛ لم تبع حتى تضع. قال ابن المواز: لا تباع في دين صاحب الرقبة حتى تضع؛ لأنها يومئذ تجب له كما لو استثنى خدمتها سنة، وليس كسيدها الأول، ولو جنت فابتدأها صاحب الرقبة؛ لم يكن
لصاحب الجنين شيء، وأن أسلمها رقت مع جنينها للمخدوم، كان قد أعتق الجنين صاحبه أم لا، ولو أعتقها صاحبها ثم جنت: أتبعت بالأرش، وقال أصبغ. م: وسئل الفقيه الخير أبو عمران رضي الله عنه فيمن أعتق جنين أمته وعله دين والغرماء عالمون بعتقه، ثم قاموا بعد ذلك؛ هلى تباع لهم الأمة بما في بطنها؟ قال: نعم [تباع بما في بطنها] ولا يضرهم علمهم بعتقه للجنين؛ لضعف عتق الجنين، ألا ترى أنها تباع في الدين المستحدث بما في بطنها [فكذلك تباع في هذا]. وقد اختلف إذا باعها بعد عتق جنينها: هل يرد البيع أو ينفذ؟ قيل له: فإن بيعت للدين المستحدث بما في بطنها ثم وجد المشتري بالأم عيباً قديماً وقد ولدت فردها وولدها على الغرماء؛ هل تباع هي وولدها لهم؟ قال: لا يباع ولدها، ويعتق؛ لأن العلة التي أوجبت بيعه كونه في بطنها كعضو منها، وأما الآن فقد إنفراد الولد فيعتق بالعتق المتقدم، وسواء كان في الأم بالدين أو لم يكن، قيل له: فعلى قول من يقول: الرد بالعيب بيع مبتدأ، قال: ليس هو ابتداء بيع في كل الأمور.
ومن المدونة قال مالك: ومن وهب عبداً، أو تصدق به على رجل، أو أخدمه إياه حياته، ثم أعتقه المعطي قبل حوز المعطي جاز العتق وبطل ما سواه. قال ابن القاسم: سواء علم المعطى بالهبة والصدقة أو لم يعلم. قال عنه ابن المواز: وكذلك لو كانت أمة فحملت منه قبل الحيازة، وكذلك عنه في العتيبة في العتق والإيلاد. قيل له: فهل تؤخذ منه قيمة الأمة إذا حملت منه؟ قال: لعل ذلك يكون. قال عبد الملك بن الحسن وقال ابن وهب: إن كانت عطية حر فعليه القيمة للمعطى، وأما إن تصدق بعيده قم أعتقه قبل أن يقبضه المعطي فلا عتق له. ابن حبيب وقال أصبغ عن ابن القاسم عن مال: فيمن تصدق بعبده على رجل ثم أعتقه من ساعته أو بعد تفريط المعطي في قبضه: فهو سواء، والعتق أولى به، ولا شيء للمعطي على المتصدق. قلت لأصبغ: ولم ذلك؛ ولو مات العبد لكان ماله للمتصدق عليه، وقيمته له إن قتل، ولو حنث بعتق رقيقه عتق عليه، ولا يعتق فيما يحنث به المتصدق؟ قال: لأن جميع
العراقيين: يرون أن الصدقة لا تتم إلا بالقبض، وإنه يرجع فيها المتصدق قبل القبض، فراعى مالك الاختلاف ورأى هذا في العتق خاصة لحرمته. قال أصبغ: وكذلك لو دبره أو أعتقه إلى أجل أو كاتبه؛ فهو كالعتق، قلت: لم لا جعلت له خدمة المدبر والمؤجل وكتابة المكاتب وما يرق من المدبر في ضيق الثلث؟ قال: لأنه غير ما أعطى فلما رد عقد العتق عطيته رد ما وراء ذلك، وقد قيل ما قلته ولا أقول به وكذلك عندي: لو تصدق برقبة المدبر والمؤجل؛ لأبطلت ذلك، ولم أجعل له مرجع ذلك. قال أصبغ: وأنا أقول قيمن تصدق بعبده فلم يقبض منه حتى أعتقه؛ فإن غافصه في العتق بالعتق باطل [41/.ص] وكذلك إن غافصه بالبيع سقط البيع، وإن لم يغافصه مضى البيع، وكان الثمن للمتصدق عليه استحساناً، والقياس ألا شيء له لما بطلت الصدقة وتم البيع. م: فالمحصول من هذا الذي تصدق به ثم أعتق ثلاثة أقوال:
قول: إن العتق أولى. وقول: أن الصدقة أولى. وقول: فرق فيه بين أن يغافصه بالعتق أو لم يغافصه. ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو تصدق بعبده على رجل فلم يقبضه حتى وهبه لغيره أو تصدق به عليه فقبضه الثاني، فالأول أحق به/ [وله أن يقوم فيعتقه إلا أن يموت الواهب، قبل قيام الأول، فيبطل حق الأول] ويصح قبض الثاني: وقال أشهب: بل الثاني أحق به إذا قبضه وإن لم يمت الواهب. قال ابن المواز: وبه أقول وليس قول ابن القاسم بشيء، والجواز أولى، وكذلك إن أحدث فيه ربه بيعا فالبيع أولى، لأن البيع حوز وإن لم يقبض؛ لأنه يضمنه، وتبطل الصدقة، ولا شيء للمتصدق عليه من الثمن. واضطرب قول ابن القاسم فقال مرة: إذا لم يقبضه المعطى حتى باعه المعطي لم يرد البيع. قيل: أفيأخذ الثمن المعطي؟ قال: لو قاله قائل ما أخطاً. وقال مرة: أرى أن يرد البيع، ويأخذ المعطي عطيته وكذلك في الهبة.
ابن حبيب وقال أصبغ: اختلف قول ابن القاسم: فيمن وهب عبداً ثم باعه قبل قبض المعطي، وأحب إلي: أنه إن فرط في قبضه فباعه مضي البيع، لشبهة التفريط، ويكون الثمن للمعطي استحسانا، ولا يقطع التفريط حقه، والقياس يكون الثمن للمعطي. قال: وأما إن لم يفرط فله رد البيع، وكذلك إن لم يعلم أو غافصه البيع. م: ونحوه في كتاب الصدقة من المدونة قال فيه ابن القاسم: إذا علم المتصدق بالصدقة فلم يقبضها حتى باعها المعطي، نفذ البيع، وكان الثمن للمتصدق عليه، وإن لم يعلمن فله نقض البيع في حياة المتصدق، وأخذ العبد، فإن مات المتصدق قبل أن يقبضه المتصدق عليه، فلا شيء له بيع أو لم يبع. وقال أشهب: إن خرج العبد من ملك المعطي بوجه ما وحيز عليه فلا شيء للمعطي. ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو قتل العبد قبل حوز المعطي؛ فقيمته للمعطي وماله للمعطي، إلا أن يكون أدخل ماله معه في الهبة وشرطه، فيكون أيضاً للمعطي كالبيع. وقال: وإنما أبطل مالك الصدقة والهبة والحبس إذا مات المعطي قبل حوز المعطي، وأما إن مات المعطي فورثته بمنزلة موت المتصدق عليه، فإذا قتلت فعقلها للمعطي.
ابن المواز: قال مالك: مال العبد في البيع والهبة والصدقة لسيده إلا أن يشترطه من صار إليه. واختلف في قوله في الموصى به لرجل فقال مرة: ماله لسيده كالبيع، ثم قال: بل ذلك للموصى كالعتق. واختلف فيه قول ابن القاسم فقال مرة: هو كالعتق، وقال أيضاً هو أشهب وابن وهب وأصبغ: إن ماله لورثة الميت. م: والفرق بين العتق وبين الهبة والصدقة في هذا وإن كان أصله معروفاً كالعتق: إن العبد في الهبة والصدقة إنما يخرج من ملكٍ إلى ملك فأشبه البيع، وقال عمر في البيع، والإجماع على ذلك، وفي العتق العبد يخرج من ملكٍ إلى ملك إلى حرية وقد مضت السنة: أن العبد إذا أعتق تبعه ماله. م: وقد تقدم لابن حبيب أن ماله في الصدقة للمتصدق عليه. م [41/ب. ص]: ولم يختلف في البيع: أن ماله للبائع إلا أن يشترطه المشتري، ولا في العتق أن ماله للعبد إلا أن يستثنيه السيد.
واختلف في الصدقة والوصية: فقيل: للمعطي. وقيل: للمعطى له. م: وسئل الفقيه أبو عمران عمن وهب عبداً لرجلٍ فقتله رجل قبل أن يقبضه الموهوب فيدفع الجاني قيمته إلى الواهب أو لم يدفعها، ثم يموت الواهب قبل أن يقبض ذلك الموهوب؛ فنحى الشيخ الفقيه أبو عمران رحمه الله إلى أن الجاني إذا علم بالهبة فلم يدفع القيمة إلى الواهب حتى مات؛ أنه جائز للموهوب، فأما إن دفعها إلى الواهب وهو عالم بالهبة؛ فصرح أنه يضمن ذلك للموهوب؛ لأنه تعدى في الدفع، وإن لم يعلم فلا شيء عليه وشبهه برهن فلة/ الرهن لغير المرتهن أن يكون جائز للثاني إذا علم. وقال: فيمن حلف بحرية عبده لا يهبه، فوهبه؛ أنه لا يحنث حتى يقبل الموهوب، كما لو حلف بحريته ألا يبيعه فباعه على المشتري بالخيار؛ فإنه لا يحنث حتى ينقطع الخيار، وهو بمثابة من قال: إن قبل فلان عبدي فقد وهبته له، أو قال من جاءني بخمسين فهو
له، وقد كان حلف بحريته ألا يبيعه، فإذا لم يأته أحد بذلك الثمن فيها قرب؛ فلا حنث عليه، فكذلك الهبة لا يحنث إلا بالقبول، فإذا قبل تمت الهبة ووقع الحنث، وكان ماله للواهب؛ [لأنه لا تتم حرية إلا بتمام الهبة وبتمامها يصير المال للواهب] كما قال سحنون فيمن حلف بحريته ألا يبيعه فباعه؛ أن ماله للبائع؛ لأن الهبة كالبيع في بقاء المال للبائع والواهب. م: وأجاب فيها الشيخ الفقيه أبو بكر بن عبد الرحمن: أن العبد حر بنفس الهبة وإن لم يقبله الموهوب ويتبعه ماله. م: وقول أبي عمران أبين والله أعلم. فصل قال ابن القاسم: ومن أعتق أمته على أن تنكحه أو تنكح فلاناً، فامتنعت؛ فهي حرة، ولا يلزمها النكاح إلا أن تشاء.
م: إنما قال ذلك؛ لأن الأمة إذا أعتقت سقط إجبار السيد إياها على النكاح وصار لها الخيار في تزويج نفسها، فإذا شرطت على نفسها التزويج قبل الإعتاق فقد أسقطت بذلك حقها من الخيار قبل ثبوت ذلك الحق لها وإسقاط الحق قبل وجوبه لا يصح كالشفيع إذا أسقط حقه من الشفعة وسلمها قبل بيع الشقص أن ذلك لا يلزمه فكذلك الأمة فيما ذكرنا، وقاله بعض أهل العلم. فاعلم ذلك. قال مالك: ومن قال لرجل: خذ ألف درهم [على أن تعتق] أمتك وتزوجنيها، فأعتقها؛ فهي حرة ولها أن تنكحه، ولا يلزمها شيء، ويلزم الرجل الألف لسيد الأمة. قال ابن المواز: إلا أن يتبين أنه زاد على قيمتها لموضع النكاح، فيرد عليه ما زاد على قيمتها، وقاله أصبغ واستحسنه. في عتق السكران، والمعتوه، والصبي، والسفيه، والبكر، وذات الزوج، والعانس، والمكره، وطلاقهم. قال مالك: عتق السكران وتدبيره جائز إذا كان غير مولى عليه. ابن وهب: وأجاز طلاقه وعتقه جماعة من التابعين. قال مالك: ولا يجوز عتق المعتوه إذا كان مطبقاً لا يعقل.
قال: ومن حلف بعتق عبده إن فعل كذا فجن، ثم فعل ذلك في حال جنونه؛ فلا شيء عليه؛ لأن فعل المجنون ليس بفعل، ولا يجوز عتق الصبي ولا يمينه به، وإن حنث بعد الحلم والرشد؛ لم يلزم. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة: فذكر الصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق» فكل فعل [58/أ. ص] أو يمينٍ وقعت لها في حال الصبا والجنون فهي ساقطة. قال ابن القاسم: وإن قال الصبي: إذا احتلمت فكل مملوك لي حر، فاحتلم؛ فلا شيء عليه عند مالك. قال ابن المواز: ولا يجوز عتق المولى عليه وإن أجازه وليه. وروى مثله عيسى عن ابن القاسم في العتبية قال: وله رده إذا رشد كالصبي. قال ابن المواز: وإذا لم يرد وليه عتقه حتى رشد وولي نفسه [والعبد في يديه لم يلزمه فيه عتق، وإن كان زال عن يده فلما ولي نفسه] تركه وأمضى عتقه؛ فذلك يلزمه. قال مالك: وإذا كان السفيه لا يولى عليه وهو يلي نفسه فعتقه جائز. قال ابن القاسم: إلا البين السفه الذي يحجر على مثله فلا يجوز أمره.
وروى زياد شبطون عن مالك في كتابٍ آخر: أن البين السفه في إفساد ماله أفعاله جائزة حتى يحجر عليه، وهو قول أصحاب مالك إلا ابن القاسم. ابن المواز: قال أشهب عن مالك: وإذا حلف السفيه بعتق رقيقه فإن لم يحنث حتى ولي نفسه ثم حنث؛ لزمه/ الحنث، وإن حنث قبل أن يلي نفسه: لم أر عليه شيئاً. قال أشهب: إذا حنث قبل أن يخرج من الولاية؛ فإن رد وصية عتقه، لم يكن عليه شيء بعد ذلك، وإن لم يرده حتى ولي نفسه فعتقه نافذ، كالعبد يحنث بالعتق فيرده سيده
أو لا يرده حتى عتق. وروى ابن القاسم عن مالك: في إذا لم يحنث حتى ولي نفسه؛ فلا حنث عليه؛ لأنه يوم حلف كان سفيهاً. قال مالك: وإنما الأيمان حين وقعت، ولا أرى أنه خرج من المأثم. ابن المواز: ورواية أشهب عن مالك أحب إلينا، إن حنث قبل أن يلي نفسه ثم ولي نفسه فلا شيء عليه، وإن كان العبد قائماً بيده. قال ابن المواز: وسواء رد وليه عتقه أو لم يرد حتى ولي نفسه، بل لو أجاز وليه عتقه لم يجز ذلك عليه وإن ولي نفسه، بخلاف العبد في ذلك؛ لأن العبد لو أعتق عبده أو حنث فيه فأجاز ذلك السيد لنفذ ذلك عليه، والسفيه لو أجاز له وليه عتق ما أعتق أو حنث فيه ما جاز. وقد قال أشهب: إذا أعتق السفيه أو العبد عبده فلم يعلم السيد ولا ولي السفيه حتى عتق العبد وولي السفيه نفسه وما كانا أعتقا بأيديهما؛ فإنه يعتق على العبد ولا يعتق على السفيه. قال أشهب: وذلك أن السفيه [إذا أجاز له وليه عتقه؛ لم يجز، ولو أجاز السيد عتق عبده؛ جاز.
م: واختصار ذلك: أن السفيه] إذا حنث قبل أن يخرج من الولاية فلم يرد وليه عتقه حتى ولي نفسه؛ فقيل: يلزمه العتق، وقيل: لا يلزمه، كذلك إن حنث بتلك اليمين بعد خروجه من الولاية؛ فقيل: يلزمه، وقيل: لا يلزمه. قال ابن المواز: ولم يختلف مالك وأصحابه في عتق السفيه أم ولده أنه جائز عليه لما دخلها من الحرية، وإنه لم يبق له فيها إلا المتعة فليست بمالٍ ولا يلحقها دين. واختلفوا هل يتبعها مالها؟ فقال ابن القاسم: لا يتبعها مالها إلا أن يكون الشيء التافه، وقاله أصبغ. وقال أشهب: يتبعها مالها كما لو طلق امرأته ولها عليه المهر العظيم؛ فإنه يلزمه طلاقه، ويكون للمرأة مهرها، فكذلك إذا أعتق أم ولده ولم يستثن مالها؛ فإنها تعتق ويتبعها مالها. وقول ابن القاسم: في المال أبين لأنه كان قادراً على استثنائه، فتركه الاستثناء كابتدائه الهبة لها، ألا ترى أنه كان أملك بمالها منها لو رشد، فكذلك [42/ب. ص] في سفهه هو كماله، وأما المرأة فليس مهرها بمالٍ له ولا هو قادر على استثنائه فافترقا. م: وقال سحنون: لا يتبعها مالها تافهاً كان أو غير تافه.
وروى عنه ابنه عن المغيرة وابن نافع: إن عتق السفيه أم ولده لا يجوز بخلاف طلاقه. قال سحنون: وقول مالك وأصحابه: أنه جائز. ومن كتاب الحمالة قال ابن القاسم: والبكر التي في بيت أهلها ولم تنعس؛ لا تجوز كفالتها ولا بيعها ولا صدقتها ولا عتقها ولا شيء من معروفها ولو أجازه الوالد؛ لم ينبغ للسلطان أن يجيزه، وهي في هذا كالصبي وكالمولى عليه. قال: وإذا عنست في بيت أبيها وأنس منها الرشد؛ جاز عتقها وهبتها، وكذلك وجدت في كتاب عبد الرحيم. وهو رأيي. وقول مالك المعروف: أن ذلك ليس بجائز، وقد سئل عن الجارية العانس تعتق أجائز؟ قال: إن أجازه الوالد. قال: فإذل دخل بالبكر زوجها فلا يجوز لها فعل شيء من المعروف وإن أجازه الزوج حتى يتبين رشدها، فإذا تبين رشدها جاز بيعها وشراؤها، وإن كره زوجها ما لم تحاب؛ فإذا حابت وتصدقت أو أعتقت كان ذلك في ثلثها، فإن حمله جاز
وإن كره الزوج، إذ ليس بضرر، وإن جاوز الثلث؛ فاللزوج رد الجميع أو إجازته؛ لأن ذلك ضرر إلا أن يزيد على الثلث كالدينار وما خف، فهذا يعلم أنها لم ترد به الضرر. ومن الواضحة قال أشهب عن مالك: وإذا تصدقت بالثلث فأقل على وجه الضرر بالزوج فليرد كله. وقال ابن القاسم: تفعل به ما أحبت، وإن قصدت به ضرر الزوج. قال ابن المواز: قال أشهب عن مالك: وإذا تصدقت بالثلث ثم أرادت بعد ذلك أن تتصدق بثلث ما بقي في يدها، قال: ذلك لها، إلا أن يكون قريباً/ من الأول مما أنه قصدت به والضرر فيرد ذلك. وقال مالك: إن حضرتها الوفاة فأوصت بثلثها جاز. ومن العتبية روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في امرأةٍ لها ثلاثة رؤوس: أعتقت منهم رأساً ثم أعتقت ثانياً بعد زمان ثم الثالث بعد زمان والقيم مختلفة. وليس لها
غيرهم، فإن كان الأول قدر ثلث قيمته جاز عتقه، ثم ينظر: فإن قرب عتقها للثاني مما يعرف به الضرر بطل عتق الثاني، وإن بعد حتى لا تتهم بالضرر؛ قال في كتاب ابن حبيب: مثل الشهور، قال ابن القاسم: وقيمته قدر الثلث منه، ومن الثالث جاز، وأما الثالث فلا يعتق؛ لأنها أعتقته وهي لا تملك غيره، وإن كان الأول أكثر من الثلث لم يجز عتقه، ونظر: فإن كان الثاني أكثر من ثلث قيمة الثلاثة لم يجز أيضاً، وإن كان قدر الثلث قيمة الثلاثة فأقل جاز. وقال عنه عيسى: وإن أعتقت اليوم واحداً وفي غدٍ الثاني [وبعد غد الثالث] أو بعد يومين؛ فإن كان الأول الثلث جاز وحده وبطل عتق الآخرين، وإن كان الأول أكثر من الثلث؛ بطل عتق الكل. ومن كتاب ابن المواز: وإن أعتقت ثلث عبد وليس لها غيره: فقال ابن القاسم عن مالك: ذلك جائز ولا يعتق منه غير ثلثه. وقال أشهب وعبد الملك: إما أن يجيز الزوج؛ فيعتق جميعه أو يرد فلا يعتق منه شيء، وروياه عن مالك.
ابن المواز: وروى ابن القاسم عن مالك في ذات الزوج تدبر ثلث جاريتها، فقال: ينفذ عليها. يريد تدبيرها [43/أ. ص] كلها، وقاله ابن القاسم. قال أصبغ: يريد: وإن كره ذلك زوجها. ابن حبيب وقال ابن الماجشون: وما قضت فيه المرأة بأكثر من الثلث من عتقٍ أو صدقة؛ فهو مردود حتى يجيزه الزوج. وقال ابن القاسم عن مالك: هو جائز حتى يرده الزوج، كعتق المديان وعطيته. ومن العتبية والموازية: قال أشهب عن مالك: في رجلٍ أعطى لجارية امرأته مالاً عظيماً مخافة أن تبيعها فقالت: هي حرة إن بعتها إلى عشر سنين، ففسدت الأمة وحبلت، فقال: ليس لها مخرج إلا أن تعتقها أو تهبها لمن لا تريد منه ثواباً، قيل: فإنها ندمت فأرادت بيعها هل يرد زوجها يمينها وهي لا تملك غيرها؟ قال: لا والله. قال ابن المواز وابن حبيب: فلوزجها رد ذلك. ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم في امرأةٍ حلفت بعتق رقيقها إن تزوجت فلاناً ثم تزوجته ورقيقها أكثر من ثلثها قال: إن لم يعلم زوجها بيمينها حتى تزوجها؛ فله رد عتقها، وإن كان قد علم فقدم على ذلك فليس له رده، وهو كالإذن لها.
وقال ابن المواز: قال ابن وهب: وليس للزوج رده علم بيمينها قبل النكاح أو لم يعلم؛ لأن اليمين قبل النكاح، وليست كالبكر، وقاله ابن المواز؛ لأن عقد نكاحه لم يكن قبل حنثها. م: يريد: أنهما وقعا معاً. قال أشهب: وكذلك لو حلفت بالعتق ألا تكلم أخاها ثم تزوجت ثم كلمت أخاها؛ فإن للزوج أن يرد عتقها إذا كان أكثر من ثلثها. ابن سحنون: وقرأت على سحنون لأصبغ وإن حلفت امرأة بعتق عبدها إن تزوجت فلاناً، فباعته، ثم تزوجت فلاناً ثم رد عليها العبد بعيب، فإن رد عليها قبل التزويج ثم تزوجت؛ حنثت، وإن رد بعد التزويج وكانت قد دلست حنثت، وللزوج رد ذلك إن لم تملك غيره، فأجازه سحنون، ثم رجع عنه وقال: لا تحنث إذا رد بعد التزويج دلَّست أو لم تدلِّس.
م: يريد؛ لأن عقد النكاح وقع وليست لها بأمة، وكذلك لو اشترتها على هذا، وفيه اختلاف: هل إنما يراعى وقت العقد أو استدامة النكاح، فمن راعى استدامة النكاح؛ أوجب حنثها إذا ردت عليها دلست أو لم تدلس؛ لأنها مالكة لها وهي متزوجة، فإن لم يكن لها غيرها/ كان للزوج رد عتقها. ومن العتبية قيل لابن القاسم: فإن قالت امرأة لزوجها: إن وطأتني الليلة أو إن ضربت أمتي الليلة فرقيقي أحرار، ولم يذكر جواباً. قال أبو محمد: وتبين لي في الوطء أن له رد العتق إذا وطأها، وأما إن ضرب الأمة فلا رد له. م: لأن له الوطء فمنعته منه يمينها فكان له تحنيثها ورد عتقها، والضرب فليس مباح له فلم يكن له تحنيثها ولا رد عتقها إن فعل. وفيما ذكرنا في هذا الباب في الحمالة شيء منه وبالله التوفيق.
فصل ومن المدونة قال مالك: ولا يجوز على المكره شيء من الأشياء لا عتق ولا طلاق ولا نكاح ولا بيع ولا شراء ولا وصية ولا غير ذلك. وإن أكره على الصلح لم يلزمه شيء، وإكراه السلطان عند مالك وغير السلطان سواء، والضرب عند مالك إكراه، والتهديد بالقتل، والتهديد بالضرب والتخويف [43/ب. ص] الذي لا شك فيه إكراه. ابن القاسم: والسجن إكراه، وإكراه الزوج زوجته إكراه. وقد قال مالك: إذا ضربها او أضر بها فاختلعت منه؛ أنه يرد إليها ما أخذ منها، فهذا بذلك أن إكراهه إكره. م: وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «حمل عن أمتي النسيان والخطأ وما استكرهوا عليه». في العبد يدس من يشتريه من سيده وهو لا يعلم وشراء العبد نفسه من سيده شراءً فاسداً قال مالك: وإذا دفع العبد مالاً لرجلٍ وقال: اشترني لنفسك، فاشتراه ولم يستثن ماله فليغرم ثمنه ثانيةً ويلزمه البيع، ويكون العبد له؛ لأنه إنما دفع إليه أولاً مال عبده.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع». قال في كتاب الوكالات: وإن استثنى ماله فلا شيء عليه غير الثمن الذي دفع فيه أولاً. قال في كتاب العتق: وإن دفع إليه العبد مالاً على أن يشتريه ويعتقه ففعل وأعتقه؛ لزمه أداء ثمنه ثانية والعتق له لازم. قال ابن القاسم: ولا يرجع هذا المشتري على العبد بشيءٍ من الثمن الذي غرمه ثانية. قال مالك: فإن لم يكن للمشتري مال رد عتق العبد وبيع في ثمنه؛ فإن كان فيه وفاء أعطيه السيد، وإن كان فيه فضل أعتق من العبد بقدر ذلك الفضل، ولو بقي من الثمن شيء يعد بيع العبد كان في ذمة الرجل، وهذا كله إن لم يستثن ماله، ولو استثناه لم يلزمه غير الثمن الأول.
قال ابن المواز: وإن قال له العبد اشترني بهذا المال لنفسي ففعل واستثنى له ماله فهو حر مكانه؛ لأنه ملك نفسه، وولاؤه لسيده البائع، وإن لم يستثن ماله عاد رقيقاً لبائعه والمال له ولا يتبع المشتري بثمنه كان مليئاً أو معدماً. ابن المواز: وهو على أنه اشتراه لنفسه حتى يعلم غير ذلك، فإن تداعيا هو والعبد فقال العبد: إنما دفعت إليك الثمن لتشتريني لنفسي، وقال هو: بل لنفسي. قال أصبغ: فالقول قول المشتري استثنى ماله أو لم يستثنه؛ لأنه ضامن غارم والشراء قد عرف منه حتى يعرف خلافه ببينةٍ للعبد على ما قال. م: يريد: ويحلف له المبتاع إن استثنى ماله؛ لأنه لو صدق العبد في دعواه كان العبد حراً، فإن حلف برئ، وإن نكل حلف العبد وكان حراً. م: وليس ذلك كدعوى العتق وإنما هي كدعوى تجر إلى العتق، كقول المكاتب يدعي أنه دفع إلى سيده آخر نجم، وسيده ينكر، فإن سيده يحلف على ذلك، ويبقى العبد على كتابته، فإن نكل: حلف المكاتب وكان حراً، فهذا مثله، ولو لم يستثن المشتري ماله لم يكن للعبد يمين على المشتري؛ لأنه إنما يدعي بذلك أنه باق على ملك مولاه الأول،
ومولاه لم يدع شيئاً، وكذلك لو ادعى السيد هاهنا لأنه إنما اشتراه لنفس العبد؛ حلف له المشتري على ذلك وغرم ثمن العبد ثانية، فإن نكل حلف السيد واستحق العبد. قال أصبغ/: وكذلك لو اختلفا السيد والمشتري فقال السيد: من مال عبدي دفعت إلي وصدقه العبد، وقال المشتري: من مالي. م: يريد: واتفقوا على أنه اشتراه لنفسه، فالقول قول المبتاع في ذلك كله استثنى ماله أو لم يستثنه، ولكن لا يحلف إذا استثنى ماله، ويحلف إن لم يستثنه، فإن نكل حلف البائع [44/أ. ص] واستحق الثمن ثانية. قال في المستخرجة: فإن لم يكن للمشتري مال وقد عتق العبد رد عتقه وبيع له في الثمن عرفت بينهما معاملة قبل ذلك أم لا. م: قال بعض أصحابنا: ولو دفع العبد عرضاً لرجلٍ وقال له: اشترني به لنفسك من سيدي، ففعل؛ فإن استثنى ماله فلا شيء عليه، وإن لم يستثن ماله، فالمشتري قد اشترى سلعةً بسلعة فاستحق السلعة التي دفع فلسيد العبد أن يرجع في عين عبده وإن كان قائماً لم يفت، فإن فات بحوالة سوق فأعلى؛ كان على المشتري قيمة العبد.
فصل ومن المدونة قال: قال ابن القاسم: وإذا اشترى العبد نفسه من سيده شراءً فاسداً فقد تم عتقه ولا يرد ولا يتبعه السيد بقيمته ولا بغيرها بخلاف شراء غيره إياه. م: يريد ويكون للسيد ما باعه به غرراً كان أو غيره، وكأنه انتزعه منه وأعتقه. قال ابن القاسم: إلا أن يبيعه نفسه بخمرٍ أو خنزير فيكون عليه قيمة رقبته. وقال غيره: وهو حر ولا شيء عليه. قال أحمد بن ميسر: إن اعتقه على خمرٍ في يديه فهو حر ويكسر عليه، وإن كان يتبعه به فالبيع فاسد وعليه قيمة رقبته. م: وقول ابن الميسر وفاق لما في المدونة، ومسألة المدونة إنما هو على أنه اشتراه بخمرٍ مضمون، وينبغي إذا كان بخمرٍ مضمون أن يعجل عتق العبد ويتبع بقيمته، فأعلمه. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن باعه من أجنبي بخمرٍ أو خنزير أو بما لا يحل فأعتقه المبتاع جاز عتقه ولم يرد ولزم المبتاع قيمته يوم قبضه؛ لأن مالكاً قال في البيع الحرام إذا فات بعتقٍ مضى ولزم المشتري القيمة. ابن المواز: وقال أشهب: وإن اشترى العبد نفسه من سيده ببعيرٍ شارد أو عبد آبق؛ فليس للسيد إلا اتباعهما. م: وهو كما بينا لابن القاسم.
قال ابن القاسم في كتاب العيوب: وإذا بعت عبدك من نفسه بأمةٍ له فقبضتها، ثم وجدت بها عيباً، لم يكن لك ردها وكأنك انتزعتها منه وأعتقته. قال ابن المواز: رجع ابن القاسم فقال: إن قاطع عبده على جاريةٍ بعينها فوجد بها عيباً أنه يردها ويتبعه بقيمتها، وقاله أشهب، وإنما لا يتبعه فيما أعتقه واستثناه بعيبه ليس على المبايعة والمكايسة. قال في المدونة: ولو بعته نفسه بها وليست به يومئذٍ، قال يحيى ابن عمر: وهي بعينها في ملك غيره. قال ابن القاسم: ثم وجدت بها عيباً ترد به رددتها عليه، وكان العبد تام الحرية، جائز الشهادة، وأتبعته بقيمة الجارية ديناً، بمنزلة المكاتب يقاطعه سيده على جاريةٍ ويعتقه ثم يجد بها عيباً أو تستحق؛ فإنما يرجع عليه بقيمتها. فيمن أعتق عبده على مالٍ ألزمه إياه، وحكم ولد الأمة في ذلك قال مالك وأشهب: ومن قال لعبده أنت حر الساعة بتلاً وعليه وعليك مائة دينار تدفعها إلى أجل كذا؛ فهو حر الساعة ويتبعه بالمائة أحب أو كره. وقال ابن القاسم: وهو حر ولا يتبع بشيء، وقاله ابن المسيب.
ابن المواز: وقال أصبغ: لم أجد لقول ابن القاسم هذا أصلاً، وليس بشيء، والصواب قول مالك وأصحابه وأهل المدينة، وقاله ابن شهاب، وكأنه باعه من نفسه وهو كاره، فذلك لازم له، كما يزوجه كرهاً، وينتزع ماله كرهاً. قال ابن المواز: وكما له أن يلزمه ذلك بغير حرية فلم تزده الحرية إلا خيراً. م: ووجه قول ابن القاسم: أنه لا يكون/ حراً [44/ب. ص] متبوعاً؛ لأن هذا من باب الاستسقار، [كما لو أعتقه] على أن يخدمه بعد العتق سنة أنه حر ولا شيء عليه، فكذلك هذا. قال مالك في كتاب المكاتب: وإذا أعتق عبده عليه مائة دينار جاز ذلك على العبد وكان حراً ويتبع بالمائة. قال سحنون في المستخرجة: قول مالك: أنت حر وعليك، وأنت حر على أن عليك، سواء، وهو حر وعليه ما سمى له، وبه أقول. وقال ابن القاسم في قوله: أنت حر وعليك، يخير العبد؛ فإن شاء بثبات العتق على أن يتبع بها، فذلك له، وإن كره أن يكون غريماً فلا حرية له.
ومن العتق قال مالك: وأما إن قال: أنت حر على أن تدفع إلي مائة دينار، لم يعتق إلا بأدائها، بخلاف قوله: أنت حر وعليك. قال ابن القاسم: وللعبد ألا يقبل ذلك الآن، ويبقى رقيقاً، في قول مالك. ابن القاسم: وسواء ذكر السيد أجلاً للمال أو لا، ولا يعتق إلا أن يرضى، وإن قال: أنت حر على أن تدفع مائة دينار إلى سنة، فقبل ذلك العبد، فإن لم يقل: أنت حر الساعة، ولا أراد ذلك؛ لم يعتق العبد إلا بالأداء، أي: عند الأجل ويتلوم له السلطان [عند محله]، فإن عجز رق، قال: وهذا كالقطاعة؛ والقطاعة: قول الرجل لعبده: إن جئتني بكذا إلى أجل كذا فأنت حر؛ فإن جاء بذلك فهو حر، وإن لم يأت بذلك نظر السلطان فيه بحال ما وصفنا، وإنما محمل هذا عند مالك محمل المكاتب سواء. م: والمحصول من قول مالك وابن القاسم في هذه المسألة وما جرى فيها من الكتب المذكورة أنه إذا قال لعبده: أنت حر الساعة بتلاً وعليك مائة دينار، أو على أن عليك، أو على أن تدفع إلي مائة دينار؛ أنه حر عند مالك الساعة في جميع ذلك، ويتبع بالمائة أحب أو كره؛ لأن له أن يلزمه المائة بغير حرية ويأخذها منه متى شاء ووجدها عنده، فلم تزده بالحرية إلا خيراً، كما قال محمد، وإن كان إنما قال: أنت حر ولم يقل الساعة بتلاً، ففي قوله: أنت حر وعليك، وعلى أن عليك، يعتق ويتبع أيضاً، مثل الأول، وفي قوله: أنت حر
على أن تدفع، لا يعتق حتى يدفع؛ لأنه لم يبتل عتقه إلا بعد دفع المال، وللعبد ألا يقبل ذلك، ويبقى رقيقاً، وهذا من ناحية الكتابة، وهذ من قوله يدل أنه لا يكرهه على الكتابة وفيه اختلاف. ومذهب ابن القاسم إذا قال: أنت حر وعليك فسواء، قال: الساعة بتلاً، أو لم فإنه حر في الوجهين جميعاً، ولا شيء عليه، ولو قال: أنت حر على أن عليك أيضاً فسواء، قال: الساعة بتلاً أو لم يقل، فليخير العبد فإن شاء بثبات العتق على أن تيبع بها، فذلك له، وإن كره أن يكون غريماً فلا حرية له، وفي قوله: أنت حر الساعة بتلاً على أن يدفع؛ فالعبد مخير في قبول ذلك أو رده، فإن رده لم يكن عليه شيء، ولإن قبله عتق، وأتبع، وإن لم يقل: في ذلك الساعة بتلاً، فهو مخير أيضاً، في القبول أو الرد، فإن رد فلا شيء عليه، وإن قبل لم يعتق إلا بالأداء، وقول مالك أصوب في ذلك كله، وفي الواضحة في هذه المسائل اختلاف تركته لئلا يتوعر حفظها على قارئها [45/أ. ص]، وقد اتفق على ما ذكرته حذاق أصحابنا. وبالله التوفيق.
فصل ومن المدونة قال مالك: ومن قال لأمته: إن أديتي إلي ألف درهم إلى عشر سنين؛ فأنت حرة، فليس له أن يبيعها. قال ابن القاسم: وما ولت في هذه المدة فمنزلتها إن أدت فعتقت عتق ولدها معها؛ لأن مالكاً قال: كل شرط كان في أمةٍ ولدت من ولد بعد الشرط أو كانت به حاملاً يوم شرط لها ذلك، فولدها في ذلك الشرط بمنزلتها. وقد قال مالك فيمن حلف بعتق أمته إن لم يفعل كذا [إلى أجل كذا]، فولدت قبل الأجل، ثم لم يفعل السيد ذلك فحنث: أن ولدها بمنزلتها يعتق معها، وليس له بيعها ولا بيع ولدها، فهذا يدلك على مسألتك. قال: وكذلك إذا قال لها: إن أديت/ إلي ألف درهم ولم يضرب لها أجلاً؛ أن ولدها بمنزلتها أيضاً. وقال ابن القاسم في المستخرجة: لا يكون ولدها بمنزلتها، ورواه عن مالك، وليست بكتابةٍ ولا عتقٍ إلى أجل، ولو مات لم يلزم ورثته عتقها إن جاءتهم بالمائة. م: يريد وسواء ضرب أجلاً أو لم يضربه. وقد تقدمت مسألة من قال لأمته: إن أديت إلي اليوم مائة ألف درهم فأنت حرة، فمضى اليوم ولم تؤد شيئاً، إنه لابد أن يتلوم لها، وإن وضع ذلك السيد عنها عتقت مكانها، والذي قال لأمته: إن أديت إلى ورثتي كذا؛ فأنت حرة فمات، وحملها الثلث: أنه
ينجم عليها، فإن أدت عتقت، وإن عجزت رقت، وإن لم يحملها الثلث: خير الورثة في إجازة ذلك، أو عتق محمل الثلث منها بتلاً. فيمن أعتق عبده ثم جحده العتق وقد استغله أو أقر بعتقه بعد أن جرحه وكيف إن استحق بحرية؟ قال مالك: ومن أعتق عبده أو أمته ثم جحده العتق فاستغل واستخدم ووطئ زماناً، ثم قامت عليه بالعتق بينة وهو يجحد فلا شيء عليه من ذلك إلا أنه يحكم عليه بالعتق. قال ابن القاسم: وإن أقر بذلك ولم ينزع فليرد الغلة على العبد، ويعطيه قيمة خدمته، ويحد في وطئه الأمة، كقول مالك فيمن ابتاع حرة وهو يعلم بها فأقر بوطئها ولم ينزع: أنه يحد ويغرم الصداق. وقال مالك فيمن حلف في سفره بعتق عبده إن فعل كذا، ومعه قوم عدول، فقدم المدينة بعبده ذلك، وتخلف القوم الذين كانوا معه، فحنث في عبده، ثم استغل العبد، ثم مات فكاتبه ورثته، وتأدوا بعض النجوم وهم لا يعلمون بحنث صاحبهم، ثم قدم الشهود بعد ذلك، وأخبروا بيمينه وحنثه: فإنه يقضى بعتق العبد الآن، ولا رجوع بغلةٍ ولا كتابة، وإنما تبت عتقه الآن. قال ابن القاسم: وكذلك إن جرحه السيد أو قذفه ثم ثبت أنه أعتقه قبل ذلك وهو جاحد؛ فلا شيء عليه، وجعل له ابن القاسم حكم الحر مع الأجنبيين بخلاف السيد.
وقال غيره: إذا ثبت أن السيد أعتقه قبل ذلك، والسيد جاحد؛ فعلى السيد رد الغلة إليه، وله حكم الحر فيما مضى من حدٍ أو جرح أو قذف له أو عليه مع أجنبي أو مع السيد ذلك سواء. ابن المواز وقال أشهب: جحود السيد مع البينة كإقراره إلا في الوطء فقط، فقال: لا شيء عليه فيه إلا أن يقر بالتعمد ويقام إذا لم يقر مقام الناسي [45/ب. ص]، وأما في غير ذلك فهو والأجنبي سواء، والسيد أقوى في التهمة؛ لما له فيه من المنفعة، والأجنبي يقول: لم أعلم، وقد أخطأ من قاس وطأه بفريته؛ لأنه لو وطأ امرأةً يظن أنها امرأته لم يحد، ولا يعزز في الفرية في هذا. م: والحجة لابن القاسم: أنه لو وطأ أو قذف امرأةً يظن أنها أمته؛ لم يحد، فلا يحتج عليه إذا وطأها أو قذفها يظنها امراته؛ لأن الزوجة يحد في قذفها، فكذلك يحد في قذف الأجنبية يظنها زوجته، والأمة لا يحد في قذفها، فكذلك لا يحد في قذف الأجنبية يظنها أمته، فمن قاس الأمة بالزوجة في هذا فقد أخطأ. ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو جرح رجل عبد الرجل أو قذفه فأقر السيد أنه كان أعتقه قبل ذلك: فلا حد على الرجل في فرية، ولا قصاص بينهما إلا أن يعترف بما قال
سيده، فإن لم يقر وكان الجرح عمداً فعلى الجارح دية جرحه على أنه عبد، ويكون ذلك للعبد. م: لإقرار السيد أن دية الجرح له. قال ابن المواز: وإن كان خطأ فعليه الأقل من دية جرحه/ على أنه عبد أو على أنه حر، يكون ذلك للعبد، إلا أن يبلغ ذلك ثلث الدية فأكثر فلا شيء عليه أقر أو جحد، لأنه إنما أقر على العاقلة، والقياس: أن يكون عليه قدر ما يلزمه مع العاقلة. فصل ومن العتبية والمجموعة قال ابن القاسم: وإذا استحق العبد أنه حر الأصل؛ فإن من تقدم بما أخذ منه السيد من كتابةٍ أو غلةٍ أو خدمةٍ أو خراجٍ لا يرجع عليه بشيءٍ منه. وأما ما كان انتزع له من مالٍ فليرده إليه كان اشتراه به أو أفاده عنده من فضل جراحه، أو كان قد وهب له، ويرد عليه ما كان قبض من أرش جراحاته وقطع يده؛ لأنه لم يكن يضمنه لو مات عنده ولكن يرجع على بائعه بالثمن. فإن كان قيل: كذلك يرد كتابته وغلته، قبل له: الفرق بين ذلك: أنه يشتري العبد ليعتمله لا لينتزع ماله.
ومن غير المجموعة وقال المغيرة: يرد على ما اغتل منه، وكذلك يرى إن كانت أمة فاستحقة بحرية؛ أنها ترجع عليه بصداق المثل إذا وطأها، وابن القاسم لا يرى عليه صداقاً. م: فوجه قول ابن القاسم: أن مشتري الحر قد دفع فيه ثمناً انتفع به فوجب أن ينتفع هو بمثمونه؛ أصله إذا استحق بملك، ولما لم يرجع سيد العبد بمنافع مملوكه التي كان مالكها، وملكت عليه بغير حق فكذلك منافع الحر. والفرق عند المغيرة بين الحر والعبد: أن العبد لو هلك بيد مشتريه لكان ضمانه منه ولم يرجع بثمنه على بائعه، فوجب أن يكون له خراجه؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الخراج بالضمان»، والحر ليس ضمانه من أحد، وأنه لو هلك بيد مشتريه لرجع بثمنه على بائعه، فوجب ألا يكون له خراجه؛ لأنه لم يضمن فيه ثمناً أداه. م: وهذا بين والله أعلم. قال بعض القرويين: ويؤخذ هذا الاختلاف من اختلاف قول ابن القاسم وأشهب في مسألة الذي أعتق عبده ثم جحده العتق وشهدت عليه بينة بعتقه: فقد قال أشهب: يرد الغلة في هذا، ففي الذي ثبت أنه حر من أصله أحرى أن يرد الغلة.
فيمن أعتق أو زنا أو سرق من المغنم قال ابن القاسم: ومن اعتق عبداً من الغنيمة وله فيها نصيب: لم يجز عتقه؛ لأن مالكا قال: إذا زنا بجارية من الغنيمة [46/أ. ص] أقيم عليه الحد, وإن سرق من الغنيمة بعد أن تحرز قُطع. قال سحنون: وقال غيره: لا يحد للزنا, ويقطع إن سرق فوق حقه بثلاثة دراهم؛ لأن حقه من الغنيمة واجب موروث, بخلاف حقه في بيت مال المسلمين؛ لأنه إنما يجب له إذا أخذه, وإن مات لم يورث عنه. م: وهذا أقيس. قال أبو محمد: وهو وغيره لا يقولون في العتق إلاّ كقول ابن القاسم. م: وذُكر عن الشيخ أبي عمران رحمه الله أن ابن سحنون قال في كتابه عن غير ابن القاسم خلاف ما تأوله أبو محمد: وأنه إذا أعتق من الغنيمة عتق عليه.
م: وهذا هو القياس؛ لأنه إذا كان لا يقطعه إلا أن يسرق فوق حصته بثلاثة دراهم, وجعله كالشريك, فكذلك يكون حكمه في العتق عنده, وإنما لم يعتق عليه في رواية ابن القاسم؛ لأن حصته من الغنيمة غير معلومة فلا يعلم ما يعتق عليه منه, ولا ما يقوم عليه لشركائه وهذا والله أعلم: في الجيش العظيم الذي لا يُعرف عدده؛ لأن حصته غير معلومة, وأما السرية اليسيرة التي حصته منها معلومة؛ فيجب أن يعتق عليه حصته, ويقوّم عليه إن كان مليئاً نصيب شركائه كعتق أحد الشركاء, ولا يحد للزنا باتفاق, ويقطع إن سرق فوق حصته بثلاثة دراهم. م: واختلف قول سحنون فيما يقطع فيه؛ فقال مرة: يقطع إن سرق فوق حقه من الغنيمة كلها بثلاثة دراهم, وقال مرة: فوق/ حقه من المسروق بعينه. وكذلك اختلفوا في الشريك يسرق من متاع أودعاه من مال الشركة: فقال ابن المواز: إذا سرق أحد الشريكين ستة دراهم قطع. وقاله ابن حبيب. وقيل: لا يقطع حتى يجاوز نصيبه من الجميع بثلاثة دراهم. م: وأما لو سرق الشريك مما قد أغلقا عليه باباً لم يقطع, قاله في كتاب القطع.
في عتق النصراني وتدبيره وكتابته والسُّنة أن كل حكم وقع بين مسلم وذمي فإنه يحكم فيه بحكم المسلمين؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه, فلا يرد المسلم إلى أحكام النصارى يحكمون فيه فيكون ذلك إذلالاً للإسلام. قال مالك: وإذا أسلم عبد النصراني ثم أعتقه قُضي عليه بعتقه؛ لأنه حكم بين مسلم وذمي, وقد قال مالك في نصراني دبّر عبده النصراني ثم أسلم العبد: أن التدبير يلزمه ويؤاجر عليه ولا يختدمه هو ولا يباع عليه فالعتق آكد من التدبير, وهذا المدّبر الذي يؤاجر إذا مات سيده نصرانيا: عتق في ثلثه إن حمله الثلث, وإلا عتق منه مبلغ الثلث ورقّ ما بقي, فإن كان ورثته نصارى جُبروا على بيع ما صار لهم من هذا العبد, وإن كان له ولد مسلم أو لم يكن له ورثة؛ كان ما رقَّ منه لجميع المسلمين؛ لأن ولده المسلم لا يرثه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم». قال مالك: ولو دخل إلينا حربي بأمان فكاتب عبداً له أو أعتقه أو دبّره ثم أرد بيعه فذلك له, قال: وكذلك إذا كاتب النصراني عبده أو دبّره ثم أراد بيعه وفسخ الكتابة أو التدبير: لم يمنع من ذلك, كما له رده في الرَّق إذا أعتقه.
م: وقال بعض الرواة في كتاب المكاتب: ليس له نقض الكتابة: لأن هذا من التظالم لبينهم الذي لا ينبغي للحَكَم أن يتركهم لذلك. قال مالك في كتاب العتق: إلا أن يسلم العبد قبل ذلك فيلزمه كتابته وتدبيره. قال ابن القاسم في العتبية في نصراني أعتق عبده النصراني ثم أراد بيعه: فليس للإمام منعه [46/ب. ص] , فإن أسلم العبد قبل أن يرجع في عتقه؛ فإن كان العبد قد بان عنه حتى صار حاله كحال الأحرار فلا رجوع له فيه بعد إسلامه, وإن كان إذا أعتقه يستخدمه بحالته التي كان عليها حتى أسلم؛ فله الرجوع فيه كما لو طلّق امرأته ثم أسلم فله حبسها بعد الطلاق إذا لم تَبِنْ منه, وإن كان يوم طلقها انقطعت منه وبانت ثم أسلم؛ فليس له أن يرتجعها ولا يمكن من ذلك. قال: وأما النصراني يدبّر عبده ثم يسلم العبد؛ فليس له نقض التدبير, وإنما له أن يرجع فيه ما لم يُسلم العبد. م: والفرق بين المعتق والمدّبر: أن صفة العتق البينونة بنفسه فلما بقي بيده وفي خدمته ولم يبن عنه؛ فكأنه لم ينجزه له فلا يزده إسلامه قوة, والمدبَّر لا يستطيع أن يبن بنفسه, لأنه لم يجب له عتق ناجز فيفرط في استعجاله وهو لم يبين الرجوع في تدبيره قبل إسلامه فلذلك لزمه تدبيره.
م: وظاهر هذا خلاف المدونة وظاهر المدونة ألاّ فرق بين عتقه وتدبيره, وأن ذلك يثبت بإسلام العبد, وإن لم يبن عنه في العتق؛ لأن البينونة أمر يوجب عتقه, وإن لم يسلم فلا فائدة في ذكره, فإذا ثبت هذا دل على أن إسلامه يوجب أيضاً عتقه, وإن لم يبن عنه ولا حجة على العبد في أنه لم يبنه؛ لأنه يقول: لو طلبته بالبينونة لرجع في عتقي, وذلك سائغ له, فأسلمت لِأُلْزمه عتقي, [وكما لو أعتقه] فأسلم مكانه/ لكان يلزمه هذا والله أعلم؟ ومن المدونة قلت: فإن أعتق الذمي عبده أو دبّره ثم أسلم السيد أو حلف بذلك في نصرانيته ثم أسلم فحنث هل يلزمه العتق والتدبير؟. قال قال مالك: إذا حلف بذلك ثم أسلم فحنث: فلا شيء عليه؛ لأن يمينه كانت في حال الشرك. قال ابن القاسم: فأرى أن حنث فيه في حال نصرانيته ثم أسلم أنه لا يعرض له مثل الذي أخبرتك. م: وظاهر هذا أنه خالف بين إسلام العبد وإسلام السيد على مذهب المدونة, وهذا إذا لم يبن العبد عن نفسه. ووجه التفرقة قوله صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يجب ما قبله» , فقد قطع إسلام السيد عتقه وحنثه في العتق, والعبد فلم يفعل شيئاً فيجبه إسلامه.
وفي كتاب ابن المواز: قال محمد: عتق النصراني لعبده باطل لا يثبت إلا بإسلام أحدهما. م: لأنه يصير حينئذ حكما بين مسلم وذمي فيحكم فيه بحكم المسلمين. ومن المدونة قال مالك: وإذا أعتق النصراني عبده النصراني ثم أبى أن ينفذه له, وأراد أن يرده في الرِّق أو يبيعه فذلك له, ولا يحال بينه وبين ذلك [وبيعه إياه جائز]. م: يريد إلا أن يكون أبانه عن يده, ونحوه في كتاب الجنايات. قال ابن القاسم: إلا أن يرضى. م: يريد في الذي يبنه أن يحكم عليه بحكم الإسلام فيحكم عليه بالحرية وكذلك التدبير. وقد قال مالك: إذا أعتق الذمي شقصاً له من عبد ذمي وبقيته له أو لذمي آخر؛ فلا يقضي عليه بالعتق ولا يقوم عليه حصة شريكه. م: قال بعض فقهائنا: إنما منع النصراني من ردِّ عتق عبده النصراني إذا بان عنه لتوجه الجزية عليه, وكونه مطلوبا فيها فيصير عليه حثاً للمسلمين فليس للنصراني إبطاله.
م: ويلزم على هذا التعليل: أنها إذا كانت أمة أو زوجة لا تنفعها البينونة عن يده في العتق والطلاق؛ لأنها ممن لا تتوجه عليها الجزية, وهذا خلاف قولهم, وإنما العلة في ذلك [47/أ. ص] والله أعلم: أنه إذا أبان ذلك عن يده فقد فعل وجه العتق والطلاق, وألزم نفسه حكمة وصيرّ كل واحد منهم مالكاً لأمره, وأبان لنا أنه نفذه له, فلم يجز له الرجوع فيه؛ لأن ذلك من التظالم بينهم, فلا يترك وذلك إذا أبقى ذلك بيده فليس ذلك صفة العتق والطلاق, فقد أبان لنا بفعله: أنه لم ينفذ له ولا ألزم نفسه حكمه, فوجب ألا يلزمه إلا أن يرضى بحكمنا والله أعلم. فيمن أخدم عبده أو آجره ثم أعتقه كيف إن لحقه دين قبل حوز المخدم؟ وجامع مسائل من المخدم قال مالك: ومن أخدم عبده رجلا سنين ثم هو حر ثم استدان السيد قبل أن يقبضه المخدم؛ فالغرماء أحق بالخدمة يؤاجر لهم, وليس لهم إلى المعتق سبيل؛ لأنه قبل الدين, قال: وإن لم يقم الغرماء حتى بتل الخدمة [فلا سبيل للغرماء على الخدمة].
قال يحيى: بحوز العبد لم يكن للغرماء في الخدمة شيء-, والعتق نافذ في الوجهين إلى أجله, وكذلك لو تصدق بصدقة أو وهب هبة أو أعطى عطية فلم يبتلها للمعطي حتى لحقه دين؛ فالغرماء أولى بذلك. ابن حبيب وقاله مطرف وابن الماجشون وقالا: والصدقة بيومِ تقبض لا بيومِ يتصدق بها, والفلس كالموت والمرض. وقال أصبغ: الصدقة أولى من الدين المستحدث بعدها, وإن لم تقبض, والصدقة بيومِ يتصدق بها لا بيوم تقبض ما دام حيا إذ لو أقيم عليه أخذت منه ما لم يمرض أو يموت, وليس ذلك مثل حدوث الفلس وهو كالعتق إذا أعتق وله مال يفي بدينه لم يضر/ ذلك ما يحدث من الدين. وقال ابن حبيب: لا تشبه الصدقة العتق؛ لأن العتق قبض والصدقة لم تقبض حتى حدث الدين. ومن المدونة قال مالك: ومن أجر عبده أو أخدمه سنة ثم أعتقه قبل السنة لم يعتق حتى تمضي السنة, وإن مات السيد قبل السنة لم تنتقض الإجازة والخدمة بموته, ويعتق العبد بعد السنة من رأس المال إلا أن يترك المستأجر أو المخدم للعبد بقية الخدمة فيعجل عتقه.
قال أشهب في رواية سليمان: إذا أعتقه السيد قبل السنة حلف بالله ما أراد عتقه إلا بعد تمام الإجارة؛ فإن نكل كانت الإجارة للعبد. قال ابن المواز: وإذا أعتقه قبل انقضاء الخدمة نظر فيه؛ فإن قال المستأجر: أنا أضع الخدمة على أن يرد على السيد, فأبى السيد, فليحلف بالله أنه لم يرد بذلك إلا إبطال ذلك عنه فإن نكل غرم ونفذ العتق إذا رضى المستأجر. قال أشهب عن مالك: فإن أبى المستأجر سئل السيد؛ فإن قال: أردت تعجيل عتقه ساعة نطقت به وأراد الإجارة فالإجارة يومئذ للعبد تدفع إليه, وإن قال: أردت عتقه بعد الأجل حلف وثبتت له الإجارة قبضها أو لم يقبضها. م: يريد وإن نكل كانت الإجارة للعبد.
ومن كتاب ابن سحنون قال مالك: فيمن قال لعبده أخدم فلانا سنة وأنت حر فوضع عنه فلان الخدمة: فإنه يعتق مكانه. وقال عبد العزيز: لا يعتق لحجة السيد إلا يعجل عليه فيزول ميراثه عنه وليس للمخدم من عتقه شيء. قال سحنون: وإن وضع عنه نصف الخدمة سُئل فإن أراد: تركت له خدمة ستة أشهر؛ لأن عتقه إلى سنة يبعد, فهو ذلك, [وإن أراد: أنها له ملك يشاركه فيها وتصير له ملكا, كان حراً مكانه كله, كمن وهب لعبده نصف خدمته]. وكذلك [47/ب. ص] في كتاب ابن المواز قال فيه: وإن قال: لم أرد شيئاً حلف بالله ما أراد أن يهب له نصف الخدمة ثم يختدمه نصف السنة. قال مالك فيه وفي العتبية: وما ولد العبد المستأجر من أمته بعد العتق فهو حر ساعة يولد لا ينتظر به السنة. قال في كتاب محمد: وكذلك الأمة المستأجرة. م: أمّا ولد العبد من أمته فلا يكون حراً إلا ما حملت به بعد العتق فيعتق إذا وضعته, إذا ليس فيه خدمة, وأما إن حملت به قبل العتق: فالولد رقيق للسيد إذ مسه الرّق في بطنها, والسيد إنما أعتق العبد فلا يتبعه ولده وتتبعه أمته, وأما ولد المستأجرة فسواء كانت حاملا قبل العتق أو بعده فهو حر إذا وضعته إذا لا خدمة فيه؛ ولأن كل من أعتق أمة
حاملاً فولدها حر بمنزلتها, ولو أعتقها عبده وله أمة حامل كان الولد رقيقا للسيد والأمة تبعا للعبد. قال ابن المواز: وإذا أعتق المستأجر قبل محل الإجارة فكانت الإجارة أولى به؛ فهو في حدوده كالعبد حتى يتم الإجارة فينفذ عتقه من رأس المال لا يرده دين يحدث. قال أشهب: وإن آجر نصف عبده سنة ثم أعتق نصفه وهو عديم؛ فلا يعتق نصف الإجارة حتى يتم إلا أن يشاء المستأجر أن يتبع سيده بالإجارة فذلك له ويعتق كله مكانه. م: ليس للمستأجر أن يتبعه في عدمه بالإجارة على مذهب المدونة, كما لا يتبعه شريكه في رقبة العبد إذا أعتق نصفه وهو عديم. قال أشهب: لو أخدم نصفه سنة أو حياته ثم أعتق نصفه وهو مليء, عتق كله, وغرم الأقل من نصف قيمته, أو نصف قيمة الخدمة. قال ابن المواز: وأحب إلينا أن يغرم السيد نصف قيمة رقبته ما بلغت فيوقف ذلك للمخدم فيختدم له به في خدمة نصف العبد سواء فإن نفذ ذلك قبل الوقت لم يكن له غيره, وإن فضل سن ذلك شيء رجع الفضل إلى سيده, وهذا مذهب مالك وأصحابه. قال ابن المواز: ولو مات العبد بعد أن عتق كله, أو قتله رجل, أو قتله السيد خطأ فإن ما بقي من القيمة الموقوفة/ للسيد وتنقطع الخدمة عن المخدم, وإن قتله السيد
عمدًا اختدم بالقيمة إلى نفاذها أو تمام الأجل. قال: وقتل السيد له عمدا قبل أن يعتقه مثل ما لو أعتقه لغرم قيمة رقبته يختدم بها. م: هذا نقل معنى ما في كتاب محمد وفيه زيادة من لفظي. قال ابن المواز: ولو كان العبد بين رجلين فأخدم أحدهما مصابته منه رجلاً حياته ثم أعتق الآخر حصته؛ فقد اختلف فيه ابن القاسم وأشهب وأصوب ذلك عندي: أن يعتق عليه مصابته من العبد ويقوّم عليه مصابه شريكه التي أخدمها, ويأخذ شريكه نصف القيمة, ولا يكون للمخدم من ذلك شيء بمنزلة ما لو استحق؛ لأنه قد استُحق بالحرية, وكذلك لو أراد الشريك الذي لم يخدم حصته البيع [لكلف هذا المخدم البيع] معه وتبطل الخدمة وقاله أشهب. قال ابن المواز: ولو أخدم عبده رجلاً حياته ثم مات السيد وترك ولدين فوهب أحدهما حصته من العبد للمخدم فأعتق المخدم تلك الحصة الساعة بتلاً؛ قال أصح الجواب عندي فيها: أن يقوّم مصابة الذي لم يهب على المخدم الذي أعتق كم يسوى مرجعها على غررها بالنقد على الاجتهاد لو كان يصلح بيع ذلك فيعجّل له ذلك, وقال
فيها ابن القاسم: إنه يغرم قيمة نصف مرجعه ويوقف, فإذا مات المخدم المعتق والعبد بان, كانت نصف القيمة للمتمسك بنصيبه, وإن مات العبد قبل المخدم رجعت نصف القيمة [48/أ. ص] إلى المعتق. ابن المواز: وهذا ظلم للمتمسك؛ لأن القيمة قد قوّمت على غررها وتعجيلها فنقصت لذلك فيجب أن تعجل له ولو قوّمت على أنها تكون مؤخرة لزادت فلا يجب أن تقوم على التعجيل, وتدفع مؤخرة. ومسائل المخدم كثيرة وقد أفردت لها باباً في كتاب المدبر. فصل قال في كتاب الرَّهن: ومن رهن عبداً ثم أعتقه؛ فإن كان مليئاً عجل الدين وعجل عتقه, وإن كان عديماً بقي العبد كما هو رهناً, فإن أفاد سيده قبل الأجل مالاً؛ أخذ منه الدين ونفذ العتق. قال في كتاب ابن المواز: إن كان في ثمنه فضل عن الدّين بِيع منه بقدره وعتق ما بقي, فإن لم يوجد من يشتري بعضه بيع كله وقضى الدين, ودفع إلى السيد ما بقي يصنع فيه ما شاء. م: إذا لم يوجد من يشتري بعضه لم يُبع منه شيء ويوقف حتى يحل الأجل لعل السيد يفيد مالا فيقضي منه الدين وينفذ عتقه, فإن لم يفد شيئا بِيع في الدين.
وقال أشهب: إن لم يكن فيه فضلٌ لم يُبع حتى يحل الأجل؛ فيباع حينئذ منه بقدر الدين إن وجد من يشتري بعضه ويعتق باقيه, وإن لم يوجد بِيع كله وقضي الدين وما بقي يصنع به السيد ما شاء. قال أبو الزناد: وإن لم يكن للسيد مالٌ فدفع العبد ذلك الدين من مال نفسه عجل عتقه ولم يرجع به على سيده وفي الرهن إبقاؤه. القضاء في مال العبد المعتق بعضه أو جميعه روي ابن وهب عن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أعتق عبدا وله مال فمال العبد له إلا أن يستثنيه السيد». قال ربيعة وأبو الزناد: علم سيده بماله أو جهله. قال أبو الزناد: وإن كانت للعبد سرية وقد ولدت منه علم بذلك السيد أو لم يعلم, فإن سرية العبد للعبد, وأما ولده منها فرَّقٌ لسيده. قال في كتاب المكاتب: إذا أعتق العبد تبعه ماله في السُّنة ولا يتبعه ولده فيكون حرًا مثله
قال ابن القاسم: فيمن أعتق عبده وللعبد على سيده دين فله أن يرجع به عليه؛ لأن العبد يتبعه ماله فدينه يكون له إذا أعتق إلا أن يستثنيه فيقول: أشهدوا أني قد انتزعت الدين الذي/ لعبدي عليّ, أو أني أعتقته على أن ماله لي فيبقى المال للسيد, ويكون ذلك انتزاعاً لما في ملك العبد [وهو قول مالك]. قال مالك: وإذا كان بعض العبد حر فليس لمن ملك بقيته أن ينتزع شيئا من ماله وهو موقوف بيده؛ لأنه شريك لسيده في نفسه, والعبد إذا كان بين الرجلين لم يكن لأحدهما أن ينزع شيئاً من ماله إلا بإذن شريكه. قال مالك: وإذا كان بعض العبد حر فلمن ملك بقيته بيع حصته منه, ويحل المبتاع في مال العبد محل البائع, ولا يكون لمشتريه ولا لبائعه أن يأخذ من ماله شيئاً, فإن عتق العبد يوما ما؛ تبعه جميع ماله, وإن مات قبل ذلك كان ماله للمتمسك بالرّق خاصة دون الذي أعتق؛ لأنه لا يوارث بالحرية حتى تتم حريته, والقضاء أن العبد إذا كان بين الرجلين لا يتنازعان ماله إلا بإجماعهما, ولأحدهما بيع حصته من العبد دون الآخر. قال سحنون: إنما يجب لأحدهما بيع حصته من العبد على أن يستثنى المبتاع ماله وإلا لم يجز وهو كعبد بعضه حر إلا أن يبيعه من شريكه.
ومن الجنايات: وإذا أذن أحدهما لشريكه في أخذ حصته [48/ب. ص] من ماله وأبقى الآخر حصته بيده؛ جاز ذلك, فإن باعه واستثنى المبتاع ماله؛ فالثمن بينهما نصفين, لا يحاص هذا بما زاد المال في حصته إذ لا حصة لمن له من الثمن. ابن المواز: ولو لم يستثنِ ماله لكان بينهما بنصفين. قال أصبغ: لأن ما تركه شريكه صار مالاً للعبد, ولو أراد الذي ترك أن يأخذ منه شيئاً لم يكن ذلك له إلا باجتماعهما. القضاء في العتق بالمثلة روى ابن وهب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كان لزِّنباغ عبد يُسمى شندر أو ابن سندر فوجده يقبل جارية له فجبه وقطع أذنيه وأنفه, فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فأرسل إلى زنباع فقال: «لا تحملوهم ما لا يطيقون, وأطعموهم مما تأكلون, وأكسوهم مما تلبسون, وما كرهتم فبيعوا, وما رضيتم فأمسكوا, ولا تعذبوا خلق الله». ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مثل بعبده أو حرقه بالنار؛ فهو حر وهو مولى الله ورسوله» فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال العبد يا رسول الله: أوص بي, فقال: «أوصي به كل مسلم». م: [قيل في قوله صلى الله عليه وسلم: «وهو مولى الله ورسوله» معنى ذلك: أن العتق فيه بسنتهما وليس يعني أن] الولاء للمسلمين. قال يزيد بن أبي حبيب: وزنباغ يومئذ كان كافرًا.
قال مالك: وبلغني أن عمر بن الخطاب أعتق أمة رمتها سيدتها بنار فأصابتها به. قال ابن وهب: وضرب عمر سيدتها. وأن رجلا أحمى رضقاً فأقعد عليه أمته فاحترق فرجها؛ فقال عمر: ويحك, أما وجدت إلاّ أن تعذبها بعذاب الله, فأعتقها عليه وجلده. وقال ربيعة: يعتق بالمثلة المشهورة. قال يحيى بن سعيد: ويعاقب من فعل ذلك. [قال مالك رضي الله عنه]: فمن مثّل بعبده فقطع له أنملة, أو حرق شيئاً من جسده بالنار على وجه العذاب؛ فهي مُثْلة يعتق بها, ولو كواه بالنار تداويا لم يعتق عليه. وقال مالك: في امرأة كوت فرج أمتها بالنار: فإن كان على وجه العذاب فانتشر وساءت منظرته؛ عتقت عليها, وإن لم يتفاحش لم يعتق. وقال في امرأة سحلت أسنان أمتها بالمبرد حتى أوهنتها: أنها تعتق عليها. قال ابن القاسم: ومعنى سحلت أسنانها: أنها بردتها. قال مالك: ولم يختلف [أحد منا يومئذ] أنها تعتق عليها. قال: ومن أخصى عبده, أو أقلع أسنانه, فهي مُثلة: يعتق بها.
قال ربيعة: وكذلك لو قطع حاجبيه فهي مُثلة. ابن المواز قال أشهب عن مالك: فيمن عمد لقطع أنملة عبده أو طرف أذنه أو أرنبته أو قلع سنه أو قطع بعض جسده عمداً عتق عليه وعوقب. قال أشهب: ويسجن. وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: وكذلك لو خرم أنف عبده, أو شرف أذنه أو قلع ظفره أو ضرسه أو سنه عمدا عتق عليه, وقاله ابن القاسم. وقال أصبغ: لا أراه في السن الواحدة أو الضرس مُثله/ إلا في جُلِّ الأسنان وجُلِّ الأضراس. قال ابن حبيب وبالأول أقول. قال أصبغ: فيمن وشم وجه عبده أو جبهته وكتب فيه أبق, أنه يعتق عليه, وقاله ابن وهب وأشهب. قال أصبغ: ولو فعل ذلك في ذراعيه أو في باطن جسده لم يعتق عليه بخلاف الوجه.
قال عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب: في العبد يعرف بالأباق يرشم سيده في جبهته عبد فلان, قال: يعتق عليه, قال: ولو وسمه بمداد أو إبرة, كما يفعل الناس لعتق عليه. وقال أشهب: لا يعتق عليه. ومن المدونة [49/أ. ص] قال ابن القاسم: وإن جز رؤوس عبيده أو لحاهم؛ لم تكن هذه مثلة يعتقون بها. قال ابن المواز: قال ابن وهب: ولكن يؤدّب في العبد والجارية, وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن تحلق المرأة شعرها وقال: أنها مثلة. ابن حبيب وقال ابن الماجشون عن مالك: ليس حلق الرأس واللحية مثلة إلا في العبد التاجر النبيل الوجيه اللاحق بالأحرار في هيئته فإن حَلْق لحية مثل هذا مُثلة, وكذلك الأمة الفارهة الرفيعة البالغة يحلق سيدها رأسها. قال ابن المواز: ولا يعتق بالعض في الجسد ولكن يباع عليه. قال أشهب: ما لم يقطع بذلك شيء من جسده ويبين منه. قال أشهب: ولو كان ممن يرى أن ذلك منه فلتة لم يبع عليه.
فصل قال ابن المواز قال مالك: ومن مثّل بعبده؛ فلا يعتق عليه إلا بعد الحكم, وقاله ابن القاسم. وقال أشهب: بالمثلة صار حرا, وإن مات السيد قبل أن يعلم به فهو من رأس ماله. وقال عنه ابن عبد الحكم: أما المثلة المشهورة لا شك فيها؛ فهو بها حر بغير قضية, وأما مثلة يشك فيها فلا يعتق إلا بحكم كأجل نفس الإيلاء هو من وقت اليمين, وأما ما يدخل عليه بسبب فهو من وقت المرافعة. قال ابن المواز: أحب إليّ ألا يعتق إلا بحكم, أو بإنفاذ السيد, وفي بعض الحديث: (من مثّل بعبده فأعتقوه) ولم يقل فهو حر, وهو كمن أعتق بعض عبده أو شقصا له من عبد فلا يعتق باقيه إلا بحكم. م: وقد ذكر في الحديث في رواية المدونة من مثّل بعبده فهو حر, فهذا يؤيد قول أشهب. قال ابن المواز: وذكر البرقي عن أشهب مثل قول ابن القاسم: أن العبد إذا مات قبل الحكم بعتقه ورثه السيد دون أحرار ورثته.
ومن العتبية روى سحنون عن ابن القاسم فيمن قطع يد عبده فمات السيد قبل أن يحكم عليه: فلا يعتق على ورثته, وإن رفع أمره إلى الإمام قبل موت السيد؛ عتق عليه إلا أن يكون عليه دين محيط بماله. وقال ابن سحنون عن أبيه: إنما يعتق بالمثلة يوم القيام بذلك, فإما إن أفلس السيد قبل ذلك أو مات: فلا عتق عليه. فصل ومن المدونة قال مالك: وما أصاب به الحر عبده في ضربه به على وجه الأدب من كسر أو قطع جارحة أو فقء عين؛ فلا يعتق بذلك, وإنما يعتق ما فعله به عمدا. ابن المواز وقال أشهب: ويعتق بماله. قال: ولو حلف ليضربن عبده مائتي سوط أو ثلاثمائة فضربه فأنهكه؛ فلا يعتق عليه إلا أن يبلغ أمرا يكون مُثله بينة من ذهاب لحمه حتى يبلغ العظم ويتآكل فيعتق عليه. قال ابن القاسم: وإن لم يبلغ ذلك منه عوقب ولم يعتق عليه, ولو علم به قبل ضربه حنثه السلطان بأي الأيمان كانت يمينه. قال: ولو مات من ضربه ذلك على وجه الأدب أو العذاب: أدب ولزمه عتق رقبة. وقال أصبغ: في الجلد وإن أسرف صاحبه ليس فيه مثلة.
ابن المواز: وكذلك العض. قال سحنون: وإن ضرب رأس عبده فنزل الماء في عينيه؛ فليس بمثله. فصل قال ابن سحنون عن أبيه: في الممثول به إذا عتق: تبعه ماله. وقال ابن حبيب عن أصبغ: له استثناؤه عندنا مثّل به أو بعد المثلة, قبل أن يحكم عليه بعتقه, وقبل أن يشرف على الحكم فذلك له, وأما بعد الحكم فلا؛ ولأنه قبل الحكم يورث بالرِّق ويدركه الدين ولا يعتق إلا بحكم [49/ب. ص]. قال ابن الماجشون: لأنه له حكم الرقِّ حتى يعتق؛ ولأنه إنما يعتق بالاجتهاد, ومن الناس من لا يرى عتقه/ لذلك. ومن العتبية وكتاب ابن سحنون قال سحنون: وإذا فقأ عين عبده أو عين امرأته, فقال العبد أو المرأة: فعل ذلك معتمدا, وقال السيد والزوج: بل كنت مؤدباً فأخطأت, فالقول قول المرأة والعبد, بخلاف الطبيب يتجاوز ويقول: أخطأت, ويدعي المفعول به العمد؛ لأنه مأذون له في الفعل, والأول ظهر عداؤه. قال في العتبية: ثم رجع فقال: القول قول الزوج والسيد حتى يظهر العداء.
قال سحنون قال مالك: من مثّل بامرأته أنها تطلق عليه, كما لو باعها؛ لأنه لا يؤمن على عيبها. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن مثّل بأم ولده تعتق عليه, وكذلك إن مثّل بعبد عبده أو بأم ولد عبده, فإنه يعق عليه, وكذلك بعبد لابنه الصغير, فإنه يعتق عليه, إن كان مليئاً, ويغرم قيمته للابن؛ لأن مالكاً قال في الملئ يعتق عبد ولده الصغير. م: يريد: عن نفسه لا عن الصبي؛ فإن عتقه جائزٌ, وتلزمه القيمة لولده. قال ابن القاسم: وإن مثّل بمكاتبه عتق عليه, وينظر في جرحه المكاتب أو قطع جارحة من عمداً, فيكون عليه من ذلك ما على الأجنبي ويقاصه بالأرش في الكتابة, فإن ساواها عتق, وإن نافت عليه الكتابة عتق ولا يتبع ببقيتها, وإن ناف الأرش عليها: أتبع المكاتب سيده بالفضل وعتق. قال ابن سحنون عن أبيه: ليس شيء من الجراح التي تعود لهيئتها مُثْلة, وإنما المُثلة ما بان منه الأعضاء كاليد والرجل والأصبع. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن مثّل بعبد مكاتبه؛ فعليه ما نقصه, ولا يعتق عليه؛ لأن عبيد مكاتبه لا يقدر على أخذهم, إلاّ أن تكون مُثْلة فاسدة؛ فيضمنه, ويعتق
عليه, وكذلك إن مثّل بعبيد زوجته, أو بخدمها؛ فليعاقب؛ ويضمن ما نقصهم, ولا يعتقون عليه إلا أن تكون مثلة فاسدة فيضمنهم ويعتقون عليه, كعبيد الأجنبي في الوجهين. قال أصبغ عن ابن القاسم في العتبية وكتاب محمد فيمن قطع يداً أو يدين من عبد لرجل فاره صانع, أنه يضمن قيمته ويعتق عليه. م: وقيل: فيمن مثّل بأمة لغيره ثم وطأها قبل أن تقوّم عليه, فإن كانت مُثلةً فاحشة حتى لا يكون لسيدها أن يمسكها لكثرة المثلة؛ فلا يحد, وذلك شبهة توجب دراية الحد عنه. فصل قال ابن سحنون عن أبيه: اختلف قول ابن القاسم وأشهب في الذمي يمثل بعبده النصراني فقال أشهب: يعتق عليه بالمثلة, وقال ابن القاسم لا يعتق عليه إلا أن يمثل به بعد الإسلام. قالا: وإن كان السيد معاهدا حربيا نزل عندنا؛ فلا يعتق عليه بالمثلة إلاّ أن يمثل به بعد إسلام العبد. فصل ابن المواز قال أشهب وابن وهب في السفيه يمثّل بعبده: أنه يعتق عليه. قال ابن وهب: ويتبعه ماله.
ابن المواز: ولا شك أن أشهب يقوله؛ لأنه روى عن مالك: أنه إذا أعتق أم ولده أنه يتبعها مالها. وقال ابن القاسم: يعتق عليه ولا يتبعه ماله, كعتقه أم ولده, ثم رجع فقال: لا يعتق عليه, وكذلك عنه في العتبية. وقال: انظر: فإنه من يجوز إعتاقه فإنه يعتق عليه إذا مثّل, ومن لا يجوز إعتاقه فلا يعتق عليه بالمثلة. فصل ابن المواز: وقال أشهب: وإذا مثّل من أحاط [50/أ. ص] الدّين بماله بعبده عتق عليه؛ لأنها جناية جرها العتق, وكذلك العبد يمثّل بعبده وولاؤه لسيده الأعلى, ولا يرجع إلى العبد إن عتق, وكذلك المولى عليه والسفيه يمثّلان بعبيدهما وإنما ذلك عتق جناية وأدب فالعتق على من ركب ذلك وتعدى حدود الله تعالى, ألا ترى أن العبد يجرح أو يغتصب فيكون ذلك في رقبته وماله, فإنما العتق بالمثلة حد يؤدب به يقع على الحر والعبد والمسلم والنصراني إذا كان ذمياً تجرى عليه أحكام المسلمين. وقد أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم على زنباغ عبده حين أخصاه وكان زنباع كافرًا.
ابن المواز: وقد قيل: لا يعتق بالمثلة على المديان ولا على العبد. وقال ابن حبيب: اختلف ابن القاسم وأشهب/ في ذات الزوج والسفيه والمفلس والعبد والنصراني يمثلون بعبيدهم: فقال ابن القاسم: هو كابتدائهم العتق, وبه قال أصبغ. وقال أشهب: أرى أن يعتق عليهم. وبه أقول. وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في المريض يمثل بعبده: أنه يعتق في ثلثه, وإن صح ففي رأس ماله, وأما المديان يمثل بعبده فلا يعتق عليه. جامع الدعوى في العتق وذكر اللقيط قال ابن القاسم: ومن حاز صغيرا حيازة الملك وعرفت حيازته له وخدمته له وخدمته إياه ثم كبر فادعى الحرية؛ فلا قول له, وكذلك إن ادعى الحرية في صغره وقد تقدم له فيه حوز وخدمة؛ فهو له عبد, وإن كان إنما هو متعلق به ولم يعلم له فيه حوز؛ فالصبي مصدق. قال ابن القاسم: وإذا بلغ اللقيط فأقر بالملك لرجل: لم يصدق؛ لأنه عرف أنه لقيط فهو حر, وقد قال عمر بن عبد العزيز: اللقيط حر, ونفقته من بت المال, وإن قال ملتقطه: إنه عبدي؛ لم يصدق إلا ببينة, ومن بيده عبد يدعه, فقال العبد: أنا لفلان, فهو لحائزه دون فلان, كقول مالك في جارية معها ثوب فقال سيدها: الثوب لي, وقال رجل أجنبي:
بل الثوب لي دفعته إليها لتبيعه, وصدقته الجارية أن الثوب له فقال مالك: الثوب لسيد الجارية إلا أن تكون للأجنبي بينة على ما ادعى. قال ابن القاسم: ومن ادعى على رجل أنه عبده لم يحلف, فإن جاء بشاهد حلف معه واسترقه, وقد قال مالك فيمن أعتق عبده ثم قضى على السيد بدين تقدم العتق بشاهد ويمين: أن ذلك يرد به العتق. قال مالك: ومن ادعى عبداً في يد رجل وأقام بينة شهدت أنه عبده, أحلفه القاضي بالله أنه ما باع ولا وهب ولا خرج من ملكه بوجه مما يخرج به العبد من ملك السيد. قال ابن القاسم: ومن ادعى بيد رجل عبدا أو حيوانا أو عرضا بعينه وذلك كله غائب وأتى ببينة تشهد أن ذلك له: فإن وصفت ذلك البينة وعرّفته وحلّته سُمعت البينة وقضيت له به. قال مالك: ومن أقام بينة على عبد قد مات بيد رجل أنه عبده؛ فلا شيء له عليه, [إلا أن يقيم بينة أنه غصبه إياه؛ لأن الرَّجل يقول: اشتريت من سوق المسلمين فلا شيء عليه].
فصل وإذا ادعى عبد على سيده أنه أعتقه؛ فلا يمين له عليه, وكذلك إذا ادعت امرأة أن زوجها طلقها, ولو جاز هذا للنساء والعبيد لم يشأ عبد ولا امرأة إلا أوقفت زوجها وأوقف العبد سيده كل يوم فأحلفه. قال ابن القاسم قال مالك: وإن قام شاهد عدل للزوجة بالطلاق وللأمة بالعتق, [أو شهد بذلك امرأتان ممن يقبلان في الحقوق للزوجة والأمة] مثل أن لا يكونا من الأمهات والبنات والأخوات والجدات والعمات والخالات والقرابات أو ممن هو منها بطنه, وهذا بخلاف غيره من الحقوق؛ فإنه لا يحلف العبد ولا المرأة مع الشاهد ولا مع المرأتين, ولكن [50/ب. ص] يحلف الزوج والسيد, ويوقف الزوج عن امرأته, والسيد عن أمته وعبده حتى يحلف. قال مالك: فإن نكل قضى بالطلاق والعتق, ثم مالك فقال: يسجن حتى يحلف.
قال ابن القاسم: وبه أقول, وأرى إن طال سجنه أن يخلي سبيله ويدّين ولا يعتق أو يطلق عليه, وروى عن مالك: أنه يسجن أبداً حتى يحلف, وروى عن مالك أن الطول في سجنه سنة. ابن المواز قال أشهب: وإن أقام العبد شاهدا وادعى شاهدا آخر غائبا غيبة بعيدة؛ فلا يقبل منه وأمكن منه سيده. وقال مالك: في الجارية: أحب إلى إن أقامت شاهدا أن يحال بينها وبين سيدها وتوقف ويضرب لها أجل مثل الشهرين, وإن كان مأموناً أمر بالكف عنها فقط. قال أصبغ: وإن كانت من الوخش فهي كالعبد تخلي بحميل يطلب منافعها, وأما المرتفعة فتوكل من يأتيها بذلك ويقيم لها السلطان محتسبا. ومن المدونة قال مالك: وإن شهد/ للأمة بالعتق زوجها وأجنبي؛ لم تجز الشهادة, إذ لا تجوز شهادة المرأة لزوجها ولا الرجل لزوجته. م: وروى لنا أن أبا بكر عن عبد الرحمن قال: ولا يسع الزوج وطأها؛ لأنه يرّق ولده, لكن يطأها في غير الفرج وطأً يؤمن فيه من الولد وذلك واجب عليه. قال: وإن قام عليه سيد الأمة في ترك الوطء فليفارقها, وإن أقر بترك الوطء وهو في سعة أن يقول: أطأ إذا لم تطلبه الزوجة في ذلك وهو مقبول القول ولا يمين عليه فيه. وقال غير واحد من القرويين: لا يجب عليه ترك الوطء, وإنما يستحب له ذلك, قال بعضهم وقد قالوا في الأسير: لا يجب عليه ترك وطء زوجته في دار الشرك, وإنما كرهوا له
ذلك على أن جاءه ولد في دار الشرك قد يكون كافرا, فهذه المسألة أخف, وسيد الأمة قد ظلم بجحده العتق فلا يجب على الزوج ترك الوطء والله أعلم. وفيما عُلِّق عن أبي عمران في العبد يقول لزوجته: سيدك أعتقك, فتقول: فأنا اخترت نفسي إذ أقررت لي بذلك, قال: ذلك لها. فصل قال مالك: وإذا أقام العبد بد موت سيده شاهدا أنه أعتقه؛ لم يحلف مع شاهده, وكان رقيقاً, ويحلف الورثة إن كانوا كبارا حضورا أنهم ما علموا أن الميت أعتقه. ابن المواز: وإن كان بعضهم صغيرا أو غائباً فمن يرى أنه لا علم عنده بعتقه فلا يمين على أحد منهم, لا من كان يرى أن مثله يعلم ذلك ولا غيره؛ لأنه لو أقر واحد من الورثة بذلك لم يعتق منه شيء الآن, وإن شهد له وارثان عدلان عتق. قال أشهب: وإن لم يقم العبد شاهدا [بعد موت سيده فلا يحلف له الورثة, وإن ادعى عليهم. قال أصبغ: ولا يحلفون إن كانوا أقاموا شاهدا]. قال محمد: يريد أن الشاهد لم يشهد على فعل الوارث فيحلف معه.
قال ابن الموّاز: أما بالشاهد فيحلف الورثة إن كانوا كبارا بالغين حضورا يمكنهم علم ذلك. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا قال سيد العبد: أعتقته أمس على مال, وقال العبد: على غير مال؛ فالقول قول العبد, ويحلف, كما تحلف الزوجة للزوج إذا ادعى أنه طلقها على مال. وقال أشهب: القول قول السيد ويحلف؛ لأني أقول: لو قال لعبده: أنت حر وعليك مائة دينار لزمه, ولو قال لزوجته: أنت طالق وعليك مائة دينار كانت طالقاً ولا شيء عليها. في أقرار بعض الورثة [51/أ. ص]: أن الميت أعتق عبداً بعينه, كيف إن قال غيره: بل أعتق هذا, أو سمى أحدهما وأبهم الآخر, وجامع اختلافهما في الإقرار بذلك قال مالك: وإذا أقر أحد الولد أو شهد أن أباه أعتق هذا العبد في صحته أو مرضه والثلث يحمله وأنكر ذلك بقيتهم؛ لم تجز شهادته, ولا إقراره, ولا يقوّم عليه, إذ ليس هو
المعتق فيلزمه التقويم, وإنما أقر على غيره, ولا يحلف العبد مع شاهد هذا, ولا يعتق منه نصيب هذا الولد, ولا نصيب غيره, ويكون حظه من العبد رقيقاً له. قال مالك: ويستحب للمقر أن يبيع حصته من العبد فيجعل ثمنه في رقبة يعتقها ويكون ولاؤها لأبي. قال ابن القاسم: ولا يقضي بذلك عليه. قال مالك: وما لم يبلغ رقبة أعان به في رقبة يعتقها, فإن لم يجد ففي آخر نجوم المكاتب, وكذلك في إقرار غير الولد من سائر الورثة من رجال ونساء. قال مالك: ولو ترك الميت عبيداً سواه فقال الورثة: لا نبيع ولكن نقسم, فذلك لهم: إن انقسم العبيد فإن وقع العبد الذي أقر الوارث أن أباه أعتقه في سهمه؛ عتق عليه جميعه. قال ابن القاسم: بالقضاء كما لو اشترى عبداً ردت شهادته في عتقه أو ورثة؛ أنه يعتق عليه. قال ابن المواز: ولو لم يملكه كله ولكن ملك مصابه وكل وارث مصابه؛ فليتورع عن خدمته في يومه, ولو قال: أجزت عتق مصابتي منه؛ عتق مصابته, ولم يقوم عليه. وروى أصبغ عن ابن القاسم نحوه, وقال في العتبية وكتاب ابن حبيب: لا تجوز شهادة أحد الورثة أن الميت/ أعتق هذا العبد, ولا يعتق منه شيء إلا أنه إن ملكه يوماً ما أو ملك بعضه, عتق عليه ما ملك منه, ولم يجز له ملكه قاله مالك.
قال ابن القاسم: فأما إن صار إليه فيه مال أو عرض فليؤمر أن يجعله في رقبة أو يعتق به فيها أو في قطاعة مكاتب, ولا يقضي عليه بذلك, ثم إن ملكه يوماً ما عتق عليه إن كان يحمله ثلث الميت أو ما حمل منه ليس عليه أن يعتق منه أكثر مما كان يحمل الثلث يوم مات الميت يعتق عليه ذلك بالقضاء رجع عن شهادته أو أقام عليها إذا قال: كان عتق الميت له في مرضه, ولو قال كان عتقه إياه في مرضه لم يُجِز مالكٌ منه شيء أبدا. ولو أعتقه في مرضه ومعه من الوصايا ما هو مُبديّ عليها والثلث يحمله فقط؛ فإنه متى ما ملك منه شيئاً عتق عليه ملكه كله أو بعضه, وإن كان معه من الوصايا من العتق أو غيره مما يكون غيره المبدّي عليه أو ما يشاركه ويبديان على باقيها؛ فإنما يعتق عليه إذا ملك ما كان يحصل له من العتق في تبديه غيره عليه أو مساواته له. كذلك إذا لم يملكه وإنما صار له منه دنانير أو دراهم أو عروض؛ فإن كان ذلك قدر ما يعتق منه في الثلث أو أدنى؛ جعل ذلك كله في عتق, وإن كان أكثر مما يعتق منه جعل منه مقدار ما يعتق في عتق, واحتبس الفضلة, وكذلك يضع كل من شهد في عتق عبد من جميع الورثة ذكراً كان أو أنثى قاطع الشهادة أو غير قاطعها إذا كان يملك ماله, ويجوز فيه قضاؤه, ولا يولي عليه, وكذلك لو ردت شهادة وارثين في عتق عبد: إما لأنهما غير عدلين [أو كانا عدلين] ومعهما بنات, والعبد يُرغب في ولائه أو كان دنيئاً وله ولد
يرغب في ولائه من امرأة حرة, فردت شهادتهما [51/ب. ص] لذلك, فليضعها فيما يصير لهما من رقبة العبد أو من ثمنه مثل ما وصفت لك في الشاهد الواحد منهم. قال: وإذا شهد واحد من الورثة في عبد بعضه حر؛ أن الميت أوصى بعتق باقيه؛ فليعتق منه نصيب الشاهد فقط؛ لأنه لم يدخل فسادا؛ لأن بعضه حر بخلاف الذي كله رقيق, وكذلك في كتاب ابن المواز, قال فيه: ويحلف الباقون على علمهم, قال: ولأن المعتق بعضه لو أعتق بعض الشركاء نصيبه فيه؛ لم يقوّم عليه باقيه. قال في العتبية: إلاّ أنه إن كان مع الوارث الشاهد فيه من لا يرث الولاء والعبد ممن يرغب في ولائه فشهد بذلك ولد أو ولدان للميت فلا تجوز شهادتهما وإن كان بعضه حر. م: يعني ولا يلزم بقية الورثة بشهادة هذا الشاهد يمينٌ. قال؛ وكل من ردت شهادته بمثل هذا في عتق عبد فملك شيئا منه فإنه يعتق عليه ما ملك منه فقط ولا يقوّم عليه نصيب من له فيه شرك, وما عتق منه بهذا الوجه فولاؤه للميت ولمن يرثه عنه, وإذا كان وارث واحد هو الشاهد بالعتق أو وارثان لم يرثه غيرهما فجميع العبد حرٌ؛ كان من شهد له ذلك عدلا أو مسخوطاً إذا كان غير مولى عليه. وكل ما ذكرنا من أول المسألة ممن ترد شهادته فإنه يُجْبر على عتق ما ملك منه [بالقضاء حسب ما أوجبت شهادته لو جازت ومن لم يملك منه شيئاً وإنما صار إليه في
مصابته دنانير أو دراهم؛ فإنه يؤمر فيما صار إليه من عوض أن يجعله في رقبته ولا يجبر على ذلك كما يجبر على عتق ما ملك منه]. م: ظاهر العتبية: أنه إذا قاسم الورثة فوقع له بعض ذلك العبد, أنه يعتق عليه ما ملك منه؛ لأنه مقر أنه حر فلا يجوز له استخدامه, وهو قول حسن, وهو خلاف المدونة وكتاب محمد, ولا يعتق عليه حصته منه قبل القسم؛ إذ قد لا يصير له منه شيء في المقاسمة؛ لأن له أخذ عوضه وذلك جائز له ولا فرق بين ملكه لبعضه بالميراث أو بالشراء بعد أن بيع, والعلة الجامعة بينهما: أنه لا يجوز له أن يملك عبداً أو شيئاً وهو يزعم أنه حر وهو كعبد ردت شهادته فيه. وقد فرَّق بعض أصحابنا المتأخرين بينهما وقال: لا يعتق عليه ما ملك منه بالميراث ويعتق عليه إن اشترى تلك الحصة بعد ذلك, قال: ويحتمل أن يكون الفرق بينهما: أن الميراث جر العبد إليه ولم يجره هو إلى نفسه. [وإذا باع تلك الحصة] ثم اشتراها [وقد استحدث ملكها] اختيارا منه فيجب أن يعتق عليه [إلا أن يملكه كله].
م: ولا أعلم في أصولنا أن عبدا يجوز للإنسان ملكه وبيعه فإذا اشتراه بعد ذلك عتق عليه من غير إحداث أمر فيه. م: ولا يعتق عليه على مذهب المدونة إذا اشترى بعضه إلا أن يشتريه كله, كما لا يعتق عليه بالميراث إلا أن يملكه, والعلة في ذلك: دخول الضرر على بقية الإشراك, وكذلك في كتاب محمد عن ابن وهب عن مالك: أنه لا يعتق عليه إذا اشترى بعضه إلا أن يشتريه كله. م: وقول ابن المواز عن ابن القاسم إذا قال هذا الوارث: قد أجزت عتق مصابتي منه, فيه نظر. وظاهره خلاف المدونة؛ لأنه إنما منعناه عتق مصابته عليه وأجزنا له استخدامه إلا أن يتورع لدخول الضرر على بقية الورثة بعتق بعضه وهم لا يصلون إلى التقويم عليه إذ ليس هو المعتق, فإذا قال: أجزت عتق مصابتي منه فقد أدخل الضرر الذي منعناه منه أولاً وصار ذلك أيضاً داعية إلى عتق النصيب بغير تقويم, والله أعلم. ومن كتاب ابن المواز: وإذا شهد وارث عدل أن الميت أوصى [52/أ. ص] بعتق عبده فلان والثلث يحمله: فإن كان في الورثة صغير أو سفيه أو من لا يلزمه يمين؛ لم يكن على بقية الورثة الأكابر يمين, إذ لا يعتق العبد إذا نكلوا بشهادة واحد, ولا يعتق أيضاً بإقرارهم وهم غير عدول, ويقال للمقر: إن صدقت فلا تختدمه, وكذلك يقال للشاهد منهم, وإن أخذ في حصته منه ثمنا أمر بأن يجعله في رقبة بغير قضاء إلاّ أن يملك هو رقبته؛ فيعتق عليه بالقضاء, ولو ملك بعض مصابة شركائه؛ لم يعتق عليه منه شيء, قال: ولا يعتق مصابته منه, وإن كان من العبيد الذي لا ينقصه عتق بعضه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ترك الميت عبيدا, وترك ابنين فقال أحدهما: أعتق أبي هذا, وقال الآخر: بل هذا؛ قسمت العبيد أيضا فمن وقع في سهمه العبد الذي أقر بعتقه عتق عليه جميعه بالقضاء أو ما حمل الثلث منه, وإن لم يقع له فليخرجه مقدار نصف ذلك العبد إذا كان الثلث يحمله فيجعل ذلك في رقبة أو يعين به فيها, ولا يؤمر هاهنا بالبيع لانقسام العبيد, ونقلها أبو محمد. وإن لم يقع لكل واحد العبد الذي أقر بعتقه أحببت لكل واحد إخراج قيمة ما أخذ عوضا في نصيبه من العبد الذي أقر بعتقه إن حمله الثلث أو ما قابل حصته بما حمل الثلث منه فيجعل ذلك في رقبة أو أعان به فيها, قال: وهكذا في كتاب ابن المواز إنما يُنظر إلى قيمة العبد الذي أخذ عوضا من الذي أقر به. م: لأن نصف العبد الذي أخذ عوضا استحقه بالميراث ونصفه الآخر أخذه عوضا من نصف العبد الذي شهد بعتقه فيجعل قيمة هذا النصف في رقبة أو يعين به فيها إذا حمله الثلث وإلا قيمة ما حمل الثلث منه. ابن المواز: قال ابن القاسم قال مالك: وإذا لم يترك غير هذين العبدين وقيمتهما سواء فاقتسمهما الولدان فوقع لكل واحد العبد الذي شهد له بالحرية؛ فليعتق منه ثلثيه مثل: أن تكون قيمة كل عبد ثلاثين فثلث الميت عشرون وهو ثلثا العبد الذي شهد له؛ لأن صاحبه لو صدّقه كذلك كان يعتق منه.
ابن المواز: وقال البرقي عن أشهب: إن لم يحمل العبدين القسم تقاوما هما؛ فإن صار لكل واحد العبد الذي لم يفر له: أمر أن يخرج ثلث قيمة الذي صار له فيجعله في رقبة بغير قضاء, وإن صار له العبد الذي أقر له: عتق عليه ثلثاه بالقضاء إذ قيمتهما سواء. قال محمد عن ابن القاسم: ولو لم يترك الميت إلا ابنا واحدا وترك ثلاثة أعبد, فقال الابن: أعتق أّبي هذا, ثم قال بعد ذلك: بل هو هذا, وقيمتهم سواء؛ فليعتق عليه الثلاثة الأعبد, وإن لم يترك الميت غيرهم, وإن كانت قيمتهم مختلقة أعتق/ من كل واحد جميع ثلث الميت, وهو ثلث جميع قيمة الثلاثة إذ لم يدع غيرهم. قال ابن المواز: هذا قول ابن القاسم إلا ما بينته أنا منه, وكذلك في العتبية وكتاب ابن حبيب عن ابن القاسم. قال ابن المواز: وقال مالك وأشهب: يعتق من الأول [ثلث قيمتهم أجمع] , ومن الثاني ثلث قيمة الاثنين وثلث ما بقي من الأول إن كان بقي منه شيء, ويعتق من الثالث ثلثه وثلث ما رقّ من صاحبيه إن رقّ منهما شيء. م: وإن كانت قيمتهم متساوية ولم يترك غيرهم, عتق الأول؛ لأنه ثلث الميت, وعتق ثلثي الثاني؛ لأنه ثلث ما بقي, وعتق أربعة أسباع الثالث؛ لأنه أيضا ثلث ما بقي.
ابن المواز قال أشهب: ومن لم يترك إلا ولداً واحداً وعبدين وألف دينار؛ فقال: الابن في أحد العبدين: هذا أخي, ثم قال بعد ذلك: بل هو هذا, لعبدٍ آخر؛ قال أشهب: فالمقر له أولاً؛ حر وله خمسمائة [52/ب. ص] ونصف العبد الآخر, ولا يعتق منه شيء؛ لأن معه فيه شريك وارث, ولكن وقد أقر أيضاً لهذا الآخر بما أقر به للأول, وبأنه أتلف عليه نصف العبد الأول وخمسمائة دينار, فيغرم له ذلك ويدفعه إلى هذا العبد يكون بيده. قال ابن المواز: وأحب إلى أن يوقف ذلك بيد ثقة غيرك وغير العبدين, فإن ملكته كله عتق عليك ودفع إليه ما وقف له, وإن بعتماه أمرت أن تجعل حصتك من ثمنه في رقبة بغير قضاء وإن أخدمتماه فلا تخدمه أنت في أيامك, ويبقى ما وقف في يد الأمين حتى يعتق فيأخذه أو يموت, فيكون بينك وبين أخيك الذي أقررت به أولاً. ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم في ميت هلك وترك بنين وثلاثة أعبد فقال ابنان: أعتق أبونا هذا العبد, وقال الثالث: بل هذا؛ فليعتق الذي شهد له
الاثنان في الثلث, ولا يعتق الآخر إلاّ أن يملكه من شهد له فيعتق منه محمل الثلث, وإن ملك بعضه: عتق عليه ذلك البعض إن حمله الثلث, ولم يقوّم عليه نصيب إخوته, وإن لم يصر له فيه إلاّ مال أن يجعله في رقبة فإن لم يحمل ففي قطاعة مكاتب. قال عيسى: هذا إن كان مكذباً؛ فإما إن صدقهما فلا يعتق عليه منه إن ملكه إلا ما كان يحمل الثلث منه مع العبد الآخر. قال ابن القاسم: ولو شهد أحد البنين أن أباه أعتق هذا, وشهد الآخر أنه قال: رأسٌ من رقيقي حرٌ, فلا شهادة لها, ويؤمر الذي شهد للعبد بعينه ألا يستخدم حصته منه, [وإن بيع أن يجعل ثمن حصته منه] في رقبةٍ فإن ملكه كله عتق عليه بالقضاء إن حمله الثلث. م: يريد: وكذلك إن ملك بعضه على مذهبه في العتبية قال: ويؤمر الذي شهد بعتق رأس منهم في ثلث قيمة الثلاثة أرؤس بمثل ذلك. وقال فيها ابن سحنون عن أبيه قال بعض أصحابنا: الشهادة باطل, وقال بعضهم: يقرع بينهم؛ فإن خرج العبد المسمى فقد اجتمع على عتقه رجلان؛ فيعتق, وإن خرج غيره؛ لم يعتق أحد منهم إلا أن يملك أحدهم العبد الذي أقر له أنه حر فيعتق عليه إن حمله
الثلث, وإن وقع لكل واحد غير العبد الذي أقر له: أمر أن يخرج بقدر نصيبه منه في رقبة. وكذلك في كتاب محمد ابن المواز: إن ترك ولدين وعبدين فقال أحدهما: أعتق أبي هذا, وقال الآخر: بل قال: أحدهما حر؛ فليسهم بينهما, فإن خرج الذي سماه أحدهما أعتق ثلثاه إن اتفقت قيمتهما ولا مال له غيرهما, وإن اختلفت قيمتهما عتق منه مثل ثلث قيمتهما, وإن جاء السهم للذي لم يعتق؛ كان كل واحد بمنزلة الذي شهد كلُّ واحد على عبدين معين, وقد فسرت لك ذلك. قال يحيى عن ابن القاسم في العتبية: إذا ترك ولدين وعبيداً, فقال أحدهما: أعتق أبي هذا, وقال الآخر: أعتق عبدا سماه فأنسيته؛ فليعتق الذي سمى أحدهما من الثلث عليهما ولا يسترقه الذي نسيه بالشك يؤمران بذلك ولا يقضي عليهما, ثم يقتسمان باقي العبيد فما صار للذي أبَتَّ الشهادة رقّ له, وما صار للشاك أُمِر أن يحتاط بالبراءة من جميعهم؛ لأنه لا يدري من الحر منهم.
وإن لم يدع إلا عبدين فليعتق/ من الذي قطع له الآخر بالشهادة مبلغ الثلث من العبدين فيه, فإن كان ثلثاه رقّ ثلثه بينهما ويطيب للذي ملك نصف باقيه, ويكون العبد الآخر بينهما, فيطيب للقاطع الشهادة ملك نصفه, ويقال للشاك: يخرج من ملك ما نابك من محمل الثلث منه, إذ لا يدري لعل العتق فيه؛ فإن كان ثلث الميت قدر ثلثي [53/أ. ص] هذا العبد, طاب له ملك سدسه, ويعتق ثلثه, ويطيب لأخيه؛ ملك نصفه, وإنما يؤمر بذلك من غير قضاء. وفي كتاب ابن المواز عن ابن القاسم نحوه: أن يعتق ثلثا المعين إن لم يدع غيرهما وقيمتهما سواء, ولا يعتق من الآخر شيء, ويقال للشاك: نصيبك في ثمن الآخر؛ إن بيع في رقبة تعتقها.
قال ابن المواز: وإنما أعتق ابن القاسم ثلثي المعيّن حين لم ينكر الآخر قول أخيه فيه, وأمر الشاك أن يجعل ما يأخذ من ثمن الآخر في رقبة لشكه. قال في كتاب آخر عن أشهب: يعتق ثلثي المسمى ويتقاومان الباقي؛ فإن صار للذي نصَّ العبد الآخر؛ لم يعتق عليه من هذا شيء, وإن صار للشاك: لم آمره أن يملك ثلثيه, بل يعتقه إذا قد يكون فيه العتق ويقضي بذلك عليك, وثلثه رقيق ما لم يرجع قبل أن يقضي عليه, فيقول: ذكرت أنه الذي قال أخي. ابن المواز: ولو ترك ولدين وعبدا يحمله الثلث, فقال أحدهما: أعتق أبي نصفه, وقال الآخر: بل أعتق جميعه؛ فإنه يعتق على القائل جميع نصيبه منه, وهو نصفه, وعلى الذي قال: أعتق نصفه؛ يعتق نصف مصابه منه, وذلك ربعه ويرق له ربعه. ابن الموز: وذلك أنهما قد اجتمعا في شهادتهما على عتق نصفه؛ فذلك النصف حر عليهما, ثم يعتق على الذي أقر بالكل مصابته مما بقي وهو ربعه؛ لأن ذلك ليس بضرر ولا فساد في العبد؛ لأنه قد سبق الفساد بعتق نصفه فليس يزيده ما عتق منه بعد ذلك إلا خيراً.
ولو كانا عبدين فأقر أحد الولدين أن أباه قد أعتقهما جميعا في مرضه: هذا, ثم هذا, وقال الآخر: إنما أعتق هذا بعينه, والثلث يحملهما, فليعتق الذي اجتمعا على عتقه ولا عتق للآخر. ابن المواز: وإن لم يدع غيرهما وقيمتهما سواء؛ أعتق من الذي اجتمعا عليه نصفه, فثلثه بينهما, وسدسه يعتق على الذي أفرده بالشهادة وذلك بالقضاء, ولو شهد أحدهما: أن أباه نصف أحدهما بعينه في صحته ثم شهد هو وأخوه: أن الأب أعتق الآخر كله في وصيته, وقيمتهما سواء, ولا مال له غيرهما؛ فليعتق الذي اجتمعا عليه بعتق الوصية نصف ونصف سدسه, أما نصفه فبينهما جميعا, وأما نصف سدسه فعلى الذي لم يشهد في الصحة بشيء, وكذلك لو قال أحدهما: أعتق أبي هذا في صحته, وقالا جميعاً: أعتق أبونا هذا الآخر في وصيته؛ لعتق ثلث صاحب الوصية بينهما, وسدسه على المنفرد له بالشهادة؛ لأن الشاهد بعتق في الصحة يقول: لم يدع الميت غير عبد الوصية؛ فثلثه حر, ولكل واحد منا ثلثه, والآخر يقول: بل ثلثاه حر؛ لأن التركة عبدان: فلي سدس هذا ونصف الآخر. قال ابن المواز: وأرى أن يقال للذي شهد بعتق الصحة: إنما صار لك ثلث العبد الموصى بعتقه ولم يصر لأخيك إلا سدسه لقولك: إنه لا حق لك ولا للميت في العبد
الذي زعمت أن أباك أعتقه في الصحة فإن أنت تمسكت بشيء رجعت عن قولك ولزمك أن تعتق من عبد الوصية السدس الذي صار لك زيادة على أخيك حتى يعتق ثلثاه, ولا يكون لك إلا سدسه ولأخيك سدسه وإلا فقف عن أخذ مصابتك من عبد الصحة أو جعل ما يصير إليك من ثمنه في عتق غيره, وإلا جُبرت على عتق السدس من عبد الوصية حتى يتم عتق ثلثيه. وإن شهد أحدهما أن أباه أعتقهما في وصيته واحداً بعد واحد, وقال الآخر: بل قال: أحدهما حر ولم يعينه؛ فليقرع بينهما, فمن جاءه السهمُ عتق نصفه؛ لأنه/ في قول الذي أبهم العتق يعتق ثلثاه وحده [53/ب. ص] , وفي قول الذي قال: أعتقهما, يعتق ثلثه وثلث الآخر, فثلث الذي أعتق أصابه السهم يعتق في قولهما, ويعتق سدسه على الذي أبهم العتق وحده, ولا يعتق من العبد الآخر شي؛ لأنه لم يشهد له إلا وارث واحد. قال أبو محمد: وإنما لم يعتق ثلثهما بالسهم؛ لأنه قال: واحد بعد واحد.
جامع الإقرار والشهادة في العتق قال ابن القاسم: ومن أقر في مرضه أنه كان أعتق عبده في مرضه هذا: فهو من ثلثه؛ لأن ذلك وصية, وما أقر في مرضه أنه كان فعله في صحته فلم يقم عليه المقر لهم حتى مرض أو مات؛ فلا شيء لهم, وإن كانت لهم بينة إلاّ العتق والكفالة, فإنه إن قامت عليه بينة بعد موته: أنه كان أقر بذلك في صحته؛ لزمه العتق في رأس ماله وأخذت الكفالة من ماله, كانت لوارث أو غير وارث؛ لأنه دين ثبت في ماله في الصحة. فصل قال ابن القاسم: وإن شهد أن شريكه في العبد أعتق حصته منه والشاهد موسر أو معسر؛ فإن كان المشهود عليه [موسراً؛ فنصيب الشاهد حرٌ؛ لأنه أقر أنه ماله على المشهود عليه قيمة, وإن كان] المشهود عليه معسرا؛ لم يعتق من العبد شيئا. [وقال غيره: وهو] أشهب: ذلك سواء, ولا يعتق منه شيء, كان المشهود عليه موسرا أو معسرا. قال سحنون: وهذا أجود وعليه جميع الرواة, وقاله ابن القاسم أيضاً.
قال أشهب: لأنه لا يعتق حصة شريكه إلاّ بتقويم ودفع ثمن, ولو جاز هذا لم يشأ شريك أن يعتق حصته بغير تقويم إلا فعل. وقال ابن حبيب عن ابن القاسم: يؤمر بالعتق في ملء الشريك ولا يقضي عليه. م: قال أبو محمد: وينبغي أن لو أعتق على الشاهد نصيبه لملء صاحبه؛ لقوّم عليه نصيب صاحبه, وقاله ابن الكاتب. قال ابن الكاتب: ومسألة العبد يشهد أحد الورثة أن أباه أعتقه أقوى من هذه؛ لأنه مقر أن الحرية تقررت فيه, وأن لا ملك له ولا لغيره عليه, وهم لا يقبلون قوله فيه, ولا استحبوا له عتق نصيبه, وإنما استحب له أن يعتقه بثمن حصته منه, فثمن أحد الشريكين أولى بأن لا يقبل. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: جوابه في مسألة الورثة هو الأصل أنه لا يعتق عليه نصيبه في ملء شريكه؛ لأن ذلك ضرر لغيره من الورثة, والقول في مسألة الشريك أنه لا يعتق عليه نصيبه في ملء شريكه: هو الصواب والقول الآخر ضعيف. وقال بعض القرويين: إن هذين القولين يدخلان في مسألة [الوارث المقر] ولا فرق بين المسألتين. قال ابن حبيب وروى أصبغ عن ابن القاسم: إذا شهد كل واحد منهما على صاحبه بعتق نصيبه وهما مليئان؛ لم ينبغ لهما ملكه على ناحية الورَع, وإن كان معسرين: فلا شيء
عليهما, وإن كان أحدهما معسرا؛ فلا شيء على الموسر, ولا ينبغي للمعسر أن يسترق نصيبه, ولو ملكه الموسر كله بعد ذلك لم يعتق عليه إلا حصة المعسر, وإن ملكه المعسر كله؛ عتق عليه جميعه وولاؤه للموسر. قال أصبغ: يعتق نصف الموسر على المعسر بالقضاء, كمن ردت شهادته في عتق عبد ثم اشتراه, وأما نصيبه فلا يعتق عليه بحكم, ولكن يؤمر بعتقه على التخرج. ابن المواز قال ابن القاسم: ولو كان بين ثلاثة: فشهد اثنان منهم على الثالث أنه أعتق نصيبه؛ فإن كان مليئاً لم تجز شهادتهما, وإن كان معدماً جازت شهادتهما. وقد بلغني عن مالك أنه [54/أ. ص] قال: لا تجوز شهادتهما في الوجهين والذي قلت لك أحب لى وأخذ به أصبغ. قال ابن المواز: أما هذه فجيدة صواب. م: قال بعض فقهائنا: إنما يصح طرح شهادتهما في الوجهين على قول من يقول لهما: التقويم عليه في العسر, ويتبعان ذمتهما بالقيمة لأنهما يصيران جارّين لأنفسهما,
وأما على قول من لا يرى طلبهما له في العسر بالقيمة في ذمته فلا تهمة في شهادتهما وهي/ جائزة فاعلم ذلك. فصل قال مالك: وإن شهد رجلان أن فلانا أعتق عبده فأعتقه السلطان عليه ثم رجعا عن شهادتهما؛ فالعتق ماض لا يرد. قال ابن القاسم: ويضمنا قيمته لسيده. سحنون: وقاله غير واحد من الرواة. ابن المواز: ويغرما قيمته يوم الحكم بعتقه لا يوم الشهادة ولا يوم الرجوع, وإن كان إنما رجع واحد غرم نصف قيمته, وإن كانوا أربعة فرجع واحد أو اثنان لم يغرما شيئا؛ لأن العبد يعتق بشهادة من بقي, ثم إن رجع أحد الاثنين الباقين: غرم الثلاثة الراجعون ثلاثة أرباع قيمته, رجعوا جميعاً أو مفترقين ولا شيء على الذي لم يرجع.
قال ابن المواز: ليس على الثلاثة الراجعين إلا نصف قيمته, والأول غلط, ثم إن رجع الرابع غرموا كلهم قيمته أرباعاً. م: هذا ونحوه في الرجوع عن الشهادات مستوعب. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم عن مالك: وإن شهد رجلان: أن فلان أعتق عبده فردّ القاضي شهادتهما ثم اشتراه أحدهما بعد ذلك عتق عليه. قال في الواضحة: وكذلك إن ملكه بأي وجه فإنه يعتق عليه. م: يريد: بالقضاء. قال غيره في المدونة: هذا إن قام على قوله بعد الشراء, وأما إن جحده وقال: كنت كاذباً, لم يعتق عليه. ابن المواز قاله أشهب وعبد الملك. قال أشهب: ويحلف على ذلك فإن نكل؛ عتق عليه, وكذلك إذا قال شهدت بالحق, ولكنهما قد رُدت, فإنه يعتق عليه أيضاً, ولا حجة له بذلك, ويكون ولاؤه للمشهود عليه, ثم إن مات العبد المعتق عن مال فليأخذ منه المشتري الثمن الذي أدى فيه لا يمنع من ذلك, وما بقي فللمشهود عليه بالعتق إن كان حياً وإن كان ميتا فجميع ما ترك المولى
لورثة المشهود عليه بعتقه, ولا يأخذ المشتري من هذا المال الثمن الذي أدى؛ لأن ذلك الثمن في ذمة وليهم, وهذا مال ليس من تركته فيأخذه منها إنما هو ميراث بالولاء الموروث عنه, ألا ترى أن لو كان على أبيهم دين لغير هذا المشتري لما قضي مما تركه هذا المولى فكذلك هذا. م: وأما لو ترك المشهود عليه مالاً؛ لأخذ الشاهد منه قدر ثمنه, وإن كان أقل أخذه كله؛ وهذا إذا كان الورثة رجالا يرثون الولاء, وكان ما تركه المولى أكثر من ثمنه, وأما إن كن نساء لم يكن للشاهد من تركة المشهود عليه شيء؛ لأنهن يقلن أبونا قد أنكر العتق فليس لك من تركته شيء. م: وكذلك إن لم يترك المولى شيئاً فلا شيء له من تركة المشهود عليه كان الورثة رجالا أو نساء, وإنما يأخذ الشاهد من تركة المشهود عليه الأقل من ثمن العبد أو ما تركه العبد أو ما تركه المشهود عليه إذا كان الورثة رجالا يرثون الولاء, وإن كن نساء فلا شيء للشاهد على حال. قال محمد: قال أشهب: وكذلك لو اشتراه من غير المشهود بعتقه ثم مات العبد عن مال؛ لأخذ من تركته أقل الثمنين, ودفع ما بقي للمشهود [54/ب. ص] عليه, وذلك أن المال كله له بالولاية, فيقال له: إن كان الشاهد عليك صدقا فميراثه لك بالولاء وادفع
إلى هذا ثمنه الذي أخذت منه وإن كان كاذباً فلا تأخذ ما ليس لك بحق, ويأخذ الشاهد من ذلك ثمنه, وليس لك أن تدفعه عن ذلك صدقته أم كذبته. قال ابن حبيب عن مطرف عن مالك: فيمن شهد في عتق فرُدت شهادته ثم اشترى بعضه؛ فليعتق عليه ما اشترى منه ولا يقوّم عليه باقيه. قال وقال ابن القاسم: فيمن أخبر عن رجل أنه أعتق عبده ثم اشتراه منه؛ فإن كان أخبره بمعنى أنه علم ذلك منه أو سمعه أعتقه ليس يخبر غيره؛ رأيت أن يعتق عليه, ورواه عيسى عن ابن القاسم في العتبية. فصل/ ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن شهد شاهد لعبد: أن سيده بتله في الصحة, وشهد آخر: أنه دبّره فقد اختلفا, فلا تجوز شهادتهما. قال غيره: لأن هذا صرفه إلى الثلث, وهذا إلى رأس المال, ويحلف السيد مع كل واحد منهما؛ فإن نكل سجن. قال في كتاب ابن المواز: إنما يحلف: إذا كان شهادة كل واحد منهما على حده, وأما إن شهدا أن ذلك كان شهادة واحدة ولفظ واحد فلا يمين عليه. قال في كتاب محمد ابن المواز: وإن شهد أحدهما أن سيده دبره وشهد آخر أنه أوصى بعتقه قال: أما إن كانت شهادتهما بعد أن مات فهي جائزة, ويعتق من الثلث أو ما حمل
الثلث منه, ولم يجب تبدئة المدبر, وإن كانت شهادتهما عليه في حياته في صحته أو مرضه؛ حلف بالله ما دبّر, وسقطت شهادتهما؛ لأن له أن يرجع في الوصية, ولو أقر بها. م: وإن شهد واحد أن سيده بتله في الصحة, وشهد آخر: أنه بتله في المرض جاز وعتق في الثلث. م: وروى لنا عن الفقيه أبي عمران رحمه الله في شاهدين شهدا على رجل في غير لفظ واحد سمعاه منه شهد أحدهما عليه أنه دبّر عبده, وشهد آخر: أنه كاتبه؛ فوجب أن يحلف, فنكل عن اليمين؟ قال: الجواب على قول مالك الذي يقضي عليه بنكوله: أنه يكون مدبراً مكاتباً, كما لو شهد بذلك شاهدان؛ لأن أصل هذا القول الاحتياط, وأن النكول أقيم مقام شاهد ثانٍ وهو ضعيف في الأصول, وفيه اعتراض ولا يجب أن يُحْكَم بالنكول إلاّ اليمين المردودة إلاّ في مسائل التهم عند أصحابنا. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: ينظر إلى دعوى العبد: فإن ادعى الكتابة وحلف مع شاهده, كان مكاتباً, لأن الكتابة كالبيع عند ابن القاسم, فإن نكل العبد فلا كتابة له, وأما
التدبير: فإن نكل السيد: لزمه التدبير على اختلاف من قول مالك والأجود ألا يلزمه شيء. ومن المدونة: وإن قال أحدهما: أعتقه بتلاً, وقال الآخر: بل إلى سنة؛ فقد اتفقا في العتق, ويحلف السيد مع شاهد البتل ويكون حرا إلى سنة, وإن نكل عن اليمين سجن, وإن أقر عجّل عتقه, وإن شهد أحدهما: أن هذا الميت عبد فلان وإنه أعتقه, وشهد آخر: أنه عبده وأنه كاتبه؛ فشهادتهما جائزة على إثبات الرّق لاجتماعهما عليه, وما اختلفا فيه من الكتابة والعتق لن تجز شهادتهم فيه, وإن شهدت بينة: أن هذا عبد فلان أعتقه, وشهدت بينة أخرى: أنه لفلان, رجل آخر ملكا, وتكافأ؛ قضيت بحريته؛ لأن العتق حيازة إلا أن يأتي الآخر بما هو أثبت. قال غيره: وهذا إذا لم يكن العبد في حوز أحدهما. وقال ابن القاسم: بل لو كانت في حوزة من شهد له بالملك فقط [55/أ. ص] لقضيت بحريته؛ لأنه عبد قامت له بينة أنه حر, فأما لو قالت بينة الذي ليس هو في يديه أنه عبده كاتبه أو دبره؛ لقضي لحائزه بملكه وبطل ما سواه.
قال غيره: هو لمن في يديه في ذلك كله إذ لا يصح عتق حتى يثبت الملك, وإذ لو أقام كل واحد منهما بينة أنه ولد عنده وتكافأ؛ لقضيت به لحائزه, وتسقط بينة المدعي إذا لم تثبت له ملكه, ولا عتق إلا بعد ثبات الملك, أرأيت لو قالوا: ولد عنده وأعتقه, أكان العتق يوجب له ما لم يملك؟ أرأيت لو شهدت بينة الحائز: أنه يملكه منذ سنة؟ وشهدت بينة المدعي أنه يملكه منذ عشرة أشهر, وأنه أعتقه أكان العتق يوجب له الملك؟ ابن المواز قال ابن القاسم: وإن شهد رجلان: أنه أوصى بعبدهَ هذا لفلان, وشهد آخر: أنه أوصى بعتقه, ولم تؤرخ البينتان, فأحب إلى أن يعتق؛ تكافؤا في العدالة أو لم يتكافئا, ثم رجع فقال: يعتق نصفه ويرق نصفه للمشهود له. قال أصبغ/: وقوله الأول أحب إلى. ومن العتبية قال ابن القاسم: ومن أوصى فقال: إن مت فغلامي حر, إن صححت فغلامي فلان حر لعبد آخر, فمات فأقام أحدهما بينة أنه مات وقد صح, وأقام الآخر بينة: أنه مات من مرضه فليعتق من كل واحد نصفه؛ لأن العتق قد ثبت لكل واحد منهما غير معروف إلاّ أن تكون إحدى البينتين آكد فيقضى بقولها. وقال أصبغ: بل الشهادة شهادة على الصحة, وهو على المثبت له الوصية إذا قطعوا الشهادة بصحته, فهذا العلم أغلب, كما لو شهدوا: أنه أوصى في مرضه بوصايا,
فقال بعضهم: صحيح العقل, وقال بعضهم: غامر العقل, فبينة الصحة أولى؛ لأنهم علموا ما لم يعلم الآخرون, والله أعلم. تم كتاب العتق الثاني بحمد الله وحسن عونه وتأييده ونصره.
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم وتسليما كتاب التدبير القضاء في المدبَر, وبيعه, ولزوم التدبير, وصفته, ومن دبَّر عبده عن غيره, واليمين بالتدبير. قال ابن سحنون: ولما أجمع المسلمون على انتقال اسم المدبر وجب انتقال حكمه كانتقال اسم المكاتب وحكمه, فإن قيل: إن ذلك كتسميتهم إياه موصى بعتقه. قيل: هذا صفة لفعل السيد. وقولهم: مدبر؛ اسم لعين العبد, ولما أجمعوا أنه يرجع في الموصى بعتقه بالقول وكان التدبير لا يرجع فيه بالقول, وإنما قال قوم: له بيعه وهبته افترقا, وحديث جابر يدل على أن بيع في دين لأن النبي عليه السلام دعا به فقال: «من يشتريه؟» فلما بطل أن يلي النبي صلى الله عليه وسلم الشيء لغير معنى؛ لم يبق إلا أنه بيع لوليه؛ لينفذ ما لزمه, واحتمل بيعه في دين بعد الموت أو في الحياة لدين قبل التدبير.
وتأول قوم إنما باع النبي صلى الله عليه وسلم خدمته للغرماء وذلك محتمل. وقد روي عن جابر أيضاً: أنه لم يكن له مال غيره؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يشتريه». واختلف فيه عن جابر: فروى: أنه أعتق رجل عبده وروى أنه دبّر. وقد قضى عمر بإبطال بيعه في ملأ خير القرون فما أنكروا عليه هذا وهذا كالإجماع, وهو حجتنا في منع بيع أمهات الأولاد. فصل قال ابن القاسم: والتدبير إيجاب لازم لموجبه على نفسه في يمين أو غير يمين, وليس لفظ التدبير يمين, ولكنه عتق بصفة وهي الموت. وقوله: إن فعلتَ كذا فأنت حر؛ قد يحنث أو لا يحنث, فلو كان لفظ التدبير يمين يحنث بها بعد موته؛ لبطل عتقه, إذ لا حنث على ميت, والقائل: إن لم أفعل كذا؛ كان على حنث [55/ب. ص] قبل موته ففارق هذا.
قال ابن القاسم: فيمن قال لعبده: أنت مدبّر, أو حر عن دُبرٍ مني؛ فهو مدبر يُمنع من بيعه, ويعتق في ثلثه. ابن وهب: وقال يعتق في ثلثه: علي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز ويحيى بن سعيد وغيرهم. قال أبو الزناد وابن شهاب: فإن لم يكن له مال غيره عتق ثلثه. ومن المجموعة قال ابن نافع عن مالك فيمن كتب لجاريته: أنها مدبرة تعتق بعد موتي إن لم أحدث فيها حدثاً, قال: هذه وصية, له الرجوع فيها, لقوله: إن لم أحدث فيها حدثاً. قال ابن القاسم في العتبية: وإن قال: غلامي حر متى ما مت لا يغير عن حاله؛ قال هذا في مرض أو في صحة؛ قال: فهو تدبير ليس له بيعه ولا الرجوع فيه ولا يصدّق أنه أراد الوصية لقوله: لا يغير عن حاله. ومن الموازيّة: قلت: كيف التدبير؟ قال: مثل القول في الصحة: أنت مدبر, أو أنت/ حر عن دبر, أو أنت حر متى ما مت, أو إن مت, ولا مرجع لي فيك, وسواء أفرد ذلك في كتاب أو جعله مع ذكر وصاياه. م: ولو لم يقل: ولا مرجع لي فيك في قوله أنت حر متى ما مت, وإن مت: لكانت وصية؛ لأنه أتى بلفظ الوصية.
ومن المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم فمن قال لعبده في صحته أنت حر يوم أموت. قال: قال مالك: فيمن قال لعبده في صحته: أنت حر بعد موتي فأراد بيعه؛ فإنه يسأل: فإن أراد به وجه الوصية: صُدِّق, وإن أراد به التدبير صُدّق, ومنع من بيعه, والقول قوله في الوجهين جميعاً. قال ابن القاسم: وهي وصية أبداً حتى يتبين أنه أراد به التدبير. وقال أشهب في قوله: أنت حر بعد موتي, إذا قال هذا في غير إحداث وصية لسفر, أو لما جاء: أنه لا ينبغي لأحد أن يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة؛ فهو تدبير إذا قال ذلك في صحته. م: وظاهر جواب ابن القاسم: أنه سوّى بين قوله: أنت حر يوم أموت, وبين قوله: أنت حر بعد موتي, وقد جمعهم أبو محمد رحمه الله في مختصره على جواب واحد؛ وكأنه رأى أن قوله: أنت حر يوم أموت, كقوله: أنت حر إذا مت, ولم يرد اليوم. وقد روى ابن القاسم عن مالك في المجموعة: في صحيح قال لعبده: أنت حر يوم أموت؛ فإنه يُسأل: فإن أراد به الوصية صدِّق, وإن أراد به التدبير صُدِّق. م: كأنه رأى أن مفهوم قوله: أنت حر يوم أموت, أنت حر بعد موتي, وأنه لم يقصد ذلك اليوم, ولو قصد اليوم لكان ينبغي على أصلهم في الطلاق: أن يكون من قال: أنت حر يوم أموت؛ معتقاً إلى أجل, كمن قال: أنت حر قبل موتي بشهر؛ إذ قد يموت آخر النهار فيقع العتق على العبد أول النهار قبل موته, وقد جعل مالك جواب من قال: أنت
طالق يوم أموت كجواب من قال: أنت طالق قبل موتي بشهر, وقال يعجّل فيها الطلاق, لأنه طلاق إلى أجل, ويحتمل أن يكون الفرق بين الطلاق والعتاق في هذا: أن الطلاق يلزم إذا أوقعه إلى أجل, وأن يعجل عليه ولا يلزم إن أوقعه بعد الموت, فلما أتى بلفظ يحتمل أن يقع فيه الطلاق أو لا يقع أوقعناه عليه؛ لأن من أصلنا أن يحرم بالأقل, وأما العتق فيجوز أن يقع قبل الموت وبعده, ومنه ما يرجع فيه, ومنه ما لا يرجع فيه, فإذا أتى بلفظ يحتمل ذلك فيه وجب أن يرجع فيه إلى قوله, ولذلك ألزمه أشهب التدبير إذا عرى قوله من دلائل الوصية؛ لأن ذلك أشد عليه كما ألزمناه في الطلاق؛ لأن ذلك أشد عليه. وقال أشهب: في الذي قال: أنت طالق يوم أموت [56/أ. ص] أو قبل موتي بشهر: لا شيء عليه؛ لأنه أمر لا يكشفه إلا الموت, وكذلك يقول في العتق: لا يعتق إلا من الثلث
وقال ابن القاسم في العتق إذا قال: أنت حر قبل موتي بشهر, إنه يُنظر: فإن كان السيد مليئا؛ أسلم إليه العبد يختدمه, فإذا مات نُظِر: فإن حل الأجل والسيد صحيح كان من رأس ماله ورجع بكراء خدمته بعد الأجل في رأس ماله, وإن حلّ الأجل وهو مريض فهو من ثلثه, ويلحق الدين, ولا رجوع له في خدمته, وإن كان السيد غير ملئ خورج العبد وأوقف له خدمة شهر. قال سحنون في كتاب ابنه وفي العتبية: معناه فإذا زاد على الشهر يوم أطلق السيد مثله من الموقوف هكذا حتى يموت, فإن وافق الشهر مرضه الذي مات فيه كان من الثلث, وإن وافق صحته كان من رأس ماله, وفيها اختلاف, وقد ذكرناه موعباً في كتاب العتق الثاني. ومن المدونة قال مالك: وإن قال لعبده: أنت حر بعد موتي وموت فلان؛ فهو من الثلث. قال ابن القاسم: وكأنه قال: إن مات فلان فأنت حر بعد موتي, وإن مت أنا فأنت حر بعد موته وقاله/ أشهب. م: يريد ولا رجوع له فيه لذكر الأجنبي في ذلك وهي كمسألة الرُّقبي وهي في العبد يكون بين الرجلين فيحبسانه على أن من مات أولاً فنصيبه يخدم الثاني
حياته, فإذا مات فهو حر, فلم يجزها مالك إلا أنه ألزمها العتق إلى موت آخرهما, ومن مات أولاً فنصيبه يخدم ورثته دون صاحبه فكذلك يلزم العتق في هذه المسألة, ولا رجوع له فيه. م: وقال بعض أصحابنا: له الرجوع فيه كما لو أعتقه بعد موته بشهر. قال غيره: ولا تشبه مسألة الرّقبي؛ لأن مسألة الرّقبي خرجت على معنى المعاوضة [والالتزام, فبطلت المعاوضة] لفسادها ولزمهما العتق الذي أوجباه على أنفسهما. م: إذا فسدت المعاوضة وبطلت؛ وجب ألا توجب حكما, وإنما ألزمهما العتق لدخول الأجنبي في ذلك, فهو كعتق إلى أجل, وقد رأيت بعد ذلك لابن القصار نحو ما قلت وهو الصواب. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال: إن كلمت فلاناً فأنت حر بعد موتي, فكلمه لزمه عتقه بعد موته, كما لو حلف بالعتق ولم يقل بعد موتي فحنث فإنه يلزمه, وكذلك هذا يلزمه, ويعتق من ثلثه وصار حنثه بعتق العبد بعد الموت شبيها بالتدبير, فإن قال: أنت حر بعد موتي بيوم أو شهر أو أكثر فهو من الثلث ويلحقه الدين. م: يريد: وهذه وصية له الرجوع فيها.
ومن كتاب ابن المواز قال ابن القاسم: ومن قال في مرضه: إن مت من مرضي فعبدي فلان مدبّر, فهو تدبير لازم لا رجوع له فيه. وكذلك قال هو وابن كنانة في كتاب ابن سحنون. قال ابن المواز: وقال أصبغ: هذا إن أراد وجه التدبير فيما يرى أنه أراد ذلك إذا مات, كالذي يريد التدبير ولا يعرفه فيقول: إذا متُ فغلامي مُدَبِّر؛ بمعنى أن يعتق بالتدبير, فهذا لا ردّ له فيه, وأما إن أراد به إذا مات فهو مدبَّر على غيره من ورثته أو غيرهم, فهذا له أن يرجع فيه, والقول في ذلك قوله فيما يدعي منه وإلا عمل على ما يستدل به. قال ابن القاسم: ولو قال مريض: غلامي حر, ولم يزد على هذا ثم رجع في مرضه أو بعد أن صح فقال: إنما أردت بعد موتي ولم أبتله, أنه مصدّق. وقاله أصبغ إلاّ أن يرى أنه أراد البتل.
فصل [56/ب. ص] قال ابن المواز قال ابن القاسم: وإن قال في مرضه غلامي هذا مدبر على أبي لزمه, ولا يرجع فيه إن كان منه على البتل لا على الوصية, ويخدم الأب ورثته حياة الابن, والولاء للابن, وإن كانت أمة لم يطأها الأب ولا الابن. وروى عنه أبو زيد فيمن قال: أنت مدبر على أبي؛ أنه مدبر على نفسه, ولا يعتق إلا بموته من الثلث, وأما بموت الأب فلا إلاّ أن يقول: أنت مدبر عن أبي, أو أنت حر عن دبر من أبي, فينفذ ذلك عن أبيه. ابن المواز: وذلك عندنا سواء قال: عن أبي, أو على أبي, وهو معتق إلى أجل إلى حياة أبيه, والولاء لأبيه, وإن كان أبوه ميتا فهو حر مكانه والولاء لأبيه. وقال عنه أبو زيد في العتبية: إذا قال لعبده: أنت مدبر عن أبي, فسواء كان الأب حياً أو ميتاً فلا يعتق إلا بعد موت الابن المدبِّر, إلا أن يقول: أنت حر عن دبر من أبي؛ فإن كان الأب ميتاً كان حراً الساعة, وإن كان حيا: فإنه يعتق إذا مات أبوه, وولاؤه للأب. قال: وإن قال مريض: جاريتي مدبرة عن ولدي إن مت ثم صح فلا شيء عليه, ولا تكون مدبرة عن ولده, ولو قال: جاريتي مدبرة فقط, ولم يستثن شيئا, ولم يقل: إن مت من مرضي؛ فهي مدبرة, وإن صح [ولا خلاف في هذا].
م: ولا خلاف إذا قال: أنت حر عن دبر من أبي, أنه يعتق عليه بموت الأب. واختلف إذا قال: أنت مدبر على أبي, أو عن أبي, فقيل: إن ذلك كالأول/, وقيل: أنه مدبر عن نفسه. والأول أصوب. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قال: إن اشتريت هذا العبد فهو مدبر؛ فاشترى بعضه, فذلك البعض مدبر, ويتقاومانه هو وشريكه. قال سحنون: وإن أحب الشريك أن يقوّم عليه الفساد الذي أدخل فيه, أو يتماسك بنصيبه فعل؛ لأنه يقول: لا أخرج عبدي من يدي إلى غير عتق ناجز, وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتقويم فيمن يخرج العبد من رقّ إلى حرية تتم بها حرمته, وتجوز شهادته, ويوارث الأحرار, وليس التدبير كذلك, لأنه أراد بما فعل أن يخرج عبدي من يدي فيملكه دوني, ويقضي به دينه, ويستمع إن كانت جارية وليس كذلك قضى النبي صلى الله عليه وسلم.
في تبدئة بعض المديرين على بعض وحصاصهم وبيع بعضهم في الدين قال مالك: ومن مات وترك مدبرين؛ فإن كان دبّر واحدا بعد واحد في صحة أو مرض, [أو دبر في مرض] ثم صح, فدبر ثم مرض فدبر, فذلك كله سواء, ويبدِّي الأول فالأول إلى مبلغ الثلث, فإن بقي أحد منهم رق. قال ابن القاسم في العتبية: فإن كان عليه دينٌ؛ بيع في الدين الآخر فالآخر, فإذا قضى الدين أعتق الباقين الأول فالأول إلى تمام ثلث ما بقي. ومن المدونة قال مالك: ولو دبرهم في كلمة في صحة أو مرض؛ عتق جميعهم إن حملهم الثلث, وإن لم يحملهم الثلث لم يبديِّ أحدهم على صاحبه ولكن يقضي الثلث على جميعهم بالقيمة, فيعتق من كل واحد حصته منه, وإن لم يدع غيرهم؛ عتق ثلث كل واحد, ولا يسهم بينهم, بخلاف المبتلين في المرض: أولئك يقرع بينهم. قال مالك: ويبدّي المدبر في الصحة على المبتل في المرض.
ابن المواز قال مالك: المدّبر في الصحة مبدّي على كل وصية؛ من عتق واجب, أو زكاة, أو إبتال في مرض, وعلى صداق المريض, وقد اختلف فيه, ويدخل فيما علم به الميت من تركته وفيما لم يعلم, وفيما يبطل من إقرار بدين لوارث. قال ابن القاسم: وكذلك [57/أ. ص] المدبر في المرض يدخل فيما لم يعلم به الميت, ولا يدخل المبتل في المرض فيما لم يعلم به الميت ولا زكاة يوصي بها ولا غير ذلك. قال ابن القاسم: وإذا اجتمع ما يدخل في الطارئ وما لا يدخل فيه؛ فليبدأ بالمدبر في ثلث الحاضر, فإن لم يفِ به أتم من الطارئ, وإن خرج منه وفضل فضلة بدئ بما يبدأ من الوصايا بعده. وقال عبد الملك: يعتق المدبر في المالين بالحصص. [م: أبو إسحاق: لأن كلا المالين لو انفرد لا عتق فيه فلا يختص أحدهما دون الآخر] , فما بقي من ثلث الحاضر دخل فيه أهل الوصايا, وما فضل من الطارئ فللورثة. وقول ابن القاسم أحب إليّ. م: وقول ابن الماجشون: جيد؛ لأن المدبر لما كان يدخل في المالين صار كأنه مال
حاضر كله فيعتق فيهما جميعاً بالحصص, وإنما يختلف ذلك على من لا يدخل في الطارئ. ووجه قول ابن القاسم: إنه لما وجبت له التبدئة في الحاضر قبل قدوم الطارئ لم ينقله قدوم الطارئ عما وجب له من التبدئة في الحاضر. قال ابن القاسم في المستخرجة: فيمن دبّر في صحته وبتل في مرضه ودبر فيه وتزوج فيه ودخل وأوصى بعتق وزكاة: فليبدأ في الثلث بصداق المريض, ثم المدبر في الصحة, ثم الزكاة, ثم المبتل في المرض والمدبر فيه معاً, إلا أن يكون أحدهما قبل الآخر فيبدأ بالأول, ثم الموصى بعتقه, وكذلك عنه في كتاب ابن سحنون في المبتل والمدبر في المرض. قيل له فيه: فكتب وصيته فبدى أحدهما ثم قام لشغل ثم عاد فكتب الآخر, قال: يبدأ بالأول. [أبو إسحاق: ولو قال: كنتُ دبرتُ هذا العبد في صحتي وهو مريض؛ لنفذ ذلك من الثلث, بخلاف قوله: كنت أعتقت هذا العبد في صحته وهو مريض؛ لأن من أقر في مرضه أنه كان أعتق هذا العبد في صحته؛ أراد إخراجه من رأس المال, فبطل أن يكون من رأس المال, ومن الثلث في أحد الأقاويل. والذي قال في مرضه: دبرت في صحتي لم يرد إخراجه من رأس وإنما أراد إخراجه من الثلث؛ لأن ذلك سنة المدبر, فكأنه قال:
بدّوه من الثلث على من دبرته بعد قولي هذا, وأما لو تقدم تدبيره قبل قوله هذا؛ لبدئ بالذي دبّر قبل هذا القول؛ لأنه يريد بهذا الإقرار تقديم من ظهر تدبيره آخراً بالإقرار على من تقدم تدبيره بالبيّنة, كما لو دبّر اليوم في مرضه عبداً فيقر بما يرد تدبيره, قال: وإني كنت أمس دبرت هذا الآخر فبدّوه؛ لم يبدَّ, ولم يقبل قوله, وبُدّي بالذي ظهر تدبيره على الذي أقر أنه كان دبّره- وشَرَطَ رقّ ولدها الذي تلد]. وقال عن المخزومي: فيمن دبَر ثم أغمى عليه ثم أفاق فدبر آخر فهذا عذر ويتحاصان. م: قال بعض فقهائنا: إذا دبر وبتل في المرض في فور واحد جماعة عبيد تحاصوا عند ضيق الثلث فما ناب المدبرين في هذه المحاصة عتقوا فيه بالحصص, وما ناب المبتلين عتقوا فيه بالسهم. قال: وإذا اجتمع عليه زكاة وتبتيل عتق: يراعي أيّ ذلك قدم في مرضه؛ فإن قدم عتق المبتل بُدّي على الزكاة؛ لأنه قد انعقد عليه ولزمه, فليس له إحداث ما يطله أو ينقصه, وما جرى في المدونة: أن الزكاة تُبدّي عليه؛ فإنما ذلك إذا كانا/ في فور واحد وقدم الوصية بها.
م: ولابن الماجشون نحو هذا, وقد تقدم في كتاب الصوم شيء من ذكر التبدئة وإيعابها في كتاب الوصايا. فصل ومن المدونة قال مالك: وللمدبر حكم الأرقاء في [57/ب. ص] خدمته وحدوده وإن مات السيد حتى يعتق في الثلث. قال: وإنما ينظر إلى قيمته يوم النظر فيه لا يوم مات سيده. قال: وإن كانت مدبرة حمل فولدت بعد موت سيدها فليقوّم ولدها معها. قال مالك: ويعتق المدبر في الثلث أو ما حمل منه, فإن لم يدع غيره عتق ثلثه ورق ثلثاه, وما هلك من التركة قبل تقويم المدبر لم يحسب وكأنه لم يكن له. قال مالك: ومن مات وترك مدبرا وعيه دين يغترق نصف المدبر؛ بيع من مدبر نصفه للدين, وعتق ثلث النصف الثاني, ورق للورثة ثلثي نصفه الباقي. قال ابن القاسم: وإن أحاط الدين برقبته؛ بيع في ذلك الدين, فإن باعه السلطان ثم طرأ للميت مال نقض البيع, وعتق إذا كان ثلث ما طرأ يحمله. قال ابن حبيب عن أصبغ فيمن مات عن مدبر وعليه دين محيط فبيع فيه ثم طرأ للسيد مال: فإن حمله ثلثه بعد رد ثمنه رُدّ, وعتق عن الميت كان المشتري قد أعتقه أو لم
يعتقه, وإن لم يحمل إلا بعضه عتق منه ما حمل منه, وَنُظِرَ: فإن كان المبتاع لم يعتقه خيّر بين رد ما بقي منه أو التمسك به بحصته من الثمن, وإن كان قد أعتقه عتق منه عن الميت محمل ثلثه, ومضى عتق المبتاع لباقيه, وردّ عليه من الثمن بقدر ما عتق منه عن الميت, ومن قيمة العيب الذي دخله من العتق بقدر ما فوت بالعتق, يقال: ما قيمته على أنه لم يعتق من شيء؟ فيقال: ستون, وما قيمته على أنه قد عتق ثلثه؟ فيقال: ثلاثون, فينظر ما بين القيمتين؛ وذلك ثلاثون, فيفضي على ما عتق منه على الميت وعلى ما عتق منه على المبتاع, [فيقع على ما عتق منه المبتاع عشرون, فيرجع بها في مال الميت, ولا يرجع فيما يقع على عتق على الميت] لأنه قد أخذ ثمنه. م: لا أدري ما هذا, وهذا عبد دخله استحقاق بقيته وفات ردّ جميعه لعتق المشتري إياه, والصواب: أن يقال: كم قيمة جميعه يوم البيع؟ فيقال: ستون, وكم قيمته على أنه معتق ثلثه؟ فيقال: ثلاثون, فقد نقصه عتق ثلثه نصف قيمته فيرجع المبتاع بنصف ما دفع فيه من الثمن كان أقل من قيمته أو أكثر. قال: وكذلك لو باعه السيد في صحته ثم مات, فأعتقه المبتاع بعد موته, وفي ثلث البائع له محملا له أو لبعضه, لنقض ذلك على ما فسرنا, بخلاف عتق المشتري إياه في حياة البائع هذا يمضي عتقه؛ لأنه لم يكن أصابه من عتق البائع شيء بعد.
م: وذكر عن أبي عمران رحمه الله: في المدبرة تباع بعد موت السيد لدين استغرقها فيولدها المشتري ثم طرأ مال, فقال: يجب أن ترد إلى العتق وتعتق إن حملها ثلث المال الطارئ؛ لأنا إن أجزنا البيع صار نقل للولاء. م: إنما تعتق فيه؛ لأن المدبر يدخل فيما علمه الميت من المال وفيما لم يعلمه. قال الشيخ أبو عمران رحمه الله: ويجري القول فيها على الخلاف في ولد المستحقة ولو كان ثلث ما طرأ منها بعضها فإنما يعتق منها ما حمل الثلث بالتدبير, ويعتق باقيها على السيد الذي أولدها؛ إذ لا يصح له فيما بقي وطء, ويجري في الولد في النصيب المعتق من أمة الخلافة. قال العتبي عن سحنون: في امرأة تركت زوجها وأخاها ومدبرة قيمتها خمسون لم تدع غيره ولها على الزوج مائة وخمسون ديناراً وهو عديم: قال: يعتق ثلث المدبرة, وللأخ ثلثها, وللزوج ثلثها, فيؤخذ منه [58/أ. ص] ذلك الثلث فيكون بين الأخ والمدبرة فيعتق بذلك من المدبرة نصفها ونصفها يصير للأخ, فإن باع الأخ نصفه ثم أفاد الزوج مالاً, فليرد حتى يعتق جميع المدبرة أو بقدر ما أفاد, ثم إن أفاد بعد ذلك أتم منه حتى يتم
عتقها, قال: وإذا لم يبين الأخ حين باعها أن على الزوج ديناً إن أفاد يوماً مالاً عتقت فيه مدبرة فلا يكون ذلك عيبا تُرَدُّ به. م: لأن الفائدة أمر لا يتحقق/ طريانه كالاستحقاق, قال: فإن أفاد الزوج مالاً يعتق فيه بعضها فقال المشتري: أنا أرد النصف الذي اشتريت فقد فسد بتزيل العتق فيه, فإن كان الذي عتق منها الآن يسيراً فليس له ردها, وإن كان كثيرا فله ردها. قال سحنون: مثل أن يبقى له من صفقته يسيراً, وهذا بمنزلة السلع يُستحق بعضها؛ لأنه ليس فيما ابتاع وطء للشركة التي فإنما له فيها الحجة في أن يستحق أكثر ما اشترى, ورواها موسى بن معاوية عن ابن القاسم فذكر مثله.
قال: ويكون للأخ بيع حصته من الدين الذي على الزوج ويباع ما يصيب المدبرة من ذلك. م: يريد: وهو أحد وأربعون وثلثان؛ لأن المدبرة قد أخذت في نفسها خمسة وعشرين, وللأخ منها خمسة وعشرون أيضا, ويسقط عن الزوج من الدين الذي عليه في حصته خمسة وعشرون, فيبقى عليه مائة وخمسة وعشرون, هي بينهم أثلاثاً؛ لأن المدبرة لها ثلث الميت حتى تعتق منه, فإن فضل شيء رد على الورثة, وثلث المائة وخمسة وعشرين أحد وأربعون دينارا وثلثا دينار. وفي المستخرجة والنوادر اختلاف فيما يقع للمدبرة مما على الزوج وكله غلط في الحساب, والذي قدمناه أصح إن شاء الله. قال ابن القاسم: يباع ما يصيب الخادم من ذلك ليعجل عتق ما يصح لها من ذلك ولا يؤخر؛ لأن الزوج قد يموت فيورث أو يفلس فيبيعه أحب إليَّ ولا يستأنا به إلا أن يكون الزوج بموضوع بعيد ولا يُعرف ملاؤه من عدمه, [فلا يباع ما عليه حتى يكون قريبا يُعرف ملاؤه]. وذكر ابن المواز عن أبي زيد عن ابن القاسم مثله, وقال: قيمتها خمسون ومائة, ولها على الزوج خمسون ومائة.
قال ابن المواز: ولو لم يُبع شيء مما على الزوج حتى زادت قيمة الأمة أو نقصت وأيسر الزوج؛ فلا يؤتنف فيها قيمة بعد ذلك, وعلى قيمتها الأولى يعمل كحكم نفذ, وكذلك لو كانت قيمتها يوم الموت مائة والدين مائة فلا يعجّل من عتقها إلا الخمسين, وذكرها ابن سحنون عن أبيه إلا أنه قال: قيمة المدبرة خمسون, ولها على زوجها مائة, قال: فما أصاب الزوج من المدبرة يؤخذ منه فيكون بين الأخ وبين المدبرة, فيصير نصف المدبرة حر ونصفها للأخ, ثم للأخ بيع نصيبه إن شاء, فإن أفاد الزوج مالا نقض البيع حتى تعتق في ذلك, هذا قول أصحابنا, وقد صارت الشركة بينهم أثلاثاً للمدبرة خمسون, وللزوج مما عليه خمسون, وللأخ خمسون, فاتفق نصيب المدبرة والأخ؛ فلذلك قسم بينهما نصفين ما وقع للزوج من المدبرة, قال: وإن كان ما على الزوج خمسة ومائة؛ فحق المدبرة جميع قيمتها خمسون, وللزوج خمسة وسبعون, وللأخ خمسة وسبعون, فيعتق ثلث المدبر, ويصير للأخ ثلثها وللزوج ثلثها, فيؤخذ منه [58/ب, ص] ذلك الثلث فيقسم بين المدبرة والأخ على ما بقي لهما فبقي للمدبرة ثلاثة وثلاثون وثلث, وللأخ وثمانية وخمسون وثلث, وذلك أحد عشر جزءا, وللمدبرة أربعة أجزاء, وللأخ سبعة. م: لأن ما بقي لها يتفق بخمس الخمس, قال ثم طرأ للزوج من شيء قاسماه كذلك حتى يتم مالهما قِبَلَه.
قال: ولو كان هذا الدّين على أجنبي كان بخلاف ذلك, هذا يكون ثلث المدبرة حر وثلثها للأخ وثلثها للزوج, فإذا قُبض من الأجنبي شيء عتق في ثلثه ما بقي من المدبرة إلى تمام عتقها. م: وما تقدم من رواية موسى عندي أصوب, ولا فرق بين ما طرأ؛ أن يكون من أجنبي أو من وارث, وأن للمدبرة ثلث ما طرأ حتى يتم عتقها كما كان لها ثلث نفسها من نفسها والله أعلم بالصواب. ومن كتاب ابن المواز قال: وإذا تركت زوجها وابنها ومدبرة لم تدع غيرها قيمتها خمسون ولها على زوجها مائة وهو عديم؛ فالفريضة من أربعة يحمل عليها نصفها للمدبرة وهو ثلث الجميع, فجميع التركة ستة أسهم؛ للمدبرة سهمان, وللابن ثلاثة أسهم, وللزوج واحد, فأسقط سهم الزوج إذ عنده/ أكثر من حقه, واقسم ما حضر من التركة وهي المدبرة على خمسة, للمدبرة سهمان وهما خمساها, يعتق ذلك منها, وثلاثة أخمامها للابن الرقيق, وكذلك لو كان على الزوج أربعمائة أو أكثر, وقيمة المدبرة مائة؛ لعتق خمساها الآن؛ لأن المدبرة تحاص بالثلث لنفسها لقيمة باقي التركة, فليسقط نصيب الزوج, ويتحاص المدبرة والابن, ولو كان الدين على الابن وهو أربعمائة أو أقل أو أكثر؛ فإنه يسقط سهام الابن بذلك.
يريد: إذا كان عليه مثل حظه ويبقى للزوج سهم وللمدبرة سهمان؛ فيُعتق منها ثلثاها, وثلثها للزوج. ولو كان مع الزوج ابنان والدين على أحدهما وهو مثل حقه فأكثر فتصح الفريضة من اثنى عشر؛ للمدبرة أربعة, وللزوج اثنان, ولكل ابن ثلاثة, فأسقط سهم الابن المديان ثلاثة من اثنى عشر فتبقى تسعة أسهم؛ للمدبرة منها أربعة فيعتق أربعة أتساعها, وللزوج منها سهمان, وللابن ثلاثة, ولو لم تدع إلا ابناً وزوجاً, ولها على الابن مائة [وقيمة المدبرة مائة] , فليعتق ثلثاها وهو ثلث جميع التركة, وللزوج ثلث المدبرة وهو حقه من التركة, والذي عند الابن كفاف حقه. في أولاد المدبر أو من فيه علقه رق وفي أموالهم روى ابن وهب أن علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وابن عمر وسعيد بن المسيب وعمر بن العزيز وسليمان بن يسار وغيرهم كانوا يقولون: ولد المدبرة بمنزلتها يرقون برقها ويعتقون بعتقها.
قال مالك: فيمن دبّر أمة حاملا فولدها مدبر بمنزلتها, وكذلك كل أم ولد أو معتقه إلى أجل مخدمة إلى سنين وليس فيها عتق؛ فولدها من زوجها بمنزلتها ومن السيد بمنزلته. قال مالك: وولد المعتق إلى أجل من أمته بمنزلته, وما ولدت المدبرة, أو ولد للمدبر من أمته بعد التدبير بمنزلتها, والمحاصة بين الآباء والأبناء في الثلث, ويعتق ما حمل الثلث من جميعهم بغير فرقة. م: يعني هاهنا أن المدبرة سواء كان [59/أ. ص] حملها به قبل التدبير أو بعده, وأما ولد المدّبر من أمته؛ فإن كان حملها به بعد التدبير كان بمنزلتها, وإن حملت به قبل تدبيره لم يكن بمنزلته, وكان رقاً لسيده وما وضعت لستة أشهر فأكثر من يوم التدبير فهو مدبر مع أبيه, وما كان لأقل فهو رقيق, وما ولدت المدبرة قبل التدبير فهو رقيق. ابن حبيب قال أصبغ: فن استحدث السيد ديناً محيطاً فلا يباع الولد وهو صغير ويوقف إلى حد التفرقة, فيباع حينئذ أو يموت السيد فيباع مع أمه, وكذلك لو كان الصغير هو المدّبر دونها.
ومن المدونة قال مالك: وما ولدت الموصى بعتقها أو ولد للموصى بعتقه من أمته قبل موت سيدهم فهو رقيق, وما ولد لهم بعد موته فهو بمنزلتهم يقومون معهم في الثلث فيعتق من جميعهم ما حمل الثلث يعني هاهنا أيضا: أن الموصى يعتقه إذا حملت أمته بعد موت سيدها فولدها بمنزلتها, وإن حملت منه قبل موت السيد كان الولد رقيقا, وأما ولد الموصى بعتقها فسواء [كانت حاملا] يوم الوصية أو حملت به بعد الوصية في حياة السيد فولدته بعد موته فولدها بمنزلتها. م: والفرق بين ولد المدبرة وبين ولد المدبر من أمته: هو أن أمة المدبر ليس فيها عقد تدبير, وإنما عقد التدبير في سيدها فهو كالمدبرة, فجعل ما في ظهر المدبر من ولد قبل التدبير بمنزلة ما في بطن المدبرة قبل التدبير فخروج النطفة من المدبر كولادة المدبر, [فولادة المدبر] كحمل أمة, وهذا بيّن. وكذلك الفرق بين ولد الموصى بعتقها وولد الموصى بعتقه من أمته والعلة واحدة/.
والفرق بين ولد الموصى بعتقها وبين ولد المدبرة؛ أن الموصى بعتقها: لما كان له الرجوع فيها, والتصرف بالبيع والهبة ونحوه, وكأن حالها لم يتغير عما كان عليه قبل الإيصاء دل على أن الذي جعل لها من الوصية أمرًا غير متعقد, وإنما ينعقد بالموت, فما ولدت قبل أن ينعقد فيها أمر الحرية فرقيق كما هي رقيق حينئذ, وما ولدت بعد الموت: بمنزلتها أيضاً يدخله من الحرية ما دخلها, وأما المدبرة, والمعتقة إلى أجل, فأمرهما منعقد من حين جعل لها ذلك لا يستطيع السيد نقضه ولا يتصرف فيها تصرف المالك, فلما كان أمرها منعقد كان ما ولد لهما بعد العقد بمنزلتهما, كما كان ولد الموصى بعتقها بعد تمام العقد الذي هو الموت؛ بمنزلتها, وما ولد لهما قبل العقد؛ فرقيق, بمنزلتهما حينئذ كما كان ولد الموصى بعتقها قبل الموت رقيق وهذا بين وبالله التوفيق. ومن المدونة قال ابن وهب عن مالك: في عبد دبره سيده ثم توفي ولم يدع غيره فأعتق ثلثه ثم وقع العبد على جارية له فولدت أولادا ثم توفي العبد وترك مالاً كثيراً أو لم يترك شيئاً, قال: يعتق من ولده مثل ما عتق منه ويرق باقيهم ويخدم مسترق باقيهم بقدر ما رق منهم.
فصل قال: ولا بأس أن توطأ المدبرة والموصى بعتقها, ولا يجوز وطء المكاتبة, ولا المعتقة إلى أجل, ولا المعتق بعضها, ولا المخدمة ولا أمة لا يملك جميعها. قيل لسحنون: وكيف توطأ المدبرة وفيها من تأكيد العتق [59/ب. ص] ما ذكرت؟ قال: أم الولد آكد حالاً منها وهي توطأ والوطء في المدبرة فزيد في تأكيد حالتها. م: يريد وكذلك العلة في الموصى بعتقها وكل من لا يعتق إلا بعد موت السيد؛ فجائز وطؤها كأم الولد وكل من قد يعتق في حياة السيد فلا يجوز وطؤها وهو شبيه بالمتعة. قال سحنون: ولا يجوز وطء المكاتبة؛ لأنها بالأداء تعتق والوطء يؤدي إلى إبطال تعجيل عتقها بالحمل فلما كان يصل إلى إرقاقها منع لما لزمه لها من شرط العتق بالأداء وهو أيضا مانع من السعي والكسب الذي تعتق به فلذلك منع منه وإن كانت قد أيس منها الحمل. م: إنما منع من وطئها لأنها قد تعتق قبل موت السيد بالأداء فضارع الوطء إلى أجل الذي هو شبيه بوطء المتعة المحرمة, وهذه علة جامعة في كل من فيه عقد عتق إلى أجل. قال سحنون: إنما منع من وطء المعتقة إلى أجل؛ لأنه يصل بذلك إلى منع ما جعل لها من تعجيل العتق بالحمل فيصير له مظنة في حياته.
م: وما ذكرنا من العلة أصوب؛ لأن إيلادها لا يحرم عتقها إذ حل الأجل, كما لو تعدى فوطأها فحملت: أن ذلك لا يبطل عتقها عند الأجل ولكان لا يزيدها الحمل إلا خيراً, وهو رفع الخدمة عنها فارتفعت علته بالحمل, وصح أن العلة أنه وطء إلى أجل فضارع نكاح المتعة المحرم والله أعلم. م: والعلة في منع وطء المعتق بعضها أو أمة لا يملك جميعها: أن البعض الذي هو ليس له لا يجوز له وطؤه, وهو لا يصل إلى وطء نصيبه إلا بوطء جميعها فمنع من ذلك. والعلة في منع وطء المخدمة؛ لأنه يفسد الحوز على المخدّم, ويبطل حقه بالوطء؛ لأنها قد تحمل فتبطل الخدمة, لأنهم أجازوا وطء المستأجرة, [فلو كانت العلة خوف الحمل كان يمنع هاهنا أيضا؛ لأنه يبطل الإجارة. والعلة في جواز وطء المستأجرة]: أنه ليس لها عقد عتق قد يكون في حياة السيد فيكون وطئاً إلى أجل ووطؤها قبل الإجازة كان جائزا فلا يمنع بالإجارة لخوف الحمل الذي قد يكون أو لا يكون, وهذا أصلهم: أنهم لا يمنعوا حقا واجبا لأمر يكون أو لا يكون كالاستحقاق في البيع ونحوه, وقد أجاز مالك للسيد عتق الزَّمِن من المكاتبين في كتابة واحدة ولا حجة لأصحابه إذ لا منفعة فيه اليوم, وإن كان قد يكون لهم ذلك إذا صح فلم يترك حقاً وجب لهم في العتق لأمر يكون أو لا يكون. قال ابن المواز: الذي يكري المرأة مع زوجها إلى الحج/ فيريد أن يمنعه منها ويقول: أخاف أن تحمل فتضع فأحبس عليها, فلا يمنع والحمل أمر طارئ.
[م: فإن قيل يلزمك ذلك في وطء المتعة مع إبطال حرمة العتق ولا ضرر كبير في إبطال الإجارة؛ لأنه يرجع يبقية حقه]. فصل ومن المدونة قال مالك: وعقل المدبرة وعملها وغلتها لسيدها, وأما مهرها ومالها ما كسبت منه قبل التدبير أو بعده: فهو موقوف بيدها ولسيدها انتزاعه ما لم يمرض, فإذا مرض لم يكن له ذلك, فإن لم ينتزع السيد مال المدبرة حتى مات قوّمت في الثلث بمالها فيقال: ما تسوى هذه الجارية؟ ولها من المال كذا, ومن العروض كذا, فإن حملها الثلث؛ عتقت, وتبعها مالها, وإن لم يحملها إلا نصفها, عتق نصفها, ويقر هذا المال كله في يدها. قال سحنون عن ابن القاسم: فإن كانت [60/أ. ص] قيمة المدبرة مائة دينار ومالها مائة دينار وترك سيدها مائة فإنه يعتق نصفها ويقر مالها [بيدها؛ لأن قيمتها] بمالها مائتان وثلث السيد مائة, وهي نصف المائتين التي هي قيمتها بمالها فقد حمل الثلث نصفها فيعتق نصفها وتقر المائة بيدها وقاله مالك. ابن حبيب وقاله مطرف وابن الماجشون عن مالك قال: وإن كانت قيمة المدبر في نفسه مائة وله من المال مائتان ولم يدع غيره فلا يعتق إلا ثلثه ويقر ماله بيده.
وقال ابن وهب عن ربيعة والليث ويحيى بن سعيد فيمن مات عن مدبر: فإنه يجمع هو وماله إلى مال الميت؛ فإن خرج المدبر بماله في ثلث ذلك عتق, وكان ماله في يديه, وإن كان الثلث يحمل رقبته وبعض ماله عتق, وكان له من ماله ما حمل الثلث مع رقبته, فإن لم يدع غير المدبر وماله وقيمة رقبته مائة وماله. ثمانمئة عتق المدبر, وكان له من ماله دينار فكذا يحسب. قال مالك: وكذلك من أوصى بعتق عبده وللعبد مال فهكذا يصنع فيه وهذا رأيي. ابن وهب: ورواه عنه عيسى بن دينار وأخذ به. قال ابن حبيب: وانفرد بهذا ابن وهب عن مالك وأصحابه ويقول مالك أقول. ومن كتاب ابن المواز والعتبية قال أصبغ عن ابن القاسم فيمن دبر عبده في صحته واستثنى ماله: فإن ذلك جائز وقاله مالك. قال أصبغ يعني يستنيبه بعد موت نفسه إذ أعتق. قال ابن القاسم: فإذا مات السيد قوّم في الثلث بغير ماله, وأخذ ما بيده فحسب من مال السيد ثم يقوّم المدبر فيهما وقاله أصبغ. ومن المدونة قال مالك: وللسيد أن ينتزع أم ولد مدبرة فيبيعها ويأخذ لنفسه مالها ما لم يمرض السيد, فإذا مرض لم يكن له ذلك؛ لأنه إنما يأخذه لغيره, قال وله أن ينتزع مال المعتق إلى أجل ما لم يقرب الأجل, فإذا قرب لم يكن له ذلك. قيل له في كتاب التفليس: فإن بقيت سنة؟ قال: أرى أن يأخذ ماله ما لم يتقارب ولم ير السنة قريباً, قال: وليس للغرماء أن يجبروا المفلس على انتزاع مال أم ولده أو مدبره, وله
هو انتزاعه إن شاء لقضاء دينه أو ينتزعه على غير هذا الوجه إن شاء لنفسه, وأما إن مرض ولا دين عليه ليس له انتزاعه؛ لأنه إنما ينتزعه لورثته وفي التفليس ينتزعه لنفسه.
في تدبير أحد الشريكين أو كليهما أو عتق أحدهما قال ابن القاسم: ولما لم يكن التدبير بصريح العتق الذي جاء الأثر به في عتق الشقص كان من دبر شقصا له في عيد لا يلزمه التقويم إلا أن يشاء شريكه للضرر الذي أحدث عليه, فإن شاء قوّم عليه, وإن شاء تماسك بنصيبه ومضى تدبير شريكه في حصته, وإن شاء قاواه فيه, فإن صار لمن دبر كان جميعه مدبرا, وإن صار للمسترق كان رقيقا كله. قال في كتاب العتق وكانت المقاواة عند مالك ضعيفة ولكنها شيء جرت في كتبه وقد أفتى مالك مرة بخلاف هذا فقال: إن دبر حصته قوم عليه. وذكر ابن حبيب عن مطرف في كتاب عتق الشريكين مثل ما قال ابن القاسم: إن شاء قاواه أو قوّم عليه [60/ب. ص] أو تماسك بنصيبه, وقاله أصبغ/. وسواء كان المدبر مليئا أو معدماً. وروى أيضا عن مطرف وابن الماجشون في كتب العتق الأول في الشريك يدبر حصته بإذن شريكه أو يغير إذنه: ليس لشريكه الرضا بذلك ويتمسك بنصيبه, ولا بد من المقاواة وبه أخذ ابن حبيب. وكذلك روى ابن المواز عن أشهب عن مالك: وإن كان الذي جبر عديماً تقاوياه, فإن رقع عليه بيع من نصيب صاحبه.
م: يريد فما عجز عنه أتبع به, ولا يباع من نصيبه الذي دبر شيء, وقال ابن القاسم: لا مقاواة فيه. قال سحنون في العتبية: إذا دبر أحدهما ولا مال له فقد اختلفوا فيه وقولي: إن تدبيره باطل إن لم يرض شريكه؛ لأن المدبر لو قال: أقاويك, قيل له: فإن وقع عليك لم تجد ما تغرم, وليس كمن أعتق ولا مال له هذا يعتق عليه ما أعتق؛ لأن هذا ينتهي إلى عتق ناجز, والآخ لا يدري هل ينتهي إلى ذلك مع عاجل الضرر به. ابن المواز قال ابن القاسم: ولو أراد المتمسك مقاواة المعدم على أن يبيعه إن وقع عليه لكان ذلك له, ولو قاواه ولا يعلم بعدمه ثم علم بعدمه, بعد أن وقع عليه فله فسخ المقاواة. وقال أصبغ: لا يفسخ ويباع منه كله قدر ما عليه وما بقي كان مدبرا, كمن دبر وعليه دين, وهذا القياس, وأما الاستحسان: فلا يباع له إلا قد ما باع. قال ابن المواز: ولو رأيت ما قال لرأيت ألا يباع إلا جزء صاحبه, فما عجز أُتبع به وهو أحب إلىّ, وأما رضا الشريك بترك التقويم فلم أر له فيه حجة إلا أن مالكا قاله. وقال أشهب: لا بد من المقاواة دبّر بإذنه أو بغير إذنه. وقاله مالك في الذي دبر شريكه حرفاً بحرف.
م: وتحصيل اختلافهم في تدبير أحد الشريكين نصيبه: قول: أن يقوّم عليه. وقول: أنه يقاويه. وقول: إن الشريك مخير بين أن يتمسك بنصيبه أو يقوّم عليه أو يقاويه. واختلف في مقاواته في عدمه: فقيل: يقاويه وإن كان عديماً فإن صار على المدبر بيع عليه نصيب شريكه, فما عجز عنه أتبع به. وقيل: لا مقاواة في هذا وتدبيره باطل إلا أن يشاء أن يقاويه, فإن صار عليه أتبعه بذلك, ولو قاواه ولم يعلم بعدمه ثم علم بعد أن صار على المدبر؛ فله فسخ المقاواة. وقيل: لا يفسخ ويباع منه كله بقدر ما عليه وما بقي كان مدبرا. قال ابن حبيب عن مطرف: وتفسير المقاواة إذا حكم بها: أن يقام العبد قيمة عدل؛ فيقال للذي لم يدبر: أتزيد على هذه القيمة أو تسلمه بها إلى المدبر, فإن زاد قيل للذي دبّر: أتزيد أو تسلمه؛ هكذا حتى يصير إلى أحدهما وقال ابن الماجشون وأصبغ. قال ابن سحنون عن أبيه: وإذا شاء المتمسك أن يلزمه للذي دبّر بالقيمة يقوّم عليه فإنه يصير جميعه مدبرا بالتقويم دون استئناف حكم ثاني.
وقال ابن الماجشون: لا يكون النِّصف المقوم مدبرا إلا بحكم جديد, وخالفه سحنون وقال: قد اجتمعنا في العتق أنه بالتقويم حر, ولا فرق بين ذلك واعتّل عبد الملك: أنه لو دبّر نصف عبده فلا يكون نصفه الآخر مدبرا إلا بحكم. قال سحنون: وكذلك نقول في العتق: إن من أعتق بعض عبده لا يعتق عليه بقيته إلا بحكم, فكذلك التدبير حكم تدبير بعض عبده وعتق بعضٍ سواء, وذلك بخلاف تدبيره [وعتقه لشقص له في عبده]. قال سحنون: وإذا مات الذي [61/أ. ص] لم يدبّر فيشاء ورثته مقاوة الذي دبّر؛ فذلك لهم إلا أن يكون الميت علم بتدبير صاحبه السنين وما يرى أنه تارك للقيام فلا مقاواة للورثة بخلاف العتق. م: وهذا على قوله: الشريك مخيرٌ, وأما على قوله: لا بد من المقاواة, أو لا بد من التقويم, فللورثة القيام عليه وإن طال, لأن ذلك حق للعبد والله أعلم. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كان عبد بين ثلاثة فدبر أحدهم نصيبه, ثم أعتق الآخر, وتماسك الثالث؛ فإن كان المعتق مليئاً قوّم عليه حظ شريكه وعتق عليه جميعه, وإن
كان المعتق معسراً فللمتمسك مقاوة الذي دبّر إلاّ أن يكون العتق قبل التدبير والمعتق عديم, فلا يلزم الذي دبر مقاواة/ المتمسك, إذ لو أعتق بعد عتق المعدم لو يقوّم عليه وإن كان مليئاً. قال مالك: ولا بأس أن يدبّر أحد الشريكين نصيبه بإذن شريكه وإنما الحجة للذي لم يدبر فإذا رضي بذلك جاز ويكون نصف العبد مدبرا ونصفه رقيقا. قال ابن القاسم: وللمتمسك بيع حصته إذا بين أن نصفه مدبر وليس على المبتاع مع الذي دبّر مقاواة. قال مالك: زإذا دبّر رجلان أمة بينهما؛ جاز التدبير وهي مدبرة بينهما. قال ابن القاسم: وكذلك لو دبّرها أحدهما ثم دبّرها الآخر بعده؛ فهذا لا شك فيه أنه جائز, ولو دبّراها معاً ثم مات أحدهما: عتقت حصته في ثلثه, ولا يقوّم عليه نصيب صاحبه, فإن كان ثلثه لا يحمل حصته منها عتق منه ما حمل الثلث ورقَّ باقيه لورثته, وليس للورثة مقاواة الشريك, ثم إن مات السيد الثاني عمل في نصيبه كالأول. قال: ولو دبّر أحد الشريكين حصته ثم أعتق الآخر نصيبه, أو أعتق أحد الشريكين حصته من مدبر بينهما؛ قوّم على المعتق حصة شريكه قيمة عبد؛ لأن ذلك التدبير قد انفسخ, وقاله جميع الرواة؛ لأنه صار إلى أفضل مما كان فيه, ولأن الدّين كان يرده وعتقه
من الثلث, وربما لم يكن لسيده ثلث, وكذلك في المختصر الكبير قال فيه: وقد قيل: لا يعتق ولا يغيّر عن حاله؛ لأن ذلك بيع الولاء, والأول أحب إلينا. قال ابن سحنون قال سحنون وعبد الملك والمغيرة: ولو أعتق أحد الشريكين نصيبه من العبد ثم دبّر الآخر بعده: فإن نصيب المدبِّر يعتق عن الذي دبّر؛ لأنه لم يكن له إلا أن يعتق ناجزا أو يقوّم, فلما ترك التقويم لزمه نجاز العتق, قال: ولو تداعيا؛ فقال المدبر: أنا دبرت أولاً, وقال المعتق: بل أنا الأول, فالمعتق مدعى عليه وعلى صاحبه البينة, وعلى المعتق اليمين؛ فإن نكل حلف المدبر لقد دبّر أولاً ووجبت له القيمة على المعتق, فإن أبى أن يحلف فلا شيء له, ويعتق عليه نصيبه, ولو كانا ببلدين ولا علم عند أحدهما يدعيه ولا بينة للأول فلا شيء للمدبر على الآخر, ويعتق على المدبر حصته كنكوله عن اليمين. قال ابن سحنون وهذا على مذهب من ذكرنا, وأما مالك وابن القاسم: فإن على المعتق القيمة للمدبر؛ لأنه: إن كان العتق أولاً؛ فالتدبير بعد عتقه باطل ويقوم على المعتق, وإن كان التدبير أولاً؛ قوّم على المعتق بعده أيضاً, فعلى المعتق القيمة بكل حال علم ذلك أو جهل. م: وهو مذهب المدونة. ومن المدونة قال مالك: ويقوّم المدبر على المعتق قيمة عبد, وكذلك إذا جرح أو قتل أو أصابه ما يكون له عقل, فإنه يقوّم قيمة عبد وكذلك تقوم أم الولد والمعتق [61/ب. ص] إلى أجل في جراحهم وأنفسهم قيمة عبد.
في بيع المدبر وهل يرهن أو يكاتب وقد تقدم في الباب الأول الحجة في منع بيع المدبّر وهاهنا بقيتها. قل سحنون: وقد تأكد منع بيعه عند السلف من الصحابة والتابعين, ولقد جعله مسروق والشعبي: من رأس المال, وأهل العراق: لا يرون بيعه بعد الموت في الدَّين ولكن يعتق ويسعى في قيمته. قيل: فما ذكر عن عائشة أنها باعت مدبرة لها سحرتها, وأمرت أن تباع من أشرّ أهل بيت في العرب, قيل: لا حجة في هذا؛ لأن الحادث الذي فعلته من السحر يوجب قتلها فكيف بيعها, ولا نجد عن أحد من السلف إجازة بيعه لغير حادث ولا يعتبر بمثل هذا ما تأكد واستوطئ من منع بيعه في صدر هذه الأمة. وقد طلب عمر رد المدبرة التي باعت عائشة فلم يجدها فأخذ الثمن منها فاشترى به جارية فجعلها مكانها مدبرة. وذكر العتبي عن ابن القاسم عن مالك عن أبي الرجال
عن عمرة عن عائشة أن جارية لها مدبرة, وأن سِنْدِياً دخل عليها وهي مريضة/ وأنه قال: إنك سحرت, قالت له: من سحرني؟ قال جارية في حجرها صبي, وقد بال عليها, فدعت جاريتها فقالت: حتى أغسل بولاً في ثوبي, فقالت سحرتني؟ قالت: نعم, فقالت: وما دعاك إلى ذلك؟ قالت: أردت تعجيل العتق, فأمرت أخاً لها أن يبيعها من الأعراب ممن يسيء مملكتها, فباعها, ثم إن عائشة أريت في النوم أن اغتسلي من ثلاثة آبار تمد بعضها بعضاً فاستسقي لها فاغتسلت به فبرئت.
ومن المدونة قال مالك: ولا يباع المدبر في حياة سيده في فلس ولا غيره إلاّ في دين قبل التدبير, كما يباع المعتق في دين قبل العتق. قال: ويباع بعد الموت إذا اغترقه الدين كان التدبير قبل الدين أو بعده. قال مالك: ولا بأس أن تأخذ مالاً على أن تعتق مدبرك وولاؤه لك, ولا يجوز لك أن تبيعه ممن يعتقه. سحنون قال ابن شهاب وعمرو بن شعيب: لا يباع المدبر إلا من نفسه. ابن المواز قال مالك: وإذا أفسدت المدبرة بالزنا وكثرة الأباق فلا تباع وإن رضيت, وإن كان يبدل غيرها ولتؤدب على ذنوبها. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا بيع المدبر ففسخ البيع وقد أصابه عيب مفسد بيد المبتاع؛ فعليه ما نقصه. وقد قال مالك: فيمن باع مدبره فمات بيد المبتاع: فمصيبته من المبتاع, وينظر البائع إلى الثمن الذي قبض فيه فيحبس منه قدر قيمته أن لو كان يحل بيعه [123/ب] على رجاء
العتق له, وخوف الرق عليه, كمن استهلك زرعا لم يبدُ صلاحه فيغرم قيمته على الرجاء والخوف, فما فضل بعد ذلك بيد البائع فليشترِ به رقبة يدبرها. قال ابن القاسم: فإن لم يبلغ أعان به في رقبة. قال سحنون: بل يرجع المشتري عليه بذلك. م: يريد إذا لم يعلم المشتري بأنه مدبر؛ لأن ذلك عيب به, فإن علم أنه مدبر فلا يرجع بشيء, وقاله بعض فقهائنا. قال ابن القاسم: فإن أعتقه المشتري فجميع الثمن سائغ لبائعه لانفساخ التدبير بالعتق الأقوى أن المدبر إذا قتل أن لربه قيمته عبدا؛ لانفساخ التدبير فإذا باعه فأعتقه المبتاع أنفذ العتق في أحد قولي مالك, وولاؤه للمبتاع, وكذلك ينتقض تدبير المدبرة تباع فيولدها المبتاع [وتصير أم ولد له] ولا يرجع بشيء. ابن المواز قال مالك وابن القاسم وأشهب: لا يرجع المشتري [62/أ. ص] على البائع [بشيء إذا أعتقه علم أنه مدبر حين اشتراه أو لم يعلم. قال مالك وليس على البائع في ثمنه شيء ولو مات عند المبتاع] إذا جعل ما بين قيمته مدبرا على غرره, وقيمته عبدا في رقبة يدبرها. وله قول آخر في المختصر الكبير: يجعل ثمنه كله. م: فصار إذا باعه فمات بيد المبتاع أربعة أقوال:
قول: أن البائع يحبس من ثمنه قدر قيمته على الرجاء والخوف فما فضل جعله في رقبة يدبرها, فإن لم يبلغ أعان في رقبة. وقول: بل يرجع عليه المشتري بذلك. وقول: إنما يجعل ما بين قيمته مدبرا وبين قيمته عبدا في رقبة يدبرها. وقول: بل يجعل الثمن كله. ابن المواز قال ابن القاسم: فإن عمى خبره فلا يدري أمات أو عتق فليجعل ثمنه كله في مدبر. قال أصبع وهو استحسان, وهو القياس عندي: إذا ستقصى أمره فأيس منه أُنزل بمنزلة الموت كما تعتد امرأة المفقودة عدة الميت دون الحي. [قال محمد بن المواز]: وهذا غلط وقد طلب عمر ردّ التي باعت عائشة فلم يجدها فأخذ الثمن فجعله في مدبره مكانها. قال: وإذا لم يعلم بيع المدبر حتى مات سيده فإن كان عليه دين محيط لم يردّ ومضى بيعه, وإن كان لا دين عليه رُدّ فإن لم يدع غير ثمنه أعتق ثلثه, وللمبتاع رد الثلثين لضرر العتق فيه إلا أن يكون علم يوم الشراء أنه مدبر فلا حجة له. م: ذكر عن الشيخ الفقيه أبي عمران في المدبر إذا باعه وغاب عليه المشتري فجعل ثمنه في عبد آخر ودبّره ثم أتى المدبر الأول؛ فإنه ينقض فيه البيع, ويبقى على تدبيره, ويغرم الثمن لمشتريه ويمضي التدبير في العبد الثاني لفوته بالتدبير كالهدي الواجب يضل
عن صاحبه فيبدله غيره ويشعر الثاني ثم يجد الأول قبل/ نحر الثاني؛ أنهما ينحران جميعاً ولا يرجع في واحد منهما فكذلك هذا. م: قال إذا باع المدبر فمات بيد المبتاع فليجعل فضلة ثمنه في عبد يدبره وإذا غاب خبره فليعجّل ثمنه كله, فالفرق: أن الذي مات قد علمنا أنه كان ممن لا يدركه شيء من العتق لانفساخ تدبيره بموته قبل سيده, وإنما رأى أن يجعل فضلة الثمن في مدبر؛ لأن ذلك كعضو بقي منه والذي غاب عنه لم ينفسخ تدبيره إذ لعله حي ونحن لا نقدر عليه اليوم فلم يكن بُدّ من أن يجعل ثمنه كله في مدبر, كالهدي يبيعه ويغيب عنه, والفرق بين المدبر يبيعه فيموت فيجعل فضلة الثمن في مدبر وبين المكاتب يبيعه فيسوغ له جميع الثمن؛ أن المكاتب له تعجيز نفسه إذا لم يكن له مال ظاهر, وتنفسخ كتابته فرضاه ببيعه رضا منه بالعجز فساغ لسيده ثمنه, والمدبر ليس فسخ تدبيره, ولا يجوز رضاه رقبته فاقترفا. ابن المواز وقال ابن القاسم: وإن باعه الورثة بعد موت السيد بعرض أو غنم فليرد ويعتق في الثلث إن حمله, ويأخذ المبتاع عرضه أو غنمه إلا أن يتغير ذلك في سوق أو بدن فيأخذ قيمة ذلك ولو ولدت الغنم فذلك فوق يوجب فيها القيمة, ولو مات المدبر بيد المشتري أو أعتقه وقال السيد: مأمون, فليرد للورثة قيمة العرض في فوته؛ لأن المدبر تمت حريته بموت السيد, وإن لم يكن ماله مأمون فمات المدبر بحدثان بيعه قبل النظر في مال
الميت فهو من المبتاع [62/ب. ص] , وينفذ بيعه, وإن مات بعد زمن من شرائه وقد عرف أنه كان يخرج من ثلثه فمصيبته من الورثة, ويأخذ المشتري قيمة عرضه, وإن خرج بعضه في الثلث؛ رجع بقدر ذلك ومصيبته ما رقّ منه المشتري. قلت لمحمد: فإن قلت لرجل عليّ رقبة أعتقها فباعني مدبر وكتمني تدبيره فأعتقه ثم علمت بتدبيره, قال: قد اختلف في عتق المدبر عن رقبة واجبة إذا اشتراه: قال ابن القاسم: يجزئه من الرقية الواجبة, والولاء له ولا يرجع بشيء. وقال أشهب: لا يجزئه من الرقبة الواجبة, وإن لم يعلم أنه مدبر حتى أعتقه وينفذ عتقه ولا شيء له على البائع. وقال محمد: وهو الصواب أن يجزئ في عتقه عن الرقاب الواجبة بأن قد انتقض تدبيره بالعتق وصار الولاء لمشتريه. قال: من باع مدبرا أو مكاتبا بشرط على أن يعتقه؛ ردّ ما لم يفت بالعتق فإن عتق نفذ عتقه, والولاء للبائع؛ لأنه اشترط عتقه وهو الذي عقد تدبيره وكتابته. قلت: فإن جهل فباع رقبة المكاتب ولم يشترط عتقه فأعتقه المبتاع؛ فقال ابن القاسم وأشهب: يمضي عتقه, قال ابن القاسم: والولاء للمشتري, وقال أشهب: إن بيع بعلم المكاتب ورضاه على أنه عبد فالولاء للمشتري؛ لأنه ذلك صار من المكاتب رضي بالعجز, وإن لم يعلم فولاؤه للسيد الذي عقد كتابته. وقال عبد الملك: بل أراد بيعه وأنقض عتقه وأرده على كتابته لسيده.
ابن المواز: ومن وهب رقبة مدبره لرجل وحازه في صحة سيده, ثم مات السيد ولا مال له غيره؛ فإنه يعتق ثلثه, ويرق ثلثيه للموهوب له أو ما رقّ له منه. ورواه ابن حبيب عن ابن القاسم قال: وكذلك لو تصدق به على ابن له كبير جائز الأمر, وحازه في صحة أبيه, ولو كان الابن صغيرا؛ لعُتق ثلثه, ورُقّ ثلثاه للورثة, ولا تكون حيازة الأب له في مثل حيازة؛ لأنه فعل في المدبر ما لا يجوز له, ولأنه لو تصدّق على ابنه الكبير فحاز الصدقة ثم قام غرماؤه فقالوا: الدين قبل الصدقة فإن على الغرماء البينة, ولو كان على ابنه الصغير كان الدين أولى بها حتى يعلم أنها قبل الدين قاله مالك. قال أصبغ: إذا أشهد على حيازة ذلك لهم فهم كالابن الكبير وهم أحق بالصدقة حتى يعلم أنها كانت بعد الدين وقاله مطرف وابن الماجشون/. قال ابن القاسم: وإذا علم بصدقة مدبر على أجنبي أو ولد في حياة السيد فليرد ذلك وإن قبض. قال أصبغ: فليرد ذلك ولا تبقى له فيه خدمة, ولا خدمة ما عسى أن يرق منه بعد الموت, وكذلك لو وهب رقبة المكاتب أو المعتق إلى أجل لرُّد إذا عُثر عليه في حياة المتصدق, ولا شيء له في كتابة ولا خدمة, وقد قيل: إن المتصدق عليه أولى بذلك كله.
م: يريد بما رقّ منه بعد الموت, [وكذلك لو وهب رقبة المكاتب والمعتق إلى أجل] ولست أقوله؛ لأنه ليس الذي تصدق المتصدق فإن رددناه لوجه أجمع, وإن أجزته كانت عطيته لما بعد الموت على غير وصية. قال أصبغ: فإن لم يعثر على هذا حتى مات السيد؛ فليعتق في ثلثه, فإن لم يسعه فما رق منه لورثته دون المعطى إذ لا يجوز أن يعتق بعضه في ثلث سيده وباقيه لغير ورثته, وكذلك لو كان باعه فلا خيار للمشتري في أن يتماسك بما رقّ منه بحصته من الثمن, وقال ابن القاسم: إن المتصدق عليه [63/أ. ص] والمشتري أولى بما رقّ منه. والقول الأول الذي اخترته قول ابن الماجشون والمغيرة ومطرف. قال أصبغ: ولو كان الميت المتصدقّ به عليه وقد أوصى بعتقه فلا عاتق له ولا وصية له فيه, وإن خرج من ثلثه وليرد مدبر إلى سيده ولو أعتقه في صحته لم يجز ذلك أيضا وردّ, بخلاف أن لو ابتاعه فأعتقه, أو أوصى بعتقه, يعتق في ثلثه أو بعضه, فهذا يمضي ويردّ ما بقي للبائع, وهذا قد ضمنه بالشراء, وللناس في بيعه اختلاف ولم يقل فيما علمت في الصدقة: إن أعتقه المتصدق عليه؛ أنه يجوز عتقه.
م: والقياس أنه إذا أعتق بوجه ماء, أن يجوز عتقه؛ لأنه صار إلى الحرية فلا يرد إلى الرقّ لأمر قد يلحقه أو لا يلحقه والله أعلم. قال ابن المواز: إذا وهب مدبرة ثم مات السيد وعليه دين استحقه بعد الهبة؛ فهو رقٌ للموهوب إن أحاط به الدين, أو ما رقّ منه إن لم يحط به الدين, ولو كان الدين قبل الهبة كان أهل الدين أولى به, يباع لهم. ولو كان عليه دين قديم ودين مستحدث: فقال أشهب: لو كان الدين القديم [درهماً والدين المستحدث] يغترق بقيته؛ لبيع كله لسبب الدين القديم, والذي نأخذ به: ألاَّ يباع منه إلا قدر الدين القديم وحده وهو قول ابن القاسم وأصبغ. م: يريد: يباع منه بقدر الدين القديم ويدخل فيه معهم الآخرون ثم لا يباع منه شيء ويرد باقية للموهوب له عند ابن القاسم. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا تُمهر مدبرتك لزوجتك؛ لأن ذلك بيع وبيعها لا يجوز.
م: قال بعض فقهائنا: إذا تزوج امرأة بمدبر فالنكاح صحيح, ويرد إلى سيده, وترجع عليه بقيمته عبدا, كما لو استحق ذلك, وكذلك لو عثر على ذلك بعد موت السيد وثلثه يحمله فإنه يعتق وترجع عليه بقيمته عبدا, وإن لم يترك غيره عتق ثلثه ورجعت عليه بثلث قيمته, وخيّرت في إمساك ما رق منه أو رده ورجعت بقيمته جميعاً, هذا على قول من قال: إذا بيع ولم يعلم المشتري حتى مات سيده, ولم يحمله ثلثه, فللمشتري إمساك ما رقّ منه بحصته من الثمن, وإن علمت المرأة أنه مدبر فسد النكاح وفسخ قبل البناء ويثبت بعده, ولها صداق المثل؛ لأن فساده في صداقها, وإن عثر على ذلك بعد الدخول أو بعد موت السيد كان للزوجة صداق المثل, وعتق في ثلثه, وإن كان عليه دين يغترقه فأمسكته المرأة لأجل صداقها فيدخله الاختلاف في الذي اشترى عرضت شراء فاسدا ففلس البائع وطلب المشتري إمساك العرض في الثمن الذي دفع فيه فكذلك هذه المسألة. ومن المدونة: ولا بأس برهن المدبرة في قول مالك؛ لأن ذلك لا ينقصها من عتقها, وإن مات سيدها فيكون المرتهن بعد موت السيد أحق بها من الغرماء, فإن لم يدع غيرها بيعت للمرتهن في دينه؛ لأنه قد حازها, ولو لم يحزها أو لم تكن رهناً بيعت لجميع الغرماء.
فصل قال مالك: ولا بأس بكتابة المدبر فإن أدى عتق وإن مات السيد وله مال يخرج قيمة العبد في ثلثه انتقضت الكتابة وعتق/ بالتدبير إذا حمله الثلث, ويقوّم بماله في الثلث, ولا يؤخذ ماله في العتاقة, فإذا أعتق سقط سقط عنه باقي الكتابة, وإن لم يحمل الثلث رقبته, عتق منه محمل الثلث, وأُقِر ماله بيده [63/ب. ص] , ووضع عنه من كل نجم عليه بقدر ما عتق منه, وإن عتق نصفه وضع عنه نصف كل نجم بقي عليه, وإن لم يدع فيره عتق ثلثه ووضع عنه ثلث كل نجم بقي عليه, ولا ينظر إلى ما أدى قبل ذلك ولو لم يبق عليه إلا نجم واحد لعتق ثلثه وحط عنه ثلث النجم وسعى في بقيته, فإن أدى خرج جميعه حرا. قال: وإن اغترق الدين قيمة جميع رقبته كان كمكاتب تباع كتابته للدين؛ يعني: إذ لا فضل فيها, ولو كان فيها فضل: بيع منها بقدر الدين. قال: وإن أدى فولاؤه لعاقدها, وإن عجز رقّ لمبتاعه, وإن اغترق الدين بعض الرقبة؛ بيع من كتابته بقدر الدين ثم عتق من رقبته بقدر ثلث ما لم يبع من كتابته وحط عنه من كل نجم ثلث ما لم يبع من ذلك النجم, فإن أدى فولاؤه للميت, وإن عجز بقدر ما بيع من كتابته يرق لمبتاعه من رقبته وباقي رقبته بعد الذي عتق منه لورثته.
ومن كتاب ابن المواز: فإن كان عليه دين محيط برقبته وفي الكتابة فضل, سقط التدبير, وثبتت الكتابة, وبيع منها بقدر الدين, ثم عتق ثلث ما بقي, ويسقط من الكتابة بقدر ذلك. م: إذا لم يكن في الكتابة فضل وثمنها كثمن الرقبة فلتُبع كتابته لعله يعتق بأدائها ولا يتعجّل رقة ببيع الرقبة من غير فائدة الغرماء. قال ابن القاسم: وإن كان الدين محيط بالكتابة وحدها وفي الرقبة فضل, فقيل: لا بد من تعجيزه حتى يباع من رقبته بقدر الدين ثم يعتق ثلث ما بقي. وقال ابن القاسم: يترك على كتابته يؤديها لأهل الدين على نجومه, فإن أدى عتق وإن عجز عتق عنه ثلث ما فضل بعد قضاء الدين وقاله أصبغ. م: وإنما يترك مع كتابته عند ابن القاسم إذا كان في عدتها كفاف الدين فأزيد, وأما إن نقصت عن الدين فلا بد من تعجيزه عند ابن القاسم وإن لم يكن في ثمن الرقبة إلاّ كفاف الدين لحجة الغرماء عن نقص دينهم. [م: وقول الغير أبين إذ لا يلزم الغرماء تأخير دينهم]. م: قال بعض فقهائنا القرويين: لو كان الدين يغترق من الرقبة نصفها ومن الكتابة ثلاثة أرباعها فهي كمسألة محمد, فعلى قول غير ابن القاسم: لا بد من تعجيزه حتى يباع نصفه ويعتق نصفه خير من أن يباع ثلاثة أرباع كتابته فإن عجز رقّ ثلاثة أرباعه
وعتق ثلث ربعه الباقي, فعِتْق ثلث نصف أولى من عتق ثلث ربعه, وعلى قول ابن القاسم: لا يباع منه شيء, ويبقى على نجومه, فإن عجز كان كمدبر لا كتابة فيه, فيباع منه بقدر الدين, ويعتق ثلث ما بقي, قال: وإنما يباع من كتابته بقدر الدين عند ابن القاسم إذا كان الدين يغترق من الكتابة بقدر ما اغترق من الرقبة أو أقل. فصل قال ابن المواز: وإن كان المعتق إلى أجل ثم أفلس وعليه دين يحيط بأضعاف قيمته فلا تباع كتابته ولكن يؤديها إلى الغرماء, فإن أداها قبل الأجل عتق, فإن حل الأجل قبل أدائها عتق وسقط ما يبقى عليه. قال ابن المواز: ولا يباع من هذا ولا من كتابته شيء؛ قلّ الدّينُ أو كثر, فإن أدى الدّين وبقيت من الكتابة بقية لسيده أو لورثته, وإن حل الأجل قبل وفاء الدّين ووفاء الكتابة عتق وسقط باقي الكتابة وبقي على سيده بقية دينه. قال أحمد بن ميسر: وهذا إذا كان العتق قبل الدين. قلت [64/أ. ص]: أرأيت إن أعتق عبداً إلى أجل ثم دبّره, أو دبر قَبْلُ ثم أعتقه إلى أجل, قال: ذلك جائز لازم, قلت: فإن مات السيد قبل الأجل ماذا يقوّم منه في ثلث سيده أرقبته أم خدمته بقية الأجل؟ قال: بل خدمته بقية الأجل, وقد قيل: إن كان التدبير
قَبْلُ قُوّمت رقبته وليس بشيء؛ لأن هذا القول يستوعب ثلث الميت في عتقه وما عجز منه فهو/ من ثلثي الميت فهو يعتقه إلى تمام الأجل فيظلم الورثة. والصواب من ذلك إن شاء الله: ألاّ يقوّم في ثلث الميت مالا يملك, ألاَ ترى أن لو كان على السيد دين يحيط به لم يزل العتق إلى أجل فإن كان التدبير قَبْلُ ولم يكن له من رقبته شيء يباع له في دينه وينقض التدبير الدين [ولم ينقض عتق الأجل, وكان للغرماء خدمته فقط إلى الأجل, وليس للميت مال غير خدمته كان التدبير] قبل أو العتق إلى أجل, وإن كان معتقاً إلى أجل ثم فلس أو مات وعليه دين يحيط برقبته أدانه بعد عتق الأجل فلا تباع كتابته, وليؤدّها للغرماء على النجوم, فإن أدى الدين أدى ما بقي للورثة, وإن أداها قبل الأجل خرج حرا مكانه وقضى الدين أو ما بقي منه منها, وإن لم يؤدَّ حتى حل الأجل؛ عتق وسقط عنه ما بقي منها ولم يتبع بشيء من دين سيده عتق بالأداء أو بمحل الأجل, وإن كان الدين قبل عتق الأجل فالدين أولى به. فصل قال ابن القاسم في المستخرجة: ومن كاتب عبده ثم دبر جعل الثلث الأقل من قيمة الرقبة أو من قيمة الكتابة, وأما من دبر عبده ثم كاتبه فقيمة الرقبة خاصة. م: وإنما كان ذلك فلأن السُّنة في المدبر إذا لم يكاتبه أن يجعل في الثلث الأقل من قيمة الرقبة أو من قيمة الكتابة التي يملك منه قبل التدبير وإنما هو عبد أوجب له على نفسه عتقا بعد الموت فهو كالموصى بعتقه فإذا أدخل عليه الكتابة لم ينقله عما كان وجب
فيه, أَلاَ ترى أنه إن عجز عاد كما كان, وأما إن كاتبه أولاً فقد صار بعقد الكتابة لا يملك منه شيئا متقرر إذ قد يعجز فيملك رقبته أو يؤدي فتصح له كتابته, فتارة تصح له الرقبة, وتارة الكتابة, فإذا دبّره جعل في الثلث الأقل مما كان قد يصح له ملكه, وإنما جعل الأقل احتياطا لحرمة العتق فصار تدبيره إياه كإيصائه بعتقه, وهذا إذا كانت الكتابة في الصحة ثم دبر بعد هذا في صحة أو مرض, وأما إن كاتبه في مرضه ثم دبره فيه فهاهنا يجعل في الثلث قيمة الرقبة؛ لأن الكتابة في المرض إذا لم تقبض إنما يجعل في الثلث قيمة الرقبة, قال ابن القاسم؛ لأنها من ناحية العتق, وفي التدبير أيضا يجعل قيمة الرقبة فاتفقا, فلذلك جعل قيمة الرقبة وبالله التوفيق. م: وقال ابن المواز بل ذلك سواء, بدأ بالتدبير أو بالكتابة, لا يقوّم إلا بأقلها؛ لأن من أوصى بعتق مكاتبه إنما يجعل في الثلث الأقل من قيمة رقبته أو من قيمة كتابته, فلا فرق بين أن يوصي بعتق مكاتبه ولا بين أن يدبره, والتدبير في المكاتب أولى. م: وهذا أبين. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا بأس أن يكتب الرجل عبده مع مدبره كتابة واحدة, فإن مات السيد: مضت الكتابة على قدر قوتهما [64/ب. ص] على الأداء يوم الكتابة, ويعتق المدبر في الثلث, وتسقط حصته عن صاحبه, ويسعى العبد في حصته وحده, ولا يسعى المدبر معه؛ لأنه إنما دخل معه على أن يعتق بموت سيده, فلا حجة له؛
ولأن السيد لم يعتقه بأمر يبتدئه بعد الكتابة, إنما عتق عليه لزمه على ما أحب صاحبه أو كره, [فصار عيباً] , ولا يجوز أن يضمن حر كتابة مكاتب وذلك بخلاف عتق السيد لأحد العبدين في كتابة إذا لم يعقد على هذا, وإن لم يحمل المدبر الثلث عتق منه محمله وسقط عنه من الكتابة بقدر ذلك, وسعى هو وصاحبه في بقية الكتابة, ولا عتق لواحد منهما إلا بصاحبه, فإن عتقا رجع من أدى منهما أكثر على صاحبه بما أدى عنه إلاَّ أن يكون ذوي رحم لا يملك أحدهما الآخر فلا يتراجعان بشيء. وقال أشهب: لا يجوز أن يكاتب عبده مع مدبره كتابة واحدة؛ لأنه يؤول إلى خطر, ألاَ ترى أن الكتابة منعقدة عليهما لم يجز أن يعتق أحدهما؛ لأنه إذا أعتق أحدهما كان في ذلك وفاء لصاحبه؛ لأن بعضهم حملا عن بعض. قال ابن القاسم: ولو كاتب عبدين له كتابة واحدة ثم دبر أحدهما فإن أديا عتقا, وإن عجزا لزم السيد تدبير من كان دبّر, وإن مات السيد قبل عجزهما والمدبر يحمله الثلث وهو قوي على/ السعي حين مات السيد لم يعتق إلا برضا أصحابه, كما لو ابتدأ عتق أحد المكاتبين, وإن كان المدبر زَمِنَا يوم مات السيد؛ عتق في الثلث, ولا يوضع عن أصحابه من الكتابة شيء؛ لأن مالكاً قال فيمن لا قوة فيه من المكاتبين من صغير أو زمِن إذا أعتقه السيد: جاز عتقه وإن كره أصحابه, ولا يوضع عنهم من الكتابة شيءٌ, وفي المكاتب إيعاب هذا.
في وطء المدبرة بين الشريكين, وتدبير حمل الأمة, وردة المدبر قال مالك: ولو أن مدبرة بين رجلين وطأها أحدهما فحملت؛ فإنها تقوّم عليه, وتصير أم ولد إذ ذلك آكد لها. قال سحنون: وقاله جميع الرواة. قال غيره: فإن كان الواطئ معسراً؛ خير شريكه بين إتباعه بنصف قيمتها وتصير له أم ولد, وبين التماسك بحصته وإتباعه بنصف قيمة الولد يوم استهلاله, ثم لا قيمة عليه إن أيسر؛ فإن مات الواطئ عديماً عتق عليه نصيبه من رأس ماله؛ لأنه بحساب أم ولد, وبقي نصيب المتمسك مدبراً, وإن مات الذي لم يطأ وقد كان تماسك بنصيبه وعليه دين يَرُّد التدبير, بيعت حصته للدّين, فإن ابتاعها الواطئ ليسر حدث له حل له وطؤها, ثم إن مات بعد ذلك فنصفها عتيق من رأس المال, والنصف الذي اشترى رقيق للورثة. وقال مالك في المختصر الكبير: إذا وطأها أحدهما فحملت؛ قوّمت عليه, وقد قيل: يقوّم عليه الولد خاصة, وتبقى هي على حالها؛ فإن هلك الذي لم يطأ عتق نصفها في ثلثه, فإن لم يترك وفاء قُوِّمت على الواطئ, وكانت له أم ولد, والأول أحب إلينا. م: قال بعض فقهائنا في قول غيره: ويتبعه بنصف قيمة الولد يوم استهلاله. يريد: وكذلك إن تأخر الحكم حتى كبر الصبي؛ إنما القيمة فيه يوم الاستهلال. وقال في ولد المستحقة: تكون القيمة يوم الحكم.
والفرق: أن وطء الشريك وطء عِدَا [65/أ. ص] فلزمه القيمة حين العدا, فجعلنا القيمة فيه يوم خروجه إذ لا قيمة له قبل ذلك, وولد المستحقة الوطء فيه جائز؛ فإنما تكون فيه القيمة يوم يحكم في استحقاق أمه. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن دبر ما في بطن لم يكن له بيعها, كما لو أعتق ما في بطنها. قال: وله أن يرهنها كما يرهن المدبرة وقاله مالك. م: ذكر عن أبي عمران أنه قال: إنما يرهنها في دين قبل الحرية وقبل التدبير, وأما فيما استحدثه من الدين بعد قوله: ما في بطنك حر؛ فلا يكون له أن يرهنها في ذلك, وإنما تباع بما في بطنها إذا رهقه دين, فأما أن تعرض هو به للبيع فلا, ونحوه عن أبي محمد بن أبي زيد رضي الله عنه. فصل قال ابن القاسم: وإذا ولد المدبر ولحق بدار الحرب ثم ظفرنا به؛ استتيب, فإن تاب وإلا قتل, فإن تاب لم يقسم ورُدّ إلى سيده إن عرف سيده بعينه, وإن جهلوا أنه مدبر حتى اقتسموا ثم جاء سيده فله أن يفديه بالثمن, يرجع إليه مدبراً, وإن أبى خدم من صار إليه في الثمن الذي حسب به عليه؛ فإن أوفى وسيده الأول حي رجع إليه مدبراً, وإن
هلك السيد قبل وفاء ذلك خرج من ثلثه حرا, وأتبع بباقي الثمن, وإن لم يسعه الثلث عتق بما وسع الثلث منه, وأتبع بحصة ما يقع على الجزء العتيق منه من الثمن ورقّ ما بقي لمشتريه؛ لأن سيده أسلمه أولاً ولا قول للورثة فيه. وقال غيره: إن حمله الثلث عتق ولم يتبع بشيء, وإن حمل بعضه لم يتبع حصة البعض العتيق منه بشيء, وكان ما بقي رقيق لمن اشتراه, وإن لحق السيد دين أبطل الثلث حتى يرد عتقه, كان جميعه رقا لمشتريه, وليس ما اشتريت به رقبته كجنايته التي هو فعلها, هذا إذا عتق بعضه أتبع ما عتق منه بما يقع عليه من الجناية؛ لأن ذلك فعله, وذكر محمد عن ابن القاسم: مثل ما ههنا. قال وقال عبد الملك: إنما هذا فيمن اشترى من أيدي العدو, فأما/ من وقع في المقاسم فلا يتبع حصة ما عتق منه بشيء كالحر يقع في المقاسم فلا يتبع وإن باعه العدو أتبع. قال ابن المواز والقول ما قال عبد الملك: وكذلك في المكاتب والمعتق إلى أجل؛ لا يتبع إلا فيما يتبع به الحر. وقد تقدم كثير من هذا في كتاب الجهاد. [م: أبو إسحاق: ولو كان سيد المدبر هو الذي ارتد ولحق بدار الحرب؛ لوجب أن يبقى مدبره وينفق عليه من ماله, فإن لم يكن له مال استؤجر وأنفق عليه من إجارته, فإن لم تكن له إجارة وخيف عليه ولم يوجد من ينفق عليه لا نبغي أن يعتق إذا لم يمكن بيعه, كما
لو كان سيده حاضر فعجز عن نفقته أو عن نفقة أم ولده, ولم يكن في إجارته ما يفي بنفقته لوجب عتقه وعتق أم ولده؛ لأن بقاءهما من الضرر بهما ولا يقدر على بيعهما]. م: جعل ابن القاسم: إباقة إلى دار الحرب كجناية فعلها إلا في قوله: إذا لم يحمله الثلث رقّ ما بقي منه لمشتريه؛ لأن سيده أسلمه إليه. وقال في كتاب الجنايات: في هذا يخيّر الورثة فيما رقّ منه بين إسلامه رقاً للمجني عليه وافتكاكه بحصة ما يقع عليه ويكون رقاً لهم. وحكى عن بعض فقهائنا القرويين أنه قال: يحتمل أن يكون الفرق بينهما أن المشتري في مسألة كتاب [65/ب. ص] المدبر دخل في الأصل على مالك رقبته فلما اعترفه سيده وأسلمه له فقد أجاز له ما دخل عليه فيما قد يرق منه, وفي مسألة كتاب الجنايات إنما أسلم السيد إلى المجني عليه خدمته وعلى أنه إن أعتق في الثلث أتبع, وإن رقّ منه شيء خيّر الورثة في ذلك. م: هذا معنى قوله, وزدت فيه من لفظي.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن دبّر عبيده ثم ارتد السيد ولحق بدار الحرب, أوقفت مدبريه إلى موته كماله, ولا يعتقون إلا بعد موته؛ كقول مالك في الأسير ينتصر: أن ماله موقوف إلى أن يموت. م: قال بعض القرويين: وإذا وقف مال المرتد أنفق على مدبريه وعلى أم ولده منه ولا ينفق منه على صغار ولده؛ لأن الولد لا يرثه إن قتل على ردته فلذلك لا ينفق عليهم من ماله. في مدبر الذمي يسلم, وكيف إذا دبر عبدا له مسلماً؟ قال مالك: وإذا أسلم مدبر النصراني قال ابن القاسم: أو ابتاع مسلماً فدبره وأجّرناه له وقبض إجارته ولم يتعجل رقه بالبيع وهو قد يعتق بموت سيده؛ فإن أسلم النصراني رجع إليه مدبره, وكان له ولاء الذي دبر وهو نصراني, وأما ولاء الذي دبره وهو مسلم فقد انعقد الولاء للمسلمين, [وإن كان للنصراني ولد أو أخ مسلم لم يرجع إليه] , ولا يرجع إليه أيضا وإن أسلم. قال: فإن لم يسلم حتى مات عتق في ثلثه, وكان ولاؤهما للمسلمين إلا أن يكون للنصراني ولد أو أخ مسلم ممن يجر إليه ولاؤه ويرثه فيكون له ولاء الذي دبره وهو
نصراني دون جماعة المسلمين, كما كان يكون لسيده لو أسلم, وأما الذي دبره وهو مسلم؛ فولاؤه للمسلمين ولا يرجع إلى النصراني وإن أسلم, ولا إلى ولده المسلمين, وإن لم يحمله ثلثه بيع ما رقّ منه من المسلمين ودفع الثمن إلى ورثته إن كانوا نصارى, وإن كانوا مسلمين لم يرثوه وكان ذلك المال للمسلمين. وقال غيره: لا يجوز للنصراني شراء مسلم, فإذا أسلم عبده ثم دبّره عتق عليه, لأنه منعنا من بيعه بالتدبير. ابن حبيب وقاله مطرف وابن الماجشون: قالا: وكذلك لو أعتقه إلى أجل عجّل عتقه, ولو كاتبه بيعت عليه كتابته. م: وإذا أسلم فأجّرناه عليه وقبض السيد إجارته وأتلفها ثم مات قبل أن يخدم العبد من الإجارة شيئاً ولم يترك غيره, فإن رضي العبد أن يخدم مدة الإجارة لرغبته في عتق جميع ثلثه فذلك له, ويعتق ثلثه, ويخدم مدة الإجارة, ثم يبيع ثلثاه على ورثة سيده النصراني, ولا كلام لمن استأجره, وإن أبى العبد أن يخدم في حصة ما يعتق منه ولم يرضى الذي استأجره أن يختدم ما رقّ منه لاستحقاق بعض ما استأجر, كان البيع من جميعه بقدر الإجارة, وعتق ثلث ما بقي, وبيع على الورثة ما بقي بعد ذلك, وإن رضي المستأجر أن يختدم ما رقّ منه للورثة؛ فليبيع من ثلثه بقدر ثلث الإجارة, ويعتق ما بقي من ثلثه ويختدم المستأجر ثلثيه حصة ما رقّ منه للورثة, فإذا تمت الإجارة بيع على الورثة ما رقّ لهم منه إلا أن يسلموا قبل ذلك فيبقى لهم/.
في تدبير المولى عليه, وذات الزوج, والعبد, ومن فيه علقة رق, والدعوى في التدبير ومن العتبية قال ابن القاسم: في المولى عليه يدبر عبده فإن ذلك لا يلزمه ولا بعد رشده, وهو كقول مالك في عتقه. قال: وإن دبرت ذات [66/أ. ص] الزوج ثلث جاريتها لزمها تدبير جميعها, وقد قال مالك: إذا دبرت أمتها وليس لها غيرها فذلك جائز, ولا قول للزوج؛ لأنه لم يخرج من يدها شيء بخلاف عتقها, وهذا كالوصية في هذا المعنى. وقال سحنون ومطرف وابن الماجشون: لا يجوز ذلك إلا بإذن زوجها. قال ابن القاسم: وإذا دبّر العبد أمته بإذن سيده فلا يمسها السيد ولا العبد وهي معتقه إلى أجل, هي من رأس المال, ولا يلحقها دين, وولاؤها لسيدها وإن عتق العبد. وقاله سحنون. ولو وطأها العبد فحملت أوقفت هي وولدها حتى يموت العبد فتعتق, ولو وطأها السيد فحملت؛ لحق به الولد, ولا يقربها, وهي تعتق؛ إما بموت العبد, أو بموت السيد, من مات منهما أولاً عتقت, ولو قيل: يُعجل عتقها حين حملت لكان قولاً. قال عيسى: أرى أن تعتق الساعة. م: صواب, إذ لا خدمة فيها ولا وطأ, كمن أولد أخته من الرضاعة. وقال ابن القاسم: وليس للرجل وطء مدبرةٍ لِمُدَبَرِهِ, ولا لأم ولده, أو لمعتقه إلى أجل؛ وهي كالمعتقات إلى أجل إذ يعتقن من دبرهنّ, وليس لأحد من هؤلاء تدبير إلاّ بإذن السيد, وولاء ذلك للسيد.
قال ابن القاسم: في مكاتب دبر أمته, فعلم بذلك السيد فلم ينكر حتى عجز؛ فلا تدبير له إلا أن يكون أمَرَهُ بتدبيرها, وليس سكوته بشيء وإن علم. قال ابن حبيب عن أصبغ: ولو دبرها المكاتب بإذن سيده, لم يكن له وطؤها حتى يؤدي جميع الكتابة, إذ قد يعجز فترجع الأمة إلى سيدها معتقة إلى أجل. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعى العبد أن سيده دبره أو كاتبه وأنكر المولى؛ لم يلزمه يمين, وهذا مثل العتق, إلا أن يقيم العبد شاهداً فيحلف له السيد, وإن نكل عن اليمين حُبس حتى يحلف. في المعتق إلى أجل والمخدم قال مالك وابن القاسم: ومن قال لعبده في صحته أنت حر بعد موت فلان, أو قال: بعد موته بشهر؛ فهو معتق إلى أجل من رأس المال ولا يلحقه دين, وإن مات السيد قبل موت فلان, خدم العبد ورثة السيد إلى موت فلان, أو إلى بعد موته بشهر إن قال ذلك, وخرج حر من رأس المال, ولو قال ذلك السيد في مرضه عتق العبد في الثلث إلى أجل وخدم الورثة حتى يتم الأجل ثم هو حر, وإن لم يحمله الثلث خيّر الورثة في إنفاذ الوصية أو يعتقوا من العبد محمل الثلاثة بتلا. قال مالك: كل من عال في وصيته على ثلثه فأبت الورثة أن يجيزوا؛ فإنه يقال لهم: أسلموا ثلث مال الميت إلى أهل الوصايا أو أنفذوا ما قال الميت.
فصل قال ابن القاسم: وإن قال لعبده: إذا خدمتني سنة فأنت حر, فخدم بعض السنة ثم مات السيد؛ فليخدم العبد ورثة السيد بقية السنة ثم هو حر في قول مالك. قال: ولو لم يمت السيد ولكن وضع الخدمة عنه؛ فهو حر مكانه, مثل المكاتب إذا وضع عنه سيده كتابته. قال مالك: وإذا قال: له أخدم فلاناً سنة وأنت حر, فمات فلانٌ قبل السنة, خدم العبد ورثة فلانِ بقية السنة, ثم هو حر. ابن المواز: وإن مات العبد قبل السنة وترك مالاً لسيده أو لورثته. ومن المدونة قال مالك: وأما إن قال: اخدم ولدي أو أخي أو ابن أخي أو ابن فلان سنة وأنت حر فيموت المخدم قبل السنة, فإن أراد به الحضانة [66/ب. ص] والكفالة: عجّل عتقه بموت المخدم وإن أراد به الخدمة خدم العبد/ ورثة المخدم بقية السنة ثم هو حر. وإن قال له: أنت حر على أن تخدمني سنة فإن أراد أن يكون العتق بعد الخدمة؛ فذلك له, ولا يعتق حتى يخدم, وإن أراد تعجيل العتقِ وشرط عليه الخدمة, عتق ولا خدمة عليه. وإن قال له: أنت حر بعد سنة, أو إذا خدمتني سنة, قال: هذه السنة بعينها أو لم يقل؛ فهو سواء وتحسب السنة من يوم قوله, وإن أبق العبد فيها أو مرض فصح أو أتى بعد
زوالها؛ عتق ولا شيء عليه, ألا ترى أن من أكرى داره أو دابته أو غلامه فقال أُكريك سنة, إنما يحسب من يوم قوله, ولو قال: هذه السنة بعينها؛ كان كذلك أيضاً. قال ابن القاسم في غير المدونة: فإن قال له السيد: اخدمني سنة وأنت حر فإن أبقت فيها فلا حرية لك أو عليك قضاء ما أبقت فهو كما شرط عليه. م: قال بعض فقهائنا: وكذلك من دبّر عبده وشرط عليه إن أبق فلا حرية له؛ ينفعه هذا الشرط, والمعتق إلى أجل أقوى من المدبر, فإذا جاز هذا الشرط فيه ففي المدبر أولى, وليس كالمكاتب يشترط عليه إن أبقت فلا حرية لك؛ لأن هذا إنما الغرض فيه أداء المال فلا يقدح الإباق في ذلك إن حضر بالمال, وهو إن عجز عن الأداء فسواء أبق أو لم يأبق يعجز بعد التّلوم, والمدبر والمعتق إلى أجل إنما الغرض فيها الخدمة فهو يخلّلها بإباقة للزمان الذي يمضي منها في حال إباقة, وقد ساوى بينهما بعض الناس وهو غلط للعلة التي ذكرنا. وقد قال بعض أصحابنا المتأخرين في المعتق إلى أجل يأبق في الأجل ثم يأتي بعده وقد اكتسب مالاً في حال إباقه: أن للسيد أخذه. وقال غيره: ليس له أخذه, والأول أحب إلينا.
جامع القول في عتق المخدم ومن الموازية: ومن قال لعبده: اخدم فلاناً حياتي فإذا مت فأنت حر؛ فقال ابن القاسم وابن كنانة: هو حر من الثلث؛ لأنه أعتقه بعد موت نفسه. وقال أشهب: هو من رأس المال؛ لأنه قد خرج من ماله في صحته وانقطع ملكه عنه آخر الدهر. قال ابن المواز ذهب أشهب: أن كل من خرج من يد صاحبه في صحته بتلاً لا يرجع إليه منه شيء في حياته ولا إلى ورثته من بعده بوجه من الوجوه, فهو من رأس ماله, وإن كان لا يعتق إلا بموت صاحبه, وهو أصل حسن. وذهب ابن القاسم: أن كل عتق يكون بموت السيد فلا يكون إلاّ من الثلث, وإن كان لا يرجع إلى سيده ولا إلى ورثته أبدا, فأما إن كان عتقه بغير موت السيد من مخدم أو غيره فلم يختلف فيه قول مالك وأصحابه: أنه من رأس المال. ابن المواز: وإن قال: اخدم فلانا حياته فإذا مت أنا فأنت حر؛ فلا اختلاف بينهما أنه من الثلث إذ قد يرجع إلى السيد إن مات المخدم قبله. وإن قال: اخدم فلانا حياتي؛ فإذا مات فأنت حر؛ فهذا من رأس المال؛ لأنه معتق إلى موت غير السيد فهو معتق إلى أجل, وإن كان قد يرجع إلى الورثة بموت السيد وهو كما لو لم يخدمه أحد وأعتقه إلى موت غيره. وإن قال: اخدم فلانا حياة زيد وأنت حر؛ فهذا أيضاً من رأس المال معتق إلى أجل؛ لأن حريته إلى موت غير السيد ويخدم المخدم ورثته على فرائض الله ما دام زيد حياً.
فإن قال: اخدم عبد الله حياة زيد فإذا مات سعيد فأنت حر من رأس المال؛ فإن مات [67/أ. ص] زيد قبل سعيد رجع العبد إلى سيده أو إلى ورثته إن مات يخدمهم على فرائض الله تعالى حتى يموت سعيد, فإن لم يمت زيد اختدمه عبد الله وورثته حتى يموت سعيد فيخرج حرا. وإن قال له: اخدم فلاناً حياته وأنت حر وإن مت أنا فأنت حر؛ فهذا عند أشهب من رأس المال؛ لأنه لا مرجع لسيده ولا لورثته فيه بوجه من الوجوه وعلى مذهب ابن القاسم: ينبغي أن يكون إن مات الأجنبي قبل سيده؛ خرج حرا مكانه من رأس المال, وإن مات السيد قبل الأجنبي خرج من ثلثه؛ فإن عجز الثلث عن شيء منه فرق كان ما رق منه يخدم الأجنبي حياته/, فإن مات خرج ذلك الجزء حرا من رأس المال, وإن كان على سيده دين يغترقه خدم جميعه الأجنبي حياته ثم يخرج حراً. ابن المواز: وإنما يجعل في ثلث سيده خدمته حياة المخدم على الرجاء والخوف كأنه لم يبق فيه رق غير الخدمة. م: وهذا الذي ذكره ابن المواز أنه قول ابن القاسم ذكره ابن سحنون عن أشهب وسحنون.
قال ابن المواز: وإن قال: اخدم فلانا حياته وأنت حر إلا أن أموت أنا فأنت حر؛ فهذا عند أشهب إن مات الأجنبي أولاً ولم يستحدث السيد ديناً يوم قال ذلك؛ عتق من رأس المال؛ وإن لحقه دين فالدين أولى به ولا يعتق, وإن مات السيد أولاً؛ عتق في ثلثه, فإن عجز رق باقيه لورثته؛ لأنه قد استثنى عليه رقاً بقوله إلاّ أن أموت, وهو كقوله: اخدم فلانا حياته وأنت حر إلا أن أموت وهو يخدمه حياته, فإن مات فلان عتق من رأس ماله, ويرده الدين المستحدث, وإن مات السيد قبله رق لورثته وسقطت الخدمة فصار قوله: إلاّ أن أموت رقاً له؛ [فكذلك إذا قال: إلا أن أموت فأنت حر في ثلثي, فإن كان له مال عتق في ثلثه وإلاّ رقّ منه ما عجز عنه الثلث] , وكذلك إذا قال: أنت حر إذا غابت الشمس إلا أن أدخل الدار فنجد فيها فلاناً؛ فالرق يلحقه إذا دخلها المغيب, وسقط أجل مغيب الشمس, وقد أبقى للرق موضعا باستثنائه هذا, فإذ كان فيه أبداً موضع الرق لحقه الدين, ولم يخرج إن مات سيده إلا من الثلث, وكذلك إن قال أنت حر إلى عشر سنين إلاّ أن أموت قبلها فأنت حر؛ فإن حلّت العشر سنين ولا دين عليه عتق من رأس المال, وإن مات السيد قبل ذلك؛ عتق من الثلث أو ما حمل منه ورق ما بقي وسقط عتق الأجل كقوله: أنت حر إلى عشر سنين إن بقيت إليها, وإن مت قبلها فأنت حر فهو من ثلثه وكأنه لم يذكره الأجل, كما لو قال: إلا أن أموت قبل ذلك ولم يذكر عتقاً؛ لأنه يرق ولا يعتق, وإن جاءت العشر سنين بعد موته فذلك يلحقه الدين؛ لأنه رجوع وطرح للأول وهذا كله في كتاب ابن سحنون عن أشهب وسحنون. وفي العتبية: فيمن قال: أنت حر إلى سنة إلاّ أن أموت قبلها فأنت حر حين أموت؛ فقال ابن القاسم: إن مات السيد قبلها عتق في ثلثه, وإن لم يسعه الثلث استخدم باقيه إلى
السنة وعتق, وهو كما قال مالك فيمن قال: أنت حر لأولنا لنفسه موتاً ولرجل آخر فمات السيد فليعتق عليه في ثلثه. قال ابن القاسم: فإن لم يسعه فما بقي استخدم إلى موت الآخر ثم عتق. وقال مالك تقوم رقبته في الثلث. وقال أشهب: بل إنما تقوّم خدمته؛ لأنه ليس فيه لاّ الخدمة. قال ابن المواز وإذا قال: اخدم فلانا حياته فإذا مات فأنت حر وإذا مت أنا فأنت حر؛ فقد تقدم [67/ب. ص] قول ابن القاسم وأشهب فيه, وهو بخلاف قوله: إلا أنه أُستثنى فإن لم يستثن فإنما سرد له العتق وزاد خيراً بمنزلة من قال: أنت حرٌ إلى سنة, وإن قدم أبي فأنت حر؛ فإنما زاده خيراً وهو معتق إلى أجل من رأس المال حلّت السنة وهو مريض أو ميت أو مديان, وأما إن قدم أبوه قبل السنة والسيد غير مريض ولا مديان عتق مكانه, [وإن قدم والسيد مديان عتق من ثلثه, فإن رقّ منه شيء انتظر بما رقّ منه تمام السنة ثم عتق] , وإن قدم والسيد ميت؛ لم يعتق بموته, وإن خرج من ثلثه وترقب السنة ثم هو حر من رأس المال, وإن قدم والسيد مديان بدين محيط؛ لم يعتق إلا أن يجيز ذلك الغرماء, وإلاّ فليؤاجر لهم إن لم يكن السيد أبتله في خدمة أحد فإن استوفوا دينهم من الإجارة قبل السنة عتق إن كان سيده حياً, وإن لم يستوفوا حتى تمت السنة؛ عتق مكانه, كان السيد مريضا أو ميتاً أو ذا دينٍ محيط, وما استحدث من دين بعد مؤاجرة العبد قبل السنة فإنه
يحاصّ به مع الدّين أُجِّر لهم حتى لا يبقى على السيد دينٌ قبل قدوم الأب ولا بعده ولا بعد مؤاجرة العبد إلا دخل في ذلك. وقد جرى من هذا المعنى في العتق, وفيما ذكرنا منه دليل عل ما يراد منه وبالله التوفيق. تم كتاب التدبير بحمد الله وحسن عونه وتأييده ونصره, والصلاة على محمد وآله. يتلوه كتاب المكاتب.
كتاب المكاتب الأول
بسم الله الرحمن الرحيم وصل الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا كتاب المكاتب الأول باب في التحضيض على الكتابة والوضيعة منها قال الله تبارك وتعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور:33] فكان ذلك ندب ندَبَ الله إليه وكذلك قوله: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور:33] فضلٌ حض الله عليه. قال مالك: فالكتابة ندبٌ من الله تعالى وليست بواجبة, وبه قال سائر الفقهاء. وروي عن عطاء وعمرو بن دينار أنها واجبة.
والدليل لمالك أن الكتابة لا تخلو أن تكون: ضرباً من البيع؛ لأنه باع العبد من نفسه بالمال الذي جعله عليه, أو عتقاً؛ لأن العبد يفضي بها إلى الحرية. فلما أجمعوا: أنه لا يجبر أحد على بيع عبده, ولا على عتقه, كانت الكتابة كذلك إذ لا تخلو: أن تكون إما عتقاً أو بيعاً. قال ابن الجهم: وأما الوضيعة من أجر الكتابة؛ فأكثر أصحابنا يأمرون بذلك من غير قضاء, ولو كانت واجبة لكانت محدودة, ولا حد لها في كتاب الله ولا في سنة نبيه عليه السلام. وقال غيره: هذه عبرة مأخوذ فيها, والصواب أن يقال: لما كان ذلك غير مقرر في الحال ولا في الآل دل أنه ليس بواجب. ووجه الأخذ في العبارة الأولى: أن صداق المثل في نكاح التفويض وغيره مما يجب فيه صداق المثل واجب وهو غير مقرر في الحال لكنه مقرر في المآل, وكذلك أرش العيوب في البيوع غير مقرر في الحال وهو مقرر في الآل؛ فبان أن العبارة الثانية أحسن. قال بعض علمائنا: ولو كانت واجبة ومقدارها غير معلوم أدى ذلك إلى كون الكتابة مجهولة, ولا يجوز أن تكون الكتابة مجهولة عند العلماء, فاعلم ذلك.
ومن المدونة قال مالك: وسمعت غير واحد من أهل العلم يقول في قول الله تعالى: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33]: أن يوضع عن المكاتب من آخر كتابته شيئا مسمى. قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت, وعليه أهل العلم وعمل الناس عندنا. قال مالك: وبلغني أن عبد الله بن عمر كاتب غلاماً بخمسة وثلاثين ألف درهم ثم وضع عنه من آخر كتابته خمسة آلاف درهم. قال ابن وهب: وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ربع الكتابة. وقال النخعي: هو شيء خُثََّ عليه المولى وغيره. م: واختُلف في قوله تعالى: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} أما الخير: فقال ابن عباس: إن علمت أن يقضيها. وقال مجاهد: الخير المال, وقال عطاء وتلا: {إِن تَرَكَ خَيْراً} [البقرة:180]. وقال طاووس: قوة وأمانة. ابن الموز: وقال مالك: الخير القوة على الأداء.
في إكراه العبد على الكتابة, وكتابة الصغير, ومن لا حرفة له. روى بعض البغداديين عن مالك: أن للسيد إكراه العبد على الكتابة كما يعتقه عند مالك على أن يبيعه بمال. قالوا: وكمان كان له أن ينكحه ويؤاجره ويعتقه مكرهاً, وهو لا ضرر عليه في الكتابة, وإنما يؤدي ما فضل عن نفقته, فإن قيل: يضر بالعبد لزوال النفقة عن سيده؟ قيل: لا ضرر فيه إذ لا يصلح مكانه من لا حرفة له ولا خير فيه, والخير: المال. وذكر ابن المواز عن أصبغ مثل قول مالك: أن للسيد أن يجبر عبده على الكتابة وإن كره العبد, ولا يكون له الخروج من الكتابة إلا بعجز ظاهر معروف. وقال أشهب وعبد الملك: لا يكاتب الرجل عبده إلا برضاه, ولا يجوز بغير رضاه, وكذلك روي عن ابن القاسم. م: قال ابن شعبان: والدليل أنه لا يُكرَه العبد على الكتابة قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ} [النور: 33] الآيه. فدل على أنه من لم يبتغها ويجيب إليها لم يلزمها.
والكتابة: أن يجعل بينه وبين عبده كتاباً بما يتفقان عليه لظاهر الكتاب. وقال ابن القاسم في باب بعد هذا/: لا بأس بكتابة الصغير؛ لأن مالكاً قال: لا بأس بكتابة من لا حرفة له, وإن كان يَسأل ويتصدق عليه. وقال أشهب وسحنون: لا يكاتب الصغير؛ لأن عثمان بن عفان قال: لا تكلََّفوا الصغير الكسب, فإنكم متى ما كلفتموه سرق إلا أن تفوت كتابته بالأداء, أو يكون بيده ما يؤدي عنه فيؤخذ من يده ولا يترك بيده فيتلفه بسفهه ويرجع رقاً. قال أشهب: قيل لمالك: فعل تكاتب الأمة التي لا صنعة بيدها ولا لها عمل معروف, فقال: كان عثمان يكره أن تخارج الجارية التي لا صنع بيدها ولا عمل معروف فما أشبه الكتابة بذلك.
ما يحل ويحرم من عقد وشرط في الكتابة روي أن النبي عليه السلام قال: «المكاتب عبد ولو بقي عليه عشرة دراهم». وقال عمر وعثمان وزيد بن ثابت وابن عمر وجماعة من التابعين: هو عبد ما بقي عليه درهم. قال ابن القاسم: والكتابة بالغرر جائزة؛ لأنه عبده يجوز فيما بينه وبينه من الغرر ما لا يجوز بينه وبين الأجنبيين ولا يشبه البيوع ولا النكاح. م: قال أبو محمد: وهذا بخلاف مراباة العبد سيده؛ لأن ذلك تبايع وهذا كالخراج فجائز. وقد قال مالك في غير المدونة: لا يجوز الربا بين العبد وسيده. ابن المواز [68/ب. ص] وقال أشهب: ومن كاتب عبده على عبد آبق أو بعير شارد أو جنين في بطن آمته, أو دين على غائب لا يعلم حاله, فلا أحب ذلك, ولا أفسخ الكتابة
به إن نزلت؛ لإجازة غير واحد الربا بين العبد وسيده, ولا يكون لهذا العبد عتق, حتى يكون لسيده ما شرط عليه ويقضيه. وقال ابن القاسم في العتبية: الكتابة بذلك كله جائزة, فإن لم يأت بذلك وأيس منه فقد عجز. قال أشهب: ولو كاتبه على أنه بريء منه الآن عتق مكانه, وإن لم يقدر السيد على ذلك أبدا. ومن المدونة قال ابن القاسم: وقد قال مالك فيمن كاتب عبده على وصف؛ حمران أو سودان ولم يصفهم: أنه جائز ويعطى وسطا من ذلك الجنس كالنكاح بهم. قال مالك: وإن كاتبه على وصيف أو وصيفين ولم يصفهم جاز وعليه الوسط من ذلك. م: فإن لم يصف الجنس وفي البلد سودان وحمران ولا غالب في ذلك أنه يعطى النصف من كل جنس كمسألة النكاح بذلك وقال نحوه الفقيه أبو عمران رحمه الله. قال بعض شيوخنا: ولم يسم العدد؛ فالكتابة باطل كما بينه في قول غيره: إذا كانت على لؤلؤ غير موصوف. م: وهو الصواب.
وقال غيره من شيوخنا: لا تفسخ الكتابة وتكون عليه كتابة المثل وصفاً ما لم تنقص الكتابة المثل عن وصيفين. قال وكذلك على قول غيره في مسألة اللؤلؤ: عليه كتابة المثل من ذلك ما لم تنقض عن لؤلؤتين, وجعله إذا أوصى أن يكاتب ولم يسم ما يكاتب به: أن الكتابة لا تفسخ ويكاتب بكتابة مثله. وقال غيره من شيوخنا: لا يجوز ذلك في الصحة, ويجوز في الوصية, ويكاتب بكتابة مثله احتياطاً لإنفاذ الوصية وينجم, ونظراً للمريض إذ لا يقدر على استحداث ما أراد من البر. قال ابن القاسم: وكذلك إن كاتبه على قيمته؛ جاز, وينجم عليه بالوسط من قيمته. قال مالك: إذا ما أوصى أن يكاتب عبده ولم يسم شيئاً؛ فإنه يكاتب على قدر ما يعلم الناس من قوته على الأداء, أو إن كاتبه على ألف درهم ولم يذكر أجلاً نجمَّت عليه, وشأن الكتابة: التأجيل والتنجيم, وكذلك إن أوصى أن يكاتب بألف درهم ولم يضرب لها أجلا, وإن كاتبه على عبد فلان جاز, ولا يجوز النكاح على ذلك. قال سحنون: فإن لم يصل إليه فعليه قيمته. قال ابن المواز: لا يتم شيء إلا بعبد فلان.
م: كما قال ابن القاسم: إذا كاتبه على عبد آبق, أو بعير شارد؛ فإن لم يأت بذلك وأيس منه فقد عجز. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كاتبه على لؤلؤ غير موصوف؛ ولم يجز/لتفاوت الإحاطة بصفته. قال ابن المواز وقال غير ابن القاسم: ذلك جائز في اللؤلؤ وله وسط كالكتابة على وصف لم يسمهم. يريد: وقد ذكر العدد. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كاتبه على وصيف موصوف فعتق بأدائه, ثم ألفاه السيد معيباً, فله رده, ويتبعه بمثله إن قدر, وإلا كان عليه ديناً ولا يرد العتق. وقد قال مالك في امرأة نكحت على عبد موصوف فألفته معيباً بعد قبضه: أن لها ترده, وتأخذ مثله على صغته فكذلك الكتابة به [69/ب. ص]. قال مالك: وإن كاتبه على طعام موصوف؛ جاز أن يصالحه منه على دراهم معجَلة. قال ابن القاسم: ولا خير في بيعه من أجنبي. قال سحنون: وإنما يجوز هذا على تعجيل عتق المكاتب. قال ابن القاسم: ومما يبين ذلك: أن مالكا قال: لا بأس أن تبيع ما على مكاتبك من ذهب أو ورِق أو عرض حل أو لم يحل من المكاتب بعرض مخالف للعرض الذي عليه أو من صنفه تتعجل ذلك أو تؤخره ولم يره من الدين بالدين, ولا يحل بيعه من أجنبي إلا بثمن معجل, وإن أخره دخله الدين بالدين.
فصل قال ابن القاسم: وإن كاتبه على خدمة شهر؛ فإن عجَل له العتق على خدمة شهر بعد العتق فالخدمة باطل, وهو حر, وإن أعتقه بعد الخدمة لزمت العبد الخدمة. قال أشهب: إذا كاتبه على خدمة شهر؛ جازت الكتابة ولا يعتق حتى يخدم, قال: وقال مالك: كل خدمة اشترطها السيد بعد أداء الكتابة فباطل, وإن شرطها في الكتابة فأدى العبد قبل تمامها؛ فإنها تسقط. م: إذا كاتبه على خدمة شهر فابن القاسم يسأله: هل أراد تعجيل العتق أو تأخيره بعد الخدمة؟ وأشهب يرى: أن العتق مؤخر بعد [الخدمة, كما هو مؤخر بعد أداء الكتابة, إلا أن يشترط تعجيل العتق قبل الخدمة؛ فلا يجوز عندهما, ويعتق مكانه] وتسقط الخدمة. وقال أشهب في كتبه: إذا كاتبه على خدمة شهر فعجَل للسيد قيمة الخدمة؛ لزمه أخذها وعتق مكانه. م: وحكى بعض أصحابنا عن غير واحد من شيوخنا أن ابن القاسم يخالفه في ذلك ويقول: ليس له تعجيل قيمة الخدمة. م: كأنهم رأوه معتقا إلى أجل, وقد قال ابن المواز: فيما يشبهه: أن له تعجيل قيمة الخدمة كقول أشهب ولم يذكر فيه اختلافاً.
وحكى بعض أصحابنا عن بعض شيوخنا القرويين في هذا الذي كاتبه على خدمة شهر: أن له حكم المكاتب لا حكم العتق إلى أجل؛ من أجل لفظهما بالكتابة, فكأن السيد إنما أجره على سنة الكتابة في حيازته ماله, ونفقته على نفسه. م: فإذا كان له حكم المكاتب؛ فينبغي أن يكون له تعجيل قيمة الخدمة, وهذا عندي أصح من الأول, وإنما لا يكون له تعجيل قيمة الخدمة إذا قال له: اخدمني شهراً وأنت من بعده حر؛ فهذا ليس له تعجيل قيمة الخدمة؛ لأنه معتق إلى أجل. ومن كتاب ابن المواز قال مالك: ومن كاتب عبده واشترط عليه أسفاراً وضحايا فأدى كتابته؛ فإنه إن أدى الضحايا وعجَلها خرج حرا وسقطت الأسفار. قال بعد ذلك: إذا أدى جميع الكتابة وبقيت عليه الضحايا ولم تحلَ؛ فإن عجل قيمتها عجل عتقه على ما أحب السيد أو كره. قال مالك: وليس قيمتها إلى محلها, ولكن قيمتها على أنها حلَت. وكذلك روى أشهب عن مالك في العتبية: أنه إذا عجل الكتابة؛ فكل ما بقي من خدمة وأسفار ساقط, وما كان من الضحايا والرقيق والكسوة؛ فليغرم قيمة ذلك معجلاً ويعتق. وقال أصبغ: عن ابن القاسم: إذا كاتبه وشرط عليه أن يخدمه أربعة أعوام كل يوم جمعة حتى يؤدي كتابته ثم لا خدمة عليه, وشرط عليه جزرة كل فطر وأضحى ما عاش المكاتب. قال: لا أحب الكتابة على هذا, فإن وقعت فهي جائزة.
قال: فإن أدى كتابته قبل محلها أو بعد سقطت الخدمة, ويعمر المكاتب, وينظر إلى قيمة الجزر في تعميره [69/ب. ص] , فإن أدى ذلك عجَل عتقه, وإن لم يكن له مال؛ لم يعتق حتى يؤدي قيمة ذلك قاله مالك. قال ابن القاسم: يؤدي قيمة الجزر حالَة لا إلى أجلها. ومن العتبية قال ابن القاسم: وإذا شرط ألا يخرج من خدمته حتى يؤدي؛ فلا تُفسخ بذلك الكتابة, والشرط لازم/ وإنما هو رجل. قال: إن أديت إلىَ عشرة دنانير في كل سنة مع خدمتك إياي فيها, فأنت حر, فهو جائز وغيره أحسن منه وقد أجاز مالك شرط الأسفار قال مالك: وما كان بعد الكتابة من خدمة فإنها تسقط. وقال أصبغ: لا يعجبني إلزامه الخدمة وذلك ساقط والكتابة جائزة كالشرط على أن يطأها أو يسترق ولدها, إلا خدمة غير مؤقتة لسفر وما أشبهه حتى يعتق. قال ابن المواز: وكل ما اشترطه في الكتابة من خدمة بدنه أو عمل يده فأدى الكتابة وبقى ذلك العمل أو بعضه؛ فإنه ساقط, ولا يؤدي لذلك عوضا؛ لأن خدمة بدنه بقية من رقه, فإذا دخلت الحرية رقبته سقط كل رقَّ يبقى فيه, وكذلك من بتلى عتق عبده لم يجز أن يجعل عليه خدمة يشترطها؛ لأن خدمته بقية من رقه, وكما كان من أعتق بعض عبده يستكمل عليه بقيته حتى لا يبقى فيه شيء من الرَّق, فكذلك كل خدمة تبقى على مكاتب بعد أداء نجومه, أو على عبد بتل سيد عتقه فهي ساقطة؛ لأن ذلك بقية من رقه.
وروى أشهب عن مالك: فيمن عبده على مال وأسفار فلا ينبغي ذلك؛ لأنه لا تتم حرمته وعليه بقية من الرق, وليعطه مكان الأسفار عينا ويتم عتقه. قال ابن المواز: ليس هذا بشيء, ورجع عنه مالك وجميع أصحابه إلا أنه لا يلزمه فيها عوض. قال ابن المواز: وإنما يلزمه ذلك ما دامت الكتابة إلا من جعل عتق عبده بعد قضاء الخدمة والأسفار فيلزمه ذلك ولا يعتق حتى يقضي ذلك أو يعجل قيمته. وروى ابن وهب وأشهب عن مالك فيمن قال لعبده: ابن لي هذه الدار وأنت حر, فمرض, فأراد أن يأتي بمن يعمل ذلك, فذلك له وإن أبى السيد. قال أحمد بن ميسر: في العمل المفهوم كالبناء ونحوه, وأما الخدمة فلا إلاَ أن يرضى السيد؛ لأنه معتق إلى أجل. قال ابن حبيب عن أصبغ في قول مالك: إن عجل الكتابة, سقطت الخدمة المشترطة. قال أصبغ: إلا أن يقول: أعتقك على خمسين دينارا إلى خمس سنين تؤدي إلىَّ كل سنة عشرة على أن تخدمني إلى تمام الخمس سنين على أنك إن أديت جميع النجوم قبل الخمس سنين لم تعتق حتى تنقضي؛ فذلك يلزمه, والشرط فيه جائز, وكذلك لو قال: أنت حر إلى خمس سنين إن أعطيتني خمسين دينارا أو على أن تعطنيها إلى خمس سنين, أو إلى دونها, أو حاُلة؛ فهذا يلزمه تمام الخدمة إلى آخر الأجل وإن عجل المال, فإن انقضت الخمس السنون ولم يؤدَّ المال فلا عتق عليه.
قال أصبغ: وأصله: إن جعل عتقه بعد أمد يسميه؛ فلا يعتق قبله وإن عجَل المال, وأما إن جعل عتقه بعد الغرم؛ فهذا إن عجَل المال عتق, وسقطت الخدمة كمبتل شرط خدمته. م: وحكى بعض أصحابنا عن بعض شيوخه القرويين في قول مالك: إذا عجل الكتابة؛ سقطت عنه كل خدمة, قال: إنما يصح ما قال في الخدمة اليسيرة؛ لأنها في حيَّز التبع فأما لو كان عِظَم الكتابة خدمة وأقلها مالا فعجّل المال, لم يستقم أن توضع عنه الخدمة. م [70/أ. ص]: وهذا الذي قال مخالف لما احتج به ابن المواز في علة إسقاط الخدمة إذ جعله كمن أعتق بعض عبده؛ لأنه جعل الخدمة إنما هي بقية من الرق فلو أعتق رجل عُشَر عبده لا ستتم عليه هتق بقيته, فكذلك إذا كانت الكتابة عُشر قيمة الخدمة فعجّلها؛ لسقطت الخدمة والله أعلم. فصل ومن المدونة قال مالك: ومن شرط على مكاتبه أنه إن عجز عن نجم من نجومه فهو رقيق, وإن لم يؤد نجومه إلى أجل كذا فهو رقيق؛ لم يكن للسيد تعجيزه بما شرط, ولا يعجزه إلا السلطان بعد أن يجتهد له في التلّوم بعد الأجل, فإن رأى له وجه إذا تركه وإلا عجّزه والقطاعة كذلك في التلوم بعد الأجل. قال ابن القاسم: ومن العبيد من يرجى له مال في التلَّوم ومنهم من لا يرجى له. ابن وهب وقد أُتي عمر عبد العزيز بمكاتب وقد أخنى/ ببعض شروطه التي شُرطت عليه.
م: يريد: عجز عنها, فقال عمر لسيد: خذه فهو عبدك, لعمري ما يشترط الناس إلا لتنفعهم شروطهم. وقال ابن شهاب: إن لم يف المكاتب بما اشترط عليه وخالف إلى شيء مما نهي عنه؛ فلسيده رد كتابته, ويطيب له ما أخذ منه, وإن رجل كاتب غلاما له صانعاً على عشرين ألف درهم وغلاما يعمل مثل عمله, فأدى العشرين ألف درهم ولم يجد غلاما يعمل كعمله فخاصمه إلى عمر بن الخطاب فقضى عمر على الغلام فعتقه سيده بعد أن قضى عليه عمر. م: وحكي عن بعض فقهائنا: فيمن شرط على مكاتبه أنك إن شربت خمراً أو نحو ذلك فأنت مردود في الرَّق؛ ففعل العبد ذلك؛ أن ليس للسيد أن يرده في الرق من أجل هذا الشرط, وليس كالمعتق إلى أجل يشترط عليه إن أبقت فلا حرية لك هذا له شرطه. والفرق بينهما: أن ما يفعله المعتق من الإباق ضرر على سيده؛ لأنه يخل بمنافعه, وما أحدث المكاتب من شرب الخمر فلا يخل بنجومه, فإذا لم يعجز عنها لم يقدح شرب الخمر فيها, فلا ينفع السيد شرطه والله أعلم. م: قول ابن شهاب إذا لم يوف المكاتب بما شرط عليه وخالف إلى شيء مما نهي عنه: فللسيد رد كتابته؛ خلاف ما قالوا, ووجب رد كتابته, والله أعلم. ومن المدونة قال ابن القاسم: وحكم المكاتب حكم الأرقاء في الميراث والشهادة والحدود وغيرها حتى يؤدي ما عليه.
وروى ابن وهب أن أمهات المؤمنين كان يكون لبعضهنَّ المكاتب فيكشف له الحجاب ما بقى عليه درهم, فإذا قضاه أرخيته دونه وقد تقدم الحديث: (أن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم). فصل قال ابن القاسم: وإن كاتب عبد على ألف دينار على أنه إذا أدى وعتق فعليه مائة دينار؛ فذلك جائز؛ لأن مالكا قال: من أعتق عبده على أن للسيد على العبد مائة دينار ذلك جائز على العبد. قال ابن المواز: ويتبعه بالمال ولا يحاص به الغرماء. وقال سحنون في المستخرجة قول مالك: أنت حر وعليك, أو أنت حر على أن عليك؛ سواء, وهو حر وعليه ما سمي, وبه أقول. وقال ابن القاسم: في قوله: أنت حر على أن عليك: يخيّر العبد؛ فإن شاء بتات العتق على أن يتبع بذلك فذلك, وإن كره أن يكون غريما فلا حرية له. م: وقد تقدم إيعاب هذا في كتاب العتق الثاني. قال ابن القاسم: ومن كاتب أمته على ألف دينار نجّمها عليها على أن يطأها ما دامت في الكتابة [70/ب. ص]؛ بطل الشرط وجازت الكتابة, وقيل له: لم لا يُبطل الشرط الكتابة إنما باعها نفسها بما سمى من المال على أن يطأها, ويكون كمن باع جاريته على أن يطأها
البائع إلى أجل كذا؟ فقال: لا تشبه الكتابة البيع؛ لأن البيع لا يجوز فيه الغرر، والكتابة يجوز فيها الغرر، قد أخبرتك أنه إذا كاتب عبده على وصف أو لم يصفهم أنه جائز ولا يجوز ذلك في البيع، فلذلك يبطل الشرط هاهنا، وتصح الكتابة، وكذلك إن أعتق أمته إلى أجل على أن يطأه فيه؛ فالشرط باطل وهي حرة إذا مضى الأجل، وقد قال مالك: فيمن شرط على مكاتبته أن ما ولدت في كتابتها هو عبد؛ أن هذا ليس من سنة الكتابة، ولا تكون الكتابة إلا على سنتها، والسنة: أن ما حدث للمكاتب من أمته، وللمكاتبة من ولد بعد الكتابة فهو بمنزلتها يرق برقها ويعتق بعتقها، قلت: فمن كانت أمته واستثنى ما في بطنها قال من قول مالك: أن من أعتق أمته واستثنى ما في بطنها أنه لا يجوز، وتكون حرة بما في بطنها، وكذلك المكاتبة تثبت الكتابة ويسقط الشرط في ولدها. م: وذكر ابن المواز قول ابن القاسم في شرط وطئ المكاتبة واسترقاق ما تلد، وما يولد للمكاتب من أمته مثل ما في المدونة؛ أن الشرط يفسخ وتمضي الكتابة. قال وقال أشهب عن مالك في ذلك كله: تفسخ الكتابة ولو لم يبق منها إلا درهم واحد، إلا أن يرضى السيد بطرح الشرط، وإن لم يستبق لذلك حتى أدوا الكتابة؛ فولد المكاتب والمكاتبة حر معهما وكذلك ما في بطن المكاتبة. وقال ابن المواز في ذلك كله: إذا أدى ولو نجماً واحداً بطل الشرط، ومضت الكتابة، فأما قبل أن يؤدوا منها شيئاً؛ فالسيد مخير بين أن يبطل الشرط أو يفسخ الكتابة. قال ابن المواز وقال ابن القاسم وأشهب: لو كان الشرط من المكاتب على سيده: أن ما تلد زوجته وهو أمة للسيد فهم معه في الكتابة؛ فذلك جائز، وما تلد ففي الكتابة، فإن باعها السيد ووهبها لم يدخل بعد ذلك ما تلد في الكتابة. م: قال أبو محمد: يريد باعها ولا حمل بها.
قال ابن المواز: ولو كاتب السيد زوجته على حدة؛ سقط شرط المكاتب في ولدها. م: يريد ما تلد بعد كتابتها، ولا يجوز أن يشترطهم الأب، فإن لم يستفق لإبطال شرطه حتى ولدت فسد شرطه فيما لم يولد بعد، وما لم يولد قبل إبطال الشرط وبعد كتابة الأم فهو مع كتابة الأب والأم يعتق مع أولهما عتقاً، ويسعى معهما معونة لهما، ويرث من مات من أبويه قبل العتق، فإذا أعتق مع أولهما لم يبق له مع الثاني سعاية ولا موارثة وما ولد لها بعد إسقاط الشرط ففي كتابتها خاصة. في قطاعة المكاتب، وقطاعة أحد الشريكين له، وتبديته بأخذ حصته قال مالك: الأمر عندنا فيمن قاطع مكاتبه بذهب على إن وضع عنه مما عليه من الكتابة ويعجل ما قاطعه عليه: إنه لا بأس به، وإنما كره ذلك من كره؛ لأنه جعله كالدين يكون لرجل على رجل فيضع عنه منه وينقده، وليس الكتابة مثل الدين؛ لأنه إنما قاطع عبده على مال يعجل به عتقه، وتمت حريته في الشهادة والميراث، وهو كمن قال لعبده: إن جئتني بكذا فأنت حر، ثم قال له: إن جئتني بأقل منه فأنت حر، وليست الكتابة بدين ثابت، ألا ترى أنها لا يحاص بها السيد غرماء المكاتب في فلس ولا موت.
قال: ولا بأس أن يقاطعه على أن يؤخره ويزيده، أو يجعل ما عليه من دين حل أو لم يحل في عرض ويؤخره به إذ ليس بدين ثابت، وكذلك لو كانت الكتابة دراهم ففسخها في دنانير إلى أجل لم يكن به بأس، قال سحنون: وذلك إذا عجل عتقه. قال ابن شهاب: لم يكن أحد من الصحابة ينفي المقاطعة على الذهب والورق إلا ابن عمر فكره ذلك إلا أن يعطي عرضاً. قال مالك في العتبية وكتاب محمد: وكل من اشترى كتابة المكاتب فهو كالسيد في جميع ما ذكرنا. ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يستأجر السيد مكاتبه بما عليه من الكتابة في عمل يعمله أو يقاطعه على أن يحفر له بئراً طولها كذا ويبني له بيتاً طوله كذا. قال سحنون: إذا كانت القطاعة يعملها بيديه فذلك لا يجوز؛ لأن كل خدمة تبقى عليه بعد عتقه فهي ساقطة، وإن كانت عليه ديناً عاش أو مات. والقطاعة جائزة إذا تعجل العتق بما قاطعه وإن لم يتعجل العتق لم يجز وكان ديناً بدين. وقد كره مالك الربا بين العبد وسيده فكذلك مكاتبه لا يجوز ذلك بينهما إلا أن يتعجل العتق. ومن الحوالة قال ابن القاسم: وإن أحالك مكاتبك بالكتابة على مكاتب له وله عليه دين مقدار ما على الأعلى؛ لم يجز إلا أن تبت أنت عتق الأعلى فيجوز، فإن عجز الأسفل
كان رقاً لك ولا ترجع على المكاتب الأعلى بشيء؛ لأن الحوالة كالبيع، وقد تمت حرمته. قال ابن القاسم: ولا تجوز حمالة بكتابة الأعلى تعجيل العتق، وأما الحوالة فإن أحالك على من لا دين له قِبَله لم يجز؛ لأنها حمالة فلا تجوز إلا على تعجيل العتق، وإن كان له عليه دين حل أو لم يحل جازت الحوالة إن كانت الكتابة قد حلت، ويعتق مكانه، وكذلك إن حل عليه نجم فلا بأس أن يحيلك به على من له عليه دين حل أو لم يحل ويبرأ المكاتب من ذلك النجم، وإن كان آخر نجومه كان حراً مكانه، وإن لم يحل النجم لم يجز أن يحيلك به على من له عليه دين حال؛ لأن ذلك ذمة بذمة، وربا بين السيد ومكاتبه، وكذلك إن لم تحل الكتابة لم تجز الحوالة بها وإن حل الدين؛ لأنه فسخ دين لم يحل في دين حل أو لم يحل، وقد كره مالك: بيع الكتابة من أجنبي بعرض أو غيره إلى أجل؛ لأنه دين بدين ووسِّع في هذا بين السيد ومكاتبه، فلذلك كرهنا الحوالة على الأجنبي إذا لم تحل الكتابة؛ لأنه يكون ديناً بدين. وقال أشهب: تجوز الحوالة وإن لم تحل الكتابة ويعتق مكانه؛ لأن ما على المكاتب ليس بدين ثابت وكأنه عجل عتقه على دراهم نقداً أو مؤجلة والكتابة دنانير لم تحل، وكمن قال لعبده: إن جئتني بألف درهم فأنت حر، ثم قال له: إن جئتني بخمس مائة درهم أو
بعشرة دنانير فأنت حر؛ فإن جاء بها كان حراً ولم يكن بيع فضة بذهب، ولا فسخ دين في أقل منه، وكأن لم يكن قبله إلا ما أدى. ابن المواز: وهذا أقيس القولين وأجوزهما، وإنما مكروهه عند ابن القاسم فيما أظن: فيما لا يخرج به المكاتب حراً كله مكانه فلم يجز أن يحيله إلا بما قد حل من نجومه، وأما ما لم يحل منها فلا يجوز عنده إلا أن يعتق بذلك مكانه فتنفذ الحرية ويجوز ذلك فيه. وقد قال: لا يجوز الضمان بالكتابة ولا الحول بها ولا الأخذ عليها إلا بتعجيل العتق، فإنه يجوز. قال ابن المواز: صواب كله إلا في الحوال على حق المكاتب على رجل برضا السيد؛ فهو جائز، وإن كان بعض النجوم، وقد برئ المكاتب من ذلك. وفي كتاب الحوالة زيادة في هذا. فصل ومن كتاب المكاتب قال مالك الأمر المجمع عليه عندنا في المكاتب يكون بين الرجلين: أنه ليس لأحدهما أن يقاطعه على حصته منه إلا بإذن شريكه؛ وذلك لأن العبد وماله بينهما فلا يجوز لأحدهما أن يأخذ من ماله شيئاً إلا بإذن شريكه، فإن أذن له فقاطعه من عشرين مؤجلة في حصته على عشرة معجلة ثم عجز المكاتب قبل أن يقبض هذا مثل
ما أخذ المقاطع؛ خُيِّر المقاطع بين أن يرد إلى شريكه نصف ما فضله به ويبقى العبد بينهما، أو يتماسك بما قبض، ويسلم حصته من العبد إلى شريكه رقاً. قال ابن المواز: ولو كان إنما قاطعه من العشرين على عرض أو حيوان؛ نظر إلى قيمة ذلك نقداً يوم قبضه، ثم رد فضلاً إن كان عنده، وأخذ حصته من العبد إن شاء، وإن كان قاطعه على شيء له مثل من مكيلٍ أو موزونٍ رد مثله ورد الآخر كلما قبض وكان بينهما نصفين مع رقبة العبد إلا أن يشاء أن يتماسك بما قاطعه به ويسلم حصته من العبد لشريكه فذلك له. ومن المدونة قال مالك: ولو مات المكاتب عن مال: فللآخر أن يأخذ جميع ما بقي له من الكتابة بغير حطيطة، حلت أو لم تحل، ثم يكون ما بقي من ماله بينه وبين الذي قاطعه على قدر حصصهم في المكاتب وقاله ابن المسيب. قال ابن المواز: إذا قاطع أحدهما بإذن شريكه فاقتضى المتمسك أكثر مما أخذ المقاطع أو مثله ثم عجز المكاتب؛ لم يرجع عليه المقاطع بشيء، وبقي العبد بينهما، ولو مات ولم يدع مالاً أو ترك شيئاً يسيراً ليس فيه مثل حق المتمسك ولا مثل ما أخذ المقاطع؛ لم يرجع المتمسك على المقاطع بشيء مما عنده من الفضل، ولو لم يأخذ المقاطع جميع ما قاطعه عليه حتى مات المكاتب ولم يترك إلا أقل مما بقي عليه من الكتابة لتحاصا فيه جميعاً؛ المقاطع مما بقي له من قطاعته، والمتمسك بجميع ماله في الكتابة. م: قال بعض أصحابنا: ولو لم يقبض المقاطع شيئاً مما قاطعه عليه، وقبض الذي لم يقاطعه شيئاً، ثم عجز المكاتب؛ فقال بعض شيوخنا من القرويين: إن كان الذي لم يقاطع
إنما قبض عند حلول كل نجم فلا رجوع للمقاطع عليه بشيء؛ لأنه رضي بتأخير المكاتب وترك لصاحبه ما أخذ وإن كان إنما عجل له المكاتب شيئاً قبل أجله فله فيه متكلم. م: قال بعض أصحابنا: فيكون للمقاطع أن يأخذ من صاحبه نصف ما اقتضى. م: والذي أدى إن اقتضى المتماسك نجماً مما حل عليه، فقام عليه المقاطع فيلتحاصا فيه؛ المقاطع بقدر ما قاطعه عليه، والمتمسك بقدر النجم الحال؛ لأن ذلك قد حل لهما جميعاً عليه فيتحاصا فيه بقدر ما حل لكل واحد، وأما إن عجل للمتمسك النجم قبل محله فللمقاطع القيام عليه فيأخذ منه قدر ما قاطعه عليه، فإن فضل شيء كان للمتمسك؛ لأن حق المقاطع قد حل، وحق الآخر لم يحل، فتعجيله له قبل أجله هبة منه له؛ فللمقاطع رد هبته وأخذها في حقه والله أعلم. وهذا إذا لم يكن له مال غيره فإن كان له مال يأخذ منه المقاطع حقه أخذه منه وتم للآخر ما عجل له، ولو كان إنما قاطعه بغير إذن شريكه، وعلم
بذلك قبل عجز المكاتب وقبل موته؛ فإن ما قبض المقاطع يكون بينهما إلا أن يسلمه له شريكه ويتمسك هو بالكتابة، فيصير كأنه قاطعه بإذنه، فإن لم يرض فله أخذ نصف ما أخذ المقاطع؛ لأن العبد وماله بينهما فليس لأحدٍ أن يأخذ من ماله شيئاً إلا بإذن شريكه. وقال بعض المتأخرين غير هذا، وهو خطأ. قال ابن المواز: ولو قاطعه بغير إذن شريكه ثم عجز المكاتب عن حق المتمسك أو مات وقد استوفى المتمسك مثل ما أخذ منه المقاطع، أو ترك الميت مالاً يأخذ الآخر منه ما بقي له، أو مثل ما أخذ المقاطع؛ فلا حجة للمتمسك على المقاطع، لا يختلف في ذلك ابن القاسم وأشهب، واخلفا: إذا عجز ولم يأخذ المتمسك إلا أقل مما أخذ المقاطع؛ لاختلاف قول مالك، فقال ابن القاسم: الخيار هاهنا للمتمسك؛ بين أن يرجع على المقاطع بنصف ما فضله به على ما أحب أو كره، ويكون العبد بينهما أو يتماسك بالعبد كله، ولا يكون للمقاطع أن يرد نصف الفضل، ويرجع بنصيبه في رقبة العبد، بخلاف المقاطع بإذن شريكه، ورواه عن مالك في موطئه. وقال أشهب: إذا تمسك هذا بالعبد رجع الخيار للذي قاطع، فله رد نصف الفضل ويكون له نصف العبد. قال ابن المواز: لأنه يصير كأنه قاطعه بإذنه أو علم به فرضي. ورواه عن مالك ابن المواز، وعليه من أرضى من أصحاب مالك. قال مالك: وكان ربيعة: يكره أن يقاطع أحد الشريكين وإن أذن شريكه، ويقول: إن فعل ثم مات العبد: فميراثه للذي لم يقاطع، والذي تقدم من قول مالك هو قول ابن المسيب وعليه جميع أصحاب مالك.
ابن المواز: قال مالك في مكاتب بين رجلين قاطعه أحدهما على نصف نصيبه على مائة وجميع الكتابة ثمانمئة وأبقى الربع الآخر مكاتباً بإذن شريكه؛ فذلك جائز، فإن عجز العبد قبل أن يستوفى المتمسك شيئاً، قيل للمقاطع: إن شئت فاردد على شريكك نصف ما فضلته به ويكون العبد بينكما، وإن أبيت من ذلك بقي لك ربع العبد ولشريكك ثلاثة أرباعه. قال: ولو قبض منه المتمسك مثل ما أخذ المقاطع في القطاعة وذلك مائة؛ كان المقاطع أيضاً بالخيار في عجزه إن شاء سلم للمتمسك ما أخذ وكان له نصف العبد شاء المتمسك أ, أبى، [وإن شاء أخذ منه ثلث المائة] وكان له ربع العبد، وللمتمسك ثلاثة أرباعه، وكذلك إن قبض المتمسك ما بقي فللمقاطع أخذ ثلثها وإن كره صاحبه، ويكون للمقاطع ربع العبد فقط، وإن شاء أخذ منه خمسين؛ نصف ما فضله به ليستويا في الأخذ، ويكون العبد بينهما نصفين. م: يريد ولو قبض المتمسك ثلاثمائة لرجع عليه المقاطع فأخذ منه مائة حصة ما بقي له من العبد مكاتباً، وبقي العبد بينهما نصفين؛ لاستوائهما في الأخذ. قال ابن المواز: وإنما خير المقاطع إذا قبض المتمسك ما يتبين أو أقل؛ لأن المقاطع لم يقبض غير ما قاطع عليه، وكان حقه أن يأخذ الثلث من كل ما يقتضي؛ لأن له ربع المكاتب مكاتباً، ولشريكه نصفه، فإن شاء أخذ ذلك ثم له أن يختار التماسك بما قبض ويكون له ربع العبد، أو يرد ما فضل به صاحبه ويكون له نصف العبد.
م: انظر لم هذا؟ وإنما كان ينبغي إذا عجز قبل أن يستوفي المتمسك شيئاً؛ أن يقال للمقاطع: إن شئت فاردد إلى شريكك نصف ما فضلته به ويكون العبد بينكما، وإن أبيت من ذلك بقي لك ثلث العبد ولشريكك ثلثاه؛ لأنك أبقيت ربع العبد مكاتباً لك، ولشريكك نصفه مكاتباً فله مثل مالك فيه فيكون بينكما أثلاثاً، كما لو كان العبد بين ثلاثة: لواحد نصفه، وللآخرين ربعاً ربعاً، فقاطعه واحد من الذين له ربعه بإذن شريكه ثم عجز العبد قبل أن يقبض المتمسكان شيئاً؛ فإنه يقال للذين قاطع: اردد إلى شريكيك ما فضلتهما به، ويبقى العبد بينكم حسب ما كان، فإن أبيت بقي العبد بين شريكيك أثلاثاً لصاحب الربع ثلث، ولصاحب النصف ثلثاه، فكذلك إذا كان بينهما فقاطع أحدهما نصف نصيبه؛ الحكم سواء. م: والمسألة في الموطأ نحو ما ذكر في كتاب ابن المواز. م: ووجه هذا: أن المقاطع لما رضي بما قاطعه به سيده فقد سلم ذلك الربع لشريكه خاصة؛ لأنه قد أخذ عوضه فوجب ألا يعود إليه منه شيء والله أعلم بالصواب. ابن المواز: ولو قاطعه أحدهما بإذن شريكه من الأربعمائة، حصته على مائة وقبضها منه ثم زاده الآخر في النجوم على أن يزيده المكاتب على حصته مائة ورضي بذلك شريكه فذلك جائز.
م: هذا لا يجوز على ما يتبين. سحنون: لأنه لم يتعجل عنقه. قال ابن المواز: وإن عجز قبل أن يأخذ المزاد شيئاً؛ خير المقاطع: بين رد نصف ما فضله به ويكون العبد بينهما، أو يتماسك ويسلم العبد لشريكه، وإن قبض المزاد مثل ما أخذ المقاطع أو أخذ جميع حقه الأول بلا زيادة بقي العبد بينهما، وإن كان إنما مات العبد قبل أن يأخذ المزاد شيئاً وترك مالاً فليأخذ منه المزاد جميع ماله عليه من حقه الأول والزيادة، فإن فضل بعد ذلك شيء كان بينه وبين المقاطع نصفين، وإن لم يترك شيئاً لم يرجع المزاد على المقاطع بشيء. وذكر عن الفقيه ابن عمران -رضي الله عنه-: في المكاتب بين الرجلين يقاطعه أحدهما بإذن شريكه ثم يقتل العبد فتؤخذ قيمته من القاتل. قال: قيمته مثل تركته وليست كرقبته؛ لأن القيمة مال كتركته ومن جنس ما أخذ المقاطع، والرقبة معينة تقع الرغبة فيها، فلذلك بديناه فيها فيكون المبدأ بأخذه ما بقي له الذي لم يقاطع، ويكون ما بقي بينهما. وقال غيره: القيمة عوض من الرقبة؛ فإن كان فيها مثل ما أخذ المقاطع أخذه المتمسك، وإن كان أقل أو أكثر كان كالجواب في عجزه. م: والأول أصوب؛ وذلك كالمكاتبين يقتل أحدهما أن قيمته كتركته يعتق فيها صاحبه أو ولده فكذلك قيمته هاهنا كتركته والله أعلم. ومن العتبية روى أبو زيد عن ابن القاسم في مكاتب بين ثلاثة قاطع أحدهم بإذن صاحبه وتمسك الثاني ووضع الثالث ثم عجز العبد: فإن رد الذي قاطع نصف ما قاطع به
إلى المتمسك كان العبد بين الثلاثة بالسواء، وإن أبى كان العبد بين المتمسك وبين الذي وضع نصفين. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حل نجمٌ من نجوم المكاتب بين الرجلين؛ فقال أحدهما لصاحبه: بدني به وخذ أنت النجم المستقبل ففعل ثم عجز العبد عن النجم الثاني؛ فليرد المقتضي نصف ما قبض على شريكه؛ لأن ذلك سلف منه له ويبقى العبد بينهما، ولا خيار للمقتضي، بخلاف المقاطعة، وهذا كقول مالك في الدين يكون لهما منجماً على رجل فبدّى أحدهما صاحبه بنجم على أن يأخذ هو النجم الثاني ثم أفلس الغريم في النجم الثاني؛ أنه يرجع على صاحبه لأنه سلف منه له. قال في كتاب ابن المواز: إلا أن يعجز المكاتب أو يموت قبل محل النجم الثاني فليس له أخذه به حتى يحل النجم الثاني. قال ابن المواز: ولو حل النجم الثاني قبل عجزه فتعذر على المكاتب وانتظر لما يرجى له كان على الشريك أن يعجل لشريكه سلفه ثم يتبعان المكاتب جميعاً بالنجم الثاني. وقال ابن القاسم في العتبية: إذا قدمه بنجم ثم حل نجم بعده فقال له: تقاض أنت وأنا واقضي ما أسلفتك، فليس ذلك عليه ولا له قبله شيء إلا أن يعجز المكاتب.
قال محمد: وكذلك لو حل على المكاتب نجم فلم يجد إلا نصفه فجاء به فقال الشريك: آثرني به وخذ أنت حقك في النجم الثاني، ففعل، كان أيضاً سلفاً منه لشريكه، يرجع عليه بحصته إن عجز المكاتب قبل أن يستوفي. ولو قال الشريك: آثرني به وانظر أنت المكاتب؛ فرضي على هذا الشرط، أو كان إنما سأله المكاتب أن يدفع ذلك لشريكه وينظره هو بحقه، لكان ذلك انتظاراً منه للمكاتب في الوجهين، ولا يرجع به على الشريك إن مات المكاتب ولا شيء له إن عجز، ويكون العبد بينهما، وهذا إذا لم يكن فيسما جاء به زيادة على حق أحدهما، فأما لو كان فيه زيادة فأخذ ذلك الشريك بإذن شريكه واشترط فيه انتظار المكاتب، لم يلزم ذلك في الزيادة؛ لأن الزيادة من مصابة الذي لم يقبض، وقبض هذا لها كقبض صاحبها فإنما قبضها عنه وأحال بها القابض شريكه فيما لم يحل له، فإن لم يدفع ذلك المكاتب رجع الشريك بذلك على شريكه، وإنما الإنظار فيما قد حل لا فيما لا يحل. قال: ولو سأل المكاتب أحدهم قبل محل شيء أن يؤخره بحصته من الكتابة كلها حتى يتم اقتضاء الآخر فرضي له بذلك؛ فذلك لازم لا رجعة له فيه بخلاف ما أحضره المكاتب؛ لأنه بإحضاره وجب لهما فإن كان جميع ما حل عليه من الكتابة فهو سلف من الشريك لشريكه لا يجوز فيه اشتراط أنه نظره منه للمكاتب لما قدمنا، وإن كان [نصف ما حل عليه] لا زيادة فيه فجائز للشريك أن يأس شريكه أن يسلم له ذلك، وينظر هو
المكاتب بحصته فيلزم ذلك، ولا رجعة له على شريكه حسب ما بيننا وبالله التوفيق. ومن المدونة: ولو أخذ أحدهما جمع حقه من المكاتب بعد محله بإذن صاحبه فأخره صاحبه ثم عجز المكاتب؛ فلا رجوع للذي أخره على المقتضي، ويعود العبد بينهما، وهذا كغريم لهما قبض أحدهما حقه منه بعد محله وأخره الآخر ثم فلس الغريم؛ فلا يرجع الذي أخره على المقتضي بشيء؛ لأنه لم يسلف المقتضي شيئاً فيتبعه به ولكنه تأخير لغريمه. قال ابن القاسم: وإن تعجل أحدهما جميع حظه من النجوم قبل محلها بإذن شريكه ثم عجز المكاتب عن نصيب شريكه؛ فهذا يشبه القطاعة عندي في عجز المكاتب إذا لم يكن له ذلك إلا بإذن شريكه، وقيل: ليس كالقطاعة، ويعد ذلك سلفاً من المكاتب للمتعجل وأما القطاعة التي أذن فيها أحد الشريكين لصاحبه فهي كالبيع؛ لأنه حظه على ما تعجل منه ورأى أنه ما قبض أفضل له من حظه في العبد إن عجز. م: وبهذا أخذ ابن المواز ولم يعجله قول ابن القاسم: أنه كالقطاعة، ولا قول عبد الملك، وذكر أن عبد الملك يقول فيها: أنه إن عجز المكاتب قبل أن يحل عليه شيء من النجوم فليرجع على شريكه بنصف ما قبض وهو سلف من الشريك له، وإن عجز وقد حل شيئاً منها؛ فإنه يمضي للقابض نصيبه مما قد حل، ويخرج ما فضل عنده من ذلك ومما لم يحل؛ فيكون بينه وبين شريكه مع رقبة العبد مثل أن يعجز وقد حل عليه نجمان كل نجم عشرة لكل واحد خمسة من كل نجم فليجلس المقتضي حقه من النجمين وهو عشرة
باب في كتابة الجماعة، والتراجع بينهم، وتعجيل أحدهم الكتابة، وعتق السيد بعضهم [وتدبيره أحدهم، وكتابة الجماعة لعبيدهم] والحمالة في ذلك
ويخرج ما بقي منهما وهو عشرة مع سائر النجوم التي لم تحل مما قد اقتضاه، فيكون ذلك بينهما نصفين مع رقبة العبد. ومن المدونة ابن وهب: وقال ربيعة: قطاعة الشريك بخلاف عتقه لنصيبه الذي يقوم عليه بقيته، ولكنه كشراء العبد نفسه. م: قوله ولكنه كشراء العبد نفسه يريد: كشرائه من أحد سيديه حصته منه؛ فإنه لا يقوم عليه كما لا يقوم على المعتق بغير عوض، ولكنه ينظر: فإن كان ذلك بمعنى الكتابة؛ فإنه يرجع رقيقاً ويقتسمان المال إن أحبا. باب في كتابة الجماعة، والتراجع بينهم، وتعجيل أحدهم الكتابة، وعتق السيد بعضهم [وتدبيره أحدهم، وكتابة الجماعة لعبيدهم] والحمالة في ذلك. قال مالك: ولا بأس أن يكاتب الرجل عبيده في كتابة واحدة ويكون كل واحد ضامن عن بقيتهم وإن لم يشترط ذلك السيد، ولا يعتق أحد منهم إلا بتمام أداء الجميع، ولسيد أخذهم بذلك؛ فإن لم يجد عند جميعهم فله أخذ المليء بالجميع، وهذا سنة الكتابة، بخلاف حمالة الديون، لو أن ثلاثة تحملوا لرجل ولم يشترط عليهم أن كل واحد حميل بما على صاحبه؛ لم يكن على كل واحد منهم إلا ثلث ذلك المال إلا أن يشترط عليهم: أن كل واحد حميل بجميع المال؛ فله أخذه به وتمام هذا في كتاب الحمالة.
قال ابن المواز: وله أن يكاتب كل واحد من عبيده في كتابة، ويتحمل بعضهم ببعض، ولكن لا يبيع واحداً منهم، ولا بعض كتابه، ولا يعتقه بغير إذن صاحبه وإسقاط ضمانه. قال أبو محمد: إنما يعني محمد: أن ذلك في عقد واحد، ويلزم على ما قال: إن أدى واحد قبل الآخر لم يعتق حتى يؤدي الآخر، قال: ولا بأس أن يتحمل عبد له بمكاتب له ويضمن عنه الكتابة بخلاف الأجنبي. ومن المدونة قال مالك: ولا يوضع عن المكاتبين في كتابة شيء لموت أحدهم. قال ابن القاسم قال مالك: وإذا كوتبوا جميعاً كتابة واحدة؛ قسمت الكتابة عليهم على قدر قوتهم عليها، وأدائهم فيها، لا على قيمة رقابهم. قال في كتاب ابن المواز: تفض الكتابة عليهم على قدر غنائهم ورجائهم يوم عقدت فقد يكون من لا يملك شيئاً أرجا لبعد اليوم ممن عنده اليوم الغناء فليجعل على كل واحد منهم بقدر ما كان يطيق. قال ابن القاسم: على قدر قوته وحدته واجتهاده يوم عقدت الكتابة. ابن المواز وقال عبد الملك: بحصته على العدد، وكذلك إن استحق أحدهم وهم أربعة سقط عنهم ربع الكتابة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أدى أحدهم الكتابة حالة رجع على أصحابه بحصصهم منها على النجوم. م: يريد: على ما يقع على كل واحد من الكتابة يوم عقدت على ما بيننا ويدخله الاختلاف. وكى ابن حبيب عن ابن القاسم: أنه يرجع عليهم على قدر قوتهم على الكتابة. وقال أشهب: على قدر قيمتهم يوم كوتبوا. وقال مطرف وابن الماجشون: على قدر قيمتهم يوم عتقوا ليس لوم كوتبوا. وقال أصبغ: على قدر قيمتهم يوم كوتبوا، أو حالهم يوم عتقوا، لو كانت هي حالهم يوم كوتبوا. وأخذ ابن حبيب بقول مطرف وابن الماجشون. م: وهو خلاف ما ذكر محمد عن ابن الماجشون. م: فصار في فض ما أدى عنهم خمسة أقوال: قول: على قدر قوتهم عليها. وقول: على قدر عددهم. وقول: على قدر قيمتهم يوم كوتبوا.
وقول: على قدر قيمتهم يوم عتقوا. وقول: على قدر قيمتهم يوم كوتبوا، أو حالهم يوم عتقوا، أن لو كانت هي حالهم يوم كوتبوا. م: وهذا فيما يرجع عليهم من أدى عنهم، وأما فيما يفضل عليهم في أداء الكتابة؛ فلا يصح إلا الثلاثة أقوال: على قوتهم عليها، وعلى عددهم، وعلى قيمتهم يوم كوتبوا. م: وقول ابن القاسم على قدر قوتهم وغنائهم ورجائهم هو أثبتها والله أعلم. قال ابن المواز قيل لأشهب: فإن كان فيهم صغير فبلغ السعي قبل أن يؤدوا؟ قال: فعليه بقدر ما يطيق يوم وقعت الكتابة على حاله. قال محمد: يعني على حاله يوم الحكم أن لو كان هكذا يوم الكتابة. قال أصبغ: ولا يعجبني هذا، ولكن على قدر طاقته يوم بلغ السعي، أن لو كان بهذا الحالة يوم الكتابة. قال في باي آخر: وإذا كان فيهم يوم عقد الكتابة زمن لا سعاية له أو صغير فلا شيء عليه. قال ابن القاسم: إلا أن يبلغ فينظر إلى حالته اليوم أن لو كان كذلك يوم وقعت الكتابة.
ابن المواز: وإذا أدى أحدهم الكتابة وعتقوا؛ فإن كانت الكتابة قد حلت رجع بذلك [حالاً إن كانوا أجنبيين، وإن كانت لم تحل رجع بذلك] على النجوم والحمالة قائمة عليهم كما كانت للسيد. قال ابن القاسم: فإن فلس أحدهم حاص بما أدى عنهم غرماؤه. قال ابن المواز: صواب؛ لأن ذلك سلف أخرجه عنهم من ماله فهو بخلاف السيد فيما يطالب من ذلك أو من قطاعة. قال محمد: وإنما يرجع عليهم إذا أدى عنهم جميع الكتابة وعتقوا، وأما ما لا يعتقون به فلا يرجع بذلك عليهم إلا بعد العتاقة؛ لأن أخذهم بذلك الآن يضعفهم، وإنما أدى عنهم لتفرغهم للسعاية فلا يشغلهم باتباعهم عن الكتابة، ولو أخذ ذلك منهم لأخذه منه السيد عن نفسه وعنهم فنجوم السيد أولاً. قال ابن القاسم فيه وفي المدونة: ولا يرجع على ما يعتق عليه أن لو ملكه بشيء. فصل قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا: أن للمكاتب تعجيل المؤجل من كتابته، ويلزم السيد أخذه، وتعجيل العتق، وذلك: أنه يوضع عن المكاتب كل خدمة وسفر وعمل؛ لأنه لا تتم عتاقة رجل فتجوز شهادته وميراثه وعليه بقية من رق. ابن وهب وقال ربيعة: ولأن مرفق التأجيل للعبد خاصة فإذا جاء بجميع كتابته فقد برئ، وقد أتى إلى عمر بن الخطاب مكاتب بكتابته وذكر أن سيده أبى أن يقبلها، فقال
عمر: خذها لا يرفأ فضعها في بيت المال، واذهب فأنت حر، فلما رأى ذلك مولاه قبضها، وكذلك فعل عثمان بن عفان. فصل قال ابن القاسم: ومن كاتب عبدين له أجنبيين كتابة واحدة ثم حدث بأحدهما زمانه فأدى الصحيح جميع الكتابة؛ فإن الكتابة تفض عليهما بقدر قوتهما على الأداء يوم عقد الكتابة فيرجع الصحيح على الزمن بما صار على الزمن منها. قال سحنون: لأنه عتق بالأداء، وقاله أشهب وأكثر الرواة. قيل: فإن أعتق السيد هذا الزمن قبل الأداء؟ قال: عتقه جائز، وإن كره الصحيح، وتبقى جميع الكتابة على الصحيح، ولا يوضع عنه لمكان عتق الزمن شيء إذ لا منفعة له فيه وإن ترك ورد عتقه من الضرر. م: ولأن عتق هذا قد وقع وانتقل به إلى حرمة الأحرار من الشهادة والموارثة وغيرها وهو اليوم لا منفعة لصاحبه فيه بل عليه ضرر نفقته، وإنما منفعته شيء يرتجيه قد يصح له أو لا يصح؛ فلا يسقط حقاً وجب لأمر غير متيقن.
م: قيل: فإن زمن أحدهما فأدى صاحبه عنه وعن نفسه زماناً ثم أعتق السيد الزمن بعد ذلك قبل تمام الكتابة، هل يرجع الذي أدى عن الزمن بما كان أدى عنه؟ فقال أبو عمران -رضي الله عنه-: يرجع عليه بذلك؛ لأنه إنما أسقط السيد بالعتق باقي الكتابة، وما أدى هذا عنه كدين لزم الزمن قبل العتق، وبمنزلة ما لو أخذ المكاتب مالاً من أجنبي فأداه في بعض كتابتهما ثم أعتق السيد الزمن بعد ذلك؛ فالدين باقي في ذمة المكاتب والزمن. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كانا قويين على السعاية؛ لم يكن للسيد عتق أحدهما، ويرد ذلك إن فعل، فإن أديا عتقا، وإن عجزا لزم السيد عتق من كان أعتق، كقول مالك فيمن أعتق عبده وعليه دين: فرد غرماؤه عتقه ثم أيسر السيد قبل بيعه فأدى إلى الغرماء؛ فإن العبد يعتق بالعتق الأول الذي كان أعتق. قال سحنون: ومثل ذلك من أخدم عبده أو آجره ثم أعتقه قبل تمام المدة، فلم يجز المخدم ولا المؤاجر؛ فالعتق موقوف، فإذا تمت المدة عتق العبد بالعتق الأول الذي كان أعتق. ابن حبيب: قال أصبغ: وإذا أعتق السيد أحد المكاتبين فلم يجز الباقون ذلك فسعى معهم وأدى بعضه الكتابة ثم عجزوا وعتق الذي كان أعتق السيد؛ فلا يرجع على سيده بشيء مما كان أدى إليه بعد عتقه، وذلك كالغلة، وكذلك لو أدى معهم حتى عتقوا لم
يرجع على سيده بشيء مما أدى بعد عتقه مما كان ينويه إلا أن يكون له فضل فيرجع به على أصحابه. م: لو وجب أن يرجع على سيده بشيء مما أدى بعد عتقه؛ لكان يسقط ذلك عنه وهو في الكتابة ولكن السيد لما رد فعله بقي العبد مكاتباً على حاله فما أخذه منه كالغلة. م: وليحيى بن عمر مثل كلام أصبغ. وقال بعض القرويين: إن المسألة يدخلها القولان اللذان في مسألة من أجر عبده ثم أعتقه أنه إذا قال: أردت عتقه الآن؛ كانت بقة الإجارة للعبد، فكذلك المكاتب إذا قصد أعتقه للوقت فما يقتضى منه يرد على العبد، ولا فرق بين حق الإجارة وبين حق المكاتبين. م: إذا كان يقتضي منه يرد عليه في هذا القول فيجب أن يسقط ذلك عنهم، ويكون ذلك عوضاً من سعيه معهم، إذ ليس عليه أن يؤدي أكثر مما يخصه إذا كانوا يقوون على السعي، فإذا أدوا أعتقوا كلهم، وإن عجزوا ولهذا مال أدوا عنه بقية الكتابة، ورجع عليهم بذلك، وإن لم يكن له مال رقوا، وعتق هذا بالعتق لأول. وقال بعض أصحابنا: يسقط عنه حصته ويسعى معهم بعد ذلك ولا أدري ما وجه ذلك. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإنما مُنع السيد من عتق أحد المكاتبين وهما قويان على السعاية من أجل صاحبه الذي معه في الكتابة، فإن أجاز صاحبه عتقه
وكان صاحبه يقوى على السعاية كما ذكرنا ليس بصغير ولا زمن جاز عتقه ويوضح عن الباقي حصة المعتق من الكتابة، ويسعى وحده فيما بقي عليه، ولا يسعى معه المعتق، ولو أجاز على أن يسعى معه المعتق فيما بقي عليه لم يجز العتق وسعيا جميعاً في جميع الكتابة. وقال ربيعة: لا يجوز للسيد أن يعتق أحدهم أو يقاطعه، وإن أذن في ذلك أصحابه ويرد إن فعله؛ لأن سعاية العتق وماله عون لأصحابه في العتق. قال سحنون: وهذا أعدل. م: ينبغي أن ينظر في ذلك: أي ذلك أنفع لهم، من إجازة عتقه لضعفه عن السعي له، أو رده لقوته فيه فيفعل الأنفع لهم من ذلك. قال ابن المواز: إذا كانوا قد أشرفوا على العجز لولا هذا الذي أعتقه السيد لقوته على السعي أو لكثرة ماله وقد يكون قد تقارب عتقهم، فلا يجوز في مثل هذا إذنهم للسيد في عتقه. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو دبر السيد أحدهما بعد الكتابة ثم أديا؛ عتقا، وإن عجزا: لزم السيد تدبير من كان دبر، وإن مات السيد قبل عجزهما والمدبر يحمله الثلث وهو قوي على الأداء حين مات السيد؛ لم يعتق إلا برضى صاحبه على ما ذكرنا في العتق. قال أبو محمد بن أبي زيد: انظر إن رضوا هل يكون في الثلث الأقل من قيمته أو ما يقع عليه من بقية الكتابة كما لو كان وحده؟ م: نعم يكون في الثلث الأقل، ولا فرق بينهما.
م: ذكر عن بعض شيوخنا أنه قال: ولو دبر أحدهما وهو زمن لا سعاية فيه ثم مات السيد؛ فإنما يجعل في الثلث قيمة الرقبة، ولا ينظر إلى الكتابة إذ هو عاجز عنها. م: قال بعض أصحابنا: لا فرق بين الزمن وغيره؛ لأن الكتابة قائمة ومن معه في الكتابة يؤدي عنه فحكمها باق. م: وهو الصواب؛ لأن من لم يعجز بعد، حكمه حكم المكاتب، وهذا بين والله أعلم. وفي العتبية قال سحنون عن المغيرة: فيمن كاتب ثلاثة أعبد له كتابة واحدة وبعضهم حميل ببعض، فأبق أحدهم، وعجزهم السلطان، ثم قدم الآبق ومعه قوة على الأداء، والسلطان الذي عجزهم قائم، فالقادم على كتابته إن أداها عتق هو والمكاتبين معه ويرجع عليهم بما أدى عنهم. قال بعض أصحابنا: إما ذلك إذا لم يعلم الغائب أو جهل وجه الحكم فعجز أصحابه دونهم فوجب نقض حكمه، فأما لو علم بالغائب فتلوم له وعجز الجميع ثم قدم الغائب؛ فالحكم ماض عليه وعلى أصحابه ويرقون أجمعون. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كان المدبر زمناً يوم مات السيد؛ عتق في الثلث، ولا يوضع عن أصحابه من الكتابة شيء كعتق الصغير والزمن.
قال عنه ابن المواز: وإذا زمن أحد المكاتبين فقال له السيد: إذا عجزت فأنت حر. فهو حر الساعة، إذ لا نفع في توقيفه وكذلك الصبي. ومن المدونة: وإذا أعتق السيد أحد المكاتبين، ودبر الآخر؛ فإن كان المعتق زمناً: جاز عتقه، وإلا لم يجز، فإن عجز ألزمه العتق والتدبير، وإن أديا [عتقا. فصل قال ابن القاسم وأشهب: ومن كاتب عبده على نفسه وعلى عبد للسيد غائب] لزم العبد الغائب وإن كره؛ لأن هذا يؤدي عنه ويتبعه إن لم يكن ذا قرابة له ممن يعتق على الحر بالملك، وتلزم الغائب الكتابة، كقول مالك فيمن أعتق عبده على أن عليه كذا وكذا فيأبى العبد: أن ذلك جائز، والمال لازم للعبد، وكذلك العبد يكاتب عن نفسه وعن أخ له صغير لا يعقل في ملك السيد أنه جائز. ابن المواز: وكذلك لو ألزم عبديه الكتابة على كذا، أو في كل نجم كذا، فرضي أحدهما ولم يرض الآخر؛ فذلك يلزمه عند ابن القاسم، ويرجع عليه بما أدى عنه، كما لو كان غائباً، وقاله أصبغ على الاستحسان والاتباع للعلماء، قال: وكذلك عندي في العبد
الواحد يلزمه السيد الكتابة فذلك يلزمه على ما أحب أو كره، ولا حجة له فيها إلا بعجز ظاهر. وقد تقدم في الباب الأول الاختلاف في إكراه العبد على الكتابة. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كان لك عبد ولرجل آخر عبد؛ لم يجز لكما جمعهما في كتابة واحدة، كل واحد منهما حميل بما على صاحبه؛ لغرر الكتابة، إذ لو هلك أحدهما أخذ سيد الهالك مال الآخر باطلاً، فهذا غرر، وهو كقول مالك في دار بين رجلين حبساها على أنفسهما على أن من مات منهما أولاً فنصيبه حبس على الباقي منهما، فقال مالك: لا خير في هذا؛ لأنه غرر ومخاطرة؛ لأنه إن مات أحدهما أخذ الآخر نصيب الآخر باطلاً فكذلك مسألتك. قال سحنون: فإن نوى ذلك فالكتابة جائزة؛ لأنها حمالة والحمالة لا تبطل الكتابة. قال ابن المواز: وأما عبدان بين رجلين، أو ثلاثة أعبد بين ثلاثة نفر، لكل واحد ثلث عبد؛ فقد اختلف في جميعهم في كتابة واحدة. فلم يجزه أشهب قال: لأن كل عبد تحمل لغير سيده في عبد آخر، فهي كتابة منتقضة إلا أن يسقطوا حمالة بعضهم عن بعض؛ فيجوز إن لم يكن ثم عقد كتابة تلزم فتكون كتابة كل واحد على حدة، وعلى كل واحد ما يلزمه من الكتابة يوم عقدت.
قال أحمد بن ميسر: ليس كما احتج؛ لأن لكل واحد ثلث عبد، فإنما يقبض كل واحد عن ثلثه ثلث الكتابة، فلم يقتض أحدهم عن غير ملكه شيئاً. قال أشهب: وإذا كاتب الرجل عبديه كتابة واحدة؛ فهو جائز، فإن أراد بيع أحدهما فلا يجوز، وكذلك لا يجوز بيع نصفهما، ولا بيع نصف أحدهما؛ لأنه يصير مثل ما وصفت لك، وذلك أن النصف المبيع يصير متحملاً عمن لا يملكه سيده. قال: وله بيعها من رجل واحد لا من رجلين؛ لأن كل واحد من الرجلين تصير له حمالة بكتابة على من لا يملكه، وإن أسقطت الحمالة عنهم لم يجز؛ لأنه يعجزهم ويضعفهم. قال ابن المواز: أما بيعهما من رجلين أو من رجل نصف كتابتهما جميعاً؛ فجائز، ولو ورثهما رجال جاز لكل واحد بيع نصيبه منهما وهبته، وقد أجاز ابن القاسم وأشهب بيع بعض المكاتب أو نجماً بغير عينه، وأكره لمن اشتراهما أو للورثة قسمتهما أن يأخذ هذا مكاتباً وهذا مكاتباً ولهما قسمة ما عليهما. وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية: أن الورثة لا يجوز لهم اقتسام ما على المكاتب إلا عند انقضاء كل نجم؛ لأنه ليس بدين ثابت فيقسم كاقتسام الديون. قال ابن المواز: وإذا كاتب الرجلان عبديهما كتابة واحدة؛ فجائز، لا تنقص خلاف ما قال أشهب.
قال مالك: ويوضع عن كل واحد منهما من الكتابة على قدر طاقته واجتهاده فيما يرى يوم الكتابة. فصل ومن المدونة ابن وهب وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا: أن العبد إذا كاتبه سيده لم ينبغ أن يتحمل له أحد بكتابته إن مات العبد أو عجز، وليس هذا من سنة الكتابة؛ لأن الكتابة ليست بدين ثابت، وإن مات المكاتب أو عجز لم ينتفع الحميل بما أدى في عتق ولا رق يملكه. قال غيره: إجازة الضمان فيها إصراف لها إلى الذمة وشبهها، إلا تكون في ذمة، فما أخرجه الحميل لا يكون له في ذمة العبد، وإن وجد عنده شيئاً أخذه، وإلا بطل حقه وذهب ماله باطلاً، وليس هكذا شروط المسلمين. في عجز المكاتب وتعجيزه نفسه قال ابن القاسم: وإذا غاب أحد المكاتبين في كتابة أو هرب وعجز الحاضر، لم يعجزهما إلا السلطان بعد التلوُّم.
قال مالك: وإذا غاب المكاتب وحل عليه نجم أو نجوم لم يكن للسيد أن يعجزه إلا عند السلطان. قال ابن القاسم: ولو أشهد السيد أنه قد عجز ثم قدم المكاتب بنجومه التي حلت عليه؛ فهو على كتابته، ولا يقبل قول السيد عليه، ولا يعجزه إلا السلطان. فصل قال مالك: فإن كان للمكاتب مالٌ ظاهر معروف فليس له تعجيز نفسه، وإن لم يظهر له مال ذلك له دون السلطان ويمضي ذلك. قال في كتاب محمد: وكذلك لو كان صانعاً لا مال له. قال في المدونة: وكذلك إن عجز نفسه قبل محل النجم بشهر فله ذلك، وإنما الذي لا يعجزه إلا السلطان: الذي يريد سيده تعجيزه بعد محل ما عليه وهو يأبى العجز، ويقول: يؤدي إلا أنه مطل سيده، فالإمام يتلوم له، فإن رأى له وجه أداء تركه، وإلا عجزه بعد التوم ولا يكون تأخيره عن نجومه فسخاً لكتابته، ولا يعجزه إلا السلطان، ما دام العبد متمسكاً بالكتابة، وأما من عجز نفسه وهو يرى أنه لا مال له فذلك له دون السلطان. قال سحنون في العتبية: لا يجوز التعجيز إلا عند السلطان. قال ابن حبيب: وقال ابن كنانة وابن نافع: إذا عجز نفسه وكره الكتابة وأشهد بذلك؛ رد مملوكاً وإن كان له مال ظاهر. وقول مالك أحب إلينا.
م: فصار في ذلك ثلاثة أقوال: قول: لا يعجزه إلا السلطان على كل حال. [وقول: له أن] يعجز نفسه على كل حال. وقول: إن كان له مال ظاهر لم يعجز نفسه، وإن لم يكن له مال فله تعجيز نفسه وهو أصوبها. ومن المدونة: وإن عجز نفسه وهو يرى أنه لا مال له ثم ظهر مال صامت أخفاه أو طرأ له؛ فهو رقيق، ولا يرجع عما رضي به أولاً. قال ابن المواز: وإنما له أن يعجز نفسه ولا مال له إذا كان وحده، وأما إن كان معه ولد فلا تعجيز له، ويؤخذ بالسعي عليهم صاغراًَ، ولو تبين منه لدد رأيت عقوبته، فإن كان له مال ظاهر فلا تعجيز له، ويؤخذ ماله فيعطى لسيده شاء أو أبى. أو محمد يريد: بعد محله ويعتق هو وولده. وروى ابن وهب في المدونة أن عبد الله بن عمر: كاتب غلاماً له يقال له شرف بأربعين ألف درهم فخرج إلى الكوفة فكان يعمل بها على حُمرٍ له حتى أدى خمسة
عشر ألفاً، فجاءه إنسان فقال له: أمجنون أنت؟ تعذب نفسك وابن عمر يشتري الرقيق يميناً وشمالاً ثم يعتقهم، ارجع إليه، وقل له: إني عجزت، فجاءه بصحيفته فقال: يا أبا عبد الرحمن قد عجزت فهذه صحيفتي امحها، فقال: لا والله امحها أنت إن شئت، فمحاها، ففاضت عينا عبد الله بن عمر، ثم قال له: اذهب فأنت حر، فقال: أصلحك الله: أحسن إلى ابني، فقال: هما حران، فقال أصلحك الله: أحسن إلى أمي ولدي، فقال: هما حرتان، فأعتقهم خمستهم في مقعد واحد. في أداء المكاتب وله أو عليه دين قال مالك: وإذا أراد المكاتب أن يؤدي ما عليه وسيده غائب ولا وكيل له على قبض الكتابة فليدفع ذلك إلى الإمام، ويخرج حراً حل الأجل أو لم يحل. قال ابن القاسم: وإذا حل على المكاتب نجم، وللمكاتب مثله على السيد، فله قصاصة، إلا أن يفلس السيد، فيحاص الغرماء بماله على سيده، إلا أن يكون السيد قاصه بذلك قبل قيامهم فذلك ماض.
فصل قال مالك: وإذا أدى المكاتب كتابته وعليه دين فأراد غرماؤه أن يأخذوا من السيد ما قبض منه؛ فإن عُلم أن ما دفع من أموالهم؛ فلهم أخذه من السيد. قال ابن القاسم: ويرجع رقاً. يريد: مكاتبه. م: هذا من قوله يدل: أنه إن دفع لسيده شيئاً تقدمت له فيه شبهة ملك، أنه يرد عتقه، ويرجع مكاتباً خلاف ماله، بعد هذا قال مالك: وإن لم يعلم أنه من أموالهم لم يرجعوا على السيد بشيء من ذلك. م: اختلف في معنى قوله: فإن علم أن ما دفع من أموالهم؛ هل يريد: أموالهم بعينها، أو دفع وقد استغرق الدين ما كان بيده؛ والذي أرى أنه إن دفع وهو مستغرق الذمة فلهم رده، وإن لم تكن أعيان أموالهم؛ لأنها أموالهم، أو ما تولد عنها، وكما لهم منع الحر من العتق والصدقة إذا كان استغرق الذمة فكذلك لهم منع هذا من أن يعتق نفسه بها، وقد قال مالك بعد ذلك: إذا كان المكاتب مدياناً فليس له أن يقاطع سيده، ويبقى لا شيء له؛ لأن غرماءه أحق بماله من سيده، فإن فعل لم يجز، فكذلك أداءه جميع كتابته. م: ولا فرق بين أعيان أموالهم أو أثمان ذلك، أو ما اعتاض المكاتب منها، إن ذلك كأعيان أموالهم سواء، والغرماء أحق بها؛ لأن دينهم في ذمته ودين السيد ليس في ذمته.
وأما قوله: وإن لم يعلم أن ما دفع من أموالهم لم يرجعوا على السيد بشيء من ذلك: فهو ما أفاده بعمل يده، أو أرش جرحه، أو دفعه مما بيده، وليس بمستغرق الذمة، أو فيما بقي بيده وفاء لدينه ثم تلف بعد ذلك ما بقي بيده فهذا الذي ليس لهم فيما دفع إلى السيد متكلم والله أعلم. م: وإنما كان ذلك؛ لأن عمل يده؛ كإجارته، وأرش جرحه؛ كرقبته، فكما كان الحر المديان لا يؤاجر ولا يباع في الدين فكذلك لا تسلط لهم على عمل يده ولا أرش جرحه، وكما كان لا رد للغرماء في عتق المديان إذا بقي بيده ما بقي بدينهم، [فكذلك المكاتب: إذا بقي بيده ما بقي بدينهم]، قيل: فإن أشكل فيما دفع المكاتب؛ هل ذلك من أعيان أموالهم وأعراضها وما تولد منها، أو من عمل يده وأرش جرحه، أو مال وهب له ليعتق؟ فقال بعض علمائنا: إذا أشكل ذلك، هل ذلك سن بعض الأسباب التي لا حق للغرماء فيها أو من أموالهم التي هم يبدون فيها على السيد؟ لم يكن إلى نقض العتق سبيل، ولو اعترف بذلك السيد؛ لكان القياس أن ينفذ العتق، ويرجع الغرماء على السيد بما قبض؛ لإقراره أنهم أولى بذلك منه إلا على قول سحنون فإنه زعم: أن كل ما اكتسبه المكاتب من عمل يده قبل عجزه فإنه للغرماء؛ لأنه أحرزه عن سيده، فلا يبقى له إلا أن يوهب له مال أو يوصى له بشرط أن يؤديه إلى سيده، أو يسلفه ليوم ما، ليتبعه به بعد براءة ذمته، وإن ما النظر لو قام الغرماء وبيد المكاتب مال مجهول الأصل فتنازع الغرماء والسيد فيه، وقد
عجز أو لم يعجز، وأشرف على العجز وهو باق على الكتابة؛ فالقياس أن يحتاط للغرماء بما لا يحتاط للسيد؛ لأنه قد عرض المكاتب بالكتابة للمداينات كالأحرار، فمهما أراد أن يمنع الغرماء من ما له، كان عليه البيان، لا سيما مع ما ذكرنا عن سحنون، وأما ما أداه إلى السيد وعتق به فالعتق حرّمه لاحتمال الأمرين، فإذا أنفذنا العتق لم نجد بداً من تمسك السيد بما قبض؛ لأنه فكاك الرقبة وغير معتدل أن ينتزعه من السيد ثم يمضي عليه العتق، وقال غيره: إذا كان ما على المكاتب يغترق ما في يديه؛ فهي أموال غرمائه حتى يعلم أن الذي دفع إلى سيده من عمل يده أو من ثمن خدمته. م: وهذا موافق لظاهر المدونة مع ما يسعده من قول أشهب وسحنون: أن عمل يده للغرماء، كما أن ما في يد الحر من عمل يده للغرماء، وهو نحو ما قدمنا في صدر المسألة والله أعلم بالصواب. وقال أشهب وابن نافع عن مالك: في مكاتب قاطع سيده فيما بقي عليه على عبد دفعه إليه فاعترف مسروقاً فأخذ منه؛ فليرجع السيد على المكاتب بقيمة العبد. قال ابن نافع: وهذا إذا كان له مال، فإن لم يكن له مال رد مكاتباً كما كان قبل القطاعة، وهذا رأيي، والذي كنت أسمع. وقال أشهب: لا يرد عتقه؛ لأن حرمته قد تمت، وجازت شهادته، ووارث الأحرار، ولكن يتبع بذلك.
قالا عن مالك: وإن قاطع سيده على وديعة أودعت عنده فاعترف بذلك سيده وأخذ منه؛ أنه لا يعتق المكاتب، وقال: أيعتق المكاتب هكذا بالباطل؟ لا يؤخذ الحق بالباطل. م: يريد: ويرجع مكاتباً. وقال ابن القاسم وغيره: إن غر سيده بشيء لم تتقدم له فيه شبهة ملك فهذا الذي لا يجوز له يعني: ويرد عتقه ويرجع مكاتباً. قالا: وأما ما كان بيده يملكه وله فيه شبهة لطول ملكه له ثم استحق ذلك مضى عتقه ورجع عليه بقيمته، فإن لم يكن له مال أتبع به ديناً. م: إن قيل: لِم لَم يرجع ببقية الكتابة التي قاطعه عليها كمن أخذ من دينه عوضاً ثم استحق؟ أنه يرجع بدينه قبل الكتابة [لأن الكتابة] ليست بدين ثابت؛ لأنها تارة تصح وتارة لا تصح، فأشبهت مالاً عوضه [معلوم من خلع أو نكاح، بعرض] يستحق؛ فأنه يرجع بقيمته فكذلك هذا. قال مالك: وإذا كان المكاتب مدياناً فليس له أن يقاطع سيده، ويبقى لا شيء له؛ لأن غرماءه أحق بماله من سيده، فإن فعل لم يجز ذلك، وإن مات المكاتب وترك مالاً وعليه
دين؛ فغرماؤه أحق لماله ولا يحاصهم السيد بما قاطعهم به، كما لا يحاصهم بالكتابة، وقاله زيد بن ثابت، وقال شريح: يحاصهم بنجمه الذي حل، قال ابن المسيب: أخطأ شريح. وإذا عجز المكاتب وعليه دين؛ كان رقيقاً لسيده، وبقي دين الناس في ذمته، لا في رقبته. قال ابن شهاب: وإن كوتب وعليه دين كتمه: فإن كان ديناً يسيراً بدأ بقضائه قبل أداء الكتابة وأقر على كتابته، وإن كان ديناً كثيراً يحبس نجومه؛ خير سيده بين فسخ الكتابة، أو تركه يقضي دينه ثم يستقبل نجومه وبالله التوفيق. في حكم المكاتب وتزويجه وسفره والحكم في ماله وأمته وولده وفيما فضل له مما أعين به قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «المكاتب عبد ما بقي عليه عشرة دراهم». وقال جماعة من الصحابة والتابعين: والمكاتب هو عبد ما بقي عليه درهم واحد؛ فوجب بذلك أن يكون حكم المكاتب حكم الأرقاء في الميراث والشهادة والحدود والجراح والحجابة وغير ذلك حتى يؤدي ما عليه. قال مالك: وليس للمكاتب أن ينكح إذا بإذن سيده؛ لأن ذلك يعيبه إن عجز. ابن المواز قال مالك: وله أن يزوج عبيده وإماءه، وقاله ابن القاسم: إذا كان على وجه النظر، ورجاء الفضل. وقال أشهب: لا يزوج عبده إلا بإذن سيده، وأما فإن خفف بذلك عن نفسه ثقلاً وأدخل مرفقاً يرى أن ذلك أفضل له جاز ذلك بغير إذن سيده.
قال أشهب: إن كان معه في الكتابة غيره؛ فليس للسيد إجازة نكاحه إلا بإجازة من معه إلا أن يكونوا صغاراً فيفسخ على كل حال، ويترك لها إن دخل ثلاثة دراهم، ولا يتبع إن أعتق بما بقي. ابن القاسم: وما رد من عتقه وصدقته فلا يلزمه إن أعتق، وإن كان ذلك بيده، ولا يتزوج الرجل مكاتبته وإن رضيت ويزوجها لغيره برضاها. ومن المدونة: ولا له أن يسافر أو يخرج من أرض سيده إلا بإذن اشترط ذلك عليه سيده أو لا. قال ابن القاسم: إلا ما قرب من السفر مما ليس على سيده فيه إذا غاب كبير خوف لحلول نجم أو غيره فذلك له. قال مالك: ولو شرط عليه السيد أنه إن نكح أو سافر بغير إذنه؛ فمحو كتابته بيده، لم يكن له محوها إن فعل المكاتب شيئاً من ذلك، وليرفع ذلك إلى السلطان. ابن وهب [وقال ربيعة: للسيد فسخ الكتابة في بعيد السفر بحكم الإمام، وإن تزوج فُرِّق بينه وبين امرأته وانتزاع ما أعطي]. وقال ابن شهاب: ولا ينبغي لأهل المكاتب أن يمنعوه أن يتسرر وقد أحل الله له ذلك حتى يؤدي نجومه.
فصل قال مالك: وإذا كاتب الرجل عبده تبع العبد ماله من رقيق أو عرض أو عين أو دين، كتم ذلك أو ظهره، ولم يكن للسيد أخذه بعد الكتابة إلا أن يشترط سيده حين الكتابة فيكون ذلك له. قال: والمكاتب مثل المعتق إذا أعتق تبعه ماله وأحرزه عن سيده. قال: ولا يتبع المكاتب ما تقدم له من ولد ولا حمل أمته، وإن كتم ذلك ويكون الولد إذا وقعته رقاً للسيد، والأمة تبعاً للمكاتب دون الولد وليس الولد كماله. والعبد إذا عتق تبعه ماله في السنة ولا يتبعه ولده فيكون حراً مثله، وإذا فلس أخذ ماله، ولا يؤخذ ولده، والذي يبتاع عبداً يشترط ماله لا يقضى له بولده، وأما الأمة إذا كوتبت وهي حامل فولدها مكاتب معها يعتق بعتقها، وقد تقدم هذا. قال ابن المواز: ولو كاتب عبده عليه وعلى أم ولده في كتابة واحدة أو مفترقين، فهو جائز، وتحرم على المكاتب أمته، وإن كاتبهما كتابة واحدة وهو انتزاع من السيد فلا تحل للمكاتب إلا بنكاح، وولدها للسيد، وإن مات المكاتب سعت وحدها؛ لأنها في عقد الكتابة، وإن ترك وفاء اعتقت فيه وأتبعها ولدها منه أو السيد إن لم يكن لها ولد بما أدى عنها، وذلك إذا ما لم يكن تزوجها، فإن كان المكاتب تزوجها بعد أن كاتبها السيد فلا يرجع عليها السيد ولا الولد بما أدى عنها من مال زوجه الميت، قال ابن المواز: وهو صواب إن شاء الله، ورواه أصبغ عن ابن القاسم.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: والمكاتب إذا أعانه قوم على كتابته بمال فأدى منها كتابته وفضلت منه فضلة؛ فإن أعانوه بمعنى الفكاك لرقبته لا صدقة عليه، فليرد عليهم الفضلة بالحصص، أو يحللونه منها، وفعله زياد مولى ابن عياش رد عليهم الفضلة بالحصص. قال ابن القاسم: وإذا عجز المكاتب فكل ما قبض السيد منه قبل العجز حل له، كان من كسب العبد أو من صدقة عليه. قال مالك: ولو أعين المكاتب بشيء على فكاك رقبته فلم يف ذلك بكتابته؛ كان لكل من أعانه الرجوع بما أعطى إلا أن يحلل منه المكاتب فيكون له. قال ابن القاسم: ولو أعانوه صدقة لا على الفكاك فذلك إن عجز حل للسيد. قال سحنون وقال أشهب: إن عرفهم رد عليهم. م: يريد: إذا أعانوه على الفكاك.
قال: وإن لم يعرفهم جعله في مكاتبين أو في رقاب. قال سحنون: ولست أرى ذلك، وأرى إن لم يعرفهم أن يوقف المال بيده أبداً وهو كاللقطة. م: يريد: في الإيقاف لا في المدة؛ لأنه قال: يوقف أبداً وفارق اللقطة في هذا؛ لأن هذا عرف أصحابه، واللقطة لا يعرف صاحبها، فأوقفت سنة كما جاء في الحديث، وهذا كالوديعة: يغيب صاحبها ولا يعرف له خبر فقد قيل: إنه يعمر ثم يتصدق بها ولا يقتصر في إيقافها على سنة. قيل: فإن قال الذين أعانوه: إنما أردنا إفكاك الرقبة، وقال السيد: بل الصدقة. نُظر إلى عُرف البلد: فيكون الأمر عليه؛ فإن لم يكن في ذلك عرف، فالقول قول الذين أعانوه: أنه منهم على الفكاك مع أيمانهم؛ حكي ذلك عن الفقيه أبي عمران، وقد تقدم في الباب الأول أن ابن القاسم: يجيز كتابة الصغير [ومن لا حرفة لهم]. وقال أشهب: لا تجوز كتابة الصغير ولا الأمة التي لا صنعة بيدها؛ لأن عثمان كان يكره مخارجتها.
فيمن أعتق بضع مكاتبه أو شقصاً له فيه صحة أو وصية قال مالك: ومن أعتق شقصاً له من مكاتب له، أو كان بينه وبين آخر؛ فليس يعتق وإن عجز، وإنما هو وضع مال إن كان أعتق نصفه وضع عنه نصف كل نجم، وإن ثلث فثلث وقاله يحيى بن سعيد وغيره. قال مالك: وإن أعتق ذلك عند الموت أو أوصى بذلك أو وضع له من كتابته؛ فذلك عتاقة؛ لأنه ينفذ من ثلثه على كل حال. م: يريد: لأنه لو جعل ذلك وضع مال ثم عجز فرق للورثة صاروا لم ينفذوا وصية الميت، والميت أراد إبتالها، وألا يعود إليهم شيء منها، والصحيح إنما أراد التخفيف عن المكاتب، وإنه إن عجز كان رقاً، على هذا محمل أمره؛ لأنه إنما يملك منه اليوم مالاً ولو قصد إلى إبتال عتقه كما قصد الموصي، وأنه إن عجز كان ذلك النصيب حراً؛ لوجب عتقه واستتم عليه بقية عتقه. وكذلك روى ابن سحنون عن مالك: أنه إذا أعتق نصف مكاتبيه فهو وضيعه، إلا أن يريد العتق ويعمد له فهو حر كله. قال ابن المواز: والفرق بين الصحة في هذا وبين الوصية أنه في الوصية أشرك بين المكاتب وبين ورثته على قدر ما أوصى له به من نفسه، فصار شريكاً للورثة بقدر ذلك، فليس أحدهم أولى من صاحبه، وكما لو أوصى بذلك الجزء لرجلٍ لكان شريكاً للورثة بقدر ذلك، والصحيح يقول: لم أعط من الرقبة شيئاً إنما أعطيته دنانير أو دراهم. م: فرق حسن.
ومن المدونة قال مالك: وإن كان المكاتب بينه وبين رجل فوضع عنه حصته، أو أعتق حصته منه في غير وصية؛ فإنه يوضع عنه حصته من كل نجم، فإن عجز رق لهما ولا يقو على الذي أعتق، وليس عتقه ذلك عتقاً إذ إنما يملك منه مالاً فعتقه وضع مال، وإن مات قبل أن يؤدي بقية كتابته وله مال، أخذ المتمسك مما ترك ما بقي له، ثم يقتسمان ما بقي بينهما، وقاله ابن المسيب، فلو كان ذلك عتقاً لكان ما ترك للمتمسك خاصة، ولكان إذا عجز يقوم على الذي أعتقه. قال ابن القاسم: وإذا زمن الكاتب فأعتق سيده نصفه لم يعتق عليه النصف الباقي إلا بأداء بقية الكتابة. م: يريد أنه لا يعتق منه شيء إلا بعد أداء بقية الكتابة. قال مالك: وإذا هلك سيد المكاتب فورثه ورثته فأعتق أحدهم نصيبه منه ثم عجز المكاتب كان رقيقاً كله، لأن عتقه إنما هو وضع مال، ومما يبين لك ذلك: أن الرجل إذا مات وترك مكاتباً وترك بنين وبنات، وأعتق أحد البنين نصيبه من المكاتب، أن ذلك لا يثبت له من الولاء شيئاً، ولو كانت عتاقة لثبت الولاء لمن أعتق منهم من رجالهم ونسائهم، وإن من سنة المسلمين التي لا اختلاف فيها: أن الولاء لمن عقد الكتابة، وأنه ليس لمن ورث سيد المكاتب من النساء من ولاء المكاتب شيء وإن أعتقن نصيبهن، إنما ولاؤه لذكور ولد سيد المكاتب أو عصبته من الرجال.
قال ابن المواز: ومن قال لعبده: إن كلمت فلاناً فنصفك حر، فكاتبه ثم كلم فلاناً فليوضع عنه نصف ما بقي من الكتابة يوم حنث، فإن عجز رق كله ولا يلزمه حنث. قال أشهب: كمن أعتق نصف مكاتبه، وكذلك لو حنث أحد الشريكين بعد أن كاتباه، وضعت عنه حصته، فلو كان عتقاً؛ لقوم عليه إن عجز، ولكنه يبقى رقيقاً بينهما، ولو كان إنما حلف بحرية جميع عبده ثم كاتبه مع آخر ثم حنث؛ فذلك عتق إن عجز، ولا يعجل عنقه حتى يعجز، وهو كمن أعتق أحد مكاتبيه. م: قال بعض شيوخنا: ولو أعتق عضواً من مكاتبه كقوله: يدك حرة، أو عينك، أو نحو ذلك؛ لعتق عليه جميعه؛ لأنه قاصد للعتق هاهنا لا لوضع المال، بخلاف إذا أعتق منه جزاء كالنصف والثلث، ألا ترى أنه لو قصد هاهنا العتق وعمد له؛ لوجب عتقه كما قال مالك. ابن سحنون: ومن قال لعبده: أخدم لاناً سنة فأنت حر، فوضع عنه المخدم نصف الخدمة؛ فإن أراد أنه ترك له خدمة ستة أشهر فهو كذلك، وإن أراد أنها ملك لك وتشاركني في الخدمة، وتصير لك ملكاً؛ كان حراً مكانه كله، كمن وهب لعبده نصف خدمته. قلت لسحنون: فلم قلت في هذا المخدم: إذا وهبه نصف خدمته أنه يعتق عليه وإن أعتق نصف مكاتبه لم يعتق عليه وكان وضع مال؟ قال: هو مفترق، ولا أقول فيه شيئاً. ابن سحنون: الخدمة مقام الرقبة.
م: فهبته بعضها كهبته بعض الرقبة؛ ولأن من عجل عتق عبده على خدمة سنة؛ أنه يعجل عتقه ولا خدمة عليه؛ لأن ذلك بقية رقة، فهو كمن أعتق بعض عبده، والمكاتب إنما يملك منه مال فعتقه نصفه وضع نصف ما عليه إلا أن يقصد إلى عتق الرقبة كما ذكرنا. ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم: فيمن وضع عن مكاتبه نجماً من نجومه بغير عينه عند الموت؛ فإن كانت النجوم ثلاثة وضع عنه من كل نجم ثلثه، وإن كانت أربعة؛ وضع عنه من كل نجم ربعه، فإن أدى عتق، وإن عجز رق، فإن كانت النجوم ثلاثة عتق ثلثه، وإن كانت أربع عتق ربعه، ثم على هذا. وروى عنه أبو زيد ومثله في المدونة: وإن أوصى أن يوضع عنه النجم الأول؛ نُظر إلى قيمته لو بيع في قرب محله؛ فإن كانت قيمته خمسين وقيمة بقية النجوم على محل آجالها خمسين، علمت أن الوصية له بنصف رقبته، فيجعل في الثلث الأقل من نصف قيمة رقبته أو قيمة ذلك النجم، فأي ذلك حمل الثلث عتق نصفه، ووضع عنه ذلك النجم بعينه، وكذلك يعمل في النجم الآخر والأوسط، فإن لم يدع غير المكاتب خير الورثة بين أن يضعوا عنه ذلك النجم ويعتقوا نصفه، أو يعتقوا ثلثه، ويوضع عنه من كل نجم ثلثه. وفي المكاتب الثاني إيعاب هذا.
فيمن وطأ مكاتبته أو ابنتها قال مالك: ومن كاتب أمته فليس له وطؤها، فإن فعل درئ عنه وعنها الحد، أكرهها أو طاوعته، ويعاقب، إلا أن يعذر بجهل، ولا صداق لها ولا ما نقصها إن طاوعته. يريد: وإن كانت بكراً. قال ابن القاسم: وإن أكرهها فعليه ما نقصها. يريد: إن كانت بكراً، وكذلك قال سحنون: إنما ينقصها إذا كانت بكراً؛ فيغرم ما بين قيمتها بكراً وثيباً. قال ابن القاسم: وأما الأجنبي فعليه بكل حال ما نقصها طاوعته أو أكرهها، إذ قد تعجز فترجع إلى السيد ناقصة، فذلك حق للسيد لا يسقطه عنه طوعها. قال مالك: وإذا وطأها السيد طائعة أو كارهة فهي على كتابتها إلا أن تحمل فتخير؛ أن تكون أم ولد أو تمضي على كتابتها. قال سحنون وابن المواز: ولها إذا حملت أن تعجز نفسها وترجع أم ولد وإن كان لها مال كثير ظاهر وقوة على السعي، وليس ذلك للمكاتب أن يعجز نفسه إذا كان على هذه الصفة. م: للاختلاف فيها قد قال سعيد بن المسيب، إذا حملت بطلت كتابتها وصارت أم ولد فذلك كان لها أن تعجز نفسها عند مالك وإن كان لها مال ظاهر. قال سحنون في كتاب ابنه عن مالك: وإن اختارت المضي على كتابتها فنفقتها في الحمل على السيد ما دامت حاملاً كالمبتوتة.
قال ابن حبيب وكذلك سمعت من أرضى يقول؛ لأنه إنما ينفق على ولده. وقال أصبغ: نفقتها في الحمل على نفسها لا على السيد؛ لأنها اختارت المضي على كتابتها فلها حكم المكاتب إلا أن تعجز فتكون أم ولد. ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو ضرب رجل بطنها فألقت جنيناً ميتاً؛ ففيه ما في جنين الحرة موروث على فرائض الله تعالى، كقول مالك في جنين أم الولد من سيدها. وروى ابن وهب عن ابن المسيب أنه قال: إذا وطأ السيد مكاتبته فحملت بطلت كتابتها وهي جاريته؛ يريد: أم ولد. وقال النخعي: تبقى مكاتبته إذا وطأها، فإن عجزة رقت، وإن حملت فهي أم ولد. وقال ربيعة: إن وطأها طائعة فولدت منه فهي أمة له ولا كتابة له فيها، يعني أم ولد، وإن أكرهها فهي حرة والولد لا حق به. قال ابن القاسم: وإذا ولدت المكاتبة بنتاً ثم ولدت ابنتها بنتاً أخرى فرقت البنت العليا فأعتقها السيد جاز عتقه، وبقيت الأم مع البنت السفلى فإن أدتا؛ أعتقتا، وإن عجزتا رقتا. قيل: فإن وطأ السيد البنت السفلى فأولدها؟ قال: ولدها حر، ولا تخرج هي من الكتابة، وتسعى معهم إلا أن ترضى هي وهم بإسلامها للسيد ويحط عنهم حصتها من الكتابة وتصير حينئذٍ أم ولد للسيد، فإن أبوا أو أبت: لم تكن أم ولد، وكانت في الكتابة على حالها. قال سحنون: وهذا إذا كان الذين معها في الكتابة ممن يجوز رضاه. قال: وإن كانت في قوتها وأدائها ممن يرجى نجاتهم بها، ويخاف عليهم إذا رضوا بإجازتها العجز؛ لم يجز ذلك إذ ليس لهم أن يرقوا أنفسهم.
قال سحنون وقال بعض الرواة: لا يجوز وإن رضوا ورضيت، وإن كان قبلهم من السعي والقوة مثل ما قبلها؛ لأنا لا ندري ما تصير إليه حالتهم من الضعف ولتبقى معهم على السعي، فإن عتقوا، وإن عجزوا كانت أم ولد. م: قال أبو محمد: معرفة ما يخصها من الكتابة هو أن يقال: كم يلزم هذه حين بلغت السعي أن لو كانت هكذا يوم عقد الكتابة فيحط عنهم قدر ذلك على قول من أجاز ذلك وقال أصبغ. ومن كتاب ابن المواز: وإذا كاتب المكاتب أمته بإذن السيد ثم وطأها المكاتب فحملت؛ فلا خيار لها في التعجيز وتمضي على كتابتها، فإن أدت خرجت مع ولدها أحرار، وإن أدى المكاتب قبلها خرج هو وولدها أحراراً وسعت هي فيما بقي عليها إن شاءت أو عجزت نفسها؛ فكانت له أم ولد. ولو مات في كتابته قبل خروجها وترك وفاء بكتابته؛ خرجت هي حرة وولدها، وإن بلغ الولد قبل عتقها سعى مع أقربها عتقاً فعتق بعتقه، ولو كان معه ما يؤدي عن أبويه؛ أخذ من ماله ما يؤدي عنهما وأعتقوا. وإن ماتت هي أولاً وتركت مالاً؛ أخذ المكاتب من مالها ما بقي عليه وعتق وولدها، وورث الولد ما بقي من مالها، وإن لم يكن فيه وفاء فللولد أخذه والسعاية فيه، وكذلك لو لم يدع شيئاً، فإن أدى عتق، وإن عجز كان في كتابة الأب. قال ابن القاسم: فإن كان سيد المكاتب هو الذي وطأ هذه المكاتبة فأحبلها قال: هذه لها الخيار في أن تعجز نفسها، وتكون أم ولد للسيد الواطئ، ويغرم قيمتها للمكاتب، ولا
شيء عليه في الولد، وليس للسيد أن يحاسب بالقيمة المكاتب في كتابته إلا أن يشاء المكاتب، وإن اختارت البقاء على كتابتها؛ غرم قيمتها يوم وطأها؛ قيمة أمة فتوقف تلك القيمة خيفة أن يعدم الواطئ عند العجز، ويكون ولداً حراً مكانه، فإن أدت عتقت وأخذ الواطئ القيمة التي أوقفت وإن عجزت؛ كانت القيمة لسيدها المكاتب، وكانت أم ولد للسيد الواطئ. قال ابن القاسم: وإن ماتت قبل أن تؤدي كانت القيمة لسيدها المكاتب أيضاً. وقال في العتبية: إن ماتت قبل الأداء أخذ من القيمة الموقوفة قيمة الولد فدفعت إلى المكاتب ورجع باقيها إلى الواطئ. م: وذكر محمد فيها جواباً لأصبغ وأعابه قال: والجواب عندي: أن تخير؛ فإن اختارت العجز: كانت أم ولد لمحبلها، وغرم لمكاتبه قيمتها يوم أحبها، كما لو وطأ أمته، وإن اختارت المضي على كتابتها؛ لم يغرم الواطئ الآن شيئاً؛ لأنها استقامت على نجومها ولم يدخل عليه فيها نقص ولا ضرر فلا حجة له حتى تعجز، وإن عجزت رجعت أم ولد للسيد الواطئ على ما أحب أو كره، وغرم القيمة يوم الوطء، أو ما بقي عليها من الكتابة، [يغرم الأقل منهما، فإن رضي يغرم ما بقي عليها من الكتابة]؛ خرجت حرة ولم يتبعها من ذلك شيء، وإن هو غرم قيمة رقبتها كانت أم ولد، قال: ولا معنى لإيقاف القيمة؛ لما يلحق الواطئ من الضرر بإحضارها فقد يوجب ذلك تفليسه وقيام غرمائه عليه فلا منفعة بتعجيلها المكاتب، وفي إيقافها أيضاً غرر؛ إذ قد تتلف، ولو كنت أرى إيقافها لأوقفت ما تؤدي للمكاتب بعد الإيقاف؛ لأني لا أغرمه إلا قيمتها يوم الوطء، فيجب إيقاف ما
تؤدي حتى ينظر ما يصير إليه أمرها؛ لأنها إن عجزت فقد كانت أم ولد لواطئها من يوم وطئها فلا شيء للمكاتب من كتابتها، فقد صار إيقاف القيمة ضرر عليهما، ولكن أرى أن تترك على حالها الذي اختارته، تؤدي كتابتها لسيدها، فإن عجزت غرم الواطئ القيمة، ولم يرد المكاتب ما تؤدي منها بعد الوطء؛ لأنه أخذ ذلك قبل أن يمضي فيها حكم فاقتضاه على أنها مكاتبة وملكه، فهو كالعلة قبل الاستحقاق، وكمن أعتق أمته أو كاتبها، ثم استحقت بحرية أو بملك، فلا يرد من كانت بيده شيئاً من ذلك إلا من يوم ينظر الحاكم فيها فيوقفها فيوقف العلة إلى وقت الحكم، قال وإن ماتت في نجومها فلا شيء على واطئها؛ لأنه ليس من سبب الوطء ماتت، قيل: فلم لا يغرم الواطئ قيمة الولد وتكون تلك القيمة معونة لأمة في كتابتها كما قالوا فيمن اشترى أمة فأولدها ثم استحقت أنها مكاتبته أن الأب يغرم قيمة الولد فيأخذه السيد ويحبسه لأمته من آخر كتابتها؟ قال: لأن هذه ترجع إلى رق الكتابة، ولا تكون أم ولد للواطئ، فولدها بمنزلتها؛ فلذلك غرم الأب قيمتهم، ولولا السنة التي جرت بحريتهم لكان مكاتباً مع أمه؛ فإنما فداهم أبوهم عن الكتابة، ألا ترى أنه لو تأخر الحكم عن الأب حتى أدت الأم الكتابة وخرجت حرة؛ لم يكن على الأب فيهم غرم فمسالتك يؤول أمرها إلى أن أم ولد لمحبلها إذا عجزت فيغرم قيمتها وأي قيمة عليه في ولدها، أو يؤول إلى الحرية بالأداء؛ فلا غرم عليه على حال. م: وذكر فيها ابن سحنون قولاً لسحنون تركته خشية التطويل.
ومن العتبية قال ابن القاسم: ومن وطأ مكاتبة ابنه فحملت؛ فإنها تخير بين أن تقوم عليه وتكون له أم ولد وتبطل كتابتها، وبين أن تسعى في كتابتها على حالها فإن أدت عتقت وإن عجزة قومت عليه. وقال سحنون: لا خيار لها؛ لأن هذا من نقل الولاء وليس لها نقل ولائها إلا بعجز بين. وقال: فإن عجزت فالابن مخير إن شاء قومها على أبيه. قال أبو محمد: والمعروف لأصحابنا: أنه لابد أن يقومها عليه؛ لأنها أم ولد له. قال ابن القاسم: وإن اختارت البقاء على كتابتها؛ أوقفنا القيمة من الأب، فإن أدت رجعت القيمة إليه، وإن عجزت أخذها الابن وصارت أم ولد للأب، وإنما توقفت القيمة لخوف عدمه، وإن جنى عليها جناية من ذهاب جارحة قبل عجزها؛ فإن كان في عقلها ما تعتق به عتقت ورجعت القيمة إلى الواطئ، وإلا سعت فيما بقي عليها، فإن أدت عتقت، وإن عجزت قوصص واطؤها بما أخذ سيدها من ثمن جسدها فيما عليه من القيمة، ولو أصابها ذلك بأمر من الله ثم عجزت أخذ الابن القيمة كلها بلا حطاط شيء. م: وفيما ذكرناه كفاية، وفي كتاب أمهات الأولاد من معاني هذا الباب كثير.
في بيع المكاتب وبيع كتابته قال مالك: لا تباع رقة المكاتب وإن رضي؛ لأن الولاء قد ثبت لعاقد الكتابة. قال ابن القاسم: فإن بيعت رقبته ولم يعجز؛ رد البيع ما لم يفت بعتق، فيمضي، وولاءه لمن أعتقه. وقد أخبرني الليث بن سعد أن يحيى بن سعيد باع مكاتباً ممن أعتقه، وأن عمرو بن الحارث دخل في ذلك حتى اشتراه، فلذلك أمضيت بيعه إذا فات العتق، وقاله الليث. قال سحنون: وهذا إذا كان العبد راضياً ببيع رقبته فكأنه رضي منه العجز. وقد تأول بعض أصحابنا أن يحيى بن سعيد إنما باع مكاتبه بعد عجزه.
قال ابن نافع: كما عجزت بريرة فاشترتها عائشة -رضي الله عنها-. وقال غيره: عقد الكتابة عقد قوي؛ فلا يجوز بيع رقبته ويرد بيعه، وينقض عتقه وقاله أشهب. وقال أشهب: وهذا إذا كان المكاتب لم يعلم بالبيع. قال ابن القاسم: وكان مالك يقول في المدبر يباع فيعتقه المبتاع: أن بيعه يرد، ثم قال: لا يرد. فصل قال مالك: أحسن ما سمعت في المكاتب: أن سيده لا يبيع كتابته إذا كانت عيناً إلا بعرض نقداً ولا يؤخره فيكون ديناً بدين، وقد نهى الرسول -عليه السلام- عن الكالئ بالكالئ.
قال: وإن كانت الكتابة عرضاً بيعت بعرض مخال له أو بيعت نقداً ولا يؤخر شيئاً من ذلك، قال: ويتبعه في بيعها مكاتبه وماله، ويؤدي إلى المبتاع، فإن أدى وعتق كان ولاؤه للبائع وإن عجز رق للمبتاع، وقاله عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار. قال ابن المسيب: والمكاتب أحق بكتابته إن بيعت بالثمن، وقضى به عمر بن عبد العزيز. وقال عطاء: وكذلك من عليه دين فبيع فهو أولى به بالثمن، وقاله مالك في سماع أشهب، قال: وذلك إذا بيعت جميع كتابته حتى يعتق بذلك، فأما ما لا يعتق به فلا يكون أحق به؛ فإنه لا يرجع إلى حرية. قال أصبغ عن ابن القاسم عن مالك فيمن اشترى كتابة مكاتب ثم مات المكاتب قال: ميراثه له لأنه لو عجز لاسترقه، وكذلك في الهبة والصدقة يرثه إن مات، وإن كان ما ترك أكثر من الكتابة فهو له. وروى الصمادحي والدمياطي عن ابن القاسم فيمن وهب كتابة مكاتبه لرجل فعجز: فهو رق للمعطىَ كالبيع.
وروى عنه أبو زيد: أنه يرجع للواهب وقاله أشهب. وروى عنه محمد مثل رواية الصمادحي عن ابن القاسم. م: وروي لنا عن أبي بكر بن عبد الرحمن فيمن اشترى كتابة مكاتبه ثم وجد بالمكاتب عيباً قال: ينتظر به؛ فإن أدى كتابته فلا رجوع للمشتري بشيء؛ لأنه قد حصل له ما اشترى، وإن عجز فرق له، فله رده بالعيب، ويرد معه جميع ما أخذ من كتابته، ولم يكن ذلك كالعلة ألا ترى أن لو اقتضى تسعة أعشار كتابته ثم عجز فرده بالعيب أيكون له ما اقتضى؟ بل يرد ذلك؛ لأنه إنما اشترى الكتابة فليست كالغلة. وقال غيره: ليس عليه أن يرد شيئاً مما قبض من الكتابة؛ لأن ذلك كالغلة. قال: وله رده وإن لم يعجز؛ لحجته؛ لأنه بالعجز يرق له، ثم لا يرد معه ما قبض من كتابته، واحتج بأن الأمر كان فيه مترقب لا يدري ما يحصل له؛ الرقبة بالعجز، أو مال الكتابة فلما عجز فكأنه إنما اشترى رقبته فكان ما قبض غلة له. م: والأول أبين؛ لأنه إنما اشترى الكتابة، والرقبة قد تصح له أو لا تصح، وما يكون أو لا يكون فلا حكم له. قال ابن القاسم: وإذا كاتب المكاتب عبداً له فباع السيد كتابة الأعلى تبعه مكاتبه؛ لأنه مال وأدى الأسفل للأعلى، فإن عجز الأسفل رق للأعلى، وإن عجز الأعلى وحده أدى الأسفل للمبتاع ولا يرجع إلى المكاتب بعد أن عجز، فإن أدى عتق وكان ولاؤه للبائع. ومن غير المدونة قال أشهب: بل الولاء للمبتاع؛ لأنه عبده.
وذكر ابن المواز عن ابن القاسم مثله وخالفه وقال: بل الولاء للبائع وهذا الصحيح. وقال ابن القاسم في رواية سليمان: وبلغني أن ربيعة وعبد العزيز كانا يريان بيع كتابة المكاتب غررا لا يجوز. وقال مالك في العتبية: ولا يجوز لأحد الشريكين بيع حصته وإن أذن له شريكه إلا أن يبيعا جميعاً. قال ابن القاسم: وكذلك لا يشتري المكاتب نصيب أحد الشريكين إلا أن يشتري جميعه. وقال ابن المواز: يكره بيع أحد الشريكين حصته في المكاتب من المكاتب؛ لأنه كالقطاع، وجائز من غيره. وأجاز ابن القاسم وأشهب في العتبية بيع نصف المكاتب أو جزء منه أو نجم بغير عينه؛ لأنه يرجع إلى جزء منه. في كتابة أحد الشريكين وتدبيره نصيبه بإذن شريكه أو بغير إذنه ومن كاتب بعض عبده قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا: أنه لا يجوز أن يكاتب الرجل شقصا له من عبد بإذن شريكه أو بغير إذنه إلا أن يكاتباه جميعاً كتابة واحدة؛ لأن ذلك ذريعة إلى عتق النصيب بغير تقويم؛ وذلك خلاف قول الرسول -عليه السلام-: «فيمن أعتق شركا له في عبد فإنه يقوم عليه نصيب شريكه».
قال مالك: فإن كاتب نصيبه بإذن شريكه أو بغير إذنه؛ فسخ ذلك ورد ما أخذ، سواء قبض الكتابة كلها أو بعضها، فيكون ذلك بينه وبين شريكه مع رقبة العبد على قدر حصصهما، وتبطل كتابته ويبقى عبداً لهما على حالته الأولى. قال غيره: إنما يكون ذلك بينهما إذا اجتمعا على قسمته، ومن دعا إلى رده إلى العبد فذلك له، إذ لا يجوز اقتسام مال العبد إلا بالرضا منهما. قال ابن القاسم: ولو كاتب هذا حصته ثم كاتب الآخر حصته بغير إذن شريكه ولم يعلم أحدهما بكتابة الآخر؛ لم يجز إذا لم يكاتباه جميعاً كتابة واحدة، ويفخ، كاتباه على مال متفق أو مختلف؛ لأن كل واحد يقتضي دون الآخر، وليس ذلك وجه الكتابة، ولو جاز هذا؛ لأخذ أحدهما ماله بغير إذن شريكه. وقال غيره: إن وافق الثاني كتابة الأولى في النجوم والمال؛ جاز ذلك وكأنهما كاتباه جميعاً، وإن اختلف لم يجز. وقيل: إن كاتبه هذا بمائة إلى سنتين، وهذا بمائتين إلى سنة، فإن حط صاحب المائتين مائة وأخره بالمائة الباقية سنتين؛ جازت، فإن أبى؛ قيل للمكاتب: أترضى أن
تزيد صاحب المائة مائة وتعجلها إلى سنة ليتفق الأداء؟ فإن فعل جاز أيضاً وإلا فسخت الكتابة. قال ابن اللباد: لم يروه يحيى ولكن هو لابن الماجشون. م: وهو عندنا من رواية يزيد بن أيوب. قال ابن القاسم: وأما إن أعتق هذا أو دبر، ثم فعل الآخر مثله أعتق أو دبر، ولم يعلم بفعل صاحبه؛ فذلك جائز. فصل قال ومن كاتب بعض عبده لم يجز ذلك ولا يكون شيء منه مكاتباً، وإن أدى لم يعتق منه شيء، كقول مالك: فيمن كاتب شقصا له من عبد والعلة في ذلك أيضاً: أنه يؤدي إلى عتق نصفه ولا يستتم عليه عتق بقيته، إذ ليس كتابته بصريح العتق، فمنع من ذلك؛ فئلا يكون خلاف السنة فيمن أعتق نصف عبده.
قال غيره: ومن عيب كتابة أحد الرجلين نصيبه بإذن شريكه؛ أنهما يتخاطران في ماله، فيقتضى هذا نجوماً وهذا خراجاً. وإذا كاتب نصف عبد هو له؛ فأصل الكتابة لا تكون إلا على المراضاة؛ كأنها بيع، ألا ترى أن العبد لو أراد أن يكاتبه سيده بكتابة مثله أو أقل أو أكثر، لم يلزم السيد ذلك، إلا أن يرضى، فكذلك لا يلزم السيد أن يكاتب ما بقي بعد ما كاتب إلا بالرضا، كما كان بدون الكتابة، ولا يعتق إذا أدى عما كوتب منه إذ ليست الكتابة عتقاً، وإن كانت تصير إلى عتق.
في مكاتبة الأب لعبد ولده، والوصي لعبد يتيمه، ومكاتبة المكاتب، والمأذون، والمديان، لعبيدهم. قال ابن القاسم: ولا بأس أن يكاتب الرجل عبد ولده على وجه النظر؛ لأن بيعه وشراءه على وجه النظر جائز، وقال مالك. قال مالك: وإذا أعتق عبد ابنه الصغير جاز عتقه إن كان مليئاً يوم أعتق ويقوم عليه. قال غيره: فإن لم يكن له مال فلم يرفع إلى الحاكم ولا نظر فيه حتى أفاد مالاً، تم عتقه للعبد، وكان كعبد بين شريكين، وأعتق أحدهما نصيبه ولا مال له، فلم يرفع إلى الحاكم حتى افاد مالاً؛ فإنه يقوم عليه ويتم عتق العبد كله. قال مالك في كتاب القسم: وإن لم يكن الأب موسراً يوم أعتق فرفع إلى الحكم؛ رد عتقه للعبد إلا أن يتطاول زمانه، وتجوز شهادته ويناكح الأحرار فلا يرد، ويتبع الأب بقيمته. قال في كتاب محمد: وإنما يلزمه العتق إذا أعتق عبد ابنه الذي في حجره وولايته، فأما الابن الكبير الخارج من ولايته فلا يجوز عتقه في عبده.
ابن المواز: وإن أعتق عبد ابنه الصغير عن الابن لم يجز ذلك، وإنما يلزمه، ويقوم عليه إذا أعتق عن نفسه، وفي كتاب العتق زيادة على هذا. ومن المكاتب قال ابن القاسم: وللوصي أن يكاتب عبد من يلي عليه على النظر، ولا يجوز أن يعتقه على مال يأخذه منه إذ لو شاء انتزعه منه، ولو كان على عطية من أجنبي جاز على النظر كبيعه عليهم، وكذلك الحكم في المكاتب يكاتب عبده. فصل قال ابن القاسم: وإذا كاتب المكاتب عبده على وجه النظر بنفسه ثم عجز الأعلى أدى الكتابة الأسفل للسيد الأعلى، فإن أعتق السيد الأعلى المكاتب الأعلى بعدما عجز لم يرجع بشيء مما أدى هذا المكاتب الأسفل؛ لأنه حين عجز صار رقيقاً وصار ماله لسيده بما كان له على مكاتبه فهو مال للسيد؛ ولأن مالكاً [قال: إذا عجز المكاتب] الأعلى فولاء المكاتب الأسفل إذا أدى عتق للسيد الأعلى، ولا يرجع إلى المكاتب [الأول على حال أبداً]، وكتابة المكاتب عبده على ابتغاء الفضل جائزة، وإلا لم
تجز، وكذلك قوله لعبده: إن جئتني بكذا فأنت حر، فإنما يجوز ذلك إذا كان على ابتغاء الفضل، إلا أنه يتلوم للعبد في هذا بلا تنجيم. قال في كتاب الولاء: ولا يعتق المكاتب عبده على مال يأخذه منه؛ لأنه يقدر أن ينتزعه منه، فأما على أخذ المال من أجنبي فجائز؛ كبيعه منه. قال في كتاب الخلع: إذا خالع أو تصدق بإذن سيده، فجائز. وقال في الحمالة: إن حمالته بالدين بإذن سيده جائزة. وقال غيره: لا تجوز؛ لأن ذلك دعاية إلى رقه. فصل ولا يجوز للمأذون أن يكاتب عبداً له أن يعتقه إلا بإذن سيده، فإن فعل بإذنه وعلى المأذون دين يغترق ماله؛ لم يجز ذلك إلا بإذن غرمائه؛ لأن ماله للغرماء، وكتابته من ناحية العتق إلا أن يكون في ثمن الكتابة إن بيعت كفافاً للدين أو لقيمة الرقبة فلا حجة للغرماء؛ لأنهم إذا قبضوا دينهم أو قيمة الرقبة التي كانت تباع لهم لو رُدت الكتابة لم يكن لهم حجة، وتباع لهم الكتابة فيستعجلونها إن شاءوا، فإن أدى المكاتب عتق، وإن عجز رق لمشتريه، وكذلك الجواب في الحر المديان يكاتب عبده.
م: سئل الفقيه أبو عمران: ما الفرق بين كتابة الوصي لعبد من يلي عليه، وبين كتابة المأذون لعبده؛ أن ذلك لا يجوز في المأذون إلا بإذن السيد؟ قال الفرق: أن الوصي أقامه الأب مقام نفسه وعوضاً منه، فهو كإياه في ذلك، والمأذون إنما أذن له في التصريف في المتاجرات والمبايعات بين الأجنبيين، وأما بيعه عبده من نفسه أو كتابته إياه فلم يأذن له فيه؛ لأن ذلك من ناحية العتق لا من باب المتاجرة، ألا ترى أنه لا يحاص الغرماء بالكتابة ولا بما أعتق عبده عليه؛ لأن ذلك من باب المعروف وليس في دمه، وذلك بخلاف متاجرته مع الأجنبيين، فحكم المتاجرة والكتابة مفترق. قال: وساوى أشهب بين الوصي وبين المأذون وبين المكاتب في كتابة العبد ورأى أن الكتابة هاهنا طريقها التجارة وابتغاء الفضل كسائر المتاجرات، وذهب إلى أن: المأذون أن يكاتب عبده على وجه النظر، وإن كره الغرماء، وليس لغرمائه في ذلك مقال؛ أذن له السيد أو لم يأذن. قال: وإن للحر المديان أن يكاتب عبده إذ وقعت بغير محاباة على وجه النظر وإن كره الغرماء، وأبى ذلك ابن القاسم في المديان. واختلفا في المريض: فأجاب فيه كل واحد منهما بضد قوله في المديان. قال ابن القاسم: كتابة المريض من ناحية البيع إذا لم تكن بمحاباة، وأبى ذلك أشهب في كتبه وإن غالاه ولم يحابه حتى يحمل رقته الثلث، وكان سحنون نحا أن الكتابة عنده من ناحية العتق في المريض والمديان؛ لأنه استشهد في المريض لما جاء بكلام أشهب بقول
ابن القاسم في كتابه المديان: أنه لا يجوز؛ لأن ذلك من ناحية العتق فصار ابن القاسم يجيزه في المريض ولا يجيزه في المريض ولا يجيزه في المديان. وقال أشهب بضده، وقال سحنون لا يجيزه فيهما. واحتج أشهب بمنع المريض من الكتابة إذا لم يحمله الثلث: بأنه حابى نفسه بما جر إليه وغلى ولده من الولاء، وقد اعترض عليه في ذلك بما يجوز من كتابة المديان؛ لأنه حابى نفسه أيضاً بالولاء، وهذا أصل مضطرب فيه؛ هل الكتابة من ناحية البيع، أو من ناحية العتق؟ فمهما دل عليه في النازلة غلب الحكم له. م: وهذا كله من كلام الفقيه أبي عمران الفاسي -رضي الله عنه- إلا ما اختصرت أنا منه وبينت. قال ابن القاسم ومن كاتب عبده وعلى السيد دين وقد جنى العبد جناية قبل الكتابة فقيم عليه بذلك الآن، فقال العبد: أنا أؤدي عقل الجناية والدين وأثبت على كتابتي فذلك له. م: قيل لأبي عمران: فهل يحاسب السيد في الكتابة بما أدى من دين أو جناية؟ قال: أما الدين فيحاسبه بذلك إذ لو صحت الكتابة ثم لحق السيد لم يكن على المكاتب منه شيء، وإنما تباع كتابته في الدين، فأما ما أدى في الجناية فلا يحاسب السيد
بشيء من ذلك؛ لأنه لو جنى بعد صحة الكتابة لم يكن على السيد منها شيء، وإنما يقال للمكاتب: قم بجنايتك وإلا عجزت، فلو كان يحاسبه بجنايته قبل الكتابة لحاسبه بها إذا كانت بعد الكتابة وهذا بين. قال ابن القاسم: ومن كاتب أمته وعليه دين يغترقها فولدت في كتابتها من غيره ثم قال الغرماء؛ فلهم فسخ الكتابة، ويرقها الدين وولدها، إلا أن يكون في ثمن الكتابة إن بيعت بنقد؛ مثل الدين أو مثل قيمة رقبتها، فلا تغير الكتابة، ولكن تباع في الدين. قال: ولو فلس سيد العبد بدين بعد الكتابة؛ بيعت الكتابة للغرماء، فيقبضون حقوقهم، ولا شيء لهم غير بيع كتابته وإن كثر الدين. في مكاتبة النصراني لعبده وإسلام مكاتبه قال ابن القاسم: وإن كاتب النصراني عبده النصراني، جازت كتابته، ثم إن أراد بيعه وفسخ الكتابة لم يمنع من ذلك، وليس هذا من حقوقهم التي يتظالمون فيها فيما بينهم، والعتق أعظم حرمة، ولو أعتقه ولم يبنه على يده ثم رده في الرق لم يمنع من ذلك، فكذلك الكتابة إلا أن يسلم العبد. م: يريد فتلزمه كتابته وعتقه وهذا خلاف قوله في العتبية. قال فيها في نصراني أعتق عبده ثم أراد بيعه: فليس للإمام منعه، فإن أسلم العبد أن يرجع في عتقه فإن كان بان عن يده حتى صار حاله كحال الأحرار فلا رجوع له فيه بعد إسلامه، وإن كان إذا أعتقه يستخدمه بحالته التي كان عليها حتى أسلم فله الرجوع فيه. م: فلم يجعل لإسلامه حكماً إلا بالبينونة، والبينونة عندنا تمنع من الرجوع فيه وإن لم يسلم، ولا فرق بين العتق والكتابة في هذا، وظاهر المدونة: أنه يلزم العتق والكتابة وإن لم
يُبنه؛ لأنه حكم بين مسلم وذمي، وأما إذا ابانه؛ فذلك يلزمه، وإن لم يسلما، فلو كان الحكم للبينونة لم يكن لذكر الإسلام معنى، والله أعلم وقد جرى في كتاب العتق من هذا والله الموفق للصواب. ومن المكاتب قال غيره: وإذا كاتب النصراني عبده النصراني، لم يكن له نقض الكتابة؛ لأن هذا من التظالم بينهم الذي لا ينبغي للحاكم أن يتركهم وذلك. ومن العتبية قال سحنون في النصراني يكاتب عبده النصراني بمائة قسط من خمر ثم أسلم المكاتب بعد أن أدى نصف الخمر قال: على المكاتب نصف قيمة نفسه عبداً قناً، أو يكون عليه نصف كتابة مثله في قوته على السعاية، وكذلك لو كان إنما أسلم السيد؛ الجواب واحد. وذكر ابن حبيب مثله عن ابن الماجشون إلا أنه قال: يكون عليه حصة ما بقي من كتابة مثله، إن ثلث فثلث وإن ربع فربع. ومن المدونة قال مالك: وإذا اشترى ذمي عبداً مسلماً؛ لم يفسخ شراءه، ولكن يباع عليه من مسلم، فإن كاتبه قبل أن يباع عليه أو كاتب عبده النصراني ثم أسلم العبد بعد الكتابة؛ فإن كتابة هؤلاء كلهم تباع من مسلم، فمن عجز منهم رق لمشتريه، وإن أدى عتق وكان حراً، وولاءه الذي كوتب وهو مسلم للمسلمين دون مسلمي ولد سيده الذمي، ثم إن أسلم سيده بعد ذلك، لم يرجع إليه ولاؤه؛ لأنه قد كان ثبت للمسلمين، وأما الذي أسلم بعد الكتابة فولاؤه لمن يناسب سيده من المسلمين من ولد ذكر أو عصبة، فإن لم يكونوا؛ فالجميع المسلمين، ثم إن أسلم سيده بعد ذلك رجع إليه ولاؤه؛ لأن ولاءه قد كان ثبت له حين عقد كتابته وهو على دينه.
قال سحنون: ومعنى رجوع الولاء في هذا؛ إنما هو الميراث، فأما الولاء فلا ينتقل عمن ثبت له. وإذا أسلمت أم ولد الذمي فقال مالك مرة: توقف حتى تموت، أو يسلم فتحل له، ثم رجع وثبت على أنها تعتق ولا شيء عليها من سعاية ولا غير ذلك وولاؤها للمسلمين إلا أن يسلم سيدها بعد أن أعتقت عليه فيرجع إليه ولاؤها. قال ابن القاسم في كتابة أمهات الأولاد: وإن أسلم سيدها بعد إسلامها وقبل أن تعتق؛ فهو أحق بها وتبقى له أم ولد، كما كانت، وإن طال ما بين إسلامها ما لم تعتق بقضية إمام. قال في المكاتب: وأما إن أسلم ولده بعد أن أسلمت؛ فإنها تعتق عليه، وولاؤها للمسلمين، ولا يرجع إليه ولاؤها إن أسلم. م: يريد وإن أسلم قبل أن تعتق عليه؛ فإنها تبقى له أم ولد، وولاؤها ثابت للمسلمين، لا يرجع إليه، كما لو دبر عبده بعد أن أسلم؛ فإنه يؤاجر عليه، فإن أسلم السيد أيضاً: رجع إليه مدبره، فإن مات وعتق في ثلثه كان ولاؤه للمسلمين، وبالله التوفيق. قال: فيها قولان: أحدهما: أن ميراثه كله للسيد كالعبد.
والقول الآخر: أن تؤخذ القيمة من السيد فيأخذ السيد منها باقي الكتابة، ثم يكون الفضل لقرابة السيد؛ فإن لم يكن له قرابة فهو للمسلمين. فقيل له: كيف يغرم القيمة ويأخذ منها الكتابة؟ فقيل: الكتابة كدين له فلذلك أخذها من القيمة؛ كالرجل يقتل غريمه عمداً، إن دينه لا يسقط عنه، ولم يصرح إذا كان الدين إلى أجل هل يبقى إلى أجله، أو يحل بقتله إليه؟ وكأنه نحا إلى أن دينه يحل على ما ذكره السائل. م: ومن مسائل ابن الكاتب -رضي الله عنه- قال: قول ابن القاسم إذا عجز المكاتب رجع ماله للسيد، وصار محجوراً عليه، ليس يريد عجزه عن الكتابة كالانتزاع، إنما أراد: أن العبد لا يجوز له التصرف في ماله، تدل على ذلك مسألة التدليس إذا وجد السيد عيباً فيما ولى المكاتب شراؤه وقد عجز، ومسألة أمهات الأولاد إذا أسلمت أم ولد المكاتب الذمي فإن عجز المكاتب؛ فإن كان مولاه مسلماً كان مثل النصراني يشتري أمة مسلمة فلو كان ماله يصير لسيده إذا عجز المكاتب لكانت أم ولده لسيده، ولم يحتج إلى بيعها. وقيل عن الشيخ ابن سعيد: إنما يرجع المكاتب على حالته التي كان عليها قبل الكتابة، إن كان مأذوناً له رجع كذلك، وإن كان غير مأذون له، رجع كذلك. والمشهور من قول ابن القاسم خلاف هذا. ومسألة عجز المكاتب الأعلى أن الأسفل يؤدي إلى السيد الأعلى، دليل على ما قلنا إذ لم يجعله يؤدي إلى المكاتب العاجز، فلو كان باقياً على ملكه لكان يؤدي إليه. تم المكاتب الأول بحمد الله وحسن عونه وتأييده ونصره].
بسم الله الرحمن الرحيم عونك يا الله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كتاب المكاتب الثاني في إسلام أحد مكاتبي الذمي، وهروب مكاتبه إلى بلد الحرب قال مالك قال ابن القاسم: وإذا كاتب النصراني عبدين له نصارى كتابة واحدة فأسلم أحدهما فأحسن ذلك عندي: أن تباع كتابتهما جميعاً من مسلم ولا يفرقا لعقد الحماية رضيا أم كرها. وكذلك إن كاتب عبداً له نصرانياً، فولد لمكاتبه ولد في كتابته من أمته، ثم أسلم ذلك الولد دون أبيه؛ فإنه تباع كتابتهما جميعاً. م: ومعنى قوله: رضيا أم كرها: أي رضيا ببيع المسلم وحده؛ لأجل الحمالة، فلذلك لم يجزه؛ لأنهما يصيرا مكاتبين لرجلين أحدهما حميل بصاحبه، وأما لو رضوا بحل
الحمالة وفضوض الكتابة، وعلما ما يقع على كل واحد منهما؛ لجاز للسيد بيع كتابة المسلم منهما، كما لو أعتق السيد أحدهما، فرضي بذلك صاحبه: أنه يجوز. ويحتمل: أن يكون إنما أجازه في العتق خاصة لحرمته ويستأنس بأن لا يجيزه في البيع وإن رضيا بحل الحمالة لقول ربيعة الذي لا يجيزه في العتق وإن رضوا، والله أعلم. فصل قال ابن القاسم: وإن غنمنا مكاتباً لذمي أو لمسلم هرب أو أسر رد إلى سيده إن عرف سيده، غاب أو حضر، ولا يقسم وإن عرف أنه مكاتب ولم يعرف سيده أقر على كتابته، وبيعت كتابته في المقاسم مغنماً، ويؤدي إلى من صار إليه، فإن أدى كان حراً ولاؤه للمسلمين، وإن عجز رق لمن صار إليه. م: وإن لم يعلم أنه مكاتب ولا علم سيده فبيعت رقبته في المغانم، ثم أتى سيده، قال في العتبية يقال للمكاتب: أد ما اشتراك به هذا وقم بنجومك؛ فإن فعل فذلك له، وإن
ألقى بيده وعجز نفسه؛ فقيل لسيده: إن شئت فافده وهو عبد لك لا كتابة فيه، أو فأسلمه رقيقاً للذي هو في يديه كالجناية، وفي كتاب الجهاد إيعاب هذا. في الدعوة في الكتابة وبعثها إلى السيد قال ابن القاسم: وإذا قال السيد لمكاتبه قد حل نجم، وقال المكاتب: لم يجل؛ فالقول قول المكاتب؛ لأنه غارم، كقول مالك فيمن أكرى داره سنة، أو باع سلعة بدنانير إلى سنة، فادعى حلوها فالمكتري أو المبتاع مصدق إن أكذبه. قال ابن القاسم: وإن اتفقا أن الكتابة خمسون، وقال المكاتب: نجمتها على عشرة أنجم في كل نجم خمسة، وقال السيد: بل خمسة أنجم، في كل نجم عشرة؛ صُدِّق المكاتب مع يمينه، فإن أتيا ببينة؛ قضيت بأعدلهما، وإن تكافأتا صدق المكاتب، وكانا كمن لا بينة لهما، وقاله أشهب. وقال غيره: يقضى ببينة السيد؛ لأنها زادت ألا ترى أن لو قال السيد: الكتابة ألف درهم، وقال المكاتب: تسعمائة؛ صُدِّق المكاتب، وإن أتيا ببينة قضى ببينة السيد لأنها زادت. [قال أبو إسحاق: وقول ابن القاسم أعدل؛ لأن هذا تكاذب إذا كان في مجلس واحد، وكذلك القياس عنده في الزيادة أنها تكاذب، وأما جعل الغير أن الزيادة هاهنا لها حكم؛ وهي بينة السيد، فجعل الزيادة من جهة المعنى، وإلا فعشرة أشهر أكثر من خمسة في عدد الأشهر، ولكن من جهة هذا المعنى هذا المعنى أن الزيادة في الثمن إنما جاءت من جهة السيد وانظر
لو قال: كاتبني على عشرين ديناراً، وقال السيد: بل عبد موصوف أو عرض، فإذا قدرنا أن الكتابة فوق إذ لو لم يكن فوتاً لكانا يتحالفان ويتفاسخان في اختلافهما في القلة والكثرة مع اتفاقهما في الجنس الواحد، وإذا حكمنا في الجنس الواحد أن القول قول المكاتب مع يمينه وجب أن يرجع في اختلافهما في الجنس إلى قيمة، وانظر هل يرجع إلى كتابة مثله مؤجلة أو قيمة حالة؛ لأنا وجدنا في السلع إذا اختلف المتبايعان في جنسين أو في النكاح إذا اختلفا في جنسين؛ أن المرأة ترجع في الفوت إلى صداق المثل دراهم، والمتبايعان يرجعان إلى قيمة المبيع دراهم، ووجدنا اختلافهما في القلة والكثرة في المسلم فيه بعد الفوت يرجعان إلى الأوسط من سلم الناس على ما ذكره ابن المواز. م: وهذا الذي احتج به الغير من اختلافهما في عدد مال الكتابة خاصة لا يخالفه فيه ابن القاسم ولا يلزمه به في مسألة اختلافهما في عدد النجوم حجة؛ لأن كل بينة فيها قد زادت بينة المكاتب زادت عدد النجوم، فانتفع بالتأخير وبقلة ما يقع لكل نجم، وبينة السيد زادت بكثرة ما يقع لكل نجم وبقلة النجوم، فيجب عند تكافئهما أن يسقطا، وأما في اختلافهما في عدد المال خاصة فبينة السيد قد انفردت بالزيادة؛ فلذلك قضي بها، وبالله التوفيق. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعى المكاتب أنه كوتب بمائة، وقال السيد: بمائتين؛ صدق المكاتب إن كان قوله يشبه؛ لأن الكتابة فوت، ولأن مالكاً قال فيمن اشترى عبداً فكاتبه أو دبره أو أعتقه واختلفا في الثمن: إن القول قول المشتري لأنه فوت. قال محمد بن عبد الحكم: قد اختلف في ذلك ابن القاسم وأشهب: فكان أشهب يرى أن القول قول السيد. والحجة له: أنه يقول: أنت مملوكي فلا تخرج إلى الكتابة إلا بما أقر لك، وذلك كالبيع، يختلفان فيه فالقول قول البائع، والمبتاع مخير.
والحجة لابن القاسم في قوله: إن القول قول المكاتب: إن الكتابة قد وجبت وهي فوت، فالسيد يدعي فضلاً، والعبد ينكر، فالبينة على المدعي، وعلى المنكر اليمين. واختار بن المواز قول بن القاسم واحتج بمثل حجته في المدونة. ومن المدونة: قال ابن القاسم وكان مالك مرة يقول: إذا قبض المبتاع السلعة وبان بها وهي قائمة بعينها؛ فهو مصدق في الثمن مع يمينه، ثم رجع إلى أن يتحالفان ويترادا إن لم تفت السلعة بحوالة سوق فأعلى. قال ابن حبيب عن أصبغ: فيمن قاطع عبده على مائة، وقال: هي حالة، وقال العبد: [إلى أجل؛ فالسيد مصدق مع يمينه، ولو كاتبه على مائة وقال: هي حالة، وقال العبد: هي] منجمة صدق العبد مع يمينه. م: لأن سنة القطاعة التعجيل، وسنة الكتابة التنجيم، وهو العرف فيهما فمن ادعى العرف فالقول قوله. م: ومن كان القول قوله حلف وقضى بما ادعى، فإن نكل حلف الآخر وقضى بما ادعى، فإن نكل لزمه ما ادعي عليه به، وذلك كاختلاف المتبايعين بعد فوت السلعة؛ لأن القطاعات والكتابة فوت.
م: وهذا على قول ابن القاسم في اختلاف المتبايعين يدعي البائع الحلول، والمبتاع الأجل؛ أن القول قول البائع، وأما على قوله القول قول المبتاع؛ فيجب أن يكون القول قول العبد؛ لأن القطاعة كفوت السلعة. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا بعث المكاتب بكتابته إلى سيده وأنكر قبضها؛ فإن لم يقم الرسول بينة بالدفع؛ ضمن، كمن بعث بدين عليه أو امرأة اختلفت من زوجها بما فبعثت به إليه؛ فإن لم يقم الرسول بينة بالدفع وإلا ضمن، وقاله مالك. ما يحل ويحرم في الكتابة من خيار أو رهن أو حمالة قال ابن القاسم: ومن كاتب عبده على أن السيد أو العبد بالخيار يوماً أو شهراً فلا بأس به، والخيار في الكتابة جائز كالبيع. ومن كاتب أمته على أن أحدهما بالخيار فولدت ولداً في أيام الخيار؛ دخل الولد في الكتابة معها، فإن كان الخيار لها: كانت وولدها على الكتابة إن أحبت، وإن كرهت رجعت رقيقاً، وإن كان الخيار للسيد: فله أن يدخل ولدها معها في الكتابة على ما أحبت أو كرهت، أو يردها وولدها في الرق كالأمة المبيعة بالخيار تلد في أيام الخيار أن ولدها يدخل معها في إمضاء البيع أو رده لمن له الخيار بالثمن المشترط، ولا شيء على المبتاع من نقص الولادة إن ردها. وولد المكاتبة في أيام الخيار أبين في دخوله معها في الكتابة على ما وصفنا.
وقال أشهب: الولد للسيد ولا يدخل في الكتابة إذا لم تتم إلا بعد الولادة، وكذلك أرش جنايتها، وما وهي لها فهو لمالكها قبل وجوب الكتابة، وكذلك الولد في البيع للبائع، ولا ينبغي للمبتاع أن يختار البيع للتفرقة، فإن اختاره وقبض الأم؛ قيل لهمام: إما أن يضم المشتري الولد إلى أمه، أو يأخذ البائع الأم فيجمعان بينهما في حوز أحدهما وإلا نقضنا البيع. وقال ابن القاسم: أما ما وهب للأمة أو تصدق به عليها في أيام الخيار؛ فهو للبائع بخلاف الولد. م: وهذا رجوع من ابن القاسم إلى أصل أشهب؛ لأن أشهب: يرى في بيع الخيار أنما انعقد يوم وقع الاختيار؛ فما ولدت أو وهب لها أو جني عليها فأخذت له أرشاً فللبائع؛ لأن البيع إنما انعقد بعد ذلك، وابن القاسم يرى إذا اختار البيع من له الخيار فكأنه إنما أمضى العقد الأول؛ فكأن البيع لم يزل منعقداً من حينئذ؛ فلذلك جعل الولد للمبتاع ومع المكاتبة، وكذلك يجب أن يكون ما وهب لها وأرش ما جنى عليها للمبتاع، وأراه إنما فرق بينهما: إنه لما ترجح وقت انعقاد البيع، وكان مال العبد في البيع للبائع جعل ما طرأ له من مال في أيام الخيار لمن له المال، والولد لمن تكون له الأم والله أعلم. وقول أشهب أبين وأقيس وبه أقول، وبالله التوفيق. [قال ابن القاسم: وكذلك أرش ما جني عليها في أيام الخيار أو في عهدة الثلاث فهو للبائع؛ لأن منه ضمانها، وعليه نفقتها، والمبتاع بالخيار في أخذها معيبة بجميع الثمن، أو
ردها، وكذلك إن دخلها عيب في أيام الخيار أو في عهدة الثلاث؛ فأما أخذها معيبة بجميع الثمن أو ردها. قال مالك: ولو هلك مال العبد في عهدة الثلاث وقد بيع به لم يكن للمبتاع رد العبد ولا يرجع بشيء. ولو هلك العبد في الثلاث انتقض البيع، وعلى المبتاع رد ماله، وليس له التمسك به ودفع الثمن، بخلاف ما دخله من عيب، هذا له أن يرده وماله، أو يمسكه وماله. م: لأن مال العبد إنما هو مستثنى للعبد فمتى انتقض البيع في العبد انتقض في ماله، وهذا مستوعب في كتاب بيع الخيار. ومن اشترى عبداً واستثنى ماله؛ كان ما وهب له في أيام الخيار له لا للبائع؛ لأنه استثنى ما عنده وما يصح له من كسب، وهذا هو المعروف من المذهب، وإنما وقع في كتاب محمد في العبد الرهن يرتهن بماله، فيوهب له مال أن ما وهب له لا يدخل في الرهن. م: قال أبو إسحاق: وفي ذلك نظر، ولعل هذا المفهوم في الرهن إذا رقبته لم تخرج من ملك سيده].
فصل قال مالك: ومن كاتب عبده وأخذ منه عند الكتابة رهناً يملكه مما يغاب عليه، فضاع بيد السيد؛ فإنه يضمن قيمته، فإن ساوت الكتابة عتق مكانه وكانت قصاصاً. قال ابن المواز: لأني لو أغرمت السيد ذلك لم أدفعه إلى المكاتب حتى تحل النجوم، إلا أن يأتي المكاتب برهن ثقة مكانه فيأخذ ذلك، ويثبت على كتابته، فإن لم يأت به تعجيل ذلك سيده، وجعل ذلك من أول نجم إن لم يكن كفافاً للكتابة، ولم يكن على المكاتب شيئاً حتى تنقضي نجوم ذلك، وإن كان فيه فضلٌ عتق وأخذ الفضل من سيده. ومن المدونة: وإن فلس السيد أو مات نظرت إلى الرهن؛ فإن كان في عقد الكتابة بشرط فهو انتزاع من السيد لا يحاص به المكاتب غرماء سيده كما لو كاتبه على أنه لو أسلف سيده دنانير أو باعه بيعاً بثمن مؤجل فذلك انتزاع لا يحاص به، ولو وجد الرهن بعينه في فلس أو موت فلا شيء له فيه، ولا محاصة له به، ولا لغرماء المكاتب فيه شيء، ولو كان الرهن بعد عقد الكتابة لنجم حل أو نحوه؛ فللمكاتب أخذه إن وجده بعينه، أو المحاصة بقيمته إن لم يجده فما صار له كان قصاصاً مما حل عليه، وما بقي له من قيمته ففي ذمة السيد يقاص به المكاتب فيما حل عليه. وفي كتاب محمد وما صار له في المحاصة قوصص به فيما حل عليه.
قال ابن المواز: فيأخذه الغرماء ثم تباع لهم بقية الكتابة؛ فإن أدى كان حراً، وإن عجز رق للمشتري كله، وأتبع المولى ببقية قيمة رهنه، وإذا بيعت كتابته فله أن يحاص الغرماء في ثمنها كما كان يحاصصهم فيما بيده. م: يريد: وإذا حاصهم فيما بيده فنابه أكثر مما حل عليه فليحسب ذلك من أول نجم ثم مما يليه، فإن كان فيه كفاف ما عليه من الكتابة؛ عتق مكانه، وكان قصاصاً؛ لأني لا أدفع ذلك للمكاتب حتى تحل النجوم إلا أن يأتي المكاتب برهن ثقة مكانه فيأخذ ذلك، ويثبت على كتابته، فذلك له واسع، ويتبع السيد بما بقي له من قيمة رهنه. قال: ولو كاتبه بمائة دينار؛ فأرهنه بما رهناً قيمته مائتي دينار، فضاع بيد السيد، وعلى السيد دين لرجل مائتي دينار ففلسفة الغريم، فوجد بيد السيد مائتي دينار فليحاصه المكاتب فيها بقيمة رهنه فإن شاء المكاتب تعجل العتق بما يقع له، قال له الغريم: عليك من الكتابة مائة، فآخذ أنا من هذه المائتين مائة أيضاً ويتحاصا في المائة الثانية؛ فيقع للمكاتب خمسون فيأخذها ويخرج حراً، ويتبع السيد بخمسين بقية قيمة رهنه، فإن شاء المكاتب أخذ ما يقع له في الحصاص، ويأتي برهن مكانه، ويؤدي على نجومه تحاصا في المائتين، فتقع له مائة ويأتي برهن قيمته مائة، ويأخذ المائة ويؤدي إلى نجومه إلا أن يكون حل عليه شيء منها؛ فيأخذ الغريم من المائتين مثل الذي على المكاتب، ويتحاصا فيما بقي، فيأتي المكاتب برهن مثل ما يقع له في الحصص، فهذا وجه الحصاص وتفسيره وبالله التوفيق.
قال غير ابن القاسم في المدونة وهو أشهب: ليس ذلك انتزاعاً كان الرهن في أصل الكتابة أو بعدها، ويضمنه السيد إن لم تقم بينة بهلاكه، فإن كانت القيمة دنانير والكتابة دنانير تحاصا؛ لأن في وقف القيمة ضرر عليهما، إلا أن يتهم السيد العبداء على الرهن لتعجيل الكتابة قبل وقتها فتوقف القيمة بيد عدل، وإن كانت الكتابة عرضاً أو طعاماً، أوقفت القيمة لرجال رخص ما عليه عند محله، ويحاص الغرماء بالقيمة في الفصل والموت. قال أبو إسحاق: ومذهب الغير أبين؛ لأن هذا إنما يكون انتزاعاً بأن بينهم ذلك، وأما شرطه الرهن في أصل الكتابة، فلا يفهم منه الانتزاع، وأما دعواه الضياع؛ فأوجب ابن القاسم المقاصة بظاهره، ولو أتى العبد برهن ثقة وذلك أنه لم يصح هلاك الرهن ولا غير هلاكه فكان الأمر مشكلاً، فلم يحمل عليه العداء فغرمه قيمته، فيوقف كما لو ثبت عداؤه ولم يسقط عنه ضمانه؛ لأنه مضمون فتوسط فيه إن ضمنه وجعله قصاصاً. وظاهر مذهب الغير: أنه لا فائدة في إيقاف القيمة فقد يقول: إنه لو أتى برهن ثقة أنه يصير عليه إلى الأجل إذا كانت عليه أن الإنفاق ضرر، فإذا كان إنما العلة أن الإيقاف لا فائدة فيه، فإذا أتى برهن أخذ القيمة. وعلة ابن القاسم غير هذا؛ أنه لما لم يتحقق علة العداء كان ذلك قصاصاً، وأنه لو تحقق أنه عداء لأوقفت القيمة. وذهب ابن المواز: إلى أن له الحصاص به، وإن كان في أصل الكتابة، قال: لأنه وإن اشترطه رهناً فهو مال للمكاتب لم يشترطه السيد لنفسه بل اشترط أنه للمكاتب فلا
يظلم، وما نابه في الحصاص فليس للسيد أن يتعجله لنفسه، ولا لغرمائه، ويكون رهناً، وكذلك لو كاتبه على أن يسلفه أو يبيعه سلعة محلها إلى بعد الكتابة، ففلس السيد؛ كان له أن يحاص بقيمتها حالاً ويقبض ذلك المكاتب، إلا أن يكون قد حل عليه شيء من نجومه، فيقاصه بذلك. م: سئل الشيخ أبو الحسن بن القابسي -رحمه الله-: ما وجه قول ابن القاسم: إذا كان الرهن في أصل الكتابة فضاع، أنه يرجع عليه بقيمته ما لم يفلس فإذا فلس لم يرجع عليه وراءه كالانتزاع؛ فإن كان انتزاعاً فيلزمه أن يقول: لا شيء للمكاتب فيه وإن لم يفلس، وإن لم يره انتزاعاً: فللمكاتب أن يحاص به غرماء سيده؟ فقال الشيخ أبو الحسن: إذا اشترطه في أصل الكتابة فكأنه انتزعه، وقوله: هو رهن؛ كأنه وعده أن يرده إليه بعد وفاء الكتابة، فصار كالهبة منه له، يقوم عليه بها ما لم يفلس. ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يجوز أن يكاتبه ويرتهن رهناً من غير المكاتب، فيصير كالحمالة، وذلك لا يجوز. قال ابن المواز: [ولا يجوز أن يكاتبه ويرتهن رهناً من عبيده]، ولا يجوز الرهن بالكتابة إلا أن يكون للعبد فيكون بمنزلة حمالة المكاتبين بعضهم ببعض في كتابة واحدة، وإن كان من غير ملك العبد ولم يعلم السيد كان باطلاً كحمالة غيره بها، والسيد بالخيار إن شاء أن يمضي الكتابة بلا رهن فذلك له؛ لأن الرهن بمنزلة الحمالة، وإن أبى نقضت الكتابة. ابن المواز: إلا أن يؤدي جل الكتابة فلا يفسخ، ويفسخ الرهن. قال: ولو علم السيد أن الرهن ليس لعبده فسخ الرهن ولم يفسخ الكتابة.
فصل ومن المدونة قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا: أن العبد إذا كاتبه سيده لم ينبغ أن يتحمل له أحد بكتابة عبده إن مات العبد أو عجز، وليس هذا من سنة المسلمين؛ لأن الكتابة ليست بدين ثابت، وإن مات المكاتب أو عجز؛ لم ينتفع الحميل بما أدى عنه في عتق ولا رق يملكه هو، وهذا من أكل المال بالباطل. قال غيره: ولأن سنتها لا تكون في ذمة وإجازة الضمان فيها إصراف لها إلى الذمة وليس للضامن أن يرجع بما أدى في ذمة العبد فلم يحرم، وضمان أحد المكاتبين عن الآخر جائز، بخلاف الأجنبي؛ لأنه إنما ضمن ملكه عن ملكه. وقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس بالحمالة بالكتابة، كما لو تحمل رجل عند عبد غير مأذون له في التجارة بمال، أو عن رجل في ولاية وهو يعلم بشيء اشتراه أحدهما؛ أن ذلك يلزمه، وإن ذهب ماله باطل؛ فهو الذي رضي بهذا. م: ولا أعلم أن لي في هذا القول رواية. ومن المدونة: قال مالك: ومن زوج مكاتبته لرجل على أن ضمن له كتابتها فولدت منه بنتاً ثم هلك الزوج فالحمالة باطلة، وتبقى المكاتبة على حالها، وابنته أمة لا ترث أباها، وميراثه لأقرب الناس منه. ابن المواز قال ابن القاسم: إذا لم تؤد الحمالة حتى مات وترك مالاً كثيراً؛ قيل: يؤخذ ذلك من ماله بعد موته.
قال ابن المواز: لأنه شيء لم يحكم عليه به في حياته، إلا أنه لو أدى ذلك حتى يعتق ويفوت ذلك جاز للسيد، ورجع به الزوج عليه، ورجعت عليه هي بصداق مثلها يوم وقع النكاح، فيتقاصان، فمن كان له الفضل أخذه منه صاحبه. م: وفي الأول شيء من هذا. فيمن ورث شقصاً من مكاتب يعتق عليه أو أوصي له به قال ابن القاسم: وإذا ورثت مع أخيك لأبيك مكاتباً هو أخوك لأمك، وضع عنه حصتك، وسعي لأخيك في نصيبه، وخرج حرا، وإن عجز عتقت حصتك فيه، ولا يقوم عليك بقيته، وأما لو وهب لك نصفه، أو أوصى لك به فقبلته؛ فإن المكاتب إن لم يكن له مال ظاهر فهو مخير: في أن يعجز نفسه ويقوم عليك باقيه، ويعتق كله إن كان لك مال، وإن لم يكن لك مال أعتق نصيبك منه، ورق باقيه لشريكك فيه، وإن شاء ثبت على كتابته، وحطت عنه حصتك منها، فإن أدى فولاؤه لعاقدها، وإن عجز قوم باقيه [عليك إن كنت مليئاً وأعتق، وإن لم يكن لك مال أعتق نصيبك منه دون باقيه] مثل إذا عجز نفسه ولا مال له، سواء. قال: وليس له أن يعجز نفسه إن كان له مال ظاهر للتقويم عليك. م: وإن قيل ما الفرق بين من وهب له بعض مكاتب ممن يعتق عليه فقبله، وبين من أعتق حصته من كاتب بينه وبين آخر؛ أنه جعل عتقه في هذا وضع مال، وأنه إن عجز لا
يعتق عليه حصته، ولا تقوّم عليه حصة صاحبه، وفي الذي وهب له بعض مكاتب ممن يعتق عليه إن عجز تقوم بقيته عليه. قيل: الفرق بينها أن من يعتق عليه لما كان ممن لا يستقر ملكه عليه إن عجز ولابد من عتقه، جعلنا قبوله لما وهب له منه قصداً لعتق تلك الحصة من الرقبة، والآخر هو ممن إذا عجز يجوز له ملكه، وهو الآن لا يملك منه إلا مالاً؛ فإنما عتقه إياه وضع مال، ولو قصد إلى عتق الرقبة فيه، وإنه إن عجز كان ذلك الشقص حراً لاستوت المسألتان وبالله التوفيق. قيل لابن القاسم: فلِم إذا قبله ولم يعجز نفسه يوضع عنه حصته وهو لم يملك منه رقاً، ولو أدى لكان ولاؤه لعاقد كتابته؟ قال: لأنه إن عجز وصار له؛ عتق عليه. م: وإذا عجز فقوم على الأخ بقيته يكون ولاء هذا النصف للأخ وولاء النصف الموهوب للواهب؛ لأنه لو وهبه جميعه لأعتق، وكان ولاؤه للواهب، وكذلك هبة نصفه، وأما النصف الذي عتق على الأخ فولاؤه له؛ لأنه عتق عليه بعد أن صار رقاً، وبالله التوفيق. في من يدخل على الكتابة بالولادة والشراء من القرابة قال مالك: وكل ما ولد للمكاتب من أمته مما حملت به بعد الكتابة دخل في كتابته، وصاروا بمنزلته لا يعتقون إلا بأدائها، وإن بلغوا جازت بيوعهم، وقسمتهم بغير إذنه إن كانوا مأمونين، وليس له ولد له كشرائه إياهم بغير إذن السيد إذ لا يمنعه السيد وطأه أمته ولا استحاثه الولد منها.
قال: وكل ولد ولد له منها قبل الكتابة أو كوتب وأمته حامل منه؛ فلا يدخل ذلك الولد في كتابته إلا أن يكون عليه. قال ابن القاسم في العتبية: وأما إن كاتب أمته علم بها أو لم يعلم؛ فإنه يدخل معها في الكتابة. ابن المواز قال أشهب عن مالك: فإن خافت العجز لم يبع ولدها الذي حدث في الكتابة إلا بإذن السيد. قال أشهب: وكذلك المكاتب في بيع ولده من أمته. وكذلك في سماع أشهب. قال ابن المواز: والأب والأخ لا يبيعه وإن ظهر عجزه إلا بإذن السيد؛ لأن السيد إذا عجز اتبع الولد لنفسه، فإذا أذن لأبيه في بيعه فلا حجة للولد ولا للأخ؛ لأنهم قد وقفوا على العجز كلهم، والرجوع إلى الرق. م: فلا فرق بين ملك السيد لهم ولا بين ملك غيره، فلم تكن لهم حجة في بيعهم. قال ابن المواز: وأما أم ولده فله إذا تبين عجزه أن يبيعها وإن لم يأذن له سيده، وذلك في الوضع الذي لو لم يبعها لعجز، فمنع السيد من بيعها ضرر؛ واستدعا رقه.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون في مكاتب كاتب على نفسه وعلى ابنة له فعجز عن بعض نجومه فاستأذن سيده في بيعها فأذن له؛ قال: لا يجوز ذلك إذا لم يكن السلطان عجزه، فإن وقع ذلك وفاتت بحمل من مشتريها فلا ترد إليه؛ لأنها لا ترجع إلى أحسن من ذلك، وإن بقي بيد أبيها فضل عما أدى من ثمنها من الكتابة فهو له سائغ؛ كما لو قتلت. ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يجوز للمكاتب أن يشتري ولده أو أبويه إلا بإذن سيده فمن ابتاعه بإذنه من ولد أو ولد ولد، أو أبوين أو من يعتق على الحر بالملك دخل معه في الكتابة، وجاز بيعهم وشراؤهم وقسمتهم بغير إذنه ولا يبيعهم في عجزه، فإذا عجزا رقوا كلهم للسيد، ويصير إذا اشتراهم بإذن السيد؛ كأنه كاتب عليهم، وكأن السيد كاتبهم جميعاً كتابة واحدة، ولو مات الذي عقد الكتابة لسعى من دخل معه في الكتابة على النجوم بحال ما كانت، ولا تؤخذ منهم حالة، وإن اتباعهم بغير إذن السيد لم يفسخ بيعه ولا يدخلوا معه في الكتابة ولا يبيعهم إلا أن يخشى العجز، ولا بيع لهم ولا شراء ولا قسم إلا بإذنه، ويعتقون بأدائه، وكذلك أم ولده ليس لها أن تتجر إلا بإذنه، ولا له بيعها إلا أن يخاف العجز، وأما إن ابتاع من لا يعتق على الحر بالملك من القرابة بإذن السيد، أو بغير إذنه؛ لم يدخلوا معه في الكتابة وله بيعهم، وإن لم يعجز، ولا فعل لهم إلا بإذنه، وكل من اشتراه فدخل معه في الكتابة جاز شراؤه وبيعه ومقاسمته شركاءه، وكل من اشتراه فلم يدخل معه في الكتابة؛ فلا يجوز بيعه ولا شراؤه ولا مقاسمته إلا بإذن المكاتب. وقال أشهب عن مالك -رحمه الله-: يدخل الولد والوالد إذا اشتراهم بإذن السيد، ولا يدخل الأخ.
وقال ابن نافع وغيره: لا يدخل في الكتابة بالشراء بإذن السيد إلا الولد وحده فقط إذ له أن يستحدثه. وروي عنه أيضاً في غير المدونة: أنه يدخل الولد وإن اشتراه بغير إذن السيد إذ له أن يستحدثه. قال ابن القاسم: وإذا كان المكاتب مدياناً فابتاع ابنه؛ لم يدخل معه في الكتابة، وإن أذن سيده حتى يأذن غرماؤه، وهو بخلاف ما ولد له في كتابته؛ لأن ذلك بمنزلته، الا ترى أن ولد المعتق إلى أجل، والمدبر من أمته بعد ما عقد لهما ذلك بمنزلتهما، وأما ما ولد لهما قبل ذلك أو كانت أمتاهما حاملاً يوم العقد منه فرقيق، وإن اشتريا ما ولد لهما قبل ذلك لم يكونوا بمنزلتهما، ولهما بيهم؛ إذا أذن لهما في ذلك السيد، إلا أن يأذن في ذلك للمعتق إلى أجل عند تقارب الأجل، أو يأذن للمدبر والسيد مريض؛ فلا يجوز إذنه حينئذ، وإنما يجوز إذن السيد في ذلك الموضع الذي يجوز للسيد أن ينتزعهم؛ فإن لم يأذن لهم ولم ينتزعهم حتى أعتقوا؛ كانوا لهم تبعاً كأموالهم ويعتقون عليهم. وقال ابن القاسم: في باب بعد هذا: وللمكاتب أن يشري زوجته الحامل منه، وليس للسيد منعه، إلا أنه إذا ابتاعها بإذنه دخل حملها في الكتابة، وكانت به أم ولد، وإن ابتاعها بغير إذنه لم يدخل حملها في الكتابة ولم تكن به أم ولد. ومن كاتب عبده ثم كاتب زوجة العبد على حدة؛ فما حدث بينهما من ولد فهو في كتابة الأم؛ يعتق بعتقها، ويروق برقها، ولا يعتق الولد بعتق الأب.
قال في كتاب النكاح: ونفقة هذا الولد على الأم، ونفقة الأم على الزوج، ولو كانت كتابة الأبوين واحدة كانت نفقة الأم والولد على الأب. في سعي ولد المكاتب، وسعي أم ولده، وعتق السيد المكاتب دون ولده قال ابن القاسم: ومن أدخلناه في كتابه المكاتب؛ فله حكم من عقدت عليه الكتابة، فإن مات المكاتب الذي عقدت عليه الكتابة لم يؤخذوا بأداء الكتابة كالة، وسعوا على النجوم. قال: وما ولدت المكاتبة من ولد بعد الكتابة فهم بمنزلتها لا سبيل للسيد عليهم في السعاية ما دامت الأم على نجومها، ولها أن تستسعيهم معها؛ فإن أبوا آجرتهم، ولا تأخذ من أجارتهم ولا مما في أيديهم إلا ما تقوى به على الأداء والسعي، فإن ماتت سعوا، ولم يوضح عنهم شيء لموتها، ويسعى القوي على من أزمن منهم ثم لا يرجع عليه إن عتقوا. قال في الجنايات: وإذا كاتب عبده وزوجته فحدث لهما ولد؛ فليس لهما أخذ ماله وكسبه، وعليه أن يسعى معهما بقدر قوته وأداء مثله، فإن خاف العجز؛ فلهما الأداء من ماله كما يؤديهما عنه في عجزه ثم لا تراجع بينهم. ومن المكاتب: وإن ولد للمكاتب من أمته ولدان فاتخذ كل واحد منهما أم ولد؛ فأولدها، إلا أن أولادهما ملكوا ثم مات الجد فالولدان مع أمهما يسعون فإن أدوا أعتقت،
وإن مات أحدهما قبل الأداء ولم يدع ولداً وترك أم ولد؛ فإنها تباع، ويعتق أخوه في ثمنها ولا يرجع السيد عليه بشيء. قال سحنون: لأن حرمتها بسيدها وبولده، فإذا ذهب الذي ثبتت به حرمتها قبل أن تتم له حرمة صارت أمة يستعان بها في الكتابة. م: وبعد هذا باب فيه إيعاب هذا. فصل قال مالك: وإذا ولد للمكاتب من أمته ولد بعد الكتابة فأعتق السيد الأب؛ لم يجز عتقه إذا كان يقوى على السعي، وإن كان لا يقوى على السعي؛ وإن كان لا يقوى على السعي؛ جاز عتقه، ثم إن كان للأب مال يفي بالكتابة ولا سعاية في الولد أدى من مال الأب عن الولد حالاً وأعتقوا. قال غيره: هذا إذا رضي الأب بالعتق، وإلا لم يجز؛ لأن السيد يتهم على تعجيل النجوم قبل وقتها. م: وهذا تفسير وقاله جماعة من أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: ولو لم يرضى الأب بالعتق وتمادى على الكتابة، ثم عجزوا؛ كان الولد رقيقاً ويعتق الأب بالعتق الأول [كمن أعتق أحد مكاتبيه فرده أصحابه ثم عجزوا أن ذلك المكاتب يعتق بالعتق الأول] وليس كمن جعل عتقه في يديه فرده؛ لأن هذا إنما رده لعلة استعجال المال، فهو كرد أصحابه عتقه.
م: وفيها نظر؛ وهو كمن عجل عتق مكاتبه على تعجيل كتابته، [فيأبى من ذلك ويتمادى على كتابته] ثم يعجز أنه يرق للسيد؛ لأنه لم يرض بما طلبه به سيده، وإنما أعتقه على صفة فلم يرضها فلم يلزم السيد عتقه والله أعلم. قال ابن القاسم: وإن لم يكن في مال الأب إلا قدر ما يؤدى عنهم إلى أن يبلغوا السعي أخذوا وأدى نجوماً إلى أن يبلغوا السعي، ولا يؤخذ حالاً؛ إذ لو ماتوا قبل بلوغ السعي كان المال لأبيهم، فإذا بلغ الولد السعي سعوا، فإن أدوا أعتقوا وإن عجزوا رقوا. قال: وإن لم يكن في مال الأب ما يبلغهم السعي؛ مضى عتق الأب، ورقوا. ولابن القاسم قول ثان: أنه يأخذه حالاً، وإن كان فيه ما يبلغهم السعي. قال ابن المواز: وهو مثل ما لو مات وترك مالاً. ومن المدونة قيل: أرأيت أن قووا على السعي حين عتق الأب وله مال؟ قال: قال مالك: إن أعتق السيد أحد الأولاد وهو قوي على السعي؛ لم يجز عتقه، وسعوا جميعاً ولا يوضع عنهم من الكتابة شيء، وإن كان الذي أعتق صغيراً؛ لا سعاية له، أو كبيرا فانياً، أو به ضرر، لا يقوى على السعي؛ جاز عتقه فيه، ولم يوضع عمن بقي من الكتابة شيء ولا يرجع الذي أدى على أخيه الزمن المعتق بشيء.
وقال غيره: إذا كان للأب الزمن مال والولد يقوى على السعي؛ لم يجز عتقه؛ لأن ماله معونة لهم كبدنه. م: وروي عن مالك: أنه تؤدى جميع الكتابة من مال الأب، ويكونون أحراراً، وإن كانوا أقوياء على السعي يوم عتق أبوهم وله مال. وقال ابن نافع: لا يجوز له عتق الصغير، ولا يعتق بغير رضاهم، إلا من لا يرجى نفعه يوماً ما ولا يزداد إلا ضعفاً. في المريض يكاتب عبده، أو يقر بقبض كتابته قال ابن القاسم: ومن كاتب عبده في مرضه والثلث يحمله؛ جاز، وإن لم يحمله الثلث خير الورثة بين إمضاء كتابته أو عتق محمل الثلث منه بتلاً، ولو أجاز له الورثة ذلك قبل الموت وهم كبار لزمهم ذلك بعد موته وكذلك القول فيمن أوصى أن يكاتب عبده سواء، إن حمله الثلث كوتب كتابة مثله في جزائه وأدائه، وإن لم يحمله: خير الورثة في إجازة ذلك، أو أعتق محمل الثلث منه بتلاً. قال: وإن كاتبه في مرضه وقبض الكتابة في مرضه. قال في كتاب محمد: والثلث يحمله ثم مات. قال فيه وفي المدونة: فإن لم يحابه؛ جاز ذلك، وكان حراً، لا سبيل للورثة عليه، بمنزلة بيع المريض. وقد قال مالك: إن بيع المريض وشراءه جائز إذا لم يجاب؛ فإن حابى: كانت محاباته في الثلث.
وقال غيره: في الكتابة في المرض من ناحية العتق وقعت بمحاباة أو بغير محاباة. سحنون وكذلك قال ابن القاسم في المديان يكاتب عبده: لا يجوز؛ لأن ذلك من ناحية العتق. قال غيره: ويوقف المكاتب بنجومه، فإن مات السيد والثلث يحمله جازت كتابته، وإن لم يحمله: خيّر الورثة في الإجازة، أو عتق محمل الثلث منه بما في يديه من الكتابة. وقاله أكثر الرواة. ابن المواز وكذلك يقول أشهب: إن ذلك من ناحية العتق وليس كالبيع إذ لا تجوز كتابته، وإن غالاه في الثمن حتى يحمل الثلث رقبته، ولا يعجل عتقه إلا أن يكون للسيد مال مأمون، وإلا لم يعتق حتى يموت السيد ويحمله الثلث، وإن لم يحمله الثلث خير الورثة في عتقه أو يردوا إليه ما قبضه منه السيد، ويعتقوا منه بحمل الثلث بتلاً، ويبقى ماله بيده، ويقوم في الثلث بما ردوا عليه وبغيره من ماله إن كان له وعلى حاله وهيئته يوم يقوم لا قبل ذلك. م: قال بعض شيوخنا القرويين: إذا كاتب عبده في مرضه وحابى، وقبض الكتابة؛ إنه يجعل في الثلث قيمة الرقبة كلها كما لو لم يحاب، بخلاف إذا حابى المريض في بيعه هاهنا إنما يجعل في الثلث المحاباة خاصة؛ لأن الكتابة في المرض عتاقة. قال: وإذا حابى فان الثلث يحمل رقبته؛ جاز ذلك، ولم يقوم في النجوم المقبوضة منه، ولا يضاف ذلك إلى مال السيد، وإن كان الثلث لا يحمله ردت النجوم المقبوضة إلى يد العبد، ثم يعتق محمل الثلث من رقبته بماله إذا لم يجز الورثة.
م: وإنما يفترق الحكم عند ابن القاسم: في أن يحابي أم لا، لأنه إذا لم يحاب وحمله الثلث عجل عتق العبد في حياة السيد، ويمضا فعله كما يمضا بيعه إذا لم يحاب، وإذا حابى وحمله الثلث أيضاً لم يكن بد من إيقافه إلى بعد الموت؛ لأن المحاباة وصية، وإن لم يحمله الثلث في الوجهين خير الورثة بين إجازة ما فعل الموصي أو يردوا إلى المكاتب ما قبض منه، ويعتق محمل الثلث منه بماله بتلا. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كاتبه في صحته، وأقر في مرضه بقبض الكتابة؛ جاز ذلك، وكان حراً، ولم يتهم السيد إن ترك ولداً، فإن كان ورثته كلاله والثلث لا يحمله؛ لم يصدق إلا ببينة، وإن حمله الثلث صُدِّق؛ لأنه لو أعتقه جاز عتقه. وقال غيره: إذا اتهم بالميل والمحاباة معه إذا ورثته كلالة؛ لم يجز إقراره، حمله الثلث أو لم يحمله؛ لأنه في إقراره لم يرد به الوصية فيكون في الثلث، وإنما أراد أن يعتقه من رأس المال، فلما بطل ذلك لم يكن في الثلث، ولا يكون في الثلث إلا ما أريد به الثلث، وقاله ابن القاسم أيضاً غير مرة. م: وقد قال في الأول من الوصايا: وإن أقر المريض لصديق ملاطف بدين جاز إن ورثه ولده، وأما إن كان ورثته أبوين أو زوجة أو عصبة ونحوه؛ لم يجز إقراره له. قال سحنون في غير المدونة: لا في الثلث ولا غيره.
م: وهذا يشبه قول الغير هاهنا؛ لأن الإقرار بالدين كالإقرار بقبض الدين. وقال ابن حبيب في إقراره بدين للصديق: إنه إن حمله الثلث جاز؛ كان ورثته كلالة أو ولد؛ لأنه لو أوصى له بالثلث جاز؛ وهذا يشبه قول ابن القاسم في إقراره بقبض الكتابة، وبالله التوفيق. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كاتبه في مرضه وأقر بقبض الكتابة في مرضه ذلك فإن حمله الثلث خير؛ كان ورثته كلالة أو ولد، وكان بمنزلة من ابتداء عتقه في مرضه. م: يريد: أنه كالمبتل في المرض؛ فإن كان مال السيد مأموناً عجل عتقه، وإن لم يكن مأموناً لم يعتق إلا بعد الموت. قال: وإن لم يحمله الثلث خير الورثة؛ فإما أمضوا كتابته، وإلا أعتق محمل الثلث منه، وكان ما بقي رقيقاً لهم. وقال غيره: يوقف بنجومه؛ لأن الكتابة في المرض عتاقة من الثلث، وليس من ناحية البيه؛ لأن ما يؤدي المكاتب إنما هو جنس من الغلة. في الوصية بالكتابة أو بنجم منها لرجل أو للمكاتب ووصية المكاتب قال ابن القاسم: وإن كاتبه في المرض بألف درهم وقيمته مائة درهم وأوصى بكتابته لرجل والثلث لا يحمل الكتابة؛ فإن حمل الثلث رقبته جازت الكتابة والوصية،
كالوصية أن يخدم فلاناً سنة ثم هو حر، فإن حمله الثلث جازت وصيته في العتق والخدمة، وإن لم يحمل الثلث رقبة المكاتب ولم يجز الورثة كتابته؛ فليعتق منه محمل الثلث، وتبطل الوصية بالكتابة لتبدية العتق عليها. م: وذكر ابن المواز هذا القول عن أشهب وأخذ به، وذكر عن ابن القاسم: أنه إنما يجعل الأقل في الثلث إذا أوصى بالكتابة للمكاتب؛ لأنه عتق، وأما الأجنبي فإنما يجعل الكتابة في الثلث. ابن المواز: ورواه عن مالك، قال وقول ابن القاسم جيد، وفيها نظر. قال: وقال ابن القاسم في المكاتب في المرض بألف وقيمته مائة وأوصى بالكتابة لرجل، والثلث يحمل رقبته، ولا يحمل كتابته؛ أن الكتابة جائزة؛ لأن الثلث يحمل الرقبة، ثم تقوّم الكتابة بالنقد، فإن كان لا يحملها الثلث بعد إسقاط قيمة الرقبة من مال الميت؛ خير الورثة بين إجازة ذلك أو القطع له بالثلث من جميع ماله. ومن المدونة قال ابن القاسم ومن أوصى لرجل بمكاتبه أو بما عليه، أو أوصى بعتق مكاتبه أو بوضع ما عليه؛ جعل في الثلث الأقل من قيمة الكتابة أو قيمة الرقبة على أنه عبد مكاتب في جزائه وأدائه، كما لو قتل، وقاله ابن نافع. وقال أكثر الرواة: ليس قيمة الكتابة ولكن الكتابة، قالوا كلهم: فأي ذلك حمل الثلث جازت الوصية.
قال: ومن أوصى لرجل بثلث ماله؛ كان الموصى له شريكاً للورثة في كل شيء تركه الميت من عين أو عرض أو كتابة مكاتب، وصار كأحد الورثة. م: يريد: إلا فيما يطرأ للميت من مال لم يعلم به؛ فإنه لا شيء للموصى له فيه، وفي الوصايا بيان هذا، وقد تقدمت مسألة من أوصى أن يكاتب والثلث حمله؛ أنه يكاتب كتابة مثله، وإن لم يحمله الثلث خير الورثة في إجازة ذلك، أو عتق محمل الثلث منه بتلاً. فصل قال مالك: ومن وهب بمكاتبه من كتابته نجماً بعينه من أول الكتابة أو وسطها أو آخرها، أو تصدق به عليه، أو أوصى له به، وذلك كله في المرض، ثم مات السيد؛ قوم ذلك النجم وسائر النجوم بالنقد، يقال: ما يسوى هذا النجم وعدده وأجله كذا بالنقد؛ فيعلم ذلك، أو ما تسوى جميع النجوم، ومحل كل نجم منها كذا بالنقد؛ فينظر ما ذلك النجم من هذه النجوم، فيقدر حصة ذلك النجم من جميع الكتابة يعتق الآن من رقبة المكاتب، ويوضع عنه ذلك النجم بعينه إن حمله الثلث، ويسعى فيما بقي بعد ذلك، وإن لم يحمله الثلث خير الورثة في إجازة ذلك أو عتق محمل الثلث من رقبة المكاتب، ويحط عنه من كل نجم بقدر ما أعتق منه، فإن كان الذي أعتق منه الثلثين وضع عنه من كل نجم ثلثاه، وإن كان أقل من ذلك أو أكثر فعلى هذا يحسب، ولا يحظ عنه النجم المعين إذا لم يحمله الثلث، ولم يخير الورثة؛ لأن الوصية قد حالت عن وجهها.
ومن كتاب ابن المواز وغيره قال أشهب: إنما يجعل في الثلث الأقل من قيمة النجم أو ما قابله من الرقبة؛ كما لو أوصى له بجميع الكتابة، وأخذ به سحنون، ورواه أبو زيد عن ابن القاسم. م: تفسيره: أن ينظر ما قيمة ذلك النجم من سائر نجوم الكتابة؛ فإن قيل: الربع: فالذي يقابله من الرقبة الربع، ثم ينظر الأقل من قيمة ذلك النجم ومن قيمة ربع الرقبة فيجعل الأقل في الثلث. ابن المواز قال أشهب: وإن لم يكن للسيد مال غير المكاتب، وقد أوصى له بالنجم الأول فشح الورثة عليه، فإن خرجت قيمته من قيمة ما في الكتابة من الثلث جاز ذلك عليهم ووضع النجم بعينه، وإن لم يسع ذلك النجم الثلث عتق منه محمله، ووضع عنه بقدر ما يحمل الثلث منه، فإذا عجز كان منه حراً بقدر ذلك. قال: ولا يخير الورثة في ذلك؛ لأنهم قادرون على بيع سائر الكتابة. وقال ابن القاسم: بل يخيرون، فذكر عنه مثل ما في المدونة. وقال ابن المواز بقول أشهب، قال: وتفسير ذلك: أن يقوم النجم الأول، فإن كانت قيمته خمسين وقيمة بقية النجوم مائة فقد حمله الثلث، فتوضع عنه بقيته، ويعتق ثلثه إن عجز، وإن كانت قيمة بقية النجوم خمسين وُضع عنه ثلثا النجم الأول، وعتق ثلث الرقبة إن عجز. وقيل: إذا عرف قيمة النجم الموصى له به سعى، فإن عجز أعتق قدره، فإن تمادى؛ لم يوضع عنه ذلك من أول الكتابة، فإذا لم يبق عليه إلا قدره؛ عتق.
ابن المواز: وليس هذا بشيء، وقول مالك صواب، ولا حجة للورثة أن يقولوا: يبدأ العبد علينا؛ لأن لهم بيع بقية الكتابة نقداً وقد عدل بينهم في القيمة. فصل قال ابن المواز قال مالك: ومن وهب لرجل وهو صحيح كتابة مكاتبه فعجز؛ فهو رقيق للذي وهبت له الكتابة، فإن وهب نصفها رق له نصفه إن عجز، وكذلك سائر الأجزاء كما لو باعه كتابته أو نصفها، وقاله أشهب واصبغ ورواه موسى بن معاوية في العتبية عن ابن القاسم. وروى عنه أبو زيد: أنه إن عجز كانت رقبته للمعطى، وروي نحوه عن أشهب. م: فوجه الأولى: أنه يكون له بقدر ذلك من القربة قياساً على البيع كما ذكر. ووجه الثانية: قياساً على هبة ذلك للمكاتب لا يعتق منه شيء إن عجز. قال ابن المواز قال أصبغ عن ابن القاسم وأشهب وكذلك إن وهبه نجماً من نجوم مكاتبه؛ فإنه يكون شريكاً له في النجوم كلها بقدر ذلك، كبيعه لنجم من نجومه ولم يسمه، فإنه شريك بقدر نجم من عدد نجوم الكتابة، وإن كانت خمسة أنجم للمشتري أو للموهوب خُمس كل نجم، فإن عجز كان له من رقبته خمسها، وقاله أصبغ. قال ابن المواز: كان ذلك في صحة السيد أو مرضه، فأما هبته لنجم مسمى بعينه في صحته فلا يكون للموهوب من رقبة المكاتب شيء إن عجز، وكأنه إنما وهبه مال ذلك
النجم بعينه إن تم، ولا يجوز بيع ذلك النجم المعين؛ لأنه إن عجز كان له من رقبة المكاتب رق بقدر ذلك النجم، ولا يدرى ما قدره من العبد، بخلاف النجم المبهم، لأن ذلك يرجع إلى جزء مسمى. وروى أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية: فيمن وهب لرجل نجماً من نجوم مكاتبه ثم عجز العبد؛ قال: يكون له في رقبة العبد حصة بقدر النجم الذي وهبه. قال ابن المواز: وأما لو أوصى بالنجم بعينه لرجل؛ لكان له إذا عجز حصته من رقبة العبد رقاً، كما يكون إن أوصى به للمكاتب عتقاً، وقاله مالك. قال ابن المواز: والفرق بين الحصة والوصية في هذا: أنه في الوصية قد أشرك بينه وبين ورثته على قدر ما أوصى له من نفسه، أوصى بذلك للرجل فصار العبد والرجل شريكاً للورثة ليس أحدهم أولى من صاحبه. والصحيح يقول: لم أعط من الرقبة شيئاً إنما أعطيته مالاً. قال ابن المواز: ولو اقتضى الموصى له ذلك النجم المعتق أو بعضهم ثم عجز وقيمته من سائر الأنجم نصف رقبة العبد ولا يرد مما أخذ شيئاً، قاله أشهب وذكر عن ابن القاسم: إنه إن رد ما أخذ للعبد رجع بنصيبه في رقبة العبد، وإن لم يرد؛ كان العبد للورثة. والأول هو الصواب، وعلمت أحداً قال هذا ممن أوصى؛ لأن الموصى له إنما أخذ غلة مصابته؛ لأنها معجلة، وغلة مصابة الورثة متأخرة، وعلى ذلك قوم وعدل في القيمة، فلا ينظر في ذلك إلا ما ينصرف إليه مصابة الموصى له، ولا مصابة الورثة من كثرة أو قلة، ألا ترى أنهم لو قبضوا بعد قبضه لأكثر نجومهم ثم عجز المكاتب فقد أخذوا أكثر من
الثلثين في العدد، وإنما ذلك كعبيد ثلاثة مكاتبين قيمتهم سواء، أوصى بأحدهم لرجل فعجز بعد إن قبض أكثر نجومه وعجز الآخران ولم يؤديا شيئاً، فلا يقال: إن الموصى له صار له أكثر من الثلث؛ لأنه أمر نفذ بالقيمة وكما لو قبض الموصى له جميع كتابة عبده وخرج حراً، وقبض الورثة أكثر كتابة عبيدهم ثم عجزا فقد صار للورثة في هذا الحساب أكثر من الثلثين وبالله التوفيق. قال ابن المواز: ولو لم يقبض الموصى له النجم حتى مات المكاتب وترك مالاً كثيراً؛ أخذ صاحب النجم نجمه، والورثة نجومهم على قدر المال لا على القيمة؛ لأن النجوم قد حلت بموته، واستوى المتقدم والمتأخر، فما فضل بعد ذلك كان بين الورثة وبين صاحب النجم نصفين؛ بقدر ما كان يقع له من رقبة العبد لو عجز، قال: ولو لم يترك المكاتب ما يفي بالكتابة لتحاصا؛ الموصى له بالنجم، والورثة في ذلك بقدر العدد لا على القيمة، ولو أوصى بألف درهم مما على مكاتبه، فقال الورثة: نحن نعجلها لك، فأبى، وقال: لعله يعجز فيصير لي من رقبته بحصته مع ما أخذت من نجم؛ فللورثة تعجيلها، كما لو عجلها المكاتب بإذن الورثة لجبر هذا على أخذها. وروى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية: إذا أوصى لرجل بنجم من نجوم مكاتبه، فقالت الورثة: نحن ندفع إليك نجماً، وقال هو: لا أرضى، لعله يعجز فيكون لي فيه جزء، قال: إن لم يحل النجم فذلك له، وإن حل فذلك للورثة.
قال ابن المواز: وإن أوصى بالنجم الأول لرجل، وبالثاني لآخر، وخرج المكاتب من الثلث، ثم عجز؛ فلصاحب الأول من رقبته بقدر فضل قيمة نجمه، ولو قبض الأول نجمه ثم عجز قبل قبض الثاني، فرقبه المكاتب بينهما على ما وصفنا، وللأول ما اقتضى، ولا يرجع عليه الثاني بشيء، ولو كان ثم نجمٌ ثالث يبقى للورثة فقبض صاحب النجم نجميهما ثم عجز؛ فالعبد بينهما وبين الورثة على قدر قيمة النجم الأول والثاني والثالث، ولا يرجع الورثة عليها بشيء. وروي عن ابن القاسم في بعض مجالسه: أنهما إن ردا ما أخذا إلى المكاتب رجع فيه بأنصبائهما، وإن لم يردا فنصيبهما منه للورثة. والصواب ما تقدم وهو قول أشهب، وروى أصبغ القولين لابن القاسم في العتبية. قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: ولو أوصى بالنجم الآخر لرجل قبل أن يتأدى من الكتابة شيئاً فتقاضى الورثة نجومهم، وسلموا المكاتب للموصى له ليأخذ نجمه، فعجز عنه؛ فإنه تكون قربته بينه وبين الورثة، بقدر قيمة نجمه من قيمة نجومهم؛ لأنهم كانوا له فيه شركاء، وهذا بخلاف أن لو كان السيد قد تأدى نجومه إلا النجم الآخر أوصى به لرجل فينقذه له، ثم يعجز عنه المكاتب أو يموت؛ أن جميع العبد يرق له، وكأنه أوصى بجميع الكتابة إذا كان ما بقي عليه به يعتق ولا شرك لأحد معه فيه، وله جميع تركة المكاتب، وكما لو أوصى به للمكاتب صار حراً.
في وصية المكاتب وبيعه أم ولده لخوف العجز وبيع ولده إياها وهلاكه وذكر من يرثه قال مالك: وإذا أدى المكاتب كتابته في مرضه؛ جازت وصيته في ثلث ما بقي من ماله، وإن مات قبل دفع الكتابة لم تجز وصيته. قال ابن القاسم: فإن أوصى أن يدفع إلى سيده الكتابة الساعة فلم تصل إلى سيده حتى مات، وقد كان أوصى بوصايا، فوصاياه باطل إذا لم يؤد كتابته قبل أن يموت. م: قيل للفقيه الجليل أبي عمران -رحمه الله- فلو بعث بكتابته في مرضه إلى سيده فلم يقبلها السيد حين وصولها إليه، هل يكون حراً ويرثه ورثته؟ فقال: لا حتى يقضى عليه بذلك، إلا أن يكون بموضع لا حكم فيه فيشهد عليه فيكون ذلك كالحلم. فصل قال ابن القاسم: وإذا ولدت أمة المكاتب قبل الكتابة فليست بأم ولد له وله أن يبيعها وإن لم يخف عجزاً، الا ترى أن ولدها لغير المكاتب وهي بمنزلة أم ولد العبد يعتقه سيده فلا تكون له بذلك أم ولد، وأما إذا ولدت من المكاتب أمته بعد الكتابة فقال مالك: هي أم ولد له ولا يبيعها إلا أن يخاف العجز فيبيعها حينئذ. قال ربيعة: وله أن يبيعها في عدمه لدين عليه.
قال ربيعة: وإن مات المكاتب عديماً وعليه دين للناس؛ فأم ولده في دينه وولده رقٌ لسيده. ومن كتاب ابن حبيب قال أصبغ: إذا خاف المكاتب العجز فباع أم ولده وهي حامل منه فولدت عند المشتري؛ فإن كان المكاتب بحاله لم يعتق ولم يعجز رد بيعها لتعتق بعتقه أو يعجز فيبيعها دون ولدها، قال: وإن كان الأب قد عتق بأدائه أو عجز فرد رقيقاً؛ مضى بيع الأمة بقيمتها على أن جنينها مستثنى ورد الجنين فكان بحال أبيه من عتق أو رق، فإن لم يعثر على ذلك حتى أعتقها المبتاع وولدها فسواء عجز الاب أو أدى أو كان على كتابته، فإن العتق في الأمة ماض، وعليه قيمتها على أن جنينها مستثنى، ويرد عتق الولد، ويكون سبيله سبيل أبيه من عتق أو رق أو كتابة، وليس هذا كمن باع مكاتبه فأعتقه المبتاع؛ لأن هذا باعه غير سيده. فصل ومن المدونة قال مالك: وإذا مات المكاتب وترك مالاً فيه وفاء بكتابته وترك أم ولد وولداً منها أو غيرها؛ عتقت أم ولده مع الولد فيه وإن لم يترك مالاً سعت أم ولده مع ولده منها أو من غيرها أو سعت عليهم إن لم يقووا وقويت هي على السعي وكانت مأمونة عليه. قال مالك: وإن ترك أم ولد ولا ولد معها، وترك مالاً فيه وفاء بكتابته؛ فهي والمال ملك للسيد، ولا عتق لأم ولده؛ لأن المكاتب لم يترك ولداً بعد موته فيعتق أم ولده بعتقه. قال ربيعة: وكذلك إن ترك ولداً ثم مات الولد؛ فهي والمال للسيد، قال في آخر الكتاب: وكذلك لو كان هو ولده في كتابة فمات ولده عن أم ولد لا ولد معها؛ فهي رق
للأب، وإن ترك مالاً ك ثيراً إلا أن يترك ولداً كاتب عليه أو حدثوا في الكتابة فتعتق أم ولده بعتقه ويرق برقهم، وكذلك الإخوان في كتابة يموت أحدهما ويدع أم ولده ولا ولد معها؛ أنها رقيق، ولا تعتق، وتسعى أم ولد المكاتب بعده إلا أن يدع منها أو من غيرها كاتب عليهم أو حدثوا في الكتابة. قال ابن المواز: وإن كان معهم أب أو أخ في الكتابة وترك أم ولد لا ولد معها؛ فقال ابن القاسم: هي رقيق للأب أو للأخ، وإن ترك وفاء بالكتابة. وقال أشهب: إن ترك وفاء بها؛ عتقت مع الأب أو الأخ، وإن لم يترك وفاء؛ رقت: ولا تعتق في سعيهما بعد ذلك، قال: ولا تسعى هي إلا مع الولد. ومن العتبية قال سحنون عن ابن القاسم: في مكاتب مات عن أم ولد وولد منها أو من غيرها وترك مالاً أعتقوا به، قال: لا يرجعون عليها بشيء، قال: وكذلك لو لم يترك مالاً فسعوا فعتقت كانوا ولدها أو غير ولدها فلا يرجعون عليها بشيء. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن مات المكاتب وترك أم ولد وولداً منها حدث في كتابته فخشي الولد العجز؛ فلهم بيعها، وإن كانت أمهم. قال عن مالك: وإن كان للأب أمهات أولاد سواها فخاف العجز الولد فلهم بيع من فيها نجاتهم كانت أمهم أو غيرها. قال ابن القاسم: وأرى الا يبيع أمه إذا كان في بيع سواها ما يغنيه.
ومن العتبية قال سحنون: يقرع بينهن أيتهن تباع غير أمه فلا تدخل في السهم. وقال أيضاً: يباع من كل واحدة بقدرها، يريد: غير أمه، إلا أن يكون لكل واحدة ولد فيباع من كل واحدة بقدرها. وقال في مكاتب مات وترك عليه من الكتابة مائة دينار وترك ثلاث أمهات أولاد من كل واحدة ولد وقيمة كل واحدة منهن مائة فتشاح البنون أيتهن تباع؟ قال: يباع من كل واحدة بثلث المائة، وإن اختلفت قيمتهن قضيت عليهن بقدر قيمتهن، فإن كانت قيمة الواحدة ثلاثمائة، والثانية مائتين، والثالثة مائة؛ فجميع قيمتهن ستمائة فالمائة الباقية من الكتابة من جميع القيم السدس، فيباع من كل واحدة سدسها فيقوم من ذلك المائة. م: وإن شئت قلت: يباع من التي قيمتها ثلاثمائة بنصف المائة، ومن التي قيمتها مائتين بثلث المائة [والتي قيمتها مائة سدس المائة] فهذا أعدل إذ قد ينقص ثمن الجزء لما يدخل الباقي من الحرية، ولابد أن يباع منهن بمائة. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا هلك المكاتب ومعه في الكتابة ولد وأجنبي وترك مالاً فيه وفاء بكتابته؛ فإن كتابته تحل بموته ويتعجلها السيد من ماله، ويعتق بذلك من معه في الكتابة، وليس لمن معه في الكتابة من ولد وأجنبي أخذ المال وأداؤه على النجوم إذا كان فيه وفاء يعتقون به الآن لما فيه من الغرر، فإن لم يف ببقية الكتابة فولده الذين معه في الكتابة أخذه إن كانت لهم أمانة وقوة على السعاية ويؤدون نجوماً.
قال مالك في كتاب الجنايات: وإن ترك ولداً لا سعاية فيهم ولم يدع مالاً؛ رقوا مكانهم إلا أن يكون فيما ترك ما يؤدي على النجوم إلى أن يبلغوا السعي فيفعل ذلك بهم أو يترك ولداً ممن يسعى فيدفع المال إليهم، وإن لم يقووا ومعهم أم ولد للأب دفع إليها المال إن لم يكن فيه وفاء، وكان لها أمانة وقوة على السعي؛ فإن لم يكن فيها ذلك وكان في المال مع ثمنها إن بيعت كفاف الكتابة؛ بيعت وأدت الكتابة، وعتق الولد، أو يكون في ثمنها مع المال ما يؤدي إلى بلوغ الولد السعي، وإن لم يكن ذلك رقوا أجمعون مكانهم. فصل قال ابن القاسم في كتاب المكاتب: ولا يدفع ذلك المال لمن معه في الكتابة غير الولد من قريب أو أجنبي وليتعجله السيد من الكتابة ويسعوا في بقيتها، فإن أدوا عتقوا وأتبع السيد الأجنبي بحصة ما أدى من مال الميت وحاص به غ رماءه بعد عتقه، وليس هذا كالمعتق على أن عليه مالاً بعد العتق؛ لأن السيد لم يخرج عنه مالاً فيجب له أن يحاص به، وفي هذا قد أدي عنهم مال المكاتب فهو كالسلف فلذلك حاص به غرماءه. وقال ربيعه: لا يدفع المال إلى ولد غيره وإن كانوا ذوي قوة وأمانة، إذ ليس لهم أصله، وهو لا يأمن عليه التلف إذا كان بأيديهم وليتعجله السيد ويقاصهم من آخر كتابتهم، فإ، كانوا صغاراً لا قوة فيهم على السعي فهم رقيق وذلك المال للسيد.
ابن المواز قال أشهب: يدفع ذلك المال إلى الولد وغيرهم من قريب أو أجنبي في كتابة واحدة إن كانوا مأمونين، وليس ذلك كالدين الثابت يحل بموتهم وهم قد كانوا يتقون بمكان الهالك وماله فإذا أخذ عنهم ما ترك ضعفوا وعجزوا، وإن لم يكونوا مأمونين: لم يتعجله السيد أيضاً، ودفع إلى أمين يؤديه إلى السيد على النحو. وقال ابن القاسم: لا يدفع ذلك المال إلا إلى الولد مثل ما في المدونة. فصل ومن المدونة قال مالك: وإذا مات المكاتب وترك ولداً حدث في كتابته ومالاً فيه وفاء بكتابته وفضل، أخذ السيد الكتابة منه وما بقي ورثه ولده الذين معه في الكتابة على فرائض الله تبارك وتعالى، ولا يرث منه ولده الأحرار الذي ليسوا معه في الكتابة ولا زوجته، وإن كوتبت معه ولا شيء للسيد مما فضل إذا كان الولد الذي حدث في الكتابة ذكر؛ لأنه يجوز جميع الميراث بعد أداء الكتابة. قال: وإنما لم يرثه ورثته الأحرار؛ لأنه مات قبل أن تتم حرمته فلا يرث الحر العبد؛ ولأنهم لا يسعون إذا مات أبوهم ولم يترك وفاء، فكما لا يكون عليهم السعي، فكذلك لا يكون لهم الفضل، وبذلك قضى عمر بن الخطاب ولم يرثه السيد لأنه لم يمت عاجزاً، ولم ينحل العقد الذي عقد له إذا ترك من يقوم بأداء الكتابة، وورث الفضل ولده الذين معه في الكتابة حدثوا أو كوتب عليهم؛ لأنهم ساووه في أحكامه بعقد الكتابة في
رقها وحريتها؛ ولأنهم يسعون في تمامها إن مات ولم يترك وفاء وقاله مالك وجماعة من الفقهاء. قال ابن المواز: وإذا ارتد المكاتب وقُتل على ردته ومعه في الكتابة ولد وأم ولد وترك مالاً فيه وفاء بالكتابة وفضلة؛ عتق بذلك ولده وأم ولده، وكان ما فضل للسيد، ولا يرث الولد من ذلك شيئاً لاختلاف الدينين ولا يرجع عليهم السيد بشيء مما عتقوا به من مال الأب ويرجع على الأجنبيين، قال: لأن السيد ورثه بالرق ولم يرثه الولد للردة، ولم يتبع بما عتق به لأنه يعتق عليه بالسنة. ومن المدونة قال: وإن كان ولده الذين معه في الكتابة ذكروا وإناثاً فللذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كان الود بنتاً أو ابنتين؛ أخذت البنت النصف، والابنتان الثلثين، وكان للسيد الباقي بعد النصف أو الثلثين بالولاء دون أحرار ورثة المكاتب، وإن ترك المكاتب ابنتين وابن ابن معها في الكتابة وترك فضلاً عن كتابته فلبنتيه مما فضل عن كتابته ثلثان ولابن الابن ما بقي. قال ربيعة: وذلك ولد المكاتبة فيما ذكرنا من السعاية والموارثة إذا ماتت. قال مالك: إنما يرث المكاتب من معه في الكتابة من أقربائه الولد وولد الولد والأبوان والجدود والإخوة؛ وهم الذي يعتقون عليه من أهل الفرائض دون أحرار ورثته ولا يرثه سواهم من عم أو ابن عم أو غيرهم من ع صبة ولا زوجته وإن كانوا معها في الكتابة.
قال ابن القاسم وأصل ما سمعت من مالك فيمن يرث المكاتب ممن معه في الكتابة من القرابة: إن كل من عجز منهم فأدى عنه لم يرجع عليه فهو الذي يرثه إن مات، وكل من يرجع عليه إن أدى عنه فهو لا يرثه إلا الزوجة فإنها لا ترثه، ولا يرجع عليها إن عتقت بأدائه أو بعد موته في ماله، ولا يرجع عليها من يرثه من وارث السيد، ويرجعون على من كان هو يرجع عليهم، وهو يرجع على خاله وخالته وبنت أخيه وعمته، ولا يرجعون على من ذكرنا، أنه يرثه في كتابته وهم الذين يعتقون عليه من الورثة. قال ابن المواز واختلف فيه قول مالك فيمن لا يرجع عليه من قرابته إذا أدى عنه: فروى عنه ابن القاسم: أنه لا يتبع إخوته ولا كل ذي رحم منه، ثم سئل بعد ذلك فقال: كل من كانت لهم رحم يتوارثون بها؛ فإنه لا يرجع بعضهم على بعض، [وإن كانوا أجنبيين رجع بعضهم على بعض] ثم سئل بعد ذلك فقال: أما الولد والإخوة؛ فإنهم لا يرجع بعضهم على بعض، وأما الأباعد فنعم. قال ابن القاسم: والذي آخذ به: أن كل من يعتق على الحر إذا ملكه بالقرابة؛ فذلك الذي لا يرجع عليه؛ لأن ذلك ثمن رقبته، وكل من لا يعتق عليه من ذوي رحمه، فإنه يرجع عليه، وقاله عبد الملك وابن عبد الحكم.
وقال أشهب: لا يرجع على كل رحم منه وإن كانوا ممن لا يعتق عليه بالملك ولا؟؟؟؟؟ وبينه ميراث لا خالته ولا عمته ولا أحد بينهم رحم. ابن المواز واختلف فيمن يرث المكاتب ممن معه في الكتابة: فقيل: لا يرثه إلا من يعتق على الحر بالملك، فأما عم أو ابن أخ فلا؟؟؟؟؟؟ أحق منهم، وقاله عبد الملك. وقاله ابن القاسم مرة، ثم قال هو وأشهب وابن عبد الحكم وأصبغ: يرثه من يرث الحر من عم وغيره من نساء ورجال، وأما امرأته؟؟؟؟؟؟؟ مرة: أنها ترثه، وآخر قوله: أنها لا ترثه، وتعتق فيما تركه، ولا تتبع بشيء استحساناً وقاله ابن القاسم وأشهب. م: وقال بعض الفقهاء: ومن الحجة لابن القاسم في أنه لا يرجع؟؟؟؟؟؟؟؟ من فدى زوجته من العدو وهو يعرفها أنه لا يرجع عليها وكأنه إنما فدى؟؟؟؟؟؟؟ كذلك المكاتب لا يرجع عيها لهذا المعنى، وإن كانت لا تعتق عليه بالملك. م: قال أبو إسحاق: وانظر على هذا لو أدت هي عنه؛ هل لها الرجوع عليه؟ فعلى قياس ما قلناه يجب أن ترجع عليه، وفي بعض الكتب: أنها لا تجرع عليه، كما إذا أدى عنها. وذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: أن زوجته لا ترثه ولا يرثها ولا يرجع عليها، ولا يرجع أحدهما على الآخر إذا أدى عنه ما يعتق به من الكتابة. م: سئل الفقيه أبو عمران: لم لا يرث المكاتب من معه في الكتابة إلا من لو أدى عنه لم يرجع عليه إلا الزوجة؟
قال: قد اختلف في ذلك؛ فقد ذكر مثل ما قدمنا هاهنا من الاختلاف، قال وذهب ابن نافع إلى أن لا يرث المكاتب أحد إلا الولد، قال: التوريث في هذا المعنى يحتاج التفريق بينه إلى توقيف إذ لا يُعلم بالعقل، وذلك أن العبيد إنما خرجوا من آية المواريث بالسمع، فكل من فيه بقية رق لا حق بهم إلا من قام الدليل على توريثه، أما ولد المكاتب الذي معه في الكتابة فقال مالك في موطئه أن عبد الملك بن مروان كتب به إلى عامل مكة، وذكر أشهب بإسناد حسن عن الشعبي أن ابن مسعود قال ذلك، وذكر مالك أنه الأمر عندهم، وروي عن ابن القاسم وأشهب: أن الأخوة بمنزلة الولد وقاس على ذلك ابن القاسم الأبوين والأجداد وهو قياس معتدل؛ لأن الأب أوجب ميراث من الأخوة المحجوبين بالأب؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ مساوون للأخوة في ميراث المال أو مقدمون عليهم فاقتصر ابن القاسم على؟؟؟؟؟؟؟؟ أحد قوليه، واستعمل في القول الآخر الذي وافقه عليه أشهب القياس وطرد؟؟؟؟؟؟؟ من ينتسب إلى المكاتب برحم ممن جمعته معه الكتابة، ولم يرد ذلك في؟؟؟؟؟؟؟؟؟ سببهما إلى الميراث بالنكاح لا بالرحم؛ فذلك خارج عن القياس عن الولد؛ لأن الزوجة تسقط بأن يعتق المكاتب فتختار نفسها، والرحم ثابت بكل حال، فلم تلحق الزوجة بذوي الارحام لمفارقتها لهم في بعض الوجوه، وهذه مسائل فروع محتملة الخلاف. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا هلك أحد الأخوين في كتابة وترك فضلاً عن كتابته كان ما فضل [عن الكتابة للأخ دون السيد، ولا يرجع السيد على الأخ بشيء مما أدى عنه؛ لأن الأخ لو كان حياً فأدى عن أخيه لم يتبعه بشيء، ولو كان لهذا المكاتب الميت ولد أحرار كان ما فضل] بعد الكتابة للأخ الذي معه في الكتابة دون ولده
الأحرار، ولو كان ولد هذا المكاتب الميت إنما حدث في كتابته فأدى الولد من ذلك المال جميع الكتابة، لم يرجع على عمه بشيء؛ لأن أباه لم يكن يرجع عليه لأن أخاه، وإن لم يكن معه في الكتابة إلا أجنبي، وترك وفاء بالكتابة تعجلها السيد، وكان له ما بقي بالولاء د دون ورثة المكاتب الأحرار، وأتبع السيد الأجنبي بجميع ما ينويه مما عتق به من مال الميت، وإن كان مع الأجنبي ولد للميت في الكتابة أتبعه الولد بذلك دون السيد، وورث الولد أيضاً بقة المال. وقال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: إذا لم يكن مع الأجنبي ولد للميت أتبعه السيد بجميع ما أخذ من باقي الكتابة من مال الميت ولا يحط عنه لموت الميت شيئاً، ويتأدى منه على النجوم إن كان قبضها هو قبل محلها. ولو كان مع الأجنبي ولد للمكاتب لم يتبعه إلا بنصف ما أدى من مال أبيه إذا كانت الكتابة بينهما نصفين، وذلك ما كان يبيعه به أبوه لو أدى عنه. وكذلك قال عبد الملك: إذا مات أحدهم لم يسقط عمن بقي شيء، وإن استحق أحدهم سقط عن الباقين حصته على العدد إذا كانوا أربعة سقط عنهم ربع الكتابة وقد تقدم الاختلاف في ذلك. فصل ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا مات المكاتب وترك مالاً فيه وفاء وفضل ولم يترك أحداً معه في الكتابة من ولد أو أجنبي وترك ولداً أحراراً؛ فالمال لسيده دون ورثته الأحرار؛ لأن المكاتب مات ولم يفض إلى الحرية، وقد مات هذا المكاتب عاجزاً ولم يترك
من يقوم بأداء الكتابة، فما ترك من مال فهو للسيد بالرق: وإن كان إنما مات المكاتب بعد موت السيد وترك مالاً فيه وفاء ولم يدع ولداً؛ فذلك بين ورثة السيد؛ يدخل فيه بناته وإخوته وأمهاته وزوجاته وغيرهم؛ لأنه موروث بالرق لا بالولاء. وإن ترك المكاتب بنتاً في الكتابة فلها النصف بعد الكتابة، ولولد السيد ما بقي. تم المكاتب الثاني بحمد الله وحسن عونه وتأييده ونصره.
كتاب أمهات الأولاد حكم أمهات الأولاد، وما تكون به الأمة أم ولد؟ وحكم ما بيدها من مال بعد موت السيد. روى حسين بن عبد الله عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في أم إبراهيم: أعتقها ولدها. وفي حديث آخر: «أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة إذا مات». وفي رواية أخرى: «فهي معتقة عن دبر». وروى مالك عن الخدري في أنهم لما أصابوا سبباً في غزوة بني المصطلق قالوا: يا رسول الله: ما ترى في العزل؟ فإنا نحب الأثمان. فلم يحرمه عليهم.
فقولهم: إنا نحب الأثمان، أنها إذا حملت أو ولدت بطل الثمن. قال سحنون: وقد قام من إجماع الصحابة بالمدينة في منع بيع أمهات الأولاد ما لا يسمع خلافه، وقضى به عمر -رضي الله عنه- بعد المشورة، ورأي عبي في ذلك، وحكم عثمان -رضي الله عنه- بمثله، واتصل ذلك، وتأكد عند العلماء في كل قرن، وما ذكر أن علياً -رضي الله عنه- رجع عن ذلك؛ فلم يثبت، ولو ثبت لكان رأيه مع عمر وعثمان والمهاجرين والأنصار أولى، وهو أثبت في الرواية، ولا يعرف أنه جرى ببيعهن حكم إمام، وعلى ذلك علماء الأمصار في القرن الثاني والثالث، ولم يختلف أحد أنها إذا حملت فلا يجوز بيعها فإذا وضعت وهي على الأصل في منع بيعها لا ينتقل عنه إلا بدليل. قال ابن القاسم: فأم الولد لا تباع ولا يردها دين وهي بعد الموت فارعة من رأس المال. [فإن قيل: لم لا يبطل الوطء فيها؟ قيل: لم يختلف في الوطء فيها، ولم يجب أن يبطل؛ لأنه السبب الذي أنزلها المنزلة التي ذكرنا. قال سحنون: ولما كشف عن أمرهن عبد الملك أخبره ابن شهاب أن ابن المسيب قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يبعن في دين ولا يعتقن من ثلث».
قال سحنون: ولو كان ما ذكر عن جابر من بيعهن في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما تظاهر الخليفتان والمهاجرون والأنصار على خلاف ذلك، ولم يكن يخفى عن جملتهم لا سيما بعد التشاور والإجماع]. فصل وروى ابن وهب عن مالك وغيره [أن عمر بن لخطاب] قال: ما بال رجال يطئون ولائدهم ثم يدعونهن يخرجن، لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أن قد وطأها إلا ألحقت به ولدها. قال نافع فهذا قضاء عمر -رضي الله عنه-، وقاله ابن عمر، وكان ابن عمر إذا وطأ جارية له جعلها عند صفية بنت أبي عبيد ومنعها أن تخرج حتى يشتهر بها حمل، أو تحيض. قال مالك فيمن أقر بوطء أمته ولم يدع استبراء لزمه ما أتت به من ولد. قال ابن القاسم إلى اقصى ما تلد له النساء الولد أتت به في حياته أو بعد موته أو بعد أن أعتقها. قال مالك: وإن ادعى الاستبراء فقال: حاضت حيضة ولم أطئها بعدها حتى ظهر هذا الحمل وليس هو مني؛ فله ذلك ولا يلزمه هذا الولد إذا ولدته لأكثر من ستة أشهر بعد الاستبراء.
قال سحنون في كتاب ابنه: أو لستة أشهر، فأما إن ولدته لأقل من ستة أشهر من يوم الاستبراء فإنه يلزمه. قال ابن سحنون قلت لسحنون: روى عبد الملك أن مالكاً قال: إذا قال: استبرأت ثلاث حيض؛ حلف، وبرأ. فقال سحنون الذي ثبت عن مالك وعبد العزيز، حيضة، وأما اليمين ليست عليه عند ابن القاسم وأشهب. قيل لابن المواز: فلم سقطت عن السيد اليمين؟ قال: لأن ذلك كدعواهم كأنه أعتقها، ولا يلزمه في العتق ولا الطلاق ولا ما كان من باب الحدود كلها يمين لمدعيها. م: قال بعض أصحابنا وإنما رأى عبد الملك في هذا اليمين؛ لأن الحرائر يلزم فيهن اللعان فجعل اليمين في الإماء عوضاً من اللعان في الحرائر والله أعلم. قال: وقال بعض شيوخنا: ولو نكل عن اليمين دخله الاختلاف في إذا قام لها شاهد بالعتق؛ فيلزمه الولد، على قوله: يعتق بالنكول، وعلى القول الآخر يسجن حتى يحلف، حسب ما قال في قيام شاهد بالعتق. قال ابن سحنون: قلت لسحنون: قال عبد الملك كان مالك يقول في أقصى ما تحمل له النساء أربع سنين، وقال المغيرة: خمس سنين، وقال أيضاً مالك: لا أرى الخمس سنين بعداً. فقال سحنون: أما مالك فلم يوقت فيه وقتاً، وقال: أقصى ما تحمل له النساء.
[قال أبو إسحاق: فجعل المغيرة على هذا أن الأمة الباقية في ملك الإنسان لا ينتفع فيها بالاستبراء كما لا ينتفع في الحرة بعد الطلاق بالاستبراء إلا لم تتزوج غيره حتى يمر بها ما لا يلحق فيه الولد إذا جاءت به وذلك خمس سنين، وإذا وطأها ثم استبرأها بحيضة ثم ظهر بها حمل قبل ثلاثة أشهر من حين حاضت، أو تحرك لأقل من أربعة أشهر؛ لزمه الولد، ودل على الاستبراء وقع وهي حامل، إذ لا يمكن أن يظهر الولد الأقل من ثلاثة، ويتحرك لأقل من أربعة ودل أن مجيء الدم كان وهي حامل]. وقال ابن القاسم وغيره: خمس سنين أقصى ما يكون له الحمل. ومن كتاب الاستبراء: فإن أقر أنه كان يطؤها ويعزل؛ لحقه ما أتت به من ولد. وإن قال: كنت مخذولاً أنزل فيها: قال في العتبية: أو قال: كنت أطأ في الفرج ولا أنزل: لم يلزمه الولد. ابن المواز: وإن قال: كنت أطأ في الدم أو بين الفخذين فأنزل؛ لزمه، ولا لعان له في الحرة. ومن كتاب ابن حبيب قال ابن عباس: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، ولا يستأذن الأمة. وقاله ابن مسعود وابن المسيب وربيعة. قال ربيعة: وإن كانت زوجته أمة فلا يعزل عنها إلا بإذن أهلها.
فصل ومن المدونة قال مالك: وإن أقر في مرضه بحمل أمته، وبولد أمة له أخرى، وبوطء أمة ثالثة لم يدع استبراءها فأتت بولد يشبه أن يكون من وطئه فأولادهن لاحقون به أجمع، وهن بذلك أمهات أولاد يعتقن من رأس المال. قال مالك: وأما من قال في مرضه: كانت هذه الأمة ولدت مني ولا يعلم بذلك إلا بقوله ولا ولد معها، فإن كان ورثته ولده؛ صُدق، وأعتقت من رأس المال، وإن كان ورثته كلالة، إنما هم عصبة ولا ولد له، فلا يقبل قوله، ولا تعتق الأمة، وتبقى رقاً إلا أن يكون معها ولد، أو تشهد لها بينة. قال ابن القاسم: وإن كان ورثة هاهنا إخوة وأخوات فهم بمنزلة الكلالة، والأخوة والأخوات عند مالك كلالة في غير هذا الوجه. قال سحنون وقد قال أيضاً مالك: لا تعتق إذا لم يكن معها ولد من ثلث ولا رأس مال، كان ورثته ولداً أو كلالة، كقوله: أعتقت عبدي في صحتي، فلا يعتق من ثلث ولا رأس مال، لأنه اقر، وقد حجب عن ماله إلا من الثلث، ولم يرد به الوصية فيكون في الثلث، ولا يكون من الثلث إلا ما أريد به الوصية، أو فعله في المرض وليس له أن يعتق من رأس ماله في مرضه، وقاله أكثر الرواة. م: قال بعض فقهائنا: لِمَ اختلف فيه قوله في هذا؟
ويحتمل أن يكون الفرق بينه وبين الذي يقول: كانت ولدت مني: أن الولادة شأنها الإسرار في غالب الحال، والعتق فالغالب فيه الإشهار والإشهاد، فلما لم يعلم منه هذا العتق إلا بقوله في المرض قويت ربيبته وطرح قوله، وكان أشد ريبة من صاحب الأمة والله أعلم. م: قال: إذا قال: كنت أعتقت عبدي في صحتي؛ أنه لا يعتق في الثلث ولا في رأس مال، وقال في إذا كاتبه في صحته وأقر بقبض الكتابة في مرضه وورثته كلالة في أحد قوليه أنه إن حمله الثلث؛ جاز كما لو ابتدأ عتقه؛ فالفرق بينهما على هذا القول: فلأن كتابة هذا قد ثبتت في الصحة، فإقراره في المرض بقبض الكتابة كوصية بوضع الكتابة عنه في المرض وذلك يرجع إلى الثلث، وأما القائل: كنت أعتقت عبدي في صحتي؛ فلم يعلم ذلك منه حتى مرض فقويت التهمة فيه، أنه أراد أن يعتقه من رأس المال فطرح قوله، إذ لا حكم له في رأس ماله، والقياس في هاتين المسألتين وفي مسألة الذي قال في مرضه: كانت هذه الأمة ولدت مني ولا ولد معها ألا يعتقوا في ثلث ولا رأس مال؛ لأنه إنما قصد أن يعتقوا من رأس المال حين لا حكم له إلا في ثلثه ولا رأس مال؛ لأنه إنما قصد أن يعتقوا من رأس المال حين لا حكم له إلا في ثلثه وهو لم يقصد الثلث فوجب ألا يعقوا في ثلث ولا رأس مال. وقاله بعض أصحابنا. [قال أبو إسحاق: أما قوله: كنت أعتقت هذا العبد في صحتي:
فقيل: إنه باطل. وقيل: إنه من الثلث. وقيل: إن حمله الثلث جاز، وإن لم يحمله الثلث بطل كله؛ لأن الثلث إذا كان يحمله لم يكن في إقراره تهمة إذ لو شاء لأخرجه من الثلث]. فصل قال ابن القاسم: ومن باع أمته لولدت عند المبتاع للستة أشهر فأكثر مما يلحق فيه الأنساب فادعى البائع أنه ولده، وأقر بالوطء أو باعها وهي حامل، ثم ادعى الولد بعد الوضع، فإن الولد يلحق به إن لم يتهم، ويرد البيع، وتكون الأمة أم ولد. قال ابن المواز: إذا كان مليئاً ولم يتهم بهوىً فيها؛ فلا خلاف في رد البيع، وتكون له الأمة أم ولد، ولا ترد الأمة عند ابن القاسم حتى يسلم من خصلتين: العد، والتهمة بالهوى، فإن سلم من ذلك وإلا رد إليه الولد خاصة بما ينويه من الثمن، وخالفه أصبغ في الهوى. وقال: إذا كان معها الولد وكان مليئاً بثمنها فلا تهمة فيها. ابن المواز: وإن كان عديماً: فروى أشهب عن مالك: أنه يقبل قوله، ويرد البيع، وتكون له الأمة أم ولد، ويتبع بالثمن، وأخذ به أشهب وابن عبد الحكم. وروى أشهب أيضاً عن مالك: أنه يرد إليه الولد خاصة بما ينويه من الثمن وأخذ به. ابن القاسم وعبد الملك وأصبغ، إلا أن يكون ثم من يشهد على إقراره بالمسيس قبل بيعه فيرد إليه مع الولد ويتبع بالثمن ديناً.
من: وفي باب الاستحلاف هذه المسألة، وهذا أبين ما فيها. قال في كتاب محمد: ولا ادعاه المشتري وقد ولد عنده لستة أشهر فأكثر؛ فإنه يلحق به ويكون أحق من البائع. ومن المدونة قال مالك وإن باعها ومعها ولد ثم استحق الولد عند الموت بعد سنين كثيرة، فإنه يلحق به إن لم يتهم بانقطاع من الولد إليه، فإن اتهم أن يميل بميراثه إليه لانقطاع الصبي إليه؛ فلا يقبل قوله آخراً إذا كان ورثته كلالة ولا ولد له. وقال أشهب: وإذا ولد عنده من أمته ولم يكن له نسب معروف، فإقراره جائز، ويلحق به الولد ويرد الثمن وتكون أمته أم ولد كان ورثته ولد أو كلالة. وقاله كبار أصحاب مالك. قال سحنون: وهذا أصل قولنا وعليه العمل. ومثله قول ابن القاسم في استلحاق من أحاط الدين بماله وله أمة له؛ أنه يلحق به، وتكون هي أم ولد، ولا يلحقها الدين، وكذلك قال في كتاب أمهات الأولاد: إن الدين لا يلحقهن، ولا يردهن، بخلاف المديان يعتق، وقاله جميع الرواة. قال سحنون: فهذا كان أولى من التهمة من الذي أدى ولداً له إليه انقطاع، وورثته عصبة، لإتلاف أموال الناس، إلا أن استلحاق النسب يقطع كل تهمة.
قال أشهب: ألا ترى أن الرجل يطلق زوجته قبل البناء؛ فلا يجوز له ارتجاعها إلا بنكاح جديد مبتدأ، وولي وصداق ثم إن ظهر بها حمل فادعاه لحق به الولد وجاز له أن يرتجها بلا صداق ولا نكاح مبتدأ؛ فالولد قاطع للتهمة. م: قال بعض أصحابنا وما احتج به سحنون على ابن القاسم من استلحاق المديان ولد أمته في مسألة المريض لا يلزم من وجهين: أحدهما: أن المديان استلحق ولد أمته في ملكه، والمريض إنما استلحق ولد أمة قد باعها، وزالت عن ملكه. والآخر: أن المديان إنما أبقى لغرمائه ذمة يتخلد الدين فيها، والمريض لم يبق للورثة عوضاً لانقطاع ذمته؛ فهذا مفترق. ولو كان المديان إنما استلحق الولد بعد بيع الأمة؛ لكان ينبغي أن يكون كالمريض سواء والله أعلم. م: وهذا انتصار ضعيف واحتجاج منكر، وما قال أشهب وسحنون أصوب؛ وذلك أن ابن القاسم إنما جعل العلة في ذلك التهمة؛ لانتقال الملك الذي فرَّق هذا به،
ولا فرق عند ابن القاسم إذا لم تكن تهمة، بين أن يستلحق ولد أمة في ملكه أو بعد أن باعها، وكذلك لو استلحق ولد أمة في ملكه عند موته بعد سنين كثيرة من ولادته واتهم أن يميل بميراثه إليه لانقطاع الصبي وورثته كلالة، فإنه لا يلحق به عند ابن القاسم، فإذا صح أن العلة عنده إنما هي التهمة نظرنا في قوتهما؛ فوجدنا المديان أقوى تهمة؛ لأن ما بيده لغرمائه لا يستطيع فيه صنيع شيء من معروف وإن قل إلا بإذن غرمائه، والمريض يجوز معروفه في ثلثه وإن كره وارثوه فهو أملك بما في يديه من المال من المديان، فكان أضعف تهمة، كما قال سحنون. وأما احتجاجه: بأن المديان أبقى لغرمائه ذمته فيقال له: ومن يرضى بتلك الذمة، ولو كانت هذه حجتهم للزمهم ذلك في عتقه، ولكن العلة: أنهم إنما رأوا استلحاق النسب باباً لا يتهم الناس فيه لوجوه منها: إتلاف مال الأمة، والثاني: التزام نفقتها ونفقة الولد، ومئونته، وذلك شديد، والثالث: قطع ميراث رحمه وإعطاء ما أوجبه الله لهم للأجنبي وقد صار إلى دار الحق، فلما كان هذا مستبعداً في النفوس لم يتهم الناس فيه والله أعلم. ولذلك لم يتهموا المديان فيه وإن أتلف مال غرمائه فكان المريض أحرى ألا يتهم لما قدمنا وبالله التوفيق.
قال أبو محمد بن أبي زيد عن ابن القاسم: ومن بيده أمة لها ولد [وعليه دين محيط؛ فادعى الولد فهو مصدق فيه وفي الأمة بخلاف المبيعة ولو لم يكن لها ولد] لم يصدق مع الدين المحيط. قال عنه محمد وغيره: وكذلك لو ادعى أنها أسقطت منه؛ لم يُصَدق إلا أن يشهد به نساء، أو يكون فشا ذلك من قوله قبل ادعائه. فصل ومن المدونة قال مالك: ومن أقر بوطء أمته ثم باعها قبل أن يستبرئها فأتت بولد لما يشبه أن يكون من وطئه؛ فأنكره البائع، فهو لاحق به ولا ينفعه إنكاره، ويرد البيع، إلا أن يدعي استبراء. م: قال بعض فقهائنا: سألت الشيخ الفقيه أبا بكر بن عبد الرحمن -رضي الله عنه-: في الذي أقر بوطء أمته فأتت بولد فنفاه وادعى الاستبراء، فلم يلحق به الولد، هل تحد هذه الأمة؟ فوقف الشيخ -رحمه الله- عن الحد، وذكر أن الشيخ أبا الحسن وقف في ذلك. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: وهي شبهة ترفع الحد وقد تهراق المرأة الدم على الحمل، قال: وكذلك قال غيره من شيوخنا القرويين، وقال: ألا ترى أن عبد الملك يُحلِفُه على ما ادعى من الاستبراء، قال: وأما لو أنكر أن يكون وطأها أصلاً؛ فهاهنا تحد الأمة، إذ لا يمين عليه عند أحد من علمائنا فاعلم ذلك.
ومن المدونة: قلت: فإن أقر بوطء أمته فأتت بولد فأنكر السيد أن تكون ولدته؛ قال: ذلك لا يكاد يخفى على الجيران والشأن أن يصدق النساء فيه. ولقد سئل مالك عن المطلقة ت دعي أنها قد أسقطت وانقضت عدتها ولا يُعلم ذلك إلا بقولها؟ فقال: الولادة والسقط لا يكاد أن يخفى على الجيران؛ وأنا لوجوه يصدق النساء فيها وهو الشأن، فذلك مسألتك في ولادة الأمة. قال في كتاب القذف وغيره: إذا أقر بوطء أمته فأتت بولد، فقال لها: لم تلديه، ولا علم لجيرانها بذلك فالولد به لاحق. قال باب آخر: وإن كان إنما ادعت أنها كانت أسقطت أو ولدت منه ولا ولد معها؛ فلا يمين على السيد، كدعواها العتق، ولا تكون أم ولد إلا أن تقيم رجلين على إقرار السيد بالوطء، ثم يقيم امرأتين على الولادة فتكون حينئذٍ أم ولدت، ويثبت نسب ولدها إن كان معها ولد إلا أن يدعي سيدها استبراء بعد الوطء؛ فذلك له. قال: وإن اقامت شاهداً واحداً على إقرار السيد بالوطء وامرأتين على الولادة؛ حلف السيد كما يحلف في العتق، وكذلك إن أقامت شاهدين على إقراره بالوطء وامرأة على الولادة؛ فليحلف؛ لأنها لو أقامت امرأتين بذلك لثبتت الشهادة. م: قال بعض شيوخنا القرويين: فإن نكل عن اليمين دخله اختلاف قول مالك إذا أقامت شاهداً على العتق وأبى أن يحلف. قال سحنون في كتاب ابنه لا أقول بهذا، والجارية مصدقة في الولادة إذا أقر سيدها بالوطء، ويلزمه ما ولدت إلا أن يدعي استبراء.
م: ساوى سحنون بين إقراره الآن بالوطء وبين أن تقوم عليه بذلك بينة وهو ينكر وهو القياس وفرق ابن القاسم بينهما؛ وذلك أنه إذا أقر الآن بالوطء؛ فهو مقر أنه أودع الأمة الولد فهي مصدقة أن هذه وديعتك، فإذا أنكر أن يكون أودعها شيئاً فلا تصدق إلا بامرأتين على الولادة فيه فتتم الشهادة من كلا الناحيتين. قال غيره: وأما لو أقامت شاهداً على إقراره بالوطء، وامرأة على الولادة، فلا يمين على السيد، وقد قيل: يلزمه اليمين. ومن المدونة قال مالك: وإذا ولدت أم ولد رجل ولداً فنفاه؛ جاز نفيه، إذا ادعى الاستبراء وإلا لزمه الوفد. م: ولا ينظر هاهنا إلى إقراره بالوطء بخلاف الأمة؛ لأنه قد جعل هذه خزانة للولد، فإذا أتت بولد لزمه إلا أن يدعي استبراء. قال ابن القاسم: وأم الولد إذا أعتقها سيدها أو مات عنها فأتت بولد لأربع سنين، ولما تلد له النساء لزم السيد الولد إلا أن يدعي الحي استبراء وينفى الولد، فلا يلزمه هو مصدق في الاستبراء.
فصل قال ابن القاسم عن مالك في العتبية: وإذا مات سيد أم الولد وبيدها حلي أو متاع فهو لها إلا الأمر المستنكر، وكذلك ما كان لها من ثياب إذا عرف أنها كانت تلبسها، وتستمتع بها في حياة سيدها، فهي لها، وإن لم تكن لها بينة على أصل عطية. وقال عنه أشهب: أما الحلي والثياب واللحاف والفراش فذلك لها، وإن ادعت متاع البيت: فأرى أن تكلف البينة، أن ذلك لها، وإن كان ذلك من متاع النساء بخلاف الحرة. قال: وما بيدها من متاع وهبه لها السيد فليس لهم أخذه. قال عنه ابن القاسم: وإذا أوصى عند موته إن هي قامت على ولده بدعوى، لها ما كان لها من حلي وكسوة، وإن لم تقم وتزوجت، فخذوه؛ ليس ذلك له، وذلك لها حين مات، وليس له في مرضه انتزاع ما كان أعطاها، وكذلك المدبرة.
فيمن وطأ أمته وهي زوجة لعبده أو لغيره، أو وطء أمة مكاتبة، أو أمة ولده، أو والده؛ فأتت بولد أم لا قال الرسول -عليه السلام-: «الولد للفراش وللعاهر الحجر». والعاهر: الزاني. وأما وطء الشبهة فليس من ذلك، وقد قال -عليه السلام-: «ادرؤوا الحدود بالشبهات». قال مالك: وإذا درأ الحد ثبت النسب.
قال ابن القاسم: فيمن زوج أمته من عبده أو من رجل أجنبي، ثم وطأها السيد، فأتت بولد؛ فالولد للزوج، ولا ينفيه لوطء السيد، ولا يُنفى إلا بلعان؛ لرؤية زنا، وأما لوطء السيد فلا، ويلحق بالزوج؛ لصحة وطئه وفساد وطء السيد، إلا أن يكون الزوج معزولاً عنها مدة ف يمثلها براءة الرحم. قال أصبغ: وذلك حيضة أو قربها. قال ابن المواز: ولقد نزلت فأفتى فيها بحضرتي: إن كان زوجها معزولاً عنها قدر الشهر ونحوه؛ فإنه يلحق بالسيد، ولا يحد، ويؤدب إن لم يعذر بجهل وترد الأمة إلى زوجها إذا وضعت، فإذا مات سيدها عتقت، ولها أن تختار نفسها إن كان زوجها عبداً. قال ابن المواز: ولا يقبل هاهنا قول الزوج إن أنكر قول السيد وادعى الولد لنفسه، وقال: كنت أغشاها من موضع عسير سراً إلا أن يقيم بينة على ما ذكر؛ فيكون أحق به من السيد، وإن مات زوجها أو طلقها رجعت إلى سيدها، وحل له وطؤها. قال ابن المواز: وكذلك وطؤه لأمة عبده إلا أن هذا من السيد انتزاع لها. ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك لو أتت بولد لستة أشهر فأكثر من يوم زوجها، فادعاه السيد، فإنه يلحق بالزوج؛ فإن كان لأقر من ستة أشهر وقد بنى الزوج
بها؛ فسد نكاحه، ولحق بالسيد إن ادعاه، وإن نفاه جاز نفيه إن ادعى الاستبراء بعد الوطء. ومن العتبية وكتاب ابن حبيب قال مالك: فيمن مات عن أمة حامل منه فإن كان حملاً بيناً لا شك فيه فقد تمت حرمتها في الشهادة والموارثة والقصاص والحدود لها وعليها. قال غيره: وتعجب من قول من يقول لا تتم حرمتها حتى تضع. وقيل عن المغيرة: تُوقف أحكامها. فصل قال ابن القاسم: ومن وطأ أمة مكاتبه، ولم يكن المكاتب يطؤها، فأتت بولد؛ لحق به وكانت أم ولد، ولا يحد، إذ لا يجتمع الحد وثبات النسب، وعليه قيمتها يوم حملت، ولا قيمة عليه للولد. يريد: يأخذ المكاتب القيمة ويؤديها على نجومه ولا يقاصه بها؛ لأنها جناية على ماله إلا أن يرضى المكاتب بالمقاصة فيجوز، كما لو رضي بتعجيل الكتابة، وليس للسيد الامتناع من ذلك. قال: فإن كان عديماً، والذي على المكاتب كفاف قيمة الأمة، عجل عتقه، وقاص المكاتب سيده بذلك، وإن زادت القيمة؛ أتبع السيد بالزيادة. وقال غيره: ليس للسيد تعجيل ما على المكتب، ويغرم له القيمة في ملائه، وتباع الكتابة لذلك في عدمه، إن كان ثمنها كفاف قيمة الأمة؛ كانت أم ولد للسيد، وللمكاتب
أخذ قيمة أمته معجلاً، والأداء على نجومه إلا أن يشاء المكاتب أن يكون أولى بما بيع من كتابته بتعجيل عتقهن فذلك له، وإن لم يكن في ثمن الكتابة إلا قدر نصف قيمة الأمة؛ أخذه المكاتب، وبقي له نصف الأمة رقيقاً، ونصفها للسيد بحساب أم ولد، وأتبع السيد بنصف قيمة الولد. قال سحنون هذا كلام جيد. م: قال: بعض فقهائنا: ويحتمل أن يكون معنى قول ابن القاسم: يقاصه إن رضي المكاتب فاتفق القولان. وقد قال ابن القاسم في كتاب المكاتب في السيد يعتق الأب الزمن وله مال يفي بالكتابة: أن السيد يأخذه ويعتق الولد بذلك. وقال غيره: هذا إذا رضي الأب؛ لأن السيد يتهم على تعجيل النجوم قبل وقتها. م: وأصحابنا يرون ذلك وفاقاً لابن القاسم فكذلك هذا، والله أعلم. فصل قال ابن القاسم قال مالك: ومن وطأ أمة ابنه الصغير أو الكبير؛ درئ عنه الحد، وقوِّمت عليه يوم الوطء حملت أو لم تحمل، كان مليئاً أو معدماً. قال ابن المواز: ثم يحل له وطؤها. قال سحنون: بعد الاستبراء. قال ابن القاسم: وليس للابن التماسك بها إذا لم تحمل.
قال ابن المواز: ولا أن يأخذها منه فيما لزمه من قيمتها. قال مالك: وأما أحد الشريكين يطأ أمة بينهما؛ فإن لشريكه أن يتماسك بنصيبه إلا لم تحمل بخلاف الابن. م: لأنها تحل للشريك، وتحرم على الابن فاتقى أن يغيب عليها. قال ابن القاسم: فإن كان الابن كبيراً والأب عديماً؛ قومت عليه يوم الوطء، وبعناها عليه في تلك القيمة لم تحمل. قال: وكذلك المرأة تحل جاريتها لزوجها، أو لولدها، أو لأجنبي، فيطؤها فتحمل؛ فإن كان مليئاً غرم قيمتها يوم أحبلها، وكانت له أم ولد، ولا قيمة عليه في ولده، إن لم تحمل؛ غرم قيمتها يوم الوطء، وبقيت له أمة، وإن كان عديماً ولم تحمل؛ بيعت عليه، وإن لم تكن في الثمن تمام القيمة؛ أتبعوا بالقيمة ديناً، وليس للمحلل التماسك وإن لم تحمل. م: لأنها إذا ردت صح فيها عارية الفرج وخيف عليها أن يحبلها ثانية فمنعت من ذلك. قال ابن المواز: وقال عبد الملك وابن عبد الحكم: للابن التماسك بها إذا لم تحمل من الأب في عدم الأب وملائه إذا كان الابن مأموناً عليها، وليس كمن أحل جاريته لرجل.
م: يريد لأن المحلل فعل ذلك متعمداً فعوقب بأن لا تعود إليه، وخوفاً أن يحبلها ثانية؛ ولأن ذلك ذريعة إلى عارية الفرج، يطؤها المستعير ما بدا له ثم يردها، والابن فلم يبح وطء أمته للأب فيتقي عليه من ذلك، فإذا كان مأموناً عليها؛ ردت عليه، ولم تخرج من يده إلا أن يشاء، كأحد الشريكين يطأ أمة بينهما، وبالله التوفيق. ومن المدونة قال مالك: وإذا قومت على الأب أمة للابن، وقد حملت من الأب؛ فإن كان الأب وطأها قبل ذلك، عتقت على الأب إذ حرم عليه وطؤها وبيعها، ولحق الولد به، ولو لم تحمل من الأب حل له بيعها وحرم عليه وطؤها. ومن العتبية قال سحنون عن ابن الماجشون: فإن وطأها الابن بعد وطء الأب؛ فإنه يسقط القيمة عن الأب بمصاب الابن، وتباع على الابن، فيعطى ثمنها ما بلغ كان أقل من القيمة أو أكثر. وقال أصبغ: لا يعجبني، ولتقوم على كل حال، ويأخذ قيمتها يوم وطأها إن اختلفت القيم، وتباع على الواطئ. م: يريد على الابن لأنه وطأها بعد أن لزمت الأب بقيمتها يوم وطئها، وصارت في ضمانه. قال: فإذا بيعت على الابن، تحاسبا على ذلك، فمن كان له فضل أخذه، ومن كان عليه نقص أداه. قال ابن الماجشون: ولو وطئاها في طهر فأتت بولد؛ دُعي له القافة؛ فإن ألحقته بالابن وكان الواطئ الأول، عتقت عليه الجارية، وكان الولد ولده، وقاله أصبغ.
وقال ابن الماجشون: ولزم الأب قيمتها له؛ لأنه أفسدها عليه، وإن كان هو الأب، فالولد ولده، والأمة منه بالقيمة. م: يريد ويلزم الابن قيمتها للأب يوم وطأها الابن، ويتحاسبان بالقيمتين، فمن كان له فضل أخذه. قال ابن الماجشون: وإن ألحقته بالثاني كان هو الابن؛ تحاسبا بالقمتين، وإن كان هو الأب؛ غرم قيمتها للابن على كل حال بما أفسدها. قال في كتاب السرقة: وإن وطأ الابن أمة والده وحُدّ، وأما الحد من قبل الأب والأم فإنهم لا يحدوا فيما وطئوا من إماء أبناء أبنائهم، ولا يقطعوا فيما سرقوا من أموالهم؛ لأنهم آباء، فإن قيل: إن الجد يحد ويقطع؛ لأن نفقة ولد ولده لا تلزمه، قيل له: فالأب لا تلزمه نفقة ولده الكبير ولا ابنته الثيب وهو لا يقطع فيما سرق من أموالهما، ولا يحد فيما وطأ من جواريهما، فكذلك الحدود لا حد عليهم، ولا قطع، ولا نفقة. قال ابن المواز: وقال أشهب: يحد فيهما كالأجنبي، وإنما جاء: (أنت ومالك لأبيك) في الأب خاصة، وبذلك ألزم الولد نفقة الوالدين، ولا يلزمه أن ينفق على أحد من أجداده أو جداته لأب أو لأم. وقاله سحنون. ابن المواز وقال عبد الملك: في الحر يطأ أمة ابنه العبد فتحمل، قال: عليه قيمتها، ولا يحد، وهي له أم ولد، وإن كان عديماً بقيت رقاً للابن، وأتبعه بقيمة الولد بعد وضعه، فإن أعتق الابن وهي حامل بعد النظر فيها، بقي الأمر على ما ذكرنا، ثم لو أيسر -الأب فاشتراها، كانت له أمة يبيعها إن شاء، وإن عتق الابن قبل النظر فيها، كانت له أم ولد، وأتبعه بقيمتها، فقط في عدمه. وكذلك عنه في كتاب ابن سحنون.
وقال فيه ابن القاسم: إنه يضمن قيمتها حملت أو لم تحمل، ولا يكون لسيد العبد خيار، فإن كان مليئاً أعطي لسيد العبد قيمة الجارية، وإن كان معسراً أتبعه بقيمتها ديناً إن حملت، وبيعت إن لم تحمل. قال ابن المواز: وإن كان الأب هو المملوك، لم تكن له أم ولد؛ لأنه عبد ولا يتبع بقيمتها؛ لأنه ليس من معنى الغصب ولا الجراح ولا حد عليه، ولو قال الابن: نسلمها إليه ونتبعه بقيمتها إذ حرمها علي؛ لم يجز ذلك؛ لأن ما في بطنها قد عتق على أخيه، ولو أسلمها إليه بلا ثمن لم تكن له أم ولد، وكذلك في كتاب ابن سحنون عن ابن الماجشون وقال فيه ابن القاسم: إنه الجناية، وقيمة الجارية في رقبة العبد فإن شاء سيد العبد فداه بقيمة الجارية، وتكون الجارية للعبد، والعبد للسيد، وإن شاء أسلمه وكان حراً، وتتبه الجارية، وتكون أم ولد له إن كانت حاملاً؛ لأنها مال من ماله، والولد لسيد العبد أسلمه أو فداه، وليس للابن خيار في أن يقول: أعطوني الجارية، وإن ماتت الجارية قبل أن يخير السيد بمصيبتها من العبد، تكون في رقبته، وكذلك ذكر عنه ابن المواز أنه كالجناية؛ فإن فداه السيد بقيمة الجارية، كانت الجارية للسيد، وإن أسلمه كان حراً على أبيه.
قال ابن المواز: فلم يعجبنا هذا، وأي جناية هي إلا ما حرمها على الابن، ولا قيمة للوطء، كما لو رجع شاهدا الطلاق بعد الحكم، لم يغرما شيئاً إذا كان قد بنى، ولو كانت بكراً فافتضها؛ لم يلزمه شيء، كما لا يرزم الأجنبي؛ لأنها طاوعته. م: هذا على قول أشهب في الوطء. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن وطأ الأب أم ولد ابنه؛ غرم لابنه قيمتها على أنها أمة، وعتقت على الابن لثبوت الولاء له، وإنما عتقت؛ لأنها حرمت عليها، وبلغني ذلك عن مالك. قال ابن القاسم، وأما إن وطأ الأب زوجة ابنه؛ لم تحرم على الابن، يريد في أحد قولي مالك، بخلاف أم الولد؛ لأن الأب لا حد عليه في وطء أم ولد ابنه، ويحد في وطئه زوجة ابنه، ويرجم إن كان محصناً، وإن ولدت أم ولد الابن بعد وطء الأب إياها؛ لحق الولد بالابن إلا أن يكون الابن معزولاً عنها قبل وطء الأب مدة في مثلها استبراء فيلحق بالأب. وحكى لي بعض أصحابنا عن بعض شيوخه قال: وإن لم يكن الابن معزولاً عنها حتى وطء الأب ثم أتت بولد يشبه أن يكون من وطئه؛ دُعي للولد القافة من ألحقته به كان ابناً له؛ لأنه كوطء مالكين، بخلاف وطء السيد أمته، وهي زوجته لعبده أو الأجنبي، والزوج مرسل عليها، هذه يلحق الولد بالزوج؛ لأن فراشه أولى؛ لصحته.
م: وهذا الذي ذكر إنما هو قول عبد الملك، وما نقل أبو محمد هو ظاهر المدونة، وكذلك في كتاب ابن المواز؛ ونصه قال ابن المواز: وإن ولدت أمته ولداً فدعاها أبو سيدها أنه ولده، قال: يلحق به، وتقوم عليه الأمة، وتكون له أم ولد، وسواء أنكر ذلك الابن أو الأمة أو أقر، إلا أن يدعيه الابن فهو أحق به؛ للفراش. م: وهذا الصواب؛ لأن فراش الابن أصح. ابن حبيب قال أصبغ عن ابن القاسم: ولو كان الأب عبداً؛ لم يحد، وتكون قيمة أم ولد ابنه في رقبته، فإما فداه سيده أو أسلمه، وتعتق أم الولد على الابن؛ لأنها حرمت عليه، ولا يتهم الأب أنه أراد أن يكون عبداً لابنه، كما لو قطع له عضواً؛ لكان ذلك في رقبته، وكذلك وطؤه لأمته البكر إذا نقصها إن ذلك في رقبته، ولو كان ثيباً لم يلزم رقبته شيء. قال محمد بن عبد الحكم: في نصراني وطأ أم ولد لابنه النصراني ثم أسلما؛ فإنها تعتق على الابن حين حرمت عليه، ولا قيمة له على أبيه؛ لأن الابن لو وطأها بعد وطء أبيه لم أمنعه في نصرانيتهما، فلما أسلما لم يلزم الأب قيمتها وهي حرة، ولو كانت أمة فأسلما وهي حامل، فيعتق ما في بطنها على أخيه، ولا تقوم على الأب وهي أمة للابن. ومن كتاب العتق لابن سحنون: ومن وطأ مدبرة ابنه فحملت منه؛ ضمن قيمتها أمة للابن، وتكون أم ولد للأب، وإن لم تحمل؛ فلتخرج القيمة فتوقف، فإن مات الابن
وخرجت من ثلثه رجعت القيمة إلى الأب، وإن لحقه دين يرقها كانت للأب بالقيمة الأولى. فصل قال ابن المواز: ومن زوّج أمته، وقال: هي ابنتي، فأصابها الزوج فأولدها، ثم ظهر على ذلك؛ لم يحد، والولد لازم بقيمته. م: ولا تكون له الأمة أم ولد، وهي زوجة له إن شاء فارقها؛ وكان عليه قدر ما يستحل به فرجها، ويرجع ببقية الصداق على سيدها الذي غره، وإن شاء ثبت على نكاحه بالصداق المسمى، وما ولدت له قبل أن يعلم فهم أحرار، ويلزم قيمتهم يوم الحكم وما ولدت بعد علمه ورضاه فرقيق للسيد. قيل: فإن كان إنما زوجه ابنته بعينها ثم أدخل عليه جاريته فوطأها وحملت ولم يعلم، قال: هذه تكون له أم ولد، ويلزمه قيمتها يوم حملت، ولا قيمة عليه في ولده، بمنزلة من أحل جاريته لرجل. قلت: فلو علم الزوج قبل الوطء أنها ليست زوجته. قال: سواء علم أو لم يعلم، لا حد عليه، ويلزمه قيمتها حملت أو لم تحمل وتكون ملكاً له.
فصل قال ابن المواز: ومن أوصى لرجل بجاريته وله مال مأمون، فوطأها الموصى له قبل موت الموصي، ثم مات الموصي، ودفعت إلى الموصى له. قال: هو زانٍ، وعليه الحد، وولده ولد زنا لا يلحق به، وإن كان إنما وطأها بعد موت السيد، وعلى السيد دين يغترقها ولا مال له غيرها، فلا حد عليه، والولد لاحق به فإن كان موسراً؛ غرم قيمتها، وكان له أم ولد، وإن كان معدماً؛ بيعت بعد الوضع، ولم يبع ولدها، وأتبع بقيمته ديناً، كالابن يطأ من تركة أبيه أمة، وعلى الأب دين يغترقها، فعلى الأب قيمة، فإنه يغرم القيمة في الملاء، وتباع بعد الوضع في العدم، ويتبع بقيمة الولد ديناً. م: وهذه في الجنايات. م: والفرق بين وطئه قبل الموت وبعده: أنه قبل الموت لا شيء له في الجارية؛ لأن للموصي أن يرجع فيها ويضع بها ما أحب، وإنما وطأ هذا أمة الموصي، وأما بعد الموت فهي جارية الموصى له إن حملها الثلث، أو له منها ما حمل الثلث، وإن كان على الموصي دين؛ فللموصى له أداء الدين، ولا شيء للغرماء فيها؛ لأن دينهم ليس في عين الجارية، وإنما الموصى له كالمديان، أو كأحد ورثته، وهذا بين.
فيمن اشترى أمة ولدت منه أو من ابنه أو أخيه بنكاح وإنما السنة في أم الولد أن تلد منك وأنت تملكها وليس لغيرك رق في حملها، فمن ابتاع زوجته لم تكن له أم ولد بما ولدت منه قبل الشراء، إلا أن يبتاعها حاملاً فتكون بذلك الحمل أم ولد؛ لأن ما ولدته قبل الشراء رق للبائع، وما كانت به حاملاً فهو للمشتري، وهو حر عليه، فبالولد الحر تكون أم ولد. ولو كانت زوجته أمة لأبيه فابتاعها حاملاً؛ لم تكن بذلك الحمل أم ولد؛ لأن ما في بطنها قد أعتق على جده، بخلاف الأجنبي؛ لأن الأب لو أراد بيع أمته لم يجز له؛ لأنه قد أعتق عليه ما في بطنها، فلا يجوز أن تباع ويستثنى ما في بطنها، والأجنبي لو أراد بيع أمته الحامل وهي تحت زوج، فإن له بيعها، ودخل حملها في البيع معها، وقال غيره: لا يجوز للابن شراءها من ولده وهي حامل؛ لأن ما في بطنها قد عتق على جده، فلا يجوز أن تباع ويستثنى ما في بطنها؛ لأن ذلك غرر؛ لأنه وضع من ثمنها لما استثناه وهو يدري أيكون أم لا يكون، فكما لا يجوز بيع الجنين؛ لأنه غرر فكذلك لا يستثنى، وهذا الجنين لا يرق، ولا يلحقه دين؛ لأنه عتق بالسنة، وليس هو عتق اقتراف. م: وقول الغير هذا كله ليس بخلاف لابن القاسم، وإنما تكلم ابن القاسم إذا اشتراها وفات ذلك؛ كيف يكون الحكم؟ وأما [بدءاً] فليس له أن يبتاعها ندباً على قوله، فإن ابتاعها فسخ البيع إلا أن تضع؛ فيلزم الولد قيمتها يوم قبضها على أن حملها حر؛ لأنه بيعٌ فاسد فات بالوضع.
ونحوه حكى بعض شيوخنا عن أبي الحسن بقي القابسي وكان يعيب قول من يجعله خلافاً. ابن المواز: ومن تزوج أمة والده، فمات الأب فورثها وهي حاملٌ؛ فإن كان حملاً ظاهراً أو لم يكن حملاً ظاهراً إلا أنها وضعته لأقل من ستة أشهر لم تكن به أم ولد؛ لأنه قد أعتق على جده في بطنها قبل أن يرثها أبوه، فلم يملكه أبوه، ولا تكون أم ولد أبداً إلا لمن ملك رقبتها بما في بطنها حتى يعتق الجنين عليه لا على غيره. قال: وإن وضعته لستة أشهر فأكثر؛ فهي به أم ولد، إلا أن يقول: لم أطأها بعد موت أبي، فلا تكون به أم ولد، وهو مصدق بغير يمين. وكذلك لو وضعته بعد ستة أشهر من يوم موته وقال: لم أطأها إلا منذ خمسة أشهر، لم تكن به أم ولد، ونحوه عن ابن الماجشون في كتاب ابن سحنون. ابن الولد: ومن اشترى زوجته بعد أن أعتق السيد ما في بطنها فشراؤه جائز، وتكون بما تضع أم ولد؛ لأنه عتق عليه بالشراء ولم يكن نصيبه عتق السيد إذ لا يتم عتقه إلا بالوضع؛ ولأنها تباع في فلسه، ويبيعها ورثته قبل الوضع إن شاءوا؛ وإن لم تكن عليه دين والثلث يحملها.
ولو ضربها رجل فالقته ميتاً؛ فإنما فيه جنين أمة، ولو كان ذلك بعد أن تشاره الزوج؛ كان فيه ما في جنين الحرة، وولاؤه إن استهل لأبيه، ولا ينظر في ذلك كله إلى عتق السيد إلا أنه لا يشتريها أجنبي بعد عتق السيد جنينها من قبل أن يرهقه دين ويرده إن فعل. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ابتاع زوجة والده حاملاً؛ انفسخ نكاح الأب، إذ لا ينكح أمة ولده، ولا تكون أم ولد للأب، وتبقى رقيقاً للابن، ويعتق عليه ما في بطنها، ولا يبيعها حتى تضع؛ إلا أنه يرهقه دين فتباع وهي حامل، وقاله أشهب. وقال غيرهما: لا تباع في الدين حتى تضع؛ لأن عتق هذا ليس هو اقتراف من السيد، وإنما أعتقه السُّنة، وعتق السنة آكد من عتق الاقتراف وأشد. وهذه بخلاف من اشترى زوجته الحامل وهي أمة لأبيه عند ابن القاسم: تلك لا يرق جنينها، ولا يلحقه دين. والفرق بينهما عنده والله أعلم: أن الولد في المسألة الأولى خلق حراً لم يمسه رق قط، وفي هذه قد مسه الرق في بطنها، وإنما أعتق باشتراء الولد لأمه، فأشبه العتق المبتدأ، وغيره لم يفرق بينهما؛ لأنه كله عتق سُنة، فوجب أن يتساوى الحكم فيهما.
ومن المدونة قال ابن القاسم ولو اشترى زوجة أخيه حاملاً، فهي والولد رقيق له، والنكاح ثابت، والشراء جائز، إذ لا يعتق عليه بنو أخيه. في أم ولد المرتد ومدبره وأم ولد الذمي تسلم وحكم ولدها من غيره قال ابن القاسم: ومن ارتد ولحق بدار الحرب؛ وقف ماله، ومدبره، وأم ولده، ولا تعتق عليه أم ولده؛ إذ لا يقسم ماله الذي في دار الإسلام بين ورثته، وكل من لا يقسم ماله [الذي في دار الإسلام] بين ورثته فلا تعتق عليه أمهات أولاده، وكذلك قال مالك في الأسير ينتصر؛ فهذا مثله. قال ابن القاسم: ويحرم على المرتد أم ولده في حال ردته حتى يسلم، فتحل له، وأما النكاح فتنقطع عصمته بارتداده، وليس لأم الولد عصمة فتنقطع فإن ندم فأسلم؛ رجعت إليه أم ولده، وعاد إليه ماله ورقيقه. ابن المواز وقال أشهب: تعتق عليه أم ولده بالردة، كما تطلق عليه بذلك زوجته. م: وهذا أقيس؛ لأن من أصلها من أم الولد إذا حرم وطؤها؛ وجب عتقها، إذ لا خدمة فيها، وهذه كالنصراني تسلم أم ولده، فالذي ثبت عليه مالك: أنها تعتق إذا حرم وطؤها، ولا خدمة فيها، والارتداد أشد، ألا ترى أن من أسلمت زوجته هو أملك بها؛ إذا أسلم في عدتها، وإن من ارتد انقطعت عصمته، وبانت منه؛ فلا تحل له إلا بنكاح جديد
بعد إسلامه؛ ولأن المرتد هو الذي أدخل الارتداد على نفسه، وأوجب الفراق لزوجته، والنصراني لم يوجب لها فراقاً، ولا غير حكماً؛ فوجب أن يكون حكمه أخف، وحكم المرتد أشد، والله أعلم. م: ويحتمل أن يكون الفرق عند ابن القاسم بين إسلام أم ولد النصراني، وارتداد المسلم وله أم ولد؛ أن المرتد إذا قدر عليه استتيب ثلاثاً؛ فإن تاب وإلا قتل، ولا كبير ضرر على أم ولده في ذلك الإيقاف لقربه، وأما أم ولد النصراني يسلم؛ فهو ممن لا يجبر على الإسلام، فإلى أي أجل يوقف عليه؟ فعتقها أولى؛ لأن طول إيقافها ضرر، وهو لا منفعة له اليوم فيها، وبالله التوفيق. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قتل المرتد على ردته؛ أعتقت أم ولده من رأس ماله، وأعتق مدبروه في الثلث؛ لأنه أمر عقده له في حال إسلامه وصحته، ولم يكن يستطيع نقضه، وأما كل وصية له ردها وهو مسلم فإنها تسقط، وكأنه أوصى بها في حال ردته، إذ كان قادراً على الرجوع عنها، ووصيته في حال ردته لا تجوز؛ لأنه قد حُجب عن ماله حتى يسلم، وإن مات على ردته؛ كان ماله لجميع المسلمين، وكذلك الأسير إذا تنصر -في جميع ما وصفنا. فصل وإذا أسلمت أم ولد الذمي فقال مالك مرة: يوقف حتى يموت، أو يسلم؛ فتحل له، ثم رجع وثبت على أنها تعتق، ولا يبيعها في قيمتها.
ابن المواز: إذا أسلمت عرض على سيدها الإسلام، فإن أبي؛ عتقت عليه بحكم، قاله مالك وأصحابه. وقال ابن عبد الحكم: في أم ولد الذمي تسلم: توقف له حتى تحيض، فإن أسلم قبل الحيضة أعتقت، وجعل ذلك كإسلام زوجته إن أسلم قبل انقضاء عدتها؛ كان أحق بها، وإن انقضت العدة؛ فقد بانت منه. م: وحكي لنا عن بعض شيوخنا في أم ولد الذمي إذا أسلمت فوقفت حتى يموت أو يسلم؛ أن نفقتها في حال الإيقاف على سيدها؛ لأنها من أجله أوقفت. قال بعض فقهائنا: فإن لم يكن له مال ولا مال بيدها ينفق عليها منه، فينبغي أن تعتق عليه، وقد ذهب بعض الناس في أم ولد المسلم إذا لم تجد ما ينفق عليها: أنها تعتق عليه، كما تطلق عليه زوجته؛ لعدم النفقة، وقد رأيت في كتاب القزويني: أن أم الولد إذا لم يقدر سيدها أن ينفق عليها؛ فليزوجها ممن ينفق عليها، وهي في ملكه، وليس في عتقها عليه فائدة، ولا سبيل له إلى بيعها؛ لما فيها من عقد الحرية، وليس كذلك الزوجة؛ لأنها ما دامت في حباله لا تصل إلى تزويج من ينفق عليها، ولذلك فرقنا بينهما. ومن المدجونة قال ابن القاسم: وإذا أسلم بعدها قبل أن تعتق؛ فهو أحق بها، وتبقى له أم ولد كما كانت، وإن طال ما بين إسلاميهما، ما لم تعتق بقضية إمام، وكذلك إن كان إنما أولدها بعد أن أسلمت؛ فإنها تعتق عليه، إلا أن تسلم قبل ع تقها فتبقى له أم ولد على حالها، وتعتق بعد موته من راس ماله، ويكون ولاؤها للمسلمين؛ لأنه أولدها بعد إسلامها؛ فهي كما لو دبرها، أو كاتبها، بعد أن أسلمت، ثم أسلم هو؛ فإن ولاءهما إذا
أعتقا للمسلمين، وأما لو أسلمت بعد أن أعتقت أم ولده؛ فلا يرجع إليه أولادها، وهي على دينه، أو بعد أن أسلمت ويرجع إليه، ولا التي أولدها وهي على دينه، ولا يرجع إليه، ولا التي أولدها بعد أن أسلمت. ابن المواز: ولو أسلم هو وحده بقيت له أم ولد بما تقدم، وإن لم تلد بعد إسلامه حتى مات؛ فهي حرة من رأس ماله، وإن يسلما فله بيعها، وإن مات فأراد ورثته بيعها: فقال ابن وهب: إن تحاكموا إلينا منعناهم من ذلك، فإن أبوا وأرادت هي حكمنا؛ فليس لها ذلك، وإن رضوا بحكمنا ثم بدا لهم؛ فليس لهم ذلك. وقال المغيرة في كتاب ابن سحنون: إذا مات [فاستأذنت حاكم] المسلمين سن بها سُنة أم الولد للمسلم. وكذلك يقول: إن حنث بطلاق امرأته أو حرية غلامه فرجعت المرأة والغلام ذلك إلى حكم المسلمين فليطلق عليه ويعتق. قال سحنون: وهذا خلاف مالك وأصحابه [وما علمنا منهم من يقوله غيره في ذلك كله]. ومن الواضحة قال ابن الماجشون: إذا أسلمت أم ولد الذمي؛ فإن أنفق عليها، أوقفت له على يدي مسلم، ولم تعتق، فإن مات: أعتقت، وإن أسلم كانت له أم ولد. وقال ابن عبد الحكم: توقف حتى ت حيض حيضة، فإن أسلم فيها وإلا أعتقت. وابن القاسم يعجل عتقها.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وما ولدت أم ولد الذمي من غير سيدها بعد أن أولدها فلا يعتقون بإسلامها كانوا صغاراً أو كباراً، كما لا يعتقون لو عجل السيد عتقها، وإنما يعتقون بموت سيدها، ولا يكونون مسلمين بإسلامها؛ لأن الولد تبع للأب في الدين وللأم في الرق. وإن أسلم كبارهم وآجرناهم عليه، ولم يعتقوا إلا موت السيد، ولو جنت الأم؛ لجبر سيدها على افتكاكها، ولو جنى ولدها؛ لم يجبر على افتكاكهم، وإنما عليه أن يفديهم بدية الجناية، أو يسلم خدمتهم، فيختدمهم المجروح حتى يستوفى أرش جرحه؛ فيرجعون إلى سيدهم، أو يموت السيد قبل ذلك فيعتقون، ويتبع ببقية الجناية. وإن أسلمت أمة الذمي ولها ولد من زوج؛ لم يكن ولدها مسلم بإسلامها صغيراً كان أو كبيراً إذا كان أبوه نصرانياً، وتباع الأم وحدها دون الولد، إلا أن يكون الولد صغيراً لم يستغن عنها فيباع معها من مسلم، وليس لمشتريه أن يجعله مسلماً إذا كره ذلك أبوه، وبقي على دين أبيه. وقد قال مالك في مسلم زوج أمته من عبده وهما نصرانيان فحدث لهما ولد فأراد السيد أن يجبر الولد على الإسلام والولد صغير؛ فليس ذلك للسيد. قال ابن القاسم: وإن أسلمت أم ولد المكاتب الذمي؛ وقفت، فإن أعتق؛ أعتقت عليه، وإن عجز وكان سيده نصرانياً رق وبيعت عليه.
م: يريد وكذلك إن كان سيده مسلماً وأبقاها بيده؛ فإنها تباع إلا أن ينتزعها منه، وللمكاتب بيعها إذا خاف العجز وطلب ذلك، وإن لم يطلبه؛ فهي موقوفة عنده كما ذكرنا، وقاله أصبغ. قال أبو إسحاق: وهذا يدل: أن المكاتب بالعجز لا يكون منتزع المال؛ لأنه لو كان منتزع المال لم يبع عليه؛ لأنها ملك لسيده، وسيده مسلم. في أم الولد تكاتب أو تعتق على مال أو تباع قال مالك: ولا يجوز أن يكاتب الرجل أم ولده؛ لأنه يستسعيها في الكتابة، ولا خدمة له فيها، وأما إن أعتقها على مال يعجله منها فجائز. ابن القاسم: لأن القطاعة كأنه أخذ مالها وأعتقها وقد كان له أن يأخذه ولا يعتقها، وأما الكتابة فكأنه باعها خدمتها ورقها إذ يستسعيها في ذلك، وأمهات الأولاد لا سعاية فيهن، ولا غلة، ولا أن يستخدمها في مثل استقاء الماء والطحين وشبهه، وإنما له فيهن المتعة. [قال أبو إسحاق: وانظر لو رضيت بالكتابة فقد يجوز ذلك؛ لأنها إن أدته في حياة
السيد أعتقت، وإن ماتت بطلت بقية الكتابة، ولا ضرر في ذلك]. قال ابن القاسم: وإن كاتبها فسخت الكتابة إلا أن يفوت بالأداء، فتعتق ولا ترجع فيما أدت؛ لأن له انتزاع مالها ما لم يمرض فإذا مرض لم يكن له ذلك؛ لأنه إنما ينتزعه الآن لورثته. قال بعض فقهائنا: ولو كاتبها في مرضه ودفعت إليه شيئاً فينبغي أن ترجع عليه بذلك، وتطلب تركته إن مات في ذلك. قال: وأعرف لسحنون فيمن أعتق بعض عبده ثم أخذ من العبد مالاً، وأعتق باقية؛ أنه يرد المال، ولو مات كان ذلك في تركته يطلبه به العبد، فكذلك مسألة أم الولد هذه والله أعلم. ومن المدونة قال مالك: وأما ولدها من غيره ممن ولدتهم بعد ولادتها منه فله أن يستخدمهم، ويقتلهم، ويسلم في الجناية خدمتهم، بخلاف أمهم، وهم بمنزلتها في العتق بعد موت السيد، يعتقون من رأس المال.
وفي كتاب ابن سحنون قال مالك رحمه الله وكان ربيعة يقول: إنهم أحرار في حياة سيدها، قال: ولم يؤذن له في إنكاحها. قال مالك وأحب إلي الا يعتقوا إلا بعتق أمهم بعد موت السيد، وأكره له أن يزوجها، وربما كان له منها الولد الكبير فيريد بذلك مساءته. ومن المدونة قال ابن القاسم: وللسيد أن يعجل عتق أم ولده على دين يبقى عليها برضاها وليس له ذلك بغير رضاها إذ ليس له أن يستعملها وإذا كانت برضاها جاز كامرأة اختلعت من زوجها بدين جعله عليها إذ ليس له فيها إلا الاستمتاع. وقال يحيى بن سعيد وغيره: لا تجوز كتابة أم الولد وأما إذا قاطعها سيدها بشيء يتعجل به عتقها فجائز، وإن مات السيد وعليها الذي اشترت به نفسها أتبعت به ولو كانت كتابة سقطت، وعتقت من رأس المال. قال ابن القاسم: وإذا كاتب الذمي أم ولده الذمية ثم أسلمت عتقت وسقطت عنها الكتابة. م: قال بعض فقهائنا هذا بناه على قول مالك في أم ولد الذمي تسلم أنها تعتق عليه وأما على قوله توقف حتى يسلم أو يموت فتعتق فيجب إذا كاتبها فأسلمت أن يخير بين أن تتمادى على كتابتها فتعتق بأدائها أو تعجز نفسها فتبقى موقوفة له، وأما على القول
الذي قال فيه: إن أم ولد الذمي إذا أسلمت تباع ويدفع إليه ثمنها؛ فهي كأمة له كاتبها، تباع كتابتها من مسلم، ولا تكون أسوأ حالاً من الأمة. فصل وقد تقدم في الباب الأول الحجة في منع بيع أمهات الأولاد بالسُّنة والإجماع. قال مالك: فيمن باع أم ولده فأعتقها المبتاع؛ نقض البيع والعتق وعادت له أم ولد، وإما إن ماتت بيد المبتاع قبل أن يردها فمصيبتها من البائع ويرد الثمن. قال ابن القاسم: وإن لم يعلم للمبتاع موضعاً؛ كان على البائع طلبه حتى يرد إليه الثمن، ماتت أم الولد أو بقيت، وكذلك إن مات البائع أو المبتاع أو ماتت هي بعد موت السيد أو قبله، أولم يمت السيد وهي مليء أو معدم؛ فالثمن في ذمته حتى يرده إلى المبتاع أو إلى ورثته. قال ابن حبيب قال مطرف عن مالك: ولو أولدها المبتاع فالوالد به لاحق، ولا قيمة عليه فيه؛ لأن البائع أباحه فرجها وإنما له قيمة الولد، لو بيعت عليه بغير طوعه. وقاله أصبغ. وقال ابن الماجشون: عليه قيمة الولد عبيد. وقال ابن عبد الحكم: بل على أنهم يعتقون بموت البائع. قال ابن الماجشون: ولو زوجها المبتاع لعبده فولدت له لردت مع ولدها للبائع، ويكون لولدها حكم ولد أم الولد.
وقال أصبغ: ذلك سواء أولدها المشتري أو زوجها فولدت لا شيء للبائع من ولدها ولا قيمة؛ لأنه هو أباحها. قال أبو محمد بن أبي زيد: قوله في ولد الزوج فيه نظر. قال أصبغ: ولو باع أم ولده على أنها حرة بشرط مشروط لم ترد وولاؤها لسيدها، ويسوغ له الثمن كما لو أخذ مالاً على أن يعتقها، ولو باعها على أن يعتقها المبتاع على أنها حرة ساعتئذٍ فهذه ترد ما لم تفت بالعتق فتمضى، والولاء للبائع، ويسوغ له الثمن؛ لأن المبتاع علم أنها أم ولد، وشرط فيها العتق، فكأنه فكاك، ولو لم يعلم أنها أم ولد لرجع بالثمن. قال أصبغ: ومن قال لأم ولده: إن وطئتك فأنت حرة؛ لم تعتق عليه؛ لأنه بقي له فيها تلذذه بغير الوطء، وبقي له فيها وطؤه حلال، ولو ان يملك أختها لم يحل له وطء أختها حتى يحرم فرج هذه بغير هذه اليمين، وقد قال جل الناس إلا مالكاً رحمه الله في أم الولد إذا حرم فرجها حل له استخدامها إلى موته. في أم ولد المأذون، والمكاتب والمدبر إذا عتقوا وأجمعوا أن حمل كل ذات رحم إذا كان من زوج بمنزلة أمه، وأن كان من ملك بمنزلة أبيه في الحرية والرق، وهو في الوجهين بمنزلته في الدين والانتساب.
قال مالك: فإذا اشترى العبد المأذون له في التجارة أمة بإذن سيده أو بغير إذنه، ثم عتق وقد كانت ولدت منه أولاداً أو كانت حاملاً منه يوم العتق فهي تبع له كماله، ولا تكون له بذلك أم ولد؛ لأن ذلك الولد رق للسيد إذ أولدها وهو عبد فولده من أمته مثله. قال ابن القاسم: إلا أن يملك المأذون حملها قبل أن تضعه. م: يريد: بهبة أو صدقة أو بشراء، وإن كان لا يجوز شراؤه إلا أنه إذا وقع البيع فقد وقع الفوت في الجنين بحصول الحرية فيه؛ لأنه معتق بنفس الشراء، لا كما زعم بعض أصحابنا: أنه لا يفوت إلا بالوضع، فإذا ملك حملها بأحد هذه الوجوه كانت بذلك أم ولد. م: وأما لو اشترى المأذون زوجته حاملاً منه ثم أعتقه السيد فإن الولد وأمه يتبعانه؛ لأن الولد في هذا الموضع كماله، ويعتق عليه، وتكون أمه بذلك أم ولد، بخلاف الذي يولد أمة نفسه. والفرق بينهما: أن هذا الولد بمنزلة أمة؛ لأنه من نكاح وأمه قد صارت بالشراء أمة للعبد، فكذلك ولدها، ألا ترى أنهما يباعان عليه في الدين وإن زايلها، فإذا عتق تبعته بما في بطنها وعتق عليه جنينها فوجب أن تكون به أم ولد، وكذلك عندي إن ولدته قبل العتق
ثم عتق الأب؛ لأن الولد عنده حتى ينتزعه منه سيده، فإذا أعتق تبعه الولد وأمه؛ لأنه ماله وكانت الأمة بذلك أم ولد والله أعلم. وأما إذا أولد العبد أمة نفسه فولده بمنزلته، وهو عبد للسيد، فكذلك ولده، فإذا أعتق لم يتبعه، فهذا فرق ما بينهما. قال ابن المواز: ولا تباع الأمة في دينه قبل أن تضع. م: يريد عتق أو لم يعتق، وقاله أصبغ عن ابن القاسم في العتبية. ومن المدونة قال مالك: لو أن العبد حين أعتقه سيده أعتق هو جاريته وهي حامل منه ثم أعجل لها ذلك، وكانت حدودها حدود أمة حتى تضع فيرق الولد للسيد الأعلى وتعتق هي بالعتق الأول فيها بغير إحداث عتق، ألا ترى: أن من دبر عبده أو كاتبه وللعبد أمة حامل منه؛ أن جنينها رق، ولا يدخل في تدبير ولا كتابة، والأمة بعد الوضع تبع للمكاتب كماله، إلا أن يشترطه المكاتب، أو يدخله السيد في التدبير. قال سحنون في الذي أعتقها المأذون بعد عتقه توقف أحكامها، فإن وضعت كانت حدودها حدود أمة؛ لأنه اليوم تم عتقها، وإن أنفش فحدود حرة؛ لأنها حرة من يوم العتق إذ لو علم أنه ريح لم توقف. واختلف قوله في أم ولد المأذون فقال: له بيعها. وقال: لا يبيعها إلا بإذن السيد.
وكذلك قال ابن القاسم في المدونة ورواه عنه ابن حبيب قال وقال أصبغ: له بيعها بغير إذن السيد، ورواه أشهب عن مالك. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وكلما ولد لمدبر أو مكاتب من أمته مما حملت به بعد عقد التدبير أو الكتابة فهو بمنزلته يعتق مع المكاتب بالأداء أو مع المدير في الثلث، وإذا عتقا كانت الأمة أم ولد بذلك لهما، كان الولد الآن حياً أو ميتاً وقاله مالك. قال ابن القاسم: لأن ولدها بمنزلة أبيه فوجب أن يجري فيها ما جرى في ولدها. قال سحنون ولملاك قول ثان: إنها لا تكون أم ولد بذلك، وقاله أكثر الرواة في المدبر خاصة، إذ كان لسيده انتزاعها إن لم تكن حاملاً، وأن المدبر لا يبيعها إلا بإذن السيد. قالوا: وأما المكاتب فهي له أم ولد إذا عتق إذا كان السيد ممنوعاً من ماله، وليس للمكاتب بيعها وإن أذن له سيده حتى يخاف العجز. ابن المواز وقال أشهب وعبد الملك لا تكون أم ولد بما حملت بعد عقد التدبير وعقد الكتابة وعتق الأجل وإن ولدته بعد تمام الحرية في الولد إلا أن للولد حكم الأب، وإن شك في الحمل؛ فإن ولدته لأقل من ستة أشهر من تمام عتق الأب لم تكن به أم ولد؛ قالا: لأن ما في بطنها لم يملكه الأب، وقد جرى لغيره فيه حرية، فلا تكون أم ولد بما جرت لغيره فيه حرية.
قال ابن المواز: وأن القياس، وربما غلب الاستحسان في بعض العلم، وقول مالك وابن القاسم أحب إلي؛ لأن كل ولد تلده الأمة من سيدها فله حكم أبيه، وما ولدته من غير سيدها فهو بمنزلتها. ومن المدونة: وسأل ابن كنانة مالكاً عن مدبر اشترى أمةً فوطأها فحملت ثم عجل سيده عتقه وقد علم أن ماله يتبعه أترى ولده يتبع المدبر؟ فقال: لا، ولكن إذا وضعته كان مدبراً على حكم ما كان عليه الأب قبل أن يعتقه السيد والجارية تبع للعبد؛ لأنها ماله. قال ابن القاسم: واختلف قول مالك هل تكون هذه الأمة بهذا الولد أم ولد أم لا؟ وإذا مات المدبر وترك ولداً حدث في تدبيره من أمته ثم مات السيد كانت أم ولد المدبر وما ترك من مال لسيده ويعتق ولده في ثلث السيد بعد موته؟ قال في كتاب ابن المواز: ولو مات المدبر وأمته حامل منه رقت وكان ولده مدبراً، ولو مات السيد والمدبر حتى عتق مع ولده ومع ما في بطن أمه بالحصص، فإن خرجوا بقيت أم ولد المدبر أم ولد. م: يريد: على الاختلاف، وإن أعتق بعضهم بقيت له رقيق إن شاء، وإن أولدها بعد ذلك لم تكن له أم ولد؛ لأن نصفه رقيق ولو أعتق باقية وهي حامل منه لم تكن به أم ولد بخلاف المعتق إلى أجل يعتق وأمته حامل منه أنه تكون له أم ولد؛ لأنه كتمام
الأجل فيه، ولو مات قبل الأجل؛ رقت وكان ولدها معتقاً إلى أجل، والأجل فيه كموت السيد في المدبر، وموته قبل الأجل كموت المدبر قبل سيده، وأما أم ولد المكاتب إن مات فبخلاف ذلك؛ هذه تعتقد فيما ترك إن ترك ولداً، أو فيما تسعى هي وهم. واختلف فيه إن ترك أخاه أو أباه معه في كتابة: فابن القاسم يرقها. وأشهب: يعتقها معهما فيما ترك لا في سعايتها، وهذا في الكتاب مذكور. ابن المواز: وقال عبد الملك: في العبد والمدبر والمعتق إلى أجل أو ابن أم ولد من أجنبي دبر أمته بإذن السيد ثم أحبلها السيد؛ فإنها حرة حين تبين حملها؛ لأن إذن السيد بتدبيرها كالانتزاع، فصارت كمعتقة إلى أجل، لا تحل للسيد ولا للعبد، ثم صارت أم ولد للسيد، لا يحل لها وطؤها فعتقت. جامع القول في استلحاق الولد قال الله سيحانه: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} إلى قوله {وَمَوَالِيكُمْ} فكل جائز النسب أو مستلحق به فهو على ذلك حتى يتبين كذبه. م: واستلحاق الولد عند ابن القاسم على ثلاثة أوجه: وهو أن يستلحق ولداً ولد عنده من أمته أو ولدته بعد أن باعها لمثل ما تلحق فيه الأنساب، ولم يطأ المبتاع ولا زوج، ولا يتبين كذب المستلحق له؛ فهذا يلحق به بلا خلاف.
والثاني: أن يستلحق ولداً لن يولد عنده ولا علم أنه ملك أمة بشراء ولا نكاح؛ فهذا يلحق به عند ابن القاسم إذا لم يتبين كذبه ولا يلحق به عند سحنون. والثالث: أن يستلحق ولداً في ملك غيره أو بعد أن أعتقه غيره؛ فهذا لا يلحق به عند ابن القاسم إذا أكذبه الجائز لرقه أو لولائه. وقال أشهب: يلحق به، ويكون ابناً لهذا، ومولى لمن أعتقه، وعبداً لمن ملكه، وإن أعتق مولاه؛ ورث أباه وورثه. قال سحنون في كتاب ابنه: وما علمت بين الناس اختلافاً أن إقرار الرجل يولد الولد أو بالأجداد أو بالإخوة أو غيرهم من سائر القرابات؛ لا يجوز ولا يثبت به نسب مع وارث معروف أو م غير وارث. قال هو أصبغ: وإنما يجوز إقراره بولد الصلب خاصة؛ أقر به في صحته أو مرضه، كان له ولد غيره أو لم يكن له، فإذا كان له أخ أو ابن أخب معروف فأقر بأخ آخر أو بابن عم؛ فإقراره باطل، وميراثه للوارث المعروف، وإن لم يكن له وارث معروف، ولا موالي غير هذا المقر به؛ فإنه يجوز إقراره له، ويستوجب ميراثه ولا يثبت به نسب، وإن أتى بعد ذلك آخر فأقام بينة أنه وارثه؛ كان أحق بالميراث من المقر له. وقال أيضاً سحنون: لا يجوز إقراره له، ولا يرثه، وإن لم يكن له وارث معروف؛ لأن المسلمين يرثونه فذلك كالوارث المعروف. قال ابن سحنون وإنما اختلاف أصحابنا وأهل العراق في مثل هذا لاختلافهم الأصل؛ لأنهم قالوا: إذا لم يكن له وارث معروف، كان له أن يوصي بماله كله لمن أحب،
فذلك جوزوا إقراره لمن ذكرنا من القرابات، وأصحابنا لا يجيزون له أن يوصي إلا بالثلث، وإن لم يكن له وارث معروف. قال أصبغ: ولو أقر بأن هذا الرجل وارثه وله ورثة معروفون فلم يمت المقر حتى مات ورثته المعروفون؛ فإن ميراثه لهذا الذي كان أقر له أنه وارثه؛ وكأنه أقر ولا وارث له. فصل ومن المدونة قال مالك فيمن باع صبياً ولد عنده ثم أقر بعد ذلك أنه ابنه؛ لحق به، ورد الثمن إلا أن يتبين كذبه، وقد نزلت بالمدينة فقضي بها بعد خمس عشرة سنة. م: اختلف فقهاؤنا القرويين: هل يرجع المشتري على البائع بنفقة الولد إلى يوم استلحاقاً؟ فحكى لنا عن الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمن: أنه يرجع عليه بالنفقة [وهو كمن تعمد طرح ولده فأنفق عليه، وهل أنه يرجع عليه بالنفقة؟] فكذلك هذا، هذا أشد؛ لأن الذي يطرح ولده متأول في طرحه لغرض يريده، والمستلحق لا تأويل له. وقال غيره: لا يرجع بالنفقة إذ له غلته، وكما لو اشترى عبداً فاستحق بحرية؛ أنه لا يغرم أجر خدمته، وتكون خدمته بنفقته. قيل: فلو كان صغيراً لا خدمة فيه؟
قال: لا نفقة له، وإن كان صغيراً؛ لأنه ممن تكون فيه الخدمة في المستقبل، وليس كمن طرح ولده. وقال غيرهما: إن كان فيه خدمة وأقر المبتاع بخدمته أو ثبت أنه خدمة؛ فلا نفقة له، والنفقة بالخدمة، وإن كان صغيراً لا خدمة فيه رجع بالقيمة. م: وهذا أعدلها؛ لأنه اشتراه للخدمة، والنفقة عليه فقد حصل له غرضه فلا تباعة له. م: وذكر مثل هذا عن سحنون. قال ابن القاسم: وكذلك لو لم يولد عنده، أو لم يعرف أنه ملك أمه بشراء أو نكاح؛ فإنه يلحق به، وكذلك إن استلحق عبده أو أمته؛ فقال: إنهما ولداي لحقا به إلا أن يتبين كذبه في ذلك كله؛ فلا يلحق به. وقد قال مالك: من ادعى ولداً لا يعرف كذبه فيه؛ لحق به. قال سحنون: هذا كله لا أعرفه، وسيأتي له خلافه. قال ابن القاسم: والذي يتبين به كذبه؛ مثل أن يكون له أب معروف، أو هم من المحمولين من بلد لا يُعلم أنه دخلها كالزنج والصقالبة، أو تقوم بينة أن الأم لم تزل زوجة لغيره حتى ماتت. قيل له: فإن قالوا: لم تزل ملكاً لغيره؟ قال: لا أدري ما هذا، ولعله تزوجها، وأما إن كان استلحق مسلماً محمولاً من بلد دخلها؛ لحق به.
قال أشهب في كتاب ابن سحنون: ولو سُبي رجل وصبي فأعتقا فادعاه ابناً؛ لم يتوارثا بذلك. ودعوى الصبي من أب أو ابن أخ أو أم سواء، جاء ذلك عن عمر مجمل أنه لا يلحق نسب إلا من ولد في الإسلام. ابن حبيب قال مطرف وابن الماجشون: ولو باع رجلٌ عبده فاتخذ الجواري عند المشتري، وتوالد له الأولاد، ثم يستلحقه البائع؛ فإنه يلحق به هو وكل ولد له، ويصير جداً لهم، ويرجع إلى البائع بجميع ما عنده من مال، ويرد البائع الثمن، ولا قيمة عليه في ولد العبد، وكذلك لو مات العبد ثم استلحقه؛ فإنه يلحق به ولد العبد، ويأخذ ماله، ويغرم الثمن، وإن كان إنما زوجه المشتري أمته، أو أمة غيره، لم يأخذ البائع الولد، وإنما يأخذ العبد وماله إلا أن ولده ينسبون إليه هو وأبيعهم، وقاله أصبغ. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن ولد عنده صبي فأعتقه ثم استلحقه بعد أن كبر الصبي؛ لحق به، وإن أكذبه الولد. قال: وإن استلحق صبياً في ملك غيره أو بد أن أعتقه غيره؛ لم يصدق إذا أكذبه الحائز لرقه، أو لولائه، ولا يرثه إلا ببينة ثبتت، وكذلك إن استلحق ابن أمة لرجل وادعى نكاحها وأكذبه السيد؛ لم يلحق به، ولا يثبت نسبه منه إلا أن يشتريه فيلحق به ويكون حراً؛ كمن وردت شهادته بعتق عبد ثم اشتراه؛ ولأنه أقر بأنه ولد بنكاح لا بحرام، وإن ابتاع الأم لم تكن به أم ولد.
م: لأنه أولدها في ملك غيره، ولو اشتراها حاملاً، وادعى أن حملها منه بنكاح؛ فإن الولد يلحق به وتكون هي به أم ولد، والله أعلم. قال ابن القاسم: ولو أن سيد الولد أعتقهم قبل أن يشتريهم مستلحقهم؛ لم يثبت نسبهم من هذا الذي ادعاهم، ولا يوارثهم إلا بأمر يثبت؛ لأن الولاء قد ثبت لسيدهم، فلا ينتقل عنه إلا ببينة. ابن المواز وقال أشهب يلحقون بمن ادعاهم قبل أن يعتقوا أو بعد، ويثبت نسبهم منه ألا أن ولاءهم لسيدهم، ومتى أعتقهم ورثوا أباهم وورثهم. ومن المدونة قال: ومن ابتاع أمة وولدها، أو ابتاعها بلا ولد، فولدت عنده لما يلحق فيه الأنساب، ولم يدعه فادعاه البائع؛ فإنه يلحق به، ويرد البيع، وتعود هي أم ولد إن لم يتهم فيها. قال ابن المواز: لا تهمة في هذا إذا كان مليئاً والولد معها. وقال ابن القاسم: إن اتهم فيها وهو مليء، لم يرد إليه إلا الولد بحصته، ولا ترد هي حتى يسلم من خصلتين: العدم، والصبابة فيها. ابن المواز واختلف فيها إن كان عديماً: فروى أشهب عن مالك: أنه يصدق فيه وفيها، ويرد أو يتبع بالثمن ديناً، وأخذ به أشهب وابن عبد الحكم.
ابن حبيب: وقاله أصبغ. ابن المواز: وروى أشهب أيضاً: أنه لا يصدق فيها ويصدق في الولد، ويرد بحصته من الثمن، وبه قال ابن القاسم إلا أن تقوم بينة أنه أقر قبل بيعها بالمسيس، فيرد بيع الأم والولد في عدمه، ويتبع بالثمن، وذكره ابن حبيب عن عبد الملك. قال: وإذا كان الولد حملاً ثم وضعته؛ حُسب بقيمته يوم وضعته. قيل: فلم لا كان قيمته يوم أقر به؟ قال: ليس كالمستحقة؛ لأن ولد تلك لو مات لم يلزم أباه قيمة، ولو مات ولد هذه لزم اباه حصته من الثمن. قال: وإن كان بيع معها فقيمته يوم البيع، وذلك في الوجهين بقدر ما ينويه من الثمن، ولو لم يكن معها ولد، أو كان معها ولد فمات، ثم أقر أنها ولدت منه؛ فهو مصدق إلا أن يتهم فيها بصبابة أو يكون عديماً، فلا يصدق، وهذا كله: إن لم يعرف مسيسه إياها إلا بإقراره اليوم، فأما إن قيد إقراره بذلك قبل بيعها؛ فإنه مصدق في ملائه وعدمه، كان معها ولد أو لم يكن، ورفيعة كانت أو وضيعة، كأم ولد بيعت. وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية فيمن باع أمة حاملاً، ثم أقر أن الحمل منه؛ فإن اتهم فيها بصبابة؛ لحق به الولد خاصة، وأدى قيمته يوم أقر به.
م: وتفسير ذلك: أن يقال: كم قيمته يوم عقد الصفقة على هيئته الآن، ثم تقوم الأم بلا ولد، ثم يعرف كم قيمته من قيمة الأم، فيرد من الثمن ما يخص الولد، وهذا خلاف ما ذكره ابن حبيب من أن يرد قيمة الولد يوم الوضع، وهذا يجري على اختلافهم في المكاتبة تلد بعد الكتابة؛ فيبلغ الولد السعي قبل أداء الكتابة؛ ماذا يكون على الولد من الكتابة؟ فقيل: عليه ما يخصه يوم الحكم أن لو كان هكذا معها يوم عقد الكتابة. وقيل: بل عليه قدر طاقته يوم بلوغ السعي، أن لو كان هكذا معه يوم عقد الكتابة، وهذا يشبه قول ابن حبيب يوم الوضع في هذه المسألة، والأول يشبه قول ابن القاسم. قال ابن القاسم: وإن كان المستلحق عديماً؛ لحق به وتبع بقيمته، وإن لم يتهم فيها بصبابة، ولأنها صلحت في بدنها وفرهت وهو مليء؛ فلترد إليه، ويرد الثمن، ولا قيمة عليه في الولد، وإن كان غير متهم وهو عديم؛ لحق به، وأتبع بقيمته يوم أقر به. م: يريد على الحصة ولا ترد الأمة إليه. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعى الولد بعد عتق المبتاع الأمة؛ لم أقبل قوله فيها، وإن كان لا يتهم فيها؛ لأن عتقها قد ثبت، ولا ترد إليه إلا ببينة إلا ببينة ابن حبيب وقاله ابن الماجشون وأصبغ. ابن القاسم وقد قال مالك فيمن اشترى جارية فأعتقها ثم ادعى البائع أنه كان أولدها: أنه لا يقبل قوله إلا ببينة، فكذلك مسألتك؛ لا يقبل قوله في الجارية بعد العتق إلا ببينة، ويقبل دعواه في الولد؛ ويلحق به، ويرد الثمن لإقراره أنه ثمن أم ولده، ولو كان الود خاصة هو المعتق، أثبت الولاء لمعتقه وأحلقت النسب بمستلحقه، ووارثه، وأخذ الأم إن لم يتهم فيها لدناءتها، ورد الثمن، وإن اتهم فيها؛ لم ترد إليه.
قال أبو محمد وغيره: ولا يرد الثمن حينئذٍ إذا اتهم فيها. م: يريد: وهذا إذا كان الولد يوم البيع حملاً؛ لأن البائع لم يأخذ له حصة، فيجب عليه ردها، والمشتري قد أعتقه؛ فلا حجة له، ولو لم يعتقه لكانت له حجة؛ لأن عبده أخذ من يديه، وأما لو كان مولوداً وبيع معها؛ لرد حصته من الثمن؛ لأنه استلحقه ورد إليه، وقد كان أخذ له حصة، فوجب عليه ردها؛ لأنه ثمن ولده، ولا حجة على المبتاع في رده الولد، كما لا حجة عليه في عتقه الأم، ويرد البائع ثمنها؛ لأنه ثمن أم ولد، فكذلك يرد حصة الولد؛ لأنه ثمن ولده، وأما الحمل؛ فلم يأخذ له حصة، وإنما أخذ ثمن الأم، وقد أبقيت للمبتاع، فلا يرد إليه شيء من الثمن. قال بعض شيوخنا: وإذا باع صبياً ثم استلحقه فتبين كذله فلم يرد إليه؛ فإنه لا يرد الثمن، كقول الشيخ أبي محمد في الأمة. وحكى عن بعض شيوخنا إذا قامت بينة أن أم الصبي المستلحق لم تزل زوجة لفلان حتى ماتت؛ وجب على المستلحق الحد، وكذلك إذا عُرف للولد نسب؛ فإنه يحد مدعيه، وكأنه نفاه من نفسه؛ لأنه قال: لست ابن فلان. م: والفرق بين استلحاق الرجل واستلحاق المرأة: أن الرجل يُلحقه بنفسه، والمرأة تلحقه بغيرها. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعاه بعد عتق المبتاع الأم والولد، مضى ذلك، وألحقت به نسب الولد، ولم أزل عن المبتاع ما ثبت له من ولائهما، ويرد البائع الثمن؛ لأنه
ثمن أم ولده، وكذلك إن استلحقه بعد موتها؛ فإنه يرد الثمن؛ لأنه ثمن أم ولد. قيل لابن القاسم في باب آخر: أرأيت من باع صبياً وُلد عنده فأعتقه المبتاع ثم التلحقه البائع أقبل دعواه وينقض البيع فيه، ولا يعتق؟ قال: أرى إن لم يتبين كذب البائع فالقول قوله. قال سحنون: هذه المسألة أعدل قوله في هذا الأصل. قال ابن القاسم: والذي يبتاع الجارية فتلد بعد الشراء بيوم؛ فيدعيه [فهذا ممن قد] تبين كذبه، ولا تكون به أم ولد، ولا يعتق عليه ولد، ولا يثبت نسبه إلا أن يكون أصل الحمل في ملكه، وإن كان أصل الحمل في غير ملكه؛ لم يقبل دعواه إلا أن تكون الأمة كانت له زوجة، ثم ابتاعها وهي حامل؛ فيجوز دعواه. قال سحنون هذا كلام جيد. وقال غيره يعني أشهب ومن ابتاع أمة وولدها وقد ولدت عنده أو عند المبتاع لمثل ما تلد له النساء ولم يطأها المبتاع ولا زوج، أو باع الولد وحبسها، ثم استلحق الولد، وهو الأم عند المبتاع أو أحدهما، وقد أحدث فيهما أو في أحدهما عتقاً أو تدبيراً أو كتابة، أو لم
يحدث شيئاً؛ فذلك كله منتقض، ويردا أحدهما إلى البائع، ولد لاحق، وأم ولد، ويرد هو الثمن. قال سحنون: فإن كان عديماً فبعض أصحابنا يقول: يتبع بالثمن ديناً. وقال آخرون وقاله مالك: يرد إليه الولد خاصة بما ينوبه من الثمن للحوق النسب، وأنه يرد إلى حرية، ولا ترد الأم؛ لأنه يتهم أن يردها للمتعة بغير أداء ثمن. قال: وإذا لم يورد الولد عند بائع أو مبتاع، لما يلحق إلى مثله الأنساب، ولم أنقض لذلك صفقة مسلم، أحدث المبتاع في ذلك عتقاً أم لا؛ لأن النسب لا يلحق به أبداً، إلا أن تلد الأمة وهي في ملكه، أو عند من ابتاع منه لما يلحق فيه الأنساب، ولم يحز الولد نسباً معروفاً، أو كانت عنده زوجة فزالت، أو أتت بولد لما يلحق به الأنساب، وإلا لم يلحق به. قال سحنون: هذا أصل جيد. قال في كتاب ابنه: ولو استلحق الولد بعد أن مات وصدقه المشتري؛ فإن كان أحدث في الأمة عتقاً أو تدبيراً أو كتابة أو إيلاداً فلا ترد إليه، وإن لم يحدث شيئاً؛ ردها وأخذ الثمن، وكذلك لو لم يصدقه ولم يكذبه؛ فليرجع عليه بالثمن، وإن أكذبه لم يرجع
عليه بشيء، واستحسن إن صدقه وقد أعتقها أو دبرها أو أولدها لم يرجع إليه بالثمن، وتقر على حالها، وأما إن كاتبها فلتسأل هي، فإن أقرت به انتقضت الكتابة، وعادت إليه إم ولد، ورد الثمن، وإن كذبته، سعت في الكتابة، فإن أدتها أعتقت، ورجع المبتاع على البائع بالثمن، وما أدت من الكتابة لها وهي حرة، وهذا استحسان. فصل ومن كتاب ابن ميسر: ومن أقر بولد أمة عبده؛ فهو به لاحق إذا ولدته وهي في ملك عبده، ولم ينسبه العبد إلى نفسه، وهي أم ولد، وإن كان ولدته في غير ملك العبد؛ فالولد أيضاً لاحق بالسيد، والأمة أمة لعبده إن تركها له السيد، وكذلك أمة مدبره. م: معنى قوله: وإن ولدته في غير ملك العبد: إن العبد اشترى الأمة وولدها فادعى السيد أنه كان تزوجها عند البائع من العبد، وأن هذا الولد منه؛ فهذا يلحق به الولد، ولا تكون أمه أم ولد، كما لو اشتراهما السيد لنفسه ثم استلحق الولد وادعى نكاح الأمة؛ فإن الولد يلحق به، ولا تكون له الأمة أم ولد، وقد تقدم هذا. وأما أمة مكاتبه؛ فإن لم يدعه المكاتب؛ لحق بالسيد وأدى قيمة المكاتب، وكانت به أم ولد، وإن ولدته في غير ملك المكاتب انتظر بالمكاتب؛ فإن عجز لحق الولد بالسيد وله أخذ الأمة، وليست بأم ولد، وإن أعتق المكاتب فإن صدق سيده؛ لحق به الولد في قول ابن القاسم، ولو استلحق ولد أمة ولده؛ لحق به إن لم يدعه الولد لنفسه، ولم يحزه نسب معروف، ويغرم قيمة الأمة لولده في ملائه، ويتبع في عدمه، وهي له أم ولد، وعليه
الأب إن لم يعذر بجهل، وإن ولدته في غير ملك الابن؛ فأمه أمة للولد، والولد عتيق على أخيه، وأما أمة والده؛ فهي كأمة أجنبي إن استلحقه بما يجوز به الاستلحاق وصدقة الأب؛ عتق على الجد، ولم تكن هي به أم ولد، وإن لم يصدقه، لم يلحق به إلا أن يملكه يوماً ما، وإن استلحقه بما لا يجوز به الاستلحاق لم يلحق به وعليه الحد إن ثبت على قوله. ولو استلحق الجد ولد أمة ابن ابنه فقد اختلف فيه: فقيل: هو كالأب في الحرمة ودراية الحد. وقيل: ليس ذلك إلا في الأب خاصة. فصل ومن كتاب ابن سحنون: ومن ابتاع أمة فأولدها ثم قامت بينة أن البائع كان أقر قبل بيعها أنها ولدت منه؛ فالترد إلى الأول أم ولد، ويأخذ من المبتاع قيمة ولده مرسلة، كولد المستحقة، وكذلك لو ماتت بيده؛ لرجع المبتاع بالثمن على البائع، ورد إليه قيمة الولد فيتقاصان ويترادان الفضل، ولو لم تمت حتى مات البائع؛ قضي بحريتها من يوم موته، فإن أصابها المبتاع بعد ذلك؛ لزمه لها صداق المثل في قول المغيرة، وابن القاسم لا يرى عليها مهراً. قال سحنون: ويرجع بالثمن في مال الميت، ولها حكم الحرية في قول مالك والمغيرة. وقد اختلف في المشكوك في حملها بعد موت السيد الواطئ لها تقذف أو يموت لها ولد حر: فقيل: إن صح الحمل ووضعت؛ فلها حكم الحرة في ذلك من يوم مات السيد. وروى ابن القاسم وغيره عن مالك: أن لها حكم الحرة من يوم يتبين حملها، وإن لم تضع.
قال سحنون: وإن بيعت من عبد مأذون فأولده، ثم ثبت إقرار بائعها الحر قبل البيع أنها أم ولد له؛ فلترد إليه أم ولد، ويرد معها ولد العبد يكون بمنزلتها، ولا يوطأ شيء من بناتها بملك اليمين؛ لأنهن معتقات إلى أجل وإنما يوطأن بالنكاح. م: انظر قوله: ولا يوطأ أحد من بناتها بملك يمين، وكيف يجوز أن يملكهن أحد غير سيد أمهن، وهو أيضاً لا يجوز له وطأهن؛ لأنهن كالربائب المدخول بأمهاتهن، فقوله: يوطأن بملك يمين؛ يوهم أنه يملكهن غير سيد أمهن وذلك لا يصح؛ لأنهن لا يجوز بيعهن، ويعتقن بموت سيد أمهن من رأس المال. فصل ومن العتبية قال سحنون فيمن قال في ثلاثة أولاد من أمته أحدهم ولدي: يريد: ثم مات قال: فالصغير منهم حرا على كل حال؛ لأنه كان المستلحق الكبير، فالأوسط والصغير حران بحرية الأم، وإن كان المستلحق الأوسط؛ فالصغير حر، وإن كان الصغير؛ فالكبير والأوسط عبدين، ففيهما الشك ولهم تفسير. وقال المغيرة في موضع آخر: إنه يعتق الأصغر وثلثا الأوسط وثلث الأكبر؛ لأنه إن كان أراد الأكبر فكلهم أحرار، وإن أراد الأوسط؛ فهو والأصغر حران، وإن أراد الأصغر؛ فهو حر وحده، فالأصغر لا تجده في هذه الأحوال إلا حراً، والأوسط ثابت
العتق في حالين، ويرق في حال، فيعتق ثلثاه، والأكبر ثابت العتق في حال ويرق في حالين، فيعتق ثلثه. وقال ابن عبد الحكم: يعتقون كلهم بالشك. قال ابن المواز: ولو قالت الأم هم من سيدي؛ فأقر السيد بالصغير، وقال في الأول والأوسط: لم تلديهما أنت؛ فالقول قوله، [ولو أقر بالأوسط] وقال في الأول: لم تلديه، أو ولدتيه قبل أن تلدي مني؛ فذلك له، وهي مصدقة في الأصغر أنه منه، ويلحق به إلا أن يدعي الاستبراء فيه، وإن أقر بالأول فقط لزمه الثاني والثالث، إلا أن يدعي استبراء فيهما أو في أحدهما فلا يلزمه. يريد: ويكون ابن أم ولد ويعتق بعتقها بعد موت السيد. ومن العتبية قال سحنون: ومن أقر عند موته أن فلانة جاريته ولدت منه، وأن ابنتها فلانة ابنتي، وللأمة ابنتان غير التي أقر بها، فمات ونسيت البينة والورثة: قال إذا أقر بذلك الورثة؛ فهن كلهن أحرار، ولهن ميراث واحدة من البنات يقسم بينهن، ولا يلحقه نسب واحدة منهن. قال: وإن لم يقر بذلك الورثة، ونسيت البينة اسمها؛ فلا تعتق واحدة منهن.
فصل قد تقدم في الباب الأول ذكر الأمة تدعي أنها ولدت من سيدها؛ أنها لا تلحقه إلا أن تقيم شاهداً على إقراره بالوطء، وامرأتين على الولادة، أو شاهدين على إقراره بالوطء، وامرأة على الولادة؛ فتحلف ولو أقامت شاهدين على إقراره بالوطء، وامرأتين على الولادة؛ لثبت نسب الولد، وكانت هي أم ولد. قال ابن المواز ومحمد بن عبد الحكم: ومن شهد عليه شاهد: أنه أولد أمته هذه؛ هذا الولد، وشهد آخر: أنه أقر أنه أولدها هذا الآخر لولدٍ أصغر من الأول، وشهد الثالث: أنه أقر أنه أولدها ثالثاً بعينه أصغر من الاثنين. قال في كتاب ابن المواز: وقد مات السيد قالا: فقد أجمعوا على إقراره أنها أم ولد، ولكن لم يجتمع بذلك شاهدان إلا من يوم إقراره بالحبل الثاني؛ فصارت بشهادتهما من يومئذٍ أم ولد، وإن اختلفا في الولد وصار الابن الثاني كابن أم ولد؛ فوجب أن يلحق بسيدها، وكذلك الثالث، يريد: وإن لم يقم لها شاهدان؛ لأنه ابن أم ولد لم يعلم من السيد أنه أكره وادعى الاستبراء. قال ابن عبد الحكم: ولو شهد شاهد أنه أقر أنها ولدت منه [هذا الولد، وشهد آخر أنه أقر أنها ولدت منه] آخر بغير عينه ولا يعرف الأول منهما؛ فلا يلحق به واحد منهما، وتكون أم ولد لاجتماعهما على إقراره أنها أم ولد، ولو عرفنا الصغير ألحقناه به. وبعد هذا باب في الأمة يطؤها المتبايعان في طهر فتلد فتدعى له القافة.
في اللقيط وفي الحملاء يدعون المناسبة قال الله سبحانه {فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ}. وقال عمر بن الخطاب: اللقيط حر، وولاؤه للمسلمين، وعقله على بيت المال. قال مالك: ومن التقط لقيطاً فأتى رجل فادعى أنه ولد لم يصدق، ولم يلحق به إلا أن يكون لدعواه وجه؛ كرجل عرف أنه لا يعيش له ولد، فزعم أنه [رماه؛ لأنه] يسمع قول الناس: أنه إذا طرح عاش ونحوه مما يدل على صدقه؛ فإنه يلحق به، وإلا لم يصدق إلا ببينة. وقال غيره: إذا علم أنه لقيط لم يقبل فيه دعوى أحد إلا ببينة. وقيل لابن القاسم: فإن صدقه الملتقط؟ قال: أراه شاهداً، ولا تجوم شهادة واحد من اليمين في النسب، قيل: فإن ادعاه ملتقطه؟ قال: هو وغيره سواء، لا يقبل دعواه إلا على ما وصفنا. ابن المواز قال أشهب: يقبل قول من ادعاه ملتقطه أو غيره إلا أن يتبين كذبه. م: خالف كل واحد من ابن القاسم وأشهب في اللقيط أصله في الاستلحاق، وابن القاسم يقول إذا استلحق ولداً لم يولد عنده ولا عرف أنه ملك أمه بشراء، ولا نكاح، ولا تبين كذبه؛ فإنه يلحق به، فينبغي على هذا أن يقبل استلحاقه للقيط، وقد قال: لا يقبل.
وقال أشهب في الاستلحاق: إنه لا يلحق به حتى يكون أصل الحمل عنده، أو بعد خروج أمه من عنده لمثل ما تلحق فيه الأنساب، وإلا لم يقبل قوله، وكل واحد خالف قوله. م: فيحتمل أن يكون هذا من ابن القاسم على قوله الذي يوافق فيه أشهب في الاستلحاق. ويحتمل أن يكون الفرق بينهما على قوله الآخر: إن اللقيط صار ولاؤه للمسلمين، فذلك كنسب حازه، فلا ينتقل عنه إلا بأمر يثبت وبما يدل أنه ابنه والمستلحق لم يحزه نسب، فوجب أن يلحق. وأما أشهب: فيحتمل أن يكون هذا منه على ما له في كتاب ابن المواز فيمن استلحق صبياً في ملك غيره أو بعد أن أعتقه غيره؛ فإنه قال: يلحق بمن ادعاه قبل أن يعتق أو بعد، ويثبت نسبه منه إلا أن ولاء المعتق لسيده، ومتى أعتقد المملوك ورث أباه وورثه، فذلك على هذا، والله أعلم. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعت امرأة لقيطاً أنه ولدها؛ لم يقبل قولها، [وإن جاءت بما يشبه من العذر. قال ابن المواز: وقال أشهب: يقبل قولها؛ وإن قالت: من زنا؛ حتى يعلم كذبها. ابن المواز: إن ادعته من زنا قبل قولها، وأقيم عليها الحد، وإن ادعته من زوج؛ لم يقبل قولها] إلا أن يقر به الزوج فيلحق به.
وقال أيضاً ابن المواز: وأحسن من بلغني إن كان لها زوج حاضر فيلحق به الولد إلا أن ينفيه بلعان، فإن كانا ممن قدما من بلد؛ لم يقبل قولهما إلا أن يقر أنها زوجة فيكونا كالحاضرين، وإن أنكرا؛ لم يلحق به، وتحد المرأة. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعى لقيطاً نصراني وقد التقطه مسلم؛ فإن شهد له مسلمون؛ لحق به، وكان على دينه إلا أن يسلم قبل ذلك، ويعقل الإسلام فيكون مسلماً. قال ابن المواز: التقطه عبد أو نصراني وعليه زي النصارى؛ فإنه يكون حراً مسلماً، إلا أن يلتقطه في قرى الشرك ومواضعهم فهو مشرك. وفي كتاب تضمين الصناع: إن التقطه نصراني ي قرى الإسلام ومواضعهم فهو مسلم، وإن كان في قرى أهل الشرك ومواضعهم فهو مشرك، وإن وجد في قرية ليس فيها إلا الاثنان والثلاثة من المسلمين؛ فهذا إن التقطه نصراني فهو نصراني ولا يعرض له، وإن التقطه مسلم فهو مسلم. قال ابن المواز وقال أشهب: بل هو مسلم، وكذلك إن التقطه مسلم في قوى أهل الشرك، وإن كان في كنيسة، كما أجعله حراً. قال ابن المواز: يريد إن كان في أرض الإسلام ومن حكمهم.
ومن تضمين الصناع: قال ومن التقط لقيطاً فكابره عليه رجل فنزعه منه فرعفه إلى الإمام؛ نظر الإمام فأيهما أقوى على مئونته وكفايته، وكان مأموناً فدفعه إليه. قال مالك: والنفقة على اللقيط احتساباً فإن لم يجد الإمام من يحتسب فيه، أنفق عليه من بيت المال، ولا يتبع اللقيط بشيء مما أنفق عليه، وكذلك اليتامى الذين لا مال لهم. وفي كتاب ابن المواز: من التقط لقيطاً لزمته نفقته حتى يبلغ ويستغني، وليس له أن يطرحه. قال ابن القاسم فإن استلحقه أحد ببينة أو بغيرها؛ فليرجع عليه بما أنفق إن تعمد طرحه وكان يومئذ مليئاً، وإن طرحه غيره فلا شيء على الأب. وقال أشهب: لا شيء على الأب بكل حال؛ لأن هذا أنفق حسبةً، وكذلك من أنفق على يتامى يرى أنه لا مال لهم، ثم تبين لهم مال، فلا يتبعهم؛ لأنه أنفق حسبة. فصل ومن المدونة قال مالك: وحدثني الثقة عنده عن ابن المسيب بأن عمر بن الخطاب أبى أن يورث أحداً من الأعاجم إلا من ولد في أرض العرب. وقال مالك: وذلك الأمر المجتمع عليه عندنا. م: واختلف الناس فيما معنى قول عمر هذا: فذهب أكثرهم وجمهورهم: أنه لا يورثهم بقولهم، فأما إذا قامت البينة العادلة على تحقيق نسبهم؛ فإنهم يتوارثون بذلك، فلا فرق بين ولادة الشرك إذا ثبتت وبين ولادة الإسلام.
وذهب [ابن حبيب عن بعض] شيوخه إن معنى قول عمر: أن لا يتوارث بولادة الشرك، وإن ثبتت بالبينة العادلة، قال: ولو كان ثابت بالبينة لما كان بين ولادة الإسلام والشرك فرق. والدليل للقول الأول: قوله تعالى: {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} فلم يخص ولادة من ولادة، وقد أجمع المسلمون على إيجاب التوارث بين أصحاب [رسول الله -صلى الله عليه وسلم-] بالولادة التي كانت قبل الإسلام، وهي ولادة في الشرك، إذ كانت أنسابهم معروفة مشهورة ثابتة، فدل أن من قلناه أولى، وبالله التوفيق. [قال ابن حبيب: وهذا الاختلاف في العدد القليل، وأما في الكثير كالعشرين ونحوهم يسلمون أو يفتتحون في قرية أو حصن ثم يقرون في مكانهم فيسلمون؛ فهم يتوارثون بأنسابهم وولادتهم، وإن لم يعرف ذلك إلا بإقرار بعضهم لبعض، لا أعلم فيه اختلافاً. م: فهذا من قوله يرد قوله في العدد القليل؛ أنهم لا يتوارثون وإن شهد بذلك بينة مسلمون؛ لأنه احتج بظاهر الحديث، فيدخل ذلك عليه في القليل والكثير، وإن احتج:
أن العدد الكثير لا يتواطئون على الكذب، فيلزمه في شهادة البينة العادلة من المسلمين، أرأيت لو شهد ذلك عشرون من المسلمين أترد شهادتهم وتجيز شهادة الذين أسلموا؟ فهذا تناقض بين، وخطأ من القول وبالله التوفيق]. قال ابن شهاب وقد قضى بذلك عمر وعثمان. قال مالك في الحملاء إذ أعتقوا، أو ادعى بعضهم أنهم إخوة بعض أو عصبته، فأما الذين أسروا أهل بيت أو نفر يسير، تحملوا إلى الإسلام فيسلمون؛ فلا يتوارثون بقولهم، كما فعل عمر، ولا تقبل شهادة بعضهم لبعض؛ [إلا أن يشهد من كان ببلدهم من المسلمين، وأما إن تحمل أهل حصن، أو عدد كبير فأسلموا؛ فإنه تقبل شهادة بعضهم لبعض] ويتوارثون بتلك الولادة. قال ابن القاسم في المستخرجة: والعشرون عدد كثير، وأباه سحنون. [قال أبو إسحاق: وفي هذا الكلام نظرٌ؛ لأنه إذا كانوا عدولاً فالأشبه أن تحوز شهادة رجلين، وإن شهد الرجلان المشهود لهما للشاهدين؛ لأن ذلك حقوق مختلفة، كما أجيز شهادة المسلوبين؛ بعضهم لبعض على من سلبهم، وأهل المركب؛ بعضهم لبعض في عقد الكراء، وإنما الذي لا يجوز: أن أشهد لنفسي ولغيري في حق واحد، وأما إذا شهد رجلان لرجلين في ذكر حقٍ، ثم شهد المشهود لهما للشاهدين في حق آخر على ذلك الرجل بعينه، فلا يضر ذلك، وإن كان ابن القاسم إنما أراد العشرين يقع بهم العلم الضروري، فتخلص إلى السامع العلم بصدق ما قالوه، فلا يحتاج كان إلى عدالتهم، ولا إلى كونهم مسلمين؛ لأن العلم الضروري لا يختص بعدول يخبرونه، ولا مسلمين، ولم يذكر أن بعضهم
ادعى /أن فلاناً ابنه، وقد كان يجب أن يلحق النسب بالدعوى إذ النسب لا يتهم عليه، وإن الاستلحاق فيه جائز. وفي كتاب محمد: إن المحمول إذا ولد في بلاد الكفر وهو من غير العرب فقال له رجل: ليست لأبيك؛ إنه لا يحد حتى تكون ولادة أبي أبيه في بلاد الإسلام؛ فعلى هذا يلحق الأنساب في الأعاجم بالاستلحاق إذا كانت الولادة في أرض الشرك، وفي هذا نظر]. م: قال ابن حبيب: وإنما لم تقبل شهادتهم بعضهم لبعض في العدد القليل؛ لدخول حمية البادية فيهم، فاتهموا لذلك، وأما في تحامل العدد الكثير فتزول التهمة فيه؛ إذ لا يكاد أن تتواطأ الجماعة على الكذب. م: اختلف شيوخنا في علة منع جواز شهادة العدد القليل: فقال بعضهم: إنما ذلك إذا شهد هؤلاء لهؤلاء [وهؤلاء لهؤلاء] فأما إن شهد عدلان منهم لغيرهم؛ جازت شهادتهم في العدد القليل والكثير. وقال غيره: لا تجوز في العدد [القليل، وإن شهد عدلان على نسب وإن لم يشهد لهم الآخرون لما ذكرنا لدخول الظنة وذلك مرتفع في العدد] الكثير. وهذا هو الصواب.
ونحوه للشيخ الفقيه -رحمه الله- أبي بكر بن عبد الرحمن. قيل له: فهل يراع في العدد الكثير العدالة؟ قال: نعم. قيل: وإن كانوا كالمائتين أو الألوف؟ قال: لا يراعى في مثل ذلك العدالة، إذ لا يتواطأ مثل هؤلاء على الكذب. وفي المسألة تنازع، وهذا أثبتها. قال ابن القاسم: وإن ولدت المتحملة توأماً؛ توارثا من قبل الأب والأم، وكذلك توأم الملاعنة، وأما توأم المغتصبة وتوأم الزانية؛ فإنما يتوارثان من قبل الأم خاصة؛ لأن المغتصب والزاني لو استلحقهم لم يلحقوا به، ولو استلحقهم الملاعن؛ لحقوا به، وأما توأم المتحملة فيحمل على أنه من زوج إذا كان في شرك، وقد ألاط ما كان في الشرك، وهو زنا؛ يريد: بالقافة، وقاله مالك في العتبية. وقال المغيرة وابن دينار في كتاب ابن سحنون: إن توأم الملاعنة والمسبية يتوارثون من قبل الأم خاصة، ووجه ذلك: إن الملاعن نفسه قد نفاه عن نفسه فهما لا يرثانه، فكذلك لا يتوارثان به، وأما توأم المسبية فحكمه حمكم توأم الزانية المتفق فيها أنهما لا يتوارثان إلا من قبل الأم.
م: والأول أصوب. وروي عن مالك في توأم المغتصبة: أنهما يتوارثان من قبل الأب والأم. قال أحمد بن نصر: هذا خطأ ولا يتوارثان من قبل الأب لأنه زنا. م: وتحصيل ذلك أنه لم يختلف في توأم الزانية أنهما يتوارثان من قبل الأم خاصة، واختلف في توأم الملاعنة والمسبية والمغتصبة. م: والصواب أن توأم المحتملة والملاعنة يتوارثان من قبل الأب والأم، وتوأم المغتصبة والزانية من قبل الأم خاصة، وهو قول ابن القاسم.
في لحاق النسب بالقافية وذكر ميراث المستلحق بهم روي أن الرسول -عليه السلام- قال لعائشة: ألم تري أن مجززاً نظر إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض، فسُّر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن ليُسَر بالباطل، وقضى عمر -رضي الله عنه- وغيره بقول القافة. قال مالك: وإنما القافة في ولدٍ من وطء مالكين، ولا لعان في وطء رق، وإما اللعان بين الأزواج، وإذا كان الولد من وطء زوجين؛ فالولد للأول إلا أن تنكح بعد حيضة؛ فهو للآخر إن وضعته لستة أشهر فأكثر. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كانت الأمة بين حرين أو عبدين أو أحدهما عبد أو ذمي والآخر حر مسلم فوطأها في طهر واحد فأتت بولد. م: يريد: لستة أشهر فأكثر، يريد: من يوم وطء الثاني فادعياه جميعاً دُعي له القافة، فمن ألحقوه به كان بسبيله، مسلماً كان أن نصرانياً أو عبداً، وإن أشركوهما فيه؛ وإلى إذا كبر أيهما شاء، فإن والى الذمي لحق به، ولم يكن الولد إلا مسلماً لاشتراكهما فيه، وكذلك قال عمر: يوالي أيهما شاء.
ومن العتبية قال سحنون وقال غير ابن القاسم: إذا بلغ يبقى ابناً لهما، ولا يوالي واحداً منهما دون الآخر، ولا يزول النسب بشوة الولد، ويكون له من كل واحد نصف بنوة، وكذلك الجواب على قول ابن القاسم إن قال الولد: لا أوالي واحداً منهما، أو قال: أولهما جميعاً. ابن حبيب وقال مطرف: إذا أشركوهما فيه قيل للقافة: ألحقوه بأنصحهما شيبهاً، ولا يترك وموالاة من أحب، وقاله ابن نافع وابن الماجشون. قال مالك: والقائف الواحد يجزئ إذا كان عدلاً ولم يوجد غيره، وقد أجازه عمر -رضي الله عنه-. وروى عنه أشهب: أنه لا يجزئ إلا قائفين في الشهادة؛ ولأن الناس قد دُخلوا. م: وإذا لم توجد القافة أصلاً بعد الاجتهاد في طلبها؛ فإن الولد يترك إلى بلوغه فيوالي من شاء منهما، كما لو قالت القافة: اشتركا فيه، وليس هو لواحد منهما، وقاله بعض علمائنا، وهو اولى من قول من قال: إنه يبقى موقوفاً حتى توجد القافة. وسئل الفقيه أبو عمران -رحمه الله-: لم خصت القافة في الإماء دون الحرائر في المشهور من قول مالك؟ قال: لأن القافة إنما يحكم بها من تساوي الفراشين، وهذا إنما يوجد في الإماء، لأن الأمة قد تكون بين جماعة فيطؤونها في طهر واحد فقد تساووا في الوطء والملك، وكذلك ما
حكم فيه عمر بالقافة في وطء الزنا في الجاهلية لتساوي الوطأين في الزنا، وليس أحدهما أقوى من الآخر، وكذلك الأمة باعها رجل من رجل وقد وطأها البائع والمبتاع في طهر واحد؛ لأنهما استويا في الوطء والملك، والحرة لا تكون زوجاً لاثنين في حال واحدة، فلا يصح فيها فراشان متساويان؛ لأنه إن نعي لها زوجها الأول فتزوجت غيره، فليس تقصير الثاني في البحث بما بثبته زوجاً، وكذلك إن كانت في عدة فتزوجت، والثاني غير عالم فتركه الباحث ليس مما يقدح في فراش الأول؛ فلذلك كان الفراش الأول أولى. ووجه آخر: أن ولد الحرة لا ينفي إلا بلعان، وولد الأمة ينفى بغير لعان، والنفي بالقافة إنما هو ضرب من الاجتهاد فلا ينقل ولد الحرة عن اليقين بالاجتهاد، ولما جاز نفي ولد الأمة بمجرد الدعوى، جاز نفيه بالقافة. وأما مال روي عن مالك: أن القافة في الحرائر كالإماء؛ فإنما ذلك لصحة علمهم، فوجب استواء الحرائر فيه والإماء. م: وهذا أقيس، والأول أحوط. قال سحنون: إذا قالت القافة: ليس لواحد منهما؛ دعي له أيضاً آخرون ثم آخرون وهكذا أبداً؛ لأن القافة إنما دعيت لتلحق لا لتنفي. قال ابن القاسم في العتبية: وإذا قالت القافة: اشتركا فيه؛ عتقت عليهما الأمة مكانها، ولا يحل لأحدهما وطؤها بملك اليمين، فإذا بلغ الصبي وإلى من شاء منهما فألحق به.
ومن المدونة قال ابن القاسم: فإن مات الولد قبل الموالاة عن مال وُهب له، أو ورثه؛ فهو بين الأبوين نصفين؛ كانا حرين أو عبدين، أو أحدهما عبداً أو ذمياً والآخر حراً مسلماً، كما تداعياه. قال في العتبية: وإن مات الأبوان قبل بلوغه وقف له قدر ميراثه منهما حتى يبلغ فيوالي من شاء منهما ويرثه وينتسب إليه ويرد ما وقف للآخر. قال ابن حبيب عن الماجشون: يبقى لا أب له وتعتق عليهما الأمة، قلت: ولما ورثتهما منه ولم تورثه منهما؟ قال: إنما قسمت ماله بينهما؛ لأنه مال ادعاه رجلان فلم أجد بداً من ذلك، وهذا لا يكون في موتهما. وقال أصبغ: يرث من كل واحد منهما نصف ميراث ولد. قال ابن حبيب: وهذا توريث بالشك. وبقول ابن الماجشون أقول. قال ابن القاسم في العتبية: ولو كان إنما مات أحدهما فإنه يوقف للصبي ميراثه منه حتى يبلغ فإن والى الميت ورثه وإن والى الحر رد ما وقف له وإن مات الصبي بعد موت أحدهما وميراثه من الأول موقوف قال: فميراث الصبي للأب الباقي وليس ذلك للأب الميت ولا لورثته شيء ويرد ما وقف للصبي من ميراث الأول إلى ورثته ولو أدخلت الأب الباقي فيما يورث عن الأول لأدخلت ورثة الأول في ميراث الصبي، وهذا
لا يكون بل ميراث الصبي للأب الباقي كله، وقاله محمد بن عبد الحكم. وقال سحنون: الباقي يرث نصف ما ترك الصبي ونصف ما ورث الصبي من الأول فالذي يصح من الأول للصبي نصف وما وقف له، وإن كان للأول عصبة ورثوا مع الباقي من الأبوين ما ترك الصبي. قال سحنون: وإذا وقف له ميراثه من الأول ثم مات الثاني فوقف له ميراثه منه أيضاً ثم مات الصبي قبل الموالاة؛ فإن نصف ميراثه من كل أب موروث من قبل أبويه جميعاً لكل فريق نصف ميراثه يقتسمونه على الفرائض. وقال ابن القاسم في العتبية إذا مات الصبي بعدهما رد ما كان أوقف له من ميراثهما إلى ورثتهما دونه، ولا يرث هو منهما شيئاً وميراث الصبي يكون لمن يرث الصبي من الأبوين جميعاً لأقعد الناس به منهما نصف لكل فريق منهما على قدر قعددهم بالصبي. قيل لعيسى ابن دينار: فمن ينفق على هذا الصبي إلى أن يبلغ حد الموالاة؟ قال: الشريكان، فإن بلغ فوالى أحدهما فلا يرجع عليه الذي لم يواله بشيء مما أنفق. وقال أصبغ: أما المشتري فالنفقة عليه حتى يبلغ، فإن والاه فذلك، وإن والى البائع رجع عليه بالنفقة. وقال محمد بن عبد الحكم: ينفق عليه الشريكان، وإذا مات أحدهما أنفق على الصبي مما أوقف له من ميراثه منه نصف نفقته ونصفها على الحي منهما.
وقال أصبغ لا ينفق عليه منه؛ لأنه إنما يأخذه بعد الموالاة، وقاله أبو زيد. قال ابن القاسم: فإذا ماتا قبله فأوقف له ميراثه منهما فوالاهما جميعاً فليأخذ النصف من كل واحد وتأخذ عصبة كل واحد النصف الآخر وهو كابن تام في حجب الكلالة به. وذهب ابن الماجشون في الواضحة: إنه إذا مات قبل الموالاة عن مالك فهو بين الأبوين نصفين، وإن ماتا قبله بقي لا أب له ولم يرثهما. قيل: ولم ورثتهما منه ولم تورثه منهما؟ قال: إنما قسمت تركته بينهما؛ لأنه كمال تداعياه رجلان فلم أجد بداً من ذلك، وهذا لا يكون في موتهما. قال سحنون: ولو مات الصبي وترك ولداً قبل أن يوالي أحد الأبوين وهما حيان بعد فلولده أن يوالي من شاء من الجدين، ولو ترك ولدين فليواليا جميعاً واحداً من الجدين ولا يوالي هذا واحداً وهذا واحداً، كما لم يكن ذلك لأيهما أن يواليهما جميعاً. ومن قول ابن القاسم: إن له أن يواليهما جميعاً، وكذلك لو وضعت من وطئهما توأماً فليواليا من أحبا ولكل واحد من الوالدين أن يوالي من شاء من الأبوين. قال سحنون: وإذا وضعت ولدين في بطن فقالت القافة: هذا ابن هذا وهذا ابن هذا فإن كان الأول ملياً؛ قومت عليه وهي له أم ولد ويغرم نصف قيمتها يوم حملت ويرجع على الثاني بقيمة ولده ولد أم ولد، وإن كان الأول عديماً رجع عليه الثاني بنصف قيمة ولده ولا يرجع هو على الثاني بشي، قال وقد قيل: يرجع عليه، قال: وتعتق عليهما الأمة.
فصل ومن العتبية قال سحنون في أمة بين حر وعبد وطأها في طهر فحملت فإنه يدعى للولد القافة فإن ألحق بالعبد فالحر مخير إن شاء ضمن العبد قيمة نصيبه يوم وطأها وإن شاء تماسك به؛ لأنها لا تخرج من رق إلى عتق، كما لو كانت بين حرين فوطأها أحدهما فلم تحمل أن لشريكه أن يتماسك بنصيبه. قيل: فهل يكون له نصف ولد العبد رقيقاً؟ قال: نعم، قال: فإن أحب الشريك أن يقومها عليه وهو معسر ويتبع جميعها في نصف قيمتها يوم وطأها ليس يوم أولدها إنما يغرم قيمتها في الوجهين كان له مال أو لم يكن. قال: ولا يباع الولد معها إن لم يف ما بيعت به اليوم بنصف قيمتها يوم وطأها؛ لأن الولد ليس بمال للعبد ويتبع ببقية القيمة في ذمته وليست بجناية فتكون في رقبته؛ لأنه كان مأذوناً له في ذلك. قال يحيى بن عمر قال ابن عبد الحكم: ويقع في قلبي أنها جناية. وفي كتاب ابن سحنون: أنها جناية. قال في العتبية: وإن ألحقته القافة بهما أعتق الصبي على الحر؛ لأنه أعتق عليه نصف ابنه، ويقوم عليه نصف العبد منه ويغرم ذلك لسيد العبد ويقوم عليه أيضاً نصيب العبد من الأمة فيصير له نصفها رقيق ونصفها لحساب أم الولد، فإن أولدها بعد ملكه جميعاً صارت كلها أم ولد له.
قال: فإذا بلغ الصبي وإلى أيهما شاء؛ فيكون ابناً له، فإن والى العبد لم يكن إلا حراً، فإن أعتق العبد بوماً ما ورثه. وقال أصبغ: إذا قالت القافة: اشتركا فيه فنصيب الحر من الأمة عتيق ونصيب العبد مقام أم ولد يوقف بيده لا يطؤها ولا يبيعها لا بإذن سيده وتباع لغرمائه في دينه، فإن كبر الصبي ووالى الحر لحق به وغرم نصف قيمته لسيد العبد، وإن والى العبد لحق به وبقي نصفه رقيقاً لسيد العبد، ونصفه حر، ولا يقوم على الحر إذ ليس بعتق ابتدأه وإنما هو حكم لزمه كما لو ورث نصفه. [قال أبو إسحاق: وفي هذا نظر؛ لأن العتق ليس من سبب الأب الذي يقوم عليه فإن كان من سببه فتمادى آخر تقويمه حتى يواليه]. قال في كتاب ابن سحنون: وإذا كان أحدهما مسلماً والآخر كافراً، وألحقت القافة الولد بالمسلم لحق به وكانت الأمة أم ولد له وغرم نصف قيمتها للكافر وإن أحلقته بالكافر لحق به وكان ولده على دينه يوارثه وينتسب إليه وكانت الأمة أم ولد له وغرم نصف قيمتها للمسلم فإن كانت كافرة أقرت عنده أم ولد وإن كانت مسلمة أعتقت عليه، وإن قالت القافة: اشتركا فيه؛ فالأمة أم ولد معتقة منهما والولد موقوف حتى يبلغ فيوالي أيهما شاء؛ فإن والى المسلم فهو ولده، وإن والى الكافر فهو ولده ولا يترك على دينه بل يكون مسلماً، وإن مات الكافر قبل بلوغ الصبي وقف له قدر ميراثه منه [فإن والاه
أخذه، وإن والى الآخر انتسب إليه، ورد ما وقف لورثة الكافر، وإن ماتا جميعاً قبل بلوغ الصبي وقف له قدر ميراثه منهما]، فأيهما والى أخذ ميراثه على الإسلام بكل حال، وهو استحسان وليس بقياس، وإن مات الصبي بعد موتهما وقبل البلوغ رد ما وقف من مالهما إلى ورثتهما ثم إن ترك مالاً وهب له أو ورثه كان نصفه لعصبة أبيه المسلم بعد فرض ذوي الفرض، والنصف الآخر لعصبة أبيه الكافر المسلمين، فإن لم يكن لأبيه الكافر ورثة مسلمون فذلك لبيت المال. قال: ولو أنهم ثلاثة؛ مسلم، وعبد، ونصران، فحملت الأمة مسلمة فقالت القافة: اشتركوا فيه؛ فإنها تعتق على المسلم والنصراني ويقوم عليهما نصيب العبد، ولو كانت الأمة نصرانية أعتق جميعها على الحر المسلم وقوم نصيب العبد والنصراني عليه، وإن قالت القافة: ليس هو لواحد منهم رفع أبداً إلى غيرهم، فإن قالوا مثلهم رفع أبداً إلى آخرين، فإن ت مادى الإشكال واتفقت القافة فإن كان الآباء مقرين بالوطء في طهر فليوالي أيهم شاء وتكون أمه تبعاً له إذا وضعته لستة أشهر فأكثر من وطء آخرهم، وسواء ادعوه أو لم يدعوه. وكذلك إن ادعاه أحدهم وأنكر من سواه فلينظر إلى مكره ويكشف عن وطئه، فإن كان فيما يصف من وطئه ما يمكن فيه الإنزال كانوا مشتركين فيه، وإن لم يمكن ذلك وكان
يدعي الخلسة بالعزل من الوطء الذي أقر به فإني أستحسن أن أجعله للآخر والقياس أن يكونا سواء، إذ لعله غلب والوكاء ينفلت، وربما كان الاستحسان أولى من القياس. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كانت أمة بين رجلين فوطأها أحدهما في طهر والآخر بعده في طهر؛ فأتت بولد فهو للآخر إن وضعته لستة أشهر فأكثر من مسيسه، وعليه لشريكه إن كان ملياً نصف قيمتها فقط يوم الوطء، ولا صداق عليه ولا قيمة ولد في ملائه، وإن كان عديماً لزمه نصف قيمة الأمة يوم حملت مع نصف قيمة الولد، وبيع عليه نصفها في نصف قيمتها وإن كان ثمنه كفافاً لذلك تبعه بنصف قيمة الولد، وإن كان أنقص أتبعه بما نقص. م: يريد: وإن كان فيه فضل لم يبع منها إلا ما يفي بنصف قيمتها ويكون باقيها بحساب أم ولد وأتبع بنصف قيمة الولد، والولد حرٌ لاحق النسب لا يباع منه شيء. قال ابن المواز: إن كان وطأها مرة فيوم الحمل هو يوم الوطء، وإن وطأ مراراً فإن شاء شريكه القيمة يوم الوطء، أو يوم الحمل فذلك له. م: وهو تفسير لما في المدونة. ومن المدونة قال مالك: ومن وطأ أمته ثم باعها فوطأها المبتاع في ذلك الطهر فأتت
بولد لأقل من ستة أشهر من يوم البيع فهو للبائع وهي أم ولد له، فإن وضعته لستة أشهر فأكثر من يوم البيع فادعياه؛ دُعي له القافة فيكون ابناً لمن ألحقته القافة به، وأمة أم ولد له، فإن أشركوها فيه والى إذا كبر أيهما شاء، وكذلك فعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ونكلهم جميعاً، وقضى عند ذلك أن من ابتاع جارية قد بلغت المحيط فليتربص بها حتى تحيض. وقال الرسول -عليه السلام-: «[من كان يؤمن بالله واليوم الآخر] فلا يغشى رجلان امرأة في طهر». قال يحيى بن سعيد: ولو أسقطت أعتقت عليهما وقضي بالثمن عليهما وجلدا خمسين خمسين وكذلك لو ماتت قبل أن تضع فمصيبتها منهما. قال: وبهاذ كان سلفنا يقضون وبه مضى أمر الولاة. وقال ابن القاسم في العتبية وكتاب ابن حبيب وقال فيه مطرف وابن الماجشون: إذا ظهر بها حمل ثم ماتت قبل أن تضعه فمصيبتها من البائع طال الحمل أو لم يطل ويأخذ المبتاع ماله ويعاقب إن لم يعذر بجهل.
قال في كتاب ابن حبيب ولو أقر المشتري بوطئها والبائع منكر للوطء فأوقفها السلطان فماتت قبل أن يتبين حملها أو بعد أن يتبين ولم يمض للحمل ستة أشهر فالمصيبة من البائع أقر بوطئها أو أنكر حتى إذا مضى للحمل ستة أشهر فقد لحقت المشتري ولدت أم لم تلد، ماتت أو عاشت، مات ولدها أو عاش، ولا تنظر إليه القافة إذا لم يقر البائع بوطئها في ذلك الطهر، وأما إذا وطأها في طهرها ثم ماتت قبل أن يتبين الحمل أو بعد أن تبين فهي من البائع بخلاف الأمة بين الشريكين يطآنها في طهر ثم يموت بعد بيان الحمل أو قبل، فهذه مصيبتها منهما. قالوا في الكتابين: فإن وضعت لأقل من ستة أشهر في وطء المتبايعين في طهر واحد فهي من البائع كان سقطاً أو تاماً حياً أو ميتاً فهو ولده، وهي أم ولده. واختلف إذا وضعته لستة اشهر إلا يوماً أو يومين؛ هل يكون للمشتري أو للبائع؟ هل ذلك افتراق أم لا؟ [وهو ولد له، وهي أم ولد له]. ] وإن وضعته لستة أشهر من وطء المبتاع: قال في العتبية أو مقدار نقصانها بالأهلة فصاعداً تقارب الوطآن في ذلك أو لم يتقاربا أو وطأ هذا اليوم وهذا غداً والولد ساقطاً أو تاماً فهي من المبتاع والولد له وهي أم ولد له، ولا قافة في الأموات، ولو كان حياً دُعي له القافة فمن أُلحق به فهو ولده وأمه أم ولد له].
[قال أبو إسحاق: والأشبه أن يكون ضمانها من البائع ولو وضعته لستة أشهر؛ لأنها لا تنتقل عن ضمان البائع إلا بيقين فليس وضعها لتمام ستة أشهر فالذي تحقق أن الحبل من المشتري، والأشبه أن اليوم واليومين في الستة أشهر ليس افتراق، ألا ترى أن لو تزوج رجل امرأة فجاءت بولد بعد دخوله بها لستة أشهر إلا يوم أو يومين أكانت تحد؟ والأشهر قد ينقص هذا القدر أو أكثر منه وقد جعل أقل الحمل ستة أشهر؛ لقوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} فأزيل من ذلك حولان كاملان للرضاة وبقيت ستة أشهر للحمل فإذا كان الحمل ستة أشهر وجب أن يدخل في ذلك نقص الشهور كاليومين والثلاثة، كما أن الرضاع إذا كان حولين كاملين كان ما قارب الحولين في حكم الحولين في التحريم]. وقال سحنون: إن مات بعد أن وضعته حياً دُعي له القافة. قال في كتاب ابنه في الأمة في وطء الشريكين أو المتبايعين يظهر بها حمل ثم تموت قبل الوضع فضمانها منهما، ماتت قبل تمام ستة أشهر من يوم وطء الثاني أو بعد، إلا أنه إنما يضمن المشتري في البيع الأكثر من نصف قيمتها يوم وطأها أو نصف الثمن، ولو أسقطت قبل تمام سنة أشهر أو بعد؛ أعتقت عليهما ويضمن المشتري الأكثر مما ذكرنا، ولو وضعته حياً بعد ستة أشهر من وطء الثاني ثم مات قبل أن يدعى له القافة فليدعى له القافة ميتاً إذ لا يغير الموت شخصه، فإن مات أعتقت الأمة عليهما وغرم المشتري الأكثر مما ذكرنا، ولو لم يمت الولد ومات أحد الأبوين قبل نظر القافة فلينظروه مع الثاني فإن ألحقوه به لحق به
فإن كان مشترياً فعليه الأكثر كما ذكرنا. قال ابن حبيب عن ابن الماجشون وإن لم يلحقوه به لم يلحق به ولا بالميت إذ لو كان الميت حياً فلعل القافة تنفيه عنه، وتقول: ليس بابن لواحد منهما. قال: توقف الأمة بحال أم ولد، فإذا مات الثاني أعتقت، وخالفه ابن حبيب وقال: بل يلحق بالميت إذا برئ منه الحي؛ لأن الميت أقر بالوطء فلولا وطء الثاني؛ لحق به من غير قافة. قال ابن حبيب وتعتق الأمة بموت الأول على أنها أم ولد وقاله أصبغ. قال سحنون: وإن قالت القافة بعد موت أحدهما: للحي فيه شرك؛ فإن له من الحي نصف الأبوة ويرث نصف ميراثه إن مات قبل أن يبلغ الولد فيواليه فإن بلغ وهذا الأب حي فوالاه كان ابنه وكان له ميراث هذا الأب كله ولا يرث من الميت الأول شيئاً لأن القافة لا تلحق بأبٍ ميت.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وكان المشتري إنما وطأها بعد أن استبرأها بحيضة لحق الولد بالمبتاع إن ولدته لستة أشهر فصاعداً من يوم وطئها وإن ولدته لأقل من ذلك لم يلحق بالمبتاع وإن ادعاه لأنه قد بان كذبه ولا يحد ويلحق بالبائع إلا أن يدعي استبراء وقد تقدم هذا. قال: وإنما القافه في الأمة يطؤها بالملك كما ذكرنا. قال مالك: ولا قافة في الحرائر. قال سحنون وروى عنه علي: أن القافة في الحرائر مثل الإماء, ومن المدونة قال وإذا تزوجت المطلقة قبل حيضة فأتت بولد لحق بالأول؛ لأن الولد للفراش والثاني لا فراش له إلا فراش فاسد وإن تزوجت بعد حيضة ودخل بها لحق الولد بالآخر إن وضعته لستة أشهر فأكثر. قال مالك وإنما لاط عمر -رضي الله عنه- في الحرائر بالقافة أولاد الجاهلية بآبائهم من الزنا. يريد: حين أسلموا، واحتج به مالك في المرأة تأتي حاملاً من العدو فتسلم وتلد توأماً أنهما يتوارثان من قبل الأب والأم. قيل لابن القاسم: فلو أسلم قوم من الحربيين أتليط بهم أبناءهم من الزنا بالقافة؟
قال: لم أسمع من مالك فيه شيئاً ولكن وجه ما جاء عن عمر -رضي الله عنه- أن لو أسلم أهل دار من أهل الحرب كان ينبغي أن يصنع بهم ذلك؛ لأن عمر فعله، وهو رأي ابن حبيب. وقال ابن الماجشون: لا يؤخذ بقولهم فيما كان من ولادة الجاهلية والنصرانية. وروي مثله عن أشهب. في الأمة والمدبرة والمكاتبة والمعتقة إلى أجل بين الشريكين يطؤها أحدهما أو كلاهما فتحمل أم لا قال مالك: وإذا وطأ أحد الشريكين أمة بينهما فلم تحمل فشريكه مخير في التماسك بنصيب أو إتباع الواطئ بنصف قيمتها. قال ابن القاسم يوم وطأها وإنما قومت عليه يوم الوطء؛ لأنه كان ضامناً لها لو ماتت بعد وطئه حملت أو لم تحمل. قال مالك: ولا حد على الواطئ ولا عقد عليه وكذلك إن تماسك بها فلا صداق لها ولا ما نقصها؛ لأن القيمة وجبت له فتركها وتمسك بنصيبه ناقصاً. قال أبو إسحاق: وقيل له ما نقص. قال مالك: وإن حملت قوِّمت على الواطئ يوم حملت إن كان مليا. يريد: لأنه أفاتها بالحمل لما أدخل فيها من العتق.
قال ابن المواز: فإن شاء قوَّمها عليه يوم الوطء، أو يوم الحمل، إلا أن يكون إنما وطأها مرة واحدة، فيوم الوطء هو يوم الحمل. ومن المدونة قال مالك، ولا تماسك لشريكه إذا كان الواطئ مليا، ويلحق الولد بأبيه وهي به أم ولد. قال ابن القاسم: وإن كان الواطئ عديماً فقد بلغني أن مالكاً قال قديماً: تكون له أم ولد ويتبع بنصف قيمتها ولا قيمة عليه في الولد، وآخر قوليه -وبه آخذ- أن يقوم عليه نصفها يوم حملت ويباع عليه نصفها بعد الوضع فيما يلزمه من نصف قيمتها فيكون رقيقاً لمن اشتراه وما نقص من ذلك أتبعه مع نصف قيمة الولد. محمد ابن المواز يوم وضعت. وقال سحنون: لا شيء له من قيمة الولد إذا اختار قيمتها؛ لأن الولد جاء بعد أن ضمّنه القيمة. قال ابن القاسم: ولا يباع من الولد شيء وهو حر ثابت النسب وإن شاء تمسك بنصيبه وأتبعه بنصف قيمة الولد. ابن المواز: لأن نصيب الأب منه حر مكانه فيستتم على أبيه ما بقي منه بقيمته يوم وضعته ويتبع به. قال: واختلف قوله هل يتبعه بنصف ما نقصتها الولادة؟ فقال مرة: لا يتبعه بشيء؛ لأن القيمة وجبت له فتركها وتمسك بنصيبه، وقال أيضاً:
إن يتبعه بما نقص من ثمنها إن هو باع مصابته بأقل مما كانت تسوى بسبب ما نقصها. قال ابن المواز: وهذا عندنا أصوب، وليس بسبب ما منعه بيع حملها. ومن المدونة قال ابن القاسم: ويعتق عليه نصف الأمة الذي بقي في يديه إذ لا منفعة له فيه وقد قال مالك فيمن أولد أمته فإذا هي أخت رضاة: أن الولد يلحق به ويدرأ عنه الحد وتعتق عليه؛ لأن وطأها قد حرم عليه ولا خدمة له فيها. ابن المواز وروى أيضاً أصبغ عن ابن القاسم: أن نصيب الوطء لا يعتق عليه وتوقف لعله يملك باقيها فيحل له وطؤها. قال ابن المواز وهو أصوب. ومن المدونة وقال غيره: إذا وطأ أحد الشريكين أمة بينهما فولدت فلا حد عليه ويعاقب إن لم يعذر بجهل وتقوم عليه إن كان مليا وإن كان عديماً خير شريكه بين أن يتماسك بنصيبه منها ويتبع الواطئ بنصف قيمة الولد ديناً أو يضمنه ويتبعه في ذمته وليس هو كعديم أعتق حصته من عبد فأراد شريكه أن يضمِّنه فليس ذلك له؛ لأنه إنما أعتق نصيبه فقط وفي الوطء وطأ حظه وحظ شريكه فإن تماسك بنصيبه بقي نصيب الواطئ بحال أم ولد ولا يعتق عليه إذ لعله يملك باقيه فيحل له وطؤها إلا أن يعتق المتمسك بالرق نصيبه فيعتق على الواطئ نصيبه إذ لا يطؤها بملك أبداً، وإذا تماسك الشريك
بنصيبه وترك تضمين الواطئ لعدمه ثم أراد التقويم عليه بعد يسره أو شاء ذلك الواطئ وأباه المتمسك لم يلزم منهما ولو أطاعا بذلك لم تكن للواطئ كلها فحمل أم ولد للرق الذي يرد فيها إلا أن يولدها ثانية. قال سحنون: والاختلاف بين أصحابنا في هذه المسألة كثير، وهذا أحسن ما سمعت من ذلك. قال ابن المواز: ولو كان الواطئ أبا أحد الشريكين فهو كالشريك نفسه في جميع ما وصفت لك غير أن ابنه يتبعه بقيمة مصابته مع ما يتبعه الشريك من نصف قيمة الولد ونصف ما نقصتها الولادة إذا كان معدماً. قال ابن المواز: وإذا أعتق أحد الشريكين في الأمة حصته وهو موسر فلم تقوم عليه حتى أحبلها الثاني، قال: تكون حرة كلها ساعة حملت والولد لاحق بأبيه بلا قيمة عليه فيه وهذا أعجب إلينا من قول من قال: إنها تقوم على المعتق الأول ويغرم له هذا نصف ما نقصها ونصف قيمة الولد وهذا وهم. قال ابن المواز: ويكون ولاء الولد لأبيه، وقد وهم بعض أئمتنا فقال: يكون نصف ولاء الولد لمعتق نصف الأم، كما له نصف ولاء الأم فاحتججت على من روى ذلك عته، فقلت له: أرأيت لو كانت كلها لمعتق نصفها فأعتق جميعها ثم حملت من غيره بنكاح أيكون لمعتقها من ولاء ولدها شيء؟ قال: لا، فقلت له: هذا يبين لك الوهم؛ فرجع عن ذلك، وبان له الغلط. ابن المواز وقال ابن القاسم في الأمة بين الشريكين يطؤها أحدهما فتحمل ثم تضع في عدمه فيلزم نصف قيمة الولد يوم وضعته ونصف ما نقصها وبقي نصفها بحساب أم
ولد فوطأها الثاني فأحبلها فإنها تعتق مكانها حين حملت ولا تبع الثاني في الولد بشيء وإن كان مليا والحكم على الأول كما هو. ابن المواز وقيل إن لم يكن نظر في أمر الثاني حتى وضعت فإنه يكون على الثاني غرم نصف قيمة ولده أيضاً موسراً كان أو معسراً. ابن المواز: وهذا غلط، وبقول ابن القاسم أقول: أن ليس على الثاني من نصف قيمة ولده شيء وإن لم يكن نظر في أمرها إلا بعد الوضع لأن الأمة حرة باستقرار النطفة في رحمها. وقال عبد الملك: إذا حكم على الأول ثم أحبلها الثاني كان عليه قيمة الولد على أنه ولد أم الولد على الرجاء والخوف. م: أراه يريد: نصف قيمة الولد على أنه ولد أم الولد لأن نصفها للأول بحساب أم ولد ونصفها للثاني رقيق فإذا أحبلها الثاني فإنما يغرم له في الولد على قدر حصته من الأم على هذا القول. قال ابن المواز: فلم يعجبنا هذا لأنها بثبوت النطفة في رحمها حرة فلم يجب في الولد يوم الوضع للأول شيء. قال ابن المواز: وإذا لم ينظر في أمر الأول الذي أولدها حتى أولدها الثاني عتقت عليهما ولا شيء على الأول ولا على الثاني من قيمة ولد ولا غيره ولا يكشف الأول عن عسر ولا يسر؛ لأن الأول يقول: قوّموا عليّ مصابة صاحبي يوم وطئت حتى لا يلزمني
للولد قيمة شيء فلا يقدر على ذلك لفوتها بحمل الثاني فتكون حرة منهما ولا قيمة ولد على واحد منهما وغير هذا لا يعجبني. قال ابن القاسم في العتبية وهو في ك تاب ابن سحنون: إذا ولدت من الأول ثم وطأها الثاني فأولدها فإن كان الأول مليا غرم نصف قيمتها فقط وكانت له أم ولد ونُكلا والثاني أشدهما نكالاً، ودرئ عنه الحد للشبهة ولحق به ولده. قال سحنون في كتاب ابنه: وعليه للأول نصف قيمة الولد على أنه ولد أم ولد يقاص بذلك الأول فيما لزمه من نصف قيمة الأمة. م: والصواب: أن يكون على الثاني قيمة الولد كاملة على أنه ولد أم ولد؛ لأن [الأول قد لزمته نصف قيمة الولد يوم] أحبلها، فإنما وطأ هذا الثاني أم ولد الأول فدرأنا عنه الحد للشبهة، [وألزمناه لقيمة ولده ولد أم ولد فانظر] الأصل. قال ابن القاسم في العتبية: فإن لم يكن للأول مال لم يقوَّم على واحد منهما، ويعتق عليهما [ويلحق بهما أولادهما ونُكِّلا].
قال سحنون في كتاب ابنه: ويكون للثاني على الأول نصف قيمة الولد على أنه رقيق ولا شيء على الثاني من قيمة ولده. وقال أيضاً: للأول على الثاني نصف قيمة ولده على أنه ولد أم ولده. قال سحنون في العتبية وكتاب ابن سحنون: ولو كانت الأمة بين ثلاثة نفر وطأها أحدهم فولدت منه، ثم وطأها الثاني وهو يعلم فولدت منه، [ثم وطأها الثالث وهو لا يعلم فولدت منه]، قال: فقد ضمنها الأول؛ وهي له أم ولد، وعليه لشريكيه ثلثا قيمتها يوم وطأ، وعلى كل واحد من الشريكين للأول قيمة ولده ولد أم ولد فيتقاصا هو وهما فيما لكل واحد على الآخر ويترادون الفضل، فإن كان الأول عديماً عتق نصيبه، وعليه ثلثا قيمة ولده رقاً لشريكيه، وعلى الثاني في ولده ثلث قيمة ولده رقاً للثالث، ولا شيء عليه للأول؛ لأن نصيبه من الأمة يوم وطأ الثاني حر، ويعتق نصيب الثاني والثالث عليهما، ولا شيء على الثالث في قيمة ولده للأول. م: يريد على أحد قوليه وهو كقول ابن المواز وهو الصواب لأن باستقرار نطفة الثاني في رحمها أعتق نصيب الأول ولا قيمة له في ولدها من الثاني وعلى قوله الثاني وهو قول عبد الملك يكون للأول على الثاني ثلث قيمة ولده على أنه ولد أم ولد، وعليه للثالث ثلث قيمة ولده على أنه رقيق، وعلى الثالث للأول وللثاني ثلث قيمة ولده؛ لكل واحد منهما على أنه ولد أم الولد.
قال سحنون: ولو لم يطأ الثالث؛ فإن كان الأول ملياً: غرم لشريكيه ثلثي قيمتها يوم الوطء، وأخذ من الثاني قيمة ولده ولد أم ولد، وفيها قول آخر وهذا أعدل. قال في كتاب ابنه: وإن كان الأول عديماً؛ أعتق نصيبه ونصيب الثاني، وعلى الأول ثلثا قيمة ولده عبداً لشريكيه، وعلى الثاني ثلث قيمة ولده للثالث الذي لم يطأ، وبقي ثلثها الثالث رقيقاً، وإن شاء ضمن الأول ثلث قيمة الأمة [ويبقى ثلثها للثالث] وأتبعه بذلك فإن ضمنه عتق ثلثا الأمة على الأول وعتق نصيب الثاني عليه بالولد، وغرم الثاني للأول ثلث قيمة ولده ولد أم ولد من سبب هذا الثالث الذي قوم عليه. م: أراه يريد: وعلى الأول للثاني ثلث قيمة ولده رقيق فيتقاصّان ويترادان الفضل وليس للثلث أن يقوم على الثاني في عدم الأول إذ لم يبتد فساداً وفيها غير هذا تركته خيفة التطويل. فصل ومن كتاب المدبر قال مالك: وإذا كانت مدبرة بين رجلين، وطأها أحدهما، فحملت؛ فإنها تقوم عليه، وتصير أم ولد إذ ذلك آكد لها. سحنون وقاله جميع الرواة. قال غيره: وإن كان الواطئ معسراً خير شريكه بين أتباعه بنصف قيمتها وتصير له أم ولد ويتماسك بحصته ويتبعه بنصف قيمة الولد يوم استهلاله ثم لا يقوم عليه إن أيسر
فإن مات الواطئ أعتق عليه نصيبه من راس ماله لأنه بحساب أم ولد وبقي نصيب المتمسك مدبراً وإن مات الذي لم يطأ وقد كان تمسك بنصيبه وعليه دين يرد التدبير يبعث حصته للدين فإن ابتاعها الواطئ ليسر حدث له حل له وطؤها فإن مات فنصفها عتيق من رأس المال والنصف الذي اشترى رفيق لورثته. ومن كتاب ابن سحنون: ولو أنن مدبرة بين ثلاثة وطئوها واحداً بعد واحد فأولدها كل واحد منهم ولداً فإن كان الأول ملياً فعليه لشريكه ثلثا قيمتها أمة وتكون أم ولد له ويرجع على شريكيه بقيمة ولده ولد أم ولد ويترادان الفضل، وإن كان عديماً أعتق عليه نصيبه وغرم لشريكه ثلثي قيمة ولده ولد ويترادان الفضل، وإن كان عديماً أعتق عليه نصيبه وغرم لشريكه ثلثي قيمة ولده ولد مدبرة على الرجاء أن يعتق أو يرق ويعتق على الثاني نصيبه وعليه للثالث ثلث قيمة ولده ويعتق نصيب الثالث ولا شيء عليه في ولده لها وفيها قول آخر تركته ولو كان الثالث لم يطأ قوِّمت على الأول في ملائه وتكون له أم ولد ويغرم ثلثي قيمتها لشريكه وعلى الثاني للأول قيمة ولده ولد أم ولد، وإن كان عديماً؛ أعتق نصيبه، وللثالث إن شاء أن يقوم عليه ويبيعه، فإن فعل أعتق ثلثاها على الأول، وكان للأول على الثاني ثلث قيمة ولده ولد مدبرة من سبب هذا الثلث الذي
قوّم عليه للثالث، ويرجع الثاني على الأول بثلث قيمة ولده ولد مدبرة، ويعتق أيضاً نصيب الثاني منها وإن تمسك الثالث بنصيبه فليس له تقويم على الثاني وله على الأول ثلث قيمة ولده [وعلى "الثاني" كذلك، ويكون للثاني" على الأول ثلث قيمة ولده وليس" للأول على الثاني] من قيمة ولده شيء؛ لأن نصيبه فيها أعتق قبل أن يطأ الثاني. قال ابن المواز [واختلف قوله] في ولد الأمة في رجوع الثاني على الأول بثلث قيمة الولد والمدبرة مثل الأمة. قال سحنون وهذا على قول كثير من أصحابنا. فصل وقال في معتقة إلى أجل بين ثلاثة وطئوها متفاوتين كل واحد يولدها ولا يعلم بصنيع من قبله. قال: تعتق عليهم كلهم إذ لا سبيل إلى وطئها وإن كان الأول ملياً، وأرى أن تعتق ليهم في ملائهم وعدمهم وعلى الأول لشريكه ثلثا قيمة ولده على أنه معتق إلى أجل وعلى
الثاني للثالث ثلث قيمة ولده كذلك ولا شيء على الثالث ولا شيء للأول ولو لم يولدها غير واحد لم تقوم عليه وعليه لصاحبيه ثلثا قيمة ولده ولد معتقة إلى أجل. أو لا ترى لو عجل أحدهم عتقها لم تقوم عليه إلا في وقل لعبد الرحمن تعجل عليه قيمة الخدمة لشريكه ويعجل عتقها. وقال كثير من أصحابنا فيمن وطأ معتقة إلى أجل فأولدها: إنه يعجل عتقها عليه إذ زالت له منها الخدمة بالولادة والوطء بعتق الأجل. قال سحنون: وكذلك من أذن لمدبره في تدبير أمته ثم أولدها السيد فإنها تعتق؛ لأنها معتقة إلى أجل أولدها السيد. قال في المعتقة إلى أجل: وإن بقي الثالث لم يطأ أعتق نصيب الواطئين، وللثالث على كل واحد ثلث قيمة ولده للثاني على الأول ثلث قيمة ولده ويبقى نصيب الثالث بيده معتقاً إلى أجل ولا شيء على الثاني للأول؛ لأنه وطأ نصيبه وهو حر. فصل قال ولو كانت مكاتبة بين ثلاثة وطئوها كما ذكرنا؛ فأتت من كل واحد بولد وهو لا يعلم ما فعل من قبله؛ فعلى مذهب ابن القاسم وأشهب: إن كان الأول مليئاً خيرت بين أن تعجز نفسها وتقوم على الأول وبين أن يتمادا، فإن قومت عليه غرم ثلثي قيمتها أمة
لشريكيه وصارت له أم ولد وإن تمادت على كتابتها فأدت أعتقت وإن كان الأول عديماً أعتقت عليهم كلهم. سحنون قاله ابن القاسم وأشهب وأن أرى: إن كان لها مال لها ظاهر والأول مليئاً فليس لها تعجيز نفسها ولتتمادى مكاتبة. قال ابن القاسم: فإذا وطأ مكاتبة بينه وبين شريكه فاختارت التمادي أخذت نصف قيمتها من الواطئ فوقفت، فإن أدت ردت القيمة إليه وإن عجزت بقيت له أم ولد وأخذ الآخر القيمة. وقال في كتاب ابن المواز: إنما يوقف نصف قيمة الكتابة ثم ذكر مثل هذا وفيها قول آخر تركته/.
في وطء المخدمة، ومن زنا بأمة فأولدها؛ هل يطأ ابنتها منه؟ قال ابن القاسم: ومن أخدم أمته سنين -قال سحنون أو عمرها- ثم وطأها السيد، فحملت؛ فإن كان مليئاً: كانت له أم ولد، وأخذت منه مكانها أمة تخدم في مثل خدمتها، فإن ماتت هذه والأولى حية فلا شيء عليه، وقيل: تؤخذ قيمتها وتؤاجر منها خادم؛ فإن ماتت الأولى أو انقضت السنون وقد بقي من القيمة شيء أخذه السيد، وإن نفدت القيمة والأولى حية ولم تنقض المدة فلا شيء على السيد. وقال عبد الملك في كتاب ابن سحنون: يغرم له قيمة الخدمة على الأقل من عمر الأمة ومن مدة الخدمة من عمر أو أجل. [قال أبو إسحاق: في هذا كله نظر؛ لأن القيمة إذا أخذت فنفدت والأولى حية لم يجب كان أن يسقط عن الواطئ الطلب؛ لأن المخدم يقول: خدمتي في غير هذه الجارية ... بالإيلاد وهي باقية العين، فيجب عليه أن تخدمني ما دامت حية، وأما بقية القيمة فلا حق لي فيها، ولو قيل: يكون عليه قيمة الخدمة على الرجاء والخوف لكان أشبه]. قال ابن القاسم في العتبية: وإن كان عديماً أخذ ولده وتخدم الجارية إلى تمام الأجل.
م: وسئل أبو عمران عما تقدم من قول ابن القاسم وقول غيره في أخذ أمة تخدم أو أخذ قيمة الأمة يؤاجر بها، ولو لم يجعلوا عليه قيمة الخدمة في تلك السنين، كمن أفسد على رجل عرضاً؛ أن عليه قيمة. قال الشيخ: إنما لم يحسن أن يضمن قيمة الخدمة لإمكان موت هذه الأمة [قبل انصرام الأجل] فيكون قد ضمن الرجل مالا يلزمه ولو قومناها على الرجاء والخوف أدى ذلك إلى تحويل ما جعل له من كفاية خدمة عشر سنين إذ [لا يحصل له] في القيمة ما يحمل ذلك والواجب على المتعدي إغرام المثل لقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وقوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} فإن كان جنس المستهلك لا يتحصل مثله عدل فيه إلى القيمة للضرورة ولا شيء في مسألتك أخصر من الإتيان بمثل الخدمة نفسها فأغرمنا ذلك للمتعدي كما قدمنا.
وإن ماتت الأولى فقد كشف الغيب أن الواطئ لم يبطل على المخدم إلا الأيام التي حبستها الموطأة وقد أغرمنا له ذلك، وأما ما قاله الغير من إغرام القيمة يؤاجر بها فقد رواه ابن القاسم أيضاً عن مالك في قتل السيد لعبد المخدم، وذكر سحنون أن لابن القاسم فيه قولين ثم قال: وكذلك أمة يحبلها. قال الشيخ: وهذا القول أيضاً حسن وقريب من الأول إذ لا فرق بين إغرامه أمة تخدم، أو إيقاف القيمة يستأجر منها من يخدمه، ولا ضرر أيضاً على الواطئ؛ لأنه إن قال: قد تنجز القيمة لغلاء الإجارة وطول المدة ولو كانت أمة لرجعت إلى. قيل له: وقد ترخص الإجارة فيبقى من المدة أكثر، ولو كانت أمة لماتت قبل انقضاء الخدمة، فإذا اجتهد الحاكم وصنع أحد الوجهين كان صواباً. قال الفقيه أبو عمران: والذي قلت: لِمَ لم يغرم القيمة كعرض أفسده؟ فقد قال سحنون فيمن أخدم رجلاً نصف عبده ثم أعتقه بعد قبض المخدم له، قال: فليغرم له قيمة ما بقي له من الخدمة. وروي عن أشهب: أنه يغرم له الأقل من نصف قيمة الخدمة أو قيمة الرقبة. وذكر عن ابن الماجشون ما قدمنا في صدر المسألة. قال: وإذا ماتت الأولى سقط العوض في بقية المدة، وذلك كرجوع بقية اليمة إلى الواطئ بموت الأولى.
قال: وموت الثانية قبل موت الأولى، كنفاد القيمة أو تلفها والأولى حية. قال: وقد ذكر بعض المتأخرين: إن الثانية تخدم بعد موت الأولى، وذلك غير معتدل. قال: وأما إن كان الواطئ عديماً؛ فلا أعلم فيه رواية، وذكر أمثلة تدل على أنها تخدم وإن كانت قد حملت. قال: وينبغي أن يتبع الواطئ بنقص خدمتها لأجل الولد إن أنقص ذلك خدمتها. م: وقد اختصرت كثيراً من كلامه لطوله وهذا معناه. وذكر فيها كلاماً لأبي بكر ابن عبد الرحمن نحو ما ذكرنا، وإن اختلف التعليل، وفيما ذكرنا من ذلك كفاية، وبالله التوفيق. [قال عبد الملك في كتاب ابن سحنون: يغرم له قيمة الخدمة على الأقل من عمر الأمة ومن مدة الخدمة من عمر أو أجل. قال ابن القاسم في العتبية: وإن كان عديماً أخذ ولده، وتخدم الجارية إلى تمام الأجل]. قال سحنون: ولو وطأها المخدم، فإن كانت الخدمة كثيرة مثل: التعمير، أو سنين كثيرة؛ فإنه يدرأ عنه الحد، ويلحق به الولد، وتكون له الأمة أم ولد. م: يريد: ويغرم قيمتها يوم المرجع على الرجاء والخوف. قال سحنون: إلا أن يكون عديماً فتكون لربها، ولا تكون به أم ولد، ويلحق الولد بأبيه، ولو ابتاعها بعد يسره؛ لم تكن به أم ولد.
قال: وإن وطأها في الخدمة القليلة مثل شهر أو نصف شهر، فلا شبهة لها بهذا؛ ويحد، ولا تكون له أم ولد، ولا يلحق به الولد. وقال ابن وهب في كتاب ابن المواز فيمن أخدم أمته رجلاً كسنه، فوطأها المخدم؛ فإنه كان عالماً حد، وإن عذر بالجهل عوقب، وقوَّمت عليه، وإن وطأها ربها فحملت بقيت تخدم تمام السنة. قيل: أتخدم أم ولد؟ قال: أرأيت إن أعتقها واستحب محمد أن يغرم قيمتها فيؤاجر منها من يخدم بقية السنة بما فضل رده إليه، وما عجز فلا شيء عليه. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أقر أنه زنا بأمة لغيره، فأتت بولد؛ لم يلحق به، ويحد، وإن ابتاعها؛ لم يلحق به الولد أيضاً، ولا يعتق عليه، فإن كان الولد جارية؛ لم يحل له وطؤها أبداً. وقال عبد الملك: يجوز لها وطؤها. قال أبو محمد: وهذا قول مرغوب عنه. [قال أبو إسحاق: وظاهر الحديث يخالف ما قال عبد الملك في ابن وليدة زمعة، وأما لو أضعت بذلك صبية ما حرمت عليه؛ لاختلاف الناس في لبن الفحل، فكيف لبن الزنا فذلك أبعد والله أعلم]. م: وقال لي بعض شيوخنا: قول عبد الملك هو القياس؛ لأنها ليست ابنته وإنما هي بنت الشيطان، ألا ترى أنها تلحق به ولا ترثه ولا تناسبه، وقول ابن القاسم استحسان، وكذلك بلغني عن الأبهري -رحمه الله-.
م: والاستحسان في هذه المسألة قول ابن القاسم وهو أولى أن يؤخذ به والله أعلم. تم كتاب أمهات الأولاد والحمد لله على ذلك كثيراً كما هو أهله.
كتاب الولاء والمواريث في ولاء من أعتقه الرجل من نفسه أو عن غيره أو سائبة قال الله سبحانه: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} ولا خلاف أن مولى النعمة ممن له السلطان في الدم، ومولى النعمة: هو المنعم بالعتق. قال الله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} يريد: أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه يا محمد بالعتق. وقال الرسول -عليه السلام-: «الولاء لمن أعتق». قال سحنون: يعني من أعتق عن نفسه، كما بينا في قوله: «كل ذي مال أحق بماله»، معناه: ما لم يحدث فيه تحبيساً على غيره. وقد أجمعوا: أن الوصي يعتق عن الموصي عبده الذي أوصى به وأن الولاء
للميت، وكما تعتق أم ولده بعد موته، وليس بمعتق يومئذٍ. وروى الزهري عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: أتت بريرة إلى فقالت: كاتبت أهلي على تسعة أواق، كل عام أوقية فأعينيني، ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً، فقالت عائشة: إن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعاً ويكون ولاؤك لي فعلت، فعرضت ذلك بريرة على أهلا فأبوا وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، ويكون ولاؤك لنا، فذكرته عائشة للنبي -عليه السلام- فقال: «لا يمنعنك ذلك منها، ابتاعي فأعتقي؛ وإنا الولاء لمن أعتق» ففعلت، وقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الناس: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد: فما بال أقوام يشترطون شرائطاً ليست في كتاب الله، ومن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط؛ قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق». قال سحنون: وإنما أمر النبي -عليه السلام- بشراء بريرة ويشترط الولاء للبائع ليبين رد ذلك، إذ لا يحل الحكم من القلوب محل القول، وكما قال: «إني لأنسى أو أنسى لأسن» يريد: أن الفعل يحل من قلوبهم غير محل التعليم.
وقال غيره: من أهل العلم إنما قال النبي -عليه السلام-: «اشترطي لهم الولاء» بعد أن حرّم اشتراط الولاء، وإنما هو لمن أعتق، وأن ذلك معلوم عندهم؛ فقال لعائشة -رضي الله عنها -: «اشترطي لهم الولاء» فإن اشتراطهم إياه بعد علمهم بأن اشتراطه لا يجوز، غير ضار لك ولا نافع لهم، لا أنه -عليه السلام- أمر باشتراط الولاء لهم؛ ليتم بينها وبينهم البيع؛ فيبطل الشرط، ويصبح البيع وهم غير عالمين؛ فإن اشتراط ذلك لأنفسهم لا يجوز؛ لأن ذلك كان يكون مكراً بهم، وخديعة لهم، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبعد أن يفعل ما ينهى عنه، أو يرضى لنفسه ما لا يرضاه لغيره. وروى ابن اعمر وجابر بن عبد الله أن الرسول -عليه السلام- «نهى عن بيع الولاء وعن هبته». م: واتفق فقهاء الأمصار جميعاً أن الولاء نسب ثابت للمعتق من معتقه، وأن حكم المولي المعتق، حكم العصبة، يعتق عن مواله من أسفل، ويرثه إذا لم يكن له عصبة ولا موالي دونه، وأن ليس للمولى أن يبيع ولاءه ولا يهبه، ولا ينبغي منه؛ لأن الولاء عندهم
لحمة كلحمة النسب؛ لا يباع ولا يوهب، وقاله علي -رضي الله عنه-: أن الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب، أقروه حيث جعله الله. قال ابن مسعود: أيبيع أحدكم نسبه؟ ومن المدونة قال مالك ومن أعتق عبداً عن نفسه: فله ولاؤه، ولا يجوز بيعه، ولا هبته، ولا صدقته، ولا اشتراطه، وله ولاء ما يجر إليه بولادة أو عتق. فصل قال مالك: ولو أعتق عبده عن غيره من ميت أو حي بأمره؛ فالولاء للمعتق عنه. قال سحنون: والدليل على أن ولاءه للمعتق عنه وميراثه له: أن من أعتق سائبة لله فولاؤهم للمسلمين، وعليهم العقل، ولهم الميراث، ولو كان ولاؤه للذي أعتقه لورثه، ولكان العقل على عاقلته، وقد أعتق جماعة من الصحابة سوايبا فلم يرثوهم، وكان ميراثهم للمسلمين، وأن عمر بن الخطاب قال: ميراث السائبة لبيت المال. وكتب به عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله. قال سحنون: ومعنى السائبة كأنه أعتق عن المسلمين. قال في كتاب ابنه: والسائبة التي نزل القرآن بالنهي عنها هي من الأنعام لا عتق العبد سائبة؛ لأنهم أجمعوا: أن من أعتق سائبة أن عتقه ماض، ولو كان فيه النهي لرُد كما يرد ما سيِّب من الأنعام.
قال مالك في كتاب انب المواز: وقد ترك الناس عتق السوائب، وإن فعله أحد فولاؤه للمسلمين. قال ابن القاسم: ورأى عمر بن عبد العزيز: أن ولاءه لمعتقه خلاف ماله في المدونة. قال ابن القاسم: والسنة أن ولاءه للمسلمين؛ لأنه أعتق عنهم. قال ابن القاسم: والسائبة أن يقول لعبده: اذهب فأنت سائبة، يريد الحرية فهو حر، وإن لم يسم الحرية. م: ولم يختلف فيما أنفذه الوصي عن الميت من عتق بأمره، أن الولاء للميت، وكذلك ما يعتق عنه بغير أمه. وقد روى مالك أن سعد بن عبادة قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن أمي هلكت وليس لنا مال، أينفعها أن أعتق عنها؟ فقال -عليه السلام-: «نعم». فأعتق عنها.
قال في حديث آخر: «أعتق عنها وتصدف فإنه سينالها». وأن عائشة -رضي الله عنها-: أعتقت عن عبد الرحمن بن أبي بكر رقاباً كثيرة بعد موته فكان وراؤهم لمن يرث الولاء عن أخيها، وهذه حجتنا على الشافعي في قوله: إن أعتقهم عنه بأمره فالولاء للمعتق عنه، وإن كان بغير أمره فالولاء للمعتق. وعلى أبي حنيفة: أن الولاء للمعتق أعتقه عن الآخر بأمره أو بغيره. وما قاله مالك أصوب لما قدمنا.
م: وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن ولاء المعتق سائرة لمن أعتقه على ما روي عن عمر بن عبد العزيز وحجتهم في ذلك قوله -عليه السلام-: «إنما الولاء لمن أعتق». ولا فرق بين قوله: أنت حر سائبة، ولا بين قوله أنت حر؛ ولم يقل سائبة؛ لأنه إذا أعتقه فقد سيبه، ولو كان لا يكون له ولاؤه [الضارع ذلك ما سيّب] من الأنعام في الجاهلية؛ لأنهم حرموا الانتفاع بها فنهاهم الله تعالى عن ذلك. م: وقول مالك أولى لما بينا وبالله التوفيق. ومن المدونة قال مالك في قول الله سبحانه: {وَفِي الرِّقَابِ} هي الرقبة تعتق من الزكاة؛ فولاؤها للمسلمين. قال ابن المواز: ومن أعتق عبده بشرط على أن ولاءه لفلان فشرطه باطل، وولاؤه لمن أعتقه، إلا أن يقول: أنت حر عن فلان؛ فيكون ولاؤه للمعتق عنه، ولو قال: أنت حر عن
فلان، [وولاؤك لي؛ فشرطه الولاء لنفسه باطل، وولاؤه للمعتق عنه. قيل: فإن كان [مدبراً] قال له سيده: أنت حرٌ عن فلان] قال: هو حر وولاؤه لسيده، كما لو باع مدبره من يعتقه؛ لكان ولاؤه لمن دبره، وليس لمن اشتراه. قال ابن القاسم في العتبية: ولا أحب ابتداء ذلك. قال في الكتابين: وهو بخلاف من باع مدبرة بغير شرط العتق فأعتقه المشتري؛ هذا ولاؤه لمن اشتراه، ولا يرد عتقه. [قال أبو إسحاق: وانظر إذا باع مدبره لمن يعتقه، فكان الولاء للبائع، هل يرد البائع الثمن؟ ويمضي له؛ لذهاب المدبر من يده، وقد كان له الانتفاع بخدمته، ويمكن إلا بعتق يطرأ بعد الموت]. وكذلك لو أعتق أم ولده عن رجل؛ لنفذ فيها العتق، وولاؤها لسيدها، وكذلك لو باعها ممن يعتقها؛ لنفذ فيها العتق وولاؤها لسيدها. ابو محمد وقال أصبغ في غير كتاب محمد: العتق ماض والولاء للبائع، ويبقى له الثمن، وكما لو أعطاه مالاً على عتقها.
قال ابن الماجشون: بل يرد الثمن. وقال سحنون: العتق باطل ويرد إلى ربها أم ولد. قال ابن المواز: ولو باعها بغير شرط العتق، فأعتقها المشتري؛ لنقض عقتها، ورجعت أم ولد لسيدها، ويرد الثمن إذا كان عنده، وإلا أتبع به ديناً، وهي في هذا بخلاف المدبر، يريد: لتأكيد العتق فيها. ومن المدونة قال مالك: ومن جعل له مالاً نقداً أو مؤجلاً على تعجيل عتق عبده أو تعجيل عتق مدبره ففعل؛ جاز ذلك، ولزمه المال، والولاء للذي أعتق وأخذ المال. قال: وإن كان عتق العبد إلى أجل والمال حال أو إلى أجل، فلا خير فيه، كمن أخذ مالاً من رجل على تدبير عبده أو كتابته، أنه لا يجوز؛ لأنه غرر، إذ لو هلك العبد قبل تمام الأجل الذي أعتق إليه، أو مات المدبر، قيل للسيد الذي دبره، أو مات المكاتب قبل أداء الكتابة، لذهب مال ذلك الرجل باطلاً؛ لأن العبد لم يفض إلى حرية ولا نال عتقاً. قال ابن المواز: فإن نزل ذلك بعد العتق إلى أجل، والتدبير والكتابة، ويرد ما أخذ من المال، ولا يكون له من ثمنه شيء. وقال أشهب يمضي ذلك كله، ويتبع السيد الرجل بما ألزم نفسه من المال.
قال ابن المواز ولم يعجبني قول أشهب. قال ابن القاسم في كتاب البيوع الفاسدة: وأما إن باعه على أن يدبره المبتاع أو يعتقه إلى أجل لم يجز أيضاً للغرر يموت السيد أو العبد قبل تمام ذلك، ولحدوث د ين يرد المدبر، فإن فات التدبير والعتق بذلك أو غيره، فالولاء للمبتاع، وللبائع الأكثر من القيمة يوم القبض أو الثمن، ولا حجة للمبتاع إن كانت القيمة أقل من الثمن، ولا يرجع على البائع بشيء؛ لأنه رضي أن يأخذها بذلك، وإنما الحجة للبائع، وكذلك إن باع الأمة على أن يتخذها أم ولد. قال في كتاب الولاء من المدونة: وإن أعتقت عبدك عن عبد رجل، فالولاء للرجل ولا يجره عبده إن أعتق؛ لأن مالكاً قال في عبد أعتق بإذن سيده ثم أعتقه سيده بعد ذلك: أنه لا يجر ولاء عبده الذي أعتق بإذن سيده. وقال أشهب: يرجع إليه الولاء؛ لأن يوم عقد عتقه لا إذن للسيد فيه ولا رد. م: وهو أحسن، ألا ترى أن السيد لما كان ممنوعاً من انتزاع مال المكاتب، [ومن التصرف فيه، وكان المكاتب] إذا أعتق عبده بإذن سيده، ثم عتق المكاتب رجع إليه ولاء عبده، وإن كان له أن يمنعه من العتق، فكيف بهذا الذي لا يستطيع رده، ولما لم يكن للسيد رد هذا العتق، أشبه ما أعتقه العبد بغير علم سيده، فلم يعلم بعتقه حتى أعتق هو؛ أن ولاء العبد الأسفل لهذا العبد الأعلى. م: وحكي عن السيد أبي الحسن بن القابسي أن معنى قول ابن القاسم: أن السيد علم بعتق الرجل عن عبده فصار كعتق العبد بإذن سيده، فأما لو لم يعلم بالعتق عن عبده
حتى أعتق هو عبده؛ فإن الولاء للعبد المعتق عنه بمنزلة ما لو أعتق العبد عبده، فلم يعلم به سيده حتى أعتق وذلك بين. ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن كان له عبد وللعبد زوجة حرة فأعتقه عنها؛ فولاؤه لها بالسنة، ولا يفسخ النكاح؛ لأنها لم تملكه، ولو دفعت مالاً لسيد زوجها على أن أعتقه عنها؛ فسخ النكاح؛ لأن ذلك شراء لرقبته، وولاؤه لها. وقال أشهب: لا يفسخ النكاح؛ لأنها لم تملكه. قال عنه ابن المواز: وكما لو سألته عتقه عنها بغير شيء أعطته. قال سحنون: وهو أحسن. قال مالك: ومن أعتق عبده عن أبيه أو أخيه المسلم فالولاء للمعتق عنه، وإن أعتق عبداً مسلماً عن أبيه النصراني؛ فلا ولاء له عليه، ولو كان العبد نصرانياً؛ فولاؤه لأبيه إن أسلم أبوه. قال بعض القرويين: فائدة قوله إن أسلم أبوه: أنه إذا أسلم حكم له بولائه، وإن لم يسلم فهم نصارى؛ لأن يعرض لهم ولا يحكم بينهم، إلا أن يرضوا بحكمنا، فنحكم للمعتق عنه بولائه. م: وقيل: إنما ذلك معطوف على المسألة التي قبلها، إذا أعتق عبداً مسلماً عن أبيه النصراني؛ فلا ولاء له، وإن أسلم أبوه؛ لأن ولاءه للمسلمين، فلا يرجع إلى أبيه، وإن أسلم أبوه، وحكي ذلك عن أبي محمد وأبي الحسن رحمهما الله.
وقال ابن أبي زمنين: قوله إن أسلم أبوه: لفظ مستغنى عنه وبسقوطه تصح المسألة. وقال ابن كنانة في العتبية: في رجل أعتق ابن أمته عن رجل عربي: أنه ينتسب إلى أبيه وعشيرته، ولا يرثه الذي أعتقه. وقاله سحنون. قال أبو بكر بن اللباد: وقاله مالك. في ولاء من أعتق الذمي، وولاء أم ولده، ومدبره، ومكاتبه، وإسلام العبد، أو السيد في ذلك. قال الرسول -عليه السلام-: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم». قال ابن القاسم: وإذا أعتق النصراني عبداً له نصرانياً، فأسلم العبد المعتق وللسيد ورثه أحرار مسلمون رجال يرثون مثل أب، أو أخ، أو عم، أو ابن عم أو ابن ابن؛ فولاء العبد وميراثه لورثة سيده المسلمين دون السيد، وإن كان حياً؛ لأن الولاء للسيد إذا كان العبد نصرانياً، فإذا أسلم لم يرثه سيده؛ لاختلاف الدينين، والسيد في هذا الحال بمنزلة الميت؛ لا يحجب ورثته عن أن يرثوا ماله، ولا يرث هو، وكل من لا يرث فلا
يحجب عند مالك. قال ابن القاسم: فإن أسلم السيد رجع إليه ولاء مولاه. قال سحنون: ومعنى رجوع الولاء في هذا الباب؛ إنما هو الميراث، وأما الولاء فهو قائم لا ينتقل عنه. م: صواب؛ لأن الولاء كالنسب، فكما لا تزول عنه الأبوة إن أسلم وله، فكذلك لا يزول عنه الولاء إن أسلم مولاه. قال ابن القاسم: ألا ترى ألو مات لهذا النصراني ولد مسلم، وللنصراني عصبة مسلمون، أن عصبة النصراني المسلمون يرثون الولد، وكذلك ولاء مواليه. قال: ولو أن نصرانياً من العرب من بني تغلب أعتق عبيداً له نصارى، ثم أسلموا وهلكوا عن مال؛ فميراثهم لعصبة سيدهم إن كانوا مسلمين يعرفوا وما جنى هؤلاء العبيد بعد إسلامهم؛ فعقلهم على بني تغلب. ابن المواز وقال أشهب: ولو كان السيد النصراني ذمياً أعتق نصرانياً، فأسلم العتيق ثم جنى وسيده نصراني؛ فلا يلزم ذلك عصبة سيده، وإن كانوا مسلمين، ولا قرابته، ولا على سيده ولو أسلم، وذلك على بيت المال؛ إذ لو أسلم سيده ثم جنى جناية خطأ تبلغ ثلث
الدية فأكثر؛ لم يكن على عصبته وقومه شيء، وذلك على بيت المال، وذلك بخلاف العربي. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أعتق النصراني عبداً له نصرانياً إلى أجل، أو دبره، أو كاتبه، ثم أسلم العبد قبل الأجل؛ فإنه يؤاجر المؤجر والمدبر، وتباع كتابة المكاتب، فإذا حل الأجل وأدى المكاتب كتابته كان حراً، وولاؤه للمسلمين إلا أن يسلم سيده، فيرجع إليه ولاؤه؛ لأنه عقد له العتق، والعبد على دينه، فلا أنظر إلى تمام حرمته، وأما المدبر فإن مات سيده على النصرانية؛ أعتق في ثلثه، وكان ولاؤه للمسلمين، إلا أن يكون لهذا النصراني ورثة مسلمون فيكون لهم ولاؤه. قال: وإن حمل الثلث نصف هذا المدبر؛ أعتق منه محمل الثلث، ورق ما بقي؛ فإن كان ورثته نصارى: بيع عليهم ما رق منه، [وولاء ما أعتق منه للمسلمين، وإن كانوا مسلمين؛ كان ما رق منه] للمسلمين؛ لأن ورثته لا يرثونه، وكذلك إن لم يكن له ورثة؛ فإن ما رق منه للمسلمين. م: والفرق بين ما تركه النصراني من الموالي للمسلمين، وبين ما تركه من مال أو عبد؛ إن ولده المسلمين يرثون الموالي ولا يرثون ما تركه من المال، هو: [أن ما ترك من الموالي هو] كولد حدث له فاسلم؛ لأن الولاء كالنسب، فإخوته المسلمون يرثونه، فكذلك يرثون الموالي؛ لأنه كنسب كان منعقداً لهم قبل موت أبيهم، فهو بخلاف ما تركه؛ لأن ما تركه مال، يورث عنه، فلا يرثه إلا من كان على دينه، لقول النبي -عليه السلام-: «لا يرث
المسلم الكافر»، وأما الموالي فليس بمال لهم، وإنما هم كولد له أسلم فيرثه أخوه المسلم، وإنما كان بيت مال المسلمين أولى بما تركه النصراني من ولد المسلمين؛ لأن السنة منعت أن يرثه عصبته المسلمون، فصار كمن لا وارث له، وكل من لا وارث له من جميع الأمم؛ فماله لبيت مال المسلمين، كما أن عليهم عقل ما جنى، وبالله التوفيق. ومن المدونة قال: وإذا أولد النصراني أمته ثم أسلمت فعتقت عليه؛ فولاؤها للمسلمين، ثم إن أسلم سيدها بعد ذلك؛ رجع إليه ولاؤها؛ لأنه أولدها، وهي على دينه، كمكاتب الذمي يسلم ويؤدي كتابته، أن ولاء للمسلمين ويؤدي كتابته، أن ولاءه للمسلمين إلا أن يسلم سيده، فيرجع إليه ولاؤه. فصل لما كان النصراني ممنوعاً من ملك المسلم في القضاء، لم يجب أن يملك ولاءه إن أعتقه بعد إسلامه؛ فلو أن نصرانياً من العرب، أو من أهل الذمة أعتق عبيداً له قد أسلموا، أو ابتاع مسلماً فأعتقه بتلاً، أو إلى أجل، أو كاتبه، فولاء العبيد إذا أعتقوا لجميع المسلمين دون السيد، ولو أسلم السيد بعد ذلك لم يرجع إليه ولاؤهم؛ لأنه يوم أعتقهم، أو عقد لهم
العتق، لم يكن لهم من ولائهم شيء، ولأنهم يومئذ ممن لا يجوز له ملكهم، وأما إذا أعتقهم وهم على دينه؛ فولاؤهم منعقد له؛ لأنهم ممن يجوز له ملكهم، فإن اسلموا بعد ذلك لم يرثهم؛ لاختلاف الدينين، فإذا أسلم ورثتهم. [قال أبو إسحاق: وقد قيل: يرجع إليه إذا أسلم، ذكره في كتاب محمد؛ لأن الولاء عنده ثبت بصحة المالك، ولا يرثه لاختلاف الدينين، فإذا أسلم النصراني ورثة المعتق]. قيل: فإن أسلمت أمته فأولدها بعد إسلامها؟ قال: يعتق عليه، ويكون ولاؤها لجميع المسلمين، فإن أسلم سيدها، لم يرجع إليه ولاؤها؛ لأنه أولدها وهي مسلمة لا يجوز له ملكها. م: يريد: لو أسلم السيد قبل أن تعتق عليه لبقيت في ملكه أم ولد، وتعتق من رأس ماله بعد موته، يكون ولاؤها لجميع المسلمين، كما لو دبر عبده، أو كاتبه بعد أن أسلم؛ فلم يؤاجر المدب، ولا بيعت كتابة المكاتب، حتى أسلم السيد؛ فإنهما يبقيان على حالهما بيده، فإذا أعاقا كان ولاؤهما للمسلمين؛ لأنه عقد لها ذلك وهم مسلمون. وقال الشافعي وأهل العراق: وإذا أسلم عبد نصراني فبدر فأعتقه قبل أن يباع عليه، فإن ولاءه له، مثلما لو أعتقه وهو على دينه؛ قالوا: لأنه أعتق قبل زوال ملكه، ويعتقه كان حراً، وقد قال النبي -عليه السلام-: «إنما الولاء لمن أعتق».
والحجة لمالك: أنه لما كان النصراني ممنوعاً من استدامة ملك عبده إذا أسلم، وأنه يباع عليه، وإذا بدر فأعتقه، فقد منعنا من بيعه، وأراد أن يتمسك بشيء من رقة وهو الولاء، فوجب أن يمنعه منه، كما منع من استدامة ملكه. فصل ولما كان المسلم غير ممنوع من ملك الكتابي، وجب أن يملك ولاءه إن أعتقه، ولكن لا يرثه لاختلاف الدينين، فإن أسلم العبد ورثه بالولاء. قال ابن القاسم: فإذا أعتق المسلم نصرانياً فله ولاؤه، ولا يعقل عنه ما جنى فهؤلاء قومه؛ لأنهم لا يرثون؛ لاختلاف الدينين، ولكن يعقل عنه المسلمون، ويرثونه، إذا لم يكن له قرابة يرثونه من أهل دينه. قال مالك: ولا جزية عليه، ولو قتله أحد؛ كان عقله للمسلمين. قال في كتاب محمد: إذا أعتق المسلم نصرانياً فله ولاؤه، ولا يرثه؛ لاختلاف الدينين، وقد مات مولى لعمر بن عبد العزيز نصرانياً فجعل ماله في بيت المال، وأمضاه فيئاً للمسلمين ولم يوقفه. قال ابن سحنون: وقد روي عن عمر بن عبد العزيز وربيعة ولليث: أنهم كانوا يقولون: يرثه معتقه كما يرثه بالرق. قال ابن المواز: واختلف قول مالك إن ترك ورثة نصارى:
فروى عنه أشهب: أنه لا يرثه أحد من ورثته، وميراثه للمسلمين، يريد: إلى ان يسلم ويسلموا، قال: وإنما جعلت ميراثه للمسلمين؛ لأن عمر بن عبد العزيز فعله؛ لأنه مولى لمسلم. وروي عنه أيضاً: أنه يرثه ولده الذي عله دينه. قال أشهب: وهو رأيي، فإن لم يكن له إلا أخوة أو غيرهم لم يرثوه، ولو ورثهم لورثته أهل دينه، وإنما ورثت ولده؛ لأنهم موالي من أعتق أباهم؛ لأن أباهم يجر ولاؤهم إلى معتقه. وروي عن ابن القاسم أنه قال: أما ولده ووالده فيرثونه ولا يرثه غيرهم. وروي عنه أيضاً: أنه يرثه إخوته. قال ابن القاسم: وأنا أرى أن يرثه كل من يرث الرجل من قرابته، فإن لم يكن له وارث فبيت المال، وجرائره على بيت المال، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ. وقال المخزومي في العتبية: لا يرثه مولاه أبداً، وإنما يرثه والده، فإن لم يكونوا فبنو عمه؛ فإن لم يكن له أحد من الناس، فمن أخذ ميراثه من النصارى، وقال: هكذا مواريثنا لم يعرض له فيهم، لأنهم لا يكلفون في أصل دينهم البينة، ولو كلفوها لم يأتوا إلا بمثلهم، فإن لم يطلب ميراثه أحد، وقعناه في بيت المال معزولاً، ولا يكون فيئاً حتى يرثه الله أو يأتي له طالب. م: فصار الاختلاف إن لم يترك ورثة ثلاثة أقوال: قول: إن ماله للمسلمين. وثاني: لمولاه.
والثالث: لمن طلبه من أهل دينه. وإن ترك ورثة فخمسة أقوال. قول: إنه للمسلمين دون ورثته. والثاني: إنه لولده الذي على دينه. والثالث: إنه لوالده وولده. والرابع: إنه لولده ووالده أو إخوته. والخامس: إنه يرثه كل من يرث من القرابة، وهو مذهب المدونة. قال ابن المواز: وأما من مات من أهل الذمة الأحرار، ولا وارث له من أهل دينه فقال مالك: ميراثه لأهل دينه؛ لأن عليهم كلهم الجزية، ولا تكون في بيت المال. وقال ابن القاسم: بل في بيت مال المسلمين؛ إذا لم يكن له عصبة يرثونه. قال ابن المواز: وأما إن كان هذا النصراني أعتقه مسلم فمات ولم يترك من يرثه بالرحم؛ فلم يختلف أن ميراثه لبيت المال. م: وقد تقدم لابن سحنون أن عمر بن عبد العزيز وغيره يقولون: يرثه معتقه، كما يرثه بالرق، وقول المغيرة المتقدم.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كاتب المسلم عبده النصراني، وكاتب المكاتب عبداً له نصرانياً، ثم أسلم الأسفل، ثم لم يبع كتابته، وجهل ذلك حتى أديا جميعاً قعتقا؛ فولاء المكاتب الأعلى لسيده، ولا يرثه؛ لاختلاف الدينين، ويرثه المسلمون، ولو أسلم كان ميراثه لسيده، يريد: إن لم يكن له من يرثه بنسب. قال ابن القاسم: وولاء المكاتب الأسفل للسيد الأعلى ما دام سيده نصرانياً، ولو ولد للمكاتب الأعلى ولد بعد العتق فبلغ وأسلم ثم مات؛ لورثه مولى أبيه، وأما لو أعتق عبيداً مسلمين ثم ماتوا عن مال؛ فميراثهم لبيت مال المسلمين؛ لأن ولاءهم لمن يثبت لهذا النصراني حين أعتقهم فيجره إلى سيده، ولو كان العبيد إنما أسلموا بعد أن أعتقوا؛ لورثهم سيد مولاهم، أو ولد مسلمون إن كانوا لهذا المكاتب النصراني، وكل من لا يرجع إلى النصراني ولاؤه إذا أسلم هو، فليس لسيده من ذلك الولاء شيء، وكل ولاء إذا أسلم النصراني يرجع إليه؛ فذلك الولاء ما دام نصرانياً لسيده الذي أعتقه. في ولاء من أعتقه عبد أو أم ولد، أو مكاتب، وولاء ولد الأمة، والمكاتبة، والمكاتب، وجر الولاء فيه. قال الله سبحانه: {عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ}. قال مالك: ولا يجوز عتق عبد بغير إذن سيده، فإن أعتق أو دبر أو كاتب أو تصدق بغير إذن سيده؛ فللسيد رد ذلك، فإن رده؛ بطل، ولم يلزم ذلك العبد إن أعتق، وإن لم يعلم بذلك السيد.
ابن المواز: أو علم فلم يرد، ولم يرض، حتى أعتق العبد؛ مضى ذلك، وكان الولاء للعبد. قال ابن القاسم: لأن العبد حين أعتقه سيده تبعه ماله، فجاز عتقه لعبده، وكان ولاؤه له إلا أن يكون السيد استثنى مال عبده حين أعتقه، فيرد فعل العبد، ويكون أعتق متقدماً رقاً للسيد. [م: وإنما قال محمد: إذا علم السيد بعتقه فلم يرد ولم يرض حتى أعتق العبد، مضى ذلك، وكان الولاء للعبد؛ لأن العبد عندنا يملك، وأفعاله في ماله على الجواز حتى يرد، ألا ترى أنه إذا لم يعلم بعتقه حتى أعتقه: إن عتقه ماض لا يرد، فإذا كانت أفعاله في ماله على الجواز؛ فلا يبطلها إلى رده إفصاحاً، وليس علمه وسكوته في ذلك إذناً ولا رداً، إلا أن العبد لم يستأذن في ذلك، فتطلب إجازته أو رده، وإنما فعل فعلاً جائزاً، فهو على ذلك حتى يرد والله أعلم]. وما أعتق العبد بإذن السيد فهو جائز، والولاء للسيد إذ كأنه هو المعتق، ولا يرجع إلى العبد إن عتق. قال: وعتق أم الولد لعبدها، مثل ما وصفنا في عتق العبد لعبده. قال مالك: وكذلك المكاتب لا يجوز عتقه، ولا تدبيره، ولا صدقته، بغير إذن سيده، وللسيد رد ذلك، فإن رده بطل، ولم يلزم المكاتب شيء منه إن أعتق، وإن لم يعلم بذلك السيد حتى أعتق المكاتب، مضى ذلك، وكان الولاء للمكاتب، وأما إن أعتق بإذن سيده فالولاء للسيد؛ إلا أن يعتق المكاتب فيرجع إليه الولاء، إذ ليس للسيد انتزاع ماله، بخلاف العبد وأم الولد؛ إذ له انتزاع مالها.
قال ابن المواز: فأصل مالك وابن القاسم في هذا: أن كل من للرجل أن ينتزع ماله من أرقائه فولاء ما أعتق بإذنه له، وأما من ليس له انتزاع ماله؛ فولاء ما أعتق بإذن السيد راجع إليه إن أعتق. قال: وقد اختلف: فيما أعتق المدبر وأم الولد، في مرض السيد بإذنه: فقال أصبغ: الولاء لهما، وإن صح السيد؛ لأنه يوم أعتق لم يكن للسيد انتزاع ماله، وإنما ينظر إلى ساعة وقع العتق، وليس كذلك المكاتب إذا عجز بعد أن أعتق عبده؛ فالولاء في هذا للسيد، ولا يرجع إلى المكاتب إن أعتق. وقال عبد الله بن عبد الحكم: اختلف في ولاء ما أعتق المدبر وأم الولد في مرض السيد بإذنه، وأحب إلي: أن يكون للسيد وإن مات من مرضه لا يرجع إليهما وإن أعتقا؛ لأنه كان له أخذ مالها بسبب صحته إن صح، وكذلك المعتق بعضه. ابن المواز وقاله أشهب: في المعتق بعضه يعتق بإذن السيد، قيل له: ولا تراه مثل المكاتب؛ لأنه ممن لا ينتزع ماله، فقال: لا، للمكاتب سُنةٌ، وللعبد سُنةٌ، وهذا عبد. قال ابن المواز: ولم تكن له حجة أكثر من هذا. وقد قال ابن القاسم إن ولاء ما أعتق المعتق بعضه للعبد، وهو الصواب، ولم يعجبنا قول أشهب، ولا أصبغ ولا غيره في ذلك كله، وهو خلاف قول مالك وابن القاسم: لأن من لا ينتزع ماله فولاء ما أعتق بإذن السيد راجع إليه إن عتق، وما روي عن ابن القاسم غير هذا فغلط عليه، وإنما هو عن أشهب. قال ابن المواز: والمدبر وأم الولد لا تنتزع أموالهما في مرض السيد، فإن انتزعه ثم مات؛ فذلك ردٌ، وإن عاش بقي له، وكذلك عتقهما بإذنه في المرض موقوف، فإن مات علمنا أنه
يوم أعتقهما ممن لم يكن له انتزاع مالهما، فالولاء لهما، وإن صح علمنا أنه ممن له أن ينتزع مالهما، فصار له الولاء، ثم لا يرجع إليهما وإن أعتقا، وكذلك المكاتب الذي لم يختلف فيه يعتق بإذن السيد ثم يعجز ثم يعتق بكتابة أخرى أو غيرها؛ فلا يرجع إليه الولاء. وقال ابن القاسم في عبد بين رجلين أعتق عبداً له بإذن أحدهما ولم يعلم الآخر حتى أعتقاه: إن ولاء ذلك العبد له دون سيديه ما بقي عندهما الذي أعتقاه، أو أحد من عصبته الأحرار؛ لأنه لم يكن أحدهما أخذ شيء من ماله دون صاحبه، وكذلك عنه في العتبية. قال: وإن أعتق المعتق بعضه عبداً بإذن من له بقيته؛ فولاء ما أعتق بين الذي كان أعتق نصفه وبين مالك بقيته إن كان له نصفه، فالولاء بينهما نصفين، فإذا أعتق العبد الذي له نصفه حر، يوماً ما؛ رجع إليه ولاء ما كان أعتق، وإن كان أعتق بغير إذن من له نصفه؛ كان له رد عتقه. وروى عنه يحيى بن يحيى: أن ولاء ما أعتق هذا العبد المعتق نصفه بإذن الذي له فيه الرق خالصاً وهو أحق بميراث مواليه من الشريك الذي كان أعتق نصفه كما أنه أحق
بميراثه لنفسه. م: وهذا مثل قول أشهب الذي ذكره محمد وأنكر أن يكون ابن القاسم قاله. ابن المواز قال [مالك: وإن أعتق] المدبر، أو الموصى بعتقه، عبداً له بعد موت سيده، وقبل أن يقوّم في ثلثه، فليوقف عتقه، فإن خرج المدبر، أو الموصى بعتقه، من الثلث؛ نفذ عليه ما كان أعتق، أو حنث بعتقه، وإن لم يخرج من ثلث سيده إلا بعضه؛ لم يعتق من العبد الذي أعتقا قليل ولا كثير، ولو أعتق بعد ذلك بقية المدبر، أو الموصى بعتقه، وذلك العبد في يده لم يعتق منه عليه شيء، وقاله أشهب وابن القاسم. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أعتق المكاتب عبده على مال، فإن كان المال للعبد لم يجز؛ لأنه قادر على انتزاعه، وإن لم يكن له؛ جاز على وجه النظر؛ لأن له أن يكاتب عبده على وجه النظر، وإن كره سيده، فإن أدى كتابته؛ كان له ولاء مكاتبه، وإن عجز كان ولاء مكاتبه لسيده. قال: ومن قال لمكاتب أو عبد مأذونٍ له في التجارة: أعتق عبدك هذا عني على ألف درهم ففعل؛ جاز ذلك؛ لأنه بيع، وبيعهما جائز.
قال ابن المواز: فإن خفف عنه من القيمة؛ غَرِم المشتري ما خفف عنه، فإن كان عديماً بيع من العبد بقدر ذلك إلا أن يشاء السيد أن يتبع المبتاع بذلك، فذلك له، ويتم عتق العبد. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال للمكاتب: أعتق عبدك هذا على ألف درهم، ولم يقل عني؛ فالعتق جائزٌ؛ إذا كانت الألف ثمناً للعبد أو أكثر من ثمنه، والولاء للمكاتب إن أعتق، وإن عجز؛ فالولاء للسيد ولا شيء للذي أعطى الألف من الولاء ويلزمه الألف درهم، كمن قال لرجلك أعتق عبدك على ألف درهم، ولم يقل: عني، [فأعتقه، فلزمته الألف، والولاء للذي أعتق. قال ابن المواز: ولو أن المكاتب هاهنا حابى المشتري في الثمن حين قال له: أعتقه، ولم يقل: عني، لم يكن للسيد إلا أن يجيز ذلك أو يرد بيعه وينقض عتقه]. م: وإنما فرق بين ذلك؛ لأنه إذا قال له: أعتقه عني، فكأنه اشتراه وأعتقه، فواجب عليه غرم المحاباة، فإن لم يكن له مال رد من عتق العبد بقدر ذلك؛ لأنه دين قبل العتق، وإذا لم يقل عني؛ فهو إنما دفع إليه المال ليعتقه عن نفس المكاتب، فهو كعتق المكاتب عن نفسه، فإذا كان فيه محاباة، فأما أجاز ذلك السيد، أورد عتقه وهذا بين. وحكي لنا عن بعض شيوخنا: فيمن أعطى لرجل مالاً على أن يعتق عبده فقال الدافع: شرطت عليك على أن يكون الولاء لي، وقال رب العبد: بل على أن الولاء لي؛
فالقول قول سيد العبد، ولا يمين عليه؛ لأن ولاءه له في ظاهر الأمر؛ لأنه هو المعتق، ولو أوجبنا عليه اليمين فنكل؛ لم ينتقل الولاء عنه. م: ولأنه لو أقر له بذلك لكان الولاء للمعتق، وهي كمسألة عائشة -رضي الله عنها- في شراء بريرة وعتقها واشتراط الولاء للبائع، ولو كان اختلافهما على أن قال الدافع: دفعت إليك المال على أن تعتقه عني، وقال سيد العبد: لم تشترط علي شيء، أو قال: بل على أن أعتقه عن نفسي فالقول أيضاً قول السيد؛ لأن كل من قال: كان الأكر كذا، وقال صاحبه: لم يكن، فالقول قول من قال: [لم يكن، وعلى] صاحبه البيان. م: ويلزم السيد هاهنا اليمين؛ لأنه لو أقر بدعوى الدافع؛ لكان الولاء للدافع، فلذلك ألزمناه اليمين، فإن نكل حلف الدافع، وكان له الولاء والله أعلم، وليس هذا من نقل الولاء؛ لأنه لو ثبت الشرط لصح الولاء للدافع، ولو ثبت في الأولى لكان الولاء للسيد، فافترقا.
فصل قال ابن القاسم: ومن أعتق أمه حاملاً من زوج حر أو عبد، فولاء ما في بطنها للسيد. قال عطاء بن أبي رباح: وميراثه لابن الحر. قال ابن المواز: وإذا أعتق السيد أمته الحامل من العبد، فوضعت بعد العتق، ثم حملت بآخر وولدته بعد العتق؛ فميراث الولدين جميعاً لمعتق الأم، فإن لم يموتا حتى عتق الأب، فإنه يجر ولاء الذي حملت به بعد عتقها لمواليه، ويبقى ولاء الذي عتقت وهي حامل به لمعتق الأم والأب، ويرثهما جميعاً بالنسب، وإن مات قبلهما ثم ماتا بعده؛ ورث الأول مولى الأم، وورث الثاني مولى الأب. ومن المدونة قال يحيى بن سعيد: في عبد تزوج أمة بغير إذن سيده فأولدها، فأعتق الولد قبل أبويه ثم أعتقا؛ فإنهما يرثانه ما بقيا. قال مالك: فإن مات فولاء الولد لمن أعتقه، ولا يجر الوالد ولاء ولده إلى سيده، وإنما يجر إليه ولاء ولده من زوجة حرة، وأما من الأمة فولاؤهم لمعتقهم؛ لقول النبي -عليه السلام-: «إنما الولاء لمن أعتق». قال مالك: وما ولد للمدبرة والمكاتبة من زوج حر، أو مكاتب لغير سيدها، فإن ولدها منه بمنزلتها في الرق والعتق وولاؤهم لسيدها دون سيد الأب.
قال ابن القاسم: وكذلك لو وضعته المكاتبة بعد الأداء إذا مسه الرق في بطنها، ألا ترى أن مالكاً قال فيمن أعتق أمته الحامل من زوج عبد؛ فولدت بعد العتق، وولده عبد، ثم أعتق: أن ولدها حر، وولاؤه لسيد الأمة، ولا يجر الأب ولاءه. قال: وإذا مات مكاتب وترك ولداً من زوجة حرة، وولداً حدثوا في الكتابة من أمته، وترك وفاء بالكتابة أو لم يترك شيئاً، فأدى عنه ولده الذين حدثوا في الكتابة، فلا يجر إلى سيده ولا ولده الأحرار في الوجهين؛ لأنه مات قبل تمام حرمته، ولا يجر الولد الذي حدثوا في الكتابة إلى السيد ولا إخوتهم. قال مالك: ولو كاتب المكاتب عبداً له، ثم هلك المكاتب الأول وترك ولداً حدثوا في الكتابة، أو كاتب عليهم وولداً أحراراً فسعى ولده الذين في الكتابة حتى أدوها، كان ولاء المكاتب الأسفل إذا أدى الولد المكاتب الأول الذين في الكتابة دون ولده الأحرار كفاضل ماله. وقال ابن الماجشون: ولاء الأسفل للسيد الأعلى دون ولد المكاتب الذين أدوا بقية الكتابة بعد موت أبيهم؛ لأن أباهم مات قبل تمام حرمته. قال ابن القاسم: ولو أدى المكاتب الأسفل قبل الأعلى، ثم أدى المكاتب الأعلى؛ لرجع إليه ولاء المكاتب الأسفل عند مالك.
في ولاء من أسلم من عبيد الحربيين، وأبنائهم، أو نقص العهد من معتق، أو معتق ثم غنمناه، وولاء من أسلم من ذمي، أو حربي، أو غيرهم. قال مالك: وإذا أسلم عبد الحربي ثم خرج إلينا أو أسلم بعد خروجه إلينا، فهو حر، وولاؤه للمسلمين، ثم إن أسلم سيده بعده وقدم، لم يرده في الرق، ولم يرجع إليه ولاؤه؛ لأنه قد ثبت للمسلمين، فأما إن أعتقه في بلد الحرب، ثم أسلم العبد وخرج إلينا، ثم خرج سيده بعده فأسلم؛ فإنه يرجع إليه ولاؤه إن ثبت [عتقه إياه ببينة] مسلمين من أسرى أو تجار أو أهل حصن مسلمين؛ لأن الولاء بمنزلة النسب. ولو قدم إلينا حربي فأسلم، ثم قدم أبوه بعده، وشهدت أنه أبوه بينة مسلمون ألحقته بنسبة، فكذلك الولاء. ابن المواز وقال أشهب: ليس عتقه بعتق، ولا ولاء له فيه بعتقه إياه بدار الحرب، والسيد ليس بمسلم، وإنما أعتق هذا العبد خروجه إلينا، ولو مات عندما ما بعثنا بما ترك إلى مولاه الذي أعتقه. قال ابن المواز: صواب؛ لأن عتق النصراني باطل إلا أن يسلم أحدهما، فلما خرج إلينا أعتق بخروجه وحده.
م: وإنما يصح كلام أشهب: إذا أسلم العبد بعد خروجه، وعليه يدل كلام ابن المواز. وأما إن أسلم العبد قبل خروجه، فينبغي ألا يختلفا في ذلك؛ لأن أشهب يجعله حراً بإسلامه؛ وإن لم يخرج إلينا، ولم يعتقه سيده، فكيف إذا أعتقه مولاه؛ فهو أحرى أن يكون حراً باتفاق، ويكون لمولاه ولاؤه؛ لأنه أعتقه وهو على دينه، فإذا قدم مولاه فأسلم؛ فإنه يرجع إليه ولاؤه إن ثبت عتقه إياه ببينة مسلمين؛ في قول ابن القاسم وأشهب والله أعلم. قال ابن المواز وهو في المدونة: واختلف أيضاً ابن القاسم وأشهب في من أسلم من عبيد الحربيين بأيديهم: فقال ابن القاسم: لا حرية له بذلك إلا أن يخرج قبل سيده، فيكون حراً بخروجه، ثم إن جاء سيده وأسلم؛ فلا ملك له عليه ولا ولاء، ولو جاء سيده قبله كافراً أو مسلماً، كان له رق، وكذلك لو قدم معه، ويأمر ببيعه من مسلم إن لم يسلم، وذلك أنه إذا خرج قبل سيده فقد غنم نفسه، كما لو غنم غيره. قال: ولو أسلم سيده قبل خروج العبد الذي أسلم؛ لبقي ملكه عليه، وإن خرج العبد قبله، وجعله أشهب حراً بإسلامه وإن لم يخرج إلينا. قال ابن القاسم: ولو كان ذلك ما كان ولاء بلال لأبي بكر، وقد أعتقه إسلامه.
قال ابن المواز فاضطرب أشهب إلى أن قال: لم يكن ولاؤه لأبي بكر، وقد قال مالك: بلغني أن بلالاً طلب الخروج إلى الشام في الجهاد فمنعه أبو بكر؛ فقال له بلال: إن كنت أعتقتني [لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني] لله فخل سبيلي، فقال له: خليتك. م: فهذا يؤيد ما قال ابن القاسم. ابن المواز قال أشهب: ولو أسلم سيده بعده بساعة ما كان له ولاؤه حتى يسلم معه أو قبله. قال ابن المواز وقول ابن القاسم أحسن أن بخروج العبد إلينا يكون حراً خرج وهو مسلم أو كافر ثم أسلم، ثم جاء سيده مسلماً أنه لا ولاء له عليه، ولو ثبت كافراً حتى جاء سيده فولاؤه له. قال ابن المواز: وأجمع ابن القاسم وأشهب أنا إذا دخلنا دار الحرب وقد أسلم العبد وحده، أنه بذلك حر. قال ابن القاسم: وذلك استحسان، ورأيت ذلك كخروجهم إلينا. فصل وفي المدونة قال ابن القاسم: وإن قدمت إلينا حربية بأمان فأسلمت؛ فولاؤها للمسلمين، فإن سبي أبوها بعد ذلك فعتق وأسلم وثبت أنه أبوها ببينة مسلمين جر ولاؤها لمعتقه، إذ لم يملك ولاءها أحد برق تقدم فيها أو في أبيها. م: وهذا جار على أصله في الحربي: يعتق عبده ببلد الحرب ثم يسلم العبد ويخرج
[إلينا ثم يخرج سيده بعد ويسلم بعده ويسلم، فإنه يرجع إليه ولاؤه؛ لأنه أعتقه وهو على دينه قبلت له ولاءه، والولاء كالنسب. قال سحنون: في الحربية لا يجر الأب ولاءها إلى معتقه؛ لأنه قد ثبت للمسلمين. م: وقد قال ابن القاسم في الذمي يولد له ولد فيسلم قيل أبيه، ثم يلحق الأب بدار الحرب ناقضاً للعهد فيسبى ويباع ويعتقه المبتاع ويسلم، فلا يجبر ولاء ولده إلى معتقه؛ لأن ولائهم قد ثبت للمسلمين، فهذا يشبه قول سحنون في الحربية التي قدمت بأمان. م: ويحتمل أن يكون الفرق عند ابن القاسم بين هذه الحربية، وبين ولد الذمي الذي نقض العهد: أن ملك أبي الحربية ملك مجتمع عليه، فغذا أعتق قوي في جر الولاء، وملك الذمي الذي نقض العهد ملك مختلف فيه؛ لأن أشهب يقول: هو حر لا يجوز استرقاقه، وأن ولاءه قائم للمسلمين، فلما كان ملكه ملك مختلف فيه ضعف عن جر الولاء والله أعلم. وإن كان فالمسألة في كتاب ابن المواز خلاف ما في المدونة والذي في كتاب ابن المواز جارية على أصل واحد، وهي الحق إن شاء الله، وأنا أذكرها بعد ذلك مسألة المدونة.
قال ابن القاسم في المدونة: وإذا أعتق الذمي عبيداً له نصارى ثم أسلموا، ثم لحق السيد بدار الحرب ناقضاً للعهد، فسبي ثم أسلم، رجع إليه ولاؤهم، ولا يرثه لما فيه من الرق، ويكون ميراثهم للمسلمين، إلا أن يعتق قبل موتهم فيرثهم، ولا يرثهم سيده الذي اشتراه ما دام هو في الرق، ولا يشبه هذا المكاتب الأسفل يؤدي قبل الأعلى، ثم يموت عن مال؛ هذا يرثه السيد الأعلى؛ لأنه أعتقه مكاتب هو في ملكه، وهذا أعتق ما ولى وهو حر قبل أن يملكه هذا السيد، فإن أعتق العبد كان ولاؤهم له، ولا يجره إلى معتقه الآن، وإنما يجر إليه ولاء ما يعتق أو يولد له من ذي قبل، فأما ما تقدم له من عتق أو ولد؛ فأسلموا قبل أبيهم، فلا يجر ولاءهم إلى معتقه؛ لأن ولاءهم قد ثبت للمسلمين. م: فهذا ما في المدونة. والذي في كتاب ابن المواز قال: وإذا أعتق النصراني عبيداً له نصارى، ثم هرب السيد إلى دار الحرب ناقضاً للعهد، ثم سبي فأتبع وأعتق، فإن عتقه يجر ولاء ما كان أعتق من قبل لحوقه بدار الحرب، وهذا خلاف ما في المدونة، وهو كجوابه في مسألة الحربية وهو الصواب؛ لأنهما سواء لم يملك ولاءهما أحد ثمنه عتق. قال: فإن هرب ثانية إلى دار الحرب وحارب وسبي وبيع وأعتقه مشتريه، فإنه يكون
ولاء نفسه لهذا الذي أعتقه آخراً، ولا يجر إليه ولاء ما كان أعتق قبل لحوقه الثاني بدار الحرب، ولا ولاء ولده؛ لأن ولاءهم قد كان ثبت للأول الذي كان أعتقه أولاً ومن عليه بالعتق، ولكن ما أعتق من ذي قبل أو ولد له؛ فولاؤهم لسيده الآخر. وقال ابن القاسم فيه وفي المدونة: في المسلم يعتق عبده النصراني فيهرب هذا النصراني إلى بلد الحرب ناقضاً للعهد لغير عذر، فإن سبي فهو فيء؛ فإن اشتراه أحد فأعتقه فولاؤه له، وما كان تقدم له من ولد من امرأة حرة، أو أعتق من عبد قبل نقضه، فقد ثبت ولاؤهم للمعتق الأول، والولاء نسب ثابت، ولم ينقضوا العهد، قينقض ولاؤهم وحريتهم، كما انتقضت حرية من كان أعتقهم، ورجع إلى الرق، فإذا أعتق كان ولاؤه وولاء ما يولد له أو يعتق الآن لمولاه هذا الثاني، ولا يجر إليه ما كان من ذلك قبل الرق الثاني، وإنما يجر هذا العبد يتزوج حرة فيولدها، والأملاك تتداوله حتى يعتق فيجر ولاء كل ولد له منها إلى معتقه. ابن المواز وقال أشهب في النصراني الذي أعتقه مسلم فنقض العهد وحارب: لو كنت أقول: إن حريته الأولى تنتقض لكنت أقول: هذا، فوصف مثل قول ابن القاسم بعينه، ولكنني أقول: يرد إلى حريته الأولى شاء أو أبى، وولاؤه الأول على حاله. قال ابن المواز: وقول ابن القاسم أحب إلينا. وقيل لابن القاسم: لم قلت ذلك؟ وقد قلت في التي قَدِمَت بأمان فأسلمت
فصار ولاؤها للمسلمين، ثم يسبى أبوها وأعتق؛ أنه يجر ولاءها؟ قال: لأن هذه لم يملك ولاءها أحد بمنة عتق، ولو سبيت هي أولاً فعتقت لبقي ولاؤها وولاء من أعتقت لمعتقها، ولا ينتقل إلى من أعتق أباها. رجع محمد وقال: في النصراني المعتق قول أشهب أحب إلينا؛ لأن الولاء قد ثبت للمسلم الذي أعتقه، وهو نسب ثابت لا ينتقل أبداً، فوجب ألا تنتقل حريته، وليس مثل النصراني يعتق عبداً له نصرانياً فيهرب العبد إلى دار الحرب ناقضاً للعهد ثم يسبى؛ فإنه يكون رقيقاً لمن اشتراه، فإن أعتقه؛ كان له ولاؤه، ولو أسلم سيده النصراني، والعبد في دار الحرب ثم غنمه المسلمون؛ لرد إلى حريته، وولاؤه لسيده الذي أسلم. وقال إسماعيل القاضي في المبسوط: لا يشبه أن يكون الولاء إلا للأول على معاني قول مالك؛ لأن الولاء نسب قد كان ثبت للأول، وإذا سبي هذا المولى واسترق، انقطع الولاء ما دام في حال رقه، فإذا أعتق رجع الولاء إلى من قد ثبتن كما أن الابن المملوك لا يوارث أباه الحر، فإذا أعتق وجبت الموارثة بينهم بالنسب. م: وهذا الذي شبه به إسماعيل لا يشبهه؛ لأن هذا الابن إذا عتق ورثه أبوه بالنسب، والولاء قائم لمعتقه، والعبد المعتق أولاً عتقه قد انتقض وعاد عبداً قد اعتقه الآن غيره عتقاً لم ينتقض، فهو أولى من العتق الأول المنتقض، والصواب عندي ما قاله أشهب: إن الولاء قد ثبت للأول كالنسب، ولا ينقض عتقه، ولا يسترق، ويبقى على حريته الأولى، وولاؤه الأول إذ ليس له معتق غيره. وقال ابن القاسم في المدونة وفي كتاب ابن المواز: ولو أعتق النصراني عبداً له نصرانياً ثم نقض السيد العهد وحارب، فأسر وأسلم مولاه فاشترى سيده وأعتقه، ثم أسلم بعد
أن أعتقه مولاه فولاء كل واحد منهما لصاحبه. قال ابن المواز: وميراث الميت منهما أولاً للباقي، وميراث الثاني للمسلمين. قال: وقال أشهب: ويرجع الأول حراً ويرد إلى ذمته، وله ولاء مواليه، ولو قلت: إنه يسترق، لقلت: لا يرجع إليه ولاء هذا الذي اشتراه ولا ولاء أحد ممن كان أعتق أولاً، كما لم يرجع إلى حرية نفسه، وكان ولاؤه لهذا الذي أعتقه، إلا أن الذي كان عبداً له ولا ولاء له هو عليه، ويكون ولاء هذا وكل ولاء تقدم للمسلمين. قال ابن المواز: أما من لم يقل أنه يُرد إلى حريته، فإنه يجر إلى معتقه الآن ولاء ما تقدم له من عتق أو ولد من حرة إن لم يمس رقبته ولاء قط بمنة عتق، وأما لو مسه أولاً رق فأعتق منه، فهذا لا يجر ما تقدم له من ولاء عتق أو ولد إلى معتقه أحداً. فصل ومن المدونة قال مالك: وكل من أسلم من أهل الذمة فإن ولاءهم للمسلمين، وعقلهم وجرائرهم وجرائر مواليهم على بيت المال، ويرثهم المسلمون إن لم يكن لهم ورثة مسلمون يعرفوا، وكذلك من أسلم من أهل الأعاجم والبربر والسودان والقبط، ولا رحم لهم يتوارثون به كتوارث أهل الإسلام ولا موالي؛ فعقلهم على المسلمين وميراثهم لهم، وقال زيد بن ثابت وابن مسعود.
وقد كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب: أن ناسا يموتون ولا يتركون رحماً لهم ولا ولاء، فكتب عمر: أن ألحق أهل الرحم برحمهم، فإن لم يكن رحم فولاء، فإن لم يكونا فأهل الإسلام يرثونهم ويعقلون عنهم، وقاله عمر بن عبد العزيز فيمن أسلم من أهل الملل. قال مالك: وليس إسلام الرجل على يد الرجل بالذي يجر إليه ولاءه. قال يحيى بن سعيد: وولاؤه للمسلمين عامة، كما كانت حرية للمسلمين. م: وقال إسحاق بن راهويه: يكون مولى للذي أسلم على يديه فيرثه ويعقل عنه، واحتج بما روى عن تميم الداري أنه قال يا رسول الله: الرجل يسلم على يدي؟ فقال: «أنت أولى الناس يمحياه ومماته»، وقال أبو حنيفة: له أن يوالي من شاء.
م: والصواب قول مالك لقول النبي -عليه السلام-: «إنما الولاء لمن أعتق»، وليس إسلامه على يدي أحد عتقاً له].
في ولاء العبد يشتريه من شهد له أنه حر، أو أم ولد أو من يعتق عليه أو يوصى له به قال ابن القاسم: ومن شهد على رجل أنه أعتق عبده فردت شهادته ثم ابتاعه منه، يريد: أو من غيره؛ فليعلق عليه بالقضاء. قال سحنون وقال أشهب: لا يعتق على الشاهد إلا أن يقيم بعد شرائه على قوله ذلك، فأعتقه عليه وأجعل ولاءه لهذا الذي قضيت عليه بعتقه. وقال أشهب في كتاب ابن المواز: إن قال شهدت بباطل؛ لم أعتقه عليه بعد أن يحلف، فإن أبى اليمين أعتق عليه، وكذلك إذا قال: شهد بالحق ولكنها ردت؛ فإنه يعتق عليه، ويكون ولاؤه لمن شهد عليه بعتقه، ثم إن مات العبد المعتق عن مال؛ فليأخذ منه هذا المشتري الثمن الذي أدى فيه، ولا يكون للمشهود عليه القضاء له بولاية أن يمنعه، ومن بقي للمشهود عليه إن كان حياً. م: يريد: إن ادعاه وصدق الشاهد، وإلا كان موقوفاً. قال أشهب: وإن كان المشهود عليه ميتاً، فجميع ما ترك المولى لعصبة المشهود عليه بعتقه، ولا يأخذ المشتري من هذا المال الثمن الذي أدى؛ لأن ذلك الثمن في ذمة الميت، والورثة يقولون: نحن لم نظلمك ولا أخذنا ثمن هذا الحر، وإنما نرثه بالولاء، واطلب أنت تركة الميت إن كان له مال، أو صار إلينا منه شيء. م: فدل بذلك ألو ترك المشهود عليه مقدار الثمن أو أكثر، لم يكن للورثة أخذ ما ترك العبد حتى يدفعوا إلى المشتري ثمنه، أو مقدار ما ترك البائع إن ترك أقل من الثمن،
فإذا دفعوا ذلك أخذوا ما ترك العبد، وهذا إذا كان الورثة رجال يرثون الولاء، وإن لم يكن له ورثة إلا نساء أو من لا يرث الولاء؛ فلا شيء للشاهد من تركة الميت؛ لأن الورثة لا يرثون ما تركه المعتق، والمشهود عليه مات منكر للعتق، [ويكون ما ترك العبد المعتق للمسلمين]، وكذلك إن ترك الورثة ممن يرثون الولاء، وترك العبد المعتق من يرثه ويجوز ماله للنسب، فليس للشاهد من تركه العبد، ولا من تركة المشهود عليه شيء وبالله التوفيق. ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك الحكم فيمن أقر بعد أن اشترى عبداً أن البائع كان أعتقه؛ فإنه يعتق عليه وولاؤه للبائع. م: والحكم فيما ترك المعتق قبل موت المشهود عليه أو بعده مثلما ذكرنا فيمن ردت شهادته بعتقه ثم اشتراه. قال ابن القاسم: وكذلك لو شهد بعد أن اشترى عبداً أنه حر الأصل، أو شهد على أبيه بعد موته أنه أعتق عبداً له في وصيته ثم ورثه عنه بأسره وكان الثلث يحمله، أو قال: كنت بعت عبدي هذا من فلان فأعتقه، وفلان يجحد، فإن العبد في ذلك كله حر بالقضاء، وولاؤه لمن زعم هذا أنه أعتقه. ابن المواز قال أشهب في الذي قال بعت عبدي من فلان فأعتقه وفلان يجحد قال: إن كان المشتري مليئاً بالثمن؛ لم أر للبائع استرقاقه، ويحكم عليه بعتقه، فإن كان معدماً ولا فضل في قيمته، فلا بأس أن يسترقه واستحسنه أصبغ.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اشترى أمة ثم أقر أنها أم ولد لبائعها، كذلك يلزمه ولا سبيل له عليها، فإن أقر بذلك البائع؛ ردت إليه، ورد الثمن، وإن أنكر لم أعجل عتقها حتى يموت البائع، إذ لعله يقر بذلك، فتعود إليه أم ولد، فإن مات ولم يقر بذلك: كانت حرة من رأس المال، وولاؤها لمن يرث الولاء عن البائع، فإن ماتت عن مال قبل موت البائع؛ أخذ هذا منه قدر الثمن، وما بقي فللبائع إن أقر، وإن أنكر كان موقوفاً، وإن مات قبلها فكل ما تركت لمن يرث الولاء عن البائع، كما ذكرنا في مسألة العبد قبل هذا. [م: وحكى بعض فقهائنا عن بعض شيوخنا أنه قال: إن نفقة هذه الأمة في الحال الإيقاف. يريد: إن لم يقدر على نفقة نفسها على البائع الذي أوقفت له، فإن أبى عتقت عليه. قال بعض فقهائنا: كما قلنا في إيقاف أم ولد الذمي تسلم: إن نفقتها عليه، فإن لم يقو على ذلك عتقت عليه. م: والذي يظهر لي: أن نفقة هذه الأمة على المشتري؛ لأنه بتمام شرائها ودخولها في ضمانه، وجبت عليه نفقتها، فيريد بإقراره: أن يسقط نفقتها، واسترجاع ثمنها، فلم يقبل ذلك منه في الوجهين؛ لأنه يعد نادم في شرائها، فأقر بذلك ليرد بيعها؛ ولأن إقراره أوجب إيقافها، فتجب نفقتها عليه؛ ولأنه ظالم في شراء ما لا يحل له، والظالم أحق أن يحمل عليه، ولا تعلق على البائع يمين بشهادة المشتري؛ للتهمة التي تلحقه، ولا نجد أحد يلزم إخراج ولد الذمي كانت على سيدها وليست بمتعدية في إسلامها، ولا أزال ذلك ملك سيدها عنها، وإنما أوقفت عليه فهي على النفقة المتقدمة، فإن اختار ذلك أنفق، وإن كرهته أعتقها، وبالله التوفيق].
فصل قال ابن القاسم: ومن اشترى أباه فأعتق عليه؛ كان ولاؤه له عند مالك، وكذلك لو اشترت امرأة أباها؛ لأعتق عليها وكان ولاؤها. وبعد هذا باب فيه ذكر مواريثهم. قال مالك: ومن أوصى له بمن يعتق عليه إذا ملكه والثلث يحمله أعتق عليه قبله أم لا، وله ولاؤه. قال غيره: ويبدي على الوصايا. قال أشهب: وهو مضار في ترك قبول الوصية إذا كان الثلث يحمله. قال مالك: وإن لم يسع الثلث إلا بعضه، فإن قبله قوم عليه بقيته، وغرم عتق جميعه وكان الولاء له، وإن لم يقبله، فروى علي عن مالك: أن الوصية تسقط، وكذلك إن أوصى له ببعضه والثلث يحمله، فإن قبله؛ قوّم عليه باقيه، وأعتق عليه جميعه، وبدي على الوصايا، وكان له ولاؤه. ابن المواز وروي عن مالك: أن ذلك الشقص يعتق عليه وإن لم يقبله، وولاءه لسيده، ثم رجع فقال: بل للموصى له، وكذلك في الهبة، والصدقة، والوصية به أو ببعضه، وقاله أصبغ في الوصية. وأما في الصدقة فقال: لا يعتق إلا أن يقبله كله أو بعضه.
قال ابن المواز: بل الصدقة والوصية واحد، والصدقة ببعضه آكد؛ إنه إن قبله أعتق عليه كله، وإن لم يقبله؛ فهو حر كله على سيده. ابن حبيب وقال ابن الماجشون: الوصية والهبة سواء، قبلها أو ردها لا تقويم عليه لباقيه؛ لأن ذلك الشقص يعتق بكل حال، وولاءه للمعطي؛ لأنه عنه أعتق. ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أوصى لمولى عليه بمن يعتق عليه، ولم يحمله الثلث، فقبله وليه؛ لم يعتق منه إلا ما حمل الثلث، ولا يقوم عليه باقيه، وليس للوصي ألا يقبله، ويكون للمولى عليه، ولا ما أعتق منه؛ لأنه عليه أعتق. م: وكثير من معاني هذا الباب في آخر العتق الثاني، وبالله التوفيق. في ولاء العبد يعتقه قرشي وقيسي أو مسلم وذمي وولاء اللقيط والعبد [يعتق من ... وجر الولاء، وموالي المرأة. قال ابن القاسم: وإذا أعتق قرشي وقيسي عبداً بينهما معاً؛ فجريرته على قريش وقيس، ويكتب شهادته مولى فلان القرشي، وفلان القيسي. ابن المواز: ولو كان بين رجل وامرأة فيكتب: مولى فلان وفلانة، ولو أعتقه رجل، وأعتق أباه آخر؛ فليكتب: فلان بن فلان مولى فلان، فيذكر مولى نفسه، فيجمع ذلك النسب والولاء.
ومن المدونة: وإذا كان ... عبد مسلم بين ذمي وبين مسلم قرشي، فأعتقاه معاً؛ فولاء حصة الذمي للمسلمين، ولو كان العبد نصرانياً فأعتقاه ثم جنى جناية -م: يريد تبلغ ثلث دينه، أو ثلث دية المجني عليه-، كان نصفها على أهل خراج مولاه الذمي الذين يؤدون معه الجزية، ونصفها على بيت المال لا على المسلم؛ لأن هذا المسلم لا يرثه لأنه نصراني، ولو أسلم العبد بعد العتق ثم جنى، كان نصف عقل جنايته على قريض قوم مولاه؛ لأن القرشي حين أسلم العبد صار وارثاً لما أعتق منه، ويكون عقل نصف الآخر من جنايته على المسلمين؛ لأن الذمي انقطعت وراثته من حصته التي أعتقها الإسلام، فصار جريرة ذلك النصف في بيت مال المسلمين، كما لهم ميراثه ونصفها على قوم القرشي. م: قال بعض فقهائنا: وعلى هذا العبد الذي أعتقه المسلم والنصراني ما دام نصرانياً نصف الجزية على النصف الذي يخص النصراني في مذهب ابن القاسم. فصل قال الله سبحانه: {فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ}. قال مالك -رحمه الله-: فاللقيط لهذا حر، وولاؤه لجميع المسلمين، وليس له أو يوالي من شاء، والمسلمون يعقلون عنه ما جنى ويرثونه. قال الشيخ: وإلى هذا ذهب عمر بن عبد العزيز، وأهل المدينة، وجل فقهاء الأمصار.
وذهب إسحاق بن راهويه: إلى أن ولاءه لملتقطه. واحتج من ذهب إلى هذا: بخبر واثلة بن الأسقع أن النبي -عليه السلام- قال: «تجر المرأة لقيطها وعتيقها والولد الذي لاعنت عليه». ويخبر سنين أن سعيد بن المسيب وجد لقيطاً على عهد عمر فقال عمر: هو حر، ولك ولاؤه، وعليك رضاعه. وذهب أبو حنيفة: أنه يوالي من شاء، فيرثه، ويعقل عنه، وروي ذلك عن علي أبي طالب. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ}. واللقيط لا يُعلم له أب ولا رحم فهو مولى للمسلمين، واللقيط لا يخلو أن يكون حراً أو عبداً لغير الملتقط، وليس التقاطه يوجب ملكه، فبأي وجه يجب ولاء ملتقطه وهو لم يثبت له ملكه ولا عتقه، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنما الولاء لمن أعتق»، وهي حجتنا على أبي حنيفة؛ لأن من والاه اللقيط ليس هو بمعتق له، وأما خبر سُنينٍ فسنين مجهول لا يعرف غير هذا الحديث.
وروي عن عمر من طريق صحيح أنه قال: اللقيط حر، وولاؤه للمسلمين، وعقله عليناً. وكذلك خبر واثلة لم يثبت ... المعرفة بالحديث، ولو ثبت لكان ما أسعده الكتاب والقياس أولى أن يتبع. ويحمل أن خبر واثلة ... بقوله: «إنما الولاء لمن أعتق»، وبالله التوفيق. وحكي عن بعض شيوخنا في اللقيط: لا يكتب شهادته أنه مولى المسلمين، إذ ليس بمولى لهم، وقد يأتي أحد فيثبت أنه ابنه، وإنما يكتب فلان فقط. ومن المدونة قال مالك: والنفقة على اللقيط احتساباً، فإن لم يجد الإمام من يحتسب له أنفق عليه من بيت المال. قال في تاب محمد: وإن التقطه أحد لزمته] نفقته حتى يبلغ ويستغني، وليس له أن يطرحه. قال في المدونة: ومن أنفق عليه لم يرجع عليه [شيء؛ لأن النفقة عليه، على وجه الحسبة، إلا أن يكون له مال وهب له فليرجع عليه] بما أنفق في ماله، يعني: إذا كان المال
الذي وهب له في يديه يوم النفقة عليه، وقد علم به المنفق، وأنفق على أن يرجع عليه فيه، وفي كتاب أمهات الأولاد إيعاب هذا. فصل قال مالك: تفسير قول الله تبارك وتعالى: {وَفِي الرِّقَابِ} هي الرقبة تعتق من الزكاة، فولاؤها لجميع المسلمين. قال في كتاب محمد: وأما من أعتق عن كفارة لزمته فولاؤها له؛ [لأنه عن نفسه أعتقه]. م: قيل الفرق بين من أعتق عبداً عن زكاته: أنه ولاءه للمسلمين، وبين من أعتقه عن ظاهره، أو يمينه، أن ولاءه له إن أعتقه عن ظهاره أو يمينه، هو أدخل ذلك على نفسه، فهو كاستحداثه عتق العبد، والزكاة؛ الله تعالى أوجبها للفقراء والمساكين، فكان ما يعتق لها المسلمين دونه والله أعلم. وأعلم: أن العبد إذا أعتق من الزكاة أو سائبة؛ فيكتب شهادته فلان مولى المسلمين [ابن فلان]، ولا يكتب [شهادته] فلان ابن فلان مولى المسلمين؛ لأنه يصير قد أدخل أباه في ولاء المسلمين، وليس بمولى لهم وهذا بين، [والكفارة لزمته فولاؤها له].
قال في المدونة: ولو تزوج عبدٌ حرةٌ، فولدت منه أولاداً، فأعتق العبد من الزكاة؛ لجر ولاء ولده الأحرار للمسلمين؛ لأنه مواليه هم يرثونه ويعقلون عنه. قال مالك -رحمه الله-: وكذلك من أسلم، فكان ولاؤه من المسلمين، فتزوج امرأة من العرب، أو من الموالي معتقه؛ فولدت أولاداً؛ فولاء الولد للمسلمين، والولاء هاهنا تبع للأب، فإن مات الأب ثم مات ولده بعده، كان ميراثه للمسلمين. قال مالك: وكل حرة من العرب أو معتقة تزوجها حر عليه ولاء؛ فإنه يجر ولاء ولده منها إلى مواليه، ويرث ولده من كان يرث الأب، إن كان الأب قد مات. قال في كتاب محمد: إذا مات أبوه ورثته أمه وإخوته لأمه؛ ترث الأم السدس، وإخوته الثلث، وما بقي لبيت المال، إن كانت أمه عربية، أو لمولاها إن كانت معتقة. قال في المدونة: وإذا تزوجت الحرة عبداً، فولدت منه أولاداً؛ كان ولاء ولده لمولى الأم، إن كانت معتقة، وإن كانت عربية فلبيت مال المسلمين، ما دام الأب عبداً، فإن عتق الأب جر ولاءهم لمعتقه، وهذا كولد الملاعنة ينتسب إلى مولى أمه، فهم يرثونه، ويعقلون عنه، ثم إن اعترف به أبوه حد، ولحق به، وصار ولاؤه إلى مولى أبيه، وميراثه لهم، وعقله عليهم. قال سحنون: وقاله جماعة من الصحابة والتابعين. وقال ابن المواز: ولو أن ولد هذا العبد من الحرة كبر، فاشتراه أباه فعتق عليه؛ فإنه يكون ولاء هذا الأب لابنه، يجره إلى موالي أمه، كما لو اشتراه غير الابن فأعتقه؛ لجر ولاء ولده إلى مواليه، فولاء الأب هاهنا وولاء ولده لموالي أمه الذين أعتقوها.
[قيل لمالك في العتبية: لو ناساً شكوا في ذلك وقالوا: نراه كالسائبة؛ فأنكر ذلك. قال سحنون في كتاب ابنه: وهذا قول جميع أصحابنا إلا ابن دينار فإنه قال: فهو كالسائبة وولاؤه للمسلمين. قال بعض فقهائنا عن بعض شيوخنا: ويكتب هذا الولد شهادته فلان ابن فلان عند فلان الذي جرت أمه ولاءه لفلان. وقال غير من شيوخنا القرويين: إذا كتب: إن أباه عبداً، وكتب: الذي جرت أمه ولاءه، فأحد الوجهين؛ يعني: ويجزئه، قال: وعندي لو قال: مولى فلان دون أن يذكر جر الولاء؛ لما كان عليه شيء، وإن أعتق الأب لجر ولاءه لقوم آخرين، رجع بعد ذلك فذكر أنه مولاهم، ولا يضره ذلك؛ لأن التواريخ تنبئ عن أنه كان مولى قوم فانتسب إليهم ثم انتقل إلى آخرين فانتسب إليهم]. ومن المدونة قال مالك: ولو كان لولد العبد من الحرة وهو جد أو جد جد قد أعتق قبل الأب، لجر ولاءهم إلى معتقه، يريد: ما لم يعتق الأب. قال ابن القاسم في العتبية: فإن مات الجد بعد أن جر إلى مواليه وباء ابن ابنه العبد، ثم ولد لابنه ولد آخر بعد موت الجد، فإن ولاءه لموالي أمه ما دام الأب عبداً، وولاء الولد الأول لموالي الجد، ما لم يعتق الأب أيضاً، فإذا أعتق الأب؛ جر ولاء الجميع إلى مواليه.
قال في كتاب محمد: ولو مات الجد وزوجة ولده الحرة حامل؛ لجر ولاء حملها إلى مواليه، ما لم يعتق الأب. قال ابن سحنون: قال ابن الماجشون: وإذا كان الأب والجد عبدين، وأبو الجد حرٌ؛ جر ولاء ولد ولده إلى مواليه، ما لم يعتق الجد، فيصير ولاؤهم لمواليه، ما لم يعتق الأب، فيرجع ولاؤهم إلى موالي الأب. قال: ولا يجر أحد من الأقارب الولاء إلا الأب وآباؤه من الذكور، وما ذكرنا من جر الولاء فقد قاله عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، وغيرهم. وقال مالك: هو الأمر المجتمع عليه عندنا. م: وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وروي عن قبيصة بن ذؤيب وعبد الملك بن مروان: أن الولاء لا ينتقل إلى موالي الأب؛ لأنه قد ثبت لموالي الأم. م: وقول مالك أولى؛ لما ثبت في الرواية عن الصحابة والتابعين.
م: ولأن الولاء إنما كان لموالي الأم؛ لعلة كون الأب عبداً؛ لأن العبد لا يرث الحر، فإذا ارتفعت العلة رجع إليه الولاء. م: ومعنى رجوع الولاء عندي في هذا إنما هو الميراث، فأما الولاء فهو للأب منعقد، ولكن لا يرثه، ولا يعقل عنه، هو ولا مواليه لما فيه من الرق. كما قال سحنون في النصراني يعتق نصرانياً فيسلم العبد المعتق؛ فيكون ولاؤه لورثة سيده من المسلمين، فإن أسلم السيد رجع إليه ولاء مولاه. قال سحنون: ومعنى رجوع الولاء: إنما هو الميراث، وأما الولاء فهو قائم لا ينتقل عنه، فهذا مثله، والله أعلم. فصل قال مالك: وللمرأة الحرة ولاء من أعتقت، وعقل ما جر مواليها من جريرة على قومها، وميراثهم إن ماتت هي لأولادها الذكور دون الإناث، فإن لم يكن لها ولد؛ فذلك لذكور ولد ولدها الذكور دون الإناث. قال ابن القاسم: وينتمي مولاها إلى قومها، كما كانت هي تنتمي، فإذا انقرض ولدها وولد ولدها؛ رجع ميراث مواليها فعصبتها، الذين هم أقعد بها، يوم يموت الموالي، دون عصبة الولد.
وروى ابن وهب أن علي بن أبي طالب والزبير بن العوام اختصما في موالي أم الزبير وهي صفية بنت عبد المطلب، فقال علي: أنا عصبتها وأنا أولى بمواليها منك يا زبير، وقال الزبير: أنا ابنها وأنا أرثها وأولى منك بمواليها، فقضى عمر بن الخطاب للزبير بموالي أم الزبير وبميراثهم؛ وهم إلى إبراهيم؛ منهم عطاء، ومسافر بن إبراهيم، وقضى عمر: بالعقل على عصبة أمه.
قال ابن شهاب: ثم اختصم الناس فيهم حين هلك ولد ولد المرأة الذكور، [وولد ولدها]، فردوا إلى عصبة أمهم، ولم يكن لعصبة ولد المرأة من ولائهم شيء، وقضى به أبان بن عثمان، وقاله علي وابن شهاب. وقد تقدم في الباب الأول: أن الولاء لا يباع ولا يوهب، وقد قال علي وابن عباس وابن مسعود: أو الولاء لُحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب. قال ابن مسعود: أيبيع أحدكم نسبه؟ جامع القول في الشهادة على الولاء والنسب قال أبو محمد: والنسب والولاء كالحدود لا يجوز في شيء من ذلك شاهد ويمين. قال مالك: ولا تجوز فيه شهادة النساء على علم أو سماع. قال مكحول: لا تجوز شهادتهن إلا حيث أجازها الله تعالى في الدَّين. قال مالك: أو ما لا يطلع عليه أحد إلا هن للضرورة إلى ذلك، وتجوز الشهادة على الشهادة في الولاء، وشهادة رجلين تجوز على عدد كثير.
قال مالك: وإن شهد رجلان على السماع: أن هذا الميت مولى فلان أعتقه، تأنى الإمام؛ فإم لم يأت له من يستحق ذلك، قضى له بالمال مع يمين الطالب، ولا يجر بذلك الولاء. وقال أشهب: يكون له ولاؤه وولاء ولده بشهادة السماع. قال في كتاب محمد: بعد الثاني ورواه عن مالك. وروى عنه ابن القاسم: أنه يؤخذ بذلك المال، ولا يثبت له به ولاء ولا نسب، وأخذ به أصبغ. ابن المواز: ولم يعجبنا ذلك، وأكثر قول مالك وابن القاسم وأشهب: أنه يقضي له بالسماع بالولاء والنسب، وكذلك في الأحباس والصدقات فيما تقادم. م: قال بعض المتأخرين وجه قوله: أنه يقضى له بالمال دون الولاء: لاحتمال أن يكون هذا السماع أصله عن واحد، وشهادة واحدة لا تجوز في الولاء ولا في النسب. ومن المدونة قال أشهب: وكذلك لو أقر رجل أن فلاناً مولاه ثم مات ولم يسأل أمولى عتاقة أو غيرها، رأيته مولاه ويرثه بالولاء، وقاله ابن القاسم أيضاً. قال ابن القاسم: وإذا شهد شاهد واحد على السماع، لم يحلف معه، ولم يستحق به من المال شيئاً؛ لأن الشهادة على السماع، إنما هي شهادة على شهادة، ولا تجوز شهادة وحد على شهادة غيره. قال في المدونة وكتاب محمد: وأما لو شهد شاهد على البت في الولاء؛ فإني أقضى له بالمال مع يمينه بعد الثاني خوفاً أن يأتي للمال طالب ولا يجر بذلك الولاء.
وقال غيره وهو أشهب: لا يستحق المال بيمينه مع شاهد البت في ولاء ولا نسب؛ لأن المال لا يستحق حتى يثبت الولاء والنسب، وثبوتهما لا يتم إلا بشاهدين، أولا ترى أن مالكاً قال في أخوين أقر أحدهما بأخ وأنكر الآخر: أن المقر به لا يحلف، ويثبت مورثه من جميع المال؛ لأنه لا يثبت المال إلا بثبات النسب، ولكن يعطيه المقر ثلث ما في يديه. وقال غيره: إنما يستحسن في شاهد على البت في الولاء، أو شاهدين على السماع، أن أقضي له بالمال مع يمينه بعد الاستثناء؛ لأن المال ليس له طالب، ولا نسب معروف، كما إن إقرار أخ بأخذ يوجب له أخذ المال، ولا يثبت له النسب، وقد قال مالك نحو هذا في كتاب الشهادات. فصل قال ابن القاسم: وإن شهد لرجل أعمامه أن فلاناً الميت مولى أبيه أعتقه، فإن لم يدع ولداً ولا موالي وإنما ترك مالاً؛ جازت الشهادة لارتفاع التهمة، وإن ترك ولداً أو موالي يُتهمون بذلك على جر ولائهم يوماً ما لقعددهم، لم تجز شهادتهم، وقد قال مالك في ابني عم شهدا لابن عمها على عتق، أنه إن [كان ممن يتهمان لقربهما منه في جر الولاء، لم يجز
ذلك، وإن لم يتهما الآن في جر الولاء لبعدهما منه؛ جازت الشهادة، وإن كان الولاء قد يرجع إليهما يوماً ما. [قال بعض فقهائنا: سألت أبا بكر بن عبد الرحمن عن الذي أقام شاهداً أنه أعتق هذا الميت، فحلف واستحلف ماله؛ على قول ابن القاسم ثم مات لهذا الميت مولى، فقال: الرواية إن أتى بشاهد آخر استؤنف له الحكم، وحلف أنه مولى مولاه، وأخذ المال خاصة، وإنما نعني أن الشاهد شهد أن الثاني مولى الأول، ولو شهد بما شهد به الشاهد الأول للفق إليه، وتمت الشهادة، ولا يحلف. قال: ورأيت في بعض التعاليق أن في كتاب ابن المواز لأصبغ: إذا شهد له شاهد أنه وارث فلان الميت، وحلف استحق، ثم إن طرأ له مال آخر لا يستحقه إلا بيمين أخرى، فجعله يكرر اليمين مع الشاهد، وأنكر هذا ابن الكاتب وقال: لا يمين عليه، والملك الثاني مثل الأول، وقد حلف له؛ فهو يستحق بذلك كل مال لهذا الميت]. قال ابن القاسم: ومن أقام بينة أن هذا الميت مولاه لا يعلمون له وارثاً غيره، لم تتم الشهادة حتى يقولوا: إنه أعتقه أو أعتق أباه، أو يشهدون على إقرار الميت أن هذا مولاه، أو على شهادة بينة أن هذا مولاه. وقال أشهب: إن قدر على البينة لم يقض بها حتى يكشفوا عن ذلك، وإن لم يقدر عليهم حتى ماتوا قضي له بالمال وبالولاء. قال الشيخ: وقول أشهب هذا لا يخالفه ابن القاسم وإنما تكلف ابن القاسم على أنهم حضور يقدر على كشفهم، [فإذا لم يقدر على ذلك لغيبتهم جازت الشهادة، كنقلهم عن
غيرهم؛ لأنهم إذا لم يُقدر على كشفهم]، فلا يثبت قولهم إلا بشهادة غيرهم [أنهم شهدوا أن هذا مولاه فقد ثبتت الشهادة بشهادة غيرهم على شهادتهم، وهذا قد تقدم لابن القاسم في آخر جوابه في المسألة: أن الشهادة تتم إذا شهدوا على شهادة بينة؛ أن هذا مولاه، وقد قال أشهب: إذا أقر رجل أن هذا مولاه، ثم مات ولم يسأل أمولى عتاقة أو غيرها؟ رأيته مولاه، ويرثه بالولاء، وقد تقدم مثل هذا في جواب ابن القاسم. م: وقد كان ذهب بعض أصحابنا: أن قول أشهب خلاف ولكن جميع أصحابنا على خلافه، وأن ذلك تفسير، ويؤيد ذلك أيضاً: مسألة في كتاب العارية فيمن اعترف دابة وأقام بينة أنها له. قال ابن القاسم: فليسألهم القاضي عن علمهم؛ فإن شهدوا أنهم لا يعلمون أنه باع ولا وهب، قضي له بها بعد يمينه على البت؛ أنه ما باع ولا وهب. قال: وإن شهدوا أن الدابة له، ولم يزيدوا على ذلك؛ حلف كما ذكرنا، ويقضى له بها. وقال أشهب في مدونته: هذا إذا لم يقدر على كشفه إلا بالبينة، وأما إن وقفوا وأبوا أن يقولوا شيئاً فلا شهادة لهم، وقد اتفقنا أن هذا تفسير لقول ابن القاسم فدل أن الشهادة لا تتم إذا حضروا لإتمامها، وبالله التوفيق.
في الإقرار والدعوى في الولاء قال ابن القاسم: ومن أقر أن فلاناً أعتقه، وفلاناً يصدقه، فإنه يستحق بذلك ولاءه، وإن كذبه قومه إلا أن تقوم بينة بخلاف ذلك؛ فيؤخذ بها. [قال أبو إسحاق: اختلف في استلحاق الجد ابن ابنه: فقيل: لا يلحق ذلك به. وقيل: لأن أباه قد ينكر ذلك، وهو الصواب، وهو لسحنون، وفي كتاب ابن حبيب. وقيل: يلحق به؛ لأنه مُقر بنسب بُنُوةٍ لحقت به، فأما الإقرار بالأخوة فلا يتم؛ لأنه يلحق هذا المقر بأبيه. ولكن إن مات ولم يترك وارثاً غير أخيه الذي أقر به، أو ابن عمه الذي أقر به: فعند ابن القاسم: أنه يرثه. وعند سحنون: أنه لا يرثه؛ لأن بيت المال كوارث معروف، فكما لا يجيز إقراره بابن عم مع أخ معروف النسب، كذلك لو يجوز إقراره بأخ أو ابن عم مع بيت المال. قال: وإنما أجاز ذلك من أجازه على قول من رأى أن هله أن يوصي بماله كله إذا لم يكن له وارث، وانظر إنما أقر أن هذا ابن عمه ثم أقر بعد ذلك أن هذا أخوه فمات، هل يكون الأخ أولى وإن تقدم إقراره لابن عم؟ وكأنه أشبه إذ هو كله إقرار لا يثبت به نسب. وقد قال عبد الملك: إذا قال: هذا مولاي، وهذا أخي، في إقرار واحد؛ أن مولاه يرثه دون أخيه، يريد: لأن الإقرار بالمولى كالإقرار بالنسب، فأشبه قيام البينة، والإقرار بالأخوة لا يثبت نسباً، فمن ثبت له الولاء أولى ممن لم يثبت له نسب، وإن كان قد وقع في المستخرجة لأصبغ ما ظاهره خلاف هذا إن الأخ مقدم على الولاء وإن تقدم الإقرار بالولاء فقال: النسب أولى من الولاء، ولعله يريد: إذا ثبتا جميعاً فأما إذا تقدم إقراره
بالولاء فهو كقيام البينة؛ لأنه ولاء يثبت؛ وإذا أقر بعد ذلك بالأخوة فيجب أن يكون الولاء أولى؛ لأنه كقيام البينة، كما لو قامت البينة على الولاء ثم أقر بأخ فمات لكان الولاء أولى أن يورث به]، وكذلك إن قال عند موته: فلان مولاي أعتقني وهو وارثي ولا يعلم ذلك إلا بقوله؛ فإنه يصدق ويرثه فلان إن لم تقم بينه بخلاف ذلك، [وقاله أشهب. وقال ابن سحنون: الإقرار بالولاء جائز ثابت بإجماع العلماء. وقال أيوب: لا يثبت الإقرار بالولاء إلا عند البصريين. ابن حبيب قال ابن الماجشون: فيمن إن اقر أن ولاءه لفلان وله ولد أصاغر وأكابر، فأنكر ذلك الأكابر؛ فإن ولاء المقر وولاء ولده الأصاغر للذي أقر الأب له وليس له ولاء الأكابر. م: انظر لم هذا؟ وكان ينبغي أن يكون للمقر له ولاء الأصاغر والأكابر؛ لأنه قد ثبت بهذا الإقرار أنه مولى أبيهم، فهو مولاهم، إلا أن يقول الأكابر: إن فلاناً أعتقنا نحن، فيصح في هذا، إلا أن يكون ولاءهم لمن أقر له الأب، وقد قدمنا: إذا قال الابن: أعتقني فلان، وقال الأب بل أعتقك فلان، إن الأب مصدق، وولاء الابن لمن قال الأب؛ فهذا يرد ما قاله ابن الماجشون. م: وأنا أستحب في ذلك إذا قال الابن: فلان أعتقني وهو مولاي، وقال الأب بل أعتقك فلان أن يكون القول للابن المقر على نفسه، كما لو استلحق الابن ولداً، واستلحق له الأب غيره، أن القول قول الابن المستلحق والله أعلم]. قال ابن القاسم: ومن أقر أن أباه أعتق هذا العبد في صحة أو مرض، والثلث يحمله؛ فإن لم يرث الأب غيره جاز العتق ولزمه، وكان ولاؤه للأب، وإن كان معه وارث غيره؛ لم يجز قوله.
قال ربيعة لأنه داعية إلى عتق النصيب بغير تقويم ولو شهد معه غيره جاز ذلك على الورثة وهذا في كتاب العتق مذكور. قال ابن القاسم: وإذا أعتقت أمة وهي تحت حر؛ فولدت ولداً، وقالت: عتقت وأنا به حامل، وقال الزوج: بل حملت به بعد العتق؛ فولاؤه لمولاي، فالقول قول الزوج. قال أشهب ولو أقر الزوج بقولها لم يصدق إلا أن تكون بينة الحمل يوم العتق، أو تضعه لأقل من ستة أشهر من يوم العتق. قال في كتاب محمد لأن الظاهر أنها ولدت وهي حرة والشك في أن تكون حاملاً يوم العتق. قال ابن المواز: ولأن أحقهم بالولاء الأب؛ لأنه يجره عمن كان له إلى مواليه، فلا يزول عنه بالشك. قال مالك: ولا يكف زوجها عن وطئها إذا أعتقت لاختيار الحمل. م: لأن الوطء حق له فلا يمنع منه لأمر يكون أو لا يكون. ومن المدونة ابن القاسم: ومن ادعى ابن فلان أو أبوه، أو أنه مولاه من فوق أو من أسفل وفلان يجحد؛ فله إيقاع البينة عليه ويقضى له، وكذلك في الأمهات والأخوة. ومن مات وترك ابنتين وادعى رجل أنه أعتق هذا الميت، وأنه مولاه وأنكرت البنتان؛ لم يكن مولاه إلا أن يقيم بينة على ذلك، فإن صدقته إحدى البنات؛ لم يأخذ مما
في يديها شيئاً، ولا شيء له من المال لأنها إنما أقرت له في غير مصابها، ولا يثبت له ولاء، فإذا ماتت ولم تدع وارثاً غيره ولا عصبة فإنه يحلف ويرثها. قال ابن المواز: بعد الثاني واليمين في ذلك خفيف. قال ابن القاسم: ولو أقرت البنتان أنه مولى أبيها، وهما عدلتان حلف معها، وورث الثلث الباقي، إن لم يأت أحد بأحق من ذلك، من ولاء ولا عصبة، ولا نسب معروف ولا يستحق بذلك الولاء. م: كأنه رأى أنها شهدتا له بمال؛ وهو الثلث الباقي فيحلف مع شهادتهما؛ لأنهما كرجل، ويستحق ذلك الثلث، ولا يستحق الولاء. قال غيره: لا يحلف مع إقرارهما ولا يرث الثلث الباقي؛ لأنهما شهدتا على العتق وشهادتهما في العتق لا تجوز ولو أقرتا أنه مولاهما ورثهما إذ لم يعرف باطل قولهما، كمن أقر أن فلاناً مولاه ولا يعرف كذبه فهو مولاه. ومن قال: فلان مولاي أعتقني، وأنكر فلان ذلك؛ فلا يمين عليه. قلت: فإن أقام شاهداً؛ أتحلفه؟ فإن نكل سجنته؟ قال: لا، ولكن لا يقال لهذا: ائت بشاهد آخر، وإلا فلا ولاء له عليك. محمد: ولا يحلف.
قال ابن القاسم: والرجلان يدعي كل واحد منهما أنه مولى فلان من فوق وفلان مقر بأحدهما وأقاما البينة فإنه يقضي بأعدلهما بينة. ولا ينظر إلى إقرار المولى لأحدهما وإن تكافأت البينتان سقطتا، وكان الولاء له منهما، وقد قال مالك: إذا تكافأت البينتان والحق في يد أحدهما؛ فالحق لمن هو في يديه، فإقرار هذا بمنزلة من في يديه الحق. قال: ومن ورث رجلاً بولاء يدعيه، ثم أقام آخر البينة أنه مولاه وأقام قابض الميراث مثله، وتكافأتا فالمال بينهما. قيل: لم؟ وقد قال مالك: إذا تكافأت البينتان فالمال لمن هو في يديه. قال إنما قال ذلك مالك: إذا لم يعرف أصل المال، وهذا مال قد عرف أصله. قال أبو محمد وهذا بخلاف حق حازه أحدهما؛ لأن الولاء الذي تداعياه لمن يحزه، وإنما حاز مالاً قد علم أصله. وقال غيره: المال لمن هو في يديه، كمن في يديه ثوب فادعاه رجل وأقام بينة: أن ذلك الثوب كان لزيد يملكه، وأن المدعي اشتراه منه، وأقام حائزه بينة مثلها، وقد مات البائع ولم تؤرخ البيتان وهما في العدالة سواء؛ فإنها تسقط، ويبقى الثوب لحائزه ويتحالفان.
م: قوله: ويتحالفان: إنما يريدان: يحلف الحائز أولاً، فإن نكل؛ حلف الآخر واستحق الثوب، فإن نكل فلا شيء له. م: وهذه المسألة لا يخالفه فيها ابن القاسم، وقاله في كتاب الشفعة في الدار بيد أحد الرجلين يقيم كل واحد منهما بينة؛ أنه ابتاعها من فلان. م: والفرق عنده بينها وبين مسألة الولاء الذي تداعياه لم يحزه وإنما حاز مالاً قد عرف أصله كما قال أبو محمد والثوب الذي تداعياه في هذه المسألة قد حازه أحدهما؛ فلا يخرج من يده إلا بأمر هو أقوى مما أحتج به صاحبه. في ميراث الولاء بالقعدد، وما يرث النساء من الولاء، ودور الولاء وقضت الأئمة من الصحابة والتابعين أن الأقرب من المعتق من عصبته أحق بالولاء من ورثة من حازه بعده بميراث. قال مالك: فمن مات وترك موالي ورث ولاءهم أقعد الناس بالميت من الذكور، فإن ترك ابنين؛ ورثا ولاء مواليه ثم إن مات أحدهما وترك ولداً ذكرا فولاء الموالي للابن الحي دون ولد أخيه. م: لأنه ابن المعتق وابن الأخ ابن ابنه وابنه أولى من ابن ابنه. قال: وإن مات الابنان جميعاً، وترك أحدهما ابناً والآخر أربعة بنين كان ولاء الموالي بينهم أخماساً.
ابن وهب: وقاله سعيد بن المسيب، وأبو الزناد، وأن عمرو بن عثمان وأخاه أبان ورثا موالي عثمان بالسواء، ثم توفي عمرو فخلص الولاء لأبان، ثم توفي أبان فرجع الولاء لنبي أبان وبني عمرو فكانوا فيه شرعاً سواء، وقال مثله ابن عمر. م: والأصل في هذا أن ينظر يوم مات المولى؛ فمن كان أقرب إلى العتق فهو أحق بميراث مولاه ولا ينظر إلى من حاز الولاء قبله كالحكم في حيازة النسب، لو أن رجلاً مات وترك ولدين وابن عم أو أخاً؛ فميراث الابن عم أو الأخ إن مات الآن لولدي الميت أولى، فإن لم يمت ابن العم ولا الأخ حتى مات أحد الولدين وترك ولداً ثم مات ابن العم أو الأخ؛ فميراثه للابن الحي دون ابن أخيه، فإنما ينظر أبداً إلى الأقرب بالميت يوم يموت، فهو أحق بميراثه دون ورثة من كان أقرب منه، ومات قبل موت هذا
الموروث من مولى أو قريب. م: ولو أن أخوين كاتباً عبداً فأدا كتابته وعتق ثم مات أحدهما وترك أولاداً ذكوراً ثم مات المعتق ولم يترك من يرثه من نسب فماله بين الأخ وبين ولد أخيه نصفين؛ لأنهم يرثون سهم أبيهم. م: لأن ولاء كل نصف لمعتق لا ولاء للآخر فيه، فهو بخلاف مولى أبيهم؛ لأن هذا كل واحد من الولد هو مولاه، ولو كان إنما كاتبه أبوهم ثم مات الأب، [ثم مات أحد ولديه وترك أولاداً] ثم مات المكاتب قبل أداء كتابته؛ لكان ما ترك بين الابن الحي وبين بني أخيه نصفين؛ لأنهم هاهنا إنما يرثونه بالرق؛ لأن الحر الذي كاتبه مات وتركه مكاتباً، والمكاتب عبد، فهو عبد لولدين، فإن مات أحد ولديه فنصفيه في الكتابة ثابت إن مات قبل الأداء؛ فورثته أحق بميراث نصيبه من أخيه، ويرث منه بناته مع أخوتهم. ولو كان المكاتب قد أدى كتابته في حياة الحر أو بعد موته، ثم مات بعد عتقه فإن مات ترك هاهنا لابن مولاه الأعلى دون بني ابنه الذي مات، ولو مات الابن الثاني قبله ثم مات المولى؛ لورثة بنو الابن الذكور دون الإناث؛ لأنه هاهنا موروث بالولاء، وقبل الأداء موروث بالرق؛ فافترقا. وأكثر هذا وأصله في كتاب محمد وهو بين فاعرفه.
ومن المدونة قال مالك: والابن وابن الابن أولى بالولاء من الأب، ولا يرث مع أحدهما سدس ولا غيره، بخلاف النسب. م: وذهب شريح والنخعي والأوزاعي: أن للأب السدس، وما بقي فللابن، وكذلك إن كان مكان الأب جد؛ فله السدس عندهم كالنسب. والصواب ما ذهب إليه مالك وهو قول علي وزيد وابن المسيب وعطاء والزهري. م: والحجة في ذلك أن الولاء إنما يرثه العصبة لا أصحاب الفرائض المسمى، ألا ترى: أن النساء لا يرثن من ولاء ما أعتق غيرهن لأنهن أهل فرائض مسماة، وكذلك الزوج والزوجة لا يرثان من الولاء شيئاً؛ لأنهما من ذوي السهام، [والأب له حالان: حال يكون فيها من ذوي السهام]؛ فلا يرث فيها من الولاء شيئاً، وهو مع الولد الذكر وولد الولد؛ [كذوي السهام] وحال يكون من العصبة؛ وهو: أن ينفرد بالميراث أو يكون مع من لا يستكمله؛ مثل البنت والزوج والزوجة، فيرث الولاء؛ لأنه يرث في ذلك التعصيب، مع أن قولنا هو قول جمهور العلماء. ومن المدونة قال مالك: والأب أولى من الأخ. قال غيره: والإجماع على ذلك.
قال مالك: والأخ والابن والأخ أولى من الجد. م: وقيل: إن الجد أولى من الأخ، وقيل: إن المال بينهما نصفان. م: فوجه قول مالك وإليه ذهب الشافعي: أن الأخ يلتقي مع المعتق في صلب أبيه، وكذلك عنده ابن الأخ وإن سفل، فالأب يجمعهم، ويلتقي مع الجد في صلب أبي الجد، فمن يلتقي معه في صلب أبيه أقرب ممن يلتقي معه في صلب أبي جده. ووجه من قال: إن الجد أولى: فلما روي أن الجد أب. ولأنه يحرم عليه ما نكح ابن ابنه لقوله تعالى: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} كالأب. ووجه قول من قال: الميراث بينهما نصفين: اعتباراً بميراث النسب. قال ابن المواز: والجد أولى من العم. م: لأن العم إنما يدلي بقرابة أبيه وهو الجد؛ فلا شيء له مع من يدلي بقرابته.
ومن المدونة قال مالك: والأخ الشقيق أولى من الأخ للأب والأخ للأب أولى من ابن الأخ الشقيق وابن الأخ الشقيق أولى من [ان الأخ لأب، ... الأخ للأب أولى من ابن ابن أخ شقيق، والعم الشقيق أولى من العم للأب، وابنه أولى من] العم للأب [وابنه أولى من ابن العم للأب]. م: هكذا أبداً إذا استوت الطبقة فالشقيق أولى، وإن اختلفت فالأعلى أولى. م: والحجة في ذلك ما روي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد رحمهم الله أنهم قالوا: الولاء للأكبر، والأكبر أقرب العصبة إلى المعتق. وروي أن العاص بن هشام
ترك ثلاثة بنين؛ اثنان شقيقان، والآخر لعلة يعني من أم أخرى، ثم هلك أحد الشقيقين، وترك مالاً وموالي، فورث أخوه شقيقه ماله وولاء مواليه، ثم هلك الوارث وترك ابناً له وأخاه لأبيه؛ فقال ابنه: قد أحرزت ما كان أحرزه أبي من المال والولاء، وقال أخو الميت ليس هو كذلك: إنما أحرزت المال، والولاء لي فاختصما إلى عثمان بن عفان؛
فقضى لأخي الميت وبالولاء دون ابن الميت. وروي أن علياً وزيداً قالا: في رجل ترك أخاه شقيقه وأخاه لأبيه، وترك مولى من أسفل؛ أن الولاء للأخ الشقيق. ومن المدونة قال مالك: ولو أعتقت امرأة عبداً ثم ماتت؛ وتركت ولداً ذكراً ثم مات ولدها هذا وترك أخاه لأبيه، ثم مات المولى بميراثه لعصبة المرأة التي أعتقته دون أخي ولدها لأبيه، وكذلك لو ترك الولد خاله وعمه؛ لورث الولاء خاله دون عمه؛ لأن خاله عصبة أمه المعتقة. م: لأن خاله أخو المعتقة، وعمه أخو زوجها، وزوجها لو كان حياً لم يرث مولاها، فكيف بأخيه؟ قال مالك -رحمه الله-: هكذا حكم الولاء؛ أن يرثه الأقعد بالميت المعتق دون ورثة من حازه بعده على ما ذكرنا، ولا يرث الأخ للأم من الولاء شيئاً، وإن لم يترك الميت غيره والعصبة أحق منه إلا أن يكون هذا الأخ للأم من الصعبة فيرث معهم. م: مثل أن يترك المالك ابن عم مولاه أحهما أخ لأم فيكون الميراث بينهما نصفين لبنوه العم وتسقط ولادة الأم. ابن ال مواز قال أشهب: بل يكون الأخ للأم أولى بالولاء لأنه أقعد بالرحم، كما لو ترك المالك أخاً شقيقاً وأخاً لأب؛ فإن الميراث للأخ الشقيق، وكما لو ترك ابن عم شقيق وابن عم لأب؛ لكان الشقيق أولى بالولاء والميراث.
م وهذا أقيس. ومن المدونة قال مالك: وإذا أعتق رجلان عبداً بينهما فمات أحدهما وترك عصبة أو بنين ثم مات المولى؛ كان نصف ميراثه للحي، ونصفه لورثة الميت المذكور. قال سليمان بن يسار وغيره: لا يرث الرجل ولا موالي امرأته ولا المرأة ولا موالي زوجها. فصل قال سحنون: أجمع المسلمون أن النساء لا يرثن من الولاء شيئاً، إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو ولد من أعتقن وإن سفل من ولد الذكور خاصة، كان ولد الولد ذكراً أو انثى. قال غيره: وروي أن النبي -عليه السلام- قال: لا يرث النساء من الولاء شيئاً إلا ما أعتقن أو ولد من أعتقن. وقد ورث النبي -عليه السلام- بالولاء ابنة حمزة من مولاها، وورث ابنته النصف ومولاته ما بقي وهو النصف. قال ابن القاسم: فمن مات وترك بنات لصلبه، وابن ابن أو عصبة وترك موالي؛ كان ولاؤهم لبني الابن أو للعصبة دون البنات، وكان ابن عمر يرث موالي عمر دون بنات عمر.
قال مالك: ولا يرث أحد من النساء ولا ما أعتق أب لهن أو أم أو أخ أو ابن والعصبة أولى بالميراث منهن، فإن مات مولى الأب لهن أو لأخ ولم يدع وارثاً ولا عصبة لمولاه فميراثه لبيت مال المسلمين دونهن. قال مالك ومولى النعمة أحق بميراث الميت من عمة الميت وخالته، ولو أنفردتا لم ترثا عند مالك، ويكون ما ترك الميت للعصبة؛ فإن لم تكن له عصبة فبيت المال. قال ابن القاسم: وإذا أعتقت امرأة امرأة فتزوجت المعتقة فولدت منه فلاعنها ونفاه عن نفسه؛ كان ميراث هذا الولد بعد فرض الأم للمرأة التي أعتقت أمه، وكذلك لو ولدت هذه الأمة المعتقة من الزنا لورثته مولاة أمه. فصل قال مالك وإن اشترت امرأة أباها؛ فعتق عليها، ثم مات ولم يدع وارثاً غيرها ورثت جميع المال النصف بالنسب والنصف بالولاء ولو كان الأب بعد عتقه اشترى ابناً له فأعتق عليه، ثم مات الأب ورثه الابن والبنت بالنسب للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم إن مات الابن ورثت أخته النصف بالنسب والنصف بالولاء؛ لأن الابن مولى أبيه، والأب مولى لها، وهي ترث بالولاء من أعتقت أو أعتق من أعتقت. ابن المواز: قال ابن الماجشون قال مالك في ابن وابنة اشتريا أباهما فعتق عليهما ثم أعتق الأب عبداً، ثم مات الأب ثم مات مولاه فميراث الأب بينهما على الثلث والثلثين،
وميراث المولى للابن وحده، وكذلك لو كان البنت هي المعتقة للأب كله؛ لأنه إنما يورث بالولاء إذا عدم الميراث بالنسب؛ فولد الرجل يورث مواليه دون من أعتق أباه، وكما لو أن هذا الابن وأجنبياً معه اشتريا الأب فأعتقاه ثم مات الأب عن موالي أعتقهم؛ فمن مات من الموالي كان ميراثه للابن وحده دون الأجنبي إذ لو يورث بالولاء ما دام نسب. قال: ولو أن الابن والابنة اللذين أعتقا أباهما مات الابن أولاً فورثه أبوه، ثم مات الأب عن موالي أعتقهم؛ فللبنت من ميراث أبيها النصف للرحم، ونصف النصف الباقي بالولاء؛ لأنها أعتقت من الأب نصفه، والنصف الباقي وهو الربع لأخيها فهو لموالي أبيه وموالي أبيه هو وأخته؛ فلها نصف ذلك الربع؛ فيصير لها سبعة أثمان ما ترك أبوها والثمن الباقي يكون لموالي أم أخيها إن كانت أمه معتقة، وإن كانت عربية فلبيت مال المسلمين ثم إن مات موالي أبيها فلها من ميراثه النصف، والنصف الباقي لأخيها، وهو لموالي أبيه، وموالي أبيه هو وأخته فلها نصفه؛ يصير لهما ثلاثة أرباع ميراث الموالي، يريد: ويكون لموالي أم أخيها الربع. ومن المدونة قال مالك: ولو أن ابنتين اشترتا أبيهما فأعتق عليهما ثم مات؛ ورثا منه الثلثين بالنسب والثلث بالولاء إذا لم يكن له وارث غيرهما.
قال في كتاب ابن سحنون وابن المواز وهو في العتبية لابن وهب وفي الواضحة لأصبغ وابن الماجشون قالوا: إن ماتت إحداهما ولا وارث لها غير أختها فلها منها النصف بالرحم ونصف النصف بالولاء فقط، بما جر إليها الأب، والربع الباقي لموالي أم أختها. وفي رواية ابن حبيب عن ابن القاسم: أنها تأخذ سبعة أثمان ما تركت؛ النصف بالرحم والربع بشركة الولاء والثمن بجر الولاء إليها. قال ابن الماجشون: وهذا غلط. قال في كتاب ابن المواز: فإن ماتت الثانية ولا وارث لها فنصف ميراثها لموالي أمها، [والنصف لموالي أم أختها؛ فإن كانت الأم واحدة فكله لموالي أمها] قالوا في هذه الكتب: ولو ماتت إحداهما أولاً ثم مات الأب وترك الثانية فلها سبعة أثمان ميراثه، والنصف لها بالرحم، والنصف الباقي لها نصفه بما أعتقت من أبيها، ولأخيها نصفه يكون لموالي أبيها هي وأختها؛ فتأخذ الحية نصفه فيصير لها سبعة أثمان المال، ويبقى ثمن يكون لموالي أم الميتة، وإن كانت عربية لبيت مال المسلمين. وهذا الباب يتسع فيه القول، وأنا أذكره موعباً إن شاء الله في كتاب أفردته للمواريث إذ لا يستغني الفقيه عن الاتساع فيه. م: وأنا أذكر في هذا الباب أصلاً يعتمد عليه ويسهل عليه عمل مثل هذه المسائل: وهو أن يقسم ما تركه الميت لمن يرثه بالنسب فإن استكملوه فرغت المسألة،
وإن لم يستكملوه مثل أن يترك الميت بنات أو أخوات؛ فيورث منه أولاً بالنسب ثم يقول وما بقي فلمواليه، فإن كانوا أحياء أخذوه وفرغت المسألة، وإن كان مواليه ابنتين إحداهما ميتة؛ أخذت الحية نصيبها، وما بقي لموالي أبي الميتة فتجده الحية والميتة، فتأخذ الحية نصيبها من ذلك، ونصيب الميتة يكون لموالي أبيها هكذا يصنع أبداً؛ يجعل القسمة على أربع رتب؛ فالأولى للنسب وما بقي لمواليه وما بقي لموالي ابن الوارث وما بقي لموالي أمه، وبالله التوفيق. جامع القول في المواريث وذكر الميراث بالشك والتداعي والشهادة في ذلك وميراث ابن الملاعنة والمرتد والمسلم للنصراني وذكر الإقرار بوارث قال مالك: لا يرث أحد إلا بنسب قرابة أو بولاء عتاقة. قال مالك: وإذا ماتت امرأة وتركت: زوجها وأمها، وأختاً شقيقة أو لأب، وجد؛ فهي الغراء؛ فلزوجها النصف وللأم الثلث وللجد السدس ويربى للأخت بالنصف، أصلها من ستة تعول إلى تسعة ثم يضم الجد سهمه وذلك [واحد إلى نصيب الأخت
وذلك] ثلاثة فتكون أربعة فيقتسمون ذلك على ثلاثة للجد سهمان وللأخت سهم فالأربعة لا تنقسم على ثلاثة ولا توافقها بشيء، فتضرب ثلاثة في أصل الفريضة بالعول وذلك تسعة فتكون سبعة وعشرين: فللزوج ثلاثة من تسعة في ثلاثة بتسعة، وللأم اثنان في ثلاثة بستة، وللجد والأخت أربعة في ثلاثة باثني عشر للجد لثلثاها ثمانية وللأخت أربعة. م: وهذا تفسيرها على مذهب زيد وبه أخذ مالك، فأما علي بن أبي طالب فيقيمها من تسعة ولا يخلط سهم الجد مع نصيب الأخت. وذهب ابن مسعود أن للزوج النصف وللأم السدس وللجد السدس وللأخت النصف تبلغ ثمانية وإنما أعطي للأم السدس لأنه كان لا يفضل أما على جد. قال بعض أهل الفرائض: وإنما سميت الغراء لأن الجد أغرى بسهمه على نصيب الأخت فشاركها فيه. وقال غيره: إنما سميت بذلك لأنه لا يربى في مسائل الجد على مذهب زيد إلا فيها فسميت الغراء لانفرادها كغرة الفرس. قال ابن حبيب وتسمى الأكدرية وإنما سميت الأكدرية لأن عبد الملك بن مروان طرحها على رجل يقال له الأكدر كان يحسن الفرائص فأخطأ فيها. من المدونة قال مالك ولو تركت الهالكة أختين لم تكن غراء؛ لأن الأم ترجع إلى السدس فيها فيبقى للجدات السدس ولا يربى لهن بشيء، وتصح المسألة من اثني عشر لانكسار السدس على الأختين.
م: وعلى قول علي وابن مسعود يكون للزوج النصف وللأم السدس وللجد السدس وللأختين الثلثان أصلها من ستة تبلغ تسعة. فصل قال مالك: وكل بلد افتتحت عنوة فأقر أهلها فيها ثم أسلموا فشهد بعضهم لبعض فإنهم يتوارثون بأنسابهم التي كانت في الجاهلية وهم على أنسابهم التي كانوا عليها، كما كانت العرب حين أسلمت يُتوارث بأنسابها، وكذلك الحصن يفتح وشبهه بخلاف العدد القليل يتحملون إلينا فهؤلاء لا تقبل شهادة بعضهم لبعض إلا أن يشهد سواهم من المسلمين من أسارى أو تجار كانوا عندهم فيتوارثون بذلك، وقد أبى عمر بن الخطاب أن يورث أحداً من الأعاجم إلا من ولد في العرب، وقاله عمر بن عبد العزيز وغيره؛ يريد: إلا أن يثبت أن بعضهم ورثة بعض ويرثونهم كما ذكرنا وفسرنا. قال ابن القاسم في العتبية والعشرون عدد كثير، وأباه سحنون. قال ربيعة: وإن قدمت إلينا امرأة حامل فولدت عندنا لورثها ولدها، ومن قذفها بها فهو مفتر، وإن جاءت بغلام مفصول فادعت أنه ولاها فإنه لا يلحق بها في ميراث ولا يجلد من افترى عليه بها.
قال مالك في كتاب أمهات الأولاد: وتوأم المحتملة وتوأم الملاعنة يتوارثان من قبل الأب والأم، وأما توأم المغتصبة وتوأم الزانية؛ فإنهما يتوارثان من قبل الأم خاصة. قال في كتاب الولاء: ومن مات من قيس وغيرها لم يرثه إلا عصبته دنيا ممن يحصى ويعرف وإن التقوا معه إلى أب جاهلي بعد عشرة آباء أو أكثر؛ لأن ذلك أمر معروف وذلك إذا كان هؤلاء الذين يلتقون معه إلى الجد يحصون ويعرفون، ولا أورث القبيلة؛ إذ لا يعرف عددهم ولا من يستحق منهم، ولا كم يجب لمن قام يطلب ذلك منهم من جملة المال. [وفي كتاب ابن المواز بأثر كلام أشهب: ولا أرى ميراثه للمسلمين إن لم يعرف له وارث؛ لأن له وارث بعينه لابد، ولكن يوقف حتى يعرف بعينه، أو يُيأس منه فيتصدق به عن صاحبه الذي كان يستحق للفقراء والمساكين ولا يكون فيئاً. وقال إسماعيل القاضي: إنه يجعل في بيت المال. وحكي أن ابن الكاتب قال كلام إسماعيل أصح؛ لأنه يلزم على ما قاله أشهب: إن من مات وترك موالي أن الموالي لا يرثونه لأنه يخلو أن يكون له وارث من نسبه والنسب أولى].
فصل قال مالك: ولا يرث أحد إلا بيقين. قال ابن القاسم: وإذا ماتت امرأة وابنها، فقال زوجها وهو أبو الولد ماتت قبله، وقال أخو المرأة ماتت بعده؛ فإن لم يعلم أولهما موتاً، لم ترث المرأة الولد ولا الولد المرأة ويرث كل واحد منهما أحياء ورثته. قال: ولا يرث الموتى بعضهم من بعض، إذا لم يعرف أولهما موتاً. قال: وإذا أعتقت أمة تحت حر؛ فمات زوجها فقالت: أعقت قبل موته، وكذلك قال سيدها، وقال ورثة الزوج بل أعتقت بعد موته فلا يرث منه شيئاً لأنه ميراث بالشك ولا يرث أحداً إلا بيقين. قال: وإذا مات المولى ومعتقه وجهل أولهما موتاً؛ لم يتوارثا، وميراث المولى الأسفل لأقرب الناس من سيده من الذكور، ولا يرث [المولى الأسفل] المولى الأعلى على حال علم الموت أو جهل. وإذا مات المتوارثان بقتل أو بغرق أو بهدم ولا يدرى أولها موتاً؛ فلا يتوارثا، ويرث كل واحد منهما ورثته الأحياء.
قال مالك وسمعت ربيعة وغيره ممن أدركت من أهل العلم: لم يتوارث من قتل يوم الجمل وأهل الحرة وأهل صفين وأهل قديد؛ فلم يورث بعضهم من بعض؛ لأنهم لا يدرى من قتل قبل صاحبه. قال ابن شفاعة: روي خارجة بن زيد بن ثابت قال: أمرني أبو بكر الصديق حين قتل أهل اليمامة أورث الأحياء من الأموات، ولا أورث الأموات بعضهم من بعض، وقاله زيد بن ثابت. قال خارجه: وقسمت ميراث أهل الحرة فورثت الحي من الميت وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومئذٍ متواجدون ولم يعب أحد منهم ذلك علي. وقال ابن اللباد الفارض وروى علي بن أبي طالب وغيره أنه ورث بعضهم من بعض من صلب أموالهم ولم يورث ميتاً مما خرج من يده لصاحبه ويرث ذلك أحياء ورثته. م: وبيان ذلك أن يهلك أخوان ويتركا أخاً لهما، وأما فعلى قول الجماعة للأم الثلث مما ترك كل واحد منهما وما بقي لأخيهما الحي. وعلى قول علي: يُحيي أحدهما ويميت الآخر؛ فيكون لأمه السدس وما بقي للأخوين فتصح فريته من اثنى عشر: للأم اثنان ولكل أخ خمسة، فتوقف خمسة الميت، ثم يمات الذي أوقف خمسته ويحيا الآخر؛ فتصح أيضاً فريضته من اثني عشر؛ للأم اثنان وللحي
خمسة وللميت خمسة فيصير في يد الأم اثنان من تركة كل واحد، وفي يد الأخ خمسة من تركة كل واحد وفي يد كل واحد من الميتين خمسة من تركة صاحبه، ثم يماتا جميعاً ميتة واحدة فيكونا قد تركا أخاً وأماً؛ فللأم الثلث وللأخ ما بقي وفي يد كل واحد خمسة لا تنقسم على ثلاثة فتضرب الاثنا عشر التي كانت فريضة كل واحد في ثلثه يكون ستة وثلاثين ففي يد الأم اثنان من تركة كل واحد في ثلثه تكون بستة وفي يد الحي من تركة كل واحد خمسة في ثلاثة بخمسة عشر وفي يد كل واحد من الميتين خمسة في ثلاثة بخمسة عشر أيضاً فلأمه ثلثها خمسة، ولأخيه الحي ما بقي عشرة. فجميع ما يصير للأم اثنان وعشرون من اثنين وسبعين، وللأخ الحي خمسون، والحجة لمالك: أنا قد تيقنا أن الحي وارثه اليوم وشككنا في الميت؛ هل هو وارثه؟ فالموقن بميراثه أنه أولى، وإذ قد يمكن يكون ماتا جميعاً معاً، فإن نحن ورّثنا بعضهم من بعض فقد ورّثنا من لا ميراث له ومنعنا من له الميراث. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن مات وترك ولدين؛ مسلماً ونصرانياً كلاهما يدعي أن الأب مات على دينه وأقاما على ذلك بينة مسلمين فتكافأت في العدالة أو لم
تكن لهما بينة؛ فالمال ينقسم بينهما كمالٍ تداعياه، وإن كان قد صلى هذا المسلم على أبيه ودفنه في مقبرة المسلمين؛ فليس الصلاة بشهادة ولو لم يأتيا ببينة وقد كان يعرف بالنصرانية فهو على ذلك وابنه النصراني أحق بميراثه حتى يثبت المسلم أنه مات مسلماً. قال غيره: إلا أن يقيما جميعاً البينة وتتكافأ فأقضي بالمال للمسلم. قال في كتاب الشهادة بعد أن يحلف على دعوى النصراني. م: وحكى عن بعض شيوخنا: إذا دفن في مقابل المسلمين وصلي عليه والكافر حاضر لا ينكر كان ذلك قطعاً لدعواه، وكذلك لو مضى به إلى مقبرة المشركين ودفن فيها، والمسلم حاضر لا ينكر لكان ذلك قطعاً لدعواه، وذلك منصوص للمتقدمين. قال بعض فقهائنا: ولو شهد إحدى البنتين: إنا رأيناه يصلي في المسجد، وقالت الأخرى: إن رأيناه يؤدي الجزية؛ فإن لم تؤرخ البينتان قضي بالمال للمسلم؛ فأنا نقول: يكون أن يكون كان كافراً فأسلم فيكون المال للمسلم خاصة في هذا الوجه، ويمكن أن يكون ارتد بعد إسلامه فلا شيء للمسلم ولا للكافر، فحصل الكافر في الوجهين لا شيء له، والمسلم [يكون تارة له وتارة لا يكون له، فجعلنا للمسلم إذ لا منازع له. م: ويحتمل أن يكون له النصف وللمسلمين النصف لأن المال] تارة يكون له وتارة يكون للمسلمين فوجب قسمه على ذلك والله أعلم.
وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتابه المبسوط: يشبه أن يكون ابن القاسم أراد بتكافؤ البينة أن تشهد بينة المسلم: أن أباه لم يزل مسلماً حتى توفي، وتشهد بينة النصراني أن أباه لم يزل نصرانياً حتى توفي؛ وكان الأب لا يعرف حاله هل هو على الإسلام أم على النصرانية؛ فإذا كان هكذا فإن الشهادتين قد دفعت إحداهما الأخرى وكان كمن لم يشهدا، وأما إن شهدت بينة المسلم أن أباه كان نصراني فأسلم وشهدت بينة النصراني أن أباه لم يزل نصرانياً حتى مات فإن البينة بينة المسلم لأنها قد أثبتت أن إسلام الميت قد حدث بعد أن كان نصرانياً وبينة النصراني تزعم أنه لم يسلم؛ فالشهادة شهادة من أثبت أن شيئاً قد كان، ولا يلتفت إلى من شهد أن ذلك لم يكن، إذ قد يمكن أن يكون ولم يعلموا. م: ولو ترك معهما ولداً صغيراً لا يعقل ولم يقيما بينة فليعطيا للصغير نصف المال ويأخذ كل واحد منهما ربعاً ربعاً لأن كل واحد منهما يدعي أن المال بينة وبين الصغير فلا شيء للآخر فيه وأنه لا يستحق منه شيئاً إلا وللصغير مثله فوجب على كل واحد أن يعطيه نصف ما يصح له لو لم يكن الصغير فيصير له نصف المال، وكذلك لو كان مع الكبير ابن ثالث كبير يهودي يدعي أن الأب مات على دينه فليقسم المال بينهم أثلاثاً؛
فإن كان معهم أخ صغير فيعطيه كل واحد نصف ما بيده فيصبح له نصف المال وللكبار سدساً سدساً لأن كل واحد يدعي أن له نصف المال وصفه للصغير فقد سلموا للصغير نصفه وتداعو في النصف الباقي فيقسم بينهم أثلاثاً. قال أصبغ: ويجبر الصغير على الإسلام. قال سحنون وإن مات الصبي قبل البلوغ عن مال حلفوا واقتسموا ماله. قال أبو إسحاق ولو كانت معهما أخت صغيرة لم تكن إلا مسلمة، [وأعطاها المسلم ثلث ما في يده؛ لأنه يقول: ما صار في يد أخي النصراني ظلم ظلمت أنا وأخي به وكذلك النصراني يعطيها أيضاً ثلث ما في يده إذا كان في دينهم أن ميراث الأبناء مثل نصف ميراث الذكر؛ لأنه يقول: هي نصرانية على ديني يجب أن نكون قد ظلمنا المسلم فيما أخذ منا فجاء بحقه علينا جميعاً]. فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أقام بينة أنه ابن فلان الميت، أو أنه مولاه أعتقه، لا يعلمون له وارثاً غيره، قضيت له بميراثه ولم آخذ منه كفيلاً بالمال، فإن أتى بعد ذلك غيره يدعي الولاء في المولى وجاء ببينة سمعت حجته وقضيت بأعدل البينتين. قال سحنون في كتاب ابنه فإنه استويا في العدالة فالمال بينهما نصفان.
م: وهي كمسألة من ورث رجلاً بولاء يدعيه، وأقام آخر بينة أنه مولاه، وأقام قابض الميراث مثله؛ ويدخلها الخلاف الذي دخل تلك. قال سحنون ولو أتى أحدهما ببينة على إقراره بالولاء وآخر بينة أنه أعتقه كان الذي شهدت له البينة بالعتق أولى [بميراثه ونحوه في المدونة]. ومن المدونة قال ابن القاسم ومن أقام بينة في دار أنها لأبيه وقد ترك أبوه ورثة سواه غياباً؛ فإنه يمكّن من الخصومة في الدار، فإن استحق حقاً لم يقبض له إلا بنصيبه منها، ولا ينزع باقيها من يد المقضي له، إلا بنصيبه منها، ولا ينزع باقيها من يد المقضي عليه؛ إذ لعل الغياب يقرون بها للمحكوم عليه بأمر جهله هذا المدعي، فإذا قدموا وادعوا كدعوى الحاضر كان ذلك القضاء لهم ناجزاً، فإن قدموا قبل القضاء وبعد أن عجز الأول عن منافعه كانوا على حجتهم إن كانت لهم حجة غير ما أتى بها الأول. قال أشهب ينزع الحق كله من يده فيعطي لهذا حقه، ويوقف حق الغائب له. وكذلك كتب مالك إلى ابن غانم، ورواه أشهب وابن نافع عن مالك.
فصل قال ابن القاسم قال مالك: وإذا هالك ابن الملاعنة وترك مالاً ولا وارث له غير مولى أمه كان ميراثه له. م: وقاله علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت. قال مالك: وإن ترك أمه كان لها الثلث ولمواليها ما بقي. م: هذا مذهب زيد وعروة بن الزبير وابن المسيب ومالك والشافعي وكان علي بن أبي طالب يقول: إذا كان له ذو أسهم من ذوي رحمه فبقية المال ردٌ عليه. وكان ابن مسعود يجعل عصبة أمه فإن لم تكن فعصبته عصبة أمه. وعن ابن عباس وابن عمر ونحوه. ومن المدونة قال مالك ولا يرثه خاله ولا ابن خاله ولا أجده لأمه، وإن ترك أمه مع أخ لأمه فلأمه الثلث وللأخ السدس وإن ترك معها أخوين لأم فصاعداً فلها السدس وللأخوين فصاعداً الثلث بينهم سواء حظ الانثى والذكر فيه سواء لقوله تعالى: {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ}.
قال مالك: وما بقي فلموالي أمه إن كانت مولاه وإن كانت عربية فلبيت مال المسلمين ولو كان له ولد ذكر أو ولد ولد كان لأمه السدس، وما بقي لوالده أو لولد ولده الذكور. وقال ابن القاسم: وإن ترك ابن الملاعنة موالي أعتقهم كان ولاؤهم لذكور ولده، أو لذكور آبائهم وإن لم يكونوا فليس لأمه ولا لأخيه لأمه ولا لخاله ولا لجده لأمه من ولاء مواليه شيء وولاؤهم لموالي أمه إن كانت معتقه وإن كانت عربية فلبيت مال المسلمين. قال عروة بن الزبير وغيره: وكذلك ولد الزنا في جميع ما ذكرنا. فصل قال مالك ومن ارتد ولحق بدار الحرب؛ وقف ماله حتى يعلم أنه مات، فإن رجع إلى الإسلام كان أحق به، وإن مات على ردته كان ماله للمسلمين ولا يرثه المسلمون ولا النصارى، وقاله علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وغيره. وذكر بعض القُرَّاض، ولم أروه: أن مذهب علي وابن مسعود أن ميراث المرتد لورثته من المسلم، وبه قال ابن المسيب وعطاء والشعبي والأوزاعي. ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو أن رجلاً أعتق عبداً له ثم ارتد السيد فمات العبد المعتق عن مال وسيده في حال ردته ورثه أولى الناس بالمرتد من ورثته المسلمين ممن يرث الولاء عنه ثم إن أسلم لم يرجع بذلك عليهم وكذلك من مات له من ولد وغيره فليرثهم ورثته المسلمون ولا يرجع عليهم أيضاً وإن أسلم لأنه إنما ينظر في هذا إلى الميراث يوم
وقع فيجب لأهله يوم يموت الميت. قال مالك وإذا ارتد الأسير لم يقسم ميراثه حتى يعلم موته، فإن عُلم أنه ارتد طائعاً أولم يعلم طائعاً أو مكرهاً؛ بانت منه زوجته، وإن عُلم أنه ارتد مكرهاً؛ لم تبن منه زوجته. قال ابن القاسم في غير المدونة وميراث المرتد لورثته. وقال غيره: لبيت المال. فصل قال ابن القاسم ولا يتوارث أهل الملل. وروى ابن وهب أن النبي -عليه السلام- قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ولا يتوارث أهل ملتين شتى». وفي كتاب محمد لمالك: من أقر أن أباه كان يعبد الشمس وكان أبوه مظهراً لإسلام؛ أنه يرث أباه، واحتج بالمنافقين الذين كانوا في زمن النبي عليه السلام فورثهم ورثتهم لما بقوى على ما أظهروا من الإسلام.
واختلف في ميراث الزنديق: إذا أنكر الزندقة وقد شهد عليه بها: فقيل إنه يورث على ما أظهر، وأما لو أقر بذلك وتمادى على الكفر الذي كان أسره لوجب ألا يورث. قال أبو إسحاق: والأشبه في الذي مات على الزندقة وورثته يعلمون بذلك ألا يورث؛ لأنه كافر، وقد ثبت أن المسلم لا يرث الكافر والمنافقون الذين في زمن النبي عليه السلام لم يستعمل النبي عليه السلام فيهم علمه ليبين ذلك لمن بعده ألا يحكم الحاكم بعلمه وإلا فقد علم النبي -عليه السلام- ذلك منهم، ولأنه أراد دخول الناس في الإسلام فقال: «لا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي»، فقد يرد في ذلك إلى النفير عنه عليه السلام. وأما من شهد عليه بالكفر وهو ينكره وكان مظهراً للإسلام فيُقتل حداً ويورث لإنكاره الكفر ويصلى عليه والله أعلم بسريرته، ولم تقبل توبته بخلاف المرتد لأنه شيء أخفاه فأشبه الزنا والسرقة والمرتد أظهر ما اعتقد فاستتيب كما تقبل توبة المحارب المظهر للحرابة. ومن العتبية عن مجوسي تزوج ابنته فولد له منها ولدان فأسلمت الأم والولدان، فمات أحد الولدين. قال: فللأم السدس لأن الميت ترك أمه وهي أخته وترك أخاه فتعاد نفسها بنفسها؛ فكأنه ترك أخاً وأختاً حجبا الأم عن الثلث. قال أبو إسحاق: وفي هذا نظر وذلك أن من أسلم من المجوس إنما يتوارثون بأقرب القرابتين؛ فإذا تزوجها أبوها ولدت ولدين فهما ولداها وهما أخواها فنسبتها في ميراث أحدهما بالأمومة أولى، فإذا كانت هي أمه سقط أن تكون أختاً له، وإذا سقط كونها أختاً أخذت ثلث ما ترك لأنه ترك أمه وأخاه فكيف حسبها أماً أختاً في حال واحده فحجبها عن ميراث الثلث بنفسها أن جعلها أختاً للميتة وللباقي فصارت أماً أختاً في حالة واحدة
ولم يسقط حكم الأمومة فيكون كأنه ترك أخته وأخاه، وكان يجب أيضاً أن يكون لها الثلث مع اخيها الذي هو ابنها؛ لأنها مع أخ واحد؛ فإن قدرتها أنها أما منفردة كان لها الثلث؛ لأنها مع أخ واحد وإن قدرتها أنها أختاً منفردة كان لها الثلث؛ لأن الميت ترك أخته وأخاه وهو فقد قدرها أماً أختاً في حال واحدة فصارت كأنها أختاً أخرى تركها مع أمه وأخيه فلذلك جعل لها السدس. قال ابن القاسم: وإذا تظالم أهل الذمة في مواريثهم لم أعرض لهم إلا أن يرضوا بحكم أهل الإسلام فأحكم بينهم فيه، وإن أبوا ذلك ردوا إلى أهل دينهم. وقال مالك: إذا كانوا نصارى كلهم ورضوا بحكم الإسلام [حكم بينهم به، وإن كانوا مسلمين ونصارى لم يردوا إلى حكم النصارى، وحكم بينهم بحكم الإسلام، ولم ينقلوا عن موارثهم، يريد: أسلم أحدهم بعد موت المورث فصار حكم بين مسلم وكافر. وفي رواية يحيى: يحكم بينهم بحكم دينهم والمعني واحد. وروى ابن وهب: أن مسلمين ونصارى اختصموا إلى عمر بن عبد العزيز في مورث فقسم بينهم على فرائض الإسلام، وكتب إلى عامل بلدهم إن جاءوك فاحكم بينهم على فرائض الإسلام وإن أبوا فردهم إلى أهل دينهم. وقال النبي -عليه السلام-: «كل ميراث قسم في الجاهلية فهو على قسم الجاهلية وكل ميراث أدركه الإسلام ولم يقسم فهو على قسم الإسلام».
قال مالك: معناه في غير الكتابين: من مجوس وزنج وغيرهم، وأما لو مات نصرانياً ثم أسلم وارثه قبل أن يقسم ماله فإن يقسم على قسم النصارى وإن مات مسلم وله ورثة نصارى فأسلم وارثه له قبل أن يقسم ماله فلا يرثه وإنما يرثه من كان مسلماً يوم مات. وقال ابن نافع وغيره من كبار أهل المدينة: الحديث عام في الكتابيين وغيرهم من أهل الكفر. قال ربيعة: ولو مات مسلم ثم تنصر ولده بعده قبل قسم ماله لقتل إن كان قد بلغ الحلم وجعل ميراثه في بيت المال لأنه قد وجب له. فصل قال مالك: وهذا مات العبد النصراني عن مال فسيده أحق بماله. قال ابن القاسم: وكذلك إذا ارتد العبد أو المكاتب فقتل على ردته فسيده أحق بماله؛ لا أنه يستحقه بالملك لا بالتوارث. ابن المواز وكذلك لو أسلم عبد لمجوسي أو لكتابي ثم مات قبل أن يباع عليه لورثة سيده الكافر بالرق. ومن المدونة قال مالك: [ومن ورث من] عبده النصراني ثمن خمر أو [خنزير فلا بأس بذلك وإن ورث منه خمراً أهراقها]، أو خنازير سرحهم.
قال سحنون: بل يقتلهم. وروى ابن وهب أن عبد الله بن عمر ورث عبداً له نصرانياً كان يبيع الخمر ويعمل بالربا، فقيل له في ذلك، فقال: ليس الذي عمل في دينه بالذي يحرم علي ميراثه. فصل قال مالك ومن مات وترك ابنين فأقر أحدهما بأخت فليعطها خمس ما في يده ولا تحلف مع الأخ المقر لها؛ لأنه شهد، ولا يحلف في النسب مع شاهد واحد. م: وبيان ذلك أن تعمل المسألة على الإنكار فتكون من اثنين وعلى الإقرار فتكون من خمسة فتضرب اثنين في خمسة فتكون عشرة فإذا قسمتها على الإنكار كان لكل أخ خمسة وإذا قسمتها على الإقرار كان لكل أخ أربعة، فيستفضل المقر واحدٌ وهو خمس ما بيده. [ومن العتبية: وإن أقر أحد الابنين بأخ لهما فإنه يعطيه ثلث ما في يديه ثم إن مات بعد ذلك المقر له قال: يرثانه جميعاً؛ المقر له والمنكر له، وهو بمنزلة رجل قال: أخي مات وترك ألفاً وهو أخوك أيضاً فإن الألف بينهما. قال يحيى بن عمر: وأرى أن يأخذ المقر له بدءاً من تركه مثل ما كان أعطاه ثم يكون ما بقي بينهما نصفين]. ومن المدونة قال مالك: وإن أقر أحد الابنين بزوجة لأبيه أعطاها ثُمن ما في يديه.
م: لأن أصلها في الإنكار من اثنتين وفي الإقرار من ثمانية فتصح من ستة عشر فتقسمها على الإنكار فيكون لكل ابن ثمانية وتقسمها على الإقرار للزوجة الثُمن ولكل ابن سبعة فيفضل للمقر واحد وهو ثمن ما في يديه فيعطيه للزوجة. ومن المدونة قال مالك: وإن هلكت امرأة وتركت زوجها وأختها فأقر الزوج بأخ لها وأنكرت الأخت فلا شيء على الزوج؛ لأنه إنما أقر لها بشيء في يد الأخت، فلا شيء له يعني ولو أقر بأخت للميتة لأعطاها سبع ما في يديه؛ لأن أصل الفريضة في الإنكار من اثنين وفي الإقرار من سبعة فتضرب اثنين في سبعة تكن أربعة عشر، فتقسم على الإنكار؛ تكون للزوج سبعة وتقسم على الإقرار تصح للزوج ستة، فيفضل له واحد وهو سبع ما في يديه. م: وهذا باب واسع أوعبه إن شاء الله في كتاب الفرائض. تم رُزمَةُ العبيد بحمد الله وحسن عونه وتأييده وتسديده ويتلوها إن شاء الله كتاب النكاح الأول.
كتاب النكاح الأول
[الباب الأول] في الحضِّ على النكاح، والخِطْبة فيه [فصل 1: في الحضِّ على النكاح وذكر حكمه] والنكاح مندوبٌ إليه لقول الله تعالى: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تناكحوا تناسلوا»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا فإني مُكاثرٌ بكم الأممَ يوم القيامة»،
وليس بواجب، وهو مذهب مالك رحمه الله خلافًا لداود في الحُرَّة، والدليل لمالك قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] فقد خيرنا تعالى في النكاح أو ملك اليمين، وليس في الواجب تخيير، واعتبارًا بنكاح الأمة، ولأنه عقد معاوضةٍ فلم يجب ابتداءً بالشرع كعقد
البيع. وقال بعض البغداديين: النكاح في الجملة مندوبٌ إليه، وربما تعيَّن فرضه إذا خاف العنت ولم يجد ما يتسرَّى به، وهو قادرٌ على النفقة والمهر، وربما كُرهَ له ذلك وهو أن يكون غير محتاجٍ إليه وهو قليل المال والكسب فَيَغُرُّ المرأة ويَضُّرها. قال ابن حبيب: وحضَّ النبي صلى الله عليه وسلم على نكاح الأبكار وقال «فإنهن أطيب أفواهًا وأنتَق أرحامًا وأطيب أخلاقًا».
قال ابن حبيب: انتق أرحامًا: أقبلُ للولد. ورغَّب في نكاح الولود، وفي حديثٍ آخر: «الولود الودود العوود». قال ابن حبيب: ويستحب أن يُستنجَب الخال، وقد يُتَّقى رضاع الفاجرة فكيف بهذا! وقد قال صلى الله عليه وسلم: «تُنكح المرأة لمالها ولجمالها ولحسبها ودينها فاظفر بذات الدين تَرِبَت يداك».
وأمر أن تُنْكَحَ في الأكفاء، وقد قال عمر رضي الله عنه: لا يزوج الرجل وليَّته للقبيح الذميم ولا للشيخ الكبير. ابن المواز: قيل لمالكٍ: فما جاء عن عمر: لا تزوجوهن إلا الأكفاء، وأنه فَّرق بين رجلٍ وامرأةٍ كان قد زُوِّجها وهو غير كفءٍ؟ قال: قد جاء عنه غير هذا، قوله: دين الرجل حَسبُه، وكرمُه تقواه، ومروءته خُلقُه، فليس الشرف والحسب إلا في الإسلام والتقوى.
[فصل 2 - في الخطبة في النكاح] قال ابن المواز: واستحب أهل العلم الخطبة في عقد النكاح. قال مالك: وهي من العمل القديم، وما نرى لأحدٍ تركها، وما قلَّ منها فهو أفضل. قال محمد بن إبراهيم: وقد خطب عروة بن الزبير إلى عبد الله بن عمر ابنته سودة، فقال: يا نافع ادع عبيد الله وسالمًا ابنيه، فلما أتياه قال: إن
عروة خطب إليَّ أختكما وإني أزوجه إياها بما جعل الله تعالى للمسلمات على المسلمين من الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان، وأن يستحلَّها بما تستحلُّ به المسلمة، / قالا: كذلك يا عروة؟ قال: نعم، قال: فقد زوجناكها على بركة الله عز وجل.
[الباب الثاني] في نكاح الشغار وما يتعلق به
[الباب الثاني] في نكاح الشغار وما يتعلق به [فصل 1 - في حكم نكاح الشغار وبيان معناه] ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن نكاح الشغار، وقال: «لا شغار في الإسلام». قال مالك: وهو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق. والشغار خلوُّ العقد من المهر، يقال: بلدٌ شاغرٌ، أي خَالٍ، ويقال: شَغَر الكلب إذا رفع رِجلَه ليبول.
ولا يحل عقد الشغار بإجماع، فإذا وقع فسخ قبل وبعد الدخول، وروي عنه ثبوته بعد الدخول وإنما لم يَختلف قوله في المدونة في الشغار بخلاف إذا تزوجها على أن لا صداق إذا اختلف قوله؛ لأن الموهوبة إنما فسد الأمر فيها إذا لم يسم لها صداقًا، فإذا فات الأمر بالدخول فقد استوجبت المهر بالمسيس فلا معنى للفسخ على أحد قوليه، والشغار ليس كذلك. وقال بعض المحققين: إنما اختلف قوله في فسخ الشغار بعد الدخول لاختلافهم في النهي، هل يقتضي فساد المنهي عنه بعد أن يقع؟ وأما المنع منه ابتداءً فليس فيه خلاف.
قال عبد الوهاب: ونكاح الشغار فاسدٌ لنهيه صلى الله عليه وسلم عنه، ولأنه مَلَّك بُضْعَ ابنته بصداقٍ لا تملكه، وذلك يوجب فساد العقد؛ لأن المهر يجب أن يكون ملكًا للمنكوحة. ومن المدونة: قال مالك فيمن قال لرجل: زوجني ابنتك على أن أزوجك ابنتي، أو: زوجني أمتك على أن أزوجك أمتي، ولا مهر بيننا: فذلك شغارٌ يفسخ أبدًا وإن ولدت الأولاد ورضياه، فللمدخول بها صداق المثل، ولا شيء لغير المدخول بها. قال مالك: والشغار بين العبيد كالشغار بين الأحرار. قال ابن القاسم: وأحب ما فيه إليَّ أن يفسخ بطلاق، ويقع به الطلاق والموارثة قبل الفسخ لاختلاف الناس في إجازته أو فسخه. قال سحنون: والذي عليه أكثر رواة مالكٍ أن كلَّ عقدٍ كانا مغلوبين على فسخه فالفسخ فيه ليس بطلاقٍ، ولا ميراث فيه، وقد ثبت من نهي النبي صلى الله عليه وسلم في الشغار ما لا يُحتَاج فيه إلى حُجة.
قال الشيخ: قال بعض شيوخنا من القرويين: روى عن علي بن زياد عن مالك: أن نكاح الشغار إذا دخلا ثبت النكاح، وكان لهما صداق المثل. قال الفقيه أبو الحسن بن القايسي: إنما اختلف قول مالك في ذلك لاختلاف الناس في تأويل الشغار. قيل: وكيف اختلاف الناس فيه وهو في حديث ابن عمر مفسَّرًا أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق؟ فقال: المتفق عليه من لفظ الحديث إلى قوله: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار» وباقي الحديث إنما يحملونه على أنه من تفسير نافع، ولو كان عن النبي صلى الله عليه وسلم ما اختلف فيه.
وذكر عن أبي عمران أنه قال: إنما اختلف الناس في الشغار بعد الدخول لاختلافهم في النهي هل يقتضي فساد المنهيَّ عنه بعد أن يقع أم لا، وأما المنع منه ابتداءً فما اختلف فيه. قال: وتفسير الشغار في رواية ابن عمر إنما هو من تفسير نافع عن ابن عمر ومعنى الشغار لأنهم رفعوا الصداق، من قولهم: بلدٌ شَاغِرٌ، إذا ارتفع سلطانه، وقولهم: شغر الكلب إذا رفع رجله للبول. [فصل 2 - في تسمية الصداق في نكاح الشغار وما يترتب على ذلك] قال مالك: وإن قال الرجل لرجل: زوجني/ ابنتك بمئة على ابن أزوجك ابنتي بمئة، أو قال: بخمسين، فلا خير فيه، وهو من وجه الشغار.
قال ابن القاسم: ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لكل واحدةٍ الأكثر من التسمية أو صداق المثل، وليس هذا بصريح الشغار لدخول الصداق فيه إلا أن بعض الصداق لا يجوز فصار كمن نكح بمئة درهمٍ وبخمرٍ، أو بمئة نقدًا ومئة إلى موتٍ أو فراقٍ، فإنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لهما صداق المثل إلا أن يكون أقل من المئة النقد فلا يُنقَض من المئة شيئًا. وقال في غير المدونة: أو يكون أكثر من المئتين فلا يزاد. قال ابن حبيب: قاله ابن القاسم. وقال ابن الماحشون: لهما ذلك، , وإن زاد على المئتين، ورواه مُطْرَف عن مالك. قال الشيخ: فوجه هذا: فلأنها صفقةٌ جمعت حلالاً وحرامًا ففسد جميعهما، فوجب أن يكون فيها صداق المثل ما بلغ إذا فاتت كالقيمة في البيع الفاسد.
ووجه قول ابن القاسم: أن النكاح لما كان طريقه المكارمة والبيع طريقه المكايسة لم يجر مجراه في جميع وجوهه، ألا ترى أنه يجوز أن يتزوجها على وَصِيفٍ أو شاةٍ ولا يصف ذلك ولا يضرب له أجلا، ويكون عليه الوَسَط من ذلك حالَّاً، ويجوز أن يتزوجها على عّرَضٍ موصوف، ولا يضرب له أجلاً، ويكون حالَّاً، ولا يجوز مثل هذا في البيوع. فإذا ثبت ذلك وجب إذا كان صداقها أكثر من مئتين لم يزد عليها، لأنها رضين بالمئة إلى موتٍ أو فراقٍ، فإذا أعطيت هذا لم تُظلَم. وقد قال أصبغ: إنها إذا تركت المئة للغرر أو رضي الزوج أن يعجِّلها، وذلك قبل البناء ثبت النكاح، وهذا لا يجوز في البيع، وبالله التوفيق. قال ابن حبيب: ولو تزوجها بمئةٍ نقدًا ومئةٍ إلى أجلٍ معلومٍ، ومئةٍ إلى موتٍ أو فراقٍ فلم يفسخ حتى دخل بها فلها صداق المثل، فإن كان أقل من المئتين فلها مائتان، مئةٌ منها إلى أجلها، وإن كان أزيد من مئتين فالزائد على المئتين حالٌ مع المئة الحالة، ومئةً إلى أجلها، واختلف في الزائد على ثلاثمئة. فقال ابن المواز: لا يزاد على ثلاثمئة، وقال ابن الماجشون ومُطرف: تزاد بالغًا ما بلغ نقدًا إلا المؤجل المعروف.
قال الشيخ: كان يجب إذا كان فاسدًا عندهما أن يكون فيه صداق المثل حالاً كله بالغًا ما بلغ لا يكون فيه تأخير كالبيوع، فيكون قول ابن القاسم في هذا أولى. قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: حكي عن أبي سعيد ابن أخي هشام: إنما يقوم صداق المثل على أن فيه مئة إلى سنة. قال ابن حبيب: وسواءٌ فيما ذكرنا من أول المسألة كان بعضه مؤخرًا إلى غير أجلٍ، أو إلى موتٍ، أو فراقٍ، أو إلى ميسرةٍ، أو إلى أن تطلبه المرأة به وهو الآن ملئٌ أو معدمٌ، وقاله ابن الماجشون وأصبغ. وقال ابن القاسم في قوله: إلى ميسرةٍ أو إلى أن تطلبه المرأة به، إن كان يومئذ مليئًا فجائزٌ، وكذلك قال ابن القاسم في العتبية: إذا تزوجها إلى ميسرةٍ، فإن كان يومئذٍ مليئًا فالنكاح جائزٌ، وليؤخَّر بقدر ما يُرى من التوسعة على مثله، وإن كان يومئذٍ مُعْدَمًا فُسِخ، إلا أن يبنى فيثبت، ولها صداق المثل. قال عنه عيسي: ولو ادعت امرأةٌ على زوجها أنه تزوجها بمئةٍ نقدًا أو مئةٍ إلى موتٍ أو فراقٍ، وذلك قبل البناء لم يقبل في الفسخ شهادة واحدٍ مع يمينها إذا أنكر الزوج، وإن أقامت بذلك شاهدين فسخ وبطل الصداق، ولو أقامت الشاهد بعد البناء حلفت وأخذت / الأكثر من المئة النقد أو صداق المثل.
ابن حبيب: وقال أصبغ: لها أن تحلف مع شاهدها قبل البناء؛ لأن الفسخ لا يجب بذلك مكانه حتى يخير الزوج في تعجيل ذلك كله، فإن أبي خُيِّرت الزوجة في أن تترك المؤخر، وإن أبت فسخ النكاح. ولو ادعت أنه تزوجها بجنينٍ أو بآبقٍ أو بثمرٍ لم يبد صلاحه لم تحلف مع شاهدها، لأن هذا فسخٌ لا خيار للزوج فيه. قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران في رجلين عقد كل واحدٍ منهما نكاح أخته من صاحبه في مجلسٍ واحدٍ -يريد بصداقٍ معلوم- قال: هو جائزٌ إذا لم يفهم أنه إن لم يزوج أحدهما صاحبه لم يزوجه الآخر، فإن فهم ذلك لم يجز وكان من الشغار لدخول الصداق فيه. قال: وإنما فُرِّق بين وجه الشغار ومِن الشغار بخلاف وجه الدَّين بالدَّين الذي جُعِل كالدَّين بالدَّين؛ لأن وجه الدَّين بالدَّين يوجد فيه الربا كما يوجد في نفس الدَّين بالدَّين، والشغار حقيقته البُضْع بالبُضْع فلا صداق يدخل في ذلك، ووجه الشغار الصداق يدخل فيه، فإن كان قُرِنَ إلى ذلك البُضْع بالبُضْع فلا يبلغ مبلغ نفس الشغار. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما من خالع زوجته على حلالٍ وحرامٍ بطل الحرام وجاز منه الحلال، ولم يكن للزوج غير ذلك، وإن خالعها على حرامٍ كله مثل الخمر والخنزير والربا فالخلع جائز، ولا شيء للزوج من ذلك، ولا يَتبع المرأة بشيءٍ منه. قال الشيخ: والفرق بين النكاح والخلع في هذا هو أن النكاح لا يجوز إلا بعوض، فيجب أن يفسد بفساده، والخلع يجوز بغير عوض فلم يكن لعوضه تأثيرٌ في فساده.
ومن المدونة: وإن خالعها على ثمرةٍ لم يبد صلاحها، أو عبدٍ آبقٍ، أو جنينٍ في بطن أمُّه، أو بعيرٍ شاردٍ جاز ذلك. وقال ابن القاسم: وإن قال له: زوجني ابنتك بمئةٍ على أن أزوجك ابنتي بلا مهر، ففعلا، ووقع النكاح على هذا ودخل كل واحدٍ منهما بامرأته، فنكاح التي سمي لها المهر ثابت، ويكون لها مهر مثلها، ويفسخ نكاح التي لم يسم لها صداق، ودخل بها أو لم يدخل بها. قال الشيخ: يريد: أن نكاحها قبل البناء يفسخ ولا صداق لها، وإن دخلا فسخ نكاح التي لم يسم لها صداقًا، وأخذت مهر مثلها، ويثبت نكاح المسمى لها، وأخذت الأكثر من التسمية أو صداق المثل. قال عبد الوهاب: لا خلاف أعلم أن الصداق لا يجوز أن يكون غررًا، أو مجهولاً، أو مما لا يصلح تملُّكه، ولكن الخلاف في النكاح إذا وقع على صداقٍ هذه صفته، هل يصح ويبطل الصداق أو لا يصح أصلاً؟ فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: أن العقد يبطل، ويفرق بينهما قبل الدخول وبعده، والأخرى: أنه إن أُدْرِكَ قبل البناء فسخ، وإن أُدْرِكَ بعد الدخول لم يفسخ. واختلفت عبارة أصحابنا في معنى الفسخ قبل الدخول، فظاهر قول متقدميهم وجوب الفسخ على معنى الردع، لئلا يُقْدِمُوا عليه، لا على أن العقد وقع فاسدًا ثم صحَّ بالدخول، أو أن الدخول أجاز الإقرار على عقدٍ فاسدٍ على ما اعترض به علينا أغبياء المخالفين، وألزمونا على ذلك أن الدخول يجب أن يصحَّح كلَّ عقدٍ فاسد، كالمتعة والشغار ونكاح المرأة على عمتها وخالتها وغير ذلك. وذلك كله غير لازمٍ لنا، ولا مفهومٌ / من قولنا، وإنما مراد أصحابنا وجوب الفسخ على طريقة العقوبة لهم والردع عما فعلاه، لئلا يعودوا إلى مثله.
ولا معنى لقول من قال: إنه ليس في هذا ردع ولا عقوبة لهما، لأنهما إذا فسخ [نكاحهما] عقداه في الحال، لأن فائدة الفسخ أنه يعد طلاقًا، فإذا نكحها عادت عنده على اثنتين، وهذه فائدة صحيحة. قال الشيخ: ولأنها واحدة بائنة تملك الزوجة بها نفسها، فقد لا تشاء نكاحه، أو تشاء بأضعاف الصداق الأول، وفي ذلك ردع بين. قال عبد الوهاب: وأما المتأخرون فإنهم قالوا: لما حققنا النظر علمنا أن ذلك استحباب من مالك واحتياط ليقع العقد صحيحًا بإجماع، ولإمكان أن يستأنف بصداق صحيح، فإذا وقع الدخول وفات بالوطء وجب فيه صداق صحيح وتقرر، فلا معنى [للفسخ] لزوال الصداق الذي كان الفسخ من أجله لوجوب صداق صحيح، كما لو تزوجها وبها أحد العيوب الأربعة، لكان له الرد، فلو زال ذلك قبل أن يرد لسقط حقه من الرد لزوال ما من أجله كان له أن يرد. فأما من تزوج بصداق مغصوب فمن أصحابنا من فرق بينه وبين المجهول والغرر، لأن ذلك ممنوع لحق الآدمي، ولو أذن له لجاز، وهذه الأشياء ممنوعة لحق الله تعالى.
ومن أصحابنا من ساوى بينهما وقال: يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده كما يقول فيمن صلى في دارٍ مغصوبةٍ أنه يُعيد في الوقت لا بعده. قال الشيخ: وقد قيل: لا يعيد في وقتٍ ولا غيره، وهو الصواب فيه، وفي أن لا يفسخ النكاح، وبالله التوفيق.
[الباب الثالث] في إنكاح الرجل ابنته البكر والثيب وابنه الصغير ومملوكيه ومن يلي عليه غائبا أو حاضرا وتزويج اليتيمة قبل البلوغ
[الباب الثالث] في إنكاح الرجل ابنته البكر والثيب وابنه الصغير ومملوكيه ومن يلي عليه غائبًا أو حاضرًا وتزويج اليتيمة قبل البلوغ [فصل 1 - في تزويج البكر] قال الله عز وجل حكايةً عن شعيبٍ عليه السلام: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} [القصص: 27] ولم يذكر مشورة. وزوَّج النبي صلى الله عليه وسلم ابنتيه لعثمان ولم يستشرهما، وتزوج
عائشة رضي الله عنها وهي بنت سبع سنين، وقيل: بنت ست سنين ودخل بها بنت تسع. قال بعض البغداديين: ويستحب له استئذانها، لقوله صلى الله عليه وسلم «شاوروا النساء في أبضاعهن»، ولأن ذلك أطيب لقلبها من غير ضررٍ يلحقه به. وقيل: إنه ربما كان بها عيبٌ لم يَعلم به ولو علمه لم يزوجها، فإذا استأذنها أعلمته به فَتَحَرَّز منه. وعنه في اَلمَعنَّسة روايتان: إحداهما: بقاء الإجبار عليها، والثانية: زواله. فوجه بقائه: اعتبارًا بغير المعنَّسة لِعلَّة البكارة، ووجه زواله: أن المعنى الموجب للإجبار في الصغيرة التي لم تعنَّس قِلَّة خبرتها بالأمور، وعدم معرفتها بمصالحها، وذلك منتفٍ في المعنَّسة لبروز وجهها ومعرفتها بمصالحها، فقام ذلك مقام الثيوبة في رفع الإجبار عنها.
فصل: [2 - في تزويج الثيب] وقال صلى الله عليه وسلم: «الأيُّم أحقُّ بنفسها من وليَّها»، وروي: «الثيب» مُفسَّرًا. وقوله: «ليس للولي مع الثيب أمر». وقال صلى الله عليه وسلم: «البكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صماتها». قال مالك: وذلك عندنا في البكر اليتيمة، وكذلك هو مفسرٌ في رواية ابن وحب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليتيمة تُستأمر في نفسها، فإن
سكتت / فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها». ابن وهب: وجاء عن عمر بن عبد العزيز وابن شهاب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «كل يتيمة تُستأمر في نفسها فما أنكرت لم يَجُز عليها، وما صمتت عنه وأقرَّت عليه جاز عليها وذلك إذنها». قال إسماعيل القاضي: الأيِّم التي لا زوج لها، بالغًا كانت أو غير بالغ، بكرًا كانت أو ثيبًا، ولو كان كما توهَّم قوم أنها الثيب خاصة لكانت الثيب أحقَّ بنفسها من وليها، والبكر ليست بأحقَّ بنفسها من وليها، ولكن الاستئمار إنما هو على الترغيب لا على الإيجاب، وإنما في الحديث معنيان: أحدهما: أن الأيامى
أحق بأنفسهن، والمعنى الآخر: تعليم كيف تستأذن البكر منهن، وأن إذنها صماتها، لأنها تستحي أن تُجيب بلسانها. [فصل 3 - فيمن له حق الإجبار في النكاح] ومن المدونة: قال مالك: وإذا ردَّت المرأة الرجال رجلاً بعد رجلٍ لم تجبر على النكاح، ولا يُجْبِرَ أحدٌ أحدًا على النكاح إلا الأب في ابنته البكر، وفي ابنه الصغير، وفي أمته، وفي عبده، والولي في يتيمة -يريد الوصي. قال مالك: ولا يزوج البكر [اليتيمة] وليها وإن كانت سفيهةً إلا برضاها، للحديث. قال ابن القاسم: ومن زوج ابنته الصغيرة بأقلَّ من مهر مثلها جاز إن كان على وجه النظر، وقد أتت امرأةٌ مطلقةٌ إلى مالكٍ فقالت له: إن لي ابنةٌ في حجري موسرةً مرغوبًا فيها، وقد أُصَدِقتْ صداقًا كثيرًا، وأراد أبوها أن يزوجها من ابن أخٍ له فقير؟ فقال لها مالك: إني لا أرى لكِ في هذا مُتكلَّمًا. قال ابن القاسم: وأنا أرى أن نكاح الأب إياها جائزٌ إلا أن يأتي من ذلك ضررٌ فيُمْنَع. قال سحنون: الضرر في البدن من الجنون أو غير ذلك، فأما الفقر فلا، وتزويجه جائز.
فصل [4 - في تزويج الأب ابنته المطلقة أو التي مات عنها زوجها] قال مالك: ومن زوج ابنته البكر فطلقها الزوج قبل البناء، أو مات عنها فلأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر. قال مالك: فإن بنى بها الزوج ثم طلقها أو مات عنها فهي أحق بنفسها. قال ابن القاسم: وتسكن حيث شاءت إلا أن يخاف عليها الضيعة والمواضع السوء، ويخاف عليها الفضيحة من نفسها وهواها فيكون للأب أو للولي أن يمنعها من ذلك. ومن كتاب الخلع قال: ولو رجعت هذه الثيب إلى الأب قبل بلوغها فله إنكاحها كالبكر، لأن النفقة ترجع على الأب لها. قال ابن المواز: ولأن الذي أثبت ولاية أبيها عليها الصغر والبكورية، فإذا سقط سبب البكورية بقي ولاية الصغر، فإذا ذهب الصغر انقطع بقية سبيله عليها، لأنها قد افْتُضَّتْ بنكاحٍ وبلغت المحيض. وكذلك عن ابن القاسم وأشهب: أن الأب يزوجها إذا رجعت إليه ثيبًا ما لم تحض. وقال سحنون: يزوجها بغير رضاها وإن حاضت. قال الشيخ: ووجه هذا: أنها صغيرة. مالك: للأب إجبارها على النكاح، فلا يزيله من يده بلوغها أصله البكر، ولأنها رجعت إليه وملك منها ما كان يملكه / قبل الدخول، وصارت كمن دخل بها، فلا يزيل ما بيده منها البلوغ، كالتي لم يُدْخَل بها.
ومن النكاح قال مالك: وإذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء، وليس لأبيه منعه. قال ابن القاسم: إلا أن يخاف من ناحيته سفهًا فله منعه. [فصل 5 - في تزويج الأب ابنته التي زنت والتي زوجت تزويجًا حرامًا] قال: وإن زنت البكر فحُدَّت أو لم تُحَد فلأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر. وإن زوجها تزويجًا حرامًا ثم بنى بها الزوج وجامعها ثم طلقها أو مات عنها بالقرب لم يكن لأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر؛ لأنه نكاحٌ يُلحق فيه الولد، ويُدرأ فيه الحد. قال مالك: وتعتد منه في بيت زوجها الذي كانت تسكن فيه. قال ابن القاسم: فجعل العدة فيه كالعدة في النكاح الحلال، فهذا يدلُّك أنه خلاف الزنا في تزويج الأب إياها. قال عبد الوهاب: لأنه رفع الإجبار بالثيوبة هو لزوال الحياء والانقباض الذي يكون في البكر، وهذا منتفٍ في المزنيِّ بها أو المغصوبة؛ لأن الحياء يغلب عليها أشدُّ من غلبته على البكر، لقبيح ما رَكِبَتْه أو رُكِبَ منها، وللعار الذي لحقها ويزهد في مثلها، فوجب بقاء الإجبار عليها؛ ولأن ذلك لما لم يرفع عنها ولاية المال فكذلك لا يرفع إجبار النكاح.
قال الشيخ: وليس ما يرفع إجبار النكاح يرفع ولاية المال. وقال ابن حارثٍ الأندلسي: إن محمد بن عبد الحكم قال: لا يزوجها أبوها إلا برضاها كالثيب. قال عبد الوهاب: وألزمت في مجلس النظر بحضرة ولي العهد أنه إذا كانت العلة في المزنيِّ بها الحياء فإذا تكرر منها الزنا فقد ارتفع حياؤها وزالت علة الإجبار ولم يكن لأبيها أن يزوجها إلا برضاها، فالتزمتُ ذلك للمُخَالف وبالله التوفيق.
[فصل 6 - في تزويج الأب من فارقها زوجها بعد إقامتها معه وقبل المسيس] ومن المدونة: قال مالك: ومن زوج ابنته البكر فدخل بها، ثم فارقها قبل أن يمسها، فإن طالت إقامتها مع زوجها وشهدت مشاهد النساء فلا يزوجها أبوها إلا برضاها، وأرى السنة طول إقامة، وإن كان أمرًا قريبًا فله أن يزوجها. قال ابن القاسم في المستخرجة: وإن فارقها بعد ستة أشهرٍ فليؤامرها الأب إن زوجها، فإن لم يؤامرها فالنكاح جائز. قال مالك: وإن فارقها بعد شهرين فلا يؤامرها. قال عبد الوهاب: إنما ذلك؛ لأن عودتها إلى الأب إذا كان عن قُرْبٍ فكأنها على الحال التي كانت عليها عنده من الحياء وقلة خبرتها بالأمور، وقلة معرفتها بمصالحها، فهي كالتي لم يدخل بها، وإذا طال أمرها طُولاً تَخْبَرَ به مواضع حظوظها، وتعرف مصالحها، وبرز وجهها فقد صارت كالثيب، فانقطع الإجبار عنها. قال: وفي حدَّ الطول روايتان: إحداهما: سنة، والأخرى: لا حدَّ فيه أكثر من العُرف. فوجه السنة: أنها مدة جُعِلَتْ في الشرع حَدَّاً لأمور منها العنَّة، وفي
الأدواء الثلاثة في عَهْدَة الرقيق، وانقطاع الشُّفْعَة بعد العام، فكذلك ها هنا. ووجه نفي التحديد أن كلَّ أمرٍ احتيج فيه إلى اختبارٍ وتَعَرُّفِ حالٍ ولم يرد فيه توقيفٌ بتحديد مدةٍ وجب الرجوع فيه إلى العرف. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن زوجها أبوها وهي بكرٌ فدخل بها زوجها ثم مات عنها، أو طلقها فقالت الجارية: / ما جامعني، وقد كان الزوج أقر بجماعها، فإن كانت إقامته معها أمرًا قريبًا جاز إنكاح الأب عليها؛ لأنها تقول: أنا بكر، وتُقِرُّ بأن صُنْعَ الأب جائزٌ عليها، ولا يضرها ما قال الزوج من وطئه إياها، وإن طالت إقامتها معه فلا يزوجها أبوها إلا برضاها، أقرَّت بالوطء أو لم تُقِر.
فصل: [7 - في سكوت البكر والثيب عند استئذانهما في النكاح] قال مالك: وإذا قال للبكر وليها: إني مزوجكِ من فلان، فسكتت فذلك رضىَّ منها. قال غيره: إذا كانت تعلم أن السكوت رضى. قال مالك: وإذا سكتت فذهب الولي فزوجها من ذلك الرجل، ثم أنكرت، لزمها النكاح، ولم ينفعها إنكارها بعد سكوتها. قال لاشيخ: لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن سكتت فهو إذنها». قال مالك: وأما الثيب إذا قال لها أبوها أو ليها: إني مزوجك من فلان، فسكتت، فلا يكون سكوتها إذنًا ولا رضىَّ إلا أن تتكلم وتستخلف الولي على إنكاحها. قال عبد الوهاب: وإنما خُصَّت البكر بالصمات لقوله عليه الصلاة والسلام في البكر: «إذنها صماتها»؛ ولأن الحياء يغلب عليها لئلا تَتْسَبَ متى نطقت إلى الشهوة والميل إلى الرجال فيكون ذلك مُزَهِّدًا فيها، وأما الثيب فلقوله صلى الله
عليه وسلم: «الثيب تُعْرِبُ عن نفسها»؛ ولأن الثيب قد زال عنها الحياء ببروز وجهها ومعرفتها بما يُرادَ منها. قال: وينبغي أن تعلم البكر إذا صمتت أن ذلك إذنٌ منها احتياطًا لجواز أن تظن أن ذلك ليس بإذن، وليس ذلك بشرطٍ في صحة الإذن. ومن المدونة: قال مالك: وليست المشورة بلازمةٍ للأب في الأبكار، وروى ابن وهب أن النبي عليه الصلاة والسلام زوج عثمان ابنتيه ولم يستشرهما. قال مالك: وبلغني أن القاسم بن محمد وسالمًا كانا يُنَكِحَان بناتهما الأبكار ولا يستأمرانهن. قال مالك: وذلك الأمر عندنا في الأبكار.
فصل: [8 - في تزويج الأخر أخته بغير أمرها] قال ابن القاسم: ومن زوج أخته البكر أو الثيب بغير أمرها فبلغها ذلك فرضيت، فبلغني أن مالكًا قال مرة: إن كانت بغير البلد أو فيه فتأخَّر إعلامها لم يجز، وإن قَرَبَ جاز. قال سحنون في المستخرجة: إن كانت عن البلد غائبةً مثل البَرِيد واليوم وشبهه، والقُلْزُم من مصر وبينهما يومان فهو قريبٌ إذا أرسل إليها في فور ذلك فأجازت، فأما مثل الإسكندرية وأسوان فلا يجوز وإن أجازت، وقاله أصبغ. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وسألنا مالكًا ونزلت بالمدينة في رجلٍ زوَّج أخته فقالت حين بلغها: ما وكَّلت ولا أرضى، ثم كَلَّمَتَ في ذلك فرضيت؟ فقال لا يجوز هذا النكاح، ولا يُقام عليه حتى يأتنفا نكاحًا جديدًا.
قال في كتاب ابن المواز: إذا علمت فأنكرت، ثم أجازت لم يجز النكاح ولم يُقَرَّا عليه. قيل لمالك: فإن قالت حين بلغها: ما وكَّلته ولم أرض، ثم أقرت بعد ذلك بوكالته، وبأنها كانت راضيةً وهي وكَّلته؟ فقال مالك: لا يجوز ولا يثبت إلا بنكاحٍ جديدٍ. [فصل 9 - في تزويج الأب ابنه الكبير وابنته الثيب وهما غائبان] ومن المدونة: قال مالك: ومن زوج ابنه الكبير المنقطع عنه أو ابنته الثيب وهما غائبان، فرضيا بفعل أبيهما لم يجز النكاح؛ لأنهما لو ماتا لا يتوارثان. قيل لابن المواز: فيفسخ النكاح قبل أن يعلما؟ قال: إن كان ذلك عن قُرْبٍ لم يفسخ حتى يعلما فيجيزا أو يَرَدَّا، وإن كان على بُعدٍ فُسِخَ مكانه إذا علم أنه أُفْتِيْتَ عليهما بغير علمهما. قال ابن المواز: وأحب إلينا في الابن الكبير البائن [عنه] ألا يفسخ بعد البناء إذا رضي حين بلغه، وقال ابن القاسم. وقال أيضًا أصبغ: إنما يؤمران قبل البناء بالفسخ بغير حكمٍ للاختلاف فيه -يريد: في البعيد الغيبة.
قال ابن القاسم: قال مالك: فأما إذا قال الخاطب: هو أمرني بذلك، أو هي أمرتني، ثم قال المتزوج منهما الحاضر: لا حاجة لي بنكاح من إذا قدم كان عليَّ بالخيار، لم يكن ذلك له حتى يقدم الغائب، فإن أقر لزمه، وإن أنكر لم يقبل منه إنكاره بتوكيله مَنْ زوَّجه حتى يحلف أنه ما أمره ولا بعثه، وإذا حلف سقط عنه النكاح. قال الشيخ: ظاهره أنه إن نكل لزمه النكاح. وذكر ابن حبيب: إنه إن لم يحلف لم يلزمه النكاح بنكوله. وذكر عن غير واحدٍ من أصحاب مالك: أنه لا يمين في ذلك. ابن المواز: قيل: فإن أقر الرسول بعد العقد بأن ذلك بغير أمر الغائب؟ قال: إذا كان ذلك بعد النكاح لم يقبل قوله حتى يثبت ذلك بأمرٍ لاشك فيه، أو يقدم الغائب فيحلف. [فصل 10 - في تزويج اليتيمة قبل البلوغ] ومن المدونة: قال مالك: ولا تتزوج اليتيمة التي مُولَّي عليها حتى تبلغ وتأذن في ذلك، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر باستئذان اليتيمة، ولا إذن إلا للبالغة.
قال ابن المواز: وكذلك وصيُّ أبيها لا يزوجها حتى تبلغ ويشاورهما. قال: ولو رضيت في الصغر فزوجت ما كان ذلك تزويجًا، ويفسخ إلا أن يتقادم ذلك بعد الدخول فيُقرَّا عليه. -قال الشيخ: يريد وإن كرهت-. قال ابن القاسم: فإذا لم يدخل فإنه يفسخ أبدًا وإن طال ورضيت. وسئل عن التي بنى بها وقد ولدت؟ فقال: مُنذْ كم بنى بها؟ قال: منذ ثمانية عشر شهرًا. قال: أرى أن يفسخ. قيل: فاليتيمة تبلغ حد الوطء وهي محتاجةٌ فتخطَب وتبلغ النكاح؟ قال: لا يزوجها وصيٌّ ولا وليٌّ حتى تبلغ المحيض. قيل لابن القاسم: فإن قاربت وأَشعَرت؟ قال: إذا جرت عليها المَواسِي وشارفت الحيض فَلْيُنْكِحْها وصيها برضاها فإن لم يكن وصيها فوليها برضاها، وقاله أصبغ، ثم رجع أصبغ، فأباه حتى تبلغ سنَّاً لا يبلغه أحدٌ إلا حاض، فإن زوَّجت قبل ذلك فسخ. قال ابن المواز: وأحب إلي ألا يفسخ إذا زوجت بعد الإشعار. وقد سئل مالك عن صبيةٍ من الأعراب صغيرةٍ محتاجةٍ تطوف وتَسأل، ولَّت أُمُّها رجلاً فزوجها في غنى؟ قال مالك: بِنتُ كم هِي؟ قيل له: بنت عشر سنين.
قال: إذا كانت هكذا في حاجةٍ مُلحَّةٍ تتكفَّف، / يُعرفُ ذلك منها، فلا بأس بذلك إذا رضيت، ولو كانت صغيرةً لم يجز. [فصل 11 - في تزويج اليتيمة بعد البلوغ بغير أمرها] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا بلغت اليتيمة فزوجها وليها بغير أمرها ثم أعلمها بالقرب فرضيت جاز، ولا يكون سكوتها ها هنا رضى. قال الشيخ: وإنما لم يجعل سكوتها ها هنا رضى لتعدِّيه في العقد عليها قبل إعلامها، فزال الحياء عنها الذي أوجب أن يكون صمتها رضى، والأول إنما عَقَدَ بعد إعلامها، فَجُعِلَ سكوتها رضىَّ كما جاء في الحديث. قال الشيخ: ولو زوجها بغير أمرها ثم أعلمها بذلك فسكتت، فأعلمها أن سكوتها وترك ردها له نطقًا يكون رضىَّ به، وأَشهد عليها بذلك، وكل ذلك هي ساكتة، لَعُدَّ ذلك منها رِضىَّ، ولا كلام لها بعد ذلك. والله أعلم. ابن المواز: قال أشهب عن مالكٍ في امرأةٍ زوَّجها أخوها، ثم مات
الزوج قبل البناء، فقال ورثته: لم تكن هي رضيت، فقال: تُسأل هي الآن، فإن قالت كنت رضيت، فذلك لها. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كانت بغير البلد، أو فيه فتأخَّر إعلامها لم يجز وإن رضيت. قال سحنون: وهذا قول مالكٍ الذي عليه أصحابه. قال شُريح: تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن مَعَّضَت لم تُنكَح، وإن سكتت فهو إذنها. قال سليمان: معنى معَّضَت: عبَسَت وقَطَّبت.
[الباب الرابع] في وضع الأب بعض الصداق، وفي دفعه إليه
[الباب الرابع] في وضع الأب بعض الصداق، وفي دفعه إليه [فصل 1 - في وضع الأب بعض الصداق] قال الله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237]، قال مالك رحمه الله: فإذا زوج الأب ابنته البكر ثم طلقها الزوج قبل البناء فلأبيها أن يعفو عن نصف الصداق الذي لها، وكذلك فيما يُرَى موقعه من القرآن، له أن يعفو عنه، ولا يجوز ذلك لغيره من وصيٍّ أو غيره، فأما قبل الطلاق فلا يجوز للأب أن يضع من صداقها شيئًا. قال ابن القاسم: إلا أن يفعل ذلك الأب على وجه النظر، مثل أن يُعَسِر الزوج عن المهر فيخفِّف عنه ويَنَظِرَه فيجوز ذلك، فأما أن يضع عنه لغير طلاقٍ ولا وجه نظر لها فلا يجوز، وقد قال الله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237] وهو الأب في ابنته البكر، والسيد في أمته، وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237] هي المرأة الثيب، وقال ذلك ابن عباس وربيعة وغيرهم.
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس للأب أن يعفو عن نصف الصداق، ودليلنا قوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} وهو الأب، ولا يصلح حملها على الزوج، لأنه ليس بيده بعد الطلاق عُقدة إلا أن يضمر فيه: الذي كان بيده، وحملها على الأب غير محتاجٍ إلى ذلك، ولأن الأب وليٌّ يملك الإجبار فجاز له العفو عن صداقها، أصله السيد في أمته. فصل [2 - في قبض ولي اليتيمة صداقها وفي دفع الصداق إلى الأب ثم ادعائه تلفه] ومن المدونة: قال: وإذا زوج البكرَ اليتيمة وليُّها بغير أمرها فقبض صداقها لم يجز قبضه عليها، إلا أن يكون وصيّا، فإن كان وصيَّاً جاز قبضه عليها، لأنه الناظر لها، ومالها في يديه، وإن بلغت حتى تنكح، ويُؤْنس مع ذلك / منها الرشد والإصلاح لنفسها في مالها. قال مالك: وإذا زوج الثيب أبوها ثم قبض صداقها بغير إذنها فادعى تلفه ضمنه الأب. قال ابن القاسم: وإنما ضمَّنه مالك لأنه كان متعديًا في قبض الصداق، إذ لم توكِّله ابنته على قبضه، وهذا كدينٍ لها على رجلٍ فقبضه الأب بغير أمرها، فلا يبرأ الغريم، والأب ضامن، ولها أن تتبع الغريم. قال ابن حبيب: إذا قبضه الأب بغير توكيلها على التقاضي ضمنه للزوج، وإن كان الأب رسولاً للزوج لم يضمن.
وأما الأب يقبض صداق ابنته البكر ثم يزعم أنه ضاع، فإن كان قبضه ببينة كان ضياعه من الابنة ولا شيء على الزوج ولا الأب، ويدخل الزوج بها، وإن قبضه بغير بينة لم يكن للزوج البناء إلا بدفع الصداق إليها ثانية، ولا شيء للزوج على الأب، وقاله ابن وهب وأشهب ونحوه لابن المواز. قال ابن القاسم في العتبية: إذا أقر الأب بقبضه وضاع منه ولا بينة للزوج على دفعه، أن الأب مصدق وضياعه منها، ولا شيء على الزوج. قال الشيخ: وهذا هو القياس، لأن الأب الذي له قبضه بغير توكيل عليه أقر بقبضه، فوجب أن يبرأ بذلك الزوج كوكيل البيع الذي له القبض بغير توكيل يقر بقبض الثمن ويدعي تلفه، أن ذلك يبرئ المشتري، فكذلك هذا، وكما لو باع لها سلعة وأقر بقبض ثمنها. ووجه الأولى: فلأن تصديق الأب لقبضه ودعواه تلفه ذريعة إلى إجازة نكاح بغير صداق، وكما لو وكلته الثيب على قبضه فيدعي قبضه وتلفه، أن الزوج لا يبرأ إلا ببينة أو لا ترى أن الأب إذا صمن الصداق لابنته ثم مات عديمًا فلا يدخل الزوج إلا بدفعه، فهذا كان أحرى أن يدخل بلا غرم، لأن الصداق في ذمة غيره، ولكن من حق الزوجة ألا تسلَّم سلعتها إلا بقبض ثمنها، وهذا القول أحوط، وهو جار على مذهب المدونة لما بينَّا. وبالله التوفيق.
[الباب الخامس] في إنكاح الأولياء وتزويج ابنة الغائب أو العاضل
[الباب الخامس] في إنكاح الأولياء وتزويج ابنة الغائب أو العاضل [فصل 1 - في إنكاح الأولياء] قال أبو محمد: ولما خاطب الله سبحانه الأولياء فقال: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32]، وقال: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 232] دلَّ أن لهم مع النساء إذنًا في أنفسهن. قال غيره: لأن هذه الآية نزلت في شأن مَعْقِلِ بن يَسار لما عَضَلَ أخته فنُهَي عن ذلك.
وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا تنكح المرأة بغير إذن وليها فإن نكحت فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ -ثلاث مرات- فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له». وقال عمر: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها، أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان. قال مالك: وذو الرأي من أهلها: الرجل من العصبة أو العشيرة أو الفخذ، وكذلك مولى النعمة إذا كان له الصلاح -يريد المنعم عليه بالعتق- وليس العبد والمرأة من الأولياء. قال الشيخ: ولما كانت المرأة لا تعقد على نفسها كان العقد على امرأةٍ غيرها أحرى أن لا يجوز، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا تُنْكِحُ المرأة المرأة، ولا تُنْكِحُ المرأة نفسها». وروى ابن وهب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يحلُّ النكاح إلا / بصداقٍ ووليٍّ وشهودٍ عدول». قال عبد الوهاب: وإنما كان الولي شرطًا في النكاح حياطةٌ للفروج لئلا تحمل المرأةَ شهوةَ النكاح إلى وضع نفسها في غير كُفءٍ، فتُلْحِقُ عارًا بأوليائها.
قال: والولاية على ضربين: ولايةٌ عامةٌ وولايةٌ خاصةٌ، فالعامة ولاية الدين والأصل فيها قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]. والولاية الخاصة ولاية النسب أو الحكم، والولاية بالنسب مقدمةٌ على الولاية بالحكم. وإذا استخلفت المرأة أجنبيًا فزوَّجها مع القدرة على أحد الوليين، فقيل: إنه غير جائز، وقيل: إنه ماضٍ إذا تزوجت كُفْؤًا. فوجه الأولى: قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له». فنفى بذلك أن تكون لغيره ولايةٌ مع وجوده، ولأن في إجازته ذريعةً إلى الفتيات على الأولياء وإسقاط حقهم. ووجه الثانية: أن الولاية الخاصة لا تسقط الولاية العامة جُملةً، وإنما لها مزيَّةٌ عليها في التقديم، فإذا حصل العقد بها على وجهٍ لو عقده الخاصُّ لجاز ولم يفسخ، اعتبارًا بتقديم بعض العصبة على بعض. ومن المدونة: قال مالك: وإذا اختلف الأولياء في إنكاح المرأة وهم في القُعْدَد سواء، نظر السلطان في ذلك، فإن كان بعضهم أَقْعَد من بعض فالأقعدُ أولى بإنكاحها، فالابن وابن الابن أولى بإنكاحها وبالصلاة عليها من الأب، والأب أولى من الأخ، والأخ وابن الأخ أولى بإنكاحها من الجد.
وقال عبد الوهاب: إنما قلنا: إن الابن ولي، وأنه أولى من الأب لقوله عليه الصلاة والسلام لِعُمر بن أبي سَلمة: «قُمْ فزوِّجْ أُمَّك»، ولأن الابن وابن الابن أقوى تعصيبًا في الميراث والولاء من الأب، وإنما قلنا: إن الأب أولى من الأخ للإجماع على ذلك، ولأنه أقوى تعصيبًا، ولا يرثون معه شيئًا. وإنما قلنا: أن الأخ وابن الأخ أولى من الجد خلافًا للشافعي، لأن تعصيبهم أقوى، لأنهم يُدْلون بالبنوة، والجد بالأبوة، لأن الأخ يقول: أنا ابن أبيها، والجد يقول: أنا أبو أبيها، وقد بينَّا أن تعصيب الابن أقوى من تعصيب الأب. ومن المدونة: قيل لابن القاسم: أليس هذا إذا فوَّضت إليهم فقالت: زوجوني، أو خطبت فرضيت، فاختلف الأولياء في إنكاحها وتشاحوا على ذلك؟ قال: نعم.
قال مالك: وإذا كان أولياء المرأة حضورًا كلهم وبعضهم أقعد من بعضٍ، منهم ولد الولد والوالد نفسه والأخ والجد والعم وغيرهم، فزوَّجها العم أو الأخ برضاها وهي ثيب وأنكر والدها وسائر الأولياء لم يُرَدْ النكاح، فليس للأب ها هنا قول، لأنها قد ملكت أمرها. قال مالك: وكذلك إن كانت بكرًا بالغًا لا أب لها ولا وصي، ولها من الأولياء من ذكرنا فزوَّجها الأبعد برضاها وأنكر الأقعد، فالنكاح جائزٌ، وقد قال مالك: إن الرجل من الفخذ يزوج وإن كان ثَمَّ مَنْ هو أولى منه. قال ابن القاسم: وذو الرأي من أهلها يجوز إنكاحه إياها إذا كان له فضلٌ وصلاحٌ وإن كانت من العرب ولها من الأولياء من ذكرنا. وكذلك مولى النعمة يجوز أن يزوج ملاته من نفسه ويلي عقد نفسه، أو يزوجها من غيره برضاها، فيجوز / ذلك على الأقعد من أخ أو غيره، وهو من ذوي الرأي من أهلها إذا كان له الفضل والصلاح، وكانت المرأة ثيبًا، أو بكرًا بالغًا لا أب لها ولا وصي. وقال عليٌّ عن مالكٍ في الأخ يزوج أخته لأبيه، وثَمَّ أخوها لأبيها وأمها أن النكاح جائز إلا أن يكون الأب أوصى بها إلى الأخ الشقيق، فلا تُنْكَحُ حينئذٍ إلا برضاها، وإنما الذي لا ينبغي لبعض الأولياء أن يُنْكِحَ وثَمَّ مَنْ هو أولى منه، إذا لم يكونوا إخوة، وكان أخًا وعَمَّاً، أو عَمَّاً وابن عَم، ونحو هذا وهم حضورٌ.
قال سحنون: وقال أكثر الرواة: لا يزوِّج وليٌّ وَثَمَّ مَنْ هو أولى منه حاضر، فإن فعل نظر السلطان في ذلك. وقال آخرون: للأقرب أن يجيز أو يرد، إلا أن يطول مكثها عند الزوج، وتلد الأولاد، لأن العقد لم يخرج من أن وَلِيَهُ وَلِيٌّ، وهذا في ذات المنصب والقدر. وقال ابن المواز: وليس الخال من الأولياء. قال ابن وهب: وقاله مالك وغيره من العلماء. قال ابن حبيب: الأقرب امضاؤه، أو فسخه ما لم يبن. قال ابن حبيب عن مالك: وذلك ما لم يكن الولي الأقرب حاضرًا يعلم أن غيره عقد على وليته فلا يتكلم، فإن ذلك منه رضى. فصل [2 - في تزويج ابنة الغائب] ومن المدونة: قال ابن القاسم وعلي بن زياد: قال مالك: من غاب عن ابنته البكر غيبة انقطاع كمن خرج إلى المغازي إلى مثل إفريقية
والأندلس وطَنجَة فأقام بها، فرفعت أمرها إلى الإمام، فلينظر لها ويزوجها. قيل لابن القاسم: فهل للأولياء أن يزوجوها بغير أمر السلطان؟ قال: إنما سمعت مالكًا يقول: ترفع أمرها إلى السلطان. -قال ابن المواز: وقال أشهب عن مالك: أن للإمام حينئذٍ أن يزوج - قال ابن القاسم: وأما إن خرج تاجرًا إلى مثل إفريقية ونحوها، ولم يُرِدْ المقام بتلك البلدة، فلا يزوجها ولي ولا سلطان وإن أرادته الابنة، لأن مالكًا لم يوسِّع أن تزوج ابنة الرجل [البكر] وهو غائبٌ إلا أن تكون غيبة منقطعة. قال عبد الوهاب: إذا غاب الأب غيبة انقطاع، فإن كانت حياته معلومة، ومكانه معروفًا، إلا أن استئذانه يتعذَّر، وهي بالغ، فقد اختلُف في جواز إنكاحها: فقال مالك: يزوجها الإمام إن رفعت إليه. وقال عبد الملك: لا يجوز إنكاحها بوجه في حياة الأب. وقال ابن وهب: إن قطع عنها النفقة جاز إنكاحها برضاها، وإن أجراها عليها لم يجز. فوجه قول مالك: أن طول غيبته ضرر بها، فهو كما لو عَضَلَها.
ووجه قول عبد الملك: أنها ذات أبٍ غير عاضلٍ، فلا تُزوج عليه، ولا تسقط ولايته لغيبته كالقريب الغيبة فهو كالحاضر. ووجه قول ابن وهب: أن المراعي في ذلك دخول الضرر البين، وذلك موجود مع انقطاع النفقة، فيكون كالعَضَل. قال: واختلف فيمن ينكحها، فقيل: لا يزوجها إلا السلطان، وقيل: للأولياء أن يزوجوها برضاها. فوجه الأول: أن إنكاحها مع بقاء الأب هو لإزالة الضرر عنها كالعضل، فكان كالحكم على الأب، وذلك يختص بالسلطان. ووجه الثاني: أنها بكر جاز تزويج غير الأب إياها برضاها، فجاز ذلك لسائر الأولياء، أصله إذا مات. وأما إذا انقطع خبر الأب فلم تعلم حياته ولا موته جاز إنكاح الأولياء إياها برضاها. وقال عبد الملك: ليس ذلك لهم إلا بعد سنين / من يوم فُقِد. فوجه الأول: أن الظاهر من أمره الموت، فجاز إنكاحها، وأحسن أحوالها أن يُجْرَى مجرى العضل، فيجب إزالة الضرر عنها. ووجه قول عبد الملك: أنه أنزلها بمنزلة امرأة المفقود من حيث كان الضرر يلحقها بانتظاره، فوجب وقف ذلك على ضرب الأجل له كامرأة المفقود.
قال ابن حبيب من قول مالكٍ في غيبة الولي أنه إن كان قريبًا كتب إليه الإمام، وإن سافر انتظره، فإن بعدت غيبته زوجها الإمام إلا في الأب، فلا يزوجها إلا أن تطول غيبته جدًا فيزوج الأيم، وأما البكر فلا إلا أن ينقطع بالسكنى في بلدٍ منقطع بعيد قد يُئِسَ من رجعته، وطال ثواه بها، كالعشرين والثلاثين سنة، فيزوجها السلطان ولا يفعل ذلك أحد من الأولياء، فإن زوجها وليٌّ لها بإذن السلطان في الغيبة البعيدة مضى النكاح، وإن جَهِل السلطان أو الولي فزوجها في الغيبة القريبة لم يجز، وفسخ إذا جاء الأب وإن ولدت الأولاد، وإن أجازه الأب لم يجز، وقال ابن القاسم. [فصل 3 - في تزويج ابنة العاضل] ومن المدونة: وإذا رضيت ثيب بكفءٍ في دينه، وهو دونها في النسب والشرف وردَّه أبٌ أو ولي، زوَّجها من الإمام. ولقد سألنا مالكًا عن نكاح الموالي في العرب؟ فقال: لا بأس به. قال عبد الوهاب: والكفاءة المعتبرة عندنا هي الدين دون النسب، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي
في أنها للنسب لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13] , وقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير» , فاعتبر الدين والأمانة دون النسب. وقوله: «تُنْكَحُ المرأة لدينا ومالها وجمالها, فعليك بذات الدين تربت يداك» , فأخبر عن أغراض النكاح, وأمر بذات الدين وجعله العمدة. قال الشيخ: قيل لابن المواز: ما تقول في الذي جاء عن عمر: لا تزوجوا النساء إلا الأكفاء, فأي امرأةٍ من قريشٍ تزوجت غير كفؤ لها فَرَّقَ عمر بينهما, وقال: لا تنكحوا ذوات الأحساب إلا من الأكفاء؟ قال: قد قال عمر غير هذا, قال: دين الرجل حسبه, وكرمه تقواه, ومروءته خلقه, فليس الحسب والشرف إلا في الإسلام والتقوى وما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس لأحد معه حُجة.
وروى ابن وهب أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فانكحوه» , قالوا: يارسول الله: وإن كان أسود, فقال عليه الصلاة والسلام: «إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير». وذكر ابن وهب أن بلالاً خطب بنتاً لبُكَير, فأباه أخوتها, وكانوا بدرييَّن, فأخبر بلال رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك, فغضب رسول الله, فبلغهم الخبر, فأتوا أختهم فقالوا: مالقينا من غضب رسول الله من أجل بلال؟ فقالت: قد جعلت أمري لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً. ومن المدونة: قيل لابن القاسم: فإن رضيت بعبد وهي امرأة ثيب من العرب, وأبى الأب أو الولي أن يزوجها منه, [أيزوجها منه السلطان أم لا]؟ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئاً إلا ماأخبرتك / من نكاح الموالي في العرب [50/ب] ولقد قيل لمالك: إن بعض هؤلاء القوم فرقوا بين عربية ومولاة, فأعظَمَ ذلك إعظاماً
شديداً, وقال: أهل الإسلام بعضهم لبعضٍ أكْفاء, لقول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13]. وقال غيره: ليس الوليُّ بعاضل في منعه ذات القدر نكاح العبد ومثلِه, لأن للناس مناكح قد عُرِفَتُ لهم وعُرِفُوا بها. وقال المغيرة وسحنون: يفسخ. قال عبد الوهاب: وهذا هو الصواب, لأن الحرية من الكفاءة, ولأن العار يدخل على الأولياء بوضع وليَّتهم نفسها تحت عبد, فكان لهم منعُها. فصل [4_متى يعدُّ الأب عاضلاً لابنته؟] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يكون الأب عاضلاً لابنته البكر البالغ في ردِّ لأول خاطبٍ أو خاطَبيْن حتى يتبيَّن ضرره, وإذا لم يُعْرف من الأب في ذلك ضرر لم يهجم السلطان على ابنته في إنكاحها, ولا حدَّ في ردِّ الأب عنها الواحد والاثنين إلا أن يعَرف ضرره وإعضاله لها, فإذا تبيَّن ذلك منه فأرادت الجارية
النكاح قال له الإمام: إما أن تزوجها, وإما زوجناها عليك, لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا ضَرَرَ ولاضِرَار».
[الباب السادس] في إنكاح الأوصياء
[الباب السادس] في إنكاح الأوصياء [فصل 1_ في تزويج الوصي البالغة] قال مالك: وللوصي ووصي الوصي أن يزوج البكر البالغ برضاها وإن كسره الولي, ولا نكاح للأولياء مع الوصي ووصي الوصي, وهما أولى من الأولياء. قال الشيخ: لأنها ولاية كان للأب على ابنته, فكان له نقلها إلى من شاء بعد وفاته, كولاية المال. قال مالك: ولو رضيت الجارية ووليها برجل والوصي ينكر فلا نكاح لها ولاهم إلا بالوصي, فإن هم اختلفوا نظر السلطان في ذلك. قال مالك: وإن زوجها الولي برضاها من رجل وقد حاضت, ولها وصي أو وصي وصي فلا يجوز نكاحه. قال ابن المواز: قال مالك: إذا زوجها أحد أوليائها برضاها كان للوصي أن ينقض نكاحها. ومن المدونة: قال يحيى بن سعيد: الوصي أولى من الولي, ويشاور الولي.
قال: والوصي العدل مثل الأب. قال ابن القاسم: ووصي الوصي في البكر وإن بَعُدَ كالوصي. قال مالك: ويزوج الثيب الولي برضاها وإن كره الوصي, وإن زوجها الوصي أيضاً برضاها جاز وإن كره الولي, وليس هو كالأجنبي فيها. قال ابن المواز: قال أشهب: وإنما الوصي في الثيب كالأب في الثيب. فصل [2_ في تزويج الوصي الصغيرة] ومن المدونة: قال مالك: وليس لأحدٍ أن يزوج الطفلة قبل بلوغها من قاض أو وصيٍّ أو وليٍّ إلا الأب وحده, لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر باستئذان اليتيمة, ولاإذن إلا للبالغة. قال في كتاب ابن المواز والواضحة: وإذا قال الأب للوصي: زوِّج ابنتي فلاناً, أو ممن ترضاه, أو قال: زوِّجها فقط, فهذه يزوجها الوصي قبل البلوغ, وله إكراهها على ذلك بعد البلوغ كالأب. وإن قال: فلان وصيٌّ فقط, أو قال: وصيٌّ على بُضْعِ بناتي, أو على تزويجهن, فلا يزوجهن هذا حتى يبلغن ويرضين. ابن المواز: قال أصبغ: ولو كان الذي أمره الأب بتزويجه لها رجلاً فاسقاً سكِّيراً لم يجز ذلك عليها, ولا يجوز ذلك للأب لو فعله بها, وكان للسلطان أن
يرد نكاحه عليها, لأنه من الضرر, وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الضرر. وكما لو دعت هي إلى تزويج مثل هذا لم يجز أن تُجاب إليه. قيل: فلو أوصى إليه فقال له /: زوِّج ابنتي من فلا بعد عشر سنين [أو بعد أن تبلغ] أو قال له: ممن ترضاه؟ قال: ذلك جائز لازم إذا فرض لها صداق مثلها, وليس لها ولا للوصي أن يأبيا ذلك إذا طلب ذلك من سمَّاه الأب, ويحكم له بذلك, إلا أن يكون لها في ذلك حجة, مثل أن يكون يوم أمره الأب بتزويجه مأموناً مرضيَّاً حسن الحال, ثم خرج بعده إلى الفسق والدَّعارة والتلصُّص, فيبطِل الحاكم عنها وصية الأب فيه سواءً أحبته أو كرهته. قيل: فلو كانت حجتها أن قالت: إن هذا الرجل يوم أمر أبي بإنكاحي منه خلوٌّ من النساء, وهو الآن قد تزوج بعده, أو قالت: اتخذ السراري, فلست أُدْخِلُ عليَّ الضرر؟ قال: ليس هذا مما ترد به النكاح عن نفسها, والأمر لها لازم. قال الشيخ: وقع في بعض روايات المدونة فيمن قال: إن مت من مَرضي فقد زوجتُ ابنتي من ابن أخي. قال فيها سحنون: إنما يجوز ذلك إذا قبل النكاح ابن الأخ بِقُرْبِ ذلك ولم يتباعد.
قال الشيخ: وهذه بخلاف مسألة أصبغ, لأن هذا زوَّج ابنته بعد, وأنما بقي إعلام الزوج ورضاه, فلذلك اشترط إن قَبِلَ بالقرب, وأما الآخر فإنما أوصاه أن يعقد ذلك الوصي إن رضي الزوج, فلذلك جاز بعد الطول وهذا بيِّن. وفي بعض حواشي الكتاب: إذا قال في صحته: إذا مت فقد زوجت ابنتي فلانةً من فلانٍ ابن أخي, أنه لا يجوز هذا عند ابن القاسم, وبه قال أصبغ وابن المواز, لأنه نكاح إلى أجل, كما لو قال: إذا مضت سنة فقد زوجت ابنتي من فلان, وأشهب يجيز هذا. قال أصبغ: وإن في المرض لَمَغّمَزاً أيضا ولكن أهل العلم متفقون على إجازته وهو من أمر الناس ومن وصايا المسلمين في أمراضهم. [فصل 3_في تزويج الأب أو الوصي الطفل الصغير] ومن المدونة: قال مالك: وأما الطفل الصغير فلأبيه أو وصيه أن يزوجه قبل بلوغه, وليس ذلك لغيرهما من الأولياء, ووصي الوصي في ذلك كالوصي. قال: ولأن للطفل أن يطلِّق إذا بلغ وليس ذلك للطفلة.
فصل [4 - في استخلاف الأم من يزوج ابنتها] قال مالك: وللأب أو للولي أن يستخلف من يزوج, وليس للأم أن تستخلف من يزوج ابنتها البالغ اليتيمة, إلا أن تكون الأم وصية, فإن كانت الأم وصية عليها أو على صَبَيَّة غير ابنتها فهي أحقُّ بعقد النكاح من الأولياء, غير أنها لا تلي هي عقد نكاحها, ولكن توكِّل بذلك رجلاً بعد بلوغ الصبيَّة ورضاها, فأما قبل بلوغها فلا.
[الباب السابع] في المرأة يتزوجها رجلان ولا يعلم الأول منهما وولي المعتقة, والاولي يرضى بغير كفء ثم لا يرضى به في نكاح ثان
[الباب السابع] في المرأة يتزوجها رجلان ولا يعلم الأول منهما ووليَّ المعتقة, والاولي يرضى بغير كفءٍ ثم لا يرضى به في نكاح ثان [فصل 1_في المرأة يتزوجها رجلان ولا يُعلم الأول منهما] قال مالك: وإذا وكَّلت المرأة كلَّ واحدٍ من ولييها يزوجها فزوَّجها هذا من رجلٍ وهذا من رجلٍ أخر, فالنكاح لأوَّلهِما إذا عُرَفَ الأول, إلا أن يدخل بها الأخر فهو أحقُّ [بها] وكذلك قضى عمر رضي الله عنه. قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: تردُّ للأول على كل حال, ودليلنا: أنه إجماع الصحابة, روي عن ذلك عمر والحسن بن علي
ومعاوية, وقيل: مرويٌّ عن عليٍّ رضي الله عنهم ولا مخالف لهم. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن لم يدخل بها واحد منهما ولم يعرف الأول فسخا بطلقة طلقة, ولا قول لها إن قالت: هذا هو [الأول] , ثم تبتدئ نكاح من أحبت منهما أو من غيرهما. قيل لابن المواز: فإن مات الأول منهما أو طلق قبل أن يدخل الآخر بها ثم دخل الآخر بعد موته أو بعد طلاقه؟ قال: إن لم يعلم بذلك حتى دخل الآخر ثبت نكاحه / كما لو دخل بها والأول حي لم يمت ولم يطلق, ولا ميراث لها من الأول ولا عدة عليها منه, وإن علم بذلك قبل دخول الآخر فسخ نكاح الآخر واعتدت من الأول وورِثَته, وكذلك إن طلق فإنه يفسخ نكاح الآخر على كل حال, وذلك إذا كان عقد
الآخر في حياة الأول قبل أن يموت أو يطلق, وأما لو عقد بعد موته أو طلاقه, فإن تزوجها في عدة موته فسخ نكاحه, لأنه ناكح في عدة, وأما في طلاقه فيثبت نكاحه, إذ لا عدة عليها, لأنه قبل البناء. قيل: فإن دخل الآخر والأول حيٌّ لم يطلق, فأقر الولي الذي زوَّج الآخر أنه كان عالماً بتزويج الأول؟ قال: لم يقبل قوله بعد دخول الآخر إلا أن تقوم بينة أنه كان أقر عندهم قبل تزويجه بعلمه, فيفسخ حينئذ نكاح الآخر فسخاً بغير طلاق. ولكن لو أقر الآخر نفسه بعد دخوله بأنه قد كان بتزويج الأول عالماً قبل أن يدخل بها لم يحتج إلى بينة, وفسخ نكاحه بطلقة بائنة, فكان لها الصداق كاملاً. وقال عبد الملك: فسخاً بغير طلاق. فصل [2_في وليِّ المعتقة من رجلين] ومن المدونة: وإذا أعتق الأمة رجلان فكلاهما وليَّاها, فإن أنكحها أحدهما بإذنها جاز على الآخر وإن لم يرض. فصل [3_في الولي يرضى بغير كفءٍ ثم لا يرضى به في نكاح ثان] قال مالك: وإذا رضي الولي برجل ليس بكفءٍ للمرأة, فصالح ذلك الرجل زوجته فبانت منه, ثم أرادت المرأة نكاحه بعد ذلك فامتنع الولي وقال: لست بِكُفْءٍ لها, فليس ذلك له, وإذا رضي به مرة فليس له أن يمتنع منه أخرى.
قال ابن القاسم: ألا أن يَظَهَر منه على فسق, أو تلصُّص, أو ما فيه حجة غير الأمر الأول, فذلك للولي, وكذلك إن رضي بعبد على ما ذكرنا.
[الباب الثامن] في توكيل المرأة أجنبيا يزوجها أو قالت لوليها: زوجني ممن أحببت
[الباب الثامن] في توكيل المرأة أجنبيا يزوجها أو قالت لوليها: زوجني ممن أحببت [فصل 1_في توكيل المرأة أجنبياً يزوجها] قال ابن القاسم: وإذا وكلت المرأة الدنية مثل المعتقة والمسلمانية والسوداء والمسكينة أجنبياً فزوجها وهي ببلد لا سلطان فيه, أو فيه سلطان يعسر عليها تناوله ولا ولي لها جاز ذلك. وفي رواية أشهب عن مالك: أن الدنَّية وغيرها سواء, ولا يزوجها إلا ولي أو سلطان. قال الشيخ: فوجه الأول: أنه لما لم يكن لها ولي, وكان متناول السلطان بعيداً صار ذلك ضرورة أباحت تزويج الأجنبي إياها, لأنه ولي عام, لقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة:71]. ووجه الثانية: أن الولي العام لا يزوج مع حضور الخاص, أصله في غير الدنِّية. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن ولَّت من أسلمت هي على يديه, فإنه يجوز إنكاحه إياها, وأما من أسلم على يديه أبوها وتقادم ذلك حتى
يكون لها من القدر والغناء والإباء في الإسلام ما يتنافس الناس فيها فلا يزوجها وهو كالأجنبي فيها. قيل لمالك: فرجال من الموالي يأخذون صبياناً من العرب تصيبهم السنة فيكفلونهم ويربونهم حتى يكبروا, فتكون فيهم الجرية فيريد أن يزوجها؟ فقال: ذلك جائز, ومن أنظرُ لها منه. قال الشيخ: يريد إذا بلغت وأذنت, وهذا إذا لم يكن لها أب, وأما إن كان لها أب فلا ينكحها بغير رضى أبيها إلا أن يَجعل ذلك الأب بيده, ونحوه في كتاب محمد. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما كل امرأة لها بال وغناء وقدر, فإن تلك لا يزوجها / إلا وليها أو السلطان. قيل لمالك: فلو أن امرأة لها قدر تزوجت بغير أمر ولي, فوَّضت أمرها إلى رجل فرضي الولي بعد ذلك, أيثبت النكاح؟ فوقف فيه. وقال ابن القاسم: إذا أجازه الولي بالقرب جاز, وسواء دخل الزوج أم لا وإن أراد فسخه بحدثان الدخول كان ذلك له وفسَخَه, فأما إن طالت إقامتها معه وولدت الأولاد أمضيته إن كان ذلك صواباً ولم يفسخ, وقاله مالك وغير واحد من الرواة. قال سحنون: وقال غيره: لا يجوز وإن أجازه الولي, لأنه عقده غير الولي.
قال ابن وهب عن مالك في موضع آخر: يفرق بينهما بطلقة, دخل بها الزوج أم لا, إلا أن يجيز ذلك الولي أو السلطان إن لم يكن لها ولي, فأما المرأة الوضيعة مثل المعتقة والسوداء والمسلمانية فإذا كان نكاحها ظاهراً معروفاً فذلك عندي أخف من المرأة لها الموضع. قال الشيخ: وهذا كله موافق لرواية ابن القاسم, وتحصيل مذهب ابن القاسم فيها: هو أنه إذا طال قبل البناء فلابد من فسخه, وإذا طال بعد البناء فلابد من إجازته, وإنما يجيز الولي في القرب, كذلك كان يدرّسه بعض شيوخنا, وهو بيِّن-. قال ابن القاسم: وإذا استخلفت المرأة على نفسها رجلاً فزوجها ولها وليان أحدهما أقعد بها من الآخر, فلما علما أجازه الأبعد ورده الأقعد فلا قول هاهنا للأبعد, بخلاف التي زوجها الأبعد وكره الأقعد, لأن ذلك نكاح عقده ولي, وهذا نكاح عقده غير ولي فلا يكون فسخ هذا إلا بيد الأقعد, وقاله مالك. قال ابن القاسم: وإن غاب الأقعد وأراد الأبعد فسخه نظر فيه السلطان, فإن كانت غيبة الأقعد قريبة بعث إليه وانتظره ولم يعجل, وإن كانت غيبته بعيدة نظر السلطان كنظر الغائب في الرد أو الإجازة, وكان أولى من الولي الحاضر. فصل [2_في المرأة إن قالت لوليها: زوجني ممن أحببت] قال مالك: وإذ قالت المرأة لوليها: زوجني ممن أحببت, فزوجها من نفسه أو من غيره لم يجز حتى يسمي لها من يزوجها, ولها أن تجيز أو ترد. وقد قال ابن القاسم: إن زوجها من غيره جاز وإن لم يسمه, وإن زوجها من نفسه فبلغها ذلك فرضيت به جاز, لأنها قد وكلته بتزويجها.
قال الشيخ: فصار الخلاف إنما هو في الأجنبي خاصة, فأما في نفسه فلا يجوز عليها إلا أن ترضى. قال الشيخ: فوجه قوله: إذا زوجها من غيره لم يجز حتى يُعلمها به, لاختلاف أغراض النساء في أعيان الرجال, وإن تساووا في الكفاءة. ووجه قوله للثاني: فلأن تفويضها ذلك إليه رضى بما صنع. وأما إذا زوجها من نفسه لم يجز حتى يعلمها في القولين, لأنه يتَّهم في تقديم حظِّه ومحاباته نفسه, وكما لو أمرته ببيع سلعتها فباعها من نفسه أنها مخيرة عليه.
[الباب التاسع] في القاضي يزوج المرأة من نفسه والأب يزوج ابنه وهو صامت ثم ينكر وتزويج مواليه الصغار, والوصي إماء اليتامى
[الباب التاسع] في القاضي يزوج المرأة من نفسه والأب يزوج ابنه وهو صامتٌ ثم ينكر وتزويج مواليه الصغار, والوصي إماء اليتامى [فصل 1_في القاضي يزوج المرأة من نفسه] قال ابن القاسم: وإذا لم يكن للمرأة وليٌّ فزوَّجها القاضي من نفسه أو من ابنه برضاها جاز, لأنه وليُّ من لا ولَّي له, وإن كان لها وليٌّ فزوَّجها القاضي من نفسه أو من ابنه برضاها, وأصاب وجه النكاح ولم يكن / منه جور فليس لوليها فسخ ذلك, لأنه في حديث عمر: لا ينكح لامرأة إلا وليها أو ذوي الرأي من أهلها أو السلطان, فقد جعل إليهم النكاح بينهم في هذا الحديث. قال الشيخ: ولما جاز عقده عليها للأجنبي برضاها جاز عقده عليها لنفسه برضاها, وقد أعتق النبي عليه الصلاة والسلام صفيَّة وتزوجها.
ابن المواز: قال ابن وهب: وأخبرني يونس عن ابن شهاب عن عروة ابن الزبير أنه سأل عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء:3] فقالت: هي البكر اليتيمة تكون في حجر وليها فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط لها في صداقها, فَنُهُوا عن أن يَنْكِحُوهنَّ إلا أن يقسطوا لهنَّ ويبلغوا بهنَّ أعلى سُنَّتِهِنَّ من الصداق, وإلا فلينكحوا ما طاب لهم من النساء سِوَاهن. فصل [2_في الأب يزوج ابنه وهو صامت ثم ينكر] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن زوَّج ابنه البالغ المالك لأمره وهو حاضرٌ صامت, فلما فرغ الأب من النكاح قال الابن: ما أمرته ولم أرض, ولكن صمتُّ لأني علمت أن ذلك لا يلزمني, فليحلف ويكون القول قوله. وقد قال مالك فيمن زوَّج ابنه البالغ وهو غائب فأنكر إذا بلغه النكاح: سقط النكاح والصداق عنه وعن الأب. فهذا عندي مثله وإن كان حاضراً, وابنه وأجنبي في ذلك سواء إذا كان الابن قد ملك أمره:
قال الشيخ: فإن نكل عن اليمين لزمه النكاح, فإن شاء طلَّق وودى نصف الصداق, وإن شاء ثبت عليه. وقد سئل ابن القاسم في المستخرجة عن الرجل يخطب امرأة إلى وليها فيزوجه ويشهد له, فتنكر المرأة أن تكون علمت أو رضيت أتستحلف؟ قال: إن كان الإشهاد على ذلك في المسجد, وحيث يُرَى أنها لم تعلم فلا يمين عليها, وإن كان الإشهاد ظاهرا, أو إطعاماً لوليمة أو إشهاراً في دارها. وحيث يُرى أنها عالمة فأرى أن تحلف بالله ما وكَّلته ولا فوَّضت إليه ذلك, وما ظننت أن ذلك اللَّعب ولا ذلك الطعام الذي صُنِعَ إلا لغيري, ثم لا شيءَ عليها, فإن نكلت عن اليمين لزمها النكاح. قال الشيخ: فكذلك مسألة الابن. وقد حكى عن أبي محمد: أن اليمين إنما هي على الولد استظهاراً, فإن نكل فلا يلزمه شيء. وقال غيره: إذا نكل طلق عليه ولزمه نصف الصداق. والصواب ما قدمنا عن ابن القاسم, وبالله التوفيق. قيل لابن القاسم: فإن رضي الابن بالنكاح وهو كبير, وهو في عياله, إلا أنه قال: لا أغرم من المهر شيئاً, وقال الأب: إنما أردت أن يكون المهر عليك؟ قال: قال مالك: لايكون على واحد منهما من المهر شيء, وتقع الفرقة بعد أيمانهما.
قال ابن القاسم: إلا أن يكون قد دخل فإنه يحلف الأب ويبرأ، ويكون ذلك على الابن وإن كان عديما، إلا أن يكون الابن ممن يُوْلَى عليه فيكون ذلك على الأب، إلا أن يكون للابن مال. فصل [3 - في تزويج المعتق مواليه الصغار وتزويج الوصي إماء اليتامى] ومن المدونة: قال مالك: ومن أعتق صبَّيًا صغيرًا فزوَّجها قبل البلوغ لم يجز عقده عليها بخلاص الوصي الذي يجوز عقده على الصغير ولا يجوز عقده على الصغيرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باستئذان اليتيمة، ولا إذن إلا للبالغة. وللوصي إنكاح إماء اليتامى وعبيدهم على وجه النظر لليتامى وطلب الفضل لهم، وكما يجوز بيعه وشراؤه على من يلي عليه فكذلك يجوز إنكاح إمائهم وعبيدهم بعضهم من بعض أو من الأجنبي. وقد تقدم أن للرجل أن يُنْكِحَ عبده أو أمته وإن كَرِهَا، وله جبرهما على النكاح.
[الباب العاشر] فيمن أرسل من يزوجه فضمن الرسول الصداق
[الباب العاشر] فيمن أرسل من يزوجه فضمن الرسول الصداق أو زاد فيه [فصل 1 - فيمن أرسل من يزوجه فضمن الرسول الصداق] قال مالك: ومن أتى إلى امرأة وقال: إن فلانًا أرسلني أخطبك له، وأمرني أن أعقد له نكاحه إن رضيت، فقالت: قد رضيت، ورضي وليها فأنكحه وضمن الخاطب الصداق، ثم قدم فلان فقال: ما أمرته، فلا يثبت هذا النكاح، ولا يلزم الرسول شيئًا مما ضمن. قال الشيخ: يعني بعد يمين الغائب أنه ما أمره، لأنه لو أقر له لزمه النكاح. وقد قال مالك في كتاب ابن المواز في امرأة زوَّجها وليها وزعم أنها أمرته، ثم إن المرأة أنكرت ذلك لمَّا بلغها، قال مالك: عليها اليمين، فإن حلفت سقط عنها النكاح، فهذا مثله. قال الشيخ: وإنما لم يضمن الرسول؛ لأنه إنما ضمن لها على تمام النكاح فإذا انفسخ النكاح انفسخ الضمان. وقال علي بن زياد: ويضمن الرسول ما ضمن لها. قال الشيخ: يعني أنه يضمن نصف الصداق، لأنه فسخ بطلاق قبل البناء، فإنما يضمن ما كان على الزوج لو طلق.
[فصل 2 - في ضمان الرسول الصداق وزيادته فيه] ومن المدونة: قال مالك: ومن قال لرجل: زوجني فلانة بألف، فذهب المأمور فزوجه إياها بألفين، فعلم بذلك قبل البناء، قيل للزوج: إن رضيت بألفين وإلا فُرِّق بينكما، إلا أن ترضى المرأة بالألف فيثبت النكاح. قال الشيخ: أراه يريد إنما هذا بعد أن يحلف الزوج أنه إنما أمر الرسول أن يزوجه بألف، فإذا حلف قيل للمرأة: إن رضيت بألفٍ وإلا فُرِّق بينكما، فإن نكل الزوج عن اليمين لزمه النكاح بألفين، وهذا إذا كان على عقد الرسول بألفين بينة، وإن لم يكن على عقده بألفين بينة إلا قول الرسول فهاهنا يكون الحكم فيها كاختلاف الزوجين في الصداق قبل البناء، تحلف الزوجة أن العقد كان بألفين، ثم يقال للزوج: ترضى بذلك، أو فاحلف أنك إنما أمرته بألف، وينفسخ النكاح إلا أن ترضى الزوجة بالألف. قال ابن القاسم: وتكون فرقتهما تطليقة. وقال المغيرة: بغير طلاق. قال ابن القاسم: وسواء في ذلك قال له: زوجني فلانة، أو قال: زوجني، ولم يقل: فلانة. قال: وإن قال الرسول: أنا أغرم الألف التي زدت، وأبي الزوج لم يلزمه النكاح بذلك، لأنه يقول: إنما أمرتك أن تزوجني بألف درهم، فلا أرضى أن يكون صداقي ألفين. -قال الشيخ: ولا أرضى حَمْلُك عنِّي، ولا منَّتك علي-. قال مالك: وإن لم يعلما حتى دخلا لم يلزم الزوج غير الألف، ولا يلزم المأمور شيئًا، لأنها صدَّقة، والزوج جحدها الألف الزائدة، والنكاح بينهما ثابت -يريد وعلى عقد النكاح بينهما بألفين بينة، وليس على رضى الزوج
والزوجة بالتسمية بينة. قال ابن القاسم: وإن أقر المأمور بعد البناء بالتعدي غرم الألف الثانية، والنكاح ثابت. وإن دخل الزوج بعد علمه بتعدي المأمور لزمته الألفان، علمت المرأة بتعديه أو لم تعلم. وكذلك من أمر رجلاً أن يشتري له أمة بمئة درهم فاشتراها له بمئتين، فوطئها الآمر بعد علمه بما زاد المأمور، والبائع عالم بذلك أو غير عالم، فعلى الآمر غرم مئتين. ومن كتاب ابن المواز: قال: وإذا بنى الزوج قبل أن يعلم فإنه يحلف الزوج ما أمره إلا بالألف وما علم بما زاد إلا بعد البناء، فإن نكل غرم، وإن لم يكن على أصل النكاح بالألفين بينة / غير قول الرسول حلف الزوج أيضًا، إلا أنه إذا نكل هاهنا لم يغرم حتى تحلف المرأة على أن أصل النكاح كان بألفين، لا على أن الزوج أمر الرسول بألفين، فإن حلف الزوج أولاً فلها أن تحلف الرسول أنه أمره بألفين، فإن نكل غرم الألف [الأخرى].
قال أصبغ: ولو نكل الزوج فغرم في الوجهين فله أن يحلف الرسول، فإن نكل غرم. قال ابن المواز: وهذا غلط، لا يمين للزوج على الرسول، إذ لو أقر بالتعدي لم يكن بُدٌ من يمين الزوج، لأنه لما ترك اليمين فقد ألزم ذلك نفسه. -قال الشيخ: يريد محمد: لابد من يمين الزوج أنه ما علم بما زاد إلا بعد البناء فإذا نكل عن ذلك لزم الغرم، فلذلك لم يكن له على الرسول يمين-. قال أصبغ: وهذا فيما يشبه أن يكون صداقًا وإن كان دون صداق مثلها وقد بنى، فيحلف وعليه ما أقر به، وإن لم يشبه أن يكون صداقًا وجاء بأمر مُفْرِط مثل الدينارين والثلاثة والخمسة في ذوات القدر واليسار فليحلف قبل البناء، وإن بنى حلف وبلغ بها صداق مثلها على تزويج التخفيف والصلة والقريب المواصل. قال ابن القاسم: وإذا أنكر الآمر ما زوجه به، ثم أقر ورضي بعد ذلك، فإن كان إنكاره ردَّاً وفسخًا لفعله فلا يجوز أن يجيزه، قَرُبَ أو بَعُدَ إلا بنكاح جديد، وإن لم يكن على الرد مثل أن يقول: أكثرتم علي، وما أحِبُّ هذا، وما أَرَاني أرضى، وشِبه هذا فلا بأس أن يجيز، وإن طال الأمر ولا يُعلم منه رضى ولا سخط فلا يجوز إلا أن يأتنفا نكاحًا جديدًا حين لم يُجْزِه حين علم، ولأنهما لا يتوارثان، وأما ما قُرب فيتوارثان استحسانًا. وقال: وتحرم على آبائه وأبنائه، ردَّ ذلك أو رضيه، وقال أصبغ، وذلك كله ما لم يدخل.
[الباب الحادي عشر] في النكاح يعقده ذمي أو عبد أو امرأة
[الباب الحادي عشر] في النكاح يعقده ذمي أو عبد أو امرأة [فصل 1 - في النكاح يعقده ذمي] قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]، وقال: {لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 51]. قال مالك: فلا يجوز لنصرانيٍّ عقد نكاح مسلمة أَبَاً كان أو غيره. قال ابن القاسم: ويعقد النصراني نكاح وليته النصرانية لمسلمٍ إن شاء، لأنه وليٌّ لها، وإن كان لهذه النصرانية أخ مسلم فلا يعقد نكاحها من مسلم إن كانت من نساء أهل الجزية، لقول الله تعالى في أهل الكفر: {مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنفال: 72]. قال ابن المواز: وإذا زوَّجها مسلم فقد زوجها غير وليٍّ، كان أَبَاً أو غيره. قال ابن القاسم: وإن لم تكن من نساء أهل الجزية وقد أعتقها مسلم جاز أن يزوجها وليها المسلم ومولاها بإذنها، لأن ولاءها للمسلمين. وأما إن كانت من نساء أهل الجزية فلا يزوجها مسلم من مسلم ولا من نصراني، فإن زوجها المسلم من مسلم فُسِخ نكاحه، لأنه زوَّجها غير وليٍّ، وإن
زوجها من نصراني لم أفسخه، لأنه نصراني تزوج نصرانية بغير ولي، ولسنا نعرض لهم في نكاحهم، إلا أن المسلم الذي عقد نكاحها منه ظلم نفسه لما أعان على ذلك ودخل لهم فيه. قال ابن المواز: قيل لأشهب: فالنصراني تكون له البنت النصرانية أيعقد نكاحها مع مسلم؟ قال: نعم. قيل له: فإن كان الأب مسلمًا أيعقد نكاحها مع مسلم؟ قال: لا. قال أصبغ: إن وقع لم أفسخه، وهو نكاح، لأن النصراني لا يعقد نكاحًا إلا كان عقد المسلم أصح منه وأفضل، وإنما ولايتها في الحكم أولى من وليها المسلم فإن لم يرغبوا فولت مسلما عقد نكاحها فهو أحب إلى من وليها الكافر. قال ابن المواز: وهذا غلط، وخلاف لقول مالك / وابن القاسم [وأشهب] مع غفلة عن الحجة، لأن المسلم ليس بولي لها، فإذا أنكحها من مسلم صار هذا المسلم قد تزوجها بلا ولي فنكاحه باطل. قيل لابن القاسم: فإن كانت هذه النصرانية لا ولي لها أرادت نكاح مسلم، أتولي مسلما يزوجها منه؟ قال: لا، ولا يزوجها إلا أهل دينها أساقفتهم أو بعض ولاتهم. قيل له: هل للسيد المسلم أن يزوج أمته النصرانية من نصراني أو غيره؟ قال: نعم، وليس هذا من قبل الولاية ولكن من قبل أنها ماله. قال الشيخ: وأما تزويجه إياها من غير مسلم فجائز، وأما من مسلم
فلا يجوز، لأن المسلم لا يجوز له نكاح الأمة الكتابية ولا يطؤها إلا بملك اليمين، كان حرًا أو عبدًا، كانت لمسلم أو ذمي، ولا يزوجها سيدها من غلام له مسلم، قال مالك في النكاح الثالث. فصل [2 - في النكاح يعقده عبد] ومن المدونة: قال مالك: والعبد والمكاتب والمدبَّر والمعتق بعضه والنصراني والمرتد ليس منهم مَنْ يلي عُقْدَةَ النكاح، فإن عقد أحدهم نكاح ابنته البكر أو الثيب برضاها، وابنة النصراني ملسمة لم يجز ويفسخ وإن دخل بها، وللمدخول بها المهر بالمسيس. قال مالك: ولو كانت ابنة العبد حرة فأراد أولياؤها إجازة ذلك لم يجز، ولابد من فسخه، لأن العبد والمكاتب والمدبر لا يجوز لهم أن يعقدوا نكاح بناتهم ولا أخواتهم ولا أمهاتهم.
قال مالك في كتاب محمد فيما عقده الأب العبد على ابنته أو غيرها، أو فيما عقدته المرأة على ابنتها أو ابنة غيرها أو على نفسها: يفسخ قبل البناء أو بعده، وإن ولدت الأولاد وطال زمانه أجازه الأولياء أو كان بإذنهم، كان [لها] خَطْبٌ أو لم يكن، ويفسخ بطلقة، ولها المسمى إن دخلت. قال أصبغ: ولا ميراث فيما عقدته المرأة أو العبد وإن فسخ بطلاق، لضعف الاختلاف فيه. قال ابن القاسم: وكذلك عَقَدُ مَنْ فيه بقية رق. قال مالك: وكذلك إن كانت المرأة أو العبد وصيين على التي عقدا عليها، فلا يجوز عقدهما، إلا أن للعبد الوصي أو المرأة الوصية أن يولِّيا أجنبيًا على العقد، فيجوز وإن كره الأولياء، وإن لم يكونا وصيين فلا يجوز عقدهما ولا استخلافهما. قال ابن القاسم في العتبية: وإن كان العبد ذا نَفَاذ ونَظَر فليحضر وليُسمع من رأيه، وليس له في الاستخلاف شيئًا. وقال في الواضحة: وإن جَهِلَ العبد فاستخلف غيره فعقد نكاح ابنته الحرة فسخ ذلك، وإن فات بالبناء مضى ولم يفسخ. قال في العتبية: وكذلك النصراني لا يزوج ابنته المسلمة ولا يستخلف من يزوجها، ولا يطلب في ذلك رضاه إلا أن يكون وصيَّاً لرجل مسلم وأجازه الإمام
فله أن يستخلف مسلمًا يلي عقد نكاح بنات الميت. قال عبد الوهاب: وإنما لم يجز عقد العبد على النساء، لأن الرق ينافي ولاية عقد النكاح، لأن العبد ناقص نقصًا أوجبه الكفر، وهو أصل رقِّه، فهو كالكافر فيه، ولأن كلَّ نقص منع وجوب صلاة الجمعة وتقلَّدَ الحكم منع ولاية عقد النكاح على النساء كالنساء. ومن المدونة: قال مالك: والعبد إذا استخلفه حر على البُضْعِ فليوكِّل غيره على العقد. قال مالك: وللمكاتب إنكاح إمائه على ابتغاء الفضل، وإلا لم يجز إذا ردَّ ذلك السيد. ولا يتزوج المكاتب إلا بإذن سيده. فصل [3 - في النكاح تعقده امرأة] قال مالك: ولا تعقد المرأة نكاحًا على أحد من الناس ولا ابنتها ولكن تستخلف رجلاً يعقد لها النكاح إن كانت وصيةً، ولها أن تستخلف أجنبيًا وإن كان أولياء الجارية حضورًا.
قال سحنون: قال بعض / الرواة: وذلك أن جميع من سميت ليس بولي، فإذا استُخلف أحد منهم على النكاح فليستخلف هو غيره، بذلك جاءت الآثار والسنة. وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ميمونة، فجعلت ميمونة أمرها إلى أمُّ الفضل، فولَّت أمُّ الفضل العباسَ فزوَّجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى ابن وهب عن أبي هريرة أنه قال: لا تُزوِّجَ المرأةُ المرأة، ولا تُزوِّجُ المرأةُ نفسها، فالزانية هي التي تُنكِحُ نفسها.
قلت لابن القاسم: فحديث عائشة رضي الله عنها حين زوجت حفصة بنت أخيها عبد الرحمن من المنذر بن الزبير، أليس قد عقدت عائشة رضي الله عنها النكاح؟ قال: لا أعرف تفسيره، إلا أني أظنُّ أنها وكَّلت مَنْ عقد نكاحها. قال ابن المواز: ولا يثبت أنها عقدته، فلا يحتج بمثل هذا، وقد يقال فيمن فعل بأمره أن الآمر فعله، وكما جاء في بريرة أنها كانت مكاتبة فاشترتها
عائشة رضي الله عنها، فصار ولاؤها لها، وليس في الحديث أنها عجزت، فلم يستقم إلا أن يقال: إنها عجزت، لأنه لا اختلاف في أن ولاء المكاتب لمن عقد كتابته، إلا أن يعجز، فعلى هذا يُحْمَلُ أمر عائشة في التزويج أنها أمرت من عقد النكاح، وذكر حديث أبي هريرة أنه قال: لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج نفسها، فإن الزانية هي التي تنكح نفسها. قال الشيخ: وذكر هذا الحديث عبد الوهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تنكح المرأة نفسها». وقال غير ابن القاسم في المدونة: قد جاء حديث عائشة رضي الله عنها ولكن لم يصحبه عمل، فهو كغيره من الأحاديث مما لم يصحبه عمل، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن»، وقد أُنزِل حدُّه على الإيمان، وقَطْعُه على الإيمان،
وروي عن الصحابة رضي الله عنهم أحاديث لم يعمل بها، وأخذ عامة الناس والصحابة بغيرها، فبقي الأول غير مُكَذَّب ولا معمول به، فاترك ما تُرِكَ العمل به، ولا تكذِّبه، واعمل بما عُمِلَ به، وصَدِّقه، وقد صَحِبَ العملَ قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتزوج المرأة إلا بولي»، وقول عمر: لا تتزوج المرأة إلا بولي، وإن عمر فرَّق بين من يَزَّوَّجُ بغير ولي. وقال عيسى عن ابن القاسم: وللرجل أن يستخلف من شاء امرأة أو عبدًا أو نصرانيًا يعقد نكاحه. قال: فتعقد المرأة على عبدها نكاحه، ولا تعقد على أمتها، وكذلك قال ابن حبيب: إن للمرأة أن تليَ عقد نكاح من تلي عليه من الذكور، وكذلك في عبدها، وأنها لا تعقد على من لا يعقد على نفسه أبدًا. قال الشيخ: وإنما يعقد على من له حِلُّ ما عقدت عليه يومًا مَا.
[الباب الثاني عشر] في نكاح بغير إذن الولي
[الباب الثاني عشر] في نكاح بغير إذن الولي [فصل 1 - في ذكر ما يدل على تحريم النكاح بغير إذن الولي وعقوبة فاعله] روى ابن وهب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنكح المرأة بغير إذن وليها، فإن نكحت فنكاحها باطل، وأعادها ثلاث مرات، فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له». قيل لمالك فيمن يزوج امرأةً بغير أمر الولي بشهود: أَيُضْرب أحد منهم؟ فقال: أو دخل بها؟ قالوا: لا، وأنكر الشهود أن يكونوا حضورًا. فقال: لا عقوبة عليهم. قال ابن القاسم: إلا أني رأيت منه أنه لو دخل عليها لعوقبت المرأة والزوج والذي / أَنْكَح، ويؤدَّب الشهود أيضًا إن عَلِمُوا. قال ابن وهب: وروي عن عمر بن الخطاب في رَكْبٍ جمعتهم الطريق، قولَّت امرأة أمرها غير وليِّ فأنكحها رجلاً منهم، ففرَّق عمر بينهما، وعاقب النَّاكِحَ والمُنْكِح. وكتب به عمر بن عبد العزيز إلى أيوب بن شرحبيل: أَيُّما رجل نكح
امرأة بغير إذن وليِّها انتَزِعْ منه امرأته، وعاقِبِ الذين أَنْكَحُوا. [فصل 2 - في ما يترتب على النكاح بغير إذن الولي إن فعل] قال مالك: ويكره للرجل أن يتزوج امرأةً بغير إذن وليها. قال ابن القاسم: فإن فَعَل كُرِهَ له وطؤها حتى يعلم وليُّها فيجيز أو يفسخ، ولو أن امرأة استخلفت رجلاً فزوجها بغير إذن الولي، فسخه الإمام أو وليها عند الإمام، فليفسخه بطلقة بائنة، سواء دخل بها أو لم يدخل، ثم إن أرادته زوَّجها إياه الإمام مكانها وإن كَرِهَ الولي، إذا دعت إلى سداد وإن لم يساوِ حَسَبَها ولا غِناها، وكان مرضَّيًا في دينه وعقه، وهذا إذا لم يكن دخل بها. قال الشيخ: يريد: ولو كان دخل بها لم يُنكِحْها حتى تستبرأ بثلاث حيض. قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران في قوله: وهذا إذا لم يكن دخل بها، قال: إن كان الاشتراط من قول ابن القاسم فهو خلاف الذي ذكر ابن حبيب. والذي ذكر ابن حبيب قال: قال مالك: إن كان نكاحًا ليس لأحد إجازته فلا يتزوجها في الاستبراء منه، وإن كان للولي أو السلطان إجازته فله أن يتزوجها في عدتها منه قبل تمامها. قال أبو عمران: فإن كان هذا الاشتراط من لفظ سحنون فقد مرَّ على مذهبه، لأنه قال في العبد يتزوج بغير إذن سيده فيجيز السيد نكاحه: أنه يستبرئ بعد إجازة السيد، وقاله ابن الماجشون معه.
وكذلك كل عقد كان فاسدًا ثم أجيز فلابد فيه من الاستبراء، بخلاف من تزوج بصداق فاسد، هذا إذا ثبت بالدخول لا استبراء فيه. وكذلك الذي يكون عقده صحيحًا ثم يطؤها وطأ فاسدًا مثل وطء الحائض والصائمة في رمضان، لا استبراء في هذا الوطء. قال الشيخ: لأن الاستبراء في مثل هذا إنما يقع في ابتداء النكاح أو ما ضارعه مما للولِيِّ فسخه أو إجازته كابتداء نكاح، وأما نكاح لا تعقُّبَ لأحد في إجازته فلا استبراء في وطئه. قال الشيخ: يريد: ولو كان دخل بها لم يُنكِحْها حتى تستبرأ بثلاث حيض. قال ابن القاسم: وإن كان وليها غائبًا وقد استخلفت رجلاً فزوَّجها فرفعت هي أمرها إلى الإمام قبل قدوم وليها، نظر الإمام في ذلك وبعث إلى وليها إن قرب، وإن بَعُدَ نظر كنظر الغائب في الردِّ والإجازة. وقال غيره: إن كانت غيبة الولي بعيدةً لم ينتظر، وينبغي للإمام أن يفرق بينهما ويأتنف نكاحها منه إن أرادته، ولا ينبغي أن يُثْبِتَ نكاحًا عقده غير وليٍّ في ذات الحال والقدر. قال ابن القاسم: وإذا تزوجت امرأة بغير إذن الولي فأراد الولي أن يفرق بينهما فالفرقة في مثل هذا لا تكون إلا عند السلطان، إلا أن يرضى الزوج بالفراق دونه. وإن تزوجت ولم تستخلف أحدًا لم يقر هذا النكاح في دنيئة ولا غيرها، ويفسخ وإن ولدت الأولاد، لأنها هي عقدت النكاح، ولا يجوز ذلك على حال.
قال / ابن القاسم: ويدرأ عنها الحد. وإن زوجها وليها من رجل، ثم طلقها ذلك الرجل ثم خطبها فليس له نكاحها إلا بعقد الولي أيضًا، والنكاح الأول والثاني سواء. وقال ابن القاسم: من أعتق أم ولده وله منها أولاد رجال ثم أنكحها سيدها من نفسه أو من غيره برضاها جاز وإن كره ولدها، لأن المَوْلى ولي. وبالله التوفيق.
[الباب الثالث عشر] في النكاح الذي يفسخ بطلاق أو بغير طلاق
[الباب الثالث عشر] في النكاح الذي يفسخ بطلاق أو بغير طلاق [فصل 1 - في النكاح الذي يفسخ بطلاق] قال مالك: كل نكاح يكون للولي أو لأحد الزوجين أو لغيره إمضاؤه أو فَسخُه، فإن فَسْخَه إياه بطلاق، وتكون تطليقة بائنة. قال ابن القاسم: ويقع فيه الطلاق والمواريثة قبل الفسخ، مثل التي تتزوج بغير أمر الولي، فيطلقها الزوج قبل البناء أو بعده، فإنه يلزمه ما طلقها، وكذلك إن خالعها على مالٍ أخذه منها قبل أن يجيز الولي، ثم أبى الولي أن يجيز، فإن الزوج يحل له ما أخذ منها، لأن طلاقه يقع عليها بما أعطته. قال ابن القاسم: لأن فسخ هذا النكاح عند مالك لم يكن على وجه تحريم النكاح، ولم يكن عنده بالأمر البين، وقد سمعته يقول: مَا فَسْخَه بالبين ولكنه أحب إلي. فقلت له: أترى أن يفسخ وإن أجازه الوي؟ فوقف عنه، فعرفت أنه عنده ضعيف. وقال غيره في التي خالعها على مال: يرد المال، لأن للولي الإجازة أو الفسخ، مثل التي تتزوج رجلاً فتختلع منه، ثم يظهر أنه كان مجنونًا أو مجذومًا، فالخلع ماض، وترجع عليه بما أخذ منها، لأنها أملك لفراقه.
[فصل 2 - في النكاح الذي يفسخ بغير طلاق] وقال ابن القاسم غير مرةٍ هو وأكثر الرواة: إن كلَّ نكاحٍ كانا مغلوبين على فسخه مثل نكاح الشغار ونكاح المريض والمحُرِم، وما كان صداقه فاسدًا، أو عُقِدَ على أن لا صداق فيه فأُدْرِكَ قبل البناء فكانا مغلوبين على فسخه، فالفسخ في ذلك كله بغير طلاق، ولا يقع فيه طلاق، ولا ميراث فيه. قال ابن القاسم: وما عقدته المرأة على نفسها أو على غيرها، وما عقده العبد على غيره، فإن هذا يفسخ قبل البناء وبعده بلا طلاق، ولا ميراث فيه، وهكذا قال مالك: إن كل نكاح يفسخ على كل حال فالفسخ فيه بغير طلاق. قال الشيخ: وقد تقدم لمالك في كتاب محمد: أن ما عقدته المرأة على نفسها فالفسخ فيه بطلاق.
قال ابن القاسم: وكل ما فسخ بعد البناء مما فسد لعقده ففيه المسمى، وما فسخ من جميع ما ذكرت قبل البناء فلا صداق فيه، وترده إن قبضته. قال الشيخ: وإنما قال ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها»، وفيه دليلٌ أنه إن لم يصبها فلا مهر لها. قال ابن القاسم: وإن قذفها الزوج في النكاح الذي لا يقرَّان عليه على حال لَاعَن، لثبوت النسب فيه، وإن ظاهر منها لم يلزمه ظهار إلا أن يريد بقوله: إن تزوجتك، من ذي قبل، فهذا إن تزوجها تزويجًا صحيحًا لزمه الظهار. وإن آلى منها لم يلزمه الإيلاء، لأنه أمر بفسخ، ولكن إن تزوجها بعد هذا النكاح المفسوخ لزمه الإيلاء، لأنه لو قال لأجنبية: أنت طالق، لم يلزمه شيء، ولو قال لها: والله لا أطؤك، ثم تزوجها كان مُوليًا منها عند مالك، وإنما الظهار بمنزلة الطلاق. ولو قال لأجنبية: أنت طالق، لم يلزمه شيء إلا أن يريد بقوله: إن تزوجتك فأنت طالق، فهذا إن تزوجها فهي طالق، وكذلك الظهار، ثم قال ابن القاسم لرواية / بَلَغَتْه عمن يرضاه من أهل العلم: إن كلَّ نكاح نصَّ الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام على تحريمه لا يختلف فيه فإنه يفسخ بغير طلاق، وإن طلق فيه قبل الفسخ لم يلزمه، ولا يتوارثان كمتزوج الخامسة أو أخته من الرضاعة، أو المرأة
في عدتها، أو على عمتها، أو على خالتها، أو على أمها قبل أن يدخل بها، ولا تحرم بهذا النكاح إن لم يمسَّ فيه على آبائه وأبنائه، ولا يكونان به إن مسَّها فيه مُحصَنَيْن. وقال غيره في الذي يتزوج امرأة ولم يدخل بها حتى تزوج ابنتها فَعَلِمَ بذلك وفسخ نكاح الابنة: أن الابنة لا تحلُّ لآبائه ولا لأبنائه لشبهة العقد. قال الشيخ: وقول الغير يدخل في التي تتزوج على أختها أو عمتها أو خالتها وإن دخل بهن، لأنها تحل له بعد الفسخ إن فارق الأولى، وأما لو دخل بالأم ثم تزوج البنت فسخ نكاحه قبل البناء، فإنه لا تحرم هذه الابنة على آبائه ولا أبنائه في قول ابن القاسم وغيره. قال ابن القاسم: وكل ما اختلف الناس في إجازته أو رده فالفسخ فيه بطلاق، ويقع فيه الطلاق والموارثة قبل الفسخ كالمرأة تُزوج نفسها، أو تُنْكَحُ بغير ولي، والأمة تتزوج بغير إذن السيد، لأن هذا قد قال خلق كثير: إن أجازه الولي جاز، ألا ترى أنه لو زوجت امرأة نفسها فرفعت ذلك إلى قاض يجيز ذلك، وهو رأي [بعض] أهل المشرق، فقضى به وأنفده حين أجازه الولي، ثم أتى قاض ممن لا يجيزه أكان يفسخه؟ ولو فسخه لأخطأ في قضائه.
وهكذا كلُّ نكاح اختلف الناس في إجازته أو فسخه إذا رُفع إلى قاض فحكم بإجازته، ثم رُفع بعد ذلك إلى غيره، لم يكن له نقضه، لأن غيره قد حكم به، وهو مما اختُلِف فيه. قال ابن القاسم: وكذلك نكاح المحرِم والشغار بعينه أحب ما فيه إليَّ أن يفسخ بطلاق، ويكون فيه الميراث، لأنه قد اختُلف فيه. قال الشيخ: وتحصيل ما يفسخ بطلاق أو بغير طلاق في قول ابن القاسم، هو: أن كل نكاح لأحد الوليين أو الزوجين إجازته أو فسخه فلم يَختلف قوله أن الفسخ فيه بطلاق، وأن كلَّ ما نصَّ الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام على تحريمه لا يختلف فيه، فالفسخ فيه بغير طلاق، واختلف قوله فيما اختلف الناس فيه فقال: يفسخ بغير طلاق، وقال: بل بطلاق، وكل ما فُسخ بطلاق ففيه الميراث على قوله هذا، وكل ما فسخ بغير طلاق فلا ميراث فيه. [فصل 3 - في تطليق العبد امرأته قبل إجازة السيد نكاحه] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا نكح عبد بغير إذن سيده وطلق امرأته قبل أن يجيز السيد نكاحه، أو أُعتقت أمة تحت عبد فطلقها زوجها قبل أن تختار، فالطلاق لازم، كان واحدة أو البنات، فإن فسخ السيد نكاح عبده قبل البناء لم يجز للعبد أن يتزوج أمها، وكذلك كل ما فسخ نكاحه قبل البناء مما اختلف
الناس فيه، فإنها لا تحل لأبيه ولا لابنه، لأن كل نكاح اختلف الناس فيه فالحرمة تقع فيه كالحرمة في النكاح الصحيح الذي لا اختلاف فيه. [فصل 4 - في تزويج الغائب بغير أمره] وقد روي عن مالكٍ في رجل زوَّج ابنه البالغ المالك لأمره وهو غائب بغير أمره، ثم أتى الابن فأنكر ما صنع أبوه، قال: لا ينبغي للأب أن يتزوج تلك المرأة. قال مالك: وإن زوَّج أجنبي غائبًا بغير أمره فأجاز إذا بلغه لم يجز هذا النكاح / وإن رضي إذا طال ذلك، ولا يتزوجها أبوه ولا أجداده ولا ولده ولا ولد ولده. قال ابن القاسم: ولا ينكح هو أمها، وينكح ابنتها إن لم يبن بالأم. وقال المغيرة وابن الماجشون وابن دينار: إذا قدم الغائب فلم يرض فلا يقع بذلك التحريم، وروي لمالك. قال عبد الملك: وإن أجازه القادم ففسخناه فإن الحرمة تقع به حينئذ. قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم: أنه نكاح اختلف في جوازه إن أجازه الزوج، ولأنه يجوز عندنا إن أجازه بالقرب، فوجب أن تقع به الحرمة كالنكاح الذي لأحد الزوجين إجازته أو فسخه.
ووجه رواية عبد الملك: أنه إنما تقع الحرمة في نكاح اتفق الزوجان على عقده بغير مؤامرة الولي، وكان للولي الخيار فيه، أو كان بأمر الولي فوجد أحد الزوجين بالآخر عيبًا فوجب له الخيار في فسخه، فهذا تقع الحرمة فيه لاتفاق الزوجين على عقده، وأما الغائب فلم يأمر بنكاحه من هذه ولا رضيه فلا يجب أن تقع الحرمة فيه. قال الشيخ: وإذن لا يشأ أحد أن يمنع رجلاً نكاح امرأة أراد نكاحها إلا ذهب إليها ورغَّبها في الصداق، وأنكحها من أبيه أو ابنه بغير أمره فأوقع الحرمة بينهما وهذا من الضرر. فصل: 5 - [في حق السيد في التطليق على عبده إن نكح بغير إذنه] ومن المدونة: قال مالك: وإذا نكح عبد بغير إذن سيده فللسيد أن يطلق عليه واحدة بائنة أو طلقتين جميع طلاق العبد. قال الشيخ: لأنه لما نكح بغير إذن السيد صار طلاقه بيد السيد، فله أن يُبَيِنُهَا منه كما كان ذلك للعبد. قال مالك: فإن طلق عليه طلقتين، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. وقال أكثر الرواة: لا يطلق عليه إلا واحدة، لأن الواحدة تُبِينَهَا وتُفْرِغُ له عبده. قال مالك: وللأمة إذا عتقت تحت العبد أن تختار نفسها بالبتات.
قال ابن القاسم: وإنما جَعَلَ ذلك لها مالك لأنه ذَكَرَ عن ابن شهاب في زبراء أنها قالت: ففارقْتُه ثلاثًا، فبهذا الأثر أخذ مالك، وكان يقول مرة: لا تختار إلا واحدة بائنة، وقاله أكثر الرواة. قال الشيخ: فوجه الأول: أنها ملكت ما كان يملكه من الفراق، فلها أن تفارقه بما شاءت كَهُوَ. ووجه الثانية: أن الواحدة تبينها منه، وتملك نفسها بها، فالزيادة على ذلك ضرر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» فَمُنِعَتْ أن تُضِرَّ به.
[الباب الرابع عشر] في إنكاح الرجل أم ولده ومكاتبته ومدبرته وأمته وعبده كرها وفي تزويج الأمة والعبد بغير إذن سيده
[الباب الرابع عشر] في إنكاح الرجل أم ولده ومكاتبته ومدبرته وأمته وعبده كرها وفي تزويج الأمة والعبد بغير إذن سيده [فصل 1 - في إكراه الرجل أم ولده ومكاتبته ومدبرته على النكاح] قال ابن القاسم: وكره مالك أن يزوج الرجل أم ولده. قال ابن القاسم: فإن فعل لم يفسخ. قال ابن حبيب: اختلف قول مالك في جواز إكراه إياها على النكاح، فأجازه مرةً إذا زوَّجها ممن يشبهها، ثم رجع فقال: لا يزوجها إلا برضاها، وكان أحب إليه أن لا يزوجها أصلاً على وجه التنزُّه. قال ابن المواز: له أن يُكْرِهَ أم ولده ومكاتبته ومدبَّرته على النكاح. وقال في كتاب المكاتب: ولا يزوج مكاتبته إلا برضاها. [فصل 2 - في إكراه الرجل عبده وأمته على النكاح] ومن المدونة: قال مالك: وله أن يُكْرِه عبده أو أمته على النكاح. قال في كتاب ابن المواز: وليس له أن يضر به / فيزوجه ما لا خير فيه.
قال عبد الوهاب: وقال الشافعي: ليس له أن يُكْرِهَ العبد. ودليلنا: قوله تعالى: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32] ولم يشترط رضاهم، ولأنه عقد على منفعة كالإجارة، ونقيس العبد على الأمة. ابن المواز: قال مالك في العبد نصفه حر: لا يزوجه سيده إلا برضاه، ولا يتزوج هو إلا برضى سيده، وكذلك الأمة نصفها حر لا يتم نكاحها إلا برضاها. [فصل 3 - في تزويج السيد معتقته إلى أجل] واختلف قوله في المعتقة إلى أجل فقال: يزوجها بغير رضاها، وقال: لا يزوجها إلا برضاها. قال أشهب: له أن يزوجها كما له أن ينتزع مالها، وكذلك روى ابن القاسم عن مالك. قال ابن المواز: مَنْ له انتزاع مالها فله إكراهها ما لم يطلب بذلك ضررها. قال الشيخ: يريد: فإذا قرب أجل عتقها لم يكن له أن يزوجها كُرْهَاً كما له أن ينتزع مالها.
وكذلك في العتبية عن ابن القاسم قال فيها في الموصى بعتقها إلى أجل وهي تخدم الورثة: فليس لهم إكراهها على النكاح ولكن برضاها، ولا لهم انتزاع مالها قرب الأجل أو بعد. وقال سحنون، ولأنها به قوِّمت في الثلث. فصل [4 - في تزويج السيد عبده على أن الطلاق بيد السيد] ومن الواضحة: قال ابن الماجشون: ولا يجوز أن يزوج عبده على أن الطلاق بيد سيده ويفسخ، وإن بنى بها مضى ويبطل الشرط. فصل [5 - في زواج العبد والأمة بغير إذن السيد] ومن المدونة: قال مالك: ولا يتزوج عبد أو أمة بغير إذن سيده. قال الشيخ: لقوله تعالى في آخر الآية بعقب ذكر الإماء: {فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ} [النساء: 25]، وقال صلى الله عليه وسلم: «أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر» وهذا أبلغ شيء في الحظر عليه، رواه عبد الوهاب.
ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج أمة رجلٍ بغير إذنه لم يجز النكاح وإن أجازه السيد، ويفسخ وإن ولدت الأولاد. قال ابن القاسم: ولو أعتقها السيد قبل علمه بالنكاح لم يكن بُدٌ من فسخه. قال مالك: وإذا فرِّق بينهما بعد البناء فلا ينكحها الزوج إلا بعد العدة من مائة الفاسد، وإن كان نسبُ ما في بطنها يثبت منه. قال ابن القاسم: وكذلك إن اشتراها الزوج في تلك العدة فلا يطؤها حتى تنقضي عدتها لفساد مائة. قال مالك: وكل وطءٍ كان فاسدًا يُلحق فيه الولد ففرق بين الزوج والمرأة فلا يتزوجها حتى تنقضي عدتها. ولو باع الأمة رجل، أو باعت هي نفسها بغير إذن السيد فأجازه السيد جاز، فإن قال المشتري: لا أقبل البيع، فلا كلام له، والبيه له لازم. قال عبد الوهاب: تزويج الأمة بغير إذن السيد على وجهين: فإن باشرت العقد على نفسها لم يجز وإن أجازه السيد، فالنكاح فاسد، ولا يلتفت إلى إجازة السيد، لأن فساده في العقد لحقِّ الله تعالى، وإن ردت أمرها إلى رجل فعقد عليها فروايتان: إحداهما: أنه كعقدها على نفسها، لأن السيد يزوج بالملك، وغيره يزوج بالولاية وذلك غير متفق. -قال الشيخ: وهذا مذهب المدونة-. والأخرى: أنه يجوز بإجازة السيد كما لو أذن لهذا العاقد لجاز عقده، وكإذنه لعبده أن يعقد على نفسه، فوقوعه بغير إذنه موقوف على الإجازة والرد
قال ابن المواز: ومن اشترى جارية / من رجل وهو يعلم أنها ليست له فوطئها فهو زان، وعليه الحد، وولده رقيق لسيد أمهم، بخلاف أن لو زوجته الأمة نفسها وأخبرته أنها حرة وهو يعلم أنها كاذبة فيطؤها بعد العلم، فلا يكون على هذا حد، ويلحق به نسب ولده، وهم وأمهم رقيق لسيدها، ويفسخ نكاحها، لأنه تزوجها بغير إذن السيد، وجعلتُ الولد رقيقًا، لأنه تزوجها وهو عالم أنها أمة، وهذا إذا أشهد على إقراره قبل تزويجه إياها فلا، لأنه يُتهم أن يُرِقَّ بذلك ولده، ويدفع عن نفسه غرم النفقة فيهم، فلا يصدق، ويكونون أحرارًا وتلزمه قيمتهم. قال أشهب: وإن كان عديمًا أُتْبِعَ بقيمتهم دينًا، ولا قيمة عليه فيمن مات منهم قبل ذلك ولا على الولد الموسر قيمة نفسه وإن كان الأب عديمًا. [فصل 6 - في تزويج الأمة أو العبد بين السيدين] ومن المدونة: قال: ولا تنكح أمة ولا عبد بين رجلين إلا بإذنهما، فإن عقد للأمة أحد الشريكين بصداق مسمَّى لم يجز وإن أجازه الآخر، ويفسخ وإن دخلت، ويكون بين السيدين الصداق المسمى إن دخلت، فإن نقص عن صداق المثل تم للغائب نصف صداق المثل إن لم يرض بنصف التسمية. [قال الشيخ]-يريد إن أخبر العاقد الزوج أنه إنما يملك نصفها، فأما إن غره فقال: هي حرة، أو قال: هي لي وحدي، فهاهنا يرجع الزوج على العاقد بكل ما غرمه للشريك الغائب، ويرجع على العاقد أيضًا بما دفع إليه إلا نصف ربع دينار.
قال ابن حبيب: وإذا نكح عبد بإذن أحد سيديه فللآخر أن يفسخ نكاحه، ويأخذ من المرأة جميع ما أصدقها، فيكون ذلك بيد العبد مع ماله إلا أن يجتمعا على قسمه، ولا يترك لها منه ثلاثة دراهم [ولا حجة لها] إذا كانت تعلم أن الآذن فيه شريك، فإن اقتسما الصداق أو ماله فلها أن تأخذ من الآذن حصته من الصداق، ولو غرَّها الآذن ولم يعلمها ردت إلى العبد جميع ما أصدقها ورجعت هي بمثله على الآذن، وإن استهلكته اتبعها الذي لم يأذن بجميعه واتبعت هي الآذن بمثله، ولها اتباع ذمة العبد بجميع ما أخذ منها إلا أن يسقط عنه الذي لم يأذن فيسقط كله، لأن الذمة لا تنقسم. قال الشيخ: قول ابن حبيب كله موافق لأصله في المدونة إلا قوله: ويأخذ من المرأة جميع ما أصدقها، ولا يترك لها ثلاثة دراهم إذا كانت تعلم أن الآذن فيه شريك فهذا خلاف للمدونة، ففي المدونة بعد هذا: أنه يترك لها ربع دينار. قال الشيخ: وهو صواب، لئلا يعرى البضع من صداق. [فصل 7 - في إجازة السيد نكاح عبده] ومن المدونة: قال مالك: ولو نكح العبد بغير إذن سيده فأجاز نكاحه جاز. ابن القاسم: وهو في هذا بخلاف الأمة، لأن العبد يعقد نكاح نفسه بإذن سيده وهو رجل، ولا يجوز للأمة أن تعقد نكاح نفسها، فإن فعلت لم يجز وإن أجازه السيد.
قال عبد الوهاب: وقال أبو الفرج: القياس أن لا يصح نكاح العبد بوجه كالأمة، وهو قول الشافعي، ودليلنا: أن العقد لا يمتنع أن يقع على الفسخ كنكاح العنِّين، والخصي، والحرة للعبد، وغير ذلك، فإذا ثبت هذا فإن أجازه السيد جاز. قال: وإن طلق فيما أجازه السيد فله أن يرتجع وإن كره السيد، لأن الرجعة من حقوق النكاح. ومن المدونة: قال مالك: وإذا نكح العبد بغير إذن سيده فقال السيد: لا أجيز، ثم قال قد أجزت، فإن أراد بأول قوليه فسخًا تم الفسخ ولم يجز النكاح وإن أجازه السيد إلا بنكاح مستقبل، وإن أراد أنه لم / يرض ثم كُلِّمَ فأجازه فذلك جائز إذا كان ذلك قريبًا. ابن المواز: قال ابن القاسم: ويصدَّق السيد إن لم يرد عزم الفراق في المجلس ما لم يَقُمَ، وإن شك السيد على أي وجه خرج [ذلك] منه فهو فراق
واقع. قال مالك: وأما البيع فبخلاف ذلك إذا قال فيما بيع عليه، قد رضيت، فقد تم للمشتري. [فصل 8 - فيمن أعتق عبده أو باعه قبل علمه بنكاحه] قال ابن القاسم: وإن أعتقه السيد قبل علمه بنكاحه جاز نكاحه، ولم يكن للسيد رده، فإن باعه السيد قبل علمه بنكاحه لم يكن للمبتاع فسخه، وله أن يرضى بالعبد أو يرده، فإن رده كان للبائع إذا رجع إليه أن يفسخ نكاحه أو يجيز. قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: ولو علم المشتري بنكاحه فأقره ورضي به ثم اطلع على عيب قديم، إنه إذا رده بالعيب القديم رد معه ما نقصه النكاح، لأنه لما رضي به فأقره صار كأنه عيب حدث عنده، وإذ لا يستطيع البائع إن رد عليه بالعيب فسخ نكاحه فوجب لذلك ألا يرده إلا بما نقصه، ونحوه لأبي عمران، وهو بين. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: يُخرَّج ذلك على القولين في الرد بالعيب
فمن رأى أنه نَقْضُ بيع فليس على المشتري ما نقصه، لأنه إذا رده يرجع الخيار للبائع في فسخ النكاح أو إجازته، ولا يُلتفت إلى ما تقدم من رضى المشتري به، لأن البيع قد انتقض. قال الشيخ: فإن قيل: يلزم على هذا القول أن لو زوجه المشتري، ثم رده بعيبٍ أن يفسخ البائع نكاحه لانتقاض شراء المشتري. قيل: هذا لا يلزم، لأن الأول نكاح عقده العبد على نفسه، وكان للبائع نقضه أو إجازته، فإذا انتقض بيعه بقي على خياره كما لو لم يعلم بيعه، وهذا عقد نكاحه مالكه، ولم يكن لأحد بعد عقده نقضه، فوجب ألا ينقضه البائع كما لا ينقض عتقه. ولو أعتقه المشتري ولم يعلم بنكاحه فأراد الرجوع على البائع بقيمة عيب النكاح فذكر عن أبي عمران أنه قال: ليس له ذلك لحجة البائع أن لو لم يعتقه المشتري ثم ردَّه عليه بعيب النكاح لكان للبائع نقض نكاحه، فلما أفاته المشتري بالعتق لم يكن له الرجوع عليه بقيمة عيب لو رجع إليه لأمكنه زواله. ولو مات السيد قبل علمه بنكاحه كان لورثته من الخيار في ردِّ نكاحه أو إجازته مثل ما كان للسيد، وقد قال مالك فيمن حلف ليقضينَّ غريمه حقه إلى أجل كذا إلا أن يشاء أن يؤخِّره فيموت الذي له حق؛ فإنه يجزئه تأخير ورثته كما كان لصاحبهم.
[الباب الخامس عشر] في إنكاح الأخ أخته بغير إذن أبيه ونكاح الصغير والسفيه بغير إذن وليه والوكالة على النكاح وقبض الصداق
[الباب الخامس عشر] في إنكاح الأخ أخته بغير إذن أبيه ونكاح الصغير والسفيه بغير إذن وليه والوكالة على النكاح وقبض الصداق [فصل 1 - في إنكاح الأخ أخته بغير إذن أبيه] قال مالك: ومن زوج أخته البكر بغير أمر الأب لم يجز وإن أجازه الأب، إلا أن يكون ابنًا قد فوَّض إليه الأب جميع شأنه، فقام بأمره فيجوز بإجازة الأب وكذلك في أمة الأب. قال ابن القاسم: وكذلك الأخ والجد يقيمه هذا المقام. قال ابن حبيب: وكذلك سائر الأولياء إذا أقامهم الأب هذا المقام. قال ابن المواز: والحجة في هذا حديث عائشة رضي الله عنها حين زوَّجت بنت أخيها عبد الحمن، فكُلِّم في ذلك فرضي. قال مالك: وإنما كان ذلك لمثل / عائشة رضي الله عنها لمكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن المواز: وإنما لم يجز نكاح الابن غير المفوَّض إليه وإن أجازه الأب
ولا في إجازة السيد تزويج أمته، لأنه لا ولي لهما غيرهما ولا شركة لهما معهما في أنفسهما ولا مشورة، فهما بخلاف من لها المشورة مع الأولياء، تولي أمرها غير الولي فلا يجوز، إلا أن يجيزه الولي، فإن لم يجزه فرَّق بينهما بطلقة. قال مالك: إلا أن يطول مكثه معها، وتلد الأولاد، فلا أرى أن يفسخ. فصل [2 - في نكاح الصغير بغير إذن وليه] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا تزوج صبي صغير بغير إذن أبيه أو وصيه، ومثله يقوى على الجماع، فإن أجازه من يلي عليه جاز، كبيعه وشرائه بغير إذنه يجيزه على وجه النظر له، وإن أراد فسخه فسخه، وإن فسخه قبل البناء أو بعده فلا صداق لها. وكذلك رأى مالك فيمن بعث يتيمًا في طلب آبق فأخذه فباعه وأتلف الثمن، أن لربْ العبد أخذه، ولا شيء على اليتيم من المال الذي أتلف، ولا يُتبع به دينًا، بخلاف ما أفسد أو كسر. قال ابن المواز: وكما لو اشترى شيئًا فأكله أو أتلفه لنزع من البائع الثمن كله، ولم يتبع الصغير بشيء. قيل: فإن تزوج الصغير واشترط عليه شروطًا فأجاز ذلك وليه، أو زوجه أبوه أو وليه بشروط فيها طلاق أو عتاق أو تمليك. قال ابن المواز: لا يجوز من ذلك كله شيء إلا أن يكبر ويلزمها نفسه، ويرضى بعد أن يبلغ.
قال ابن القاسم: وإن كَبِرَ وعَلِمَ بالشرط قبل الدخول فدخل عليه لزمه، وإن علم به فلم يرضه قيل له: إما أن ترضى وإما أن تطلق ويكون عليك نصف الصداق. ابن المواز: هذا قوله في كتابه في السماع، وفي كتابه في المجالس: إذا بلغ وعلم قبل الدخول، فإن شاء دخل وإن شاء فسخ ولا شيء عليه من الصداق ولا على أبيه إن كان يوم زوَّجه لا مال له. ابن المواز: وهذا أحب إلينا إلا أن ترضى المرأة بإسقاط الشرط فيثبت النكاح على ما أحب الزوج أو كره، وسقط عنه الشرط كان تمليكًا أو غيره، لأنه لم يكن يلزمه قط، وهو بمنزلة الرسول يزيد على ما أمره أن يزوجه به، أو يشترط عليه غير ما أمره به فيعلم بذلك قبل البناء، فإن رضي بذلك تم النكاح، وإن كره لم يلزمه شيء، وفسخ النكاح، إلا أن ترضى المرأة بإسقاط الشرط. قال ابن المواز: وإذا لم يرد نكاح الصبيِّ حتى كَبِرَ وخرج من الولاية جاز النكاح. فصل [3 - في نكاح السفيه بغير إذن وليه] قال ابن حبيب: والسفيه كالصغير يجوز عليه إنكاح أبيه إياه وإن كَرِه. وقال ابن الماجشون: لا يزوجه من يلي عليه إلا برضاه.
قال الشيخ: ورواية ابن حبيب عن ابن الماجشون موافقة لظاهر المدونة، وذلك أنه قال في كتاب الخلع: إذا زوَّج الوصيُّ يتيمه وهو بالغ سفيه بأمره، أو زوج السيد عبده بغير أمره، فذلك جائز عليه. فشرطه في السفيه دون العبد بأمره دليل على أنه لا يكرهه، وهو الصواب إذ لا يؤمن منه أن يطلِّق إذا أجبره على النكاح، فيؤدي ذلك إلى إتلاف ماله. ووجه قول ابن حبيب: أن الولاية ثابتة له عليه في المال والبيع والشراء، فله أن ينكحه اعتبارًا بالصغير. قال ابن حبيب: وإذا زوج السفيه - / بغير إذن وليه فلوليه إجازته أو رده، فإن رده بعد البناء رد إليه جميع ما كان أصدقها إلا قدر ما كان يستحل به مثلها ولم يحدُّ مالك. وقال ابن القاسم: يجتهد في ذلك السلطان فيترك للدنيَّة ربع دينار، ولذات القدْر أكثر من ذلك بما يراه. وقال ابن الماجشون: ولا يترك لها شيء، لا ربع دينار ولا غيره وإن كان لها قدر. قال ابن حبيب: وهذا القياس، وقول مالك استحسان.
قال الشيخ: الجاري على أصل المدونة أن يترك لها ربع دينار كانت دنَّية أو جيدة، وهو قدر ما يستحل به فرجها كالعبد بتزوج بغير إذن السيد، وهو الصواب إن شاء الله. قال ابن حبيب: وإن لم يعلم بتزويجه حتى مات أحدهما، فإن مات هو فلا ميراث لها منه ولا صداق، وإن ماتت هي فالنظر لوليه، فإن أجازه ودى الصداق وأخذ الميراث، وإن فسخه لم يرثها. قال الشيخ: وذكر أصبغ عن ابن القاسم أنهما يتوارثان ويمضي الصداق، لأن النظر فيه قد فات بالموت. وذكر ابن المواز عنه خلاف هذا، قال: قال أصبغ: إن مات هو لم ترثه، وردت كل ما أعطاها إلا ربع دينار إن أصابها، وكذلك في حياته إن فسخه. قال ابن القاسم: هذا في الدنية، ويجتهد في الزيادة لذات القدر. قال أصبغ: بما يرى مما لا يبلغه صداق مثلها. قال ابن المواز: ورواية ابن وهب عن مالك في السفيه: لا يترك لها إلا ربع دينار. قال الشيخ: فصار في فسخه ثلاثة أقوال، قول لا يترك لها شيء، وقول يترك لها ربع دينار، وقول فرَّق بين الدنيَّة وغيرها.
قال ابن المواز: ولو كان غير بالغ لم يترك لها شيئًا. قال: وإ، لم يُرَدْ نكاح الصبي حتى بلغ، وخرج من الولاية جاز النكاح. فصل [4 - في تزويج بنات السفيه وإمائه وأخواته] ومن كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم: ولا يزوج المُوْلِيّ عليه ابنته إلا بإذن وليه، إلا أن يكون سفيهًا ضعيفًا فلا يكون له سخط ولا رضى، وبناته كمن لا أب لهن. قال ابن وهب: والولي أولى بإنكاح بناته وإمائه، ولا أمر له مع وليه فيهن ويستحب له أن يحضر النكاح، فإن لم يحضره لم يضره. قال: وإن زوج هذا السفيه منهم أحدًا بغير أمر الولي كان للولي إجازته أو رده. قال: وإن لم يكن له وليٌّ فأنكح بناته جاز إذا كان ذلك صوابًا. قال أصبغ: كله صواب جيد. قال ابن المواز: إلا قوله: إذا لم يكن له ولي، فهو والأول سواء، لابد من نظر السلطان فيه كنظر الولي، فيجيز أو يرد على حسن النظر. ومن العتبية: قال أصبغ: قيل لأشهب: السفيه يزوج أخته؟ قال: نعم، وحسبته قال: إن كان ذا رأي ولا مَولِىَّ عليه فذلك جائز وإن كان سفيهًا.
فصل [5 - في الوكالة على النكاح وقبض الصداق] ومن المدونة: قال: وإذا وكَّلت المرأة وليًا يزوجها من رجل، فقال لها الوكيل: قد زوجتك من فلان، فأقرت أنها أمرته وقالت: لم تزوجني، فلا قول لها، والنكاح يلزمها إن ادعاه الزوج. وكذلك الوكيل على بيع سلعة. وإن وكلته المرأة على العقد وقبض الصداق فقبضه ثم ادعى تلفه، كان كدين لها وكَّلته على قبضه فقبضه ثم ادعى تلفه، فصدقته في الوكالة وكذبته في القبض. فإن أقام الزوج أو الغريم بينة أنه دفع ذلك إلى الوكيل / صُدِّق الوكيل على التلف، وإن لم يقيما بينة بالدفع ضَمِنَا، ثم لا شيء لهما على الوكيل، لأنهما صدَّقها على الوكالة. وأما الوكيل على بيع سلعةٍ يقول: قبضت الثمن وضاع مني، فهو مصدق، لأن وكيل البيع له قبض الثمن وإن لم يؤمر بذلك، وليس للمبتاع أن يأبى عليه، والوكيل على عقد النكاح ليس له قبض الصداق إلا بتوكيل عليه خاصة، ولا يلزم الزوج دفع ذلك إليه، فإن فعل ذلك ضمن. قال الشيخ: وإنما كان وكيل البيع له قبض الثمن وإن لم يؤمر به وليس للمبتاع أن يأبى ذلك عليه، لأن وكيل البيع يُسلِّم ما باع إلى المبتاع، فعلى المبتاع تسليم الثمن إليه كما يتسلَّم السلعة منه، ووكيل النكاح لا يسلِّم البُضْعَ إلى الزوج، فلا يلزم الزوج تسليم الصداق إليه.
ولو أن وكيل البيع إنما وُكِّل على عقد البيع خاصة وتسليم السلعة على ربِّها لم يلزم المبتاع تسليم الثمن إلى الوكيل إلا بتوكيل عليه، ويكون كوكيل النكاح. قال الشيخ: فالعلة في ذلك أن مَنْ سلَّم السلعة له أن يتسلَّم ثمنها كما سلَّمها، ألا ترى أن البائع إذا سلَّم ما باع، له انتقاد جميع ثمنه وإن لم يشترط نقده. والمُكْرِي داره أو عبده أو نفسه مدة لا يلزم المكتري نقد جميع الكراء إذا لم يكن عُرْف ولا شرط، لأنه لم يتسلَّم جميع ما اكترى، فإنما يلزمه أن ينقد كراء ما قبض. وبالله التوفيق.
[الباب السادس عشر] فيمن نكح بغير بينة، أو سرا أو نكح بغير صداق
[الباب السادس عشر] فيمن نكح بغير بينة، أو سرا أو نكح بغير صداق [فصل 1 - في إعلان النكاح] ونهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن النكاح بغير بينةٍ أو بغير صداق، ونهى عن نكاح السر، وأمر بإعلان النكاح. ومرَّ عليه الصلاة والسلام هو وأصحابه ببني زُرَيْق فسمعوا غناءً ولهوًا ولعبًا فقال: ما هذا؟ قالوا: نكح فلان يا رسول الله، فقال: «كَمُلَ دينه، هذا النكاح لا السفاح، ولا نكاح السر حتى يُسمع دُفٌ، أو يُرى دُخَانٌ».
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لا يجوز نكاح السر حتى يُعلن به ويُشهد عليه. قال ابن وهب: وإن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كتب إلى أيوب بن شرحبيل أن مُرْ مَنْ قَبِلَكَ أن يظهروا عند النكاح الدُّفَوف، فإنها تفِّرق بين النكاح والسفاح، وامنع الذين يضربون بالبرابط. قال سحنون: والبرابط: الأعواد. ومن كتاب محمد وابن حبيب: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أظهروا النكاح واضربوا عليه بالغِرْبَال» يعني: الدفَّ المدوَّر، وقال غيره: وهو مغشيٌّ من جهة واحدة. قال ابن المواز: قال مالك: لا بأس بالدفِّ والكَبَر.
قال أصبغ: يعني في العُرْسِ خاصة، ولا يعجبني المِزْهَر المربَّع، قال: ولا يجوز الغناء في العُرْس ولا غيره، إلا مثل ما كان يقول نساء الأنصار أو رجز خفيف لا بمنكَر ولا طويل. قال ابن حبيب: وقد أُرخِص في العُرْس إظهار الكَبَر والدُّفِّ والمِزْهَر، ويُنْهى عن اللهو بذلك في غير العُرس. [فصل 2 - في الوليمة في النكاح] قال: وكان النبي عليه الصلاة والسلام يستحبُّ الإطعام على النكاح عند عقده، وعند البناء، ولم يدَع الوليمة على أحد من نسائه قلَّ أو كثر.
قال أنس: ولم يولم على واحدةٍ منهنَّ مثل ما أولم على أم سلمة، وكان ذلك الخبز واللحم، وأولم على صفية بالصَّهبَاء بالسَّويق والتمر، وقال صلى الله عليه وسلم: لابن عوف: «أَوْلِمْ ولو بشاة»، وقال: «أعينوا بلالاً على وليمته».
وقد أبيح أن يولم أكثر من يوم، وروي: «أن اليوم الثاني فضل، والثالث سمعة». وأجاب الحسن رجلاً دعاه في اليوم الأول، ثم في الثاني، ثم دعاه في الثالث فلم يُجبه، وفعَل ابن المسيب مثله.
قال ابن حبيب: وإن دعاه في الثالث من لم يكن دعاه، أو دعاه مرة فذلك واسع سائغ، وقد أولم ابن سيرين ثمانية أيام، فمن وسَّع الله عليه فليولم من يوم ابتنائه إلى مثله. [فصل 3 - فيمن نكح بغير بينة] ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج بغير بينة على غير استسرار فالنكاح جائز، ويُشهدان فيما يَستقبلان. وإن أقر الزوج والولي بالعقد ثم قالا أو أحدهما: لم نُشْهِد، أَشْهَدا الآن، وليس لأحدهما فسخه -يريد في هذا كله- قبل البناء. قال ابن المواز: قال مالك: ولو دخل الزوج قبل أن يُشْهِدَ فرِّق بينهما بطلقةٍ بائنة، وخطبها إن أحب بعد استبرائها بثلاث حيض. قال ابن حبيب: ولا يحدَّان إن كان أمرهما فَاشِيًا كانا عالمين أو جاهلين وإن لم يكن فاشيًا حُدَّا، كانا عالمين أو جاهلين.
قال: والشاهد الواحد لهما بالنكاح، أو معرفة ابتنائهما باسم النكاح وذكرِه وإشهاره فهو كالأمر الفاشي من نكاحهما، قاله ابن الماجشون وأصبغ. وقال ابن القاسم: إذا لم يعذرا بالجهالة حُدَّا وإن كان أمرهما فاشيًا ولم أجد من يقول ذلك. قال عبد الوهاب: يصح عندنا عقد النكاح من غير إشهاد خلافًا لأبي حنيفة والشافعي. دليلنا: لأنه عقد من العقود فأشبه سائرها، ولأنه معنى يقصد به التوثُّق، فلم يكن شرطًا في العقد كالرهن والكفالة، فإذا ثبت أنه ليس بشرط في الصحة فإنه شرط في الكمال والفضيلة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا نكاح إلا بوليٍّ وشاهدي عدل». ومن المدونة: وذكر ابن وهب أن حمزة بن عبد الله خطب [على ابنه] إلى سالم بن عبد الله ابنته فزوجه إياها وليس معهما غيرهما.
وقد ذكر مثل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لرجل: ألا أنكحك أميمة بنت ربيعة بن الحارث، فقال: بلى يا رسول الله، فقال: «قد أنكحتكها»، ولم يُشْهِد. ابن المواز: وقد فعل ذلك ابن عمر حين زوج ابنته سودة من عروة، أخبرنا به غير واحد. [فصل 4 - فيمن نكح بغير صداق] ومن المدونة: قال مالك: ولا يزوج الرجل عبده أمته إلا ببينة وصداق. قال ابن القاسم: فإن زوجه بغير بينة أَشْهَدا فيما يَستقبلان وجاز النكاح، وهذا إذا لم يكن دخل بها. وإن زوجه إياها على أن لا صداق عليه فسخ النكاح قبل البناء، وثبت بعده وكان لها صداق مثلها.
قال في الثاني: وقيل: يفسخ بعد البناء. قال عبد الوهاب: والأصل في ذلك قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النساء: 24]، وقوله تعالى: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء: 24]، وقال عليه الصلاة والسلام للذي خطب المرأة: «هل معك ما تستحلها به؟». ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو زوجه ولم يذكر الصداق ولا شرط إسقاطه فهذا التفويض، والنكاح جائز، ويُفرض للأمة صداق مثلها، لأن مالكًا قال ذلك في النساء، والنساء يجتمع فيه الحرائر والإماء.
فصل [5 - فيمن نكح سرًا] قال ابن القاسم: ومن عقد نكاحه ببينة، واستكتم البينة ذلك عند العقد فالنكاح فاسد. قال عبد الوهاب: خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، دليلنا قوله عليه الصلاة والسلام: «هذا النكاح لا السفاح»، ونهيه عن نكاح السر، ولأن التواصي بالكتمان من صفة الزنا، وذريعة إلى إضاعة الأنساب. ومن الواضحة: وقول عمر في نكاح السر: لو تقدَّمتُ فيه لَرَجَمْت، تشديدًا في الزجر عنه. وفي كتاب ابن المواز: إن عمر قال ذلك في نكاح عُقِدَ بشهادة امرأتين ودخل بها.
قال ابن حبيب: ويفسخ نكاح السر وإن دخل إلا أن يتطاول بعد الدخول فلا يفسخ، هذا قول مالك وأصحابه. قال: وكل نكاح استكتمه الشهود وإن كثروا، أو عُقِدَ على وجه الاستسرار أو سئل الشهود أن يكتموا ذلك من امرأة له أخرى، أو يكتموا ذلك في منزل التي نكح، ويظهروه في غيره، أو يظهروه في المنزل ويكتموه في غيره، أو يكتموه ثلاثة أيام ونحوها، فذلك كله من نكاح السر يفسخ أبدًا ما لم يطل ذلك، وكذلك أخبرني من سمعه من مالك. ومن العتبية: قال أصبغ: وسألت أشهب عمن عَقد فلما فرغ استكتم البينة؟ قال: إن لم تكن تلك نيته ولا عليه نكح في ضميره فلا بأس به. قلت: فإن نكح على ذلك في ضميره؟ قال: فليفارق. قال أصبغ: لا أرى أن يفسخ النكاح إن لم يكن إلا ضميره في نفسه، لأنه لا بأس أن يتزوج ونيته أن يفارق، ولكن إن كان مع ضميره مواطأة بينه وبين المرأة أو الأولياء وأخذاه مأخذ الاستسرار فهو فاسد وليفارِق. ومن المدونة: وقال ابن شهاب فيمن نكح سرًا وأشهد رجلين: أنه يفرق بينهما وإن دخلا، ولها مهرها بالمسيس، وتعتد، ثم إن شاءت نكحته بعد العدة وإن فرق بينهما قبل البناء فلا صداق لها ويعاقب الزوجان والشاهدان بما كتما من ذلك.
وفي كتاب ابن المواز: روى ابن وهب عن مالك فيمن نكح بشاهدين واستكتمهما ذلك أنه يفرق بينهما بطلقة، ويكون لها صداقها إن دخل بها، ولا يعاقب الشاهدان إن جهلا ذلك، وإن أتيا ذلك بمعرفة أنه لا يصلح عوقبا. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن زوج ابنته الثيب فأنكرت ذلك، فشهد عليها الأب ورجل أجنبيٌّ أنها قد فوَّضت ذلك إلى أبيها فزوجها من هذا الرجل لم يجز إنكاحه، لأنه إنما شهد على فعل نفسه وهو خصم. وقد قال مالك في رجل وجد مع امرأة في بيت، فشهد أبوها وأخوها أن الأب زوجها إياه، فلا يقبل ذلك، ولا يجوز نكاحه ويعاقبان. -قال في كتاب الحدود: وإن ثبت الوطء حُدَّا-. وإذا نكح مسلم ذمية بشهادة ذميين لم يجز نكاحه، فإن كان لم يدخل أشهد الآن مسلمين ولزمه النكاح. قال يحي بن سعيد: تجوز شهادة الأبداد في النكاح والعتاق.
[الباب السابع عشر] فيمن نكح على أنه بالخيار أو إلى أجل أو بصداق مجهول، أو بعضه مؤجل
[الباب السابع عشر] فيمن نكح على أنه بالخيار أو إلى أجل أو بصداق مجهول، أو بعضه مؤجل [فصل 1 - فيمن نكح على أنه بالخيار] قال ابن القاسم: ومن نكح على أن الخيار له أو للولي أو للزوجة أو لجميعهم يومًا أو يومين لم يجز، ويفسخ قبل البناء، إذ لو ماتا قبل الخيار لم يتوارثا وإن بنى بها ثبت النكاح وكان لها المسمى. وكذلك الجواب فيمن تزوج امرأة على أنه إن لم يأت بالصداق إلى أجل كذا فلا نكاح بينهما، وقد كان مالك يقول: إن النكاح يفسخ بعد البناء، لأن فساده في عقده، ثم رجع فقال: يثبت بعده. وقال ابن القاسم في كتاب محمد: يفسخ قبل البناء ويثبت بعده ولها صداق المثل. قال ابن المواز: وإن شرط إن لم يأت به إلى أجل كذا فأمرها بيدها، فروى ابن القاسم عن مالك: أنه يفسخ ما لم يدخل، وروى عنه أشهب: أنه جائز. وكذلك قال ابن القاسم وأشهب وأصبغ دخل أو لم يدخل، لأنه شرط لازم.
[فصل 2 - فيمن نكح بصداق مجهول] ومن المدونة: قال: ومن نكح امرأة على أحد عبديه أيهما شاءت المرأة جاز ذلك، وإن كان أيهما شاء الزوج لم يجز، وكذلك البيع. قال سحنون: هما سواء إذا قال: أيهما شئت أنت، أو شئت أنا، فالنكاح جائز في الوجهين، وكذلك في البيع. قال ربيعة ومالك: الصداق ما وقع به النكاح. فصل [3 - فيمن نكح إلى أجل] قال مالك: ولا يجوز النكاح إلى أجل قَرُب أو بَعُد وإن سمى صداقًا ورضي بذلك الولي فالنكاح باطل ويفسخ، دخل بها أو لم يدخل، وهذه المتعة، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام تحريمها. قال ابن القاسم: ومن قال لامرأة: إذا مضى شهر فأنا أتزوجك، فرضيت ورضي الولي، فهذا النكاح باطل لا يقام عليه، ومن نكح وفي نفسه أن يفارق فليس من ذلك.
[فصل 4 - فيمن نكح بصداق بعضه مؤجل] قال مالك: ومن تزوج امرأة بصداقٍ بعضه معجَّل وباقيه مؤجَّل إلى سنة فلا يعجبني هذا النكاح، وليس هذا من نكاح من أدركت. قال ابن القاسم: فإن نزل ذلك جاز النكاح، وكان للزوج إذا أتى بالمعجَّل أن يدخل بها، وليس لها منعه، ويتأخر بقية الصداق إلى أجله، وإن كان إلى أجل بعيدٍ جاز ما لم يتفاحش بعد ذلك، وإن تزوجها بصداقٍ نصفه نقد ونصفه على ظهره، فإن كان الذي على ظهره يحلُّ عندهم بالبناء جاز، وإن كان لا يحل إلا إلى موت أو فراق لم يجز النكاح، وفسخ قبل البناء وثبت بعده، وكان لها صداق المثل إلا أن يكون صداق مثلها أقلَّ مما عجِّل فلا يُنقص من المعجَّل، ولمالك قول أن لها المعجَّل وقيمة المؤجَّل، ولا يعجبني. قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران فيمن تزوج بصداقٍ على ظهره إنه إنما عمل ذلك على العادة عندهم، فإن كانت العادة فيه الحلول أخذ حالاً، وإن كانت العادة فيه إلى أجلٍ معلوم فهو إلى ذلك الأجل، وإن كان عرفهم أن يكون إلى موت أو فراق فالنكَاح مفسوخ قبل البناء، لأنهم وإن سمَّوه على ظهره فليس ذلك بأكثر من أن يسموه دينًا عليه، وإنما يُحمل الأمر فيه على عادة بلدهم، والذي يحلُّ عند مالكٍ بالدخول فإنما تكلَّم على أن الدخول معلوم عندهم، ولو تأخر عن العادة التي يعرفونها لكان يلزمه أداء الصداق عند مالك، إلا على قول
سحنون الذي يقول: إنهم إذا جعلوا المهر إلى أجل فحلَّ الأجل قبل الدخول فلا يؤخذ ذلك حتى يدخل. قيل له: فما ترى في قول سحنون أن الصداق بعد الدخول بالقرب لا يؤخذ؟ قال: كنا قد تكلمنا في هذا ثم وقع عندي أن ذلك لو كان كما قال سحنون لكان يقال: إن الصداق يكون إلى أجل مجهول إذا رددنا الأمر فيه إلى اجتهاد الحاكم، فلا يجوز النكاح على هذا. قال ابن المواز عن أصبغ: ومن تزوج بمئة نقدًا وبمئة إلى موت أو فراق، فتركت المرأة المئة الغرر، أو رضي الزوج أن يعجِّلها وذلك قبل البناء ثبت النكاح، وكذلك لو نكحت ببعير شارد، أو عبد آبق، أو جنين في بطن أمه، ومع ذلك ربع دينار فصاعدًا، فإن رضيت بربع الدينار وإسقاط ما معه من الغرر جاز، ولو رضي الزوج بتعجيل قيمة العبد الآبق على غير إباق نقدًا تمَّ النكاح، وإذا لم يكن مع الآبق أو الجنين شيء فلابد من فسخه وإن رضيا بصداق صحيح إلا أن يدخل، وإن كان مع ذلك ربع دينار فلم يفسخ حتى رجع الآبق والشارد وخرج الجنين حيًا، فإن لم ترض بربع الدينار وحده فسخ النكاح، إلا أن يرضى الزوج أن يدع لها ذلك فيجوز. قال أصبغ: وإن في هذا لمغمزًا ولكنه قول أصحابنا، والقياس فيه الفسخ إلا أن يبني. قال الشيخ: وهو ظاهر المدونة أنه يفسخ.
[الباب الثامن عشر] في شروط النكاح وجده وهزله
[الباب الثامن عشر] في شروط النكاح وجده وهزله [فصل 1 - في شروط النكاح] وقد أبطل الرسول عليه الصلاة والسلام كلَّ شرطٍ ليس في كتاب الله عز وجل، وروى ابن وهب أن رجلاً تزوج امرأة على عهد عمر بن الخطاب وشرط لها ألا يخرجها من أرضها، فوضع عنه عمر هذا الشرط وقال: المرأة مع زوجها. قال مالك: وليس لما يفسد به النكاح من الشروط حد. قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأة على شروط تلزمه فصالحها، أو طلقها طلقة فانقضت عدتها، ثم تزوجها بعد ذلك بنكاحٍ جديد لزمته تلك الشروط ما بقي من طلاق ذلك الملك شيء، ولو شرط في نكاحه الثاني أنه إنما ينكح على أن لا يلزمه من تلك الشروط شيء لم ينفعه شرطه، وهي لازمة له في بقية طلاق ذلك الملك. قال مالك: ومن تزوج امرأة على أن لا يتزوج عليها ولا يتسَّرى جاز النكاح وبطل الشرط.
قال مالك: ومن تزوج امرأة على شروط، وحطَّت عنه من مهر مثلها لتلك الشروط، فإن كان كل ما حطَّت من ذلك في عقد النكاح لم ترجع به على الزوج وبطل الشرط إلا أن يكون فيه عتقٌ أو طلاق، وإن حطَّت ذلك عنه بعد عقد النكاح على أن شرطت عليه تلك الشروط لزمه ذلك، فإن أتى شيئًا مما شرطت عليه رجعت عليه بما وضعت عنه من المال فأخذته منه، مثل ما تشترط ألا يخرجني من مِصْري، ولا يتسرَّى علي، ولا يتزوج علي. وقال علي بن زياد في النكاح الثاني: إن حطَّته في العقد من صداق مثلها لما شرطت عليه لزمه ما حطَّته إن فعل من ذلك شيئًا، وإن كانت الحطيطة مما ناف على صداق المثل لم يلزمه شيء، ورواه ابن نافع عن مالك. ابن المواز: ورواه أيضًا أشهب عن مالك وأخذ به ابن عبد الحكم، وأخذ أصبغ وجميع أصحاب ابن القاسم برواية ابن القاسم وبه أقول. ابن المواز: قال أشهب: وسئل مالك عمن خطب امرأة فواطأها على ستين دينارًا، فلما أراد أن يتزوجها بذلك قال له أبوها: هل لك أن أصغ عنك عشرين دينارًا وأزوجكها بأربعين على أن لا تخرجها من المدينة؟
قال مالك: ذلك له وعليه العشرون التي وضعت له لمكان الشرط. قيل له: إنه لم يقع النكاح بستين وإنما كانت مذاكرة، أفتكون صداقًا؟ قال: نعم، وإنما الذي لا يكون لها عليه أن تقول: أتزوجك بمئتي دينار، ثم أضع عنك مئة على أن لا تفعل، فهذا الذي ليس بصداق، وله أن يفعل، يخرجها ويتزوج. قيل له: فإن طلقها قبل أن يمسها؟ قال: قال مالك: إذًا لا تأخذ إلا نصف الأربعين، وليس لها في هذا حجة، لأنه قد تركها على شرطها ووفَّي به لها ولم ينقضه حتى فارقها. ابن المواز: وإنما قال ذلك مالك لأنه قد كان رضي بالستين لو لم تطرح عنه منها شيئًا للشرط، وهو مذهب أشهب وابن القاسم وابن وهب وعبد الملك، وهو الصواب إن شاء الله. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أعطته مالاً على أن لا يتزوج عليها، فإن فعل فهي طالق ثلاثًا، فإن فعل وقع الطلاق وبانت منه، ولم ترجع عليه بشيء لأنها اشترت طلاقها بما وضعت عنه. فصل [2 - في جد النكاح وهزله] قال ابن القاسم: وإذا قال الخاطب للأب في البكر، أو الولي المفوَّض إليه: زوجني فلانة بمئة دينار، فقال: قد فعلت، ثم قال الخاطب: لا أرضى، لم
ينفعه ذلك، ولزمه النكاح، بخلاف البيع، لأن ابن المسيب قال: ثلاثٌ ليس فيهن لعبٌ، هَزْلُهنَّ جِدُّ: النكاح، والطلاق، والعتاق. وقال أبو بكر بن اللبَّاد: وروى ابن وهب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثلاثٌ جِدُّهُنَّ وهَزْلهُنَّ جِدُّ: النكاح، والطلاق، والعتاق». وقال علي بن زياد في المستخرجة: لا يجوز نكاح هزلٍ ولا لعبٍ، ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده. وبالأول أقول وأُلزمه النكاح.
[الباب التاسع عشر] في نكاح الخصي والمجبوب والعبد ومن فيه بقية رق
[الباب التاسع عشر] في نكاح الخصي والمجبوب والعبد ومن فيه بقية رق [فصل 1 - في نكاح الخصي والمجبوب] قال الله عز وجل: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]، قال مالك: ويجوز نكاح الخصيِّ وطلاقه، ويجوز نكاح المجبوب، لأنه يحتاج إلى أشياء من أمر النساء. [فصل 2 - في نكاح العبد] قال مالك: أحسن ما سمعت أن للعبد أن يتزوج أربعًا إن شاء حرائر أو إماء، لقول الله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] الآية. قال مالك: وحدُّ العبد في الفِرْيَة أربعون جلدة، وطلاقه طلقتان. قال أبو محمد: وجعل الله حدَّ العبد نصف حدِّ الحر، لقوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، والطلاق من معنى الحدود ويجرُّ
إلى ما يوجبها. قال مالك: وأجله في العِنَّة والاعتراض والإيلاء نصف أجل الحر. -قال الشيخ: لأنه مما يجرُّ إلى الطلاق- قال مالك: وكذلك سائر حدوده، وكفارته في الظهار والإيلاء وفي كل الكفارات كالحر. -قال الشيخ: لعموم الآية- قال مالك: إلا أنه لا يجزيه العتق في الكفارات، إذ الولاء لغيره. قال مالك: والصوم له في كفارة اليمين أحب إلي، فإن أطعم أو كسا بإذن سيده رجوت أن يجزيه. واستثقل مالك أن يتزوج العبد ابنة مولاه. قال الشيخ: وإنما استثقله مالك خوفًا أن يَهلك مولاه فترثه ابنته وتملك العبد وينفسخ النكاح.
وأجاز ابن القاسم للعبد والمكاتب أن يتزوج ابنة مولاه. قال الشيخ: لأنه حين النكاح ليس بعبدٍ لها، فنكاحه جائزٌ، ولا يراعى موت سيده، لأن من أصلنا ألَّا يُتْرك أمرٌ واجبٌ لأمر قد يكون أو لا يكون. [فصل 3 - في الصداق في نكاح العيد] قال ابن القاسم: ومن زوج عبده فالمهر على العبد إلا أن يشترطه السيد على نفسه. قال الشيخ: لأن سبيل العوض أن يكون على المُعَوِّض إلا أن يكون شرط فَيُعمل عليه. قال ربيعة: وإن خطب عليه السيد وسمى [صداقًا] فالصداق على السيد وإن أذن له فنكح فذلك على العبد، فللحرة ما سمى، وكذلك للأمة إلا أن يجاوز ثلث قيمتها. قال الشيخ: ووجه هذا: أنه إذا خطب عليه وسمى فهو كالوكيل على الشراء فالثمن عليه وإن قال: أشترى لفلان، إلا أن يقول: فلانٌ يَنقُدُك دُوني، وإن أذن له فنكح فالعبد هو المشتري وعليه الثمن.
وقوله في الأمة: إلا أن يجاوز ثلث قيمتها، فكأنه رأى أن ذلك أعلى صداق الأمة، لأن النكاح إنما عمدة الغرض فيه الوطء، فشبَّه الوطء بالجائفة التي فيها ثلث الدية، وفي الأمة ثلث القيمة. قال الشيخ: وقول ربيعة كله خلاف لقول مالك. ومن المدونة: وإذا تزوج عبد أو مكاتب بغير إذن سيده ونقد المهر وبنى، فللسيد فسخه، ويترك للزوجة ربع دينار، وترد ما بقي، فإن أُعمدت أُتبعت به. فإن عتق العبد أو أدى المكاتب اتبعته الزوجة بما أدت إن غرَّها، وإن بيَّن لها أو أخبرها أنه عبد فلا شيء لها، وإن أبطله السيد عنه أو السلطان قبل العتق لم يلزمه شيء إن عتق، وكذلك ما تداينه العبد بغير إذن سيده. وإن لم يعلم السيد بنكاح عبده أو مكاتبه إلا بعد العتق فلا كلام له، والنكاح ثابتٌ، وكذلك ما أعتقه أو وهبه أو تصدق به. وكل ما لزم ذمة العبد -يريد من صداق نكاح بإذن السيد أو تجارة أذن له فيها- فلا يأخذه الغرماء من خراجه وعمل يده. قال ابن القاسم: ولا مما فضل من ذلك بيده. قال مالك: وإنما يأخذون ذلك مما أفاده العبد بهبة أو صدقة أو وصية فإن عتق العبد يومًا ما أُتبع بذلك، وكل دين لحق المأذون له في التجارة كان دينه فيما
في يديه وفي كسبه في التجارة دون خراجه وعمل يده، ويَضرب فيه السيد بدينه مع الغرماء. يريد: ما داينه به لا ما استنجده به.
[الباب العشرون] في ملك أحد الزوجين صاحبه وهما عبدان أو حران
[الباب العشرون] في ملك أحد الزوجين صاحبه وهما عبدان أو حران وأجمعوا أنه لا يجوز نكاح بين امرأة وعبدها أو بين حرٌ وأمته، فوجب بذلك إذا ملك أحد الزوجين صاحبه بعد النكاح أن يفسخ النكاح، ولا يجتمع ملك ونكاح. قال الشيخ: وإنما لم يجتمع ملك ونكاح لأن الحقوق فيه تتعارض، فيؤدي ذلك إلى بطلانها، وذلك أن الحرة إذا تزوجت عبدها فمعلوم أن نفقة الزوجة على زوجها ونفقة العبد على سيده، فإذا طلبت الزوجة في هذا نفقتها من زوجها الذي هو عبدها طلبها هو بنفقته، فأدى ذلك إلى إبطال النفقة عن كل واحد منهما، وذلك خلاف السنة، وذلك إذا تزوج. ولأن الرجل إذا تزوج أمته فالزوجة لها عليه حق في الوطء، وليس ذلك للأمة، فإذا طلبته بالوطء بالزوجية طلبها برفعه عنه بالملك، وليم يصح لها مرافعته في الإيلاء منها، فخالف في ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وبالله التوفيق.
قال مالك: وإذا اشترى المكاتب والمأذون له زوجته انفسخ النكاح فسخًا بغير طلاق. قال الشيخ: لأنه أمرٌ مجتمعٌ على فسخه، فهو كمتزوج الخامسة أو أخته من الرضاعة. قال مالك: ويطؤها بملك اليمين. قال مالك: وإذا اشترت المرأة زوجها بعد البناء فسخ النكاح. قال ابن القاسم: وتتبعه بمهرها، لأن مالكًا قال فيمن داين عبدًا ثم اشتراه: أنه يتبعه بدينه، قال: وإن اشترته قبل البناء فلا مهر لها. قال سحنون: ألا ترى أنها وسيده اغتزيا فسخ نكاحه، فلا يجوز شراؤها له، وتبقى له زوجة، إذ الطلاق بيده، فلا تخرج من عصمته بالضرر. وفي النكاح الثاني شيء من هذا. قال مالك: ولا يتزوج الرجل مكاتبته ولا أمته، ولا المرأة مكاتبها وهو عبده مادام في حال الأداء، لا بأس أن يرى شعرها إن كان وَغْدَاً دنيئًا لا خَطْبَ له، وإن كان له خطبٌ ومنظرٌ فلا يرى شعرها، وكذلك عبدها. قال مالك: وإن كان عبدًا لها فيه شركٌ فلا يرى شعرها وَغْدَاً كان أو غير وَغْد.
قال ابن القاسم: والوَغْد الذي لا منظر له ولا خطب. قال: ولا يتزوج الرجل أمة ولده وإن كان الأب عبدًا وكأنها أمته، إذ لو زني بها لم يحد، وجائزٌ أن يتزوج أمة والده أو أمة أُمِّه أو أخيه، إذ لو زني بها حُد. قال: وإذا اشترى الولد زوجته من أبيه لم تكن بما ولدت منه قبل الشراء ولا يحمل إن كان بها يوم الشراء أم ولد، لأن ذلك الحمل قد عتق على جده، ولو كانت أمة أجنبيٌ فاشتراها وهي حاملٌ كانت به أم ولدٍ، لأنه عليه عَتَق. وقال غيره: لا يجوز للابن شراؤها، لأن ما في بطنها قد عتق على جده. وهذه في كتاب أمهات الأولاد مُستوعَبة. قال ابن القاسم: وإذا كان للعبد المأذون له في التجارة أو المحجور عليه أمةٌ فأراد سيده أن يزوجها منه، فوجه الشأن في ذلك -وهو أحب إلي- أن ينتزعها منه ثم يزوجها له بصداق، فإن زوجها إياه قبل أن ينتزعها فالنكاح جائز، وكان ذلك انتزاعا، وكذلك إن أراد السيد أن يطأها فأحب إلى أن ينتزعها منه ثم يطؤها، فإن وطئها قبل أن ينتزعها منه كان ذلك انتزاعًا.
[الباب الحادي والعشرون] في نكاح الحر الأمة ونكاحه إياها على الحرة أو الحرة عليها وكيف إن كان عبدا، وفي تسري العبد والمكاتب ونكاحه
[الباب الحادي والعشرون] في نكاح الحر الأمة ونكاحه إياها على الحرة أو الحرة عليها وكيف إن كان عبدًا، وفي تسري العبد والمكاتب ونكاحه [فصل 1 - في نكاح الحر الأمة] قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] إلى قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: 25] فعلَّقه بشرطين، عدم الطَّول، وخشية العنت. قال ابن حبيب: وهي محكمةٌ فلا تحل له الأمة إلا بعد عدم الطول، وخوف العنت، وهو الزنا، وهو قول علي وابن عباس وابن مسعود وأصحاب مالك، ورواه ابن وهب عن مالك. قال غليه: وقد اختُلف في نسخها. وكان من قول مالك فيمن تزوج أمةٌ على حرةٍ وهو يجد طولاً أن يفرق بينهما وإن خشي العنت، قال: ويضرب، ثم رجع فأجازه وجعل الخيار للحرة، وقال: لولا ما قاله مَنْ قبلي من العلماء رضي الله عنهم -يريد ابن المسيب
وغيره - لأجزته، لأنه حلالٌ في كتاب الله جل وعز. قال الشيخ: يريد قوله تعالى: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32]. قال ابن القاسم: فللحر أن يتزوج من الإماء ما بينه وبين أربع، وذلك إذا لم يجد طولاً لحرةٍ وخشي العنت، وذلك للعبد وإن لم يخش العنت. قال عبد الوهاب: لنقصه بالرق كَهِي، ولأنه لا عار عليه في استرقاق ولده، لأن ذلك ليس بأكثر من استرقاق نفسه، وليس للحر استرقاق ولده مع الاستغناء عنه. قال: وللعبد عندنا أن يتزوج أربع حرائر أو إماء خلافًا لأبي حنيفة [والشافعي] لقوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] الآية فعم.
[فصل 2 - في نكاح الحر الأمة على الحرة أو الحرة عليها] ومن المدونة: قال مالك: ولا ينكح الحر أمةَّ على حرة فإن فعل جاز النكاح وخيرت الحرة في أن تقيم معه أو تختار نفسها. ابن وهب: وكره ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما أن ينكح على الحرة أمة، وأن يجمع بينهما، وقاله جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وقال: وله أن ينكح الحرة على الأمة. قال ابن المسيب: إذا تزوج الحرة على الأمة ولم تعلم الحرة فهي بالخيار في أن تفارقه أو تقيم معه ويكون لها الثلثان من نفسه وماله، وقاله ابن شهاب. قال ابن القاسم: فإذا تزوج الحرة على الأمة، ولم تعلم فاختارت فراقه فلا نقضي إلا بواحدةٍ وتكون بائنة، بخلاف خيار المعتقة. -قال ابن المواز: فإن فسخت بالثلاث لزمت وقد أساءت، وقال أصبغ-. قال مالك: وإن رضيت بالمقام مع زوجها ساوى بينهما في القسم. ورأى ابن المسيب أن للحرة الثلثين.
قال عبد الوهاب: وقال عبد الملك: الحرة مخيرة في أن تجيز نكاح الأمة أو تفسخه، فوجه قول مالك: أنها إزالة الضرر عن نفسها بما لا تضر به غيرها، فإما أقامت أو فارقت فلا سبيل لها على نكاح الأمة. ووجه قول عبد الملك: أن الضرر الذي دخل عليها كون الأمة ضرةً لها فلها أن تزيله، وأما الخيار في فسخ نكاح نفسها، فليس ذلك إزالة ضررٍ بل زيادةٌ فيه. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تزوج على الحرة أمةً فرضيت ثم تزوج عليها أخرى فأنكرت كان لها الخيار أيضًا. قال مالك: ولا بأس بنكاح حرةٍ على أمة، وللحرة الخيار إن لم تكن علمت أن تحته أمة. قال ابن القاسم: فإن كان تحته أمتان فعلمت بواحدةٍ فلها الخيار بعد علمها بالأخرى، فإن رضيت فلها ثلث القسم. قال مالك: وإنما جعلنا للحرة الخيار في ذلك لما قالت العلماء، ولولا ما قالوه لرأيته حلالاً، لأنه في كتاب الله حلال. قال سحنون: هو قوله تعالى: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32]. وقال ابن القاسم: إنما جعلنا الخيار للحرة إذا تزوج عليها أمة، أو تزوجها هي على الأمة والحرة لم تعلم، لأن الحر ليس من نكاحه الأمة إلا أن يخشى العنت، فإذا خشي العنت وتزوج أمةً كانت الحرة بالخيار.
وقال عبد الوهاب: إنما كان للحرة الخيار للنقص الداخل عليها بأن تكون ضرتها أمة. قال: وإذا تزوج الحرة على الأمة ولم تكن علمت فقيل: لها الخيار بين أن تقيم أو تفارق. وقيل: لا خيار لها. فوجه أن لها الخيار فلرفع الضرر عنها بأن تكون ضرتها أمة. ووجه أن لا خيار لها فلأنها فرضت في استعلام ذلك. قال الشيخ: فصار في نكاحه الأمة على الحرة ثلاثة أقوال: قول: أن الحرة مخيرة في أن تقيم أو تفارق، والثاني: أن تقيم مع الأمة أو تطلقها عليه، والثالث: أنه يفسخ على كل حال. وصار في نكاحه الحرة على الأمة قولان: أحدهما: إن لم تعلم الحرة خيرت الحرة بين أن تقيم أو تفارق. والثاني: لا خيار للحرة. وذكر في الواضحة أحاديث عن عمر وغيره من الصحابة إذا تزوج الحرة على الأمة فرق بينه وبين الأمة، واختار ذلك عبد الملك بن حبيب واستحسنه. قال: إلا ألا يكتفي بالحرة ولا يجد ما ينكح به حرةً أخرى فلا تحرم عليه الأمة التي عنده.
فصل [3 - في شروط نكاح الحر الأمة] ومن المدونة: قال ابن وهب: قال مالك: ويجوز للحر أن ينكح أربع مملوكات إذا كان على ما ذكره الله تعالى في كتابه في قوله: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]. قال: والطَّول عندنا المال، فمن لم يستطع طولاً وخشي العنت فقد أرخص الله له في نكاح أمةٍ مؤمنةٍ. وروى ابن وهب وابن القاسم وعلي بن زياد عن مالكٍ أنه قال: لا ينبغي للحر أن يتزوج أمةً وهو يجد طولاً لحرة، ولا في عدم الطول إلا أن يخشى العنت كما قال الله تعالى. وقال غيره: لا ينكح أمةً على حرةٍ إلا أن تشاء الحرة، وهو لا ينكحها على حرة، ولا على أمة، وليس عنده شيء، ولا على حالٍ إلا أن يكون ممن لا يجد طولاً وخشي العنت. قال مالك: وليس الحرة تحته بطولٍ يمنعه نكاح أمةٍ إذا خشي العنت، لأنه لا يتصرف فيها تصرف المال فينكح بها. قبل لابن القاسم: فإن لم يخش على نفسه العنت وتزوج أمة؟ قال: كان مالك يقول: ليس له أن يتزوجها إذا لم يخش العنت، وإن كان تحته حرةً فلا يتزوج أمة، فإن تزوجها على حرةٍ فرق بينه وبين الأمة، ثم رجع فقال: إن تزوجها خيرت الحرة.
قال عبد الوهاب: فوجه القول الأول بأنه يفرق بينه وبين الأمة، لأن الحرة تحته من الطول، لأن الطول كونه قادرًا على صداق الحرة، فكون الحرة تحته أولى بأن تكون طولاً. ووجه قوله أنه يصح وتخير الحرة: أن الطول القدرة على صداق حرة، لا على حرةٍ متقدمةٍ كما قال مالك، لأنه لا يتصرف فيها تصرف المال فينكح بها. فصل [4 - في نكاح العبد حرة على أمة، أو أمة على حرة] ومن المدونة: قال مالك: وإذا نكح عبدٌ حرةً على أمةٍ، أو أمةً على حرةٍ فلا خيار للحرة، لأن الأمة من نسائه. قال مالك: ويقسم العبد بين الحرة والأمة بالسواء. فصل [5 - في تسرِّي العبد والمكاتب] وللمكاتب والعبد التسري في أموالهما بغير إذن السيد. ابن وهب: وقاله غير واحدٍ من العلماء والتابعين. قال الشيخ: يريد إذا كان العبد مأذونًا له في التجارة، وأما المحجور فلا إلا بإذنه. قال مالك في المختصر الكبير: إن كان بيد العبد مالٌ للسيد فليس له أن يتسرَّى فيه وإن أذن له إلا أن يهب له المال فله حينئذٍ أن يتسرَّى وإن لم يذكر له التسري فيه.
فصل [6 - في نكاح المكاتب والمكاتبة بغير إذن السيد] قال ابن القاسم: ولا يتزوج مكاتبٌ ولا مكاتبةٌ بغير إذن السيد لرجاء فضلٍ أو غيره، لأن ذلك يعيبها إذا عجزا، فإن فعلا فللسيد فسخه. ولا يجوز لمن عليه رقٌ لغيره أن ينكح إلا بإذن من له الرق فيه، قال الله تعالى {فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ} [النساء: 25].
[الباب الثاني والعشرون] في الأمة والحرة والعبد يغرون من أنفسهم أو يغر منهم أجنبي
[الباب الثاني والعشرون] في الأمة والحرة والعبد يغرون من أنفسهم أو يغر منهم أجنبي [فصل 1 - في الأمة تَغُرَّ من نفسها وحكم ولدها] وقد قضى عمر وعثمان في ولد الأمة الغارَّة لسيدها بمثلهم. قال مالك: وذلك يرجع إلى القيمة. قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً أخبرته أنها حرةٌ ثم علم قبل البناء أنها أمةٌ أذن لها السيد أن تستخلف رجلاً على إنكاحها، فللزوج الفراق، ولا صداق لها، وإن كان قد بنى بها فلها المسمى إلا أن يزيد على صداق المثل فلترد ما زاد. قال ابن القاسم: وإن شاء ثبت على نكاحها وكان لها المسمى. قال الشيخ: وبيانه أن لها الأقل من المسمى أو صداق المثل. قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: فإن نقص المسمى عن صداق المثل فعلى الزوج تمامه. وقال أشهب: لا شيء عليه فيما نقص عن ذلك، ولا حجة للسيد كما لو زنى بها طائعةً.
قال الشيخ: يريد: فلا يكون عليه شيء، فكذلك ما زاد على المسمى لا شيء للسيد فيه. قال الشيخ: وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة. ومن العتبية: قال أصبغ: قال ابن القاسم: وإذا قال الزوج: ظننتها حرة، فهو على قوله، قال أصبغ: والسيد مدَّعٍ فعليه البينة، وليس على الزوج بينةٌ أنه نكح على أنها حرة. قال في كتاب محمد: وإذا زوج الحر امرأةً ولم يشترط أنها حرة فله الخيار إذا ظهر أنها أمة. قال أصبغ في العتبية: ولو أقر الزج الآن أنه نكحها عالمًا أنها أمة، وقد فشا أنها غرته من الحرية، والسماع على ذلك أو الشك فلا يصدق الأب على ما يدفع عن نفسه من غرم قيمة ولده ويريده إرقاقهم. ومن المدونة: قال مالك: وللسيد على الأب قيمة الولد يوم الحكم، ولا شيء على الأب فيمن مات منهم قبل ذلك، ومن قَتَل ولدها فأخذ الأب منه دية حر، ثم استحقَّت الأم فعليه الأقل من قيمته يوم القتل عبدًا أو ما أخذ في ديته.
ابن المواز: وقال أشهب: لا شيء للمستحق من قيمة الولد، كما لو اقتص الأب من قاتله، أو هرب قاتله، وكما لو مات الولد وترك مالاً كثيرًا لكان ذلك لأبيه خاصة. قال أصبغ: إذا قتل الولد فأخذ الأب ديتهم فاستهلكها ثم أعدم في قيام السيد فلا يرجع السيد على غارم الدية بشيء، لأنه ودى ذلك بحكمٍ لزمه. ومن المدونة: وإن استُحِقَّت وفي بطنها جنينٌ فعلى الأب قيمته يوم الوضع وهو حر، ولو ضرب رجلٌ بطنها قبل الاستحقاق أو بعده فألقت جنينًا ميتًا فللأب عليه غرة عبد أو وليدة، لأنه حر، ثم للمستحق على الأب الأقل من ذلك أو من عُشُر قيمة أمه يوم ضُربت، ولا يكون على الأب أكثر مما أخذ، ولا على الضارب أكثر من الغرة. ابن المواز: وقال أشهب: لا شيء للمستحق كما قال في القتل. ومن المدونة: قال ابن القاسم: قال مالك: وولدها لاحق النسب، له حكم الحر في النفس والجِراح، وفيه الغرة قبل الاستحقاق وبعده. وإن استحقت الأمة بعد موت زوجها ولم يدَع مالاً، أو كان زوجها حيًا وهو عديمٌ وله منها ولد موسر، فللمستحق على الولد قيمته، وإن كان عديمًا فذلك عليه إن أيسر، وقيل: لا شيء على الولد من قيمة نفسه.
قال ابن القاسم: والقول فيها وفي ولدها كالقول في المستحقة بيد مشترِ سواء، وذلك في كتاب الاستحقاق مستوعب. ولو استحق الأمة عم الولد أخذ قيمتهم، إذ لا يعتق عليه بنوا أخيه ولو كان جدهم لم يأخذ قيمتهم، لأنهم يعتقون عليه، ولا شيء له من ولائهم، لأنهم أحرارٌ، وإنما أُخذت القيمة منهم بالسنة. قال ابن المواز في كتاب الغصب: ويكون ولاؤهم لأبيهم. قال الشيخ: ولو كان إنما زوَّجه أبوه أمته وهو عالمٌ فهاهنا يكون ولاء ولده لجدهم، لأنهم عليه عتقوا، لأنه لو كان الزوج أجنبيًا لكانوا لسيد الأمة أرقاء، فإذا كان ولده عتقوا على الجد لأنهم ولد ولده، وفي الغارة هم أحرارٌ، وفي الولد وفي الأجنبي لم يعتقوا على أحدٍ، وإنما أخذت القيمة فيهم بالسنة، فالموضع الذي يكونون فيه أحرارًا يكون ولاؤهم في مسألة الولد للوالد، والموضع الذي يكونون فيه أرقاء يكون في مسألة الولد ولاؤهم لجدهم. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو غرَّت أمة الأب ولده فتزوجها فولدت منه ثم استحقها الأب فلا شيء له من قيمة ولدها، إذ لو ملكهم عتقوا عليه وكذلك إن غرت أمة الولد والده فتزوجها فولدت منه.
قال سحنون في المجموعة: إذا غرت أمة الابن والده فتزوجها على أنها حرة فإن الأب يغرم قيمتها لولده، وتكون أم ولد للأب، وليس للابن أخذها، ولا شيء على الأب من قيمة الولد، والتزويج فيها ليس بتزويج. وأما الابن الذي غرته أمة الأب فهو مثل الأجنبي يكون لها صداق مثلها، ويأخذها الأب ولا قيمة عليه في الولد. فصل [2 - في ولد الغارَّة إن كانت أم ولد] ومن المدونة: قال مالك: ولو كانت الغارَّة أم ولد فلمستحقها قيمة الولد على أبيهم على رجاء العتق لهم بموت سيد أمهم وخوف أن يموتوا على الرق قبله، وليس قيمتهم على أنهم عبيدٌ، لأنهم يعتقون إلى موت سيد أمهم، ولو مات سيد أمهم قبل القضاء لم يكن لورثته من قيمة الولد شيء، لأنهم بموت السيد عتقوا. قال مالك: وإن وجد السيد ولدها مقتولاً فديته لأبيه دية حر، ويكون لسيد الأمة على أبيه الأقل مما أخذ أو من قيمتهم يوم القتل على الرجاء والخوف. قال الشيخ: هكذا نقلها أبو محمد: قيمتهم على الرجاء والخوف، وهو الصواب، لأن الأب يقول: لو لم يقتلوا ما كان يلزمني إلا قيمتهم على الرجاء والخوف، فإذا كان ذلك أقل مما أخذت من الدية لم يلزمني غيره. قال الشيخ: وقال بعض أصحابنا: بل يغرم الأقل مما أخذ أو قيمة الولد عبدا، لأن ولد أم الولد إذا قتل إنما تجب على القاتل قيمته عبدًا. قال الشيخ: وتشبيهه قتله بما يلزم أباه فيه غلط، لأن ولد الغارة قد جعل قيمتهم على الأب على الرجاء والخوف تخفيفًا عنه، بخلاف ما يلزم القاتل فيهم.
[فصل 3 - في ولد الغارة إن كانت مدبرة] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن غرت مدبَّرةٌ ففي ولدها القيمة على الرجاء [والخوف] أن يعتقوا أو يرقوا، بخلاف ولد أم الولد. قال الشيخ: يريد قيمتهم على أنهم يعتقون بموت السيد إذا حملهم الثلث ولا دين على السيد، أو على أن يعتق ما حمل الثلث منهم، أو يرقوا إن كان على السيد دين، أو يموتوا قبل ذلك، فالخوف في رقهم أشد منه في ولد أم الولد، لأن العتق إنما يلحقهم في حال ويمتنع في أحوال، فلذلك قال: بخلاف ولد أم الولد. وقال ابن المواز: بل يغرم الأب قيمتهم رقيقًا، لأنهم يرقون أحيانًا ولا ينفذ لهم العتق إلا بعد الموت من الثلث، والعتق فيهم اليوم أو كد من التدبير، كما لو اشترى رجلٌ مدبَّرًا فأعتقه وهو لا يعلم، ثم علم أنه مدبرٌ، ما كان من البائع أن يرد شيئًا من ثمنه على المشتري وإن كان قد غرَّه. فصل [4 - في ولد الغارة إن كانت مكاتبة] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كانت مكاتبةٌ غرت من نفسها فولدت فلتؤخذ من الأب قيمتهم. -قال ابن المواز: عبيدًا-.
قال ابن القاسم: فتوضع تلك القيمة على يدي رجل [عدل] فإن عجزت أخذ السيد القيمة، وإن ودت رجعت القيمة إلى الأب. قال ابن المواز: واختلف فيه أصحابنا، وأحب إلي أن تعجل فيه القيمة للسيد فيحسبها في الكتابة إن كانت أقل منها أو مثلها، وإن كانت أكثر لم يلزم الأب إلا الأقل من بقية الكتابة، أو من قيمة الولد. قال: وزعم ابن القاسم أن القيمة توقف، والذي يدخل عليه في ذلك أن يقال: أليس كل ما ولدته المكاتبة مدة الكتابة داخل في كتابتها؟ فكتابتها أحق بقيمة ولدها، كما لو قتل، وكما لو أعتقه السيد وهو ممن يسعى برضى الأم لسقط عنها ما يقع عليه من الكتابة، وولد هذه المستحقة دخله عتق لابد منه، وقد كان في كتابة أمه لولا هذه الحرية، فقيمته عوض منه. قال ابن المواز: وأما المعتقة إلى أجل فولدها بمنزلتها، وعلى الأب قيمتهم على أنهم أحرار إلى ذلك الأجل. قال ابن المواز: وإنما لزم الأب في ولد المستحقة قيمتهم يوم الحكم، لأنه ليس بغاصب، وقد قال عمر وعثمان: إنه يحكم لمستحق أُمِّهم بأمثالهم، فجعلت القيمة موضع ذلك، قال مالك: القيمة أعدل.
فصل [5 - في المغرور إن كان عبدا] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن غرت الأمة عبدًا أنها حرةٌ فتزوجها فولدت منه، فولدها يرق برقها، إذ لابد من رقِّه مع أحد الأبوين، فجعلتهم تبعًا للأم، لأن العبد لا يغرم قيمتهم. قال في كتاب ابن المواز: ويرجع العبد على من غرَّه بالمهر، ثم لا يرجع من غره عليها، وإن لم يغره منها أحدٌ رجع عليها بالفضل على صداق مثلها، لحجته أنه رغب في حرية ولده، وهذا إن اشترط أنها حرةٌ، أو ظهر وجهٌ عُلِم به أنه عمل على أنها حرة، وإلا فلا يرجع بشيءٍ من الصداق، بخلاف الحر لا يشترط حريتها ثم يظهر أنها أمة. فصل [6 - في الغار إن كان أجنبيا] ومن قال لرجل: فلانة حرة، ثم زوجها إياه غيره فولدت أولادا، ثم إنها استحقت أنها أمةٌ فلا يكون المخبر هاهنا غارًا، ولا يرجع الزوج عليه بشيء، علم المخبر أنها أمةٌ أم لا، وكذلك إن ولي المخبر العقد ولم يعلم أنها أمة، وأما إن ولي المخبر العقد وهو يعلم أنها أمة فهاهنا يكون غارًا، ويرجع الزوج عليه بما ودى من الصداق. ابن المواز: كان المخبر وليًا لها أم لا، فإنه يغرم إذا علم ثم عقد، ولا يترك لها ربع دينارٍ، وكأنه باعه البُضْع فاستُحِق.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يرجع عليه بما يغرم من قيمة الولد، إذ لم يغرم من ولده. قال: ولو أنه إذ غره عالمًا وولي العقد أعلمه أنه غير وليٍّ لها لم يرجع عليه الزوج بشيء. قال الشيخ: لأنه دخل على أمرٍ للولي فيه الخيار عنده وإن لم يعلم أنها أمة. [فصل 7 - في العبد يغر من نفسه] قال مالك: ولو غر عبدٌ حرةٌ فتزوجته على أنه حر، وأجاز السيد نكاحه، فلها أن تختار فراقه ما لم تدعه يطؤها بعد علمها به أنه عبد. قال ابن القاسم: وإذا كرهته فرق السلطان بينهما إلا أن يتطوع الزوج بالفراق دونه. قال ابن شهاب: ويُجلد العبد نكالاً بما كذبها وخَلَبَها.
ومن كتاب ابن المواز: لأنها إذا أقامت سنين مع مكاتبٍ تزوجها، ثم قالت: لم أعلم أنه مكاتبٌ، وقد غرَّني، فلتحلف أنها ما علمت ولها الخيار. قال أصبغ: تحلف أنها ما علمت أنه مكاتبٌ، ولا ينفعها أن تقول: ظننت المكاتب حرًا. قال ابن حبيب: ولو قالت: جهلت أن لي الخيار، لم تُعذر بذلك. [فصل 8 - في النصرانية تغر المسلم، والمسلم يغر النصرانية] ومن تزوج نصرانيةً ولم يعلم فلا حجة له في ذلك حتى يشترط أنها مسلمة، أو يظهر ويعلم أنه إنما تزوجها على أنها مسلمةٌ لما كان يسمع منها، فيكون منها الكتمان وإظهار الإسلام، فهذا كالشرط، وأما المسلم يغر النصرانية فيقول لها: إني على دينك، فيتزوجها ثم تعلم بذلك أن لها الخيار، لأنه غرها ومنعها من كثير مما يبيحه لها دينها من شرب الخمر وغيره، قاله مالك. وقال ربيعة: لا خيار لها وليس الإسلام بعيب.
[الباب الثالث والعشرون] ما ترد به المرأة والرجل من عيب، ومن غر من ذلك وذكر العنين والخصي والمجبوب
[الباب الثالث والعشرون] ما تُردُّ به المرأة والرجل من عيب، ومن غر من ذلك وذكر العنين والخصي والمجبوب [فصل 1 - فيما تُردُّ به المرأة من العيوب] روي أن الرسول عليه الصلاة والسلام زوج امرأة من بني غِفار، فوجد بكَشْحِهَا بياضًا، فردها وقال: «دلَّستم علي». ورأى عمر بن الخطاب وعلي رضي الله عنهما وغيرهما ردَّ النساء من العيوب الأربعة: الجنون، والجذام، والبرص، وعيب الفرج. قال الشيخ: ولا مخالف لهم، لأنها عيوب تؤثر في الاستمتاع المقصود، وتنقص كمال اللذة فوجب أن يثبت معها الخيار، أصله الجب والعنة.
قال مالك في كتاب محمد: وسواءٌ كان البرص الذي بالمرأة قليلاً أو كثيرًا. قال في المدونة: ولا صداق لها إن لم يبن بها، وإن بنى بها فلها الصداق، ويرجع به الزوج على وليها إن كان الذي أنكحها أبٌ، أو أخٌ، أو من يرى أنه يعلم ذلك منها، لأنه غر الزوج منها. قال ابن القاسم: ثم لا يرجع به الولي عليها. قال مالك: وإن كان الذي أنكحها ابن عم، أو مولى، أو السلطان، أو من لا يظن به علم ذلك فلا شيء عليه، وترد المرأة ما أخذت إلا ربع دينار، لأنه هي الغارَّة. قال عبد الوهاب: وخالفنا الشافعي في ذلك وقال: لا يرجع على المرأة ولا على الولي بشيء، ودليلنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: أيُّما رجلٍ نكح امرأةً وبها جنونٌ أو جُذامٌ أو بَرَصٌ فمسَّها فلها صداقها، وذلك لزوجها غرمٌ على وليِّها، ونحوه عن عليَّ رضي الله عنه ولا مخالف لهما من الصحابة ولأننا لو قلنا: إنه لا رجوع له عليه لألزمناه العوض من غير أن يحصل له في مقابلته الاستمتاع الذي دخل عليه، لأنه دخل على التأبيد لا على مرةٍ واحدة. وإنما قلنا: يرجع على الولي بجميع الصداق، وعلى المرأة به إلا ربع دينار، لئلا يعرى البضع من عوض، ومن الولي يبقى لها جميعه فلم يعر من عوض.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا كان الولي الذي يرجع عليه عديما، أو مات ولا شيء له، لم يرجع على المرأة بشيء، وليس عليها أن تخبر بعيبها ولها ولي، والبكر والثيب في ذلك سواء، وقال أصبغ عن ابن القاسم في العتبية. وقال ابن حبيب: بل يرجع على المرأة إن كانت مليئة، وإن كانت عديمةً رجع على أوَّلهِما يُسَرا. قال في كتاب ابن المواز: وإذا كان الولي البعيد يعلم ذلك منها حين عقد، فعليه يرجع الزوج، ويبقى للمرأة مهرها، وهذا إن أقر، أو قامت بينةٌ عليه، وإلا لم يحلفه إلا أن يدعي الزوج علمه بأمرٍ علمه فليحلف، فإن نكل حلف الزوج لقد علم وغره، وإن نكل فلا شيء له عليه ولا على المرأة، لإقراره بعلم الولي به وأنه غره. ابن المواز: وأما الولي القريب فذلك عليه ويغرم المعجَّل، فإذا ودى الزوج المؤجل رجع حينئذٍ به عليه. قال: وإن زوجها الأخ وهي بكرٌ بإذن الأب فالغرم على الأب، وإن كانت ثيبًا فعلى الأخ، وإن كان زوجها غير ولي عالمًا بعيبها وكتمه عليه فعليه يرجع، إلا أن يعلمه أنه غير ولي، أو يعلم ذلك الزوج فلا شيء عليه وإن كتمه، كالمنادي على السلعة يخبر أنها لغيره فالعهدة على ربها. قال مالك: وليس على الولي أن يخبر بعيب وليته ولا بفاحشةٍ لها إلا العيوب الأربعة، ومثل أن يعلم أنها لا تحل له من رضاعٍ أو نسبٍ، أو معتدة.
قال ابن حبيب: وتفسير داء الفرج: ما كان في الفرج والرحم مما يقطع اللذة في الوطء، فإن علم بذلك أو ببقية العيوب الأربعة ثم دخل بها فلا خيار له، وإن بنى بها قبل أن يعلم ثم علم فأمسك فهو مخير، فإن ادعت أنه مسها أو تلذَّذ بها وبعد العلم، فأنكر، حلف وصُدِّق، فإن نكل حلفت وصُدِّقت، وإن لم تدَّع ذلك عليه فلا يمين عليه. ابن المواز: قال مالك: إذا قال الزوج: كان بها الجذام قديمًا، وقال الأب: بل زوجتك صحيحةً، فالأب مصدقٌ. ابن المواز: مع يمينه. ومن المدونة: قال ربيعة: إذا وطئها بعد العلم بعيبها فقد لزمته. قال ابن وهب: وكتب عمر بن عبد العزيز في الذي رأى في زوجته وَضَحَاً من بياضٍ فردها به أن استحلفه بالله في المسجد ما تلذذ منها بشيءٍ منذ رأى ذلك بها، واستحلف إخوتها أنهم لم يعلموا بالذي كان بها قبل أن يزوجوها، فإن حلفوا فأعط المرأة من صداقها ربعه. قال الشيخ: وهذا خلاف ما تقدم وهو اجتهادٌ منه واستحسان. قال مالك: ولا ترد المرأة إذا وجدت عمياء، أو عوراء، أو مقعدة، أو قطعاء، أو شلَّاء، أو سوداء، أو قد ولدت من زنا، ولا من شيءٍ سوى العيوب الأربعة.
قال الشيخ: لما جاء في ذلك من السنة، ولأن العيوب الأربعة: البرص وعيب الفرج مما يخفى، والجنون والجذام ضررٌ شديدٌ، وأما غير ذلك من العيوب فالغالب منها أنها لا تخفى، فالزوج مُفَرِّطٌ في استعلام ذلك، ولأن له أن يشترط السلامة، فلزمه ذلك بتفريطه. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن اشترط السلامة مما ذكرنا ثم يجد ذلك بها فلا صداق لها إن لم يبن بها، وإن بنى بها فلها المهر، ويرجع به على الولي الذي شرط له ذلك. قال مالك: وما علم أهل المعرفة أنه من عيوب الفرج رُدَّت به وإن جامعها وقد تجامَع المجنونة. قال في كتاب محمد: وإذا كان الرتْق من قِبَل الختان فإنه يُبَطُّ على ما أحبت أو كرهت إذا قال النساء: إن ذلك لا يضرها، وإن كان خِلْقةً فإن رضيت بالبطِّ فلا خيار له، وإن أبت فالخيار إليه. قال أصبغ: وإذا أقامت للعلاج وهو يتمتع بها، فإن طال ذلك كطول أمد العنين في علاجه فلها جميع الصداق، كالسنة وما قاربها من كثير من الأشهر. قال ابن حبيب: وإن زعم أن بها رتقًا، أو غيره من داء الفرج فأكذبته فهي مصدقٌ، وإن طلب أن ينظر إليها النساء فليس ذلك له، فإن فارق وادعت المسيس
فلها جميع الصداق، فإن أتي بامرأتين فشهدتا أنهما رأتاها رتقاء، ولم يكن ذلك عن أمر الإمام جازت شهادتهما، إذ الطلاق بيده لم توجبه شهادتهما إنما أوجبت ترك الصداق إن فارق. فإن قيل: فإذا لم تمكنهما من النظر فقد صار نظرهما تعمدًا جَرْحةً. قيل: هذا يعذران بجهالته. قال أبو محمد: وأخبرنا أبو بكر قال: قال سحنون: إن ابن القاسم يقول: لا ينظر إليها النساء في عيب الفرج يدعيه الزوج، وقد قال: ترد به، فكيف يعرف إلا بنظرهن. وروى ابن سحنون عن أبيه: أنه ينظر إليها النساء إذا ادعى ذلك الزوج. -قال الشيخ: ويردها، وبه أقول-. قال ابن حبيب: وأما من بنى بزوجته فادعى المسيس فأكذبته، وشهد لها امرأتان أنها عذراء، فلا تقبل شهادتهما، لأنه يؤول إلى الفراق، وقد كذبهما من له الفراق، فافترق من الأول، وقاله مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ.
فصل [2 - فيما يرد به الرجل من العيوب] ومن المدونة: قال ابن المسيب: وإن كان بالزوج جنونٌ، أو ضررٌ، فالمرأة مخيرةٌ بين أن تقيم أو تفارق. قال مالك: وأرى الضرر الذي أراد ابن المسيب هذه الأشياء التي ترد منها المرأة. قال الشيخ: لقول الله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]، ولأن لها حقًا في الاستمتاع، فإذا وَجدت مانعًا منه أو من كماله كان لها الخيار كالرجل، واعتبارًا بالجبِّ والعنَّة، فإن فارقت قبل الدخول فلا صداق لها، لأن الفسخ من قِبَلِهَا، وإن كان بعد الدخول فلها المهر كاملاً لاستمتاعه بها. فصل [3 - في حدوث العيب بعد النكاح] قال ابن حبيب: قال مالك وأصحابه: وما حدث بالزوجة عند الزوج من العيوب الأربعة فلا خيار له في فراقها إلا بغرم الصداق، النصف قبل البناء، والجميع بعده. قال ابن المواز: وما حدث بالزوج بعد العقد من البرص فلا يرد به وإن كان شديدًا.
وقال ابن حبيب: يُرد به إن كان فاحشًا مؤذيًا. قال مالك في النكاح الثاني من المدونة: وإذا حدث بالزوج جنونٌ بعد العقد عُزِلَ عنها وأُجِّل سنةً لعلاجه، فإن صحَّ وإلا فرق بينهما، والمجذوم البيَّن الجذام يفرق بينه وبين امرأته إذا طلبت ذلك. قال ابن القاسم: فإن كان مما يرجى برؤه وعلاجه فليضرب له أجل سنة. قال الشيخ: وفي الثاني إيعاب هذا. فصل [4 - في أحد الزوجين يغر صاحبه في النسب] قال مالك: ومن تزوج امرأةً فإذا هي لِغِيةٌ، فإن زوجوه على نسبٍ فله ردها وإلا لزمته. قال ابن القاسم: فإن ردها فلا صداق عليه إن لم يكن بنى بها، وإن بنى بها فعليه صداقها، ويرجع به على من غرَّه، فإن كانت هي الغارة ترك لها ربع دينارٍ وردت ما بقي، وإن انتسب لها فألفته لِغِيًا خيرت بين أن تقبله أو ترده. وروى أبو زيد عن ابن القاسم فيمن تزوج امرأة على نسبٍ انتسب لها إلى فخذٍ من العرب ثم يوجد من غير ذلك الفخذ، فإن كان مولى فلها الخيار إذا
كانت عربية، وإن كان عربيًا وهو من غير القبيل الذي سمى فلا خيار لها إلا أن تكون قرشيةً تزوجته على أنه قرشيٌ فإذا هو من قبيلٍ من العرب، أو تكون عربيةً تزوجته على إدعائه، فذلك لها. وذكر عن أبي بكر بن عبد الرحمن فيمن تزوج امرأة وشرطت في عقد النكاح على الزوج أنه عربيٌّ من أنفسهم ثم وجد من مواليهم قال: فأجبت أنا وجميع أصحابنا أن للمرأة القيام بشرطها وفسخ النكاح. قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: ولم يذكر في هذا السؤال أنها عربيةٌ أو مولاة، والأمر عندي سواء، وللمرأة شرطها بخلاف ما تقدم في رواية أبي زيد، والله أعلم. وسئل أبو محمد بن أبي زيد عما يكتب الناس في صدقاتهم: وهي صحيحة العقل والبدن، ويجدها بعد ذلك عمياء أو شلَّاء، هل له أن يردها بهذا الذي كتب في الصداق؟ فقال: لا ينفعه ذلك، وليس كالشرط حتى يبين فيقول: لا عمياء ولا شلَّاء، قال: ولو كان في موضع صحيحة العقل سليمة البدن لرأيت له أن يردها إذا وجدها عمياء أو شلَّاء أو غير ذلك، وبهذا كان يفنيّ علماؤنا ونُفيّ نحن. فصل [5 - فيمن غر فنكح امرأة في العدة] قال مالك: ومن غَرَّ من وليَّته فزوجها في عدة ودخلت، ثم علم بذلك الزوج فالنكاح مفسوخ، ويضمن الولي الصداق كله.
قال ابن القاسم: ولو كانت هي الغارة ترك لها ربع دينار وردت ما بقي. قال في رواية العسَّال أبي زيد عن ابن القاسم في مسألة المرأة تغره: إنه يرجع عليها بالصداق الذي دفع إليها، وليس يأخذ ما اشترت. -قال الشيخ: يريد: وإن كان مما يصلح لجهازها، لأنها متعدية في التصرف فيه قبل إعلامه بما غرته به فيرضى أو يرد-. قال ابن القاسم: فإن لم يعلم الزوج بذلك حتى طلقها أو ماتت فلا رجوع له عليها بشيءٍ من الصداق، كالعبد المعيب يبيعه مشتريه، فلا يرجع بشيءٍ من قيمة العيب، وروي ذلك عن مالك. فصل [6 - في عيوب الفرج التي يرد بها الرجل] وعيوب الفرج التي يردُّ بها الرجل أربعة وهي: الجَبُّ، والخِصَاء، والعِنَّة، والاعتراض. فالمجبوب: هو المقطوع ذكره وأنثياه، والخصي، هو المقطوع منه أحدهما، والعنين: هو الذي له ذكرٌ شديد الصغير لا يمكن الجماع بمثله، والمعترض: هو الذي لا يقدر على الوطء لعلة تعترضه وهو بصفة من يمكنه الوطء، وربما اعترض عن امرأةٍ دون أخرى، وأصحابنا يسمون العنين لهذا النوع من الرجال، وكذلك
من تقدم من الصحابة والتابعين، وحقيقة اسمه المعترض، كذلك ذكر ابن حبيب وعبد الوهاب. ومن المدونة: قال مالك وأصحابه: وإن تزوج خَصيٌّ أو مجبوبٌ امرأةً ولم تعلم به، ثم علمت فلها الخيار في أن تقيم معه أو تفارقه، والمجبوب أشد. قال عبد الوهاب: وإنما قال ذلك لعدم الاستمتاع، والأصل فيه قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]، ولأنه لو آلى منها لكان لها أن توقفه وتطالبه إذا امتنع من الوطء بالوطء أو الفراق، فكان الخصي والمجبوب أولى. ومن المدونة: قال مالك: وإنما لها أن تفارقه بواحدةٍ بائنةٍ لا بأكثر منها، ويتوارثان قبل أن يختار فراقها، فإن فارقته بعد أن دخل بها فعليها العدة إن كان يطؤها، وإن كان لا يطؤها فلا عدة عليها. وروى ابن وهب أن ابن سُندَر تزوج امرأةً وكان خصيًا فلم تعلم به، فنزعها منه عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قيل لابن القاسم: فإن كان مجبوب الذكر قائم الخُصى فاختارت فراقه بعد أن دخل بها؟ فقال: إن كان يولد لمثله فعليها العدة، ويسأل عن ذلك، فإن كان يحمل من مثله لزمه الولد، وإلا لم يلزمه ولا يلحق به، وإن علمت به حين تزوجته أنه مجبوبٌ، أو خصيٌ، أو عنينٌ لا يأتي النساء رأساً أو أخبرها بذلك فلا كلام لها. وإن لم تعلم بذلك في العقد ثم علمت به فتركته وأمكنته من نفسها فلا كلام لامرأة الخصي والمجبوب، وأما العنين فلها أن ترافعه ويؤجل سنة، لأنها تقول: تركته لرجاء علاجٍ أو غيره، إلا أن تتزوجه وهي تعلم أنه لا يأتي النساء رأساً كما وصفنا، فلا كلام لها بعد ذلك، وفي الثاني إيعاب هذا. تم كتاب النكاح الأول، والحمد لله وسلامٌ على جميع أنبيائه.
[الكتاب الثاني] كتاب النكاح الثاني
[الكتاب الثاني] كتاب النكاح الثاني [الباب الأول] في الصداق يقارنه بيع، أو يدخل فيه غرر أو مجهول وكل غرر أو خطر أو فساد بشرط [فصل 1 - في الصداق يقارنه بيع] قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةٌ بعبدٍ على أن تعطيه داراً أو مالاً لا يجوز هذا النكاح عند مالك، وهو مفسوخٌ، وسمعت مالكاً يقول: إن تزوجها على أن تعطيه خادمها بكذا وكذا درهماً لم يجز، ولا يجتمع في صفقةٍ واحدةٍ نكاحٌ وبيع. قال سحنون: وقال بعض الرواة- هو ابن الماجشون- في هذه المسألة: إن كان يبقى مما يعطي الزوج ربع دينارٍ فصاعداً جاز النكاح. قال عبد الوهاب: وقال أشهب: يجوز نكاحٌ وبيع، فوجه قول مالك: أن النكاح عقدٌ مخصوصٌ من سائر عقود المعاوضة بأحكامٍ لا توجد في غيره، فوجب ألا يضم إليه عقدٌ غيره كالصرف والقراض، ولأنه يجوز أن
يكون العوض في مقابلة البيع فيعرو البضع من عوض، وتكون ذريعةً إلى الإباحة في إسقاط المهر. قال الشيخ: ولأنه لا يدرى ما يخص البضع من ذلك فيصير نكاحاً مجهولاً. قال عبد الوهاب: ووجه قول عبد الملك: أن المنع من خيفة أن يعرو النكاح من عوض، فإذا أمن ذلك جاز. ووجه قول أشهب: أنه ليس في ذلك أكثر من الجهالة بمقدار المهر، وذلك لا يمنع صحة العقد، كما لو تزوجها على حكم زيد. قال الشيخ: ولأن للرجل بيع سلعتين بثمنٍ معلومٍ، ولا يضره جهل ما يخص كل سلعةٍ من الثمن، فكذلك هذا ولا يدخل عليه ما اعتل به ابن الماجشون من أن يفضل مما يعطى المرأة ربع دينار، لئلا يعرو البضع من عوض، لأن ما يعطي الزوج مقبوض على ما تعطي المرأة، وعلى مقدار صداق مثلها، فمتى حصل للبضع على ذلك ربع دينارٍ فصاعداً جاز هذا على قياس البيوع، وإذا جاز ذلك في البيوع اقتضى أن يكون في النكاح أجوز، لأن طريقة النكاح المكارمة وطريقة البيوع المكايسة، ألا ترى أنه يجوز أن يتزوج بعبدٍ وبشرار بيتٍ ولا يصف ذلك، ولا يضرب لها أجلاً، فيكون لها الوسط من ذلك حالاً، ويتزوجها ولا يذكر صداقاً فيعطيها صداق المثل فيلزمها، ولا يجوز مثل هذا في
البيوع، وما قال أشهب هو القياس، والله أعلم، وقول ابن الماجشون أيضاً حسن، وهو على قياس ابن نافعٍ في مسألة الموضحتين إذا صالح من موضحة عمداً وموضحةٍ خطأً على شقص من دار. قال ابن نافع: فيه الشفعة بقيمة الشقص ما لم ينقص عن دية موضحة الخطأ وذلك أنه جعل ممن الشقص معلوماً هو دية موضحة الخطأ، ومجهولاً وهو دية موضحة العمد، فأعطى للمعلوم حقه من قيمة الشقص، وكان ما بقي للمجهول، فكذلك يصنع في النكاح، يجعل ما يعطي الزوج ثمناً للبضع وثمنه مجهولٌ، وبما تعطي الزوجة وثمنه معلوم، فأعطى للمعلوم قيمته مما يعطي الزوج وما بقي للبضع، فإن بقي ربع دينارٍ فأكثر جاز عنده وإلا لم يجز. وذكر عن ابن الكاتب أنه قال: إن كان اعتبار ما يفضل للبضع بعد عقد النكاح فكأنه إنما نكحها بالذي يفضل، وذلك مجهولٌ، فإن كان اعتبار ذلك قبل العقد فأحسبهما لا يختلفان في جوازه، لأنه يصير للبضع شيء مسمى، وللسلعة شيء مسمى، فهو كما لو تزوج امرأتين في عقدٍ واحدٍ، وسمى لكل واحدةٍ صداقها
ولا يشبه ذلك السلع التي يجوز ذلك فيها وإن لم يسم، لأن السلع مما تقوم، فيقع لكل سلعةٍ من الثمن ما يخص قيمتها إن وقع استحقاق، والأبضاع لا يصح تملكها ولا وقع فيها وطءٌ قبل التسمية فيقضى عليه بصداق المثل، فوجب ألا يصح إلا بعد التسمية لها، وإن أجملهما في صداقٍ واحدٍ لم يجز، وغيره يجيز ذلك، ويقسم المسمى على صداق مثل كل واحدة، اعتباراً بالسلع، وإلى مثل هذا نحى أشهب في جواز نكاحٍ وبيع، وهذا معنى كلام ابن الكاتب دون لفظه. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وهذا النكاح الذي وقع مع البيع في صفقةٍ يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لها صداق المثل. فصل [2 - في الصداق يدخل فيه غرر أو مجهول أو محرم] قال مالك: وإن تزوجها على عبدٍ آبقٍ، أو بعيرٍ شاردٍ، أو جنينٍ في بطن أمه، أو بما تلد غنمه، أو بثمرةٍ، أو زرعٍ لم يبد صلاحهما فالنكاح يفسخ في ذلك كله قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لها صداق المثل، ويكون الذي سمى لها من الغرر لزوجها، إلا أن تقبض الجنين بعد ولادته، أو الآبق أو الشارد وغيره، فلترده إلا أن يموت عندها في بدنٍ أو سوقٍ فيكون لها وتغرم قيمته يوم قبضته لزوجها، فأما الثمرة فما جنت منها، أو حصدت من الحب فعليها أن ترد مكيلته وما هلك من ذلك كله قبل أن تقبضه فهو من الزوج، وما هلك من ذلك بعدما قبضته وإن لم يتغير في سوقٍ أو بدنٍ فهو من المرأة أبداً حتى ترده، لأنه في ضمانها يوم قبضته.
قال ابن المواز: وإن نكحها بثمرةٍ لم يبد صلاحها على أن تجدها بلحاً جاز النكاح، فإن تأخرت الثمرة حتى طابت فجدتها بسراً أو رطباً أو تمراً فلا يفسخ النكاح وإن لم يدخل بها، ويكون لها قيمة ذلك البلح مجدوداً يوم النكاح وترد ما جدت منها، وما أكلت ردت مكيلته، وإن لم تعرف فقيمته، وإن طلقها قبل البناء فلها نصف قيمة البلح مجدوداً يوم النكاح. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تزوجها بما تلد غنمه، أو بخمرٍ، أو خنزيرٍ، أو على دار فلان، أو على أن يشتريها لها فليفسخ هذا النكاح قبل البناء ويثبت بعده، ولها صداق المثل. وقد اختلف قول مالك في المختصر الكبير في فسخ النكاح بعد البناء إذا عقد بخمر، أو خنزير، أو بثمرةٍ لم يبد صلاحها، أو بجنينٍ في بطن أمه، أو ببعيرٍ شاردٍ، أو بعبدٍ آبق. قال عبد الوهاب: لا خلاف في منع ابتداء العقد بما لا يصلح أن يتملك كالخمر والخنزير، ولا بغررٍ كالعبد والآبق والجمل الشارد والجنين في بطن أمه، والثمرة التي لم يبد صلاحها على التبقية، وما أشبه ذلك، فإن وقع فقيل: يفسخ قبل البناء وبعده، لأن فساده في عقده، وقيل: يفسخ قبل البناء ويثبت بعده ويجب فيه صداق المثل، لأن فساده في صداقه. وعند أبي حنيفة والشافعي: العقد صحيحٌ لا يفسد بفساد المهر، ويجب فيه صداق المثل.
فوجه قول من أفسده: قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ}، فعلق الإحلال بالمال، والخمر والخنزير ليسا بمالٍ لنا، ولأنه عقد معاوضة يجب أن يفسد بفساد العوض كالبيع، ولأن المعقود به إذا كان فاسداً وجب فساد العقد، أصله نكاح الشغار. ووجه التصحيح: أن عقد النكاح مفارق لعقد البيع في موضوعه، لأن البياعات طريقها المغابنة والمكايسة، والنكاح طريقه المواصلة والمكارمة، ألا ترى أنهما إذا عقدا من غير تسمية صداقٍ جاز، بخلاف البيع والإجارة. واختلف أصحابنا في تأويل قول مالك: إنه يفسخ قبل الدخول، فمنهم من حمله على الإيجاب تغليظاً وعقوبةً لهما، لئلا يعودا إلى مثل ذلك، ومنهم من حمله على الاستحباب احتياطاً وخروجاً من الخلاف، فإن وقع الدخول لم يفسخ، لأن الصداق قد وجب، فلا يوجد المعنى الذي لأجله فسخ قبل الدخول. وقد تقدم في الأول بعض هذا. [فصل 3 - في الصداق إذا كان غائباً موصوفاً معه دراهم أو لا] ومن كتاب ابن المواز وابن حبيب: قال ابن القاسم: لا بأس بالنكاح بعبدٍ غائبٍ بعيد الغيبة إذا وصفه، كان معه عينٌ أو لم يكن إلا ما بعد جداً مثل
خراسان، والأندلس. ابن حبيب: ومثل إفريقية من المدينة، كان مع ذلك عينٌ أو لم يكن فلا خير فيه، ويفسخ. ابن المواز: قال ابن القاسم: وأما مسيرة الشهر ونحوه فجائز، والضمان من الزوج حتى تقبضه، وله أن يدخل إن كانت الغيبة قريبة، ولا يدخل بها في البعيدة وإن قدم إليها ربع دينار، وإن سماه مع العبد، لأن النقد في البعيد لا يجوز والدخول انتقاد. قال الشيخ: هذا إن كان الدخول بشرطٍ في العقد، وأما إن لم يشترط في العقد فجائزٌ التطوع به كالبيوع. قال: فإذا كان قريباً ووصفه ثم هلك العبد قبل قبضه فلها قيمته على تلك الصفة. قال أبو العباس الأبياني: وإذا تزوجها على عبدٍ موصوفٍ فقبضته، ثم استحق رجعت بعبدٍ مثله في صفته، وإن مات بيدها ثم علمت بعيبٍ كان به
عند الزوج، فعلى المرأة غرم قيمة العبد معيباً للزوج يوم قبضته، وترجع عليه بعبدٍ مثله في صفته، وفيه اختلاف، وهذا أحسن. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأة، أو اشترى سلعةً بدراهم بعينها غائبة، فلا خير في ذلك إلا أن يشترط أن عليه بدلها إن تلفت، ولو حضرت الدراهم ونقدها إياها جاز النكاح، وكذلك البيع، فإن وجب البيع والنكاح بها ثم استحقت في يد المرأة والبائع فعلى المشتري والزوج مثلها، وتم النكاح والبيع. قال مالك: ومن تزوج امرأةً على دارٍ أو أرضٍ أو عبدٍ، كل ذلك غائب، فإن وصف ذلك جاز النكاح، وإن لم يصفه فسخ النكاح قبل البناء، ويثبت بعده، ولها صداق المثل. ابن المواز: وإن وصفه فلا يدخل في العبد البعيد الغيبة حتى يدفعه، والضمان منه. قال: وابن القاسم يرى أن تباعد الغيبة مثل خراسان والأندلس لم يجز، وأما مثل المدينة من مصر فجائز. ومن المستخرجة: قال ابن الماجشون فيمن تزوج بثمرةٍ بدا صلاحها فأجيحت الثمرة كلها: إن مصيبتها من الزوج، وترجع عليه المرأة بقيمة الثمرة وإنما يحمل ذلك محمل البيوع.
وابن القاسم يقول: لا جائحة فيها، والمصيبة من المرأة، ولا ترجع على الزوج بشيء. قال الشيخ: وإنما فرق بينه وبين البيوع، لأن طريقة النكاح المكارمة، وطريقة البيوع المكايسة. ولكن قد قال في كتاب العرايا: إن الجائحة في العرية، وهو باب رخصةٍ ومرفقٍ لا باب مكايسة. فجعل ذلك كالبيوع، وكان ينبغي ألا يجعله في العرايا كالبيوع؛ لأنه معروفٌ لا معاوضةً فيه، ويجعله في النكاح كالبيوع، لأنه معروفٌ، معاوض فيه، وقد قال مالك: أشبه شيءٍ بالبيوع النكاح. ومن المدونة: قال مالك: وإن تزوجها على بيتٍ أو خادمٍ ولم يصف ذلك جاز النكاح ولها خادمٌ وسط، والبيت الناس فيه مختلفون، إن كانت من
الأعراب فلهم بيوتٌ وشورةٌ قد عرفوها، وشورة الحضر لا تشبه شورة البادية. قال مالك: وإن تزوجها على شوار بيتٍ إذا كان الشوار شيئاً معروفاً عند أهل البادية والحاضرة. قال ابن القاسم: ولكلٍ قدره من الشوار. قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران فيمن تزوج ببقعةٍ على أن يبنيها للمرأة، فإن كانت بقعةً بعينها في ملكه ووصف الطول والعرض والبناء فذلك جائزٌ، وإن كان البيت الذي يبنيه مضمونٌ عليه فقد أفتى أبو محمد أن ذلك لا يجوز. قال الشيخ: وكذلك السلم في البيت. قال الشيخ: لأن ذلك يرجع إلى السلم في شيءٍ معين، لأنه لابد أن يصف البناء والموضع، فيؤدي ذلك إلى تعيينه، وهذا ظاهر ما في كتاب ابن حبيب، وعند ابن المواز ما يدل على خلافه.
[فصل 4 - في الصداق إذا كان غير موصوف] وإن نكح على مئة بعيرٍ، أو شاةٍ، أو بقرةٍ، ولم يصف ذلك جاز النكاح، وعليه وسط من الأسنان، وكذلك على عبدٍ بغير عينه ولم يصفه ولا ضرب له أجلاً فالنكاح جائزٌ ولها عبدٌ وسطٌ حالٌ، وليس للزوج دفع قيمته إلا أن ترضى المرأة. قال في كتاب ابن المواز: ومن نكح من رقيقٍ ذكر العدد، ولم يذكر حمراناً ولا سوداناً فلها الوسط من الأغلب في البلد، وكذلك في المستخرجة. قال ابن المواز: فإن استويا في البلد نظر إلى وسط السودان ووسط الحمران، فأعطيت نصف ذلك. - قال الشيخ: يريد من كل جنسٍ نصفه. قال: وذلك على قدر قيمة ذلك يوم وقع النكاح، وكذلك إن طلق قبل البناء، وقال أصبغ، وقال: هي جيدة. وفي العتبية عن مالك: وتعطى الإناث دون الذكور، وكذلك شأن الناس. قال سحنون في كتاب ابنه: ومن نكح على خادمٍ لم يجز حتى يسمي جنس الأمة، فيكون عليه وسطٌ من ذلك الجنس لا من العلية، ولا من الوخش، وإذا كان مجملاً لم يجز، وفسخ النكاح قبل البناء، ويثبت بعده ولها صداق المثل.
قال عبد الوهاب: وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجوز إلا على معلومٍ مقدرٍ وهو قول الشافعي، ودليلنا قوله عليه الصلاة والسلام: "الصداق ما تراضى عليه الأهلون"، فلم يفرق، ولأن طريق النكاح المكارمة والمواصلة بخلاف البيع الذي طريقه المكايسة والمغابنة، بدليل أنه لا يفسد لعدم ذكر العوض في العقد، وهو التفويض. ومن المدونة: قال مالك: وكذلك إن تزوجها على عرضٍ موصوفٍ ليس بعينه ولم يضرب له أجلاً، فالنكاح جائزٌ، وهذا لا يحمل هاهنا محمل البيوع وهو على النقد، ألا ترى أنه يتزوج المرأة بمئة دينارٍ، ولا يسمي أجلاً فتكون نقداً، وكذلك إن اختلعت منه امرأته على عبدٍ فلم تسمه له، ولا وصفته، فعليها عبدٌ وسطٌ.
فصل [5 - في الصداق إذا فسد بالشرط] ومن نكح امرأةً بألف درهمٍ على إن كانت له امرأةً أخرى فصداقها ألفان، فهذا من الغرر، وهذا مثل البعير الشارد فيما فسرنا. قال مالك: وإن نكحها بألفين فوضعت عنه في هذا النكاح ألفاً على أنه لا يخرجها من بيتها، ولا يتزوج عليها، فله أن يخرجها ويتزوج عليها وليس لها إلا ألف. قال ابن القاسم: وكذلك إن نكحها بألفٍ على أنه إن أخرجها من بلدها فمهرها ألفان، فله أن يخرجها ولا شيء عليه غير الألف. قال الشيخ: يريد: وكذلك على أنه إن تزوج عليها فصداقها ألفان، فله أن يتزوج ولا شيء عليه غير الألف، بخلاف قوله: إن كانت له امرأةٌ أخرى. قال مالك: ولو انعقد النكاح عليه بألف درهمٍ ثم حطت بعد ذلك نصفه على أن لا يخرج بها، أو لا يتزوج عليها ونحوه، ففعل ذلك، فلها أن ترجع عليه بما وضعت عنه إن فعل من ذلك شيئاً، وله أن يفعله. وقال علي بن زياد: إن حطته في العقد من صداق مثلها لما شرط عليه لزمه ما حطته إن فعل من ذلك شيئا، وإن كانت الحطيطة مما ناف على صداق المثل لا يلزمه، ورواه ابن نافع عن مالك.
[الباب الثاني] في الصداق يوجد به عيب أو يؤخذ بشفعة أو يؤخذ به رهن وفي صداق السر
[الباب الثاني] في الصداق يوجد به عيب أو يؤخذ بشفعة أو يؤخذ به رهن وفي صداق السر [فصل 1 - في الصداق يوجد به عيب] قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةٌ على تلالٍ خلٌ بأعيانها فوجدتها خمراً فهي كمن نكحت على مهرٍ فأصابت به عيباً، فلها رده، وترجع به، إن كان يوجد مثله، أو بقيمته إن كان لا يوجد مثله. قال الشيخ: ذكر عن أبي عمران أنه قال: نحا سحنون في التي تزوجت على قلال خلٌ فأصابتها خمراً إلى ما ذكر ابن المواز: أنهما إذا دخلا على الجزاف في الصبرة ثم علم بعد ذلك كيلها، ثم استحق ما في يد البائع أنه يرجع بقيمة صبرته ولا يرجع بمثلها وإن عرف كيلها. قال أبو عمران: والصواب أن يرجع في القلال بمثلها إذا كانت موجودة،
وكذلك في الصُّبْرَة. قال الشيخ: يريد في القلال أنها تراق وتغسل جيداً وتملأ ماءً ثم يكال ذلك الماء فتعطى مثل كيله خلاً، وإن كانت للنصارى مكاييل مثل مكايلنا أكتيل ذلك الخمر بها، وأعطي مثله خلاً بمكايلنا، لأن تلك القلال نجسةً فلا يكال بها، وتكسر بعد ذلك لأنها لمسلم. وقال غيره على قول سحنون: إنما لم يكن لها مقدار القلال، لأن من نكح بشيءٍ بعينه كصبرة بعينها فاستحقت فعليه قيمتها. وفي المجموعة: قال ابن الماجشون: إذا تزوجها بشيءٍ يكال أو يوزن بعينه فاستحق رجعت بمثله. قال الشيخ: فصار في هذا إذا تزوجها بجزافٍ مما يكال أو يوزن قولان: أحدهما: يرجع بمثله، والثاني: بقيمته. قال مالك: وإن تزوجها على عبدٍ بعينه فقبضته ثم وجدت به عيباً فلها رده وترجع على الزوج بقيمته- يريد يوم عقد النكاح بخلاف البيع. - ابن حبيب: كان ذلك قبل البناء أو بعده-. قال مالك: وإن فات العبد عندها بعتق، أو بشيءٍ يكون فوتاً رجعت بقيمة عيبه، وإن حدث به عندها عيبٌ مفسدٌ فلها رده، وما نقصه وأخذ قيمته، أو حبسه وأخذ قيمة العيب القديم. قال ابن القاسم: والخلع عندي مثل النكاح سواء، يكون للزوج في العيب مثل ما وصفنا للمرأة سواء. وإن تزوجها على أمةٍ فأصابتها ذات زوجٍ ولم يخبرها به فذلك عيبٌ، ولها ردها وأخذ قيمتها، وكذلك الخلع في هذا سواء.
[فصل 2 - في الصداق يستحق بشفعة] فإن تزوجها على غير مهرٍ مسمى، ففرض لها نصف دارٍ له فرضيت بذلك ففيه الشفعة بقيمته يريد إذا فرض لها ذلك قبل البناء، وأما إن دخل بها ثم فرض لها ذلك فإنما يأخذه الشفيع بصداق مثلها، وهي منصوصةٌ هكذا، وذلك بين. [فصل 3 - في الصداق يؤخذ به رهن] وإن تزوجها على صداقٍ مسمى، أو تزوجها ولم يفرض لها صداقاً، فأعطاها رهناً بالصداق المسمى أو بصداق مثله فهلك الرهن بيدها، فإن كان الرهن حيواناً فلا شيء عليها، والمصيبة من الزوج، وإن كان مما تغيب عليه المرأة فهو منها. فص [4 - في صداق السر] قال مالك: وإذا أظهر الزوجان مهراً وأسرا دونه أخذا بما أسرا إن شهد به عدول.
[الباب الثالث] في ضمان الصداق عن ولده أو أجنبي في صحة أو مرض وكيف إن لم يضمن
[الباب الثالث] في ضمان الصداق عن ولده أو أجنبي في صحة أو مرض وكيف إن لم يضمن [فصل 1 - في ضمان الأب الصداق عن ولده] ومن المدونة: قال مالك: ومن زوج ابنته وضمن لها الصداق في عقد النكاح أجزته. قال ابن القاسم: ولا يرجع به الأب على الزوج، لأن ضمانه الصداق هاهنا على وجه الصلة والصدقة. قال مالك: فإن مات الأب قبل أن تقبض البنت صداقها استوفته من مال أبيها، فإن لم يترك الأب شيئاً فلا شيء لها على الزوج إذا كان قد دخل بها. قال ابن القاسم: فإن لم يكن دخل بها فلا سبيل للزواج إليها حتى يعطيها مهرها، وكذلك قال مالك فيمن قال لرجل: بع من فلانٍ فرسك والثمن لك علي، فباعه ثم هلك الضامن قبل أن يقبض البائع الثمن أن للبائع الثمن من مال الضامن فإن لم يدع شيئاً فلا شيء له على المبتاع، وكذلك من ضمن لأحدٍ شيئاً ليخرج من يده لأخر شيئاً على وجه الصلة. وقال مالك فيمن زوج ابنه الصغير في حجره ولا مال للابن، أن الصداق على الأب، فإن مات الأب أخذته الزوجة من ماله، ولا يحاسب الورثة الابن بذلك ويدفع إليه ميراثه كاملاً مما بقي، فإن كان على الأب دينٌ كان للمرأة أن تحاصهم بصداقها.
قال: فإن كان للابن مالٌ لم يكن على الأب شيءٌ إلا أن يشترطه الأب على نفسه، ويضمنه عنه، فهو على الأب ولا يرجع به على الابن. قال ابن المواز: إلا أن يكون ذلك من الأب على وجه الحمالة لا على وجه الحمل، فيكون للأب أو لورثته بعده الرجوع على الابن، وهذا إذا كان له يوم زوجه الأب مال، فإن لم يكن له يومئذٍ مال فإن ذلك على الأب على كل حال. [قال ابن القاسم]: وكذلك لو كتبه على الابن فهو على الأب ولا ينفعه ما كتب. وقال أصبغ: بل يكون ذلك على الابن. قال ابن المواز: وقول ابن القاسم أحب إلينا أنه على الأب إلا أن يقول الأب: إني لست منه في شيء، وإنما لكم ذلك على ابني، فهذا إن علم [به] الابن بعد البلوغ وقبل الدخول كان فيه بالخيار إن شاء أن يلزمه نفسه ويثبت النكاح، وإن شاء لم يلتزمه ويفسخ النكاح، وإن دخل قبل أن يعلم وبعد البلوغ أسقط عنه ما فوق صداق مثلها، ويثبت النكاح.
[فصل 2 - في ضمان الأب الصداق عن أجنبي] ومن المدونة: قال مالك: والرجل الذي له الشرف يزوج رجلاً ويضمن صداقه، فهذا لا يتبعه بشيءٍ أيضاً. قال ابن القاسم: وليست هذه الوجوه فيما سمعنا من مالك بمنزلة حمالة الديون التي يرجع من تحمل بها على الذي تحمل عنه، وإنما ذلك بمعنى الحمل والصلة، وليس كهبةٍ لم تقبض، وهو كمن وهب لرجلٍ مالاً فلم يدفعه إليه حتى قال لرجل: بعه فرسك بالذي وهبت له، وأنا ضامنٌ له حتى أدفعه إليك، فقبض الرجل الفرس فأشهد على الواهب بالذهب، فإن هذا يثبت للبائع على الواهب، فإن لم يقبض البائع الثمن حتى مات الواهب ولم يدع مالاً فلا يرجع البائع على الموهوب بشيءٍ من ثمن الفرس، وإنما وجب ثمن الفرس للبائع على الواهب، وكذلك الصداق، وعلى هذا ينبني، وهذا محمله. قال مالك: وإن ضمن الأب صداق ابنه البالغ ودفعه عنه، ثم طلق الابن قبل البناء رجع نصف الصداق إلى الأب وليس للابن منه شيء، ولو لم يدفعه الأب رجعت عليه المرأة بنصفه ولا يرجع الأب على الابن بشيءٍ مما ودى عنه. قال ابن حبيب: وإن ألفي النكاح فاسداً رجع إلى الأب ما ودى عنه، ولو تبارء الزوجان قبل البناء على المتاركة والنكاح صحيحٌ رجع الأب بما وداه، وسقط عنه إن لم يود، قاله ابن القاسم.
وقال ابن الماجشون: يرجع إلى الزوج النصف الذي يجب لها بالطلاق، كما لو باراها بعد البناء على رد الجميع الذي وجب لها بالبناء كان ذلك للزوج. قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: سألت أبا بكر بن عبد الرحمن عن العطايا إذا كانت في أصل عقد النكاح هل تفتقر إلى القبض؟ فقال: لا تفتقر إلى القبض، ولا تبطل بموت المعطي قبل القبض، لأنه باب معاوضةٍ لما نكح الزوج عليها. قيل: فإن كان فيها غررٌ لعدم الصفة لما يعطى ونحوه أيبلغ به الفسخ؟ قال: لا، لأن العطايا إنما هي مشترطةٌ للمرأة لا للزوج، فلا يضر النكاح كونها مجهولة. قيل: فإن طلق الزوج قبل البناء، أو ماتت، هل ترجع هذه العطايا إلى المعطي لسقوط النكاح الذي لأجله كانت العطايا؟ فقال: لا ترجع إليه، لأنه قد منع منها مرةً فلا ترجع إليه بطلاق المرأة، ولا بموتها كالاعتصار إذا طرأ ما يمنع منه ثم زال المانع أنه لا يرجع، وإن كان قد اختلف في بعض ذلك إذا زالت موانع الاعتصار، ولكن لا يدخل هذا الاختلاف في مسألتك. قيل: فهذه العطايا إنما كانت مشترطةً بهذا النكاح ولأجلها نكح الزوج وزاد في الصداق، وإذا زال النكاح وجب زوالها بزواله، كما إذا حمل صداق ولده ثم طلق الولد قبل البناء أن نصف الصداق يرجع إلى الأب؟
فقال ليس هذا سواء، لأن الصداق هاهنا عوض البضع، فإذا زال ملك الزوج عن البضع زال الصداق الذي بسببه أعطيه الزوج، وفي مسألتك العطايا لست عوض البضع إنما هي عطايا للزوجة فليس له رجوعٌ فيما أعطي لها، وليس له حكمٌ بينه وبين الزوج. قال الشيخ: قال بعض فقهائنا من أهل بلدنا: إذا انفسخ النكاح قبل البناء رجعت العطايا إلى الأب كالذي حمل الصداق عن ابنه الكبير ثم طلق قبل البناء أن نصف الصداق يرجع إلى الأب، وأعاب بعض فقهائنا هذا القول وغلطه وصوب قول الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمن، واحتج بمثل حجته، وزاد بأن قال: الصداق عوضٌ عن البضع، وإنما يجب جميعه بالبناء فمتى سقط منه شيءٌ رجع ذلك إلى الحامل، وليس الصداق في الحقيقة عوضاً عن العطايا وعن البضع، ولا الزوج كالمشتري لها إذا زاد من أجلها، ولو كان ذلك لكان النكاح فاسداً، وإنما زيادته في الصداق من أجلها كزيادته لجمالها. قال الشيخ: وظهر لي أن القياس ما قاله بعض شيوخنا، وأنه لا فرق بين حمله عن ولده الصداق- وبذلك انعقد نكاحه- وبين إعطائه عراً، وإعطاء ابنته عرضاً، وعليه انعقد النكاح، فإذا انفسخ العقد الذي من أجله كانت العطايا
يوجب انفساخها، وكأن الأب قال للزوجة: تزوجي ابني وأنا أصدق عنه من مالي مئة دينارٍ، أو قال لرجلٍ: تزوج ابنتي وأنا أعطيها من مالي مئة دينارٍ، فعقدا على ذلك، ثم انفسخ النكاح، لوجب أن يرجع في عطيته، وهكذا كمن قال لرجل: بع من فلانٍ سلعتك بمئة، وأنا أعطيك المئة، فانعقد الأمر على ذلك ثم استحقت السلعة، أو وجد بها عيباً فردت، أنه يرجع في عطيته، لأنه إنما أعطاه ذلك من أجل البيع فلم يتم، فلا تتم عليه العطية. وأما قوله: وليس الصداق في الحقيقة عوضاً عن البضع والعطايا، ولو كان كذلك كان فاسداً. فنقول: إن الصداق في الحقيقة عوضٌ عن البضع والعطايا، ألا ترى أن الأب إذا أعدم بالعطايا كان للزوج فسخ النكاح، فلو لم يكن عوضاً لما وجب فسخه، ولم يفسد ذلك النكاح، لأن العطية ليست للزوج، وإنما هو كمن قال: أعط فلاناً ثوباً وأنا أشتري سلعته بمئة دينار، فإذا انفسخ البيع انفسخت العطية، لأن الهبة للبيع تنفسخ بانفساخه، سواءٌ كانت للمشتري أو لغيره، وهذا بين، والله أعلم بالصواب. ومن المدونة: ابن وهب: قال ربيعة: ومن زوج ابنه الصغير، والابن مليءٌ فالصداق على الابن وإن لم يكن مليئاً فعلى الأب.
قال أبو الزناد: أو جعله على الابن فيلزمه. وقال يحيى بن سعيد: ومن زوج ابنه صغيراً أو كبيراً ولا مال له فالصداق على الأب عاش أو مات، فإن كان لواحد منهما فلذلك عليه إلا أن يشترطه الأب على نفسه. قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: معنى قول يحيى: أو كبيراً، يريد: سفيهاً. قال الشيخ: وذلك عندي سواء، لأنه هو عقد عليه، فالصداق عليه إلا أن يظهر أنه على الابن كالوكيل يشتري سلعة فالثمن عليه إلا أن يقول: الموكل ينقدك دوني. ومن المدونة: قال ابن وهب عن مالك: إذا كان الولد صغيراً لا مال له فزوجه الأب فالصداق على الأب، ولا يلزم الابن منه شيء وإن أيسر، ولا يرجع به الأب على الولد إذا أيسر الابن، وإنما ذلك بمنزلة ما أنفق عليه. وإن زوجه بنقد ومؤخر، فدفع النقد ثم أيسر الولد فأراد الأب أن يجعل مؤخر الصداق على الابن فليس ذلك له، وهو على الأب كله.
قال عبد الوهاب: إذا زوج الأب ابنه الصغير، فإن سمى الأب الصداق عليه لزمه وكان ديناً عليه للمرأة، وإن أطلق فلم يسم على من الصداق نظر، فإن كان للصبي مالٌ فالصداق عليه، لأن من شرط عقود المعاوضات أن يكون العوض على من يملك المعوض، كما لو اشترى له ثوباً أو عقاراً، وإن لم يكن له مالٌ فالصداق على الأب، لأنه ليس من النظر أن يلزم الأب ذمة الابن ديناً لا يحتاج إليه، لأن الصبي لا يحتاج إلى التزويج، فإن أيسر الابن لم ينتقل الوجوب إليه، لأنه استقر على الأب، وإن أعسر الأب بعد بلوغ الابن وقبل دخوله، وقالت المرأة: لا أسلم نفسي إلا بعد قبض الصداق، قيل للابن: إن أردت فأد الصداق وادخل، وإلا فطلق ولا يلزمك شيء. [فصل 3 - في ضمان الأب الصداق في مرضه] ومن المدونة: قال ابن القاسم عن مالك: ومن زوج ابنه الصغير في مرضه وضمن صداقه لم يجز الضمان، لأنه وصيةٌ لوارث، وجاز النكاح، فإن شاء الابن البناء وهو كبيرٌ ودى الصداق ودخل بزوجته، وإلا لم يلزمه الصداق، وفسخ النكاح. ابن المواز: قيل لمالك: فإن بلغ الابن في مرض أبيه فدخل بها، وقبضت المرأة صداقها من الأب، ثم مات الأب؟
قال: فالصداق مردود على ورثة الأب، ولا يكون ذلك لها، لأنها عطية لوارث، فيكون صداقها ديناً على زوجها تتبعه به. قال ابن المواز: ولا يحال بينه وبينها لذلك، وذلك إذا بقي في يديها ربع دينار، وإلا حيل بينهما حتى يدفع ربع دينار. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كان الولد صغيراً وله مال نظر فيه وليه أو وصيه، فإن رأى في إجازة ذلك غبطة دفع إليها الصداق من مال الولد، وثبت النكاح، وإن رأى غير ذلك فسخه، وإن طلبت الزوجة ذلك في مرض الأب لم يكن لها شيء من مال الأب، وقد قال مالك فيما يضمن الأب عن ابنه في مرضه: لا يعجبني هذا النكاح. قال ابن القاسم: وإن صح الأب لزمه الضمان ثم إن مرض بعد صحته فقد ثبت عليه الضمان. قال ابن المواز: وإن ضمن الأب صداق ابنته في مرضه فابن القاسم وأشهب يريانه كالوصية لابنته فهي باطلة إن مات. وقال ابن وهب وعبد الملك: هو وصية للزوج من الثلث، وقاله مالك. ابن المواز: وهو القياس إلا أن يكون أكثر من صداق مثلها فترد الزيادة، فإن طلقها قبل البناء وقبل موت الأب فلها نصف المهر من ثلثه، ولا شيء للزوج في النصف الباقي، لأنها عطية لزمته في نكاحه، فما لم يجب عليه فهو عطية لم تقبض، وما وجب عليه فهو كالمقبوض. قال ابن الماجشون: وقال ابن دينار وغيره من أصحابنا: إن طلقها قبل البناء فلا شيء لها من تركة الأب، لأنه أعطاها على أنه إن هي دخلت تمت لها وإن طلقت أخذت بمعنى الوصية للوارث.
وخالف ذلك عبد الملك وأخذ بقول مالك. قال ابن المواز: وهو الصواب. وقد سئل أشهب فيمن أقر في مرضه أنه قبض صداق ابنته، ولم يدخل بها زوجها، ثم مات الأب؟ فقال: إن ترك مالاً أخذ من ماله. قال ابن المواز: فقد ترك قوله الأول لهذا، لأنه لو كانت الأولى عطيةً لابنته كانت هذه مثلها، لأنه إنما يخرج ذلك من ماله لابنته، فهو بمنزلة ما لو قال: ادفعوا ذلك لها عن زوجها. قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: إذا زوج ابنه الصغير ولا مال للابن وشرط في عقد نكاحه أن يعطيه داراً أو مالاً نحا بعض شيوخنا من أهل بلدنا أن الصداق يكون على الابن لا على الأب، لأنه صار موسراً بما أعطاه الأب. قال: وفي المسألة نظر، لأنه لم يتقدم يسره بهذا المال قبل عقد النكاح، وإنما صار موسراً بعد عقد النكاح. قال الشيخ: والصواب ما قال الشيخ، لأنه معلوم أنه لم يتم العقد إلا بيسره، فهو كالموسر قبل العقد، وإنما العلة أن يكون له مالٌ، وبالعقد يؤخذ منه الصداق، وذلك موجودٌ في هذا، وأما الفقير فالأب كالمشتري له، فالثمن عليه، إذ لا حجة بأن يقول: يدفع ذلك من ماله، وهو لا مال له. والله أعلم.
ابن حبيب: ومن زوج ابنه الصغير أو الكبير أو أجنبياً وضمن صداقه ثم قال الأب: إنما أردت الحمالة، أو قاله ورثته بعد موته، وقالت الزوجة أو الابن أو الأجنبي: بل أراد الحمل، فإن لم تذكر البينة تفسير ذلك فهو على الحمل حتى ينص على الحمالة نصاً، قال ابن الماجشون. قال الشيخ: لأن العرف في ضمان الصدقات أنه على الحمل حتى يشترط غيره. ابن المواز: قال ابن القاسم: وإذا تزوج الصغير واشترط عليه شروط بتمليكٍ وعتقٍ وطلاقٍ فأجاز وليه ذلك، أو زوجه وليه على ذلك فلا يلزمه منها شيء إلا أن يلزمها نفسه بعد البلوغ، وإذا بلغ قبل البناء وعلم بالشروط ودخل عليها لزمته، وإن بنى ولم يعلم بها لم يلزمه منها شيء. قال: وإذا لم يرض قبل البناء بالشروط قيل له: إما أن ترضى، أو تطلق وتغرم نصف الصداق. قال أصبغ: وإذا اختار الفسخ فلا شيء عليه ولا على أبيه إذا لم يدخل، ولو كان يوم زوجه لا مال له. ابن المواز: وهذا أحب إلينا، إلا أن تسقط المرأة الشروط فيلزمه النكاح كرسول الرجل يزوجه بشرط، فإن بنى بعد العلم لزمه، وإن لم يبن ولم يرض فإما رضيت بغير شرطٍ وإلا فسخ ولا شيء عليه.
قال أصبغ: ولا على الرسول إن كان زعم أنه أمره بذلك. قال في غيره: ولو قال الصبي: شرط هذا علي وأنا صغيرٌ، وقال أولياء المرأة: بل وأنت كبيرٌ، فعلى الزوج البينة وإلا حلف أولياء المرأة، ولزمته تلك الشروط.
[الباب الرابع] في حد الصداق وفي الصداق بأقل من ربع دينار
[الباب الرابع] في حد الصداق وفي الصداق بأقل من ربع دينار [فصل 1 - في حد الصداق] قال بعض البغداديين: لا حد لأكثر الصداق إجماعاً، وأقله عندنا ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الورق، أو ما يساوي أحدهما، بناءً على القطع في السرقة، لأنه عضو محرم، تناوله بحق الله تعالى، لا يستباح إلا بمال، فوجب أن يكون مقدراً كمثل ما يقطع فيه السارق، ولأن المهر في النكاح حق لله بدليل أنهما لو تراضيا على إسقاطه لم يجز، وحقوق الله في الأموال مقدرة كالزكاة والكفارات. [فصل 2 - في الصداق بأقل من ربع دينار] ومن المدونة: قال ابن القاسم: فأقل الصداق ربع دينارٍ، فمن نكح بدرهمين أو بما يساويهما فإن رضي الزوج أن يتم لها ثلاثة دراهم ثبت النكاح، وإن أبى فسخ النكاح قبل البناء، وإن كان قد دخل بها جبر على أن يتم لها ثلاثة دراهم، ولا يفسخ لاختلاف الناس في هذا الصداق، لأن منهم من قال: ذلك صداقٌ جائزٌ، ومنهم من قال: لا يجوز.
وقال غيره: يفسخ قبل البناء، وإن أتم الزوج ربع دينار، ويفسخ أيضاً بعد البناء، ولها صداق مثلها، وهو كمن تزوج بلا صداق. قال ابن القاسم: وإن طلقها قبل البناء فلها نصف الدرهمين لاختلاف الناس في أنه صداق. قال ابن المواز: قال مالك: أقل الصداق من الذهب ربع دينار، ومن الورق ثلاثة دراهم، ومن العروض ما قيمته ثلاثة دراهم، ومن تزوج بدرهمين فإن لم يدخل خير، فإن أتم لها ثلاثة دراهم وإلا أوقعت عليه طلقة، وكان لها نصف الدرهمين، وإن دخل فقال عبد الملك: يلزمه تمام صداق المثل. وقال ابن القاسم وأشهب: يتم لها ثلاثة دراهم. قلت: فقول ربيعة: يجوز بدرهم، وقال يحيى بن سعيد: يجوز بسوطٍ ونعلين؟ قال: ولو أجزته بدرهم لأجزته بأقل منه إلى ما لا يكون صداقاً. وقد أجمل الله سبحانه ما يقطع فيه اليد في السرقة، فوقت النبي عليه الصلاة والسلام فيه ربع دينار، فهو مما له بالٌ، فلا يباح الفرج بما لا بال له، وهو يأتي كالعضو. وأما يحيى بن سعيد في قوله: بسوطٍ ونعلين، فقد استثنى إن كان ذلك صداقاً.
قال الشيخ: وقال الأبياني في كتابه: إن أبى أن يتم لها ربع دينارٍ فرقنا بينهما بطلقةٍ، ولا شيء لها، لا نصف الدرهمين ولا غيره. ورجح ابن الكاتب هذا، وقال: هو الذي يوجبه النظر، لأنه إذا كان الفسخ من الصداق من أجل أنه عندنا ليس بصداقٍ فكيف يعطى نصف ما وجب الفسخ من أجله؟ ولأنه إنما يفسخ بحكمٍ فكيف يكون حكمه بالفساد، ومن أجل فريضته حكم بصحة الفريضة، إذ لا تستحق الزوجة إلا نصف ما يصح، وليس الفسخ كطلاقه إياها، كاختلاف الزوجين في مقدار الصداق قبل البناء لأنهما إذا تحالفا انفسخ النكاح، ولم يكن عليه من الصداق شيء، وإذا طلق قبل التحالف لزمه نصف ما أقر به وإن كان قادراً إذا حلفت الزوجة على أن لا يحلف ويتم لها ما قالته وتبقى على نكاحه، فهو كالمتزوج بدرهمين، إذ له البقاء على النكاح بتمامه ربع دينار، فإذا لم يتمه فسخ، وإن طلق لزمه نصف الدرهمين. قال الشيخ: والصواب ما قاله ابن المواز وإليه ذهب أبو الحسن، وإنما كان لها في الفسخ نصف الدرهمين لأن بعض العلماء يراه نكاحاً صحيحاً لا يجوز فسخه، ويسعده حديث الموطأ، وإنما فسخه عندنا على طريق
الاستحباب، إذ لو كان فاسداً لم يجب الثبات عليه وإن أتم ربع دينار، فراعينا الخلاف فيه لقوته، وجعلنا حكمه حكم من طلق، إذ لو شاء الثبات عليه لأتم ربع دينار، فإن لم يتمه صار كمختارٍ للطلاق، فوجب عليه لذلك نصف الدرهمين، وليس ذلك كالاختلاف في قدر الصداق، لأن هذا لو رضيت الزوجة بقول الزوج لتم، ولا يجوز لها الرضى بالدرهمين، ولأن النكاح في الاختلاف في الصداق صحيحٌ بإجماع، وإنما اختلفنا في ثمنه كاختلاف المتبايعين في الثمن، والعلل مفترقةٌ، وعلى العلل يقاس لا على الجواب. وما روى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأةٌ فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياماً طويلاً، فقال رجل: يا رسول الله زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل عندك من شيءٍ تصدها إياه؟ " فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئاً"، فقال: ما أجد شيئاً، قال: "التمس ولو خاتماً من حديد"، فالتمس فلم يجد شيئاً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل معك من القرآن شيء؟ " قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسورٍ سماها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "قد زوجتكها بما معك من القرآن"، قال مالك: ليس عليه العمل.
قال عبد الوهاب: ويستحب لمن تزوج أن يدفع شيئاً من الصداق قبل الدخول، وأقله أقل ما يستباح به الفرج وهو ربع دينار، لأنه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك لما زوج فاطمة من علي رضي الله عنهما.
[الباب الخامس] في المرأة تحدث في الصداق هبة أو عتقا أو بيعا أو شراء أو زكاة أو غير ذلك
[الباب الخامس] في المرأة تحدث في الصداق هبة أو عتقاً أو بيعاً أو شراء أو زكاة أو غير ذلك [فصل 1 - فيما تملك به المرأة الصداق ملكاً مستقراً] قال بعض أصحابنا البغداديين: الأصل عندنا أن المرأة تملك الصداق بالعقد والتسمية ملكاً غير مستقر، وإنما يستقر بالموت أو بالدخول، لأنه لو كان ملكاً مستقراً لم يجز أن يبطل بعد استقراره، وقد ثبت أنها لو ارتدت أو كانت أمةً فعتقت فاختارت نفسها قبل الدخول لم تستحق شيئاً، لأن الفسخ من قبلها، ولو طلقت قبل البناء لملكت النصف، فدل أنه غير مستقر، وإنما يستقر بالموت أو بالدخول. [فصل 2 - في المرأة تحدث في الصداق هبة] ومن المدونة: قال مالك: وإذا وهبت المرأة صداقها للزوج بعد أن قبضته أو قبل وهي جائزة الأمر ثم طلقها قبل البناء فلا رجوع له عليها بشيء، ولو وهبته نصفه فله الربع عليها إن قبضته، أو لها عليه إن لم تقبضه، وكذلك في هبتها ستين من مئةٍ أو أربعين وقبضت الباقي فإنما عليها نصف ما قبضت. قال الشيخ: وكان لم يصدقها غيره.
ومن كتاب محمد: وإذا وهبته قبل البناء جميع صداقها جبر على أن لا يدخل بها حتى يعطيها ربع دينار فأكثر، فإن لم يفعل حتى طلق فلا شيء عليه، ولو قبضته ثم وهبته فلا شيء لأحدهما على الآخر. ومن العتبية: ابن القاسم: ومن تزوج بكراً بمئة دينارٍ فأعطته ذلك من عندها، ثم علم الأب فالنكاح ثابت بنى بها أو لم يبن، ويرد ما أخذ منها، ويغرم المئة من ماله، كالعبد يعطي مالاً لمن يشتريه. قال في رواية عيسى: ومن أعطته امرأةٌ مئة دينارٍ يتزوجها بها، فإن كانت ثيباً فزادها على ما أعطته ربع دينار فالنكاح جائز، وإن كانت بكراً ولم يبن بها فإن أتم لها الصداق وإلا فسخ، وأصل النكاح صحيح، وإن بنى فلها عليه صداق المثل. ثم رجع فقال: النكاح ثابتٌ بنى أو لم يبن، فإن كانت بكراً فعليه أن يعطيها من ماله مثل ما أعطته، وإن كانت ثيباً فزادها من ماله ربع دينارٍ لم تكن لها حجة. قال الشيخ: ذكر عن أبي عمران فيما جرى من عادتهم بالقيروان في رد النقد إلى الزوج، أن ذلك نكاحٌ وسلفٌ لا يجوز إذا وقعت الغيبة على النقد، ولو لم يغب عليه واشترط ذلك كان النكاح صحيحاً.
فإذا فسد النكاح فيما ذكرناه فسخ قبل البناء وثبت بعده، لأنه فسادٌ في الصداق، ويكون لها صداق المثل. ومن المدونة: قال مالك: وأن وهبت مهرها لأجنبيٍّ قبل قبضه وهي جائزة الأمر فإن حمله ثلثها جاز، وإن جاوز الثلث بطل جميعه إلا أن يجيزه الزوج. وقال ابن القاسم: إذا حمله الثلث وكانت جائزة الأمر فلم يقبضه الموهوب له حتى طلقت قبل البناء، فإن كانت موسرةً يوم طلقها فللموهوب أن يأخذ من الزوج جميع الصداق، وللزوج الرجوع عليها بنصفه، وإن كانت يوم طلق معسرةً حبس الزوج نصفه ودفع نصفه إلى الموهوب له، ولو قبض الأجنبي جميعه قبل الطلاق لم يرجع عليه الزوج بشيء، كانت الزوجة يوم الهبة موسرة أو معسرة، أو الآن، لأن دفعه ذلك إليه وهي معسرةٌ إجازةٌ لما فعلته، ويتبع الزوج المرأة بنصفه. ابن المواز: وروي لابن القاسم: أن للمرأة أن ترجع على الموهوب بما تغرم للزوج، وهذا خلاف لقوله الأول. ومن المدونة: قال غيره: إذا كانت يوم الهبة موسرةً ولم يقبضه الموهوب حتى طلقت لم ينظر إلى عسرها يوم الطلاق، وعلى الزوج دفع جميعه إلى الموهوب وللزوج متابعتها بنصفه.
قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم: أنه لما كان ملكها للصداق ملكاً غير مستقر وأن للزوج أن يطلق فيستحق نصفه كانت هبتها لذلك النصف ضعيفة لحق الزوج فيه، ولقول من يرى أن الهبة لا تتم إلا بالقبض فلما ضعفت لهذا استحسن ابن القاسم أنها إن كانت موسرة يوم الطلاق كان على الزوج دفعه إلى الموهوب، لأن الزوجة أملك به قبل الطلاق، وإذ لا ضرر عليه في ذلك، لأنه يرجع عليها بحقه، وإن كانت معسرة كان له حبس نصفه لحقه فيه، ولمراعاة الخلاف، ولما يلحقه من الضرر. ووجه قول غيره: أن الزوجة لما كانت أملك بجميع الصداق قبل الطلاق، وكان ثلثها يوم الهبة يحمله، كانت هبتها فيه جائزة، ولا كلام للزوج فيه، فلا ينظر إلى ما حدث بها بعد ذلك، وعلى الزوج دفعه إلى الموهوب، لأنه كان له ديناً عليه. قال الشيخ: وذكر أن أبا عمران قال: قول الغير أقيس، لأن هبة الدين إذا كان في ذمة فهو مقبوض، سواء مات الواهب أو أعدم، وابن القاسم ضعف أن يكون مقبوضاً وكأن الزوج عنده أدرك عين شيئه فهو أولى به. وانتصر ابن الكاتب لابن القاسم فقال: الحيازة التي كانت من الزوج قد انكشف أنها لم تكن للموهوب في جميع الصداق، وإنما كانت في نصفه لظهور استحقاق الزوج، فإن كانت موسرة مضى فعلها، لأنها فعلت ما يجوز لها وهي معطية عوضاً مما وهبت- يريد وإذا كانت معسرة بحق الزوج في النصف أبد الاستحقاق ذلك بالفراق يوم الطلاق، وأن الزوجة لا تستحق إلا نصفه، فكان الزوج أولى بأخذ ما نص له في القرآن من موهوب لا يستحق ذلك واهبه.
وقد أطال في ذلك الحجاج فاقتصرت على بعضه ومفهومه. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو أصدقها حيواناً بعينه فقبضت ذلك المرأة، ثم وهبته لأحدٍ وهي جائزة الأمر، ثم طلقها الزوج قبل البناء، كان له عليها نصف قيمته يوم وهبته، نما عند الموهوب أو نقص. وقال بعض الرواة: بل نصف قيمته يوم قبضته، لأنها ضامنة له لو هلك. قال الشيخ: وقول مالك أولى، لأنها لم تضمنه بالقبض فيلزمها إذا تعدت فيه قيمته يوم قبضت كالغاصب، أو كالبيع الفاسد، بل كان ضمانه منه، لأنه لو مات ثم طلق الزوج قبل البناء لم يرجع عليها بشيء، فقبضها وغير قبضها سواء، فإنما يلزمها قيمته يوم أحدثت فيه ما أحدثت. [فصل 3 - في المرأة تحدث في الصداق بيعاً أو عتقاً] قال ابن المواز: ولو باعته ثم طلقها قبل البناء جاز بيعها، ورجع الزوج عليها بنصف الثمن.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: قال مالك: ولو نكحها بعبدٍ بعينه فدفعه إليها فأعتقته ثم طلقها قبل البناء، فله عليها نصف قيمته يوم أعتقته. ابن المواز: وقال عبد الملك: بل نصف قيمته يوم قبضته، ولا يعجبنا ذلك، لأن ضمانه منه. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يرد العتق موسرة كانت أو معسرة، لأنها إن كانت يوم أعتقته موسرة لم يكن للزوج كلام، وإن كانت معسرة وقد علم الزوج بعتقها فلم يغير ذلك جاز العتق فإن علم ذلك وأنكر عتقها وهي معسرة كان له رد العتق، ولا يعتق من العبد شيء، لأن مالكاً قال: إذا أعتقت المرأة عبدها وثلثها فإنه يعتق عليها النصف الذي صار لها. وقال أشهب في غير المدونة: لا يعتق إذا رد الزوج عتقها أولاً. وقال أشهب وعبد الملك: وروي لمالكٍ أن ذات الزوج إن أعتقت ثلث عبدٍ لا تملك غير ذلك العبد، خير الزوج، فإما أجازه فيعتق جميعه، أو يرده فلا يعتق منه شيء. وقال ابن القاسم: يعتق ثلثه فقط وإن كره الزوج، ورواه عن مالك. ومن المدونة: ابن القاسم: ولو تزوجت ولها عبدٌ لا مال لها غيره، فأعتقته كله فرد الزوج عتقها ثم مات عنها أو طلقها، فإنه يعتق عليها الآن جميعه. وقد قال مالك في المفلس إذا رد الغرماء عتقه ثم أفاد مالاً: أن العبد يعتق عليه، فأرى الزوجة في عتقها بمنزلة المفلس في عتق عبده فيما وصفنا.
وقد بلغني عن مالكٍ أنه قال في الزوجة: يعتق عليها العبد إذا مات زوجها أو طلقها، ولا أدري هل كان يرى أن يقضى بذلك عليها أم لا؟ والذي أرى ألا تستخدمه ويعتق عليها بغير قضاء. قال الشيخ: وفي العتق الأول وجه ذلك والفرق فيه. وفي كتاب محمد قال ابن القاسم: وإن كانت غنماً فزكتها، رجع بنصفها ناقصة، ولو كانت مئتي درهم فزكتها، رجع بمئةٍ كاملة. ابن المواز: لأنها في العين ضامنة، والنماء فيها لها، وما ادعت أنه تلف مما قبضت صدقت فيما يصدق فيه المستعير والمرتهن مع يمينها، وما يغاب عليه من عين أو عرض فلا تبرأ من ضمانه إلا ببينة، قال ابن القاسم وعبد الملك. قال أصبغ: وأرى في العين خاصة أنها تضمنه وإن قامت ببينةٌ بهلاكه بغير تفريط. قال ابن المواز: لا يعجبني قول أصبغ، ولا تضمن إذا قامت البينة بهلاكه إلا أن تحركه لغير جهازها، وهو كالوديعة. قال عبد الملك: ولو لم يطلقها فادعت تلف ما يغاب عليه، وطالبها أن تتجهز بالصداق فليس ذلك له، لأنه مالها ضاع، فلا تضمن مالها، وعليها اليمين، وبالطلاق يصير مالاً له. وقال عبد الملك في العتبية: عليها أن تخلف ذلك من مالها إذا لم تقم بينة بهلاكه لتشتري به جهازها.
ابن المواز: قال أصبغ: ولو اشترت بالعين جهازها بأمرٍ معروفٍ ظاهرٍ فضاع أو تلف لم تضمن، كما لو أصدقها ذلك بعينه. قال ابن المواز: وما أكلت من مهرها فإن طلق قبل البناء حوسبت به، وإن لم يطلق وبنى فلا شيء عليها، وقال ابن عبد الحكم عن مالك في المرأة المحتاجة: لها أن تأكل من صداقها بالمعروف وتكتسي، وروي مثله عن ابن القاسم في العتبية. [فصل 4 - في المرأة تحدث في الصداق شراء] ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج امرأةٌ بألف درهم، فاشترت منه بها داره أو عبده أو ما لا يصلح لجهازها، ثم طلقها قبل البناء، فإنما له نصف ذلك، نما أو نقص، وهو بمنزلة ما لو أصدقها إياه، ولو أخذت منه الألف درهم ثم اشترت ذلك من غيره، رجع عليها إذا طلقها بنصف الألف درهم، وكان لها نماؤه وعليها نقصانه ومنها مصيبته. قال الشيخ: لأنها انفردت بمنفعته دونه، ولم يدخل على ذلك. قال مالك: إلا أن يكون ما اشترت من غير الزوج مما يصلحها في جهازها مثل خادمٍ وعطرٍ وثيابٍ وفرشٍ وأسرةٍ ووسائد وكسوةٍ ونحوه، فليس للزوج إذا طلقها إلا نصف ذلك.
قال عبد الوهاب: لأن العرف شراء الجهاز بالصداق، فقد دخل الزوج على ذلك، وصارت كأنها فعلت ذلك بأمره وتصريحه، لقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، ولأنه عليه الصلاة والسلام أخذ صداق فاطمة فصرفه في جهازها من طيبٍ وفرشٍ ووسائد على ما روي في الخبر، وفعله على الوجوب، ولأن علياً رضي الله عنه حكم بذلك في قضيةٍ ارتفع إليه فيها فقضى على الأب تجهيز ابنته بالصداق، وقال للزوج لما طلق وطلب نصف ما دفعه وقال: أعطيت دراهم وأخذت صوفاً وخرقاً قال: أنت أضعت مالك، ولم يخالف عليه أحد. ومن المدونة: قال ابن وهب عن مالك: وليس للمرأة أن تحبس ذلك وتدفع إلى الزوج نصف ما نقدها، لأنه كان لذلك ضامناً، فلا يباع عليه ماله وهو كارهٌ إلا أن يرضى بذلك. قال إسماعيل القاضي: إذا اشترت بصداقها من زوجها داراً أو عبداً فإنما ينزل أمرها على التخفيف عنه، إلا أن يتبين أنها إنما قصدت الشراء منه كما تشتري من غيره، للرغبة في ذلك، فيرجع عليها حينئذ بنصف الصداق.
وذكر عن بعض شيوخنا: إذا تزوجها بدنانير ثم أعطاها فيها عرضاً فاستحق فإنما ترجع عليه بقيمة العرض، وكأن النكاح إنما وقع بذلك العرض والدنانير ملغاة، كما قال: إذا طلقها قبل البناء إنما له نصف العرض بمنزلة ما لو تزوجها به، وهذا بخلاف البيوع، لأن النكاح قد تظهر فيه التسمية في العلانية، ويكون في السر غير ذلك، وليس البيوع كذلك. كما قال: لو تزوجها بثلاثين ديناراً عشرةٍ منها نقداً وعشرةٍ إلى أجلٍ، وسكتا عن العشرة الثالثة، فالرواية: أن هذه العشرة المسكوت عنها حالةً، وإنما فارق النكاح البيع في هذا، لما ذكرنا أن فيه سراً وإعلاناً، فأمره في غيرها ما وجهٍ يخالف البيوع فاعلمه.
[الباب السادس] في نماء الصداق ونقصه وغلته وجنايته
[الباب السادس] في نماء الصداق ونقصه وغلته وجنايته [فصل 1 - في نماء الصداق ونقصه وغلته] قال مالك: وكل ما أصدقه الرجل امرأته من حيوان أو رقيق بعينه تعرفه المرأة، أو دار أو غير ذلك مما هو بعينه، قبضت ذلك المرأة أو لم تقبضه فحال سوقه، أو نقص في بدنه، أو نما، أو توالد ثم طلقها قبل البناء، فللزوج نصف ما أدرك من هذه الأشياء يوم طلق على ما هو به من نقص أو نماء، لأنه في ذلك شريك لها. قال ابن القاسم: ولا ينظر في هذا إلى قضاء قاض، لأنه كان ضامناً لنقصها. قال مالك: ولو هلكت هذه الأشياء بيد المرأة ثم طلقها قبل البناء لم يرجع عليها بشيء، ولو هلك ذلك بيده كان له أن يدخل بها ولا صداق عليه، وتكون مصيبتها من المرأة. قال ابن القاسم: ولو نكحها بعرض بعينه فضاع بيده ضمنه، إلا أن تعلم ذلك فيكون منها. قال مالك: وإن تزوجها على حائط، فأثمر الحائط عند الزوج، أو عند المرأة، ثم طلقها قبل البناء والثمر قائم، فللزوج نصف ذلك كله وللمرأة نصفه.
قال ابن القاسم: وما استهلك أحدهما من الثمر ضمن حصة صاحبه من ذلك، وما سقى أحدهما في ذلك كان له بقدر علاجه وعمله. وكذلك إن نكحها بعبدٍ بعينه فلم يدفعه إليها حتى اغتله ثم طلقها قبل البناء فالغلة بينهما أيضاً. وكذلك إن نكحها بأمةٍ بعينها فولدت الأمة عند الزوج أو عندها، أو اكتسبت مالاً، أو وهب لها، أو تصدق به عليها فذلك كله- إن طلقت قبل البناء- بينهما. وكذلك ما غل أو تناسل من إبلٍ أو بقرٍ أو غنمٍ أو من جميع الحيوان، أو أثمر من شجرٍ أو نخلٍ أو كرمٍ فذلك كله بينهما. ومن استهلك من ذلك شيئاً ضمن حصة صاحبه منه، إلا أنه يقضي لمن أنفق منهما بنفقته التي أنفقها فيه، ثم يكون له نصف ما بقي. وقد قيل: إن كل غلةٍ أو ثمرةٍ للمرأة خاصة بضمانها، كانت في يدها أو في يد الزوج. قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم: قوله عليه الصلاة والسلام: "الخراج بالضمان"، فلما كان ضمان هذه الأشياء قبل البناء منهما كانت الغلة بينهما،
وهذا بين. ووجه قول غيره: لما كان أن لو هلكت هذه الأشياء قبل البناء كان للزوج أن يدخل ولا شيء عليه صح أن ضمانها من الزوجة، فوجب أن تكون غلتها لها. قال الشيخ: وقول ابن القاسم أصح، لأن ملك الزوجة للصداق ملك غير مستقر قبل البناء، فإذا وقع البناء صح ملكها له، ووجب عليه ضمانه، ولها غلته، فإذا طلق الزوج قبل البناء صح ملكها لنصفه، وملكه لنصفه، فوجب أن تكون الغلة بينهما. قال ابن المواز: وقد قيل: الغلة والنفقة على المرأة، وأحب إلينا أن تكون النفقة من الغلة، فإن لم تكن غلة فلا نفقة على الزوجة. قال: وما اغتلت فهلك بيدها من غير سببها لم تضمنه، وهي فيه مصدقةٌ مع يمينها إن أخذت في الغلة حيواناً، ولا تصدق في هلاك العين إلا ببينة. وأما الزوج فهو ضامن لما اغتل من عينٍ وغيره، لأنه متعدٍ فيما يستغل وفي حبسه. قال الشيخ: ولأن للمرأة استعجال العين، لأن ضمانه منها، سواء طلبت الزوج بالدخول أم لا، وسواءٌ كان الزوج صغيراً أو كبيراً، قاله ابن حبيب. ابن المواز: وما فره أو نما في بدنه فلا رجوع لمن أنفق عليه منهما بما أنفق إلا من غلةٍ إن كانت لا تعدوها، وكذلك لو داوى مريضاً به.
قال ابن القاسم: ولو أنفقت على العبد في تعليم صنعةٍ نفقةً عظيمةً فلا رجوع لها بشيٍ من ذلك. وكذلك قال مالك في رده بعيبٍ في البيع، وكذلك ما أنفقت في أدب الجارية وتعليمها الأدب والرقم، وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية. قال الشيخ: يدل قوله، لو أنفقت عليه في مطعمٍ وملبسٍ رجعت بذلك لأن بذلك قوامه وحياته. وقال ابن حبيب: لا ترجع بذلك، وهو خلاف.
فصل [2 - في جناية الصداق] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً بعبدٍ فجني عليه جنايةً ثم طلقها قبل البناء فأرش ذلك بينهما، ولو جنى العبد وهو في يد المرأة فدفعته بالجناية ثم طلقها بعد ذلك فلا شيء للزوج في العبد، ولا على المرأة إلا أن يحابي في الدفع لا يجوز محاباتها على الزوج في نصفه إلا برضاه، وإنما يجوز إذا دفعته على وجه النظر. قال ابن المواز: وإذا حابت على الزوج كان الزوج على خياره في نصفه، إن شاء أجاز ذلك، وإن شاء غرم نصف الجناية وكان له نصف العبد، فإن مات العبد قبل خياره رجع عليها بما زادت نصف قيمته على نصف الأرش. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كانت المرأة قد فدته- يريد قبل الطلاق لم يأخذ الزوج منها نصفه، إلا أن يدفع إليها نصف ما فدته به. ابن المواز: وإن حابت. قال أبو محمد: يريد إلا أن تعطي أكثر من الأرش. قال الشيخ: يريد لأنها إذا فدته بالأرش وإن كان أكثر من قيمته لم يكن للزوج حجة، لأنها لو أسلمته في الأرش لم يكن للزوج أن يأخذ نصفه إلا بدفع نصف الأرش، وذلك لها عليه إذا فدته به فلم تدخل عليه ضرراً.
فأما إن باعته وحابت في بيعه فإنه يرجع عليها بنصف المحاباة، والفرق أنه في البيع لا يستطيع الرجوع في نصفه، لأنها باعته في وقت كان لها البيع جائزاً، وقد أتلفت عليه بعض ثمن نصفه، فوجب له الرجوع به، وفي الجناية لم تتلف عليه شيئاً، لأنه على خياره في نصفه، وليس عليها واجبٌ أن تفتديه، فتكون قد أتلفت عليه شيئاً، لأن المجني عليه استحق رقبته، إلا أن تفديه بالأرش، وافتداؤه كاشترائه، وليس واجب عليها أن تشتريه، فلا تتكلف إخراج ثمنه، وقد فرق فيه بغير هذا، وهذا أبين. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو جنى العبد وهو بيد الزوج- يريد قبل الطلاق- فليس للزوج دفعه، وإنما ذلك للمرأة، فإن طلقها قبل أن تدفعه وهو عنده أو عندها كان بمنزلتها في نصفه.
[الباب السابع] في الصداق يستحق أو بعضه، وزيادة الزوج فيه وتزويجه بمن يعتق عليها
[الباب السابع] في الصداق يستحق أو بعضه، وزيادة الزوج فيه وتزويجه بمن يعتق عليها [فصل 1 - في الصداق إن استحق كله أو بعضه] قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً على عبدٍ بعينه، أو أمةٍ بعينها، أو دارٍ بعينها فاستحق بعض ذلك، فإن كان الذي استُحِق من الدار في ضرر، كان لها أن ترد ببقيتها وتأخذ قيمتها، أو تحبس ما بقي وترجع بقيمة ما استحدث، فإن استحق منها مثل البيت أو الشيء التافه الذي لا ضرر فيه رجعت بقيمته فقط، وكذلك العروض. وأما ما استحق من العبد أو الأمة من جزءٍ قل أو كثر فهي مخيرة في أن ترد في بقيته وترجع بقيمة جميعه، أو تحبس ما بقي منه وترجع بقيمة ما استحق. وكذلك قال مالك في البيوع: إذا استحق من الدار أو النخل أو الأرضين الشيء التافه الذي لا ضرر فيه، لزم المشتري البيع ورجع بثمن ما استحق، وإن استحق من ذلك ما فيه ضرر- يعني عن الأجزاء- خير المبتاع بين أن يحبس ما بقي ويرجع بثمن ما استحق، أو يرد ما بقي ويرجع بجميع الثمن. وأما إن استحق جزء يسير من عبدٍ أو أمةٍ فللمبتاع أن يحبس ما بقي ويرجع بثمن ما استحق، أو يرد ما بقي ويأخذ جميع الثمن لضرر الشركة في العبد من منع السفر به، ومن الوطء في الأمة بخلاف الدار.
قال الشيخ: وأما لو استحق من الدار بيت أو ناحية بعينها وذلك يضر به في صفقته، فيفترق الحكم فيه في النكاح من البيوع عند ابن القاسم. أما في البيوع فليس له أن يحبس ما سلم بحصته من الثمن، لأن حصة ذلك مجهولة لا تعلم إلا بعد التقويم، وهو قد وجب له الرد فصار الرضى بأخذه بحصته من الثمن بيعاً مؤتنفاً بثمنٍ مجهول. وأما إذا استحق جزء شائع كالنصف أو الثلث فحصة ذلك معلومة، وفي النكاح يجوز الرضى بما بقي، كان المستحق جزءاً شائعاً أو معيناً، لأنه إنما يرجع في الوجهين بقيمة ما استحق كما لو استحقت الدار كلها، فإنما يرجع بقيمتها ولا ينفسخ النكاح. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تزوجها على عروضٍ أو رقيقٍ لها عدد فاستحق منها شيء فمحمله محمل البيوع، لأن مالكاً قال: أشبه شيء بالبيوع النكاح. قال الشيخ: وهذه أيضاً مثل الأولى، إنما يستوي البيوع والنكاح إذا استحق من ذلك جزء شائع. فأما إن استحق شيء معين وهو كثير مما يضر به في صفقته، ويوجب له رد جميع الصفقة، فيفترق البيوع من النكاح. ففي البيوع لا يجوز له الرضى بما بقي، لأن حصته مجهولة، وفي النكاح يجوز لأنه في البعض وفي الجميع إنما يرجع بقيمة ما استحق. ومن كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم فيمن تزوج بمالٍ فاستحق بعينه: فالنكاح ثابت، وإن بنى لم يمنع منها، واتبعته بمثله إن كان مما يقضى بمثله، أو
بقيمته إن كان مما يقوم، وإن كان لم يدخل تلوم له السلطان فإن جاء به وإلا فرق بينهما. قال أصبغ: وأرى إن كان قد دخل فاستحق الجميع أن يمنع منها حتى يدفع ولو ربع دينار، أو يكون قد بقي منه لم يستحق ربع دينارٍ فلا يمنع، وتتبعه بما بقي. ابن المواز: ولو استعار شيئاً أو سرقه فتزوج به لحيل بينه وبين امرأته وإن دخل حتى يدفع إليها جميع مهرها، كالمكاتب يقاطع سيده بشيءٍ سرقه. - قال الشيخ: ولو كان شيئاً تقدمت له فيه شبهة ملك، وقد بنى فاستحق اتبعته به، كالمكاتب يقاطع سيده به-. وإن لم يبين تلوم به السلطان، فإن جاء به وإلا فرق بينهما، وكذلك/ في كتاب ابن المواز. وقال أشهب عن مالك فيمن تزوج بعبدٍ بعينه ودخل بها فاعترف أنه مسروق أو استعاره، فإنه يحال بينه وبينها حتى يدفع إليها مهرها، وقاله أشهب. قال: ولو تزوج بعبدٍ ولده الصغير فلا سبيل لأحدٍ عليه، والمرأة حق به قرب ذلك أو بعد، موسراً كان الأب أو معدماً، ويتبع به في ذمته، وقاله مالك، وذلك كشرائه ذلك لنفسه، وكجواز عتق رقيقهم عن نفسه، فهو كأنه اشتراه لنفسه وأعتقه، أو تزوج به. قيل: فلم كان إذا أعتقه عن نفسه يرد في عدمه، ولا يرد إذا أصدقه امرأته وهو عديم؟
قال: لأن من أعتق وهو عديم وعليه رد عتقه للدين، وهذا قد صار لولده عليه دين وهو ثمنهم، فلذلك رددت عتقه إلا أن يطول أمرهم، وأما المرأة فكأنه باعهم منها، وقد اشتراهم لنفسه من نفسه، فخرجوا من يده بالبيع، فليس ينقص على الغريم بيعه وشراؤه كما ينقص عليه عتقه. ومن العتبية: قيل: فمن نكح بمالٍ حرام أتخاف أن يضارع الزنا؟ قال: إي والله، ولكن لا أقول به. قال سحنون: ومن تزوج بعبدٍ اغتصبه فالنكاح ثابت وعليه قيمته، بخلاف الحر يتزوج به، إذ لا ضمان عليه في الحر، ويضمن العبد للعبد، ولو كانت الزوجة عالمة بغصبه فسخ قبل البناء ويثبت بعده، ولها صداق المثل. وقد روى أصبغ عن ابن القاسم فيمن نكح بعبدٍ لغيره أو بحر، فلا يفسخ ذلك بحال، تعمد ذلك بمعرفته أو لم يتعمد. قال أصبغ: وكذلك لو علمت هي بحرية الحر ولم يعلم هو إلا أن يعلما جميعاً فيفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ولها صداق المثل. فصل [2 - في زيادة الزوج في الصداق] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً على صداقٍ مسمى ثم زادها فيه بعد ذلك طوعاً فلم تقبضه حتى مات، أو طلق قبل البناء، فلها نصف الزيادة إن طلق، وإن مات لم تأخذ منه شيئاً، لأنها عطية لم تقبض.
قال عبد الوهاب: وقال شيخنا أبو بكر الأبهري وغيره من أصحابنا: القياس أن تجب لها الزيادة بالموت، لأنه لا يخلو أن تكون الزيادة حكمها حكم المهر أو حكم الهبة التي لا تستقر إلا بالقبض، فإن كانت كالمهر وجب استحقاقها بالموت وإن كانت كالهبة وجب ألا يجب لها نصفها بالطلاق قبل الدخول، لتأخير القبض، فلما وجب نصفها بالطلاق دل على أنها في حكم الصداق. قال الشيخ: ولأنها لو كانت كالهبة لم يثبتها الدخول، لأن الهبات لا تستقر إلا بالقبض، وإنما هي كالهبة بعد البيع للبيع، حكمها حكم الثمن أنها وإن قبضت ثم ردت السلعة بعيبٍ فإنها ترد مع الثمن، ولو كانت هبة خالصة لم ترد، لأنها قد قبضت، فكذلك الزيادة في الصداق يجب أن يكون حكمها حكم الصداق. فصل [3 - في نكاح المرأة بمن يعتق عليها] ومن المدونة: قال مالك: ومن نكح امرأةً على أبيها أو من يعتق عليها عتق عليها بالعقد، فإن طلقها الزوج قبل البناء رجع عليها بنصف قيمته.
قال ابن القاسم: وبلغني عن مالكٍ أنه استحسن أن لا يرجع الزوج على المرأة بشيء، وقوله الأول أحب إلي، أنه يرجع عليها بنصف قيمته، كانت معسرة أو موسرة، ولا يتبع العبد بشيء، ولا يرد عتقه، كقول مالك في معسر أعتق عبده فعلم غريمه فلم ينكر الغريم وسكت، ثم أراد الغريم بعد ذلك رد العبد في الرق من أجل دينه فليس ذلك له. قال ابن القاسم: والزوج حين أصدقها/ إياه قد علم أنه ممن يعتق عليها، فلذلك لم أرده على العبد بشيء. قال عبد الملك في غير المدونة: وإنما عتق على الزوجة لأنها قبلته وهي تعلم أن عتقه لها لازم، فهي كمن قالت لرجل: أصدقني عبداً بعينه على أنه حر إذا ملكته، فعليها نصف قيمته إذا طلقت قبل البناء، وقد استحسن مالك أن لا يرجع عليها بشيء. قال: لأنه أعطاها وهو يعلم أنه لا يثبت بيدها ولا طرفة عين، فكأنه أعطاها على أن لا يرجع به إن طلق. قال مالك: وإن لم يعلم به الزوج أنه ممن يعتق عليها إلا عند الطلاق فله أخذ نصفه، ويمضي عتق نصفه، إلا أن يشاء اتباعها بنصف قيمته، فيمضي لها عتقه كله فذلك له. قال الشيخ: ولو أصدقها إياه عالماً بانه ممن يعتق عليها وهي لا تعلم لعتق عليه ويغرم لها قيمته كالمقارض يشتري أبا رب المال عالماً، فإن طلق الزوج قبل البناء فعليه نصف قيمته.
ومن الواضحة: ومن نكح امرأةً على أبيها أو من يعتق عليها وهي تعلمه أو لا تعلمه، فإنه يعتق عليها، بكراً كانت أو ثيباً، فإن طلقها قبل البناء رجع عليها بنصف قيمته بوم أصدقها إياه، فإن لم يجد لها غيره فانظر، فإن كان علم هو يوم العقد أنه ممن يعتق عليها فليس له رد العتق ويتبعها بذلك، وإن لم يعلم به إلا عند الطلاق فله أخذ نصفه ويمضي عتق نصفه إلا أن يشاء اتباعها بنصف قيمته فذلك له فيمضي عتقه كله، وقال [لي] من كاشفت مكن أصحاب مالك. قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: تأول بعض الناس في مسألة الكتاب إذا تزوجها بمن يعتق عليها، إنما يصح ذلك في الثيب، فأما في البكر فلا يجوز ذلك للولي، لأنه يعتق عليها، وذلك ضرر، كما لا يجوز للوصي أن يشتري لمن يلي عليه من يعتق عليه. قال الشيخ: وهذا خير من كلام ابن حبيب في البكر، وقوله أيضاً: إن كانت الزوجة معسرة فله أن يتبعها بنصف قيمته، خلاف لقول ابن القاسم، وهو كقول ابن المواز في أحد الشريكين يعتق حصته من عبد وهو معسر، فللشريك أن يتبعه بنصف القيمة ديناً، وهذا لا يقوله ابن القاسم، وقيل غير هذا، وهذا أحسن. قال ابن الماجشون: فإن نكحها على أن يعتق لها أباها فالنكاح مفسوخ، وإن كان على أن يعتقه عنها فالولاء لها ولا شيء عليها، لأنها لم تملكه، وإن كان
على أن يعتقه عن نفسه فالولاء له، ويفسخ النكاح قبل البناء، ويثبت بعده، ولها صداق المثل.
[الباب الثامن] في صداق الذمية، والمجوسية تسلم وصداق الأمة والمرتدة والغارة
[الباب الثامن] في صداق الذمية، والمجوسية تسلم وصداق الأمة والمرتدة والغارة [فصل 1 - في صداق الذمية والمجوسية إن أسلمتا وصداق الأمة إن عتقت تحت عبد] قال مالك: وإذا أسلمت الكتابية أو المجوسية ولم يسلم الزوج فهو فسخ بغير طلاق، فإن لم يبن بها فلا صداق نقداً ولا مؤخراً، فإن قبضته ردته، لأن الفرقة جاءت من قبلها، ولو بنى بها كان لها جميع صداقها مقدمه ومؤخره. وكذلك الأمة تعتق تحت عبدٍ فتختار نفسها، فإن كان قد بنى بها أخذت جميع صداقها مقدمه ومؤخره، وإن لم يبن بها فلا شيء لها من الصداق، وإن كانت أخذت منه شيئاً ردته، وفرقة هذه تطليقه. فصل [2 - في صداق الأمة المبعضة] قال مالك: وإذا كانت أمة نصفها حر فصداقها/ موقوف بيدها كمالها، وليس لمن له فيها الرق أن يأخذ منه شيئاً، ويلي عقد نكاحها من له فيها الرق برضاها. قال الشيخ: وهي كالأمة بين الشريكين فليس لأحدٍ أن يأخذ شيئاً من مالها أو يزوجها إلا أن يجتمعا على ذلك، وكذلك هذه، لأنها شريكة لسيدها في نفسها.
وحكي عن بعض شيوخنا أنه قال: الفرق بين صداق هذه الأمة وبين أرش جرحها: أن ذلك بينها وبين السيد، لأن ذلك ممن عضو هو بينها وبين السيد، فوجب أن يكون ثمنه بينهما، والصداق قد سماه الله نحلة، والنحلة كالهبة، فكان ذلك موقوفاً بيدها كسائر مالها، ولأن الصداق ثمن بضع استباحه بإذن السيد، والجراح استباحه بغير إذنه فوجب له ثمن حصته، والله اعلم. فصل [3 - في صداق الأمة إن ابتاعها سيدها] قال مالك: ومن تزوج أمة ثم ابتاعها من سيدها قبل البناء فلا صداق لها، وإن قبضه السيد رده؛ لأن الفسخ من قبله، وإن ابتاعها بعد البناء فالصداق لسيدها البائع كمالها إلا أن يشترطه المبتاع. قال: وإن ابتاعها غير الزوج فمهرها للسيد البائع، إذ النكاح قائم بنى بها الزوج أم لا، بمنزلة مالها إلا أن يشترطه المبتاع. قال مالك: وإذا أعتقت أمة تحت عبدٍ بعد البناء وقد كان الزوج فرض لها- يريد واختارت نفسها أو المقام مع زوجها- فلها مهرها كمالها، إلا أن يشترطه السيد فيكون لها. قال: وكذلك إن أعتقت قبل البناء، وقد كان الزوج فرض لها قبل العتق فاختارت المقام مع الزوج فمهرها لها يتبعها إذا عتقت إلا أن يكون السيد أخذه قبل العتق، أو اشترطه فيكون له.
قال الشيخ: فهذا يدل على أن للسيد حبس صداقها ويتركها بلا جهاز. وقال في كتاب الرهن من المختلطة: لا يحبس السيد صداق أمته، ولمن يجهزها به كالحرة. قال سحنون: وابن القاسم يرى أن للسيد انتزاع صداق أمته، ولست أقوله، وقد قال مالك: وليس للحرة أن تقضي منه الدين إلا الشيء اليسير. وقيل: يحتمل أن يكون معنى ما في كتاب الرهن: أنه بوأها مع زوجها بيتاً فلزمه أن يجهزها بصداقها، وهاهنا لم تبوأ معه بيتاً، فليس على السيد أن يجهزها به فجاز له انتزاعه، والله أعلم. وروي عن سحنون: أنه يترك لها منه ثلاثة دراهم، إذ ليس له أن يزوجها بلا صداق. وروى أبو زيد في العتبية عن ابن القاسم فيمن زوج أمته ففلس السيد قبل البناء فباعها عليه السلطان فاشتراها زوجها أن الصداق للبائع. - قال الشيخ: يريد نصف الصداق، لانفساخ النكاح بشراء الزوج لها- قال: ولا يرجع به الزوج، لأن السلطان هو الذي باعها، بخلاف بيع السيد. قال الشيخ: وعاب ذلك أبو عمران وضعفه وقال: قد اختلف قول ابن القاسم في ذلك.
وقد روى لنا الباجي مما أخرج في سماع عيسى أن لا شيء للبائع من الصداق، وبيعه وبيع السلطان سواء. وقد تأول بعض الناس أن معنى قوله في رواية أبي زيد: ليس للزوج رجوع على سيد الأمة بالصداق- يريد: لا يرجع به في ثمن الأمة فيحاص به غرماء سيدها لأن النكاح إنما انفسخ بعد عقد البيع، فهو كدينٍ طرأ من معاملةٍ حدثت. ومن النكاح: قال/ مالك: فإن اختارت هذه نفسها قبل البناء فلا صداق لها، وإن قبضه السيد رده، فإن كان قد اشترطه بطل شرطه، لأن الفسخ جاء من قبله. قال ابن القاسم: وأما التي زوجها سيدها بتفويضٍ ثم أعتقها قبل البناء، ثم فرض لها الزوج بعد العتق، واختارت المقام معه، فهذه يكون لها جميع ما فرض لها ولا سبيل للسيد عليه، إذ لم يكن ذلك بمالٍ لها فيشترطه، وإذ لو مات الزوج أو طلق قبل الفريضة لم يكن لها شيء، فلما رضي الزوج بالفريضة قبل البناء كان شيئاً تطوع به الزوج لم يكن وجب عليه في أصل النكاح. قال مالك: ومن زوج أمته فله منعها من الزوج حتى يقبض صداقها.
ابن وهب: وقال بكير وغيره: للسيد أخذ صداقها إلا قدر ما يستحل به فرجها، وله أن يضع من مهرها لزوجها بغير إذنها. ابن شهاب: هو كمالها، وللسيد أخذه إذا احتاج إليه كما يأخذ مالها، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع". فصل [4 - في صداق المجوسية تسلم] قال مالك: وإذا أسلم أحد الزوجين المجوسيين بعد البناء ففرق بينهما، فللمرأة صداقها المسمى كاملاً. [فصل 5 - في صداق المرتدة] ابن القاسم: وكذلك المرتدة إذا بنى بها زوجها قبل أن تستتاب، فلها صداقها المسمى.
[فصل 6 - في صداق من اشترط في نكاحها أن ما ولدت فهو حر] قال: وكذلك من زوج أمته وشرط أن ما ولدت فهو حر، لم يقر هذا النكاح على حال، ويكون لها إن دخل بها المسمى. قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: وقيل: لها صداق المثل، وهو أقيس، وذلك أن الصداق وقع للبضع ولحرية الولد، وما يخص كل واحدٍ من ذلك مجهول، فهو كمن تزوج بصداقٍ مجهول، فوجب لذلك صداق المثل. قال الشيخ: ووجه الأخرى: فلأن الصداق إنما وقع على البضع المتيقن، والولد أمر يكون أو لا يكون فلا حق له. ابن المواز عن مالك: إن نكح على هذا فسخ قبل الدخول وبعده، سواء زوجها من حرٍ أو عبدٍ له أو لغيره، ويكون الولد حراً، وولاؤه لسيد الأمة الذي أعتقه. ابن حبيب: ولو شرط أول ولدٍ تلده حراً، فإن عثر على ذلك قبل الولد فسخ قبل البناء وبعده، وإن لم ينظر فيه حتى ولدت عتق الولد، وثبت النكاح، إذ لم يبق فيه شرط.
ابن المواز: ولو كانت اغتصبت فزوجها الغاصب من رجلٍ على أن ولدها منه حر، فولدت ثم استحقها سيدها، فليأخذها ولا حرية لهم. - قال الشيخ: إذ لا ينعقد عليه ما شرط غيره في أمته-. قال ابن القاسم في المستخرجة: وليس لأبيهم أن يعتقهم إلا أن يشاء السيد ولا للسيد أن يلزم ذلك الأب إذا أباه الأب. قال يحيى بن عمر: وهو بخلاف ولد الذي تزوج الأمة على أنها حرة. قال الشيخ: والفرق بينهما: أن الأول شرط له حرية الولد غير مالكه، فلم يتم له شرطه، ومتزوج الغارة إنما تزوج حرةً في ظنه، وأن ولده منها حر من أصله، لا شرط فيه لأحدٍ، فوجبت بذلك حريته كولد المشتري للأمة تستحق بملك، لأنه إنما أولد أمته في ظنه، وأن ولده منها حر من أصله، فوجب بذلك حريته/ وبذلك قضى عمر بن الخطاب، وألزم الأب قيمتهم لمولى الأمة عبيداً يوم الحكم، إذ لا سبيل إلى رقهم، وهذا بيِّن فاعلمه.
[فصل 7 - في صداق الغارة] ومن المدونة: ابن القاسم: والأمة تغر من نفسها فتتزوج: فإنها سترد ما فضل عن صداق مثلها وتأخذ صداق المثل، لأن ذلك حق لسيدها، فليس ما صنعت يبطل ما وجب على الزوج للسيد من حقه في وطئها، والحرة التي غرت من نفسها فتزوجت في عدتها يكون لها قدر ما يستحل به فرجها، لأنها هي الغارة فليس لها أن تجر إلى نفسها هذا الصداق بما غرت. والله أعلم.
[الباب التاسع] ما جاء في نكاح التفويض
[الباب التاسع] ما جاء في نكاح التفويض [فصل 1 - في جواز نكاح التفويض وما يجب به الصداق فيه] وقد أذن الله سبحانه في نكاح التفويض بقوله: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ}. قال مالك: فنكاح التفويض جائز، وهو أن يقولوا: قد انكحناك، ولا يسمون صداقاً، فهو بالخيار إن شاء دفع مهر مثلها ودخل، وإن شاء فارق ولم يلزمه غير المتعة، وهذه سنة نكاح التفويض، فإن بنى بها فلها صداق مثلها وليس كصداق أختها، أو ذات رحم، ولكن مثلها في مالها وجمالها وشبابها وحالها في زمانها. ابن القاسم: وقد تكون واحدة لها مال وجمال وشطاط، وأختها لا مال لها ولا جمال فليس صداقهما عند الناس، وتشاح الناس فيهما سواء.
قال الشيخ: وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "تتزوج المرأة لمالها وجمالها ودينها"، فدل أن الاعتبار بهذا دون غيره. قال مالك: وينظر في هذا إلى ناحية الرجل أيضاً، فقد يزوج فقير لقرابته، وأجنبي لماله، فليس صداقها عند هذين سواء، فيخفف عن القريب ويكمل على الأجنبي صداق المثل. قال مالك: ولا يجب صداق المثل في نكاح التفويض إلا بالبناء، إذ لو مات الزوج قبل البناء التسمية لم يكن لها صداق ولا متعة ولها الميراث. قيل لمالك في كتاب ابن المواز: فما جاء عن ابن مسعودٍ فيمن تزوج امرأةً فهلك عنها قبل أن يفرض لها وقبل أن يدخل عليها، فأقام ابن مسعودٍ شهراً ينظر فيها، ثم قال: أرى لها صداق مثلها؟ فقال: ليس عليه العمل، وقد حدثني نافع عن عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت: أن لها الميراث ولا صداق لها. قال مالك: وبيان ذلك في كتاب الله تعالى حيث يقول: {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً}، فإذا طلقها فلم يكن لها فيه شيء، فكذلك إذا مات عنها لم يكن لها شيء.
[فصل 2 - في ما تستحقه المرأة إن نكحت بتفويض] ومن المدونة: قال مالك: وإذا طلق قبل البناء وقبل أن يتراضيا على صداق لم يكن لها غير المتعة. ابن حبيب: ولا ينبغي أن يبني في التفويض ولا يخلو بها حتى يقدم ربع دينار فأكثر، فإن مسها ثم طلقها لزمه صداق المثل. ومن المدونة: وإذا أرادت الزوجة أن يفرض لها قبل البناء لم يكن له أن يدخل حتى يفرض لها صداق المثل إلا أن ترضى منه بدون ذلك، فإن لم ترض إلا بصداقٍ مثلها كان ذلك عليه، فإن شاء أتم لها صداق مثلها أو طلق. قال مالك: وإن فرض لها بعد العقدة فريضة أقل من صداق مثلها فرضيت بها، أو فرض لها صداق المثل فأكثر ثم طلقها قبل البناء كان لها نصف ما سمى، وإن مات الزوج كان لها جميع ما سمى، وإن ماتت هي كان ذلك عليه. ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم فيمن تزوج بتفويضٍ فبعث إلى أهلها بشيءٍ فسخطوه، فقال: فإن لها صداق مثلها، ثم إن طلق ولم يدخل فإن لها نصف صداق المثل. ومن كتاب محمد: قال ربيعة فيمن فوض إليه فبعث ثياباً ومتاعاً فأدخلت عليه، ثم ماتت فليس لهم إلا ما أرسل إليها. وقال يحيى بن سعيد: إذا كان الأب قد قبله وأدخلها.
ابن المواز: وإذا نكح على أن لها نقد عشرين ديناراً، أو على أنه مفوض إليه في بقية مهرها، ثم لم يرضوا بما فرض لها ولا بما زاد لأنه أقل من صداق مثلها حتى فارق فله أخذ العشرين ولا يلزمه شيء، وليمتعها، وكذلك لو تزوجها على تفويضٍ وعلى مالٍ دفعه إلى أبيها خاصة، ثم طلق قبل البناء فعليه المتعة، ويأخذ من الأب كل ما أعطاه. [فصل - في المريض ينكح بتفويض ثم يموت، أو تموت المرأة] ومن المدونة: قيل لمالك: فالرجل المفوض إليه يمرض فيفرض وهو مريض؟ فقال: لا فريضة لها إن مات من مرضه ذلك، لأنها وصية لوارث إلا أن بطأها في مرضه فيجوز ذلك ويكون لها ما سمى من رأس ماله، إلا أن يكون ذلك أكثر من صداق المثل فيرد إلى صداق المثل. قال الشيخ: يريد لأنها وصية لوارث، لأن عقده كان في الصحة فهي وارثة. قال ابن المواز: قال مالك: إلا أن تكون ذمية لا ترثه فتكون لها الزيادة في ثلثه. قال ابن المواز: ولو سمى للذمية أو للأمة في مرضه ولم يبن بها فذلك كله لها في ثلثه تحاص به أهل الوصايا. وقال عبد الملك: لا شيء لهذه، لأنه لم يسم لها إلا على المصاب. قال ابن المواز: ولا يعجبنا ذلك. قال أصبغ: وإن سمى للحرة المسلمة في مرضه، ثم ماتت هي، ثم صح هو بعدها لزمته التسمية لورثتها.
وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية. وقال ابن المواز: لا يعجبني قول أصبغ. [فصل - في رضى الولي بما يفرض للمرأة وعدم ضاه] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا زوج الثيب وليها، ثم فرض لها الزوج أقل من صداق مثلها فرضيت هي بذلك ولم يرض الولي لزمها ذلك، لأن الرضى في ذلك لها، فلا قول لوليها. قال: وإذا زوج البكر أبوها بتفويضٍ ثم فرض لها الزوج بعد ذلك أقل من صداق مثلها فرضيت، لم يكن لها ذلك إلا أن يرضى الأب بذلك فيجوز ولا ينظر إلى رضاها مع الأب. وإن زوجها غير الأب فرضيت بأقل من صداق مثلها لم يجز ذلك لها ولا للزوج، لأنه لا قضاء لها في مالها حتى تدخل بيتها ويعرف أنها مصلحة في مالها. ولا يجوز لأحدٍ أن يعفو عن شيءٍ من صداقها لا وصي ولا غيره إلا الأب وحده. قال ابن القاسم: إلا أن يكون ذلك نظراً لها فيجوز إذا رضيت مثل أن يعسر الزوج فيسأل التخفيف ويخاف الولي الفراق، ويرى أن مثله رغبةً لها فيجوز ذلك، وما كان على غير هذا لم يجز وإن أجازه الولي. ولو فرض الزوج صداق المثل لزم ذلك المرأة والولي ولا قول لمن أباه منهما. قال مالك: / وإن فرض الزوج بعد عقده النكاح قبل المسيس أو بعده ما رضيت به المرأة وهي ممن يجوز أمرها، أو رضي به الولي وهي بكر والولي ممن
يجوز أمره عليها، وهو الأب في ابنته البكر فذلك جائز، ويكون صداقها هذا الذي تراضيا عليه، ولا يكون لها صداق المثل. قال غيره: إلا أن يدخل بها فلا تنقص المولى عليها بأبٍ أو وصي من صداق مثلها. قال الشيخ: وقول الغير ليس بخلافٍ لابن القاسم، وقول ابن القاسم: فلو فرض لها الزوج بعد عقده النكاح قبل المسيس أو بعده، عائد على الثيب خاصة، ألا ترى أنه قال: أو رضي به الولي، وهو الأب في ابنته البكر، فقد بين أو المولى عليها بكر، فلا تكون بكر ممسوسة، فإنما أراد إذا فرض الزوج ما رضيت له الثيب قبل الدخول فيكون ذلك من صداقها وإن كان أقل من صداق المثل. قال الشيخ: وقد كان بعض مشايخنا يقول: معنى قول ابن القاسم إذا فرض الزوج أكثر من صداق المثل، ويرى أن قوله: قبل المسيس أو بعده، عائد على الثيب والبكر، وما ذكرته أبين، وهو الذي أراد ابن القاسم وإن كان المعنى واحداً، وبالله التوفيق. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا كان ولي البكر ممن لا يجوز أمره عليها فلا يجوز رضاه لأقل من صداق مثلها، ولا يجوز ما وضعت للزوج بعد الطلاق قبل البناء من النصف الذي وجب لها، وإنما يجوز ذلك للأب وحده. وقد قيل: إذا رضيت بأقل من صداق مثلها أو وضعت للزوج ما وجب لها بعد الطلاق جاز ذلك، إذ لا يولى عليها، وإنما لا يجوز ذلك لمن يولى عليها بوصي، وطرحه سحنون.
[الباب العاشر] في نكاح الموهوبة أو بغير صداق
[الباب العاشر] في نكاح الموهوبة أو بغير صداق [فصل - في نكاح الموهوبة] وقد منع الله سبحانه من النكاح بغير صداق فقال في النساء: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، وقال تعالى: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}، وخص الله رسوله عليه الصلاة والسلام بالموهوبة بقوله: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}. قيل لابن القاسم: فلم أجزت نكاح التفويض ولم تجز الهبة إذا لم يسموا مع الهبة صداقاً؟ قال: إنما الهبة عندنا كأنه قال: قد زوجتكها بلا صداق، فهذا لا يصلح ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ولها صداق المثل. قال سحنون: وقد كان يقول: يفسخ وإن دخل. ابن المواز: وقاله أشهب وابن واهب وابن عبد الحكم وأصبغ. قال أصبغ: لأن فساده في البضع. قال أشهب: ويكون لها إذا فسخ بعد البناء ثلاثة دراهم، وقال ابن وهب وأصبغ: لها صداق المثل.
وقال ابن القاسم وعبد الملك: لا يفسخ إذا دخل، ويكون لها صداق المثل، وروي عن مالك. ومن المدونة: ابن وهب عن يونس أنه سأل ابن شهابٍ عن امرأةٍ وهبت نفسها لرجل؟ فقال: لا تحل هذه الهبة، لأن الله تعالى إنما خص بها نبيه دون المؤمنين، فإن أصابها فعليهما العقوبة، ولها الصداق من أجل ما يرى بهما من الجهالة، ويفرق بينهما. وقال ربيعة: يفرق بينهما وتقاضى وهبت نفسها أو وهبها أهلها فمسها. وفي بابٍ بعد هذا قال ابن القاسم عن مالك: ومن وهب ابنته وهي صغيرة لرجلٍ لم يجز ذلك، ولا تحل الهبة لأحدٍ بعد النبي عليه الصلاة والسلام إلا أن تكون هبته إياها ليس على نكاحٍ، إنما وهبها له ليحضنها ويكفلها، فلا بأس بذلك ولا قول لأمها إن فعل ذلك لحاجةٍ أو فاقة. قال في المستخرجة عن مالك: إذا كان ذا محرمٍ وإلا فلا.
ومن المدونة: ابن القاسم: فإن وهبها له بصداقٍ مسمى وأراد بالهبة وجه النكاح جاز ذلك، وقد قال مالك فيمن وهب سلعته لرجلٍ على أن يعطيه شيئاً مسمى أن ذلك بيع جائز، فأرى الهبة بالصداق مثل البيع، وإنما يكره من ذلك الهبة بلا صداق. [فصل - في النكاح بغير صداق] قيل لابن القاسم: فإن قالوا: قد أنكحناك فلانة بلا صداق؟ قال: إن دخل بها ثبت النكاح وكان لها صداق مثلها، فإن لم يدخل بها فرق بينهما، وهذا الذي استحسن، وقد بلغني ذلك عن مالك، وقد قيل: يفسخ قبل البناء وبعده.
[الباب الحادي عشر] في نكاح التحكيم
[الباب الحادي عشر] في نكاح التحكيم [فصل 1 - في جواز نكاح التحكيم] قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً على حكمه أو على حكمها أو على حكم فلانٍ جاز النكاح، فإن وقع الرضى بالحكم فيه قبل البناء وإلا فرق بينهما ولا شيء لها، ويلزم المرأة النكاح إن فرض لها الزوج قبل البناء صداق المثل كالتفويض وقد كنت أكره هذا النكاح حتى بلغني أن مالكاً أجازه على ما فسرت لك، وأخذت به وتركت رأيي فيه. قال سحنون: وقال غيره ما قال عبد الرحمن أول قوله: لا يجوز ويفسخ ما لم يفت بالدخول، لأنه خرج عن حد ما أرخص فيه من التفويض. ابن المواز: وقال عبد الملك: أما على حكمها فالنكاح يفسخ ما لم يدخل، وأما على حكمه فهو كالتفويض الجائز. قال الشيخ: فوجه الإجازة في الوجهين: اعتباراً بنكاح التفويض، ووجه الفسخ فيهما: فلأن التفويض رخصة، فلا يقاس عليها، ووجه التفرقة:
فلأن التفويض في فرض الصداق إنما هو للزوج، لقوله تعالى: {أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} فإذا رد الفرض إلى الزوجة لم يجز، لأنه خلاف النص. [فصل 2 - في الصداق في نكاح التحكيم] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن بنى بها في نكاح التحكيم قضي لها بصداق المثل وثبت النكاح. ومن الواضحة: روى ابن حبيب عن ابن القاسم فيمن تزوجها على حكمها فلم يرضها فلا يلزمها الرضى بصداق المثل إذا لم يبن بها، وقاله أشهب. وقال ابن عبد الحكم وأصبغ: أن ذلك كالتفويض للزوج، إن فرض لها صداق المثل لزمها، وإلا فرق بينهما، وروى أيضاً عن ابن القاسم، والأول أحب إلينا. قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم وأشهب على ما رواه ابن حبيب: فلأنها اشترطت أن يكون الحكم لها، فلا يلزمها الرضا بحكم غيرها، ولأن تعليقها الرضى بحكمها احترازاً من أن تلزم لما لم ترض له، فلو كان ذلك يلزمها ما نفعها اشتراطها. ووجه قول ابن عبد الحكم وأصبغ، وهي رواية المدونة: قياساً على نكاح التفويض.
قال أو محمد وغيره: وإذا تزوجها على حكمها ففرضت للزوج صداق المثل لم يلزم الزوج ذلك إلى أن يرضى، بخلاف الزوج يفرض لها صداق المثل، هذه يلزمها ذلك كواهب السلعة إذا أعطي قيمتها لزمه، وليس يلزم الموهوب غرم قيمتها إلا برضاه أو فوتها عنده. قال الشيخ: وأما إن تزوجها على حكم فلان، ففرض فلان صداق المثل فينبغي أن يلزمها، لأنهم قد جعلاه حكماً، ففرضه صداق المثل عدل من الحكم. وقد حكي عن أبي الحسن في قوله: إذا تزوجها على حكم فلان، معنى قوله: إذا رضي الزوج بذلك، إنما ذلك إذا فرض لها فلان أكثر من صداق مثلها، فأما إذا فرض لها فلان صداق المثل فلا كلام له. قال الشيخ: وهذا لا يختلف فيه.
[الباب الثاني عشر]
[الباب الثاني عشر] [فصل 1 - في الدعوى في الصداق] قال ابن القاسم: أصل القضاء في تداعي الزوجين في الصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول قول البائع والمبتاع بالخيار"، وفي حديثٍ آخر: "فالقول قول البائع، ويتحالفان ويتفاسخان"، والتداعي كله يرجع إلى قوله عليه الصلاة والسلام: "البينة على المدعي وعلى من أنكر اليمين"، وقوله: "شاهداك أو يمينه".
ابن القاسم: فإذا اختلف الزوجان في الصداق قبل البناء عن غير موتٍ ولا طلاق، فادعت المرأة أكثر مما أقر له الزوج، ونسي الشهود تسمية الصداق قال مالك: فالقول قول المرأة- يريد مع يمينها. قل ابن القاسم: لأنها بائعة لنفسها. قال مالك: ويخير الزوج في إتمام ما ادعت، وإلا حلف وسقط عنه ما ادعت وفسخ النكاح، ولا صداق لها. قال مالك: وإن اختلفا في هذا بعد البناء، فالقول قول الزوج مع يمينه. قال ابن القاسم: لأنها أمكنته من نفسها فصارت مدعية، وهو مقر لها بدين، فالقول قوله مع يمينه. ابن المواز: قال مالك: ولا يقبل قول المرأة بعد البناء: أنها لم تقبض صداقها ويصدق الزوج مع يمينه. وكذلك من قبض رهنه وقال: قضيتك الحق، فهو مصدق مع يمينه وقبضه الرهن كالشاهد، لأنه الغالب والعرف بين الناس، وقاله مالك وأصحابه. ومن العتبية: قال ابن القاسم: وإذا تحمل للمرأة رجل بالصداق فطلبته به بعد البناء، وزعم الزوج والحميل أنها قبضته قبل البناء، قال: يحلف الحميل ويصدق. قال سحنون: ولو أخذت بالصداق رهناً ثم بنى فهو كالحميل، ويتم له الدخول، وهو كالإبراء، ويأخذ رهنه.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ومن زوج ابنته الصغرى على صداق أختها الكبرى، فادعى الأب أنه مئتان، وقال الزوج: إنه مائة، فالقول قول الزوج، ويحلف، فإن نكل حلفت الجارية وقضي لها. ابن المواز: وهذا بعد البناء، وأما قبل البناء فليتحالفا ويفسخ النكاح، والأيمان بين الأب والزوج. ويبدأ الأب باليمين فإن حلف لزم الزوج إلا أن يحلف فيبرأ ويفسخ، كالوكيل في البيع ويحلف دون رب السلعة وهي لم تفت، لأن رب السلعة لم يلِ شيئاً، وكذلك الجارية لم تعلم، ولو علمت ما كان لها فيه حكم ولو كانت ثيباً حتى لا يتم الأمر إلا بها وعلمها وحضورها، فاليمين عليها، وقاله أصبغ. ومن المدونة: وإن اختلفا في قلة الصداق وكثرته بعد الطلاق وقبل البناء فهي طالبة له، فعليها البينة، وهو مدعى عليه، فالقول قوله فيما يقر به مع يمينه. قال: فإن نكل حلفت المرأة وأخذت ما تدعيه، لأن مالكاً قال: إذا ماتت الزوجة قبل البناء فادعى ورثتها تسمية صداق، وادعى الزوج تفويضاً فالقول قوله مع يمينه، وله الميراث، وعلى ورثة المرأة البينة على ما ادعوا من التسمية. وفي كتاب محمد: ومن زوج ابنه الصغير من ابنة رجلٍ صغير، فمات الصبي، فطلب أبو الصبية المهر، فقال أبو الصبي: لم أسم مهراً، وأن ذلك كان منك على الصلة لابني، قال محمد: لا يصدق، ولها ما ادعى أبوها إن كان صداق مثلها. قال مالك: ليس لها إلا الميراث، [قال محمد]: إذا حلف أبوه.
قال أبو محمد: وذكرها في كتاب الشهادات، ولم يذكر قول محمد: إن لها ما ادعى أبوها. قال مالك: وإن كان لها شاهد على تسمية المهر أخر ذلك حتى تبلغ الجارية فتخلف وتأخذ. ابن المواز: بعد يمين أبيه الآن، وهذا بخلاف مبايعته لها، ويقيم شاهداً فيحلف الأب معه، لأنه إن لم يحلف ها هنا لزمه غرم ما نكل عنه، لأنه أتلفه، إذ لم يتوثق، ولأنه لا يبيع إلا بثمنٍ معلوم وبينة، والنكاح على التفويض يجوز فلم يتعد، وإنما عليه أن يشهد في أصل النكاح لا في تسمية الصداق. وذلك عندي ما لم يدع أبوها التسمية مع الشاهد، فإن ادعى هذا فقد ضيع في التوثق، فإن شاءت بعد أن تكبر أن تلزم ذلك أباها، فيكون لأبيها أن يحلف، ويأخذ من تركة الصبي، وإلا غرم أبوها من ماله، فإن شاءت أن تترك أباها وتحلف مع شاهدها وتأخذ ذلك من مال زوجها لمنزلة ما لو مات أبوها، أو كان معدماً، فإذا حلفت فالصداق على أبي الصبي إلا أن يكون للصبي يوم العقد مال فلا شيء على أبيه. قال ابن حبيب في اختلاف الزوجين قبل البناء: تحلف الثيب، وإن كانت بكراً حلف الأب، ثم للزوج الرضى بذلك، أو يحلف ويفسخ النكاح، كان اختلافه في قلة الصداق أو كثرته أو في نوعه، وأما بعد البناء فيحلف الزوج، ويبقيا زوجين إن اختلفا في العدد، فإن كان في النوع تحالفا، وردت الزوجة إلى صداق المثل، إلا أن يرضى هو بما ذكرت أو ذكر الأب في البكر. وإنما كان يحلف الأب في صداق البكر، لأنه كوكيلٍ مفوض إليه، وهو وليه دونها، ولم يكن لها فيه رأي ولا أمر، وكذلك قال ابن المواز: يحلف الأب في البكر.
قال الشيخ: ذكر عن أبي عمران إذا اختلف الزوجان في الصداق قبل البناء فتحالفا، ثم أراد الزوج إتمام النكاح بما قالته المرأة، أو أرادت ذلك المرأة بما قاله الزوج قبل الفسخ: أن النكاح تام كالبيع، ويجري ذلك على الاختلاف الذي في البيع قال: وقد نص على ذلك المغيرة: أنه إذا رضي أحدهما بما ذكرناه تم النكاح. أبو عمران: يراعى في اختلافهما إذا أتى أحدهما بما يشبه والآخر لما لا يشبه. وقيل: لا يراعى ذلك، كما اختلف في ذلك في البيوع. قال سحنون في كتاب ابنه فيمن تزوج امرأةً فادعى أنه تزوجها على أمها وهي عالمة بها، وقالت المرأة: بل على أبي، وهو مالك لأبويها، وحفظت البينة العقد، ولم تحفظ على أيهما عقد. قال سحنون: الشهادة ساقطة، فإن لم يدخل بها تحالفا وفسخ النكاح، ويلزمه عتق الأم، لأنه أقر أنها حرة، وكذلك إذا نكلا، وإن كان قد دخل بها حلف أيضاً، وعتقت عليه الأم بإقراره، فإن نكل حلفت المرأة وعتق الأب بقولها، وعتقت عليه الأم بإقراره. قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: وهذا خلاف ما تقدم لابن حبيب إذا اختلفا في نوع الصداق بعد البناء أنهما يتحالفان ويكون لها/ صداق المثل.
فصل [2 - في الدعوى في دفع الصداق] ومن المدونة: قال مالك: وإذا قال الزوج بعد البناء: قد دفعت الصداق، وأنكرت الزوجة فالقول قوله، وإن لم يكن دخل بها فالقول قولها. - قال الشيخ: وإنما ذلك لأن العرف عندهم ألا يدخل الزوج حتى يدفع الصداق-. قال مالك: وليس يكتب الناس في الصداقات براءات، ومن نكح على نقدٍ ومؤجل فادعى بعد البناء أنه دفع المؤجل، وأكذبته الزوجة، فإن بنى بها بعد الأجل صدق. - قال الشيخ: لأن الأجل حل قبل دخوله فصار كمن تزوج بنقد، والعرف فيه ألا يدخل حتى يدفعه، ولأن الزوجة قد أمكنته من نفسها، فلذلك كان القول قوله-. قال مالك: وإن بنى بها قبل الأجل فالقول قولها، كان المؤجل دنانير أو حيواناً مضموناً مع الأيمان فيما ذكرنا. قال الشيخ: لأنه دخل والصداق متقرر في ذمته فلا يلزمه إلا البينة بدفعه، وكذلك المهر الحال بالبناء القول قول المرأة أنها لم تقبضه، وكان الزوج دخل قبل حلوله، لأنه لا يجب إلا بعد الدخول. قال بعض أصحابنا: وكذلك إن تزوجها بصداقٍ حال، وكتبا به كتاباً، فدخل الزوج، وادعت المرأة أنه لم يدفع إليها شيئاً من صداقها، وقامت عليه البينة بذكر الحق أن القول قوله، لأن العرف جارٍ بأخذ ذكر الحق منها بعد قبض حقها وأنها لا تستلمه إلا إذا استوفته، فلذلك كان القول قولها. ومن كتاب محمد: قال مالك: وإذا ادعت المرأة بعد دخولها أنه بقي لها من صداقها خادم، أو غير ذلك وقال الزوج: قد دفعته، فيحلف الزوج ويبرأ، وليس يكتب الناس في الصدقات البراءات.
قال ابن المواز: لا يقبل قولها، وما يدخل النساء إلا بعد القبض، وذلك هو المعروف والغالب، إلا الخاص، وإنما يحمل الأمر على الغلب، والدخول كالشهادة، فإذا حلف برئ إلا ما لم يحل منه إلا بعد دخوله، وكذلك الرهن إذا قبض المرتهن رهنه ثم قال: قد قضيتك ولم يصل إلي الرهن إلا بقضائي إياك حقك، فيحلف ويبرأ، وكان قبضه للرهن كالشاهد، ولأنه الغالب من عمل الناس، وهذا كله قول مالكٍ وأصحابه. قال بعض أصحابنا: سألت أبا بكر بن عبد الرحمن عمن تزوج امرأةً وادعى أن وليها شرط في عقد النكاح لوليته شروطاً وعطايا سماها، وأنكر الولي أن يكون شرط ذلك، فطالبه باليمين على ذلك فنكل، هل يحلف الزوج ويجب ذلك لها؟ وكيف يحلف في شيءٍ يستحقه غيره؟ فقال: الذي عندي لأنه إذا نكل الولي حلف الزوج، ويرجع إلى صداق المثل ويرجع بما زادت التسمية على صداق المثل على وليها، وتأخذ هي الصداق كاملاً مثل الولي يقر بالعيوب في وليته، أنها تأخذ الصداق كاملاًـ، ويرجع الزوج على من غره، فكذلك هذا. قال الشيخ: والذي أرى إذا نكل الولي حلف الزوج واستحق ما شرط على الولي يكون ذلك للزوجة، لأنه هو ولي معاملته، فهو كالوكيل يدعي في معاملته شيئاً لموكله، فتجب اليمين على المدعي عليه فينكل، أن الوكيل يحلف ويستحق لك لمن وكله. وأما قول الشيخ: يحلف الزوج ويرجع إلى صداق المثل، أرأيت إذا كان/ صداق المثل أكثر من التسمية أيزاد عليه لدعواه أو يهب دعواه باطلاً، هذا ليس بشيء.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا مات فادعت امرأة بعد موته أنها لم تقبض صداقها فلا شيء قد دخل بها، وإن لم يكن دخل بها فالقول قولها. قال ابن القاسم: وكذلك إن مات الزوجان فتداعيا ورثتهما في دفع الصداق فلا قول لورثة المدخول بها، وإن لم يدخل بها صدق ورثتها، وإن قال ورثة الزوج في المدخول بها: قد دفعه لها، أو قالوا: لا علم لنا، فلا شيء عليهم، فإن ادعى ورثة المرأة أن ورثة الزوج قد علموا أن الزوج لم يدفع الصداق، حلفوا أنهم لا يعلمون أن الزوج لم يدفع الصداق، ولا يمين على من كان منهم غائباً، أو من يعلم أنه لا علم عنده. فصل [3 - في دعوى الزوج أن المهر فيه سر وعلانية] ومن كتاب محمد: وإذا ادعى الزوج أنهم أسروا من المهر دون ما أعلنوه، لم يصدق إلا ببينةٍ أو شاهدٍ يحلف معه، فإن شهدت بذلك بينة، فقال الولي: كان ذلك كلاماً سراً وقد صرنا إلى غيره بعده وزوجناه عليه، وقال الزوج: بل هو الأمر الأول، والثاني سمعة، قال: أحب إلي أن لو أشهدوا حين سموا المهر القليل أن هذا الذي أنكحوه به، وإنما سمي في العلانية غيره، فإن لم يكن هذا وأشكل الأمر فالقول قول الزوج مع يمينه حتى يعلم من السبب ما يعلم به أن الأول قد انقطع، وأن على الثاني وقع النكاح، وكذلك لو كان ذلك من الثيب بغير علم الولي. ابن المواز: ولا يكون ذلك من أبيها إلا برضاها. قال مالك في البكر: ذلك إلى الأب دونها، فإن لم يكن أب فليس ذلك
لها تاماً إلا بإذن وليها مع رضاها، وقاله الليث. قال ابن حبيب: ولا يضر الشاهدين على السر أن تقع شهادتهما على العلانية، لأنهما يقولان: على هذا أشهدنا أن يكون سراً كذا وفي العلانية كذا للسمعة، ولم يختلف في هذا مالك وأصحابه. وقد تقدم القول في مسألة من وهب ابنته بجميع وجوهها فأغنى عن إعادتها.
[الباب الثالث عشر] في صداق النكاح الفاسد وطلاقه وميراثه
[الباب الثالث عشر] في صداق النكاح الفاسد وطلاقه وميراثه قال ابن القاسم: كل ما فسد من النكاح لصداقه كالنكاح بالآبق والشارد والثمرة التي لم يبد صلاحها ففسخ قبل البناء فلا صداق فيه ولا متعة، وكذلك إن لم يفسخ حتى طلقها قبل البناء ولا متعة لها عليه، ويلزم فيه الطلاق، فلو طلقها فيه ثلاثاً لم تحل له إلا بعد زوج، ولو مات أحدهما قبل البناء أو بعده توارثا، لأنه نكاح قد اختلف العلماء في فسخه وثباته، وكذلك كل ما يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، والتي تتزوج بغير ولي مثل ذلك، لأن مالكاً وقف في فسخه بعد البناء. قال سحنون: وقد كان قال لي: كل نكاحٍ كانا مغلوبين على فسخه فهو فسخ بغير طلاق، ولا ميراث فيه، ويرد فيه الخلع، وترجع عليه الزوجة بما أخذ منها، لأنه لا يأخذ مالها إلا بما يجوز به إرساله من يده، وهو لم يرسل من يده إلا ما هي أملك به منه، وقد بينا اختلاف قوله في هذا النكاح الأول. وإذا تزوج العبد والمكاتب بغير إذن سيدهما فالسيد مخير في إجازته أو فسخه فإن فسخه بعد الدخول أخذ منها/ جميع المهر ويترك لها ربع دينار، فإن عتق اتبعته بالصداق إن غرها بأنه حر، إلا أن يفسخه عنه السيد قبل العتق، فإن عتق قبل أن يعلم السيد بتزويجه ثبت النكاح. قال: وللمكاتب تزويج أمته على ابتغاء الفضل، ويلي العقد غيره. وقد تقدم جميع هذا في الكتاب.
[الباب الرابع عشر] في نكاح المريض والمريضة
[الباب الرابع عشر] في نكاح المريض والمريضة [فصل 1 - في حكم نكاح المريض والمريضة] قال أبو محمد وغيره: ولما منع الرسول عليه الصلاة والسلام المريض من الحكم في ثلثي ماله الموروث بما ينقص ورثته منه كان ممنوعاً أن يدخل عليهم وارثاً، أو يخرج منهم وارثاً. قال غيره: فإن قيل: فيلزم على هذا ألا يستلحق ولداً. قيل له: ليس استلحاقه بإدخال وارث، وإنما هذا إخباره عن وارثٍ متقدم على حال المرض لزمه الإقرار له، وغرضه في مسألتنا أن يثبت له زوجة تزوجها في الصحة، فيلزم وترث، ولا يكون في ذلك إدخال وارثٍ على ورثته. قال مالك: ولا يجوز نكاح المريض أو المريضة، ويفسخ قبل البناء وبعده. ابن القاسم: فإن تزوجها ودخل با وهي مريضة ثم ماتت كان لها الصداق ولا يرثها، فإن صحت ثبت النكاح، وقاله مالك: وهو أحب قوليه إلي، وقد
كان يقول مرة: يفسخ، ثم عرضته عليه فقال: امحه، والذي أرى إذا صحا أن يثبت النكاح، دخلا أو لم يدخلا، ولها المسمى. قال الشيخ: قال بعض البغداديين: وهذا مبني على أصل فساده، هل هو في عقده، أو لحق الورثة؟ فإذا قلنا: إنه في العقد لم يصح الثبوت عليه، وإن قلنا: إنه لحق الورثة، صح بعد زوال المرض لزوال حقوقهم منه كنكاح العبد بغير إذن سيده، وهذا اعتلال عبد الملك. قال الشيخ: وقال ابن القاسم في نكاح المحرم: أنه يفسخ وإن حل من إحرامه، والفرق بينه نكاح المريض إذا صح: أن نكاح المحرم إنما يفسخ لعلةٍ في نفسه وهو الإحرام، وقد حرمه النبي عليه الصلاة والسلام، ونكاح المريض إنما حرم لعلةٍ في غيره، وهو إن دخل على الورثة وارثاً، فإذا ارتفعت العلة لم يكن للورثة حجة في فسخ النكاح. فإن قيل: ينبغي أن يمنع المريض من الوطء لئلا يدخل على الورثة زيادة وارثٍ كما منع من التزويج. قيل: التزويج قد أدخل وارثاً حقيقة، والوطء قد يكون منه الولد وقد لا يكون، فوجب أن لا يمنع حق واجب لأمرٍ غير متيقن، هذا أصلهم، وكذلك العلة في المكتري وزوجته إلى الحج أنه لا يمتنع من الوطء لحجة احتمال أن تنفس فيجلس عليها، إذ ليس من كل وطء يكون الولد، فلا يترك حق واجب لأمرٍ يكون أو لا يكون.
وقالوا في المخدمة: إنه لا يجوز لسيدها وطؤها، لأنه يبطل الحوز، فمنعوه الوطء لعلة حالةٍ متيقنة. [فصل 2 - في الصداق في نكاح المريض] ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج امرأةً في مرضه ودخل بها فرق بينهما، وكان صداقها في ثلثه مبدءاً على الوصايا والعتق، ولا ترثه، وإن فسخ قبل البناء فلا صداق لها ولا ميراث. قال في كتاب محمد: وإذا بنى المريض فلها المسمى في ثلثه- وإن زاد على صداق المثل- مبدءاً على الوصايا بالعتق الواجب وغيره، ويدخل فيما علم وفيما لم يعلم، ولا يبدأ عليه [إلا] المدبر في الصحة. وله قول: إنه مبدأ على المدبر في الصحة، وليس بشيء. قال سحنون في كتاب الإقرار: إذا كان المسمى أكثر من صداق المثل لم يكن/ لها إلا صداق المثل في قول ابن القاسم فيكون ذلك مبدءاً على الوصايا وعلى المدبر في الصحة، واختلف في الزائد، فقيل: يسقط، قال ابن القاسم، وقيل: تحاص به الوصايا.
قال الشيخ: وهذا أيضاً بناءً على الميراث، فمن رأى أنهما لا يتوارثان رأى أن لها الزائد على صداق المثل، إذ ليس فيه أكثر من أن تكون وصيةً لغير وارث، ومن رأى أنها ترثه لم يعطها الزائد على صداق المثل، لأنه وصية لوارث. واختلف في نكاحه الأمة والكافرة، فقال أبو مصعب: يجوز، لأنه لم يدخل وارثاً، وقال عبد الملك: لا يجوز، لأن الأمة قد تعتق، والكافرة قد تسلم قبل الموت فتصيران من أهل الميراث. قال بعض البغداديين: وهذا القول أصح. قال الشيخ: والأول أولى، لأنه أوقع النكاح في حالٍ لم يدخل به على الورثة ضرراً، لأنهما غير وارثين، وما يترقب من العتق أو الإسلام قد يكون أو لا يكون، فلا يمنع أمر واجب له لأمرٍ قد يكون أو لا يكون، هذا أصلهم. قال الشيخ: وإذا فوض في نكاحه في مرضه فسمى لها ثم مات فلا شيء لها إلا أن يدخل لها فذلك في ثلثه وإن كان أضعاف صداق المثل مبدءا على الوصايا وكذلك لو نكح بتسمية.
وقال أصبغ: يبدأ قدر صداق المثل والزائد تحاص به. قال ابن المواز: وأحب إلى قول عبد الملك: أن لها صداق المثل مبدءاً، ويبطل ما زاد عليه- يريد في التفويض في المرض- لأن الواجب لها بالوطء صداق المثل، فما زاد فليس بوصية، لأنه لم يرد به الوصية، وأما التي تزوجها بتسميةٍ فبتلك التسمية رضيت فلها جميعه في الثلث، وهذا التفسير من غير رواية ابن أبي مطر عن ابن المواز. قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران أنه قال: أجمع أصحابنا أن صداق المريض لا يكون في رأس المال، قال: وذكر أبو الحسن عن المغيرة أنه قال: ذلك في رأس المال، ولا أدري أين رآه، وقد رأيت في كتاب المغيرة: أنه من الثلث، وجعل الشيخ أبو الحسن ربع دينار من رأس المال، فعلى هذا تحاص أهل الدين بالربع دينار. قال بعض فقهائنا: وهو قول حسن، إذ لا يستباح البضع بأقل من ربع دينار، ويدل على صحته قوله في العبد يتزوج بغير إذن سيده ويدخل فيفسخه السيد: إنه يترك لها ربع دينار، فإذا لم يكن للسيد في ذلك حجة فالورثة والمديان أحرى أن لا تكون لهم حجة.
[الباب الخامس عشر] فيمن أراد نكاح امرأة أو شراء أمة فزعم أبوه أنه قد وطئها ومن أدخلت عليه غير زوجته، وهل يبوأ من الأمة بيتا والحكم في الخنثى، ونكاحه امرأة زنى بها أو قذفها
[الباب الخامس عشر] فيمن أراد نكاح امرأة أو شراء أمة فزعم أبوه أنه قد وطئها ومن أدخلت عليه غير زوجته، وهل يبوأ من الأمة بيتاً والحكم في الخنثى، ونكاحه امرأة زنى بها أو قذفها [فصل 1 - فيمن أراد نكاح امرأة أو شراء أمة فزعم أبوه أنه قد وطئها] قال ابن القاسم: ومن اشترى جاريةً، أو أراد شراءها، أو خطب امرأةً فقال له أبوه: قد نكحت الحرة ووطئت الأمة بشراء، وأكذبه الابن، فلا يقبل قول الأب إلا أن يكون ذلك من قوله فاشياً قبل الشراء أو النكاح، فأرى له أن يتنزه عنها، ولو فعل لم أقض به عليه، وقد قال مالك: لا تجوز شهادة امرأةٍ واحدةٍ في الرضاع إلا أن يكون قد فشا وعرف في الأهلين والمعارف والجيران، فأحب إلي أن لا ينكح، ويتورع. قال ابن القاسم: فشهادة الولد في مسألتك مثل شهادة امرأةٍ في الرضاع، وكذلك الأم إذا لم يزل يسمعونها تقول: قد أرضعت فلانة، فلما كبرت أراد الابن تزويجها، فلا يفعل، ولا تجوز شهادة امرأتين في الرضاع إلا أن يكون قد فشا وعرف، فإذا كان كذلك رأيتها جائرة. فصل [2 - فيمن أدخلت عليه غير زوجته] قال مالك: وإذا تزوج أخوان أختين فأخطئ بهما، فأدخل على كل واحدٍ منها زوجة أخيه فوطئها، ردت كل واحدةٍ إلى زوجها ولا يطؤها إلا بعد ثلاث حيض.
قال ابن القاسم: وعلى العالمة منها الحد ولا صداق لها. قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران أنه قال: لا نفقة لكل واحدةٍ في الاستبراء على زوجها، لأنه لم يدخل بها، ولا على الواطئ، لأنه غير زوجته، إلا أن يظهر حمل فترجع عليه بما أنفقت. وأما من وطئ زوجة رجلٍ في ليلٍ يظن أنها زوجته ولم تحمل، فنفقتها في استبرائها على زوجها، كما لو مرضت فإنه ينفق عليها، قال: وسواء كان للتي أدخلت على غير زوجها مال أم لا، لا نفقة لها على أحدٍ منهما. وذكر في بعض التعاليق: أن نفقة كل واحدةٍ على زوجها الحقيقي، والأول أصوب. قال ابن القاسم: فإن قالت: لم أعلم وظننت أنكم زوجتموني منه، فلا صداق مثلها على الواطئ، ويرجع هو به على من غره. قال مالك في الواضحة: فإن لم يغره منها أحد وإنما كان خطأ منهم، فصداق مثلها على الواطئ- يريد: ولا يرجع عليها بشيء- إذ ليست عالمة، والخطأ لازم لا يعذر به، وفي العمد الحد مع صداق المثل.
ومن كتاب محمد وكتاب ابن سحنون: ومن زوج ابنته لرجلٍ فأدخل عليه أمته على أنها ابنته، فهذه تكون له بما تلد أم ولد، وعليه قيمتها يوم الوطء، حملت أو لم تحمل، ولا قيمة عليه في الولد بمنزلة من أحل أمته لرجل، وتبقى ابنته زوجة له، ولو علم الواطئ أن التي أدخلت عليه غير زوجته ثم وطئها فهو سواء، ولا حد عليه. وقال ابن حبيب: ومن أدخل أمته على زوج ابنته فوطئها درء عنه الحد، ولزمته القيمة، وتحد الأمة، إلا أن تدعي أن سيدها زوجها منه، ويعاقب السيد. ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم فيمن طلب الدخول فأدخلت عليه جارية بكر بامرأته، وامرأته ثيب، وقيل له: لا تقربها الليلة، فحلف بعتق رقيقه لأوطئها الليلة، وهو يظنها امراته، فوطئها تلك الليلة واستمرت حاملاً، وعليه شرط لزوجته بعتق كل جاريةٍ يتخذها أم ولد وأمرها بيدها. قال: يلحق به الولد ولا حد عليه ولا عليها، ويعتق عليه رقيقه، وليس عليه طلاق ولا تمليك لزوجته، وعليه بزوجته قيمة الولد إن لم تعلم زوجته بما صنع أهلها ولا تقوم عليه الجارية، ولا يرجع الزوج على الذي غره بقيمة الولد، ولا يكون أشد من المستحقة من يده تحمل فيؤدي قيمة الولد، ولا يرجع على الغاصب، ولو كان ذلك بعلم زوجته، لم ترجع بقيمة الولد، ولا تقوم عليه الجارية إلا أن يشاء هو ذلك. قال الشيخ: هذا كلام جيد، وهو خير من كلام سحنون الذي ألزمه في الأمة القيمة وإن لم تحمل، وخير من كلام ابن حبيب الذي ألزم الأمة الحد، لأن الأمة في ذلك كالمكرهة، فيجب أن يسقط عنها الحد. والله أعلم.
[فصل 3 - في زوج الأمة هل يبوأ معها بيتاً؟] ومن المدونة: من نكح أمةً فليس له أن تبوأ معه بيتاً، وتبقى في خدمة ساداتها، وليس للسادة منعه الوطء إذا أراده، ولا يتضرروا به، ويمنع هو من الضرر بهم، وللسيد بيعها، وليس للمبتاع منع زوجها منها، وإن بيعت بموضعٍ لا يصل إليها الزوج فله طلبها، والخصومة إن منع منها، ويتبعه البائع بمهرها أو بنصفه إن طلقها قبل البناء. [فصل 4 - في حكم الخنثى] ومن المدونة: ابن القاسم: والحكم في الخنثى بمخرج البول، فإن كان يبول من ذكره فهو رجل، وإن كان يبول من فرجه فهو جارية، لأن النسل من المبال وفي الوطء/ فيكون ميراثه وشهادته وكل أمره على ذلك، وما اجترأنا على سؤال مالكٍ عنه. قال الشيخ: وقيل: إن أول من حكم بذلك في الجاهلية عامر بن الظرب العدواني برأي جارية له راعية غنم، ثم حكم به علي بن أبي طالب في
الإسلام بأن جعل الحكم للمبال. وروى أيوب الأعور الفرضي في كتابه أن الرسول عليه الصلاة والسلام سئل عن مولودٍ له قبل وذكر من أين يورث؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "من حيث يبول"، وكذلك قال رضي الله عنه: إذا بال من ذكره ورث ميراث ذكر، وإن بال من فرجه ورث ميراث أنثى، فإن خرج منهما جميعاً فمن أيهما أسبق، وذلك قول جابر بن زيد وغيره من التابعين.
قال أيوب: فإن خرج منهما جميعاً معاً فقال أبو يوسف وبعض أصحاب أبي حنيفة: ينظر من أيهما خرج أكثر فيكون الحكم له به. قال الشيخ: قال شيخنا أبو بكر عتيق بن عبد الجبار: أنكر ذلك الشعبي فقال: أيوازن البول؟ أيكال البول؟ لا علم لي إذا بال منهما جميعاً، والأولى ما قالته الجماعة، لأن الأقل يتبع الأكثر في أكثر الأحكام، قال: فإن بال منهما جميعاً متكافئاً فهو مشكل في حال الصغر، ثم ينظر في كبره وبلوغه، فإن نبتت لحيته ولم ينبت له ثدي فهو رجل، لأن اللحية علامة التذكير، وإن لم تنبت له لحية وخرج له ثدي فهو امرأة، لأن الثدي يدل على الرحم وتربية الولد، فإن لم تنبت له لحية ولا ثدي أو نبتا جميعاً نظر، فإن حاضت من فرجها فهي امرأة، وإن احتلم من ذكره فهو رجل، وإن احتلم وحاض أو لم يكن من ذلك شيء فهو
مشكل عند من تكلم في الخنثى إلا على قولةٍ شاذةٍ ذهب إليها بعض الناس أنه ينظر إلى عدد أضلاعه، قال: وذلك أن أضلاع الرجل أقل من أضلاع المرأة بضلع، أضلاع المرأة ثمانية عشر ضلعاً من كل جانب، وأضلاع الرجل ثمانية عشر ضلعاً في الجانب الأيمن، وفي الأيسر سبعة عشر ضلعاً، وذكر أن الله تعالى لما خلق آدم جعل له ثمانية عشر ضلعاً من كل جانب، ثم ألقى عليه النوم فنام فاستل من جانبه الأيسر ضلعاً فخلق منه حواء، فالمرأة تزيد ضلعاً على الرجل، وعند هذا القائل لا يكن مشكلاً في صغرٍ ولا كبر. قال أيوب: وإليه كان يذهب الحسن البصري، وتابعه على ذلك عمرو بن عبيد، قال: والجماعة على خلافهما.
واختلف أهل العلم إذا كان مشكلاً كيف يكون ميراثه، فذهب أكثرهم وحذاقهم إلى أن يكون له نصف نصيب ذكر ونصف نصيب أنثى. قال ابن حبيب: فيكون له على ذلك ثلاثة أرباع المال، فجعل له هذه الثلاثة أرباع عند مقارنة غيره من الولد، فإن كان معه ذكر قسم المال بينهما على سبعة، ثلاث للخنثى وأربعة للذكر، وإن كان معه أنثى المال بينهما على خمسة. وذهب أكثر القائلين بنصف نصيب ذكر ونصف نصيب أنثى أنه يورث بالأحوال، وذلك أن الخنثى في حال يكون ذكرًا، وفي حال يكون أنثى، فيعمل على الحالين. قال الشيخ: وسأذكر بيان ذلك في كتاب الفرائض، وأذكر فيه بقية اختلافهم فيه، وكيفية حساب توريثه/ إن شاء الله. قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: ولا يصلي إلا مستتراً في آخر صفوف الرجال وأول صفوف النساء، ولا يطأ ولا يوطأ بنكاح. وقيل: له أن يطأ أمته، وذكر حمديس نحو ما ذكرنا. وذكر عن ابن أخي هشام في الخنثى المشكل إذا مات اشترى له خادم تغسله واستحسنه أبو عمران.
قال الشيخ: وذكر أنه إذا غزا فُرِضَ له ربع سهمٍ، لأن له في بعض الأحوال سهماً، وفي بعض الأحوال لا شيء له، بخلاف الوراثة، وذكر أنه إذا زنى بذكره أن لا حد عليه، لأن ذكره كأصبع، وإذا وطئ في فرجه كان عليه الحد. [فصل 5 - في نكاح الرجل امرأة زنى بها أو قذفها] ومن المدونة: قال ابن القاسم: فلا بأس أن ينكح الرجل امرأة كان زنى بها بعد الاستبراء، أو امرأة قذفها فحد لها أو لم يحد.
[الباب السادس عشر] في الدعوى في النكاح
[الباب السادس عشر] في الدعوى في النكاح [فصل 1 - في دعوى النكاح إن أنكرها المدعى عليه منهما] قال ابن القاسم: وإذا ادعت امرأة نكاح رجل، أو ادعاه هو عليها، فلا يمين على المنكر، إذ لا يقضي عليه بنكوله. ومن غير المدونة قال غيره: وفارق البيوع ها هنا، لأنه لا يستباح فرج في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بصدقٍ وبينةٍ وولي، فلا ينعقد النكاح بأيمان، ولو أقام الزوج شاهداً فاستخلفت المرأة فنكلت لم يلزمها النكاح، ولا تسجن كما يسجن الزوج في الطلاق. [فصل 2 - في المرأة يتنازعها رجلان] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا ادعى رجلان امرأة، كل واحدٍ يدعى أنها زوجته، وأقاما البينة، ولم يعلم الأول منهما، والمرأة مقرة بأحدهما أو بهما، أو منكرة لهما، فإن عدلت البينتان فسخت نكاحيهما وكانت مطلقةً، ونكحت من أحبت منهما أو من غيرهما، وإن كانت إحدى البينتين عادلة والأخرى غير عادلةٍ قضيت بالعادلة. قيل: فإن كانت واحدةٍ أعدل من الأخرى وكلهم عدول؟ قال: يفسخان جميعاً، بخلاف البيوع، لأن السلع لو ادعى رجل أنه ابتاع
هذه السلعة من فلانٍ، وأقام بينة، وادعى آخر أنه ابتاعها من فلانٍ وأقام بينةً، قال مالك: يقضى بأعدل البينتين. قال الشيخ: لعله يريد أن شهادتهما كانت في مجلسٍ واحدٍ، ولفظٍ واحدٍ، فتقول بينة كل واحدٍ: أنه باعها ممن شهدوا له، فهذه قد تهاترت، ويقضي فيها بأعدل البينتين. فأما لو شهدت بينة كل واحدٍ أنه ابتاعها من فلانٍ ولم تؤرخ، ولا عُلِم من هو الأول، فهذه لم تتهاترا، إذ يمكن أن يبيعها من أحدهما، ثم يبيعها من الآخر ويخير كل واحدٍ منهما في أن يأخذ نصف السلعة، ويرجع على البائع بنصف الثمن إن كان نقده، أو يرد ويأخذ ثمنه، وإن شاءا رداها وأخذ ثمنيهما، فإن رداها فللبائع أن يلزمها أيهما شاء. وإنما قسمتها بينهما، لأن شراء واحدٍ منهما صحيح، لم يعلم قسمت بينهما إذا شاءا، وكذلك العلة في النكاح أن نكاح واحدٍ منهما صحيح فلما لم يعلم واستحال أمر القسمة فسخ، وهذا بين. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن صدق البائع إحدى البنتين وكذب الأخرى لم ينظر إلى قوله. قال ابن المواز: فإذا كانت الزوجة مقرة لأحدهما جعلتها له زوجة ولم أفسخ نكاحها منه، لأني لو فسخت نكاحها ثم رجعت إلى الذي أقرت له أنه الأول بغير ائتناف نكاحٍ لم أمنعهما، إذ لم يبق لهما خصم ينفي قولهما، وإن لم توقت بينة الآخر وقتً فهي زوجة من أقرت أنه الأول حتى يأتي ما يبطل ذلك، وإن
كانت منكرة لهما كان لها أن تتزوج أيهما شاءت، فمن تزوجته منهما لم يلزمه الطلاق، لأنه إن يكن الآخر منهما فلم تكن امرأته فيلزمه الطلاق، ولو كان هو/ الأول فقد رجعت إليه على حالها ولم يضره دعوى الآخر، إلا أني أحب أن يتزوجها بصداقٍ وولي احتياطاً لما عمي من أمره، ولا يضره ذلك، وأما الآخر فإنه متى تزوجها بعد هذا الذي تزوجته فإن تلزمه طلقة، وكذلك إن تزوجت غيرهما ودخلت لزم من تزوجته منهما طلقة. قال الشيخ: وذكر عن بعض شيوخنا: أن قول ابن المواز هذا خلاف لقول ابن القاسم، قال: ولسحنون أنه يقضي بأعدل البينتين كالبيع، ومثله لأبي إسحاق البرقي. وإنما يصح هذا عندي في التهاتر أن يشهدا في مجلسٍ واحدٍ، ولفظٍ واحدٍ، فإنه يقضي بأعدل البينتين، لأن كل بينةٍ قد كذبت صاحبتها، فأما إن شهدا في مجلسين فلم يؤرخا ولا علم الأول فالصواب قول ابن القاسم كما بينا في صدر المسألة، وفرقنا فيه بين النكاح والبيع، فتأمله تقف على صوابه إن شاء الله تعالى.
[الباب السابع عشر] في ملك أحد الزوجين صاحبه
[الباب السابع عشر] في ملك أحد الزوجين صاحبه [فصل 1 - في أسباب منع الرجل من نكاح أمته والمرأة من نكاح عبدها] وأجمعوا أنه لا يجوز نكاح الرجل أمته ولا المرأة عبدها، لأن الرجل يستبيح منافع البضع في أمته بملكه ويتصرف بها بالبيع والهبة وغير ذلك، والتزويج إنما هو عقد معاوضة على استباحة منافعٍ ليست مملوكة، فلو أبحنا له تزويج أمته لحرمنا عليه التصرف فيها بالبيع وغيره، ولم يجز تزويج المرأة لعبدها، لأن منافع البضع يملكها الزوج على المرأة، وذلك يستحيل في العبد أن يملك شيئًا من سيدته، لأنها تملك رقبته وذلك يوجب تعارض الحقوق، لأنه يملكه بضعها تلزمها طاعته، وتلزمه طاعتها بالرق، ويلزم كل واحدٍ نفقة صاحبه، وفي ذلك تعارض الحقوق وبطلانها، وقد بينا ذلك في الكتاب الأول أيضاً، فإذا ثبت هذا وجب إذا ملك أحد الزوجين صاحبه أن يفسخ نكاحه. [فصل 2 - في الحكم إن ملك أحد الزوجين صاحبه] قال مالك: وإذا ملك أحد الزوجين صاحبه أو شيئًا منه قل أو كثر فسخ النكاح فسخاً بغير طلاقٍ، ملكه بشراء أو ميراث أو صدقةٍ أو وصيةٍ. وقاله علي وابن مسعودٍ رضي الله عنهما.
قال أبو الزناد: وهي السنة. قال ابن القاسم: وإذا اشترت امرأة زوجها فسد النكاح واتبعته بمهرها ديناً إن كان دخل بها، وإذا لم يؤذن للأمة في التجارة لم يكن لها أن تشتري زوجها إلا بإذن سيدها، فإن اشترته بغير إذنه فلم يجز سيدها شراءها بقيا على نكاحهما. فصل [3 - في تطليق السيد على عبده، وتزويجه العبد أمته ثم هبتها له والإيلاء والظهار ممن يملك من امرأته شقصا] ولا يطلق السيد على عبده بغير إذنه. قال ابن نافع عن مالك: ومن زوج أمته من عبده ثم وهبها له يغتزي فسخ النكاح وأن يحلها لنفسه أو لغيره لم يجز، ولا تحرم بذلك على الزوج، ولا تنزع منه. قال ابن القاسم: ومن ملك من امرأته شقصاً ثم آلى منها أو ظاهر لم يلزمه الظهار، إذ ليست بأمةٍ تامةٍ ولا زوجة، ويلزمه الإيلاء إن نكحها يوماً ما. ومن ضمن صداق عبده ثم دفع السيد العبد إلى الزوجة في صداقها فرضيت فسد النكاح، فإن لم يكن بها رجع العبد إلى سيده. ابن حبيب: وإن كان قد بنى بها انفسخ النكاح وملكته، وقاله ابن القاسم وفي كتاب النكاح الاول شيء من هذا.
[الباب الثامن عشر] القضاء في الصداق والعجز عنه
[الباب الثامن عشر] القضاء في الصداق والعجز عنه [فصل 1 - فيما يقضي به عند العجز عن الصداق أو كان الفراق من قبل المرأة] قال الله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}، وقال: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً}. وقال/ مالك وابن القاسم: وللزوجة منع نفسها حتى تقبض صداقها إن كانا بالغين، فإذا أعسر الزوج بنقدها قبل البناء تلوم له الإمام، وضرب له أجلًا بعد أجل، ويختلف في التلوم فيمن يرجى له وفيمن لا يرجى له، فإذا استأصل التلوم له ولم يقدر على نقدها فرق بينهما وإن أجرى النفقة. ولو أعسر به البناء لم يفرق بينهما إذا أجرى النفقة وابتعه به دينًا. قال ابن حبيب: إذا لم يجد الصداق ولم يبن بها كلف النفقة وقصر له في أجل الصداق، فإن لم يجد أيضًا النفقة أُجِّل أجلًا دون أجل ذلك في الصداق، مثل الأشهر إلى السنة، وإن وجد النفقة أجل السنة أو السنتين. قال الشيخ: وإذا فرق بين زوجين قبل البناء لعدم الصداق أو النفقة فللمرأة نصف الصداق، قاله ابن القاسم وابن وهب.
وقال سحنون عن ابن نافع: إذا طلق عليه قبل البناء لعدم الصداق فلا صداق لها، لأن الفراق من قبلها، وكذلك من جن قبل البناء ففرق بينهما فلا صداق لزوجته. قال الشيخ: قال بعض الفقهاء: ولا خلاف في المجنون، لأن عذره قائم، وأما المعدم بالنفقة أو بالصداق يمكن أن يخفي ماله ويظهر العدم، أو يقدر على ذلك بوجهٍ ما، فيصير الطلاق كأنه هو اختاره، فوجب عليه نصف الصداق عند من رأى ذلك. وإذا أسلمت ذمية تحت ذمي أو عتقت أمة تحت عبدٍ فاختارت نفسها، وذلك قبل البناء فلا صداق لها. قال إسماعيل القاضي: لأن الطلاق من قبلها لا من قبل الزواج، وقد قال الله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}، فالزوج ها هنا لم يكن مطلقًا، وذلك بخلاف المملكة والمخيرة قبل البناء، فهذه لها نصف الصداق، قاله مالك، لأن الطلاق ها هنا من قِبَل الزوج، إذ جعله لها. وذكر عن أبي عمران فيمن باع أمته من ظالمٍ قبل أن يدخل بها زوجها، فمنع الزوج من الدخول بها ولم يقدر عليه قال: لا صداق على الزوج، وإن قبضه منه السيد لزمه أن يرده عليه، وبالله التوفيق.
[فصل 2 - في الصداق إن كان موخراً] ومن المدونة: قال مالك: ولها أخذه بالمهر بعد تمام العقد إن نكحها مثل نكاح الناس على النقد، فأما ما كان مهرٍ إلى موتٍ أو فراقٍ، فإن هذا يفسخ قبل البناء ويثبت بعده. قال مالك مرة: يكون لها قيمة المهر المؤخر نقدًا- يريد مع المعجل- وقال مرة: يكون لها صداق المثل نقداً لا تأخير فيه. قال ابن القاسم: وهو أحب قوله إلي، أن تعطي مهر مثلها ويحسب فيه ما أخذت من العاجل ويسقط الآجل. فصل [3 - في الدخول بالمرأة قبل أن يقدم الزوج شيئاً من الصداق] ابن حبيب: وإذا رضيت المرأة بالبناء قبل أن يقدم شيئاً فليس بحرام، وهو معنى قول الله تعالى: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ}، وقيل: هو ما أعطته أو وضعت عنه من صداقها، وأجاز ابن المسيب وغيره أن يدخل قبل أن يقدم شيئاً، وكرهه آخرون، وكرهه مالك حتى يقدم ولو ربع دينار.
وكره ابن القاسم أن يدخل بالهدية التي أهداها حتى يقدم ربع دينار، وأجازه مالك وابن المسيب وابن شهاب.
[الباب التاسع عشر] في نفقة الزوجات والعجز عنها، والدعوى في ذلك ومن أنفق على أجنبي
[الباب التاسع عشر] في نفقة الزوجات والعجز عنها، والدعوى في ذلك ومن أنفق على أجنبي [فصل 1 - في وجوب النفقة، وبيان ما يوجبها] قال الله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ}. قال عبد الوهاب: وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: "تقول لك امرأتك: أنفق علي أو طلقني"، ولأن الزوجية عقد منافع، والنفقة في مقابلة تلك المنافع، فهي واجبة بالعقد/ والتمكين من الاستمتاع. ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج امرأة لم تلزمه نفقتها حتى يدعى إلى البناء فحينئذ يلزمه الإنفاق، فإذا منع من الدخول فلا نفقة عليه. فإن كانت صغيرة لا يجامع مثلها لصغرها، فقيل له: ادخل عليها أو أنفق، فلا تلزمه نفقتها ولا صداقها. - قال الشيخ: لأن الاستمتاع غير متأتٍ منها. قال مالك: حتى تبلغ حدَّ الجماع وإن لم تحض. - قال الشيخ: لأن الاستمتاع حينئذٍ متأتٍ كالبالغ. قال مالك: والصبي إذا زوجه أبوه امرأةً فدعته إلى البناء فلا يلزمه نفقتها ولا صداقها حتى يبلغ حد الجماع، وهو الاحتلام.
- قال الشيخ: لأن الصغير لا يتأتى منه الاستمتاع الذي تعاوض عليه لصغره فلا يلزمه شيء حتى يحتلم وإن كان مثله يطأ، والزوجة قد يكون مثلها توطأ وإن لم تحتلم. قال ابن القاسم: ولو دعا الزوج إلى البناء، وزوجته صغيرة لا يجامع مثلها فقال له أبوها أو أولياؤها: لا نمكنك منها، لأنك لا تقوى على جماعها، فلهم أن يمنعوه حتى تبلغ حد الجماع. وقد قال مالك فيمن تزوج امرأة وشرطوا عليه ألا يدخل بها إلى سنة، قال: فإن كان لصغر، أو كان الزوج غريباً يريد أن يظعن بها وهم يريدون أن يستمتعوا منها، فذلك لهم، والشرط لازم، وإلا بطل الشرط. وذكر أصبغ هذه الرواية في العتبية، قال أصبغ: وما هو بالقوي إذا احتلمت الوطء. قال فيها أشهب: ومن دفع الصداق وطلب البناء فمنعوه أهلها حتى يهيئوها، قال: الوسط من ذلك، ليس له أن يقول: أدخلوها الساعة، ولا لهم حبسها عنه، ولكن وسط بقدر ما يجهزونها ويهيئون أمرها. قال في كتاب محمد: ولو شرطوا عليه ألا يدخل إلى خمس سنين، قال: بئس ما صنعوا، والنكاح جائز والشرط باطل، ويدخل متى شاء، وقاله ابن وهب عن مالك.
[فصل 2 - فيمن دعي إلى البناء وعجز عن الجماع هل تلزمه النفقة؟] ومن المدونة: وإذا دعي الزوج إلى البناء وزوجته رتقاء لا يقدر على جماعها خير الزوج بين أن يقيم معها أو يفارقها، فإن فارقها فلا صداق لها إلا أن تعالج نفسها بأمرٍ يصل به إلى جماعها، ثم تدعوه إلى البناء فلها الصداق والنفقة، ولا تجبر هي على العلاج، ومن دعته زوجته إلى البناء والنفقة، وأحدهما مريضٌ مرضًا لا يقدر معه على الجماع، لزمه أن يدخل أو ينفق، ولا يشبه هذا الصبي أو الصبية، وإذا كانا صحيحين في العقد لم ينظر إلى ما حدث بهما من مرض، إلا أن يكون مرضًا بلغ من المرأة حد السياق، فلا يلزم الزوج حينئذ أن يدخل عليها إن دعته، لأن دخول هذا وغير دخوله سواء، والصداق أوجب من النفقة في هذه المسائل، ولها أخذه به حين تزويجها، دخل بها أو لم يدخل. ولو جذمت الزوجة بعد النكاح جذاماً لا يستطاع الجماع معه، فدعته إلى البناء، قيل له: ادفع الصداق وأنفق وادخل أو طلق. قال الشيخ: لأن المنع لم يكن من قبلها، وقد كانت يوم العقد ممن يمكن الاستمتاع بها، وتلزمه النفقة عليها، فلا يسقطها ما حدث من أمر الله بها. [فصل 3 - في نفقة المرأة الناشز] ولا نفقة لناشز، لما بينا أنها في مقابلة التمكين والاستمتاع، فإذا منعته نفسها ولم تمكنه لم يجب لها نفقة.
ابن المنذر: وقاله الشعبي وحماد ومالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، ولا أعلم أحدًا خالف هذا إلا ابن عبد الحكم فإنه قال في امرأةٍ خرجت من بيت زوجها عاصية: لها النفقة، والأول أصح. وفي/ كتاب ابن المواز: وإذا غلبت امرأة زوجها فخرجت من منزله وأبت أن ترجع وأبي أن ينفق عليها حتى ترجع، فأنفقت من عندها، قال مالك لها اتباعه بذلك.
ولسحنون في التي تهرب من زوجها من القيروان إلى تونس، أو تنشز عنه الأيام فتطلبه بالنفقة قال: إن نشزت، لأنها تدعى أنه طلقها، فلا نفقة لها، وإن قالت: إنما فعلت ذلك بغضة [له] فلها النفقة كالعبد الآبق نفقته على سيده. وفي كتاب أبي بكر الوقار: فإذا احتجبت المرأة عن زوجها وطلبت منه النفقة فلا نفقة لها ما حجبت نفسها عنه، فإذا كانت معه في منزل ومنعته من نفسها فعليه النفقة، وعليه الاحتيال في الوصول إليها، وإذا مرضت فعليه النفقة، وليس عليه أن يجاوز ما يلزمه لها في صحتها، ليس عليه دواء، ولا أجر طبيبٍ، ولا علاج إلا أن يتطوع بذلك. قال عبد الوهاب: لا يخلو حال المرأة من ثلاثة أوجه: أن يعدم منها الوطء من قبل الله تعالى من مرضٍ ونحوه، أو من قبل الزوج من سفرٍ، أو تركٍ، فلا تسقط النفقة في هذين الوجهين، أما ما يكون من قبلها من نشوزها ومنع الزوج من وطئها، فلا تلزمه لها نفقة. [فصل 4 - فيما يلزم العبد والمكاتب والمكاتبة من النفقة] ومن المدونة: قال مالك: وبياع على الرجل فيما يلزمه من نفقة امرأته عروضه وربعه إن لم يكن له عين.
قال مالك: ويلزم العبد نفقة امرأته حرة كانت أو أمةً وإن كانت الأمة تبيت عند أهلها. قال: ونفقة زوجة العبد في ماله إن كان له مال، ولا نفقة لها من كسبه وغلته، وذلك لسيده، فإن لم يجد غيره فرق بينهما إلا أن يتطوع السيد بالنفقة، ولا يباع العبد في نفقة زوجته. قال مالك: ولا يلزم العبد نفقة أولاده الأحرار ولا العبيد. قال عنه ابن وهب: وليس على العبد أن ينفق من ماله على من لا يملك سيده، وذلك الأمر عندنا. ابن القاسم: ولا تجبر أم الولد على نفقة ولدها كالحرة، وإذا كان زوج المكاتبة عبدًا فحدث لها في كتابتها ولد فنفقتهم عليها، لأنهم كأنهم عبيدها، ونفقتها هي على زوجها. وكذلك إن كان زوجها في كتابةٍ أخرى على حِدَة، فحدث بينهما ولد، كانت نفقتهم عليها، ونفقتها هي على الزوج، فإن لم ينفق عليها فرق بينهما، فإن كانت كتابة الأم والأولاد واحدةً فنفقتها ونفقة الولد على الأب، حدثوا في الكتابة أو كاتب عليهم، وليس عجز المكاتب عن نفقة ولده الصغار كعجزه عن الكتابة والجناية. فصل [5 - في مقدار نفقة الزوجة] قلت لابن القاسم: وإذا خاصمت المرأة زوجها في النفقة كم يفرض لها، أنفقة سنةٍ، أو نفقة شهرٍ بشهر؟
قال: إنما ذلك على الاجتهاد الإمام في عسر الرجل ويسره، وليس الناس في ذلك سواءً، وينظر الإمام في ذلك أيضًا، فيفرض لها قدر حالها وحاله في عسره ويسره. قال الشيخ: قال سحنون: يجري عليها بقدر ما يرى السلطان من جدته، فمن الناس من يجري عليه يومًا بيومٍ، ومنهم جمعةً بجمعةٍ، ومنهم شهرًا بشهر. قال ابن المواز: وإذا لم يجد إلا قوت شهرٍ لم يفرق بينهما، ويتلوم له إذا فرغ. قال ابن حبيب: وإن لم يجد إلا الخبز وحده وما يواري به عورتها ولو بثوبٍ واحد- قال مالك: من غليظ الكتان- لم يفرق بينهما، كانت غنيةً أو فقيرةً، فإن عجز عن هذين أو أحدهما فرق بينهما بطلقة. [فصل 6 - فيما إذا عجز الزوج عن النفقة أو أيسر في حال العجز] ومن المدونة:/ قال ابن القاسم: فإن لم يقدر أن ينفق عليها فرق السلطان بينهما بعد التلوم، ويختلف في التلوم فيمن يرجى له ومن لا يرجى له. قال مالك: فإن أيسر الزوج في العدة ارتجع إن شاء، وإن لم ييسر فلا رجعة له، ورجعته باطلة. ابن المواز: عن ابن القاسم: وإذا وجد نفقة شهرٍ كان أملك بها في العدة، وإن لم يجد إلا مثل نفقة العشرة الأيام، أو خمسة عشر يوماً فلا رجعة له، لأن ذلك
لا قدر له، وهو يصير إلى ضرر، وقاله أصبغ وابن حبيب، وهذا إذا كان الفرض عليه شهراً شهرًا، فأما من كان الفرض عليه بالأيام لقلة ماله فإذا وجد الذي لو جاء به لم تطلق عليه فله الرجعة. [فصل 7 - في اشتراط الزوجة حميلاً بالنفقة] ومن المدونة: قال مالك: وإذا كان الزوج حاضرًا ففرض لها السلطان نفقة شهرٍ بشهرٍ فأرادت منه حميلًا فلا يلزمه أن يعطيها بذلك حميلًا، ومن طلق وأراد سفرًا فقالت له امرأته: أخاف حملاً فأقم لي بالنفقة حميلًا لم يلزمه حميل إلا في حملٍ ظاهر، فإن ظهر بها حملٌ بعد أن سافر اتبعته بما أنفقت إن كان في حال حملها موسراً. ابن المواز: قال مالك: لا يمنع من السفر، ولا عليه وضع النفقة إن ادعت الحمل. وقال أصبغ: إن تبين طول سفره، وهي ممن يخاف عليها الحمل، فليعطها حميلاً بالنفقة، أو يوقف لها مالًا، وإن لم يكن بها ما وصفت لك فلا شيء عليه، ولا يمنع من السفر. قال مالك: فإذا أنفق عليها بغير قضيةٍ وقد ادعت الحمل ثم بطل الحمل لم يرجع عليها إذا أنفق عليها بدعواها، أو بقول القوابل، وإن أنفق بقضيةٍ رجع عليها.
ابن المواز: لأنه انكشف أن ما قضي به غير حق. وقال عبد الملك: إن أنفق بغير قضاءٍ فله أن يرجع، ورواه عن مالك، وإن أنفق بحكم لم يرجع عليها بشيء. ابن المواز: وأحب إلى أن يرجع في الوجهين إن تبين ذلك بإقرارٍ منهما أو بغير إقرار. ومن المدونة: وإن أراد الزوج سفراً فطلبته امرأته بالنفقة، فرض لها بقدر ما يرى من إبعاده ومقامه فيدفعه إليها أو يقيم لها به كفيلاً يجريه لها. فصل [8 - في دعوى المرأة عدم الإنفاق عليها] ومن أقام مع امرأته سنين بعد البناء بها وهو مليء، فادعت أنه لم ينفق عليها فلها أخذه بها إن صدقها، وإن أنكر فالقول قوله ويحلف. قال ابن القاسم: وإذا قدم الغائب فقال: كنت أبعث إلى زوجتي بالنفقة وأجريها عليها، وكذبته فالقول قوله مع يمينه، إلا أن تكون المرأة رفعت ذلك إلى السلطان، واستعدت في غيبته، فمن يومئذٍ تلزمه النفقة إن كان مليًا، ولا يقبل دعواه الإرسال بعد قيامها إلا أن يأتي بالمخرج. قال مالك في كتاب محمد: وليس عليه أن يحلف أنه بعث بذلك إليها، إنما يحلف أنها قبضت ذلك ووصل إليها ويبرأ. قيل: وكيف يعلم وهو غائب عنها؟ قال: يكون قد دفعه إليها قبل خروجه، أو جاء بذلك كتابها إليه، أو قدم من عندها من يخبره.
قال الشيخ: وذكر لنا عن أبي بكر بن عبد الرحمن: إذا طلق على الغائب لعدم النفقة، ثم أتى فأثبت أنه ترك لها النفقة، فإنها ترد إليه، كان قد دخل بها أم لا، وهي لمحمد. قيل: فإن تزوجت ودخل بها الثاني؟ قال: ترد إليه أبداً. وقد قال ابن المواز فيمن له زوجة تدعى عائشة، فقال: عائشة طالق، وقال: أردت زوجة لي غائبةً تسمى عائشة، فطلقت الحاضرة، إذ لم يعلم صدقه، ثم ظهر أنه صادق فيما/ زعمه أن المطلقة ترد إليه وإن تزوجت ودخل بها الثاني فكذلك مسألتك. قال الشيخ: وذكر عن الشيخ أبي الحسن أنه قال فيمن غاب عن زوجته ولا مال له ينفق عليها منه: فقد قال بعض أصحابنا: أنها تطلق، ولا أرى ذلك، وليس هو كالحاضر، لأن الحاضر قد استأصل الحكم حجته، والغائب عسى أن تكون له حجة. وقال أبو محمد: لا فرق عندي بين الحاضر والغائب، وأرى أن يفرق بينهما إذا لم يكن له مال ينفق عليها منه، وبالناس اليوم ضرورة إلى ذلك. وذكر لنا عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه قال فيمن فقد عن زوجته قبل البناء، وهي بكر في حجر أبيها، فطلب الأب الصداق والنفقة والكسوة وجميع لوازمها في مال الزوج، فقال: له أن يأخذ جميع ذلك إذا كان يسع، هذا قول ابن القاسم، ورواه أصحابه المصريون والأندلسيون، عيسى وأصبغ.
وقال أصبغ: وإنما كان له الصداق كاملاً، لأنه لو كان معها وامتنع من الدخول لزمه أن يدفع إليها جميعه، فإذا امتنع منها ببعد الغيبة لزم ذلك في ماله، وهذا لا اختلاف فيه وإنما الخلاف في امرأة المفقود إذا رفعت أمرها إلى السلطان وأرادت الخروج من عصمته، فضرب له أجل أربع سنين من بعد الكشف عنه فلم يعرف له خبر، فاعتدت منه عدة الوفاة ولزمها الإحداد، فصار حكمها معه كحكم الميت، فأوجبوا لها الصداق، فإن قدم وقد تزوجت ودخل بها الثاني فقال مالك وابن القاسم وغيرهما: لا ترد من الصداق شيئاً. وقيال: بل ترد نصف الصداق، لأنه قد ثبت أن طلاق حقيقة. قال ابن دينار: يدفع إليها نصف الصداق ويوقف نصفه، فإن حكم بموته رد إليها، ففي هذا الوجه اختلف، وليس يدخل في هذا ما ذكر عن سحنون أنها إذا طلبت الزوجة مهرها عند دخوله بها، فرأى أن تصبر عليه، لأن ذلك عرف الناس، لأن في مسألتنا قد أطال الغيبة وانقطع خبره. فإذا لم يقدر على إيقافه لبعد غيبته، أو لجهالة موضعه صار حكمه حكم من لزمه الدخول فامتنع فلزمته النفقة والصداق، وهذا القول في العتبية والموازية، ولم يذكر محمد في هذه المسألة اختلافاً، ولا العتبي. وفي السليمانية قال: لا نفقة لها في ماله، لأنه لم يدخل بها ولم يدع إليه لغيبته، ولا يجب لها عليه صداق إلا من بعد ضرب السلطان له الأجل أربع سنين، ثم تعتد أربعة أشهرٍ وعشراً، فعند ذلك يجب لها نصف الصداق، وتتزوج إن أرادت النكاح، وأما قبل ذلك فلا. ومن المدونة: قال مالك: وإذا أنفقت المرأة على نفسها وزوجها حاضر، وقد ظهر بها حمل، فلم تطلبه بذلك حتى وضعت حملها، كان لها أن تتبعه بما
أنفقت في الحمل، وما أنفقت على نفسها في غيبته أو حضرته وهو معدم فلا شيء لها عليه، وإنما لها إن لم يقدر الزوج على النفقة أن ترضى بالمقام معه، أو يفارقها، فإذا أنفقت الزوجة على نفسها وعلى صغار ولدها وأبكار بناتها من مالها والزوج غائب، فلها اتباعه بذلك إن كان في وقت نفقتها موسراً، وتضرب بما أنفقت على نفسها مع الغرماء/ ولا تضرب معهم بما أنفقت على الولد قال الشيخ: وإنما فرق بين ما أنفقت على نفسها وبين ما أنفقت على ولدها لأن نفقتها عنده أوجب من نفقة الولد، لأن نفقة الزوجة تسقط الزكاة، كانت بقضية أو بغير قضية، فهي كالدين عليه لأجنبي، ونفقة الولد لا تسقط الزكاة لأنها لا تجب لهم حتى يبتغوها. قال الشيخ: ويجب على قول أشهب الذي يرى أن نفقة الولد كالزوجة وتسقط بها الزكاة، أن تضرب مع الغرماء بما أنفقت على نفسها وعلى ولدها. قال ابن حبيب: وتضرب بما أنفقت على نفسها في الفلس والموت، قاله مالك وابن القاسم. وقال مالك أيضًا: تضرب في الفلس لا في الموت. قال مالك: وإنما تضرب بما أنفقت في غيبته من يوم ترفع ذلك إلى السلطان إلى يوم مات أو فلس، وما كان قبل ذلك فلا، لأنها من يوم يحكم لها بالنفقة لا يقبل قول الزوج بعد ذلك أنه كان يبعث إليها بالنفقة، لكنها تحلف أن ما ذكر باطل، وتبرأ من دعواه. وكذلك قال مالك في كتاب ابن المواز: أنها إنما تحاص بما أنفقت بعد أن رفعت إلى السلطان، لا ما أنفقت قبل ذلك.
ومن العتبية: قال سحنون في زوجة الغائب تنفق من مالها على نفسها: أنها تحاص غرماءه بما أنفقت على نفسها في الدين المستحدث، فأما في دينٍ قبل نفقتها فلا تحاص به. ابن حبيب: فإذا رفعت امرأة الغائب أمرها إلى الإمام في النفقة، وله مال حاضر، حلفها أنه ما ترك لها نفقة، ولا بعث إليها نفقة، ولا وضعتها عنه ثم فرض لها. قال: والغائب أبداً من أهل النفقة حتى تثبت بينة أنه عديم من يوم خرج، أو أعدم في وقتٍ يذكره فتزول عنه في عدمه، وإذا خرج معدمًا فالقول قوله أنه كذلك- يعني وعليها هي البينة بملائه- وإن خرج ملياً فعليه البينة أنه أعدم، فإن أشكل أمره يوم خرج فعليه البينة أنه معدم في غيبته، قاله ابن الماجشون في ذلك كله. وقال ابن المواز عن ابن القاسم: إن قدم معسراً وقال: ما زلت كذلك منذ غبت، وأكذبته، فهو مصدق مع يمينه حتى تقوم بينة بخلافه. ولو قدم موسراً وادعى مثل ذلك لم يصدق إلا ببينة. وقال في العتبية عن ابن كنانة وسحنون: إذا قدم وقال: كنت معدماً في غيبتي، فالقول قوله، وعلى المرأة البينة.
ومن المدونة: قال: فإن أنفقت عليه في ذاته وهو حاضر مليء أو معدم فلها إتباعه بذلك إلا أن يرى أن ذلك بمعنى الصلة، وكذلك من أنفق على أجنبي مدةً فله إتباعه بما أنفق، إلا أن يرى أنه أراد بذلك معنى الصلة والضيافة فلا شيء له، ومن قضي له بذلك لم يأخذ بما أنفق من السرف كالدجاج والخراف ونحوه، ولكن بنفقةٍ ليست بسرف. فصل [9 - في الرجوع على الصبي بما أنفق عليه] ومن أنفق على صبي صغيرٍ لم يرجع عليه بشيء إلا أن يكون للصبي مالٌ حين أنفق عليه- يريد والمنفق به عالم- فيرجع بما أنفق عليه في ماله ذلك، فإن تلف ذلك المال وكبر الصبي فأفاد مالًا لم يرجع عليه بشيء. قال مالك: وإذا أنفق الوصي التركة على الطفل ثم يطرأ دين على أبيه يغترقها ولم يعلم به الوصي فلا شيء عليه ولا على الصبي وإن أيسر الصبي. وقال المخزومي: يتبع الصبي بما أنفق عليه، لأن صاحب الدين لم ينفقه على اليتيم فيرى أن ذلك من حسبه. فصل [10 - في قدرة الرجل على نفقة امرأته دون ولده] وإذا قوي الرجل على نفقة امرأته دون صغار ولده منها لم تطلق عليه، إذ لا تلزمه النفقة على ولده إلا في يسره، ويكون الولد من فقراء المسلمين.
فصل [11 - في محاصة الرجل بالدين على امرأته] ومن له على امرأته دين وهي معسرة فلا يحاصمها به في نفقتها، وعليه أن ينفق عليها، ويتبعها بدينه، وإن كانت مليئةً فله محاصتها بدينه في نفقتها. فصل [12 - في اختلاف الزوجين في قدر النفقة المفروضة] وإذا فرض القاضي للزوجة ثم مات، أو عزل، فادعت امرأة قدراً، وادعى الزوج دونه، فالقول قوله إذا أشبه نفقة مثلها، وإلا فقولها فيما يشبه، فإن لم يأتيا بما يشبه ابتدأ لها الفرض. فصل [13 - في اختلافهما في ثوب أنه هدية أو نفقة مفروضة] ومن دفع إلى زوجته ثوباً فادعت أنها أخذته هدية، وقال الزوج: بل في فرضك، فالقول قوله إلا أن يكون الثوب لا يفرض مثله لمثلها فالقول قولها. فصل [14 - في تلف النفقة بعد القبض، وموت أحد الزوجين بعده، وفرض النفقة على الغائب] وإذا قبضت نفقة شهرٍ فتلفت قبل الشهر أو أنفدتها، أو تخرقت الكسوة، أو سرقت قبل مدتها، فلا شيء لها على الزوج، وكذلك إن دفع إليها نفقة سنةٍ
عنها أو عن ولدها فقد ضمنتها بالقبض، وإن هلك الزوج أو هلكت الزوجة قبل المدة رجع الزوج بما بقى في المحاسبة. ومن كتاب القذف: قال مالك: فإذا دفع إليها نفقة سنةٍ أو كسوتها بفريضة قاضٍ أو بغير فريضة، ثم مات أحدهما بعد يوم أو يومين أو شهرٍ أو أشهرٍ فلترد بقية النفقة بقدر من السنة، واستحسن في الكسوة ألا ترد إذا مات أحدهما بعد أشهر. قال ابن القاسم: وأما بعد عشرة أيامٍ ونحوها فهذا قريب. ووجه ما قال مالك إذا مضت الأشهر. قال سحنون: ولا يعتدل هذا، يعطيها الكسوة تلبسها ثلاثة أشهرٍ لا تتبع بشيء. ومن النكاح قال: ولا يفرض على الغائب النفقة لزوجته إلا أن يكون له مال يعدا فيه، وتباع فيها عروضه وربعه إن لم يكن له عين، ولا يؤخذ منها بما تأخذ كفيل، ويبقى الزوج على حجته إذا قدم، وهكذا يصنع فيه إذا أقيم عليه بدين وهو غائب، وإن كان للزوج ودائع وديون فرض للزوجة نفقتها في ذلك، ولها أن تقيم البينة على من جحد ذلك من غرمائه أن لزوجها عليهم ديناً، ويقضي عليهم بنفقتها، وكذلك لمن قام عليه بدين، وإذا لم يكن للزوج مال يعدل فيه فأنفقت من عندها حتى قدم، فإن كان في غيبته مليئًا رجعت عليه وإلا فلا. قال ابن حبيب: وإن خرج معدمًا فالقول قوله أنه كذلك بقي في غيبته، وعليها البينة بملائه، وإن خرج مليئاً أو أشكل أمره يوم خرج فعليه البينة أنه
كان معدمًا في غيبته، وقال ابن الماجشون في ذلك كله. فصل [15 - في نفقة المجوسية إن أسلم زوجها] ومن المدونة: قال مالك: وإذا أسلم المجوسي فلا نفقة لزوجته المجوسية، إذ لا تؤخراً إما أن تسلم وإلا فرق بينهما. فصل [16 - في التفريق بين الزوجين للعجز عن النفقة وما يضرب للزوج من الأجل] قال مالك: كان من أدركت يقولون: إنه إذا لم ينفق الرجل على امرأته فرق بينهما. قال ابن القاسم: وإذا لم يقدر الزوج على نفقة امرأته وهما حران أو عبدان أو أحدهما لم ترض الزوجة بالمقام معه تلوم له الإمام، فإن قدر على نفقتها وإلا فرق بينهما. قال مالك: والناس في هذا مختلفون، منهم من يطمع له بقوةٍ ومنهم من لا يطمع له. ابن وهب: وأمر عمر بن عبد العزيز أن يضرب للزوج في التلوم في النفقة أجل شهرٍ أو شهرين، وقاله سعيد بن المسبب، قالا: فإن لم ينفق عليها إلى ذلك الأجل فرق بينهما.
قيل لابن المسيب: يا أبا محمد: أسنة هذه؟ فأقبل بوجهه كالمغصب، وقال: سُنَّة، سُنَّة، نَعَمُ سُنَّة. قال عبد الوهاب: وقيل: بتلوم له الإمام الأيام اليسيرة كالثلاثة/ ونحوها، فإن أنفق وإلا طلقت عليه قال: وإنما قلنا: إنه يفرق بالإعسار خلافاً لأبي حنيفة لقوله تعالى: {وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ}، وفي إمساكه إياها بغير إنفاقٍ ضرر بها وتضييق عليها. وقوله تعالى: {فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}، وقوله عليه الصلاة والسلام: "تقول لك امرأتك: أنفق علي أو طلقني"، ولأن النفقة في مقابلة الاستمتاع، فلما كانت إذا أنشزت لا نفقة لها لمنعها الاستمتاع كان لها إذا لم تجد النفقة مفارقته، ولأنه لما كان لها مفارقته في الإيلاء والعنة وضررهما أيسر من ضرر النفقة كان في عدم النفقة أولى. [فصل 17 - في إنفاق الزوج الفقير، وإنفاق السيد على أم ولده ومدبره] ومن المدونة: قال يحيى بن سعيد، وإذا افتقر الزوج ووجد ما يقيمها به من الخبز والزيت وغليظ الثياب لم يفرق بينهما.
قال ربيعة: وأما الشعلة والعباءة فعسى أن لا يؤمر بكسوتها. - قال الشيخ: يريد ولا يجزئه، وليس عليه خادم إلا في يسره ويتعاونان على الخدمة في عسره. قال ابن القاسم: وليس على المرأة من خدمة بيتها شيء. قال ابن المواز: قال مالك: فإن علمت المرأة أنه فقير عند نكاحه إياها فلها عليه القيام بالنفقة، إلا أن تعلم أنه من السؤال قبل نكاحه فلا حجة لها. قال الشيخ: وروي لنا عن أبي بكر بن عبد الرحمن في الرجل لا يجد ما ينفق على أم ولده، أو يغيب إلى بلدٍ ولا يترك لها نفقة، فقال: تعتق عليه ولا تزوج، لأن تزويج السيد إياها مكروه، فكيف يأمر الحاكم بفعلٍ مكروه. وذكر عن أبي بكر بن اللباد عن يحيى بن عمر أنه قال: إذا لم يكن في عملها ما يكفيها في نفقتها فلتعتق عليه. قال أبو بكر: وكذلك قال أشهب: تعتق عليه. وقال بعض القرويين: تزوج عليه إن كان غائباً، أو يزوجها هو إن كان حاضراً وعجز عن نفقتها، لأنا نجد سبيلاً إلى النفقة بهذا فهو أولى من إخراجها عنه بالعتق.
قال: والمدبر إذا لم يكن في خدمته وإجارته كفاية نفقته، ولم يجد السيد ما ينفق عليه فإنه يعتق عليه. وذكر أبو عمران عن الصيرفي في سماع ابن القاسم: إذا أعسر الرجل لخدمة امرأته طلقت عليه.
[الباب العشرون] في العنين والمجنون والأجذم وتأجيلهم
[الباب العشرون] في العنين والمجنون والأجذم وتأجيلهم [فصل 1 - في الحكم إن كان الزوج عنيناً أو مجنوناً] وقضي عمر وابن مسعودٍ رضي الله عنهما في الرجل يبني بامرأته فلا يستطيع أن يمسها أن يضرب له أجل سنةٍ من يوم ترافعه، فإذا مضت سنة ولم يصبها اعتدت وكانت طلقة بائنة، وقاله ابن المسيب وابن يسار. قال عمر: وكذلك المجنون يضرب له أجل سنةٍ بتداوي فيها، فإن يرى وإلا فرق بينهما. قال مالك: والعنين الذي يؤجل هو المعترض عن امرأته، وإن أصاب غيرها من حرةٍ أو أمةٍ يضرب له السلطان أجل سنةٍ من يوم ترافعه، فإن لم يصبها في الأجل فإما رضيت بالمقام معه وإلا فرق بينهما بتطليقةٍ واعتدت؛ لأن العدة حق الله لأنه قد خلا بها، ولو كان في ذلك ولد للحق به إلا أن ينفيه بلعانٍ ولا رجعة له لأنه قبل الدخول، ولها الصداق لطول المدة. قال مالك: وقال ناس: لها نصفه، وإنما أرى لها نصفه إذا طلقها هو بقرب البناء.
قال عبد الوهاب: وفي تكميل الصداق روايتان، إحداهما: أنه يكمل، والأخرى: أنه إن طال مقامه معها وتلذذه بها أكمل لها، وإن كان بحدثان دخوله لزمه نصفه. فوجه الإطلاق: فلأنها فعلت ما يلزمها من التمكين، فعجزه عن استيفاء حقه لا يسقط ما وجب لها. ووجه التفصيل: أنه دخل على/ أنه يستمتع بلا وطء، فلا يجوز أن يكمل عليه الصداق من غير استيفائه ذلك، وأما إن طالت إقامته وتلذذه فقد استمتع، فأشبه السليم إذا وطيء فيه بقرب البناء. قال الشيخ: قال ابن الماجشون وغيره، وإنما الذي لا يؤجل وتطلق عليه مكانه مثل المجبوب والعنين غير المعترض فلا صداق لها؛ لأن الفراق من قبلها، وهذا إذا كان بقرب البناء. وقال ابن حبيب: حال العنين والحصور والمعترض مختلف، فالعنين: الذي لا ينتشر، ذكره كالأصبع في جسده، لا ينقبض ولا ينبسط، والحصور: الذي يخلق بغير ذكر، أو بذكر صغير كالزر وشبهه، لا يمكنه به وطء، فهذان إن أقرا بحالهما فطلبت الزوجة الفراق بينهما بطلقة، وكذلك المجبوب، ولا تأجيل فيهم، وإنما يؤجل المعترض، فيؤجل سنة من يوم ترافعه إذا أقر بالاعتراض، فإذا تمت السنة ولم ينطلق من اعتراضه وطلبت زوجته الفراق طلق عليه السلطان طلقةً بائنةً. قال عبد الوهاب: العنين الذي له ذكر شديد الصغر لا يمكن الجماع بمثله، والمعترض: هو الذي لا يقدر على الوطء لعلةٍ به، وهو بصفة من يمكنه الوطء.
[فصل 2 - في الأجل الذي يضرب للمعترض] قال: ويضرب للمعترض أجل سنةٍ للحر من يوم ترافعه، وللعبد ستة أشهر، وقيل: سنة، فإن أصاب في الأجل وإلا أطلق عليه السلطان، وإنما قلنا: يضرب للمعترض الحر أجل سنة، لإجماع الصحابة على ذلك، روي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وغيرهم، ولا مخالف لهم، ولأن الاعتراض مرض يرجى برؤه، فضرب له السنة لرجاء علاج، إذ قد يكون مرضًا يؤثر فيه الزمان، والسنة تجمع الفصول الأربعة، فلعله بالانتقال من زمانٍ إلى زمانٍ يزول عنه، ولأنها قد جعلت حداً في النكاح وغيره لاختبار أمورٍ منها: طول إقامة البكر عند الزوج، وعهدة الرقيق في الأدواء، وغير ذلك. وأما العبد فوجه القول بأنه سنة: اعتباراً بالحر، ولأن الغرض اختباره بتأثير الأزمنة في مرضه، وذلك يستوي فيه الحر والعبد. ووجه القول بأنه ستة أشهر: لقربه من الفراق كأجل الإيلاء. وإنما قلنا: إن الأجل من يوم ترافعه بخلاف المولي نفسه الإيلاء، لأن المولي لا عذر له في أن يستأنف له الأجل، لأنه قادر على رفع الإيلاء، فهو في تماديه عليه مضار، والمعترض لا يقدر على رفع اعتراضه، وهو معذور بترك العلاج، لأنه يقول: لم أعلم أنها ترافعني، فكنت أقدم الاجتهاد في العلاج.
[فصل 3 - في تداعي الزوجين في الجماع] قال: ولا يحكم بالعنة بدعواها إذا أنكر، خلافاً لأحمد بن جنبل، لأن الأصل السلامة، والدعويان إذا تعارضتا، وإحداهما ترفع العقد أو تثبت خيارًا فيه فالقول قول مدعي الصحة والاستقرار منهما كدعوى عيبٍ بالمبيع، وكذلك إذا قال: جامعتها في الأجل، وأنكرت فالقول قوله مع يمينه إن كانت ثيباً، خلافًا للأوزاعي، لأنها مدعية عليه استحقاق الفراق وهو منكر، ولأن ذلك موكول إلى أمانته، إذ لا يقدر على الإشهاد على وطئه، كما أن القول قولها في تداعيهما المسيس. وأما البكر ففيها روايتان: إحداهما: أنها كالثيب، والأخرى، أن ينظر إليها النساء فإن قلن: بها أثر إصابة، فالقول قوله، وإن قلن: إنها على النكاح، صدقت عليه، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، فوجه أنها كالثيب: لأن إدعاء المعترض الوطء في الأجل موكول إلى أمانته كالثيب، ووجه الأخرى: أنه إذا وجدنا طريقاً يوصل إلى العلم بذلك يقيناً فهو/ أولى من الرجوع إلى أمانته ومالا يعلم صدقه فيه.
ومن المدونة: وإذا قال المعترض في الأجل: جامعتها، وأكذبته، فقد نزلت بالمدينة فتوقف فيها مالك، وأفتى غيره بالمدينة أن تجعل الصفرة في قبلها، وقال ناس: يجعل النساء معها. قال ابن القاسم: إلا أني رأيت وجه قول مالك: أن يدين الزوج في ذلك ويحلف، وسمعته منه غير مرة، وهو رأيي، فإن نكل حلفت المرأة وفرق بينهما، فإن نكلت بقيت له زوجة. فصل [4 - في الحكم إن حدث الاعتراض أو الجنون أو الجذام بعد النكاح] قال مالك: ومن تزوج امرأة فوطئها مرةً واحدةً في ذلك النكاح، ثم اعترض عنها أو حدث له ما يمنعه الوطء من علةٍ أو زمانةٍ فلا حجة لها. وقد تقدم في كتاب النكاح الأول ذكر امرأة الخصي والمجبوب والعنين تعلم به فتتركه ثم ترافعه قال: فلا كلام لامرأة الخصي والمجبوب، قال: فأما امرأة العنين فلها أن ترافعه ويؤجل سنة، لأنها تقول: تركته لرجاء علاجٍ أو غيره، إلا أن يتزوج بها وهي تعلم أنه لا يأتي النساء رأساً فلا كلام لها. قال في الثاني: ويجوز ضرب ولاة المياه وصاحب الشرطة الأجل للعنين والمفقود.
ومن تزوج امرأة فوصل إليها مرة ثم طلقها ثم نكحها ثانيةً فاعترض عنها فلها مرافعته وضرب الأجل. قال عبد الوهاب: ولو طلق عليه أولاً بالاعتراض ثم تزوجته بعد ذلك عالمةً بعيبه فلها أن ترافعه، ويضرب له الأجل ثانية، بخلاف الخصي والمجبوب، لأن الاعتراض مرضٌ يرجى زواله، فإذا تزوجته تقول: رجوت أن يكون قد زال مرضه عنه، فلم يوجب ذلك رضاها به لا محالة. ومن المدونة: قال مالك: وإذا حدث بالزوج جنونٌ بعد النكاح عزل عنها وأجل سنة لعلاجه، فإن صح وإلا فرق بينهما، وقضي به عمر رضي الله عنه. قال ربيعة: إن كان يؤذيها ولا يعفيها من نفسه لم توقف عليه، ولم تحبس عنده، وإن كان يعفيها من نفسه ولا يرهقها بسوء صحبته لم يجز طلاقه إياها. قال مالك: والمجذوم البين جذامه يفرق بينه وبين امرأته إذا طلبت ذلك. قيل لابن القاسم: فهل يضرب له أجل سنةٍ للعلاج مثل المجنون؟ فقال: إن كان ممن يرجى برؤه وقدر على العلاج فليضرب له الأجل. ابن المواز: قال مالك: وإذا اختارت الزوجة فراق الزوج لما حدث به بعد العقد من جنونٍ أو جذامٍ فلا صداق لها إذا فرق بينهما قبل البناء.
[الباب الحادي والعشرون] في اختلاف الزوجين في متاع البيت
[الباب الحادي والعشرون] في اختلاف الزوجين في متاع البيت قال الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ}، فالعرف أصل يقضي به. قال مالك: وإذا اختلف الزوج والمرأة في متاع البيت وقد طلقها، أو لم يطلقها أو ماتا أو مات أحدهما فاختلف الورثة، فإن لم تقم بينة قضي للمرأة بما يعرف أنه للنساء. - قال ابن حبيب: مع يمينها. مالك: ويقضي للرجل بما يعرف أنه للرجال، أو للرجال والنساء، لأن البيت بيته. ابن حبيب: مع يمينه. وقال سحنون: بغير يمينٍ فيما يعرف لأحدهما، وما كان يعرف لهما فهو للزوج مع يمينه. مالك: فإن نكل حلفت المرأة وكان لها. وقال المغيرة: ما كان يعرف بالرجل ويعرف بالمرأة فهو بينهما بعد أيمانهما، وقاله ابن القاسم. ومن المدونة: قال مالك: وما ولي الرجل شراءه من متاع النساء وأقام بذلك/ بينة أخذه بيمينه أنه ما اشتراه إلا لنفسه، إلا أن يكون لها أو لورثتها بينه أنه اشتراه لها. قال مالك: وما كان في البيت من متاع الرجل فأقامت المرأة فيه بينة أنها اشترته فهو لها- يريد مع يمينها أنها اشترته لنفسها- وورثتها في اليمين والبينة بمنزلتها
إلا أنهم إنما يحلفون على علمهم أنهم لا يعلمون أن الزوج اشترى هذا المتاع الذي يدعي من متاع النساء، ولو كانت المرأة حيةً حلفت على البتات، وورثة الرجل بهذه المنزلة. قال: والمتاع الذي يعرف للنساء مثل: الطست والتور والمنارة والبسط والقباب والحجال والوسائد والمرافق والأسرة والفرش. قال ابن القاسم: وجميع الحلي لا شيء للرجل فيه إلا السيف والمنطقة والخاتم- يريد الفضة- وللرجل جميع الرقيق ذاكراناً وإناثاً، لأن الذكور مما يكون للرجال، والإناث مما يكون للرجال والنساء، فالرجل أولى بهن، إلا أن يكون للمرأة فيهم حيازة تعرف، فيكونون لها. قيل لابن القاسم: فالحيوان: الإبل والبقر والغنم والدواب؟ قال: هذا مما لم يتكلم الناس فيه، لأن هذا ليس من متاع البيت، وإنما لمن حازه، وكذلك ما كان في المرعى أو ما كان في المرابط من خيلٍ أو بغالٍ أو حميرٍ
فهي لمن حازها، ولا أبالي في هذا الاختلاف كانت رقبة الدار لهما أو لغيرهما، وإن اختلفا في الدار بعينها كانت للرجل. قال في الواضحة: والخص كالدار. ابن القاسم: وكذلك إن كان الزوجان عبدين أو أحدهما عبدًا أو مكاتب والآخر حر، أو كان الزوج مسلمًا وهي كافرة، فاختلفا في متاع البيت وهما زوجان، أو عند طلاقٍ أو خلعٍ أو لعانٍ أو فرقٍ بإيلاءٍ أو غيره، فهما في ذلك كالحرين فيما وصفنا. ومن المختصر عن مالك: وما نسجته هي من الصوف، والصوف من عنده فهو بينهما، لها بقدر قيمة العمل، وله بقدر قيمة صوفه.
[الباب الثاني والعشرون] في القسم بين الزوجات
[الباب الثاني والعشرون] في القسم بين الزوجات [فصل 1 - في مشروعية القسم بين الزوجات وبيان المراد به] قال الله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} الآية. قال عبد الوهاب: فيلزم الزوج العدل بين نسائه في القسم في الصحة والمرض بحسب الإمكان من غير ميلٍ ولا جورٍ، لقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، وقوله عليه الصلاة والسلام: "من كان له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل". ومن المدونة: قال مالك: فالقسم بين الزوجات يوم بيومٍ لا أكثر، ويعدل في المبيت. قال ابن القاسم: ولم يبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحدٍ من أصحابه أنه قسم إلا يومًا بيوم، وقد كان عمر بن عبد العزيز ربما غاضب
بعض نسائه فيأتيها في يومها فينام في حجرتها، فلو كان يجوز أن يقسم يومين بيومين أو أكثر لأقام عن التي هو راضٍ عنها فإذا رضي عن الأخرى أوفاها أيامها. قال مالك: وإن نكح بكرًا أو ثيباً أقام عند البكر سبعًا وعند الثيب ثلاثاً. قال ابن القاسم: وذلك حق لها دون نسائه، ثم يأتنف القسم، وليس ذلك بيد الزوج. وذكر أشهب عن مالكٍ أن ذلك بيد الزوج. قال عبد الوهاب: فوجه القول بأنه حق لها عليه: ما روي أنه عليه الصلاة والسلام جعل للبكر سبعًا وللثيب ثلاثاً، ولأن الغرض تأنيثها وبسطها وذهاب انقباضها، وهذا حق لها. ووجه القول بأنه حق له: أنه معنى يعود إلى الالتذاذ، فكان حقًا له غير مستحق عليه كعدد الوطء.
[فصل 2 - في الحكم إن تزوج امرأة وعنده غيرها] ومن المدونة: روى سحنون وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام لما تزوج أم سلمة بنت أبي أمية أقام عندها ثلاثاً، ثم أراد أن يدور فأخذت بثوبه، فقال: "ما شئت، إن شئت زدتك ثم قاصصتك بعد اليوم"، ثم قال عليه الصلاة والسلام "ثلاث للثيب وسبع للبكر". ابن وهب: عن رجالٍ من أهل العلم قالوا: هي السنة. قال مالك: في كتاب ابن المواز: ومن تزوج امرأة وعنده امرأة غيرها فليقم عن البكر سبعاً وعند الثيب ثلاثاً. قال مالك: وهو حق لازم لها وليس بيد الزوج، وقال أيضاً: ليس بلازم. قال أصبغ: قال أشهب: هو حق لها لا يقضي لها به، قال أصبغ: كالمتعة. وقال محمد بن عبد الحكم: يقضي به. ابن المواز: وليبدأ بالقسم بالتي أقام عندها بعد الثلاث أو السبع إن شاء، وإن شاء بغيرها، ويبدأ بغيرها أحب إلينا، وقاله مالك في القادم بإحداهن من السفر. وقال ابن حبيب: إنما يقيم عند البكر سبعاً وعند الثيب ثلاثاً إن كان له غيرها، ثم هو في ذلك يتصرف في حوائجه، وإلى المسجد وغيره، وإن لم يكن عنده غيرها فليس عليه أن يقيم عندها بكراً كانت أو ثيباً. ومن التعبية: ابن القاسم عن مالك: ولا يتخلف العروس عن الجمعة، ولا عن حضور الصلوات في جماعة.
قال سحنون: وقد قال بعض الناس: لا يخرج، وذلك حق لها بالسنة. قال بعض فقهائنا: لعله يريد لا يخرج لصلاة الجماعة، وأما الجمعة فلا يدعها لأنها فرض عليه، فلا يدعها في هذا القول. [فصل 3 - في الحكم إن أراد السفر من عنده أكثر من زوجة] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن سافر لحاجةٍ أو حجٍ أو غزوٍ سافر بأيتهن شاء بغير قرعةٍ إذا كان على غير ضرورةٍ ولا ميل، فإن كانت القرعة ففي الغزو لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام فعله فيه، فإذا قَدِم ابتدأ القسم. وقال عبد الوهاب: إذا أراد سفراً وفيهن من لا يصلح للسفر وفيهن من يصلح له لرفقها به وامتثالها لأمره كان له السفر بها وعدوله عن الأخرى، وإن تساوين أو تقاربن، فإن كان سفر حجٍ أو غزوٍ أقرع بينهن فسافر بمن خرج لها السهم ثم لا يلزمه قضاء من لم يسافر بها رجوعه، بل يستأنف القسم، وفي سفر التجارة روايتان: إحداهما: القرعة، والأخرى: الخيار له.
وإنما يُقْرِع لهن في الحج والغزو، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام فعله فيهما، والقرعة إتباع. ووجه التسوية في سائر الأسفار: اعتباراً بسفر الحج والغزو، وتساويهما في الحاجة والرفق. قال الشيخ: ووجه التفرقة: فلأن القرعة رخصة فلا يعداً بها بابها. [فصل 4 - في الحكم إن أقام عند واحدة دون الأخرى بعض آداب الجماع والحكم إن عاد من سفره وغير ذلك] ومن المدونة: قال مالك: ولو سافر إحداهن لحج أو لضيعتها وأقام الزوج مع صاحبتها، ثم قدمت فطلبت أن يقسم لها عدد الأيام التي أقام مع صاحبتها، ثم قدمت فطلبت أن يقسم لها عدد الأيام التي أقام مع صاحبتها فلا شيء لها. وإن تعمد المقام عند واحدةٍ جميعاً لم يحاسب به، ونهى عن ذلك وابتدأ العدل، وإن عاد نكل، لأن مالكًا قال في العبد المعتق بعضه يأبق: إنه لا يقاض بما أبق فيه، وإنما يستقبل بينه وبين سيده/ من يومئذ.
قال ابن القاسم: وهذا كان أحرى أن يؤخذ منه تلك الأيام التي أبق فيها، لأنه حق للسيد. قيل له: فلم أسقط مالك ذلك عن العبد؟ قال: قال مالك: هو إذاً عبد كله. ومن كتاب محمد: قال مالك: ولا بأس إذا أتى منزل امرأته فطردته وأغلقت الباب دونه أن يذهب إلى الأخرى، وإن قدر أن يبيت في حجرتها أو في بيتها فليفعل. قال: وليس له أن يجمع بينهما في بيتٍ إلا برضاهما، ولا يجوز أن يجمعهما على فراشٍ واحدٍ وإن رضيا، وكرهه في الإماء، أو يتعروا بغير ثيابٍ، وكره أن يطأ امرأته أو أمته ومعه في البيت من يسمع حسه. ابن حبيب: عن ابن الماجشون: لا ينبغي أن يكون معه في البيت أحد نائم أو غير نائم، صغير أو كبير، وكان ابن عمر يخرج الصبي في المهد. وكره في بعض الأخبار أن تكون معه البهيمة. وقال: وله في أمتيه أن ينام معهما في فراشٍ واحدٍ، ولكن لا يطأ إحداهما والأخرى معه في بيتٍ، ولا بأس أن يتوضأ أو يشرب من ماء إحدى زوجتيه في غير يومها، ويأكل من طعام تبعثه إله من غير تعمد ميلٍ، ويقف ببابها ويسلم من غير أن يدخل عندها أو يجلس. قال مالك في كتاب محمد: ولا يأتي الواحدة في يوم اللأخرى إلا في حاجةٍ أو عيادةٍ، وله أن يجعل ثيابه عند إحداهما ما لم يرد ميلاً أو ضرراً.
مالك: ولا ينبغي أن يقيم هو في بيتٍ له وتأتيه فيه كل واحدةٍ، وليأتهن في بيوتهن كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن يرضين بذلك. قال محمد بن عبد الحكم: ويقضي عليه بذلك، وأن يسكن كل واحدةٍ في بيت. قال ابن حبيب: وإذا رجع نهاراً من سفره فله أن يتعمد ببقية يومه أيتهما شاء، وليس عليه أن ينزل عند التي خرج من عندها إلا أن يشاء، ولا يحسب ذلك، ويأتنف القسم إذا أمسى، وأحب إلى أن ينزل عند التي خرج من عندها ليوفيها بقية يومها، وما ذلك عليه بواجب، قاله مالك وأصحابه. وإذا كان لواحدةٍ شبابٌ أو غني، أو ذات شرفٍ فأراد إيثارها، فأما في المبيت وما يصلح لكل واحدةٍ من نفقة مثلها بقدر حالها فليعدل، ثم له أن يؤثر الأخرى بعد ذلك باليسير من غير ميل، ويكسوها الخز والحلي ما لم يكن ميلاً. وكذلك إن كانت واحدةً ألطف به من الأخرى في إتحافه بطرائف الطعام والطيب فيؤثرها، فأرجو أن لا بأس به، والمساواة أحب إلينا. وقيل: إن معاذ بن جبل كان له امرأتان فلم يكن يشرب الماء من عند واحدةٍ في يوم الأخرى، وإنهما ماتتا معًا فأقرع بينهما أيهما تدفن أولاً.
قال مالك في العتبية: له أن يكسو إحداهما الخز والحرير والحلي دون الاخرى ما لم يكن ميلاً. [فصل 5 - في إسقاط المرأة حقها في المبيت وهل يسوي بينهن في الجماع، وفي تركه] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن كره زوجته وأراد فراقها فقالت له: لا تفارقني واجعل أيامي كلها لصاحبتي، أو للتي تتزوج علي، فلا بأس بذلك ولا يقسم لها. ابن القاسم: فإن رجعت عن هذا وطلبت القسم، فذلك لها متى شاءت، أو يخير الزوج، فإما قسم لها أو فارق. وقد قال الله تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا}. مالك: ولو شرط في عقد النكاح أن يؤثر عليها، أو لا مبيت لها، فلا خير فيه، وإنما يجوز هذا الشرط بعد العقد. ابن القاسم: ويفسخ هذا النكاح قبل البناء، ويثبت بعده، ويبطل الشرط، ويكون لها ليلتها. وليس عليه المساواة في الجماع ولا بالقلب، ولا حرج عليه أن ينشط للجماع/ في يوم هذه دون يوم الأخرى، إلا أن يفعل ذلك لغرض أن يكف عن هذه لوجود لذته في الأخرى فلا يحل له ذلك. ومن سرمد العبادة وترك الوطء لم ينه عن تبتله، وقيل له: إما وطئت أو فارقت، إن خاصمته.
وكذلك إن ترك الجماع لغير ضرورةٍ ولا علةٍ إلا أن ترضى المرأة بالمقام على ذلك. فصل [6 - في ذكر ما لا يمنع من القسم، وقسم المريض والمجبوب والقسم بين الحرة والأمة] وقسم الحر بين نسائه المسلمات والحرائر والإماء والكتابيات سواء، والقسم بين صغيرةٍ جومعت، أو كبيرةٍ صحيحةٍ، أو مجنونةٍ، أو بإحداهن رتق، أو داءٌ، أو مرض لا تجامع معه، أو حيض سواء، لكل واحدة منهن يومها وليلتها. مالك: ويقسم المريض بين نسائه إن كان مرضًا يقدر أن يدور عليهن فيه، فإن لم يقدر أقام عن أيتهن شاء لإفاقته ما لم يكن حيفًا، فإذا صح ابتدأ القسم، وليس لأم الولد مع حرةٍ قسم، وجائز أن يقيم عند أم ولده ما شاء ما لم يضار. والمجبوب ومن لا يقدر على الجماع يقسم بين نسائه بالعدل، إذ له أن يتزوج. قال مالك في النكاح الأول: فإن كان حر له أمةٌ حرةٌ ساوى بينهما في القسم كسائر حقوق الزوجة. ورأى ابن المسيب أن للحرة الثلثين وللأمة الثلث.
قال الشيخ: فوجه ذلك: لحرمة الحرة، ولأن ديتها مثلاً دية الأمة، وعدتها في الموت مثلاً عدتها، وكذلك حدودها فكذلك في القسم. تم كتاب النكاح الثاني بحمد الله وحسن عونه والصلاة والسلام على محمدٍ وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً
[الكتاب الثالث] كتاب النكاح الثالث
[الكتاب الثالث] كتاب النكاح الثالث [الباب الأول] فيمن تزوج امرأتين في عقدة أو أماً وابنتها في عقدة أو عقدتين [فصل 1 - فيمن نكح امرأتين في عقدة واحدة] قال ابن القاسم: ولا بأس أن يتزوج الرجل امرأتين في عقدةٍ واحدةٍ إذا سمى لكل واحدةٍ صداقها، فإن أجملهما في صداقٍ واحدٍ لم يعجبني ذلك، وقد بلغني أن مالكاً كرهه، لأنه لا يُدرى ما صداق هذه من صداق هذه. قيل: فإن طلق إحداهما أو مات عنها قبل البناء، كم يكون صداقها؟ أيقسم المهر الذي سمى بينهما؟ أيقسم بينهما على قدر مهورهما؟ قال: نكاحهما غير جائز. قال أبو محمد وغيره: ولا شيء لهما قبل البناء عنده. وقال سحنون: هذا جائز وإن لم يسمِّ لكل واحدةٍ صداقها، وكذلك جمع الرجلين سلعتيهما في البيع. قال ابن دينار: ويقسمان ما سمى لهما بقدر صداق مثل كل واحدة. قال الشيخ: وهذا أصوب، وكذلك لو دخل بهما على هذا القول، وعلى ظاهر قول ابن القاسم يكون لكل واحدةٍ صداق مثلها ويثبت النكاح. وقد اختلف قوله في هذا البيع فكذلك يجري في النكاح.
قال الشيخ: ويحتمل على قياس قوله فيمن نكح بدرهمين فطلق قبل البناء أن يكون لها نصف الدرهمين، أن يكون لها في هذا القول نصف ما يخصها في هذا المسمى لهما، لأنه كان يراعي قول مَنْ يُجِزْهُ بالدرهمين فمراعاته قول نفسه، وقول غيره أولى. فإن قيل: إن ما يخصها من هذا المسمى مجهول، فهو كالنكاح بالغرر، والدرهمان لا غرر فيهما، وهو لو أتم لها ثلاثة دراهم لثبت نكاحه؟ قيل له: على القول الذي يجيزه فلا يراه غرراً ولا يكون أسوأ حالاً من نكاح التفويض الذي يقضي فيه بصداق المثل، وذلك لا يعلم إلا بعد النظر فيه، فكذلك قسمة هذا المسمى على/ مثل صداق كل واحدةٍ منهما. وأيضاً هو وأصحابه لا يجيزون نكاحها بدرهمين على حال، وهو في أحد قوليه يجيز ابتداء النكاح في جميعها في صداقٍ واحددٍ، وقاله غيره من أصحابه فمراعاة هذا القول أولى. قال الشيخ: ويجوز أن يتزوج امرأتين إحداهما بصداقٍ مسمى والأخرى على تفويضٍ وذلك في عقدٍ واحد، لأنهما صداقان يجوزان في الانفراد فكذلك يجوزان في الاجتماع. وكذلك لو جمعهما جميعاً في عقدٍ واحدٍ على تفويضٍ فإنه جائز، وقاله أبو عمران.
[فصل 2 - فيمن نكح حرة وأمة في عقد] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن نكح حرةً وأمةً في عُقدةٍ وسمى صداق كل واحدةٍ فقال مالك: يفسخ نكاح الأمة ويثبت نكاح الحرة، ثم رجع فقال: إن علمت الحرة بالأمة فنكاحها ونكاح الأمة ثابت، ولا خيار لها، وإن لم تعلم خيِّرت بين أن تقيم أو تفارِق. قال سحنون: وقد بينا هذا الأصل في الكتاب الأول. قال سحنون: إذا كان واحداً للطول فُسٍخَا جميعاً، وكذلك لو تزج امرأةً في عدتها وأخرى في غير عدتها في عقدةٍ واحدة، لفسد النكاحان جميعاً، كصفقةٍ جمعت حلالاً وحراما. قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: ليس ذلك كصفقة جمعت حلالاً وحراماً لأن فسخ نكاح الأمة لم يتفق الناس عليه، ومالك قد اختلف قوله فيه، إذ قال بعض الناس: إن الآية منسوخة فلم يبلغ الأمر في ذلك إلى صفقةٍ جمعت حلالاً وحراماً.
[فصل 3 - فيمن نكح أما وابنتها في عقدة] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن نكح امرأةً وابنتها في عقدةٍ وسمى لكل واحدةٍ صداقها، ثم تبين أن الأم لها زوجٌ فسخ نكاحهما، ولم يثبت نكاح الابنة لأن من قول مالكٍ أن كلُّ صفقةٍ جمعت حلالاً وحراماً فلا يجوز ذلك عنده في البيوع، قال مالك: وأشبه شيءٍ بالبيوع النكاح. قال ابن القاسم: وكذلك إن لم يكن للأم زوجٌ ولم يدخل بواحدةٍ منهما فلابد من فسخه، وليس له حبس إحداهما وفراق الأخرى، ثم ينكح بعد ذلك من أحب منهما، إن شاء الأم أو الابنة. وقيل: لا يتزوج الأم للشبه التي في البنت. قال مالك: وإن كان قد بنا بهما قبل الفسخ حرمتا عليه للأبد، ولو بنى بواحدةٍ منهما فُسخا وخطب التي بنا بها بعد الاستبراء، أُمَّاً كانت أو بنتاً، ولم يحل له نكاح الأخرى أبداً. [فصل 4 - فيمن نكح أما وابنتها في عقدتين] ومن المدونة: ومن تزوج امرأةً فلم يبن بها حتى تزوج ابنتها وهو لا يعلم، فدخل بالابنة، فارقهما جميعاً. قال مالك: ولا صداق للأم، ويتزوج الابنة إن شاء بعد ثلاث حيض، أو وضع حمل، وتحرم عليه الأم أبدا، لأنها صارت من أمهات نسائه، وإن كان نكاح البنت حراماً فالحرمة تقع فيه كما يثبت فيه النسب والصداق، ويرفع الحد.
وإن نكح الأم آخراً وهو لا يعلم فبنى بالأم أو بهما، فارقهما وحرمتا عليه للأبد، لأن الأم قد دخل بها فصارت الربيبة محًّرمةً، والأم هي من أمهات نسائه فلا تحلان له أبداً. وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَيُما رجلٍ نكح امرأةً فدخل بها أو لم يدخل بها فلا يحل له نكاح أمها أبداً، أَيُما رجلٍ نكح امرأةً فدخل به فلا يحل له نكاح ابنتها، وإن لم يدخل بها فلينكحها"، وقاله زيد بن ثابت، قال: لأن الأم مبهمة لا شرط فيها، وإنما الشرط في الربائب- يريد: قول الله تعالى في آية التحريم بعد قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} ثم قال في الآية: {وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}. قال ابن القاسم: وإذا نكح البنت فدخل بالأم فسختا النكاح فلا صداق للابنة إن لم يبن بها وإن كانت الفرقة والتحريم من قِبَلِ الزوج، لأنه لم
يتعمده وصار نكاح الابنة لا يقر على حال، فلما فسخ قبل البناء لم يكن لها مهرٌ لا نصف ولا غيره. قال مالك في ثمانية أبي زيد: إذا نكح الأم بعد البنت أو البنت بعد الأم فوطئ بالثانية وحدها فسخ نكاحهما بغير طلاق، وكان للأولى نصف الصداق. وقال عبد الملك وغيره: ما كان من فسخ غالبٍ قبل البناء فلا صداق فيه. قال الشيخ: وحكى عن أبي عمران أنه قال: ولو تزوج الأم بعد البنت عامداً عالماً بتحريم ذلك ودخل بها كان عليه نصف صداق البنت، لأنه كأنه قصد طلاقها، وهذا على قوله، إن الزنا يحرِّم الحلال، وكذلك على قوله: إن الزنا لا يحرِّم الحلال إذا فارق البنت تورُّعاً، يكون أيضاً عليه نصف الصداق، لأنه نكاح يقَرُّ عليه، وكذلك من زنا بختنته قبل الدخول بابنتها ففرِّق بينه وبين البنت بالغلبة، ويكون عليه نصف الصداق. وأما على قول عبد الملك وغيره فلا صداق لهما، لأنه فسخٌ غالبٌ قبل البناء، وقد نصَّ ابن المواز: أنه لا يفسخ في الزنا بالجبر، وقاله بعض شيوخنا القرويين: إنه
إنما يؤمر بذلك ولا يجبر عليه، فإذا تورع وفارق لزمه نصف الصداق على القولين جميعا، خلاف ما قاله أبو عمران. قال الشيخ: واختلف فيمن مَرَّ بيده على فخذ ابنته وظنَّ أنها زوجته قاصداً اللَّذة، أو وطئها بالليل غَلَطاً، فقال جماعة من الفقهاء القرويين وأئمتهم: إنها تحرم عليه زوجته، وقال سحنون والليث وغيره: لا تحرم عليه. ومن المدونة: قال مالك: وإن لم يبن بالثانية ثبت على نكاح الأولى، أُمَّاً كانت أو ابنة، دخل بها أم لا، ويفسخ نكاح الثانية. قال: وإن تزوج الأم ودخل بها ثم تزوج الابنة ودخل بها حرمتا عليه جميعاً، ومحمل الجدات في التحريم محمل الأمهات، ومحمل بنات البنات وبنات الأبناء محمل البنات. فصل [5 - فيما يكون سببا في تحريم المرأة على آباء الناكح وأبنائه] ومن وطئ امرأةً أو قَبَّل أو باشر أو نظر للذَّة بملكٍ أو نكاحٍ صحيحٍ أو فاسدٍ أو حرامٍ بشبهةٍ أو في عدة فإنها تحرم على آبائه وأبنائه، وتحرم عليه ابنتها بنكاحٍ أو ملك. وإن تزوجها في عدةٍ فلم يبْن بها حتى تزوج أُمَّها أو أختها، أقام على نكاح الثانية، لأن نكاح المعتدة غير منعقد، وهي تحل لآبائه وأبنائه ما لم يتلذَّذ منها بشيء.
وروى ابن وهب: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الذي تزوج المرأة فيغمزها ولا يزيد على ذلك: لا يتزوج ابنتها. وقال ابن مسعود: إذا قَبَّلها أو جلس بين فخذيها فلا يتزوج ابنتها.
[الباب الثاني] في المحرمات من النساء، ومن وطئ امرأته أو ابنتها بزنا أو نكاح، وما تجب به الحرمة
[الباب الثاني] في المحرمات من النساء، ومن وطئ امرأته أو ابنتها بزنا أو نكاح، وما تجب به الحرمة [فصل 1 - في المحرمات من النساء] قال تعالي: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وبَنَاتُكُمْ وأَخَوَاتُكُمْ وعَمَّاتُكُمْ وخَالاتُكُمْ وبَنَاتُ الأَخِ وبَنَاتُ الأُخْتِ} فهؤلاء بالقرابة سبع، وقال: {وأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ} إلى قوله: {وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} وقل تعالى قبل ذلك: {ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} وقوله تعالى: {وحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} / لم يعنِ به دون أبناء الرضاع، لكن دون من يدَّعي ابناً بالتبني، لأن النبي عليه الصلاة والسلام
قد كان تبنى زيد بن حارثة، ثم تزوج زوجته زينب بنت جَحش، فأنزل الله تعالى فيهما، وأمر أن يدعوا لآبائهم.
فحرَّم الله تعالى من النسب سبعاً، ومن الصهر والرضاع سبعاً، وحرَّم الرسول عليه الصلاة والسلام من ذلك بالرضاع ما يحرم من النسب، فهؤلاء محرماتٌ على التأييد، إلا الجمع بين الأختين فإنما هو تحريمٌ في حال جَمْعِهِما، وحرَّم غير هؤلاء في حالٍ دون حالٍ، فمن ذلك نكاح الخامسة، وحرَّم المحصنات من النساء- يقول ذوات الأزواج- إلا ما ملكت أيمانكم، يقول: بالسبي ولهن أزواجٌ بدار الحرب. قال ابن حبيب: أو سُبين معهم. وحرَّم نكاح المشركات حتى يؤمن، فهن محرمات بنكاحٍ أو ملكٍ، وحرَّم نكاح المعتدة حتى تنقضي عدتها، والمبتوتة على الذي أبتَّها حتى تنكح زوجاً غيره.
ونهى النبي عليه الصلاة والسلام عن نكاح المتعة، ونكاح المُحْرِم، ونكاح المحلِّل، ونكاح الشغار. وقد مضى تفسير بعض ذلك، ويأتي تفسير باقيه في مواضعه إن شاء الله تعالى. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأة بنكاحٍ صحيحٍ، أو في إجازته اختلاف حرمت بالعقد دون الوطء على آبائه وإن بعدوا وأبنائه وإن سلفوا بنسبٍ أو رضاع، وحرمت عليه أمهاتها، ولا تحرم عليه ابنتها بالعقد على الأم دون الوطء أو الالتذاذ. وأما إن تزوج ذات محرمٍ أو رضاعٍ أو معتدةٍ لم تحرم بالعقد فقط على آبائه ولا أبنائه، ولا تحرم عليه أمها.
فصل [2 - فيمن وطيء أم امرأته أو ابنتها بزنا أو نكاح] ومن المدونة: قال مالك: ومن زنى بأم زوجته أو بابنتها فليفارق زوجته ولا يقيم عليها. وقال في الموطأ: لا يُحرِّم الزنا حلالاً. قال سحنون وأصحابه على ما في الموطأ: لا اختلاف بينهم فيه، وهو الأمر عندهم فيه وقاله عددٌ من الصحابة والتابعين. قيل لابن القاسم: فإن تزوج أُم امرأته وهو يعلم أنها أمها أتحرم عليه زوجته؟ قال: قد أخبرتك أن مالكاً كره أن يقيم عليها بعد الزنا بأمها، فنكاحه لأمها وزناه بها في هذا سواء، إلا أن يُعذَر بجهالةٍ في تزويجه ولا يُحد، ويُلحق يه الولد، ويكون هذا آكد في التحريم من الزنا للحوق النسب وزوال الحد. يريد وإذا لم يعذر يجهلٍ في نكاحه لزمه الحد وفارق زوجته على أحد قولي مالك، وإذا عُذِر بالجهالة لم يحد ولزمه فراقها بلا اختلاف من قول مالك.
[فصل 3 - فيما تجب به الحرمة] قال: ومن زنى بامرأةٍ أو تلذَّذ منها حراماً فلا أحب له أن يتزوج أمها ولا ابنتها، ولا أحب لابنه ولا لأبيه أن يتزوجها أبداً، وإن كانت في عصمة أحدهما فليفارقها- يريد على أحد قولي مالك- ولا بأس أن يتزوجها هو نفسه بعد الاستبراء من مائه الفاسد. قال الشيخ: وقوله تعالى: {الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} إلى قوله {وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ}، فالنكاح هاهنا الزنا، أي لا يزني بها إلا زانٍ أو مشرك، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال ابن المسيب، إنها منسوخةٌ بقوله تعالى: {وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ}. قال ابن حبيب: ولا يجوز نكاح الزانية المجاهرة وذات الخدن، ويستحب لمن تحته امرأة تزني أن يفارقها، وإن بُلي بحبِّها فليحبسها، وروي ذلك عن النبي
صلى الله عليه وسلم، وما عُلم من ذلك فعليه الاستبراء بثلاث حيض، وفي مملوكته بحيضة. وفي كتاب ابن المواز: قال ابن وهب عن مالك عن المرأة المُعلِنة بالسوء: لا أرى للرجل أن يتزوجها، ولست أراه حراماً.
[الباب الثالث] في وطء الأختين بنكاح أو ملك والجمع بين النساء
[الباب الثالث] في وطء الأختين بنكاح أو ملك والجمع بين النساء [فصل 1 - في الجمع بين الأختين بنكاح] قال الله تعالى: {وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}، قال ابن حبيب: يقول: في الجاهلية: يقول: فإنه مغفورٌ لكم، وكانت مُضرُ تحرِّم من ذلك ما حرم الإسلام إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين أخذوه من ملة إبراهيم عليه السلام. قال غيره: وأما الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها فمحرَّم بدليل القرآن وبنص السنة، فدليل القرآن قوله تعالى: {وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ}، والسنة: نهيه عليه الصلاة والسلام أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، ولا خلاف في ذلك. قال ابن بَكير: والمعنى الجامع بينهن أن كل امرأتين من ذوات المحارم لو
كان موضع إحداهما ذكَراً لم تحل له الأخرى لم يجز لجامعٍ أن يجمع بينهما، وهذه علة لا تنكسر البتة، وإنما جاز الجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها لانخرام ذلك وذلك أنا إذا جعلنا موضع الابنة ابناً لم تحل له زوجة أبيه، وإذا جعلنا موضع الزوجة رجلاً لم يحرم عليه أن يتزوج ابنة رجلٍ أجنبي، فلهذه العلة أجزنا الجمع بينهما، وفي الأختين لا ينخرم ذلك من الجهتين. ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج أختاً بعد أختٍ فلم يبن بهما أو بنى بإحداهما او بهما فليثبت على الأولى ويفارق الأخرى فسخاً بغير طلاق، وكذلك كل من يحرم الجمع بينهن ممن يجوز له نكاح إحداهما بعد صاحبتها، وللمدخول بها المسمى أو المثل إن لم يسم. قال أشهب: فإن بنى بهما ثم مات ولم تعلم الأولى منهما، وكلاهما تدعى أنها هي الأولى فلتحلفا، ويكون لكل واحدةٍ صداقها المسمى، والميراث بينهما نصفين، وعلى كل واحدةٍ عدة الوفاة مع الإحداد. محمد: ومع ثلاث حيض. قال الشيخ: فإن حاضت في الأربعة أشهر وعشرٍ أجزأها ذلك. ابن حبيب: فإن لم يبن بهما فالميراث بينهما، ولكل واحدةٍ نصف صداقها وإن بنى بواحدة معروفةٍ فلها الصداق ونصف الميراث، وللأخرى نصف الصداق ونصف الميراث. وإن نكحهما في عقدة فلا ميراث لهما، ومن بنى بها فلها الصداق ولا صداق للأخرى
قال أشهب في كتاب محمد فيمن نكح أختاً بعد أخت ولكل واحدةٍ شهود ولم تُؤرخ البينة ولم تُعرف الأولى: فالزوج مصدَّق فيمن قال: إنها الأولى، ويفارق الأخرى بغير صداقٍ ولا طلاق. محمد: وهذا صواب، وذكر عنه أنه قال: ولو قال في إحداهما: ما تزوجتها، قبل قوله. محمد: وهذا لا يعجبني. فإن لم يذكر الآخرة بعينها فرِّق بينه وبينهما كالقائل: جَهِلْتُ الأولى. ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج أخته في الرضاعة ففرق بينهما بعد البناء فلها المسمى. قال مالك: ومن نكح أختين في عقدةٍ ولم يَعلم هو ولا هما بذلك فلم يبن بهما أو بنى بإحداهما أو بهما ثم علم بذلك فليفارقهما، وينكح أيتها شاء بع استبرائها إن مسها، ولا خيار له في حبس إحداهما. قال ابن القاسم: ومن وطئ أمةً بالملك ثم تزوج أختها لم يعجبني ذلك، لأن مالكاً قال: لا ينبغي للرجل أن ينكح إلا امرأةً يجوز لها وطؤها إذا نكحها. قال ابن القاسم: وهده عندي لا يستطيع إذا تزوجها أن يطأها ولا يقبِّلها ولا يباشرها حتى يحرِّم فرج أختها، ولا يجوز له أم ينكح إلا في الموضع الذي يجوز له الوطء فيه، إلا أنه إذا نكحها لم أفرق بينها وبينه، وأوقفته عنها حتى يحرم فرج أيتهما شاء. قال سحنون: وقد قال عبد الرحمن: إن النكاح لا ينعقد، وهو أحسن قوليه.
وقال أشهب في كتاب الاستبراء: عقد النكاح تحريمٌ للأمة كان يطؤها أو لا. ابن المواز: وقاله ابن عبد الحكم، قالا: لأنه لو لم يكن وطئ الأولى لم يكن مخيراً في وطء من شاء، كما لو اشتراهما، وإنما له وطء المتزوجة، ولو وطئ الأولى لم تحرم بذلك المتزوجة. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن باع أمةً وطئها ثم تزوج أختها فلم يطأها حتى اشترى المبيعة، لم يطأ إلا الزوجة، وليس عليه أن يحرِّم فرج جاريته، والعقد هاهنا في الزوجة كالوطء في الملك. [فصل 2 - في الجمع بين الأختين بملك اليمين] قال عبد الوهاب: أما الجمع بين وطء الأختين بملك اليمين فعندنا أنه كالنكاح في المنع، واختلف فيه الصدر الأول، فذهب قوم إلى جواز المنع بينهما بملك اليمين، ودليلنا: قوله تعالى: {وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} فعم، لأن وطء الملك أحد نوعي استباحة الفرج في الشرع، فهو كالنكاح، ولأن الذي له مُنع ذلك في النكاح خيفة العداوة والتباغض وقطع الأرحام، وذلك يستوي فيه النكاح والملك.
ومن المدونة: قال مالك: ومن اشترى أختين فوطئ إحداهما فلا يطأ الأخرى حتى يحرم فرج التي وطئ، فإن باع التي وطئ، ثم وطئ الباقية، ثم اشترى المبيعة تمادى على وطء الباقية. قال ابن القاسم: ولو لم يطأ الباقية حتى اشترى المبيعة وطئ أيتهما شاء، ولو أن حين وطئ إحداهما وثب على الأخرى فوطئها قبل أن يحرم عليه التي وطئ وقف عنهما حتى يحرِّم أيتهما شاء. قال في كتاب الاستبراء: فإن حرَّم فرج الثانية أقام على وطء الأولى، وإن حرم فرج الأولى لم يطأ الثانية حتى يستبرأ لفساد وطئه، وليحرِّ فرج إحداهما ببيع، أو بنكاح، أو عتقٍ إلى أجلٍ، أو بما تحرم عليه. قال ابن المواز: فإن باعها فلا يطأ الباقية حتى تخرج المبيعة من الاستبراء. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن ظاهر منها لم تحل له أختها، إذ له الكفارة، وكذلك إن باعها من عبده أو ابنه الصغير أو يتيم في حجره، إذ له الاعتصار والانتزاع والبيع من نفسه، وكذلك 'ن زوجها تزويجاً لا يقرِّان عليه، أو باعها من أجنبي بيعاً فاسداً، إلا أن تفوت في البيع الفاسد فتحل له أختها، وإن باعها وبها عيوبٌ حلَّت له أختها، وهو بيعٌ حتى ترد، وإن أُسرت أو أبقت إباق إياس حلت له أختها. قال ابن حبيب: ولو أخدمها شهراً وشهه لم تحل له أختها، وإن أخدمها سنين كثيرة أو حياة المخدم فذلك يحل له أختها، قاله ابن الماجشون.
ومن كتاب النكاح قال ابن القاسم: ومن اشترى أختاً بعد أختٍ فله أن يطأ الأولى أو الأخيرة، وأما من تزوج امرأةً فلم يمسها حتى اشترى أختها فليقِم على وطء الزوجة، ولا يطأ الذي اشترى حتى يفارق زوجته، فإن وطئ المشتراة كفَّ عن الزوجة حتى يحرم فرج الأمة، ولا يفسد هاهنا النكاح على حال الصحة عُقدة الزوجة. ابن المواز: قال أشهب: إذا وطئ المشتراة فلا يكفُّ عن وطئ زوجته، بل يطؤها، لأن فرج أختها حرامٌ بالنكاح في هذه. ومن المدونة: ومن زوَّج أم ولده ثم اشترى أختها فوطئها، ثم رجعت إليه أم الولد، أقام على/ وطء الأمة، ولو ولدت منه الأمة ثم زوجها وأختها ثم رجعتا إليه جميعاً وطئ أيتهما شاء، إلا أن يطأ أولاهما رجوعاً، وما وجب في أختي النسب وجب مثله في أختي الرضاع في هذا، وكثير من هذا في كتاب الاستبراء. فصل [3 - في نكاح أخت مطلقة طلاقاً بائنا في عدتها] ومن طلق امرأته طلاقاً بائناً فله تزويج أختها في عدتها، وكذلك خامسةٍ في عدة رابعةٍ مبتوتة، وإن طلقها طلقةً فادعى أنها أقرت بانقضاء العدة، وذلك في أمدٍ تنقضي في مثله العدة فأكذبته فلا يصدَّق في نكاح الخامسة، أو الأخت، أو قطع النفقة والسكنى، لأن مالكاً قال: القول في العدة قول المرأة، فإن نكح
الأخت أو الخامسة فسخ النكاح الثاني إلا أن يأتي هو على قولها ببينةٍ أو بأمرٍ يُعرف به انقضاء العدة. [فصل 4 - في الجمع بين النساء] ولا يجمع بين أختين من نسبٍ أو رضاع، ولا بين المرأة وبنات أخيها أو بنات أختها، أو مع بنات بينهم الذكور والإناث من نسبٍ أو رضاع، والأصل في ذلك قوله تعالى: {وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ}، ولأن المرأة خالة بنت أختها، وعمة بنت أخيها، وقد روى ابن وهب عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن جمع الرجل بين المرأة وعمَّتها وبين المرأة وخالتها. قال ابن شهاب: ولا بينها وبين من لأبيها أو لأمها من عمةٍ أو خالةٍ من عصمة نكاحٍ ولا في وطءٍ بملكٍ أو بنكاح.
قال الشيخ: لأنها تقع من عمة الأب بنت ابن أخيها ومن خالته بنت ابن أختها، وحكم بنات الإخوة وإن سلفوا في الجمع حكم الإخوة. وقد جعل العلماء لذلك أصلاً وهو أن ينظر إلى المرأتين اللتين يريد الجمع بينهما أن لو كانت إحداهما رجلاً والأخرى امرأة، فإن حرم تناكحهما فيحرم الجمع بينهما، وإن حل تناكحهما حل الجمع بينهما، وهذا في النسب لا في الصهر. ومن المدونة: قال مالك: ويجمع بينهن في الرق، فإن وطئ إحداهن لم يطأ الأخرى حتى يحرم فرج التي وطئ. وقال يحيى بن سعيد: لا ينكح الرجل بنت ابن امرأته ولا بنت ابنتها من غيره ولا شيئاً من أولادهما وإن بعدن عنها. قال الشيخ: لأن حكم بنت البنت وبنت الابن وإن سفلتا حكم البنت في التحريم، فبنت ابن امرأة الرجل وبنت ابنتها كابنتها، وبنتها ربيبة، فكذلك أولئك لهن حكم الربائب، وهذا بين. قال ابن حبيب: ومن قول مالك: أنه لا يجوز لأبيك نكاح ابنة زوجتك من غيرك، كانت زوجتك حينئذ في عصمتم أم لا. قال ابن مواز: ويجوز أن ينكح ما نكح أبو زوجتك أو ابنها من النسب.
قال الشيخ: لأن أبا زوجتك ليس هو أبوك، ولا ابنها ابنك، وليس كل من يحرم عليك نكاحه أن لو كان امرأةً يحرم عليك ما نكح، أل ترى أن الأخ يحرم عليك نكاحه أن لو كان امرأةً، لأنها أخت، ولا يحرم عليك ما نكح من النساء فكذلك الربيب، وإنما يقع التحريم فيما نكح الابن والأب خاصة. ومن المدونة: قال عمر بن عبد العزيز: لا يجمع بين المرأة وابنتها من ملك اليمين، فقد نزل في القرآن النهي عنه، وإنما استحل ذلك من استحلَّه لقول الله تعالى: {إلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}، وسئل عنه عثمان رضي الله عنه فقال: لي يحل ذلك، ونهى عنه علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما وقالا: إنما أحل الله لك ما سمى لك سوى هؤلاء مما ملكت أيمانكم. ابن القاسم: ومن وطئ أمةً له أو لولده فلم تحمل وامرأته أم لها/ حرمت عليه امرأته، لأنه ممن لا حد عليه فيها، وهذا لا اختلاف فيه، والتي لا حد عليه فيها أشد في التحريم ممن عليه الحد. فإن حملت منه الأمة عتقت عليه- يريد إن بنى بالأم- وعليه قيمتها للابن، وكذلك من ملك من ذوات المحارم فوطئها فحملت منه، فإنه لا حد عليه وتعتق عليه، إذ حرم عليه ما كان له فيها من المتعة، وليس له أن يبقيها في الخدمة. ومن مختصر المدونة لأبي محمد: قال ربيعة ويحي بن سعيد: ولا بأس أن يجمع بين ابنتي العم أو الخال، وليس أبوهما واحداً. قال مالك: ما اعلمه حراماً، وغيره أحسن منه. وقال يحي بن سعيد: إنما كره لعلة التقاطع بينهما.
قال ربيعة ومالك: ويجمع بين المرأتين بينهما نسب يحل لإحداهما أن لو كانت رجلاً نكاح الأخرى، ولا يجوز إن لم يحل أن يتناكحا، وأما من قبل الصهر فذلك جائز، حل لإحداهما لو كانت رجلاً تزويج الأخرى أم لا. قال مالك: ولا بأس أن يجمع بين المرأة وربيبتها، وقد جمع عبد الله بن جعفر بين امرأة علي وبين ابنته من غيرها.
[الباب الرابع] ما يحصن الزوجين، ويحل المبتوتة وحكم الردة في ذلك
[الباب الرابع] ما يحصن الزوجين، ويحل المبتوتة وحكم الردة في ذلك [فصل 1 - في معاني الإحصان] وفرض الرسول عليه الصلاة والسلام الحكم بالرجم فيمن أُحصن بنكاحٍ من الأحرار البالغين، وقضى به هو الخلفاء بعده. وحرَّم الله تعالى في كتابه المبتوتة بالثلاث على التي أبتَّها حتى تنكح زوجاً غيره، وأبان ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: "حتى تذوق
العسيلة". والإحصان على وجوه: إحصان حريةٍ، وإحصان نكاحٍ، وإحصان عفافٍ، وإحصان إسلامٍ. فإحصان الحرية قوله تعالى: {والْمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ}، وقوله تعالى: {ومَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ}، وقوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ} أي الحرائر. وإحصان التزويج قوله تعالى: {والْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعني بالسبي ولها زوج، وقوله: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ}. وإحصان العفاف قوله تعالى: {والَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا}، {والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ}.
وإحصان الإسلام قوله تعالى: {فَإذَا أُحْصِنَّ} أي أسلمن، وقاله ابن مسعودٍ وغيره. قال الشيخ: وحكى عن أبي عمران في قوله تعالى: {فَإذَا أُحْصِنَّ فَإنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} أنه قال: من قرأ (أحصن) بضم الهمزة فتأويله: تزوجن، وهو إحصان النكاح، فيكون حد الأمة المتزوجة على هذه القراءة بنصِّ القرآن، وحد غير المتزوجة بالحديث الذي رواه أبو هريرة وزيد بن خالدٍ رضي الله عنهما وعن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن قرأ (أحصن) بفتح الهمزة فيحتمل تأويله أن يكون، أسلمن، فتكون المتزوجة، وغير المتزوجة على هذا التأويل داخلة في الآية. قال الشيخ: وإحصان النكاح يجب بخمسة أوجه: بالإسلام والحرية والبلوغ والعقل والنكاح الصحيح، واختلف في وجهٍ سادسٍ وهو الوطء الفاسد، فقيل: لا يحصِّن، وقيل: يحصِّن.
[فصل 2 - في الإحصان والإحلال بوطء الصغيرة والمجنونة] قال ابن القاسم: ومن تزوج صغيرةٍ لم تُحصن، ومثلها يُجامع، فوطئها أحصنته ولم يحصنها ولكنه أحلها، والمجنونة المغلوبة على عقلها تحصن واطئها ولا يحصنها، وقال بعض الرواة: يحصنها، لأنها بالغةٌ مسلمة ونكاحها حلال. قال الشيخ: يريد ابن القاسم إذا كان العقد في الصحة ووطئها في حال جنونها ثم أفاقت فلم يطأها حتى زنت، أن وطئها في حال جنونها لا يحصنها حتى يطأها بعد إفاقتها، وفي قول غيره: يحصنها وطؤه ذلك وإن لم يطأها بعد إفاقتها. [فصل 3 - في الإحصان والإحلال بوطء الصبي] ومن المدونة: قال ابن القاسم:/ وإن لم يحتلم الصبي ومثله يقوى على الجماع، فزوَّجه أبوه أو وصيه امرأةً فبنى بها وجامعها لم يحصنها ولا يحلها، ولا يجب لها بوطئه مهرٌ ولا عدةٌ عليها إن بارا عنه أبٌ أو وصي، لأن وطء الصبي ليس بوطء، وتقع الحرمة بعقد نكاحه بين آبائه وأبنائه وبين هذه المرأة. قال مالك: ولا حد على كبيرةٍ زنت بصبيٍ صغيرٍ لم يبلغ، وأما الصبية فهي تحصِّن الكبير. قال ابن المواز: وعلى هذا جماعة أصحاب مالك، وقاله مالك. ابن وهب: وقاله يحيى بن سعيد، وقال: إنما ذكر الصبي بمنزلة الأصبع، ولو زنى رجل بصبيةٍ مثلها يوطأ إلا أنها لم تحصن لحد، ولم تحد الصبية، وقاله الأوزعي ومالك والليث.
[فصل 4 - في الإحصان والإحلال بوطء الخصي والمجنون] ومن المدونة: وإذا تزوجت المرأة خصياً قائم الذكر فوطئها قبل علمها به ثم علمت به، فاختارت فراقه لم يحلها وطؤه ذلك، ولم يكن إحصاناً لها ولا له، ولا يكون الإحصان عند مالك إلا ما يقام عليه الحد ولا خيار فيه. وإن وطئها بعد علمها به ورضاها انقطع خيارها وأحلها وطؤه ذلك، وكانا به محصَنين، لأنه نكاحٌ يُغتَسل منه، ويجب بوطئه الصداق والحد. وكذلك إن تزوجت مجنوناً ولم يعلم بها فلها الخيار في فراقه، وإن وطئها بعد علمها به ورضاها أحصنها ذلك، لأنه نكاح صحيح، ووطؤه يوجب الصداق والحد. قال الشيخ: قال بعض شيوخنا: وسواءٌ كان مقطوع الخشفة أو غير مقطوعها. قال الشيخ: وهذا هو ظاهر المدونة، وذكر عن سحنون انه قال: إنما يكون لها الخيار إذا كان مقطوع الخشفة، لأن اللذة فيها، وأما إن كان غير مقطوع الخشفة فلا خيار لها، ولا حجة لها انه لا يولد لمثله كما لا حجة لها إذا تزوجت رجلاً فوجدته عقيماً لا يولد له.
وقال أبو القاسم بن الكاتب: انظر إن كان إنما جعل لها الخيار لأنه لا ينزل الماء الدافق فصار وطؤه ناقصاً لذلك، ويؤيد ذلك إجماعهم أن ليس للرجل أن يعزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها، فدل أن الإنزال من حق الزوجة، وليس كذلك الرجل العقيم لتكامل وطئه بإنزاله، وإذ قد يولد له بعد ذلك. قال ابن المواز: مذهب ابن القاسم إذا صح العقد ثم وطئها بعد ذلك في حال جنونه أحلها وأحصنها، ولم يحصنه ذلك. وقال أشهب: لا يحلها ولا يحصنها، وإن كان سليم وطئ مجنونة في حال جنونها فذلك يُحصنها ويُحلها، لأن الوطء للرجل وإليه يُنظر. وقال عبد الملك: لا أبالي من كان منهما مجنوناً أو كانا مجنونين جميعاً في حال الوطء، فذلك يُحل ويحصن إذا صح العقد في الإفاقة، ويعقد من يجوز عقده عليها. [فصل 5 - في الإحصان والإحلال بوطء العبد للحرة] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تزوجت الحرة عبداً أذن له سيده في النكاح، فوطئها قبل علمها به لم يحصنها ولم يُحلها ولها الخيار في فراقه حتى تعلم، فإن وطئها بعد علمها به ورضاها أحلها وأحصنها، ولا خيار لها بعد. ابن المواز: قال مالك: وإذا تزوجت عبداً بغير إذن سيده ودخل بها لم يحلها وطؤه حتى يجيزه السيد، ثم يطأ العبد بعد ذلك. وقال أشهب: إذا أجازه أحلها الوطء الأول.
[فصل 6 - في الإحصان والإحلال بنكاح المجبوب] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يحصن المرأة ولا يحلها مجبوب، إذ لا يطأ. ابن حبيب: قال أصبغ عن ابن القاسم فيمن تزوجت شيخاً فلم ينتشر فأدخلت ذكره بأصبعها ثم فارقها/ قال: إن انتشر بعد أن أدخلته وعمل أحلها ذلك لمن أبنها، وإن بقي كذلك فلا يحلها. ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو وطئ فوق الفرج فأنزل ودخل ماؤه في فرجها وأنزلت هي أيضاً فلا يحلها ولا يحصنها. [فصل 7 - في الإحصان والإحلال بوطء الحر للأمة المسلمة والحرة الكتابية] ومن المدونة: ويحصن الحر وطء الأمة المسلمة والحرة الكتابية بنكاح صحيح، وإن فسد النكاح لم يحصن.
ابن المواز: وروى ابن وهب أن عبد الملك بن مروان سأل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، هل تحصن الأمة الحر؟ قال: نعم، فقال له: عمن تروي هذا؟ قال: أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون ذلك. ومن المدونة: قال ربيعة: يحصن الحر المملوكة وتحصن الحرة بالعبد، وقاله علي بن أبي طالب وجماعة من الصحابة والتابعين. والأمة المسلمة والحرة الكتابية يحلهن وطء العبد أو الحر المسلم بنكاح، ولا يكونان به محصنين حتى توطأ هذه بعد الإسلام، وهذه بعد العتق، والعبد لا يحصنه ذلك حتى يطأ بعد عتقه، والوطء بعد عتق أحدهما يحصن المعتق منهما، والعبدان إذا عتقا وهما زوجان فلم يجامعها بعد العتق حتى زنيا لم يكونا به محصنين حتى يطأها بعد العتق.
[فصل 8 - في الإحصان والإحلال بمجرد الخلوة، وبزنا المرأة] ومن المدونة: قال مالك: ومن بنى بزوجته ثم طلقها فادعت المسيس وأنكره، فالقول قول المرأة في الصداق، وعليها العدة، ولا يملك الرجعة، ولا يحلها ذلك لزوج كان طلقها البته، إلا بتقاررهما على الوطء. قال ابن القاسم: أما في الإحلال فلا أمنع المطلق منها وأدينها وأخاف أن إنكار الزوج ليضر بها في نكاحها، ولا يكون الزوج محصناً، لأنها لا تصدق عليه في الإحصان. قال بعض الرواة: وإن أخذت منه الصداق، لأنه إنما أخذ منه الصداق بما مضى به الحكم الظاهر وهو لم يقر بأنه أصابها. قال مالك: ولا تكون هي محصنة إن زنت. قال غيره: ولها أن تسقط ما أقرت به من الإحصان قبل أن تؤخذ في زنا أو بعد ما أخذت وتقول: أقررت لأخذ الصداق. قال الشيخ: يريد: فإذا رجعت عن إقرارها بالإحصان رجع عليها الزوج بنصف الصداق، وقاله أبو الحسن بن القابسي. وقال بعض فقهائنا: يحتمل أن يكون هذا في الرشيدة، وأما السفيهة فالصداق صار مالاً من مالها فليس لها إتلافه.
قال الشيخ: والرشيدة عندي والسفيهة سواء في ذلك، لأن ذلك إنما يُعلم من جهتها، وبدعواها أخذته، فإذا رجعت عن ذلك وجب رده، لأنها لو شاءت أولا لم تدعه، وأمور الصدقات في هذا المعنى إنما تؤخذ من قبل الزوجات. قال الشيخ: وحكي عن بعض شيوخنا فيمن لم تعلم له بزوجته خلوة، فظهر بها حمل فلاعن منه فإن ذلك يحصنها لإقرارها بالإحصان، ولا يحلها. قال بعض فقهائنا: ولو رجعت هذه فقالت: ليس الولد منه، فيحتمل أن يقال: لا يقبل رجوعها في نقص الإحصان، لأن الولد لا يزول نسبه بقولها، ولو استلحقه الزوج لحق به، ولم يُلتفت إلى رجوعها، ومن نفى هذا الولد على غير وجه الخبر حُد، فصار كالولد الحلال في الحكم لا كولد الزنا، فلهذا لا يقبل رجوعها، والله أعلم. قال الشيخ: أما قوله في الولد فصواب، لا يُنفى بروجوعها، وللأب أن يستلحقه، وأما في الإحصان فيظهر لي أن لها أن تسقطه وتقول: ادعيت الوطء لئلا أحد، فيجب أن يقبل ذلك منها وتحد، وكما يقبل قولها في مسألة الكتاب إذا قالت: إنما أقررت بالوطء لآخذ الصداق، ويسقط بذلك/ بالإحصان، وكذلك يسقط إذا قالت: إنما ادعيت وطء الزوج خوفاً من الحد، فهذه أعذر من الأولى، والله أعلم.
[فصل 9 - في الإحصان بزنا أحد الزوجين بعد إقامته مع الآخر وإنكاره الوطء] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أقر بجماع امرأته من عنين أو غيره، وأنكرت هي ثم طلقها البته، كانت مخيرة في أخذ الصداق أو تركه. قيل له: فإن زنت المرأة بعد ذلك، أتكون محصنة؟ قال: لا تكون محصنة إلا بأمر يعرف به المسيس بعد النكاح. قال ابن القاسم: وإذا أقامت امرأة مع زوجها عشرين سنة، ثم أخذت تزني فقالت: لم يكن الزوج جامعني، والزوج مقر بالجماع فهي محصنة. قال سحنون: وكذلك يقول غيره: أنها محصنة، وليس لها إنكار، لأنها إنما تدفع حدا قد وجب عليها، ولم يكن منها قبل ذلك دعوى. قال في كتاب الرجم: وإن طالت إقامة الرجل مع زوجته ثم زنى فقال: لم أجامعها، فإن لم يعلم وطؤه بولد يظهر، أو بإقرار فلا حد عليه. قال مالك: ويحلف، وإن علم منه إقرار بالوطء رجم. قال يحيى: هذا خير مما في كتاب النكاح، قال ابن المواز: وهو قول أصحابنا. قال الشيخ: كأنهما أشارا إلى أن هذا منه اختلاف قول، وكذلك نحا إليه أبو محمد ولم يتعقبه، وذكر عن بعض المتأخرين من أصحابنا: أن ذلك ليس
باختلاف قول، وإنما اختلف جوابه فيهما لاختلاف السؤالين، وذلك أنه في مسألة كتاب النكاح هذه، الزوج فيها مقر بجماعها، فقد وجب الرجم عليها فلا ينفعها إنكارها بعد وجوب الرجم، وفي مسألة الحدود لم تدع المرأة أنه جامعها ولا أقر الزوج بجماعها، فلذلك لم يرجم. قال الشيخ: والأظهر أنه اختلاف قول، هذا ظاهر قولهم، لأنهم إنما عللوا المسألة باختلافهما في الوطء بعد الزنا أو قبله. ونص ما في كتاب ابن المواز قال: فإذا أقام معها عشرين سنة ثم فارقها، فزنت، وقد اختلفا في الوطء؟ قال: قال ابن القاسم وابن عبد الحكم: إن اختلفا بعد الزنا لم يقبل قول من أنكر الوطء والرجم قائم، وكذلك لو لم يقم معها إلا ليلة واحدة. قال عبد الملك: فإن كان اختلافهما قبل الزنا فعليهما حد البكر وإن طالت إقامته معها، كانت تحته أو فارقها، كما لو قالت بعد طول السنين وهي تحته: لم يمسني، وطلبت أجل العنين وصدقها، أن ذلك لها. قال الشيخ: فجعلوا العلة الاختلاف قبل الزنا وبعده، لأنه بعد الزنا يريد رفع حد وجب، فلا يُقبل منه، وليس العلة إقرار الزوج بالجماع، لأن إقراره بذلك لا يوجب إحصانها إذا أنكرت ذلك قبل الزنا، ولا يكون هو محصناً بدعواها هي الوطء أيضا قبل الزنا، وإنما العلة أن الحد إذا وجب فلا يقبل قول من أراد رفعه. قال الشيخ: فالقول الآخر أصوب لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
"ادرؤا الحدود بالشبهات". [فصل 10 - في الوطء الذي يحصن الزوجين ويحل المبتوتة] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأة فلم يدخل بها حتى مات فادعت أنه طرقها ليلاً فجامعها، لم تصدق، ولا يُحلها ذلك لزوج كان طلقها البته إلا بدخول يُعرف، وإن زنت لم تكن محصنة بقولها ذلك، وهي مثل الأولى لها طرح ما ادعت. قال ابن القاسم: ولا يحصن الزوجين ويحل المطلقة ثلاثاً إلا نكاح يصح عقده ويصح الوطء فيه، ولا يجزئ من الوطء إلا مغيب الحشفة وإن لم ينزل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى تذوق العسيلة"، وقاله مالك. قال ابن القاسم: ولا يكون بوطء الملك [محصناً] ولا بنكاح لا يقران عليه وإن رضي المولي، كمن تزوج ذات محرمٍ منه، أو حرة زوجت نفسها، أو أمة زوجت نفسها بغير إذن السيد، أو تزوج امرأة على عمتها أو خالتها أو أخت
امرأته، ودخل بها، أو بجمعهما في عقدة، ولم يعلم بذلك/ كله، فلا يُحلها ذلك ولا يُحصنها، وكذلك ماللولي أو أحد الزوجين إجازته أو فسخه، كاستخلاف الحرة أجنبياً يزوجها من رجلٍ بغير إذن وليها فيدخل بها، ونكاح العبد بغير إذن سيده، فلا يحلها ذلك الوطء ولا يحصنها، وإنما يُحلها ويحصنها إذا وطئها بعد إجازة الولي أو السيد. قال الشيخ: وقد تقدم قول لأشهب في ذلك. قال ابن القاسم: وكذلك الزوج في عيوب المرأة لا يحلها وطؤه ولا يحصنها قبل علمه بعيوبها حتى يطأها بعد العلم، وكل وطءٍ أحصن الزوجين أو أحدهما فإنه يحل المبتوتة، وليس كل ما يحل يحصن، وذلك في الصغيرة والنصرانية والأمة فإن ذلك يحلهن، ولا يحصنهن إلا مسيس معروف ليس لأحد فسخه، ولو صح العقد وفسد الوطء ما أحصن ولا أحل كوطء الحائض، أو أحدهما معتكف أو صائم في رمضان أو محرم، وكل وطءٍ نهى الله سبحانه عنه حتى يطأ بعده وطئاً صحيحاً. قال المغيرة: قال الله تعالى: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وقد نهى الله تعالى عن وطء الحائض، فلا يكون ما نهى عنه يُحِلُّ ما أمر به.
قال الشيخ: وسئل أبو عمران عن المرأة ترى القصة البيضاء فيطؤها زوجها قبل أن تغتسل، هل يحصنها ذلك؟ فقال: أما على مذهب ابن بكير الذي يجعل الإمساك عنها استجاباً فلا شك في ذلك، وأما على مذهب أصحابنا فإنهم شددوا في وطئها، وهم يقولون في الإحصان: إن كل ما اختلف فيه من النكاح لا يحل ولا يحصن، فهذا من ذلك المعنى. قال ابن المواز في وطء الحائض والمعتكف والصائم في رمضان ووطء المحرم وكل وطءٍ نهى الله عنه فقول أصحاب مالك المصريين كلهم ابن القاسم وأشهب وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ: أن ذلك لا يحل ولا يحصن، ورووه عن مالك، وقال المغيرة وابن دينار: أن ذلك يحصن ولا يحل، وروياه عن مالك، وقال لي عبد الملك: هو عندي يحل ويحصن. قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم: أنه وطء فاسد ممنوع منه كالعقد إذا وقع على وجهٍ فاسدٍ ممنوعٍ منه، فإنه لا يحل ولا يحصن بإجماعٍ منهم. ووجه قول المغيرة: أنه لا يحل، فلأنه وطء منهي عنه فلا يحل ما أمر الله به، وكان ذلك يحصن، فلأنه حر مسلم وطئ في عقد نكاحٍ صحيحٍ يعف به، فوجب أن يحصنه كالوطء الصحيح.
قال الشيخ: ولو عكس المغيرة قوله فقال: يحل ولا يحصن، لكان أبين، ووجه ذلك: فلأنها ذاقت العسيلة في عقد نكاح كالوطء الصحيح، ولم يحصن لحرمة النفس، ولمراعاة الخلاف، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "ادرؤا الحدود بالشبهات" فنقله من الرجم إلى الجلد من دراية الحد. ووجه قول عبد الملك: فلأنه حر مسلم بالغ صحيح العقل وطئ في عقد نكاحٍ صحيحٍ وطئاً لأحد عليه فيه، تعففت به، وذاقت العسيلة، فوجب أن يحل ويحصن كالوطء الصحيح. قال ابن حبيب: وإن وطئها في صوم تطوعٍ أو قضاء رمضان أو نذرٍ لأيامٍ بغير أعيانها [جاهلاً] فوطؤه يحل ويحصن إجماعاً من قول مالك وأصحابه، لأنه لو أفطر يوماً من قضاء رمضان، أو من نذرٍ بغير عينه ساهياً جاز له فطر باقيه إن شاء ويقضيه. وذكر سحنون في العتبية عن ابن القاسم: إن وطئ الصائم في فرضٍ أو نذرٍ لا يحلها ولا يحصنها، ووقف في صوم التطوع، ثم قال: قال مالك: لا يحصن ولا يحل إلا في عقدٍ صحيحٍ لا خيار فيه/ لأحد، ووطءٍ صحيحٍ لا في اعتكافٍ أو حيضٍ أو إحرامٍ أو صومٍ وشبه ذلك.
[فصل 11 - في عدم الإحصان بوطء النصراني للنصرانية وعدم الإحلال بنكاح المحلل] ومن المدونة: قال مالك: والنصرانية يبتها مسلم فلا يحلها وطء نصرانيٍ بنكاحٍ إلا أن يطأها بعد إسلامه، لأن ذلك ليس بنكاحٍ إلا أن يسلم الزوج وحده، أو يُسلما جميعاً فيثبت النكاح. ولا يحصن الوطء بين النصرانيين حتى يطأها بعد إسلامهما. وإن طلق الحر زوجته ثلاثاً أو العبد طلقتين لم تحل له إلا بعد زوج، ولا يحلها نكاح المحلل حتى يكون نكاح رغبةٍ غير مدالسة، وقاله عثمان وعلي وابن عباس، وكثير من التابعين. قال ابن المسيب: لو فعلت لكان عليك إثمهما ما بقيا. قال الوليد: كنت أسمع أن الزناة ثلاثة: الرجل والمحلل والمرأة. وقال بعضهم: اتق الله ولا تكن مسمار نارٍ في كتاب الله تعالى.
فقلت لمالك: إنه يحتسب في ذلك؟ قال: يحتسب في غير هذا. ومن كتاب ابن حبيب: وإذا نوى أن يتزوجها فإن أعجبته أمسكها وإلا كان قد احتسب في تحليلها للآخر لم يجز ذلك أيضاً إذا خالطت نيته التحليل، ولا تحل بذلك للآخر إن علم، وعلى هذا أن يعلمه بما اعتقد حتى يجتنبها. ومن كتاب ابن المواز: قال مالك: وإنما يفسد ذلك بعلم المحلل وإرادته وإن لم يعلم الزوجان، ولو نكح على الصحة ولم يرد ذلك لم يضره علم الزوجين وإرادتهما، ويحلها ذلك. قال مالك: لا يضره ما نوت هي، لأن الطلاق ليس بيدها. قال مالك: وإذا فسخ نكاح المحلل وقد بنى فله نكاحها بعد ذلك، وأحب إلي أن ينكحها أبدا. قال ابن عبد الحكم عن مالك: ويفسخ نكاح المحلل وإن بنى بها فلها صداق المثل، قال ابن المواز: بل المسمى، وهو قول مالك. وقال: ويفسخ بطلقةٍ بائنةٍ بالقضاء إن كان بإقرار منه، ولو ثبت عليه أنه أقر بذلك قبل النكاح فليس بنكاح، ولو تزوجها بذلك زوجها الأول فسخ ذلك بغير طلاق إذا علم بذلك، وإن لم يعلم فإثمهما على من علم ذلك ما بقيا.
فصل [12 - في أثر الردة على الإحصان والإحلال] ومن المدونة: والردة تزيل إحصان المرتد من رجل أو امرأة، ويأتنفان الإحصان إذا أسلما، لقول الله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}، ومن زنى منهما بعد رجوعه إلى الإسلام وقبل تزويجه لم يُرجم، وقد قال مالك: إذا ارتدت وقد حجت ثم رجعت إلى الإسلام استأنفت الحج، ولم يجزها ما حجت قبل ردتها. ابن المواز: ولو طلق رجل امرأته البتة فتزوجت غيره فحلت للأول ثم ارتدت لسقط ذلك الإحلال كما يسقط الإحصان. قال الشيخ: يريد لأنها أبطلت فعلها في نفسها وهو نكاحها الذي أحلها كما أبطلت نكاحها الذي أحصنها، بخلاف ارتداد الزوج الذي أحلها، لأن ذلك فعل فعله في غيره فلا يبطله ارتداده. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا ارتد وعليه يمين بالله أو بعتقٍ أو بظهارٍ فالردة تسقط ذلك عنه. قال ابن المواز: وكذلك يمينه بالطلاق وبالعتق وبالمشي أنه إذا ارتد ثم تاب سقط ذلك عنه، وقد ذكر عن ابن القاسم أنه يلزمه أيمانه بالظهار، ولم يعجبنا. ابن المواز: ولو حنث في ظهارٍ مجردٍ فلزمته الكفارة، ثم ارتد، ثم أسلم لسقطت الكفارة عنه، ولو لم يحنث لم يسقط الظهار عنه كالطلاق.
قال الشيخ: لأنه إذا حنث صارت الكفارة كنذرٍ نذره للمساكين، فإذا ارتد ثم أسلم سقط ذلك عنه، وإذا لم يحنث فالظهار باقٍ عليها منه كالطلاق، ولأنها مخاطبة ألا يقربها في الطلاق ثلاثاً إلا بعد زوج، وفي الظهار حتى يكفر، فلا يزيل ذلك عنها ارتداده إلا أن ترتد هي أيضاً فسقط ذلك عنهما. ومن المدونة:/ قال سحنون: وقال بعض الرواة: لا تطرح ردته إحصانه في الإسلام، ولا أيمانه بالطلاق، ألا ترى أنه لو طلق زوجته ثلاثاً قبل أن يرتد ثم رجع إلى الإسلام أكان يكون له تزويجها بغير زوج؟ وكذلك لو نكح امرأة قد كان طلقها زوجها ثلاثاً فوطئها قبل ردته فحلت لمن أبتها لم تبطل ذلك ردته. قال الشيخ: وهذا احتجاج منكسر، لأن التي أحلها لزوجها قد تم الإحلال فيها قبل ردته، فلا تسقطه ردته، لأن ردته إنما تسقط أفعاله في نفسه لا أفعاله في غيره، ألا ترى أنه لو أعتق عبداً أو أعطى عطيةً ثم ارتد، ثم أسلم أكان يبطل ذلك ردته؟ وكذلك المرأة التي طلقها ثلاثاً لا ترجع إليه، لأنه فعل فعله في غيره، ولأنه وإن حل ذلك له فهي لا يحل لها أن تتزوجه إلا بعد زوج، إلا أن ترتد هي أيضاً ثم تسلم، فيحل له أن يتزوجها قبل زوج، وقاله ابن عبد الحكم في ارتدادهما جميعا: إنها تحل له قبل زوج. قيل: فإن كانت الزوجة نصرانية فطلقها، ثم ارتد، ثم رجع إلى الإسلام؟ فقال أبو محمد وغيره: لا تحل له، لأنها مخاطبة بالإسلام وأحكامه، وهو فيها كالمسافر يقدم مفطراً في رمضان فلا يحل له وطؤها. قال الشيخ: والعلة المستمرة أنها إنما تسقط عنه بردته ما فعله في نفسه، لا ما فعله في غيره، أصله العتق.
[الباب الخامس] في مناكح المشركين وإسلام أحد الزوجين
[الباب الخامس] في مناكح المشركين وإسلام أحد الزوجين [فصل 1 - في حكم أنكحة المشركين] ونكاح المشرك عندنا فاسد، وإنما يصح منه بالإسلام ما لو ابتدأ العقد عليها بعد الإسلام لجاز، وما لا يجوز أن يبتدئه بعد الإسلام لم يصح البقاء عليه كالعقد على ذوات المحارم. والدليل على فساده أن صحة العقد مفتقرة إلى شروط هي معدومة في أنكحتهم منها الولي، ورضى المنكوحة، وأن لا تكون في عدة، وبصداق مما يجوز تملكه، وبشهود، وأنكحتهم خالية من ذلك فوجب فسادها، وإنما تصح لهم بالإسلام، لقوله عليه الصلاة والسلام: "الإسلام يجب ما قبله"، ولأنه عليه الصلاة والسلام أقر من أسلم على نكاحه.
[فصل 2 - في النصراني ينكح النصرانية بخمر أو خنزير أو بغير مهر] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا تزوج نصراني نصرانية بخمرٍ أو خنزيرٍ أو بغير مهرٍ أو شرطا ألا مهر لها، وهم يستحلون ذلك في دينهم ثم أسلم أو أسلما جميعاً بعد البناء ثبت النكاح، فإن كانت قد قبضت قبل البناء ما ذكرنا فلا شيء لها غيره، وإن لم تكن قبضته وقد بنى بها فلها صداق المثل، وإن كان لم يبن بها حتى أسلما وقد قبضت ما ذكرنا أو لم تقبضه خير بين إعطائها صداق المثل ويدخل بها أو الفراق ويكون طلقة، ويصير كمن نكح على تفويض. وقال غيره: فإن قبضته مضى ذلك ولا يكون لها غيره بنى بها أو لم يبن. وقاله ابن القاسم في كتاب محمد، قال محمد: وهذا عدل. قال ابن المواز: وإن وجد بيدها - يريد محمد: وقد أسلمت - كسر عليها الخمر وقتلت الخنازير. قال: وقال ابن القاسم في الأسدية: سواء قبضت أو لم تقبض إذا لم يبن، فإن شاء بنى وودى صداق المثل وإلا فارق وكانت طلقة ولا شيء عليه، وهذا غلط، وقال أشهب: يفسخ إذا لم يدخل إلا أن يعطيها ربع دينار، واستحبه أصبغ. قال الشيخ: قول أشهب: يعطيها ربع دينار، يريد إذا كان قبل البناء وقد قبضت ذلك، وكذلك فسره في غير هذا الموضع. وقال البرقي عن أشهب: يعطيها صداق المثل. قال أبو محمد: وقول ابن القاسم وعبد الملك هو المعمول به/ أنه كالتفويض فإن قبضت نصفه كان لها نصف صداق المثل، وكذلك فيما قل أو كثر على هذا الحساب.
أبو محمد: يريد إن شاء البناء ولم يكن بنى. قال الشيخ: إنما يصح هذا في قول ابن القاسم إذا بنى، وأما إذا لم يبن فهو يقول: إذا قبضت جميعه لم يكن للزوج أن يدخل حتى يعطيها صداق المثل أو يفارق بطلقة، وهو كمن نكح على تفويض. -قال الشيخ: وسواء قبضت جميعه أو بعضه أو لم تقبض شيئاً لا يكون للزوج أن يدخل حتى يدفع صداق المثل-. قال أبو محمد: ولو وهبت نفسها لرجعت إلى صداق المثل، وهذا كله قبل البناء، فأما إن بنى ولم تقبض شيئاً فلا شيء لها في الخمر والخنزير ولا في الهبة. قال أبو محمد: وهذا خلاف ما في المدونة. قال الشيخ: يريد أنه خلاف المدونة في الخمر والخنزير، وأما في الهبة أو بغير صداق فلا، وظاهر المدونة ألا شيء لها عليه كما قال أبو محمد، وإن كان ابن حبيب قد قال: إذا تزوجت بغير صداقٍ شرط مشروط ثم أسلم قبل البناء خير بين إعطائها صداق المثل أو فارق، وإن أسلم بعد البناء أعطاها صداق مثلها وثبت النكاح. قال الشيخ: وهذا خلاف ظاهر المدونة، لأنه أسلم بعد البناء ولا تباعة لها عليه، فهي كمن قبضت الخمر والخنزير فلا تتبعه بشيءٍ إذا أسلما، وقاله أبو الحسن ابن القابسي. ابن حبيب قال: وإن أسلمت هذ دونه قبل البناء فسخ النكاح ولا شيء عليها فيما قبضت من خمرٍ أو خنزيرٍ لا نصف ولا غيره. قال الشيخ: وحكي عن بعض شيوخنا من القرويين أن عليها قيمة ما قبضت وإن كان قائماً، ويراق الخمر عليها وتقتل الخنازير، لأنها منعته من ذلك
بإسلامها، وكانت كالمسلم يستهلك ذلك للنصراني أن عليه قيمته، ونحو هذا روى عيسى عن ابن القاسم في المستخرجة. ووجه قول ابن حبيب هذا: أنها غير متعديةٍ عليه في ذلك، إذ هي مأمورة بالإسلام، فهي بخلاف من أتلف عين ذلك تعدياً، والله أعلم. قال الشيخ: قال بعض شيوخنا: ولو تبايعا سلعة بخمرٍ ثم أسلما وقد قبض الخمر ولم تقبض السلعة فالبيع تام ولا يدخله اختلافهم في مسألة النكاح، لأن البضع لا يستباح في الإسلام إلا بعوض، وملك السلعة يجوز بغير عوض، فحكم ذلك مفترق. قال بعض فقهائنا: ولو أسلما قبل التقابض لاحتمل أن يفسخ البيع بينهما، ولا يقال للمشتري: عليك قيمة السلعة، فيكون كبيع سلعةٍ بقيمتها. قال الشيخ: ويحتمل أن ينظر فإن أسلم مشتري السلعة أولا فقد أتلف على البائع ثمن سلعته، فيرجع في عينها، وإن أسلم بائع السلعة أولاً فهو الذي أتلف ثمن سلعته، فلا شيء له على مبتاعها، ويكون ذلك كقبضه ويتم البيع في السلعة، والله أعلم. قال ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو أصدقها ثمن خمرٍ [له] على رجلٍ فلم تقبضه حتى أسلما فلها قبضه والنكاح ثابت، لأنه إذا أسلم وله دين من ثمن خمر فحلال له قبضه.
قال عبد الملك: ولا يدخل بالزوجة حتى يقدم ربع دينار، ولو أصدقها ديناً له من رباً ديناراً بدينارين فلم تقبضه حتى أسلما فليس لها على الزوج شيء، وله البناء إن لم يكن بنى، ولا تأخذ من/ الغريم إلا ديناراً كما كان هو يقبض منه لو أسلم، وكذلك لو كان رأس المال درهمين في ثلاثة فلا تقبض من الغريم إلا درهمين، ولا ترجع على الزوج بشيء وله البناء، لأنه كان صادقاً يوم أصدقها، وإن أصدقها خمراً بعضه نقداً وبعضه مؤجلاً فأسلما أو أسلم الزوج قبل قبضها المؤجل، فإن بنى فلا شيء لها، وإن لم يبن نظر ما المؤجل منه، فإن كان الثلث بالقيمة رجعت عليه بثلث صداق المثل معجلا. قال الشيخ: وهذا على أصله في كتاب ابن المواز، وهو قول الغير في المدونة، وأما على قول ابن القاسم في المدونة يكون لها ثلث صداق المثل إن بنى وأما إن لم يبن فإنه مخير بين إعطائها المثل أو يفارقها، كما قال إذا قبضت جميع الخمر. قال عبد الملك: ولو أصدقها خمراً مع خنازير فقبضت الخمر ثم أسلما قوم هذا من هذا، فترجع من صداق مثلها بمقدار ما بقي مما لم تقبضه. ابن المواز: وإذا تزوج مسلم نصرانية بخمر فقبضته وفات بيدها، فإن لم يبن فسخ ولم يتبعها بشيء، وإن بنى فقيل: يفرق بينهما، ولا أقوله، ولكن يثبت ولها صداق المثل، قاله ابن القاسم، وقال أشهب: يعطيها ربع دينار، قال أصبغ: وقولي: على قول ابن القاسم، استحساناً، وأما قوله: إن لم يبن، فهو القياس.
[فصل 3 - في تحريم المسلمة على الكافر] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يطأ كافرٌ مسلمةٌ بنكاحٍ أو ملكٍ ويتقدم في ذلك إلى أهل الذمة أشد التقدمة ويعاقب فاعله بعد التقدم، ولا يحد وإن تعمداه، ومن عُذِرَ بجهلٍ فلا يعاقب، وتباع الأمة على مالكها ويفسخ النكاح وإن أسلم الزوج. قال الشيخ: ولا تباع عليه الأمة إذا أسلم السيد. قال الشيخ: قال بعض شيوخنا: وإن لم تعذر المسلمة بجهلٍ في النكاح حدث، ويكون كمتزوج الخامسة، ونحو ذلك مما يُحرم بالقرآن. وقوله في الكتاب: ولا حد في ذلك وإن تعمداه، يريد: لاحد على الزوج، لأنه نصراني، ولا حد عليها في الملك. قال سحنون: الملك مخالف للنكاح، لأن بالشراء انعقد له الملك في الأمة، ولا ينعقد بالنكاح، فلذلك أجاب أن تضرب المرأة الحد. وفي كتاب ابن المواز فيمن تزوج مجوسية وهو عالم بتحريم ذلك: فإنه يُرجم.
ومن المدونة: قال عمر بن الخطاب: ينكح المسلم النصرانية ولا ينكح النصراني المسلمة، وقال علي بن أبي طالب: لا ينكح النصراني ولا اليهودي المسلمة، قال سليمان بن يسار وأبو سلمة بن عبد الرحمن: فإن فعلا ذلك فرق السلطان بينهما، قال ربيعة: وإن نكحها وزعم أنه مسلم فلما خشي الظهور عليه أسلم وقد بنى بها فلها الصداق ويفرق بينهما وإن رضي أهل المرأة، لأن نكاحه كان لا يحل، ثم إن رجع إلى الكفر قُتل. فصل [4 - في إسلام أحد الزوجين] قال مالك: وإذا أسلم مجوسي أو ذمي وتته مجوسيةٌ عُرِضَ عليها الإسلام حينئذ، فإن أبته وقعت الفرقة بينهما، وإن أسلمت بقيت له زوجة. قال الشيخ: يريد بني أو لم يبن، قال ابن القاسم في أب الزوج الصغير المجوسي يسلم، فهذا مثله. قال ابن القاسم: إلا أن يبعد ما بين إسلامهما فلا تكون امرأته وإن أسلمت، وتنقطع العصمة فيما بينهما إذا تطاول ذلك ولم يجد البعد في ذلك، وأرى الشهرين/ وأكثر من ذلك قليلاً ليس بكثير. وفي بعض الروايات: وارى الشهر وأكثر من ذلك ليس بكثير، وكذلك في كتاب ابن المواز.
قال ابن اللباد: وذلك إذا غُفِل عنهما. وحجة ابن القاسم: أن أبا سفيان بن حرب أسلم ثم أسلمت هند بعد شهر وبقيت له زوجة. وقال أشهب في كتاب ابن المواز: لا يفرق بينهما في المدخول بها حتى تخرج من العدة، وأصحابنا على قول ابن القاسم. وروي أبو زيد عن ابن القاسم: أنه يعرض عليها الإسلام اليومين والثلاثة فإن أبت استبرأت نفسها بحيضة. قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم: إذا أبت الإسلام فرق بينهما مكانه، قوله تعالى {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر} [الممتحنة:10]، ولأنه إما أن يفسخ النكاح عقب إبائها أو تبقى مستدامة النكاح. ووجه قوله: يعرض عليها الإسلام اليومين والثلاثة اعتباراً بالمرتد. ووجه قول أشهب: اعتباراً بإسلام الزوجة. قال ابن المواز: وذكر ابن القاسم عن مالك: إن المجوسي إذا أسلم قبل البنا ولم تسلم امرأته، أنه يعرض عليها الإسلام، فإن أسلمت مكانها وإلا فرق بينهما. وقال أشهب: إسلام الزوج قبل البناء يقطع العصمة بينهما، وبه أخذ ابن المواز.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا أسلمت الزوجة بعد البناء وزوجها مجوسي أو كتابي فلا يعرض عليه الإسلام، ولكنه إن أسلم في عدتها كان أملك بها، وإن أسلم بعد انقضاء عدتها فلا سبيل له عليها، وقد قال الله تعالى في اللاتي أسلمن دون أزواجهن وهاجرن: {فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار} [الممتحنة:10]، وأبانت ذلك سنة النبي عليه الصلاة والسلام أن ذلك مالم يسلم الزوج في العدة، لما أقر صفوان إذ أسلم في العدة بعد شهر من إسلام زوجته، وأقر صلى الله عليه وسلم ابنته زينب تحت أبي العاص إذ أسلم في عدتها بعد إسلامها.
ومن المختصر: وإذا أسلمت النصرانية فأراد زوجها أن يسلم فقالت: أنا افتدي منك بكذا على أن لا تسلم حتى أملك أمري، أو على أن لا رجعة لك علي ثم أسلم فهو أحق بها، وما أخذ منها رد إليها. قال ابن زمنين: وإذا أسلمت فكان الزوج أولى بها في العدة إن أسلم اختلف قول ابن القاسم في النفقة عليها قبل إسلامه مادامت في العدة، فروى عنه أصبغ أنه قال: أحب إلي أن ينفق عليها من يوم إسلامها، لأنه أحق بها مادامت في العدة، وروى عنه عيسى: أنه لا نفقة لها عليه، لأنها منعته فرجها بإسلامها، قال: وهذه الرواية أحسن عند أهل النظر من رواية أصبغ. ومن المدونة: قال مالك، وقال أيضاً ابن القاسم وأشهب: وإن أسلمت قبل البناء والزوج مجوسي أو كتابي فقد بانت منه، ولا رجعة له إن أسلم.
قال الشيخ: ولا خلاف بينهم في إسلام الزوجة بعد البناء أن الزوج أحق بها إن أسلم في عدتها للسنة المأثورة، ولا خلاف أيضاً بينهم إن أسلمت قبل البناء أنه لا سبيل إليها إلا أن يسلما معاً، وذلك أن إسلامه ينزل منزل رجعته، لأن النبي عليه الصلاة والسلام جعل إسلام الزوج في العدة كرجعة المسلم فيها إذا طلق واحدة، فلما لم يكن في غي المدخول بها عدة ولم يكن فيها رجعة لم يكن لزوجها إذا أسلم بعدها عليها سبيل، إذ لا عدة عليها، وكذلك إن أسلم في التي بنى بعد إسلامها وبعد انقضاء عدتها، فقد بانت منه، لأن إسلامه أقيم مقام ارتجاعه فكان موقوفاً على العدة. ومن المدونة: قال مالك: وإذا وقع الفراق بإسلام/ أحد الزوجين كان فسخاً بغير طلاق. قال ابن المواز: والفرق بين إسلام أحد الزوجين أنه فسخ بغير طلاق، وبين ردته أنه تلزمه طلقة، لأن المسلم يلزمه طلاقه فكذلك يلزمه لما أحدث من الردة الطلاق، والكافر لو طلق لم يلزمه طلاقه إن أسلم فلم يلزمه بما فعل طلاق. ومن المدونة: وإن أسلم كتابي بدار الحرب أو بعد قدومه إلينا لم تزل عصمته عن نسائه، وهن على نكاحهن، ويقع طلاقه عليهن، فافتراق الدارين ليس بشيء. قال ابن القاسم: وأكره له الوطء بدار الحرب بعد الإسلام كما كره مالك أن ينكح بها خوفاً أن تلد ولداً فيكون على دين الأم، فإن خرجا إلينا بأمان فأسلم أحدهما كانا في الفرقة والاجتماع كالذميين يسلم أحدهما.
قال: وإن أسلم ذمي وتحته كتابيه بنى بها أم لا ثبت نكاحه وبقيت له زوجة، وإن كانت صغيرة زوجها إياه أبوها فهما على نكاحهما، ولا خيار لها إن بلغت. قال: وإن أسلن الصبي الذمي وقد زوجه أبوه مجوسية لم بفسخ نكاحه فسخ نكاحه إلا أن يثبت على إسلامه حتى يحتلم فتقع الفرقة بينهما، إلا أن تسلم هي عند ذلك فتبقى له زوجة، لأنه لو أرتد عن الإسلام قبل بلوغه لم يقتل. وإذا أسلم الزوج قبل البناء وهما مجوسيان ففرق بينهما فلا صداق عليه، لأنه فسخ بغير طلاق، وإذا وقعت الفرقة بين الزوجين بإسلام أحدهما، وذلك قبل البناء فلا صداق للمرأة ولا متعة. قال الشيخ: لأن الفراق من قِبلها. قال: فإن بنى بها وهما مجوسيان أو ذميان فوقعت الفرقة بينهما بإسلام أحدهما فرفعتها حيضتها فلها السكنى، لأنها إن كانت حاملاً اتبعه ما في بطنها، وكذلك من نكح ذات محرم منه ولم يعلم ففرق بينهما بع البناء فلها السكنى لأنها تعتد منه وإن كان فسخاً. وإذا سبيت ذات زوج فعليها الاستبراء بحيضة، لأنها صارت أمة، وإن أسلمت امرأة في دار الحرب ثم قدمت إلينا، أو قدمت إلينا بأمان ثم أسلمت فلا تنكح مكانها، ولكن تستبرأ في نفسها بثلاث حيض كاستبراء الحرائر، فإن أسلم زوجها فيها كان أملك بها إن ثبت أنها زوجته، ولو كان إسلام هذه الزوجة في دار الحرب أو عندنا وذلك قبل البناء لبانت ولا سبيل له إليها، ولا متعة لها ولا صداق، وإن فبضته ردئه، وإن بنى بها فلها المسمى. وإذا أسلمت النصرانية وزوجها نصراني ثم طلقها في العدة، ثم أسلم فيها لم يعد طلاقه طلاقاً، وكان على نكاحه، وإن انقضت عدتها فنكحها بعد ذلك كان جائزا، وطلاقه في شركه باطل.
[الباب السادس] في سبي أحد الزوجين أو كليهما ورجعة زوج الأمة في سفره
[الباب السادس] في سبي أحد الزوجين أو كليهما ورجعة زوج الأمة في سفره [فصل 1 - في سبي أحد الزوجين أو كليهما] روى ابن وهب عن أبي سعيد الخدري أنه قال أصبنا سبياً يوم أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:24]، فاستحللناهن، فلما أباح الله عز وجل وطء المسبية لها زوج بهذه الآية دل بذلك أن السبي يهدم النكاح. قال ابن القاسم وأشهب: السبي فسخ النكاح /قال أشهب: سُبياً جميعاً أو مُفْتَرِقَين.
قال الشيخ: يريد وإن علم أنها زوجته بالبينة، على مذهب ابن القاسم وأشهب، وهو أشبه بظاهر التنزيل. قال ابن قسيط: وإن ابتاع رجل عبداً وامرأة من السبي قبل أن يفرق بينهما السلطان فليفرق بينهما إن شاء ويطأ الأمة. قال الشيخ: اختلف شيوخنا في قول ابن قسيط، فقال بعضهم: ما معناه إذا لم يقرهما السلطان على النكاح، وليس بيعهما مجتمعين مما يمنع التفرقة حتى يقرهما بلفظٍ منه يقتضي ذلك. وقال غيره من شيوخنا: إن قول ابن قُسيط خلاف، أنه إذا باعهما جميعاً إنما ينادي على العبد وزوجته فذلك إقرار للنكاح. وفي كتاب ابن المواز: من اشترى عِلجة وزوجها من المقاسم فلا يفرق بينهما في النكاح، فإن هرب العِلجُ لم يكن لسيدها وطؤها إن كانا أقرا على النكاح وعلى ذلك يبعث. قال مالك: وإن قدم إلينا تجار من أهل الحرب فباعوا منا رقيقاً، فذكر الرقيق أم بينهم تناكحا، فإن زعم ذلك الذين باعوهم أو عُلِم صدق قولهم ببينة, كانوا على تناكحهم ولا يفرق بينهم.
قال الشيخ: وظاهر هذا أنه خلاف السبي، لأن النص إنما أنزل في السبي، وهذا ليس بسبي، وإن كان وقع لمالك في كتاب ابن المواز في السبي مثل هذا الجواب، ولكن الأشبه عندي بظاهر التنزيل أن السبي خلاف هذا، ومالك أعلم وأهدى للصواب، ويحتمل أن يحمل قوله في السبي استحباباً وقياساً على هذه المسألة والله أعلم. وإن لم يعلم ذلك إلا بقول الرقيق فلا يصدقون ويفرق بينهم. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا سُبي جميعاً أو سبي أحدهما قبل صاحبه فهما على نكاحهما إذا علم ذلك بالبينة مالم تستبرأ بحيضة، ويطؤها السيد، فإن وطئها السيد قبل أن يدركها الزوج ويعلم ذلك فالنكاح منقطع. قال ابن بكير: قال مالك: وإن سبيت قبل الزوج انفسخ النكاح وحلت لمالكها، إذ لا عهد لزوجها، وإن سبيا جميعاً فاستبقى الزوج أقرا على نكاحهما، إذ صار لزوجها عهد حين استبقى، فصارا أحق من المالك بها لهذا- يريد إذا علم ذلك بالبينة، وكله عندي خلاف المدونة والله أعلم. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو سبيت المرأة ثم قدم الزوج بأمان أو سبي وهي في الاستبراء فلا سبيل له إليها لزوال العصمة بالسبي.
ولو أسلم الزوج بدار حرب وأقام بها، أو قدم إلينا مسلماً، أو بأمان فأسلم وخلف أهله على النصرانية فسباها المسلمون فهي في عصمته والنكاح بينهما ثابت إن أسلمت. ابن المواز: قال ابن القاسم: أو أعتقت. قال في المدونة: وإن أبت الإسلام فرق بينهما، إذ لا تنكح أمة كتابية، وهي وولدها وما في بطنها من ولدن ومهرها الذي على الزوج، وجميع ما للزوج بدار الحرب فيء لذلك الجيش. وقال غيره: ولده الصغير تبع له، وكذلك ماله هو لم يزل ملكه عنه، فإن أدركه قبل القسم أخذه، وإن قسم فهو أحق به بالثمن. فصل [2 - في رجعة زوج الأمة في سفره] قال ابن القاسم: ومن طلق زوجته وهي أمة ثم ارتجعها في سفره قبل انقضاء عدتها وأشهد بذلك فوطئها سيدها بعد عدتها قبل علمه برجعة الزوج، ثم قدم الزوج فلا رجعة له, إذ وطء السيد بالملك كوطئها بالنكاح.
[الباب السابع] ما يحل ويحرم من وطء الكوافر بملك أو بنكاح
[الباب السابع] ما يحل ويحرم من وطء الكوافر بملك أو بنكاح [فصل 1 - فيما يحل ويحرم من وطء الكوافر] قال الله سبحانه: {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة:221] فعم الحرائر والإماء، إذ الوطء يسمى نكاحاً، واستثنى نكاح الحرائر الكتابيات بقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة:5] وهذا إحصان الحرية. ولم يحل الأمة بالنكاح إلا مؤمنة لقوله تعالى: {ومَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء:25]، فلم يحل نكاح الأمة إلا مؤمنة. وأحل الله تعالى وطء الكتابيات بالملك بقوله في تحريم ذوات الزواج {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 24]، وهذا إحصان نكاح ثم استثنى فقال: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:24]، وهن اللاتي ملكناهن بالسبي ولهن أزواج كفار بدار الحرب، قاله مالك. قال ابن حبيب: أو سبوا معهن. وبقي تحريم المجوسيات بنكاح أو ملك بالتحريم الأول العام.
قال عبد الوهاب: ولأن كل جنس تؤكل ذبائحهم يجوز نكاح نسائهم كالمسلمين. وقال في وطء الإماء الكتابيات: ولأن كل من يجوز وطء حرائرهم بالنكاح يجوز وطء إمائهم بالملك كالمسلمين. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكره مالك وطء نساء أهل الحرب، وقال يدع ولده في أرض الشرك ثم ينتصر أو ينصر، ولا يعجبني. قال ابن القاسم: فأرى أن يطلقها ولا يقيم عليها من غير قضاء. قال ابن القاسم: ويجوز للمسلم نكاح حرة كتابية، ويكره له ذلك، وإنما كره له مالك ذلك ولم يحرمه، لما تتغذى به من خمر وخنزير وتغذى به ولده، وهو يُقبِل ويُضاجع، وليس له منعها من ذلك، ولا من الذهاب إلى الكنيسة. قال غيره: ولأنه سكون إلى الكفار ومودة لهم، لأنه تعالى قال في الزوجين {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم:21]. ومن المدونة: قال مالك: ولا يجوز لمسلم أن يطأ مجوسية بنكاح أو بملك يمين. قال ابن شهاب: ولا يقبلها ولا يباشرها. قال الشيخ: لقوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة:221]،ولأن كل من لا تؤكل لحوم ذبائحهم لا يجوز نكاح نسائهم.
ومن المدونة: قال مالك: والأمة الكتابية لا يحل لمسلم أن يتزوجها ولا يطأها إلا بملك اليمين، كان حراً أو عبداً كانت لمسلم أو ذمي، ولا يزوجها سيدها من غلام له مسلم. فصل [2 - في تناكح الكفار فيما بينهم] ولا يمنع النصراني من نكاح المجوس ولا المجوسي من نكاح النصارى.
[الباب الثامن] باب في إسلام أبوين أو أحدهما وحكم الولد في ذلك
[الباب الثامن] باب في إسلام أبوين أو أحدهما وحكم الولد في ذلك وقال النبي عليه الصلاة والسلام: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه". وقال مالك: إسلام الأب إسلام لصغار بنيه، ولو أسلمت ألم وحدها دون الأب بقي الولد على دين أبيه، وكذلك لو أسلمت وهي حامل ثم ولدت إن الولد على دين الأب، ويتركون في حضانتها. قال أبو بكر بن اللباد: روى الليث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أيهما أسلم من الأبوين كان أولى بالولد"، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وبه قال غير واحد من أهل العلم، وقال ابن وهب. ومن المدونة: قال مالك: ولو تزوج مجوسي نصرانية فولدت منه كان الولد تبعاً للأب في الدين وأداء الجزية، وتبعاً للأم في الملك والحرية. وإذا زوج النصراني ابنته الطفلة لكتابي ثم أسلم الأب وهي صغيرة، كان ذلك فسخاً لنكاحهما، لأن إسلام الأب إسلام لها. ولو زوج المجوسي ابنه الطفل مجوسية ثم أسلم الأب، وابنه صغير، عُرِضَ على/ زوجة الصبي الإسلام، فإن أسلمت وإلا فرق بينهما ما لم يتطاول ذلك.
وإذا كان الغلام أو الجارية في حد المراهقة في إسلام الآباء من أبناء اثنتي عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة فلا يجبران على الإسلام، ويترك الأمر إلى بلوغهما فمن أقام منهما حينئذ على دينه الذي كان عليه ونكاحه لم يُعرض له، وإن أسلم حُكِم فيه بما ذكرنا في إسلام أحد الزوجين البالغين. قال مالك: ومن أسلم وله ولد صغار فأقرهم حتى بلغوا اثنتي عشرة سنة وشبه ذلك فأبوا الإسلام فلا يجبرون. وقال بعض الرواة: يُجبرون, وهم مسلمون، وهو أكثر مذاهب المدنيين. قال مالك: ومن أسلم وله ولد مراهق من أبناء ثلاث عشرة سنة وشبه ذلك، ثم مات الأب، أوقف ماله إلى بلوغ الولد، فإذا بلغ وأسلم وَرِث، وإن لم يسلم حين بلغ لم يُعرض له، وكان ذلك المال للمسلمين، ولو أسلم الولد قبل احتلامه لم يتعجل أخذ ذلك حتى يحتلم، لأن ذلك ليس بإسلام، ألا ترى أنه لو أسلم ثم رجع إلى النصرانية اُكره على الإسلام ولم يُقتل. قال الشيخ: وقيل: إسلامه إسلام، وله الميراث، لأنه لو رجع إلى النصرانية جُبِرَ على الإسلام بالضرب حتى يسلم أو يموت. قال مالك: ولو قال الولد: إني لا أسلم إذا بلغت، لم يُنظر إلى ذلك ولابد من إيقاف المال إلى احتلامه. ولو كان الولد لا يعقل دينه، ابن خمس سنين أو ست فهم مسلمون بإسلام الأب، ويرثون مكانهم، وقاله أكثر الرواة.
[الباب التاسع] فيمن أسلم على أكثر من أربع نسوة، أو على أم وابنتها ونكاح المشرك وطلاقه إذا أسلم عليه
[الباب التاسع] فيمن أسلم على أكثر من أربع نسوة، أو على أم وابنتها ونكاح المشرك وطلاقه إذا أسلم عليه [فصل 1 - فيمن أسلم على أكثر /ن أربع نسوة] وقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم أبا العاص وصفوان على نكاح الشرك، وخير غيلان بن أبي سلمة الثقفي إذ أسلم على عشر نسوة في أربع منهن، وخير فيروز الديلمي إذ أسلم على أختين في أحدهما. قال مالك: وإذا أسلم حربي على أكثر من أربع نسوة نكحهن في عقدة أو عقد فليختر منهن أربعاً، كن أول من نكح أو آخرهن، ويُفَارِق باقيهن.
قال ابن المواز: والمجوسي إذا أسم وتحته عشر نسوة لم يبن بهن، وأسلمن كلهن أنه بختار منهن أربعاً ويفارق باقيهن. قال ابن حبيب: ويفارقهن بطلاق، ويعطى لكل من فارق نصف صداقها. قال الشيخ: وإنما قال ذلك، لأنه عنده لما كان له أن يختار كل واحدة صار كأنه مختار لطلاقها، فكان عليه نصف صداقها، وابن القاسم لا يرى عليه فيمن فارق صداقاً، لأنه عنده فسخ قبل البناء. قال ابن المواز: فإن لم يختر منهن أربعاً حتى مات فإنهن يرثنه كلهن الربع إن لم يكن له ولد، ويكون لكل واحدة ممن لم يدخل بها خمسا صداقها، وللمدخول بها صداقاً كاملاً. قال الشيخ: وإنما قال ذلك، لأن له أن يقيم على أربع منهن فأقل، فلما مات ولم يختر منهن واحدة كان الربع بيم جميعهن، لأنه ليس لواحدة أحق بالميراث من صاحبتها، فلذلك قسم بينهن، وأما الصداق فإنما عليه أربع صداقات، فلما لم تعلم المختارة منهن قسم الأربع صدقات على عشرة فيقع لكل واحدة خمسا صداقها، وأما المدخول بها فقد استحقت صداقها بالمسيس. قال أبو محمد [بن إسحاق]: فإن طلق منهن أربعا بغير أعيانهن، قبل أن يختار/ أن يطلقهن، فعليه لكل واحدة من العشر خمس صداقها، هذا إن كان قبل البناء، وإن طلق منهن واحدة معلومة لم يكن له أن يختار من البواقي إلا ثلاثا، وإن طلق واحدة مجهولة ثلاثا لم يكن له أن يختار من البواقي إلا واحدة.
قال الشيخ: وإنما قال ذلك إذا طلقهن كلهن أن يكون لكل واحدة خمس صداقها، لأنه إنما له أن يقيم على أربع منهن، فيكون لهن أربع صدقات، فإذا طلقهن قبل البناء كان عليه نصف ذلك، صداقان نصف الأربعة وهو خمس العشرة فيكون لكل واحدة خمس صداقها. وإنما قال: إذا طلق واحدة معلومة لم يكن له أن يختار من البواقي إلا ثلاثاً، لأنه بقصده لطلاقها صار كأنه يختارهم ثم طلقها، فلم يكن له أن يختار إلا بقية الأربع. قال الشيخ: وإنما قال: وإن طلق واحدة مجهولة ثلاثاً لم يكن له أن يختار من البواقي إلا واحدة، لأن الطلاق يُشرع في جميعهن، وكأنه قال: إحداكن طالق، ولم ينو واحدة بعينها، فوجب طلاقهن أجمع، وهذا على قول المصريين، وأما على قول المدنيين فله أن يختار واحدة فيطلقها كالعتق، فإذا اختار واحدة كان له اختيار ثلاث ممن بقي كالمسألة الأولى. [فصل 2 - فيمن أسلم وعنده أم وابنتها] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أسلم حربي أو ذمي وتحته أم وابنتها تزوجهما في عقدة أو عقدتين، فإن لم يكن بنى بهما فله اختيار إحداهما وفراق الأخرى. وقال غيره: إذا أسلم وعنده أم وابنتها ولم يبن بهما لم يجز له أن يحبس واحدة منهما. ونقلها أبو محمد: قال غيره: لابد أن يفارقهما ثم ينكح الابنة إن شاء.
وقال أشهب: تحرم الأم ويثبت على الأبنة، ولو مس الأم وحدها حرمتا عليه جميعا للأبد، ولو مس الابنة ثبت عليها وحرمت الأم. فوجه قول ابن القاسم: اعتباراً بالذي أسلم عن عشر نسوة، أن له أن يختار منهن أربعاً وإن كانت الخامسة أو السادسة فيهن، ونكاح الخامسة محرم كنكاح ذوات المحارم، فلما جاز له البقاء على الخامسة بذلك العقد جاز له أن يثبت على الأم أو البنت بذلك العقد. ووجه قول أشهب: أنه لما كان عقده شبهة حرم الأم ولم يحرم البنت، لأنه لم يدخل بالأم. قال الشيخ: وقول ابن القاسم أبينهما، وبه أقول. ومن المدونة: قال ابن القاسم: فإن حبس الأم وفارقت البنت، فأراد ابنه نكاح البنت التي خلاها فلا يعجبني ذلك. قال الشيخ: لأنه عقد شبهة. قال ابن القاسم: ,عن كان قد دخل بهما فارقهما ولا تحلان له أبداً، فإن بنى بواحدة أقام عليها وفارق الأخرى، ولم يكن له أن يختار التي لم يمس، وقاله ابن شهاب. قال ابن القاسم: وكذلك المجوسي يسلم وعنده أم وابنتها قد أسلمتا جميعا، فالجواب واحد. قيل له: فالذمي إذا تزوج امرأة فماتت قبل أن يمسها فتزوج أمها ثم أسلما جميعاَ؟ وكيف إن كان هذا رجل من أهل الحرب ثم أسلم؟
فلم يذكر جواباً، وأتى بنظير يدل على جواز النكاح وثباته، فذكر مسألة المجوسي وعنده أم وابنتها قد أسلما جميعا. قال أبو محمد وغيره: نكاحهما ثابت. ومن كتاب ابن المواز: وإذا أسلم وقد نكح أربعا في عدتهن، فإن أسلم بعد خروجهن/ من العدة ثبت عليهن، وقاله ابن القاسم وأشهب. قال أشهب: بنى بهن أو لم يبن. ولو أسلم قبل انقضاء عدتهن لفارقهن، وعليهن ثلاث حيضات- يريد وقد مسهن. ولو أسلم وقد انقضت عدة بعضهن فسخ نكاح من لم تنقض عدتها، كن في عقدة، بنى بهن أو لم يبن بهن. وإن وطيء بعد إسلامه من لم تنقض عدتها لم تحل له أبداً. وإن تزوج نكاح متعة فأسلم قبل الأجل فسخ نكاحه، وإن أسلم بعد الأجل ثبت، بنى أو لم يبن.
فصل [3 - في نكاح المشرك وطلاقه إذا أسلم عليه] قال ابن القاسم: وكل صداق نكاح استحله أهل الشرك فيما بينهم فهو جائز إذا أسلموا عليه وقد بنى، وإن لم يبن وقد تزوجها بخمر أو خنزير ثبت النكاح وحملتهما في الصداق على سُنة المسلمين، ويصير كمن نكح على تفويض، فإن شاء البناء وأدى صداق المثل وإلا فارق ولا شيء عليه، وقد تقدم هذا. قال ابن القاسم: وما كان في شروطهم من أمر مكروه فإنه لا يثبت من ذلك إلا ما كان يثبت في الإسلام، ولا يفسخ من ذلك إلا ما كان يفسخ في الإسلام، وفي غير رواية جبلة: فإنه لا يثبت من ذلك ما كان يفسخ في الإسلام، ولا يفسخ من ذلك ما كان في الإسلام. قال يحيي بن عمر: وهذه رواية سحنون وهي الصواب. قال الشيخ: وتفسي ابن القاسم للمسألة التي بعد هذه يدل على صحة رواية سحنون، وهي: قال ابن القاسم: وما كان لها من شرط بطلاقٍ فيها أو
في غيرها أو بعتاقٍ إن تزوج عليها من أهلها، أو أخرجها من بلدها، فهذا كله يسقط عنه ولا يثبت عليه، ولو شرط لها أيضاً ألا نفقة لها عليه، وان لها نفقة محدودة، أو فساداً لا يحل لفساد العقد، ونكاح الشرك إذا أسلما لم يكن ذلك فساداً لنكاحهم. قال في كتاب ابن المواز: وإن بنى ثبت النكاح وكان لها صداق المثل، ولها نفقة مثلها، قال: وهو كصداق مجهول حين اشترط هذا الصداق. قال أصبغ: ولولم يدخل بها وتطارحا الشرط ثبت النكاح ولم يفسخ، كمن تزوج بصداق معجل، وصداق إلى موت أو فراق، أو إلى أجل مجهول. ومن المدونة: وإذا تزوج ذمي زوجة ذمي سواه فرافعه زوجها إلينا منع من ذلك، وهذا من التظالم الذي أمنعهم منه. وإذا تزوج ذمي ابنته أو أمه أو قام على مبتوتة لم يعرض له إذا كان ذلك ما يستحلونه في دينهم. قال مالك: وإن أعلنوا بالزنا أُدبوا وإذا تزوج صغيران من أهل الذمة بغير إذن أبويها أو زوجهما أجنبي ُم أسلما بعد البلوغ ثبتا على نكاحهما، ولا يُعرض لأهل الذمة إذا أسلموا في نكاحهم، إلا أن يكون تزوج من لا يحل له فيفرق بينهما. قال مالك: وإذا طلق الذمي امرأته ثلاثاً ولم يفارقها فرفعت زوجته أمرها إلى السلطان فلا يعرض لهما، ولا يحكم بينهما إلا أن يرضيا جميعا بحكم الإسلام، فالحاكم مخير إن شاء حكم أو ترك، فإن حكم حكم بينهم بحكم الإسلام. قال مالك: وأحب إلي ألا يحكم بينهم.
وطلاق [أهل] الشرك ليس بطلاق، وكذلك إن طلق النصراني زوجته ثلاثاً ثم تزوجها قبل زوج ثم أسلما، فليقيما على نكاحهما. ولا يحصن الوطء بين النصرانيين حتى يطأها بعد إسلامهما، وقد تقدم هذا. والله الموفق للصواب.
[الباب العاشر] باب جامع مسائل مختلفة، وأحكام المرتد والأسير
[الباب العاشر] باب جامع مسائل مختلفة، وأحكام المرتد والأسير [فصل 1 - في وطء المسبية ونكاح رابعة في دار الحرب] قال ابن القاسم: وإذا قُسم المغنم بدار الحرب فصار لرجل في سِهمانه جارية فستبرأها بحيضة، فجائز له أن يطأها بدار الحرب وإن كان لها زوج حربي، قال ابن القاسم: وقد كرهه بعض الناس خيفة أن تهرب منه حاملاً. ومن كان عنده ثلاث نسوة في دار الإسلام ثم خرج تاجرا إلى دار الحرب فتزوج رابعة ثم قدم وتركها، فأراد نكاح خامسة فليس له ذلك، لأن الحربية في عصمته. قال الشيخ: يريد إلا أن يبت طلاقها أو يصالحه عنها أحد، وإن طلقها واحدة لم يجز له أن يتزوج إلا بعد خمس سنين من يوم خرج منها، وثلاث سنين من يوم الطلاق لأنها إن كانت حاملاً يوم خرج فأقصى ما يمسكها الحمل خمس سنين، وإن لم تكن حاملاً وطلقها فلابد من ثلاث سنين من يوم الطلاق، لاحتمال أن تستراب فتعتد بالسنة فتأتيها الحيضة قبل تمام السنة بيوم أو يومين، فترجع إلى الحيض، ويصيبها كذلك في السنة الثانية والثالثة، فلا تنقضي عدتها إلا بعد ثلاث سنين. فصل [2 - الشرط في جواز وطء المسبية غير الكتابية] ومن المدونة: قال مالك: ولا توطأ المسبية من غير أهل الكتاب حتى تجيب إلى الإسلام، بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، أو تصلى، أو تجيب بأمر يُعرف أنها قد دخلت في الإسلام بعد الاستبراء.
قال ابن القاسم: وتجزئه حيضتها عنده قبل الإسلام، كمن اشترى مودعة عنده قد حاضت. وإن كانت المجوسية صغيرة لم تحض، فإن كانت ممن تعرف الإسلام لم يطأها حتى يجبرها على الإسلام وتدخل فيه إذا كانت قد عقلت ما يقال لها. ولبأس أن يزوج الرجل عبده النصراني أمته النصرانية، فإن أسلم العبد فالنكاح يفسخن إلا أن تسلم الأمة مكانها، مثل المجوسية يسلم زوجها، لأنه لا ينبغي لمسلم عبد أو حر أن يتزوج أمة ذميه، فإن أسلمت الأمة فالعبد أحق بها إذا أسلم في عدتها. فصل [3 - في أحكام نكاح المرتد والأسير] ولا يجوز نكاح المرتد ولا المرتدة، لأن كل معنى إذا طرأ على النكاح أوجب فسخه فإذا وجد في الابتداء منع العقد أصله الملك والرضاع. قال مالك: وإذا ارتد الزوج انقطعت العصمة حينئذ، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة:10]، يريد: من كفر من أزواجكم، فلا تمسكوا بعصم أولئك الكوافر. قال مالك: ورِدة الزوج طلقة بائنة، ولا رجعة له إن أسلم في عدتها. قال في كتاب العدة: وكذلك ردة المرأة طلقة بائنة.
ابن المواز: وقاله ابن القاسم وأشهب، وبه أقول، واختلف فيه قول أشهب، فقال أيضاً: إن رجعت إلى الإسلام بقيت له زوجة. وقال المغيرة: للزوج الرجعة إن رجع إلى الإسلام في عدتها. وروى عن مالك: أن الردة فسخ، رواه ابن أبي أويس وابن الماجشون. قال أبن حبيب: قال ابن الماجشون: وإن ارتد الزوج ثم عاد إلي الإسلام في عدتها فهو أحق بها بالطلاق كله، ولو ثبت المرتد حتى انقضت عدتها لزمته فيها طلقة، وكذلك لو أسلمت ثم أسلم بعد عدتها لزمته طلقة. ابن سحنون عن أبيه فيمن رفع زوجته إلى الإمام ويقول: إنها ارتدت، وهي تنكر، قال: يفرق بينهما، لأنه مقر بزوال العصمة، وإن كان مسلم تحته نصرانية فقال: قد أسلمت، وأنكرت هي ذلك، فليفرق بينهما لإقراره بارتدادها. ومن المدونة: قال ابن شهاب: والأسير يُعلم تنصره فلا يُدرى أطوعاً أو كُرهاً فلتعتد زوجته، ويُوقف ماله وسريته/,فإن أسلم عاد إليه ذلك كله إلا الزوجة فلا رجعة له عليها، وإن مات قبل أن يسلم كان في ماله حكم الإمام المجتهد- يريد أنه يحكم فيه بحكم المرتد- فإن ثبت أنه أكره ببينة لم تطلق عليه
زوجته وكان بحال السلم في نسائه وماله ويرث ويورث. قال بعض شيوخنا في الذي لم يعلم ارتداده أطوعاً أو كرهاً، ففرق بينه وبين زوجته، ثم ثبت أنه أُكره: فحاله كحال امرأة المفقود يَقدُم، فإنه أحق بزوجته مالم يدخل بها الثاني، فإن دخل بها بقيت له زوجة. قال الشيخ: وهو عندي صواب، لأن الحكم عليه بالفراق خوفاً أن يكون تنصر طائعاً، كالحكم على المفقود خوفاً أن يكون مات، فأهما متفق. وعاب ذلك بعض أصحابنا وقال: ترد إليه وإن دخل بها الثاني، كمسألة محمد فيمن قال: عائشة طالق، وله زوجة حاضرة تسمى عائشة، وقال: أردت زوجة لي غائبة بعيدة تسمى عائشة، فلم يُقبل قوله، وطلق عليه الحاضرة، ثم ظهر صحة قوله، أن الحاضرة ترد عليه وإن تزوجت، فكذلك مسألة الأسير. قال الشيخ: ومسألة المفقود والذي ارتجع في سفره فلم تعلم به أشبه بمسألة الأسير من هذه. والله أعلم. قال ابن القاسم: وإن ارتد وتحته ذميه وقعت الفرقة بينهما بارتداده وحرمت عليه وإن ارتدت إلى مثل دينها. ولو تزوج في حال ارتداده ذميه لم يجز نكاحها إياها رجع إلى الإسلام أو لم يرجع. قال ابن حبيب: إذا تزوج بعد أن حبس للاستتابة فسخ، وإن قُتِل على ردته فلا صداق لها بنى أولم يبن، مسلمة كانت أو نصرانية، لأنه حُجِرَ عن
ماله، وإن رجع إلى الإسلام قبل أن يفسخ ثبت نكاحه، لأنه إنما كان يفسخ للحجر في ماله وقد زال، وكذلك قال ابن الماجشون. قال الشيخ: قوله: وإن رجع إلى الإسلام ثبت نكاحه، خلاف ما تقدم في المدونة. وفي كتاب محمد: قال ابن القاسم: إذا تزوج في حال ارتداده ودخل ومس فلا صداق لها. قال أصبغ: وكذلك عندي إذا تزوج بعد الحجر والتوقيف، وإنما هو بمنزلة بيعه وشرائه. قال أبو الحسن: معنى قول ابن القاسم عندي: أنها كانت عالمة بارتداده، ولو لم تعلم لم يسقط عن ماله ما يجب به استحلال فرجها، ولو تزوجها بعد الحجر ما منُعت من ربع دينار، ولكن لا يمكن ذلك، لأنه مسجون، ولو رجع إلى الإسلام كان لها جميع ما أصدقها، تزوجها قبل الحجر أو بعده، وإن كان أضعاف صداق المثل، والنكاح منسوخ على كل حال. وذكر عن أبي القاسم ابن الكاتب أنه قال: لا صداق لزوجة المرتد التي تزوج في ردته، ودخل بها، سواء علمت بارتداده أم لا، لأنه إذا قُتِل على ردته كان ماله للمسلمين، لأنه بعد ارتداده محجور عن ماله إلا أن يعاود الإسلام، ألا ترى أنه لا ينفق على ولده منه، فدل أنه لا يملك التصرف فيه، وقالوا ف] نكاح المريض وإصابته زوجته: أن صداقها يكون في الثلث الذي له التصرف فيه. ولما أجمعوا ألا ثلث للمرتد يوصي فيه ولا ما يتصرف فيه دل إجماعهم ألا صداق لزوجته علمت أو جهلت، لأن جهلها لا يوجب لها حقاً فيما لا يملكه زوجها.
ومن المدونة: وثم رجع إلي الإسلام فإنه يوضع عنه كل ما كان لله إذا ارتد عليه مما تركه قبل ارتداده من صلاة، أو صوم، أو زكاة، أو كفارة، أو حد، وما كان عليه من نذر، أو يمين بعتق، أو بالله، أو بظهار فإن ذلك كله يسقط، ويؤخذ بما كان للناس من قذف أو سرقة، أو قتل، أو قصاص أو غير ذلك مما لو فعله في كفره لأخذ به، فإن قتل على ردته فالقتل يأتي على كل حد، أو قصاص مما وجب عليه للناس إلا القذف فإنه يحد ثم يقتل، وذلك لحجة المقذوف من لحوق عار القذف إن لم يحد له. وإذا أسلم المرتد لم يجزه ما حج قبل ردته، وليأتنف الحج، لقوله تعالى {لَئِن أَشركتَ لَيَحبطَنَ عَمَلُكَ} [الزمر: 65]، ويأتنف الإحصان، وقد تقدم هذا، وليستأنف بعد رجوعه إلى الإسلام ما كان يستأنفه في الكافر إذا أسلم. قال ابن القاسم: وهو أحسن ما سمعت. وإن قتل المرتد لم يرثه ورثته من السلمين ولا من أهل الدين الذي ارتد إليه، وميراثه للمسلمين وتبطل وصاياه قبل الردة وبعدها، لأن الرجل إنما تجوز وصاياه في ماله، وهذا المال ليس هو للمرتد، وقد صار لجماعة السلمين، وماله محجور عليه إذا ارتد. قال مالك: وإن ارتد المريض فقتل لم ترثه زوجته، ولا يتهم أحد أن يرتد لئلا يرثه ورثته وميراثه للمسلمين. وإن مات لمرتد، أو لذمي، أو لعبد ولد حر مسلم لم يرثوه ولم يحجبوا، ثم إن أسلم المرتد أو الذمي أو عتق العبد قبل أن يقسم ميراث الابن فلا شيء لهم منه،
وإنما الميراث لمن وجب له يوم مات الميت. وقد جرى كثير من أحكام المرتد في كتب العبيد. قال الشيخ: فذكر عن ابن الكاتب في قوله: وإذا ارتد وعليه يمينٌ بالعتق فإنه يسقط, قال: إنما ذلك في العتق غير المعين, وأما المعين فقد انعقد عليه في ماله حقً لإنسانٍ معينٍ قبل ردته, فلا يسقطه ارتداده, وقد قالوا: يلزمه تدبيره فكذلك يمينه بعتقٍ معين. قال الشيخ: ويظهر لي أن تدبيره كعتقه وطلاقه, وذلك بخلاف أيمانه, ألا ترى أن النصراني إذا أسلم يلزمه تدبيره ولا تلزمه أيمانه, فكذلك المرتد, والله أعلم. وروى عن سحنون أن ردته لا تُسقط عنه حد الزنا, لأنه لا يشاء من وجب عليه حدٌ أن يُسْقِطَه إلا أَسقطه بالردة. قال الشيخ: وظاهر هذا خلاف المدونة, وإنما أَستَحِبُّ إن علم منه أنه إنما ارتد ليسقط الحد قاصداً لذلك, فإنه لا يسقط عنه, وإن ارتد لغير ذلك سقط عنه. قال ابن حبيب: قال أصبغ: إذا ارتد سقطت وصاياه, فإن رجع إلى الإسلام ثم مات فإن كانت هذه الوصايا مكتوبةً جازت, وإلا لم تجز. وروى على بن زياد عن مالك في المرأة ترتد تريد بذلك فسخ النكاح: أنه لا يكون طلاقاً, وتبقى على عصمته.
قال الشيخ: وأخذ به بعض شيوخنا قال: وهو كاشترائها زوجها تغتزي فسخ نكاحها. ابن المواز: وإذا وجد للمرتد امرأةٌ فقال: تزوجتها في حال الردة, وقالت هي: بل بعد أن رجع إلى الإسلام, فالقول قولها, لأنها مدعية للحلال, ويفسخ نكاحها بإقراره, ويُحكم لها عليه بنصف الصداق. تم كتاب النكاح الثالث من الجامع لابن يونس بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على محمدٍ نبيَّه وآله.
[الكتاب الرابع] كتاب الرضاع
[الكتاب الرابع] كتاب الرضاع [الباب الأول] جامع ما يحل ويحرم من الرضاع [فصل 1 - في أدلة التحريم بالرضاع] قال الله -عز وجل: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء:23] , وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «يَحُرُم من الرضاع ما يحرم من الوِلَادة» , والإجماع على ذلك, وسقط حديث: «خمس رَضعات» لأن عائشة رضي الله عنها التي روته خالفته, واختلف الروايات عنها في عدد الرضعات, وقد أخذت بعد الرسول عليه الصلاة والسلام بأكثر من خمس رضعات ولأنها أحالته على القرآن, فلما لم يؤخذ القرآن بأخبار الآحاد بطل استعمال
هذا الحديث, إذا لا يكون قرآنٌ مختلَفً فيه ولم يُجتمَع على العمل به فيؤخذ بإجماع, وحديث/ ابن الزبير: «لا تحرِّم المصَّة والمصَّتان» , وروى من طريق صحيح عن ابن الزبير عن عائشة فَعُلِم أنه مستخرج من حديث (خمس رضعات) , وما روي عنها في توقيت ذلك من الاضطراب فسقط التوقيت بما ذكرنا, وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المصَّة والمصَّتان تُحِّرم» , وقال: «لا رَضَاع بعد فِطَام». ابن وهب: وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم: إن قليل
الرضاعة وكثيرها يحرَّم في المهد. قال ابن عباس وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير: إذا كان في الحولين فمصَّة واحدة تحرم, وما كان بعد الحولين فلا يحرَّم. قال عبد الوهاب: وأخذ الشافعي بحديث «خمس رضعات». ودليلنا قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء:23] فأطلق, وقول النبي صلى الله عليه وسلم «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» , وتحريم النسب لا يفتقر إلى عدد من الوِلادات, فكذلك الرضاع, ولأن كل معنىً أوجب حرمة مؤبدة, فالمعتبر وجوده من غير عدد كالعقد والوطء, واعتبار بالخمس لعلة الارتضاع من آدمية في مدة الحولين قبل الاستغناء بالطعام.
[فصل 2 - في المدة التي يكون الرضاع فيها مُحرِّماً] ومن المدونة: قال مالك وغيره: ولا يحرِّم ما رَضِعَ بعد الحولين. قال مالك: إلا ما قارب الحولين ولم يُفْصَل بمثل شهرٍ أو شهرين. قال غيره: لقوله سبحانه: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة:233] , وروى ابن عبد الحكم: وما زاد على الحولين بالأيام اليسيرة. قال الشيخ: وهذا أصح, لأن ما قارب الشيء له حُكمه. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو فَصَلته أمُّه بعد الحولين حتى استغنى بالطعام لم يحرِّم ما أُرضِع بعد ذلك, وكذلك لو فَصَلته بعد حولٍ وانقطع رضاعه واستغنى بالطعام فأرضعته أجنبية بعد ذلك قبل تمام الحولين لم يكن رضاعاً يُحرِّم. ابن حبيب: وقال مطرف وابن الماجشون: يحرِّم إلى تمام الحولين. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو فُصِل بعد الحولين بيسير أو قبل الحولين فأَرضع بعد فِصَاله بيومٍ أو يومين لَحرَّم, إذ لم يستغن بالطعام إلا أن يقيم أياماً يستغني فيها بالطعام معاشاً له فلا يحرِّم.
قال مالك: ولو أرضعته أمه ثلاث سنين ولم تَفْصِله, ثم أرضعته أجنبيةً لم يكن ذلك رضاعاً يحرِّم. قال ابن حبيب: وقد رأى بعض العلماء الأخذ برضاعة الكبير في الحِجَابَة خاصة لحديث سَهَلَة بنت سُهَيْل في رضاع سَالمٍ وهو كبير. قال ابن المواز: فلو أَخذ به أحدٌ في الحِجَابة خاصةً لم أَعِبْه كل العيب, وتَرْكُه أحبُّ إلينا, وليس في الحديث أنه يُحرِّم, وإنما قال: «أَرضِعيه يَذهَبُ ما في
وجه أبي حذيفة» , وفي حديث آخر: «تذهب غيرته» , فليس تقوم بهذا حجةً لمن أطلق التحريم, وما علمت من أخذ به عامَّاً إلا عائشة رضي الله عنها وخالفها أزواج النبي صلى الله عليه وسلم, ورأين ذلك خاصاً بسالم. قال الشيخ: واحتج لذلك الحديث بعض أصحابنا البغداديين بقوله عز وجل: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة:233] فدل أن ما زاد على الحولين بالأمر البين ليس من الرضاعة, لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا رضاع إلا ما فَتق الأمعاء» , وقوله عليه الصلاة والسلام: «الرضاع
ما أنبت اللحم وأنشز العظم» , وكل ذلك مُنتفٍ عن رضاعة الكبير. [فصل 3 - في الرضاع في الشرك] ومن المدونة: قال ابن القاسم: والرضاع في الشرك والإسلام سواء يقع به التحريم, ولبن المشركات والمسلمات سواء يقع به الحرمة. [فصل 4 - في طرق وصول اللبن إلى الجوف وأثرها في التحريم] قال مالك: والوَجُور يُحرِّم. قال ابن أبي زمنين: والوَجور -بنصب الواو- ما صُبَّ في وسط الفم, واللَّدود: ما صُبَّ في أحد جانبي الفم, مأخوذ من لَدِيدَي الوادي وهما جانباه. ومن المدونة:/ قال ابن القاسم: والسَّعوط إن وصل إلى جوف الصبي فإنه يحرِّم.
وقال عطاء الخراساني: لا يحرِّم السَّعوط ولا الكَحُل باللبن, وروى مثله لابن عباس. وأطلق ابن حبيب التحريم به. وقول ابن القاسم أصح, لأن الاعتبار في الرضاع بما يقع به الاغتذاء وهو إذا لم يصل إلى الجوف كان وصوله إلى الدماغ كجريانه على ظاهر البدن. وكذلك أطلق ابن حبيب التحريم بالحُقْنَة, وعلَّق ابن القاسم الجواب فيها بوصول اللبن إلى الجوف حتى يكون غذاءً له, وقول ابن القاسم أصح في ذلك كله لما قدمناه, والله أعلم. قال ابن حبيب: وإن مِيعَ كُحْلُّ في لبنٍ وَكُحِلَ به الصبي, فما كان دواء ينفذ مثل المُرِّ والصَّبِر والعَنْزَرُوت وشبهِه
فإنه يحرِّم, وما كان مما يتردَّد في العين لم يحرِّم. قال الشيخ: وسواءٌ عند ابن القاسم كان مما ينفذ أو يتردَّد فإنه لا يحرِّم؛ لأنه لا يكون منه غذاء, وقد دخل من غير مدخل الطعام والشراب فلا يحرُّم حتى يكون غذاءٌ للصبي, كما قال الحَقَنَة. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن حُقِنَ بلبنٍ فوصل إلى جوفه حتى يكون غذاءً له لو لم يُطعم ولم يُسقَ فإنه يحرُّم وإلا فلا يحرِّم. وقد قال مالك في الصائم يحتقن: إن عليه القضاء إن وصل ذلك إلى جوفه.
[الباب الثاني] في لبن الفحل ولبن البكر واليائسة والميتة والبهيمة
[الباب الثاني] في لبن الفحل ولبن البكر واليائسة والميتة والبهيمة [فصل 1 - في التحريم بلبن الفحل] وحرَّم الرسول صلى الله عليه وسلم بلبن الفَحّل وقال: «لقد همت أن أنهي عن الغِيّلَة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضرُّ أولادهم شيئاً».
قال مالك: فإنما يغيل اللبن ويكون فيه غذاء, والوطء يدرُّ له اللبن ويستنزله, فهو يحرَّم. قيل لمالك فما الغيلة؟ قال: أن يطأ الرجل امرأته وهي ترضع, وليست بحامل. ولا يكره ذلك, إذ لم ينه عنه النبي صلى الله عليه وسلم, وليس كما قال ناس: إن الغيلة أن يغتال الصبي فيرضع بلبن قد حملته أمه عليه؛ فيكون لما أرضته بذلك اللبن قد اغتاله. قال ابن القاسم: فلم يكرهه مالكٌ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه. قال أبي حبيب في الواضحة: الغيلة وطء المرضع حملت أم لم تحمل, أنزل الرجل أو لم ينزل فيها. وقال: العرب تتقيه شديداً وتقول: لو لم يبق من عُمُرِ المُغْيَل إلا يومٌ لتبين ذلك فيه بصَرعٍ في جسم أو عِلةٍ من سَقَمٍ, وإنما هَمَّ النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عنها لِمَا عَلِمَ من ضررها. قال أبو عمران: وما أدري قوله: أنزل فيها أو لم ينزل, وما الغيلة إلا الوطء مع الإنزال, إلا أن يريد أن ماءها هي يُضعِف اللبن.
ومن المدونة: قال مالك: فلو أن امرأة رجلٍ ولدت منه فأرضعت ابنه عامين ثم فطمته؛ ثم أرضعت بلبنها بعد الفطام صبياً, فهو ابنً لزوجها. قال ابن القاسم: ولو حملت من زوجها فأرضعته وهي حامل, كان اللبن للفحل. قال مالك: ولو لم تلد قط وهي تحت زوجٍ فدرَّت فأرضعت صبياً قبل أن تحمل كان اللبن للفحل. قال ابن القاسم: وإن طلقها زوجها وهي ترضع ولدها منه؛ فانقضت عدتها وتزوجت غيره؛ ثم حملت من الثاني فأرضعت صبياً, فإنه ابنً للزوج الأول والثاني, واللبن لهما جميعاً إن كان اللبن الأول لم ينقطع, وقاله ابن نافعٍ عن مالك. ومن كتاب ابن المواز: وإذا أرضعت بلبن الزنا [صبياً] فهو ابنً لها, ولا يكون ابناً للذي زنى بها, ولو أرضعت صبيةً فتزوجها الذي زنى بها؛ لم أقض بفسخه, وأحب إلى أن يجتنبه من غير تحريم, وأما ابنته من الزنا فلا يتزوجها/ وإن كان أجازه ابن الماجشون, وأباه أصبغ وابن عبد الحكم في ظني, ومكروهه بيِّنٌ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لسودة في الولد:
«احتجبي منه» , وقد ألحقه بأبيها وصار لها أخاً في الميراث, وحجبها عنه لشَبَهِه بعُتبة, فكيف يتزوجها عتبة لو كانت جارية؟ وأما لبن الزنا فلا يحرِّم -يريد من قبل الفحل- وأما كل لبن من وطء بفساد نكاح مما لا حد فيه, أو وطء لا يجوز بالملك فالحرمة تقع فيه من قِبَل الرجل والمرأة, وكذلك اللبن في ولد الملاعنة يحرم من الرجل والمرأة. وقال ابن حبيب: اللبن في وطء صحيح أو فاسد أو حرام أو زنا فالحرمة فيه من قِبَل الرجل والمرأة, وكما لا تحل له ابنته من الزنا؛ كذلك لا يحل له نكاح من أرضعته المزني بها من ذلك الوطء, لأن اللبن لبنه والولد ولده وإن لم يلحق به وقد كان مالك يرى أن كل وطء لا يلحق فيه الولد فلا يُحِّرم لبنه من قِبَل فحله, ثم رجع إلى أنه يحرِّم, وذلك أصح, وقاله أئمة من العلماء.
وقال سحنون: كل نكاحٍ حرامٍ لا يلحق فيه الولد كنكاح الخامسة, أو الأخت من الرضاعة, أو متزوجة وهو يعلم بزوجها, وهو عالمٌ بتحريم ذلك, ولا يعذر بجهلٍ أن الحرمة تقع فيه من قِبَلِ الرجل والمرأة. قال: وقال عبد الملك: لا تقع بذلك حرمةٌ حين لم يلحق به الولد, ولا يحرم عليه الولد إن كانت ابنه. قال سحنون: وهذا خطأٌ صُرَاح, ما علمت من قاله من أصحابنا غيره. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم سّودة أن تحتجب من ولدٍ ألحقه بأبيها لِما رأى من شَبَهِهِ بِعُتبة. قال: وكذلك من زنى بها غصباً [فولدت] فما أرضعت بذلك اللبن يحرم بذلك على الواطئ, ولا يحرم عليه بذلك شيءٌ عند عبد الملك. قال عبد الوهاب: ودليلنا أن لبن الفحل يحرِّم, قوله عليه الصلاة والسلام: «يحرُم من الرضاعة ما يحرُم من الولادة» , وحديث عائشة رضي الله عنها لمَّا أبت أن تأذن لعمها من الرضاعة, وقالت: «إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه عمُّك فَلَيَلِجُ عليك» , ولأنهما يشتركان في اللبن, ولأنه تحريمٌ يثبت بالنسب فيثبت بالرضاع كتحريم الأمومة. ومن كتاب ابن المواز: ويحرَّم بلبن الفحل؛ فإذا أرضعتك امرأةٌ كان زوجها أبوك من الرضاعة, وأخوه من النسب أو الرضاعة عمك.
قال: وأبوك من النسب إن كان له أخٌ من الرضاعة فهو عمُّك من الرضاع وإن كان لعمِّك من الرضاع أخٌ من نسبٍ أو رضاعٍ آخر لم يكن بينك وبينه تحريم. -قال الشيخ: كما لا يكون بينك وبين أخت من أرضعته أمُّك تحريم, وإن كانت أخت أخيك من الرضاعة-. قال ابن المواز: وأخوك من النسب إن كانت له أختٌ من الرضاع فهي لك حلال, وحلالَّ لولدك, وهي أخت عَمَّه وليست بِعمَّتِه. قال محمد: وأخوك من الرضاع يحل لك نكاح أخته من النسب والرضاع ما لم ترضعك أمها, وإلا فلك نكاحها ونكاح أُمِّها. قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: وإذا أرضعت امرأةٌ صبياً فكل ولدٍ تقدم لها أو يكون لها أبداً بولادةٍ أو رضاعٍ إخوةٌ له, وحرامٌ عليه, وهم حلالٌ لإخوته. قال الشيخ: فالأصل في هذا أن كلَّ من اجتمعا على ثديٍ واحدٍ فهما أخوة رضاع, والتحريم واقعٌ بينهما, وأما أخو أخيك من الرضاع فأجنبيٌ منك, إذ لم ترضع أنت أمَّه, وحلالٌ لك أمُّه وأخته, وهو كما تقدم لمحمَّد بن المُنَذِر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم أن حكم لبن الزوج الأول ينقطع إذا ولدت من الزوج الثاني, وإنما الاختلاف إذا حملت من الثاني ولم تلد./
وفي كتاب محمد عن مالكٍ خلاف ما ذكر ابن المنذر: أنها وإن وضعت من الثاني لا ينقطع حكم لبن الأول إذا لم ينقطع اللبن. وذكر عن ابن عمران أنه قال: لم يختلف أصحابنا في التي تتزوج في العدة ويدخل بها الزوج فتلد ولداً لأقل من ستة أشهر؛ أن لبن هذا الولد للزوجين جميعاً, وكذلك إذا نفى الولد أحد الزوجين أو كلاهما أن اللبن لهما. وذكر أن سحنون يقول: إذا طلق الزوج زوجته وتمادى بها اللبن أنها إذا جاوزت خمس سنين وهي المدة التي تلحق فيها الأنساب, فلا يكون اللبن للزوج. قال أبو عمران: وما أعرف هذا لسحنون, ولم أره في كتاب ابنه, وقد استقصى الرضاع فيه, فإن كان هذا صحيحاً فإنما حدَّ هذا, لأن الرضاع لا يكون أقوى من النسب, فإذا انقطع النسب لذلك؛ فانقطاع الرضاع أحرى, ويصير كأن هذا اللبن من رجلٍ آخر, أو يكون هذا خِلّقَةً في المرأة فلا يكون ذلك من قِبَلِ الزوج, وقد يُعترض على هذا بالتي أيست وقعدت عن الولد فتزوجت فدرَّت, ثم طلقها الزوج, أو لم يطلقها أليس اللبن له؟ فليس العلة الحمل. فترجيح الشيخ في ذلك, وكأنه نحا إلى أن قول سحنون خلاف المدونة, إذ ذكر فيها إذا لم ينقطع اللبن من غير حد, والله أعلم.
[فصل 2 - في التحريم بلبن البكر واليائسة] ومن المدونة: قال مالك: وإذا درَّت بِكرٌ لا زوج لها أو يائسة من المحيض فأرضعت صبياً فهي أمٌ له, لأن لبن النساء يُحرِّم على كل حال. وفي كتاب ابن الجّلاَّب في الصغيرة التي لا يوطأ مثلها: أن لبنها لا تقع به حُرمة. ومن كتاب ابن سحنون: قال ابن القاسم: لو أن امرأة دَرَّ من ثدييها ماء فأرضعت به صبياً فلا يُحَّرم به, ولا يُحرَّم إلا باللبن الذي يكون له غذاءً يُغْني عن الطعام, وأما ماء أصفر ونحوه فلا. قال: وإن أرضع رجلٌ صبياً ودَرَّ عليه لم تقع به الحرمة, لأن الله عز وجل قال: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء:23] , فإنما يحرِّم لبن بنات آدم لا ما سواه. [فصل 3 - في لبن البهيمة هل يحرِّم أم لا؟] قلت: فلو أن صبيتين غُذيتا بلبن بهيمةٍ أتكونا أختين؟ قال: لا تكون الحرمة في الرضاعة إلا بلبن بنات آدم لا ما سواه.
[فصل 4 - في التحريم بلبن المرأة الميتة] قال: وإذا حَلِبَ من ثدي المرأة لبنٌ, ثم ماتت, فَأُوَجِرَ بذلك اللبن صبيٌ, أو حُلِبَ من لبنها بعد موتها فأُوجِرَ به صبيٌ فالحرمة تقع بذلك, ولبنها في موتها وحياتها سواء, وكذلك إذا دَبَّ صبيٌ إلى امرأة وهي مَيَّتةٌ فرَضَعها وقعت به الحرمة إذا عُلِم أن في ثديها لبناً وأنه قد رضعها, ولا يحل اللبن في ضروع الميتة. قيل: فكيف أوقعت الحرمة بلبن هذه المرأة الميتة ولبنها لا يحل؟ فقال: لأن من حلف ألاَّ يشرب لبناً فشرب لبناً ماتت فيه فأرةً, أو شرب لبنٍ شاةٍ ميتةٍ أنه حانث إلا أن ينوي اللبن الحلال, ونكاح الأموات لا يحل, ويُحَد من وطئ ميتة. ابن المواز: ولا صداق عليه. قال بعض البغداديين: ويدل على أن لبن الميتة يحرِّم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا رَضاع إلا ما فَتق الأمعاء» , وقوله: «الرضاع ما أَنبت اللحم وأَنشز العظم» , ولأن الاعتبار في الرضاع وقوع الاغتذاء به, وذلك كله موجودٌ في لبن الميتة.
[فصل 5 - في لبن المرأة يجعل فيه طعام أو دواء] ومن المدونة: قال: ولبن المرأة إذا جُعِلَ فيه طعامٌ حتى يغيب اللبن فيه, أو صُنِعَ فيه طعامٌ فكان الطعام الغالب, ثم طُبِخَ على النار حتى غاب اللبن, أو صُبَّ في اللبن ماءً حتى غاب اللبن وصار الماء الغالب, أو جُعِل/ في اللبن دواء, فغاب اللبن في ذلك الدواء فأُطْعِم الصبي ذلك أو سُقِيَه لم تقع الحرمة به, لأن اللبن قد ذهب, وليس فيما أُكل أو شُرب لبن يكون به عَيْشُه. ابن حبيب: وقال مطرف وابن الماجشون: أنه يحرِّم وإن غلب عليه ما خرج معه. قال عبد الوهاب: وهذا قول الشافعي, وقول ابن القاسم هو قول أبي حنيفة. فوجه قول ابن القاسم: أن استهلاك اللبن يبطل حكمه, إذا لا يحنث به الحالف إلاَّ يشرب لبناً, ولأن تعلُّق التحريم بالكثير كتعليق وجوب الحد بشرب الخمر, ثم ثبت أن النقطة من الخمر إذا استهلكت في الماء أنه لا يحد شاربه. ووجه قول مطرف وابن الماجشون: أن اختلاط اللبن لا ينفي حكمه كما لو لم يستهلك فيه, ولأن الغذاء يحصل للطفل بالمختلط كله.
قال الشيخ: وقول ابن القاسم أصح, لأن الاعتبار في الرضاع الغذاء وليس في هذا المستهلك غذاء. ومن كتاب ابن سحنون: قال ابن القاسم: ولو أن امرأةٌ دَرَّ من ثديها ماءٌ أصفر ونحوه فأرضعت به صبياً؛ فلا يحرَّم به, ولا يحرَّم إلا باللبن الذي يكون به الغذاء ويُغني عن الطعام.
[الباب الثالث] في الشهادة على الرضاع والإقرار به
[الباب الثالث] في الشهادة على الرضاع والإقرار به [فصل 1 - في الشهادة على الرضاع] وحضَّ النبي صلى الله عليه وسلم على اجتناب الشبهات, ولقد ألحق الولد بَزْمعَةَ لفراشه, وأمر سَوْدَة بنت زَمْعَة أن تحتجب منه لمَّا رأى من شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ مُدَّعيه, وهذا من تَوقَّي الشبهات. قال مالك: وإذا قالت امرأةٌ عدلٌ: كنت أرضعت فلاناً وزوجته, لم أقض بفراقهما. ابن وهب: وقاله عمر بن الخطاب. قال ابن القاسم: وإن عُرِف ذلك من قولها قبل النكاح لم يفرَّق بينهما.
قال مالك: ويؤمر بالتنزُه عنها إن كان يثق بقولها, ولو شهد بذلك امرأتان بعد العقد, وهما أُمُّ الزوج وأُمُّ الزوجة, أو أجنبيتان لم يُقبل إلا أن يكون ذلك قد فشا من قولهما قبل النكاح عند الأهلين والجيران فيقضي بالفراق بينهما. قال ابن المواز: وإذا لم يكن ذلك من قولهما فاشياً فأحبُّ إليَّ أن ينزِّه نفسه عنها ويتورَّع. وذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون وغيره: أنه يقضي بالفراق وإن لم يكن قولهما فاشيا. قال: وكذلك رجلٌ وامرأةٌ واحدةٌ وإن لم يكن فاشيا في الأهلين إذا قاموا حين علموا بالنكاح, ولم يأت عليهم حالٌ يُتَّهمون فيها, وقاله أصبغ, وعليه جماعة من الناس. ومن المدونة: قال مالك: ولو خطب رجلً امرأةٌ فقالت له امرأةٌ: قد أرضعتكما -وفي رواية يحيى فقالت أمُّ المرأة: قد أرضعتكما- قال مالك: فليتنزَّه على وجه الاتقاء لا على وجه التحريم, فإن تزوجها لا يفرق القاضي بينهما. وإن قال الأب: رضع فلانٌ أو فلانةً مع ابني الصغير أو ابنتي, قم قال: أردت اعتذارا, أو قال: كنت كاذباً, لم يقبل منه.
قال ابن القاسم: فإن تزوجها فرق القاضي بينهما, ويؤخذ بإقراره الأول. قال الشيخ: كالمقرِّ على نفسه, لأنه هو العاقد عليها. قال في كتاب النكاح الثاني: ومن اشترى جاريةً أو أراد شراءها, أو خطب امرأةً فقال له أبوه: قد نَكَحْتُ الحرة, أو وطئت الأمة بشراء, وأكذبه الابن, فلا يقبل الأب إلا أن يكون ذلك من قوله فاشياً قبل الشراء أو النكاح؛ فأرى له أن يتنزَّه عنها, ولو فعل لم أقض عليه. قال الشيخ: لأنه ليس هو العاقد عليه فيؤخذ بإقراره. وقال مالك: وكذلك الأم إذا لم يزل يسمعونها تقول: قد أرضعت فلانة/ فلما كبرت أراد الابن تزويجها فلا يفعل. قال الشيخ: فإن فعل لم يقض بفراقها, لأن الأم ليست بعاقدةٍ فيؤخذ بإقرارها. [فصل 2 - في الإقرار بالرضاع] ومن الرضاع: وإذا أقر أحد الزوجين أن الآخر أخوه من الرضاعة قبل أن يتناكحا فسخ نكاحهما إذا شهدت على إقرارهما بذلك بينة.
قال ابن القاسم: وليس قول الرجل: هذه أختي, أو قول المرأة: هذا أخي كقول الأجنبي فيهما, لأن أقرارهما على أنفسهما بمنزلة البينة القاطعة. قال أبو القاسم بن الكاتب: وإذا قالت المرأة المدخول بها لزوجها: إنك أخي من الرضاعة, وصدقها؛ يجب أن يرجع عليها بجميع الصداق إلا ربع دينار, كالتي غرت من نفسها وتزوجته في العدة, ولو لم يصدقها لم يقبل ذلك منها لأنها تتهم على فراقه, ولو لم يدخل بها وصدقها لم يترك لها شيئاً من الصداق. وإذا قالت الأم لرجل: أرضعتك مع ابنتي, ثم قالت: كنت كاذبة أو معتذرة لم يقبل قولها الثاني, ولا أحب له أن يتزوجها. قال ابن المواز: فإن تزوج هذا الرجل هذه الصبية بعد قول أمها هذا, فرق القاضي بينهما, وقاله ابن حبيب. قال أبو محمد وغيره: إنما يؤمر بالتنزه عنها من غير قضاء بخلاف قول الأب. قال الشيخ: وهو مذهب المدونة, والفرق بين الأب وبين الأم في هذا القول؛ فلأن الأب هو العاقد على ابنه الصغير وعلى ابنته الصغيرة فصار ذلك كإقراره على نفسه. فإن قيل: فيلزم على هذا ألا يقبل في ابنه الكبير لأنه يعقد على نفسه؟ قيل: قد مر به حال لا يعقد عليه إلا الأب فهو على ذلك. قال ابن المواز: قول أحد الأبوين, أو أحد الزوجين قبل النكاح مقبول ويفسخ به النكاح وإن لم يفش في المعارف, ولا يقبل بعد النكاح قول الأب أو الأم
وإن كانا عدلين, ولا قول الجارية, ولا امرأتين عدلتين من غير أمرٍ فاشٍ, ويؤمر بالتنزُّه, وإن كان مع المرأتين أمرً فاشٍ في المعارف قضى بالفسخ, وأمُّ الزوج وأُمُّ الزوجة بعد النكاح كالأجنبيتين, والأجنبيات قبل النكاح وبعده سواء.
[الباب الرابع] فيمن يحرم نكاحه بالرضاع من النساء
[الباب الرابع] فيمن يحرم نكاحه بالرضاع من النساء قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «يَحرُم من الرَّضاعة ما يحرُم من الوِلَادة». قال ابن القاسم: فلا يُجمع بين المرأة وعمتها وخالتها من الرضاعة كالولادة. قال مالك: والملك والتزويج في الرضاعة سواء في الحرمة, والأحرار والعبيد في حرمة الرضاع سواء, ويحرم على الرجل امرأة أبيه وابنه من الرضاعة كالنسب. ومن تزوج صغيرةٌ بعد صغيرةٍ فأرضعتهما أجنبية فليختر واحدةً ويفارق الأخرى, ولا يفسد نكاحهما كما يفسد عقد متزوج الأختين في عُقدةٍ لفساد العقد فيهما وصحته في هاتين. ولو تزوج أربع مراضع فأرضعتهن كلهن فله أن يختار أولهن رضاعاً أو آخرهن أو من شاء ويفارق البواقي, فإن أرضعت واحدة منهن فهن على نكاحهن, وإن أرضعت ثانية؛ اختار أيتهن شاء وفارق الأخرى, فإن فارق الأولى ثم أرضعت ثالثة؛ اختار, فإن فارق الثانية ثم أرضعت رابعة حبس الثالثة إن شاء أو الرابعة وفارق الأخرى, وإن أرضعتهم كلهن قبل أن يختار واحدةً منهن فله أن يختار واحدةً منهن؛ إن شاء أولتهن رضاعاً أو آخرتهن أو ما شاء منهن ويفارق البواقي. قال أبو محمد: وابن القاسم لا يرى لمن اختار/ فراقها من الأربع صداقاً كالفسخ.
وقال ابن المواز: يعطيها ثَمُن صداقها, إذ لو فارقهن جميعاً لم يكن لهن إلا نصف صداقٍ بينهن. وقال ابن حبيب: يعطي لكل واحدةٍ ممن يفارق نصف صداقها, لأنه طلاقٌ باختياره وليس كالفسخ. ابن القابسي: ومن اختار فراقها فهن فسخ بلا طلاق عند ابن القاسم لأنه لا يرى لهن صداقا, ومن رأى لهن من الصداق شيئاً أوجب عليه في كل واحدةٍ طلقة. قال الشيخ: قال بعض شيوخنا: وعلى قول ابن القاسم يكون فراقه طلاقاً لأنه هو الذي اختار الفسخ فيمن أراد منهن -يريد: وليس كل موضع يكون الفراق بطلاقٍ يلزم فيه الصداق, بل يوجد في غير ما مسألةٍ الفسخ بطلاقٍ ولا يكون في ذلك صداق, فاعتبر ذلك تجده. قال الشيخ: ولا شيء على المرضعة لهن من الصداق وإن تعدت على ذلك, على مذهب ابن القاسم, لأن الزوج لم يجب عليه صداق, لأنه غير مطلق, وأما على قول من يرى لهن شيئاً من الصداق فيجب للزوج الرجوع على المتعدية لما غرم كرجوعه على الشاهدين عليه بالطلاق قبل البناء إذا رجعا عن شهادتهما, وقاله ابن الكاتب. قال بعض فقهائنا: ولو مات الزوج قبل أن يختار واحدةً من الأربع لم يجب عليه إلا صداقً واحدً للجميع, وتتفق هاهنا الأقوال كلها, لأن واحدةً يصح
نكاحها والثلاث محرمات, فوجب عليه صداقً واحدً يُقسم على سائرهن, ولو طلق الأربع قبل أن يختار لوجب عليه نصف صداقٍ يقسم على سائرهن, وتتفق الأقوال أيضاً فتدبَّر ذلك. ابن حبيب: وكذلك المجوسي يسلم وعنده عشر نسوةٍ لم يبن بهن فيختار أربعاً منهن؛ أنه يعطي لكل من فارق نصف صداقها. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً ورضيعتين في عُقدةٍ وسمى لكل واحدةٍ صداقها, أو في عقودٍ مفترقة, فأرضعت الكبيرة إحداهما قبل بنائه بالكبيرة وهي في عصمته, أو بعد أن فارقها حرمت الكبيرة للأبد, لأنها من أمهات نسائه, ولا تحرم عليه الصغيرة المرضعة, لأنها من الربائب اللاتي لم يُدخَل بأمهاتهن, وإن كان بعد بنائه بالكبيرة حرمت الكبيرة والصغيرة, وللكبيرة الصداق بالمسيس, ولا صداق للصغيرة, تعمَّدت الكبيرة الفساد أو لم تتعمَّده. ومن كتاب ابن المواز: ومن نكح امرأةً فمسَّها أو تلذَّذ منها, ثم فارقها فبعد عشرين سنةً تزوج رضيعةً فأرضعتها تلك المرأة التي كانت له زوجة لحرُمَت الرضيعة عليه, ولو أرضع زوجته الرضيعة نساء أهل الأرض لحرُمْن عليه, لأنهن يصِرّن أمهات نسائه, والرضيع إذا زوجه أبوه أو وصيهُ امرأةً ثم بارا عنه زوجته فتزوجت رجلاً فأولدها ثم أرضعت الصبي الذي كان زوجها وهو في الحولين لحُرمت على زوجها, لأنها من حلائل أبنائه, إذ صار هذا الصبي ابناً له من الرضاعة, وكذلك في العتبية عن ابن القاسم.
ومن المدونة: ومن تزوج صبيةً فأرضعتها أمه, أو أخته, أو جدته, أو ابنته, أو ابنة ابنه, أو امرأة أخيه, أو ابنة أخيه, أو ابنة أخته وقعت الحرمة بذلك, وفرق بينهما, ولا صداق للصبية على الزوج ولا على التي أرضعتها, وإن تعمَّدت ذلك, ولكن تُؤدَّب/ المتعمدة. قال مالك: وكل ما فسد من نكاح مَنْ حَرُم بالرضاع بعد البناء فلها المسمى ولا يُلتفت إلى صداق مثلها.
[الباب الخامس] جامع القول في الظؤورة
[الباب الخامس] جامع القول في الظؤورة ومن كتاب ابن حبيب: روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن استرضاع الفاجرة, وأنه عليه الصلاة والسلام قال: «اتقوا إرضاع الحمقى فإنه يُعدِي». قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن اللبن يَنزع لمن يُسْتَرضَع؛ فَليُسْتَحسن, وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح استرضاع النصرانية.
وقال مالك: لا بأس باسترضاعها إن أُمِنَت ما تغدِّي به الولد من خمرٍ وخنزيرٍ وقد يكون في النصرانية طِبَاعٌ حسنةٌ من عفافٍ وسَخاءٍ ومحاسن أخلاق, فليس الطباع في الدين وهي في الغرائز. ومن المدونة: وكره مالك اتخاذ الظؤورة من اليهود والنصارى والمجوس من غير أن يَرى ذلك حراماً وقال: إنما غذاء الصبي مما يأكلن, وهن يأكلن الخنزير ويشربن الخمر, ولا آمنُها أن تذهب بالصبي إلى بيتها فتطعمه ذلك, وكره استرضاع الفاجرة ولم يُحرِّمه.
[الباب السادس] في رضاع الولد وأجر الرضاع في الطلاق وغيره
[الباب السادس] في رضاع الولد وأجر الرضاع في الطلاق وغيره [فصل 1 - في إرضاع غير المطلقات أولادهن] قال الله تبارك وتعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة:233] , وقال تعالى في المطلقات: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ...} [الطلاق:6] إلى قوله تعالى: {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق:6] , فدلَّ بذلك أن ذوات الأزواج يلزمهن رضاع أولادهن دون المطلقات, لأن العرف جارٍ في أغلب أحوال الناس أن المرأة تلي رضاع ولدها من غير تكليف الزوج أُجرة, والعرف كالشرط. قال مالك: فتُجبر ذات الزوج على رضاع ولدها بلا أجرٍ إلا أن تكون ممن لا تُرضع لشرفها فذلك على الزوج. قال الشيخ: لأن العرف أن ذوات القدر والشرف لا يكلَّفن رضاع أولادهن وأن ذلك على الزوج, والعرف كالشرط. قال مالك: وإن مات الأب وللصبي مالٌ فلها ألاَّ ترضعه, وتستأجر له من يرضعه من ماله إلا أَلاَّ يقبل غيرها فتُجبر على أن ترضعه بأجرها من ماله.
قال مالك: وإن لم يكن للصبي مالٌ لزمها رضاعه -يريد: وإن كان يقبل غيرها- بخلاف النفقة التي لا يقضى بها عليها, ولكن يستحب لها أن تنفق عليه إن لم يكن له مال. وقال عبد الوهاب: إذا لم يكن للصبي مالٌ لم يلزمها رضاعه وهو من فقراء المسلمين إلا أَلاَّ يقبل غيرها حينئذٍ على رضاعه, كان له مالً أو لم يكن, لأن في ترك رضاعه حينئذٍ إتلافه, وقد قال الله تعالى: {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [البقرة:233]. قال الشيخ: وكذلك نقول, إن لم يقبل غيرها وليس له مالً أنه يلزمها رضاعه, لأن جَعَلَه من فقراء المسلمين إضرارً به, وقد لا يَتكَفَّل به أحد, فيكون في ذلك إتلافه, وقد قال الله عز وجل: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة:233] , وقد قال مالك في غيره المدونة: وإذا لم يكن لليتيم مالً وليس للأم لبن, أو لها لبنً لا يكفيه لرضاعه, فعليها رضاعه, بخلاف النفقة. ابن المواز: لقول الله -عز وجل: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} [البقرة:233]. قال الشيخ: قال ابن الكاتب: واستدل سحنون أن على الأم رضاعة/ إذا لم يكن له مالٌ ولا أبٌ لقول النبي صلى الله عليه وسلم للتي اعترفت بالزنا: «اذهبي فأرضعيه ...» , قال: فأَخَّر عنها النبي صلى الله عليه وسلم الحدَّ لرضاع ولدها
وأَمْرُه لها على الوجوب عليها, إذ لا يؤخَّر حدٌ وجب لأمرٍ يُتَطوَّع به. وقال إسماعيل القاضي: إنما وجب على الأم رضاعة لقول الله عز وجل: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرى:233] , ولا يسقط ذلك عنها ما كان يجب لها على الزوج من النفقة والكسوة لقوله عز وجل: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة"233] , لأن الأب مات عديما, أو أعدَم وهو حي, ورضاعها قائمٌ في ثدييها, فإن انقطع دَرُّها بمرضٍ أو غيره لم يكن عليها سبيل, فإن خِيف عليه الموت لعدم الرضاع, وجب عليها أن تستأجر من مالها من يرضعه, وذلك من باب الإعانة, لأن من خاف على جائعٍ أو عاطشٍ الموت وجب عليه أن يُطعمه ويسقيه إن أمكنه ذلك, وكذلك كل مضطرٍ فإن إعانته واجبة. [فصل 2 - في إرضاع المطلقات أولادهن] ومن المدونة: قال: والرضاع عليها إن طلقت طلاقاً فيه رجعةً إذا كانت ممن يرضع مثلها ما لم تنتقض العدة, فإذا انقضت, أو كان الطلاق بائناً ولم تنقض العدة فعلى الأب أجر الرضاع. قلت: فإن قالت بعدما طلقها ألبتة: لا أرضعه إلا بمئة درهمٍ كل شهر, وأصاب الزوج من يرضعه بخمسين؟ قال: قال مالك: الأم أحق به بما يرضع به غيرها, وليس للأب أن يفرق بينه وبينها, فإن أبت أن ترضعه بذلك فلا حقَّ لها إلا أن يكون الولد لا يقبل غيرها وخيف عليه الموت فإنها تجبر على رضاعه بأجر مثلها.
قال الشيخ: وقوله: إذا وجد الأب من يرضعه بخمسين وقالت الأم: لا أرضعه إلا بمئه, فقال مالك: الأم أحق به بما يرضعه بما يرضعه به غيرها -يريد: بأجر مثلها لا بخمسين, وقاله بعض القرويين, وإليه رجع ابن الكاتب, وهو الصواب, وسواءً وجد من يرضعه غير الأم أم لا, لأنها وإن كانت عند الأم فهي التي تباشره بالرضاع والمبيت وذلك تفرقة بينه وبين أمه, فلذلك كانت الأم أحق به بأجر مثلها وهذا بيَّن. قال مالك: ولو كان الأب معدماً لا يجد شيئاً وقد طلقها ثلاثاً فوجد مِن قرابته مَن يرضعه باطلاً فله ذلك, ويقال للأم: إما أن ترضعيه باطلاً أو فأسلميه, وكذلك إن كان الأب ليس بالواحد لا يقوى إلا على دون الأجر وأصاب من يرضعه بدون ذلك فللأم أن ترضعه بما وجد أو تسلمه إن قَبِلَ غيرها وإن كان الأب موسراً ووجد من يرضعه باطلاً فليس له ذلك, وللأم أن ترضعه بمثل ما يرضعه به غيرها. قال ابن المواز: وكذلك إن وجد الملئ مَنْ يرضعه بدون الأجر فللأم أخذه بجميع الأجر, وهذا الذي أَخْتَاره من قول مالك, وروى عنه: أنها لا تأخذه إلا بما وجد, والأول أحسن, وقد قال الله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق:6]. تم كتاب الرضاع بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.
[الكتاب الخامس] كتاب إرخاء الستور
[الكتاب الخامس] كتاب إرخاء الستور [الباب الأول] في تداعي المسيس بعد إرخاء الستر [فصل 1 - في تصديق المرأة في المسيس والمراد بإرخاء الستر] ولما ارتفع أن توجد بينه بعد إرخاء الستر صُدّقت عليه في الوطء كما صُدِّق المعترض في دعوى الوطء مع ما نصَّ الله عز وجل من تصديقهن على أمور الأرحام وقطع ما أوجب من الرجعة للأزواج بقولهن, لقوله سبحانه: {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة:228] , واحتج في ذلك زيد بن ثابت أنها تصدَّق في حملٍ إن ظهر بها,
وقضى به عمر بن الخطاب, وقاله علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وغيرهم من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم. قال ابن أبي زَمنِين: المراد بذكر إرخاء الستور خلوة الرجل بأهله والتخلية بينه وبينها, ولم يُرد به إرخاء الستر ولا غلق باب. وسواءً في هذا الأصل كانت المرأة صغيرةً أو كبيرةً, بكراً أو ثيباً, يتيمةً أو ذات أبٍ, ممن يُولَى عليها أو لا يُولَى عليها, حرةً أو أمةً, مسلمةً أو نصرانية, فالقول في ذلك قولها, لها وعليها وإن لم تبلغ الصغيرة المحيض إذا بلغت الوطء, ولا كلام للأب في ذلك ولا للوصي, لأن هذا مما لا يُعرف صدقه ولا كذبه إلا بقولهن فيهن فيه مأمونات مقبولٌ قولهن كما هُنَّ مأموناتٌ على الحيض والعدة والسَّقْطِ والولادة, فقد جعل الله ذلك إليهم في قوله تعالى: {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [الطلاق:6] , كذلك قال عبد الملك في جميع هذا. وذكر عن سحنون أنه قال: إن كانت بكراً أو أمةً فلا قول لها: إن الزوج لم يطأ, بل يكون لها صداقها كاملاً إلا أن يكون والد البكر يجيز تصديقها
- يريد: وكذلك سيد الأمة إذا أجاز تصديقها- ولا يكون ذلك لوليٌّ أو وصيًّ في البكر, ولا يحلف الولي في هذا, بخلاف الاختلاف في الصداق, لأن الوطء لا يُعلم إلا من جهتها, وأما في الصداق فالولي هو الذي عقد النكاح, فيحلف ولي البكر في ذلك على ما عقد به النكاح من الصداق الذي يذكره. [فصل 2 - في ما تستحقه المرأة إن طلقت بعد الدخول وقبل المسيس] ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج امرأةٌ ودخل بها وأرخى الستر عليها ثم طلقها واحدةً فقال: لم أمسَّها, وصدقته, فلها نصف الصداق وعليها العدة ولا رجعة له. قال الشيخ: وإنما لم يكن لها إلا نصف الصداق لقوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة:237] , وإنما كان عليها العدة لأنها حقٌ لله فلا يُسقطه إقرارهما, وإنما لم تكن له رجعةً لأنه أقر أنه لم يمسها وأنه لا عدة عليها عنده, والرجعة إنما تكون فيمن تعتد منه لقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا} [البقرة:228] يعني العدة, فلما لم تكن عليها عدةٌ عنده لم تكن له عليها رجعة. ومن المدونة: قال مالك: وكذلك إن تصادقا أنه قَبَّل أو باشر أو جَرَّد أو وطئ دون الفرج فإنما لها نصف الصداق إلا أن يطول مُكثه معها يتلذَّذ بها. قال مالك فيكون لها عليه الصداق كاملاً.
وقال ناسٌ: لها نصفه. قال مالك: وكذلك الذي لا يقدر على امرأته؛ فيضرب له أجل سنة, أن عليه الصداق كاملاً إذا فرق بينهما. وقال ناس: لها نصفه. قال الشيخ: فوجه قول مالك: فلأنه لما طالت إقامته معها وتلذَّذ بها, فأشبه الوطء في الفرج, ووجه القول الآخر: فلأنهما متقارران على نفس المسيس وقد قال تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة:237]. [فصل 3 - في دعوى الجماع] ومن المدونة: قال مالك: وإذا قال الزوج بعد أن دخل بها وأرخى السَّتر عليها: لم أجامعها, وقالت المرأة: قد جامعني, صدَّقت عليه, كان الدخول عنده أو عندها إذا كان دخول اهتداءٍ, وعليه المهر كاملاً. قال ابن المواز: وعلى المرأة اليمين في ذلك, فإن نكلت حلف الزوج, ولم يلزمه لها إلا نصف الصداق, وإنما جُعِل الستر كالشاهد, وكذلك في كتاب ابن الحكم.
[فصل 4 - فيمن تعلقت برجل وهي تُدمى] وقال مالك في التي تعلَّقت برجلٍ وهي تُدمَى: إن لها الصداق بغير يمين, وقال في الواضحة: عليها اليمين. قال الشيخ: فوجه ألاَّ يمين عليها: لأنها قد بلغت من فضيحة نفسها, وأتت بشاهد الافتضاض -وهو الدم- فقام ذلك مقام الشاهدين/ فوجب تصديقها عليه بغير يمين. ووجه إيجاب اليمين: أن تعلُّقها به, وظهور الدم عليها يقوم لها مقام الشاهد كإرخاء الستر على الزوجة, وتسليمها للزوج, فلا يكون أحسن حالاً من الزوجة, إذ قد يحتمل في هذه أن يكون غيره فَعَله بها ثم فَرَّعَنها فتعلَّقت بهذا, أو تكون كانت رضيت به فلما افْتَضَّها تعلَّقت به فلا بد أن يكون عليها اليمين. قال الشيخ: وهذا عندي أعدل. [فصل 5 - في تداعي الزوجين في المسيس] ومن المدونة: قال مالك: وإن خلا بها في بيت أهلها غير دخول البناء فطلقها وقال: لم أطأ, وقالت المرأة: قد مسَّني, صدق الزوج إلا أن يكون دخوله عليها دخول اهتداء, والاهتداء هو البناء. قال مالك: وكان ابن المسيب يقول: إذا دخل الرجل بامرأته في بيتها صُدِّق عليها, وإذا دخلت عليه في بيته صدَّقت عليه.
قال مالك: وذلك في المسيس. قال ابن المواز: وكان مالك مرَّةً يأخذ بقول ابن المسيب أنه إذا خلا بها في بيتها لم تصدَّق عليه إلا بدخول الاهتداء, وبه أخذ ابن القاسم. وروى ابن وهب عن مالكٍ أيضاً أنه قال: حيث ما أخذهما القلق وإن كانت زيارةً فالقول قول المرأة وبه أخذ ابن وهب وأشهب وأصبغ, وهو أشبه بحديث عمر رضي الله عنه. قال عبد الوهاب: وقيل: إن كانت ثيباً فالقول قولها, وإن كانت بكراً نظر إليها النساء, فإن رأين افتضاضاً صدَّقت عليه وإن لم يرين افتضاضاً لم لكن لها إلا نصف الصداق. فوجه الأولى: أن النزاع في التداعي يرجع إلى العرف, والعرف جارٍ بأن الرجل ينقبض في غير بيته إذا كان زائراً, غير مطمئنٍ, ولا ينشَط, ويستحي من إطلاع أهلها, فكان القول قوله في أنه لم يطأ لشهادة العرف, وإذا خلا بها في بيته كان القول قولها, لأن العرف يصير معها, لأن الإنسان ينشط في بيته ولا ينقبض, والعادة إقدامه على الوطء, ولا يتوقف عنه, فلذلك صدَّقت عليه.
ووجه الثانية: أنها فعلت التسليم والتمكين من الاستمتاع وليست بمنسوبةٍ إلى تفريطٍ بترك التوثيق بالإشهاد, إذ لا يمكنها ذلك, فلو لم تصدق عليه لأدَّى ذلك ألاَّ يثبت على أحدٍ صداقً بوطء إلا باعترافه, وفي ذلك إضاعة المهور وأعواض الاستمتاع. ووجه الثالثة: أنه إذا وجدنا طريقاً إلى اليقين كان أولى من الظن, وذلك ممكنً في البكر على ما ذكرنا من اختبارها بنظر النساء إليها, وجاز ذلك للضرورة كالعيوب, ولمَّا لم يكن ذلك في الثيب رُجِعَ إلى قولها, وكل من حُكِم بقوله فلا بد من يمينه, وهذا الاختلاف إنما في تكميل الصداق, فأما العدة فإنها تجب ولا تسقط, لأنها حقً لله تعالى فلا يُقبل قولها في إسقاطها. ومن المدونة: قال ربيعة: الستر بينهما شاهدً على ما يدعيان, وله الرجعة إن قال: وطئتها. قال ابن المواز: الموضع الذي يُقبل فيه قولها في إيجاب الصداق يُقبل قوله في إيجاب العدة عليها, وله الرجعة, وفي دعواه دفع الصداق إليها. قال الشيخ: وبيان كلام محمد: أن الرجل إذا خلا بها في بيته أو كانت خلوة بناءٍ في بيت أحدهما في رواية ابن القاسم, أو كانت خلوةً في بيت أحدهما في رواية ابن وهب, أن القول قول الزوجة في أنه وطئها, وأن لها الصداق كاملاً, وأنها إن أنكرت الوطء في هذه المواضع وادعاه الزوج كان عليها العدة, وكان له الرجعة فيها, ويصدق في دفع الصداق إليها, وإنما تكون له الرجعة إذا ادعى وطأً صحيحاً.
قال ابن القاسم في العتبية: إن دخل بها ووطئها وهي حائض, ثم طلقها بعد طهرها فلا رجعة له, لأن ذلك ليس بوطء -يريد: وفيه الصداق والعدة. قال الشيخ: أما الصداق فوجب لانتهاكه البضع, وأما العدة/ فلِلحوق الولد فيه, وأما الرجعة فلا تجب له, لأن الله تعالى نهى عن وطء الحائض فلا يكون ما نهى عنه يحل ما أمر به, كما قالوا في الإحصان والإحلال, ويحتمل على قول عبد الملك الذي يحل به الطلقة أن يحل له به الرجعة. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن دخل بها في بيت أهلها غير دخول البناء فطلقها وأنكر الوطء, وادعته هي فجعلت القول قوله فعلى المرأة العدة إن كان قد خلا بها وليس معها أحد. قلت: فإن دخل بها في بيت أهلها غير دخول البناء فأقر بالوطء, وقالت المرأة: ما جامعني؟ قال: إن كان خلا بها وأمكن منها, ولم تكن خلوة بناء فعليها العدة ولا رجعة له ويلزمه الصداق كاملاً, فإن شاءت أخذته به كله أو نصفه. وقال سحنون في العتبية: لا تأخذه أبداً حتى تصدق الزوج, فإن صدقته أخذته كله وإلا فليس لها إلا نصفه.
قال الشيخ: وليس هذا بخلافٍ لابن القاسم, وقاله بعض فقهائنا, قال: ويدل على ذلك قولهم في الذي طلق قبل أن يُعلم له بزوجته خلوة, فادعى الوطء, وأراد ارتجاعها, قال: لا رجعة له وعلى المرأة العدة إن صدقته ولها السكنى والنفقة, وإن لم تصدقه فلا عدة عليها ولا كسوة لها ولا نفقة. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن خلا بها في بيت أهلها وليس معها أحدٌ فأنكرا الوطء جميعاً فلا بد من العدة في الخلوة, ولها نصف الصداق, ولو كان معها نساءً حتى قَبَّل وانصرف بمحضرهن فلا عدة عليها, ولها نصف الصداق وإن أقر بالوطء بعد أن طلق ولا يُعلم له بها خلوةً وكذبته فلا عدة عليها, ولها أخذه بالصداق كاملاً أو بنصفه. قال مالك: وكذلك إن خلا بها ومعها نسوة, ثم طلقها فادعى الوطء وأكذبته, صدقت ولا عدة عليها. قال بعض أصحابنا: وامرأةً في ذلك وأكثر سواء, لأن الخلوة لم تثبت فلا عدة عليها. قلت: فإن تزوجها وهي صائمةً في رمضان, أو صيام تطوعٍ, أو نذرٍ, أو كفارةٍ فيبنى بها نهاراً في صومها ذلك, ثم طلقها من يومه, أو خلا بها وهي محرِمةٌ, أو حائضٌ فطلقها قبل انقضاء إحرامها, أو قبل غُسلها من حيضتها فادعت هي في ذلك كله أنه وطئها وأنكر الزوج, قال: قال مالك: هي مصدقة ولها الصداق إذا أرخيت الستور عليهما وإن كانت حائضاً.
قال ابن القاسم: فكل من خلا بامرأةٍ لا ينبغي له أن يجامعها في تلك الحال فادعت أنه قد مسها صُدِّقت إذا كانت خلوة بناء, لأنه قد خلا بها وأمكن منها, وكذلك قال مالك في المغصوبة يحتملها رجلً فيدخلها بيتاً بمُعاينة بينه, ثم تخرج فتقول: وطئني غصباً, وهو ينكر, فلها الصداق ولا حد عليه. قال في كتاب ابن المواز: مع يمينها, وعليه الأدب الوجيع. قال الشيخ: وحكى لنا عن الشيخ أبي الحسن القابسي فيمن نكح ببعيرٍ شاردٍ, أو بثمرةٍ لم بيد صلاحها فبنى بها وقالت: وطئني, وقال: وما وطئتها, فلها صداق المثل بإرخاء الستر عليها, ويفسخ النكاح, لأنه مقرٌ أنه ما وطئها, فقد أقر أن النكاح باقٍ على الفسخ. ولو قال: وطئتها, وأكذبته صُدِّق وبقيا على الزوجية. قال بعض فقهائنا: وإنما صُدِّقت المرأة أن الزوج وطئها وإن كانت حائضاً أو صائمة ونحو ذلك, وإن كانت هي تدعي الحرام, لأن السَّتر لها كالشاهد, فذلك مثل ما لو قام شاهدٌ لمدعي الحرام في البيع أن المدعي يحلف مه شاهده وكذلك قال أبو عمران: لو ظهر أنها أخته من الرضاع أو النسب فادعت أنه وطئها عالماً بها لصُدَّقت عليه, ووجب لها الصدق. قال مالك من المدونة: ومن تزوج امرأةً فدخل بها, ثم طلقها واحدةً قال: ما جامعتها, وقالت: قد جامعني,/ صدَّقت ولها الصداق وعليها العدة ولا يملك الرجعة ولا يُحلِها ذلك لزوج كان طلقها ألبتَّه إلا باجتماعٍ منهما على الوطء.
قال ابن القاسم: وقد استحسن مالكً هذا القول, ولا يحمله القياس, وأنا أرى أن تُدَيَّن ويخلَّى بينها وبين نكاحها, وأخاف أن يكون هذا من الذي طلقها ضرراً منه بها في نكاحها. ولو مات الزوج بعد البناء بيومٍ من غير مناكرةٍ ومثله يطأ, فادعت الوطء كان أبين في إحلالها بذلك. والله أعلم.
[الباب الثاني] جامع ما جاء في الرجعة
[الباب الثاني] جامع ما جاء في الرجعة ودعوى انقضاء العدة وما يحل من المطلقة [فصل 1 - في ما جاء في الرجعة] قال تعالى: {لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق:1] , وهو الرجعة, فزجر الله عن إيقاع الثلاث لئلا يندم فلا يكون له سبيل إلى الارتجاع. ولا تكون الرجعة إلا في المدخول بها فيما دون الثلاث لقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة:228] يعني في العدة, ولا عدة في غير المدخول بها, وقوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [الطلاق:229] , وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: «مُرْهُ فليراجعها» , فال: فقلت: أرأيت لو طلقها ثلاثا؟ قال: «إذن عصى ربَّه وبانت منه زوجته». وقال تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [البقرة:234] يريد: قاربن بلوغ أجلهن {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق:2].
وجعلهن تعالى مؤتمناتٍ على انقضاء العدة بقوله: {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة:228] , والزوج ممنوعً منها حتى يرتجع بدليل القرآن, ولها النفقة والسكنى, ويتوارثان ما لم تنقض العدة, ولا ينبغي أن يتلذَّذ منها بنظرٍ أو غيره, ولا يخلو معها. ولمالك قول: أنه يدخل عليها ويأكل معها إذا كان معها من يتحفَّظ بها, ثم قال: لا يفعل وإن كان معها حافظ, ولينتقل وقد انتقل ابن عمر. قال عبد الوهاب: وهي مُحرِّمةٌ ما لم يراجعها خلافاً لأبي حنيفة, لأنها جاريةٌ إلى البينونة, أصله الكتابية إذا أسلمت بعد الدخول. ولا خلاف أن الرجعة تصح بالقول وتصح عندنا بالوطء والقُبلَةِ والمباشرة إذا نوى به الرجعة خلافاً للشافعي في أنها لا تكون إلا بالقول, لأن الوطء يقوم مقام القول, أصله قول البائع إذا كان له الخيار: قد اخترت ردَّ هذه الأمة إلى
ملكي, وهو لو وطئها قبل القول كان وطؤها اختياراً. ومن المدونة: قلت: فمن طلق امرأته طلقةً يملك فيها الرجعة, ثم قَبَّلَها في العدة, أو لامس لشهوةٍ أو جامع في الفرج, أو فيما دون الفرج, أو جَرَّدها, أو نظر إليها, أو إلى فرجها أيكون ذلك رجعة؟ قال: قال مالك: إن وطئها في العدة ينوي بذلك الرجعة وجهل أن يُشهد فهي رجعة, وإن لم ينوي ذلك فليست برجعة, وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة. قال الشيخ: لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرءٍ ما نوى» , فلم تصح الرجعة بالوطء إلا بنية. قال أشهب في مدونته: وكذلك إذا لمسها في عدتها, أو قَبَّلها, أو باشرها أو نظر إلى فرجها لشهوةٍ ونوى بذلك كله الرجعة فهي رجعةٌ وإلا فلا. قال مالك في المختصر: ولا يطؤها إلا بعد الاستبراء من وطئه إن وطئ ولم ينو به الرجعة.
وقال الليث: وطؤه رجعةٌ وإن لم ينو به الرجعة. قال الشيخ: فإن قيل: لِمَ لَمْ يكن وطء المطلق رجعةً وإن رجعةً وإن لم ينوها عند ابن القاسم كما كان وطء مبتاع الأمة بخيار اختياراً وإن لم ينوه؟ قيل: لأن البائع قد جعل له الخيار وأباح له الوطء به, فإذا وطئ فقد قبل ما جعل له وتم به ملكه, ولأنه لو لم يطأ وتمادى على إمساكها حتى ذهبت أيام الخيار وانقطعت عُدَّ بذلك/ مختارا, والزوج لم يجعل له شراء الرجعة فيطالبها بقبولها ولأنه لو تمادى على إمساكها حتى انقضت مدة الرجعة لبانت منه, بخلاف انقضاء أيام الخيار فدل أن وطأه أضعف من وطء المختار, وهذا بيَّن. ومن المدونة: ومن طلق فليُشْهِد على طلاقه ورجعته كما قال الله عز وجل, وكذلك فعل ابن عمر, وقاله ابن المسيب وغيره. وقال مالك في امرأة طلقها زوجها ثم ارتجعها فمنعته نفسها حتى يُشهِد على رجعتها: قد أصابت.
قال مالك: ومن قال لامرأته: قد راجعتك, ولم يُشهد فهي رجعة, وليُشهد فيما يُستقبل, فإن أشهد قبل انقضاء العدة فهي رجعة, وإن أشهد بعد انقضائها فليست برجعةٍ وإن صدقته إلا أن يُعلم أنه كان يخلو بها ويبيت معها فيقبل قوله, كذبته أم صدقته. قال عبد الوهاب: لأن الإشهاد عندنا استحبابً وليس بشرطٍ خلافاً للشافعي, لأنه حقً من حقوق النكاح كالظهار والإيلاء, ولأن الإشهاد معنىً يبيح الوطء كشراء الأمة وليس بآكد من عقد النكاح, وقد بينَّا أن الإشهاد ليس بشرطٍ فيه. ومن المدونة: وإن قال لها: قد ارتجعتك, ثم قال: لم أُرِدْ بقولي رجعةً وإنما كنت لاعباً, لزمته الرجعة إن كانت في عدتها فلا رجعة له إلا أن تقوم على ذلك بينة, يعني تقوم بينةً بعد العدة على قوله ذلك في العدة. وإن قال لها في العدة: كنت ارتجعتك أمس, صدَّق إن كذبته, لأن ذلك يعدُّ مُراجعةً الساعة, وإن قال لها ذلك وقد انقضت عدتها؛ لم يصدَّق, وقاله أشهب. قال مالك وأشهب: وإن قال لها: إذا كان غداً فقد راجعتك. لم تكن هذه رجعة. قال أشهب: وإن قال لها بعد العدة: كنت راجعتك في العدة, فصدقته أو كذبته لم يصدق ولا رجعة له إلا ببينة, أو يُعلم أنه كان يدخل عليها في العدة, ويبيت عندها, فيقبل قوله وإن كذبته, وإقرارها له بالمراجعة بعد العدة إذا لم
تُعلم له بها خلوة, داعية إلى إجازة نكاح بغير صداقٍ ولا ولي. قال: وإن أقام بينةً بعد العدة أنه أقر بالوطء في العدة فهي رجعةً إن ادعى الآن أن وطأه أراد به الرجعة. قال عنه ابن المواز: ولو أقام بعد العدة بينةً تَشهد أنه أقر عندهم أنه أغلق عليها باباً, أو أرخى عليها سِتراً في عدتها, لم تكن تلك رجعةً إن ادعى ذلك الآن بخلاف إقراره بالوطء. قال ابن المواز: وليس ذلك كالشهادة على الخلوة حتى يكون المقام والدخول والخروج ويُعلم ذلك بغير إقراره. ومن المدونة: قال أشهب: وإن طلقها قبل أن تُعلم له بها خلوة, ثم أراد أن يراجعها وادعى الوطء واكذبته, فأقام بينةً على إقراره قبل الفراق بوطئها لم ينتفع بذلك ولا رجعة له وإن صدقته, إذ ليس ببناءٍ معلوم, ويُتَّهم الزوج أن يقدم هذا القول عُدَّةً ليملك رجعتها, فلا يقبل قوله, وعلى المرأة العِدة إن صدقته, ولها السكنى والنفقة, وإن لم تصدقه فلا عدة عليها ولا كسوة لها ولا نفقة, وكذلك إن أقام بينةً على إقرارهما بذلك قبل الفراق فلا يصدَّقان ولا رجعة له, ولها النفقة والكسوة حتى تنقضي عدتها. وإن قال لها بعد العدة: كنت راجعتك في العدة, فاكذبته وهي أمة, وصدقه السيد فلا يقبل ذلك إلا بشاهدين سوى السيد, إذ لا تجوز شهادته على نكاح أمته ولا على/ رجعتها. قال مالك: وإذا وضعت الحامل ولداً وبقي في بطنها آخر فزوجها أحق برجعتها حتى تضع آخر ولدٍ في بطنها.
قال ابن وهب: وقاله ابن عباس وابن المسيب وغيرهما, وله الرجعة في عدة المرتابة بالحِسَّ إلى أقصى جلوس النساء, وإن طلقتها قبل البناء فظهر بها حملٌ فلم ينفِهِ فهي له زوجة, وهي في عدةٍ منه, وله الرجعة ما لم تضع. قال سحنون في كتاب ابنه: ولو ظهر الحمل بعد موت الزوج فقالت: هو منه, فإنه يلحق به ويرث أباه ولا ترث هي الزوج, وليس لها إلا نصف الصداق الذي قبضت. قال أشهب: ومن طلق امرأته واحدةً أو اثنتين فله عليها الرجعة ما لم ترَ أول دم الحيضة الثالثة, فإذا رأته فقد مضت الثلاثة الإقراء التي قال الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة:228] , ولأن الإقراء إنما هي الأطهار وليست بالحيَض, وكذلك قالت عائشة رضي الله عنها وغيرها, فإذا طلقها وهي طاهرً فقد طلقها في طهر تعتد به, فإذا حاضت حيضةً فقد تمَّ قُرؤُها, فإذا طهرت فهو قرءً ثان, فإذا حاضت الثانية فقد ثمَّ قرؤها الثاني, فإذا طهرت فهو قرؤٌ ثالث, ولزوجها عليها الرجعة حتى ترى أول قطرة دمٍ من الحيضة الثالثة, فإذا رأت ذلك فقد تمَّ قرؤها الثالث وانقضت الرجعة عنها وحلَّت للأزواج, غير أني أحب ألا تعجل بالتزويج حتى يتبين أن الدم الذي رأت في آخر الحيض دم حيضةٍ يتمادى بها فيها, لأنها ربَّما رأت الدم ساعة, أو يوماً ثم ينقطع عنها فيُعلم أن
ذلك ليس بحيض تعتد به, فإذا رأت امرأةً هذا في الحيضة الثالثة فلترجع إلى بيتها, والعدة قائمة, ولزوجها الرجعة حتى تعود إليها حيضةً صحيحةً مستقيمة. قال أشهب وابن وهب: وبه قضى زيد بن ثابت, وقالته عائشة رضي الله عنها: إن لها أن تنكح في دمها من الحيضة الثالثة. قال أشهب: وقاله عمر وابن عباس, وكذلك قال ابن القاسم: أن للزوج الرجعة ما لم تر دم الحيضة الثالثة في الحرة, والثانية في الأمة. [فصل 2 - في دعوى انقضاء العدة] قال: ومن قال لمعتد: قد راجعتك, فأجابته نَسَقَاً بكلامه: قد انقضت عدتي؛ فإن مضت مدةً تنقضي في مثلها العدة صدَّقت بغير يمينٍ وإلا لم تصدَّق. وقضى أَبان بن عثمان في مطلقةٍ ادعت بعد خمسةٍ وأربعين يوماً أن عدتها قد انقضت أنها مصدقة وتحلف. وليس العمل على أن تحلف إذا ادعت ما تحيض في مثله.
وذكر عن سحنون أنه قال: أقل ذلك أربعون ليلة. قال الشيخ: وقيل: شهرً إن أمكن ذلك, وكذلك يجب أن يكون معلَّقاً بالإمكان في أغلب العادة. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أشهد على رجعتها فصمتت, ثم ادعت بعد يومٍ أو أقل أن العدة قد انقضت قبل رجعته لم تصدق وتمت الرجعة, وإذا قالت المعتدة: قد دخلت في أول دم الحيضة الثالثة, ثم قالت: كنت كاذبة, ونظرها النساء فلم يرين بها حيضاً؛ لم يُنظَر إلى قولهن, وبانت بأول قولها إن مضت مدةً تنقضي في مثلها العدة, وإن ادعت أنها أسقطت فذلك لا يخفى على الجيران, ولكن الشأن أن تصدق بغير يمين وإن بعد يومٍ من طلاقه أو أقل أو أكثر, ولا ينظر إلى الجيران, لأنهن مأموناتً على فروجهن, ولو رجعت فقالت: كنت كاذبة, ونظرها النساء فلم يرين بها حيضاً لم ينظر إلى قولهن, وبانت بأول قولها, لأن ذلك داعيةً إلى إجازة النكاح بغير صداقٍ ولا ولي. قال مالك: وتنقضي العدة بما أسقطت المرأة مما يعلم النساء أنه ولدٌ من دمٍ أو مُضْغَةٍ أو عَلَقَة, وتكون/ به الأمة أم ولد, وإذا قالت المطلقة: حضت ثلاث حيض في شهر, سئل النساء فإن أمكن ذلك عندهن صدَّقت. قال أشهب: وإن قالت: حضت ثلاث حيض في شهرين, فقال لها الزوج: قد قلت بالأمس أو قبله: أنك لم تحض شيئاً, فصدقته, لم يقبل قولها الثاني إلا أن يقيم الزوج بينةً أنها قالت ذلك, فتكون له الرجعة إن لم يمض من يوم القول ما تحيض فيه ثلاث حيض, وإن مضى ذلك فلا رجعة له عليها وإن رجعت عن قولها: إنها قد حاضت ثلاث حيض.
ومن العتبية: قال مالك فيمن طلق امرأته طلقةً واحدةً وأعطته مالاً في العدة على ألاَّ رجعة له عليها قال: أراه خُلعا, وتلزمه طلقةً بائنةً, وقاله ابن القاسم. وقال أشهب: إن شاء راجعها, فإذا راجعها ردَّ إليها ما أخذ منها. وروى الدَّمْياطي أن ابن وهب قال: لا تلزمه غير الطلقة الأولى ولا رجعة له عليها. فصل [3 - في رجعة المريض والمحرم والعبد] قال ابن المواز: وللمريض أن يرتجع وكذلك المحرم, أو هي محرمة -يريد بالإشهاد- ويرتجع العبد بغير إذن سيده وإن كره, كانت زوجته أمةً له أو لغيره. قال: والرجعة أن يُشْهِدَ بها, أو يطأ, أو يُقَبِّل, ينوي بذلك الرجعة, ولو نوى الرجعة بقلبه لم ينفع إلا بفعلٍ مع النية مثل جَسَّةٍ لشهوةٍ, أو ضَمَّةٍ, أو ينظر إلى فرجها وما قارب ذلك من محاسنها, فإن لم يفعل ذلك لم تنفعه النية. قال: والأمة لا تقبل شهادة سيدها بعد العدة بالرجعة وإن صدقته الأمة. قال أشهب: إلا أن يشاء الزوج أن يدفع ثلاثة دراهم فتكون امرأته, شاء السيد أو أبى, لأنه أقر أنها امرأته.
وذكر أن أبا عمران قال: وكذلك إذا تقارر الزوجان بعد العدة على أن الزوج ارتجع في العدة فليقدم الزوج ربع دينارٍ ويزوجها وليها, وتجبر الزوجة على ذلك, كقول أشهب في مسألة الأمة, وترجح في ذلك. قال أبو عمران: وإذا أقر الزوج في العدة أنه راجع ثم أنكر الرجعة أنه يكون ذلك منه كطلاق ابتدأه. وسئل عن الذي يطلق امرأته واحدة, ثم يتمادى على وطئها من غير أن يريد الرجعة حتى ثلاث حيض ثم يحنث بطلاقها ثلاثاً هل يلزمه ذلك الطلاق؟ فقال: يلزمه ذلك كالنكاح المختلف في فساده يطلق فيه, وقد قال الليث: إن وطأه رجعة وإن لم ينو به الرجعة, وقاله ابن وهب في الدمياطية, فلا أقل أن يكون هذا كالنكاح المختلف فيه.
[الباب الثالث] جامع القول في متعة المطلقة
[الباب الثالث] جامع القول في متعة المطلقة [فصل 1 - في مشروعية متعة المطلقة] قال الله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة:241] , وقال: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة:237] فقصرت هذه على ذلك, ودلَّ أن الأمر بالمتعة ندب لا فرض قوله تعالى: {بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:236] , ولأن الطلاق تأثيره الإسقاط دون الإيجاب, دليله سقوط نصف المسمى قبل الدخول ولأنه نوع من الفراق كالموت. [فصل 2 - فيمن تستحق المتعة ومن لا تستحقها] ومن المدونة: قال ابن القاسم: قال مالك: ولكل مطلقة المتعة؛ طلقت واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً, إلا المطلقة قبل البناء وقد سمَّى لها صداقها فحسبها نصفه ولا متعة لها, وإن لم يسم فليس لها إلا المتعة.
ابن وهب: وقاله ابن عمر. قال ابن القاسم: وإن كانت مدخولاً بها وقد سمى لها في أصل النكاح مهراً أخذته به مع المتعة, وإن لم يسم لها أخذت صداق مثلها مع المتعة. قال: ولا متعة للمختلعة ولا للمصالحة ولا للمفتدية وللمبارية. قال ابن القاسم: ولم يختلف في هذا عندنا, دخل بها أو لم يدخل, سمَّى لها صداقاً أو لم يسمه, لأنها اشترت/ منه الطلاق بالذي أعطته فكيف ترجع وتأخذ منه, ولقد سئل مالك عن المفتدية قبل البناء بمالٍ دفعته لزوجها على أن خلَّى سبيلها ففعل, ثم قامت بعد ذلك تطلبه بنصف صداقها؟ فقال مالك: لا شيء لها, هي لم تخرج من حِبَاله إلا بأمرٍ غرمته له؛ فكيف تطلبه بنصف الصداق. وقال الليث مثله. قال ابن القاسم: ولا متعة للملاعنة ولا للأمة تعتق فتختار نفسها, دخل بهن أم لا, سمى لهن صداقاً أم لا. قال ابن وهب: قال ابن عمر: ليس من النساء شيءٌ إلا ولها المتعة إلا الملاعنة والمختلعة والمبارية والتي تطلق ولم يبن وقد فرض لها فحسبها فريضته. قال ابن شعبان: وجعلت المتعة بدلاً من غمٌّ الطلاق وهمَّه عليهن وسقط المتاع عن المختلعات والمفتديات والمباريات, لأنهن يُعْطِيْن فكيف يأخذن, ولأنهن مختاراتٌ للطلاق فقد سقط عنهن همَّه, وسقط ذلك عن الملاعنات لأن ما يُعطَين غير
مُسْقطٍ لما أُصِبْن به ولا أضعافه, ولأنهن غير مطلقاتٍ, إذ كنَّ لا يحللن أبداً, ولو كنَّ مطلقاتٍ لحللن بعد زوجٍ أو قبله. قال الشيخ: قال بعض فقهاء القرويين: للمخيَّرة والمملّكة المتعة إذا قضت بالفراق, لأن الفراق إنما صار إليها من قِبَلِ الزوج, وكذلك الذي تزوج على الحرة أمةً فتختار نفسها لها المتعة, لأن الطلاق بسببه, وليست كالمعتقة تحت عبدٍ فتختار نفسها, لأن هذا أمرً لا صُنْعَ للزوج فيه, وأما المفتدية فلا شيء لها وإن كان بسبب الزوج لأنها تُعطِي فمُحالٌ أن تُعطَى. [فصل 3 - في إمتاع العبد مطلقته] ومن المدونة: قال مالك: وعلى العبد إذا طلق امرأته المتعة ولا نفقة عليه. قال الشيخ: قيل: إنما ذلك إذا كان الطلاق بائناً؛ وإما إذا كان رجعياً فعليه النفقة, وهذا معنى ما في المدونة والله أعلم. قال مالك في كتاب ابن عبد الحكم: ليس للسيد أن يمنعه من المتعة. قال أبو بكر الأبهَري: لأنها من حقوق النكاح وليس للسيد منعه من حقوق النكاح والطلاق وأشباه ذلك, وقد قال الله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة:241] , وقال تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ} [البقرة:236] فَعَمَّ الأزواج, سواءً كان حراً أو عبداً.
[فصل 4 - في أن التداعي في المسيس يسقط المتعة] قال مالك: ومن خلا بزوجته وأغلق بابه وأرخى الستر عليها وقد سمى لها فطلقها وقال: لم أمسها, وقالت: قد مسني؛ فالقول قولها في الصداق. قال ابن القاسم: ولا متعة لها, لأنه يقول: طلقت قبل أن أَمَس وقد فرضت فليس عليَّ إلا نصف الصداق, فلا يصدق في الصداق ويصدق في المتعة. قال الشيخ: إذ لا يقضي بها. [فصل 5 - فيمن لهن حكم الحرة المسلمة في المتعة ومن لا متعة عليه] قال مالك: وللصغيرة والأمة والمدبرة والمكاتبة وأم الولد والذمية حكم الحرة المسلمة في المتعة والطلاق. ومن النكاح الثاني: وكل ما فسخ قبل البناء لفساد صداقه فلا متعة فيه, وكذلك إن لم يفسخ حتى طلقها قبل البناء فلا متعة عليه.
ومن إرخاء الستور: قال ربيعة: إنما يؤمر بالمتاع مَنْ لا رَدَّة له عليها -يريد من لا رجعة له عليها. قال فَضْل: فإذا طلق واحدةً أو اثنين لم يؤمر بالمتعة حتى تنقضي العدة قال ابن وهب: ولو ارتجعها فلا متعة لها, لأن المتعة عوضٌ من الفرقة. ابن القاسم: ولا متعة في نكاح مفسوخ. -ابن المواز: إذا فسخ- ولا فيما يدخله الفسخ بعد صحة العقد مثل ملك أحد الزوجين صاحبه. قال: ولا يحاصُّ الغرماء بالمتعة. قال ابن القاسم: وإن جهل المتعة حتى مضت أعوامً فليدفع ذلك إليها وإن تزوجت, أو إلى ورثتها إن ماتت. قال أصبغ: لا شيء عليه إن ماتت, لأنه عوضً لها, وتسليةً من الطلاق فقد/ انقطع ذلك.
قال الشيخ: وإذا دخل بزوجته فقال: ما وطئتها, وقالت: وطئني, فوجب لها عليه نصف جميع الصداق فطلقها, فله أن يحسب المتاع في نصف الصداق, أو في صداق المثل إن كان نكح على تفويض, لأنه يقول: لا صداق علي في التفويض وإنما عليَّ من المسمى نصفه؛ فله أن يحسب المتعة في ذلك, ونحوه لأبي عمران. [فصل 6 - في قدر المتعة] ومن المدونة: قال مالك: وليس للمتعة حدٌ معلوم. قال ابن المواز: وهي على قدر حال الرجل مع قدر حال المرأة. ومن المدونة: قال مالك: ولا يجبر من أباها, لأن الله تعالى إنما جعلها حقاً على المتقين, وعلى المحسنين فلذلك خُفَّفت ولم يُقضّ بها. قال غيره: وإذا كان الزوج غير مُتَّقٍ ولا مُحسنٍ فلا شيء عليه.
وقال ابن أبي سلمة: المتاع أمرٌ رغَّب الله فيه وأمر به, ولم يُنزَّل بمنزلة الفرض من النفقة والكسوة, وليس تعدي عليه الأئمة كما تعدى على الحقوق. وقال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: أعلى المتعة خادمً أو نفقةً, وأدناها كسوة. وقال ابن حُجَيْرَة: على صاحب الديوان متعة ثلاثة دنانير. [تمَّ كتاب إرخاء الستور]
[الكتاب السادس] كتاب الخلع
[الكتاب السادس] كتاب الخلع [الباب الأول] في الخلع والصلح والفدية والمباراة وكيف إن وقع بغرر [فصل 1 - في الخلع وأدلة مشروعيته وبعض مسائله] قال الله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة:229] , وقال تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء:4] , وقد أباح الرسول صلى الله عليه وسلم لثابت بن قَيس رضي الله عنه أن يأخذ منها ما أعطاها, وقد زادته على حديقته التي أخذت منه, وأمرها النبي صلى الله
عليه وسلم بالعدة, وقال: هي واحدة. قال مالك: لم أزل أسمع إجازة الفدية بأكثر من الصداق لهذه الآية ولهذا الحديث, وقال الشافعي: إنه فسخَّ بغير طلاق. قال الشيخ: ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: «هي واحدة» وهذا نص, ولأن كل فرقةٍ يجوز الثبوت على النكاح مع الحال الموجبة لها فإنها طلاقً لا فسخ, اعتباراً بفرقة العنِّين والمولي عكسه الرضاع والملك. وروى عيسى عن ابن القاسم في المرأة الناشز تقول: لا أصوم ولا أصلي ولا أتطهَّر من جنابة, فلا يجبر على فراقها, فإن شاء فارق وحل له ما أخذ منها. قال الشيخ: واختلف شيوخنا إذا ثبت ضرر الزوج وقد أخذ بالدَّرَك جميلاً. فقيل: له متابعة الحميل, لأنه هو أدخله في زوال عصمته, وقيل: لا يرجع بشيءٍ لسقوط ذلك عنها, وهذا كاختلافهم في الحمالة في البيع الفاسد, قاله بعض فقهائنا.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا كان النشوز من قِبَلِهَا جاز للزوج ما أخذ منها بالخلع وإن كان أكثر من الصداق ورضيت ولم يضر بها, وإن كان لخوف ضرره, أو لظلمٍ ظلمها, أو أضرَّ بها لم يجز أخذه, وإن أخذ شيئاً رده ومضى الصلح. قال القاضي عبد الوهاب: وقال الشافعي: لا يرد شيئا. فأما نفوذ الطلاق فلأنه هو ألزم نفسه, وأما رد ما أخذه منها فلأنه كان عليه إزالة الضرر عنها بغير عوض, وما لزم الإنسان إزالته بغير عوضٍ لم يجز له أخذ العوض عليه. ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم: إذا صالحته على شيءٍ أعطته إياه وعلى رضاع ولده؛ ثم جاءت بعد سنةٍ بامرأتين شهدتا أنها خالعته عن ضررٍ فقال: تحلف معهما ويرد عليها/ ما أعطته وتأخذ منه أجر رضاع ولده. ابن المواز: قال ابن القاسم: وإذا أقامت بعد الخلع بينةً يشهدون على السماع أنه كان مُضراً بها فذلك جائز, وهل يُشهَد في ذلك إلا في السماع, ليسمع الرجل من أهله ومن الجيران, ويكون فاشياً, ويجوز في ذلك شاهدان على السماع البين والأمر بالمعروف, ولا يمين في ذلك. قيل: فإن شهد واحدً على البتات أن زوجها كان يضر بها ويضيَّق عليها أتحلف معه؟ قال: كيف يعرف ذلك؟ قال: يقول سمعت سماعاً منتشراً واستبان لي.
قال عيسى له: وانظر فيه. وقال أصبغ: هو جائزٌ وإن لم يكن غيره, فإن كان معه سماعً منتشرً وإلا حلفت ورد عليها ما أخذ منها ومضى الفراق. وقد سألت ابن القاسم عنه بعد ذلك فقال: هذا لأن يمينها على مالٍ, وإذا أقامت بينةً أنه كان يبغضها لم ينفعها إلا بالبينة على الضرر, وقد يبغضها ولا يظلمها, ومن الضرر الموجب لرد ما أخذ منها أن يؤثِر عليها أخرى ولا يفي بحقها في نفسه ولا في ماله. ويجب عليه إذا لم ترض بالأثرة عليها أن يفارقها بغير فداءٍ أو يعدِل. ومن المدونة: ابن وهب: قال ابن شهاب: وإذا استخفت المرأة بحق زوجها فنشزت عليه وأساءت عشرته وأحنثت قسمه, أو خرجت بغير إذنه, أو أذنت في بيته لمن يكره وأظهرت له البغض, فإن ذلك مما يحل له بالخلع, وإن كانت هي تؤتي من قِبَلِهِ فلا يجوز خلعها. وقال بُكَير بن الأشج: لا أرى امرأةً أبت أن تخرج مع زوجها إلى بلدٍ من البلدان إلا ناشزاً. [فصل 2 - في الصلح وأدلته] قال ابن القاسم: ويجوز أن يأخذ منها على إمساكها, أو يعطيها ما ترضى به معه على أن تقيم معه على الأثرة في القسم من نفسه وماله وذلك الصلح
الذي قال الله تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا} [النساء:128] ولا يأثم في الأثرة بعد ذلك, وقاله جماعةً من التابعين. قال ابن وهب عن ابن شهاب: أن رَافع بن خَدِيج تزوج جاريةً شابَّةً وعنده بنت محمد بن مَسْلَمة وكانت قد جَلَّت فآثر الشابة عليها, فاستأذنت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رافع اعدل بينهما وإلا فارقهما» فقال لها رافع في آخر طلقة: إن أحببتِ أن تقرِّي على ما أنتِ عليه, وإن أجببت أن أفارقك فارقتك, فقالت: بل استقرُّ على الأثرة, ولم يرَ رافعً أن عليه إثماً حين رضيت بأن تستقر عنده على الأثرة, قال: فنزل القرآن: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء:128].
قال ابن وهب عن يونس عن أبي الزناد قال: بلغنا أن سودة أم المؤمنين كانت أسنَّت, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكثر منها, وعرفت ذلك منه فتخوّفت أن يفارقها فقالت: يا رسول الله أرأيت يومي الذي كان يصيبني منك فهو لعائشة, وأنت منَّي في حلٍّ, فقَبِل ذلك منها. قال ربيعة: إن رضيت بغير نفقةٍ ولا كسوةٍ ولا قَسمٍ فما رضيت به من ذلك جاز عليها. قال مالك: والمَختَلِعة: التي تختلع من كل الذي لها, والمُبارية: التي تباري زوجها قبل البناء فتقول: خذ الذي لك وتاركني, والمفتدية: التي تفتدي ببعض مالها وتحبس بعضه. وذلك كله سواءً وهي طلقةً بائنةً. قال: والخلع والمباراة عند السلطان أو غيره جائز. قال القاضي عبد الوهاب: وقال أبو ثور في الخُلع: هو طلقةً رجعيةً, والدليل لمالك: أن المرأة إنما تبذل العوض لإزالة الضرر عنها وفي ثبوت الرجعة عليها تبقية الضرر, ولأن ثبات/ الرجعة في ذلك جمع للزوج بين العوض والمُعوَّض وذلك ما لا سبيل إليه.
ابن وهب: وقال عثمان بن عفان وجماعة من الصحابة. والتابعين: إنها طلقة بائنة.
[الباب الثاني] في الخلع بمجهول أو غرر أو حرام أو يقارنه بيع
[الباب الثاني] في الخلع بمجهول أو غرر أو حرام أو يقارنه بيع [فصل في الخلع بمجهولٍ أو غرر] قال الله تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة:229] فعَم, فذلك جاز الخلع عندنا بالغرر والمجهول كالعبد الآبق والجمل الشارد فإن سلم أخذه وإلا فلا شيء له خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في منعهما ذلك, ولأنه يجوز أن يملك في الهبة والوصية فجاز في الخلع. ومن المدونة: قلت: فمن خالع زوجته على عبدٍ لها بعينه ولم تصفه له ولا رآه الزوج قبل ذلك, أو تزوجها على مثل هذا؟ قال: قال مالك: يفسخ هذا النكاح قبل البناء ويثبت بعده, ولها صداق المثل. قال ابن القاسم: وأما الخلع فيجوز, ويأخذ العبد الذي خالعها عليه كمن خالع على ثمرة لم يبد صلاحها, أو على بعيرٍ شاردٍ, أو عبدٍ آبقٍ, أو جنينٍ في بطن أمه, أو بما تلد غنمها, أو بثمرة تخلها العام, فذلك جائزً لازمً له, وله مطالبة ذلك كله على غرره بخلاف النكاح. قال غيره: ولأنه يرسل من يده بالغرر ولا يأخذ به.
ومن كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم: وإذا خالعها على جنينٍ في بطن أمه فهو له إذا خرج, ويجبران على الجمع بينهما فيباع مع أمه. قال أصبغ: ولا أحب الخلع بالجنين ولا الثمرة غير مُزهِيَةٍ فإن وقع مضى, وهو آخر قولَي ابن القاسم. ومن كتاب ابن المواز: وإن قالت له: خالعني على ما في يدي, فرضي ففتحت يدها فلم يجد شيئاً فقال أشهب: لا يلزمه طلاق, وكذلك إن وجد حَجراً فإن وجد ما يُنتفع به كالدرهم ونحوه لزمه الخلع. وقال عبد الملك: يلزمه الخلع بما غرَّته, وقاله محمد وسحنون. قال عبد الملك: ولو قالت له: خالعني بهذا العبد, وليس هو لها لم يلزمه الفراق, لأنه طلق على أن يتم له ذلك, فأما لو كان بيدها بشبهة ملك, ثم استحق فالفراق لازمً ويطلبها بقيمته. ومن المدونة: قال ابن القاسم: فإن خالعته على ثوبٍ هَرَوِي, ولم تصفه جاز, وله ثوبٌ وَسَطً من ذلك, وإن خالعها بدنانير, أو بدراهم, أو بعروضٍ موصوفةٍ إلى أجلٍ فجائز, وإن خالعها على مالٍ إلى أجلٍ مجهول, كان حالاً, لأن مالكاً قال فيمن باع إلى أجلٍ مجهول: أن القيمة فيه حالةٌ في فَوْتِ السلعة. قال ابن القاسم: وإن خالعها على عبدٍ لها, على أن زادها الزوج ألف درهم جاز, بخلاف النكاح, لأنه إن كان في قيمة العبد فضلً عن الألف فقد أخذت منه نصفها بذلك الفضل, وإن كانت كفافاً فهي مباراةً, وقد أجاز مالك
أن يتابرءا بغير شيءٍ وهي طلقة بائنةً, وإن كانت قيمته أقل من الألف فهو كمن صالح زوجته على أن يعطيها من عنده مالاً فالصلح جائز ولا يرجع عليها بشيءٍ مما دفع إليها. قال ابن المواز: قال أصبغ: فإن كان هذا العبد آبقاً فصالحها عليه على أن زادها عشرة دنانير فسد الصلح بينهما, ويرد الآبق/ والدنانير. قال ابن المواز: هذا إن كانت قيمة الآبق عشرة دنانير فأقل لم يكن للزوج فيها شيءً وارتجع دنانيره وبقي العبد للمرأة, وإن كانت قيمة هذا الآبق خمسة عشر ديناراً كان للزوج ثلثه في الخلع ويرجع ثلثاه للمرأة, وترد العشرة دنانير إلى الزوج وتكون المرأة والزوج شريكين في العبد على الثلث والثلثين, لأن الخلع إنما وقع بما فضل من قيمته عن العشرة دنانير, وكذلك إن صالحها ببعيرٍ شارد, أو بجنينٍ في بطن أمه, أو بثمرةٍ لم يبد صلاحها على أن زادها عشرة دنانير, فإن كانت في الجنين والبعير والثمرة فَضْلةً عما دفع الزوج من الدنانير كانت الفضلة للزوج بالخلع فإن لم يكن في ذلك فضل لم يكن للزوج شيءٌ من ذلك وارتجع دنانيره منها. قيل لابن المواز: فمتى تكون القيمة؟ قال: يوم يخرج الجنين, ويوجد العبد والبعير, وتُجد الثمرة. قال الشيخ: وقول ابن المواز هذا على قياس قول ابن نافع في مسألة من صالح من مُوضِحَةٍ عمداً ومُوضِحَةٍ خطأً على شقص, لأن المرأة دفعت العبد عن معلومٍ ومجهولٍ وهو الدنانير والبَضْع, فجعل للدنانير من قيمة العبد قدرها, فإن فضلت فضلةً من قيمة العبد كانت للخلع, كما جعل في مسألة الموضحتين, فضلة قيمة الشقص على الخمسين دية موضحة الخطأ, وما فضل لموضحة العمد, فإن لم يكن في قيمة الشقص فضلة عن الخمسين لم يكن للعمد شيء, وأما على قياس
قول ابن القاسم فيكون في هذا المسألة نصف الآبق للعشرة دنانير فيفسح فيه البيع, وترد المرأة العشرة دنانير, ويكون نصفه الآخر للزوج لحق الخلع, وهذه المسألة في العتبية, وفي كتاب ابن سحنون زيادات يطول شرحها وهذا أحسن ذلك. ومن المدونة: وإن خالعها على دراهم أرتها إياه فوجدها زُيْوفَاً فله البدل كالبيع, وإن كان على عبدٍ بعينه فاستُحِق رجع بقيمته كالنكاح به.
[الباب الثالث] في نفقة الحامل المختلعة والمبتوتة والوكالة على الخلع
[الباب الثالث] في نفقة الحامل المختلعة والمبتوتة والوكالة على الخلع [فصل 1 - في نفقة الحامل المختلعة والمبتوتة] قال الله تعالى في المطلقات: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:6] فأوجب الله تعالى السكنى لكل مطلقةٍ بائنةٍ بلا نفقة إلا أن تكون حاملاً فجعل لها السكنى والنفقة, وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قَيس وهي مبتوتةً ولا حمل بها: «لا نفقة لك». قال مالك: فكل حاملٍ بانت من زوجها ببتاتٍ أو خُلعٍ, أو غيره وقد علم بحملها أم لا, فإن لم تتبرأ من نفقة حملها, فلها النفقة في الحمل والسكنى والكسوة, وليس لنفقتها حدٌ معلومٌ على غني, ولا مسكن في القرى ولا في المدائن لغلاء سِعْرٍ ولا لِرُخْصة, وذلك على قدر عُسره ويُسره, وإن اتسع أخدمها. وإن مات قبل أن تضع حملها فقد انقطعت نفقتها.
ابن وهب: وقاله جابر بن عبد الله وأبو أُمَامة بن سَهل بن حَنِيف وابن المسيب وابن يسار وغيرهم. قال مالك: وإن بانت منه بما ذكرنا وهي غير حاملٍ فلا نفقة لها ولا كسوة, ولها السكنى في العدة, ولا رجعة له عليها, ولا يتوارثان, وإن كان طلاقه فيه رجعةً فلها النفقة والكسوة والسكنى كانت حاملاً أم لا, ويتوارثان ما تنقض العدة. [فصل 2 - في الوكالة على الخلع] قال مالك: ومن وكَّل من يصالح عنه زوجته لزمه صلح الوكيل في غيبته. ابن القاسم: وإن وكَّل بذلك رجلين, فخالعها أحدهما, لم يجز إلا باجتماعهما جميعا, كما لو وكَّلهما على بيعٍ أو شراءٍ بخلاف رسُولَي الطلاق./
[الباب الرابع] في خلع غير المدخول بها
[الباب الرابع] في خلع غير المدخول بها قال الله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة:229] فعم, فسواء كانت الزوجة مدخولاً بها أو غير مدخولٍ بها فإنه يحل للزوج ما أخذ منها إذا كانت الإساءة من قِبَلِهَا. قال ابن القاسم: فإن صالحته, أو بارءته على المتاركة, أو خالعته على أن أعطته عبداً أو مالاً وذلك قبل البناء فليس لها أخذه بنصف الصداق, وإن قبضته جميعه ردته, وقلنا ذلك في المتاركة بغير شيء, فإذا ردت كان أبعد أن ترجع بشيء وقاله مالك والليث. ولو سألته الطلاق قبل البناء على عشرة دنانير من صداقها -ابن المواز عن مالك: أو خالعته عليها من صداقها- فإن لها نصف ما بقي بعد العشرة, قبضتها أو لم تقبضها. قال ابن المواز عن مالك: وأما في الخلع المبهم فلا شيء لها من المهر, أعطته على الخلع شيئاً أو لم تعطه, قاله مالك وأصحابه وغيرهم في التي لم يدخل بها خلا أشهب فإنه جعل أن ترجع عليه بنصف صداقها ويكون له ما أعطته ما أعطته. قال ابن القاسم: وأما المدخول بها فتصالحه على شيءٍ من مالها, فإن لها أن ترجع بمؤخر صداقها, بخلاف التي لم يبن بها. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما إن قالت له قبل البناء: طلقني طلقةً على عشرة دنانير, ولم تقل: من صداقي, ففعل, غرمت العشرة دنانير التي شرطتها, لأنها اشترت بها طلاقها, وكان نصف صداقها, وكذلك إن قالت
له قبل البناء: طلقني طلقة بغير؛ فإنها تتبعة بنصف الصداق وإن لم ينقدها إياها. -ابن المواز: وذلك بخلاف الخلع المبهم-. ابن القاسم: ولا تخرج العشرة من المهر إلا أن يشترط ذلك. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال لها: أنت طالق على عبدك هذا, فإن قبلت قبل التفرق وإلا فلا قبول لها بعد ذلك. وإن قال لها: إذا أعطيتني ألف درهم فأنت طالقً ثلاثاً؛ فذلك لها متى ما أعطته, وكذلك إن قال لها: أمركِ بيدكِ متى ما شئت, أو إلى أجل؛ فأمرها بيدها إلى ذلك الأجل إلا أن توقف قبلة فتقضي, أو ترد, أو توطأ طوعاً فيبطل ما بيدها ولا يكون لها أن تقضي بعد ذلك.
[الباب الخامس] فيمن أعطى على أن يطلق ويشترط الرجعة أو خالع وشرط إن طلبت شيئا عادت له زوجة ونيته في طلاق الخلع ومن قال: أنت طالق طلاق الخلع
[الباب الخامس] فيمن أعطى على أن يطلق ويشترط الرجعة أو خالع وشرط إن طلبت شيئا عادت له زوجة ونيته في طلاق الخلع ومن قال: أنت طالق طلاق الخلع [فصل 1 - فيمن أعطى على أن يطلق ويشترط الرجعة] قال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس رضي الله عنه حين خالع زوجته: «إنها واحدة». ابن وهب: وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: هي طلقةً بائنةً إلا أن يسمَّى شيئاً فهو [على] ما سمَّى, وقاله عددً من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم. وقد أبطل الرسول صلى الله عليه وسلم كلَّ شرطٍ ليس في كتاب الله تعالى فكذلك ينبغي أن يبطل كل شرطٍ خلاف السنة. قال ابن القاسم: فإن أعطته شيئاً على أن يطلق ويشترط الرجعة فشرطه باطلٌ والخلع يلزمه ولا رجعة له إلا بنكاحٍ مُبتدأٍ إلا أن شرطه لا يحيل سُنَّة الخلع, قاله مالك.
وروي عن مالك: أن له الرجعة, وقاله سحنون. قال عبد الوهاب: ووجه ذلك: أن العوض يكون في مقابلة ما يسقط من عدد الطلاق دون زوال العصمة, لأنها لما أجابته إلى ذلك دل على أنها على هذا عاوضت. ومن المدونة: قال ابن القاسم: والخلع طلقةً بائنةً, سمَّي طلاقاً أو لم يسم, وتعتد عدة المطلقة وله أن ينكحها/ في عدتها إن تراضيا, لأن الماء ماؤه بوطءٍ صحيح إلا أن يتقدم له فيها طلاقٌ يكون بهذا ثلاثاً للحرة, واثنتين للعبد فلا تحل له إلا بعد زوج. ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم: وإن خالع امرأته وهي حاملٌ فله هو دون غيره أن يتزوجها في هذا الحمل ما لم تثقُل فتصير كالمريضة فلا يجوز ذلك له ولا لغيره حتى تضع. [فصل 2 - فيمن خالع وشرط إن طلبت شيئاً عادت له زوجة] ومن المدونة: قال مالك: وإذا خالعها وشرط أنها إن طلبت شيئاً عادت له زوجة, فشرطه باطل, والخلع يلزمه ولا رجعة له إلا بنكاحٍ مبتدأٍ.
قال في كتاب ابن المواز: فإن ظنا أن ذلك يلزم فطلبته بذلك فعادت تحته بذلك ووطئها فليفارقها, وليس لها بإصابته إلا ما كان رده إليها يكون ذلك صداقها, كان أقل من صداق مثلها أو أكثر, ولا يتزوجها لأنه كالنكاح في عدة. وقال محمد: هي حلالٌ له بعد الاستبراء, وإن كانت حاملاً فعد الوضع, وليس النكاح في عدة. قال الشيخ: قال بعض علمائنا: يريد ما لم يكن ذلك أقل من ربع دينارٍ فلا بد أن يتم لها ربع دينار. قال في كتاب ابن المواز: ولو أنها حملت منه فصالحها ثانيةً على شيءٍ آخر, أو على أن أبرأته من نفقة الحمل والرضاع كان الصلح الآخر باطلاً ويرد عليها ما كان أخذ منها وتكون عليه النفقة. قال: ومن خالع زوجته, ثم نكحها في العدة, ثم طلقها قبل البناء والمسيس فهي تبني على عدتها ولها نصف الصداق بخلاف من ارتجع من طلاقٍ رجعيً ثم طلق قبل أن يمس فهذه تأتنف العدة. قال الشيخ: وإنما قال ذلك لأن الرجعة تهدم العدة بخلاف النكاح المبتدأ. قال الشيخ: والفرق بينهما: أن الزوجة في الطلاق الرجعي, أحكام الزوجية باقيةٌ بينهما, فإذا ارتجع عادت زوجة مدخولاً بها كما كانت قبل الطلاق فإذا طلق ثانيةً وجبت عليها العدة لهذه الطلقة, فإن كان بقي من العدة الأولى شيءً فهو داخلً في هذه العدة المؤتنفة, وإذا كانت الطلقة الأولى بائنة فهو لا يرتجعها إلا بنكاحٍ جديدٍ بصداقٍ وولي, فإذا طلق فيه قبل أن يمس فقد طلق قبل البناء فلا عدة عليها لهذا الطلاق الثاني فوجب أن تتم العدة للأول, وبالله التوفيق.
[فصل 3 - في النية في طلاق الخلع] ومن المدونة: قال مالك: وإن خالعها واشترط رجعتها فالخلع ماضٍ ولا رجعة له. قال ابن القاسم: وإن أخذ منها شيئاً وانقلبت وقالا: ذلك بذلك, ولم يسميا طلاقاً فهو طلاق الخلع, وإن سمَّيا طلاقاً لزم ما سمَّياه من الطلاق, وإن نوى بالخلع ثلاثاً أو اثنتين لزمته وإن لم يلفظ بها, وكذلك إن شرطت هي في الخلع أن تكون طالقاً تطليقتين فذلك يلزم. قال مالك: وإذا لم يكن لها عليه مهرٌ ولا دينٌ فخالعها عل أن أعطاها شيئاً أو لم يعطها فذلك جائز ولا رجعة فيه وذلك خلعٌ, وقاله ابن القاسم. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك فيمن طلق امرأته وأعطاها: أن له الرجعة وليس بخلع, وروى عنه: أنها واحدةٌ بائنةٌ, وأكثر الرواة على أنها غير بائن, لأنه إنما تختلع بمال يأخذه منها, فلزمه بذلك سنة الخلع, وإذا لم يأخذ منها فليس بخلعٍ وهو رجلٌ طلَّق وأعطى. قال ابن المواز: وإذا جرى ذلك بينهما بمعنى الخلع والصلح وإن لم يقولاه فهي واحدةٌ بائنة. -قال الشيخ: كمن خالع على ما لا يصح تملُّكه كالخمر والخنزير-. قال ابن المواز: وأنا إن لم يجر على ذلك فله الرجعة. قال الشيخ: وكمن طلق بغير عوض.
[فصل 4 - فيمن قال: أنت طالق طلاق الخلع] ومن المدونة: وقال غيره فيمن قال لمدخول بها: أنتِ طالقٌ طلاق الخلع, فهي ألبته, لأنها لا تكون واحدةً/ بائنة إلا بخلع. ومن الواضحة: هذا قول ابن الماجشون. وقال ابن القاسم في الذي قال لامرأته: أنت طالقً طلاق الخلع: إنها واحدةً بائنةً. وقاله أصبغ في قوله: أنت طالقٌ طلاق الخلع, أو كما طلق فلانً زوجته, وفلانً خالعها. قال أصبغ: وإن كان فلانً إنما طلقها واحدةً قبل البناء فتلزم هذه طلقةً كما طلقت تلك طلقة, ولكن لا تبين بها, لأن عليها العدة وإنما بانت تلك إذ لا عدة عليها. وقال مطرف: قوله: أنت طالقً طلاق الخلع, كقوله: أنت طالقً واحدةً لا رجعة لي عليك فيها, فهي واحدةً وله الرجعة, لأن الخلع والمباراة لا تكون إلا بشيءٍ يأخذه منها أو تضعه عنه, وما عدا ذلك فطلقةً رجعية, وذكر الخلع ساقطً بقوله: أنت طالقً واحدةً بائنةً. قال ابن حبيب: وبقول ابن الماجشون أقول.
[الباب السادس] في الخلع على أخذ الولد أو على نفقته أو على طرح سكناها
[الباب السادس] في الخلع على أخذ الولد أو على نفقته أو على طرح سكناها [فصل 1 - في الخلع على أخذ الولد] قال مالك: وإذا خالعها على أن يكون الولد عنده, فالخلع جائز, وله شرطه إلا أن يضر ذلك بالصبي ويُحَاف عليه إن نُزِعَ منها, مثل أن يكون يرضع وقد عَلِقَ فلا سبيل له إليه. قال ابن القاسم: وإذا خرج الصبي من حدِّ الاضرار به والخوف عليه كان له أخذه منها حينئذٍ بشرطه. قال ابن الماجشون: إن كان الولد صغيراً ألزمه الخلع ولها أن ترجع في ولدها فتأخذه ولا يلزمها الشرط, لأن الحضانة حقً للولد فليس للأم قطعها, وهذا لا اختلاف فيه عندنا. وذكر عن أبي عمران في قول ابن القاسم إن ذلك جائزً إذا لم يضر ذلك بالولد, هل ذلك له فيمن ليس له جَدَّة, أو يتم ذلك له ولا حق للجدة فيه؟ فقال: القياس أن لا يسقط حق الجدة مثل ما إذا خالعها أو طلقها وتركت حقها في الولد من غير شرطٍ أن الجدة أولى به.
[فصل 2 - في الخلع على نفقة الولد] ومن المدونة: قال مالك: وإذا خالعها على أن ترضع ولده وتنفق عليه ما دام في الحولين جاز ذلك, وإن ماتت كان الرضاع والنفقة في مالها, وإن مات الولد قبل الحولين فلا شيء للزوج عليها. قال مالك: ولم أَرَ أحداً طلب ذلك. ابن المواز: كمن صالح على إسقاط نفقة الحمل فأسقطت سَقْطَاً فلا تُتَبع. قال عبد الملك: لأنها على ذلك ضمنت, ورواه أشهب عن مالك, وروى أبو الفرج أن قول مالك أنه يتبعها في موت الصبي. قال مالك: إن عجزت هي عن نفقة الولد رجعت النفقة على الأب ويتبعها بها, وقاله أشهب وعبد الملك وابين القاسم, وقال أيضاً ابن القاسم: لا يتبعها, وقاله أصبغ. ومن المدونة: قال مالك: وإن شرط عليها نفقة الولد بعد الحولين أمداً سمياه تم الخلع ولزمها نفقة الولد في الحولين فقط, ولا يلزمها ما ناف على الحولين. قال ابن القاسم: وكذلك إن شرط عليها الزوج نفقة نفسه سنة أو سنتين تم الخلع, ولم يلزمها من نفقة الزوج شيء.
وقال المخزومي: يلزمها نفقة الزوج ونفقة الولد بعد الحولين كالخلع بالغرر وقاله سحنون. قال الشيخ: وهو الصواب, وقد احتُجَّ لقول ابن القاسم احتجاجً ضعيفً فتركتُه. [فصل 3 - في الخلع على ألا سكنى لها] قال ابن القاسم: وإن خالعها على ألاَّ سكنى لها عليه, فإن أراد إلزامها كراء المسكن جاز ذلك/ إن كان المسكن لغيره, أو كان له وسمَّى الكراء, وإن كان على أن تخرج من مسكنه تم الخلع ولم تخرج, ولا كراء له عليها.
[الباب السابع] في الخلع على دين مؤجل أو سلف أو خمر أو حلال وحرام
[الباب السابع] في الخلع على دين مؤجل أو سلف أو خمر أو حلال وحرام [فصل 1 - في الخلع على دينٍ مؤجل أو سلف] ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عمَّا جرَّ نفعاً من السَّلف. قال مالك: وإذا كان لأحد الزوجين على الآخر دينً مؤجلً فخالعها على تعجيله قبل محله جاز الخلع ورد الدين إلى أجله. قال غيره: وإن كان الدين عليه وهو عينً [مما] له تعجيله قبل محله فذلك جائزً وليس بخلع, وهو كرجلٍ طلق وأعطى فهي طلقةً واحدةً وله الرجعة عنده, وإن كان الدين عرضاً أو طعاماً من بيعٍ مما لا يجوز للزوج تعجيله إلا برضى المرأة ولا تستطيع المرأة قبضه إلا برضى الزوج فهذا يكون بتعجيله خلعاً ولا رجعة له, ويرد الدين إلى أجله, لأنه إنما طلق على أن تحط عنه الضمان الذي كان عليه إلى أجل, وإنما طلاقه إياها على أن يعجَّل لها ذلك, كما لو زادها دراهم أو عرضاً سواه على أن يعجل لها ذلك لم يجز, وكان حراماً, ورد الدين إلى أجله, وأخذ منها ما أعطاها, وكما لو طلقها على إن أسلفته سلفاً لزمه الطلاق, ورد السلف لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عما جرَّ نفعاً من السلف.
قال بعض فقهائنا: إذا كان لها الدين عيناً, فخالعها على تعجيله, فهو رجلً طلق وأعطى كما قال غيره, ولا يدخل هاهنا سلفً جرَّ منفعةً لسقوط النفقة عنه في العدة, لأنه له أن يخالعها من نفسه بلا مال, أو يقول لها: أنت طالق طلاق الخلع؛ فتكون طلقة تملك بها نفسها ولا نفقة لها فيثبت بذلك أنها ما أسقطت عنه ما لا يقدر على إسقاطه؛ هذا على قول ابن القاسم الذي يرى أن الخلع من غير أن تدفع المرأة, وأما على قول غيره الذي يرى أن الخلع إنما يكون بشيء تدفعه المرأة فتدخله علة إسقاط النفقة لتعجيل دينها فيدخله سلفٌ جرَّ منفعةً إذا كانت مدخولًا بها. قال: ورأيت لابن الكاتب أنه قال: وجه قول مالك في تعجيل ما على الزوج من العين أنه سلفٌ جرَّ منفعةً إذا كانت مدخولاً بها, لأنه لو لم يخالعها على هذا كانت طلقة غير بائنة, ولزمته النفقة في العدة, فتعجيله الدين سلفً جرَّ منفعةً وهي إسقاط النفقة, يوضَّح ذلك أنه إنما تكون طلقةً بائنةً إذا جرى ذلك بينهما على وجه المباراة, إذ لو طلقها هو من غير أن تجري لها في ذلك أمرً لم تكن طلقةً بائنةً بإجماعهم وإن أعطاها في ذلك مالاً, وإنما اختلف قول مالك إذا أعطى وطلق فيما جرى منهما جميعاً على جهة المباراة, فلما كانت البينونة لا تصح إلا برضاهما كانت كأنها لم ترض له بإسقاط نفقة عدتها إلا باستعجال دينها. ومن كتاب ابن المواز وكتاب ابن سحنون: إذا صالحها على أن عجَّلت له بعض دينه وأسقط عنها البعض بطل التعجيل والوضيعة, وتمَّ الفراق, لأنه إنما فارق ووضع على أن تُعجِّل وذلك حرامٌ كله.
قال مالك: وإن كان الدين عليه فصالحها على أن يعجَّل لها بعض دينها ووضعت عنه بقيته؛ فالوضعية نافذة, وترد إليه ما عجَّل لها لتأخذه منه إذا حل أجله. قال الشيخ: كمن خالع على حلالٍ وهي الوضيعة وحرامٍ وهو التعجيل فيُرد الحرام ويمضي الحلال, وهو نحو ما قدمناه لابن المواز. قال ابن القاسم: وكذلك إن صالحها على إن أخرته بدينٍ لها عليه إلى أجلٍ فالخلع جائز ولها أخذه/ بالمال حالا. قال ابن القاسم: وكل ما رددنا من مثل هذا أو أجزنا الخلع فيه لم يرجع عليها الزوج بصداق المثل ولا غيره. قال ابن المواز: إذا صالحها على أن عجَّل لها دينها, فإن لم يكن في ذلك وضيعة, ولا جرَّ نفعاً, فذلك جائزً, وكذلك إن أخرها بدينٍ له عليها ولا نفع له في ذلك, وإن حطته بعض دينها وعجَّل لها بعضه, أو أخرته به, فالحطيطة ماضيةً في الخلع, ويرد ما عجل لها ويبطل التأخير. قال الشيخ: كمن خالع زوجته على حلالٍ وحرامٍ فإنه يجوز منه الحلال ويبطل الحرام. قال ابن المواز: وإن تزوجت على عشرةٍ نقداً وعشرين إلى أجلٍ فصالحته قبل أن ينقدها شيئاً, وقبل البناء بها على العشرة النقد وطرحت ما بقي, فالطلاق ماضٍ وترد خمسةً وتبقى عليه الأجل ثم تأخذها منه.
قال الشيخ: لأن الواجب لها بالطلاق نصف صداقها وهو خمسةً نقداً أو عشرةً إلى أجل فقد أعطاها الآن الخمسة النقد, وعجَّل لها خمسةً من العشرة المؤجلة على إن حطته الخمسة الأحرى فألزمناها الحطيطة للخلع ورددنا الخمسة إلى أجلها لأنها من ضَعْ وتَعَجَّل. قال ابن المواز: وإن كان على ستةٍ ردت ديناراً يبقى لها إلى أجله, وأما على خمسة عشر فهي لها, ولا ترد شيئاً, إذ ليس في ذلك وضيعة شيء. [فصل 2 - في الخلع على الخمر] ومم المدونة: قال ابن القاسم: وإن خالعها على خمرٍ تم الخلع ولا شيء له, وإن قبضها أُهرِيْقَت عليه. قال عبد الوهاب: وقال الشافعي: يرجع عليها بصداق المثل, ودليلنا: أنه لما رضي أن يعتاض مالا يصح تملُّكه كان راضياً بسقوط العوض فلم يجب له بدل ولأنه معنىً يصح أن يوقع بغير بدل, ويفوت بنفس وقوعه, فإذا أوقعه بما لا يصح تملُّكه كان كمن أوقعه بغير شيء. وقال أبو حنيفة: تكون طلقةً رجعيةً, ودليلنا عليه: أنه طلاقً أوقعه على وجه الخلع فكان بائناً كما لو صح العوض.
قال الشيخ: قيل في قول ابن القاسم: فإن تخلَّلت الخمر بيد الزوج فإنها له لأنها قد عادت حلالاً, وسواءٌ كانت الزوجة مسلمةً أو نصرانيةً. [فصل 3 - في الخلع على حلالٍ وحرام] ومن المدونة: وإن خالعها على حلالٍ وحرامٍ جاز منه الحلال وبطل الحرام كمالٍ وخمر. وفي الباب الأول من الخلع تفسير الخلع والمباراة والفدية وأن ذلك كله طلقةً بائنة.
[الباب الثامن] فيمن قالت لزوجها: خالعني بكذا أو قال له ذلك أجنبي وكيف إن وجدت عديمة أو أتبع الخلع طلاقا والخلع يقع بعد بتات طلاق أو فساد نكاح أو عيب والدعوى في الخلع
[الباب الثامن] فيمن قالت لزوجها: خالعني بكذا أو قال له ذلك أجنبي وكيف إن وجدت عديمة أو أتبع الخلع طلاقاً والخلع يقع بعد بتات طلاق أو فساد نكاح أو عيب والدعوى في الخلع [فصل 1 - فيمن قالت لزوجها: خالعني, وكيف إن وجدت عديمة] قال مالك: وإن قالت له: خالعني أو بارني, أو طلقني على ألف درهم أو بألف درهم, فهو سواء, وإن أصابها عديمة جاز الخلع واتبعها بالدراهم, وإنما ذلك إذا صالحها بكذا وكذا, أو ثبت الصلح ورضي بالذي تعطيه يتبعها به. قال ابن القاسم: وأما أن يكون إنما صالحها على أنها أن أعطته الألف تم الصلح فلا يلزمه الصلح إلا بدفع. قال في كتاب ابن المواز: أو يقول: على أن تعطيني الساعة, أو أخالعك على أن تعطيني, فلم تعطه فهذا لا يلزمه الصلح. ومن المدونة: وإن قالت له: يعني طلاقي بألف درهم, ففعل جاز ذلك. قال مالك: وإن قالت له: خالعني ولك ألف درهم, فقال لها: قد خالعتك, لزمتها الألف, وإن لم تقل بعد قولها الأول شيئاً, وإن قال له رجل: طلق امرأتك ولك ألف درهم, ففعل لزم ذلك الرجل الألف.
فصل [2 - فيمن أتبع الخلع طلاقا] قال مالك:/ وإذا أُتِبع الخلع طلاقاً من غير صُمَاتٍ نسقاً لزم ذلك, وإن كان بين ذلك صُمَاتً أو كلامٌ يكون قطعاً لذلك لم يلزم الطلاق الثاني. ابن وهب: وقد قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: الخلع مع الطلاق اثنتان, وقال ابن أبي سلمة: إذا لم يكن بينهما صمات, ومن فعل ذلك فقد أخطأ السنة, وإنما الخلع واحدةً إذا لم يسمِّ طلاقاً. فصل [3 - في الخلع يقع بعد بتات طلاق أو فساد نكاح, أو عيب] قال ابن القاسم: وإن خالعها على شيءٍ ثم تبيَّن أنه قد أبتَّها قبل ذلك أو حلف بطلاقها ألبتة أن لا يخالعها, أو أنه نكحها وهو محرِمً, أو أنها أخته من الرضاعة, أو مما لا يقرَّان عليه, أو انكشف أن بالزوج جنوناً أو جُذَاماً فالخلع في ذلك كله ماضٍ وترجع عليه بما أخذ منها, لأنها كانت أملك بفراقه, وفراقها إياه من أجل الجنون والجذام فسخَ بطلاق. قال الشيخ: وذكر عن بعض فقهائنا القرويين: إن قيل ما الفرق بين أن يخالعها على مالٍ ثم يظهر أنها مطلقة, أو كاتب عبده ويتأدى منه ثم يظهر أنه كان أعتقه وهو منكِرً في الوجهين فألزمه أن يرد في الخلع ولم يلزمه أن يرد في الكتابة؟ فالفرق: أن للسيد أن يستسحي عبده وينتزع ماله ولا يزيل ملكه عنه إلا
الحكم عليه, والزوجة ليس له سبيلً إلى مالها وهو كأجنبيً فلا يصل إليه إلا بحق, فإذا ثبت طلاقه قبل ذلك فقد أخذه بغير حقٍ فافترقا. ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم: وإن قال لها: أنت طالق واحدةً إن صالحتك, ثم صالحها قال: لا ترجع بشيءٍ وهو كمن قال لعبده: إن قاطعتك قبل السنة فأنت حر, ثم قاطعه فلا يرجع عليه بشيء. قال عيسى: لأنه لما حنث بطلاقه كانت له الرجعة, وصارت عطية المرأة فيما قطعت عنه ماله من الرجعة, وكذلك عطية العبد فيما تعجل من العتق قبل السنة. ولو قال: إن صالحتك فأنت طالقٌ ألبته, ثم فعل؛ فهذا يرد ما أخذ, وكذلك في العبد إذا لم يقل إلى سنة, فهو يرد ما أخذ إذا قاطعه. وإن انكشف بعد الخلع أن بها جنوناً أو جُذاماً أو بَرَصَاً كان له ما أخذ منها وتم الخلع لأن له أن يقيم, ولو تركها أيضاً بغير خلعٍ كان فسخاً بطلاق. وقال في كتاب النكاح الثاني: وإن ثبت أنه نكح بغررٍ أو بغير وليًّ فاختلعت قبل البناء بمال فذلك ماضٍ وله ما أخذ. قال سحنون: هذه ترد إلى ما في كتاب الخلع أنه يرد ما أخذ منها.
قال ابن المواز: وليس له رجوع بالصداق على من غرَّه كعيبٍ ذهب. قال ابن المواز: وإنما لا يرد ما أخذ فيما لأحدهما المقام عليه. قال الشيخ: فيصير هذا قولاً ثالثاً, لأنه إذا وجدت بالزوج جنوناً أو جُذامَاً فللزوجة الرضى بذلك, فإذا خالعته على شيءٍ دفعته إليه ثم اطلعت على الجنون أو نحوه لم يكن لها أن ترجع عليه بشيءٍ خلاف قول ابن القاسم, وإن تزوج بغررٍ أو بغير ولي, ثم خالعها قبل البناء فإنه يرد ما أخذ منها كما ذهب إليه سحنون. قال الشيخ: وما قاله سحنون أبينها, والله أعلم. [فصل 4 - في الدعوى في الخلع] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قالت له امرأته: إنك كنت طلقتني أمس على ألف درهم وقد قبلت, وقال الزوج: كان ذلك ولم تقبلني؛ فالقول قولها. وكذلك قال مالك في الذي ملك امرأته ثم خرج, فلما رجع ليدخل عليها أغلقت الباب دونه وقالت: كنت قد ملَّكتني فقد اخترت نفسي, وقال الزوج: لم تختاري؛ إن القول قولها, واختُلف فيها في المدينة, ومن قول مالك يومئذ: لا يقضي في التمليك إلا في المجلس. قال بعض شيوخنا: ولا يمين عليها في ذلك, إلا إذ لو نكلت عن اليمين لم ترد إليه وإنما تحلف إذا تداعوا فيما وقع به الخلع, لأنها إذا نكلت حلف هو وغرمت له.
وقوله في الكتاب: ومن قول مالك يومئذ أنه لا يقضي في التمليك إلا في المجلس, إنما ذكر هذا لئلا يَتَوهَّمً/ مُتَوهَّمً أنه إنما كان القول قولها؛ لأنها إذا لم تكن قضت فقولها الساعة قضاءً على قول مالك أن لها أن تقضي وإن افترقا من المجلس. قال ابن القاسم: وإذا قال لزوجته: خالعتيني على هذا العبد, فقالت المرأة: بل على هذا الثوب؛ فالقول قولها, وتحلف إلا أن يأتي الزوج ببينة, لأن مالكاً قال فيمن صالح زوجته على شيء فيما بينهما, فلما أتى ببينةٍ ليشهد عليها جحدت المرأة أن تكون أعطته شيئاً على ذلك: إن الخلع ثابت ولا يلزمها إلا اليمين, ولو جاء الزوج بشاهدٍ على ما يدعي حلف معه واستحق. قال الشيخ: إن قيل: إن ادعى الزوج أن زوجته خالعته على شيءٍ فأنكرت فأحلفها وألزمته الخلع, هل للزوجة نفقة لأنها تقول: إنما أقررت بالخلع لتسقط نفقتي في العدة؟ فالجواب: عن ذلك: أنها إن أقرت له بالمخالعة لكنها قالت: إنما كانت على غير شيء؛ فلا نفقة لها, لأنها واحدة بائنة باتفاق, وإن أنكرت الخلع أصلاً فيجب على قول ابن القاسم في قوله: أنت طالقٌ طلاق الخلع ألاَّ نفقة لها لأنها واحدة بائنة, وكذلك على قول من يرى أنها ألبته, وأما على قول من يرى
أنها واحدة رجعية فلها النفقة, وتكون واحدةٌ بائنة, لأنه مقرٌ أنه خالعها على مالٍ وهي تقول: إنما أراد بدعواه ذلك أن يسقط عن نفسه نفقة العدة, ولا ينفعك قولك: إنكِ خالعتيني, على قول من يرى أنها واحدةً رجعية. ومن العتبية: قال أصبغ: وإذا أقام بينةً أنها صالحته على عبدها فأنكرت, وأقامت بينةً أنها صالحته على عشرة دنانير, وكل بينةٍ تقول: إنها كانت لفظةً واحدةً ومجلِساً واحداً, فالبينتان تسقط, والصلح ماض, وليس له إلا العشرة إن شاء, وكذلك إن ادعى أنه صالحها بالأمرين جميعاً. قال سحنون عن ابن القاسم: وإذا صالحته على عبدٍ غائبٍ فمات أو وَجَد به عيباً فقالت: كان ذلك به بعد الصلح, وقال هو: قبل الصلح, فالمرأة مدعية, وعليها البينة, وإن ثبت أنه مات بعد الصلح فلا عُهدة فيه بخلاف البيع.
[الباب التاسع] في خلع الأب والوصي والسيد والأمة وأم الولد والمكاتبة
[الباب التاسع] في خلع الأب والوصي والسيد والأمة وأم الولد والمكاتبة [فصل 1 - في خلع الأب والوصي] قال الله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة:237]. قال مالك: وهو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته. قال مالك: ويجوز للأب أو الوصي المباراة على الصغير على النظر والحظَّ فيما يأخذ له, كما يُنكِحُه نَظَرا. قال ابن القاسم وغيره: ألا ترى أنهما ينكحانه وهو كاره, لما يريان له من الحظ في النكاح من المرأة الموسرة, فكذلك يطلقان عليه بالمال وشبهه, ولا يلزم الصبي أن يطلَّقا عليه على غير الخلع وأخذ المال. قال ابن القاسم: وإن لم يكن للطفل اليتيم وصيَّ فأقام له القاضي خليفةً كان كالوصي في جميع أموره ولو كان الأب هو الذي عقد نكاح ولده, ثم مات الأب والابن صغير, فصالح الوصي عنه امرأته, جاز ذلك على الصبي, وتلزم الصبي طلقةً بائنةً في مباراة أبيه أو وصية, فإن تزوجها بعد بلوغه أو قبله, ثم
طلقها بعد بلوغه أو قبله طلقتين, لم تحل له إلا بعد زوج. فصل [2 - في خلع السيد] وإذا زوج الوصي يتيمةً وهو بالغٌ سفيهٌ بأمره أو زوج السيد عبده البالغ بغير أمره فذلك جائزٌ عليه, أو زوج ابنه أو يتيمة قبل البلوغ ثم بلغ سفيهاً لم تجز المباراة على أحدٍ من هؤلاء بغير إذنه لأنه ممن يلزمه طلاقه/ إن طلق, ولا يُكرهون على الطلاق. وقال أبو محمد: وروى عيسى عن ابن القاسم في العتبية أنه يباري عن السفيه ويزوجه بغير أمره. وقد تقدم في كتاب النكاح الأول الاختلاف في إكراهه على النكاح من كلام ابن حبيب ومن كتاب الخلع: قال ابن القاسم: وإذا زوج السيد عبده الصغير لم يطلق عليه إلا بشيء يأخذه له. وروى ابن نافع عن مالك, فيمن زوج وَصِيْفَه مِنْ وَصِيْفَتِهِ ولم يبلغا, أنه جائز, فإن فرق السيد بينهما على وجه النظر والاجتهاد, جاز ذلك ما لم يبلغا. قال ابن نافع: لا يجوز من ذلك إلا ما كان على وجه الخلع.
قال مالك: وللأب أن يخالع على ابنته الصغيرة, وإن كان على إسقاط جميع المهر, فذلك جائزً عليها, وليس لوصيً أو غيره أن يخالعها من زوجها, بخلاف مباراة الوصي عن يتيمه, والفرق بينهما: أن الوصي يزوج يتمه ولا يستأمره ولا يزوج يتيمته إلا بإذنها بعد بلوغها, فكذلك يباري عن يتمه ولا يباري عن يتميته إلا برضاها. وروى ابن نافع في صغيرةٍ زوَّجها أبوها أن للخليفة أن يباري عنها على وجه النظر, ويلزمها ذلك إذا كبرت, فأنكره سحنون وأسقطه, ولم يقرأه عند السماع, ومن العتبية: روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في التي لم تبلغ المحيض وقد بنى بها الزوج فصالحته على مالٍ أعطته فذلك نافذ, وله ما أخذ إن كان ما [أعطته] يصالح به مثلها. وقال أبو بكر بن اللبَّاد: المعروف من قول أصحابنا أن المال مردودً والخلع ماض. وقال سحنون في اليتيمة البالغة تفتدي من زوجها قبل البناء: فذلك جائز, وله ما أخذ, ولا رجوع لها فيه. قال في كتاب ابنه: ومَنْ يُجزْه لم أُعَتَّقْه فيما اختار.
وقال أصبغ: لا يجوز مباراة الصغيرة غير البالغ أو السفيهة, وكذلك بعد موت أبيها قبل البناء؛ ويرد ما أخذ منها, ويمضي الفراق ولو أخذ الزوج حميلاً بما يدركه في نصف الصداق الذي بارأته به فغرمه؛ رجع به على الحميل كالتي يباري عنها أبً أو أخً بغير علمها, إلا أن هذه يرجع فيها الزوج بما ودى فيأخذه ممن يباري عنها, ولا يرجع في مباراة الصبية الحميل بما غرمه للزوج على أحد. [فصل 3 - في خلع الأب على ابنته بعد البناء] ومن المدونة: قال مالك: وإذا خالع الأب على ابنته الثيب بعد البناء وهي بالغً على أن ضمن للزوج الصداق فلم ترض الابنة بطلب الأب؛ أخذت به الزوج ورجع به الزوج على الأب, وكذلك الأخ في هذا بمنزلة الأب, -قال ابن القاسم: وكذلك الأجنبي- وإن خالعها الأب بعد البناء وقبل بلوغها على أن تترك لزوجها جميع المهر جاز ذلك عليها, ثم لأبيها إذا رجعت إليه قبل البلوغ أن يزوجها كما يزوج البكر, ويجوز إذنه عليها. قال ابن القاسم وأشهب: وذلك ما لم تحض. وقال سحنون: يزوجها وإن حاضت. قال الشيخ: وقد تقدم إيعاب هذا وشرحه في كتاب النكاح.
فصل [4 - في خلع الأمة] قال مالك: ولا تختلع أمةً ولا أم ولد من زوجٍ بمالٍ إلا بإذن السيد, فإن فعلا بغير إذنه كان له رد العطية ولزم الزوج الصلح, ويرد ما أخذ, ولا يتبع به الأمة إن عتقت, وأكره أن يزوج الرجل أم ولده, فإن جهل وفعل لم يفسخ إلا أن يكون أمرًا بيناً من الضرر بها فيفسخ, وقد تقدم هذا في كتاب النكاح. [فصل 5 - فيما تبذله المكاتبة في الخلع] ويجوز ما خالعت به المكاتبة, أو وهبت من مالها بإذن السيد. سحنون: وذلك في الشيء اليسير التافه, وأما ماله القدر فلا, لأن ذلك داعيةً إلى عجزها.
[الباب العاشر] في الخلع في المرض
[الباب العاشر] في الخلع في المرض قال مالك: ومن خالع زوجته في مرضه جاز له ما أخذ منها, فإن مات في مرضه ذلك ورثته, وإن ماتت هي لم يرثها. قال/ أبو عمران: وترث المرأة من المال الذي أعطته, ومثله لابن المواز. قال مالك: وكذلك إن ملَّكها في مرضه, أو خيرها فاختارت نفسها, أو طلقها طلاقاً بائناً في مرضه بأي وجهٍ كان فإنه لا يرثها إن ماتت, وهي ترثه إن مات من ذلك المرض, لأن الطلاق جاء من قِبَلِه. قال مالك: وإن اختلعت منه في مرضها وهو صحيحً بجميع مالها لم يجز ولا يرثها. قال ابن القاسم: وأنا أرى إذا اختلعت منه على أكثر من ميراثه فله قدر ميراثه, وأما على قدر ميراثه منها فأقل فذلك جائزً ولا يتوارثان. وقال ابن نافع: إذا خالعها على أكثر من ميراثه لزمه الطلاق ولا يجوز له من ذلك إلا قدر ميراثه مثل ما فسَّر ابن القاسم. قال ابن نافع عن مالك: ويوقف المال حتى تصح أو تموت. ومن كتاب ابن المواز: قال مالك حتى تصح في المريض يخالع امرأته: فذلك جائزٌ وله ما أخذ منها وترثه -مما أخذ منها ومن غيره -.
قال مالك: وإن كانت هي المريضة لم يجز الخلع. ابن المواز: ولمالك قول آخر أبين من هذا, وروى عنه ابن عبد الحكم أنه يكون له منه خلع مثلها ويرد ما بقي. ابن المواز: وثم جواب أحسن من هذا, إذ لا تهمة فيه وهو قول ابن القاسم إن ماتت من ذلك المرض فله ميراثه منها, وقال أصبغ. وقال: يوقف ذلك ولا يمكن منه, فإن صحت أخذه, وإن ماتت أخذ منه قدر ميراثه من التركة يوم ماتت لا يوم الصلح, وإن كان أقل من ميراثه فله الأقل, ولا تحسب عليها ما أنفقت على نفسها في مصالحها. ابن المواز: ولا ما تلف, ويُحسب ما صالحته به من التركة, وليس لها تعمد تلف مالها من غير مصلحة, وإن أوصت بشيء فذلك في ثلث بقية تركتها بعد عزل ما صالحوا به, ثم يضاف ذلك إلى ما بقي بعد الوصايا فيأخذ قدر ميراثه منه إلا أن يكون ما صالح به أقل فيأخذ الأقل. ومن العتبية: روى يحيى بن يحي عن ابن القاسم: قال مالك: إنما ينظر؛ فإن كان قدر ميراثه منها قدر الصلح أو أقل نفذ ذلك للزوج, ولا تبالي كان أكثر من ميراثه منها يوم الموت أو أقل, هلك مالها أو بعضه قبل أن تموت؛ أو بقي ولا شيء للورثة عليه, وقد انقطع الأمر بينهم يوم وقوع الصلح, وكأنه حكم مضى بأمر جائز, ولأن الذي أخذ الزوج لو هلك لم يرجع على الورثة بشيء من قيمته, ومصالحتها بالذي أعطته كبيع من البيوع.
[الباب الحادي عشر] فيمن خالع ثم ظاهر أو آلى أو حنت في يمين بطلاقها وجامع مسائله منه
[الباب الحادي عشر] فيمن خالع ثم ظاهر أو آلى أو حنت في يمين بطلاقها وجامع مسائله منه [فصل 1 - فيمن خالع ثم ظاهر أو آلى] قال ابن القاسم: ومن صالح امرأته ثم ظاهر منها في عدتها أو آلى منها لزمه الإيلاء ولم يلزمه الظهار, إلا أن يقول: إن تزوجتك, أو يُجري قبل ذلك من الكلام ما يدل عليه, فيلزمه الظهار إن تزوجها, لأن مالكاً قال فيمن خالع إحدى امرأتيه فقالت له الأخرى: ستراجعها؟ فقال: هي طالقً أبداً, ولا نية له, قال: فإن تزوجها طلقت عليه مرةً واحدة, وكان مخاطباً؛ لأن مالكاً جعله جواباً لكلام امرأته. وفي غير المدونة: من قال لامرأته: أنت طالقً أبداً, إنها ثلاث. قال الشيخ: وحكى عن بعض القرويين: أن هذا ليس بخلافٍ لما في المدونة وأن معنى مسألة المدونة: أنه إنما وقع له التأبيد على الرجعة, كأنه لما قالت له امرأته: ستراجعها؟ قال: إن راجعتها أبداً فهي طالقً, فلذلك لزمه طلقةً, وصوَّب هذا القول بعض أصحابنا. قال الشيخ: وظاهر المدونة خلاف ذلك, وأنه إنما وقع التأبيد على الطلاق/ لأنه لما قالت له امرأته: ستراجعها؟ قال: هي طالقً أبداً, يريد إن راجعتها, فعلة هذا التأويل يصير في قوله: أنت طالقً أبداً, قولان؛ قولٌ: إنه واحدةً, وقولٌ: إنه ثلاثٌ. والله أعلم.
[فصل 2 - فيمن حنث في يمين بطلاق زوجته] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق, فصالحها ثم دخلتها بعد الصلح, لم يلزمه طلاق. قال مالك: وإن قال لها: إن لم أقضِ فلاناً حقه إلى وقت كذا فأنت طالق ثلاثاً, فلما جاء الوقت وخاف الحنث صالحها فراراً من أن يقع عليه الطلاق فبئس ما صنع, ولا يعجبني أن يفعل ذلك, فإن فعل لم يحنث إن لم يقض فلاناً حقه, لأن الوقت مضى وليست بامرأة. قال ابن القاسم: ولو تزوجها بعد الوقت لم يحنث, قضى فلاناً حقه أم لا, وإن صالحها بدراهم أو طعامٍ أو عرضٍ موصوفٍ إل أجل جاز, وله أن يأخذ بذلك رهناً أو كفيلاً, ولا يبيع الطعام قبل قبضه, لأنه محمل البيع, وإن صالحها على دينٍ فباعه منها بعرضٍ إلى أجل, أو صالحها على عرضٍ موصوفٍ إلى أجلٍ فباعه منها بدينٍ إلى أجلٍ لم يجز, لأنه دينً بدين, ويرجع فيكون له الدين الأول, وإن صالحها على عبدٍ بعينه على ألا يقبضه إلا إلى أجل من الآجال فهو حالً, والخلع جائزٌ, والأجل فيه باطل. قال سليمان: قال سحنون: الخلع جائزٌ, والعبد إلى أجله كما إذا خالعته بجنينٍ في بطن أمه فلا يكون له إلا إذا خرج.
قال الشيخ: والفرق عند ابن القاسم بين العبد المعين وبين الجنين والعبد الآبق والثمرة التي لم يبد صلاحها: أنه في هذه الأشياء لا يقدر الآن على قبضها وإزالة الغرر فيها فَعُذِرَ بإجازة ذلك في الخلع, لأن له أن يخالعها بغير عوضٍ فكأنه في الغرر خالعها بغير شيء, وأما العبد المعين, فهما قادران على قبضه, فترك ذلك تعمداً غررً دخلا فيه من غير عُذرٍ, فلذلك مُنِع, وإجازة ذلك في الخلع -كما قال سحنون- أبين, والله أعلم.
[الباب الثاني عشر] جمع القول في حضانة الولد
[الباب الثاني عشر] جمع القول في حضانة الولد [فصل 1 - في حضانة الأم لولدها] روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى للأم بالحضانة على الأب وقال لها: «أنتِ أحقُ به ما لم تنكحي» , وقضى به أبو بكر وعمر رضي الله عنهما, وقضى أبو بكر على عمر أن أُمَّ الأم إذا نكحت الأمُّ أحقُ منه في حضانة ولده, وكانت كل مَنْ هي أقرب رَحماً بالأم من النساء فذلك لها بعد الأم, ولأن المراعاة في ذلك حفظ الولد والإشفاق عليه والقيام بمصالحه ومراعاة أموره؛ والأم أقوم بذلك من الأب ومن كل أحد. واختُلف عن مالك هل هذا حقً للأم أم للولد عليها؟ فإذا قلنا: إنه حقً للأم فلقوله صلى الله عليه وسلم: «أنتِ أحقُ له ما لم تنكحي» , ولأنها يلحقها ضررٌ بالتفرقة بينها وبين ولدها مع كونها أحَنَّ عليه وأرفق به. وإذا قلنا: أنه حقٌ للولد, فلأن الغرض حفظ الصبي ومراعاته ومصلحته
دون مراعاة الأم, ألا ترى أنه يؤخذ منها إذا تزوجت وإن لحقها الضرر بأخذه, وكذلك إذا غاب الولد غيبة استقرار. ومن المدونة: قال مالك: ويُترك الغلام في حضانة الأم حتى يحتلم ثم يذهب حيث شاء, وللأب أن يتعاهد عند أمِّهم ويؤدبهم ويبعثهم إلى الكُتَّاب, ولا يبيتون إلا عندها إلا أن تتزوج الأم والولد صغير يرضع أو فوق ذلك فإنه ينزع منها إذا دخل بها زوجها لا قبل ذلك, ثم لا يرد إليها إذا طلقت أو مات زوجها, ولا حق لها فيه إذا سلمته مرة. وقال عبد الوهاب: يرد إليها لزوال المانع. قال الشيخ: وما في المدونة أصوب كزوال نفقته عن الأب بالبلوغ ثم إن مرض لم ترجع إليه, وكالثيب ترجع إليه بعد أن دخل بها/ زوجها, لأن الحضانة والنفقة إذا سقطت مرة لم تعد, وإنما تجب باستصحاب الوجوب, وقد قال ابن المواز: قال ابن القاسم: وإذا تزوجت الأم أو الجدة فلم يؤخذ الولد منها حتى فارقها الزوج فلا ينزع منهما بخلاف أن لو أخذ منهما. قال مالك: ولو ردتهم استقالاً من غير نكاحٍ ثم بدا لها فليس لها أخذهم إلا أن تأتي بعُذرٍ له وجهٌ. قال في رواية أشهب: مثل أن تكون مَرِضت أو انقطع لبنُها, وإلا فليس ذلك لها.
قال مالك: وإذا بقي الولد مع أبيه والأم مُتَنَحيَّةٌ عنه فلما مات الأب أرادت أخذه فليس ذلك لها لاستصحاب الحال. فهذا يؤيده ما قلناه, وبالله التوفيق. ومن العتبية: قال أشهب عن مالك فيمن توفي زوجها فتركت أولادها خمسة أشهرٍ أو سبعةً ثم قيل لها: أنت أحق بهم ما لم تنكحي, فقالت: والله ما عَلِمْتُ بهذا, فقال: الشأن في هذا قريب, فقد تجهل السنة. وسئل عمن فارق امرأته ولها منها بنتً فطرحتها إليه ولحقت بأهلها فتأيَّمت عندهم ما شاء الله ثم تزوجت, لا تَعُرضُ لابنتها ولا تريدها حتى ماتت, فقامت أمها تطلب ابنة ابنتها؟ فقال: إن كان لذلك سنة فأكثر فلا شيء لها, قد تركوها ورفضوها, وإن كان ليس لذلك إلا يسير فأرى لها أخذها. قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: واختلف شيوخنا إذا تزوجت الأم تزويجاً فاسداً لا يقرَّان عليه, ودخل بها الزوج ونزع منها الولد, ثم علم بفساد النكاح ففسخ, فقال بعضهم: يرجع إليها الولد, وقال غيره: لا يرجع, وهو أصوب, وفسخ نكاحها كطلاق زوجها في النكاح الصحيح.
وقال بعض شيوخنا: إذا كان للولد وليَّان, وهما في القُعْدُدِ سواء, فسافر أحدهما ليس له الرحلة بالولد, والمقيم أولى لبقاء الولد مع أمه, وكذلك إن لم يكن لها أم, ولأنه هو المقدم في نكاحها إن كانت أنثى. أبو محمد: قال ابن القاسم: فإن نكحت الأم أحدهما لم ينزع منها إذا كان ذلك أرفق به. قال أصبغ: إلا أن يخاف عليه عندها ضيعةً وجفوةً فيكون الولي الآخر أولى وأحق به. قال مالك: ومن تزج امرأة, ومعها بنتٌ صغيرٌ قد بها بها, ودخل بها وهي معها, ثم قال: أخرجيها عني, فليس له ذلك. [فصل 2 - في أخذ الأب أو وصية الولد ممن يحضنه] ومن المدونة: قال مالك: وتُترك الجارية في حضانة الأم في الطلاق والموت حتى تبلغ النكاح ولا يخاف عليها, فإذا بلغت وخِيف عليها نُظِر, فإن كانت الأم في حِرْزٍ وتحصينٍ فهي أحق بها أبداً حتى تنكح وإن بلغت أربعين سنة, وإن لم تكن الأم في حرزٍ وتحصينٍ في موضعها, أو كانت غير مَرضيَّةٍ في نفسها أو نكحت فدخلت, فأب أخذها منها, وكذلك للأولياء وللوصي أخذ الولد بذلك إذا أخذ إلى أمانةٍ وتحصين. قال ابن المواز: قال مالك: ووصي الأب كالأب في أخذ الولد إذا نكحت وليس له جدةً ولا خالة.
قال: وللعم والجد أخذ الصبية إذا نكحت أمها, وأما الوصي فليس بينه وبينها مَحْرمٌ مع زوج أمها أحب إلي, لأنه ذو محرمٍ منها إلا أن يخاف عليها عنده فالوصي أحق. ومن العتبية: قال ابن القاسم: الوصي كالأب في الولد إلا في نكاح البكر قبل البلوغ. قال أصبغ: وإن تزوجت الأم فالوصي أحق بالولد جواري كنَّ أو غِلماناً -وإن حضن الأبكار- وهو أحق من الأخ والعم وابن العم إن كان رَضيَّا, وإذا انتقل الوصي من البلد فله أن يرتحل بهن جواري كن أو غلماناً, وليس لإخواتهم/ وأعمامهم وجدودهم منعه. أشهب: وسئل مالك عمن أوصى بابنته إلى وليًّ فتركها مع عمتها إلى أن بلغت الجارية أو كادت أن تبلغ, ثم تزوجت العمة فطلبتها الجدة أم أمها وأرادت أخذها, فأرادت الجارية أن تكون مع عمتها, ورضي بذلك الولي, قال: أرى أن تترك مع عمتها إذا أحبت الجارية ورضي بذلك الولي, ولا تأخذها الجدة. قال الشيخ: يدل قوله هذا أن الأم إذا كانت وصيةً تزوجت أن الولد لا ينزع منها, لأن العمة لما كانت إذا تزوجت ورضيت الصبية الولي بكونها مع عمتها؛ لم يضر التزويج وكانت أولى من جدتها لأمها, فالأم أحرى أن لا ينزع الولد منها إذا رضيت, إذ لها الولاية والحضانة, ولا يضرها التزويج كما لم يضر العمة, والله أعلم. ويحتمل إنما كانت العمة أولى لترك الجدة حضانتها أولاً كالأم إذا تركت حضانتها للأب ثم مات فليس لها أخذهم.
ومن المدونة: قال مالك: وكل من له الحضانة من أب أو رحم أو عصبة ليس لها كفاية, ولا موضعه يحرز ولا يؤمن في نفسه, فلا حضانة له, والحضانة لمن فيه ذلك وإن بعد, وينظر السلطان في ذلك للولد بالذي هو أكفى وأحرز, فربَّ والد يضيع ولده, ويدخل عليهم رجالاً يشربون فينزعون منه. ويترك الولد في الحضانة عند غير الأم إلى حدً ما يترك عند الأم. قال مالك في كتاب ابن المواز: وإذا نكحت الأم فالجدة للأم أولى بحضانة الولد إذا كان لها منزل تضمهم فيه ولا تضمهم مع أمهم. ومن العتبية: قال أشهب: ولا يكلف الأب مع النفقة على الولد النفقة على الجدة أو الأم ولا أجر حضانتها إذا أبى ذلك, وإنما عليه نفقة الولد خاصة وإن قامت عليهم وحضنتهم إلا أن يصالحها على شيء يرضاه. قال مالك: وإذا قال الأب: ما عندي ما أنفق على الولد, والولد ابنةً بنت أربع سنين قال: ولكن أرسليها إليَّ تأكل معي, قال مالك: يُنظر؛ فإن كان ما ذكر أمرًا معروفاً قيل للأم: أرسليها تأكل مع أبيها وتأتيك بالليل, وإن خيف أن يضر بالأم وهو واحد فليس له ذلك. فصل [3 - في حضانة غير الأم] والأم أحق بحضانة الولد في الوفاة والطلاق حتى يبلغوا ما وصفنا, فإن ماتت الأم أو نكحت فدخلت فالحضانة لمن هي أقعد بالأم إذا كانت ذا محرم من الصبيان فالجدة للأم أحق وإن قعدت بعد الأم, ثم الخالة.
ابن المواز: وخاله الخالة كالخالة. وروى عن مالك: أن الأب أولى من الخالة. قال أصبغ: وليس هذا بشيء, وقوله المعروف أن الخالة أحق. ومن المدونة: قال مالك: ثم الجدة للأب ثم الأب, والأب أولى من الأخوات والعمات وبنات الأخ, فإن لم يكن الأب فالأخت ثم بنت الأخت ثم العمة ثم بنات الأخ. قال مالك في كتاب محمد: فإن لم تكن بنت أخٍ فالأخ ثم الجد ثم ابن الأخ ثم العصبة, قال في المدونة: وهم الأولياء, ومن هؤلاء الأولياء الجد والأخ وابن الأخ والعم وابن العم ومولى النعمة, لأنه وارث, والمولى عتاقة, وليس من يسلم على يديه بمولَىَّ ولا ينتسب إليه وإن ولاَّه, وإذا تزوجت الأم ولها أولادٌ صغارٌ وجدتهم لأمهم في بلدٍ ثانٍ وخالتهم معهم حاضرةً؛ فالخالة أحق, وإذا كان الولد ليس لهم جدةً من قِبَلِ أمهم, أو لهم جدةً لأمًّ لها زوجٌ أجنبيٌ فالحضانة لمن هي أقعد بالأم على ما ذكرنا. قال عبد الوهاب: وإنما قُدِّمت قرابات الأم على قرابات الأب في الحضانة كما قدمت الأم على الأب, وإنما قدمت الجدة على الخالة لأنها أقرب وهي والدة, ولذلك قدمت أم الأب على العمة لأنها والدة.
واختلف إذا انتقلت الحضانة عن جهة الأم أيهما أقرب الأب أو قرابته من النساء؟ فإذا قلنا: إن الأب أولى فلأن به يدلون والأصل أولى, وإذا قلنا: إنهن أولى فلأنهن بالصبي أرفق وألطف به تَأتَّياً في مصلحة, ولا يمكن ذلك للأب, لأن ذلك لا يليه الرجال وإنما يليه لهم النساء. ابن وهب: إن كان للجدة أم الأم زوج فلا حق لها في الحضانة. ومن المدونة: قال مالك: وكل من خرج من بلده, متنقلاً لسكنى بلدٍ آخر غير بلد الأم, من أبٍ أو أحدٍ من أولياء الولد الذين ذكرنا؛ فله الرحلة بالولد إذا كان الولد معه في كفاية, تزوجت الأم أم لا, ويقال لها: اتبعي ولدك إن شئت أو دعيه. قال: وأما من خرج من الأولياء لسفرٍ من غير سكنى فليس له الرحلة بالولد الذين ذكرنا. قال ابن زمنين: كان بعض شيوخنا المقتدى لهم يفتون أن ليس للأب أن يرتحل بالولد لسكنى بلدٍ آخر حتى يثبت عند الحاكم [بالبلد] الذي فيه الحاضنة أنه قد استوطن البلد الذي رحل إليه, وخالفهم بعض أصحابنا وقال: إنه إذا أراد الرحيل أخذ ولده ساعة يرتحل. وعلى هذا القول يدل لفظ الكتاب.
وقد أعاب القول الآخر بعض العلماء وقال: أرأيت إن أراد الرحلة إلى العراق أيمضي إليها فيوطن, ويشهد هناك ثم يرجع ويأخذ ولده. وليس هذا بشيء؟ ومن المدونة: قال مالك: وليس للأم أن تنقل الولد من الموضع الذي فيه والدهم أو أولياؤهم إلا ما قَرُبَ كالبريد ونحوه حتى يبلغ الأب أو الأولياء خبرهم. قال ابن القاسم: ثم لها أن تقيم هناك. قال في العتبية: وإن كان مسكن الأب بالإسكندرية فأرادت الأم لما طلقها أن تنقلهم إلى الفُسْطَاط وبينهما ثلاثة أيام؟ قال: ليس لها ذلك. وسئل عمن كانت يسكن معها زوجها بمكانه, ثم هلك زوجها وله منها ابنه بنت ثمان سنين وللمتوفي إخوةً فأرادت الأم أن تنتقل بها إلى أخوتها إلى المسكن الذي كانت تسكنه قبل أن تتزوج هذا؛ وبينهما مرحلتان, وأبى ذلك عمومة الجارية. قال مالك: ليس للأم أن تخرجها من عند ولاتها.
فصل [4 - في حضانة الذمية والمجوسية] ومن المدونة: وللذمية إذا طلقت أو المجوسية يسلم زوجها وتأبى هي الإسلام -فيفرق بينهما- من الحضانة ما للمسلمة إن كانت في حرزٍ وتُمنع أن تغذَّيهم بخمرٍ أو بخنزيرٍ, فإذا خيف أن تفعل بهم ذلك ضُمَّتُ إلى ناسٍ من المسلمين ولا ينزع منها إلا أن تبلغ الجارية وتكون عندها في غير حرز. وروى ابن وهب: أن لا حق للنصرانية في حضانتهم, لأن المسلمة لو أثنى عليها ثناء سوءٍ أو كانت تطوف لنزعوا منها فكيف بهذه؟ وقال ابن المواز: الحضانة لها واجبة, وكذلك الجدة النصرانية. [فصل 5 - في حضانة الأم وأم الولد] ومن المدونة: قال مالك: وإذا أعتق ولد الأمة وزوجها حرً فطلقها فهي أحق بحضانة ولدها إلا أن تباع بها إلى غير بلد الأب فالأب أحق به, أو يريد الأب انتقالاً إلى غير بلد الأم فله أخذه وليس العبد في انتقاله بولده كالحر, والأم أحق بهم كانت أمةً أو حرةً؛ لأن العبد لا قَرار له ولا مسكن. قال ابن القاسم في النوادر: وأرى في الاستحسان إن كان العبد التاجر له الكفاية أن يكون أحق بولده إذا تزوجت أمه وأما العبد المخَارَج فلا.
ومن المدونة: ولأم الولد تعتق ما للحرة من الحضانة. ابن المواز: وقال ابن وهب في أم الولد تعتق: لا حضانة لها في الولد وإنما ذلك للحرة يطلقها الزوج. فصل [6 - في التفريق بين الأمة الحاضنة وولدها] ومن المدونة: قال مالك: وإذا بيعت أمةً مسلمةً أو كافرةً لم يفرق بينهما وبين ولدها, وبيع معها إلا أن يستغنى الولد عنها في أكله وشربه ومنامه وقيامه, وحد ذلك إذا بلغ الأثَغَار ما لم يعجل به, جواري كن أو غِلماناً, بخلاف حضانة الحرة. وقال الليث: حدُّ ذلك أن ينفع نفسه ويستغني عن أمه, فوق عشر سنين ونحو ذلك. قال مالك: ويفرق بين الولد الصغير وبين أبيه وجده وجداته لأمه أو لأبيه في البيع متى شاء سيده, وإنما ذلك في الأم خاصة. قال الشيخ: وفي كتاب "التجارة بأرض الحرب" إيعاب هذا.
[الباب الثالث عشر] جامع من يلزم الرجل النفقة عليه
[الباب الثالث عشر] جامع من يلزم الرجل النفقة عليه [فصل 1 - في النفقة على المطلقة من أجل الولد] قال الله سبحانه في النفقة على المطلقات من أجل الولد: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:6] , وقال تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق:6] , فهذا إيجاب نفقة الولد, ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الإسراء:31] , وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «تقول لك امرأتك: أنفق عليَّ أو طلقني, ويقول لك عبدك: أنفق علي أو بعني, ويقول لك ولدك: إلى من تكلني» , فبين أن النفقة تلزم لكل واحدٍ ممن ذُكِر, وأنه يحتج بما ذكره, ولا خلاف في ذلك. وقال الله تعالى في النفقة على الزوجات في العصمة وما أوجب عليهن من الرضاع: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة:233].
قال زيد بن أسلم: لا تلقيه له وهو لا يجد من يُرضعه منها وهي تريد رضاعه وعلى الوارث مثل ذلك. قال غيره: وقوله تبارك اسمه: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة:233] معطوفٌ على قوله: {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [البقرة:233] , وذلك أولى في اللسان من أن يكون معطوفاً على ذكر النفقة للزوجات. وذكر ابن القاسم عن مالك: أن الآية منسوخة. [فصل 2 - فيمن لا نفقة لها] وقال الله سبحانه في الزوجات: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق:7]. قال عبد الوهاب: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تقول لك امرأتك: أنفق علي أو طلقني» , ولأن الزوجية عقدٌ على منافع, والنفقة في مقابلة تلك المنافع, وهي واجبةٌ للزوجة بالعقد والتمكين والاستمتاع.
ولا نفقة على الزوج غير البالغ, لأنه لا يتأتىَّ منه الاستمتاع الذي يُعَاوض عليه لصغره, ولا للصغيرة التي لا يوطأ مثلها, لأن الاستمتاع غير مُتأتً منها, وإن كانت تطيق الوطء لزمته النفقة عليها, لأنها كالبالغ ولا نفقة لناشزٍ لما بينَّا أنها في مقابلة الاستمتاع والتمكين منه, فإذا عُدِمَ لم تجب. وقال أبو عمران: اختلف في الناشز على زوجها هل لها النفقة؟ فعند ابن المواز وهو لمالكٍ وأراد لابن القاسم وقاله سحنون: إن لها النفقة. وقال البغداديون من أصحابنا: لا نفقة لناشز, لأنها منعته الوطء الذي هو عوض النفقة, واعتلوا بإيجاب النفقة على الزوج إذا ادعى إلى البناء, وأن ذلك لا يلزمه إذا لم يمكن من البناء. قال أبو عمران: فأنا أستحسن في هذا الزمان أن يقال لها: إما أن ترجعي إلى بيتك وتحاكمي زوجك وتناصفيه وإلا فلا نفقة لك, لتعذر الأحكام والإنصاف في هذا الوقت, فيكون قول البغداديين في هذا حسناً, ويكون الأمر على ما قاله الآخرون إذا كان الزوج على محاكمتها فلم يفعل, فيؤمر بالنفقة حتى إذا لم تمكنه المحاكمة ولم يتمكَّن/ له حاكمٌ يُنْصِف, ولم تُجبه هي إلى الإنصاف فاستحسن أن لا نفقة لها. وكذلك الهاربة إلى موضعٍ معلومٍ هي مثل الناشز, وأما إلى موضعٍ مجهولٍ فلا نفقة لها.
[فصل 3 - في النفقة على الولد] قال ابن القاسم في كتاب ابن سحنون: إذا لم يكن للأب ما ينفق منه على ولده إلا دار, فإن كان فيها فَضْلٌ وإلا فلا نفقة عليه. قال بعض أصحابنا: وليس هو كمن أعتق شركاً له في عبدٍ ولكن لزمته كفارة, لأن الله تعالى قال في الكفارات: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} [البقرة:196] وهذا واجد, وقال في العتق: "فإن لم يكن له مال", وهذا له مال, فلذلك وجب البيع عليهما وإن كان لا فضل في الدار, وأما النفقة على الولد فإنما هي مواساة, وإنما يواسي من له مال وكان غنياً, وإذا لم يكن في داره فضلٌ فهو فقيرٌ, ألا ترى أنه يأخذ الزكاة كما يأخذها الفقراء فلم تتوجَّه عليه نفقةٌ لهذا, والله أعلم. قال مالك: ويلزم الأب المليء نفقة ولده الصغير الفقير, قال: وإذا أخذ الولد من له الحضانة فعلى الأب نفقتهم وكسوتهم وسكناهم ما بقوا في الحضانة, ويخدمهم إن احتاجوا إلى ذلك وكان الأب مليئاً, ولحاضِنَتهم قبض نفقتهم, وإن كان الأب عديماً فهم من فقراء المسلمين, ولا يجبر أحدً على نفقتهم ولا الأم وإن كانت موسرةً, إلا الأب وحده إذا قَدِر.
وقال ابن القاسم في الدمياطية فمين طلق امرأته وله منها ولدٌ وهو مليءٌ فعليه أن يخدم الولد, والسكنى عليه وعليها. وقال يحيى بن عمر: يريد على الجماجم. وقال أيضاً ابن القاسم: ليس عليه للولد إلا النفقة, وليس عليه أن يكتري لهما. وقد تقدم من العتبية, وهو في كتاب محمد: أن ليس عليه للولد إلا النفقة ولا يكلف نفقة للجدة ولا للأم إلا أجر حضانتهما. ومن المدونة: قال: وتلزمه نفقة الذكور حتى يحتلموا, والإناث حتى يدخل بهن أزوجهن. -قال الشيخ: لعجزهن عن التكسب, بخلاف الذكور-. قال مالك: إلا أن يكون للصبي كسبٌ يستغنى به, أو له مالٌ فينفق عليه منه. وإن طلقت الجارية بعد البناء أو مات زوجها فلا نفقة لها على الأب وإن كانت فقيرة. قال الشيخ: وذلك لما قلنا: إن النفقة إنما تجب باستصحاب الوجوب, فإذا سقطت مرةً فلا تعود. ومن المدونة: قال مالك: وإن طلقت قبل البناء فهي على نفقتها, قال: وعليه نفقة من بلغ من ولده, أعمى, أو مجنوناً, أو ذا زمانةٍ لا حِرَاك له.
- قال الشيخ: لأن ذلك يمنع التكسب, فإن صحوا سقطت ثم لا تعود إن عاد ذلك, لأن نفقتهم إنما تجب باستصحاب الوجوب-. قال مالك: وإن بلغوا أصحاء ثم أثابهم ذلك بعد خروجهم من ولاية الأب فلا نفقة لهم عليه. ابن المواز: قال مالك: ولو بنى بالبكر زوجها وهي زَمِنَةٌ, ثم فارقها فالنفقة باقيةً على الأب كالصغيرة تطلق بعد البناء وقبل المحيض, واختلف في نفقة هذه بعد المحيض. وقال ابن وهب في الولد يبلغ أعمى أو مبتلىً أو مكسوراً: فلا نفقة على أبيه وعلى كل محتلمٍ نفقة نفسه. قال الشيخ: وقول مالك أولى لما بينَّاه, وإنما كان البلوغ في الذكور حداً لأنه قد بلغ حد التكسب والقيام لنفسه, فإذا بلغ زَمِنَاً فلم يبلغ بعد حد التكسب, فهو على امره حتى يبلغه ويطيقه. فصل [4 - في إنفاق الأب على الولد وله مال في يد أبيه] ابن المواز: قال مالك: وإذا أنفق الأب على الولد من عنده وللولد مال عين بيد الأب أو غيره فله الرجوع فيه, فإن مات الأب قبل أخذه فأراد الورثة الرجوع عليه بالنفقة مذ كان له مال, فإن كان مال الولد عيناً وهو يمكنه أخذه فلم يفعل لم يكن للورثة الرجوع عليه وإن كتبه عليه الأب إلا أن يوصي به, وذلك أن من/
شأن الآباء أن ينفقوا على الأبناء وإن كانت لهم أموال, وأما إن كان مال الولد عروضاً أو حيواناً فللورثة محاسبة الابن بذلك إذا كتبه. قال ابن القاسم في العتبية: إلا أن يقول في مرضه: لا تحاسبوه, فذلك جائزً نافذ, ولا تكون وصيةً لوارث, لأنه شيءً فَعَله في صحته. ابن المواز: وروى لمالكٍ أيضاً أنه قال: يحاسبوه إن كان المال عروضاً, ولم يذكر كتبه أو لم يكتبه, ويحسب كل وقتٍ بسعره. وقال ابن القاسم: إن كان مال الولد عيناً لم يحاسبوا وإن كان عروضاً حوسبوا, ولعله لم يمكنه البيع حتى مات. وقال أشهب: أرى أن يحاسب في العين والعرض وإن أوصى أن لا يحاسب. فصل [5 - في النفقة على الأبوين الفقيرين] ومن المدونة: قال ربيعة: والنفقة على الأبوين الفقيرين مما يراه المسلمون, لقول الله سبحانه: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء:36]. قال الشيخ: وقول الله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:15].
قال مالك: فيلزم الولد المليء نفقة أبوية الفقيرين, كانا مسلمين أو كافرين والولد صغيرً أو كبيرً, ذكرً أو أنثى, كانت البنت متزوجة أم لا وإن كَرِهَ زوج الابنة, وكذلك من مالٍ يوهب للولد أو يُتصَدَّق به عليه. قال عبد الوهاب: وإنما قل ذلك لقوله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:15] , وقوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء:36] , قال: وسواءً كان الأب صحيحاً, أو مريضاً, أو زَمِنَاً, وأمرهما أوكد من الولد. [فصل 6 - في النفقة على زوجة الأب وعلى خادمه وخادم الزوجة] ومن المدونة: قال مالك: ويُنفِق على امرأةٍ واحدةٍ لأبيه لا أكثر وإن لم تكن أُمُّه. قال الشيخ: وحكى لنا عن بعض شيوخنا القرويين أنه قال: اختلف إذا كان للأب امرأتان, إحداهما أم الولد وهي فقيرة, والأخرى أجنبية, فقيل: تلزمه نفقتهما, فأمَّه لأنها فقيرة ولو فارقها الأب لزمه نفقتها, والأخرى فلأنها لو كانت وحدها لزمته لها النفقة. وقيل: لا نفقة عليه لزوجة أبيه الأخرى.
قال الشيخ: وهذا أشبه بظاهر الكتاب إذ ليس عليه أن ينفق له إلا على امرأةٍ واحدة, فإذا كانت أًمُّه تقوم بالأب وموافقته فليس عليه أن ينفق على الأخرى كما ليس عليه أن ينفق على امرأتين. ومن المدونة: ويُنفِق على خادم أبيه وعلى خادم زوجة أبيه, لأن خادم زوجة أبيه تخدمه, إذ على الابن إخدامه إن قدر. [فصل 7 - في النفقة على الأم] قال مالك: وينفق على أُمِّه إن كان لها زوجً فقيرً, ولا ينفق على زوجها, ولا حجة للولد إن قال: يفارقها الزوج حتى أنفق عليها. قال ابن حبيب: قال مطرف: إذا كانت الأم فقيرةً والولد صغار يتامى فالنفقة لها في مال الولد على قدر المواريث, على الذكر مثلا ما على الأنثى, لأن النفقة إنما وجبت في أموالهم لصغرهم. وقال أصبغ: بل هي عليهم بالسواء في صِغرهم وكِبرهم. وبقول مطرف أقول. قال أبو محمد: وفي كتاب أبي الفرج في الأب يكون له بنون: إنه إن كان كل واحدٍ منهم تلزمه النفقة على انفراده لزمتهم النفقة أجمعين بالسواء, وإن كان بعضهم لا يلزمه على انفراده شيءً فنفقته على باقيهم. وكان ابن المواز أشار إلى أن على كل واحدٍ منهم بقدر يساره وجِدَتِه.
قال الشيخ: وما في كتاب أبي الفرج أبين, وذلك كالحُمَلاء بدينٍ لرجل, وكل واحدٍ حميلً بصاحبه, فإنه إن لقي أحدهم أخذه بجميع الدين, وإن لقيهم جميعا أملياء أخذ كل واحدٍ بما ينوبه. قال الشيخ: ووجه قول أصبغ: فلأن كل واحد لو انفرد لوجبت عليه النفقة كاملة, صغيراً أو كبيراً, ذكراً أو أنثى, فإذا اجتمعوا وزعت عليهم بالسواء وله وجهً في القياس. ومن المدونة: قال مالك: وما أنفق على الوالدين من مال الولد فلا يُتبعان به إذا أيسر, وإن كان الأب أو الابن فقيراً لم يلزم أحدهما نفقة صاحبه, وينفق على من له خادم/ من الأبوين عليه وعليها, وكذلك إن كانت له دارٌ لا فضل في ثمنها فله النفقة كما يعطي من الزكاة, ويعدي على الغائب في بيع ماله للنفقة على من ذكرنا. ومن أسلم وله بناتٌ قد حِضن فاخترن الكفر فعليه نفقتهن. قال الشيخ: قال هاهنا: ينفق على خادم الأب, وقال: لا ينفق على خادم الولد, فيقال له: إما أنفقت أو بِعت. والفرق بينهما: أن الأب هو المحتاج للخادم إما للخدمة أو لوطء, فهي كالزوجة, والولد ليس به حاجةٌ إلى الخدمة, فإن كان الولد محتاجاً إلى الخدمة لزم الأب النفقة عليه وعلى خادمه, إذ عليه إخدامه, ولا فرق بينهما إذا اتفق السؤال.
فصل [8 - في النفقة على من رحلت مع زوجها] قال مالك: وللزوج أن يظعن بزوجته من بلدٍ إلى بلدٍ وإن كرهت وينفق عليها, وإن قالت: حتى آخذ صداقي, نُظِر, فإن كان قد بنى بها فله الخروج بها وتتبعه به ديناً. قال الشيخ: يريد في عدمه, وأما إن كان موسراً فلا تخرج حتى تأخذ صِداقها, وقاله أبو عمران. قال مالك في العتبية: يُنظَر إلى صلاحه وإحسانه إليها, إذ ليس له أن يخرج بها ثم يطعهما شوط الحِيتَان. فصل [9 - في النفقة على الجد ونفقته على ولد ولده] ومن المدونة: قال مالك: ولا يلزم الجد نفقة ولد الولد كما لا تلزمهم نفقته. قال عبد الوهاب: لأن النفقة على الأقارب لا تلزم انتقالاً وإنما تجب ابتداءً, ونفقة الجد كانت لازمةً للأب فلا تنتقل إلى ولده, وكذلك نفقة الولد كانت لازمةً للأب فلا تنتقل إلى الجد.
فصل [10 - في النفقة على خادم زوجته والنفقة على الأخ] ومن المدونة: قال: ويلزم الزوج نفقة زوجته وخادمٌ واحدةً من خَدَمِها لا أكثر, قال: ولا تلزمه نفقة أخٍ ولا ذي رحمٍ منه. فصل [11 - في نفقة الأب على خادم ولده] قال مالك: وإذا كان للبكر خادمٌ ورثتها عن أمها ولا بد لها ممن يخدمها فعلى الأب أن ينفق على الأبنة, ولا تلزمه نفقة خادمها. قال ابن القاسم: ويقال للأب: إما أنفقت على الخادم أو بعتها. قال سحنون: لا يلزمه لها ولا للخادم نفقة, لأنها مليئة. وكذلك قال ابن المواز عن أشهب: أنه لا نفقة عليه لابنته, لأن لها خادماً, ويبيعها لينفق عليها, ويزكي زكاة الفطر عنها. قال ابن المواز: وإن كان الولد لا بد له ممن يخدمه فعلى الأب أن ينفق ويزكي عن الولد والخادم ويجبر على ذلك, وإن كان الولد غنياً عن الخادم فلا شيء على الأب إلا أنه ينفق ويزكِّي ويكتب ذلك عليه, فإذا باع استوفى, وإلى هذا رجع ابن القاسم وأشهب.
[الباب الرابع عشر] ما جاء في الحكمين
[الباب الرابع عشر] ما جاء في الحكمين قال الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء:35]. وبعث عثمان بن عفان رضي الله عنه ابن عباس ومعاوية رضي الله عنهما حكمين في قصة عقيل ابن أبي طالب وامرأته فاطمة بنت عُتبة بن ربيعة. وقال علي رضي الله عنه للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما, وإن رأيتما أن تفَّرقا فرَّقتما. وتفريقهما على وجه الحكم لا على وجه الوكالة خلافاً لأبي حنيفة والشافعي, لقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء:35] وذلك خطاب للأئمة والحكام دون الزوجين, ولأنه تعالى سمَّاهما حَكَمَين, وذلك يفيد تعلق الحكم بهما دون الوكالة.
ومن المدونة: قال مالك: وأحسن ما سمعت من أهل العلم أنه يجوز أمر الحكمين عليهما. قال: وبلغني أن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: إليهما أن يفرَّقا بينهما وأن يجمعا. قال مالك: وإنما يبعثهما الإمام إذا قَبُحَ ما بين الزوجين حتى/ يُجْهَلَ حقيقة أمرهما, ولا يثبت ذلك بالبينات, فيبعث الإمام حينئذٍ حكماً من أهله وحكماً من أهلها من أهل العدل والنظر, فإن لم يكن في أهلها من يراه لذلك أهلاً, أو لا أهل لهما بعث من غير الأهلين, وإذا وجد من الأهلين كان أولى لعلمهما بالأمر فإن استطاعا الصلح أصلحا بينهما وإلا فرَّقا بينهما, ثم يجوز فراقهما دون الإمام. قال: وللزوجين أن يرضيا ببعثهما دون الإمام, فإن جعلا ذلك إلى رجلٍ عدلٍ فحكم مضى ذلك عليهما, ولا يجوز في ذلك تحكيم عبدٍ أو صبيٍ أو مشركٍ أو سفيهٍ أو امرأةٍ ببعث الإمام أو ببعث الزوجين دونه أو من يليهما إن كانا في ولاية, لأن ذلك خارجً عمَّا أراد الله سبحانه من الإصلاح إلى الضرر, وهؤلاء لا يجوز منهم اثنان فكيف بواحد. وقد قال ربيعة: لا يبعث الحكمين إلا السلطان فكيف يُجّاز تحكيم المرأة والعبد والصبي والنصراني والمسخوط. ولو حكم الزوجان من ذكرنا أنه لا يحكم ففرق لم يمض ذلك ولا يكون ذلك طلاقا, لأن ذلك لم يكن على وجه تمليك الطلاق, ويدل على ذلك دخول الزوجة فيه بتحكميها, ولا مدخل للزوجة في تمليك الطلاق. ابن المواز: أما المسخوطان وهما غير ذوي عدلٍ فيمضي ما حكما كما لو قضي بشهادتهما ثم تبين ذلك لم يُرد.
ومن المدونة: وإذا كان أحد الزوجين أو كلاهما في ولايةٍ فذلك في بعث الحكمين إلى من يليهما دون العصبة. قال مالك: وإذا حكما بالفراق كانت بائنةً, حكما بأخذ مالٍ أو بغير مال, قال: ولا يفرِّقا بأكثر من واحدة. قال: فإن حكما بالفراق بغُرمٍ على المرأة لنفي الضرر عنها جاز, وإن حكما بغرمٍ على الزوج لم يجز. قال ربيعة: إن كان الظلم منه فرَّقا بغير شيء, وإن كان منهما أعطى الزوج على الفراق بعض الصداق, فإن كان الظلم منها خاصة جاز ما أخذ له منها. قال أبو عمران: قول ربيعة هذا إن كان الظلم منها أو منه أو منهما, وِفَاقً وليس بخلافٍ للمذهب إن تأوَّل أن بمعنى قوله: اضرَّ بها, أي في دعواها. قال الشيخ: وظاهر قوله: أن معنى قوله: أضرَّ بها, وثبت ذلك عليه لا بدعواها, وكأنه أجاز للحكمين أن يأخذا له منهما إن كان الضرر منها, وقد قال بعض شيوخ أفريقية: لا يجوز أن يخالع/ الرجل زوجته على أن يأخذ منها إذا كان الضرر من قِبَلِ الزوجين جميعا, وهو منصوصٌ لمن تقدم من علمائنا. قال: وليست كمسألة الحكمين إذا كان الضرر منهما جميعاً, لأن النظر هاهنا لغير الزوجين فيحكمان في ذلك بالاجتهاد, فإذا رأيا من النظر أن
يعطى بعض شيءٍ من مالها على أن تخرج من عصمته جاز ذلك, وأما إذا ابتدأ هو الخلع بشيءٍ يأخذه فلا يجوز له ذلك وقبله شيءٌ من الضرر. قال الشيخ: فدل قوله هذا أن الحكمين أن يعطيا الزوج شيئاً من مالها وإن كان الضرر من قِبَلِهمَا وعُرف ذلك وثبت, والله أعلم. وقال في كتاب ابن المواز: وإذا نَزَعَ أحد الزوجين أو هما جميعاً قبل حكم الحكمين فذلك لمن نزع إلا أن يكون السلطان هو الباعث, أو يكون نزوع من نزع بعد أن استوعبا الكشف عن أمرهما وعزما على الحكم بينهما, فلا نزوع لمن نزع في هذا ويلزمه. قال الشيخ: لعله يريد إذا نزع أحدهما في هذا, وأما لو نزعا جميعاً ورضيا بالاصطلاح والبقاء على الزوجية فينبغي ألا يفرَّق بينهما. قال الشيخ: إن قيل: لم جاز الزوجين أن يحكَّما رجلاً واحداً ولم يجز في جزاء الصيد إلا رجلان وقد ورد النص أن يكونا حكمين في الوجهين؟ فالجواب عن ذلك: أن الحكمين في جزاء الصيد إنما هما لحق الله تعالى لا حق للمحكوم عليه فيهما, فوجب اتباع النص في ذلك, وأما الزوجان فالحكم في ذلك إليهما, لأنهما الخصمان ولهما أن يدفعا ذلك بالاصطلاح, فلما كان الأمر إليهما جاز أن يرضيا بحكمين أو بحَكَم واحدٍ أو يصطلحا على أنفسهما ولا يحتاجان إلى حَكَم, ولأنه لما جاز لهما أن يجعلاهما من غير الأهلين والنص إنما ورد أن يكونا من الأهلين دل أن الأمر إليهما, وأن لهما أن يجعلا رجلاً واحداً كسائر المتحاكمين, فالأمر في ذلك مفترق.
قال ابن القاسم: فإن حكم أحدهما بالطلاق ولم يحكم الآخر, أو حكم أحدهما على مالٍ والآخر على غير مالٍ لم يلزم شيءٌ إلا باجتماعهما إلا أن ترضى الزوجة بالمال الذي قال أحدهما واجتمعا على الفراق فيلزم, وإن حكم أحدهم بواحدةٍ والآخر بائنتين, أو اجتمعا على واحدة, أو على الثلاث, أو حكما بلفظ ألبتة أو خليَّةٍ أو بريَّةٍ ونوى بها الحكمان ثلاثاً لم يلزم الزوج في ذلك كله إلا واحدةً بائنة, دخل بها أم لا, لأن ما زاد على الواحدة خارجٌ عن معنى الإصلاح. وروى عن ابن القاسم أن الثلاث تلزم إن اجتمعا عليها, وقاله أصبغ على حديث زُبْرَاء. ومن المدونة: وحكم التي لم يدخل بها في الحكمين حكم المدخول بها إلا أنهما لا يبطلان ما للزوج من الرجوع بنصف الصداق إن قبضته كما لا يفرِّقان على الأخذ منه, ولو حكما يأخذ الزوج منها جميع المهر على الفراق جاز ذلك. قال أبو محمد: وأكثر ما في باب الحكمين يذكر أنه لعبد الملك إلا ما ذكرت لمالكٍ فيه. والله المستعان وهو حسبي ونعم الوكيل تم كتاب الخلع بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله وسلَّم تسليماً كثيراً.
[الكتاب السابع] كتاب طلاق السنة والعدة
[الكتاب السابع] كتاب طلاق السنة والعدة [الباب الأول] في طلاق السنة والطلاق ثلاثاً أو في الحيض [فصل 1 - في أدلة طلاق السنة وصفته] قال الله تبارك وتعالى: {يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق:1] , وقرأ ابن عمر رضي الله عنهما: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِقَبْلِ ِعِدَّتِهِنَّ}.
فندب الله عز وجل من أراد أن يطلق زوجته أن يوقع الطلاق في حالٍ تعتد فيه, وهو حال الطهر لا حال الحيض, وأن يكون رجعياً لئلا يندم فلا يمكنه التلاقي. وقال تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق:1] فدلَّ بذلك أنه لا يجوز الطلاق في الحيض ولا الطلاق ثلاثاً, ودلَّنا الله عز وجل أن من طلق/ ثلاثاً عاصٍ ولزمه ذلك بقوله تعالى: {لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق:1] وهي الرجعة, فجعلها الله عز وجل فائتةً لمن أوقع الطلاق الثلاث في كلمةٍ واحدة, وألزمه ما أوقع, ونهى الرسول عليه الصلاة والسلام عنه إيقاع الثلاث في كلمة واحدة, وقد عاقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من طلق ألبته, وقد قال ابن عباس فيمن فعل: عصى الله فأندمه, وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا. وقال ابن عمر: عصى الله وخالف السنة, وذهبت منه امرأته. ونهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الطلاق في الحيض, وقال في طلاق ابن عمر امرأته في الحيض: «مُرْهُ فليراجعها» - وإنما الرجعة بعد لزوم الطلاق «ثم ليمسكها» فدل على أن معنى الإمساك غير المراجعة.
وقال القاضي عبد الوهاب: الطلاق في الحيض محرَّمٌ بالإجماع, ومن أوقعه فيه لزمه, خلافاً لمن قال: لا يلزمه, ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم لعمر في طلاق ابنه في الحيض: «مُرْهُ فليراجعها» , وفي حديث آخر أنه قال: أفتعتد بها؟ قال: نعم, وأن ابن عمر قال: يا رسول الله: أرأيت لو طلقتها ثلاثاً؟ قال: «إذا بانت منك وعصيت ربَّك». وفي هذه الأخبار أدلةٌ أخَر على المراجعة, ولا تكون إلا مع نفوذ الطلاق ووقوعه. والثاني قوله: أفتعتد بها؟ قال: «نعم» , وهذا نص. وقول ابن عمر: أرأيت لو طلقتها ثلاثاً؟ قال: «إذا بنت منك وعصيت ربك» وهذا نص. قال عبد الوهاب: لا خلاف أن من فرقَّ الثلاث أنها تلزمه, لقوله تبارك وتعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة:229] إلى قوله عز وجل: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة:230].
وكذلك عندنا أن من أوقعها في كلمةٍ فقد عصى ويلزمه, خلافاً لمن منع إيقاعه في كلمة, ودليلنا قوله عز وجل: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1] إلى قوله: {لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق:1] , فَنَدَبَنا إلى طلاق تُمَلك فيه الرجعة, لئلا نندم فلا يمكننا التلافي, وهذا يتضمن الوقوع. وحديث ابن عمر: قلت: أرأيت لو طلقتها ثلاثاً؟ قال: «إذاً تبين منك وتكون معصية». قال: وذهب الشافعي إلى أن إيقاع الثلاث في كلمةٍ مباح. ودليلنا عليه أنه عصيان: حديث ابن عمر هذا وما ندب الله عز وجل إليه من الطلاق الرجعي, وقال عز وجل: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق:1] , وروى محمود بن لبيد قال: أُجبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجلٍ طلق امرأته ثلاث تطليقاتٍ جميعاً فقام غضبان وقال: «يُلعبُ
بكتاب الله وأنا بين أظهُرِكُم» , ولأنه إجماع الصحابة, وروى عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وعِمران بن حُصين ولا مخالف لهم فيه. ومن المدونة: قال مالك: وطلاق السنة أن يطلق الرجل امرأته طلقةً في طهرٍ لم يمسَّ فيه وإن كان في آخر ساعةٍ منه, ولا يُتبعُها ذلك طلاقاً ثم يمهلها حتى تنقضي عدتها برؤية أول دم الحيضة الثالثة في الحرة والثانية في الأمة, فيتم للحرة ثلاثة أطهار وللأمة طُهران, وهي الأقراء التي ذكر الله عز وجل. قال أبو محمد وغيره: وإنما قلنا: أن يطلقها في طهر لم يمس فيه, لأنه إذا مسها فيه لبَّس عليها العدة, فلم تدرِ بما تعتد أبالوضع أو بالأقراء, لأنها قد تحمل فتعتد بالوضع, أو لا تحمل فتعتد بالإقراء/ فكَرِهَ له أن يَدخل اللَّبْس عليها. قال غيره: وفي حديث ابن عمران: «ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن يطلَّق لها
النساء». قال بعض مُتَّبعي مالك: وإنما قلنا: أن الأقراء هي الأطهار خلافاً لأبي حنيفة في أنها الحِيض, لأن القرء مذكَّر, ولو عنى به الحَيْضَ لقال: ثلاث قُرُوء' والقُرْء جمع الرحم للدم, ولا يجمعه إلا في الطهر, ومنه: قَرَيْتُ الضيف, أي جمعته إليك. قال الشاعر: (ذِرَاعَي حُرةٍ أدماء بِكْر ... هَجانِ اللَّون لم تَقْرَأ جِنَينا) قال عبد الوهاب: وفي قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة:228] الآية أدلةً على ذلك: أحدها: أن القراء اسمٌ يقع على الطهر والحَيض, والمراد أحدهما, فيجب إذا قعدت المرأة ثلاثة قروءٍ أن يطلقَ عليها الاسم وتَبينُ منه.
والثاني: أن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء. والثالث: أن جمعه بصيغة التذكير, لأن جمع المؤنث فيما دون العشرة بغير هاء, وذلك يفيد أن جمع قُروءٍ هو طُهْرٌ لا حَيْضَة. والرابع: أن إطلاق الأوامر والإخبار عن الوجوب على الفور, ولا يمكن ذلك إلا على ما نقوله من أن يطلقها, فتعتد عُقَيب الطلاق, ولا يمكن ذلك في الحيض. وقوله -عز وجل: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1] أي: في حالٍ يعتدن فيها, وعندهم أن حال الطهر ليست بحال عدة. وقوله في حديث ابن عمر: «مُرْهُ فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر, ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك فتلك العدة التي أمر الله أن يطلَّق لها النساء» , وهذا نص.
[فصل 2 - في الطلاق في طهر جامع فيه, وطلاق الثلاث] ومن المدونة: وكره مالك مالك أن يطلقها في طهر قد جامع فيه, فإن فعل لزمه وتعتد بذلك الطهر وإن لم يبق منه إلا يومً واحد, ولا يؤمر برجعتها. -قال الشيخ: لأنه مطلقٌ للعدة فلم يوجد فيه التطويل كما وُجِد فيمن طلق في الحيض- وكره أن يطلقها ثلاثاً في مجلسٍ واحد, أو في كل طُهرٍ طلقه, فإن فعل لزمه. قال أشهب: وقال ابن مسعود: إن أراد أن يطلق ثلاثاً فليطلقها في كل طهرٍ طلقة. قال أشهب في غير المدونة: لا بأس به ما لم يرتجعها في خلال ذلك وهو يريد أن يطلقها ثانية, فلا يسَعُه ذلك, لأنه يُطَوِّل العدة عليها ويضرُّ بها. قال الشيخ: فوجه كرا